مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — الماعون 107:1 – الناس 114:1
المحتويات
الماعون 107:1
سورة الماعون
وتسمى سورة الدين، وسورة أرأيت، مكية ومدنية، سبع آيات، خمس وعشرون كلمة، مائة وثلاثة وعشرون حرفا
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فرأى إما بصرية فالمعنى أأبصرت المكذب بالجزاء، أو بالإسلام أو هل عرفته، وإما بمعنى أخبرني الذي يكذب بالحساب من هو، ويدل على هذا قراءة عبد الله بن مسعود أرأيتك بزيادة حرف الخطاب والكاف لا تلحق البصرية، وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد الراء ولورش إبدالها ألفا، وأسقطها الكسائي ولم يصح عن العرب «ريت»، ولكن لما كان حرف الاستفهام في أول الكلام سهل حذف الهمزة فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) والفاء جواب شرط محذوف أي إن أردت أن تعرف المكذب بالحساب فذلك الذي يدفع اليتيم بعنف عن حقه.
وقرئ «يدع اليتيم» أي يتركه ولا يدعوه أي يدعو جميع الأجانب ويترك اليتيم أي يترك المواساة معه، وإن لم تكن المواساة واجبة وقد يذم المرء بترك النوافل، وقرئ «يدعو اليتيم» أي يدعوه رياء، ثم لا يطعمه، وإنما يدعوه استخداما أو قهرا، وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) أي ولا يحث أهله وغيرهم من الموسرين على صدقة المساكين.
قال ابن جريج: نزلت هذه الآية في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبوع فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بعصاه، وقال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة والإتيان بالأفعال القبيحة، وحكى الماوردي أنها نزلت في أبي جهل.
روي أنه كان وصيا ليتيم فجاءه وهو عريان يسأله شيئا من مال نفسه فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي، فقال له أكابر قريش: قل لمحمد يشفع لك وكان غرضهم الاستهزاء، ولم يعرف اليتيم ذلك فجاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم والتمس منه ذلك وهو صلّى الله عليه وسلّم ما كان يرد محتاجا فذهب معه إلى أبي جهل فرحب به وبذل المال لليتيم فعيره قريش، فقالوا: صبوت، فقال: لا والله ما صبوت، لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها فيّ. وقال السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة وقال الضحاك: نزلت في عمرو بن عائذ المخزومي، وقال عطاء عن ابن عباس نزلت في رجل من المنافقين فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) والنسيان عن الصلاة، هو أن يبقى الإنسان ناسيا لذكر الله في جميع أجزاء الصلاة وهذا لا يصدر إلا عن المنافق الذي يعتقد أنه لا فائدة في الصلاة أما المسلم الذي يعتقد أن فيها فائدة دينية يمتنع أن لا يتذكر أمر الدين والثواب والعقاب في شيء من أجزاء الصلاة. بلى، قد يحصل له السهو في الصلاة بمعنى أنه يصير ساهيا في بعض أجزاء الصلاة فثبت أن السهو في الصلاة من أفعال المؤمن، والسهو عن الصلاة من أفعال الكافر. الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) بصلاتهم فإذا فاتتهم مع الناس تركوها بالمرة، والمرائي من يظهر الأعمال عند الناس مع زيادة الخشوع ليعتقد فيه من يراه أنه من أهل الدين والصلاح أما من يظهر النوافل ليقتدى به ويأمن على نفسه من الرياء فلا بأس بذلك وليس بمراء، وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) أي ويمنعون الناس الزكاة أو يمنعون الطالبين منافع البيت كالفأس، والقدوم، والإبرة، والقدر، والقصعة، والمغرفة، والمقدحة، والغربال، والدلو، والملح، والماء، والنار.
الكوثر 108:1
سورة الكوثر
وتسمى سورة النحر، مكية، ثلاث آيات، عشر كلمات، اثنان وأربعون حرفا
إِنَّا أَعْطَيْناكَ. وقرئ «أنطيناك» يا أشرف الخلق: الْكَوْثَرَ (١) أي الخير المفرط في الكثرة من شرف النبوة الجامعة لخيري الدارين، فإن كتاب محمد هو الكتاب المهيمن على كتاب آدم وصحف إبراهيم وموسى، وتحديه بالقرآن، وذلك أعلاه كما تحدى آدم بالأسماء.
وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل فقال: لئن كنت صادقا، فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار الرسول إليه، فانقلع الحجر الذي أشار إليه من مكانه وعام حتى صار بين يدي الرسول وسلم عليه، وشهد له بالرسالة فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يكفيك هذا؟» قال: حتى يرجع إلى مكانه، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلّم، فرجع إلى مكانه، وهذا أعظم من إمساك سفينة نوح على الماء
. وعن محمد بن حاطب قال: كنت طفلا، فانصب القدر علي من النار، فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقالت: هذا ابن حاطب احترق كما ترى، فتفل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على جلدي ومسح بيده على المحترق منه وقال:
أذهب البأس رب الناس، فصرت صحيحا لا بأس بي، وذلك أعظم من جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، وأكرم الله محمدا، ففلق له القمر فوق السماء، وفجر له أصابعه عيونا وكان الغمام يظله، وأعطاه الله القرآن الذي وصل نوره إلى الشرق والغرب، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفه ثعبانين، فانصرف مرعوبا كما
أكرم الله موسى، ففلق له البحر في الأرض، وفجر له الماء من الحجر، وظلل عليه الغمام وأكرمه باليد البيضاء، وقلب عصا موسى ثعبانا وسبحت الأحجار في يد الرسول وأصحابه، وكان هو لما مسح الشاة الجرباء درت وأكرمه الله بالبراق، كما سبحت الجبال مع داود، وإذا مسح الحديد لان وأكرمه الله بالطير المحشورة، وأضاف الرسول اليهود بالشاة المسمومة، فلما وضع اللقمة في فيه أخبرته، وروي أن امرأة معاذ بن عفراء أتته وكانت برصاء، وشكت ذلك إلى الرسول فمسح عليها رسول الله بغصن، فأذهب الله عنها البرص، وحين سقطت حدقة الرجل يوم أحد فرفعها وجاء بها إلى الرسول فردها إلى مكانها، وعرف ما أخفاه عمه مع أم الفضل، فأخبره، فأسلم العباس لذلك، كما أكرم الله عيسى عليه السلام بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ومعرفة ما يخفيه الناس في بيوتهم وحين نام رسول الله ورأسه في حجر علي فانتبه وقد غربت الشمس فردها وصلى وردها مرة أخرى لعلي، فصلى العصر في وقته.
وروي أن طيرا فجع بولده، فجعل يرفرف على رأسه صلّى الله عليه وسلّم ويكلمه فقال: «أيكم فجع هذه بولدها؟» فقال رجل: أنا، فقال: «اردد إليها ولدها»
«١». وأكرمه الله بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، وكان يرسل حماره يعفورا إلى من يريده، فيجيء به وأرسل معاذا إلى بعض النواحي، فلما وصل إلى المفازة فإذا أسد جاثم فهاله ذلك ولم يستجز أن يرجع، فتقدم وقال: أنا رسول رسول الله، فانصرف وانقاد الجن له صلّى الله عليه وسلّم، وحين جاء الأعرابي بالضب وقال: لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب، فتكلم الضب معترفا برسالته، وحين كفل الظبية حين أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة، كما رد الله لسليمان الشمس مرة، وعلم منطق الطير، وأكرمه الله بمسيره غدوة مسيرة شهر، وانقاد الجن له، فلما كانت رسالته صلّى الله عليه وسلّم كذلك جاز أن يسميها الله تعالى كوثرا فقال: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ.
قال: عطاء الكوثر حوض النبي صلّى الله عليه وسلّم في الموقف والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج»
. وفي رواية أنس أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور خضر، لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير، وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان.
وعن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر يجري بياضه بياض اللبن، وأحلى من العسل، وحافتاه خيام الدر، فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا الثرى مسك أذفر فقلت لجبريل: ما هذا؟ قال: الكوثر الذي أعطاكه الله تعالى»
«٢». فَصَلِّ لِرَبِّكَ أي فدم على الصلاة خالصا لوجه ربك الذي أفاض عليك
(١) رواه أحمد في (م ٣/ ص ١٠٣)، والحاكم في المستدرك (١: ٨٠) وابن أبي شيبة في المصنف (١١: ٤٣٧)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١٠: ٤٩٨)، والآجري في الشريعة (٣٩٦)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٩١٥٣)، وابن كثير في التفسير (٨:
٥٢٠)، والسيوطي في الدر المنثور (٦: ٤٠٣)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١١:
٤٥).
(٢) رواه مسلم في الجهاد باب: ٣١، وأبو داود في الخراج باب: ٢٥، وأحمد (م ٢/ ص ٢٩٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦: ٣٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٨: ٩)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ١٦٩)، وابن أبي شيبة في المصنّف (١٤:
٤٧٥)، والبغوي في شرح السنة (١١: ١٥٢)، وعبد الرزاق في المصنف (٩٧٣٩)، - هذه النعمة الجليلة خلاف الساهين عنها المرائين فيها أداء لحقوق شكرها، فإن الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر، وَانْحَرْ (٢) أي استقبل القبلة بنحرك كما قاله ابن عباس، والفراء، والكلبي، وأبو الأحوص كأنه تعالى يقول: الكعبة بيتي، وهي قبلة صلاتك، وقلبك قبلة رحمتي، ونظر عنايتي، فلتكن القبلتان متناحرتين أي متقابلتين، إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) أي إن مبغضك هو المنقطع عن كل خير، وهو أبو جهل كما قاله ابن عباس.
روي أن أبا جهل اتخذ ضيافة لقوم، ثم إنه وصف رسول الله بالأبتر، ثم قال: قوموا حتى نذهب إلى محمد وأصارعه وأجعله ذليلا حقيرا، فلما وصلوا إلى دار خديجة، وتوافقوا على ذلك، أخرجت خديجة بساطا، فلما تصارعا جعل أبو جهل يجتهد في أن يصرعه وبقي صلّى الله عليه وسلّم واقفا كالجبل، ثم بعد ذلك رماه النبي صلّى الله عليه وسلّم على أقبح وجه، فلما رجع أخذه باليد اليسرى، فصرعه على الأرض مرة أخرى، ووضع قدمه على صدره، أو هو أبو لهب كما قاله عطاء فإنه صلّى الله عليه وسلّم لما شافهه بقوله: تبا لك، كان أبو لهب يقول في غيبته أنه صلّى الله عليه وسلّم أبتر، فنزلت هذه الآية أو هو العاص بن وائل السهمي، كما قاله عكرمة.
روي أن العاص بن وائل كان يقول: إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي، وعامة أهل التفسير، أو هو عقبة بن أبي معيط، كما قاله شمر بن عطية، فإنه هو الذي كان يقول ذلك، ووصف الله تعالى العدو بكونه شانئا، إشارة إلى وعده تعالى لرسوله بقهر العدو كأنه تعالى يقول: هذا الذي يبغضك لا يقدر على شيء آخر سوى أنه يبغضك، فيحترق قلبه غيظا وحسدا.
- والزيلعي في نصب الراية (٣: ٤٣٩)، والدارقطني في السنن (٣: ٦٠)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٦٢١٠).
الكافرون 109:1
سورة الكافرون
وتسمى أيضا سورة المنابذة، أو المعابدة، وسورة الإخلاص، أي إخلاص العبادة، وسورة المقشقشة، أي المبرئة من النفاق. ست آيات وستة وعشرون كلمة، أربعة وسبعون حرفا
قُلْ يا أشرف الرسل: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١).
روي أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا محمد هلم حتى نعبد إلهك مدة، وتعبد آلهتنا مدة، فيحصل الصلح بيننا وبينك، وتزول العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيدا أخذنا منه حظا، وإن كان أمرنا رشيدا أخذت منه حظا، فنزلت هذه السورة فلما نزلت وقرأها على رؤوسهم شتموه وأيسوا منه، لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) أي لا أعبد الذي تعبدونه في المستقبل والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم من دون الله من الأوثان، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) أي ولا أنتم عابدون في المستقبل عبادتي، أي مثل عبادتي، أي ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلبه منكم من عبادة إلهي وهو الله الواحد، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) أي وما كنت قط عابدا فيما مضى الذين عبدتم فيه، أي لم يعتد مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى مني في الإسلام وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥)، أي وما عبدتم في وقت من الأوقات مثل عبادتي، وإنما أخبر صلّى الله عليه وسلّم أولا عن الاستقبال، لأنه هو الذي دعوه إليه، فهو الأهم، فبدأ به، أما حكايته صلّى الله عليه وسلّم عن نفسه فلئلا يتوهم الجاهل أنه صلّى الله عليه وسلّم يعبد الأوثان سرا، خوفا منها، أو طمعا إليها، وأما نفيه صلّى الله عليه وسلّم عبادتهم، فلأن فعل الكافر ليس بعبادة أصلا، وإن كان يعبد الله في بعض الأحوال وإنما قال: ما أَعْبُدُ في الرابعة ولم يقل: ما عبدت ليوافق ما عَبَدْتُّمْ في الثالثة، لأن عبادته صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة لم تظهر لأحد بخلافها بعدها أما عبادة الكافر قبل البعثة وبعدها فظاهرة عند الناس، لَكُمْ دِينُكُمْ وهذا تثبيت لقوله
تعالى: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولقوله تعالى: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلِيَ دِينِ (٦) وهذا تقرير لقوله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ والمعنى: إن دينكم الذي هو الإشراك مقصور لكم، وإن ديني الذي هو التوحيد مقصور لي، كأنه صلّى الله عليه وسلّم يقول: إني نبي مبعوث
النصر 110:1
الشرك. وقيل: معنى الآية لكم حسابكم ولي حسابي، ولا يرجع إلى كل واحد منا من عمل صاحبه أثر ألبتة وقيل لكم: العقوبة من ربي ولي العقوبة من أصنامكم، لكن أصنامكم جمادات، فأنا لا أخشى عقوبة الأصنام. وقيل لكم: عادتكم المأخوذة من أسلافكم والشياطين حتى تلقوا الشياطين والنار ولي عادتي المأخوذة من الملائكة والوحي حتى ألقى الملائكة والجنة.
وقرأ نافع وهشام وحفص بفتح ياء «ولي» وحذف ياء الإضافة من «دين» وقفا ووصلا السبعة. وجمهور القراء وأثبتها في الحالين سلام ويعقوب.
سورة النصر
وتسمى سورة التوديع لما فيها من الدلالة على توديع الدنيا وهي آخر سورة نزلت- قاله ابن عباس- مدنية، هي ثلاث آيات وثلاث، عشرون كلمة، تسعة وسبعون حرفا
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ إن كان نزول هذه السورة قبل فتح مكة، ف «إذا» ظرف مستقبل جوابه فسبح، فإن كان النزول بعد الفتح ف «إذا» بمعنى إذ التي للماضي، فهي على هذا متعلقة بمقدر، أي أكمل الله الأمر وأتم النعمة إذ حصل إعانة الله تعالى على عدوك، وَالْفَتْحُ (١) أي فتح مكة، وهو الفتح الذي يقال له: فتح الفتوح، وكان لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان،
فقد خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة ومعه عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وطوائف العرب إلى أن نزل بمر الظهران، وقدم العباس وأبو سفيان إليه، فاستأذنا، فأذن لعمه خاصة، فقال أبو سفيان: إما أن تأذن لي، وإلا أذهب بولدي إلى المفازة، فنموت جوعا وعطشا، فرق قلبه، فأذن له وقال له: «ألم يأن أن تسلم وتوحد؟» فقال: أظن أنه واحد ولو كان هاهنا غير الله لنصرنا، فقال:
«ألم يأن أن تعرف أني رسوله؟» فقال: إن لي شكا في ذلك، فقال العباس: أسلم قبل أن يقتلك عمر فقال: وماذا أصنع بالعزى؟ فقال عمر: لولا أنك بين يدي رسول الله لضربت عنقك، فقال:
يا محمد، أليس الأولى أن تترك هؤلاء الأوباش، وتصالح قومك وعشيرتك، فسكان مكة عشيرتك وأقاربك وتعرضهم للشن والغارة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «هؤلاء نصروني وأعانوني وذبوا عن حريمي، وأهل مكة أخرجوني وظلموني فإن هم أسروا فبسوء صنيعهم». وأمر العباس بأن يذهب به ويوقفه على المرصاد ليطالع العسكر، ثم تقدم أبو سفيان ودخل مكة وقال: إن محمدا جاء بعسكر لا يطيقه أحد ولما سمع أبو سفيان أذان القوم للفجر وكانوا عشرة آلاف فزع من ذلك فزعا شديدا، وسأل العباس، فأخبره بأمر الصلاة، ودخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكة على راحلته ولحيته على قربوس سرجه، كالساجد تواضعا وشكرا، ثم التمس أبو سفيان الأمان فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن». فقال: ومن تسع داري فقال: «ومن دخل المسجد فهو آمن» فقال: ومن يسع المسجد فقال: «من ألقى سلاحه فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن»، ثم وقف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على باب المسجد وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم قال: «يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم»، فقالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم فقال: «اذهبوا، فأنتم الطلقاء»
«١»، فأعتقهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد كان الله تعالى أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئا، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء، ثم بايعوه على الإسلام، وأقام صلّى الله عليه وسلّم في مكة خمس عشرة ليلة، ثم خرج إلى هوازن.
وقرئ «فتح الله» و «النصر». وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢)، أي وأبصرت الناس يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيفة كأهل مكة، والطائف، واليمن، وهوازن، وسائر قبائل العرب، وكانوا قبل ذلك فيه واحدا واحدا، واثنين اثنين. وقرئ «يدخلون» على البناء للمفعول فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ. أي فقل سبحان الله حامدا له، وَاسْتَغْفِرْهُ أي واطلب غفرانه هضما لنفسك واستقصارا لعملك، واستعظاما، لحقوق الله، واستدراكا لما فرط منك من ترك الأولى، وكأنه تعالى يقول: إذا جاء نصر الله إياك والمؤمنين، والفتح، ودخول الناس في دينك فاشتغل أنت بالتسبيح والحمد والاستغفار إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) أي إنه تعالى يكثر قبول التوبة لكثير من التائبين، والتوبة اسم للرجوع والندم، والإنسان قد يقول: أستغفر الله وليس بتائب، فيكون كاذبا وكان تقدير الكلام: واستغفره بالتوبة، وفي هذا تنبيه على أن خواتيم الأعمال يجب أن تكون بالتوبة والاستغفار، وكذا خواتيم الأعمار.
وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يجلس مجلسا إلا ختمه بالاستغفار.
وعن عائشة: كان نبي الله في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب، ولا يجيء إلا قال: «سبحان الله وبحمده» فقلت: يا رسول الله إنك تكثر من قول سبحان الله وبحمده؟ قال: «إني أمرت بها» وقرأ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ.
وعن ابن مسعود لما نزلت هذه السورة كان صلّى الله عليه وسلّم يكثر أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الغفور»
«٢».
(١) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (٢: ١٢٧).
(٢) رواه أحمد في (م ١/ ص ٢٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩: ٧)، وابن كثير في التفسير (٨: ٥٣٤)، والبغوي في شرح السنة (٥: ١٢٨)، والطبري في التفسير (٣٠: - قال مقاتل: لما نزلت هذه السورة قرأها النبي صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر، وسعد بن أبي وقاص والعباس، ففرحوا، واستبشروا، وبكى العباس فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما يبكيك يا عم» قال: نعيت إليك نفسك، أي أخبرت بموتك قال: «إنه كما قلت»، فعاش بعدها ستين يوما ما رؤي فيها ضاحكا مستبشرا
، وعن ابن عمر نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزل الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] فعاش النبي صلّى الله عليه وسلّم بعدها ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوما، ثم نزل لقد جاءكم رسول من أنفسكم، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزل وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:
٢٨١] فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما، وقيل: أحد عشر يوما، وقيل: سبعة أيام والله أعلم، وتوفي صلّى الله عليه وسلّم في ربيع الأول لاثني عشر خلت منه من هجرته إلى المدينة والهجرة، كانت لاثني عشر خلت من ربيع الأول كما أن مولده كذلك على المشهور.
- ٢١٨)، والسيوطي في الدر المنثور (٥: ٩٦)، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١٢٣). [.....]
المسد 111:1
سورة أبي لهب
وتسمى سورة تبت، مكية، خمس آيات، ثلاث وعشرون كلمة، سبعة وسبعون حرفا
تَبَّتْ أي هلكت يَدا أَبِي لَهَبٍ هو عبد العزى بن عبد المطلب، وَتَبَّ (١) أي هلك هو، فالأولى: مشت تمشية الدعاء عليه. والثانية: أخرجت مخرج الخبر، أي وقد حصل الهلاك عليه، فهذه الجملة على هذا على تقدير: قد، ويؤيده قراءة ابن مسعود وقد تب بالتصريح بقد، وقيل: كل واحد من الجملتين أخبار ولكن أريد بالجملة الأولى هلاك عمله، وبالثانية هلاك نفسه، فإن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله، فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين.
روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صعد الصفا ذات يوم وقال: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ قال: «أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقونني؟» قالوا: بلى، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»
«١»، فقال: عند ذلك أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا! فنزلت هذه السورة.
وروي أنه قال: فما لي إن أسلمت؟ فقال: «ما للمسلمين» فقال: أفلا أفضل عليهم؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «بماذا تفضل؟» فقال: تبا لهذا الدين أستوي فيه أنا وغيري.
روي أنه صلّى الله عليه وسلّم لما دعاه نهارا فأبى، فلما جن الليل ذهب إلى داره مستنا بسنة نوح ليدعوه ليلا كما دعاه نهارا فلما دخل عليه قال له: جئتني معتذرا، فجلس النبي صلّى الله عليه وسلّم أمامه كالمحتاج وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال: «إن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت». فقال: لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الجدي. فقال صلّى الله عليه وسلّم للجدي: «من أنا؟» «٢» فقال: رسول الله. وأطلق لسانه يثني عليه صلّى الله عليه وسلّم، فاستولى الحسد على أبي لهب، فأخذ بيدي الجدي ومزقه وقال: تبا لك أثر فيك السحر! فقال الجدي: بل تبا لك. فنزلت هذه السورة على وفق ذلك تبت يدا أبي لهب لتمزيقه
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤: ٣٤٥)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٨: ٢٩٣)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٥٦٣٢).
(٢) رواه ابن حجر في تلخيص الحبير (٤: ٩). يدي الجدي
، وقد حصل له وجود الاعتقاد الباطل، والقول الباطل، والعمل الباطل ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) أي أيّ تأثير كان لماله وكسبه في دفع البلاء عنه، فإنه لا أحد أكثر مالا من قارون، فهل دفع الموت عنه؟ ولا أعظم ملكا من سليمان فهل دفع الموت عنه؟ أو لا ينفع أبا لهب ماله وكسبه عند ذلك، ف «ما» في «ما أغنى» للنفي؟ أو للاستفهام و «ما» في «ما كسب» إما مصدرية أو موصولة حذف عائدها، أو استفهامية أي أيّ شيء كسب فينفعه. روي أن أبا لهب كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي فاستخلص منه، وقد خاب مرجاه وما حصل ما تمناه، فافترس أسد ولده عتيبة بالتصغير في طريق الشام فأنزل الله تعالى هذه الآية. والكسب: هو أرباح ماله. وقيل: نتاج ماشيته. وقال ابن عباس: وما كسب هو ولده والدليل عليه
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه»
«١»
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «أنت ومالك لأبيك»
«٢». ومات أبو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال. والعدسة: بثرة تخرج بالبدن فتقتل، سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) أي سيدخل أبو لهب في الآخرة نارا عظيمة ذات اشتعال. وقرئ بضم الياء وفتح اللام مخففا ومشددا، وَامْرَأَتُهُ معه أم جميل العوراء بنت حرب أخت أبي سفيان صخر بن حرب، واسمها العواء. وقيل: اسمها أروى. وقرئ و «مريئته» بالتصغير للتحقير، حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) وماتت مخنوقة بحبلها وكانت لشدة عداوتها للنبي صلّى الله عليه وسلّم تحمل بنفسها الشوك والحطب، فتنثره بالليل في طريق النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكان عليه السلام يطؤه كما يطأ الحرير. وقرأ عاصم بالنصب على الشتم، أو على الحال إذا أريد بحمل الحطب في مطلق الزمن، وقرأ الباقون بالرفع على أنه نعت لامرأته إذا أريد به المضي. وقرئ «حمالة للحطب» بالتنوين نصبا ورفعا فالرفع على الخبر لامرأته، والنصب على الشتم أو على الحال من «امرأته» إن جعلناها مرفوعة بالعطف على الضمير المستتر، فإنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار كما كانت تحمل الحطب في الدنيا لأذية الرسول، وحينئذ فجملة «في جيدها» في موضع الحال من «امرأته» وإن جعلناها مرفوعة بالابتداء فجملة «في جيدها» إلخ هو الخبر. فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) أي من حديد في الآخرة، فقد قال ابن عباس: هو سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا تدخل من فيها، وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها،
(١) رواه أبو داود في السنن (٣٥٣٠)، وابن ماجة في السنن (٢٢٩١)، وأحمد في (م ٢/ ص ٢٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧: ٤٨٠)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٤:
١٥٤)، وابن حجر في تلخيص الحبير (٣: ١٨٩)، وعبد الرزاق في المصنف (١٦٦٢٨)، والسيوطي في الدر المنثور (١: ٣٤٧)، والقرطبي في التفسير (٥: ٤١٢).
(٢) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (٣: ٨٢)، والحاكم في المستدرك (٣: ٧٤)، وأحمد في (م ٤/ ص ١٦١).
الإخلاص 112:1
قتلت من حديد قتلا محكما ويقال: أي في عنقها رسن من ليف المقل وهو شجر الدوم الذي اختنقت به وماتت.
قال قتادة والضحاك: إن العواء كانت تعيّر رسول الله بالفقر فعيّرها الله بأنها كانت تحتطب في حبل من ليف تجعله في جيدها، فخنقها الله تعالى به، فأهلكها.
سورة الإخلاص
وتسمى سورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة التوحيد، وسورة النجاة، وسورة النور، وسورة المعوذة، وسورة المانعة، لأنها تمنع فتنة القبر ولفحات النار، وسورة البراءة، لأنها براءة من الشرك، مكية، أربع آيات، خمس عشرة كلمة، سبعة وأربعون حرفا
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) إن هذه السورة نزلت بسبب سؤال المشركين.
قال الضحاك: إن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: سببت آلهتنا وخالفت دين آبائك! فإن كنت فقيرا أغنيناك، وإن كنت مجنونا داويناك، وإن هويت امرأة زوجناكها! فقال صلّى الله عليه وسلّم: «لست بفقير، ولا مجنون، ولا هويت امرأة، أنا رسول الله أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته».
فأرسلوه ثانية وقالوا: قل له بين لنا جنس معبودك أمن ذهب أو فضة؟ فأنزل الله هذه السورة فقالوا له: ثلاثمائة وستون صنما لا تقوم بحوائجنا، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق؟! فنزلت وَالصَّافَّاتِ [الصافات: ١] إلى قوله تعالى: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ [الصافات: ٤] فأرسلوه أخرى وقالوا: بين لنا أفعاله، فنزل إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[الأعراف: ٥٤]
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال عامر: إلى من تدعونا يا محمد؟ فقال: «إلى الله تعالى» قال: صفه لنا أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة، وأهلك الله تعالى أربد بالصاعقة، وعامر بن الطفيل بالطاعون وقيل: نزلت بسبب سؤال النصارى.
روي عن ابن عباس قال: قدم وفد نجران فقالوا: صف لنا ربك، أمن زبرجد، أو ياقوت، أو ذهب، أو فضة؟ فقال: «إن ربي ليس من شيء لأنه خالق الأشياء» فنزل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قالوا: هو واحد، وأنت واحد، فقال: ليس كمثله شيء، زدنا من الصفة، فقال: «اللَّهُ الصَّمَدُ
» فقالوا: وما الصمد؟ فقال: «الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج». فقالوا: زدنا، فنزل لَمْ يَلِدْ كما ولدت مريم وَلَمْ يُولَدْ كما ولد عيسى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ أي ليس له نظير من خلقه.
وقال الضحاك وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فإن الله تعالى أنزل صفته في التوراة، فأخبرنا من أيّ شيء هو؟ وهل يأكل ويشرب؟ ومن ورث؟ ومن يرثه؟ فنزلت هذه السورة وصفات الله تعالى إما أن تكون إضافية، وإما أن تكون سلبية.
أما الإضافية: فكقولنا: عالم قادر مريد خلاق.
وأما السلبية: فكقولنا: ليس بجسم ولا بجوهر، ولا بعرض، وقولنا: الله يدل على مجامع الصفات الإضافية وقولنا: أحد يدل على مجامع الصفات السلبية، وذلك لأن الله تعالى هو الذي يستحق العبادة، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يستبد بالإيجاد فالاستبداد بالإيجاد، لا يحصل إلا لمن كان موصوفا بالقدرة التامة، والإرادة النافذة، والعلم المتعلق بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات، والمراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التراكيب. اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) أي السيد المصمود إليه في الحوائج.
وقال ابن مسعود والضحاك: الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده. وقيل: الصمد هو الذي ليس فوقه أحد فلا يخاف من فوقه، ولا يرجو من تحته، ترفع الحوائج إليه. وقال قتادة:
الصمد الباقي بعد فناء خلقه، والذي لا يأكل ولا يشرب، وهو يطعم ولا يطعم.
وقال أبيّ بن كعب: هو الذي لا يموت ولا يورث، وله ميراث السموات والأرض.
وقال ابن كيسان: هو الذي لا يوصف بصفة أحد.
قال مقاتل بن حبان: هو الذي لا عيب فيه لَمْ يَلِدْ أي لم يصدر عنه ولد لأنه لم يجانسه شيء، وَلَمْ يُولَدْ (٣) أي لم يصدر عن شيء لاستحالة نسبة العدم إليه تعالى سابقا ولاحقا. ويقال: لم يلد، أي ليس له ولد فيرث ملكه، ولم يولد أي ليس له والد فيرث عنه الملك، فلم يرث ولم يورث، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) أي لم يشاكله أحد من صاحبة وغيرها، فيمتنع أن يكون شيء من الموجودات مساويا له تعالى في شيء من صفات الجلال والعظمة، ثم الآية الأولى: تبطل مذهب الثنوية القائلين: بالنور والظلمة، والنصارى: في التثليث. والصائبين: في الأفلاك والنجوم.
والآية الثانية: تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى الله، لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات. والآية الثالثة: تبطل مذهب اليهود في عزير، والنصارى في المسيح والمشركين في أن الملائكة بنات الله.
والآية الرابعة: تبطل مذهب المشركين حين جعلوا الأصنام شركاء له تعالى.
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن لكل شيء نورا ونور القرآن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ».
وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم دخل المسجد، فسمع رجلا يدعو ويقول: أسألك يا الله يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال: «غفر لك، غفر لك، غفر لك» «١»، ثلاث مرات.
وعن سهل بن سعد جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وشكا إليه الفقر فقال: «إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد وإن لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك واقرأ قل هو الله أحد مرة واحدة» «٢». ففعل الرجل فأدر الله عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قرأ قل هو الله أحد بعد صلاة الصبح اثنتي عشر مرة فكأنما قرأ القرآن أربع مرات وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى»
«٣».
وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه، لم يفنن في قبره وأمن من ضغطة القبر وحملته الملائكة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة»
«٤».
(١) رواه الطبراني في المعجم الصغير (٢: ٢٠)، وابن حجر في لسان الميزان (٤: ٥٥٧)، وابن كثير في التفسير (٦: ٩٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (١: ٢٦٦)، والسيوطي في الدر المنثور (٥: ٦)، والعقيلي في الضعفاء (٣: ٢٢٤).
(٢) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧: ١٤٦)، والسيوطي في الدر المنثور (٦: ٤١٥).
(٣) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧: ١٤٥)، والسيوطي في الدر المنثور (٦: ٤١٢)، والقرطبي في التفسير (٢٠: ٢٤٩)، والألباني في السلسلة الضعيفة (٣٠١).
(٤) رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦: ٢٤١٦).
الفلق 113:1
سورة الفلق
مدنية، خمس آيات، ثلاث وعشرون كلمة، أربعة وسبعون حرفا
قيل: إن الله تعالى أنزل المعوذتين عليه صلّى الله عليه وسلّم ليكونا رقية من العين. وروي أن جبريل عليه السلام أتاه وقال: إن عفريتا من الجن يكيدك فقال: إذا أويت إلى فراشك قل: أعوذ برب السورتين.
وقال ابن عباس: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعلمنا من الأوجاع كلها والحمى هذا الدعاء «بسم الله الكريم أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار»
. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) أي الصبح، فإنه وقت دعاء المضطرين، وإجابة الملهوفين، فكأنه يقول: قل أعوذ برب الوقت الذي يفرج فيه عن كل مهموم، ولأنه أنموذج من يوم القيامة، لأن الخلق كالأموات والدور كالقبور، ثم منهم من يخرج عن داره مفلسا عريانا، ومنهم من كان مديونا فيجر إلى الحبس، ومنهم من كان ملكا مطاعا، فتقدم إليه المراكب ويقوم الناس بين يديه، وكذا في يوم القيامة بعضهم مفلس عن الثواب، عار عن لباس التقوى. فيجر إلى الملك الجبار، وبعضهم كان مطيعا لربه في الدنيا، فصار ملكا مطاعا في العقبى يقدم إليه البراق.
وقيل: الفلق واد في جهنم أوجب فيها.
روي عن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرأى دور أهل الذمة وما هم فيه من خصب العيش فقال: لا أبالي ألبس من ورائهم الفلق. فقيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، وإنما خصه الله بالذكر هاهنا، لأنه القادر على مثل هذا التعذيب وفد ثبت أن رحمته تعالى أعظم من عذابه فكأنه يقول: يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأقدم من عذابك.
الفرخ، والقلوب عن المعارف، فكأن الله تعالى هو الذي فلق بحار ظلمات العدم بأنوار الإيجاد وكأنه تعالى قال: قل أعوذ برب جميع الممكنات وبمكون المحدثات، فيكون التعظيم فيه أعظم ويكون الصبح وجبّ النار أحد الأمور الداخلة في هذا المعنى، مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) أي من شر كل ذي شر خلقه الرب من إبليس، ومن جهنم، ومن أصناف الحيوانات المؤذيات كالسباع والهوام وغيرهما، وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) أي ومن شر قمر إذا طلع، كما أخرجه الترمذي من حديث عائشة قالت: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيدي، فأشار إلى القمر فقال: «نعوذ بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب»، ومعنى غسوق القمر: امتلاؤه فوقوبه دخوله في الخسوف، أو من شر شمس إذا غربت كما قاله ابن شهاب، وإنما سميت غاسقا، لأنها في الفلك تسبح، فسمي جريانها بالغسق ووقوبها دخولها تحت الأرض، أو من شر ثريا إذا سقطت، لأن الأسقام تكثر عند سقوطها وترتفع عند طلوعها، كما قاله عبد الرحمن بن زيد، وعلى هذا تسمى الثريا غاسقا لانصبابه عند وقوعه في المغرب، ووقوبه دخوله تحت الأرض وغيبوبته عن الأعين، أو من شرحية إذا لدغت وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) أي ومن شر النساء اللاتي يبطلن عزائم الرجال بالحيل كما اختاره أبو مسلم، فمعنى الآية: أن النساء لأجل كثرة حبهن في قلوب الرجال يتصرفن فيهم ويحوّلنهم من رأي إلى رأي، ومن عزيمة إلى عزيمة، فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥) أي إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه كتهيئة مبادي الإضرار بالمحسود قولا أو فعلا.
الناس 114:1
سورة الناس
مدنية، ست آيات، عشرون كلمة، تسعة وتسعون حرفا
قُلْ يا أشرف المرسلين أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) أي ألتجئ بمصلح الناس والقائم بتدبيره، وذكر الله أنه رب الناس على التخصيص مع أنه رب جميع المحدثات، لأن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم، وهو معبودهم.
وقرئ في السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، مَلِكِ النَّاسِ (٢) عطف بيان، جيء به لبيان أن تربيته تعالى إياهم بطريق الملك الكامل والتصرف الكلي لا بطريق تربية سائر الملاك لمماليكهم، ولا يجوز هاهنا «مالك الناس» بإثبات الألف بخلاف مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ في سورة الفاتحة [الآية: ٤] والفرق أن قوله: بِرَبِّ النَّاسِ أفاد كونه مالكا لهم فلا بد وأن يكون المذكور عقبه هذا الملك ليفيد أنه تعالى مالك وملك معا، فإن قيل: أليس قال تعالى في سورة الفاتحة: رَبِّ الْعالَمِينَ [الآية: ٢] ثم قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الآية: ٤] فيلزم وقوع التكرار هناك قلنا: اللفظ دل على أنه رب العالمين، وهي الأشياء الموجودة في الحال، وعلى أنه مالك ليوم الدين، فهناك «الرب» مضاف إلى شيء موجود الآن، و «المالك» مضاف إلى شيء يوجد في الآخرة، فلم يلزم التكرير، فظهر الفرق، وأيضا فإن جواز القراءات يتبع النزول لا القياس، إِلهِ النَّاسِ (٣) عطف بيان جيء به لبيان أن ملكه تعالى بطريق المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهم إحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما، فوصف الله أولا بأنه رب الناس، ثم الرب قد يكون ملكا وقد لا، فبين بقوله ملك الناس، ثم الملك قد يكون إلها وقد لا، فبين بقوله إِلهِ النَّاسِ لأن الإله خاص بالله تعالى لا يشركه فيه غيره، وأيضا إن أول ما يعرف العبد من معبوده كونه معطيا لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة، وهذا هو الرب، ثم ينتقل من معرفة هذه الصفة إلى معرفة استغنائه عن الخلق، فيحصل العلم بكونه ملكا، لأنه هو الذي يفتقر إليه غيره ويستغني عن غيره، ثم عرف العبد أنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته، فيعرف أنه إله حقيقة مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ بفتح الواو هو بمعنى الموسوس وهو الشيطان الْخَنَّاسِ (٤) أي الذي يتأخر عند ذكر الإنسان ربه والوقف هنا كاف لمن رفع ما بعده أو نصبه على الشتم، ولا وقف هنا لمن جعل ما بعده نعتا للوسواس، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) أي في قلوب الغافل عن ذكر الله، وسقوط الياء عن الناس كسقوطها في قوله تعالى: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [القمر: ٦] مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) بيان للناسي عن ذكر الله فإنهما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله تعالى، وعلى هذا لا يحتاج إلى تكلف بعض العلماء من جعل قوله: مِنَ الْجِنَّةِ بيانا للوسواس، وجعل قوله: وَالنَّاسِ عطفا عليه، فكأنه قيل: من شر الوسواس الذي يوسوس، وهو الجن ومن شر الناس اه. ومن جعل قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ عطفا على الْوَسْواسِ بتقدير حرف العطف. فالمعنى: قل أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس ومن الجنة والناس، كأنه استعاذ بربه من الشيطان الواحد، ثم استعاذ بربه من جميع الجنة والناس، وفي هاتين السورتين لطيفة وهي أن المستعاذ به في السورة الأولى مذكور بصفة واحدة، وهي أنه رب الفلق والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات:
وهي الغاسق، والنفاثات، والحاسد. أما في هذه السورة المستعاذ به مذكور بصفات ثلاثة: وهي الرب والملك والإله والمستعاذ منه آفة واحدة، وهي الوسوسة، والفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يتقدر بقدر المطلوب، فالمطلوب في السورة الأولى: سلامة النفس والبدن، والمطلوب في السورة الثانية: سلامة الدين.
وهذا تنبيه على أن مضمرة الدين وإن قلت أعظم من مضار الدنيا، وإن عظمت، والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد انتهى ما منّ الله به علينا من المعاني الميسّرة والألفاظ المسهّلة في خامس ربيع الآخر ليلة الأربعاء عام سنة ١٣٠٥ ألف وثلاثمائة وخمسة على يد الفقير إلى الله تعالى محمد نووي غفر الله له ولوالديه، ولمشايخه، ولإخوانه المسلمين، وصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين آمين