Lafzullah

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — الحجر 15:1 – مريم 19:91

المؤلف / المصدر: محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا (ت 1316هـ) — تحقيق: محمد أمين الضناوي · دار الكتب العلمية - بيروت · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-299)

المحتويات
  1. الحجر 15:1
  2. الحجر 15:11
  3. الحجر 15:21
  4. الحجر 15:31
  5. الحجر 15:51
  6. الحجر 15:61
  7. الحجر 15:71
  8. الحجر 15:81
  9. الحجر 15:91
  10. النحل 16:1
  11. النحل 16:11
  12. النحل 16:21
  13. النحل 16:31
  14. النحل 16:41
  15. النحل 16:51
  16. النحل 16:61
  17. النحل 16:71
  18. النحل 16:81
  19. النحل 16:91
  20. النحل 16:101
  21. النحل 16:111
  22. النحل 16:121
  23. الإسراء 17:1
  24. الإسراء 17:11
  25. الإسراء 17:21
  26. الإسراء 17:31
  27. الإسراء 17:41
  28. الإسراء 17:51
  29. الإسراء 17:61
  30. الإسراء 17:71
  31. الإسراء 17:81
  32. الإسراء 17:91
  33. الإسراء 17:101
  34. الإسراء 17:111
  35. الكهف 18:1
  36. الكهف 18:11
  37. الكهف 18:21
  38. الكهف 18:31
  39. الكهف 18:41
  40. الكهف 18:51
  41. الكهف 18:61
  42. الكهف 18:71
  43. الكهف 18:81
  44. الكهف 18:91
  45. الكهف 18:101
  46. مريم 19:1
  47. مريم 19:11
  48. مريم 19:21
  49. مريم 19:31
  50. مريم 19:41
  51. مريم 19:51
  52. مريم 19:61
  53. مريم 19:71
  54. مريم 19:81
  55. مريم 19:91

الحجر 15:1

سورة الحجر مكية، تسع وتسعون آية، ستمائة وثمان وخمسون كلمة، ألفان وثمانمائة وثلاثة وثمانون حرفا الر قال ابن عباس: أي أنا الله أرى تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) أي تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابا، وفي كونه قرآنا مفيدا للبيان لسبيل الرشد والغي، وللفرق بين الحق والباطل وهو الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وتنكير القرآن للتفخيم كتعريف الكتاب. فالمقصود الوصفان، وقيل: «الواو» للقسم أي أقسم بالقرآن المبين بالحلال والحرام وبالأمر والنهي رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) أي إن الكافر بالقرآن كلما رأى حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال المسلم تمنى كونه في الدنيا منقادا لحكمه، ومذعنا لأمره وذلك عند الموت، وعند اسوداد وجوه الكفار، وعند دخولهم النار، وعند رؤيتهم خروج عصاة المسلمين من النار. ف «ربّ» للتكثير باعتبار مرات التمني، وللتقليل باعتبار أزمان الإفاقة فأزمان إفاقتهم قليلة بالنسبة لأزمان الدهشة، وكونه للتقليل أبلغ في التهديد. ومعناه أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرا لك عن هذا العمل فكيف كثيره وأيضا إنه يشغلهم العذاب عن تمني ذلك إلا في القليل. وقرأ نافع وعاصم «ربما» بتخفيف الباء. والباقون بالتشديد ذَرْهُمْ أي اترك كفار مكة يا أشرف الرسل عن النهي عمّا هم عليه بالنصيحة إذ لا سبيل إلى ارعوائهم عن ذلك بل مرهم بتناول ما يتناولونه يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا أي يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك أخلاقهم ولا خلاق لهم في الآخرة وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ أي يشغلهم الأمل عند الأخذ بحظهم عن الإيمان والطاعة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) عند الموت وفي القبر ويوم القيامة ماذا يفعل بهم وعن علي رضي الله عنه أنه قال: إنما أخشى عليكم اثنين طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ من القرى بالخسف بها وبأهلها كما فعل ببعضها وبإخلائها عن أهلها غب إهلاكهم بعذاب الاستئصال كما فعل ببعض آخر إِلَّا وَلَها في ذلك الشأن

الحجر 15:11

كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) أي أجل مؤقت لهلاكها مكتوب في اللوح المحفوظ لا يغفل عنه ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ من الأمم المهلكة وغيرهم أَجَلَها المكتوب في كتابها فلا يجيء هلاكها ولا موتها قبل مجيء كتابها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) عن أجلها وَقالُوا أي كفار مكة عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه استهزاء للنبي صلّى الله عليه وسلّم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ أي القرآن في زعمه إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) أي إنك لتقول قول المجانين حتى تدعي أن الله تعالى نزل عليك القرآن لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ أي هلا أتيتنا بالملائكة يشهدون بصحة نبوتك ويعضدونك في الإنذار إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) في مقالتك إنك نبي وإن هذا القرآن من عند الله فأجاب الله تعالى عن قولهم بقوله تعالى: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي فالحق في حق الكفار تنزيل الملائكة بعذاب الاستئصال كما فعل بأمثالهم من الأمم السالفة لا التنزيل بما اقترحوا من أخبارها لهم بصدق الرسول فإن ذلك من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يفتح على غير الأنبياء من أفراد كل المؤمنين فكيف على أولئك الكفرة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «ما ننزل» بنون المتكلم وبكسر الزاي المشددة، «والملائكة» بالنصب. وقرأ شعبة عن عاصم «ما تنزل» ببناء الفعل للمفعول «والملائكة» بالرفع. والباقون «تنزل الملائكة». وَما كانُوا إِذاً أي إذ نزلت عليهم الملائكة بالعذاب مُنْظَرِينَ (٨) أي مؤخرين ساعة أي ولو نزلنا الملائكة ما أخر عذابهم ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ الذي أنكروا نزوله عليك ونسبوك بذلك إلى الجنون وَإِنَّا لَهُ أي الذكر لَحافِظُونَ (٩) من الشياطين حتى لا يزيدوا فيه ولا ينقصوا منه ولا يغيروا حكمه. ويقال: وإنا لمحمد لحافظون من الكفار والشياطين وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رسلا مِنْ قَبْلِكَ يا أكرم الرسل فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) أي في أمم الأولين وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) أي عادة هؤلاء الجهّال مع الرسل ذلك الاستهزاء كما يفعله هؤلاء الكفرة بك وهذا تسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتاب نسلك الذكر في قلوب كفار مكة. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالذكر. وهذا حال من ضمير نسلكه أو لا محل له من الإعراب تفسير للجملة السابقة. والمراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن ويخلق فيها العلم بمعانيه ومع هذه الأحوال لا يؤمنون به عنادا منهم وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) أي وقد مضت سيرة الأولين بتكذيب الرسل ومضت سيرة الله فهم بإهلاكه إياهم بعد التكذيب، وهذه الجملة استئناف جيء بها تكملة للتسلية وتهديدا لكفار مكة وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أي كفار مكة الذين اقترحوا نزول الملائكة باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ أي في ذلك

الحجر 15:21

الباب يَعْرُجُونَ (١٤) أي يصعدون ويرون ما فيها من العجائب عيانا لَقالُوا لفرط عنادهم: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا أي غشيت بالسحر. وقرأ ابن كثير بتخفيف الكاف. والباقون بتشديدها فهو يوجب تكثيرا أو حيرت من السكر كما يعضده قراءة من قرأ سكرت أي حارت بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) أي قد سحر محمد عقولنا كما قالوه عند ظهور سائر المعجزات من انشقاق القمر ومن القرآن الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً أي محال تسير فيها الكواكب السيارة وهي المريخ بكسر الميم وهو كوكب في السماء الخامسة وله الحمل والعقرب والزهرة بضم ففتح وهي في السماء الثالثة، ولها الثور والميزان وعطارد بفتح العين وهي في الثانية، ولها الجوزاء والسنبلة والقمر، وهو في الأولى، وله السرطان والشمس وهي في الرابعة، ولها الأسد والمشتري وهو في السادسة، وله القوس والحوت وزحل وهو في السابعة، وله الجدي والدلو وجملة البروج اثنا عشر، ووجه دلالة البروج على وجود الصانع المختار هو أن طبائع هذه البروج مختلفة، فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة، وكل مركب لا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء بحسب الاختيار والحكمة فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار وهو المطلوب وَزَيَّنَّاها أي السماء بالشمس والقمر والنجوم لِلنَّاظِرِينَ (١٦) بأبصارهم وبصائرهم فيستدلون بها على قدره صانعها ووحدته وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) أي مرمي بالشهاب فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس في أهلها ويقف على أحوالها إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ أي إلا من اختلس المسموع سرا من غير دخول فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ أي لحقه شعلة نار ساطعة تنفصل من الكوكب مُبِينٌ (١٨) أي ظاهر أمره للمبصرين وَالْأَرْضَ مَدَدْناها أي بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها أي على الأرض رَواسِيَ أي جبالا ثوابت لكيلا تميل بأهلها ولتكون دلالة للناس على طرق الأرض لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال وَأَنْبَتْنا فِيها أي الأرض مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) أي مستحسن مناسب أو موزون بوزن فالمعادن كلها موزونة وذلك مثل الذهب والفضة والحديد والرصاص وغير ذلك والنباتات ترجع عاقبتها إلى الوزن، لأن الحبوب توزن وكذلك الفواكه في الأكثر وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها أي الأرض مَعايِشَ أي ما تعيشون به من المطاعم والملابس وغيرهما مما يتعلق به البقاء مدة حياتكم في الدنيا وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) أي وجعلنا لكم من لستم برازقيه من العيال والخدم والعبيد والدواب والطيور وما أشبهها، فالناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقونهم وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق الكل وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي إن جميع الممكنات مقدورة له تعالى يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء شبهت مقدوراته تعالى الفائتة للحصر في كونها مستورة عن علوم العالمين وكونها مهيأة لإيجاده بحيث متى تعلقت الإرادة بوجودها وجدت من غير تأخر بنفائس الأموال المخزونة في الخزائن السلطانية وَما نُنَزِّلُهُ أي ما نوجد شيئا إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) أي إلا ملتبسا بمقدار معين تقتضيه الحكمة فقوله تعالى: إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ إشارة إلى كون مقدوراته غير متناهية وقوله تعالى: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ إشارة إلى أن كل ما يدخل في الوجود منها فهو متناه ومتى كان الخارج إلى الوجود منها متناهيا كان مختصا بوقت مقدر وبحيز معين وبصفات معينة بدلا عن أضدادها، فتخصيص كل شيء بما اختص به لا بد له من حكمة تقتضي ذلك. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البحر والبر وهو تأويل قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ. وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ أي حوامل لأنها تحمل الماء وتمجه في السحاب فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ أي السحاب ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي جعلناه لكم سقيا وفي هذا دلالة على جعل الماء معدا لهم ينتفعون به متى شاؤوا وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) أي نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله في الأرض وما أنتم على ذلك بقادرين. وقيل: ما أنتم بخازنين له بعد ما أنزلناه في الغدران والآبار والعيون بل نحن نخزنه فيها لنجعلها سقيا لكم أي معدا لسقي أنفسكم ومواشيكم وأراضيكم مع أن طبيعة الماء تقتضي الغور وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ أي لا قدرة على الإحياء ولا على الإماتة إلا لنا وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) أي الباقون بعد فناء الخلق المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك المجازي وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي من تقدم منكم ولادة وموتا وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) أي من تأخر ولادة وموتا. وقال ابن عباس: في رواية عطاء معنى المستقدمين: أهل طاعة الله تعالى. ومعنى المستأخرين: المتخلفون عن طاعة الله تعالى وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ للجزاء إِنَّهُ حَكِيمٌ أي متقن في أفعاله فيأتي بالأفعال على ما ينبغي وعالم بحقائق الأشياء على ما هي عليه عَلِيمٌ (٢٥) أي وسع علمه كل شيء وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي آدم مِنْ صَلْصالٍ أي من طين يابس غير مطبوخ يصوت عند نقره مِنْ حَمَإٍ أي كائن من طين متغير أسود بطول مجاورة الماء مَسْنُونٍ (٢٦) أي مصور بصورة الآدمي. قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة فصار صلصالا كالخزف، ولا يدري أحد ما يراد به ولم يروا شيئا من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح وَالْجَانَّ وهو أبو الجن والأصح أن الشياطين قسم من الجن فكل من كان منهم مؤمنا فإنه لا يسمى بالشيطان وكل من كان منهم كافرا يسمى بهذا الاسم خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل خلق الإنسان مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) أي من نار الحر الشديد النافذ في المسام أو من نار الريح الحارة وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً أي جسما كثيفا يلاقي بخلاف الجن والملائكة

الحجر 15:31

فإنهم لا يلاقون للطف أجسامهم مِنْ صَلْصالٍ أي من طين يتصلصل مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) أي من طين منتن رطب فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي أتممت خلقه باليدين والرجلين والعينين وغير ذلك وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أي جعلت الروح فيه وليس ثمّ نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لإفاضة ما يحيا آدم به من الروح التي هي من أمره تعالى فَقَعُوا أي خروا لَهُ أي لذلك البشر ساجِدِينَ (٢٩) بوضع الجبهة على الأرض لا بالانحناء تعظيما له، فالسجود كان لآدم في الحقيقة. أو المعنى اسجدوا لله تعالى بوضع الجبهة على الأرض، وآدم عليه السلام بمنزلة القبلة لذلك السجود حيث ظهر فيه تعاجيب آثار قدرته تعالى وحكمته فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) أي فخلقه فسواء فجعل فيه الحياة فسجد الملائكة. فمعنى «كلهم» أي لم يشذ منهم أحد، ومعنى «أجمعون» أي لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد، أي فالكل سجدوا دفعة واحدة إِلَّا إِبْلِيسَ رئيسهم أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ أي الله تعالى يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) أي أيّ سبب لك في أن لا تكون مع الساجدين لآدم قالَ أي إبليس: لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ أي لا يصح مني أن أسجد لِبَشَرٍ أي جسم كثيف لأنه مخلوق من أشرف العناصر وأعلاها وأنا روحاني لطيف خَلَقْتَهُ أي البشر مِنْ صَلْصالٍ ناشئ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ الله تعالى: فَاخْرُجْ مِنْها أي من زمرة الملائكة المعززين ويقال: من رحمتي والفاء في جواب شرط مقدر أي فحيث عصيت وتكبرت فاخرج منها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) أي مطرود عن الرحمة وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ أي الإبعاد عن الرحمة إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) أي الجزاء أي إنك مدعو باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الحساب من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذابا بنسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه قالَ إبليس: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي أي أخرني ولا تمتني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) أي آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم وأراد الملعون بهذا السؤال أن لا يذوق الموت لاستحالته بعد يوم البعث وأن يجد فسحة في إغوائهم قالَ الله تعالى: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) أي المؤجلين إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) وهو وقت النفخة الأولى التي علم أنه يموت كل الخلائق فيه قالَ إبليس: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن لذرية آدم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠). قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بكسر اللام في كل القرآن أي الذين أخلصوا دينهم عن كل شائب يناقض التوحيد. وقرأ الباقون بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله تعالى بالتوفيق والعصمة وعصمهم من كيد إبليس قال تعالى: قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) أي هذا الإخلاص طريق يؤدي إلى كرامتي وثوابي من غير اعوجاج. وقرأ يعقوب «علي» بالرفع والتنوين على أنه صفة «لصراط» أي هذا الإخلاص طريق رفيع لا عوج فيه إِنَّ عِبادِي سواء كانوا

الحجر 15:51

مخلصين أو لم يكونوا مخلصين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي قدرة أصلا على الإغواء إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) ولما أوهم إبليس في كلامه أن له على بعض عباد الله تسلطا بالإغواء بين الله كذبه فيه وذكر أن إغواءه للغاوين ليس بطريق تصرفه بالإغواء بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أي لمصير المتبعين أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها أي لجهنم سَبْعَةُ أَبْوابٍ أي سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي جهنم ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية لِكُلِّ بابٍ أي دركة مِنْهُمْ أي الأتباع جُزْءٌ أي حزب معين مَقْسُومٌ (٤٤) أي مفرز من غيره ففي الدركة الأولى: أهل التوحيد الذين أدخلوا النار يعذبون بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها. وفي الثانية: النصارى. وفي الثالثة: اليهود. وفي الرابعة: الصابئون. وفي الخامسة: المجوس. وفي السادسة: أهل الشرك. وفي السابعة: المنافقون. والحاصل أن الله تعالى يجزئ أتباع إبليس سبعة أجزاء فيدخل كل جزء منهم دركة من النار والسبب في التجزئة أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة فصارت مراتب العذاب مختلفة بذلك إِنَّ الْمُتَّقِينَ من الكفر فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) أي مستقرون فيهما لكل منهم عدة منهما ادْخُلُوها بِسَلامٍ أي ادخلوا الجنة سالمين من كل آفة آمِنِينَ (٤٦) من كل خوف، أي لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: ادخلوها بسلام آمنين. وقرئ «ادخلوها» أمرا من الله تعالى للملائكة بإدخالهم في الجنة. وقرأ الحسن «ادخلوها» مبينا للمفعول على صيغة الماضي المزيد فيه. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي عداوة كانت بينهم في الدنيا إِخْواناً حال من ضمير صدورهم أو من فاعل ادخلوها عَلى سُرُرٍ من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت تدور بهم الأسرة حيثما داروا مُتَقابِلِينَ (٤٧) في الزيارة أي إنهم إذا اجتمعوا، ثم أرادوا الانصراف يدور سرير كل واحد منهم به بحيث يصير راكبه مقابلا بوجهه لمن كان عنده وقفاه إلى الجهة التي يسير لها السرير وهذا أبلغ في الإنس والإكرام لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ أي تعب لحصول كل ما يريدونه من غير مزاولة عمل أصلا وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) لأن تمام النعمة بالخلود نَبِّئْ عِبادِي أي أخبر يا أشرف الرسل كل من كان معترفا بعبوديتي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ للعصاة من المؤمنين الرَّحِيمُ (٤٩) بهم وَأَنَّ عَذابِي للعصاة إن عذبت هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠). وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرّ بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال: «أتضحكون والنار بين أيديكم» «١» فنزل قوله تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَنَبِّئْهُمْ أي خبر يا سيد (١) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠: ٣٨٧)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٩٧٨٤)، بما معناه.

الحجر 15:61

المرسلين عبادي عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) وهم ملائكة على صور غلمان حسان منهم جبريل إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً أي فسلموا سلاما، أي قالوه تحية لإبراهيم قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) أي خائفون. قال إبراهيم ذلك حين امتنعوا من أكل ما قربه إليهم من العجل الحنيذ، لأن العادة أن الضيف إذا لم يأكل مما قدم له يكون خائنا قالُوا لا تَوْجَلْ أي لا تخف يا إبراهيم منا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ أي ولد هو إسحاق عَلِيمٍ (٥٣) في صغره حليم في كبره قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي بذلك عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ أي بعد ما أصابني الكبر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) أي فبأي أعجوبة تبشرونني؟! «فما» استفهام بمعنى التعجب. أراد إبراهيم بهذا السؤال أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة، أو بعد قلبه شابا؟ فبينوا أن الله تعالى أعطاه الولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة. قرأ نافع «تبشرون» بكسر النون خفيفة في كل القرآن. وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها. والباقون بفتح النون خفيفة قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ أي بطريقة هي حق وهو أمر الله تعالى فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) أي من الآيسين من الولد فإن الله قادر على أن يخلق بشرا بغير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر قالَ إبراهيم: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) أي لا يقنط من رحمة ربه إلا المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم فلا يعرفون سعة رحمة الله تعالى وكمال علمه وقدرته. ومراد سيدنا إبراهيم بهذا القول نفي القنوط عن نفسه على أبلغ وجه أي ليس بي قنوط من رحمته تعالى، وإنما الذي أقول لبيان منافاة حالي لفيضان تلك النعمة الجليلة عليّ. وقرأ أبو عمرو والكسائي «يقنط» بكسر النون، وقرئ شاذا بضم النون. قالَ إبراهيم لجبريل وأعوانه: فَما خَطْبُكُمْ أي شأنكم الخطير سوى البشارة أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) لإهلاكهم إِلَّا آلَ لُوطٍ ابنتيه زاعورا وريثا وامرأته الصالحة إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أي لوطا وآله أَجْمَعِينَ (٥٩) أي مما يصيب القوم إِلَّا امْرَأَتَهُ واعلة المنافقة قَدَّرْنا أي قضينا عليها إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) أي الباقين مع الكفرة لتهلك معهم، وقرأ أبو بكر عن عاصم «قدرنا» بتخفيف الدال هاهنا وفي النمل. وقرأ حمزة والكسائي «لمنجوهم» بسكون النون فخرجوا من عند إبراهيم وسافروا من قريته إلى قرية لوط وكان بينهما أربعة فراسخ فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) هم الملائكة الذين ضافوا إبراهيم قالَ لوط لهم: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) أي تنكركم نفسي فأخاف أن تصيبوني بشر ولا أعرف غرضكم، لأي غرض دخلتم علي! قالُوا أي الملائكة: بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بالعذاب الذي هددت قومك به فيشكون في مجيئه لهم ويكذبونك وهو ما

الحجر 15:71

يشفيك من عدوك وما فيه سرورك وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ أي بالأخبار بمجيء العذاب وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) في مقالتنا إن العذاب نازل عليهم فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي فسر ببنتيك وامرأتك الصالحة في جزء من الليل عند السحر وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ أي امش خلفهم جهة صعر لأجل أن تطمئن عليهم وتعرف أنهم ناجون وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلى ورائه إذا سمع الصيحة لئلا ترتاعوا من عظيم ما نزل بهم من البلاء وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) أي سيروا إلى المكان الذي أمركم الله بالذهاب إليه وهو صعر، وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) أي وأخبرنا لوطا عن ذلك الأمر إن آخر هؤلاء المجرمين مستأصل حال دخولهم في الصبح أي يتم استئصالهم حال ظهور الصبح حتى لا يبقى منهم أحد. وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أي مدينة سذوم إلى دار لوط: يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) أي يظهرون السرور بأضياف لوط وقالوا: نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجها ولا أحسن شكلا منهم فذهبوا إلى دار لوط طلبا منه لأولئك المرد قالَ لهم لوط: إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) أي فلا تظهروا عاري عندهم فإن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي وَاتَّقُوا اللَّهَ في فعل الفاحشة وَلا تُخْزُونِ (٦٩) أي ولا تخجلوني قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) أي ألسنا قد نهيناك عن أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة وكان لوط ينهاهم عنها بقدر وسعه قالَ هؤُلاءِ بَناتِي فتزوجوهن إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) قضاء الوطر لَعَمْرُكَ قسمي. وهذا قسم من الملائكة بحياة لوط عليه السلام إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ أي في شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم يَعْمَهُونَ (٧٢) أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أي صيحة عظيمة مهلكة مُشْرِقِينَ (٧٣) أي داخلين في وقت شروق الشمس فَجَعَلْنا عالِيَها أي المدينة سافِلَها وكانت قراهم أربعة فيها أربعمائة ألف مقاتل وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على أهل المدينة قبل تمام الانقلاب أو على من كان منهم خارجا عن المدينة بأن كان غائبا في سفر أو غيره حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) أي وحل مطبوخ بالنار عليه كتاب إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما ذكر من قصة إبراهيم وقصة لوط لَآياتٍ أي لعبرات لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) أي للمتفكرين وَإِنَّها أي مدينة قوم لوط لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) أي في طريق ثابت لم يخف والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها إِنَّ فِي ذلِكَ أي في كون المدينة مشاهدة للناس في ذهابهم وإياهم لَآيَةً أي لعبرة عظيمة لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) أي لكل من آمن بالله وصدق الأنبياء فإنهم عرفوا أن ما حاق بهم من العذاب لمخالفتهم لرسل الله تعالى أما الذين لا يؤمنون فيحملونه على حوادث العالم وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي وإن الشأن كان أصحاب بقعة الأشجار، وكانوا يسكنونها وكان أكثر شجرهم الدوم لَظالِمِينَ (٧٨) بتكذيبهم شعيبا عليه السلام فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ. روي أن الله تعالى سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى أخذ بأنفاسهم وقربوا من الهلاك فبعث

الحجر 15:81

الله لهم سحابة كالظلة، فالتجأوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث الله عليهم منها نارا، فأحرقتهم جميعا. وَإِنَّهُما أي قريات لوط وقريات شعيب لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) أي لفي طريق واضح يمر أهل مكة عليهما وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) أي صالحا وجملة المرسلين فالقوم براهمة منكرون لكل الرسل، والحجر واد بين المدينة الشريفة والشام وآثاره باقية يمر عليها ركب الشام في ذهابه إلى الحجاز وكان ثمود يسكنونه. وَآتَيْناهُمْ آياتِنا أي أعطيناهم الناقة، وكان فيها آيات كثيرة كخروجها من الصخرة، وعظم جثتها وقرب ولادتها عند خروجها من الصخرة وكثرة لبنها وشربها فَكانُوا عَنْها أي تلك الآيات مُعْرِضِينَ (٨١) فلا يستدلون بها على صدق صالح عليه السلام حتى قتلوا الناقة وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) من الانهدام ونقب اللصوص، وتخريب الأعداء لوثاقتها فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) أي صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم عند الصباح فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) أي فلم يدفع عنهم ما كانوا يعملون من تحت تلك الجبال بنقرها بالمعول وجمع الأموال ما نزل بهم من البلاء وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا بسبب العدل فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك يا أكرم الرسل وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فإن الله لينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك على حسناتك ويجازيهم على سيئاتهم فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) أي أعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا بحلم. والمقصود من هذا الكلام أن يظهر الرسول الخلق الحسن والعفو فلا يكون منسوخا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) أي إنه تعالى خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم وتفاوت أحوالهم وعلم كونهم كذلك لمحض إرادته وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي أي سبع آيات هي المثاني وهي الفاتحة وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة، والحسن وأبي العالية، ومجاهد، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة. وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ الفاتحة وقال: «هي السبع المثاني» . وقيل: سميت الفاتحة مثاني لأنها قسمان ثناء ودعاء، وأيضا النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) وهذا من عطف الكل على البعض فبعض الشيء مغاير لمجموعه فيكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف. ونقل عن ابن عباس وطاوس أن السبع المثاني هو القرآن كله. وعلى هذا فهو عطف أحد الوصفين على الآخر مع وحدة ذات الموصوف وإنما حسن العطف لاختلاف اللفظين فإن القرآن سبعة أسباع كل سبع صحيفة وكله مثان أمر ونهي ووعد ووعيد، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، وحقيقة ومجاز، ومحكم ومتشابه، وخبر ما كان وما يكون، ومدحة لقوم ومذمة لقوم. وسبب نزول هذه الآية أن سبع قوافل أقبلت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البز والطيب

الحجر 15:91

والجواهر، وسائر الأمتعة فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله فقال الله تعالى لهم لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه القوافل السبع ويدل على صحة هذا قوله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أي لا تنظرن بالرغبة إلى ما أعطيناه رجالا من الكفرة من متاع الدنيا وزخارفها فإن ما في الدنيا بالنسبة إلى ما أعطيت مستحقر وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي لا تحزن لأجل عدم إيمانهم وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) أي تواضع لهم ولين جانبك لهم وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) أي إني منذر آت بالبينات فأنذرتكم مثل ما نزل بالذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان ويقولون لمن سلكها: لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة فإنه مجنون، وربما قالوا: ساحر، وربما قالوا: شاعر، وربما قالوا: كاهن. وسمّوا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق فأماتهم الله شر ميتة. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) أي الذين جزأوا القرآن أجزاء فقالوا: سحر وشعر وكهانة ومفترى وأساطير الأولين. فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) يوم القيامة عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) في الدنيا من قول وفعل وترك فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أي أظهر ما تؤمر به وافرق بين الحق والباطل وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا ليس بمنسوخ، لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) أي الذين يبالغون في الاستهزاء بك، وفي إيذائك الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) ماذا يفعل بهم فأهلكهم الله في يوم وليلة وكانوا خمسة من أشراف قريش الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث فأما الوليد المخزومي فمر بنبال، فأصاب النبل عرقا في عقبه فقطعه فمات، وأما العاص السهمي فدخلت في أخمصه شوكة فقال: لدغت لدغت، وانتفخت رجله حتى صارت كالرحا، فمات. وأما الحرث السهمي: فإنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فشرب عليه الماء حتى انشق بطنه فمات. وأما الأسود بن المطلب: فرماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعته عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك. وأما الأسود بن عبد يغوث: فإنه خرج في يوم شديد الحر فأصابه السموم، فاسود حتى عاد حبشيا فرجع إلى بيته فلم يفتحوا عليه الباب فنطع رأسه ببابه حتى مات وكلهم كانوا يقولون: قتلنا رب محمد صلّى الله عليه وسلّم. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بحسب الطبيعة البشرية وإن كان جميع أموره صلّى الله عليه وسلّم مفوضا لربه بِما يَقُولُونَ (٩٧) أي بسبب ما يقولون من كلمات الشرك والطعن في القرآن والاستهزاء به وبك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي فافزع إلى الله تعالى فيما نابك من الغم بالتسبيح ملتبسا بحمده تعالى وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) أي من المصلين وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا حزّ به أمر فزع إلى الصلاة وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) أي الموت فإنه متيقن اللحوق بكل حي مخلوق أي واعبد ربك في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه العبادة.

النحل 16:1

سورة النحل وتسمى سورة النعم. مكية، إلا ثلاث آيات في آخرها، مائة وثمان وعشرون آية، ألف وثمانمائة وخمس وأربعون كلمة، سبعة آلاف وثمانمائة وأربعة وثلاثون حرفا أَتى أَمْرُ اللَّهِ أي العذاب الموعود للكفرة. والحاصل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله تعالى: أتى أمر الله أي قد حصل حكم الله بنزول العذاب من الأزل إلى الأبد وإنما لم يحصل المحكوم به لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ أي لا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت ولما قالت الكفار: إنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) فنزه الله تعالى نفسه عن شركة الشركاء وأن يكون لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه ولما قال الكفار: إنه تعالى قضى على بعض عباده بالسراء وعلى آخرين بالضراء، ولكن كيف يمكنك يا محمد أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله تعالى! وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته؟ فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ أي جبريل ومن معه من الملائكة بِالرُّوحِ أي بكلام الله تعالى مِنْ أَمْرِهِ أي إن الروح هي أمره تعالى عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهم الأنبياء أَنْ أَنْذِرُوا أي أعلموا الناس أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) بالإتيان بعبادتي. وتقرير هذا الكلام أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده، ويأمر الله ذلك العبد الذي نزلت عليه الملائكة بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد وبالعبادة له، وبين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة، وإن تمردوا وقعوا في شر الدنيا والآخرة فبهذا الطريق صار ذلك العبد مخصوصا بهذه المعارف من دون سائر الخلق فقوله تعالى: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا إشارة إلى الأحكام الأصولية وقوله تعالى: فَاتَّقُونِ إشارة إلى الأحكام الفروعية خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي أوجدهما على صفات خصصها بحكمته ولما احتج تعالى بخلق السموات والأرض على حدوثهما قال بعده: تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) فالقائلون بقدم السموات والأرض كأنهم أثبتوا لله شريكا في القدم، فنزه تعالى نفسه عن ذلك وبيّن أنه لا قديم إلا هو. فالمقصود من قوله أولا سبحانه وتعالى عما يشركون إبطال قول من يقول: إن الأصنام تشفع للكفار في دفع عقاب الله عنهم. والمقصود هاهنا إبطال قول من يقول أجسام السموات والأرض قديمة فنزه الله تعالى نفسه عن أن يشاركه غيره في القدم خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ منتنة فَإِذا هُوَ بعد قوة عقله وعظم فهمه خَصِيمٌ لربه مُبِينٌ (٤) أي ظاهر الخصومة منكر لخالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم وهذا إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفس الإنسان على وجود الصانع الحكيم فإن الانتقال من الحالة الخسيسة إلى الحالة العالية لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم وَالْأَنْعامَ أي الإبل والبقر والغنم خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ أي ما يتدفأ به من اللباس المتخذة من الأصواف والأوبار والأشعار وَمَنافِعُ هي درها وركوبها والحراثة بها وغير ذلك وَمِنْها أي من لحومها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ أي منظر حسن عند الناس حِينَ تُرِيحُونَ أي تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) أي تخرجونها من حظائرها إلى المرعى بالغداة وَتَحْمِلُ أي الإبل أَثْقالَكُمْ أي أمتعتكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ أي واصلين إليه على غير الإبل إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ أي إلا بتعب النفس أو إلا بذهاب نصف قوة البدن، والشق بكسر الشين وفتحها معناه المشقة والنصف إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) ولذلك أصبغ عليكم هذه النعم الجليلة ويسّر لكم الأمور الشاقة وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي وخلق هذه الأشياء للركوب وللمنظر الحسن، واحتج بهذه الآية من يحرم لحوم الخيل وقالوا: لأن الله تعالى خصّ هذه بالركوب فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل وهو قول ابن عباس وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة، وذهب جماعة من أهل العلم إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا على إباحة لحوم الخيل بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرسا ونحن بالمدينة أخرجه البخاري ومسلم. روى الشيخان عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل. وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) أي ويخلق في الدنيا غير ما عدد من أصناف النعم. روي عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر، فيغتسل، فيزداد نورا

النحل 16:11

إلى نور، وجمالا إلى جمال، وعظما إلى عظم، ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشة كذا وكذا ألف ملك فيدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وسبعون ألف ملك الكعبة، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي وعلى الله بيان استقامة الطريق وهو الإسلام وَمِنْها أي من السبيل جائِرٌ أي مائل عن الحق وهو أنواع الكفر والضلال وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) إلى استقامة الطريق هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ ولكل حي مِنْهُ أي الماء شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ أي من الماء ما ينبت على الأرض فِيهِ أي في الشجر تُسِيمُونَ (١٠) ترعون مواشيكم يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ أي بالماء الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ والإنسان خلق محتاجا إلى الغذاء وهو إما أن يكون من الحيوان أو من النبات والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات، وأما الغذاء النباتي فقسمان: حبوب، وفواكه. فالحبوب: هي ما به قوام بدن الإنسان. وأشرف الفواكه: الزيتون والنخيل والأعناب، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن، ومنافع الأدهان كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج، وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه فظاهر. وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ مما لا يمكن على الناس تفصيل أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها إِنَّ فِي ذلِكَ أي في إنزال الماء وإنبات ما ذكر لَآيَةً دالة على تفرده تعالى بالألوهية لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومر عليها مقدار من الزمان مع رطوبة الأرض، فإنها تنتفخ وينشق أعلاها فيصعد منه شجرة إلى الهواء وأسفلها تغوص منه عروق في الأرض، ثم ينمو الأعلى ويقوى وتخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطباع والطعوم والألوان والروائح والأشكال والمنافع ومن تفكر في ذلك علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه أحد في شيء من صفات الكمال وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ. قرأ ابن عامر «والشمس والقمر والنجوم» بالرفع على الابتداء و «مسخرات» خبرها. وقرأ حفص عن عاصم و «النجوم» بالرفع. والباقون بالنصب في الجميع و «مسخرات» حال منه، أي أنه تعالى سخر للناس هذه الأشياء وجعلها موافقة لمصالحهم حال كونها مسخرات لله تعالى بِأَمْرِهِ أي بإرادته كيف شاء إِنَّ فِي ذلِكَ أي تسخير الليل وما بعده لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) أي يعلمون أن تسخيرها من الله تعالى وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي وسخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوان ونبات مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ أي اختلاف ما في الأرض لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) أي يتعظون فإن اختلاف طبائع ما في الأرض وأشكاله مع اتحاد مواده إنما هو بصنع حكيم عليم قادر مختار منزه عن كونه جسمانيا وذلك هو الله تعالى وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ومعنى تسخير الله تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو بالغوص لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً أي سمكا طَرِيًّا والتعبير عن السمك باللحم مع كونه حيوانا لانحصار الانتفاع به في الأكل ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته والتنبيه على طلب المسارعة إلى أكله لسرعة فساده وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً أي لؤلؤا ومرجانا تَلْبَسُونَها أي تلبسها نساؤكم لأجلكم فإن زينة النساء بالحلي إنما هو لأجل الرجال فهي حلية لكم بهذا الاعتبار وَتَرَى الْفُلْكَ أي تبصر السفن مَواخِرَ فِيهِ أي جواري في البحر مقبلة ومدبرة، ومعترضة بريح واحدة تشقه بحيزومها وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي لتركبوها للوصول إلى البلدان الشاسعة فتطلبوا الرزق بالتجارة وغيرها من فضل الله تعالى وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) أي تعرفون حقوق نعمه الجليلة فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي جعل فيها جبالا ثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي كراهة أن تميل بكم الأرض وتضطرب وَأَنْهاراً أي جعل في الأرض أنهارا جارية لمنافعكم وَسُبُلًا أي جعل فيها طرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) أي لكي تهتدوا بها في أسفاركم إلى مقاصدكم وَعَلاماتٍ أي جعل في الأرض أمارات الطرق التي يستدل بها المارون: وهي الجبال والرياح والتراب فإن جماعة يشمون التراب ويتعرفون بذلك الشم الطرق وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) بالليل في البراري والبحار. وقال السدي: هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي أَفَمَنْ يَخْلُقُ هذه الأشياء وهو الله تعالى كَمَنْ لا يَخْلُقُ شيئا أصلا وهو الأصنام أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) أي ألا تلاحظون فلا تتذكرون فإن هذا القدر لا يحتاج إلى تفكر ولا إلى شيء سوى التذكر فيكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادة من لا يستحق العبادة ويترك عبادة من يستحقها وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي إنكم لا تعرفونها على سبيل التمام وإذا لم تعرفوها امتنع منكم القيام بشكرها على سبيل التمام ومما يدل قطعا على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام نعم الله تعالى أن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لتنغص العيش على الإنسان ولتمنى أن ينفق كل الدنيا حتى يزول عنه ذلك الخلل، ثم إنه تعالى يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الأكمل مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بكيفية مصالحه فليكن هذا المثال حاضرا في ذهنك، ثم تأمل في جميع ما خلق الله في هذا العالم من المعادن والنبات والحيوان وجعلها مهيأة لانتفاعك بها حتى تعلم أن عقول الخلق تفنى في معرفة حكمة الرحمن في خلق الإنسان فضلا عن سائر وجوه الإحسان، ثم الطريق إلى الشكر أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه رَحِيمٌ (١٨) بكم حيث لم يقطع نعمه عنكم بسبب تقصيركم وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ أي تضمرونه من العقائد والأعمال وَما تُعْلِنُونَ (١٩) أي تظهرونه منهما وهذه

النحل 16:21

الأصنام جمادات لا معرفة لها بشيء أصلا فكيف تحسن عبادتها وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً أي والآلهة الذين يعبدهم الكفار من دون الله لا يقدرون أن يخلقوا شيئا. قرأ حفص عن عاصم «يسرون»، و «يعلنون»، و «يدعون» بالياء على الغيبة. لكن نقل عن السمين أن قراءة الياء التحتية شاذة في الفعلين الأولين. وقرأ أبو بكر عن عاصم «يدعون» خاصة بالياء على المغايبة. وقرئ على صيغة المبني للمفعول. وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أي أن الأصنام مخلوقة لله تعالى منحوتة من الحجارة وغيرها أَمُوتُ أي جمادات لا روح فيها غَيْرُ أَحْياءٍ أي لا تأتيها الحياة أصلا وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) أي وما يشعر أولئك الآلهة متى يبعث عبدتهم من القبور وفي هذا تهكم بالمشركين في أن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف وقت جزائهم على عبادتهم. وقيل: المعنى أن هذه الأصنام لا تعرف متى يبعثها الله تعالى. قال ابن عباس: إن الله تعالى يبعث الأصنام ولها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بها إلى النار إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا يشاركه شيء في شيء فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ولا يرغبون في حصول الثواب ولا يرهبون من الوقوع في العقاب قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ لوحدانية الله تعالى ولكل كلام يخالف قولهم وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) عن الرجوع من الباطل إلى الحق لا جَرَمَ أي حقا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ من قلوبهم وَما يُعْلِنُونَ من استكبارهم إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) على خلقه فما بالك بالمستكبرين على التوحيد واتباع الرسول صلّى الله عليه وسلّم وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ أي وإذا قال وفود الحاج لأولئك المنكرين المستكبرين عمّا أنزل الله تعالى على محمد عليه السلام قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) أي هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أكاذيب الأولين ليس فيه شيء من العلوم والحقائق لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ أي آثامهم الخاصة بهم وهي آثام ضلالهم كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ أي لم يخفف من عقابهم شيء يوم القيامة بمصيبة أصابتهم في الدنيا فقوله: «ليحملوا» متعلق «بقالوا» ف «اللام» للعاقبة. وقوله: «يوم القيامة» ظرف «ليحملوا». وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ أي وليحملوا أيضا من جنس آثام من ضل بإضلالهم أي فيحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع بِغَيْرِ عِلْمٍ أي إن هؤلاء الرؤساء يقدمون على الإضلال جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد في مقابلته أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) أي بئس ما يحملونه من الذنوب حملهم هذا قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ أي قد رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى فأهلكهم الله تعالى وجعل هلاكهم مثل هلاك قوم بنوا بنيانا شديدا ودعّموه فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم سقف بنيانهم، فأهلكهم. شبهت حال أولئك الماكرين في تسويتهم المكايد وفي إبطاله تعالى تلك الحيل،

النحل 16:31

وجعله تعالى إياها أسبابا لهلاكهم بحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فضعضعت تلك الأساطين، فسقط عليهم السقف، فهلكوا. فهو مثل ضربه الله تعالى لمن مكر بآخر فأهلكه الله بمكره ومنه المثل السائر على ألسنة الناس من حفر لأخيه قليبا وقع فيه قريبا. وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) أي إنهم اعتمدوا على منصوباتهم ثم تولد البلاء منها بأعيانها فهؤلاء الماكرون القائلون: إن القرآن أساطير الأولين سيأتيهم العذاب العاجل من جهة لا تخطر ببالهم مثل ما أتاهم ثُمَّ الله تعالى يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ أي يذل الكفار بعذاب وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ أي يقول الله لهم تفضيحا أين شركائي في زعمكم الذين كنتم تخاصمون الأنبياء والمؤمنين في شأن الشركاء حين بينوا لكم بطلانها. وقرأ نافع «تشاقون» بكسر النون قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي يقول المؤمنون الذين أوتوا علما بدلائل التوحيد حين يرون خزي الكفار وهم في الموقف: إِنَّ الْخِزْيَ أي الفضيحة الْيَوْمَ وَالسُّوءَ أي العذاب عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي عزرائيل وأعوانه ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ أي مستمرين على الكفار فإنهم ظلموا أنفسهم حيث عرضوها للعذاب المخلد. وقرأ حمزة «يتوفاهم» بالياء مع الإمالة في الموضعين فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت قائلين: ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ أي شرك في زعمنا فتقول الملائكة بَلى كنتم تعملون أعظم الشرك إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) من الشرك فلا فائدة لكم في إنكاركم فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ أي ليدخل كل صنف من الكفرة في طبقة هو موعود بها. والمراد دخولهم فيها في وقته فإن ذلك تخويف عظيم وإن تراخى المخوف به لا دخول القبر الذي هو حفرة من حفر النيران خالِدِينَ فِيها أي دركات جهنم لا يخرجون منها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أي خافوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً أي أنزل خيرا. قال المفسرون: كان في أيام الموسم يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون: إنه ساحر وكاهن وكذاب. فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه. فيقولون خيرا. أي أنزل خيرا والذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي قالوا: لا إله إلا الله مع الاعتقاد الحق فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ أي ثناء ورفعة وتعظيم، وهذه الجملة بدل من قوله: خيرا أو تفسيرا له وذلك أن الخير هو الوحي الذي أنزل الله تعالى فيه قوله من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة وقوله تعالى: «في هذه الدنيا» متعلق بقوله: «حسنة». وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مما حصل لهم في الدنيا، وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) والمخصوص بالمدح إما محذوف تقديره دار الآخرة أو هي دار الدنيا، لأن المتقين يتزودون فيها للآخرة وأما قوله تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ وهذه تدل على القصور والبساتين وعلى الدوام يَدْخُلُونَها يوم القيامة صفة لجنات أو حال تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي أنهار الخمر والماء والعسل واللبن وهذه تدل على أن هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من أنواع المشتهيات والمتمنيات وهذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات كَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء الأوفى يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) أي كل من يتقى من الشرك والمعاصي الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي قبضتهم طَيِّبِينَ أي طاهرين من الكفر مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت يَقُولُونَ أي الملائكة عند الموت وهذه حال من الملائكة وطيبين حال من المفعول سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي لا يلحقكم مكروه. وعن محمد بن كعب القرظي قال: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا ولي الله الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أي جنات عدن وهي خاصة لكم كأنكم فيها، والمراد دخولهم فيها في وقته فإن ذلك بشارة عظيمة، وإن تراخى المبشر به لا دخول القبر الذي هو روضة من رياض الجنة فإن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) أي بسبب ثباتكم على التقوى والطاعة هلْ يَنْظُرُونَ أي ما ينتظر الكفار الذين طعنوا في القرآن وأنكروا النبوة إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ لقبض أرواحهم بالتهديد أوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ أي عذاب ربك في الدنيا بهلاكهم كذلِكَ أي مثل فعل هؤلاء من الشرك والتكذيب والاستهزاء فعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم فأصابهم العذاب المعجل وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بذلك فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) بأن كذبوا الرسل فاستحقوا ما نزل بهم فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي عقاب سيئات أعمالهم وَحاقَ أي وأحاط بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) أي عقاب استهزائهم من جوانبهم وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي من أهل مكة للرسول صلّى الله عليه وسلّم تكذيبا له وطعنا في الرسالة لَوْ شاءَ اللَّهُ عدم عبادتنا لشيء غيره ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا الذين نقتدي بهم في ديننا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ من البحيرة والسائبة، والوصيلة والحامي وإشراكنا بالله الأوثان، وتحريمنا الأنعام، والحرث بمشيئته تعالى فهو راض بذلك، وحينئذ فلا فائدة في مجيئك إلينا بالأمر والنهي وفي إرسالك كَذلِكَ أي مثل ذلك الفعل الشنيع فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم فأشركوا بالله وحرموا حله وردوا رسله، وجادلوهم بالباطل حين نهوهم عن الخطأ، وهدوهم إلى الحق فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) أي ليست وظيفة الرسل إلا تبليغ الرسالة تبليغا واضحا فهو واجب عليهم، وأما حصول الإيمان فلا يتعلق بالرسول وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ من الأمم السالفة رَسُولًا خاصا بهم كما بعثناك إلى قومك أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أي اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون الله، أو اجتنبوا طاعة الشيطان

النحل 16:41

في دعائه لكم إلى الضلالة فَمِنْهُمْ أي من تلك الأمم مَنْ هَدَى اللَّهُ إلى الحق الذي هو عبادته وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ أي ثبتت عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فلم يجب الرسول إلى الإيمان فضل عن الحق وعمي عن الصدق، ووقع في الكفر فَسِيرُوا يا معشر كفار قريش فِي الْأَرْضِ أي فإن كنتم في شك من أخبار الرسل فسيروا في الأرض فَانْظُرُوا في أكنافها واعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) بالرسل من عاد وثمود وأمثالهم لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ أي إن تطلب يا سيد الرسل توحيد كفار قريش بجهدك فلا تقدر على ذلك فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ أي لأنه تعالى لا يخلق الهداية قسرا فيمن يخلق فيه الضلالة لسوء اختياره. وقرئ «لا يهدي» بالبناء للمفعول وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) أي وليس لهم أحد يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة من دفع العذاب عنهم وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي حلف الذين أشركوا غاية إيمانهم وإذا حلف الرجل بالله فقد حلف جهد يمينه فإن الكفار كانوا يحلفون بآبائهم وآلهتهم فإذا كان الأمر عظيما حلفوا بالله وهذا عطف على قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إعلاما بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ فإنهم يجدون في عقولهم أن الشيء إذا صار عدما محضا لا يعود بعينه، بل العائد يكون شيئا آخر ولقد رد الله تعالى عليهم أبلغ رد بقوله بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا أي بلى يبعثهم الله بالبعث وعدا حقا لا خلف فيه ثابتا على الله فينجزه لامتناع الخلف في وعده وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي أهل مكة لا يَعْلَمُونَ (٣٨) أنهم يبعثون لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناع البعث ولجهلهم بشئون الله تعالى من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أي بلى يبعثهم ليبين لمن يموت الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ من أمور البعث وغيرها من أمور الدين فيثيب المحق من المؤمنين ويعذب المبطل من الكافرين وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله بالإشراك وإنكار البعث والنبوة يوم القيامة أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) فيما أقسموا فيه وفي كل ما يقولون إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ أي شيء كان إِذا أَرَدْناهُ أي وقت إرادتنا لوجوده أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ أي أحدث وهو خبر المبتدأ فَيَكُونُ (٤٠) أي فيحدث عقب ذلك من غير توقف، وهذا تمثيل لنفي الكلام والتعب فليس هناك قول ولا مقول له ولا أمر ولا مأمور بل هو تمثيل لسهولة حصول المقدورات عند تعلق إرادته تعالى بها، وتصوير لسرعة حدوثها، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم، ولو أراد الله خلق الدنيا وما فيها في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، فالمعنى إنما إيجادنا لشيء عند تعلق إرادتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون وَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى المدينة فِي اللَّهِ أي لإظهار دينه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي أرضا كريمة آمنة وهي المدينة وهم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذين أخرجهم أهل مكة من ديارهم فهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة وعلى هذا يكون نزول الآية في أصحاب الهجرتين فيكون نزولها في المدينة بين الهجرتين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة صهيب وبلال، وعمار، وخباب، وعابس وجبير أخذهم المشركون بمكة يعذبونهم ليرجعوا عن الإسلام إلى الكفر فأما بلال فيخرجونه إلى بطحاء مكة في شدة الحر ويشدونه ويجعلون على صدره الحجارة وهو يقول: أحد أحد، فاشتراه منهم أبو بكر وأعتقه، وأما صهيب فقال: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم، فافتدى منهم وهاجر، وأما سائرهم فقد قالوا: بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر فتركوا عذابهم، ثم هاجروا، فبسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم فلذلك غلبوا على أهل مكة وعلى العرب قاطبة وعلى أهل المشرق والمغرب، وعن عمر أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أكبر وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أي وللأجر الكائن في الآخرة وهو النعيم الكائن في الجنة أعظم من الأجر الكائن في الدنيا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) أي لو علم الكفار أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين الَّذِينَ صَبَرُوا على أذية الكفار ومفارقة الأهل والوطن وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) أي إليه خاصة يفوّضون الأمر كله معرضين عما سواه وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا أكرم الرسل إلى الأمم من طوائف البشر إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ بواسطة الملائكة وهذا رد لقريش حين قالوا: الله أعلى وأعظم من أن يكون رسوله واحدا من البشر، بل لو أراد بعثة رسول إلينا لبعث ملكا. فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أي أهل العلم بأخبار الماضين فإذا سألوهم فلا بد أن يجيبوا بأن الرسل الذين أرسلوا إليهم كانوا بشرا فإذا أخبروهم بذلك زالت الشبهة من قلوبهم إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) أن الرسل من البشر بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجالا أي رجالا ملتبسين بالمعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وبالتكاليف التي يبلغونها من الله تعالى إلى العباد، أو متعلق بيوحى، أي يوحى إليهم بالحجج الواضحة وبالكتب، أو متعلق بذلك، أي فاسألوا أهل العلم بالحجج وبالكتب القديمة من التوراة والإنجيل، أو متعلق بلا تعلمون أي إن كنتم لا تعلمون الله لم يرسل الرسل إلا إنسيا بالعلامات وبخبر كتب الأولين فاسألوا كل من يذكر بعلم وتحقيق، واسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ أي القرآن سمي ذكرا، لأن فيه تنبيها للغافلين لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ كافة ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ في ذلك الذكر من الأحكام والشرائع وغير ذلك من أحوال الأمم المهلكة بأفانين العذاب على حسب أعمالهم الموجبة لذلك وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) فيما نزل إليهم فيتنبهوا لما فيه من العبر، ويحترزوا عما يؤدي إلى مثل ما أصاب الأولين من العذاب أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي سعوا من أهل مكة ومن حول المدينة في إيذاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه على سبيل الخفية أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ كما خسف بقارون

النحل 16:51

وأصحابه أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أي في حال غفلتهم فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط أَوْ يَأْخُذَهُمْ بالعقوبة فِي تَقَلُّبِهِمْ أي في أسفارهم وحركتهم إقبالا وإدبارا فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أي وهم لا يعجزون الله بسبب سفرهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله حيث كانوا أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ أي على أن ينقص شيئا بعد شيء في أموالهم وأنفسهم حتى يهلكوا، أو على مخافة من العذاب بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) حيث لا يعاجلكم بالعقوبة ويحلم عنكم مع استحقاقكم لها أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ أي ألم ينظر أهل مكة ولم يروا بأبصارهم إلى جسم قائم له ظل من جبل وشجر وبناء يرجع ظلاله من المشرق ومن المغرب واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) أي منقادون لقدرة الله تعالى وتدبيره ولما وصفت الظلال بالانقياد لأمره تعالى أشبهت العقلاء، فعبر عنها بلفظ «من يعقل». وقرأ حمزة والكسائي «تروا» بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وحده «تتفيؤا» بالتاء. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ من الشمس والقمر والنجوم وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ عطف على «ما في السموات». ولما بيّن الله تعالى أولا أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى. بيّن بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى فأخسها الدواب وأشرفها الملائكة. وذلك دليل على أن كل المخلوقات منقادة لله تعالى. وَهُمْ أي الملائكة مع علو شأنهم لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) عن عبادته تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وهذه الجملة بيان لقوله: «لا يستكبرون» أو حال من ضميره، أي خائفين لمالك أمرهم خوف هيبة وإجلال وهو فوقهم بالقهر وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) به من الطاعات والتدبيرات فبواطنهم وظواهرهم مبرأة من الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة وَقالَ اللَّهُ لجميع المكلفين: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ أي لا تعبدوا الله والأصنام ولما بين الله تعالى أولا أن كل ما سوى الله سواء كان من عالم الأرواح، أو من عالم الأجسام فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك. والمقصود من التكرير تأكيد التنفير عن الإشراك بالله، وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أي لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الإله وقد ثبت أن وجود الإلهين محال ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) أي إن كنتم راهبين شيئا فارهبوني لا غير فإني ذلك الواحد الذي يسجد له ما في السموات والأرض ولما كان الإله واحدا والواجب لذاته واحدا كان كل ما سواه حاصلا بتخليقه وإيجاده فثبت أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض ووجب أن يكون جميع المخلوقات في ملكه وتصرفه وتحت قهره. وذلك قوله تعالى: وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خلقا وملكا وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أي لله تعالى الطاعة دائما فليس من أحد يطاع إلا انقطعت تلك الطاعة بالموت أو بسبب في حال الحياة إلا الله تعالى فإن طاعته واجبة أبدا، وفي الآية دقيقة أخرى فمعنى قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أن كل ما سوى الله محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم إلى مخصص، ومعنى قوله تعالى: وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أن هذا الاحتياج إلى المرجح حاصل دائما أبدا، لأن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح، لأن علة الحاجة هي الإمكان وهو من لوازم الماهية فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) أي إنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد، وأن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه، وفي وقت دوامه فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله أو رهبة من غير الله تعالى وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أي أيّ شيء يصاحبكم من نعمة أية نعمة كانت فهي من الله فيجب على العاقل أن لا يخاف إلا الله وأن لا يشكر إلا الله ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ كالأسقام فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة في كشفه لا إلى غيره ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ أي إذا فريق كافر وهم أنتم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) غيره وهذا ضلال كامل لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ أي إن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا كفران نعمة إزالة المكروه عنهم. وقيل: إن هذه «اللام» لام الأمر الوارد للتهديد، كقوله تعالى: فَتَمَتَّعُوا أي عيشوا في الكفر فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب وَيَجْعَلُونَ أي المشركون لِما لا يَعْلَمُونَ أي للأصنام التي لا يعلم المشركون أنها تضر من حيث عبادتها ولا تنفع نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الزرع والأنعام وغيرهما تقربا إليها تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ يوم القيامة سؤال توبيخ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) أي تكذبون على الله من أنه أمركم بذلك الجعل وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ أي يقول خزاعة وكنانة الملائكة بنات الله سُبْحانَهُ نزه الله ذاته عن نسبة الولد إليه وأمر الله تعالى الخلق بالتعجب من جراءتهم على وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) ويجعلون لأنفسهم ما يختارون من البنين وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى أي والحال أنه إذا أخبر بولادة الأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا أي صار وجهه متغيرا تغير معتم من الحياء من الناس وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) أي ممتلئ غما وحزنا وغيظا من زوجته فكيف ينسب البنات إليه تعالى! وجملة «وإذا بشر» حال من الواو في «ويجعلون». يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ أي يختفي من قومه مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أي من أجل كراهية الأنثى التي أخبر بها من حيث كونها لا تكتسب، وكونها يخاف عليها الزنا، وكان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته اختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكرا فرح به، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياما يدبر فيها ماذا يصنع بها، وذلك قوله تعالى: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أي أيحفظ ما بشر به من الأنثى مع رضاه بذل نفسه أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أي أم يخفيه في التراب بالوأد فالعرب كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنهم من يذبحها وهم

النحل 16:61

كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية وتارة خوفا من الفقر ولزوم النفقة أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) حكمهم هذا حيث يجعلون له تعالى ما عادته عندهم حقارة. والحال أنهم يتباعدون عنه لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي بالبعث بعد الموت مَثَلُ السَّوْءِ أي الصفة القبيحة وهي احتياجهم إلى الولد ليقوم مقامهم عند موتهم وللاستعلاء به وكراهتهم الإناث خوف الفقر والعار مع احتياجهم إليهن للنكاح وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي الصفة المقدسة وهي صفة الألوهية المنزهة عن صفات المخلوقين وعن الولد وَهُوَ الْعَزِيزُ أي المنفرد بكمال القدرة الْحَكِيمُ (٦٠) أي الذي يفعل ما يفعل بالحكمة البالغة وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها أي الأرض مِنْ دَابَّةٍ أي لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لا يبقى لهم نسل فيلزم أن لا يبقى في العالم أحد من الناس فحينئذ لا يبقى في الأرض أحد من الدواب أيضا، لأنها مخلوقة لمنافع البشر وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي معين عند الله تعالى لأعمارهم ليتوالدوا فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ عن ذلك الأجل ساعَةً أي فذة وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وإنما ذكر الاستقدام مع أنه لا يتصور عند مجيء الأجل مبالغة في بيان عدم الاستئخار بنظمه في سلك ما يمتنع وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ أي وينسبون إليه تعالى البنات التي يكرهونها لأنفسهم وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى بدل من الكذب أي يصفون أنفسهم بأنهم فازوا برضوان الله تعالى بسبب إثبات البنات له تعالى وبأنهم على الدين الحق لا جَرَمَ أي ثبت أَنَّ لَهُمُ النَّارَ التي ليس وراء عذابها عذاب وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) أي متروكون في النار. وقرأ نافع وقتيبة عن الكسائي بكسر الراء أي مفرطين على أنفسهم في الذنوب تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا رسلا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فدعوهم إلى الحق فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ القبيحة فرأوها حسنة فكذبوا الرسل فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ أي فالشيطان متول أمورهم في الدنيا بإغوائهم وقرينهم في النار وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) هو عذاب النار وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ أي إلا لتبين للناس بواسطة بيانات القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها من التوحيد والشرك والجبر والقدر وأحوال المعاد والأحكام كتحريم الميتة وتحليل نحو البحيرة وَهُدىً وَرَحْمَةً أي وللهداية من الضلالة وللرحمة من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) بالقرآن لأنهم المغتنمون آثاره وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي والله خلق السماء على وجه ينزل منه الماء، ويصير ذلك الماء سببا لنبات الزرع والشجر ولخروج النور والثمر إِنَّ فِي ذلِكَ أي في إنزال الماء وإحياء الأرض اليابسة لَآيَةً دالة على وحدته تعالى وعلمه وقدرته وحكمته لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) هذه المواعظ سماع تفكر، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً عظيمة إذا تفكرتم فيها نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ أي الأنعام. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي «نسقيكم» بضم النون. والباقون بالفتح. مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ أي روث في الكرش وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً أي لا يخالطه الفرث ولا الدم وقوله: «لبنا» مفعول ثان. وقوله: «من بين» حال من «ما» التي للتبعيض، أو للابتداء، أو من لبنا. وعن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثا وأعلاه دما، وأوسطه لبنا فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) أي جاريا في حلوقهم لذيذا فلا يغص أحد باللبن وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ أي ونسقيكم من عصير ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً أي خمرا وَرِزْقاً حَسَناً كالدبس والخل، والتمر والزبيب والله تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع، وخاطب بها المشركين والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم، ثم نبه في هذه الآية على تحريمها، لأنه ميّز بينهما وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أن لا تكون الخمر رزقا حسنا والخمر يكون حسنا بحسب الشهوة ولا يكون حسنا بحسب الشريعة، وهذه الآية جامعة بين العتاب والمنة، وهذا إذا كانت الخمر محرمة قبل نزولها وإن كانت سابقة النزول على تحريم الخمر فهي دالة على كراهتها إِنَّ فِي ذلِكَ أي في إخراج اللبن من بين الروث والدم وفي إخراج الخمر والرزق الحسن من الثمرات لَآيَةً دالة على قدرته تعالى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) أي يستعملون عقولهم بالتأمل في الآيات فيعلمون أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله تعالى وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أي ألهم ربك النحل: أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي أوكارا وَمِنَ الشَّجَرِ أي مما يوافق مصالحك ويليق بك وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) أي مما يرفعه الناس ويبنونه لك، أي إن الله قدّر في أنفس النحل الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر، وذلك أن النحل تبني بيوتا على شكل مسدس من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال لكان فيها فرج خالية ضائعة. فإلهام ذلك الحيوان الضعيف بهذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات مثل المسطر والفرجار. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي من كل ثمرة تشتهيها مرها وحلوها فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ أي فإذا أكلتها فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك ذُلُلًا حال من السبل أي مسخرة لك أو من الضمير في «اسلكي»، أي فاسلكي منقادة لما أمرت به، ولذا يقسم يعسوبها أعمالها بينها فبعض يعمل الشمع وبعض يعمل العسل وبعض يستقي الماء ويصبه في البيت، وبعض يبني البيوت. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ أي عسل مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ من أبيض وأسود، وأصفر وأحمر على قدر ما تأكل من الثمار والأزهار، أو بحسب اختلاف الفصل أو سن النحل فيستحيل المأكول في بطونها عسلا بقدرة الله تعالى، ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب فِيهِ أي في ذلك الشراب شِفاءٌ لِلنَّاسِ من الأوجاع لا سيما البلغمية فإنه فيها عظيم النفع. وعن ابن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور فعليكم بالشفاءين

النحل 16:71

العسل والقرآن. إِنَّ فِي ذلِكَ أي في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة وفي اهتدائها إلى جمع الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق لَآيَةً أي لعبرة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) فإن من تفكّر في شؤون النحل جزم قطعا بأن لها خالقا قادرا حكيما يلهمها ذلك وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ فإن خالق الأبدان هو الله تعالى ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ أي يقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم فإن الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله تعالى وبتقديره وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي أحقره وهو الهرم. قال العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب: أولها: سن النشوء وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سن الشباب. وثانيها: سن الوقوف وهي من ذلك إلى أربعين سنة وهو غاية القوة وكمال العقل. وثالثها: سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة وهو من ذلك إلى ستين سنة. ورابعها: سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة وهو من ذلك إلى خمسة وستين سنة وفيه يتبين النقص والهرم. قال علي بن أبي طالب: أرذل العمر خمسة وسبعون سنة . وقال قتادة: تسعون سنة. وقال السدي: إنه الخرف أي زوال العقل. وقيل: والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر إلا كرامة على الله تعالى. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في نقصان العقل وسوء الفهم وفي النسيان إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بمقادير أعمالكم قَدِيرٌ (٧٠) على تحويلكم من حال إلى حال وكان الإنسان ميتا حين كان نطفة، ثم صار حيا، ثم مات فلما كان الموت الأول جائزا كان عود الموت جائزا فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة وجب أن يكون عود الحياة جائزا في المرة الثانية، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن القول بالبعث والنشر والحشر حق. وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ أي فاوت بينكم في الرزق كما فاوت بينكم في الذكاء، والبلادة، والحسن، والقبح، والصحة، والسقم فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أي فليس الذين فضلوا في الرزق على غيرهم بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك وهم أمثالهم في البشرية والمخلوقية والمرزوقية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: إن عيسى ابن مريم ابن الله فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونون سواء فكيف جعلتم عبدي عيسى ابنا لي وشريكا بي في الإلهية أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) فإن من أثبت لله شريكا فقد أسند إليه بعض الخيرات فكان جاحدا لكونها من عند الله تعالى، وأيضا إن أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من الله تعالى. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «تجحدون» بالتاء على الخطاب وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسكم أَزْواجاً أي زوجات لتأنسوا بها وتقيموا بها مصالحكم. قال الأطباء: والتفاوت بين الذكر والأنثى إن الذكر أسخن مزاجا، والأنثى أكثر رطوبة، فالمني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الرجل، ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في الذكورة. وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد أنثى تاما في الأنوثة، وإن انصب إلى الخصية اليمنى ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر كان الولد ذكرا في طبيعة الإناث، وإن انصب إلى الخصية اليسرى، ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد أنثى في طبيعة الذكور وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ أي من نسائكم بَنِينَ وَحَفَدَةً أي خدما يسرعون في طاعتكم وهم إما أولاد الأولاد وإما البنات فإنهن يخدمن البيوت أتم خدمة وإما الأختان على البنات أي فيحصل لهم الأختان بسبب البنات وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي بعض اللذائذ من النبات والحيوان فالمرزوق في الدنيا أنموذج لما في الآخرة وكل الطيبات في الجنة أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ أي أيكفرون بالله الذي شأنه ذلك المذكور ويؤمنون بالباطل بأن يحرموا على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة، ويبيحوا لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب أي لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) أي وبأنعام الله في تحليل الطيبات وتحريم الخبيثات يجحدون وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً أي أيعبدون الأصنام التي لا تملك لعبدتهم رزقا من المطر والنبات لا قليلا ولا كثير، فشيئا بدل من رزقا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) أي وليس للأصنام استطاعة تحصيل الملك وهذا معطوف على ما لا يملك وعبر عن الأصنام بلفظ ما اعتبارا للحقيقة، وبلفظ جمع العقلاء اعتبارا لاعتقادهم فيها أنها آلهة فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ أي لا تشبهوا الله تعالى بخلقه في شأن من الشؤون فإن عبدة الأوثان كانوا يقولون: إن إله العالم أعظم من أن يعبده الواحد منا بل نحن نعبد الكواكب أو هذه الأصنام، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم فإن أصاغر الناس يخدمون أكابر خدم الملك وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا هاهنا فعند هذا قال الله تعالى لهم: اتركوا عبادة هذه الأصنام والكواكب ولا تجعلوا لله الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الإله القدير الحكيم إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أن خطأ قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من الاشتغال بعبادة نفس الملك، لأن هذا الدليل قياس، والقياس يجب تركه عند ورود النص وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ذلك فتقعون في مهاوي الضلال ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بالعبد والحر عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من التصرفات وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً أي مستحسنا عند الناس مرضيا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً أي حال السر والجهر هَلْ يَسْتَوُونَ أي هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بتلك الصفات مع أن الفريقين سيان في البشرية والمخلوقية لله تعالى، وأن ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دخل في إيجاده بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستو الفريقان فما ظنكم برب العالمين حيث تشركون به ما لا ذليل أذل منه وهو الأصنام. والمعنى لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على التصرف، وحرا غنيا كريما كثير الإنفاق في كل وقت، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الصورة البشرية، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق وبين الأصنام التي لا تقدر ألبتة. الْحَمْدُ لِلَّهِ أي كل الحمد له تعالى لأنه معطي جميع النعم لا يستحقه أحد غيره فضلا عن استحقاق العبادة بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) إن كل الحمد لله وحده فيسندون نعمه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجلها، وبعض الكفار يعلمون ذلك وإنما لا يعلمون سبب الحمد عنادا كقوله تعالى: يعرفون نعمة الله، ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ أي الذي لا يحسن الكلام ولا يعقل لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ للعجز التام وللنقصان الكامل وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أي هذا الأبكم ثقيل على من يعوله أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ أي أينما يرسله من يلي أمره في وجه معين لا يأت بمطلوب لأنه عاجز لا يحسن شيئا ولا يفهم هَلْ يَسْتَوِي هُوَ أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي من هو منطيق فهم ينفع الناس بحثهم على العدل وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) أي وهو عادل مبرأ عن العبث وإذا ثبت في بديهة العقل أن الأبكم العاجز لا يساوي الناطق القادر الكامل في الفضل والشرف مع استوائهما في البشرية، فلأن نحكم بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية أولى. وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ولله تعالى خاصة الأمور الغائبة عن علوم المخلوقين قاطبة، فإن علمه تعالى حضوري وتحقق الغيب في أنفسها علم بالنسبة إليه تعالى. وهذا بيان كمال العلم. وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أي وما أمر إقامة الساعة وهي إماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، وتبديل صور الأكوان أجمعين إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها في سهولته! أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أي بل أمر إقامة الساعة أقرب من طرف العين في السرعة بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة فالله تعالى يحيي الخلق دفعة، وهي في جزء غير منقسم، وهذا بيان كمال القدرة إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) فإن الله تعالى متى أراد شيئا إيجاده أو إعدامه حصل في أسرع ما كان وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً أي غير عارفين شيئا أصلا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها المعرفة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أي لكي تستعملوها في شكر ما أنعم الله به عليكم طورا غبّ

النحل 16:81

طور فتسمعوا مواعظ الله وتبصروا دلائل الله وتعقلوا عظمة الله أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ أي ألم ينظر كفار مكة بأبصارهم إليها. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «تروا» بالتاء على خطاب العامة مُسَخَّراتٍ أي مذللات للطيران فِي جَوِّ السَّماءِ أي في الهواء المتباعد من الأرض. قال كعب الأحبار: إن الطير ترتفع في الجو مسافة اثني عشر ميلا، ولا ترتفع فوق ذلك ما يُمْسِكُهُنَّ في الجو حين قبض أجنحتهن وبسطها ووقوفهن إِلَّا اللَّهُ بقدرته الواسعة فإن جسد الطير ثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فبقاؤه في الجو معلقا فعله وحاصل باختياره، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى. إِنَّ فِي ذلِكَ- أي تسخير الطير للطيران بأن جعل لها أجنحة خفيفة وأذنابا كذلك فإذا بسطت أجنحتها وأذنابها تخرق ما بين يديها من الهواء- لَآياتٍ أي لعلامات لوحدانية الله تعالى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) أي يصدقون أن إمساكهن من الله تعالى فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره مرة أخرى، وخلق الهواء خلقة رقيقة يسهل الطيران بسبب خرقه، ولولا ذلك لما أمكن الطيران وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ التي تبنونها سَكَناً أي موضعا تسكنون فيه وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً مغايرة لبيوتكم المعهودة هي الخيام تَسْتَخِفُّونَها أي تجدونها خفيفة عليكم في حملها ونقلها ونقضها في أسفاركم، يَوْمَ ظَعْنِكُمْ أي وقت سيركم في أسفاركم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وبفتح العين. وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ أي وقت نزولكم في الضرب وَمِنْ أَصْوافِها أي الأنعام وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار المعز أنواع متاع البيت من الفرش والأكسية وَمَتاعاً أي ما ينتفع به في البيت خاصة ويتزين به إِلى حِينٍ (٨٠) أي إلى وقت البلاء وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ من غير صنع من جهتكم ظِلالًا أي ما يستظلون به من شدة الحر وهي ظلال الجدران والأشجار والجبال والغمام. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً أي مواضع تستكنون فيها من شدة البرد والحر من الكهوف والغيران والسروب وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ أي ثيابا من القطن والكتان والصوف وغيرها تَقِيكُمُ الْحَرَّ في الصيف والبرد في الشتاء ولم يذكر الله تعالى وقاية البرد لتقدمه في قوله تعالى فيها دفء وَسَرابِيلَ أي جواشن تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ أي الشدة التي تصل إلى بعضكم من بعض في الحرب من الطعن والضرب والرمي كَذلِكَ أي مثل ما خلق الله هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم يُتِمُّ نِعْمَتَهُ في الدنيا عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ يا أهل مكة تُسْلِمُونَ (٨١) أي تؤمنون به تعالى وتنقادون لأمره. وقرئ «تسلمون» بفتح التاء واللام، أي لكي تسلموا من الجراحات أو من الشرك فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإسلام وآثروا متابعة الآباء فلا نقص من جهتك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) أي لأن وظيفتك هي البلاغ الواضح فقد فعلته يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي يقرون أن هذه النعم كلها من الله ثُمَّ يُنْكِرُونَها أي لا يشكرونها بالتوحيد لأنهم قالوا: إنما حصلت هذه النعم بشفاعة هذه الأصنام وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) أي المنكرون بقلوبهم غير مقرين بأن هذه النعم من الله وَيَوْمَ نَبْعَثُ أي وخوفهم يوم نأتي مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يشهد لهم بالإيمان وعليهم بالكفر وهو نبيها، ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار وفي كثرة الكلام ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم بالعبادات فلا يقال لهم: ارضوا ربكم بالتوبة لأن الآخرة ليست بدار عمل وإنما هي دار الجزاء وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالكفر الْعَذابَ أي عذاب جهنم بعد شهادة الشهداء فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ذلك العذاب وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) أي يمهلون فعذابهم يكون دائما لأن التوبة هناك غير موجودة وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي إذا أبصروا يوم القيامة شُرَكاءَهُمْ أي الأصنام التي يسمونها شركاء الله تعالى قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا أي آلهتنا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا أي نعبدهم مِنْ دُونِكَ أي هؤلاء الذين كنا نقول: إنهم شركاء الله في المعبودية فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) أي فبادر شركاؤهم بالجواب إلى المشركين بقولهم: إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة وإنكم عبدتمونا حقيقة بل إنما عبدتم أهواءكم. والمعنى أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي أسرع المشركون إلى الله يومئذ الانقياد لحكم الله فأقروا بالبراءة عن الشركاء وبربوبية الله بعد أن كانوا في الدنيا متكبرين عنه لما عجزوا عن الجواب لكن الانقياد في هذا اليوم لا ينفعهم لانقطاع التكليف فيه وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) أي ذهب عنهم افتراؤهم على الله من أن لله شريكا وبطل أملهم من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا في أنفسهم وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي منعوا الناس عن الدخول في الإسلام وحملوهم على الكفر زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ أي بحيات وعقارب، وجوع وعطش، وزمهرير وغير ذلك فيخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة البرد إلى النار بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) بذلك الصد وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهو أعضاؤهم. فالله تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى إنها تشهد عليه وهي العينان والأذنان، والرجلان، واليدان، والجلد واللسان وَجِئْنا بِكَ يا سيد الرسل شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي الأمم كلهم وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ من أمور الدين ينص فيه على بعضها وبإحالته لبعضها على السنّة أو على الإجماع، أو على القياس فكانت السنّة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب وَهُدىً وَرَحْمَةً للعالمين فإن حرمان الكفرة من مغانم آثار الكتاب من تفريطهم لا من جهة الكتاب وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) خاصة لأنهم المنتفعون بذلك إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي بالتوسط في الأمور وهو رأس الفضائل كلها فيندرج تحته فضيلة القوة العقلية، فالحكمة متوسطة بين الحرمزة والبلادة، وفضيلة القوة الشهوية البهيمية، فالعفة متوسطة بين الخلاعة والخمود وفضيلة القوة الغضبية السبعية فالشجاعة متوسطة بين التهور والجبن ويندرج فيه أيضا الحكم الاعتقادية، فالتوحيد متوسط بين التعطيل والتشريك، فنفي الإله تعطيل محض وإثبات أكثر من إله واحد تشريك. والعدل هو إثبات الإله الواحد وهو قول: لا إله إلا الله، والقول بالكسب متوسط بين الجبر والقدر فإن القول: بأن العبد ليس له قدرة واختيار جبر محض. والقول: بأن العبد مستقل بأفعاله قدر محض. والعدل أن يقال: إن العبد يفعل الفعل لكن بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله تعالى فيه، والقول: بأن الله تعالى لا يؤاخذ عبده على شيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول: بأنه تعالى يخلد في النار عبده الآتي بالمعصية الواحدة تشديد عظيم والعدل هو القول بأنه تعالى يخرج من النار كل من اعتقد أنه لا إله إلا الله ويندرج تحته أيضا الحكم العملية، فالتعبد بأداء الواجبات متوسط بين البطالة والترهب. والختان: مأمور به في شريعتنا، فإن إبقاء الجلدة مبالغة في تقوية اللذة والإخصاء وقطع الآلات كما عليه المانوية إفراط، فكانت الشريعة إنما أمرت بالختان سعيا في تقليل تلك اللذة حتى يصير ميل الإنسان إلى قضاء شهوة الجماع إلى حد الاعتدال، لئلا تصير الرغبة فيه غالبة على الطبع ويندرج تحته أيضا الحكم الخلقية، فالجود متوسط بين البخل والتبذير وشريعة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وسط بين التشديد والتساهل قال الله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: ١٤٣] أي متباعدين عن طرفي الإفراط والتفريط في كل الأمور. ولما بالغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في العبادات قال تعالى: طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ١] ولما أخذ قوم في المساهلة قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [المؤمنون: ١١٥] والمطلوب رعاية العدل بين طرفي الإفراط والتفريط وَالْإِحْسانِ أي المبالغة في أداء الطاعات إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل، وإما بحسب الكيفية كالاستغراق في شهود مقامات الربوبية. والحاصل أن العدل عبارة عن القدر الواجب والإحسان عبارة عن الزيادة في ذلك وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى أي إعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه. قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم» «١» وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ أي المعاصي كلها وَالْمُنْكَرِ وهو ما لا يعرف في شريعة وَالْبَغْيِ أي الاستعلاء على الناس والترفع. والحاصل أن الفحشاء هي الإفراط في متابعة القوة الشهوية، فهي إنما ترغب في تحصيل اللذات الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة، وأن المنكر هو الإفراط في إظهار آثار القوة الغضبية (١) رواه ابن حبان في المجروحين (٣: ١٤٩)، وابن القيسراني في تذكرة الموضوعات (٢٥٣).

النحل 16:91

السبعية فهي إنما تسعى في الإيذاء إلى سائر الناس وإيصال البلاء إليهم، فالناس ينكرون تلك الحالة، وأن البغي من آثار القوة الوهمية الشيطانية، فهي إنما تسعى في التطاول على الناس والترفع عليهم وإظهار الرياسة والتقدم يَعِظُكُمْ أي يأمركم بتلك الثلاثة وينهاكم عن هذه الثلاثة لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) أي لإرادة أن تتذكروا طاعته تعالى وهذا يدل على أن الله تعالى يطلب الإيمان من الكل. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وهو العهد الذي يلتزمه الإنسان باختياره فيدخل فيه المبايعة على الإيمان بالله وبرسوله وعهد الجهاد وعهد الوفاء بالمنذورات والأشياء المؤكدة باليمين. وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها بالقصد ففرق بين اليمين المؤكد بالعزم وبين لغو اليمين وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي شاهدا، فإن من حلف بالله قد جعل الله كفيلا بالوفاء بسبب ذلك الحلف، وهذه واو الحال أي لا تنقضوا الأيمان وقد قلتم الله شاهد علينا بالوفاء إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) من النقض والوفاء فيجازيكم على ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر وفي هذا ترغيب وترهيب وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أي من بعد قوة العزل بفتلها وإبرامها أَنْكاثاً أي أنقاضا وهو مفعول ثان لنقضت بمعنى جعلت أو حال من عزلها مؤكدة لعاملها أي منكوثا. قيل: المشبه به معين وهي امرأة في مكة اسمها: رائطة بنت سعد بن تيم. وقيل: تلقب بجعرانة، وكانت حمقاء اتخذت مغزلا قدر ذراع وسنارة مثل إصبع وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل الصوف والوبر هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا أي مكرا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ وهو استفهام بمعنى الإنكار. والمعنى أتصيرون أيمانكم غشا بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة أخرى؟ قال مجاهد: كان قريش يحالفون الحلفاء ثم إذا وجدوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم مع الحلفاء وعاهدوا أعداء حلفائهم إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي يعاملكم بالأكثر معاملة من يختبركم لينظر أتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله أم تغترون بكثرة قوم وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) في الدنيا أي حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مشيئة قسر لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً متفقة على الإسلام وَلكِنْ لم يشأ ذلك بل شاء اختلافكم لقضية حكمة يعلمها الله ولذلك يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وروى الواحدي أن عزيرا قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء، فقال: يا عزيز أعرض عن هذا. فأعاده ثانيا، فقال: أعرض عن هذا. فأعاده ثالثا فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوة وَلَتُسْئَلُنَّ جميعا يوم القيامة عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) في الدنيا وهذا إشارة إلى الكسب الذي عليه يدور أمر الهداية والضلال وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا أي خديعة بَيْنَكُمْ أي لا تنقضوا عهدكم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الإيمان به وبشرائعه فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها على الطريق الحق بالإيمان أي فتزلوا عن طاعة الله فإن من نقض عهد الإسلام فقد سقط عن الدرجات العالية ووقع في الضلالة وَتَذُوقُوا السُّوءَ أي العذاب في الدنيا بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي بامتناعكم عن دين الله وبصرفكم الناس عنه بأيمانكم التي أردتم بها خفاء الحق وَلَكُمْ مع ذلك في الآخرة عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) أي غير منفك إذا متم على ذلك وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ أي لا تأخذوا بمقابلة بيعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثَمَناً قَلِيلًا أي عرض الدنيا وكانت قريش يعدون ضعفة المسلمين على الارتداد بحطام الدنيا، أي إنكم وإن وجدتم على نقض عهد الإسلام خيرا من خيرات الدنيا لا تلتفوا إليه وإن كان كثيرا، لأن الذي أعده الله تعالى على الاستمرار على الإسلام أفضل مما تجدونه في الدنيا على نقض عهد الإسلام إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ من ثواب الدارين الغنيمة والثواب الأخروي هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مما يعدونه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) تفاوت ما بين العوضين ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وإن جمّ عدده وَما عِنْدَ اللَّهِ من خزائن رحمته الدنيوية والأخروية باقٍ لا نفاد له. وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا على مشاق التزام شرائع الإسلام أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) أي بحسب أحسن أفراد أعمالهم. والمعنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم ما نعطيه بمقابلة الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل وفي هذا من العدة الجميلة باغتفار ما قد يطرأ عليهم في أثناء الصبر من بعض جزع وينظمه في سلك الصبر الجميل. وقرأ ابن كثير وعاصم «ولنجزينهم» بنون العظمة على طريقة الالتفات. والباقون بالياء من غير التفات «واللام» لام قسم أي والله ليجزين الله مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً في الدنيا فيعيش عيشا طيبا فالموسر ظاهر، والمعسر يطيب عيشه بالقناعة، والرضا بالقسمة وتوقع الأجر العظيم، فإن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى والقلب إذا كان مملوءا من هذه المعارف لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا، أما قلب الجاهل فإنه خال عن معرفة الله تعالى فيصير مملوءا من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ في الآخرة أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) أي بجزاء أحسن من أعمالهم فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) أي فإذا أردت قراءة القرآن فاسأل الله أن يعصمك من وساوس الشيطان المطرود من رحمة الله لئلا يوسوسك في القراءة، أي فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهذا الأمر للندب عند الجمهور وللوجوب عند عطاء وحيث أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستعاذة عند قراءة القرآن فما ظنكم بمن عداه صلّى الله عليه وسلّم فيمن عدا القراءة من الأعمال! إِنَّهُ أي الشيطان لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ أي تسلط عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)

النحل 16:101

أي وإلى ربهم يفوضون أمورهم وبه يعوذون في كل ما يأتون ويذرون فإن وسوسته لا تؤثر فيهم ودعوته غير مستجابة عندهم إِنَّما سُلْطانُهُ أي ولايته بدعوته عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ أي يطيعونه وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ أي بربهم مُشْرِكُونَ (١٠٠) أي والذين هم بسبب حمل الشيطان إياهم على الشرك بالله صاروا مشركين وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ أي وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ من التغليظ والتخفيف في مصالح العباد وما الشرائع إلا مصالح للعباد في المعاش والمعاد فالمصالح تدور. وهذه الجملة اعتراضية بين الشرط وجوابه لتوبيخ الكفرة على كونهم ينسبون رسول الله إلى الافتراء في التبديل وللتنبيه على فساد رأيهم. قالُوا أي الكفار من أهل مكة للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ أي مختلق من تلقاء نفسك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا نزلت آية فيها شدة، ثم نزلت آية ألين منها تقول كفار قريش والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه اليوم يأمر بأمر وغدا ينهى عنه، وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فأنزل الله تعالى هذه الآية بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) إن الله لا يأمر عباده إلا بما يصلح لهم وإن في النسخ حكما بالغة وإسناد هذا الحكم إلى الأكثر لما أن منهم من يعلم ذلك وإنما ينكره عنادا قُلْ نَزَّلَهُ أي القرآن رُوحُ الْقُدُسِ أي الروح المطهر من الأدناس البشرية وهو جبريل مِنْ رَبِّكَ يا أكرم الخلق بِالْحَقِّ أي بالموافق للحكمة لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا على الإيمان بأن القرآن كلام الله فإنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح اللائقة بالحال رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وهذان معطوفان على «ليثبت»، فهما منصوبان باعتبار محله، ومجروران باعتبار المصدر المؤول. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ أي كفار مكة يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أي إنما يعلم محمدا القرآن بشر لا جبريل كما يدّعى. قال عبد الله بن مسلم الحضرمي: عنوا عبدين لنا أحدهما يقال له: يسار، والآخر جبر وكانا يصنعان السيف بمكة ويقرءان التوراة والإنجيل وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمر عليهما ويسمع ما يقرءانه فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) أي كلام الذي ينسبون إليه عبراني لم يتكلم بالعربية ولم يأت بفصيح الكلام وهذا القرآن كلام عربي ذو بيان وفصاحة، فكيف يعلم محمدا وهو جاءكم بهذا القرآن الفصيح الذي عجزتم عنه وأنتم أهل الفصاحة! فكيف يقدر من هو أعجمي على مثل هذا القرآن وأين فصاحة هذا القرآن من عجمه هذا الذي تشيرون إليه؟! فثبت بهذا الدليل أن القرآن وحي أوحاه الله إلى محمد وليس هو من تعليم الذي تشيرون إليه، ولا هو آت به من تلقاء نفسه بل هو وحي من الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي لا يصدقون أنها من عند الله بل يسمونها افتراء أو معلمة من البشر لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى طريق الجنة وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) أي بل يسوقهم إلى النار إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي إن المفتري هو الذي يكذب بآيات الله ويقول: إنها افتراء ومعلمة من البشر وهذا رد لقولهم: إنما أنت مفتر وقلب للأمر عليهم ببيان أنهم هم المفترون وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) أي الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيب آيات الله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ أي من تلفظ بكلمة الكفر من بعد إيمانه به تعالى فعليه غضب من الله. «فمن» موصولة مبتدأ وخبره محذوف لدلالة الخبر الآتي عليه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على التلفظ بالكفر فتلفظ به بأمر لا طاقة له به كالتخويف بالقتل وكالضرب الشديد، وكالإيلامات القوية مما يخاف على نفسه أو على عضو من أعضائه وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ أي والحال أن قلبه لم تتغير عقيدته وهذا دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي ولكن من اعتقد الكفر وانشرح به قلبا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦). روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأباه ياسرا وأمه سمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وضربها أبو جهل بحربة في فرجها، فماتت وقتل ياسر. وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوا عليه فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه» «١». فأتى عمار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يبكي فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح عينه. وقال مالك: إن عادوا لك فقل لهم ما قلت فنزلت هذه الآية ذلِكَ أي الكفر بعد الإيمان، بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ أي بسبب أنهم رجّحوا الدنيا على الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أي وبأنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر أُولئِكَ الموصوفون بتلك القبائح الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فأبت عن التأمل في الحق وإدراكه وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) عمّا يراد بهم في الآخرة من العذاب، فلا غفلة أعظم من الغفلة عن تدبر عواقب الأمور لا جَرَمَ أي حق أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) حيث صرفوا أعمارهم فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا إلى المدينة أي ناصرهم مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا أي عذبوا. نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة أو من أمه وفي أبي (١) رواه أبي نعيم في حلية الأولياء (١: ١٣٩)، وابن حجر في فتح الباري (٧: ٩٢)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٣٥٤٠)، والواحدي في أسباب النزول (١٩٠).

النحل 16:111

جندل بن سهل والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعبد الله بن أسد الثقفي فتنهم المشركون وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا. وقرأ ابن عامر «فتنوا» بالبناء للفاعل، أي عذبوا المؤمنين، كعامر بن الحضرمي أكره مولاه جبرا الرومي حتى ارتد ثم أسلما وحسن إسلامهما وهاجروا ثُمَّ جاهَدُوا في سبيل الله وَصَبَرُوا على الطاعة والمرازي. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي من بعد. هذه الأعمال الثلاثة لَغَفُورٌ لما فعلوا من قبل رَحِيمٌ (١١٠) فينعم عليهم مجازاة على ما صنعوا من بعد وهذه الآية إن كانت نازلة فيمن أظهر الكفر، فالمراد أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لا يكره فلا إثم له في ذلك. وإن كانت واردة فيمن ارتد، فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يحصلان له الغفران والرحمة ويزيلان العتاب. يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها فالظرف منصوب برحيم أو بمحذوف أي ذكرهم يوم يأتي كل إنسان يعتذر عن ذاته ويسعى في خلاصه من العذاب كقولهم: هؤلاء أضلونا السبيلا. وقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين، ونحو ذلك من الاعتذارات. وروى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى يخاصم الروح الجسد، فيقول الروح: يا رب لم يكن لي يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها، فضعف عليه العذاب. فيقول الجسد: يا رب أنت خلقتني كالخشبة ليس لي يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها فجاء هذا الروح كشعاع النور فبه نطق لساني وبه أبصرت عيناي وبه مشت رجلاي، فيضرب الله لهما مثلا: أعمى ومقعدا دخلا بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر والمقعد لا يتناوله فحمل الأعمى المقعد فأصابا الثمر فعلى من يكون العذاب؟! قالا: عليهما، قال الله تعالى: عليكما جميعا العذاب وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي وتعطى كل نفس جزاء ما عملت كاملا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) بالعقاب بغير ذنب، وبالزيادة في العقاب على الذنوب. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً أي جعل الله مثلا أهل قرية مكة كانَتْ آمِنَةً أي كان أهلها ذوي أمن فلا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف من العدو، مُطْمَئِنَّةً أي كان أهلها صحاحا، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائما لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه فلا يحتاجون إلى الانتقال منه بسبب الأمراض يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي يأتي أهل تلك القرية أقوات واسعة من نواحيها من بر وبحر فلا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب ضيق الرزق. قالت العقلاء من بحر الرجز: ثلاثة ليس لها نهاية؍ الأمن والصحة والكفاية؍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ أي كفر أهلها بنعمه تعالى وهي: نعمة الأمن والصحة والرزق الواسع، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ أي أذاق الله أهلها ضرر الجوع والخوف من حرب محمد صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، فإن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع والخوف نوعان: أحدهما: أنه لما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع والخوف فأشبها الطعام. وثانيهما: أن أثر الجوع والخوف لما اشتد صار كأنه أحاط بهم من كل الجهات فأشبه اللباس، وقد ظهر أثرهما عليهم من الهزال وصفرة اللون، ونهكة البدن، وسوء الحال، وكسوف البال. ويشبه أيضا أثر الخوف باللباس في الإحاطة واللزوم، وأثر الجوع بالطعام المر البشع في الكراهة. بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) من تكذيب النبي صلّى الله عليه وسلّم وإخراجه من مكة والهمّ بقتله. فالله تعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين، فقطع عنهم المطر وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب الميتة والعلهز وهو وبر يخلط بالدم والقد وهو جلد الماعز الصغير حتى كان ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، وأما خوفهم فهو لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون على من حولهم من العرب فكان أهل مكة يخافونهم، ثم إن رؤساء مكة أرسلوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا سفيان بن حرب في جماعة فقدموا المدينة عليه، وقال له أبو سفيان: يا محمد إنك جئت تأمر بصلة الرحم والعفو وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم فدعا لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأذن للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون. وهذه الآية نزلت في المدينة، لأن الله تعالى وصف القرية بصفات ست كانت هذه الصفات موجودة في أهل مكة فضربها الله مثلا لأهل المدينة يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم فيصيبهم مثل ما أصابهم من الجوع والخوف، والنبي صلّى الله عليه وسلّم لم يؤمر بالقتال وهو بمكة وإنما أمر بالقتال لما هاجر إلى المدينة، فكان يبعث السرايا إلى حول مكة يخوفهم بذلك وهو بالمدينة. وَلَقَدْ جاءَهُمْ أي جاء أهل تلك القرية وهي مكة رَسُولٌ مِنْهُمْ أي من جنسهم يعرفونه بأصله ونسبه، فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة، وأنذرهم سوء عاقبة ما يأتون وما يذرون فَكَذَّبُوهُ في رسالته فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ بالجوع الذي كان بمكة وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) أي والحال أنهم كافرون بتكذيب رسول الله فَكُلُوا يا معشر المسلمين مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي من الغنائم حَلالًا طَيِّباً أي إنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب، وهو الغنيمة، واتركوا الخبائث، وهي الميتة والدم وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ أي واعرفوا حقها ولا تقابلوها بالكفران إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) أي تطيعون إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فهذه الآية دالة على حصر المحرمات في هذه الأربع: فالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع داخلة في الميتة، وما ذبح على النصب داخل تحت قوله تعالى: وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) أي فمن دعته ضرورة المخمصة إلى تناول شيء من ذلك غير ظالم على مضطر آخر ولا متجاوز

النحل 16:121

قدر الضرورة وسد الرمق، فالله لا يؤاخذه بذلك وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل ذكر ألسنتكم الكذب ولتعودها به لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وهذا بدل من التعليل الأول أي إنهم كانوا ينسبون ذلك التحليل والتحريم إلى الله تعالى ويقولون: إن الله أمرنا بذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في أمر من الأمور لا يُفْلِحُونَ (١١٦) أي لا يفوزون بخير لا في الدنيا ولا في الآخرة مَتاعٌ قَلِيلٌ أي منفعتهم في أفعال الجاهلية منفعة قليلة وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا خاصة حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ يا أشرف المرسلين مِنْ قَبْلُ أي من قبل تحريمنا على أهل ملتك ما عدا ذلك من المحرمات وهو الذي سبق ذكره في سورة الأنعام وَما ظَلَمْناهُمْ بتحريم ذلك وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) حيث فعلوا ما يؤدي إلى ذلك التحريم ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ أي الكفر والمعاصي بِجَهالَةٍ أي بسبب جهالة، لأن أحدا لا يختار الكفر ما لم يعتقد كونه حقا، ولا يفعل المعصية ما لم تصر الشهوة غالبة للعقل فكل من عمل السوء يكون بسبب الجهالة. ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي عمل السوء وَأَصْلَحُوا بأن آمنوا وأطاعوا الله إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي التوبة لَغَفُورٌ لذلك السوء رَحِيمٌ (١١٩) يثيب على طاعتهم تركا وفعلا أي لما بالغ الله في تهديد المشركين على أنواع قبائحهم من إنكار البعث والنبوة وكون القرآن من عند الله، وتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمه بين الله أن أمثال تلك القبائح لا تمنعهم من قبول التوبة وحصول المغفرة والرحمة إذا ندموا على ما فعلوا وآمنوا فالله يخلصهم من العذاب إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً على انفراده لكماله في صفات الخير وجمعه الفضائل، وهو رئيس أهل التوحيد، لأنه كان مؤمنا وحده والناس كلهم كانوا كفارا ولذلك وصفه بتسع صفات. قانِتاً لِلَّهِ أي مطيعا له تعالى قائما بأمره. حَنِيفاً أي مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق لا يزول عنه وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) في أمر من أمور دينهم فإنه كان من الموحدين في الصغر والكبر شاكِراً لِأَنْعُمِهِ. روي أن إبراهيم عليه السلام كان لا يتغذى إلا مع ضيف، فلم يجد ذات يوم ضيفا، فأخر غذاءه، فإذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام فأظهروا أن بهم علة الجذام، فقال: الآن يجب علي مؤاكلتكم فلولا عزتكم على الله تعالى لما ابتلاكم بهذا البلاء. اجْتَباهُ أي اصطفاه للنبوة وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) أي هداه في الدعوة إلى طريق موصل إلى الله تعالى وهو ملة الإسلام. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي ولدا صالحا وسيرة حسنة عند كل أهل الأديان، فجميع الملل يترصون عن إبراهيم ولا يكفر به أحد. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) أي لمن أصحاب الدرجات العالية في الجنة ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا سيد المرسلين مع علو طبقتك أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي في كيفية الدعوة إلى التوحيد وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإتيان الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن حَنِيفاً أي مائلا عن الباطل حال من إبراهيم، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) وهذا تكرير لما سبق لزيادة تأكيد في الرد على المشركين حيث زعموا أنهم كانوا على ملة إبراهيم. إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي إنما فرض تعظيم يوم السبت على الذين خالفوا نبيهم موسى عليه السلام لأجل يوم السبت، فإن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ تعالى بالتكوين من يوم الأحد، وتمّ في يوم الجمعة. وكان يوم السبت يوم الفراغ فأمر سيدنا موسى عليه السلام اليهود أن يعظموا يوم الجمعة- كما هو ملة إبراهيم عليه السلام- بالتفرغ للعبادة فيه وترك الأشغال، فيكون عيدا، فخالفوا كلهم وقالوا: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فاختاروا السبت، فأذن الله تعالى لهم فيه وشدّد عليهم بتحريم الاصطياد فيه. وقالت النصارى: مبدأ التكوين هو يوم الأحد فنجعل هذا اليوم عيدا لنا وقد جاءهم عيسى عليه السلام بالجمعة أيضا فقالوا: لا نريد أن يكون عيد اليهود بعد عيدنا، واتخذوا الأحد عيدا لهم وقلنا معشر الأمة المحمدية: يوم الجمعة هو يوم الكمال فحصول التمام يوجب الفرح الكامل، فهو أحق بالتعظيم، وبجعله عيدا. وأيضا إن الله تعالى خلق في يوم الجمعة أبا البشر آدم عليه السلام وهو أشرف خلقه وتاب عليه فيه فكان يوم الجمعة أشرف الأيام لهذا السبب، ولأن الله تعالى اختار يوم الجمعة لهذه الأمة ولم يختاروه لأنفسهم. وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) في الدين فإنه تعالى سيحكم للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب. ادْعُ يا أشرف الرسل من بعثت إليهم من الأمة قاطبة إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ أي إلى دينه بِالْحِكْمَةِ أي الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية وهذه أشرف الدرجات، وهي التي قال الله تعالى في صفتها: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أي الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي بدليل مركب من مقدمات مقبولة فالناس على ثلاثة أقسام: الأول: أصحاب العقول الصحيحة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها. والثاني: أصحاب النظر السليم الذين لم يبلغوا حدّ الكمال ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان. والثالث: الذين تغلب على طباعهم المخاصمة لا طلب العلوم اليقينية فقوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ إلخ. معناه: ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالدلائل القطعية اليقينية حتى يعلموا الأشياء بحقائقها، وهم خواص الصحابة وغيرهم. وادع عوام الخلق بالدلائل الإقناعية الظنية وهم أرباب السلامة، وفيهم الكثرة، وتكلّم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل وهي التي تفيد إفحامهم وإلزامهم. والجدل ليس من باب الدعوة، بل المقصود منه قطع الجدل عن باب الدعوة، لأنها لا تحصل به أي ولما أمر الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم باتباع إبراهيم بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه وهو أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الذي أمرك بدعوة الخلق إليه وأعرض عن قبوله وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) إليه أي إنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاثة، وحصول الهداية لا يتعلق بك فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس المظلمة الكدرة وباهتداء النفوس المشرقة الصافية وَإِنْ عاقَبْتُمْ أي إن أردتم المعاقبة فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ أي بمثل ما فعل بكم ولا تزيدوا عليه. وقد مر أنه تعالى أمر محمدا صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة وتلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم، وبالحكم عليه بالضلالة وذلك مما يشوش قلوبهم ويحمل أكثرهم على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة وبالضرب ثانيا، وبالشتم ثالثا، ثم إن ذلك الداعي إذا عرف ذلك يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء بالقتل أو بالضرب، فعند هذا أمر الله الداعي في هذا المقام برعاية العدل وترك الزيادة ظلم وهو ممنوع في عدل الله ورحمته والله تعالى أمر في هذه الآية برعاية الإنصاف فيدخل فيها ما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما رأى عمه حمزة قد مثل به المشركون في أحد فقطعوا أنفه وأذنيه وذكره وأنثييه وفجروا بطنه قال: «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك» «١» فنزلت هذه الآية فكفر عن يمينه وكف عما أراده وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عن المعاقبة بالمثل لَهُوَ أي الصبر خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) لأن الرحمة أفضل من القسوة والنفع أفضل من الإيلام. والمقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى الله تعالى وطلب ترك الزيادة من الظالم وهذا ليس بمنسوخ وَاصْبِرْ على ما أصابك من جهتهم من فنون الأذية وَما صَبْرُكَ بشيء من الأشياء إِلَّا بِاللَّهِ أي بذكره وبالاستغراق في مراقبة شؤونه تعالى وبالتبتل إليه تعالى بمجامع الهمة وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي الكافرين بسبب إعراضهم عنك واستحقاقهم للعذاب الدائم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ أي غم. وقرأ ابن كثير بكسر الضاد مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) أي من مكرهم بك في المستقبل فالضيق إذا قوى صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) وهذا يدل على أن كمال السعادة للإنسان في هذين الأمرين التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله. والمراد بالمعية هي بالرحمة والفضل والرتبة. (١) رواه ابن الجوزي في زاد المسير (٤: ٥٠٧).

الإسراء 17:1

سورة الإسراء سورة بني إسرائيل، وتسمى سورة الإسراء، وسُبْحانَ مكية، غير قوله: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ إلى قوله: سُلْطاناً نَصِيراً فهذه الآيات الثمانية مدنيات، مائة وإحدى عشر آية، ألف وخمسمائة وتسعة وخمسون كلمة، ستة آلاف وستمائة واثنان وأربعون حرفا سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ أي تبرأ عن الشريك من سير عبده محمدا صلّى الله عليه وسلّم لَيْلًا أي في جزء قليل من الليل مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي من حرم مكة من بيت أم هانئ بنت أبي طالب إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أي الأبعد من الأرض وأقرب إلى السماء وهو مسجد بيت المقدس وسمي أقصى، لأنه أبعد المساجد التي تزار ويطلب بها الأجر من المسجد الحرام. وروي أن عبد الله بن سلام قال في حضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم عند قراءته هذه الآية لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئا ولا ينقص فقال صلّى الله عليه وسلّم: «صدقت» ثم قال: «ويقال له البيت المقدس والزيتون ولا يقال له الحرم» اه. والحكمة في إسرائه صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس ليحصل له العروج إلى السماء مستويا من غير تعريج لما روي عن كعب أن باب السماء الذي يقال له: مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس قال: وهو أقرب من الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقيل: الحكمة في ذلك أن الشام خيرة الله تعالى من أرضه كما في حديث صحيح فهي أفضل الأرض بعد الحرمين وأول إقليم ظهر فيه ملكه صلّى الله عليه وسلّم. وروي أن صخرة بيت المقدس من جنة الفردوس. وقيل: الحكمة في ذلك لإظهار الحق على من عاند، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعانده سبيلا إلى الإيضاح فلما ذكر أنه أسرى به إلى بيت المقدس سألوه عن أشياء من بيت المقدس كانوا علموا أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يكن رآها قبل ذلك لما أخبرهم بها حصل التحقق بصدقه فيما ذكر من الإسراء به إلى بيت المقدس في ليلة وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ذلك من خبر المعراج إلى السموات. وقيل: الحكمة في ذلك ليجمع الله له صلّى الله عليه وسلّم بين القبلتين الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ أي المسجد الأقصى من أرض الشام بركة قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى إلخ. معنى التنزيه والتعجب أشار الله تعالى بذلك إلى أعجب أمر جرى بينه تعالى وبين أفضل خلقه لِنُرِيَهُ أي محمدا صلّى الله عليه وسلّم مِنْ آياتِنا أي بعض عجائب قدرتنا العظيمة التي من جملتها ذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر، وثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات، فحصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلّى الله عليه وسلّم ممكن، وحينئذ يلزم أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه، لكن يبقى التعجب، لأنه حاصل في جميع المعجزات. فانقلاب العصا ثعبانا تبلغ سبعين ألفا من الحبال والعصي، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب، وكذا القول في جميع المعجزات، فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات وهو فرع على تسليم أصل النبوة. وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإبطال فكذا هاهنا فثبت أن المعراج ممكن غير ممتنع إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) أي إنه تعالى هو السميع لأقوال محمد صلّى الله عليه وسلّم وأحواله بلا إذن، البصير بأفعاله بلا عين فيكرمه ويقربه بحسب ذلك أي فهو عالم بكونها مهذبة خالصة من شوائب الهوى، مقرونة بالصدق والصفا، متأهلة للقرب والزلفى ويقال: إنه تعالى هو السميع لمقالة قريش البصير بهم. روي عن ابن عباس أنه صلّى الله عليه وسلّم كان نائما في بيت أم هاني بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته، وقص القصة على أم هانئ وقال: «مثل لي النبيون فصليت بهم» فلما قام ليخرج إلى المسجد تشبثت هي بثوبه صلّى الله عليه وسلّم فقال مالك: قالت: أخشى أن يكذبك الناس وقومك إن أخبرتهم، قال: «وإن كذبوني». فلما خرج جلس إليه أبو جهل فأخبره بحديث الإسراء، فقال أبو جهل: يا معشر كعب بن لؤي بن غالب، هلم فحدّثهم، فمن مصفّق، وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا، وارتد ناس ممن كان آمن به صلّى الله عليه وسلّم وذهب رجال إلى أبي بكر وقالوا له: إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر: إن كان قد قال ذلك فهو صادق. قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني أصدقه على أبعد من ذلك أي كأنه قال: لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا؟ ثم جاء أبو بكر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكر الرسول له تلك التفاصيل فكلما ذكر صلّى الله عليه وسلّم شيئا قال له أبو بكر: صدقت. فلما تمم الكلام قال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله حقا. فقال له الرسول: «وأنا أشهد أنك الصدّيق حقا» ويقال: إن هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو خاصة السميع لكلامنا البصير لذاتنا فهو السميع أذنا وقلبا بالإجابة لنا والقبول لأوامرنا البصير بصرا وبصيرة، وتوسيط ضمير الفصل للإشعار باختصاصه صلّى الله عليه وسلّم وحده بهذه الكرامة، ولهذا عقب الله تعالى بقوله هذا: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة أي لما ذكر الله تعالى تشريف محمد صلّى الله عليه وسلّم بالإسراء ذكر عقبه تشريف موسى عليه السلام بإنزال التوراة عليه مع ما فيه من دعوته عليه السلام إلى الطور وما وقع فيه من المناجاة جمعا بين الأمرين المتحدين في المعنى. أي آتيناه التوراة بعد ما أسرينا به إلى الطور. وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ والضمير يعود إلى الكتاب أو إلى موسى أي جعلنا موسى يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق أَلَّا تَتَّخِذُوا فلا ناهية و «أن» بمعنى أي التفسيرية أو زائدة و «تتخذوا» على إضمار القول أي فقلنا: لا تتخذوا وقرأ أبو عمرو «أن لا يتخذوا» بالياء خبرا عن بني إسرائيل فإن مصدرية ولا نافية ولام التعليل مقدرة والمعنى آتينا موسى الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) أي ربا تفوضون إليه أموركم ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ نصب على الاختصاص على قراءة النهي وعلى مفعول «يتخذوا» الأول ومن دوني حال من وكيلا والتقدير: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح، من دوني وكيلا فالناس كلهم ذرية نوح، لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين سام وحام ويافث، فالناس كلهم من ذرية أولئك إِنَّهُ أي نوحا كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) أي كثير الشكر في جميع حالاته وفي هذا إعلام بأن إنجاء من معه كان ببركة شكره، وحث للذرية على الاقتداء به، وزجر لهم عن الشرك. والمعنى ولا تشركوا بي، لأن نوحا كان عبدا شكورا وأنتم من ذريته فاقتدوا به كما أن آباءكم اقتدوا به، وإنما يكون العبد شكورا إذا كان موحدا لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله تعالى. روي أن نوحا عليه السلام كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه. وإذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجا آثره به. وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ أي أخبرناهم في التوراة بحصول الفساد مرتين لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ أي أرض الشام مَرَّتَيْنِ الأولى مخالفة حكم التوراة وحبس أرمياء عليه السلام حين أنذرهم سخط الله تعالى وقتل شعياء نبي الله في الشجرة، وذلك أنه لما مات صدقيا ملكهم تنافسوا في الملك وقتل بعضهم بعضا، وهم لا يسمعون من نبيهم فقال الله تعالى له: «قم في قومك» فلما فرغ مما أوحى الله إليه عدوا عليه ليقتلوه، فهرب، فانفلقت له شجرة، فدخل فيها، وأدركه الشيطان، فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها، فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها والثاني قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام. وَلَتَعْلُنَّ أي لتغلبن الناس بغير الحق عُلُوًّا كَبِيراً (٤) أي مجاوزا للحدود ويقال لكل متجبر: قد علا. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أولى مرتي الفساد بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ أي قتال شَدِيدٍ عن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر عظيم القدر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هو من أجل البيوت ابتناه الله تعالى لسليمان بن داود عليهم السلام من ذهب وفضة، ودرّ وياقوت وزمرد» وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سخّر له الجن يأتونه بالذهب والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد، وسخّر له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف. قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله كيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بختنصر، وهو من المجوس، وكان ملكه سبعمائة سنة» «١». وهو قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ. فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أي فترددوا في أوساط الديار، ودخلوا بيت المقدس، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف فاحتملوها على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام. وَكانَ أي ذلك البعث وَعْداً مَفْعُولًا (٥) أي منجزا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ أي الدولة عَلَيْهِمْ أي على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مائة سنة حين تبتم عن ذنوبكم ورجعتم عن الإفساد بظهور كورش الهمذاني على بختنصر. وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ كثيرة بعد ما نهبت أموالكم وَبَنِينَ بعد ما سبيت أولادكم وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) أي رجالا وعددا، أي ثم إن الله عز وجل رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس وهو كورش الهمذاني أن تسير إلى المجوس في أرض بابل وأن تستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنفذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستنقذ ذلك الحلي الذي كان من البيت المقدس ورده الله إليه كما كان أول مرة إِنْ أَحْسَنْتُمْ بفعل الطاعات أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فإنّ ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات، وَإِنْ أَسَأْتُمْ بفعل المحرمات فَلَها أي فقد أسأتم إلى أنفسكم فإن بشؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبات فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي وعد المرة الآخرة بعثنا تطوس بن إسبيانوس الرومي مع جنوده لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي ليجعلوا آثار الحزن ظاهرة في وجوهكم. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة «ليسوء» بالتوحيد أي ليحزن الله، أو الوعد أو البعث وجوهكم، وقرأ الكسائي «لنسوء» بنون العظمة وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ أي بيت المقدس كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي كما دخل الأعداء فيه في أول مرة وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا أي ليهلكوا البلاد التي علوا عليها تَتْبِيراً (٧) أي إهلاكا، أي فلما رجعت بنو إسرائيل إلى البيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر، فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم، (١) رواه الشجري في الأمالي (٢: ٢٣١)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠: ١٧٩).

الإسراء 17:11

وأخذ أموالهم ونساءهم، وأخذ جميع ما في بيت المقدس، واحتمله على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدي ويرده إلى بيت المقدس وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسي بها على بابل حتى ينقل إلى بيت المقدس عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ أي لعل ربكم أن يرحمكم بعد المرة الآخرة إن تبتم توبة أخرى من المعاصي يا بني إسرائيل وَإِنْ عُدْتُمْ إلى الفساد مرة أخرى عُدْنا إلى صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى، وإن عدتم إلى الإحسان عدنا إلى الرحمة، وقد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب لمحمد صلّى الله عليه وسلّم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب فجرى القتل والجلاء على قريظة وبني النضير وبني قينقاع ويهود خيبر، والباقي منهم مقهورون بضرب الجزية وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) أي سجنا لا يستطيعون الخروج منها أبدا إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ الذي آتيناكه يَهْدِي كل الناس لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي للطريقة التي هي أقوم الطرائق وهي ملة الإسلام فبعضهم يصل بهدايته وهم المؤمنون وبعضهم لا وهم الكافرون وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ من التقوى والإحسان أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) أي بأن لهم في مقابلة تلك الأعمال أجرا كبيرا بحسب الذات وبحسب التضعيف وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) وهو عذاب جهنم وهذا عطف على قوله: «أن لهم» فالقرآن يبشر المؤمنين ببشارتين بأجر كبير وبتعذيب أعدائهم. واعلم أن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين وأن بعضهم قال: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات، فهم بذلك صاروا كالمنكرين للآخرة وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ في الإلحاح، أي إن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلبا لشيء يعتقد أن خيره فيه مع أن ذلك الشيء يكون منبع ضرره وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه مغترا بظاهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها. روي أن النضر بن الحرث قال: اللهم انصر خير الحزبين اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إلى آخره فأجاب الله تعالى دعاءه، وضربت رقبته يوم بدر. وقيل: المراد أن الإنسان في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك. وَكانَ الْإِنْسانُ بحسب جبلته عَجُولًا (١١) أي ضجرا لا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يطرأ عليه فإن كل أحد من الناس لا يخلو عن عجلة ولو تركها لكان تركها أصلح في الدنيا والدين. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ أي علامتين دالتين على تمام علمنا وكمال قدرتنا، فلما بيّن الله تعالى أن هذا القرآن يدل على الطريق الأقوم ذكر الدلائل الدالة على وحدته تعالى. وهو عجائب العالم العلوي والسفلي فالقرآن نعم الدين ووجود الليل والنهار نعم الدنيا، فلولاهما لما حصل للخلق الراحة والكسب والقرآن ممتزج من المحكم والمتشابه، فكذلك الدهر مركب من الليل والنهار، فالمحكم كالنهار، والمتشابه كالليل، فكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يحصل الانتفاع به إلا بالليل والنهار فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وهي القمر، لأنه يبدو في أول الأمر على صورة الهلال، ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا، ثم يشرع في الانتقاص قليلا قليلا إلى أن يعود إلى المحاق وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ وهي الشمس مُبْصِرَةً أي مضيئة ذات أشعة تظهر بها الأشياء المظلمة فالإضاءة سبب لحصول الإبصار لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي لتطلبوا في الليل والنهار فضل ربكم من الرزق الحلال بالكسب ومن الثواب الجزيل بأداء الطاعات والاحتراز عن المنهيات وَلِتَعْلَمُوا بتعاقبهما عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ أي حساب ما دون السنين من الشهور والأيام والساعات لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية وَكُلَّ شَيْءٍ تفتقرون إليه في مصالح دينكم ودنياكم فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢) أي بيّناه في القرآن تبيينا بليغا لا شبهة فيه، فظهر كون القرآن يهدي للتي هي أقوم ظهورا بيّنا وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ أي عمله الذي قدرناه عليه من خير وشر فِي عُنُقِهِ وذكر العنق كناية عن شدة اللزوم، أي ألزمناه عمله كلزوم القلادة أو الفاء للصفة بحيث لا يفارقه عمله أبدا فإن كان خيرا كان زينة له كالطوق، وإن كان شرا كان شينا له كالغل على رقبته. وإنما يكنى العمل بالطير لأن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل اعتبروا أحوال الطير، فهل يطير متيامنا أو متياسرا أو صاعدا إلى الجو إلى غير ذلك فيستدلون بكل واحد منها على الخير والشر والسعادة والنحوسة فلما كثر ذلك منهم سمي نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه. وقيل: المراد بالطائر صحيفة الأعمال التي كتبتها الملائكة الحفظة، فإذا مات العبد طويت تلك الصحيفة وجعلت معه في قبره حتى تخرج له يوم القيامة. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله ما أول ما يلقى الميت إذا أدخل قبره قال: «يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلا أنت فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول: يا عبد الله اكتب عملك، فيقول: ليس معي دواة ولا قرطاس ولا قلم، فيقول: كفنك قرطاسك، ومدادك ريقك وقلمك إصبعك فيقطع له قطعة من كفنه، ثم يشرع العبد يكتب وإن كان غير كاتب في الدنيا فيذكر حينئذ حسناته وسيئاته كيوم واحد، ثم يطوي الملك القطعة ويعلقها في عنقه». ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ» «١» أي عمله فيه وقيل: المراد بالطائر كتاب إجابته في القبر لمنكر ونكير وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً أي مكتوبا فيه عمله يَلْقاهُ أي يلقى الإنسان. (١) رواه الخطيب الهندي في الفقيه والمتفقه (١١). وقرأ ابن عامر «يلقاه» بضم الياء وفتح اللام، والقاف المشددة أي يعطاه مَنْشُوراً (١٣) أي مفتوحا ويقال له: اقْرَأْ كِتابَكَ. قال الحسن وقتادة يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا. وقال بكر بن عبد الله: يؤتى بالمؤمن يوم القيامة بصحيفته وهو يقرؤها وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله تعالى: اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره. كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) أي محاسبا. قال الحسن: ومن عدل الله في حقك جعلك حسيب نفسك. وقال السدي: يقول الكافر يومئذ له تعالى: إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً. مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي من اهتدى بهداية القرآن وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه عنه فإنما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه لا تتخطاه إلى من لم يهتد فإن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي ومن ضل عن الطريقة التي يهديه إليها فإنما وبال ضلاله عليها لا على من لم يباشره وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي لا تحمل نفس حاملة للإثم إثم نفس أخرى بطيبة النفس حتى يمكن تخلص النفس الثانية عن إثمها، ولكن يحمل عليها بالقصاص فلا تؤخذ نفس بذنب نفس أخرى فكل أحد مختص بذنب نفسه، وهذا قطع لأطماع الكفار حيث كانوا يزعمون أنهم إن لم يكونوا على الحق فالعقاب على أسلافهم الذين قلدوهم الدين الفاسد وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ قوما بالهلاك حَتَّى نَبْعَثَ إليهم رَسُولًا (١٥) يهديهم إلى الحق ويردعهم عن الضلال ويقيم الحجج، ويمهد الشرائع. وأهل الفترتين بين نوح وإدريس وبين عيسى ومحمد عليهم السلام ثلاثة عشر قسما ستة سعداء وأربعة أشقياء وثلاثة تحت المشيئة. فأما السعداء: فقسم وحّد الله تعالى بنور وجده في قلبه كقس بن ساعدة فإنه كان إذا سئل هل لهذا العالم إله قال: البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير. وقسم وحّد الله تعالى بما تجلى لقلبه من النور الذي لا يقدر على دفعه. وقسم ألقي في نفسه، واطلع من كشفه على منزلة محمد صلّى الله عليه وسلّم فآمن به في عالم الغيب. وقسم اتبع ملة حق ممن تقدمه. وقسم طالع في كتب الأنبياء فعرف شرف محمد صلّى الله عليه وسلّم فآمن به وقسم آمن بنبيه الذي أرسل إليه وأدرك رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم وآمن به فله أجران. وأما الأشقياء: فقسم عطل بلا نظر بل بتقليد. وقسم عطل بعد ما أثبت بلا استقصاء نظر. وقسم أشرك عن تقليد محض. وقسم علم الحق وعانده. وأما الذي تحت المشيئة: فقسم عطل فلم يقر بوجود الإله عن نظر ناقص لضعف في طبائعه. وقسم أشرك عن نظر أخطأ فيه. وقسم عطل بعد ما أثبت بغير نظر قوي. ونقل عن السيوطي أن أبوي النبي صلّى الله عليه وسلّم لم تبلغهما الدعوة والله تعالى يقول: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وحكم من لم تبلغه الدعوة أنه يموت ناجيا ولا يعذب ويدخل الجنة وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها أي وإذا دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاك قرية بعذاب الاستئصال أمرنا على لسان الرسول المبعوث إلى أهلها رؤساءها بالأعمال الصالحات وهي الإيمان والطاعة. وروي برواية غير مشهورة عن نافع وابن عباس «أمرنا مترفيها» بمد الهمزة أي كثرنا أغنياءها وفساقها. وعن أبي عمرو «أمرنا» بتشديد الميم أي جعلنا جبابرتها أمراء. فَفَسَقُوا فِيها أي فخرجوا عما أمرهم الله وعملوا المعاصي فيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ أي فثبت عليها ما توعدناهم به على لسان رسولنا من الإهلاك فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) أي فأهلكناها إهلاك الاستئصال وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ أي وكثيرا أهلكنا من الأمم الماضية من بعد قوم نوح فإن الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون من القرون الذين كانوا بعد نوح وهم عاد وثمود وغيرهم وإنما قال تعالى: مِنْ بَعْدِ نُوحٍ لأنه أول من كذبه قومه وخوّف تعالى بهذه الآية كفار مكة وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات وثبت أنه قادر على كل الممكنات فكان قادرا على إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه فإنه منزه عن الظلم، وهذه بشارة عظيمة لأهل الطاعة وتخويف عظيم لأهل المعصية مَنْ كانَ يُرِيدُ بالذي يعمله الْعاجِلَةَ أي الدار العاجلة فقط عَجَّلْنا لَهُ فِيها أي في تلك الدار ما نَشاءُ تعجيله له من نعيمها لِمَنْ نُرِيدُ تعجيل ما نشاء له وهذا بدل من الضمير بإعادة الجار بدل بعض من كل فلا يجد كل واحد جميع ما يهواه فإن كثيرا من الكفار يعرضون عن الدين في طلب الدنيا، ثم يبقون محرومين عن الدنيا والدين ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ في الآخرة مكان ما عجلناه جَهَنَّمَ وما فيها من أنواع العذاب يَصْلاها أي يدخلها مَذْمُوماً أي مهانا بالذم مَدْحُوراً (١٨) أي مطرودا من رحمة الله تعالى. قيل: نزلت هذه الآية في مرثد بن ثمامة وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ أي أراد بعمله ثواب الآخرة وَسَعى لَها أي للدار الآخرة سَعْيَها بأن يكون العمل من باب القرب والطاعات وَهُوَ مُؤْمِنٌ إيمانا صحيحا فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ أي عملهم مَشْكُوراً (١٩) أي مقبولا عند الله أحسن القبول. قيل: نزلت هذه الآية في بلال المؤذن كُلًّا أي كل واحد من الفريقين مريد الدنيا ومريد الآخرة نُمِدُّ أي نزيد بالعطاء هؤُلاءِ أي الذين يريدون الدنيا وَهَؤُلاءِ أي الذين يريدون الآخرة وهذان بدلان من كلا فإن الله يوسع عليهما في الرزق من الأموال والأولاد وغير ما من أسباب العز والزينة في الدنيا مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ أي من معطاه الواسع وهذا متعلق «بنمد» رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ أي معطاه في الدنيا مَحْظُوراً (٢٠) أي ممنوعا من أحد، مؤمنا كان أو

الإسراء 17:21

كافرا، لأن الكل مخلوقون في دار العمل فأزاح تعالى العذر عن الكل، وأوصل تعالى متاع الدنيا إلى الكل على القدر الذي يقتضيه الصلاح انْظُرْ أيها الإنسان بنظر الاعتبار كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فيما أمددناهم به من العطايا في الدنيا فمن وضيع ورفيع، وضالع وضليع، ومالك ومملوك، وموسر وصعلوك وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ من درجات الدنيا فإن درجات الآخرة باقية غير متناهية ونعم الدنيا فانية متناهية وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) من تفضيل درجات الدنيا أي التفاوت في الآخرة أكبر، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها، ثم ذكر الله تعالى من أنواع التكاليف خمسة وعشرين نوعا بعضها أصلي وبعضها فرعي وهي: تفصيل لثلاثة شروط لأهل الثواب وهي إرادة الآخرة بالعمل، وأن يسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة وأن يكون مؤمنا فقال: لا تَجْعَلْ أيها الإنسان مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ أي فتمكث في الناس أو فتعجز عن سعادة الآخرة أو فتصير مَذْمُوماً من الملائكة والمؤمنين مَخْذُولًا (٢٢) من الله تعالى وَقَضى رَبُّكَ أي أمر أمرا جزما. وقرأ علي وابن عباس وعبد الله «ووصى ربك»، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ف «أن» إما مفسرة أو مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن و «لا» ناهية وَبِالْوالِدَيْنِ أي أحسنوا بهما إِحْساناً عظيما كاملا فإن إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ومع ذلك لا تحصل المكافأة، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء وفي الأمثال المشهورة أن البادئ بالبر لا يكافأ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ أي إن يبلغا إلى حالة الضعف وهما عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر فلا تتضجر لواحد منهما بما تستقذر منه ولا تستثقل من مؤنه، أي ولا تقل له كلاما رديئا إذا وجدت منه رائحة تؤذيك كما أنهما لا يتقذران منك حين كنت تخرأ أو تبول. وقرأ حمزة والكسائي «يبلغان» فأحدهما بدل من ضمير التثنية. وقرأ ابن كثير وابن عامر «أف» بفتح الفاء من غير تنوين ونافع وحفص بكسر الفاء مع التنوين. والباقون بكسر الفاء من غير تنوين. وَلا تَنْهَرْهُما أي لا تغلظ لهما في الكلام. والمراد من قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ لمنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير ومن قوله وَلا تَنْهَرْهُما المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً (٢٣) أي لينا حسنا بأن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ أي لين لهما جانبك المذلول. والمراد افعل التواضع لهما مِنَ الرَّحْمَةِ أي من أجل فرط عطفك عليهما ورقتك لهما بسبب ضعفهما لا لأجل خوفك من العار. وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) أي ادع لهما بالرحمة ولو خمس مرات في اليوم والليلة بأن تقول: رب ارحمهما برحمتك الدنيوية والأخروية رحمة مثل تربيتهما

الإسراء 17:31

إياي في صغري؟ ويجوز أن تكون الكاف للتعليل، أي لأجل تربيتهما لي رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ من الإخلاص وعدمه في برهما إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أي صادقين في نية البر بالوالدين إن كنتم رجاعين إلى الله تعالى فَإِنَّهُ تعالى كانَ لِلْأَوَّابِينَ أي للرجاعين إليه تعالى عما فرط منهم غَفُوراً (٢٥) فيكفر عنهم سيئاتهم وَآتِ ذَا الْقُرْبى أي أعط ذا القرابة من جهة الأب والأم وإن بعد حَقَّهُ من صلة الرحم بالمال أو غيره وَالْمِسْكِينَ أي أعط المسكين حقه من الإحسان إليه وَابْنَ السَّبِيلِ أي أعط الضيف النازل بك حقه وهو إكرامه ثلاثة أيام وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) وهو إنفاق المال في المعصية وفي الفخر والسمعة إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي أتباعهم في الصرف في المعاصي وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) فإنه يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض، وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفورا لنعمة الله تعالى فكان المبذرون موافقين للشياطين في تلك الصفة وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها أي إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالرد لكونك كنت فقيرا في وقت طلبهم منك فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً (٢٨) أي لينا سهلا بأن تعدهم بالإعطاء عند مجيء الرزق أو تقول لهم الله يسهل. وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل يقول: يرزقنا الله تعالى وإياكم من فضله اه. وقوله تعالى: ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها كناية عن الفقر، لأن فاقد المال يطلب رحمة الله فسمى الفقر بابتغاء رحمة الله من إطلاق اسم المسبب عن اسم السبب وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ أي لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط أي لا تمسك عن الإنفاق بحيث تضيق على نفسك وأهلك وَلا تَبْسُطْها في الإنفاق كُلَّ الْبَسْطِ أي في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات أي ولا تتوسع في الإنفاق توسعا مفرطا بحيث لا يبقى في يدك شيء فَتَقْعُدَ مَلُوماً أي فتصير ملوما عند الله وعند أصحابك فهم يلومونك على تضييع المال بالكلية، وإبقاء الأهل والولد في الضر وتبقى ملوما عند نفسك بسبب سوء تدبيرك وترك الحزم في مهمات معاشك مَحْسُوراً (٢٩) أي نادما أو منقطعا عنك الأحباب بسبب ذهاب الأسباب إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي إن الله يوسع الرزق على البعض ويضيقه على البعض الآخر وهو يربي المربوب ويدفع حاجاته على مقدار الصلاح فعلى العباد أن يقتصدوا في الإنفاق وأن يستنوا بسنته تعالى إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ويعلم أن مصلحة كل إنسان في أن لا يعطيه إلا ذلك القدر فالتفاوت في أرزاق العباد لأجل رعاية الصلاح لا لأجل البخل وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أي خشية وقوع فقر بكم فقتل الأولاد، إن كان لخوف الفقر فهو سوء ظن بالله وإن كان لأجل الغيرة على النبات فهو سعي في تخريب العالم. فالأول: ضد التعظيم لأمر الله تعالى. والثاني: ضد الشفقة على خلق الله. قال بعضهم: والذي حملهم على قتل الأولاد البخل وطول الأمل نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ أي نرزقهم من غير أن ينقص من رزقكم شيء فيطرأ عليكم ما تخشونه من الفقر إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) أي ذنبا عظيما. وقرأ الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء. وقرأ ابن عامر بفتح الخاء والطاء مع القصر بمعنى ضد الصواب. وقرأ ابن كثير بفتح الخاء والطاء مع المد وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى بإتيان مقدماته إِنَّهُ أي الزنا كانَ فاحِشَةً أي ظاهرة القبح لاشتماله على فساد الأنساب وعلى التقاتل فإن الإنسان لا يعرف أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أو من غيره فلا يقوم بتربيته وذلك يوجب ضياع الأولاد وانقطاع النسل وخراب العالم وَساءَ سَبِيلًا (٣٢) لأنه لا يبقى فرق بين الإنسان والبهائم في عدم اختصاص الذكران بالإناث فالله تعالى وصف الزنا في آية أخرى بصفات ثلاثة، فالذي لم يذكر هنا كونه مقتا فإن المرأة إذا تمرنت على الزنا يستقذرها كل طبع سليم وكل خاطر سليم وإذا اشتهرت بالزنا تنفر عن مقارنتها طباع أكثر الخلق فحينئذ لا تحصل لها الألفة ولا يتم الازدواج وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها بالإسلام والعهد إِلَّا بِالْحَقِّ أي بسبب الحق وهو عند القصاص فهو متعلق بلا تقتلوا وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً بغير حق يبيح القتل للقاتل فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ من الوارث أو السلطان عند عدم الوارث سُلْطاناً أي استيلاء على القاتل يؤاخذه بالقصاص أو بالدية فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ أي فلا يسرف الولي في أمر القتل بأن يزيد على القتل المثلة وقطع الأعضاء أو بأن يقتل غير القاتل من أقاربه، أو بأن يقتل الاثنين مكان الواحد أو بأن يقتل القاتل مع أخذ الدية. وقيل: المعنى ولا يسرف القاتل الظالم والإسراف هو إقدامه على القتل بالظلم. وقرأ حمزة والكسائي «فلا تسرف» بالتاء على الخطاب، أي لا تسرف في القتل أيها الولي، أي اكتف باستيفاء القصاص ولا تطلب الزيادة. أو لا تسرف أيها الإنسان أي لا تفعل القتل الذي هو ظلم محض، فإنك إن قتلت مظلوما استولى في القصاص منك. ويعضد هذا قراءة «ولا تسرفوا». إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣). قال مجاهد: إن المقتول المظلوم كان منصورا في الدنيا بإيجاب القود على قاتله، وفي الآخرة بكثرة الثواب له وبكثرة العقاب لقاتله. وقال قتادة: إن ولي المقتول كان منصورا على القاتل حيث أوجب الله له القصاص أو الدية وأمر الحكام بمعونته في استيفاء حقه فليكتف بهذا القدر ولا يطمع في الزيادة. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وهي حفظه وإرباحه حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ أي حتى يبلغ إلى حيث يمكنه بسبب رشده القيام بمصالح ماله فحينئذ تزول ولاية غيره عنه فإن بلغ غير كامل العقل لم تزل الولاية عنه وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ سواء جرى بينكم وبين ربكم أو جرى بينكم وبين الناس إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) أي مسؤولا عنه فيسأل الناكث ويعاتب عليه يوم القيامة وَأَوْفُوا الْكَيْلَ أي أتموه إِذا كِلْتُمْ لغيركم وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ أي بميزان العدل بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين. ذلِكَ أي الوزن بالميزان المعتدل وإيفاء الكيل والعهد خَيْرٌ في الدنيا، فإنه يوجب الذكر الجميل بين الناس وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) أي عاقبة في الآخرة فإنه يخلص من العقاب الشديد وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي لا تكن أيها الإنسان في اتباع ما لا علم لك به من قول أو فعل كمن يتبع مسلكا لا يدري أنه يوصله إلى مقصده. والمراد بالعلم هو الظن المستفاد من سند إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ أي كل واحد من تلك الأعضاء كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) أي كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه أي عما فعل به صاحبه ولا يبعد أن يخلق الله الحياة والعقل والنطق في هذه الأعضاء، ثم إنه تعالى يوجه السؤال عليها وفي هذا دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية. روي عن شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم فقلت: يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به فأخذ بيدي ثم قال: «قل أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر منيي» «١» قال: فحفظتها وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي ذا شدة فرح أي لا تمش مشيا يدل على الكبرياء والعظمة إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أي لن تنقبها بشدة وطأتك وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) أي لن يبلغ طولك الجبال. والمعنى تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من خلق الله فلا يليق بك التكبر كُلُّ ذلِكَ أي المذكور من الخصال الخمس والعشرين كانَ سَيِّئُهُ بضم الهمزة والهاء أي السيء منه وهي المنهيات الاثنا عشر عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) أي محرما مبغوضا فاعله معاقبا عليه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «سيئة» بالتاء وبالنصب، وهو خبر كان وعند ربك صفة لسيئة ومكروها خبر ثان لكان. والمعنى كل ما تقدم من المنهيات وهي اثنتا عشرة خصلة كان سيئة أي ذنبا ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ أي ذلك التكاليف الأربعة والعشرون نوعا بعض ما أوحى إليك ربك مِنَ الْحِكْمَةِ التي هي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به وهذا خبر ثان وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً يلومك نفسك وغيرها مَدْحُوراً (٣٩) أي مبعدا من رحمة الله تعالى أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ أي اختاركم ربكم فخصكم بالذكور وَاتَّخَذَ لنفسه مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً أي إن كفار مكة اعتقدوا أن أشرف الأولاد البنون: وأخسهم البنات، ثم إنهم أثبتوا البنين لأنفسهم مع علمهم بنهاية نقصهم، وأثبتوا البنات لله مع علمهم بأن الله هو الموصوف (١) رواه النسائي في كتاب الاستعاذة، باب: الاستعاذة من شر السمع والبصر.

الإسراء 17:41

بالكمال الذي لا نهاية له وذلك يدل على نهاية جهلهم إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ بسبب ذلك الاعتقاد قَوْلًا عَظِيماً (٤٠) في الفرية على الله حيث تجعلونه تعالى من نوع الأجسام، ثم تنسبون إليه ما تكرهون من أخس الأولاد، ثم تصفون الملائكة الذين هم من أشرف الخلائق بالأنوثة التي هي أخس أوصاف الحيوان وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي كررنا هذه الدلائل فِي هذَا الْقُرْآنِ أي في مواضع منه لِيَذَّكَّرُوا بفتح الذال والكاف وتشديدهما أي ليعرفوا بطلان ما يقولونه. وقرأ حمزة والكسائي «ليذكروا» ساكنة الذال مضمومة الكاف أي ليفهموا ما في القرآن أو ليذكروه بألسنتهم فإن الذكر باللسان قد يؤدي إلى تأثر القلب بمعناه. وَما يَزِيدُهُمْ أي والحال ما يزيدهم ذلك التكرير إِلَّا نُفُوراً (٤١) أي تباعدا عن الإيمان، وهذا دليل على أن الله ما أراد الإيمان من الكفار قُلْ في إظهار بطلان ذلك من جهة أخرى: لَوْ كانَ مَعَهُ تعالى آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ أي كونا موافقا لما يقولون: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) أي لطلبوا إلى من له الملك سبيلا بالمغالبة كما هو ديدن الملوك بعضهم مع بعض. وقيل: المعنى لو كانت هذه الأصنام تقربكم إلى الله زلفى كما تقولون لطلبت لأنفسها المراتب العالية فلما لم تقدر على ذلك فكيف يدرك في العقل أن تقربكم إلى الله منزلة سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) أي تنزه الله وارتفع بصفات الكمال عن الشركاء والنقائص ارتفاعا عظيما تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ أي تنزه الله تعالى السموات السبع والأرض عن كل نقص بدلالة أحوالها على توحيد الله تعالى وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك، ويصير لها بمنزلة التسبيح، وتسبح العقلاء بلسان المقال. وقرأ ابن كثير «كما يقولون» و «عما يقولون» و «يسبح» بالياء في هذه الثلاثة. وقرأ حمزة والكسائي كلها بالتاء. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم في الأول بالتاء على الخطاب. وفي الثاني والثالث بالياء. وقرأ حفص عن عاصم الأولين بالياء على الحكاية والأخير بالتاء. وقرأ أبو عمرو الأول والأخير بالتاء والأوسط بالياء وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي ما من شيء من الأشياء حيوانا كان أو نباتا أو جمادا إلا ينزهه تعالى متلبسا بحمده بلسان الحال عما لا يليق بذاته تعالى من لوازم الإمكان فالأكوان بأسرها شاهدة بتلك النزاهة وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ أيها المشركون تَسْبِيحَهُمْ فإن الكفار وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم لم يتفكروا في أنواع الدلائل ولم يعلموا كمال قدرته تعالى فاستبعدوا كونه تعالى قادرا على النشر والحشر فهم غافلون عن أكثر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، لأنهم أثبتوا لله شركاء وزوجا وولدا. وقرئ «لا يفقهون» على صيغة المبني للمفعول مع فتح الفاء وتشديد القاف. إِنَّهُ كانَ حَلِيماً ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة مع غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم ولذا كان غَفُوراً (٤٤) لمن تاب منكم وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ بمكة جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي المنكرين للبعث حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥). روى ابن عباس أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلّى الله عليه وسلّم ويستمعون إلى حديثه فقال النضر: يوما ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفته تتحرك بشيء. وقال أبو سفيان: إني لا أرى بعض ما يقوله حقا، وقال أبو جهل: هو مجنون. وقال أبو لهب: هو كاهن. وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر. فنزلت هذه الآية، والله تعالى خلق حجابا في عيونهم يمنعهم عن رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم وعن إدراك ما عليه من النبوة وعن فهم قدره الجليل وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فكان مستورا من هذا الوجه وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أي موانع من أَنْ يَفْقَهُوهُ أي يفهموا القرآن حق الفهم وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً أي صمما مانعا من سماعه اللائق به أي كان بعضهم يحجب بصره عن رؤية النبي إذا أراده بمكروه وهو يقرأ القرآن وبعضهم يحجب قلبه عن إدراك القرآن ويحجب سمعه عن سماعه وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ أي غير مقرون بآلهتهم في الألوهية، وهذا منصوب على الحال من ربك أو على الظرف وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) أي متباعدين عن قولك أي كان الكفار عند استماع القرآن على حالتين، فإذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر الله بقوا متحيرين لا يفهمون منه شيئا، وإذا سمعوا آية فيها ذكر الله تعالى وذم الشرك بالله تركوا ذلك المجلس ولا يستطيعون سماع القرآن نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ إلى قراءة القرآن بِهِ أي بسببه من الهزء والتكذيب إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي إلى قراءتك. وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان وعن يساره رجلان وعن يساره رجلان من ولد قصي أو من بني عبد الدار فيصفقون ويصفرون، ويخلطون عليه بالأشعار. وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٤٧) أي ونحن أعلم بما يتناجون به فيما بينهم إذ هم ذوو نجوى، إذ يقول المشركون بعضهم لبعض: إنكم إن اتبعتم محمدا فقد اتبعتم رجلا زال عقله عن حدّ الاعتدال. روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمر عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل على ذلك ودخل عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال: «قولوا: لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتنقاد لكم العجم» فأبوا عليه ذلك وكانوا عند استماعهم من النبي صلّى الله عليه وسلّم القرآن والدعوة إلى الله تعالى يقولون بينهم متناجين: هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول فأخبر الله تعالى بأنهم يقولون: ما تتبعون إن وجد منكم الأتباع إلا رجلا مخدوعا من قبل الشيطان فإنه يتخيل له فيظن أنه ملك ومن جهة الناس فإن محمدا يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات وأولئك يخدعونه بهذه الحكايات انْظُرْ يا أشرف الرسل كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فكل أحد شبهك بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون فَضَلُّوا في جميع ذلك القول عن طريق الحق فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) إلى طعن يمكن أن

الإسراء 17:51

يقبله أحد فيأتون بما لا يرتاب في بطلانه أحد وَقالُوا أَإِذا كُنَّا أي صرنا عِظاماً بالية وَرُفاتاً أي ترابا رميما أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) أي مخلوقين تجدد الروح فينا بعد الموت. قُلْ لهم يا أكرم الرسل: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً آخر مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ. والمعنى لو تكونون حجارة مع أنها لا تقبل الحياة، بحال أو حديدا مع أنه أصلب من الحجارة أو خلقا غيرهما كائنا من الأشياء التي تعظم في اعتقادكم عن قبول الحياة، كالسماوات والأرض، فلا بد من إيجاد الحياة فيكم فإن قدرته تعالى لا تعجز عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض فكيف إذا كنتم عظاما ممزقة وقد كانت طرية موصوفة بالحياة من قبل والشيء أقبل لما اعتيد فيه مما لم يعتد فَسَيَقُولُونَ تماديا في الاستهزاء مَنْ يُعِيدُنا أي من الذي يقدر على إعادة الحياة إلينا إذا صرنا كذلك قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي قل إرشادا لهم إلى طريقة الاستدلال فالذي ابتدأ خلقكم أول مرة من غير مثال يعيدكم إلى الحياة بالقدرة التي ابتدأكم بها فكما لم تعجز تلك عن البداءة لا تعجز عن الإعادة فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ أي فسيحركونها جهتك تعجبا وتكذيبا لقولك وَيَقُولُونَ استهزاء مَتى هُوَ أي الذي وعدتنا من الإعادة قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ ذلك قَرِيباً (٥١) إذ كل آت قريب يَوْمَ يَدْعُوكُمْ على لسان إسرافيل بالنداء الذي يسمعكم من القبور وهو النفخة الأخيرة، فإن إسرافيل ينادي: أيتها الأجسام البالية، والعظام النخرة، والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت بقدرة الله تعالى وبإذنه فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ. قال سعيد بن جبير: أي فيخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. قال المفسرون: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد. وقال الزمخشري: بحمده حال منهم أي حامدين وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث وَتَظُنُّونَ عند ما ترون الأهوال الهائلة إِنْ لَبِثْتُمْ أي ما مكثتم في القبور أو في الدنيا إِلَّا قَلِيلًا (٥٢) كالذي مر على قرية وَقُلْ لِعِبادِي أي المؤمنين إذا أردتم إتيان الحجة على المخالفين فاذكروها غير مخلوطة بالشتم والسب فيقابلونهم بمثله ولا يخاشنوهم بل يَقُولُوا لهم الكلمة الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ كأن يقولوا: يهديكم الله. وقيل: نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله تعالى بالعفو إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ أي يهيج الشر بين الناس ويغري بعضهم على بعض لتقع بينهم المخاصمة إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ في قديم الزمان لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) أي ظاهر العداوة رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ أي بعاقبة أمركم إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ بأن يوفقكم للإيمان والمعرفة إلى أن تموتوا فينجيكم من العذاب أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ بأن يميتكم على الكفر فيعذبكم إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق، ولا تصروا على الباطل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية. ويقال: هذه تفسير للتي هي أحسن أي قولوا لهم: هذه الكلمة ولا تقولوا أيها المؤمنون للمشركين: إنكم من أهل النار، فإنه مما يهيجهم على الشر مع أن عاقبة أمرهم مغيبة عنكم فعسى يهديهم الله إلى الإيمان. ويقال: إن يشأ ينجكم منهم، وإن يشأ يسلطهم عليكم. وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) أي موكولا إليك أمرهم فتقسرهم على الإيمان، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالمداراة عليهم، فإن اللين عند الدعوة يؤثر في القلب، ويفيد حصول المقصود. وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بأحوالهم فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء ممن يستحق ذلك وهو رد عليهم إذ قالوا: بعيد أن يكون يتيم أبي طالب نبيا ولا يجوز إطلاق يتيم على النبي صلّى الله عليه وسلّم لإشعاره بالتحقير حتى أفتى بعض المالكية بقتل قائله كما في الشفاء وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ بالفضائل النفسانية لا بكثرة الأموال والأتباع وهذا إشارة إلى تفضيل رسول الله سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥) فيه ذكر فضل سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وكونه خاتم النبيين وأمته خير الأمم، وكون الأرض يرثها عباد الله الصالحون وهم محمد وأمته وهذا بيان أن تفضيل داود بإيتاء الزبور لا بإيتاء الملك والسلطنة ورد لقول اليهود لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة أي فإذا أعطى الله تعالى التوراة فلم يبعد أن يعطي داود زبورا وعيسى الإنجيل، ومحمدا القرآن، ولم يبعد أن يفضل محمدا على جميع الخلق فكيف تنكر اليهود ذلك وكفار قريش فضل محمد وإعطاءه القرآن؟! قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ أي قل يا أشرف الخلق للكفار: ادعوا عند الشدة الذين عبدتم من دون الله كعيسى ومريم وعزير، وطائفة من الملائكة، وطائفة من الجن فَلا يَمْلِكُونَ أي لا يستطيعون كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ أي رفع الشدة عنكم وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) للضر إلى غيركم أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ أي الذين يتألهونهم يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ أي يحرص من هو أقرب إلى ربهم القربة بالطاعة إليه فأولئك مبتدأ وخبره يبتغون والذين عطف بيان والوسيلة مفعول ليبتغون وإلى ربهم متعلق بالوسيلة وأي موصولة بدل من فاعل يبتغون. وقيل: إن اسم الموصول خبر لاسم الإشارة ويبتغون حال من فاعل يدعون، والمعنى أولئك المعبودون لهم يعبدون ربهم يطلبون بتلك العبادة القربة إلى ربهم والفضيلة عنده وهم أقرب إليه وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بها وَيَخافُونَ عَذابَهُ بتركها كدأب سائر العباد فأين هم من كشف الضر! فكيف يكونون آلهة؟ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) أي يجب الحذر عنه وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً أي وما من قرية طائعة أهلها أو عاصية إلا وتهلك إما بالموت، وإما بالعذاب. فالصالحة: يكون إهلاكها بالموت. والطالحة: يكون إهلاكها بالعذاب بنحو السيف. أو المعنى ما من قرية من قرى الكفار إلا وتخرب إما بالاستئصال بالكلية أو تعذب بعذاب شديد دون ذلك كقتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال، وأخذ الجزية وبفنون العقوبات الأخروية كانَ ذلِكَ أي الإهلاك والتعذيب فِي الْكِتابِ أي اللوح المحفوظ مَسْطُوراً (٥٨) أي مكتوبا وقد بين فيه أسباب ذلك ووقته. وروي عن بعضهم أن خراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، وخراب الهند واليمن من قبل الجراد والسلطان. وعن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «آخر قرية من قرى الإسلام خرابا» «١» المدينة. وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ أي ما منعنا من إرسال المعجزات التي طلبتها قريش من إحياء الموتى وقلب الصفا ذهبا، وإزالة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها إلا تكذيب الأولين بالمعجزات حين جاءتهم باقتراحهم فيستحقوا عذاب الاستئصال، أي لو أظهر الله تلك المعجزات المقترحة لقريش، ثم لم يؤمنوا بها صاروا مستحقين لعذاب الاستئصال لكن إنزاله على هذه الأمة غير جائز، لأن الله تعالى علم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم فلهذه المصلحة ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم وَآتَيْنا ثَمُودَ باقتراحهم النَّاقَةَ مُبْصِرَةً بكسر الصاد أي مبنية لنبوة صالح فَظَلَمُوا بِها أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها وأقبلوا أنفسهم للهلاك بعقرها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ المقترحة إِلَّا تَخْوِيفاً (٥٩) من نزول العذاب المستأصل على المقترحين فإن لم يخافوا ذلك نزل أو ما نرسل بعير مقترحة كالمعجزات وآيات القرآن إلا تخويفا بعذاب الآخرة، فإن أمر المكذبين بها مؤخر إلى يوم القيامة وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ أي واذكر يا أشرف الخلق إذ بشرناك بأن الله يغلب أهل مكة ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم، وهذه بشارة بوقعة بدر وعبر الله بالماضي، لأن كل ما أخبر الله بوقوعه فهو واجب الوقوع فكان كالواقع وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ليلة المعراج وهي ما رآه النبي صلّى الله عليه وسلّم على اليقظة بعيني رأسه من عجائب الأرض والسماء إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أي إلا امتحانا لأهل مكة لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما ذكر لهم قصة الإسراء فمنهم من كذبه ومنهم من كفر بعد إسلامه ومنهم من نافق ومنهم من توقف في حاله ومنهم من تردد في قلبه ومنهم من صدق كلامه صلّى الله عليه وسلّم وازداد المخلصون إيمانا وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ أي المذمومة فِي الْقُرْآنِ وهي الزقوم أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس حيث قالوا: إن محمدا يزعم أن نار جهنم تحرق الحجارة، ثم يقول: ينبت فيها الشجر فكيف تنبت في النار شجرة رطبة وهي تحرق الشجر، فينسبون لله العجز عن خلق شجرة في النار غافلين عن قدرته تعالى على كل شيء، فإن النعامة تبتلع الجمر والحديد المحمّى بالنار ولا يحرقها، وأن السمندل وهي دويبة في بلاد الترك يتخذ من وبره مناديل فإذا اتسخت طرحت في النار فيذهب وسخها وتبقى هي سالمة لا تعمل فيها النار وَنُخَوِّفُهُمْ بشجرة الزقوم وبعذاب الدنيا والآخرة فَما يَزِيدُهُمْ ذلك التخويف إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (٦٠) أي إلا تماديا في المعصية وتجاوزا عن الحد فلو أنا أرسلنا بما اقترحوه من الآيات لازدادوا تماديا في العناد فأهلكوا بعذاب الاستئصال كعادة من قبلهم وقد حكمنا بتأخير (١) رواه الترمذي في المناقب، باب: ٦٧.

الإسراء 17:61

العقوبة العامة لهذه الأمة إلى الطامة الكبرى وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ الذين كانوا في الأرض اسْجُدُوا لِآدَمَ بوضع الجبهة عليه، إما هو المسجود له أو هو قبلة للسجود والمسجود له هو الله تعالى فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ وكان داخلا تحت الأمر بالسجود لأنه مندرج تحت زمرتهم قالَ عند ما وبخه الله تعالى: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) أي من طين. قالَ أي إبليس بعد الاستنظار: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أي أخبرني عن هذا الذي فضلته علي بأمرك لي بالسجود له لم فضلته علي وأنا خير منه من حيث أنا مخلوق من العنصر العالي لَئِنْ أَخَّرْتَنِ حيا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ أي لأستأصلنهم بالإغواء أو لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم. قرأ ابن كثير «أخرتن» بإثبات ياء المتكلم في الوصل والوقف. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف. وقرأ نافع وأبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف. قالَ تعالى له: اذْهَبْ أي امض لشأنك الذي اخترته. واعلم فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي من ذرية آدم في دينك فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ أي جزاؤك ومن تبعك جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) أي مكملا فكل معصية توجد يحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل لأنه هو الأصل فيها فلذلك يخاطب بالوعيد. وَاسْتَفْزِزْ أي استزل مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ استزلاله بِصَوْتِكَ أي بدعائك إلى معصية الله تعالى وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ أي واجمع عليهم مصحوبا بجنودك الركاب والمشاة، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال: كل راكب أو ماش في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده. وقرأ حفص عن عاصم «ورجلك» بكسر الجيم. وقرأ غيره بالضم أو بالسكون. وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ أي في كل تصرف قبيح فيها وَالْأَوْلادِ أي في الأفعال القبيحة والحرف الذميمة والأديان الزائغة والأسماء المنكرة وَعِدْهُمْ أي بالأماني الباطلة وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (٦٤) أي ما يعدهم من الأماني الكاذبة إلا لأجل الغرور. وهذه الجملة اعتراض واقع بين الجمل التي خاطب الله بها الشيطان. إِنَّ عِبادِي المخلصين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي غلبة وقدرة على إغوائهم وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) أي حفيظا. فإن الشيطان وإن كان قادرا على الوسوسة فإن الله أرحم بعباده فهو يدفع عنهم كيد الشيطان رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ أي الذي يسوق لمنافعكم السفن على وجه البحر لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي رزقه تعالى بالتجارة وغيرها إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) حيث سهل عليكم ما يعسر من أسباب ما تحتاجون إليه وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ أي خوف الغرق فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ أي ذهب عن خواطركم ما كنتم تعبدون من دون الله إِلَّا إِيَّاهُ تعالى فتسألون من الله تعالى النجاة لأنكم تعلمون أنه لا ينجيكم سواه. فَلَمَّا نَجَّاكُمْ من الغرق وأخرجكم من البحر إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ عن الشكر والتوحيد ورجعتم إلى الإشراك، وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أي منكرا لنعم الله. أَفَأَمِنْتُمْ

الإسراء 17:71

أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ أي أنجوتم من هول البحر فأمنتم أن نغور البر بكم. جانِبَ الْبَرِّ الذي أنتم فيه ونصيركم تحت الثرى كما خسف بقارون. أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ من فوقكم حاصِباً أي ريحا ترمي حجارة كما أرسل على قوم لوط ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أي حافظا يحفظكم من ذلك أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ أي في البحر تارَةً أُخْرى بأسباب تلجئكم إلى أن تركبوه وإن كرهتم فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً أي كاسرا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بعد كسر فلككم في البحر بِما كَفَرْتُمْ أي بسبب إشراككم وكفرانكم لنعمة الإنجاء ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩) أي ثائرا يطالبنا بما فعلنا بكم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هذه الخمسة «أن نخسف»، «أو نرسل»، «أن نعيدكم»، «فنرسل»، «فنغرقكم» بنون العظمة على سبيل الالتفات. والباقون بياء الغيبة. وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بالصورة والقامة المعتدلة والتسلط على ما في الأرض والتمتع به والتمكن من الصناعات والعلم والنطق وتناول الطعام باليد وغير ذلك وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ على الدواب وغيرها وَالْبَحْرِ على السفن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي من أنواع المستلذات الحيوانية كاللحم والسمن واللبن والنباتية، كالثمار والحبوب وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) أي فضلناهم على غير الملائكة تفضيلا عظيما بالعقل والقوى المدركة التي يتميز بها الحق من الباطل والحسن من القبيح فحق عليهم أن يشكروا هذه النعم ويستعملوا قواهم في تحصيل العقائد الحقة يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ أي بمن اقتدوا به. روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه ينادى يوم القيامة: يا أمة إبراهيم، يا أمة موسى، يا أمة عيسى، يا أمة محمد، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادي يا أتباع فرعون، يا أتباع نمروذ، يا أتباع ثمود» . وقال الضحاك وابن زيد: أي بكتابهم الذي أنزل عليهم فينادي في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل. وقال الربيع وأبو العالية والحسن: أي بكتاب أعمالهم كأن يقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر. وقيل: بمذاهبهم فيقال: يا حنفي، يا شافعي، يا معتزلي، يا قدري، ونحو ذلك. وقرئ «يدعي كل أناس» على البناء للمفعول. فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ وهم أولو البصائر في الدنيا فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ الذي أعطوه تبجحا بما سطر فيه من الحسنات وَلا يُظْلَمُونَ أي لا ينقصون من أجور أعمالهم المكتوبة في كتبهم فَتِيلًا (٧١) أي قدر فتيل، وهو القشرة التي في شق النواة وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى أي من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرة الله في خلق السموات والأرض والبحار، والجبال، والناس، والدواب، وعن الشكر عن النعم المذكورة في الآيات المتقدمة فهو في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة ويستولي الخوف والدهشة على قلبه فيثقل لسانه عن قراءة كتابه. وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) من الأعمى لتعطل الآلات بالكلية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي إن الشأن قاربوا أن يزيلوك عن حكم القرآن لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ أي لتكذب علينا غير الذي أوحينا إليك وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) أي لو اتبعت أهواءهم لكنت وليا لهم ولخرجت من ولايتي. قال ابن عباس في رواية عطاء: قدم وفد ثقيف على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسألوه شططا وقالوا: متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها، فأبى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك ولم يجبهم، فكرروا ذلك الالتماس وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل: الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنهم وداخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر وقال: أما ترون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (٧٤) أي لولا تثبيتنا إياك على الحق بعصمتنا إياك لقاربت أن تميل إليهم شيئا يسيرا فيما طلبوك إِذاً لو قاربت الميل من قلبك لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ أي لصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، ثُمَّ إذا أذقناك العذاب المضاعف لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥) أي أحدا يخلصك من عذابنا وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ أي ليستزلونك مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) أي وإذا لو أخرجوك لا يلبثون بعد إخراجك إلا زمانا قليلا حتى نهلكهم. قال ابن عباس: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم فقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام آمنا بك واتبعناك وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أميال من المدينة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله، فنزلت هذه الآية، فرجع، ثم قتل منهم بني قريظة وأجلي بني النضير بعذر من قليل وعلى هذا فالآية مدنية. والمراد بالأرض: أرض المدينة، وهذا قول الكلبي: وقال قتادة ومجاهد: همّ المشركون أن يخرجوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكة فكفهم الله تعالى عنه حتى أمره بالهجرة، فخرج بنفسه، فأهلكوا ببدر بعد هجرته صلّى الله عليه وسلّم. وعلى هذا فالآية مكية والمراد بالأرض: أرض مكة. وهذا اختيار الزجاج. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة «خلفك» بفتح الخاء وسكون اللام. والباقون «خلافك» بكسر الخاء وفتح اللام مع المد سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا أي سننا سنته فيمن قد أرسلنا قبلك أي إن عادة الله أن يهلك كل قوم أخرجوا نبيهم من بينهم وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧) أي تغييرا أي إن ما أجرى الله تعالى به العادة لا يقدر أحد أن يبدل تلك العادة أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي لأجل زوال الشمس عن كبد السماء إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ أي إلى اجتماع ظلمة الليل وهو وقت صلاة العشاء. والمعنى أقم الصلاة من وقت زوال الشمس إلى ظلمة الليل بأن تديم كل صلاة في وقتها فيدخل في هذا الظهر والعصر والمغرب. وَقُرْآنَ الْفَجْرِ أي أقم صلاة الفجر إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) تحضره الملائكة الكاتبون والحفظة، فإنهم يتعاقبون على ابن آدم في صلاة الصبح وصلاة العصر وتشهده شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء، وتبدل النوم بالانتباه، فتشهد العقول بأنه لا يقدر على تقليب كلية هذا العالم إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة، وتشهده الجماعة الكثيرة وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ أي وقم بعض الليل فاترك النوم في ذلك الوقت للصلاة. وقيل: المعنى تهجد بالقرآن بعض الليل أي صل في ذلك بالقرآن نافِلَةً لَكَ أي زيادة لك في كثرة الثواب وارتفاع الدرجات مختصة بك فإن كل طاعة يأتي بها النبي صلّى الله عليه وسلّم سوى المكتوبة لا يكون تأثيرها في كفارة الذنوب ألبتة، لأن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بل يكون تأثيرها في زيادة الدرجات وكثرة الثواب، فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات فهذه الطاعات لهم لتكفير الذنوب فلهذا السبب قال تعالى: نافلة لك أي إن الطاعات هذه زوائد في حقك لا في غيرك كما نقل عن مجاهد والسدي، ومن قال: إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي صلّى الله عليه وسلّم قالوا: معنى نافلة لك أن صلاة الليل فريضة عليك زائدة على الصلوات الخمس خاصة بك دون أمتك عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) أي إن يقيمك ربك مقاما محمودا عندك وعند جميع الناس. وروى أبو هريرة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» . وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ أي في المدينة وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ أي من مكة إليها وذلك حين أمر النبي بالهجرة كما قاله ابن عباس والحسن. أو المعنى وأخرجني من المدينة إلى مكة غالبا عليها بفتحها. وقيل: الأكمل مما سبق أن يقال: رب أدخلني في الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص وحضور قلبي بذكرك، ومع القيام بلوازم شكرك. والأكمل من ذلك أن يقال: رب أدخلني في القيام بمهمات أداء شريعتك، وأخرجني بعد الفراغ منها إخراجا لا يبقى علي منها تبعة والأعلى مما سبق أن يقال: رب أدخلني في بحار دلائل توحيدك وتنزيهك، ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول ومن التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الفرد المنزه عن التغيرات. وقيل: رب أدخلني القبر إدخالا مرضيا وأخرجني منه عند البعث إخراجا مرضيا ملقى بالكرامة. وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠)

الإسراء 17:81

أي اجعل لي في هذا البلد من لدنك قوة ظاهرة في تثبيت دينك وإظهار شرعك أو اجعل لي من عندك حجة بينة تنصرني بها على جميع من يخالفني وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ أي ظهر الإسلام وَزَهَقَ الْباطِلُ أي هلك الشرك وتسويلات الشيطان إِنَّ الْباطِلَ أي أيّ باطل كان كانَ بجبلته زَهُوقاً (٨١) زائلا على أسرع الوجوه وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ من جميع الأمراض الظاهرة والباطنة وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لأن القرآن يعلم كيفية اكتساب العلوم العالية والأخلاق الفاضلة التي يصل بها الإنسان إلى قرب رب العالمين وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) أي لا يزيد القرآن المشركين إلا هلاكا بتكذيبهم وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ بأن وصل إلى مطلوبه أَعْرَضَ أي اغتر وصار غافلا عن طاعة الله وَنَأى بِجانِبِهِ أي تباعد من أهل الحق ولم يقتد بهم تعظما لنفسه كديدن المستكبرين وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ أي أصابه بلاء كانَ يَؤُساً (٨٣) أي قنوطا من رحمة الله حزينا ولم يتفرغ لذكر الله تعالى قُلْ كُلٌّ أي كل أحد يَعْمَلُ عمله عَلى شاكِلَتِهِ أي طريقته التي توافق حاله في الهدى والضلالة فإن كانت نفسه طاهرة صدرت عنه أفعال جميلة، وإن كانت نفسه خبيثة صدرت عنه أفعال رديئة فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤) أي أصوب طريقا وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الذي هو سبب حياة البدن بنفخه فيه قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي من فعل ربي أو من علم ربي فإنه مما اختص الله تعالى بعلمه. روي أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمدا عن أصحاب الكهف. وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أجاب عنها جميعا أو سكت فليس بنبي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي فبين صلّى الله عليه وسلّم لهم القصتين وأبهم شأن الروح وهو مبهم في التوراة وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) فإن عقول الخلق عاجزة عن معرفة حقيقة الروح، وقال بعضهم جاء في الخبر في بعض الروايات أن الله تعالى خلق ثلاثمائة وستين ألف عالم ولكنه جعلها محصورة في عالمين وهما الخلق والأمر كما قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] فعبر عن عالم الدنيا وهو ما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة السمع والبصر، والشم والذوق، واللمس بالخلق. وعبر عن عالم الآخرة وهو ما يدرك بالحواس الخمس الباطنة العقل والقلب والسر والروح والخفي بالأمر فعالم الأمر هو الأوليات التي خلقها الله تعالى للبقاء بمحض الأمر التكويني من غير تحصيل من أصل وهي الروح والعقل والقلم واللوح والعرش والكرسي، والجنة والنار وسمي عالم الأمر أمرا، لأن الله أوجده بلا واسطة شيء بل بأمر كن من لا شيء. ولما كان أمره تعالى قديما فما يكون بالأمر القديم كان باقيا، وإن كان حادثا. وسمي عالم الخلق خلقا، لأنه تعالى أوجده بوسائط شيء مخلوق خلقه للفناء، فمعنى الروح من أمر ربي أنه من عالم الأمر والبقاء لا من عالم الخلق والفناء اهـ. فلا يمكن تعريف الروح بمباديه ولا يحيط بكنهه دائرة إدراك البشر وإنّما الممكن هذا القدر الإجمالي ولذا قال تعالى: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أي وما

الإسراء 17:91

أعطيتم من العلم فيما عند الله إلا علما قليلا تستفيدونه من طرق الحواس وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من القرآن أي لنزيلن العلم به عن القلوب وعن المصاحف ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ أي القرآن عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦) أي من تتوكل عليه في استرداد شيء منه محفوظا مسطورا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي لكن أبقيناه إلى قرب قيام الساعة رحمة من ربك فعند ذلك يرفع من الصدور والمصاحف إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧) بإبقاء العلم والقرآن عليك وبجعلك سيد ولد آدم وخاتم النبيين وإعطائك المقام المحمود. قُلْ لمن يزعمون أن القرآن من كلام البشر: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أي لئن اتفق الإنس والجن والملائكة على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى لا يقدرون على إتيان مثله، وتخصيص الثقلين بالذكر، لأن المنكر في كونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة. وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) أي معينا بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي كررنا بوجوه مختلفة توجب زيادة بيان لِلنَّاسِ أي لأهل مكة فِي هذَا الْقُرْآنِ المنعوت بالنعوت الفاضلة مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي من كل معنى بديع يشبه المثل في الغرابة ليتلقوه بالقبول فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ أي فلم يرض أكثر أهل مكة إِلَّا كُفُوراً (٨٩) أي جحودا للحق وَقالُوا عند ظهور عجزهم بالقرآن وغيره من المعجزات الباهرة: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ أي أرض مكة يَنْبُوعاً (٩٠) أي عينا لا ينضب ماؤها أَوْ تَكُونَ لَكَ وحدك جَنَّةٌ أي بستان تستر أشجاره ما تحتها من العرصة مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ أي وأشجار عنب وعبر بالثمرة لأن الانتفاع بغيرها من الكرم قليل فَتُفَجِّرَ أي أنت الْأَنْهارَ خِلالَها أي وسطها تَفْجِيراً (٩١) والمراد إجراء الأنهار في وسط البستان عند سقيها أو إدامة إجرائها و «تفجر» الأولى تكون بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم عند عاصم وحمزة والكسائي، وبضم التاء وفتح الفاء وكسر الجيم المشددة عن الباقين. ولم تختلف السبعة في «تفجر» الثانية أنها مشددة. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ بقولك: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء عَلَيْنا كِسَفاً أي قطعا بالعذاب أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أي مقابلين ومرئيين لنا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أي ذهب وفضة كامل الحسن أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ أي تصعد إليها وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ أي لصعودك إلى السماء أصلا حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً من الله نَقْرَؤُهُ فيه أنك رسول الله إلينا أي لما ظهر لهم كون القرآن معجزا التمسوا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستة أنواع من المعجزات كما حكي عن ابن عباس أن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى رسول الله وهو جلوس عند الكعبة فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسيّر جبالها لننتفع بها وفجر لنا فيها عيونا نزرع فيها فقال: «لا أقدر عليه» فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا؟! فقال: «لا أقدر عليه». فقيل: أو يكون لك بيت من زخرف فيغنيك عنا؟! فقال: «لا أقدر عليه» فقيل له: أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك؟ فقال: «لا أستطيع». قالوا: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا. فقال: عبد الله بن أمية المخزومي وهو ابن عاتكة عمته صلّى الله عليه وسلّم: لا أومن بك أبدا حتى تشد سلما إلى السماء فتصعد فيه ونحن ننظر إليك فتأتي بنسخة منشورة معك بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لا؟ فانصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أهله حزينا فأنزل الله تعالى هذه الآية قُلْ. وقرأ ابن كثير وابن عامر «قال» بصيغة الماضي: سُبْحانَ رَبِّي أي أنزه ربي عن أن يكون له إتيان وذهاب وأتعجب من اقتراحاتهم هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (٩٣) أي مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة كسائر الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات وَما مَنَعَ النَّاسَ أي أهل مكة أَنْ يُؤْمِنُوا بنبوتك إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى أي القرآن إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (٩٤) إلينا أي وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الوحي إلا اعتقادهم أن الله تعالى لو أرسل رسولا إلى الخلق لوجب أن يكون من الملائكة وإنكارهم أن يكون من جنس البشر قُلْ لهم من جهتنا جوابا لقولهم: لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ عليها مُطْمَئِنِّينَ أي قارين فيها من غير أن يعرجوا في السماء لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (٩٥) أي لو كان أهل الأرض ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة أما لو كان أهل الأرض من البشر لوجب أن يكون رسولهم من البشر لتمكنهم من الاجتماع والفهم منه لمماثلتهم له في الجنس قُلْ لهم: كَفى بِاللَّهِ وحده شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأني رسوله إليكم إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦) أي محيطا ببواطن أحوالهم وظواهرها، أي فإنكم إنما أنكرتم هذا لمحض الحسد والاستنكاف من الانقياد للحق وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ بحذف الياء من الرسم هنا، وفي الكهف. وأما في النطق فقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء وصلا وحذفها وقفا. وحذفها الباقون في الحالين. وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ أي أنصارا مِنْ دُونِهِ تعالى يهدونهم إلى طريق الحق أي فمن سبق لهم حكم الله بالإيمان وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله بالضلال استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال وأن يوجد من يصرفهم عنه وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ فقد روي أنه قيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» «١». عُمْياً لا يبصرون ما يسر (١) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: تفسير سورة ٢٥، ومسلم في كتاب المنافقين، باب: ٥٤، والترمذي في كتاب التفسير، باب: تفسير سورة ١٧، وأحمد في (م ٢: ٣٥٤).

الإسراء 17:101

أعينهم وَبُكْماً لا ينطقون ما يقبل منهم وَصُمًّا لا يسمعون ما يلذ مسامعهم مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ أي سكن لهبها بعد أكل جلودهم ولحومهم بأن لم يبق فيهم ما تتعلق به النار زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) أي توقدا بإعادة الجلود واللحوم ولعل ذلك عقوبة لهم على إنكارهم الإعادة بعد الفناء بتكريرها مرة بعد أخرى ليروها عيانا حيث لم يعلموها برهانا ذلِكَ العذاب جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا الدالة على صحة الإعادة دلالة واضحة وَقالُوا منكرين لقدرتنا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أي ترابا رميما أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨) أي بعثا جديدا أَوَلَمْ يَرَوْا أي ألم يتفكروا ولم يبصروا بعيون قلوبهم أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ أي يعيد بالإحياء مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ أي وقتا معلوما عند الله لا شك فيه عند المؤمنين وهو يوم القيامة فَأَبَى الظَّالِمُونَ أي لم يقبل المشركون بعد هذه الدلائل الظاهرة إِلَّا كُفُوراً (٩٩) أي جحودا للأجل قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي أي خزائن رزقه التي أفاضها على كافة الموجودات إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ ما ملكتم خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ أي مخافة الفقر فلا فائدة في إسعافكم بذلك المطلوب الذي التمستموه وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠) أي بخيلا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ أي واضحات الدلالة على نبوته وهي اليد والعصا، والجراد والقمل، والضفادع والدم، والطوفان والسنون، ونقص الثمرات فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ أي فاسأل يا أشرف الرسل بني إسرائيل الذين كانوا في زمانك عن موسى فيما جرى بينه وبين فرعون وقومه، ليظهر صدق ما ذكرته عند المشركين، فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. وهذه الجملة اعتراضية بين العامل والمعمول إِذْ جاءَهُمْ أي حين جاء موسى بني إسرائيل الذين كانوا في زمانه عليه السلام وهذا الظرف متعلق بآتينا فأظهر ما آتيناه من الآيات عند فرعون وبلغه ما أرسل به فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) أي مغلوب العقل قالَ لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ. قرأ الكسائي بضم التاء. والباقون بفتحها، فالضم قراءة على والفتح قراءة ابن عباس ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ الآيات عليّ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ أي أدلة ظاهرة يستدل بها على صدقي ولكنك تنكرها للحسد وحب الدنيا وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ أي لأعلمك يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) أي ملعونا ممنوعا من الخير فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ أي أراد فرعون أن يخرج موسى وقومه مِنَ الْأَرْضِ بالقتل فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) في البحر وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد إغراقه لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ أي أرض الشام ومصر فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي البعث بعد الموت جِئْنا بِكُمْ من قبوركم إلى المحشر لَفِيفاً (١٠٤) أي مختلطين أنتم وهم فيختلط جميع الخلق المسلم والكافر والبر والفاجر، ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ أي ما أردنا بإنزال القرآن إلا إثبات الحق وكما أردنا هذا المعنى فكذلك حصل هذا المعنى ووصل إليهم بعد إنزاله عليك ليس فيه تبديل أو يقال: وما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحكمة المقتضية لإنزاله وما نزل إلا ملتبسا بما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها. وَما أَرْسَلْناكَ يا أفضل الخلق إِلَّا مُبَشِّراً للمطيع بالثواب وَنَذِيراً (١٠٥) للعاصي بالعقاب فهؤلاء الجهال الذين اقترحوا عليك تلك المعجزات وتمردوا عن قبول دينك لا شيء عليك من كفرهم وَقُرْآناً فَرَقْناهُ. وقرأ العامة بتخفيف الراء، أي بينا حلاله وحرامه أو فرقنا فيه بين الحق والباطل، وقرأ علي وجماعة من الصحابة وغيرهم بالتشديد أي فرقنا آياته بين أمر ونهي وحكم وأحكام، ومواعظ وأمثال، وقصص وأخبار ماضية ومستقبلة. أو نزلناه مفرقا في ثلاثة وعشرين سنة، أو في عشرين سنة على الخلاف في تقارن النبوة والرسالة وتعاقبهما لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ بضم الميم وفتحها أي على تأن لتكون الإحاطة على دقائقه وحقائقه أسهل وَنَزَّلْناهُ من عندنا تَنْزِيلًا (١٠٦) متفرقا آية وآيتين وثلاثا وهكذا بحسب ما تقتضيه الحكمة وما يحصل من الواقعات قُلْ للذين اقترحوا تلك المعجزات: آمِنُوا بِهِ أي القرآن أَوْ لا تُؤْمِنُوا فإن إيمانكم به لا يزيده كمالا وامتناعكم عن الإيمان به لا يورثه نقصا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزول القرآن منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي إِذا يُتْلى أي القرآن عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ أي يسقطون على وجوههم بغاية الخوف سُجَّداً (١٠٧) لله شكرا على إنجاز وعده في تلك الكتب من بعثتك ونزول القرآن وَيَقُولُونَ في سجودهم سُبْحانَ رَبِّنا أي تنزيها له عن خلف وعده إِنْ أي إن الشأن كانَ وَعْدُ رَبِّنا بإنزال القرآن وبعث محمد صلّى الله عليه وسلّم لَمَفْعُولًا (١٠٨) أي منجزا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ للسجود لما أثر فيهم من مواعظ القرآن يَبْكُونَ من خشية الله وَيَزِيدُهُمْ أي القرآن أو البكاء أو السجود أو المتلو خُشُوعاً (١٠٩) أي تواضعا لله كما يزيدهم يقينا بالله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أي سموا المعبود بحق بهذا الاسم. قال ابن عباس: سجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: «يا الله يا رحمن». فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين فأنزل الله هذه الآية أي إن شئتم قولوا: يا الله، وإن شئتم قولوا: يا رحمن أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي أيّ هذين الاسمين سميتم فهو حسن، لأن للمسمى بذلك الأسماء الحسنى. ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التحميد والتقديس والتمجيد والتعظيم وعلى صفات الجلال والكمال وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءة صلاتك وَلا تُخافِتْ بِها أي بقراءتها. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله تعالى إليه ولا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون

الإسراء 17:111

فيسبوا الله عدوا بغير علم، ولا تخافت بها فلا تسمع أصحابك وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ أي اطلب بين الجهر والمخافتة سَبِيلًا (١١٠) أي أمرا وسطا. روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم طاف بالليل على دور الصحابة وكان أبو بكر يخفي صوته بالقراءة في صلاته، وكان عمر يرفع صوته فلما حاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأبي بكر: «لم تخفي صوتك؟» فقال: أناجي ربي وقد علم حاجتي وقال لعمر: «لم ترفع صوتك؟» فقال: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان. فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر أن يرفع صوته قليلا، وعمر أن يخفض صوته قليلا. وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً كما يزعم اليهود والنصارى وبنو مليح حيث قالوا: عزير ابن الله والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله فكل من له ولد وهو محدث محتاج فلا يقدر على كمال الأنعام فلا يستحق كمال الحمد وكل من له ولد يمسك جميع النعم لولده، فإذا لم يكن له ولد أفاض تلك النعم على عبيده، فلو كان له تعالى ولد لكان منقضيا فلا يقدر على كمال الأنعام في كل الأوقات فلا يستحق الحمد على الإطلاق وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ أي في الألوهية كما يقوله الثنوية القائلون بتعدد الآلهة، لأنه لو كان معه إله آخر لتصرف في الموجودات فلا يعرف حينئذ أن هذه النعم حصلت منه أو من شريكه فلا يعرف كونه مستحقا للحمد والشكر. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ أي ناصر منه لأنه لو جاز عليه ناصر من أجل المذلة لم يجب شكره لجواز أن يكون غيره تعالى حمله على الأنعام أو منعه منه وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١) فالتحميد يجب أن يكون مقرونا بالتكبير والتكبير يكون في ذاته تعالى بأن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته، وأنه غني عن كل ما سواه وفي صفاته بأن يعتقد أن كل صفة له فهو من صفات الجلال والكمال، والعز والعظمة، وكل واحد من تلك الصفات لا نهاية له وإن كل صفة له قديمة سرمدية منزّهة عن التغير وفي أفعاله كأن يقول: إنا نحمد الله ونكبره عن أن يجري في سلطانه شيء لا على وفق حكمه وإرادته، فالكل واقع بقضاء الله وقدرته وإرادته وفي أحكامه بأن يعتقد أنه ملك مطاع فلا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه يعز من يشاء ويذل من يشاء، وفي أسمائه بأن لا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته المنزهة، ثم ينبغي للعبد بعد أن يبالغ في التكبير والتنزيه والتحميد والطاعة مقدار عقله وفهمه أن يعترف أن عقله وفهمه لا يفي بمعرفة جلال الله، ولسانه لا يفي بشكره وأعضاءه لا تفي بخدمته فكبر الله عن أن يكون تكبيره وافيا بكنه مجده وعزته. وروي أن قول العبد الله أكبر خير من الدنيا وما فيها، وعن عمرو بن شعيب كان رسول صلّى الله عليه وسلّم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الآية واسأل الله الرحمة قبل الموت، وعند الموت، وبعد الموت إنه تعالى ناشر العظام بعد الموت وسامع الصوت. حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم آمين.

الكهف 18:1

سورة الكهف مكية، غير آيتين، ذكر فيهما عيينة بن حصن الفزاري، مائة وعشر آيات، ألف وخمسمائة وثلاث وثمانون كلمة، ستة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون حرفا الْحَمْدُ لِلَّهِ وهو الإعلام بثبوت الحمد لله وإنشاء الثناء بذلك الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ محمد صلّى الله عليه وسلّم الْكِتابَ أي القرآن وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) أي اختلالا في النظم وتنافيا في المعنى، وهو كامل في ذاته وهذه الجملة معطوفة على أنزل قَيِّماً أي وجعله قائما بمصالح العباد وأحكام الدين. وقيل: هاتان الجملتان حالان من الكتاب متواليان أي غير مجعول له عوجا قيما لِيُنْذِرَ تعالى بالكتاب الكافرين بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ أي عذابا شديدا نازلا من عنده تعالى وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ أي المصدقين به. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وسكون الموحدة وضم الشين الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) في الجنة ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) أي خالدين في الأجر من غير انتهاء وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤) وهم كفار العرب الذين يقولون: الملائكة بنات الله، واليهود القائلون عزير ابن الله، والنصارى القائلون المسيح ابن الله ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ أي ليس لهم ولا لأحد من أسلافهم الذين قلدوه علم بهذا القول أهو صواب أو خطأ بل إنما قالوه رميا عن جهالة من غير فكر كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ فكلمة بالنصب على التمييز وبالرفع على الفاعلية فعلى النصب يكون فاعل «كبرت» مضمرا مفسرا بما بعده وهو للذم، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: كبرت الكلمة، كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء. والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب أي ما أكبرها كلمة إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً (٥) أي ما يقولون في ذلك الشأن إلا مقولا كذبا فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ. والمراد بالترجي النهي عن الغم أي لا تهلك نفسك بالغم من بعد إعراضهم عن الإيمان بك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أي بهذا القرآن أَسَفاً (٦) أي لفرط الحزن إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ حيوانا كان أو نباتا أو معدنا زِينَةً لَها أي الأرض ليتمتع بها الناظرون من المكلفين وينتفعوا بها نظرا واستدلالا فإن العقارب والحيات من حيث تذكيرهما

الكهف 18:11

لعذاب الآخرة من نوع المنافع بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيث دلالته على وجود الصانع ووحدته لِنَبْلُوَهُمْ أي لنعاملهم معاملة من يختبرهم أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) أي أيهم أطوع لله وأشد استمرارا على خدمته وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها أي الأرض من المخلوقات قاطبة عند تناهي عمر الدنيا صَعِيداً جُرُزاً (٨) أي ترابا لا نبات فيه أَمْ حَسِبْتَ أي أظننت أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا أي من بين آياتنا عَجَباً (٩) أي آية ذات عجب وفي الآيات أي آثار قدرة الله تعالى ما هو أعجب من ذلك وهي السماء والأرض والشمس والقمر، والنجوم والجبال والبحار. و «عجبا» خبر كان و «من آياتنا» حال منه، والكهف: هو الغار الواسع في الجبل، والرقيم: كلب أصحاب الكهف. وقيل: هو لوح رصاصي أو حجري كتبت فيه أسماؤهم وقصتهم وجعل على باب الكهف وهم كانوا فتية من أشراف الروم، أرادهم دقيانوس على الشرك فهربوا منه بدينهم إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ظرف ل «عجبا»، أي حين التجأ الشبان إلى الكهف فَقالُوا عقب استقرارهم فيه: رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً خاصة تستوجب المغفرة والرزق والأمن من الأعداء، وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) أي يسّر لنا من أمرنا الذي نحن عليه من مهاجرة الكفار والمثابرة على طاعتك إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي فعقب هذا القول ألقينا على آذانهم حجابا يمنع من أن تصل إلى أسماعهم الأصوات الموقظة من نومهم فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) أي معدودة، وفي الكهف حال من المضاف إليه. ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أي أيقظناهم من نومهم الثقيل لِنَعْلَمَ أي لنعاملهم معاملة من يختبرهم أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أي المختلفين في مدة لبثهم أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) أي ضبط غاية لبثهم فيظهر لهم عجزهم ويفوضون ذلك إلى العليم الخبير ويتعرفون ما صنع الله تعالى بهم من حفظ أبدانهم، فيزدادون يقينا بكمال قدرته تعالى وعلمه، ويستبصرون به أمر البعث، ويكون ذلك لطفا لمؤمني زمانهم وآية بينة لكفارهم. فالمراد بالحزبين نفس أصحاب الكهف و «أحصى» فعل ماض و «أمدا» مفعول به. وقرئ «ليعلم» بالياء مبنيا للمفعول ومبنيا للفاعل من الأعلام أي ليعلم الله الناس أي الحزبين أحصى إلخ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ يا أشرف الخلق نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ أي على وجه الصدق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ أي جماعة من الشبان آمَنُوا بِرَبِّهِمْ بالتحقيق لا بالتقليد وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) أي بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه من الدين وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أي قويناها حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والإخوان، واجترءوا على الرد على دقيانوس الجبار إِذْ قامُوا أي حين انتصبوا لإظهار شعار الدين أو وقت قاموا بين يدي الملك دقيانوس الكافر فإنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله تعالى هؤلاء الفتية حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله تعالى، وصرحوا بالبراءة من الشركاء فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً أي لن نعبد أبدا معبودا آخر لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) أي والله لئن عبدنا غيره لقد قلنا حينئذ قولا زورا على الله. قال أصحاب الكهف عند خروجهم من عند الملك دقيانوس الكافر: هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا أي عبدوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ف «قومنا» عطف بيان لاسم الإشارة أو خبر له و «اتخذوا» حال منه. لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ أي هلا يأتون على عبادتهم بحجة ظاهرة، وهذا إنكار وتعجيز وتبكيت لهم فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) أي فليس أحد أظلم ممن افترى على الله. كذبا بنسبة الشريك إليه تعالى فإن الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد. قال بعض الفتية لبعض وقت اعتزالهم: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ أي وإذ أردتم اعتزالهم واعتزال الشيء الذي تعبدونه إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ أي التجئوا إليه وهذا جواب إذ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ أي يبسطها عليكم في الدارين وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) أي ويسهل لكم من أمركم الذي أنتم عليه من الفرار بالدين ما تنتفعون به غدا. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء والجمهور بالعكس. وَتَرَى الشَّمْسَ خطاب لكل أحد بيان لحالهم بعد ما صاروا إلى الكهف وهذا ليس إخبارا بوقوع الرؤية تحقيقا بل الأخبار بكون الكهف بحيث لو أبصرته تبصر الشمس إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ. قرأ ابن عامر «تزور» ساكنة الزاي مشدد الراء. ونافع وابن كثير وأبو عمر «تزاور» بتشديد الزاي وبالألف. وعاصم وحمزة والكسائي «تزاور» بالتخفيف والألف أي تميل، عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ أي جانب الكهف الذي يلي المغرب فلا يقع عليهم شعاع الشمس. وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ أي تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال الذي يلي المشرق فإن الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم وذلك خارق للعادة وكرامة عظيمة خصّ الله بها أصحاب الكهف. وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أي والحال أنهم في فضاء متسع من الكهف معرض لإصابة الشمس ذلِكَ أي المذكور من إنامتهم وحمايتهم من إصابة الشمس لهم في ذلك الغار تلك المدة الطويلة مِنْ آياتِ اللَّهِ العجيبة على كمال علمه وقدرته وعلى وحدته مَنْ يَهْدِ اللَّهُ إلى الحق بالتوفيق له فَهُوَ الْمُهْتَدِ أي الذي أصاب الفلاح مثل أصحاب الكهف وَمَنْ يُضْلِلْ الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ أبدا وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) أي ناصرا يهديه إلى الفلاح كدقيانوس الكافر وأصحابه. وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً أي لو رأيتهم أيها الخاطب لانفتاح عيونهم على هيئة الناظر وَهُمْ رُقُودٌ أي نيام وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ لينال النسيم جميع أبدانهم ولئلا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث، فالله قادر على حفظهم من غير تقليب ولكن جعل لكل شيء سببا في أغلب الأحوال وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ أي بموضع الباب من الكهف وكان الكلب أنمر، أو أصفر، أو أصهب، أو أحمر، أو أسمر. واسمه: قطمير أو ريان، أو تتوه، أو قطمور، أو ثور، أو

الكهف 18:21

حمران، وكان لواحد منهم فلما خرجوا تبعهم فمنعوه، فأنطقه الله وتكلم وقال: أنا أحب أحباب الله فمكنوه من الذهاب معهم، فلما ناموا نام كنومهم، ولما استيقظوا استيقظ معهم، ولما ماتوا مات معهم لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ أي لو شاهدتهم لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً أي لأدبرت عنهم هربا بما شاهدت منهم وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) أي خوفا يملأ الصدر لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة فكل من رآهم فزع فزعا شديدا. وقرأ نافع وابن كثير «لملئت» بتشديد اللام. وروي أيضا عن ابن كثير بالتخفيف كالجمهور. وقرأ السوسي بإبدال الهمزة ياء وقفا ووصلا، وحمزة في الوقف فقط. وقرأ ابن عامر والكسائي «رعبا» بضم العين في جميع القرآن. والباقون بالإسكان. وَكَذلِكَ أي كما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من البلى آية دالة على كمال قدرتنا بَعَثْناهُمْ أي أيقظناهم من النوم بعد مضي ثلاثمائة سنة وتسع سنين لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ أي ليسأل بعضهم بعضا في مدة لبثهم قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ هو رئيسهم واسمه «مكسلمينا» : كَمْ لَبِثْتُمْ أي كم مقدار مكثكم في منامكم في هذا الغار قالُوا أي بعضهم: لَبِثْنا يَوْماً لأنهم دخلوا الكهف غدوة، ثم ناموا طلوع الشمس وكان انتباههم آخر النهار فلما خرجوا فنظروا إلى الشمس وقد بقي منه شيء قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا أي بعض آخر منهم وهو «مكسلمينا» : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فأنتم لا تعلمون مدة لبثكم فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ هو تمليخا كما قاله ابن إسحاق بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وهي منبج أو أفسوس بضم الهمزة هذا في الجاهلية وتسمى في الإسلام طرسوس بفتح الراء فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أي أيّ أهلها أَزْكى طَعاماً أي أبعد عن كل حرام لأن ملكهم كان ظالما وعامة أهل بلدهم كانوا مجوسا وفيهم قوم يخفون إيمانهم فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ أي بطعام مِنْهُ أي من ذلك الأزكى. وَلْيَتَلَطَّفْ أي وليرفق في الشراء كي لا يغبن وفي دخول المدينة لئلا يعرف وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) أي لا يخبرن بمكانكم أحدا من أهل المدينة فإن ذلك يستلزم شيوع أخباركم إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أي إن يطلعوا على أنفسكم أو على مكانكم يَرْجُمُوكُمْ أي يقتلوكم بالرجم أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ أي يصيّروكم إلى ملتهم كرها وَلَنْ تُفْلِحُوا أي لن تسعدوا إِذاً أي إن دخلتم فيها ولو بالكره أَبَداً (٢٠) أي في الدنيا والآخرة وَكَذلِكَ أي وكما أنمناهم وبعثناهم أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ أي أطلعنا الناس المؤمنين والكافرين على أحوالهم، وكان ملكهم يومئذ مسلما يسمى يستفاد وذلك أن دقيانوس مات وانقضت قرون، ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح واختلف أهل مملكته في الحشر وبعث الأجساد من القبور، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا: إنما تحشر الأرواح دون الأجساد، فإن الجسد تأكله الأرض. وقال بعضهم: تبعث الأرواح والأجساد جميعا وكبر ذلك على الملك وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمر البعث لهم حتى دخل بيته وأغلق بابه ولبس المسوح وقعد على الرماد، وتضرّع إلى الله تعالى في طلب حجة وبرهان، فأعثره الله على أهل الكهف فإنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها استنكر شخصه واستنكر ورقه، لأنه ظهرت في بشرة وجهه آثار عجيبة تدل على أن مدته قد طالت طولا خارجا عن العادة، لأن ورقه كان على ضرب دقيانوس فاتهموه بأنه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك وكان صالحا قد آمن هو ومن معه فلما نظر إليه قال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك فقد كنت أدعو الله أن يرينيهم، وسأل الفتى، فأخبره بأنه ومن معه خرجوا فرارا من الملك دقيانوس فسّر الملك بذلك وقال لقومه: لعل الله قد بعث لكم آية فلنسر إلى الكهف معه، فركب مع أهل المدينة إليهم فلما دنوا إلى الكهف قال تمليخا: أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا فدخل عليهم وأعلمهم بأن الأمة أمة مسلمة فخرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم، ثم رجعوا إلى كهفهم ورجع من شك في بعث الأجساد فهذا معنى أعثرنا عليهم لِيَعْلَمُوا أي الذين أعثرناهم وهم الملك ورعيته على أحوالهم العجيبة أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث للروح والجثة معا حَقٌّ أي صادق بطريق أن القادر على إنامتهم مدة طويلة وإبقائهم على حالهم بلا غذاء قادر على إحياء الموتى. قال بعض العارفين: علامة اليقظة بعد النوم علامة البعث بعد الموت وَأَنَّ السَّاعَةَ أي وقت بعث الخلائق جميعا للحساب والجزاء لا رَيْبَ فِيها أي لا شك في قيامها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ في صحة البعث وهذا ظرف لقوله تعالى: أَعْثَرْنا لا لقوله لِيَعْلَمُوا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم أمرهم ليرتفع الخلاف ويتبين الحق فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً أي لما أعثرناهم عليهم فرأوا ما رأوا، فعاد الفتية إلى كهفهم، فأماتهم الله تعالى فقال بعضهم: ابنوا على باب كهفهم بنيانا لئلا يتطرق إليهم الناس ضنا بتربيتهم. رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ كأن المتنازعين لما رأوا عدم اهتدائهم إلى حقيقة حالهم من حيث النسب والاسم، ومن حيث العدد، ومن حيث اللبث في الكهف قالوا ذلك تفويضا للأمر إلى علام الغيوب قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ وهم الملك والمسلمون أو أولياء أصحاب الكهف أو رؤساء البلد لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) نعبد الله فيه ونستبقي آثارهم بسبب ذلك المسجد سَيَقُولُونَ أي يقول بعض المتنازعين لك يا أشرف الخلق وهم اليهود أو السيد وأصحابه؟ وهم اليعقوبية من نصارى نجران: هم ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ أي النصارى أو العاقب وأصحابه وهم النسطورية منهم: هم خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ أي ظنا بالغيب من غير دليل ولا برهان وَيَقُولُونَ أي المسلمون أو الملكانية من النصارى: هم سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ يا أشرف الخلق رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ من النّاس وكان علي رضي الله عنه يقول: كانوا سبعة وأسماؤهم: تمليخا، مكشليينا مشليتيا، هؤلاء الثلاثة أصحاب يمين الملك وكان عن يساره مرنوش برنوش شاذنوش، وكان الملك يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس واسمه كفشطيطيوش، واسم كلبه: قطمير. وقال ابن عباس: هم سبعة مكسلمينا تمليخا مرطونس، نينونس ساربونس، ذو نواس فليستطيونس وهو الراعي. وعن ابن مسعود كانوا تسعة وسماهم ابن إسحاق: تمليخا مكسملينا، محسلينا مرطونس، كسوطونس سورس، يكربوس بطسوس قالوس اه. وقال ابن عباس: رضي الله عنهما، خواص أسماء أهل الكهف تنفع لتسعة أشياء: للطلب، والهرب، ولطف الحريق، تكتب على خرقة وترمى في وسط النار تطفأ بإذن الله تعالى، ولبكاء الطفل، والحمى المثلثة، وللصداع: تشد على العضد الأيمن. ولأم الصبيان، وللركوب في البر والبحر، ولحفظ المال، ولنماء العقل ونجاة الآثمين. فَلا تُمارِ فِيهِمْ أي فلا تجادل معهم في عدد الفتية إِلَّا مِراءً ظاهِراً بأن لا تكذبهم في تعيين ذلك العدد بل تقول هذا التعيين لا دليل عليه وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) أي لا تشاور أحدا من أهل الكتاب في شأن الفتية وَلا تَقُولَنَّ يا أكرم الرسل لِشَيْءٍ أي لأجل شيء تعزم عليه إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ الشيء غَداً (٢٣) أي فيما يستقبل من الزمان إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي إلا قائلا: إن شاء الله أي لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالتعليق بالمشيئة بأن تقول: إن شاء الله نزلت هذه الآية حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه صلّى الله عليه وسلّم فقال: «ائتوني غدا أخبركم» «١». ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش وَاذْكُرْ رَبَّكَ بالتسبيح والاستغفار إِذا نَسِيتَ كلمة الاستثناء. وهذا مبالغة في الحث على ذكر هذه الكلمة وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) أي لعل ربي يؤتيني أعظم دلالة على صحة نبوتي من نبأ أصحاب الكهف وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) وهذا إخبار من الله عن مدة لبثهم ردا على أهل الكتاب المختلفين فيها فقال بعضهم: ثلاثمائة، وبعضهم ثلاثمائة وتسع، والسنون عندهم شمسية. فهذان القولان غير ما أخبر الله به من أن السنين ثلاثمائة وتسع قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين، لأن السنة الشمسية تزيد على السنة القمرية عشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة. قرأ حمزة والكسائي «ثلاثمائة» بغير تنوين فهو مضاف ل «سنين» والباقون بالتنوين «فسنين» عطف بيان. قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا أي بالزمان الذي لبثوا فيه في نومهم قبل بعثهم أي الله أعلم بحقيقة ذلك وكيفيته فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب. وهذا إشارة إلى أن الإخبار من الله لا من عنده صلّى الله عليه وسلّم لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي له تعالى علم ما خفي من أحوال (١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٤: ٢١٧). أهلهما، لأنه موجدهما ومدبرهما أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ أي ما أبصر الله وما أسمعه بكل شيء وهذا التعجب يدل على أن علمه تعالى بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه إدراك المدركين لا يحجبه شيء ولا يحول عنه حائل ما لَهُمْ أي لأهل السموات والأرض مِنْ دُونِهِ تعالى مِنْ وَلِيٍّ يتولى أمورهم ويقيم لهم تدبير أنفسهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير إعلامه تعالى وَلا يُشْرِكُ تعالى فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦) فلما حكم تعالى أن لبثهم هو هذا المقدار فليس لأحد أن يقول قولا بخلافه. وقرأ ابن عامر «لا تشرك» بالتاء على الخطاب لكل أحد وبالجزم على النهي أي ولا تسأل أحدا عما أخبرك الله به من عدة أصحاب الكهف ومن مدة لبثهم في الغار واقتصر على حكمه تعالى ولا تشرك أحدا في طلب معرفة هذه الواقعة وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ ولا تسمع لقولهم: أئت بقرآن غير هذا أو بدله لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي لا قادر على تبديلها وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ تعالى مُلْتَحَداً (٢٧) أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بالتبديل للقرآن وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أي يعبدونه في كل الأوقات. قرأ ابن عامر «بالغدوة» بضم الغين وسكون الدال. يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي مريدين بعبادتهم لرضاه تعالى وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ أي لا تنصرف عيناك عنهم إلى غيرهم تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي ترغب في مجالسة الأغنياء وجميل الصورة وَلا تُطِعْ في تنحية الفقراء عن مجالسك مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ أي وجدنا قلبه غافلا عَنْ ذِكْرِنا أي عن توحيدنا وَاتَّبَعَ هَواهُ في عبادة الأصنام وَكانَ أَمْرُهُ في متابعة الهوى فُرُطاً (٢٨) أي ضائعا نزلت هذه الآية في عيينة بن حصن الفزاري فإنه أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء منهم سلمان الفارسي وعليه شملة قد عرق فيها وبيده خوص يشقه وينسجه فقال عيينة للنبي أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادة مضر وأشرافها إن أسلمنا تسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا وقد أسلم هو رضي الله عنه وحسن إسلامه وكان في حنين من المؤلفة قلوبهم فأعطاه النبي صلّى الله عليه وسلّم منها مائة بعير وكذلك أعطي الأقرع بن حابس، وأعطي العباس بن مرداس أربعين بعيرا. وروى أبو سعيد رضي الله عنه قال: كنت جالسا في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستر بعضا من العرى وقارئ يقرأ من القرآن فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «ماذا كنتم تصنعون» ؟ قلنا: يا رسول الله كان واحد يقرأ من كتاب الله ونحن نسمع فقال صلّى الله عليه وسلّم: «الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» ثم جلس وسطنا وقال: «أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسين ألف

الكهف 18:31

سنة» «١» وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أي قل لأولئك الغافلين هذا الدين الحق إنما أتى من عند الله فإن قبلتموه عاد النفع إليكم وإن لم تقبلوه عاد الضرر إليكم ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى والقبح، والحسن والخمول والشهرة فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ فالله تعالى لم يأذن في طرد من آمن وعمل صالحا لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من الكفار وهذه الصيغة تهديد وليست بتخيير إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ أي هيأنا لمن أنف عن قبول الحق لأجل أن من قبلوه فقراء ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها أي فسطاطها فلا مخلص لهم منها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من العطش يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ أي كدردي الزيت أو كالفضة المذابة يَشْوِي الْوُجُوهَ أي إذا قرب إلى الفم ليشرب سقطت فروة وجهه بِئْسَ الشَّرابُ ذلك الماء لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ في احتراق الأجسام مبلغا عظيما وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) أي وساءت النار منزلا ومجتمعا للرفقة مع الكفار والشياطين إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أي لا نبطل ثواب من أخلص عملا أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ أي من تحت مساكنهم الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ويسور المؤمن في الجنة بسوار من ذهب وبسوار من فضة، وبسوار من لؤلؤ فيكون في يده هذه الأنواع الثلاثة وفي الحديث الصحيح تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وهو الديباج اللطيف وَإِسْتَبْرَقٍ وهو الديباج الصفيق فإن الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ أي ويجلسون في الجنة متربعين على السرر في الحجال وهي بيوت تزين بأنواع الزينة أما السرير وحده فلا يسمى أريكة نِعْمَ الثَّوابُ ذلك وَحَسُنَتْ أي الأرائك مُرْتَفَقاً (٣١) أي منزلا ومجتمعا للرفقة مع الأنبياء والصالحين وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أي بيّن لهؤلاء الذين يطلبون طرد المؤمنين لضعفهم مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين شريكين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا أو تمليخا لهما ثمانية آلاف دينار، فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار فقال صاحبه: اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال هذا: اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني اشتريت منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم تزوج صاحبه امرأة وأنفق عليها ألف دينار فقال هذا: اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم إن صاحبه اشترى خدما ومتاعا بألف دينار فقال هذا: اللهم إني أشتري منك خدما ومتاعا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه معروف فجلس على طريق حتى مر به في حشمه فقام إليه فنظر إليه صاحبه فعرفه (١) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (١٦٥٨٦)، وأحمد ابن حنبل في الزهد (٣٧). فقال له: فلان، قال: نعم، فقال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتعينني بخير قال: فما فعل بمالك فقص عليه قصته فقال: وإنك لمن المصدقين فطرده ووبخه على التصدق بماله وآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى فنزل في شأنهما قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما وهو الكافر جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ أي بستانين من كروم متنوعة وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ أي جعلنا النخل محيطا بالجنتين وَجَعَلْنا بَيْنَهُما أي وسط أرض الجنتين زَرْعاً (٣٢) ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه فتأتي هذه الأرض في كل وقت بمنفعة فكانت منافعها متواصلة كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها أي أخرجت ثمرها كل عام وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ أي لم تنقص من ثمرها شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما أي أجرينا في داخل تلك الجنتين نَهَراً (٣٣) وفي قراءة يعقوب «وفجرنا» بالتخفيف وَكانَ لَهُ أي لصاحب الجنتين ثَمَرٌ. قرأ عاصم بفتح الثاء والميم أي ثمر البستان. وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم. والباقون بضم الثاء والميم في الموضعين، أي أنواع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك فَقالَ أي صاحب الجنتين لِصاحِبِهِ الذي جعل مثلا للفقراء المؤمنين وَهُوَ أي صاحب الجنتين يُحاوِرُهُ أي يراجع صاحبه بالكلام الذي فيه الافتخار بالمال والناس: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) أي أكثر أصحابا من الأولاد وغيرهم، ويقال: وهو أي صاحبه المؤمن يراجه الكافر في الكلام بالوعظ والدعاء إلى الإيمان بالله وبالبعث وَدَخَلَ جَنَّتَهُ أي بستانه مع صاحبه يطوف به فيها ويريه حسنها وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ أي ضار لها بكفره وعجبه واعتماده على ماله قالَ استنئاف بيان لسبب الظلم ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) أي ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدا وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ أي القيامة التي هي وقت البعث قائِمَةً أي حاصلة وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي بالبعث عند قيامة كما تقول لَأَجِدَنَّ يومئذ خَيْراً مِنْها أي من هذه الجنة مُنْقَلَباً (٣٦) أي عاقبة وسبب هذه اليمين الفاجرة اعتقاده إنما أعطاه الله المال في الدنيا لكرامته عنده تعالى، وهي معه بعد الموت. وقرأ نافع وابن كثير منهما أي الجنتين. قالَ لَهُ أي لصاحب الجنة صاحِبُهُ الذي هو المؤمن وَهُوَ أي المؤمن يُحاوِرُهُ أي يجاوب الكافر بالتوبيخ على شكه في حصول البعث أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ أي من آدم وهو من تراب ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ لأبيك وأمك ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) أي صيّرك إنسانا ذكرا، وهيّأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز في العقل مع هذه الحالة إهماله تعالى أمرك فإن من قدر على بدء خلقه من تراب قادر أن يعيده منه وجعل الكفر بالبعث كفرا بالله، لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله لكِنَّا أي لكن أنا أقول هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) أي أنت كافر بالله لكني مؤمن به موحد، ثم قال المؤمن للكافر: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ أي وهلا حين دخلت بستانك قُلْتَ عند إعجابك بها: ما شاءَ اللَّهُ أي الأمر هو الذي شاءه الله لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أي لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.

الكهف 18:41

وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يصره» «١». إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (٣٩) وخدما في الدنيا فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ أي يعطيني في الآخرة خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ لإيماني وَيُرْسِلَ عَلَيْها أي على جنتك حُسْباناً أي نارا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أي فتصير جنتك أرضا ملساء لا نبات فيها بحيث تزلق الرجل لكفرك أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً أي غائصا في الأرض فَلَنْ تَسْتَطِيعَ أنت لَهُ أي الماء طَلَباً (٤١) أي حيلة تدركه بها وقوله تعالى: أَوْ يُصْبِحَ عطف على قوله تعالى: فَتُصْبِحَ وإن كان الحسبان بمعنى النار لأنها الحكم الإلهي بتخريب الجنة فيتسبب عنه صيرورتها ترابا أملس، أو صيرورة مائها غائر إثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن فقال: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أي أهلك ثمر بستانه بالكلية وجميع أمواله فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ أي صار يضرب إحداهما على الأخرى، وإنما يفعل هذا ندامة عَلى ما أَنْفَقَ فِيها أي في عمارة جنته لأنه أنفق ما يمكن ادخاره من الأموال الكثيرة في مثل هذا الشيء السريع الزوال وقوله: «على ما أنفق» متعلق ب «يقلب» لأنه ضمن معنى يندم كأنه قيل: فأصبح يندم على ما صنع فإنه من عظمت ندامته يصفق إحدى يديه على الأخرى وَهِيَ أي الجنة خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي ساقطة على سقوف الجنة، وهي سقطت على الجدران. وهذه اللفظة كناية عن هلاك البستان بالكلية وَيَقُولُ أي الكافر- تلهفا على تلف المال أي تنبهوا يا قومي-: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وهذا الكافر تذكر كلام المؤمن وعلم إنما هلكت جنته بشؤم شركة فتمنى أن لا يكون مشركا فلم يصبه ما أصابه وَلَمْ تَكُنْ لَهُ أي الكافر فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ بدفع الهلاك عن الجنة أو برد الهالك منها أو بإتيان مثله مِنْ دُونِ اللَّهِ فإنه وحده قادر على ذلك. وقرأ حمزة والكسائي و «لم يكن» بالياء التحتية. والباقون بالتاء الفوقية وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) أي قادرا بنفسه على واحد من هذه الأمور هُنالِكَ الْوَلايَةُ أي في مثل ذلك الوقت وفي ذلك المقام النصرة لِلَّهِ الْحَقِّ فلا يقدر عليها أحد. وقرأ حمزة والكسائي «الولاية» بكسر الواو بمعنى الملك فالمعنى أي في تلك الدار الآخرة السلطان لله. والباقون بفتحها أي النصرة. وقرأ أبو عمرو والكسائي «الحق» بالرفع صفة للولاية. وقرأ الباقون بالجر صفة لله أي الثابت الذي لا يزول هُوَ تعالى خَيْرٌ ثَواباً أي إثابة في الآخرة لمن آمن به والتجأ إليه وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤) أي عاقبة لمن رجاه وعمل لوجهه. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو ونافع والكسائي وابن عامر بضم القاف. وعاصم وحمزة بتسكينها. وقرئ «عقبى» كرجعى والكل بمعنى العاقبة. وَاضْرِبْ لَهُمْ (١) رواه العجلوني في كشف الخفاء (٢: ١٠٠). [.....] أي واذكر للذين افتخروا بأموالهم على فقراء المسلمين مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي صفتها العجيبة في فنائها كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ أي اختلط بعض أنواع النبات ببعضها الآخر بسبب هذا الماء أي صار النبات في المنظر في غاية الحسن فَأَصْبَحَ هَشِيماً أي فصار النبات بعد بهجتها يابسا مكسورا تَذْرُوهُ الرِّياحُ أي تفرقه ولم يبق منها شيء. وقرأ حمزة والكسائي الريح بالتوحيد وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) أي قادرا على الكمال بتكوينه أولا وتنميته وسطا وإبطاله آخرا، فأحوال الدنيا كذلك تظهر أولا في غاية النضارة، ثم تتزايد قليلا قليلا، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يفرح به الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقراض فيقبح بالعاقل أن يفتخر به وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ أي أعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبدا من الصلوات الخمس وأعمال الحج وصيام رمضان والطيب من القول خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ أي في الآخرة ثَواباً فتعود إلى صاحبها وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) فينال بها صاحبها في الآخرة كل ما كان يرجوه في الدنيا، لأن صاحب تلك الأعمال يأمل في الدنيا نصيبه من ثواب الله في الآخرة. وللغزالي في هذا وجه لطيف فقال: روي أن من قال: سبحان الله حصل له من الثواب عشر حسنات فإذا قال: والحمد لله صارت عشرين فإذا قال: ولا إله إلا الله صارت ثلاثين، فإذا قال: والله أكبر صارت أربعين. وتحقيق القول في ذلك أن أعظم مراتب الثواب هو الاستغراق في معرفة الله وفي محبته فإذا قال: سبحان الله فقد عرف كونه تعالى منزها عن كل ما لا يليق به، فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة، فإذا قال مع ذلك والحمد لله فقد أقر بأن الله تعالى مع كونه منزها عن كل ما لا ينبغي فهو المبتدئ لإفادة كل ما ينبغي ولإفاضة كل خير وكمال، فإذا قال: مع ذلك ولا إله إلّا الله فقد أقر بأنه ليس في الوجود موجود منزه عن كل ما لا ينبغي مبتدئ لإضافة كل ما ينبغي إلا الواحد فإذا قال والله أكبر ومعنى أكبر أي أعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة، فكانت درجات الثواب أربعة، فهذه الكلمات الأربع تسمى الباقيات الصالحات وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ أي واذكر لهم حين نسير أجزاء الجبال عن وجه الأرض بعد أن نجعلها غبارا مفرقا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «تسير الجبال» بالتاء الفوقية بالبناء للمفعول وبرفع الجبال. وَتَرَى الْأَرْضَ خطاب لكل أحد. وقرئ على صيغة البناء للمفعول بارِزَةً أي ظاهرة ليس عليها ما يسترها من جبال وأشجار وبناء وحيوان وظل وبحار وَحَشَرْناهُمْ أي جمعنا الخلائق إلى الموقف من كل أوب للسحاب فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أي لم نترك من الأولين والآخرين أَحَداً (٤٧) إلا وجمعناهم لذلك اليوم عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ كعرض الجند على السلطان

الكهف 18:51

ليقضي بينهم صفًّا أي مصطفين وقد ورد في الحديث الصحيح: «يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفا» «١» وفي حديث آخر: «أهل الجنة مائة وعشرون صفا أنتم منها ثمانون» «٢» اهـ. مقولا لهم: لقَدْ جِئْتُمُونا كائنين كما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ حفاة عراة غرلا بلا أموال وأعوان بلْ زَعَمْتُمْ في الدنيا ألَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً أي وقتا للبعث وَوُضِعَ الْكِتابُ أي وضع في هذا اليوم كتاب كل إنسان في يده اليمنى إن كان مؤمنا وفي يده اليسرى إن كان كافرا فقد تطايرت الكتب إلى أيدي الخلق مثل الثلج فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ أي المشركين والمنافقين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ أي خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة أي يحصل لهم خوف العقاب من الله بذنوبهم وخوف الفضيحة عند الخلق بظهور الجرائم لأهل الموقف وَيَقُولُونَ عند وقوفهم على ما في الكتاب من السيئات يا وَيْلَتَنا أي يا هلكتنا مالِ هذَا الْكِتابِ أي أيّ شيء له لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً من أعمالنا إِلَّا أَحْصاها أي عدها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا في الدنيا من السيئات حاضِراً أي مكتوبا في صحفهم وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) فلا ينقص من حسنات أحد ولا يزيد على سيئات أحد وَإِذْ قُلْنا أي واذكر لهم وقت قولنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا جميعا امتثالا بالأمر إِلَّا إِبْلِيسَ فإنه لم يسجد بل تكبر على آدم، لأنه افتخر بأصله كانَ مِنَ الْجِنِّ أي من نوع الجن الذين هم الشياطين فالذي خلق من نار هو أبوهم فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج عن طاعته بترك السجود أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ أي أبعد ما وجد من إبليس ما وجد تتخذونه وذريته أصدقاء يا بني آدم مِنْ دُونِي فتطيعونهم بدل طاعتي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ أي والحال أن إبليس وذريته لكم أعداء بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) من الله تعالى في الطاعة إبليس وذريته وعن مجاهد قال: ولد إبليس خمسة بتر والأعور وزلنبور ومشوط، وداسم، فبتر: صاحب المصائب، والأعور: صاحب الزنا زلنبور الذي يفرق بين الناس ويبصر الرجل عيوب غيره ومشوط صاحب الصخب والأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس ولا يجدون لها أصلا وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله دخل معه وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه ما أَشْهَدْتُهُمْ أي ما أحضرت إبليس وذريته خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإني خلقتهما قبل خلقهم وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ (١) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: تفسير سورة ١٧، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: ٣٢٧، والترمذي في كتاب القيامة، باب: ١٠، والدارمي في كتاب الرقاق، باب: في سجود المؤمنين يوم القيامة، وأحمد في (م ١/ ص ٤). (٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٩: ٤١٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (١: ١٥٦)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٤٥١٢). للناس وهم الشياطين عَضُداً (٥١) أي أعوانا في شأن الخلق حتى يتوهم شركتهم بي في بعض أحكام الربوبية. والمعنى ما أطلعتهم على أسرار التكوين وما خصصتهم بفضائل لا يحويها غيرهم حتى يكونوا قدوة للناس، فكيف تطيعونهم يا بني آدم: وَيَوْمَ يَقُولُ أي واذكر لهم يا أشرف الخلق أحوال المشركين وآلهتهم يوم القيامة إذ يقول الله تعجيزا. وقرأ حمزة بنون العظمة. نادُوا شُرَكائِيَ أي نادوا آلهتكم التي قلتم: إنهم شركائي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أي عبدتم ليمنعوكم من عذابي فَدَعَوْهُمْ للإغاثة فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ إلى ما دعوهم إليه وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ أي المشركين وآلهتهم مَوْبِقاً (٥٢) أي حاجزا بعيدا أو واديا في جهنم من قيح ودم، وذلك أن المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة الملائكة وعزيرا، وعيسى ومريم عليهم السلام دعوا هؤلاء فلم يجيبوهم استهانة بهم، واشتغالا بأنفسهم، ثم حيل بينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم، وأدخل عزيرا وعيسى ومريم الجنة، وسار الملائكة إلى حيث أراد الله من الكرامة وحصل بين الكفار ومعبوديهم هذا الحاجز وهو ذلك الوادي وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ أي الكافرون النَّارَ من مكان بعيد فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها أي مخالطوها في تلك الساعة من غير تأخير لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣) أي معدلا إلى غيرها، لأن الملائكة تسوقهم إليها وَلَقَدْ صَرَّفْنا أن ذكرنا على وجوه كثيرة فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ أي لمنفعتهم مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان التي هي في الغرابة كالمثل ليتلقوه بالقبول فلم يفعلوا وَكانَ الْإِنْسانُ بجبلته أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) أي وكان خصومة الإنسان بالباطل أكثر شيء فيه وَما مَنَعَ النَّاسَ أي أهل مكة أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى أي القرآن الهادي إلى الإيمان وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ عما فرط منهم من الذنوب إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي إلا طلب إتيان سنتنا في الأولين وهو عذاب الاستئصال أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥). وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بضم القاف والباء. أي أنواعا من العذاب تتواصل مع كونهم أحياء، والباقون بكسر القاف وفتح الباء أي عيانا. وقرئ بفتحتين أي مستقبلا. وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلى الأمم إِلَّا مُبَشِّرِينَ بالثواب على أفعال الطاعة وَمُنْذِرِينَ بالعقاب على أفعال المعصية وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا المرسلين بِالْباطِلِ أي باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ أي ليبطلوا بجدالهم الشرائع وَاتَّخَذُوا آياتِي التي هي معجزات الرسل وَما أُنْذِرُوا أي وإنذارهم بالعذاب هُزُواً (٥٦) أي سخرية. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ أي ليس أحد أظلم ممن وعظ بالقرآن فَأَعْرَضَ عَنْها أي فصرف عن تلك الآيات ولم يتدبرها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ أي تغافل عن كفره وذنوبه ولم يتفكر في عاقبته إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أي أغطية أَنْ يَفْقَهُوهُ أي مانعة من أن يفهموا القرآن وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً أي صمما مانعا من استماعه وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى أي إلى التوحيد فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) أي فلن

الكهف 18:61

يوجد منهم اهتداء ألبتة مدة التكليف وَرَبُّكَ الْغَفُورُ أي البليغ لستر ذنوبهم بالحلم عنها إلى وقت آخر ذُو الرَّحْمَةِ بتأخير العقوبة عنهم لَوْ يُؤاخِذُهُمْ أي لو يريد الله مؤاخذتهم بِما كَسَبُوا من الذنوب لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ في الدنيا بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ أي وقت لهلاكهم لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ أي العذاب مَوْئِلًا (٥٨) أي مرجعا فمن يكون مرجعه العذاب فلا يوجد منه الخلاص وَتِلْكَ الْقُرى أي وأهل قرى عاد وثمود وأمثالهما أَهْلَكْناهُمْ في الدنيا لَمَّا ظَلَمُوا أي حين كفروا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩) أي وقتا معينا لا يتأخرون عنه. وقرأ شعبة بفتح الميم واللام أي لهلاكهم، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام أي لوقت هلاكهم، والباقون بضم الميم وفتح اللام أي لإهلاكنا إياهم وَإِذْ قالَ أي واذكر حين قال مُوسى لِفَتاهُ يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف عليه السلام وكان يوشع من أشراف بني إسرائيل، وإنما سمي فتى موسى عليه السلام لأنه كان يخدمه، وكان موسى عليه السلام وقع في قلبه أن ليس في الأرض أحد أعلم مني فقال الله: يا موسى إن لي في الأرض عبدا أعبد لي منك وأعلم وهو الخضر، فقال موسى: يا رب دلني عليه، فقال الله له: خذ سمكا مالحا وامض على شاطئ البحر حتى تلقى صخرة عندها عين الحياة فانضح على السمكة منها حتى تحيا السمكة فثم تلقى الخضر فأخذ حوتا، فجعله في مكتل فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان لا أَبْرَحُ أي لا أزال سائرا حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أي ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) أو أسير زمانا طويلا أتيقن معه فوات الطلب أو أسير ثمانين سنة فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما أي بلغا موضعا يجتمع فيه موسى وصاحبه الذي كان يقصده وهو الخضر نَسِيا حُوتَهُما أي نسيا خبر حوتهما وتفقد أمره وقد جعل فقدانه أمارة لوجدان المطلوب. فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) أي فأدركته الحياة بسبب برد الماء الذي أصابه فتحرك في المكتل، فخرج منه وسقط في البحر، فاتخذ الحوت في البحر مسلكا كالسرب. قيل: إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملحة فطفرت وسارت فَلَمَّا جاوَزا أي موسى وفتاه مجمع البحرين، وذهبا كثيرا، وألقي على موسى الجوع قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا الذي بعد مجاوزة الصخرة نَصَباً (٦٢) أي تعبا. قيل: إن موسى لم يتعب ولم يجع قبل ذلك قالَ أي فتاه: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ أي أأبصرت حالنا إذ قمنا عند الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ أي خبر الحوت وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ بدل اشتمال من الهاء أي وما أنساني ذكر أمر الحوت لك إلا الشيطان بوسوسته الشاغلة عن ذلك. وقرأ حفص بضم الهاء «من أنسانيه». وَاتَّخَذَ أي الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) أي اتخاذا عجبا وهو كون مسلكه كالسرب فلم يلتئم الماء وجمد ما تحت الحوت منه

الكهف 18:71

حتى رجع موسى إليه فرأى مسلكه وكون الحوت قد مات وأكل شقه الأيسر، ثم حيي بعد ذلك قالَ أي موسى: ذلِكَ أي الذي ذكرت من أمر الحوت ما كُنَّا نَبْغِ أي الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب وهو لقاء الخضر. وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء وصلا لا وقفا، وابن كثير أثبتها في الحالين. والباقون حذفوها في الحالين اتباعا للرسم. فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) أي فرجعا مفتشين آثارهما أو فاقتصا على آثارهما اقتصاصا حتى آتيا الصخرة فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا وهو الخضر واسمه: بليا بن ملكان، وكنيته أبو العباس وهو من نسل نوح، وكان أبوه من الملوك الذين تزهدوا وتركوا الدنيا. وروي أنهما وجدا الخضر وهو نائم على وجه الماء وهو مغطى بثوب أبيض أو أخضر، طرفه تحت رجليه والآخر تحت رأسه فسلم عليه موسى فرفع رأسه واستوى جالسا وقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل فقال له موسى: ومن أخبرك إني نبي بني إسرائيل؟ فقال: الذي أدراك بي ودلّك علي. والصحيح أن الخضر نبي، وذهب الجمهور إلى أنه حي إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا أي أكرمناه بالنبوة- كما قاله ابن عباس- وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥) وهو علم الغيوب قالَ لَهُ مُوسى على سبيل التأدب والتلطف في ظرف الاستئذان هَلْ أَتَّبِعُكَ أي أصحبك عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ أثبت الياء نافع وأبو عمرو وصلا لا وقفا، وابن كثير في الحالين، والباقون حذفوها. مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) أي علما يرشدني في ديني. وقرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح الراء والشين، والباقون بضم الراء وتسكين الشين. قال له الخضر: كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا. فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا فحينئذ قالَ له الخضر: يا موسى إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) أي على ما لم تعلم به بيانا وحكمة، أي إنك يا موسى لا تصبر على أمور لم تعلم حقائقها يا موسى إني على علم من علم الله تعالى علمنيه لا تعلمه، أي وهو علم الكشف وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه أي وهو علم ظاهر الشريعة. قالَ له موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) عطف على «صابرا»، أي ستجدني صابرا على ما أرى منك وغير مخالف لأمرك قالَ له الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي أي صحبتني فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ تشاهده من أفعالي ولو منكرا بحسب علمك الظاهر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) أي حتى أبتدئ بإخبارك ببيان ذلك الشيء. وقرأ ابن عامر «فلا تسألن» بالنون المثقلة وبغير ياء. وروي عنه «تسألني» مثقلة مع الياء وهي قراءة نافع، وقرأ باقي السبعة بسكون اللام وتخفيف النون، وقرأ أبو جعفر هنا «تسلن» بفتح السين واللام وتشديد النون من غير همز. فَانْطَلَقا أي موسى والخضر عليهما السلام على الساحل يطلبان السفينة، وأما يوشع فقد صرفه موسى إلى بني إسرائيل أو كان معهما وإنما لم يذكر في الآية لأنه تابع لموسى فاكتفى بذكر المتبوع عن التابع. فالمقصود ذكر موسى والخضر حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها أي ثقبها الخضر. وعن أبي بن كعب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مرت بهم سفينة فكلموا أهلها أن يحملوهم فعرفوا الخضر بعلامة فحملوهم بغير نول فلما لجوا- أي وصلوا- إلى الماء الغزير أخذ الخضر فأسا وأخرج بها لوحا من السفينة» . قالَ له موسى: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها أي لتغرق أنت أهل هذه السفينة، وقرأ حمزة والكسائي «ليغرق أهلها» بالياء المفتوحة وفتح الراء ورفع «أهلها». لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) أي لقد فعلت شيئا عظيما شديدا على القوم. روي أن الماء لم يدخل السفينة. وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشى به الخرق قالَ له الخضر: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ موسى لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أي بما تركت من وصيتك أول مرة أو هذا من التورية وإيهام خلاف المراد فيتقي موسى بها الكذب مع التوصل إلى الغرض وهو بسط عذره في الإنكار، فالمراد بما نسيه شيء آخر غير الوصية لكنه أوهم أنها المنسية وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) أي لا تكلفني مشقة في أمر صحبتي إياك فقبل الخضر عذر موسى فخرجا من السفينة فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً بين قريتين لم يبلغ الحنث يلعب مع عشر صبيان كان وضيء الوجه اسمه «خيشور» فأخذه الخضر فَقَتَلَهُ بذبحه مضطجعا بالسكين أو بفتل عنقه قالَ له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً أي بريئة من الذنوب بِغَيْرِ نَفْسٍ أي بغير قتل نفس محرمة. وقرأ نافع وابن كثيرون وأبو عمرو بألف بعد الزاي وبتخفيف الياء، والباقون بالتشديد وبدون ألف. لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) أي لقد فعلت فعلا منكرا قالَ الخضر أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يا موسى زاد الخضر لك هنا تقريعا لموسى وتحاملا في الخطأ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قيل: إن يوشع كان يقول لموسى يا نبي الله اذكر العهد الذي أنت عليه قالَ موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي بعد هذه المرة فَلا تُصاحِبْنِي أي لا تجعلني صاحبك. وقرئ لا تصحبني بضم التاء وسكون الصاد قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) أي قد وجدت من قبلي عذرا حيث خالفتك ثلاث مرات، قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم في بعض الروايات بتخفيف النون وضم الدال، وفي بعض الروايات عن عاصم بضم اللام وسكون الدال. روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك ولو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ بعد الغروب في ليلة باردة ممطرة وهي أنطاكية أو أبرقة اسْتَطْعَما أَهْلَها أي طلبا من أهلها الخبز على سبيل الضيافة فإقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح في كل الشرائع بل ربما وجب ذلك عند خوف الضرر الشديد. وعن أبي هريرة قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربرة بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعوا لنسائهم ولعنا رجالهم فقوله تعالى: «استطعما» جواب «إذا» أو صفة ل «قرية». فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما عن النبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا أهل قرية لئاما فَوَجَدا فِيها أي القرية جِداراً مائلا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي يقرب من السقوط وكان ارتفاعه مائة ذراع وعرضه خمسون ذراعا وامتداده على وجه الأرض خمسمائة ذراع فَأَقامَهُ أي رفعه الخضر بيده فاستقام أو مسحه بيده فاستوى أو هدمه ثم بناه قالَ موسى: لَوْ شِئْتَ يا خضر لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) أي طلبت على عملك أجرة تصرفها إلى تحصيل المطعوم، وتحصيل سائر المهمات أي كان ينبغي لك أن تأخذ منهم جعلا على فعلك لتقصيرهم فينا مع حاجتنا وليس لنا في إصلاح الجدار فائدة فهو من فضول العمل. وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسيانا، والوسطى شرطا، والثالثة عمدا» «١» قيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر أنها حجة على موسى وعتب عليه، وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم؟ فلما أنكر أمر الغلام قيل له: أين إنكارك هذا من وكزك للقبطي وقضائك عليه؟ فلما أنكر إقامة الجدار نودي: أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر؟ قالَ له الخضر: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ أي هذا الإنكار على ترك الأجر سبب فراق حصل بيني وبينك سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨) السين للتأكيد لا للاستقبال لعدم تراخي التنبئة أي أظهر لك بيان وجه ما لم تصبر عليه أي حكمة هذه الأمور الثلاثة قبل فراقي لك. أَمَّا السَّفِينَةُ التي خرقتها فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فيعيرون بالناس مؤاجرين للسفينة لحمل الأمتعة ونحوها كانت لعشرة إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر فأما العمال منهم. فأحدهم: كان مجذوما. والثاني: كان أعور. والثالث: كان أعرج. والرابع: كان آدر. والخامس: كان محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم. (١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١: ٣١٧)، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤: ٢٨).

الكهف 18:81

والخمسة: الذين لا يطيقون العمل أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون وكان البحر الذي يعملون فيه ما بين فارس والروم فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها أي أن أجعلها ذات عيب وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم كما قرأ به ابن قرأ بذلك ابن عباس وابن جبير. مَلِكٌ كافر اسمه: هدد بن بدد أو جلندى ابن كرر. يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صحيحة- كما قرأ بذلك ابن عباس وابن جبير. غَصْباً (٧٩) من أصحابها ولم يكن عندهم علم به فلذلك ثقبتها فإذا جاوزوا الملك أصلحوها وَأَمَّا الْغُلامُ الذي قتلته فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ من عظماء تلك القرية اسم الأب كازبرا واسم الأم سهوا. فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما أي فخفنا أن يحمل الوالدين المؤمنين طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) لمحبتهما له. وقرئ «فخاف ربك» أي كره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر أن يلحق الوالدين معصية وكفرا، أو يقال: فعلم ربك أن يوقعهما في الكفر، وقيل: إن أبويه فرحا به حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما فليرض العبد بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. وقيل: كان الغلام رجلا كافرا لصا قتالا فمن ذلك قتله الخضر، وكان اسمه: جيسور فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً أي صلاحا وطهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) أي عطفا بأبويه وأوصل رحما بأن يكون أبر بهما. قال ابن عباس: أبدلا بنتا ولدت نبيا وهو الذي كان بعد موسى الذي قالت له بنو إسرائيل: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله وكان اسمه: شمعون. وقرأ أبو عمرو ونافع بفتح الياء وتشديد الدال، هنا وفي التحريم وفي القلم. وقرأ ابن عامر في إحدى الروايتين عن أبي عمرو «رحما» بضم الحاء. وَأَمَّا الْجِدارُ الذي سويته فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ هما أصرم وصريم ابنا كاشح وأمهما دنيا فِي الْمَدِينَةِ وهي المعبر عنها أولا بالقرية تحقيرا لها لخسة أهلها وعبر عنها هنا بالمدينة تعظيما لها من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وأبيهما وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما عن أبي الدرداء أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كان ذهبا وفضة» «١» رواه البخاري في تاريخه، والترمذي والحاكم ، وقيل: كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن: وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب: وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح: وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل: وعجبت لمن يعرف الدنيا (١) رواه ابن الجوزي في زاد المسير (٥: ١٦٣)، وابن حجر في فتح الباري (١١: ٥٥٠)، والطبري في التفسير (١٥: ١٨٥)، والقرطبي في التفسير (١١: ١٨)، وابن كثير في التفسير (٥: ١٧٢). وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً وهذا يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء وقد روي أن الله يحفظ الصالح في سبعة من ذريته فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أي قوتهما وكمال رأيهما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما أي دفينهما من تحت الجدار ولولا أني أقمته لا نقض وخرج الكنز من تحته وضاع بالكلية رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مفعول له وعامله «أراد» أي نعمة لهما من ربك أو عامله مقدر أي فعلت هذه الأفعال وحيا من ربك. وَما فَعَلْتُهُ أي ما فعلت ما رأيت من هذه الأحوال عَنْ أَمْرِي أي عن اجتهادي ورأيي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) أي ذلك الأجوبة الثلاثة تفسير ما لم تصبر عليه من الوقائع الثلاثة وحذف التاء بعد السين هنا للتخفيف. روي أن موسى عليه السلام لما أراد أن يفارق الخضر قال له: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدث به، واطلبه لتعمل به. وقيل: إن الخضر لما أراد أن يفارق موسى قال له موسى: أوصيني، قال: كن بساما ولا تكن ضحاكا، ودع اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك با ابن عمران. وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ أي يسألك يا أشرف الخلق أهل مكة عن خبر ذي القرنين: اسمه: إسكندر بن فيلفوس اليوناني، كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة، وكان وزيره الخضر. والصحيح أنه لم يكن نبيا وإنّما كان ملكا صالحا عادلا ملك الأقاليم وقهر أهلها من الملوك وغيرهم، ودانت له البلاد وكان داعيا إلى الله. قُلْ لهم في الجواب: سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) أي سأذكر لكم من حال ذي القرنين خبرا مذكورا. «والسين» للتأكيد وللدلالة على التحقق. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أي إنا جعلنا له قدرة على التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي وعلى الأسباب حيث سخر له السحاب وبسط له النور، وكان الليل والنهار عليه سواء وسهل عليه السير في الأرض وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه في إصلاح ملكه سَبَباً (٨٤) أي طريقا يوصله إلى ذلك الشيء المقصود كآلات السير وكثرة الجند فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) أي فأخذ طريقا يوصله إلى استقصاء بقاع الأرض ليملأها عدلا حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ أي منتهى الأرض من جهة المغرب بحيث لا يمكن أحد من مجاوزته ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له: أوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبدأ الأطوال وَجَدَها أي الشمس تَغْرُبُ في رأى العين فِي عَيْنٍ أي بحر محيط حَمِئَةٍ أي ذات طين أسود شديد السخونة كما يدل عليه قراءة شعبة وحمزة والكسائي وابن عامر حامية بألف بعد الحاء وبياء بعد الميم، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وَوَجَدَ عِنْدَها أي عند تلك العين قَوْماً كفارا لباسهم جلود الوحوش وطعامهم ما يلفظه البحر من السمك قُلْنا بإلهام: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ بالقتل وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) أي أمرا ذا حسن بأن تتركهم أحياء. قالَ أي ذو القرنين: أَمَّا مَنْ

الكهف 18:91

ظَلَمَ نفسه باستمراره على الكفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ بالقتل بعد طول الدعاء إلى الإسلام ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ فيها عَذاباً نُكْراً (٨٧) أي شديدا وهو عذاب النار وَأَمَّا مَنْ آمَنَ بسبب دعوتي وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى. قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بنصب «جزاء» أي فله الجنة في الآخرة من جهة الجزاء. وقرأ الباقون برفعه والإضافة أي فله في الدارين جزاء الفعلة الحسنى التي هي الإيمان والعمل الصالح وَسَنَقُولُ لَهُ أي لمن آمن مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) أي قولا سهلا مما نأمره به من الزكاة والخراج وغيرهما ولا نأمره بالصعب الشاق ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) أي ثم أخذ ذو القرنين طريقا نحو المشرق من جهة الجنوب حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ أي موضع طلوعها من معمورة الأرض وَجَدَها أي الشمس تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ هم الزنج لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها أي الشمس سِتْراً (٩٠) من اللباس فيكونون عراة أبدا فإذا طلعت الشمس دخلوا الأسراب أو البحر فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم كَذلِكَ أي أمر ذي القرنين فيهم كأمره في أهل المغرب فحكم في أهل المطلع كما حكم في أهل المغرب من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) أي وقد علمنا بما كان عند ذي القرنين من الخبر ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) أي ثم سلك ذو القرنين طريقا معترضا بين المشرق والمغرب آخذا نحو الروم من الجنوب إلى الشمال حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ أي بين الجبلين العاليين الأملسين فلا يستطاع الصعود عليهما في آخر بلاد الترك مما يلي المشرق ويسمى كل منهما سدا، لأنه سد فجاج الأرض وَجَدَ مِنْ دُونِهِما أي من ورائهما مجاوزا عنهما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) أي أمة من الناس لا يقربون يفهمون قول غيرهم لقلة فطنتهم، وفي قراءة حمزة والكسائي ضم الياء وسكون الفاء وكسر القاف أي لا يفهمون الناس كلامهم لغرابة لغتهم وهم من أولاد يافث وذو القرنين من أولاد سام. قال أهل التاريخ: أولاد نوح عليه السلام ثلاثة: سام، وحام، ويافث. أما سام: فهو أبو العرب والعجم والروم. وأما حام: فهو أبو الحبشة والزنج والنوبة. وأما يافث: فهو أبو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج قالُوا لذي القرنين- بواسطة ترجمان ممن هو مجاورهم، ويفهم كلامهم، أو بغير ترجمان على أن فهم ذي القرنين كلامهم وإفهام كلامه إياهم من جملة ما أعطاه الله تعالى من الأسباب-: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أي في أرضنا يأكلون كل شيء أخضر، ويحملون كل شيء يابس، ويقتلون أولادنا وسمى يأجوج ومأجوج لكثرتهم. وروى حذيفة حديثا مرفوعا: «أن يأجوج أمة ومأجوج أمة فكل أمة أربعة آلاف أمة لا يموت الواحد منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه كلهم قد حملوا السلاح وهم من ولد آدم يسيرون إلى خراب الدنيا وهم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال شجر الصنوبر طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية» فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً. وفي قراءة حمزة والكسائي بفتح الراء مع مده، والباقين بسكون الراء فقيل: الخرج. ما كان على كل رأس. والخراج: ما كان على البلد، وقيل: الخرج ما كان بالتبرع. والخراج: ما يلزم أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ أي يأجوج ومأجوج سَدًّا (٩٤) أي حاجزا بين هذين الجبلين فلا يصلون إلينا قالَ ذو القرنين: ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي ما جعلني فيه ربي قادرا من المال الكثير والملك الواسع وسائر الأسباب خير مما تعرضون علي من الجعل فلا حاجة بي إليه. وقرأ ابن كثير «مكنني» بفك الإدغام فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي بآلات الحدادين وبصناع يحسنون البناء والعمل أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) أي حاجزا حصينا وبرزخا متينا وهو أكبر من السد وأوثق آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ بمد الهمزة أي أعطوني قطع الحديد الكبيرة. وقرأ حمزة «ائتوني» بوصل الهمزة في الموضعين، ووافقه أبو بكر هنا وخالفه في الموضع الثاني، والمعنى جيئوني بزبر الحديد، ف «زبر» على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض وحفر ذو القرنين الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من زبر الحديد بينها الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما وكان طوله مائة فرسخ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أي بين طرفي الجبلين بالبناء أي إنهم جاءوا ذا القرنين بزبر الحديد فشرع يبني شيئا فشيئا حتى إذا جعل ما بين ناحيتي الجبلين من البنيان مساويا لها في السمك وكان ارتفاعه مائتي ذراع وعرضه خمسين ذراعا ووضع المنافخ والنار حول ذلك قالَ للعملة: انْفُخُوا بالكيران في الحديد المبني فنفخوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً أي إذا جعل الحديد مثل النار قالَ للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة ونحوها: آتُونِي أي أعطوني نحاسا مذابا أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) أي أصب على الحديد المحمى نحاسا مذابا فأفرغه عليه فدخل مكان الحطب والفحم فامتزج بالحديد والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا وهذه كرامة عظيمة حيث صرف الله تأثير الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين والمفرغين للقطر فَمَا اسْطاعُوا بحذف تاء بعد السين أي فلم يقدر يأجوج ومأجوج أَنْ يَظْهَرُوهُ أي أن يعلوا ظهر الجبل لارتفاعه وملاسته وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) أي خرقا من أسفله لصلابته وثخنه، لأنه كان خمسين ذراعا وكان ارتفاعه مائتي ذراع وكان طول السد على وجه الأرض مائة فرسخ ومسيرة الفرسخ ساعة ونصف، فتكون مسيرة السد مائة وخمسين ساعة مسيرة اثني عشر يوما ونصف قالَ أي ذو القرنين لمن عنده: هذا السد

الكهف 18:101

رَحْمَةٌ أي نعمة عظيمة مِنْ رَبِّي على جميع الخلق فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي أي وقت وعد ربي بخروج يأجوج ومأجوج جَعَلَهُ أي هذا السد دَكَّاءَ بالمد أي أرضا مستوية. وقرئ «دكا» أي مكسورا حتى يصير ترابا وَكانَ وَعْدُ رَبِّي بخروجهم وقت قرب الساعة حَقًّا (٩٨) أي صدقا وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ أي صيرنا بعض يأجوج ومأجوج يوم خروجهم من السد يختلط ببعضهم الآخر من شدة الازدحام عند خروجهم لكثرتهم، وذلك عقب موت الدجال فينحاز عيسى بالمؤمنين إلى جبل الطور فرارا منهم. روي أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ولا يصلون إلى من تحصن منهم بورد أو ذكر ويحبس نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار فيتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء فيسلط الله تعالى دودا في أنوفهم أو آذانهم فيموتون به، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلّا ملأه رممهم ونتنهم، فيتوجه نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل سبحانه وتعالى عليهم طيرا فتلقيهم في البحر، ثم يرسل مطرا يغسل الأرض حتى تصير كالمرآة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الغنم والإبل حتى إن اللقحة لتكفي الجماعة الكثيرة فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى عليهم ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة وَنُفِخَ فِي الصُّورِ نفخة ثانية للبعث فَجَمَعْناهُمْ أي يأجوج ومأجوج وغيرهم جَمْعاً (٩٩) أي جمعا عجيبا بعد ما تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد واحد للحساب والجزاء وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) أي أظهرناها لهم مع قربهم منها يوم إذ جمعنا الخلائق كافة إظهارا هائلا فذلك يجري مجرى عقابهم لحصول الغم العظيم بسبب رؤيتها وسماعها تغيظا وزفيرا الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ أي أعين قلوبهم في الدنيا فِي غِطاءٍ أي غشاوة كثيفة عَنْ ذِكْرِي على وجه يليق بشأني وعن كتابي فلا يهتدون به وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) إلى قراءة القرآن فلا يؤمنون به. أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي كفروا بي مع جلالة شأني فظنوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي من الملائكة وعيسى وعزير أَوْلِياءَ أي معبودين ينصرونهم من عذابي. والمعنى أفظنوا أنهم ينتفعون بمن عبدوه من عبادي مع إعراضهم عن تدبر الآيات السمعية والمشاهدة. وقرأ أبو بكر «أفحسب الذين كفروا» بسكون السين ورفع الباء، وذكر أنه قراءة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أي أفكافيهم اتخاذهم ذلك من دون طاعتي إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) أي منزلا قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) في الآخرة الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ أي بطل عملهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلق بسعيهم لا بضل وذلك كالعتق، والوقف، وإغاثة الملهوف، لأن الكفر لا تنفع معه طاعة وَهُمْ يَحْسَبُونَ أي والحال أنهم يظنون أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أي يحسنون في أعمالهم بالإتيان بها على وجه اللائق ويحسبون أنهم ينتفعون بآثارها. قيل: المراد بهم أهل الكتابين. وقيل: الرهبانية الذين يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحملونها على الرياضات الشاقة وجملة وهم يحسبون حال من فاعل ضل، وهو أولى من كونها حالا من المضاف إليه أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي بدلائله الداعية إلى توحيده عقلا ونقلا وَلِقائِهِ أي وكفروا بالبعث بعد الموت وبرؤيته تعالى في الآخرة فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي بطلت لإنكارهم الدلائل فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) أي فلا نجعل لمن حبطت أعمالهم حبوطا كليا يوم القيامة قدر إبل نزدري بهم فليس لهم عندنا قيمة أصلا ولا يوزن من خيراتهم قدر ذرة ذلِكَ جَزاؤُهُمْ أي ذلك الذي ذكرناه من أنواع الوعيد هو جزاؤهم جَهَنَّمُ عطف بيان للخبر بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي الدالة على وحدانيتي وَرُسُلِي المؤيدين بالمعجزات هُزُواً (١٠٦) أي مهزوءا بهما إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بآيات ربهم ولقائه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال كانَتْ لَهُمْ فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) أي منزلا خبر كانت ولهم متعلق بمحذوف حال من نزلا خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨) أي لا يطلبون تحولا إلى غيرها وهذا يدل على غاية الكمال فلا مزيد عليها في خيرات الجنة حتى يريد أشياء غيرها، فإن الإنسان في الدنيا إذا وصل إلى أي درجة كانت من السعادات فهو طامح الطرف إلى ما هو أعلى منها. وعن كعب أنه قال: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام، والفردوس أعلاها. وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإن فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي أي قل يا أشرف الخلق لو كان ماء البحر مداد التحرير كلمات علم ربي وحكمته لنفد البحر مع كثرته في كتابتها ولم يبق منه شيء لتناهيه من غير أن تنفد كلمات ربي لعدم تناهيها. وقرأ حمزة والكسائي «ينفد» بالياء التحتية. وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ أي بمثل ماء البحر مَدَداً (١٠٩) أي زيادة لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي. وقيل: هنا بمعنى غير، أو بمعنى دون. وروي أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، ثم تقرأون وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فنزلت هذه الآية أي إن ذلك الحكمة خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله ثم أمر الله تعالى سيدنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم بأن يسلك طريقة التواضع فقال: قُلْ لهم بعد ما بينت لهم شأن كلماته تعالى: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لا أدعي الإحاطة بكلماته تعالى التامة يُوحى إِلَيَّ من تلك الكلمات. أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له في الخلق ولا في سائر أحكام الألوهية وإنما تميزت عنكم بذلك الوحي، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ أي فمن استمر على رجاء كرامته تعالى فَلْيَعْمَلْ لتحصيل تلك الطلبة العزيزة عَمَلًا صالِحاً لائقا بذلك المرجو كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) إشراكا جليا كما فعله الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ولا إشراكا خفيا كما يفعله أهل الرياء. روي أن جندب بن زهير العامري قال لرسول صلّى الله عليه وسلّم: إني لأعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله لا يقبل ما شورك فيه» «١». فنزلت هذه الآية تصديقا له وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال له: «لك أجران أجر السر وأجر العلانية» «٢». فالرواية الأولى: محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة. والرواية الثانية: محمولة على ما إذا قصد أن يقتدى به. والمقام الأول مقام المبتدئين والمقام الثاني مقام الكاملين. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين آمين. (تم الجزء الأول من تفسير مراح لبيد. ويليه الجزء الثاني أوله سورة مريم) (١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨: ١٦٥) «بما معناه». (٢) رواه ابن ماجة في كتاب الزهد، باب: الثناء الحسن، والترمذي في كتاب الزهد، باب: ٤٩.

مريم 19:1

[الجزء الثاني] سورة مريم مكية، ثمان وتسعون آية، تسعمائة واثنتان وستون ثلاثة آلاف وثلاثمائة وحرفان كهيعص (١) وهو من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، وقيل: هو ثناء من الله على نفسه، وهو وصفه تعالى بأنه كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بأمرهم، صادق في وعده. ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ، فإن جعلت كهيعص اسما للسورة على ما عليه اتفاق أكثر العلماء، فهي مبتدأ وخبره ذِكْرُ أي المسمى كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)، أي إصابة الله رحمته عبده زكريا. إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)، فإنه أدخل في الإخلاص، وأبعد من الرياء، وأقرب إلى الخلاص، عن لوم الناس على طلب الولد في زمان الشيخوخة. قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي ضعف بدني، وإنما أسند الضعف إلى العظم لأنه دعامة الجسد، فإذا ضعف كان غيره أضعف. وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً، أي أخذ رأسي شمطا، وقد صار مثل شواظ النار. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) أي ولم أكن بدعائي إياك يا رب خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كلما دعوتك استجبت لي وقد توسّل سيدنا زكريا عليه السلام، بما سلف منه من الاستجابة عند كل دعوة بعد ذكر ما يتسبب للرأفة من كبر السن، وضعف الحال. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ، أي الذين يخلفونني في السياسة، وفي القيام بأمر الدين. مِنْ وَرائِي، أي بعد موتي، وهم بنو عمه عليه السلام، وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف عليه السلام أن لا يحسنوا خلافته في أمته، ويبدّلوا عليهم دينهم، وقوله: مِنْ وَرائِي متعلق بمحذوف أي فعل الموالي، أو جور الموالي لا ب «خفت» لفساد المعنى. وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي لا تلد من حين شبابها. فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ، أي أعطني من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة. وَلِيًّا (٥) أي ولدا من صلبي. يَرِثُنِي، من حيث العلم والدين والنبوة. وَيَرِثُ الملك. مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، بن إسحاق، بن إبراهيم عليه السلام، لأن زوجة زكريا هي أخت مريم، وكانت من ولد سليمان بن داود، من ولد يهوذ بن يعقوب. أما زكريا فهو من ولد هارون أخي موسى، وهما من ولد لاوى بن يعقوب بن إسحاق.

مريم 19:11

وقرأ أبو عمرو والكسائي «يرث» في الكلمتين بالجزم على جواب الأمر، والباقون بالرفع على أنه صفة. وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) أي مرضيا عندك قولا وفعلا. قال تعالى بواسطة الملك جبريل: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ، أي ولد يرث العلم والنبوة في حياتك فإنه قتل قبل موت أبيه اسْمُهُ يَحْيى لإحيائه رحم أمه بعد موته بالعقم. لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)، أي شريكا له في الاسم حيث لم يكن قبل يحيى أحد يسمّى بيحيى، وقيل: أي شبيها في الفضل والكمال، فإنه لم يعص ولم يهم بمعصية من حال الصغر، وأنه صار سيّد الشهداء على الإطلاق. قالَ زكريا: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ أي من أين يكون لي ولد، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي والحال أنه قد صارت امرأتي لم تلد قط، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)، أي يبوسا. وقرأ أبي ابن كعب وابن عباس «عسيا» بالسين غير المعجمة قالَ أي الله تعالى: كَذلِكَ أي الأمر، ذلك الوعد، من خلق غلام منكما وأنتما على حالكما، قالَ رَبُّكَ هُوَ، أي خلق يحيى منكما على حالتكما، عَلَيَّ خاصة هَيِّنٌ، وإن كان في العادة مستحيلا. وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) أي وقد أوجدتك يا زكريا من قبل يحيى، والحال أنك إذ ذاك عدم بحت. وقرأ حمزة والكسائي «خلقناك». قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، أي علامة تدلني على حصول حبل امرأتي قالَ أي الله تعالى: آيَتُكَ على تحقق المسؤول أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ، أي أن لا تقدر على أن تكلم الناس ثَلاثَ لَيالٍ مع أيامهن، سَوِيًّا (١٠)، أي حال كونك سليم الجوارح، لم يحدث بك مرض ولا خرس. فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ، أي من المصلى، وهم اجتمعوا ينتظرون فتح الباب ليصلّوا فيه بإذنه على العادة، فخرج إليهم للإذن وهو لا يتكلم، متغيرا لونه فأنكروه، فقالوا: ما لك يا نبي الله فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي أشار إليهم، أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)، أي صلوا صلاة الفجر، وصلاة العصر. قال الله تعالى ليحيى بعد ما بلغ: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، أي اعمل بما في التوراة بجدّ، وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ أي الفهم في التوراة والفقه في الدين. صَبِيًّا (١٢)، أي في صغره. وعن بعض السلف من قرأ القرآن قبل أن يبلغ، فهو ممن «أوتي الحكم صبيا». روي أنه عليه السلام دعاه الصبيان إلى اللعب فقال: ما للعب خلقنا. وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً، أي وأعطينا تعظيما من عندنا على يحيى، حيث جعلناه نبيا وهو صغير، وتشريفا له. ويقال: وأعطينا يحيى رحمة من لدنّا على زكريا وتزكية له، عن أن يصير مردود الدعاء. ويقال: وأعطينا يحيى تعطفا منا على أمته لعظم انتفاعهم بإرشاده، وتوفيقا للتصدق عليهم، وتطهيرا منا عن الالتفات لغيرنا، وَكانَ تَقِيًّا (١٣). بطبعه، ومن جملة تقواه، أنه كان يتقوّت

مريم 19:21

بالعشب وكان كثير البكاء، فكان لدمعه مجار على خدّه. وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ، أي لطيفا بهما، محسنا إليهما. وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً أي متكبرا في دينه. عَصِيًّا (١٤)، أي عاصيا لربه، عاقا بوالديه. وَسَلامٌ عَلَيْهِ ، أي أمان من الله تعالى على يحيى. يَوْمَ وُلِدَ ، من أن يناله الشيطان. وَيَوْمَ يَمُوتُ ، من فتنة القبر، وَيَوْمَ يُبْعَثُ ، من القبر حَيًّا (١٥)، من هول القيامة، وهذا تنبيه على كونه عليه السلام من الشهداء. وَاذْكُرْ ، يا أكرم الرسل للناس، فِي الْكِتابِ أي هذه السورة مَرْيَمَ أي قصتها، إِذِ انْتَبَذَتْ أي اعتزلت، مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) أي شرقي بيت المقدس، وشرقي دارها، لتتخلى هناك للعبادة. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً أي فأرخت لأجل منع رؤية أهلها سترا لتغتسل من حيضها، فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا رسولنا جبريل، فَتَمَثَّلَ لَها بعد فراغها من الاغتسال، وبعد لبسها ثيابها، بَشَراً سَوِيًّا (١٧) أي لم ينقص من الصورة البشرية شيئا. وكان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحّولت إلى بيت خالتها، وإذا طهرت عادت إلى المسجد، فلما طهرت وهي في مغتسلها، أتاها جبريل بعد لبسها ثيابها في صورة آدمي شاب أمرد، وضيء الوجه، جعد الشعر، كامل البدن لم ينقص من حسان نعوت الآدمية شيئا. وقيل: تمثّل في صورة ترب لها اسمه يوسف، من خدم بيت المقدس، لتستأنس بكلامه، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته تعالى، قالَتْ أي مريم: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) أي مطيعا لله، يرجى منك أن تتقي الله، ويحصل ذلك بالاستعاذة به، فإني عائذة به منك. وقيل: كان في ذلك الزمان، رجل فاجر اسمه تقي، يتبع النساء، فظنت مريم أن ذلك المشاهد هو ذلك التقي، فمن ذلك تعوّذت منه، وخصّت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه. قالَ لها جبريل: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ الذي استعذت به، لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩)، أي لأكون سببا في هبة ولد طاهر من الذنوب، بالنفخ في الدرع. قرأ نافع وأبو عمرو «ليهب» بياء مفتوحة بعد اللام، أي ليهب الرب لك ولدا ذكرا، مترقيا من سن إلى سن، على الخير. قالَتْ مريم لجبريل: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ أي من أين يكون لي ولد كما وصفت، والحال أنه لم يباشرني رجل بنكاح، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) أي فاجرة تبغي الرجال. قالَ لها جبريل: كَذلِكِ أي الأمر كما قلت لك، قالَ رَبُّكِ الذي أرسلني إليك هُوَ أي هبة الولد من غير أن يمسك بشر أصلا. عَلَيَّ خاصة هَيِّنٌ وإن كان مستحيلا عادة، لأني لا أحتاج إلى الوسائط، وَلِنَجْعَلَهُ أي وهب الولد من غير أب، آيَةً لِلنَّاسِ أي برهانا لهم يستدلون به على كمال قدرتنا نفعل ذلك. وبهذا إتمام الأنواع الأربعة في خلق البشر، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر وأنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية البشر من ذكر وأنثى معا. وَرَحْمَةً، عظيمة كائنة مِنَّا عليهم يهتدون بهدايته، وَكانَ، أي خلق الولد بلا أب، أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) أي لا يتغيّر. فلو لم يقع لا نقلب علم الله جهلا وهو محال. وجميع الممكنات منتهية في سلسلة القضاء إلى واجب الوجود، وإذا كان الأمر كذلك، فلا فائدة في الحزن، وهذا هو سر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب» . فَحَمَلَتْهُ أي فنفخ جبريل في طوق قميصها نفخة وصلت إلى فرجها، ودخلت منه جوفها فحملته في الحال، فَانْتَبَذَتْ بِهِ أي فاعتزلت وهو في بطنها، مَكاناً قَصِيًّا (٢٢)، أي بعيدا من الناس. قال وهب: إن مريم لما حملت بعيسى، كان معها ابن عم لها يقال له: يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد، ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد عبادة منهما. وأول من علم حمل مريم هو يوسف، فتحيّر في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط. وإذا أراد أن يبرّئها رأى الذي ظهر بها من الحمل. فأول ما تكلم به أن قال: قد وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري، فقالت: قل قولا جميلا. قال: أخبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر؟ وهل تنبت شجرة من غير غيث؟ وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث؟ وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر، بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة، أو تقول أن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها. فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، فيقول له: كن فيكون. فقالت له مريم: ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه. وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل، وضيق القلب، فلما دنت ولادتها، أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك، فخرجت أقصى الدار. فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ أي فألجأها وجع الولادة إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ أي إلى أصل نخلة يابسة لا رأس لها، وكان الوقت شتاء شديد البرد، فلما اعتمدت عليه بصدرها اخضر، وأطلع الجريد، والخوص، والثمر رطبا في وقت واحد، كما أن حمل عيسى وتصويره وولادته في وقت واحد. وكأن الله أرشدها إلى النخلة ليريها من آياته ما يسكن روعتها، وليطعمها الرطب، الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء فهو خرسة لها، ولأن النخلة من أقل الأشجار صبرا على البرد، ولأنها لا تثمر إلا عند اللقاح من ذكر النخل، وإذا قطعت رأسها ماتت. فكأنه تعالى قال: كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر، فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح. ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح، ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر فحملها بمجرد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير والد، قالَتْ لما خافت أن يظن بها السوء في دينها، فيقع في المعصية من يتكلم فيها وهي راضية بما بشّرها به جبريل: يا أي أنبهك يا مخاطب، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا، الوقت الذي فيه الأمر العظيم. وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي «مت» بكسر الميم. والباقون بالضم. وَكُنْتُ نَسْياً، أي شيئا تافها لا يعتدّ به أصلا كخرقة الطمث، ونحوها. وقرأ حفص وحمزة وابن وثاب والأعمش بفتح النون، والباقون بالكسر. وقرأ محمد بن كعب القرظي «نسأ» بالهمز وبهما، وهو الحليب المخلوط بالماء الكثير ينساه أهله لقلته واستهلاكه في الماء، مَنْسِيًّا (٢٣) أي متروكا لم يذكر بالبال، وهو نعت للمبالغة. وهذا جرى على عادة الصالحين عند اشتداد الأمر عليهم، فإنهم يقولون مثل ذلك. كما روي عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تقع على الشجرة، وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ينقرها الطائر. وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني هذه التبنة ولم أك شيئا. وعن علي أنه قال يوم الجمل: يا ليتني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال أنه قال: ليت بلالا لم تلده أمه. وقرأ الأعمش: «منسيا» بكسر الميم اتباعا للسين. فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤). وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي: ب «من» الجارة، أي فناداها جبريل من مكان أسفل منها تحت الأكمة، أي لا تحزني يا مريم على ولادة عيسى، قد جعل ربك بمكان أسفل منك، أو قريب منك نهرا صغيرا، أو إنسانا شريفا جليلا. ويدل على ذلك قراءة ابن عيسى، فناداها ملك من تحتها، ويقال: فناداها المولود كائنا من تحت ذيلها، أي لا تحزني يا أمي، قد جعل ربك تحتك جدولا يجري، ويمسك بأمرك، أو نبيا مرتفع القدر. وقرأ الباقون ب «من» الموصولة. وقرأ زر وعلقمة «فخاطبها» من تحتها بفتح الميم، أي فناداها عيسى الذي كان تحت ذيلها أي لا تحزني قد جعل ربك تحتك رئيسا عزيزا لا يكاد يوجد له نظير أو جدولا بضرب جبريل الأرض برجله. ويقال: فناداها جبريل من تحتها يقبل الولد كالقابلة، أو من تحت النخلة بأن لا تحزني، قد جعل ربك قربك عين ماء عذب، تعظيما لشأنك فإن الله تعالى أرسل جبريل إليها ليناديها بهذه الكلمات. كما أرسل إليها في أول الأمر ليكون ذلك تذكيرا لها ما تقدم من أصناف البشارات، أو يقال: إن الله تعالى أنطق عيسى لها حين وضعته تطييبا لقلبها، وإزالة للوحشة عنها، حتى تشاهد في أول الأمر ما بشّرها به جبريل من علوّ شأن ذلك الولد. كما قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: إن عيسى عليه السلام لو لم يكن كلّمها لما علمت أنه ينطق، فما كانت تشير إلى عيسى بالكلام . وحمل فاعل «نادى» على عيسى أقرب وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ أي حرّكي أصل النخلة تحريكا عنيفا إلى جهتك، تُساقِطْ عَلَيْكِ أي تسقط النخلة عليك إسقاطا متواترا بحسب تواتر الهز، رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) أي طريا استحق أن يجنى. وقرأ حمزة بفتح التاء والسين مخففة، وفتح القاف. وقرأ حفص بضم التاء، وكسر القاف. والباقون بفتح التاء، وتشديد السين، وفتح القاف، فَكُلِي وَاشْرَبِي أي فكلي من الرطب، واشربي من النهر، أو كلي من الرطب، واشربي من عصيره. وَقَرِّي عَيْناً أي طيبي نفسا بولدك عيسى، فالعين إذا رأت ما يسّر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، وأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، ولذلك يقال: للمحبوب قرة العين، وللمكروه سخنة العين. فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)، أن فإن تري يا مريم أحدا من الآدميين فيسألك عن ولدك، فقولي له إن استنطقك: إني نذرت للرحمن صمتا فلن أكلم اليوم آدميا، بعد أن أخبرتك بنذري وإنما أكلم الملائكة، وأناجي ربي. وإنما منعت مريم من الكلام ليكون عيسى المتكلم عنها، فيكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها، ولكراهة مجادلة السفهاء. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ أي فجاءتهم مع ولدها عيسى حاملة له وهو ابن أربعين يوما. روي عن ابن عباس أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوما حتى طهرت من النفاس، ثم حملته إلى قومها، فكلّمها عيسى في الطريق، فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه. فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين. قالُوا مؤنبين لها: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧)، أي لقد فعلت شيئا منكرا عظيما، يا أُخْتَ هارُونَ، أي يا شبيهة هارون في العبادة وكان هارون هذا رجلا صالحا من أفضل الناس من بني إسرائيل، ينسب إليه كل من عرف بالصلاح وهذا لمّا مات تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمّون هارون تبركا به وباسمه. والمراد أنك يا مريم كنت في الزهد كهارون، فكيف صرت هكذا! ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، أي ما كان أبوك عمران رجلا زانيا، وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)، أي وما كانت أمك حنة امرأة فاجرة فَأَشارَتْ، مريم إِلَيْهِ، أي إلى عيسى أن كلموه، قالُوا منكرين لجوابها: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ، أي في الحجر أو في السرير صَبِيًّا (٢٩) أي صغيرا ابن أربعين يوما. روي أن عيسى كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع، وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار بسبابة يمينه، فتكلم عيسى قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وإنما نص عيسى على إثبات عبودية نفسه، لأن إزالة التهمة عن الله تعالى، تفيد إزالة التهمة عن الأم، لأن الله تعالى لا يخص

مريم 19:31

الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية. أما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى، فكان الاشتغال بذلك أولى. وقد وصف عيسى عليه السلام نفسه بصفات ثمانية: أولها: العبودية، فاعترف بها لئلا يتخذوه إلها. وآخرها: تأمين الله له في أخوف المقامات، وكل هذه الصفات تقتضي تبرئة أمه. آتانِيَ الْكِتابَ، أي علمني التوراة والإنجيل في بطن أمي، وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) بعد الخروج من بطن أمي، وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أي نفاعا معلما للخير، أَيْنَ ما كُنْتُ، أي في أي مكان كنت. روى الحسن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «سلمت مريم عيسى إلى الكتاب، فقالت للمعلم: أدفعه إليك على أن لا تضربه، فقال له المعلم: اكتب. فقال: أيّ شيء أكتب؟ فقال: اكتب أبجد. فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال: هل تدري ما أبجد؟ فعلاه بالدرة ليضربه، فقال: يا مؤدب لا تضربني، إن كنت لا تدري فاسألني فإني أعلمك الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله، والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله» . وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أي أمرني بإقامة العبودية وتطهير النفس عن الصفات الذميمة. ما دُمْتُ حَيًّا (٣١)، في الدنيا ليكون ذلك حجة على من ادعى أنه عليه السلام إله، لأنه لا شك في أن من يعبد إلها ليس بإله، والله تعالى صيّره حين انفصل عن أمه عاقلا. وَبَرًّا بِوالِدَتِي أي وكلفني برا بأمي، وهذا إشارة إلى غير تنزيه أمه عن الزنا، إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها. وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً، أي متعاظما. شَقِيًّا (٣٢) أي عاصيا لله، عنيدا له لفرط التكبر، بل جعلني متواضعا. وكان من تواضعه أنه كان يأكل ورق الشجر، ويجلس على التراب، ولم يتخذ له مسكنا. وروي أن عيسى عليه السلام، قال: قلبي لين وأنا صغير في نفسي. وَالسَّلامُ عَلَيَّ أي الأمان من الله علي، يَوْمَ وُلِدْتُ، أي حين ولدت من لمزة الشيطان، وَيَوْمَ أَمُوتُ، أي حين أموت من ضغطة القبر، وَيَوْمَ أُبْعَثُ من القبر، حَيًّا (٣٣). وإنما خصّ هذه المواضع لكونها أخوف من غيرها. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ، أي عيسى بن مريم كلمة الله، فالحق اسم الله، أو المعنى خبر عيسى ابن مريم خبر الحق، فعيسى عطف بيان. وقرأ عاصم وابن عامر قول الحق بالنصب على المدح إن فسّر بكلمة الله فحينئذ الوقف في مريم وقف كاف وإن فسّر بالقول الصدق، كان مصدرا مؤكدا لقال: إني عبد الله، ف «عيسى» خبر المبتدأ وعلى قراءة النصب كان اسم الإشارة راجعا لمن بينت نعوته الجليلة. الَّذِي فِيهِ، أي في عيسى يَمْتَرُونَ (٣٤)، أي يتنازعون. فيقول اليهود: هو ساحر. ويقول بعض النصارى: هو ابن الله. ويقول بعضهم: هو الله. ويقول: بعضهم هو شريكه. ما كانَ لِلَّهِ، أي ما صحّ له تعالى، أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ، لأنه يلتزم من اتخاذه ولدا الحاجة، وهو نقص، سُبْحانَهُ، أي تنزه الله عن ذلك، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥). أي إذا أراد الله أن يحدث أمرا من الأمور، فإنما يريده ويعلق قدرته به، فيكون حينئذ بلا تأخير. وقرأ ابن عامر بنصب «يكون» على الجواب. وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ. قرأ ابن عامر والكوفيون بكسر «إن» عطف على قوله: «إني عبد الله» أو على الاستئناف، ويؤيده ما قرأه أبي «إن الله» بالكسر بغير واو. وقرأ أبو عمرو والمدنيون بالفتح على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده، أي ولأن الله أو بسبب أنه تعالى ربي وربكم فاعبدوه. هذا التوحيد ونفي الولد والزوجة الذي أمرتكم به، صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)، يوصل إلى الجنة ورضا الله تعالى. فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، أي اختلف النصارى في شأن عيسى عليه السلام بعد رفعه إلى السماء. فأخرج كل قوم عالمهم، فأخرج منهم أربعة نفر، فقال أحدهم: هو الله تعالى هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم: اليعقوبية. فقالت الثلاثة كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، قال: هو ابن الله وهم النسطورية. فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه. فقال: هو ثالث ثلاثة الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية، ملوك النصارى، ولذلك سموا ملكانية. فقال الرابع: كذبت، بل هو عبد الله، وروحه، ورسوله، وكلمته، فخصمهم، وقال: أما تعلمون أن عيسى كان يطعم، وينام، وأن الله تعالى لا يجوز عليه ذلك، وهم المسلمون. وكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا وغلبوا على المسلمين. فذلك قول الله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: ٢١] فصاروا أحزابا. وذلك قوله تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فاختلفوا فيه، وهذا معنى قوله تعالى: الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ فَوَيْلٌ أي فشدّة عذاب، لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي اختلفوا في شأن عيسى، مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)، أي من حضور هول الحساب، والجزاء يوم القيامة، أو من مكان الحضور في الحساب وهو الموقف، أو من وقت حضوره، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وهو شهادة الملائكة والأنبياء، وشهادة ألسنتهم وأيديهم، وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال، أو من وقت شهادة يوم عظيم الهول أو من مكانها. أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، أي أن أسماعهم وأبصارهم يوم يأتوننا للحساب والجزاء، جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما وعميانا في الدنيا. لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)، أي لكن الكافرون في الدنيا في ضلال مبين، حيث تركوا النظر بالكلية، وهم في الآخرة يعرفون الحق. وَأَنْذِرْهُمْ، أي خوف يا أشرف الخلق، كفار مكة يَوْمَ الْحَسْرَةِ، أي يوم الندامة، إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب ببيان أمر الثواب والعقاب، فيندم في ذلك اليوم الناس، المسيء على إساءته في الدنيا، والمحسن على قلة إحسانه فيها. روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم، سئل عن قوله تعالى: إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ، فقال: «حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح، والفريقان ينظران فينادي المنادي: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح، وأهل النار غما إلى

مريم 19:41

غم» . «١» و «إذ» بدل من «يوم الحسرة» أو ظرف ل «الحسرة»، و «يوم الحسرة» مفعول به، أي خوفهم نفس ذلك اليوم. وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩)، أي أنذرهم في حال كونهم في جهلة عن ذلك اليوم، وفي حال كونهم لا يصدقون به. إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها، أي إنا لا ندع في الأرض شيئا من عاقل وغيره ونسلب جميع ما في أيديهم وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠) أي وإلى حكمنا يردّون للجزاء، وهذا تخويف عظيم للعصاة. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ، أي واتل على كفار مكة قصة إبراهيم في هذه السورة، فإنهم ينتسبون إليه عليه السلام، فعساهم باستماع قصته يتركون ما هم فيه من القبائح. إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً أي يبلغ الصدق في أقواله، وأفعاله وأحواله. نَبِيًّا (٤١)، رفيع القدر عند الله، وعند الناس، فلا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه، وبين عباده. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ، آزر، متلطفا في الدعوة: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ، ثناءك عليه، وَلا يُبْصِرُ ، خشوعك بين يديه، وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢)، أي ولا يقدر على أن يكفيك شيئا من جلب نفع، أو دفع ضرّ. يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي، من الله، مِنَ الْعِلْمِ، أي علم الوحي، ما لَمْ يَأْتِكَ، منه، فَاتَّبِعْنِي، بالتوجه إلى الله، أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣)، أي طريقا موصلا إلى أسنى المطلب، منجيا عن المعاطب. يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، فإن عبادتك للأصنام عبادة له، إذ هو الذي يزيّنها بوسوسته. إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤)، فطاعة العاصي عصيان، والعصيان يوجب العذاب. يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ. إن لم تؤمن به، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) أي قرينا في العذاب. روي عن أبي هريرة أنه قال: قال صلّى الله عليه وسلّم: «أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام، أنك خليلي، فحسّن خلقك، ولو مع الكفار، تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه، أن أظلّه تحت عرشي. وأن أسكنه حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري» «٢». قالَ آزر: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي، أي أمعرض أنت عن آلهتي! يا إِبْراهِيمُ، أنكر آزر نفس الانصراف عن الأصنام مع نوع من التعجب، كان الانصراف عنها مما لا يصدر من العاقل. لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ، عن مقالتك هذه، لَأَرْجُمَنَّكَ، أي لأقتلنك، أي لأظهرن، أمرك للناس ليقتلوك، وهذا تهديد عما كان إبراهيم عليه من العظة. وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) أي تباعد عني لكيلا أراك زمانا طويلا. قالَ (١) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: قوله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، ومسلم في كتاب الجنّة، باب: ٤، والترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة ١٩، باب: ٢، والدارمي في كتاب الرقاق، باب: في ذبح الموت، وأحمد في (م ٢/ ص ٣٧٧). (٢) رواه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (٢: ١٥٥)، والعجلوني في كشف الخفاء (١: ٣٠٨)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦: ٢٤٣٢).

مريم 19:51

إبراهيم: سَلامٌ عَلَيْكَ، وهذا توادع ومتاركة، أي لا أشافهك بما يؤذيك بعد. سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، أي أدعو لك ربي أن يهديك إلى الإيمان، فإن حقيقة الاستغفار للكافر طلب التوفيق للإيمان المؤدي للمغفرة. إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)، أي بليغا في البرّ والألطاف. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي وأترككم وما تعبدون من الأصنام، بالارتحال من بلادكم. وَأَدْعُوا رَبِّي، أي أعبده وحده. عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي، أي بعبادته، شَقِيًّا (٤٨)، أي ضائع العمل كما ضاع عملكم بعبادة الأوثان. فارتحل سيدنا إبراهيم من كوثي إلى الأرض المقدسة. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي فلما فارقهم إبراهيم في المكان في طريقتهم من عبادة الأوثان وأبعد عنهم إلى الأرض المقدسة، والتشاغل بالعبادة، وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، يأنس بهما لأنه عاش حتى رأى يعقوب. وَكُلًّا أي كل واحد منهم جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩)، ينبئهم الله تعالى بعلوم المعارف، وهم ينبّئون الخلق بالله وبالإسلام. وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا، المال، والجاه والأتباع، والذرية الطيبة. وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)، أي جعلنا لهم ثناء صادقا يفتخر بهم الناس، ويثنون عليهم، ويذكرهم الأمم كلها إلى يوم القيامة، بما لهم من الخصال المرضية. وتقول هذه الأمة في الصلوات الخمس: كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلى قيام الساعة. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً. قرأه عاصم وحمزة والكسائي، بفتح اللام أي معصوما من الأدناس، اختاره الله تعالى. والباقون بالكسر أي مخلصا لعبادته عن الرياء، ولنفسه عما سوى الله. وَكانَ رَسُولًا إلى بني إسرائيل والقبط، نَبِيًّا (٥١) يخبرهم عن الله تعالى. وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ أي الذي يلي يمين موسى، والطور: جبل بين مصر ومدين، وذلك حين توجه من مدين إلى مصر، أي تمثل له الكلام من تلك الجهة. يقول يا موسى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ [طه: ١٤] وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢)، أي مناجيا أي رفعنا قدره، وشرّفناه بالمناجاة، بأن أسمعه الله تعالى كلامه بلا واسطة. وقيل: رفعناه مكانا عاليا فوق السموات، حتى سمع صرير القلم حيث كتبت التوراة في الألواح. وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)، أي وجعلنا أخاه هارون نبيا من أجل رأفتنا به، ليكون وزيرا له، ومعينا له في تبليغ الرسالة. وهذا إشارة إلى أن النبوة ليست كسبية، بل هي من مواهب الله تعالى، يهب لمن يشاء النبوة والرسالة، وإشارة إلى أن لموسى اختصاصا بالقربة، والقبول عند الله تعالى، حتى يهب أخاه هارون النبوة والرسالة بشفاعته، كما يهب الأنبياء والرسل بشفاعة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم عليه السلام» . وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ، فكان إذا وعد الناس بشيء أنجز وعده. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما إنه عليه السلام وعد صاحبا له أن ينتظر في مكان، فانتظره سنة. وقد وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى به، وَكانَ رَسُولًا إلى جرهم- وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا في وادي مكة- بشريعة أبيه، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته. نَبِيًّا (٥٤)، يخبر عن الله، وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ، أي قومه، بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ، أي الصدقات الواجبة، وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)، أي فائزا في كل طاعاته بأعلى الدرجات. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ، وهو سبط شيث وجدّ أبي نوح إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً، أي ملازما للصدق في جميع أحواله، نَبِيًّا (٥٦)، وهذا مخصص للخبر الأول، إذ ليس كل صديق نبيا. وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧)، وهو السماء الرابعة. وكان سبب رفعه إليها، أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس، فقال: يا ربّ إني قد مشيت فيها يوما فأصابني منها ما أصابني، فكيف من يحملها مسيّرة خمسمائة في يوم واحد؟ اللهم خفف عنه من ثقلها، وحرّها، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها، ما لا يعرف، فقال: يا ربّ خففت عني حرّ الشمس، فما الذي قضيت فيه؟ قال: إن عبدي إدريس، سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته، قال: يا ربّ اجعل بيني وبينه خلة، فأذن الله تعالى له حتى أتى إدريس ورفعه إلى السماء. أُولئِكَ العشرة المذكورون في هذه السورة، الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، بفنون النعم الدينية والدنيوية، مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وهو إدريس، وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ أي ومن ذرية من مع نوح في السفينة وهو إبراهيم فإنه من ذرية سام بن نوح، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ، وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وَإِسْرائِيلَ، أي ومن ذرية يعقوب، وهم يوسف، وإخوته، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وَمِمَّنْ هَدَيْنا، أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق. وَاجْتَبَيْنا أي اصطفيناهم للإسلام، كعبد الله بن سلام، وأصحابه واسم الموصول خبر اسم الإشارة، ومن النبيين بيان للموصول، ومن ذرية بدل بإعادة الجار، ومن للتبعيض. إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ وهي ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم، خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)، من مخافة الله تعالى. قال العلماء: ينبغي أن يدعو الساجد للتلاوة في سجدته بما يليق بآياتها، فههنا يقول: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديين، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك، اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، أي حدث من بعد النبيين جماعة سوء ويقال لعقب الخير: «خلف» بفتح اللام ولعقب الشر: «خلف» بالسكون. أَضاعُوا الصَّلاةَ، أي تركوها، وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وعن علي رضي الله عنه: هم من بني المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور . فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) أي واديا في جهنم، بعيدا قعره، تستعيذ منه

مريم 19:61

أوديتها، أعد للزناة، وشربة الخمر، وشهّاد الزور، وأكلة الربا، والعاقّين لوالديهم. إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ أي من اتصف بهذه الأمور الثلاثة: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ، أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم، شَيْئاً (٦٠). وتوقّف الأجر على العمل الصالح هو الغالب، لأنه لا تناط الأحكام إلا بالأعم الأغلب، ولا تناط بالنادر، كمن تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة، أو وجد الحيض، فإنه لا يجب عليه العمل قبل وجود سببه وشرطه، فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة، مع أنه لم يصدر عنه عمل صالح، من صلاة وزكاة وصوم، وعلى هذا لا يتوقف الأجر على وجود العمل الصالح. جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ، حال من المفعول أي وهم غائبون عنها لا يرونها، وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار منه تعالى، أي وعدهم بها وهم في الدنيا، ومن في الدنيا لا يشاهدها. إِنَّهُ تعالى أو إن الشأن، كانَ وَعْدُهُ تعالى، مَأْتِيًّا (٦١)، أي مفعولا منجزا أي الوعد منه تعالى لا بد من وقوعه فهو وإن كان بأمر غائب، فكأنه حاصل مشاهد. لا يَسْمَعُونَ فِيها أي الجنة لَغْواً أي فضول كلام لا فائدة فيه إِلَّا سَلاماً من بعضهم على بعض، أو من الملائكة عليهم. فإن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة. فأهل الجنة لا يحتاجون إلى هذا الدعاء لأنهم في دار السلام، فهذا من فضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها أي طعامهم في الجنة، بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) أي لهم رزق واسع ودائم، فلهم ما يشتهون متى شاءوا، إذ لا ليل فيها، ولا بكرة، ولا عشيّ. وإنما ذكرهما ليرغب كل قوم بما أحبوه، لأنه لا شيء أحب إلى العرب من الغداء والعشاء، فوعدهم بذلك. ولذلك ذكر أساور الذهب، والفضة، ولباس الحرير، التي كانت عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وهي كانت من عادة أشراف العرب في اليمن. تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) من الكفر أي هذه الجنة التي عظم شأنها، نعطيها من أطاعنا عطاء لا يردّ كالميراث الذي يأخذه الوارث فلا يرجع فيه المورث. وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ. قيل: احتبس جبريل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حين سألوه في أمر الروح وأصحاب الكهف، وذي القرنين، فقال: «أخبركم غدا»، ولم يقل: إن شاء الله، حتى شق على النبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أبطأت علي حتى ساءني، واشتقت إليك» «١». فقال له جبريل: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست، فأنزل الله تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، حكاية قول جبريل أمره الله تعالى أن يقوله لمحمد جوابا لسؤاله بقوله: يا جبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» «٢» والمعنى وما نتنزل من السماء وقتا غبّ وقت إلّا (١) رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٧: ٢٥٤٧)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٩١٨). (٢) رواه أحمد في (م ١/ ص ٣٥٧)، والحاكم في المستدرك (٢: ٦١١)، والطبري في التفسير بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته. لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ، أي لربك ما قدّامنا وما خلفنا من الجهات، وما نحن فيه، فلا ننتقل من جهة إلى جهة، ومن مكان إلى مكان، إلّا بأمره ومشيئته، فليس لنا أن ننقلب من السماء إلى الأرض إلا بأمره وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) أي تاركا لك بتأخير الوحي عنك، فعدم النزول لعدم الأمر به لحكمة بالغة فيه. وقال أبو مسلم: ويجوز أن يكون قوله تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، حكاية قول أهل الجنة يدخلونها، والمعنى: وما نتنزل الجنة إلا بأمر الله تعالى ولطفه، له ما بين أيدينا في الجنة مما يكون مستقبلا، وما خلفنا مما كان في الدنيا، وما بين ذلك فيما نحن فيه مما بين الوقتين. وقول تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ابتداء كلام من الله تعالى، تقرير لقولهم أي وما كان الله ناسيا لأعمال العاملين وللثواب عليها بما وعدهم، لأنه عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة. رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما، فلا يجوز عليه النسيان، وهو بدل من ربك أو خبر مبتدأ مضمر أي هو فَاعْبُدْهُ، يا أكرم الرسل، وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ، وعدي الاصطبار باللام لأن العبادة جعلت بمعنى القرب، ففيه معنى الثبات لأن العبادة ذات شدائد ومشاق، فكأنه قيل: اثبت لعبادة الرب، ولا يضق صدرك، من قول الكافرين لك. هَلْ تَعْلَمُ لَهُ، أي للرب سَمِيًّا (٦٥) أي نظيرا فيما يقتضي العبادة، من كونه منعما بأصول النعم وفروعها، وشريكا في الاسم الخاص كرّب السموات والأرض وما بينهما وكالله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يسمّى بالرحمن غير تعالى. وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أبي بن خلف الجمحي بطريق الإنكار والاستبعاد فإنه أخذ عظاما بالية ففتّها، وقال: يزعم محمد أنا نبعث ما نموت، ونصير إلى هذه الحال أو الوليد بن المغيرة، أو أمية بن خلف. أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)، أي أبعث من الأرض. أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وقالون، عن يعقوب بسكون الذال، وضم الكاف، أي أيقول المجترئ بهذا الإنكار على ربه ولا يتفكر، أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ، أي من قبل الحالة التي هو فيها من نطفة منتنة، وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) أي والحال أنه لم يكن حينئذ شيئا أصلا، أي أولا يعلم ذلك من حال نفسه؟ لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن حيا في الدنيا، ثم صار حيا فيها. فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أي لنجمعنّ القائلين بعدم البعث بالسوق إلى المحشر، بعد ما أخرجناهم من الأرض أحياء. وَالشَّياطِينَ. روي أن كل كافر يحشر مع شيطانه الذي يضلّه في سلسلة. ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ بعد طول الوقوف في المحشر حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)، أي باركين على الركب، لما يدهمهم من شدة الأمر الذي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم. ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أي من كل أمة تبعث دينا من الأديان، أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) أي جراءة. أي فمن كان أشدهم تمردا في كفره، خصّ (١٦: ٧٨)، والقرطبي في التفسير (١١: ١٢٨).

مريم 19:71

بعذاب أعظم، لأن عذاب الضّال المضل، يجب أن يكون فوق من يضلّ تبعا لغيره، وليس عذاب من يتجبّر كعذاب المقلّد، وليس عذاب من يورد الشبه في الباطل، كعذاب من يقتدي به مع الغفلة. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها أي أحقّ بجهنم صِلِيًّا (٧٠) أي دخولا فنبدأ بهم. وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي ما منكم أيها الإنسان أحد إلّا حاضر قرب جهنم، ويمرّ بها المؤمنون، وهي خامدة، وتنهار بعيرهم. وعن جابر أنه صلّى الله عليه وسلّم سئل فقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة» «١». وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية» «٢»، فقالت حفصة أليس الله يقول: وإن منكم إلّا واردها؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «ثم ننجي الذين اتقوا» أي نبعدهم عن عذاب جهنم. وقيل: ورود جهنم هو الجواز على الصراط الممدود عليها، وقيل: الورود: الدخول، فالمؤمنون يدخلون النار من غير خوف وضرر ألبتة، بل مع الغبطة والسرور. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) أي كان ورودهم إياها أمرا محتوما أوجبه الله تعالى على ذاته. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا من الكفر والمعاصي، أي نخرجهم منها، فلا يخلدون بعد أن أدخلوا فيها، وإنما دخلوا لهم فيها ليشاهدوا العذاب، ليصير ذلك سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة. وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ، بالكفر والمعاصي فِيها أي جهنم جِثِيًّا (٧٢) أي منهارا بهم. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ أي المشركين، آياتُنا الناطقة بحسن حال المؤمنين، وسوء حال الكفرة، بَيِّناتٍ أي مرتلات الألفاظ، مبينات المعاني، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي مردوا منهم على الكفر، ومرنوا على العناد، وهم: النضر بن الحرث، وأتباعه الفجرة. لِلَّذِينَ آمَنُوا أي لفقراء المؤمنين الذين هم في خشونة عيش، ورثاثة ثياب وضيق منزل، واللام للتبليغ لأنهم شافهوا المؤمنين وخاطبوهم بقولهم: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أي المؤمنين والكافرين خَيْرٌ مَقاماً أي منزلا. وقرأ ابن كثير بضم الميم وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) أي مجلسا أي أنحن أو أنتم. روي أنهم كانوا يرجلون شعورهم، ويدهنونها، ويتطيبون، ويتزينون بالزينة الفاخرة، ثم يدعون فقراء المؤمنين، ويقولون مفتخرين عليهم: انظروا إلى منازلنا فتروها أحسن من منازلكم، وانظروا إلى مجالسنا عند التحدث ومجلسكم، فترونا نجلس في صدر المجلس، وأنتم في طرفه الحقير. فإذا كنا بهذه المثابة، وأنتم بتلك، فنحن عند الله خير منكم، ولو كنتم على خير لأكرمكم بهذه الأمور، كما أكرمنا بها. (١) رواه ابن عبد البر في التمهيد (٧: ١٥٦)، بما معناه. (٢) رواه أحمد (م ٦/ ص ٣٦٢). والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات، بينات الإعجاز، وعجزوا عن معارضتها، شرعوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، فرد الله عليهم ذلك بقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ، أي كثيرا أهلكنا بفنون العذاب قبل هؤلاء القريش، من أمم عاتية كعاد، وثمود وأمثالهم، هُمْ أَحْسَنُ من هؤلاء أَثاثاً أي أمتعة وَرِءْياً (٧٤)، أي منظرا، أي فهم أفضل من هؤلاء فيما يفتخرون به، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما فعلنا، أي فإن ما أنتم أيها الكفار فيه من النعم، محض استدراج لم ينفعكم الترفه شيئا عند نزول البلاء بكم، كما وقع للأمم الماضية، حيث كانوا في رفاهية أكثر منكم، ومع ذلك أهلكهم الله بكفرهم، ولم ينفعهم الترفه شيئا قُلْ يا أشرف الرسل لهؤلاء المفتخرين بما لهم من حظوظ: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا، وهذا الأمر بمعنى الخبر، أي من كان مستقرا في الضلالة، مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور، فيمهله الله بطول العمر، وبسط المال، وإنفاقه فيما يستلذّ به من الأوزار، ولا يزال يمدّ له استدراجا وقطعا للمعاذير يوم القيامة. حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ، من الله تعالى إِمَّا الْعَذابَ الدنيوي بغلبة المسلمين عليهم، وتعذيبهم إياهم قتلا وأسرا، وَإِمَّا السَّاعَةَ، أي ما نالهم يوم القيامة من الخزي والنكال. فَسَيَعْلَمُونَ حينئذ، مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً أي منزلا من الفريقين وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥)، أي أقلّ ناصرا، أهم أم المؤمنون. وهذا ردّ لما كانوا يزعمون أن لهم أنصارا من الأخيار، ويفتخرون بذلك في المحافل، وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بالإيمان، هُدىً أي بالإخلاص، وبالعبادات المتفرعة على الإيمان، وبالثواب على ذلك الإيمان. وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ، أي الطاعات التي تبقى فوائدها خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً أي فائدة مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية التي يفتخرون بها وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أي عاقبة. أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ؟؟؟ بِآياتِنا، الناطقة بالبعث، وهو العاص بن وائل السهمي، وَقالَ لخباب بن الأرت: لَأُوتَيَنَّ في الآخرة مالًا وَوَلَداً (٧٧). نزلت هذه الآية في شأن العاص بن وائل، عن خباب قال: كان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أقتضيه، فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لن أكفر به، حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت، قلت: نعم، قال: إني إذا بعثت وجئتني فسيكون لي ثمّ مال وولد، فأعطيك. وقرأ حمزة والكسائي «وولدا» بضم الواو وسكون اللام. وقيل: صاغ خباب للعاص حليا فطلب الأجرة، فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهبا، وفضة، وحرير، أفأنا أقضيك، ثم فإني أوتى مالا وولدا حينئذ فأجاب الله تعالى عن كلامه بقوله تعالى: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أي أعلم الغيب، وأن يعطى ما قاله، أو أقد بلغ من عظمة الشأن، إلى أن ارتقى إلى علم الغيب، الذي انفرد الله به، حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا، وأقسم عليه. أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ

مريم 19:81

عَهْداً (٧٨)، بأن يؤتى ما قاله، وقيل: المعنى انظر في اللوح المحفوظ أن له ما يقول، أم اعتقد وحدة الله بكلمة الشهادة فيكون له ما يقول. وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بدلك ما يقول: كَلَّا ردع له عن التفوّه بتلك الكلمة الشنيعة، وتنبيه على خطئه، أي لا يكون له ما يقول، سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ، أي سنظهر له أنا كتبنا قوله ونؤاخذه به، وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) أي نطوّل به من العذاب ما يستحقه، ونضاعفه له لكفره وافترائه على الله تعالى، واستهزائه بآياته، وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ، أي ننزع ما آتيناه بموته، ونحرمه ما تمناه في الآخرة من مال، وولد، ونجعله لغيره من المسلمين، وَيَأْتِينا يوم القيامة فَرْداً (٨٠) لا يصحبه مال، ولا ولد، ولا عشيرة، ولا خير. وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً، أي اتخذ كفار قريش الأصنام آلهة متجاوزين الله تعالى، لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) أي ليكون الأصنام مانعين لهم من عذاب الله، كَلَّا أي لا مانع من عذابهم، فلا يعتقدوا أن الأصنام شفعاء لهم عنده تعالى، سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ أي سيجحد الأصنام بعبادتهم لها، بأن ينطقها الله تعالى، وتقول ما عبدتمونا، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ أي تكون الأوثان التي كانوا يرجون أن تكون لهم منعة من العذاب، ضِدًّا (٨٢)، أي أعداء وأعوانا بالعذاب، فإنهم وقود النار، ولأنهم عذّبوا بسبب عبادتهم. أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) أي ألم تنظر يا أشرف الرسل، أنا سلطنا الشياطين على الكافرين، تهيّجهم على المعاصي تهييجا شديدا بأنواع الوساوس، فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ، بطلب إهلاكهم حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم. إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)، فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة، وأنفاس معدودة، فنضبط عليهم ما يقع منهم، حتى نؤاخذهم به ولا نهمله. وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) بإيمانهم، إِلَى الرَّحْمنِ أي إلى محل كرامة ربهم الذي يغمرهم برحمته الواسعة، وَفْداً (٨٥)، أي وافدين على ربهم، منتظرين لكرامتهم وأنعامهم، فبعضهم كانوا ركبانا على نجائب سرجها من ياقوت، وعلى نوق رحالها من ذهب، وأزمتها من زبرجد، من أول خروجهم من القبور، أو من منصرفهم من الموقف حتى يقرعوا باب الجنة. وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ بكفرهم ومعاصيهم إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) أي عطاشا بإهانة كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧)، أي لا يستحق هؤلاء المجرمون أن يشفع لهم غيرهم، إلا من اتخذ كلمة الشهادة بالتوحيد والنبوة، ولو كانوا أهل الكبائر. وروى ابن مسعود أنه صلّى الله عليه وسلّم قال لأصحابه ذات يوم: «أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا» قالوا: وكيف ذلك؟ قال: «يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتبعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع، ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم

مريم 19:91

عند الرحمن؟ عهد، فيدخلون الجنة» «١». وَقالُوا أي الكافرون اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) عزيرا، والمسيح، والملائكة، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) أي لقد قلتم قولا منكرا عظيما تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ، أي يتشققن مِنْهُ أي من قولهم، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ أي تنخسف بهم، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أي تسقط الجبال منطبقة عليهم. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) أي من نسبهم ولدا للرحمن، وهذا بدل من الهاء في منه. قال ابن عباس: فزعت السموات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، وغضبت الملائكة حين قالوا: الله ولد، أي استعظاما للكلمة، وتهويلا من فظاعتها، وتصويرا لأثرها في الدين. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢)، لأن الولد لا بد وأن يكون شبيها بالوالد، ولا مشبه لله تعالى. ولأن اتخاذ الوالد إنما يكون لأجل سرور الوالد به، واستعانته به، وذكر جميل به، وكل ذلك لا يليق به تعالى، محال عليه. وهذه الجملة حال من فاعل قالوا أو دعوا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣)، أي ما من أحد فيهما إلا مملوك له، مقرّ له بالعبودية، مطيع له، غير الكافر. لَقَدْ أَحْصاهُمْ فلا يكاد يخرج منهم أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وملكوته، لَكَ صَدْرَكَ (١) أي عدّ أشخاصهم، وأنفاسهم، وأفعالهم، وكل شيء عنده بمقدار، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) أي كل واحد منهم يجيء إلى الله وحيدا، بلا مال، ولا أتباع. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) أي سيحدث لهم في القلوب محبة، من غير تعرض للأسباب من قرابة، أو صداقة، أو اصطناع معروف، أو غير ذلك تخصيصا لأوليائه بهذه الكرامة. كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب إعظاما لهم. أي إن الله تعالى وعدهم أن يؤلف بين قلوبهم في الدنيا إذا ظهر الإسلام، وأن يحبّبهم إلى خلقه يوم القيامة، بما يظهر من حسناتهم، وينشر من ديوان أعمالهم، على رؤوس الأشهاد. فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي القرآن بِلِسانِكَ أي أنزلناه ميسرا بلغتك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ، بامتثال ما فيه من الأمر والنهي، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧)، أي الذين يجادلون فيه بالباطل وهم كفار مكة. وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي قرونا كثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) أي هلكوا جميعا فلم يبق منهم عين، ولا أثر فلا يرى منهم أحد، ولا يسمع منهم صوت حفي، أي فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء. وختم الله تعالى هذه السور بموعظة بليغة، لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا ومن الانتهاء إلى الموت، خافوا ذلك وخافوا سواء العاقبة في الآخرة، فكانوا أقرب إلى الحذر من المعاصي. (١) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١٠٨). [.....]