مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — ق 50:1 – الملك 67:21
المحتويات
- ق 50:1
- ق 50:11
- ق 50:21
- ق 50:31
- ق 50:41
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:11
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:51
- الطور 52:1
- الطور 52:21
- الطور 52:31
- الطور 52:41
- النجم 53:1
- النجم 53:11
- النجم 53:21
- النجم 53:31
- النجم 53:41
- النجم 53:51
- النجم 53:61
- القمر 54:1
- القمر 54:11
- القمر 54:21
- القمر 54:41
- القمر 54:51
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:21
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:41
- الرحمن 55:51
- الرحمن 55:71
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:31
- الواقعة 56:41
- الواقعة 56:61
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:81
- الحديد 57:1
- الحديد 57:11
- الحديد 57:21
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:21
- الحشر 59:1
- الحشر 59:11
- الحشر 59:21
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:11
- الصف 61:1
- الصف 61:11
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:11
- الطلاق 65:1
- الطلاق 65:11
- التحريم 66:1
- التحريم 66:11
- الملك 67:1
- الملك 67:11
- الملك 67:21
ق 50:1
سورة ق
مكية، خمس وأربعون آية، ثلاثمائة وخمس وتسعون كلمة، ألف وأربعمائة وأربعة وتسعون حرفا
ق. قال ابن عباس: هو جبل أخضر محدق بالدنيا وخضرة السماء منه، وهو قسم أقسم الله به.
قال الرازي: المنقول عن ابن عباس أن «ق» اسم جبل وأما أن المراد في هذا الموضع به ذلك فلا. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) أي العظيم، لأن القرآن عظيم الفائدة، أو لأنه كلام
الله تعالى، أو كثير الكرم، لأن كل من طلب مقصوده من القرآن وجده، فإنه مغنى كل من لاذ به، أو ذي الشرف، فإن من علم معانيه وعمل بما فيه شرف عند الله تعالى وعند الناس. بَلْ عَجِبُوا وهذا إضراب عن جواب القسم المحذوف، أي ما آمن كفار مكة بمحمد والقرآن بل جعلوا كلا منهما عرضة للتعجب، مع كونهما أقرب شيء إلى التلقي بالقبول، وإنما عجبوا من ذلك لكون محمد من جنسهم لا من جنس الملائكة، ولكون القرآن أخبر بالبعث بعد الموت وذلك قوله تعالى.
أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أي عجبوا من أن جاءهم رسول من جنسهم يخوفهم بالنار بعد البعث فقال كفار مكة منهم أبي، وأمية ابنا خلف ومنبه ونبيه ابنا الحجاج هذا أي كون المنذر منا، وكون المنذر به هو البعث بعد الموت أمر يتعجب منه، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً أي أحين نموت ونصير ترابا رميما نبعث ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) أي ذلك الخبر برجوعنا إلى ما كنا عليه بعد موتنا رجع بعيد من الأوهام والإمكان. وقرأ نافع وحفص، وحمزة والكسائي بكسر ميم «متنا». والباقون بالضم قال الله تعالى ردا لاستبعادهم قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أي ما تأكل الأرض من لحومهم وعظامهم فلا تخفى علينا أجزاؤهم بسبب تشتتها في الأرض، أي إن الله تعالى عالم بجميع أجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر، وقادر على الجمع والتأليف فليس الرجوع منه ببعيد، وكما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فذلك قوله تعالى:
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) أي حافظ لأجزائهم وأعمالهم بحيث لا ننسى شيئا منها، أي فالعلم عندي كما يكون في الكتاب أعلم جزءا جزءا وشيئا شيئا، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ أي بالنبوة الثابتة بالمعجزات الباهرة لَمَّا جاءَهُمْ أي حين جاءهم منذر هو محمد صلّى الله عليه وسلّم من غير تأمل وتفكر.
وقرئ «لما جاءهم» بكسر اللام على أن اللام للتوقيت، أي وقت مجيء المنذر إياهم فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)، أي فهم في شأن المنذر في قول مختلف فإنهم تارة يقولون: إنه ساحر، وأخرى شاعر، وأخرى كاهن وأخرى مجنون.
قال الرازي: نقول كان الواجب أن ينتقلوا من الشك إلى الظن بصدقه صلّى الله عليه وسلّم لعلمهم بأمانته واجتنابه الكذب طول عمره بينهم، ومن الظن إلى القطع بصدقه لظهور المعجزات القاهرات على يديه ولسانه، فلما غيّروا الترتيب حصل عليهم المرج ووقع الدرك مع المرج أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ أي أعموا فلم يشاهدوا السماء كل وقت وهي ظاهرة فوق رؤوسهم غير غائبة عنهم، كَيْفَ بَنَيْناها أي رفعناها بغير عمد، وَزَيَّنَّاها بالكواكب وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) أي والحال ليس لها فتوق.
وهذا إشارة إلى وجه الدلالة فالإنسان له أساس وهي العظام التي هي كالدعامة، وله قوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن، وزينة السماء أكمل من زينة الإنسان بلحم وشحم وليس للسماء فروج، وللإنسان مسام، فتأليف السماء أشد ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج الأصفق، والتأليف الأضعف كالنسج الأسخف، والأول أصعب عند الناس وأعجب، فكيف يستبعدون الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من الله تعالى؟! وَالْأَرْضَ مَدَدْناها أي بسطناها على الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ أي جبالا ثوابت أوتادا لها وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) أي من لون حسن في المنظر. وهذا إشارة إلى دليل آخر يدفع قولهم ذلك رجع بعيد وهم قالوا: الإنسان إذا مات وفارقته القوى لا تعود إليه تلك القوى فنقول: الأرض أشد جمودا والله تعالى ينبت فيها أنواع النبات، فكذلك الإنسان تعود إليه الحياة وذكر الله في الأرض ثلاثة أمور، كما ذكر في السماء ثلاثة أمور فكل واحد في مقابلة واحد فالمد في مقابلة البناء وإثبات الرواسي في الأرض في مقابلة ركز الكواكب في السماء وشق الأرض بالإنبات في مقابلة سد الفروج إذا علمت هذا ففي الإنسان أشياء موضوعة وأشياء مرفوعة، وأشياء ثابتة، كالأنف والأذن، وأشياء متحركة كالمقلة واللسان، وأشياء مسدودة الفروج كدور الرأس، وأشياء لها فروج كالمناخر والصماخ والفم. فالقادر على هذه الأضداد في السبع الشداد غير عاجز عن خلق نظيرها في هذه الأجساد. تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) أي خلقنا السماء والأرض تبصيرا وتذكيرا لكل عبد مقبل إلى الله راجع إلى التفكر في بدائع صنائعه، فإن فيهما آيات مستمرة منصوبة على مرور الزمان، وآيات متجددة مذكرة عند التناسي ونصب الاسمين على المفعول من أجله أو على الحال أي مبصرين ومذكرين. وقرأ زيد بن علي «تبصرة وذكر» برفعهما، أي هي تبصرة
ق 50:11
وذكر، أي عبرة وعظة وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً أي نافعا كثير الخير فَأَنْبَتْنا بِهِ أي بذلك الماء جَنَّاتٍ أي أشجارا كثيرة يقطف ثمارها والأصول باقية. وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) أي حب زرع يحصد كل عام وَالنَّخْلَ وهو جنس مختلط من الزرع والشجر، لأن الثمر فاكهة وقوت بخلاف غيره فإن بعض الثمار فاكهة ولا قوت فيه، وأكثر الزرع قوت، وأيضا إن من النباتات ما يبقى أصلها سنين ولا يحتاج إلى عمل عامل وما لا يبقى أصلها ويحتاج كل سنة إلى عمل عامل وما يبقى أصلها يحتاج كل سنة إلى عمل عامل. باسِقاتٍ أي طوالا أو حوامل. وهي حال مقدرة.
وقرئ «باصقات» بالصاد لأجل القاف لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) أي لتلك النخل كفرى مجتمعة بعضها فوق بعض،
رِزْقاً لِلْعِبادِ أي لنرزقهم. وهذا علة ل «أنبتنا»، والحكمة في تعليل الإنبات بالرزق بعد تعليل الإنبات الأول بالتبصرة والتذكير إشارة إلى أن الواجب على العبد أن يكون انتفاعه بالنباتات من حيث الاستبصار والتذكر أقدم من تمتعه بها من حيث الرزق والحكمة في إطلاق العباد في الرزق، وفي تقييدهم بكونهم منيبين في التبصرة والتذكير، لأن الرزق حصل لكل أحد، والتذكرة لا تكون إلّا لكل منيب فهو يأكل ذاكرا شاكرا للإنعام، ثم التبصرة بالخلق هو الاستدلال بأن القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء والتذكرة بالبقاء بالرزق بعد الإعادة هو الاستدلال بأن البقاء في الدنيا يكون بالرزق وبأن القادر على إخراج الأرزاق من النجم والشجر قادر على أن يرزق العبد في الجنة وأن يبقيه فيها، وَأَحْيَيْنا بِهِ أي بذلك الماء بَلْدَةً مَيْتاً أي أرضا جدبة لا نماء فيها أصلا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) أي مثل خروج النبات من الأرض بالماء خروجهم من القبور يوم القيامة بالمطر الذي كمني الرجال، ومثل تلك الحياة في النبات بالإخراج حياتهم بالبعث من القبور على ما كانوا عليه في الدنيا، كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي قبل قومك قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وهو بئر دون اليمامة، وهم قوم شعيب. وقيل: هم قوم عيسى الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى. وقيل: هم أصحاب الأخدود وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ. وإنما نص عليه لأنه ليس في قادة قومه كافر غيره، لأنه استخف قومه فأطاعوه، فجعل الاعتبار له خاصة وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وإنما قال هاهنا ذلك، لأن لوطا كان مرسلا إلى طائفة من قوم إبراهيم معارف لوط وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ، أي الغيظة وهم قوم شعيب غير أهل مدين وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو كان معتمدا بقومه، كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ أي فالمذكورون كانوا منكرين للحشر، وكل واحد منهم كذب جميع الرسل، فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أي فثبت وعيدي من نصرة الرسل عليهم وإهلاكهم. أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي قصدنا إيجاد الإنسان وسائر الحيوان وإيجاد السموات والأرض، فعجزنا عنه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)، أي إنهم غير منكرين لقدرتنا على اختراع الخلق من العدم، بل هم في شك في إعادة الخلق إلى الحياة بعد
ق 50:21
الموت لما فيه من مخالفة العادة، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ أي ما يخطر بباله، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) أي ونحن أقرب إلى الإنسان من العرق الذي يجري فيه الدم، ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن بعلمنا بحاله، وبنفوذ قدرتنا فيه يجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ف «إذ» منصوب بأقرب، أي فالله أقرب إلى الإنسان من عرقه المخالط له في وقت أخذ الملكين الحافظين منه قوله وفعله، فلهما عن اليمين مقاعد وعن الشمال مقاعد. وفي هذا إشارة إلى أن المكلف غير متروك سدى. ويقال:
وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد، فالملتقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من ملك الموت، أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور إلى يوم النشور، والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الثبور إلى يوم النشر من القبور، أي فهذان الملكان ينزلان إلى الإنسان وعنده ملكان
كاتبان لأعماله، قاعدن عن يمينه وشماله فوقت تلقيهما إياهما يسألانهما عن أيّ النوعين كان هذا الإنسان، فإن كان من الصالحين يأخذ روحه ملك السرور ويرجع إلى الملك الآخر مسرورا، وإن كان من الطالحين يأخذها ملك العذاب ويرجع إلى الآخر محزونا. ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ أي ما يرمي الإنسان المكلف به من فيه من خير أو شر، إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) أي إلّا لديه ملك يحفظ قوله ويكتبه، وملك يهيئ لكتابة ما أمر به من الخير أو الشر، فكل من كاتب الحسنات وكاتب السيئات يقال له: رقيب عتيد.
وقرئ «ما يلفظ» على البناء للمفعول. وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي جاءت شدة الموت الذاهبة بالعقل بالموت، كأن شدة الموت. تحضر الموت كما قرئ «وجاءت سكرة الحق بالموت»، أو يقال: المراد من الحق هو الدين. فالمعنى وأظهرت سكرة الموت الدين إذ ما من أحد في تلك الحالة إلّا وهو يظهر الإيمان لكنه لا يقبل إلّا ممن سبق منه ذلك ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) أي ذلك الموت ما كنت تفر منه أيها السامع، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ هي نفخة البعث فقوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ إشارة إلى الإماتة. وقوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ إشارة إلى الإحياء والإعادة. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) أي ذلك الزمان يوم وقوع الوعيد، وهو العذاب الموعود،
وَجاءَتْ في ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ أي ملك يسوق البر إلى الجنة والفاجر إلى النار، وَشَهِيدٌ (٢١) أي كاتب فإنه يشهد عليها بعملها ويقال لَقَدْ كُنْتَ أيها الشخص في الدنيا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا أي اليوم فما من أحد إلّا وله غفلة ما عن الآخرة.
وقرئ «كنت» بكسر التاء باعتبار تأنيث النفس فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ أي أزلنا عنك غفلتك فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)، أي نافذ، وكان من قبل كليلا.
وقرئ بكسر الكاف في المواضع الثلاثة. وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أي قال الشيطان الذي زيّن له العصيان: هذا العصيان هو الذي عندي معد لجهنم أو قال الملك الذي يكتب
ق 50:31
أعماله: هذا الكتاب مكتوب عندي مهيأ للعرض. قال تعالى خطابا للسائق والشهيق: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ.
وقرأ الحسن «ألقين» بنون التوكيد خطاب لواحد من خزنة النار. عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) أي ألقيا في جهنم كل كافر بالله معاند لآياته، مانع الناس من اتباع رسول الله ومن الإنفاق على من عنده ظالم بالإيذاء وكثرة الهذاء، شاك في اليوم الآخر فلا يظن أن الساعة قائمة، فكل كافر هو موصوف بهذه الصفات. الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) وقوله تعالى: الَّذِي مبتدأ يشبه الشرط في العموم، ولذا دخلت الفاء في خبره، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي جعل ويكون «فألقياه» تأكيدا ل «ألقيا» الأول. قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ أي إن الكافر حين يلقى في النار يقول: ربنا أطغاني شيطاني فيقول الشيطان متبرئا منه: ربنا ما أضللته وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧)، أي عن الحق.
وقال ابن عباس: لما يقول الكافر: يا رب، إن الملك زاد علي في الكتابة، فكتب على ما لم أقل وما لم أفعل، وعجلني بالكتابة حتى نسيت. قال الملك الذي يكتب عليه سيئاته: ربنا ما زدت عليه وما كتبت إلّا ما قال وعمل وما أعجلته بالكتابة، ولكن كان في ضلال طويل لا يرجع عنه إلى الحق. قالَ تعالى خطابا للكافرين وقرنائهم: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ أي في موقف الحساب والجزاء وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) أي بالتهديد في دار الكسب في كتبي، وعلى ألسنة رسلي حيث قلت لكم: إذا اتبعتم الشيطان تدخلون النار وقد اتبعتموه، ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ أي ما يغير الوعيد بتخليد الكافر في النار ومجازاة العصاة على حسب استحقاقهم في هذا الموقف وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)، أي وما أنا بمعذب للعبيد بغير ذنب من قبلهم، يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ- وقرئ «يقول» بالياء-: هَلِ امْتَلَأْتِ أي قد امتلأت كما وعدتك، وهو استفهام تقرير والمراد الإخبار عنه امتلاء جهنم وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)، أي قد امتلأت فليس في مكان رجل واحد لم يمتلئ، فهو استفهام إنكار أي لما خاطب الله جهنم بصورة الاستفهام أيضا ومرادها الإقرار بامتلائها، أو استفهام لطلب الزيادة فهو بمعنى الأمر أي زدني يا رب،
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) أي قربت الجنة للمتقين عن الكفر والمعاصي قربا حقيقيا بحيث يشاهدونها من الموقف أو قربت تقريب حصول، لأنها تنال بكلمة طيبة وحسنة. هذا أي الجنة ما تُوعَدُونَ في الدنيا.
وقرأ ابن كثير بالياء على الغيبة. لِكُلِّ أَوَّابٍ أي مقبل إلى الله. و «هذا» بدل كل من «المتقين». حَفِيظٍ (٣٢) أي حافظ لأمر الله في الخلوات، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ حال من المفعول، أي غائبا عن الخاشي، و «من» بدل من «كل» أو خبر مبتدأ مضمر، أي هم من خشي إلخ، والخشية من عظمة المخشي والخوف من ضعف الخاشي. وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) أي
ق 50:41
بريء من الشرك يقول الله تعالى لهم: ادْخُلُوها أي الجنة بِسَلامٍ أي بسلامة من عذاب الله تعالى أو بسلام على من فيها، فلا تتركوا حسن عادتكم ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)، أي ذلك الزمان يوم خلود أهل الجنة في الجنة، لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها من فنون المطالب وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) هو ما لا يخطر ببالهم ولا يندرج تحت مشيئتهم من معالي الكرامات.
وقيل: إن السحابة تمر بأهل الجنة فتمطرهم الحور، فتقول: نحن المزيد الذي قال تعالى:
وَلَدَيْنا مَزِيدٌ. وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ أي قبل قومك مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ أي من قومك بَطْشاً أي قوة فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ أي خرقوا فيها وجالوا في أكناف الأرض كل مجال حذر الموت، هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) أي هل لهم مخلص من أمر الله تعالى، إِنَّ فِي ذلِكَ أي في إهلاكهم لَذِكْرى أي لعظة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أي قلب واع سليم، يتفكر في الأمور كما ينبغي بذكائه، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ إلى ما يتلى عليه من الوحي الدال على ما جرى عليهم، وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) أي حاضر بفطنته لأن من لا يحضر ذهنه، فكأنه غائب وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من أصناف المخلوقات فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أولها: يوم الأحد، وآخرها: يوم الجمعة وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)، أي وما أصابنا من تعب. قيل: هذه الآية نزلت في اليهود حيث قالوا: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام أولها: الأحد، وآخرها: الجمعة، ثم استراح يوم السبت، واستلقى على العرش. فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ من حديث التعب بالاستلقاء.
قال الرازي: والأقرب والظاهر أن المراد بهذه الآية الرد على المشرك في إنكار البعث والاستدلال بخلق السموات والأرض، وما بينهما في إثبات البعث، وعلى هذا فالمعنى فاصبر على ما يقولون: هذا شيء عجيب أي هذا الذي يقول محمد نبعث بعد الموت شيء عجيب فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) أي نزه الله تعالى عن الشرك، وعن العجز الممكن الذي هو البعث، وذكّرهم بعظمة الله تعالى في وقت اجتماعهم، وهو قبل الطلوع، وقبل الغروب وأول الليل أي عقب سجودك نزه ربك بالبرهان عند اجتماع القوم ليحصل لك العبادة بالسجود والهداية أدبار السجود ولا تسأم من تكذيبهم إياك وامتناعهم من استماع وعظك. ويقال: صل حامدا لربك الصلوات الخمس والنوافل بعد المكتوبات وشغل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمران: عبادة الله وهداية الخلق، فإذا هداهم ولم يهتدوا. قيل له: أقبل على شغلك الآخر وهو عبادة الله، واجعل كلامك بدل الدعاء عليهم التسبيح لله والحمد له.
وقرأ نافع وابن كثير وحمزة «إدبار» بكسر الهمزة والباقون بالفتح.
وَاسْتَمِعْ لما يوحى إليك من أحوال القيامة يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) بحيث يصل نداؤه إلى الكل على سواء قيل يقف المنادي إسرافيل أو جبريل على صخرة بيت المقدس.
من غير أن يشاركنا في ذلك أحد، وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) أي الرجوع في الآخرة للجزاء يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً أي مسرعين في خروجهم من الأرض والتشقق يكون عند الخروج منها ف «سراعا»، حال من الضمير في «عنهم»، و «يوم» بدل من «يوم» الأول. أو ظرف للمصير، أو ظرف للخروج.
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر «تشقق» بتشديد الشين. والباقون بالتخفيف. وقرئ «تشقق» على البناء للمفعول. وقرئ «تنشق». ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) أي ذلك الإخراج بتشقيق الأرض إحياء وجمع هين علينا للحساب والجزاء فكيف ينكره منكر؟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ من نفي البعث وتكذيب الآيات الناطقة بثبوت البعث، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ أي بمسلط أن تقسرهم على الإيمان وإنما أنت مذكر فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥).
وقرأ «ورش» بإثبات الياء بعد الدال بالوصل. وقوله تعالى: فَذَكِّرْ إشارة إلى أن سيدنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم مرسل مأمور بالتذكير وقوله تعالى: بِالْقُرْآنِ إشارة إلى أنه أنزل عليه القرآن.
وقوله تعالى: وَعِيدِ إشارة إلى اليوم الآخر، وضمير المتكلم في قوله تعالى: وَعِيدِ يدل على الوحدانية، أي إنما يقبل عظتك من يخاف عذابي في الآخرة.
الذاريات 51:1
سورة الذاريات
مكية، ستون آية وثلاثمائة وستون كلمة، ألف ومائتان وتسعة وثمانون حرفا
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) أي والرياح التي تذر، والتراب وغيره، وتهب في منازل القوم.
فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) أي فالسحب الحاملة للمطر. فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣)، أي فالسفن الجارية في البحر جريا ذا يسر. فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) أي فالملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها. وهذا التفسير هو ما روي عن علي رضي الله عنه.
وقال الرازي: والأقرب أن هذه الأمور الأربعة صفات أربع للرياح.
فالذاريات: هي الرياح التي تنشئ السحاب أولا.
والحاملات: هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار المياه، التي إذا سحت جرت السيول العظيمة، وهي أوقار أثقل من جبال.
والجاريات: هي الرياح التي تجري بالسحب بعد حملها الماء.
والمقسمات: هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار. إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) أي إن وعدكم بالبعث والحساب لوعد صادق، وَإِنَّ الدِّينَ أي الحساب والجزاء لَواقِعٌ (٦)، أي لحاصل، فالحساب يستوفى والعقاب يوفى، وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) أي ذات الحسن أو ذات الزينة، أو ذات الطرائق، وهي مسير الكواكب ومسلك النظار. إِنَّكُمْ يا معشر قريش لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)، أي منعكس وظنكم غير مجازين في اعتقادكم، فإنهم قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إنك تعلم أنك غير صادق في قولك وإنما تجادل ونحن نعجز عن الجدل، فكأنه تعالى قال لنبيه: إنك صادق ولست معاندا بل هم جازمون بأنك صادق، وإنما يظهرون الجزم بأمر لشدة عنادهم، فانعكس الأمر عليهم يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قيل: هذا مدح للمؤمنين أي يصرف عن القول، المختلف من صرف عن ذلك القول ورشد إلى القول المستوي.
وقيل إن هذا ذم، أي يصرف عن الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم والقرآن والحشر من قد صرف عن الهدى، وهو الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف ومنبه
الذاريات 51:11
ونبيه قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) أي لعن الكذابون الذين لا يجزمون بأمورهم أصحاب القول المختلف. وهذا دعاء عليهم.
وقرئ «قتل الخراصين» بالبناء للفاعل، أي قتل الله المقدرين ما لا صحة له،
الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ أي في جهالة بأمر الآخرة ساهُونَ (١١) أي غافلون عما أمروا به، يَسْئَلُونَ أي بنو مخزوم بطريق الاستعجال استهزاء، أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) ؟ أي متى يكون يوم الجزاء الذي نعذب فيه؟ قال تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) أي يكون ذلك يوم هم يعرضون على النار ويحرقون بها، ويجوز أن يكون «يوم هم» خبرا لمبتدأ محذوف، وهو مبني على الفتح لإضافته إلى مبني ويؤيده أنه قرئ بالرفع، أي هو يوم هم إلخ. وتقول لهم الزبانية: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ أي حرقكم هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) بالقول بطريق الاستهزاء، أو بالفعل وهو الإصرار على العناد وإظهار الفساد. وقوله تعالى هذه الآية داخل تحت القول المضمر، وهو إما مبتدأ أو بدل من فتنتكم، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) جارية في خلال الجنات آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ أي قابلين لما أعطاهم ربهم راضين من الجنات والعيون، إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ أي قبل إعطاء الله الجنات لهم مُحْسِنِينَ (١٦) في الدنيا بالقول والفعل كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) ف «ما» زائدة. وهذا تفسير للإحسان، أي كانوا ينامون في جزء قليل من الليل. وقيل: «ما» مصدرية و «يهجعون» بدل اشتمال من الواو، أي كان هجوعهم من الليل قليلا، أو فاعل ل «قليلا»، أي كانوا قليلا من الليل هجوعهم. وقيل: «ما» نافية، و «قليلا» خبر «كان» وعلى هذا فالوقف عليه صالح كالوقف على يهجعون. والمعنى: كان عددهم قليلا لا ينامون من الليل وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) أي هم مع قلة نومهم وكثرة صلاتهم يداومون على الاستغفار في الأسحار، ويعدون أنفسهم مذنبين لوفور علمهم بالله تعالى. وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) أي هم لا يجمعون الأموال إلّا ويجعلونها ظرفا للحق، فيرون في أموالهم حقا للذي يسأل العطاء من الناس وللمتعفف الذي يحسبه بعض الناس غنيا، فلا يعطيه شيئا، فهو الّذي لا يسأل ولا يعطى، أي هم أوجبوا على أنفسهم بمقتضى الكرم أن يصلوا بأموالهم الأرحام والفقراء والمساكين، وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)، أي وفي جهة السفل دلائل واضحة للموقنين على شؤونه تعالى، فإن الموقن لا يغفل عن الله تعالى في حال، ويرى في كل شيء آيات دالة على قدرته تعالى ووحدانيته، أما الغافل فلا يتنبّه إلّا بأمور كثيرة فيكون الكل له كآية واحدة،
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أي وفي أنفسكم آيات دالة لكم على وحدانية الله تعالى وقدرته، إذ ليس في العالم شيء إلّا وفي الأنفس له نظير، أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) أي ألا تنظرون الأرض وما فيها، والأنفس وما فيها، فلا تبصرون بعين البصيرة، وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) أي رزقكم ووعدكم بالجنة والنار مكتوبة مقدرة في السماء.
ويقال: هذا الخطاب مع الكفار فكأنه تعالى قال: وفي الأرض آيات للموقنين كافية، وأما أنتم أيها الكافرون ففي أنفسكم آيات تكفرون بها لحب الرئاسة، وحطام الدنيا، وفي السماء الأرزاق، فلو تأملتم حق التأمل لما تركتم الحق لأجل الرزق، فإنه واصل إليكم بكل طريق، ولاجتنبتم الباطل اتقاء لما توعدون من العذاب النازل من السماء، فأسباب الرزق من المطر والرياح، والحر والبرد، وغير ذلك مما هيّأ الله تعالى به لمنافع العباد هي من جهة العلو، فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)، أي إن ما ذكر من أمر الرزق والوعد بالثواب، والعقاب لحق مثل نطقكم، فكما لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي لكم أن تشكوا في حقيقة ذلك.
وقرأ حمزة والكسائي وشعبة «مثل» بالرفع. والباقون بالنصب لإضافته إلى مبني وهو «أنكم»، و «ما» مزيدة. هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) أي ألم يأتك حديث ضيف إبراهيم الذي أكرمهم بخدمته لهم، وبالعجل.
قال عثمان بن محصن: كانوا أربعة من الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل أخرجه أبو نعيم. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ أي إبراهيم ظرف للحديث أو لما في الضيف من معنى الفعل، أو للمكرمين إن فسر بذلك المذكور. فَقالُوا سَلاماً أي نسلم سلاما أو نبلغك سلاما، قالَ أي إبراهيم: سَلامٌ أي سلام عليكم أو جوابه سلام أو أمري سلام،
بمعنى مسالمة لا تعلق بيني وبينكم، لأني لا أعرفكم، أو قولكم سلام يدل على السلامة. وقرئا مرفوعين. وقرأ حمزة والكسائي «سلما» بكسر السين وسكون اللام بالنصب. قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) قال ابراهيم ذلك في نفسه- كما قاله ابن عباس- والمعنى: هؤلاء قوم غرباء لا أعرفهم وإنما أنكرهم إبراهيم عليه السلام، لأنهم ليسوا ممن عرف من الناس فَراغَ إِلى أَهْلِهِ أي ذهب إبراهيم إلى أهله في سرعة على خفية من ضيفه فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)، أي فذبح فتى من أولاد البقر، فحنذه، فجاء به إلى أضيافه فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ بأن وضعه عندهم ليأكلوا، فلم يأكلوا.
قالَ أي إبراهيم: أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) من الطعام! فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أي فأضمر في نفسه خيفة منهم لظن أنهم لصوص، فلما عرفوا خوف إبراهيم قالُوا لا تَخَفْ منا يا إبراهيم إنا رسل ربك. قيل: مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه، فعرفهم، وأمن منهم، وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) أي بولد عليم في صغره حليم وهو: إسحاق أو إسماعيل كما قاله مجاهد، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ أي أقبلت سارة على أهلها صائحة، لأنها كانت في خدمتهم، فلما تكلموا مع زوجها بولادتها استحيت، وأعرضت عنهم فَصَكَّتْ وَجْهَها أي لطمته من الحياء، كما جرت عادة النساء عند الاستحياء، أو التعجب وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩). أي قالت سارة: أنا عجوز عاقر فكيف ألد؟ قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ أي قالت الملائكة، حكم ربك في الأزل مثل ذلك القول الذي أخبرناك به يا سارة فلا تعجبين منه، ف «كذلك» منصوب ب «يقال»
الذاريات 51:31
الثانية على المصدر. إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) فيكون قوله حقا وفعله متقنا، إذ الحكيم هو الذي فعله كما ينبغي لعلمه مع قصد ذلك.
قالَ أي إبراهيم: فَما خَطْبُكُمْ أي فما أمركم العظيم الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة فلعظمتكم لا ترسلون إلّا في عظيم، أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) أتى إبراهيم عليه السلام بما هو آداب المضيف حيث يقول لضيفه إذا استعجل في الخروج: ما هذه العجلة وما شغلك الذي يمنعنا من التشرف بالاجتماع بك ولا يسكت عند خروجهم، لأن سكوته يوهم استثقالهم قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) أي كافرين من قوم لوط، لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) أي لننزل عليهم من السماء حجارة من طين، مطبوخ كالآخر بعد ما قلبنا قراهم.
قال السدي ومقاتل: كانوا ستمائة ألف، فأدخل جبريل جناحه تحت الأرض، فاقتلع قراهم، وكانت أربعة، ورفعها حتى سمع أهل السماء أصواتهم، ثم قلبها بأن جعل عاليها سافلها، ثم أرسل عليهم الحجارة، فتتبعت الحجارة مسافريهم وشذاذهم، أي المنفردين عن الجماعة مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) أي مكتوبا على كل واحد من الحجارة اسم واحد من المجاوزين الحد في الفجور، وذلك إنما يعلمه الله تعالى، فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها أي في قرى قوم لوط مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) بلوط، لإهلاك الكافرين فإن القرية ما دام فيها المؤمن لم تهلك، فببركة المحسن ينجو المسيء. فَما وَجَدْنا فِيها أي في تلك القرى غَيْرَ بَيْتٍ واحد مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦).
قال مجاهد: كان الناجون لوطا وابنته. وقال قتادة: كانوا أهل بيته. وقال سعيد بن جبير:
كانوا ثلاثة عشر وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)، أي وتركنا في قريات قوم لوط علامة للمنتفع بها قيل: هي حجارة منضودة في ديارهم، وهي بين الشام والحجاز. وقيل: هي ماء أسود منتن خرج من أرضهم. وقيل: هي نفس القرى الخربة وَفِي مُوسى وهذا إما معطوف على «فيها»، والمعنى وتركنا في قصة موسى آية، أو يقال: وجعلنا في قصة قوم لوط عبرة للخائفين حلول العذاب فلا يقتدون بفعلهم، وجعلنا في قصة موسى آية، وإما معطوف على قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ وتقديره وفي موسى حديث وهذا مناسب إذ جمع الله كثيرا بين ذكر إبراهيم وذكر موسى عليهما السلام، إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أي ببرهان قاطع حاج به فرعون، أو بمعجزة فارقة بين سحر الساحر وأمر المرسلين كاليد والعصا، فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ أي فأعرض فرعون عن الإيمان به مع جنوده، أو فتقوى فرعون بأقوى جنده، وهو هامان، فإنه كان وزيره. وَقالَ في شأن موسى: هذا ساحِرٌ تأتيه الجن بسحره باختياره، أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) تقصده الجن من غير اختياره، كأن فرعون نسب الخوارق العجيبة إلى الجن وتردد في أنها حصلت باختيار موسى أو بغيره، أَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ
أخذ غضب وقهر، نَبَذْناهُمْ فِي
الذاريات 51:41
الْيَمِ
أي فأغرقناهم في البحر هُوَ مُلِيمٌ
(٤٠)، أي والحال أن فرعون آت بما يلام عليه من الطغيان،
وَفِي عادٍ أي وفي قوم هود حديث، إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) أي المهلك وقاطع النسل وهو الدبور، ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) أي ما تترك هذه الريح شيئا مرت عليه مقصودا وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم إلّا جعلته مثل التراب، أو مثل الشيء الهالك وَفِي ثَمُودَ، أي وفي قوم صالح حديث إِذْ قِيلَ لَهُمْ. وقرأ هشام والكسائي بإشمام القاف والباقون بكسرها: تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) أي عيشوا وانتفعوا بالزرع والأبنية، وبلبن الناقة إلى أواخر آجالكم فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي فجاوزوا الحد في الاستكبار عن الامتثال بأمر الله تعالى، فقتلوا ناقته، وأرادوا قتل نبيه صالح عليه السلام فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي النار التي فيها الصوت الشديد التي حملتها الريح فأوصلتها إلى مسامعهم.
وقرأ الكسائي «الصعقة» بإسكان العين بعد الصاد بدون ألف بينهما وهي المرة من الصيحة المهلكة، وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) أي وهم يعاينون النار التي تنزل من السماء فيها رعد شديد، ولا يقدرون على دفعها. ويقال: أتاهم العذاب بعد إنذارهم بمجيئه بثلاثة أيام وهم ينتظرون مجيئه، فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ أي فعجزوا عن فرار من العذاب وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) أي ممتنعين من العذاب بأبدانهم وبغيرهم، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالجر عطفا على، وفي ثمود على معنى، وفي قوم نوح عبرة لكم من قبل ثمود وعاد وغيرهم، ويقويه قراءة عبد الله، وفي قوم نوح. والباقون بالنصب على تقدير: وأهلكنا قوم نوح من قبل، لأن ما تقدم دل على الهلاك. وقرأ أبو السماك وابن مقسم وأبو عمرو في رواية الأصمعي بالرفع على الابتداء وخبر المبتدأ إما مقدر، أي أهلكناهم أو ما بعده وهو قوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) أي خارجين عن الحدود في الكفر والمعاصي، وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ أي بقوة، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) أي لقادرون ويحتمل أن يقال:
إن هذا إشارة إلى المقصود الآخر وهو البعث للموتى من القبور، كأنه تعالى يقول: بنينا السماء وإنا لقادرون على أن نخلق مثلها. وقيل: إنا لموسعون الرزق على الخلق وَالْأَرْضَ فَرَشْناها، أي بسطناها على الماء ليستقروا عليها، فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) أي فنعم الفارشون نحن وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ أي وخلقنا من كل جنس نوعين من الجوهر متضادين كالذكر والأنثى، أو متشاكلين، فإن كل شيء له نظير، كالعرش والكرسي، واللوح والقلم. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) أي لكي تتعظوا فيما خلقه الله فتعلمون أن خالق الأزواج فرد لا كثرة فيه فتعبدونه، وأنه لا يعجز عن حشر الأجساد والأرواح، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي إذا علمتم أن الله تعالى فرد لا نظير له وأن هذه المذكورة شؤونه، فاهربوا إليه بالطاعة كي تنجوا من عقابه وتفوزوا بثوابه، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ أي من الله تعالى نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)، ففي الرسالة أمور ثلاثة: المرسل، والرسول، والمرسل إليه. فقوله
الذاريات 51:51
تعالى: لَكُمْ إشارة إلى المرسل إليهم. وقوله تعالى: مِنْهُ إشارة إلى المرسل. وقوله تعالى:
نَذِيرٌ بيان للرسول وقوله تعالى: مُبِينٌ إشارة إلى ما تعرف به الرسالة، لأن كل حادث له سبب، فلا بد للرسول من علامة يعرف بها وهي البرهان أو المعجزة،
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ بل وحدوا الله، فإن التوحيد بين التعليل والتشريك، فالمعطل يقول: لا إله أصلا والمشرك يقول:
في الوجود آلهة. تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أثبت وجود الله. وقوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ نفى الأكثر من الواحد فصح التوحيد بالآيتين. ولهذا قال الله تعالى مرتين: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) أي لا أقول شيئا إلّا بدليل ظاهر، فالرسول نذير من الله في المقامين عند الأمر بالطاعة، وعند النهي عن الشرك، وذلك ليعلم أن العمل لا ينفع إلّا مع الإيمان، وأنه لا يفوز عند الله إلّا الجامع بينهما، كَذلِكَ خبر مبتدأ محذوف، وقد فسر هذا الإبهام بما بعده، أي الشأن مثل ما ذكر من تكذيبهم الرسول وتسميتهم له ساحرا، أو مجنونا، ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أي ما أتى الأمم الأولين رسول من رسل الله، إلّا وقد قالوا في
حقه هو ساحر أو مجنون أَتَواصَوْا بِهِ. وهذا الاستفهام للتعجيب والتوبيخ والإنكار، أي أتواصى بهذا القول بعضهم بعضا حتى اتفقوا عليه، كأن بعضهم قال لبعض: لا تقولوا إلّا هذا القول، أي كيف اتفقوا على قول واحد كأنهم توافقوا عليه، أي ما وقع منهم وصية بذلك لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) أي لم يكن ذلك عن التواطؤ وإنما كان لمعنى جامع هو أن الكل استغنوا بالأموال، فنسوا الله وجاوزوا الحد في العصيان، فكذبوا رسلهم، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي فأعرض يا أشرف الخلق عن جدالهم بعد ما كررت عليهم الدعوة، فأبوا إلّا العناد فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) أي لا تحزن فإنك لست بملوم بسبب التقصير منكم وانما هم الملومون بالإعراض والعناد، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)، أي ولا تدع العظة فإنها تزيد المؤمنين قوة في يقينهم وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) أي إلّا ليقروا بالعبودية طوعا أو كرها كما قاله ابن عباس، أي فإن الكافرين يقرون للعبودية، وهو إظهار التذلل بالخلقة الدالة على وحدانية الله تعالى وانفراده بالخلق، واستحقاق العبادة دون غيره، فالخلق كلهم عابدون بهذا الاعتبار، أو إلّا لآمرهم بالعبادة كما نقل عن علي بن أبي طالب وهي التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما، واللام لام الحكمة، والسبب شرعا.
وقال مجاهد: «إلّا ليعرفوني» أي لأنه تعالى لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده.
روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال عن ربه: «كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف»
«١». اه وعبر بالعبادة عن المعرفة لأنها وسيلة إلى المعرفة أي أن الله خلق الخلق
(١) رواه السيوطي في الدر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ١٢٦، وعلي القاري في الأسرار- مستعدين لمعرفته مع كونها مطلوبة منهم، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) أي لست كالسادة في طلب العبادة بل هم الرابحون في عبادتهم والعبيد على قسمين: قسم منهم يكون للعظمة كمماليك الملوك، فالملك يطعمهم ويسقيهم ويعطيهم الأطراف من البلاد، والطراف بعد التلاد وقسم منهم للانتفاع بهم في تحصيل الأرزاق ولإصلاحها، فليتفكروا في أنفسهم في كونهم مخلوقين للعبادة، هل هم من نوع أن يطلب منهم تحصيل رزق، أو هم ممن يطلب منهم إصلاح قوت، كالطباخ والخواني الذي يقرب الطعام وليسوا من هذا القسم بل هم عبيد من القسم الأول، فينبغي أن لا يتركوا التعظيم لأمر الله، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) أي الثابت الذي لا يتزلزل، فلا يطلب الرزق لغناه عبد من عباده فإنه يرزقهم ولا يطلب منهم أن يعينوه على الأرزاق، لأنه تعالى قوي وقرئ أني أنا الرزاق. وقرأ ابن محيصن «هو الرازق»، كما قرأ «وفي السماء رازقكم». وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش المتين بالجر، فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ بفتح الذال، أي إذا عرفت حال الكفرة المتقدمين من عاد وثمود، وقوم نوح فإن لهؤلاء المكذبين من كفار مكة نصيبا وافرا من العذاب، مثل نصيب نظرائهم من الأمم السابقة، فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) أي فلا يطلبوا مني أن أعجل في المجيء بالعذاب، فلا يأتي الأجل ما لم يفرغ الرزق، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) أي فالشدة من العذاب لكفار مكة من أجل يومهم الذي يوعدون العذاب فيه، وهو يوم بدر كما هو الأوفق لما، تقدم أو يوم القيامة، وهو الأنسب بما في أول السورة الآتية.
- المرفوعة ٢٧٣، والفتني في تذكرة الموضوعات ١١. وفيه «فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا».
الطور 52:1
سورة الطور
مكية، تسع وأربعون آية، ثمانمائة واثنتا عشرة كلمة، ألف وخمسمائة حرف
وَالطُّورِ (١) أي طور سينين، وهو جبل بمدين سمع فيه موسى عليه السلام كلام الله تعالى، واسمه زبير أقسم الله به، وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) أي كتاب مكتوب في كاغد مبسوط، غير مطوي، وغير مختوم عليه- وهو القرآن- يقرؤه المؤمنون من المصاحف ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ، أو هو التوراة المكتوبة في الألواح التي أنزلت على موسى، وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وهو إما الكعبة أو بيت معمور بالناس الطائفين به، العاكفين، يعمره الله كل سنة بستمائة ألف، فإن عجز الناس عن ذلك أتمه الله بالملائكة، أو الضراح، وهو في السماء بحيال الكعبة، يدخل فيه كل يوم سبعون ألف ملك يطوفون به ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدا، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) فوق كل شيء وهو السماء. وقيل: العرش، فإنه سقف الجنة، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) أي الممتلئ وهو بحر فوق السماء السابعة تحت عرش الرحمن، يسمى بحر الحيوان، يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبورهم. ويقال: هو بحر حار يصير نارا.
روي أن الله تعالى يجعل البحار يوم القيامة نارا يسجر بها نار جهنم. إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) أي لنازل بشدة على مستحقه يوم القيامة، ما لَهُ أي العذاب مِنْ دافِعٍ (٨) عنه يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) أي يوم تخرج السماء عن مكانها وتدور بأهلها دورانا كدوران الرحا وتموج الخلائق بعضهم في بعض من الهول فيوم معمول لواقع، أو لدافع، أي ليس له دافع يوم تمور السماء وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠)، أي تزول الجبال عن وجه الأرض، وتطير في الهواء، ثم تقع على الأرض مفتتة كالرمل، ثم تصير كالصوف المندوف، ثم تطيرها الرياح فتصير هباء منثورا.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)، أي إذا علم أن عذاب الله واقع وأنه ليس له دافع، فشدة عذاب إذا للمكذبين للرسل الذين هم يلهون في أباطيل، فأفعالهم مثل أفعال الخائض في الماء فهو لا يدري أين يضع رجله. يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) و «يوم» إما ظرف لقول مقدر بعده، أي يوم يدفعون إليها دفعا عنيفا يقال لهم: هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) في الدنيا. وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون دفعا على وجوههم وزجا أقفيتهم ويقولون لهم توبيخا: هذِهِ النَّارُ إلخ. وإما بدل من يومئذ والمعنى: فويل يوم يقع العذاب للمكذبين وهو يوم يدعون أي المكذبون إلى النار والعامة على فتح الدال وتشديد العين مضمومة.
وقرأ علي والسلمي وأبو رجاء، وزيد بن علي بسكون الدال وفتح العين فيكون دعا حالا من الواو، أي يوم ينادون مدعوين بأن يقال لهم: هلموا إلى نار جهنم فادخلوها وتقول لهم الخزنة: هذه النار، أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) ؟ أي فهذا العذاب الذي ترونه سحر كما كنتم تقولون في الدنيا للأنبياء هم سحرة أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عميا عن الخبر، أي هل في المرئي شك أم هل في بصركم خلل؟ فالذي ترونه حق وقد كنتم تقولون إنه ليس بحق.
اصْلَوْها أي ادخلوا النار وقاسوا شدائدها، فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا أي فافعلوا ما شئتم من الصبر على عذاب النار وعدمه، سَواءٌ عَلَيْكُمْ أي صبركم عليه وتركه سواء عليكم في عدم النفع إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)، فإن الجزاء حيث كان واجب الوقوع بحسب الوعد كان الصبر وعدمه سواء في عدم النفع، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) دائم فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ، أي متلذذين بما أعطاهم ربهم.
وقرأ الحسن وغيره «فكهين» بغير ألف، أي معجبين وقرئ «فاكهون» على أنه خبر إن أي ذوو فاكهة كثيرة بسبب إعطاء ربهم إياهم تلك، وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) عطف على ما آتاهم أي إنهم ناعمون بأمرين بما آتاهم ربهم، وبأنه وقّاهم، أو عطف على «في جنات». فالمعنى إن المتقين أدخلهم ربهم جنات ونعيما ووقاهم عذاب الجحيم فيقول الله لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً أي بلا تعب في تحصيل الطعام والشراب، وبلا داء في تناولهما وبلا خوف نفاد وبلا إثم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)
فلا من عليكم في هذا اليوم وإنما منتي عليكم في الدنيا إذ هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة لأن هذا إنجاز الوعد، مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ حال من الضمير المستكن في خبر إن أي كائنون في جنات حال كونهم متكئين على نمارق على سرر موصولة بعضها إلى بعض وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) أي بنساء بيض عظام الأعين. فقوله تعالى: وَزَوَّجْناهُمْ عطف على خبر «إن» وهو إشارة إلى أن المزوج هو الله تعالى يتولى الطرفين يزوّج عبيده بإمائه، ومن يكون كذلك لا يفعل إلّا ما فيه راحة العبيد والإماء فهو إشارة إلى أن الحور العين في الجنات مملوكات بملك اليمن لا بملك النكاح، وإنما عدي بالباء إشارة إلى أن المنفعة في التزويج هنا للرجال فقط وإنما زوجوا للذتهم بالحور لا للذة الحور بهم، وأيضا إن في التزويج معنى الإلصاق، وفي الباء كذلك، فكأن المعنى جعلناهم ملصقين بحور من غير عقد منهم.
الطور 52:21
وقرئ «بحور عين» على إضافة الموصوف إلى صفته. وقرئ «بعيس عين».
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ والموصول مبتدأ خبره ألحقنا بهم. وقرأ أبو عمرو «وأتبعناهم ذرياتهم» بإسناد الفعل إلى المتكلم المعظم نفسه وبقطع الهمزة. والباقون «واتبعتهم» بإسناد الفعل إلى الذرية، وبهمزة وصل. قرأ نافع «ذريتهم» بالإفراد في الأولى والجمع في الثانية. وقرأ ابن كثير والكوفيون بالإفراد فيهما وأبو عمرو بالجمع فيهما مع النصب بالكسرة، وابن عامر بالجمع فيهما والرفع في الأولى والنصب بالكسرة في الثانية، والذرية هنا محمولة على الآباء والأبناء معا، أي إن المؤمن إذا كان عمله أكثر ألحق به من دونه في العمل ابنا كان أو أبا بسبب الإيمان كما هو منقول عن ابن عباس وغيره، والله تعالى أتبع الولد الوالدين في الإيمان ولم يتبعه أباه في الكفر بدليل أن من أسلم من الكفار حكم بإسلام أولاده الصغار، ومن ارتد من المسلمين لا يحكم بكفر ولده، كما
روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنه تعالى يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه» ثم تلا هذه الآية
. فالآباء داخلون في اسم الذرية، ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة، فإن كان معها أخذ علم أو عمل كانت أجدر، فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة
لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المرء مع من أحب»
«١». وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي وما نقصنا شيئا من درجة الأعلى لأجل إلحاق الأدنى به وهذا لإزالة وهم المتوهم أن ثواب الأعلى يوزع على من دونه. وقرأ ابن كثير «ألتناهم» بكسر اللام. والباقون بفتحها. وقرأ ابن هرمز «آلتناهم» بمد الهمزة. وقرئ «لتناهم» بكسر اللام و «لتناهم» بالفتح كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) أي كل امرئ مرهون عند الله تعالى بعمله فإن عمل صالحا فك نفسه، وإلا أهلكها فالعمل بمنزلة الدين الثابت حيث إن العبد مطالب بذكر العمل خيرا أو شرا ويقال: كل امرئ بما كسب دائم فإن أحسن ففي الجنة مؤبدا، وإن أساء ففي النار مخلدا، وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) أي زدناهم على ما كان لهم وقتا بعد وقت بأنواع الفواكه، وأنواع اللحمان مما يشتهون فكل واحد من أهل الجنة يعطى في الجنة ما يشتهي وإن لم يطلبه يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً أي يتعاطون في الجنة خمرا هم وجلساؤهم بكمال الاشتياق، أو بتجاذب بعضهم إناء الخمر من بعض في شربها تجاذب ملاعبة لا تجاذب مخاصمة، وهو المؤمن وزوجاته وخدمه، لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) أي لا كلمة لغو ولا إثم بسبب شربها، أي بسبب زوال العقل ونهوض الغضب.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالبناء على الفتح في الاسمين. والباقون بالرفع. وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ
(١) رواه أبو داود في السنن (٥١٢٧)، ومسلم (٢٠٣٤)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢: ٥٩).
الطور 52:31
بالكؤوس وغيرها من التحف للخدمة غِلْمانٌ لَهُمْ وهؤلاء الغلمان يخلقهم الله في الجنة كالحور، ولذلك لم يقل تعالى غلمانهم وإنما قال: غِلْمانٌ لَهُمْ لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا، فيخاف كل من خدم أحدا في الدنيا أن يكون خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعا، كَأَنَّهُمْ في بياضهم وشدة صفائهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) مخزون مصون من الحر والبرد، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ في الزيارة يَتَساءَلُونَ (٢٥)، أي يسأل كل بعض منهم بعضا آخر عن أمر الدنيا، وعن نعيم الجنة قالُوا أي قال كل منهم: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ أي قبل دخول الجنة فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦)، أي خائفين على فوات الدنيا والخروج منها ومفارقة الإخوان فأخطأنا في ذلك. وقوله تعالى: فِي أَهْلِنا متعلق بمحذوف حال من الضمير في مشفقين أي حال كوننا بين أهلينا في الدنيا، أو بيان ل «قبل»، أي في وقت اجتماعنا مع أهلنا فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالمغفرة ودخول الجنة، وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) أي عذاب النار.
وقال ثعلب السموم: شدة الحر، أو شدة البرد في النهار إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذه الرحمة أي في الدنيا نَدْعُوهُ أي نسأله الحفظ من العذاب ونعبده، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ أي الصادق في وعده لنا المحسن إلينا، الرَّحِيمُ (٢٨) بعباده المؤمنين.
وقرأ نافع والكسائي بفتح همزة «أنه» على تقدير كون اللام ملفوظا بها. والباقون بكسرها استئنافا على معنى التعليل، فَذَكِّرْ أي عظ يا أشرف الخلق فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بالنبوة ورجاحة العقل، بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أي فلا تتغير ولا تتبع أهواءهم لقولهم لك: أنت كاهن تخبر بما في الغد، ومجنون. أَمْ يَقُولُونَ أي بل أيقولون أي كفار مكة هو شاعِرٌ يتقول الكلام من تلقاء نفسه نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) أي ننتظر بذلك الشاعر تقلبات الزمان ونزول الموت، فإنه إن كان شاعرا فصروف الزمان قد تضعف ذهنه، فيتبين كساد شعره. وقالوا أيضا:
نتربص موته فإن أباه مات شابا، ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه، فلا نعارضه الآن مخافة أن يغلبنا بقوة شعره، وجملة «نتربص» نعت ل «شاعر».
قُلْ يا أشرف الخلق لهؤلاء الكفار:
تَرَبَّصُوا أي انتظروا موتي- وهذا أمر تهديد- فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أي فإني أتربص هلاككم، وقد أهلكوا في يوم بدر وفي غيره من الأيام ويقال إن معنى هذه الآية أني أخاف الموت ولا أتمناه لا لنفسي ولا لأحد وإنما أنا نذير، فتربصوا موتي وأنا متربصة ولا يسركم ذلك لعدم حصول ما تتمنون بعدي، أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أي أتأمرهم عقولهم بهذا المقال المتناقض فإنهم قالوا في حق الرسول: هو كاهن مجنون شاعر، فإن الكاهن ذو دقة نظر في الأمور، والمجنون مختل فكره، والشاعر ذو كلام موزون متسق، فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد! بل هم قوم مجاوزون الحدود في العناد لا يحومون حول السداد. ولذلك يقولون: أكاذيب خارجة عن دائرة العقول. وقرئ «بل هم». أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ أي بل يقولون:
الطور 52:41
كذب محمد في القرآن من عند نفسه وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون، بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) بالقرآن استكبارا فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ أي فليجيئوا بكلام مثل القرآن في البلاغة، وصحة المعاني، والإخبار بالمغيبات من تلقاء أنفسهم، فإنهم مثل محمد في البشرية والعربية، إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) فيما قالوا فإن صدقهم في ذلك يستلزم قدرتهم على الإتيان بمثله، ففيهم الشعراء البلغاء، والكهنة الأذكياء، ومن يرتجل القصائد، ويقص القصص. أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ؟! أي أوجدوا من غير خالق، فلذلك ينكرون القول بالتوحيد لانتفاء الإيجاد، وينكرون الحشر لانتفاء الخلق الأول.
وقال ابن كيسان: أم خلقوا لغير شيء من عبادة وجزاء، فخلقوا عبثا، وتركوا سدى فلا إعادة. وقيل: أي من غير أب وأم، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يقيم الله عليهم حجة، أليس قد خلقوا من نطفة وعلقة ومضغة؟! أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) لأنفسهم فلا يأتمرون لأمر الله ولا يعبدون الله، وهم لا يقولون ذلك، فإذا أقروا أن تمّ خالقا غيرهم فما الذي يمنعهم من الإقرار له بالعبادة ومن الإقرار بأنه قادر على البعث! أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) ف «أم» للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، أي ما خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون بأن الله واحد، فإذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله وهم غير موقنين بما قالوا، وإلّا لما
أعرضوا عن عبادته، أي لما لم ينشأ من إيقانهم بالله أثر وهو الإقبال على عبادته جعل إيقانهم كالعدم فنفي عنهم. وفي هذا تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم أي إنهم كما طعنوا فيك يا أشرف الخلق طعنوا في خالقهم. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ، و «أم» استفهام إنكاري أي أعندهم خزائن رحمة الله حتى يرزقوا النبوة من شاءوا، أم عندهم خزائن علم الله بالغيب حتى يختاروا للنبوة من شاءوا، أم هم الغالبون على الأمور يدبرونها كيف شاءوا، أم لهم مصعد إلى السماء يستمعون ما يوحى إلى الملائكة من علم الغيب حتى يعلموا أن محمد ليس برسول، وأن كلامه ليس بمرسل، أي أنتم لستم بخزنة الله، ولا بكتبة الخزانة المسلطين عليها، ولا أنتم اجتمعتم بهم لأنهم ملائكة ولا صعود لكم إليهم. فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أي إذا ادعوا الاستماع من الملائكة فليأت مدعي الاستماع بحجة واضحة تصدق دعواه، أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أي أتزعمون أن لله تعالى البنات ولكم البنون خاصة لتكونوا أقوى منه تعالى، فتكذبوا رسوله وتردوا قوله من غير حجة، فتكونوا آمنين من عذاب يأتيكم منه لضعفه وقوتكم! أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً أي أجر الدنيا من مال، أو غيره على تبليغ الرسالة فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أي فهم لذلك الأجر من التزام غرامه محملون الثقل فلذلك لا يتبعونك!
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أي هل عندهم علم ما غاب عنهم فهم يكتبون ما غاب عنهم حتى يمكنهم منازعة محمد، أي هل صاروا في درجة محمد حتى استغنوا عنه وأعرضوا أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ
(٤٢) ! والمعنى: أتهديهم لوجه الله أم تسألهم أجرا، فتثقلهم عن الاتباع، أم عندهم الغيب فلا يحتاجون إليك، فيعرضون عنك أم ليس لهم شيئا من هذين الأمرين بل يريدون العذاب بغتة من حيث لا يشعرون، فالذين كفروا معذبون. أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يمنعهم من عذاب الله سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) أي عن الذي يشركون من الولد ومن مثل الآلهة، لأنهم كانوا يقولون: البنات لله، وكانوا يقولون: هو تعالى مثل ما يعبدونه، وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) أي لو عذبنا كفار مكة بنزول قطع من السماء عليهم لم ينتهوا عن طغيانهم، ولم يرجعوا عن عنادهم ولقالوا في هذا النازل إغاظة لمحمد: هذا سحاب تراكب بعضه على بعض يمطرنا ولم يصدقوا أنه قطعة نازلة للعذاب، فَذَرْهُمْ أي إذا تبين أنهم لا يرجعون عن الكفر فاتركهم على شر أحوالهم، حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) أي يهلكون بالقتل يوم بدر.
وقرئ «يلقوا». وقرأ ابن عامر وعاصم «يصعقون» بضم الياء مبنيا للمفعول، وباقي السبعة بفتحها مبينا للفاعل. وقرأ أبو عبد الرحمن بضم الياء وكسر العين. يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً أي يوم لا يدفع عنهم مكرهم- في مناصبتهم يوم بدر- شيئا من الهلاك وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) أي ولا يمنعون من القتل والأسر النازلين بهم في ذلك اليوم، وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي إن لهؤلاء الظلمة بعبادتهم الأوثان عَذاباً دُونَ ذلِكَ أي قبل ما لاقوه من القتل يوم بدر، وهو القحط الذي أصابهم سبع سنين. وقرئ دون ذلك قريبا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) أن العذاب يلاقوه. وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بإبقائك فيما بينهم مع مقاساة الأحزان فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي بمنظر منا وفي حفظنا، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) من موضعك أي حين تعزم على القيام وقد
ورد في الخبر: «إن من قال سبحان الله من قبل أن يقوم من مجلسه يكتب ذلك كفارة لما يكون قد صدر منه من اللغط واللغو في ذلك المجلس»
. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ فإن العبادة فيه أشق على النفس وأبعد عن الرياء وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩) أي وقت الصبح حين يذهب ضياؤها بضوء الشمس.
النجم 53:1
سورة النجم
مكية، اثنتان وستون آية، ثلاثمائة وستون كلمة، ألف وأربعمائة وخمسة أحرف
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) أي والقرآن إذا نزل. وهذا استدلال بمعجزة النبي صلّى الله عليه وسلّم الدالة على صدقه، أو والنجوم التي هي ثابتة للاهتداء إذا سقطت إلى أسفل، وفائدة تقييد القسم بالنجم بوقت هويه أنه إذا كان في وسط السماء لا يهتدي به الساري، لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال، فإذا زال تبين بزواله جانب المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ أي ما عدل سيدكم يا معشر قريش عن الطريق المستقيم، أو ما جن مصاحبكم محمد، وَما غَوى (٢) أي وما أعتقد باطلا قط بل هو رشيد مرشد، دال على الله تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) أي ولم يتكلم بالقرآن عن هوى نفسه، وعن رأيه أصلا، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) أي ما القرآن إلّا وحي من الله يوحى أي يجدد إيحاؤه إليه صلّى الله عليه وسلّم وقتا بعد وقت. ويقال في معنى هذه الآية: ما جن محمد وما مسه الجن، فليس بكاهن، وليس بينه وبين الغواية تعلق، فليس بشاعر، وما قوله إلّا وحي، وليس بقول كاهن ولا شاعر، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) أي علم النبي الوحي ملك شديد القوة بالبدن، وهو جبريل عليه السلام.
روي أنه جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا محمد ما بعثت إلى نبي قط أحب إلي منك، ألا أعلمك أسماء الله عز وجل هن أحب أسمائه أن يدعى بهن قل: يا نور السموات والأرض، يا جبار السموات والأرض، يا عماد السموات والأرض، يا بديع السموات والأرض، يا قيام السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا صريخ المستصرخين، يا غياث المستغيثين، يا منتهى العابدين، ويا أرحم الراحمين، فيزول بك كل حاجة». ذُو مِرَّةٍ أي قوة في العقل، فَاسْتَوى (٦) و «الفاء» للسببية أي فاستقام جبريل على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها، فرآه النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو بحراء فخرّ مغشيا عليه دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالوحي وذلك أن رسول الله أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها، فإن التشكل بشكله الذي فطر عليه يتسبب من شدة قوته وقدرته على الخوارق، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) أي والحال أن جبريل في الجانب الشرقي فسد المشرق لعظمته.
النجم 53:11
وقال الرازي: والظاهر أن المعنى ارتفع محمد بالمكان وهو بالمكان الأعلى رتبة في رفعة القدر، لا حقيقة في الحصول في المكان، فإنه صلّى الله عليه وسلّم بلغ الغاية وصار نبيا وهو واصل إلى الأفق الأعلى الفارق بين المنزلتين، ثُمَّ دَنا أي بعد ما مدّ جبريل جناحه وهو بالأفق الأعلى عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها، وقرب من النبي صلّى الله عليه وسلّم فَتَدَلَّى (٨) أي فنزل من الأفق الأعلى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه حتى أفاق وسكن روعه صلّى الله عليه وسلّم، ويقال: دنا جبريل من النبي فبقي متدليا من الهواء واقفا بين السماء والأرض، فإن التدلي هو التعلق من الهواء، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) أي فكان مقدار جبريل والنبي مقدار قوسين، بل أقرب من ذلك بنصف قوس، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
(١٠)، أي فأوحى الله إلى جبريل ما أوحى جبريل إلى كل رسول، فإن جبريل أمين لم يخن في شيء مما أوحي إليه.
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أي صدق فؤاد محمد فيما رأى شيئا من صورة جبريل، ومن الله تعالى ليلة المعراج، ومن الآيات العجيبة الإلهية أي إن قلبه صلّى الله عليه وسلّم لم يقل إن المرئي خيال لا حقيقة له، ولم يقل: إنه جني أو شيطان، ويحتمل أن يقال: لم يكذب جنس الفؤاد ما رأى صلّى الله عليه وسلّم ببصره بأن يقول كيف يرى الله وهو ليس في مكان ولا جهة، وليس على هيئة، أو كيف يرى جبريل مع أنه ألطف من الهواء، والهواء لا يرى، فرؤية الله تعالى رؤية جبريل على ما رآه محمد صلّى الله عليه وسلّم جائزة عند من له قلب، فالفؤاد لا ينكر ذلك وإن كانت النفس المتوهمة تنكره.
بفتح التاء وسكون الميم، أي أفتنكرونه. وقرأ عبد الله بن مسعود والشعبي بضم التاء وسكون الميم أي أفتجدونه شاكا فيما رأى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) أي وبالله لقد رأى محمد جبريل على صورته الحقيقة مرة أخرى عند شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش، وهو موضع لا يتعداه ملك ولا روح من الأرواح.
قال مقاتل: وهي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان، لو وضعت ورقة منها في الأرض لأضاءت لأهلها، وهي شجرة طوبى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) أي الجنة التي يأوي إليها المتقون وأرواح الشهداء إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦)، و «إذ» ظرف ل «رآه»، أي ولقد رآه عند السدرة وقت علاها ما علاها من فراش من ذهب، أو من ملائكة يأتونها كأنها طيور، أو من أنوار الله تعالى، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما وصل إليها تجلى ربه لها، وظهرت الأنوار، ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) أي ما التفت محمد إلى الجراد ولا إلى غيره، وما جاوز إلى ما سوى الله تعالى، أو ما
النجم 53:21
محمد عن الأنوار وما طلب شيئا غيرها، بل اشتغل بمطالعتها مع أن في ذلك العالم من العجائب ما يحير الناظر، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) أي والله لقد رأى من عجائب الملك والملكوت ما لا تحيط به العبارة أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أي ومناة المتأخرة الذليلة، أي الوضيعة المقدار. وذلك لأن اللات كان وثنا على صورة آدمي وهو لثقيف بالطائف أو لقريش بنخلة والعزى صورتها صورة شجرة سمرة لغطفان، ومناة صورتها صورة صخرة كانت لخزاعة ولهذيل بقديد. فالآدمي أشرف من النبات، وهو أشرف من الجماد وهو متأخر، فالمناة في أخريات المراتب. والمعنى: لما ذكر الله تعالى عظمة آياته في ملكوته وهي أن رسول الله إلى الرسل الذي يسد الآفاق ببعض أجنحته، ويهلك المدائن بقوته لا يمكنه أن يتعدى السدرة في مقام جلال الله وعزته. قال: أفرأيتم هذه الأصنام مع حقارتها شركاء الله مع ما تقدم ويقال: أفتظنون أن عبادتكم اللات والعزى الأخرى، ومناة الثالثة في الدنيا تنفعكم في الآخرة.
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) أي كيف جعلتم لله تعالى بنات وقد اعترفتم في أنفسكم أن البنات ناقصات والبنين كاملون، والله كامل العظمة، فكيف جعلتموه ناقصا ونسبتم إلى أنفسكم الكامل، فنسبتكم البنات إلى الله تعالى قسمة جائزة على طريقتكم حيث نسبتم إلى أنفسكم الأعظم من الثقلين، وأبغضتم البنات ونسبتموهن إلى الأعظم وهو الله تعالى، وكان على عادتكم أن تجعلوا الأعظم للعظيم وإلا نقص للحقير، فإذا أنتم خالفتم الفكر والعقل والعادة التي هي لكم، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أي ما هذه الأصنام المذكورات إلّا أسماء خالية عن المسميات وضعتموها أنتم وآباؤكم فإنكم قلتم: إنها آلهة وليست بآلهة ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي ما أنزل الله بهذه الأسماء من حجة فوضع الاسم لا يجوز إلّا بدليل نقلي أو عقلي، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ أي ما يتبع الكافرون في تسمية الأصنام آلهة إلا توهم أن ما هم عليه حق، وإلّا ما دونه مما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أي البيان بالكتاب المنزل والمرسل أن الأصنام ليست بآلهة، وأن العبادة لا تصلح إلّا لله الواحد القهار أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) أي الإنسان ما اشتهاه من شفاعة الأصنام وغيرها أو هل له أن يعبد بالاشتهاء فيعبد ما لا يستحق العبادة! فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) أي إن اختار الإنسان معبودا على ما اشتهاه فيعاقبه على فعله في الدنيا وإلّا فيعاقبه في الآخرة وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) أي وكثير من الملائكة مع علو منزلتهم لا تنفع شفاعتهم شيئا إلّا من بعد أن يأذن الله في الشفاعة فيمن يشاء ويرضى، وهو العابد الشاكر، لا المعاند الكافر، فإذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر فكيف تقبل شفاعة الجمادات، إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي بأحوال يوم القيامة لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنهم لما بين لهم أن أعظم أجناس الخلق لا شفاعة لهم إلّا بالإذن قالوا: نحن لا نعبد
النجم 53:31
الأصنام لأنها جمادات وإنما نعبد الملائكة بعبادتها فإنها على صورها ننصبها بين أيدينا ليذكرنا الشاهد الغائب، فنعظم الملك الذي ثبت أنه مقرب عظيم. الشأن فقال تعالى ردا عليهم: كيف تعظمونهم وأنتم تسمونهم تسمية الإناث حيث قلتم: الملائكة بنات الله. وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وهذه الجملة حال من فاعل «ليسمون»، أي ليسمون الملائكة بالبنات والحال أنه لا علم لهم بما كانوا يقولون أصلا. وقرئ «بها» أي بالتسمية، أو بالملائكة. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ في أن الملائكة إناث، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) أي لا ينفع شيئا من العلم بحقيقة الشيء والظن يتبع في الأمور المصلحية والأفعال العرفية أو الشرعية عند عدم الوصول إلى اليقين، ومدح من حاله لا يعلم، فالظن فيه معتبر، والأخذ بظاهر حال العاقل واجب، وأما في الاعتقاديات فلا يغني الظن شيئا من الحق، فإن المكلف يحتاج إلى يقين يميز الحق من الباطل ليعتقد الحق ويميز الخير من الشر ليفعل الخير، ففي الحق ينبغي أن يكون جازما، والظان لا يكون جازما، ويحتمل أن المراد من الحق هو الله تعالى. والمعنى: وأن الظن لا يفيد شيئا من الله تعالى، فإن الأوصاف الإلهية لا تستخرج بالظنون فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) أي اترك مجادلة من أعرض عن القرآن المنطوي على علوم الأولين والآخرين المذكور لأمور الآخرة قاصرا نظره إلى الدنيا. وهذه الآية غير منسوخة، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان مأمورا بالدعاء بالحكمة، والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أمر بالجواب عنها بالمجادلة، ثم لما لم ينفع أمر بالإعراض عنهم وعدم مقابلتهم بالبرهان، أي وأمر بالإعراض عن المناظرة بشرط جواز المقاتلة ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي ذلك الظن غاية ما يبلغون به من الإدراك المتظلم للظن الفاسد، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) أي إن الله أعلم بمن لم يرجع إلى الهدى أصلا، وبمن يقبل الاهتداء في بعض الأحوال، وقد علم الله أنه لا يؤمن بمجرد الدعاء أحد من المكلفين وإنما ينفع فيهم أن يقع السيف والقتال، فأعرض عن الجدال وأقبل على القتال.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي خلقا وملكا والوقف هنا تام عند أبي حاتم لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا أي بعقاب ما عملوا من الضلال وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا أي اهتدوا بِالْحُسْنَى (٣١) أي بالمثوبة الحسنى التي هي الجنة. وقوله تعالى: لِيَجْزِيَ متعلق بقوله: ضَلَّ واهْتَدى» كأنه تعالى قال: هو يعلم بمن ضلّ واهتدى ليجزيهما، أو متعلق بقوله تعالى فأعرض، أي أعرض عنهم ليقع الجزاء الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ. وهذا الموصول بدل من الموصول الثاني، وقرأ حمزة والكسائي «كبير الإثم» وَالْفَواحِشَ.
قيل: الكبائر: ما وعد الله عليه بالنار صريحا وظاهرا، والفواحش: ما أوجب الله عليه حدا في الدنيا إِلَّا اللَّمَمَ وهو ما يقصده المؤمن ولا يحققه، أو ما يأتي به المؤمن ويندم في الحال، إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، وهذا تنبيه على أن إخراج اللحم عن
النجم 53:41
حكم المؤاخذة به ليس لخلوه عن الذنب في نفسه بل لسعة المغفرة الربانية هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ أي هو تعالى أعلم بأحوالكم يعلمها حين ابتدأ خلقكم من تراب، فإن كل واحد أصله من التراب فإنه يصير غذاء، ثم يصير دما، ثم يصير نطفة وحين صوّركم في الأرحام. وهذا تنبيه على كمال العلم والقدرة فإن بطن الأم في غاية الظلمة ومن علم بحال الجنين في بطن الأم لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد اتَّقى (٣٢) أي إذا كان الأمر كذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة عن المعاصي بالكلية على سبيل الإعجاب أو الرياء ولا تقولوا لمن لا تعرفون حقيقته نحن خير منك، ولا تقطعوا أيها المؤمنون بخلاصكم من العذاب فإن الله أعلم بمن أطاع وأخلص العمل، أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فجائز، وذلك بأن أعتقد أن ما عمله من الأعمال الصالحة بتوفيق الله ولم يقصد بذلك الاعتراف بالمدح. وهذا لم يكن من المزكين أنفسهم، فإن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أي أفرأيت الذي أدبر عن الإيمان وأعطى شيئا قليلا من المال المسمى وقطع العطاء.
قيل: نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة كان يجلس عند النبي صلّى الله عليه وسلّم وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيرا قويا: فقال له رجل من المشركين لم تركت دين آبائك؟ فقال: أخشى عذاب الله. فقال له: لا تخف وأعطني كذا، وأنا أتحمل عنك العذاب، فتولى الوليد عن الوعظ وسماع الكلام من النبي صلّى الله عليه وسلّم
وأعطاه الوليد بعض المشروط وبخل بالباقي فلا يبقى بالعهد ولا يحصل بذلك حمل الوزر، أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أي أعنده علم بالأمور الغيبية فهو يعلم أن صاحبه يتحمل عنه ذنوبه يوم القيامة أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) أي بل لم يخبر بالخبر الذي كان في التوراة وفي صحف إبراهيم الذي بالغ في الوفاء بما عاهد الله تعالى أنه لا تحمل نفس حمل نفس أخرى، أي أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. وعن ابن عباس قال: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، فكان أهل المقتول إذا ظفروا بأبي القاتل أو ابنه، أو أخيه أو عمه، أو خاله قتلوه حتى نهاهم إبراهيم عن ذلك وبلغهم عن الله أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) أي وأنه ليس الإنسان يوم القيامة إلّا ما عمل في الدنيا من خير وشر، فإن حسنة الغير لا تفيد نفعا وإن المسيء لا يجد حسنة الغير ثوابا ولا يتحمل عنه أحد عقابا، وَأَنَّ سَعْيَهُ أي عمله من خير وشر سَوْفَ يُرى (٤٠) أي يعرض عليه ويكشف له يوم القيامة في ديوانه وميزانه،
ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) ثم يجزي الإنسان سعيه بالجزاء الأتم. وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) أي المرجع بعد الموت، وعند ذلك يجازي الرب الشكور ويجزي الكفور، والقراءة المشهورة فتح الهمزة على العطف على ما، فهذا في الصحف أيضا وهو الحق، فالمخاطب به موسى وإبراهيم على التوزيع. وقرئ بالكسر على الابتداء، فالمخاطب بهذا إما عام وهو كل سامع فهو تهديد للمسيء وحث للمحسن، أو خاص وهو
النجم 53:51
النبي صلّى الله عليه وسلّم، ففي هذا تسلية لقلبه كأنه تعالى قال: لا تحزن فإن المنتهى إلى الله وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) فكل ما يعمله الإنسان بخلقه حتى الضحك والبكاء.
قيل: إن الله تعالى خصّ الإنسان بالضحك والبكاء، والقرد يضحك ولا يبكي، والإبل تبكي ولا تضحك، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) أي خلق الموت والحياة فلا يقدر على الإماتة والإحياء غيره تعالى وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) أي تهراق في رحم الأنثى، وَأَنَّ عَلَيْهِ تعالى النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) أي نفخ الروح كما قال تعالى هنالك: أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ أي نفخ الروح بعد خلق النطفة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو النشاءة بفتح الشين وبعدها ألف ممدودة قبل الهمزة، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى أي أغنى الناس بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، وَأَقْنى (٤٨) أي وأعطاه الأموال بالكسب بعد كبره، فكل ما دفع الله به الحاجة فهو إغناء، وكل ما زاد عليه فهو إقناء وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وهي نجم مضيء وتسمى الشعرى العبور وهي تطلع بعد الجوزاء في شدة الحر وتسمى الشعرى اليمانية، وكانت خزاعة تعبدها وتعتقد تأثيرها في العالم، وهي المرادة في هذه الآية دون الشعرى الشامية المسماة بالشعرى الغميصاء وهي التي في الذراع. وهذا إشارة إلى فساد قول قوم، فإن بعض الناس قال: إن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر، وبعضهم قال: إن ذلك بالبخت وذلك بالنجوم، فردهم الله تعالى بقوله هو تعالى محرك النجوم ورب معبودهم الشعرى العبور، وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وهي قوم هود. وسميت أولى لتقدمها في الزمان على عاد الثانية، التي هي ثمود، قوم صالح.
وقرأ نافع وأبو عمرو بإسقاط نون التنوين لالتقاء الساكنين، وبنقل حركة همزة أولى إلى اللام. وقرأ قالون كذلك لكن بقلب الواو همزة ساكنة. وقرأ الباقون بكسر نون التنوين لالتقاء الساكنين وسكون اللام وبعدها همزة مضمومة،
وَثَمُودَ عطف على عاد. وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين للدال في الوصل وبسكون الدال في الوقف. والباقون بالتنوين في الوصل وبالوقف على الألف فَما أَبْقى (٥١) أي فما أبقى من عاد وثمود أحدا، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ أي أهلكهم من قبل الفريقين إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) من الفريقين حيث يبتدئون بالكفر ويتجاوزون في المعاصي فإنهم كانوا يؤذون نوحا عليه السلام، ويضربونه حتى يغشى عليه، وينفرون الناس عنه، ويحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، والبادئ أظلم
و «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل عمل بها»
«١» وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) أي أسقط قريات لوط، وسدوم، وصادوم، وعمورا، وصوائم إلى الأرض بعد أن رفعها إلى السماء على جناح جبريل عليه السلام بأمره
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣: ١٠٩). [.....]
النجم 53:61
جبريل بذلك. فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) أي فكساها الله تعالى أمرا عظيما من فنون العذاب، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) أي تتشكك في أي أنعم ربك أيها الإنسان أي لما عد الله تعالى من أنواع النعم وهو الخلق من النطفة، ونفخ الروح فيه والإغناء والإقناء وذكر أن الكافرين أهلكهم، قال: فبأي آلاء ربك تتمارى فيصيبك مثل ما أصاب الذين تماروا من قبل، هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أي هذا النبي رسول كالرسل قبله يرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم، والله تعالى لما بيّن الوحدانية بقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى أشار إلى اثبات رسالة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم بقوله تعالى:
هذا نَذِيرٌ إلخ، ثم أشار إلى القيامة بقوله: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) أي قربت الساعة التي يزداد كل يوم قربها، فهي كائنة قريبة وازدادت في القرب، لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أي ليس للساعة نفس قادرة على إظهار وقتها إلّا الله تعالى، أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) أي أتعجبون إنكارا من هذا القرآن أو من حديث حشر الأجساد بعد الفساد، وَتَضْحَكُونَ استهزاء من القرآن، أو أتضحكون وقد سمعتم أن القيامة قريب، وَلا تَبْكُونَ (٦٠) مما في القرآن من الزجر والتخويف وكان حالقكم أن تبكوا منه،
وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) أي معرضون أو مستكبرون، فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) أي وإذا كان الأمر كذلك فاسجدوا لله الذي أنزل القرآن، واعبدوه ولا تعبدوا غيره، لأن عبادة غيره تعالى ليست بعبادة.
القمر 54:1
سورة القمر
وتسمى سورة اقتربت، مكية، خمس وخمسون آية، ثلاثمائة واثنتان وأربعون كلمة، ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفا
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ أي دنا قيام الساعة بخروج محمد صلّى الله عليه وسلّم، وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) نصفين من علامات قرب الساعة.
روى أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما وَإِنْ يَرَوْا آيَةً أي عظيمة يُعْرِضُوا عن الإيمان بها وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) أي هذا سحر دائم يأتي به محمد على مر الزمان، أو قوي لا يمكن إزالته. وقيل:
أي مار يزول ولا يبقى. وقيل: أي شديد المرارة فلا نقدر أن نسيغه كما لا نسيغ المر. وقرئ «وإن يروا» على البناء للمفعول، وَكَذَّبُوا بالآية بكونها دالة على صدق الرسول، وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ أي فقالوا: إنه سحر القمر أو سحر أعيننا، وَكُلُّ أَمْرٍ من الخير والشر مُسْتَقِرٌّ (٣) فكل عامل يرى في الآخرة أثر عمله. وقرئ «مستقر» بالجر صفة ل «أمر» ف «كل» عطف على الساعة، أي اقتربت الساعة وكل أمر مستقر، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) أي وبالله لقد جاءهم في القرآن كائنا من أخبار الأمم الماضية المهلكين ما فيه ازدجار. وقرئ «مزجر» بقلب تاء الافتعال زايا وإدغامها فيه. وقرأ زيد بن علي «مزجر» بصيغة اسم الفاعل ذو زجر. حِكْمَةٌ بالِغَةٌ أي لا خلل فيها بدل من «ما». وقرئ بالنصب حالا منها فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) و «ما» إما نافية. والمعنى: إن الرسل لم يبعثوا ليلجأوا قومهم إلى الحق وإنما أرسلوا مبلغين وإما استفهامية، والمعنى: إنك يا أشرف الرسل أتيت بما عليك من الدعوة وإظهار الآية عليها، فكذبوك، فأنذرتهم بما جرى على المكذبين، فلم يفدهم إنذارك فهذه حكمة بالغة، فأيّ شيء من الأمور النافعة غير هذا تحصله فلم يبق عليك شيء آخر، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي لا تناظرهم بالكلام- وهذه الآية غير منسوخة- يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) و «يوم» منصوب ب «يخرجون»، و «خشعا» حال من فاعل «يخرجون»، وكذا جملة «كأنهم» إلخ وقرأ
القمر 54:11
ابن كثير «نكر» بسكون الكاف. والباقون بالضم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «خاشعا» بفتح الخاء، وبألف بعدها والباقون بضم الخاء وفتح الشين مشددة. وقرئ «خاشعة» بالتأنيث على الأصل وقرئ «خشع أبصارهم» على الابتداء، والخبر والجملة حال، والمعنى: يخرج الناس من القبور حال كونهم مثل جراد منتشر في كثرتهم واجتماع بعضهم على بعض يوم يدعو إسرافيل أو جبريل إلى شيء فظيع تنكره النفوس، وهو هول القيامة أذلة أبصارهم من شدة الهول، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ أي مسرعين إليه مادي أعناقهم إليه يَقُولُ الْكافِرُونَ في ذلك اليوم: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) أي صعب شديد، ثم شرع في ذكر بعض الأنباء الموجبة للازدجار فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي قبل أهل مكة، قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) عطف على «قالوا»، أي قالوا لنوح: هو مجنون وزجروه عن مقالته بأنواع الأذية، فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) أي بأني غلبني قومي بالقوة فانتقم لي منهم، والعامة على فتح همزة «أني». وقرأ الأعمش وابن أبي إسحاق بالكسر، أي فقال نوح: يا إلهي إن نفسي غلبتني بحكم البشرية، وقد أمرتني بالدعاء عليهم، فأهلكهم
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)، أي بمطر منصب من السماء على الأرض أربعين يوما. وقرأ ابن عامر بتشديد التاء لكثرة الأبواب، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً أي جعلنا الأرض كلها، كأنها عيون منفجرة، فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) أي فارماء الأرض بقوة حتى ارتفع والتقى بماء السماء على حال قد قدّرها الله تعالى كما شاء. وقرئ «الماءان» بالتثنية وتحقيق الهمزة «والماوان» بقلب الهمزة واوا، أي ماء السماء وماء الأرض. وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) أي وحملنا نوحا على سفينة ذات أخشاب عريضة ومسامير، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا أي تسير السفينة محفوظة بحفظنا، جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) أي حملناه جزاء لنوح على صبره على كفرانهم، لأنه كان نعمة كفروها فإن كل نبي نعمة على أمته. وقرئ «جزاء» بكسر الجيم، أي مجازاة، وقرئ «كفر» بالبناء على الفاعل، أي أغرقنا الكفار جزاء لهم، وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً أي ولقد جعلنا السفينة آية يعتبر بها من يقف على خبرها، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) أي فهل من معتبر يعتبر بما صنع الله بقوم نوح موجود فيترك المعصية ويختار الطاعة، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي الذي عذبتهم به، وَنُذُرِ (١٦) أي وكيف كان عاقبة إنذاري؟ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ أي وبالله لقد سهلنا القرآن لقومك، بأن نزلناه على لغتهم للاتعاظ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) أي فهل من طالب علم فيعان عليه؟ كَذَّبَتْ عادٌ هودا فاسمعوا، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) أي إنذاراتي لهم، إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً أي باردة وهو ريح الدبور فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)، أي إلى نفاذ المراد، وهو من يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب شمس الأربعاء آخره، ومستمر، وصف ليوم مضاف إلى «نحس» بسكون الحاء. وقرئ بتنوين «يوم» وكسر حاء «نحس»، ومن جعل نحسا اسم معنى أو مصدرا كان مستمر وصفا لنحس أي مستمر النحوسة. تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ
القمر 54:21
أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
(٢٠) أي تقلع قوم هود من أماكنهم فيلقون أمواتا وهم جثث عظام طوال كأنهم نخل قطعت رؤوسه منقلع عن مغارسه،
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) أي انظر كيف كان عذابي عليهم وكيف كان حال إنذاراتي، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ أي هيأناه للتذكر فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) أي فهل من متعظ يتعظ بما صنع بقوم هود فيترك المعصية؟ كَذَّبَتْ ثَمُودُ قوم صالح بِالنُّذُرِ (٢٣) أي بالإنذارات، فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أي فقالوا: أنتبع آدميا مثلنا واحدا من آحادنا لا من أشرافنا في دينه وأمره إنا وقتئذ لفي خطأ بيّن وتعب، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا أي أألقي الوحي على صالح وهل خصّ بالنبوة منفردا من بيننا وفينا من هو أكثر مالا وأحسن حالا، بَلْ هُوَ كَذَّابٌ في قوله، أَشِرٌ (٢٥) أي متكبر مرح، سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦).
وقرأ ابن عامر وحمزة بتاء الخطاب وهو حكاية عن قول صالح عليه السلام لقومه، أي ستعلمون وقت نزول العذاب بكم في الدنيا عن قريب من شديد الكذب المتكبر. والباقون بياء الغيبة وهو حكاية لقوله تعالى لصالح عليه السلام وعدا له ووعيدا لقومه أي سيعلمون عن قريب وهو وقت نزول العذاب بهم في الدنيا من الذي حمله كذبه وبطره على الترفع أصالح هو أم من كذبه؟ وقرئ «الأشر» أي الأبلغ في الشرار فقال الله لصالح: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ أي إنا مخرجو الناقة من الجبل المنبسط على الأرض حسب ما سألوا فِتْنَةً لَهُمْ مفعول لأجله، أي امتحانا لهم ليتميز حال من يثاب ممن يعذب فإخراج الناقة من الصخرة كان معجزة لصالح، لأنها تصديق له وبعده يتميز المصدق عن المكذب وإرسالها إليهم ودورانها فيما بينهم وقسمة الماء كان فتنة، فَارْتَقِبْهُمْ أي انتظرهم بالعذاب وتبصر ما يصنعون، وَاصْطَبِرْ (٢٧) على أذيتهم، أي فإن كانوا يؤذونك فلا تستعجل لهم العذاب، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ أي أخبرهم بأن ماء بئرهم مقسوم بين قوم صالح والناقة فيوم لهم ويوم لها كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) أي كل نصيب من الماء يحضره صاحبه في نوبته، فبقوا على ذلك مدة، ثم سئموا من ضيق الماء والمرعى عليهم، وعلى مواشيهم فأجمعوا على قتلها فَنادَوْا صاحِبَهُمْ قدار بن سالف، ويلقب بالأجهر بعد ما رماها مصدع بن دهر بسهم، فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) أي تناول قدار السيف فقتل الناقة به موافقة لهم، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله،
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً صيحة جبريل بالعذاب بعد ثلاثة أيام من قتلهم الناقة، لأنه كان في يوم الثلاثاء، ونزول العذاب بالصيحة بهم كان يوم السبت، فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) بكسر الظاء، أي فصاروا كالشيء اليابس من الحطب والشوك لمن يعمل الحظيرة في إهلاكهم. وقرئ بفتح الظاء أي فصاروا كالشيء الذي داسته الغنم في الحظيرة، وهي زريبة الغنم تتخذ من دقاق الشجر وضعيف النبات تقيها عن الحر أو البرد، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ أي هوّنا القرآن للعظة والحفظ والقراءة.
القمر 54:41
قال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا، أي بغير نظر إلّا القرآن. وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل ولم يكونوا يقرءون التوراة إلّا نظرا غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) أي فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) أي بالأمور المخوفة لهم على لسانه إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً، أي عذابا بحجارة من سجيل، عليها علامة كل واحد، فالملائكة حركوا الريح، فالريح رمت الحجارة عليهم إِلَّا آلَ لُوطٍ أي إلّا لوطا وابنتيه زاعورا ورينا. نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) أي في آخر الليل. وقيل عند السدس الأخير من الليل نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا مفعول له، أي كان ذلك الإنجاء فضلا منا كما أن ذلك الإهلاك كان عدلا منا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)، أي كما أنعمنا على من آمن بالله تعالى وأطاعه بالإنجاء ننعم عليهم يوم الحساب. وقيل: أي مثل ذلك الإنجاء ننجي من آمن بالله من عذاب الدنيا، ولا نهلكه بالهلاك العام، وعلى هذا فهو وعد لأمة محمد المؤمنين وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا أي ولقد خوفهم لوط عذابنا الأكبر يوم القيامة لئلا يكون مقصرا في التبليغ، فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) أي شكوا في الإنذارات وكذبوا لوطا، وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ أي طلبوا من لوط المرة بعد المرة أن يخلي بينهم وبين أضيافه من الملائكة التي في صورة شبان مرد للفاحشة، فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ أي أذهبنا صورة أعينهم بالكلية حتى صارت وجوههم كالصفحة الملساء.
روي أنهم لما دخلوا داره عليه السلام عنوة صفقهم جبريل عليه السلام صفقة فتركهم يترددون لا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط عليه السلام. فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) أي فقلنا لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا عذابي الذي هو طمس العين وثمرة إنذاري.
وقال القرطبي: والمراد من هذا الأمر خبر، أي فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط عليه السلام، وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) أي ولقد أتاهم وقت الصبح أول جزء منه عذاب دائم، فإنهم لما أهلكوا نقلوا إلى الجحيم، فكان ما أتاهم عذاب لا يندفع بموتهم، أي فقلع جبريل بلادهم فرفعها، ثم قلبها وأمطر الله عليها حجارة من النار، وخسفها وغمرها بالماء المنتن الذي لا يعيش به حيوان.
وقرئ «بكرة» غير منون على أن المراد بها أول نهار مخصوص، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) أي فقلنا لهم: ذوقوا عذابي وفائدة تخويفي وهي فنون هذا العذاب، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ أي هوّنا القرآن للحفظ والكتابة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) ؟ أي فهل متعظ يتعظ بما صنع بقوم لوط فيترك المعصية؟
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) أي ولقد جاء فرعون وهامان وقارون الإنذار على لسان موسى وهارون، كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها السمعية والعقلية، فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أي أخذ غالب غير عاجز أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أي الذين يصرون على الكفر منكم أهل مكة خير في
القمر 54:51
القوة فلا تهلكون أم الذين أصروا عليه من أولئكم المذكورين، قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وفرعون، وآله وهم من يؤول إليهم خيره وشره؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) ! أي هل حصل لكم براءة من غوائل الكفر والمعاصي في الكتب السماوية تأمنون العذاب بسببها فلذلك تصرون على ما أنتم عليه؟ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) ؟ أي بل أيقولون: نحن كثير منتقمون على من خالفنا، قويون على من عادانا سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ أي يهزم جمعهم بأيسر أمر بوعد لا خلف فيه، وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥).
قال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لما نزلت: سيهزم الجمع ويولون الدبر، كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلبس الدرع ويقول: «سيهزم الجمع ويولون الدبر»
. فعرفت تأويلها اه. وقرئ «سيهزم الجمع» بالبناء للفاعل، أي سيهزم الله تعالى الجمع بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ أي ليس ما وقع لهم في بدر تمام عقوبتهم، بل السلعة موعد أصل عذابهم، وهذا من مقدماته وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)، والساعة أشد من أنواع عذاب الدنيا وآلم وأدوم، إِنَّ الْمُجْرِمِينَ من الأولين والآخرين فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) في ضلال وجنون لا يعقلون ولا يهتدون يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) أي يوم يجرون على وجوههم إلى النار يقال لهم: قاسوا حر جهنم وألمها، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)، أي إنا خلقنا كل شيء ملتبسا بقدر معين، والمعنى: أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها الله تعالى، وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) أي وما أمرنا في كل شيء أردنا إيجاده إلّا كلمة واحدة وهي: كن كطرف البصر في السرعة.
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أي أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) أي متعظ يتعظ بما صنع بهم فيترك المعصية؟ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) أي وكل شيء فعله الأشياع في الشرك بالله من المعاصي والجفاء بالأنبياء مكتوب عليهم في ديوان الحفظة، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من الأعمال مُسْتَطَرٌ (٥٣) أي مكتوب بتفاصيله في اللوح المحفوظ إِنَّ الْمُتَّقِينَ من الكفر والمعاصي فِي جَنَّاتٍ أي رياض واسعة عظيمة الشأن، وَنَهَرٍ (٥٤) أي عند أنهار.
وقرئ «نهر» بضم النون والهاء فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي في مكان مرضي، أو في مجلس لا كذب فيه. وقرئ «مقاعد». عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) أي مقربين عند من له ملك عظيم قادر لا يعجزه شيء ولا شيء إلّا وهو تحت ملكوته، والقربة من الملوك لذيذة كلما كان الملك أشد قدرة كان المتقرب منه أشد التذاذا. والمراد من القرب: قرب المنزلة والشأن لا قرب المعنى والمكان.
الرحمن 55:1
سورة الرحمن
وتسمى عروس القرآن مكية، سبع وسبعون آية، ثلاثمائة وإحدى وخمسون كلمة، ألف وستمائة وستة وثلاثون حرفا
الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) أي علم الإنسان القرآن، فإن الله بعث جبريل بالقرآن إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم، وبعث محمدا إلى أمته. خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) أي أنشأه على ما هو عليه من القوى الظاهرة والباطنة. عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) أي النطق. فيمتاز الإنسان به عن غيره من سائر الحيوانات وألهمه الله أسماء كل شيء وكل دابة تكون على وجه الأرض. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) أي الشمس والقمر يجريان بحساب مقدر في بروجها بحيث ينتظم بذلك أمور الكائنات السفلية، وتختلف الفصول، وتعلم السنون والأوقات. وَالنَّجْمُ وهو كل نبت لا يقوم على الساق.
وَالشَّجَرُ وهو ما يقوم على الساق يَسْجُدانِ (٦) أي يخضعان الله تعالى، ويخرجان من الأرض، ويثبتان عليها بإذن الله تعالى فشبه الثبات في المكان بالسجود، لأن الساجد يثبت.
وَالسَّماءَ رَفَعَها فوق كل شيء وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧)، أي وضع آلة الوزن في الأرض وبين العدل أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨)، أي لئلا تتجاوزوا الإنصاف في الوزن وفي إعطاء المستحقين حقوقهم.
وقرئ «لا تطغوا» بدون «أن» على إرادة القول، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ أي بالعدل وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) أي ولا تنقصوا الموزون، فالطغيان في الوزن أخذ الزائد والإخسار إعطاء الناقص والقسط المتوسط بين الطرفين، وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) أي بسطها على الماء لمنافع الإنس والجن
فِيها أي الأرض، فاكِهَةٌ أي أنواع كثيرة مما تطيب به النفس وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١)، وهي أوعية الثمر، وهي جمع «كم» بكسر الكاف، أو هي كل ما يغطى من ليف وسعف وكفرى، فإنه مما ينتفع به كالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه، وهي جمع «كم» بضم الكاف، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢).
قرأ ابن عامر بنصب الثلاثة بخلق مضمرا، أي وخلق الحبوب كالحنطة والأرز ذا الأوراق
الرحمن 55:21
وخلق الريحان المعروف الذي بزره ينفع في الأدوية، أو المشمومات. وقرأ حمزة والكسائي برفع «الحب» و «ذو» عطفا على فاكهة وجر «الريحان» عطفا على العصف، أي وفيها الحب ذو الساق وذو الأوراق. وقرأ الباقون برفع الثلاثة عطفا على فاكهة، أي وفيها الحب ذو الأوراق الخارجة من جوانب الساق، كأوراق السنبلة من أعلاها إلى أسفلها وفيها مشمومات، أو ريحان معروف، ويجوز أن يراد عند رفع الريحان، ونصبه حذف المضاف وإقامة المضاف، إليه مقامه، والمعنى: وذو السنبلة والثمر أو وخلق ذا الرزق وهو الثمر. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) أي فبأي فرد من أفراد نعم ربكما أيها الجن والإنس تنكران أنها ليست من الله أبتلك النعم المذكورة هنا أم بغيرها، ويسن لسامع القارئ لهذه السورة أن يجيبه كلما قرأ هذه الآية وهي مكررة في أحد وثلاثين موضعا بأن يقول، ولا بشيء من نعمك، ربنا نكذب فلك الحمد، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أقر الجن على ذلك الجواب. خَلَقَ الْإِنْسانَ أي آدم مِنْ صَلْصالٍ أي من طين منتن يابس له صوت، كَالْفَخَّارِ (١٤) أي كالخزف المشوي بالنار المجوف كالإناء في أن كل منهما يسمع له صوت إذا نقر ليعلم هل فيه عيب أو لا؟ وَخَلَقَ الْجَانَّ أي الجن نفسه مِنْ مارِجٍ أي من لهب صاف مِنْ نارٍ (١٥) لا دخان لها وهو بيان ل «مارج»، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) أيها الجن والإنس أبما أفاض عليكما في حالات شتى لخلقتكما حتى صيّركما خلاصة الكائنات أم بغيره؟ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) أي الذي فعل ما ذكر رب مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. وقرأ ابن أبي عبلة «رب» بالجر بدلا، أو بيانا ل «ربكما». فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) أي أبما في ذلك من الفوائد العظيمة التي لا تحصى، كاعتدال الهواء، واختلاف الفصول، وحدوث ما يناسب كل فصل فيه أم بغير ذلك، مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي أرسل الرحمن البحر الملح والبحر العذب، يَلْتَقِيانِ (١٩) أي يتماسان ولا يمتزجان، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ أي حاجز من قدرة الله تعالى، لا يَبْغِيانِ (٢٠) أي لا يتجاوز كل واحد منهما ما حده الله تعالى ولا يغير واحد منهما طعم صاحبه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) فهلا اعتبرتم بأنواع الموجودات يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢)، فاللؤلؤ الدر، والمرجان الخرز الأحمر.
وقيل: اللؤلؤ كبار الدر، والمرجان شغاره. قيل: إن اللؤلؤ يتولد في ملتقى الملح والعذب، ثم يدخل الصدف في المالح عند انعقاد الدر فيه فيثقل هناك فلا يمكنه الدخول في العذب. وقيل: هما يخرجان من الملح في الموضع الذي يقع فيه العذب: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) أبكثرة النعم من خلق المنافع في البحر، وإخراج الحلي العجيبة أم بغيرها، وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤). وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين، أي وله تعالى السفن الرافعات الشراع في البحر كالجبال. والباقون بالفتح أي المرفوعات القلع. وقرأ ابن أبي عبلة بتشديد الشين. وقرأ يعقوب «الجواري» بإثبات الياء في الوقف. وقرأ عبد الله والحسن «الجوار»
الرحمن 55:31
برفع الراء ولا تثبت الياء في الرسم، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) أي أبتلك النعم من خلق مواد السفن وأسباب لا يقدر على خلقها غيره تعالى أم بغيرها. كُلُّ مَنْ عَلَيْها أي على الأرض من الحيوانات والمركبات، فانٍ (٢٦) أي هالك لا محالة وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ أيها السامع، أي ذاته عز وجل ذُو الْجَلالِ أي العظمة التي لا يسعها عقل وَالْإِكْرامِ (٢٧)، أي الفضل التام فالجلال مرتب على فناء غير الله تعالى والإكرام مرتب على بقائه تعالى.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «الظوا بيا ذا الجلال والإكرام»
. أي الزموا في الدعاء ذلك.
وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم مر برجل وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال: «قد استجيب لك»
، والعامة على «ذو» بالواو صفة لوجه. وقرأ أبي وعبد الله «ذي» بالياء صفة ل «رب» فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) أي أبتلك النعم من دفع البلاء، وإبقاء ما هو مخلوق إلى وقت فنائه أم بغيرها يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه في دينه فكل أحد عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه ويسأله كل أحد عن عاقبة أمره، وعما فيه صلاحه وفساده فكل أحد جاهل بما عند الله من المعلومات، فالوجه الأول إشارة إلى كمال القدرة. والوجه الثاني إشارة إلى كمال العلم كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) أي كل وقت من الأوقات هو تعالى في شأن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع من يشاء، ويضع من يشاء كما هو مروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. ويقال: يحتمل أن يكون هو عائدا إلى يوم و «كل يوم» ظرف ليسأله، أي يقع سؤالهم كل يوم هو في شأن يتعلق بهم فيطلبون ما يحتاجون إليه أو يستخرجون أمره بما يفعلون فيه، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) مع مشاهدتكم لإحسانه تعالى، أبتلك النعم أم بغيرها،
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) ؟ أي سنقصد لحسابكم وجزائكم أيها الجن والإنس، أي سندبر لكم أمر الآخرة من الأخذ في الجزاء وإيصال الثواب والعقاب إليكم بعد تدبيرنا لأمر الدنيا بالأمر والنهي، والإماتة والإحياء، والمنع والإعطاء.
وقرأ حمزة والكسائي «سيفرغ» بالياء على الغيبة. وقرئ بالبناء للمفعول. وقرئ «سنفرغ إليكم» وترسم «أيه» بغير ألف. وقرأ أبو عمرو والكسائي بالألف في الوقف. والباقون بتسكين الهاء. وقرأ ابن عامر برفع الهاء في الوصل والباقون بالفتح، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) أبتلك النعم من التنبيه على ما سيلقونه يوم القيامة للتحذير عما يؤدي إلى سوء الحساب أم بغيرها.
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا أي يا جماعة الجن والإنس إن قدرتم أن تخرجوا من أطراف السموات والأرض، وأن تهربوا من قضائي وملكي، فاخرجوا منها، وخلّصوا أنفسكم من عقابي لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ (٣٣) أي ما تنفذون إلّا ومعكم سلطان الله، أي فلا مهرب لكم ولا مخرج عن ملك الله تعالى، وأينما توليتم فثمّ ملك الله وأينما أتاكم حكم الله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) أبتلك النعم من دفع البلاء وتأخير العذاب عن العصاة أم بغيرها، يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ أي لهب خالص لا دخان فيه مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ أي دخان لا لهب معه يسوقانكما إلى المحشر.
الرحمن 55:41
قرأ ابن كثير بكسر شين «شواظ». وقرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد، وأبو عمرو بجر «نحاس» عطفا على «نار»، ولا بد في هذه القراءة من كسر الشين أو إمالة «نار»، وعلى هذا فالشواظ مركب من نار ومن دخان.
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر.
وقرئ «نحاس» بكسر النون. وقرئ «نرسل» بنون العظمة، ونصب «شواظا» و «نحاسا». وقرئ نحس بضمتين جمع نحاس فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) أي فلا ينتصر أحدكما بالآخر ولا أنتما بغيركما فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) أبتلك النعم من بيان عاقبة الكفر والمعاصي أم بغيرها، فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧)، أي فإذا انصدعت السماء وخربت يوم القيامة فصارت حمراء كالأديم المغربي، وهو ما فيه حمرة مع السواد يكون الأمر عسيرا في غاية العسر، أو يلقى المرء فعله ويحاسب حسابه، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) مع عظم شأنها، فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) أي فالمذنب يوم إذ تنشق السماء وذلك أول ما يخرجون من القبور، ويحشرون إلى الموقف ذودا ذودا على اختلاف مراتبهم لا يسأل عن ذنبه إنسي ولا جني، لأنهم يعرفون بسيماهم فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) أبتلك النعم من الأخبار بما يزجر عن الشر أم بغيرها
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ أي بسواد وجوههم وزرقة أعينهم، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) أي يجمع نواصيهم وأقدامهم في سلسلة من وراء ظهورهم فيطرحون في النار، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) أي تجحدون والوقف هنا تام، هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣). وهذه إشارة إلى قربها أي جهنم التي يكذب بها المشركون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) أي يترددون بين النار وماء حار قد انتهى حره، فيحرقون بها، فيستغيثون منها، فيسعى بهم إلى الحميم، ويظهر لهم شيء مانع هو صديدهم المغلي، فيظنونه ماء، فيسقون منه ويصب فوق رؤوسهم، فإذا استغاثوا منه يسعى بهم إلى النار وهكذا، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥) مما أشرنا إليه من أول السورة، فتستحقان العذاب وتحرمان الثواب.
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) أي ولمن خاف المقام الذي يقوم هو فيه بين يدي ربه، وهو مقام عبادته، والمقام الذي اطلع الله على عباده، فانتهى عن المعصية جنتان، جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي، لأن التكليف لهذين النوعين. وقيل: هي جنة جزاء وجنة أخرى زيادة على الجزاء فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) أبتلك النعم أم بغيرها ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) أي صاحبتا أغصان، فإن الجنات ذوات أشجار، والأشجار ذوات أغصان، والأغصان ذوات أزهار، وأثمار وهي لتنزه الناظر وتنكير أفنان للتعجب، أي على الأفنان أوراق عجيبة، وثمار طيبة من غير سوق غلاظ، فالجنة ذات فنن غير كائن على أصل وعرق بل هي واقفة في الجو وأهلها تحتها، فَبِأَيِّ
الرحمن 55:51
آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
(٤٩) أبتلك النعم من وصف الجنة أم بغيرها، فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) أي في كل واحدة منهما عين جارية كيف يشاء صاحبها في الأعالي والأسافل،
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) أبتلك النعم التي ذكرها أم بغيرها؟ فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) أي في كل واحدة من الجنتين نوعان من الفواكه معروف وغريب، أو رطب ويابس وكلاهما حلو يستلذ به فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) أي بتلك النعم أم بغيرها، مُتَّكِئِينَ حال من فاعل «خاف» الذي هو عامل للحال، أو كان عامله وصاحبه ما تدل عليه «فاكهة»، أي يتفكه المتفكون حال كونهم جالسين جلوس المتمكن المتربع، عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها أي التي تلي الأرض مِنْ إِسْتَبْرَقٍ أي ديباج ثخين، وكذا ظهائرها بخلاف أهل الدنيا فلا يجعلون البطائن كالظواهر، لأن غرضهم إظهار الزينة، والبطائن لا تظهر. أما في الآخرة فالأمر مبني على الإكرام والتنعيم فتكون البطائن كالظواهر. وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) أي ثمر الجنتين قريب يناله القاعد والقائم في وقت واحد ومكان واحد، فإن العجائب كلها من خواص الجنة، فكان أشجارها دائرة عليهم سائرة إليهم وهم ساكنون على خلاف ما كان في جنات الدنيا، فإن الإنسان فيها متحرك ومطلوبه ساكن، والولي قد تصير الدنيا له أنموذجا من الجنة، فإنه يكون ساكنا في بيته ويأتيه الرزق متحركا إليه دائرا حواليه، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) أبقدرته على ثني الأغصان وتقريب الثمار أم بغيرها فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ أي في الجنان نساء مانعات أعينهن من النظر إلى غير بعلهن، وللجنة اعتبارات ثلاثة، فلاتصال أشجارها وعدم الأراضي الغامرة كأنها جنة واحدة ولاشتمالها على النوعين ما في الدنيا، وما ليس فيها وما يعرف وما لا يعرف، وما يقدر على وصفه، وما لا يقدر، ولذات جسمانية، ولذات روحانية، كأنها جنتان ولسعتها، وكثرة أماكنها، وأشجارها وأنهارها، كأنها جنات كثيرة، فالضمير هنا عائد إلى الجنتين لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦)، أي لم يجامع الإنسيات أحد من الإنس ولا الجنيات أحد من الجن قبل أزواجهن والمشهور أن الحور العين لسن من نساء أهل الدنيا، وإنما هن مخلوقات في الجنة، فإن أكثر نساء أهل الدنيا مطموثات فَبِأَيِّ آلاءِ
رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
(٥٧) أي بأي نوع من أنواع هذا الإحسان تنكران كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) أي مشبهات بالياقوت في حمرة الوجنة وبالمرجان بمعنى صغار الدر في بياض البشرة وصفائها، فإن صغار الدر أنصع بياضا من كباره. قيل: إن الحوراء تلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) أي بما جعله مثالا لوصفهن أم بغيره، هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) ؟ أي ما جزاء الإحسان في العمل إلّا الإحسان في الثواب فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو إليه أيضا.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) أبشيء من هذه النعم الجليلة أم بغيرها وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) أي ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للخائفين المقربين جنتان أخريان لمن دونهم من أصحاب اليمين فَبِأَيِّ
الرحمن 55:71
آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
(٦٣)، أبشيء مما تفضل به عليكم من الجنات أم بغيره. مُدْهامَّتانِ (٦٤) أي سودا، وإن من شدة الخضرة من الري، وهذه صفة لجنتان. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) أبشيء من تلك النعم الجليلة أم بغيرهايهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
(٦٦) أي فوارتان أي ماؤهما متحرك إلى جهة فوق فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) أبتلك النعم أم بغيرها فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) وأفردهما بالذكر مع دخولهما في الفاكهة بيانا لفضلهما، فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء، فيحنث بأكل أحدهما من حلف لا يأكل فاكهة، كما قاله الشافعي وأكثر العلماء خلافا لأبي حنيفة، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) أبتلك النعم أم بغيرها؟ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) أي في الجنتين نساء في باطنهن خير وفي ظاهرهن حسن.
روى الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله، أخبرني عن قوله تعالى: خَيْراتٌ حِسانٌ قال: «خيّرات الأخلاق حسان الوجوه»
. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) أبنعمة الحور أم بغيرها، حُورٌ مَقْصُوراتٌ أي محبوسات على أزواجهن فِي الْخِيامِ (٧٢)، أي في خيام الدر المجوف، وهي فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) أبهذه النعم أم بغيرها؟ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) أي لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) أبهذه النعم أم بغيرها؟
مُتَّكِئِينَ حال مما دل عليه «لم يطمثهن» إلخ فأزواجهم لم يطمثن حال كونهم متكئين عَلى رَفْرَفٍ أي رياض أو بسط، خُضْرٍ فالأخضر حصل فيه الألوان الثلاثة الأبيض والأسود والأحمر، فالأبيض: يفرق البصر والأسود: يجمع البصر كالأحمر، فلما اجتمع في الأخضر الأمور الثلاثة دفع بعضها أذى بعض ولما كان ميل النفس في الدنيا إلى الأخضر أكثر ذكره الله تعالى، وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فالثياب المعمولة عملا جيدا يسمونها عبقريات مبالغة في حسنها، كأنها ليست من عمل الإنس، لأن العبقري منسوب إلى عبقر وهو موضع من مواضع الجن، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) أبشيء من هذه النعم أم بغيرها؟ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨) أي تعالى اسمه الجليل وارتفع عما لا يليق بشأنه.
قرأ ابن عامر ذو الجلال بالواو. والباقون «ذي» بالياء صفة لرب. وهذا إشارة إلى أن أتم النعم عند الله تعالى وأكمل اللذات ذكر الله تعالى.
الواقعة 56:1
سورة الواقعة
مكية، سبع وتسعون آية، ثلاثمائة وثمان وتسعون كلمة، ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) أي إذا قامت القيامة يعترف بها كل أحد ويبطل عناد المعاندين ولا يتمكن أحد من من إن كارها والعامل في «إذا» «ليس لوقعتها كاذبة» فاللام بمعنى في، أي ليس كاذبة توجد في وقت وقوعها، أو بمعنى عندي أي لا يكون عند وقوعها نفس تكذب في نفيها، وإنما سميت القيامة واقعة لشدة صوتها يسمع القريب والبعيد، خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) أي هي خافضة للكافرين في دركات النار والعذاب، ورافعة للمؤمنين في درجات الجنة والنعيم.
وقرئ «خافضة رافعة» بالنصب على الحال من «الواقعة»، إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)، أي إذا زلزلت الأرض زلزالا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل، و «إذا» متعلقة ب «خافضة» رافعة أو بدل من «إذا وقعت». وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) أي فتتت الجبال فتا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) أي فصارت الجبال غبارا منتشرا، وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) أي وصرتم في ذلك اليوم أيها الخلائق ثلاثة أصناف، اثنان في الجنة وواحد في النار، ثم بينهم الله تعالى بقوله:
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) أي فأهل الجنة الذين يعطون كتابهم بيمينهم، أيّ شيء هم في حالهم، فهم في غاية حسن الحال في الكرامة والسرور وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) أي وأهل النار الذين يعطون كتابهم بشمالهم أيّ شيء هم في حالهم، فهم في غاية سوء الحال وهم في الهوان والعذاب، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أي والسابقون الذين لا حساب عليهم هم الذين اشتهرت أحوالهم وعرفت محاسنهم، فهم يسبقون الخلق إلى الجنة من غير حساب، فالسابقون إلى الخيرات في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى،
أُولئِكَ أي السابقون الْمُقَرَّبُونَ (١١) إلى الله تعالى فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) في أعلى عليين، فلهم قرب عند الله كما يكون الجلساء الملوك فهم لا يكون بيدهم شغل ولا يرد عليهم أمر، فيلتذون بالقرب ويتنعمون بالراحة، بخلاف قرب الملائكة الذين هم للأشغال، فهو قرب الخواص عند الملك، فهم ليسوا في نعيم وإن كانوا في لذة عظيمة، ولا يزالون خائفين قائمين بباب الله يرد عليهم الأمر
الواقعة 56:21
ولا يرتفع عنهم التكليف، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) أي هم أي السابقون إلى الإيمان بالأنبياء عيانا، المجتمعون عليهم جماعة كثيرة من الأمم السالفة من لدن آدم إلى نبينا عليهم السلام وقليل من هذه الأمة، أي إن الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوهم من الأمم الماضية أكثر ممن عاين النبي صلّى الله عليه وسلّم وآمن به، وهذا لا ينافي كون أمة محمد ثلثي أهل الجنة عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) أي موصولة بالذهب والفضة، منسوجة بالدر والياقوت ويقال: أرضها من الذهب الممدود وقوائمها من الجواهر النفيسة مُتَّكِئِينَ عَلَيْها أي السرر، مُتَقابِلِينَ (١٦) فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. وهذا وصف لهم بحسن العشرة والآداب، وتهذيب الأخلاق.
ويقال: السابقون هم الذين أجسامهم أرواح نورانية وجميع جهاتهم وجه، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ أي يدور حولهم للخدمة وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) أي مبقون أبدا على شكل الولدان، لا يكبرون ولا يلتحون بِأَكْوابٍ، أي بكيزان وهي أوان مستديرة الأفواه بلا عري ولا خراطيم، وَأَبارِيقَ وهي: أوان لها عري وخراطيم وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) أي إناء خمر طاهرة تجري من عيون لا يُصَدَّعُونَ عَنْها أي لا يصيبهم صداع بسبب شربها، وَلا يُنْزِفُونَ (١٩).
قرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الزاي، أي لا ينفذ شرابهم.
والباقون بفتحها أي «لا يكسرون»، أي لا ينزف عقولهم وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)، أي مما يختارونه ويأخذون أفضله،
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١). وقرئ «ولحوم طير».
وعن أبي الدرداء أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن في الجنة طيرا مثل أعناق البخت تصطف على يد ولي الله فيقول أحدهما: يا ولي، الله رعيت في مروج تحت العرش، وشربت من عيون التنسيم فكل مني، فلا يزلن يفتخرن بين يديه حتى يخطر على قلبه أكل أحدها فيخر بين يديه على ألوان مختلفة فيأكل منها ما أراد، فإذا شبع تجمع عظام الطير فطار يرعى في الجنة حيث شاء». فقال عمر: يا نبي الله، إنها لناعمة. قال: «آكلها أنعم منها»
«١». وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) أي نساء شديدات بياض أجسادهن وشديدات سواد العيون مع سعتها.
وقرأ حمزة والكسائي بالجر عطف على «جنات النعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة، ولحم طير، ومصاحبة حور. والباقون بالرفع عطفا على «ولدان» فلأهل الجنة حور مقصورات معظمات، ولهن جوار وخوادم وحور تطوف مع الولدان السقاة. وقرئ «وحورا عينا» بالنصب، أي ويعطون حورا عينا، كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)
أي المصون الذي لم تقع عليه الشمس
(١) رواه أحمد في (م ٣/ ص ٢٣٦)، والسيوطي في الدر المنثور (٦: ١٥٦)، والقرطبي في التفسير (١٧: ٢٠٤)، وابن مبارك في الزهد ٥٢٥، وابن كثير في التفسير (٧: ٤٩٨)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١٠: ٤٩٨) وأبو نعيم في تاريخ أصفهان (٢: ١٨٨).
الواقعة 56:31
والهواء. وهذا إشارة إلى غاية صفائهن جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) أي يفعل بهم ذلك كله جزاء بأعمالهم لا يَسْمَعُونَ فِيها، أي الجنة لَغْواً أي شيئا لا ينفع، وَلا تَأْثِيماً (٢٥) أي شيئا منسوبا إلى الإثم كالشتم، إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (٢٦) أي لكن يقولون ويسمعون قولا سلاما سلاما، أي يسلم بعضهم على بعض وتسلم الملائكة عليهم، ويرسل الرب السلام إليهم. وقرئ «سلام سلام» على الحكاية. وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ أي يتنعمون في شجر نبق مَخْضُودٍ (٢٨) أي غير ذي شوك، وموقر من الحمل حتى لا يبين ساقه، والله تعالى جعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرا على اثنين وسبعين لونا من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر- كما في الحديث- وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) أي وفي موز متراكب أوراقه وثمره لا يرى له ساق من كثرة ثمره الذي أحلى من العسل، وليس ثمر الجنة في غلاف كثمر الدنيا مثل الباقلا والجوز ونحوهما، بل كله مأكول ومشروب ومشموم منظور إليه.
واعلم أن الأشجار يجمعها نوعان أوراق صغار، وأوراق كبار، فالسدر في غاية الصغر وشجر الموز في غاية الكبر، فوقعت الإشارة إلى الطرفين جامعة لجميع الأشجار نظرا إلى أوراقها، كما ذكر الله النخل والرمان عند ذكر الثمار، لأن بينهما غاية الخلاف فوقعت الإشارة إليهما جامعة لجميع الأشجار نظرا إلى ثمارها، وكذلك النخيل والأعناب فإن النخل من أعظم الأشجار المثمرة، والكرم من أصغر الأشجار المثمرة وبينهما أشجار فوقعت الإشارة إليهما جامعة لسائر الأشجار، فإن البليغ يذكر طرفي أمرين يتضمن ذكرهما الإشارة إلى جميع ما بينهما، كما يقال: فلان ملك الشرق والغرب ويفهم منه أنه ملك ما بينهما، وكما يقال فلان أرضى الصغير والكبير، ويفهم منه أنه أرضى كل أحد. وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) أي منبسط لا تزيله الشمس أبدا، كظل ما بين الفجر وطلوع الشمس،
وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) أي مصبوب من ساق العرش سائل يجري على الأرض في غير أخدود، ومثل الله حال السابقين بأقصى ما يتصور لأهل المدن، وحال أصحاب اليمين بأكمل ما يتصور لأهل البوادي إعلاما بالتفاوت بين الحالين وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) بحسب الأنواع والأجناس لا مَقْطُوعَةٍ في وقت من الأوقات، وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) عن متناوليها بوجه من الوجوه. وقرئ و «فاكهة» بالرفع أي وهناك فاكهة إلخ.
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) على الأسرّة كما قاله علي، أو نساء مرفوعات على الأرائك ومرفوعات بالفضل والجمال، ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦).
روى النحاس أن أم سلمة سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فقال: هن اللواتي قبضن في الدنيا عجائز شمطا، عمشا، رمصا، جعلهن الله تعالى بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء.
وعن المسيب بن شريك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً: «هن عجائز الدنيا أنشأهن الله تعالى خلقا جديدا كلما أتاهن أزواجهن
الواقعة 56:41
وجدوهن أبكارا». فلما سمعت عائشة رضي الله عنها ذلك قالت: وا وجعاه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«ليس هناك وجع»
. عُرُباً أي حسناء محسنة لكلامها متحببات إلى أزواجهن أَتْراباً (٣٧) أي مستويات في السن على مقدار ثلاث وثلاثين سنة لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) أي على سنهم. وفي هذا الإشارة إلى الاتفاق، لأن أحد الزوجين إذا كان أكبر من الآخر فالشباب يعيره، والجار والمجرور متعلق ب «أترابا» كقولك: هذا ترب لهذا أي مساو له في السن ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) أي هم أي أصحاب اليمين كثيرون من أوائل الأمم قبل أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم ومن أواخر الأمم، وهي أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ، أي في ريح متعفن يتحرك من جانب إلى جانب، فإذا شم الإنسان منه يفسد قلبه العفوية ويقتل الإنسان وَحَمِيمٍ (٤٢) أي ماء حار إشارة بالأدنى إلى الأعلى، فالهواء والماء أنفع الأشياء في الدنيا، فهواؤهم الذي يهب عليهم سموم وماؤهم الذي يستغيثون به حميم فما ظنك بنارهم التي هي عندنا أحر، وكيف حالهم مع أحر الأشياء؟ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) أي من دخان جهنم أسود، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) أي لا بارد يطلب الظل لبرده، ولا ذي كرامة قد أعد للجلوس فيه وحفظ عن القاذورات، إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ أي قبل سوء العذاب في الدنيا مُتْرَفِينَ (٤٥)، أي منعمين بأنواع النعم ولم يشكروها وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) أي كانوا في الدنيا يديمون على الذنب العظيم الذي هو الشرك، وَكانُوا يَقُولُونَ إذا كانوا في الدنيا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا أي صرنا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨). وهذه الآيات الثلاثة إشارة إلى الأصول الثلاثة فقوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ يدل على ذمهم بإنكار الرسل وعلى تكبرهم بغناهم، وهم كانوا يقولون: أبشرا منا واحدا نتبعه. وقوله تعالى: يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ إشارة إلى الشرك ومخالفة التوحيد. وقوله تعالى: وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً إلخ إشارة إلى إنكار الحشر.
وقرأ قالون وابن عامر بسكون الواو. والباقون بفتحها أي أإنا أو آباؤنا مبعثون أي أتبعث آباؤنا الأولون الذي قد فنيت عظامهم. قُلْ يا أشرف الخلق لمنكري البعث: إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) أي إنهم يساقون بعد البعث إلى عرصة الحساب، ويجمعون في وقت يوم معين عند الله تعالى وهو يوم القيامة،
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ عن سبيل الله وهو التوحيد، الْمُكَذِّبُونَ (٥١) أي المنكرون الحشر لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) أي لآكلون شجرا هو الزقوم، فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) أي كل واحد منكم يملأ بطنه من تلك الشجر، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ أي عقب ذلك الأكل بلا ريث مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) أي الماء الحار، فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) أي لا يكون شربكم منه شربا معتادا بل يكون مثل شرب الإبل العطاش. هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) أي ليس المذكور كل العذاب، بل هذا أول ما يلقونه من العذاب وهو جزء منه، وإذا كان هذا ما يعدّ لهم
الواقعة 56:61
أول قدومهم فما ظنك بما لهم بعد استقرارهم في النار، نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) ؟ أي هل تشكون في أن الله خلقكم أولا أم لا؟ فإن لم تشكوا في ذلك فهلا تصدقون أيضا بخلقكم ثانيا، فإن من خلقكم أولا من لا شيء لا يعجز أن يخلقكم ثانيا من أجزاء معلومة عنده، فأخبروني أيّ شيء هو تصبون في أرحام النساء من المني إن كنتم تشكون وتقولون: الخلق لا يكون إلّا من مني وبعد الموت لا مني، أفهذا المني أنتم تخلقونه، أم الله فإن كنتم تعترفون بقدرة الله وإرادته وعلمه، فذلك يلزمكم القول بجواز البعث وصحته،
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ أي وقتنا موت كل أحد بوقت معين. وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال أي سوّينا بينكم بالموت فتموتون كلكم، وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ أي لا يغلبنا أحد على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم أشباهكم من الخلق، أي وما نحن عاجزون عن خلق أمثالكم وإعادتكم بعد تفرق أوصالكم، وَنُنْشِئَكُمْ فِي
ما لا تَعْلَمُونَ
(٦١) أي إنا قادرون على أن نخلقكم في صور لا تعلمونها في جنسكم، ويقال: أن نجعل أرواحكم يوم القيامة فيما لا تصدقون وهي النار.
وقال بعضهم: أنجعل أرواحكم في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الزرازير كما أخرجه ابن أبي حاتم. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى أي الخلق الأول في بطون الأمهات وهو من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أي فهلا تتعظون بأن من قدر على النشأة الأولى قدر على النشأة الأخرى حتما.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الشين في النشأة، وبألف بعدها فهمزة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتخفيف الذال في «تذكرون». والباقون بالتشديد. وقرئ «تذكرون» من الثلاثي. وفي الخبر: «عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور». أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أي أخبروني يا أهل مكة ما تبذرون من الحبوب أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)، أي أأنتم تنبتونه! بل نحن المنبتون لا أنتم، لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً أي لجعلنا الزرع متكسرا يابسا بعد خضرته، وقبل ظهور الحب، أي إن قلتم: نحن نلقي البذر في الأرض وهو بنفسه يصير زرعا لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا، قال تعالى: ولو سلم لكم هذا الباطل فما تقولون في سلامة الزرع عن الآفات فيفسد قبل اشتداد الحب فهل تدفعون الآفات عنه، أو هذا الزرع بنفسه يدفعها عن نفسه كما تقولون إنه بنفسه ينبت؟ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) أي فصرتم تعجبون من يبسه بعد خضرته. وقرئ «فظلتم» بكسر الظاء و «فظلتم» على الأصل بكسر اللام. وقرئ «تفكهون» أي تتندمون على ما أنفقتم عليه قائلين: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) أي إنا لمعذبون بالجوع بهلاك الزرع، أو إنا لمكرهون بالغرامة. وقرأ شعبة أإنا على الاستفهام بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أي ممنوعون منفعة زروعنا، أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي
الواقعة 56:71
تَشْرَبُونَ
(٦٨) عذبا فراتا، أَأَنْتُمْ يا أهل مكة أَنْزَلْتُمُوهُ عليكم مِنَ الْمُزْنِ أي السحاب الثقيل بالماء، أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) أي بل نحن المنزلون عليكم لا أنتم لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أي ذلك الماء أُجاجاً، أي حارا أو مرا من شدة الملوحة، فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أي فهلا تشكرون على هذه النعمة التامة، فإن النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب، وذلك لأن الإنسان إذا كان في البراري التي لا يوجد فيها الماء لا يأكل شيئا مخافة العطش.
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أي تقدحونها عن كل عود غير العناب وهو الشجر الأحمر، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أي الشجرة التي تصلح لإيقاد النار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) أي بل نحن المنشئون لها بقدرتنا لا أنتم؟ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً لنار جهنم فيجب على العاقل إذا رأى النار الموقدة أن يخشى عذاب الله أو تذكرة لصحة البعث، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت، وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) أي منفعة للذين ينزلون القوى وهي القفر البعيدة من العمران، وهم الذين أوقدوا النار، لأنهم أحوج إلى النار في الليل لتهرب السباع ويهتدي الضال، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) ولا تقل لغير الله تعالى انه إله فإن الاسم يتبع المعنى والحقيقة، أي إن الكفار اعترفوا بأن الأمور من الله، وإذا طولبوا بالوحدانية قالوا: نحن لا نشرك في المعنى وإنما نتخذ أصناما آلهة في الاسم، ونسميها آلهة والله هو الذي خلقها، فنحن ننزهه تعالى في الحقيقة فقال تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ أي فكما أنت أيها العاقل اعترفت بعدم اشتراك الله مع غيره في الحقيقة اعترف بعدم اشتراكهما في الاسم. فَلا أُقْسِمُ قيل: «لا» مزيدة مؤكدة. وقيل: الأصل فلانا أقسم، فحذف المبتدأ، وأشبعت فتحة لام الابتداء، ويعضده قراءة من قرأ «فلأقسم» بلام التأكيد. وقيل: إن «لا» نافية، رد لكلام يخالف المقسم عليه، والتقدير:
والله لا صحة لقول الكفار أقسم بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) أي بمواضعها في السماء في منازلها.
وقرأ حمزة والكسائي «بموقع النجوم» بسكون الواو، أي بموضع سقوطها عند غروبها وَإِنَّهُ أي إن القسم بها لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)، أي لو تعلمون عظمة القسم لعظمتم هذا القسم، لكنكم ما عظمتونا، لأنكم لا تعلمون ولا وقف هنا، لأن القسم وقع على ما بعده، إِنَّهُ أي إن الكلام الذي أنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) أي كثير النفع لاشتماله على إصلاح المعاش والمعاد، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) أي في كتاب محفوظ عن الباطل، وهو المصحف، الذي في أيدينا، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) أي لا يمس ذلك الكتاب إلّا المطهرون من الأحداث، أي يحرم عليهم مسّه بدون الطهارة. وهذه الجملة صفة ثانية ل «كتاب»، فالخبر بمعنى النهي ويؤيد هذا قراءة عبد الله بن مسعود «ما يمسه» ب «ما» النافية. وروى مالك وغيره أن كتاب عمرو بن حزم، وهو من أهل الظاهر لا يمس القرآن إلّا طاهر.
الواقعة 56:81
وقال ابن عمر. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تمس القرآن إلّا وأنت طاهر»
«١» تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) صفة ثالثة ل «قرآن» أي منزل من الله تعالى، وفي ذلك رد على قول من قال: إن القرآن شعر، أو سحر، أو كهانة، وفي هذا رد على الذين يقولون: إن القرآن في كتاب ولا يمسه إلا المطهرون- وهم الملائكة- ورد على الروافض الذي يقولون: إن جبريل أنزل على علي فنزل على محمد. فقال تعالى: هو من الله ليس باختيار الملك. وقرئ «تنزيلا» بالنصب حال من قرآن،
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) أي أفبهذا القرآن أنتم يا أهل مكة متهاونون به. ويقال:
أفبهذا الكلام الذي تتحدثون به أنتم تلينونه لأصحابكم من شأن محمد والبعث، والحساب، والجنة، والنار تعلمونهم خلافه، وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) أي تجعلون معاشكم تكذيب محمد، لأنكم تخافون إن صدقتموه ومنعتم ضعفاءكم عن الكفر أن يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الرسل. وقرئ «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون»، أي تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به، فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) أي فلم لا تكذبون الرسل إذا بلغت الروح الحلقوم، والحال أنكم وقت النزع تشاهدون الأمور وتعلمونها. وهذا إشارة إلى أن كل أحد يؤمن عند الموت لكن لم يقبل إيمان من لم يؤمن قبله، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) أي ونحن أقرب إلى الميت من أهله الحاضرين عنده بعلمنا وقدرتنا، ولكن لا تدركون ذلك لجهلكم بشئوننا، فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧)، أي فلم لا تردون الروح إلى الجسد عند بلوغها الحلقوم إن كنتم غير مجزيين وغير محاسبين إن كنتم صادقين في اعتقادكم أي إنكم إذا كنتم لستم تحت قدرة أحد فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا مع أن ذلك مشتهى أنفسكم ومنى قلوبكم كما كنتم في الدنيا التي ليست دار جزاء، فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ أي فأما إن كان المجزى من المقربين السابقين فله راحة. وقرأ بعضهم بضم الراء، أي فله حياة دائمة، أو رحمة، لأنها كالحياة للمرحوم وَرَيْحانٌ، أي رزق عظيم أو زهرة فقد قيل: إن أرواح أهل الجنة لا تخرج من الدنيا إلّا ويؤتى إليهم بريحان من الجنة يشمونه، وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) أي بستان ذات تنعم ليس فيها غيره،
وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) أي إن مكانة النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنسبة إلى المقربين الذين هم في عليين، كأصحاب الجنة بالنسبة إلى أهل عليين فكأن الله تعالى
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٣: ٤٨٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٣: ٢٣٠)، والدارقطني في السنن (١: ١٢٣)، والهيثمي في مجمع الزوائد (١: ٢٧٦)، والزيلعي في نصب الراية (١: ١٩٨)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٢٨٢٩)، والألباني في إرواء الغليل (١: ١٥٩). قال: هؤلاء الذين هم أهل الجنة وإن كانوا دون الأولين، لكن لا تنقطع بينك يا أشرف الخلق وبينهم المكالمة والتسليم، بل هم يرونك ويصلون إليك وصول جليس الملك إلى الملك، والغائب إلى أهله وولده، وأما المقربون فهم يلازمونك ولا يفارقونك، وإن كنت أعلى مرتبة منهم وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ
حَمِيمٍ
(٩٣)، أي وأما إن كان المجزى من المنكرين للبعث الضالين عن سبيل الله، فله ضيافة من ماء حار يشربه بعد أكل الزقوم وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) أي وإدخال في النار واحتراق بها، إِنَّ هذا أي ما ذكر في هذه السورة لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) أي نهاية اليقين، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) لم بين الله تعالى الحق وامتنع الكفار قال لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: هذا هو حق فإن امتنعوا، فسبح ربك في نفسك وما عليك من قومك سواء صدقوك أو كذبوك.
الحديد 57:1
سورة الحديد
مدنية أو مكية، تسع وعشرون آية، خمسمائة وأربع وأربعون كلمة، ألفان وأربعمائة وستة وسبعون حرفا
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أبعد الخلق ذات الله تعالى من أن يكون محلا للإمكان وصفاته من أن تكون متغيرة، وأفعاله من أن تكون موقوفة على مادة ومثال، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) أي وهو القادر الغالب الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب. لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي له التصرف فيهما وفيما فيهما من الموجودات يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) أي هو قادر على خلق الحياة والموت، ومنفرد بإيجادهما لا يمنعه تعالى عنهما مانع، ولا يرده عنهما راد. هُوَ الْأَوَّلُ أي ليس قبله شيء، وَالْآخِرُ أي ليس بعده شيء فهو الباقي بعد فناء سائر الموجودات، وَالظَّاهِرُ بحسب الدلائل، وَالْباطِنُ أي المحتجب عن الأبصار. وعن الحواس وعن إدراك حقيقة ذاته في الدنيا والآخرة وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) لا يعزب عن علمه شيء من المظاهر، والخفي، هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام الدنيا تعلما للعباد في التأني للأمور ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، أي تصرف في ملكة تصرفا تاما يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ من المياه والكنوز والأموات، وَما يَخْرُجُ مِنْها من النبات والمياه والمعادن والأموات، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من الأمطار والملائكة والمصائب والحر والبرد، وَما يَعْرُجُ فِيها من الحفظة والأعمال وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ بسبب القدرة والإيجاد والتكوين وبسبب العلم، فهو كونه تعالى عالما بظواهرنا وبواطننا لا بالمكان والجهة.
قال المحققون: ما رأيت شيئا إلّا ورأيت الله قبله. وقال المتوسطون: ما رأيت شيئا إلّا ورأيت الله معه. وقال الظاهريون: ما رأيت شيئا إلّا ورأيت الله بعده. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) فيجازيكم به لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) أي جميع الأمور في الآخرة حيث لا مالك سواه. وقرأ الأخوان وابن عامر بفتح التاء وكسر الجيم يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، فيزيد النهار وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، فيزيد الليل وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦) أي بمكنونات القلوب من نياتهم. آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وهذا خطاب مع من عرف الله، فالمقصود من هذا الأمر معرفة صفات الله، أما معرفة وجود الصانع فحاصلة للكل، وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ أي من الأموال التي في أيديكم التي جعلكم الله بمنزلة الوكلاء فيها، تحفظونها لمن يأتون بعدكم فلا ينبغي لكم البخل بها، فالصواب أن تصرفوها في الوجوه التي تنفعكم في المعاد، فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا أموالهم في طاعة الله لَهُمْ بسبب ذلك، أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره، وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ أيّ أي شيء يحصل لكم غير مؤمنين بالله، والحال أن الرسول يدعوكم للإيمان به، والحال أن الله قد نصب الدلائل الموجبة لقبول دعوة الرسول في العقول فقد تطابقت دلائل النقل والعقل، وسميت الدلائل المستلزمة وجوب القبول ميثاقا، لأنها أوكد من الحلف إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)، أي إن كنتم تؤمنون بشيء لأجل دليل، فما لكم لا تؤمنون الآن فإنه قد تطابقت الدلائل النقلية والعقلية، وبلغت مبلغا لا يمكن الزيادة عليها. وقرأ أبو عمرو «أخذ ميثاقكم» بالبناء للمفعول، وبرفع ميثاقكم، أي مكن عقولكم من النظر في الأدلة، هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ محمد عليه الصلاة والسلام آياتٍ بَيِّناتٍ وهي القرآن، لِيُخْرِجَكُمْ أي الله أو العبد بتلك الآيات، مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من الكفر إلى الإيمان، وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) حيث يهديكم إلى سعادة الدارين بإرسال الرسول وتنزيل الآيات بعد نصب الأدلة العقلية، وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي وأيّ شيء يحصل لكم يا معشر المؤمنين في أن لا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى ما هو له في الحقيقة، والحال أنه لا يبقى لكم شيء منها، بل يبقى كله لله تعالى، فإنكم ستموتون فتورثون، أي وذلك لأن المال لا بد من خروجه عن اليد، إما بالموت وإما بالإنفاق في طاعة الله، فإن خرج عن اليد بغير الإنفاق في طاعة الله استعقبه اللعن والعقاب، وإن خرج عنها بالإنفاق في مرضاة الله استعقبه المدح والثواب، لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أي لا يستوي منكم يا معشر المؤمنين عند الله في الفضل من أنفق من قبل فتح مكة، وقاتل أعداء الله، ومن أنفق وقاتل من بعد فتح مكة وقوة الإسلام. وقرئ «قبل الفتح» بغير «من»، أُولئِكَ أي المنعوتون بذينك النعتين الجميلين أَعْظَمُ دَرَجَةً، وأرفع منزلة عند الله مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا. وهذه الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، فإنه من آمن وأنفق في سبيل الله وخاصم الكفار حتى ضرب ضربا شديدا، أشرف به على الهلاك.
قال عمر: كنت قاعدا عند النبي صلّى الله عليه وسلّم وعنده أبو بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال، فنزل عليه صلّى الله عليه وسلّم جبريل عليه السلام فقال: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة خللها في صدره بخلال؟ فقال:
«أنفق ماله علي قبل الفتح» قال: فإن الله عز وجل يقول: اقرأ عليه السلام وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال: أبو بكر أأسخط على ربي! إني عن ربي راض.
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ
الحديد 57:11
الْحُسْنى
أي وكل واحد من الفريقين وعد الله المثوبة الحسنى- وهي الجنة- مع تفاوت الدرجات. وقرأ ابن عامر «وكل» بالرفع على الابتداء، أي وكل وعده الله الحسنى، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) فيوصل الثواب إليكم بحسب استحقاقكم له
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي من ذا لذي ينفق ماله في طاعته تعالى بالصدق من قلبه رجاء أن يعوضه.
وقال بعض العلماء: لا يكون القرض حسنا حتى يجمع أوصافا عشرة:
الأول: أن يكون القرض من الحلال.
والثاني: أن يكون من أكرم ما تملكه دون أن تنفق الرديء.
والثالث: أن تصدق بما تملكه وأنت تحتاج إليه بأن ترجو الحياة.
والرابع: أن تصرف صدقتك إلى الأحوج.
والخامس: أن تكتم الصدقة ما أمكنك.
والسادس: أن لا تتبعها منا ولا أذى.
والسابع: أن تقصد بها وجه الله ولا ترائي.
والثامن: أن تستحقر ما تعطي وإن كثر.
والتاسع: أن يكون المعطى من أحب أموالك إليك.
والعاشر: أن لا ترى عز نفسك وذل الفقير بل ترى نفسك تحت دين الفقير، وترى الفقير كأن الله تعالى أحال عليك رزقه الذي قبله منك. يُضاعَفُ لَهُمْ أي فيعطيه الله أجره أضعافا.
وقرأ عاصم بالألف والنصب، ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالألف والرفع، وابن كثير بالتشديد في العين والرفع، وابن عامر بالنصب. فالرفع على العطف على «يقرض» أو على الاستئناف على تقدير مبتدأ، أي فهو يضاعفه، والنصب على جواب الاستفهام بالفاء. وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) أي وللقرض ثواب حسن في نفسه، حقيق
بأن يتنافس فيه المتنافسون، وإن لم يضعّف فكيف وقد ضعّف أضعافا كثيرة إلى أكثر من سبعمائة نزلت هذه الآية في أبي دحداح، يَوْمَ ظرف لقوله تعالى: فَيُضاعِفَهُ أو للاستقرار العالم في وله أجر، أي استقر له أجر يوم تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ، وهذا النور هو ما يكون سببا للنجاة وإنما قال تعالى: بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم وراء ظهورهم، فإذا مروا على الصراط يسعى معهم نور الإيمان والأعمال المقبولة أمامهم، ونور الإنفاق في جهة أيمانهم، لأن الإنفاق يكون بالإيمان ومراتب الأنوار مختلفة على قدر الأعمال، فمنهم من يضيء له نوره كما بين عدن وصنعاء ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء له نوره إلّا موضع قدميه وأدناهم نورا من يكون نوره على إبهاميه ينطفئ مرة ويتقد أخرى، وهذا القول منقول عن ابن مسعود وقتادة وغيرهما. وقرأ سهل بن شعيب وأبو حيوة وبأيمانهم بكسر الهمزة أي وبسبب أيمانهم حصل سعي ذلك النور، بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي تقول لهم الملائكة على الصراط: بشارتكم العظيمة في هذا الوقت دخولكم جنات، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وهو حال من ضمير المخاطب المقدر، ذلِكَ أي ما تقدّم من النور والبشرى بالجنات المخلّدة هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) الذي لا غاية وراءه. وقرئ «ذلك الفوز العظيم» بإسقاط كلمة هو. يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا لما رأوهم يسرع بهم إلى الجنة و «يوم» بدل من «يوم ترى»، أو أن العامل فيه «ذلك هو الفوز العظيم». انْظُرُونا أي انظروا إلينا أي، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، والنور أمامهم فيستضيئون. به وقرأ حمزة «أنظرونا» بقطع الهمزة وكسر الظاء أي انتظرونا لنلحق بكم، نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ أي نستضيء بنوركم. قِيلَ أي قال لهم المؤمنون قول تنديم وتوبيخ:
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً أي ارجعوا إلى الموقف حيث أعطينا النور فاطلبوا نورا هناك. وقيل:
ارجعوا إلى دار الدنيا، فالتمسوا هذه الأنوار هنالك. وقال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ارْجِعُوا إلخ منع المنافقين عن الاستضاءة لا أمر لهم بالرجوع أي تنحّوا عنا، فلا سبيل لكم إلى وجدان هذا المطلوب ألبتة، فيرجعون في طلب النور فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ أي بني بين الفريقين بِسُورٍ الباء زائدة، أي حائط بين الجنة والنار كما قاله قتادة أو حجاب، كما في سورة الأعراف، كما قاله مجاهد. وقال: من قال: ارجعوا إلى دار الدنيا. والمراد من ضرب السور هو امتناع العود إلى الدنيا، لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ أي لذلك السور باب في باطن ذلك السور الجنة التي فيها المؤمنون، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) أي وخارج السور من جهته النار، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور، والكافرون يبقون في العذاب، يُنادُونَهُمْ أي ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في الدنيا على الغزوات والعبادات؟ قالُوا بَلى، أي يقول المؤمنون: بلى، قد كنتم معنا في الظاهر، وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي أهلكتموها بكفر السر، واستعملتموها في المعاصي والشهوات، وَتَرَبَّصْتُمْ أي أخرتم أنفسكم عن التوبة من النفاق، وانتظرتم موت رسول الله وحوادث السوء على المؤمنين، وَارْتَبْتُمْ أي شككتم في نبوة محمد، وفي البعث، وفي وعيد الله، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ أي الأباطيل وهي ما كانوا يتمنون من نزول الحوادث بالمؤمنين، ومن انتكاس أمر الإسلام حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ أي حتى جاءكم وعد الله بالموت على غير التوبة من النفاق، أي حتى أماتكم الله وألقاكم في النار وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)، بفتح الغين، أي الشيطان لإلقائه إليكم أن لا خوف عليكم من محاسبة ومجازاة. وقرأ سماك بن حرب بضم الغين، والمعنى: وغركم عن طاعة الله سلامتكم من أباطيل الدنيا مع الاغترار بأمتعة الدنيا فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي فاليوم لا يقبل منكم يا معشر المنافقين فداء ولا من الذين أظهروا الكفر. وقرأ ابن عامر «تؤخذ» بالتأنيث. مَأْواكُمُ النَّارُ أي منزلكم النار، هِيَ مَوْلاكُمْ أي هي موضعكم الذي تصلون إليه وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)، أي بئس المرجع هذه النار. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟ قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم بتخفيف الزاي، والمعنى: ألم يجيء وقت أن تخشع قلوب المؤمنين لذكرهم الله، ولما نزل من القرآن، وينقادوا لأوامره ونواهيه انقيادا تاما. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم بتشديد الزاي، أي ولما نزّله الله من القرآن. وعن أبي عمرو «نزل» مبنيا للمفعول. وقرأ الحسن البصري «ألم يئن» بكسر الهمزة وسكون النون. وقرأ الحسن «ألما يأن»، وعن الأعمش قال: إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا لينا في العيش ورفاهية، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية. وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ، أي هذا إما معطوف على «تخشع»، ف «لا» نافية، أي وألم يأن وقت أن لا يكونوا كاليهود والنصارى من قبل ما نزل إليكم، والمراد نهي المؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب، بعد أن وبخوا، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، وإما جزم «بلا» الناهية، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الالتفات، فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ أي طالت المدة بينهم وبين أنبيائهم. وقيل: أي طالت أعمارهم في الغفلة. وقيل: طال عليهم الزمان بطول الأمل.
وقال ابن عباس: أي مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله. وروي عن ابن كثير الأمد بتشديد الدال، أي الوقت الأطول فزالت عنهم الروعة التي كانت تأتيهم من الكتابين. فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ للمواعظ بسبب الطول وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)، أي خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين من أجل فرط قسوتهم. وهذا إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر، اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي أن الله يلين القلوب بالخشوع- الناشئ عن الذكر وتلاوة القرآن- بعد قساوتها كما يحيي الله الأرض بالغيث بعد يبوستها، كذلك يحيي الله الموتى من القبور بالمطر، وقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ الدالة على قدرتنا على إحياء الموتى لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) أي لكي تكمل عقولكم فتصدقوا بالبعث بعد الموت، إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر بتخفيف الصاد من التصديق، أي إن الذين آمنوا من الرجال والنساء وتصدقوا صدقة واجبة، أو تطوعا عن طيبة النفس وخلوص النية على المستحق للصدقة يضاعف لهم إلى ألفي ألف إلى ما شاء الله من الأضعاف. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بتشديد الصاد من التصدق. وقرأ أبي «إن المتصدقين والمتصدقات»، والمعنى: إن الذين أعطوا الصدقة من الرجال والنساء وعملوا الصالحات إلخ لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة وهو تقديم الحسنات. وقرأ ابن كثير وابن عامر «يضعّف لهم» بتشديد العين، والجار والمجرور نائب الفاعل. وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) أي ثواب حسن في الجنة وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وهم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم، ولم يكذبوهم ساعة قط مثل آل ياسين، ومؤمن آل فرعون، وأما في أمة محمد فهم ثمانية سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام، أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر بن الخطاب. ألحقه الله تعالى بهم لما عرف من صدق نيته- كما قاله الضحاك ومقاتل- ويقال: الصدّيق هو الذي يحمل الأمر على الأشق، ولا ينزل إلى الرخص، ولا يميل إلى التأويلات، وَالشُّهَداءُ وهذا إما معطوف على ما قبله ويجوز الوقف هنا، وهم عدول الآخرة الذين تقبل شهادتهم.
وقال الضحاك: هم التسعة الذين سميناهم رضي الله عنهم. وقال مقاتل ومحمد بن جرير:
هم الذين استشهدوا في سبيل الله. وقال الفراء والزجاج هم الأنبياء. ف «أولئك» مبتدأ ثان و «هم» مبتدأ ثالث، و «الصديقون» خبر «هم»، وهو مع خبره خبر للثاني، وهو مع خبره خبر للأول، أي أولئك عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء بعلو الرتبة ورفعة المحل. وإما مبتدأ وخبره إما عِنْدَ رَبِّهِمْ وإما لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وعلى هذا فالوقف على الصدّيقون تام. والأظهر أن جملة لهم أجرهم من مبتدأ وخبر محلها رفع على أنه خبر ثان للموصول والضمير الأول للموصول والأخيران للصدّيقين والشهداء. وهذه الجملة بيان لثمرات ما وصفوا به من نعوت الكمال، أي للذين آمنوا مثل أجر الصدّيقين والشهداء ونورهم، المعروفين بغاية الكمال وعزة المنال، فالمماثلة بين تمام ما للأول من الأصل والأضعاف، وبين ما للآخرين من الأصل بدون الأضعاف، وقد حذف أداة التشبيه تنبيها على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد،
ولما ذكر الله تعالى حال المؤمنين أتبعه بذكر حال الكافرين فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا أُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفة القبيحة، أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) بحيث لا يفارقونها أبدا، ولما ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين والكافرين ذكر ما يدل على حقارة الدنيا، وكمال حال الآخرة اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وهو فعل الصبيان الذي يتعبون أنفسهم جدا ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة، وَلَهْوٌ وهو فعل الشبان، فبعد انقضائه لا يبقى إلا التحزن، لأن العاقل يرى المال ذاهبا والعمر ذاهبا، وَزِينَةٌ وهو دأب النسوان، لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح وتكميل الناقص، وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض بالنسب، أو بالقوة، أو بالقدرة، أو بالعساكر وكلها ذاهبة، وَتَكاثُرٌ أي مبالغة في الكثرة فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ. فالحياة الدنيا غير مذمومة وإنما المذموم من صرف هذه الحياة إلى طاعة الشيطان، ومتابعة الهوى لا إلى طاعة الله تعالى، والمعنى: اعلموا أن شغل البال بالحياة الدنيا دائر بين هذه الأمور الخمسة، كَمَثَلِ غَيْثٍ أي صفة الدنيا في إعجابها كصفة مطر أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ أي أعجب الزراع النبات الحاصل بالمطر وسمي الزارع كافرا، لأنه يغطي
الحديد 57:21
البذر بتراب الأرض، ثُمَّ يَهِيجُ أي يجف النبات فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد ما رأيته ناضرا، وقرئ «مصفارا»، ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً أي ثم يصير النبات متكسرا، وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لمن كانت حياته بهذه الصفة وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لأوليائه، وأهل طاعته والرضوان أعظم درجات الثواب، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) لمن أقبل عليها وأعرض بها عن طلب الآخرة.
قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إن ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي سارعوا إلى سائر ما كلفتم به، فإن المسارعة إلى ذلك تؤدي إلى مغفرة وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أي لو جعلت السموات السبع والأرضون السبع وألزق بعضها ببعض، لكان عرض الجنة في عرض جميعها، أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي هيئت الجنة للمؤمنين من جميع الأمم، ذلِكَ الموعود به من المغفرة والجنة، فَضْلُ اللَّهِ أي عطاؤه، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ إيتاءه إياه وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١). وهذا تنبيه على عظم حال الجنة ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ هي قحط المطر، وقلة النبات، ونقص الثمار، وغلاء الأثمار، وتتابع الجوع وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ وهي الأمراض، والفقر، وذهاب الأولاد، وإقامة الحدود على الأنفس، إِلَّا فِي كِتابٍ أي مكتوب في اللوح المحفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها أي أن نخلق هذه المصائب والأنفس والأرض، إِنَّ ذلِكَ أي إن إثبات كل ذلك مع كثرته في الكتاب عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)، وإن كان عسيرا على العباد لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ أي أخبرناكم بذلك لئلا تحزنوا حزنا زائدا على ما في أصل الجبلة على ما فاتكم من نعم الدنيا، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ أي بما أعطاكم الله تعالى منها، فإن من علم أن الكل مقدر لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آت. وقرأ أبو عمرو «أتاكم» بقصر الهمزة، أي بما جاءكم من الله. وقرئ «بما أوتيتم»، والمراد: نفي الحزن المانع عن التسليم لأمر الله تعالى، ونفي الفرح الموجب للبطر والاختيال، الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بأداء حق الله تعالى وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ. وذلك نتيجة فرحهم عند إصابة النعم والموصول صفة لكل مختال فخور. وقيل: مستأنف لا تعلق بما قبله وهو مبتدأ خبره محذوف، وهو بيان لصفة اليهود، والمعنى. الذين يبخلون ببيان صفة النبي التي في كتبهم لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم، ويأمرون الناس بالبخل به لهم تهديد شديد، وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) أي ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله غني عنه فلا يعود عليه ضرر ببخل البخيل، حميد في ذلك الإعطاء مستحق حيث فتح أبواب نعمته.
وقرأ نافع وابن عامر «فإن الله الغني» بحذف لفظ هو. لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا أي الأنبياء إلى الأمم بِالْبَيِّناتِ أي الدلائل القاهرة والمعجزات الظاهرة، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ أي أنزلنا إليهم الكتاب وهو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال النفسانية، لأن به يتميز الحق من الباطل، والحجة من الشبهة، وَالْمِيزانَ هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية، وهو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ أي ليتعاملوا فيما بينهم بالعدل، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ أي قوة شديدة وهو زاجر للخلق عما لا ينبغي. والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية، والميزان إشارة إلى القوة العملية والحديد إشارة إلى دفع ما لا ينبغي. وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ أي لأمتعتهم مثل السكاكين، والفاس، والمبرد وغير ذلك، وما من صنعة إلا والحديد آلتها، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ أي وليعلم الله من ينصر دينه ورسله باستعمال السيوف، والرماح، وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين، حال كونه تعالى غائبا عنهم، أي ينصرونه تعالى ولا يبصرونه، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ على الأمور قادر على إهلاك جميع أعدائه، عَزِيزٌ (٢٥) أي لا يمانع ولا يفتقر إلى نصرة أحد بل وإنما ليصلوا بامتثال الأمر في الجهاد إلى الثواب، وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فما جاء بعدهما أحد بالنبوة، إلّا وكان من أولادهما، وكانت الكتب الأربعة في ذرية إبراهيم، وهو من ذرية نوح، فإنه الأب الثاني لجميع البشر، فَمِنْهُمْ أي الذرية مُهْتَدٍ إلى الحق وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦)، أي خارجون عن الطريق المستقيم ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ، أي نوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم بِرُسُلِنا أي أرسلنا بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام، وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، أي جعلناه متأخرا عنهم في الزمان وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ أي أعطيناه الإنجيل. وقرأ الحسن بفتح همزة «أنجيل» تنبيها على كونه أعجميا، وأنه لا يلزم فيه مراعاة أبنية العرب وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ على دينه رَأْفَةً أي لينا وَرَحْمَةً، أي شفقة أي وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم. وقرئ «رآفة» على وزن فعالة، وَرَهْبانِيَّةً. وقرئ بضم الراء ابْتَدَعُوها، أي أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها أي وفقناهم لاستحداث الرهبانية لينجوا من فتنة بولس اليهودي.
وروى ابن مسعود أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «يا ابن مسعود، أما علمت أن بني إسرئيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلّا ثلاث فرق: فرقة آمنت بعيسى عليه السلام وقاتلوا أعداء الله في نصرته حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي»
«١». ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ أي لم نفرض الرهبانية عليهم. وهذه الجملة صفة ثانية لرهبانية، إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أي فما حفظوا الرهبانية حق حفظها، لأنهم أتوها
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠: ٢١٢)، وابن كثير في التفسير (٨: ٥٥) وفيه:
«يا ابن مسعود، هل علمت؍ اثنين وسبعين».
؍ لطلب الدنيا والرياء والسمعة فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد مِنْهُمْ أي الرهبان أَجْرَهُمْ وهم الذين لم يخالفوا دين عيسى ابن مريم، وهم أربعة وعشرون رجلا في أهل اليمن، جاءوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وآمنوا به، ودخلوا في دينه أي لما بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يبق من الرهبان إلا قليل، انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته، وصاحب دير من ديره، فآمنوا به صلّى الله عليه وسلّم وصدقوه، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ي من الرهبان فاسِقُونَ (٢٧) أي تاركون تلك الطريقة ظاهرا وباطنا، وهم الذين خالفوا دين عيسى، فقال الله تعالى في حق قوم عيسى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بعيسى وبالرسل المتقدمة، اتَّقُوا اللَّهَ فيما نهاكم عنه وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد عليه الصلاة والسلام يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ، أي نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم أولا: بعيسى عليه السلام، وثانيا: بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق، وإن كان منسوخا ببركة الإسلام وَيَجْعَلْ لَكُمْ يوم القيامة نُوراً تَمْشُونَ بِهِ على الصراط وبين الناس وَيَغْفِرْ لَكُمْ ما أسلفتم من الكفر والمعاصي، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) أي مبالغ في المغفرة والرحمة، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، لأنه قادر مختار يفعل بحسب الاختيار، و «لا» زائدة كما يدل عليه قراءة «ليعلم» و «لكي يعلم»، و «لأن يعلم». وقوله تعالى: وَأَنَّ الْفَضْلَ عطف على أَلَّا يَقْدِرُونَ، والمعنى: إنما بالغنا في هذا البيان وأطنبنا في الوعد والوعيد، ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأن الفضل في تصرف الله تعالى يعطيه من يشاء، ولا اعتراض عليه في ذلك أصلا. والمقصود من هذه الآية أن يزيل الله عن قلوب بني إسرائيل اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم، وغير حاصلة إلّا في قومهم وقيل: إن لفظة «لا» غير زائدة والضمير في قوله تعالى: أَلَّا يَقْدِرُونَ عائد إلى الرسول وأصحابه: وقوله تعالى: وَأَنَّ الْفَضْلَ ألخ عطف على «أن لا يعلم». والمعنى: أنا فعلنا ذلك لئلا يعتقد أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل أنه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شيء من فضل الله الذي هو سعادة الدارين، وليعتقدوا أن الفضل في ملكه تعالى على أن عدم علمهم بعدم قدرتهم على ذلك، كناية عن علمهم بقدرتهم عليه، فإنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) فإن العظيم لا بد وأن يكون إحسانه عظيما.
المجادلة 58:1
سورة المجادلة
مدنية، ثنتان وعشرون آية، أربعمائة وثلاث وسبعون كلمة، ألف وسبعمائة، واثنان وسبعون حرفا، هذه السورة أول النصف الثاني من القرآن باعتبار عدد السور، فهي الثامنة والخمسون منها، وأول العشر الأخير من القرآن باعتبار عدد أجزائه، وليس فيها. آية إلا وفيها ذكر الجلالة مرة أو مرتين أو ثلاثا
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها أي قد أجاب الله دعاء المرأة التي تخاصمك أيها النبي في شأن زوجها وتلك المجادلة أنه صلّى الله عليه وسلّم كلما قال لها: «حرمت عليه» قالت: والله ما ذكر طلاقا بأن أنزل الله حكم الظهار على ما يوافق مطلوبها، وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ بأن قالت رافعة رأسها إلى السماء: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، وقالت: إن لي صبية صغارا، وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما أي مراجعتكما في الكلام، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) أي يسمع كلام من يناديه، ويبصر من يتضرع إليه.
روي عن خولة بنت ثعلبة بن مالك بن الدخشم الأنصارية كانت تحت أوس بن الصامت الأنصاري، رآها زوجها وهي ساجدة في الصلاة، وكانت حسنة الجسم، فنظر إلى عجيزتها، فأعجبه أمرها، فلما سلمت من الصلاة طلب وقاعها، فأبت، فغضب عليها، وكان به لمم، أي توقان إلى النساء. وقيل: مس من الجن، فأراد أن يأتيها على حال لا تؤتى عليها النساء، فأبت عليه، فغضب وقال: إن خرجت من البيت قبل أن أفعل بك، فأنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال. وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية، فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله، إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما كبر سني وكثر ولدي، جعلني كأمه وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا! فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلّم: «حرمت عليه».
فقالت: أشكوا إلى الله فاقتي ووجدي، وكلما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «حرمت عليه» هتفت وشكت إلى الله، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، فأنزل على لسان نبيك فرجي، فبينما هي كذلك إذ تربّد وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، ثم إنه صلّى الله عليه وسلّم أرسل إلى زوجها وقال: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال الشيطان: فهل من رخصة؟ فقال: «نعم». وقرأ عليه الأربع آيات وقال له: «هل تستطيع العتق؟» فقال: لا، والله. فقال: «هل تستطيع الصوم؟» فقال: لا والله، لولا أني آكل في اليوم مرة أو مرتين لكلّ بصري ولظننت أني أموت. فقال له:
«هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟» «١» فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة، فأعانه رسول الله بخمسة عشر صاعا، وأخرج أوس من عنده مثله، فتصدق به على ستين مسكينا،
الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ أي الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم، كتحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم ليست نساؤهم أمهاتهم على الحقيقة، فهو كذب بحت.
قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، ويعقوب «يظهرون» بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف «يظاهرون» بفتح الياء وتشديد الظاء وألف. وقرأ أبو العالية وعاصم وحسين يظاهرون بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء وفي قراءة أبيّ «يتظاهرون». وقرأ عاصم في رواية المفضل «أمهاتهم» بالرفع. وقرئ «بأمهاتهم». وجملة «ما هن أمهاتهم» خبر المبتدأ الذي هو الموصول إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ أي ما أمهاتهم في الحرمة إلا اللائي ولدنهم، فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الشرع بهن من المرضعات، وأزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم، وَإِنَّهُمْ أي المظاهرين لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ عند الشرع وعند العقل والطبع، وَزُوراً أي كذبا، والظهار حرام اتفاقا، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) إما من غير التوبة لمن شاء، أو بعد التوبة إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم من هذا القول المنكر، وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا إما بالسكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه كما قال الشافعي- وإما باستباحة الوطء والملامسة، والنظر إليها بالشهوة- كما قاله أبو حنيفة وإما بالعزم على جماعها- كما قاله مالك- فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي فالواجب إعتاق رقبة مؤمنة فلا تجزئ كافرة عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: تجزئ أي رقبة كانت سواء كانت مؤمنة أو كافرة. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أي أن يستمتع كل من المظاهر المظاهر منها بشيء من جهات الاستمتاعات، فلا يباشر المظاهر امرأته، ولا يتلذذ منها بشيء حتى يكفر، فإن وطئها قبل أن يكفر استغفر الله وأمسك عنها حتى
(١) رواه الترمذي في السنن ٧٢، والبيهقي في السنن الكبرى (٤: ٢٢٧)، والشافعي في المسند ١٠٥، ومالك في الموطّأ ٢٩٧، والطبراني في المعجم الكبير (٧: ٤٧)، وعبد الرزاق في المصنّف (٧٤٥٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٧: ١٦١)، والبغوي في شرح السنة (٦: ٢٨٢)، والطبراني في التفسير (٢٨: ٣٤)، والسيوطي في الدر المنثور (٦:
١٨٠). يكفر كفارة واحدة، ذلِكُمْ أي التغليظ في الكفارة تُوعَظُونَ بِهِ أي تزجرون به عن إتيان ذلك المنكر كي تتركوه ولا تعاودوه، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) أي من التكفير وتركه، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي رقبة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ أي فعليه صيام شهرين مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا بجميع ضروب المسيس من لمس بيد وغيرها، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أي الصيام فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً لكل مسكين مدمن طعام بلده الذي يقتات منه حنطة، أو شعير، أو أرزا، أو تمرا بمد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا يعتبر مد حدث بعده. وقال أبو حنيفة: لكل مسكين نصف صاع من بر، أو دقيق، أو سويق، أو صاع واحد من تمر، أو شعير، ولا يجزئه دون ذلك. ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي ذلك البيان للأحكام لتصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه ولا تستمروا على أحكام الجاهلية من جعل الظهار أقوى أنواع الطلاق، وَتِلْكَ أي هذه الأحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ التي لا يجوز مجاوزتها، وَلِلْكافِرِينَ أي لمن جحد هذه الأحكام وكذب بها، عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)، فإن عجز عن جميع خصال الكفارة لم تسقط عنه، بل هي باقية في ذمته إلى أن يقدر على شيء منها، ولا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفّر، فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينه وبينها، وأجبره على التكفير، وإن كان الإجبار بالضرب ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأن ترك التكفير إضرارا بالمرأة، وامتناع من إيفاء حقها إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أي يعاودونهما، وذلك بالمحاربة مع أولياء الله، أو بالصد عن دين الله وتكذيبه، كُبِتُوا أي أذلوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أي كما أخزى كفار الأمم الماضية المعادين للرسل عليهم الصلاة والسلام، وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ، أي والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات في شأن من خالف الله ورسوله ممن قبلهم من الأمم من إهلاكهم، وَلِلْكافِرِينَ بتلك الآيات عَذابٌ مُهِينٌ (٥) أي يذهب بعزهم وكبرهم. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً أي مجتمعين في حال واحدة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا تخجيلا لهم وتشهيرا لحالهم الذي يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد، أَحْصاهُ اللَّهُ أي أحاط الله بجميع أحوال تلك الأعمال من الكمية والكيفية، والزمان والمكان. وَنَسُوهُ أي والحال أنهم قد نسوا أعمالهم، لأنهم تهاونوا بها حيث فعلوها، ولم يبالوا بها لجراءتهم على المعاصي، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) لا يغيب عنه أمر من الأمور قط، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؟ أي ألم تعلم علما يقينيا أنه تعالى يعلم ما فيهما من الموجود سواء كان ذلك بالاستقرار فيهما أو بالجزئية منهم! ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ أي ما يوجد من متناجين ثلاثة إلا الله رابعهم، ولا متناجين خمسة إلا الله سادسهم، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا أي من الأماكن ولو كانوا تحت الأرض.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية، كانوا يوما يتحدثون فقال أحدهم: هل يعلم الله ما نقول؟ وقال الثاني: يعلم البعض دون البعض. وقال الثالث: إن كان يعلم البعض فيعلم الكل. وفي مصحف عبد الله: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم، إذا أخذوا في التناجي»، أي فالله تعالى عالم بكلامهم وضميرهم، وسرهم وعلنهم، فكأنه تعالى حاضر معهم ومشاهد لهم.
قرأ ابن عبلة «ثلاثة» و «خمسة» بالنصب على الحال بإضمار «يتناجون». وقرأ الحسن والأعمش وابن أبي إسحاق وأبو حيوة ويعقوب «ولا أكثر» بالرفع إما معطوف على محل «نجوى»، أو هو مبتدأ لعطفه على مبتدأ وهو أدنى، وجملة «إلا هو معهم» خبره. وقرئ «ولا أكبر» بالباء المنقوطة من تحت. ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي يحاسب على ذلك ويجازى على قدر الاستحقاق. وقرأ بعضهم «ينبئهم» بسكون النون. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧). وهذا تحذير من المعاصي وترغيب في الطاعات، أَلَمْ تَرَ أي ألم تنظر يا أشرف الخلق إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ أي بما هو إثم في نفسه كالكذب، وَالْعُدْوانِ للمؤمنين وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ أي مخالفته نزلت في اليهود، كانوا ينتاجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يحزنهم، فلما أكثروا وذلك شكا المؤمنون ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المؤمنين فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ حمزة وحده «ينتجون»، أي ويخص اليهود المنافقين بمناجاتهم. وقرئ «والعدوان» بكسر العين. وقرئ «ومعصيات الرسول»، وَإِذا جاؤُكَ يا أشرف الخلق حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ أي أنهم كانوا يجيئون إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويقولون في تحيتهم إياك: السام عليك يا محمد وهم يوهمون أنهم يقولون: السلام عليك فيرد النبي عليهم: وعليكم. والسام بلغتهم:
الموت والله تعالى يقول: وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [النمل: ٥٩] ويا أَيُّهَا الرَّسُولُ [المائدة: ٤١] ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: ٦٤] وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ أي ويقولون:
فيما بينهم إذا خرجوا من عند رسول الله أن محمدا لو كان رسولا، فلم لا يعذبنا الله بما نقول لنبيه على هذا الاستخفاف. وقيل: إنهم قالوا: إن محمدا يرد علينا ويقول: وعليكم السام، فلو كان نبيا كما يزعم لكان دعاؤه علينا مستجابا ولمتنا، وهذا موضع تعجب منهم فإنهم كانوا أهل الكتاب يعلمون أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يغضبون فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب فأنزل الله فيهم، حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ عذابا يَصْلَوْنَها أي يدخلونها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) جهنم أي إن تقديم العذاب إنما يكون بحسب المشيئة والمصلحة فإذا لم تقتض المشيئة والمصلحة تقديم العذاب في الدنيا، فعذاب جهنم يوم القيامة كافيهم في الردع عما هم عليه، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فيما بينكم فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وهو ما يقبح، وَالْعُدْوانِ وهو ما يؤدي إلى ظلم الغير،
المجادلة 58:11
وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وهو ما يكون خلافا عليه. وقرئ «فلا تنتجوا» وفلا تناجوا بحذف إحدى التاءين، وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وهو الذي يضاد العدوان، وَالتَّقْوى وهو ما يتقى به من النار من فعل الطاعات وترك المعاصي، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)، أي اتقوا الله في أن تتناجوا دون المؤمنين الذي تجمعون بقهر إليه تعالى يوم القيامة، أي إلى مكان المحاسبة والمجازاة إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا، أي إنما النجوى السابقة- وهي نجوى المنافقين- مع اليهود ممتدة من الشيطان، أي إن الشيطان يأمرهم بأن يقدموا عل تلك النجوى التي هي سبب لحزن المؤمنين، وذلك لأن المؤمنين إذا رأوهم متناجين قالوا: ما نراهم إلا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا، وهزموا، يقع ذلك في قلوبهم ويحزنون له. وقرأ نافع «ليحزن» بضم الياء وكسر الزاي، فحينئذ ففاعله ضمير يعود على «الشيطان»، أي ليحزن الشيطان المؤمنين بتوهمهم أن النجوى في نكبة أصابتهم، وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي وليس مناجاة المنافقين بضارة المؤمنين شيئا من الضرر إلا بمشيئة الله، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)، فإن من توكل عليه لا يخيب أمله ولا يبطل سعيه.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا أي إذا قيل لكم: ليتوسع بعضكم عن بعض فتوسعوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ في كل ما تريدون التوسع فيه من المكان، والرزق، والصدر، والقبر، والجنة. وهذه الآية تدل على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة. والمراد: من هذا التوسيع إيصال الخير إلى المسلم وإدخال السرور في قلبه. وقرأ الحسن وداود بن أبي هند «تفاسحوا». وقرأ عاصم «في المجالس» بصيغة الجمع، لأن لكل جالس موضع جلوس على حدة. والباقون «في المجلس» بالتوحيد على أن المراد به الجنس.
وقرئ «في المجالس» يفتح اللام. قيل: نزلت هذه الآية في نفر من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس جاءوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكان النبي جالسا في صفة صفية يوم الجمعة، فلم يجدوا مكانا يجلسون فيه، فقاموا على رأس المجلس.
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمن لم يكن من أهل بدر: «يا فلان قم، ويا فلان قم مكانك ليجلس فيه من كان من أهل بدر»
. وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فعرف النبي صلّى الله عليه وسلّم الكراهية لمن أقامه من المجلس، فأنزل الله فيهم هذه الآية يوم الجمعة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه دخل المسجد، وقد أخذ القوم مجالسهم، وكان يريد القرب من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للوقر الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب منه صلّى الله عليه وسلّم، ثم ضايقه بعضهم، وجرى بينه وبينهم كلام وذكر للرسول محبة القرب منه، ليسمع منه وأن فلانا لم يفسح له، فأمر القوم بأن يوسعوا، ولا يقوم أحد لأحد، فنزلت هذه الآية. مسألة: إذا أمر إنسان أن يبكر الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع، أما إذا أرسل سجادة لتفرش له في المسجد حتى يحضر هو، فيجلس عليها فذلك حرام لما فيه من تحجير المسجد بلا فائدة وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا أي وإذا قيل: ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لإخوانكم فارتفعوا وقوموا إلى الموضع الذي تؤمرون به. وقرئ «انشزوا» بكسر الشين وبضمها، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ أي يرفع الله المؤمنين منكم أيها المأمورون بالتفسح والعالمين منه خاصة درجات بامتثال أوامره تعالى، وأوامر رسوله والموصول الثاني معطوف على الموصول الأول إما من عطف الخاص على العام، أو من عطف الصفات و «درجات» مفعول ثان كأنه قيل: يرفع الله المؤمنين العلماء درجات.
وقال ابن عباس: تم الكلام عند قوله تعالى: مِنْكُمْ وينتصب الذين أوتوا بفعل مضمر، أي ويخص الذين أوتوا العلم بدرجات أو يرفعهم إلى درجات.
قال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية، والمعنى أن الله تعالى يرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذ فعلوا بما أمروا به. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) وهذا تهديد لمن لم يمتثل الأمر. وقرئ «يعملون» بالياء التحتية. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً أي إذا أردتم مناجاة الرسول في بعض شؤونكم المهمة الداعية إلى مناجاته صلّى الله عليه وسلّم فتصدقوا قبل النجاة، وفائدة هذا التقديم تعظيم مناجاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإن الإنسان إذا وجد الشيء مع المشقة استعظمه وإن وجده بالسهولة استحقره، ونفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة على المناجاة، وتمييز محب الآخرة عن محب الدنيا بتلك الصدقة، فإن المال محك الدواعي. وقال أبو مسلم: إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل الصدقات وإن قوما من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهرا وباطنا إيمانا حقيقيا، فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين فأمر بتقديم الصدقة على النجوى ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عمن بقي على نفاقه الأصلي، وهذا التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة فلا يكون هذا منسوخا. وقيل: نزلت هذه الآية في أهل الميسرة فإن منهم من كانوا يكثرون المناجاة مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم دون الفقراء حتى تأذى بذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم والفقراء، فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بالصدقة قبل أن يتناجوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم بدرهم على الفقراء بكل كلمة ذلِكَ أي التصدق خَيْرٌ لَكُمْ في دينكم من الإمساك وَأَطْهَرُ لذنوبكم ولقلوبكم من حب المال، لأن الصدقة طهرة فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تتصدقون به يا أهل الفقر، فتكلموا مع رسول الله بما شئتم بغير التصدق، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أي فطن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوا عنه، أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ أي أخفتم تقديم الصدقات لما يخوفكم الشيطان به من الفقر وبخلتم يا أهل الميسرة، فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتم به من إعطاء الصدقات وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بأن أرخص لكم في أن لا تفعلوه فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات، أي إذا كنتم راجعين إلى الله تعالى وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأطعتم الله ورسوله في سائر الأوامر، فقد كفاكم هذا التكليف، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) ظاهرا وباطنا، فهو محيط بأعمالكم ونياتكم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي ألم تنظر يا أشرف الخلق إلى المنافقين الذين اتخذوا اليهود أولياء ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ أي ليس المنافقون منكم أيها المسلمون في السر، ولا من اليهود في العلانية، لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ أي ويقولون: والله إنا لمسلمون، أو إنا لا يشتمون الله ورسوله ولا يكيدون المسلمين. يروى أن عبد الله بن نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجرته إذ قال: يدخل عليكم اليوم رجل ينظر بعيني شيطان، فدخل رجل عيناه زرقاوان، وهو عبد الله بن نبتل، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لم تسبني أنت وأصحابك؟» فحلف بالله ما فعل، فانطلق وجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه، فأنزل الله هذه الآية قيل: نزلت في شأن عبد الله بن أبي وأصحابه بولايتهم مع اليهود، وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أنهم كاذبون في حلفهم فيمينهم يمين غموس لا عذر لهم فيها أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ أي للمنافقين بسبب ذلك عَذاباً شَدِيداً أي متفاقما لا طاقة لهم به في القبر، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) في نفاقهم فيما مضى من الزمان المتطاول، فتمرنوا على سوء العمل وأصروا عليه اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ أي حلفهم الكاذبة جُنَّةً أي سترة عن دمائهم وأموالهم. وقرأ الحسن «إيمانهم» بكسر الهمزة أي اتخذوا إظهار إيمانهم لأهل الإسلام وقاية عن ظهور نفاقهم وكيدهم للمسلمين، وسترة عن أن يقتلهم المسلمون، فلما أمنوا من القتل اشتغلوا بصد الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات في القلوب وتقبيح حال الإسلام وذلك قوله تعالى: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي صرفوا الناس في السر عن دين الله فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦)، أي يهانون به في الآخرة لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي
لن تدفع عنهم كثرة أموالهم ولا كثرة أولادهم من عذاب الله شيئا من الدفع، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي ملاقوها هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) أي لا يخرجون منها أبدا.
روي أن واحدا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزلت هذه الآية.
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً قيل: هو ظرف لقوله تعالى: فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ، فَيَحْلِفُونَ لَهُ أي بين يدي الله ما كنا كافرين ولا منافقين، كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ في الدنيا وَيَحْسَبُونَ في الآخرة أَنَّهُمْ بتلك الأيمان الفاجرة عَلى شَيْءٍ من جلب منفعة، أو دفع مضرة، كما كانوا عليه في الدنيا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨)، عند الله في حلفهم أي أنهم لشدة توغلهم في النفاق ظنوا يوم القيامة أنه يمكنهم ترويج كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب، فكأن هذا الحلف الذميم يبقى معهم أبدا، اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أي غلب على أمور المنافقين الشيطان، فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ فلا
المجادلة 58:21
يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم، أُولئِكَ أي المنافقون حِزْبُ الشَّيْطانِ أي جنده، أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)، أي المغبونون بذهاب الدنيا والآخرة إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)، أي إن الذين يخالفون الله ورسوله في الدين أولئك في جملة الكفار الخلص أو مع الأسفلين في النار وهم المنافقون.
كَتَبَ اللَّهُ أي أثبت الله في اللوح المحفوظ وقال: لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي محمد عليه الصلاة والسلام بالحجة والسيف على فارس والروم واليهود والمنافقين، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ على نصر أنبيائه، عَزِيزٌ (٢١) بنقمة أعدائه لا يغلب عليه في مراده.
قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم. قال عبد الله بن أبي سلول لهم: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم، فيكون لكم فتح فارس والروم كلا والله أنهم أكثر جمعا وعدة!؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثم نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة رجل من أهل اليمن الذي كتب كتابا إلى أهل مكة بسر النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنه أخبر أهل مكة بمسير النبي إليهم لما أراد فتح مكة وكان هو بدريا. قال الله تعالى: لا تَجِدُ يا أشرف الخلق قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يناصحون من خالف الله ورسوله في الدين بإرادة الخير لهم دينا ودنيا مع كفرهم، ولا منع فيما عدا ذلك، لأن الأمة أجمعت على جواز مخالفتهم ومعاملتهم. والمعنى: لا يجتمع الإيمان مع وداد أعداء الله، فإن من أحب أحدا امتنع أن يحب مع ذلك عدوه، وَلَوْ كانُوا أي من خالف الله ورسوله آباءَهُمْ أي آباء المتحابين أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أي جماعتهم من قوم شتى.
قال سعيد: نزلت هذه الآية في شأن أبي عبيدة حين قتل أباه يوم بدر. وعن عمر بن الخطاب قال: لو كان أبو عبيد حيا لاستخلفته.
أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري؟ وروي أنه صك أباه أبا قحافة صكة أسقطت أسنانه حين سمعه يسب النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومصعب بن عمير قتل أخاه أبا عزيز عبيد بن عمير يوم أحد، ومحمد بن مسلمة الأنصاري قتل أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير وعليا وحمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر بني عمهم، عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة وقد أخبر الله تعالى: إن هؤلاء لم يوادوا أقاربهم وعشائرهم غضبا لله تعالى ولدينه، أُولئِكَ أي الذين لا يوادون الكفار كَتَبَ أي أثبت الله فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، وشرح الله صدورهم بالإلطاف. وروي المفضل عن عاصم كتب على البناء للمفعول فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ أي قواهم بنور القلب من عند الله تعالى. وقيل: بنصر من الله على عدوهم، وسمى تلك النصرة روحا، لأن بها يحيا أمرهم كما قاله ابن عباس والحسن، وقال السدي. الضمير في قوله: مِنْهُ عائد إلى الإيمان. والمعنى: أعانهم بروح من الإيمان وسمى روحا لحياة القلوب به وَيُدْخِلُهُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبد الآبدين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ونعمة الرضوان هي أعظم النعم وأجل المراتب، أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أي جنده أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)، أي الفائزون بسعادة الدارين الناجون من العذاب والسخط.
الحشر 59:1
سورة الحشر
وتسمى سورة النضير، مدنية، أربع وعشرون آية، سبعمائة وخمس وأربعون كلمة، ألف وتسعمائة وثلاثة عشر حرفا
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) نزلت هذه الآية إلى قوله تعالى:
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ في بني النضير، وذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غزا بدرا وظهر على المشركين قالوا: هو النبي المنعوت في التوراة بالنصر، فلما غزا أحدا وهزم المسلمون ارتابوا ونكثوا العهد فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة وحالفوا أبا سفيان وأصحابه أربعين رجلا عند الكعبة على قتاله صلّى الله عليه وسلّم، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محمد بن مسلمة الأنصاري بقتل كعب بن الأشرف فقتله غيلة، ثم صبحهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالكتائب، وهو على حمار مخطوم بليف
فقال لهم: «اخرجوا من المدينة». فقالوا: الموت أحب إلينا من ذلك، ثم تنادوا بالحرب
، فبعث إليهم خفية عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه وقالوا: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم، ولننصرنكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، فحصنوا الأزقة، فحاصرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح، فأبى إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم، وللنبي ما بقي، فجعلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات، إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة منهم بالحيرة فذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هم بنو النضير من اليهود مِنْ دِيارِهِمْ أي مساكنهم بالمدينة لِأَوَّلِ الْحَشْرِ أي عند أول إخراج الجمع من مكان إلى مكان وهم أول من أخرجوا من جزيرة العرب إلى الشام لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك، وأما آخر حشرهم فهو إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام، ما ظَنَنْتُمْ أيها المسلمون أَنْ يَخْرُجُوا من ديارهم بهذا الذل لعزتهم وقوتهم وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عذاب الله، أي كانت حصونهم منيعة فظنوا أنها تمنعهم من رسول الله و «حصونهم» إما مبتدأ و «مانعتهم» خبر مقدم، والجملة خبر «أن» وإما فاعل لمانعتهم وهي خبر «أن». فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي فأتى أمر الله اليهود باذلا لهم من حيث لم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة. وقرئ «فآتاهم الله» بمد الهمزة، أي فأعطاهم الله الهلاك. وقيل: الضمير للمؤمنين، أي فآتاهم نصر الله من حيث لم يرجوا وهو إخراج بني النضير من قرية يقال لها: زهرة إلى الشام وكان بين زهرة والمدينة ميلان وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أي أثبت في قلوبهم الخوف من محمد وأصحابه، وكانوا قبل ذلك لا يخافون يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ أي يهدمون بعض بيوتهم بأيديهم من داخل الحصون ليسدوا بالخشب والحجارة أفواه الأزقة، ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، ولينقلوا معهم بعض آلاتها مما يقبل النقل ويهدم المؤمنون بعض بيوت بني النضير من خارج توسيعا لمجال القتال، ونكاية لهم، ومنعا لتحصنهم بها. وقرأ أبو عمرو وحده «يخرجون» بفتح الخاء وتشديد الراء، وقال: الأخراب ترك الموضع خرابا، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا. يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) أي فاتعظوا بحالهم ولا تعتمدوا على شيء غير الله تعالى كما اعتمد هؤلاء على حصونهم، وعلى قوتهم وعلى المنافقين فليس للزاهد أن يعتمد على زهده فإن زهده لا يكون أكثر من زهد بلعام، وليس للعالم أن يعتمد علمه. انظر إلى ابن الراوندي مع كثرة ممارسته كيف صار فلا ينبغي لأحد أن يعتمد إلا على فضل الله ورحمته، وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ أي ولولا أن قضى الله على بني النضير الخروج عن أوطانهم على الوجه الفظيع لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي كما فعل بإخوانهم بني قريظة من اليهود، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) وهذا استئناف غير متعلق بجواب لولا أي ولهم على كل حال سواء أجلوا أم لا عذاب النار في الآخرة، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي ذلك المذكور من العذابين بسبب أنهم خالفوا الله ورسوله في الدين، وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) أي ومن يخالف الله يعاقبه الله في الدنيا والآخرة، فإن الله شديد العقاب.
وقرئ «ومن يشاقق الله» كما في الأنفال. روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما نزل ببني النضير وقد تحصنوا بحصونهم أمر أصحابه بقطع نخيلهم وإحراقها. قال بنو النضير: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها، فكان في أنفس المؤمنين شيء من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فسادا واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا.
وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعه، فأنزل الله تعالى قوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أي أيّ شيء قطعتم أيها المسلمون من نخلة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها كما كانت فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي فذاك القطع والترك بإباحة الله تعالى ليعز المؤمنين، وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) أي إنما جوز الله ذلك القطع ليسر المؤمنين ويزداد غيظ الكفار اليهود ويتضاعف تلهفهم بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم. وقرئ «قوما» على أصلها. وقرئ أيضا «قائما» على أصوله ذهابا إلى لفظ ما، وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ أي ما رده الله لرسوله من يهود بني النضير، فهو لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم خاصة دونكم فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، أي لأنكم ما أجريتهم إلى تحصيل ذلك خيلا ولا ركابا وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ من أعدائهم، وقد سلط الله النبي صلّى الله عليه وسلّم على هؤلاء اليهود من غير أن تقاسوا أيها المسلمون شدائد الحروب فلا حق لكم في أموالهم، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) فيفعل ما يشاء، نزلت هذه الآية في بني النضير وقراهم، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، وإنما كانوا في زهرة على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشيا ولم يركب إلا رسول الله، وكان راكب جمل فلما كانت المقاتلة قليلة أجراه الله تعالى مجرى ما لم يحصل فيه المقاتلة أصلا، فخص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتلك الأموال، ثم روى أنه صلّى الله عليه وسلّم قسّمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم: أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة، وأعطى سعيد بن معاذ سيف بن أبي الحقيق.
ومعنى الآية: أن الصحابة طلبوا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم فذكر الله الفرق بينهما، وهو أن الغنيمة ما اتبعتم أنفسكم في تحصيلها وأوجفتم الخيل والركاب والفيء ما ليس في تحصيله تعب، فكان الأمر فيه مفوضا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يضعه حيث يشاء، ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى
رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
كقريظة والنضير، وفدك وخيبر، وعرينة، وينبع والصفراء، فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
قيل: يصرف سهم الله إلى عمارة الكعبة والمساجد، ويصرف سهم رسول الله وفاته وهو أربعة أسهم إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار، وبناء القناطر يقدم الأهم فالأهم أو إلى المجاهدين المرصدين للقتال في الثغور، لأنهم قائمون مقام رسول الله في رباط الثغور، كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ أي جعل الله الفيء لمن ذكر لأجل أن لا يكون الفيء شيئا يتداوله الأغنياء بينهم لا يخرجونه إلى الفقراء.
وقرأ هشام «تكون» بالتأنيث على خلاف عنه «دولة» بالرفع، أي كيلا يقع دور في يد الأغنياء. وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي بفتح الدال فقيل: الضم والفتح بمعنى. وقيل:
«الدولة» بالفتح من الملك بضم الميم، و «الدولة» بضم من الملك بكسر الميم، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فإنه واجب الطاعة، لأنه لا ينطق عن الهوى، وهذا يوجب أن كل ما أمر به النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر من الله تعالى، وإن كانت الآية خاصة في الفيء، فجميع أوامره صلّى الله عليه وسلّم ونواهيه داخلة فيها وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفته صلّى الله عليه وسلّم إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) فيعاقب من يخالف أمره ونهيه لِلْفُقَراءِ بدل من لذي القربى، و «ما» عطف عليه كأنه قيل: أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء، الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ حيث إن كفار مكة أحوجوهم إلى
الحشر 59:11
الخروج منها وكانوا مائة رجل، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً أي فخرجوا منها طالبين منه تعالى رزقا في الدنيا ومرضاة في الآخرة وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بأنفسهم وأموالهم، فإن خروجهم من بين الكفار مهاجرين إلى المدينة نصرة، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) في دينهم، لأنهم هجروا لذات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين.
وعن ابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وأقسم لكم من الغنائم وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم وأقسم الغنيمة بين الفقراء المهاجرين خاصة دونكم» «١». فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ولا نشاركهم في الغنيمة فأثنى الله عليهم فقال:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي والذين هيئوا لدار الهجرة والإيمان وتمكنوا فيهما أشد تمكن من قبل مجيء المهاجرين إليهم، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم لمحبتهم الإيمان، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ أي في قلوبهم حاجَةً أي حزازة وحسدا مِمَّا أُوتُوا أي مما أعطي المهاجرين من الفيء وغيره دونهم، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، أي ويقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من أسباب المعاش، ولو كان فيهم فقر وحاجة إلى ما يقدمون به غيرهم، حتى إن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحدا منهم.
روي عن أبي هريرة أن رجلا بات به ضيف ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته نوّمي الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك فنزلت هذه الآية. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ أي ومن يوق بتوفيق الله تعالى حرص نفسه على المال حتى يخالفها في حب المال وبغض الإنفاق، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) أي الظافرون بما أرادوا.
قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا أمر الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه. وقرئ «يوق» بالتشديد، وشح بكسر الشين وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد هجرة المهاجرين ومن بعد قوة إيمان الأنصار، يَقُولُونَ أي يدعون لهم: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذنوبنا وَلِإِخْوانِنَا في الدين الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وهو جميع من تقدمهم من المسلمين لا خصوص المهاجرين والأنصار، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا أي حقدا.
وقرئ «غمرا». لِلَّذِينَ آمَنُوا أيا كانوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) فينبغي للمؤمن أن يذكر السابقين بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية،
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا وهم عبد الله بن أبيّ، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد فإنهم كانوا من الأنصار، ولكنهم نافقوا في دينهم يَقُولُونَ
(١) رواه القرطبي في التفسير وفيه: «إن شئتم قسمت للمهاجرين». في السر لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ- وهم اليهود من بني قريظة والنضير، فهم مشتركون في الكفر وفي عداوة محمد صلّى الله عليه وسلّم- لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ من المدينة لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ونذهبن في صحبتكم أينما ذهبتم، وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أي في شأنكم أَحَداً يمنعنا من الخروج معكم أَبَداً، أي وإن طال الزمان. وقيل: لا نعين عليكم أحدا من أهل المدينة، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ من أي مقاتل كان لَنَنْصُرَنَّكُمْ على عدوكم وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) في تلك المقالات الثلاثة المؤكدة بالأيمان الفاجرة، لَئِنْ أُخْرِجُوا أي اليهود من المدينة لا يَخْرُجُونَ أي المنافقون مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ، وكان الأمر كذلك، وفي هذا دليل على صحة النبوة وإعجاز القرآن حيث أخبر عما سيقع فوقع الأمر كما أخبر، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢)، أي ولئن خرج المنافقون لقصد نصر اليهود لينهز من المنافقون، ثم يهلكهم الله ولا ينفعهم نصرة المنافقين لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ أي أن خوف المنافقين واليهود في السر من المؤمنين أشد من خوفهم من الله الذي يظهرونه للمؤمنين، وكانوا يظهرون لهم خوفا شديدا من الله، والمعنى: أنهم لا يقدرون على مقابلتكم، لأنكم أشد مرهوبية في صدورهم، وهم يظهرون خوفهم من الله، ذلِكَ أي كون خوفهم من المخلوق أشد من خوفهم من الخالق، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) أي بسبب أنهم قوم لا يعلمون عظمة الله فيخشوه حق خشيته، لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ، أي لا يقدر اليهود والمنافقون على مقاتلتكم مجتمعين في موطن إلا إذا كانوا في قرى محصنة بالخنادق والدروب، أو إلا إذا كان بينكم وبينهم حائط، وذلك بسبب أن الله ألقى في قلوبهم الرعب وأن نصرة الله معكم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «جدار» بكسر الجيم وفتح الدال بالإمالة في جدار كما هو قراءة أبي عمرو وبالصلة في بينهم بحيث يتولد منها واو كما هو قراءة ابن كثير والباقون «جدر» بضم الجيم والدال، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي قتالهم فيما بينهم شديد إذا قاتلوا قومهم تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي تحسبهم في صورتهم مجتمعين على المحبة، متفقين على أمر واحد.
والحال أن قلوبهم مختلفة، لأن كل أحد منهم على مذهب آخر وبينهم عداوة وشديدة، ذلِكَ أي تشتت قلوبهم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) أن تشتيت قلوبهم مما يوهن قواهم إذ لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا في العقائد والمقاصد، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي صفة بني قريظة في نقض العهد كصفة الذين من قبلهم بسنتين، وهم بنو النضير ذاقوا عقوبة أمرهم من نقض العهد، وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ، أي ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال وخذلانهم كمثل الأبيض مع برصيصا العابد، فالأبيض هو صاحب الأنبياء والأولياء، وهو الذي تصدّى للنبي صلّى الله عليه وسلّم وجاءه في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي، فدفعه جبريل إلى أقصى أرض الهند، إِذْ قالَ أي الشيطان الذي يقال له:
الأبيض لِلْإِنْسانِ- أي العابد الذي يقال له برصيصا- اكْفُرْ بالله فَلَمَّا كَفَرَ بالله خذله وقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، أي ليس بيني وبينك محبة أصلا. وقرئ «أنا بريء منك».
روى عطاء وغيره عن ابن عباس قال: كان راهب يقال له: برصيصا تعبد في صومعة له سبعين سنة، لم يعص الله تعالى فيها طرفة عين وأن إبليس أعياه في أمره الحيل،
فجمع ذات يوم مردة الشياطين، فقال الأبيض لإبليس أنا أكفيك أمره، فانطلق فتزيا بزي الرهبان، وحلق وسط رأسه، وأتى صومعة برصيصا، فناداه، فلم يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام مرة، ولا يفطر في كل عشرة أيام إلا مرة، فأقبل الأبيض يصلي في أصل صومعة برصيصا فلم يلتفت إليه برصيصا، أربعين يوما، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاد الأبيض في العبادة قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تأذن لي أن أرتفع إليك، فأذن له، فارتفع إليه في صومعته، فأقام حولا يتعبد، فلا يفطر إلا في كل أربعين يوما مرة، ولا ينفتل من صلاته إلا كذلك، فلما حال الحول، قال الأبيض لبرصيصا: إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهن خير مما أنت فيه، يشفي الله تعالى بها المريض، ويعافي بها المبتلى والمجنون. قال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة وإني أخاف أن يشغلني الناس عن عبادة ربي، فلم يزل به الأبيض حتى علّمه الدعوات، ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال: والله قد أهلكت الرجل، فانطلق الأبيض، فتعرض لرجل فجننه، ثم جاءه في صورة رجل مطبب فقال لأهله: إن لصاحبكم جنونا أفأعالجه؟ قالوا: نعم، فقال: إني لا أقوى على جنيته ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله تعالى فيعافيه، انطلقوا إلى برصيصا فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به أجيب، فانطلقوا به إليه، فسألوه الدعاء، فدعا له، فذهب عنه الشيطان، فكان الأبيض يفعل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا، فيدعو لهم، فيعافون، ثم تعرض الأبيض لبنت ملك من ملوك بني إسرائيل وكان لها ثلاثة أخوة، وكان ملك بني إسرائيل عمهم حينئذ، ثم جاء الأبيض إليهم في صورة رجل مطبب فقال: أفأعالجها؟ قالوا: نعم، قال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن سأرشدكم إلى رجل تثقون به تتركونها عنده إذا جاءها شيطانها دعا لها حتى تعلموا أنها قد عوفيت فتأخذونها منه صحيحة قالوا: ومن هو؟ قال: هو برصيصا فانطلقوا إليه، فسألوه ذلك، فأبى، فبنوا صومعة ألصقوها بصومعة برصيصا ووضعوا تلك البنت في صومعتها وقالوا: يا برصيصا هذه أختنا أمانة عندك، ثم انصرفوا، فلما انفتل برصيصا من صلاته عاين تلك البنت وما هي عليه من الجمال فوقعت في قلبه، فجاءها الشيطان، فخنقها، فكانت تكشف عن نفسها وتتعرض لبرصيصا، فجاءه الشيطان وقال: ويحك، واقعها، فلم تجد مثلها، وستتوب بعد ذلك، فلم يزل الشيطان به حتى واقعها، فلم يزل على ذلك حتى حملت البنت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا فهل لك أن تقتلها وتتوب، فقتلها، فدفنها ليلا جانب الجبل، فجاء الشيطان وقتئذ، فأخذ بطرف إزارها فبقي خارجا من التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها الذين يتعهدونها، فلما لم يجدوها قالوا: يا برصيصا، ما فعلت أختنا؟ قال: قد جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه، فصدقوه وانصرفوا، فلما أمسوا مكروبين جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه فقال: ويحك، إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا، وأنه دفنها في موضع كذا وكذا، فقال في نفسه: هذا حلم من عمل الشيطان، فتابع عليه ثلاث ليال، فلم يكترث، ففعل الشيطان بأوسطهم مثل ذلك فقال مثل قول أكبرهم، ولم يخبر بذلك الحلم أحدا، ففعل بأصغرهم مثل ذلك فقال: لأخويه: والله لقد رأيت كذا وكذا فقال الأوسط:
أنا والله رأيت مثل ذلك! وقال الأكبر: أنا والله رأيت مثله، فانطلقوا إلى برصيصا وقالوا له: ما فعلت بأختنا؟ فقال: أليس قد أعلمتكم بحالها فكأنكم قد اتهمتموني فقالوا: والله لا نتهمك، واستحيوا منه، وانصرفوا، فجاءهم الشيطان فقال: ويحكم، إنها مدفونة في موضع كذا وكذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب، فانطلقوا، فرأوا أختهم على ما رأوا في النوم، فذهبوا إلى برصيصا ومعهم غلمانهم بالفوس والمساحي، فهدموا صومعة برصيصا، وأنزلوه منها، وكتفوه، ثم أتوا به إلى الملك فأقر على نفسه، فأمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض فقال: يا برصيصا أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، فاستجيب لك، فلم يزل الأبيض يعيره قال برصيصا له: فكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه من العذاب، وأخرجك من مكانك. قال: وما هي؟ قال تسجد لي. قال: أفعل، فسجد له، فقال: يا برصيصا هذا الذي أردت منك، قد صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك إني بريء منك. إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦). وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «إني» بفتح الياء. فَكانَ عاقِبَتَهُما أي الشيطان والراهب أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها و «عاقبتهما» بالنصب خبر «كان» مقدم. وقرئ شاذا بالرفع. وقرأ ابن مسعود «خالدان فيها» على أنه خبر «أن» و «في النار» لغو. وَذلِكَ أي الخلود في النار جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) أي المشركين. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ في كل ما تأتون وما تذرون، وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ برة أو فاجرة ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ، أي ما تريد أن تحصله ليوم القيامة فتفعله، وَاتَّقُوا اللَّهَ بأداء الواجبات وترك المعاصي، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) من الخير والشر، فلا تعملون عملا إلا كان بمرأى منه تعالى، ومسمع، فاستحيوا منه تعالى، وَلا تَكُونُوا يا معشر المؤمنين كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي نسوا حق الله كالمنافقين واليهود، فإن المنافقين تركوا طاعة الله في السر، واليهود تركوا طاعة الله في السر والعلانية، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أي فجعلهم الله ناسين حق أنفسهم حتى لم يعملوا لأنفسهم ما ينفعهم عنده تعالى، أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) أي الكاملون في الفسوق، أي الخروج عن دائرة الطاعة، لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ الذين نسوا الله تعالى وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ
الحشر 59:21
الذين اتقوا الله تعالى، لا في الدنيا ولا في الآخرة بوجه من الوجوه- واحتج بهذه الآية أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالذمي- أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) بكل مطلوب، الناجون عن كل مكروه.
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي لو جعلنا في الجبل على قساوته عقلا كما جعلنا العقل فيكم، ثم أنزلنا عليه هذا القرآن المنطوي على فنون القوارع لخشع وتشقق خشية من الله وخوفا أن لا يؤدي حقه في تعظيم القرآن وأنتم أيها المعترفون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ أي نبينها لهم في القرآن لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)، أي لكي يتأملوا مواعظ القرآن فإنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه ولرأيتها ذليلة متشققة من خشية الله. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وحده عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، أي عالم ما غاب عن العباد، وما شاهدوه.
وقال ابن عباس: عالم السر والعلانية. وقال سهل: عالم بالآخرة والدنيا. وقيل: عالم ما غاب عن الوجود وهو المعدوم وعالم الموجود، هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) أي هو العاطف على العباد، البر والفاجر بالرزق لهم، المنعم- على المؤمنين خاصة- بالمغفرة ودخول الجنة. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا معبود بحق إلا هو وحده، الْمَلِكُ أي المتصرف بالأمر في جميع خلقه، الْقُدُّوسُ أي البليغ في النزاهة في الذات، والصفات، والأفعال، والأحكام، والأسماء.
قال الحسن: أي الذي كثرت بركاته. السَّلامُ أي الذي لا يطرأ عليه شيء من العيوب في الزمان المستقبل، الْمُؤْمِنُ أي واهب الأمن، الْمُهَيْمِنُ أي الحافظ لكل شيء، الْعَزِيزُ أي الذي لا يوجد له نظير، أو الغالب الْجَبَّارُ أي الملك العظيم- كما قاله ابن عباس- أو مصلح أحوال العباد، أو الذي يقهرهم على ما أراد، الْمُتَكَبِّرُ بربوبيته- كما قاله ابن عباس- أو المتعظم عن كل سوء- كما قاله قتادة- أو الذي تعظم عن ظلم العباد سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)، أي تنزيها له تعالى عما يشركون به. هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ أي المقدر لما يوجده، فيرجع إلى تعلق الإرادة التنجيزي القديم، الْبارِئُ أي المبرز للأعيان من العدم إلى الوجود، فيرجع لتأثير القدرة الحادث في خصوص الأعيان، الْمُصَوِّرُ أي مصور الأشياء على هيئات مختلفة مما يريد تعالى، فالتصوير آخر، والتقدير أولا، والبرء بينهما.
وقرأ علي بن أبي طالب والحسن بفتح الواو وبالنصب مفعول ل «البارئ». لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي له تعالى الأسماء الدالة على معاني الصفات الحسنة، يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ينطق ما فيهما بتنزهه تعالى عن جميع النقائص تنزها ظاهرا، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) الجامع للكمالات كافة، فإنها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم.
الممتحنة 60:1
سورة الممتحنة
وتسمى سورة براءة والمبعثرة، والفاضحة، مدنية، ثلاث عشرة آية، ثلاثمائة وثمان وأربعون كلمة، ألف وخمسمائة وعشرة أحرف
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي في الدين وَعَدُوَّكُمْ في القتل، وهم كفار مكة أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، أي توصلون المودة بينكم وبينهم.
روي أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة كتابا: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يريد أن يغزوكم، فخذوا حذركم، ثم أرسله مع سار مولاة أبي عمرو بن صيفي، فأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بردا، واستحملها ذلك الكتاب إلى أهل مكة، فخرجت سائرة، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث عليا، وعمارا، وطلحة، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد وقال: انطلقوا حتى تألوا روضة خاخ- موضع بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلا- فإن فيها ظعينة معها كتاب حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها، واتركوها، فإن أبت فاضربوا عنقها فأدركوها ثمة، وسألوا عن ذلك فأنكرت وحلفت ما معها كتاب، فسل على سيفه وقال: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخرجته من عقاص شعرها، فخلوا سبيلها، فجاءوا بالكتاب إلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فاستحضر رسول صلّى الله عليه وسلّم حاطبا وقال له: «هل تعرف هذا الكتاب؟» قال: نعم، قال «ما حملك على هذا؟» «١» قال: إن لي بمكة أهلا ومالا، فأردت أن أتقرب منهم، وقد علمت أن الله تعالى ينزل بأسه عليهم وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا، وأن الله ناصرك عليهم، فصدقه، وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنه شهد بدرا وما يدريك يا عمر لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر» فقال لهم: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «٢»
(١) رواه النسائي في السنن (٨: ٢٤٠)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٤: ٧٩)، وعبد الرزاق في المصنف (١٧٩٣٢)، وابن حجر في المطالب العالية (٢٢٠٦)، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق (٥: ٣٨٧)، وأبو نعيم في تاريخ أصفهان (١: ١٠٧).
(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦: ١٨٦)، ومسلم في فضائل الصحابة ١٦٢، والسيوطي في الدر المنثور (٦:
٢٠٣)، والزبيدي في إتحاف السادة المتّقين (٧: ١٣٦)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٢٠١٩٣). ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم فنزلت هذه الآية.
وروي أن سارة عاشت إلى خلافة عمر وأسلمت وحسن إسلامها، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ أي وحالهم أنهم كفروا بما جاءكم من الدين الحق. وقرئ «لما جاءكم» أي كفروا لأجل ما جاءكم من الرسول والقرآن، أي جعلوا ما هو سبب الإيمان سببا للكفر يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة إلى المدينة، أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ وهذا تعليل للإخراج أن يخرجوكم لإيمانكم بالله إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ من مكة إلى المدينة جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي وهذا مرتبط بلا تتخذوا، أي لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، أي بالنصيحة. وهذه الجملة بدل من «تلقون إليهم» بدل بعض لأن إلقاء المحبة يكون سرا وجهرا وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ أي والحال إني أعلم منكم بما أخفيتم في صدوركم، وما أظهرتم بألسنتكم، فأي فائدة لكم في إسرار النصيحة وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي؟ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) أي ومن يفعل إسرار النصيحة للكفار فقد أخطأ طريق الصواب، هذا كله معاتبة لحاطب، وهذا يدل على فضله وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيب كما قال القائل من الوافر:
إذا ذهب العتاد فليس ود؍ ويبقى الود ما بقي العتاب؍
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً أي إن يغلب عليكم أهل مكة يظهروا ما في قلوبهم من غاية العداوة، وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ أي يمدوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل وألسنتهم بالشتم والطعن وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)، أي وتمنوا كفركم بعد إيمانكم، فحينئذ لا ينفعكم إلقاء المودة إليهم، لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ أي قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ الذين تتقربون إلى المشركين لأجلهم، يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ والظرف إن علق ب «يفصل» فالوقف على «أولادكم» وقف بيان، أو وقف تام عند أبي حاتم، والوقف على «بينكم» وإن علق ب «تنفعكم» فالوقف على «يوم القيامة» وهو وقف صالح. وقرأ ابن عامر «يفصل» بضم وفتح الفاء وتشديد الصاد مع فتحها، ونائب الفاعل ظرف مبني على الفتح وحمزة والكسائي كذلك، إلا أنهما يكسران الصاد، أي يفرق الله بينكم وبين أقاربكم وأولادكم، فيدخل أهل الإيمان الجنة وأهل الكفر النار، وعاصم بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد. والباقون وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم الياء وسكون الفاء، وفتح الصاد.
وروي أن ابن كثير قرأ أيضا بالبناء للمفعول كعاصم. وقرئ «نفصل» و «نفصل» بالنون وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) فيجازيكم عليه، ولم يقل تعالى خبير مع أنه أبلغ في العلم، لأن البصير أظهر من خبير في العلم، لأنه تعالى يجعل عملهم كالمحسوس بحس البصر، قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي قدوة حسنة فِي إِبْراهِيمَ، أي في جميع أحواله من قول وفعل وَالَّذِينَ مَعَهُ من أصحابه المؤمنين. وقرأ عاصم «أسوة» بضم الهمزة في الموضعين. والباقون بكسرها، إِذْ قالُوا بدل اشتمال من «إبراهيم والذين معه»، لِقَوْمِهِمْ أي لقرابتهم الكفار، مع أنهم أكثر من عدوكم وأقوى وقد كان من آمن بإبراهيم أقل منكم وأضعف: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي إنا متبرئون من قرابتكم إيانا ومن معبودكم من الأوثان كَفَرْنا بِكُمْ أي أنكرنا دينكم فلا نعتد بشأنكم وبآلهتكم، وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ أي ظهر بيننا وبينكم العداوة، وهي المباينة في الأفعال، وَالْبَغْضاءُ وهي المباينة بالقلوب أَبَداً أي على الدوام، حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وتتركوا الشرك، فتنقلب العداوة حينئذ ولاية، والبغضاء محبة، أمر الله تعالى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقتدوا بسيدنا إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء، إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ أي فليس لكم الاقتداء بإبراهيم في ذلك، لأنه لما استغفر لأبيه لأجل موعدة وعدها إياها، لأنه ظن أنه أسلم، فلما مات على الكفر تبرأ منه وأنتم لا تظنون إسلام الكفار الذين اتخذتموهم أولياء، وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، وهذا حال من فاعل «لأستغفرن»، أي لأستغفرن لك والحال أني لا أدفع عنك شيئا من عذاب الله إن أشركت به، أي وما علي إلا بذل الوسع في الاستغفار فوعده الاستغفار، رجاء الإسلام.
وقال ابن عباس: كان من دعاء إبراهيم وأصحابه: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا أي في جميع أمورنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا أي رجعنا بالتوبة عن المعصية وأقبلنا إلى طاعتك وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) إذ المصير ليس إلا إلى حضرتك، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي مفتونين بهم.
قال ابن عباس: لا تسلط علينا أعداءنا فيظنوا أنهم على الحق. وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك، وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) أي أنت الذي تغلب في ملكك الحكيم في صنعك، لَقَدْ كانَ لَكُمْ يا أمة محمد فِيهِمْ أي في إبراهيم والذين معه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
قال ابن عباس: كانوا يبغضون من خالف الله ويحبون من أحب الله، وهذا هو الحث على الائتساء بإبراهيم وقومه، لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي لمن يخاف الله، ويخاف عذاب الآخرة وقوله: لِمَنْ إلخ بدل من «لكم» بدل بعض من كل، وَمَنْ يَتَوَلَّ أي يعرض عن الائتساء بهم ويمل إلى مودة الكفار، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عنه وعن سائر خلقه، الْحَمِيدُ (٦) أي المحمود في فعاله.
قال مقاتل: لما أمر الله تعالى المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم، وجميع أقاربهم، فأنزل الله تعالى قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ أي من كفار مكة مَوَدَّةً أي صلة بمخالطتهم مع أهل الإسلام، وَاللَّهُ قَدِيرٌ أي مبالغ في القدرة فيقدر على تسهيل أسباب المودة، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) بهم إذا تابوا وأسلموا، ورجعوا إلى حضرة الله تعالى، فتزوج النبي صلّى الله عليه وسلّم عام فتح مكة أم حبيبة بنت أبي سفيان فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان، واسترخت شكيمته في العداوة، وكانت هي قد أسلمت وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنصّر وراودها على النصرانية، فأبت، وصبرت على دينها، ومات زوجها، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى النجاشي، فخطبها عليه، وساق عنه إليها أربعمائة دينار، وبلغ ذلك أباها فقال: ذلك الفحل لا يقرع أنفه. والمراد بقوله تعالى: الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ نفر من قريش آمنوا بعد فتح مكة منهم: أبو سفيان بن حرب، وأبو سفيان بن الحرث، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام. لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
، أي لأجل دينكم وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ أي تصلوهم وهو بدل من «الذين لم يقاتلوكم» وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ أي تفضوا إليهم بالصلة وغيرها، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) أي أهل البر والتواصل عن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية نزلت في أسماء بنت أبي بكر، فإن أمها فتيلة بنت عبد العزى، وهي مشركة قدمت عليها بهدايا، فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول، فنزلت هذه الآية فأمرها النبي صلّى الله عليه وسلّم أن تدخلها وتكرمها وتحسن إليها. وقيل: نزلت في خزاعة- قوم هلال بن عويمر- وخزيمة، وبني مدلج، فإنهم صالحوا النبي قبل عام الحديبية على أن لا يقاتلوه، ولا يخرجوه من مكة ولا يعينوا أحدا على إخراجه. وقيل: نزلت في قوم من بني هاشم أخرجوا يوم بدر كرها، وهذه الآية تدل على جواز الإحسان بين المشركين والمسلمين وإن كانت المناصرة منقطعة، إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ أي لأجل دينكم، وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وهم عتاة أهل مكة، وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أي عاونوا عليه من سائر أهل مكة، أَنْ تَوَلَّوْهُمْ أي أن تناصروهم.
هذا بدل اشتمال من «الذين قاتلوكم» وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ أي ومن يحبهم ويناصرهم فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) لأنفسهم بإقبالها للعذاب لوضعهم المحبة في موضع العداوة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ أي المقرات بالله مُهاجِراتٍ من مكة من بين الكفار، فَامْتَحِنُوهُنَّ أي فاختبروهن بما يغلب على ظنكم بالتحليف، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول للممتحنة: «بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج بالله، ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله». اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ أي بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد الله بعلمه فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، أي فإن ظننتموهن بعد الامتحان مؤمنات بالعلائم فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ أي ليست المؤمنات حلا لأزواجهن الكفار، وهذا بيان لزوال النكاح الأول، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ أي وليس الكفار حلا للمؤمنات. وهذا بيان لامتناع النكاح الجديد وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا أي وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور، فإن المهر في نظير أصل العشرة ودوامها، وقد فوتها المهاجرة فلا يجمع على الرجل خسارتان: الزوجية والمالية. وذلك أن الصلح عام الحديبية كان على أن من
الممتحنة 60:11
جاءكم من أهل مكة يرد إليهم ومن أتى مكة منكم لم يرد إليكم، وكتبوا بذلك العهد كتابا وختموه، فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية، مسلمة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي فقال: يا محمد، اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا شرطا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طية الكتاب لم تجف، فنزلت هذه الآية لبيان أن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء، فاستحلفها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق، ثم تزوجها عمر رضي الله عنه وأخرج الطبراني عن عبد الله أن هذه الآية نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
وعن الزهري: كانت هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها: عمارة والوليد، فحبسها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورد أخويها. وأخرج بن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب أنها نزلت في أمية بنت بشر امرأة أبي حسان ابن الدحداحة. وعن مقاتل: أنها نزلت في سعيدة امرأة صيفي بن الواهب. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يا معشر المؤمنين أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ بعد الاستبراء إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي إذا التزمتم مهورهن، فالمهر المدفوع للكفار لا يقوم مقام المهر الذي يجب على المسلم، إذا تزوجهن إذ المهر أجر البضع.
قال ابن عباس: أيما امرأة أسلمت وزوجها كافر فقد انقطع ما بينها وبين زوجها من عصمة ولا عدة عليها من زوجها الكافر وجاز لها أن تتزوج إذا استبرأت، وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ أي لا تأخذوا بعقود الكافرات غير أهل الكتاب.
قال ابن عباس: أيما امرأة كفرت بالله فقد انقطع ما بينها وبين زوجها المؤمن من العصمة.
وقرئ في السبعة «تمسكوا» بضم التاء وسكون الميم وبفتح الميم وتشديد السين. وقرئ «تمسكوا» بفتح التاء والميم وتشديد السين، وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ أي اطلبوا أيها المؤمنون من أهل مكة ما اتفقتم على أزواجكم من مهورهن إن دخلن في دينهم، وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا أي وليطلبوا منكم ما أنفقوا على أزواجهم من المهور إن دخلن في دينكم ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠).
روي أنه لما نزلت هذه الآية أدى المؤمنون مهور المؤمنات المهاجرات إلى أزواجهن المشركين وأبى المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا أي وإن انفلت منكم أحد من أزواجكم، ورجع إلى الكفار الذين ليس بينكم وبينهم عهد، فغنمتم من العدو، فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار من الغنيمة قبل الخمس مثل ما أنفقوا عليهن من مهر المهاجرة التي تزوجتموها، ولا تعطوه زوجها الكافر، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)، وجميع من ارتدت من نساء المؤمنين ست نسوة: أخت أم سلمة فاطمة بنت أبي أمية، وأم كلثوم بنت جرول- وهما تحت عمر بن الخطاب- وأم الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عباد بن شداد العمري، وبروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان من بني مخزوم، وعبدة بنت عبد العزى، كانت تحت عمرو بن عبد ود، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هاشم بن العاص، فأعطاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مهر نسائهم من الغنيمة. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ أي نساء أهل مكة بعد فتح مكة يُبايِعْنَكَ أي قاصدات المشارطة عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً من الإشراك، وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ.
وقرئ «ولا يقتلن» بتشديد التاء، وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ، كانت المرأة تلتقط المولود من الزنا فتقول لزوجها: هو ولدي منك كني عن هذا بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين يديها، ومخرجه بين رجليها، وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أي فيما تأمرهن به من معروف، وهو ما عرف حسنه من جهة الشرع. وهذا تنبيه على نفي جواز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وذلك كترك النوح وجز الشعر، ونتفه، وحلق الرأس، وخمش الوجه، وشق الجيوب، وتمزيق الثياب، وأن لا يخلون مع رجل غير محرم وأن لا يسافرن مع غير ذي محرم، فَبايِعْهُنَّ أي فشارطهن على ذلك، وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ فيما سلف منهن في الجاهلية إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)، أي مبالغ في المغفرة والرحمة.
روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما فرغ من بيعة الرجال يوم فتح مكة جلس على الصفا، ومعه عمر أسفل منه، فجعل يبايع النساء، وكانت جملتهن إذ ذاك أربعمائة وسبعا وخمسين امرأة، ولم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهن وقيل: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، فغمسن يده فيه فغمس أيديهن فيه وكانت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة، متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يعرفها لما صنعت بحمزة يوم أحد، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا» فرفعت هند رأسها وقالت: لقد عبدنا الأصنام وأنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال تبايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط، ولما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تسرقن». قالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هناة فما أدري أتحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر، فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعرفها فقال لها: «وإنك لهند بنت عتبة» قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فلما قال: «ولا تزنين»، فقالت: أو تزني الحرة؟ فلما قال: «ولا تقتلن أولادكن». قالت: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا وكان ابنها حنظلة قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما قال: «ولا تأتين ببهتان» «١» إلخ قالت: والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا
(١) رواه أحمد في (م ٦/ ص ٣٦٥)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ٣٨)، وابن كثير في- بالرشد ومكارم الأخلاق ولما قال: «ولا تعصينني في معروف» فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقر النسوة بما أخذ عليهن من البيعة
. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي لا تحبوا اليهود فإنهم قوم غضب الله عليهم.
روي أن جمعا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين لحاجتهم إليهم من إصابة ثمارهم، فنهوا عن ذلك بهذه الآية، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ أي قد حرموا من ثواب الآخرة كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣) أي كما حرم من ذلك الذين ماتوا منهم.
وقال أبو إسحاق: يئس اليهود الذين عاندوا النبي صلّى الله عليه وسلّم كما يئس الكفار الذين لا يؤمنون بالبعث من موتاهم.
- التفسير (٨: ١٢٣)، والسيوطي في الدر المنثور (٦: ٢١٠) والمتقي الهندي في كنز العمال ٤٧٣.
الصف 61:1
سورة الصف
مدنية، أربع عشرة آية، مائتان وإحدى وعشرون كلمة، تسعمائة وستة وعشرون حرفا
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي شهد له تعالى بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات السنية جميع ما في السموات والأرض، وَهُوَ الْعَزِيزُ أي الذي يغلب على غيره، الْحَكِيمُ (١) أي الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢).
روي أن المسلمين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فلما نزل الجهاد كرهوه، فنزلت هذه الآية، أي لم تعدون ما لا توفون. وقيل: إنها نزلت فيمن يتمدح كاذبا حيث كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وهذا أي لم تتكلمون بما لا تعملون. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣).
قال الزجاج: أي كبر قولكم ما لا تفعلون بغضا عند الله، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ، أي في طاعته تعالى صَفًّا في القتال.
قرأ زيد بن علي «يقاتلون» بفتح التاء. وقرئ «يقتلون»، أي يصفون وصفا حال من فاعل «يقاتلون»، أي صافين أنفسهم أو مصفوفين كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) أي مشبهين ببنيان ألصق بعضه على بعض حتى صار شيئا واحدا، وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أي واذكر لهؤلاء المعرضين عن القتال وقت قول موسى لبني إسرائيل، يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين فلم يمتثلوا بأمره، يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي أي بالمخالفة فيما أمرتكم به، وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ لأرشدكم إلى خير الدنيا والآخرة، وقضية علمكم بذلك موجبة للتعظيم والمسارعة إلى الطاعة، فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ أي لما مالوا عن الحق وكذبوا موسى زاد الله زيغ قلوبهم حتى صرفها عن قبول الحق.
وقال مقاتل: أي لما عدلوا عن الحق بأبدانهم أمال الله قلوبهم عن الحق جزاء ما عملوا، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥)، أي لا يهدي من سبق في علمه تعالى أنه خارج عن منهاج الحق
الصف 61:11
مصر على الغواية، وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ، أي مصدقا لما قبلي مِنَ التَّوْراةِ، ومن كتب الله ومن أنبيائه جميعا وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
قرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة بفتح الياء على الأصل وهو الاختيار عند الخليل وسيبويه في كل موضع تذهب فيه الياء لالتقاء ساكنين. والباقون بالسكون وهو حذف الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين، وهما الياء والسين كما قاله المبرد وأبو علي، فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) أي فلما جاء عيسى بني إسرائيل بالمعجزات الظاهرة قالوا: هذا المأتي به سحر بيّن وقرأ حمزة والكسائي «ساحر» بفتح السين مع الألف، ويقال: فلما جاءهم أحمد بالتي تبين أن الذي أتى به عند الله قالوا: هذا الآتي بالبينات ساحر بين، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ أي أيّ الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته افتراء الكذب على الله من نسبة الولد إليه ووصف أنبيائه بالسحرة، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) أي لا يوفقهم الله للطاعة عقوبة لهم، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ أي يريدون رد رسالة الرسول ليبطلوا دين الله بقولهم: إن الرسول ساحر، وليبطلوا كتاب الله بقولهم: إنه سحر، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ بالإضافة وتركها، أي والله مبلغ نوره إلى غايته بنشره في الآفاق، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) أي ولو كره المشركون واليهود والنصارى إتمام النور.
وعن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما فقال كعب بن الأشرف:
يا معشر اليهود أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله هذه الآية، واتصل الوحي بعدها هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ. وقرئ «نبيه» أي محمدا صلّى الله عليه وسلّم بِالْهُدى أي بالقرآن، وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي ليعليه على جميع الأديان المخالفة له وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) إعلاءه عليها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) وهي التجارة بين أهل الإيمان وحضرة الله تعالى.
وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد الجيم.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في عثمان بن مظعون، وذلك أنه قال لرسول الله: لو أذنت لي فطلقت خولة، وترهبت، واختصيت، وحرمت اللحم، ولا أنام الليل أبدا، ولا أفطر نهارا أبدا فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام، إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، ومن سنتي أنام، وأقوم، وأفطر، وأصوم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» «١». فقال
(١) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٥: ٢٨٦)، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١١٨. عثمان: والله لوددت يا رسول الله أن أعلم أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها، فنزلت:
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وهذا استئناف كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال تعالى: تؤمنون أي تدومون على الإيمان، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعته بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ أي بنفقة أموالكم وبخروج أنفسكم. والجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة: جهاد فيما بينه وبين نفسه وهو قهر النفس ومنعها عن اللذات والشهوات، وجهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع منهم، ويشفق عليهم، ويرحمهم. وجهاد فيما بينه وبين الدنيا، وهو أن يتخذها زادا لمعاده، فيكون الجهاد على خمسة أوجه. وقرئ «آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا». وقرئ «تؤمنوا وتجاهدوا» على إضمار لام الأمر ذلِكُمْ أي الذي أمرتم به من الإيمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ من أن تتبعوا أهواءكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)، أي إن كنتم تنتفعون بما علمتم فهو خير لكم، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. وهذا جواب قوله: تُؤْمِنُونَ إلخ لما فيه من معنى الأمر وهو بمنزلة الثمن الذين يدفعه المشتري، وقوله:
يَغْفِرْ لَكُمْ إلخ بمنزلة المبيع الذي يأخذه المشتري من البائع في مقابلة الثمن المدفوع له، وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وهي قصبة الجنان والمساكن الطيبة، قصر من لؤلؤة في الجنة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا في كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة، فيعطي الله تعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله. ذلِكَ أي الجزاء الذي هو المغفرة وإدخال الجنات الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)، أي الذي لا فوز وراءه وَأُخْرى وهو إما مرفوع أي ولكم تجارة أخرى في العاجل مع ثواب الآجل، أو منصوب بفعل مضمر إما من نوع الاشتغال أي وتحبون خصلة أخرى في الدنيا مع ثواب الآخرة، أو من نوع معطوف على الجوابين، أي ويعطكم نعمة أخرى، أو مخفوض عطفا على تجارة، تُحِبُّونَها أي تشتهون أن
تكون لكم نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ بمحمد على كفار قريش، وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أي عاجل وهو فتح مكة. وقرئ «نصرا من الله وفتحا قريبا». وقوله: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ إلخ مفسر لأخرى وهو ربح للتجارة وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) عطف على «تؤمنون»، لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر المؤمنين يا رسول الله بذلك. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «أنصارا» منونا و «لله» جارا ومجرورا.
والباقون «أنصار الله» مضافا للجلالة. وقرأ ابن مسعود «كونوا أنتم أنصار الله». كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ والتشبيه باعتبار المعنى، أي كونوا أنصار دين الله كما كان الحواريون أنصاره حين قال لهم عيسى: من أنصاري إلى الله؟ أي من أعواني مع الله على أعدائه، أو المعنى: قل لهم كونوا أنصار دين الله كما قال عيسى لأصفيائه وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ بعيسى ابن مريم وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ وهم الذين أضلهم بولس، أي لما رفع عيسى إلى السماء تفرق قومه ثلاث فرق: فرقة قالت كان عيسى الله فارتفع. وفرقة قالت: كان ابن الله فرفعه إليه. وفرقة قالت: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه. فاقتتلوا وظهرت الفرقتان الكافرتان على الفرقة المؤمنة حتى بعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم، فظهرت الفرقة المؤمنة على الفرقة الكافرة، فذلك قوله تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ أي فأعنا الذين لم يخالفوا دين عيسى على الذين خالفوه، فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤) أي فصاروا غالبين على أهل الأديان بالحجة.
الجمعة 62:1
سورة الجمعة
مدنية، إحدى عشرة آية، مائة وثمانون كلمة، سبعمائة وثمانية وأربعون حرفا
يُسَبِّحُ لِلَّهِ أي يذكر الله بالتنزيه ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ما في جهة العلو والسفل من الخلق، الْمَلِكِ فكلهم تحت تصرفه وفي قبضة قدرته، الْقُدُّوسِ أي المنزه عما يخطر ببال أوليائه- كما نقل عن الغزالي- وقيل: أي المبارك أو الطاهر بلا ولد ولا شريك، الْعَزِيزِ أي الغالب في ملكه بالنقمة لمن لا يؤمن به الْحَكِيمِ (١) أي الذي يضع الأشياء مواضعها وقد قرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح. هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ أي هو الذي أرسل إلى العرب رسولا من جملتهم، وهو محمد صلّى الله عليه وسلّم، فهو من جنسهم.
قال ابن عباس: المراد بالأميين الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بعث فيهم. يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ التي تبين رسالته، وتظهر نبوته مع كونه أميا مثلهم، لم يعتد منه قراءة، ولا تعلم، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة بالكتابة على ما أتى به من الوحي، وتكون حاله مشابهة لحال أمته الذين بعث فيهم، وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم من خبث الشرك وخبث الأقوال والأفعال، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي آيات القرآن، وَالْحِكْمَةَ أي وجه التمسك بها.
وقيل: الكتاب: هو الآيات نصا، والحكمة: ما أودع فيها من المعاني. وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) أي والحال أنهم كانوا من قبل مجيء محمد إليهم بالقرآن لفي ضلال ظاهر، لأنهم كانوا عبدة الأصنام. وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ «وآخرين» معطوف على الأميين، ولما يلحقوا الآخرين، أي وبعثه إلى غير العرب من أي طائفة كانت، لم يلحقوا بالعرب الأول وهم كل من دخل في الإسلام بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى يوم القيامة، ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير المنصوب في «ويعلمهم» أي ويعلم آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم وهم كل من يعلم شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى آخر الزمان، فرسول الله معلمهم بالقوة، أي في المعنى والحكم لأنه أصل الخير والفضل، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الفقر إليه، وجعل في كل مخلوق ما يشهد بوحدانيته، ذلِكَ أي تفضيل رسول الله على غيره وإلحاق أبناء العجم الذين آمنوا وشاهدوا الرسول بقريش في درجة الفضل، فَضْلُ اللَّهِ وهو ما لم يكن مستحقا يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وهم رسول الله والأميون والآخرون وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) على جميع خلقه في الدنيا بتعليم الكتاب والحكمة، وفي الآخرة بتفخيم الجزاء على الأعمال مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً، أي صفة الذين أمروا بأن يعملوا بما في التوراة، ثم لم يعملوا بما أمروا فيها كصفة الحمار يحمل كتبا كبارا في عدم انتفاعه بها.
وقال أهل المعاني: هذا المثل مثل من يفهم معاني القرآن، ولم يعمل به، وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه. بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أي بئس صفة القوم الذين كذبوا بالتوراة حين تركوا الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) لأنفسهم بتكذيب الأنبياء. قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا أي الذين تهودوا وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ أي إن قلتم أنكم أحباء لله من دون محمد وأصحابه فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم سريعا من دار البلية إلى دار الكرامة التي أعدها الله لأحبابه. وقوله تعالى: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ جواب الشرط، والعامة بضم الواو. وقرأ ابن السميقع وابن يعمر وابن أبي إسحاق بكسرها. وقرأ ابن السميقع أيضا بفتحها للتخفيف، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) في زعمكم فتمنوا الموت فإن من أيقن بأنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص إليها وطريقها الموت، وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي ويأبون التمني للموت بسبب ما عملوا من الكفر وتحريف الآيات الموجب لدخول النار، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) أي بظلم الظالمين من تحريف الآيات وعنادهم لها، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ أي إن الموت الذي تخافون من أن تتمنوه بلسانكم بسبب ما قدمتموه تحريف الآيات وغيره ملاقيكم ألبتة، والفاء في فإنه لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف. وقرأ زيد بن علي أنه بدون فاء، وفي قراءة ابن مسعود «تفرون منه ملاقيكم» من غير «فإنه»، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فالله تعالى عالم بما غيبتم عن الخلق من نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم بما أسررتم في أنفسكم من تكذيبكم رسالته، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) إما عيانا مقرونا بلقائكم يوم القيامة، أو بالجزاء إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ أي إذا نودي لوقت الصلاة من يوم الجمعة، فاذهبوا إلى الخطبة والصلاة، وَذَرُوا الْبَيْعَ أي اتركوا المعاملة، ذلِكُمْ أي الذهاب إلى ذكر الله وترك المعاملة خَيْرٌ لَكُمْ في الآخرة من التكسب في ذلك الوقت، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) أي إن كنتم أهل العلم فأنتم ترون ذلك خيرا فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي إذا أديت الصلاة فاخرجوا من المسجد إن شئتم لإقامة مصالحكم، واطلبوا الرزق إن شئتم، فهذه رخصة بعد النهي بقوله تعالى: وَذَرُوا الْبَيْعَ.
وعن عراك بن مالك: أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد قال:
الجمعة 62:11
أللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً على كل حال بالقلب واللسان.
قال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكره قائما وقاعدا ومضطجعا.
وعن عمر رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أتيتم السوق فقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير فإن من قالها كتب الله له ألف ألف حسنة وحط عنه ألف ألف خطيئة ورفع له ألف ألف درجة»
. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) أي كي تفوزوا بخير الدارين، أي لما جعل يوم الجمعة يوم شكر وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي به تقع شهرته، فجمعت الجماعات له، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيرا بالنعمة، وهي ما أنعم الله تعالى به عليهم من نعمة الوجود والعقل وغير ذلك مما لا يحصى، ولما كان مدار التعظيم إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع،
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً وهو الطبل، أي وإذا سمعوا صوتا يدل على قدوم التجارة انْفَضُّوا إِلَيْها أي تفرقوا إلى التجارة. وقرئ «إليهما» وَتَرَكُوكَ قائِماً على المنبر تخطب.
قال مقاتل: إن دحية بن خليفة الكلبي قبل أن يسلم أقبل بتجارة من الشام، وكان معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق، وكان ذلك في يوم الجمعة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قائم على المنبر يخطب، فخرج الناس إليه وتركوا النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يبق إلا اثنا عشر رجلا أو أقل، كثمانية أو أكثر كأربعين، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة» «١». ونزلت هذه الآية
وكان من الذين معه أبو بكر وعمر.
قال قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات. وقال مقاتل بن حبان: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين فلما خرج الناس لقدوم دحية بتجارة وظنوا أنه ليس في ترك الخطبة شيء من الإثم أنزل الله تعالى هذه الآية فقدّم النبي صلّى الله عليه وسلّم الخطبة وأخر الصلاة. قُلْ يا أشرف الخلق للمؤمنين زجرا عن العود لمثل ذلك الفعل: ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ أي ما عند الله من ثواب الثبات مع النبي صلّى الله عليه وسلّم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) أي أفضل المعطلين فمنه اطلبوا الرزق.
(١) رواه السيوطي في الدر المنثور (٦: ٢٢١).
المنافقون 63:1
سورة المنافقون
مدنية، إحدى عشرة آية، مائة وثمانون كلمة، سبعمائة وستة وسبعون حرفا
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ أي إذا حضر مجلسك منافقو أهل المدينة عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير، وجد بن قيس، وكانوا بني عم قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وقولهم: «نشهد» نفي للنفاق عن أنفسهم.
روى زيد بن أرقم قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول: لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكر ذلك عمي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأرسل رسولا إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوه، فصدقهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكذبني، فأصابني همّ لم يصبني مثله، فجلست في بيتي، فأنزل الله عز وجل: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ إلى قوله: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا إلى قوله: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فأرسل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم قال: إن الله قد صدقك. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ سواء أشهد المنافقون بذلك أم لا. وهذه جملة معترضة بين قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وبين قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إلخ لإماطة توهم توجه التكذيب إلى منطوق كلامهم وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) من إخبارهم عن أنفسهم أنهم يشهدون، فإن ضمير قلوبهم على غير تلك الشهادة اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ الكاذبة جُنَّةً أي سترة عما خافوا على أنفسهم من القتل.
وقرأ الحسن بكسر همزة «إيمانهم» فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله وقد منعوا الضعفة عن اتباع رسول الله في السر وعن الإنفاق في سبيل الله، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) حيث آثروا الكفر على الإيمان وأظهروا خلاف ما أضمروا ذلِكَ أي سوء أعمالهم، بِأَنَّهُمْ آمَنُوا في الظاهر وشابهوا المسلمين في نطق كلمة الشهادة وفي الأفعال، ثُمَّ كَفَرُوا أي ثم ظهر كفرهم بعد ذلك بقولهم: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن حمير. وبقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ لسوء أفعالهم وقصدهم الإعراض عن الحق. وقرئ على البناء للفاعل.
وقرئ «فطبع الله» أي تركهم الله في أنفسهم الجاهلة وأهوائهم الباطلة فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) شيئا، فلا يميزون صوابا من خطأ ولا حقا من باطل، وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ لضخامتها، ولصباحة وجوههم، فهم أشباح وقوالب ليس وراءها ألباب وحقائق، وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم وحلاوة كلامهم. وقرئ «يسمع» على البناء للمفعول كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، أي مشبهين بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحا خالية عن العلم والخير، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أي واقعة عليهم والوقف هنا تام فقوله: عَلَيْهِمْ مفعول ثان.
قال مقاتل: إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة، أو نشدت ضالة مثلا ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب، وذلك لأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم ويكشف أسرارهم، هُمُ الْعَدُوُّ أي هم الكاملون في العداوة، فَاحْذَرْهُمْ أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإن أعدى الأعادي العدو المكاشر الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أي أهلكهم الله، فإن أصل المعنى أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر يهلكه، لأن الله تعالى قاهر لكل معاند فإذا قاتلهم أهلكهم، أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) أي كيف يصرفون عن الحق إلى الكفر والضلال؟ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إلى رسول الله وتوبوا من الكفر والنفاق، يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ أي حركوها إعراضا وإباء.
روي أنه لما نزل القرآن في فضيحة المنافقين أتاهم عشائرهم من المؤمنين، وقالوا لهم: ويلكم افتضحتم بالنفاق، وأهلكتم أنفسكم، فأتوا رسول الله وتوبوا إليه من النفاق واسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك، فنزلت هذه الآية وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ أي يعرضون عن الاعتذار، وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) عن استغفار الرسول لهم، سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أي استغفارك لهم وعدمه سواء، والسبعة بهمزة قطع مفتوحة من غير مد ووصلها قوم على حذف حرف الاستفهام، لأن أم المعادلة تدل عليه. وقرئ شاذا «أاستغفرت» بهمزة ثم ألف، لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ لرسوخهم في الكفر إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) أي الذين سبق ذكرهم، وهم الكافرون والمنافقون والمستكبرون، هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ والقائل عبد الله بن أبي لأصحابه المؤمنين الأنصار في غزوة تبوك: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وهم فقراء المهاجرين، حَتَّى يَنْفَضُّوا أي لأجل أن يتفرقوا عنه. وقرئ «حتى ينفضوا» بضم الياء وسكون النون، أي لأجل أن تفنى أزوادهم، وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مفاتيح الرزق يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) أن الله يرزقهم وأن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، يَقُولُونَ في تبوك: لَئِنْ رَجَعْنا من غزوة بني المصطلق إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.
قال المفسرون: اختلف أجير عمر وهو جهجاه بن سعيد مع أجير عبد الله بن أبي، وهو
المنافقون 63:11
سنان الجهني في بعض الغزوات، فأسمع أجير عمر عبد الله بن أبي المكروه، واشتد عليه لسانه، فغضب عبد الله وعنده رهط من قومه فقال: أما والله لئن رجعنا من غزوتنا هذه إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وأراد عبد الله بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله والمؤمنين، ثم أقبل على قومه فقال: لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء المهاجرين لأوشكوا أن يتحولوا عن دياركم وبلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فنزلت هذه الآية، وسبب غزوة بني المصطلق أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلغه أن بني المصطلق- وهم حي من هذيل- يجتمعون لحربه، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار وهو أبو جويرية زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم، فخرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المر يسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فوقع القتال، فهزم الله بني المصطلق وكان سبيهم سبعمائة، فلما أخذ النبي جويرية من السبي لنفسه أعتقها وتزوجها فقال المسلمون: صار بنو المصطلق أصهار رسول الله فأطلقوا ما بأيديهم من السبي إكراما لرسول الله، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها:
وما أعظم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية ولقد أعتق بتزويج رسول الله لها مائة أهل بيت من بني المصطلق اه. وإسناد القول المذكور إلى المنافقين لرضاهم به فرد الله عليهم ذلك بقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ أي القوة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فعزة الله قهره لأعدائه، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) أن الله معز أولياءه ومذل أعداءه، ولو علموه ما قالوا مقالتهم.
روي أن عبد الله بن أبي لما أراد أن يدخل المدينة اعترضه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان مخلصا وقال: لئن لم تقر لله ولرسوله بالعز لأضربن عنقك، فلما رأى منه الجد قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين،
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لابنه: «جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا»
. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي لا يشغلكم الاعتناء بمصالحها والتمتع بها عن فرائض الله تعالى نحو الصلاة والزكاة والحج وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي ومن ألهاه ماله وولده عن طاعة الله تعالى فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) أي في تجارتهم حيث باعوا الشريف الباقي بالخسيس الفاني، وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ أي بعض ما أعطيناكم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي مقدمات الموت فَيَقُولَ عند تيقنه بحلول الموت: رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي هلا أمهلتني إلى أمد قصير بقدر ما استدرك فيه ما فاتني فَأَصَّدَّقَ من مالي بتشديد الصاد والدال.
وقرأ أبي «فأتصدق» على الأصل. وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) أي أكن من الحاجين.
عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل إلا سأل الله الرجعة عند الموت. وقرأ أبو عمرو «وأكون» بالنصب عطفا على لفظ جواب التمني. والباقون «وأكن» بالجزم عطفا على محله. وقرئ «وأكون» بالرفع «وأنا أكون».
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً أي عن الموت إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١) فمجاز لكم عليه. وقرأ شعبة بالياء التحتية.
التغابن 64:1
سورة التغابن
مدنية. أو مكية، ثماني عشرة آية، مائتان وإحدى وأربعون كلمة، ألف وسبعون حرفا
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ينزهه تعالى جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه تنزيها مستمرا، لَهُ الْمُلْكُ فهو متصرف في ملكه، وَلَهُ الْحَمْدُ على أهل السموات والأرض، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أمر الدنيا والآخرة قَدِيرٌ (١)، لأن نسبة الكل إلى قدرته تعالى سواء، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ، أي فبعضكم مختار للكفر كاسب له وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، أي وبعض منكم مختار للإيمان كاسب له.
وقال عطاء والزجاج: أي فمنكم جاحد بأنه تعالى خلقه وهو من أهل الطبائع والدهرية، ومنكم مصدق بأنه تعالى خلقه، والمعنى: أنه تعالى تفضل عليكم بأصل النعم التي هي الخلق فانظروا النظر الصحيح، وكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين فما فعلتم ذلك بل تفرقتم فرقا، فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) من الكفر والإيمان فيجازيكم على ذلك، خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي بالإرادة القديمة على وفق الحكمة وَصَوَّرَكُمْ في الأرحام فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ فمن نظر في قد الإنسان ومناسبته بين أعضائه فقد علم أن صورته أحسن صورة، وقد وجد فيه القوى الدالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته دلالة مخصوصة لحسن هذه الصورة وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) أي المرجع يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الأمور الكلية والجزئية والأحوال الجلية والخفية، وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ أي ما تسرونه فيما بينكم وما تظهرونه من الأمور، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤) أي بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس. أَلَمْ يَأْتِكُمْ أيها الكفرة نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ أي من قبلكم، كقوم نوح ومن بعدهم فَذاقُوا من غير مهلة وَبالَ أَمْرِهِمْ أي شدة أمرهم في الدنيا، وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ أي العذاب في الدنيا والآخرة بِأَنَّهُ أي الشأن كانَتْ أي القصة تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج الظاهرات، فأنكروا أن يكون الرسول بشرا ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجرا فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا بالرسل، وَتَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإيمان، وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أي أظهر الله
التغابن 64:11
تعالى غناه عن إيمانهم وطاعتهم حيث أهلكهم ولم يلجئهم إلى ذلك وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن عبادتهم من الأزل حَمِيدٌ (٦)، أي مستحق للحمد بذاته وإن لم يحمده أحد زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا أي أنهم لن يبعثوا بعد موتهم أبدا، قُلْ يا أشرف الخلق لهم: بَلى تبعثون وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ أي لتحاسبن ولتجزون على أعمالكم، وَذلِكَ أي البعث والجزاء عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) لثبوت قدرته التامة فلا يصرفه صارف، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي إذا كان الأمر كذلك، فآمنوا بالله ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم، وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وهو القرآن، فإنه يهتدى به في الشبهات كما يهتدى بالنور في الظلمات، وذلك لئلا ينزل بك ما نزل بالكفار الماضية من العقوبة، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) فمجاز لكم عليه يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ أي لأجل ما في يوم القيامة من الحساب والجزاء. وسمي بالجمع لأن الله تعالى يجمع فيه الأولين والآخرين من أهل السموات وأهل الأرض، و «يوم» ظرف ل «لتنبؤن». وقرئ «نجمعكم» بنون العظمة ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ أي يوم ظهور غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان، وفي الحديث «ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكر، أو ما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة». وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ مع ما جاءت به الرسل من الحشر والنشر والجنة وغير ذلك. وَيَعْمَلْ صالِحاً إلى أن يموت في إيمانه يُكَفِّرْ، أي الله عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ أي تكفير السيئات وإدخال الجنات الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) الذي لا فوز وراءه.
وقرأ نافع وابن عامر «نكفر عنه» و «ندخله» بالنون فيهما. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بوحدانية الله وبقدرته وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي بالقرآن، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) النار
ما أَصابَ أحدا مِنْ مُصِيبَةٍ دينية أو دنيوية في بدن وأهل ومال، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بتقديره وإرادته و «من مصيبة» فاعل بزيادة من قيل: وسبب نزول هذه الآية أن الكتاب قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله تعالى عن المصائب في الدنيا، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ بأن يرى المصيبة من الله يَهْدِ قَلْبَهُ عند المصيبة للتسليم لأمر الله فيسترجع.
وقرئ «يهد قلبه» على البناء للمفعول ورفع «قلبه». وقرئ بنصبه على نهج سفه نفسه وقرئ «يهدأ» بالهمزة على وزن يقطع ويخضع، أي يسكن فيسلم لقضاء الله تعالى ويصبر على المصيبة، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) فيعلم اطمئنان القلب عند المصيبة، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي هونوا المصائب على أنفسكم، واتبعوا الأوامر الصادرة من الله تعالى ومن الرسول فيما دعاكم إليه، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) أي فإن أعرضتم عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه فلا بأس عليه إذ ما عليه إلا التبليغ الظاهر، وقد فعل ذلك. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي الله المستحق للمعبودية لا مستحقا للمعبودية يصح أن يوجد إلا هو وجملة «لا إله إلا هو» خبر لاسم الجلالة، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) في كل باب لأنه لا مقصود إلا هو، فإن المؤمن لا يعتمد إلا عليه ولا يتقوى إلا به. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤).
قال عطاء بن يسار: نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، فأراد أن يغزو، فبكوا إليه، ورققوه وقالوا له: إلى من تدعنا؟ فرق عليهم وأقام في البلد وترك الغزو، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا المدينة، فمنعهم أزواجهم وأولادهم وقالوا لهم: صبرنا على إسلامكم فلا صبر لنا على فراقكم، فأطاعوهم، وتركوا الهجرة، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا المهاجرين الأولين قد تفقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا
أزواجهم وأولادهم وإن لحقوا بهم في دار الهجرة لم ينفقوا عليهم ولم يصيبوهم بخير، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ تَعْفُوا عن ذنوبهم وَتَصْفَحُوا بترك التثريب والتعيير وَتَغْفِرُوا بإخفائها بعد ما هاجروا من مكة إلى المدينة فإن الله يعاملكم بمثل ما عملتم، وهذه العداوة إنما هي للكفر والنهي عن الإسلام فإنهم من الكفار، أما أزواجهم وأولادهم المؤمنون فلا يكونون عدوا لهم نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
أي بلاء وشغل عن الآخرة إذ منعوكم عن الهجرة والجهاد فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى، اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
(١٥) لمن آثر محبة الله تعالى وطاعته على محبة الأموال والأولاد فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي ابذلوا في تقوى الله غاية طاقتكم. وهذا مثل قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] فإنه لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعونه فوق الطاقة، وَاسْمَعُوا مواعظه وَأَطِيعُوا أوامره، وَأَنْفِقُوا مما رزقكم في الوجوه التي أمركم خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ، أي وأتوا خيرا لأنفسكم وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) أي من يكفه الله بخل نفسه فيفعل في ماله جميع ما أمر به مطمئنا إليه حتى ترتفع عن قلبه الأخطار، فأولئك هم الفائزون بكل مرام إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ أي إن تنفقوا في طاعة الله تعالى من حلال بطيب نفس متقربين إليه يجزكم بالضعف إلى ألفي ألف إلى ما شاء الله من الأضعاف. وقرئ «يضعفه» بتشديد العين. وَيَغْفِرْ لَكُمْ ما فرط منكم من بعض الذنوب ببركة الإنفاق وَاللَّهُ شَكُورٌ يشكر اليسير ويجزي الجزيل من صدقاتكم، حَلِيمٌ (١٧) لا يعجل بالعقوبة على من يمن بصدقته، أو يمتنع من التصدق عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ لا يخفى عليه شيء من الخشية والمن الْعَزِيزُ، أي الذي لا يعجزه شيء، الْحَكِيمُ (١٨) أي الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، فالعزيز يدل على القدرة، والحكيم يدل على الحكمة.
الطلاق 65:1
سورة الطلاق
مدنية، ثنتا عشرة آية، مائتان وتسع وأربعون كلمة، ألف ومائة وسبعون حرفا
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي إذا أردتم تطليق النساء فطلقوهن مستقبلات لزمان- عدتهن وهو الطهر- وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ أي احفظوا القروء للعدة لتعرفوا زمان الرجعة، والنفقة، والسكنى، وحل النكاح لأخت المطلقة ونحو ذلك من الفوائد وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ في الإضرار بهن لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ أي من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن وَلا يَخْرُجْنَ ولو بإذن منكم لأن في العدة حقا لله تعالى فلا يسقط بتراضيهما، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أي إلا في حال كونهن آتيات بزنا ظاهر، أو مشهود عليه بأربعة شهود فيخرجن لإقامة الحد عليهن، ثم يرددن إلى منزلهن كما قاله ابن مسعود، أو إلا في حال أن يبذون على الأزواج أو على أهلهم فيحل لهم حينئذ إخراجهن لسوء خلقهن كما قاله ابن عباس ويؤيده قراءة إلا أن يفحش عليكم.
وقال ابن عمر: الفاحشة: خروجهن قبل انقضاء العدة. وقرأ ابن كثير وأبو بكر «مبينة» بفتح الياء التحتية. والباقون بكسرها وَتِلْكَ أي الأحكام حُدُودُ اللَّهِ وهي الموانع عن المجاوزة وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي من يتجاوز الحدود فقد ضر نفسه لأنه وضعها في غير موضعها لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) أي فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر لعل الله يحدث في قلبك بعد ذلك التعدي أمرا يقتضي الرجعة بأن يبدل الله ببغض المرأة محبة، وبالإعراض عنها إقبالا إليها، فإن العدة إذا لم تكن مضبوطة أو انتقلت المرأة من منزل زوجها أشكل أمر الرجعة فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي قاربن انقضاء أجل العدة فأنتم بالخيار فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي إن شئتم فراجعوهن بحسن معاشرة وإنفاق لائق أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي وإن شئتم فاتركوهن من غير مراجعة بإيفاء بالحق واتقاء الضرار، وهو أن يراجعها في آخر العدة، ثم يطلقها تطويلا للعدة وتعذيبا لها، وَأَشْهِدُوا يا أيها الأزواج ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ عند التطليق وعند الرجعة قطعا للنزاع، فهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة وهو عند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ أي أدوا الشهادة التي تحملتموها عند الحكام يا أيها الشهود لوجه الله تعالى ذلِكُمْ أي الإشهاد وإقامة الشهادة يُوعَظُ بِهِ أي يؤمر به، مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يقال: نزلت الآيات من أول السورة إلى هاهنا في شأن النبي صلّى الله عليه وسلّم حين طلق حفصة، وفي ستة نفر من أصحابه طلقوا نساءهم غير طواهر، فنهاهم الله عن ذلك، لأنه لغير السنة، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ أي يصبر على المصيبة يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) من الشدة.
وقرأ النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية
فقال: «مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة»
. نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له يسمى سالما، فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة فقال: «اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله»، ففعل ذلك
، فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه سالم ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها فذلك قوله تعالى: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ أي من وجه لا يخطر بباله وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي ومن يثق بالله فيما ناله فهو كافيه في جميع أموره، إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ.
وقرأ حفص بالإضافة أي منفذ أمره. والباقون بالتنوين ونصب أمره أي يبلغ مراده في جميع خلقه. وقرئ برفع أمره أي نافذ تدبيره. وقرأ المفضل «بالغا» أمره على أن قوله: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ خبران و «بالغا» حال من اسم الجلالة قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ من الشدة والرخاء قَدْراً (٣) أي أجلا ينتهي إليه.
وروي أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله قد عرفنا عدة التي تحيض فما عدة التي لم تحض فنزل وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ لكبرهم، وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين إِنِ ارْتَبْتُمْ أي إن أشكل عليكم حملهن في العدة، أو إن جهلتم بمقدار عدتهن فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ فقام رجل فقال: يا رسول الله فما عدة الصغير التي لم تحض فنزل، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ لصغرهن هن بمنزلة الكبيرة التي قد يئست، وهذه معطوفة على «واللائي يئسن» عطف المفردات فقام رجل آخر وقال: وما عدة الحوامل يا رسول الله فنزل وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أي والحبالى منتهى عدتهن وأجل انقطاع ما بينهن وبين الأزواج وضع الحمل سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن لخبر سبيعة بنت الحرث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوما، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تتزوج فإباحة النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر دليل على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال، والحمل اسم لجميع ما في بطنهن فلا تنقضي العدة بوضع بعض حملهن. وقرئ أحمالهن، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في شأن أحكامه يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) أي ييسر الله عليه في أمره ويوفقه للعمل الصالح.
وقال عطاء: يسهل الله عليه أمر الدنيا والآخرة ذلِكَ أي الذي ذكر من الأحكام أَمْرُ اللَّهِ، أي فرائضه أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ أي بينه لكم في القرآن، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ بطاعته ويعمل بما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم، يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة فإن الحسنات يذهبن السيئات وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) في الآخرة بالمضاعفة، أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ أي أسكنوا المعتدات مسكنا من بعض مكان سكناكم على قدر طاقتكم ووجدكم بضم الواو باتفاق القراء السبعة. وقرئ بفتح الواو وكسرها. وَلا تُضآرُّوهُنَّ في السكنى والنفقة لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ بهما حتى تلجئوهن إلى الخروج من المسكن أو إلى تفتدي الرجعية نفسها منكم، وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ أي وإن كن المطلقات حبالى، فَأَنْفِقُوا أيها الأزواج عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فيخرجن من العدة. وهذا بيان حكم المطلقة البائنة، أما الحوامل المتوفى عنهن أزواجهن فلا نفقة لهن، وأما الرجعية فإنها تستحق النفقة، وإن لم تكن حاملا ومذهب مالك والشافعي أنه ليس للمبتوتة إلا السكنى، ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا. وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا سكنى لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها
فقال لها رسول الله: «لا سكنى لك ولا نفقة»،
وأما عند الحنفية فلكل مطلقة حق النفقة والسكنى لأن
عمر قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في شأن المطلقة: «لها النفقة والسكنى»
، ولأن ذلك جزاء الاحتباس وهو مشترك بين المبتوتة وغيرها، ولو كان جزاء للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال ولم يقولوا به، ونحن معشر الشافعية نقول: إن الحامل قد يتوهم أنها لا نفقة لها لطول مدة الحمل، فأثبت لها النفقة ليعلم أن غيرها بطريق الأولى فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ أولادكم منهن بعد انقضاء علقة النكاح، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على ذلك الإرضاع ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه للرجل استئجار امرأته للرضاع إذا كان الولد منها ما لم تبن، ويجوز عند الشافعي مطلقا وفي هذه الآية دليل على أن حق الرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والتربية على الزوجات، وفيها دليل على أن اللبن ملك لها وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ أي تشاوروا بتراضي الأب والأم، ولا يكن من الأب مماكسة، ولا من الأم معاسرة، ولا من الرجل تقصير في حق المرأة ونفقتها ولا من المرأة في حق الولد ورضاعه، وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ كأن أبى الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها وأبت الأم أن ترضع الولد مجانا فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)، أي فسترضع الولد لوالده امرأة أخرى فليس له إكراهها على إرضاعه بل يستأجر الأب للصبي مرضعا غير أمه لِيُنْفِقْ على المرضعات المطلقات وعلى خلافها، ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ أي ذو غني على قدر غناه وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ، أي ومن ضيق عليه معيشته فلينفق على الزوجة والولد الصغير على قدر ما أعطاه الله من المال وإن قل لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها أي إلا بقدر ما أعطاها من الرزق جل أو قل فإنه تعالى لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) أي بعد ضيق سعة وبعد شدة رخاء عاجلا أو آجلا وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ أي وكم من أهل قرية أبوا عن قبول أمر
الطلاق 65:11
ربهم وعن إجابة أمر رسله، فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً أي فحاسبناهم في الآخرة على أعمالها بالمناقشة في كل نقير وقطمير، وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) أي وعذبناهم عذابا عظيما وهو عذاب نار جهنم، فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها أي فذاقوا عقوبة كفرهم، وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أي وكان عاقبة عتوها هلاكا بعذاب الدنيا وعذاب النار،
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ في الآخرة عَذاباً شَدِيداً لونا بعد لون فَاتَّقُوا اللَّهَ عن أن تكفروا به وبرسوله يا أُولِي الْأَلْبابِ أي يا ذوي العقول من الناس، الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولًا والوقف على «ذكرا» تام إن نصب «رسولا» بالإغراء أي عليكم رسولا، أو بفعل مقدر، أي وأرسل رسولا فحينئذ فالذكر هو القرآن والرسول هو النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا وقف على «ذكرا» إن جعل «رسولا» بدلا منه فحينئذ فالذكر الرسول هو جبريل عليه السلام، سمي بالذكر لأنه مذكور في السموات أو في الأمم، أو لشرفه، ويؤيده قراءة رسول بالرفع، أي هو رسول يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ أي القرآن مُبَيِّناتٍ.
وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء، لأن الآيات تبين الأحكام من الأمر والنهي والحلال والحرام. والباقون بالفتح لأن الله تعالى أوضح الآيات وبين أنها من عنده، لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن ظلمة الشبهة إلى نور الحجة، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم، وقوله تعالى: لِيُخْرِجَ إما متعلق بأنزل والضمير فيه راجع إلى اسم الجلالة، أو ب «يتلو» فالضمير فيه راجع للرسول، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً فيما بينه وبين ربه يُدْخِلْهُ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» بالنون قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١).
قال الزجاج: أي قد رزقه الله الجنة التي لا ينقطع نعيمها وقيل: قدر رزقه الله طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة، وجملة «قد أحسن الله» إلخ حال ثانية من مفعول «يدخله». اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ بعضها فوق بعض مثل القبة، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ أي في العدد لكنها منبسطة، والعامة بنصب مثلهن عطفا على سبع سموات. وقرأ عاصم في رواية برفعه على الابتداء وخبره من الأرض.
روى البخاري وغيره أن كعبا حلف بالذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر من فيها»
«١». يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ أي ينفذ تصرفه فيهن، ويجري قضاؤه بينهن.
(١) رواه الحاكم في المستدرك (١: ٤٤٦)، والقرطبي في التفسير (٨: ١٧٥)، والسيوطي في الدر المنثور (٤: ٢٢٤). قال عطاء: أي يتنزل الوحي إلى الخلق في كل أرض، وفي كل سماء، وقال مقاتل: يتنزل الوحي من السماء العليا إلى الأرض السفلى، وقال مجاهد: يتنزل الأمر بينهن بحياة بعض وموت بعض، وسلامة هذا وهلاك ذاك مثلا. وقرئ «ينزل الأمر بينهن»، لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السموات والأرض أن من بلغت قدرته هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يكون لغيره كانت قدرته ذاتية، لا يعجزه شيء عما أراده وقوله تعالى: لِتَعْلَمُوا متعلق ب «خلق» أو ب «يتنزل»، وقرئ «ليعلموا» بالياء وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ من الكليات والجزئيات عِلْماً (١٢) لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، فتبارك الله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
التحريم 66:1
سورة التحريم
وتسمى سورة النبي صلّى الله عليه وسلّم. مدينة، ثنتا عشرة آية، مائتان وتسع وأربعون كلمة، ألف وستون حرفا
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ أي لم تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله تعالى لك من ملك اليمين أو من العسل.
روي أنه صلّى الله عليه وسلّم خلا بمارية في يوم حفصة وعلمت بذلك عائشة فقال لها: «اكتمي علي فقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي»، فأخبرت بذلك عائشة وكانتا متصادقين فطلق حفصة، واعتزل نساءه، ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية.
وروي أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله طلقك، فنزل جبريل عليه السلام وقال له صلّى الله عليه وسلّم: راجعها فإنها صوامة قوامة وإنها من نسائك في الجنة وهذا قول الحسن ومجاهد، وقتادة، والشعبي، ومسروق، ورواية ثابت عن أنس ورواية البزار من حديث ابن عباس، ورواية الطبراني من حديث هريرة، ورواية الضياء من حديث عمرو الذي في الصحيحين أن الذي حرمه النبي صلّى الله عليه وسلّم على نفسه هو شرب العسل، فقد روي أنه صلّى الله عليه وسلّم شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وهو صمغ حلو له رائحة كريهة، فحرم العسل على نفسه فنزلت هذه الآية تَبْتَغِي أي تطلب بتحريم مارية أو العسل، مَرْضاتَ أَزْواجِكَ عائشة وحفصة وَاللَّهُ غَفُورٌ قد غفر لك هذه الزلة رَحِيمٌ (١) قد رحمك في تلك اليمين. وقد نقل جماعة من المفسرين: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حلف أن لا يطأ جاريته، فذكر الله له ما أوجب من كفارة اليمين، وأيضا أن أبا حنيفة يرى تحريم الحلال يمينا في كل شيء، فإذا حرم شخص طعاما فقد حلف على أكله أو أمة، فعلى وطئها أو زوجة فعلى الإيلاء منها، إذا لم يكن له نية وإن نوى الظهار وإن نوى الطلاق فطلاق بائن، وإن نوى عددا كأن نوى ثنتين أو ثلاثا، فكما نوى، وإن قال: كل حلال علي حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يمينا، ولكن سببا في الكفارة في النساء فقط وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أي أوجب الله عليكم كفارة ككفارة أيمانكم أو قد بيّن الله لكم تحليل أيمانكم بالكفارة، فإذا كفر الحالف صار كمن لم يحلف. وقرئ كفارة أيمانكم، وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ أي حافظكم وناصركم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم الْحَكِيمُ (٢) أي المتقن في أفعاله وأحكامه فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا ما تقتضيه الحكمة، وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً أي واذكر إذ أخبر النبي حفصة في السر بكلام استكتمها ذلك.
قال ابن عباس: لما رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم الغيرة في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين، تحريم مارية على نفسه والبشارة بأن الخلافة بعده صلّى الله عليه وسلّم في أبي بكر وأبيها عمر، فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ.
قرأ الجمهور بتشديد الراء، أي فلما أخبرت حفصة بسر النبي صلّى الله عليه وسلّم عائشة ظنا منها أنه لا حرج عليها في ذلك، وأطلع الله نبيه على ما أخبرت حفصة عائشة بين النبي لحفصة بعض ما قالت لعائشة من خلافة أبي بكر وعمر وعاتبها على ذلك خوفا من أن ينشر في الناس، فربما أثار حسد بعض المنافقين.
وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال لها: «ويلك ألم أقل لك اكتمي علي!» قالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خصّ الله تعالى بها أبي
. وقرأ الكسائي بالتخفيف أي جازى على ذلك البعض بأن طلق حفصة مجازاة على بعض ما فعلت، وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ أي وسكت عن بعض من تحريم مارية القبطية على نفسه، ولم يلم حفصة على ذكر ذلك حياء وحسن عشرة، فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ أي فلما أخبر النبي حفصة بما قالت لعائشة قالَتْ أي حفصة: مَنْ أَنْبَأَكَ هذا أي من أخبرك بأني أفشيت السر لعائشة، وقد ظننت أن عائشة هي التي أخبرته.
قالَ أي النبي صلّى الله عليه وسلّم: نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) بقولك لعائشة وبقولي لك. إِنْ تَتُوبا يا حفصة ويا عائشة من إيذائكما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إِلَى اللَّهِ تاب الله عليكما فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، إذ قد مالت قلوبهما عن الحق وأحبت ما كرهه النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو اجتنابه جاريته. وقرئ «فقد زاغت». وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أي وإن تتعاونا أنتما على النبي صلّى الله عليه وسلّم بالإيذاء لم يضره ذلك التعاون منكما، فإن الله ناصره، وجبريل رئيس الكروبيين وأبو بكر وعمر، كما أخرجه الطبراني عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس وبه قال عكرمة ومقاتل، وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ أي بعد نصر من ذكر ظَهِيرٌ (٤) أي أعوان له صلّى الله عليه وسلّم فقوله: جِبْرِيلُ عطف على محل اسم «إن» قبل دخولها وكذا «وصالح المؤمنين»، ف «مولاه» خبر عن الكل فيقدر بعد كل واحد منهما، ويجوز أن يكون الكلام عند قوله تعالى:
مَوْلاهُ ويكون «جبريل» مبتدأ وما بعده عطف عليه، و «ظهير» خبرا لجميع. وقرأ الكوفيون «تظاهرا» بتخفيف الظاء وإسقاط إحدى التاءين. والباقون بتشديدها. وقرئ على الأصل أي بالتاءين، وقرئ «تظهرا». عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال. والباقون وهم أهل الكوفة بسكونها. وقال ابن عرفة: و «عسى» هنا للتخويف لا للوجوب، وجملة «عسى» واسمها وخبرها جواب الشرط أي إن طلقكن فعسى ربه أن يبدله مُسْلِماتٍ أي مقرات بالألسن، مُؤْمِناتٍ أي مصدقات بالقلوب بتوحيد الله تعالى، قانِتاتٍ أي مطيعات لله ولأزواجهن.
وقيل: قائمات بالليل للصلاة تائِباتٍ من الذنوب، عابِداتٍ أي كثيرات العبادات متذللات لأمر الرسول عليه السلام، سائِحاتٍ أي صائمات كما قاله ابن عباس، أو مهاجرات كما قاله الحسن. وقرئ «سيحات». ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥) فالثيب: تمدح من جهة أنها أكثر تجربة وعقلا، وأسرع حبلا غالبا، والبكر: تمدح من جهة أنها أطهر وأطيب وأكثر مداعبة غالبا، وسميت الثيب ثيبا، لأنها ثابت أي رجعت إلى بيت أبويها، وسميت العذراء بكرا لأنها على أول حالتها التي خلقت بها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً أي علموا أنفسكم ونساءكم وأولادكم الخير، وأدبوهم بأن تأمروهم بالخير وتنهوهم عن الشر تقوهم بذلك نارا، وقرئ «وأهلوكم» عطفا على «واو قوا» فيكون أنفسكم عبارة عن أنفس الكل، أي قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم نارا، وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أي حطبها الكفار وحجارة الكبريت. وقرئ «وقودها» بضم الواو عَلَيْها، أي النار مَلائِكَةٌ تسعة عشر وهم الزبانية، غِلاظٌ أي غلاظ القلوب لا يرحمون، إذا استرحموا خلقوا من الغضب وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني آدم أكل الطعام والشراب، شِدادٌ أي شداد الخلق، أقوياء على الأفعال الشديدة، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ بدل اشتمال من الله، أي لا يعصون أمره، أو منصوب على نزع الخافض. أي فيما أمرهم به من عذاب أهل النار، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) أي يؤدون ما يؤمرون به من غير توان ويقولون للكفار عند ادخالهم النار: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إذ الاعتذار هو التوبة، وهي غير مقبولة بعد الدخول في النار فلا ينفعكم الاعتذار، إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)، أي جزاء أعمالكم، أي إنما أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً أي بالغة في النصح بأن يتوبوا عن القبائح نادمين عليها غاية الندامة، لا يعودون إليها، وقرأ شعبة بضم النون وهو مصدر، أي ذات نصوح أو تنصح نصوحا، أو توبوا لينصح أنفسكم. والباقون بفتحها فهو صفة مشبهة، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي أن يغفر لكم ذنوبكم بالتوبة وَيُدْخِلَكُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ظرف «ليدخلكم»، وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي صاحبوه في وصف الإيمان، والموصول إما معطوف على النبي وإما مبتدأ خبره جملة قوله تعالى: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ عند المشي على الصراط، وَبِأَيْمانِهِمْ أي ويسعى عنن إيمانهم عند الحساب، لأنهم يؤتون التاب بإيمانهم وفيه نور يَقُولُونَ أي المنافقين خائفين من أن يطفأ نورهم رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا أي أبق لنا نورنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨). وقيل: الذين يمرون على الصراط حبوا وزحفا هم
التحريم 66:11
الذين يقولون: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف والسنان وَالْمُنْفِقِينَ بالحجة واللسان، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي واشدد على كلا الفريقين فيما تجاهدهما من القتال والمحاجة، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) مصيرهم ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي جعل الله مثلا لحال هؤلاء الكفار، امْرَأَتَ نُوحٍ والهة وَامْرَأَتَ لُوطٍ والعة «١» كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما بالكفر، كما قاله عكرمة والضحاك. وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط. وعن ابن عباس كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وإذا آمن به أحد أخبرت الجبابرة من قومه وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه، فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي فلم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما عند الله تعالى عن زوجتيهما لما عصتا من عذاب الله شيئا، وذلك تنبيه على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة، وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) أي وتقول لهما خزنة النار: ادخلا النار مع الداخلين في النار
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ أي جعل الله حالها مثلا لحال المؤمنين في أن وصلة الكفرة لا تضر مع الإيمان، واسمها آسية بنت مزاحم آمنت حين سمعت قصة إلقاء موسى عصاه، وتلقف العصا، فعذبها فرعون عذابا شديدا بسبب الإيمان، فإنه أوتدها بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وألقى عليها صخرة عظيمة فقالت: رب نجني من فرعون، فرقى بروحها إلى الجنة، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، إِذْ قالَتْ- ظرف ل «مثلا» -: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ أي رب ابن لي بيتا قريبا من رحمتك، وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ أي من نفسه الخبيثة، وَعَمَلِهِ السيئ، وهو شركه أو جماعه، كما قاله ابن عباس، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) أي من القبط التابعين له في الظلم، وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها من الفواحش فإنها قذفت بالزنا فَنَفَخْنا فِيهِ أي في فرجها، كما قاله البقاعي. وقرئ فيها أي في مريم. وقال الرازي: وقوله تعالى فيه أي في عيسى ومن قرأ فيها في نفس عيسى، مِنْ رُوحِنا أي من روح خلقناه بلا توسط أصلا. والمعنى: أوصلنا إلى فرجها الريح الخارج من نفس جبريل لما نفخ في جيب قميصها، فوصل إليه، فحملت بعيسى، وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها أي بالصحف المنزلة على إدريس وغيره. قال مقاتل: أي بعيسى ويدل عليه قراءة الحسن بكلمة ربها بالإفراد وقرئ «بكلمة الله». وَكُتُبِهِ، وقرأ أبو عمرو وحفص بصيغة الجمع أي بالكتب الأربعة، والباقون و «كتابه» بالإفراد أي وبكتابه المنزل عليه وهو الإنجيل، وقوله تعالى:
وَصَدَّقَتْ بالتخفيف والتشديد على أن مريم جعلت الكلمات والكتب صادقة بمعنى وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) أي من القوم المطيعين لله في الشدة والرخاء.
(١) راجع مراح لبيد، النووي (ج ١/ ص ٥٠٦). وقال عطاء: من المصلين، وهم رهطها، لأنهم أهل بيت صالحين، لأنها من أعقاب هارون أخي موسى، وضرب هذه الأمثال مشتمل على فوائد: منها: التنبيه على الثواب العظيم والعذاب الأليم. ومنها: العلم بأن صلاح الغير لا ينفع المفسد، وفساد الغير لا يضر المصلح.
ومنها: أن الرجل وإن كان في غاية الصلاح فلا يأمن المرأة ولا يأمن نفسه. ومنها: العلم بأن إحصان المرأة مفيد غاية الإفادة. ومنها: التنبيه على أن التضرع بالصدق في حضرة الله تعالى وسيلة إلى الخلاص من العقاب وإلى الثواب بغير حساب، وأن الرجوع إلى الحضرة الأزلية لازم في كل باب.
الملك 67:1
سورة الملك
وتسمى الواقية والمنجية، لأنها تقي وتنجي قارئها من عذاب القبر. وعن ابن عباس أنه كان يسميها المجادلة، لأنها تجادل عن قارئها في القبر، وتدعى في التوراة المانعة، مكية، ثلاثون آية، ثلاثمائة وخمس وثلاثون كلمة، ألف وثلاثمائة وثلاثة عشر حرفا
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ أي تنزه الذي في قدرته سائر الكائنات عن أن يكون جسما أو في مكان غير ذلك من صفات الحوادث، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء قَدِيرٌ (١) يتصرف فيه حسب ما تقتضيه مشيئته يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ فالموت صفة وجودية مضادة للحياة. والمراد به الموت الطارئ، وبالحياة ما قبله وما بعده. وروى الكلبي عن ابن ابن عباس: أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء، ولا يجد رائحته شيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار، ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي اه.
وهذا كلام وارد على منهاج التمثيل والتصوير. لِيَبْلُوَكُمْ وهو متعلق بخلق، أي خلق موتكم وحياتكم ليعاملكم معاملة من يختبركم، أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي أخلص عملا وأصوبه كما قاله الفضيل ابن عياض اه.
وقال قتادة: أي أيكم أحسن عقلا، أي أتمكم عقلا، وأشدكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرا.
وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأشد تركا لها. وقال السدي: أيكم أكثر للموت ذكرا وأحسن استعدادا وأشد خوفا وحذرا. وَهُوَ الْعَزِيزُ أي الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل، الْغَفُورُ (٢) لمن تاب من أهل الإساءة الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي مطابقة بعضها فوق بعض، والسماء الدنيا محيطة بالأرض إحاطة قشر البيضة من جميع الجوانب، والثانية محيطة بالسماء الدنيا، وهكذا إلى أن يكون العرش محيطا بالكل، ما تَرى أيها المخاطب فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ للسموات ولغيرها مِنْ تَفاوُتٍ، أي من عدم تناسب.
الملك 67:11
قرأ حمزة والكسائي «من تفوت» بتشديد الواو، فَارْجِعِ الْبَصَرَ أي رد بصرك إلى السماء هَلْ تَرى فيها مِنْ فُطُورٍ (٣)، أي شقوق وعيوب، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي ارجع البصر إلى السماء رجعة بعد رجعة وإن كثرت يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً، أي بعيدا من إصابة ما التمسه من العيب، وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) أي كليل لكثرة المراجعة، وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أي القربي من الناس بِمَصابِيحَ أي بكواكب مضيئة بالليل إضاءة السرج، وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ أي جعلنا الكواكب رجم أعدائكم بانقضاض الشهب المقتبسة من نار الكواكب، إذا أرادوا استراق السمع، وَأَعْتَدْنا لَهُمْ في الآخرة عَذابَ السَّعِيرِ (٥) بعد الإحراق في الدنيا بالشهب، وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ من الشياطين وغيرهم، عَذابُ جَهَنَّمَ.
وقرئ بالنصب على أنه عطف على عذاب السعير، كما أن «للذين» عطف على «لهم»، فهو عطف المفرد على المفرد وعلى هذا، فالوقف على «السعير» جائز. وإن قرئ عذاب جهنم بالرفع كما هو قراءة الجمهور فالوقف على «السعير» تام، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) جهنم إِذا أُلْقُوا أي الكفار فِيها سَمِعُوا لَها أي لجهنم شَهِيقاً أي صوتا كصوت الحمار، وَهِيَ تَفُورُ (٧) أي والحال أن جهنم تغلي بهم غليان المرجل بما فيه، تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ أي تقرب جهنم تتفرق من شدة الغضب على الكفار.
وقرئ شاذا «تتميز» على الأصل، كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أي جماعة من الكفرة سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها بطريق التوبيخ والتقريع، أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) يتلو عليكم آيات ربكم وينذركم لقاء يومكم هذا؟ قالُوا اعترافا منهم بعدل الله وإقرارا بأن الله أزاح عللهم ببعثة الرسل: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا ذلك النذير في كونه نذيرا من جهة الله تعالى وَقُلْنا في حق ما تلاه من الآيات: ما نَزَّلَ اللَّهُ على أحد مِنْ شَيْءٍ أي من كتاب، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) أي ما أنتم أيها النذر- في ادعاء أنه تعالى نزّل عليكم آيات- إلا في ضلال كبير أي بعيد عن الصواب، ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الخزنة للكفار. والمعنى: ما أنتم أيها الكفار إلا في ضلال كبير في الدنيا، وهو الشرك بالله، وفي هلاك عظيم في العذاب. وَقالُوا للخزنة: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) أي لو كنا نسمع الإنذار سماع من كان طالبا للحق أو نعقله عقل من كان متفكرا لما كنا اليوم مع أهل الوقود في النار،
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ أي أقروا بتكذيبهم الرسل وبكفرهم بآيات الله، فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) وهو منصوب إما على المفعول به أي ألزمهم الله سحقا، أي بعدا من رحمته أو على المصدر والتقدير: سحقهم الله سحقا أي باعدهم الله من رحمته مباعدة.
وقرأ الكسائي بضم الحاء إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي حال كونهم في الخلوة حيث لا يراهم الناس، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) في الجنة وَأَسِرُّوا أيها الناس قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣)، أي عليم بالقلوب وأحوالها، فاحذروا من المعاصي سرا
الملك 67:21
كما تحترزون عنها جهرا، فإنه لا يتفاوت ذلك بالنسبة إلى علم الله تعالى.
قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله، فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد، فأنزل الله هذه الآية أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أي ألا يعلم السر والجهر من أوجد جميع الأشياء، فمن خلق شيئا لا بد وأن يكون عالما بمخلوقه وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)، أي والحال أنه تعالى الفاعل للأشياء اللطيفة، العالم ببواطن الأمور هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، أي لينة يسهل عليكم السلوك فيها، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها أي فاسلكوا في جوانبها، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ أي كلوا مما خلقه الله رزقا لكم في الأرض، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أي المرجع بعد البعث، فبالغوا في شكر نعمه، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ف «أن يخسف» بدل اشتمال من «من»، أي أتأمنون يا أهل مكة من قد أقررتم بأنه في السماء، واعترفتم له بالقدرة على ما يشاء، وهو متعال عن المكان أن يغور بكم الأرض بعد ما جعلها لكم لينة، فَإِذا هِيَ أي الأرض تَمُورُ (١٦) أي تضطرب وتتقلب، أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أي بل أأمنتم أيها المكذبون من تزعمون أنه في السماء، وهو منزه عن المكان أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً أي ريحا فيها حجارة، فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) أي فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من قبل كفار مكة من كفار الأمم السالفة، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أي إنكاري وتغييري عليكم أليس وجدوا العذاب حقا، أَوَلَمْ يَرَوْا أي أغفلوا ولم ينظروا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها وَيَقْبِضْنَ أي يضممنها إذا ضربن بها جنوبهن حينا فحينا ما يُمْسِكُهُنَّ في الجو عند البسط والقبض إِلَّا الرَّحْمنُ أي الواسع رحمته كل شيء، وهذه الجملة مستأنفة، فالوقف على يقبضن تام كالوقف هنا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) فيكون الله رائيا لنفسه ولجميع الموجودات، أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ أي بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ف «أم» بمعنى بل و «من» اسم استفهام مبتدأ خبره اسم الإشارة. وقرأ طلحة بتخفيف الميم هنا وتشديده، ثم والمعنى: أهذا الذي هو جند لكم أم الذي يرزقكم، يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أي ما الكافرون إلا في غرور من الشيطان، فهو يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم، أعلم أن الكافرين كانوا يمتنعون عن الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول معتمدين على شيئين: أحدهما: قوتهم بمالهم وجندهم. وثانيهما: اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات وتدفع عنهم جميع الآفات وقد أبطل الله عليهم الأول بقوله تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ الآية.
ورد عليهم الثاني بقوله تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ أي بل من الذي يرزقكم من آلهتكم إن أمسك الله الرزق عنكم بل لو كان الرزق موجودا سهل التناول، فوضع الآكل لقمة في فيه، فأمسك الله تعالى عنه قوة الازدراد لعجز أهل السموات والأرض عن أن يسوغوا تلك اللقمة، بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أي بل تمادوا في أباء عن الحق وشراد عن الإيمان، ثم ضرب الله مثلا للمشرك والموحد فقال: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)، أي أفمن يمشي في مكان غير مستو فيعثر كل ساعة ويخر على وجهه في كل خطوة أهدى إلى المقصد، أم من يمشي معتدلا على طريق مستو لا عوج فيه ولا انحراف سالما من العثور والخرور؟ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ أي أوجدكم إيجادا بديعا، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لتسمعوا به الآيات القرآنية، وَالْأَبْصارَ لتنظروا بها إلى الآيات التكوينية، وَالْأَفْئِدَةَ لتتفكروا بها فيما تسمعونه من الآيات التنزيلية، وفيما تشاهدونه من الآيات التكوينية، قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢٣) لأن شكر نعمة الله تعالى هو أن يصرف تلك النعمة إلى وجه رضاه، وأنتم لما صرفتم السمع والبصر والعقل إلى غير طلب مرضاته، فأنتم ما شكرتم نعمته ألبتة قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ، أي خلقكم وكثركم فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) في الآخرة للجزاء، وَيَقُولُونَ أي كفار مكة من فرط عنادهم، مَتى هذَا الْوَعْدُ أي الحشر الموعود إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) أي إن كنتم صادقين بما تخبرونه من مجيء الساعة والحشر فبينوا وقته، قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ بوقت مجيئه عِنْدَ اللَّهِ لا يطلع عليه غيره، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) أنذركم وقوع الموعود، فإن العلم بالوقوع غير العلم بوقت الوقوع، فالعلم الأول كاف في الإنذار، العلم الثاني ليس إلا الله، فَلَمَّا رَأَوْهُ أي العذاب بعد الحشر زُلْفَةً أي ذا قرب سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي اسودت وجوههم، وعلتها الكآبة، وصارت كوجه من يقاد إلى القتل، وَقِيلَ أي قال لهم الخزنة توبيخا: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) أي تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه استهزاء، أو هذا الذي كنتم تدعون أنه باطل لا يأتيكم.
وقرأ الحسن وقتادة وأبو رجاء والضحاك، ويعقوب، وأبو زيد، وأبو بكر، وابن أبي عبلة، ونافع في راوية الأصمعي بسكون الدال من الدعاء وهي مؤيدة للقول بأن تدعون مثقلة من الدعاء في قراءة العامة. وقيل: من الدعوى. قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ، أي إن أماتني الله وَمَنْ مَعِيَ من المؤمنين أَوْ رَحِمَنا بتأخير آجالنا، فأيّ راحة لكم في ذلك، وأي منفعة لكم فيه.
يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعلى المؤمنين بالهلاك حين خوّفهم النبي بعذاب الله، فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) أي من الذي يجيركم من عذاب الله إذا نزل بكم أتظنون أن الأصنام تجيركم، فإذا علمتم أن لا مجير لكم منه سواء متنا أو بقينا فهلا تمسكتم بما يخلصكم من العذاب وهو العلم بالتوحيد والنبوة والبعث، قُلْ هُوَ أي الذي أدعوكم إلى عبادته الرَّحْمنُ أي معطي النعم كلها آمَنَّا بِهِ ولم نكفر به كما كفرتم، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا لا على غيره كما فعلتم حيث توكلتم على رجالكم وأموالكم وهو لا يقبل دعاءكم، لأنكم أهل الكفر، فَسَتَعْلَمُونَ عند معاينة العذاب في الآخرة مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) أي ظاهر، أنحن أم أنتم. وقرأ الكسائي «فسيعلمون» بالياء التحتانية. قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً أي إن صار ماؤكم ذاهبا في الأرض بالكلية أو بحيث لا تناله الدلاء، فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠) أي ظاهر، سهل المأخذ تراه العيون فلا بدلهم، وأن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله فقل لهم حينئذ: فلم تجعلون من لا يقدر على شيء أصلا شريكا له في المعبودية؟ وكان ماؤهم من بئر زمزم، وبئر ميمون. ويستحب أن يقول القارئ عقب مَعِينٍ: الله رب العالمين، كما ورد في الحديث.