Lafzullah

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — آل عمران 3:1 – النساء 4:171

المؤلف / المصدر: محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا (ت 1316هـ) — تحقيق: محمد أمين الضناوي · دار الكتب العلمية - بيروت · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-299)

المحتويات
  1. آل عمران 3:1
  2. آل عمران 3:11
  3. آل عمران 3:21
  4. آل عمران 3:31
  5. آل عمران 3:41
  6. آل عمران 3:51
  7. آل عمران 3:61
  8. آل عمران 3:71
  9. آل عمران 3:81
  10. آل عمران 3:91
  11. آل عمران 3:101
  12. آل عمران 3:111
  13. آل عمران 3:121
  14. آل عمران 3:131
  15. آل عمران 3:141
  16. آل عمران 3:151
  17. آل عمران 3:161
  18. آل عمران 3:171
  19. آل عمران 3:181
  20. آل عمران 3:191
  21. النساء 4:1
  22. النساء 4:11
  23. النساء 4:21
  24. النساء 4:31
  25. النساء 4:41
  26. النساء 4:51
  27. النساء 4:61
  28. النساء 4:71
  29. النساء 4:81
  30. النساء 4:91
  31. النساء 4:92
  32. النساء 4:101
  33. النساء 4:111
  34. النساء 4:121
  35. النساء 4:131
  36. النساء 4:141
  37. النساء 4:151
  38. النساء 4:161
  39. النساء 4:171

آل عمران 3:1

سورة آل عمران مدنية، مائتان آية، ثلاثة آلاف وخمسمائة وثلاث كلمات، أربعة عشر ألفا وتسعمائة وسبعة وثمانون حرفا الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ أي الذي لا يموت ولا يزول الْقَيُّومُ (٢) أي القائم بذاته والقائم بتدبير خلقه. قال الكلبي والربيع بن أنس، ومحمد بن إسحاق: نزلت هذه الآيات في شأن وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودخلوا المسجد حين صلّى العصر، عليهم ثياب الحبرات، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم: أحدهم: أميرهم واسمه عبد المسيح. والثاني: مشيرهم وذو رأيهم واسمه الأيهم. والثالث: حبرهم يقال له: أبو حارثة بن علقمة. فكلم الأيهم وعبد المسيح فقال لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أسلما» قالا قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاثة أشياء: إثباتكما لله ولدا، وعبادتكم للصليب، وأكلكما الخنزير». قالوا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه! وخاصموه صلّى الله عليه وسلّم في عيسى. فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟». قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟». قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟». قالوا: بلى. قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟». قالوا: لا. قال: «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟». قالوا: بلى. قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علمه الله؟». قالوا: لا. قال: «فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف يشاء فهل تعلمون ذلك؟» قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟». قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟» قالوا: بلى. قال: «وكيف يكون هذا كما زعمتم؟!» » . فسكتوا، فأنزل الله تعالى من ابتداء السورة إلى آية المباهلة تثبيتا لما احتج به النبي عليهم نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن. وقرئ قراءة شاذة بتخفيف نزل ورفع الكتاب بِالْحَقِّ أي بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره وفي وعده ووعيده، أو بالحجج المحققة أنه من عند الله تعالى، أو بالقول الفصل وليس بالهزل ولا بالمعاني الفاسدة المتناقضة. مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي لما تقدمه من الكتب السالفة في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيه الله تعالى عما لا يليق بشأنه تعالى وفي الأمر بالعدل والإحسان، وفي أنباء الأنبياء والأمم الخالية وفي بعض الشرائع. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ جملة على موسى بن عمران، وَالْإِنْجِيلَ (٣) جملة على عيسى ابن مريم مِنْ قَبْلُ أي من قبل تنزيل القرآن هُدىً لِلنَّاسِ أي حال كونهما هاديين من الضلالة، أو أنزل هذه الكتب الثلاثة لهداية الناس وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ قيل: المراد الزبور فإنه مشتمل على المواعظ الداعية إلى الخير، الزاجرة عن الشر، الفارقة بين الحق والباطل، ثم المختار عند الفخر الرازي أن المراد من الفرقان هو المعجزات التي قرنها تعالى بإنزال هذه الكتب الثلاثة لأنه لما أظهر الله تعالى تلك المعجزات على وفق دعوى الرسل حصلت المفارقة بين دعوى الصادق ودعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي القرآن وغيره كوفد بني نجران ونحوهم بأن كذبوا بالآيات الناطقة بالتوحيد والتنزيه المبشّرة بنزول القرآن ومبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بسبب كفرهم بها وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب لا يغلب ذُو انْتِقامٍ (٤) أي عقوبة عظيمة. فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلا للعقاب. فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ قصيرا أو طويلا، حسنا أو قبيحا، ذكرا أو أنثى، سعيدا أو شقيا. وهذه الآية واردة في الرد على النصارى. وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى بأمرين: بالعلم والقدرة. فإن عيسى كان يخبر عن الغيوب فيقول لهذا: أنت أكلت في دارك كذا، وصنعت في دارك كذا. وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، ثم إنه تعالى استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ فالإله يجب أن يكون حيا قيوما، وعيسى لم يكن كذلك. فيلزم القطع بأنه لم يكن إلها. ولما قالوا: إن عيسى أخبر عن الغيوب فوجب أن يكون إلها، فرد الله عليهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ. والمعنى لا يلزم من كونه عالما ببعض المغيبات أن يكون إلها (١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٢: ٣). لاحتمال أنه علم ذلك بتعليم الله تعالى له ذلك. ولما قالوا: إن عيسى كان يحيي الموتى فوجب أن يكون إلها، فرد الله عليهم بقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ. والمعنى إن حصول الإحياء على وفق قوله عليه السلام في بعض الصور لا يدل على كونه إلها لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهارا لمعجزته وإكراما له. ولما قالوا: يا أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أن عيسى لم يكن له أب من البشر فوجب أن يكون ابنا لله، فأجاب الله تعالى عن ذلك أيضا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ فإن هذا التصوير لما كان من الله تعالى فإن شاء صوّر من نطفة الأب، وإن شاء صوّره ابتداء من غير أب. ولما قالوا للرسول صلّى الله عليه وسلّم: ألست تقول: إن عيسى روح الله وكلمته؟ فهذا يدل على أنه ابن الله! فأجاب الله عن ذلك بأن هذا اللفظ من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل وذلك هو المراد بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فظهر بذلك المذكور أن قوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ إشارة إلى أن عيسى ليس بالإله ولا ابن الإله. وأما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم. وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ جواب عن تمسكهم بقدرة عيسى على الإحياء ونحوه. لأنه لو قدر على الإحياء لقدر على الإماتة، ولو قدر على الإماتة لأمات اليهود الذين قتلوه- وعلى زعم النصارى- فثبت أن حصول الإحياء في بعض الصور لا يدل على كونه إلها، وهو جواب أيضا عن تمسكهم بأن من لم يكن له أب من البشر وجب أن يكون ابنا لله، فكأنه تعالى يقول كيف يكون عيسى ولد الله وقد صوّره في الرحم والمصوّر لا يكون أبا للمصوّر. وأما قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ إلى آخر الآيات فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن: أن عيسى روح الله وكلمته، ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم أعاد كلمة التوحيد زجرا لسائر النصارى عن قولهم بالتثليث فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم وهذا تثبيت لما تقدم من أن علم عيسى ببعض الغيوب وقدرته على الإحياء في بعض الصور لا يكفي في كونه إلها. فإن الإله لا بدّ وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز وكامل العلم وهو الحكيم. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ أي محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال، قطعية الدلالة على المعنى المراد. هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصل في الكتاب وعمدة ترد إليها آيات متشابهات. ومثال المتشابه قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ [الإسراء: ١٦]. فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا والمحكم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف: ٢٨] ردا على الكفار فيما حكى عنهم وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها والآية المتشابهة قوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]. والآية المحكمة قوله تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. [مريم: ٦٤] وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أي وآيات أخر محتملات لمعان متشابهة لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهرة إلا بنظر دقيق وتأمل أنيق فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي فيتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي طلب الفتنة في الدين- وهي الضلال عنه- فإنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفا لبعض، وذلك يفضي إلى الهرج والتقاتل وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي وطلب تأويل المتشابه على ما ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان، والمنصف يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة: أحدها: ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية فذلك هو المحكم حقا. وثانيها: الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره. وثالثها: الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فيكون من حقه التوقف فيه، ويكون ذلك متشابها، بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أي وما يعلم تأويل المتشابه حقيقة إلا الله وحده. ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يمكن لأحد جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير يعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ أي بالكتاب كُلٌّ أي كل واحد من المحكم والمتشابه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا والراسخ في العلم: هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، وعرف أنه تعالى لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا رأى شيئا متشابها ودل الدليل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره، ثم فوض تعيين ذلك المراد إلى علمه تعالى وقطع بأن ذلك المعنى على أي شيء كان فهو الحق والصواب، لأنه علم أن ذلك المتشابه لا بدّ وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا أي وما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة الخالصة عن الركون إلى الأهواء الزائفة- وهذا مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر- وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول ويوافق اللغة والإعراب، ومن تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحرا في علم الأصول وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله تعالى. ولما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات والمتشابهات تضرعوا إلى الله تعالى بقولهم: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أي لا تمل قلوبنا عن دينك بعد إذ هديتنا لدينك أو يقال: يا ربنا لا تجعل

آل عمران 3:11

قلوبنا مائلة إلى الباطل بعد أن تجعلها مائلة إلى الحق وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أي نور الإيمان والتوحيد والمعرفة في القلب، ونور الطاعة والعبودية والخدمة في الأعضاء، وسهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية في الدنيا، وسهولة سكرات الموت عند الموت، وسهولة السؤال والظلمة في القبر وغفران السيئات وترجيح الحسنات في القيامة. إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) لكل مطلوب فإن هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إليّ لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك وغاية جودك ورحمتك. وكان صلّى الله عليه وسلّم يقول: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» «١». رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ أي يا ربنا إنك تجمع الناس للجزاء في يوم لا شك في وقوعه فجازنا فيه أحسن الجزاء إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) أي الوعد وهذا من بقية كلام الراسخين في العلم، وذلك لأنهم لما طلبوا من ربهم أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية وأنواع الرحمة فكأنهم قالوا: ليس غرضنا من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقرضة وإنما غرضنا الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ونعلم أن وعدك بالجزاء والحساب، والميزان والصراط والجنة والنار لا يكون خلفا، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد، ومن أعطيته الهداية والرحمة بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ أي إن الذين كفروا ككعب بن الأشرف وأصحابه وأبي جهل وأصحابه لن تنفعهم كثرة أموالهم وكثرة أولادهم. مِنَ اللَّهِ أي من عذاب الله أو عند الله شَيْئاً. وقيل: إن المراد بهؤلاء وفد نجران. وذلك لأن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه كرز: إني لأعلم أن محمدا رسول الله حقا وهو النبي الذي كنا ننتظره، ولكنني إن أظهرت إيماني بمحمد أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال الكثير والجاه، فالله تعالى بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عذاب الله في الدنيا والآخرة. نعم إن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ وَأُولئِكَ المتصفون بالكفر هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) أي حطب النار الذي تسعر به كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ أي شأن هؤلاء في تكذيب محمد صلّى الله عليه وسلّم كشأن آل فرعون في التكذيب بموسى وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من مكذبي الرسل كقوم هود وقوم صالح كَذَّبُوا بِآياتِنا وهي المعجزات. ومتى كذبوا بها فقد كذبوا بالأنبياء بلا شك فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي عاقبهم الله بتكذيبهم المعجزات الدالة على صدق الرسل. وإنما استعمل الأخذ في العقاب لأن من ينزل به العقاب يصير كالمأسور المأخوذ لا يقدر على التخلص وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) وعن سعيد بن جبير وعكرمة (١) رواه الترمذي في كتاب القدر، باب: ٧، وابن ماجة في المقدّمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، وأحمد في (م ٢/ ص ٤). عن ابن عباس رضي الله عنهم: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما غزا قريشا في بدر ورجع إلى المدينة جمع يهود بني قينقاع في سوق بني قينقاع وقال: «يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا يوم بدر فقد عرفتم أني نبيّ مرسل تجدون ذلك في كتابكم» «١». فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك إن قتلت نفرا من قريش أغمارا لا يعرفون القتال لو قاتلتنا لعرفت فأنزل الله تعالى قوله هذا : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هم يهود بني قينقاع سَتُغْلَبُونَ عن قريب في الدنيا وقد صدق الله تعالى وعده بقتل بني قريظة، فقد قتل منهم النبي صلّى الله عليه وسلّم في يوم واحد ستمائة جمعهم في سوق بني قينقاع، وأمر السياف بضرب أعناقهم، وأمر بحفر حفيرة ورميهم فيها. وبإجلاء بني النضير، وفتح خبير، وضرب الجزية على أهلها. وبالأسر على بعض كل. وَتُحْشَرُونَ في الآخرة إِلى جَهَنَّمَ دلت الآية على حصول البعث في يوم القيامة والنشر والحشر وعلى أن مرد الكافرين النار وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) أي الفراش جهنم. وقرأ حمزة والكسائي بالغيبة في الفعلين أي بلغهم أنهم سيغلبون ويحشرون. والباقون بالخطاب أي قل لهم في خطابك إياهم ستغلبون وتحشرون. والفرق بينهما أنه على الخطاب يكون الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الغيبة تكون بلفظه. قَدْ كانَ لَكُمْ أيها اليهود آيَةٌ أي علامة لنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم فِي فِئَتَيْنِ أي فرقتين الْتَقَتا بالقتال يوم بدر فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله وهم محمد صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، بين كل أربعة منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن السيوف ثمانية، ومن الخيل فرسان للمقداد بن عمر ولمرثد بن أبي مرثد. وَأُخْرى كافِرَةٌ أي وجماعة أخرى كافرة بالله والرسول وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، وقادوا مائة فرس، وكانت معهم من الإبل سبعمائة، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وكان في الرجال دروع سوى ذلك يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ أي يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفا، وعشرين رأيا ظاهرا عيانا بالعين. في ذلك أنه تعالى كثّر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم. قال ابن عباس: يرون أنفسهم مثلي أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم. وقرأ نافع وأبان عن عاصم من السبعة، ويعقوب ترونهم بالخطاب. والمعنى ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة ومع ذلك غلبهم المؤمنون مع قلتهم جدا. فيكون هذا أبلغ في إكرام المؤمنين وعناية الله بهم وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ أي يقوي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ ولو بدون الأسباب العادلة إِنَّ فِي ذلِكَ أي في (١) رواه أبو داود في كتاب الخراج والفيء، باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة. نصرة الله لمحمد يوم بدر. ويقال: - أي في رؤية القليل كثيرا- من غلبة القليل العديم العدة على الكثير الشاكي السلاح لَعِبْرَةً أي لعظة عظيمة لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) أي لذوي العقول ووجه نظم هذه الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: سَتُغْلَبُونَ نزلت في شأن اليهود وأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا: لسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال، بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال كل من ينازعنا. فالله تعالى قال لهم: إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدد والعدة فإنكم ستغلبون. ثم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك القول فقال: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا. ثم قيل: روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلّى الله عليه وسلّم في قوله، إلا أنه لا يقر بذلك خوفا من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه. وأيضا روينا أنه صلّى الله عليه وسلّم لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح، فبيّن الله تعالى أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة وأن الآخرة خير وأبقى فقال: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ أي الأشياء المشتهيات مِنَ النِّساءِ وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم وَالْبَنِينَ ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى، خصّه الله تعالى بالذكر، ووجه التمتع بهم من حيث السرور بهم وغير ذلك. وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ والقنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة. والقنطار واحد والقناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة. ومعنى القناطير المقنطرة أي الأموال المجموعة والأموال المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير وإنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ أي المطهمة الحسان بأن تكون غرا محجلة وَالْأَنْعامِ وهي الإبل والبقر والغنم وَالْحَرْثِ أي المزروع ذلِكَ أي جميع ما سبق مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي منفعة للناس في الدنيا ثم تفنى. وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) أي المرجع في الآخرة، وهو الجنة. قُلْ يا أشرف الخلق للكفار أو للناس عامة- وهو أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بتفصيل ما أجمل أولا- في قوله تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ أي زينة الدنيا لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أي تبتلوا إلى الله تعالى وأعرضوا عما سواه فلا تشغلهم الزينة عن طاعة الله تعالى عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي عند ربهم بساتين تطرد من تحت شجرها ومساكنها أنهار الخمر والعسل واللبن والماء. خالِدِينَ فِيها أي مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها. وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ أي مهذبة من الحيض والنفاس والبصاق، والمني وتشويه الخلقة، وسوء العشرة والأخلاق الذميمة. وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ ورضا ربهم أكبر مما هم فيه من النعيم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) أي بأحوال الذين اتقوا ثم وصفهم بقوله: الَّذِينَ يَقُولُونَ في الدنيا رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا بك وبرسولك فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي استرها وتجاوز عنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) أي ادفع عنا ذلك الصَّابِرِينَ على أداء فرائض الله واجتناب معاصيه وعلى المرازي وَالصَّادِقِينَ في أيمانهم وأقوالهم ونياتهم. وَالْقانِتِينَ أي المواظبين على العبادات. وَالْمُنْفِقِينَ أموالهم في سبيل الله وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) أي في أواخر الليل بأيّ صيغة كانت. وقيل: أي المصلين التطوع فيها، وأعظم الطاعات قدرا أمران: أحدهما: الخدمة بالمال وإليه الإشارة بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الشفقة على خلق الله» والإشارة بقوله تعالى هنا: وَالْمُنْفِقِينَ. وثانيهما: الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «التعظيم لأمر الله» . والإشارة بقوله تعالى هنا: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ. شَهِدَ اللَّهُ أي بيّن لخلقه بالدلائل السمعية والآيات العقلية أَنَّهُ لا إِلهَ أي لا مستحقا للعبودية موجود إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ وهم الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة إذا كان الإخبار مقرونا بالعلم، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد» «١» وهذا يدل على أن الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا لعلماء الأصول. فشهادة الله تعالى على توحيده. هو أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده وشهادة الملائكة وأولي العلم هي إقرارهم بتوحيده تعالى. قائِماً بِالْقِسْطِ أي مقيما للعدل في جميع أموره، وهذا بيان لكماله تعالى في أفعاله بعد بيان كماله في ذاته. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) فالعزة في الملك تلائم الوحدانية. والحكمة في الصنع تلائم القيام بالقسط. قال الكلبي قدم حبران من أحبار الشام على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالا له: أنت محمد؟ قال: «نعم». قالا له: وأنت أحمد؟ قال: «أنا محمد وأحمد». قالا: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك. فقال لهما: «سلا» «٢». قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأسلم الرجلان . وفي المدارك: من قرأها عند منامه وقال بعدها: أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي عنده وديعة، يقول الله يوم القيامة: إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ فلا دين مرضيا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتدرع بالشريعة الشريفة التي عليها (١) رواه الزيلعي في نصب الراية (٤: ٨٢)، والعجلوني في كشف الخفاء (٢: ٩٣). (٢) رواه التبريزي في مشكاة المصابيح (٥٧٧٧)، والبخاري في التاريخ الصغير (١: ١٥)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٢١٦٧)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١: ٦٥). الرسل عليهم السلام. نزلت هذه الآية لما ادّعت اليهود أنه لا دين أفضل من اليهودية، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية فرد الله عليهم ذلك وقال: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ. وقرأ الكسائي بفتح همزة «أن» وهو إما بدل من أنه بدل كان من كل إن فسر الإسلام بالتوحيد نفسه أي بالإيمان بكونه تعالى واحدا. وبدل كل من بعض إن فسر الإسلام بالشريعة، فإنها تشتمل على التوحيد والعدل ونحوهما. أو معطوف على أنه بحذف حرف العطف، أو مبني على أن شهد واقع على أن الدين إما بإجراء أنه على التعليل، والتقدير شهد الله لأجل أنه لا إله إلا هو: إِنَّ الدِّينَ الآية. أو بإجرائه على قراءة ابن عباس وهو بكسره على جعل جملة «أنه» اعتراضا وعلى أن الدين من باب تقديم وتأخير، والتقدير شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، وشهد بذلك الملائكة والنبيون والمؤمنون، أو بإجراء «شهد» مجرى قال، مع جعل «إن الدين» معمولا للحكيم، بإسقاط الجار، أي الحكيم بإن الدين. أما جعله بدل اشتمال من أنه فممتنع بذلك التفسير لأنه صار البدل أشمل من المبدل منه، ولأن شرط بدل الاشتمال أن يكون المخاطب منتظرا للبدل عند سماع المبدل منه وهنا ليس كذلك. ولا سيما أن هنا فصلا بين البدل والمبدل منه بأجنبي وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي أعطوا التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى في دين الإسلام وأنكروا نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش- لأنهم أميون- ونحن أهل الكتاب. إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ أي لأجل الحسد الكائن بينهم وطلب الرياسة لا لشبهة وخفاء في الأمر وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ الناطقة بأن الدين عند الله هو الإسلام بأن لم يعمل بمقتضاها فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) أي فإن الله يجازيه على كفره عن قريب، فإنه يأتي حسابه عن قريب. فَإِنْ حَاجُّوكَ أي خاصمك اليهود والنصارى في أن الدين عند الله الإسلام بعد قيام الحجة عليهم فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ أي أخلصت نفسي أو عملي لِلَّهِ لا أشرك به في ذلك غيره وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على التاء في أسلمت أي وأسلم من اتبعني أو مفعول معه وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ أي الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب: أَأَسْلَمْتُمْ أي فهل أسلمتم بعد أن أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام أم أنتم على الكفر؟ روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما قرأ هذه الآية على أهل الكتاب قالوا: أسلمنا. فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله؟». فقالوا: معاذ الله. وقال صلّى الله عليه وسلّم للنصارى: «أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟». فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدا . فَإِنْ أَسْلَمُوا كما أسلمتم فَقَدِ اهْتَدَوْا للفوز والنجاة في الآخرة وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإسلام والاتباع لدينك لم يضروك شيئا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلّغت ما جاءك

آل عمران 3:21

عن الله فقد أديت ما عليك وليس عليك قبولهم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) أي عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن فيجازي كلا منهم بعمله إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي بالقرآن وبمحمد صلّى الله عليه وسلّم وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ أي بلا جرم وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أي فأعلمهم بعذاب وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم. روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: قلت يا رسول الله أيّ الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر» ثم قرأ هذه الآية ثم قال: «يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم» «١». قال الحسن: هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف تلى منزلته في العظم منزلة الأنبياء. وروي أن رجلا قام إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أيّ الجهاد أفضل؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» «٢» أُولئِكَ المتصفون بالصفات القبيحة الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي بطلت محاسن أعمالهم في الدارين أما بطلانها في الدنيا فبإبدال المدح بالذم، والثناء باللعن وبما ينزل بهم من القتل والسبي وأخذ المال منهم غنيمة، والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من الذل الظاهر فيهم. وأما بطلانها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) من عذاب الله في إحدى الدارين أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أي حظا من علم التوراة- وهم العلماء- منهم النعمان بن عمرو والحرث بن زيد. كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس. يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ أي التوراة لِيَحْكُمَ أي كتاب الله بَيْنَهُمْ. وقرئ «ليحكم» على البناء للمفعول ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي يعرض طائفة منهم بنو قريظة والنضير من أهل خيبر عن الحكم وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) أي مكذبون بذلك. روي عن ابن عباس أن رجلا وامرأة من اليهود زنيا في خيبر وكانا ذوي شرف، وكان في (١) رواه أحمد في (م ١/ ص ٤٠٧). (٢) رواه أبو داود في كتاب الملاحم، باب: الأمر والنهي، والترمذي في كتاب الفتن، باب: ١٣، وابن ماجة في كتاب الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحمد في (م ٥/ ص ٣٤٧). كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم، فرجعوا في أمرهما إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، فحكم عليهما بالرجم. فقال له النعمان ابن أوفى وعدي بن عمرو: جرت علينا يا محمد ليس عليهما الرجم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم فمن أعلمكم بالتوراة؟» قالوا: عبد الله بن صوريا الفدكي فأتوا به وأحضروا التوراة فقال له: «اقرأ» فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقال ابن سلام: قد جاوز موضعها يا رسول الله. فرفع كفه عنها، ثم قرأ على رسول الله وعلى اليهود أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت حبلى تتربص حتى تضع ما في بطنها فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم باليهوديين فرجما، فغضبت اليهود لذلك غضبا شديدا وانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية . ذلِكَ أي التولي والإعراض بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ أي لن تصيبنا في الآخرة إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أي سبعة أيام وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ أي في ثيابهم على دينهم اليهودية ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) من قولهم ذلك وما أشبهه فَكَيْفَ صنعهم إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ أي في يوم لا شك في مجيئه وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ برة وفاجرة ما كَسَبَتْ أي جزاء ما عملت من ثواب أو عقاب وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) فلا ينقص أحد من ثواب الطاعات ولا يزاد على عقاب السيئات قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ. روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين فتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم. فقال المنافقون- منهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول- واليهود هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم أولم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم فنزلت هذه الآية. وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم لما خط الخندق في عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليخبره، فذهب إليه، فجاء رسول الله وأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها- أي المدينة- كأنه مصباح في جوف ليل مظلم فكبّر، وكبّر المسلمون، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «أضاء لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب» ثم ضرب الثانية فقال: «أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم»، ثم ضرب الثالثة فقال: «أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا» «١». فقال المنافقون: ألا تعجبون من نبيكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الخوف فنزلت هذه الآية. (١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٥: ١٨٦). وروي أنها نزلت في شأن قريش لقولهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كسرى ينام على فرش الديباج فإن كنت نبيا فأين ملكك؟ تُؤْتِي الْمُلْكَ أي تعطي الملك في الدنيا مَنْ تَشاءُ من خلقك وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ منهم إما بالموت أو إزالة العقل، أو إزالة القوى والحواس، أو بورود التلف على الأموال أو بسلب الملك وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بالإيمان والحق وبالأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وبإلقاء الهيبة في قلوب الخلق. وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بالكفر والباطل بِيَدِكَ الْخَيْرُ أي بقدرتك العز والذل والغنيمة والنصرة إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من ذلك قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ أي تدخل بعض الليل فِي النَّهارِ فيكون النهار أطول من الليل وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي تدخل بعض النهار في الليل فيكون الليل أطول من النهار وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ أي تخرج النسمة من النطفة، والدجاجة من البيضة، والسنبلة من الحبة، والطيّب من الخبيث كالتوبة من الذنب، والمؤمن من الكافر كسيدنا عكرمة من أبي جهل. فالمسلم حي الفؤاد والكافر ميت الفؤاد وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ أي تخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطير، والحب اليابس من النبات الحي، والخبيث من الطيب كالعجب من العبادة، والكافر من المؤمن ككنعان من سيدنا نوح عليه السلام وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) أي بلا تكلف ولا ضيق. قال أبو العباس المقري: ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجه: بمعنى التعب: قال تعالى: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. وبمعنى العدد: قال تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠]. وبمعنى المطالبة: قال تعالى: فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ص: ٣٩] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أي لا يوال المؤمنون الكافرين لا استقلالا ولا اشتراكا مع المؤمنين وإنما الجائز لهم قصر الموالاة والمحبة على المؤمنين بأن يوالي بعضهم بعضا فقط. واعلم أن كون المؤمن مواليا للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون راضيا بكفره ويتولاه لأجله. وهذا ممنوع لأن الرضا بالكفر كفر. وثانيها: المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر. وذلك غير ممنوع. وثالثها: الركون إلى الكفار والمعونة والنصرة إما بسبب القرابة أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه وذلك يخرجه عن الإسلام فهذا هو الذي هدد الله فيه بقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي الموالاة مع الكافرين بالاستقلال أو بالاشتراك مع المؤمنين فَلَيْسَ أي الموالي مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي ليس من ولاية الله في شيء يطلق عليه اسم الولاية إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي لا تتخذوا الكافرين أولياء ظاهرا، أو باطنا في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم

آل عمران 3:31

من جهتهم اتقاء. والمعنى أن الله نهى المؤمنين عن مداهنة الكفار إلا أن يكون الكفار غالبين، أو يكون المؤمن في قوم كفار فيداهنهم بلسانه مطمئنا قلبه بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما، أو غير ذلك من المحرمات ومن غير أن يظهر الكفار على عورة المسلمين. والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع صحة النية. روي عن الحسن أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان. قال الحسن: أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، نعم، نعم. فقال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فتركه. ودعا الآخر فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أني رسول الله؟ فقال إني أصم ثلاثا فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئا له وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه» . وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي ذاته المقدسة في التقية عن دم الحرام، وفرج الحرام، ومال الحرام، وشرب الخمر، وشهادة الزور، والشرك بالله وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) أي المرجع فاحذروه ولا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه. والمعنى إن الله يحذركم عقابه عند مصيركم إلى الله قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أي ما في قلوبكم من البغض والعداوة لمحمد صلّى الله عليه وسلّم أَوْ تُبْدُوهُ أي تظهروه بالشتم له والطعن والحرب يَعْلَمْهُ اللَّهُ أي يحفظه الله عليكم فيجازيكم به وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخير والشر والسر والعلانية وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أهل السموات والأرض وثوابهم وعقابهم قَدِيرٌ (٢٩) نزلت هذه الآية في حق المنافقين واليهود يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً أي مكتوبا في ديوانها وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ أي من قبيح تجده مكتوبا في ديوانها تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً أي والذي عملته نفس من سوء تتمنى تباعدا ما بين النفس وبين السوء مكانا بعيدا- كما بين المشرق والمغرب- لو أن بينها وبينه أجلا طويلا من مطلع الشمس إلى مغربها لفرحت بذلك. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ عند المعصية ذكر الله تعالى هذا أولا: للمنع من موالاة الكافرين. وثانيا: للحث على عمل الخير والمنع من عمل الشر وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) أي المؤمنين، أي كما هو منتقم من الفساق فهو رؤوف بالمطيعين والمحسنين قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي أي فاتبعوا ديني فإنكم إذا اتبعتم ديني فقد أطعتم الله فالله تعالى يحب كل من أطاعه يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي إن اتبعتم شريعتي يرض الله عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما سلف من ذنوبكم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) لمن يتحبب إليه بطاعته. نزلت هذه الآية في حق اليهود لقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه. وقال الضحاك عن ابن عباس: وقف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: «يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل». فقالت قريش: إنما نعبدها حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى، فنزلت هذه الآية. وقيل: إن نصارى نجران قالوا: إنما نعظم المسيح حبا لله، فنزلت هذه الآية. ولما نزلت قال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى المسيح. وقالت اليهود: يريد محمد أن نتخذه ربا حنّانا كما اتخذت النصارى عيسى حنّانا فأنزل الله بسبب قولهم قوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ أي في جميع الأوامر والنواهي. أي إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا كما تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولا من عند الله فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن طاعتهما فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢) أي اليهود والمنافقين الذين ألقوا شبهة في الدين. فلما نزلت هذه الآية قالت اليهود: نحن على دين آدم مسلمين فأنزل الله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ إسماعيل وإسحاق، والأنبياء من أولادهما الذين من جملتهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وَآلَ عِمْرانَ موسى وهارون. وقيل: عيسى وأمه. حكاه الكرماني ورجحه ابن عساكر والسهيلي. عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) أي على أهل رمان كل واحد منهم بالإسلام وبالخصال الحميدة ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أي اصطفى الآلين حال كونهم ذرية متسلسلة متشعبة البعض من البعض في النسب. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوال العباد عَلِيمٌ (٣٤) بضمائرهم وأفعالهم وإنما يصطفى من خلقه من يعلم استقامته قولا وفعلا. ويقال: والله سميع لمقالة اليهود نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران فنحن أبناء الله وأحباؤه وعلى دينه. ولمقالة النصارى المسيح ابن الله عليم بعقوبتهم. واذكر يا محمد إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ حنة بنت فاقوذا أم مريم حين شاخت وكانت يوما في ظل شجرة فرأت طائرا يطعم فرخا، فتحركت نفسها للولد، فدعت ربها أن يهب لها ولدا، فحملت بمريم ومات عمران، فلما عرفت بالحمل قالت يا رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ أن أجعل لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً أي عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله ومخلصا للعبادة وخادما لمن يدرس الكتاب ويعلم في مسجد بيت المقدس فَتَقَبَّلْ مِنِّي أي خذ مني ما نذرته على وجه الرضا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لتضرعي ودعائي وندائي. الْعَلِيمُ (٣٥) بما في ضميري وقلبي ونيتي. فَلَمَّا وَضَعَتْها أي ولدت المنذورة التي في بطنها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أي ما في بطني أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ. قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «وضعت» بضم التاء على حكاية كلامها، وإنما قالت ذلك للاعتذار ولإزالة الشبهة التي في قولها: «إني وضعتها أنثى»، فإنها خافت أن يظن بذلك القول أنها تخبر الله تعالى. وقرأ الباقون بسكون التاء أي إنه تعالى قال: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لولدها وتجهيلا لها بقدر ذلك الولد. والمعنى والله أعلم بأن الذي ولدته وإن كان أنثى أحسن وأفضل من الذكر، وهي غافلة عن ذلك، فلذلك تحسرت. وقرأ ابن عباس: «والله أعلم بما وضعت» على خطاب الله لها، أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم بما فيه من العجائب والآيات، ثم قال تعالى حكاية عن قولها: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى أي وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله. وهذا الكلام يدل على أن حنة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله، عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه. ويحتمل أن هذه الجملة محض كلامه تعالى. والمعنى ليس الذي طلبته كالأنثى التي ولدتها بل هي خير منه وإن لم تصلح للسدانة فإن فيها مزايا أخر لا توجد في الذكر. وَإِنِّي سَمَّيْتُها أي هذه البنت مَرْيَمَ أرادت حنة بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا فإن مريم في لغتهم العابدة في لغة العرب. وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) أي وأني ألجئ مريم وذريتها إلى رحمتك وعصمتك، وألصق نفسها وأولادها بفضلك ورحمتك من الشيطان اللعين فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ بأن اختص الله تعالى مريم بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل أنثى قبلها أو بأن أخذها الله من أمها عقب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وقالت: خذوا هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم الأعظم في العلم والصلاح، فقال زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندي. فقالت الأحبار: لا تقل ذلك فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها ولكنا نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين إلى نهر حار في حلب يقال له: قرمق فألقوا فيها أقلامهم التي كانوا يكتبون التوراة بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح، وعلى كل قلم اسم صاحبه، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات ففي كل مرة يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً أي رباها الله بما يصلحها في جميع أحوالها وغذاها بالسنين والشهور والأيام غذاء حسنا وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أي جعله الله مربيا لها وضامنا لمصالحها، وقائما بتدبير أمورها ولما أخذها بنى لها غرفة في المسجد، وجعل بابها في وسطه لا يرقى إليه إلا بالسلم ولا يصعد إليها غيره، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها. كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا وهو من ذرية سليمان بن داود الْمِحْرابَ أي الغرفة وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً أي فاكهة الشتاء في الصيف مثل القصب، وفاكهة الصيف في الشتاء مثل العنب ولم ترضع ثديا قط بل يأتيها رزقها من الجنة. قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا أي من أين لك هذا الرزق الآتي في غير حينه الذي لا يشبه أرزاق الدنيا والأبواب مغلقة عليك قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أتاني به جبريل من الجنة فتكلمت وهي صغيرة في المهد، كما تكلم ولدها عيسى عليه السلام وهو صغير في المهد. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) أي بغير تقدير لكثرة الرزق من غير مسألة في حينه وفي غير حينه هُنالِكَ أي في ذلك المكان الذي كان قاعدا فيه عند مريم وشاهد تلك الكرامات، أو في ذلك الوقت الذي رأى

آل عمران 3:41

فيه خوارق العادات عندها دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ في مناجاته في جوف الليل رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً أي رب أعطني من محض قدرتك من غير وسط معتاد ولدا مباركا تقيا صالحا كهبتك لحنة- العجوز العاقر- مريم إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) أي مجيب الدعاء فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ أي جبريل كما أخرجه ابن جرير عن السدي وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أي في الموضع العالي الشريف في المسجد أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بولد يسمى بِيَحْيى. قرأ ابن عامر وحمزة «إن» بكسر الهمزة. والباقون بالفتح مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بعيسى ابن مريم. ومعنى كونه كلمة من الله كونه مخلوقا بلا أب. قال ابن عباس: إن يحيى كان أكبر سنا من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن وصدّق بأنه كلمة الله، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى بمدة يسيرة وَسَيِّداً أي رئيسا للمؤمنين في العلم والحلم والعبادة والورع. قال ابن عباس: أي حليما عن الجهل. وقال مجاهد: أي كريما على الله وَحَصُوراً أي مانعا من النساء للعفة والزهد لا للعجز وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) أي من المرسلين قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي قال زكريا لجبريل: يا سيدي من أين يكون لي ولد وقد أدركني كبر السن وَامْرَأَتِي عاقِرٌ أي عقيم لا تلد؟. قال ابن عباس: كان زكريا يوم بشّر بالولد ابن مائة وعشرين سنة وكانت امرأته إيشاع بنت فاقوذ بنت تسعين وثمان قالَ أي جبريل: كَذلِكَ أي الأمر كما قلت لك من خلق ولد منكما وأنتما على حالكما من الكبر اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) من الأفاعيل الخارقة للعادة قالَ أي زكريا: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة في حبل امرأتي. قالَ أي الله تعالى: آيَتُكَ أي علامتك في حبل امرأتك أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي أن لا تقدر على تكليمهم من غير خرس ثَلاثَةَ أَيَّامٍ متوالية بلياليها إِلَّا رَمْزاً أي إلا تحريكا بالشفتين والحاجبين والعينين واليدين وَاذْكُرْ رَبَّكَ باللسان والقلب في مدة الحبسة عن كلام الدنيا مع الخلق شكر الله تعالى على هذه النعمة كَثِيراً أي ذكرا كثيرا على كل حال وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) أي صل عشيا وغدو كما كنت تصلي وَاذكر إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ أي جبريل لمريم مشافهة: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ بتفرغك لعبادته وتخصيصك بأنواع اللطف والهداية، والعصمة والكفاية في أمر المعيشة وسماع كلام جبريل شفاها وَطَهَّرَكِ من المعصية ومسيس الرجال ومن الأفعال الذميمة ومن مقالة اليهود وتهمتهم. ويقال: أنجاك من القتل وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) بولادة عيسى من غير أب ونطقه حال انفصاله من مريم حتى شهد ببراءتها عن التهمة. روي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «حسبك من نساء العالمين أربع: مريم، وآسية امرأة فرعون، وخديجة، وفاطمة عليهن السلام» «١». يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ أي دومي على طاعته بأنواع الطاعات شكرا لذلك. ويقال: أطيلي القيام في الصلاة شكرا لربك وَاسْجُدِي أي صلي منفردة وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أي صلي مع أهل الصلاة في بيت المقدس- فإن اقتداء النساء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء- قال المفسرون: لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات على مريم شفاها قامت مريم في الصلاة ورمت قدماها وسال الدم والقيح من فمها. ذلِكَ الذي مضى ذكره من حديث حنة ومريم وزكريا مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي من أخبار الغائب عنك يا محمد نُوحِيهِ إِلَيْكَ أي نرسل جبريل بإلقاء الغائب إليك وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ أي عند الذين تنازعوا في تربية مريم إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ التي كانوا يكتبون بها الكتب في جري الماء ليعلموا أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ أي أيّ أحدهم يربي مريم. وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) أي وما كنت هناك إذ يتقارعون تربية مريم وإذ يختصمون بسببها إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ أي جبريل: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أي بولد يكون مخلوقا بكلمة من الله أي من غير واسطة الأسباب العادية فإن عيسى من كل علوق وإن وجد بكلمة كن لكنه بواسطة أب اسْمُهُ أي الولد الْمَسِيحُ سمي بالمسيح لأنه يسيح في البلدان ولأنه ما مسح بيده ذا عاهة إلا برىء من مرضه. عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وإنما نسبه الله تعالى إلى الأم إعلاما لها بأنه محدث بغير الأب، فكان ذلك سببا لزيادة فضله وعلو درجته. وَجِيهاً أي ذا جاه وشرف فِي الدُّنْيا بالنبوة وبإحياء الموتى وبإبراء الأكمه والأبرص بسبب دعائه وَالْآخِرَةِ بجعله شفيع أمته وبقبول شفاعته فيهم، وبعلو درجته عند الله تعالى وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) إلى الله في جنة عدن وهذا الوصف كالتنبيه على أن عيسى سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ أي في حجر أمه وهو ابن أربعين يوما بقوله: إني عبد الله وَكَهْلًا أي بعد ثلاثين سنة أي أن عيسى يكلم الناس مرة واحدة في حجر أمه لإظهار طهارة أمه من الفاحشة، ثم عند الكهولة يتكلم بالنبوة وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) أي من المرسلين. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ أي قالت مريم لجبريل: يا سيدي من أين يكون لي ولد وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ بالحلال ولا بالحرام- لأن المحررة لا تتزوج أبدا كالذكر المحرر- قالَ أي جبريل: كَذلِكِ أي الأمر كما قلت لك من خلق ولد منك بلا أب اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً أي إذا أراد خلق شيء فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ لا غير فَيَكُونُ (٤٧) من غير ريث فنفخ جبريل في جيب درعها فوصل نفسه إلى فرجها فدخل رحمها فحملت منه وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ. قرأ نافع وعاصم «يعلمه» بالياء معطوف على الحال وهي قوله: «وجيها» - فكأن جبريل (١) رواه أحمد في (م ٣/ ص ١٣٥). قال: وجيها ومعلما- أو على يبشرك. والباقون و «نعلمه» بالنون معمول لقول محذوف من كلام الملك تقديره «وجيها»، ومقولا فيه نعلمه أو أن الله يبشرك بعيسى ويقول نعلمه كتب الأنبياء والكتابة أي الخط. وَالْحِكْمَةَ أي العلم المقترن بالعمل وتهذيب الأخلاق وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وخصا بالذكر لفضلهما وَنبعثه رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي أي كلهم. وقيل: هو معطوف على الأحوال السابقة كأنه قيل: حال كونه وجيها ورسولا. وقرئ ورسول بالجر عطفا على كلمة والمعتمد عند الجمهور أن عيسى إنما نبىء على رأس الأربعين وأنه عاش في الأرض قبل رفعه مائة وعشرين سنة وهو آخر أنبياء بني إسرائيل كما أن أولهم يوسف بن يعقوب أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بفتح الهمزة مجرور بالياء المقدرة التي للملابسة المتعلقة بمحذوف حال من رسول المقدر لما فيه من معنى النطق والتقدير، فلما جاءهم قال لهم: إني رسول الله فيكم ملتبسا بأني قد جئتكم بِآيَةٍ أي بعلامة على صدقي في الرسالة مِنْ رَبِّكُمْ قالوا: وما هي؟ قال: هي أَنِّي أَخْلُقُ أي أصوّر لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي شيئا مثل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ أي في فم ذلك المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ أي فيصير طَيْراً حيا يطير بين السماء والأرض بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره تعالى. فطلبوه بخلق الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا وأبلغ دلالة على القدرة لأن له نابا وأسنانا ويضحك كما يضحك الإنسان، ويطير بغير ريش ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين ساعة بعد المغرب وساعة بعد طلوع الفجر، والأنثى منه لها ثدي وتحيض وتطهر وتلد، فلما صور لهم خفاشا قالوا: هذا سحر فهل عندك غيره؟ قال: نعم وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ بالدعاء أي وأصحح الذي ولد أعمى أو الممسوح العينين وَالْأَبْرَصَ وهو الذي في جلده بياض شديد فلما فعل ذلك قالوا: هذا سحر فهل عندك غيره؟ قال: نعم وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ أي بالاسم الأعظم وهو «يا حي يا قيوم» فأحيا أربعة أنفس: أحيا عازرا بعد موته بثلاثة أيام حتى عاش وولد له. وأحيا ابن العجوز وهو ميت محمول على السرير فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله وعاش وولد له. وأحيا بنت العاشر- أي الذي يأخذ العشور من الناس- بعد يوم من موتها فعاشت وولد لها، فقالوا: لعيسى: إنك تحيي من كان قريب العهد من الموت فلعلهم لم يموتوا حقيقة بل أصابهم سكتة فأحي لنا سام بن نوح وهو قد مضى من موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقام على قبره فدعا الله باسمه الأعظم فقام من قبره وقال للقوم: صدقوه فإنه نبي الله ومات في الحال فآمن به بعضهم وكذبه آخرون فقالوا: هذا سحر فهل عندك غيره؟ قال: نعم وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ غدوة وعشية وَما تَدَّخِرُونَ أي ترفعون من غداء لعشاء ومن عشاء لغداء فِي بُيُوتِكُمْ مما لم أعاينه إِنَّ فِي ذلِكَ أي في ما قلت لكم من هذه الخمسة لَآيَةً أي لمعجزة قوية دالة على صحة رسالتي دلالة واضحة لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) أي مصدقين انتفعتم بها وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ أي لما قبلي مِنَ التَّوْراةِ وبين موسى وعيسى

آل عمران 3:51

ألف سنة وتسعمائة سنة وخمس وسبعون سنة. «ومصدقا» معطوف على «رسولا» وَجئتكم لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ في شريعة موسى عليه السلام من الشحوم والثروب للبقر والغنم، ولحوم الإبل ومما لا صيصية له من السمك والطير، ومن العمل في يوم السبت وهذا لا يقدح في كونه مصدقا للتوراة لأن النسخ تخصيص في الأزمان وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهدة على صحة رسالتي. وقرئ بآيات فَاتَّقُوا اللَّهَ في عدم قبولها وَأَطِيعُونِ (٥٠) فيما آمركم به وأنهاكم عنه عن الله تعالى إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ وإنما أظهر سيدنا عيسى الخضوع، وأقر بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولوا: إنه إله وابن إله لأن إقراره بالعبودية لله يمنع مما تدعيه جهال النصارى عليه فَاعْبُدُوهُ أي لازموا طاعته التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، أي لما كان الله تعالى رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ إشارة إلى أن استكمال القوة النظرية بالتوحيد. وقوله: فَاعْبُدُوهُ إشارة إلى أن استكمال القوة العملية بالطاعة هذا أي الجمع بين التوحيد والعبادة صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) أي دين قائم يرضاه الله تعالى- وهو الإسلام- ونظير قوله صلّى الله عليه وسلّم: «قل آمنت بالله ثم استقم» «١» لرجل قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ أي فلما سمع عيسى بأذنه من بني إسرائيل تكرار الكفر وطلبوا قتله لأنهم كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشّر به في التوراة وأنه ينسخ دينهم. قالَ لأصفياء أصحابه: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي من أنصاري حال التجائي إلى الله؟ ويقال: من أعواني؟ - مع الله على أعدائه- قالَ الْحَوارِيُّونَ أي القصارون أي الذين يبيضون الثياب نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي نحن أعوانك مع الله على أعدائه. قيل: كانوا تسعة وعشرين. سمي منهم قطرس ويعقوب ولحيس وإيدارانيس، وقيلس وابن تلما، ومتنا وبوقاس ويعقوب بن حليفا، وبداوسيس، وقياسا، وبودس وكدمابوطا، وسرجس وهو الذي ألقى عليه شبهه. أخرج ذلك ابن جرير عن ابن إسحاق. وقيل: كان الحواريون اثني عشر رجلا آمنوا بعيسى عليه السلام واتبعوه وكانوا إذا جاعوا قالوا: جعنا يا روح الله فيضرب بيده الأرض فيخرج منها لكل واحد رغيفان. وإذا عطشوا قالوا: عطشنا، فيضرب بيده الأرض فيخرج منها الماء فيشربون. فقالوا: من أفضل منا؟ قال عليه السلام: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه. فصاروا يغسلون الثياب بالأجرة، فسموا حواريين، أي إن اليهود لما طلبوا عيسى عليه السلام للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم: آمَنَّا بِاللَّهِ فهذا استئناف يجري مجرى العلة لما قبله. (١) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب: ٦٢، وأحمد في (م ٣/ ص ٤١٣). والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله لأجل أننا آمنا بالله فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أولياء الله والمحاربة مع أعدائه وَاشْهَدْ يا سيدنا عيسى بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) أي مقرون بالعبادة والتوحيد لله. وذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم وإشهاد لله أيضا على أنفسهم بذلك. فلما أشهدوا عيسى على إيمانهم وإسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى وقالوا: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ من الكتاب أي الإنجيل وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ أي دين رسول الله عيسى فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق. وقال ابن عباس: فاكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه أو فاكتبنا مع محمد وأمته لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة وَمَكَرُوا أي أراد اليهود قتل عيسى وَمَكَرَ اللَّهُ أي أراد الله قتل صاحبهم تطيانوس. وقيل: مكرهم بعيسى همهم بقتله، ومكر الله تعالى بهم رفع عيسى إلى السماء. وذلك أن يهودا ملك اليهود أراد قتل عيسى عليه السلام، وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتا فيه روزنة، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقي شبهه على غيره فأخذ وصلب. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) أي أقوى المريدين ويقال: أفضل الصانعين. روي عن ابن عباس أن ملك بني إسرائيل اسمه يهوذا لما قصد قتل عيسى أمره جبريل أن يدخل بيتا فيه روزنة فرفعه جبريل من تلك الروزنة إلى السماء فقال الملك لرجل خبيث منهم يقال له تطيانوس: ادخل عليه فاقتله. فدخل البيت فلم ير عيسى فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه، فخرج يخبرهم أنه ليس في البيت، فقتلوه وصلبوه ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟! فوقع بينهم قتال عظيم إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أي مستوفي أجلك المسمى وعاصمك من أن يقتلك الكفار وَرافِعُكَ إِلَيَّ من الأرض إلى محل كرامتي وإلى محل ثوابك وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بك أي منجيك منهم وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ أي الذين آمنوا بأنك عبد الله ورسوله والذين صدقوا بنبوتك وادعوا محبتك كالنصارى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وهم اليهود بالحجة والسيف، والقهر والسلطان، والاستعلاء والنصرة إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فإن ملك اليهود قد ذهب فلم تبق لهم قلعة ولا سلطان، ولا شوكة في جميع الأرض بل يكونون مقهورين أين ما كانوا بالذلة والمسكنة، وملك النصارى باق قائم إلى قريب من قيام الساعة فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود. وذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد رفع عيسى عليه السلام إلى السماء فشمسوهم وعذبوهم فبلغ ذلك ملك الروم، وكان ملك اليهود من رعيته. ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام فأخبروه فتابعهم على دينهم وأنزل المصلوب فغيّبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا عظيما ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم، وكان اسم هذا الملك طباريس وهو قد صار نصرانيا إلا أنه لم يظهر ذلك ثم جاء بعده ملك آخر يقال له ملطيس، وغزا بيت المقدس بعد رفع عيسى عليه السلام بمقدار أربعين سنة ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجرا على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح وقصد قتله. ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ بالموت والخطاب لعيسى ومن آمن معه ومن كفر به فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) أي تخاصمون في الدين فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسوله فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي والجزية والذلة وَالْآخِرَةِ بالنار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) أي مانعين من عذاب الله في الدنيا والآخرة وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالله والكتاب وبنبوة عيسى وبنبوة محمد وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فيما بينهم وبين ربهم فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ أي فيوفرهم أجورهم وأعمالهم في الجنة وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) أي لا يريد إيصال الخير إلى المشركين. وقرأ حفص عن عاصم «فيوفيهم» بالياء والفاعل راجع إلى الله. والباقون بالنون ذلِكَ أي خبر عيسى نَتْلُوهُ عَلَيْكَ أي ننزل عليك جبريل به مِنَ الْآياتِ أي من آيات القرآن أو من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) أي الذي ينطق بالحكمة أو المحكم فإن القرآن ممنوع من تطرق الخلل إليه. وروي أنه حضر وفد نجران على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا وتسبه فقال: «من هو؟» قالوا: عيسى. قال: «وما أقول» قالوا: تقول إنه عبد، قال: «أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول». فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب ومن لا أب له فهو ابن الله ثم خرجوا من عنده صلّى الله عليه وسلّم فجاء جبريل فقال: قل لهم إذا أتوك إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ أي إن صفة تخلق عيسى في تقدير الله وحكمه بلا أب كَمَثَلِ آدَمَ أي كصفة قالب آدم خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ بلا أب وأم ثُمَّ قالَ لَهُ أي لآدم كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) أي نفخ فيه الروح. وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب فكان ولدا بلا أب، فإذا كان آدم كذلك ولم يكن ابنا لله فكذلك عيسى فمن لم يقر بأن الله خلق عيسى من غير أب مع إقراره بخلق آدم بغير أب وأم فهو خارج عن طور العقلاء. وأيضا إذا جاز أن يخلق الله آدم من التراب فجواز خلق الله تعالى عيسى من دم مريم من باب أولى فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب إلى العقل من تولده من التراب اليابس. الْحَقُّ أي الذي أنزل عليك من خبر عيسى أنه لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه هو مِنْ رَبِّكَ والباطل من النصارى واليهود فالنصارى قالوا: إن مريم ولدت

آل عمران 3:61

إلها رموا مريم بالإفك ونسبوها إلى يوسف النجار فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) أي من الشاكين فيما بينت لك من تخليق عيسى بلا أب، والخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم تحريكا له لزيادة ثباته على اليقين ولكل سامع لينزع عما يورث الامتراء، ثم ذكر الله تعالى خصومة وفد نجران مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد ما بين لهم إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم فقالوا: ليس كما تقول: إن عيسى لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه فقال الله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ أي خاصمك من نصارى نجران فِيهِ أي في شأن عيسى مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من الدلائل الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا أي نخرج بأنفسنا وَأَنْفُسَكُمْ أي اخرجوا بأنفسكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نجتهد في الدعاء ونخلصه أو نلاعن بيننا وبينكم فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ فيما بيننا عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) على الله في حق عيسى وهم من يقولون: إن عيسى ابن الله أو أنه إله. روي أنه صلّى الله عليه وسلّم لما ذكر الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم» فقالوا يا أبا القاسم: حتى نرجع فننظر في أمرنا، ثم نأتيك غدا فلما رجعوا إلى قومهم قالوا للعاقب- وكان ذا رأيهم-: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى إن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا الإقامة عفى دينكم والإصرار على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد خرج من بيته إلى المسجد، وعليه مرط من شعر أسود، محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها رضي الله عنهم أجمعين وهو يقول لهؤلاء الأربعة: «إذا دعوت فأمنوا». فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها ولو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا، ثم قالوا يا أبا القاسم: رأينا أنا لا نباهلك وأن نثبت على ديننا فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين». فأبوا، فقال: «إني أناجزكم القتال» فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة. ألفا في صفر وألفا في رجب. وثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح فصالحهم رسول الله على ذلك . إِنَّ هذا الذي ذكرت من الدلائل التي دلت على أن عيسى لم يكن الله ولا ولده، ولا شريكه، ومن الدعاء إلى المباهلة مع وفد نجران لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ دون أكاذيب النصارى وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ بلا شريك ولا ولد ولا زوجة وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ أي الغالب الذي لا يمنع القادر على جميع المقدورات الْحَكِيمُ (٦٢) أي العالم بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور فذكر العزيز الحكيم هاهنا إشارة إلى الجواب عن النصارى في الشبهتين لعيسى القدرة على الإحياء ونحوه وأخبار الغيوب فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) أي فإن أبوا عن قبول الحق وأعرضوا عما وصفت من أن الله هو الواحد، وأنه يجب أن يكون عالما قادرا على جميع المقدورات عالما بالنهايات، محيطا بالمعلومات مع اعترافهم بأن عيسى لم يكن كذلك ومع قولهم: إن اليهود قتلوه فاعلم أن آباءهم وأعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم وفوّض أمرهم إلى الله، فإن الله عليم بفساد المفسدين، مطّلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة، قادر على مجازاتهم قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ نزلت هذه الآية في شأن نصارى نجران كما قاله ابن عباس: وذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما ذكر على نصارى نجران أنواع الدلائل أولا، ثم دعاهم إلى المباهلة ثانيا، فخافوا وقبلوا الصغار بأداء الجزية، وقد كان صلّى الله عليه وسلّم حريصا على إيمانهم فعدل إلى رعاية الإنصاف وترك المجادلة. فكأنه تعالى قال: يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد كل عقل سليم وطبع مستقيم إنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ أي يا معشر النصارى تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا البعض لا ميل فيه لأحد على صاحبه. وقيل: نزلت في حق يهود المدينة. وقيل: نزلت في شأن الفريقين وذلك لما قدم وفد نجران المدينة والتقوا مع اليهود، واختصموا في دين إبراهيم فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وأنهم على دينه، وأولى الناس به. وقالت اليهود: بل كان يهوديا ونحن على دينه وأولى الناس به. فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه. بل كان إبراهيم حنيفا مسلما وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام» «١» فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى. وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير. فأنزل الله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أي يا معشر اليهود والنصارى: هلموا إلى قصة عادلة مستقيمة بيننا وبينكم لا يختلف فيها الرسل والكتب فإذا آمنا نحن وأنتم بها كنا على السواء والاستقامة، ثم فسر الكلمة بقوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ أي أن نوحده بالعبادة ونمحضه بها وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً أي ولا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة ولا نعتقده أهلا لأن يعبد وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أي لا يطيع أحد منا أحدا من الرؤساء في معصية الله تعالى وفيما أحدثوا من التحريم والتحليل، ولا نقول عزير بن الله ولا المسيح بن الله لأنهما بشران مثلنا فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أبوا إلا الإصرار على الشرك فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) أي فأظهر أنت والمؤمنون بأنكم على هذا الدين وقولوا: اعترفوا بأنا مقرون بالتوحيد والعبادة لله تعالى دونكم فقد لزمتكم الحجة فوجب (١) رواه القرطبي في التفسير (٤: ١٢٧). عليكم أن تعترفوا بذلك، وبأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام. يا أَهْلَ الْكِتابِ أي يا معشر اليهود والنصارى لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ أي لم تخاصمون في دين إبراهيم ولم تدّعون أن إبراهيم عليه السلام كان منكم وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ على موسى وَالْإِنْجِيلُ على عيسى إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد إبراهيم بزمن طويل، إذ كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة. وبين موسى وعيسى ألفا سنة. وبعد نزول التوراة حدثت اليهودية، وبعد نزول الإنجيل حدثت النصرانية أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) أي أتدعون أن إبراهيم منكم فلا تعقلون بطلان ادعائكم ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ أي ها أنتم يا هؤلاء اليهود والنصارى خاصمتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ في كتابكم أن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وأن محمدا نبي مرسل وهو موجود في كتابكم بنعته فأنكرتم ذلك فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ في كتابكم لأنه ليس لدين إبراهيم ذكر في كتابكم أصلا، ولم تدّعون أن شريعة إبراهيم مخالفة لشريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم وَاللَّهُ يَعْلَمُ كيف كانت حال هذه الشرائع في المخالفة والموافقة وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) كيفية تلك الأحوال ثم بيّن الله تعالى ذلك مفصلا وكذبهم فيما ادعوه من موافقة إبراهيم لهما فقال: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا أي ليس إبراهيم على دين اليهود ولا على دين النصارى وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً أي مائلا عن الأديان الباطلة كلها مُسْلِماً أي على ملة التوحيد لا على ملة الإسلام الحادثة وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) وهذا تعريض بكون اليهود والنصارى مشركين بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله، ورد على المشركين في ادعائهم أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ أي إن أقرب الناس إلى دين إبراهيم وأخصهم به لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في زمانه وَهذَا النَّبِيُّ محمد وَالَّذِينَ آمَنُوا بمحمد فهم الذين يليق أن يقولوا نحن على دينه لأن غالب شرع محمد موافق لشرع إبراهيم أي إن أحق الناس بدين إبراهيم فريقان: أحدهما: من اتبعه من أمته. وثانيهما: النبي وسائر المؤمنين من أصحابه صلّى الله عليه وسلّم وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) أي ناصرهم وحافظهم ومكرمهم، ثم ذكر دعوة كعب بن الأشرف وأصحابه لأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معاذ وحذيفة وعمار بعد يوم أحد إلى دينهم اليهودية عن دين الإسلام فقال: وَدَّتْ طائِفَةٌ أي تمنت مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ أي أن يضلوكم عن دينكم الإسلام وَما يُضِلُّونَ عن دين الله إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين وهم صاروا خائبين حيث اعتقدوا شيئا ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوّروه وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) إن هذا نصرهم لأن العذاب يضاعف لهم بسبب ضلالهم وتمنى إضلال المسلمين. يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وهي الواردة في التوراة والإنجيل من البشارة بمحمد صلّى الله عليه وسلّم والإخبار بأن الدين هو الإسلام وبأن إبراهيم كان حنيفا مسلما وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) صحتها إذا خلا بعضهم من بعض، وتنكرون اشتمال التوراة والإنجيل

آل عمران 3:71

على الآيات الدالة على نبوة محمد عند حضور عوامكم وعند حضور المسلمين. أو المعنى لم تكفرون بالقرآن فإنكم تنكرون عند العوام كونه معجزا وأنتم تشهدون بقلوبكم وعقولكم كونه معجزا يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ أي لم تخلطون المنزل من التوراة بالمحرف من عندكم كما نقل عن الحسن وابن زين أو لم تشككون الناس بإظهار الإسلام بالتواضع أول النهار، ثم بالرجوع عنه في آخر النهار كما نقل عن ابن عباس وقتادة. وقرئ «تلبسون» بتشديد الباء. وقرأ يحيى بن وثاب «يلبسون» بفتح الياء أي تكتسون الحق مع الباطل وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي الآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) أنكم إنما تفعلون ذلك عنادا وحسدا وتعلمون أن عقاب من يفعل مثل هذه الأفعال عظيم أي أنتم أرباب العلم والمعرفة. وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هم اثنا عشر حبرا من أحبار يهود خيبر لسفلتهم منهم عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد والحرث وكعب وأصحابه من الرؤساء آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد أي آمنوا ببعض القرآن أي بالقبلة التي صلى إليها محمد وأصحابه وَجْهَ النَّهارِ أي أوله. وهو صلاة الفجر. وَاكْفُرُوا بالقبلة الأخرى التي وصلوا إليها آخِرَهُ صلاة الظهر فإنه صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة، ففرح اليهود بذلك وطمعوا أن يكون منهم. فلما حوّله الله تعالى إلى الكعبة عند صلاة الظهر شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف لأصحابهما: آمنوا بالذي أنزل على محمد في شأن القبلة وصلوا إليها أول النهار، ثم ارجعوا إلى قبلتكم وصلوا إلى الصخرة آخر النهار لَعَلَّهُمْ أي أصحابه العوام يَرْجِعُونَ (٧٢) عن دينه وقبلته وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أي ولا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم فإن مقصود كل واحد حفظ أتباعه على متابعته أي غرضهم بالإتيان بذلك التلبيس إبقاء أتباعهم على دينهم. أو المعنى لا تصدقوا بالنبوة إلا من وافق دينكم اليهودية وقبلتكم بيت المقدس فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أي إن الدين دين الله وهو الإسلام، والقبلة قبلة الله وهي الكعبة. أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ وهذا من جملة كلام الله تعالى فلا تنكروا يا معشر اليهود أن يعطى أحد سواكم من الدين والقبلة مثل ما أعطيتموه أو أن يحاجج المسلمون إياكم بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم. وقرأ ابن كثير أن «يؤتى» بهمزتين مع قصر الأولى، وتسهيل الثانية على الاستفهام الذي للإنكار والتوبيخ. والمعنى أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع ينكرون اتباعه. وهذا الوجه مروي عن مجاهد وعيسى بن عمر، وغاية ما في هذا الباب أنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار مادة الإنكار لأن عليه دليلا وهو قوله تعالى: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ فإنه لما كان الهدى هدى الله كان له تعالى أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان الأمر كذلك لزم ترك الإنكار قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بالرسالة والنبوة والإسلام وقبلة إبراهيم بِيَدِ اللَّهِ فإنه مالك له يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ أي يعطيه محمدا وأصحابه والله تعالى حكى عن اليهود أمرين: أحدهما: أنهم آمنوا وجه النهار وكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام، فأجاب الله عن ذلك بقوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أي أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر. وثانيهما: أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكم والنبوة فأجاب الله عن ذلك بقوله: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ أي كامل القدرة فيقدر أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء عَلِيمٌ (٧٣) أي كامل العلم فلا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ التي بلغت في الشرف وعلو المرتبة إلى أن تكون أعلى وأجل من أن تقاس من النبوة والرسالة والدين مَنْ يَشاءُ محمدا وأصحابه وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) فلا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي اليهود مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ بغير تعب كعبد الله بن سلام وأصحابه وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ بل يستحله إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً أي مطالبا مخاصما ككعب بن الأشرف وأصحابه. قال ابن عباس: أودع رجل قرشي عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه. وأودع قرشي آخر فنحاص بن عازوراء فخانه، فنزلت هذه الآية. تنبيه: معنى الباء إلصاق الأمانة كما، أن معنى على في قولك أمنته على كذا، استعلاء الأمانة، فمن ائتمن على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به، وصار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي ذلك الاستحلال والخيانة مستحق بسبب أنهم يقولون: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل. أي قدرة على المطالبة والإلزام فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد، فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا. أو المعنى ليس علينا في أخذ أموال العرب سبيل أي إثم فإنهم قالوا: أموال العرب حلال لنا لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم في كتابنا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم. وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) أي إنهم قالوا: إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش بَلى على اليهود في العرب سبيل وهذا رد على اليهود ولكن مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ فيما بينه وبين الله أو بينه وبين الناس وَاتَّقى عن نقض العهد بالخيانة وترك الأمانة فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦). وهذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد وذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معا لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق فهو شفقة على خلق الله وذلك أمر الله. فالوفاء بالعهد تعظيم لأمر الوفاء كما يكون في حق الغير يكون في حق النفس، فالوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات. إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ أي من جميع ما أمر الله به ومما يلزم الشخص نفسه وَأَيْمانِهِمْ وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إثبات ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا أُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات القبيحة لا خَلاقَ أي لا نصيب لَهُمْ فِي خير الْآخِرَةِ ونعيمها وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ أي يشتد غضب الله عليهم وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بالإحسان والرحمة يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) أي وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم. نزلت هذه الآية في حق عبدان بن الأشوع، وامرئ القيس اختصما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أرض فتوجهت اليمين على امرئ القيس فقال: أنظرني إلى الغد. ثم جاء في الغد وأقر له بالأرض. وقيل: نزلت في شأن الأشعث بن قيس كان بينه وبين رجل خصومة في أرض وبئر اختصما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال للرجل: «أقم بيّنتك». فقال: ليس لي بيّنة، فقال للأشعث: «فعليك باليمين» «١». فهمّ الأشعث باليمين. فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم، واعترف بالحق وهذا قول ابن جريج . وقيل: نزلت في شأن كعب بن الأشرف ويحيى بن أخطب، وأبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق بدلوا نعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في التوراة وأخذوا الرشوة على ذلك وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا- كما قاله عكرمة- أو كتبوا بأيديهم كتابا في ادعائهم أنه ليس علينا في الأميين سبيل وحلفوا أنه من عند الله- كما قاله الحسن- وهذه الآية دلت على أنها نزلت في أقوام حلفوا بالأيمان الكاذبة فتحمل على جميع الروايات. وَإِنَّ مِنْهُمْ أي من اليهود لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ أي طائفة يحرّفون اللفظة الدالة على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم من التوراة- حركات الإعراب- تحريفا يتغير به المعنى. وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب، وأبو ياسر وشعبة بن عمير لِتَحْسَبُوهُ. وقرئ شاذة بالياء مِنَ الْكِتابِ أي لكي يظن السفلة أو المسلمون أن المحرف من التوراة وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ أي والحال أن المحرف ليس من التوراة في نفس الأمر وفي اعتقادهم وَيَقُولُونَ هُوَ أي المحرف مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي موجود في كتب سائر الأنبياء مثل شعياء وأرخياء وحيفوف وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فالأغمار الجاهلون بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة، والأذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى (١) رواه الطبري في التفسير (٣: ٢٣٠). [.....] عليهم السلام. وعلم من هذا التفسير المغايرة بين اللفظين فإنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب وتارة بالسنة، وتارة بالإجماع، وتارة بالقياس والكل من عند الله وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) أي يتعمدون ذلك الكذب مع العلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف وغيّروا التوراة، وكتبوا كتابا بدّلوا فيه صفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم أخذت قريظة ما كتبوا فخلطوه بالكتاب الذي عندهم. ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ أي ما أمكن وما صح لأحد من الأنبياء كعيسى ومحمد أن يعطيه الله الكتاب أي التوراة أو القرآن والفهم لذلك الكتاب والنبوة، ثم يقول ذلك البشر المشرف بالصفات الثلاثة للناس كونوا عبادا كائنين لي متجاوزين الله إشراكا أو إفرادا. قال مقاتل والضحاك: نزلت هذه الآية في شأن نصارى نجران حيث يقولون: إن عيسى عليه السلام أمرنا أن نتخذه ربا. وقال ابن عباس: لما قالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله نزلت هذه الآية. وقال أيضا- في مقالتهم-: نحن على دين إبراهيم وأمرنا هو بهذا الدين. وقال ابن عباس وعطاء: إن أبا رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أتريد أن نعبدك ونتّخذك ربا؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني الله ولا بذلك أمرني» «١». فنزلت هذه الآية. وقيل: قال رجل يا رسول الله: نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله». فنزلت هذه الآية وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي ولكن يقول ذلك البشر الذي رفعه الله إلى أعلا المراتب كونوا علماء عاملين بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ. قرأ عبد الله ابن كثير وأبو عمرو ونافع بفتح التاء وسكون العين. والباقون بضم التاء وفتح العين وكسر اللام مشددة. أي تعلمون الناس من الكتاب وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) أي وبسبب كونكم تقرؤون من الكتاب وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً. قرأ عاصم وحمزة وابن عامر «يأمركم» بفتح الراء، والفاعل ضمير يعود على البشر و «لا» مزيدة لتأكيد معنى النفي، أي ما كان لبشر أن يجعله الله نبيا، ثم يأمر الناس بعبادة نفسه أو باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا. وقرأ الباقون برفع الراء على سبيل الاستئناف، كما يدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ: «ولن يأمركم» والفاعل حينئذ ضمير يعود على «الله» - كما قاله (١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٧: ١٩٣).

آل عمران 3:81

الزجاج- أو إلى محمد- كما قاله ابن جريج- أو إلى عيسى، أو إلى كل نبي من الأنبياء كما قيل بكل أي ولا يأمركم يا معشر قريش واليهود والنصارى بأن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا كما اتخذت الصابئة وقريش: الملائكة، واليهود: عزيرا والنصارى: المسيح أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ أي كيف أمركم ذلك البشر والله تعالى بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وهذا استفهام إنكاري وهو خطاب للمؤمنين على طريق التعجيب من حال غيرهم. ويقال: بعد إذ أمركم بالإسلام وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ أي أعطيناكم. قرأ نافع «آتيناكم» بالنون على التفخيم ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ. وقرأ الجمهور «لما» بفتح اللام. وقرأ حمزة بكسر اللام. وقرأ سعيد ابن جبير «لما» مشددة. أما القراءة بالفتح ف «لما» وجهان «ما» هو اسم موصول مرفوع بالابتداء وخبره قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وإما هو متضمن لمعنى الشرط ف «اللام» في قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي المتلقية للقسم أما اللام في «لما» هي لام تحذف تارة وتذكر أخرى ولا يتفاوت المعنى وهذا اختيار سيبويه والمازني والزجاج. وقال أبو السعود واللام في «لما» موطئة للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستخلاف، و «ما» تحتمل الشرطية. و «لتؤمنن» ساد مسد جواب القسم والشرط وتحتمل الخبرية، وأما القراءة بكسر اللام فلأنها للتعليل، وإما مصدرية أو موصول. وأما قراءة «لما» بالتشديد فإما هي بمعنى حين أو لمن أجل ما، على أن أصله لمن ما، وأما معنى «وإذ أخذ الله» فقال ابن جرير الطبري: واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين. وقال الزجاج: واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله ميثاق النبيين. والمقصود بهذه الآية أن الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين خاصة قبل أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده أن يصدق بعضهم بعضا وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء، وينصره إن أدركه، وإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس. وقيل: إنما أخذ الله الميثاق من النبيين في أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم بأن يبين بعضهم لبعض صفة محمد وفضله، وهو قول علي وابن عباس وقتادة والسدي. وقال علي بن أبي طالب: ما بعث الله نبيا- آدم فمن بعده- إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم وأخذ هو العهد على قومه ليؤمنن به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه. وقيل: إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق على أممهم بأنه إذا بعث محمد صلّى الله عليه وسلّم يؤمنون به وينصرونه- وهذا قول كثير من المفسرين- والمراد من قوله: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ هو محمد صلّى الله عليه وسلّم. والمراد بكونه مصدقا لما معهم هو أن كيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكورا في تلك الكتب كان نفس مجيئه تصديقا لما كان معهم. قالَ الله تعالى لهم: أَأَقْرَرْتُمْ بالإيمان به والنصرة له وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أي قبلتم على ما قلت عهدي قالُوا أي النبيون: أَقْرَرْنا بذلك. قالَ الله تعالى: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضا من الشاهدين فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أي من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول بنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الخارجين عن الإيمان أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) والوجه في هذه الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكورا في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلّى الله عليه وسلّم في النبوة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد، فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر، فأعلمهم الله أنهم متى كانوا كذلك كانوا طالبين دينا غير دين الله، ومعبودا سوى الله تعالى، ثم بيّن أن الإعراض عن حكم الله تعالى مما لا يليق بالعقلاء فقال: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي لجلال الله تعالى لا لغيره انقاد في طرفي وجوده وعدمه، لأن كل ما سوى الله ممكن لذاته وكل ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه سواء كان عقلا أو نفسا، أو روحا أو جسما أو جوهرا، أو عرضا، أو فاعلا أو فعلا. ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الرعد: ١٥] فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعا فيما يتعلق بالدين وينقادون له كرها فيما يخالف طباعهم من الفقر والمرض والموت وما أشبه ذلك. أما الكافرون فهم منقادون لله تعالى كرها على كل حال لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين ويخضعون له تعالى في غير ذلك كرها لأنه لا يمكنهم دفع قضائه تعالى وقدره. وأيضا كل الخلق منقادون لإلهيته تعالى طوعا بدليل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥] ومنقادون لتكاليفه تعالى وإيجاده للآلام كرها، ثم الهمزة للاستفهام التوبيخي وموضعها لفظة يبغون، والتقدير: أيبغون غير دين الله لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال الحوادث. وقرأ حفص عن عاصم «يبغون» و «يرجعون» بالياء على الغيبة فيهما. أي إنما ذكر الله تعالى حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم فلما أصروا على كفرهم قال تعالى على جهة الاستنكار: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ. وقرأ أبو عمرو «تبغون» بالتاء خطابا لليهود وغيرهم من الكفار، و «يرجعون» بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب فيهما لأن ما قبلهما خطاب كقوله تعالى: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ وأيضا فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر: أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له تعالى من في السموات والأرض وأن مرجعكم إليه. وهو كقوله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران: ١٠١] ولما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدقا لما معهم بين الله تعالى من صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم كونه مصدقا لما معهم فقال: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وهو القرآن وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ من الصحف. والمراد بالأسباط أحفاد يعقوب وأبناؤه الاثنا عشر وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظاهرة بأيديهما وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ من الكتب والمعجزات لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أي نقرّ بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى الله وفي الانقياد لتكاليف الله ولا نكفر بأحد منهم كما فعل اليهود والنصارى وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة لا لسمعة ورياء وطلب مال وتلك صفة المؤمنين بالله والكافرون يوصفون بالمحاربة لله، ولما قال تعالى: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ بين أن الدين ليس إلا الإسلام فقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ أي غير التوحيد والانقياد لحكم الله دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) بحرمان الثواب وحصول العقاب ولحوق التأسف على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح، وعلى ما تحمله من التعب في الدنيا في تقرير الدين الباطل. ولفظ «دينا» إما مفعول و «غير الإسلام» حال منه مقدم عليه أو تمييز أو بدل من غير كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا أي كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر بَعْدَ إِيمانِهِمْ بالقلب وَشَهِدُوا أي والحال هم قد أقروا باللسان أَنَّ الرَّسُولَ محمدا صلّى الله عليه وسلّم حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي الحجج الظاهرة على صدق النبي وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أي الكافرين الأصليين والمرتدين. وهذه الآية نزلت في شأن الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، وهم اثنا عشر رجلا، منهم أبو عامر الراهب والحارث بن سويد بن الصامت، ووضوح بن الأسلت، وطعيمة بن بيرق. كما أخرجه عكرمة وابن عساكر. أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) فإن لعنة الله هي الإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة، واللعنة من الملائكة والناس هي بالقول وكل ذلك مستحق لهم بسبب كفرهم، فصلح أن يكون جزاء لذلك وجميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ولكنه يعتقد في ذلك أنه ليس بمبطل ولا بكافر فإذا لعن الكافر وهو في علم الله كافر فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك. خالِدِينَ فِيها أي اللعنة فلا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم من أن يلعنهم لا عن من هؤلاء لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) أي لا يؤخر عذابهم من وقت إلى وقت إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الكفر مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الارتداد وَأَصْلَحُوا باطنهم وظاهرهم بالعمل الصالح فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لقبائحهم في الدنيا بالستر رَحِيمٌ (٨٩) في الآخرة بالعفو. نزلت هذه الآية في شأن الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار فإنه لما لحق مكة مرتدا ندم على ردته فأرسل إلى قومه بالمدينة أن يسألوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هل

آل عمران 3:91

لي من توبة؟ ففعلوا فأنزل الله هذه الآية فبعث إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه فأقبل إلى المدينة، وتاب على يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقبل الرسول توبته وحسن إسلامه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله بَعْدَ إِيمانِهِمْ بالله ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً أي ثم أصروا على الكفر لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ما أقاموا على ذلك. قال القاضي والقفال وابن الأنباري: لما قدم الله تعالى ذكر من كفر بعد الإيمان وبيّن أنه أهل اللعنة إلا أن يتوب. ذكر في هذه الآية أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة فإنها تصير غير مقبولة، وكأنها لم تكن. والتقدير إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم فإن كانوا كذلك ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) على سبيل الكمال عن الهدى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله والرسول وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ بالله والرسول فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ أي مقدار ما يملأ الأرض مشرقها ومغربها ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ. وجاهكم في معاونة الناس وبدنكم في طاعة الله ومهجتكم في سبيله وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ تريدون به وجه الله أو مدحة الناس فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) هذا تعليل للجواب المحذوف أي فيجازيكم بحسبه جيدا كان أو رديئا فإنه تعالى عالم بكل شيء تنفقونه من ذاته وصفاته علما كاملا بحيث لا يخفى عليه شيء كُلُّ الطَّعامِ أي كل طعام حلال على محمد وأمته كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي كان حلالا أكله على أولاد يعقوب إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ أي يعقوب عَلى نَفْسِهِ بالنذر مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ على موسى وذلك بعد إبراهيم بألف سنة. روى ابن عباس أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن يعقوب مرض مرضا شديدا فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها» «١». قال الأصم: لعل نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع فامتنع من أكلها قهرا للنفس وطلبا لمرضاة الله تعالى- كما يفعله كثير من الزهاد- فعبّر عن ذلك الامتناع بالتحريم. وروي أن اليهود قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إنك تدّعي أنك على ملة إبراهيم فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن (١) رواه أحمد في (م ١/ ص ٢٧٣). ذلك حرام في دين إبراهيم؟ فأجاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأن قال: «إن ذلك كان حلالا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام إلا أن يعقوب حرّمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده» . أي فالحرمة عليهم ناشئة من نذره أيضا. فأنكر اليهود ذلك فأمرهم الرسول عليه السلام بإحضار التوراة وباستخراج آية منها تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام، فعجزوا عن ذلك، فظهر أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام كما قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) في دعواكم بأن التحريم قديم. قال تعالى: فَمَنِ افْتَرى أي اختلق عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بادعاء أنه تعالى حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل وعلى من قبلهم من الأمم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم فَأُولئِكَ المصرون على الافتراء بعد ما ظهرت حقيقة الحال هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) المستحقون لعذاب الله قُلْ صَدَقَ اللَّهُ في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها إنما حرمت على اليهود جزاء على قبائح أفعالهم فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي ملة الإسلام التي هي الأصل ملة إبراهيم لأنها ملة محمد صلّى الله عليه وسلّم حَنِيفاً أي مائلا عن الأديان الزائغة كلها وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) في أمر من أمور دينه فإنه لم يدع مع الله إلها آخر ولم يعبد سواه كما فعله العرب من عبادة الأوثان، أو كما فعله اليهود في ادعاء أن عزيرا ابن الله. وكما فعله النصارى في ادعاء أن المسيح ابن الله. ولما حوّل صلّى الله عليه وسلّم القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته وقالوا: إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال، لأنه وضع قبل الكعبة وتحويل القبلة منه إلى الكعبة باطل. فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ أي إن أول بيت بني لعبادات الناس للبيت الذي هو ببكة، سميت مكة بكة لأنه يبك بعضهم بعضا، أي يزدحمون في الطواف. روي أنه صلّى الله عليه وسلّم سئل عن أول بيت وضع للناس فقال: «المسجد الحرام ثم بيت المقدس» وسئل كم بينهما فقال: «أربعون سنة» «١». أي أن آدم بنى الكعبة ثم بنى الأقصى وبين بنائهما أربعون سنة. مُبارَكاً أي ذا بركة مما يجلب المغفرة والرحمة وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) أي قبلة لكل نبي ورسول، وصدّيق ومؤمن يهتدون بذلك البيت إلى جهة صلاتهم وذلك لأن تكليف الصلاة كان لازما في دين جميع الأنبياء عليهم السلام بدليل قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [مريم: ٥٨]. فدلت الآية على أن جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون لله والسجدة لا بدّ لها من قبلة فلو كانت قبلة شيث وإدريس (١) رواه أحمد في (م ٥/ ص ١٦٧). ونوح عليهم السلام موضعا آخر سوى الكعبة لبطل قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ فوجب أن يقال: إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبدا مشرفة ومكرمة فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ أي علامات واضحة كانحراف الطيور عن موازاة البيت فلا تعلو فوقه بل إذا قابل هواه وهو في الجو انحرف عنه يمينا أو شمالا، ولا يستطيع أن يقطع هواه إلا إذا حصل له مرض فيدخل هواه للتداوي ومخالطة ضواري السباع الصيود في الحرم من غير تعرض لها وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه مَقامُ إِبْراهِيمَ وفيه دلالة على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم لأن تأثير قدميه في الصخرة الصمّاء وعوضهما فيها إلى الكعبين وإلانة بعض الصخرة دون بعض وإبقاءه ألوف السنين معجزة عظيمة وَمَنْ دَخَلَهُ أي الحرم كانَ آمِناً أي إن من دخله للنسك تقربا إلى الله تعالى كان آمنا من النار يوم القيامة وأن الله أودع في قلوب الخلق الشفقة على كل من التجأ إليه وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ أي قصده للزيارة على وجه مخصوص مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ أي حج البيت سَبِيلًا أي بلاغا بوجود الزاد والراحلة والنفقة للعيال إلى الرجوع وَمَنْ كَفَرَ أي جحد فرض الحج فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) أي عن إيمانهم وحجهم. قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل الأديان الستة المسلمين والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم، وقال: «إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا» «١». فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس، وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فأنزل الله تعالى قوله : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ أي ومن ترك اعتقاد وجوب الحج فإن الله غني عنه قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) أي لم تكفرون بآيات الله دلتكم على صدق محمد صلّى الله عليه وسلّم فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره، والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها، وهذه الحال توجب أن لا تجترئوا على الكفر بآياته. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ أي لم تصرفون عن دينه الحق الموصل إلى السعادة الأبدية وهو ملة الإسلام. من آمن بالله وبمحمد وبالقرآن بإضلالكم لصفة المسلمين تَبْغُونَها عِوَجاً أي تطلبون للسبيل زيفا لأنكم قلتم النسخ يدل على البدء. وقولكم: ورد في التوراة إن شريعة موسى باقية إلى الأبد وَأَنْتُمْ شُهَداءُ أن في التوراة أن دين الله هو الإسلام لا يقبل غيره وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) فإنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وما كانوا يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين بل كانوا يحتالون في (١) رواه أحمد في (م ١/ ص ٣٧١)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٣: ٢٠٤)، وابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٢٩: ٥٩٠).

آل عمران 3:101

ذلك بوجوه الحيل. نزلت هذه الآية في الذين دعوا عمارا وأصحابه إلى دينهم اليهودية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ هم شاس بن قيس وعمرو بن شاس، وأوس بن قبطي وجبار بن صحر يَرُدُّوكُمْ أي يصيروكم بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ أي كيف يوجد منكم الكفر والحال أن القرآن الذي فيه بيان الحق من الباطل يتلى عليكم على لسان نبيكم غض طري، ومعكم رسول الله الذي يبين الحق ويدفع الشبه. روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد، فاتفق أنه مرّ على نفر من الأنصار الأوس والخزرج وهم في مجلس يتحدثون وقد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام، فشق ذلك على اليهود، فجلس إليهم وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك في بعاث وهو موضع في المدينة، وكان يوم بعاث يوما اقتتل فيها الأوس والخزرج قبل مبعثه صلّى الله عليه وسلّم بمائة وعشرين سنة وكان الظفر فيه للأوس. وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار، فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح فاجتمع من القبيلتين خلق عظيم فوصل الخبر إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار وقال: «أترجعون إلى أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم وقد أكرمكم الله بالإسلام وألّف بين قلوبكم». فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان ومن كيد ذلك اليهودي فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم. قال الإمام الواحدي: اصطفوا للقتال. فنزلت الآية إلى قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فجاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى قام بين الصفين فقرأهن ورفع صوته فلما سمعوا صوت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنصتوا له وجعلوا يستمعون له فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا وجعلوا يبكون وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أي من يستمسك بكتاب الله وهو القرآن فَقَدْ هُدِيَ أي فقد حصل له الهدى إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) أي إلى طريق موصل إلى المطلوب. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حق معاذ وأصحابه، ثم نزل في أوس وخزرج لخصومة كانت بينهم في الإسلام افتخر فيهم ثعلبة بن غنم وأسعد بن زرارة بالقتل والغارة في الجاهلية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ أي كما يجب أن يتقى وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم كما في قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. ويقال: أطيعوا الله كما ينبغي. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) لفظ النهي واقع على الموت. والمقصود الأمر بالإقامة على الإسلام أي ودوموا على الإسلام إلى الموت وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت وهم على الإسلام صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في وسعهم وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ وهو دين الإسلام أو بكتابه وهو القرآن جَمِيعاً أي مجتمعين في الاعتصام لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» «١». وَلا تَفَرَّقُوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم لأن الحق لا يكون إلا واحدا وما عداه يكون ضلالا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نعمة دنيوية وأخروية إِذْ كُنْتُمْ في الجاهلية أَعْداءً يبغض بعضكم بعضا ويحارب بعضكم بعضا فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ أي قذف الله فيها المحبة بتوفيقكم للإسلام فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أي فصرتم بدينه الإسلام إِخْواناً في الدين وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي على طرفها، أي وكنتم قريبين من الوقوع في نار جهنم لكفركم إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم فيها. فليس بين الحياة والموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء الذي هو مثل الحياة، وبين ذلك الشيء الذي هو مثل الموت فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها أي فأنجاكم من تلك الحفرة بأن هداكم للإسلام كَذلِكَ أي مثل البيان المذكور يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) أي لكي تهتدوا من الضلالة وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ أي ولتوجد منكم جماعة يقتدي بها فرق الناس يَدْعُونَ الناس إِلَى الْخَيْرِ فأفضل الدعوة هي دعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والآمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجبا فواجب، وإن كان مندوبا فمندوب وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فالنهي عن الحرام واجب كله لأن تركه واجب وهذه الأمور من فروض الكفايات- لأنها لا تليق إلا من العالم بالحال- وسياسة الناس حتى لا يوقع المأمور أو المنهي في زيادة الفجور فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) أي المختصون بكمال الفلاح. روي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه «٢». وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا أي تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين، أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسا في بلد، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق، وأن صاحبه على الباطل. قال الفخر الرازي: إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة. فنسأل الله العفو والرحمة (١) رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن، باب: ١٤، والدارمي في كتاب فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن. (٢) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (٥٥٦٤)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦: ٢١٠٤).

آل عمران 3:111

مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه واتحاد الكلمة وَأُولئِكَ الذين تفرقوا لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) في الآخرة بسبب تفرقهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ أي يوم تظهر بهجة السرور على قوم وسموا ببياض الوجه والصحيفة، وإشراق البشرة. وسعى النور أمامهم ويمينهم. ويوم تظهر كآبة الخوف والحزن على قوم وسموا بسواد اللون والصحيفة، وإحاطة الظلمة بهم من كل جانب. وقرئ «تبياض» و «تسواد» فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فيلقون في النار وتقول لهم الزبانية. أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوة. وقال عكرمة والأصم والزجاج: أي أكفرتم يا أهل الكتاب بعد بعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم بعد إيمانكم به قبل مبعثه فَذُوقُوا الْعَذابَ والأمر بذوق العذاب على طريقة الإهانة بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) أي بسبب كفركم وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي في جنة الله وعبّر عنها بالرحمة تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمته تعالى. وقرئ «ابياضّت»، كما قرئ «اسوادّت» هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) أي لا يظعنون عنها ولا يموتون تِلْكَ أي الآيات المشتملة على تنعيم الأبرار وتعذيب الكفار آياتُ اللَّهِ أي دلائل الله نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ أي بالمعنى الحق أو متلبسة بالعدل من أجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) أي ما يريد الله فردا من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلا عن أن يفعله. وأما ظلم بعضهم بعضا فواقع كثيرا، وكل واقع فهو بإرادته تعالى وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا وَإِلَى اللَّهِ أي إلى حكمه تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) فيجازي كلا منهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أي أظهرت للناس حتى تميّزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي بالتوحيد واتباع محمد صلّى الله عليه وسلّم وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك ومخالفة الرسول وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء. وقال قتادة: هم أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم لم يؤمر نبي قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفار فيدخلونهم في الإسلام فهم خير أمة للناس وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى إيمانا كاملا كإيمانكم لَكانَ أي ذلك الإيمان خَيْراً لَهُمْ فإنهم آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع العوام ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الزيادة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة فكان ذلك خيرا لهم مما قنعوا به. مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود والنجاشي ورهطة من النصارى. وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) في أديانهم فيكونون مردودين عند الطوائف كلهم لأن المسلمين لا يقبلونهم لكفرهم، والكفار لا يقبلونهم لكونهم فاسقين فيما بينهم فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً أي لن يضركم اليهود ضررا ألبتة إلا ضررا يسيرا- وهو أذى- أي ليس على المسلمين من اليهود ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما السلام وإما بإظهار كلمة الكفر كقولهم: عزير ابن الله، وإما بتحريف نصوص التوراة، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ أي ينهزموا من غير أن يضروكم بقتل أو أسر ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) أي ثم أخبركم أنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ولا قوة ولا يجدون النصر قط بل يبقون في الذلة أبدا كما قال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أي جعلت عليهم الذلة أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم أَيْنَ ما ثُقِفُوا أي صودفوا فلا يقدرون أن يقوموا مع المؤمنين إِلَّا أن يعتصموا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ أي المؤمنين فالأمان الحاصل للذمي قسمان: أحدهما: الذي نص الله عليه وهو أخذ الجزية. وثانيهما: الذي فوض الله إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد. فالأول: هو المسمى بحبل الله. والثاني: هو المسمى بحبل المؤمنين. وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي داموا في غضب الله أو استوجبوا لعنة الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ أي جعل عليهم زي الفقر. واليهود في غالب الأحوال مساكين تحت أيدي المسلمين والنصارى ذلِكَ أي لزوم الذلة والمسكنة والمكث في اللعنة بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الناطقة بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم حتى يحرفونها بسائر الآيات القرآنية وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أي بلا جرم. فإن الذين قتلوا الأنبياء أسلافهم، وهؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم فنسب إليهم كما أن التحريف من أفعال أحبارهم ينسب إلى كل من يتبعهم ذلِكَ أي الكفر والقتل بِما عَصَوْا في السبت وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) أي يتجاوزون حدود الله باستحلال المحارم. قال أرباب المعاملات مع الله: من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر لَيْسُوا أي جميع أهل الكتاب سَواءً أي فليس من آمن منهم كمن لم يؤمن مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ أي جماعة عدل مهتدية بتوحيد الله وهم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم معهم من اليهود كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: هم عبد الله بن سلام وأخوه ثعلبة بن سلام وسعية وميس وأسيد وأسدهما ابنا كعب. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية: يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ أي يقرءون القرآن ساعات الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) أي يصلون التهجد في الليل. وهذا كلام مستقل والصلاة تسمى سجودا. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات اللازمة والمتعدية وَأُولئِكَ الموصوفون بالصفات السبعة مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) أي من جملة الذين صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه. وقال ابن عباس: أي من صالحي أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم. ويقال: مع صالحي أمة محمد في الجنة مع أبي بكر وأصحابه. واعلم أن اليهود كانوا أيضا يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة. فلما مدح الله المؤمنين منهم بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ فالإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه، والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي. فإيمان اليهود بالله مع قولهم عزير ابن الله، وكفرهم ببعض الكتب والرسل، ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته، عدم الاحتراز عن معاصي الله وإضلال الناس وصدّهم عن سبيل الله ومبادرتهم إلى الشرور. واعلم أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل. وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله. وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد. فقوله تعالى: يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم. وقوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم، فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية، وذلك أكمل أحوال الإنسان وهي المرتبة التي هي آخر درجات الإنسانية، وأول درجات الملكية. واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاما وفوق التمام فكون الإنسان تاما ليس إلا في كمال قوته العملية وقوته النظرية، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين وذلك بطريقين إما بإرشادهم إلى ما ينبغي أو بمنعهم عما لا ينبغي، ثم الوصف بالصلاح غاية المدح ويدل عليه القرآن والعقل. فإن الصلاح ضد الفساد وكل ما لا ينبغي فهو فساد سواء كان في العقائد أو في الأعمال، فإذا حصل كل ما ينبغي فقد حصل الصلاح فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات. ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء في الفعلين. لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، فإن جهّال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه: إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان. قال تعالى: وَما يَفْعَلُوا أي عبد الله بن سلام وأصحابه من خير مما ذكر ويقال: من إحسان إلى محمد وأصحابه. فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي لن ينسى ثوابه بل يثابوا. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب لجميع المؤمنين الذين من جملتهم هؤلاء أي وما تفعلوا معاشر المؤمنين من خير فلن تمنعوا ثوابه وجزاءه بل تجاوزوا عليه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) وهذا بشارة لهم بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده تعالى إلا أهل التقوى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أي لن تدفع عنهم أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) إنما خصّ الله تعالى الأموال والأولاد بالذكر لأن أنفع الجمادات هو الأموال، وأنفع الحيوانات هو الولد. ثم بيّن تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما ألبتة في الآخرة، وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا أي الكفار في هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أي برد مهلك أو حر محرق أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي فأَهْلَكَتْهُ. والمعنى مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون كمثل الريح المهلكة للزرع، أو مثل الكافر الذي أنفق أمواله في الخيرات- نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل- وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيرا كثيرا، فإذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلا لآثار الخيرات فكان كمن زرع زرعا وتوقّع منه نفعا كثيرا فأصابته ريح، فأحرقته، فلا يبقى إلا الحزن والأسف، هذا إذا أنفقوا الأموال في وجوه الخيرات. أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه من الخيرات وهو من المعاصي- مثل إنفاق الأموال في إيذاء رسول الله، وفي قتل المسلمين وتخريب ديارهم- فهو أشد تأثيرا في إبطال آثار أعمال البر وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ حيث لم يقبل نفقاتهم ولكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) حيث أتوا بالنفقات مقرونة بالوجوه المانعة من كونها مقبولة لله. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت هذه الآية في شأن رجال من المؤمنين يشاورون اليهود في أمورهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظنا منهم أنهم ينصحون لهم في أسباب المعاش، فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه- كما قاله ابن عباس- أو في رجال من المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين فيفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم على الأحوال فالله تعالى منعهم عن ذلك- كما قاله مجاهد- وقال الله تعالى: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً أي خاصة تباطنون في الأمور مِنْ دُونِكُمْ أي من غير أهل ملتكم من الكفار والمنافقين لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفسادكم وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر أي فإن الكفار لا يقصرون لكم في إفساد دينكم فإن عجزوا عنه أحبوا بقلوبهم إلقاءكم في أشد أنواع الضرر. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي قد ظهرت البغضاء في كلامهم بالطعن وغيره مما يدل على نفاقهم وبأنهم يظهرون تكذيب نبيكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من الحقد أَكْبَرُ مما يظهر على ألسنتهم. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ أي علامة الحسد والعداوة إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) الفرق بين ما يستحقه العدو والولي ها أَنْتُمْ أُولاءِ أي أنبهكم أنتم يا معشر المؤمنين المخطئين في موالاتهم تُحِبُّونَهُمْ بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة، وبسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان

آل عمران 3:121

وأنهم يظهرون لكم محبة رسول الله وَلا يُحِبُّونَكُمْ بسبب المخالفة في الدين وبسبب أن الكفر مستقر في باطنهم ولأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وهم لا يؤمنون به وهم مع إيمانكم بكتبهم يبغضونكم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم وَإِذا لَقُوكُمْ أي منافقو اليهود قالُوا نفاقا: آمَنَّا بمحمد فإن نعته في كتابنا وَإِذا خَلَوْا أي رجع بعضهم إلى بعض عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ أي عضوا لأجل غمهم منكم أطراف الأصابع من شدة الغضب أي فإذا رجعوا إلى بعضهم أظهروا شدة العداوة على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل- كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه- ولما كثر هذا الفعل من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظا وإن لم يكن هناك عض. قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ وهذا دعاء عليهم بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام ودعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون، وليس أمرا بالإقامة على الغيظ فإن الغيظ كفر والأمر بالكفر غير جائز، ويجوز أن يكون معنى قوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنه تعالى أمر رسوله بطيب النفس وقوة الرجاء، والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به- كأنه قيل: حدّث نفسك بذلك- إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) أي إنه تعالى عالم بكل ما يحصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ أي إن تصبكم منفعة الدنيا تحزنهم وذلك كصحة البدن، وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة بين الأحباب. وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ أي مضرة كمرض وفقر وانهزام من عدو، وقتل ونهب وغارة وحصول التفرقة بين الأقارب يَفْرَحُوا أي اليهود والمنافقون بِها فإنهم متناهون في عداوتكم فاجتنبوهم وَإِنْ تَصْبِرُوا على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم وَتَتَّقُوا كل ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ أي حيلتهم التي دبروها لأجلكم شَيْئاً من الضرر لأن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى، واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره حيل المحتالين. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «لا يضركم» بفتح الياء وكسر الضاد وسكون الراء. والباقون «لا يضركم» بضم الضاد والراء المشددة على الجزم بسكون مقدر للاتباع. وروى المفضل عن عاصم «لا يضركم» بفتح الراء للتخفيف. إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) بالياء باتفاق القراء العشرة. أي إنه عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه. وفي قراءة شاذة بالتاء. والمعنى أنه تعالى عالم بما تعملون من الصبر والتقوى فيفعل بكم ما أنتم مستحقون له وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ أي واذكر يا أشرف الخلق لأصحابك وقت خروجك من عند أهلك أي من حجرة عائشة إلى أحد ليتذكر، وإما وقع في ذلك الوقت من الأحوال الناشئة من عدم الصبر فيعلموا أنهم لو لزموا الصبر والتقوى لا يضرهم كيد الكفرة. روي أنه صلّى الله عليه وسلّم ذهب من منزل عائشة في المدينة فمشى على رجليه إلى أحد بعد صلاة الجمعة في نصف شوال، وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت، وجعل يصف أصحابه للقتال، وكانوا ألفا وأقل، وكان الكفار ثلاثة آلاف. وجعل صلّى الله عليه وسلّم ظهره وظهر عسكره إلى أحد، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة وقال: «ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا» وقال لأصحابه: «اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام». فلما التقى الفريقان انهزم عبد الله بن أبي مع ثلاثمائة من المنافقين فبقي من عسكر المسلمين سبعمائة، ثم قوّاهم الله حتى هزموا المشركين، ثم طلبوا المدبرين وتركوا ذلك المقام واشتغلوا بطلب الغنائم، وخالفوا أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكرّ عليهم المشركون وتفرّق المسلمون عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وشجّ وجه الرسول، وكسرت رباعيته، وشلّت يد طلحة ولم يبق معه صلّى الله عليه وسلّم إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد، ووقعت الصيحة في العسكر أن محمدا قد قتل وكان رجل يكنى أبا سفيان- من الأنصار- نادى الأنصار وقال: هذا رسول الله فرجع إليه المهاجرون والأنصار وكان قد قتل منهم سبعون وكثر فيهم الجراح . وكل ذلك يؤكد قوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً والظفر إنما حصل ببركة طاعتهم لله ولرسوله وإلا لم يقوموا مع عدوهم تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ أي تنزل المؤمنين بأحد أمكنة لقتال عدوهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ (١٢١) بضمائركم ونياتكم فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم شاور أصحابه في ذلك الحرب، فمنهم من قال له: أقم بالمدينة وهو عبد الله بن أبيّ، وأكثر الأنصار. ومنهم من قال له: اخرج إليهم وكان لكل أحد غرض. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج وهما جناحا العسكر أَنْ تَفْشَلا أي بأن تجبنا عن قتال العدو يوم أحد وترجعا. روي أنه صلّى الله عليه وسلّم خرج مع تسعمائة وخمسين، ووعدهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا عند جبل أحد انعزل ابن أبي المنافق مع ثلاثمائة من أصحابه المنافقين وقال: يا قوم لأي شيء نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وأبو جابر السلمي وقالا: أسألكم بالله في حفظ نبيكم وأنفسكم أي فإنكم لو رجعتم فاتتكم نصرة نبيكم، وفاتتكم وقاية أنفسكم من العذاب لتخلفكم عن نبيكم فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فهمّ الطائفتان باتباع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فثبتوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما قال تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي عاصمهما عن اتباع تلك الخطوة وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) في جميع أمورهم فإنه حسبهم، ولما حكى الله عن الطائفتين أنهما همّتا بالجبن والضعف أيّد ذلك بقصة بدر، فإن المسلمين كانوا في غاية الفقر والضعف والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة ولكن لما كان الله ناصرا لهم قهروا أعداءهم وفازوا بمطلوبهم. وقال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ بقلة العدد وضعف الحال وقلة السلاح والمال، وعدم القدرة على مقاومة العدو فإن المسلمين كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وما كان فيهم إلا فرس واحد. والكفار كانوا فريبين من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة الكاملة. فَاتَّقُوا اللَّهَ في أمر الحرب ولا تخالفوا الأمير الذي معكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) لكي تشكروا نعمته تعالى ونصرته إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ف «إذ» إما منصوب بنصركم ويكون هذا الوعد حصل يوم بدر، وهذه الجملة من تمام قصة بدر وهو قول أكثر المفسرين، وإما بدل من قوله: إِذْ هَمَّتْ أو بدل ثان من قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ ويكون هذا الوعد حصل يوم أحد وهذه الجملة من تمام قصة أحد فيكون قوله: ولقد نصركم الله معترضا بين الكلامين وهو مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ مع عدوكم أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ أي ينصركم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) من السماء. قرأ ابن عامر «منزلين» مشدد الزاي مفتوحة. والباقون بفتح الزاي مخففة. وقرئ قراءة شاذة باسم الفاعل من الصيغتين أي منزلين النصر بَلى يكفيكم إِنْ تَصْبِرُوا مع نبيكم في الحرب وَتَتَّقُوا معصية الله ومخالفة نبيه صلّى الله عليه وسلّم وَيَأْتُوكُمْ أي يأتيكم المشركون مِنْ فَوْرِهِمْ هذا أي من ساعتهم هذه من جهة مكة يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ أي ينصركم على عدوكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥). قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو أي معلمين أنفسهم أو خيلهم. والباقون بفتح الواو أي معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها أو مجذوذة أذنابهم أو مرسلين وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي ما جعل الله الإمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ بأنكم تنصرون وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ أي بالمدد. وفي ذكر الإمداد مطلوبان: إدخال السرور في قلوبكم وحصول الطمأنينة على أن إعانة الله معهم وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لا من العدة والعدد ولا من عند الملائكة لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللام متعلق بقوله: وما النصر. والمعنى والمقصود من نصركم إن يهلك الله طائفة من كفار مكة بقتل وأسر أَوْ يَكْبِتَهُمْ أو يهزمهم ويخزيهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) أي يرجعوا منقطعي الآمال غير فائزين بمطلوبهم بشيء لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. وهذه الآية نزلت في قصة أحد لمنعه صلّى الله عليه وسلّم من الدعاء عليهم لما روي أن عتبة بن أبي وقاص شجه وكسر رباعيته- وهي السن التي بين الثنية والناب- ثم أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية، ولما روى سالم بن عبد الله بن عمر أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لعن أقواما فقال: «اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية» «١». فنزل قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فتاب الله على هؤلاء وحسن إسلامهم. ولما حصل له صلّى الله عليه وسلّم من الهم بأنه رأى (١) رواه الترمذي في كتاب التفسير، باب: تفسير سورة ٣. حمزة بن عبد المطلب ورأى ما فعلوا به من المثلة وقال: «لأمثلهن منهم بثلاثين» فنزلت هذه الآية ومات في ذلك اليوم من المسلمين سبعون، وأسر عشرون ومات من الكفار ستة عشر. وروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت بسبب أنه صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا يوم أحد فمنعه الله من ذلك، وإنما نصّ الله تعالى على المنع تقوية لعصمته أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ وهذان إما معطوفان على الأمر. والمعنى ليس لك يا أشرف الخلق من شأن هذه الحادثة شيء ومن التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء، لأنه ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أوحي إليك وليس لك من سؤال إهلاكهم شيء لأنه تعالى أعلم بالمصالح، فربما تاب الله عليهم أو معطوفان على «شيء» أي ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم. وقيل: المراد بالأمر ضد النهي. والمعنى ليس لك من أمر خلقي شيء، أو من توبتهم أو من تعذيبهم شيء إلا إذا كان على وفق أمري. والمقصود من الآية منعه صلّى الله عليه وسلّم من كل فعل وقول إلا ما كان بإذنه وأمره وهذا هو الإرشاد إلى أكمل درجات العبودية فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) أي بالمعاصي وهذه جملة مستقلة لكن المقصود من ذكرها تعليل لحسن التعذيب. والمعنى أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فإنه تعالى إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون. والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فعلم ذلك مفوّض إلى الله وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ مغفرته وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه وتقديم المغفرة على التعذيب للإعلام بأن رحمته تعالى سبقت غضبه وبأن الرحمة من مقتضيات الذات دون الغضب فإنه من مقتضيات سيئات العصاة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) والمغفرة والرحمة على سبيل الإحسان، أما التعذيب فعلى سبيل العدل لأن الطاعة لا توجب الثواب، والمعصية لا توجب العقاب بل الكل من الله بحكم إلهيته وقهره وإرادته. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً على الدرهم مُضاعَفَةً في الأجل وكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال، قال: زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين، ثم إذا حلّ الأجل الثاني فعل مثل ذلك، ثم إلى آجال كثيرة فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها. فهذا هو المراد من قوله: أَضْعافاً مُضاعَفَةً. وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد العين بلا ألف قبلها. وقال القفال: يحتمل أن تكون هذه الآية متصلة بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا. فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال، وينفقوه على العسكر فيتمكنوا من الانتقام منهم فحقا نهاهم الله عن ذلك. وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نهيتم عنه من أخذ الربا وغيره لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) أي لكي تنجوا من

آل عمران 3:131

العذاب والسخط وَاتَّقُوا النَّارَ بأن تجتنبوا ما يوجبها وهو استحلال ما حرم من الربا وغيره الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وكان أبو حنيفة يقول: هذه الآية أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه، وفي الآية تنبيه على أن النار بالذات للكفار وبالعرض للعصاة. وَأَطِيعُوا اللَّهَ فيما يأمركم به وينهاكم عنه من أخذ الربا وغيره وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) الذي يبلغكم أوامر الله ونواهيه فإن طاعة الرسول طاعة لله وَسارِعُوا. قرأ نافع وابن عامر بغير واو أي بادروا واقبلوا. وقرئ شاذة وسابقوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي إلى الإسلام- كما قاله ابن عباس- وإلى أداء الفرائض- كما قاله علي بن أبي طالب- والصلوات الخمس وإلى الإخلاص- كما قاله عثمان بن عفان- وإلى الجهاد- كما قاله الضحاك ومحمد بن إسحاق- وإلى التكبيرة الأولى- كما قاله سعيد بن جبير- وإلى جميع الطاعات- كما قاله عكرمة- وإلى التوبة من الربا والذنوب- كما قاله الأصم وابن عباس- وَجَنَّةٍ أي فكما تجب المسارعة إلى المغفرة فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة. فمعنى الغفران إزالة العقاب، ومعنى الجنة إيصال الثواب فلا بد للمكلف من تحصيل الأمرين عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي عرضها مثل عرض السموات والأرض لو جعلت السموات والأرض طبقا طبقا، بحيث يكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله تعالى أُعِدَّتْ أي هيئت الجنة لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) ثم ذكر الله تعالى صفات المتقين فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أموالهم في سبيل الله تعالى فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أي في حال الغنى والفقر أو في سرور وحزن، أو على وفق طبعهم وعلى خلافه كما يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة. وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي الكافين غيظهم. قال صلّى الله عليه وسلّم: «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» «١». وقال صلّى الله عليه وسلّم: «من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث يشاء» «٢». وقال صلّى الله عليه وسلّم: «ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب» «٣». (١) رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: من كظم غيظا، والترمذي في كتاب البرّ، باب: ٧٤، وأحمد في (م ٣/ ص ٤٣٨). (٢) رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: من كظم غيظا، والترمذي في كتاب البرّ، باب: ٧٤، وابن ماجة في كتاب الزهد، باب: الحلم، وأحمد في (م ٣/ ص ٤٣٨). (٣) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب: قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الكرم قلب المؤمن»، ومسلم في كتاب البرّ، باب: ١٠٦، والموطأ في كتاب حسن الخلق، باب: ما جاء في الغضب، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) ومحبة الله للعبد أعظم درجات الثواب. روي عن عيسى ابن مريم أنه قال: «ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذلك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك». واعلم أن الإنسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه، أما إيصال النفع إليه فيدخل فيه إنفاق العلم بأن يشتغل بتعليم الجاهلين، وهداية الضالين ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات، وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى فهذا داخل في كظم الغيظ، وأما في الآخرة بأن يبرئ ذمة الغير عن المطالبات فهذا داخل في العفو عن الناس. فهذه الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير. وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أي معصية أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بأن أتوا أيّ ذنب كان ذَكَرُوا اللَّهَ أي خافوا الله. قال بعضهم: لما وصف الله تعالى الجنة بأنها معدة للمتقين بيّن أن المتقين قسمان: أحدهما: الذين أقبلوا على الطاعات وهم الذين وصفهم الله بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس. وثانيهما: الذين أذنبوا ثم تابوا. وعلى هذا فالاسم الموصول معطوف على الموصول قبله. وقيل: لما ندب الله تعالى في الآية الأولى إلى الإحسان إلى الغير ندب في هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس وعلى هذا فالاسم الموصول معطوف على المحسنين. روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في رجلين- أنصاري وثقفي- والرسول صلّى الله عليه وسلّم كان قد آخى بينهما وكانا لا يفترقان في أحوالهما، فخرج الثقفي مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري على أهله يتعاهدهم فكان يفعل ذلك، ثم قام إلى امرأته ليقبلها فوضعت كفها على وجهها، فندم الرجل، فلما وافى الثقفي مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم ير الأنصاري وكان قد هام في الجبال للتوبة فلما عرف الرسول صلّى الله عليه وسلّم سكت حتى نزلت هذه الآية. وقال عطاء: نزلت في شأن أبي سعيد نبهان التمار فإنه أتته امرأة حسناء تطلب منه تمرا بالشراء، فقال لها: هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبّلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك ثم أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم وذكر ذلك فنزلت هذه الآية: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ أي أتوا بالتوبة على الوجه الصحيح لأجل ذنوبهم، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل فهذا هو حقيقة التوبة، فأما الاستغفار باللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب بل يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار انقطاعه إلى الله وأحمد في (م ١/ ص ٣٨٢) . تعالى. وقوله: «فاستغفروا» معطوف على جواب «إذا». وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي لا يغفر ذنوب التائب أحد إلا الله وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا من الذنوب بأن أقلعوا عنها في الحال وهذا معطوف على قوله: «فاستغفروا» وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أن الذي فعلوه معصية الله، وهذه الجملة حال من فاعل «يصروا» أُولئِكَ الذين خافوا الله وتابوا من ذنوبهم جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لذنوبهم وَجَنَّاتٌ أي بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت شجرها ومساكنها أنهار الخمر والماء والعسل واللبن خالِدِينَ فِيها أي دائمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) أي نعم ثواب التائبين المغفرة والجنات. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أي قد مضت من قبل زمانكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة المكذبة للرسل بإهلاكهم إن لم يتوبوا، وبالمغفرة إن تابوا، فرغب الله تعالى أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم إلى الإيمان بالله ورسله والإعراض عن الرياسة في الدنيا وطلب الجاه فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا أي تعرفوا أيها المؤمنون أحوال الأمم السالفة بسير أو غيره، ثم تفكروا فيها للتسلي والاتعاظ. كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) أي كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل الذين لم يتوبوا من تكذيبهم هذا القرآن بَيانٌ بالحلال والحرام لِلنَّاسِ عامة وَهُدىً من الضلالة وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨). فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدي. والثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة، وإنما خصص الله المتقين بالهدي والموعظة لأنهم المنتفعون بهما دون غيرهم وَلا تَهِنُوا أي لا تضعفوا عن الجهاد مع عدوكم وَلا تَحْزَنُوا على ما فاتكم من الغنائم يوم أحد، ولا على ما أصابكم من القتل والجراحة وكان قد قتل يومئذ سبعون رجلا خمسة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعبد الله بن جحش ابن عمة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وشماس بن عثمان وسعد مولى عتبة وباقيهم من الأنصار رضي الله عنهم أجمعين وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أي والحال أنكم في آخر الأمر الغالبون بالنصرة لكم دون عدوكم فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسب ما شاهدتم من أحوال أسلافهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وهذا إما منصب بالنهي أو بوعد النصر والغلبة، أي إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فإن الإيمان يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله تعالى وقلة المبالاة بالأعداء، أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون فإن الإيمان يقتضي العلو بلا شك إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ أي إن أصابكم جرح يوم أحد فقد أصاب أهل مكة يوم بدر جرح مثل ما أصابكم يوم أحد ثم لم يضعف ذلك قلوبكم فأنتم أحق بأن

آل عمران 3:141

لا تضعفوا. وقيل: إن المعنى إن نالكم يوم أحد قرح وانهزام فقد نال الكفار في ذلك اليوم مثل ذلك، فإن المسلمين نالوا من الكفار قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قتلوا منهم نيفا وعشرين رجلا- منهم صاحب لوائهم- وجرحوا عددا كثيرا، وعقروا عامة خيلهم بالنبل وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار وَتِلْكَ الْأَيَّامُ أي أيام الدنيا نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ لا يدوم مسارها ولا مضارها فيوم يحصل فيه السرور للمؤمنين، والغم للأعداء ويوم آخر بالعكس، وليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين، والأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف فلا يليق بالكافر بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفارة وأخرى على المؤمنين ولو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب. وأيضا إن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي فيشدد الله المحنة عليه في الدنيا تأديبا له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه غضب من الله عليه. وأيضا إن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وإنما السعادات المستمرة في دار الآخرة. وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر! فقال أبو سفيان: يوم بيوم، والأيام دول، والحرب سجال. فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال: إن كان الأمر كما تزعمون فقد خبنا إذا وخسرنا. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا واللام متعلقة بفعل مضمر. والتقدير وفعلنا هذه المداولة لكي يرى الله الذين أخلصوا في إيمانهم متميزين من المنافقين إذا أصابتهم المشقة كما وقع في أحد وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ أي يكرم الله من يشاء منكم بالشهادة وهم شهداء أحد وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) أي المشركين وإنما يظفرهم في بعض الأحيان استدراجا لهم وابتلاء للمؤمنين وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي ليطهرهم من ذنوبهم بما يصيبهم في الجهاد إن كانت الغلبة للكافرين على المؤمنين وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أي يهلكهم في الحرب إن كانت الغلبة للمؤمنين على الكافرين أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) والخطاب للذين انهزموا يوم أحد. أي أظننتم أن تدخلوا الجنة وتفوزوا بنعيمها والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر- أي الجمع بينهما- أي لا تحسبوا ذلك والحال أن الله تعالى لم ير المجاهدين منكم في سبيل الله يوم أحد والصابرين على قتال عدوهم مع نبيهم وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ بالشهادة في الحرب مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ أي الموت يوم أحد حيث قلتم: ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه من الكرامة وكانوا قد ألحوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحد في الخروج، ثم ظهر منهم خلاف ذلك فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ أي إن كنتم صادقين في تمنيكم الحرب فقد رأيتم الموت بمشاهدة أسبابه يوم أحد وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) إلى سيوف الكفار حين قتل أمامكم من قتل من إخوانكم، فلم انهزمتم منهم ولم تثبتوا مع نبيكم؟ وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي قد مضت من قبل محمد أمثاله من رسل الله تعالى. قال ابن عباس ومجاهد والضحّاك: لما نزل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ثم قتل على طلحة صاحب لواء الكفار، وشد الزبير والمقداد على المشركين فانهزم الكفار، ثم بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم، وفرق جمعهم، ورمى عبد الله بن قميئة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحجر فكسر رباعيته وشجّ وجهه وأقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب راية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر وأحد فقتله ابن قميئة فظن أنه قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: قد قتلت محمدا، وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل ففشا في الناس خبر قتله فهناك قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال قوم من المنافقين: لو كان محمدا نبيا لما قتل وإن كان قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول. فقال أنس بن النضر- عم أنس بن مالك-: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد حيّ لا يموت وما تصنعون في الحياة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟! قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء المسلمون وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المنافقين، ثم سلّ سيفه فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى. ثم إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس ويقول: «إليّ عباد الله» «١» فأول من عرفه صلّى الله عليه وسلّم كعب بن مالك وقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأشار إلي أن أمسك، فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم، فقالوا: يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فأنزل الله تعالى هذه الآية: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي أصرتم كفارا بعد إيمانكم إن مات محمد أو قتل كغيره من الرسل فتخالفوا سنن أتباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على ملل أنبيائهم بعد موتهم. أي لا ينبغي منكم الارتداد حينئذ لأن محمدا صلّى الله عليه وسلّم مبلّغ لا معبود وقد بلّغكم والمعبود باق فلا وجه لرجوعكم عن الدين الحق لو مات من بلغكم إياه. وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً أي ومن يرجع إلى دينه الأول- وهو الشرك- فلن ينقص الله رجوعه شيئا وإنما يهلك نفسه بإقباله على (١) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٣٢)، وابن كثير في التفسير (٢: ١١٨)، والطبري في التفسير (٤)، وابن الجوزي في زاد المسير (١: ٤٧٧)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٢٣). العذاب. وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أي الثابتين على دين الإسلام الذي هو أجل نعمة وأعز معروف كأنس بن النضر وأمثاله وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بإرادة الله وقضائه كِتاباً مُؤَجَّلًا أي كتب الله الموت كتابا مؤقتا كتابة أجله ورزقه سواء لا يسبق أحدهما الآخر. وهذا إعلام بأن الحذر لا يدفع القدر وأن أحدا لا يموت قبل الأجل، وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء فلا فائدة في الجبن والخوف وَمَنْ يُرِدْ بعمله ثَوابَ الدُّنْيا أي منفعة الدنيا نُؤْتِهِ مِنْها أي نعطه من الدنيا ما يريد مما نشاء أن نعطيه إياه وما له في الآخرة من نصيب وَمَنْ يُرِدْ بعمله ثَوابَ الْآخِرَةِ أي منفعة الآخرة نُؤْتِهِ مِنْها أي نعطه من الآخرة ما يريد مما نشاء من الأضعاف حسب ما جرى به الوعد الكريم وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) أي نعمة الإسلام الثابتين عليه الصارفين لما آتاهم الله تعالى من القوى إلى ما خلق لأجله من طاعة الله. فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين: منهم من يريد الدنيا كالذين كانوا المركز طلبا للغنيمة والثناء، وهؤلاء لا بد وأن ينهزموا. ومنهم من يريد الآخرة كالذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا والذين حضروا للدين لا بد وأن لا ينهزموا. واعلم أن هذه الآية وإن وردت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب والعقاب الدواعي. والمقصود لا ظواهر الأعمال كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات» «١». فإن من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الإسلام وإن قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قرأ ابن كثير «كائن» بألف بعد الكاف بعدها همزة مكسورة. والباقون بهمزة بعد الكاف بعدها ياء مشدودة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وقتل مبنيا للمفعول. وقتادة كذلك إلا أنه شدد التاء، وباقي السبعة «قاتل» وضمير الفعل يعود على المبتدأ والجملة خبر المبتدأ. وجملة «معه ربيون» من المبتدأ والخبر في محل نصب على الحال من ضمير الفعل، و «كثير» صفة ل «ربيون». والمعنى على القراءة الأولى وكثير من الأنبياء قتلوا وبعدهم الذين بقوا من جماعتهم فما وهنوا أي ضعفوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة (١) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ومسلم في كتاب الإمارة، باب: ١٥٥، وأبو داود في كتاب الطلاق، باب: فيما عني به الطلاق والنيّات، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد، باب: ١٦، والنسائي في كتاب الطهارة، باب: النية في الوضوء، وابن ماجة في كتاب الزهد، باب: النية، وأحمد في (م ١/ ص ٢٥).

آل عمران 3:151

محمد هكذا. قال سعيد بن جبير: ما سمعنا بنبي قتل في القتال. وقال الحسن البصري وجماعة من العظماء: لم يقتل نبي في حرب قط، والمعنى على القراءة المشهورة وكثير من نبي قاتل لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه كائنا معه في القتال جماعات كثيرة من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا أي جبنوا لأن الذي أصابهم إنما هو في طاعة الله وإقامة دينه ونصرة رسوله فكذلك ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد وَما ضَعُفُوا أي عجزوا عن قتال عدوهم وَمَا اسْتَكانُوا أي ذلوا لعدوهم كما فعلتم حين قيل: قتل نبيكم وأردتم أن تعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) على تحمل الشدائد في طريق الله أي يكرمهم ويعظمهم وَما كانَ قَوْلَهُمْ بعد ما قتل نبيهم إِلَّا أَنْ قالُوا هذا الدعاء. وقولهم بالنصب خبر لكان واسمها أن وما بعدها رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا الصغائر والكبائر وَإِسْرافَنا أي إفراطنا فِي أَمْرِنا بإتيان الذنوب العظيمة الكبيرة وَثَبِّتْ أَقْدامَنا بإزالة الخوف عن القلوب وإزالة الخواطر الفاسدة عن الصدور وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا بالنصرة والغنيمة، وقهر العدو، والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الإيمان، وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والشبهات وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ أي حكم الله لهم بحصول الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم في الآخرة وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) أي المعترفين بكونهم مسيئين، فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين كأن الله تعالى يقول لهم: إذا اعترفتم بإساءتكم وعجزكم فأنا أصفكم بالإحسان وأجعلكم أحباء لنفسي حتى تعلموا أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا أي المنافقين في قولهم للمؤمنين المنهزمين ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان محمد نبيا لما قتل يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي يرجعوكم إلى دينكم الأول. قال علي: والمراد بالذين كفروا: المنافقون، كما تقدم. وقال السدي وغيره: المراد بهم أبو سفيان بن حرب لأنه شجرة الفتن وكبير القوم في ذلك اليوم. ومعنى الآية حينئذ إن تخضعوا لأبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل: المراد عبد الله بن أبي وأتباعه من المنافقين لأنهم قالوا: لو كان محمد رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة فارجعوا إلى دينكم الذي كنتم فيه. وقال ابن عباس: والمراد بهم اليهود كعب وأصحابه. والمراد بالذين آمنوا حذيفة وعمار فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) أي فترجعوا مغبونين في الدارين بالانقياد للعدو والتذلل له وبالحرمان عن الثواب المؤبد، والوقوع في العقاب المخلد بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ أي ناصركم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) أي أقواهم بالنصرة. فلا ينبغي أن تطيعوا الكفار لينصروكم لأنهم عاجزون سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ أي سنقذف في قلوب كفار مكة المخافة منكم حتى انهزموا وذلك أن الكفار لما هزموا المسلمين في أحد أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب. حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل وقال: أين ابن أبي كبشة؟ وأين ابن أبي قحافة؟ وأين ابن الخطاب؟ فأجابه عمر ودارت كلمات بينهما وما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل والذهاب إليهم. بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ أي بعبادته سُلْطاناً أي كتابا ولا رسولا وَمَأْواهُمُ النَّارُ أي مسكنهم في الآخرة النار وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) أي وبئس مقر الكافرين النار وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ يوم أحد. نزلت هذه الآية لما رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم بأحد قال ناس من أصحابه من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ أي تقتلونهم قتلا كثيرا في أول الحرب بِإِذْنِهِ أي بعلمه ونصرته حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أي إلى أن ضعفتم في الرأي أو إلى حين الغنيمة وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي اختلفتم في أمر الحرب أو في امتثال أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذلك لأنه صلّى الله عليه وسلّم أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم ألبتة، وجعل أميرهم عبد الله بن جبير، فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون، ثم إن الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلا خيلهن فقالوا: الغنيمة الغنيمة، فقال عبد الله: عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة وبقي عبد الله مع طائفة قليلة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون. وَعَصَيْتُمْ أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالإقامة في أصل الجبل وتركتم المركز لأجل تحصيل الغنيمة مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ أي بعد ما أراكم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم النصرة والغنيمة مِنْكُمْ أي من الرماة مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا بجهاده، وهم الذين تركوا المركز لأجل الغنيمة وَمِنْكُمْ أي من الرماة مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ بجهاده وهم الذين ثبتوا مكانهم حتى قتلوا وهم عبد الله بن جبير وأصحابه ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي ثم رد المسلمين عن الكفار وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم لِيَبْتَلِيَكُمْ أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا إلى الله وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره وملتم فيه إلى الغنيمة وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ لما علم من ندمكم على المخالفة وتفضلا منه تعالى وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) حيث لم يستأصل الرماة إِذْ تُصْعِدُونَ أي تذهبون في الأرض وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي ولا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي وهو واقف في آخركم وكان يقول: «إلىّ عباد الله، إليّ عباد الله أنا رسول الله من يقرّ فله الجنة» «١» فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أي جازاكم الله عما حصل لكم بسبب الانهزام، وقتل (١) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٣٢)، وابن كثير في [.....] الأحباب، وفوت الغنائم بغم حصل للرسول بسبب عصيانكم أمره لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ من القتل والجراحة. قال أبو السعود: أي لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع فات أو ضر آت وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) أي عالم بأعمالكم ومقاصدكم قادر على مجازاتها إن خيرا فخير وإن شرا فشر ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً من العدو نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ أي يأخذ النعاس المهاجرين وعامة الأنصار وَطائِفَةٌ وهم المنافقون عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي أوقعهم في الهموم لأن أسباب الخوف وهي قصد العدو كانت حاصلة لهم والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ورسوله غير معتبر عندهم لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم فلذلك عظم الخوف في قلوبهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أي كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا اعتراض لأحد عليه، فإن النبوة خلعة من الله تعالى يشرف عبده بها وليس يجب في العقل أن الله تعالى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الإلهية يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي هل لنا من النصر الذي وعدنا به محمد نصيب قط. وهذا الكلام إن كان قائله من المنافقين كعبد الله بن أبي فإنما قاله طعنا في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وفي الإسلام وإن كان من المؤمنين المحققين كان غرضه منه إظهار الشفقة أنه متى يكون الفرج ومن أين يكون تحصل النصرة. قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ أي التدبير كُلَّهُ لِلَّهِ فإنه تعالى قد دبر الأمر كما جرى في سابق قضائه فلا مرد له يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ أي يقولون فيما بينهم بطريق الخفية مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب مخافة القتل يَقُولُونَ أي معتب بن قشير وعبد الله بن أبي: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي لو كان لنا من التدبير والرأي شيء ما قتل من قتل منا في هذه المعركة وما غلبنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ أي قل يا أشرف الخلق لهم لو جلستم في بيوتكم في المدينة لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل إلى مصارعهم أي أماكنهم التي ماتوا فيها عند أحد حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد فإن الحذر لا يدفع القدر والتدبير لا يقاوم التقدير فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا لأن الله تعالى لما أخبر يقتل فلو لم يقتل لا نقلب علمه جهلا وذلك محال وَفرض الله عليكم القتال ولم ينصركم يوم أحد لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ أي ليعاملكم من يختبر ما في قلوبكم من الإخلاص والنفاق التفسير (٢: ١١٨)، والطبري في التفسير (٤)، وابن الجوزي في زاد المسير (١: ٤٧٧)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٢٣). وليظهر ما فيها من السرائر وفي المثل المشهور لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي يخلصها من الوساوس وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) أي بما في القلوب من الخير والشر إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ أي انهزموا يوم أحد وهم عثمان بن عفان، ورافع بن المعلى وخارجة بن زيد يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع محمد صلّى الله عليه وسلّم وجمع أبي سفيان إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ أي أزالهم الشيطان بوسوسته أن محمدا قتل بِبَعْضِ ما كَسَبُوا أي بشؤم بعض ما كسبوا من الذنوب بترك المركز وبالحرص على الغنيمة أو على الحياة وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ لتوبتهم واعتذارهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب حَلِيمٌ (١٥٥) أي لا يعجل لهم بالعقوبة وأما الذين ثبتوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين: أبو بكر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام. وسبعة من الأنصار: الخباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا أي في نفس الأمر وهم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي لأجل إخوانهم في النسب أو في الكفر والنفاق إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أي ساروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا أَوْ كانُوا غُزًّى فقتلوا لَوْ كانُوا عِنْدَنا أي مقيمين في المدينة ما ماتُوا في سفرهم وَما قُتِلُوا في غزواتهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ أي ظنهم أن إخوانهم لو لم يسافروا ولم يحضروا القتال لعاشوا حَسْرَةً أي حزنا فِي قُلُوبِهِمْ واللام لام العاقبة أي أنهم قالوا ذلك لإعماء قلوب المسلمين ليضيق صدرهم وليتخلفوا عن القتال فلما كان المؤمنون لم يلتفتوا إلى قولهم فيضيع سعيهم، ويبطل كيدهم فتحصل الندامة في قلوبهم وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد ومن قدر له الموت لم يبق وإن لم يجاهد فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الخوف، ويميت القاعد عن القتال والمقيم مع حيازتهما لأسباب السلامة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) فيجازيهم على قولهم واعتقادهم ويجازيكم أن تماثلوهم في ذلك وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في الجهاد أَوْ مُتُّمْ في سفركم للغزو مع الكفار أو في بيوتكم وكنتم مخلصين من النفاق لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ منه لكم خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) أي مما تجمعونه أنتم لو لم تموتوا من الأموال التي تعد خيرات. وقرأ حفص عن عاصم بالغيبة أي خير مما يجمعه هؤلاء الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم. قال الفخر الرازي: والأصوب عندي أن اللام في «ولئن» للتأكيد فيكون المعنى إن وجب أن تموتوا أو تقتلوا في سفركم وغزوكم فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة والرحمة فلماذا تحترزون عن الموت والقتل بل ذلك مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون لأن الموت الذي يستحق الثواب العظيم كان خيرا من الموت من غير فائدة وَلَئِنْ مُتُّمْ في حضر أو سفر أَوْ قُتِلْتُمْ في الجهاد أو غيره لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فجميع العالمين يوفقون في عرصة القيامة وبساط العدل فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل والله تعالى يحكم بين عبيده بالعدل. واعلم أن الله تعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالمغفرة والرحمة وفي هذه الآية بالحشر إلى الله زيادة في إعلاء الدرجات. يروى «أن عيسى ابن مريم مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ورأى عليهم آثار العبادة فقال: ماذا تطلبون؟ فقالوا: نخشى عذاب الله، فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه. ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة، فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته. ثم مر بقوم ورأى آثار العبودية عليهم أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة، فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقّون». فقوله تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ إشارة إلى من يعبده خوفا من عقابه. وقوله: وَرَحْمَةٌ إشارة إلى من يعبده لطلب ثوابه. وقوله تعالى: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ إشارة إلى من يعبد الله لمجرد الربوبية وهذا أعلا المقامات وأبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة، فهؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعة الله ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه واستئناسهم بكرمه وتمتعهم بشروق نور ربوبيته فَبِما رَحْمَةٍ فما استفهام للتعجب تقديره فبأي رحمة مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وذلك لأنه لما كانت جنايتهم عظيمة ثم إنه صلّى الله عليه وسلّم لم يظهر تغليظا في القول ألبتة علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا باللسان غَلِيظَ الْقَلْبِ أي قاسية لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي لتفرقوا من عندك ولم يسكنوا إليك ولو يسكنوا إليك ولو انفضوا من حولك فات المقصود من الرسالة فَاعْفُ عَنْهُمْ فيما يتعلق بحقوقك وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ من الله تعالى فيما يتعلق بحقوقه تعالى إتماما للشفقة عليهم وإكمالا للبر بهم وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فإن المشاورة تقتضي شدة محبتهم له صلّى الله عليه وسلّم لأنها تدل على رفعة درجتهم فترك المشاورة معهم إهانة لهم قال صلّى الله عليه وسلّم: «ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم» . فَإِذا عَزَمْتَ عقب المشاورة على شيء فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في إمضاء أمرك على ما هو أصلح وليس التوكل إهمال التدبير بالكلية وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل بل التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول بقلبه على عصمة الله وإعانته إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) عليه تعالى فينصرهم ويرشدهم إلى ما فيه خير لهم وصلاح إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ أي إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أي يترك الله نصرتكم كيوم أحد فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أي فلا أحد ينصركم على عدوكم من بعد

آل عمران 3:161

خذلانه تعالى وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) بالنصرة وغيرها وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين، أي وما جاز لنبي أن يخون أمته في الغنائم. قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر. فقال صلّى الله عليه وسلّم لهم: «ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟». فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا. فقال صلّى الله عليه وسلّم: «ظننتم أنا نغفل فلا نقسم لكم». فنزلت هذه الآية . وقرأ الباقون من السبعة «يغل» بضم الياء وفتح الغين أي وما جاز لنبي أن يخان لأن الوحي كان يأتيه حالا فحالا فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا ولأن الخيانة في حقه صلّى الله عليه وسلّم أفحش لأنه أفضل البشر، ولأن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، كما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما وقعت في يده يوم حنين غنائم هوازن غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ أي يأت بالذي غله بعينه يحمله على عنقه يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ أي تعطى وافيا ما كَسَبَتْ أي جزاء ما عملت من الغلول وغيره وَهُمْ أي كل نفس لا يُظْلَمُونَ (١٦١) بزيادة عقاب أو بنقص ثواب لأنه تعالى عادل في حكمه أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ أي أمن اتقى فاتبع رضوان الله بالإيمان به والعمل بطاعته كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ أي كمن استحق سخطا من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته وَمَأْواهُ أي الغال أو من استوجب سخط الله جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) جهنم هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي الفريقان مختلفون في درجات الثواب والعقاب في حكم الله وعلمه باختلاف مراتب الطاعات والمعاصي وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) أي بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم بحسبها لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي لقد أحسن إليهم إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي بعث آدميا ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله من أول العمر إلى آخره أنه ملازم الصدق والأمانة وهو صار شرفا للعرب وفخرا لهم، وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه اليهود والنصارى والعرب، ثم إن اليهود يفتخرون بموسى والتوراة والنصارى يفتخرون بعيسى والإنجيل فما كان للعرب ما يقابل ذلك فلما بعث الله محمدا وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم. فهذا وجه الفائدة في قوله تعالى من أنفسهم: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي القرآن. أي يبلغ الوحي من عند الله إلى الخلق بالأمر والنهي وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم بالتوحيد من الشرك وبأخذ الزكاة من الذنوب ويكمل نظرهم بحصول المعارف الإلهية وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي ظواهر الشريعة أو يعرفهم التأويل وَالْحِكْمَةَ أي محاسن الشريعة وأسرارها وعللها وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ أي والحال أنهم كانوا من قبل بعثته صلّى الله عليه وسلّم لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أو المعنى وما كانوا من قبل مجيء محمد والقرآن إلا في ضلال بيّن وذلك لأن دين العرب قبل ذلك كان أرذل الأديان- وهو عبادة الأوثان- وأخلاقهم أرذل الأخلاق- وهو الغارة والنهب، والقتل وأكل الأطعمة الرديئة- ثم لما بعث الله سيدنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم إليهم انتقلوا ببركته من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أحسنها، وصاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى الدنيا وطيباتها ولا شك أن هذا أعظم المنة. أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا أي أقلتم متعجبين من أين أصابنا هذا ونحن ننصر الإسلام الذي هو دين الحق ومعنا الرسول وهم ينصرون دين الشرك بالله فكيف صاروا منصورين علينا وقد تقدم الوعد بالنصر حين أصابكم من المشركين نصف ما قد أصابهم منكم قبل. وذلك لأن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين. والأسير في حكم المقتول لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد. قُلْ هُوَ أي حصول هذا الأمر مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي بشؤم معصيتكم بترككم المركز وحرصكم على الغنيمة إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) فإنه قادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم كما هو قادر على التخلية بينكم وبين عدوكم إذا خالفتم وعصيتم وَما أَصابَكُمْ في أحد من القتل والجراحة يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع محمد وجمع أبي سفيان فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي فهو بقضائه وإرادته وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ أي وليظهر الله للناس الثابتين على الإيمان والذين أظهروا النفاق والامتناع من الجهاد مع وجود الطلب. وهم عبد الله بن أبي وأصحابه حيث رجعوا يوم أحد إلى المدينة قال لهم عبد الله بن جبير أو عبد الله بن عمرو بن حرام- والد جابر بن عبد الله الأنصاري -: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو تَعالَوْا إلى أحد قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا أي كونوا إما من رجال الدين وإما من رجال الدنيا فإن كان في قلبكم حب الدين والإسلام فقاتلوا لهما في طاعة الله، وإن لم تكونوا كذلك فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم وبلدكم. قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا أي لو نحسن قتالا ونقدر عليه لَاتَّبَعْناكُمْ إلى أحد هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ أي هم للكفر يوم إذ قالوا ما قالوا أقرب منهم للإيمان، فإنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الإيمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم، فلما رجعوا عن عسكر المسلمين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين وأيضا قولهم ذلك يدل على كفرهم لأنه إما على السخرية بالمسلمين، وإما على عدم الوثوق بقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكل واحد منهما كفر. يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فإنهم أظهروا أمرين ليس في قلوبهم واحد منهما. أحدهما: عدم العلم بالقتال. والآخر: الاتباع على تقدير العلم به. وقد كذبوا فيهما فإنهم عالمون بالقتال غير ناوين للاتباع بل كانوا مصرين على الانخزال عازمين على الارتداد. وَاللَّهُ

آل عمران 3:171

أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) أي يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره الَّذِينَ قالُوا أي الذين نافقوا، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه لِإِخْوانِهِمْ أي لأجل إخوانهم وهم من قتل يوم أحد من جنسهم أو أقاربهم وَقد قَعَدُوا عن القتال بالانخذال: لَوْ أَطاعُونا أي فيما أمرناهم به ووافقونا في ذلك ما قُتِلُوا كما لا نقتل قُلْ للمنافقين فَادْرَؤُا أي ادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨) في أن القعود ينجي منه. وروي أنه أنزل الله بهم الموت، فمات منهم يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا من غير قتال ومن غير خروج لإظهار كذبهم وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً نزلت هذه الآية في حق قتلى أحد وكانوا سبعين رجلا: أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان، وعبد الله بن جحش، وباقيهم من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وأما شهداء بدر فنزلت فيهم آية البقرة ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله الآية بَلْ هم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) التحف من الجنة. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال في صفة الشهداء إن أرواحهم في أجواف طير خضر وأنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله». ثم قال: «ما تريد يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟» فقال: يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وهو شرف الشهادة والقرب من الله والتمتع بالنعيم المخلد عاجلا وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) أي أن الشهداء يقول بعضهم لبعض تركنا إخواننا فلانا وفلانا في صف المقاتلة مع الكفار فيقتلون إن شاء الله، فيصيبون من الرزق والكرامة ما أصبنا. أي يفرحون بحسن حال إخوانهم الذين تركوهم في الدنيا بدوام انتفاء الخوف والحزن وبلحوقهم بهم لأن الله بشرهم بذلك يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بثواب أعمالهم من الله وَفَضْلٍ أي زيادة عظيمة من الكرامة وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) من الشهداء وغيرهم الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ في أحد. منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والزبير وسعد وطلحة وابن عوف وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح وجابر بن عبد الله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ في طاعة الرسول في ذلك الوقت وَاتَّقَوْا في التخلف عن الرسول أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢). روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم! بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم. فهموا بالرجوع، فبلغ ذلك الرسول صلّى الله عليه وسلّم فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة. فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: «لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال بالأمس» فخرج الرسول صلّى الله عليه وسلّم مع قوم من أصحابه قيل: كانوا سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال على يسار الطريق لمن أراد ذا الحليفة، وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، فألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت هذه الآية: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ وهو أعرابي من خزاعة أو جماعة راكبون من عبد القيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي إِنَّ النَّاسَ أي أبا سفيان وأصحابه قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ في اللطيمة وهي سوق في قرب مكة فَاخْشَوْهُمْ بالخروج إليهم. روي أن أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر إن شئت. فقال صلّى الله عليه وسلّم لعمر: «قل بيننا وبينك ذلك إن شاء الله تعالى». فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه وبدا له أن يرجع، فمر به ركب من بني عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين، وقيل: لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال: يا نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب وقد بدا لي أن أرجع، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل فخرج نعيم حتى أتى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبا سفيان بموسم بدر أن نقتتل فيها، فقال لهم: ما هذا بالرأي! أتوكم في دياركم وقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد. فوقع هذا الكلام في قلوب بعضهم فكره الخروج. فلما عرف الرسول صلّى الله عليه وسلّم ذلك قال: «والذي نفس محمد بيده لأخرجن إليهم ولو لم يخرج معي أحد». فخرج في سبعين راكبا، وباقي الجماعة يمشون وفيهم ابن مسعود فذهبوا وكلهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل. إلى أن وصلوا إلى بدر وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام فأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببدر ينتظر أبا سفيان ثمان ليال ولم يلق أحدا من المشركين، ووافقوا السوق وباعوا ما كان معهم من التجارات واشتروا أدما وزبيبا بحوافي الدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين كما قال تعالى : فَزادَهُمْ إِيماناً أي زادهم هذا الكلام المخوف جراءة بالخروج إليهم وعزما متأكدا على محاربة الكفار وعلى طاعة الرسول وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي كافينا الله وثقتنا به وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) أي الكفيل بالنصرة والكافي فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي فخرجوا إلى بدر فرجعوا من بدر ملتبسين بسلامة وثواب من الله وَفَضْلٍ أي ربح في التجارة لَمْ يَمْسَسْهُمْ أي لم يصبهم في الذهاب والمجيء سُوءٌ أي قتل ولا جراح وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ في طاعة رسوله وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) يدفع العدو عنهم ويعطيهم ثواب الغزو ويرضى عنهم إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ. قرأ ابن عباس وابن مسعود «يخوفكم أولياءه». وقرأ أبي بن كعب «يخوفكم بأوليائه»، أي ذلكم المثبط الشيطان يحوفكم أيها المؤمنون المشركين أبا سفيان وأصحابه. وقال الحسن والسدي: معنى هذه الآية الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويختارون أمره- وهم المنافقون- ليقعدوا عن قتال المشركين. فأما أولياءه الله فإنهم لا يخافون الكفار إذا خوّفهم الشيطان ولا ينقادون لأمره فَلا تَخافُوهُمْ أي أولياء الشيطان بالخروج إليهم وَخافُونِ في مخالفة أمري بالجلوس إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) فإن الإيمان يقتضي تقديم خوف الله على خوف الناس ويستلزم عدم الخوف من شر الشيطان وأوليائه وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. قرأ نافع «يحزنك» بضم الياء وكسر الزاي في جميع ما في القرآن إلا قوله تعالى لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الآية: ١٠٣] في سورة الأنبياء فإنه فتح الياء وضم الزاي كباقي القراء في جميع ما في القرآن إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً. اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية فقيل: إنها نزلت في شأن كفار قريش والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم. والمعنى لا يحزنك من يسارع في الكفر بنصرته بأن يقصد جمع العساكر بمحاربتك وإبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة. وهذا المقصود لا يحصل لهم بل يضمحل أمرهم وتزول شوكتهم ويعظم أمرك ويعلو شأنك فإنهم لن يضروا الله شيئا بهذا الصنيع وإنما يضرون أنفسهم. وقيل: نزلت في شأن المنافقين إنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب وقعة أحد ويؤيسونهم من النصر والظفر. وقيل: نزلت في شأن رؤساء اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه الذين كتموا صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم لمتاع الدنيا يُرِيدُ اللَّهُ بذلك أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا من الثواب فِي الْآخِرَةِ أي الجنة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) في النار إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) قال ابن عباس: هم المنافقون اختاروا الكفر على الإيمان فإنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان، فإذا خلوا إلى شيطانهم كفروا وتركوا الإيمان فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. ويمكن حمل هذه الآية على اليهود، ومعنى اشتراء الكفر بالإيمان منهم أنهم كانوا يعرفون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويؤمنون به قبل مبعثه، ويستنصرون به على أعدائهم فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ أي نمهل لهم بتطويل الأعمار خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً أي ذنبا في الدنيا ودركات في الآخرة وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) يهانون به يوما فيوما وساعة بعد ساعة. قال الفخر الرازي: بيّن الله تعالى في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين عن القتال ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا في أحد لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة. وقتل أولئك الذين قتلوا في أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل. قرأ ابن كثير وأبو عمرو في الأربعة: «ولا تحسبن الذين كفروا»، ولا تحسبن الذين يبخلون، لا تحسبن الذين يفرحون ف «لا تحسبنهم» بالتاء وضم الباء في قوله تعالى: «تحسبنهم». وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله: «فلا تحسبنهم» فإنه بالتاء. وقراءة حمزة كلها بالتاء. وقيل: نزلت الآية من قوله: وَلا يَحْزُنْكَ إلى هاهنا في حق مشركي أهل مكة يوم أحد. ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ أي ليترك المخلصين عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أيها الناس من اختلاط المنافقين بالمخلصين وإظهارهم أنهم من أهل الإيمان حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ أي المنافق مِنَ الطَّيِّبِ أي المؤمن بإلقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة، فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وتصديق الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومن كان منافقا ظهر نفاقه وكفره أو بالقرائن فإن المسلمين كانوا يفرحون بنصرة الإسلام وقوته والمنافقين كانوا يغتمون بذلك وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ أي إن عادة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات من التكاليف الشاقة كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع على الغيب فهو من خواص الأنبياء فلهذا قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فخصّهم بإعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق، أو المعنى فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان بالامتحان. أو المعنى وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة، ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي لما طعن المنافقون في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم بوقوع الحوادث المكروهة في أحد بين الله تعالى أنه كان فيها مصالح منها تمييز الخبيث من الطيب، ولم يبق بعد جواب هذه الشبهة إلا أن تؤمنوا بالله ورسله وَإِنْ تُؤْمِنُوا حق الإيمان وَتَتَّقُوا أي الكفر والنفاق فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) أي ثواب وافر في الجنة وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ أي لا يتوهمن هؤلاء البخلاء ببذل المال في الجهاد أن بخلهم هو خير لهم بل هو شرّ لهم لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي سيجعل ذلك المال طوقا من النار في عنقهم. وقيل: إن المراد البخل بالعلم وذلك لأن اليهود كانوا يكتمون نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم فكان ذلك الكتمان بخلا فحينئذ كان معنى سيطوقون أن

آل عمران 3:181

الله تعالى يجعل في رقابهم طوقا من نار. قال صلّى الله عليه وسلّم: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة» «١». والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام لأنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق. وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي له تعالى ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من البخل والسخاء خَبِيرٌ (١٨٠) فيجازيكم عليه أو فيجازيهم عليه. لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا أي فنحاص بن عازوراء- كما قاله ابن عباس والسدي- أو حيي بن أخطب- كما قاله قتادة- أو كعب بن الأشرف كما نقله ابن عساكر. روي أنه صلّى الله عليه وسلّم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فقال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حتى سألنا القرض. فلطمه أبو بكر في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك. فشكاه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنكر ما قاله فنزلت هذه الآية تصديقا لأبي بكر رضي الله عنه والجمع حينئذ مع كون القائل واحدا لرضا الباقين بذلك: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ محتاج يطلب منا القرض وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ولا نحتاج إلى قرضه سَنَكْتُبُ ما قالُوا أي من العظيمة الشنعاء في صحائف الحفظة ليقرأوا ذلك يوم القيامة أو سنحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه ولا نهمله، أو المراد سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدة جهلهم وطعنهم في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم بكل ما قدروا عليه وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ في اعتقادهم كما في نفس الأمر أي نكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء بغير جرم. أو المعنى سنحفظ عن الفريقين معا أقوالهم وأفعالهم وَنَقُولُ عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب أو عند الإلقاء في النار ويحتمل أن يكون هذا القول كناية عن حصول الوعيد، وإن لم يكن هناك قول. وقرأ حمزة «سيكتب» بالياء وضمها على لفظ ما لم يسم فاعله وقتلهم برفع اللام ويقول بالياء. والباقون بالنون ونصب اللام من قتلهم. وقرأ الحسن والأعرج «سيكتب» بالياء وبالبناء للفاعل ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) أي المحرق ذلِكَ أي العذاب المحرق بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي بسبب ما اقترفتموه من التفوه بتلك العظيمة وغيره من المعاصي وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم. الَّذِينَ قالُوا نصب على الذم أو جر نعتا ل «الّذين» الأول. أي لقد سمع الله قول الذين قالوا. (١) رواه أبو داود في كتاب العلم، باب: كراهية منع العلم، والترمذي في كتاب العلم، باب: ٣، وابن ماجة في المقدّمة، باب: من سئل عن علم فكتمه، وأحمد في (م ٢/ ص ٢٦٣). قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حق كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا، وزيد بن التابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحيي بن أخطب وغيرهم، أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابا وقد عهد الله إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ويكون لها دوي خفيف تنزل من السماء، فإن جئتنا بهذا صدقناك فنزلت هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا في الكتاب أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ أي لا نصدق أحدا بالرسالة حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ما كان عليه أمر أنبياء بني إسرائيل حيث كان يقرب بالقربان من النعم أو من الصدقات- غير الحيوان- فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء أي لا دخان لها ولها دوي، فتأكل القربان أي تحرقه وهذا من أباطيلهم فإن أكل النار القربان لم يجب الإيمان إلا لكونه معجزة، فهو وسائر المعجزات سواء. وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد صلّى الله عليه وسلّم وطلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد ولذلك رد الله عليهم بقوله: قُلْ يا أشرف الخلق قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات الواضحة وَبِالَّذِي قُلْتُمْ وهو القربان الذي تأكله النار فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) في مقالتكم إنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه فإن زكريا ويحيى وعيسى وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام قد جاءوكم بما قلتم في معجزات أخر فما لكم لم تؤمنوا لهم حتى اجترأتم على قتلهم فَإِنْ كَذَّبُوكَ في أصل النبوة والشريعة فتسل فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات وَالزُّبُرِ أي الصحف كصحف إبراهيم وموسى وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) أي الواضح وهو التوراة والإنجيل والزبور. وقرأ ابن عامر «بالزبر» بإعادة الباء كقراءة ابن عباس دلالة على المغايرة. وقرأ هشام «وبالكتاب» بإعادة الباء. والباقون بغير الباء فيهما كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي كل حيوان حاضر في دار التكليف يذوق الموت. وروي عن الحسن أنه قرأ «ذائقة الموت» بالتنوين ونصب الموت. وقرأ الأعمش بطرح التنوين مع نصب «الموت». وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي وإنما تعطون أجزية أعمالكم على التمام يوم قيامكم من القبور. وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله كما يدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» «١» فَمَنْ زُحْزِحَ أي أبعد عَنِ النَّارِ بالتوحيد والعمل الصالح وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ أي نال غاية مقصوده. وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أحبّ أن يزحزح عن النار (١) رواه الترمذي في كتاب القيامة، باب: ٢٦. ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» «١». وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) أي ليس ما في الدنيا من النعيم إلا كمتاع البيت في بقائه مثل الخزف والزجاجة وغير ذلك أي إن العيش في هذه الدنيا يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء وسينقطع عن قريب فوصفت بأنها متاع الغرور لأنها تغر ببذل المحبوب، وتخيل للإنسان أنه يدوم وليس بدائم. قال بعضهم: الدنيا ظاهرها مطيّة السرور وباطنها مطية الشرور. قال سعيد بن جبير: إن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة وأما من طلب الآخرة بها فإنها نعم المتاع لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ أي والله لتختبرن في ذهاب أموالكم بالمهلكات كالغرق والحرق وبالتكاليف كالزكاة والجهاد، وفي ما يصيب أنفسكم من البلايا كالأمراض والأوجاع والقتل والضرب ومن التكاليف كالصلاة والجهاد والصبر فيهما. وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً أي ولتسمعن من اليهود والنصارى ومشركي العرب: أنواع الإيذاء من الطعن في الدين الحنيف، والقدح في أحكام الشرع الشريف، وصدّ من أراد أن يؤمن، وتخطئة من آمن وما كان من كعب بن الأشرف وأضرابه من هجاء المؤمنين وتشبيب نسائهم، وتحريض المشركين على مضادة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحو ذلك مما لا خير فيه. وَإِنْ تَصْبِرُوا على تلك البلوى وأذى الكفار وتستعملوا احتمال المكروه ومداراة الكفار في كثير من الأحوال وَتَتَّقُوا أي تحترزوا عما لا ينبغي وعن المداهنة مع الكفار وعن السكوت عن إظهار الإنكار فَإِنَّ ذلِكَ أي الصبر والتقوى مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) أي من حزم أمور المؤمنين وخيرها ومن صواب التدبير. أو المعنى فإن ذلك ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به ومما يجب أن يعزم عليه كل أحد لأنه حميد العاقبة. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ أي واذكر وقت أخذه تعالى العهد على علماء اليهود والنصارى لتذكرن الآيات الدالة على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم من التوراة والإنجيل وللناس، ولا تلقوا فيها التأويلات الفاسدة والباطلة. قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم وأبو عمرو بالغيبة في الفعلين. والباقون بالخطاب فيهما. فَنَبَذُوهُ أي طرحوا الميثاق وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي فلم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي الكتاب ثَمَناً قَلِيلًا أي شيئا تافها من الدنيا أي أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) أي بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن فكل من لم يبين الذي للناس وكتم (١) رواه ابن ماجة في كتاب الفتن، باب: ما يكون من الفتن، ومسلم في كتاب الإمارة، باب: ٤٦، والنّسائي في كتاب البيعة، باب: ذكر ما على من بايع الإمام وأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، وأحمد في (م ٢/ ص ١٦١). شيئا منه لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطييب قلوبهم أو لجر منفعة أو لخوف، أو لبخل للعلم دخل تحت هذا الوعيد. قال صلّى الله عليه وسلّم: «من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار» «١». وعن محمد بن كعب قال: لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل. وكان قتادة يقول: طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع هذا علم علما فبذله وهذا سمع خبرا فوعاه. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما فعلوا من تحريف نصوص التوراة وتفسيرها بتفسيرات باطلة وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا أي يحبون أن يوصفوا بالدين والفضل والعفاف والصدق. فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ أي بمباعدة مِنَ الْعَذابِ. وقيل: نزلت هذه الآية في شأن المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث إنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا، ثم كانوا يتوقعون من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يحمدهم على الإيمان الذي لم يكن موجودا في قلوبهم. ولا شك أن هذه الآية واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله بالصبر على أذاهم فإن أكثر المنافقين كانوا من اليهود. والأولى إجراء الموصول على العموم فيشتمل على كل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من سداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والإقبال على طاعة الله. وقرأ حمزة وعاصم والكسائي «تحسبن» و «تحسبنهم» بالتاء الفوقية وكلاهما بفتح الباء، والتقدير: لا تحسبن يا محمد أو أيها السامع أو كلاهما بضم الباء، والخطاب للمؤمنين والمفعول الأول: «الذين يفرحون»، والثاني: «بمفازة». وقوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تأكيد والفاء مقحمة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء التحتية، وكلاهما بفتح الباء، والفاعل للرسول وبضمها والفاعل من يتأتى منه الحسبان أو بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو، والفاعل هو الموصول والمفعول الأول محذوف، والتقدير ولا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب. ويجوز أن يحمل الفعل الأول على حذف المفعولين معا اختصارا لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما. أي لا يحسبن هؤلاء أنفسهم فائزين أو على أن الفعل الأول مسند للرسول أو لكل حاسب ومفعوله الأول الموصول والثاني محذوف مفعول الفعل الثاني عليه، والفعل الثاني مسند إلى ضمير الموصول، والفاء للعطف لظهور تفرع عدم (١) رواه أبو داود في كتاب العلم، باب: كراهية منع العلم، والترمذي في كتاب العلم، باب: ٣، وابن ماجة في المقدّمة، باب: من سئل عن علم فكتمه، وأحمد في (م ٢/ ص ٢٦٣).

آل عمران 3:191

حسبانهم على عدم حسبانه صلّى الله عليه وسلّم ومفعولاه ما بعده وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) أي وجيع في الآخرة وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي له تعالى السلطان القاهر فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيفما يشاء إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة، تعذيبا وإثابة، وهو تعالى يملك ما فيهما من خزائن المطر والنبات والرزق وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) فلا يشذ من ملكوته شيء من الأشياء وكل ما سواه تعالى مقدور له تعالى. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في إنشائهما على ما هما عليه في ذواتهما وصفاتهما وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي في تعاقبهما في وجه الأرض وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها. الناشئين من حركات السموات وسكون الأرض أو في تفاوتهما بازدياد وانتقاص باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة أو في اختلافهما بحسب الأمكنة لَآياتٍ كثيرة عظيمة دالة على وحدانيته تعالى وقدرته تعالى لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) أي لذوي العقول. المتفكرين في بدائع صنائع الملك الخلاق. المتدبرين في حكمه المودعة في الأنفس والآفاق. وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «بينما رجل مستلق على فراشه، إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء وقال: أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له» «١». وقال: «لا عبادة كالتفكر» «٢». وحكي أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبد في تلك المدة فتى من فتيانهم فما أظلته سحابة، فقالت له أمه: لعل فرطة صدرت منك في مدتك. فقال: ما أذكر. قالت: لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر! قال: نعم، قالت: فما أتيت إلا من ذلك. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ أي الذين لا يغفلون عن الله تعالى في جميع أوقاتهم لاطمئنان قلوبهم بذكره تعالى، واستغراق سرائرهم في مراقبته لما أيقنوا بأن كل ما سواه فائض منه وعائد إليه فلا يشاهدون حالا من الأحوال في أنفسهم ولا في الآفاق إلا وهم يعاينون في ذلك شأنا من شؤونه تعالى. فالمراد ذكره تعالى مطلقا سواء كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات والأفعال وسواء قارنه الذكر اللساني أولا. وتخصيص الأحوال المذكورة بالذكر ليس لتخصيص الذكر بها بل لأنها الأحوال المعتادة التي لا يخلو عنها الإنسان غالبا. والمراد تعميم الذكر للأوقات. قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله» «٣» (١) رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن (١٠٥)، والقرطبي في التفسير (٤: ٣١٤). (٢) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠: ٢٨٣)، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (٤: ٢٢١). (٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠: ٣٠٢)، وابن عبد البر فيه التمهيد (٦: ٥٨)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٥: ٦)، والمتقي الهندي في كنز العمال (١٨٨٧)، والعراقي في وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وعلى وفق هذه الآية قوله صلّى الله عليه وسلّم: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق» «١» أي لأن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة، وإنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة. فإذا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عرف نفسه عرف ربه» «٢». معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم، ومن عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء. فكان التفكر في الخالق ممكنا من هذا الوجه، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن ألبتة فإذا لا تتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول: إنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا في الجهة. ولا شك أن حقيقة المخصوصة مغايرة لهذه السلوب، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها فيصير العقل كالواله فلهذا السبب نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن التفكر في الله وأمر بالتفكر في المخلوقات. فلهذه الدقيقة أمر الله في هذه الآية بذكره ولم يأمر بالتفكر فيه بل أمر بالتفكر في مخلوقاته. قال بعض العلماء: «الفكرة تذهب الغفلة وتجلب للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع». وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تفضلوني على يونس بن متّى فإنه كان يرفع كل يوم مثل عمل أهل الأرض» «٣». أي وذلك لأن عمله هو التفكر في معرفة الله لأنه لا يقدر أحد أن يعمل بجوارحه مثل ما عمل أهل الأرض، وإنما هو عمل القلب. واعلم أن دلائل التوحيد محصورة في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس. ولا شك أن دلائل الآفاق أعظم وأعجب فلو أن الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة رأى في تلك الورقة عرقا واحدا ممتدا في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم يتشعب منها عروق دقيقة ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكما بالغة وأسرارا عجيبة، ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة الورقة المغني عن حمل الأسفار (١: ٢٩٦)، والسيوطي في الدر المنثور (٥: ٢٠٥)، والقرطبي في التفسير (١٥: ٢٨٨). (١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١: ١٦٢)، والسيوطي في الدر المنثور (٢: ١١٠)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٥٧٠٦). (٢) رواه السيوطي في الحاوي للفتاوي (٢: ٤١٢)، والعجلوني في كشف الخفاء (٢: ٣٦٢)، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة (٣٥١). (٣) رواه القاضي عياض في الشفا (١: ٢٦٥)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢: ١٠٥). لعجز. فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة، فإذا قاس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن، والنبات والحيوان عرف أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض. وإذا عرف بهذا البرهان قصور عقله لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجلّ من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين بل يسلم أن في كل ما خلقه الله تعالى حكما بالغة وأسرار عظيمة ولا سبيل له إلى معرفتها فعند هذا يقول: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا أي المخلوق العجيب باطِلًا أي بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ومدارا لمعايش العباد ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد سُبْحانَكَ وهذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض أي إن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر. وهو أن خالقها ما خلقها باطلا بل خلقها لحكم عجيبة وأسرار عظيمة وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) أي ادفع عنا عذاب النار لأنه جزاء من عصى ولم يطع. اعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى وأبدانهم في طاعة الله وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله ذكر أنهم مع هذه الطاعة يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار لأنه يجوز على الله تعذيبهم لأنه لا يقبح من الله شيء أصلا رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وَما لِلظَّالِمِينَ أي الكافرين مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) يمنعونهم من عذاب الله تعالى رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي سمعنا نداء مناد وهو كما قال محمد بن كعب القرآن المجيد يدعو الناس إلى الإيمان أي آمنوا بمتولي أموركم. فَآمَنَّا أي فامتثلنا أمره وأجبنا نداءه رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي كبائرنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا أي صغائرنا. وقيل: المراد بالأول ما يزول بالتوبة، وبالثاني ما تكفره الطاعة العظيمة. وقيل: المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية، وبالثاني ما أتى به الإنسان مع جهله بذلك وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) أي على مثل أعمالهم لنكون في درجاتهم يوم القيامة. أو المعنى توفنا على الإيمان، واجمعنا مع أرواح النبيين والصالحين رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ والجار والمجرور متعلق بوعدتنا أي وعدتنا على تصديق رسلك أو بمحذوف وقع صفة لمصدر مؤكد محذوف أي وعدتنا وعدا كائنا على ألسنة رسلك. وقيل: والمعنى وفقنا للأعمال التي نصير بها أهلا لوعدك من الثواب، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب والخزي وَلا تُخْزِنا أي لا تفضحنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) وهذا يدل على أن المقتضى لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق وفي الآثار عن جعفر الصادق من حزبه أمر فقال: ربنا خمس مرات أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد واستدلّ بهذه الآية. فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فيما سألوه من غفران الذنوب وإعطاء الثواب . أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ وقرأ الجمهور بفتح الهمزة. وقرأ أبي بأني بالباء التي للسببية. وقرأ عيسى بن عمر بكسر الهمزة. والمعنى أني لا أبطل ثواب عمل عامل منكم. والمراد حصلت إجابة دعائكم في كل ما طلبتموه مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى فلا تفاوت في الإجابة وفي الثواب بين الذكر والأنثى إذا كانا في التمسك بالطاعة على السوية بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية فَالَّذِينَ هاجَرُوا أي اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي ألجأهم الكفار إلى الخروج من منازلهم التي ولدوا فيها وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي بسبب طاعتي ومن أجل ديني وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا. قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو «وقاتلوا» بالألف، «وقتلوا» مخففة. والمعنى قاتلوا العدو معه صلّى الله عليه وسلّم حتى قتلوا في الجهاد. وقرأ ابن كثير وابن عامر «وقاتلوا» بالألف، «وقتلوا» مشددة لتكرر القتل فيهم. وقيل: معناه قطعوا. وقرأ حمزة والكسائي «وقتلوا» بغير ألف أولا، «وقاتلوا» بالألف ثانيا، أي وقد قاتلوا. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) أي إن الله تعالى وعد من فعل ذلك بأمور ثلاثة: أولها: محو السيئات وغفران الذنوب. وذلك هو الذي طلبوه بقولهم فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا. وثانيها: إعطاء الثواب العظيم وهو دخول الجنان وهو الذي طلبوه بقولهم وآتنا ما وعدتنا على رسلك. وثالثها: كون الثواب مقرونا بالتعظيم وهو المشار إليه بقوله تعالى: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهو الذي طلبوه بقولهم: ولا تخزنا يوم القيامة. وقوله تعالى: ثَواباً مصدر مؤكد لمعنى ما قبله لأن معنى مجموع قوله تعالى: لَأُكَفِّرَنَّ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ لأثيبنهم. فكأنه قيل: لأثيبنهم إثابة من عند الله. وقوله تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ تأكيد لكون الثواب في غاية الشرف. روي أن أم سلمة قالت يا رسول الله: إني لم أسمع ذكر النساء في الهجرة فنزل قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ إلى هنا ولما قال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد نزل قوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) أي لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة ووفور الحظ ولا تغتر بظاهر ما ترى منهم من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع مَتاعٌ قَلِيلٌ أي الذي ترى من الخير منفعة يسيرة في الدنيا لا قدر لها في مقابلة ما أعد الله للمؤمنين من الثواب قال صلّى الله عليه وسلّم: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» «١» رواه مسلم . ثُمَّ مَأْواهُمْ أي مصيرهم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) أي بئس ما مهدوا لأنفسهم جهنم لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ من الشرك والمعاصي وإن أخذوا في التجارة لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها فلا يضرهم ذلك لكسب نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي حال كون الجنات عطاء وإكراما من الله لهم كما تعد الضيافة للضيف إكراما وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب الدائم خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) أي للموحدين مما يتقلب فيه الفجار في الدنيا من المتاع القليل السريع الزوال وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أي القرآن وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ أي التوراة والإنجيل. قال ابن عباس وجابر وقتادة نزلت هذه الآية في شأن أضحمة النجاشي حين مات وأخبر جبريل النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك اليوم بموته فقال النبيّ لأصحابه: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم» «٢» فخرج إلى البقيع وكشف الله له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه، واستغفر له. فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه. وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في حق عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال عطاء: نزلت في حق أربعين رجلا من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فأسلموا. وقال مجاهد: نزلت في حق مؤمني أهل الكتاب كلهم خاشِعِينَ لِلَّهِ أي متواضعين لله في الطاعة لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي لا يكتمون أمر الرسول ونعته كما يفعله غيرهم من أهل الكتاب لغرض المأكلة والرياسة أُولئِكَ أي المتصفون بصفات حميدة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الجنة إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) أي سريع لإيصال الأجر الموعود إليهم من غير حاجة إلى تأمل لكونه عالما بجميع الأشياء فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على مشقة الاستدلال في معرفة التوحيد والنبوة والمعاد وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات نحو الفلاسفة وعلى مشقة أداء الواجبات والمندوبات وعلى مشقة الاحتراز عن المنهيات وعلى شدائد الدنيا من المرض والفقر والخوف. وَصابِرُوا على تحمل المكاره الواقعة بينكم وبين غيركم (١) رواه مسلم في كتاب الجنّة، باب: ٥٥، والترمذي في كتاب الزهد، باب: ١٥، وابن ماجة في كتاب الزهد، باب: مثل الدنيا، وأحمد في (م ٤/ ص ٣٩٥). (٢) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (٣: ٣٨)، والسيوطي في الدر المنثور (٢: ١١٣)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٣: ١١٧١). [.....] فيدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من أهل البيت والأقارب والجيران، وترك الانتقام ممن أساء والعفو عمن ظلم والإيثار على الغير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والمصابرة مع المبطلين وحل شبههم وَرابِطُوا أي جاهدوا القوى التي هي مصادر الأفعال الذميمة من الشهوة والغضب والحرص. أو المعنى انتظروا الصلاة بعد الصلاة وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمره وبتقوى الله يحصل دفع القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) أي كي تنتظموا في زمرة الفائزين بكل مطلوب الناجين من كل كروب فظهر أن هذه الآية مشتملة على علوم الأصول والفروع وعلى الحكم والأسرار.

النساء 4:1

سورة النساء مدنية، مائة وست وسبعون آية، ثلاثة آلاف وسبعمائة واثنتان وستون كلمة، ستة عشر ألف وثلاثمائة وثمانية وعشرون حرفا يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ بالتناسل مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أبيكم آدم وَخَلَقَ مِنْها أي من نفس آدم زَوْجَها أمكم حواء. روي أنه تعالى لما خلق آدم وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم، فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى فلما انتبه وجدها عنده. وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها» «١». وَبَثَّ مِنْهُما أي نشر من تلك النفس وزوجها بطريق التوالد رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً كثيرة. روى ابن جرير عن ابن إسحاق إن بني آدم لصلبه أربعون في عشرين بطنا فمما حفظ من ذكورهم قابيل وهابيل، وأباذ وشبوبه، وهند ومرانيس وفحور وسند، وبارق وشيث. ومن نسائهم أقليمة وأشوف وجزروه وعزورا. قال ابن عساكر: وقد روي أن من بني آدم لصلبه عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث وودا، وسواعا ويغوث ويعقوب، ونسرا وجميع أنساب بني آدم ترجع إلى شيث وسائر أولاده انقرضت أنسابهم من الطوفان وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ. قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تساءلون» بالتخفيف. والباقون بالتشديد. وقرأ حمزة وحده «والأرحام» بجر الميم. والتقدير واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام. لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول: أسألك بالله والرحم. وربما أفرد ذلك فقال (١) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: خلق آدم- صلوات الله عليه- وذرّيّته، ومسلم في كتاب الرضاع، باب: ٦١، والدارمي في كتاب النكاح، باب: مداراة الرجل أهله، أحمد في (م ٥/ ص ٨)، والترمذي في كتاب الطلاق، باب: ١٢. أسألك بالرحم وأما قراءة الأرحام بالنصب فمعناه واتقوا الله بالتزام طاعته واجتناب معاصيه واتقوا الأرحام بوصلها وعدم قطعها فيما يتصل بالبر والإحسان والإعطاء. أو يقال: والزموا الأرحام وصلوها. وقد دلت الآية على جواز المسألة فيما بيننا بالله كقوله: بالله أسألك. روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من سألكم بالله فأعطوه» «١». إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) أي حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الأفعال والأقوال وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم على ذلك وَآتُوا الْيَتامى الذين بلغوا أَمْوالَهُمْ التي عندكم. وقال أبو السعود: أي لا تتعرضوا لأموال اليتامى بسوء حتى تأتيهم وتصل إليهم سالمة سواء أريد باليتامى الصغار أو ما يعم الصغار والكبار. وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي لا تستبدلوا الحرام الذي هو مال اليتامى بالحلال الذي هو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب بأن لا تتركوا أموالكم وتأكلوا أموالهم وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم حتى لا تفرقوا بين أموالهم وأموالكم في حل الانتفاع بها فلا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم. إِنَّهُ أي أكل مال اليتيم كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) أي ذنبا عظيما عند الله. نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فنزلت هذه الآية. فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير ودفع ماله إليه. وَإِنْ خِفْتُمْ يا أولياء اليتامى أَلَّا تُقْسِطُوا أي أن لا تعدلوا فِي الْيَتامى إذا نكحتموهن فَانْكِحُوا غيرهن من الغرائب. روي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى. قالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها. فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق وأمروا أن ينكحوا ما سواهن. وقال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة تكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها، وهي لا تعجبه وإنما تزوجها كراهة أن يدخل غريب فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها إلى أن تموت فيرثها فعاب الله عليهم ذلك وأنزل هذه الآية. وروي عن عكرمة أنه قال: كان الرجل عنده نسوة وأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع (١) رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الرجل يستعيذ بالرجل، والنّسائي في كتاب الزكاة، باب: من سأل بالله عزّ وجل، وأحمد في (م ٢/ ص ٦٨). فإنهم كانوا يتزوجون من النساء ما شاؤوا تسعا أو عشرا، وكان تحت قيس بن الحرث ثمان نسوة فحرم الله عليهم ما فوق الأربع. أي وإن خفتم ألا تعدلوا في حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العشرة أو بنقص الصداق فأنكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ أي فتزوجوا من استطابتها نفوسكم ومالت إليها قلوبكم من الأجنبيات مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ولا تزيدوا على أربع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين هذه الأعداد في القسمة والنفقة كما لم تعدلوا فيما فوق هذه الأعداد وكما لم تعدلوا في حق اليتامى فَواحِدَةً أي فالزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع. وقرئ «فواحدة» بالرفع أي فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من السراري فإنه لا قسمة لهن عليكم ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) أي اختيار الحرة الواحدة أو التسري أقرب إلى أن لا تميلوا ميلا محظورا بالنسبة إلى ما عداهما والأمر يدور مع عدم الجور لا مع تحقق العدل. وَآتُوا النِّساءَ اللاتي أمرتم بنكاحهن صَدُقاتِهِنَّ أي مهورهن نِحْلَةً أي فريضة من الله تعالى كما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد، وإنما فسروا النحلة بالفريضة لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب فقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي أعطوهن مهورهن لأنها شريعة ودين ومذهب وما هو كذلك فهو فريضة وانتصاب نحلة على أنها مفعول له أو حال من الصدقات. فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً أي فإن وهبن لكم شيئا من الصداق بطيبة نفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن أو سوء معاشرتكم معهن فَكُلُوهُ أي فخذوا ذلك الشيء وتصرفوا فيه هَنِيئاً أي حلالا بلا إثم مَرِيئاً (٤) أي بلا ملامة وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً أي ويا أيها الأولياء لا تؤتوا المبذرين من اليتامى الذين يكونون تحت ولايتكم أموالهم التي في أيديكم التي جعل الله الأموال معاشكم أي لا يحصل معاشكم إلا بهذا المال مخافة أن يضيعوها وأضاف الله المال إلى الأولياء من حيث إنهم ملكوا التصرف فيه لا لأنهم ملكوا المال، ويكفي حسن الإضافة أدنى سبب وَارْزُقُوهُمْ فِيها أي أنفقوا عليهم وَاكْسُوهُمْ وإنما قال الله فيها ولم يقل منها لئلا يكون ذلك أمرا بجعل بعض أموالهم رزقا لهم بل أمرهم بأن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول المال وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) أي جميلا وهو كل ما سكنت إليه النفس من قول لحسنه شرعا أو عقلا كأن يقول الولي للصبي: مالك عندي وأنا خازن له فإذا رشدت سلمت إليك أموالك وَابْتَلُوا الْيَتامى أي واختبروا من لا يتبين منهم السفه قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أموالهم بما يليق بحالهم بأن تجربوا ولد التاجر بالبيع والشراء، والمماسكة فيهما، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على القوام بها، والأنثى فيما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها. وحفظ متاع البيت وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ونحوها. قال أبو حنيفة رضي الله عنه: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم. وقال الشافعي ولا يصح عقد الصبي المميز بل يمتحن في المماسكة، فإذا أراد العقد عقد الولي لأنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر فثبت عدم جواز تصرفه حال الصغر حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ أي إذا بلغوا مبلغ الرجل الذي يلزمه الحدود. وذلك بأن يحتلموا وإنما سمي الاحتلام ببلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع فَإِنْ آنَسْتُمْ أي عرفتم مِنْهُمْ رُشْداً أي اهتداء إلى وجوه التصرفات من غير تبذير وعجز عن خديعة الغير فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ التي عندكم من غير تأخر عن حد البلوغ. وقرئ «رشدا» بفتحتين و «رشدا» بضمتين. وعند الشافعي الصلاح يعتبر مع مصلح للمال في الدين بأن لا يرتكب كبيرة ولا يصر على صغيرة وعند أبي حنيفة هو غير معتبر وفائدة هذا الخلاف أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه وَلا تَأْكُلُوها أي أموال اليتامى أيها الأولياء إِسْرافاً وَبِداراً أي مسرفين بغير حق ومبادرين إلى إنفاقها أَنْ يَكْبَرُوا أي مخافة كبرهم فيمنعوكم عن ذلك وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا. وَمَنْ كانَ من الأولياء والأوصياء غَنِيًّا عن مال اليتيم فَلْيَسْتَعْفِفْ أي فليتنزه عن أكلها وليقنع بما آتاه الله تعالى من الرزق إشفاقا على اليتيم وإبقاء على ماله وَمَنْ كانَ من الأولياء والأوصياء فَقِيراً محتاجا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ أي بقدر أجرة خدمته لليتيم وعمله في مال اليتيم. ويقال: فليأكل بالمعروف أي بالقرض ثم إذا أيسر قضاه وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه. وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية وهذا القرض في أصول الأموال أما نحو ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح لنحو الوصي إذا كان غير مضر بالمال وهذا قول أبي العالية وغيره. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أي اليتامى أَمْوالَهُمْ بعد البلوغ والرشد فَأَشْهِدُوا ندبا عَلَيْهِمْ عند الدفع فإن الإشهاد أبعد من الخصومة ولو ادّعى الوصي بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه. أو قال: أنفقت عليه في صغره فقال مالك والشافعي: لا يصدق. وقال أبو حنيفة: يصدق مع اليمين. وقال الشافعي: القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم وإنما هو مؤمن من جهة الشرع وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) أي شهيدا. روي أن رفاعة مات وترك ابنه ثابتا وهو صغير فجاء عمه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: وقال ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى إلى هنا. لِلرِّجالِ نَصِيبٌ أي للأولاد والأقرباء الذكور صغارا أو كبارا حظ. مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ المتوارثون منهم وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي المتوفون مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أي مما تركوه أَوْ كَثُرَ وأتى بهذه الجملة لتحقيق أن لكل من الفريقين حقا من كل ما جل ودق ولدفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة، كالخيل وآلات الحرب للرجال. نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) أي أعني نصيبا مقدرا مقطوعا بتسليمه إليهم فالوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه بالإعراض. وهذا إبطال لحكم الجاهلية فإنهم لا يورثون النساء والأطفال، ويقولون: إنما يرث من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة وذكر الله في هذه الآية أن الإرث أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء ثم ذكر التفصيل في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ. وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أي قسمة التركة أُولُوا الْقُرْبى أي قرابة الميت الذي ليس بوارث وَالْيَتامى أي يتامى المؤمنين وَالْمَساكِينُ أي مساكين المؤمنين من الأجانب فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي أعطوهم من المال المقسوم شيئا قبل القسمة وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨) وهذا الإعطاء مندوب إذا كانت الورثة كبارا، أما إذا كانوا صغارا فليس على الولي إلا القول المعروف كأن يقول: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون وإن يكبروا فسيعرفون حقكم أو يقول: سأوصيهم ليعطوك شيئا وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ أي وليخف الذين يحضرون المريض على أولاد المريض إن تركوا بعد موتهم أولادا صغارا خافوا عليهم الضياع. وهذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا فأوص بمالك لفلان وفلان ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا. وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك فلا ترضى لأخيك المسلم عن أنس قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» «١» فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في أمر اليتامى وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٩) أي عدلا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل بأن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة والتأديب ويخاطبون لهم بقولهم: يا ولدي يا بني. وبأن يقولوا للمريض: إذا أردت الوصية فلا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك، ويذكروه التوبة وكلمة الشهادة وبأن يلطف الورثة القول للحاضرين الذين لا يرثون حال قسمة الميراث إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً أي وجه الغضب إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً أي حراما يؤدي إلى النار. أو يقال: يجعل الله في بطونهم (١) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب: ٧١، والبخاري في كتاب الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والترمذي في كتاب القيامة، باب: ٥٩، والنسائي في كتاب الإيمان، باب: علامة الإيمان، وابن ماجة في المقدّمة، باب: في الإيمان، والدارمي في كتاب الاستئذان، باب: في حق المسلم على المسلم، وأحمد في (م ١/ ص ٨٩).

النساء 4:11

نارا يوم القيامة بأن يخلق الله نارا يأكلونها في بطونهم وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) أي سيدخلون نارا وقودا لا يعرف غاية شدتها إلّا الله تعالى. قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وسيصلون بضم الياء. والباقون بالفتح. وقرئ شاذة بضم الياء وتشديد اللام. نزلت هذه الآية في شأن حنظلة بن شمردل. وقيل في شأن رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد: ولي مال يتيم- وكان اليتيم ابن أخيه- فأكله. يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي يبين الله لكم في ميراث أولادكم بعد موتكم. روى عطاء قال: استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين، وامرأة وأخا. فأخذ الأخ المال كله فأتت المرأة وقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد وإن سعدا قتل وإن عمهما أخذ مالهما فقال صلّى الله عليه وسلّم: «ارجعي فلعل الله سيقضي فيه» ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمهما وقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» «١» فهذا أول ميراث قسم في الإسلام لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي فإذا خلف الميت ذكرا واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم، وإذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الإناث كان لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم، وإذا كان مع الأولاد أبوان وأحد الزوجين فالباقي بعد سهام الأبوين وأحد الزوجين بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ أي فإن كانت بنات الصلب نساء خلصا بنتين أو أكثر فلتلك النساء ثلثا ما ترك المتوفى وَإِنْ كانَتْ أي الوارثة بنتا واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ. وقرأ نافع واحدة بالرفع فكان تامة وَلِأَبَوَيْهِ أي الميت لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ أي الميت إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر أو أنثى، أي فإن كان مع الأبوين ولد ذكر فأكثر أو بنتان فأكثر فلكل واحد من الأب والأم السدس وإن كان معها بنت فلها النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم هذه الآية. والسدس الباقي للأب أيضا بحكم التعصيب فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أي الميت وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ. وذلك فرض لها والباقي للأب فيأخذ السدس بالفريضة والنصف بالتعصيب، وإذا انفرد أخذ كل المال كما هو شأن العصبة. وإذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فللأم ثلث ما يبقى بعد فرضه، والباقي للأب خلافا لابن عباس فإن للأم ثلث الكل عنده، ووافقه ابن سيرين في الزوجة وخالفه في الزوج لأن الثلث فيه يفضي إلى كون نصيب الأنثى مثل نصيب الذكرين فَإِنْ كانَ لَهُ أي الميت إِخْوَةٌ اثنان فصاعدا من جهة الأبوين أو من جهة أحدهما ذكور أو إناث وارثون أو محجوبون بالأب فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ. والباقي للأب ولا شيء للأخوة، وأما السدس الذي حجبوها عنه فهو للأب عند (١) رواه التبريزي في مشكاة المصابيح (٣٠٥٨). وجوده ولهم عند عدمه مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ أي هذه الأنصباء للورثة من بعد إخراج وصية يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق فأما إذا لم يكن دين أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء، فإن أوصى الميت بوصية أخرجت من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثا على فرائض الله تعالى. قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم «يوصى» بفتح الصاد. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى من القسمة التي تميل إليها طباعكم فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي فرض ذلك فريضة وهذا إشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً أي بالمصالح والرتب حَكِيماً (١١) في كل ما قضى وقدر. قال ابن عباس: إن الله ليشفع المؤمنين بعضهم في بعض فأطوعكم لله تعالى من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه ولذا قال تعالى: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً لأن أحد المتوالدين لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ من المال إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ذكر أو أنثى منكم أو من غيركم والباقي لورثتهن فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ وارث واحد أو متعدد فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ من المال والباقي لباقي الورثة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن وصية يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ أي أو من بعد قضاء دين عليهن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ من المال إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ذكر أو أنثى منهن أو من غيرهن، والباقي لبقية ورثتكم من أصحاب الفروض والعصبات أو ذوي الأرحام، أو لبيت المال إن لم يكن لكم وارث آخر أصلا. فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ من المال والباقي للباقين مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ أي أو من بعد قضاء دين عليكم من المال وَإِنْ كانَ رَجُلٌ أي ميت يُورَثُ كَلالَةً أي لا ولد له ولا والد أَوِ امْرَأَةٌ أي أو كانت امرأة تورث كلالة وَلَهُ أي الميت أَخٌ أَوْ أُخْتٌ من أمه فقط فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا أي الأخ والأخت السُّدُسُ من غير تفضيل للذكر على الأنثى لأن الإدلاء إلى الميت بمحض الأنوثة فَإِنْ كانُوا أي من يرث من الأخوة من الأم أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ أي من الواحد فَهُمْ أي الزائد على الواحد كيفما كانوا شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ فالذكر والأنثى فيه سواء، والباقي لبقية الورثة من أصحاب الفروض والعصبات مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ للورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث أو يقرّ بكل ماله أو ببعضه لأجنبي، أو يقر على نفسه بدين لا حقيقة له أو يقر بأن الدين الذي له على الغير قد وصل إليه أو يبيع شيئا بثمن بخس أو يشتري شيئا بثمن غال، أو يوصي بالثلث لغرض تنقيص حقوق الورثة وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ أي فريضة من الله عليكم في قسمة المواريث. وقيل: المعنى وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة يتكففون وجوه الناس بسبب الإسراف في الوصية، وينصر هذا الوجه قراءة الحسن «غير مضار وصية» بالإضافة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن جار أو عدل في وصيته حَلِيمٌ (١٢) على الجائر لا يعاجله بالعقوبة فلا يغتر بالإمهال تِلْكَ أي شؤون الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث حُدُودُ اللَّهِ أي أحكام الله وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في جميع الأوامر والنواهي يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ نصب على الظرفية عند الجمهور وعلى المفعولية عند الأخفش تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها حال من الهاء في يدخله وهي عائدة على «من» وهو مفرد في اللفظ جمع في المعنى، فلهذا صح الوجهان. وَذلِكَ أي دخول الجنات على وجه الخلود الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) الذي لا فوز وراءه وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولو في بعض الأوامر والنواهي وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ أي يتجاوز أحكامه بالجور. وقال الكلبي: أي ومن يكفر بقسمة الله المواريث ويتعد حدوده استحلالا. وقال عكرمة عن ابن عباس: من لم يرض بقسم الله تعالى ويتعد ما قال الله تعالى يُدْخِلْهُ ناراً أي عظيمة هائلة خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) أي وله مع عذاب الحريق الجسماني عذاب شديد روحاني. وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» بنون العظمة في الموضعين. والباقون بالياء. وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي اللاتي يفعلن الزنا كائنات من أزواجكم المحصنات فاطلبوا أن يشهد عليهن بفعله أربعة من رجال المؤمنين وأحرارهم. وقرئ بالفاحشة فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بذلك كما ينبغي فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أي فخلدوهن محبوسات في بيوتكم حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي أن يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) أي أو إلى أن يشرع لهن حكما خاصا بهن ثم قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى» «١». وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ أي البكران اللذان يأتيان الفاحشة من أحراركم فَآذُوهُما بالتهديد والتعيير كأن يقال: بئس ما فعلتما وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه، وأخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة. ويخوفا بالرفع إلى الإمام وبالحد. (١) رواه مسلم في كتاب الحدود، باب: ١٤. وقرأ ابن كثير «واللذان» بتشديد النون. فَإِنْ تابا عما فعلا من الفاحشة بعد زواجر الأذية وَأَصْلَحا أعمالهما فيما بينهما وبين الله فَأَعْرِضُوا عَنْهُما أي اتركوا إيذاءهما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً أي كثير القبول للتوبة ممن تاب رَحِيماً (١٦) أي واسع الرحمة. وقد نسخ الإيذاء باللسان للفتى والفتاة بجلد مائة. وقال أبو مسلم الأصفهاني والمراد بقوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ السحاقات حدّهن الحبس إلى الموت أو إلى أن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح. والمراد بقوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ أهل اللواط وحدّهما الأذى بالقول والفعل. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ أي إنما التوبة التي يجب على الله قبولها وجوب الكرم والفضل لا وجوب الاستحقاق للذين يعملون المعصية مع عدم علمه بأنها معصية لكن يمكنه تحصيل العلم بأنها معصية. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ أي من زمان قريب وهو ما قبل معاينة سبب الموت وأهواله فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي يتجاوز الله عنهم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والجهالة عليه. حَكِيماً (١٧) بأن العبد لما كان من صفته ذلك، ثم تاب قبل سوق الروح فإنه يجب في الكرم والإحسان قبول توبته وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ أي وليس التوبة للذين يعملون الذنوب إلى حضور موتهم أي علامات قربه وقولهم حينئذ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ. ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق. روى أبو أيوب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » «١» أي ما لم تتردد الروح في حلقه. وقال عطاء: ولو قبل موته بفواق الناقة. وعن الحسن أن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض: وعزّتك لا أفارق ابن آدم ما دامت روحه في جسده فقال الله: «وعزّتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر» وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أي وليس قبول التوبة للذين يموتون على الكفر إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب أُولئِكَ أي الكفار أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) بيان لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والإذلال نزلت هذه الآية في حق طعمة وأصحابه الذين ارتدوا. قاله ابن عباس. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ أي عين النساء كَرْهاً أي لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه. نزلت هذه الآية في حق أهل المدينة كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وكانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة وقال: (١) رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: ٩٨، وابن ماجة في كتاب الزهد، باب: ذكر التوبة، وأحمد في (م ٢/ ص ١٣٢).

النساء 4:21

ورثت امرأته كما ورثت ماله فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها فإن شاء تزوّجها بغير صداق وإن شاء زوجها من إنسان آخر، وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا. فأنزل الله تعالى هذه الآية. قرأ حمزة والكسائي «كرها» بضم الكاف هنا. وكذا في التوبة وفي الأحقاف. وقرأ عاصم وابن ذكوان عن ابن عامر في الأحقاف بالضم. والباقون بالفتح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك. قال الفراء: الكره بالفتح الإكراه، وبالضم المشقة فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم وَلا تَعْضُلُوهُنَّ أي وكذلك لا يحل لكم بعد التزويج بهن الحبس والتضييق لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ من المهر إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بفتح الباء. والباقون بالكسر أي بينة القبح من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب إلا أن يفحشن عليكم. والمعنى لا يحل لكم أن تضيقوا الأمر عليهن لعلة من العلل إلا لإتيانهن بالنشوز فإن السبب حينئذ يكون من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) أي فإن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف ولا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس من غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك فقد قربت كراهتكم شيئا أي معهن مع كون الله جعل في صحبتهن خيرا كثيرا، كحصول ولد فتنقلب الكراهة محبة. وكاستحقاق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا للإنفاق عليهن والإحسان إليهن على خلاف الطبع وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ أي وإن أردتم تزوج امرأة ترغبون فيها بدل امرأة تنفرون عنها بأن أردتم أن تطلقوها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً أي وقد أعطيتم إحدى الزوجات التي تريدون أن تطلقوها مالا كثيرا من الصداق فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ أي من ذلك القنطار شَيْئاً أي يسيرا. أي إن كان سوء العشرة من قبل الزوج كره له أن يأخذ شيئا من مهرها، ثم إن وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع، وإن كان من قبل المرأة فيحل أخذ بدل الخلع أَتَأْخُذُونَهُ أي المهر بُهْتاناً أي ظلما وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) أي حراما بينا أي إن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر. روي أن الرجل إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ أي ولأي وجه تأخذون المهر وقد اجتمعتم في لحاف واحد فإنها قد بذلت نفسها لك، وجعلت ذاتها لذّتك وتمتعك. وحصلت الألفة التامة بينكما فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئا؟ فهذا لا يليق بمن له طبع سليم وذوق مستقيم! وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١). قال ابن عباس ومجاهد: وهو كلمة النكاح المعقودة على الصداق وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء قال صلّى الله عليه وسلّم: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» «١». وهذا الإسناد مجاز عقلي من الإسناد للسبب لأن الآخذ للعهد حقيقة هو الله لكن بولغ فيه حتى جعل كأنهن الآخذات له أي وقد أخذ الله عليكم العهد بسببهن وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم من النساء فإنه موجب للعقاب إلا ما قد مضى قبل نزول آية التحريم فإنه معفو عنه ويقال: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي شهود وكانت موقتة، وعلى سبيل القهر. وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية. وقيل: المعنى لا تزوجوا امرأة وطئها آباؤكم بالزنا إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بامرأة فإنه يجوز للابن تزوجها كما نقل هذا المعنى عن ابن زيد، وكما قال أبو حنيفة: يحرّم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه لهذه الآية. وقال الشافعي: لا يحرم إِنَّهُ أي نكاح نساء الآباء كانَ فاحِشَةً أي قبيحا لأن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش وَمَقْتاً أي ممقوتا عند ذوي المروءات من الجاهلية وغيرهم وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقتى. وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) أي بئس مسلكا. نزلت هذه الآية في حق محصن بن قيس الأنصاري. واعلم أن مراتب القبح ثلاثة: القبح في العقول، وفي الشرائع، وفي العادات. فقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً إشارة إلى القبح العقلي. وقوله تعالى: وَمَقْتاً إشارة إلى القبح الشرعي. وقوله: وَساءَ سَبِيلًا إشارة إلى القبح العادي. ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ من النسب وَبَناتُكُمْ من النسب وَأَخَواتُكُمْ من النسب من أي وجه يكن وَعَمَّاتُكُمْ أي أخوات آبائكم وَخالاتُكُمْ أي أخوات أمهاتكم وَبَناتُ الْأَخِ من النسب من أي وجه يكن وَبَناتُ الْأُخْتِ من النسب من أي وجه يكن وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ في الحولين خمس رضعات متفرقات عند الشافعي وابن حنبل. وقال أبو حنيفة ومالك: يحصل التحريم بمصة واحدة وفاقا للأوزاعي ولسفيان الثوري، (١) رواه مسلم في كتاب الحج، باب: ١٤٧، وأبو داود في كتاب المناسك، باب: صفة حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وابن ماجة في كتاب المناسك، باب: حجة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والدارمي في كتاب المناسك، باب: في سنة الحاج، وأحمد في (م ٥/ ص ٧٣). وعبد الله بن المبارك كقول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وهي من أرضعتها أمك أو ارتضعت بلبن أبيك أو ولدتها مرضعتك أو ولدها الفحل وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ من نسب أو رضاع سواء دخل بزوجته أم لا؟ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي بنات نسائكم اللاتي ربيتم في بيوتكم مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن سواء كان ذلك بعقد صحيح أو فاسد فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ في نكاح الربائب بعد طلاق أمها أو موتها وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ أي ونساء أبنائكم الذين من أولاد فراشكم دون نساء الأولاد الأدعياء. قال الشافعي: لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه لأنها حليلته. وقال أبو حنيفة: يجوز واتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد، كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بذلك وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بالنكاح وبالوطء في ملك اليمين لا في نفس ملك اليمين. قال الشافعي: نكاح الأخت في عدة البائن جائز لأنه لم يوجد الجمع. وقال أبو حنيفة: لا يجوز إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي قد مضى في الجاهلية فإنه مغفور لكم إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً فيما كان منكم في الجاهلية رَحِيماً (٢٣) أي فيما يكون منكم في الإسلام إذا تبتم. وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي وحرّم عليكم نكاح ذوات الأزواج كائنات من جميع النساء إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا فإنهن حلال لكم بعد ما استبرأتم أرحامهن بحيضة، وإن كان أزواجهن في دار الحرب واختلف القراء في كلمة المحصنات سواء كانت معرّفة بال أم نكرة. فقرأ الجمهور بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في جميع القرآن إلّا التي في هذه الآية فإنهم أجمعوا فيها على الفتح. والمعنى أحصنهن الأزواج بالتزوج، أي أعفوهن عن الوقوع في الحرام والأولياء أعفوهن عن الفساد بالتزويج وهن يحصن أزواجهن عن الزنا ويحصن فروجهن عن غير أزواجهن بعفافهن كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله. أو المعنى الزموا كتاب الله وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «وأحل لكم» بالبناء للمفعول عطفا على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ والباقون «وأحل» بالبناء للفاعل عطفا على «كتاب الله» أي كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها. ومحل أن تبتغوا رفع على البدل من ما على القراءة الأولى، ونصب على القراءة الثانية. وقوله: مُحْصِنِينَ حال. وقيل: خبر كان الناقصة. والمعنى وأحل لكم ما سوى المحرمات المعدودة أن تطلبوا النساء بصرف أموالكم المهور أو الأثمان على طريق النكاح إلى الأربع أو التسري للإماء حال كونكم متعففين عن الزنا وغير زانين وهذا تكرير للتأكيد. وقيل: المعنى كونوا مع النساء متزوجين أو متسرين فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي فأي فعل استنفعتم به من جهة المنكوحات مكن جماع أو عقد فأعطوهن مهورهن لأجله. بالتمام إن استنفعتم بالدخول ولو مرة، وبالنصف إن استنفعتم بعقد النكاح. فَرِيضَةً أي حال كون أجورهن مفروضة من الله عليكم وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو يهب الزوج للمرأة المطلقة قبل الدخول تمام المهر أو فيما تراضيا به من نفقة ونحوها مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ أي من بعد ذكر المقدار المعين إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بمصالح العباد حَكِيماً (٢٤) فلا يشرع الأحكام إلّا على وفق الحكمة وذلك يوجب التسليم لأوامره والانقياد لأحكامه. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ أيها الأحرار طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ أي الحرائر فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ أي من إمائكم المؤمنات فقوله تعالى: أَنْ يَنْكِحَ إما مفعول لطولا، وإما بدل منه، وإما مفعول ليستطع وطولا مصدر مؤكد له، لأنه بمعناه إذ الاستطاعة هي الطول- أي الفضل- والزيادة في المال أو تمييز. أي ومن لم يستطع منكم زيادة في المال يبلغ بها نكاح الحرائر فلينكح الإماء. أو المعنى ومن لم يستطع منكم استطاعة نكاحهن. أو المعنى من لم يستطع منكم من جهة سعة المال لا من جهة الطبيعة نكاح الحرة فلينكح الأمة لأنها في العادة تخف مهورها ونفقتها لاشتغالها بخدمة السيد، بخلاف الحرة الفقيرة. ويقال للمرأة الحديثة السن: فتاة. وللغلام: فتى. والأمة: تسمى فتاة، سواء كانت عجوزا أم شابة لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير. وقال مجاهد وسعيد والحسن ومالك والشافعي: لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية سواء كان الزوج حرا أو عبدا. وقال أبو حنيفة: يجوز. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ أي إنه تعالى أعلم منكم بمراتبكم في الإيمان فربّ أمة يفوق إيمانها إيمان الحرائر. فاعلموا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور والله يتولى السرائر والحقائق بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي كلكم مشتركون في الإيمان وهو أعظم الفضائل فإذا حصل الاشتراك في ذلك كان التفاوت فيما وراءه غير معتبر. روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب. والفخر بالأحساب. والاستسقاء بالأنواء» «١». فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ أي سيدهن وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي أعطوهن مهورهن على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل مُحْصَناتٍ أي عفائف عن الزنا وهي حال مفعول فأنكحوهن غَيْرَ مُسافِحاتٍ أي غير مؤجرة (١) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب: ٢٩، وأبو داود في كتاب الأدب، باب: التفاخر بالأحساب، وأحمد في (م ٥/ ص ٣٤٢). نفسها مع أي رجل أرادها وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أي غير متخذات أخلاء معينين يزنون بهن سرا فَإِذا أُحْصِنَّ أي زوجهن. وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر بالبناء للفاعل أي «أسلمن»، كما قال عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي. فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ أي فإن فعلن زنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ أي فثابت عليهن شرعا نصف ما على الحرائر الأبكار مِنَ الْعَذابِ أي الحد فيجلدن خمسين ويغرين نصف سنة كما هو كذلك قبل الإحصان. وهذه الآية بيان عدم تفاوت حدّهن بالإحصان كتفاوت حد الحرائر. فتخفيف الحد للرق ذلِكَ أي نكاح الإماء حلال لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ أي الضرر الشديد في العزوبة بالشبق الشديد فإنه قد يحمل على الزنا، وقد يؤدي بالإنسان إلى الأمراض الشديدة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء خَيْرٌ لَكُمْ لما في نكاحهن من تعريض الولد للرق وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) بإباحته لكم في نكاح الإماء وإن كان يؤدي إلى إرقاق الولد مع أن هذا يقتضي المنع منه لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي يرشدكم طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم فكل ما بين الله تحريمه وتحليله لنا من النساء كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ إذا تبتم إليه تعالى عما يقع منكم من التقصير في مراعاة الشرائع وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوالكم حَكِيمٌ (٢٦) في كل ما يفعله بكم ويحكم عليكم. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي أن يتجاوز عنكم حين حرّم عليكم الزنا ونكاح الأخوات من الأب وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ في نكاح الأخوات من الأب، وهم: اليهود. وفي الزنا، وهم: الفجرة. أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (٢٧) بموافقتهم على استحلال المحرمات في قول اليهود: إن نكاح الأخوات من الأب حلال في كتابنا وعلى اتباع الشهوات. فإن الزاني يحب أن يشركه في الزنا غيره ليفرق اللوم عليه وعلى غيره. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في جميع أحكام الشرع كإباحة نكاح الأمة عند الضرورة وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) أي عاجزا عن مخالفة هواه غير قادر على مقابلة دواعيه حيث لا يصبر عن النساء وعن اتباع الشهوات ولا يستخدم قواه في مشاق الطاعات ولذلك خفف الله تكليفه. وقرأ ابن عباس «وخلق الإنسان» على البناء للفاعل والضمير لله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ أي بما يخالف الشرع كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا، وشهادة الزور، والحلف الكاذب، وجحد الحق إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ. قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تجارة» بالنصب أي لا يأكل بعضكم أموالا بغير طريق شرعي بل كلوا بأن تكون الأموال تجارة صادرة عن تراض منكم. والباقون بالرفع أي لكن بأن توجد

النساء 4:31

تجارة عن طيب نفس وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من قتل المؤمن بغير حق والردة والزنا بعد الإحصان إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) حيث نهاكم عن كل ما تستوجبون به مشقة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي ما نهى عنه من قتل النفس وغيره من المحرمات عُدْواناً أي إفراطا في مجاوزة حد الحلال وَظُلْماً أي إتيانا بما لا يستحقه فَسَوْفَ نُصْلِيهِ أي ندخله ناراً هائلة شديدة العذاب وَكانَ ذلِكَ أي إصلاؤه النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) أي هينا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ في هذه السورة نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي صغائركم من جماعة إلى جماعة ومن جمعة إلى جمعة ومن شهر رمضان إلى شهر رمضان وَنُدْخِلْكُمْ في الآخرة مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١). قرأ نافع بفتح الميم والباقون بالضم أي موضعا حسنا وهو الجنة وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ. قال ابن عباس: لا يتمنى الرجل مال غيره ودابته وامرأته ولا شيئا من الذي ثبت له كالجاه وغير ذلك مما يجري فيه التنافس، وذلك هو الحسد المذموم لأن ذلك التفضيل قسمة من الله تعالى صادرة عن حكمة وتدبير لائق بأحوال العباد متفرع على العلم بجلائل شؤونهم ودقائقها، واسألوا الله من فضله وقولوا: اللهم ارزقنا مثله أو خيرا منه مع التفويض. ويقال: نزلت هذه الآية في حق أم سلمة زوج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لقولها للنبيّ: ليت الله كتب علينا ما كتب على الرجال لكي نؤجر كما يؤجر الرجال فنهى الله عن ذلك وقال: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم- أي الرجال- على بعض- أي النساء- من الجماعة والجمعة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم بيّن الله تعالى ثواب الرجال والنساء باكتسابهم فقال لِلرِّجالِ نَصِيبٌ أي ثواب مِمَّا اكْتَسَبُوا أي الخير كالجهاد والنفقة على النساء وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ أي ثواب مِمَّا اكْتَسَبْنَ من الخير في بيوتهن كحفظ فروجهن وطاعة الله وأزواجهن وقيامهن بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش وكالطلق والإرضاع وَسْئَلُوا اللَّهَ. قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا الله بغير همز مِنْ فَضْلِهِ أي واسألوا الله ما احتجتم إليه يعطكم من خزائنه التي لا تنفد. قال الفخر الرازي: قوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له أن يعين شيئا في الطلب والدعاء ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سببا لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الإطلاق اه. وقد جاء في الحديث: «لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله». وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج» «١» إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) ولذلك (١) رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: ١١٥. جعل الناس على طبقات فرفع بعضهم على بعض درجات. أي فإنه تعالى هو العالم بما يكون صلاحا للسائلين فليقصر السائل على المجمل وليحترز في دعائه عن التعيين. فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي ولكل تركة جعلنا ورثة متفاوتة في الدرجة يلونها ويحرزون منها أنصباءهم بحسب استحقاقهم ومما ترك بيان لكل وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ أي ومما ترك الزوج والزوجة فالنكاح يسمى عقدا. وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني ويصح أن تكون جملة «جعلنا موالي» صفة «لكل»، والضمير الراجع إليه محذوف، والكلام مبتدأ أو خبر. والمعنى حينئذ ولكل قوم جعلناهم وراثا نصيب معين مغاير لنصيب قوم آخرين مما ترك المورثون فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من الميراث. قيل: إن هذه الآية نزلت في شأن أبي بكر الصديق لأنه حلف أن لا ينفق على ابنه عبد الرحمن ولا يورثه شيئا من ماله فلما أسلم عبد الرحمن أمر الله أبا بكر أن يؤتيه نصيبه. وقيل: المراد من قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ الحلفاء. وبقوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة، وحينئذ فقوله: وَالَّذِينَ مبتدأ متضمن لمعنى الشرط ولذلك صدر الخبر بالفاء أو منصوب بمضمر يفسره قوله: فَآتُوهُمْ وعلى هذه الوجوه فهذه الآية غير منسوخة بخلاف ما لو حمل قوله: الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ على الحلفاء في الجاهلية. وقوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ على الميراث- وهو السدس- فهذه الآية حينئذ منسوخة بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: ٧٥] وبقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ. وكذا لو حمل قوله: الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ على الأبناء الأدعياء أو على من واخاه النبي صلّى الله عليه وسلّم لرجل آخر فإنه وأخي بين كل رجلين من أصحابه صلّى الله عليه وسلّم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعمالكم شَهِيداً (٣٣) أي مطلعا الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ أي الرجال مسلطون على أدب النساء بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن بكمال العقل وحسن التدبير ورزانة الرأي، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات. ولذلك خصوا بالنبوة والإمامة والولاية، وإقامة الشعائر والشهادة في جميع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة وغير ذلك وبسبب إنفاقهم من أموالهم للمهر والنفقة فَالصَّالِحاتُ أي المحسنات إلى أزواجهن قانِتاتٌ أي مطيعات لأزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي لما يجب عليهن حفظه في حال غيبة أزواجهن من الفروج والأموال بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بالذي حفظه الله لهن أي فإن حفظ حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن. أو المعنى بحفظ الله إياهن بالأمر بحفظ الغيب والتوفيق له. وقرئ بما حفظ الله بالنصب على حذف المضاف أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ أي والنساء اللاتي تظنون عصيانهن لكم فَعِظُوهُنَّ أي فانصحوهن بالترغيب والترهيب وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ أي حولوا عنهن وجوهكم في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحاف إن علمتم النشوز ولم تنفعهن النصيحة وَاضْرِبُوهُنَّ إن لم ينجع الهجران ضربا غير مبرح ولا شائن، والأولى ترك الضرب، فإن ضرب فالواجب أن يكون الضرب بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك بأن يكون مفرقا على البدن بأن لا يكون في موضع واحد وأن لا يوالي به وأن يتقي الوجه وأن يكون بمنديل ملفوف فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ أي رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي فلا تطلبوا عليهن طريقا في الحب ولا في الأذية، واكتفوا بظاهر حال المرأة ولا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) أي إن الله تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم ما لا تطيقون فكذلك لا تكلفوهن ما لا طاقة لهن من المحبة. وإنه تعالى مع ذلك يتجاوز عن سيئاتكم فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم عند إطاعتهن لكم وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها أي وإن علمتم أيها المؤمنون مخالفة بين الرجل والمرأة ولم تدروا من أيهما فابعثوا إلى الزوجين لإصلاح الحال بينهما حكما، أي رجلا وسطا صالحا للإصلاح من أهله- أي الزوج- وحكما آخر على صفة الأول من أهلها لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب وأشد طلبا للإصلاح. فإن كانا أجنبيين جاز فيستكشف كل واحد منهما حقيقة حال الزوجين، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من جمعهما أو إيقاع طلاق أو خلع. إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما. فالضمير الأول: إما عائد على الحكمين أو الزوجين. والضمير الثاني: كذلك فالوجوه أربعة. والمعنى إن كانت نية الحكمين قطعا للخصومة أوقع الله الموافقة بين الزوجين إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بموافقة الحكمين ومخالفتهما خَبِيراً (٣٥) بفعل المرأة والرجل. قال ابن عباس: نزلت الآية من قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [النساء: ٣٤] إلى هاهنا في شأن بنت محمد بن سلمة بلطمة لطمها زوجها سعد بن الربيع لعصيانها في المضاجع فطلبت من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قصاصها من زوجها فنهاها الله عن ذلك. وَاعْبُدُوا اللَّهَ أي بقلوبكم وجوارحكم وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً أي شركا جليا أو خفيا وهذا أمر بالإخلاص في العبادة وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي أحسنوا بهما إحسانا بالقيام بخدمتهما وبالسعي في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما وبعدم رفع الصوت عليهما وعدم تخشين الكلام معهما، وعدم شهر السلاح عليهما، وعدم قتلهما ولو كانا كافرين لأنه صلّى الله عليه وسلّم نهى حنظلة عن قتل أبيه- أبي عامر الراهب- وكان مشركا. وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من اليمن استأذنه في الجهاد فقال صلّى الله عليه وسلّم: «هل لك أحد باليمن» ؟ فقال: أبواي. فقال: «أبواك أذنا لك» ؟ فقال: لا. فقال: «فارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما» «١». وَبِذِي الْقُرْبى أي صلوا بصاحب القرابة من أخ، أو عم، أو خال أو نحو ذلك. وَالْيَتامى أي أحسنوا إليهم بالرفق بهم وبمسح رأسهم وبتربيتهم وحفظ أموالهم وَالْمَساكِينِ أي أحسنوا إليهم بالصدقة أو بالرد الجميل وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى أي الذي قرب جواره أو الذي له مع الجوار اتصال بالنسب. وقرئ بالنصب على الاختصاص تعظيما لحقه، لأن له ثلاثة حقوق: حق القرابة، وحق الجوار، وحق الإسلام. كما قرئ والصلاة الوسطى نصبا على الاختصاص وَالْجارِ الْجُنُبِ أي الذي بعد جواره أو الذي لا قرابة له فله حقان: حق الإسلام، وحق الجوار. وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وهو إما رفيق في سفر أو جار ملاصق أو شريك في تعلم أو حرفة، أو قاعد بجنبك في مسجد أو مجلس. وقيل: هي المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك وَابْنِ السَّبِيلِ أي المسافر المنقطع عن بلده بالسفر أو الضيف أي أحسنوا له بالإكرام وله ثلاثة أيام حق وما فوق ذلك صدقة وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي أحسنوا إلى الخدم من العبيد والإماء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا أي متكبرا عن أقاربه بالفقراء وجيرانه الضعفاء وأصحابه ولا يحسن عشرتهم فَخُوراً (٣٦) على الناس بما أعطاه الله تعالى من العلم وغيره الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من العلم بما في كتابهم من صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم والأظهر أن الموصول منصوب على الذم، أو مرفوع على الذم أي هم الذين. ويجوز أن يكون بدلا من قوله: مَنْ كانَ مُخْتالًا وأن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره أحقاء بكل ملامة أو كافرون، نزلت هذه الآية في حق كدوم بن زيد وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع، ومحرى بن عمرو وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد ابن التابوت حين أمروا رجالا من الأنصار بترك النفقة على من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خوف الفقر عليهم. أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ أي لليهود عَذاباً مُهِيناً (٣٧) أي فمن كان شأنه كذلك فهو كافر بنعمة الله، ومن كان كافرا بنعمته فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. وفي الحديث الذي رواه أحمد أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يظهر أثرها عليه» «٢». وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. والموصول إما معطوف على الموصول الأول، وإما معطوف على قوله تعالى: لِلْكافِرِينَ. (١) رواه الترمذي في كتاب الجهاد، باب: ٢، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب: في الرجل يغزو وأبواه كارهان، والنّسائي في كتاب الجهاد، باب: الرخصة في التخلف لمن له والدان، وأحمد في (م ٢/ ص ١٨٨). (٢) رواه أحمد في (م ٣/ ص ٤٧٤). قال الواحدي: نزلت هذه الآية في شأن المنافقين، وقيل: نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً أي ومن يكن الشيطان معينا له في هذه الأفعال في الدنيا فَساءَ قَرِيناً (٣٨) أي فبئس الصاحب له في النار هو فإن الله تعالى يقرن مع كل كافر شيطانا في سلسلة في النار، ثم بيّن الله تعالى سوء اختيارهم في ترك الإيمان فقال: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي وأيّ ضرر عليهم في الإيمان والإنفاق ابتغاء وجه الله وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ وبأحوالهم المخفية عَلِيماً (٣٩) فالله تعالى عالم ببواطن الأمور فإن القصد إلى الرياء إنما يكون باطنا غير ظاهر إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ أي إن الله لا يظلم أحدا وزن نملة حمراء صغيرة أي لا يظلم قليلا ولا كثيرا وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها. قرأ نافع وابن كثير حسنة بالرفع والمعنى وإن حدثت حسنة. والباقون بالنصب. والمعنى وإن تكن زنة الذرة حسنة. وقرأ ابن كثير وابن عامر يضعفها بالتشديد من غير ألف فيكون التضعيف للثواب إلى مقدار لا يعلمه إلّا الله تعالى. روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعّفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته. وقال أبو عثمان النهدي: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فقدّر الله أن ذهبت إلى مكة حاجا أو معتمرا فلقيته فقلت: بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. قال أبو هريرة: لم أقل ذلك ولكن قلت: إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف وتلا قوله تعالى: وَيُؤْتِ أي يعط الله صاحب الحسنة مِنْ لَدُنْهُ أي من عنده تعالى أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فلا يقدر أحد قدره. روي أن عمر كان جالسا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذ ضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بدت ثناياه، فقال عمر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما الذي أضحكك؟ قال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي الله عز وجل فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من هذا. فقال الله تعالى: رد على أخيك مظلمته. فقال: يا رب لم يبق لي من حسناتي شيء. فقال الله تعالى للطالب: كيف تصنع بأخيك ولم يبق له من حسناته شيء فقال: يا رب فليحمل عني من أوزاري ثم فاضت عينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالبكاء فقال: إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم. قال: فيقول الله تبارك

النساء 4:41

وتعالى للمتظلم: ارفع بصرك فانظر في الجنان. فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق، أو لأي شهيد هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن أعطى الثمن. قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. قال: بماذا يا رب؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب، قد عفوت عنه. فيقول الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. ثم قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة» «١». فَكَيْفَ يصنع الكفار يوم القيامة إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أي قوم بِشَهِيدٍ أي بنبي يشهد على قبح أعمالهم وَجِئْنا بِكَ يا أشرف الخلق عَلى هؤُلاءِ الشهداء وهم الرسل شَهِيداً (٤١) فتشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم. ويقال: وجئنا بك لأمتك مزكيا معدلا لأن أمته صلّى الله عليه وسلّم يشهدون للأنبياء على قومهم إذا جحدوا بالبلاغ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢) أي يوم مجيء ذلك يتمنى الذين كفروا بالله وعصوا أمر الرسول أن يدفنوا فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. ويقال: يتمنون أن يصيروا ترابا مع البهائم لعظم هول ذلك اليوم ولا يقدرون أن يكتموا من الله حديثا بأن يقولوا: والله ربنا ما كنا مشركين أي إنهم يريدون الكتمان أولا لما علموا أن الله لم يغفر شركا فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين رجاء غفران الله لهم. لكنهم تشهد عليهم الأعضاء والزمان والمكان فلم يستطيعوا الكتمان فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ أي لا تقيموا الصلاة حال كونكم سكارى من الشراب إلى أن تعلموا قبل الشروع فيها ما تقولونه ولا تقيموها حال كونكم جنبا إلا حال كونكم مسافرين. وقيل: إن «إلا» بمعنى غير، وهو صفة ل «جنبا». والمعنى لا تقيموها حال كونكم جنبا غير مسافرين وسيأتي حكم المسافرين حَتَّى تَغْتَسِلُوا من الجنابة وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً. والمعنى وإن كنتم مرضى مرضا يمنع من استعمال الماء أو مسافرين طال السفر أو قصر، أو أحدثتم بخروج الخارج من أحد السبيلين أو تلاقت بشرتكم مع بشرة النساء فلم تجدوا ماء تتطهرون به للصلاة بعد الطلب فاقصدوا أرضا لا سبخة فيها فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلى المرفقين بضربتين إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) وهذا كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته أنه يعفو عن المذنبين فبأن يرخص للعاجزين كان أولى. أَلَمْ تَرَ أي تنظر إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً (١) رواه الحاكم في المستدرك (٤: ٥٧٦)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٣: ٣٠٩)، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤: ٥٠٧)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٦: ٢٦٧)، وابن أبي الدنيا في حسن الظن (١١٦). أي حظا يسيرا مِنَ الْكِتابِ أي من علم التوراة يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ أي يؤثرون تكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة. كما قاله الزجاج وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) أي ويتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم لكي يخرجوا عن الإسلام وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ أي هو سبحانه وتعالى أعلم بكنه ما في قلوبهم من العداوة والبغضاء وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا أي متصرفا في جميع أموركم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) في كل موطن فثقوا به. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في شأن اليسع ورافع بن حرملة- حبرين من اليهود- دعوا رئيس المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه إلى دينهما. ثم نزل في مالك بن الصيف وأصحابه قوله تعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ أي من اليهود قوم يغيرون الكلم التي أنزل الله في التوراة عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها كتحريفهم في نعت النبي (أسمر ربعة) فوضعوا مكانه (آدم طوال). وتحريفهم في (الرجم) فوضعوا بدله (الجلد). ويقولون في الظاهر إذا أمرهم النبيّ عليه السلام: سمعنا قولك، وفي أنفسهم وعصينا أمرك. ويقولون في أثناء مخاطبة النبيّ عليه السلام كلاما ذا وجهين وهو محتمل للخير والشر، مظهرين المدح ويضمرون الشتم وهو: واسمع منا غير مسمع مكروها. والمراد واسمع منا حال كونك غير مسمع كلاما أصلا لصمم أو موت وهو دعاء منهم على الرسول صلّى الله عليه وسلّم بذهاب السمع أو غير مسمع جوابا يوافقك، فكأنك ما أسمعت شيئا. يقولون للنبي: اسمع، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت، فقوله غير مسمع، معناه غير سامع. ويقولون في أثناء خطابهم له صلّى الله عليه وسلّم: راعنا وهي كلمة ذات وجهين محتملة للخير إذا حملت على معنى اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم وللشر إذا حملت على السب بالرعونة أو على أنهم يريدون إنك يا محمد كنت ترعى أغناما لنا فإنهم يفتلون الحق فيجعلونه باطلا لأن راعنا من المراعاة فيجعلونه من الرعونة. وكانوا يقولون لأصحابهم: إنما نشتمه ولا يعرف ولو كان نبيا لعرف ذلك فأطلعه الله تعالى على خبيث ضمائرهم وعلى ما في قلوبهم من العداوة والبغضاء أي يقولون ذلك لصرف الكلام عن نهجه وللقدح في دين الإسلام بالاستهزاء والسخرية وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا باللسان أو بالحال عند سماع شيء من أوامر الله تعالى ونواهيه سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا بدل ذلك لَكانَ قولهم ذلك خَيْراً لَهُمْ عند الله وَأَقْوَمَ أي أصوب وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي أبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم بذلك فَلا يُؤْمِنُونَ بعد ذلك إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) أي إلا إيمانا قليلا غير نافع وهو الإيمان بالله والتوراة وموسى، وكفروا بسائر الأنبياء أو إلا زمانا قليلا وهو زمان الاحتضار فلا ينفعهم الإيمان وبعضهم جعل قليلا مستثنى من الهاء في لعنهم أي إلا نفرا قليلا فلا يلعنهم الله لأنهم لم يفعلوا ذلك بل كانوا مؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا أي بالقرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي موافقا للتوراة في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي والفواحش مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي فنجعلها على هيئة أقفائها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ فهم ملعونون بكل لسان. وضمير الغائب راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات فلما لعنهم الله ذكرهم بعبارة الغيبة وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ بإيقاع شيء ما مَفْعُولًا (٤٧) أي نافذا. وهذا إخبار عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه تعالى مهما أخبرهم بإنزال العذاب على الكفار فعل ذلك لا محالة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ أي لا يغفر الكفر لمن اتصف بِهِ بلا توبة وإيمان وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ أي الشرك في القبح من المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة من غير توبة عنها لِمَنْ يَشاءُ. روي عن ابن عباس أنه قال: لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه بالإعتاق إن هو فعل ذلك، ثم إنهم ما وفوا له بذلك فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بذنبهم وأنه لا يمنعهم عن الدخول إلى الإسلام إلا قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [الفرقان: ٦٨]. فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في هذه الآية. فنزل قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الفرقان: ٧٠] فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته تعالى. فنزل: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] فدخلوا عند ذلك في الإسلام وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أي فقد فعل ذنبا غير مغفور أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ أي يمدحونها. قال قتادة والضحاك والسدي: هم اليهود. أخرجه ابن جرير، وذلك لما هدد الله تعالى اليهود بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فعند هذا قالوا: لسنا من المشركين بل نحن من خواص الله تعالى. وهذا استفهام تعجيب وهو أمر المخاطب على التعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم. وفي هذه الآية تحذير من إعجاب المرء بنفسه وعمله بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ عطف على مقدر. أي هم لا يزكون أنفسهم في الحقيقة لكذبهم وبطلان اعتقادهم بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستحقها من المؤمنين وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) أي إن الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم. أي فلا يظلمون في ذلك العقاب قدر فتيل وهو الخيط الذي في شق النواة طولا. والنقير النقطة التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة والقمطير والقشرة الرقيقة على النواة. انْظُرْ يا أشرف الخلق متعجبا كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لقولهم ما نعمل بالنهار من الذنوب يغفره الله لنا بالليل، وما نعمل بالليل يغفره بالنهار ف «الكذب» مفعول به أو مفعول مطلق لأنه يلاقي العامل

النساء 4:51

في المعنى. لأن الافتراء والكذب متقاربان معنى، أو معناهما واحد وَكَفى بِهِ أي افترائهم هذا إِثْماً مُبِيناً (٥٠) في استحقاقهم لأشد العقوبات أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ فكل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت، وكل من دعا إلى المعاصي الكبار فهو طاغوت. روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود بعد قتال أحد ليحالفوا قريشا على محاربة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منهم إلينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا ففعلوا ذلك. فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس. فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟. فقال كعب: ماذا يقول محمد؟ قالوا: يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن عبادة الأصنام. قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني. فقال: أنتم أهدى سبيلا وذلك قوله تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي في حق كفار مكة هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أي كفار مكة أبو سفيان وأصحابه أصوب دينا من محمد وأصحابه وذكرهم بلفظ الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح القبائح أُولئِكَ الَّذِينَ أي القائلون: إن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي أبعدهم عن رحمته وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أي ومن يطرده الله عن رحمته فلن تجد أيها المخاطب من يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) وأم منقطعة عما قبلها. وهذا الاستفهام استفهام إنكاري إبطال على اليهود في قولهم نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب؟ وتكذيب لهم في زعمهم إن الملك يعود إليهم في آخر الزمان فيخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم، ويدعو إلى دينهم. و «إذن» حرف جواب وجزاء لشرط مقدر ورفع الفعل بعدها وإن كان مرجوحا في النحو لأن القراءة سنة متبعة. وقرئ شاذا على الأرجح بحذف النون. والمعنى ليس لهم من الملك شيء ألبتة ولو كان لليهود نصيب منه فيتسبب عن ذلك أنهم لا يعطون واحدا من الناس قدر ما يملأ النقير. وهو النقرة التي على ظهر النواة التي تنبت منها النخلة وهذا بيان لعدم استحقاقهم له بل لاستحقاقهم الحرمان منه بسبب أنهم من البخل والدناءة بحيث لو أوتوا شيئا من ذلك لما أعطوا الناس من أقل قليل ومن حق من أوتي الملك أن يؤثر الغير بشيء منه أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي بل يحسدون محمدا ومن معه على ما أعطاهم الله من النبوة والكتاب وازدياد العز والنصر يوما فيوما، وكثرة النساء له صلّى الله عليه وسلّم وكانت له يومئذ تسع نسوة. فقالت اليهود: لو كان محمد نبيا لشغله أمر النبوة عن الاهتمام بأمر النساء فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي النبوة أو المراد بالكتاب ظواهر الشريعة وبالحكمة أسرار الحقيقة وَآتَيْناهُمْ أي أعطينا بعضهم كداود وسليمان ويوسف مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) لا يقادر قدره فكان لداود مائة امرأة مهرية، ولسليمان سبعمائة سرية، وثلاثمائة امرأة مهرية. وهؤلاء الثلاثة كانوا في بني إسرائيل ولم يشغلهم أمر النبوة عن أمر الملك والنساء فكيف يستبعدون نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم ويحسدونه على إيتائها فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أي فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم، ومنهم من أعرض عن الإيمان به فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم؟ فإن أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت وذلك تسلية من الله لرسوله ليكون أشد صبرا على ما يناله من قبلهم وَكَفى بِجَهَنَّمَ في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين سَعِيراً (٥٥) أي نارا وقودا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي الدالة على ذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه والملائكة والكتب والرسل سَوْفَ نُصْلِيهِمْ أي ندخلهم ناراً أي عظيمة هائلة كُلَّما نَضِجَتْ أي احترقت جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بأن يجعل النضيج غير النضيج فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة لِيَذُوقُوا الْعَذابَ أي لكي يجدوا ألم العذاب على الدوام من غير انقطاع بهذه الحالة الجديدة. وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر رضي الله تعالى عنه فقال للقارئ: أعدها فأعادها- وكان عنده معاذ بن جبل- فقال معاذ: عندي تفسيرها، تبدل الجلود في ساعة مائة مرة. فقال عمر رضي الله عنه هكذا سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً أي قادرا غالبا لا يمتنع عليه ما يريده. حَكِيماً (٥٦) أي لا يفعل إلا الصواب فيعاقب من يعاقبه على وفق حكمته وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً فإن نعيم الجنة لا ينقطع كعذاب النار لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) أي عظيما في الراحة واللذاذة بخلاف المواضع في الدنيا فإنها إذا لم يصل نور الشمس فيها إليها في الدوام يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها لما حكى الله عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات، وإن ورد الأمر على سبب خاص في شأن عثمان بن طلحة بن عبد الدار سادن الكعبة. وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذه منه وفتح ودخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة. فنزلت هذه الآية، فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال: لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنا. وقرأ عليه الآية. فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله فهبط جبريل عليه السلام وأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا ثم إن عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده إلى اليوم وَإن الله يأمركم إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وعن أنس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت: صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت» «١». إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي إن الله نعم شيء يعظكم به ذاك وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم إذا حكمتم بالعدل بَصِيراً (٥٨) لكل المبصرات يبصركم إذا أديتم الأمانة فيجازيكم على ما يصدر منكم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وهذه الآية مشتملة على أصول الشريعة الأربع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فالكتاب: يدل على أمر الله، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة. والسنة: تدل على أمر الرسول، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة. فثبت أن قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة. والمراد بأولي الأمر جميع العلماء من أهل العقد والحل، وأمراء الحق وولاة العدل. وأما أمراء الجور فبمعزل من استحقاق وجوب الطاعة لهم. قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أميرا على سرية. وعن ابن عباس أنها نزلت في شأن خالد بن الوليد بعثه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أميرا على سرية وفيها عمار بن ياسر، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية، وأمر بطاعة أولي الأمر فحينئذ فالمراد بهم أمراء السرايا قال بعضهم: طاعة الله ورسوله واجبة قطعا، وطاعة أهل الإجماع واجبة قطعا، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فالأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلّا بالظلم، وقد تكون واجبة بحسب الظن الضعيف فحينئذ يحمل أولوا الأمر على الإجماع وأيضا إن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء فهؤلاء أولوا الأمر فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فإن اختلفتم أيها المجتهدون في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والإجماع فردوه إلى واقعة تشبهه في الصورة والصفة. وهذا المعنى يؤكد بالخبر والأثر. أما الخبر فهو أنهم سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قبلة الصائم فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أرأيت لو تمضمضت» «٢». والمعنى أخبرني هل تبطل المضمضة الصوم أم لا؟ أي فكما أن (١) رواه ابن حجر في المطالب العالية (٤١٦٨)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٤٣٣٨٣). (٢) رواه أبو داود في كتاب الصيام، باب: القبلة للصائم، والدارمي في كتاب الصوم، باب: [.....] المضمضة مقدمة للأكل فكذا القبلة مقدمة للجماع فإذا كانت المضمضة لم تفسد الصيام فكذلك القبلة ولما سألته صلّى الله عليه وسلّم الخثعمية عن الحج عن أبيها فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته هل يجزئ» فقالت: نعم، قال صلّى الله عليه وسلّم: «فدين الله أحق بالقضاء» «١». وأما الأثر فما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك. فدل مجموع ما ذكر على أن قوله تعالى: فَرُدُّوهُ أمر برد الشيء إلى شبيهه وهذا هو الذي يسميه الشافعي رحمه الله تعالى: قياس الأشباه، ويسميه أكثر الفقهاء: قياس الطرد إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهذا محمول على التهديد فإن الإيمان بهما يوجب ذلك ذلِكَ أي الذي أمرتكم به في هذه الآيات خَيْرٌ لكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أي عاقبة لكم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أي يدعون أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهو القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وهو التوراة يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ أي كثير الطغيان وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ أي والحال أنهم قد أمروا في القرآن أن يتبرءوا من الطاغوت وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ بالتحاكم إليه أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (٦٠) عن الحق والهدى. قال كثير من المفسرين: خاصم رجل من المنافقين- يقال له: بشر- رجلا من اليهود. فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم. وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وسبب ذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة، واليهودي كان محقا وأن كعبا شديد الرغبة في الرشوة، والمنافق كان مبطلا. وأصرّ اليهودي على قوله بذلك. فذهبا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحكم لليهودي على المنافق فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر فأتياه فحكم لليهودي فلم يرض المنافق وقال: بيني وبينك عمر. فذهبا إليه فأخبره اليهودي بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أهكذا؟ فقال: نعم، قال: اصبر إن لي حاجة أدخل بيتي فأقضيها وأخرج إليكما فدخل وأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به عنق المنافق حتى برد أي مات وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله. وهرب اليهودي فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسأل صلّى الله عليه وسلّم عمر عن قصته فقال: إنه رد حكمك يا رسول الله. فجاء جبريل عليه السلام في الحال ونزلت هذه الآية، وقال جبريل: إن عمر هو الفاروق فرق بين الحق والباطل. فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لعمر: «أنت الرخصة في القبلة للصائم، وأحمد في (م ١/ ص ٢١). (١) رواه البخاري في كتاب الأيمان، باب: من مات وعليه نذر، «بما معناه»، والنّسائي في كتاب الحج، باب: تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين، والدارمي في كتاب المناسك، باب: الحج عن الميت، وأحمد في (م ١/ ص ٢١٢).

النساء 4:61

الفاروق» «١»، وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف سمي بذلك لشبهه بالشيطان في فرط طغيانه وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي أقبلوا إلى القرآن الذي فيه الحكم وَإِلَى الرَّسُولِ الذي تجب طاعته ليحكم بينكم رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) أي أبصرت المنافقين يعرضون عنك إلى غيرك إعراضا بالكلية فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ أي كيف يكون حالهم وقت إصابة المصيبة إياهم بقتل عمر صاحبهم بظهور نفاقهم بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بسبب ما عملوا من التحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أي ثم جاءك أهل المنافق مطالبين عمر بدمه وقد أهدره الله ويحلفون بالله كذبا للاعتذار، فقالوا: ما أراد صاحبنا المقتول التحاكم إلى عمر إلّا أن يصلح ويجعل الاتفاق بينه وبين خصمه ويأمر كل واحد من الخصمين بتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة، وأنت يا رسول الله لا تحكم إلا بالحق المر ولا يقدر أحد على رفع الصوت عندك أُولئِكَ أي المنافقون الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق والغيظ والعداوة فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا تقبل منهم ذلك العذر ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فإن من هتك ستر عدوه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي بإظهار العداوة فيزداد الشر، وإذا تركه على حاله بقي في وجل فيقل الشر. وَعِظْهُمْ أي ازجرهم عن النفاق والكيد والحسد والكذب وخوفهم بعذاب الآخرة وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أي خاليا بهم ليس معهم غيرهم لأن النصيحة على الملأ تقريع في السر محض المنفعة قَوْلًا بَلِيغاً (٦٣) أي مؤثرا وهو التخويف بعقاب الدنيا بأن يقول لهم: إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الإيمان فإن واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر لكل الناس بقاؤكم على الكفر وحينئذ يلزمكم السيف. وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ أي وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته بتوفيقنا وإعانتنا فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله تعالى وهذه الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها ودالة على أن الأنبياء معصومون عن المعاصي والذنوب، ودالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان إلا بإرادة الله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بترك طاعتك جاؤُكَ وبالغوا في التضرع إليك لينصبوك شفيعا لهم فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي أظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ بأن يسأل الله أن يغفر الذنوب لهم عند توبتهم لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً أي (١) رواه القرطبي في التفسير (٥: ٢٦٤)، وابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٤٥). يقبل توبتهم رَحِيماً (٦٤) أي يرحم تضرعهم ولا يرد استغفارهم، والفائدة في العدول في قوله تعالى: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة إجلال شأن رسول الله فإن شأنه أن يستغفر لمن عظم ذنبه وإنهم إذا جاءوه فقد جاءوا من خصه الله تعالى برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه وذلك مثل قول الأمير: حكم الأمير بكذا بدل قوله: حكمت بكذا فَلا وَرَبِّكَ لا مزيد لتأكيد معنى القسم كما زيدت في لئلا يعلم لتأكيد وجوب العلم أو مفيدة لنفي أمر سبق. والتقدير ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك فوربك لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أي حتى يجعلوك حاكما فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي فيما اختلف بينهم من الأمور فتقضي بينهم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي صدورهم حَرَجاً أي ضيقا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) أي وينقادوا لك انقيادا تاما بظواهرهم. قال عطاء ومجاهد والشعبي: إن هذه الآية في قصة اليهودي والمنافق فهذه الآية متصلة بما قبلها، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: نزلت في الزبير ابن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء فقضى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للزبير وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ أي ولو أوجبنا عليهم قتل أنفسهم أو الخروج عن أوطانهم في توبتهم كتوبة بني إسرائيل ما فعلوا أحد الأمرين بطيبة النفس إلّا قليل منهم وهم المخلصون من المؤمنين. والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس لما فعله إلا الأقلون وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم بل اكتفينا منهم في توبتهم بالتسليم لحكمك فليقبلوه بالإخلاص حتى ينالوا خير الدارين. روي أن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ناظر يهوديا، فقال اليهودي: إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه فقال: يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك. وروي أن ابن مسعود وعمار بن ياسر فالأمثل ذلك فنزلت هذه الآية وعن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك قال صلّى الله عليه وسلّم وأشار إلى عبد الله بن رواحة: «لو أن الله كتب ذلك لكان هذا في أولئك القليل» «١». أخرجه ابن أبي حاتم. وَلَوْ أَنَّهُمْ أي المنافقين فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ أي ما يكلفون به لَكانَ أي فعلهم ذلك خَيْراً لَهُمْ أي لحصل لهم خير الدنيا والآخرة وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) لهم على الإيمان وسميت أوامر الله مواعظ لاقترانها بالوعد والترغيب وَإِذاً لو فعلوا ما أمروا به لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أي (١) رواه ابن كثير في التفسير (٢: ٣٠٩). لأعطيناهم من عندنا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) أي ثوابا وافرا في الجنة وكيف لا يكون عظيما وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» «١». وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) أي طريقا من عرصة القيامة إلى الجنة وحمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى، لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الأجر والدين الحق مقدم على الأجر، والطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج إليه بعد استحقاق الأجر وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ بأن يعرف أنه إله ويقر بجلاله وعزته واستغنائه عمن سواه وَالرَّسُولَ أي بأن ينقاد انقيادا تاما لجميع الأوامر والنواهي فَأُولئِكَ أي المطيعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي فإنهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا وإذا أرادوا الزيادة والتلاقي قدروا على الوصول إليهم بسهولة مِنَ النَّبِيِّينَ محمد صلّى الله عليه وسلّم وغيره وَالصِّدِّيقِينَ أي السابقين إلى تصديق الرسل فصاروا في ذلك قدوة لسائر الناس وهم أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وَالشُّهَداءِ أي الذين يشهدون بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان وأخرى بالسيف والسنان فالشهداء هم القائمون بالقسط، وأما كون الإنسان مقتول الكافر فليس فيه زيادة شرف لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق، ومن لا منزلة له عند الله والمؤمنون قد يقولون: اللهم ارزقنا الشهادة فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل فإنه غير جائز لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر وَالصَّالِحِينَ في الاعتقاد والعمل فإن الجهل فساد في الاعتقاد والمعصية فساد في العمل وهم الصارفون أعمارهم في طاعة الله وأموالهم في مرضاته وكل من كان اعتقاده صوابا وعمله غير معصية فهو صالح، ثم إن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل، وأخرى بالسيف، وقد يكون الصالح غير موصوف بكونه قائما بهذه الشهادة فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا، ولا عكس فالشهيد أشرف أنواع الصالح، ثم الشهيد قد يكون صديقا وقد لا. ومعنى الصديق هو الذي كان أسبق إيمانا من غيره وكان إيمانه قدوة لغيره فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا ولا عكس فثبت أن أفضل الخلق الأنبياء وبعدهم الصديقون وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) أي ما أحسن أولئك المذكورين صاحبا في الجنة وحسن لها حكم نعم والمخصوص بالمدح محذوف (١) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ومسلم في كتاب الجنّة، باب: ٢، وابن ماجة في كتاب الزهد، باب: صفة الجنّة، وأحمد في (م ٥/ ص ٣٣٤).

النساء 4:71

تقديره «وحسن أولئك» من جهة الرفيق الممدوحون ذلِكَ أي مرافقة هؤلاء المنعم عليهم هو الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وما سواه ليس بشيء وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠) بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله. روى جمع من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان شديد الحب لرسول الله قليل الصبر عنه فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن حاله. فقال: يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك لأني إن دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجات العبيد فلا أراك، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية. وقال الشعبي جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يبكي فقال: «ما يبكيك يا فلان؟» فقال: يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو لأنت أحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي، وإني لأذكرك وأنا في أهلي فيأخذني مثل الجنون حتى أراك وذكرت موتي وأنك ترفع مع النبيين وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك فلم يرد النبي صلّى الله عليه وسلّم فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ أي خذوا سلاحكم واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم فَانْفِرُوا ثُباتٍ أي انهضوا إلى قتال عدوكم واخرجوا للحرب جماعات متفرقة سرية بعد سرية أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) أي مجتمعين كوكبة واحدة وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ أي وإن من عسكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمن يتثاقلن وليتخلفن عن القتال وهم ضعفة المؤمنين والمنافقون فَإِنْ أَصابَتْكُمْ يا معشر المجاهدين مُصِيبَةٌ كقتل وهزيمة وجهد من العيش. قالَ أي من يبطئ فرحا شديدا بتخلفه وحامدا لرأيه قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بالقعود إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) أي حاضرا في المعركة فيصيبني ما أصابهم وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ كفتح وغنيمة مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ أي من يبطئ ندامة على قعوده كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ وهذه الجملة اعتراض بين الفعل ومفعوله. والمراد التعجب كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبين المنافق صلة في الدين ومعرفة في الصحبة ولا مخالطة أصلا يا لَيْتَنِي كُنْتُ غازيا مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) أي فأصيب غنائم كثيرة وآخذ حظا وافرا. وقيل: الجملة التشبيهية حال من ضمير ليقولن أي ليقولن مشبها بمن لا معرفة بينكم وبينه. وقيل: هي داخلة في المقول أي ليقولن المثبط للمثبطين من المنافقين، وضعفه المؤمنين: كأن لم تكن بينكم وبين محمد معرفة في الصحة حيث لم يستصحبكم في الغزو حتى تفوزوا بما فاز محمد يا ليتني كنت معهم وغرض المثبط إلقاء العداوة بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دين الله الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وهم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد فأمروا أن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله فلم تدخل الباء إلا على المتروك، لأن المنافقين تاركون للآخرة آخذون للدنيا أي فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة. وعلى هذا فلا بد من حذف تقديره آمنوا ثم قاتلوا. أو المراد ب «الذين» يشرون هم المؤمنون الذين تخلفوا عن الجهاد. وعلى هذا فيشرون بمعنى يبيعون أي فليقاتل في طاعة الله الذين يبيعون الدنيا بالآخرة أي يختارون الآخرة على الدنيا وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله فَيُقْتَلْ أي يمت شهيدا أَوْ يَغْلِبْ أي يظفر على العدو فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أي نعطيه في كلا الوجهين أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم وإذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ أي أيّ شيء لكم يا معشر المؤمنين غير مقاتلين مع أهل مكة أي لا عذر لكم في ترك المقاتلة فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لأجل طاعة الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ أي ولأجل المستضعفين مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ أي الصبيان. وقيل: المراد بالولدان العبيد والإماء أي وهم قوم من المسلمين الذين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا. قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان الَّذِينَ يَقُولُونَ في مكة رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وهي مكة وكون أهلها موصوفين بالظلم لأنهم كانوا مشركين وكانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) أي ولّ علينا واليا من المؤمنين يقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا، وانصرنا على أعدائنا برجل يمنعنا من الظالمين. فأجاب الله دعاءهم واستنقذهم من أيدي الكفار لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميرا لهم. وكان الولي هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والنصير عتاب بن أسيد، وكان ابن ثماني عشرة سنة فكان ينصر المظلومين على الظالمين، وينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز. الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ أي في سبيل غير رضا الله فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أي جند الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ أي إن صنع الشيطان في فساد الحال على جهة الحيلة كانَ ضَعِيفاً (٧٦) لأن الله ينصر أولياءه والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه. أضعف من نصرة الله لأوليائه ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر، وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر! وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم؟! أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ نزلت هذه الآية في جماعة من الصحابة: عبد الرحمن بن عوف الزهري، وسعد بن أبي وقاص الزهري، وقدامة بن مظعون الجمحي، ومقداد بن الأسود الكندي، وطلحة بن عبيد الله التيمي كانوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة يلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويقولون: ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله: «كفوا أيديكم عن القتل والضرب فإني لم أومر بقتالهم واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلوات الخمس وزكاة أموالكم» «١». فلما هاجروا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم لا شكا في الدين بل نفورا عن الأخطار بالأرواح، وخوفا من الموت بموجب الجبلة البشرية وذلك قوله تعالى: فَلَمَّا كُتِبَ أي فرض عَلَيْهِمُ الْقِتالُ أي الجهاد في سبيل الله إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ كطلحة بن عبيد الله التيمي يَخْشَوْنَ النَّاسَ أي أهل مكة كَخَشْيَةِ اللَّهِ أي كخوفهم من الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً أي بل أكثر خوفا لما كان من طبع البشر من الجبن لا للاعتقاد. ثم باتوا وأهل الإيمان يتفاضلون فيه وَقالُوا خوفا من الموت لا لكراهتهم أمر الله بالقتال وهذا عطف على جواب «لما» وهو «إذا» فإنها فجائية مكانية رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ في هذا الوقت لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي هلا عافيتنا من بلاء القتال إلى موتنا بآجالنا. وهذا القول استزادة في مدة الكف ويجوز أن يكون هذا مما نطقت به ألسنة حالهم من غير أن يتفوهوا به صريحا قُلْ جوابا لهذا السؤال عن حكمة فرض القتال عليهم من غير توبيخ لأنه لا للاعتراض لحكمه تعالى وترغيبا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي مَتاعُ الدُّنْيا أي منفعة الدنيا قَلِيلٌ لأنه سريع التقضي وشيك الانصرام وإن أخرتم إلى ذلك لأجل وَالْآخِرَةُ أي ثواب الآخرة لا سيما المنوط بالقتال خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى الكفر والفواحش. لأن نعم الآخرة كثيرة ومؤبدة وصافية عن كدورات القلوب ويقينية بخلاف نعم الدنيا فإنها مشكوكة عاقبتها في اليوم الثاني ومشوبة بالمكاره وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧). وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالغيبة. والباقون بالخطاب أي لا تنقصون من أجور أعمالكم قدر خيط في شق النواة. أو المعنى لا ينقصون من ثواب حسناتهم أدنى شيء أَيْنَما تَكُونُوا في الحضر أو السفر في البر أو البحر يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ الذي تكرهون القتال لأجله زعما منكم أنه من محاله وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أي حصون مرتفعة قوية بالجص وَإِنْ تُصِبْهُمْ أي اليهود والمنافقين حَسَنَةٌ أي خصب ورخص السعر وتتابع الأمطار يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلما ظهر عناد اليهود والمنافقين على دعائه إياهم إلى الإيمان أمسك الله عنهم بعض الإمساك، كما جرت عادته تعالى في جميع الأمم. فعند هذا قالوا: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل نقصت ثمارنا ومزارعنا (١) رواه النسائي في كتاب الجهاد باب: وجوب الجهاد. وغلت أسعارنا منذ قدم. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي جدوبة وشدة وغلاء سعر يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي هذه من شؤم محمد وأصحابه. أي وإن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى. وإن تصبهم بلية أضافوها إليك كما حكى الله عن قوم موسى بقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف: ١٣١] وعن قوم صالح بقوله تعالى: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ [النمل: ٤٧]. قُلْ لهم ردا لزعمهم الباطل وإرشادا لهم إلى الحق كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى وخلقا وإيجادا من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منهما بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) أي وحيث كان الأمر كذلك فأي شيء حصل لهؤلاء المنافقين واليهود حال كونهم بمعزل من أن يفقهوا حديثا من الأحاديث أصلا فقالوا ما قالوه. إذ لو فهموا شيئا من ذلك لفهموا أن الكل من عند الله تعالى. فالنعمة منه تعالى بطريق التفضل، والبلية منه تعالى بطريق العقوبة على ذنوب العباد عدلا منه تعالى. ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أي ما أصابك أيها الإنسان من نعمة من النعم فهي منه تعالى بالذات تفضلا وإحسانا من غير استيجاب لها من قبلك وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ أي أيّ شيء أصابك من بلية من البلايا فهي منها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها. وعن عائشة رضي الله عنها ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا أي ليس لك إلا الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ. وهذه الآية تدل على أنه لا طاعة إلّا لله ألبتة لأن طاعة الرسول لا تكون إلا طاعة لله. وقال الشافعي رضي الله عنه: وهذه الآية تدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة، والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله. قال مقاتل: إن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يقول: «من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله» «١». فقال المنافقون: لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو ينهى أن نعبد غير الله ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى فأنزل الله هذه الآية وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) (١) رواه البخاري في كتاب الجهاد، باب: يقاتل من وراء الإمام ويتقى به، ومسلم في كتاب الإمارة، باب: ٣٢، والنسائي في كتاب البيعة، باب: الترغيب في طاعة الإمام، وابن ماجة في المقدمة، باب: اتباع سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأحمد في (م ٢/ ص ٩٣).

النساء 4:81

وجواب الشرط محذوف والمذكور تعليل له. أي ومن أعرض بقلبه عن حكمك يا محمد فأعرض عنه. أو المعنى ومن أعرض عن طاعة الله بظاهرهم فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك الإعراض وأن تحزن، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي. أو المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك التولي. ثم نسخ هذا بآية الجهاد فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له صلّى الله عليه وسلّم عن الحزن، فإنه صلّى الله عليه وسلّم كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم. وَيَقُولُونَ طاعَةٌ أي يقول المنافقون- عبد الله ابن أبي وأصحابه- إذا أمرتهم بشيء: شأننا طاعة أو منا طاعة أو أمرك يا محمد طاعة مر بما شئت نفعله. فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ أي خرجوا من مجلسك بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ أي تفكر ليلا فريق من المنافقين وهم رؤساؤهم غير الذي تأمر وتكلموا فيما بينهم بعصيانك وتوافقوا عليه وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ أي ينزل إليك ما يتدبرونه ليلا في جملة ما يوحي إليك فيطلعك على أسرارهم أو يثبت ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا تهتك سترهم ولا تفضحهم إلى أن يستقيم أمر الإسلام وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في شأنهم فإن الله يكفيك شرهم وينتقم منهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أي مفوضا إليه لمن توكل عليه أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أي أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونه من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الناطق بنفاقهم وَلَوْ كانَ أي القرآن مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ كما يزعمون لَوَجَدُوا فِيهِ أي القرآن اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) بأن يكون بعض أخباره غير مطابق للواقع إذ لا علم بالأمور الغيبية ماضية كانت أو مستقبلة لغيره تعالى، وحيث كانت كلها مطابقة للواقع تعين كونه من عنده تعالى. وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ أي وإذا جاء المنافقين خبر بأمر من الأمور سواء كان من باب الأمن أو من باب الخوف أفشوه وكان ذلك سبب الضرر، لأن هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير، ولأن العداوة الشديدة صارت قائمة بين المسلمين والكفار وذلك أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث السرايا، فإذا غلبوا أو بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم ثم يتحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل الله هذه الآية. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي ولو ردوا الخبر الذي تحدثوا به إلى الرسول وإلى ذوي العقل والرأي من المؤمنين وهم كبار الصحابة- كأبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي- بأن لم يحدّثوا به حتى يكون هؤلاء هم الذين يظهرونه لعلم ذلك الخبر من يستخرجونه من جهة هؤلاء. أي ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه هؤلاء المنافقون المذيعون من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ببعثه محمد صلّى الله عليه وسلّم وإنزال القرآن لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ وكفرتم بالله إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان وما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهم فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله. قيل: وهذا متصل بقوله تعالى: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: ٧٥]. وقيل: هذا معطوف على قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ [النساء: ٧٦]. لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ أي إلا فعل نفسك فلا يضرك مخالفتهم فتقدم أنت إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد فإن الله ناصرك. واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب بخلاف الرسول صلّى الله عليه وسلّم فإنه على ثقة من النصر والظفر. وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي على الخروج معك بذلا للنصيحة فإنهم آثمون بالتخلف لأن القتال كان مفروضا عليهم إذ ذاك، فإن فرضه في السنة الثانية وهذه القضية في الرابعة، كما روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم. فنزلت هذه الآية عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي أن يمنع صولة كفار مكة، وعسى وعد من الله تعالى واجب الإنجاز وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أي قوة من قريش وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) أي تعذيبا مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها أي من ثوابها ويندرج فيها الدعاء للمسلم فإنه شفاعة إلى الله تعالى وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي نصيب من وزرها مساو لها في المقدار. والغرض من هذه الآية بيان أنه صلّى الله عليه وسلّم لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجرا عظيما. ولو لم يقبلوا أمره صلّى الله عليه وسلّم لم يرجع إليه من عصيانهم شيء من الوزر، وذلك لأنه صلّى الله عليه وسلّم بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة ولم يرغبهم في المعصية ألبتة فحقا يرجع إليه من طاعتهم أجر ولا يرجع إليه من معصيتهم وزر وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) أي قادرا على إيصال الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه وحافظا للأشياء شاهدا عليها فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل فيجازي كلا بما علم منه وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها أي إذا سلم عليكم فردوا على المسلم ردا أحسن من ابتدائه أو أجيبوا التحية بمثلها ومنتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد فالأحسن هو أن المسلم إذا قال: السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعيدت في الجواب، ورد الجواب واجب على الفور وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين والأولى للكل أن يذكروا الجواب إظهارا للإكرام ومبالغة فيه وترك الجواب إهانة، والإهانة ضرر، والضرر حرام. وإذا استقبلك واحد فقل: سلام عليكم واقصد الرجل والملكين فإنك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب الله. وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» «١». وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تبدأ (١) رواه البخاري في كتاب الاستئذان، باب: كيف يردّ على أهل الذمّة بالسلام، ومسلم في اليهودي بالسلام وإذا بدأك فقل وعليك» «١». وعن أبي حنيفة أنه قال: لا يبدأ اليهود بالسلام في كتاب ولا في غيره. وعن أبي يوسف قال: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم، وإذا دخلت عليهم فقل: السلام على من اتّبع الهدى. ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة وأما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء: ينبغي أن يقال: وعليك. ثم هاهنا تفريع وهو أنا إذا قلنا لهم: وعليكم السلام فهل يجوز ذكر الرحمة؟ فقال الحسن: يجوز أن يقال للكافر: وعليكم السلام، لكن لا يقال: ورحمة الله لأنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني وعليكم السلام ورحمة الله، فقيل له في ذلك، فقال: أليس في رحمة الله يعيش. وقيل: التحية بالأحسن عند كون المسلم مسلما ورد مثلها عند كونه كافرا. والمقصود من هذه الآية: الوعيد، فإن الواحد من جنس الكفار قد يسلم على الرجل المسلم، ثم إن ذلك المسلم يتفحص عن حاله بل ربما قتله طمعا منه في سلبه فالله تعالى زجر عن ذلك فإياكم أن تتعرضوا له بالقتل إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) أي محاسبا على كل أعمالكم وكافيا في إيصال جزاء أعمالكم إليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف. وهذا يدل على شدة الاعتناء بحفظ الدماء اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر. قال بعضهم: كأنه تعالى يقول من سلم عليكم فاقبلوا سلامه وأكرموه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلّا هو وإنما ينكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة. لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي والله ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة لا رَيْبَ فِيهِ أي يوم القيامة وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧) وهذا استفهام على سبيل الإنكار. والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقا، وأن الكذب والخلف في قوله تعالى محال فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ أي ما لكم يا معشر المؤمنين صرتم في أمر المنافقين فرقتين وهو استفهام على سبيل الإنكار. أي لم تختلفون في كفرهم مع أن دلائل كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية. فليس لكم أن تختلفوا في كفرهم بل يجب أن تقطعوا به. نزلت هذه الآية في عشرة نفر قدموا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله ثم قالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه، فأذن لهم. فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم. فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما كتاب السلام، باب: ٩، والدارمي في كتاب الاستئذان، باب: في رد السلام على أهل الكتاب، وأحمد في (م ٢/ ص ٩). (١) رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في السلام على أهل الذمة، ومسلم في كتاب السلام، باب: ١٤، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب: ١٢، وابن ماجة في كتاب الأدب، باب: السلام على أهل الذمة، وأحمد في (م ٢/ ص ٢٦٣). صبرنا. وقال قوم: هم مسلمون وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر أمرهم. فبيّن الله تعالى نفاقهم في هذه الآية وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أي ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والسبي والقتل بِما كَسَبُوا من إظهار الكفر بعد ما كانوا على النفاق. وذلك أن المنافق ما دام يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى قتله فإذا أظهر الكفر فحينئذ يجري الله تعالى عليه أحكام الكفار أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ عن الإيمان وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) إلى إدخاله في الإيمان وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا أي تمنوا كفركم بمحمد والقرآن كفرا مثل كفركم فَتَكُونُونَ أنتم وهم سَواءً في الكفر فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي إذا كان حالهم ودادة كفركم فلا توالوهم حتى ينتقلوا من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين لأجل أمر الله تعالى. اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين. قال صلّى الله عليه وسلّم: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه». وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن ترك منهيات الله وفعل مأموراته وذلك يشمل مهاجرة دار الكفر، ومهاجرة شعار الكفر وإنما قيد الله تعالى الهجرة بكونها في سبيل الله لإخراج الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ومن شعار الكفر إلى شعار الإسلام لغرض من أغراض الدنيا. فإنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإيمان والهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فَخُذُوهُمْ أي فأسروهم إذا قدرتم عليهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ أي في الحل والحرم فإن حكمهم حكم سائر المشركين أسرا وقتلا وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ في هذه الحالة وَلِيًّا يتولى شيئا من مهماتكم وَلا نَصِيراً (٨٩) ينصركم على أعدائكم إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ أي ينتهون إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي إلا من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في حق هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك المدلجي وبني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وفي هذه الآية بشارة عظيمة لأهل الإيمان لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى. أَوْ إلا الذين جاؤُكُمْ حَصِرَتْ أي ضاقت صُدُورُهُمْ عن المقاتلة فلا يريدون أَنْ يُقاتِلُوكُمْ لأنكم مسلمون وللعهد أَوْ لا يريدون أن يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ لأنهم أقاربهم فهم لا عليكم ولا لكم. أي لما أمر الله بأخذ الكفار وقتلهم استثنى من المأمور فريقين أحدهما من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين والآخر من أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ببسط صدورهم

النساء 4:91

وتقوية قلوبهم وإزالة الرعب عنها. والمعنى أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو بقذف الله الرعب في قلوبهم ولو قوّى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم. والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى منّ على المسلمين بكف بأس المعاهدين فَلَقاتَلُوكُمْ وهذا في الحقيقة جواب «لو» وما قبله توطئة له، وأعيدت اللام توكيدا فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ أي تركوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الانقياد للصلح والأمان فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) أي طريقا بالأسر أو بالقتل سَتَجِدُونَ عن قريب آخَرِينَ أي قوما من المنافقين غير من سبق وهم قوم من أسد وغطفان كانوا مقيمين حول المدينة فإذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا. وقالوا لأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنا على دينكم- ليأمنوا من قتال المسلمين- وإذا رجعوا إلى قومهم كفروا أو نكثوا عهودهم- ليأمنوا من قومهم- حتى كان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، كما قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ أي يأمنوا من قتالكم بإظهار الإسلام عندكم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ أي من بأسهم بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أي كلما دعوا إلى قتال المسلمين أُرْكِسُوا فِيها أي قلبوا في الفتنة أقبح قلب وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير. أي كلما دعاهم قومهم إلى الكفر وقتال المسلمين رجعوا إليه وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسا يتعذر خروجه منه فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي فإن لم يتركوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفروا أيديهم عن قتالكم فخذوهم أي وأسروهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم أي وجدتموهم في الحل والحرم وَأُولئِكُمْ أي أهل هذه الصفة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١) أي جعلنا لكم على جواز قتل هؤلاء حجة واضحة وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بأهل الإسلام أو جعلنا لكم عليهم تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً أي ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة إلا عند الخطأ وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا فههنا يجوز قتله ولا شك أن هذا خطأ فإنه ظن أنه كافر مع أنه غير كافر. روي أن عياش بن أبي ربيعة أسلم في مكة وهاجر إلى المدينة قبل هجرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إليها، وتحصن في أطم من آطامها خوفا من قومه، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع فخرج أبو جهل بن هشام، والحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه، فقال أبو جهل: أليس إن محمدا يأمرك ببر الأم؟ فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك. فرجع إلى مكة فلما دنوا من مكة قيدا يديه ورجليه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة، فلما دخل على أمه حلفت لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول فتركوه موثوقا مطروحا في الشمس ما شاء الله، ففعل بلسانه فأتاه الحرث ابن زيد فقال: يا عياش إن كان دينك الأول هدى فقد تركته، وإن كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه. فغضب عياش من مقالته وقال: والله لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث بعد ذلك، وهاجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلقيه عياش في ظهر قباء خاليا ولم يشعر بإسلامه فقتله، فلما أخبره الناس بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت هذه الآية وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً بأن يقصد رمي المشرك فأصاب مسلما، أو يظن الشخص مشركا فقتله فبان مسلما أو يضرب المسلم بضربة لا تقتل غالبا فيموت منها. فالأول: خطأ في الفعل. والثاني: خطأ في القصد. والثالث: خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب ولذلك سمي شبه العمد فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي فعليه إعتاق نسمة محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة ودية مؤداة إلى ورثة المقتول يقتسمونها كسائر المواريث إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أي إلا أن يعفو أهل المقتول عن الدية ويتركوها وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله. وفي الحديث «كل معروف صدقة» «١». فَإِنْ كانَ أي المقتول خطأ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أي من سكان دار الحرب وَهُوَ مُؤْمِنٌ ولم يعلم القاتل بكونه مؤمنا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فالواجب على القاتل بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو تحرير الرقبة، وأما الدية فلا تجب إذ لا وراثة بين المقتول وبين أهله لأنهم محاربون كالحرث بن زيد فإنه من قوم محاربين لرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى ليقوم المعتوق به مقام المقتول في المواظبة على العبادات وَإِنْ كانَ أي المقتول خطأ مِنْ قَوْمٍ كفرة بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي عهد مؤقت أو مؤبد فَدِيَةٌ أي فعلى قاتله دية مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي المقتول. وهي ثلث دية المؤمن إن كان نصرانيا أو يهوديا تحل مناكحته، وثلثا عشرها إن كان مجوسيا أو كتابيا لا تحل مناكحته وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ على القاتل فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ أي فمن كان فقيرا فعليه ذلك الصيام بدلا عن الرقبة. وقال مسروق: بدلا عن مجموع الكفارة والدية والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ (١) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب: كل معروف صدقة، ومسلم في كتاب الزكاة، باب: ٥٢، وأبو داود في كتاب الأدب، باب: في المعونة لمسلم، والترمذي في كتاب البرّ، باب: ٤٥، وأحمد في (م ٣/ ص ٣٤٤). أي شرع ذلك تجاوزا من الله على تقصيره في ترك الاحتياط لأنه لو بالغ في الاحتياط لم يصدر عنه ذلك الفعل وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بأن القاتل لم يتعمد حَكِيماً (٩٢) في أنه تعالى ما يؤاخذه بذلك الخطأ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ. روي أن مقيس بن ضبابة الكناني كان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد مقيس أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وذكر له القصة فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه زبير ابن عياض- الفهري وكان من أصحاب بدر- إلى بني النجار يأمرهم بتسليم القاتل إلى مقيس ليقتص منه إن علموه وبأداء الدية إن لم يعلموه. فقالوا: سمعا وطاعة، فأتوه بمائة من الإبل فانصرفا راجعين إلى المدينة حتى إذا كانا ببعض الطريق تغفل مقيس الكناني رسول سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم الفهري فرماه بصخرة فشدخه، ثم ركب بعيرا من الإبل واستاق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا، فنزلت هذه الآية وهو الذي استثناه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الفتح ممن أمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة خالِداً فِيها حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه المقام. كأنه قيل: فجزاؤه أن يدخل جهنم خالدا فيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أي انتقم منه عطف على مقدر كأنه قيل بطريق الاستئناف: حكم الله بأن جزاءه ذلك وغضب عليه وَلَعَنَهُ أي أبعده عن الرحمة بجعل جزائه ما ذكر وَأَعَدَّ لَهُ في جهنم عَذاباً عَظِيماً (٩٣) لا يقدر قدره. وقال ابن عباس: ومن يقتل مؤمنا رسول سيدنا رسول الله متعمدا بقتله- أي بأن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن- فجزاؤه جهنم بقتله عامدا عالما بكونه مؤمنا خالدا فيها بشركه وارتداده وغضب الله عليه بأخذه الدية، ولعنه بقتله غير قاتل أخيه، وأعدّ له عذابا عظيما أي شديدا بجراءته على الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي سافرتم في الغزو فَتَبَيَّنُوا أي تحققوا حتى يتبين لكم المؤمن من الكافر. قرأ حمزة والكسائي هنا في الموضعين. وفي الحجرات: فَتَبَيَّنُوا أي اطلبوا التثبت. والمراد في الآية فتأنوا واتركوا العجلة واحتاطوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ أي لا تقولوا بغير تأمل لمن حياكم بتحية الإسلام أو لمن ألقى إليكم الانقياد بقول: لا إله إلّا الله محمد رسول الله لَسْتَ مُؤْمِناً فتقتلونه تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي حال كونكم طالبين لماله الذي هو سريع النفاد فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ أي ثواب كثير كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي مثل ذلك الذي ألقى إليكم السلام كنتم أنتم أيضا في أول إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من تحية الإسلام ونحوها. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بأن قيل منكم تلك المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم فَتَبَيَّنُوا أي إذا كان الأمر كذلك أي فقيسوا حاله بحالكم وافعلوا به ما فعل بكم في أوائل أموركم من قبول ظاهر الحال من غير وقوف على تواطئ الظاهر والباطن إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال الظاهرة والخفية خَبِيراً (٩٤) فيجازيكم بحسبها إن خير فخير وإن شرا فشر. فلا تتهاونوا في القتل واحتاطوا فيه. نزلت هذه الآية في شأن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك وكان قد أسلم هو ولم يسلم غيره من قومه فذهبت سرية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى قومه مع أميرهم غالب بن فضالة فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، فلما تلاحقوا وكبروا، كبر ونزل وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم. فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه. فأخبروا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوجد وجدا شديدا وقال: «قتلتموه إرادة ما معه» فقال: أسامة إنه قال بلسانه دون قلبه. فقال صلّى الله عليه وسلّم: «هلا شققت عن قلبه» ثم قرأ هذه الآية على أسامة فقال: يا رسول الله استغفر لي. فقال: «فكيف وقد تلا لا إله إلا الله؟» قال أسامة: فما زال صلّى الله عليه وسلّم يعيدها حتى وددت إن لم أكن أسلمت إلا يومئذ ثم استغفر لي ثلاث مرات وقال: «أعتق رقبة» «١». لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ الذين أذن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم الذين هم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ من مرض أو عاهة، من عمي أو عرج أو زمانة أو نحوها. وفي معناه العجز عن الأهبة. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم بالرفع بدل من «القاعدون»، ونافع وابن عامر والكسائي. والباقون بالنصب على الحال من «القاعدون». والأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. قال ابن عباس: أي لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها. فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ أولي الضرر دَرَجَةً أي فضيلة في الآخرة لأن المجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله مع النية وأولو الضرر كانت لهم نية ولم يباشروا الجهاد، فنزلوا عن المجاهدين درجة وَكُلًّا من المجاهدين والقاعدين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي الجنة بإيمانهم وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ في سبيل الله عَلَى الْقاعِدِينَ الذين لا عذر لهم ولا ضرر أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ أي من الله تعالى وَمَغْفِرَةً للذنوب وَرَحْمَةً من العذاب وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لمن خرج إلى الجهاد رَحِيماً (٩٦) لمن مات على التوبة. وقيل: هذا التفضيل بين المجاهدين والقاعدين غير أولي الضرر فقط. وذلك إما لتنزيل الاختلاف بين التفضيلين منزلة الاختلاف الذاتي، كأنه قيل: فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة لا يقادر قدرها ولا يبلغ كنهها وإما (١) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب: ١٥٨، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب: على ما يقاتل المشركون، وابن ماجة في كتاب الفتن، باب: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، وأحمد في (م ٤/ ص ٤٣٩). للاختلاف بالذات بين التفضيلين على أن المراد بالتفضيل الأول ما أعطاهم الله تعالى عاجلا في الدنيا من الغنيمة والظفر، والذكر الجميل الحقيق بكونه درجة واحدة وبالتفضيل الثاني ما أنعم به في الآخرة من الدرجات العالية كأنه قيل: وفضلهم عليهم في الدنيا درجة واحدة وفي الآخرة درجات لا تحصى. أما أولو الضرر فهم مساوون للمجاهدين ويدل على المساواة النقل والعقل. أما النقل: فقوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٥، ٦] وذكر بعض المفسرين في تفسير ذلك أن من صار هرما كتب الله له أجر ما كان يعمله قبل هرمه، غير منقوص من ذلك شيئا. وأما العقل: فالمقصود من جميع الطاعات استنارة القلب بنور معرفة الله تعالى فإن حصل الاستواء فيه للمجاهد والقاعد فقد حصل الاستواء في الثواب، وإن كان القاعد أكثر خطأ من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثوابا. وقال بعضهم: والمراد بقوله: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ لدفع التكرار هو من كان مجاهدا في كل الأمور بالظاهر والقلب. وهو أشرف أنواع المجاهدة، وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله ولما كان هذا المقام أعلى جعل فضيلته درجات. إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي ملك الموت وأعوانه وهم ستة: ثلاثة منهم يلون قبض أرواح المؤمنين. وثلاثة يلون قبض أرواح الكفار. ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفرة الموجبة للإخلال بأمور الدين فإن هذه الآية نزلت في ناس من مكة قد أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة، فقتلوا يوم بدر مع الكفار منهم: علي بن أمية بن خلف، والحرث بن زمعة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبه بن الحجاج، وأبو قيس بن الفاكه قالُوا أي الملائكة لهم حين القبض: فِيمَ كُنْتُمْ أي في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم أي أكننتم في أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أم كنتم مشركين أو فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه. قالُوا معتذرين اعتذارا غير صحيح: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ أي كنا مقهورين في أرض مكة في أيدي الكفار قالُوا أي الملائكة لهم توبيخا مع ضرب وجوههم وأدبارهم أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها أي إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم فبقيتم بين الكفار. وقال ابن عباس: أي ألم تكن المدينة آمنة فتهاجروا إليها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ في الآخرة جَهَنَّمُ كما أن مأواهم في الدنيا دار الكفر لتركهم الفريضة ف «مأواهم» مبتدأ، و «جهنم» خبره، والجملة خبر ل «أولئك». وهذه الجملة خبران وقوله تعالى: «قالوا فيم كنتم» حال من «الملائكة» أو هو الخبر والعائد منه محذوف أي قالوا لهم: وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) أي بئس مصيرهم جهنم إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ أي الصبيان أو المماليك لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً أي لا

النساء 4:92

[الجزء الاول] بسم الله الرّحمن الرّحيم المقدمة الحمد لله رب العالمين، الذي أنزل كتابه المبين على رسوله محمد الأمين صلّى الله عليه وسلّم، فشرح به الصدور وأمّن به القلوب من الخوف إلا من غضبه عزّ وجلّ، ونوّر به بصائر الصالحين والعارفين وجعله هداية للعالمين. أما بعد، فالعلم نور والجهل ضلالة، وخير العلوم علم الدين والتفسير، فهو يبيّن ما اشتملت عليه الأحكام الإلهية من الأسرار والبدائع، لذا علينا إخواني أن نأتمر بما أمرنا الله به من تعلّم قراءة وتفسير وفهم كتاب الله المنزّل إلينا وتعليمه وتفهيمه، وهو القائل سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) [الحديد: ١٦، ١٧]، ففي هذه الآيات الكريمة تنبيه من الله عزّ وجلّ على أنه كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يليّن القلوب ويذهب قسوتها ويبعدها عن المعاصي والذنوب بالإيمان الحقّ، والله خير المرتجى أن يفعل بنا ما يريد إنه عزيز كريم. فقد عملت على ضبط نص هذا الكتاب «مراح لبيد»، المؤلّف من جزءين، الذي أتمنّى أن أكون بعملي هذا قد وفّقت إلى ما أصبو إليه من إيضاح وضبط وتعميم للفائدة المرتجاة. راجيا من المولى عزّ وجلّ العفو والمغفرة عمّا به قد أكون قصّرت، ومنك عزيزي القارئ التّفهّم الكامل وجبر العثرات، إذ إن الكمال لله وحده، والعصمة للأنبياء. محمد أمين الضنّاوي ترجمة المؤلّف «١» هو محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا، مفسّر، متصوّف، من فقهاء الشافعية. هاجر إلى مكّة المكرّمة وتوفي بها سنة ١٣١٦ هـ، عرّفه «تيمور» ب «عالم الحجاز»، له مصنّفات كثيرة منها: - «مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد» مجلدان، وهو تفسيره. - «مراقي العبودية»، شرح لبداية الهداية للغزالي، فرغ من تأليفه سنة ١٢٨٩ هـ. - «وقائع الطغيان على منظومة شعب الإيمان». - «قطر الغيث في شرح مسائل أبي الليث». - «عقود اللّجين في بيان حقوق الزوجين». - «نهاية الزين بشرح قرّة العين»، فقه. - «شرح فتح الرحمن»، تجويد. - «نور الظلام» في شرح قصيدة «عقيدة العوام» لأحمد المرزوقي. - «مرقاة صعود التصديق»، تصوّف، في شرح «سلّم التوفيق» لابن طاهر المتوفى سنة ١٢٧٢ هـ. - «كاشفة السجا، في شرح سفينة النجا»، في أصول الدين والفقه. (١) الأعلام، خير الدين الزركلي/ ج ٦ ص ٣١٨. خطبة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته، وذلّ كل شيء لعزّته، واستسلم كل شيء لقدرته، وخضع كل شيء لملكه، فسبحان الله شارع الأحكام، المميز بين الحلال والحرام، أحمده على ما فتح من غوامض العلوم بإخراج الأفهام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أزال بيانه كل إبهام، وعلى آله وأصحابه أولي المناقب والأحلام صلاة وسلاما دائمين ما دامت الأيام. أما بعد، فيقول أحقر الورى محمد نووي: قد أمرني بعض الأعزة عندي أن أكتب تفسيرا للقرآن المجيد فترددت في ذلك زمانا طويلا خوفا من الدخول في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» . «١» وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» «٢». فأجبتهم إلى ذلك للاقتداء بالسلف في تدوين العلم إبقاء على الخلق وليس على فعلي مزيد ولكن لكل زمان تجديد، وليكون ذلك عونا لي وللقاصرين مثلي وأخذته من الفتوحات الإلهية ومن مفاتيح الغيب ومن السراج المنير، ومن تنوير المقباس، ومن تفسير أبي السعود. وسميته مع الموافقة لتاريخه «مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد»، وعلى الكريم الفتّاح اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي. والآن أشرع بحسن توفيقه وهو المعين لكل من لجأ به. (١) رواه أبو داود في كتاب العلم، باب: الكلام في كتاب الله بغير علم، والترمذي في كتاب التفسير، باب: ١. وعند أبي داود بلفظ «كتاب الله عز وجل» بدل «القرآن». (٢) رواه الترمذي في كتاب التفسير، ترجمة، وأحمد في (م ١/ ص ٢٣٣).

النساء 4:101

يقدرون على حيلة الخروج ولا نفقة أو كان بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) أي لا يعرفون طريقا ولا يجدون من يدلهم على الطريق. كعياش بن أبي ربيعة بن هشام، وسيدنا عبد الله بن عباس وأمه- اسمها لبابة- كما قال: كنت أنا وأمي ممن عفا الله عنه بهذه الآية فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وذكر العفو بكلمة «عسى» لا بالكلمة الدالة على القطع، لأن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزا عنها، مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة فكانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا لما كان منهم غَفُوراً (٩٩) لمن تاب منهم وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً في المعيشة أي ومن يهاجر في طاعة الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية، وذلك لأن من ذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه ورغمت أنوفهم بسبب ذلك وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي إلى موضع أمر الله ورسوله ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ قبل أن يصل لي المقصد وإن كان خارج بابه فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي فقد وجب أجر هجرته عند الله بإيجابه على نفسه بحكم الوعد والتفضل والكرم، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما كان منه من القعود إلى وقت الخروج رَحِيماً (١٠٠) بإكمال أجر الهجرة، فكذلك كل من قصد فعل طاعة ولم يقدر على إتمامها كتب الله له ثوابها كاملا. رسولك فمات، فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: توفى بالمدينة لكان أتم أجرا، وضحك المشركون وقالوا: ما أدرك ما طلب فأنزل الله تعالى قوله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ الآية. قالوا: كل هجرة في غرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو نحو ذلك فهي هجرة إلى الله تعالى وإلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أي إذا سافرتم- أيّ مسافرة كانت- فليس عليكم مأثم في أن تردوا الصلاة من أربع ركعات إلى ركعتين إذا كان السفر طويلا لغير معصية. وهو عند الشافعي ومالك أربعة برد وهي مرحلتان، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام بلياليهن. وروي عن عمر أنه قال: يقصر في يوم تام وبه قال الزهريّ والأوزاعي وقال أنس بن مالك: المعتبر خمس فراسخ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي إن خفتم أن يتعرضوا لكم بما تكرهونه من القتال وغيره. وقال ابن عباس: أي إن علمتم أن يقتلوكم في الصلاة. وهذا الشرط بيان للواقع إذ ذاك، وهو أن غالب أسفار نبينا صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه لم تخل من خوف العدو لكثرة المشركين، وأهل الحرب إذ ذاك فحينئذ لا يشترط الخوف بل للمسافر القصر مع الأمن لما في الصحيحين أنه صلّى الله عليه وسلّم سافر بين مكة والمدينة، لا يخاف إلا الله عزّ وجلّ فكان يصلي ركعتين. قال يعلى بن أمية: قلت لعمر: إنما قال الله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ وقد أمن الناس. قال عمر: قد عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» «١» رواه مسلم . إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) أي إن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين، وازدادت عداوتهم بسبب شدة العداوة وقصدوا إتلافكم إن قدروا، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة. وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أي إذا كنت يا أشرف الخلق مع المؤمنين في خوفهم فأردت أن تقيم بهم الصلاة فاجعلهم طائفتين، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو ليحرسوكم منهم وَلْيَأْخُذُوا أي الطائفة الذين يصلون معك أَسْلِحَتَهُمْ من التي لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر فإن ذلك أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم فَإِذا سَجَدُوا أي القائمون معك وأتموا صلاتهم بعد نية المفارقة فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أي فلينصرفوا من ورائكم إلى مصاف أصحابهم بإزاء العدو للحراسة، ثم يبقى الإمام قائما في الركعة الثانية وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ في الركعة الثانية ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن يصلوا ركعة ثانية، ثم يسلم الإمام بهم وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي. وَلْيَأْخُذُوا أي هذه الطائفة حِذْرَهُمْ من العدو وَأَسْلِحَتَهُمْ معهم وإنما ذكر الحذر هنا لأن العدو لم يتنبه للمسلمين في أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة فإذ قاموا في الركعة الثانية ظهر للكفار كونهم في الصلاة فحينئذ ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم. فخص الله تعالى هذا الوضع بزيادة الحذر من الكفار وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً أي تمنوا نسيانكم عن الأسلحة وما تستمتع بها في الحرب إذا قمتم إلى الصلاة فينالوا منكم غرة وينتهزوا فرصة فيشدوا عليكم واحدة في الصلاة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ أي لا وزر عليكم في وضع الأسلحة إن تعذر حملها إما لثقلها بسبب مطر أو مرض أو لإيذاء من في الجنب. وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أي احترزوا من العدو ما استطعتم لئلا يهجموا (١) رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: صلاة المسافر، ومسلم في كتاب الصلاة، باب: ١. عليكم. وهذه الآية تدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل واجبا والله أعلم. إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) في الدنيا بأن يخذلهم وينصركم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب كي يحل بهم عذابه تعالى بأيديكم بالقتل والأسر والنهب فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي فإذا فرغتم من صلاة الخوف فداوموا على ذكر الله في جميع الأحوال حتى في حال المسايفة والقتال، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه، فإذا سكنت قلوبكم من الخوف فأدوا الصلاة التي دخل وقتها حينئذ على الحالة التي كنتم تعرفونها ولا تغيروا شيئا من أحوالها وهيئاتها. وقيل: معنى الآية فإذا أردتم الصلاة فصلوا قياما حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة، وقعودا جاثين على الركب حال اشتغالكم بالمراماة، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض، فإذا زال الخوف عنكم بانقضاء الحرب فأفضوا ما صليتم في تلك الأحوال. وهذا ظاهر على مذهب الشافعي من إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسايفة إذا حضر وقتها وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء. وقال ابن عباس: أي فإذا فرغتم من صلاة الخوف فصلوا لله قياما للصحيح وقعودا للمريض وعلى الجنوب للجريح والمريض فإذا ذهب منكم الخوف ورجعتم إلى منازلكم فأتموا الصلاة أربعا إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) أي فرضا موقتا وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ أي لا تعجزوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال. نزلت هذه الآية في شأن بدر الصغرى وذلك لما بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه فشكوا الجراحات حين رجعوا من أحد إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ أي إن كنتم تتوجعون بالجراح فإنهم يتوجعون بالجراح. فحصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلم يصر خوف الألم مانعا عن قتالكم فكيف صار مانعا لكم عن قتالهم وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ أي وأنتم ترجون من الله ثوابه وتخافون عذبه لأنكم تعبدون الله تعالى، والمشركون يعبدون الأصنام فلا يصح منهم أن يرجوا منها ثوابا أو يخافوا منها عقابا فيجب أن تكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها. وقرأ الأعرج «أن تكونوا» بفتح الهمزة أي لأن تكونوا. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) أي لا يكلفكم شيئا إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ أي بين طعمة وزيد بن سمين بِما أَراكَ اللَّهُ أي بما علمك الله في القرآن. وسمي العلم الذي بمعنى الاعتقاد بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: لا يقولن أحدكم: قضيت بما أراني الله تعالى فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه، والرأي منا يكون ظنا لا علما. نزلت هذه الآية في شأن رجل من الأنصار يقال له: طعمة ابن أبيرق من بني ظفر سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان وهي في جراب دقيق، فصار الدقيق يتناثر من خرق فيه، فخبأها عند زيد بن سمين اليهودي، فالتمست الدرع عند طعمة، فلم توجد، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها. فقال: دفعها إليّ طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نشهد إن اليهودي هو السارق لئلا نفتضح بل عزموا على الحلف فذهبوا وشهدوا زورا، ولم يظهر له صلّى الله عليه وسلّم قادح فيهم فهمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضرب اليهودي أو بقطع يده لثبوت المال عنده. فأعلمه الله الحال بالوحي فهمّ أن يقضي على طعمة فهرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا ليسرق متاع أهله فوقع عليه فقتله ومات مرتدا في مكة. وَلا تَكُنْ يا أشرف الخلق لِلْخائِنِينَ أي لأجل المنافقين وللذب عنهم وهم طعمة وقومه بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر. كما أخرجه الترمذي من حديث قتادة بن النعمان خَصِيماً (١٠٥) أي مخاصما لمن كان بريئا عن الذنب وهو اليهودي وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ من همك بضرب اليهودي زيد بن سمين تعويلا على شهادتهم لأنهم كانوا في الظاهر مسلمين. فاستغفاره صلّى الله عليه وسلّم بسبب ذلك الهمّ بالحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذورا عند الله فيه فأمر صلّى الله عليه وسلّم بالاستغفار لهذا القدر فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) أي مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يستغفره. وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ طعمة ومن عاونه من قومه من علم كونه سارقا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) فإن طعمة خان في الدرع وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة، وطلب من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي. وهذا يبطل رسالة الرسول ومن حاول إبطاله ذلك وإظهار كذبه فهو كافر. وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وروي عن عمر أنه أمر بقطع يد السارق فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال عمر: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ أي يستترون منهم حياء وخوفا من ضرر وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ أي ولا يستحيون منه تعالى ولا يخافون من عذابه تعالى وَهُوَ مَعَهُمْ بعلمه ورؤيته وقدرته إِذْ يُبَيِّتُونَ أي يقدرون في أذهانهم ما لا يَرْضى أي الله مِنَ الْقَوْلِ وهو أن طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع، وأحلف أني لم أسرقها فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي. وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) لا يعزب عنه تعالى شيء ولا يفوت ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ أي أنتم يا قوم طعمة جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وأمثاله في الدنيا.

النساء 4:111

وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب عنه بالإفراد فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عند تعذيبهم أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) أي أم من الذي يكون حافظا لهم من عذاب الله وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أي قبيحا ويحزن به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع لقتادة ومن رمي اليهودي بالسرقة. أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ كالحلف الكاذب ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ بالتوبة الصادقة يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً لذنوبه رَحِيماً (١١٠) حيث قبل توبته وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً أي ذنبا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ فلا يتعدى ضرره إلى غيره فليحترز عن إقبال نفسه للعقاب عاجلا وآجلا والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة، ولذلك لم يجز وصف الله تعالى بذلك وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبة حَكِيماً (١١١) تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب وأن لا يحمل نفسا وازرة وزر نفس أخرى وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أي صغيرة أو قاصرة على الفاعل، أو ما لا ينبغي فعله بالعمد أو بالخطإ أَوْ إِثْماً أي كبيرة أو ما يتعدى إلى الغير كالظلم والقتل أو ما يحصل بالعمد ثُمَّ يَرْمِ بِهِ أي يقذف بذلك الذنب بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) أي فقد أوجب على نفسه عقوبة بهتان عظيم وعقوبة ذنب بيّن. فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكم وهو بريء منه فصاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله تعالى: بُهْتاناً إشارة إلى الذم العظيم في الدنيا. وقوله تعالى: إِثْماً مُبِيناً إشارة إلى العقاب العظيم في الآخرة وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ بإعلامك ما همّ عليه بالوحي وَرَحْمَتُهُ بتنبيهك على الحق أو المعنى لولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة، وبالرحمة وهي العصمة لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ أي لأرادت طائفة من قوم طعمة أن يلقوك في الحكم الباطل وذلك لأن قوم طعمة قد عرفوا أنه سارق، ثم سألوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يجادل عنه ويبرئه عن السرقة وينسب تلك السرقة إلى اليهودي وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ أي إنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت فيه لأنه تعالى عاصمك ولأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن وَالْحِكْمَةَ أي علم الشرائع وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ من أمور الدين وأسرار الكتاب والحكمة وأخبار الأولين وحيل المنافقين وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣) وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف المناقب والفضائل مع أن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا في نجوى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ واجبة أو مندوبة أَوْ مَعْرُوفٍ وهو أصناف أعمال البر كالقرض وإغاثة الملهوف أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ عند وقوع المعاداة بينهم من غير مجاوزة حدود الشرع في ذلك وذلك كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله» «١». وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي هذا المذكور من الصدقة وفنون الجميل والإصلاح، أو ذلك الأمر بهذه الأقسام الثلاثة كأنه قيل: ومن يأمر بذلك ويجوز أن يراد بالفعل الأمر، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر فعل من الأفعال أي ومن يأمر بذلك ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي طلب رضوان الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) أما إذا أتى بذلك للرياء والسمعة صار من أعظم المفاسد. وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النية وتصفية القلب عن داعية الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله. وقرأ أبو عمرو وحمزة «يؤتيه» بالياء مناسبة للغيب في قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ. والباقون بنون العظمة مناسبة لقوله تعالى الآتي نوله ونصله وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥). روي أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن الله تعالى هتك ستره وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد وذهب إلى مكة، ونقب جدار إنسان لأجل السرقة، فتهدم الجدار عليه ومات، فنزلت هذه الآية، ومعناها: ومن يخالف الرسول في الحكم من بعد ما ظهر له بالدليل صحة دين الإسلام ويتبع دينا غير دين الموحدين نتركه إلى ما اختار لنفسه، ونخله إلى ما اعتمد عليه في الدنيا وندخله جهنم في الآخرة وبئس مصيره جهنم. وذلك أن طعمة قد تبين له بما أوحى الله تعالى من أمره- من أنه سارق- ما دله ذلك على صحة نبوة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم فعادى الرسول وأظهر الشقاق وترك دين الإسلام واتبع دين عبادة الأصنام إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إذا مات على الشرك وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ أي الشرك لِمَنْ يَشاءُ سواء حصلت التوبة أو لم تحصل. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن شيخا من العرب جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جراءة على الله تعالى، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا وأني لنادم تائب مستغفر فما ترى حالي عند الله تعالى؟ فنزلت هذه الآية. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (١١٦) عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة أما من لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيدا فلا يصير محروما عن الرحمة، ثم بيّن الله تعالى كون الشرك ضلالا بعيدا فقال: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً أي ما يعبد المشركون من أهل مكة إلا أوثانا يسمونها باسم الإناث كقولهم: اللات، والعزى، ومناة. واللات: تأنيث العزيز. ومناة: تأنيث المنان. أو لأنهم كانوا يزينونها على هيآت النسوان. (١) رواه ابن ماجة في المقدمة، باب: كف اللسان في الفتنة. [.....] وقرأت عائشة رضي الله عنها «إلّا أوثانا». وابن عباس «إلّا إثنا». جمع وثن مثل أسد وأسد، والهمزة بدل من الواو المضمومة. وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ أي وما يعبدون إلّا شيطانا شديد البعد عن الطاعة طرده الله من كل خير لأن إبليس هو الذي أمرهم بعبادة الأوثان فكانت طاعته في ذلك عبادة له. وَقالَ أي الشيطان عند ذلك لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) أي لأجعلن لي من عبادك حظا مقدرا معينا وهم الذين يتبعون خطوات إبليس ويقبلون وساوسه. وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس». وَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الهدى وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أي ألقين في قلوبهم الأماني وهي تورث شيئين: الحرص، والأمل. وهما يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، ويلازمان للإنسان. قال صلّى الله عليه وسلّم: «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان: الحرص والأمل» «١». اه. فالحرص يستلزم ركوب الأهوال فإذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلّا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ، فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة وَلَآمُرَنَّهُمْ بالتبتيك أي شق آذان الناقة فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ فإن العرب كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها وَلَآمُرَنَّهُمْ بالتغيير فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ صورة أو صفة كإخصاء العبيد وفقء العيون وقطع الآذان والوشم والوشر، ووصل الشعر. فإن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفا عوروا عين فحلها. ويدخل في هذه الآية التخنث والسحاقات لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخصوا في البهائم للحاجة فيجوز في المأكول الصغير وبحرم في غيره. وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) أي بتضييع أصل ماله وهو الدين الفطري كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «كل مولود يولد على الفطرة- أي دين الإسلام- ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» «٢». وذلك لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة وطاعة الشيطان تفيد (١) رواه أحمد في (م ٣/ ص ١١٥). (٢) رواه البخاري في كتاب القدر، باب: الله أعلم بما كانوا عاملين، ومسلم في كتاب القدر، باب: ٢٢، وأبو داود في كتاب السنّة، باب: في ذراري المشركين، والترمذي في كتاب القدر، باب: ٥، والموطأ في كتاب الجنائز، باب: جامع الجنائز، وأحمد في (م ٢/ ص ٢٣٣).

النساء 4:121

المنافع القليلة المنقطعة ويعقبها العذاب الأليم يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ بأن يلقي الشيطان في قلوبهم أنه ستطول أعمارهم وينالون من الدينا آمالهم ومقاصدهم ويقع في قلوبهم أن الدنيا دول فربما تيسرت لهم كما تيسرت لغيرهم، وأيضا أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (١٢٠) وهو أن يظن الإنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار وجميع الدنيا كذلك أُولئِكَ أي أولياء الشيطان وهم الكفار مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها أي جهنم مَحِيصاً (١٢١) أي معدلا ومهربا وَالَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالإيمان وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات تصديقا لإقرارهم سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أي ماكثين في الجنة مكثا طويلا لا يخرجون منها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي وعدهم بذلك الإدخال وعدا لا خلف فيه وحق ذلك حقا. فالأول: مؤكد لنفسه. والثاني: مؤكد لغيره. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) أي لا أحد أصدق من الله وعدا وهذا توكيد ثالث، وفائدة هذه التوكيدات لمواعيد الشيطان الكاذبة وترغيب للعباد في تحصيل ما وعده الله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ أي ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله تعالى: سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ بِأَمانِيِّكُمْ يا معشر المؤمنين أن يغفر لكم وإن ارتكبتم الكبائر أي فإنكم تمنيتم أن لا تؤاخذوا بسوء بعد الإيمان ولا أماني اليهود والنصارى فإنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلّا من كان هودا أو نصارى، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا، وقالوا: لن تمسنا النار إلّا أياما معدودة وليس الأمر كذلك فإنه تعالى يخص بالعفو أو الرحمة من يشاء أي ليس يستحق ذلك الثواب بالأماني، وأنّى يستحق بالإيمان والعمل الصالح. مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فالمؤمن يجزى عند عدم التوبة إما في الدنيا بالمصيبة، أو بعد الموت قبل دخول الجنة أو بإحباط ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية، والكافر يجزى في الدنيا بالمحن والبلاء وفي الآخرة دائما. روي أنه لما نزلت هذه الآية؟ قال أبو بكر الصديق: كيف الصلاح بعد هذه الآية فقال صلّى الله عليه وسلّم: «غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض! أليس يصيبك الأذى- أي البلاء- والحزن؟!» قال: بلى، يا رسول الله. قال: «فهو ما تجزون» «١». وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا فبلغ كلامه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبة في (١) رواه أحمد في (م ١/ ص ١١). جسده وما يؤذيه» «١». وعن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئا، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أبشروا فإنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدنيا إلّا جعلها الله له كفارة، حتى الشوكة التي تقع في قدمه» «٢». وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي مجاوزا عن حفظ الله ونصرته وَلِيًّا أي حافظا يحفظه وَلا نَصِيراً (١٢٣) ينصره فشفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله تعالى وإذا كان الأمر كذلك فلا ولي لأحد ولا نصير لأحد إلّا الله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ أي من يعمل بعض الصالحات كائنا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) أي ولا ينقصون قدر منبت النواة من ثواب أعمالهم فإذا لم ينقص الله الثواب فجدير أن لا يزيد في العقاب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن عاصم يدخلون الجنة بالبناء للمفعول وكذلك في سورة «مريم» وفي «حم المؤمن». قال مسروق: لما نزل قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. وقال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء. فنزلت هذه الآية وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أي لا أحد أحسن دينا ممن عرف ربه بقلبه، وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه وَهُوَ مُحْسِنٌ أي والحال أنه آت بالحسنات تارك للسيئات وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً حال للمتبوع أو للتابع وإنما دعا سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم الخلق إلى دين إبراهيم لأنه اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم ما كان يدعو إلّا إلى الله تعالى وشرعه مقبول عند الكل، لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم. وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥). روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يسمى أبا الضيفان، وكان منزله على ظهر الطريق، يضيف من مر به من الناس. فأصحاب الناس أزمة فاجتمعوا في بابه فحشروا إلى بابه يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي بمصر، فقال خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت ولكن يريدها للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس من الشدة، فرجع غلمانه فمروا ببطحاء أي بأرض ذات حصى فملأوا منها الغرائر حياء من الناس حيث كانت إبلهم فارغة وجاءوا بها إلى منزل إبراهيم وألقوها فيه وتفرقوا وأخبره أحدهم بالقصة، فاغتم لذلك غما شديدا، فغلبته عيناه، وعمدت سارة إلى الغرائر ففتحتها فإذا فيها أجود حوّارى بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء، (١) رواه أحمد في (م ٦/ ص ٦٦). (٢) رواه الحميدي في المسند (١١٤٨). وهو الدقيق الذي نخل مرة بعد أخرى. فأمرت الخبازين فخبروا فأطعمت الناس فاستيقظ إبراهيم فوجد رائحة الخبز، فقال: من أين هذا لكم؟ فقالت سارة: من خليلك المصري. فقال بل من عند خليلي الله عز وجل فسماه الله تعالى خليلا. وقال شهر بن حوشب: هبط مالك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليه السلام: اذكره مرة أخرى، فقال لا أذكره مجانا، فقال: لك مالي كله فذكره الملك بصوت أشجى من الأول. فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي. فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك، فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فحقا اتخذه الله خليلا وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يختار منهما ما يشاء لمن يشاء وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من أهل السموات والأرض مُحِيطاً (١٢٦) بالقدرة والعلم وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ أي يسألك يا أشرف الخلق جماعة من الصحابة عن أحوال كثيرة مما يتعلق بحق النساء فالذي بين الله حكمه فيما سبق في أول هذه السورة أحال بيان الحكم في ذلك، والذي لم يبين حكمه بين هنا وذلك قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ أي قل يا أشرف الخلق لهم الله تعالى قد بيّن لكم أحوال النساء والمتلو فِي الْكِتابِ في أول هذه السورة قد بيّن لكم فِي يَتامَى النِّساءِ أي في شأنهن ف «ما» معطوف على المبتدأ وهذا متعلق ب «يتلى» وذلك المتلو في الكتاب هو قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى [النساء: ٣] اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ أي اللاتي لا تعطونهن ما وجب لهن من الميراث أو الصداق وذلك لأنهم يورثون الرجال دون النساء والكبار دون الصغار وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وهذا يحتمل الرغبة والنفرة فإن حمل على الرغبة كان المعنى، وترغبون عن أن تنكحوهن لما لهن وجمالهن بأقل من صداقهن، وإن حمل على النفرة كان المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن لدمامتهن وتمسكوهن رغبة في مالهن. وهذه الجملة معطوف على الصلة عطف المثبتة على المنفية ويجوز أن تكون حالا من فاعل تؤتونهن والتأويل وأنتم ترغبون وهذا إذا أريد بقوله تعالى: ما كُتِبَ لَهُنَّ صداقهن. روى مسلم عن عائشة قالت: هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينكحها وينقص صداقها عن عادة نسائها فنهوا عن نكاحهن إلّا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن. قالت عائشة: فاستفتى الناس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ إلى قوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ فبين الله لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بعادتها في إكمال الصداق وإذا كانت مرغوبا عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها، قال الله تعالى: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يعطوها حقها إلّا وفي من الصداق ويقسطوا لها وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ معطوف على يتامى النساء وقد كانوا في الجاهلية لا يورثون الأطفال ولا النساء الذين تلي في حقهم قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم. وروي أن عيينة بن حصن الفزاري جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أخبرنا بأنك تعطي الابنة النصف والأخت النصف وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويجوز الغنيمة فقال صلّى الله عليه وسلّم: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ عطف على المستضعفين وتقدير الآية: وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين في أن تقوموا لليتامى والذي تلي في حقهم قوله تعالى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: ٢] وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) أي يجازيكم عليه ولا يضيع عند الله منه شيء وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أي إظهار الخشونة في القول أو الفعل أو فيهما أَوْ إِعْراضاً أي سكوتا عن الخير والشر فَلا جُناحَ عَلَيْهِما حينئذ في أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً بأن بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة أو القسم وكان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها. وهذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة وله منها أولاد وكانت شيخة فهمّ بطلاقها فقالت: لا تطلقني ودعني أشتغل بمصالح أولادي وأقسم في كل شهر ليالي قليلة. فقال الزوج: إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لي فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى هذه الآية. قرأ عاصم وحمزة والكسائي «يصلحا» بضم الياء وسكون الصاد، والباقون «يصالحا» بفتح الياء والصاد المشددة الممدودة قالوا: معناه يتوافقا وهو أليق بهذا الموضع وَالصُّلْحُ خَيْرٌ أي والصلح بين الزوجين خير من سوء العشرة أو من الفرقة أو من الخصومة أو هو خير من الخيور وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ أي جعل الشح حاضرا للأنفس لا يغيب عنها ولا ينفك عنها أبدا فالمرأة تبخل ببذل حقها لزوجها وطمعها يجرها إلى أن ترضى، والرجل يبخل بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمعاشرتها وَإِنْ تُحْسِنُوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن بأن تسووا بين الشابة والعجوز في القسمة والنفقة وَتَتَّقُوا ما يؤدي إلى الأذى والخصومة فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من الإحسان والتقوى خَبِيراً (١٢٨) وهو يثيبكم عليه. وروي أن هذه الآية نزلت في عمرة بنت محمد بن مسلمة وزوجها سعد بن الربيع تزوجها وهي شابة فلما علاها الكبر تزوج شابة وآثرها عليها وجفاها فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وشكت إليه ذلك وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ أي لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع وإذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلفين به وَلَوْ حَرَصْتُمْ أي جهدتم على إقامة العدل في الحب فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ إلى التي تحبونها في القسم والنفقة أي إنكم لستم منهيين عن حصول

النساء 4:131

التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ أي فتبقى الأخرى لا أيم ولا ذات بعل. كما أن الشيء المعلق لا يكون على الأرض ولا على السماء وفي قراءة أبي فتذروها كالمسجونة وَإِنْ تُصْلِحُوا ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة وَتَتَّقُوا في المستقبل عن مثله غفر الله لكم ذلك فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) فيغفر ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض ويتفضل عليكم برحمته وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ أي وإن رغبا في المفارقة بأن لم يتفقا بصلح أو غيره يغن الله كل واحد منهما عن صاحبه بزوج خير من زوجه الأول يعيش أهنأ من عيشه الأول من غناه تعالى وقدرته وَكانَ اللَّهُ واسِعاً أي في العلم والقدرة والرحمة والفضل والجود حَكِيماً (١٣٠) أي متقنا في أفعاله وأحكامه وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الموجودات من الخلائق والخزائن فيهما وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ أي ولقد أمرنا اليهود والنصارى ومن قبلهم من الأمم وأمرناكم يا أمة محمد في كتابكم بطاعة الله وهي وصية الله في الأولين والآخرين فهي شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) أي وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فاعملوا أن لله ما في سماواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده وكان مع ذلك غنيا عن خلقهم وعن عباداتهم ومستحقا لأن يحمد لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد منهم فهو تعالى في ذاته محمود سواء حمدوه أو لم يحمدوه فلا يتضرر بكفرهم ومعاصيهم، كما لا ينتفع بشكرهم وتقواهم، وإنما وصاهم بالتقوى لرحمته لا لحاجته، فهو منزه عن طاعات المطيعين، وعن ذنوب المذنبين فلا يزداد جلاله بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي والسيئات وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلائق قاطبة مفتقرون إليه في الوجود وسائر النعم المتفرعة عليه لا يستغنون عن فيضه طرفة عين. فحقه أن يطاع ولا يعصى، ويتقى عقابه ويرجى ثوابه وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) في تدبير أمور الكل وكل الأمور فلا بد من أن يتوكل عليه لا على أحد سواه إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ أي إن يشأ إفناءكم بالكلية وإيجاد قوم آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه، يفنكم بالمرة ويوجد مكانكم قوما خيرا منكم وأطوع لله. وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ أي إهلاككم وتخليف غيركم قَدِيراً (١٣٣) أي إن إبقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم ولعدم تعلق إرادته باستئصالكم لا لعجزه تعالى عن ذلك مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي من كان يريد بعمله منفعة الدنيا فلا يقتصر عليه وليطلب الثوابين فعند الله ثواب الدارين. وقال الفخر الرازي: تقرير الكلام، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده الله تعالى وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط. وقال ابن عباس: من كان يريد منفعة الدنيا بعمله الذي افترضه الله عليه فليعمل لله فإن ثواب الدنيا والآخرة بيد الله، أي فإن العاقل يطلب ثواب الآخرة حتى يحصل له ذلك ويحصل له ثواب الدنيا على سبيل التبع وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤) أي عالما بجميع المسموعات والمبصرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ أي كونوا مبالغين في اختيار العدل وفي الاحتراز عن الجور تقيمون شهادتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ أي ولو كانت وبالا على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما أي إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغني أو للترحم على الفقير أولى بأمورهما ومصالحهما وفي قراءة أبي فالله أولى بهم. وهو إما راجع إلى قوله «أو الوالدين والأقربين»، أو راجع إلى جنس الغني وجنس الفقير. وقرأ عبد الله «إن يكن غني أو فقير» على كان التامة فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا أي لأجل أن تعدلوا. والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل وَإِنْ تَلْوُوا بواوين على قراءة الجمهور أي وإن تحرفوا ألسنتكم عن شهادة الحق. وقرأ ابن عامر وحمزة «وإن تلوا» بضم اللام وحذف الواو الأولى أي إن تتموا الشهادة وتقبلوا عليها أَوْ تُعْرِضُوا عن أداء الشهادة أصلا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) فيجازي المحسن المقبل والمسيء المعرض. نزلت هذه الآية في مقيس بن حبابة كانت عنده شهادة على أبيه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في الماضي والحاضر آمَنُوا في المستقبل بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ محمد صلّى الله عليه وسلّم وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وهو القرآن وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ أي قبل القرآن. أو المعنى يا أيها الذين آمنوا على سبيل التقليد آمنوا على سبيل الاستدلال، أو يا أيها الذين آمنوا بحسب الاستدلالات الجملية آمنوا بحسب الدلائل التفصيلية وهذا خطاب لكافة المسلمين. وقيل: هو خطاب لمؤمني أهل الكتاب لما أن عبد الله بن سلام وابن أخته سلامة، وابن أخيه سلمة وأسدا وأسيدا بني كعب وثعلبة بن قيس، ويامين بن يامين، أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: يا رسول الله إنّا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «بل آمنوا بالله ورسوله محمد وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله» «١» فقالوا: لا نفعل فنزلت هذه الآية فآمنوا كلهم وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي ومن يكفر بواحد من ذلك المذكور فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (١٣٦) بحيث يعسر العود من الضلال إلى سواء الطريق إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً أي إن (١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٢: ٢٣٤)، وابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (٥٠).

النساء 4:141

الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإيمان مرات، ثم ماتوا على الكفر. أو المعنى إن الذين أظهروا الإسلام ثم كفروا بكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم آمنوا بألسنتهم فكلما لقوا جمعا من المسلمين قالوا: إنا مؤمنون وإنما أظهروا الإيمان لتجري عليهم أحكام المؤمنين، ثم كفروا فإذا دخلوا على شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون. ثم ازدادوا كفرا باجتهادهم في استخراج أنواع المكر في حق المسلمين وبموتهم على الكفر لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) فإن كل من كان كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه عظم فلا يتوب عن الكفر حتى يموت عليه بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ أي أنذرهم بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أي فإن المنافقين يوالون اليهود ويقول بعض المنافقين: لبعض لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود فيقولون: إن العزة لهم أَيَبْتَغُونَ أي أيطلب المنافقون عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ أي عند اليهود القوة فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) أي إن القدرة الكاملة لله وكل من سواه فبإقداره صار قادرا وبإعزازه صار عزيزا. فالعزة الحاصلة للرسول صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين لم تحصل إلا من عند الله تعالى فكان الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ يا معشر المنافقين فِي الْكِتابِ أي القرآن في سورة الأنعام قبل هذا بمكة أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها أي أنه إذا سمعتم آيات الله مكفورا بها ومستهزأ بها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي الكفر والاستهزاء. وذلك قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [الأنعام: ٦٨] الآية وهذا نزل بمكة لأن المشركين كانوا يخوضون في القرآن ويستهزئون في مجالسهم، ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين والقاعدون معهم والموافقون لهم على ذلك الكلام المنافقون فقال تعالى مخاطبا للمنافقين: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها أي إذا سمعتم آيات الله حال ما يكفر بها ويستهزأ بها إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ أي إنكم أيها المنافقون مثل أولئك الأحبار في الكفر، قال أهل العلم: هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله، وإن لم يباشر كان في الإثم بمنزلة المباشرة أما إذا كان ساخطا لقولهم وإنما جلس على سبيل التقية والخوف فالأمر ليس كذلك. فالمنافقون الذين كانوا يجالسون اليهود وكانوا يطعنون في الرسول والقرآن هم كافرون مثل أولئك اليهود. أما المسلمون الذين كانوا بمكة يجالسون الكفار الذين كانوا يطعنون في القرآن فإنهم كانوا باقين على الإيمان فهم كانوا يجالسون الكفار عند الضرورة بخلاف المنافقين فإنهم كانوا يجالسون اليهود مع الاختيار إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ أي منافقي أهل المدينة عبد الله بن أبي وأصحابه وَالْكافِرِينَ أي كفار أهل مكة أبي جهل وأصحابه وكفار أهل المدينة كعب وأصحابه فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) أي كما أنهم اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ أي المنافقين ينتظرون أمرهم وما يحدث لكم من خير أو شر فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ أي ظهور على اليهود قالُوا أي المنافقون للمؤمنين: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أي مظاهرين لكم فأعطونا قسما من الغنيمة وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ أي اليهود نَصِيبٌ أي ظفر على المسلمين قالُوا أي المنافقون لليهود: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ أي ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئا من ذلك وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بأن ثبطناهم عنكم وإلا لكنتم نهبة للنوائب فهاتوا لنا نصيبا مما أصبتم. وقيل: إن أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام والمنافقون حذروهم عن ذلك وأطمعوهم أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى أمركم، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون للكفار: ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم: سيضعف أمر محمد ويقوى أمركم. فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيبا مما وجدتم فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أي بين المؤمنين والمنافقين يَوْمَ الْقِيامَةِ أي فإن الله تعالى ما وضع السيف في الدنيا عن المنافقين إلّا أنه أخر عقابهم إلى يوم القيامة وأجرى عليهم حكم الإسلام في الدنيا وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) أي بالشرع. فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة ويتفرع على ذلك مسائل من أحكام الفقه. منها: أن الكافر لا يرث من المسلم. ومنها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه في دار الحرب لم يملكه. ومنها: أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما. ومنها: أن المسلم لا يقتل بالذمي بدلالة هذه الآية. وقيل: المعنى ليس لأحد من الكافرين أن يغلب المسلمين بالحجة وأن يمحو دولة المؤمنين بالكلية. وقال ابن عباس: ولن يجعل الله لليهود على المؤمنين دولة دائما إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطال الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه تعالى الدنيوية. والله فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا، وأعدّ لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار. قال جرير: نزلت هذه الآية في حق عبد الله بن أبي، وأبي عامر بن النعمان. وقال الزجاج: أي يخادعون رسول الله فيبطنون له الكفر ويظهرون له الإيمان والله مجازيهم بالعقاب على خداعهم. وقال ابن عباس: إنه تعالى خادعهم في الآخرة عند الصراط وذلك أنه تعالى يعطيهم نورا كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم، وبقوا في الظلمة ويبقى نور المؤمنين، فينادون المؤمنين: أنظرونا نقتبس من نوركم. ويقول المؤمنون: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ودليل ذلك قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة: ١٧] وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ أي أتوا إلى الصلاة مع المؤمنين قامُوا كُسالى أي متثاقلين متباطئين لأنهم لا يرجعون بها ثوابا ولا يخافون من تركها عقابا يُراؤُنَ النَّاسَ ليحسبوهم مؤمنين فإنهم لا يقومون إليها إلّا لأجل الرياء والسمعة لا لأجل الدين وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) أي لا يصلون إلا بمرأى من الناس، وإذا لم يكن معهم أحد لم يصلوا ولا يذكرون الله إلا باللسان فقط مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ أي مترددين بين كفر السر وإيمان العلانية لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ أي ليسوا مع المؤمنين في السر فيجب لهم ما يجب للمؤمنين، وليسوا مع اليهود في العلانية فيجب عليهم ما يجب على اليهود وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) موصلا إلى الصواب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالسر والعلانية لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أي المجاهرين بالكفر أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين أَتُرِيدُونَ يا معشر المؤمنين الخلص أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) أي أتريدون بذلك أن تجعلوا لأهل دين الله- وهم الرسول وأمته- حجة بينة على كونكم منافقين؟ فإن موالاتهم أوضح أدلة النفاق. وقيل: المعنى يا أيها الذين آمنوا بالعلانية- عبد الله بن أبي وأصحابه- لا تتخذوا اليهود أولياء في التعذر من دون المخلصين أتريدون يا معشر المنافقين أن تجعلوا لرسول الله عليكم عذرا بينا بالقتل؟ أو المعنى أتريدون أن تجعلوا الله عليكم في عقابكم حجة بسبب موالاتكم لليهود إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وهو الطبقة التي في قعر جهنم لأنهم أخبث الكفرة حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله وخداعهم، ولأنهم لما أظهروا الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين، ثم يخبرون الكفار بذلك، فكانت المحنة تتضاعف من هؤلاء المنافقين لهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار الخلص وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أي المنافقين نَصِيراً (١٤٥) يخلصهم من عذاب الله، ثم استثنى الله من الضمير المجرور أو من الضمير المستكن في خبر إن بقوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا عن النفاق والقبيح وَأَصْلَحُوا أي أقدموا على الحسن وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ بأن يكون غرضهم من التوبة وإصلاح الأعمال طلب مرضاة الله تعالى لا طلب مصلحة الوقت وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ بأن يكون ذلك الغرض خالصا لا يمتزج به غرض آخر فَأُولئِكَ المتصفون بهذه الشروط الأربعة من المنافقين مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي المخلصين الذين لم يصدر عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا أي معهم في الدرجات العالية من الجنة وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أي يعطي الله الخلص أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) أي ثوابا وافرا في الجنة ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ف «ما» استفهامية مفيدة للنفي. أي أيعذبكم الله لأجل التشفي من الغيظ أم لطلب النفع أم لدفع الضرر كما هو شأن الملوك؟ وكل ذلك محال في حقه تعالى: وإنما التعذيب أمر يقتضيه كفركم فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر انتفى التعذيب وتقديم الشكر على الإيمان لأن الإنسان إذا نظر في نفسه رأى النعمة العظيمة حاصلة في تخليقها وترتيبها فيشكر شكرا مجملا، ثم إذا تمم النظر في معرفة المنعم آمن به، ثم شكر شكرا مفصلا فكان ذلك الشكر المجمل مقدما على الإيمان وَكانَ اللَّهُ شاكِراً أي مثيبا على الشكر عَلِيماً (١٤٧) أي بجميع الجزئيات فلا يقع الغلط له تعالى ألبتة فيوصل الثواب إلى الشاكر والعقاب إلى المعرض لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ أي لا يحب الله تعالى أن يجهر أحد بالسوء كائنا من القول إلّا جهر من ظلم فهو غير مسخوط عنده تعالى وذلك بأن يقول: سرق فلان مالي أو غصبني، أو سبني، أو قذفني ويدعو عليه دعاء جائزا بأن يكون بقدر ظلمه فلا يدعو عليه بخراب دياره لأجل أخذ ماله منه ولا يسب والده وإن كان هو فعل كذلك ولا يدعو عليه لأجل ذلك بالهلاك بل يقول: اللهم خلّص حقي منه أو اللهم جازه أو كافئه ولا يجوز أن يدعو عليه بسوء الخاتمة أو الفتنة في الدين فالدعاء بغير قدر ما ظلم به حرام كالدعاء بمستحيل عادة أو عقلا ومثل المظلوم ما إذا أريد اجتماع على شخص فيجب على من علم عيوبه به بذل النصيحة له، وإن لم يستشره لأن الدين النصيحة فيذكر له ما يندفع به فإن زاد حرم الزائد فالله تعالى لا يحب إظهار القبائح إلا في حق من عظم ضرره وكثر مكره فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «اذكروا الفاسد بما فيه كي تحذره الناس» . وقرأ الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير إلّا من ظلم بالبناء للفاعل. والمعنى لكن من ظلم فاتركوه. وقال الفراء والزجاج: لكن من ظلم نفسه فإنه يجهر بالسوء من القول ويفعل ما لا يحبه الله تعالى هذا إن جعل الاستثناء كلاما منقطعا عما قبله أما إن جعل متصلا فيكون التقدير إلّا من ظلم فإنه يجوز الجهر بالسوء من القول معه وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً لقول الظالم أو المظلوم ولفعلهما عَلِيماً (١٤٨) لفعل الظالم والمظلوم ولقولهما فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف بسوء لمستور فإنه يصير عاصيا لله بذلك وهو تعالى سميع لما يقوله عليم بما يضمره إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ في إيصال النفع إلى الخلق أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ كأن تدفعوا الضرر عنهم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا عن المذنبين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى كما قاله الحسن قَدِيراً (١٤٩) أي فهو أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو ذنوب من ظلمك كما قاله الكلبي. وقيل: المعنى إن الله كان عفوا لمن عفا وهو المظلوم قديرا على إيصال الثواب إليه وعقوبة الظالم. وقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ الآية تعليل لجواب الشرط المقدر والتقدير فذلك أولى لكم من تركه لأن الله إلخ. اعلم أن مواضع الخيرات على كثرتها محصورة في أمرين صدق مع الحق وخلق مع الخلق، فالذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين: إيصال نفع إليهم وهو المشار إليه بقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ. ودفع ضرر عنهم وهو المشار إليه بقوله تعالى: أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فدخل في هذين القسمين جميع أنواع الخير وأعمال البر إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كاليهود فإنهم آمنوا بموسى والتوراة وعزير، وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن. وكالنصارى فإنهم آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن وَيُرِيدُونَ أَنْ

النساء 4:151

يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ أي نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض وَيُرِيدُونَ بقولهم ذلك أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ أي بين الإيمان بالكل أو الكفر بالكل سَبِيلًا (١٥٠) أي دينا وسطا وهو الإيمان بالبعض دون البعض أُولئِكَ الموصوفون بالصفات القبيحة هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا أي كفرا كاملا ثابتا يقينا لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما من نبي من الأنبياء إلا وقد أخبر قومه بحقيقة دين نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ اليهود وغيرهم عَذاباً مُهِيناً (١٥١) أي شديدا يهانون به وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ في الإيمان به أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ. وقرأ عاصم في رواية حفص بالياء، والضمير راجع إلى اسم الله. والباقون بالنون وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما فرط منهم رَحِيماً (١٥٢) أي مبالغا في الرحمة عليهم بتضعيف حسناتهم يَسْئَلُكَ يا أشرف الخلق أَهْلُ الْكِتابِ أي أحبار اليهود أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ. روي أن كعبا وأصحابه وفنحاص قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن كنت رسولا من عند الله فإننا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح أي فلا تبال يا أشرف الخلق بسؤالهم فإنه عادتهم فَقَدْ سَأَلُوا أي اليهود مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ أي أعظم مما سألوك فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً أي أرناه نره معاينة فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي فأحرقتهم النار التي جاءت من السماء بِظُلْمِهِمْ وهو سؤالهم لما يستحيل وقوعه في ذلك الوقت ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي عبدوه مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي الصاعقة وإحياؤهم بعد موتهم ومعجزات موسى التي أظهرها لفرعون من العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها. فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ أي تركنا عبدة العجل ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) أي قهرا ظاهرا عليهم فإنه أمرهم بقتل أنفسهم توبة من عبادة العجل فبادروا إلى الامتثال فقتل منهم سبعون ألفا في يوم واحد وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ أي بسبب ميثاقهم على أن لا يرجعوا عن الدين ليخالفوا فلا ينقضوه فإنهم هموا بنقضه وَقُلْنا على لسان موسى أو على لسان يوشع لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ أي باب بيت المقدس أو أريحا سُجَّداً أي مطأطئين الرؤوس وَقُلْنا لَهُمُ على لسان داود لا تَعْدُوا أي لا تظلموا باصطياد الحيتان فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ على الامتثال بما كلفوه مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) أي مؤكدا. وقال ابن عباس: وهو ميثاق وثيق في محمد صلّى الله عليه وسلّم فَبِما نَقْضِهِمْ ف «ما» مقحمة والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي فعلناهم بسبب نقضهم مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ أي بالمعجزات فمن أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أي بلا جرم فإنهم معصومون من كل نقيصة لا يتوجه عليهم حق وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا فكذبوا الأنبياء بهذا القول. أو المعنى قلوبنا في أغطية جبلية فهي لا تفقه ما تقولون بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ أي بل أحدث الله عليها صورة مانعة عن وصول الحق إليها. أو بل ختم الله على قلوبهم بكفرهم فَلا يُؤْمِنُونَ أي اليهود إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) أي إلّا فريقا منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، أو فلا يؤمنون. أي المطبوع على قلوبهم إلّا إيمانا قليلا، وهو الإيمان بموسى والتوراة بحسب زعمهم فإن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل ألبتة وَبِكُفْرِهِمْ لإنكارهم قدرة الله تعالى عن خلق الولد من دون الأب وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) أي نسبتهم مريم إلى الزنا بعد ما ظهر منها من الكرامات الدالة على براءتها من كل عيب، فإنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات وعيسى تكلم حال كونه طفلا منفصلا عن أمه وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وصلبناه رَسُولَ اللَّهِ أي في زعم عيسى نفسه فإن وصفهم له بوصف الرسالة استهزاء به أوان الله وضع الذكر الحسن بقوله رسول الله مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم فإنهم قالوا: هو ساحر ابن ساحرة. أو إن رسول الله وصف له من عند الله تعالى مدحا له وتنزيها له عن مقالتهم التي لا تليق به. قال الله تعالى إبطالا لافتخارهم بقتل النبي والاستهزاء به: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. قال كثير من المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله تعالى إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم لما أنهم اجتمعوا على قتله، لأن الله مسخ من سبوه وسبوا أمه قردة وخنازير بدعائه عليهم فأخذوا إنسانا يقال له: ططيانوس اليهودي وقتلوه وصلبوه، ولبسوا على الناس أنه المسيح والناس ما كانوا يعرفونه إلّا بالاسم لأنه كان قليل المخالطة للناس، ثم إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب. وقال الضحاك: لما أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون في غرفة وهم اثنا عشر رجلا فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر إبليس جميع اليهود فركب أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة فقال المسيح للحواريين: «أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة؟». فقال رجل يقال له سرجس: أنا يا نبي الله. فألقى إليه مدرعته من صوف وعمامته من صوف وناوله عكازه، وألقى الله عليه شبه عيسى فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما المسيح فكساه الله تعالى الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فصار مع الملائكة. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي في شأن عيسى لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي من قتله ما لَهُمْ بِهِ أي بقتله مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ أي لكنهم يتبعون الظن فإن فسر الشك بالجهل والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس فالاستثناء متصل، أي لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبا فقتلناه حقا. وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا فليس هذا المقتول بعيسى.

النساء 4:161

وقال آخرون: بل هو هو. وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟! وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) أي قتلا يقينا كما قالوا: إنا قتلنا المسيح بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ أي إلى موضع لا يجري فيه حكم غير الله تعالى ولا يصل إليه حكم آدمي وذلك الموضع هو السماء الثالثة وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً أي كامل القدرة حَكِيماً (١٥٨) أي كامل العلم فرفع عيسى من الأرض إلى السماء لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أي وما من اليهود والنصارى أحد إلّا ليؤمنن بعيسى قبل أن تزهق روحه بأنه عبد الله ورسوله فلا ينفعه إيمان لانقطاع وقت التكليف. كما نقل عن محمد بن علي بن أبي طالب من الحنيفة أن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره. وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبيا فكذبت به فيقول: آمنت بأنه عبد الله ورسوله. ويقال للنصراني: أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه هو الله وابن الله فيقول: آمنت أنه عبد الله وابنه فأهل الكتاب يؤمنون به ولكن لا ينفعهم ذلك الإيمان وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ أي عيسى عليه السلام عَلَيْهِمْ أي أهل الكتاب شَهِيداً (١٥٩) فيشهد على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه وعلى النصارى أنهم أشركوا به وكل نبي شاهد على أمته فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي فبسبب ظلم عظيم من الذين تابوا من عبادة العجل حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ فإن اليهود كانوا كلما فعلوا معصية من المعاصي يحرم الله عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن قبلهم عقوبة لهم. وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) أي وبمنعهم عن دين الله ناسا كثيرا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ فإن الربا كان محرما عليهم كما هو محرّم علينا وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ أي بطريق الرشوة وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ أي هيأنا للمصرّين على الكفر من اليهود عَذاباً أَلِيماً (١٦١) سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ أي لكن المتمكنون في علم التوراة من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وَالْمُؤْمِنُونَ منهم ومن المهاجرين والأنصار يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهو القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على سائر الأنبياء من الكتب وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي وأعني المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة. ف «المقيمين» نصب على المدح لبيان فضل الصلاة. وجاء في مصحف عبد الله بن مسعود و «المقيمون الصلاة» بالواو وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري، وعيسى الثقفي، وابن جبير، وعاصم عن الأعمش وعمرو بن عبيد وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. قال أبو السعود: والمراد بالكل مؤمنو أهل الكتاب أُولئِكَ أي المتصفون بتلك الصفات الجميلة من أهل الكتاب سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢) وجملة هذه خبر اسم الإشارة والجملة من المبتدأ والخبر خبر قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ وما عطف عليه والسين لتأكيد الوعد إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ أي بعد نوح وَكما أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ابني إبراهيم وَيَعْقُوبَ ابن إسحاق وَالْأَسْباطِ أي أولاد يعقوب الاثني عشر فمنهم يوسف نبي رسول باتفاق وفي البقية خلاف وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا أي وكما أعطيناه أباه داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وكان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ وتسبيح وتقديس، وتحميد وتمجيد وثناء على الله تعالى. وكان داود عليه السلام يخرج إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه ويقوم الناس خلف العلماء وتقوم الجن خلف الناس والشياطين خلف الجن وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه وترفرف الطيور على رؤوس الناس وهم يستمعون لقراءة داود ويتعجبون منها، فلما قارف الخطيئة زال عنه ذلك وَكما أرسلنا رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ أي سميناهم لك في القرآن وعرفناك أخبارهم وما حصل لهم من قومهم مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذه السورة أو هذه الآية أو قبل هذا اليوم وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ أي لم نسمهم لك ولم نعرفك أخبارهم. والمعنى إنا أوحينا إليك إيحاء مثل ما أوحينا إلى نوح ومثل ما أوحينا إلى إبراهيم ومن بعده. وآتيناك الفرقان إيتاء مثل ما آتينا داود زبورا وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا آخرين لم نقصصهم عليك من غير تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء وأصل الإرسال فما للكفرة يسألونك شيئا لم يعطه أحد من هؤلاء الرسل عليهم السلام وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) أي كلمه على التدريج شيئا فشيئا بحسب المصالح بغير واسطة ملك أي أزال الله تعالى عنه الحجاب حتى سمع المعنى القائم بذاته تعالى، لا أنه تعالى أحدث ذلك لأنه تعالى يتكلم أبدا. والمعنى أنه تعالى بعث هؤلاء الأنبياء والرسل، وخصّ موسى عليه السلام بالتكلم معه ولم يلزم من تخصيص موسى بهذا التشريف الطعن في نبوة سائر الأنبياء عليهم السلام فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل الله عليه الكتاب متفرقا وقد فضل الله تعالى نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلّم بإعطائه مثل ما أعطي كل واحد منهم. وقرأ إبراهيم ويحيى بن وثاب وكلم الله بالنصب رُسُلًا منصوب على المدح أو بإضمار أرسلنا أو على الحال الموطئة لما بعدها أو على البدلية من رسلا الأول مُبَشِّرِينَ لأهل الطاعة بالجنة وَمُنْذِرِينَ للعصاة بالنار لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ أي معذرة يعتذرون بها بَعْدَ الرُّسُلِ أي بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب. والمعنى لئلا يحتج الناس يوم القيامة على الله في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل فيقولوا: لم لم ترسل إلينا رسولا ولم لم تنزل علينا كتابا؟ فإن الله لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل وإن قبول المعذرة عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده وهي بمنزلة الحجة التي لا مرد لها، وله تعالى أن يفعل ما يشاء كيف يشاء وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً لا يغالب في أمر من أموره حَكِيماً (١٦٥) في أفعاله فاختلاف الكتب في كيفية النزول وتغايرها في بعض الشرائع والأحكام إنما هو لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال التي عليها يدور فلك التكليف فكلفهما الله بما يليق بشأنهم لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ بتخفيف النون ورفع الجلالة وبالبناء للفاعل أي لكن الله يشهد لك بحقية ما أنزل إليك من القرآن الناطق بنبوتك. روي أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قال اليهود: نحن لا نشهد لك بذلك، فنزل لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ. والمعنى أن اليهود وإن شهدوا بأن القرآن لم ينزل عليك يا محمد من السماء لكن الله يشهد بأنه أنزل عليك، وشهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل عليه صلّى الله عليه وسلّم هذا القرآن البالغ في الفصاحة في اللفظ والشرف في المعنى إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته، فكان ذلك معجزا وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي بالرسالة صادقا، ولما كانت شهادته تعالى عرفت بواسطة إنزال القرآن فقال: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ بأنه في غاية الحسن ونهاية الكمال وهذا مثل ما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل والعلم إذا صنف كتابا واستقصى في تحريره أنه إنما صنف هذا بكمال علمه وفضله. أي إنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف هذا الكتاب، فيدل ذلك القول على وصف ذلك التصنيف بغاية الجودة ونهاية الحسن فكذا هاهنا وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بصدقة وإنما تعرف شهادة الملائكة له صلّى الله عليه وسلّم بذلك لأن ظهور المعجز على يده صلّى الله عليه وسلّم يدل على أنه تعالى شهد له بالنبوة وإذا شهد الله له بذلك فقد شهدت الملائكة بذلك بلا شك، لأنه ثبت في القرآن إنهم لا يسبقونه تعالى بالقول. والمعنى يا محمد إن كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فإن الله تعالى وهو إله العالمين يصدقك في ذلك وملائكة السموات السبع والعرش والكرسي يصدقونك في ذلك ومن صدقه الله والملائكة أجمعون لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦) على صحة نبوتك وإن لم يشهد غيره إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزل الله وشهد به وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي دين الإسلام من أراد سلوكه وهم اليهود حيث قالوا: ما نعرف صفة محمد في كتابنا وقالوا: لو كان رسولا لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء. وقالوا: إن الله ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تنسخ إلى يوم القيامة، وقالوا: إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً (١٦٧) عن الحق والصواب لأن أشد الناس ضلالا من كان ضالا ويعتقد في نفسه أنه محق، ثم يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال والجاه، ثم يبذل غاية ما في طاقته في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا محمدا بكتمان ذكر بعثته وعوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم وماتوا على الشرك لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إلى الجنة يوم القيامة إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ أي جعلهم خالدين في جهنم عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) أي لا يتعذر عليه شيء فكان إيصال الألم إليهم شيئا بعد شيء إلى غير النهاية يسيرا عليه وإن كان متعذرا على غيره يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ

النساء 4:171

بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ أي يا أهل مكة قد جاءكم الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم بالقرآن أو متكلما بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره من عند ربكم فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ أي فآمنوا بالرسول يكن ذلك الإيمان خيرا لكم بما أنتم فيه أي يكن أحمد عاقبة من الكفر وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي وإن تكفروا بالرسول فإن الله غني عن إيمانكم، لا يتضرر بكفركم، ولا ينتفع بإيمانكم لأنه مالك السموات والأرض وخالقهما، ومن كان كذلك كان قادرا على إنزال العذاب الشديد عليكم لو كفرتم أو فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لأمره وحكمه، أو فمن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً لا يخفى عليه من أعمال عباده المؤمنين والكافرين شيء حَكِيماً (١٧٠) لا يضيع عمل عامل منهم ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمحسن والمسيء يا أَهْلَ الْكِتابِ أي الإنجيل من النصارى لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ أي لا تبالغوا في تعظيم عيسى فإنه ليس بحق كما أن اليهود بالغوا في طعنه حيث قالوا: إنه ابن زانية وكلا طرفي قصدهم ذميم وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي لا تصفوه بما يستحيل اتصافه تعالى به من الاتحاد والحلول في بدن الإنسان أو روحه، واتخاذ الزوجة والولد بل نزهوه عن هذه الأحوال فإن نصارى أهل نجران أربعة أنواع: ملكانية: وهم الذين قالوا: عيسى والرب شريكان. ومرقوسية: وهم الذين قالوا: ثالث ثلاثة. وماريعقوبية: وهم الذين قالوا: عيسى هو الله. ونسطورية: وهم الذين قالوا: عيسى ابن الله، فأنزل الله فيهم هذه الآيات إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ف «المسيح» مبتدأ و «عيسى» بدل منه أو عطف بيان له و «ابن مريم» صفة له ورسول الله خبر المبتدأ وَكَلِمَتُهُ أي مكون بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أي أوصل الكلمة إليها بنفخ جبريل وَرُوحٌ مِنْهُ أي وروح صادر من أمر الله فصار ولدا بلا أب وقد جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل وصف بأنه روح وقوله تعالى: مِنْهُ متعلق بمحذوف وقع صفة ل «روح». أي كائنة من عند الله وجعلت منه تعالى وإن كانت بنفخ جبريل لكون النفخ بأمره تعالى، و «من» ابتدائية لا كما زعمت النصارى من أنها تبعيضية. حكي أن طبيبا حاذقا نصرانيا جاء للرشيد فناظر علي بن الحسين المروزي ذات يوم فقال له: إن في كتابهم ما يدل على أن عيسى جزء من الله وتلا هذه الآية. فقرأ المروزي وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية: ١٣] فقال إذا يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزاء منه تعالى فانقطع النصراني فأسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا، وأعطى للمروزي عطاء عظيما فَآمِنُوا بِاللَّهِ واعتقدوا ألوهيته وحده وَرُسُلِهِ أجمعين وصفوهم بالرسالة ولا تصفوا واحدا منهم بالألوهية وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أي الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم. ولا تقولوا: إن الله واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ أي انتهوا عن مقالتكم بالتثليث يكن ذلك الانتهاء خيرا لكم إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ أي منفرد في ألوهيته سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أي أسبحه تسبيحا من أن يكون له ولد أو سبحوه تسبيحا من ذلك. وقرأ الحسن «إن يكون» بكسر الهمزة ورفع الفعل أي سبحانه ما يكون له ولد لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فمن كان مالكا لهما وما فيهما كان مالكا لعيسى ومريم وإذا كانا مملوكين له فكيف يتوهم كونهما له ولدا وزوجة وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) أي ربا للخلق فإنه كاف في تدبير المخلوقات وفي حفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى إثبات إله آخرنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ أي لن يترفع عن أن يكون عبدا له تعالى. أي مقرا بالعبودية لله مستمرا على عبادته وطاعته. روي أن وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول: إنه عبدا لله فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنه ليس بعار على عيسى أن يكون عبدا لله» قالوا: بلى، فنزلت: ْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه عبيدا لله بصيغة التصغير لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ أي ولا يستنكف الملائكة المقربون كحملة العرش أن يقروا بالعبودية لله. أي لن يستنكف المسيح عن عبادة الله تعالى بسبب أنه قادر على الإتيان بخوارق العادات من الإحياء والإبراء وعالم بالمغيبات مخبر عنها وممتاز عن سائر أفراد البشر بالولادة من غير أب وبالرفع إلى السماء فإن الملائكة المقربين أعلى حالا منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ وأعلى حالا منه في القدرة، لأن أربعة منهم حملوا العرش على عظمته، وأنهم مخلوقون من غير أب وأم ومقارهم السموات العلى، ولا خلاف لأحد في علو درجتهم من هذه الحالات وإنما الخلاف في علوها من حيث كثرة الثواب على الطاعات، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لن يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) أي ومن يترفع عن طاعته تعالى ويعد نفسه كبيرا، أي يعتقدها كذلك فإن الله يجمع المترفعين والمعتقدين أنفسهم كبيرة ومقابليهم- وهم غيرهم- إليه تعالى يوم القيامة حيث لا يملكون لأنفسهم شيئا فيجازيهم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ من غير أن ينقص منها شيئا أصلا وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بتضعيفها أضعافا كثيرة وبإعطاء ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أي على وجه التفصيل وإنما يخطر نعيم الجنان على قلوبنا، ونسمعه من ألسنة على وجه الإجمال. وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا عن عبادته تعالى وَاسْتَكْبَرُوا أي عدوا أنفسهم كبيرة فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً بما وجدوا من لذاذة الترفع والتكبر وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يلي مصالحهم وَلا نَصِيراً (١٧٣) ينجيهم من عذاب الله يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ أي رسول مِنْ رَبِّكُمْ وهو محمد صلّى الله عليه وسلّم وإنما سماه برهانا لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) أي نيرا بنفسه منورا لغيره وهو القرآن وذلك بواسطة إنزاله على الرسول وسماه نورا لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب أي فمنهم من آمن ومنهم من كفر فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه وَاعْتَصَمُوا بِهِ أي بالله في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن نزغ الشيطان فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وهي الجنة ومنفعتها وَفَضْلٍ أي إحسان زائد كالنظر إلى وجهه الكريم والتعظيم وغير ذلك من مواهب الجنة وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) وهو الإسلام والطاعة والسعادة الروحانية. والجار والمجرور في محل نصب حال من «صراطا»، والضمير المجرور عائد على «الله» بتقدير مضاف أي إلى ثوابه يَسْتَفْتُونَكَ أي يسألونك عن محمد عن الكلالة. روى الشيخان عن جابر بن عبد الله قال: مرضت فأتاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر يعوداني ماشيين فأغمي عليّ، فتوضأ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثم صبّ علي من وضوئه فأفقت، فإذا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي، كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد عليّ شيئا حتى نزلت آية الميراث يَسْتَفْتُونَكَ الآيات. وروى الطبري عن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة فسألوا عنها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله هذه الآيات قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وهو اسم يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث فهو من سوى الوالد والولد، وإن وقع على الموروث فهو الذي مات ولا يرثه أحد من الوالدين ولا أحد من الأولاد إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ أي إن مات امرؤ غير ذي ولد ووالد وله أخت شقيقة أو من الأب فللأخت نصف ما ترك بالفرض والباقي للعصبة أولها بالرد إن لم يكن له عصبة وَهُوَ أي المرء الكلالة يَرِثُها أي يرث أخته جميع ما تركت إن فرض موتها مع بقائه إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ذكر أو أنثى فإن كان لها أو له ولد ذكر فلا شيء له أو لها أو ولد أنثى فله أو لها الباقي من نصيبها فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ أي فإن كان من يرث بالأخوة أختين شقيقتين، أو من أب فصاعدا فلهما لأكثر الثلثان مما ترك الميت من المال وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي وإن كان من يرث بطريق الأخوة أخوة مختلطة رجالا أشقاء، أو من أب ونساء شقيقات، أو لأب فللذكر منهم مثل نصيب الأنثيين يقتسمون التركة على طريقة التعصيب يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ قسمة الميراث أَنْ تَضِلُّوا أي لكيلا تخطئوا في قسمة الميراث. وقيل: المعنى يبين الله ضلالكم لتعلموا أن غير هذا البيان ضلال فتجتنبوه وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من الأشياء المتعلقة بمحياكم ومماتكم عَلِيمٌ (١٧٦) أي مبالغ في العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.