Lafzullah

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — الفرقان 25:1 – الروم 30:51

المؤلف / المصدر: محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا (ت 1316هـ) — تحقيق: محمد أمين الضناوي · دار الكتب العلمية - بيروت · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-299)

المحتويات
  1. الفرقان 25:1
  2. الفرقان 25:11
  3. الفرقان 25:21
  4. الفرقان 25:31
  5. الفرقان 25:41
  6. الفرقان 25:51
  7. الفرقان 25:61
  8. الفرقان 25:71
  9. الشعراء 26:1
  10. الشعراء 26:11
  11. الشعراء 26:21
  12. الشعراء 26:31
  13. الشعراء 26:41
  14. الشعراء 26:51
  15. الشعراء 26:61
  16. الشعراء 26:71
  17. الشعراء 26:81
  18. الشعراء 26:91
  19. الشعراء 26:111
  20. الشعراء 26:121
  21. الشعراء 26:141
  22. الشعراء 26:151
  23. الشعراء 26:171
  24. الشعراء 26:191
  25. الشعراء 26:201
  26. الشعراء 26:221
  27. النمل 27:1
  28. النمل 27:11
  29. النمل 27:21
  30. النمل 27:31
  31. النمل 27:41
  32. النمل 27:51
  33. النمل 27:61
  34. النمل 27:71
  35. النمل 27:81
  36. النمل 27:91
  37. القصص 28:1
  38. القصص 28:11
  39. القصص 28:21
  40. القصص 28:31
  41. القصص 28:41
  42. القصص 28:51
  43. القصص 28:61
  44. القصص 28:71
  45. القصص 28:81
  46. العنكبوت 29:1
  47. العنكبوت 29:11
  48. العنكبوت 29:21
  49. العنكبوت 29:31
  50. العنكبوت 29:41
  51. العنكبوت 29:51
  52. العنكبوت 29:61
  53. الروم 30:1
  54. الروم 30:11
  55. الروم 30:21
  56. الروم 30:31
  57. الروم 30:41
  58. الروم 30:51

الفرقان 25:1

سورة الفرقان مكية، سبع وسبعون آية، ثمانمائة واثنتان وسبعون كلمة، ثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاثة وستون حرفا تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ أي تعالى الله الذي نزل القرآن على محمد صلّى الله عليه وسلّم في ذاته وصفاته وأفعاله، فتعالت ذاته عن جواز التغيّر والفناء. وعن مشابهة شيء من الممكنات وتعالت صفاته عن حدوث، وتعالت أفعاله عن عبث. ومن جملة أفعاله تنزيل القرآن المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية والإتيان بعنوان العبد إعلام بكون سيدنا محمد في أقصى مراتب العبودية، لِيَكُونَ أي ذلك العبد أو الذي نزل الفرقان لِلْعالَمِينَ أي المكلفين من الثقلين نَذِيراً (١) أي مخوفا من عذاب الله بالقرآن الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بدل من الموصول الأول أو خبر مبتدأ محذوف وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً عطف على الصلة. وهذا رد على النصارى واليهود وبعض مشركي العرب الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ أي في ملك السموات والأرض فهو المنفرد بالإلهية. وهذا معطوف على الصلة أيضا وهو رد على الثنوية وعباد الأصنام والنجوم، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) أي أحدث كل موجود إحداثا جاريا على طريق التقدير بحسب ما اقتضته إرادته وهيّأه لما أراد به مما يصلح له مثاله أنه تعالى خلق الإنسان على هذا الشكل المقدّر المستوي الذي تراه فيقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في باب الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة، فقدره لأمر ما، ومصلحة ما موافقا لما قدر غير متأخر عنه. وَاتَّخَذُوا أي المنذرون من كفار مكة كأبي جهل وأصحابه مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً أي جعلوا لأنفسهم متجاوزين الله غيره آلهة لا يقدرون على خلق شيء أصلا، وَهُمْ يُخْلَقُونَ كسائر المخلوقات وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً أي لا يقدرون لأنفسهم على دفع ضرر ما وعلى جلب نفع ما فمن لا ينفع نفسه لا ينفع غيره، وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣) أي ولا يقدرون على اماتة الأحياء واحياء الموتى، وبعثهم، فالا له يجب أن يكون قادرا على جميع ذلك. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ أي قال النضر بن الحرث: ما القرآن الا كذب مصروف عن وجهه اختلقه محمد من تلقاء نفسه، وأعانه على اختلاقه غير قومه، وهم اليهود جبر ويسار أبو فكيهة الرومي. قال الكلبي ومقاتل نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث فهو الذي قال هذا القول وأعانه عليه عداس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار مولى العلاء عامر بن الحضرمي، وجبر مولى عامر، وهؤلاء كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرءون التوراة، ويحدثون أحاديث منها في مكة، فلما أسلموا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتعهدهم، فزعم النضر أنهم يلقون اليه صلّى الله عليه وسلّم أخبار الأمم الماضية، وهو صلّى الله عليه وسلّم يعبر عنها بعبارات من عنده، فهذا معنى اعانتهم له فمن أجل ذلك قال النضر ما قال، فرد الله تعالى ذلك بقوله تعالى فَقَدْ جاؤُ أي قائلو هذه المقالة ظُلْماً عظيما حيث جعلوا الحق البحت إفكا مفترى من قبل البشر وَزُوراً (٤) أي كذبا كبيرا حيث نسبوا إليه صلّى الله عليه وسلّم ما هو بريء منه. وَقالُوا أي النضر وأصحابه: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها أي هذا القرآن ما سطره المتقدمون من الخرافات انتسخها محمد بن عداس ويسار وجبر، أي أمرهم بكتابتها له وقراءتها عليه لأنه أمي فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) أي فتلك الأساطير تقرأ على محمد بعد طلبه منهم كتابتها غدوة وعشيا ليحفظها من أفواههم من ذلك المكتب لكونه أميا لا يقدر على أن يتلقاها منه بالقراءة. وهذا على قول جمهور المفسرين فإن قوله: تُمْلى ألخ من كلام القوم الكافرين. وقال الضحاك: معنى قولهم ذلك: وما يملى على محمد بكرة يقرأه عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرؤه عليكم بكرة خلافا للحسن حيث قال: إن ذلك من محض كلام الله تعالى ذكره جوابا عن قولهم كأنه تعالى قال: إن هذه الآيات تلقى عليه صلّى الله عليه وسلّم بالوحي مني حالا بعد حال، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين، قُلْ لهم ردا عليهم: أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ليس ذلك القرآن مما يفتعل بإعانة قوم وكتابتهم من الأحاديث الملفقة، بل هو أمر سماوي أنزله الله الذي لا يعزب عن علمه شيء من الأشياء فيعلم ما تسرونه من كيدكم لرسوله مع علمكم بأن ما يقوله حق، وما تقولونه زور، ويعلم براءة رسوله مما تتهمونه به وهو مجازيكم على ما علم منكم وما علم منه. إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) أي إنما أنزل القرآن لأجل الإنذار فوجب أن يكون غير مستعجل في العقوبة. وهذا تنبيه على أنهم استحقوا بمكايدتهم هذه أن يصب الله عليهم العذاب صبا، ولكن صرف ذلك عنهم كونه غفورا رحيما فيمهلهم ولا يعجل عليهم العذاب. وَقالُوا أي أبو جهل وأصحابه، والنضر وأصحابه، وأمية ابن خلف وأصحابه: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ أي سبب حصل لهذا الذي يدّعي الرسالة حال كونه يأكل الطعام كما نأكل، ويمشي في الأسواق لابتغاء الأرزاق كما نفعله، فمن أين له

الفرقان 25:11

الفضل علينا وهو مثلنا في هذه الأمور؟ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ أي هلا ينزل على صورته مَلَكٌ لا يأكل ولا يشرب فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أي فيكون معينا له في الإنذار يشهد له ويرد من خالفه أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ من السماء، فينفقه، فلا يحتاج إلى التردد لطلب المعاش أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها. وقرأ الأعمش وقتادة «يكون» بالياء التحتية، وقرأ حمزة والكسائي «نأكل» بالنون. وَقالَ الظَّالِمُونَ أي المشركون أبو جهل، والنضر، وأمية وأصحابهم للمؤمنين: إِنْ تَتَّبِعُونَ أي ما تتبعون أيها المؤمنون إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٨) أي مختل النظر والعقل انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي انظر يا أفضل الخلق كيف اشتغل القوم بضرب هذه التي لا فائدة فيها من الأقوال العجيبة الخارجة عن العقول، فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) أي فأرادوا القدح في نبوتك، فضلوا عن طريق المحاجة، فلم يجدوا سبيلا إلى القدح في نبوتك وفي معجزاتك، وضلوا عن الحق فلا يجدون طريقا موصلا إليه. تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ أي تكاثر خير من الذي إن شاء جَعَلَ لَكَ في الدنيا شيئا خَيْراً لك مِنْ ذلِكَ الذي قالوه جَنَّاتٍ أي بساتين كثيرة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) أي بيوتا مشيدة رفيعة في الدنيا، فقوله تعالى: جَنَّاتٍ بدل من خير. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر برفع «يجعل» على أنه معطوف على جواب الشرط، لأن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع، أو مستأنف بوعد ما يكون له صلّى الله عليه وسلّم في الآخرة. وقرأ الباقون بإدغام لام «يجعل» في لام «لك» إما بتقدير الجزم على أنه معطوف على محل جواب الشرط وهو جزم، أو بتقدير الرفع، وإنما سكن اللام لأجل الإدغام، فعلى الرفع حسن الوقف على «الأنهار» فإن المعنى: وسيجعل لك قصورا في الآخرة وعلى الجزم لا يحسن الوقوف على «الأنهار» فإن المعنى: إن شاء يجعل لك قصورا في الدنيا. روي عن طاوس عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطها أحدا قبلك ولا يعطيها أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئا، وبين أن يجمعها لك في الآخرة فقال صلّى الله عليه وسلّم: «بل يجمعها جميعا في الآخرة» «١» فنزل قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ الآية. بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ. وهذا جواب ثالث كأنه تعالى قال: ليس ما تعلقوا به شبهة علمية في نفس المسألة لأنهم لا يعتقدون فيك كذبا بل الذي حملهم على تكذيبك تكذيبهم بوجود (١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٥: ٦٨). وقت الجزاء استثقالا للاستعداد له، فإنهم لا يتحملون مشقة النظر، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١) أي جعلنا نارا عظيمة شديدة الاشتعال معدة لمن كذب بوجود القيامة، إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي من مسيرة عام كما قاله الكلبي والسدي سَمِعُوا لَها أي النار تَغَيُّظاً أي صوت غليانها، وَزَفِيراً (١٢) أي صوتا شديدا كصوت الحمار وَإِذا أُلْقُوا مِنْها أي النار مَكاناً ضَيِّقاً. وقرأه ابن كثير بسكون الياء مُقَرَّنِينَ في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم دَعَوْا هُنالِكَ أي في ذلك المكان ثُبُوراً (١٣) بأن يقولوا: يا ثبور هذا زمانك ويتمنوا موتا. وقال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهيب والأعلون يخفضهم الداخلون، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة. وقال ابن عمر: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح. وتقول لهم: خزنة جهنم لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً أي لا تقتصروا على دعاء ثبور واحد وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) فإن ما أنتم فيه من العذاب مستوجب لتكرير الدعاء في كل آن لغاية شدته وطول مدته قُلْ لهم تحسيرا على ما فاتهم: أَذلِكَ السعير التي هيئت لمن كذب بوجود القيامة خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ التي لا ينقطع نعيمها الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أي التي وعدها من يجتنبون الكفر. وهذا يحسن في مقام التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالا فأبى واستكبر، فضربه ضربا وجيعا وقال له على سبيل التوبيخ، هذا أحب إليك أم ذاك كانَتْ أي تلك الجنة لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) أي مسكنا فما وعد الله به فهو كائن لا بد من وقوعه، فكأنه قد كان، ولأنه كان مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله بأزمان متطاولة: أن الجنة جزاؤهم ومستقرهم. لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ فكل فريق منهم مشتغل بما فيه من اللذات فلا يلتفتون إلى ما فوق ذلك من المراتب العالية، وفي هذا تنبيه على أن حصول المرادات بأسرها لا يكون إلا في الجنة. خالِدِينَ حال من الهاء في «لهم» فإن من شرط نعيم الجنة أن يكون دائما إذ لو انقطع لكان مخلوطا بنوع من الغم كنعيم الدنيا، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: «من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق» فقيل: وما هو يا رسول الله؟ فقال: «سرور يوم» كانَ أي ما يشاءونه عَلى رَبِّكَ يا أفضل الخلق وَعْداً مَسْؤُلًا (١٦) أي موعودا مطلوبا لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون، فإن المكلفين سألوه بلسان الحال، لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعته تعالى كان ذلك قائما مقام السؤال وما في «على» من معنى الوجوب لاستحالة الخلف في وعده تعالى، فإن تعلق إرادته تعالى بالوعود متقدم على الوعد الموجب للإنجاز، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ. وقرأ ابن كثير وحفص بالياء. والباقون بالنون وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من غيره، أي ويوم القيامة يحشر الله العابدين لغير الله ومعبوديهم فَيَقُولُ. قرأ ابن عامر بالنون. والباقون بالياء كأن يخلق في الأصنام الحياة فينطقها أو كأن جوابها بلسان الحال كما ذكره بعضهم في تسبيح الموات وفي شهادة الأيدي والأرجل أي يقول الله للمعبودين تقريعا للعابدين أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ بأن دعوتموهم لعبادتكم أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) أي أم هم ضلوا عن السبيل بأنفسهم بتركهم النظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد وعبدوكم بهوى أنفسهم. قالُوا أي المعبودين متبرئين عن العابدين: سُبْحانَكَ أي قالوه تعجبا مما قيل لهم أو إشعارا بأنهم منزّهون الله تعالى عما لا يليق به، فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده أو قصدا لتنزيهه تعالى عن الأنداد ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ فنتخذ متعد لواحد، و «من أولياء» مفعول، و «من» زائدة، و «من دونك» حال، لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا. وعن أبي جعفر وابن عامر أنهما قرءا «تتخذ» بالبناء للمفعول فهو متعد لمفعولين، والمفعول الأول نائب الفاعل، و «من أولياء» مفعول ثان، و «من» للتبعيض وتنكير «أولياء» من حيث إنهم أولياء مخصوصون، وهم الجن والأصنام. ومعنى الآية: لا يستحق لنا أن يتخذ بعضنا أولياء. والحاصل إن كان معبودهم ملائكة قالت: نحن عبيدك فلا يستقيم لعبيدك أن يتخذوا من غيرك أحباء يعبدونهم فإذا كنا نعتقد أن غيرك لا يجوز أن يكون معبودا، فكيف ندعو غيرنا إلى عبادتنا وإن كان أصناما قالت: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا أن ندعي أننا من المعبودين فما أضللناهم. وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ أي ولكن يا إلهنا أكثرت عليهم وعلى آبائهم من النعم فجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أي تركوا الإيمان بالقرآن وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) أي وصاروا قوما هالكين فاسدة القلوب. فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ أي فقال الله تعالى عند ذلك: فقد كذبكم أيها الكفرة معبودكم في قولكم: إنهم آلهة. فالباء بمعنى في أو هي صلة للتكذيب على أن الجار والمجرور بدل اشتمال من الضمير المنصوب، أي فقد كذبوا قولكم: إنهم آلهة. وانظر كيف أظهر الله صدق الأصنام وكذب الكفار، وتقولون بالتاء الفوقانية باتفاق العشرة. وقرئ شاذة بالياء، أي كذبوكم بقولهم: سُبْحانَكَ الآية. فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً. وقرأ حفص بالتاء على الخطاب، أي فما تستطيعون أيها الكفار صرف الأصنام والملائكة عن شهادتهم عليكم ولا نصر أنفسكم في إضافة الصدق إلى أنفسكم ولا تستطيعون دفع العذاب عنكم ولا منعه عنكم بأنفسكم ولا بغيركم. وقرأ الباقون بالياء على الغيبة أي فما تستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب ويحتالوا لكم، ولا أن ينصروكم بوجه من الوجوه. وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩) أي ومن يكفر منكم يا معشر المؤمنين، أو ومن يستمر منكم يا معشر الكفار على ما أنتم عليه من الكفر والعناد نذقه عذابا كبيرا في الدنيا والآخرة والعامة. قرءوا «نذقه» بنون العظمة. وقرئ بالياء والضمير عائد لله تعالى أو للظلم المفهوم من الفعل على سبيل المجاز بإسناد إذاقة العذاب إلى السبب وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ و «إن» مكسورة باتفاق العشرة و «اللام» لام

الفرقان 25:21

الابتداء زيدت في الخبر، والجملة الواقعة بعد إلا حالية، أي وما أرسلنا قبلك يا أشرف الخلق أحدا من المرسلين إلا وحالهم آكلون وماشون فأنت مثلهم في ذلك. وقرئ «يمشون» على البناء للمفعول، أي يمشيهم حوائجهم وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أي وجعلنا كل أمة كافرة فتنة لرسولها المبعوث إليها كأن يقول بعض الكفار لبعض الأنبياء آتنا معجزة كمعجزة بني فلان أَتَصْبِرُونَ يا معشر الأنبياء على ما تسمعون من أقاويلهم الخارجة من حدود الإنصاف، فالمعنى جرت سنتنا على ابتلاء المرسلين بأممهم بإيذائهم لهم لنعلم صبرهم. وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠) بأعمال كلهم وجزائها. وهذا وعد كريم للرسول صلّى الله عليه وسلّم بالأجر الجزيل لصبره الجميل. وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي لا يؤملون وعدنا على الطاعة من الثواب فلا يخافون العقاب لكفرهم بالبعث. وهذه الجملة معطوفة على قوله تعالى: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ إلخ. لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أي هلا أنزلوا علينا بطريق الرسالة أَوْ نَرى رَبَّنا فيخربنا بصدق محمد في رسالته. لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي أنهم أضمروا الاستكبار في قلوبهم واعتقدوه. وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) أي تجاوزوا الحد في الظلم حتى اجترءوا على هذا القول العظيم الشنيع. يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ منصوب بعامل دل عليه «لا بشرى» أي يبغون البشرى يوم يرون ملائكة العذاب قائلين: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ أي الكافرين في كل الأوقات فإنهم يشافهون في أول الأمر بما يدل على نهاية اليأس والخيبة، فذلك هو النهاية في الإيلام وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) أي يقول الكافرون الذين طلبوا نزول الملائكة إذا رأوا الملائكة وفزعوا منهم عند الموت: ويوم القيامة حجرا محجورا وهي كلمة كانوا يقولونها عند لقاء العدو ونزول شدة، ويضعونها موضع الاستعاذة. والمعنى: نسأل الله تعالى أن يمنع ذلك منعا. وقيل: يقول الحفظة للكفار، إذا خرجوا من قبورهم: حجرا محجورا. ومعناه جعل الله الغفران والجنة والبشرى حراما عليكم. وقال الكلبي: إن الملائكة على باب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين: حجرا محجورا. وقرأ الضحاك والحسن وأبو رجاء على ضمها. وقرئ بفتحها. وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ أي وقصدنا إلى أعمالهم التي ظنوا أنها تقربهم إلى الله تعالى فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أي أبطلناه وجعلناه مثل الهباء المنثور الذي لا يمكن القبض عليه في عدم إمكان الانتفاع به بالكلية والهباء شبه غباريرى في شعاع الشمس يطلع من الكوة أَصْحابُ الْجَنَّةِ هم المؤمنون يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) أي موضع استراحة نصف النهار في الحر وقد أشارت الآية إلى أن كلا من أهل الجنة وأهل النار قد استقروا في وقت القيلولة. وإن كان استقرار المؤمنين في راحة، واستقرار الكافرين في عذاب فيكون الحساب لجميع الخلائق قد انقضى في هذا الوقت، لأن القائلة تكون في نصف النهار، والحساب يكون من أوله. والمراد من ذلك: بيان أن ذلك الموضع أطيب المواضع، كما أن موضع القيلولة يكون كذلك، وإشارة إلى أنه مزين بفنون الزخارف وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) أي يوم القيامة تتفتح كل سماء بسبب طلوع الغمام منها، وهو سحاب أبيض فوق السموات السبع، ثخنه كثخن السموات السبع، وثقله كذلك، فينزل على السماء السابعة فيخرقها بثقله، وهكذا حتى ينزل إلى الأرض، وفيه ملائكة كل سماء، فينزل أولا ملائكة السماء الدنيا وهم أكثر من أهل الأرض من إنس وجن، ثم ينزل ملائكة السماء الثانية وهم أزيد من ملائكة سماء الدنيا، وهكذا، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، فإذا نزل ملائكة سماء الدنيا اصطفوا حول العالم المجموع في المحشر صفا، وإذا نزل ملائكة السماء الثانية اصطفوا خلف هذا الصف صفا آخر، وهكذا، أي يحيطون بمن بعدهم حتى يصيروا سبع صفوف حول العالم. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ أي السلطنة القاهرة الثابتة ثباتا لا يمكن زواله صورة ومعنى ثابتة للرحمن يوم إذ تشق الغمام لا يشركه فيها أحد. وَكانَ يَوْماً أي ذلك اليوم عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) أي شديدا بخلاف المؤمنين فقد جاء في الحديث أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا، وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ أي يوم القيامة يأكل الكافر يديه إلى المرفق، ثم ينبتان، ثم يأكلهما وهكذا فلا يزال كذلك- كما قاله الضحاك وعطاء- وقال أهل التحقيق: هذه اللفظة كناية عن الندامة والغم. يَقُولُ حال من فاعل يعض يا لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) أي ليتني صاحبت رسول الله في اتخاذ سبيل الهدى، واستقمت على دين الرسول. يا وَيْلَتى أي يا هلاكي، تعال فهذا أوانك لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) أي صديقا وافقته في أعماله. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ أي والله لقد صرفني عن القرآن وموعظة الرسول بَعْدَ إِذْ جاءَنِي. قال ابن عباس: والمراد بالظالم: عقبة بن أبي معيط بن أمية، بن عبد شمس كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما يدعو إليه جيرانه من أهل مكة، ويكثر مجالسة النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويعجبه حديثه، فصنع طعاما ودعا الرسول، فلما قرب إليه الطعام قال صلّى الله عليه وسلّم: «ما آكل من طعامك حتى تأتي بالشهادتين» فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فأكل صلّى الله عليه وسلّم من طعامه. وكان أبي بن خلف الجمحي صديقه فعاتبه، فقال له: يا عقبة قد ملت إلى دين محمد! فقال عقبة: والله ما ملت ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن شهدت له، فاستحيت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له، فطعم فقال: أبيّ لا أرضى عنك أبدا حتى تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه، فأتاه فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل عقبة ذلك، فعاد بزاقه على وجهه فحرقه، فقال صلّى الله عليه وسلّم له: «لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف» «١» فنزل قوله تعالى: (١) رواه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة ٢، باب: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا

الفرقان 25:31

وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ إلخ، فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبرا ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير النضر بن الحرث، وأما أبيّ بن خلف فقتله النبي صلّى الله عليه وسلّم بيده، طعنه في أحد، فرجع إلى مكة ومات. وقال الشعبي: كان عقبة خليل أمية فأسلم عقبة وقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمدا فارتد، فأنزل الله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ وعلم من ذلك أن المراد بفلان أبي أو أمية وَكانَ الشَّيْطانُ أي إبليس لِلْإِنْسانِ أي الكافر خَذُولًا (٢٩) أي مبالغا في ترك النصرة بعد المعاونة، وكان يعد الإنسان في الدنيا بأنه ينفعه في الآخرة وهذا من كلام الله تعالى، فإن آخر كلام الظالم بعد إذ جاءني، فالوقف عليه تام وَقالَ الرَّسُولُ محمد صلّى الله عليه وسلّم شكاية لله مما صنع قومه وفي هذا تخويف لقومه، لأن الأنبياء إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم، عجل الله لهم العذاب. وهذا عطف على قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا. يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) أي متروكا بالكلية ولم يؤمنوا به ولم يتأثروا بتخويفه وفي هذا تلويح بأن من حق المؤمن أن يكون كثير التعاهد للقرآن، كيلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم فإنه روي عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من تعلّم القرآن وعلّق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقا به يقول: يا رب، عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني وبينه» «١». وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يقولون ما يقولون، ويفعلون ما يفعلون جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين هم أصحاب الشريعة والدعوة إليها عدوا من مجرمي قومهم فاصبر كما صبروا، وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) أي كفاك مبلغك إلى الكمال ومالك أمرك هاديا لك إلى مصالح الدين والدنيا وناصرا لك على جميع من يعاديك. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة كأبي جعل وأصحابه لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً أي هلا أنزل القرآن كله جملة واحدة، كالكتب الثلاثة: التوراة والإنجيل والزبور كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ أي مثل ذلك التنزيل المفرّق نزلناه لنقوي بذلك فؤادك، فإن فيه تيسير الحفظ، وفهم المعاني. وهذا كلام الله ذكره جوابا لهم وردا لهذه الشبهة وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) معطوف على الفعل المقدر الذي تعلق به كذلك، أي كذلك أنزلناه وآتينا بعضه بعد بعض على تؤدة وتمهل في ثلاث وعشرين سنة وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ أي ولا يأتي المشركون إياك يا أشرف الخلق بسؤال عجيب، يريدون به القدح في نبوتك إلا جئناك بالجواب الحق الذي يدفع قولهم، وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) بيانا وبأقوى حجة الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أي يحشرون يوم القيامة كائنين على وجوههم يسبحون منها، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: ١٤١، والترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة ٢٥، باب: ١، وأحمد في (م ١/ ص ٣٨٠). (١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٧: ٣١٩)، وأحمد في (م ٥/ ص ١٥٣). عليها، ويجرون إلى جهنم. وهذا الموصول صفة للموصول الأول، أو بدل منه أُوْلئِكَ أي الذين أوردوا هذه الأسئلة على سبيل التعنت شَرٌّ مَكاناً أي منزلا في الآخرة وعملا في الدنيا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) عن الحق وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي أنزلنا التوراة على موسى بعد غرق فرعون وقومه، وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) يعينه في الدعوة وإعلاء الكلمة فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي آيات الإلهية وهي مصنوعات الله تعالى الدالة على انفراده بالملك والعبادة، أي فذهبا إليهم فأرياهم الآيات التسع كلها، وهي آيات النبوة، فكذبوها كما كذبوا الآيات الإلهية فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) أي أهلكناهم عقب ذلك التكذيب إهلاكا عجيبا وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أي نوحا ومن قبله، فإنهم اشتركوا في المجيء بالتوحيد أَغْرَقْناهُمْ. فقال الكلبي: أمطر الله عليهم السماء أربعين يوما وأخرج ماء الأرض أيضا في تلك الأربعين فصارت الأرض بحرا واحدا وَجَعَلْناهُمْ أي وجعلنا إغراقهم لِلنَّاسِ آيَةً أي عبرة لمن سمع قصتهم لكيلا يقتدوا بهم، وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ أي قوم نوح ومن سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عَذاباً أَلِيماً (٣٧) هو عذاب الآخرة، وَعاداً عطف على المفعول الأول «لجعلنا»، وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ، وهي بئر غير مطوية، ولهم وجوه. أحدها: هم قوم يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيبا فكذبوه، فبينما هم حول البئر خسف الله بهم وبديارهم. وثانيها: أن الرس قرية بفلج اليمامة كان فيها بقايا ثمود، فبعث إليهم نبي فقتلوه، فهلكوا. ثالثها: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم بطير عظيم فيها من كل لون سمي بالعنقاء فتخطف صبيانهم، وعروسا فدعا عليها حنظلة فأصابتهم الصاعقة، ثم إنهم قتلوا حنظلة عليه السلام فأهلكوا. ورابعها: أن الرس بئر في أنطاكية كذبوا حبيبا النجار وقتلوه، فدسوه في البئر. وخامسها: عن علي رضي الله عنه أنهم كانوا قوما يعبدون شجر الصنوبر وإنما سموا أصحاب الرس لأنهم رسوها في الأرض بينهم. وسادسها: هم قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له: الرس من بلاد المشرق فبعث الله إليهم نبيا من ولد يهوذا بن يعقوب، فكذبوه، فلبث فيهم، فشكا إلى الله تعالى منهم فحفروا بئرا ورسوه فيها، فأرسل الله تعالى ريحا عاصفة شديدة الحمرة، فصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقد، وأظلتهم سحابة سوداء، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص. وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) أي أقواما كثيرا بين الطوائف المذكورة وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ أي كل قرن بينا له القصص العجيبة الزاجرة عن الكفر والمعاصي بواسطة الرسل وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) أي كل

الفرقان 25:41

واحد منهم فتتنا تفتيتا لما كذبوا الرسل فإنا لم نهلكهم إلا بعد الإنذار وجواب ما أوردوه من الشبه حتى وضح لهم السبيل. وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أي وبالله لقد مرّ قريش على قرية سذوم من قرى قوم لوط التي أهلكت بالحجارة من السماء في أسفارهم إلى الشام للتجارة، أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها أي أفلم يكونوا في مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله تعالى بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) أي بل كانوا قوما ينكرون البعث، ولا يؤمنون بالجزاء الأخروي فلا يرجون ثواب الآخرة حينئذ لا يتحملون متاعب التكاليف ومشاق الاستدلال وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً، أي إذا رآك يا أشرف الخلق كفار مكة قصروا معاملتهم معك على اتخاذهم إياك هزوا فقوله: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ جواب «إذا»، واختصت «إذا» بكون جوابها لا يحتاج إلى الفاء إذا كان منفيا بما أو إن أو لا بخلاف غيرها من أدوات الشرط. أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١). وهذا محكي لقول مضمر هو حال من فاعل «يتخذونك» أي إذا رأوك يستهزئون بك قائلين: أبعث الله هذا رسولا إلينا، وهذا على سبيل الاستهزاء. والمعنى: أهذا الذي يزعم أنه بعثه الله رسولا إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها. ويروى أن هذا من قول أبي جهل و «إن» مخففة من «إن» الثقيلة، وضمير الشأن محذوف أي إن الشأن كاد هذا الرجل ليصرفنا من عبادة آلهتنا صرفا كليا لولا أن ثبتنا عليها، وهذا اعتراف منهم بأنه صلّى الله عليه وسلّم قد بلغ من الاجتهاد في الدعوة إلى التوحيد وإقامة الحجج وإظهار المعجزات إلى حيث قاربوا أن يتركوا دينهم، لولا فرط لجاجهم وغاية عنادهم. وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ الذي يستحقه كفرهم وعنادهم عيانا في الآخرة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أي من أخطأ حجة فهذا وعيد شديد لهم على الإعراض عن الاستدلال والنظر أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣). وهذا أمر لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالتعجب من شناعة حالهم، أي أرأيت يا أشرف الخلق الذي جعل معبوده ما يهواه وهو النضر وأصحابه أفأنت تكون عليه حفيظا تحفظه من اتباع هواه أي لست كذلك. وقال سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الصنم، فإذا رأى أحسن منه رماه واتخذ الآخر وعبده. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ أي بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من الآيات سماع تفكّر، أو يفهمون ما فيها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية إلى المحاسن، وهذا انتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه صلّى الله عليه وسلّم لهم ممن يسمع أو يعقل ف «أم» بمعنى بل والهمزة التي للاستفهام الإنكاري وإنما ذكر الأكثر لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل. إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم، وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات، وإقبالهم على اللذات الحاضرة بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) من الأنعام، لأنها تنقاد لمن يتعهدها، وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها، وتتجنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه تعالى من إساءة الشيطان ولا يطلبون الثواب ولا يتقون العقاب، ولأنها جارية إلى ما خلقت هي له فلا تقصير منها، في طلب الكمال لأنه غير ممكن منها وهؤلاء معطلون لعقولهم مستحقون بتقصيرهم أعظم العقاب، أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ أي ألم تعلم يا أشرف الخلق إلى حسن صنع ربك، كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ؟ أي كيف بسطه؟ فالظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص، والظلمة الخالصة، وهو فيما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأفنية الجدران، وهو أطيب الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وتسد النظر والضوء الخالص من شعاع الشمس يبهر البصر ويسخن الجو، وهي مؤذية. وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي دائما غير زائل بأن لا تذهبه الشمس ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ أي الظل دَلِيلًا (٤٥)، فالنظر إلى الجسم الملون وقت الظل لا يشاهد شيئا سوى الجسم، واللون، ولا يعرف شيئا ثالثا فإذا طلعت الشمس ووقع ضوءها على الجسم، زال ذلك الظل، فعرف أن للظل وجودا لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فلولا الشمس لما عرف الظل، ولولا الظلمة لما عرف النور، فالله تعالى لما أطلع الشمس على الأرض، وأزال الظل، ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون، فلهذا قال تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا أي خلقنا الظل أولا بالمنافع واللذات، ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده باطلاع الشمس فكانت الشمس دليلا على وجود هذه النعمة، والخطاب في أَلَمْ تَرَ عام، وإن كان ظهره للرسول، لأن المقصود بيان إنعام الله تعالى بالظل وجميع المكلفين مشتركون في تنبههم على هذه النعمة وتوجيه الرؤية إلى الله تعالى إشارة إلى أن الذي ينبغي للعاقل أن يكون مطمح نظره معرفة شؤون الصانع الحكيم وأن يكون نظره مقصور على الآثار والصنائع، ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) أي ثم أزلنا الظل يسيرا يسيرا، فكلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل، وقبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح، فإذا غربت الشمس، فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار وقوله تعالى: إِلَيْنا للتصريح على كون مرجع الظل إليه تعالى كما أن حدوثه منه تعالى، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً أي مثل اللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس وَالنَّوْمَ سُباتاً أي جعل النوم الواقع في الليل قطعا عن الأفعال المختصة بحال اليقظة. وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) أي زمان بعث من ذلك النوم. وفي هذا إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور. وعن لقمان: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت وتنشر وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي قدام المطر. وقرأ ابن كثير «الريح» بالإفراد وقرأ «نشرا» نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم النون والشين أي

الفرقان 25:51

ناشرات للسحاب. وقرأه ابن عامر بضم النون وسكون الشين. وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل أي متفرقة. وقرأه عاصم بالباء الموحدة المضمومة وسكون الشين أي مبشرات فالرياح المبشرات هي: الصبا، والجنوب، والشمال. أما الدبور: فهي ريح العذاب التي أهلكت بها عاد. وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) أي بليغا في الطهارة لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً أي مكانا لا نبات فيه، أي ليصير ذا نبات وَنُسْقِيَهُ أي ذلك الماء مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً أي بهائم وَأَناسِيَّ جمع إنسان أصله أناسين، كَثِيراً (٤٩). وهذا إما راجع ل «الأناسي»، وذلك لأن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأنهار ومنابع المياه فهم في غنية في شرب الماء عن المطر، وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر وإما راجع إلى «ونسقيه»، وذلك لأن الحيوان يحتاج إلى الماء حالا بعد حال ما دام حيا وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان أقرب إلى الضرر. وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ أي وبالله لقد أجرينا المطر في البلاد المختلفة والأوقات المتغايرة والصفات المتفاوتة حتى انتفعوا بالزرعات، وأنواع المعاش به، كما روي مرفوعا عن ابن مسعود قال: «ليس من سنة بأمطر من أخرى ولكن الله تعالى قسم هذه الأرزاق فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، ورزق معلوم وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله تعالى ذلك إلى غيرهم فما زيد لبعض نقص من غيرهم، وإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك المطر إلى الفيافي والبحار». لِيَذَّكَّرُوا. وقرأ حمزة والكسائي بسكون الذال وضم الكاف، أي ليذكروا نعمة الله به ويقوموا بشكره. والباقون بفتح الذال والكاف مشددتين، أي ليعتبروا بالصرف إليهم وعنهم فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (٥٠) أي جحودا للنعمة من حيث لا يتفكرون فيها، ولا يستدلون بها على وجود الصانع وقدرته وإحسانه. وقيل: المعنى: وبالله لقد كررنا هذا القول الذي هو ذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر بين الناس المتقدمين والمتأخرين في القرآن، وسائر الكتب المنزلة على الرسل ليستدلوا به على الصانع، فأبى أكثر الناس إلا كفور النعمة القرآن والكتب، ولنعمة المطر حيث أسندوها لغير خالقها، وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) أي نبيا ينذر أهلها فيخف عليكم أعباء الرسالة، ولكنا قصرنا الأمر عليكم وفضلناك على سائر الرسل فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ أي فلا توافقهم فيما يأمرونك وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) أي جاهدهم بسبب كونك نذيرا كافة القرى جهادا جامعا لك مجاهدة، أو وجاهدهم ملابسا بترك طاعتهم بل بالشدة لا بالمداراة جهارا كبيرا، وذلك بتلاوة ما في القرآن من الزواجر والنواذر وتذكير أحوال الأمم المكذبة، فإن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف. وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي أرسلهما في مجاريهما متلاصقين هذا عَذْبٌ أي سائغ فُراتٌ أي بالغ في العذوبة حتى يصير إلى الحلاوة، وَهذا مِلْحٌ أي مر أُجاجٌ أي زعاق. وَجَعَلَ بَيْنَهُما أي الطيب والمالح بَرْزَخاً أي حائلا غير مرئي بقدرة الله تعالى وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) أي سترا ممنوعا به تغيير أحدهما طعم الآخر، فالعذوبة أو الملوحة، إن كانت بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد من الأجسام بصفة خاصة وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ أي من ماء الذكر والأنثى بَشَراً أي خلقا كثيرا فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً أي فقسم البشر قسمين: ذكورا ينسب إليهم وإناثا يصاهر بهن، أي يقارب ويخالط بهن. وقيل: النسب: ما لا يحل تزويجه من القرابة، والصهر ما يحل التزويج من القرابة وغيرها. وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) حيث خلق من مادة واحدة بشرا مختلفا ألوانه، وأعضاؤه وطباعه. وربما خلق من نطفة واحدة توأمين فأكثر. وَيَعْبُدُونَ أي كفار مكة مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ بعبادته في الدنيا والآخرة وَلا يَضُرُّهُمْ بترك عبادته فيهما، وهو الأوثان. وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) أي وكان الكافر جماعة بعضهم معاون لبعض على إطفاء نور دين الله، أو وكان الكافر معاونا للشيطان على عصيان ربه بالعداوة والشرك، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً للمؤمنين على الطاعة وَنَذِيراً (٥٦) للكافرين على المعصية. قُلْ يا أكرم الرسل لأهل مكة: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) أي لا أطلب على تبليغ الرسالة من أموالكم أجرأ إلا فعل من أراد أن يطلب المنزلة عند الله تعالى بالإيمان والطاعة كما أدعوكم إليهما. وقيل: لا أطلب من أموالكم جعلا لنفسي عن التبليغ لكن من شاء أن ينفق أمواله لاتخاذ السبيل إلى ربه بالصدقة وغيرها فليفعل فالاستثناء على الأول متصل، وعلى الثاني منقطع. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ أي اعتمد بقلبك في كل الأمور على الله تعالى والأسباب وسائط أمر بها من غير اعتماد عليها، وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أي نزهه تعالى عن صفات النقصان مثنيا عليه بنعوت الكمال طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على كثير نعمه. وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) أي كفى الله مطلعا على ذنوب عباده ما ظهر منها وما بطن. الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، فخلق الأرض في يومين: الأحد والاثنين. وما بينهما في يومين: الثلاثاء والأربعاء. والسموات، في يومين الخميس والجمعة وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة ومحل الموصل جر على أنه صفة ثانية ل «الحي» ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فالوقف على العرش تام إن أعرب «الرحمن» على المدح خبر مبتدأ محذوف، أي هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود إلا له وهو في الحقيقة صفة ثالثة ل «الحي» كما قرأ زيد بن علي بالجر، لأن المنصوب والمرفوع على سبيل المدح وإن خرجا عن التبعية لما قبلها صورة تابعان له حقيقة ولا يوقف على العرش إن أعرب «الرحمن» بدلا من الضمير المستكن في «استوى» فحينئذ فالوقف على الرحمن، وهو وقف كاف. ومعنى «استوى على العرش» أي ارتفع خالق السموات والأرض ارتفاعا يليق بجلاله

الفرقان 25:61

وتصرف في ملكه تصرفا تاما. فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) أي فاسأل أيها الإنسان عنه تعالى عالما بصفاته من الراسخين في العلم، وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ أي وإذا قيل لكفار مكة: اخضعوا للرحمن بالتوحيد والصلاة وغير ذلك. قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ: وما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذب أي فإنهم اعترفوا بالله لكنهم جهلوا أن هذا الاسم من أسماء الله تعالى أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا أي للذي تأمرنا بسجوده من غير أن نعرف السجود له ماذا. وقرأ حمزة والكسائي بالياء أي أنسجد لما يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو هل هو مسيلمة الكذاب أو غيره أو كان الضمير راجعا لسيدنا محمد على أن بعضهم قال لبعض: أنسجد لأمر محمد إيانا بالسجود من غير معرفتنا للمسجود له. وَزادَهُمْ أي الأمر بسجود الرحمن نُفُوراً (٦٠) أي تباعدا عن الإيمان تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً أي منازل الكواكب السبعة السيارة المنظومة في قول بعضهم: زحل شرى مريخه من شمسه؍ فتزاهرت لعطارد الأقمار؍ وأسماء البروج منظومة في قول بعضهم: حمل الثور جوزة السرطان؍ ورعى الليث سنبل الميزان؍ ورمى عقرب بقوس لجدي؍ نوح الدلو بركة الحيتان؍ وهذه البروج الإثنا عشر مقسومة على الطبائع الأربع فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس: مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي: مثلثة أرضية. والجوزاء والميزان والدلو: مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. وَجَعَلَ فِيها أي البروج سِراجاً وهو الشمس. وقرأ حمزة والكسائي «سرجا» بضم السين والراء وهي الشمس والكواكب الكبار، وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) أي مضيئا بالليل. وقرأ الحسن والأعمش و «قمرا» وهي جمع قمراء، لأن الليالي تكون قمراء بالقمر وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي يعتقبان يأتي أحدهما بعد الآخر لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ. قرأ حمزة بسكون الذال وضم الكاف. والباقون بفتح الذال والكاف مشددتين. وعن أبي بن كعب: ليتذكر أي لينظر الناظر في اختلافهما، فيعلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال من صانع رحيم للعباد، أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) أي ليشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف في النهار. وقال عمر بن الخطاب، وابن عباس، والحسن، معنى الآية: من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار. ومن فاته بالنهار أدركه بالليل وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً أي هينين أي إن مشى عباد الله المقبولين في لين وسكينة وتواضع لا يضربون بأقدامهم، ولا يتبخترون لأجل الخيلاء. وعن زيد بن أسلم قال: التمست تفسير «هونا» فلم أجد، فرأيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون الفساد في الأرض. و «عباد» مبتدأ خبره الموصول و «ما» عطف عليه. وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ بالسوء قالُوا سَلاماً (٦٣) أي ردوا معروفا كأن يقولوا لا خير بيننا وبينكم، ولا شر فهو سلام توديع لا تحية. كقول سيدنا إبراهيم عليه السلام لأبيه سلام عليكم: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) أي يحيون الليل بالصلاة، و «سجدا» خبر «يبيتون». وَالَّذِينَ يَقُولُونَ في دعائهم: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) أي هلاكا لازما أي فإنهم مع اجتهادهم في العبادة خائفون من عذاب الله إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وهذا يمكن أن يكون من كلام الله تعالى فهو مستأنف، وأن يكون حكاية لقولهم تعليل بسوء حالها في نفسها عقب تعليل بسوء حال عذابها. والمعنى: أن جهنم بئست جهنم هي حال كونها مستقرا للعصاة من أهل الإيمان فإنهم غير مقيمين فيها وحال كونها مقاما للكافرين فإنهم يخلدون ويقال: إن جهنم أحزنت داخليها من جهة موضع استقرار، ومن جهة موضع إقامة. وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا أي لم يجاوزوا حد الكرام وَلَمْ يَقْتُرُوا أي ولم يضيفوا تضييق الشحيح وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) أي وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار وسطا. وقرأ نافع وابن عامر «يقتروا» بضم التحتية وكسر الفوقية، وابن كثير وأبو عمرو بفتح التحتية وكسر الفوقية، والكوفيون بفتح التحتية وضم الفوقية فالقراءات السبعية ثلاثة والقاف على كل ساكنة. وقرئ «قواما» بكسر القاف، أي ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص. وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة، ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويصونهم من الحر والبرد. وروي أن رجلا صنع طعاما في أملاك، فأرسل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «حق فأجيبوا». ثم صنع الثانية فأرسل إليه فقال: «خلق فمن شاء فليجب وإلا فليقعد». ثم صنع الثالثة فأرسل إليه فقال: «رياء ولا خير فيه» . وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ أي لا يعبدون مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ. والمقصود من هذا تنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ أي بالردة وبالقتل قودا، وبالزنا بعد الإحصان، فالمقتضى لحرمة القتل قائم أبدا وجواز القتل إنما ثبت بالمعارض فقوله تعالى: حَرَّمَ اللَّهُ إشارة إلى المقتضى وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ إشارة إلى المعارض وَلا يَزْنُونَ. وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قلت: ثم أيّ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» قلت: ثم أيّ قال: أن «تزني بحليلة جارك» «١». فأنزل الله تعالى هذه الآية تصديقا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ (١) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (١٠٢٢٧).

الفرقان 25:71

أي ما ذكر من الثلاثة كما هو دأب الكفرة المذكورين يَلْقَ أَثاماً (٦٨) أي جزاء إثمه. وقال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم. وقال مجاهد: الأثام واد في جهنم. وقرأ ابن مسعود أياما أي شدائد، لأنه يقال لليوم الصعيب يوم ذو أيام يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ. وقرأ ابن كثير وابن عامر يضعف بتشديد العين وإسقاط الألف وَيَخْلُدْ فِيهِ أي في ذلك العذاب مُهاناً (٦٩) أي مقرونا بالإذلال كما أن الثواب مقرون بالتعظيم. وقرأ ابن عامر وشعبة «يضاعف» و «يخلد» كلاهما بالرفع على الاستئناف، أو على الحال. وقرأ حفص مع ابن كثير «فيه» بصلة الهاء بالياء إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ أي يغفر الله لهم تلك السيئات، ويكتب موضع كافر مؤمن وموضع عاص مطيع، ولا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة. وقد قال صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» «١». وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠). روى البخاري عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك، فلما نزل صدرها قال أهل مكة: قد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش فأنزل الله الا من تاب إلى رحيما وَمَنْ تابَ عن المعاصي بتركها والندم عليها، وَعَمِلَ صالِحاً يتدارك به ما فرط، ولو كان نيته وعمله كلاهما ضعيفا فَإِنَّهُ يَتُوبُ أي يرجع إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١) أي رجوعا مرضيا عند الله أي ومن تاب عن المعاصي إلى الطاعة، فإن التوبة منه في الحقيقة توبة إلى الله أي فإنه قد أتى بتوبة مرضية لله مكفرة للذنوب، محصلة للثواب، وروى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ليتمنين أقوام لو أنهم أكثروا من السيئات». قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات» «٢». وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي لا يحضرون مواضع الكذب، فإن حضور مجامع الفساق مشاركة لهم في تلك المعصية ولأن النظر دليل الرضا بها أو لا يشهدون بالكذب. وقال محمد بن الحنفية: الزور الغناء وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ أي بأهل اللغو على سبيل الاتفاق من غير قصد مَرُّوا كِراماً (٧٢) أي مكرمين أنفسهم عن مثل حال اللغو، وهو كل ما يجب أن يترك وإكرامهم لأنفسهم لا يكون إلا بالإعراض وبالإنكار وبترك المعاونة وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) أي والذين إذا وعظوا بالآيات المشتملة على (١) رواه التبريزي في مشكاة المصابيح (٥٠٨٦)، والبغوي في شرح السنّة (١٣: ٨٦)، وابن المبارك في الزهد (١٣٠)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٦٩٣). (٢) رواه السيوطي في جمع الجوامع (٤٧٠٠)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٢٥٨١)، والسيوطي في الدر المنثور (٥: ٣٤٤)، والقرطبي في التفسير (١٣: ٨٧). الأحكام والمواعظ أكبوا على تلك الآيات حرصا على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها، وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية مبصرون بعيون راعية. لا كالذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصم والعميان، كالمنافقين والكفرة- كأبي جهل والأخنس بن شريق- فالمراد من النفي نفي الحال دون الفعل وهو الخرور كقولك: لا يلقاني زيد مسلما فهو نفي للإسلام لا للقاء وذلك تعريض بما يفعله الكفرة والمنافقون، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ أي اجعل لنا ما يحصل به سرور أعين من أزواجنا وذرياتنا بأن نراهم صالحين مطيعين لك. وعن محمد بن كعب ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده يطيعون الله. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم «ذرياتنا» بألف على الجمع. والباقون بغير ألف على الإفراد وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أي يقتدون بنا في أمر الدين بإفاضة العلم وبالتوفيق للعمل أُوْلئِكَ أي المتصفون بتلك الصفات الثمانية يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ أي يثابون أعلى منازلة الجنة بِما صَبَرُوا أي بسبب صبرهم على طاعة الله والفقر والمرازي وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥). قرأ حمزة والكسائي وشعبة «يلقون» بفتح الياء وسكون اللام أي يجدون في الغرفة إكرام الله تعالى لهم بالهدايا وسلامه عليهم بالقول. والباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف أي يجعلهم الله تعالى في الغرفة لاقين ذلك. خالِدِينَ فِيها أي في الغرفة، لا يموتون ولا يخرجون حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦)، أي حسنت الغرفة من حيث موضع الاستقرار وموضع الإقامة هي. قُلْ يا أشرف الخلق لأهل مكة: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ أي أيّ اعتداد يعتد بكم لولا عبادتكم له تعالى فإنكم وسائر البهائم سواء أو لا يبالي بكم ربكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، فإن مبالاة الله بشأن عباده حيث خلق السموات والأرض وما بينهما إنما هو ليعرفوا حق المنعم ويطيعوه فيما كلفهم به فَقَدْ كَذَّبْتُمْ بما أخبرتكم به فَسَوْفَ يَكُونُ أي جزاء التكذيب لِزاماً (٧٧) أي ملازما لكم وهو عقاب الآخرة.

الشعراء 26:1

سورة الشعراء مكية، إلا أربع آيات من قوله: وَالشُّعَراءُ إلى آخر السورة فمدنية، مائتان وسبع وعشرون آية، ألف ومائتان وسبع وستون كلمة وخمسة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون حرفا طسم (١) ومحله رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف إن كان اسما للسورة وأما إن كان مسرودا على نمط التعديد بطريق التحدي فلا محل له من الإعراب وقيل: قسم أقسم الله تعالى به. وقال أهل الإشارة: هو إشارة إلى طاء طوله تعالى في كمال عظمته وإلى سين سلامته عن كل عيب ونقص وهو منفرد في تنزهه عنه وإلى ميم مجده في عزة كرم لا نهاية لها، وإشارة أيضا إلى طاء طهارة قلب نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم عن الكونيين، وإلى سين سيادته على الأنبياء والمرسلين، وإلى ميم مشاهدته لجمال رب العالمين. وإشارة أيضا إلى طاء طيران الطائرين بالله، وإلى سين سير السائرين إلى الله، وإلى ميم مشي الماشين لله، مشي العبودية لا مشي التفخر والتكبر. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمنون هينون لينون كالجمل الآنف إن قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ» «١». وعن البراء بن عازب أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة وأعطاني المص مكان الإنجيل وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي» «٢». تِلْكَ أي هذه السورة آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) أي آيات القرآن الظاهر إعجازه والمبين للأحكام، فألفاظ القرآن من حيث تعذر عليهم أن يأتوا بمثله يمكن أن يستدل به على فاعل مخالف لهم، كما يستدل بسائر ما لا يقدر العباد على مثله، فهو دليل التوحيد من هذا الوجه، ودليل النبوة من حيث الإعجاز، ويعلم به بعد ذلك أنه إذا كان من عند الله تعالى فهو دلالة الأحكام أجمع، وإذا ثبت هذا صارت آيات القرآن كافية في كل الأصول والفروع أجمع، لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) فلعل للإشفاق وهو بمعنى الأمر أي أشفق على نفسك أن تقتلها (١) رواه أحمد في (م ٢/ ص ٣٩٨). (٢) رواه ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٣٩)، والبغوي في شرح السنّة (٥: ١٢٧)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٦٤١٩)، والطبري في التاريخ (٢: ٣٢١). لعدم إيمان قريش بذلك الكتاب الفاصل بين الحق والباطل، أو لا تبالغ في الحزن على ما فاتك من إسلام قومك لأنك يا أكرم الرسل إن بالغت فيه كنت بمنزلة من يقتل نفسه، ثم لا ينتفع بذلك أصلا، والله تعالى نبه رسوله أن غمه على ذلك لا نفع فيه، كما أن وجود الكتاب على وضوحه لا نفع لهم في الإيمان لما أنه سبق حكم الله بخلافه إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) أي إن نشأ ننزل عليهم من السماء علامة مخوفة لهم، قاصرة على الإيمان كرفع الجبل فوق رؤوسهم، كما وقع لبني إسرائيل فيصيروا لتلك العلامة منقادين في قبول الإيمان وذكر الأعناق لبيان موضع الخضوع، واكتسبت إضافتها إلى العقلاء حكمهم، كما اكتسبت الإضافة إلى المؤنث التأنيث كعكسه، ولذلك كان الخبر مجموعا جمع سلامة لمذكر عاقل. وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) أي ما يأتي أهل مكة من موعظة من المواعظ القرآنية تنبههم عن الغفلة من جهة الله تعالى مجدد تنزيله بحسب المصلحة إلا وقد جددوا إعراضا عنه على وجه التكذيب. فَقَدْ كَذَّبُوا أي بلغوا النهاية في رد الذكر الذي يأتيهم ردا مقارنا للاستهزاء به حيث جعلوه تارة سحرا، وأخرى أساطير وأخرى شعرا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أي سيأتيهم مصداق استهزائهم من العقوبات العاجلة والآجلة أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ أي أفعل كفار مكة الإعراض عن الآيات والتكذيب والاستهزاء بها، ولم ينظروا إلى عجائب الأرض الزاجرة عما فعلوا الداعية إلى الإيمان بالآيات كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) أي كثيرا من كل صنف مرضى في جماله، وفي فوائده أنبتنا في الأرض، إِنَّ فِي ذلِكَ الإنبات لَآيَةً عظيمة دالة على كمال قدرة المنبت، وغاية وفور عمله وحكمته ونهاية سعة رحمته وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) أي وما أكثر قومه صلّى الله عليه وسلّم مؤمنين أي مع ذلك يستمر أكثرهم على كفرهم، وكان صلة عند سيبويه، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) أي إن ربك غالب على الأمور، ومع ذلك رحيم بعباده، ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم بغتة بما اجترءوا عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات. وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أي واذكر يا أكرم الرسل لأولئك المعرضين المكذبين وقت ندائه تعالى موسى عليه السلام، وذكرهم بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم إياه زجرا لهم عن التكذيب. قال أبو الحسن الأشعري: المسموع هو الكلام القديم، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات مع أنها مرئية في الآخرة من غير كيف ولا جهة، فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحروف والأصوات مع أنه مسموع. وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى عليه السلام كان نداء من جنس الحروف والأصوات لأنا حكمنا بأن كل موجود يصح أن يرى ولم يثبت أنا نسمع الأجسام فلم يلزم صحة كون كل موجود مسموعا. أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) أي بالكفر والمعاصي واستعباد بني

الشعراء 26:11

إسرائيل وذبح أبنائهم، وكان بنو إسرائيل في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا قَوْمَ فِرْعَوْنَ عطف بيان أَلا يَتَّقُونَ (١١). وهذا كلام مستأنف جيء به حملا لموسى على التعجب من حالهم في الظلم والعسف، ومن عدم خوفهم أي تعجب يا موسى من عدم تقواهم. وقرئ بكسر النون والأصل ألا يتقونني، فحذفت النون لاجتماع النونين والياء للاكتفاء بالكسرة. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات الدال على زيادة الغضب عليهم، أي قل لهم: ألا تخافون عقاب الله ف «ألا» للتنبيه وللعرض. قالَ أي موسى إظهارا لعجزه وطلبا للمعونة: رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) من أول الأمر وَيَضِيقُ صَدْرِي بتكذيبهم إياي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي بسبب ضيق القلب، وهذان الفعلان مرفوعان معطوفان على «أخاف». وقرأ زيد بن علي، وطلحة، وعيسى، والأعمش بالنصب فيهما معطوفان على صلة «أن» و «الأعرج» بنصب الأول ورفع الثاني، فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) أي فأرسل جبريل إلى أخي هارون ليكون رسولا مصاحبا لي في دعوة فرعون وقومه: وكان هارون إذ ذاك بمصر وموسى في المناجاة في الطور وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ أي تبعة قتل القبطي فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) به قبل أداء الرسالة، كما ينبغي إن أتيتهم وحدي فيفوت المقصود من الرسالة. قالَ الله: كَلَّا أي ارتدع يا موسى عما تظن أو حقا لا أسلطهم عليك بالقتل، فَاذْهَبا أي اذهب أنت ومن طلبته- وهو هارون- بِآياتِنا الدالة على صدقكم، أي فإنها تدفع خوفكما إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) أي لكما ولعدوكما ناصر لكما عليه، وسامع لما يجري بينكما وبينه فأعلّيكما عليه، وأكسّر شوكته عنكماأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) إليك وإلى قومك وإفراد الرسول لاتحادهما بسبب الأخوة واتفاقهما على شريعة واحدة، أو لأن المعنى: إن كل واحد منا رسول رب العالمين. أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧)، و «أن» مفسرة، أي أطلقهم وخلهم وشأنهم ليذهبوا معنا إلى الشام، فانطلقا إلى فرعون، وقالا له ما أمرا به، وروى وهب وغيره: أنهما لما دخلا على فرعون وجداه وقد أخرج سباعا من أسد ونمور وفهود، يتفرج عليها، فخاف خدامها أن تبطش بموسى وهارون فأسرعوا إليها وأسرعت السباع إلى موسى وهارون، فأقبلت تلحس أقدامهما وتبصبص إليهما بأذنابها، وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ذلك فقال: ما أنتما؟ قالا: إنّا رسول رب العالمين فعرف هو موسى عليه السلام: قالَ عند ذلك لموسى عليه السلام أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا أي في منازلنا وَلِيداً أي صغيرا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين وأقام بها عشر سنين، ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله تعالى ثلاثين سنة، ثم بعد الغرق خمسين سنة. وقيل: مكث عليه الصلاة والسلام عند فرعون خمس عشرة سنة وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وهي وكز القبطي حتى مات وَأَنْتَ مِنَ

الشعراء 26:21

الْكافِرِينَ (١٩) أي الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية، وعدم اتخاذك عبدا لي كبني إسرائيل أو من الذين يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة قالَ موسى: فَعَلْتُها أي تلك الفعلة إِذاً أي حين إذ كنت لابثا فيكم وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) أي الناسين عن معرفة ما يؤول إليه القتل، لأنه فعل الوكزة على وجه التأديب. وقرئ من الجاهلين أي بأن ذلك الفعل يؤدي إلى القتل فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ إلى ربي لَمَّا خِفْتُكُمْ أن تؤاخذوني بما لا أستحقه بجنايتي، لأني قتلت القتيل خطأ، وأنا ابن اثنتي عشرة سنة مع كونه كافرا. وروي عن حمزة «لما خفتكم» بكسر اللام وب «ما» المصدرية، أي لتخوفي منكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً أي علما وفهما في الدين وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) بعد تلك الفعلة وَتِلْكَ أي التربية نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢)، ومحل «أن عبدت» رفع عطف بيان لتلك أو بدل من «نعمة» أي وتلك جعلك بني إسرائيل عبيدك وقصدك إياهم بذبح أبنائهم هو السبب في وقوعي عندك وإنفاقك علي مما أخذت من أموالهم، فلو لم يكن ذلك الظلم لكنت مستغنيا عن تربيتك، فلا نعمة لك علي بالتربية، ولا فضيلة لك في عدم استعبادي الذي مننت به علي، لأن استبعادك لغيري ظلم، كما أن عدم قتلك إياي لا يعد إنعاما، لأن قتلك غيري ظلم. وقال الزجاج: ويجوز أن يكون «أن عبدت» في محل نصب مفعولا لأجله والمعنى إنما صارت التربية نعمة علي لأجل أن عبدت بني إسرائيل فلو لم تفعل ذلك لكفاني أهلي. قالَ فِرْعَوْنُ- لما سمع منه عليه الصلاة والسلام تلك المقالة المتينة-: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) أي أيّ شيء رب العالمين الذي ادعيت أنك رسوله؟ قالَ موسى مجيبا له بإبطال دعواه أنه إله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا أي خالق هذه الثلاثة، إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) باستناد هذه المحسوسات إلى موجود هو واجب الوجود، فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته، فالسؤال عن الحقيقة سفه. قالَ أي فرعون: لِمَنْ حَوْلَهُ من أشراف قومه كانوا خمسمائة لابسين للأساورة ولم يلبسها إلا السلاطين: أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) جوابه، فقد سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله؟! قالَ موسى: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)، جاء موسى عليه السلام بدليل يفهمونه لأنهم يعلمون أنهم قد كان لهم آباء فنوا، وأنهم كانوا بعد أن لم يكونوا، وأنهم لا بد لهم من مكون ومفن. قالَ فرعون لخاصته وعليهم أقبية الديباج، مخوصة بالذهب، وقد خاف من تأثرهم من جواب سيدنا موسى عليه السلام: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) لا يفهم السؤال لأني أسأله عن شيء وهو يجيبني عن آخر، وأسند فرعون الرسول إلى من حوله تكبرا عن أن يكون مرسلا إلى نفسه، وسماه رسولا بطريق الاستهزاء. قالَ موسى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما أي هو خالق موضع طلوع الشمس وغروبها ووقتهما وما بينهما فتشاهدون في كل يوم أنه يأتي الشمس من المشرق إلى المغرب على وجه نافع، تنتظم به أمور الكائنات وكل

الشعراء 26:31

ذلك أمور حادثة مفتقرة إلى محدث قادر عليم حكيم إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) أي إن كان لكم عقل، علمتم أن لا جواب فوق ذلك وأن الأمر كما قلته. قالَ فرعون لموسى عليه السلام لما عجز عن الحجج: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) أي لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادة اللعين أن يأخذ من يريد أن يسجنه فيطرحه في بئر عميقة فردا لا يبصر فيها ولا يسمع حتى يموت، فكان ذلك أشد من القتل ولذلك لم يقل تعالى: لأسجننك، لأنه لا يفيد إلا صيرورته مسجونا. وروي أن اللعين يفزع من موسى فزعا شديدا حتى كان لا يمسك بوله. قالَ موسى له: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) أي أتفعل بي ذلك ولو جئتك بأمر بيّن في باب الدلالة على وجود الله تعالى، وعلى أني رسوله أي وهل تستجيز أن تسجنني مع اقتداري على أن آتيك بالمعجزات الدالة على صدق دعواي؟! قالَ فرعون له: فَأْتِ بِهِ أي بذلك الشيء إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) في دعوى الرسالة، وفي أن لك برهانا، وإنما أمره- عليه السلام- فرعون بالإتيان بالشيء الموضح لصدق دعواه عليه السلام، لظنه أنه يقدر على معارضته، ولطمعه في أن يجد موضعا للإنكار. فَأَلْقى عَصاهُ. قال ابن عباس: عصا موسى اسمها ماشا. وقيل: نبعة. فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) أي حية عظيمة صفراء، ذكر تبين للناظرين أنه ثعبان بحركاته وبسائر العلامات، وليس بتمويه كما يفعله السحرة: وَنَزَعَ يَدَهُ من إبطه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) تضيء الوادي من شدة بيضاها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس تعجب الناظرين إليها. قيل: لما رأى فرعون الآية الأولى قال هل لك غيرها فأخرج موسى يده فقال لفرعون ما هذه فقال فرعون: يدك. فما فيها فأدخلها في إبطه، ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار، ويسد الأفق، فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أمورا ثلاثة. قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا الرسول لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) أي حاذق بالسحر، فإن الزمان كان زمن السحرة، وكان عند كثير منهم أن الساحر قد يجوز أن ينتهي بسحره إلى هذا الحد فلهذا روج فرعون عليهم هذا القول، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ أي يريد هذا الرجل أن يخرجكم من مصر بما يلقيه بينكم من العداوات، فيفرق جمعكم، وهذا يجري مجرى التنفير عن موسى عليه السلام، فإن مفارقة الوطن أصعب الأمور، فنفرهم عنه بذلك فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) أي فأيّ شيء تأمرونني به في شأنه؟ فإني متبع لرأيكم ومنقاد لقولكم. ومثل هذا الكلام يوجب انصراف القلوب عن العدو، فعند هذه الكلمات اتفقوا على جواب واحد قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أي أخر مناظرتهما لوقت اجتماع السحرة. وقيل: احبسهما ولا تقتلهما لما روي أن فرعون أراد قتلهما، ولم يصل إليهما فقالوا له: لا تفعل فإنك إن قتلتهما أدخلت على الناس شبهة في الدين ولكن أخّر أمرهما إلى أن تجمع السحرة ليقاوموها، فلا تثبت لهما حجة عليك.

الشعراء 26:41

وقرأ قالون «ارجه» بغير همز، وباختلاس كسرة الهاء وورش والكسائي بإشباع كشرة الهاء، وابن كثير وهشام بالهمزة الساكنة، وبصلة الهاء المضمومة. وأبو عمرو بضم الهاء مع الاختلاس وابن ذكوان بالهمز وكسر الهاء مع الاختلاس. وعاصم وحمزة بغير همز وإسكان الهاء وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) أي أنفذ إلى مدائن الساحرين شرطا يحشرهم وذلك لظنهم إذا كثر السحرة غلبوا موسى عليه السلام وكشفوا حاله. يَأْتُوكَ أي الحاشرون بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) أي فائق في فن السحر على موسى، فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) أي في زمان يوم معروف، وفي مكان معروف. وعن ابن عباس: وافق يوم السبت من أول يوم النيروز وهو أول سنتهم. وعن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلا وسمى ابن إسحاق رؤساءهم: سابورا وغادور وخطخط ومصفى وشمعون. وعن ابن جرير كان اجتماعهم بالإسكندرية. وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠). والاستفهام للحث على المبادرة إلى الاجتماع والتراجي للغلبة لا لاتباع السحرة، لأنه مقطوع به عندهم أي احضروا لتشاهدوا ما يكون من الجانبين، فإنا نرجو أن تكون الغلبة للسحرة، فنتبعهم لا نتبع موسى فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً أي جزاء من المال والجاه إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) على موسى، فبذل فرعون لهم البذل والمنزلة. قالَ فرعون: نَعَمْ أي لكم الأجرة على عملكم السحر، وَإِنَّكُمْ إِذاً أي إذ كنتم غالبين لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) عندي في الدخول على تكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج عني. وقرأ الكسائي «نعم» بكسر العين. قالَ لَهُمْ مُوسى مريدا لإبطال سحرهم، لأنه لا يمكن منه إلا بإلقائهم: أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣). وهذا تهديد، أي إن فعلتم ذلك أتينا بما نبطله، فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ اثنين وسبعين حبلا واثنتين وسبعين عصا وَقالُوا أي السحرة عند الإلقاء: نقسم بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) على موسى، فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) أي تبتلع بسرعة ما يغيرونه عن حاله الأول من الجمادية إلى كونه حية تسعى. روي عن ابن عباس كانت حبالهم مطلية بالزئبق، وعصيهم مجوفة مملوءة من الزئبق، فلما حميت اشتدت حركتها، فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض، فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ثم فتحت فاها فابتلعت كل ما رموه من حبالهم وعصيهم، حتى أكلت الكل. ثم أخذ موسى عصاه، فإذا هي كما كانت، فلما رأت السحرة ذلك قالوا لفرعون: كنا نساحر الناس فإذا غلبناهم بقيت الحبال والعصي، وكذلك إن غلبونا، ولكن هذا حق! فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) أي سقطوا على الأرض ساجدين عقب ما شاهدوا ذلك من غير تلعثم، لعلمهم بأن مثل ذلك خارج عن حدود السحر وأنه أمر إلهي قد ظهر على يد موسى عليه الصلاة والسلام، لتصديقه. قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) عطف بيان ل «رب»

الشعراء 26:51

العالمين، لأن فرعون كان يدّعي الربوبية، فأرادوا عزله وإنما أسندوا الرب إلى موسى وهارون، لأنهما اللذان دعواهم إليه قالَ أي فرعون للسحرة: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي آمنتم لموسى بغير أن آذان لكم! إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ أي إن موسى علمكم شيئا دون شيء، فلذلك غلبكم، فإنكم فعلتم ذلك عن موافقة بينكم وبين موسى، وقصرتم في السحر لتظهروا أمر موسى وإلا ففي قوة السحرة أن يفعلوا مثل فعل موسى عليه السلام- وهذه شبهة قوية في تنفير من يقبل قوله عليه السلام- فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وبال ما فعلتم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ، وهو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) على شاطئ نهر مصر. وهذا تهديد شديد وليس في الإهلاك أقوى من ذلك، وليس في الآية أن فرعون فعل ذلك أو لم يفعل. قالُوا أي السحرة: لا ضَيْرَ أي لا ضرر في ذلك علينا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) ومقصودهم بالإيمان محض الوصول إلى مرضاته تعالى، والاستغراق في أنوار معرفته وهذا أعلى درجات الصديقين. إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) فإنا إلى ربنا، وإِنَّا نَطْمَعُ كلاهما تعليل لعدم الضير، وأَنْ كُنَّا تعليل لطمع غفران الخطايا، أي لا ضير علينا في قتلك إيانا لأنا نرجو أن يغفر لنا ربنا شركنا لكوننا أول المؤمنين من الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف من رعية فرعون. وقرئ «إن كنا» بالكسر على الشرط على طريقة قول المدل كقول العامل لمستأجر يؤخر أجرته: إن كنت عملت لك فوفني حقي. وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى بعد ثلاثين سنة أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي من آمن بك من بني إسرائيل، وقرأ نافع وابن كثير بكسر النون ووصل الهمزة. والباقون بسكون النون وقطع الهمزة. وقرئ «أن سر» ف «أن» حرف تفسير إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) تعليل للأمر بالإسراء، أي لأنه يتبعكم فرعون وجنوده فلا يدركوكم قبل وصولكم إلى البحر ثم إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون: إن لنا في هذه الليلة عيدا، ثم استعاروا منهم حليهم وحللهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر. قال القرطبي: فخرج موسى عليه الصلاة والسلام ببني إسرائيل سحرا فترك الطريق إلى الشام على يساره، وتوجه نحو البحر، فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق، فيقول: هكذا أمرت. فلما أصبح فرعون وعلم بسري موسى ببني إسرائيل خرج في أثرهم، وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر وقوّى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم، ووصف قوم نفسه بصفة المدح، وذلك قوله تعالى: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) أي شرطا جامعين للعساكر ليتبعوهم. قيل: كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية. وقال لهم: إِنَّ هؤُلاءِ أي بني إسرائيل لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) أي لطائفة قليلة، وكانوا ستمائة ألف مقاتل ليس فيهم من دون عشرين ولا من يبلغ ستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم لكثرة من معه

الشعراء 26:61

أو لإرادة ذلتهم. إذ روي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، ومع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث. وروي أن فرعون خرج على حصان أدهم وفي عسكره على لون فرسه ثلاثمائة ألف، وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) أي لفاعلون أفعالا تضيق صدورنا حيث خالفوا ديننا وذهبوا بأموالنا التي استعاروها، وخرجوا من أرضنا بغير إذننا، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) أي لجماعة يستعملون الحزم في الأمور. وقرأ ابن ذكوان والكوفيون بألف بعد الحاء أي شاكون السلاح. وقرئ «حادرون» بالدال المهملة أي أقوياء أشداء. فَأَخْرَجْناهُمْ أي جعلنا في قلوب فرعون وقومه داعية الخروج مِنْ جَنَّاتٍ أي بساتين من أسوان إلى رشيد، وَعُيُونٍ (٥٧) أي أنهار جارية في البساتين والدور، وَكُنُوزٍ أي أموال. وسميت كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى. قيل: كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام كل غلام، على فرس عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) أي منازل حسنة قيل: كان فرعون إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف من قومه والأمراء، وعليهم أقبية الديباج مرصعة بالذهب. كَذلِكَ وهو مصدر تشبيهي أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه، أو وصف لمقام أي وأخرجناهم من مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم أو خبر مبتدأ محذوف أي إخراجنا كما وصفنا. وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) أي جعلناهم متملكين لتلك النعم بعد هلاك فرعون وقومه. فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) أي فجعلوا أنفسهم تابعة لبني إسرائيل وقت طلوع الشمس. وقرئ «فاتبعوهم» أي فلحقوهم داخلين في وقت الشروق. فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ أي رأى كل واحد من جمع موسى وجمع فرعون الآخر. وقرئ «تراءت الفئتان». قالَ أَصْحابُ مُوسى بنو إسرائيل وغيرهم إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) أي لملحقون. وقرئ «لمدّركون» بتشديد الدال وكسر الراء أي لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد. قالَ موسى لهم: كَلَّا أي ارتدعوا عن ذلك التوهم، أو حقا لن يدركونا، لأن الله وعدنا الخلاص منهم. إِنَّ مَعِي رَبِّي بالنصرة سَيَهْدِينِ (٦٢) أي يدلني على طريق النجاة منهم ألبتة. روي أن رجلا مؤمنا من آل فرعون يكتم إيمانه كان يدي موسى عليه السلام فقال: يا كليم الله أين أمرت؟ قال: هاهنا فحرك فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقه، ثم أقحمه البحر، فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فأوحى الله إليه بضرب البحر بعصاه، فإذا الرجل واقف على فرسه ولم يبتل سرجه وذلك قوله تعالى: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضربه فَانْفَلَقَ أي انشق بقدرة الله تعالى فصار اثني عشر فرقا بعدد

الشعراء 26:71

الأسباط بينهن مسالك. فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ حاصل بالانفلاق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) أي كالجبل المرتفع في السماء فدخلوا في شعاب تلك الفرق، كل سبط في شعيب منها فقال كل سبط: قتل أصحابنا، فعند ذلك دعا موسى ربه، فجعل في تلك الجدارن المائية مناظر كالكوى، حتى نظر بعضهم إلى بعض على أرض يابسة وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) أي قربنا في موضع انفلاق البحر قوم فرعون حتى دخلوا عقب قوم موسى مداخلهم. وعن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين قوم فرعون يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم بأولكم، ويقول للقبط: رويدكم ليلحق آخركم أولكم. وقيل: وقربناهم إلى الموت لأنهم قربوا من أجلهم في ذلك الوقت. وقيل: المعنى: وحبسنا فرعون وقومه في الضبابة عند طلبهم موسى بأن أظلمنا عليهم الدنيا بسحابة وقفت عليهم فوقفوا حيارى. وقرئ و «أزلقنا» بالقاف أي أزللنا أقدامهم. والمعنى: أذهبنا عزهم، وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ من قومه وغيرهم أَجْمَعِينَ (٦٥) بحفظ البحر على انفلاقه اثني عشر فرقا إلى أن عبروا إلى البر ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) بإطباق البحر عليهم لما تكامل دخولهم البحر. قيل: هذا البحر بحر القلزم وقيل: بحر إساف وهو بحر وراء مصر. إِنَّ فِي ذلِكَ أي الذي حدث في البحر لَآيَةً أي عبرة عجيبة دالة على قدرته تعالى، وذلك أن الله تعالى أراد أن تكون الآية متعلقة بفعل موسى وإلا فضرب العصا ليس بفارق البحر، ولا معينا على ذلك بذاته بل بما اقترن به من اختراع الله تعالى وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) ف «كان» زائدة على رأي سيبويه، أي وما أكثر هؤلاء الذين سمعوا قصتهم من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قريش مؤمنين، لأنهم لا يتدبرون في حكايته صلّى الله عليه وسلّم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، ويجوز أن يجعل «كان» بمعنى صار، أي وما صار أكثرهم مؤمنين مع ما سمعوا من الآية العظيمة الموجبة للإيمان، وَإِنَّ رَبَّكَ يا أكرم الرسل لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)، أي لهو القادر على إهلاك المكذبين إياك بعد مشاهدة هذه الآية العظيمة من طريق الوحي، وهو المبالغ في رحمة عباده ولذلك لا يعجل عقوبتهم بعدم إيمانهم مع كمال استحقاقهم لذلك. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي كفار مكة نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) والفعل معطوف على الفعل المقدر العامل في «إذ نادى» إلخ. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ آزر وَقَوْمِهِ ليريهم أن ما يعبدونه ليس ممن يستحق العبادة في شيء ف «إذ» ظرف للنبأ. ما تَعْبُدُونَ (٧٠) أي أيّ شيء تعبدونه؟ قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) أي فنصير مديمين على عبادتها وإنما ذكروا هذه الزيادة إظهارا لما في نفوسهم من الابتهاج بعبادة الأصنام. قالَ إبراهيم منبها على فساد مذهبهم: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أي هل يسمعون دعاءكم حين دعوتموهم وهل يجيبونه؟ وقرئ «هل يسمعونكم» بضم الياء وكسر الميم أي هل يسمعونكم جوابا عن دعائكم، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ في معايشكم بسبب عبادتكم لها أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) في معايشكم بترككم لعبادتها إذ لا بد للعبادة من

الشعراء 26:81

جلب نفع أو دفع ضر. قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) أي فعند هذه الحجة القوية لم يجد أبوه وقومه ما يدفعون به هذه الحجة فعدلوا إلى قولهم: ما علمنا منهم ما ذكر من الأمور، بل وجدنا آباءنا يعبدون مثل عبادتنا فاقتدينا بهم. وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد، وعلى وجوب الاستدلال. قالَ إبراهيم: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) أي أتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدونه حق العلم، أو أخبروني ما كنتم تعبدون هل هو حقيق بالعبادة أو لا؟ وهذا استهزاء بعبدة الأصنام. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) فالاستثناء إما منقطع فالمعنى: فاعلموا أن معبودكم عدو لي لا أعبدهم لكن رب العالمين فأعبده. أو متصل فالمعنى: فإن كل معبود عدو لي إلا رب العالمين فإنه ليس بعدوي بل هو وليي ومعبودي، وصوّر سيدنا إبراهيم الأمر في نفسه تعريضا بهم فالمعنى إني تفكرت في أمري فرأيت عبادتي للأصنام عبادة للعدو لأن من يغري على عبادتها هو الشيطان، فإنه أعدى عدو الإنسان فاجتنبتها. وأراهم سيدنا إبراهيم أن تلك الكلمة نصيحة نصح بها نفسه فإذا تفكروا قالوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه فيكون ذلك أدعى للقبول وأبعث إلى الاستماع منه الَّذِي خَلَقَنِي من النطفة على هيئة التصوير، فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) إلى مصالح الدين والدنيا بضروب الهدايات في كل لحظة ولمحة وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) أي يرزقني بكل منافع الرزق وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وأكثر أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك. وَالَّذِي يُمِيتُنِي في الدنيا بقبض روحي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) يوم القيامة للمجازاة، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي بترك الأولى يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) أي الجزاء. روي أن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه لأنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» . واستغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وتعليم لأممهم ليكونوا على حذر، ثم ذكر الله تعالى مناجاة سيدنا إبراهيم بقوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً أي كمالا في العمل، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) أي الأنبياء المرسلين في درجات الجنة أي اجمع بيني وبينهم في الجنة، وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) أي اجعل لي جاها وذكرا جميلا باقيا إلى يوم الدين، فإن من صار ممدوحا بين الناس بسبب ما عنده من الفضائل يصير داعيا لغيره إلى اكتساب مثل تلك الفضائل، فيكون له مثل أجورهم، أو اجعل من ذريتي في آخر الزمان من يكون داعيا إلى الله تعالى، وقد أجاب الله دعاءه فما من أمة إلا وهي تثني عليه، وجعله الله شجرة فرع الله منها الأنبياء، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) أي اجعلني بعض الذين يرثون جنة النعيم، وهذا إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بكرمه تعالى وَاغْفِرْ لِأَبِي أي اهده إلى الإيمان إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) من طريق الحق وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) أي ولا تجعلني من الذليلين، ولا من المستحيين يوم

الشعراء 26:91

يبعث العباد من القبور فخزي كل واحد على حسب مقامه فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين كما أن درجات الأبرار دركات المقربين يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) فيوم بدل من يوم قبله وإلا من أتى مفعول لينفع أي لا ينفع مال وإن كان مصروفا في الدنيا إلى وجوه الخيرات ولا بنون وإن كانوا صلحاء إلا أحدا سلم قلبه عن الكفر والأخلاق الرذيلة فينفعه ماله الذي أنفقه في الخير وولده الصالح بدعائه، وأما الذنوب فلا يسلم منها أحد وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) أي ويوم قربت الجنة للمتقين عن الكفر والمعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف، فيبتهجون بأنهم المحشورون إليها وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) أي ويوم جعلت النار ظاهرة للضالين عن طريق الإيمان والتقوى بحيث يرونها مع ما فيها فيتحرنون على أنهم المسوقون إليها. وَقِيلَ لَهُمْ على سبيل التوبيخ: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ أي أين آلهتهم الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شفعاؤكم في هذا الموقف هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ بدفع عذاب عنكم أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) أي أو ينفعون أنفسهم بامتناعهم من العذاب فإنهم وآلهتهم وقود النار، وهو قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) أي فألقي في الجحيم الأصنام والذين عبدوها، والذين أضلوهم على وجوههم مرة بعد أخرى إلى أن يستقروا في قعرها، فيجتمعون في العذاب لاجتماعهم فيما يوجبه. قالُوا أي العابدون معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة، وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) أي والحال أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) وهذا معمول ل «قالوا»، وجملة «وهم فيها» إلخ في محل نصب على الحال «وإن» مخففة من الثقيلة قد حذف اسمها الذي هو ضمير الشأن، واللام فارقة بينها وبين النافية أي إن الشأن كنا في ضلال واضح لإخفاء فيه إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) ظرف لكونهم في ضلال مبين أي تالله لقد كنا في غاية الضلال الفاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام برب العالمين الذي أنتم أذل مخلوقاته في استحقاق العبادة، وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) أي الذين دعونا إلى عبادة الأصنام من رؤسائنا وكبرائنا فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) كما نرى المؤمنين أن لهم شفعاء من الملائكة والنبيين، وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) أي خالص مع موافقة الدين كما نرى أن المؤمنين أصدقاء لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض، وفي بعض الأخبار يجيء يوم القيامة عبد يحاسب فيستوي حسناته وسيئاته فيقول الله تعالى: عبدي بقيت لك حسنة إن كنت تريد أن أدخلك الجنة انظر واطلب من الناس لعل واحدا يهب منك حسنة واحدة، فيأتي العبد في الصفوف ويطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه فلا يجيبه أحد وكل يقول له: أنا اليوم مفتقر إلى حسنة واحدة فيرجع إلى مكانه فيسأله الله تعالى ويقول: ماذا جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة واحدة من حسناته فيقول الله تعالى: يا عبدي ألم يكن لك صديق في فيذكر العبد ويقول فلان كان صديقا لي فيدله الله عليه فيأتيه فيكلمه

الشعراء 26:111

في حاجته فيقول: بلى لي عبادات كثيرة اقبلها مني فقد وهبتها منك، فيجيء هذا العبد إلى موضعه ويخبر بذلك ربه فيقول الله تعالى: قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله. فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي فليت لنا رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) منصوب في جواب التمني إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما ذكر من نبأ إبراهيم المشتمل على بيان بطلان ما عليه أهل مكة من عبادة الأصنام لَآيَةً أي لعظة لمن أراد أن يعتبر وحجة لمن أراد أن يستبصر بها وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) أي وما أكثر هؤلاء الذين نتلو عليهم النبأ مؤمنين، بل هم مصرون على الكفر والضلال وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) أي لهو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحكم رحمته الواسعة ليؤمن بعض منهم أو من ذرياتهم كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) بتكذيبهم نوحا فمن كذب واحدا من الرسل فقد كذب الكل، لأن الأخير جاء بما جاء به الأول من التوحيد وأصول الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأزمنة، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ في النسب نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) الله حيث تعبدون غيره إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من الله تعالى أَمِينٌ (١٠٧) أي مشهور بالأمانة فيما بينكم فكيف تتهموني اليوم؟ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله تعالى وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي وما أسألكم على هذا النصح أجرة إِنْ أَجْرِيَ أي ما ثوابي في دعائي لكم إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩). وقرأ نافع وأبو عمرو، وابن عامر وحفص بفتح الياء في «أجري» في المواضع الخمسة في هذه السورة. والباقون بالسكون. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) أي اتبعوا وصيتي، وكرر الأمر بالتقوى، لأن المعنى في الأزل ألا تتقون مخالفتي وأنا رسول الله. وفي الثاني ألا تتقون مخالفتي ولست آخذا منكم أجرة. فلا تكرار فيه لأن المعنى مختلف. قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) والواو للحال أي أنصدقك يا نوح لأجل قولك هذا؟ والحال أنه قد اتبعك فقراء الناس وضعفاؤهم من النسب قيل: هم من أهل الصناعات الخسيسة كالحجامة والحياكة. وقرأ يعقوب و «أتباعك الأرذلون» ! فهو مبتدأ وخبر والجملة حال والاتباع جمع تابع أو تبع كأشهاد وأبطال قالَ نوح: وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) وهذا جواب عما أشير إليه من قولهم: إنهم لم يؤمنوا عن نظر وإخلاص عمل وإنما آمنوا بالهوى والطمع في العزة والمال، وكان زائدة أي ما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر دون التفتيش عن بواطنهم ولم أكلف العلم بأعمالهم، وإنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان فالاعتبار بالإيمان لا بالصنائع إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي أي ما محاسبة أعمالهم وبواطنهم إلا على ربي فإنه مطلع على السرائر لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) أي لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما قلتم. وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) بأن لا أقبل الإيمان منهم للطمع في إيمانكم إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) أي ما أنا إلا مبعوث لإنذاركم بالبرهان الواضح ولزجر المكلفين عن الكفر والمعاصي سواء كانوا من الأعزاء أو من الأراذل وقد فعلت وليس علي

الشعراء 26:121

استرضاء بعضكم بطرد الفقراء لأجل اتباع الأغنياء. قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عن مقالتك لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) أي من المقتولين كما قتلنا من آمن بك من الغرباء. وقال الكلبي ومقاتل: أي من المقتولين بالحجارة. وقال الضحاك: أي من المشتومين قالَ نوح عند حصول اليأس من فلاحهم شاكيا إلى الله تعالى: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) في الرسالة وقتلوا من آمن بي من الغرباء فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً أي احكم بيننا بما يستحقه كل واحد منا، وافتح بابا من أبواب عدلك على مستحقيه بأن تنزل العقوبة بهم، وبابا من أبواب فضلك على مستحقيه وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) مما تعذب به الكافرين، وكان المؤمنين ثمانين أربعين من الرجال وأربعين من النساء فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) أي حال كونهم في السفينة الموقرة بالناس والحيوان والطير وبما لا بد لهم منه ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) أي أغرقنا بعد ركوب نوح والمؤمنين على السفينة والباقين على الأرض من قومه إِنَّ فِي ذلِكَ أي الإنجاء والإهلاك لَآيَةً أي لعبرة لمن بعدهم، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) أي ما أكثر هؤلاء الذين سمعوا قصتهم من النبي صلّى الله عليه وسلّم مؤمنين، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) أي لهو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم لأنه رحيم ذو حكمة، كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) أي كذبت قوم هود هودا وسائر الرسل الذين ذكرهم هود، فعاد اسم قبيلة هود سميت باسم أبيها الأعلى، وكان من نسل سام بن نوح. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ- في النسب- نبيهم هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) الله، فتفعلون ما تفعلون؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) على الرسالة فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) فيما أمرتكم به من الإيمان والتوبة وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي الدعاء إلى التوحيد مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧)، وكان هود تاجرا جميل الصورة، يشبه آدم وعاش من العمر أربعمائة وأربعا وستين سنة أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) أي أتبنون بكل مكان مرتفع علامة تعبثون فيها بمن يمر بكم. وقيل: إنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخرا وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ أي حيضانا تجمعون فيها ماء المطر، فهي من نوع الصهاريج. وقيل: القصور لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) أي مؤملين أن تخلدوا في الدنيا لإنكاركم البعث فلعل للتجري وهو للتوبيخ، وقيل: للتعليل ويؤيده قراءة عبد الله «كي تخلدون» وقيل: معناها التشبيه ويؤيده ما في مصحف أبيّ «كأنكم تخلدون» وقرئ «كأنكم خالدون». وقرئ بضم التاء مع تخفيف اللام وتشديدها وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) أي إذا أخذتم بالعقوبة على أحد بأن ضربتم أحدا بسوط أو قتلتم بالسيف فعلتم فعل الغاشمين بلا رأفة ولا قصد تأديب، ولا نظر في العاقبة. والحاصل أنهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو، وكل ذلك ينبه على أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وعنوان كل معصية فَاتَّقُوا اللَّهَ بترك هذه الأفعال وَأَطِيعُونِ (١٣١) فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢)، أي واخشوا الذي أعطاكم ما لا خفاء فيه عليكم من أنواع النعم

الشعراء 26:141

الحاصلة لكم، ثم بين هود عليه السلام ما أعطاهم الله تعالى فقال: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) فأنتم تنتفعون بذلك كله فلا تغفلوا عن تقييده بالشكر، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن لم تقوموا بشكر هذه النعم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) في الدنيا والآخرة فإن كفران النعم مستتبع للعذاب. قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) فإنا لن نرجع عما نحن فيه لأجل وعظك إيانا إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧). وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الخاء واللام، أي ما هذا الذي جئنا به من الكذب إلا عادة الأولين كانوا يسطرونه أو ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا عادة آبائنا الأولين يدينون به ونحن بهم مقتدون أو ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة والبلاء والعافية، ومن اعتقاد أن لا بعث ولا حساب، ولا جزاء إلا عادة قديمة لم يزل الناس عليها من قديم الدهر. وقرأ الباقون بفتح الخاء وسكون اللام، أي ما هذا الذي جئت به إلا كذب الأولين، وما خلقنا هذا إلا خلق الأمم الماضية نحيا كحياتهم ونموت كمماتهم ولا بعث ولا حساب وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) على ما نحن عليه من الأعمال كما تقول فَكَذَّبُوهُ في وعيده بالعذاب، فَأَهْلَكْناهُمْ بريح باردة شديدة الصوت إِنَّ فِي ذلِكَ الإهلاك لَآيَةً أي لعبرة لمن بعدهم، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أي وما صار أكثر هؤلاء الذين سمعوا قصتهم من قوم محمد صلّى الله عليه وسلّم مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ أي الغالب على ما يريده من انتقام المكذبين الرَّحِيمُ (١٤٠) أي المبالغ في الرحمة، ولذلك يمهلهم بعدم إيمانهم لحكمة يعلمها كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) أي كذبت جماعة صالح صالحا. فثمود اسم قبيلة صالح سميت باسم أبيها وهو ثمود جد صالح، وعاش صالح من العمر مائتين وثمانين سنة وبينه وبين هود مائة سنة، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ في نسب نبيهم صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) الله إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من الله أَمِينٌ (١٤٣) في جميع ما أرسلت به إليكم منه فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) أي اتبعوا ديني وأمري، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على ما جئتكم به مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) وليعلم كافة الناس أن من عمل لله لا ينبغي أن يطلب من غير الله، وينبغي للعلماء أن يتأدبوا بآداب الأنبياء فلا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا ينتفعوا منهم بالتذكير لهم، ومن انتفع من المستمعين من الدين فلا بركة فيما يأخذ منهم. أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) أي أتظنون أنكم تتركون في الدنيا آمنين من العذاب، وأنه لا دار للمجازاة أي لا ينبغي لكم أن تعتقدوا أنكم تتقلبون في النعم التي في دياركم آمنين من الزوال والعذاب فلا تطمعوا في ذلك، ثم فسر المكان بقوله: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) أي لطيف لين والطلع ثمر النخل في أول ما يطلع وبعده يسمى خلالا، ثم بلحا، ثم بسرا، ثم رطبا، ثم تمرا. وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩). وقرأ ابن عامر والكوفيون بألف بعد الفاء أي ماهرين في العمل ويعملون بنشاط وطيب

الشعراء 26:151

قلب. وقرأ الباقون بغير ألف أي متكبرين لا للحاجة، فالغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة. وأما الغالب على قوم هود فهو اللذات الحالية وهي طلب الاستعلاء والتجبر فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) في كل ما أمرتكم به وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) أي المستكثرين من لذات الدنيا وشهواتها بل اكتفوا واقتصروا منها بقدر الكفاف، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢). وهذا بيان أن فسادهم فساد خالص ليس معه شيء من الصلاح، فإن حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) أي ممن يأكلون الطعام، ويشربون الشراب كما قال الفراء المسحر من له جوف، ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فكيف تكون نبيا فَأْتِ بِآيَةٍ أي بعلامة تدل على صدقك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) في دعواك أنك رسول إلينا! فقال لهم صالح: ما تريدون؟ قالوا: نريد ناقة عشراء من هذه الصخرة فتلد سقبا فأخذ صالح يتفكر. فقال له جبريل: صل ركعتين وسل ربك الناقة ففعل، فخرجت الناقة، وبركت بين أيديهم ونتجت سبقا مثلها في العظم. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه رأيت مبركها فإذا هو ستون ذراعا في ستين ذراعا، قالَ لهم صالح: هذِهِ ناقَةٌ دالة على نبوتي أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم لَها شِرْبٌ أي نصيب من الماء تشرب منه يوما وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) أي ولكم نصيب من الماء تشربون منه يوما ولا تزاحموا على شربها وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ كضرب وعقر فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها. روي أن مصدعا ألجأها إلى مضيق، فرماها بسهم، فسقطت، ثم ضربها قدار بالسيف في ساقيها. قال مقاتل وغيره: فخرج في أبدانها خراج مثل الحمص فكان في اليوم الأول أحمر، ثم صار في الغد أصفر، ثم صار في الثالث أسود، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء وهلاكهم يوم الأحد، انفقعت فيه تلك الخراجات، وصاح عليهم جبريل صيحة فماتوا بالأمرين، وكان ذلك ضحوة فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) أي فصاروا نادمين على قتلها ندم الخائفين من العذاب العاجل، أو ندم التائبين عند معاينة العذاب فلم ينفعهم الندم فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ الموعود على عقرها إِنَّ فِي ذلِكَ أي في أخذهم بالعذاب لَآيَةً أي لعبرة لمن بعدهم. وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أي أكثر هؤلاء الذين سمعوا القصة من قريش مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) حيث لا يعالجهم بالعذاب كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) فمن كذب رسولا فقد كذب الكل، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ في البلد لا في النسب نبيهم لُوطٌ فإن لوطا ابن أخي إبراهيم، وهما من بلاد المشرق من أرض بابل فلوط كان مجاورا لهم في قريتهم، أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) عبادة غير الله إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من الله أَمِينٌ (١٦٢) على الرسالة فَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم به وَأَطِيعُونِ (١٦٣) أي اتبعوا أمري وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي الدعاء إلى الله تعالى مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أي جامع الخلق ومربيهم، أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) أي أتأتون الذكران من أولاد آدم مع كون النساء

الشعراء 26:171

أليق بالاستمتاع، وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ أي وتتركون إناثا أباحها لكم ربكم هي أزواجكم لأجل استمتاعكم، أو وتتركون فروجا أحل لكم ربكم حال كونها بعض أزواجكم، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) أي متجاوزون الحد في جميع المعاصي بإتيانكم هذه الفاحشة، أو متجاوزون عن حد الشهوة حيث زدتم على سائر الحيوانات. قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ عن تقبيح أمرنا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) أي من جملة من أخرجناه من بلدنا سذوم. قالَ لوط: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) أي إني لعملكم الخبيث لمبغض من المبغضين غاية البغض فلا أقف عن الإنكار عليه بالإبعاد عنكم، ثم توجه لوط إلى الله تعالى قائلا: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) أي من شؤم عملهم فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أي بنتيه وامرأته المؤمنة ومن اتبعه في الدين أَجْمَعِينَ (١٧٠) مما عذبناهم به بإخراجهم من بينهم عند قرب حلول العذاب بهم إِلَّا عَجُوزاً هي امرأة لوط المنافقة فِي الْغابِرِينَ (١٧١) أي إلا عجوزا مقدار كونها من الباقين في العذاب، لأنها كانت راضية بفعل القوم وقد أصابها الحجر في الطريق ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) أي أهلكنا المتأخر عن اتباع لوط بقلب قراهم عليهم وجعل أعلاها سافلها، وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على من كان منهم خارج القرى لسفر أو غيره مَطَراً غير معتاد حجارة من السماء فأهلكتهم، فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) أي فبئس مطر جنس المنذرين مطر قوم لوط بالحجارة، إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما فعلنا بهم لَآيَةً أي دلالة على عزة الله وعظمته وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أي أكثر من تلوث عليهم القصة مُؤْمِنِينَ (١٧٤) فإن أكثر الخلق لئام وكرامهم قليلون كما قال الشاعر: تعيّرنا أنّا قليل عديدنا؍ فقلت لها أن الكرام قليل؍ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) فلا يهتدي إلى عديم النظير الأذلاء ويهتدي إليه برحمته الفائضة من كانت همته عالية كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)، أي كذب أصحاب شجر ملتف بقرب مدين شعيبا، وجملة المرسلين. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر في هذه السورة وفي «ص» خاصة: «ليكة» بلام واحدة وفتح التاء وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث واللام جزء الكلمة، وهو اسم البلدة لأصحاب الحجر. وقال أبو عبيدة: إن ليكة اسم للقرية التي كانوا عليها والأيكة اسم للبلاد كلها إِذْ قالَ لَهُمْ نبيهم شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) الله الذي تفضل عليكم بنعمه إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من عند الله فهو أمرني أن أقول لكم ذلك. أَمِينٌ (١٧٨) لا خيانة عندي فَاتَّقُوا اللَّهَ المحسن إليكم بهذه الغيضة وغيرها وَأَطِيعُونِ (١٧٩) لما ثبت من نصحي لكم وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على دعائي لكم إلى الإيمان بالله تعالى مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أي المحسن إلى الخلائق كلهم، فإني لا أرجو أحدا سواه. أَوْفُوا الْكَيْلَ أي أتموه إذا كلتم للناس كما توفونه إذا أخذتم منهم وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) أي الناقصين لحقوق الناس. وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) أي بالميزان العدل.

الشعراء 26:191

وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف. والباقون بالضم وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي لا تنقصوا شيئا من حقوق الناس في كيل ووزن أو غير ذلك وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) ولا تعملوا المعاصي في الأرض بقطع الطريق والغارة وإهلاك الزرع والدعاء إلى غير عبادة الله، فإنهم كانوا يفعلون ذلك. وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) أي الخلائق الماضين الذين كانوا على خلقة عظيمة وطبيعة غليظة، كقوم هود وقوم لوط. وقرأ العامة الجبلة على كسر الجيم والباء وتشديد اللام وأبو حصين والأعمش والحسن بضمها وتشديد اللام، والسلمي بفتح الجيم أو كسرها مع سكون الباء. قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) أي المجوفين مثلنا لست بملك وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تأكل وتشرب كما نفعل، فلا وجه لتخصيصك بالرسالة وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) ف «إن» مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي وأنا نظنك لمن الكاذبين في دعواك أنك رسول من الله ثم إن شعيبا كان هددهم بالعذاب أن استمروا على التكذيب فقالوا: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ أي فأسقط علينا قطعا من السحاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) في دعواك. وقرأ حفص بفتح السين. والباقون وإنما طلبوا ذلك لتصميمهم على التكذيب واستبعادهم وقوعه فعند ذلك فوض شعيب عليه السلام أمرهم إلى الله تعالى ف قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) وبما تستحقون بسببه من العذاب. فَكَذَّبُوهُ أي أصروا على تكذيبه بالرسالة فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وفي إضافة العذاب إلى يوم دون الظلة إعلام بأن لهم يومئذ عذابا آخر غير عذاب السحاب كما روي أن الله تعالى فتح عليه بابا من أبواب جهنم وأرسل عليهم هدة وحرا شديدا مع سكون الريح سبعة أيام بلياليها فأخذ بأنفاسهم فدخلوا بيوتهم فلم ينفعهم ظل ولا ماء فأنضجهم الحر فخرجوا هرابا، فأرسل الله تعالى سحابة فأظلتهم فوجدوا لها بردا وروحا وريحا طيبة، فنادى بعضهم بعضا فلما اجتمعوا تحت السحابة ألهبها الله عليهم نارا ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي فصاروا رمادا، إِنَّهُ أي ذلك العذاب كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) في الشدة والهول. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة، وأهل مدين فأهلكت أصحاب الأيكة بالظلة وأهل مدين بصيحة جبريل عليه السلام، إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما فعلنا بهم لَآيَةً أي دلالة واضحة على صدق الرسل، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أي أكثر قومك مُؤْمِنِينَ (١٩٠) مع أنك قد أتيت قومك بما لا يكون معه شك لو لم يكن لهم معرفة بك قبل ذلك، فكيف وهم عارفون بأنك كنت قبل الرسالة أصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة وأغزرهم عقلا، وأبعدهم عن كل ذي دنس؟! وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) بالإمهال. وهذا آخر القصص السبع التي ذكرها الله تعالى تسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتهديدا للمكذبين له وكل قصة من هذه القصص ذكر مستقل متجدد النزول، قد أتاهم من الله تعالى، وما كان أكثرهم مؤمنين بعد ما سمعوها على التفصيل قصة بعد قصة بأن لا يعتبروا بما في كل واحدة منها من الدواعي إلى الإيمان، والزواجر عن الكفر والطغيان وبأن لا يتأملوا في شأن الآيات الكريمة الناطقة بتلك القصص على ما هي عليه مع علمهم بأنه صلّى الله عليه وسلّم لم يسمع شيئا منها من أحد أصلا، وصاروا كأنهم لم يسمعوا شيئا يزجرهم عن الكفر والضلال واستمروا على ذلك وَإِنَّهُ أي القرآن الذي من جملته هذه القصص لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) أي منزل من خالق المخلوقين فليس بشعر ولا أساطير الأولين، ولا غير ذلك مما قالوه فيه نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣). قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص بتخفيف «الزاي»، ورفع «الروح». والباقون بتشديد «الزاي» ونصب «الروح»، وذكر الله تعالى دليل التنزيل بقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ إلخ، فالروح: هو جبريل عليه السلام سمي بالروح، لأنه به نجاة الخلق في باب الدين، فهو كالروح الذي تثبت معه الحياة. وبالأمين، لأنه مؤتمن على ما يؤديه إلى الأنبياء عليهم السلام، عَلى قَلْبِكَ أي جعل الله تعالى جبريل نازلا بالقرآن على قدر حفظك أي فهمك القرآن وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى. وهذا تنبيه على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وعلى أن الإخبار عن هذه القصص ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من الله تعالى لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) أي أنزل الله تعالى بالقرآن لتنذرهم بما فيه من العقوبات الهائلة، وكان إنزاله بلغة عربية واضحة المعنى لئلا يبقى لهم عذر ما له منه مناص لو نزله باللسان الأعجمي لقالوا له صلّى الله عليه وسلّم: ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به وقوله: لِتَكُونَ متعلق بنزل. وكذا قوله: بِلِسانٍ ويجوز أن يكون بدلا من به، وأما جعله متعلقا بالمنذرين فيفيد أن غاية الإنزال كونه لله من جملة المنذرين باللغة العربية فقط. وهذا لا ينبغي فإن سبب كونه صلّى الله عليه وسلّم من جملة المنذرين مجرد إنزال القرآن عليه صلّى الله عليه وسلّم لا إنزاله بخصوص اللسان العربي والذين أنذروا باللسان العربي خمسة فقط محمد وإسماعيل، وهود، وصالح، وشعيب عليهم الصلاة والسلام وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أي وإن معنى القرآن وصفته لفي الكتب المتقدمة، فإن الله تعالى أخبر في كتب الأولين عن القرآن وإنزاله في آخر الزمان والله تعالى بين أصول معانيه في كتبهم أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧)، أي أغفل أهل مكة عن القرآن ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزل من رب العالمين، وأنه في زبر الأولين أن يعرفه علماء بني إسرائيل بنعوته المذكورة في كتبهم، ويعرفوا من أنزل عليه، وكانوا خمسة: أسد، وأسد، وابن يامين، وثعلبة، وعبد الله بن سلام فهؤلاء الخمسة من علماء اليهود وقد حسن إسلامهم. قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة فسألوهم عن محمد صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: إن هذا لزمانه وإنا لنجد نعته في التوراة، فكان ذلك آية على صدقه صلّى الله عليه وسلّم.

الشعراء 26:201

وقرأ ابن عامر «تكن» بالتأنيث ورفع «آية» على أنه اسمها، ولهم خبرها وأن يعلمه بدل من اسمها، أو على أنه فاعل لها ولهم حال «وأن يعلمه» بدل من الفاعل، ولا يجوز أن يكون «آية» اسمها «وأن يعلمه» خبرها، لأنه يلزم عليه جعل الاسم نكرة والخبر معرفة. والباقون «يكن» بالتذكير ونصب آية على أنه خبرها «وأن يعلمه» اسمها وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) أي ولو نزلنا القرآن كما هو على رجل أعجمي فقرأه على أهل مكة قراءة صحيحة خارقة للعادة ما كانوا مؤمنين به مع أن الأعجمي لا يتهم باكتسابه أصلا لفقد الفصاحة فيه ولا باختراعه لكونه ليس بلغته لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم في المكابرة كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)، أي مثل ذلك الإدخال أدخلنا القرآن في قلوب كفار مكة ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته من حيث النظم المعجز زمن حيث الإخبار عن الغيب وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتب المنزّلة قبله على البشارة بإنزاله وبعثة من أنزل عليه بأوصافه وكيفما فعل بهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الإنكار لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) الملجئ للإيمان به، فيؤمنون حين لا ينفعهم الإيمان فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) بإتيان العذاب فَيَقُولُوا تأسفا على ما فات من الإيمان هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) وهو استفهام طمع في المحال وهو إمهالهم بعد مجيء العذاب، وهم في الآخرة يعلمون أن لا ملجأ لهم لكنهم يذكرون ذلك استرواحا أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أي أيكون حالهم كما ذكر من الاستنظار عند نزول العذاب الأليم، فيستعجلون بعذابنا في الدنيا بقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ونحو ذلك. أَفَرَأَيْتَ أي أخبرني أيها المخاطب إِنْ مَتَّعْناهُمْ في الدنيا بطول الأعمار وطيب المعاش سِنِينَ (٢٠٥) متطاولة ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) من العذاب، ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) أي أيّ شيء أفادهم كونهم متمتعين ذلك التمتيع المديد من دفع العذاب. وقرئ «يتمتعون» بسكون الميم وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ من القرى المهلكة إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) أي رسل قد أنذروا أهلها إلزاما للحجة ذِكْرى أي لأجل تذكيرهم العواقب، وهو منصوب على أنه مفعول لأجله أو مفعول مطلق منصوب ب «منذرون» لأن التذكرة في معنى الإنذار، أو منصوب بفعل مقدر هو صفة ل «منذرون» أي إلا لها منذرون يذكرونهم ذكرى. ويجوز أن يكون «ذكرى» مفعولا له علة ل «أهلكنا». والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم عبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم. وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩) فنهلك قوما غير ظالمين وقبل الإنذار وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠). وهذا رد لقول الكفار لم لا يجوز أن يكون هذا القرآن من إلقاء الجن والشياطين إلى محمد على لسانه كسائر ما ينزل على الكهنة من أخبار السماء. وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) أي أن الشياطين لممنوعون عن الاستماع للوحي كيف لا: ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة غير مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه أصلا من فنون الشرور. قال بعضهم: وهذا إشارة إلى أنه ليس للشياطين استعداد تنزيل القرآن ولا قوة حمله، وسمع فهمه، لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم ألا ترى أن نار الجحيم كيف تستغيث عند مرور المؤمنين عليها، وتقول: جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي فإذا لم يكن لهم استطاعة على حمل القرآن، ولا قوة على سمعه كيف يمكن لهم تنزيله؟ وإن وجد فيهم السمع الذي هو الإدراك لأنهم حرموا الفهم المؤدي للاستجابة لما دعوا إليه فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي فلا تعبد مع الله إلها غيره فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣). قال بعضهم: وهذا يشير إلى أن طلب غير الله من الدنيا والآخرة بتوجه القلب إليه أمارة عذاب الله وهو البعد من الله، فمن يكون أبعد من الله يكون عذابه أشد فكل طالب شيء يكون قريبا إليه بعيدا عما سواه. فطالب الدنيا قريب من الدنيا، بعيد عن الآخرة. وطالب الآخرة قريب من الآخرة بعيد عن الدنيا. ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «حسنات الأبرار سيئات المقربين» . فالأبرار أهل الجنة، وحسناتهم طلب الجنة والمقربون أهل الله وحسناتهم طلب الله وحده بلا شريك له وهذا الخطاب له صلّى الله عليه وسلّم. والمقصود غيره كما هو شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد الخطاب لأحد وجهه إلى الرؤساء في الظاهر، ولأنه تعالى أراد أن يتبعه ما يليق بذلك، فلهذا أفرده صلّى الله عليه وسلّم بالمخاطبة بقوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) الأقرب منهم فالأقرب. وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «يا بني عبد المطلب يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، افتدوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم شيئا»، ثم قال: «يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمرو، ويا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد اشترين أنفسكن من النار فإني لا أغني عنكن شيئا» «١». وروى محمد بن إسحاق عن علي رضي الله عنه أنه قال. لما نوزلت على النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية دعاني فقال: «يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فاصنع لي صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع بني المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به». ففعلت ما أمرني، ثم دعوتهم إليه وهم يومئذ أربعون رجلا فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب. فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعته، فجئت له، فلما وضعته تناول صلّى الله عليه وسلّم جذبة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: «كلوا باسم الله»، فأكل القوم حتى شبعوا، ثم قال: «اسق القوم». فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعا فلما أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكلمهم بادره أبو لهب فقال: (١) رواه ابن حجر في فتح الباري (٧: ٤١٦)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٤٧٨٩)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٤: ٣١)، والسيوطي في الدر المنثور (٥: ١٠٠).

الشعراء 26:221

سحركم محمد صاحبكم! فتفرق القوم، فقال: «يا علي، إن هذا الرجل قد سبق إلى ما سمعت من القول» فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فأعد لنا الطعام مثل ما صنعت، ففعلت، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام، فقدمته، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا، ثم تكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا بني عبد المطلب، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيّكم يوازرني على أمري ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟» فأحجم القوم جميعا عن ذلك الكلام، فقلت: يا رسول الله أنا أكون وزيرك عليه قال: «علي» فأخذ صلّى الله عليه وسلّم برقبتي ثم قال: «إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا» «١». فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع. وروى أبو يعلى عن الزبير بن العوام أن قريشا جاءته فأنذرهم، فسألوه آيات سليمان في الريح وداود في الجبال وعيسى في إحياء الموتى ونحو ذلك. وأن يسير الجبال ويفجر الأنهار، ويجعل الصخرة ذهبا. فأوحى الله تعالى إليه وهم عنده أخبرهم بأن أعطي ما سألوه ولكن إن أراهم كفروا عوجلوا، فاختار صلّى الله عليه وسلّم الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) أي لين جانبك لهم و «من» للتبيين، لأن من اتبع أعم ممن اتبع لدين أو قرابة أو نسب فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) ولا تبرأ منهم وقل لهم، قولا بالنصح، لعلهم يرجعون إلى قبول الدعوة منك. والمعنى: فبعد إنذار عشيرتك فتواضع لمن آمن منهم، وتبرأ من عمل من خالفك منهم وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) أي فوّض أمرك إلى الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته. وقرأ نافع وابن عامر «فتوكل» بالفاء على الإبدال من جواب الشرط. والباقون بالواو على العطف على أنذر الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) من نوم أو غيره إلى الصلاة منفردا وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) أي ويرى تصرفك في الصلاة بالقيام والركوع والسجود، والقعود مع المصلين جماعة إذ كنت إماما لهم. ويقال: ويراك منتقلا في أصلاب المؤمنين، وأرحام المؤمنات، من لدن آدم وحواء إلى عبد الله وآمنة، فجميع أصول سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم رجالا ونساء مؤمنون، فلا يدخلهم الشرك ما دام النور المحمدي في الذكر وفي الأنثى. فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد غير الله، وآزر ما عبد الأصنام إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم. وأما قبل انتقاله فلم يعبد غير الله إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) فيسمع ما تقوله، ويعلم ما تنويه وتعمله. هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) ؟ أي أهل أخبركم يا كفار مكة على من تنزل الشياطين؟ أي لمّا قال الكفار. لم لا يجوز أن يقال: إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة، (١) رواه النّسائي في كتاب الحج، باب: إنشاد الشعر في الحرم والمشي بين يدي الإمام. وبالشعر على الشعراء؟ فرق الله تعالى بين محمد صلّى الله عليه وسلّم وبين الكهنة والشعراء فقال: تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) أي تنزل الشياطين على كل من اتصف بالكذب الكثير والإثم الكبير وهو مسيلمة الكذاب، وسطيح، وطليحة. يُلْقُونَ السَّمْعَ، وهذه الجملة إما حال من فاعل «تنزل» المستتر أي يصغي الشياطين سمعهم إلى الملائكة ليسترقوا شيئا، ويلقون الشيء المسموع إلى الكهنة. وإما صفة لكل أفاك أثيم أي يصغي الكهنة سمعهم إلى الشياطين، أو يلقون ما سمعوه منهم إلى عوام الخلق وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) فالشياطين يسمعون الكهنة ما لم يسمعوا من الملائكة، كما جاء في الحديث: «الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة، والكهنة يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم» . وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أي الراوون الذين يروون هجاء المسلمين، أي وشعراء الكفار يتكلمون بالكذب منهم عبد الله بن الزبعري، وهبيرة بن أبي وهب، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة عمرو بن عبد الله، وأمية بن أبي الصلت. وقالوا: نحن نقول مثل ما يقول محمد. وقالوا شعرا، واجتمع إليهم سفهاء قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، ويرون عنهم قولهم. وقرأ نافع بسكون التاء وفتح الباء الموحدة. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) ؟ أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الشعراء يسيرون في طرق مختلفة سير الحائرين من طرق القيل والقال؟ فإنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس، لأنهم لا يطلبون بشعرهم الصدق وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) فإنهم يمدحون الجود ويحثون عليه ولا يفعلونه، ويذمون البخل ويصرون عليه، ويهجون الناس بأدنى شيء صدر منهم، ثم أنهم لا يفعلون الفواحش وذلك يدل على الضلالة إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً فلم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله تعالى، والحث على طاعته، وفي الحكمة والموعظة والزهد في الدنيا، والزجر عن الاغترار بزخارفها. وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا أي فلا يذكرون هجو أحد إلا من يهجوهم من الكفار وذلك رد على هجو الكفار لرسول الله وأصحابه كما قال صلّى الله عليه وسلّم يوم قريظة لحسان: «اهج المشركين فإن جبريل معك» «١» وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول: خلوا نبي الكفار عن سبيله؍ اليوم نضربكم على تنزيله؍ مضربا يزيل الهام عن مقيله؍ ويذهب الخليل عن خليله؍ فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي حرم الله تقول شعرا! فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (١) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (٣٣٢٥١). [.....] «خل عنه يا عمر فهي أسرع فيهم من نضح النبل» «١». وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق النبل» «٢». وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن من الشعر لحكمة» «٣». وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر، وكان عثمان يقول الشعر، وكان علي أشعر من الثلاثة. وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) أي سيعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك وهجوا رسول الله وأصحابه، وبالإعراض عن تدبر هذه الآيات أنهم ينقلبون كمال انقلاب، لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العذاب، وهو أشر مرجع، فالمنقلب: هو الانتقال إلى ضد ما هو. فيه والمرجع هو العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلبا وليس كل منقلب مرجعا. وقرئ «أيّ منفلت ينفلتون»، أي وسيعلم الظالمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات فإنهم يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى، و «أي» منصوب ب «ينقلبون» ولا يجوز أن يكون منصوبا بسيعلم، لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها، لأن الاستفهام معنى، و «ما» معنى آخر فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض. (١) رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: ما جاء في الشعر، وأحمد في (م ١/ ص ٢٦٩). (٢) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١٢٥). (٣) رواه السيوطي في الدر المنثور (٦: ٣٠١)، والعجلوني في كشف الخفاء (١: ١٦).

النمل 27:1

سورة النمل مكية، وهي أربع وتسعون آية، ألف ومائة وتسع وأربعون كلمة، أربعة آلاف وسبعمائة وسبع وستون حرفا طس أي هذا مسمى بطس تِلْكَ أي تلك السورة آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١)، أي مظهر للحكم والأحكام وأحوال الآخرة. وقرأ ابن أبي عبلة برفع «كتاب مبين». هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)، هما حالان من آيات، أي هادية إلى الله ومبشرة بالوصول إلى الله بهدايته للمصدقين بتلك الآيات أو بدلان منها، أو خبران آخران لتلك كما قال تعالى: «ألا من طلبني وجدني من طلبني بدلالات القرآن وجدني بالعيان» . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يأتون بالصلوات الخمس بشروطها ووضعها في حقها. وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي يعطونها بشرائطها وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) أي هؤلاء هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان لا من عداهم، لأن تحمل مشاق العبادات لخوف العقاب ورجاء الثواب. إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ بأن خلقنا في قلبه العلم بما فيها من المنافع واللذات ولا يخلق في قلبه بما فيها من المضار والآفات، فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أي ينهمكون فيها أُوْلئِكَ أي الموصوفون بعدم الإيمان بما في الآخرة وبالعمد في الأعمال الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وهو عمي القلوب وصممه وبكمه، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) أي أشد الناس خسرانا لفوات الثواب واستحقاق العقاب، ولأنهم خسروا الدنيا والآخرة ولم يربحوا المولى وذلك لأن قوما من المختصين بتوفيق من الله يحبهم ويحبونه قد خسروا الدنيا والآخرة بتركهما وعدم الالتفات إليهما في طلب المولى، فربحوا المولى. فلهذا لمّا وجد أبو يزيد في البادية قحف رأس مكتوبا عليه خسر الدنيا والآخرة بكى وقبّله وقال هذا رأس صوفي. وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)، أي وإنك يا أشرف الخلق لتؤتى القرآن من عند ذات مصيب في أفعاله لا يفعل شيئا إلا على وفق علمه. عليم بكل شيء سواء كان ذلك العلم مؤديا إلى العمل أو لا. وقال بعضهم: أي إنك جاوزت حد كمال كل رسول فإنهم كانوا يتلقون الكتب بأيديهم من يد جبريل، والرسالات

النمل 27:11

من لفظه وحيا وإنك تلقى حقائق القرآن من عند الله تعالى، وإن كنت تلقى القرآن بتنزيل جبريل على قلبك، فالله تعالى علمك حقائق القرآن بأن جعلك بحكمته مستعدا لقبول فيض القرآن بلا واسطة. وهو أعلم حيث يجعل رسالته إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ أي زوجته بنت شعيب حيث تحيّر في الطريق عند مسيره من مدين إلى مصر إِنِّي آنَسْتُ ناراً أي أبصرتها سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ يعرف به الطريق أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ. وقرأ الكوفيون بتنوين شهاب، فالقبس بدل منه أو صفة له، أي بشعلة نار مأخوذة من أصلها. والباقون بالإضافة أي بشهاب من قبس لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) أي لكي تدفئوا بها فَلَمَّا جاءَها أي تلك التي ظنها موسى نارا نُودِيَ من قبل الله تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها أي بورك من في مكان النار- وهي البقعة المباركة- ومن حول مكانها، ويدل عليه قراءة أبيّ «تباركت الأرض ومن حولها». وعنه أيضا «بوركت النار». وقيل: المراد بمن في النار هو موسى عليه السلام لقربه منها، ومن حولها الملائكة، أي نودي ببركة من النار أي بتطهيره مما يشغل قلبه من غير الله، وتخليصه للنبوة والرسالة أي ناداه الله تعالى بأنا قدّسناك واخترناك للرسالة، وهذه تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له. وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) وهو من كلام الله مع موسى نزه الله تعالى نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام وإعلاما بأن ذلك الأمر مكونه رب العالمين، ولدفع ما قد يتوهمه موسى بحسب الطبع البشري الجاري على العادة الخلقية من أن الله المتكلم به في مكان أو في جهة. ومن أن الكلام الذي يسمعه موسى في ذلك المكان بحرف وصوت حادث ككلام الخلق، وقد علم موسى عليه السلام أن النداء من الله لما دل على ذلك من أن النار كانت مشتعلة على شجرة خضراء لم تحترق. يا مُوسى إِنَّهُ أي إن مكلمك أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) أي أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام، كقلب العصا حية، وأمر اليد الفاعل ما أفعله بحكمة بالغة و «أنّا» خبر «إنّ» و «الله» بيان له و «العزيز الحكيم» صفتان «لله»، ممهدتان لما أراد الله أن يظهره على يد موسى عليه السلام من المعجزات وَأَلْقِ عَصاكَ عطف على «بورك»، فكلاهما تفسير ل «نودي»، فألقاها فانقلبت حية كبيرة جدا تسعى، فأبصرها متحركة بسرعة واضطرب، فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ أي تضطرب في تحركها كَأَنَّها أي العصا جَانٌّ أي حية صغيرة في سرعة الحركة وَلَّى مُدْبِراً أي هرب موسى منها مدبرا وَلَمْ يُعَقِّبْ أي لم يلتفت إليها من خوفها لظنه أن ذلك لأمر أريد به ولذلك قال تعالى: يا مُوسى لا تَخَفْ منها إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) في حالة الإيحاء والإرسال، ولا يخاف من الملك العدل إلا ظالم كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) أي لكن من ظلم، ثم عمل حسنا بعد سوء، فإني غفور رحيم وهذا تعريض لطيف بما وقع من موسى عليه السلام من وكزه القبطي. وجعل الأخفش والفراء وأبو عبيدة «إلا» حرف عطف بمنزلة الواو، وفي التشريك في اللفظ. والمعنى: وقرئ «ألا من ظلم» بحرف التنبيه، و «من» شرطية وجوابها «فإني غفور رحيم». وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ أي في إبطك- وكان له عليه السلام مدرعة صوف لا كم لها- تَخْرُجْ بَيْضاءَ لها إشراق مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي آفة فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وقوله: فِي تِسْعِ متعلق بمحذوف حال أخرى من ضمير «تخرج»، أي حال كون اليد مندرجة في جملة تسع آيات. وقوله: إِلى فِرْعَوْنَ متعلق بمحذوف حال من فاعل أدخل أي حال كونك مرسلا بها إلى فرعون والظاهر أن قوله: إِلى فِرْعَوْنَ متعلق بمحذوف حال من فاعل ألق وأدخل وإن قوله: فِي تِسْعِ متعلق بمحذوف حال من مفعولهما، أي ألق وأدخل، أي حال كون العصا واليد مع جملة الآيات التسع، فإن الآيات إحدى عشرة: العصا واليد والفلق، والطوفان والجراد، والقمل والضفادع، والدم والطمسة، والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم، وحال كونك مبعوثا إلى فرعون والقبط. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) أي خارجين من ربقة الانقياد لأمري والعبودية لألوهيتي فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا على يد موسى عليه السلام مُبْصِرَةً كل من ينظر إليها ويتأمل فيها، هادية إلى الطريق الأقوم. وقرأ علي بن الحسين وقتادة مبصرة بفتح الميم، والصاد أي مكانا يكثر فيه التبصر. قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) أي هذا الذي أتى به موسى خيال لا حقيقة له، واضح في أنه خيال وَجَحَدُوا بِها أي كذبوا بتلك الآيات بألسنتهم وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ أي وقد علمتها قلوبهم علما يقينا أنها حق. ظُلْماً وَعُلُوًّا حال أخرى من الواو في جحدوا، أو علة للجحد، أي ظالمين للآيات حيث سموها سحرا وحطوها في رتبتها الرفيعة، ومترفعين عن الإيمان بها أو جحدوا بها للظلم للآيات وللتكبر عنها. وقرئ «عليا»، و «عليا» بالضم والكسر كما قرئ «عتيا» فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) من إغراقهم في البحر على الوجه الهائل الذي هو عبرة للعالمين. وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً أي أعطينا كل واحد منهما جزءا من العلم لائقا به من علم الحكم والسياسة ومختصا به كعلم داود صنعة لبوس، وتسبيح الجبال، والطير، وعلم سليمان سائر نطق الطير والدواب. وَقالا شكرا لما أعطيناه من العلم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا بما أعطانا من العلم عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) ممن لم يؤت علما مثل علمنا. وفي هذا دليل على فضل العلم وشرف أهله، وتحريض للعالم بأن يحمد الله تعالى على ما أعطاه من العلم، ويعتقد أنه قد فضل عليه كثير وإن فضل على كثير فلا يفتخر ولا يتكبر وإن يشكر الله تعالى في أنه ينفع بعلمه المسلمين، وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ أي ملكه بأن قام مقامه فيه دون سائر أولاده، وكان لداود تسعة عشر ابنا، وزيد له تسخير الريح والشياطين. وداود أشد تعبدا من سليمان. وروي أن سليمان أعطي هذا الملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، أما داود فقد عاش مائة سنة. وَقالَ سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله تعالى وللتنويه بها. يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وهذه النون يقال لها: نون الواحد المطاع، وكان سليمان عليه السلام ملكا مطاعا لا يتكبر، وقد يتعلق بتعظيم الملك مصالح، فيصير ذلك التعظيم واجبا. روي عن كعب الأبار رضي الله عنه أن سليمان عليه السلام أخبر عن منطق جملة من الطيور: الورشانة: تقول: لدوا للموت، وابنوا للخراب. والفاختة: تقول: ليت ذا الخلق لم يخلق. والطاوس: يقول: كما تدين تدان. والهدهد: يقول: من لا يرحم لا يرحم. والصرد: يقول: استغفروا الله يا مذنبين وهو الذي دل آدم على مكان البيت، ومن ثمّ نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قتله. والطيطوي: يقول: كل حي ميت وكل جديد بال. والخطاف: يقول: قدموا خيرا تجدوه وهو الذي آنس الله آدم به بعد خروجه من الجنة فهي لا تفارق بني آدم أنسألهم. والحمام: يقول: سبحان ربي الأعلى. والغراب: يدعو على العشار فكان يقول: اللهم العن العشار. والحدأة: تقول: كل شيء هالك إلا الله. والقطاط: تقول: من سكت سلم. والبغبغان: وهي الدرة تقول: ويل لمن الدنيا همه. والقمري: يقول: سبحان ربي العظيم المهيمن. والباز: يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده. والعقاب: يقول: في البعد عن الناس أنس. والديك: يقول: ذكروا الله يا غافلين. والنسر: يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ أي أعطينا شيئا كثيرا. وكان له عليه السلام ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منصته في في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وحولهم الوحش، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط، فتسير به مسيرة شهر، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد زدت في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك فيحكى أنه مر بحراث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتي آل داود إِنَّ هذا أي التعليم والإعطاء لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) أي الذي لا يخفى على أحد. وقصده عليه السلام بذلك القول: الشكر والحمد، أي أقول هذا القول شكرا لا فخرا. وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ أي جمع له بقهر وإكراه بأيسر أمر عساكره مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) أي يمنعون من التقدم في السير حتى يجتمعوا ليكون مسيره عليه السلام مع جنوده على ترتيب. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: كان سليمان عليه السلام إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز فيها تنانير الحديد والقدور العظام تسع كل قدر عشرة من الإبل، فيطبخ الطباخون، ويخبز الخبازون. وهو بين السماء والأرض. واتخذ ميادين الدواب فتجري بين يديه والريح تهوي، فسار من إصطخر يريد اليمن فسلك على مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما وصل إليها قال سليمان: هذه دار هجرة نبي يكون آخر الزمان، طوبى لمن آمن به وطوبى لمن اتبعه. ولما وصل مكة رأى حول البيت أصناما تعبد، فجاوزه سليمان، فبكى البيت، فأوحي إليه ما يبكيك؟ قال: يا رب أبكاني إن هذا نبي من أنبيائك ومعه قوم من أوليائك مروا عليّ ولم يصلوا عندي، والأصنام تعبد حولي فأوحى الله تعالى إليه: لا تبك فإني سوف أملأك وجوها سجدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيا في آخر الزمان أحب أنبيائي إلي، وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني، أفرض عليهم فريضة يحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها، والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشيطان. ثم ساروا حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ وهو واد بالشام كثير النمل: على ما قاله مقاتل وقتادة، وبالطائف: على ما قاله كعب وهو نمل صغار على المشهور. قالَتْ نَمْلَةٌ قولا مشتملا على حروف وأصوات، وكانت عرجاء، ذات جناحين، وهي من الحيوانات التي تدخل الجنة، فسمع سليمان كلامها من ثلاثة؟؟؟ أم محال ويقال لها: منذرة وقيل: اسمها حرميا. وقيل: ظاخية. وقيل: عيجلوف يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ أي جحركم لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) أي لا تبرزوا فيدوسنكم سليمان وجنوده في حال كونهم لا يشعرون بدوسهم لكم لاشتغالهم بما هم فيه من أحوال السير، وكأنهم أرادوا النزول عند الوادي، لأنه دامت الريح تحملهم في الهواء لا يخاف دوسهم فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها أي تعجبا من قول النملة بفصاحتها واهتدائها إلى تدبير مصالح بني نوعها، وسرورا بما آتاه الله من سمعه كلامها، وفهمه بمعناه وبشهرة حاله وحال جنوده في باب التقوى والشفقة فيما بين أنواع المخلوقات. وَقالَ سليمان: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أي

النمل 27:21

اجعلني أكف شكر نعمتك عندي عن أن ينقلب عني، حتى أكون شاكرا لك أبدا أو وفقني لأن أؤدي شكر نعمتك الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ هما داود وأم سليمان، وهي في الأصل زوجة أوريا التي امتحن الله بها داود عليه السلام. وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ لأن العمل الصالح قد لا يرضاه المنعم لنقص في العامل كما قيل: إذا كان المحب قليل حظ؍ فما حسناته إلا ذنوب؍ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين- كما قاله ابن عباس- لأن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله تعالى ولا يهمّ بمعصية أثبت اسمي في أسمائهم، واحشرني في زمرتهم. وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ أي بحث أحوال الطير فلم ير الهدهد فيما بينها، أي نزل سليمان منزلا واحتاج إلى الماء فطلبوه، فلم يجدوه فطلب الهدهد ليدل على الماء، لأنه يعرف موضع الماء قربه وبعده فينقر الأرض، ثم تجيء الشياطين فيحفرونها ويستخرجون الماء في ساعة يسيرة. فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ اسمه عنبر- كما أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن- أي ما لي لا أراه لساتر ستره، أو لسبب آخر ثم ظهر له أنه غائب فانتقل عن ذلك الكلام فقال: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) ؟ فتقدر «أم» ب «بل» أو بالهمزة، أو بهما. روي أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس تجهز للحج فوافى الحرم وأقام به ما شاء، وكان ينحر في كل يوم طول مقامه فيه خمسة آلاف ناقة، وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة، ثم عزم على السير إلى اليمن، فخرج من مكة صباحا فوافى صنعاء وقت الزوال، فرأى أرضا حسناء أعجبته خضرتها فنزل بها ليتغدى ويصلي، فلم يجد الماء فتفقد الهدهد وكان حين اشتغل سليمان بالنزول ارتفع نحو السماء، فنزل إلى بستان بلقيس فإذا هو بهدهد آخر، وكان اسم هدهد سليمان: يعفور؟ وهدهد اليمن: عفير. فقال عفير ليعفور: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الإنس والجن. والشياطين. والطير. والوحش. والرياح. قال يعفور: ومن ملك هذه البلاد. قال عفير: امرأة يقال لها: بلقيس وإن لصاحبك ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها تملك اليمن وتحت يدها أربعمائة ملك كل ملك على كورة، مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاثمائة وزير يدبرون ملكها، ولها اثنا عشر ألف قائد، مع كل قائد مائة ألف مقاتل. وذهب معه لينظر إلى بلقيس وملكها فما رجع يعفور إلا بعد العصر، فلما دخل العصر سأل سليمان الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموه فتفقد الهدهد، فلم يره فدعا عريف الطير- وهو النسر- فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته إلى مكان! فغضب سليمان عند ذلك وقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ بسبب غيبته فيما لم آذن فيه عَذاباً شَدِيداً بنتف ريشه، فهذا عذاب الطير أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ بالسكين ليعتبر به أبناء جنسه، أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) أي إلا أن يأتيني بحجة تبيّن عذره فلا أذبح ولا أعذب، ثم دعا العقاب وهو أشد الطير طيرانا فقال له: علي بالهدهد الساعة، فارتفع العقاب في الهواء، فالتفت يمينا وشمالا فرأى الهدهد من نحو اليمن، فانقض العقاب نحوه يريده، وعلم الهدهد أن العقاب يقصده بسوء فقال: بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، فتركه العقاب وقال له: ويلك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك، أو يذبحك، فطارا متوجهين نحو سليمان، فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له: ويلك أين غبت في يومك هذا؟ فلقد توعدك نبي الله. وأخبروه بما قال سليمان. فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي الله فقالوا: بلى إنه قال: أو ليأتيني بسلطان مبين فقال: نجوت إذا ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله. فَمَكَثَ أي الهدهد غَيْرَ بَعِيدٍ أي زمانا غير طويل حتى جاءه. وقرأ عاصم بفتح الكاف. والباقون بضمها. فلما قرب منه الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما تواضعا لسليمان فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال له: أن كنت لأعذبنك عذابا شديدا؟ فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى. فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه، ثم سأله فقال: ما الذي أبطأك عني؟ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أي علمت ما لم تعلم أيها الملك، وبلغت إلى ما لم تبلغ، وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ. وقرأ أبو عمرو والبزي بفتح الهمزة من غير تنوين، يراد به القبيلة والمدينة والأصل اسم للقبيلة، ثم سميت مدينة مأرب بسبإ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. والباقون بالجر والتنوين اسم للحي سموا باسم أبيهم الأكبر وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وعن ابن كثير في رواية سبأ بالألف بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) أي بخبر حق عجيب. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ يقال لها: بلقيس بكسر الباء وهي بنت شراحيل بن مالك بن الريان. وأمها فارعة الجنية- كما أخرج عن زهير بن محمد- وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، وورث الملك من أربعين أبا، ولم يكن له ولد غيرها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه بامرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن. قيل في سبب وصوله إلى الجن: إنه كان كثير الصيد فربما اصطاد من الجن وهم على صور الظباء، فيخلي عنهم، فظهر له ملك الجن، وشكره على ذلك واتخذه صديقا، فخطب ابنته فزوجه إياها. وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) أي سرير حسن كبير، طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون ذارعا وارتفاعه ثلاثون ذراعا مصنوع من الذهب والفضة، مكلل بالجواهر، وكانت قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودر وزمرد، وعليه سبعة أبيات، على كل بيت باب مغلق وَجَدْتُها وَقَوْمَها أي لقيتهم مجوسا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي يعبدون الشمس متجاوزين عبادة الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ أي سبيل الهدى، فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) بسبب ذلك أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ مفعول له للصد أو التزيين على حذف اللام، أي فصدهم لأن لا يسجدوا له تعالى، أو زين لهم أعمالهم، لأن لا يسجدوا بتخفيف اللام. فالأحرف تنبيه واستفتاح، و «يا» بعدها حرف تنبيه أيضا، أو نداء. والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء اسجدوا، و «اسجدوا» فعل أمر، فكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون «يا اسجدوا»، ولكن الصحابة أسقطوا ألف «يا»، وهمزة الوصل خطأ لما سقطا لفظا، ووصلوا الياء بسين «اسجدوا» فاتّحدت القراءتان لفظا وخطا، واختلفا تقديرا، وعلى هذه القراءة فالوقف على «يهتدون» تام، ولو وقف على «يا» بمعنى: ألا يا هؤلاء، ثم ابتدئ ب «اسجدوا» جاز بخلاف قراءة الباقين بإدغام النون في «لا»، فالوقف على «لا يهتدون» جائز. وقرأ الأعمش «هلا» وهي حرف، وعبد الله بقلب الهمزة هاء. وقرأ أبي «ألا يسجدون أي لم لا يسجدون لله كما قاله ابن عباس. وعن عبد الله «هلا تسجدون» بمعنى «ألا تسجدون» على الخطاب، و «هلا» يحتمل أن يكون استئنافا من جهة الله تعالى، أو من سليمان عليه السلام. قال أهل التحقيق: قوله: أَلَّا يَسْجُدُوا يجب أن يكون بمعنى الأمر، لأنه لو كان بمعنى المنع من السجود لم يكن معنى لوصفه تعالى باستحقاق السجود للاتصاف بكونه تعالى قادرا على إخراج الخبء عالما بكل شيء. الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والجار المجرور متعلق بالخبء أي الذي يظهر المخفي فيهما من المطر والنبات، ومتعلق ب «يخرج» على أن فيه معنى «من» كما قاله الفراء وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) من الأحوال فيجازيكم بها. وقرأ الكسائي وحفص بالتاء الفوقية فتأويل قراءة حفص في «ألا يسجدوا» أنه خرج إلى خطاب الحاضرين بعد أن أتم قصة أهل سبأ والخطاب على قراءة الكسائي ظاهر. والباقون بالغيبة لتقدم ضمائر الغيبة في قوله: أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ فهم وهي غير ظاهرة. وقرئ «ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من السماء والأرض، ويعلم سركم وما تعلنون». اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) أي فعرش الله عظيم بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السموات والأرض وما بنيهما. وقرئ «العظيم» بالرفع على أنه صفة الرب، ولما ذكر الهدهد قصة بلقيس لم يتغير سيدنا سليمان عليه السلام لذلك، ولم يستفزه الطمع لما سمع من ملكها كعادة الملوك في الطمع في ملك غيرهم، فلما ذكر الهدهد عبادة بلقيس وقومها غير الله، اغتاظ سيدنا سليمان وأخذته حمية الدين، وجعل يبحث عن تحقيق. قالَ سليمان للهدهد: سَنَنْظُرُ أي سنتعرف في مقالتك بالتجربة أَصَدَقْتَ فيه أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) وفي هذا دليل على أن خبر الواحد لا يثبت العلم، وعلى أن الوالي يجب أن يقبل عذر من في صورة المجرمين إذا صدق في اعتقاده، اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ أي إلى من يعبدون الشمس ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ أي تنح إلى مكان

النمل 27:31

قريب تتوارى فيه ليكون ما يقوله بسمع منك. فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) أي تعرف أي شيء يرجع بعضهم إلى بعض من القول، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض مأرب من اليمين على ثلاث مراحل من صنعاء، فوجدها نائمة مستلقية على قفاها وقد غلّقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فألقى الكتاب على نحرها وتوارى في الكوة فانتبهت فزعة، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان كان في خاتمه، فعند ذلك قالَتْ لأشراف قومها: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ- أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن أهل مشورتها كانوا ثلاثمائة واثني عشر رجلا- إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) أي لأنه مكرم بختمه، ولغرابة شأنه حيث وصل إليها على غير معتاد، ولحسن ما فيه من كونه مشتملا على إثبات الصانع، الحي المريد، القادر الرحيم. وعلى النهي عن التكبر، والأمر بالانقياد، ولكونه من عند ملك كريم فقد عرفت أن المرسل أعظم ملكا منها. إِنَّهُ أي إن عنوان الكتاب مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ أي إن مضمونه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ ف «أن» مفسرة، و «لا» ناهية، أي لا تتكبروا علي كما تفعل الملوك. وقرأ ابن عباس «لا تغلوا» بالغين المعجمة أي لا تترفعوا علي ولا تمتنعوا من الإجابة وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) أي مؤمنين. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أي أجيبوني في أمري الذي حزبني وذكرت لكم خلاصته، ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) أي عادتي معكم أن لا أفعل أمرا من الأمور المتعلقة بالملك حتى أحضركم وأشاوركم قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في الأجساد والآلات وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ أي شجاعة مفرطة وثبات في القتال وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أي هو موكول إليك، فَانْظُرِي أي تأملي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣)، ونحن مطيعون لك فمري بنا بأمرك، ولما أحست منهم الميل إلى الحراب لم ترض به لمّا علمت أن من سخّر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده. وذلك يدل دلالة بينة على رسالة مرسلها، بل مالت للصلح، ولذلك بينت السبب في رغبتها فيه. قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً من القرى على منهاج الحراب أَفْسَدُوها بتخريب عمارتها وإتلاف ما فيها من الأموال وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً بالقتل والأسر والإجلاء وغير ذلك من فنون الإهانة. وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وهذا من جملة كلامها ذكرته توكيدا لما وصفته من حال الملوك أي إن الذين أرسلوا الكتاب يفعلون مثل الذي تفعله الملوك، فإن ذلك عادتهم المستمرة. إِنِّي مُرْسِلَةٌ رسلا بِهَدِيَّةٍ عظيمة فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥). روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري، وحليهن الأساور والأطواق، والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج، محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع، وبعثت العود والمسك والعنبر، وحقا فيه درة عذراء، وجزعة معوجة الثقب. وبعثت رجلا من أشراف قومها- المنذر بن عمر- وآخر ذا رأي وعقل، وكتبت مع المنذر كتابا تذكر فيه الهدية وقالت: إن كان نبيا، ميز بين الغلمان والجواري وأخبركم بما في الحق قبل أن يفتحه، وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك في الخرزة خيطا من غير علاج أنس وجن، ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك وإن رأيته بشاشا لطيفا فهو نبي فانطلق الرسول بالهدايا، فأقبل الهدهد إلى سليمان عليه السلام فأخبره بذلك، فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا شرفاته من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر مختلفة ألوانها حتى إن لدواب البحر أجنحة وأعرافا ونواصي، فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير أن أقيموا على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان على سريره ووضع أربعة آلاف كرسي على جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم يروا مثلها تروث على لين الذهب والفضة بهتوا، وتقاصرت إليهم أنفسهم، ووضعوا ما معهم من الهدايا في ذلك الموضع فلما وقفوا بين يدي سليمان أقبل عليهم بوجه طلق وسألهم عن حالهم، فأخبره رئيس القوم بما جاءوا فيه وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه وقال: أين الحق؟ فأتى به فحركه فجاءه جبريل فأخبره بما فيه فقال سليمان لهم: إن فيه درة ثمينة غير مثقوبة وجزعة، ثم أمر بالأرضة، فأخذت شعرة في فيها ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجرة فأمر بالدودة البيضاء، فأخذت خيطا بفيها ونفذت في الجزعة، فجعل رزقها في الفواكه، وأمر الغلمان والجواري بأن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى، ثم تغسل به وجهها والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها، والغلام يصبه على ظهره، فميز عليه السلام بين الغلمان والجواري، ثم رد الهدية كما أخبر الله عنه بقوله: فَلَمَّا جاءَ أي رسول الملكة بلقيس وهو منذر سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ أي قال سليمان عليه السلام مخاطبا للرسول والمرسل: لا ينبغي لكم يا أهل سبأ أن تعاونوني بالمال، لأن الله تعالى قد أعطاني منه ما لم يعط أحدا، ومع ذلك أكرمني بالنبوة والدين بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) فالمصدر إما مضاف لفاعله أي تفرحون بما تهدونه افتخارا على أمثالكم واعتدادا به من حيث إنكم قدرتم على إهداء مثله وإما مضاف لمفعوله أي تفرحون بما يهدي إليكم حبا في كثرة أموالكم وحالي خلاف حالكم، فلا أفرح بالدنيا من حاجتي. وقيل: بل أنتم بهديتكم هذه تفرحون بأخذها إن ردت إليكم ثم قال للمنذر: ارْجِعْ أيها الرسول إِلَيْهِمْ أي إلى بلقيس وقومها بهديتهم وقيل: - الخطاب للهدهد- أي ارجع يا هدهد حاملا كتابا آخر فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها أي فو الله لنأتينهم بجموع لا طاقة لهم بمقاومتها. وقرأ ابن مسعود «بهم» بضمير جمع الذكور وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من سبأ أَذِلَّةً أي حال كونهم ذليلين بذهاب ملكهم وعزهم وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) أي مهانون بوقوعهم في أسر واستعباد وبإغلال أيمانهم إلى أعناقهم. قال ابن عباس: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان وأخبروها الخبر قالت: قد عرفت والله ما هذا بملك ولا لنا به من طاقة وبعثت إلى سليمان أني قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في داخل بعض، ثم غلقت عليه سبعة أبواب وجعلت عليها حراسا يحفظونه، ثم تجهزت للمسير، فارتحلت إلى سليمان في اثني عشر ألف ملك من ملوكها تحت كل ملك ألوف. فخرج سليمان يوما فجلس على سريره، فسمع رهجا قريبا منه فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس وقد نزلت بهذا المكان- أي الذي على مسيرة فرسخ من سليمان عليه السلام- فأقبل سليمان على جنوده قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها فأراد سليمان أن يريها بعض ما خصه الله تعالى من إجراء العجائب على يده الدالة على عظيم قدرته تعالى، وعلى صدقه في نبوته، وكان سليمان إذ ذلك في بيت المقدس، وعرشها في سبأ بلدة باليمن وبينها وبين بيت المقدس مسيرة شهرين وأن يعرف مقدار مملكتها قبل وصولها إليه، لأن العرش سرير المملكة قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) أي مؤمنين، فإنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها قالَ عِفْرِيتٌ أي قوي مِنَ الْجِنِّ- كان مثل الجبل يضع قدمه عند منتهى طرفه. وكان مسخرا لسليمان واسمه: ذكوان. وقيل: صخر. وقيل: كوزن- أَنَا آتِيكَ بِهِ وهو اسم الفاعل، أي أنا آت بعرشها قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي من مجلسك للقضاء وكان مجلس قضائه إلى انتصاف النهار وَإِنِّي عَلَيْهِ أي على الإتيان به لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) أي لقوي على حمله، أمين على ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والذهب والفضة. قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ المنزل على الأنبياء قبل سليمان كالتوراة. قال ابن عباس وقتادة: هو آصف بن برخيا كاتب سليمان أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ. قال ابن عباس: إن آصف قال لسليمان حين صلى: مد عينيك حتى ينتهي طرفك. فمد سليمان عينيه ونظر نحو اليمن، ودعا آصف، فبعث الله الملائكة، فحملوا السرير يجدون به تحت الأرض حتى نبع بين يدي سليمان قيل: كان الدعاء الذي دعا به يا حي يا قيوم- كما روي ذلك عن عائشة قال بعضهم: أراد سليمان أن يظهر كرامة أمته ليعلم أن في أمم الأنبياء أهل الكرامات لئلا ينكروا من كرامات الأولياء. وقال محمد بن المنكدر: إنما الذي عنده علم هو سليمان نفسه. قال له: عالم من بني إسرائيل أنت النبي بن النبي، وليس أحد أوجه منك عند الله، فإن دعوت الله كان العرش عندك فقال: صدقت، ففعل ذلك، فجيء بالعرش في الوقت.

النمل 27:41

قال الرازي: وهذا القول أقرب والمخاطب به العفريت الذي كلمه وأراد سليمان عليه السلام إظهار معجزة فغالبه أولا، ثم بين أنه يتحصل له من سرعة الإتيان بالعرض ما لا يتهيأ للعفريت. قيل: خرّ سليمان ساجدا ودعا باسم الله الأعظم فغاب العرش تحت الأرض حتى ظهر عند كرسي سليمان وإنما هذا أقرب، لأن سليمان كان أعرف بالكتابة من غيره لأنه نبي وأن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية فلو حصلت لآصف لاقتضى ذلك تفضيله على سليمان، ولو افتقر إليه في ذلك لاقتضى ذلك نقص حال سليمان في أعين الخلق، ولأن ظاهر قوله: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ يقتضي أن يكون إتيان العرش بدعاء سليمان فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أي رأى سليمان العرش حاضرا لديه قالَ سليمان- شاكرا لربه لما آتاه الله تعالى من هذه الخوارق: هذا أي إتيان العرش في هذه المدة القصيرة مِنْ فَضْلِ رَبِّي أي من إحسانه إلي من غير استحقاق له من قبلي لِيَبْلُوَنِي أي ليختبرني أَأَشْكُرُ فأعترف بكون ذلك فضلا منه تعالى أَمْ أَكْفُرُ بأن أثبت لنفسي تصرفا في ذلك أو أترك شكرا وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ فإن نفع الشكر عائد إلى الشاكر فإنه يخرج عن علقة وجوب الشكر عليه وأنه يستحق المزيد، وأنه مشتغل بالمنعم. أما المعرض عن الشكر فهو مشتغل باللذات الحسية وَمَنْ كَفَرَ أي ترك شكر النعمة فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن شكره لا يضره تعالى كفرانه كَرِيمٌ (٤٠) أي لا يقطع عنه نعمه بسبب إعراضه عن الشكر. قالَ سليمان: نَكِّرُوا لَها عَرْشَها أي غيروا سريرها من هيئة، فزيدوا فيه وانقضوا منه. وروي أنه جعل أعلاه أسفله وجعل مكان الجوهر الأخضر أحمر، وبالعكس، فأراد سليمان عليه السلام اختبار عقلها نَنْظُرْ بالجزم على أنه جواب الأمر. وقرئ بالرفع على الاستئناف أي نعلم أَتَهْتَدِي أي أتعرف أن ذلك العرش عرشها أو أتعرف الجواب اللائق بالمقام أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) أي لا يعرفون ذلك فَلَمَّا جاءَتْ أي بلقيس سليمان: قِيلَ لها من جهة سليمان أَهكَذا عَرْشُكِ أي أمثل هذا عرشك الذي تركته في قصرك وأغلقت عليه الأبواب وجعلت عليه حراسا؟ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ أي كأن عرشي هو هذا. وقال عكرمة: كانت حكيمة لم تقل: نعم، خوفا من أن تكذب، ولم تقل: لا، خوفا من التكذيب. فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر، ولم تنكر. ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت: نعم، لمعرفتها للعرش وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها أي وأعطينا العلم بكمال قدرة الله تعالى وصحة نبوتك من قبل هذه المعجزة التي شاهدناها بما سمعناه من رسولنا المنذر من الآيات الدالة على ذلك وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) من ذلك الوقت. وهذا من تتمة كلام بلقيس كأنها ظنت أن سليمان أراد بذلك اختبار عقلها وإظهار معجزة لها وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وهذا من كلام الله تعالى أي ومنع بلقيس عن إظهار الإسلام عبادتها القديمة للشمس ف «ما كانت تعبد» فاعل «صد» أو أن «ما كان» مجرورا ب «عن» مقدرة، وفاعل «صد» راجع إلى «سليمان»، أي وصرفها سليمان عن الذي كانت تعبده وهو الشمس. إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) تعليل لعبادة غير الله، أي إنها كانت من قوم راسخين في الكفر، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها وهي بينهم إلى أن دخلت تحت ملك سليمان، أو استئناف أخبر الله تعالى أنها كانت من مجوس يعبدون الشمس فلا تعرف إلا عبادتها. وقرأ سعيد بن جبير وأبو حيوة بفتح الهمزة على أن هذه الجملة مجرورة بحرف العلة، أو بدل من «ما كان كانت تعبد»، أي ومنعها عن إظهار دعواها الإسلام كونها من قوم كافرين أو وصرفها سليمان عن صيرورتها كافرة. يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ أي البلاط المتخذ من زجاج. روي أن سيدنا سليمان أمر الشياطين قبل قدوم بلقيس بأن يحفروا على طريقها حفيرة ويجعلوا سقفها زجاجا أبيض شفافا يضعوا فيها ماء وسمكا، وضفدعا وغير ذلك من حيوانات الماء وصار الماء، وما فيه من هذا الزجاج، فمن أراد مجاوزته يمر فوق السطح لذي تحته الماء ولا يمسه الماء، ومن لم يكن عالما بالحال يظن هذا ماء مكشوفا ليس له سقف يمنع من الخوض فيه، ووضع سيدنا سليمان عليه السلام سريره في صدر ذلك السطح، فجلس عليه. قال وهب ومحمد بن كعب: والسبب في ذلك أن الجن قالوا لسيدنا سليمان: إن في عقل بلقيس شيئا وإن رجليها كرجلي حمار، وإنها شعراء الساقين. وغرضهم في ذلك تنفيره عن تزوجها لأنهم ظنوا أنه سيتزوجها، وكرهوا ذلك لأن أمها كانت جنية، فخافوا أن تفشي له أسرار الجن، ولأنهم خافوا أن يأتي له منها أولاد فيسخّرون الجن، فيدوم عليهم الاستخدام والذل، فأراد سليمان عليه سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها فإذا فيها ما يدل على كمال رزانة رأيها ورصانة فكرها، وأن ينظر إلى قدميها ببناء ذلك البلاط، لأنه أراد أن ينكحها ليعلم أن ما قالت الجن في حقها صدق أو كذب. لَمَّا رَأَتْهُ أي رأت ذلك الصرح سِبَتْهُ لُجَّةً أي ماء غمرا كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها على عادة من أراد خوض الماء لأجل أن تصل إلى سليمان. قال وهب بن منبه فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنها قصد بها الغرق، وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن لها بد من امتثال الأمر، فرفعت ثيابها عن ساقيها، فرآهما فإذا هي أحسن النساء ساقا وقدما سليمة مما قالت الجن فيها، إلا أنها كانت كثيرة الشعر في ساقيها، فلما علم الحال صرف بصره عنهاالَ عليه السلام حين رأى منها الدهشة والرعب: نَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ أي إن الذي ظننته ماء سقف مملس من زجاج تحته ماء فلا تخافي واعبري عليه. الَتْ بعد أن دعاها سليمان إلى الإسلام وقد رأت حال العرش والصرح: بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بالثبات على الكفر فيما تقدم من الزمان. وقيل: بسوء ظني بسليمان أنه يغرقني في اللّجة أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ أي ودخلت في دين الإسلام مصاحبة له في الدين، مقتدية به لَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤). قيل: لما أراد أن يتزوجها وكره شعر ساقيها أمر الشياطين أن يتخذوا النورة والحمام لأجل إزالته، فكانتا من يومئذ، فلما تزوجها سليمان أحبها حبا كثيرا حتى بقيت على نكاحه إلى أن مات عنها، ورزق منها بولد اسمه داود وأقرها على ملكها وأمر الجن، فبنوا لها بأرض اليمن ثلاثة قصور لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، وكان يزورها في الشهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام، وكان يبكر من الشام إلى اليمن ومن اليمن إلى الشام، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان، فسبحان من لا يزول ملكه، وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)، أي فريق مؤمن، وفريق كافر فالذي آمنوا، لأنهم عرفوا صحة حجة صالح فيكونون خصماء لمن لم يقبلها. والاختصام في باب الدين حق وإبطال للتقليد. قالَ صالح للفرقة الكافرة: يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي لما توعد صالح للمكذبين بالعذاب فقالوا على وجه الاستهزاء: ائتنا بعذاب الله فعند ذلك قال صالح: يا قوم قد أمكنكم التوصل إلى رحمة الله تعالى، فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه؟ وكانوا لجهلهم يقولون: إن صدق إيعاد صالح بنزول العذاب تبنا حينئذ، فحينئذ يدفع الله العذاب عنا وإلا فنحن على ما كنا عليه، فخاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وقال: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ أي هلا تطلبون غفران الله قبل نزول العذاب بتوحيد الله وبالتوبة من الشرك لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) ؟ بقبوله التوبة، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر، وإن قبول التوبة لا يمكن عند نزول العذاب. قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ أي تشاء منا بك وبمن في دينك حيث تتابعت علينا الشدائد من القحط والاختلاف مذ اخترعتم دينكم. قالَ صالح: طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي السبب الذي منه يجيء شدتكم ورخاؤكم قدره تعالى إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) بزينة الدنيا فلا تعرفون قدر نعم الله في حقكم. وقال ابن عباس: أي أنتم تختبرون بالخير والشر. وقال محمد بن كعب: أي تعذبون وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ أي في الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ أي أشخاص. قال ابن عباس: أساميهم: رعمي، ورعيم، وهرمي، وهريم، وداب، وصواب، ورباب، ومسطع، وقدار بن سالف- عاقر الناقة- وأسماؤهم عن وهب قد نظمهم بعضهم في بيتين فقال: رباب وغنم والهذيل ومسطع؍ عمير سبيط عاصم وقدار؍ وسمعان رهط الماكرين بصالح؍ إلا أن عدوان النفوس جوار؍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) أي لا يمزجون ذلك الفساد بشيء من الصلاح قالُوا تَقاسَمُوا، أي قال بعضهم لبعض- في أثناء المشاورة في أمر صالح عليه السلام- غب ما أنذرهم بالعذاب أحلفوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩).

النمل 27:51

وقرأ حمزة والكسائي «لتبيتنه» بتاء فوقية بعد اللام وبالرفع للجمع، و «لتقولن» بتاء فوقية وبالرفع للجمع. وقرأ عاصم «مهلك» بفتح الميم، وحفص بكسر اللام. والباقون بضم الميم مع فتح اللام فقط. والمعنى: أنهم توافقوا وحلفوا بالله: لندخلن على صالح ومن- آمن به وهم أربعة آلاف ليلا- بغتة ونقتلهم جميعا، ثم لنقولن لولي دم صالح: ما حضرنا قتلهم أو وقته أو مكانه فلا ندري من قتلهم! وإنا لصادقون في إنكارنا لقتلهم. أي لو اتهمنا قوم صالح حلفنا لهم أنا لم نحضر. وَمَكَرُوا مَكْراً بهذه الكيفية وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) قيل: إنهم خرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء صالح يصلي في مسجده قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة، فطبقت فم الشعب عليهم فهلكوا، وهلك الباقون بالصيحة. وقيل: جاءوا بالليل شاهرين سيوفهم وقد أرسل الله تعالى الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة، يرون الأحجار ولا يرون راميا. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ بصالح أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) أي أنا أهلكنا التسعة بالحجارة، وأهلكنا قومهم أجمعين بصيحة جبريل عليه السلام. وقرأ الكوفيون «أنا دمرناهم» بفتح الهمزة إما بدل من «عاقبة» على أنه فاعل «كان»، و «كيف» حال، أي فتفكر في أي وجه حدث تدميرنا إياهم. إما خبر لمبتدأ محذوف، أي هي أي العاقبة تدميرنا إياهم فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً أي خالية ساقطة. وقرأ عيسى بن عمر «خاوية» بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف بِما ظَلَمُوا أي ظلمهم بعبادتهم غير الله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ أي التدمير العجيب لَآيَةً أي لعبرة عظيمة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) أي يفهمون إشارات القرآن وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أي صالحا ومن معه من المؤمنين وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) أي المعاصي. وقتل الناقة وهم أربعة آلاف، وخرج صالح بمن آمن معه إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح فسمى حضرموت، ثم بنوا مدينة- يقال لها: حاضوراء- وَلُوطاً منصوب بمضمر معطوف على أرسلنا في صدر قصة صالح، أي وأرسلنا لوطا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ- ف «إذا» ظرف للإرسال لما فارق عمه إبراهيم عليه السلام-: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي الفعلة المتناهية في السماجة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)، أي والحال أنكم تعلمون علما يقينا أنها قبيحة؟! أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً أي لأجل الشهوة فقط فهو كالبهائم ليس فيها قصد إعفاف ولا قصد ولد مِنْ دُونِ النِّساءِ! أي حال كونكم متجاوزين، النساء بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) أي بل أنتم قوم سفهاء ما جنون. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ أي أخرجوا لوطا وابنتيه زعورا وريثا وزوجته المؤمنة مِنْ قَرْيَتِكُمْ سذوم إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) أي يتنزهون عن الأقذار- قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء- فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ المنافقة قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) أي قدرنا عليها أن تكون من الباقين في العذاب.

النمل 27:61

وقرأ شعبة بتخفيف الدال. وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على كل من كان منهم خارج المدينة مَطَراً هو طين محرق فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) مطرهم قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك الكفار وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أي اصطفاهم الله بالإسلام من السابقين واللاحقين آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩). وقرأ أبو عمرو وعاصم بالياء التحتية أي أالله الذي ذكرت شؤونه العظيمة خير أم ما يشركون به تعالى من الأصنام-؟ والباقون بالتاء على الخطاب أي أالله خير أم آلهة تشركونها بالله تعالى يا أهل مكة؟ وروي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا قرأها قال: «بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم» «١». أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي بل من خلقهما وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً أي وأنزل لأجل منفعتكم من السماء نوعا من الماء- هو المطر- فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ أي بساتين ذاتَ بَهْجَةٍ أي حسن يفرح به الناظر؟ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أي ما كان لم مقدرة أن تنبتوا شجر البساتين أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ أي أإله آخر كائن مع الله الذي ذكر بعض شؤونه. وقرئ أإلها مع الله. أي أتعبدون إلها آخر من الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أي بل هم قوم عادتهم العدول عن طريق الحق والانحراف عن الاستقامة في كل أمر من الأمور. وقيل: قوم يماثلون بالله غيره أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً أي بل من جعل الأرض مسكنا فيستقر عليها الإنسان والدواب، وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً أي صيّر أوساطها أنهار جارية ينتفعون بها، وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ أي جبالا ثوابت تمنعها أن تميد بأهلها وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ أي العذب والمالح، حاجِزاً أي برزخا معنويا مانعا الممازجة أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ في إبداع هذه البدائع؟ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) كمال قدرته تعالى وحكمته، واستغنائه عن الشريك. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ أي بل من يجيب الذي أحوجه مرض، أو فقر، أو نازلة إلى التضرع إلى الله تعالى، وَيَكْشِفُ السُّوءَ، أي يدفع ما يحزن الإنسان مما يطرأ عليه وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ! أي متوارثين سكناها ممن قبلكم فتعمرون الدنيا وتزينونها بأنواع الصنائع والحرف أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ في فعل ذلك؟ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢). قرأ أبو عمرو وهشام بالتحتية على الغيبة. والباقون بالخطاب، وعلى كل من القراءتين ف «الذال» مفتوحة مشددة لإدغام التاء فيها، و «ما» مزيدة، و «القلة» كناية عن العدم، أي أنكم ما تتعظون لا كثيرا ولا قليلا. أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي بل من يهديكم إلى مقاصدكم في ظلمات الليالي فيهما، أو مشتبهات الطرق فيهما؟ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ! أي قدام المطر. (١) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (٥٨٧١)، وابن سعد في الطبقات (١: ١: ٧٩). وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير «الريح» بالإفراد. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «نشرا» بضم النون والشين، وابن عامر بضم النون وسكون الشين، وحمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين أي تجمع السحاب. وقرأ عاصم بالموحدة المضمومة وبسكون الشين أي طيبة أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ أي ليس مع الله إله فعل ذلك تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣). أي تنزه الله عن وجود ما يشركونه بالله تعالى بعنوان كونه إلها. أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي بل من يبتدئ الخلق من النطفة، ثم يعيده بعد الموت بالبعث و «أم» في الجمل الخمس انتقال من التبكيت بما قبلها إلى التبكيت بوجه آخر أدخل في الإلزام بجهة من الجهات وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؟ أي بأسباب سماوية وأرضية كالمطر والحر والبرد والنبات، والمعادن والحيوان أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ أي إله آخر موجود مع الله حق يجعل شريكا له في العبادة. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي قل يا أشرف الخلق للمشركين: هاتوا برهانكم عقليا أو نقليا يدل على أن معه إلها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) في دعواكم أن مع الله آلهة شتى. قُلْ يا أشرف الخلق للمشركين الذين سألوك عن وقت قيام الساعة: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. ف «من» في محل نصب مفعول، والغيب بدل منها، و «الله» فاعل، أي لا يعلم الأشياء التي تحدث في السموات والأرض الغائبة عنا إلا الله تعالى، وإن جعل «من» فاعلا ل «يعلم» و «الغيب» مفعوله كان اسم الجلالة مبتدأ خبره محذوف والاستثناء منقطع، أي لا يعلم الذي ثبت في السموات والأرض- وهم الملائكة والإنس الغائب- كوقت الساعة ونزول العذاب لكن الله يعلمه. قال بعضهم: وللغيب خمس مراتب. أحدها: غيب أهل الأرض في الأرض وفي السماء، وللإنسان إمكان تحصيل علمه وهو على نوعين: الأول: ما غاب في الأرض الصورية وسمائها، فالغائب في الأرض مثل غيبة شخص عنك، أو غيبة أمر من الأمور فلك إمكان إحضار الشخص، والاطلاع على ذلك الأمر. والغائب في السماء مثل علم النجوم والهيئة، فلك إمكان تحصيله بالتعلم. والثاني: ما غاب في أرض المعنى وهي أرض النفس، فإن فيها مخبآت من الأوصاف والأخلاق فلك إمكان الوقوف عليها بطريق المجاهدة، والرياضة، والذكر، والفكر. وما غاب في سماء القلب فإن فيها مخبآت من العلوم والحكم والمعاني فلك إمكان الوصول إليه بالسير عن مقامات النفس في مقامات القلب. وثانيها: غيب أهل الأرض في الأرض والسماء وليس للإنسان إمكان الوصول إليه بإرادة الله تعالى كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ. وثالثها: غيب أهل السماء في السماء والأرض وليس لهم إمكان الوصول إليه إلا بتعظيم الله تعالى مثل الأسماء فإن الله تعالى كرم آدم بكرامة لم يكرم بها الملائكة، وذلك بتعليمه علم الأسماء كلها.

النمل 27:71

ورابعها: سبيل غيب لا سبيل لأهل السموات والأرض إلى علمه إلا من ارتضى له الله تعالى كما قال تعالى: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: ٢٦، ٢٧] وبهذا يستدل على فضيلة الرسل على الملائكة، لأن الله تعالى اختصهم بإظهاره تعالى إياهم على غيبه دون الملائكة، ولهذا أسجدهم لآدم كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله خلق آدم فتجلى فيه». وخامسها: غيب انفرد الله بعلمه وهو قيام الساعة فلا يعلمه إلا الله تعالى كما قال تعالى: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) أي متى ينشرون من القبور. وقرئ بكسر الهمزة. بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ. وقرأ أبو عمرو وابن كثير «بل أدرك» بسكون اللام وفتح الهمزة وسكون الدال على وزن «أكرم». والباقون بكسر اللام ووصل الهمزة وتشديد الدال وبعدها ألف، وأصله «تدارك» وبه قرأ أبيّ. قال ابن عباس: أي بل اجتمع علمهم على أن الآخرة لا تكون، أي فلم يعتقدوها بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها أي من نفس الآخرة كمن تحير في أمر لا يجد عليه دليلا، بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) أي لا يدركون دلائلها لاختلال بصائرهم والله تعالى وصف المشركين أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم وصفهم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة ثم وصفهم بأنهم يخبطون في شك، ثم وصفهم بأن قلوبهم عمي فهم كالبهائم لا يخطرون ببالهم حقا ولا باطلا ويستقر همهم على البطون والفروج. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة: أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) أي أنخرج من القبور أحياء إذا صرنا رميما ترابا؟ لَقَدْ وُعِدْنا هذا أي الإخراج من القبور كما كنا أول مرة نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ، أي من قبل مجيء وعد محمد إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) ! أي ما هذا الذي تعدنا يا محمد إلا أحاديث الأولين التي لا حقيقة لها. قُلْ يا أشرف الخلق لأهل مكة: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي سافروا فيها أيها الجاهلون، فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) أي كيف كان آخر أمر المنكرين للبعث، المكذبين للرسل فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، وهو هلاكهم بالعذاب الدنيوي، لأن في مشاهدة ذلك ما فيه كفاية لمن اعتبر وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ يا أكرم الرسل فيما مضى لإصرارهم على الكفر. وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) أي ولا تكن في ضيق قلب من مكرهم في المستقبل. وقرأ ابن كثير بكسر الضاد. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي العذاب الموعود إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) في إخباركم بمجيء العذاب؟ قُلْ لهم يا سيد الرسل: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) ف «عسى ولعل، وسوف» بمنزلة الجزم في مواعيد الملوك، أي لا بد أن يكون بعض الذي تستعجلونه حلوله لحقكم، وهو عذاب يوم بدر واللام مزيدة وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي إنه متفضل عليهم بتأخير عقوبتهم على ما يفعلونه من المعاصي وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) بتأخير العذاب لأنهم لا يعرفون حق النعمة فيه وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ

النمل 27:81

صُدُورُهُمْ أي ما تخفيه فليس تأخير العذاب لخفاء حالهم عليه تعالى. وقرأ ابن محيصن وابن السميقع، وحميد «تكن» بفتح التاء وضم الكاف، وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) من الأفعال والأقوال وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) أي وما من خافية فيهما إلا في لوح محفوظ ظاهر لمن يطالعه من الملائكة. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ الذي تقرأ عليهم يا سيد الرسل يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي يبين لليهود والنصارى أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) - كالتشبيه والتنزيه وشأن عزير والمسيح- وَإِنَّهُ أي القرآن لَهُدىً من الضلالة، وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)، وذلك لأن بعض الناس لما تأمل القرآن فوجد فيه من الدلائل العقلية على التوحيد، والنبوة، والحشر، وبيان نعوت جلال الله تعالى. ووجد ما فيه من الشرائع مطابقة للعقول، ووجده مبرأ عن التناقض، ووجد القوى البشرية عاجزة عن جمع كتاب على هذا الوجه علم أنه ليس إلا من عند الله تعالى فكان القرآن معجزا من هذه الجهة، وكان هدى ورحمة من هذه الجهات. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين اليهود والنصارى، أي بين المصيب والمخطئ منهم بِحُكْمِهِ أي بالحق لأنه تعالى لا يحكم إلا بالعدل، أو بحكمته كما يدل عليه قراءة من قرأ «بحكمه» بكسر الحاء وفتح الكاف جمع حكمة. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) أي هو القادر الذي لا يمنع فلا يرد حكمه، العالم بالحكم فلا يكون إلا الحق. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي ثق بالله الذي هذه أوصافه فإنها توجب على كل أحد أن يفوض جميع أموره إليه إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) أي الدين الظاهر، فالمحق حقيق بنصرة الله تعالى، ثم قطع الله تعالى طمع سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم عن بني إسرائيل بتبيين أحوالهم أنهم لا يلتفتون إلى شيء من الدلائل، فإن قطع الطمع عنهم يقوي القلب على إظهار المخالفة وعلى إظهار الدين كما ينبغي فقال: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) أي إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت لا سبيل إلى إسماعه، وكالأصم الذي لا يسمع برفع الصوت ولا يفهم بالإشارة. وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان. وقرأ ابن كثير «ولا يسمع الصم» بالتحتية وفتحها وبفتح الميم ورفع «الصم». وقرأ حمزة «تهدي العمي» بالمضارع المفيد للخطاب وبنصب «العمي» إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) أي ما تسمع سماعا يجدي السامع إلا من هو في علم الله أنهم يصدقون بالقرآن، لأنهم منقادون للحق وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي وإذا ثبت نزول العذاب على الكفار وذلك إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر وهو يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ من جبل الصفا بمكة- وهي فصيل ناقة صالح عليه السلام- فإنه لما عقرت أمه هرب فانفتح له حجر فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه الحجر فهو فيه حتى يخرج بإذن الله تعالى في آخر الزمان. وعن علي رضي الله عنه: أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج كل يوم إلا ثلثها. وعن الحسن رضي الله عنه: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام وفي الحديث: «إن طولها ستون ذراعا بذراع آدم عليه السلام لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب». تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢). قرأ الكوفيون بفتح أن بتقدير الباء، كما يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود ب «أن» بتصريح الباء أي تحدثهم بأن الناس كانوا لا يوقنون بآيات الله تعالى الناطقة بمجيء الساعة ومباديها. وقرأ أبيّ «تنبئهم»، وإضافة الآيات إلى نون العظمة، لأنها حكاية من الله تعالى لمعنى قولها لا لعين عبارتها. وقرأ الباقون بكسر «إن» على الاستئناف، فعلى هذا فالوقف على تكلمهم تام وعليه أيضا يجوز أن يكون بمعنى تجرحهم مع إفادة معنى التكثير ويدل عليه قراءة ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وابن زرعة، والجحدري «تكلمهم» بفتح التاء وسكون الكاف وضم اللام. والمراد بالجرح: الوسم بالعصا والخاتم. روي أن الدابة تخرج من الصفا ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن بين عينيه بعصا موسى عليه السلام فتنكت نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه، وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه وتكتب بين عينيه كافر، ثم تقول لهم: أنت يا فلان من أهل الجنة، وأنت يا فلان من أهل النار. وَيَوْمَ نَحْشُرُ للعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لكافة الخلق مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) أي واذكر لهم وقت جمعنا على وجه الإكراه من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة، مكذبين بكتابنا فهم يوقف أولهم حتى يجتمعوا في موقف التوبيخ والمناقشة، حَتَّى إِذا جاؤُ إلى موقف السؤال والجواب قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً؟ أي قال الله تعالى موبخا لهم على التكذيب: أكذبتم بآياتي الناطقة بلقاء يومكم هذا بادئ الرأي، غير ناظرين فيها نظرا يؤدي إلى العلم بحقيقتها، وأنها حقيقة بالتصديق حتما؟ أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) ؟ أي بل أيّ شيء كنتم تعملون في الكفر؟ والمعنى: لم يكن لكم عمل غير الكفر. وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي نزل بهم العذاب الموعود وهو كبهم في النار بِما ظَلَمُوا أي بسبب تكذيبهم بآيات الله فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) بحجة واعتذار أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً؟ أي ألم يتفكر أهل مكة ولم يعلموا أنا جعلنا الليل مظلما ليستريحوا فيه بالقرار والنوم والنهار مضيئا ليطلبوا فيه معايشهم، إِنَّ فِي ذلِكَ أي في جعل الليل والنهار كما ذكر لَآياتٍ أي دلالات ظاهرة على التوحيد والبعث والنبوة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) أما وجه دلالته على التوحيد، فلأن التقلب من النور إلى الظلمة وعكسه لا يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية، وأما وجه دلالته على الحشر، فلأنه لما ثبت قدرة القادر على هذا التقليب ثبت قدرته على التقليب من الحياة إلى الموت مرة، ومن الموت إلى الحياة مرة أخرى. وأما وجه دلالته على النبوة فلأن هذا التقليب لمنافع الخلق وأن في بعثة الأنبياء إلى الخلق منافع عظيمة فقد ثبت أن هذه الكلمة كافية في إقامة الدلالة على تصحيح الأصول الثلاثة. وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، أي واذكر لهم وقت نفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية، فإذا سمع الخلق شدة صوت ذلك النفخ بحيث لا تتحمله طبائعهم يفزعون عنده ويموت كل من كان حيا ذلك الوقت لم يسبق له موت أو كان ميتا، لكنه حي في قبره كالأنبياء والشهداء. إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع. قيل: هم الشهداء يتقلدون أسيافهم حول العرش، فإنهم أحياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم. وقيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام. وقيل: الحور وخزنة النار وحملة العرش. وقيل: منهم موسى عليه السلام لأنه صعق مرة. وقال القشيري: والأنبياء داخلون في الشهداء لأن لهم الشهادة. وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) أي كل واحد من المبعوثين عند النفخة حضروا الموقف للسؤال والجواب، والحساب ذليلين مطيعين. وقرأ حفص وحمزة «أتوه» بصيغة الفعل الماضي وهو بقصر الهمزة وفتح التاء. والباقون بصيغة اسم الفاعل فهو بمد الهمزة وضم التاء. وقرئ «أتاه» باعتباره لفظ كل. وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أي وتبصر الجبال وقت النفخة تظنها ثابتة في أماكنها. والحال أنها تمرمر السحاب التي تسيّرها الرياح سيرا سريعا، فسير الجبال يوم القيامة لا يرى لعظمها كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي صنع الله الذي أحسن خلقه، وأتى به على الحكمة ذلك النفخ في الصور وما تفرغ منه من الأمور صنعا و «صنع» منصوب على أنه مصدر مؤكد لمضمون ما قبله، أي فإن نفخ الصور المؤدي إلى الفزع العام وحضور الكل الموقف وما فعل بالجبال، إنما هو من صنع الله لا يحتمل غيره إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) أي إنه تعالى عالم بما يعمله أهل السعادة والشقاوة من الخير والشر. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالتحتية على الغيبة. والباقون بالفوقية على الخطاب مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي من جاء يوم القيامة بكلمة الشهادة فله من الجزاء ما هو خير منها، باعتبار أن الثواب دائم، وأنه من فعل الله، وأنه حاصل من جهة الله تعالى، فإن المعرفة النظرية الحاصلة في الدنيا جزاؤها المعرفة الضرورية الحاصلة في الآخرة، ولذة النطر إلى وجه الله تعالى وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩). وقرأ الكوفيون «فزع» بالتنوين فحينئذ كان «يومئذ» ظرفا ل «آمنون»، أو المحذوف هو صفة ل «فزع» أي والذين جاءوا بالحسنات آمنون من فزع كائن، يوم إذ وقعت هذه الأحوال العظيمة، وعلى هذا فالفزع على نوعين فزع من خوف العقاب، وفزع شديد مفرط الشدة لخوف النار أما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد. وقرأ الباقون بإضافة «فزع»، وقرأ نافع والكوفيون بفتح الميم من «يومئذ» وهو فتحة بناء لإضافة «يوم» المبني.

النمل 27:91

والباقون بكسرها وهو كسرة إعراب. وهذا يقتضي الأمن جميع فزع ذلك اليوم. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي بالشرك بالله فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ أي ألقوا في النار على وجوههم، وتقول لهم خزنة جهنم وقت كبهم على وجوههم في النار: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) ؟ أي ما تجزون الآن إلا جزاء أعمالكم من الشرك والمعاصي في الدنيا، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول لأهل مكة تنبيها لهم على أنه قد أتم أمر الدعوة: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ وهي مكة الَّذِي حَرَّمَها أي جعلها حرما لا يسفك فيها دم إنسان، ولا يصاد صيدها، ولا يقطع حشيشها الرطب. قرأ الجمهور «الذي» صفة ل «رب». وقرأ ابن عباس وابن مسعود «التي» صفة ل «البلدة» وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وتصرفا من غير أن يشاركه شيء في شيء من ذلك، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) أي بأن أثبت على ملة الإسلام، وبأن أكون من المنقادين لها. وهذا إشارة إلى أن المسلم الحقيقي من يستعمل الشريعة مثل استعمال النبي صلّى الله عليه وسلّم وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ أي أمرت أن أقرأ عليكم القرآن بطريق تكرير الدعوة، وأن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه، فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي فمن اهتذى باتباعه إياي في العبادة والإسلام، وتلاوة القرآن فإنما منافع اهتدائه راجعة إليه لا إلي، وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)، أي ومن ضل بمخالفتي فيما ذكر فقل في حقه: إنما أنا من المنذرين فلا علي شيء من وبال ضلاله. وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما أعطاني من نعمة العلم والنبوة. وعلى ما وفقني من القيام بأداء الرسالة. سَيُرِيكُمْ آياتِهِ أي سيريكم الله تعالى في الدنيا آياته الباهرة- كخروج الدابة وسائر أشراط الساعة- فَتَعْرِفُونَها أي فتعرفون أنها آيات الله تعالى حين لا تنفعكم المعرفة، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣). وقرأ نافع وابن عامر، وحفص بالتاء على الخطاب أي وما ربك بغافل عما تعلم أنت من الحسنات، وما تعملون أنتم أيها الكفرة من السيئات فيجازي كلا منكم بعمله. والباقون بالياء على الغيبة أن وما ربك بغافل عن أعمالهم فسيعذبهم فلا يحسبوا أن تأخير عذابهم لغفلته تعالى عن أعمالهم المسببة للعذاب.

القصص 28:1

سورة القصص وتسمى أيضا سورة موسى، مكية، وقيل: إلا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ فإنها نزلت بالجحفة- بين مكة والمدينة، ثمان وثمانون آية، ألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، خمسة آلاف وثمانمائة حرف طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) أي إن آيات هذه السورة آيات الكتاب الذي بيّن بفصاحته أنه من كلام الله، وبيّن صدق نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وبيّن خبر الأولين والآخرين وبيّن كيفية التخلص عن شبهات أهل الضلال. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)، أي نقرأ عليك بواسطة جبريل بعض خبر موسى وفرعون ملتبسا بالحق لأجل قوم يصدقون بك وبالقرآن، فإنهم المنتفعون به. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أي تجبّر في مملكته أرض مصر، وَجَعَلَ أَهْلَها أي أهل مملكته شِيَعاً أي أصنافا في استخدامه، يستعمل كل صنف في عمل من بناء وحرث وحفر وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية. يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ وهم بنو إسرائيل. قال ابن عباس: إن بني إسرائيل لمّا كثروا بمصر استطالوا على الناس وعملوا المعاصي ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم الله على يد نبيه موسى عليه. يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ كثيرا صغارا. وذلك لأن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه عليه السلام، وفرعون كان قد سمع ذلك، فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل عند الولادة. وهذا الوجه أولى بالقبول. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى عليه السلام تسعين ألفا من بني إسرائيل. قوله: يَسْتَضْعِفُ حال من فاعل «علا» أو خبر ثان لأن «أو» بدل اشتمال من «علا». وقوله: يُذَبِّحُ بدل اشتمال من «يستضعف». وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ قيل: أي يستخدمهن كبارا إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) في كفره بدعائه إلى غير عبادة الله وقتل خلق كثير من أولاد الأنبياء وَنُرِيدُ بإرسال موسى أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، أي أن نتفضل على من قهروا في أرض مصر- وهم بنو إسرائيل- بإنجائهم من بأس فرعون. وقوله تعالى: وَنُرِيدُ إلخ معطوف على قوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ إلخ لأنهما وقعا تفسيرين لنبأ موسى وفرعون أو حال من «طائفة» بتقدير المبتدأ، أي ونحن نريد وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أي قادة إلى الخير متقدمين في أمور الدين بعد أن كانوا أتباعا مسخرين لآخرين، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) لملك فرعون وأرضه وما في يده، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أي ننفذ أمرهم في أرض مصر والشام يتصرفون فيها ما يشاءون، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦) أي ونري، رؤية بصرية، فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يخافونه من المستضعفين من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود من بني إسرائيل. وقرأ حمزة والكسائي «ويرى» بالياء المفتوحة وبفتح الراء مع الإمالة ورفع ما بعده. وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ أي ألهمنا أم موسى يوحانذ بنت لاوى بن يعقوب أن أرضعي هذا الصبي، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ أي اشتد خوفك عليه من الذبح بأن يفطن بن جيرانك ويسمعون صوته عند البكاء فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ أي بحر النيل وَلا تَخافِي من هلاكه بالغرق ونحوه. وَلا تَحْزَنِي بسبب فراقه إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ من قريب لتكوني أنت المرتضعة له وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) إلى أهل مصر والشام. قال ابن عباس: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها بأن أحست بالطلق أرسلت إلى- قابلة وكانت مصافية لأم موسى- وقالت لها: لينفعني اليوم حبك إياي، فجلست القابلة تعالجها، فلما نزل موسى إلى الأرض هالها نور بين عينيه فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى قلبها فقالت: يا هذه ما جئتك إلا لقتل مولودك ولكني وجدت لابنك هذا حبا شديدا، فاحفظي ابنك، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحارس بالباب فلفته بخرقة ووضعته في تنور مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، فدخل، فإذا التنور مسجور، ورأى أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقال: لم دخلت القابلة عليك؟! قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة، فخرج من عندها فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى: أين الصبي؟ قالت: لا أدري! فسمعت بكاء في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما، فأخذته، ثم إن أم موسى عليه السلام لما رأت جد فرعون في طلب الولد خافت على ابنها، فقذف الله في قلبها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف التابوت في النيل، فذهبت إلى نجار من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا فقال لها: ما تصنعين به؟ فقالت: لي ابن أخبؤه فيه، فلما انصرفت ذهب النجار إلى الذباحين ليخبرهم بذلك، فلما جاءهم، أمسك الله لسانه وجعل يشير بيده، فضربوه وطردوه، فلما عاد إلى موضعه رد الله عليه نطقه فذهب مرة أخرى ليخبرهم، فأخذ الله لسانه وبصره فجعل لله تعالى إنه إن رد عليه بصره ولسانه لا يدلهم عليه فعلم الله تعالى منه الصدق، فرد الله عليه ذلك وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكان لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها، فقالوا: أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك وذلك في يوم كذا في شهر كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس له كان على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج وتعلق بشجرة، فقال فرعون: ائتوني به فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب، فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نورا في جوف التابوت لم يره غيرها، فعالجته، ففتحته، فإذا هي بصبي صغير، وإذا نور بين عينيه، فألقى الله محبته في قلوب آسية وفرعون، فأخرجوه من التابوت وعمدت بنت فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت في الحال، فقبلته وضمته إلى صدرها، فقالت الغواة من قوم فرعون: أيها الملك، إنا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه رمي في البحر خوفا منك، فهمّ فرعون بقتله، فاستوهبته آسية من فرعون، فوهبه لها، فترك قتله، وتبنته فقيل لآسية: سميه فقالت: سميته موشى بالشين المعجمة لأنا وجدناه في الماء والشجر فإن معنى مو ماء ومعنى شا شجر فأصل موسى بالمهملة موشى بالمعجمة وذلك قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ أي أخذت موسى جواري فرعون من بين الماء والشجر يوم الإثنين، وذهبن به إلى امرأة فرعون لِيَكُونَ أي موسى لَهُمْ عَدُوًّا من بعد ما يجيء إليهم بالرسالة وَحَزَناً بذهاب ملكهم. وقرأ حمزة والكسائي بضم الحاء وسكون الزي. والباقون بفتحهما. إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) فيما كانوا عليه من الكفر والظلم، فعاقبهم الله تعالى بأن ربي عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم. وقال الحسن: معنى «كانوا خاطئين» أي كانوا لا يشعرون أن موسى هو الذي يذهب بمكلهم. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ وهي آسية- لفرعون حين أخرجته من التابوت وهمّ فرعون بقتله لقول الغواة: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ أي هذا الغلام قرة عين لي ولك يا فرعون. قال ابن عباس: لما قالت آسية ذلك قال فرعون: يكون لك وأما أنا فلا حاجة لي فيه. قال ابن إسحاق: إن الله تعالى ألقى محبته عليه السلام في قلبه لأنه كان في وجهه ملاحة فكل من رآه أحبه، ولأنها حين فتحت التابوت رأت النور، ولأنها لما فتحته رأته يمتص إصبعه، ولأن ابنة فرعون لما لطخت برصها بريقه زال. لا تَقْتُلُوهُ خاطبته بلفظ الجمع تعظيما لأجل أن يعاونها فيما تريده عَسى أَنْ يَنْفَعَنا فنصيب منه خيرا لو كان له أبوان معروفان أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، إذا لم يعرف له أبوان وكانت آسية لا تلد وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩). وهذا ابتداء كلام من الله تعالى أي وهم لا يشعرون أن هلاكهم في يده وبسببه. وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل.

القصص 28:11

وقال ابن عباس: أي هم لا يشعرون إلى ماذا يصير أمر موسى عليه السلام. وقال آخرون: هذا من تمام كلام امرأة فرعون، أي بنو إسرائيل وأهل مصر لا يشعرون أنا التقطناه وأنه ليس منا. وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً، أي وصار قلب يوحانذ صفرا من العقل لفرط الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون. وقيل: أي خاليا من الحزن لغاية وثوقها بوعد الله تعالى أو لسماعها أن فرعون تبناه، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي إنها كادت لتظهر بأمر موسى من فرط الدهشة أو من شدة الفرح بتبني امرأة فرعون. وقال ابن عباس: كادت تخبر بأن الذي وجدتموه ابني بعد أن نسب إلى فرعون، وقال أيضا في رواية عكرمة كادت تقول: وا ابناه من شدة حزنها عليه حين رأت الموج يرفع ويضع. وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون لموسى بعد ما شب أنه ابن فرعون لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها أي لولا حفظنا قلبها بإلهام الصبر لأبدت قصة موسى، لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) أي من المصدقين بوعد الله تعالى برده إليها بأن يكون من المرسلين، أو من الواثقين بحفظ الله تعالى لا بتبني امرأة فرعون وتعطفها وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ الشقيقة مريم- وقال الضحاك: اسمها كلثمة. وقال السهيلي: اسمها كلثوم-: قُصِّيهِ أي فتشي خبره وانظري إلى أين وقع، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ أي فأبصرت مريم ذلك الغلام كائنة من مكان بعيد اختفاء عن الناس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) بغرضها وبأنها أخت موسى. وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ أي منعناه أن يرتضع من المرضعات التي أحضرها فرعون من قبل مجيء أمه. قال الضحاك: كانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر حتى عرف ريحها. وروي أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا وهو يصبح، فقالوا لأخت موسى بعد نظرها له وقربها منه هل عندك مرضعة تدلينا عليها لعله يقبل ثديها؟ فَقالَتْ، أي أخت موسى لآل فرعون- عند عدم قبوله ثدي أحد من المرضعات- هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنون رضاعه يقومون بجميع مصالحه لأجلكم وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) أي وهم لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وإغذائه، ولا يخونكم فيه. قال السدي: لما قالت مريم ذلك أخذوها وقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله. فقالت: ما أعرفه! وقالت: إنما أردت أنهم للملك ناصحون فتخلصت منهم بذلك. وقيل: قالوا لها: من هم؟ قالت أمي. قالوا: أو لأمك ابن؟ قالت: نعم هارون. قالوا: صدقت، فأتينا بها فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ابنها وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها، وجعل يمصه حتى امتلأت جنباه ريا. فقالوا: أقيمي عندنا، فقالت: لا أقدر على فراق بيتي إن رضيتم أن أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي به وأظهرت عدم الرغبة فيه نفيا للتهمة، فرضوا بذلك، فرجعت به إلى بيتها. قال الضحاك: لما قبل ثديها قال هامان: إنك لأمه! قالت: لا، قال: فما حالك قبل ثديك من بين النسوة! قالت: أيها الملك، إني امرأة طيبة الريح حلوة اللبن ما شم ريحي صبي إلا أقبل على ثديي. قالوا: صدقت، لم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجواهر. فَرَدَدْناهُ أي موسى إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها أي تطيب نفسها بوصول موسى إليها وتربيتها له في بيتها، وَلا تَحْزَنَ على موسى بفراقه وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ في رده إليها وجعله من المرسلين حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)، أن المقصود الأصلي من رده إليها علمها بأن وعد الله حق لا خلف فيه بمشاهدة بعضه، وقياس بعضه عليه، فهذا هو الغرض الديني وما سواه من قرة العين وذهاب الحزن تبع، فمكث موسى عند أمه إلى أن فطمته، وأمر فرعون بإجراء أجرتها لكل يوم دينار، فأتت به فرعون واستمر عنده يأكل من مأكوله ويشرب من مائه ويلبس من ملبوسه إلى أن كمل، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ أي كمال قوته الجسمانية وَاسْتَوى أي تكامل عقله آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً أي أعطيناه علم الحكماء والعلماء، وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك الذي أعطينا موسى من الحكم والعلم نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) أي الصالحين بالعلم والحكمة، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها أي ودخل موسى مدينة منف في وقت اشتغال أهلها عند نصف النهار. ومنف: بفتح الميم وسكون النون أصلها مآفة، ومعناها بلغة القبط ثلاثون، لأنها أول مدينة عمرت بعد الطوفان نزلها مصر بن حام في ثلاثين رجلا فسميت مافت، ثم عربت منف. قيل: إن موسى عليه السلام لما بلغ أشده وآتاه الله العلم في دينه ودين آبائه علم أن فرعون وقومه على الباطل فتكلم بالحق، وعاب دينهم، واشتهر ذلك منه حتى آل الأمر إلى أن خافوه، وخافهم. وكان له من بني إسرائيل شيعة يقتدون به، ويسمعون منه، وبلغ في الخوف بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلا خائفا، فدخلها يوما وقت كونهم قائلين فَوَجَدَ فِيها أي المدينة رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ أي يلازمان مقدمات القتل من الضرب والخنق هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي ممن تابع موسى على دينه وهم بنو إسرائيل وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أي ممن خالف موسى في دينه- وهم القبط- فالقبطي: الذي سخر الإسرائيلي كان طباخ فرعون استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه واسمه: فليثون أوفاتون: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ أي طلب الإسرائيلي من موسى أن ينصره على القبطي وأن يخلصه منه، فَوَكَزَهُ مُوسى أي دفعه بأطراف الأصابع. وقيل: بقبضها. وقرأ ابن مسعود فلكزه موسى وقال بعضهم الوكز: في الصدر، واللكز: في الظهر. فَقَضى عَلَيْهِ أي أنهى موسى حياة القبطي وخفي هذا على الناس فلم يعرف به أحد لما هم فيه من الغفلة فندم موسى عليه السلام عليه فدفنه في الرمل قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي هذا القتل من عمل الشيطان لأني لم أومر به أو هذا المقتول من جند الشيطان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) أي

القصص 28:21

ظاهر العداوة والإضلال قالَ مناجيا مع الله تعالى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بقتل القبطي من غير أمر، فإن فرعون إذا عرف ذلك قتلني به فَاغْفِرْ لِي أي فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون فَغَفَرَ لَهُ أي فستره عن الوصول إلى فرعون إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) أي المبالغ في ستر ذنوب عباده وفي رحمتهم قالَ موسى: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) أي أقسم بإنعامك علي بالقوة والمعرفة فلن أكون معينا لأحد من المشركين، بل أكون معاونا للمسلمين أي إني وإن أسأت في هذا القتل الذي لم أومر به فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، ونصرة المؤمن واجبة في جميع الشرائع. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله فلا تجعلني ظهيرا للمجرمين فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ أي فصار موسى في المدينة التي قتل فيها القبطي خائفا من أن يظهر أنه هو القاتل فيطلب بذلك القتل يترقب أي ينتظر نصرة الله إياه، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ أي فإذا الإسرائيلي الذي استعان بموسى على القبطي يَسْتَصْرِخُهُ أي يطلب من موسى نصرته بصياح على قبطي آخر يريد أن يستخدم الإسرائيلي قالَ لَهُ أي للقبطي: مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) في تسخير هذا الإسرائيلي فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما أي فلما أراد موسى أن يأخذ عدوه وعدو الإسرائيلي بسطوة لخلاصة من عدوهما، لأن القبطي لم يكن على دينهما، ولأن القبط أعداء بني إسرائيل قالَ أي القبطي، وكان عرف القصة من الإسرائيلي أو كان توهم من زجر موسى للإسرائيلي أنه هو الذي قتل الرجل بالأمس: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي اليوم كَما قَتَلْتَ نَفْساً قبطيا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ أي ما تريد يا موسى إلا أن تفعل ما تريده في أرض مصر من ضرب وقتل، من غير نظر في العواقب وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) أي المتورعين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وانتشر حديث هذه الواقعة في المدينة، وانتهى إلى فرعون وهموا بقتله وَجاءَ رَجُلٌ هو مؤمن من آل فرعون اسمه: سمعان، وكان ابن عم فرعون مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ أي من آخرها يَسْعى أي يسرع في مشيه قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ أي أولياء المقتول يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك فاتفقوا على أن يحتالوا فيك ليهلوك فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) أي المشفقين فَخَرَجَ موسى عليه السلام مِنْها أي المدينة خائِفاً على نفسه من آل فرعون يَتَرَقَّبُ أي ينتظر لحوق الطالبين ويكثر الالتفات وينظر هل يلحقه أحد يطلبه قالَ عند ذلك رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) أي خلصني منهم واحفظي من لحوقهم. وهذا يدل على أن قتله عليه السلام لذلك القبطي لم يكن ذنبا وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي لما قصد الذهاب إلى مدين لأنها ليست تحت ملك فرعون ولأنه وقع في نفسه أن بينه وبين أهل مدين قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم عليه السلام، وهو منهم ولم يكن له علم بالطريق، بل اعتمد على فضل الله تعالى قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢)، وهي من إضافة الصفة للموصوف أي الطريق الوسط، وكان لمدين ثلاث طرق، فأخذ موسى الطريق الوسطي، وأخذ الطلاب الآخريين. وقال ابن إسحاق: خرج موسى من مصر إلى مدين بغير زاد ولا مركوب وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ونبات الأرض وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ أي لما وصل إلى بئر مدين وَجَدَ عَلَيْهِ أي فوق شفيرها أُمَّةً أي جماعة مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وكانوا أربعين رجلا وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ أي تحبسان غنمهما عن الماء من ضعفهما حتى يفرغ القوم. وقال ابن إسحاق اسم الكبرى صفوراء والصغرى ليا. قالَ موسى لهما: ما خَطْبُكُما أي ما شأنكما لا تسقيان غنمكما؟ قالَتا لا نَسْقِي أي لا نقدر أن نسقي غنمنا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ. قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الياء وضم الدال، أي حتى يرجعوا من سقيهم. والباقون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) لا يستطيع أن يسقي، وليس له أحد يعينه غيرنا، فَسَقى لَهُما أي فسقى موسى غنمهما لأجلهما. قيل: عمد موسى إلى بئر على رأسه صخرة لا يرفعها إلا عشرة رجال فنحاها بنفسه، واستقى الماء من ذلك البئر ثُمَّ تَوَلَّى أي انصرف موسى إِلَى الظِّلِّ أي ظل سمرة فجلس فيه ليستريح من حر الشمس، وهو جائع لم يذق طعاما في سبعة أيام فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) أي رب إني بسبب ما أنزلت إلي خير الدين، صرت فقيرا في الدنيا وذلك لأن موسى كان عند فرعون في ثروة، فقال ذلك رضا بهذا البدل وفرحا به، وشكرا له. روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا، رحمنا فسقى لنا. فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي- وهي الكبرى عند الأكثرين- فَجاءَتْهُ إِحْداهُما واسمها صفوراء تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أي مائلة عن الرجال رافعة كمها على وجهها قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا مواشينا. روي أن موسى عليه السلام أجابها، فانطلقا وهي أمامه فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، ففعلت حتى أتيا دار شعيب عليه السلام. فَلَمَّا جاءَهُ أي جاء موسى شعيبا وَقَصَّ موسى عَلَيْهِ الْقَصَصَ أي فراره من فرعون. قالَ شعيب له: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) من أهل مصر فإن فرعون لا سلطان له في أرضنا. قال الضحاك: لما دخل على شعيب قال له: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب. وذكر له جميع أمره من لدن ولادته، وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم، وقتل القبطي، وأنهم يطلبونه ليقتلوه. فقال شعيب: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، أي لأنا لسنا في مملكة فرعون. وروي أن موسى لما دخل على شعيب فإذا الطعام موضوع، فقال شعيب: تناول يا فتى فقال موسى عليه السلام: أعوذ بالله. قال شعيب: ولم ذلك؟ قال: لأنا من أهل البيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا ولا نأخذ على المعروف عوضا. فقال شعيب: عادتي وعادة آبائي إطعام الضيف، فجلس موسى فأكل وإنما كره أكل الطعام خشية أن يكون ذلك أجرة له على عمله. قالَتْ إِحْداهُما- وهي التي دعته إلى أبيها، وهي التي تزوجها موسى- يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ اتخذه أجيرا لرعي أغنامنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦). روي أن شعيبا أخذته الغيرة فقال: وما أعلمك بقوته وأمانته؟ فذكرت ما شاهدته منه عليه السلام من كيفية السقي ورفع الصخرة من فم البئر، ومن غض بصره حال ذودهما الماشية، وحال سقيه لهما، وحال مشيه أمامها إلى أبيها. قالَ أي شعيب لموسى عند ذلك: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ أي الحاضرتين عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ أي مشروطا على أن تأجرني نفسك في رعي غنمي ثماني سنين فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً من السنين في العمل فَمِنْ عِنْدِكَ أي فالتمام من عندك بطريق التفضل لا من عندي بطريق الإلزام عليك، وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ بإلزام أتم الأجلين، ولا أكلفك الاحتياط الشديد في كيفية الرعي بل أساهلك فيها بقدر الإمكان، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) في حسن المعاملة وغيره، وإنما قال شعيب: إن شاء الله، للتبرك ولتفويض أمره إلى معونته تعالى، لا لتعليق صالحه بمشيته تعالى. قالَ موسى: ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أي ذلك الشرط ثابت بيننا جميعا لا يخرج عنه واحد منا، أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أي أيّ أحد الوقتين وفيتكه بأداء الخدمة فيه فلا إثم علي فكما لا إثم علي في قضاء الأكثر لا إثم علي في قضاء الأقصر فقط. وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ من الشرط الجاري بيننا وَكِيلٌ (٢٨)، أي شاهد، ولما تم العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه وفي بعض الأخبار أن موسى لما عقد العقد مع شعيب وأصبح من الغدو أراد الرعي، قال له شعيب عليه السلام: اذهب بهذه الأغنام فإذا بلغت مفرق الطريق، فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك، وإن كان الكلأ بها أكثر فإن بها تنينا عظيما فأخشى عليك وعلى الأغنام منه، فذهب موسى بالأغنام فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يردها فلم يقدر، فسار على أثرها فرأى عشبا كثيرا، ثم إن موسى عليه السلام نام والأغنام ترعى وإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى، فقاتلته حتى قتلته، وعادت إلى جنب موسى وهي دامية فلما استيقظ موسى، رأى العصا دامية والتنين مقتولا فارتاح لذلك، وعلم أن لله تعالى في تلك العصا آية، وعاد إلى شعيب وكان ضريرا فمس الأغنام، فإذا هي أحسن حالا مما

القصص 28:31

كانت فسأله عن ذلك فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك وعلم أن لموسى وعصاه شأنا، فأراد أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما له وصلة لابنته فقال: إني وهبت لك من السخال التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء التي تسقي الغنم منه، ففعل، ثم سقى الأغنام منه فما أخطأت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إلى موسى وامرأته فوفى له بشرطه، فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي أتمه وَسارَ نحو مصر لصلة رحمه، وزيارة أمه وأخيه بِأَهْلِهِ أي بزوجته وابنه منها والخادم بإذن من شعيب عليه السلام، آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً أي رأى من جهة جبل الطور عن يسار الطريق نارا ولما عزم على السير. قال لزوجته: اطلبي من أبيك أن يعطينا بعض الغنم فطلبت من أبيها ذلك قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا أي انزلوا هاهنا إِنِّي آنَسْتُ ناراً. وقرأ حمزة «لأهله» في الوصل بضم الهاء. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي من عند النار بخبر الطريق، وقد كان موسى تحيّر في الطريق أَوْ جَذْوَةٍ أي عود غليظ مِنَ النَّارِ. وقرأ عاصم بفتح الجيم وحمزة بضمها. والباقون بالكسر لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) أي لكي تدفئوا بها. روي أنه أظلم عليه الليل في الصحراء وهبت ريح شديدة، فرقت ماشيته وأصابهم مطر، فوجدوا بردا شديدا، فعند ذلك أبصرنا بعيدة، فسار إليها يطلب من يد له على الطريق فَلَمَّا أَتاها أي النار التي أبصرها، نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ أي أتاه النداء من الشاطئ الأيمن بالنسبة إلى موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ فإنه حصل لموسى عليه السلام في تلك البقعة ابتداء الرسالة، وتكليم الله تعالى إياه والجار والمجرور متعلق ب «نودي» مِنَ الشَّجَرَةِ أي من جهة الشجرة، وهي شجرة عناب أو شوك. وهذا بدل اشتمال من شاطئ أَنْ يا مُوسى ف «أن» مفسرة إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) والعامة على كسر همزة إني على تضمين النداء معنى القول. وقرئ بالفتح فهي معمولة لفعل مضمر تقديره أي يا موسى اعلم أني أنا الله، وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ من يدك. وهذا معطوف على «أن يا موسى» مفسر أيضا ل «نودي»، فألقاها فصارت ثعبانا، فتحركت رافعة رأسها فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ أي شبيهة بالحية الصغيرة في سرعة حركتها مع غاية عظم جئتها ولم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعت حتى إن موسى سمع صرير أسنانها، وقعقعة الشجر، والصخر في جوفها وَلَّى مُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ أي لم يرجع، ولم يلتفت إليها قال الله: يا مُوسى أَقْبِلْ إليها وَلا تَخَفْ منها إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) من شرها، فأخذها موسى فإذا هي عصا كما كانت قال الله له: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ أي أدخل كفك اليمين في طوق قميصك وأخرجها تَخْرُجْ بَيْضاءَ لها ضوء كضوء الشمس مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي عيب وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ أي أدخل الكف اليمين التي حصل فيها البياض في جيبك، فتعود إلى حالتها، فيزول عنك الفزع الذي حصل لك. وقيل: من أجل الخوف إذا أرهبت بها الناس. وقال ابن عباس: إن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يضم يده إلى صدره ليذهب عنه الخوف عند معاينة الحية، فمعنى من أجل الرهب، أي إذا أصابك الخوف فافعل ذلك تجلدا وضبطا لنفسك. وقال مجاهد: وكل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع. فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي فالعصا واليد حجتان نيرتان، كائنتان من الله تعالى، واصلتان إلى فرعون وقومه، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) أي خارجين عن عبودية الله، فكانوا أحقاء بأن نرسلك إليهم بهاتين المعجزتين الباهرتين. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً- هو القبطي- فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) بمقابلتها، فيفوت المقصود بقتلي وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً أي أبين مني كلاما، فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً أي معينا. وقرأ نافع «ردا» بتنوين الدال وحذف الهمزة، يُصَدِّقُنِي أي أرسل معي أخي حتى يعاضدني على إظهار الحجة فربما حصل المقصود من تصديق فرعون. والمراد بتصديق هارون تلخيصه بلسان فصيح وجوه الدلائل. وجوابه عن الشبهات، ومجادلته الكفار. وقرأ عاصم وحمزة بالرفع صفة ل «ردأ». ويروى عن أبي عمرو أيضا. والباقون بالجزم وهو المشهور عن أبي عمرو إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) بالرسالة، لأن لساني لا يطاوعني عند المحاجة بسبب العقدة التي حصلت بسبب الجمرة. قالَ الله تعالى: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي سنقوي ظهرك بهارون ونعين أمرك به. وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً أي غلبة بالحجة في الحال، وغلبة في المملكة في ثاني الحال. فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا. فالآية التي هي قلب العصاحية تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون عليهما السلام، لأنهم إذا علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة، وإن أراد إرسالها إليهم أهلكتهم زجرهم ذلك عن الإقدام عليهما بسوء فصارت مانعة من وصولهم إليهما بالقتل وغيره. أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) على فرعون وقومه بالبرهان: والدولة. وقوله: بِآياتِنا متعلق ب «لا يصلون» أو ب «الغالبون» فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا وهي العصا واليد، ففي كل منهما آيات عديدة بَيِّناتٍ أي واضحات الدلالة على صحة رسالة موسى من الله تعالى. قالُوا ما هذا أي الذي جئتنا به، إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً أي موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر، أو سحر كذب هو من تلقاء نفسك، لا إن الذي أظهرته معجزة صادرة من الله تعالى وإنما أنت تفتري على الله تعالى. وَما سَمِعْنا بِهذا أي الذي تدعو إليه من التوحيد والذي تدعيه من الرسالة عن الله تعالى واقعا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وقد كذبوا فإنهم سمعوا بذلك على أيام يوسف عليه السلام. وَقالَ لهم مُوسى - وقرأ ابن كثير بغير واو-: رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ، أي ربي عالم بمن جاء بالرسالة من عنده، وبمن تكون له العاقبة المحمودة في الدنيا وهي أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان، وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت. فالدنيا خلقت مزرعة للآخرة ومجازا إليها. والمقصود بالذات هو الثواب للمطيعين العابدين فيكون الثواب هو العاقبة الأصلية ولا اعتداد بعاقبة السوء، لأنها من نتائج أعمال الفجار ويكون العقاب إنما قصد بالتبعية، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) أي يظفر المشركون بالنجاة والمنافع كما قال القائل من بحر الطويل: فليتك تحلو والحياة مريرة؍ وليتك ترضى والأنام غضاب؍ وليت الذي بيني وبينك عامر؍ وبيني وبين العالمين خراب؍ وَقالَ فِرْعَوْنُ، بعد ما جمع السحرة لمعارضة موسى فكان من أمرهم ما كان: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ أي بعد اتخاذه لبنا ولم يقل فرعون. اطبخ لي الآجر لأنه أول من عمل الآجر فهو يعلم صنعته لهامان. فَاجْعَلْ لِي منه صَرْحاً أي قصرا عاليا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أي أنظر إليه وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ أي موسى عليه السلام مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) في ادعاء وجود إله غيري فليس في السماء من إله. واعلم أن عادة فرعون متى ظهرت حجة موسى يدفعها بشبهة يروجها على أغمار قومه، وهي قوله: لا دليل على وجود إله غيري، فلا أثبته بل أظن موسى كاذبا في دعواه، وذلك نفى إله غير نفسه. وقوله: ولا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره، فهذا هو ادعاؤه الإلهية لا ادعاؤه كونه خالقا للسماء والأرض، ومن مكر فرعون ودهائه أنه لما دل سيدنا موسى عليه السلام فرعون بقوله: رب السموات والأرض أو هم فرعون ببناء أغمار قومه أن موسى قال: إن إلهه في السماء وأمر فرعون وزيره ببناء الصرح. قيل: لما أمر فرعون ببناء الصرح جمع هامان العمال حتى اجتمع عنده خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص، ونجر الخشب، وسبك المسامير، فبنوا الصرح ورفعوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بناء أحد من الخلق فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه راكبا على البراذين، فأمر بنشابة، فضرب نحو السماء، فردت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى فبعث الله جبريل عليه السلام عند غروب الشمس، فضربه بجناحه، فقطعه ثلاث قطع: قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت منه ألف رجل، وقطعة وقعت في البحر، وقطعة وقعت في المغرب. ولم يبق أحد من عماله إلا وقد هلك وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر بِغَيْرِ الْحَقِّ أي ملتبسين بغير استحقاق، وَظَنُّوا أي فرعون وجموعه القبط أَنَّهُمْ إِلَيْنا أي إلى حكمنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) بالنشور.

القصص 28:41

وقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الجيم فهو من الرجوع. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الجيم فهو من الرجع فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ عقب ما بلغوا أقصى الغايات في العتو، وفي هذا استحقار لهم واستقلال لعددهم، وإن كانوا كبيرا كثيرا وتعظيم لشأن الأخذ فشبههم الله تعالى بحصيات أخذهن آخذ في كفه، فطرحهن في البحر وذلك قوله تعالى: فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ أي فألقيناهم في البحر. قيل: هو بحر يسمى أسافا من وراء مصر- حكاه ابن عساكر- فَانْظُرْ يا أشرف الخلق كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) أي كيف صار آخر أمر المشركين وبينه لقومك ليعتبروا به. وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً أي رؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي إلى ما يؤدي إلى النار من الكفر والمعاصي. وقرأ أبو عمر ونافع وابن كثير «أيمة»، بإبدال الهمزة الثانية ياء وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) فلا يمكن التخلص من العقاب الذي سينزل بهم، لأنهم بلغوا أقصى النهايات في باب المعاصي حتى صاروا قدوة للضلال وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً أي إبعادا من الرحمة، ولا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون خلفا عن سلف، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) أي من المطرودين عن الرحمة ومن الموسومين بعلامة منكرة كزرقة العيون وسواد الوجوه وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى هم أقوام نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام بَصائِرَ لِلنَّاسِ، أي حال كون الكتاب أنوارا لقلوب الناس، فإنه يستبصر به في باب الدين وَهُدىً إلى كل خير، فإن الكتاب يستدل به والمتمسك به يفوز بمطلوبه من الثواب وَرَحْمَةً لأن الكتاب من نعم الله تعالى على من تعبد به فكل من عمل به ينال رحمة الله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) أي ليكونوا على حال يرجى منه التذكر. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما أهلك الله تعالى قرنا من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة غير أهل القرية التي مسخها قردة» . وَما كُنْتَ يا أفضل الخلق بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي في المكان في شق الغرب من جبل الطور، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى عليه السلام الذي رأى فيه النار، إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي حين أوحينا إلى موسى أمر الرسالة حيث أمرنا بالإتيان إلى فرعون وقومه، وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) لموسى وما جرى عليه وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً أي ولكنا خلقنا بين زمانك وزمان موسى أمما كثيرة، فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فتغيرت الأحكام، وخفيت عليهم الأخبار لا سيما على آخرهم، فاقتضى الحال إظهار الأحكام الجديدة، فأوحينا إليك، فإخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور لها دلالة ظاهرة على نبوتك، وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ أي وما كنت يا سيد الرسل مقيما في أهل مدين من شعيب والمؤمنين به تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا أي تقرأ على أهل مدين آياتنا الناطقة بالقصة على طريق التعلم منهم. ويقال: وما كنت مقيما في أهل مدين وقت تلاوتك القرآن على قومك أهل مكة، تخبرهم قصة أهل مدين مع موسى، ومع شعيب حتى تنقلها بطريق المشافهة، وإنما أتتك بطريق الوحي الإلهي فإخبارك لأهل مكة إنما هو عن وحي لا عن مشاهدة للمخبر عنه، وذلك قوله تعالى: وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) إياك، وموحين إليك تلك الآيات ونظائرها وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا أي وما كنت يا سيد الخلق بجانب جبل زبير حين نادينا موسى ليلة المناجاة والتكليم لما أتى الميقات مع السبعين لأخذ التوراة. ويقال: إذ نادينا أمتك. قال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم قال: رب أرنيهم. قال: إنك لن تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم. قال: بلى يا رب. فقال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم، فأسمعه الله تعالى أصواتهم، ثم قال: أجبتكم قبل أن تدعوني، وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي ولكن أرسلنا بالقرآن لرحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس. وقرأ عيسى بن عمر بالرفع أي لكن هي رحمة. لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ أي لكي تخوف بالقرآن من العقاب على المعصية قوما لم يأتهم رسول مخوف قبلك لوجودهم في فترة بينك وبين عيسى، وهي خمسمائة وخمسون سنة أو بينك وبين إسماعيل بناء على القول بأن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) أي يتعظون بإنذارك وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) أي ولولا أنهم قائلون بلسان الحال إذا عوقبوا يوم القيامة بسبب اكتسابهم في كفرهم أنواع المعاصي، لم لم ترسل إلينا رسولا مع الكتاب قبل هذا العذاب، فيتسبب عن إرسال رسولك أن نتبع كتابك، ونصدق بكل ما أتى به رسولك؟ ما أرسلناك إليهم وإنما أرسلنا الرسول قطعا لمعاذيرهم بالكلية، أي لكي لا يكون لهم حجة علينا، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا أي فلما جاء الرسول بالكتاب المعجز أهل مكة قالُوا- أي كفار مكة- تعنتا: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أي هلا أعطي محمد مثل ما أعطي موسى من الكتاب المنزّل جملة واحدة ومن قلب العصا حية، ومن اليد البيضاء وغير ذلك قال تعالى ردا عليهم: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أي ألم يكفر كفار مكة من قبل القول بما أعطى موسى من الكتاب كما كفروا بهذا القرآن، فإن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات، فلما طلبوا من سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم معجزات سيدنا موسى عليه السلام رد الله تعالى عليهم بذلك القول، لأنه لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت قالُوا أي كفار مكة: سِحْرانِ تَظاهَرا. وقرأ الكوفيون بكسر السين وسكون الحاء والمعنى: أن ما أوتي محمد وما أتي موسى

القصص 28:51

سحران تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر. وقرأ الباقون «ساحران» بصيغة اسم الفاعل، أي محمد وموسى ساحران أعان كل منهما صاحبه على سحره. روي أن مشركي مكة بعثوا رهطا إلى يهود المدينة ليسألهم عن شأن محمد صلّى الله عليه وسلّم فسألوهم عنهم فقالوا: إنا نجده في التوراة بصفته فلما رجع الرهط إليهم وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا: إن موسى كان ساحرا كما أن محمدا ساحر فقال تعالى في حقهم: أولم يكفروا بما أوتي موسى وَقالُوا أي كفار مكة إِنَّا بِكُلٍّ من التوراة والقرآن أو من محمد وموسى كافِرُونَ (٤٨) غير مصدقين قُلْ لهم تعجيزا لهم وتوبيخا: فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما، أي إذا لم تؤمنوا بهذين الكتابين وقلتم فيهما ما قلتم فأتوا بكتاب من عند الله هو أوضح في هداية لخلق منهما، أَتَّبِعْهُ أي فإن أتيتم به أتبعه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩). أي في قولهم أن التوراة والقرآن سحران مختلفان فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ أي فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما فاعلم أنهم ليس لهم مستند وإنما لهم محض هواهم الفاسد. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ أي لا أضل منه لأنه أضل من كل ضال، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) لأنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى، والأعراض عن الآيات الهادية إلى الحق، وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ أي أنزلنا القرآن منجما يتصل بعضه ببعض ليكون ذلك أقرب إلى تنبيه كفار مكة، فإنهم كل يوم يطلعون على فائدة، فيكونون عند ذلك أقرب إلى التذكر أو جعلنا القرآن أنواعا من المعاني من قصص وعبر ونصائح، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) فيؤمنون بما في القرآن. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل مجيء القرآن هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وهم مؤمنو أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى، أي القرآن عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ أي القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ، أي من قبل قراءة القرآن علينا مُسْلِمِينَ (٥٣)، أي مخلصين لله بالتوحيد مؤمنين بمحمد صلّى الله عليه وسلّم أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بإيمانهم بمحمد قبل بعثته وبعد بعثته بِما صَبَرُوا على طعن الكفار وأذاهم متى بينوا صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم في كتابهم ودخلوا في دينه. قال مقاتل: هؤلاء لما آمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران: أجر على الصفح، وأجر على الإيمان. وقال السدي: إن اليهود عابوا عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم. وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي ويدفعون بالطاعة المعصية وبالعفو الأذى، وبالامتناع من المعاصي فإن نفس الامتناع حسنة وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤). وقال سعيد بن جبير: وهم أربعون رجلا قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا له: يا نبي الله، إن لنا أموالا فإن أذنت انصرفنا فجئنا بأموالنا، فواسينا بها المسلمين، فأذن لهم، فانصرفوا، فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين، فنزلت هذه الآيات الثلاث وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أي ما لا ينفع في دين ودنيا أَعْرَضُوا عَنْهُ أي اللغو وَقالُوا للاغين: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ أي لنا ديننا ولكم دينكم، سَلامٌ عَلَيْكُمْ وهو سلام إعراض وفراق، لا سلام تحية فلا نقابلكم بمثل ما فعلتم بنا، لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥). أي لا نطلب صحبتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم فإن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: تبا لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم. إِنَّكَ يا أشرف الخلق لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦). عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره فاتبعوه وأعينوه ترشدوا، وأنه قال: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا رسولا كموسى صح ذلك في الكتب، وأنه قال عند قرب موته مخاطبا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ودعوتني وعلمت أنك صادق؍ ولقد صدقت وكنت قبل أمينا؍ ولقد علمت بأن دين محمد؍ من خير أديان البرية دينا؍ لولا الملامة أو حذار مسبة؍ لوجدتني سمحا بذاك مبينا؍ واعلم أنه لو ترك شخص النطق بالشهادتين بعد المطالبة لا لإباء عن الإسلام ولا لعناد له، بل لخوف من ظالم أو من ملامة، أو مسبة عند من يعظم ذلك، وقلبه مطمئن بالإيمان فلا يكون كافرا بينه وبين الله، بل لو تكلم بالكفر والحالة هذه لا يضره. وقال الحليمي: لا خلاف أن الإيمان ينعقد بغير كلمة لا إله إلا الله حتى لو قال: لا إله غير الله ولا إله ما عدا الله، أو ما سوى الله، أو ما من إله إلا الله، أو لا إله إلا الرحمن، أو لا رحمن إلا الله أو إلا البارئ فهو كقوله: لا إله الا الله اه. وكذا قال: محمد نبي الله أو مبعوثه أو نحو ذلك، أو ما يؤدي إلى ذلك باللغات العجمية صح إسلامه وحكم بكونه مسلما وفي الحديث قوله صلّى الله عليه وسلّم: «آدم ومن دون تحت لوائي وإن عبد المطلب يعطي نور الأنبياء وجمال الملوك» «١». وعن جعفر بن محمد الصادق قال: ويحشر عبد المطلب له نور الأنبياء وجمال الملوك، ويحشر أبو طالب في زمرته، أي إنما يعطى عبد المطلب نور الأنبياء، لأنه كان على التوحيد، ولأنه مستقل لا تابع، وهو من أهل الفترة وإنما يعطى جمال الملوك، لأنه كان سيد قريش في زمانه فهو في ذلك ملحق بالملوك الذين عدلوا وما ظلموا ، ومما يدل على أن أبا طالب مؤمن ما روي عن إسحاق بن عبد الله بن الحرث قال: قال العباس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أترجو لأبي طالب خيرا؟ قال: «كل الخير أرجو من ربي» «٢» رجاؤه صلّى الله عليه وسلّم محقق ولا يرجو كل الخير إلا لمؤمن. وما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب، وأخ كان لي في الجاهلية» «٣». أورده المحب الطبري أي وهو الأخ من الرضاعة. وفي الحديث: «إني ادخرت شفاعتي جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا» . اه. وما أخبر صلّى الله عليه وسلّم أن أبا طالب أخرج من طمطام النار وغمراتها إلى ضحضاح، منها وخفف عنه من عذابها وجعل أخف أهل النار عذابا ألبس نعلين من النار، فما مست النار إلا تحت قدميه، ولو كان كافرا لكان عذاب الكفر فوق عذاب الكبائر قطعا، ولو وجد مؤمن من عاص أخف عذابا من أبي طالب لزم الخلف في قوله صلّى الله عليه وسلّم حيث جعله أخف أهل النار على الإطلاق فوجب أن يكون عذابه كعذاب عصاة المؤمنين في مقابلة كبيرة كذا في رسالة السيد رسول البر زنجي. وَقالُوا أي أهل مكة: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أي إن نوحد الله معك يا محمد نطرد من مكة. روي أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنا نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب أن يتخطفونا من أرضنا، أي أن يجتمعوا على (١) رواه المتقي الهندي في كنز العمال (١٣٣). (٢) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠: ٣٧٨). (٣) رواه الحاكم في المستدرك (٤: ٣٠٦)، والبغوي في شرح السنّة (١٤: ٢٢٤)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١٠: ١٥١).

القصص 28:61

أي ألم نجعل مكانهم حرما ذا أمن يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ أي يحمل إليه من كل ناحية ألوان كل شيء من الثمرات. وقرأ نافع بالتاء الفوقية. رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا فإذا كان حالهم ما ذكر مع كونهم عبدة أصنام، فكيف يخافون أن نسلط عليهم الكفار إن ضموا إلى حرمة!؟ البيت، حرمة الإيمان ف «رزقا» إما مصدر مؤكد ل «يجبي» أو مفعول له، أو حال من «ثمرات» بمعنى مرزوق. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) إنا جعلنا الحرم آمنا وإنا سقنا إليه الرزق من كل جهة وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها أي وكثير من أهل قرية كانت حالهم كحالهم في إدرار الرزق حتى طعنوا بالنعمة في زمن حياتها فأهلكناهم وخربنا ديارهم فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد هلاكهم إِلَّا قَلِيلًا أي إلا في زمن قليل يسكنها المسافرون ومارو. الطريق وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) أي المالكين لها بعد هلاك أهلها، وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى أي مهلك أهل القرى، حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها أي في أعظمها رَسُولًا. فعاد الله أن يبعث الرسل في المدن، لأن أهل أفطن وغيرهم يتبعهم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا الدالة على الحق والداعية إليه بالترغيب والترهيب، وذلك لقطع المعذرة وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد ما بعثنا في أشرافهم رسولا يدعوهم إلى الحق في حال من الأحوال إلا حال كونهم ظالمين بتكذيب رسولنا، وبالكفر بآياتنا. وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها أي وما أعطيتم يا معشر قريش من أسباب الدنيا كالمال والخدم، فهو شيء عادته أن ينتفع به ويتزين به أيام حياتكم. وقرئ «فمتاعا الحياة» بنصب الكلمتين على المصدر، وعلى الظرف أي يتمتعون متاعا في الحياة الدنيا. وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أي فمنافع الآخر لمن آمن بالله وبرسوله أعظم وأدوم مما لكم في الدنيا، فنصيب كل أحد في الآخرة بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر فكيف قلتم تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا. أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أي ألا تتفكرون فلا تعقلون أن الدنيا فانية والآخرة باقية! أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) ؟ أي أفمن وعدنا وعدا بالجنة فهو مدرك الموعود به من غير شك كمن أعطيناه المال والخدم في الدنيا، ثم هو يوم القيامة نحضره للعذاب؟ قال محمد بن كعب: نزلت هذه الآية في حمزة وعلي، وفي أبي جهل. وقال غيره: في حمزة أو عثمان بن عفان وفي أبي جهل. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ معطوف على يوم القيامة فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) ؟ أي ويوم ينادي الله المشركين فيقول توبيخا لهم: أين الذين عبدتموهم من دوني، وأثبتم لهم شركة في استحقاق العبادة، تزعمون أنهم يشفعون لكم، أين هم لينصروكم من هذا الذي نزل بكم؟! قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي الذين ثبت عليهم مدلول قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣] رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا. قال أبو علي: «الذين أغوينا» خبر لاسم الإشارة، و «أغويناهم» مستأنف. والمعنى: هؤلاء هم الذين أضللناهم فصاروا أتباعا آثروا الكفر على الإيمان، فضلوا باختيارهم ضلالا مثل ضلالنا باختيارنا وكنا سببا في كفرهم فقبلوا منا وما أكرهناهم عليه تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) أي ما كانوا يطيعوننا، وإنما كانوا يطيعون أهواءهم، وَقِيلَ للكفار تبكيتا لهم: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي استغيثوا بآلهتكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم وتدفع عنكم فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ أي فاستغاثوا بهم فلم يجيبوهم ولا انتفعوا بهم وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) أي أبصر المشركون العذاب لو أنهم يبصرون شيئا، فإنهم لما خاطبهم الله تعالى بقوله: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ اشتد الخوف عليهم حتى يصيروا بحيث لا يبصرون شيئا. أو المعنى: لما قيل: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ دعوا الأصنام مرارا كثيرة حتى كان الأصنام يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين. أو المعنى: وعلم الكفار حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون. قال الرازي: وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب «لو» محذوف. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ عطف ما قبله سئلوا أولا: عن إشراكهم. وثانيا: عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك فَيَقُولُ الله تعالى: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) إليكم بما دعوكم فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ أي فخفيت عليهم الأخبار يوم إذ سئلوا عن ذلك فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب النافع، لأنهم يتساوون جميعا في العجز عن الجواب المنجي لفرط الدهشة، فلا نطق ولا عقل. فَأَمَّا مَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ بما جاء به النبي صلّى الله عليه وسلّم وَعَمِلَ صالِحاً أي خالصا فيما بينه وبين الله فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) أي فليطمع في الفلاح والنجاة من العذاب وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ أن يخلقه وَيَخْتارُ ما يشاء اختياره. ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي ليس لهم الاختيار المؤثر عنهم، وليس لهم أن يختاروا على الله أن يفعل. قال العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقوم على أمر من أمور الدنيا إلا حتى يسأل الله تعالى الخيرة في ذلك بأن يصلي صلاة الاستخارة بالكيفية المشهورة، وأهل الرضا حطوا الرحال بين يدي ربهم، وسلموا الأمور إليه بصفاء التفويض، فلا يرضيهم، إلا ما يرضيه ولا يريدون إلا ما يريده، فيمضيه، وروي أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة حين قال: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ويقصد بذلك الوليد بن المغيرة، أو أبا مسعود الثقفي، فأجاب الله تعالى عنه بقوله تعالى: وَرَبُّكَ إلخ، والمعنى: لا يبعث الله تعالى الرسل باختيار

القصص 28:71

المرسل إليهم. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) أي تنزيها له تعالى عن أن يزاحم اختياره تعالى اختيار. والمقصود أن يعلم العبد أن الإعزاز والإذلال مفوّض إليه تعالى ليس لأحد في الخلق، والاختيار شركة له تعالى وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ من عداوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) من الطعن في الرسول بألسنتهم وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي وهو المستحق للعبادة لا أحد يستحقها إلا الله. لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ لأن الثواب غير واجب عليه، بل هو تعالى، يعطيه فضلا وإحسانا منه تعالى، فله الحمد في الدنيا والآخرة لأنه معطي النعم كلها، فيحمده المؤمنون في الآخرة فرحا بفضله، والتذاذا بحمده بقولهم: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، الحمد لله الذي صدقنا وعده وَلَهُ الْحُكْمُ النافذ في كل شيء من غير مشاركة فيه لغير في الدنيا والآخرة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) بالخروج من القبور. قُلْ يا أفضل الخلق لأهل مكة: أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً أي دائما إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، بإسكان الشمس تحت الأرض، أو تحريكها حول الأفق غير المرئي مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ يخرجكم من مشقة الظلام؟ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) هذا الكلام الحق سماع تفهم تطيعون من يفعل ذلك! قُلْ لهم: أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بإسكان الشمس في وسط السماء أو تحريكها على مدار فوق الأفق مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ، استراحة عن متاعب الأشغال؟ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)، هذه المنفعة الظاهرة ولا تنتظرون بقلوبكم ما أنتم عليه من الخطأ! وَمِنْ رَحْمَتِهِ أي نعمته تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لأغراض ثلاثة لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي في أحدهما وهو الليل، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ في الآخر، وهو النهار بأنواع المكاسب. ففي هذا مدح للسعي في طلب الرزق كما ورد في الحديث: «الكاسب حبيب الله وهو لا ينافي التوكل». وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) أي لكي تشكروا على المنفعتين معا. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أي أذكر يوم ينادي الله المشركين يوم القيامة فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) ؟ أي أين الذين ادعيتم إلهيتهم لتخلصهم من الهلاك؟ وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي أخرجنا من كل أمة نبيا يشهد عليهم بما كانوا عليه في كل زمان، فيدخل فيه الأحوال التي في أزمنة الفترات، وفي الأزمنة التي حصلت بعد سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم فَقُلْنا لهم: هاتُوا بُرْهانَكُمْ على صحة ما كنتم تدينون به فَعَلِمُوا أي كل أمة يومئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ أي أن حقيقة الإلهية لله تعالى لا يشاركه فيها أحد وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) أي زال عنهم ما كانوا يعبدون في الدنيا بالكذب إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى. وروى أبو إمامة الباهلي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كان قارون من السبعين المختارين الذين سمعوا كلام الله تعالى» - قيل هو ابن عم موسى- وعن ابن عباس كان ابن خالته، ثم قيل: إنه كان يسمى المنور ولحسن صورته وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، إلا أنه نافق كما نافق السامري فَبَغى عَلَيْهِمْ، أي طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره، كما قاله القفال، وقال ابن عباس: تكبر عليهم اه-، ثم حسد موسى على رسالته، وهارون على إمامته في الذبح فكفر بعد ما آمن بهما بسبب كثرة ماله. ويروى أن موسى عليه السلام لما قطع البحر جعل الحبورة والقربان لهارون فقال قارون: يا موسى لك الرسالة، ولهارون الحبورة- وهي إمامة الذبح- ولست في شيء ولا أصبر أنا على هذا. فقال موسى عليه السلام: والله ما صنعت ذلك لهارون، ولكن جعله الله له. فقال: لا والله لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهارون فأمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصا، فجاءوا بها، فحزمها موسى، فألقاها في قبة له، فباتوا يحرسون عصيهم، فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون أما ترى ما صنع الله لهارون. فقال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر. فاعتزل قارون ومعه ناس كثير من أتباعه من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ أي وأعطينا قارون من الأموال المدخرة الذي أن مفاتيح صناديقه لتثقل الجماعة الكثيرة الأقوياء وأخرج الدينوري عن خيثمة قال: قرأت في الإنجيل أن مفاتيح كنوز قارون وقر ستين بغلا كل مفتاح منها على قدر إصبع، لكل مفتاح منها كنز إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ أي المؤمنون من بني إسرائيل لا تَفْرَحْ بكثرة المال فالفرح بالدنيا من حيث إنها دنيا مذموم مطلقا. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) بزخارف الدنيا وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ أي اطلب ثواب الله تعالى بسبب المال بأن تصرفه إلى ما يؤديك إلى الجنة كصدقة وصلة رحم، وإطعام جائع، وكسوة عار ونفقة على محتاج وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي لا تترك العمل في الدنيا للآخرة، وخذ ما تحتاجه من الدنيا وأخرج الباقي كما في الحديث: «اغتنم خمسا: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» «١». وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أي وأحسن إلى عباد الله تعالى إحسانا كإحسان الله تعالى إليك فيما أنعم إليك، فيدخل في الإحسان الإعانة بالمال والجاه، وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر. وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ أي لا تطلب الفساد بعمل المعاصي في الأرض إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) أي أنه تعالى يعاقب المفسدين بسوء أفعالهم. قالَ قارون مجيبا لناصحه: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أي أنما أعطيت هذا المال حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي، وفضلت به على الناس (١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠: ١٦٣)، والسيوطي في الدر المنثور (٥: ١٤٧).

القصص 28:81

بالمال والجاه، فكان ذلك لفضل علمي بالتوراة، واستحقاقي لذلك، أي لأنه أقرأ بني إسرائيل للتوراة كما قاله قتادة ومقاتل والكلبي اه-. وقال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى عليه السلام أنزل عليه علم الكيمياء من السماء، فعلّم قارون ثلث العلم، ويوشع ثلثه، وكالب ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة، والنحاس فيجعله ذهبا، وكان ذلك سبب كثرة أمواله. أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً أي أعلم قارون ما ادعاه، ولم يعلم أن الله قد أهلك من هو أقوى منه، وأغنى، وأكثر جماعة حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته؟! وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)، أي لا يسأل الله عن صفة ذنوب المجرمين وعددها إذا أراد أن يعاقبهم لأنه تعالى عالم بكل المعلومات، فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ أي فخرج قارون يوم السبت متزينا مع أتباعه كانوا أربعة آلاف على زيه، وكان عن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج، وكانت بغلته شهباء سرجها من ذهب وكان على سرجها الأرجوان- بضم الهمزة والجيم، وهو قطيفة حمراء- وكانت خيولهم وبغالهم متحلية بالديباج الأحمر، ومعهم ألوان السلاح. وقال ابن زيد: خرج في تسعين ألفا عليهم المعصفرات وهو أول يوم رؤي فيه المعصفر. قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا من المؤمنين جريا على طريقه الجبلة البشرية من الرغبة في السعة يا للتنبيه لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ من هذه الأموال وهذه الزينة إِنَّهُ أي قارون لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩). أي لذو بخت وافر من الدنيا. وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بأحوال الدنيا والآخرة للراغبين في الدنيا: وَيْلَكُمْ أي ضيق الله عليكم الدنيا. وهذا زجر عن ذلك التمني ثَوابُ اللَّهِ في الآخرة خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً من هذه النعم، لأن الثواب منافع عظيمة وخالصة عن شوائب المضار، ودائمة، وهذه النعم العاجلة على الضد من هذه الصفات الثلاثة. وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) أي ولا يعطى هذه الطريقة التي هي الإيمان والعمل الصالح إلا الصابرون على أمر الله، والمرازي. أو ولا يعطى الجنة التي هي الثواب إلا الصابرون على مخالفات النفس وموافقات الشريعة. فَخَسَفْنا بِهِ أي بقارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ. روي أن قارون كان يؤذي نبي الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما حتى نزلت الزكاة، فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وكذلك سائر الأشياء، ثم رجع إلى بيته فحسبه، فوجده شيئا كثيرا، فلم تسمح نفسه بذلك، فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت سيدنا وكبيرنا، فمرنا بما شئت. قال: نبرطل فلانة البغي كي تقذف موسى بنفسها فإذا فعلت ذلك رفضه بنو إسرائيل، فدعوها، فجعل قارون لها طشتا من ذهب مملوءا ذهبا، فلما كان يوم عيد قام موسى خطيبا فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن كان محصنا رجمناه. فقال قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا قال: إن بني إسرائيل يقولون: إنك فجرت بفلانة قال موسى: ادعوها فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة ألا تصدقين فتداركها الله بالتوفيق، فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي، فخرّ موسى ساجدا يبكي وقال: يا رب، إن كنت رسولك فاغضب لي. فأوحى الله تعالى إليه إني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت. فقال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فليعتزل عنه، فاعتزلوا جميعا غير رجلين، ثم قال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وهم في كل ذلك يتضرعون إلى موسى ويقول له: قارون بالله والرحم، وموسى عليه السلام لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيهم. فانطبقت الأرض عليهم، فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه، فدعا الله تعالى حتى خسف بداره وأمواله. فَما كانَ لَهُ أي لقارون مِنْ فِئَةٍ أي جماعة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره بدفع العذاب عنه وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) أي من الممتنعين بأنفسهم من عذاب الله تعالى، وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ أي وصار الذين تمنوا مثل رتبة قارون من الدنيا من زمان قريب، يَقُولُونَ متنبهين على خطأهم في تمنيهم لمّا شاهدوا الخسف وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أي أعجب أنا، لأن الله يوسع المال على من يشاء من عباده وهو مكر منه تعالى- كما كان لقارون- ويقتر على من يشاء وهو نظر منه تعالى فإن القوم لما شاهدوا ما نزل بقارون من الخسف تندموا على تمنيهم حيث علموا أن بسط الرزق لا يكون لكرامة الرجل على الله، ولا تضييقه لهوانه عنده فتعجبوا من أنفسهم كيف وقعوا في مثل هذا الخطأ و «وي» اسم فعل بمعنى: أعجب أنا، والكاف للتعليل. وقال أبو الحسن و «وي» اسم فعل، والكاف حرف خطاب و «أن» على إضمار اللام. وقيل: «وي» اسم فعل، و «كأن» للتحقيق أي أعجب أنا وقد علمت أن كلا من البسط والقبض بمقتضى مشيئته تعالى، وليس البسط للكرامة والقبض للهوان لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالإيمان والرحمة لَخَسَفَ بِنا كما خسف بقارون وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢). وقيل «وي» كلمة للزجر، والكاف حرف خطاب، و «أن» معمولة لمحذوف أي انزجر عن تمنيك. واعلم أنه لا ينجو المكذبون برسول الله من عذاب الله تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ أي الجنة نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ أي نعطيها لمن لا يريدون غلبة وتكبرا وَلا فَساداً أي ظلما على العباد كدأب فرعون وقارون، وَالْعاقِبَةُ الحميدة- وهي الجنة- لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) أي الذين يتقون ما لا يرضاه الله تعالى من الأفعال والأقوال. مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي من جاء يوم القيامة متصفا بالحسنة، المقبولة، الأصلية، المعمولة فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله بمقابلتها ثواب خير منها ذاتا، وصفة، وقدرا بالمضاعفة. ومثل المعمولة ما في حكمها كما لو تصدق عن غيره، فخرج بالمعمولة ما لو همّ بحسنة فلم يعملها لمانع، فإنها يجازى عليها من غير تضعيف، وخرجت الحسنة المأخوذة في نظير الظلامة فلا تضاعف له، وخرج بالأصلية الحسنات الحاصلة بالتضعيف فلا تضاعف وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ وهي ما يذم فاعلها شرعا فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) أي الإجزاء مثل ما كانوا يعملون إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن والعمل بما فيه من الأحكام لرادك إلى مكة. فإنه صلّى الله عليه وسلّم خرج من الغار ليلا وسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق، ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة، فاشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل وقال له: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «نعم». فقال جبريل: إن الله تعالى يقول: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي مكة غالبا عليهم قُلْ يا أشرف الخلق للمشركين: رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وما يستحقه من الثواب والإعزاز بالإعادة إلى مكة وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وما يستحقونه من العقاب والإذلال في بلدهم يريد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذلك نفسه والمشركين، وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي وما كنت قبل مجيء الرسالة إليك ترجو إنزال القرآن عليك، وكونك نبيا فإنزاله عليك ليس عن ميعاد وكونك نبيا ليس عن تطلب سابق منك ولكن أنزل إليك القرآن وتجعل نبيا لأجل الترحم من ربك فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) أي معينا لهم بالإجابة إلى طلبتهم وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ أي لا تركن إلى أقوال الكافرين فيصدوك عن اتباع آيات الله بعد وقت إنزالها عليك وإيجاب العمل بها وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي ادع الناس إلى دين ربك وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) بإعانتهم في الأمور، لأن من رضي بطريقتهم أو مال إليهم كان منهم، وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلا في أمورك لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ أي معدوم في حد ذاته فإن وجوده كلا وجود، لأن وجوده ليس ذاتيا إِلَّا وَجْهَهُ أي ذاته تعالى. وقيل: معنى كونه هالكا: كونه قابلا للهلاك والمستثنى من الهلاك والفناء ثمانية أشياء نظمها السيوطي في قوله: ثمانية حكم البقاء يعمها؍ من الخلق والباقون في حيز العدم؍ هي العرش والكرسي ونار وجنة؍ وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم؍ لَهُ الْحُكْمُ النافذ في الخلق وَإِلَيْهِ أي إلى جزائه بالعدل عند البعث تُرْجَعُونَ (٨٨).

العنكبوت 29:1

سورة العنكبوت مكية، تسع وستون آية، وألف وتسعمائة واحدى وثمانون كلمة، وأربعة آلاف وخمسمائة وخمسة وتسعون حرفا الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) أي أظن الذين نطقوا بكلمة الشهادة أنهم يتركون غير ممتحنين بمجرد ذلك النطق، لا بل يمتحنون ليتميز الراسخ في الدين من غيره. نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد، وسلمة بن هشام. وكانوا يعذبون بمكة، فكانت صدورهم تضيق بذلك. والمقصود: الأقصى من الخلق العبادة والمقصد الأعلى في العبادة حصول محبة الله وكل من كان قلبه أشد امتلاء من محبة الله فهو أعظم درجة عند الله، لكن القلب ترجمان وهو اللسان وله مصدقات، هي الأعضاء ولها مزكيات فإذا قال الإنسان باللسان: آمنت فقد ادعى محبة الله في الجنان فلا بد له من شهود، فإذا استعمل الأركان في الإتيان بما عليه من أركان الإسلام حصل له على دعواه شهود مصدقات، فإذا بدل نفسه وماله في سبيل الله وزكى أعماله بترك ما سوى الله زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله، فحينئذ يحرر اسمه في جرائد المحبين ويقرر قسمه في أقسام المقربين وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أي ابتلينا الماضين كسيدنا إبراهيم ألقى في النار وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أي فليظهرن الصادقين في قولهم آمنا من الكاذبين في ذلك، فمن الناس من لا يصبر في البلاء ولا يشكر في النعماء، فهو من الكاذبين، ومنهم من يصبر في حال البلاء ويشكر في حال النعماء، فهذه صفة الصادقين، ومنهم من لا يستمتع في العطاء بل يؤثر في حال الرخاء، ويستريح إلى البلاء، ويستعذب مقاساة العناء، وهذا أجل الكبراء أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا أي بل أحسب المشركون أنهم يفرون منا ويفوتون عذابنا فلا نقدر على مجازاتهم بعصيانهم. ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) أي بئس الذين يحكمونه حكمهم ذلك مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، أي من كان يطمع في ثواب الله فليعمل عملا صالحا، فإن الوقت المضروب له لجاء لا شك في مجيئه وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)، فيسمع ما قالوه، ويعلم ما يعملونه، فللعبد أمور ثلاثة من أصناف حسناته عمل قبله، فهو لا يرى ولا يسمع وإنما يعلم، وعمل لسانه فهو يسمع، وعمل أعضائه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله لمسموعه ما لا أذن سمعت، ولمرئيه ما لا عين رأت، ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب أحد، وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أي ومن صبر على الشدة في محاربة الكفار وفي مخالفة النفس فإن منفعة صبره له لا لله تعالى. إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) فلا حاجة له إلى طاعتهم، وإنما أمرهم بطاعة الله توجيها لهم للثواب بمقتضى رحمته وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)، أي بأحسن جزاء أعمالهم فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، فالمؤمن يدخل الجنة بإيمانه، وتكفر سيئاته به فلا يخلد في النار فحينئذ يكون الجزاء الأحسن غير الجنة، وهو ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر أن يكون هو رؤية الله تعالى. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً أي أمرنا الإنسان بالبر بوالديه والعطف عليهما لأنهما سبب وجود الولد وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما أي وإن أمراك أن تشرك بي ما ليس لك بإلهيته علم فلا تطعهما في الإشراك فقوله: ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إشارة إلى أن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه، وإن لم يعلم بطلانه فكيف بما علم بطلانه؟! روي أن حمية بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس لما سمعت بإسلام ولدها سعد بن أبي وقاص الزهري، وهو من السابقين إلى الإسلام قالت له: يا سعد بلغني إنك قد صبأت فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح، وإن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد، فأبى سعد وكان أحب أولادها إليها ولبثت هي ثلاثة أيام لا تنتقل من الضح، ولا تأكل، ولا تشرب حتى غشي عليها وقال لها: والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما كفرت بمحمد عليه السلام! فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت، ثم جاء سعد إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وأخبره بما كان من أمرها فأنزل الله تعالى: وَإِنْ جاهَداكَ الآية. إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ أي عاقبتكم إلى، وإن كان اليوم مجالستكم بالآباء والأولاد والأقارب. فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) فلا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون، فتوافقون الحاضرين في الحال فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه فأجازيكم عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) أي لنجعلهم في عداد المجردين الذين لا فساد لهم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أي في دين الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ مع ضعفها وانقطاعها كَعَذابِ اللَّهِ الأليم الدائم في الآخرة حتى كفر. نزلت هذه الآية في المنافقين- كعياش بن أبي ربيعة المخزومي- فإنهم قالوا للمؤمنين: إيماننا كإيمانكم فإذا همّ الكفار بالضرب بالسياط جعلوا ذلك الأذى صارفا لهم عن الإيمان كما أن عذاب الله في النار دائما

العنكبوت 29:11

صارف للمؤمنين عن الكفر وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ وهو فتح مكة وغنيمتها لَيَقُولُنَّ أي عياش وأصحابه، إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي في الإيمان وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا فأشركونا في الغنيمة، لأننا على دينكم قال تعالى تكذيبا لهم في قولهم: أنا على دينكم. أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) من الإخلاص في الإيمان والنفاق فيه، ثم أسلم عياش وأصحابه بعد ذلك وحسن إسلامهم وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالإخلاص، فثبتوا على الإسلام عند البلاء وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) بترك الإيمان عند البلاء، أي ليجزينهم بما لهم من الإيمان والنفاق. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا- وهو الوليد ابن المغيرة، وأبو جهل وأصحابهما- لِلَّذِينَ آمَنُوا- كعلي وسلمان وأصحابهما-: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا أي ديننا في عبادة الأوثان وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ أي ذنوبكم عنكم يوم القيامة. وقرأ الحسن وعيسى بكسر لام الأمر، وهو لغة الحجاز وليس هذا أمرا في الحقيقة وردّ الله عليهم بقوله: وَما هُمْ أي الكفار بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ أي من ذنوب المؤمنين مِنْ شَيْءٍ يوم القيامة إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) في مقالتهم وَلَيَحْمِلُنَّ أي الكفرة أَثْقالَهُمْ أي أوزار ما اقترفته أنفسهم كاملة، وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ أي وأوزار الذين يضلونهم مع أوزارهم، وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) في قولهم ولنحمل خطاياكم فإنه صادر من اعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر، ومن اعتقادهم أن لا حشر، ويقال لهم: أما قلتم أن لا حشر؟ ويقال لهم: احملوا خطاياهم فلا يحملون فيسألون. ويقال لهم: لم افتريتم؟ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً يدعوهم إلى التوحيد فلم يجيبوه. قال ابن عباس: كما عمر نوح عليه السلام ألفا وخمسين سنة بعث على رأس أربعين سنة، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان ستين سنة فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ أي الماء الكثير المحيط بهم والمرتفع على أعلى جبل أربعين ذراعا، وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) أي والحال أنهم مصرون على كفرهم. فَأَنْجَيْناهُ أي نوحا وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ أي ومن ركب في السفينة معه عليه السلام، من أولاده وأتباعه- وكانوا ثمانين- وَجَعَلْناها أي السفينة آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) أي علامة دالة على قدرة الله تعالى وعلمه، ووحدته ليتعظوا بها وذلك أن السفينة اتخذت قبل ظهور الماء ولولا إعلام الله نوحا بذلك لما اشتغل بها، فلا تحصل لهم النجاة، وأن الله أمر نوحا بأخذ قوم معه وأقواتهم، ثم إن الماء غيض قبل نفاد الزاد، ولولا ذلك لما حصل لهم النجاة. قال أبو السعود: عاش نوح بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا ومائتين وأربعين سنة وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أي وأرسلناه حين تكامل عقله وترقى من رتبة الكمال إلى درجة التكميل حيث تصدى لإرشاد الخلق إلى طريق الحق اعْبُدُوا اللَّهَ وحده وَاتَّقُوهُ أن تشركوا به شيئا فقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ إشارة إلى إثبات الإله الواحد. وقوله: وَاتَّقُوهُ إشارة إلى نفي عيره وأيضا ف «اعبدوا الله» إشارة إلى الإتيان بالواجبات فيدخل فيه الاعتراف بالله، واتقوه إشارة إلى الامتناع عن المحرمات، فيدخل فيه الامتناع من الشرك ذلِكُمْ أي عبادة الله وتقواه خَيْرٌ لَكُمْ عقلا واعتبارا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) الدلائل والاعتبارات، فإن ضد عبادة الله تعطيل، وضد تقواه تشريك، وكلاهما شر عقلا واعتبارا أما عقلا: فلأن الممكن لا بد له من مؤثر واجب الوجود، ثم إن شريك الواجب إن لم يكن واجب الوجود فكيف يكون شريكا، وإن كان كذلك لزم وجود واجبين فيشتركان في الوجوب ويختلفان في الإلهية، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيلزم التركيب فيهما فلا يكونان واجبين لكونهما مركبين، فيلزم التعطيل. وأما اعتبارا: فلأن الشرف إما أن يكون ملكا أو قريب ملك، فالإنسان لا يكون ملكا للسموات والأرضين، فأعلى درجاته أن يكون قريب الملك فلا يكون قربه إلا بعبادة، فالمعطل لا ملك ولا قريب ملك لعدم اعتباره بوجود ملك فلا مرتبة له أصلا، ثم من يكون سيده لا نظير له يكون أعلا رتبة ممن يكون لسيده شركاء خسيسة، فإن من يقول: إن ربي لا يماثله شيء أعلى مرتبة ممن يقول: سيدي صنم منحوت. فثبت أن عبادة الله وتقواه خير للناس. إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً أي أحجارا لا تستحق العبادة. وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً أي وتكذبون كذبا حيث تسمونها آلهة، وتدعون أنها شفعاؤكم. وقرئ «تخلقون» بتشديد اللام للتكثير في الخلق الذي بمعنى الكذب. وقرئ «تخلقون» بحذف إحدى التاءين من «تخلق» بمعنى: تكذب. وذكر سيدنا إبراهيم بطلان مذهبهم بأبلغ الوجوه، وذلك لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور أربعة: إما لكونه مستحقا للعبادة بذاته كالعبد يخدم سيده الذي اشتراه. وإما لكونه نافعا في الحال كمن يخدم غيره لخير يوصله إليه كالمستخدم بأجرة. وإما لكونه نافعا في المستقبل كمن يخدم غيره راجيا منه أمرا في المستقبل. وإما لكونه خائفا منه. إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأوثان لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً أي لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئا من الرزق، فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ أي فاطلبوا من الله تعالى كل الرزق وَاعْبُدُوهُ لكونه مستحقا للعبادة لذاته، وَاشْكُرُوا لَهُ لكونه سابق النعم بالخلق ومعطي النعم بالرزق إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) فيرجى الخير منه لا من غيره. وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أي وإن تكذبوني فيما أخبرتكم به من أنكم إليه تعالى ترجعون بالبعث فلا تضرونني بتكذيبكم، فإن من قبلكم من الأمم قد كذبوا من قبلي من الرسل- وهم شيث، وإدريس، ونوح عليهم السلام- فلم يضرهم تكذيبهم شيئا. وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨)، أي إلا ذكر

العنكبوت 29:21

المسائل وإقامة البرهان عليه. أَوَلَمْ يَرَوْا أي ألم ينظر هؤلاء القوم ولم يعلموا علما جاريا مجرى الرؤية في الظهور؟ كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ أي يخلقهم، ولم يكونوا شيئا مذكورا، ويخلقهم من نطفة من غذاء هو ماء وتراب وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة، فإن الإعادة، مثل البدء ثُمَّ يُعِيدُهُ؟ أي الخلق كما بدأهم إِنَّ ذلِكَ أي الإعادة عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) إذ لا يفتقر فعله تعالى إلى شيء أصلا قُلْ يا إبراهيم لقومك: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي سيّروا فكركم في الأرض، وأجيلوا ذهنكم في الحوادث الخارجة عن أنفسكم، فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ أي فانظروا إلى الأشياء المخلوقة ليحصل لكم علم بأن الله بدأ خلقا، ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ بعد النشأة الأولى التي شاهدتموها إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)، فإن من علم قدرته تعالى على جميع الأشياء لا يتصور أن يتردد في وقوع الإعادة بعد ما أخبر الله به، يُعَذِّبُ بعد النشأة الآخرة مَنْ يَشاءُ أن يعذبه وهم المنكرون لها، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ أن يرحمه وهم المصدقون بها وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)، أي فإن تأخر عنكم ذلك فلا تظنوا أنه فات إليه تعالى إيابكم وعليه حسابكم، وعنده يدخر ثوابكم وعقابكم، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ بممتنعين منه تعالى أي لو صعدتم إلى محل السماك في السماء أو هبطتم إلى موضع السموك في الماء لا تخرجون من قبضة قدرة الله. وهذا خطاب لقوم فيهم النمروذ الذي حاول الصعود إلى السماء وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ أي قريب ينفعكم، وَلا نَصِيرٍ (٢٢) أي مانع يمنعكم من عذاب الله وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي بدلائله التكوينية والتنزيلية الدالة على ذاته، وصفاته، وأفعاله وَلِقائِهِ أي بالبعث بعد الموت، أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣). وذلك لأن الله تعالى في كل شيء آية دالة على وحدانيته، فإذا أشرك أحد كفر بآيات الله، وإذا أنكر الحشر كفر بلقاء الله وأخرج نفسه عن محل رحمة الله، وإذا جعل له آلهة لم يقر بالحاجة إلى طريق متعين فييأس من رحمة الله، ولما أنكر الحشر وقال: لا عذاب عذبه الله تحقيقا للأمر عليه فعدم الرحمة يناسب الإشراك، والعذاب الأليم يناسب إنكار الحشر فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، أي قال بعضهم لبعض: لا تجيبوا إبراهيم عن براهينه الدالة على التوحيد والنبوة والحشر، واقتلوه بسيف أو نحوه فتستريحوا منه عاجلا، أو حرقوه بالنار، فإما أن يرجع إلى دينكم إذا أوجعته النار، وإما أن يموت بها إذا أصرّ على دينه، فقذفوه في النار فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ أي بجعلها بردا. روي أنه في ذلك اليوم لم ينتفع أحد بنار إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) أي في إنجاء الله تعالى إبراهيم من النار لعبرات لقوم يصدقون بقدرة الله، فإن الله حفظ إبراهيم من حرها، وجعلها خامدة في زمان يسير فلا تؤذيه، ولكن أحرقت وثاقه، وأنشأ في وسطها بستانا. وَقالَ إبراهيم بعد إنجائه من النار إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي برفع «مودة» غير منونة، وجر «بينكم»، ونافع وابن عامر وأبو بكر بنصب «مودة» منونة ونصب «بينكم»، وحمزة وحفص بنصب «مودة» غير منونة، وجر «بينكم». ونقل عن عاصم أنه رفع «مودة» غير منونة، ونصب «بينكم» لإضافته إلى المبني فالرفع خبر «إن» أي إنّ الذين اتخذتموهم أوثانا صلة بينكم، والنصب مفعول له، وخبر «إن» محذوف أي إن الذين اتخذتموه أوثانا معبودة لكم لأجل المودة لا ينفعونكم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. والمعنى: إن اتخاذكم أصناما مودة بينكم ليس إلا في الحياة الدنيا، وقد أجريتم أحكامه حيث فعلتم لي ما فعلتم لأجل مودتكم له انتصارا مني، أي لما خرج إبراهيم من النار عاد إلى عذل الكفار، وقال: إذا بينت لكم فساد مذهبكم وما كان لكم جواب فليس هذا إلا تقليدا، فإن بين بعضكم محبة طبيعية فلا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه في الأحوال، وبينكم وبين آبائكم صلة فورثتموهم، وأخذتم مقالتهم، ولزمتم ضلالتهم. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ فيقول العابد: ما هذا معبودي! ويقول المعبود: ما هؤلاء عبدتي! وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فيقول المعبود لذاك: أنت أوقعتني في العذاب حيث عبدتني ويقول العابد: لهذا أنت أوقعتني فيه حيث أضللتني بعبادتك ويريد كل واحد أن يبعد صاحبه باللعن ولا يتباعدون، بل هم مجتمعون في النار كما هم مجتمعون في هذه الدار كما قال تعالى: وَمَأْواكُمُ النَّارُ أي هي منزلكم فلا ترجعون منه أبدا وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) يخلصونكم من تلك النار، كما خلصني ربي من النار التي ألقيتموني فيها. فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ أي صدقه لوط في جميع مقالاته فقال لإبراهيم: صدقت يا إبراهيم- ولوط هو ابن أخيه هاران- وَقالَ إبراهيم: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي أي إني خارج من قومي إلى مكان أمرني ربي بالتوجه إليه. روي أنه هاجر من كوثي سواد الكوفة مع لوط وسارة ابنة عمه إلى حران، ثم منها إلى الشام، فنزل فلسطين، ونزل لوط سذوم. وكان عمر إبراهيم إذ ذاك خمسا وسبعين سنة. إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) فيمنع أعدائي عن إيذائي ولا يأمرني إلا بما فيه صلاحي. وَوَهَبْنا لَهُ بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة إِسْحاقَ من عجوز عاقر، وَيَعْقُوبَ نافلة، وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ أي ذرية إبراهيم النُّبُوَّةَ فكل الأنبياء بعده من ذريته، وَالْكِتابَ، فلم ينزل بعده كتاب إلا على أولاده، وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ على هجرته فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧). فإن الله بدل جميع أحواله في الدنيا بأضدادها فبدل وحدته في النار بكثرة ذريته حتى ملأت الدنيا، وبدل أقاربه الضالين المضلين بأقارب مهتدين هادين، وبدل ذلته وخموله بالجاه، وكثرة المال حتى قيل: إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق ذهب، وكانت الصلاة عليه مقرونة بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة، فصار معروفا بشيخ المرسلين،

العنكبوت 29:31

وكان في الآخرة باقيا على ما ينبغي، وَلُوطاً أي وأرسلنا لوطا إلى قومه إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي اللواطة، ما سَبَقَكُمْ بِها أي بتلك الفاحشة مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) كلهم من الإنس والجن، أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ أي أدبار الرجال، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ أي سبيل الولد بالإعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث- ويقال: وتقطعون على من مر بكم من الغرباء- وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ! أي وتعملون في مجلسكم الجامع لأصحابكم المنكر: كالجماع، والضراط، وحل الإزار، والحذف بالبندق، ومضغ العلك والفرقعة. قيل: إنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان يأخذ ما معه ويلوطه، ويغرمه ثلاثة دراهم قاض بذلك. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) في قولك: بمجيء عذاب الله علينا إن لم نؤمن، أي إن لوطا كان مداوما على إرشاد قومه فقالوا أولا استهزاء: ائتنا بعذاب الله. ثم لمّا كثر منه ذلك ولم يسكت عن فعلهم قالوا: أخرجوا آل لوط من قريتكم. ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة من الله قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) أي بإنزال العذاب على هؤلاء المفسدين- وهم الذين ابتدعوا الفاحشة وأصروها، واستعجلوا العذاب بطريق الاستهزاء- وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى أي لما جاء جبريل ومن معه من الملائكة إلى إبراهيم بالبشارة بالولد والنافلة قالُوا لإبراهيم: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ- أي قرية سذوم- إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) بإصرارهم على أنواع المعاصي. قالَ إبراهيم: إِنَّ فِيها أي في تلك القرى لُوطاً فكيف تهلكونها؟ قالُوا أي الرسل من الملائكة: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها أي من لوط وغيره لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ ابنتيه زاعورا ورينا إِلَّا امْرَأَتَهُ المنافقة واعلة «١» كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) أي من المنغمسين في العذاب بسبب أن للدال على الشر نصيبا كفاعله، وهي كانت تدل القوم على أضياف لوط وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ أي جاءه ما أحزنه بمجيئهم على صورة البشر بأحسن صورة خلق الله فخاف عليهم من قومه، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي ضاق بتدبير أمرهم طاقته، وعجز عن مدافعة قومه، وَقالُوا للوط: لا تَخَفْ علينا وَلا تَحْزَنْ لأجلنا فإنا ملائكة، إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ مما يصيبهم من العذاب. ونصب «أهلك» معطوف على محل الكاف إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) أي من الباقين في الهلاك ومن الرائحين الماضي ذكرهم، إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ هي سذوم رِجْزاً أي عذابا مزعجا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) أي بسبب فسقهم المستمر. (١) رواه ابن كثير في البداية والنهاية (٢: ١٣٣).

العنكبوت 29:41

وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد الزاي وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها أي القرية آيَةً بَيِّنَةً أي علامة ظاهرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وهي آثار ديارهم الخربة وظهور الماء الأسود على وجه الأرض، وهي بين القدس والكرك، وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً أي وأرسلنا إلى مدين نبيهم شعيبا. فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ أي اعملوا لليوم الآخر وإنما قال شعيب بلفظ الرجاء، لأن عبادة الله يرجى منها الخير في الدارين، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) أي لا تعملوا المعاصي في الأرض. ويمكن أن يقال نصب «مفسدين» على المصدر كما يقال: قم قائما، أي قياما فَكَذَّبُوهُ فيما أخبرهم به، لأن شعيبا كأنه قال: الله واحدا فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه. وهذه الأشياء فيها إخبارات. فالتكذيب راجع إلى الإخبارات الضمنية. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي التي ترجف الأرض والأفئدة إذ قيل: إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته ورجفت قلوبهم منها، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) أي فصاروا في مجمعهم ميتين لا يتحركون، وَعاداً وَثَمُودَ أي وأهلكنا قوم هود وقوم صالح. وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ أي وقد ظهر لكم يا أهل مكة إهلاكنا إياهم من جهة منازلهم الكائنة في الحجر واليمن إذا نظرتم إليها عند مروركم عليها. وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي عبادتهم غير الله فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ أي عن عبادة الله، وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) أي عاقلين، ألبّاء، صحيحي النظر. وَقارُونَ أي وأهلكناه- وهو ابن عم موسى- وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ- وزير فرعون- وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ، أي بالحجج الظاهرات، فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ عن الإيمان بالآيات، وعن عبادة الله وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) أي فارين من عذاب الله، فَكُلًّا أي كل واحد من المذكورين أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، أي عاقبناه بسبب ذنبه، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً أي حجارة محمّاة يقع على واحد منهم وينفذ من الجانب الآخر- وهم قوم لوط وعاد- وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ هو هواء متموج، فإن الصوت سببه وصول الهواء المتموج إلى الصماخ- وهم قوم شعيب وصالح- وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ أي غمرناه في التراب- وهو قارون ومن معه- وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا بالماء- وهم قوم نوح وفرعون وقومه- فحصل العذاب بالعناصر الأربعة: النار والريح والتراب والماء. والإنسان مركب منها وبسببها بقاؤه فإذا أراد الله هلاك الإنسان جعل ما منه وجوده سببا لعدمه وما به بقاؤه سببا لفنائه، وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ بالهلاك وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)، بالإشراك، أي وما كان الله يضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة لكنهم ظلموا أنفسهم حيث وضعوها مع شرفهم في عبادة الوثن مع خسته، مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ فإن أدنى مراتب البيت أن لا يصير سبب افتراق، فبيت العنكبوت: يصير سبب انزعاج العنكبوت، فإنه إذا داوم في زاوية لا يخرج منها، فإذا نسج على نفسه بيتا يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه، ويمسحه بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت، فكذلك العابد ينبغي أن يستحق الثواب بسبب العبادة أو لا يستحق العذاب به، والكافر يستحق العذاب بسبب عبادته، وأن بيت العنكبوت إذا هبت ريح لا يرى منه عين ولا أثر بل يصير هباء منثورا، فكذلك أعمالهم للأوثان. وهذا إشارة إلى إبطال الشرك الخفي أيضا فإن من عبد الله رياء فقد اتخذ وليا غير الله فمثله مثل العنكبوت تتخذ نسجها بيتا فلا يقيها من حر ولا برد، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) شيئا من الأشياء لجزموا أن مثلهم كمثل العنكبوت وأن أضعف ما يعتمد به في الدين دينهم. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ أي إن الله يعلم الذين يعبدونهم من غير الله من شيء: صنم، أو إنسي، أو جني، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) أي وهو قادر على إهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة. تذكيرا للناس وحملا لهم على العمل بما فيه من الأحكام، ومحاسن الآداب، ومكارم الأخلاق. وَأَقِمِ الصَّلاةَ أي دوام على إقامتها إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ، أي تنهى عن التعطيل والإشراك، فالتعطيل هو إنكار وجود الله والإشراك إثبات ألوهية لغير الله. فالعبد أول ما يشرع في الصلاة يقول: الله أكبر. فبقوله: الله، ينفي التعطيل. وبقوله: أكبر، ينفي التشريك. لأن الشرك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك فإذا قال: بِسْمِ اللَّهِ [الفاتحة: ١]، نفى التعطيل، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١]، لأن الحرمن من يعطي الوجود بالخلق، والرحيم من يعطي البقاء بالرزق، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة: ٢] أثبت خلاف التعطيل، وإذا قال: رب العالمين أثبت خلاف الإشراك، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥] نفى التعطيل والإشراك، وكذا إذا قال: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] وإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ [الفاتحة: ٦] نفى التعطيل لأن طالب الصراط له مقصد، والمعطل لا مقصد له. وإذا قال: الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] نفى التعطيل لأن طالب المستقيم هو الأقرب، والمشرك يعبد الأصنام، ويظنون أنهم يشفعون لهم وعبادة الله من غير واسطة أقرب وعلى هذا إلى آخر الصلاة، فإذا قال فيها: أشهد أن لا إله إلا الله فقد نفى الإشراك، والتعطيل. ومعنى نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أنها سبب للانتهاء عنهما، لأنها مناجاة الله تعالى فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته وإعراض كلي عن معاصيه. وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ أي ذكر الله إياكم بالمغفرة والثواب أكبر من ذكركم إياه بالصلاة. وقيل: ذكركم الله بسائر أنواعه أفضل من الطاعات التي ليس فيها ذكر الله. وقيل: المراد بالذكر نفس الصلاة أي وللصلاة أكبر من سائر الطاعات وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) من الذكر ومن سائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة، وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي ولا تخاصموا اليهود والنصارى إلا بالأحسن أي بعدم استخفاف آرائهم، وبعدم نسبة آبائهم إلى الضلال لأنهم جاءوا بكل حسن غير الاعتراف بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنهم آمنوا بإنزال بالكتب وإرسال الرسل، وبالحشر، ففي مقابلة إحسانهم يجادلون بالأحسن إلا الذين أشركوا منهم بإثبات الولد لله وبالقول بثالث ثلاثة، فتجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم وتبيين جهالتهم كالمشرك الذي جاء بالمنكر من غيرهم. فاللائق أن يجادل بالأخشن ويبالغ في تهجين مذهبه وتوهين شبهه. وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا من القرآن وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من التوراة والإنجيل. روي أنه كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ الآية» «١» وفي رواية: «وقولوا: آمنا بالله وبكتبه وبرسله. فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم وإن قالوا حقا لم تكذبوهم» «٢». وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ لا شريك له في الألوهية، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) أي مطيعون لا لغيره وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ أي كما أنزلنا سائر الكتب على من تقدمك أنزلنا عليك القرآن فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وهم الأنبياء يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالقرآن، وَمِنْ هؤُلاءِ أي من أهل الكتاب- كعبد الله بن سلام وأصحابه- مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي بالقرآن وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا أي بالقرآن الذي ظهرت دلالته على المعاني، وعلى كونه من عند الله تعالى إِلَّا الْكافِرُونَ (٤٧) - ككعب بن الأشرف وأصحابه، وأبي جهل وأصحابه- وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ أي وما كنت يا أشرف الخلق تقرأ كتابا قبل إنزالنا القرآن إليك، ولا تكتب الكتاب بيدك. والأصح أنه صلّى الله عليه وسلّم كان لا يحسن الخط والشعر، ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) أي لو كنت قارئا أو كاتبا لشك اليهود والنصارى، لأن في كتابهم أنك أمي لا تقرأ ولا تكتب. بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي بل القرآن آيات واضحات ثابتة في قلوب الذين أعطوا العلم بالقرآن، (١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٥: ١٥١)، والسيوطي في جمع الجوامع (١٠٣٠٧). (٢) رواه ابن حبان في المجروحين (١: ٣٣)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٣: ١١٣٣).

العنكبوت 29:51

فليس مما يشك فيه لكونه محفوظا من غير أن يلتقط من كتاب بحيث لا يقدر على تحريفه بخلاف غيره من الكتب، فإنه لا يقرأ إلا في المصاحف. والمعنى: إن المؤمنين يقرءون القرآن بالحفظ عن قلب تلقيا منك، وبعضهم من بعض وأنت تلقيته عن جبريل عن اللوح المحفوظ، فلم تأخذه من كتاب بطريق تلقيه منه. وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) أي المتجاوزون للحدود في الشر من اليهود والنصارى، والمشركين. وَقالُوا أي الظالمون: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ أي هلا أنزل على محمد آيات، مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى عليهم السلام. وقرأ نافع وأبو عمر، وابن عامر، وحفص «آيات» بالجمع. والباقون بالإفراد قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ينزلها أو لا ينزلها فلا تتعلق بي وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أي لست إلا رسولا مخوفا لأهل المعصية بالنار بلغة تعلمونها، وليس لي عليه تعالى حكم بشيء أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ الدال على نبوتك يُتْلى عَلَيْهِمْ في كل زمان ومكان، فهو معجزة ظاهرة باقية أتم من كل معجزة، وقد وصل إلى المشرق والمغرب، وسمعه كل أحد بخلاف قلب العصا ثعبانا فإنه لم يبق لنا منه أثر، ولم يره من لم يكن في ذلك المكان إِنَّ فِي ذلِكَ أي الكتاب، لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) أي فإن الكتاب رحمة على العباد ليعلموا بها الصادق، فإن إظهار المعجزة على يد الصادق رحمة من الله فلو لم يظهر الكتاب لبقي الخلق في ورطة تكذيب الصادق، أو تصديق الكاذب، لأنه لو لم تكن هذه المعجزة لزم أن لا يتميز النبي عن المتنبي وبهذا الكتاب يتذكر كل من يكون من المؤمنين ما بقي الزمان قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً بأني رسلوه. روي أن كعب بن الأشرف وغيره، قالوا: يا محمد من يشهد لك أنك رسول الله. فنزلت هذه الآية. يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الأمور التي منها شأني وشأنكم وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ، وهو ما سوى الله، وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) لأنهم ضيعوا الأدلة السمعية الموجبة للإيمان. وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ على طريقة الاستهزاء بقولهم: متى هذا الوعد؟ ونحو ذلك. نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث حين قال: فأمطر علينا حجارة من السماء إن كنت من الصادقين. وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لوقت عذابهم لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وقت استعجالهم وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً فإتيان العذاب بغتة حكمة، لأنه لو كان وقته معلوما عندهم لكان كل أحد يعتمد على علمه بوقته فيفجر معتمدا على التوبة قبل الموت، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) بإتيانه، ويظنون أنه لا يأتيهم أصلا. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤)، أي يستعجلونك بالعذاب في الدنيا، والحال أن العذاب سيحيط بهم يوم يأتيهم، يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ أي يوم يلحقهم العذاب من جميع جهاتهم، فنار جهنم تنزل من فوق

العنكبوت 29:61

ولا تنطفئ بالدوس عليها بوضع القدم وَيَقُولُ- قرأ نافع والكوفيون بالياء- أي الله تعالى أو بعض ملائكته بأمره، والباقون بالنون: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) أي ذوقوا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا. قال تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) أي إن تعذرت العبادة عليكم في بعض الأرض فهاجروا ولا تتركوا عبادتي بحال. وقرأ بفتح الياء ابن عامر والباقون بتسكينها، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) أي كل نفس من النفوس واجدة مرارة الموت، فراجعة إلى حكمنا وجزائنا بحسب أعمالها لما أمر الله تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الأخوان فقال لهم: إن ما تكرهون لا بد من وقوعه، فإن كل نفس ذائقة مشاق الموت، والموت مفرق الأحباب، فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله، فيجازيكم عليه، فلا تخافوا من بعد الوطن، أو المعنى: إذا تعلقتم بي فموتكم رجوع إلي وليس بموت كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمنون لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار» . وقرأ أبو بكر بالياء التحتية وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً أي لننزلنهم بيوتا عالية من الجنة. وقرأ حمزة والكسائي «لنثوينهم» بالمثلثة، أي لنقيمنهم في علال من الجنة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي ففي موضع الأنهار بساتين كبار، وزروع، ورياض، وأزهار فيشرفون عليها من تلك العلالي. خالِدِينَ فِيها أي في الغرف نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) أي نعم أجر العاملين الأعمال الصالحة، هذا الأجر الَّذِينَ صَبَرُوا على شدائد المهاجرة، وعلى أمر الله والمرازي وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) أي الذين لم يتوكلوا فيما يأتون ويذرون إلا على الله تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي وكثيرا من الدواب لا تطيق حمل رزقها لضعفها، ولا تدخر شيئا لساعة أخرى. روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أمر المؤمنين الذين كانوا بمكة بالمهاجرة إلى المدينة قالوا: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة؟ فنزلت هذه الآية اللَّهُ يَرْزُقُها أي الدابة على ضعفها، وهي لا تدخر وَإِيَّاكُمْ مع قوتكم، لأن رزق الكل بأسباب هو تعالى وحده المسبب لها فلا تخافوا الفقر بالمهاجرة وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) فيسمع قولكم هذا، ويعلم ضمائركم وحاجتكم، ويسمع إذا طلبتم الرزق، ويعلم مقدار حاجتكم إذا سكتم، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي أهل مكة مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على هذا النظام وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لإصلاح الأقوات، ومعرفة الأوقات وغير ذلك من المنافع؟ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ إذ لا سبيل لهم إلى إنكار ذلك فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) أي فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده تعالى في الإلهية مع إقرارهم بتفرده تعالى في الخلق والتسخير. اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ أي الله يوسع المال ويقتر على من يشاء في أي وقت يوافق الحكمة، فيفعل كلا من البسط والتضييق في وقته ومحله. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) فيعلم مقادير الأرزاق ومقادير الحاجات، ألا ترى أن الملوك يفاوتون في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون بأحوالهم فما ظنك بملك الملوك العالم بكل شيء. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي كفار مكة مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها، أي يبوستها؟ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ معترفين بأنه تعالى الموجد للممكنات بأسرها، ثم إنهم يشركون به تعالى بعض مخلوقاته قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على أن أظهر حجتك عليهم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) شيئا من الأشياء فلذلك لا يعلمون بمقتضى قولهم، هذا فيشركون به تعالى أخس مخلوقاته ولا يعرفون فساد هذا التناقض، وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ أي إن الدنيا سريعة الزوال، فالاشتغال بلذاتها كاشتغال الصبيان بلهوهم وعبثهم، فإنهم يجتمعون عليه، ويفرحون به ساعة، ثم يتفرقون عنه، فالإعراض عن الحق لهو، والإقبال على الباطل لعب. وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ أي إن الحياة الثانية لهي الحياة الدائمة التي لا موت فيها لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) أن الحياة المعتبرة هي حياة الآخرة لما آثروا عليها الدنيا فَإِذا رَكِبُوا أي كفار مكة فِي الْفُلْكِ في البحر ولقوا شدة دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ صورة حيث لا يدعون غير الله تعالى بالنجاة، وألقوا الأصنام التي حملوها معهم في البحر وقالوا: يا رب، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد عنهم إلا الله تعالى فَلَمَّا نَجَّاهُمْ من البحر إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) أي عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدّنيا وأشركوا بالله الأوثان لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من عرض الدنيا وَلِيَتَمَتَّعُوا أي وليتلذذوا بمتاع الدنيا. وقرأ ورش، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم بكسر اللام وهي إما لام العاقبة والمال، وإما لام الأمر على سبيل التهديد. والباقون بالتسكين فهي لام الأمر فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) فساد عملهم حين يرون العذاب أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)، أي ألم ينظر كفار مكة ولم يشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرما مصونا من النهب. والحال أنه يختلس من حولهم قتلا وسبيا مع كون أهل مكة قليلين قارين في مكان، غير ذي زرع أبعد ظهور الحق بالباطل خاصة من الأديان يصدقون! وبنعمة الله التي أعطاهموها يكفرون! والمعنى: إنكم يا أهل مكة في أخوف ما كنتم دعوتم الله تعالى، وفي آمن ما حصلتهم عليه كفرتم بالله وهذا متناقض، لأن دعائكم في وقت الخوف على سبيل الإخلاص لم يكن إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير، وقد اعترفتم بأن تلك النعمة العظيمة من الله، كيف تكفرون بها وقد قطعتم في حال الخوف إنه لا أمن من الأصنام حيث ألقيتموها في البحر كيف آمنتم بها في حال الأمن؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ فالله تعالى لا يمكن أن يكون له شريك فمن جعل الشريك لملك مستقل في الملك كان ظالما يستحق العقاب منه، فكيف إذا جعل الشريك لمن لا يمكن أن يكون له شريك؟ ومن كذب صادقا يجوز عليه الكذب كان ظالما، فكيف من كذب صادقا لا يجوز عليه الكذب؟ فإذا ليس أحد أظلم ممن يكذب على الله بالشرك، ويكذب الله في تصديقه نبيه صلّى الله عليه وسلّم، ويكذب النبي في رسالة ربه، ويكذب القرآن المنزّل من الله إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) أي ألا يستحقون الإقامة في جهنم، وقد فعلوا افتراء على الله تعالى، وتكذيبا بالحق الصريح أو يقال: ألم يعلموا أن في جهنم منزلا للكافرين حتى اجترءوا هذه الجراءة وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، أي والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينّهم سبل ثوابنا. ويقال: والذين نظروا في دلائلنا لنحصل فيهم العلم بنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) أي لمعينهم في القول والفعل بالتوفيق والعصمة. وهذا إشارة إلى درجة أعلى من الاستدلال كأن الله تعالى يقول: من الناس من يكون بعيدا لا يتقرب- وهم الكفار- ومنهم من يتقرب بالنظر والسلوك فيهديهم الله تعالى ويقربهم، ومنهم من يكون الله معه ويكون قريبا منه تعالى يعلم الأشياء منه تعالى ولا يعلمه من الأشياء فقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ إشارة إلى الأول. وقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا إشارة إلى الثاني. وقوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ إشارة إلى الثالث.

الروم 30:1

سورة الروم مكية، ستون آية، ثمانمائة وثماني عشرة كلمة، ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وثلاثون حرفا الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ أي في أقرب أرض العرب منهم- وهي أطراف الشام- فالروم: اسم قبيلة وسميت باسم جدها، وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وسمي عيصو: لأنه كان مع يعقوب في بطن فعند خروجهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل أخيه فقال عيصو ليعقوب: إن لم أخرج قبلك خرجت من جنب أمي فتأخر يعقوب شفقة لها، فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين. وَهُمْ أي الروم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ أي من بعد مغلوبهم سَيَغْلِبُونَ (٣) فارس فِي بِضْعِ سِنِينَ، وسبب نزول هذه الآية أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم، لأن فارس كانوا مجوسا أميين والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل الكتاب، فبعث كسرى جيشا إلى الروم، واستعمل عليهم رجلا يقال له: شهريار، وجعل قيصر جيشا، واستعمل عليهم رجلا يدعى: بخنس فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أقرب الشام إلى أرض العرب، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم. فنزلت هذه الآية، فخرج أبو بكر الصدّيق إلى كفار مكة، فقال: فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا، فو الله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلّى الله عليه وسلّم. فقال له أبيّ بن خلف الجمحي: كذبت يا أبا فضيل. فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله. فقال له: اجعل بيننا أجلا أنا حبك عليه، فناحبه على عشر قلائص، وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر به أبو بكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البضع ما بين الثلاث إلى التسع» «١». فزايده في الخطر ومادده في الأجل، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين، ومات أبيّ من جرح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إياه في أحد بعد (١) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١٣٣). رجوعه إلى مكة، ثم أقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي إلى الفرس، وظهرت الروم على فارس عند رأس سبع سنين من مناحبتهم، ومات كسرى وذلك يوم الحديبية، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبيّ، وجاء به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال له: «تصدق به» - وكان ذلك قبل تحريم القمار- وهذه الآيات تدل على علم النبي صلّى الله عليه وسلّم بوقت الغلبة، لكن لم يأذن الله تعالى في إظهاره، لأن الكفار كانوا معاندين، فالمعاند يرجف بوقوع الواقعة قبل الوقوع ليحصل الخلف في الكلام، والوقت يمكن فيه الاختلاف. وقرئ «غلبت» على البناء للفاعل و «سيغلبون» على البناء للمفعول. والمعنى: أن الروم غلبت على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها ففتحوا بعض بلادهم، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي من قبل غلبة الروم على فارس ومن بعدها فكل من كون الروم مغلوبين أولا وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله تعالى وقضائه. وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ أي ويوم إذ يغلب الروم على فارس يفرح المؤمنون بتغليب الله من له كتاب على من لا كتاب له، ويفرحون بغلبتهم المشركين ببدر. قال السدي: فرح النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك. والجار والمجرور متعلق ب «يفرح» يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ أي ينصر من عباده على عدوه من ضعيف وقوي. وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) أي وهو تعالى المبالغ في الغلبة والمبالغ في الرحمة وَعْدَ اللَّهِ مصدر مؤكد لنفسه، أي وعدهم الله بالنصر وبالفرج وعدا، لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ أيّ وعد كان مما يتعلق بالدنيا والآخرة لاستحالة الكذب عليه تعالى. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أهل مكة لا يَعْلَمُونَ (٦) وعده تعالى بنصرهم ووعد الله لا خلف فيه، يَعْلَمُونَ أي أكثرهم ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا من زخارفها وملاذها وسائر أحوالها الموافقة لشهواتهم، ولا يعلمون باطنها، وهي مضارها ومتاعبها وفناؤها، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أي وهم جاهلون بأمر الآخرة تاركون لعملها ولا يعلمون أن الدنيا مجاز إلى الآخرة أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ! فلو تكفروا في أنفسهم لعلموا وحدانية الله، وصدقوا بالحشر. أما دلالة الإنسان على الوحدانية، فلأن الله خلقهم على أحسن تقويم ولنذكر من حسن خلقهم جزءا من ألف جزء، وهو أن الله تعالى خلق للإنسان معدة فيها غذاؤه لتقوى به أعضاؤه ولها منفذان أحدهما لدخول الطعام فيه. والآخر: لخروجه منه، فإذا دخل الطعام فيها انطبق المنفذ الآخر بعضه على بعض بحيث لا يخرج منه ذرة، وتمسكه الماسكة إلى أن ينضج نضجا صالحا، ثم يخرج من المنفذ الآخر، وخلق تحت المعدة عروقا دقاقا، صلابا كالمصفاة، فينزل منها الصافي إلى الكبد، وبنصب الثفل إلى الأمعاء ويكون مع الغذاء المتوجه من المعدة إلى الكبد فضل ماء مشروب ليرقق، وينذرف في العروق الدقاق المذكورة، وفي الكبد يستغنى عن ذلك الماء فيتميز

الروم 30:11

عنه ذلك الماء وينصب من جانب حدبة الكبد إلى الكلية، ومعه دم يسير تغتذي به الكلية وغيرها، ويخرج الدم الخالص من الكبد في عرق كبير، ثم يتشعب ذلك النهر إلى جداول، والجداول إلى سواق والسواقي إلى رواضع، ويصل فيها إلى جميع البدن فهذه حكمة واحدة في خلق الإنسان، وهذه كفاية معرفة كون الله فاعلا مختارا، قادرا عالما، ومن يكون كذلك يكون واحدا، وإلا لكان عاجزا عند إرادة شريكه ضد ما أراده، وأما دلالة الإنسان على الحشر فذلك لأنه إذا تفكر في نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال، وأجزاءه مائلة إلى الانحلال، فله فناء ضروري فلو لم يكن له حياة أخرى لكان خلقه تعالى على هذا الوجه للفناء عبثا، لأن من يفعل شيئا للعبث لو بالغ في إتقانه يضحك منه فإذا خلق الله الإنسان للبقاء ولا بقاء دون اللقاء فالآخرة لا بد منها. ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى أي ما خلقها عبثا بغير حكمة بالغة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة الدالة على وجود صانعها، ووحدته، وقدرته، وعلمه بأجل معين قدره الله تعالى لبقائها إلى أن تنتهي إليه، وهو وقت قيام الساعة وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ إشارة إلى وجه دلالتها على الوحدانية. وقوله: وَأَجَلٍ مُسَمًّى إشارة إلى معاد الإنسان فإن مجازاته بما عمل من الإساءة والإحسان هو المقصود بالذات وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أي وإن كفار مكة لمنكرون بلقاء حسابه تعالى وجزائه بالبعث. أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي أقعد كفار مكة في أماكنهم ولم يسيروا في أقطار الأرض فيشاهدوا كيف كان جزاء الأمم الذين كذبوا رسلهم كعاد وثمود، كانُوا أي من قبلهم أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً في الجسم، وأقدر منهم على التمتع بالحياة وَأَثارُوا الْأَرْضَ أي قلبوها للزراعة والغرس أكثر مما حرث أهل مكة وَعَمَرُوها بفنون العمارات من الزراعة والغرس والبناء وغيرها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أي أكثر مما عمر أهل مكة كما وكيفا وزمانا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج الظاهرات وبالمعجزات فكذبوهم، فأهلكهم الله. فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ بإهلاكه إياهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) بتكذيب الرسل ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «عاقبة» بالرفع على أنها اسم «كان»، و «السوأى» خبرها، وهي جهنم، أي ثم كان آخر أمر الذين عملوا السيئات نار جهنم. وقرأ الباقون بنصب «عاقبة» على أنها خبر «كان»، واسمها «السوأى» تأنيث الأسوأ، أو أن كذبوا أي ثم كان تكذيبهم واستهزاؤهم آخر أمر الذين أشركوا بالله وعملوا الفعلة السوأى، وهي اسم النار- كما تقدم- أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) بدل من «السوأى». وقيل: «كذبوا» إلخ تفسير ل «أساءوا» اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي ينشئهم من النطفة، ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد الموت بالبعث ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) إلى موقف الحساب والجزاء. وقرأ أبو عمرو وشعبة بالياء على الغيبة. والباقون على الخطاب للمبالغة في الترهيب وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) أي وقت رجعهم إليه تعالى يسكت المشركون متحيرين وييأسون من كل خير، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ يجيرونهم من عذاب الله تعالى كما كانوا يزعمونه، وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) أي وكان عبدة الأصنام بآلهتهم متبرئين منهم يقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ بعد تمام الحساب يَتَفَرَّقُونَ (١٤) أي جميع الخلق فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) أي فهم في جنة يسرّون بكل مسرة. وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ذكر الجنة وما فيها من النعيم، وفي آخر القوم أعرابي فقال: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: «يا أعرابي إن في الجنة نهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة» «١». وروي أن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع، بعث الله تعالى ريحا تحت العرش فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ بالبعث بعد الموت فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) أي لا غيبة لهم عن العذاب ولا فتور له عنهم، أما من يؤمن ويعمل السيئات فليس دائم الحضور في العذاب، وليس من المحبورين غاية الحبور في رياض بل له منزلة بين المنزلتين، فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) أي نزهوه تعالى عن صفات النقص، وصفوه بصفات الكمال في هذه الأوقات، واحمدوه وإنما خصّ بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح، لأن الإنسان لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح لكونه محتاجا إلى تحصيل مأكول ومشروب، وملبوس، ومركوب، وكما أن العبد ينزه الله في أول النهار، وآخره، ووسطه فإن الله يطهره في أوله- وهو دنياه- وفي آخره- وهو عقباه- وفي وسطه- وهو حالة كونه في قبره- وقوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كلام معترضين بين المعطوف والمعطوف عليه وفيه لطيفة، وهو أن الله تعالى لما أمر العباد بالتسبيح كأنه بيّن لهم أن تسبيحهم الله لنفعهم لا لنفع يعود على الله، فعليهم أن يحمدوا الله إذا سبحوه، ثم إن التنزيه المأمور به يشمل التنزيه بالقلب، وهو الاعتقاد الجازم واللسان- وهو الذكر- الحسن، وبالأركان- وهو العمل الصالح- فالإنسان إذا اعتقد شيئا ظهر من قلبه على لسانه، وإذا قال ظهر صدقه في مقاله من أحواله، وأفعاله، واللسان، ترجمان الجنان، والأركان، برهان اللسان، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان، وهي مشتملة على الذكر باللسان، والقصد بالجنان: وهو تنزيه في التحقيق، فيجب حمل التسبيح على كل ما هو تنزيه، (١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٤: ٢٩١).

الروم 30:21

فيكون هذا أيضا أمرا بالصلاح. يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كالإنسان من نطفة والطير من البيضة وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ أي يخرج النطفة والبيضة من الحيوان. وقال بعضهم: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ويقال: يخرج اليقظان من النائم، والنائم من اليقظان، فإحياء الميت عنده تعالى كتنبيه النائم، وإماتة الحي كتنويم المنتبه. وَيُحْيِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها أي بعد يبوستها وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك الإخراج تُخْرَجُونَ (١٩) من قبوركم. وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء وضم الراء وَمِنْ آياتِهِ الدالة على أنكم تبعثون أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ فإنا خلقنا من نطفة وهي من الغذاء، وهو من النبات، وهو من التراب. ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) أي ثم بعد أطوار كثيرة فاجأتم وقت كونكم بشرا تتمتعون على وجه الأرض. وَمِنْ آياتِهِ الدالة على البعث والجزاء: أَنْ خَلَقَ لَكُمْ أي لأجلكم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسكم أَزْواجاً أي إناثا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها أي لتميلوا إليها، وتطمئنوا بها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ أي بين المرأة والزوج مَوَدَّةً أي محبة وَرَحْمَةً أي شفقة ويقال: مودة للصغير على الكبير ورحمة للكبير على الصغير. إِنَّ فِي ذلِكَ أي في خلقهم من تراب، وخلق أزواجهم من جنسهم وإلقاء المودة والرحمة بينهم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) فيما خلق الله. وَمِنْ آياتِهِ الدالة على أمر البعث: خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من حيث إن خلقهما وما فيهما ليس إلا لمعاش البشر ومعاده، وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أي لغاتكم العربية، والفارسية، وغير ذلك. والأصح أنه اختلاف كلامكم، فإن الأخوين إذا تكلما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر وَأَلْوانِكُمْ ببياض الجلد وسواده، وتوسطه. إِنَّ فِي ذلِكَ أي في خلق السموات والأرض، واختلاف الألسنة والألوان لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢). وقرأ حفص وحده بكسر اللام، أي لآيات عظيمة في أنفسها، كثيرة في عددها للمتصفين بالعلم. والباقون بفتح اللام في ذلك دلالة على كمال وضوح الآيات على أحد من الخلق كافة. وَمِنْ آياتِهِ الدالة على القدرة والعلم: مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ فالنوم بالنهار مما تعدّه العرب نعمة من الله، ولا سيما في أوقات القيلولة في البلاد الحارة وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ فيهما. وهذا إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من كسبه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه، إِنَّ فِي ذلِكَ أي في الليل والنهار لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) سماع تفهم حيث يستدلون بذلك على شؤونه تعالى. وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ، أي ومن آياته الدالة على عظيم قدرته تعالى: إراءتكم للبرق خَوْفاً للمسافر من المطر أن يبل ثيابه وَطَمَعاً للمقيم في المطر أن يسقي حروثه، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون. فَيُحْيِي بِهِ أي بذلك الماء الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها أي بعد يبوستها إِنَّ فِي ذلِكَ أي المطر لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) أي لدلالات على الفاعل المختار لمن له عقل، وإن لم يتفكر تفكر تاما. وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ أي ومن آياته الدالة على القدرة استمرار السماء والأرض على ما هما عليه بإرادته تعالى له، ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) أي ثم إذا دعاكم الله على لسان إسرافيل بعد انقضاء الأجل من الأرض وأنتم في قبوركم دعوة واحدة بأن قال: أيها الموتى اخرجوا فاجأتم الخروج منها وقول: مِنَ الْأَرْضِ متعلق ب «دعاكم». وَلَهُ خاصة مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الملائكة والثقلين خلقا، وملكا، وتصرفا، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) أي منقادون لفعله وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد موتهم وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ بالقياس على قوانينكم من أن الإعادة للشيء أهون من ابتدائه، وإلا فالأفعال كلها بالنسبة إلى قدرته تعالى متساوية في السهولة، وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي وله تعالى الوصف الأعلى الذي ليس لغيره ما يدانيه، فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)، أي وهو كامل القدرة على الممكنات، شامل العلم بجميع الموجودات، فيجري الأفعال على سنن الحكمة. ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي بيّن الله لكم يا معشر الكفار مثلا مأخوذا من أحوال أنفسكم هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ أي هل لكم شركاء فيما رزقناكم من الأموال كائنون بالنوع الذي ملكت أيمانكم، فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ أي فأنتم وعبيدكم فيما رزقناكم مستوون في التصرف تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي تخافون أن تنفردوا بالتصرف فيه بدون رأيهم خيفة كائنة مثل خيفتكم من الأحرار المشاركين لكم فيما ذكر أي أنتم لا ترضون بأن يشارككم مماليككم، وهم أمثالكم في البشرية فكيف تشركون به تعالى في المعبودية مخلوقة تعالى؟ كَذلِكَ أي مثل ذلك التفصيل الواضح نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نبينها بالدلائل القطعية والأمثلة والمحاكيات الإقناعية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) أي يستعملون عقولهم في تدبر الأمور، بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي لا يجوز أن يشرك بالمالك مملوكه، ولكن الذين أشركوا اتبعوا أهواءهم الزائغة من غير علم، وأثبتوا شركاء من غير دليل فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي لا يقدر أحد على هداية من خلق الله فيه الضلال، وَما لَهُمْ أي لمن أضله الله تعالى مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) يخلصونهم من الضلال فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أي أقبل بكلك على الدين غير ملتفت يمينا وشمالا حَنِيفاً أي مائلا عن كل ما عدا الدين فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي الزم دين الله- وهو التوحيد- فإن الله خلق الناس عليه في بطون أمهاتهم، وحيث أخذهم الله من ظهر آدم، وسألهم ألست بربكم؟ فقالوا: بلى لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي لا تبدلوا دين الله- كما قاله مجاهد وإبراهيم- وقيل: أي لا تغير للوحدانية حتى إن سألتهم من خلق السموات والأرض يقولون: الله. لكن الإيمان الفطري غير كاف. ذلِكَ أي لزوم دين الله الدِّينُ الْقَيِّمُ أي الحق الذي لا عوج فيه وَلكِنَّ

الروم 30:31

أَكْثَرَ النَّاسِ أي أهل مكة لا يَعْلَمُونَ (٣٠) أن ذلك هو الدين الحق، فيصدون عنه صدودا مُنِيبِينَ إِلَيْهِ أي أقيموا وجوهكم للدين مقبلين عليه، وَاتَّقُوهُ من مخالفة أمره بل داوموا على العبادة وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)، أي ولا تشركوا بعد الإيمان وهاهنا وجه آخر وهو أن الله أثبت التوحيد الذي هو خروج عن الإشراك الظاهر بقوله تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وأراد الله إخراج العبد عن الشرك الخفي بقوله تعالى: وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي لا تقصدوا بعملكم إلا وجه الله، ولا تطلبوا إلا رضا الله، ثم أبدل الله قوله: مِنَ الْمُشْرِكِينَ قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أي اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم. وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» بألف، أي تركوا دينهم الذي أمروا به، وَكانُوا شِيَعاً أي وصاروا فرقا فيما يعبدونه، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) أي وإذا أصاب كفار مكة شدة دعوا ربهم برفع الشدة مقبلين إليه بالدعاء، ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ أي من الضر رَحْمَةً أي خلاصا إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي الكفار بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) ويقول: تخلصت بسبب اتصال الكوكب الفلاني بفلان وبسبب الصنم الفلاني، لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فاللام للعاقبة فَتَمَتَّعُوا يا أهل مكة: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) عاقبة تمتعكم. وقرئ بالياء على أن «تمتعوا» فعل ماض وقرئ وليتمتعوا أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) أي هل أنزلنا على أهل مكة كتابا، فذلك الكتاب يدل على الأمر الذي بسببه يشركون ف «أم» بمعنى الهمزة فقط عند الكوفيين، وبمعنى بل والهمزة عند البصريين كما هو شأن «أم» المنقطعة. وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً من صحة وسعة فَرِحُوا بِها بطرا لا شكرا، فإن قيل لك: الفرح بالرحمة مأمور به في قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨]، وهاهنا ذمهم الله على الفرح بالرحمة، فكيف ذلك؟ قلت: هناك فرحوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله تعالى وهاهنا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مثل فرحهم بما إذا كان من الله، وهو كما أن الملك لو حطّ عند أمير رغيفا على السماط، أو أمر غلمانه بأن يحطوه عنده، ففرح ذلك الأمير به ولو أعطى الملك فقيرا غير ملتفت إليه رغيفا فرح به، ففرح الأمير بكون ذلك الرغيف من الملك، وفرح الفقير بكون ذلك رغيفا، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي شدة ضيق بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بشؤم معاصيهم إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أي ييأسون من رحمة الله غير صابرين بها. وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر النون أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، أي ألم ينظروا ولم يشاهدوا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء امتحانا هل يشكر أم يكفر، ويضيقه لمن يشاء اختبارا هل يصبر أم يجزع؟ إِنَّ فِي ذلِكَ أي التوسيع والتضييق لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة. فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ من الصلة والصدقة وسائر

الروم 30:41

المبرات وَالْمِسْكِينَ سواء كان ذا قرابة أم لا. وَابْنَ السَّبِيلِ أي المسافر من صدقة التطوع ذلِكَ أي المذكور من الصلة والعطية والإكرام خَيْرٌ أي ثواب في الآخرة، لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي يقصدون بمعروفهم جهة التقرب إليه تعالى لا جهة أخرى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) أي الناجون من السخط وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ، أي وما أعطيتم من عطية خالية من العوض ليزيد في أموال الناس بأن تعطوا شيئا، وتطلبوا ما هو أفضل منه فليس لكم فيه أجر، وليس عليكم فيه إثم. وقرأ نافع «لتربوا» بتاء الخطاب وسكون الواو، أي لتصيروا ذوي زيادة. وقرأ ابن كثير «وما أتيتم» بقصر الهمزة، أي وما جئتم به من إعطاء عطية. واختلف العلماء فيمن وهب وهبة يطلب عوضها وقال: إنما أردت العوض، فإن كان مثله ممن يطلب العوض من الموهوب له، فله ذلك عند مالك رضي الله عنه وذلك كهبة الفقير للغني، وهبة الخادم لصاحبه، وهبة الشخص لمن فوقه ولأميره. وقال أبو حنيفة: لا يكون له عوض إذا لم يشترط. وهذان القولان جاريان للشافعي رضي الله عنهم. وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) أي وما أعطيتم من صدقة تطوع إلى المساكين تبتغون وجهه تعالى، فأولئك هم الذين أضعفت صدقاتهم في الآخرة بكثرة الثواب، ويحفظ أموالهم في الدنيا وبالبركة لها اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ نسما في بطون أمهاتكم، ثم أخرجكم وفيكم الروح ثُمَّ رَزَقَكُمْ إلى الموت ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء مدتكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث بعد الموت، هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ أي هل من آلهتكم يا أهل مكة من يقدر أن يفعل من ذلك شيئا؟ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) أي لا تصفوه تعالى بالإشراك. وقرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ أي تبين الفساد في البر والبحر كالجدب وكثرة الحرق، والغرق، وموت دواب البر والبحر، وقلة اللؤلؤ بسبب كسب الناس المعاصي. قال الضحاك: كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة، وكان ماء البحر عذبا، وكان لا يقصد الأسد البقر والغنم، فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار، وصار ماء البحر ملحا زعاقا «١»، وقصد الحيوانات بعضها بعضا، لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أي بعض جزاء الذين عملوا، فإن تمامه في الآخرة. وقرأ قنبل «لنذيقهم» بالنون لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) عما كانوا عليه قُلْ يا محمد لأهل مكة: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كقوم ونوح وعاد وثمود ليشاهدوا (١) الزعاق: بضم الزاي: الماء المرّ والكثير الملح الذي لا يطاق شربه [القاموس المحيط، مادة: زعق. [.....] آثارهم كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)، وكان بعض الهلاك بغير الشرك كالفسق ومخالفة الأمر فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ. قال الزجاج: أي أقم صدرك واجعل وجهك اتباع دين الإسلام مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ متعلق ب «يأتي» أو ب «مرد»، أي لا يقدر أحد على رده من الله تعالى، ولا يرده الله تعالى لتعلق إرادته تعالى بمجيئه يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) أي يوم إذ يأتي ذلك اليوم يتفرقون: فريق في الجنة، وفريق في السعير. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي من كفر بالله فعليه عقوبة كفره وهو خلوده في النار وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) أي ومن عمل صالحا في الإيمان فيفرشون منازلهم في الجنة لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ، والجار والمجرور متعلق ب «يمهدون» أو ب «يصدعون»، أي يتفرقون بتفريق الله تعالى فريقين ليجزي الله كلا منهما بحسب أعمالهم إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) أي يعاقبهم. وَمِنْ آياتِهِ الدالة على وحدانيته تعالى وقدرته أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ لخلقه بالمطر وبصلاح الأهوية، والأحوال، فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد، فرياح الرحمة: هي الشمال، والصبا، والجنوب. وأما الدبور فهي ريح العذاب وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وهي المنافع التابعة للرياح وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ أي السفن بسوقها بِأَمْرِهِ أي بمشيئته في البحر وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ بتجارة البحر وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) نعمة الله فيما ذكر لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا أكرم الرسل سُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي جاء كل رسول قومه بما يخصه من البينات كما جئت قومك ببيناتك فكذبوهم، انْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أي أهلكنا الذين كذبوهم، كانَ حَقًّا أي واجبالَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) أي وكان الانتقام حقا، فلم يكن ظلما، ثم استأنف الله بقوله تعالى: لَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وهذا بشارة لمن آمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم ويقال نصر المؤمنين: كان واجبا علينا وهذا تأكيدا لبشارة، لأن كلمة «على» تفيد معنى اللزوم فإذا قال حقا أكد ذلك المعنى، والنصر: هو الغلبة التي لا تكون عاقبتها وخيمة والكافر إن هزم المسلم في بعض الأوقات لا يكون ذلك نصرة إذ لا عاقبة له. اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً أي فترفع سحابا ثقالا بالمطر الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ أي فينشر الله السحاب كمال الانتشار متصلا بعضه ببعض تارة في جو السماء كيف يشاء، سائرا، وواقفا، ومطبقا، وغير مطبق وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً أي ويجعل الله السحاب قطعا تارة أخرى فَتَرَى الْوَدْقَ أي المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ أي من خلال السحاب فَإِذا أَصابَ أي الله بِهِ أي بالودق مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي أراضيهم، إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) أي يفرحون بمجيء الخصب وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)، أي وإن الشأن كانوا من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبل الاستبشار لآيسين من المطر، فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ من النبات والأشجار والثمار، فالرحمة: هي المطر، وأثرها هو النبات.

الروم 30:51

وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص «آثار» بالألف، والباقون بغير ألف. كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي فانظر إلى إحياء الله تعالى للأرض بإخراج النبات بعد يبوستها إِنَّ ذلِكَ أي الذي يحيي الأرض لَمُحْيِ الْمَوْتى أي لقادر على إحيائهم وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) أي مبالغ في القدرة على جميع الأشياء وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)، أي وبالله لئن أرسلنا ريحا حارة أو باردة فضربت زرعهم بالصفا، فرأوا الزرع مصفرا بعد خضرته لصاروا من بعد صفرته يكفرون بنعمته تعالى السالفة، فَإِنَّكَ يا أشرف الخلق لا تُسْمِعُ الْمَوْتى أي لا تجزع ولا تحزن على عدم إيمانهم، فإنهم موتى صم عمي. ومن كان كذلك لا يهتدي، وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) أي إذا أعرضوا مدبرين عن الحق وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ أي ليس شغلك هداية العميان إلى الحق. قبوله فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) أي مطيعون اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ أي من أصل ضعيف هو النطفة، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ أي من بعد كونه جنينا وطفلا مولودا، ورضيعا، ومفطوما قُوَّةً أي حالة البلوغ والشباب، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً للكهولة وَشَيْبَةً- وهو بياض الشعر الأسود- أي فإن ذلك الضعف والقوة والشباب والشيبة ليس طبعا بل هو بمشيئة الله تعالى وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) فالترديد في الأطوار المختلفة من أوضح دلائل العلم والقدرة، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي توجد القيامة يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ أي يحلف الكافرون بالله ما لَبِثُوا في القبور غَيْرَ ساعَةٍ، أي غير قدر ساعة كَذلِكَ أي مثل ذلك الصرف كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)، أي يصرفون من الحق إلى الباطل، ومن الصدق إلى الكذب. وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ من الملائكة والإنس: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في القبور فِي كِتابِ اللَّهِ أي بحسب ما علمه الله وقدره إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ من القبور فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ الذي كنتم توعدون في الدنيا والذي أنكرتموه، وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) أنه حق ولا تقرون بوقوعه فتستعجلون به استهزاء، وتطلبون الآن تأخير الساعة، فصار مصيركم إلى النار فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا. وقرأ الكوفيون «لا ينفع» بالياء التحتية، أي فيوم القيامة لا ينفع الذين أشركوا اعتذارهم في إنكارهم له وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)، أي لا يطلب منهم إزالة العتب من التوبة كما طلبت منهم في الدنيا لأنها لا تقبل منهم وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي وبالله لقد بينا لهم في هذا القرآن كل حال وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن، كأنها في غرابتها مثل وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ يا أشرف الخلق بِآيَةٍ من آيات القرآن الناطقة بأمثال ذلك لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) أي ما أنتم يا معشر المؤمنين إلا كاذبون ويقال: ولئن جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل. يقولون: أنتم كلكم أيها المدعون للرسالة مزورون كَذلِكَ، أي مثل ذلك الطبع يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) أي لا يطلبون العلم ولا يقصدون الحق، فَاصْبِرْ على ما تشاهد منهم من الأقوال الباطلة والأفعال السيئة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وقد وعدك بالنصرة وإظهار الدين وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)، أي لا يحملنك على الخفة وترك الصبر الذين لا يصدقون بالآيات. وهذا إشارة إلى وجوب مداومة النبي صلّى الله عليه وسلّم على الدعاء إلى الإيمان فإنه لو سكت لقال الكافر: إنه منقلب الرأي لا ثبات له، والله أعلم بالصواب.