Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — البقرة 2:110 – البقرة 2:157
المحتويات
- البقرة 2:110
- البقرة 2:111
- البقرة 2:112
- البقرة 2:113
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:117
- البقرة 2:118
- البقرة 2:119
- البقرة 2:120
- البقرة 2:121
- البقرة 2:122
- البقرة 2:123
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:129
- البقرة 2:130
- البقرة 2:131
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:141
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
البقرة 2:110
صفحة ٦٦٩
﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ ما تَقَدَّمَ إخْبارٌ عَنْ حَسَدِ أهْلِ الكِتابِ وخاصَّةً اليَهُودَ مِنهم، وآخِرَتُها شُبْهَةُ النَّسْخِ. فَجِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَصْرِيحٍ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] الآيَةَ لِأنَّهم إذا لَمْ يَوَدُّوا مَجِيءَ هَذا الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعَهُ المُسْلِمُونَ فَهم يَوَدُّونَ بَقاءَ مَن أسْلَمَ عَلى كُفْرِهِ ويَوَدُّونَ أنْ يَرْجِعَ بَعْدَ إسْلامِهِ إلى الكُفْرِ. وقَدِ اسْتَطْرَدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآيَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ ”ما نَنْسَخْ“ الآياتِ لِلْوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ.
فَلِأجْلِ ذَلِكَ فُصِلَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ لِكَوْنِها مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِمَنزِلَةِ البَيانِ إذْ هي بَيانٌ لِمَنطُوقِها ولِمَفْهُومِها، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والكَشّافِ وأسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ أتَيا بَيْتَ المِدْراسِ وفِيهِ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ وغَيْرُهُما مِنَ اليَهُودِ فَقالُوا لِحُذَيْفَةَ وعَمّارٍ ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكم يَوْمَ أُحُدٍ ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ ونَحْنُ أهْدى مِنكم فَرَدّا عَلَيْهِمْ وثَبَتا عَلى الإسْلامِ. والوُدُّ تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّالِفَةِ.
وإنَّما أسْنَدَ هَذا الحُكْمَ إلى الكَثِيرِ مِنهم وقَدْ أسْنَدَ قَوْلَهُ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّ تَمَنِّيَهم أنْ لا يَنْزِلَ دِينٌ إلى المُسْلِمِينَ يَسْتَلْزِمُ تَمَنِّيهِمْ أنْ يَتَّبِعَ المُشْرِكُونَ دِينَ اليَهُودِ أوِ النَّصارى حَتّى يَعُمَّ ذَلِكَ الدِّينُ جَمِيعَ بِلادِ العَرَبِ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ شَرِقَتْ لِذَلِكَ صُدُورُهم جَمِيعًا فَأمّا عُلَماؤُهم وأحْبارُهم فَخابُوا وعَلِمُوا أنَّ ما صارَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ خَيْرٌ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ لِأنَّهم صارُوا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ والإيمانِ بِأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ وفي ذَلِكَ إيمانٌ بِمُوسى وعِيسى وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوا دِينَنا، فَهم لا يَوَدُّونَ رُجُوعَ المُسْلِمِينَ إلى الشِّرْكِ القَدِيمِ لِأنَّ في مَوَدَّةِ ذَلِكَ تَمَنِّي الكُفْرِ وهو رَضِيَ بِهِ. وأمّا عامَّةُ اليَهُودِ وجَهَلَتُهم فَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الحَسَدُ والغَيْظُ
صفحة ٦٧٠
إلى مَوَدَّةِ أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ إلى الشِّرْكِ ولا يَبْقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ لِدِينِ مُوسى في مُعْظَمِهِ نِكايَةً بِالمُسْلِمِينَ وبِالنَّبِيءِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] وفي هَذا المَعْنى المُكْتَنِزِ ما يَدُلُّكم عَلى وجْهِ التَّعْبِيرِ بِ ”يَرُدُّونَكم“ دُونَ لَوْ كَفَرْتُمْ لِيُشارَ إلى أنَّ وُدادَتِهِمْ أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ إلى الشِّرْكِ لِأنَّ الرَّدَّ إنَّما يَكُونُ إلى أمْرٍ سابِقٍ ولَوْ قِيلَ لَوْ كَفَرْتُمْ لَكانَ فِيهِ بَعْضُ العُذْرِ لِأهْلِ الكِتابِ لِاحْتِمالِهِ أنَّهم يَوَدُّونَ مَصِيرَ المُسْلِمِينَ إلى اليَهُودِيَّةِ. وبِهِ يَظْهَرُ وجْهُ مَجِيءِ ”كُفّارًا“ مَعْمُولًا لِمَعْمُولِ ”ودَّ كَثِيرٌ“ لِيُشارَ إلى أنَّهم ودُّوا أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ كُفّارًا بِاللَّهِ أيْ كُفّارًا كُفْرًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ حَتّى عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وهو الإشْراكُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْ ماصَدَقَ ما ودُّوهُ بَلْ هو مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْ مَفْهُومِ ما ودُّوهُ. وبِهِ يَظْهَرُ أيْضًا وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ فَإنَّهُ تَبَيَّنَ أنَّ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ حَقٌّ مِن جِهَةِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالرُّسُلِ بِخِلافِ الشِّرْكِ، أوْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم صِدْقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهم إذا كانَ المُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم خاصَّةً عُلَمائَهم واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ.
و”لَوْ“ هُنا بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةِ ولِذَلِكَ يُؤَوَّلُ ما بَعْدَها بِمَصْدَرٍ.
و”حَسَدًا“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”ودَّ“ أيْ أنَّ هَذا الوُدَّ لا سَبَبَ لَهُ إلّا الحَسَدُ لا الرَّغْبَةُ في الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ ”﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾“ جِيءَ فِيهِ بِمِنِ الِابْتِدائِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى تَأصُّلِ هَذا الحَسَدِ فِيهِمْ وصُدُورِهِ عَنْ نُفُوسِهِمْ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةِ ”عِنْدِ“ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِقْرارِ لِيَزْدادَ بَيانُ تَمَكُّنِهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِحَسَدًا لا بِقَوْلِهِ ”ودَّ“ وإنَّما أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْهم في هَذا المَوْضِعِ خاصَّةً لِأنَّ ما حُكِيَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ هُنا مِمّا يُثِيرُ غَضَبَ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ كَراهِيَتِهِمْ لِلْكُفْرِ قالَ تَعالى ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ [الحجرات: ٧] فَلا جَرَمَ أنْ كانَ مَن يَوَدُّ لَهم ذَلِكَ يَعُدُّونَهُ أكْبَرَ أعْدائِهِمْ فَلَمّا كانَ هَذا الخَبَرُ مُثِيرًا لِلْغَضَبِ خِيفَ أنْ يَفْتِكُوا بِاليَهُودِ وذَلِكَ ما لا يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهم لِأنَّ اللَّهَ أرادَ مِنهم أنْ يَكُونُوا مُسْتَوْدَعَ عَفْوٍ وحِلْمٍ حَتّى يَكُونُوا قُدْوَةً في الفَضائِلِ.
صفحة ٦٧١
والعَفْوُ تَرْكُ عُقُوبَةِ المُذْنِبِ. والصَّفْحُ بِفَتْحِ الصّادِّ مَصْدَرُ صَفْحًا إذا أعْرَضَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولّاهُ مِن صَفْحَةِ وجْهِهِ، وصَفَحَ وجْهَهُ أيُّ جانِبَهُ وعَرْضَهُ وهو مَجازٌ في عَدَمِ مُواجَهَتِهِ بِذِكْرِ ذَلِكَ الذَّنْبِ أيْ عَدَمِ لَوْمِهِ وتَثْرِيبِهِ عَلَيْهِ وهو أبْلَغُ مِنَ العَفْوِ كَما نُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ ولِذَلِكَ عَطَفَ الأمْرَ بِهِ عَلى الأمْرِ بِالعَفْوِ لِأنَّ الأمْرَ بِالعَفْوِ لا يَسْتَلْزِمُهُ ولَمْ يَسْتَغْنَ بِاصْفَحُوا لِقَصْدِ التَّدْرِيجِ في أمْرِهِمْ بِما قَدْ يُخالِفُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم مِنَ الِانْتِقامِ تَلَطُّفًا مِنَ اللَّهِ مَعَ المُسْلِمِينَ في حَمْلِهِمْ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ.
وقَوْلُهُ ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ حَتّى يَجِيءَ ما فِيهِ شِفاءُ غَلِيلِكم، قِيلَ هو إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ وقَتْلِ قُرَيْظَةَ، وقِيلَ الأمْرُ بِقِتالِ الكِتابِيِّينَ أوْ ضَرْبِ الجِزْيَةِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ غايَةٌ مُبْهَمَةٌ لِلْعَفْوِ والصَّفْحِ تَطْمِينًا لِخَواطِرِ المَأْمُورَيْنِ حَتّى لا يَيْأسُوا مِن ذَهابِ أذى المُجْرِمِينَ لَهم بَطَلًا وهَذا أُسْلُوبٌ مَسْلُوكٌ في حَمْلِ الشَّخْصِ عَلى شَيْءٍ لا يُلائِمُهُ كَقَوْلِ النّاسِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ بِتَرْكِ العَفْوِ انْتَهَتِ الغايَةُ ومِن ذَلِكَ إجْلاءُ بُنِيَ النَّضِيرِ.
ولَعَلَّ في قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ فَضِيلَةَ العَفْوِ أيْ فَإنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو يَعْفُو ويَصْفَحُ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أصْبَرُ عَلى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَدَّعُونَ لَهُ نِدًّا وهو يَرْزُقُهم»، أوْ أرادَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَلَوْ شاءَ لَأهْلَكَهُمُ الآنَ ولَكِنَّهُ لِحِكْمَتِهِ أمَرَكم بِالعَفْوِ عَنْهم وكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى الِائْتِساءِ بِصُنْعِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ قِيلَ إنَّ الحِكْمَةَ كُلُّها هي التَّشَبُّهُ بِالخالِقِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ. فَجُمْلَةُ ”إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ. وجُمْلَةُ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ”﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ﴾ [البقرة: ١١١]“ تَفْرِيعٌ مَعَ اعْتِراضٍ فَإنَّ الجُمْلَةَ المُعْتَرِضَةَ هي الواقِعَةُ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ شَدِيدَتَي الِاتِّصالِ مِن حَيْثُ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ والِاعْتِراضُ هو مَجِيءُ ما لَمْ يُسَقْ غَرَضُ الكَلامِ لَهُ ولَكِنْ لِلْكَلامِ والغَرَضِ بِهِ عَلاقَةً وتَكْمِيلًا وقَدْ جاءَ التَّفْرِيعُ بِالفاءِ هُنا في مَعْنى تَفْرِيعِ الكَلامِ عَلى الكَلامِ لا تَفْرِيعَ مَعْنى المَدْلُولِ عَلى المَدْلُولِ لِأنَّ مَعْنى العَفْوِ لا يَتَفَرَّعُ عَنْ ودِّ أهْلِ الكِتابِ ولَكِنَّ الأمْرَ بِهِ تَفَرَّعَ عَنْ ذِكْرِ هَذا الوِدِّ الَّذِي هو أذًى وتَجِيءُ الجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ بِالواوِ وبِالفاءِ بِأنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ اعْتِراضًا. وقَدْ جَوَّزَهُ صاحِبُ الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] في سُورَةِ النَّحْلِ، وجَوَّزَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ واحْتَجَّ لَهُ
صفحة ٦٧٢
بِقَوْلِهِ تَعالى ”﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥]“ عَلى قَوْلِ ونَقْلِ بَعْضِ تَلامِذَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ عَبَسَ ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] . ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] . ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] أنَّهُ قالَ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةَ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] اعْتِراضًا لِأنَّ الِاعْتِراضَ لا يَكُونُ مَعَ الفاءِ ورَدَّهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ لِمُنافاتِهِ كَلامَهُ في آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أُرِيدَ بِهِ الأمْرَ بِالثَّباتِ عَلى الإسْلامِ فَإنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ رُكْناهُ فالأمْرُ بِهِما يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالدَّوامِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مُناسِبٌ لِلْأمْرِ بِالثَّباتِ عَلى الإسْلامِ ولِلْأمْرِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ قَدْرَ عَفْوِكم وصَفْحِكم ولَكِنَّهُ لا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ قالَ الحُطَيْئَةُ:
مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمُ جَوائِزَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ والبَصِيرُ العَلِيمُ كَما تَقَدَّمَ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إضافَةِ جَزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ لِأنَّ العَلِيمَ القَدِيرَ إذا عَلِمَ شَيْئًا فَهو يُرَتِّبُ عَلَيْهِ ما يُناسِبُهُ إذْ لا يُذْهِلُهُ جَهْلٌ ولا يَعُوزُهُ عَجْزٌ وفي هَذا وعْدٌ لَهم يَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِغَيْرِهِمْ لِأنَّهُ إذا كانَ بَصِيرًا بِما يَعْمَلُ المُسْلِمُونَ كانَ بَصِيرًا بِما يَعْمَلُ غَيْرُهم.
البقرة 2:111
﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهْوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى ”ودَّ كَثِيرٌ“ وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] الآيَةَ اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ. والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ”إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ومَقُولُ القَوْلِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ القائِلِ فاليَهُودُ قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، والنَّصارى قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى فَجَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَ قَوْلَيْهِما عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِجَمْعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ وهو نَفْي دُخُولِ الجَنَّةِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفِ لِأجْلِ تَفْرِيعِ الِاسْتِثْناءِ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ تَفْرِيقٌ ما اخْتَصَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ وهو قَوْلُهُ هُودًا أوْ نَصارى
صفحة ٦٧٣
فَكَلِمَةُ أوْ مِن كَلامِ الحاكِي في حِكايَتِهِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ فَأوْ هُنا لِتَقْسِيمِ القَوْلَيْنِ لِيُرْجِعَ السّامِعُ كُلَّ قَوْلٍ إلى قائِلِهِ والقَرِينَةُ عَلى أنَّ أوْ لَيْسَتْ مِن مِقُولِهِمُ المَحْكِيَّ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن مِقْوَلِهِمْ لاقْتَضى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا ثِقَةَ لَهُ بِالنَّجاةِ وأنَّهُ يَعْتَقِدُ إمْكانَ نَجاةِ مُخالِفِهِ، والمَعْلُومُ مِن حالِ أهْلِ كُلِّ دِينٍ خِلافَ ذَلِكَ فَإنَّ كُلًّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا يَشُكُّ في نَجاةِ نَفْسِهِ ولا يَشُكُّ في ضَلالِ مُخالِفِهِ وهي أيْضًا قَرِينَةٌ عَلى تَعْيِينِ كُلٍّ مِن خَبَرَيْ كانَ لِبَقِيَّةِ الجُمْلَةِ المُشْتَرِكَةِ الَّتِي قالَها كُلُّ فَرِيقٍ بِإرْجاعِ هُودًا إلى مَقُولِ اليَهُودِ وإرْجاعِ نَصارى إلى مَقُولِ النَّصارى.
فَأوْ هاهُنا لِلتَّوْزِيعِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن فُرُوعِ كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ وذَلِكَ أنَّهُ إيجازٌ مُرَكَّبٌ مِن إيجازِ الحَذْفِ لِحَذْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِجَمْعِ القَوْلَيْنِ في فِعْلٍ واحِدٍ وهو قالُوا ومِن إيجازِ القَصْرِ لِأنَّ هَذا الحَذْفَ لَمّا لَمْ يَعْتَمِدْ فِيهِ عَلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ المَحُوجَةِ لِتَقْدِيرٍ وإنَّما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ مِنَ القَوْلَيْنِ بِجَلْبِ حَرْفٍ أوْ كانَتْ أوْ تَعْبِيرًا عَنِ المَحْذُوفِ بِأقَلِّ عِبارَةٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ قِسْمًا ثالِثًا مِن أقْسامِ الإيجازِ وهو إيجازُ حَذْفٍ وقَصْرٍ مَعًا.
وقَدْ جَعَلَ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ هاتِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الإجْمالِيِّ أخَذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ لِقَوْلِ صاحِبِ الكَشّافِ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ إلى كُلِّ فَرِيقِ قَوْلَهُ وأمِنّا مِنَ الإلْباسِ لِما عُلِمَ مِنَ التَّعادِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقَوْلُهُ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أرادَ بِهِ اللَّفَّ الَّذِي هو لَقَبٌ لِلْمُحَسِّنِ البَدِيعِيِّ المُسَمّى اللَّفُّ والنَّشْرُ ولِذَلِكَ تَطَلَّبُوا لِهَذا اللَّفِّ نَشْرًا وتَصْوِيرًا لِلَّفِّ في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ قالُوا مَعَ ما بَيَّنَهُ وهو لَفٌّ إجْمالِيٌّ يُبَيِّنُهُ نَشْرَهُ الآتِي بَعْدَهُ ولِذَلِكَ لَقَّبُوهُ اللَّفُّ الإجْمالِيُّ. ثُمَّ وقَعَ نَشْرُ هَذا اللَّفِّ بِقَوْلِهِ“ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ ”فَعُلِمَ مِن حَرْفِ“ أوْ ”تَوْزِيعُ النَّشْرِ إلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ جَرى الِاسْتِعْمالُ في النَّفْيِ الإجْمالِيِّ أنْ يُذْكَرَ نَشْرُهُ بِكَلِمَةِ (أوْ) .
والهُودُ جَمْعُ هائِدٍ أيْ مُتَّبِعِ اليَهُودِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] الآيَةَ وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ غَيْرُ كَثِيرٍ وهو سَماعِيٌّ مِنهُ قَوْلُهم عَوَّذَ جَمْعُ عائِذٍ وهي الحَدِيثَةُ النِّتاجِ مِنَ الظِّباءِ والخَيْلِ والإبِلِ ومِنهُ أيْضًا عائِطٌ وعَوْطٌ لِلْمَرْأةِ الَّتِي بَقِيَتْ سِنِينَ لَمْ تَلِدْ. وحائِلٌ وحَوْلٌ، وبازِلٌ وبَزْلٌ، وفارِهٌ وفُرْهٌ، وإنَّما جاءَ هُودًا جَمْعًا مَعَ أنَّهُ خَبَّرَ عَنْ ضَمِيرِهِ كانَ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّ مِن مُفْرَدًا لَفَظًا ومُرادُ بِهِ الجَماعَةُ فَجَرى ضَمِيرُهُ عَلى مُراعاةِ لَفْظِهِ وجَرى خَبَرًا وضَمِيرًا عَلى مُراعاةِ المَعْنى. والإشارَةُ بِتِلْكَ إلى القَوْلَةِ الصّادِرَةِ مِنهم لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى
صفحة ٦٧٤
كَما هو الظّاهِرُ فالإخْبارُ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ إمّا لِأنَّها لَمّا كانَتْ أُمْنِيَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم صارَتْ إلى أمانِيَّ كَثِيرَةٍ وإمّا إرادَةُ أنَّ كُلَّ أمانِيهِمْ كَهَذِهِ ومُعْتادِهِمْ فِيها فَيَكُونُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
والأمانِيُّ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وجُمْلَةُ تِلْكَ أمانِيُّهم مُعْتَرِضَةٌ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يُجابُّوا بِهَذا ولِذَلِكَ فَصَلَهُ لِأنَّهُ في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ قالُوا“ أتَجْعَلُ فِيها ”الآيَةَ وأتى بِإنَّ المُفِيدَةَ لِلشَّكِّ في صِدْقِهِمْ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الصِّدْقِ لِاسْتِدْراجِهِمْ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهم غَيْرُ صادِقِينَ حِينَ يَعْجِزُونَ عَنِ البُرْهانِ لِأنَّ كُلَّ اعْتِقادٍ لا يُقِيمُ مُعْتَقِدِهِ دَلِيلَ اعْتِقادِهِ فَهو اعْتِقادٌ كاذِبٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ دَلِيلٌ لاسْتَطاعَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ ومِن بابِ أوْلى لا يَكُونُ صادِقًا عِنْدَ مَن يُرِيدُ أنْ يُرَوِّجَ عَلَيْهِ اعْتِقادَهُ.
و“ بَلى ”إبْطالٌ لِدَعْواهُما. و“ بَلى ”كَلِمَةٌ يُجابُ بِها المَنفِيُّ لِإثْباتِ نَقِيضِ النَّفْيِ وهو الإثْباتُ سَواءٌ وقَعَتْ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ عَنْ نَفْيِ وهو الغالِبُ أوْ بَعْدَ خَبَرٍ مَنفِيٍّ نَحْوَ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى﴾ [القيامة: ٣]، وقَوْلُ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
يُخْبِرُكَ الواشُونَ أنْ لَنْ أُحِبُّكم بَلى وسُتُورُ اللَّهِ ذاتُ المَحارِمِ
وقَوْلُهُ“ مَن أسْلَمَ ”جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ عَنْ بَلى لِجَوابِ سُؤالِ مَن يَتَطَلَّبُ كَيْفَ نَقَضَ نَفْيَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَنْ غَيْرِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ أُرِيدَ بِها بَيانُ أنَّ الجَنَّةَ لَيْسَتْ حِكْرَةً لِأحَدٍ ولَكِنْ إنَّما يَسْتَحِقُّها مَن أسْلَمَ إلَخْ لِأنَّ قَوْلَهُ فَلَهُ أجْرُهُ هو في مَعْنى لَهُ دُخُولُ الجَنَّةِ وهو جَوابُ الشَّرْطِ لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَحالَةَ. ومَن قُدِّرَ هُنا فِعْلًا بَعْدَ بَلى أيْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ فَإنَّما أرادَ تَقْدِيرَ مَعْنى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ إذْ لا حاجَةَ لِلتَّقْدِيرٍ هُنا.
وإسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ هو تَسْلِيمُ الذّاتِ لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى أيْ شِدَّةُ الِامْتِثالِ لِأنَّ أسْلَمَ بِمَعْنى ألْقى السِّلاحَ وتَرَكَ المُقاوَمَةَ قالَ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] والوَجْهُ هُنا الذّاتُ عَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ لِأنَّهُ البَعْضُ الأشْرَفُ مِنَ الذّاتِ كَما قالَ الشَّنْفَرِيُّ:
إذا قَطَعُوا رَأْسِي وفي الرَّأْسِ أكْثَرِيُّ
صفحة ٦٧٥
ومِن إطْلاقِ الوَجْهِ عَلى الذّاتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأُطْلِقَ الوَجْهُ عَلى الحَقِيقَةِ تَقُولُ: جاءَ بِالأمْرِ عَلى وجْهِهِ أيْ عَلى حَقِيقَتِهِ قالَ الأعْشى:
وأوَّلُ الحُكْمِ عَلى وجْهِهِ ∗∗∗ لَيْسَ قَضاءٌ بِالهَوى الجائِرِ
ووُجُوهُ النّاسِ أشْرافُهم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْلَمَ بِمَعْنى أخْلَصَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّلامَةِ أيْ جَعْلِهِ سالِمًا ومِنهُ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] .
وقَوْلُهُ“ وهو مُحْسِنٌ " جِيءَ بِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ لِإظْهارِ أنَّهُ لا يُغْنِي إسْلامُ القَلْبِ وحْدَهُ ولا العَمَلُ بِدُونِ إخْلاصٍ بَلْ لا نَجاةَ إلّا بِهِما ورَحْمَةُ اللَّهِ فَوْقَ ذَلِكَ إذْ لا يَخْلُو امْرِؤٌ عَنْ تَقْصِيرٍ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ اعْتِبارًا بِعُمُومِ مَن، كَما أفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ اعْتِبارًا بِإفْرادِ اللَّفْظِ وهَذا مِن تَفَنُّنِ العَرَبِيَّةِ لِدَفْعِ سَآمَةِ التَّكْرارِ.
البقرة 2:112
﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهْوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى ”ودَّ كَثِيرٌ“ وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] الآيَةَ اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ. والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ”إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ومَقُولُ القَوْلِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ القائِلِ فاليَهُودُ قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، والنَّصارى قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى فَجَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَ قَوْلَيْهِما عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِجَمْعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ وهو نَفْي دُخُولِ الجَنَّةِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفِ لِأجْلِ تَفْرِيعِ الِاسْتِثْناءِ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ تَفْرِيقٌ ما اخْتَصَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ وهو قَوْلُهُ هُودًا أوْ نَصارى
صفحة ٦٧٣
فَكَلِمَةُ أوْ مِن كَلامِ الحاكِي في حِكايَتِهِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ فَأوْ هُنا لِتَقْسِيمِ القَوْلَيْنِ لِيُرْجِعَ السّامِعُ كُلَّ قَوْلٍ إلى قائِلِهِ والقَرِينَةُ عَلى أنَّ أوْ لَيْسَتْ مِن مِقُولِهِمُ المَحْكِيَّ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن مِقْوَلِهِمْ لاقْتَضى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا ثِقَةَ لَهُ بِالنَّجاةِ وأنَّهُ يَعْتَقِدُ إمْكانَ نَجاةِ مُخالِفِهِ، والمَعْلُومُ مِن حالِ أهْلِ كُلِّ دِينٍ خِلافَ ذَلِكَ فَإنَّ كُلًّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا يَشُكُّ في نَجاةِ نَفْسِهِ ولا يَشُكُّ في ضَلالِ مُخالِفِهِ وهي أيْضًا قَرِينَةٌ عَلى تَعْيِينِ كُلٍّ مِن خَبَرَيْ كانَ لِبَقِيَّةِ الجُمْلَةِ المُشْتَرِكَةِ الَّتِي قالَها كُلُّ فَرِيقٍ بِإرْجاعِ هُودًا إلى مَقُولِ اليَهُودِ وإرْجاعِ نَصارى إلى مَقُولِ النَّصارى.
فَأوْ هاهُنا لِلتَّوْزِيعِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن فُرُوعِ كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ وذَلِكَ أنَّهُ إيجازٌ مُرَكَّبٌ مِن إيجازِ الحَذْفِ لِحَذْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِجَمْعِ القَوْلَيْنِ في فِعْلٍ واحِدٍ وهو قالُوا ومِن إيجازِ القَصْرِ لِأنَّ هَذا الحَذْفَ لَمّا لَمْ يَعْتَمِدْ فِيهِ عَلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ المَحُوجَةِ لِتَقْدِيرٍ وإنَّما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ مِنَ القَوْلَيْنِ بِجَلْبِ حَرْفٍ أوْ كانَتْ أوْ تَعْبِيرًا عَنِ المَحْذُوفِ بِأقَلِّ عِبارَةٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ قِسْمًا ثالِثًا مِن أقْسامِ الإيجازِ وهو إيجازُ حَذْفٍ وقَصْرٍ مَعًا.
وقَدْ جَعَلَ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ هاتِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الإجْمالِيِّ أخَذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ لِقَوْلِ صاحِبِ الكَشّافِ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ إلى كُلِّ فَرِيقِ قَوْلَهُ وأمِنّا مِنَ الإلْباسِ لِما عُلِمَ مِنَ التَّعادِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقَوْلُهُ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أرادَ بِهِ اللَّفَّ الَّذِي هو لَقَبٌ لِلْمُحَسِّنِ البَدِيعِيِّ المُسَمّى اللَّفُّ والنَّشْرُ ولِذَلِكَ تَطَلَّبُوا لِهَذا اللَّفِّ نَشْرًا وتَصْوِيرًا لِلَّفِّ في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ قالُوا مَعَ ما بَيَّنَهُ وهو لَفٌّ إجْمالِيٌّ يُبَيِّنُهُ نَشْرَهُ الآتِي بَعْدَهُ ولِذَلِكَ لَقَّبُوهُ اللَّفُّ الإجْمالِيُّ. ثُمَّ وقَعَ نَشْرُ هَذا اللَّفِّ بِقَوْلِهِ“ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ ”فَعُلِمَ مِن حَرْفِ“ أوْ ”تَوْزِيعُ النَّشْرِ إلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ جَرى الِاسْتِعْمالُ في النَّفْيِ الإجْمالِيِّ أنْ يُذْكَرَ نَشْرُهُ بِكَلِمَةِ (أوْ) .
والهُودُ جَمْعُ هائِدٍ أيْ مُتَّبِعِ اليَهُودِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] الآيَةَ وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ غَيْرُ كَثِيرٍ وهو سَماعِيٌّ مِنهُ قَوْلُهم عَوَّذَ جَمْعُ عائِذٍ وهي الحَدِيثَةُ النِّتاجِ مِنَ الظِّباءِ والخَيْلِ والإبِلِ ومِنهُ أيْضًا عائِطٌ وعَوْطٌ لِلْمَرْأةِ الَّتِي بَقِيَتْ سِنِينَ لَمْ تَلِدْ. وحائِلٌ وحَوْلٌ، وبازِلٌ وبَزْلٌ، وفارِهٌ وفُرْهٌ، وإنَّما جاءَ هُودًا جَمْعًا مَعَ أنَّهُ خَبَّرَ عَنْ ضَمِيرِهِ كانَ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّ مِن مُفْرَدًا لَفَظًا ومُرادُ بِهِ الجَماعَةُ فَجَرى ضَمِيرُهُ عَلى مُراعاةِ لَفْظِهِ وجَرى خَبَرًا وضَمِيرًا عَلى مُراعاةِ المَعْنى. والإشارَةُ بِتِلْكَ إلى القَوْلَةِ الصّادِرَةِ مِنهم لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى
صفحة ٦٧٤
كَما هو الظّاهِرُ فالإخْبارُ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ إمّا لِأنَّها لَمّا كانَتْ أُمْنِيَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم صارَتْ إلى أمانِيَّ كَثِيرَةٍ وإمّا إرادَةُ أنَّ كُلَّ أمانِيهِمْ كَهَذِهِ ومُعْتادِهِمْ فِيها فَيَكُونُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
والأمانِيُّ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وجُمْلَةُ تِلْكَ أمانِيُّهم مُعْتَرِضَةٌ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يُجابُّوا بِهَذا ولِذَلِكَ فَصَلَهُ لِأنَّهُ في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ قالُوا“ أتَجْعَلُ فِيها ”الآيَةَ وأتى بِإنَّ المُفِيدَةَ لِلشَّكِّ في صِدْقِهِمْ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الصِّدْقِ لِاسْتِدْراجِهِمْ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهم غَيْرُ صادِقِينَ حِينَ يَعْجِزُونَ عَنِ البُرْهانِ لِأنَّ كُلَّ اعْتِقادٍ لا يُقِيمُ مُعْتَقِدِهِ دَلِيلَ اعْتِقادِهِ فَهو اعْتِقادٌ كاذِبٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ دَلِيلٌ لاسْتَطاعَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ ومِن بابِ أوْلى لا يَكُونُ صادِقًا عِنْدَ مَن يُرِيدُ أنْ يُرَوِّجَ عَلَيْهِ اعْتِقادَهُ.
و“ بَلى ”إبْطالٌ لِدَعْواهُما. و“ بَلى ”كَلِمَةٌ يُجابُ بِها المَنفِيُّ لِإثْباتِ نَقِيضِ النَّفْيِ وهو الإثْباتُ سَواءٌ وقَعَتْ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ عَنْ نَفْيِ وهو الغالِبُ أوْ بَعْدَ خَبَرٍ مَنفِيٍّ نَحْوَ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى﴾ [القيامة: ٣]، وقَوْلُ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
يُخْبِرُكَ الواشُونَ أنْ لَنْ أُحِبُّكم بَلى وسُتُورُ اللَّهِ ذاتُ المَحارِمِ
وقَوْلُهُ“ مَن أسْلَمَ ”جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ عَنْ بَلى لِجَوابِ سُؤالِ مَن يَتَطَلَّبُ كَيْفَ نَقَضَ نَفْيَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَنْ غَيْرِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ أُرِيدَ بِها بَيانُ أنَّ الجَنَّةَ لَيْسَتْ حِكْرَةً لِأحَدٍ ولَكِنْ إنَّما يَسْتَحِقُّها مَن أسْلَمَ إلَخْ لِأنَّ قَوْلَهُ فَلَهُ أجْرُهُ هو في مَعْنى لَهُ دُخُولُ الجَنَّةِ وهو جَوابُ الشَّرْطِ لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَحالَةَ. ومَن قُدِّرَ هُنا فِعْلًا بَعْدَ بَلى أيْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ فَإنَّما أرادَ تَقْدِيرَ مَعْنى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ إذْ لا حاجَةَ لِلتَّقْدِيرٍ هُنا.
وإسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ هو تَسْلِيمُ الذّاتِ لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى أيْ شِدَّةُ الِامْتِثالِ لِأنَّ أسْلَمَ بِمَعْنى ألْقى السِّلاحَ وتَرَكَ المُقاوَمَةَ قالَ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] والوَجْهُ هُنا الذّاتُ عَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ لِأنَّهُ البَعْضُ الأشْرَفُ مِنَ الذّاتِ كَما قالَ الشَّنْفَرِيُّ:
إذا قَطَعُوا رَأْسِي وفي الرَّأْسِ أكْثَرِيُّ
صفحة ٦٧٥
ومِن إطْلاقِ الوَجْهِ عَلى الذّاتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأُطْلِقَ الوَجْهُ عَلى الحَقِيقَةِ تَقُولُ: جاءَ بِالأمْرِ عَلى وجْهِهِ أيْ عَلى حَقِيقَتِهِ قالَ الأعْشى:
وأوَّلُ الحُكْمِ عَلى وجْهِهِ ∗∗∗ لَيْسَ قَضاءٌ بِالهَوى الجائِرِ
ووُجُوهُ النّاسِ أشْرافُهم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْلَمَ بِمَعْنى أخْلَصَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّلامَةِ أيْ جَعْلِهِ سالِمًا ومِنهُ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] .
وقَوْلُهُ“ وهو مُحْسِنٌ " جِيءَ بِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ لِإظْهارِ أنَّهُ لا يُغْنِي إسْلامُ القَلْبِ وحْدَهُ ولا العَمَلُ بِدُونِ إخْلاصٍ بَلْ لا نَجاةَ إلّا بِهِما ورَحْمَةُ اللَّهِ فَوْقَ ذَلِكَ إذْ لا يَخْلُو امْرِؤٌ عَنْ تَقْصِيرٍ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ اعْتِبارًا بِعُمُومِ مَن، كَما أفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ اعْتِبارًا بِإفْرادِ اللَّفْظِ وهَذا مِن تَفَنُّنِ العَرَبِيَّةِ لِدَفْعِ سَآمَةِ التَّكْرارِ.
البقرة 2:113
﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]“ لِزِيادَةِ بَيانِ أنَّ المُجازَفَةَ دَأْبُهم وأنَّ رَمْيَ المُخالِفِ لَهم بِأنَّهُ ضالٌّ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ فَهم يَرْمُونَ المُخالِفِينَ بِالضَّلالِ لِمُجَرَّدِ المُخالِفَةِ فَقَدِيمًا ما رَمَتِ اليَهُودُ النَّصارى بِالضَّلالِ ورَمَتِ النَّصارى اليَهُودَ بِمِثْلِهِ فَلا تَعْجَبُوا مِن حُكْمِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم بِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وفي ذَلِكَ إنْحاءٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ وتَطْمِينٍ لِخَواطِرِ المُسْلِمِينَ ودَفْعِ الشُّبْهَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يَتَّخِذُونَ مِن طَعْنِ أهْلِ الكِتابِ في الإسْلامِ حُجَّةً لِأنْفُسِهِمْ عَلى مُناوَأتِهِ وثَباتًا عَلى شِرْكِهِمْ.
والمُرادُ مِنَ القَوْلِ التَّصْرِيحُ بِالكَلامِ الدّالِّ فَهم قَدْ قالُوا هَذا بِالصَّراحَةِ حِينَ جاءَ وفْدُ نَجْرانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيهِمْ أعْيانُ دِينِهِمْ مِنَ النَّصارى فَلَمّا بَلَغَ مَقْدِمُهُمُ
صفحة ٦٧٦
اليَهُودَ أتَوْهم وهم عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَناظَرُوهم في الدِّينِ وجادَلُوهم حَتّى تَسابُّوا فَكَفَرَ اليَهُودُ بِعِيسى وبِالإنْجِيلِ وقالُوا لِلنَّصارى ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، فَكَفَرَ وفْدُ نَجْرانَ بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ وقالُوا لِلْيَهُودِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ.
وقَوْلُهم ”عَلى شَيْءٍ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ والشَّيْءُ المَوْجُودُ هُنا مُبالَغَةٌ أيْ لَيْسُوا عَلى أمْرٍ يُعْتَدُّ بِهِ. فالشَّيْءُ المَنفِيُّ هو الشَّيْءُ العُرْفِيُّ أوْ بِاعْتِبارِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأِ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعْ
أيْ لَمْ أُعْطَ شَيْئًا نافِعًا مُغْنِيًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ولَمْ أُمْنَعْ، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فالصِّيغَةُ صِيغَةُ عُمُومٍ والمُرادُ بِها في مَجارِي الكَلامِ نَفِيُ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ في الغَرَضِ الجارِي فِيهِ الكَلامُ بِحَسَبِ المَقاماتِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا كالعامِّ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ أيْ لَيْسُوا عَلى حَظٍّ مِنَ الحَقِّ فالمُرادُ هُنا لَيْسَتْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الحَقِّ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صِحَّةِ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الكِتابِ الشَّرْعِيِّ فَكُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ رَمى الآخَرَ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الكِتابِ لا حَظَ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ ”﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ جِيءَ بِها لِمَزِيدِ التَّعَجُّبِ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ وكُلُّ فَرِيقٍ مِنهم يَتْلُونَ الكِتابَ وكُلُّ كِتابٍ يَتْلُونَهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَقِّ لَوِ اتَّبَعَهُ أهْلُهُ حَقَّ اتِّباعِهِ ولا يَخْلُو أهْلُ كِتابِ حَقٍّ مِن أنْ يَتَّبِعُوا بَعْضَ ما في كِتابِهِمْ أوْ جُلَّ ما فِيهِ فَلا يُصَدَّقُ قَوْلُ غَيْرِهِمْ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى الهَيْئَةِ أقْوى مِن دَلالَةِ الحالِ المُفْرَدَةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ بِسَبَبِ اشْتِمالِها عَلى نِسْبَةٍ خَبَرِيَّةٍ تُفِيدُ أنَّ ما كانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عُدِلَ بِهِ عَنِ الخَبَرِ لِادِّعاءِ أنَّهُ مَعْلُومٌ اتِّصافُ المُخْبَرِ عَنْهُ بِهِ فَيُؤْتى بِهِ في مَوْقِعِ الحالِ المُفْرَدَةِ عَلى اعْتِبارِ التَّذْكِيرِ بِهِ ولَفْتِ الذِّهْنِ إلَيْهِ فَصارَ حالًا لَهُ. وضَمِيرُ قَوْلِهِ ”هم“ عائِدٌ إلى الفَرِيقَيْنِ وقِيلَ عائِدٌ إلى النَّصارى لِأنَّهم أقْرَبُ مَذْكُورٍ. والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ جَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ وهو يَرْمِي بِذَلِكَ إلى أنَّ المَقْصُودَ أنَّهم أهْلُ عِلْمٍ كَما يُقالُ لَهم أهْلُ الكِتابِ في مُقابَلَةِ الأُمِّيِّينَ، وحَداهُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ كَذَلِكَ ”قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ“ فالمَعْنى أنَّهم تَراجَمُوا بِالنِّسْبَةِ
صفحة ٦٧٧
إلى نِهايَةِ الضَّلالِ وهم مِن أهْلِ العِلْمِ الَّذِينَ لا يَلِيقُ بِهِمُ المُجازَفَةُ ومِن حَقِّهِمُ الإنْصافُ بِأنْ يُبَيِّنُوا مَواقِعَ الخَطَأِ عِنْدَ مُخالِفِيهِمْ. وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ وجَعَلَ المَعْهُودَ التَّوْراةَ أيْ لِأنَّها الكِتابُ الَّذِي يَقْرَأهُ الفَرِيقانِ ووَجْهُ التَّعْجِيبِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ التَّوْراةَ هي أصْلٌ لِلنَّصْرانِيَّةِ والإنْجِيلَ ناطِقٌ بِحَقِّيَّتِها فَكَيْفَ يَسُوغُ لِلنَّصارى ادِّعاءُ أنَّها لَيْسَتْ بِشَيْءٍ كَما فَعَلَتْ نَصارى نَجْرانَ. وأنَّ التَّوْراةَ ناطِقَةٌ بِمَجِيءِ رُسُلٍ بَعْدَ مُوسى فَكَيْفَ ساغَ لِلْيَهُودِ تَكْذِيبُ رَسُولِ النَّصارى.
وإذا جُعِلَ الضَّمِيرُ عائِدًا لِلنَّصارى خاصَّةً يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْهُودُ التَّوْراةَ كَما ذَكَرْنا أوِ الإنْجِيلَ النّاطِقَ بِأحَقِّيَّةِ التَّوْراةِ، وفي ”يَتْلُونَ“ دَلالَةٌ عَلى هَذا لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّعَجُّبُ مُشْرَبًا بِضَرْبٍ مِنَ الِاعْتِذارِ أعْنِي: أنَّهم يَقْرَأُونَ دُونَ تَدَبُّرٍ وهَذا مِنَ التَّهَكُّمِ وإلّا لَقالَ وهم يَعْلَمُونَ الكِتابَ وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةً لِلِانْتِصارِ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ أوْ كِلَيْهِما.
وقَوْلُهُ ”﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾“ أيْ يُشْبِهُ هَذا القَوْلُ قَوْلَ فَرِيقٍ آخَرَ غَيْرَ الفَرِيقَيْنِ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هم مُقابِلُ الَّذِينَ يَتْلُونَ الكِتابَ وأُرِيدَ بِهِمْ مُشْرِكُو العَرَبِ وهم لا يَعْلَمُونَ لِأنَّهم أُمِّيُّونَ، وإطْلاقُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ عَلى المُشْرِكِينَ وارِدٌ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ الآتِي ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨] يَعْنِي كَذَلِكَ قالَ اليَهُودُ والنَّصارى، والمَعْنى هُنا أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوا الأدْيانَ كُلَّها اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ والإسْلامَ والمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ المُشَبَّهِ بِهِ بِأنَّهُ مُشابِهٌ لِقَوْلِ أهْلِ الضَّلالِ البَحْتِ.
وهَذا اسْتِطْرادٌ لِلْإنْحاءِ عَلى المُشْرِكِينَ فِيما قابَلُوا بِهِ الدَّعْوَةَ الإسْلامِيَّةَ أيْ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَقالَةِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ وقَدْ حَكى القُرْآنُ مَقالَتَهم في قَوْلِهِ إذْ قالُوا ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] والتَّشْبِيهُ المُسْتَفادُ مِنَ الكافِ في ”كَذَلِكَ“ تَشْبِيهٌ في الِادِّعاءِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ والتَّقْدِيرُ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ولِهَذا يَكُونُ لَفْظُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ تَأْكِيدًا لِما أفادَهُ كافُ التَّشْبِيهِ وهو تَأْكِيدٌ يُشِيرُ إلى أنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ قَوْلِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وبَيْنَ قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى مُشابَهَةٌ تامَّةٌ لِأنَّهم لَمّا قالُوا ”ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ“ قَدْ كَذَّبُوا اليَهُودَ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ.
صفحة ٦٧٨
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو قالَ إمّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِبَيانِ المُماثِلَةِ وإمّا لِيُغْنِيَ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ في الِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ إيجازًا بَدِيعًا لِأنَّ مُفادَ حَرْفِ العَطْفِ التَّشْرِيكُ ومُفادَ كافِ التَّشْبِيهِ التَّشْرِيكُ إذِ التَّشْبِيهُ تَشْرِيكٌ في الصِّفَةِ. ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ أوْ لِزِيادَتِهِ أكَّدَ قَوْلَهُ ”كَذَلِكَ“ بِقَوْلِهِ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ فَهو صِفَةٌ أيْضًا لِمَعْمُولِ ”قالُوا“ المَحْذُوفِ أيْ قالُوا مَقُولًا مِثْلَ قَوْلِهِمْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”كَذَلِكَ“ تَأْكِيدًا لِمِثْلِ قَوْلِهِمْ وتَعْتَبِرَ تَقْدِيمَهُ مِن تَأْخِيرٍ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ وجَماعَةٌ أنْ لا يَكُونَ قَوْلُهُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ أوْ قَوْلُهُ ”كَذَلِكَ“ تَأْكِيدًا لِلْآخَرِ وأنَّ مَرْجِعَ التَّشْبِيهِ إلى كَيْفِيَّةِ القَوْلِ ومَنهَجِهِ في صُدُورِهِ عَنْ هَوًى، ومَرْجِعَ المُماثَلَةِ إلى المُماثَلَةِ في اللَّفْظِ فَيَكُونُ عَلى كَلامِهِ تَكْرِيرًا في التَّشْبِيهِ مِن جِهَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ التَّشابُهِ.
وقَوْلُهُ ”﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾“ الآيَةَ جاءَ بِالفاءِ لِأنَّ التَّوَعُّدَ بِالحُكْمِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وإظْهارُ ما أكَنَّتْهُ ضَمائِرهم مِنَ الهَوى والحَسَدِ مُتَفَرِّعٌ عَنْ هَذِهِ المَقالاتِ ومُسَبَّبٌ عَنْها وهو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ التَّوْبِيخُ والوَعِيدُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِإضافَةِ بَيْنَ راجِعٌ إلى الفِرَقِ الثَّلاثِ وما ”كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ“ يَعُمُّ ما ذُكِرَ وغَيْرُهُ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ.
البقرة 2:114
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] بِاعْتِبارِ ما سَبَقَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أفانِينِ أهْلِ الكِتابِ في الجُرْاءَةِ وسُوءِ المَقالَةِ أيْ أنَّ قَوْلَهم هَذا وما تَقَدَّمُهُ ظُلْمٌ ولا كَظُلْمِ مَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ وهَذا اسْتِطْرادٌ واقِعٌ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ والنَّصارى لِذِكْرِ مَساوِئِ المُشْرِكِينَ في سُوءِ تَلَقِّيهم دَعْوَةَ الإسْلامِ الَّذِي جاءَ لِهَدْيِهِمْ ونَجاتِهِمْ.
والآيَةُ نازِلَةٌ في مُشْرِكِي العَرَبِ كَما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ الآيَةَ كَما سَيَأْتِي وهي تُشِيرُ إلى مَنعِ أهْلِ مَكَّةَ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ مِنَ الدُّخُولِ لِمَكَّةَ كَما جاءَ في حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ
صفحة ٦٧٩
حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ خِفْيَةً وقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: ألا أراكَ تَطُوفُ بِالبَيْتِ آمِنًا وقَدْ أوَيْتُمُ الصِّباءَ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في بُخْتُنَصَّرَ مَلِكِ أشُورَ وغَزْوِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ ثَلاثَ غَزَواتٍ أوَّلاها في سَنَةِ ٦٠٦ قَبْلَ المَسِيحِ زَمَنَ المَلِكِ يَهُوياقِيمَ مَلِكِ اليَهُودِ سَبى فِيها جَمْعًا مِن شَعْبِ إسْرائِيلَ. والثّانِيَةُ بَعْدَ ثَمانِ سِنِينَ سَبى فِيها رُؤَساءَ المَمْلَكَةِ والمَلِكَ يَهُوا كِينَ بْنَ يَهُوياقِيمَ ونَهَبَ المَسْجِدَ المُقَدَّسَ مِن جَمِيعِ نَفائِسِهِ وكُنُوزِهِ. والثّالِثَةُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ في زَمَنِ المَلِكِ صِدْقِيا فَأسَرَ المَلِكَ وسَمَلَ عَيْنَيْهِ وأحْرَقَ المَسْجِدَ الأقْصى وجَمِيعَ المَدِينَةِ وسَبى جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ وانْقَرَضَتْ بِذَلِكَ مَمْلَكَةُ يَهُوذا وذَلِكَ سَنَةَ ٥٧٨ قَبْلَ المَسِيحِ وتُسَمّى هَذِهِ الواقِعَةُ بِالسَّبْيِ الثّالِثِ فَهو في كُلِّ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ مَسْجِدَ بَيْتِ المَقْدِسِ مِن أنْ يَذْكُرَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وتَسَبَّبَ في خَرابِهِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في غَزْوِ طَيْطَسَ الرُّومانِيِّ لِأُورَشْلِيمَ سَنَةَ ٧٩ قَبْلَ المَسِيحِ فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وأحْرَقَ التَّوْراةَ وتَرَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ خَرابًا إلى أنْ بَناهُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ فَتْحِ البِلادِ الشّامِيَّةِ. وعَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لا تَظْهَرُ مُناسَبَةٌ لِذِكْرِها عَقِبَ ما تَقَدَّمَ فَلا يَنْبَغِي بِناءُ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِما.
والوَجْهُ هو التَّعْوِيلُ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى وهي المَأْثُورَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالمُناسِبَةُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ وُفِّيَ أهْلُ الكِتابِ حَقَّهم مَن فَضْحِ نَواياهم في دِينِ الإسْلامِ وأهْلِهِ وبَيانِ أنَّ تِلْكَ شَنْشَنَةٌ مُتَأصِّلَةٌ فِيهِمْ مَعَ كُلِّ مَن جاءَهم بِما يُخالِفُ هَواهم وكانَ قَدْ أشارَ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ شابُهُوهم في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] عَطَفَ الكَلامَ إلى بَيانِ ما تَفَرَّعَ عَنْ عَدَمِ وِدادَةِ المُشْرِكِينَ نُزُولِ القُرْآنِ فَبَيَّنَ أنَّ ظُلْمَهم في ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْهُ أحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَهم إذْ مَنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ وسَدُّوا طَرِيقَ الهُدى وحالُوا بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ زِيارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو فَخْرُهم وسَبَبُ مَكانَتِهِمْ ولَيْسَ هَذا شَأْنُ طالِبِ صَلاحِ الخَلْقِ بَلْ هَذا شَأْنُ الحاسِدِ المُغْتاظِ.والِاسْتِفْهامُ بِمَن إنْكارِيٌّ ولَمّا كانَ أصْلُ مَن أنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أشُرِبَتْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ وكانَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ في مَعْنى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ فَلِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ.
صفحة ٦٨٠
والظُّلْمُ الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِما لا يَرْضى بِهِ، ويُطْلَقُ عَلى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يُوضَعَ فِيهِ والمَعْنَيانِ صالِحانِ هُنا.
وإنَّما كانُوا أظْلَمَ النّاسِ لِأنَّهم أتَوْا بِظُلْمٍ عَجِيبٍ فَقَدْ ظَلَمُوا المُسْلِمِينَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وهم أحَقُّ النّاسِ بِهِ وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ السُّمْعَةِ بَيْنَ الأُمَمِ.
وجَمَعَ المَساجِدَ وإنْ كانَ المُشْرِكُونَ مَنَعُوا الكَعْبَةَ فَقَطْ إمّا لِلتَّعْظِيمِ فَإنَّ الجَمْعَ يَجِيءُ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإمّا لِما فِيهِ مِن أماكِنِ العِبادَةِ وهي البَيْتُ والمَسْجِدُ الحَرامُ ومَقامُ إبْراهِيمَ والحَطِيمُ، وإمّا لِما يَتَّصِلُ بِهِ أيْضًا مِنَ الخَيْفِ ومِنًى والمَشْعَرِ الحَرامِ وكُلُّها مَساجِدُ والإضافَةُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى مَعْنى لامِ التَّعْرِيفِ العَهْدِيِّ، وإمّا لِقَصْدِ دُخُولِ جَمِيعِ مَساجِدِ اللَّهِ لِأنَّهُ جَمْعٌ تَعَرَّفَ بِالإضافَةِ ووَقَعَ في سِياقِ مَنعِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفْيِ لِيَشْمَلَ الوَعِيدُ كُلَّ مُخَرِّبٍ لِمَسْجِدٍ أوْ مانِعٍ مِنَ العِبادَةِ بِتَعْطِيلِهِ عَنْ إقامَةِ العِباداتِ ويَدْخُلُ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا عَلى حُكْمِ وُرُودِ العامِّ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، والإضافَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى مَعْنى لامِ الِاسْتِغْراقِ ولَعَلَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ المَنصُوبَ في قَوْلِهِ ”أنْ يَدْخُلُوها“ يُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَساجِدِ مَساجِدُ مَعْلُومَةٌ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ لا يَتَعَدّى لِكُلِّ مَن مَنَعَ مَسْجِدًا إذْ هو عِقابٌ دُنْيَوِيٌّ لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ في أمْثالِ المُعاقَبِ.
والمُرادُ مِنَ المَنعِ مَنعُ العِبادَةِ في أوْقاتِها الخاصَّةِ بِها كالطَّوافِ والجَماعَةِ إذا قُصِدَ بِالمَنعِ حِرْمانُ فَرِيقٍ مِنَ المُتَأهِّلِينَ لَها مِنها. ولَيْسَ مِنهُ غَلْقُ المَساجِدِ في غَيْرِ أوْقاتِ الجَماعَةِ لِأنَّ صَلاةَ الفَذِّ لا تُفَضَّلُ في المَسْجِدِ عَلى غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ غَلْقُها مِن دُخُولِ الصِّبْيانِ والمُسافِرِينَ لِلنَّوْمِ، وقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ في دَرْسِ التَّفْسِيرِ عَنْ هَذا فَقالَ: غَلْقُ بابِ المَسْجِدِ في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ حِفْظٌ وصِيانَةٌ ا ه. وكَذَلِكَ مَنعُ غَيْرِ المُتَأهِّلِ لِدُخُولِهِ وقَدْ مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ المُشْرِكِينَ الطَّوافَ والحَجَّ ومَنَعَ مالِكٌ الكافِرَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ ومَعْلُومٌ مَنعُ الجُنُبِ والحائِضِ.
والسَّعْيُ أصْلُهُ المَشْيُ ثُمَّ صارَ مَجازًا مَشْهُورًا في التَّسَبُّبِ المَقْصُودِ كالحَقِيقَةِ العُرْفِيَّةِ نَحْوَ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] ويُعَدّى بِفي الدّالَّةِ عَلى التَّعْلِيلِ نَحْوَ: سَعَيْتُ في حاجَتِكَ فالمَنعُ هُنا حَقِيقَةٌ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى المُتَقَدِّمَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ والسَّعْيُ مَجازٌ في التَّسَبُّبِ غَيْرِ المَقْصُودِ فَهو مَجازٌ عَلى مَجازٍ. وأمّا عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ فالمَنعُ مَجازٌ والسَّعْيُ حَقِيقَةٌ لِأنَّ بُخْتُنَصَّرَ وطِيطَسَ لَمْ يَمْنَعا أحَدًا مِنَ الذِّكْرِ ولَكِنَّهُما تَسَبَّبا في الخَرابِ بِالأمْرِ بِالتَّخْرِيبِ فَأفْضى ذَلِكَ إلى المَنعِ وآلَ إلَيْهِ.
صفحة ٦٨١
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تُغْنِي عَنْ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنْ قَوْلِهِ ”مَن أظْلَمُ“ أوْ عَنْ قَوْلِهِ ”سَعى“ لِأنَّ السّامِعَ إذا عَلِمَ أنَّ فاعِلَ هَذا أظْلَمُ النّاسِ أوْ سَمِعَ هَذِهِ الجُرْأةَ وهي السَّعْيُ في الخَرابِ تَطَلَّبَ بَيانُ جَزاءِ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ أوْ فَعَلَ هَذا. ويَجُوزُ كَوْنُها اعْتِراضًا بَيْنَ ”مَن أظْلَمُ“ وقَوْلِهِ ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ والإشارَةُ بِـ ”أُولَئِكَ“ بَعْدَ إجْراءِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ عَلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتُحْضِرُوا بِتِلْكَ الأوْصافِ لِيُخْبَرَ عَنْهم بَعْدَ تِلْكَ الإشارَةِ بِخَبَرِهِمْ جَدِيرُونَ بِمَضْمُونِهِ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الجُمَلِ لَيْسَ هو بَيانُ جَزاءِ فِعْلِهِمْ أوِ التَّحْذِيرِ مِنهُ بَلِ المَقْصُودُ بَيانُ هاتِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ بَيانِ عَجائِبِ أهْلِ الكِتابِ ثُمَّ يُرَتِّبُ العِقابَ عَلى ذَلِكَ حَتّى تَعْلَمَ جَدارَتَهم بِهِ وقَدْ ذَكَرَ لَهم عُقُوبَتَيْنِ دُنْيَوِيَّةً وهي الخَوْفُ والخِزْيُ وأُخْرَوِيَّةً وهي العَذابُ العَظِيمُ.
ومَعْنى ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ أنَّهم لا يَكُونُ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الفِعْلَةِ أنْ يَدْخُلُوا تِلْكَ المَساجِدَ الَّتِي مَنَعُوها إلّا وهم خائِفُونَ فَإنَّ ”ما كانَ“ إذا وقَعَ أنْ والمُضارِعُ في خَبَرِها تَدُلُّ عَلى نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وإنَّ كانَ لَفْظُ ”كانَ“ لَفْظَ الماضِي، وأنْ هَذِهِ هي الَّتِي تَسْتَتِرُ عِنْدَ مَجِيءِ اللّامِ نَحْوَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم فَلا إشْعارَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِمُضِيٍّ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم لِلِاسْتِحْقاقِ أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَهُمُ الدُّخُولُ في حالَةٍ إلّا في حالَةِ الخَوْفِ فَهم حَقِيقُونَ بِها وأحْرِياءُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهَذا وعِيدٌ بِأنَّهم قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ تُرْفَعَ أيْدِيهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ في المَسْجِدِ الحَرامِ وشَعائِرِ اللَّهِ هُناكَ وتَصِيرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُوا بَعْدَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ إلّا خائِفِينَ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ فَكانُوا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ خائِفِينَ وجِلِينَ حَتّى نادى مُنادِي النَّبِيءِ ﷺ مَن دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ فَهو آمِنٌ فَدَخَلَهُ الكَثِيرُ مِنهم مَذْعُورِينَ أنْ يُؤْخَذُوا بِالسَّيْفِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ.
وعَلى تَفْسِيرِ ”مَساجِدَ اللَّهِ“ بِالعُمُومِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها﴾ أيْ مَنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ في حالِ أنَّهم كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يُدْخُلُوها خاشِعِينَ مِنَ اللَّهِ فَيُفَسَّرُ الخَوْفُ بِالخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ فَلِذَلِكَ كانُوا ظالِمِينَ بِوَضْعِ الجَبَرُوتِ في مَوْضِعِ الخُضُوعِ فاللّامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ ”ما كانَ لَهم“ لِلِاخْتِصاصِ وهَذا الوَجْهُ وإنْ فَرَضَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ مَكانَ اسْمِ الإشارَةِ المُؤْذِنِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ تَرَتَّبَ عَمّا قَبْلَهُ يُنافِيهِ لِأنَّ هَذا الِابْتِغاءَ مُتَقَرِّرٌ وسابِقٌ عَلى المَنعِ والسَّعْيِ في الخَرابِ.
صفحة ٦٨٢
وقَوْلُهُ ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ ولَمْ يَعْطِفْ عَلى ما قَبْلَهُ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِالِاسْتِئْنافِ اهْتِمامًا بِهِ لِأنَّ المَعْطُوفَ لِكَوْنِهِ تابِعًا لا يَهْتَمُّ بِهِ السّامِعُونَ كَمالَ الِاهْتِمامِ ولِأنَّهُ يَجْرِي مِنَ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي قَبْلَهُ مَجْرى البَيانِ مِنَ المُبِينِ فَإنَّ الخِزْيَ خَوْفٌ، والخِزْيُ الذُّلُّ والهَوانُ وذَلِكَ ما نالَ صَنادِيدَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ الشَّنِيعِ والأسْرِ، وما نالَهم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِن خِزْيِ الِانْهِزامِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ عُطِفَتْ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها تَتْمِيمٌ لَها إذِ المَقْصُودُ مِن مَجْمُوعِهِما أنَّ لَهم عَذابَيْنِ عَذابًا في الدُّنْيا وعَذابًا في الآخِرَةِ.
وعِنْدِي أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ مُؤْذِنٌ بِالِاحْتِجاجِ عَلى المُشْرِكِينَ مِن سَبَبِ انْصِرافِ النَّبِيءِ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ فَإنَّ مَنعَهُمُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ أشَدُّ مِنَ اسْتِقْبالِ غَيْرِ الكَعْبَةِ في الصَّلاةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]
البقرة 2:115
﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
لَمّا جاءَ بِوَعِيدِهِمْ ووَعَدَ المُؤْمِنِينَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَسْلِيَةَ المُؤْمِنِينَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ ونِكايَةَ المُشْرِكِينَ بِفَسْخِ ابْتِهاجِهِمْ بِخُرُوجِ المُؤْمِنِينَ مِنها وانْفِرادِهِمْ هم بِمَزِيَّةِ جِوارِ الكَعْبَةِ فَبَيَّنَ أنَّ الأرْضَ كُلَّها لِلَّهِ تَعالى وأنَّها ما تَفاضَلَتْ جِهاتُها إلّا بِكَوْنِها مَظِنَّةً لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى وتَذَكُّرِ نِعَمِهِ وآياتِهِ العَظِيمَةِ فَإذا كانَتْ وِجْهَةُ الإنْسانِ نَحْوَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى فَأيْنَما تَوَلّى فَقَدْ صادَفَ رِضى اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَتْ وِجْهَتَهُ الكُفْرُ والغُرُورُ والظُّلْمُ فَما يُغْنِي عَنْهُ العِياذُ بِالمَواضِعِ المُقَدَّسَةِ بَلْ هو فِيها دَخِيلٌ لا يَلْبَثُ أنْ يُقْلَعَ مِنها قالَ تَعالى ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] «وقالَ ﷺ في بَنِي إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنهم» . فالمُرادُ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ في الآيَةِ تَعْمِيمُ جِهاتِ الأرْضِ لِأنَّها تَنْقَسِمُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَسِيرِ الشَّمْسِ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَبْتَدِئُ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، وقِسْمٌ يَنْتَهِي في حَيْثُ تَغْرُبُ، وهو تَقْسِيمٌ اعْتِبارِيٌّ كانَ مَشْهُورًا عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ لِأنَّهُ المَبْنِيُّ عَلى المُشاهَدَةِ مُناسِبٌ لِجَمِيعِ النّاسِ والتَّقْسِيمُ الذّاتِيُّ لِلْأرْضِ هو تَقْسِيمُها إلى شَمالِيٍّ وجَنُوبِيٍّ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ يَنْبَنِي عَلى اخْتِلافِ آثارِ الحَرَكَةِ الأرْضِيَّةِ.
صفحة ٦٨٣
وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إذْنٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَتَوَجَّهَ في الصَّلاةِ إلى أيَّةِ جِهَةٍ شاءَ، ولَعَلَّ مُرادَ هَذا القائِلِ أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى تِلْكَ المَشْرُوعِيَّةِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قُبَيْلَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ إذِ الشَّأْنُ تَوالِي نُزُولِ الآياتِ، وآيَةُ نَسْخِ القِبْلَةِ قَرِيبَةُ المَوْقِعِ مِن هَذِهِ، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ عامًّا كَما هو الشَّأْنُ فَتَشْمَلُ الهِجْرَةَ مِن مَكَّةَ والِانْصِرافَ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاخْتِصاصِ أيْ أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ تَعالى فَقَطْ لا لَهم، فَلَيْسَ لَهم حَقٌّ في مَنعِ شَيْءٍ مِنها عَنْ عِبادِ اللَّهِ المُخْلِصِينَ.
و”وجْهُ اللَّهِ“ بِمَعْنى الذّاتِ وهو حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ تَقُولُ: لِوَجْهِ زَيْدٍ أيْ ذاتِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ”مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ“ وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَمَلِهِ فَحَيْثُ أمَرَهم بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَرِضاهُ مَنُوطٌ بِالِامْتِثالِ لِذَلِكَ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ رِضاهُ بِهِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ في سَبِيلِ الدِّينِ لِبِلادِ الحَبَشَةِ ثُمَّ لِلْمَدِينَةِ ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الوَجْهِ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ في التَّذْيِيلِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ فَقَوْلُهُ ”واسِعٌ“ تَذْيِيلٌ لِمَدْلُولٍ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ والمُرادُ سَعَةُ مُلْكِهِ أوْ سَعَةُ تَيْسِيرِهِ والمَقْصُودُ عَظَمَةُ اللَّهِ وأنَّهُ لا جِهَةَ لَهُ وإنَّما الجِهاتُ الَّتِي يُقْصَدُ مِنها رِضى اللَّهِ تَفْضُلُ غَيْرَها وهو عَلِيمٌ بِمَن يَتَوَجَّهُ لِقَصْدِ مَرْضاتِهِ وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّها المُرادُ بِها القِبْلَةُ في الصَّلاةِ.
البقرة 2:116
﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾
الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بِقالُوا عائِدٌ إلى جَمِيعِ الفِرَقِ الثَّلاثِ وهي اليَهُودُ والنَّصارى والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إشارَةً إلى ضَلالٍ آخَرَ اتَّفَقَ فِيهِ الفِرَقُ الثَّلاثُ، وقَدْ قُرِئَ بِالواوِ وقالُوا عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”وقالَتِ اليَهُودُ“ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِدُونِ واوِ عَطْفٍ وكَذَلِكَ ثَبَتَتِ الآيَةُ في المُصْحَفِ الإمامِ المُوَجَّهِ إلى الشّامِ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا كَأنَّ السّامِعَ بَعْدَ أنْ سَمِعَ ما مَرَّ مِن عَجائِبِ هَؤُلاءِ الفِرَقِ الثَّلاثِ جَمْعًا وتَفْرِيقًا تَسَنّى لَهُ أنْ يَقُولَ لَقَدْ أسْمَعْتَنا مِن مُساوِيهِمْ عَجَبًا فَهَلِ انْتَهَتْ مُساوِيهِمْ أمْ لَهم مَساوٍ أُخْرى لِأنَّ ما سَمِعْناهُ مُؤْذِنٌ بِأنَّها مَساوٍ لا تَصْدُرُ إلّا عَنْ فِطَرٍ خَبِيثَةٍ.
صفحة ٦٨٤
وقَدِ اجْتَمَعَ عَلى هَذِهِ الضَّلالَةِ الفِرَقُ الثَّلاثُ كَما اتَّفَقُوا عَلى ما قَبْلَها، فَقالَتِ اليَهُودُ: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقالَ المُشْرِكُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ رُجُوعًا إلى جَمْعِهِمْ في قَرَنٍ إتْمامًا لِجَمْعِ أحْوالِهِمُ الواقِعِ في قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] وفي قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] وقَدْ خُتِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِآيَةٍ جَمَعَتِ الفَرِيقَ الثّالِثَ في مَقالَةٍ أُخْرى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٨] إلى قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] والقَوْلُ هُنا عَلى حَقِيقَتِهِ وهو الكَلامُ اللِّسانِيُّ ولِذَلِكَ نَصَبَ الجُمْلَةَ وأُرِيدَ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ أيْضًا لِأنَّ الغالِبَ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ الِاعْتِقادِ. وقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا جاءَ بِلَفْظِ ”اتَّخَذَ“ تَعْرِيضًا بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ بِأنَّ كَلامَهم لا يَلْتَئِمُ لِأنَّهم أثْبَتُوا ولَدًا لِلَّهِ ويَقُولُونَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ. والِاتِّخاذُ الِاكْتِسابُ وهو يُنافِي الوَلَدِيَّةَ إذِ الوَلَدِيَّةُ تُولَدُ بِدُونِ صُنْعٍ فَإذا جاءَ الصُّنْعُ جاءَتِ العُبُودِيَّةُ لا مَحالَةَ وهَذا التَّخالُفُ هو ما يُعَبَّرُ عَنْهُ في عِلْمِ الجَدَلِ بِفَسادِ الوَضْعِ وهو أنْ يَسْتَنْتِجَ وُجُودَ الشَّيْءِ مِن وُجُودِ ضِدِّهِ كَما يَقُولُ قائِلٌ: القَتْلُ جِنايَةٌ عَظِيمَةٌ فَلا تُكَفَّرُ مِثْلُ الرِّدَّةِ.
وأصْلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ ناشِئٌ عَنْ جَهالَةٍ وبِالنِّسْبَةِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ ناشِئٌ عَنْ تَوَغُّلِهِما في سُوءِ فَهْمِ الدِّينِ حَتّى تَوَهَّمُوا التَّشْبِيهاتِ والمَجازاتِ حَقائِقَ فَقَدْ ورَدَ وصْفُ الصّالِحِينَ بِأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ ووَرَدَ في كِتابِ النَّصارى وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أبُو عِيسى وأبُو الأُمَّةِ فَتَلَقَّفَتْهُ عُقُولٌ لا تَعْرِفُ التَّأْوِيلَ ولا تُؤَيِّدُ اعْتِقادَها بِواضِحِ الدَّلِيلِ فَظَنَّتْهُ عَلى حَقِيقَتِهِ.
جاءَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ ١٤ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ”أنْتُمْ أوْلادٌ لِلرَّبِّ إلَهِكم لا تَخْمِشُوا أجْسامَكم“ وفي إنْجِيلِ مَتّى الإصْحاحِ ٥ ”طُوبى لِصانِعِي السَّلامِ لِأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ يُدْعَوْنَ“ وفِيهِ ”وصَلُّوا لِأجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إلَيْكم ويَطْرُدُونَكم لِكَيْ تَكُونُوا أبْناءَ أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ“ وفي الإصْحاحِ ٦ ”انْظُرُوا إلى طُيُورِ السَّماءِ إنَّها لا تَزْرَعُ ولا تَحْصُدُ ولا تَجْمَعُ إلى مَخازِنَ وأبُوكُمُ السَّماوِيُّ يَقُوتُها“ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في الأناجِيلِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَفَهِمُوها بِسُوءِ الفَهْمِ عَلى ظاهِرِ عِبارَتِها ولَمْ يُراعُوا أُصُولَ الدِّيانَةِ الَّتِي تُوجِبُ تَأْوِيلَها، ألا تَرى أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا جاءَتْهم أمْثالُ هاتِهِ العِباراتِ أحْسَنُوا تَأْوِيلَها وتَبَيَّنُوا دَلِيلَها كَما في الحَدِيثِ: «الخَلْقُ عِيالُ اللَّهِ» .
صفحة ٦٨٥
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنْ شَنِيعِ هَذا القَوْلِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَلَدِيَّةَ نَقْصٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَتْ كَمالًا في الشّاهِدِ لِأنَّها إنَّما كانَتْ كَمالًا في الشّاهِدِ مِن حَيْثُ إنَّها تَسُدُّ بَعْضَ نَقائِصِهِ عِنْدَ العَجْزِ والفَقْرِ وتَسُدُّ مَكانَهُ عِنْدَ الِاضْمِحْلالِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَآذَنَ بِالحُدُوثِ وبِالحاجَةِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ لِإبْطالِهِ، وأقامَ الدَّلِيلَ عَلى الإبْطالِ بِقَوْلِهِ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ واللّامُ لِلْمُلْكِ و”ما في السَّماواتِ والأرْضِ“ أيْ ما هو مَوْجُودٌ فَإنَّ السَّماواتِ والأرْضَ هي مَجْمُوعُ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ. وما مِن صِيَغِ العُمُومِ تَقَعُ عَلى العاقِلِ وغَيْرِهِ وعَلى المَجْمُوعِ، وهَذا هو الأصَحُّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ في المُفَصَّلِ واخْتارَهُ الرَّضِيُّ.
وقِيلَ ما تَغْلِبُ أوْ تَخْتَصُّ بِغَيْرِ العُقَلاءِ ومَن يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ ورُبَّما اسْتُعْمِلَ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ، وهَذا هو المُشْتَهَرُ بَيْنَ النُّحاةِ، وإنْ كانَ ضَعِيفًا وعَلَيْهِ فَهم يُجِيبُونَ عَلى نَحْوِ هاتِهِ الآيَةِ بِأنَّها مِن قَبِيلِ التَّغْلِيبِ تَنْزِيلًا لِلْعُقَلاءِ في كَوْنِهِمْ مِن صُنْعِ اللَّهِ بِمَنزِلَةٍ مُساوِيَةٍ لِغَيْرِهِ مِن بَقِيَّةِ المَوْجُوداتِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِ كُلِّ مَوْجُودٍ.
والقُنُوتُ الخُضُوعُ والِانْقِيادُ مَعَ خَوْفٍ وإنَّما جاءَ ”قانِتُونَ“ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ المُخْتَصِّ بِالعُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِأنَّهم أهْلُ القُنُوتِ عَنْ إرادَةٍ وبَصِيرَةٍ.
والمُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ بَعْدَ كُلٍّ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أيْ كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أيِ العُقَلاءُ ”لَهُ قانِتُونَ“ وتَنْوِينُ كُلٍّ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨] في هَذِهِ السُّورَةِ. وفي قَوْلِهِ ”لَهُ قانِتُونَ“ حُجَّةٌ ثالِثَةٌ عَلى انْتِفاءِ الوَلَدِ لِأنَّ الخُضُوعَ مِن شِعارِ العَبِيدِ أمّا الوَلَدُ فَلَهُ إدْلالٌ عَلى الوالِدِ وإنَّما يَبَرُّ بِهِ ولا يَقْنُتُ، فَكانَ إثْباتُ القُنُوتِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ الوَلَدِيَّةِ بِانْتِفاءِ لازِمِها لِثُبُوتِ مُساوِي نَقِيضِهِ، ومُساوِي النَّقِيضِ نَقِيضٌ، وإثْباتُ النَّقِيضِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ ما هو نَقِيضٌ لَهُ.
وفَصْلُ جُمْلَةِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِها بِالِاسْتِدْلالِ حَتّى لا يَظُنَّ السّامِعُ أنَّها مُكَمِّلَةٌ لِلدَّلِيلِ المَسُوقِ لَهُ قَوْلُهُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وقَدِ اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ مَن مَلَكَ ولَدَهُ أعْتَقَ عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ نَفْيَ الوَلَدِيَّةِ بِإثْباتِ العُبُودِيَّةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَنافِي الماهِيَّتَيْنِ وهو اسْتِرْواحٌ حَسَنٌ.
البقرة 2:117
صفحة ٦٨٦
﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
هُوَ بِالرَّفْعِ خَبْرٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِاتِّباعِ الِاسْتِعْمالِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨]“ وذَلِكَ مِن جِنْسِ ما يُسَمُّونَهُ بِالنَّعْتِ المَقْطُوعِ.
والبَدِيعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الإبْداعِ وهو الإنْشاءُ عَلى غَيْرِ مِثالٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ إنْشاءِ المُنْشَآتِ عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ وذَلِكَ هو خَلْقُ أُصُولِ الأنْواعِ وما يَتَوَلَّدُ مِن مُتَوَلِّداتِها، فَخَلْقُ السَّماواتِ إبْداعٌ وخَلْقُ الأرْضِ إبْداعٌ وخَلْقُ آدَمَ إبْداعٌ وخَلْقُ نِظامِ التَّناسُلِ إبْداعٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِن بَدَعَ المُجَرَّدِ مِثْلَ قَدَرَ إذا صَحَّ ووَرَدَ بَدَعَ بِمَعْنى قَدَرَ بِقِلَّةٍ أوْ هو مُشْتَقٌّ مِن أبْدَعَ ومَجِيءُ فَعِيلٍ مِن أفْعَلَ قَلِيلٌ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كْرِبَ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ المَسْمَعَ. ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
سَقاكَ بِها المَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً ∗∗∗ فَأنْهَلَكَ المَأْمُونُ مِنها وعَلَّكَ
أيْ كَأْسًا مَرْوِيَّةً. فَيَكُونُ هُنا مِمّا جاءَ قَلِيلًا وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ويَأْتِي في قَوْلِهِ ”بَشِيرًا ونَذِيرًا“ وقَدْ قِيلَ في البَيْتِ تَأْوِيلاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ، والحَقُّ أنَّهُ اسْتِعْمالٌ قَلِيلٌ حُفِظَ في ألْفاظٍ مِنَ الفَصِيحِ غَيْرِ قَلِيلَةٍ مِثْلِ النَّذِيرِ والبَشِيرِ إلّا أنَّ قِلَّتَهُ لا تُخْرِجُهُ عَنِ الفَصاحَةِ لِأنَّ شُهْرَتَهُ تَمْنَعُ مِن جَعْلِهِ غَرِيبًا. وأمّا كَوْنُهُ مُخالِفًا لِلْقِياسِ فَلا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمالِهِ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُوَلَّدِ إذا أرادَ أنْ يَقِيسَ عَلَيْهِ في مادَّةٍ أُخْرى.
صفحة ٦٨٧
وذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّ بَدِيعَ هُنا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مَأْخُوذٌ مِن بَدُعَ بِضَمِّ الدّالِّ أيْ كانَتِ البَداعَةُ صِفَةً ذاتِيَّةً لَهُ بِتَأْوِيلِ بَداعَةِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي هي مِن مَخْلُوقاتِهِ فَأُضِيفَتْ إلى فاعِلِها الحَقِيقِيِّ عَلى جَعْلِهِ مُشَبَّهًا بِالمَفْعُولِ بِهِ وأجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِيَكُونَ ضَمِيرُهُ فاعِلًا لَفْظًا عَلى نَحْوِ: زَيْدٌ حَسَنُ الوَجْهِ كَما يُقالُ: فُلانٌ بَدِيعُ الشِّعْرِ، أيْ بَدِيعَةٌ سَماواتُهُ.
وأمّا بَيْتُ عَمْرٍو فَإنَّما عَيَّنُوهُ لِلتَّنْظِيرِ ولَمْ يُجَوِّزُوا فِيهِ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ السَّمِيعُ بِمَعْنى المَسْمُوعِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَرِدْ سَمِيعٌ بِمَعْنى مَسْمُوعٍ مَعَ أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ غَيْرُ مُطَّرِدٍ. الثّانِي: أنَّ سَمِيعٌ وقَعَ وصْفًا لِلذّاتِ وهو الدّاعِي، وحُكْمُ سَمِعَ إذا دَخَلَتْ عَلى ما لا يَسْمَعُ أنْ تَصِيرَ مِن أخَوات ظَنَّ فَيَلْزَمُ مَجِيءُ مَفْعُولٍ ثانٍ بَعْدَ النّائِبِ المُسْتَتِرِ وهو مَفْقُودٌ.
الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى وصْفِ الدّاعِي بِأنَّهُ مَسْمُوعٌ بَلْ عَلى وصْفِهِ بِأنَّهُ مُسْمِعٌ أيِ الدّاعِي القاصِدُ لِلْإسْماعِ المُعْلِنُ لِصَوْتِهِ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ داعٍ في أمْرٍ مُهِمٍّ. ووَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِبَدِيعِ السَّماواتِ والأرْضِ مُرادٌ بِهِ أنَّهُ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ وفي هَذا الوَصْفِ اسْتِدْلالٌ عَلى نَفْيِ بُنُوَّةِ مَن جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما. فَلا شَيْءَ مِن تِلْكَ المَوْجُوداتِ أهْلٌ لِأنْ يَكُونَ ولَدًا لَهُ، بَلْ جَمِيعُ ما بَيْنَهُما عَبِيدٌ لِلَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولِهَذا رُتِّبَ نَفْيُ الوَلَدِ عَلى كَوْنِهِ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ في سُورَةِ الأنْعامِ بِقَوْلِهِ ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] وقَوْلُهُ ﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إلَخْ كَشْفٌ لِشُبْهَةِ النَّصارى واسْتِدْلالٌ عَلى أنَّهُ لا يَتَّخِذُ ولَدًا بَلْ يُكَوِّنُ الكائِناتِ كُلَّها بِتَكْوِينٍ واحِدٍ وكُلُّها خاضِعَةٌ لِتَكْوِينِهِ وذَلِكَ أنّالنَّصارى تَوَهَّمُوا أنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ مِن غَيْرِ أبٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ تَكْوِينَ أحْوالِ المَوْجُوداتِ مِن لا شَيْءَ أعْجَبُ مِن ذَلِكَ وأنَّ كُلَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى التَّكْوِينِ والتَّقْدِيرِ سَواءٌ في ذَلِكَ ما وُجِدَ بِواسِطَةٍ تامَّةٍ أوْ ناقِصَةٍ أوْ بِلا واسِطَةٍ قالَ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فَلَيْسَ تَخَلُّقُ عِيسى مِن أُمٍّ دُونَ أبٍ بِمُوجِبِ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ تَعالى.
وكانَ في الآيَةِ تامَّةٌ لا تَطْلُبُ خَبَرًا أيْ يَقُولُ لَهُ: إيجَدْ فَيُوجَدُ والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ والمَقُولَ. والمُسَبَّبُ هُنا تَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ وُجُودِ الكائِناتِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ والقُدْرَةِ بِهِما بِأنْ شَبَّهَ فِعْلَ اللَّهِ
صفحة ٦٨٨
تَعالى بِتَكْوِينِ شَيْءٍ وحُصُولِ المُكَوَّنِ عَقِبَ ذَلِكَ بِدُونِ مُهْلَةٍ بِتَوَجُّهِ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ بِكَلِمَةِ الأمْرِ وحُصُولِ امْتِثالِهِ عَقِبَ ذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ أقْرَبُ الحالاتِ المُتَعارَفَةِ الَّتِي يُمْكِنُ التَّقْرِيبُ بِها في الأُمُورِ الَّتِي لا تَتَّسِعُ اللُّغَةُ لِلتَّعْبِيرِ عَنْها وإلى نَحْوِ هَذا مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ونَظَرَهُ بِقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
إذْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِ ∗∗∗ قُدُمًا فَآضَتْ كالفَنِيقِ المُحْنَقِ
والَّذِي يُعَيِّنُ كَوْنَ هَذا تَمْثِيلًا أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ خِطابُ مَن لَيْسَ بِمَوْجُودٍ بِأنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فَلَيْسَ هَذا التَّقْرِيرُ الصّادِرُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَبْنِيًّا عَلى مَنعِ المُعْتَزِلَةِ قِيامَ صِفَةِ الكَلامِ بِذاتِهِ تَعالى إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يُلْجِئُهم إلى اعْتِبارِ قِيامِ صِفَةِ الكَلامِ إذْ كانَ يُمْكِنُهم تَأْوِيلُهُ بِما تَأوَّلُوا بِهِ آياتٍ كَثِيرَةً ولِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ ابْنُ المُنِيرِ خِلافًا لِما يُوهِمُهُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ.
البقرة 2:118
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] المَعْطُوفِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى﴾ [البقرة: ١١٣] لِمُناسَبَةِ اشْتِراكِ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى في الأقْوالِ والعَقائِدِ الضّالَّةِ إلّا أنَّهُ قَدَّمَ قَوْلَ أهْلِ الكِتابِ في الآيَةِ الماضِيَةِ وهي (﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ [البقرة: ١١٣]) لِأنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا بِذَلِكَ أيّامَ مُجادَلَتِهِمْ في تَفاضُلِ أدْيانِهِمْ ويَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ ما يُوجِبُ الِاشْتِغالَ بِذَلِكَ إلى أنْ جاءَ الإسْلامُ فَقالُوا مِثْلَ قَوْلِ أهْلِ الكِتابِ. وجَمَعَ الكُلَّ في ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرِيقٌ مِنَ الثَّلاثَةِ فِيهِ مُقْتَبَسًا مِنَ الآخَرِ بَلْ جَمِيعُهُ ناشِئٌ مِنَ الغُلُوِّ في تَقْدِيسِ المَوْجُوداتِ الفاضِلَةِ ومَنشَؤُهُ سُوءُ الفَهْمِ في العَقِيدَةِ سَواءٌ كانَتْ مَأْخُوذَةً مِن كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ في مَنشَأِ قَوْلِ
صفحة ٦٨٩
أهْلِ الكِتابَيْنِ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا أمْ مَأْخُوذَةً مِن أقْوالِ قادَتِهِمْ كَما قالَتِ العَرَبُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدَّمَ قَوْلَ المُشْرِكِينَ هُنا لِأنَّ هَذا القَوْلَ أعْلَقُ بِالمُشْرِكِينَ إذْ هو جَدِيدٌ فِيهِمْ وفاشٍ بَيْنَهم. فَلَمّا كانُوا مُخْتَرِعِي هَذا القَوْلِ نُسِبَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ نُظِرَ بِهِمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. إذْ قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ لِرُسُلِهِمْ.
و لَوْلا هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ قُصِدَ مِنهُ التَّعْجِيزُ والِاعْتِذارُ عَنْ عَدَمِ الإصْغاءِ لِلرَّسُولِ اسْتِكْبارًا بِأنَّ عَدُّوا أنْفُسَهم أحْرِياءَ بِالرِّسالَةِ وسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهَذا مُبالَغَةٌ في الجَهالَةِ لا يَقُولُها أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أثْبَتُوا الرِّسالَةَ والحاجَةَ إلى الرُّسُلِ.
وقَوْلُهُ ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ أرادُوا مُطْلَقَ آيَةٍ فالتَّنْكِيرُ لِلنَّوْعِيَّةِ وحِينَئِذٍ فَهو مُكابَرَةٌ وجُحُودٌ لِما جاءَهم مِنَ الآياتِ وحَسْبُكَ بِأعْظَمِها وهو القُرْآنُ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِنَ التَّنْكِيرِ وقَدْ سَألُوا آياتٍ مُقْتَرَحاتٍ وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا الآياتِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ الآياتِ هي عَجائِبُ الحَوادِثِ أوِ المَخْلُوقاتِ وما دَرَوْا أنَّ الآيَةَ العِلْمِيَّةَ العَقْلِيَّةَ أوْضَحُ المُعْجِزاتِ لِعُمُومِها ودَوامِها وقَدْ تَحَدّاهُمُ الرَّسُولُ بِالقُرْآنِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وكَفاهم بِذَلِكَ آيَةً لَوْ كانُوا أهْلَ إنْصافٍ.
وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أيْ كَمِثْلِ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ والمُرادُ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهْمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَقَدْ قالَ اليَهُودُ لِمُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً وسَألَ النَّصارى عِيسى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ وفي هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ مِثْلُ ما لاقاهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ ولِذَلِكَ أُرْدِفَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩] الآيَةَ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ واقِعَةً مَوْقِعَ الجَوابِ لِمَقالَةِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وهو جَوابٌ إجْمالِيٌّ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلى تَنْظِيرِ حالِهِمْ بِحالِ مَن قَبْلَهم فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّنْظِيرُ كِنايَةً عَنِ الإعْراضِ عَنْ جَوابِ مَقالِهِمْ وأنَّهُ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يُجابَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمَرْتَبَةِ مَن يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولَيْسَتْ أفْهامُهم بِأهْلٍ لِإدْراكِ ما في نُزُولِ القُرْآنِ مِن أعْظَمِ آيَةٍ وتَكُونُ جُمْلَةُ ”﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾“ تَقْرِيرًا أيْ تَشابَهَتْ عُقُولُهم في الأفْنِ وسُوءِ النَّظَرِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ تَعْلِيلًا لِلْإعْراضِ عَنْ جَوابِهِمْ بِأنَّهم غَيْرُ أهْلٍ لِلْجَوابِ لِأنَّ أهْلَ الجَوابِ هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ
صفحة ٦٩٠
يُوقِنُونَ وقَدْ بَيَّنَتْ لَهم آياتُ القُرْآنِ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَلَيْسُوا أهْلًا لِلْجَوابِ لِأنَّهم لَيْسُوا بِقَوْمٍ يُوقِنُونَ بَلْ دَيْدَنُهُمُ المُكابَرَةُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”كَذَلِكَ قالَ“ إلى آخِرِها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وبَيْنَ جُمْلَةِ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ وتُجْعَلُ جُمْلَةُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ هي الجَوابَ عَنْ مَقالَتِهِمْ والمَعْنى لَقَدْ أتَتْكُمُ الآيَةُ وهي آياتُ القُرْآنِ ولَكِنْ لا يَعْقِلُها إلّا الَّذِينَ يُوقِنُونَ أيْ دُونَكم فَيَكُونُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمُ﴾ [العنكبوت: ٥١] ووَقَعَ الإعْراضُ عَنْ جَوابِ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ لِأنَّهُ بَدِيهِيُّ البُطْلانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] والقَوْلُ في مَرْجِعِ التَّشْبِيهِ والمُماثَلَةِ مِن قَوْلِهِ كَذَلِكَ ﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ عَلى نَحْوِ القَوْلِ في الآيَةِ الماضِيَةِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] وقَوْلِهِ ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى ”﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾“، أيْ كانَتْ عُقُولُهم مُتَشابِهَةً في الأفْنِ وسُوءِ النَّظَرِ فَلِذا اتَّحَدُوا في المَقالَةِ. فالقُلُوبُ هُنا بِمَعْنى العُقُولِ كَما هو المُتَعارَفُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. وقَوْلُهُ ”تَشابَهَتْ“ صِيغَةٌ مِن صِيَغِ التَّشْبِيهِ وهي أقْوى فِيهِ مِن حُرُوفِهِ وأقْرَبُ بِالتَّشْبِيهِ البَلِيغِ، ومِن مَحاسِنِ ما جاءَ في ذَلِكَ قَوْلُ الصّابِئِ:
تَشابَهَ دَمْعِي إذْ جَرى ومُدامَتِي فَمِن مِثْلِ ما في الكَأْسِ عَيْنِي تَسْكُبُ
وفِي هَذِهِ الآيَةِ جُعِلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى مُماثِلَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ في هَذِهِ المَقالَةِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أعْرَقُ فِيها إذْ هم أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فَلَيْسَ ادِّعاؤُهم ولَدًا لِلَّهِ بِأكْثَرَ مِنِ ادِّعائِهِمْ شَرِكَةَ الأصْنامِ مَعَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَكانَ اليَهُودُ والنَّصارى مُلْحَقَيْنِ بِهِمْ لِأنَّ دَعْوى الِابْنِ لِلَّهِ طَرَأتْ عَلَيْهِمْ ولَمْ تَكُنْ مِن أصْلِ مِلَّتِهِمْ وبِهَذا الأُسْلُوبِ تَأتّى الرُّجُوعُ إلى بَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ الخاصَّةِ بِهِمْ وذَلِكَ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في يُوقِنُونَ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الإيمانِ خُلُقًا لَهم، فَأمّا الَّذِينَ دَأْبُهُمُ الإعْراضُ عَنِ النَّظَرِ والمُكابَرَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ فَإنَّ الإعْراضَ يَحُولُ دُونَ حُصُولِ اليَقِينِ، والمُكابَرَةُ تَحُولُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فَأصْحابُ هَذَيْنِ الخُلُقَيْنِ لَيْسُوا مِنَ المُوقِنِينَ.
صفحة ٦٩١
وتَبْيِينُ الآياتِ هو ما جاءَ مِنَ القُرْآنِ المُعْجِزِ لِلْبَشَرِ الَّذِي تَحَدّى بِهِ جَمِيعَهم فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الإتْيانَ بِمِثْلِهِ كَما تَقَدَّمَ، وفي الحَدِيثِ «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيءٌ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحى اللَّهُ إلَيَّ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» فالمَعْنى قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُوقِنُوا ولا يُشَكِّكُوا أنْفُسَهم أوْ يُعْرِضُوا حَتّى يَحُولَ ذَلِكَ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيقانِ، أوْ يَكُونَ المَعْنى قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُظْهِرُونَ اليَقِينَ ويَعْتَرِفُونَ بِالحَقِّ لا لِقَوْمٍ مِثْلِكم مِنَ المُكابِرِينَ.
البقرة 2:119
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكاياتِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ القَصْدُ مِنها تَأْنِيسُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أسَفِهِ عَلى ما لَقِيَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ مِمّا يُماثِلُ ما لَقِيَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وقَدْ كانَ يَوَدُّ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ فَيَتَأيَّدُ بِهِمُ الإسْلامُ عَلى المُشْرِكِينَ فَإذا هو يَلْقى مِنهم ما لَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ أشَدَّ، وقَدْ قالَ لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ لَآمَنَ بِي اليَهُودُ كُلُّهم فَكانَ لِتَذْكِيرِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ تَهْدِئَةً لِخاطِرِهِ الشَّرِيفِ، وعَذَرَ لَهُ إذْ أبْلَغَ الرِّسالَةَ، وتَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْ قَوْمٍ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَحِيمِ. وفِيهِ تَمْهِيدٌ لِلتَّأْيِيسِ مِن إيمانِ اليَهُودِ والنَّصارى. وجِيءَ بِالتَّأْكِيدِ وإنْ كانَ النَّبِيءُ لا يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وبَيانِ أنَّهُ يُنَوِّهُ بِهِ لِما تَضَمَّنَهُ مِن تَنْوِيهِ شَأْنِ الرَّسُولِ.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ ضَمِيرُ الجَلالَةِ تَشْرِيفًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِعِزِّ الحُضُورِ لِمَقامِ التَّكَلُّمِ مَعَ الخالِقِ تَعالى وتَقَدَّسَ كَأنَّ اللَّهَ يُشافِهُهُ بِهَذا الكَلامِ بِدُونِ واسِطَةٍ فَلِذا لَمْ يَقُلْ لَهُ إنَّ اللَّهَ أرْسَلَكَ. وقَوْلُهُ بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْناكَ“، والحَقُّ هو الهُدى والإسْلامُ والقُرْآنُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ وهي كُلُّها مُلابَسَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ في رِسالَتِهِ بَعْضُها بِمُلابَسَةِ التَّبْلِيغِ وبَعْضُها بِمُلابَسَةِ التَّأْيِيدِ. فالمَعْنى أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ حالانِ وهُما بِزِنَةٍ فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ مَأْخُوذانِ مِن بَشَّرَ المُضاعَفِ وأنْذَرَ المَزِيدِ فَمَجِيئُهُما مِنَ الرُّباعِيِّ عَلى خِلافِ القِياسِ، كالقَوْلِ في بَدِيعِ السَّماواتِ والأرْضِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، وقِيلَ البَشِيرُ مُشْتَقٌّ مِن بَشَرَ المُخَفَّفِ الشِّينِ مِن بابِ نَصَرَ ولا داعِيَ إلَيْهِ.
صفحة ٦٩٢
وقَوْلُهُ ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ وهو إمّا عَلى جُمْلَةِ ”إنّا أرْسَلْناكَ“ أوْ عَلى الحالِ في قَوْلِهِ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ ويَجُوزُ كَوْنُ الواوِ لِلْحالِ. قَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّ لا حَرْفُ نَهْيٍ جازِمٌ لِلْمُضارِعِ وهو عَطْفُ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ، والسُّؤالُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الِاهْتِمامِ والتَّطَلُّعِ إلى مَعْرِفَةِ الحالِ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِأنَّ المَعْنى بِالشَّيْءِ المُتَطَلِّعِ لِمَعْرِفَةِ أحْوالِهِ يَكْثُرُ مِنَ السُّؤالِ عَنْهُ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ فَظاعَةِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ والكافِرِينَ حَتّى إنَّ المُتَفَكِّرَ في مَصِيرِ حالِهِمْ يَنْهى عَنِ الِاشْتِغالِ بِذَلِكَ لِأنَّها أحْوالٌ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ ولا يَبْلُغُ إلى كُنْهِها العَقْلُ في فَظاعَتِها وشَناعَتِها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ السُّؤالِ يَرِدُ لِمَعْنى تَعْظِيمِ أمْرِ المَسْئُولِ عَنْهُ نَحْوَ قَوْلِ عائِشَةَ «يُصَلِّي أرْبَعًا فَلا تَسْألُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ» ولِهَذا شاعَ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ إلْقاءُ المَسائِلِ الصَّعْبَةِ بِطَرِيقَةِ السُّؤالِ نَحْوَ (فَإنْ قُلْتَ) لِلِاهْتِمامِ.
وقَرَأهُ جُمْهُورُ العَشَرَةِ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ ورَفْعِ اللّامِ عَلى أنَّ لا نافِيَةٌ أيْ لا يَسْألُكَ اللَّهُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ وهو تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ”﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾“ والسُّؤالُ كِنايَةٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ واللَّوْمِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ «وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» أيْ لَسْتَ مُؤاخَذًا بِبَقاءِ الكافِرِينَ عَلى كُفْرِهِمْ بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ لَهُمُ الدَّعْوَةَ.
وما قِيلَ إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في نَهْيِهِ ﷺ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ في الآخِرَةِ فَهو اسْتِنادٌ لِرِوايَةٍ واهِيَةٍ ولَوْ صَحَّتْ لَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مُجافِيًا لِلْبَلاغَةِ، إذْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ تَأْنِيسٌ وتَسْكِينٌ، فالإتْيانُ مَعَهُ بِما يُذَكِّرُ المُكَدِّراتِ خُرُوجٌ عَنِ الغَرَضِ وهو مِمّا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِفَسادِ الوَضْعِ.
البقرة 2:120
﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] أوْ عَلى إنّا أرْسَلْناكَ وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ المُؤَيِّسُ مِن إيمانِهِمْ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ قَبْلَهُ التَّأْنِيسَ والتَّسْلِيَةَ عَلى نَحْوِ مَجِيءِ العِتابِ بَعْدَ تَقْدِيمِ العَفْوِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وهَذا مِن كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ .
صفحة ٦٩٣
والنَّفْيُ بِلَنْ مُبالَغَةٌ في التَّأْنِيسِ لِأنَّها لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وتَأْيِيدِهِ. والمِلَّةُ بِكَسْرِ المِيمِ الدِّينُ والشَّرِيعَةُ وهي مَجْمُوعُ عَقائِدَ وأعْمالٍ يَلْتَزِمُها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ يَتَّفِقُونَ عَلَيْها، وتَكُونُ جامِعَةً لَهم كَطَرِيقَةٍ يَتَّبِعُونَها، ويَحْتَمِلُ أنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن أمَلَّ الكِتابَ فَسُمِّيَتِ الشَّرِيعَةُ مِلَّةً لِأنَّ الرَّسُولَ أوْ واضِعَ الدِّينِ يُعْلِمُها لِلنّاسِ ويُمْلِلُها عَلَيْهِمْ كَما سُمِّيَتْ دِينًا بِاعْتِبارِ قَبُولِ الأُمَّةِ لَها وطاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. ومَعْنى الغايَةِ في ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الكِنايَةُ عَنِ اليَأْسِ مِنِ اتِّباعِ اليَهُودِ والنَّصارى لِشَرِيعَةِ الإسْلامِ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهم إذا كانُوا لا يَرْضَوْنَ إلّا بِاتِّباعِهِ مِلَّتَهم فَهم لا يَتَّبِعُونَ مِلَّتَهُ، ولَمّا كانَ اتِّباعُ النَّبِيءِ مِلَّتَهم مُسْتَحِيلًا كانَ رِضاهم عَنْهُ كَذَلِكَ عَلى حَدِّ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وقَوْلُهُ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] والتَّصْرِيحُ بِلا النّافِيَةِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ولا النَّصارى لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِقْلالِهِمْ بِالنَّفْي، وعَمَّ الِاقْتِناعُ بِاتِّباعِ حَرْفِ العَطْفِ لِأنَّهم كانُوا يُظَنُّ بِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ؛ لِإظْهارِهِمْ شَيْئًا مِنَ المَوَدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيءِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَّبِعٍ مِلَّتَهم وأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ القُرْآنَ لِأنَّهُ جاءَ بِنَسْخِ كِتابَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ أمْرٌ بِالجَوابِ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ مِن خُلاصَةِ أقْوالٍ لَهم يَقْتَضِي مَضْمُونُها أنَّهم لا يُرْضِيهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدْعُوهُمُ النَّبِيءُ إلَيْهِ إلّا أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهم وأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مِلَّتَهم هُدًى فَلا ضَيْرَ عَلَيْهِ إنِ اتَّبَعَها، مِثْلَ قَوْلِهِمْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّلَوُّنِ في الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ في جَوابِهِمْ بِما هو الأُسْلُوبُ في المُجاوَبَةِ مِن فِعْلِ القَوْلِ بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ قالُوا ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ . وهُدى اللَّهِ ما يُقَدِّرُهُ لِلشَّخْصِ مِنَ التَّوْفِيقِ أيْ قُلْ لَهم: لا أمْلِكُ لَكم هُدًى إلّا أنْ يَهْدِيَكُمُ اللَّهُ، فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهُدى اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيَّ هو الهُدى يَعْنِي: أنَّ القُرْآنَ هو الهُدى إبْطالًا لِغُرُورِهِمْ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ المِلَّةِ هو الهُدى، وأنَّ ما خالَفَهُ ضَلالٌ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ هو الهُدى وما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنَ الهُدى لِأنَّ أكْثَرَهُ مِنَ الباطِلِ. فَإضافَةُ الهُدى إلى اللَّهِ تَشْرِيفٌ، والقَصْرُ إضافِيٌّ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ حَرَّفُوهُ ووَضَعُوهُ. فَيَكُونُ القَصْرُ إمّا حَقِيقِيًّا ادِّعائِيًّا بِأنْ يُرادَ هو الهُدى الكامِلُ في الهِدايَةِ فَهُدى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ
صفحة ٦٩٤
بِالنِّسْبَةِ إلى هُدى القُرْآنِ كُلًّا هُدًى لِأنَّ هُدى القُرْآنِ أعَمُّ وأكْمَلُ فَلا يُنافِي إثْباتَ الهِدايَةِ لِكِتابِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] وقَوْلُهُ ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [المائدة: ٤٦] وإمّا قَصْرًا إضافِيًّا أيْ هو الهُدى دُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن مِلَّةٍ مُبْدَلَةٍ مَشُوبَةٍ بِضَلالاتٍ وبِذَلِكَ أيْضًا لا يَنْتَفِي الهُدى عَنْ كَثِيرٍ مِنَ التَّعالِيمِ والنَّصايِحِ الصّالِحَةِ الصّادِرَةِ عَنِ الحُكَماءِ وأهْلِ العُقُولِ الرّاجِحَةِ والتَّجْرِبَةِ لَكِنَّهُ هُدًى ناقِصٌ.
وقَوْلُهُ هو الهُدى الضَّمِيرُ ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ. والتَّعْرِيفُ في الهُدى تَعْرِيفُ الجِنْسِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِغْراقِ فَفِيهِ طَرِيقانِ مِن طُرُقِ الحَصْرِ هُما: ضَمِيرُ الفَصْلِ وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ وفي الجَمْعِ بَيْنَهُما إفادَةُ تَحْقِيقِ مَعْنى القَصْرِ وتَأْكِيدِهِ لِلْعِنايَةِ بِهِ فَأيُّهُما اعْتَبَرْتَهُ طَرِيقَ قَصْرٍ كانَ الآخَرُ تَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ ولِلْخَبَرِ أيْضًا.
والتَّوْكِيدُ بِأنَّ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ وتَحْقِيقِ نِسْبَتِهِ وإبْطالِ تَرَدُّدِ المُتَرَدِّدِ لِأنَّ القَصْرَ الإضافِيَّ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُ رَدَّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ قَدْ لا يَتَفَطَّنُ المُخاطَبُ إلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ فَزِيدَ هُنا مُؤَكَّدٌ آخَرُ وهو حَرْفُ ”إنَّ“ اهْتِمامًا بِتَأْكِيدِ هَذا الحُكْمِ. فَقَدِ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عِدَّةُ مُؤَكِّداتٍ هي: حَرْفُ إنَّ. والقَصْرُ، إذِ القَصْرُ تَأْكِيدٌ عَلى تَأْكِيدٍ كَما في المِفْتاحِ فَهو في قُوَّةِ مُؤَكِّدَيْنِ، مَعَ تَأْكِيدِ القَصْرِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ وهي تَنْحَلُّ إلى أرْبَعَةِ مُؤَكِّداتٍ لِأنَّ القَصْرَ بِمَنزِلَةِ تَأْكِيدَيْنِ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِما تَأْكِيدُ القَصْرِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ.
ولَعَلَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى أنَّ اسْتِقْبالَ النَّبِيءِ ﷺ في الصَّلاةِ إلى القِبْلَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها اليَهُودُ لِقَطْعِ مَعْذِرَةِ اليَهُودِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فَأعْلَمَ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ﴾ اليَهُودُ ولا النَّصارى بِأنَّ ذَلِكَ لا يُلِينُ مِن تَصَلُّبِ اليَهُودِ في عِنادِهِمْ فَتَكُونُ إيماءً إلى تَمْهِيدِ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْخَبَرِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وعَبَّرَ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ هُنالِكَ بِالمِلَّةِ نَظَرًا لِاعْتِقادِهِمْ وشُهْرَةِ ذَلِكَ عِنْدَ العَرَبِ، وعَبَّرَ عَنْها هُنا بِالأهْواءِ بَعْدَ أنْ مَهَّدَ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ فَإنَّ الهَوى
صفحة ٦٩٥
رَأيٌ ناشِئٌ عَنْ شَهْوَةٍ لا عَنْ دَلِيلٍ، ولِهَذا لَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ لِلْمِلَّةِ وعَبَّرَ عَنْها بِالِاسْمِ الظّاهِرِ فَشَمِلَتْ أهْواؤُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيءِ وبِالقُرْآنِ واعْتِقادَهم أنَّ مِلَّتَهم لا يَنْقُضُها شَرْعٌ آخَرُ.
وقَوْلُهُ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ تَحْذِيرٌ لِكُلِّ مَن تَلَقّى الإسْلامَ أنْ لا يَتَّبِعَ بَعْدَ الإسْلامِ أهْواءَ الأُمَمِ الأُخْرى، جاءَ عَلى طَرِيقَةِ تَحْذِيرِ النَّبِيءِ ﷺ مِثْلَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وهو جَوابُ القَسَمِ ودَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّ اللّامَ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ فالجَوابُ لَها. وجِيءَ بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي تَأْتِي في مَواقِعِ عَدَمِ القَطْعِ بِوُقُوعِ شَرْطِها لِأنَّ هَذا فَرْضٌ ضَعِيفٌ في شَأْنِ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ. والوَلِيُّ القَرِيبُ والحَلِيفُ.
والنَّصِيرُ كُلُّ مَن يُعِينُ أحَدًا عَلى مَن يُرِيدُ بِهِ ضُرّا وكِلاهُما فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِنَ اللَّهِ“ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيٍّ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى مانِعٍ مِن عِقابِهِ ويُقَدَّرُ مِثْلُهُ بَعْدَ ”ولا نَصِيرٍ“ أيْ نَصِيرٌ مِنَ اللَّهِ. و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن ولِيٍّ“ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ. وعَطْفُ النَّصِيرِ عَلى الوَلِيِّ احْتِراسٌ لِأنَّ نَفْيَ الوَلِيِّ لا يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ نَصِيرٍ إذْ لا يَكُونُ لِأحَدٍ ولِيٌّ لِكَوْنِهِ دَخِيلًا في قَبِيلَةٍ ويَكُونُ أنْصارُهُ مِن جِيرَتِهِ. وكانَ القَصْدُ مِن نَفْيِ الوِلايَةِ التَّعْرِيضَ بِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ فَنَفى ذَلِكَ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يَتَّبِعُوا دَعْوَةَ الإسْلامِ ثُمَّ نَفى الأعَمَّ مِنهُ وهَذِهِ نُكْتَةُ عَدَمِ الِاقْتِصارِ عَلى نَفْيِ الأعَمِّ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ جُمْلَةُ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم إلى آخِرِها عَلى تَحْذِيرٍ مِنَ الطَّمَعِ في اسْتِدْناءِ اليَهُودِ أوِ النَّصارى بِشَيْءٍ مِنَ اسْتِرْضائِهِمْ طَمَعًا في إسْلامِهِمْ بِتَألُّفِ قُلُوبِهِمْ فَأكَّدَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِعَشَرَةِ مُؤَكِّداتٍ وهي القَسَمُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ. وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ الجَزاءِ بِإنَّ. وبِلامِ الِابْتِداءِ في خَبَرِها. واسْمِيَّةُ جُمْلَةِ الجَزاءِ وهي ”﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾“ . وتَأْكِيدُ النَّفْيِ بِمِن في قَوْلِهِ ”مِن ولِيٍّ“ والإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ اسْمِ المَوْصُولِ وتَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ ”مِنَ العِلْمِ“ . وجَعْلُ الَّذِي جاءَ أيْ ”أُنْزِلَ إلَيْهِ“ هو العِلْمُ كُلُّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغَيْرِهِ لِنُقْصانِهِ. وتَأْكِيدُ ”مِن ولِيٍّ“ بِعَطْفِ ”ولا نَصِيَرٍ“ الَّذِي هو آيِلٌ إلى مَعْناهُ وإنِ اخْتَلَفَ مَفْهُومُهُ، فَهو كالتَّأْكِيدِ بِالمُرادِفِ.
البقرة 2:121
صفحة ٦٩٦
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ [البقرة: ١٢٠] مَعَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] لِتَضَمُّنِهِ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَيْسُوا يَوْمَئِذٍ عَلى شَيْءٍ مِنَ الهُدى كَأنَّ سائِلًا سَألَ كَيْفَ وهم مُتَمَسِّكُونَ بِشَرِيعَةٍ ومَنِ الَّذِي هو عَلى هُدًى مِمَّنِ اتَّبَعَ هاتَيْنِ الشَّرِيعَتَيْنِ ؟
فَأُجِيبُ بِأنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وتَلَوْهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا في آخِرِ الكَلامِ لِبَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِقَصْدِ إبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم عَلى التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ بِالكِتابِ. وهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] إلَخْ. وهو صَدْرُ هاتِهِ المُحاوَراتِ وما تَخَلَّلَها مِنَ الأمْثالِ والعِبَرِ والبَيانِ. فَقَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ وجَوابٌ قاطِعٌ لِمَعْذِرَتِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ وهو مِن بابِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. ولِأحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها في مَعْنى الجَوابِ، ولِأنَّ المَحْكِيَّ بِها مُبايِنٌ لِما يُقابِلُهُ المُتَضَمِّنُ لَهُ قَوْلُهُ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١] ولَمّا انْتُقِلَ مِنهُ إلَيْهِ وهو قَوْلُهُ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] وقَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] وقَوْلُهُ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ حالٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إذْ هُمُ الآنَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ. وانْتَصَبَ حَقَّ تِلاوَتِهِ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، وإضافَتُهُ إلى المَصْدَرِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ تِلاوَةً حَقًّا.
والحَقُّ هُنا ضِدُّ الباطِلِ أيْ تِلاوَةً مُسْتَوْفِيَةً قِوامَ نَوْعِها لا يَنْقُصُها شَيْءٌ مِمّا يُعْتَبَرُ في التِّلاوَةِ وتِلْكَ هي التِّلاوَةُ بِفَهْمِ مَقاصِدِ الكَلامِ المَتْلُوِّ فَإنَّ الكَلامَ يُرادُ مِنهُ إفْهامُ السّامِعِ فَإذا تَلاهُ القارِئُ ولَمْ يَفْهَمْ جَمِيعَ ما أرادَهُ قائِلُهُ كانَتْ تِلاوَتُهُ غامِضَةً، فَحَقُّ التِّلاوَةِ هو العِلْمُ بِما في المَتْلُوِّ.
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو اسْمُ المَوْصُولِ، وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في تَعْرِيفِهِمْ دُونَ الضَّمِيرِ وغَيْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الأوْصافَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي اسْتُحْضِرُوا
صفحة ٦٩٧
بِواسِطَتِها حَتّى أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِاتِّصافِهِمْ بِها هي المُوجِبَةُ لِجَدارَتِهِمْ بِالحُكْمِ المُسْنَدِ لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى حَدِّ (﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]) فَلا شَكَّ أنَّ تِلاوَتَهُمُ الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ تُثْبِتُ لَهم أوْحَدِيَّتَهم بِالإيمانِ بِذَلِكَ الكِتابِ لِأنَّ إيمانَ غَيْرِهِمْ بِهِ كالعَدَمِ. فالقَصْرُ ادِّعائِيٌّ. فَضَمِيرُ ”بِهِ“ راجِعٌ إلى الكِتابِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وإذا كانُوا هُمُ المُؤْمِنِينَ بِهِ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِانْطِباقِ الصِّفاتِ الَّتِي في كُتُبِهِمْ عَلَيْهِ ولِأنَّهم مَأْخُوذٌ عَلَيْهِمُ العَهْدُ أنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ المُقَفّى وأنْ يَجْتَهِدُوا في التَّمْيِيزِ بَيْنَ الصّادِقِ مِنَ الأنْبِياءِ والكَذَبَةِ حَتّى يَسْتَيْقِنُوا انْطِباقَ الصِّفاتِ عَلى النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ فَمِن هُنا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إنَّ ضَمِيرَ ”بِهِ“ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ ”يُؤْمِنُونَ بِهِ“ إلى الهُدى في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] أيْ يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، فالضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ راجِعٌ لِلْكِتابِ في قَوْلِهِ ﴿آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، واللّامُ لِلْجِنْسِ أوِ التَّوْراةِ فَقَطْ لِأنَّها مُعْظَمُ الدِّينَيْنِ والإنْجِيلُ تَكْمِلَةٌ فاللّامُ لِلْعَهْدِ. ومِن هَؤُلاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مِنَ اليَهُودِ وعَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ مِنَ النَّصارى.
والقَوْلُ في قَوْلِهِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ كالقَوْلِ في أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهو تَصْرِيحٌ بِحُكْمِ مَفْهُومِ (﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾) وفِيهِ اكْتِفاءٌ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحُكْمِ المَنطُوقِ وهو أنَّ المُؤْمِنِينَ بِهِ هُمُ الرّابِحُونَ فَفي الآيَةِ إيجازٌ بَدِيعٌ لِدَلالَتِها عَلى أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَهم كافِرُونَ فالمُؤْمِنُونَ بِهِ هُمُ الفائِزُونَ والكافِرُونَ هُمُ الخاسِرُونَ.
البقرة 2:122
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾
أُعِيدَ نِداءُ بَنِي إسْرائِيلَ نِداءَ التَّنْبِيهِ والإنْذارِ والتَّذْكِيرِ عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ الماضِي لِأجْلِهِ فَإنَّهُ ابْتَدَأ نِداءَهم أوَّلًا بِمِثْلِ هاتِهِ المَوْعِظَةِ في ابْتِداءِ التَّذْكِيرِ
صفحة ٦٩٨
بِأحْوالِهِمُ الكَثِيرَةِ خَيْرِها وشَرِّها عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] فَذِكْرُ مِثْلِ هاتِهِ الجُمْلَةِ هُناكَ كَذِكْرِ المَطْلُوبِ في صِناعَةِ المَنطِقِ قَبْلَ إقامَةِ البُرْهانِ، وذِكْرُها هُنا كَذِكْرِ النَّتِيجَةِ في المَنطِقِ عَقِبَ البُرْهانِ تَأْيِيدًا لِما تَقَدَّمَ وفَذْلَكَةً لَهُ وهو مِن ضُرُوبِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
وقَدْ أُعِيدَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالألْفاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ بِها هُنالِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى نُكْتَةِ التَّكْرِيرِ لِلتَّذْكِيرِ، ولَمْ يُخالِفْ بَيْنَ الآيَتَيْنِ إلّا في التَّرْتِيبِ بَيْنَ العَدْلِ والشَّفاعَةِ، فَهُنالِكَ قَدَّمَ (﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وأخَّرَ (﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وهُنا قَدَّمَ ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ وأخَّرَ لَفْظَ الشَّفاعَةِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَنْفَعُها وهو تَفَنُّنٌ، والتَّفَنُّنُ في الكَلامِ تَنْتَفِي بِهِ سَآمَةُ الإعادَةِ مَعَ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ التَّكْرِيرِ، وقَدْ حَصُلَ مَعَ التَّفَنُّنِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ إذْ جاءَتِ الشَّفاعَةُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مُسْنَدًا إلَيْها المَقْبُولِيَّةُ فَقُدِّمَتْ عَلى العَدْلِ بِسَبَبِ نَفْيِ قَبُولِها، ونَفْيُ قَبُولِ الشَّفاعَةِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ أخْذِ الفِداءِ، فَعَطَفَ نَفْيَ أخَذِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ. وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدَّمَ الفِداءَ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ المَقْبُولِيَّةُ، ونَفْيُ قَبُولِ الفِداءِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ، فَعَطَفَ نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ عَلى نَفْيِ قَبُولِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ أيْضًا. والحاصِلُ أنَّ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ أنْ يَكُونَ مَقْبُولًا قَدْ جُعِلَ في الآيَتَيْنِ أوَّلًا وذُكِرَ الآخَرُ بَعْدَهُ. وأمّا نَفْيُ القَبُولِ مَرَّةً عَنِ الشَّفاعَةِ ومَرَّةً عَنِ العَدْلِ فَلِأنَّ أحْوالَ الأقْوامِ في طَلَبِ الفِكاكِ عَنِ الجُناةِ تَخْتَلِفُ فَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الفِداءَ فَإذا لَمْ يُقْبَلْ قَدَّمُوا الشُّفَعاءَ. ومَرَّةً يُقَدِّمُونَ الشُّفَعاءَ فَإذا لَمْ تُقْبَلْ شَفاعَتُهم عَرَضُوا الفِداءَ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ مُرادٌ مِنهُ أنَّهُ لا عَدْلَ فَيُقْبَلُ ولا شَفاعَةَ شَفِيعٍ يَجِدُونَهُ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ لِأنَّ دَفْعَ الفِداءِ مُتَعَذِّرٌ وتَوَسُّطَ الشَّفِيعِ لِمِثْلِهِمْ مَمْنُوعٌ إذْ لا يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَيَكُونُ نَفْيُ نَفْعِ الشَّفاعَةِ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِ
عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
يُرِيدُ أنَّها كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المَوْصُوفِ بِنَفْيِ صِفَتِهِ المُلازِمَةِ
صفحة ٦٩٩
لَهُ كَقَوْلِهِمْ
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
. وهو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ المَناطِقَةُ بِأنَّ السّالِبَةَ تَصْدُقُ مَعَ نَفْيِ المَوْضُوعِ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأمّا أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالًا في أصْلِ العَرَبِيَّةِ فَلا والمَناطِقَةُ تَبِعُوا فِيهِ أسالِيبَ اليُونانِ.
والقَوْلُ في بَقِيَّةِ الآياتِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما تَقَدَّمَ في نَظِيرَتِها.
وهُنا خَتَمَ الحِجاجَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ في هَذِهِ السُّورَةِ وذَلِكَ مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ.
البقرة 2:123
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾
أُعِيدَ نِداءُ بَنِي إسْرائِيلَ نِداءَ التَّنْبِيهِ والإنْذارِ والتَّذْكِيرِ عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ الماضِي لِأجْلِهِ فَإنَّهُ ابْتَدَأ نِداءَهم أوَّلًا بِمِثْلِ هاتِهِ المَوْعِظَةِ في ابْتِداءِ التَّذْكِيرِ
صفحة ٦٩٨
بِأحْوالِهِمُ الكَثِيرَةِ خَيْرِها وشَرِّها عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] فَذِكْرُ مِثْلِ هاتِهِ الجُمْلَةِ هُناكَ كَذِكْرِ المَطْلُوبِ في صِناعَةِ المَنطِقِ قَبْلَ إقامَةِ البُرْهانِ، وذِكْرُها هُنا كَذِكْرِ النَّتِيجَةِ في المَنطِقِ عَقِبَ البُرْهانِ تَأْيِيدًا لِما تَقَدَّمَ وفَذْلَكَةً لَهُ وهو مِن ضُرُوبِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
وقَدْ أُعِيدَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالألْفاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ بِها هُنالِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى نُكْتَةِ التَّكْرِيرِ لِلتَّذْكِيرِ، ولَمْ يُخالِفْ بَيْنَ الآيَتَيْنِ إلّا في التَّرْتِيبِ بَيْنَ العَدْلِ والشَّفاعَةِ، فَهُنالِكَ قَدَّمَ (﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وأخَّرَ (﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وهُنا قَدَّمَ ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ وأخَّرَ لَفْظَ الشَّفاعَةِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَنْفَعُها وهو تَفَنُّنٌ، والتَّفَنُّنُ في الكَلامِ تَنْتَفِي بِهِ سَآمَةُ الإعادَةِ مَعَ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ التَّكْرِيرِ، وقَدْ حَصُلَ مَعَ التَّفَنُّنِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ إذْ جاءَتِ الشَّفاعَةُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مُسْنَدًا إلَيْها المَقْبُولِيَّةُ فَقُدِّمَتْ عَلى العَدْلِ بِسَبَبِ نَفْيِ قَبُولِها، ونَفْيُ قَبُولِ الشَّفاعَةِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ أخْذِ الفِداءِ، فَعَطَفَ نَفْيَ أخَذِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ. وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدَّمَ الفِداءَ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ المَقْبُولِيَّةُ، ونَفْيُ قَبُولِ الفِداءِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ، فَعَطَفَ نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ عَلى نَفْيِ قَبُولِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ أيْضًا. والحاصِلُ أنَّ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ أنْ يَكُونَ مَقْبُولًا قَدْ جُعِلَ في الآيَتَيْنِ أوَّلًا وذُكِرَ الآخَرُ بَعْدَهُ. وأمّا نَفْيُ القَبُولِ مَرَّةً عَنِ الشَّفاعَةِ ومَرَّةً عَنِ العَدْلِ فَلِأنَّ أحْوالَ الأقْوامِ في طَلَبِ الفِكاكِ عَنِ الجُناةِ تَخْتَلِفُ فَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الفِداءَ فَإذا لَمْ يُقْبَلْ قَدَّمُوا الشُّفَعاءَ. ومَرَّةً يُقَدِّمُونَ الشُّفَعاءَ فَإذا لَمْ تُقْبَلْ شَفاعَتُهم عَرَضُوا الفِداءَ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ مُرادٌ مِنهُ أنَّهُ لا عَدْلَ فَيُقْبَلُ ولا شَفاعَةَ شَفِيعٍ يَجِدُونَهُ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ لِأنَّ دَفْعَ الفِداءِ مُتَعَذِّرٌ وتَوَسُّطَ الشَّفِيعِ لِمِثْلِهِمْ مَمْنُوعٌ إذْ لا يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَيَكُونُ نَفْيُ نَفْعِ الشَّفاعَةِ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِ
عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ
يُرِيدُ أنَّها كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المَوْصُوفِ بِنَفْيِ صِفَتِهِ المُلازِمَةِ
صفحة ٦٩٩
لَهُ كَقَوْلِهِمْ
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
. وهو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ المَناطِقَةُ بِأنَّ السّالِبَةَ تَصْدُقُ مَعَ نَفْيِ المَوْضُوعِ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأمّا أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالًا في أصْلِ العَرَبِيَّةِ فَلا والمَناطِقَةُ تَبِعُوا فِيهِ أسالِيبَ اليُونانِ.
والقَوْلُ في بَقِيَّةِ الآياتِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما تَقَدَّمَ في نَظِيرَتِها.
وهُنا خَتَمَ الحِجاجَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ في هَذِهِ السُّورَةِ وذَلِكَ مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ.
البقرة 2:124
﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِيَ الظّالِمِينَ﴾
لَمّا كَمُلَتِ الحُجَجُ نُهُوضًا عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ ومُشْرِكِي العَرَبِ في عَمِيقِ ضَلالِهِمْ بِإعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، وتَبْيِنِ سُوءِ نَواياهُمُ الَّتِي حالَتْ دُونَ الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ والِانْتِفاعِ بِفَضْلِهِ، وسَجَّلَ ذَلِكَ عَلى زُعَماءِ المُعانِدِينَ أعْنِي اليَهُودَ ابْتِداءً بِقَوْلِهِ يا بَنِي إسْرائِيلَ مَرَّتَيْنِ، وأدْمَجَ مَعَهُمُ النَّصارى اسْتِطْرادًا مَقْصُودًا، ثُمَّ أُنْصِفَ المُنْصِفُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ يَتْلُونَ الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ، انْتَقَلَ إلى تَوْجِيهِ التَّوْبِيخِ والتَّذْكِيرِ إلى العَرَبِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أفْضَلُ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وأنَّهم يَتَعَلَّقُونَ بِمِلَّتِهِ، وأنَّهم زَرْعُ إسْماعِيلَ وسَدَنَةُ البَيْتِ الَّذِي بَناهُ، وكانُوا قَدْ وُخِزُوا بِجانِبٍ مِنَ التَّعْرِيضِ في خِلالِ المُحاوَراتِ الَّتِي جَرَتْ مَعَ أهْلِ الكِتابِ لِلصِّفَةِ الَّتِي جَمَعَتْهم وإيّاهم مِن حَسَدِ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ عَلى ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن خَيْرٍ، ومِن قَوْلِهِمْ: لَيْسَ المُسْلِمُونَ عَلى شَيْءٍ، ومِن قَوْلِهِمُ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا، ومِن قَوْلِهِمْ: لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ.
فَلَمّا أخَذَ اليَهُودُ والنَّصارى حَظَّهم مِنَ الإنْذارِ والمَوْعِظَةِ كامِلًا فِيما اخْتَصُّوا بِهِ، وأخَذُوا مَعَ المُشْرِكِينَ حَظَّهم مِن ذَلِكَ فِيما اشْتَرَكُوا فِيهِ تَهَيَّأ المَقامُ لِلتَّوَجُّهِ إلى مُشْرِكِي العَرَبِ لِإعْطائِهِمْ حَظَّهم مِنَ المَوْعِظَةِ كامِلًا فِيما
صفحة ٧٠٠
اخْتَصُّوا بِهِ، فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ فَضائِلِ إبْراهِيمَ ومَنزِلَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ ودَعْوَتِهِ لِعَقِبِهِ عَقِبَ ذِكْرِ أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ، هي الِاتِّحادُ في المَقْصِدِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن تَذْكِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِالنِّعَمِ، والتَّخْوِيفِ، تَحْرِيضُهم عَلى الإنْصافِ في تَلَقِّي الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ والتَّجَرُّدِ مِنَ المُكابَرَةِ والحَسَدِ وتَرْكِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِنَيْلِ السَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ.
والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ مَوْعِظَةُ المُشْرِكِينَ ابْتِداءً وبَنِي إسْرائِيلَ تَبَعًا لَهُ، لِأنَّ العَرَبَ أشَدُّ اخْتِصاصًا بِإبْراهِيمَ مِن حَيْثُ إنَّهم يَزِيدُونَ عَلى نَسَبِهِمْ إلَيْهِ بِكَوْنِهِمْ حَفَظَةَ حَرَمِهِ، ومُنْتَمِينَ قَدِيمًا لِلْحَنِيفِيَّةِ ولَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِمْ دِينٌ يُخالِفُ الحَنِيفِيَّةَ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابَيْنِ. فَحَقِيقٌ أنْ نَجْعَلَ قَوْلَهُ ”﴿وإذِ ابْتَلى﴾“ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] كَما دَلَّ عَلَيْهِ افْتِتاحُهُ بِإذْ عَلى نَحْوِ افْتِتاحِ ذِكْرِ خَلْقِ آدَمَ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فَإنَّ الأوَّلَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الخَلْقِ الأوَّلِ وقَدْ وقَعَ عَقِبَ التَّعَجُّبِ مِن كُفْرِ المُشْرِكِينَ بِالخالِقِ في قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ثُمَّ عُقِّبَتْ تِلْكَ التَّذْكِرَةُ بِإنْذارِ مَن يَكْفُرُ بِآياتِ اللَّهِ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ، ثُمَّ خُصَّ مِن بَيْنِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ عُهِدَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى عَهْدُ الإيمانِ وتَصْدِيقُ الرَّسُولِ الَّذِي يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، لِأنَّهم صارُوا بِمَنزِلَةِ الشُّهَداءِ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ.
فَتَهَيَّأ المَقامُ لِتَذْكِيرِ الفَرِيقَيْنِ بِأبِيهِمُ الأقْرَبِ وهو إبْراهِيمُ أيُّ وجْهٍ يَكُونُ المَقْصُودُ بِالخِطابِ فِيهِ ابْتِداءً العَرَبَ، ويَضُمُّ الفَرِيقَ الآخَرَ مَعَهم في قَرَنٍ، ولِذَلِكَ كانَ مُعْظَمُ الثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ بِذِكْرِ بِناءِ البَيْتِ الحَرامِ وما تَبِعَهُ إلى أنْ ذُكِرَتِ القِبْلَةُ وسَطَ ذَلِكَ، ثُمَّ طَوى بِالِانْتِقالِ إلى ذِكْرِ سَلَفِ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣] لِيُفْضِيَ إلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] فَيَرْجِعُ إلى تَفْضِيلِ الحَنِيفِيَّةِ والإعْلامِ بِأنَّها أصْلُ الإسْلامِ وأنَّ المُشْرِكِينَ لَيْسُوا في شَيْءٍ مِنها وكَذَلِكَ اليَهُودَ والنَّصارى. وقَدِ افْتَتَحَ ذِكْرَ هَذَيْنِ الطَّوْرَيْنِ بِفَضْلِ ذِكْرِ فَضْلِ الأبَوَيْنِ آدَمَ وإبْراهِيمَ، فَجاءَ الخَبَرانِ عَلى أُسْلُوبٍ واحِدٍ عَلى أبْدَعِ وجْهٍ وأحْكَمِ نَظْمٍ. فَتَعَيَّنَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ واذْكُرْ إذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿وإذِ ابْتَلى﴾“ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ”نِعْمَتِي“ أيِ اذْكُرُوا نِعْمَتِي وابْتِلائِي
صفحة ٧٠١
إبْراهِيمَ، ويَلْزَمُهُ تَخْصِيصُ هاتِهِ المَوْعِظَةِ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وتَخَلَّلَ ”﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: ١٢٣]“ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ وذَلِكَ يُضَيِّقُ شُمُولَ الآيَةِ، وقَدْ أُدْمِجَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ ”﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾“ وقَوْلُهُ ﴿لا يَنالُ عَهْدِيَ الظّالِمِينَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَقْصِدٌ آخَرُ وهو تَمْهِيدُ الِانْتِقالِ إلى فَضائِلِ البَلَدِ الحَرامِ والبَيْتِ الحَرامِ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الَّذِينَ عَجِبُوا مِن نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ وتَذَرَّعُوا بِذَلِكَ إلى الطَّعْنِ في الإسْلامِ بِوُقُوعِ النَّسْخِ فِيهِ، وإلى تَنْفِيرِ عامَّةِ أهْلِ الكِتابِ مِنِ اتِّباعِهِ لِأنَّهُ غَيَّرَ قِبْلَتَهم لِيُظْهِرَ لَهم أنَّ الكَعْبَةَ هي أجْدَرُ بِالِاسْتِقْبالِ وأنَّ اللَّهَ اسْتَبْقاها لِهَذِهِ الأُمَّةِ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيَّةِ هَذا الدِّينِ. والِابْتِلاءُ افْتِعالٌ مِنَ البَلاءِ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ، والبَلاءُ الِاخْتِبارُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيهِ لِأنَّ الَّذِي يُكَلِّفُ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ يَكُونُ تَكْلِيفُهُ مُتَضَمِّنًا انْتِظارَ فِعْلِهِ أوْ تَرْكِهِ فَيَلْزَمُهُ الِاخْتِبارُ فَهو مَجازٌ عَلى مَجازٍ، والمُرادُ هُنا التَّكْلِيفُ لِأنَّ اللَّهَ كَلَّفَهُ بِأوامِرَ ونَواهٍ إمّا مِنَ الفَضائِلِ والآدابِ وإمّا مِنَ الأحْكامِ التَّكْلِيفِيَّةِ الخاصَّةِ بِهِ، ولَيْسَ في إسْنادِ الِابْتِلاءِ إلى اللَّهِ تَعالى إشْكالٌ بَعْدَ أنْ عَرَفْتَ أنَّهُ مَجازٌ في التَّكْلِيفِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، وكَيْفَما كانَ فَطَرِيقُ التَّكْلِيفِ وحْيٌ لا مَحالَةَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِنُبُوءَةٍ لِتَتَهَيَّأ نَفْسُهُ لِتَلَقِّي الشَّرِيعَةِ فَلَمّا امْتَثَلَ ما أُمِرَ بِهِ أُوحِيَ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ وهي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾“ بَدَلَ بَعْضٍ مِن جُمْلَةِ ”وإذِ ابْتَلى“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِابْتِلاءُ هو الوَحْيُ بِالرِّسالَةِ ويَكُونُ قَوْلُهُ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا تَفْسِيرًا لِابْتَلى.
والإمامُ الرَّسُولُ والقُدْوَةُ. وإبْراهِيمُ اسْمُ الرَّسُولِ العَظِيمِ المُلَقَّبِ بِالخَلِيلِ وهو إبْراهِيمُ بْنُ تارَحَ وتُسَمِّي العَرَبُ تارَحَ آزَرَ بْنَ ناحُورَ بْنِ سُرُوجِ، بْنِ رَعْوِ، بْنِ فالِحَ، بْنِ عابِرَ بْنِ شالِحَ بْنِ أرْفِكْشادَ، بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ هَكَذا تَقُولُ التَّوْراةُ، ومَعْنى إبْراهِيمَ في لُغَةِ الكَلْدانِيِّينَ: أبٌ رَحِيمٌ أوْ أبٌ راحِمٌ قالَهُ السُّهَيْلِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وفي التَّوْراةِ أنَّ اسْمَ إبْراهِيمَ إبْرامُ وأنَّ اللَّهَ لَمّا أوْحى إلَيْهِ وكَلَّمَهُ أمَرَهُ أنْ يُسَمّى إبْراهِيمَ لِأنَّهُ يَجْعَلُهُ أبا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ، فَمَعْنى إبْراهِيمَ عَلى هَذا أبُو أُمَمٍ كَثِيرَةٍ. وُلِدَ في أُورِ الكَلْدانِيِّينَ سَنَةَ ١٩٩٦ سِتٍّ وتِسْعِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، ثُمَّ انْتَقَلَ بِهِ والِدُهُ إلى أرْضِ كَنْعانَ وهي أرْضُ الفِنِيقِيِّينَ فَأقامُوا بِحارانَ (هي حَوْرانُ)
صفحة ٧٠٢
ثُمَّ خَرَجَ مِنها لِقَحْطٍ أصابَ حارانَ فَدَخَلَ مِصْرَ وزَوْجُهُ سارَّةُ وهُنالِكَ رامَ مَلِكُ مِصْرَ افْتِكاكَ سارَّةَ فَرَأى آيَةً صَرَفَتْهُ عَنْ مَرامِهِ فَأكْرَمَها وأهْداها جارِيَةً مِصْرِيَّةً اسْمُها هاجَرُ وهي أُمُّ ولَدِهِ إسْماعِيلَ، وسَمّاهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إبْراهِيمَ، وأسْكَنَ ابْنَهُ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ هاجَرَ بِوادِي مَكَّةَ ثُمَّ لَمّا شَبَّ إسْماعِيلُ بَنى إبْراهِيمُ البَيْتَ الحَرامَ هُنالِكَ.
وتُوُفِّيَ إبْراهِيمُ سَنَةَ ١٧٧٣ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، وفي اسْمِهِ لُغاتٌ لِلْعَرَبِ: إحْداها إبْراهِيمُ وهي المَشْهُورَةُ وقَرَأ بِها الجُمْهُورُ، والثّانِيَةُ: إبْراهامُ وقَعَتْ في قِراءَةِ هِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ حَيْثُما وقَعَ اسْمُ إبْراهِيمَ، الثّالِثَةُ: إبْراهِمُ وقَعَتْ في رَجَزٍ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْراهِمْ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ وهو قائِمْ
وذَكَرَ أبُو شامَةَ في شَرْحِ حِرْزِ الأمانِيِّ عَنِ الفَرّاءِ في إبْراهِيمَ سِتَّ لُغاتٍ: إبْراهِيمُ، إبْراهامُ، إبْراهُومُ، إبْراهِمُ، بِكَسْرِ الهاءِ، إبْراهَمُ بِفَتْحِ الهاءِ، إبْراهُمُ بِضَمِّ الهاءِ. ولَمْ يَقْرَأْ جُمْهُورُ القُرّاءِ العَشَرَةِ إلّا بِالأُولى، وقَرَأ بَعْضُهم بِالثّانِيَةِ في ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا سَيَقَعُ التَّنْبِيهُ عَلَيْها في مَواضِعِها، ومَعَ اخْتِلافِ هَذِهِ القِراءاتِ فَهو لَمْ يُكْتَبْ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ الأصْلِيَّةِ إلّا إبْراهِيمُ بِإثْباتِ الياءِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ لَمْ أجِدْ في مَصاحِفِ العِراقِ والشّامِ مَكْتُوبًا إبْراهَمَ بِمِيمٍ بَعْدَ الهاءِ ولَمْ يُكْتَبْ في شَيْءٍ مِنَ المَصاحِفِ إبْراهامُ بِالألْفِ بَعْدِ الهاءِ عَلى وفْقِ قِراءَةِ هِشامٍ، قالَ أبُو زُرْعَةَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ذَكْوانَ قالَ: سَمِعْتُ أبا خُلَيْدٍ القارِئَ يَقُولُ في القُرْآنِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ مَوْضِعًا إبْراهامُ قالَ أبُو خُلَيْدٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمالِكِ بْنِ أنَسٍ فَقالَ عِنْدَنا مُصْحَفٌ قَدِيمٌ فَنَظَرَ فِيهِ ثُمَّ أعْلَمَنِي أنَّهُ وجَدَها فِيهِ كَذَلِكَ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرانَ رُوِيَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ إنَّ أهْلَ دِمَشْقَ يَقْرَءُونَ إبْراهامَ ويَدَّعُونَ أنَّها قِراءَةُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ مالِكٌ ها مُصْحَفُ عُثْمانَ عِنْدِي ثُمَّ دَعا بِهِ فَإذا فِيهِ كَما قَرَأ أهْلُ دِمَشْقَ.
وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ وهو لَفْظُ إبْراهِيمُ لِأنَّ المَقْصُودَ تَشْرِيفُ إبْراهِيمَ بِإضافَةِ اسْمِ رَبٍّ إلى اسْمِهِ مَعَ مُراعاةِ الإيجازِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ وإذِ ابْتَلى اللَّهُ إبْراهِيمَ.
صفحة ٧٠٣
والكَلِماتُ الكَلامُ الَّذِي أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى إبْراهِيمَ إذِ الكَلِمَةُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلى مَعْنًى والمُرادُ بِها هُنا الجُمَلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وأجْمَلَها هُنا إذْ لَيْسَ الغَرَضُ تَفْصِيلَ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ ولا بَسْطَ القِصَّةِ والحِكايَةِ وإنَّما الغَرَضُ بَيانُ فَضْلِ إبْراهِيمَ بِبَيانِ ظُهُورِ عَزْمِهِ وامْتِثالِهِ لِتَكالِيفٍ فَأتى بِها كامِلَةً فَجُوزِيَ بِعَظِيمِ الجَزاءِ، وهَذِهِ عادَةُ القُرْآنِ في إجْمالِ ما لَيْسَ بِمَحَلِّ الحاجَةِ، ولَعَلَّ جَمْعَ الكَلِماتِ جَمْعُ السَّلامَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِها أُصُولُ الحَنِيفِيَّةِ وهي قَلِيلَةُ العَدَدِ كَثِيرَةُ الكُلْفَةِ، فَلَعَلَّ مِنها الأمْرَ بِذَبْحِ ولَدِهِ، وأمَرَهُ بِالِاخْتِتانِ، وبِالمُهاجَرَةِ بِهاجَرَ إلى شَقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وأعْظَمُ ذَلِكَ أمْرُهُ بِذَبْحِ ولَدِهِ إسْماعِيلَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ في الرُّؤْيا، وقَدْ سُمِّيَ ذَلِكَ بَلاءٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] وقَوْلُهُ ”فَأتَمَهُنَّ“ جِيءَ فِيهِ بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في الِامْتِثالِ وذَلِكَ مِن شِدَّةِ العَزْمِ، والإتْمامُ في الأصْلِ الإتْيانُ بِنِهايَةِ الفِعْلِ أوْ إكْمالُ آخِرِ أجْزاءِ المَصْنُوعِ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ أتَمَّ إلى ضَمِيرِ كَلِماتٍ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وهو مِن تَعْلِيقِ الفِعْلِ بِحاوِي المَفْعُولِ لِأنَّهُ كالمَكانِ لَهُ وفي مَعْنى الإتْمامِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] وقَوْلُهُ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] فالإفْعالُ هُنا بِمَعْنى إيقاعِ الفِعْلِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ ولَيْسَ المُرادُ بِالهَمْزِ التَّصْيِيرَ أيْ صَيَّرَها تامَّةً بَعْدَ أنْ كانَتْ ناقِصَةً إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَها ثُمَّ أتى بِالبَعْضِ الآخَرِ، فَدَلَّ قَوْلُهُ ”فَأتْمَهُنَّ“ مَعَ إيجازِهِ عَلى الِامْتِثالِ وإتْقانِهِ والفَوْرِ فِيهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَقْصُودُ مِن جُزْءِ القِصَّةِ فَيَكُونُ عَطْفُها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ ابْتُلى فامْتَثَلَ كَقَوْلِكَ دَعَوْتُ فُلانًا فَأجابَ. وجُمْلَةُ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَمّا اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ مِن تَعْظِيمِ الخَبَرِ والتَّنْوِيهِ بِهِ، لِما يَقْتَضِيه ظَرْفُ إذْ مِنَ الإشارَةِ إلى قِصَّةٍ مِنَ الأخْبارِ التّارِيخِيَّةِ العَظِيمَةِ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى اقْتِصاصِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَصْلُ عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ لِأنَّ هَذا القَوْلَ مُجاوَبَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ابْتَلى والإمامُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأمِّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو القَصْدُ وهو وزْنُ فَعّالٍ مِن صِيَغِ الآلَةِ سَماعًا كالعِمادِ والنِّقابِ والإزارِ والرِّداءِ، فَأصْلُهُ ما يَحْصُلُ بِهِ الأمُّ أيِ القَصْدُ ولَمّا كانَ الدّالُّ عَلى الطَّرِيقِ يَقْتَدِي بِهِ السّايِرُ دَلَّ الإمامُ عَلى القُدْوَةِ والهادِي.
والمُرادُ بِالإمامِ هُنا الرَّسُولُ فَإنَّ الرِّسالَةَ أكْمَلُ أنْواعِ الإمامَةِ والرَّسُولُ أكْمَلُ أفْرادِ هَذا النَّوْعِ. وإنَّما عَدَلَ عَنِ التَّعْيِينِ بِرَسُولًا إلى إمامًا لِيَكُونَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّ رِسالَتَهُ تَنْفَعُ
صفحة ٧٠٤
الأُمَّةَ المُرْسَلَ إلَيْها بِطَرِيقِ التَّبْلِيغِ، وتَنْفَعُ غَيْرَهم مِنَ الأُمَمِ بِطَرِيقِ الِاقْتِداءِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحَلَ إلى آفاقٍ كَثِيرَةٍ فَتَنَقَّلَ مِن بِلادِ الكَلْدانِ إلى العِراقِ وإلى الشّامِ والحِجازِ ومِصْرَ، وكانَ في جَمِيعِ مَنازِلِهِ مَحَلَّ التَّبْجِيلِ ولا شَكَّ أنَّ التَّبْجِيلَ يَبْعَثُ عَلى الِاقْتِداءِ، وقَدْ قِيلَ إنَّ دِينَ بَرْهَما المُتَّبَعَ في الهِنْدِ أصْلُهُ مَنسُوبٌ إلى اسْمِ إبْراهَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَحْرِيفٍ أُدْخِلَ عَلى ذَلِكَ الدِّينِ كَما أُدْخِلَ التَّحْرِيفُ عَلى الحَنِيفِيَّةِ، ولِيَتَأتّى الإيجازُ في حِكايَةِ قَوْلِ إبْراهِيمَ الآتِي ”ومِن ذُرِّيَّتِي“ فَيَكُونُ قَدْ سَألَ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ الإمامَةُ بِأنْواعِها مِن رِسالَةٍ ومُلْكٍ وقُدْوَةٍ عَلى حَسَبِ التَّهَيُّؤِ فِيهِمْ، وأقَلُّ أنْواعِ الإمامَةِ كَوْنُ الرَّجُلِ الكامِلِ قُدْوَةً لِبَنِيهِ وأهْلِ بَيْتِهِ وتَلامِيذِهِ.
وقَوْلُهُ ”﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾“ جَوابٌ صَدَرَ مِن إبْراهِيمَ فَلِذا حُكِيَ بِقالَ دُونَ عاطِفٍ عَلى طَرِيقِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] والمَقُولُ مَعْطُوفٌ عَلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ يُسَمُّونَهُ عَطْفَ التَّلْقِينِ وهو عَطْفُ المُخاطَبِ كَلامًا عَلى ما وقَعَ في كَلامِ المُتَكَلِّمِ تَنْزِيلًا لِنَفْسِهِ في مَنزِلَةِ المُتَكَلِّمِ يُكْمِلُ لَهُ شَيْئًا تَرَكَهُ المُتَكَلِّمُ إمّا عَنْ غَفْلَةٍ وإمّا عَنِ اقْتِصارٍ فَيُلَقِّنُهُ السّامِعُ تَدارُكَهُ بِحَيْثُ يَلْتَئِمُ مِنَ الكَلامَيْنِ كَلامٌ تامٌّ في اعْتِقادِ المُخاطَبِ.
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «قالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بايَعْتُ النَّبِيءَ عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إلَخْ فَشَرَطَ عَلَيَّ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِلَّذِي سَألَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ فَقالَ لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ فَقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ”إنَّ وراكِبَها، وقَدْ لَقَّبُوهُ عَطْفَ التَّلْقِينِ كَما في شَرْحِ التَّفْتَزانِيِّ عَلى الكَشّافِ وذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ وُقُوعِ مِثْلِهِ في مَوْقِعِ العَطْفِ، والأوْلى أنْ تُحْذَفَ كَلِمَةُ عَطْفَ ونُسَمِّي هَذا الصِّنْفَ مِنَ الكَلامِ بِاسْمِ التَّلْقِينِ وهو تَلْقِينُ السّامِعِ المُتَكَلِّمِ ما يَراهُ حَقِيقًا بِأنْ يُلْحِقَهُ بِكَلامِهِ، فَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقَةِ العَطْفِ وهو الغالِبُ كَما هُنا، وقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الِانْكارِيِّ والحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٧٠] فَإنَّ الواوَ مَعَ لَوِ الوَصْلِيَّةِ واوُ الحالِ ولَيْسَ واوَ العَطْفِ فَهو إنْكارٌ عَلى إلْحاقِهِمُ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ ودَعْواهم، وقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِثْناءِ كَقَوْلِ العَبّاسِ «لَمّا قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَرَمِ مَكَّةَ“ لا يُعْضَدُ شَجَرُهُ ”فَقالَ العَبّاسُ إلّا الإذْخِرَ لِبُيُوتِنا وقَيْنِنا»، ولِلْكَلامِ المَعْطُوفِ عَطْفَ التَّلْقِينِ مِنَ الحُكْمِ حُكْمُ
صفحة ٧٠٥
الكَلامِ المَعْطُوفِ هو عَلَيْهِ خَبَرًا وطَلَبًا، فَإذا كانَ كَما هُنا عَلى طَرِيقِ العَرْضِ عُلِمَ إمْضاءُ المُتَكَلِّمِ لَهُ إيّاهُ، بِإقْرارِهِ كَما في الآيَةِ أوِ التَّصْرِيحِ بِهِ كَما وقَعَ في الحَدِيثِ إلّا الإذْخِرَ، ثُمَّ هو في الإنْشاءِ إذا عُطِفَ مَعْمُولُ الإنْشاءِ يَتَضَمَّنُ أنَّ المَعْطُوفَ لَهُ حُكْمُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ المُتَكَلِّمُ بِالعَطْفِ في الإنْشاءِ هو المُخاطَبُ بِالإنْشاءِ لَزِمَ تَأْوِيلُ عَطْفِ التَّلْقِينِ فِيهِ بِأنَّهُ عَلى إرادَةِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولٍ لازِمِ الإنْشاءِ فَفي الأمْرِ إذا عَطَفَ المَأْمُورُ مَفْعُولًا عَلى مَفْعُولِ الآمِرِ كانَ المَعْنى زِدْنِي مِنَ الأمْرِ فَأنا بِصَدَدِ الِامْتِثالِ وكَذا في المَنهِيِّ. والمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ أيْ وبَعْضٌ مِن ذُرِّيَّتِي أوْ وجاعِلُ بَعْضٍ مِن ذُرِّيَّتِي.
والذُّرِّيَّةُ نَسْلُ الرَّجُلِ وما تَوالَدَ مِنهُ ومِن أبْنائِهِ وبَناتِهِ، وهي مُشْتَقَّةٌ إمّا مِنَ الذَّرِّ اسْمًا وهو صِغارُ النَّمْلِ، وإمّا مِنَ الذَّرِّ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّفْرِيقِ، وإمّا مِنَ الذُّرى والذَّرْوِ بِالياءِ والواوِ وهو مَصْدَرُ ذَرَتِ الرِّيحُ إذا سَفَتْ، وإمّا مِنَ الذَّرْءِ بِالهَمْزِ وهو الخَلْقُ، فَوَزْنُها إمّا فُعْلِيَّةُ بِوَزْنِ النَّسَبِ إلى ذَرٍّ وضَمِّ الذّالِ في النَّسَبِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما قالُوا في النَّسَبِ إلى دَهْرٍ دُهْرِيٍّ بِضَمِّ الدّالِّ، وإمّا فُعِّيلَةٌ أوْ فُعُّولَةٌ مِنَ الذُّرى أوِ الذَّرْوِ أوِ الذَّرْءِ بِإدْغامِ اليائَيْنِ أوِ الياءِ مَعَ الواوِ أوِ الياءِ مَعَ الهَمْزَةِ بَعْدَ قَلْبِها ياءً وكُلُّ هَذا تَصْرِيفٌ لِاشْتِقاقِ الواضِعِ فَلَيْسَ قِياسَ التَّصْرِيفِ.
وإنَّما قالَ إبْراهِيمُ“ ومِن ذُرِّيَّتِي ”ولَمْ يَقُلْ وذُرِّيَّتِي لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ مِن هَذا العالَمِ لَمْ تَجْرِ بِأنْ يَكُونَ جَمِيعَ نَسْلِ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُونَ لِأنْ يُقْتَدى بِهِمْ فَلَمْ يَسْألْ ما هو مُسْتَحِيلٌ عادَةً لِأنَّ سُؤالَ ذَلِكَ لَيْسَ مِن آدابِ الدُّعاءِ.
وإنَّما سَألَ لِذَرِّيَّتِهِ ولَمْ يَقْصُرِ السُّؤالَ عَلى عَقِبِهِ كَما هو المُتَعارَفُ في عَصَبِيَّةِ القائِلِ لِأبْناءِ دِينِهِ عَلى الفِطْرَةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَفاوُتًا فَيَرى أبْناءَ الِابْنِ وأبْناءَ البِنْتِ في القُرْبِ مِنَ الجِدِّ بَلْ هُما سَواءٌ في حُكْمِ القَرابَةِ، وأمّا مَبْنى القَبَلِيَّةِ فَعَلى اعْتِباراتٍ عُرْفِيَّةٍ تَرْجِعُ إلى النُّصْرَةِ والِاعْتِزازِ فَأمّا قَوْلُ:
بَنُونا بَنُو أبْنائِنا وبَناتُنا ∗∗∗ بَنُوهُنَّ أبْناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
فَوَهْمٌ جاهِلِيٌّ، وإلّا فَإنَّ بَنِي الأبْناءِ أيْضًا بَنُوهم أبْناءُ النِّساءِ الأباعِدِ، وهَلْ يَتَكَوَّنُ نَسْلٌ إلّا مِن أبٍ وأُمٍّ. وكَذا قَوْلُ. . . .
صفحة ٧٠٦
وإنَّما أُمَّهاتُ النّاسِ أوْعِيَةٌ ∗∗∗ فِيها خُلِقْنَ ولِلْأبْناءِ أبْناءُ
فَذَلِكَ سَفْسَطَةٌ. وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ عَنِ الأحَقِّ بِالبَرِّ مِن أبَوَيْهِ“ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أبُوكَ» وقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَنالُ عَهْدِيَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِجابَةٌ مَطْوِيَّةٌ بِإيجازٍ وبَيانٍ لِلْفَرِيقِ الَّذِي تَتَحَقَّقُ فِيهِ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ والَّذِي لا تَتَحَقَّقُ فِيهِ بِالِاقْتِصارِ عَلى أحَدِهِما لِأنَّ حُكْمَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يَثْبُتُ نَقِيضُهُ لِلْآخَرِ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ الصِّنْفُ الَّذِي تَحَقَّقَ فِيهِ الدَّعْوَةُ لِأنَّ المَقْصِدَ ذِكْرُ الصِّنْفِ الآخَرِ تَعْرِيضًا بِأنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ يَوْمَئِذٍ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ وهم أهْلُ الكِتابِ ومُشْرِكُو العَرَبِ هُمُ الَّذِينَ يُحْرَمُونَ مَن دَعْوَتِه، قالَ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] . ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] ولِأنَّ المُرَبِّي يَقْصِدُ التَّحْذِيرَ مِنَ المَفاسِدِ قَبْلَ الحَثِّ عَلى المَصالِحِ، فَبَيانُ الَّذِينَ لا تَتَحَقَّقُ فِيهِمُ الدَّعْوَةُ أوْلى مِن بَيانِ الآخَرِينَ.
و”يَنالُ“ مُضارِعُ نالَ نَيْلًا بِالياءِ إذا أصابَ شَيْئًا والتَحَقَ بِهِ أيْ لا يُصِيبُ عَهْدِيَ الظّالِمِينَ أيْ لا يَشْمَلُهم، فالعَهْدُ هُنا بِمَعْنى الوَعْدِ المُؤَكَّدِ.
وسُمِّيَ وعْدُ اللَّهِ عَهْدًا لِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ كَما أخْبَرَ بِذَلِكَ فَصارَ وعْدُهُ عَهْدًا ولِذَلِكَ سَمّاهُ النَّبِيءُ عَهْدًا في قَوْلِهِ أنْشُدُكَ عَهْدُكُ ووَعْدُكُ، أيْ لا يَنالُ وعْدِي بِإجابَةِ دَعَوْتِكَ الظّالِمِينَ مِنهم، ولا يَحْسُنُ أنْ يُفَسَّرَ العَهْدُ هُنا بِغَيْرِ هَذا وإنْ كانَ في مَواقِعَ مِنَ القُرْآنِ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ العَهْدِ في سُورَةِ الأعْرافِ.
ومِن دِقَّةِ القُرْآنِ اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ هُنا لِأنَّ اليَهُودَ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ عَهِدَ لِإبْراهِيمَ عَهْدًا بِأنَّهُ مَعَ ذُرِّيَّتِهِ فَفي ذِكْرِ لَفْظِ العَهْدِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ وإنْ كانَ صَرِيحَ الكَلامِ لِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ ابْتِداءً المُشْرِكُونَ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم إذْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والظُّلْمُ يَشْمَلُ أيْضًا عَمَلَ المَعاصِي الكَبائِرِ كَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] وقَدْ وصَفَ القُرْآنُ اليَهُودَ بِوَصْفِ الظّالِمِينَ في قَوْلِهِ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] فالمُرادُ بِالظُّلْمِ المَعاصِي الكَبِيرَةُ وأعْلاها الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى.
صفحة ٧٠٧
وفِي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ لَيْسُوا جَدِيرِينَ بِالإمامَةِ لِاتِّصافِهِمْ بِأنْواعٍ مِنَ الظُّلْمِ كالشِّرْكِ وتَحْرِيفِ الكِتابِ وتَأْوِيلِهِ عَلى حَسَبِ شَهَواتِهِمْ والِانْهِماكِ في المَعاصِي حَتّى إذا عَرَضُوا أنْفُسَهم عَلى هَذا الوَصْفِ عَلِمُوا انْطِباقَهُ عَلَيْهِمْ. وإناطَةُ الحُكْمِ بِوَصْفِ الظّالِمِينَ إيماءً إلى عِلَّةِ نَفْيِ أنْ يَنالَهم عَهْدُ اللَّهِ فَيَفْهَمُ مِنَ العِلَّةِ أنَّهُ إذا زالَ وصْفُ الظُّلْمِ نالَهُمُ العَهْدُ.
وفِي الآيَةِ أنَّ المُتَّصِفَ بِالكَبِيرَةِ لَيْسَ مُسْتَحِقًّا لِإسْنادِ الإمامَةِ إلَيْهِ أعَنى سائِرَ وِلاياتِ المُسْلِمِينَ: الخِلافَةُ والإمارَةُ والقَضاءُ والفَتْوى ورِوايَةُ العَلَمِ وإمامَةُ الصَّلاةِ ونَحْوَ ذَلِكَ. قالَ فَخْرُ الدِّينِ: قالَ الجُمْهُورُ مِنَ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ الفاسِقُ حالَ فِسْقِهِ لا يَجُوزُ عَقْدُ الإمامَةِ لَهُ. وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ تَسْلِيمُ ذَلِكَ ونَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنِ المازِرِيِّ والقُرْطُبِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ إذا عُقِدَ لِلْإمامِ عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ ثُمَّ فَسَقَ وجارَ فَإنْ كانَ فِسْقُهُ بِكُفْرٍ وجَبَ خَلْعُهُ وأمّا بِغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي فَقالَ الخَوارِجُ والمُعْتَزِلَةُ وبَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ يَخْلَعُ وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ لا يُخْلَعُ بِالفِسْقِ والظُّلْمِ وتَعْطِيلِ الحُدُودِ ويَجِبُ وعْظُهُ وتَرْكُ طاعَتِهِ فِيما لا تَجِبُ فِيهِ طاعَةٌ وهَذا مَعَ القُدْرَةِ عَلى خَلْعِهِ فَإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ إلّا بِفِتْنَةٍ وحَرْبٍ فاتَّفَقُوا عَلى مَنعِ القِيامِ عَلَيْهِ وأنَّ الصَّبْرَ عَلى جَوْرِهِ أوْلى مِنَ اسْتِبْدالِ الأمْنِ بِالخَوْفِ وإراقَةِ الدِّماءِ وانْطِلاقِ أيْدِي السُّفَهاءِ والفُسّاقِ في الأرْضِ وهَذا حُكْمُ كُلِّ وِلايَةٍ في قَوْلِ عُلَماءِ السُّنَّةِ وما نُقِلَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِن جَوازِ كَوْنِ الفاسِقِ خَلِيفَةً وعَدَمِ جَوازِ كَوْنِهِ قاضِيًا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ الجَصّاصُ هو خَطَأٌ في النَّقْلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ العَشَرَةِ عَهْدِي بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ وهو وجْهٌ مِنَ الوُجُوهِ في ياءِ المُتَكَلِّمِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحَفْصٌ بِإسْكانِ الياءِ.
البقرة 2:125
﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخَذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ تَدَرُّجٌ في ذِكْرِ مَنقَبَةِ إبْراهِيمَ إذْ جَعَلَ اللَّهُ بَيْتَهُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ، وإذْ أضافَها إلى جَلالَتِهِ فَقالَ بَيْتِي، واسْتِهْلالٌ لِفَضِيلَةِ القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ، فالواوُ عاطِفَةٌ عَلى ابْتَلى وأُعِيدَتْ إذْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى
صفحة ٧٠٨
اسْتِقْلالِ القِصَّةِ وأنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ تُعَدَّ بِنِيَّةٍ أُخْرى، ولا التِفاتَ إلى حُصُولِ مَضْمُونِ هَذِهِ بَعْدَ حُصُولِ الأُخْرى أوْ قَبْلَهُ إذْ لا غَرَضَ في ذَلِكَ في مَقامِ ذِكْرِ الفَضائِلِ، ولِأنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا. والبَيْتُ اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَكانِ المُتَّخَذِ مَسْكَنًا لِواحِدٍ أوْ عَدَدٍ مِنَ النّاسِ في غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ. وهو مَكانٌ مِنَ الأرْضِ يُحِيطُ بِهِ ما يُمَيِّزُهُ عَنْ بَقِيَّةِ بُقْعَتِهِ مِنَ الأرْضِ لِيَكُونَ السّاكِنُ مُسْتَقِلًّا بِهِ لِنَفْسِهِ ولِمَن يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ مُسْتَقِرًّا لَهُ وكُنّا يَكُنَّهُ مِنَ البَرْدِ والحَرِّ وساتِرًا يَسْتَتِرُ فِيهِ عَنِ النّاسِ ومَحَطًّا لِأثاثِهِ وشُئُونِهِ، وقَدْ يَكُونُ خاصًّا وهو الغالِبُ وقَدْ يَكُونُ لِجَماعَةٍ مِثْلَ دارِ النَّدْوَةِ في العَرَبِ وخَيْمَةِ الِاجْتِماعِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ يَكُونُ مُحِيطَ البَيْتِ مِن حَجَرٍ وطِينٍ كالكَعْبَةِ ودارِ النَّدْوَةِ، وقَدْ يَكُونُ مِن أدِيمٍ مِثْلَ القِبابِ، وقَدْ يَكُونُ مِن نَسِيجِ صُوفٍ أوْ شَعْرٍ قالَ تَعالى ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها﴾ [النحل: ٨٠] ولا يَكُونُ بَيْتًا إلّا إذا كانَ مَسْتُورًا أعْلاهُ عَنِ الحَرِّ والقَرِّ وذَلِكَ بِالسَّقْفِ لِبُيُوتِ الحَجَرِ وبُيُوتِ الأدِيمِ والخِيامِ.
والبَيْتُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى الكَعْبَةِ كَما غُلِبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا. وأصْلُ ألِ الَّتِي في الأعْلامِ بِالغَلَبَةِ هي ألِ العَهْدِيَّةِ وذَلِكَ إذا كَثُرَ عَهْدُ فَرْدٍ مِن أفْرادِ جِنْسٍ بَيْنَ طائِفَةٍ أوْ قَوْمٍ صارَ اسْمُ جِنْسِهِ مَعَ ألِ العَهْدِيَّةِ كالعَلَمِ لَهُ ثُمَّ قَدْ يَتَعَهَّدُونَ مَعَ ذَلِكَ المَعْنى الأصْلِيِّ كَما في النَّجْمِ لِلثُّرَيّا والكِتابِ لِلْقُرْآنِ والبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ، وقَدْ يُنْسى المَعْنى الأصْلِيَّ إمّا بِقِلَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ كالصَّعِقِ عَلَمٌ عَلى خُوَيْلِدِ بْنِ نُفَيْلٍ وإمّا بِانْحِصارِ الجِنْسِ فِيهِ كالشَّمْسِ.
والكَعْبَةُ بَيْتٌ بَناهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ شَرِيكٍ فَيَأْوِي إلَيْهِ مَن يَدِينُ بِالتَّوْحِيدِ، ويَطُوفُ بِهِ مَن يَقْصِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ أضافَهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ هَذا المَعْنى كَما قالَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وفي قَوْلِهِ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقَدْ عُرِفَتِ الكَعْبَةُ باسِمِ البَيْتِ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ قالَ زُهَيْرٌ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
والمَثابَةُ مَفْعَلَةٌ مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ ويُقالُ مَثابَةٌ ومُثابٌ مِثْلَ مَقامَةٍ ومَقامٍ، والمُرادُ بِالمَثابَةِ أنَّهُ يَقْصِدُهُ النّاسُ بِالتَّعْظِيمِ ويَلُوذُونَ بِهِ. والمُرادُ مِنَ النّاسِ سُكّانُ مَكَّةَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ وكُلُّ مَن يُجاوِرُهم ويَدْخُلُ في حَلِفِهِمْ، فَتَعْرِيفُ النّاسِ لِلْجِنْسِ المَعْهُودِ، وتَعْلِيقٌ لِلنّاسِ بِمَثابَةٍ عَلى التَّوْزِيعِ أيْ يَزُورُهُ ناسٌ ويَذْهَبُونَ فَيَخْلُفُهم ناسٌ.
صفحة ٧٠٩
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا ذِكْرَ مَنقَبَةِ البَيْتِ والمِنَّةُ عَلى ساكِنِيهِ كانَ الغَرَضُ التَّذْكِيرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أنْ جَعْلَهُ لا يَنْصَرِفُ عَنْهُ قَوْمٌ إلّا ويَخْلُفُهم قَوْمٌ آخَرُونَ، فَكانَ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ الزّائِرِينَ قائِمِينَ مَقامَهم بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْتِ وسُكّانِهِ، ويَجُوزُ حَمْلُ تَعْرِيفِ النّاسِ عَلى العَهْدِ أيْ يَثُوبُ إلَيْهِ النّاسُ الَّذِينَ ألِفُوهُ وهم كُمَّلُ الزّائِرِينَ فَهم يَعُودُونَ إلَيْهِ مِرارًا، وكَذَلِكَ كانَ الشَّأْنُ عِنْدَ العَرَبِ.
والأمْنُ مَصْدَرٌ أخْبَرَ بِهِ عَنِ البَيْتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ سَبَبُ أمْنٍ فَجُعِلَ كَأنَّهُ نَفْسُ الأمْنِ مُبالَغَةً. والأمْنُ حُفِظُ النّاسِ مِنَ الأضْرارِ فَتَشْرِيدُ الدَّعّارِ وحِراسَةُ البِلادِ وتَمْهِيدُ السُّبُلِ وإنارَةُ الطُّرُقِ أمْنٌ، والِانْتِصافُ مِنَ الجُناةِ والضَّرْبُ عَلى أيْدِي الظَّلَمَةِ وإرْجاعُ الحُقُوقِ إلى أهْلِها أمْنٌ، فالأمْنُ يُفَسَّرُ في كُلِّ حالٍ بِما يُناسِبُهُ، ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى أحْوالِ الجاهِلِيَّةِ أخَذَ القَوِيِّ مالَ الضَّعِيفِ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم تَحاكُمٌ ولا شَرِيعَةٌ كانَ الأمْنُ يَوْمَئِذٍ هو الحَيْلُولَةُ بَيْنَ القَوِيِّ والضَّعِيفِ، فَجَعَلَ اللَّهُ البَيْتَ أمْنًا لِلنّاسِ يَوْمَئِذٍ أيْ يَصُدُّ القَوِيَّ عَنْ أنْ يَتَناوَلَ فِيهِ الضَّعِيفَ قالَ تَعالى أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ فَهَذِهِ مِنَّةٌ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وأمّا في الإسْلامِ فَقَدْ أغْنى اللَّهُ تَعالى بِما شَرَعَهُ مِن أحْكامِهِ وما أقامَهُ مِن حُكّامِهِ فَكانَ ذَلِكَ أمْنًا كافِيًا. قالَ السُّهَيْلِيُّ فَقَوْلُهُ تَعالى مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا إنَّما هو إخْبارٌ عَنْ تَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ في الجاهِلِيَّةِ نِعْمَةٌ مِنهُ تَعالى عَلى أهْلِ مَكَّةَ فَكانَ في ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِذَرِّيَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ وأضْرابِها عَلى حُكْمِ إقامَةِ الحُدُودِ والعُقُوباتِ في الحَرَمِ وسَيَأْتِي تَفْصِيلُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١] الآيَةَ ولَيْسَ مِن غَرَضِ هَذِهِ الآيَةِ.
والمُرادُ مِنَ الجَعْلِ في الآيَةِ إمّا الجَعْلُ التَّكْوِينِيُّ لِأنَّ ذَلِكَ قَدَّرَهُ اللَّهُ وأوْجَدَ أسْبابَهُ فاسْتَقَرَّ ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ويَسَّرَهم إلى تَعْظِيمِهِ، وإمّا الجَعْلُ أنْ أمَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِذَلِكَ فَأبْلَغَهُ إبْراهِيمُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ وبَثَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ فَتَلْقاهُ أعْقابُهم تَلَقِّي الأُمُورِ المُسَلَّمَةِ، فَدامَ ذَلِكَ الأمْنُ في العُصُورِ والأجْيالِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ أغْنى اللَّهُ عَنْهُ بِما شَرَعَ مِن أحْكامِ الأمْنِ في الإسْلامِ في كُلِّ مَكانٍ وتَمَّ مُرادُ اللَّهِ تَعالى، فَلا يُرِيبُكم ما حَدَثَ في المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ الخَوْفِ في حِصارِ الحَجّاجِ في فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ولا ما حَدَثَ فِيهِ مِنَ الرُّعْبِ والقَتْلِ والنَّهْبِ في زَمَنِ القَرامِطَةِ حِينَ غَزاهُ الحَسَنُ بْنُ بَهْرامَ الجُنّابِيُّ نِسْبَةٌ إلى بَلْدَةٍ يُقالُ لَها جُنّابَةُ بِتَشْدِيدِ
صفحة ٧١٠
النُّونِ كَبِيرُ القَرامِطَةِ إذْ قَتَلَ بِمَكَّةَ آلافًا مِنَ النّاسِ وكانَ يَقُولُ لَهم يا كِلابُ ألَيْسَ قالَ لَكم مُحَمَّدٌ المَكِّيُّ ”﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]“ أيُّ أمْنٍ هُنا ؟ ! وهو جاهِلٌ غَبِيٌّ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ الأمْرَ بِأنْ يَجْعَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ مَأْمَنًا في مُدَّةِ الجاهِلِيَّةِ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ وازِعٌ عَنِ الظُّلْمِ، أوْ هو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ الأمْرُ مِثْلَ ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقَوْلُهُ ﴿واتَّخَذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ الماضِي عَطْفًا عَلى جَعَلْنا فَيَكُونُ هَذا الِاتِّخاذُ مِن آثارِ ذَلِكَ الجَعْلِ فالمَعْنى ألْهَمْنا النّاسَ أنْ يَتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى، أوْ أمَرْناهم بِذَلِكَ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ فامْتَثَلُوا واتَّخَذُوهُ، فَهو لِلدَّلالَةِ عَلى حُصُولِ الجَعْلِ بِطَرِيقِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: جَعَلْنا ذَلِكَ فاتَّخَذُوا، وقَرَأهُ باقِي العَشَرَةِ بِكَسْرِ الخاءِ بِصِيغَةِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْنا اتَّخِذُوا بِقَرِينَةِ الخِطابِ فَيَكُونُ العامِلُ المَعْطُوفُ مَحْذُوفًا بِالقَرِينَةِ وبَقِيَ مَعْمُولُهُ كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
فَعَلا فُرُوعُ الأيْهَقانِ وأطْفَلَتْ ∗∗∗ بِالجَلْهَتَيْنِ ظِباؤُها ونَعامُها
أرادَ وباضَتْ نَعامُها فَإنَّهُ لا يُقالُ لِأفْراخِ الطَّيْرِ أطْفالٌ، فَمَآلُ القِراءَتَيْنِ، إلى مُفادٍ واحِدٍ.
ومَقامُ إبْراهِيمَ يُطْلَقُ عَلى الكَعْبَةِ لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقُومُ عِنْدَها يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْراهِمْ ∗∗∗ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ وهو قائِمْوَبِهَذا الإطْلاقِ جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] إذِ الدُّخُولُ مِن عَلائِقِ البَيْتِ، ويُطْلَقُ مَقامُ إبْراهِيمَ عَلى الحَجْرِ الَّذِي كانَ يَقِفُ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ بِنائِهِ الكَعْبَةَ لِيَرْتَفِعَ لِوَضْعِ الحِجارَةِ في أعْلى الجِدارِ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وقَدْ ثَبَتَتْ آثارُ قَدَمَيْهِ في الحَجَرِ. قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَأيْتُ في المَقامِ أثَرَ أصابِعِهِ وأخْمَصَ قَدَمَيْهِ غَيْرَ أنَّهُ أذْهَبَهُ مَسْحُ النّاسِ بِأيْدِيهِمْ، وهَذا الحَجَرُ يُعْرَفُ إلى اليَوْمِ بِالمَقامِ، وقَدْ رَكَعَ النَّبِيءُ ﷺ في مَوْضِعِهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طَوافِ القُدُومِ فَكانَ الرُّكُوعُ عِنْدَهُ مِن سُنَّةِ الفَراغِ مِنَ الطَّوافِ.
والمُصَلّى مَوْضِعُ الصَّلاةِ وصَلاتُهم يَوْمَئِذٍ الدُّعاءُ والخُضُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى، وكانَ إبْراهِيمُ
صفحة ٧١١
قَدْ وضَعَ المَسْجِدَ الحَرامَ حَوْلَ الكَعْبَةِ ووَضَعَ الحَجَرَ الَّذِي كانَ يَرْتَفِعُ عَلَيْهِ لِلْبِناءِ حَوْلَها فَكانَ المُصَلّى عَلى الحَجَرِ المُسَمّى بِالمَقامِ فَذَلِكَ يَكُونُ المُصَلّى مُتَّخَذًا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ عَلى كِلا الإطْلاقَيْنِ.
والقِراءَتانِ تَقْتَضِيانِ أنَّ اتِّخاذَ مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى كانَ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكُنِ الحَجَرُ الَّذِي اعْتَلى عَلَيْهِ إبْراهِيمُ في البِناءِ مَخْصُوصًا بِصَلاةٍ عِنْدَهُ ولَكِنَّهُ مَشْمُولٌ لِلصَّلاةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمّا جاءَ الإسْلامُ بَقِيَ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ كانَ عامُ حَجَّةِ الوَداعِ أوْ عامُ الفَتْحِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ الحَرامَ ومَعَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ثُمَّ سُنَّتِ الصَّلاةُ عِنْدَ المَقامِ في طَوافِ القُدُومِ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ﴿واتَّخَذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، وهَذِهِ الرِّوايَةُ تُثِيرُ مَعْنًى آخَرَ لِلْآيَةِ وهي أنْ يَكُونَ الخِطابُ مُوَجَّهًا لِلْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿واتَّخَذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وجُمْلَةِ وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ اعْتِراضًا اسْتِطْرادِيًّا، ولِلْجَمْعِ بَيْنَ الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ في الآيَةِ يَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ عُمَرَ فَنَزَلَتْ أنَّهُ نَزَلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ شَرْعُ الصَّلاةِ عِنْدَ حَجَرِ المَقامِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لَهم لِيَسْتَقِيمَ الجَمْعُ بَيْنَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واتَّخَذُوا بِصِيغَةِ الماضِي وبِصِيغَةِ الأمْرِ فَإنَّ صِيغَةَ الماضِي لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ حِكايَةِ ما كانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ وصِيغَةَ الأمْرِ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها مَعْنى التَّشْرِيعِ لِلْمُسْلِمِينَ، إعْمالًا لِلْقُرْآنِ بِكُلِّ ما تَحْتَمِلُهُ ألْفاظُهُ حَسْبَما بَيَّناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ العَهْدُ أصْلُهُ الوَعْدُ المُؤَكَّدُ وُقُوعَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِيَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] فَإذا عُدِّيَ بِإلى كانَ بِمَعْنى الوَصِيَّةِ المُؤَكِّدِ عَلى المُوصى العَمَلِ بِها فَعَهِدَ هُنا بِمَعْنى أرْسَلَ عَهْدًا إلَيْهِ أيْ أرْسَلَ إلَيْهِ يَأْخُذُ مِنهم عَهْدًا، فالمَعْنى وأوْصَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وقَوْلُهُ ”أنْ طَهِّرا“ أنْ تَفْسِيرِيَّةَ لِأنَّ الوَصِيَّةَ فِيها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فالتَّفْسِيرُ لِلْقَوْلِ الضِّمْنِيِّ والمُفَسِّرِ هو ما بَعْدَ أنْ فَلا تَقْدِيرَ في الكَلامِ ولَوْلا قَصْدُ حِكايَةِ القَوْلِ لَما جاءَ بَعْدَ أنْ بِلَفْظِ الأمْرِ، ولَقالَ بِتَطْهِيرِ بَيْتِي إلَخْ.
صفحة ٧١٢
والمُرادُ مِن تَطْهِيرِ البَيْتِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّطْهِيرِ مِن مَحْسُوسٍ بِأنْ يُحْفَظَ مِنَ القاذُوراتِ والأوْساخِ لِيَكُونَ المُتَعَبِّدُ فِيهِ مُقْبِلًا عَلى العِبادَةِ دُونَ تَكْدِيرٍ، ومِن تَطْهِيرٍ مَعْنَوِيٍّ وهو أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ ما لا يَلِيقُ بِالقَصْدِ مِن بِنائِهِ مِنَ الأصْنامِ والأفْعالِ المُنافِيَةِ لِلْحَقِّ كالعُدْوانِ والفُسُوقِ، والمُنافِيَةِ لِلْمُرُوءَةِ كالطَّوافِ عُرْيًا دُونَ ثِيابِ الرِّجالِ والنِّساءِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لَيْسُوا أهْلًا لِعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ لِأنَّهم لَمْ يُطَهِّرُوهُ مِمّا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ مِنهُ قالَ تَعالى ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] والطّائِفُونَ والعاكِفُونَ والرّاكِعُونَ والسّاجِدُونَ أصْنافُ المُتَعَبِّدِينَ في البَيْتِ مِن طَوافٍ واعْتِكافٍ، وصَلاةٍ وهم أصْنافُ المُتَلَبِّسِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ سَواءٌ انْفَرَدَتْ بَعْضُ الطَّوائِفِ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفاتِ أوِ اجْتَمَعَتِ الصِّفاتُ في طائِفَةٍ أوْ طَوائِفٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ في الكَعْبَةِ قَبْلَ وضْعِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وهَؤُلاءِ هم إسْماعِيلُ وأبْناؤُهُ وأصْهارُهُ مِن جُرْهُمٍ وكُلُّ مَن آمَنَ بِدِينِ الحَنِيفِيَّةِ مِن جِيرانِهِمْ.
وقَدْ جَمَعَ الطّائِفَ والعاكِفَ جَمْعَ سَلامَةِ، وجَمْعَ الرّاكِعَ والسّاجِدَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، تَفَنُّنًا في الكَلامِ وبُعْدًا عَنْ تَكْرِيرِ الصِّيغَةِ أكْثَرَ مِن مَرَّةٍ بِخِلافِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ﴾ [التحريم: ٥] الآيَةَ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ جَمَعَ الطّائِفِينَ والعاكِفِينَ جَمْعَ سَلامَةٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى لَفْظِ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ يَطُوفُونَ أيْ يُجَدِّدُونَ الطَّوافَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ تَطْهِيرِ البَيْتِ وهو قُرْبُ هَذَيْنِ مِنَ البَيْتِ بِخِلافِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونا في البَيْتِ ولا عِنْدَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ جَمْعَ سَلامَةٍ، وهَذا الكَلامُ يُؤْذِنُ بِالفَرْقِ بَيْنَ جَمْعِ السَّلامَةِ وجَمْعِ التَّكْسِيرِ مِن حَيْثُ الإشْعارِ بِالحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، ويَشْهَدُ لَهُ كَلامُ أبِي الفَتْحِ بْنِ جِنِّي في شَرْحِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ الأنْصارِيِّ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِقالَ أبُو الفَتْحِ " جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلى بِبَوادِرِ، وإنْ كانَ جَمْعًا مُكَسَّرًا والمَصْدَرُ إذا كُسِرَ بَعُدَ بِتَكْسِيرِهِ عَنْ شِبْهِ الفِعْلِ، وإذا جازَ تَعَلُّقُ المَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ مُكَسَّرًا نَحْوَ مَواعِيدُ عُرْقُوبٍ أخاهُ كانَ تَعَلُّقُ حَرْفِ الجَرِّ بِهِ أجْوَزَ. فَصَرِيحُ كَلامِهِ أنَّ التَّكْسِيرَ يُبْعِدُ ما هو بِمَعْنى الفِعْلِ عَنْ شِبْهِ الفِعْلِ.
صفحة ٧١٣
وخُولِفَ بَيْنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ زِيادَةٌ في التَّفَنُّنِ وإلّا فَإنَّ السّاجِدَ يُجْمَعُ عَلى سُجَّدٍ إلّا أنَّ الأكْثَرَ فِيهِما إذا اقْتَرَنا أنْ يُخالَفَ بَيْنَ صِيغَتَيْهِما قالَ كُثَيِّرٌ:
لَوْ يَسْمَعُونَ كَما سَمِعْتُ كَلامَها ∗∗∗ خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسُجُوداوَقَدْ عَلِمْتُمْ مِنَ النَّحْوِ والصَّرْفِ أنَّ جَمْعَ فاعِلٍ عَلى فُعُولٍ سَماعِيٌّ فَمِنهُ شُهُودٌ وهُجُوعٌ وهُجُودٌ وسُجُودٌ.
ولَمْ يَعْطِفِ السُّجُودَ عَلى الرُّكَّعِ لِأنَّ الوَصْفَتَيْنِ مُتَلازِمانِ ولَوْ عَطَفَ لَتُوُهِّمَ أنَّهُما وصْفانِ مُفْتَرِقانِ.
البقرة 2:126
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
عَطْفٌ عَلى وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِإفائِدَةِ مَنقَبَةٍ ثالِثَةٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في اسْتِجابَةِ دَعَوْتِهِ بِفَضْلِ مَكَّةَ والنِّعْمَةِ عَلى ساكِنِيها إذا شَكَرُوا، وتَنْبِيهٌ ثالِثٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ لِيَتَذَكَّرُوا دَعْوَةَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ المُشْعِرَةِ بِحِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ حَتّى خَصَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ بِدَعْوَتِهِ المُؤْمِنِينَ فَيَعْرِضُ المُشْرِكُونَ أنْفُسَهم عَلى الحالِ الَّتِي سَألَها أبُوهم فَيَتَّضِحُ لَهم أنَّهم عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ، وفي ذَلِكَ بَعْثٌ لَهم عَلى الِاتِّصافِ بِذَلِكَ لِأنَّ لِلنّاسِ رَغْبَةً في الِاقْتِداءِ بِأسْلافِهِمْ وحَنِينًا إلى أحْوالِهِمْ، وفي ذَلِكَ كُلُّهُ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّ ما يُدْلُونَ بِهِ مِنَ النَّسَبِ لِإبْراهِيمَ ومِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ ومِن شَعائِرِ الحَجِّ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ، كَما عَرَضَ بِالآياتِ قَبْلَ ذَلِكَ بِاليَهُودِ والنَّصارى وذَلِكَ في قَوْلِهِ هُنا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ وبِهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ المَنقَبَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”هَذا بَلَدًا“ مُرادٌ بِهِ المَوْضِعُ القائِمُ بِهِ إبْراهِيمُ حِينَ دُعائِهِ وهو المَكانُ الَّذِي جَعَلَ بِهِ امْرَأتَهُ وابْنَهُ وعَزَمَ عَلى بِناءِ الكَعْبَةِ فِيهِ إنْ كانَ الدُّعاءُ قَبْلَ البِناءِ، أوِ الَّذِي بُنِيَ فِيهِ الكَعْبَةُ إنْ كانَ الدُّعاءُ بَعْدَ البِناءِ، فَإنَّ الِاسْتِحْضارَ بِالذّاتِ مُغْنٍ عَنِ الإشارَةِ الحِسِّيَّةِ
صفحة ٧١٤
بِاليَدِ لِأنَّ تَمْيِيزَهُ عِنْدَ المُخاطَبِ مُغْنٍ عَنِ الإشارَةِ إلَيْهِ فَإطْلاقُ اسْمِ الإشارَةِ حِينَئِذٍ واضِحٌ.
وأصْلُ أسْماءِ الإشارَةِ أنْ يَسْتَغْنِيَ بِها عَنْ زِيادَةِ تَبْيِينِ المُشارِ إلَيْهِ تَبْيِينًا لَفْظِيًّا لِأنَّ الإشارَةَ بَيانٌ، وقَدْ يَزِيدُونَ الإشارَةَ بَيانًا فَيَذْكُرُونَ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ اسْمًا يُعْرَبُ عَطْفَ بَيانٍ أوْ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ قُصِدَ اسْتِحْضارُهُ مِن بَعْضِ أوْصافِهِ كَقَوْلِكَ: هَذا الرَّجُلُ يَقُولُ كَذا، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ إنْ تَرَكْتَ الإشارَةَ بِاليَدِ اعْتِمادًا عَلى حُضُورِ المُرادِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ عَدَلَ هُنا عَنْ بَيانِ المُشارِ إلَيْهِ اكْتِفاءً عَنْهُ بِما هو واقِعٌ عِنْدِ الدُّعاءِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ دَعا دَعْوَتَهُ وهو في المَوْضِعِ الَّذِي بَنى فِيهِ الكَعْبَةَ لِأنَّ الغَرَضَ لَيْسَ تَفْصِيلَ حالَةِ الدُّعاءِ إنَّما هو بَيانُ اسْتِجابَةِ دُعائِهِ وفَضِيلَةِ مَحَلِّ الدَّعْوَةِ وجَعْلِ مَكَّةَ بَلَدًا آمِنًا ورِزْقِ أهْلِهِ مِنَ الثَّمَراتِ، وتِلْكَ عادَةُ القُرْآنِ في الإعْراضِ عَمّا لا تَعَلُّقَ بِهِ بِالمَقْصُودِ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا جَعَلَ البَلَدَ مَفْعُولًا ثانِيًا اسْتَغْنى عَنْ بَيانِ اسْمِ الإشارَةِ، وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ لَمّا جَعَلَ ”آمِنًا“ مَفْعُولًا ثانِيًا بَيَّنَ اسْمَ الإشارَةِ بِلَفْظِ البَلَدِ، فَحَصَلَ مِنَ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْراهِيمَ دَعا لِبَلَدٍ بِأنْ يَكُونَ آمِنًا.
والبَلَدُ المَكانُ المُتَّسِعُ مِنَ الأرْضِ المُتَحَيِّزِ عامِرًا أوْ غامِرًا، وهو أيْضًا الأرْضُ مُطْلَقًا، قالَ صَنّانٌ اليَشْكُرِيُّ:
لَكِنَّهُ حَوْضُ مَن أوْدى بِإخْوَتِهِ رَيْبُ المَنُونِ فَأضْحى بَيْضَةَ البَلَدِ يُرِيدُ بَيْضَةَ النَّعامِ في أُدْحِيِّ النَّعامِ أيْ مَحَلِّ بَيْضِهِ، ويُطْلَقُ البَلَدُ عَلى القَرْيَةِ المُكَوَّنَةِ مِن بُيُوتٍ عِدَّةٍ لِسُكْنى أهْلِها بِها وهو إطْلاقٌ حَقِيقِيٌّ هو أشْهَرُ مِن إطْلاقِ البَلَدِ عَلى الأرْضِ المُتَّسِعَةِ والظّاهِرُ أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ المَحْكِيَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ كانَتْ قَبْلَ أنْ تَتَقَرّى مَكَّةُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِها إلّا بَيْتُ إسْماعِيلَ أوْ بَيْتٌ أوْ بَيْتانِ آخَرانِ لِأنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ عِمارَتَهُ بِبِناءِ البَيْتِ مِن حَجَرٍ، ولِأنَّ إلْهامَ اللَّهِ إيّاهُ لِذَلِكَ لِإرادَتِهِ تَعالى مَصِيرَها مَهِيعَ الحَضارَةِ لِتِلْكَ الجِهَةِ إرْهاصًا لِنُبُوَّةِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ المَكانَ كانَ مَأْهُولًا بِسُكّانٍ وقْتَ مَجِيءِ إبْراهِيمَ وامْرَأتِهِ وابْنِهِ، والعَرَبُ يَذْكُرُونَ أنَّهُ كانَ في تِلْكَ الجِهَةِ عَشائِرُ مِن جُرْهُمٍ وقُطُورا والعَمالِقَةِ والكَرْكَرِ في جِهاتِ أجْيادَ وعَرَفاتَ.
والآمِنُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أمِنَ ضِدُّ خافَ، وهو عِنْدَ الإطْلاقِ عَدَمُ الخَوْفِ مِن عَدْوٍ ومِن قِتالٍ، وذَلِكَ ما مَيَّزَ اللَّهُ مَكَّةَ بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ بِلادِ العَرَبِ، وقَدْ يُطْلَقُ الأمْنُ عَلى عَدَمِ الخَوْفِ مُطْلَقًا فَتَعَيَّنَ ذِكْرُ
صفحة ٧١٥
مُتَعَلِّقِهِ، وإنَّما يُوصَفُ بِالأمْنِ ما يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالخَوْفِ وهو ذُو الإدْراكِيَّةِ، فالإخْبارُ بِآمِنًا عَنِ البَلَدِ إمّا بِجَعْلِ وزْنِ فاعِلٍ هُنا لِلنِّسْبَةِ بِمَعْنى ذا أمْنٍ كَقَوْلِ النّابِغَةِ كَلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبٍأيْ ذِي نَصَبٍ، وإمّا عَلى إرادَةِ ”آمِنًا أهْلُهُ“ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِمُلابَسَةِ المَكانِ، ثُمَّ إنْ كانَ المُشارُ إلَيْهِ في وقْتِ دُعاءِ إبْراهِيمَ أرْضًا فِيها بَيْتٌ أوْ بَيْتانِ. فالتَّقْدِيرُ في الكَلامِ اجْعَلْ هَذا المَكانَ بَلَدًا آمِنًا أيْ قَرْيَةَ آمِنَةً فَيَكُونُ دُعاءً بِأنْ يَصِيرَ قَرْيَةً وأنْ تَكُونَ آمِنَةً.
وإنْ كانَ المُشارُ إلَيْهِ في وقْتِ دُعائِهِ قَرْيَةً بَنى أُناسٌ حَوْلَها ونَزَلُوا حَذْوَها وهو الأظْهَرُ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ الكَشّافِ هُنا وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ كانَ دُعاءً لِلْبَلَدِ بِحُصُولِ الأمْنِ لَهُ وأمّا حِكايَةُ دَعْوَتِهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] فَتِلْكَ دَعْوَةٌ لَهُ بَعْدَ أنْ صارَ بَلَدًا.
ولَقَدْ كانَتْ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ هَذِهِ مِن جَوامِعِ كَلِمِ النُّبُوءَةِ فَإنَّ أمْنَ البِلادِ والسُّبُلِ يَسْتَتْبِعُ جَمِيعَ خِصالِ سَعادَةِ الحَياةِ ويَقْتَضِي العَدْلَ والعِزَّةَ والرَّخاءَ إذْ لا أمْنَ بِدُونِها، وهو يَسْتَتْبِعُ التَّعْمِيرَ والإقْبالَ عَلى ما يَنْفَعُ والثَّرْوَةَ فَلا يَخْتَلُّ الأمْنُ إلّا إذا اخْتَلَتِ الثَّلاثَةُ: الأُوَلُ وإذا اخْتَلَّ اخْتَلَّتِ الثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ، وإنَّما أرادَ بِذَلِكَ تَيْسِيرَ الإقامَةِ فِيهِ عَلى سُكّانِهِ لِتَوْطِيدِ وسائِلِ ما أرادَهُ لِذَلِكَ البَلَدِ مِن كَوْنِهِ مَنبَعَ الإسْلامِ.
والثَّمَراتُ جَمْعُ ثَمَرَةٍ وهي ما تَحْمِلُ بِهِ الشَّجَرَةُ وتُنْتِجُهُ مِمّا فِيهِ غِذاءٌ لِلْإنْسانِ أوْ فاكِهَةٌ لَهُ، وكَأنَّ اسْمَهُ مُنْتَسِبٌ مِنِ اسْمِ الثَّمَرِ بِالمُثَنّاةِ فَإنَّ أهْلَ الحِجازِ يُرِيدُونَ بِالثَّمَرِ بِالمُثَلَّثَةِ التَّمْرَ الرَّطْبَ وبِالمُثَنّاةِ التَّمْرَ اليابِسَ.
ولِلثَّمَرَةِ جُمُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ وهي ثَمَرٌ بِالتَّحْرِيكِ وثِمارٌ، وثُمُرٌ، بِضَمَّتَيْنِ، وأثْمارٌ، وأثامِيرُ، قالُوا ولا نَظِيرَ لَهُ في ذَلِكَ إلّا أكَمَةً جُمِعَتْ عَلى أكَمٍ وإكامٍ وأُكُمٍ وآكامٍ وأكامِيمِ.
والتَّعْرِيفُ في الثَّمَراتِ تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ أيْ مِن جَمِيعِ الثَّمَراتِ المَعْرُوفَةِ لِلنّاسِ ودَلِيلُ كَوْنِهِ تَعْرِيفَ الِاسْتِغْراقِ مَجِيءُ ”مِن“ الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، وفي هَذا دُعاءٌ لَهم بِالرَّفاهِيَةِ حَتّى لا تَطْمَحَ نُفُوسُهم لِلِارْتِحالِ عَنْهُ.
وقَوْلُهُ ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ بَدَلُ بَعْضٍ مِن قَوْلِهِ ”أهْلَهُ“ يُفِيدُ تَخْصِيصَهُ لِأنَّ أهْلَهُ عامٌّ إذْ هو اسْمُ جَمْعٍ مُضافٍ وبَدَلُ البَعْضِ مُخَصَّصٌ.
صفحة ٧١٦
وخَصَّ إبْراهِيمُ المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ لَهم حِرْصًا عَلى شُيُوعِ الإيمانِ لِساكِنِيهِ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ خَصَّتِ المُؤْمِنِينَ تَجَنَّبُوا ما يَحِيدُ بِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَجَعَلَ تَيْسِيرَ الرِّزْقِ لَهم عَلى شَرْطِ إيمانِهِمْ باعِثًا لَهم عَلى الإيمانِ، أوْ أرادَ التَّأدُّبَ مَعَ اللَّهِ تَعالى فَسَألَهُ سُؤالًا أقْرَبَ إلى الإجابَةِ ولَعَلَّهُ اسْتَشْعَرَ مِن رَدِّ اللَّهِ عَلَيْهِ عُمُومَ دُعائِهِ السّابِقِ إذْ قالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي فَقالَ لا يَنالُ عَهْدِيَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا أهْلًا لِإجْراءِ رِزْقِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وقَدْ أعْقَبَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ ومَقْصِدُ إبْراهِيمَ مِن دَعْوَتِهِ هَذِهِ أنْ تَتَوَفَّرَ لِأهْلِ مَكَّةَ أسْبابُ الإقامَةِ فِيها فَلا تَضْطَرُّهُمُ الحاجَةُ إلى سُكْنى بَلَدٍ آخَرَ لِأنَّهُ رَجا أنْ يَكُونُوا دُعاةً لِما بُنِيَتِ الكَعْبَةُ لِأجْلِهِ مِن إقامَةِ التَّوْحِيدِ وخِصالِ الحَنِيفِيَّةِ وهي خِصالُ الكَمالِ، وهَذا أوَّلُ مَظاهِرِ تَكْوِينِ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ الَّتِي دَعا أفْلاطُونُ لِإيجادِها بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ قَرْنًا.
وجُمْلَةُ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ جاءَتْ عَلى سُنَنِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ والأجْوِبَةِ مَفْصُولَةً، وضَمِيرُ قالَ عائِدٌ إلى اللَّهِ، فَمَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قالَ لِإبْراهِيمَ وأنَّ إعادَةَ القَوْلِ لِطُولِ المَقُولِ الأوَّلِ فَقَدْ غَفَلَ عَنِ المَعْنى وعَنِ الِاسْتِعْمالِ وعَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ”فَأُمَتِّعُهُ“ .
وقَوْلُهُ ”﴿ومَن كَفَرَ﴾“ الأظْهَرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿وارْزُقْ أهْلَهُ﴾“ بِاعْتِبارِ القَيْدِ وهو قَوْلُهُ ”﴿مَن آمَنَ﴾“ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”﴿ومَن كَفَرَ﴾“ مُبْتَدَأً وضُمِّنَ المَوْصُولُ مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ قُرِنَ الخَبَرُ بِالفاءِ عَلى طَرِيقَةٍ شائِعَةٍ في مِثْلِهِ، لِما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ ”﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]“ أنَّ عَطْفَ التَّلْقِينِ في الإنْشاءِ إذا كانَ صادِرًا مِنَ الَّذِي خُوطِبَ بِالإنْشاءِ كانَ دَلِيلًا عَلى حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ الإنْشاءِ والزِّيادَةِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ آلَ المَعْنى هُنا إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ فَضْلَهُ عَلى إبْراهِيمَ بِأنَّهُ يَرْزُقُ ذُرِّيَّتَهُ مُؤْمِنَهم وكافِرَهم، أوْ أظْهَرَ سِعَةَ رَحْمَتِهِ بِرِزْقِ سُكّانِ مَكَّةَ كُلِّهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ. ومَعْنى ”أُمَتِّعُهُ“ أجْعَلُ الرِّزْقَ لَهُ مَتاعًا، و”قَلِيلًا“ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَأُمَتِّعُهُ“ والمَتاعُ القَلِيلُ مَتاعُ الدُّنْيا كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِقَوْلِ الباقِلّانِيِّ والماتُرِيدِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ بِأنَّ الكُفّارَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِ الدُّنْيا، وقالَ الأشْعَرِيُّ لَمْ يُنْعَمْ عَلى الكافِرِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وإنَّما أعْطاهُمُ اللَّهُ في
صفحة ٧١٧
الدُّنْيا مَلاذَ عَلى وجْهِ الِاسْتِدْراجِ، والمَسْألَةُ مَعْدُودَةٌ في مَسائِلِ الخِلافِ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ والماتُرِيدِيِّ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخِلافُ بَيْنَهُما لَفْظِيًّا وإنْ عَدَّهُ السُّبْكِيُّ في عِدادِ الخِلافِ المَعْنَوِيِّ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ احْتِراسٌ مِن أنْ يَغْتَرَّ الكافِرُ بِأنَّ تَخْوِيلَهُ النِّعَمَ في الدُّنْيا يُؤْذِنُ بِرِضى اللَّهِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ العَذابَ هُنا.
(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى كَوْنِ مَصِيرِهِ إلى العَذابِ مُتَأخِّرًا عَنْ تَمْتِيعِهِ بِالمَتاعِ القَلِيلِ.
والِاضْطِرارُ في الأصْلِ الِالتِجاءُ وهو بِوَزْنِ افْتَعَلَ مُطاوِعُ أضَرَّهُ إذا صَيَّرَهُ ذا ضَرُورَةٍ أيْ حاجَةٍ، فالأصْلُ أنْ يَكُونَ اضْطُرَّ قاصِرًا لِأنَّ أصْلَ المُطاوَعَةِ عَدَمُ التَّعَدِّي ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ جاءَ عَلى تَعْدِيَتِهِ إلى مَفْعُولٍ وهو اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ غَيْرُ جارٍ عَلى قِياسٍ يُقالُ اضْطَرَّهُ إلى كَذا أيْ ألْجَأهُ إلَيْهِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ لُقْمانَ ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وقَوْلُهُ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَذْيِيلٌ والواوُ لِلِاعْتِراضِ أوْ لِلْحالِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ وتَقْدِيرُهُ هي.
البقرة 2:127
﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
هَذِهِ مَنقَبَةٌ ثالِثَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَذْكِيرٌ بِشَرَفِ الكَعْبَةِ، ووَسِيلَةٌ ثالِثَةٌ إلى التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨] إلَخْ، وتَمْهِيدٌ لِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ إنْكارَهُمُ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ الَّذِي يَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ولِأجْلِ اسْتِقْلالِها بِهاتِهِ المَقاصِدِ الثَّلاثَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآياتُ قَبْلَها عُطِفَتْ عَلى سَوابِقِها مَعَ الِاقْتِرانِ بِإذْ تَنْبِيهًا عَلى الِاسْتِقْلالِ.
وخُولِفَ الأُسْلُوبُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ في حِكايَةِ الماضِي أنْ يَكُونَ بِالفِعْلِ الماضِي بِأنْ يَقُولَ وإذْ رَفَعَ إلى كَوْنِهِ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.
صفحة ٧١٨
وحِكايَتُها كَأنَّها مُشاهَدَةٌ لِأنَّ المُضارِعَ دالٌّ عَلى زَمَنِ الحالِ فاسْتِعْمالُهُ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ الماضِي بِالحالِ لِشُهْرَتِهِ ولِتَكَرُّرِ الحَدِيثِ عَنْهُ بَيْنَهم فَإنَّهم لِحُبِّهِمْ إبْراهِيمَ وإجْلالِهِمْ إيّاهُ لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ مَناقِبَهُ وأعْظَمَها بِناءُ الكَعْبَةِ فَشَبَّهَ الماضِي لِذَلِكَ بِالحالِ ولِأنَّ ما مَضى مِنَ الآياتِ في ذِكْرِ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] إلى هُنا مِمّا يُوجِبُ امْتِلاءَ أذْهانِ السّامِعِينَ بِإبْراهِيمَ وشُئُونِهِ حَتّى كَأنَّهُ حاضِرٌ بَيْنَهم وكَأنَّ أحْوالَهُ حاضِرَةٌ مُشاهَدَةٌ، وكَلِمَةُ إذْ قَرِينَةٌ عَلى هَذا التَّنْزِيلِ لِأنَّ غالِبَ الِاسْتِعْمالِ أنْ يَكُونَ لِلزَّمَنِ الماضِي وهَذا مَعْنى قَوْلِ النُّحاةِ أنَّ إذْ تَخْلُصُ المُضارِعَ إلى الماضِي. والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي أساسُ البِناءِ المُوالِي لِلْأرْضِ الَّذِي بِهِ ثَباتُ البِناءِ، أُطْلِقَ عَلَيْها هَذا اللَّفْظُ لِأنَّها أشْبَهَتِ القاعِدَ في اللُّصُوقِ بِالأرْضِ فَأصْلُ تَسْمِيَةِ القاعِدَةِ مَجازٌ عَنِ اللُّصُوقِ بِالأرْضِ ثُمَّ عَنْ إرادَةِ الثَّباتِ في الأرْضِ وهاءُ التَّأْنِيثِ فِيها لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ هاءِ عَلامَةٍ. ورَفْعُ القَواعِدِ إبْرازُها مِنَ الأرْضِ والِاعْتِلاءُ بِها لِتَصِيرَ جِدارًا لِأنَّ البِناءَ يَتَّصِلُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ويَصِيرُ كالشَّيْءِ الواحِدِ فالجِدارُ إذا اتَّصَلَ بِالأساسِ صارَ الأساسُ مُرْتَفِعًا، ويَجُوزُ جَعْلُ القَواعِدِ بِمَعْنى جُدْرانِ البَيْتِ كَما سَمَّوْها بِالأرْكانِ ورَفَعُها إطالَتُها، وقَدْ جَعَلَ ارْتِفاعَ جُدْرانِ البَيْتِ تِسْعَةَ أذْرُعٍ.
ويَجُوزُ أنْ يُفادَ مِنَ اخْتِيارِ مادَّةِ الرَّفْعِ دُونَ مادَّةِ الإطالَةِ ونَحْوَها مَعْنى التَّشْرِيفِ، وفي إثْباتِ ذَلِكَ لِلْقَواعِدِ كِنايَةٌ عَنْ ثُبُوتِهِ لِلْبَيْتِ، وفي إسْنادِ الرَّفْعِ بِهَذا المَعْنى إلى إبْراهِيمَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ إبْراهِيمَ سَبَبُ الرَّفْعِ المَذْكُورِ أيْ بِدُعائِهِ المُقارِنِ لَهُ.
وعَطْفُ إسْماعِيلَ عَلى إبْراهِيمَ تَنْوِيهٌ بِهِ إذْ كانَ مُعاوِنَهُ ومُناوِلَهُ.
ولِلْإشارَةِ إلى التَّفاوُتِ بَيْنَ عَمَلِ إبْراهِيمَ وعَمَلِ إسْماعِيلَ أُوقِعَ العَطْفُ عَلى الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِ المَفْعُولِ والمُتَعَلِّقاتِ، وهَذا مِن خُصُوصِيّاتِ العَرَبِيَّةِ في أُسْلُوبِ العَطْفِ فِيما ظَهَرَ لِي ولا يَحْضُرُنِي الآنَ مِثْلَهُ في كَلامِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّكَ إذا أرَدْتَ أنْ تَدُلَّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الفاعِلِينَ في صُدُورِ الفِعْلِ تَجْعَلُ عَطْفَ أحَدِهِما بَعْدَ انْتِهاءِ ما يَتَعَلَّقُ بِالفاعِلِ الأوَّلِ، وإذا أرَدْتَ أنْ تَجْعَلَ المَعْطُوفَ والمَعْطُوفَ عَلَيْهِ سَواءً في صُدُورِ الفِعْلِ تَجْعَلُ المَعْطُوفَ مُوالِيًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وإسْماعِيلُ اسْمُ الِابْنِ البِكْرِ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ولَدُهُ مِن جارِيَتِهِ هاجَرَ القِبْطِيَّةِ
صفحة ٧١٩
وُلِدَ في أرْضِ الكَنْعانِيِّينَ بَيْنَ قادِشَ وبارِدَ سَنَةَ ١٩١٠ عَشْرٍ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، ومَعْنى إسْماعِيلَ بِالعِبْرِيَّةِ سَمِعَ اللَّهُ أيْ إجابَةُ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ دُعاءَ أُمِّهِ هاجَرَ إذْ خَرَجَتْ حامِلًا بِإسْماعِيلَ مُفارِقَةً المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ سارَّةُ مَوْلاتُها حِينَ حَدَثَ لِسارَّةَ مِنَ الغَيْرَةِ مِن هاجَرَ لَمّا حَمَلَتْ هاجَرُ ولَمْ يَكُنْ لِسارَّةَ أبْناءٌ يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ هو مُعَرَّبٌ عَنْ يَشْمَعِيلَ بِالعِبْرانِيَّةِ ومَعْناهُ الَّذِي يَسْمَعُ لَهُ اللَّهُ، ولَمّا كَبِرَ إسْماعِيلُ رَأى إبْراهِيمُ رُؤْيا وحْيٍ أنْ يَذْبَحَهُ فَعَزَمَ عَلى ذَبْحِهِ فَفَداهُ اللَّهُ، وإسْماعِيلُ يَوْمَئِذٍ الِابْنُ الوَحِيدُ لِإبْراهِيمَ قَبْلَ وِلادَةِ إسْحاقَ، وكانَ إسْماعِيلُ مُقِيمًا بِمَكَّةَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، وتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ١٧٧٣ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ تَقْرِيبًا، ودُفِنَ بِالحَجَرِ الَّذِي حَوْلَ الكَعْبَةِ.
وجُمْلَةُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ حالًا مِن يَرْفَعُ إبْراهِيمُ وهَذا القَوْلُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ الَّذِي يُناسِبُهُ الدُّعاءُ لِذَرِّيَّتِهِ لِأنَّ إسْماعِيلَ كانَ حِينَئِذٍ صَغِيرًا.
والعُدُولُ عَنْ ذِكْرِ القَوْلِ إلى نُطْقِ المُتَكَلِّمِ بِما قالَهُ المَحْكِيُّ عَنْهُ هو ضَرْبٌ مِنِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ قَدْ مَهَّدَ لَهُ الإخْبارُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ ”وإذْ يَرْفَعُ“ حَتّى كَأنَّ المُتَكَلِّمَ هو صاحِبُ القَوْلِ وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الإيغالِ.
وجُمْلَةُ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ التَّقَبُّلِ مِنهُما، وتَعْرِيفُ جُزْءَيْ هَذِهِ الجُمْلَةِ والإتْيانُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ يُفِيدُ قَصْرَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ في كَمالِ الوَصْفَيْنِ لَهُ تَعالى بِتَنْزِيلِ سَمْعِ غَيْرِهِ وعِلْمِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقٍ خاصٍّ أيِ السَّمِيعُ العَلِيمُ لِدُعائِنا لا يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ مُقَيَّدٌ وهو نَوْعٌ مُغايِرٌ لِلْقَصْرِ الإضافِيِّ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ عُلَماءُ المَعانِي.
البقرة 2:128
﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾
فائِدَةُ تَكْرِيرِ النِّداءِ بِقَوْلِهِ ”رَبَّنا“ إظْهارُ الضَّراعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وإظْهارُ أنَّ كُلَّ دَعْوى مِن هاتِهِ الدَّعَواتِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُكَرِّرِ النِّداءَ إلّا عِنْدَ الِانْتِقالِ مِن دَعْوَةٍ إلى أُخْرى
صفحة ٧٢٠
فَإنَّ الدَّعْوَةَ الأُولى لِطَلَبِ تَقَبُّلِ العَمَلِ والثّانِيَةَ لِطَلَبِ الِاهْتِداءِ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ هُنا والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] رَسُولًا والمُرادُ ”بِمُسْلِمَيْنِ لَكَ“ المُنْقادانِ إلى اللَّهِ تَعالى إذِ الإسْلامُ الِانْقِيادُ، ولَمّا كانَ الِانْقِيادُ لِلْخالِقِ بِحَقٍّ يَشْمَلُ الإيمانَ بِوُجُودِهِ وأنْ لا يُشْرِكَ في عِبادَتِهِ غَيْرَهُ ومَعْرِفَةَ صِفاتِهِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها فِعْلُهُ كانَتْ حَقِيقَةُ الإسْلامِ مُلازِمَةً لِحَقِيقَةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، ووَجْهُ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ إسْلامًا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] فَإنَّهُ فَكَّكَ بَيْنَهُما لِأنَّ إسْلامَهم كانَ عَنْ خَوْفٍ لا عَنِ اعْتِقادٍ، فالإيمانُ والإسْلامُ مُتَغايِرانِ مَفْهُومًا وبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ في الماصَدَقَ، فالتَّوْحِيدُ في زَمَنِ الفَتْرَةِ إيمانٌ لا يُتَرَقَّبُ مِنهُ انْقِيادٌ إذِ الِانْقِيادُ إنَّما يَحْصُلُ بِالأعْمالِ، وانْقِيادُ المَغْلُوبِ المُكْرَهِ إسْلامٌ لَمْ يَنْشَأْ عَنِ اعْتِقادِ إيمانٍ، إلّا أنَّ صُورَتَيِ الِانْفِرادِ في الإيمانِ والإسْلامِ نادِرَتانِ.
ألْهَمَ اللَّهُ إبْراهِيمَ اسْمَ الإسْلامِ ثُمَّ ادَّخَرَهُ بَعْدَهُ لِلدِّينِ المُحَمَّدِيِّ فَنُسِيَ هَذا الِاسْمُ بَعْدَ إبْراهِيمَ ولَمْ يُلَقَّبْ بِهِ دِينٌ آخَرُ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ إتْمامًا لِلْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ وسَيَجِيءُ بَيانٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
ومَعْنى طَلَبِ أنْ يَجْعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ هو طَلَبُ الزِّيادَةِ في ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ وطَلَبِ الدَّوامِ عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ مِن قَبْلُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (مِن ذُرِّيَّتِنا) و(مُسْلِمَةً) مَعْمُولَيْنِ لِفِعْلِ ”اجْعَلْنا“ بِطَرِيقِ العَطْفِ، وهَذا دُعاءٌ بِبَقاءِ دِينِهِما في ذُرِّيَّتِهِما، و”مِن“ في قَوْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِنا لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما سَألا ذَلِكَ لِبَعْضِ الذُّرِّيَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الحِرْصِ عَلى حُصُولِ الفَضِيلَةِ لِلذُرِّيَّةِ وبَيْنَ الأدَبِ في الدُّعاءِ لِأنَّ نُبُوءَةَ إبْراهِيمَ تَقْتَضِي عِلْمَهُ بِأنَّهُ سَتَكُونُ ذُرِّيَّتُهُ أُمَمًا كَثِيرَةً وأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ في هَذا العالَمِ جَرَتْ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو مِنِ اشْتِمالِهِ عَلى الأخْيارِ والأشْرارِ فَدَعا اللَّهَ بِالمُمْكِنِ عادَةً وهَذا مِن أدَبِ الدُّعاءِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]
ومِن هُنا ابْتُدِئَ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ واتَّبَعُوا الشِّرْكَ، والتَّمْهِيدُ لِشَرَفِ الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ.
صفحة ٧٢١
والأُمَّةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ والمُرادُ مِنها هُنا الجَماعَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي يَجْمَعُها جامِعٌ لَهُ بالٌ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ أوْ زَمانٍ، ويُقالُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ مَثَلًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلى الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهي بِزِنَةِ فِعْلَةٍ وهَذِهِ الزِّنَةُ تَدُلُّ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ لَقْطَةٍ وضِحْكَةٍ وقُدْوَةٍ، فالأُمَّةُ بِمَعْنى مَأْمُومَةٍ اشْتُقَّتْ مِنَ الأمِّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو القَصْدُ، لِأنَّ الأُمَّةَ تَقْصِدُها الفِرَقُ العَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُها جامِعَةُ الأُمَّةِ كُلِّها، مِثْلُ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْها قَبائِلُ العَرَبِ، والأُمَّةُ الإسْلامِيَّةُ لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْها المَذاهِبُ الإسْلامِيَّةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] فَهو في مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أيْ كَأُمَمٍ إذا تَدَبَّرْتُمْ في حِكْمَةِ إتْقانِ خَلْقِهِمْ ونِظامِ أحْوالِهِمْ وجَدْتُمُوهُ كَأُمَمٍ أمْثالِكم لِأنَّ هَذا الِاعْتِبارَ كانَ النّاسُ في غَفْلَةٍ عَنْهُ.
وقَدِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ في المُسْلِمِينَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ تَلاحَقُوا بِالإسْلامِ قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها حَتّى أسْلَمَ كُلُّ العَرَبِ إلّا قَبائِلَ قَلِيلَةً لا تَنْخَرِمُ بِهِمْ جامِعَةُ الأُمَّةِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وأمّا مَن أسْلَمُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ فَلَمْ يَلْتَئِمْ مِنهم عَدَدُ أُمَّةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ سُؤالٌ لِإرْشادِهِمْ لِكَيْفِيَّةِ الحَجِّ الَّذِي أُمِرا بِهِ مِن قَبْلُ أمْرًا مُجْمَلًا، فَفِعْلُ أرِنا هو مِن رَأى العِرْفانِيَّةِ وهو اسْتِعْمالٌ ثابِتٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ كَما جَزَمَ بِهِ الرّاغِبُ في المُفْرَداتِ والزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ وتَعَدَّتْ بِالهَمْزِ إلى مَفْعُولَيْنِ.
وحَقُّ رَأى أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأنَّ أصْلَهُ هو الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في العِلْمِ بِجَعْلِ العِلْمِ اليَقِينِيِّ شَبِيهًا بِرُؤْيَةِ البَصَرِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ هَمْزُ التَّعْدِيَةِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وأمّا تَعْدِيَةُ أرى إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ فَهو خِلافُ الأصْلِ وهو اسْتِعْمالٌ خاصٌّ وذَلِكَ إذا أرادَ المُتَكَلِّمُ الإخْبارَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِفَةٍ مِن صِفاتِ ذاتٍ فَيَذْكُرُ اسْمَ الذّاتِ أوَّلًا ويَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ مُرادَهُ فَيُكْمِلُهُ بِذِكْرِ حالٍ لازِمَةٍ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ فَيَقُولُ رَأيْتُ الهِلالَ طالِعًا مَثَلًا ثُمَّ يَقُولُ أرانِي فُلانٌ الهِلالَ طالِعًا، وكَذَلِكَ فِعْلُ عَلِمَ وأخَواتِهِ مِن بابِ ظَنَّ كُلِّهِ ومِثْلُهُ بابُ كانَ وأخَواتِها، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ عَدَلْتَ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي في بابِ ظَنَّ أوْ عَنِ الخَبَرِ في بابِ كانَ إلى الإتْيانِ بِمَصْدَرٍ في مَوْضِعِ الِاسْمِ في أفْعالِ هَذَيْنِ البابَيْنِ لاسْتَغْنَيْتَ عَنِ الخَبَرِ والمَفْعُولِ الثّانِي فَتَقُولُ
صفحة ٧٢٢
كانَ حُضُورُ فُلانٍ أيْ حَصَلَ وعَلِمْتُ مَجِيءَ صاحِبِكَ وظَنَنْتُ طُلُوعَ الشَّمْسِ وقَدْ رُوِيَ قَوْلُ الفِنْدِ الزِّمّانِيِّ:
عَسى أنْ يُرْجِعَ الأيّا مُ قَوْمًا كالَّذِي كانُوا وقالَ حَطائِطُ بْنُ يَعْفُرَ: ∗∗∗ أرِينِي جَوادًا ماتَ هُزْلًا لَعَلَّنِيأرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا فَإنَّ جُمْلَةَ ”ماتَ هُزْلًا“ لَيْسَتْ خَبَرًا عَنْ ”جَوادًا“ إذِ المُبْتَدَأُ لا يَكُونُ نَكِرَةً، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ الصَّوابَ أنْ يُعَدَّ الخَبَرُ في بابِ كانَ والمَفْعُولِ الثّانِي في بابِ ظَنَّ أحْوالًا لازِمَةً لِتَمامِ الفائِدَةِ وأنَّ إطْلاقَ اسْمِ الخَبَرِ أوِ المَفْعُولِ عَلى ذَلِكَ المَنصُوبِ تَسامُحٌ وعِبارَةٌ قَدِيمَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ (وأرْنا) بِسُكُونِ الرّاءِ لِلتَّخْفِيفِ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الرّاءِ تَخْفِيفًا أيْضًا، وجُمْلَةُ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ تَعْلِيلٌ لِجُمَلِ الدُّعاءِ.
والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ وهو اسْمُ مَكانٍ مِن نَسَكَ نَسْكًا مِن بابِ نَصَرَ أيْ تَعَبَّدَ أوْ مِن نَسُكَ بِضَمِّ السِّينِ نَساكَةً بِمَعْنى ذَبَحَ تَقَرُّبًا، والأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ الَّذِي يَحِقُّ طَلَبُ التَّوْفِيقِ لَهُ وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]
البقرة 2:129
﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
كُرِّرَ النِّداءُ لِأنَّهُ عَطْفُ غَرَضٍ آخَرَ في هَذا الدُّعاءِ وهو غَرَضُ الدُّعاءِ بِمَجِيءِ الرِّسالَةِ في ذُرِّيَّتِهِ لِتَشْرِيفِهِمْ وحِرْصًا عَلى تَمامِ هَدْيِهِمْ.
وإنَّما قالَ ”فِيهِمْ“ ولَمْ يَقُلْ ”لَهم“ لِتَكُونَ الدَّعْوَةُ بِمَجِيءِ رَسُولٍ بِرِسالَةٍ عامَّةٍ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ الرَّسُولُ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ، ولِذَلِكَ حَذَفَ مُتَعَلِّقَ رَسُولًا لِيَعُمَّ، فالنِّداءُ في قَوْلِهِ رَبَّنا وابْعَثِ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمَلِ الدَّعَواتِ المُتَعاطِفَةِ، ومَظْهَرُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ كِلَيْهِما، وأمّا غَيْرُهُ مِن رُسُلِ غَيْرِ العَرَبِ فَلَيْسُوا مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، وشُعَيْبٌ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، وهُودٌ وصالِحٌ هُما مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ فَلَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ولا مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ.
صفحة ٧٢٣
وجاءَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ ١٧ مِنَ التَّكْوِينِ ظَهَرَ الرَّبُّ لِإبْرامَ أيْ إبْراهِيمَ وقالَ لَهُ أنا اللَّهُ القَدِيرُ سِرْ أمامِي وكُنْ كامِلًا فَأجْعَلُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكَ وأُكَثِّرُكَ كَثِيرًا جِدًّا وفي فِقْرَةِ ٢٠ وأمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ ها أنا أُبارِكُهُ وأُثَمِّرُهُ وأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. وذَكَرَ عَبْدُ الحَقِّ الإسْلامِيُّ السَّبْتِيُّ الَّذِي كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ هو وأوْلادُهُ وأهْلُهُ في سَبْتَةَ وكانَ مَوْجُودًا بِها سَنَةَ ٧٣٦ سِتٍّ وثَلاثِينَ وسَبْعِمِائَةٍ في كِتابٍ لَهُ سَمّاهُ الحُسامُ المَحْدُودُ في الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ: أنَّ كَلِمَةَ ”كَثِيرًا جِدًّا“ أصْلُها في النَّصِّ العِبْرانِيِّ ”مادا مادا“ وأنَّها رَمْزٌ في التَّوْراةِ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ بِحِسابِ الجُمَّلِ لِأنَّ عَدَدَ حُرُوفِ ”مادا مادا“ بِحِسابِ الجُمَّلِ عِنْدَ اليَهُودِ تَجْمَعُ عَدَدَ اثْنَيْنِ وتِسْعِينَ وهو عَدَدُ حُرُوفِ مُحَمَّدٍ. اهـ. وتَبِعَهُ عَلى هَذا البَقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ.
ومَعْنى ”يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ“ يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ قِراءَةَ تَذْكِيرٍ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِكِتابٍ فِيهِ شَرْعٌ.
فالآياتُ جَمْعُ آيَةٍ وهي الجُمْلَةُ مِن جُمَلِ القُرْآنِ، سُمِّيَتْ آيَةً لِدَلالَتِها عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِمَجْمُوعِ ما فِيها مِن دَلالَةِ صُدُورِ مِثْلِها مِن أُمِّيٍ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وما نُسِجَتْ عَلَيْهِ مِن نَظْمٍ أعْجَزَ النّاسَ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ صِفاتِهِ دَلالَةً لَمْ تَتْرُكْ مَسْلَكًا لِلضَّلالِ في عَقائِدِ الأُمَّةِ بِحَيْثُ أمِنَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنَ الإشْراكِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حِجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكم هَذا» . وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ”يَتْلُو“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَتَكَرَّرُ تِلاوَتُهُ.
”والحِكْمَةَ“ العِلْمُ بِاللَّهِ ودَقائِقِ شَرائِعِهِ وهي مَعانِي الكِتابِ وتَفْصِيلُ مَقاصِدِهِ، وعَنْ مالِكٍ: الحِكْمَةُ مَعْرِفَةُ الفِقْهِ والدِّينِ والِاتِّباعِ لِذَلِكَ، وعَنِ الشّافِعِيِّ الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكِلاهُما ناظِرٌ إلى أنَّ عَطْفَ الحِكْمَةِ عَلى الكِتابِ يَقْتَضِي شَيْئًا مِنَ المُغايَرَةِ بِزِيادَةِ مَعْنًى وسَيَجِيءُ تَفْصِيلُ مَعْنى الحِكْمَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في هَذِهِ السُّورَةِ. والتَّزْكِيَةُ التَّطْهِيرُ مِنَ النَّقائِصِ وأكْبَرُ النَّقائِصِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْ مُتابَعَةِ القُرْآنِ وأبَوْا إلّا البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ.
وقَدْ جاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في الذِّكْرِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ وجُودِها لِأنَّ أوَّلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ تِلاوَةُ القُرْآنِ ثُمَّ يَكُونُ تَعْلِيمُ مَعانِيهِ قالَ تَعالى فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ثُمَّ العِلْمُ تَحْصُلُ بِهِ التَّزْكِيَةُ وهي في العَمَلِ بِإرْشادِ القُرْآنِ.
صفحة ٧٢٤
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيبِ الإجابَةِ أيْ لِأنَّكَ لا يَغْلِبُكَ أمْرٌ عَظِيمٌ ولا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِكَ وحِكْمَتِكَ شَيْءٌ والحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكِمِ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] وقَوْلُهُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]
البقرة 2:130
﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
مُوقِعُ هاتِهِ الآياتِ مِن سَوابِقِها مُوقِعُ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ وإذِ ابْتَلى إلى هَنا عَلِمَ أنَّ صاحِبَ هاتِهِ الفَضائِلِ لا يَعْدِلُ عَنْ دِينِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ إلّا سَفِيهُ العَقْلِ أفِنَ الرَّأْيِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ عَلى سَوابِقِها بِالفاءِ وإنَّما عَدَلَ مِنَ الفاءِ إلى الواوِ لِيَكُونَ مَدْلُولُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ في تَكْمِيلِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وفي أنَّ هَذا الحُكْمَ حَقِيقٌ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ لا مِن خُصُوصِ ما حَكى عَنْهُ في الآياتِ السّالِفَةِ وفي التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ حادُوا عَنِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ مُتَضَمِّنًا لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، والدَّلالَةُ عَنِ التَّفْرِيعِ لا تَفُوتُ لِأنَّ وُقُوعَ الجُمْلَةِ بَعْدَ سَوابِقِها مُتَضَمِّنَةٌ هَذا المَعْنى دَلِيلٌ عَلى أنَّها نَتِيجَةٌ لِما تَقَدَّمَ كَما تَقُولُ أحْسَنَ فُلانٌ تَدْبِيرَ المُهِمِّ وهو رَجُلٌ حَكِيمٌ ولا تَحْتاجُ إلى أنْ تَقُولَ فَهو رَجُلٌ حَكِيمٌ.
والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، واسْتِعْمالُهُ في الإنْكارِ قَدْ يَكُونُ مَعَ جَوازِ إرادَةِ قَصْدِ الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ كِنايَةً، وقَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ جَوازِ إرادَةِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ مَجازًا في الإنْكارِ ويَكُونُ مَعْناهُ مَعْنى النَّفْيِ، والأظْهَرُ أنَّهُ هُنا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ العِلْمِ بِفَضْلِها ووُضُوحِها أمْرٌ مُنْكَرٌ مُسْتَبْعَدٌ.
ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنْكِرِ المُسْتَبْعَدِ أنْ يَسْألَ عَنْ فاعِلِهِ اسْتُعْمِلَ الِاسْتِفْهامُ في مَلْزُومِهِ وهو الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُئِلَ عَنْ هَذا المَعْرَضِ لَكانَ السُّؤالُ وجِيهًا، والِاسْتِثْناءُ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ النَّفْيِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ كِنائِيَّيْنِ، أوْ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ وهُما الإنْكارُ.
والِاسْتِفْهامُ لا يَجِيءُ فِيهِ ما قالُوا في اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ
صفحة ٧٢٥
فِي حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أوْ في مَجازَيْهِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنى الكِنائِيِّ بِطَرِيقِ العَقْلِ بِخِلافِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَوْضُوعِ لَهُما الحَقِيقِيُّ وعَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ إذِ الَّذِينَ رَأوْا ذَلِكَ مَنَعُوا بِعِلَّةِ أنَّ قَصْدَ الدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى الآخَرِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ فَإذا دَلَّ عَلى مَعْنى تَمَّتْ دَلالَتُهُ وأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَجازِيَّيْنِ دَلالَةٌ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ فَتَقْضِي أنَّهُ نُقِلَ مِن مَدْلُولِهِ الحَقِيقِيِّ إلى مَدْلُولٍ مَجازِيٍّ وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ، وقَدْ أبْطَلْنا ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ، أمّا المَعْنى الكِنائِيِّ فالدَّلالَةُ عَلَيْهِ عَقْلِيَّةٌ سَواءٌ بَقِيَ اللَّفْظُ دالًّا عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أمْ تَعَطَّلَتْ دَلالَتُهُ عَلَيْهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اسْتِعْمالَ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى الإنْكارِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما تَكَرَّرَ في كُلِّ كِنايَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيها المَعْنى الأصْلِيُّ وهو أظْهَرُ لِأنَّهُ مَجازٌ مَشْهُورٌ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فَقالَ النُّحاةُ: الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ نَفْيٌ ولِذا يَجِيءُ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا يَطَّرِدُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّفْيِ ولَكِنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ المُنْكَرِ بِأنْ يَكُونَ مَعْدُومًا ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ هُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن كَلامٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ كَأنَّ مُجِيبًا أجابَ السّائِلَ بِقَوْلِهِ لا يَرْغَبُ عَنْها إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.
والرَّغْبَةُ طَلَبُ أمْرٍ مَحْبُوبٍ: فَحَقُّ فِعْلِها أنْ يَتَعَدّى بِفي وقَدْ يُعَدّى بِعْنَ إذا ضُمِّنَ مَعْنى العُدُولِ عَنْ أمْرٍ وكَثُرَ هَذا التَّضْمِينُ في الكَلامِ حَتّى صارَ مَنسِيًّا، والمِلَّةُ الدِّينُ وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] و”سَفِهَ“ بِمَعْنى اسْتَخَفَّ لِأنَّ السَّفاهَةَ خِفَّةُ العَقْلِ واضْطِرابُهُ يُقالُ تَسَفَّهَهُ اسْتَخَفَّهُ قالَ ذُو الرُّمَّةِ.
مَشِينَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمُ ومِنهُ السَّفاهَةُ في الفِعْلِ وهو ارْتِكابُ أفْعالٍ لا يَرْضى بِها أهْلُ المُرُوءَةِ والسَّفَهِ في المالِ وهو إضاعَتُهُ وقِلَّةُ المُبالاةِ بِهِ وسُوءُ تَنْمِيَتِهِ. وسَفَّهَهُ بِمَعْنى اسْتَخَفَّهُ وأهانَهُ لِأنَّ الِاسْتِخْفافَ يَنْشَأُ عَنْهُ الإهانَةُ، وسَفِهَ صارَ سَفِيهًا وقَدْ تَضُمُّ الفاءُ في هَذا.
وانْتِصابُ ”نَفْسَهُ“ إمّا عَلى المَفْعُولِ بِهِ أيْ أهْمَلَها واسْتَخَفَّها ولَمْ يُبالِ بِإضاعَتِها دُنْيًا وأُخْرى ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ وأصْلُهُ سَفِهَتْ نَفْسُهُ أيْ خَفَّتْ، وطاشَتْ فَحُوِّلَ الإسْنادُ إلى صاحِبِ النَّفْسِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِلْمُلابَسَةِ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ وهي أنَّ السَّفاهَةَ
صفحة ٧٢٦
سَرَتْ مِنَ النَّفْسِ إلى صاحِبِها مِن شِدَّةٍ تَمَكُّنِها بِنَفْسِهِ حَتّى صارَتْ صِفَةً لِجُثْمانِهِ، ثُمَّ انْتَصَبَ الفاعِلُ عَلى التَّمْيِيزِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الإبْهامِ في الإسْنادِ المُجازِيِّ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَجِيءُ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ لِأنَّ تَنْكِيرَ التَّمْيِيزِ أغْلَبِيٌّ.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ تَسْفِيهُ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ أنَّ الإسْلامَ مُقامٌ عَلى أساسِ الحَنِيفِيَّةِ وهي مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهم بِأنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ قالَ تَعالى ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وقالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وقالَ وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها الدّالَّةُ عَلى رِفْعَةِ دَرَجَةِ إبْراهِيمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إذْ جَعَلَهُ لِلنّاسِ إمامًا وضَمِنَ لَهُ النُّبُوءَةَ في ذُرِّيَّتِهِ وأمْرَهُ بِبِناءِ مَسْجِدٍ لِتَوْحِيدِهِ واسْتَجابَ لَهُ دَعَواتِهِ.
وقَدْ دَلَّتْ تِلْكَ الجُمَلُ عَلى اخْتِيارِ اللَّهِ إيّاهُ فَلا جَرَمَ أُعْقِبَتْ بِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلَيْها لِأنَّها جامِعَةٌ لِفَذْلَكَتِها وزائِدَةٌ بِذِكْرِ أنَّهُ سَيَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وفي ذَلِكَ اهْتِمامٌ بِتَقْرِيرِ اصْطِفائِهِ وصَلاحِهِ في الآخِرَةِ.
ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ الأخِيرِ أكَّدَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ إلى آخِرِهِ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”اصْطَفَيْناهُ“ وبَيْنَ الظَّرْفِ وهو قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ إذْ هو ظَرْفٌ لاصْطَفَيْناهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، قُصِدَ مِن هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ التَّخَلُّصُ إلى مَنقَبَةٍ أُخْرى، لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ هو دَلِيلُ اصْطِفائِهِ حَيْثُ خاطَبَهُ اللَّهُ بِوَحْيٍ وأمَرَهُ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ”أسْلِمْ“ مِن مَعانٍ جِماعُها التَّوْحِيدُ والبَراءَةُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ وإخْلاصُ الطّاعَةِ، وهو أيْضًا وقْتُ ظُهُورِ أنَّ اللَّهَ أرادَ إصْلاحَ حالِهِ في الآخِرَةِ إذْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ.
وقَدْ فُهِمَ أنَّ مَفْعُولَ ”أسْلِمْ“ ومُتَعَلِّقَهُ مَحْذُوفانِ يُعْلَمانِ مِنَ المَقامِ أيْ أسْلِمْ نَفْسَكَ لِي كَما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ بِقَوْلِهِ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وشاعَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مَفْعُولِ ”أسْلِمْ“ فَنَزَلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ يُقالُ: أسْلَمَ أيْ دانَ بِالإسْلامِ كَما أنْبَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.
صفحة ٧٢٧
وقَوْلُهُ قالَ أسْلَمْتُ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ في وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً وقَوْلُهُ: ”﴿قالَ أسْلَمْتُ﴾“ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ بادَرَ بِالفَوْرِ دُونَ تَرَيُّثٍ كَما اقْتَضاهُ وُقُوعُهُ جَوابًا، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّما قالَ لِرَبِّ العالَمِينَ دُونَ أنْ يَقُولَ أسْلَمْتُ لَكَ لِيَكُونَ قَدْ أتى بِالإسْلامِ وبِدَلِيلِهِ اهـ. يَعْنِي أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدْ عَلِمَ أنَّ لِهَذا العالَمِ خالِقًا عالِمًا حَصَلَ لَهُ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ فَلَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِالإيمانِ صادَفَ ذَلِكَ عَقْلًا رَشَدًا.
البقرة 2:131
﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
مُوقِعُ هاتِهِ الآياتِ مِن سَوابِقِها مُوقِعُ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ وإذِ ابْتَلى إلى هَنا عَلِمَ أنَّ صاحِبَ هاتِهِ الفَضائِلِ لا يَعْدِلُ عَنْ دِينِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ إلّا سَفِيهُ العَقْلِ أفِنَ الرَّأْيِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ عَلى سَوابِقِها بِالفاءِ وإنَّما عَدَلَ مِنَ الفاءِ إلى الواوِ لِيَكُونَ مَدْلُولُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ في تَكْمِيلِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وفي أنَّ هَذا الحُكْمَ حَقِيقٌ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ لا مِن خُصُوصِ ما حَكى عَنْهُ في الآياتِ السّالِفَةِ وفي التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ حادُوا عَنِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ مُتَضَمِّنًا لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، والدَّلالَةُ عَنِ التَّفْرِيعِ لا تَفُوتُ لِأنَّ وُقُوعَ الجُمْلَةِ بَعْدَ سَوابِقِها مُتَضَمِّنَةٌ هَذا المَعْنى دَلِيلٌ عَلى أنَّها نَتِيجَةٌ لِما تَقَدَّمَ كَما تَقُولُ أحْسَنَ فُلانٌ تَدْبِيرَ المُهِمِّ وهو رَجُلٌ حَكِيمٌ ولا تَحْتاجُ إلى أنْ تَقُولَ فَهو رَجُلٌ حَكِيمٌ.
والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، واسْتِعْمالُهُ في الإنْكارِ قَدْ يَكُونُ مَعَ جَوازِ إرادَةِ قَصْدِ الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ كِنايَةً، وقَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ جَوازِ إرادَةِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ مَجازًا في الإنْكارِ ويَكُونُ مَعْناهُ مَعْنى النَّفْيِ، والأظْهَرُ أنَّهُ هُنا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ العِلْمِ بِفَضْلِها ووُضُوحِها أمْرٌ مُنْكَرٌ مُسْتَبْعَدٌ.
ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنْكِرِ المُسْتَبْعَدِ أنْ يَسْألَ عَنْ فاعِلِهِ اسْتُعْمِلَ الِاسْتِفْهامُ في مَلْزُومِهِ وهو الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُئِلَ عَنْ هَذا المَعْرَضِ لَكانَ السُّؤالُ وجِيهًا، والِاسْتِثْناءُ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ النَّفْيِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ كِنائِيَّيْنِ، أوْ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ وهُما الإنْكارُ.
والِاسْتِفْهامُ لا يَجِيءُ فِيهِ ما قالُوا في اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ
صفحة ٧٢٥
فِي حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أوْ في مَجازَيْهِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنى الكِنائِيِّ بِطَرِيقِ العَقْلِ بِخِلافِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَوْضُوعِ لَهُما الحَقِيقِيُّ وعَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ إذِ الَّذِينَ رَأوْا ذَلِكَ مَنَعُوا بِعِلَّةِ أنَّ قَصْدَ الدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى الآخَرِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ فَإذا دَلَّ عَلى مَعْنى تَمَّتْ دَلالَتُهُ وأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَجازِيَّيْنِ دَلالَةٌ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ فَتَقْضِي أنَّهُ نُقِلَ مِن مَدْلُولِهِ الحَقِيقِيِّ إلى مَدْلُولٍ مَجازِيٍّ وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ، وقَدْ أبْطَلْنا ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ، أمّا المَعْنى الكِنائِيِّ فالدَّلالَةُ عَلَيْهِ عَقْلِيَّةٌ سَواءٌ بَقِيَ اللَّفْظُ دالًّا عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أمْ تَعَطَّلَتْ دَلالَتُهُ عَلَيْهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اسْتِعْمالَ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى الإنْكارِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما تَكَرَّرَ في كُلِّ كِنايَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيها المَعْنى الأصْلِيُّ وهو أظْهَرُ لِأنَّهُ مَجازٌ مَشْهُورٌ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فَقالَ النُّحاةُ: الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ نَفْيٌ ولِذا يَجِيءُ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا يَطَّرِدُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّفْيِ ولَكِنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ المُنْكَرِ بِأنْ يَكُونَ مَعْدُومًا ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ هُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن كَلامٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ كَأنَّ مُجِيبًا أجابَ السّائِلَ بِقَوْلِهِ لا يَرْغَبُ عَنْها إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.
والرَّغْبَةُ طَلَبُ أمْرٍ مَحْبُوبٍ: فَحَقُّ فِعْلِها أنْ يَتَعَدّى بِفي وقَدْ يُعَدّى بِعْنَ إذا ضُمِّنَ مَعْنى العُدُولِ عَنْ أمْرٍ وكَثُرَ هَذا التَّضْمِينُ في الكَلامِ حَتّى صارَ مَنسِيًّا، والمِلَّةُ الدِّينُ وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] و”سَفِهَ“ بِمَعْنى اسْتَخَفَّ لِأنَّ السَّفاهَةَ خِفَّةُ العَقْلِ واضْطِرابُهُ يُقالُ تَسَفَّهَهُ اسْتَخَفَّهُ قالَ ذُو الرُّمَّةِ.
مَشِينَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمُ ومِنهُ السَّفاهَةُ في الفِعْلِ وهو ارْتِكابُ أفْعالٍ لا يَرْضى بِها أهْلُ المُرُوءَةِ والسَّفَهِ في المالِ وهو إضاعَتُهُ وقِلَّةُ المُبالاةِ بِهِ وسُوءُ تَنْمِيَتِهِ. وسَفَّهَهُ بِمَعْنى اسْتَخَفَّهُ وأهانَهُ لِأنَّ الِاسْتِخْفافَ يَنْشَأُ عَنْهُ الإهانَةُ، وسَفِهَ صارَ سَفِيهًا وقَدْ تَضُمُّ الفاءُ في هَذا.
وانْتِصابُ ”نَفْسَهُ“ إمّا عَلى المَفْعُولِ بِهِ أيْ أهْمَلَها واسْتَخَفَّها ولَمْ يُبالِ بِإضاعَتِها دُنْيًا وأُخْرى ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ وأصْلُهُ سَفِهَتْ نَفْسُهُ أيْ خَفَّتْ، وطاشَتْ فَحُوِّلَ الإسْنادُ إلى صاحِبِ النَّفْسِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِلْمُلابَسَةِ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ وهي أنَّ السَّفاهَةَ
صفحة ٧٢٦
سَرَتْ مِنَ النَّفْسِ إلى صاحِبِها مِن شِدَّةٍ تَمَكُّنِها بِنَفْسِهِ حَتّى صارَتْ صِفَةً لِجُثْمانِهِ، ثُمَّ انْتَصَبَ الفاعِلُ عَلى التَّمْيِيزِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الإبْهامِ في الإسْنادِ المُجازِيِّ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَجِيءُ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ لِأنَّ تَنْكِيرَ التَّمْيِيزِ أغْلَبِيٌّ.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ تَسْفِيهُ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ أنَّ الإسْلامَ مُقامٌ عَلى أساسِ الحَنِيفِيَّةِ وهي مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهم بِأنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ قالَ تَعالى ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وقالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وقالَ وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها الدّالَّةُ عَلى رِفْعَةِ دَرَجَةِ إبْراهِيمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إذْ جَعَلَهُ لِلنّاسِ إمامًا وضَمِنَ لَهُ النُّبُوءَةَ في ذُرِّيَّتِهِ وأمْرَهُ بِبِناءِ مَسْجِدٍ لِتَوْحِيدِهِ واسْتَجابَ لَهُ دَعَواتِهِ.
وقَدْ دَلَّتْ تِلْكَ الجُمَلُ عَلى اخْتِيارِ اللَّهِ إيّاهُ فَلا جَرَمَ أُعْقِبَتْ بِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلَيْها لِأنَّها جامِعَةٌ لِفَذْلَكَتِها وزائِدَةٌ بِذِكْرِ أنَّهُ سَيَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وفي ذَلِكَ اهْتِمامٌ بِتَقْرِيرِ اصْطِفائِهِ وصَلاحِهِ في الآخِرَةِ.
ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ الأخِيرِ أكَّدَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ إلى آخِرِهِ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”اصْطَفَيْناهُ“ وبَيْنَ الظَّرْفِ وهو قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ إذْ هو ظَرْفٌ لاصْطَفَيْناهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، قُصِدَ مِن هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ التَّخَلُّصُ إلى مَنقَبَةٍ أُخْرى، لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ هو دَلِيلُ اصْطِفائِهِ حَيْثُ خاطَبَهُ اللَّهُ بِوَحْيٍ وأمَرَهُ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ”أسْلِمْ“ مِن مَعانٍ جِماعُها التَّوْحِيدُ والبَراءَةُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ وإخْلاصُ الطّاعَةِ، وهو أيْضًا وقْتُ ظُهُورِ أنَّ اللَّهَ أرادَ إصْلاحَ حالِهِ في الآخِرَةِ إذْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ.
وقَدْ فُهِمَ أنَّ مَفْعُولَ ”أسْلِمْ“ ومُتَعَلِّقَهُ مَحْذُوفانِ يُعْلَمانِ مِنَ المَقامِ أيْ أسْلِمْ نَفْسَكَ لِي كَما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ بِقَوْلِهِ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وشاعَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مَفْعُولِ ”أسْلِمْ“ فَنَزَلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ يُقالُ: أسْلَمَ أيْ دانَ بِالإسْلامِ كَما أنْبَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.
صفحة ٧٢٧
وقَوْلُهُ قالَ أسْلَمْتُ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ في وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً وقَوْلُهُ: ”﴿قالَ أسْلَمْتُ﴾“ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ بادَرَ بِالفَوْرِ دُونَ تَرَيُّثٍ كَما اقْتَضاهُ وُقُوعُهُ جَوابًا، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّما قالَ لِرَبِّ العالَمِينَ دُونَ أنْ يَقُولَ أسْلَمْتُ لَكَ لِيَكُونَ قَدْ أتى بِالإسْلامِ وبِدَلِيلِهِ اهـ. يَعْنِي أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدْ عَلِمَ أنَّ لِهَذا العالَمِ خالِقًا عالِمًا حَصَلَ لَهُ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ فَلَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِالإيمانِ صادَفَ ذَلِكَ عَقْلًا رَشَدًا.
البقرة 2:132
﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
لِما كانَ مِن شَأْنِ أهْلِ الحَقِّ والحِكْمَةِ أنْ يَكُونُوا حَرِيصِينَ عَلى صَلاحِ أنْفُسِهِمْ وصَلاحِ أُمَّتِهِمْ كانَ مِن مُكَمِّلاتِ ذَلِكَ أنْ يَحْرِصُوا عَلى دَوامِ الحَقِّ في النّاسِ مُتَّبَعًا مَشْهُورًا فَكانَ مِن سُنَنِهِمُ التَّوْصِيَةُ لِمَن يَظُنُّونَهم خَلَفًا عَنْهم في النّاسِ بِأنْ لا يَحِيدُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ولا يُفَرِّطُوا فِيما حَصَلَ لَهم مِنهُ، فَإنَّ حُصُولَهُ بِمُجاهَدَةِ نُفُوسٍ ومُرُورِ أزْمانٍ فَكانَ لِذَلِكَ أمْرًا نَفِيسًا يَجْدُرُ أنْ يَحْتَفِظَ بِهِ.
والإيصاءُ أمْرٌ أوْ نَهْيٌ يَتَعَلَّقُ بِصَلاحِ المُخاطَبِ خُصُوصًا أوْ عُمُومًا، وفي فَوْتِهِ ضُرٌّ، فالوَصِيَّةُ أبْلَغُ مِن مُطْلَقِ أمْرٍ ونَهْيٍ فَلا تُطْلَقُ إلّا في حَيْثُ يَخافُ الفَواتَ إمّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوصِي ولِذَلِكَ كَثُرَ الإيصاءُ عِنْدَ تَوَقُّعِ المَوْتِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] وفي حَدِيثِ العِرْباضِ «وعَظَنا رَسُولُ اللَّهِ مَوْعِظَةً وجِلَتْ مِنها القُلُوبُ وذَرَفَتْ مِنها العُيُونُ فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ كَأنَّها مَوْعِظَةُ مُودِعٍ فَأوْصِنا» الحَدِيثَ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُوصى كالوَصِيَّةِ عِنْدَ السَّفَرِ في «حَدِيثِ مُعاذٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْيَمَنِ كانَ آخِرَ ما أوْصانِي رَسُولُ اللَّهِ حِينَ وضَعَتْ رِجْلِي في الغَرْزِ أنْ قالَ حَسِّنْ خُلُقَكَ لِلنّاسِ»، «وجاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ لَهُ أوْصِنِي قالَ ”لا تَغْضَبْ“»
صفحة ٧٢٨
فَوَصِيَّةُ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إمّا عِنْدَ المَوْتِ كَما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ الآتِيَةُ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ وإمّا في مَظانِّ خَشْيَةُ الفَواتِ.
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ عَلى المِلَّةِ أوْ عَلى الكَلِمَةِ أيْ قَوْلُهُ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] فَإنْ كانَ بِالمِلَّةِ فالمَعْنى أنَّهُ أوْصى أنْ يُلازِمُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مَعَهُ في حَياتِهِ، وإنْ كانَ الثّانِي فالمَعْنى أنَّهُ أوْصى بِهَذا الكَلامِ الَّذِي هو شِعارٌ جامِعٌ لِمَعانِي ما في المِلَّةِ.
وبَنُو إبْراهِيمَ ثَمانِيَةٌ: إسْماعِيلُ وهو أكْبَرُ بَنِيهِ وأُمُّهُ هاجَرُ، وإسْحاقُ وأمُّهُ سارَّةُ وهو ثانِي بَنِيهِ، ومَدْيانُ، ومَدانُ، وزَمْرانُ، ويِقْشانُ، وبِشْباقُ، وشُوحُ، وهَؤُلاءِ أُمُّهم قَطُورَةُ الَّتِي تَزَوَّجَها إبْراهِيمُ بَعْدَ مَوْتِ سارَّةَ، ولَيْسَ لِغَيْرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ خَبَرٌ مُفَصَّلٌ في التَّوْراةِ سِوى أنَّ ظاهِرَ التَّوْراةِ أنَّ مَدْيانَ هو جَدُّ أُمَّةِ مَدْيَنَ أصْحابِ الأيْكَةِ وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَرَجَ خائِفًا مِن مِصْرَ نَزَلَ أرْضَ مَدْيانَ وأنْ يَثْرُونَ أوْ رَعُوئِيلَ هو شُعَيْبٌ كانَ كاهِنَ أهْلِ مَدْيَنَ. وأمّا يَعْقُوبُ فَهو ابْنُ إسْحاقَ مِن زَوْجِهِ رُفْقَةَ الأرامِيَّةِ تَزَوَّجَها سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ في حَياةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ فَكانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ رَجُلًا ولُقِّبَ بِإسْرائِيلَ وهو جَدُّ جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ وماتَ يَعْقُوبُ بِأرْضِ مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وثَمانِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ ودُفِنَ بِمَغارَةِ المَكْفُلِيَّةِ بِأرْضِ كَنْعانَ بَلَدِ الخَلِيلِ حَيْثُ دُفِنَ جَدُّهُ وأبُوهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وعَطْفُ يَعْقُوبَ عَلى إبْراهِيمَ هُنا إدْماجٌ مَقْصُودٌ بِهِ تَذْكِيرُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي هو يَعْقُوبُ بِوَصِيَّةِ جَدِّهِمْ فَكَما عَرَّضَ بِالمُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دِينٍ أوْصى بِهِ أبُوهم عَرَّضَ بِاليَهُودِ كَذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا انْتَسَبُوا إلى إسْرائِيلَ وهو يَعْقُوبُ الَّذِي هو جامِعُ نَسَبِهِمْ بَعْدَ إبْراهِيمَ لِتُقامَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِحَقِّ اتِّباعِهِمُ الإسْلامَ.
وقَوْلُهُ ”يا بُنَيَّ“ إلَخْ حِكايَةُ صِيغَةِ وصِيَّةِ إبْراهِيمَ وسَيَجِيءُ ذِكْرُ وصِيَّةِ يَعْقُوبَ. ولَمّا كانَ فِعْلُ أوْصى مُتَضَمِّنًا لِلْقَوْلِ صَحَّ مَجِيءُ جُمْلَةٍ بَعْدَهُ مِن شَأْنِها أنْ تَصْلُحَ لِحِكايَةِ الوَصِيَّةِ لِتُفَسِّرَ جُمْلَةَ أوْصى، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِأنِ التَّفْسِيرِيَّةَ الَّتِي كَثُرَ مَجِيئُها بَعْدَ جُمْلَةٍ فِيها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، لِأنَّ أنِ التَّفْسِيرِيَّةَ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مَحْكِيًّا بِلَفْظِهِ أوْ بِمَعْناهُ والأكْثَرُ أنْ يُحْكى بِالمَعْنى، فَلَمّا أُرِيدَ هُنا التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حِكايَةٌ لِقَوْلِ إبْراهِيمَ بِنَصِّهِ ما عَدا مُخالَفَةَ المُفْرَداتِ العَرَبِيَّةِ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ فِعْلِ القَوْلِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ لا تَجِيءُ بَعْدَهُ أنِ التَّفْسِيرِيَّةَ بِحالٍ، ولِهَذا
صفحة ٧٢٩
يَقُولُ البَصْرِيُّونَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّهُ مُقَدَّرُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّ وصّى ونَحْوَهُ ناصِبٌ لِلْجُمْلَةِ المَقُولَةِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخِلافُ بَيْنَهم لَفْظِيًّا.
و”﴿اصْطَفى لَكُمُ﴾“ اخْتارَ لَكُمُ الدِّينَ أيِ الدِّينُ الكامِلُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ اخْتارَهُ لَهم مِن بَيْنِ الأدْيانِ وأنَّهُ فَضَّلَهم بِهِ لِأنَّ ”اصْطَفى لَكَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ادَّخَرَهُ لِأجْلِهِ، وأرادَ بِهِ دِينُ الحَنِيفِيَّةِ المُسَمّى بِالإسْلامِ فَلِذَلِكَ قالَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ومَعْنى فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ النَّهْيُ عَنْ مُفارَقَةِ الإسْلامِ أعَنى مِلَّةَ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ أوْقاتِ حَياتِهِمْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُلازَمَتِهِ مُدَّةَ الحَياةِ لِأنَّ الحَيَّ لا يَدْرِي مَتى يَأْتِيهِ المَوْتُ فَنَهْيُ أحَدٍ عَنْ أنْ يَمُوتَ غَيْرَ مُسْلِمِ أمْرٌ بِالِاتِّصافِ بِالإسْلامِ في جَمِيعِ أوْقاتِ الحَياةِ فالمُرادُ مِن مِثْلِ هَذا النَّهْيِ شِدَّةُ الحِرْصِ عَلى تَرْكِ المَنهِيِّ.
ولِلْعَرَبِ في النَّهْيِ المُرادِ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ لازِمِهِ طُرُقٌ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: أنْ يَجْعَلُوا المَنهِيَّ عَنْهُ مِمّا لا قُدْرَةَ لِلْمُخاطَبِ عَلى اجْتِنابِهِ فَيَدُلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ نَفْيُ لازِمِهِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ لا تَنْسَ كَذا أيْ لا تَرْتَكِبُ أسْبابَ النِّسْيانِ، ومِثْلَ قَوْلِهِمْ لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا أيْ لا تَفْعَلُ فَأعْرِفُكَ لِأنَّ مَعْرِفَةَ المُتَكَلِّمِ لا يُنْهِي عَنْها المُخاطَبُ، وفي الحَدِيثِ «فَلا يُذادَنَّ أقْوامٌ عَنْ حَوْضِي»، الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَنهِيَّ عَنْهُ مَقْدُورًا لِلْمُخاطِبِ ولا يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ النَّهْيَ عَنْهُ ولَكِنْ عَمّا يَتَّصِلُ بِهِ أوْ يُقارِنُهُ فَيَجْعَلُ النَّهْيَ في اللَّفْظِ عَنْ شَيْءٍ ويُقَيِّدُهُ بِمُقارِنِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ مُضْطَرٌّ لِإيقاعِهِ فَإذا أوْقَعَهُ اضْطُرَّ لِإيقاعِ مُقارِنِهِ نَحْوَ قَوْلِكَ لا أراكَ بِثِيابٍ مُشَوَّهَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَنهِيُّ عَنْهُ مُمْكِنَ الحُصُولِ ويَجْعَلُهُ مُفِيدًا مَعَ احْتِمالِ المَقامِ لِأنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الأمْرَيْنِ إذا اجْتَمَعا ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ أحَدَهُما نَحْوَ لا تَجِئْنِي سائِلًا وأنْتَ تُرِيدُ أنْ لا يَسْألَكَ فَإمّا أنْ يَجِيءَ ولا يَسْألَ وإمّا أنْ لا يَجِيءَ بِالمَرَّةِ، وفي الثّانِيَةِ إثْباتُ أنَّ بَنِي إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ كانُوا عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وأنَّ الإسْلامَ جاءَ بِما كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ سُلْطانٌ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما طَرَأ عَلى بَنِيهِ بَعْدَ ذاكَ مِنَ الشَّرائِعِ إنَّما اقْتَضَتْهُ أحْوالٌ عَرَضَتْ وهي دُونَ الكَمالِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ولِهَذا قالَ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقالَ ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]
البقرة 2:133
صفحة ٧٣٠
﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
تَفْصِيلٌ لِوَصِيَّةِ يَعْقُوبَ بِأنَّهُ أمَرَ أبْناءَهُ أنْ يَكُونُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ وهي نَظِيرُ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمُ بَنِيهِ فَأجْمَلَ هُنا اعْتِمادًا عَلى ما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ سابِقًا ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وهَذا تَنْوِيهٌ بِالحَنِيفِيَّةِ الَّتِي هي أساسُ الإسْلامِ، وتَمْهِيدٌ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] وإبْطالٌ لِزَعْمِهِمْ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وأنَّهُ أوْصى بِها بَنِيهِ فَلَزِمَتْ ذُرِّيَّتَهُ فَلا يُحَوَّلُونَ عَنْها.
وقَدْ ذُكِرَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا ذَلِكَ قالَهُ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ بِدُونِ سَنَدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٤٠] الآيَةَ فَلِذَلِكَ جِيءَ هُنا بِتَفْصِيلِ وصِيَّةِ يَعْقُوبَ إبْطالًا لِدَعاوِي اليَهُودِ ونَقْضًا لِمُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَما أنْبَأ بِهِ الإنْكارُ في قَوْلِهِ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ إلَخْ.
و”أمْ“ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ”كُنْتُمْ شُهَداءَ“ عَلى جُمْلَةِ ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ فَإنَّ أمْ مِن حُرُوفِ العَطْفِ كَيْفَما وقَعَتْ، وهي هُنا مُنْقَطِعَةٌ لِلِانْتِقالِ مِنَ الخَبَرِ عَنْ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إلى مُجادَلَةِ مَنِ اعْتَقَدُوا خِلافَ ذَلِكَ الخَبَرِ، ولَمّا كانَتْ أمْ يُلازِمُها الِاسْتِفْهامُ كَما مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] إلَخْ فالِاسْتِفْهامُ هُنا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ لِظُهُورِ أنَّ عَدَمَ شُهُودِهِمُ احْتِضارَ يَعْقُوبَ مُحَقَّقٌ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ مَجازٌ: ومَحْمَلُهُ عَلى الإنْكارِ لِأنَّهُ أشْهَرُ مَحامِلِ الِاسْتِفْهامِ المَجازِيِّ، ولِأنَّ مِثْلَ هَذا المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَأْلُوفٌ في الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ الِاسْتِفْهامِ إنْكارِيًّا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ الواقِعُ فِيهِ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمَظِنَّةِ حالِ مَن يَدَّعِي خِلافَ الواقِعِ حَتّى يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، خِلافًا لِمَن جَوَّزَ كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، تَوَهَّمُوا أنَّ الإنْكارَ يُساوِي النَّفْيَ مُساواةً تامَّةً وغَفَلُوا عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وبَيْنَ النَّفْيِ المُجَرَّدِ فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ مَجازًا بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ وهو يَسْتَلْزِمُ النَّفْيُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ، ومِنَ العَجِيبِ وُقُوعُ الزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الغَفْلَةِ. فَتَعِينَ أنَّ المُخاطَبَ اليَهُودَ وأنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى اعْتِقادٍ اعْتَقَدُوهُ يُعْلَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ
صفحة ٧٣١
وسَوابِقِهِ وهو ادِّعاؤُهم أنَّ يَعْقُوبَ ماتَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وأوْصى بِها فَلَزِمَتْ ذُرِّيَّتَهُ، فَكانَ مَوْقِعَ الإنْكارِ عَلى اليَهُودِ واضِحًا وهو أنَّهُمُ ادَّعُوا ما لا قِبَلَ لَهم بِعِلْمِهِ إذْ لَمْ يَشْهَدُوا كَما سَيَأْتِي، فالمَعْنى ما كُنْتُمْ شُهَداءَ احْتِضارَ يَعْقُوبَ. ثُمَّ أكْمَلَ القِصَّةَ تَعْلِيمًا وتَفْصِيلًا واسْتِقْصاءً في الحُجَّةِ بِأنْ ذَكَرَ ما قالَهُ يَعْقُوبُ حِينَ اخْتِصارِهِ وما أجابَهُ أبْناؤُهُ ذَلِكَ بِداخِلٍ في حَيِّزِ الإنْكارِ، فالإنْكارُ يَنْتَهِي عِنْدَ قَوْلِهِ ”المَوْتُ“ والبَقِيَّةُ تَكْمِلَةٌ لِلْقِصَّةِ، والقَرِينَةُ عَلى الأمْرَيْنِ ظاهِرَةٌ اعْتِمادًا عَلى مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمالِ في مِثْلِهِ فَإنَّهُ لا يُطالُ فِيهِ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِالإنْكارِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] فَلَمّا قالَ هُنا أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ عَلِمَ السّامِعُ مَوْقِعَ الإنْكارِ، ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ أبْناءِ يَعْقُوبَ نَعْبُدُ إلَهَكَ لَمْ يَكُنْ مِن دَعْوى اليَهُودِ حَتّى يَدْخُلَ في حَيِّزِ الإنْكارِ لِأنَّهم لَوِ ادَّعَوْا ذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ إذْ هو عَيْنُ المَقْصُودِ مِنَ الخَبَرِ، وبِذَلِكَ يَسْتَقِرُّ كِلا الكَلامَيْنِ في قَرارِهِ، ولَمْ يَكُنْ داعٍ لِجَعْلِ أمْ مُتَّصِلَةً بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ قَبْلَها تَكُونُ هي مُعادِلَةً لَهُ، كَأنْ يُقَدِّرَ أكُنْتُمْ غائِبِينَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ أمْ شُهَداءَ وأنَّ الخِطابَ لِلْيَهُودِ أوْ لِلْمُسْلِمِينَ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، ولا لِجَعْلِ الخِطابِ في قَوْلِهِ كُنْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى مَعْنى جَعْلِ الِاسْتِفْهامِ لِلنَّفْيِ المَحْضِ أيْ ما شَهِدْتُمُ احْتِضارَ يَعْقُوبَ أيْ عَلى حَدٍّ وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ وحَّدَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم كَما حاوَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ، وإنَّما حَداهُ إلى ذَلِكَ قِياسُهُ عَلى غالِبِ مَواقِعِ اسْتِعْمالِ أمْثالِ هَذا التَّرْكِيبِ مَعَ أنَّ مَوْقِعَهُ هُنا مَوْقِعٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ وهو مِنِ الإيجازِ والإكْمالِ إذْ جَمَعَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في التَّقَوُّلِ عَلى مَن لَمْ يَشْهَدُوهُ، وتَعْلِيمُهم ما جَهِلُوهُ، ولِأجْلِ التَّنْبِيهِ عَلى هَذا الجَمْعِ البَدِيعِ أُعِيدَتْ إذْ في قَوْلِهِ إذْ قالَ لِبَنِيهِ لِيَكُونَ كالبَدَلِ مِن إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ فَيَكُونُ مَقْصُودًا بِالحُكْمِ أيْضًا.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الشّاهِدِ أيِ الحاضِرِ لِلْأمْرِ والشَّأْنِ، ووَجْهُ دَلالَةِ نَفْيِ المُشاهَدَةِ عَلى نَفْيِ ما نَسَبُوهُ إلى يَعْقُوبَ هو أنَّ تَنْبِيهَهم إلى أنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا ذَلِكَ يُثِيرُ في نُفُوسِهِمُ الشَّكَّ في مُعْتَقَدِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ﴾ هو مِن بَقِيَّةِ القِصَّةِ المَنفِيِّ شُهُودُ المُخاطَبِينَ مَحْضَرَها فَهَذا مِن مَجِيءِ القَوْلِ في المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْنا، فَقَوْلُهُ ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] فَيَكُونُ الكَلامُ نَفْيًا لِشُهُودِهِمْ مَعَ إفادَةِ تِلْكَ الوَصِيَّةِ، أيْ ولَوْ شاهَدْتُمْ ما اعْتَقَدْتُمْ خِلافَها
صفحة ٧٣٢
فَلَمّا اعْتَقَدُوا اعْتِقادًا كالضَّرُورِيِّ وبَّخَهم وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَرْجِعُوا إلى النَّظَرِ في الطُّرُقِ الَّتِي اسْتَنَدُوا إلَيْها فَيَعْلَمُوا أنَّها طُرُقٌ غَيْرُ مُوَصِّلَةٍ، وبِهَذا تَعْلَمُونَ وجِهَةَ الِاقْتِصارِ عَلى نَفْيِ الحُضُورِ مَعَ أنَّ نَفْيَ الحُضُورِ لا يَدُلُّ عَلى كَذِبِ المُدَّعِي لِأنَّ عَدَمَ الوِجْدانِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُودِ، فالمَقْصُودُ هُنا الِاسْتِدْراجُ في إبْطالِ الدَّعْوى بِإدْخالِ الشَّكِّ عَلى مُدَّعِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى إذْ قالَ لِبَنِيهِ بَدَلٌ مِن إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ وفائِدَةُ المَجِيءِ بِالخَبَرِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ دُونَ أنْ يُقالَ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ قالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ عِنْدَ المَوْتِ، هي قَصْدُ اسْتِقْلالِ الخَبَرِ وأهَمِّيَّةُ القِصَّةِ وقَصْدُ حِكايَتِها عَلى تَرْتِيبِ حُصُولِها، وقَصْدُ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِأنَّ حالَةَ حُضُورِ المَوْتِ لا تَخْلُو مِن حَدَثٍ هامٍّ سَيُحْكى بَعْدَها فَيَتَرَقَّبُهُ السّامِعُ.
وهَذِهِ الوَصِيَّةُ جاءَتْ عِنْدَ المَوْتِ وهو وقْتُ التَّعْجِيلِ بِالحِرْصِ عَلى إبْلاغِ النَّصِيحَةِ في آخِرِ ما يَبْقى مِن كَلامِ المُوصِي فَيَكُونُ لَهُ رُسُوخٌ في نُفُوسِ المُوصَيْنِ، أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ «قالَ وعْظَنا رَسُولُ اللَّهِ مَوْعِظَةً وجِلَتْ مِنها القُلُوبُ وذَرَفَتْ مِنها العُيُونُ فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ كَأنَّها مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنا» الحَدِيثَ.
وجاءَ يَعْقُوبُ في وصِيَّتِهِ بِأُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ لِيَنْظُرَ مِقْدارَ ثَباتِهِمْ عَلى الدِّينِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلى خالِصِ طَوِيَّتِهِمْ لِيُلْقِيَ إلَيْهِمْ ما سَيُوصِيهِمْ بِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ وجِيءَ في السُّؤالِ بِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ دُونَ مَن لِأنَّ ما هي الأصْلُ عِنْدَ قَصْدِ العُمُومِ لِأنَّهُ سَألَهم عَمّا يُمْكِنُ أنْ يَعْبُدَهُ العابِدُونَ.
واقْتَرَنَ ظَرْفُ ”بَعْدِي“ بِحَرْفِ مِن لَقَصْدِ التَّوْكِيدِ فَإنَّ مِن هَذِهِ في الأصْلِ ابْتِدائِيَّةٌ فَقَوْلُكَ جِئْتُ مِن بَعْدِ الزَّوالِ يُفِيدُ أنَّكَ جِئْتَ في أوَّلِ الأزْمِنَةِ بَعْدَ الزَّوالِ ثُمَّ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ حَرْفِ تَأْكِيدٍ. وبَنُو يَعْقُوبَ هُمُ الأسْباطُ أيْ أسْباطُ إسْحاقَ ومِنهم تَشَعَّبَتْ قَبائِلُ بَنِي إسْرائِيلَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا: رَءُوبِينُ، وشَمْعُونُ، ولاوى، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، وزَبُولُونُ، وهَؤُلاءِ أُمُّهم لِيئَةَ ويُوسُفُ، وبِنْيامِينُ، أُمُّهُما راحِيلُ ودانُ ونَفْتالى، أُمُّهُما بِلِهَةَ وجادُ، وأُشِيرُ أُمُّهُما زُلْفَةُ. وقَدْ أخْبَرَ القُرْآنُ بِأنَّ جَمِيعَهم صارُوا أنْبِياءَ وأنَّ يُوسُفَ كانَ رَسُولًا.
وواحِدُ الأسْباطِ سِبْطٌ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ الباءِ وهو ابْنُ الِابْنِ أيِ الحَفِيدُ، وقَدْ
صفحة ٧٣٣
اخْتُلِفَ في اشْتِقاقِ سِبْطٍ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ عَنِ الزَّجّاجِ الأظْهَرِ أنَّ السِّبْطَ عِبْرانِيٌّ عُرِّبَ اهـ. قُلْتُ وفي العِبْرانِيَّةِ سِيبَطُ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ السِّينِ ساكِنَةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ ما تَعْبُدُونَ جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ بِدُونِ واوٍ ولَيْسَتِ اسْتِئْنافًا لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ ولا تَمامَ لَهُ قَبْلَ حُصُولِ الجَوابِ، وجِيءَ في قَوْلِهِ نَعْبُدُ إلَهَكَ مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ بِأنْ يَقُولَ نَعْبُدُ اللَّهَ لِأنَّ إضافَةَ إلَهٍ إلى ضَمِيرِ يَعْقُوبَ وإلى آبائِهِ تُفِيدُ جَمِيعَ الصِّفاتِ الَّتِي كانَ يَعْقُوبُ وآباؤُهُ يَصِفُونَ اللَّهَ بِها فِيما لَقَّنَهُ مُنْذُ نَشْأتِهِمْ، ولِأنَّهم كانُوا سَكَنُوا أرْضَ كَنْعانَ وفِلَسْطِينَ مُخْتَلِطِينَ ومُصاهِرِينَ لِأُمَمٍ تَعْبُدُ الأصْنامَ مِن كَنْعانِيِّينَ وفِلَسْطِينِيِّينَ وحِثِّيِّينَ وأرامِيِّينَ ثُمَّ كانَ مَوْتُ يَعْقُوبَ في أرْضِ الفَراعِنَةِ وكانُوا يَعْبُدُونَ آلِهَةً أُخْرى.
وأيْضًا فَمِن فَوائِدِ تَعْرِيفِ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ أبِيهِمْ وإلى لَفْظِ آبائِهِ أنَّ فِيها إيماءً إلى أنَّهم مُقْتَدُونَ بِسَلَفِهِمْ.
وفِي الإتْيانِ بِعَطْفِ البَيانِ مِن قَوْلِهِمْ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ضَرْبٌ مِن مُحَسِّنِ الِاطِّرادِ تَنْوِيهًا بِأسْماءِ هَؤُلاءِ الأسْلافِ كَقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ قَعِينَ:
إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهم بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ شِهابٍ وإنَّما أُعِيدَ المُضافُ في قَوْلِهِ ﴿وإلَهَ آبائِكَ﴾ لِأنَّ إعادَةَ المُضافِ مَعَ المَعْطُوفِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ أفْصَحُ في الكَلامِ ولَيْسَتْ بِواجِبَةٍ، وإطْلاقُ الآباءِ عَلى ما شَمِلَ إسْماعِيلُ وهو عَمٌّ لِيَعْقُوبَ إطْلاقٌ مِن بابِ التَّغْلِيبِ ولِأنَّ العَمَّ بِمَنزِلَةِ الأبِ.
وقَدْ مَضى التَّعْرِيفُ بِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ.
وأمّا إسْحاقُ فَهو ابْنُ إبْراهِيمَ وهو أصْغَرُ مِن إسْماعِيلَ بِأرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ وأُمُّهُ سارَّةُ وُلِدَ سَنَةَ ١٨٩٦ سِتٍّ وتِسْعِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ وهو جَدٌّ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ مِن أُمَمٍ تَقْرُبُ لَهم.
واليَهُودُ يَقُولُونَ إنَّ الِابْنَ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِذَبْحِهِ وفَداهُ اللَّهُ هو إسْحاقُ، والحَقُّ أنَّ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ هو إسْماعِيلُ في صِغَرِهِ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِإبْراهِيمَ ولَدٌ غَيْرُهُ لِيَظْهَرَ كَمالُ الِامْتِثالِ
صفحة ٧٣٤
ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ التَّوْراةَ لَمّا ذَكَرَتْ قِصَّةَ الذَّبِيحِ وصَفَتْهُ بِالِابْنِ الوَحِيدِ لِإبْراهِيمَ ولَمْ يَكُنْ إسْحاقُ وحِيدًا قَطُّ، وتُوُفِّيَ إسْحاقُ سَنَةَ ثَمانٍ وسَبْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المِيلادِ ودُفِنَ مَعَ أبِيهِ وأُمِّهِ في مَغارَةِ المكفيلَةِ في حَبْرُونَ بَلَدِ الخَلِيلِ وقَوْلُهُ إلَهًا واحِدًا تَوْضِيحٌ لِصِفَةِ الإلَهِ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ فَقَوْلُهُ ”إلَهًا“ حالٌ مِن إلَهِكَ ووُقُوعُ ”إلَهًا“ حالًا مِن إلَهِكَ مَعَ أنَّهُ مُرادِفٌ لَهُ في لَفْظِهِ ومَعْناهُ إنَّما هو بِاعْتِبارِ إجْراءِ الوَصْفِ عَلَيْهِ بِواحِدٍا، فالحالُ في الحَقِيقَةِ هو ذَلِكَ الوَصْفُ، وإنَّما أُعِيدَ لَفْظُ ”إلَهًا“ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى وصْفِ واحِدًا لِزِيادَةِ الإيضاحِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إطْنابٍ فَفي الإعادَةِ تَنْوِيهٌ بِالمَعادِ وتَوْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وهَذا أُسْلُوبٌ مِنَ الفَصاحَةِ إذْ يُعادُ اللَّفْظُ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ وصْفٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ ويَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ تَوْكِيدُ اللَّفْظِ السّابِقِ تَبَعًا، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّوْكِيدِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلُهُ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] . ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] إذْ أعادَ فِعْلَ ”أمَدَّكم“ وقَوْلُ الأحْوَصِ الأنْصارِيِّ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍتَخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ قالَ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ الحَماسَةِ مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ فَإذا تَزُولُ تَزُولُ لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ.
وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ إلَهًا واحِدًا بَدَلًا مِن إلَهِكَ بِناءً عَلى جَوازِ إبْدالِ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ مِثْلَ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ. ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ، أوْ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ بِتَقْدِيرِ امْدَحُ فَإنَّ الِاخْتِصاصَ يَجِيءُ مِنَ الِاسْمِ الظّاهِرِ ومِن ضَمِيرِ الغائِبِ.
وقَوْلُهُ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”نَعْبُدُ“ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”نَعْبُدُ“، جِيءَ بِها اسْمِيَّةٌ لِإفادَةِ ثَباتِ الوَصْفِ لَهم ودَوامِهِ بَعْدَ أنْ أُفِيدَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها مَعْنى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ.
البقرة 2:134
صفحة ٧٣٥
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عُقِّبَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ تِلْكَ الآياتِ تَضَمَّنَتِ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ والتَّنْوِيهَ بِشَأْنِهِمْ والتَّعْرِيضَ بِمَن لَمْ يَقْتَفِ آثارَهم مِن ذُرِّيَّتِهِمْ وكَأنَّ ذَلِكَ قَدْ يَنْتَحِلُ مِنهُ المَغْرُورُونَ عُذْرًا لِأنْفُسِهِمْ فَيَقُولُونَ نَحْنُ وإنْ قَصَّرْنا فَإنَّ لَنا مِن فَضْلِ آبائِنا مَسْلَكًا لِنَجاتِنا، فَذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِإفادَةِ أنَّ الجَزاءَ بِالأعْمالِ لا بِالِاتِّكالِ.
والإشارَةُ بِتِلْكَ عائِدَةٌ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ بِاعْتِبارِ أنَّهم جَماعَةٌ وبِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنْهم بِاسْمٍ مُؤَنَّثٍ لَفْظُهُ وهو أُمَّةٌ.
والأُمَّةُ تَقَدَّمَ بَيانُها آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقَوْلُهُ قَدْ خَلَتْ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ ومَعْنى خَلَتْ مَضَتْ، وأصْلُ الخَلاءِ الفَراغُ فَأصْلُ مَعْنى خَلَتْ خَلا مِنها المَكانُ فَأسْنَدَ الخُلُوَّ إلى أصْحابِ المَكانِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِنُكْتَةِ المُبالَغَةِ، والخَبَرُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ انْتِفاعِ غَيْرِهِمْ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ وإلّا فَإنَّ كَوْنَها خَلَتْ مِمّا لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ، ولِذا فَقَوْلُهُ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ الآيَةَ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ”قَدْ خَلَتْ“ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى اليَهُودِ أيْ لا يَنْفَعُكم صَلاحُ آبائِكم إذا كُنْتُمْ غَيْرَ مُتَّبِعِينَ طَرِيقَتَهم، فَقَوْلُهُ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ إذْ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، والمُرادُ بِما كَسَبَتْ وبِما كَسَبْتُمْ ثَوابُ الأعْمالِ بِدَلِيلِ التَّعْبِيرِ فِيهِ بَلَها ولَكم، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الكَلامَ مِن نَوْعِ الِاحْتِباكِ والتَّقْرِيرِ لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْكم ما كَسَبْتُمْ أيْ إثْمُهُ. ومِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها انْتَزَعَ الأشْعَرِيُّ التَّعْبِيرَ عَنْ فِعْلِ العَبْدِ بِالكَسْبِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدَيْنِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِما في لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ لِقَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ أيْ ما كَسَبَتِ الأُمَّةُ لا يَتَجاوَزُها إلى غَيْرِها وما كَسَبْتُمْ لا يَتَجاوَزُكم، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ فَإنَّهم لِغُرُورِهِمْ يَزْعُمُونَ أنَّ ما كانَ لِأسْلافِهِمْ مِنَ الفَضائِلِ يُزِيلُ ما ارْتَكَبُوهُ هم مِنَ المَعاصِي أوْ يَحْمِلُهُ عَنْهم أسْلافُهم.
وقَوْلُهُ ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ وهو مِن تَمامِ التَّفْصِيلِ
صفحة ٧٣٦
لِمَعْنى خَلَتْ، فَإنْ جَعَلْتَ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ خاصًّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ولا تُسْألُونَ﴾ إلَخْ تَكْمِيلٌ لِلْأقْسامِ أيْ وعَلى كُلِّ ما عَمِلَ مِنَ الإثْمِ ولِذا عَبَّرَ هُنالِكَ بِالكَسْبِ المُتَعارَفِ في الِادِّخارِ والتَّنافُسِ وعَبَّرَ هُنا بِالعَمَلِ.
وإنَّما نَفى السُّؤالَ عَنِ العَمَلِ لِأنَّهُ أقَلُّ أنْواعِ المُؤاخَذَةِ بِالجَرِيمَةِ فَإنَّ المَرْءَ يُؤْخَذُ بِجَرِيمَتِهِ فَيُسْألُ عَنْها ويُعاقَبُ وقَدْ يُسْألُ المَرْءُ عَنْ جَرِيمَةِ غَيْرِهِ ولا يُعاقَبُ كَما يُلامُ عَلى القَوْمِ فِعْلُ بَعْضِهِمْ ما لا يَلِيقُ وهو شائِعٌ عِنْدَ العَرَبِ قالَ زُهَيْرٌ:
لَعَمْرِي لَنِعْمَ الحَيُّ جَرَّ عَلَيْهِمْ بِما لا يُواتِيهِمْ حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَمِ فَنَفْيُ أصْلِ السُّؤالِ أبْلَغُ وأشْمَلُ لِلْأمْرَيْنِ، وإنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ مُرادًا بِهِ الأعْمالَ الذَّمِيمَةَ المُحِيطَةَ بِهِمْ كانَ قَوْلُهُ ولا تُسْألُونَ إلَخِ احْتِراسًا واسْتِيفاءً لِتَحْقِيقِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ أيْ كُلُّ فَرِيقٍ مُخْتَصٌّ بِهِ عَمَلُهُ أوْ تَبِعَتُهُ، ولا يَلْحَقُ الآخَرَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا السُّؤالُ عَنْهُ، أيْ لا تُحاسَبُونَ بِأعْمالِ سَلَفِكم وإنَّما تُحاسَبُونَ بِأعْمالِكم.
البقرة 2:135
﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَمَّهم بِالعُدُولِ عَنْ تَلَقِّي الإسْلامِ الَّذِي شَمِلَ خِصالَ الحَنِيفِيَّةِ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إعْراضِهِمْ ومِقْدارَ غُرُورِهِمْ بِأنَّهم حَصَرُوا الهُدى في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ أيْ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم حَصَرَ الهُدى في دِينِهِ.
ووَجْهُ الحَصْرِ حاصِلٌ مِن جَزْمِ ”تَهْتَدُوا“ في جَوابِ الأمْرِ فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ فَيُفِيدُ مَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا لا يَراهُ اليَهُودُ مُهْتَدِيًا ومَن لَمْ يَكُنْ نَصْرانِيًّا لا يَراهُ النَّصارى مُهْتَدِيًا أيْ نَفَوُا الهُدى عَنْ مُتَّبِعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ وهَذا غايَةُ غُرُورِهِمْ.
والواوُ في قالُوا عائِدَةٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ مَساقِ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وقَوْلِهِ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤] و”أوْ“ في قَوْلِهِ أوْ نَصارى تَقْسِيمٌ بَعْدَ الجَمْعِ لِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلًّا إلى مَن قالَهُ، وجَزَمَ ”تَهْتَدُوا“ في جَوابِ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِمَعْنى الشَّرْطِ لِيُفِيدَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ أنَّكم إنْ كُنْتُمْ عَلى غَيْرِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ فَلَسْتُمْ بِمُهْتَدِينَ.
* * *
صفحة ٧٣٧
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ جُرِّدَتْ جُمْلَةُ ”قُلْ“ مِنَ العاطِفِ لِوُقُوعِها في مَقامِ الحِوارِ مُجاوَبَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ أيْ بَلْ لا اهْتِداءَ إلّا بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَإنَّها لَمّا جاءَ بِها الإسْلامُ أبْطَلَ ما كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأدْيانِ.
وانْتَصَبَ ”مِلَّةَ“ بِإضْمارِ تَتَبُّعٍ لِدَلالَةِ المَقامِ لِأنَّ كُونُوا هُودًا بِمَعْنى اتَّبِعُوا اليَهُودِيَّةَ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَطْفًا عَلى هُودًا والتَّقْدِيرُ بَلْ نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ «كَقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ لَمّا وفَدَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِيُسْلِمَ: إنِّي مِن دِينٍ أوْ مِن أهْلِ دِينٍ يَعْنِي النَّصْرانِيَّةَ»، والحَنِيفُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَنَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو المَيْلُ في الرَّجُلِ قالَتْ أُمُّ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فِيما تُرَقِّصُهُ بِهِ:
واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ ما كانَ في فِتْيانِكم مِن مِثْلِهِ والمُرادُ المَيْلُ في المَذْهَبِ أنَّ الَّذِي بِهِ حَنَفٌ يَمِيلُ في مَشْيِهِ عَنِ الطَّرِيقِ المُعْتادِ. وإنَّما كانَ هَذا مَدْحًا لِلْمِلَّةِ لِأنَّ النّاسَ يَوْمَ ظُهُورِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ كانُوا في ضَلالَةٍ عَمْياءَ فَجاءَ دِينُ إبْراهِيمَ مائِلًا عَنْهم فَلُقِّبَ بِالحَنِيفِ ثُمَّ صارَ الحَنِيفُ لَقَبَ مَدْحٍ بِالغَلَبَةِ.
والوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ (حَنِيفًا) حالًا مِن إبْراهِيمَ وهَذا مِن مَواضِعِ الِاتِّفاقِ عَلى صِحَّةِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ حالًا لِمِلَّةٍ إلّا أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ إلّا أنْ تُؤَوَّلَ مِلَّةٌ بَدِينٍ عَلى حَدِّ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ أيْ إحْسانِهِ أوْ تَشْبِيهِ فَعِيلٍ إلَخْ بِمَعْنى فاعِلٍ، بِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ الإسْلامِيَّ مِن إسْلامِ إبْراهِيمَ. وقَوْلُهُ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ جُمْلَةٌ هي حالَةٌ ثانِيَةٌ مِن إبْراهِيمَ وهو احْتِراسٌ لِئَلّا يَغْتَرَّ المُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ أيْ لا نَكُونُ هُودًا ولا نَصارى فَيَتَوَهَّمُ المُشْرِكُونَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الأدْيانِ إلّا ما هم عَلَيْهِ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وإلّا فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ المَدْحِ لَهُ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِن فَضائِلِهِ وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] غَلِطَ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ غَلَطًا فاحِشًا كَما سَيَأْتِي.
البقرة 2:136
صفحة ٧٣٨
﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيئُونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ قُلْ بَلْ مِلَّةَ لِتَفْصِيلِ كَيْفِيَّةِ هاتِهِ المِلَّةِ بَعْدَ أنْ أجْمَلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] والأمْرُ بِالقَوْلِ أمْرٌ بِما يَتَضَمَّنُهُ إذْ لا اعْتِدادَ بِالقَوْلِ إلّا لِأنَّهُ يُطابِقُ الِاعْتِقادَ، إذِ النِّسْبَةُ إنَّما وُضِعَتْ لِلصِّدْقِ لا لِلْكَذِبِ، والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِهَذا القَوْلِ الإعْلانُ بِهِ والدَّعْوَةُ إلَيْهِ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الفَضِيلَةِ الظّاهِرَةِ بِحُصُولِ فَضِيلَةِ سائِرِ الأدْيانِ لِأهْلِ هاتِهِ المِلَّةِ ولِما فِيهِ مِنِ الإنْصافِ وسَلامَةِ الطَّوِيَّةِ، لِيَرْغَبَ في ذَلِكَ الرّاغِبُونَ ويَكْمَدَ عِنْدَ سَماعِهِ المُعانِدُونَ ولِيَكُونَ هَذا كالِاحْتِراسِ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] أيْ نَحْنُ لا نَطْعَنُ في شَرِيعَةِ مُوسى وشَرِيعَةِ عِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيئُونَ ولا نُكَذِّبُهم ولَكُنّا مُسْلِمُونَ لِلَّهِ بِدِينِ الإسْلامِ الَّذِي بَقِيَ عَلى أساسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ وكانَ تَفْصِيلًا لَها وكَمالًا لِمُرادِ اللَّهِ مِنها حِينَ أرادَ اللَّهُ إكْمالَها فَكانَتِ الشَّرائِعُ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَ إبْراهِيمَ كَمُنْعَرِجاتِ الطَّرِيقِ سُلِكَ بِالأُمَمِ فِيها لِمَصالِحٍ ناسَبَتْ أحْوالَهم وعُصُورَهم بَعْدَ إبْراهِيمَ كَما يُسْلَكُ بِمَن أتْعَبَهُ المَسِيرُ طَرِيقٌ مُنْعَرِجٌ لِيَهْدَأ مَن رَكَّزَ السَّيّارَةَ في المَحَجَّةِ فَيَحُطَّ رَحْلَهُ ويَنامَ ثُمَّ يُرْجَعُ بِهِ بَعْدَ حِينٍ إلى الجادَّةِ، ومِن مُناسَباتِ هَذا المَعْنى أنِ ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ واخْتُتِمَ بِقَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ووُسِّطَ ذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيئِينَ بَيْنَ ذَلِكَ.
وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِيَشْمَلَ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُولُوا ذَلِكَ. وجَعْلُهُ بَدَلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ قُلْ بَلْ مِلَّةَ النَّبِيءُ وأُمَّتُهُ.
وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في الكَلامَيْنِ اللَّذَيْنِ لِلنَّبِيءِ فِيهِما مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِمُباشَرَةِ الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ لِإرْشادِهِمْ وزَجْرِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥] إلَخْ وقَوْلِهِ الآتِي ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩] وجَمْعُ الضَّمِيرِ في الكَلامِ الَّذِي لِلْأُمَّةِ فِيهِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِمَضْمُونِ المَأْمُورِ بِهِ في سِياقِ التَّعْلِيمِ أعْنِي قَوْلَهُ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ فِيما تَضَمَّنَتْهُ عُلُومُ الرِّسالَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَخْلُ واحِدٌ مِن هاتِهِ الكَلاماتِ عَنِ الإيذانِ بِشُمُولِ الأُمَّةِ مَعَ النَّبِيءِ، أمّا هُنا فَظاهِرٌ بِجَمْعِ الضَّمائِرِ كُلِّها، وأمّا
صفحة ٧٣٩
فِي قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ﴾ [البقرة: ١٣٥] إلَخْ فَلِكَوْنِهِ جَوابًا مُوالِيًا لِقَوْلِهِمْ كُونُوا هُودًا بِضَمِيرِ الجَمْعِ فَعُلِمَ أنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِلِسانِ الجَمِيعِ، وأمّا في قَوْلِهِ الآتِي ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ [البقرة: ١٣٩] فَلِأنَّهُ بَعْدَ أنْ أفْرَدَ قُلْ جَمَعَ الضَّمائِرَ في (أتُحاجُّونَنا ورَبُّنا ولَنا وأعْمالُنا ونَحْنُ و مُخْلِصُونَ) فانْظُرْ بَدائِعَ النَّظْمِ في هاتِهِ الآياتِ ودَلائِلَ إعْجازِها.
وقَدَّمَ الإيمانَ بِاللَّهِ لِأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ الحَقُّ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ مِنَ الشَّرائِعِ.
والمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلَيْنا القُرْآنُ، وبِما عَطَفَ عَلَيْهِ ما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ مِن وحْيٍ وما أُوتُوهُ مِنَ الكُتُبِ، والمَعْنى أنّا آمَنّا بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ تِلْكَ الشَّرائِعَ، وهَذا لا يُنافِي أنَّ بَعْضَها نَسَخَ بَعْضًا، وأنَّ ما أُنْزِلَ إلَيْنا نَسَخَ جَمِيعَها فِيما خالَفَها فِيهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ وما أُنْزِلَ إلَيْنا لِلِاهْتِمامِ بِهِ، والتَّعْبِيرُ في جانِبِ بَعْضِ هَذِهِ الشَّرائِعِ بِلَفْظِ أُنْزِلَ وفي بَعْضِها بِلَفْظِ أُوتِيَ تَفَنُّنٌ لِتَجَنُّبِ إعادَةِ اللَّفْظِ الواحِدِ مِرارًا، وإنَّما لَمْ يُفْرَدْ أحَدُ الفِعْلَيْنِ ولَمْ تُعْطَفْ مُتَعَلَّقاتُهُ بِدُونِ إعادَةِ الأفْعالِ تَجَنُّبًا لِتَتابُعِ المُتَعَلِّقاتِ فَإنَّهُ كَتَتابُعِ الإضافاتِ في ما نَرى.
والأسْباطُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم آنِفًا.
وجُمْلَةُ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ تُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِهِمْ فَإنَّ الإيمانَ بِحَقٍّ بِواحِدٍ مِنهم، وهَذا السُّؤالُ المُقَدَّرُ ناشِئٌ عَنْ ضَلالَةٍ وتَعَصُّبٍ حَيْثُ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الإيمانَ بِرَسُولٍ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ الكُفْرِ بِغَيْرِهِ وأنَّ تَزْكِيَةَ أحَدٍ لا تَتِمُّ إلّا بِالطَّعْنِ في غَيْرِهِ، وهَذِهِ زَلَّةٌ في الأدْيانِ والمَذاهِبِ والنِّحَلِ والأحْزابِ والأخْلاقِ كانَتْ شائِعَةً في الأُمَمِ والتَّلامِذَةِ فاقْتَلَعَها الإسْلامُ، قالَ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا في الإشاراتِ رَدًّا عَلى مَنِ انْتَصَرَ في الفَلْسَفَةِ لِأرِسْطُو وتَنَقَّصَ أفْلاطُونَ والمُعَلِّمُ الأوَّلُ وإنْ كانَ عَظِيمَ المِقْدارِ لا يُخْرِجُنا الثَّناءُ عَلَيْهِ إلى الطَّعْنِ في أساتِيذِهِ.
وهَذا رَدٌّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى إذا آمَنُوا بِأنْبِيائِهِمْ وكَفَرُوا بِمَن جاءَ بَعْدَهم، فالمَقْصُودُ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهم في الإيمانِ بِبَعْضِهِمْ، وهَذا لا يُنافِي اعْتِقادَ أنَّ بَعْضَهم أفْضَلُ مِن بَعْضٍ.
و”أحَدٍ“ أصْلُهُ وحَدٌ بِالواوِ ومَعْناهُ مُنْفَرِدٌ وهو لُغَةٌ في واحِدٍ ومُخَفَّفٌ مِنهُ وقِيلَ هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ فَأُبْدِلَتْ واوُهُ هَمْزَةً تَخْفِيفًا ثُمَّ صارَ بِمَعْنى الفَرْدِ الواحِدِ فَتارَةً يَكُونُ بِمَعْنى ما لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ وذَلِكَ
صفحة ٧٤٠
حِينَ يَجْرِي عَلى مُخْبَرٍ عَنْهُ أوْ مَوْصُوفٍ نَحْوِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ واسْتِعْمالُهُ كَذَلِكَ قَلِيلٌ في الكَلامِ ومِنهُ اسْمُ العَدَدِ أحَدَ عَشَرَ، وتارَةً يَكُونُ بِمَعْنى فَرْدٍ مِن جِنْسٍ وذَلِكَ حِينَ يُبَيَّنُ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلى جِنْسٍ نَحْوَ خُذْ أحَدَ الثَّوْبَيْنِ ويُؤَنَّثُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهَذا الِاسْتِعْمالُ كَثِيرٌ وهو قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ، وتارَةً يَكُونُ بِمَعْنى فَرْدٍ مِن جِنْسٍ لَكِنَّهُ لا يُبَيِّنُ بَلْ يُعَمَّمُ وتَعْمِيمُهُ قَدْ يَكُونُ في الإثْباتِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] وقَدْ يَكُونُ تَعْمِيمُهُ في النَّفْيِ وهو أكْثَرُ أحْوالِ اسْتِعْمالِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وقَوْلُ العَرَبِ: أحَدٌ لا يَقُولُ ذَلِكَ، وهَذا الِاسْتِعْمالُ يُفِيدُ العُمُومَ كَشَأْنِ النَّكِراتِ كُلِّها في حالَةِ النَّفْيِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ ”أحَدٍ“ لَفْظٌ مَعْناهُ واحِدٌ في الأصْلِ وتَصْرِيفُهُ واحِدٌ ولَكِنِ اخْتَلَفَتْ مَواقِعُ اسْتِعْمالِهِ المُتَفَرِّعَةُ عَلى أصْلِ وضْعِهِ حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٍ وصارَ أحَدٌ بِمَنزِلَةِ المُتَرادِفِ، وهَذا يَجْمَعُ مُشَتَّتَ كَلامٍ طَوِيلٍ لِلْعُلَماءِ في لَفْظِ أحَدٍ وهو ما احْتَفَلَ بِهِ القَرافِيُّ في كِتابِهِ العِقْدِ المَنظُومِ في الخُصُوصِ والعُمُومِ.
وقَدْ دَلَّتْ كَلِمَةُ بَيْنَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وآخَرُ لِأنَّ بَيْنَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَأكْثَرَ.
وقَوْلُهُ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]
البقرة 2:137
﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وقَوْلِهِ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ ودُخُولُ الفاءِ في الِاعْتِراضِ وارِدٌ في الكَلامِ كَثِيرًا وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] والمُرادُ مِنَ القَوْلِ أنْ يَكُونَ إعْلانًا أيْ أعْلِنُوا دِينَكم واجْهَرُوا بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ فَإنِ اتَّبَعَكُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] فَإيمانُهُمُ اهْتِداءٌ ولَيْسُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى هُدًى خِلافًا لِزَعْمِهِمْ أنَّهم عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] فَدَلَّ مَفْهُومُ الشَّرْطِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى هُدًى ما دامُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِالإسْلامِ.
صفحة ٧٤١
وجاءَ الشَّرْطُ هُنا بِحَرْفِ إنِ المُفِيدَةِ لِلشَّكِّ في حُصُولِ شَرْطِها إيذانًا بِأنَّ إيمانَهم غَيْرُ مَرْجُوٍّ.
والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ لِلْمُلابَسَةِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ إيمانًا مُماثِلًا لِإيمانِكم، فالمُماثَلَةُ بِمَعْنى المُساواةِ في العَقِيدَةِ والمُشابَهَةِ فِيها بِاعْتِبارِ أصْحابِ العَقِيدَةِ ولَيْسَتْ مُشابَهَةٌ مُعْتَبِرًا فِيها تَعَدُّدُ الأدْيانِ لِأنَّ ذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ السِّياقُ، وقِيلَ: لَفْظُ مِثْلِ زائِدٌ، وقِيلَ: الباءُ لِلْآلَةِ والِاسْتِعانَةِ، وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، وكُلُّها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا طالِبِي هُدًى ولا حَقٍّ إذْ لا أبْيَنَ مِن دَعْوَتِكم إيّاهم ولا إنْصافَ أظْهَرُ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ.
والشِّقاقُ شِدَّةُ المُخالَفَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ وهو الفَلْقُ وتَفْرِيقُ الجِسْمِ، وجِيءَ بِفي لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الشِّقاقِ مِنهم حَتّى كَأنَّهُ ظَرْفٌ مُحِيطٌ بِهِمْ، والإتْيانُ ”بِإنْ“ هُنا مَعَ أنَّ تَوَلِّيَهم هو المَظْنُونُ بِهِمْ لِمُجَرَّدِ المُشاكَلَةِ لِقَوْلِهِ فَإنْ آمَنُوا وفَرَّعَ قَوْلَهُ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ إعْلامَهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ في شِقاقٍ مَعَ ما هو مَعْرُوفٌ مِن كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ أنْصارِهِمْ مِمّا قَدْ يَتَحَرَّجُ لَهُ السّامِعُ فَوَعَدَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ يَكْفِيهِ شَرَّهُمُ الحاصِلَ مِن تَوَلِّيهِمْ. والسِّينُ حَرْفٌ يَمْحَضُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ فَهو مُخْتَصٌّ بِالدُّخُولِ عَلى المُضارِعِ وهو كَحَرْفِ سَوْفَ، والأصَحُّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما في سِوى زَمانِ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ إنَّ سَوْفَ أوْسَعُ مَدًى واشْتُهِرَ هَذا عِنْدَ الجَماهِيرِ فَصارُوا يَقُولُونَ سَوَّفَهُ إذا ماطَلَ الوَفاءَ بِالآخَرِ، وأحْسَبُ أنَّهُ لا مَحِيصَ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السِّينِ وسَوْفَ في الِاسْتِقْبالِ لِيَكُونَ لِمَوْقِعِ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ في الكَلامِ البَلِيغِ خُصُوصِيَّةٌ ثُمَّ إنَّ كِلَيْهِما إذا جاءَ في سِياقِ الوَعْدِ أفادَ تَخْفِيفَ الوَعْدِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] فالسِّينُ هُنا لِتَحْقِيقِ وعْدِ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِأنَّهُ يَكْفِيهِ سُوءَ شِقاقِهِمْ.
ومَعْنى كِفايَتِهِمْ: كِفايَةُ شَرِّهِمْ وشِقاقِهِمْ فَإنَّهم كانُوا أهْلَ تَعَصُّبٍ لِدِينِهِمْ وكانُوا مُعْتَضِدِينَ بِأتْباعٍ وأنْصارٍ وخاصَّةً النَّصارى مِنهم، وكِفايَةُ النَّبِيءِ كِفايَةٌ لِأُمَّتِهِ لِأنَّهُ ما جاءَ لِشَيْءٍ يَنْفَعُ ذاتُهُ.
صفحة ٧٤٢
وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ أيِ السَّمِيعُ لِأذاهم بِالقَوْلِ العَلِيمِ بِضَمائِرِهِمْ أيِ اطْمَئِنَّ بِأنَّ اللَّهَ كافِيكَ ما تَتَوَجَّسُ مِن شَرِّهِمْ وأذاهم بِكَثْرَتِهِمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
البقرة 2:138
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾
هَذا مُتَّصِلٌ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما بَيْنَها اعْتِراضٌ كَما عَلِمْتَ والمَعْنى آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلُ إيمانًا صِبْغَةَ اللَّهِ.
وصِبْغَةُ بِكَسْرِ الصّادِ أصْلُها صِبْغٌ بِدُونِ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُصْبَغُ بِهِ بِزِنَةِ فِعْلٍ الدّالِّ عَلى مَعْنى المَفْعُولِ مِثْلَ ذِبْحٍ وقِشْرٍ وكِسْرٍ وفِلْقٍ. واتِّصالُهُ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِإرادَةِ الوَحْدَةِ مِثْلَ تَأْنِيثِ قِشْرَةٍ وكَسْرَةٍ وفِلْقَةٍ.
فالصِّبْغَةُ الصِّبْغُ المُعَيَّنُ المَحَضَّرُ لِأنْ يُصْبَغَ بِهِ. وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نائِبٌ عَنْ عامِلِهِ أيْ صَبَغْنا صِبْغَةَ اللَّهِ كَما انْتَصَبَ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] بِتَقْدِيرِ وعْدَهُمُ النَّصْرَ. أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ مِلَّةَ إبْراهِيمَ أيِ المِلَّةَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ شِعارَنا كالصِّبْغَةِ عِنْدَ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مَنصُوبًا وصَفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ آمَنّا بِاللَّهِ والتَّقْدِيرُ آمَنّا إيمانًا صِبْغَةَ اللَّهِ، وهَذا هو الوَجْهُ المُلائِمُ لِإطْلاقِ صِبْغَةَ عَلى وجْهِ المُشاكَلَةِ، وما ادَّعاهُ صاحِبُ الكَشّافِ مِن أنَّهُ يُفْضِي إلى تَفْكِيكِ النَّظْمِ تَهْوِيلٌ لا يُعْبَأُ بِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ لِأنَّ التِئامَ المَعانِي والسِّياقِ يَدْفَعُ التَّفَكُّكَ، وهَلِ الِاعْتِراضُ والمُتَعَلِّقاتُ إلّا مِن قَبِيلِ الفَصْلِ يَتَفَكَّكُ بِها الألْفاظُ ولا تُؤَثِّرُ تَفَكُّكًا في المَعانِي، وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ تَبَعًا لِسِيبَوَيْهَ مَصْدَرًا مُبَيِّنًا لِلْحالَةِ مِثْلَ الجِلْسَةِ والمِشْيَةِ وجَعَلُوا نَصْبَهُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِنَفْسِهِ أيْ لِشَيْءٍ هو عَيْنُهُ أيْ أنَّ مَفْهُومَ المُؤَكَّدِ بِالفَتْحِ والتَّأْكِيدِ مُتَّحِدانِ فَيَكُونُ مُؤَكِّدًا لَآمَنّا لِأنَّ الإيمانَ والصِّبْغَةَ مُتَلازِمانِ عَلى حَدِّ انْتِصابِ وعْدَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وهي قَوْلُهُ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] . ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] وفِيهِ تَكْلِفانِ لا يَخْفَيانِ.
والصِّبْغَةُ هُنا اسْمٌ لِلْماءِ الَّذِي يَغْتَسِلُ بِهِ اليَهُودُ عُنْوانًا عَلى التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ والأصْلُ فِيها عِنْدَهُمُ الِاغْتِسالُ الَّذِي جاءَ فَرْضَهُ في التَّوْراةِ عَلى الكاهِنِ إذا أرادَ تَقْدِيمَ قُرْبانَ كَفّارَةٍ
صفحة ٧٤٣
عَنِ الخَطِيئَةِ عَنْ نَفْسِهِ أوْ عَنْ أهْلِ بَيْتِهِ، والِاغْتِسالُ الَّذِي يَغْتَسِلُهُ الكاهِنُ أيْضًا في عِيدِ الكَفّارَةِ عَنْ خَطايا بَنِي إسْرائِيلَ في كُلِّ عامٍ، وعِنْدَ النَّصارى الصِّبْغَةُ أصْلُها التَّطَهُّرُ في نَهْرِ الأُرْدُنِ وهو اغْتِسالٌ سَنَّهُ النَّبِيءُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا لِمَن يَتُوبُ مِنَ الذُّنُوبِ فَكانَ يَحْيى يَعِظُ بَعْضَ النّاسِ بِالتَّوْبَةِ فَإذا تابُوا أتَوْهُ فَيَأْمُرُهم بِأنْ يَغْتَسِلُوا في نَهْرِ الأُرْدُنِ رَمَزًا لِلتَّطَهُّرِ الرُّوحانِيِّ وكانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ مَعْمُوذِيتَ بِذالٍ مُعْجَمَةٍ وبِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ في آخِرِهِ ويَقُولُونَ أيْضًا مَمْعُوذِيتا بِألْفٍ بَعْدِ التّاءِ وهي كَلِمَةٌ مِنَ اللُّغَةِ الآرامِيَّةِ مَعْناها الطَّهارَةُ، وقَدْ عَرَّبَهُ العَرَبُ فَقالُوا مَعْمُودِيَّةَ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ وهاءُ تَأْنِيثٍ في آخِرِهِ وياؤُهُ التَّحْتِيَّةُ مُخَفَّفَةٌ، وكانَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ حِينَ تَعَمَّدَ بِماءِ المَعْمُودِيَّةِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ بِالرِّسالَةِ ودَعا اليَهُودَ إلى ما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلَيْهِ وحَدَثَ كُفْرُ اليَهُودِ بِما جاءَ بِهِ عِيسى وقَدْ آمَنَ بِهِ يَحْيى فَنَشَأ الشِّقاقُ بَيْنَ اليَهُودِ وبَيْنَ يَحْيى وعِيسى فَرَفَضَ اليَهُودُ التَّعْمِيدَ، وكانَ عِيسى قَدْ عَمَّدَ الحَوارِيِّينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، فَتُقُرِّرَ في سُنَّةِ النَّصارى تَعْمِيدَ مَن يَدْخُلُ في دِينِ النَّصْرانِيَّةِ كَبِيرًا، وقَدْ تَعَمَّدَ قُسْطَنْطِينُ قَيْصَرُ الرُّومِ. حِينَ دَخَلَ في دِينِ النَّصْرانِيَّةِ، أمّا مَن يُوَلَدُ لِلنَّصارى فَيُعَمِّدُونَهُ في اليَوْمِ السّابِعِ مِن وِلادَتِهِ. وإطْلاقُ اسْمِ الصِّبْغَةِ عَلى المَعْمُودِيَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَصارى العَرَبِ سَمُّوا ذَلِكَ الغَسْلِ صِبْغَةً، ولَمْ أقِفْ عَلى ما يُثْبِتُ ذَلِكَ مِن كَلامِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّهُ إطْلاقٌ قَدِيمٌ عِنْدَ النَّصارى إذْ قالَ وكانَتِ النَّصارى إذا وُلِدَ لَهم ولَدٌ غَمَسُوهُ بَعْدَ السّابِعِ في ماءِ مَعْمُودِيَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ صِبْغَةً لَهم.
أمّا وجْهُ تَسْمِيَةِ المَعْمُودِيَّةِ صِبْغَةً فَهو خَفِيٌّ إذْ لَيْسَ لِماءِ المَعْمُودِيَّةِ لَوْنٌ فَيُطْلَقُ عَلى التَّلَطُّخِ بِهِ مادَّةُ [ ص ب غ ] وفي دائِرَةِ المَعارِفِ الإسْلامِيَّةِ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ العِبْرِيَّةِ [ ص ب ع ] أيْ غَطَسَ. فَيَقْتَضِي أنَّهُ لَمّا عُرِّبَ أبْدَلُوا العَيْنَ المُهْمَلَةَ غَيْنًا مُعْجَمَةً لَعَلَّهُ لِنُدْرَةِ مادَّةِ صَبَغَ بِالعَيْنِ المُهْمِلَةِ في المُشْتَقّاتِ وأيًّا ما كانَ فَإطْلاقُ الصِّبْغَةِ عَلى ماءِ المَعْمُودِيَّةِ أوْ عَلى الِاغْتِسالِ بِهِ اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهٍ وجْهُهُ تَخْيِيلِيٌّ إذْ تَخَيَّلُوا أنَّ التَّعْمِيدَ يُكْسِبُ المُعَمَّدَ بِهِ صِفَةَ النَّصْرانِيَّةِ ويُلَوِّنُهُ بِلَوْنِها كَما يُلَوِّنُ الصِّبْغُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وقَرِيبٌ مِنهُ إطْلاقُ الصِّبْغِ عَلى عادَةِ القَوْمِ وخُلُقِهِمْ وأنْشَدُوا لِبَعْضِ مُلُوكِ هَمْدانَ:
صفحة ٧٤٤
وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ ∗∗∗ صَبَغْنا عَلى ذَلِكَ أبْناءَنافَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ وقَدْ جَعَلَ النَّصارى في كَنائِسِهِمْ أحْواضًا صَغِيرَةً فِيها ماءٌ يَزْعُمُونَ أنَّهُ مَخْلُوطٌ بِبَقايا الماءِ الَّذِي أُهْرِقَ عَلى عِيسى حِينَ عَمَّدَهُ يَحْيى وأنَّ ما تَقاطَرَ مِنهُ جُمِعَ وصُبَّ في ماءٍ كَثِيرٍ ومِن ذَلِكَ الماءِ تُؤْخَذُ مَقادِيرُ تُعْتَبَرُ مُبارَكَةً لِأنَّها لا تَخْلُو عَنْ جُزْءٍ مِنَ الماءِ الَّذِي تَقاطَرَ مِنَ اغْتِسالِ عِيسى حِينَ تَعْمِيدِهِ كَما قالَ في أوائِلِ الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ.
فَقَوْلُهُ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى مَعًا أمّا اليَهُودُ فَلِأنَّ الصِّبْغَةَ نَشَأتْ فِيهِمْ وأمّا النَّصارى فَلِأنَّها سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِيهِمْ، ولَمّا كانَتِ المَعْمُودِيَّةُ مَشْرُوعَةً لَهم لِغَلَبَةِ تَأْثِيرِ المَحْسُوساتِ عَلى عَقائِدِهِمْ رُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ صِبْغَةَ الإسْلامِ الِاعْتِقادُ والعَمَلُ المُشارُ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] أيْ إنْ كانَ إيمانُكم حاصِلًا بِصِبْغَةِ القِسِّيسِ فَإيمانُنا بِصِبْغِ اللَّهِ وتَلْوِينِهِ أيْ تَكْيِيفِهِ الإيمانَ في الفِطْرَةِ مَعَ إرْشادِهِ إلَيْهِ، فَإطْلاقُ الصِّبْغَةِ عَلى الإيمانِ اسْتِعارَةٌ عَلاقَتُها المُشابِهَةٌ وهي مُشابَهَةٌ خَفِيَّةٌ حَسَّنَها قَصْدُ المُشاكَلَةِ، والمُشاكَلَةُ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ ومَرْجِعُها إلى الِاسْتِعارَةِ وإنَّما قَصْدُ المُشاكَلَةِ باعِثٌ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وإنَّما سَمّاها العُلَماءُ المُشاكَلَةَ لِخَفاءِ وجْهِ التَّشْبِيهِ فَأغْفَلُوا أنْ يُسَمُّوها اسْتِعارَةً وسَمُّوها المُشاكَلَةَ، وإنَّما هي الإتْيانُ بِالِاسْتِعارَةِ لِداعِي مُشاكَلَةِ لَفْظٍ لِلَفْظٍ وقَعَ مَعَهُ. فَإنْ كانَ اللَّفْظُ المَقْصُودُ مُشاكَلَتَهُ مَذْكُورًا فَهي المُشاكَلَةُ، ولَنا أنْ نَصِفَها بِالمُشاكَلَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ كَقَوْلِ ابْنِ الرَّقَعْمَقِ.
قالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ∗∗∗ قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا
اسْتَعارَ الطَّبْخَ لِلْخِياطَةِ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ غَيْرَ مَذْكُورٍ بَلْ مَعْلُومًا مِنَ السِّياقِ سُمِّيَتْ مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ كَقَوْلِ أبِي تَمّامٍ: مَن مُبْلِغٌ أفَناءَ يَعْرُبَ كُلِّها ∗∗∗ أنِّي بَنَيْتُ الجارَ قَبْلَ المَنزِلِاسْتَعارَ البِناءَ لِلِاصْطِفاءِ والِاخْتِيارِ لِأنَّهُ شاكَلَ بِهِ بِناءَ المَنزِلِ المُقَدَّرِ في الكَلامِ المَعْلُومِ
صفحة ٧٤٥
مِن قَوْلِهِ قَبْلَ المَنزِلِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ مِن هَذا القَبِيلِ والتَّقْدِيرُ في الآيَةِ أدَقُّ مِن تَقْدِيرِ بَيْتِ أبِي تَمّامٍ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما هو مَعْلُومٌ مِن عادَةِ النَّصارى واليَهُودِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ التَّعْمِيدِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ إنْكارِيٌّ ومَعْناهُ لا أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ في شَأْنِ صِبْغَتِهِ، فانْتَصَبَ صِبْغَةَ عَلى التَّمْيِيزِ، تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ مُحَوَّلٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ ثانٍ يُقَدَّرُ بَعْدَ مَن في قَوْلِهِ ﴿ومَن أحْسَنُ﴾ والتَّقْدِيرُ ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ وقُلْ ما ذَكَرَ النُّحاةُ في التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ المُبْتَدَأِ.
وقَدْ تَأْتِي بِهَذا التَّحْوِيلِ في التَّمْيِيزِ إيجازٌ بَدِيعٌ إذْ حُذِفَ كَلِمَتانِ بِدُونِ لَبْسٍ فَإنَّهُ لَمّا أُسْنِدَتِ الأحْسَنِيَّةُ إلى مَن جازَ دُخُولُ مَنِ التَّفْضِيلِيَّةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحْوِيلَ جَعَلَ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ صِبْغَةُ هو المَحْكُومُ عَلَيْهِ بِانْتِفاءِ الأحْسَنِيَّةُ فَعُلِمَ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو المُضافُ المُقَدَّرُ أيْ ومَن أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ عَطْفٌ عَلى ”آمَنّا“ وفي تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ ”﴿لَهُ عابِدُونَ﴾“ إفادَةُ قَصْرٍ إضافِيٍّ عَلى النَّصارى الَّذِينَ اصْطَبَغُوا بِالمَعْمُودِيَّةِ لَكِنَّهم عَبَدُوا المَسِيحَ.
البقرة 2:139
﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ عَنْ قَوْلِهِ ”﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]“ كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ، وتُحاجُّونَنا خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُ جَوابُ كَلامِهُمُ السّابِقُ ولِدَلِيلِ قَوْلِهِ الآتِي ﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٤٠] والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى المُحاجَّةُ في اللَّهِ الجِدالُ في شُئُونِهِ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ إذْ لا مُحاجَّةَ في الذّاتِ بِما هي ذاتٌ والمُرادُ الشَّأْنُ الَّذِي حَمَلَ أهْلَ الكِتابِ عَلى المُحاجَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ فِيهِ وهو ما تَضَمَّنَتْهُ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أنَّ اللَّهَ نَسَخَ شَرِيعَةَ اليَهُودِ والنَّصارى وأنَّهُ فَضَّلَهُ وفَضَّلَ أُمَّتَهُ، ومُحاجَّتَهم راجِعَةٌ إلى الحَسَدِ واعْتِقادِ اخْتِصاصِهِمْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرامَتِهِ.
صفحة ٧٤٦
فَلِذَلِكَ كانَ لِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ مُوقِعٌ في تَأْيِيدِ الإنْكارِ أيْ بَلَغَتْ بِكُمُ الوَقاحَةُ إلى أنْ تُحاجُّونا في إبْطالِ دَعْوَةِ الإسْلامِ بِلا دَلِيلٍ سِوى زَعْمِكم أنَّ اللَّهَ اخْتَصَّكم بِالفَضِيلَةِ مَعَ أنَّ اللَّهَ رَبُّنا كَما هو رَبُّكم فَلِماذا لا يَمُنُّ عَلَيْنا بِما مَنَّ بِهِ عَلَيْكم.
فَجُمْلَةُ وهو رَبُّنا حالِيَّةٌ أيْ كَيْفَ تُحاجُّونَنا في هاتِهِ الحالَةِ المَعْرُوفَةِ الَّتِي لا تَقْبَلُ الشَّكَّ، وبِهَذِهِ الجُمْلَةِ حَصَلَ بَيانٌ لِمَوْضُوعِ المُحاجَّةِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم وهي عَطْفٌ عَلى الحالِ ارْتِقاءً في إبْطالِ مُجادَلَتِهِمْ بَعْدَ بَيانِ أنَّ المَرْبُوبِيَّةَ تُؤَهِّلُ لِإنْعامِهِ كَما أهَّلَتْهم، ارْتَقى فَجَعَلَ مَرْجِعَ رِضى اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ أعْمالَهم فَإذا كانَ قَدْ أكْرَمَكم لِأجْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَلَعَلَّهُ أكْرَمَنا لِأجْلِ صالِحاتِ أعْمالِنا فَتَعالَوْا فانْظُرُوا أعْمالَكم وانْظُرُوا أعْمالَنا تَجِدُوا حالَنا أقْرَبَ إلى الصَّلاحِ مِنكم.
قالَ البَيْضاوِيُّ ”كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَنْتَحُونَهُ إفْحامًا وتَبْكِيتًا فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوءَةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلى مَن يَشاءُ فالكُلُّ فِيهِ سَواءٌ، وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَعِدِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ فَكَما أنَّ لَكم أعْمالًا رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ في إعْطائِها فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في لَنا أعْمالُنا لِلِاخْتِصاصِ أيْ لَنا أعْمالُنا لا أعْمالُكم فَلا تُحاجُّونا في أنَّكم أفْضَلُ مِنّا، وعَطَفَ“ ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ " احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ مُشارِكِينَ لِلْمُخاطَبِينَ في أعْمالِهِمْ وأنَّ لَنا أعْمالَنا يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُتَكَلِّمِينَ بِما عَمِلُوا مَعَ الِاشْتِراكِ في أعْمالِ الآخَرِينَ وهو نَظِيرُ عَطْفِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] عَلى قَوْلِهِ ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] وهَذا كُلُّهُ مِنَ الكَلامِ المُصَنَّفِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] وجُمْلَةُ ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ عَطْفٌ آخَرَ عَلى جُمْلَةِ الحالِ وهي ارْتِقاءٌ ثالِثٌ لِإظْهارِ أنَّ المُسْلِمِينَ أحَقُّ بِإفاضَةِ الخَيْرِ فَإنَّهم وإنِ اشْتَرَكُوا مَعَ الآخَرِينَ في المَرْبُوبِيَّةِ وفي الصَّلاحِيَةِ لِصُدُورِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فالمُسْلِمُونَ قَدْ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ ومُخالِفُوهم قَدْ خَلَطُوا عِبادَةَ اللَّهِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ، أيْ فَلِماذا لا نَكُونُ نَحْنُ أقْرَبُ إلى رِضى اللَّهِ مِنكم إلَيْهِ.
والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مُفِيدَةُ الدَّوامِ عَلى الإخْلاصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]
البقرة 2:140
صفحة ٧٤٧
﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ وهي إضْرابٌ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ وفِيها تَقْدِيرُ اسْتِفْهامٍ وهو اسْتِفْهامٌ لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ وذَلِكَ لِمَبْلَغِهِمْ مِنَ الجَهْلِ بِتارِيخِ شَرائِعِهِمْ زَعَمُوا أنَّ إبْراهِيمَ وأبْناءَهُ كانُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ أوْ عَلى النَّصْرانِيَّةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قُلْ ﴿أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ ولِدَلالَةِ آياتٍ أُخْرى عَلَيْهِ مِثْلَ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] ومِثْلَ قَوْلِهِ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] والأُمَّةُ إذا انْغَمَسَتْ في الجَهالَةِ وصارَتْ عَقائِدُها غُرُورًا ومِن دُونِ تَدَبُّرٍ اعْتَقَدَتْ ما لا يَنْتَظِمُ مَعَ الدَّلِيلِ واجْتَمَعَتْ في عَقائِدِها المُتَناقِضاتُ، وقَدْ «وجَدَ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ في الكَعْبَةِ صُورَةَ إبْراهِيمَ يَسْتَقْسِمُ بِالأزْلامِ في الكَعْبَةِ فَتَلا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] وقالَ واللَّهِ إنِ اسْتَقْسَمَ بِها قَطُّ»، وقالَ تَعالى في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] فَرَماهم بِفَقْدِ التَّعَقُّلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِياءِ الغائِبِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّ أُمْ مُتَّصِلَةً مُعادِلَةً لِقَوْلِهِ ﴿أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩] فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أمْرًا ثانِيًا لاحِقًا لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ [البقرة: ١٣٩] ولَيْسَ هَذا المَحْمَلُ بِمُتَعَيِّنٍ لِأنَّ في اعْتِبارِ الِالتِفاتِ مَناصًّا مِن ذَلِكَ.
ومَعْنى ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ التَّقْدِيرُ، وقَدْ أعْلَمَنا اللَّهُ أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] وقَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ التَّقْرِيرِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أنَّهُ أعْلَمَهم بِأمْرٍ جَهِلَتْهُ عامَّتُهم وكَتَمَتْهُ خاصَّتُهم ولِذَلِكَ قالَ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُشِيرُ إلى خاصَّةِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ تَرَكُوا عامَّةَ أُمَّتِهِمْ مُسْتَرْسِلِينَ عَلى عَقائِدِ الخَطَأِ والغُرُورِ والضَّلالَةِ وهم ساكِتُونَ لا يُغَيِّرُونَ عَلَيْهِمْ إرْضاءً لَهم واسْتِجْلابًا لِمَحَبَّتِهِمْ وذَلِكَ أمُرُّ إذا طالَ عَلى الأُمَّةِ تَعَوَّدَتْهُ
صفحة ٧٤٨
وظَنَّتْ جَهالَتُها عَلِمًا فَلَمْ يَنْجَحْ فِيها إصْلاحٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّها تَرى المُصْلِحِينَ قَدْ أتَوْا بِما لَمْ يَأْتِ بِهِ الأوَّلُونَ فَقالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
* * *
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
هَذا مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَحْكِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أمَرَ النَّبِيءَ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا لَهم بِالعَهْدِ الَّذِي في كُتُبِهِمْ عَسى أنْ يُراجِعُوا أنْفُسَهم ويُعِيدُوا النَّظَرَ إنْ كانُوا مُتَرَدِّدِينَ أوْ أنْ يَفِيئُوا إلى الحَقِّ إنْ كانُوا مُتَعَمِّدِينَ المُكابَرَةَ. و”مِن“ في قَوْلِهِ مِنَ اللَّهِ ابْتِدائِيَّةٌ أيْ شَهادَةٌ عِنْدَهُ بَلَغَتْ مِن جانِبِ اللَّهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ. والواوُ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عَلى جُمْلَةٍ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ وهَذا الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ اغْتِرارِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِمْ إنَّ إبْراهِيمَ وأبْناءَهُ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى ولَيْسَ هَذا احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ بَقِيَّةُ مَقُولِ القَوْلِ وهو تَهْدِيدٌ لِأنَّ القادِرَ إذا لَمْ يَكُنْ غافِلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مانِعٌ مِنَ العَمَلِ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُ هَذا في مَواضِعَ.
البقرة 2:141
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا لِزِيادَةِ رُسُوخِ مَدْلُولِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ اهْتِمامًا بِما تَضَمَّنُهُ لِكَوْنِهِ مَعْنًى لَمْ يَسْبِقْ سَماعُهُ لِلْمُخاطَبِينَ فَلَمْ يَقْتَنِعْ فِيهِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ ومِثْلُ هَذا التَّكْرِيرِ وارِدٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ لَبِيدٌ:
فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةِ يُشَبُّ ضِرامُها
مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُها
فَإنَّهُ لَمّا شَبَّهَ الغُبارَ المُتَطايِرَ بِالنّارِ المَشْبُوبَةِ واسْتَطْرَدَ بِوَصْفِ النّارِ بِأنَّها هَبَّتْ عَلَيْها رِيحُ الشَّمالِ وزادَتْها دُخانًا وأوْقَدَتْ بِالعَرْفَجِ الرَّطِيبِ لِكَثْرَةِ دُخّانِهِ، أعادَ التَّشْبِيهَ ثانِيًا لِأنَّهُ غَرِيبٌ مُبْتَكَرٌ.
البقرة 2:142
صفحة ٥
سُورَةُ البَقَرَةِ
﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
قَدْ خَفِيَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الآيِ الَّتِي بَعْدَها لِأنَّ الظّاهِرَ مِنها أنَّها إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ وأنَّ القِبْلَةَ المَذْكُورَةَ فِيها هي القِبْلَةُ الَّتِي كانَتْ في أوَّلِ الهِجْرَةِ بِالمَدِينَةِ، وهي اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ وأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْها هو نَسْخُها بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ فَكانَ الشَّأْنُ أنْ يُتَرَقَّبَ طَعْنُ الطّاعِنِينَ في هَذا التَّحْوِيلِ بَعْدَ وُقُوعِ النَّسْخِ أيْ بَعْدَ الآياتِ النّاسِخَةِ لِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ لِما هو مَعْلُومٌ مِن دَأبِهِمْ مِنَ التَّرَصُّدِ لِلطَّعْنِ في تَصَرُّفاتِ المُسْلِمِينَ فَإنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ مُتَتابِعَةً، والأصْلُ مُوافَقَةُ التِّلاوَةِ لِلنُّزُولِ في السُّورَةِ الواحِدَةِ إلّا ما ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ مُتَأخِّرًا ويُتْلى مُتَقَدِّمًا.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالقِبْلَةِ المُحَوَّلَةِ القِبْلَةُ المَنسُوخَةُ وهي اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ أعْنِي الشَّرْقَ وهي قِبْلَةُ اليَهُودِ، ولَمْ يَشْفِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وأصْحابِ أسْبابِ النُّزُولِ الغَلِيلَ في هَذا عَلى أنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الآيِ الَّذِي قَبْلَها غَيْرُ واضِحَةٍ، فاحْتاجَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى تَكَلُّفِ إبْدائِها.
والَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَهْمِي أنَّ مُناسَبَةَ وُقُوعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا مُناسَبَةٌ بَدِيعَةٌ، وهي أنَّ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها تَكَرَّرَ فِيها التَّنْوِيهُ بِإبْراهِيمَ ومِلَّتِهِ والكَعْبَةِ وأنَّ مَن يَرْغَبُ عَنْها قَدْ سَفِهَ نَفْسَهُ، فَكانَتْ مَثارًا لِأنْ يَقُولَ المُشْرِكُونَ: ما ولّى مُحَمَّدًا وأتْباعَهُ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها بِمَكَّةَ أيِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ مَعَ أنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ويَأْبى عَنِ اتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَكَيْفَ تَرَكَ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ واسْتَقْبَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ولِأنَّهُ قَدْ تَكَرَّرَتِ الإشارَةُ في الآياتِ السّابِقَةِ إلى هَذا الغَرَضِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] . وقَوْلِهِ. ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] كَما ذَكَرْناهُ هُنالِكَ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنهم فَأنْبَأ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِمْ وأتى فِيهِ بِهَذا المَوْقِعِ العَجِيبِ وهو أنْ جَعَلَهُ بَعْدَ الآياتِ المُثِيرَةِ لَهُ وقَبْلَ الآياتِ الَّتِي
صفحة ٦
أُنْزِلَتْ إلَيْهِ في نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ والأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ في الصَّلاةِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، لِئَلّا يَكُونَ القُرْآنُ الَّذِي فِيهِ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ نازِلًا بَعْدَ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ فَيَشْمَخُوا بِأُنُوفِهِمْ، يَقُولُونَ غَيَّرَ مُحَمَّدٌ قِبْلَتَهُ مِن أجْلِ اعْتِراضِنا عَلَيْهِ فَكانَ لِمَوْضِعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أفْضَلُ تَمَكُّنٍ وأوْثَقُ رَبْطٍ، وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ نُزُولِها قَبْلَ آيَةِ النَّسْخِ وهي قَوْلُهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآياتِ؛ لِأنَّ مَقالَةَ المُشْرِكِينَ أوْ تَوَقُّعَها حاصِلٌ قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ وناشِئٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ والكَعْبَةِ.
فالمُرادُ بِالسُّفَهاءِ: المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَبْيِينُهُ بِقَوْلِهِ ﴿مِنَ النّاسِ﴾، فَقَدْ عُرِفَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ النّازِلِ بِمَكَّةَ أنَّ لَفْظَ ”النّاسِ“ يُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ اليَهُودَ أوْ أهْلَ الكِتابِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَناسَبَ أنْ يُقالَ ”سَيَقُولُونَ“ بِالإضْمارِ لِأنَّ ذِكْرَهم لَمْ يَزَلْ قَرِيبًا مِنَ الآيِ السّابِقَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تُسْألُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] الآيَةَ.
ويُعَضِّدُنا في هَذا ما ذَكَرَ الفَخْرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ والحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِالسُّفَهاءِ المُشْرِكُونَ، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ قَوْلُ الزَّجّاجِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المُنافِقِينَ وقَدْ سَبَقَ وصْفُهم بِهَذا في أوَّلِ السُّورَةِ فَيَكُونُ المَقْصُودُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ الشِّرْكَ، والَّذِي يَبْعَثُهم عَلى هَذا القَوْلِ هو عَيْنُ الَّذِي يَبْعَثُ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ ”السُّفَهاءَ“ هُنا هُمُ المُنافِقُونَ.
أمّا الَّذِينَ فَسَّرُوا السُّفَهاءَ بِاليَهُودِ فَقَدْ وقَعُوا في حَيْرَةٍ مِن مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ لِظُهُورِ أنَّ هَذا القَوْلَ ناشِئٌ عَنْ تَغْيِيرِ القِبْلَةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وذَلِكَ قَدْ وقَعَ الإخْبارُ بِهِ قَبْلَ سَماعِ الآيَةِ النّاسِخَةِ لِلْقِبْلَةِ لِأنَّ الأصْلَ مُوافَقَةُ التِّلاوَةِ لِلنُّزُولِ فَكَيْفَ يَقُولُ السُّفَهاءُ هَذا القَوْلَ قَبْلَ حُدُوثِ داعٍ إلَيْهِ لِأنَّهم إنَّما يَطْعَنُونَ في التَّحَوُّلِ عَنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّهُ مَسْجِدُهم وهو قِبْلَتُهم في قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ، ولِذَلِكَ جَزَمَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ ورَوَوْا ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَوى البُخارِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجاءٍ عَنْ إسْرائِيلَ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ البَراءِ «حَدِيثَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ ووَقَعَ فِيهِ: فَقالَ السُّفَهاءُ وهُمُ اليَهُودُ، ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»﴾، وأخْرَجَهُ في كِتابِ الإيمانِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ خالِدٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ البَراءِ بِغَيْرِ هَذِهِ الزِّيادَةِ، ولَكِنْ قالَ عِوَضَها: وكانَتِ اليَهُودُ
صفحة ٧
قَدْ أعْجَبَهم إذْ كانَ يُصَلّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ وأهْلُ الكِتابِ، فَلَمّا ولّى وجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أنْكَرُوا ذَلِكَ. وأخْرَجَهُ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن طَرِيقِ أبِي نُعَيْمٍ عَنْ زُهَيْرٍ بِدُونِ شَيْءٍ مِن هاتَيْنِ الزِّيادَتَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ الزِّيادَةَ الأُولى مُدْرَجَةٌ مِن إسْرائِيلَ عَنْ أبِي إسْحاقَ، والزِّيادَةُ الثّانِيَةُ مُدْرَجَةٌ مِن عَمْرِو بْنِ خالِدٍ لِأنَّ مُسْلِمًا والتِّرْمِذِيَّ والنَّسائِيَّ قَدْ رَوَوْا حَدِيثَ البَراءِ عَنْ أبِي إسْحاقَ مِن غَيْرِ طَرِيقِ إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ إحْدى الزِّيادَتَيْنِ، فاحْتاجُوا إلى تَأْوِيلِ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ مِن قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ بِمَعْنى التَّحْقِيقِ لا غَيْرَ؛ أيْ قالَ السُّفَهاءُ ما ولّاهم. ووَجْهُ فَصْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَمّا قَبْلَها بِدُونِ عَطْفٍ اخْتِلافُ الغَرَضِ عَنْ غَرَضِ الآياتِ السّابِقَةِ فَهي اسْتِئْنافٌ مَحْضٌ لَيْسَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
والأوْلى بَقاءُ السِّينِ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ إذْ لا داعِيَ إلى صَرْفِهِ إلى مَعْنى المُضِيِّ وقَدْ عَلِمْتُمُ الدّاعِيَ إلى الإخْبارِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مِنهم، وقالَ في الكَشّافِ: فائِدَةُ الإخْبارِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أنَّ العِلْمَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أبْعَدُ مِنَ الِاضْطِرابِ إذا وقَعَ، وأنَّ الجَوابَ العَتِيدَ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْطَعُ لِلْخَصْمِ وأرَدُّ لِشَغْبِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مِن وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي لِيَدُلَّ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ فِيهِ، وقالَ الفَخْرُ: إنَّهُ مُخْتارُ القَفّالِ.
وكَأنَّ الَّذِي دَعاهم إلى ذَلِكَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ بَعْدَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وهَذا تَكَلُّفٌ يَنْبَغِي عَدَمُ التَّعْوِيلِ عَلَيْهِ، والإخْبارُ عَنْ أقْوالِهِمُ المُسْتَقْبَلَةِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا﴾ [الإسراء: ٥١] - ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] وإذا كانَ الَّذِي دَعاهم إلى ذَلِكَ ثُبُوتُ أنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وشُيُوعُ ذَلِكَ كانَ لِتَأْوِيلِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي وجْهٌ وجِيهٌ، وكانَ فِيهِ تَأْيِيدٌ لِما أسْلَفْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] وقَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ [البقرة: ١٢٠] .
والسُّفَهاءُ: جَمْعُ سَفِيهٍ الَّذِي هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ إذا صارَ السَّفَهُ لَهُ سَجِيَّةً وتَقَدَّمَ القَوْلُ في السَّفَهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفائِدَةُ وصْفِهِمْ بِأنَّهم مِنَ النّاسِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا هو التَّنْبِيهُ عَلى بُلُوغِهِمُ الحَدَّ الأقْصى مِنَ السَّفاهَةِ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ في النّاسِ سُفَهاءُ غَيْرُ هَؤُلاءِ فَإذا قُسِمَ نَوْعُ الإنْسانِ أصْنافًا كانَ هَؤُلاءِ صِنْفَ السُّفَهاءِ فَيُفْهَمُ أنَّهُ لا سَفِيهَ غَيْرُهم عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن صَدَرَ مِنهُ هَذا القَوْلُ هو سَفِيهٌ سَواءٌ كانَ القائِلُ اليَهُودَ أوِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
صفحة ٨
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهُمْ﴾ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ في اللَّفْظِ حِكايَةً لِقَوْلِ السُّفَهاءِ، وهم يُرِيدُونَ بِالضَّمِيرِ أوْ بِما يُعَبَّرُ عَنْهُ في كَلامِهِمْ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المُسْلِمِينَ.
وفِعْلُ ﴿ولّاهُمْ﴾ أصْلُهُ مُضاعَفُ ولّى إذا دَنا وقَرُبَ، فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِسَبَبِ التَّضْعِيفِ، فَيُقالُ: ولّاهُ مِن كَذا أيْ قَرَّبَهُ مِنهُ ووَلّاهُ عَنْ كَذا أيْ صَرَفَهُ عَنْهُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في الكَلامِ فَكَثُرَ أنْ يَحْذِفُوا حَرْفَ الجَرِّ الَّذِي يُعَدِّيهِ إلى مُتَعَلِّقٍ ثانٍ فَبِذَلِكَ عَدَّوْهُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ كَثِيرًا عَلى التَّوَسُّعِ، فَقالُوا: ولّى فُلانًا وجْهَهُ مَثَلًا دُونَ أنْ يَقُولُوا ولّى فُلانٌ وجْهَهُ مِن فُلانٍ أوْ عَنْ فُلانٍ، فَأشْبَهَ أفْعالَ كَسا وأعْطى ولِذَلِكَ لَمْ يَعْبَئُوا بِتَقْدِيمِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ عَلى الآخَرِ قالَ تَعالى ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] أصْلُهُ: فَلا تُوَلُّوا الأدْبارَ مِنهم، فالأدْبارُ هو الفاعِلُ في المَعْنى لِأنَّهُ لَوْ رُفِعَ لَقِيلَ ولِيَ دُبُرُهُ الكافِرِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] أيْ نَجْعَلُهُ والِيًا مِمّا تَوَلّى أيْ قَرِيبًا لَهُ أيْ مُلازِمًا لَهُ فَهَذا تَحْقِيقُ تَصْرِيفاتِ هَذا الفِعْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما ولّاهُمْ﴾ إلَخْ، هي مَقُولُ القَوْلِ فَضَمائِرُ الجَمْعِ كُلُّها عائِدَةٌ عَلى مُعادٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ لِئَلّا يَلْزَمَ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ ومُخالَفَةُ الظّاهِرِ في أصْلِ حِكايَةِ الأقْوالِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالتَّخْطِئَةِ واضْطِرابِ العَقْلِ.
والمُرادُ بِالقِبْلَةِ في قَوْلِهِ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الجِهَةُ الَّتِي يُوَلُّونَ إلَيْها وُجُوهَهم عِنْدَ الصَّلاةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ وأخْبارُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ.
والقِبْلَةُ في أصْلِ الصِّيغَةِ اسْمٌ عَلى زِنَةِ فِعْلَةٍ بِكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وهي زِنَةُ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى هَيْئَةِ فِعْلِ الِاسْتِقْبالِ أيِ التَّوَجُّهِ، اشْتُقَّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ بِحَذْفِ السِّينِ والتّاءِ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ المُسْتَقْبِلُ مَجازًا وهو المُرادُ هُنا لِأنَّ الِانْصِرافَ لا يَكُونُ عَنِ الهَيْئَةِ قالَ حَسّانُ في رِثاءِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكُمْ
والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ القِبْلَةُ اسْمَ مَفْعُولٍ عَلى وزْنِ فِعْلٍ كالذِّبْحِ والطِّحْنِ وتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبارِ الجِهَةِ كَما قالُوا: ما لَهُ في هَذا الأمْرِ قِبْلَةٌ ولا دِبْرَةٌ أيْ وِجْهَةٌ.
وإضافَةُ القِبْلَةِ إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ اخْتِصاصِها بِهِمْ إذْ لَمْ يَسْتَقْبِلْها غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُصَلِّينَ وأهْلَ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَقْبِلُونَ في صَلاتِهِمْ،
صفحة ٩
وهَذا مِمّا يُعَضِّدُ حَمْلَ السُّفَهاءُ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِمُ اليَهُودُ، لَقِيلَ: عَنْ قِبْلَتِنا. إذْ لا يَرْضَوْنَ أنْ يُضِيفُوا تِلْكَ القِبْلَةَ إلى المُسْلِمِينَ، ومَن فَسَّرَ السُّفَهاءُ بِاليَهُودِ ونَسَبَ إلَيْهِمُ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ حَمَلَ الإضافَةَ عَلى أدْنى مُلابَسَةٍ لِأنَّ المُسْلِمِينَ اسْتَقْبَلُوا تِلْكَ القِبْلَةَ مُدَّةَ سَنَةٍ وأشْهُرٍ فَصارَتْ قِبْلَةً لَهم.
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهُمْ﴾ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ غَيْرِ مَذْكُورِ اللَّفْظِ حِكايَةً لِقَوْلِ السُّفَهاءِ، وهم يُرِيدُونَ بِالضَّمِيرِ أوْ بِمُساوِيهِ في كَلامِهِمْ عَوْدَهُ عَلى المُسْلِمِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ أيْ كانُوا مُلازِمِينَ لَها فَـ ”عَلى“ هُنا لِلتَّمَكُّنِ المَجازِيِّ وهو شِدَّةُ المُلازَمَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وفِيهِ زِيادَةُ تَوْجِيهٍ لِلْإنْكارِ والِاسْتِغْرابِ؛ أيْ كَيْفَ عَدَلُوا عَنْها بَعْدَ أنْ لازَمُوها ولَمْ يَكُنِ اسْتِقْبالُهم إيّاها مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ فَإنَّهُمُ اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً قَبْلَ الهِجْرَةِ.
واعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ ولَيْسَ هَذا الِاسْتِقْبالُ مِن أصْلِ دِينِهِمْ لِأنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ إنَّما بُنِيَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَناهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا تَجِدُ في أسْفارِ التَّوْراةِ الخَمْسَةِ ذِكْرًا لِاسْتِقْبالِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والصَّلاةِ والدُّعاءِ، ولَكِنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي سَنَّ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَفي سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ: أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا أتَمَّ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ جَمَعَ شُيُوخَ إسْرائِيلَ وجُمْهُورَهم ووَقَفَ أمامَ المَذْبَحِ في بَيْتِ المَقْدِسِ وبَسَطَ يَدَيْهِ ودَعا اللَّهَ دُعاءً جاءَ فِيهِ: إذا انْكَسَرَ شَعْبُ إسْرائِيلَ أمامَ العَدُوِّ ثُمَّ رَجَعُوا واعْتَرَفُوا وصَلَّوْا نَحْوَ هَذا البَيْتِ فَأرْجِعْهم إلى الأرْضِ الَّتِي أعْطَيْتَ لِآبائِهِمْ وإذا خَرَجَ الشَّعْبُ لِمُحارَبَةِ العَدُوِّ وصَلَّوْا إلى الرَّبِّ نَحْوَ المَدِينَةِ الَّتِي اخْتَرْتَها والبَيْتِ الَّذِي بَنَيْتَهُ لِاسْمِكَ فاسْمَعْ صَلاتَهم وتَضَرُّعَهم إلَخْ، وذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَجَلّى لِسُلَيْمانَ، وقالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتُ صَلاتَكَ وتَضَرُّعَكَ الَّذِي تَضَرَّعْتَ بِهِ أمامِي، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ شَرْطٌ في الصَّلاةِ في دِينِ اليَهُودِ وقُصاراهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ التَّوَجُّهَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ بِالصَّلاةِ والدُّعاءِ هَيْئَةٌ فاضِلَةٌ، فَلَعَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ التَزَمُوهُ لا سِيَّما بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ أنَّ أنْبِياءَهُمُ المَوْجُودِينَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ أمَرُوهم بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: كانَ اليَهُودُ يَظُنُّونَ أنَّ مُوافَقَةَ الرَّسُولِ لَهم في القِبْلَةِ رُبَّما تَدْعُوهُ إلى أنْ يَصِيرَ مُوافِقًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وجَرى كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ
صفحة ١٠
عَلى الجَزْمِ بِأنَّ اليَهُودَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِناءً عَلى كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، ولَمْ يَثْبُتْ هَذا مِن دِينِ اليَهُودِ كَما عَلِمْتَ، وذَكَرَ الفَخْرُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ ما فِيهِ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ جِهَةَ المَغْرِبِ وأنَّ النَّصارى يَسْتَقْبِلُونَ المَشْرِقَ، وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ اليَهُودَ لَمْ تَكُنْ لَهم في صَلاتِهِمْ جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ يَسْتَقْبِلُونَها وأنَّهم كانُوا يَتَيَمَّنُونَ في دُعائِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى صَوْبِ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى اخْتِلافِ مَوْقِعِ جِهَتِهِ مِنَ البِلادِ الَّتِي هم بِها فَلَيْسَ لَهم جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن جِهاتِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ ومَغْرِبِها وما بَيْنَهُما، فَلَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عادَةً عِنْدَهم تَوَهَّمُوهُ مِنَ الدِّينِ وتَعَجَّبُوا مِن مُخالَفَةِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ.
وأمّا النَّصارى فَإنَّهم لَمْ يَقَعْ في إنْجِيلِهِمْ تَغْيِيرٌ لِما كانَ عَلَيْهِ اليَهُودُ في أمْرِ الِاسْتِقْبالِ في الصَّلاةِ ولا تَعْيِينُ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ ولَكِنَّهم لَمّا وجَدُوا الرُّومَ يَجْعَلُونَ أبْوابَ هَياكِلِهِمْ مُسْتَقْبِلَةً لِمَشْرِقِ الشَّمْسِ بِحَيْثُ تَدْخُلُ أشِعَّةَ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِها مِن بابِ الهَيْكَلِ عَلى الصَّنَمِ صاحِبِ الهَيْكَلِ المَوْضُوعِ في مُنْتَهى الهَيْكَلِ عَكَسُوا ذَلِكَ فَجَعَلُوا أبْوابَ الكَنائِسِ إلى الغَرْبِ وبِذَلِكَ يَكُونُ المَذْبَحُ إلى الغَرْبِ والمُصَلُّونَ مُسْتَقْبِلِينَ الشَّرْقَ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ بُولِسَ الَّذِي أمَرَهم بِذَلِكَ، فَهَذِهِ حالَةُ النَّصارى في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّ النَّصارى مِنَ العُصُورِ الوُسْطى إلى الآنَ تَوَسَّعُوا فَتَرَكُوا اسْتِقْبالَ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَلِذَلِكَ تَكُونُ كَنائِسُهم مُخْتَلِفَةَ الِاتِّجاهِ وكَذَلِكَ المَذابِحُ المُتَعَدِّدَةُ في الكَنِيسَةِ الواحِدَةِ.
وأمّا اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ في الحَنِيفِيَّةِ فالظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَنى الكَعْبَةَ اسْتَقْبَلَها عِنْدَ الدُّعاءِ وعِنْدَ الصَّلاةِ لِأنَّهُ بَناها لِلصَّلاةِ حَوْلَها فَإنَّ داخِلَها لا يَسَعُ الجَماهِيرَ مِنَ النّاسِ وإذا كانَ بِناؤُها لِلصَّلاةِ حَوْلَها فَهي أوَّلُ قِبْلَةٍ وُضِعَتْ لِلْمُصَلِّي تُجاهَها وبِذَلِكَ اشْتَهَرَتْ عِنْدَ العَرَبِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْراهِيمُ مُسْتَقْبِلُ الكَعْبَةِ وهو قائِمٌ أمّا تَوَجُّهُهُ إلى جِهَتِها مِن بَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْها فَلا دَلِيلَ عَلى وُقُوعِهِ فَيَكُونُ الأمْرُ بِالتِزامِ الِاسْتِقْبالِ في الصَّلاةِ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ومِن جُمْلَةِ مَعانِي إكْمالِ الدِّينِ بِها كَما سَنُبَيِّنُهُ.
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ جِهَةً ثُمَّ تَحَوَّلُوا إلى جِهَةٍ أُخْرى ولَيْسَتِ الَّتِي تَحَوَّلَ إلَيْها المُسْلِمُونَ إلّا جِهَةَ الكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ وبِذَلِكَ جاءَتِ الآثارُ. والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في هَذا ثَلاثٌ، أوَّلُها وأصَحُّها: حَدِيثُ المُوَطَّأِ؛ عَنِ ابْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «بَيْنَما النّاسُ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِقُباءٍ إذْ جاءَهم آتٍ فَقالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صفحة ١١
ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها وكانَتْ وُجُوهُهم إلى الشّامِ فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ» ورَواهُ أيْضًا البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ مالِكٍ، ومُسْلِمٌ مِن طَرِيقِ مالِكٍ ومِن طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ، وفِيهِ: أنَّ نُزُولَ آيَةِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ كانَ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في أثْناءِ الصَّلاةِ وأنَّهُ صَلّى الصُّبْحَ لِلْكَعْبَةِ، وهَذا الحَدِيثُ هو أصْلُ البابِ وهو فَصْلُ الخِطابِ، ثانِيها: حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وفِيهِ: «فَمَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ وهم رُكُوعٌ في صَلاةِ الفَجْرِ وقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنادى ألا إنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ فَمالُوا كَما هم نَحْوَ القِبْلَةِ»، الثّالِثُ: حَدِيثُ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ أنْ يُوَجَّهَ إلى الكَعْبَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ ثُمَّ قالَ فَصَلّى مَعَ النَّبِيءِ رَجُلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَما صَلّى فَمَرَّ عَلى قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ في صَلاةِ العَصْرِ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَقالَ: هو يَشْهَدُ أنَّهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وأنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ فَتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ»، وحُمِلَ ذِكْرُ صَلاةِ الصُّبْحِ في رِوايَتَيِ ابْنِ عُمَرَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وذِكْرُ صَلاةِ العَصْرِ في رِوايَةِ البَراءِ كُلٌّ عَلى أهْلِ مَكانٍ مَخْصُوصٍ، وهُنالِكَ آثارٌ أُخْرى تُخالِفُ هَذِهِ لَمْ يَصِحَّ سَنَدُها ذَكَرَها القُرْطُبِيُّ.
فَتَحْوِيلُ القِبْلَةِ كانَ في رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ وقِيلَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ نِصْفَ شَعْبانَ مِنها.
واخْتَلَفُوا في أنَّ اسْتِقْبالَهُ ﷺ بَيْتَ المَقْدِسِ هَلْ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أوْ بَعْدَها، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لَمّا فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ بِمَكَّةَ كانَ يَسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ فَلَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ تَألُّفًا لِلْيَهُودِ، قالَهُ بَعْضُهم وهو ضَعِيفٌ، وقِيلَ كانَ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ وهو في مَكانٍ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ أمامَهُ مِن جِهَةِ الشَّرْقِ فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا الكَعْبَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ مَعًا، ولَمْ يَصِحَّ هَذا القَوْلُ. واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ ثُمَّ نَسَخَهُ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ودَلِيلُهم قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٣] الآيَةَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الكَعْبَةِ وبَيْتِ المَقْدِسِ واخْتارَ بَيْتَ المَقْدِسِ اسْتِئْلافًا لِلْيَهُودِ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ: كانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ مِنَ النَّبِيءِ صَلّى اللَّهُ
صفحة ١٢
عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤] دالًّا عَلى أنَّهُ اجْتَهَدَ فَرَأى أنْ يَتَّبِعَ قِبْلَةَ الدِّينَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ ومَعَ ذَلِكَ كانَ يَوَدُّ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا غُيِّرَتِ القِبْلَةُ قالَ السُّفَهاءُ وهُمُ اليَهُودُ أوِ المُنافِقُونَ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ وقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ قالُوا: اشْتاقَ مُحَمَّدٌ إلى بَلَدِهِ وعَنْ قَرِيبٍ يَرْجِعُ إلى دِينِكم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ ونُسِبَ إلى البَراءِ بْنِ عازِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، ورَوى القُرْطُبِيُّ أنَّ أوَّلَ مَن صَلّى نَحْوَ الكَعْبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ أبُو سَعِيدِ بْنُ المُعَلّى، وفي الحَدِيثِ ضَعْفٌ.
وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ جَوابٌ قاطِعٌ، مَعْناهُ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها سَواءٌ في أنَّها مَواقِعُ لِبَعْضِ المَخْلُوقاتِ المُعَظَّمَةِ، فالجِهاتُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَبَعًا لِلْأشْياءِ الواقِعَةِ فِيها المَمْلُوكَةِ لَهُ، ولَيْسَ مُسْتَحِقَّةً لِلتَّوَجُّهِ والِاسْتِقْبالِ اسْتِحْقاقًا ذاتِيًّا. وذِكْرُ المَشْرِقُ والمَغْرِبِ مُرادٌ بِهِ تَعْمِيمُ الجِهاتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ الكِنايَةَ عَنِ الأرْضِ كُلِّها لِأنَّ اصْطِلاحَ النّاسِ أنَّهم يُقَسِّمُونَ الأرْضَ إلى جِهَتَيْنِ شَرْقِيَّةٍ وغَرْبِيَّةٍ بِحَسَبِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ ومَغْرِبِها، والمَقْصُودُ أنْ لَيْسَ لِبَعْضِ الجِهاتِ اخْتِصاصٌ بِقُرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ وإنَّما يَكُونُ أمْرُهُ بِاسْتِقْبالِ بَعْضِ الجِهاتِ لِحِكْمَةٍ يُرِيدُها كالتَّيَمُّنِ أوِ التَّذَكُّرِ فَلا بِدْعَ في التَّوَلِّي لِجِهَةٍ دُونَ أُخْرى حَسَبَ ما يَأْمُرُ بِهِ اللَّهُ تَعالى، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾، إشارَةٌ إلى وجْهِ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ إلى الكَعْبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى وجْهِ تَرْجِيحِ التَّوْلِيَةِ إلى الكَعْبَةِ عَلى التَّوْلِيَةِ إلى غَيْرِها لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ هو الهُدى دُونَ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلّا أنَّ هَذا التَّعْرِيضَ جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ المُنْصِفِ مِن حَيْثُ ما في قَوْلِهِ مَن يَشاءُ مِنَ الإجْمالِ الَّذِي يُبَيِّنُهُ المَقامُ فَإنَّ المَهْدِيَّ مِن فَرِيقَيْنِ كانا في حالَةٍ واحِدَةٍ وهو الفَرِيقُ الَّذِي أمَرَهُ مَن بِيَدِهِ الهُدى بِالعُدُولِ عَنِ الحالَةِ الَّتِي شارَكَهُ فِيها الفَرِيقُ الآخَرُ إلى حالَةِ اخْتُصَّ هو بِها، فَهَذِهِ الآيَةُ بِهَذا المَعْنى فِيها إشارَةٌ إلى تَرْجِيحِ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ أقْوى مِن آيَةِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]
وقَدْ سَلَكَ في هَذا الجَوابِ لَهم طَرِيقَ الإعْراضِ والتَّبْكِيتِ لِأنَّ إنْكارَهم كانَ عَنْ عِنادٍ لا عَنْ طَلَبِ الحَقِّ فَأُجِيبُوا بِما لا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الحَيْرَةَ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهم حِكْمَةُ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ ولا أحَقِّيَّةُ الكَعْبَةِ بِالِاسْتِقْبالِ وذَلِكَ ما يَعْلَمُهُ المُؤْمِنُونَ.
صفحة ١٣
فَأمّا إذا جَرَيْنا عَلى قَوْلِ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اليَهُودِ اسْتِقْبالَ جِهَةِ المَغْرِبِ وإلى النَّصارى اسْتِقْبالَ جِهَةِ المَشْرِقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَيَأْتِي عَلى تَفْسِيرِهِمْ أنْ نَقُولَ إنَّ ذِكْرَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ إشارَةٌ إلى قِبْلَةِ النَّصارى وقِبْلَةِ اليَهُودِ، فَيَكُونُ الجَوابُ جَوابًا بِالإعْراضِ عَنْ تَرْجِيحِ قِبْلَةِ المُسْلِمِينَ لِعَدَمِ جَدْواهُ هُنا، أوْ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إيماءً إلى قِبْلَةِ الإسْلامِ، والمُرادُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ هُنا وسِيلَةُ الخَيْرِ وما يُوَصِّلُ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ هَدْيٍ إلى خَيْرٍ ومِنهُ الهَدْيُ إلى اسْتِقْبالِ أفْضَلِ جِهَةٍ. فَجُمْلَةُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ ولا يَحْسُنُ جَعْلُها بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ لِعَدَمِ وُضُوحِ اشْتِمالِ جُمْلَةِ ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ عَلى مَعْنى جُمْلَةِ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إذْ مَفادُ الأُولى أنَّ الأرْضَ جَمِيعَها لِلَّهِ أيْ فَلا تَتَفاضَلُ الجِهاتُ ومَفادُ الثّانِيَةِ أنَّ الهُدى بِيَدِ اللَّهِ.
واتَّفَقَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ أيِ التَّوَجُّهَ إلَيْها شَرْطٌ مِن شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ والنّافِلَةِ إلّا لِضَرُورَةٍ في الفَرِيضَةِ كالقِتالِ والمَرِيضِ لا يَجِدُ مَن يُوَجِّهُهُ إلى جِهَةِ القِبْلَةِ أوْ لِرُخْصَةٍ في النّافِلَةِ لِلْمُسافِرِ إذا كانَ راكِبًا عَلى دابَّةٍ أوْ في سَفِينَةٍ لا يَسْتَقِرُّ بِها. فَأمّا الَّذِي هو في المَسْجِدِ الحَرامِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ مِن أحَدِ جَوانِبِها ومَن كانَ بِمَكَّةَ في مَوْضِعٍ يُعايِنُ مِنهُ الكَعْبَةَ فَعَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ الَّتِي يُعايِنُها فَإذا طالَ الصَّفُّ مِن أحَدِ جَوانِبِ الكَعْبَةِ وجَبَ عَلى مَن كانَ مِن أهْلِ الصَّفِّ غَيْرَ مُقابِلٍ لِرُكْنٍ مِن أرْكانِ الكَعْبَةِ أنْ يَسْتَدِيرَ بِحَيْثُ يُصَلُّونَ دائِرِينَ بِالكَعْبَةِ صَفًّا وراءَ صَفٍّ بِالِاسْتِدارَةِ، وأمّا الَّذِي تَغِيبُ ذاتُ الكَعْبَةِ عَنْ بَصَرِهِ فَعَلَيْهِ الِاجْتِهادُ بِأنْ يَتَوَخّى أنْ يَسْتَقْبِلَ جِهَتَها فَمِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: يَتَوَخّى المُصَلِّي جِهَةَ مُصادَفَةِ عَيْنِ الكَعْبَةِ بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ خَطٌّ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ لَوَجَدَ وجْهَهُ قُبالَةَ جِدارِها، وهَذا شاقٌّ يَعْسُرُ تَحَقُّقُهُ إلّا بِطَرِيقِ إرْصادِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، ويُعَبَّرُ عَنْ هَذا بِاسْتِقْبالِ العَيْنِ وبِاسْتِقْبالِ السَّمْتِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ القَصّارِ واخْتارَهُ أحَدُ أشْياخِ أبِي الطَّيِّبِ عَبْدِ المُنْعِمِ الكِنْدِيُّ، ونَقَلَهُ المالِكِيَّةُ عَنِ الشّافِعِيِّ، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: يَتَوَخّى المُصَلِّي أنْ يَسْتَقْبِلَ جِهَةَ أقْرَبِ ما بَيَّنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ بِحَيْثُ لَوْ مَشى بِاسْتِقامَةٍ لَوَصَلَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، ويُعَبَّرُ عَنْ هَذا بِاسْتِقْبالِ الجِهَةِ أيْ جِهَةِ الكَعْبَةِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المالِكِيَّةِ واخْتارَهُ الأبْهَرِيُّ والباجِيُّ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وهو مِنَ التَّيْسِيرِ ورَفْعِ
صفحة ١٤
الحَرَجِ، ومَن كانَ بِالمَدِينَةِ يَسْتَدِلُّ بِمَوْضِعِ صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ في مَسْجِدِهِ لِأنَّ اللَّهَ أذِنَ رَسُولَهُ بِالصَّلاةِ فِيهِ، ورَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ «أنَّ جُبَيْرَ هو الَّذِي أقامَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قِبْلَةَ مَسْجِدِهِ» .
وبَيَّنَ المازِرِيُّ مَعْنى المُسامَتَةِ: بِأنْ يَكُونَ جُزْءٌ مِن سَطْحِ وجْهِ المُصَلّى وجُزْءٌ مِن سَمْتِ الكَعْبَةِ طَرَفَيْ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وذَلِكَ مُمْكِنٌ بِكَوْنِ صَفِّ المُصَلِّينَ كالخَطِّ المُسْتَقِيمِ الواصِلِ بَيْنَ طَرَفَيْ خَيْطَيْنِ مُتَباعِدَيْنِ خَرَجا مِنَ المَرْكَزِ إلى المُحِيطِ في جِهَتِهِ، لِأنَّ كُلَّ نُقْطَةٍ مِنهُ مَمَرٌّ لِخارِجٍ مِنَ المَرْكَزِ إلى المُحِيطِ اهـ، واسْتَبْعَدَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ هَذا الكَلامَ بِأنَّ تَكْلِيفَ البَعِيدِ اسْتِقْبالَ عَيْنِ البَيْتِ لا يُطاقُ، وبِإجْماعِهِمْ عَلى صِحَّةِ صَلاةِ ذَوِي صَفٍّ مِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُ البَيْتِ خَمْسَةُ أذْرُعٍ، فَبَعْضُ هَذا الصَّفِّ خارِجٌ عَنْ سِمَةِ البَيْتِ قَطْعًا ووافَقَهُ القَرافِيُّ ثُمَّ أجابَ بِأنَّ البَيْتَ لِمُسْتَقْبِلِيهِ كَمَرْكَزِ دائِرَةٍ لِمُحِيطِها والخُطُوطُ الخارِجَةُ مِن مَرْكَزٍ لِمُحِيطِهِ كُلَّما قَرُبَتْ مِنهُ اتَّسَعَتْ ولا سِيَّما في البُعْدِ.
فَإذا طالَتِ الصُّفُوفُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم إنَّما يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي يُعَبِّرُونَ عَنْها بِأنَّها قِبْلَةُ الصَّلاةِ.
ومَن أخْطَأ القِبْلَةَ أوْ نَسِيَ الِاسْتِقْبالَ حَتّى فَرَغَ مِن صَلاتِهِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ إعادَةُ صَلاتِهِ عِنْدَ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ إلّا أنَّ مالِكًا اسْتَحَبَّ لَهُ أنْ يُعِيدَها ما لَمْ يَخْرُجِ الوَقْتُ ولَمْ يَرَ ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ وهَذا بِناءً عَلى أنَّ فَرْضَ المُكَلَّفِ هو الِاجْتِهادُ في اسْتِقْبالِ الجِهَةِ، وأمّا الشّافِعِيُّ فَأوْجَبَ عَلَيْهِ الإعادَةَ أبَدًا بِناءً عَلى أنَّهُ يَرى أنَّ فَرْضَ المُكَلَّفِ هو إصابَةُ سَمْتِ الكَعْبَةِ.
البقرة 2:143
﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ إلَخْ، الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ وهي مِن قَبِيلِ الواوِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ، فالآيَةُ السّابِقَةُ لَمّا أشارَتْ إلى أنَّ الَّذِينَ هُدُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هُمُ المُسْلِمُونَ، وأنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ لَهم ناسَبَ أنْ يَسْتَطْرِدَ لِذِكْرِ فَضِيلَةٍ أُخْرى لَهم هي خَيْرٌ مِمّا تَقَدَّمَ وهي فَضِيلَةُ كَوْنِ المُسْلِمِينَ عُدُولًا خِيارًا
صفحة ١٥
لِيَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ لِأنَّ الآياتِ الواقِعَةَ بَعْدَها هي في ذِكْرِ أمْرِ القِبْلَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِأمْرِ القِبْلَةُ.
وقَوْلُهُ كَذَلِكَ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ واسْمِ الإشارَةِ فَيَتَعَيَّنُ تَعَرُّفُ المُشارِ إلَيْهِ وما هو المُشَبَّهُ بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. فاخْتَلَفَ شارِحُوهُ في تَقْرِيرِ كَلامِهِ وتَبْيِينِ مُرادِهِ: فَقالَ البَيْضاوِيُّ: الإشارَةُ إلى المَفْهُومِ، أيْ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] أيْ كَما جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا أوْ كَما جَعَلَنا قِبْلَتَكم أفْضَلَ قِبْلَةٍ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. اهـ، أيْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يُومِئُ إلى أنَّ المَهْدِيَّ هُمُ المُسْلِمُونَ وإلى أنَّ المَهْدِيَّ إلَيْهِ هو اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ وقْتَ قَوْلِ السُّفَهاءِ ما ولّاهم، عَلى ما قَدَّمْناهُ، وهَذا يَجْعَلُ الكافَ باقِيَةً عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلى وصْفِ الكَشّافِ الجَعْلِ بِالعَجِيبِ كَأنَّهُ رَأى أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَتَعَيَّنُ لِلْحَمْلِ عَلى أكْثَرَ مِنَ الإشارَةِ وإنْ كانَ إشارَةَ البَعِيدِ فَهو يُسْتَعْمَلُ غالِبًا مِن دُونِ إرادَةِ بُعْدٍ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُشارُ إلَيْهِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْنًى تَقَدَّمَ في الكَلامِ السّابِقِ، فالإشارَةُ حِينَئِذٍ إلى مَذْكُورٍ مُتَقَرِّرٍ في العِلْمِ فَهي جارِيَةٌ عَلى سَنَنِ الإشاراتِ. وحَمَلَ شُرّاحُ الكَشّافِ الكافَ عَلى غَيْرِ ظاهِرِ التَّشْبِيهِ، فَأمّا الطِّيبِيُّ والقُطْبُ فَقالا: الكافُ فِيهِ اسْمٌ بِمَعْنى مِثْلِ مُنْتَصِبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِجَعَلْناكم؛ أيْ مِثْلُ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم فَلَيْسَ تَشْبِيهًا ولَكِنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالَةٍ والمُشارُ إلَيْهِ ما يُفْهَمُ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ يَهْدِي وهو الأمْرُ العَجِيبُ الشَّأْنِ أيِ الهُدى التّامُّ، ووَجْهُ الإتْيانِ بِإشارَةِ البَعِيدِ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ وهو الَّذِي عَناهُ في الكَشّافِ بِالجَعْلِ العَجِيبِ، فالتَّعْظِيمُ هُنا لِبَداعَةِ الأمْرِ وعَجابَتِهِ، ثُمَّ إنَّ القُطْبَ ساقَ كَلامًا نَقَضَ بِهِ صَدْرَ كَلامِهِ.
وأمّا القَزْوِينِيُّ صاحِبُ الكَشْفِ والتَّفْتَزانِيُّ فَبَيَّناهُ بِأنَّ الكافَ مُقْحَمَةٌ كالزّائِدَةِ لا تَدُلُّ عَلى تَمْثِيلٍ ولا تَشْبِيهٍ فَيَصِيرُ اسْمُ الإشارَةِ عَلى هَذا نائِبًا مَنابَ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ لِجَعَلْناكم، كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ الجَعْلَ جَعَلْناكم أيْ فَعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ إشارَتِهِ النّائِبِ عَنْهُ لِإفادَةِ عَجابَةِ هَذا الجَعْلِ بِما مَعَ اسْمِ الإشارَةِ مِن عَلامَةِ البُعْدِ المُتَعَيِّنِ فِيها لِبُعْدِ المَرْتَبَةِ. والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَقْصُودٌ مِنهُ المُبالَغَةُ بِإيهامِ أنَّهُ لَوْ أرادَ المُشَبِّهُ أنْ يُشَبِّهَ هَذا في غَرابَتِهِ لَما وجَدَ لَهُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ النّابِغَةِ: ”والسَّفاهَةُ كاسْمِها“
صفحة ١٦
فَلَيْسَتِ الكافُ بِزائِدَةٍ ولا هي لِلتَّشْبِيهِ ولَكِنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الزّائِدَةِ والإشارَةُ حِينَئِذٍ إلى ما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، وكَلامُ الكَشّافِ أظْهَرُ في هَذا المَحْمَلِ فَيَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِتَصْرِيحِهِ في نَظائِرِهِ إذْ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى مِثْلِ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم وأوْرَثْناها.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي حَدا صاحِبَ الكَشّافِ إلى هَذا المَحْمَلِ أنَّ اسْتِعْمالَ اسْمِ الإشارَةِ في هَذا وأمْثالِهِ لا يَطَّرِدُ فِيهِ اعْتِبارُ مُشارٍ إلَيْهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكَلامِ ألا تَرى أنَّهُ لا يَتَّجِهُ اعْتِبارُ مُشارٍ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ ولَكِنَّ صاحِبَ الكَشّافِ قَدْ خالَفَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: ١١٢] فَقالَ: كَما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ أعْدائِكَ كَذَلِكَ فَعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ وأعْدائِهِمْ. اهـ وما قالَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَنزَعٌ حَسَنٌ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَضْرِبِ النّاظِرُونَ فِيهِ بِعَطَنٍ. والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ أصْلَ ”كَذَلِكَ“ أنْ يَدُلَّ عَلى تَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ والمُشَبَّهُ بِهِ ظاهِرٌ مُشارٌ إلَيْهِ أوْ كالظّاهِرِ ادِّعاءً، فَقَدْ يَكُونُ المُشَبَّهُ بِهِ المُشارُ إلَيْهِ مَذْكُورًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهُمُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٠١] الآيَةَ. وكَقَوْلِ النّابِغَةِ:
فَألْفَيْتُ الأمانَةَ لَمْ تَخُنْها كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
وقَدْ يَكُونُ المُشَبَّهُ بِهِ المُشارُ إلَيْهِ مَفْهُومًا مِنَ السِّياقِ فَيُحْتَمَلُ اعْتِبارُ التَّشْبِيهِ ويُحْتَمَلُ اعْتِبارُ المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ كَقَوْلِ أبِي تَمامٍ:
كَذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ ولْيَفْدَحِ الأمْرُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِعَيْنٍ لَمْ يَفِضْ دَمْعُها عُذْرُ
قالَ التِّبْرِيزِيُّ في شَرْحِهِ: الإشارَةُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ وهو في صَدْرِ القَصِيدَةِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ فَقُطِعَ النَّظَرُ فِيهِ عَنِ التَّشْبِيهِ واسْتُعْمِلَ في لازِمِ مَعْنى التَّشْبِيهِ اهـ، يَعْنِي أنَّ الشّاعِرَ أشارَ إلى الحادِثِ العَظِيمِ وهو مَوْتُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ الطُّوسِيِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الأسَدِيِّ في شُعَراءِ الحَماسَةِ يَرْثِي أخاهُ.
فَهَكَذا يَذْهَبُ الزَّمانُ ويَفْ ∗∗∗ نى العِلْمُ فِيهِ ويَدْرُسُ الأثَرُ
صفحة ١٧
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ البَيْضاوِيُّ مِن هَذا القَبِيلِ.
وقَدْ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالخَيْرِ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ مِمّا يَرُومُ المُتَكَلِّمُ تَشْبِيهَهُ ثُمَّ لا يَجِدُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ وفي هَذا قَطْعٌ لِلنَّظَرِ عَنِ التَّشْبِيهِ في الواقِعِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ أحَدِ شُعَراءِ فَزارَةَ في الأدَبِ مِنَ الحَماسَةِ:
كَذاكَ أُدِّبْتُ حَتّى صارَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ أنِّي رَأيْتُ مِلاكَ الشِّيمَةِ الأدَبا
أيْ أُدِّبْتُ هَذا الأدَبَ الكامِنَ العَجِيبَ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
كَذَلِكَ خِيمُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ ∗∗∗ إذا مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ خِيمُ
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ مِن هَذا القَبِيلِ عِنْدَ شُرّاحِ الكَشّافِ وهو الحَقُّ، وأوْضَحُ مِنهُ في هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] فَإنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُ شَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى فِتْنَةً أخْذًا مِن فِعْلِ فَتَنّا.
والإشارَةُ عَلى هَذا المَحْمَلِ المُشارِ إلَيْهِ مَأْخُوذٌ مِن كَلامٍ مُتَأخِّرٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا لِجَعْلِ المَأْخُوذِ مِن ﴿جَعَلْناكُمْ﴾، وتَأْخِيرُ المُشارِ إلَيْهِ عَنِ الإشارَةِ اسْتِعْمالٌ بَلِيغٌ في مَقامِ التَّشْوِيقِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] أوْ مِن كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ كَما لِلْبَيْضاوِيِّ إذْ جَعَلَ المُشارَ إلَيْهِ هو الهَدْيَ المَأْخُوذَةَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ولَعَلَّهُ رَأى لُزُومَ تَقَدُّمِ المُشارِ إلَيْهِ.
والوَسَطُ: اسْمٌ لِلْمَكانِ الواقِعِ بَيْنَ أمْكِنَةٍ تُحِيطُ بِهِ أوْ لِلشَّيْءِ الواقِعِ بَيْنَ أشْياءَ مُحِيطَةٍ بِهِ ولَيْسَ هو إلى بَعْضِها أقْرَبَ مِنهُ إلى بَعْضٍ عُرْفًا ولَمّا كانَ الوُصُولُ إلَيْهِ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ اخْتِراقِ ما يُحِيطُ بِهِ أخَذَ فِيهِ مَعْنى الصِّيانَةِ والعِزَّةِ: طَبْعًا، كَوَسَطِ الوادِي لا تَصِلُ إلَيْهِ الرُّعاةُ والدَّوابُّ إلّا بَعْدَ أكْلِ ما في الجَوانِبِ فَيَبْقى كَثِيرُ العُشْبِ والكَلَأِ، ووَضْعًا، كَوَسَطِ المَمْلَكَةِ يُجْعَلُ مَحَلَّ قاعِدَتِها ووَسَطُ المَدِينَةِ يُجْعَلُ مَوْضِعَ قَصَبَتِها لِأنَّ المَكانَ الوَسَطَ لا يَصِلُ إلَيْهِ العَدُوَّ بِسُهُولَةٍ، وكَواسِطَةِ العِقْدِ لِأنْفَسِ لُؤْلُؤَةٍ فِيهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ صارَ مَعْنى النَّفاسَةِ والعِزَّةِ والخِيارِ مِن لَوازِمِ مَعْنى الوَسَطِ عُرْفًا فَأطْلَقُوهُ عَلى الخِيارِ النَّفِيسِ كِنايَةً قالَ زُهَيْرٌ:
هُمُ وسَطٌ يَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ ∗∗∗ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعْضِلِ
وقالَ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] .
ويُقالُ أوْسَطُ القَبِيلَةِ لِصَمِيمِها. وأمّا إطْلاقُ الوَسَطِ عَلى الصِّفَةِ الواقِعَةِ عَدْلًا بَيْنَ خُلُقَيْنِ
صفحة ١٨
ذَمِيمَيْنِ فِيهِما إفْراطٌ وتَفْرِيطٌ كالشَّجاعَةِ بَيْنَ الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ، والكَرَمِ بَيْنَ الشُّحِّ والسَّرَفِ، والعَدالَةِ بَيْنَ الرَّحْمَةِ والقَساوَةِ، فَذَلِكَ مَجازٌ بِتَشْبِيهِ الشَّيْءِ المَوْهُومِ بِالشَّيْءِ المَحْسُوسِ فَلِذَلِكَ رُوِيَ حَدِيثُ «خَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها» وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وقَدْ شاعَ هَذانِ الإطْلاقانِ حَتّى صارَ حَقِيقَتَيْنِ عُرْفِيَّتَيْنِ.
فالوَسَطُ في هَذِهِ الآيَةِ فُسِّرَ بِالخِيارِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وفُسِّرَ بِالعُدُولِ، والتَّفْسِيرُ الثّانِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، والجَمْعُ في التَّفْسِيرَيْنِ هو الوَجْهُ كَما قَدَّمْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
ووُصِفَتِ الأُمَّةُ بِوَسَطٍ بِصِيغَةِ المُذَكَّرِ لِأنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ فَهو لِجُمُودِهِ يَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ مِثْلُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ في الجُمُودِ والإشْعارِ بِالوَصْفِيَّةِ بِخِلافِ نَحْوِ: رَأيْتُ الزَّيْدَيْنِ هَذَيْنِ فَإنَّهُ وصَفٌ بِاسْمٍ مُطابِقٍ لِعَدَمِ دَلالَتِهِ عَلى صِفَةٍ بَلْ هو إشارَةٌ مَحْضَةٌ لا تُشْعِرُ بِصِلَةٍ في الذّاتِ. وضَمِيرُ المُخاطَبِينَ هَنا مُرادٌ بِهِ جَمْعُ المُسْلِمِينَ لِتَرَتُّبِهُ عَلى الِاهْتِداءِ لِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ فَيَعُمُّ كُلَّ مَن صَلّى لَها، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ﴾ قَدْ فُسِّرَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِأنَّها شَهادَةُ الأُمَّةِ كُلِّها عَلى الأُمَمِ فَلا يَخْتَصُّ الضَّمِيرُ بِالمَوْجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ.
والآيَةُ ثَناءٌ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ اللَّهَ قَدِ ادَّخَرَ لَهُمُ الفَضْلَ وجَعَلَهم وسَطًا بِما هَيَّأ لَهم مِن أسْبابِهِ في بَيانِ الشَّرِيعَةِ بَيانًا جَعَلَ أذْهانَ أتْباعِها سالِمَةً مِن أنْ تُرَوَّجَ عَلَيْهِمُ الضَّلالاتُ الَّتِي راجَتْ عَلى الأُمَمِ، قالَ فَخْرُ الدِّينِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا وسَطًا بِمَعْنى أنَّهم مُتَوَسِّطُونَ في الدِّينِ بَيْنَ المُفْرِطِ والمُفَرِّطِ والغالِي والمُقَصِّرِ لِأنَّهم لَمْ يَغْلُوا كَما غَلَتِ النَّصارى فَجَعَلُوا المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، ولَمْ يُقَصِّرُوا كَما قَصَّرَتِ اليَهُودُ فَبَدَّلُوا الكُتُبَ واسْتَخَفُّوا بِالرُّسُلِ. واسْتَدَلَّ أهْلُ أُصُولِ الفِقْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إجْماعَ عُلَماءِ الأُمَّةِ أيِ المُجْتَهِدِينَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، وفي بَيانِ هَذا الِاسْتِدْلالِ طُرُقٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَخْرُ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ عَدالَةِ الأُمَّةِ وخَيْرِيَّتِها فَلَوْ أقْدَمُوا عَلى مَحْظُورٍ لَما اتَّصَفُوا بِالخَيْرِيَّةِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ كَوْنُ قَوْلِهِمْ حُجَّةً اهـ، أيْ لِأنَّ مَجْمُوعَ المُجْتَهِدِينَ عُدُولٌ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ احْتِمالِ تَخَلُّفِ وصْفِ العَدالَةِ في بَعْضِ أفْرادِهِمْ، ويُبْطِلُ هَذا أنَّ الخَطَأ لا يُنافِي العَدالَةَ ولا الخَيْرِيَّةَ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الخَطَأِ فِيما أجْمَعُوا عَلَيْهِ
صفحة ١٩
وهَذا رَدٌّ مُتَمَكِّنٌ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ العَدالَةَ الكامِلَةَ الَّتِي هي التَّوَسُّطُ بَيْنَ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ تَسْتَلْزِمُ العِصْمَةَ مِن وُقُوعِ الجَمِيعِ في الخَطَأِ في الأقْوالِ والأفْعالِ والمُعْتَقَداتِ،
الطَّرِيقُ الثّانِي: قالَ البَيْضاوِيُّ: لَوْ كانَ فِيما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ باطِلٌ لانْثَلَمَتْ عَدالَتُهُمُ اهـ، يَعْنِي أنَّ الآيَةَ اقْتَضَتِ العَدالَةَ الكامِلَةَ لِاجْتِماعِ الأُمَّةِ فَلَوْ كانَ إجْماعُهم عَلى أمْرٍ باطِلٍ لانْثَلَمَتْ عَدالَتُهم أيْ كانَتْ ناقِصَةً وذَلِكَ لا يُناسِبُ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ بِما في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقِ الأوَّلِ،
الطَّرِيقُ الثّالِثُ: قالَ جَماعَةٌ: الخِطابُ لِلصَّحابَةِ وهم لا يُجْمِعُونَ عَلى خَطَأٍ فالآيَةُ حُجَّةٌ عَلى الإجْماعِ في الجُمْلَةِ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ عَدالَةَ الصَّحابَةِ لا تُنافِي الخَطَأ في الِاجْتِهادِ وقَدْ يَكُونُ إجْماعُهم عَنِ اجْتِهادٍ أمّا إجْماعُهم عَلى ما هو مِن طَرِيقِ النَّقْلِ فَيَنْدَرِجُ فِيما سَنَذْكُرُهُ.
والحَقُّ عِنْدِي أنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ فِيها مَدْحٌ لِلْأُمَّةِ كُلِّها لا لِخُصُوصِ عُلَمائِها فَلا مَعْنًى لِلِاحْتِجاجِ بِها مِن هاتِهِ الجِهَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ الَّذِي هو مِن أحْوالِ بَعْضِ الأُمَّةِ لا مِن أحْوالِ جَمِيعِها، فالوَجْهُ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى حُجِّيَّةِ إجْماعِ جَمِيعِ الأُمَّةِ فِيما طَرِيقُهُ النَّقْلُ لِلشَّرِيعَةِ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّواتُرِ وبِما عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وهو اتِّفاقُ المُسْلِمِينَ عَلى نِسْبَةِ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ أوْ صِفَةٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِمّا هو تَشْرِيعٌ مُؤَصَّلٌ أوْ بَيانٌ مُجْمَلٌ مِثْلُ أعْدادِ الصَّلَواتِ والرَّكَعاتِ وصِفَةِ الصَّلاةِ والحَجِّ ومِثْلُ نَقْلِ القُرْآنِ، وهَذا مِن أحْوالِ إثْباتِ الشَّرِيعَةِ، بِهِ فُسِّرَتِ المُجْمَلاتُ وأُسِّسَتِ الشَّرِيعَةُ، وهَذا هو الَّذِي قالُوا بِكَفْرِ جاحِدِ المَجْمَعِ عَلَيْهِ مِنهُ، وهو الَّذِي اعْتَبَرَ فِيهِ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ وِفاقَ العَوامِّ واعْتَبَرَ فِيهِ غَيْرُهُ عَدَدَ التَّواتُرِ، وهو الَّذِي يَصِفُهُ كَثِيرٌ مِن قُدَماءِ الأُصُولِيِّينَ بِأنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأدِلَّةِ كُلِّها.
وأمّا كَوْنُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى حُجِّيَّةِ إجْماعِ المُجْتَهِدِينَ عَنْ نَظَرٍ واجْتِهادٍ فَلا يُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ إلّا بِأنْ يُقالَ: إنَّ الآيَةَ يُسْتَأْنَسُ بِها لِذَلِكَ فَإنَّها لَمّا أخْبَرَتْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ وسَطًا وعَلِمْنا أنَّ الوَسَطَ هو الخِيارُ العَدْلُ الخارِجُ مِن بَيْنِ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلَ عُقُولَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِما تُنَشَّأُ عَلَيْهِ عُقُولُهم مِنَ الِاعْتِيادِ بِالعَقائِدِ الصَّحِيحَةِ ومُجانَبَةِ الأوْهامِ السَّخِيفَةِ الَّتِي ساخَتْ فِيها عُقُولُ الأُمَمِ، ومِنَ الِاعْتِيادِ بِتَلَقِّي الشَّرِيعَةِ مِن طُرُقِ العُدُولِ وإثْباتِ أحْكامِها بِالِاسْتِدْلالِ اسْتِنْباطًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعُلَماءِ وفَهْمًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعامَّةِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ مِن مَعْنى الآيَةِ أنَّ عُقُولَ أفْرادِ هاتِهِ الأُمَّةِ عُقُولٌ قَيِّمَةٌ وهو مَعْنى كَوْنِها وسَطًا، ثُمَّ هَذِهِ الِاسْتِقامَةُ تَخْتَلِفُ بِما يُناسِبُ كُلَّ طَبَقَةٍ مِنَ الأُمَّةِ وكُلَّ فَرْدٍ، ولَمّا كانَ الوَصْفُ الَّذِي ذُكِرَ
صفحة ٢٠
أثْبَتَ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ قُلْنا: إنَّ هَذا المَجْمُوعَ لا يَقَعُ في الضَّلالِ لا عَمْدًا ولا خَطَأً، أمّا التَّعَمُّدُ فَلِأنَّهُ يُنافِي العَدالَةَ وأمّا الخَطَأُ فَلِأنَّهُ يُنافِي الخِلْقَةَ عَلى اسْتِقامَةِ الرَّأْيِ فَإذا جازَ الخَطَأُ عَلى آحادِهِمْ لا يَجُوزُ تَوارُدُ جَمِيعِ عُلَمائِهِمْ عَلى الخَطَأِ نَظَرًا، وقَدْ وقَعَ الأمْرانِ لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ فَأجْمَعُوا عَلى الخَطَأِ مُتابَعَةً لِقَوْلِ واحِدٍ مِنهم لِأنَّ شَرائِعَهم لَمْ تُحَذِّرْهم مِن ذَلِكَ أوْ لِأنَّهم أساءُوا تَأْوِيلَها، ثُمَّ إنَّ العامَّةَ تَأْخُذُ نَصِيبًا مِن هَذِهِ العِصْمَةِ فِيما هو مِن خَصائِصِها وهو الجُزْءُ النَّقْلِيُّ فَقَطْ وبِهَذا يَنْتَظِمُ الِاسْتِدْلالُ.
وقَوْلُهُ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ﴾ عِلَّةٌ لِجَعْلِهِمْ وسَطًا فَإنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى كُلَّها مَنُوطَةٌ بِحِكَمٍ وغاياتٍ لِعِلْمِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وذَلِكَ عَنْ إرادَةٍ واخْتِيارٍ لا كَصُدُورِ المَعْلُولِ عَنِ العِلَّةِ كَما يَقُولُ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ، ولا بِوُجُوبٍ وإلْجاءٍ كَما تُوهِمُهُ عِباراتُ المُعْتَزِلَةِ وإنْ كانَ مُرادُهم مِنها خَيْرًا فَإنَّهم أرادُوا أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ لِذاتِهِ تَعالى لِكَمالِ حِكْمَتِهِ.
و(النّاسُ) عامٌّ والمُرادُ بِهِمُ الأُمَمُ الماضُونَ والحاضِرُونَ وهَذِهِ الشَّهادَةُ دُنْيَوِيَّةٌ وأُخْرَوِيَّةٌ. فَأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي حُكْمُ هاتِهِ الأُمَّةِ عَلى الأُمَمِ الماضِينَ والحاضِرِينَ بِتَبْرِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنهم بِالرُّسُلِ المَبْعُوثِينَ في كُلِّ زَمانٍ وبِتَضْلِيلِ الكافِرِينَ مِنهم بِرُسُلِهِمْ والمُكابِرِينَ في العُكُوفِ عَلى مِلَلِهِمْ بَعْدَ مَجِيءِ ناسِخِها وظُهُورِ الحَقِّ، وهَذا حُكْمٌ تارِيخِيٌّ دِينِيٌّ عَظِيمٌ إذا نَشَأتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ نَشَأتْ عَلى تَعَوُّدِ عَرْضِ الحَوادِثِ كُلِّها عَلى مِعْيارِ النَّقْدِ المُصِيبِ. والشَّهادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ هي ما رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُجاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتُ فَيَقُولُ نَعَمْ يا رَبِّ فَتُسْألُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكم فَيَقُولُونَ ما جاءَنا مِن نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: اللَّهُ مَن شُهُودُكَ ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، فَيُجاءُ بِكم فَتَشْهَدُونَ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ قالَ عَدْلًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ اهـ. فَقَوْلُهُ ”ثُمَّ قَرَأ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّهادَةَ مِن جُمْلَةِ مَعْنى الآيَةِ لا أنَّها عَيْنُ مَعْنى الآيَةِ، والظّاهِرُ مِنَ التَّعْلِيلِ هو الشَّهادَةُ الأُولى لِأنَّها المُتَفَرِّعَةُ عَنْ جَعَلْنا أُمَّةً وسَطًا، وأمّا مَجِيءُ شَهادَةِ الآخِرَةِ عَلى طِبْقِها فَذَلِكَ لِما عَرَفْناهُ مِن أنَّ أحْوالَ الآخِرَةِ تَكُونُ عَلى وفْقِ أحْوالِ الدُّنْيا قالَ تَعالى ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤] ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] .
صفحة ٢١
ومِن مُكَمِّلاتِ مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا وُجُوبُ دَعْوَتِنا الأُمَمَ لِلْإسْلامِ، لِيَقُومَ ذَلِكَ مَقامَ دَعْوَةِ الرَّسُولِ إيّاهم حَتّى تَتِمَّ الشَّهادَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم عَلى المُعْرِضِينَ.
والشَّهادَةُ عَلى الأُمَمِ تَكُونُ لَهم وعَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ اكْتَفى في الآيَةِ بِتَعْدِيَتِها بِعَلى إشارَةً إلى أنَّ مُعْظَمَ شَهادَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ وأهَمُّها شَهادَتُهم عَلى المُعْرِضِينَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ شَهِدَ لَهم إيمانُهم فالِاكْتِفاءُ بِعَلى تَحْذِيرٌ لِلْأُمَمِ مِن أنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يُشْهَدُ عَلَيْهِمْ وتَنْوِيهٌ بِالمُسْلِمِينَ بِحالَةِ سَلامَتِهِمْ مِن وصْمَةِ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُشْهَدُ عَلَيْهِمْ وبِحالَةِ تَشْرِيفِهِمْ بِهاتِهِ المَنقَبَةِ وهي إثْقافُ المُخالِفِينَ لَهم بِمُوجِبِ شَهادَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العِلَّةِ ولَيْسَ عِلَّةً ثانِيَةً لِأنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ بَلْ هو تَكْمِيلٌ لِلشَّهادَةِ الأُولى؛ لِأنَّ جَعْلَنا وسَطًا يُناسِبُهُ عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى الشَّهادَةِ لَنا وانْتِفاءُ الشَّهادَةِ عَلَيْنا، فَأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَشَهادَةُ الرَّسُولِ عَلَيْنا فِيها هي شَهادَتُهُ بِذاتِهِ عَلى مُعاصِرِيهِ وشَهادَةُ شَرْعِهِ عَلى الَّذِينَ أتَوْا بَعْدَهُ إمّا بِوَفائِهِمْ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ شَرْعُهُ وإمّا بِعَكْسِ ذَلِكَ، وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَهي ما رُوِيَ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ مِن شَهادَةِ الرَّسُولِ بِصِدْقِ الأُمَّةِ فِيما شَهِدَتْ بِهِ، وما رُوِيَ في الحَدِيثِ الآخَرِ في المُوَطَّأِ والصِّحاحِ «فَلَيُذادَنَّ أقْوامٌ عَنْ حَوْضِي فَأقُولُ يا رَبِّ أُمَّتِي فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ إنَّهم بَدَّلُوا وغَيَّرُوا، فَأقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن بَدَّلَ بَعْدِي» . وتَعْدِيَةُ شَهادَةِ الرَّسُولِ عَلى الأُمَّةِ بِحَرْفِ عَلى مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ وإلّا فَإنَّها شَهادَةٌ لِلْأُمَّةِ وقِيلَ بَلْ لِتَضْمِينِ شَهِيدًا مَعْنى رَقِيبًا ومُهَيْمِنًا في المَوْضِعَيْنِ كَما في الكَشّافِ.
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّنْوِيهِ بِالشَّهادَةِ وتَشْرِيفِها حَتّى أظْهَرَ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ أنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بَعْدَ حُصُولِها، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الشّاهِدَ شَهِيدٌ بِما حَصَلَ لَهُ مِنَ العِلْمِ وإنْ لَمْ يَشْهَدْهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ يَشْهَدُ عَلى العِلْمِ بِالسَّماعِ، والأدِلَّةِ القاطِعَةِ وإنْ لَمْ يَرَ بِعَيْنَيْهِ أوْ يَسْمَعْ بِأُذُنَيْهِ، وأنَّ التَّزْكِيَةَ أصْلٌ عَظِيمٌ في الشَّهادَةِ، وأنَّ المُزَكِّيَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ وأعْدَلَ مِنَ المُزَكّى، وأنَّ المُزَكّى لا يَحْتاجُ لِلتَّزْكِيَةِ، وأنَّ الأُمَّةَ لا تَشْهَدُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ولِهَذا كانَ يَقُولُ في حَجَّةِ الوَداعِ «ألاَ هَلْ بَلَّغْتُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ» فَجَعَلَ اللَّهَ هو الشّاهِدَ عَلى تَبْلِيغِهِ وهَذا مِن أدَقِّ النُّكَتِ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لا أُراهُ إلّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ
صفحة ٢٢
بِتَشْرِيفِ أمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ حَتّى أنَّها تَشْهَدُ عَلى الأُمَمِ والرُّسُلِ وهي لا يَشْهَدُ عَلَيْها إلّا رَسُولُها، وقَدْ يَكُونُ تَقْدِيمُهُ لِتَكُونَ الكَلِمَةُ الَّتِي تُخْتَمُ بِها الآيَةُ في مَحَلِّ الوَقْفِ كَلِمَةً ذاتَ حَرْفِ مَدٍّ قَبْلَ الحَرْفِ الأخِيرِ، لِأنَّ المَدَّ أمْكَنُ لِلْوَقْفِ وهَذا مِن بَدائِعِ فَصاحَةِ القُرْآنِ، وقِيلَ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ مُفِيدٌ لِقَصْرِ الفاعِلِ عَلى المَفْعُولِ وهو تَكَلُّفٌ ومِثْلُهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ في كَلامِهِمْ.
* * *
﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾
الواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] وما اتَّصَلَ بِها مِنَ الجَوابِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] قُصِدَ بِهِ بَيانُ الحِكْمَةِ مِن شَرْعِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ ثُمَّ تَحْوِيلِ ذَلِكَ إلى شَرْعِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ وما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ إلى آخِرِها اعْتِراضٌ. والجَعْلُ هُنا جَعْلُ التَّشْرِيعِ بِدَلِيلِ أنَّ مَفْعُولَهُ مِن شُئُونِ التَّعَبُّدِ لا مِن شُئُونِ الخَلْقِ، وهو لَفْظُ القِبْلَةِ، ولِذَلِكَ فَفِعْلُ ”جَعَلَ“ هُنا مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى شَرَعْنا، فَهَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ فَيَكُونُ المُرادُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِاسْمِهِ إلى المَوْصُولِ لِمُحاكاةِ كَلامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ حِينَ قالُوا ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] مَعَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الحِكْمَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ ما جَعَلْنا تِلْكَ قِبْلَةً مَعَ إرادَةِ نَسْخِها فَألْزَمْناكَها زَمَنًا إلّا لِنَعْلَمَ إلَخْ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مَن عِلَلٍ وأحْوالٍ أيْ ما جَعَلْنا ذَلِكَ لِسَبَبٍ وفي حالٍ إلّا لِنُظْهِرَ مَن كانَ صادِقَ الإيمانِ في الحالَتَيْنِ حالَةِ تَشْرِيعِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ وحالَةِ تَحْوِيلِ الِاسْتِقْبالِ إلى الكَعْبَةِ. وذَكَرَ عَبْدُ الحَكِيمِ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ لَمّا اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْتَ المَقْدِسِ حَمِيَّةً لِقِبْلَةِ العَرَبِ، واليَهُودُ كانُوا تَأوَّلُوا لِأنْفُسِهِمُ العُذْرَ في التَّظاهُرِ بِالإسْلامِ كَما قَرَّرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] فَنافَقُوا وهم يَتَأوَّلُونَ لِلصَّلاةِ مَعَهُ بِأنَّها عِبادَةٌ لِلَّهِ تَعالى وزِيادَةٌ عَلى صَلَواتِهِمُ الَّتِي هم مُحافِظُونَ عَلَيْها إذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ مَعَ أنَّ صَلاتَهم مَعَ المُسْلِمِينَ لا تَشْتَمِلُ عَلى ما يُنافِي تَعْظِيمَ شَعائِرِهِمْ
صفحة ٢٣
إذْ هم مُسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَلَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ صارَتْ صِفَةُ الصَّلاةِ مُنافِيَةً لِتَعْظِيمِ شَعائِرِهِمْ لِأنَّها اسْتِدْبارٌ لِما يَجِبُ اسْتِقْبالُهُ فَلَمْ تَبْقَ لَهم سَعَةٌ لِلتَّأْوِيلِ فَظَهَرَ مَن دامَ عَلى الإسْلامِ وأعْرَضَ المُنافِقُونَ عَنِ الصَّلاةِ.
وجَعْلُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِمَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ومَن يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ عِلَّةَ هَذَيْنِ التَّشْرِيعَيْنِ يَقْتَضِي أنْ يَحْصُلَ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ مِنَ التَّشْرِيعِ كَما يَقْتَضِيهِ لامُ التَّعْلِيلِ وتَقْدِيرُ أنْ بَعْدَ اللّامِ، وأنْ حَرْفُ اسْتِقْبالٍ مَعَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وهو ذاتِيٌّ لَهُ لا يَحْدُثُ ولا يَتَجَدَّدُ لَكِنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ هَنا عَلَمُ حُصُولِ ذَلِكَ وهو تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ الَّذِي عُلِمَ في الأزَلِ أنَّهُ سَيَقَعُ فَهَذا تَعَلُّقٌ خاصٌّ وهو حادِثٌ لِأنَّهُ كالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لِلْإرادَةِ والقُدْرَةِ وإنْ أغْفَلَ المُتَكَلِّمُونَ عَدَّهُ في تَعَلُّقاتِ العِلْمِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ كِنايَةً عَنْ أنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ كُلَّ مَن لَمْ يَعْلَمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ فَيَذْكُرُ عِلْمَهُ وهو يُرِيدُ عِلْمَ النّاسِ كَما قالَ إياسُ بْنُ قُبَيْصَةَ الطّائِيُّ:
وأقْدَمْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جُبّاؤُها مِن شُجاعِها
أرادَ لِيَظْهَرَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها فَأعْلَمُهُ أنا ويَعْلَمُهُ النّاسُ فَجاءَ القُرْآنُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها عَلى هَذا الأُسْلُوبِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ كِنايَةً عَنِ الجَزاءِ لِلْمُتَّبِعِ والمُنْقَلِبِ كُلٌّ بِما يُناسِبُهُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”نَعْلَمَ“ مَجازًا عَنِ التَّحَيُّزِ لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ بِقَرِينَةِ كَلِمَةِ ”مَن“ المُسَمّاةُ بِمَنِ الفَصْلِيَّةِ كَما سَمّاها ابْنُ مالِكٍ وابْنُ هِشامٍ وهي في الحَقِيقَةِ مِن فُرُوعِ مَعانِي ”مَن“ الِابْتِدائِيَّةِ كَما اسْتَظْهَرَهُ صاحِبُ المُغْنِي، وهَذا لا يُرِيبُكَ إشْكالٌ يَذْكُرُونَهُ، كَيْفَ يَكُونُ الجَعْلُ الحادِثُ عِلَّةً لِحُصُولِ العِلْمِ القَدِيمِ إذْ يَتَبَيَّنُ لَكَ أنَّهُ راجِعٌ لِمَعْنًى كِنائِيٍّ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ، يُقالُ انْقَلَبَ إلى الدّارِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾
صفحة ٢٤
زِيادَةُ تَأْكِيدٍ في الرُّجُوعِ إلى ما كانَ وراءَهُ لِأنَّ العَقِبَيْنِ هُما خَلْفُ السّاقَيْنِ أيِ انْقَلَبَ عَلى طَرِيقِ عَقِبَيْهِ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلِارْتِدادِ عَنِ الإسْلامِ رُجُوعًا إلى الكُفْرِ السّابِقِ. و”مَن“ مَوْصُولَةٌ وهي مَفْعُولُ ”نَعْلَمُ“ والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿وإنْ كانَتْ﴾ بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ”نَعْلَمَ مَن يَتْبَعُ الرَّسُولَ“ فَإنَّها ما كانَتْ دالَّةً عَلى الِاتِّباعِ والِانْقِلابِ إلّا لِأنَّها أمْرٌ عَظِيمٌ لا تَساهُلَ فِيهِ فَيَظْهَرُ بِهِ المُؤْمِنُ الخالِصُ مِنَ المَشُوبِ، والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ عائِدٌ لِلْحادِثَةِ أوِ القِبْلَةِ بِاعْتِبارِ تَغَيُّرِها.
وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. والكَبِيرَةُ هُنا بِمَعْنى الشَّدِيدَةِ المُحْرِجَةِ لِلنُّفُوسِ. تَقُولُ العَرَبُ: كَبُرَ عَلَيْهِ كَذا إذا كانَ شَدِيدًا عَلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] .
* * *
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ لِنَعْلَمَ أيْ لِنُظْهِرَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ومَن يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ونَحْنُ غَيْرُ مُضَيِّعِينَ إيمانَكم. وذِكْرُ اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّعْظِيمِ. رَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ «كانَ ماتَ عَلى القِبْلَةِ قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ رِجالٌ قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى» ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ . وفي قَوْلِهِ ”قُتِلُوا“ إشْكالٌ، أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا وُجِّهَ النَّبِيءُ إلى الكَعْبَةِ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ» وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمُ الآيَةَ قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. والإضاعَةُ: إتْلافُ الشَّيْءِ وإبْطالُ آثارِهِ، وفُسِّرَ الإيمانُ عَلى ظاهِرِهِ، وفُسِّرَ أيْضًا بِالصَّلاةِ، نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ مالِكٍ. وتَعَلَّقَ يَضِيعُ بِالإيمانِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ فَإنْ فُسِّرَ الإيمانُ عَلى ظاهِرِهِ كانَ التَّقْدِيرُ: لِيُضِيعَ
صفحة ٢٥
حَقَّ إيمانِكم حِينَ لَمْ تُزَلْزِلْهُ وساوِسُ الشَّيْطانِ عِنْدَ الِاسْتِقْبالِ إلى قِبْلَةٍ لا تَوَدُّونَها، وإنْ فُسِّرَ الإيمانُ بِالصَّلاةِ كانَ التَّقْدِيرُ: ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ فَضْلَ صَلاتِكم أوْ ثَوابَها، وفي إطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ عَلى الصَّلاةِ تَنْوِيهٌ بِالصَّلاةِ لِأنَّها أعْظَمُ أرْكانِ الإيمانِ، وعَنْ مالِكٍ: إنِّي لَأذْكُرُ بِهَذا قَوْلَ المُرْجِئَةِ الصَّلاةُ لَيْسَتْ مِنَ الإيمانِ.
ومَعْنى حَدِيثِ البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ نَسْخَ حُكْمٍ، يَجْعَلُ المَنسُوخَ باطِلًا فَلا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثارُ العَمَلِ بِهِ فَلِذَلِكَ تَوَجَّسُوا خِيفَةً عَلى صَلاةِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِثْلِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ بْنِ مَعْرُورٍ وأبِي أُمامَةَ، وظَنَّ السّائِلُونَ أنَّهم سَيَجِبُ عَلَيْهِمْ قَضاءُ ما صَلَّوْهُ قَبْلَ النَّسْخِ ولِهَذا أُجِيبَ سُؤالُهم بِما يَشْمَلُهم ويَشْمَلُ مَن ماتُوا قَبْلُ، فَقالَ إيمانَكم، ولَمْ يَقُلْ: إيمانَهم. عَلى حَسَبِ السُّؤالِ.
والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ إضاعَةِ إيمانِهِمْ ومِنَّةٌ وتَعْلِيمٌ بِأنَّ الحُكْمَ المَنسُوخَ إنَّما يُلْغِي العَمَلَ في المُسْتَقْبَلِ لا في ما مَضى.
والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ صِفَتانِ مُشَبَّهَتانِ مُشْتَقَّةٌ أُولاهُما مِنَ الرَّأْفَةِ والثّانِيَةُ مِنَ الرَّحْمَةِ. والرَّأْفَةُ مُفَسَّرَةٌ بِالرَّحْمَةِ في إطْلاقِ كَلامِ الجُمْهُورِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وعَلَيْهِ دَرَجَ الزَّجّاجُ وخَصَّ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ الرَّأْفَةَ بِمَعْنى رَحْمَةٍ خاصَّةٍ، فَقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: الرَّأْفَةُ أكْثَرُ مِنَ الرَّحْمَةِ أيْ أقْوى أيْ هي رَحْمَةٌ قَوِيَّةٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ الجَوْهَرِيِّ: الرَّأْفَةُ أشَدُّ الرَّحْمَةِ، وقالَ في المُجْمَلِ: الرَّأْفَةُ أخَصُّ مِنَ الرَّحْمَةِ ولا تَكادُ تَقَعُ في الكَراهِيَةِ، والرَّحْمَةُ تَقَعُ في الكَراهِيَةِ لِلْمَصْلَحَةِ، فاسْتَخْلَصَ القَفّالُ مِن ذَلِكَ أنْ قالَ: الفَرْقُ بَيْنَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ أنَّ الرَّأْفَةَ مُبالَغَةٌ في رَحْمَةٍ خاصَّةٍ، وهي دَفْعُ المَكْرُوهِ وإزالَةُ الضُّرِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، وأمّا الرَّحْمَةُ فاسْمٌ جامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ المَعْنى ويَدْخُلُ فِيهِ الإفْضالُ والإنْعامُ اهـ. وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيها واخْتارَهُ الفَخْرُ وعَبْدُ الحَكِيمِ ورُبَّما كانَ مُشِيرًا إلى أنَّ بَيْنَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ عُمُومًا وخُصُوصًا مُطْلَقًا وأيًّا ما كانَ مَعْنى الرَّأْفَةِ فالجَمْعُ بَيْنَ ”رَءُوفٍ ورَحِيمٍ“ في الآيَةِ يُفِيدُ تَوْكِيدَ مَدْلُولِ أحَدِهِما بِمَدْلُولِ الآخَرِ بِالمُساواةِ أوْ بِالزِّيادَةِ.
وأمّا عَلى اعْتِبارِ تَفْسِيرِ المُحَقِّقِينَ لِمَعْنى الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ فالجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِإفادَةِ أنَّهُ تَعالى يَرْحَمُ الرَّحْمَةَ القَوِيَّةَ لِمُسْتَحَقِّها ويَرْحَمُ مُطْلَقَ الرَّحْمَةِ مِن دُونِ ذَلِكَ.
صفحة ٢٦
وتَقَدَّمَ مَعْنى الرَّحْمَةِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وتَقْدِيمُ رَءُوفٍ لِيَقَعَ لَفْظُ رَحِيمٍ فاصِلَةً فَيَكُونُ أنْسَبَ بِفَواصِلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِانْبِناءِ فَواصِلِها عَلى حَرْفٍ صَحِيحٍ مَمْدُودٍ يَعْقُبُهُ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ ووَصْفُ رَءُوفٍ مُعْتَمِدٌ ساكِنُهُ عَلى الهَمْزِ، والهَمْزُ شَبِيهٌ بِحُرُوفِ العِلَّةِ فالنُّطْقُ بِهِ غَيْرُ تامِّ التَّمَكُّنِ عَلى اللِّسانِ وحَرْفُ الفاءِ لِكَوْنِهِ يَخْرُجُ مِن بَطْنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا أشْبَهَ حَرْفَ اللِّينِ فَلا يَتَمَكَّنُ عَلَيْهِ سُكُونُ الوَقْفِ.
وتَقْدِيمُ بِالنّاسِ عَلى مُتَعَلَّقِهِ وهو رَءُوفٌ رَحِيمٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِنايَتِهِ بِهِمْ إيقاظًا لَهم لِيَشْكُرُوهُ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لَرَءُوفٌ بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمَزَةٌ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِدُونِ واوٍ مَعَ ضَمِّ الهَمْزَةِ بِوَزْنِ عَضُدٍ وهو لُغَةٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
البقرة 2:144
﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وإفْضاءٌ لِشَرْعِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ونَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ المُفْتَتَحُ بِقَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] بَعْدَ أنْ مَهَّدَ اللَّهُ بِما تَقَدَّمَ مِن أفانِينِ التَّهْيِئَةِ وإعْدادِ النّاسِ إلى تَرَقُّبِهِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ﴾ [البقرة: ١٢٠] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ [البقرة: ١٢٥] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] . و”قَدْ“ في كَلامِ العَرَبِ لِلتَّحْقِيقِ ألا تَرى أهْلَ المَعانِي نَظَّرُوا ”هَلْ“ في الِاسْتِفْهامِ بِقَدْ في الخَبَرِ، فَقالُوا مِن أجْلِ ذَلِكَ إنَّ ”هَلْ“ لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ فَحَرْفُ ”قَدْ“ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الفِعْلِ فَهي مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ ”إنَّ“ مَعَ الأسْماءِ ولِذَلِكَ قالَ الخَلِيلُ: إنَّها جَوابٌ لِقَوْمٍ يَنْتَظِرُونَ الخَبَرَ ولَوْ أخْبَرُوهم لا يَنْتَظِرُونَهُ لَمْ يَقُلْ قَدْ فَعَلَ كَذا اهـ. ولَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ حَتّى يَحْتاجَ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ بِهِ كانَ الخَبَرُ بِهِ مَعَ تَأْكِيدِهِ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِهِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ لِدَفْعِ الِاسْتِبْطاءِ عَنْهُ
صفحة ٢٧
وأنْ يُطَمْئِنَهُ لِأنَّ النَّبِيءَ كانَ حَرِيصًا عَلى حُصُولِهِ ويَلْزَمُ ذَلِكَ الوَعْدُ بِحُصُولِهِ فَتَحْصُلُ كِنايَتانِ مُتَرَتِّبَتانِ.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ مَعَ ”قَدْ“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والمَقْصُودُ تَجَدُّدُ لازِمِهِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ اللّازِمِ وهو الوَعْدُ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ غَلَبَ عَلى ”قَدِ“ الدّاخِلَةِ عَلى المُضارِعِ أنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ مِثْلَ رُبَّما يَفْعَلُ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ الأبْرَصِ:
قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ
وسَتَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. والتَّقَلُّبُ مُطاوِعُ قَلَّبَهُ إذا حَوَّلَهُ وهو مِثْلُ قَلَبَهُ بِالتَّخْفِيفِ، فالمُرادُ بِتَقْلِيبِ الوَجْهِ الِالتِفاتُ بِهِ أيْ تَحْوِيلُهُ مِن جِهَتِهِ الأصْلِيَّةِ فَهو هُنا تَرْدِيدُهُ في السَّماءِ، وقَدْ أخَذُوا مِنَ العُدُولِ إلى صِيغَةِ التَّفْعِيلِ الدّالَةِ عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ في هَذا التَّحْوِيلِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِما في هَذا التَّحْوِيلِ مِنَ التَّرَقُّبِ والشِّدَّةِ فالتَّفْعِيلُ لِقُوَّةِ الكَيْفِيَّةِ، قالُوا كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقَعُ في رَوْعِهِ إلْهامًا أنَّ اللَّهَ سَيُحَوِّلُهُ إلى مَكَّةَ فَكانَ يُرَدِّدُ وجْهَهُ في السَّماءِ فَقِيلَ يَنْتَظِرُ نُزُولَ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ، وعِنْدِي أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ تَقْلِيبُ وجْهِهِ عِنْدَ تَهَيُّؤِ نُزُولِ الآيَةِ وإلّا لَما كانَ يَتَرَقَّبُ جِبْرِيلَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنهُ هَذا التَّقْلِيبُ.
والفاءُ في ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فاءُ التَّعْقِيبِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ بِالصَّراحَةِ بَعْدَ التَّمْهِيدِ لَها بِالكِتابَةِ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾، والتَّوْلِيَةُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢]، فَمَعْنى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ لَنُوَجِّهَنَّكَ إلى قِبْلَةٍ تَرْضاها.
فانْتَصَبَ قِبْلَةً عَلى التَّوَسُّعِ بِمَنزِلَةِ المَفْعُولِ الثّانِي وأصْلُهُ: لَنُوَلِّيَنَّكَ مِن قِبْلَةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
والمَعْنى: أنَّ تَوْلِيَةَ وجْهِهِ لِلْكَعْبَةِ سَيَحْصُلُ عَقِبَ هَذا الوَعْدِ. وهَذا وعْدٌ اشْتَمَلَ عَلى أداتَيْ تَأْكِيدٍ وأداةِ تَعْقِيبٍ وذَلِكَ غايَةُ اللُّطْفِ والإحْسانِ.
وعَبَّرَ بِـ ﴿تَرْضاها﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَيْلَهُ إلى الكَعْبَةِ مَيْلٌ لِقَصْدِ الخَيْرِ بِناءً عَلى أنَّ الكَعْبَةَ أجْدَرُ بُيُوتِ اللَّهِ بِأنْ يَدُلَّ عَلى التَّوْحِيدِ كَما تَقَدَّمَ فَهو أجْدَرُ بِالِاسْتِقْبالِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ،
صفحة ٢٨
ولِأنَّ في اسْتِقْبالِها إيماءً إلى اسْتِقْلالِ هَذا الدِّينِ عَنْ دِينِ أهْلِ الكِتابِ، ولَمّا كانَ الرِّضى مُشْعِرًا بِالمَحَبَّةِ النّاشِئَةِ عَنْ تَعَقُّلٍ اخْتِيرَ في هَذا المَقامِ دُونَ ”تُحِبُّها“ أوْ ”تَهْواها“ أوْ نَحْوِهِما، فَإنَّ مَقامَ النَّبِيءِ ﷺ يَرْبُو عَنْ أنْ يَتَعَلَّقَ مَيْلُهُ بِما لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ بَعْدَ انْتِهاءِ المَصْلَحَةِ العارِضَةِ لِمَشْرُوعِيَّةِ اسْتِقْبالِبَيْتِ المَقْدِسِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا جاءَ في جانِبِ قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ أنْ نُسِخَتْ جاءَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الوَعْدِ وتَعْجِيلٌ بِهِ والمَعْنى: ولِّ وجْهَكَ في حالَةِ الصَّلاةِ وهو مُسْتَفادٌ مِن قَرِينَةِ سِياقِ الكَلامِ عَلى المُجادَلَةِ مَعَ السُّفَهاءِ في شَأْنِ قِبْلَةِ الصَّلاةِ.
والخُطّابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والأمْرُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن إرْضاءِ رَغْبَتِهِ، وسَيَعْقُبُهُ بِتَشْرِيكِ الأُمَّةِ مَعَهُ في الأمْرِ بِقَوْلِهِ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ .
والشَّطْرُ، بِفَتْحِ الشِّينِ وسُكُونِ الطّاءِ: الجِهَةُ والنّاحِيَةُ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِتِلْقاءِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وفَسَّرَ الجُبّائِيُّ وعَبْدُ الجَبّارِ الشَّطْرَ هُنا بِأنَّهُ وسَطُ الشَّيْءِ، لِأنَّ الشَّطْرَ يُطْلَقُ عَلى نِصْفِ الشَّيْءِ فَلَمّا أُضِيفَ إلى المَسْجِدِ والمَسْجِدُ مَكانٌ اقْتَضى أنَّ نِصْفَهُ عِبارَةٌ عَنْ نِصْفِ مِقْدارِهِ ومِساحَتِهِ وذَلِكَ وسَطُهُ، وجَعَلا شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ كِنايَةً عَنِ الكَعْبَةِ لِأنَّها واقِعَةٌ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ في نِصْفِ مِساحَتِهِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، أيْ تَقْرِيبًا، قالَ عَبْدُ الجَبّارِ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا وجْهانِ، حَدُّهُما: أنَّ المُصَلِّيَ لَوْ وقَفَ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى المَسْجِدِ ولا يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى الكَعْبَةِ لا تَصِحُّ صَلاتُهُ، الثّانِي: لَوْ لَمْ نُفَسِّرِ الشَّطْرَ بِما ذَكَرْنا لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِ الشَّطْرِ فائِدَةٌ إذْ يُغْنِي أنْ يَقُولَ: فَوَلِّ وجْهَكَ المَسْجِدَ الحَرامَ. ولَكانَ الواجِبُ التَّوَجُّهَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ لا إلى خُصُوصِ الكَعْبَةِ.
فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾، هَلّا قالَ: في السَّماءِ فَوَلِّ وجْهَكَ. إلَخْ، قُلْتُ: فائِدَتُهُ إظْهارُ الِاهْتِمامِ بِرَغْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّها بِحَيْثُ يُعْتَنى بِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ القِبْلَةِ بِجُمْلَةِ تَرْضاها.
ومَعْنى ”نُوَلِّيَنَّكَ“: نُوَجِّهَنَّكَ، وفي التَّوْجِيهِ قُرْبٌ مَعْنَوِيٌّ لِأنَّ ولّى المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ إذا لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى القُرْبِ الحَقِيقِيِّ فَهو بِمَعْنى الِارْتِباطِ بِهِ، ومِنهُ الوَلاءُ والوَلِيُّ، والظّاهِرُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ مِن قَبِيلِ الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: ولّى وجْهَهُ إلى كَذا ثُمَّ يُعَدُّونَهُ إلى مَفْعُولٍ ثالِثٍ بِحَرْفِ ”عَنْ“
صفحة ٢٩
فَيَقُولُونَ: ولّى عَنْ كَذا ويُنْزِلُونَهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَفْعُولَيْنِ الآخَرَيْنِ فَيُقَدِّرُونَ: ولّى وجْهَهُ إلى جِهَةِ كَذا مُنْصَرِفًا عَنْ كَذا أيِ الَّذِي كانَ يَلِيهِ مِن قَبْلُ، وبِاخْتِلافِ هاتِهِ الِاسْتِعْمالاتِ تَخْتَلِفُ المَعانِي كَما تَقَدَّمَ.
فالقِبْلَةُ هُنا اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ المُصَلِّي وهو إمّا مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الهَيْئَةِ وإمّا مِنَ اسْمِ المَفْعُولِ كَما تَقَدَّمَ.
و﴿المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ المَسْجِدُ المَعْهُودُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، والحَرامُ: المَجْعُولُ وصْفًا لِلْمَسْجِدِ هو المَمْنُوعُ أيِ المَمْنُوعُ مَنعَ تَعْظِيمٍ وحُرْمَةٍ فَإنَّ مادَّةَ التَّحْرِيمِ تُؤْذِنُ بِتَجَنُّبِ الشَّيْءِ فَيُفْهَمُ التَّجَنُّبُ في كُلِّ مَقامٍ بِما يُناسِبُهُ.
وقَدِ اشْتَهَرَ عِنْدَ العَرَبِ وصْفُ مَكَّةَ بِالبَلَدِ الحَرامِ أيِ المَمْنُوعِ مِنَ الجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ والمُعْتَدِينَ، ووُصِفَ بِالمُحَرَّمِ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] أيِ المُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ، وسُمِّيَ الحَرَمَ قالَ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]، فَوَصْفُ الكَعْبَةِ بِالبَيْتِ الحَرامِ وحَرَمِ مَكَّةَ بِالحَرَمِ أوْصافٌ قَدِيمَةٌ شائِعَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، فَأمّا اسْمُ المَسْجِدِ الحَرامِ فَهو مِنَ الألْقابِ القُرْآنِيَّةِ جُعِلَ عَلَمًا عَلى حَرِيمِ الكَعْبَةِ المُحِيطِ بِها وهو مَحَلُّ الطَّوافِ والِاعْتِكافِ ولَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ بِالمَسْجِدِ في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ إذْ لَمْ تَكُنْ لَهم صَلاةٌ ذاتُ سُجُودٍ والمَسْجِدُ مَكانُ السُّجُودِ، فاسْمُ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى المِساحَةِ المَحْصُورَةِ المُحِيطَةِ بِالكَعْبَةِ ولَها أبْوابٌ مِنها: بابُ الصَّفا وبابُ بَنِي شَيْبَةَ، ولَمّا أُطْلِقَ هَذا العَلَمُ عَلى ما أحاطَ بِالكَعْبَةِ لَمْ يَتَرَدَّدِ النّاسُ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ في المُرادِ مِنهُ، فالمَسْجِدُ الحَرامُ مِنَ الأسْماءِ الإسْلامِيَّةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقَدْ ورَدَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ وهي مَكِّيَّةٌ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ هُنا الكَعْبَةُ لِاسْتِفاضَةِ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ بِأنَّ القِبْلَةَ صُرِفَتْ إلى الكَعْبَةِ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ «أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ وأنَّهُ صَلّى إلى الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ، وقالَ: هَذِهِ القِبْلَةُ»، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ - وذَكَرَ المَسْجِدَ الحَرامَ - والمُرادُ بِهِ البَيْتُ لِأنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ البَيْتِ بِما يُجاوِرُهُ أوْ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ، والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. قالَ الفَخْرُ: وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأقُولُ: لا يُعْرَفُ هَذا عَنْ مالِكٍ في كُتُبِ مَذْهَبِهِ.
وانْتَصَبَ شَطْرُ المَسْجِدِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَلِّ ولَيْسَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ.
صفحة ٣٠
وقَوْلُهُ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ تَنْصِيصٌ عَلى تَعْمِيمِ حُكْمِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِعُمُومِ ضَمِيرَيْ كُنْتُمْ ووُجُوهَكم لِوُقُوعِهِما في سِياقِ عُمُومِ الشَّرْطِ بِحَيْثُما وحِينَما لِتَعْمِيمِ أقْطارِ الأرْضِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ اقْتَضى الحالُ تَخْصِيصَهُ بِالخِطابِ بِهِ لِأنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ لِيَكُونَ تَبْشِيرًا لَهُ ويَعْلَمَ أنَّ أُمَّتَهُ مِثْلَهُ لِأنَّ الأصْلَ في التَّشْرِيعاتِ الإسْلامِيَّةِ أنْ تَعُمَّ الرَّسُولَ وأمَتَّهُ إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِ أحَدِهِما، ولَمّا خِيفَ إيهامُ أنْ يَكُونَ هَذا الحُكْمُ خاصًّا بِهِ أوْ أنْ تُجْزِئَ فِيهِ المَرَّةُ أوْ بَعْضُ الجِهاتِ كالمَدِينَةِ ومَكَّةَ أُرِيدَ التَّعْمِيمُ في المُكَلَّفِينَ وفي جَمِيعِ البِلادِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالعَطْفِ بِالواوِ لَكِنْ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: ووَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ. فَزِيدَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْمِيمِ الأمْكِنَةِ تَصْرِيحًا وتَأْكِيدًا لِدَلالَةِ العُمُومِ المُسْتَفادِ مِن إضافَةِ شَطْرٍ إلى ضَمِيرِ ﴿المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِأنَّ شَطْرَ نَكِرَةٌ أشْبَهَتِ الجَمْعَ في الدَّلالَةِ عَلى أفْرادٍ كَثِيرَةٍ فَكانَتْ إضافَتُها كَإضافَةِ الجُمُوعِ، وتَأْكِيدًا لِدَلالَةِ الأمْرِ التَّشْرِيعِيِّ عَلى التَّكْرارِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ هَذا الحُكْمِ، فَكَأنَّهُ أُفِيدَ مَرَّتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ وأحْوالِهِمْ أُولاهُما إجْمالِيَّةٌ والثّانِيَةُ تَفْصِيلِيَّةٌ.
وهَذِهِ الآياتُ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ هَذا الِاسْتِقْبالِ وهو حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ ذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصَّلاةِ العِبادَةُ والخُضُوعُ لِلَّهِ تَعالى، وبِمِقْدارِ اسْتِحْضارِ المَعْبُودِ يَقْوى الخُضُوعُ لَهُ فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثارُهُ الطَّيِّبَةُ في إخْلاصِ العَبْدِ لِرَبِّهِ وإقْبالِهِ عَلى عِبادَتِهِ وذَلِكَ مِلاكُ الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ولَمّا تَنَزَّهَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أنْ يُحِيطَ بِهِ الحِسُّ تَعَيَّنَ لِمُحاوِلِ اسْتِحْضارِ عَظَمَتِهِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ مُذَكِّرًا بِهِ مِن شَيْءٍ لَهُ انْتِسابٌ خاصٌّ إلَيْهِ، قالَ فَخْرُ الدِّينِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في الإنْسانِ قُوَّةً عَقْلِيَّةً مُدْرِكَةً لِلْمُجَرَّداتِ والمَعْقُولاتِ، وقُوَّةً خَيالِيَّةً مُتَصَرِّفَةً في عالَمِ الأجْسامِ، وقَلَّما تَنْفَكُّ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ عَنْ مُقارَنَةِ القُوَّةِ الخَيالِيَّةِ، فَإذا أرادَ الإنْسانُ اسْتِحْضارَ أمْرٍ عَقْلِيٍّ مُجَرَّدٍ وجَبَ أنْ يَضَعَ لَهُ صُورَةً خَيالِيَّةً يُحِسُّها حَتّى تَكُونَ تِلْكَ الصُّورَةُ الخَيالِيَّةُ مُعِينَةً عَلى إدْراكِ تِلْكَ المَعانِي العَقْلِيَّةِ، ولَمّا كانَ العَبْدُ الضَّعِيفُ إذا وصَلَ إلى مَجْلِسِ المَلِكِ العَظِيمِ لا بُدَّ مِن أنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِوَجْهِهِ ويُبالِغَ في الثَّناءِ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ وفي الخِدْمَةِ لَهُ، فاسْتِقْبالُ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ يَجْرِي مَجْرى كَوْنِهِ مُسْتَقْبِلًا لِلْمَلِكِ، والقُرْآنُ والتَّسْبِيحاتُ تَجْرِي في مَجْرى الثَّناءِ عَلَيْهِ، والرُّكُوعُ والسُّجُودُ يَجْرِي مَجْرى الخِدْمَةِ. اهـ.
صفحة ٣١
فَإذا تَعَذَّرَ اسْتِحْضارُ الذّاتِ المَطْلُوبَةِ بِالحِسِّ فاسْتِحْضارُها يَكُونُ بِشَيْءٍ لَهُ انْتِسابٌ إلَيْها مُباشَرَةً كالدِّيارِ أوْ بِواسِطَةٍ كالبَرْقِ والنَّسِيمِ ونَحْوِ ذَلِكَ أوْ بِالشَّبَهِ كالغَزالِ عِنْدَ المُحِبِّينَ، وقَدِيمًا ما اسْتَهْتَرَتِ الشُّعَراءُ بِآثارِ الأحِبَّةِ كالأطْلالِ في قَوْلِهِ قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ وأقْوالِهِمْ في البَرْقِ والرِّيحِ، وقالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وِدِّي وجِيرَتِي ∗∗∗ بِذِي الطَّيِّسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيا
واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِهِ الحِسُّ فَوَسِيلَةُ اسْتِحْضارِ ذاتِهِ هي اسْتِحْضارُ ما فِيهِ مَزِيدُ دَلالَةٍ عَلَيْهِ تَعالى.
لا جَرَمَ أنَّ أوْلى المَخْلُوقاتِ بِأنْ يُجْعَلَ وسِيلَةً لِاسْتِحْضارِ الخالِقِ في نَفْسِ عَبْدِهِ هي المَخْلُوقاتُ الَّتِي كانَ وُجُودُها لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ ووَصْفِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ مَعَ تَجَرُّدِها عَنْ كُلِّ ما يُوهِمُ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالعِبادَةِ وتِلْكَ هي المَساجِدُ الَّتِي بَناها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَرَّدَها مِن أنْ يَضَعَ فِيها شَيْئًا يُوهِمُ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالعِبادَةِ، ولَمْ يُسَمِّها بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَبَنى الكَعْبَةَ أوَّلَ بَيْتٍ، وبَنى مَسْجِدًا في مَكانِ المَسْجِدِ الأقْصى، وبَنى مَساجِدَ أُخْرى ورَدَ ذِكْرُها في التَّوْراةِ بِعُنْوانِ ”مَذابِحَ“، فَقَدْ بَنَتِ الصّابِئَةُ بَعْدَ نُوحٍ هَياكِلَ لِتَمْجِيدِ الأوْثانِ وتَهْوِيلِ شَأْنِها في النُّفُوسِ فَأضافُوها إلى أسْماءِ أُناسٍ مِثْلِ: ودٍّ وسُواعٍ، أوْ إلى أسْماءِ الكَواكِبِ، وذَكَرَ المَسْعُودِيُّ في مُرُوجِ الذَّهَبِ عِدَّةً مِنَ الهَياكِلِ الَّتِي أُقِيمَتْ في الأُمَمِ الماضِيَةِ لِهَذا الشَّأْنِ، ومِنها: هَيْكَلُ سَنْدُوسابَ بِبِلادِ الهِنْدِ. وهَيْكَلُ مَصْلِينا في جِهَةِ الرِّقَّةِ بَناها الصّابِئَةُ قَبْلَ إبْراهِيمَ، وكانَ آزَرُ أبُو إبْراهِيمَ مِن سَدَنَتِهِ، وقِيلَ أنَّ عادًا بَنَوْا هَياكِلَ مِنها ”جِلِّقُ“ هَيْكَلُ بِلادِ الشّامِ.
فَإذا اسْتَقْبَلَ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِنَ البُيُوتِ الَّتِي أُقِيمَتْ لِمُناقِضَةِ أهْلِ الشِّرْكِ ولِلدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَمْجِيدِهِ كانَ مِنَ اسْتِحْضارِ الخالِقِ بِما هو أشَدُّ إضافَةً إلَيْهِ، بَيْدَ أنَّ هَذِهِ البُيُوتَ عَلى كَثْرَتِها لا تَتَفاضَلُ إلّا بِإخْلاصِ النِّيَّةِ مِن إقامَتِها، وبِكَوْنِ إقامَتِها لِذَلِكَ وبِأسْبَقِيَّةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ في هَذا الغَرَضِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ كُلَّ هَذِهِ المَعانِي ثَلاثَةً في مَعْنًى واحِدٍ، وهو الأسْبَقِيَّةُ لِأنَّ السّابِقَ مِنها قَدِ امْتازَ عَلى اللّاحِقِ بِكَوْنِهِ هو الَّذِي دَلَّ مُؤَسِّسُ ذَلِكَ اللّاحِقِ عَلى تَأْسِيسِهِ قالَ تَعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقالَ
صفحة ٣٢
فِي ذِكْرِ مَسْجِدِ الضِّرارِ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، أيْ لِأنَّهُ أُسِّسَ بِنِيَّةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] فَجَعَلَهُ هُدًى لِلنّاسِ لِأنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ فالبُيُوتُ الَّتِي أُقِيمَتْ بَعْدَهُ كَبَيْتِ المَقْدِسِ مِن آثارِ اهْتِداءٍ اهْتَداهُ بانُوها بِالبَيْتِ الأوَّلِ.
وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الكَعْبَةَ أوَّلُ هَيْكَلٍ أُقِيمُ لِلْعِبادَةِ وفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ولا شَكَّ أنَّ أوَّلَ هَيْكَلٍ أُقِيمُ لِتَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ وإعْلانِ ذَلِكَ وإبْطالِ الإشْراكِ هو الكَعْبَةُ الَّتِي بَناها إبْراهِيمُ أوَّلُ مَن حاجَّ الوَثَنِيِّينَ بِالأدِلَّةِ وأوَّلُ مَن قاوَمَ الوَثَنِيَّةَ بِقُوَّةِ يَدِهِ فَجَعَلَ الأوْثانَ جِذاذًا، ثُمَّ أقامَ لِتَخْلِيدِ ذِكْرِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ ذَلِكَ الهَيْكَلَ العَظِيمَ لِيَعْلَمَ كُلُّ أحَدٍ يَأْتِي أنَّ سَبَبَ بِنائِهِ إبْطالُ عِبادَةِ الأوْثانِ، وقَدْ مَضَتْ عَلى هَذا البَيْتِ العُصُورُ فَصارَتْ رُؤْيَتُهُ مُذَكِّرَةً بِاللَّهِ تَعالى، فَفِيهِ مَزِيَّةُ الأوَّلِيَّةِ، ثُمَّ فِيهِ مَزِيَّةُ مُباشَرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِناءَهُ بِيَدِهِ ويَدِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ دُونَ مَعُونَةِ أحَدٍ، فَهو لِهَذا المَعْنى أعْرَقُ في الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الرِّسالَةِ مَعًا وهُما قُطْبا إيمانِ المُؤْمِنِينَ، وفي هَذِهِ الصِّفَةِ لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ.
ثُمَّ سُنَّ الحَجُّ إلَيْهِ لِتَجْدِيدِ هَذِهِ الذِّكْرى ولِتَعْمِيمِها في الأُمَمِ الأُخْرى، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ أوْلى المَوْجُوداتِ بِالِاسْتِقْبالِ لِمَن يُرِيدُ اسْتِحْضارَ جَلالِ الرُّبُوبِيَّةِ الحَقَّةِ وما بُنِيَتْ بُيُوتُ اللَّهِ مِثْلُ المَسْجِدِ الأقْصى إلّا بَعْدَهُ بِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ، فَكانَ هو قِبْلَةَ المُسْلِمِينَ.
قَدَّمْنا آنِفًا أنَّ شَرْطَ اسْتِقْبالِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَكُنْ مِن أحْكامِ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ وكَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ والمَسْجِدُ الأقْصى بُنِيَ بَعْدَ مُوسى بِما يَزِيدُ عَلى أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وغايَةُ ما كانَ مِنَ اسْتِقْبالِهِ بَعْدَ دَعْوَةِ سُلَيْمانَ أنَّهُ اسْتِقْبالٌ لِأجْلِ تَحَقُّقِ قَبُولِ الدُّعاءِ والصَّلاةِ لا لِكَوْنِهِ شَرْطًا، ثُمَّ إنِ اخْتِيارَ ذَلِكَ الهَيْكَلِ لِلِاسْتِقْبالِ وإنْ كانَ دَعْوَةً فَهي دَعْوَةُ نَبِيءٍ لا تَكُونُ إلّا عَنْ إلْهامٍ إلَهِيٍّ فَلَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ أنَّ اللَّهَ أرادَ تَعْمِيرَ البَلَدِ المُقَدَّسِ كَما وعَدَ إبْراهِيمَ ووَعَدَ مُوسى فَأرادَ زِيادَةَ تَغَلْغُلِ قُلُوبِ الإسْرائِيلِيِّينَ في التَّعَلُّقِ بِهِ فَبَيَّنَ لَهُمُ اسْتِقْبالَ الهَيْكَلِ الإيمانِيَّ الَّذِي أقامَهُ فِيهِ نَبِيُّهُ سُلَيْمانُ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَعْبَدُ مِمّا يَدْعُو نُفُوسَهم إلى الحِرْصِ عَلى بَقاءِ تِلْكَ الأقْطارِ بِأيْدِيهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ شَرَعَ اللَّهُ لَهُمُ الِاسْتِقْبالَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ بَعْدَ سُلَيْمانَ وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ أنْبِياءَهم لَمْ يَأْتُوا بِزِيادَةٍ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى وإنَّما أتَوْا مُعَزِّزِينَ. فَتَشْرِيعُ اللَّهِ تَعالى
صفحة ٣٣
اسْتِقْبالَ المُسْلِمِينَ في صَلاتِهِمْ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ تَكْمِيلٌ لِمَعْنى الخُشُوعِ في صَلاةِ الإسْلامِ فَيَكُونُ مِنَ التَّكَمُّلاتِ الَّتِي ادَّخَرَها اللَّهُ تَعالى لِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ لِتَكُونَ تَكْمِلَةُ الدِّينِ تَشْرِيفًا لِصاحِبِها ﷺ ولِأُمَّتِهِ إنْ كانَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ، فَإذا كانَ الثّانِي فالأمْرُ لَنا بِالِاسْتِقْبالِ لِئَلّا تَكُونَ صَلاتُنا أضْعَفَ اسْتِحْضارًا لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى مِن صَلاةِ غَيْرِنا.
ولِذَلِكَ اتَّفَقَ عُلَماؤُنا عَلى أنَّ الِاسْتِقْبالَ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ كانَ مُقارِنًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ في الإسْلامِ فَإنْ كانَ اسْتِقْبالُهُ جِهَةَ الكَعْبَةِ عَنِ اجْتِهادٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ فَعِلَّتُهُ أنَّهُ المَسْجِدُ الَّذِي عَظَّمَهُ أهْلُ الكِتابَيْنِ والَّذِي لَمْ يُداخِلْهُ إشْراكٌ ولا نُصِبَتْ فِيهِ أصْنامٌ، فَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ دَلِيلٍ لِاسْتِقْبالِ جِهَتِهِ مِمَّنْ يُرِيدُ اسْتِحْضارَ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. وإنْ كانَ اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلَعَلَّ حِكْمَتَهُ تَأْلِيفُ قُلُوبِ أهْلِ الكِتابَيْنِ ولِيَظْهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ولِلْمُسْلِمِينَ مَنِ اتَّبَعَهم مِن أهْلِ الكِتابِ حَقًّا ومَنِ اتَّبَعَهم نِفاقًا لِأنَّ الأخِيرَيْنِ قَدْ يَتَّبِعُونَ الإسْلامَ ظاهِرًا ويَسْتَقْبِلُونَ في صَلاتِهِمْ قِبْلَتَهُمُ القَدِيمَةَ فَلا يَرَوْنَ حَرَجًا عَلى أنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ فَإذا تَغَيَّرَتِ القِبْلَةُ خافُوا مِن قَصْدِهِمْ لِاسْتِدْبارِها فَأظْهَرُوا ما كانُوا مُسْتَبْطِنِيهِ مِنَ الكُفْرِ كَما أشارَ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآيَةَ.
ولَعَلَّ العُدُولَ عَنِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ في صَدْرِ الإسْلامِ كانَ لِخَضْدِ شَوْكَةِ مُكابَرَةِ قُرَيْشٍ وطَعْنِهِمْ في الإسْلامِ فَإنَّهُ لَوِ اسْتَقْبَلَ مَكَّةَ لَشَمَخُوا بِأُنُوفِهِمْ وقالُوا هَذا بَلَدُنا ونَحْنُ أهْلُهُ واسْتِقْبالُهُ حَنِينٌ إلَيْهِ ونَدامَةٌ عَلى الهِجْرَةِ مِنهُ، كَما قَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] إيماءٌ إلَيْهِ كَما قَدَّمْنا، وعَلَيْهِ فَفي تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ أمْرَ قُرَيْشٍ قَدْ أشْرَفَ عَلى الزَّوالِ وأنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ سَتَكُونُ الفَيْصَلَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَهم، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ إلى البَيْتِ الَّذِي هو أوْلى بِذَلِكَ وإلى جِهَتِهِ لِلْبَعِيدِ عَنْهُ.
* * *
﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وجُمْلَةِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٩] الآيَةَ.
صفحة ٣٤
والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِـ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ أحْبارُ اليَهُودِ وأحْبارُ النَّصارى كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِصِلَةِ ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وإنَّ أهْلَ الكِتابِ.
ومَعْنى كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ أنَّ عِلْمَهم بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَسَبَ البِشارَةِ بِهِ في كُتُبِهِمْ يَتَضَمَّنُ أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ.
والأظْهَرُ أيْضًا أنَّ المُرادَ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزالُوا عَلى الكُفْرِ لِيَظْهَرَ مَوْضِعُ قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ فَإنَّ الإخْبارَ عَنْهم بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِمُؤَكِّدَيْنِ، يَقْتَضِي أنَّ ظاهِرَ حالِهِمْ إذْ أنْكَرُوا اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ أنَّهم أنْكَرُوهُ لِاعْتِقادِهِمْ بُطْلانَهُ وأنَّ المُسْلِمِينَ يَظُنُّونَهم مُعْتَقِدِينَ ذَلِكَ، ولِيَظْهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ الَّذِي هو تَهْدِيدٌ بِالوَعِيدِ.
وقَدْ دَلَّ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾ عَلى القَصْرِ؛ أيْ يَعْلَمُونَ أنَّ الِاسْتِقْبالَ لِلْكَعْبَةِ هو الحَقُّ دُونَ غَيْرِهِ تَبَعًا لِلْعِلْمِ بِنَسْخِ شَرِيعَتِهِمْ بِشَرِيعَةِ الإسْلامِ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ قِبْلَتَهم سَتَبْطُلُ ولَعَلَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِن إنْذاراتِ أنْبِيائِهِمْ، مِثْلِ:أرْمِيا وأشْعِيا المُنادِيَةِ بِخَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَإنَّ اسْتِقْبالَهُ يَصِيرُ اسْتِقْبالَ الشَّيْءِ المَعْدُومِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ ”لِلَّذِينَ أُوتُوا الكُتّابَ“ أيْ عَنْ عَمَلِهِمْ بِغَيْرِ ما عَلِمُوا فالمُرادُ: بِما يَعْمَلُونَ هَذا العَمَلَ ونَحْوَهُ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ والسَّفَهِ. وهَذا الخَبَرُ كِنايَةٌ عَنِ الوَعِيدِ بِجَزائِهِمْ عَنْ سُوءِ صُنْعِهِمْ، لِأنَّ قَوْلَ القادِرِ: ما أنا بِغافِلٍ عَنِ المُجْرِمِ، حَقِيقٌ لِعِقابِهِ إذْ لا يَحُولُ بَيْنَ القادِرِ وبَيْنَ الجَزاءِ إلّا عَدَمُ العِلْمِ فَلِذَلِكَ كانَ وعِيدًا لَهم ووَعِيدُهم يَسْتَلْزِمُ في المَقامِ الخِطابِيِّ وعْدًا لِلْمُسْلِمِينَ لِدَلالَتِهِ عَلى عَظِيمِ مَنزِلَتَهم فَإنَّ الوَعِيدَ إنَّما تَرَتَّبَ عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَلا جَرَمَ أنْ سَيَلْزَمُ جَزاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى امْتِثالِ تَغْيِيرِ القِبْلَةِ، ولِأنَّ الَّذِي لا يَغْفُلُ عَنْ عَمَلِ أُولَئِكَ لا يَغْفُلُ عَنْ عَمَلِ هَؤُلاءِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّ.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتاءِ الخِطابِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ وعْدِ المُسْلِمِينَ عَلى الِامْتِثالِ لِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ.
صفحة ٣٥
ويَسْتَلْزِمُ وعِيدًا لِلْكافِرِينَ عَلى عَكْسِ ما تَقْتَضِيهِ القِراءَةُ السّابِقَةُ؛ وعَلى القِراءَتَيْنِ فَهو تَذْيِيلٌ إجْمالِيٌّ لِيَأْخُذَ كُلٌّ حَظَّهُ مِنهُ وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ وجُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيَةَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ الجِناسُ التّامُّ المُحَرَّفُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ والجِناسُ النّاقِصُ المُضارِعُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ومَن وافَقَهُ.
البقرة 2:145
﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، والمُناسَبَةُ أنَّهم يَعْلَمُونَ ولا يَعْلَمُونَ فَلَمّا أُفِيدَ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في إفادَتِهِ التَّعْرِيضَ بِأنَّهم مُكابِرُونَ ناسَبَتْ أنْ يُحَقِّقَ نَفْيُ الطَّمَعِ في اتِّباعِهِمُ القِبْلَةَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَطْمَعَ السّامِعُ بِاتِّباعِهِمْ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أحَقِّيَّتَها، فَلِذا أُكِّدَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى نَفْيِ اتِّباعِهِمْ بِالقَسَمِ واللّامِ المُوَطِّئَةِ، وبِالتَّعْلِيقِ عَلى أقْصى ما يُمْكِنُ عادَةً.
والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٤] عَيْنُ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] عَلى ما تَقَدَّمَ فَإنَّ ما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم يَكُونُ قُدْوَةً لِعامَّتِهِمْ فَإذا لَمْ يَتَّبِعْ أحْبارُهم قِبْلَةَ الإسْلامِ فَأجْدَرُ بِعامَّتِهِمْ أنْ لا يَتِّبِعُوها.
ووَجْهُ الإظْهارِ في مَقامَ الإضْمارِ هُنا الإعْلانُ بِمَذَمَّتِهِمْ حَتّى تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صَرِيحَةً في تَناوُلِهِمْ كَما هو الشَّأْنُ في الإظْهارِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ زِيادَةَ العِنايَةِ والتَّمَكُّنِ في الذِّهْنِ.
والمُرادُ ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾: آياتٌ مُتَكاثِرَةٌ، والمُرادُ بِالآيَةِ: الحُجَّةُ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ هو قِبْلَةُ الحَنِيفِيَّةِ.
وإطْلاقُ لَفْظِ ”كُلِّ“ عَلى الكَثْرَةِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
صفحة ٣٦
فَيالَكَ مِن لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَهُ بِكُلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ
وأصْلُهُ مَجازٌ لِجَعْلِ الكَثِيرِ مِن أفْرادِ شَيْءٍ مُشابِهًا لِمَجْمُوعِ عُمُومِ أفْرادِهِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ فَصارَ مَعْنًى مِن مَعانِي ”كُلِّ“ لا يَحْتاجُ اسْتِعْمالُهُ إلى قَرِينَتِهِ ولا إلى اعْتِبارِ تَشْبِيهِ العَدَدِ الكَثِيرِ مِن أفْرادِ الجِنْسِ بِعُمُومِ جَمِيعِ أفْرادِهِ حَتّى إنَّهُ يَرِدُ فِيما لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ عُمُومُ أفْرادٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ هُنا ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ فَإنَّ الآياتِ لا يُتَصَوَّرُ لَها عَدَدٌ يُحاطُ بِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ٦٩] وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧]، وقالَ النّابِغَةُ:
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي ∗∗∗ إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ
وتَكَرَّرَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
سَحًّا وتَسْكابًا فَكُلُّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ يَجْرِي إلَيْها الماءُ لَمْ يَتَصَرَّمِ
وصاحِبُ القامُوسِ قالَ في مادَّةِ ”كُلِّ“: وقَدْ جاءَ اسْتِعْمالُ ”كُلِّ“ بِمَعْنى ”بَعْضِ“ ضِدٌّ، فَأثْبَتَ الخُرُوجَ عَنْ مَعْنى الإحاطَةِ ولَكِنَّهُ جازَفَ في قَوْلِهِ بِمَعْنى ”بَعْضِ“ وكانَ الأصْوَبُ أنْ يَقُولَ بِمَعْنى ”كَثِيرٍ“ .
والمَعْنى: أنَّ إنْكارَهم أحَقِّيَّةُ الكَعْبَةِ بِالِاسْتِقْبالِ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ حَتّى تُزِيلَهُ الحُجَّةُ ولَكِنَّهُ مُكابَرَةٌ وعِنادٌ فَلا جَدْوى في إطْنابِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ.
وإضافَةُ ”قِبْلَةٍ“ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ لِأنَّها أخَصُّ بِهِ لِكَوْنِها قِبْلَةَ شَرْعِهِ، ولِأنَّهُ سَألَها بِلِسانِ الحالِ.
وإفْرادُ القِبْلَةِ في قَوْلِهِ ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ مَعَ كَوْنِهِما قِبْلَتَيْنِ، إنْ كانَ لِكُلٍّ مِن أهْلِ الكِتابِ قِبْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وأكْثَرُ مِن قِبْلَةٍ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهم قِبْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ وكانُوا مُخَيَّرِينَ في اسْتِقْبالِ الجِهاتِ، فَإفْرادُ لَفْظِ قِبْلَتِهِمْ عَلى مَعْنى التَّوْزِيعِ لِأنَّهُ إذا اتَّبَعَ قِبْلَةَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ كانَ غَيْرَ مُتَّبِعٍ قِبْلَةَ الطّائِفَةِ الأُخْرى.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ إظْهارُ مُكابَرَتِهِمْ تَأْيِيسًا مِن إيمانِهِمْ، ومِن قَوْلِهِ ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ تَنْزِيهُ النَّبِيءِ وتَعْرِيضٌ لَهم بِاليَأْسِ مِن رُجُوعِ المُؤْمِنِ إلى
صفحة ٣٧
اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وفي قَوْلِهِ ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ بِأنَّ هَذا دَأْبُهم وشِنْشِنَتُهم مِنَ الخِلافِ فَقَدِيمًا خالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا في قِبْلَتِهِمْ حَتّى خالَفَتِ النَّصارى قِبْلَةَ اليَهُودِ مَعَ أنَّ شَرِيعَةَ اليَهُودِ هي أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وفائِدَةُ هَذا العَطْفِ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّهم لا يُتَّبَعُ قِبْلَتُهم زِيادَةُ تَأْكِيدِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، والتَّحْذِيرُ مِنَ التَّهاوُنِ في ذَلِكَ بِحَيْثُ يُفْرَضُ عَلى وجْهِ الِاحْتِمالِ أنَّهُ لَوِ اتَّبَعَ أهْواءَ أهْلِ الكِتابِ في ذَلِكَ لَكانَ كَذا وكَذا، ولِذَلِكَ كانَ المَوْقِعُ لَئِنْ؛ لِأنَّ لَها مَواقِعَ الشَّكِّ، والفَرْضُ في وُقُوعِ الشَّرْطِ.
وقَوْلُهُ ﴿مِنَ العِلْمِ﴾ بَيانٌ لِـ ﴿ما جاءَكَ﴾، أيْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ، والَّذِي هو العِلْمُ فَجَعَلَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ هو العِلْمَ كُلَّهُ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ.
والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى، وهو الحُبُّ البَلِيغُ بِحَيْثُ يَقْتَضِي طَلَبَ حُصُولِ الشَّيْءِ المَحْبُوبِ ولَوْ بِحُصُولِ ضُرٍّ لِمُحَصِّلِهِ، فَلِذَلِكَ غَلَبَ إطْلاقُ الهَوى عَلى حُبٍّ لا يَقْتَضِيهِ الرُّشْدُ ولا العَقْلُ، ومِن ثَمَّ أُطْلِقَ عَلى العِشْقِ، وشاعَ إطْلاقُ الهَوى في القُرْآنِ عَلى عَقِيدَةِ الضَّلالِ ومِن ثَمَّ سَمّى عُلَماءُ الإسْلامِ أهْلَ العَقائِدِ المُنْحَرِفَةِ بِأهْلِ الأهْواءِ
وقَدْ بُولِغَ في هَذا التَّحْذِيرِ بِاشْتِمالِ مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ عَلى عِدَّةِ مُؤَكِّداتٍ أوْمَأ إلَيْها صاحِبُ الكَشّافِ وفَصَّلَها صاحِبُ الكَشْفِ إلى عَشْرَةٍ وهي: القَسَمُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ، واللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ لِأنَّها تَزِيدُ القَسَمَ تَأْكِيدًا، وحَرْفُ التَّوْكِيدِ في جُمْلَةِ الجَزاءِ، ولامُ الِابْتِداءِ في خَبَرِها، واسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وجَعْلُ حَرْفِ الشَّرْطِ الحَرْفَ الدّالَّ عَلى الشَّكِّ وهو ”إنِ“ المُقْتَضِي إنَّ أقَلَّ جُزْءٍ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ كافٍ في الظُّلْمِ، والإتْيانُ بِإذَنِ الدّالَّةِ عَلى الجَزائِيَّةِ فَإنَّها أكَّدَتْ رَبْطَ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ، والإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ ﴿ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ والِاهْتِمامُ بِالوازِعِ يَؤُولُ إلى تَحْقِيقِ العِقابِ عَلى الِارْتِكابِ لِانْقِطاعِ العُذْرِ، وجَعْلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ هو نَفْسَ العِلْمِ.
والتَّعْرِيفُ في الظّالِمِينَ الدّالُّ عَلى أنَّهُ يَكُونُ مِنَ المَعْهُودِينَ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِينَ هو لَهم سَجِيَّةٌ. ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ما يَؤُولُ إلى تَحْقِيقِ الرَّبْطِ بَيْنَ الجَزاءِ والشَّرْطِ أوْ تَحْقِيقِ سَبَبِهِ
صفحة ٣٨
أوْ تَحْقِيقِ حُصُولِ الجَزاءِ أوْ تَهْوِيلِ بَعْضِ مُتَعَلِّقاتِهِ، كُلُّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ المَقْصُودَ مِنَ الغَرَضِ المَسُوقِ لِأجْلِهِ الشَّرْطُ.
والتَّعْبِيرُ بِالعِلْمِ هُنا عَنِ الوَحْيِ واليَقِينِ الإلَهِيِّ إعْلانٌ بِتَنْوِيهِ شَأْنِ العِلْمِ ولَفْتٌ لِعُقُولِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلَيْهِ لِما يَتَكَرَّرُ مِن لَفْظِهِ عَلى أسْماعِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أقْوى دَلالَةٍ عَلى الِاتِّصافِ بِالظُّلْمِ مِن: إنَّكَ لَظالِمٌ، ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] .
والمُرادُ بِالظّالِمِينَ الظّالِمُونَ أنْفُسَهم، ولِلظُّلْمِ مَراتِبُ دَخَلَتْ كُلُّها تَحْتَ هَذا الوَصْفِ والسّامِعُ يَعْلَمُ إرْجاعَ كُلِّ ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ إلى ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ ظُلْمِ النَّفْسِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى عَقائِدِهِمُ الضّالَّةِ فَيَنْتَهِي ظُلْمُهم أنْفُسَهم إلى الكُفْرِ المُلْقِي في خالِدِ العَذابِ.
قَدْ يَقُولُ قائِلٌ إنَّ قَرِيبًا مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] فَعَبَّرَ هُنالِكَ باسْمِ المَوْصُولِ الَّذِي وعَبَّرَ هَنا باسْمِ المَوْصُولِ ما، وقالَ هُنالِكَ بَعْدَ وقالَ هُنا مِن بَعْدِ، وجَعَلَ جَزاءَ الشَّرْطِ هُنالِكَ انْتِفاءَ ولِيٍّ ونَصِيرٍ، وجَعَلَ الجَزاءَ هُنا أنْ يَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ، وقَدْ أوْرَدَ هَذا السُّؤالَ صاحِبُ ”دُرَّةُ التَّنْزِيلِ وغُرَّةُ التَّأْوِيلِ“ وحاوَلَ إبْداءَ خُصُوصِيّاتٍ تُفَرِّقُ بَيْنَ ما اخْتَلَفَتْ فِيهِ الآيَتانِ ولَمْ يَأْتِ بِما يَشْفِي، والَّذِي يُرْشِدُ إلَيْهِ كَلامُهُ أنْ نَقُولَ إنَّ الَّذِي وما وإنْ كانا مُشْتَرِكَيْنِ في أنَّهُما اسْما مَوْصُولٍ إلّا أنَّهُما الأصْلُ في الأسْماءِ المَوْصُولَةِ، ولَمّا كانَ العِلْمُ الَّذِي جاءَ النَّبِيءَ ﷺ في غَرَضِ الآيَةِ الأُولى هو العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِأصْلِ مِلَّةِ الإسْلامِ وبِبُطْلانِ مِلَّةِ اليَهُودِ ومِلَّةِ النَّصارى بَعْدَ النَّسْخِ، وبِإثْباتِ عِنادِ الفَرِيقَيْنِ في صِحَّةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَلِكَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠]، فَلا جَرَمَ كانَ العِلْمُ الَّذِي جاءَ في ذَلِكَ هو أصْرَحَ العِلْمِ وأقْدَمَهُ، وكانَ حَقِيقًا بِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ المَوْصُولِ الصَّرِيحِ في التَّعْرِيفِ.
وأمّا الآيَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِإبْطالِ قِبْلَةِ اليَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّها مَسْبُوقَةٌ بِبَيانِ ذَلِكَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وذَلِكَ تَشْرِيعٌ فَرْعِيٌّ فالتَّحْذِيرُ الواقِعُ بَعْدَهُ تَحْذِيرٌ مِنَ اتِّباعِ الفَرِيقَيْنِ في أمْرِ
صفحة ٣٩
القِبْلَةِ وذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أهَمِّيَّةٌ مِثْلُ ما لِلتَّحْذِيرِ مِنَ اتِّباعِ مِلَّتِهِمْ بِأسْرِها فَلَمْ يَكُنْ لِلْعِلْمِ الَّذِي جاءَ النَّبِيءَ في أمْرِ قِبْلَتِهِمْ مِنَ الأهَمِّيَّةِ ما لِلْعِلْمِ الَّذِي جاءَهُ في بُطْلانِ أُصُولِ مِلَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ جِيءَ في تَعْرِيفِهِ بِاسْمِ المَوْصُولِ المُلْحَقِ بِالمَعارِفِ وهو ما لِأنَّها في الأصْلِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ نُقِلَتْ لِلْمَوْصُولِيَّةِ.
وإنَّما أُدْخِلَتْ مِن في هَذِهِ الآيَةِ الثّانِيَةِ عَلى بَعْدِ بِقَوْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ بَعْدَ الآيَةِ الأوْلى في سُورَةٍ واحِدَةٍ ولَيْسَ بَيْنَهُما بَعِيدُ فَصْلٍ فَكانَ العِلْمُ الَّذِي جاءَهُ فِيها مِن قَوْلِهِ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ وهو جُزْئِيٌّ مِن عُمُومِ العِلْمِ الَّذِي جاءَ في إبْطالِ جَمِيعِ مِلَّتِهِمْ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُشارَ إلى كَوْنِهِ جُزْئِيًّا لَهُ بِإيرادِ ”مِن“ الِابْتِدائِيَّةِ.
البقرة 2:146
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلَخْ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] إلَخِ اعْتِراضُ اسْتِطْرادٍ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ مَطاعِنِ أهْلِ الكِتابِ في القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ، فَإنَّ طَعْنَهم كانَ عَنْ مُكابَرَةٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ القِبْلَةَ الإسْلامِيَّةَ حَقٌّ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فاسْتَطْرَدَ بِأنَّ طَعْنَهم في القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ ما هو إلّا مِن مَجْمُوعِ طَعْنِهِمْ في الإسْلامِ وفي النَّبِيءِ ﷺ، والدَّلِيلُ عَلى الِاسْتِطْرادِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨]، فَقَدْ عادَ الكَلامُ إلى اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ.
فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ لا يَعُودُ إلى تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَتِ الجُمْلَةُ تَكْرِيرًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، بَلْ هو عائِدٌ إمّا إلى الرَّسُولِ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِمُعادٍ مُناسِبٍ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، لَكِنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ وتَكَرَّرَ خِطابُهُ فِيهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقَوْلِهِ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] فالإتْيانُ بِالضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ مِنَ الِالتِفاتِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ، وإمّا أنْ يَعُودَ إلى الحَقِّ في قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ فَيَشْمَلُ
صفحة ٤٠
رِسالَةَ الرَّسُولِ وجَمِيعَ ما جاءَ بِهِ، وإمّا إلى العِلْمِ في قَوْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] .
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ تَشْبِيهٌ في جَلاءِ المَعْرِفَةِ وتَحَقُّقِها فَإنَّ مَعْرِفَةَ المَرْءِ بِعَلائِقِهِ مَعْرِفَةٌ لا تَقْبَلُ اللَّبْسَ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ تَشْبِيهًا لِشِدَّةِ القُرْبِ البَيِّنِ.
وخَصَّ الأبْناءَ لِشِدَّةٍ تَعَلُّقِ الآباءِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّمَلِّي مِن رُؤْيَتِهِمْ كَثِيرًا فَتَتَمَكَّنُ مَعْرِفَتُهم فَمَعْرِفَةُ هَذا الحَقِّ ثابِتَةٌ لِجَمِيعِ عُلَمائِهِمْ.
وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ ”يَعْلَمُونَهُ“ إلى يَعْرِفُونَهُ لِأنَّ المَعْرِفَةَ تَتَعَلَّقُ غالِبًا بِالذَّواتِ والأُمُورِ المَحْسُوسَةِ قالَ تَعالى ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] وقالَ زُهَيْرٌ:
فَلَأْيًا عَرَفَتُ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ وتَقُولُ: عَرَفْتُ فُلانًا، لا تَقُولُ عَرَفْتُ عِلْمَ فُلانٍ، إلّا إذا أرَدْتَ أنَّ عِلْمَهُ صارَ كالمُشاهَدِ عِنْدَكَ، ولِهَذا لا يُعَدّى فِعْلُ العِرْفانِ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما تُعَدّى أفْعالُ الظَّنِّ والعِلْمِ، ولِهَذا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِصِفَةِ العِلْمِ فَيُقالُ ”العَلِيمُ“، ولا يُوصَفُ بِصِفَةِ المَعْرِفَةِ فَلا يُقالُ اللَّهُ يَعْرِفُ كَذا، فالمَعْنى: يَعْرِفُونَ صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ وعَلاماتِهِ المَذْكُورَةَ في كُتُبِهِمْ، ويَعْرِفُونَ الحَقَّ كالشَّيْءِ المُشاهَدِ. والمُرادُ بُقُولِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أحْبارُ اليَهُودِ والنَّصارى ولِذَلِكَ عُرِّفُوا بِأنَّهم أُوتُوا الكِتابَ أيْ عَلِمُوا عِلْمَ التَّوْراةِ وعِلْمَ الإنْجِيلِ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِالعِنادِ في أمْرِ القِبْلَةِ وفي غَيْرِهِ مِمّا جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، وذَمٌّ لَهم بِأنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَهُ وهَؤُلاءِ مُعْظَمُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قَبْلَ ابْنِ صُورِيّا وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَبَقِيَ فَرِيقٌ آخَرُ يَعْلَمُونَ الحَقَّ ويُعْلِنُونَ بِهِ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومِنَ النَّصارى مِثْلُ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وصُهَيْبٍ.
أمّا الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكْتُمُوهُ فَلا يُعْبَأُ بِهِمْ في هَذا المُقامِ ولَمْ يَدْخُلُوا في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ ولا يَشْمَلُهم قَوْلُهُ ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ .
البقرة 2:147
صفحة ٤١
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا الحَقُّ، وحَذْفُ المُسْنَدُ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذا مِمّا جَرى عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَ جَرَيانِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الدِّيارِ ”رَبْعٌ قَواءٌ“ وبَعْدَ ذِكْرِ المَمْدُوحِ ”فَتًى“ ونَحْوُ ذَلِكَ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ. وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ نَهى عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ الشّاكِّينَ في ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِن هَذا. والتَّعْرِيفُ في الحَقِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ كَما في قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ وقَوْلِهِمُ: الكَرَمُ في العَرَبِ، هَذا التَّعْرِيفُ لِجُزْئَيِ الجُمْلَةِ الظّاهِرِ والمُقَدَّرِ يُفِيدُ قَصْرَ الحَقِيقَةِ عَلى الَّذِي يَكْتُمُونَهُ وهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ أيْ لا ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، وإظْهارُ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلْحَقِّ.
والِامْتِراءُ: افْتِعالٌ مِنَ المِراءِ وهو الشَّكُّ، والِافْتِعالُ فِيهِ لَيْسَ لِلْمُطاوَعَةِ ومَصْدَرُ المِرْيَةِ لا يُعْرِفُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بَلْ هو دائِمًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ، والمَقْصُودُ مِن خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ في قَوْلِهِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ [البقرة: ١٤٥] وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ تَحْذِيرُ الأُمَّةِ وهَذِهِ عادَةُ القُرْآنِ في كُلِّ تَحْذِيرٍ مُهِمٍّ لِيَكُونَ خِطابُ النَّبِيءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وهو أقْرَبُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ تَعالى وأوْلاهم بِكَرامَتِهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَن وقَعَ في مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الأُمَّةِ قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، ولَيْسَ لَهُ مِنَ النَّجاةِ بابٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِن كُلِّ مَن يَصْلُحُ لِهَذا الخِطابِ.
البقرة 2:148
﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، فَهو مِن تَمامِ الِاعْتِراضِ، أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] مَعَ اعْتِبارِ ما اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ مِنَ الجُمَلِ، ذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ لُقِّنَ الرَّسُولُ ﷺ ما يُجِيبُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ فَضِيلَةَ قِبْلَتِهِمْ وأنَّهم عَلى الحَقِّ وأيْأسَهم مِن تَرَقُّبِ اعْتِرافِ اليَهُودِ بِصِحَّةِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ذُيِّلَ ذَلِكَ
صفحة ٤٢
بِهَذا التَّذْيِيلِ الجامِعِ لِمَعانٍ سامِيَةٍ، طَيًّا لِبِساطِ المُجادَلَةِ مَعَ اليَهُودِ في أمْرِ القِبْلَةِ، كَما يُقالُ في المُخاطَباتِ: دَعْ هَذا أوْ: عُدْ عَنْ هَذا، والمَعْنى أنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ اتِّجاهًا مِنَ الفَهْمِ والخَشْيَةِ عِنْدَ طَلَبِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ. وهَذا الكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ أيِ اتْرُكُوا مُجادَلَةَ أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ القِبْلَةِ ولا يُهِمَّنَّكم خِلافُهم فَإنَّ خِلافَ المُخالِفِ لا يُناكِدُ حَقَّ المُحِقِّ.
وفِيهِ صَرْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنْ يَهْتَمُّوا بِالمَقاصِدِ ويَعْتَنُوا بِإصْلاحِ مُجْتَمَعِهِمْ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنِ البِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾، فَقَوْلُهُ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِاسْتِباقِ الخَيْراتِ. فَهَكَذا تَرْتِيبُ الآيَةِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ كَتَرْتِيبِ الخُطَبِ بِذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ ومَقْصِدٍ وبَيانٍ لَهُ وتَعْلِيلٍ وتَذْيِيلٍ.
و(كُلِّ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ، وهو مُبْهَمٌ يَتَعَيَّنُ بِما يُضافُ هو إلَيْهِ فَإذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ عُوِّضَ عَنْهُ تَنْوِينُ ”كُلٍّ“ وهو التَّنْوِينُ المُسَمّى تَنْوِينُ العِوَضِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى المُضافِ إلَيْهِ فَهو عِوَضٌ عَنْهُ.
وحَذْفُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ كُلُّ هُنا لِدَلالَةِ المُقامِ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُ هَذا المَحْذُوفِ: أُمَّةٌ، لِأنَّ الكَلامَ كُلَّهُ في اخْتِلافِ الأُمَمِ في أمْرِ القِبْلَةِ، وهَذا المُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ يُقَدَّرُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن لَفْظِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] أوْ يُقَدَّرُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ دُونَ لَفْظٍ تَقَدَّمَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] في سُورَةِ النِّساءِ، ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الكَلامَ عَلى تَخالُفِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ في قِبْلَةِ الصَّلاةِ، فالتَّقْدِيرُ: ولِكُلٍّ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى وِجْهَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] .
والوِجْهَةُ حَقِيقَتُها البُقْعَةُ الَّتِي يُتَوَجَّهُ إلَيْها فَهي وزْنُ فِعْلَةِ مُؤَنَّثُ فِعْلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ ذِبْحٍ، ولِكَوْنِها اسْمَ مَكانٍ لَمْ تُحْذَفِ الواوُ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ عِنْدَ اقْتِرانِ الِاسْمِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ حَذْفَ الواوِ في مِثْلِهِ إنَّما يَكُونُ في فِعْلَةٍ بِمَعْنى المَصْدَرِ.
وتُسْتَعارُ الوِجْهَةُ لِما يَهْتَمُّ بِهِ المَرْءُ مِنَ الأُمُورِ تَشْبِيهًا بِالمَكانِ المُوَجَّهِ إلَيْهِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، ولَفْظُ ﴿وِجْهَةٌ﴾ في الآيَةِ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ فالتَّعْبِيرُ بِهِ كَلامٌ مُوَجَّهٌ وهو مِنَ المَحاسِنِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
صفحة ٤٣
وضَمِيرُ هو عائِدٌ لِلْمُضافِ إلَيْهِ ”كُلٍّ“ المَحْذُوفِ.
والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِمُوَلِّيها مَحْذُوفٌ إذِ التَّقْدِيرُ: هو مُوَلِّيها نَفْسَهُ، أوْ وجْهَهُ عَلى نَحْوِ ما بَيَّناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] والمَعْنى هو مُقْبِلٌ عَلَيْها ومُلازِمٌ لَها. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ مُوَلِّيها بِياءٍ بَعْدَ اللّامِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ) هو مُوَلّاها ( بِألْفٍ بَعْدَ اللّامِ بِصِيغَةِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ أيْ يُوَلِّيهِ إيّاها مُوَلٍّ وهو دِينُهُ ونَظَرُهُ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوِجْهَةِ القِبْلَةُ، فاسْتَبِقُوا أنْتُمْ إلى الخَيْرِ وهو اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ، وقِيلَ المُرادُ: لِكُلِّ أُمَّةٍ قِبْلَةٌ فَلا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِكم عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ، فالزَمُوا قِبْلَتَكُمُ الَّتِي هي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ، فَإنَّكم عَلى الخَيْراتِ، وقِيلَ: المُرادُ هَيْكَلُ قِبْلَةٍ فَلا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِكم عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ فالزَمُوا قِبْلَتَكُمُ الَّتِي هي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ، فَإنَّكم عَلى الخَيْراتِ، وقِيلَ المُرادُ: لِكُلِّ قَوْمٍ قِبْلَةٌ فَلا يَضُرُّكم خِلافُهم واتْرُكُوهم واسْتَبِقُوا إلى الخَيْراتِ إلى الكَعْبَةِ، وقِيلَ المُرادُ: لِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ جِهَةٌ مِنَ الكَعْبَةِ سَيَسْتَقْبِلُونَها. ومَعانِي القُرْآنِ تُحْمَلُ عَلى أجْمَعِ الوُجُوهِ وأشْمَلِها.
وقَوْلُهُ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ تَفْرِيعٌ لِلْأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ أيْ لَمّا تَعَدَّدَتِ المَقاصِدُ.
فالمُنافَسَةُ تَكُونُ في مُصادَفَةِ الحَقِّ.
والِاسْتِباقُ افْتِعالٌ والمُرادُ بِهِ السَّبْقُ وحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِاللّامِ إلّا أنَّهُ تُوُسِّعَ فِيهِ فَعُدِّيَ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ [يوسف: ٢٥] أوْ عَلى تَضْمِينِ ”اسْتَبِقُوا“ مَعْنى ”اغْتَنِمُوا“ .
فالمُرادُ مِنَ الِاسْتِباقِ هُنا المَعْنى المَجازِيُّ وهو الحِرْصُ عَلى مُصادَفَةِ الخَيْرِ والإكْثارُ مِنهُ و﴿الخَيْراتِ﴾ جَمْعُ خَيْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما قالُوا سُرادِقاتٍ وحَمّاماتٍ.
والمُرادُ عُمُومُ الخَيْراتِ كُلِّها فَإنَّ المُبادَرَةَ إلى الخَيْرِ مَحْمُودَةٌ ومِن ذَلِكَ المُبادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ خَشْيَةَ هادِمِ اللَّذّاتِ وفَجْأةِ الفَواتِ قالَ تَعالى ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] ومِن ذَلِكَ فَضِيلَةُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ قالَ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] وقالَ مُوسى ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] .
وقَوْلُهُ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ جُمْلَةٌ في مَعْنى العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِاسْتِباقِ الخَيْراتِ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ لِأنَّ العِلَّةَ لا تُعْطَفُ إذْ هي بِمَنزِلَةِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، والمَعْنى: فاسْتَبِقُوا إلى الخَيْرِ لِتَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ يَأْتِي بِهِمُ اللَّهُ لِلرَّفِيقِ الحَسَنِ لِأنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالنّاسِ جَمِيعًا خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ
صفحة ٤٤
و”كانَ“ تامَّةٌ أيْ في أيِّ مَوْضِعٍ تُوجَدُونَ مِن مَواقِعِ الخَيْرِ ومَواقِعِ السُّوءِ. والإتْيانُ بِالشَّيْءِ جَلْبُهُ وهو مَجازٌ في لازِمِ حَقِيقَتِهِ فَمِن ذَلِكَ اسْتِعْمالُهُ في القُرْبِ والطّاعَةِ.
قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
أتاكَ بِيَ اللَّهُ الَّذِي نَوَّرَ الهُدى ونُورٌ وإسْلامٌ عَلَيْكَ دَلِيلُ
أرادَ: سَخَّرَنِي إلَيْكَ، وفي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وأْتِ بِها» أيِ اهْدِها وقَرِّبْها لِلْإسْلامِ، يُسْتَعْمَلُ في القُدْرَةِ عَلى الشَّيْءِ وفي العِلْمِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] .
وتَجِيءُ أقْوالٌ في تَفْسِيرِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ عَلى حَسَبِ الأقْوالِ في تَفْسِيرِ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى: تَقَبَّلَ اللَّهُ أعْمالَكم في اسْتِباقِ الخَيْراتِ فَإنَّهُ المُهِمُّ، لا اسْتِقْبالُ الجِهاتِ، والمَعْنى: إنَّكم إنَّما تَسْتَقْبِلُونَ ما يُذَكِّرُكم بِاللَّهِ فاسْعَوْا في مَرْضاتِهِ بِالخَيْراتِ يَعْلَمُ اللَّهُ ذَلِكَ مِن كُلِّ مَكانٍ، أوْ هو تَرْهِيبٌ أيْ في أيَّةِ جِهَةٍ يَأْتِ اللَّهُ بِكم فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ، أوْ هو تَحْرِيضٌ عَلى المُبادَرَةِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ أيْ فَأنْتُمْ صائِرُونَ إلى اللَّهِ مِن كُلِّ مَكانٍ فَبادِرُوا بِالطّاعَةِ قَبْلَ الفَوْتِ بِالمَوْتِ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُجُوهِ. وقَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَذْيِيلٌ يُناسِبُ جَمِيعَ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
البقرة 2:149
﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عُطِفَ قَوْلُهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفَ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ مِن جِنْسِهِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ لا تَهاوُنَ في القِيامِ بِهِ ولَوْ في حالَةِ العُذْرِ كالسَّفَرِ، فالمُرادُ: مِن حَيْثُ خَرَجْتَ مِن كُلِّ مَكانٍ خَرَجْتَ
صفحة ٤٥
مُسافِرًا لِأنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ في الِاهْتِداءِ لِجِهَةِ الكَعْبَةِ فَرُبَّما يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ سُقُوطَ الِاسْتِقْبالِ عَنْهُ، وفي مُعْظَمِ هاتِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِأمْرِ القِبْلَةِ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] .
وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ زِيادَةُ تَحْذِيرٍ مِنَ التَّساهُلِ في أمْرِ القِبْلَةِ.
وقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وأُعِيدَ لَفْظُ الجُمْلَةِ السّالِفَةِ لِيُبْنى عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآيَةَ.
والمَقْصِدُ التَّعْمِيمُ في هَذا الحُكْمِ في السَّفَرِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّبِيءِ ﷺ .
وحَصَلَ مِن تَكْرِيرِ مُعْظَمِ الكَلِماتِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ .
وقَدْ تَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ النَّبِيءِ الكَعْبَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ المُسْلِمِينَ الكَعْبَةَ مَرَّتَيْنِ.
وتَكَرَّرَ إنَّهُ الحَقُّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ تَعْمِيمُ الجِهاتِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والقَصْدُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ والتَّحْذِيرُ مِن تَطَرُّقِ التَّساهُلِ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلْحَقِّ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، وزِيادَةً في الرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ التَّأْكِيدَ، مِن زِيادَةِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾، ومِن جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِحُكْمِ الِاسْتِقْبالِ: وهي جُمْلَةُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآياتِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ وجُمْلَةُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ الآياتِ، وفِيهِ إظْهارُ أحَقِّيَّةِ الكَعْبَةِ بِذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلى الحَقِّ لا يَزِيدُهُ إنْكارُ المُنْكِرِينَ إلّا تَصْمِيمًا، والتَّصْمِيمُ يَسْتَدْعِي إعادَةَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى ما صُمِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى التَّحَقُّقِ في مَعْنى الكَلامِ.
وقَدْ ذُكِرَ في خِلالِ ذَلِكَ مِن بَيانِ فَوائِدِ هَذا التَّحْوِيلِ وما حَفَّ بِهِ، ما يَدْفَعُ قَلِيلَ السَّآمَةِ العارِضَةِ لِسَماعِ التَّكْرارِ، فَذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ﴾ إلَخْ، وذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ إلَخْ.
صفحة ٤٦
والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وهو حُكْمُ التَّحْوِيلِ فَهو راجِعٌ إلى ما يُؤْخَذُ مِنَ المَقامِ، فالضَّمِيرُ هُنا كالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦] وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ عَلى الخِطابِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِياءِ الغَيْبَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ فَوَلُّوا الدّالِّ عَلى طَلَبِ الفِعْلِ وامْتِثالِهِ، أيْ شَرَعْتُ لَكم ذَلِكَ لِنَدْحَضَ حُجَّةَ الأُمَمِ عَلَيْكم، وشَأْنُ تَعْلِيلِ صِيَغِ الطَّلَبِ أنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ لِلطَّلَبِ بِاعْتِبارِ الإتْيانِ بِالفِعْلِ المَطْلُوبِ.
فَإنَّ مَدْلُولَ صِيغَةِ الطَّلَبِ هو إيجادُ الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ لا الإعْلامُ بِكَوْنِ الطّالِبِ طالَبًا وإلّا لَما وجَبَ الِامْتِثالُ لِلْآمِرِ فَيُكْتَفى بِحُصُولِ سَماعِ الطَّلَبِ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا.
والتَّعْرِيفُ في ”النّاسِ“ لِلِاسْتِغْراقِ يَشْمَلُ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّ مِن شُبْهَتِهِمْ أنْ يَقُولُوا: لا نَتَّبِعُ هَذا الدِّينَ إذْ لَيْسَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ اسْتَقْبَلَ قِبْلَةَ اليَهُودِ والنَّصارى، وأهْلِ الكِتابِ، والحُجَّةُ أنْ يَقُولُوا: إنَّ مُحَمَّدًا اقْتَدى بِنا واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنا فَكَيْفَ يَدْعُونا إلى اتِّباعِهِ.
ولِجَمِيعِ النّاسِ مِمَّنْ عَداكم حُجَّةٌ عَلَيْكم، أيْ لِيَكُونَ هَذا الدِّينُ مُخالِفًا في الِاسْتِقْبالِ لِكُلِّ دِينٍ سَبَقَهُ فَلا يَدَّعِي أهْلُ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ أنَّ الإسْلامَ مُقْتَبِسٌ مِنهُ.
ولا شَكَّ أنَّ ظُهُورَ الِاسْتِقْبالِ يَكُونُ في أمْرٍ مُشاهَدٍ لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّ إدْراكَ المُخالَفَةِ في الأحْكامِ والمَقاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي فَضُلَ بِها الإسْلامُ غَيْرَهُ لا يُدْرِكُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ لا يَعْلَمُهُ إلّا الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ ناظِرًا إلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦] .
وقَدْ قِيلَ في مَعْنى حُجَّةِ النّاسِ مَعانٍ أُخَرُ أُراها بَعِيدَةً.
والحُجَّةُ في كَلامِ العَرَبِ ما يُقْصَدُ بِهِ إثْباتُ المُخالِفِ، بِحَيْثُ لا يَجِدُ مِنهُ تَفَصِّيًا، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلَّذِي غَلَبَ مُخالِفَهُ بِحُجَّتِهِ: قَدْ حَجَّهُ، وأمّا الِاحْتِجاجُ فَهو إتْيانُ المُحْتَجِّ بِما يَظُنُّهُ حُجَّةً ولَوْ مُغالَطَةً، قالَ: احْتَجَّ، يُقالُ: حاجَّ إذا أتى بِما يَظُنُّهُ حُجَّةً قالَ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فالحُجَّةُ لا تُطْلَقُ حَقِيقَةً إلّا عَلى البُرْهانِ والدَّلِيلِ النّاهِضِ المُبَكِّتِ لِلْمُخالِفِ، وأمّا إطْلاقُها عَلى الشُّبْهَةِ فَمَجازٌ لِأنَّها تُورَدُ في صُورَةِ الحُجَّةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حُجَّتُهم
صفحة ٤٧
داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، وهَذا هو فِقْهُ اللُّغَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ الكَشّافُ، وأمّا ما خالَفَهُ مِن كَلامِ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ فَهو مِن تَخْلِيطِ الإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وإنَّما أرادُوا التَّفَصِّيَ مِن وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ وأشْكَلَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْناءُ لِأنَّ المُسْتَثْنى مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ عِنْدَ قاطِبَةِ أهْلِ اللِّسانِ والعُلَماءِ، إلّا خِلافًا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ في عِلْمِ الأُصُولِ، فَصارَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُقْتَضِيًا أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا لَهم عَلَيْكم حُجَّةٌ، فَأجابَ صاحِبُ الكَشّافِ، بِأنَّهُ إنَّما أطْلَقَ عَلَيْهِ حُجَّةً لِمُشابَهَتِهِ لِلْحُجَّةِ في سِياقِهِمْ إيّاهُ مَساقَ البُرْهانِ أيْ فاسْتِثْناءُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَقْتَضِي أنَّهم يَأْتُونَ بِحُجَّةٍ أيْ بِما يُشْبِهُ الحُجَّةَ، فَحَرْفُ ”إلّا“ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ لَفْظِ حُجَّةٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ المَجازِيِّ، وإطْلاقُ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ لَيْسَ بِبِدْعٍ لا سِيَّما مَعَ الإتْيانِ بِلَفْظٍ يُخالِفُ الأوَّلَ عَلى أنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا بِمَعْنى: لَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَشْغَبُونَ عَلَيْكم فَلا تَخْشَوْهم.
وجُمْلَةُ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا وهو أنَّهُ تَعْلِيلُ الِامْتِثالِ فالمَعْنى: أمَرْتُكم بِذَلِكَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِاسْتِيفاءِ أسْبابِ ذَلِكَ الإتْمامِ، مِنها: أنْ تَكُونَ قِبْلَتُكم إلى أفْضَلِ بَيْتٍ بُنِيَ لِلَّهِ تَعالى، ومَعْلُومٌ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ بِامْتِثالِ ما أُمِرْنا بِهِ، وجِماعُ ذَلِكَ الِاسْتِقامَةُ وبِها دُخُولُ الجَنَّةِ. أيُّ غايَةُ إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْنا دُخُولُ الجَنَّةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ولَكِنَّهُ مِن جُمْلَةِ مَعْناها فالمُرادُ بِالإتْمامِ هُنا إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِرًا مِن أوَّلِ الأمْرِ لا إتْمامُهُ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى فَأتَمَّهُنَّ أيِ امْتَثَلَهُنَّ امْتِثالًا تامًّا ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَها ثُمَّ فَعَلَ بَعْضًا آخَرَ، فَمَعْنى الآيَةِ: ولِتَكُونَ نِعْمَتِي نِعْمَةً وافِرَةً في كُلِّ حالٍ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ولِأُتِمَّ أيْ أمَرْتُكم بِذَلِكَ رَجاءَ امْتِثالِكم فَيَحْصُلُ الِاهْتِداءُ مِنكم إلى الحَقِّ.
وحَرْفُ ”لَعَلَّ“ في قَوْلِهِ ﴿ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ مَجازٌ في لازِمِ مَعْنى الرَّجاءِ وهو قُرْبُ ذَلِكَ وتَوَقُّعُهُ. ومَعْنى جَعْلِ ذَلِكَ القُرْبِ عِلَّةً أنَّ اسْتِقْبالَهُمُ الكَعْبَةَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم يَكُونُونَ مُعْتَدِينَ في
صفحة ٤٨
سائِرِ أُمُورِهِمْ لِأنَّ المَبادِئَ تَدُلُّ عَلى الغاياتِ فَهو كَقَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما قَدَّمْناهُ وقالَ حَبِيبٌ:
إنَّ الهِلالَ إذا رَأيْتَ نَماءَهُ أيْقَنْتَ أنْ سَيَصِيرُ بَدْرًا كامِلًا
البقرة 2:150
﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عُطِفَ قَوْلُهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفَ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ مِن جِنْسِهِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ لا تَهاوُنَ في القِيامِ بِهِ ولَوْ في حالَةِ العُذْرِ كالسَّفَرِ، فالمُرادُ: مِن حَيْثُ خَرَجْتَ مِن كُلِّ مَكانٍ خَرَجْتَ
صفحة ٤٥
مُسافِرًا لِأنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ في الِاهْتِداءِ لِجِهَةِ الكَعْبَةِ فَرُبَّما يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ سُقُوطَ الِاسْتِقْبالِ عَنْهُ، وفي مُعْظَمِ هاتِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِأمْرِ القِبْلَةِ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] .
وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ زِيادَةُ تَحْذِيرٍ مِنَ التَّساهُلِ في أمْرِ القِبْلَةِ.
وقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وأُعِيدَ لَفْظُ الجُمْلَةِ السّالِفَةِ لِيُبْنى عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآيَةَ.
والمَقْصِدُ التَّعْمِيمُ في هَذا الحُكْمِ في السَّفَرِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّبِيءِ ﷺ .
وحَصَلَ مِن تَكْرِيرِ مُعْظَمِ الكَلِماتِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ .
وقَدْ تَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ النَّبِيءِ الكَعْبَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ المُسْلِمِينَ الكَعْبَةَ مَرَّتَيْنِ.
وتَكَرَّرَ إنَّهُ الحَقُّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ تَعْمِيمُ الجِهاتِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والقَصْدُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ والتَّحْذِيرُ مِن تَطَرُّقِ التَّساهُلِ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلْحَقِّ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، وزِيادَةً في الرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ التَّأْكِيدَ، مِن زِيادَةِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾، ومِن جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِحُكْمِ الِاسْتِقْبالِ: وهي جُمْلَةُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآياتِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ وجُمْلَةُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ الآياتِ، وفِيهِ إظْهارُ أحَقِّيَّةِ الكَعْبَةِ بِذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلى الحَقِّ لا يَزِيدُهُ إنْكارُ المُنْكِرِينَ إلّا تَصْمِيمًا، والتَّصْمِيمُ يَسْتَدْعِي إعادَةَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى ما صُمِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى التَّحَقُّقِ في مَعْنى الكَلامِ.
وقَدْ ذُكِرَ في خِلالِ ذَلِكَ مِن بَيانِ فَوائِدِ هَذا التَّحْوِيلِ وما حَفَّ بِهِ، ما يَدْفَعُ قَلِيلَ السَّآمَةِ العارِضَةِ لِسَماعِ التَّكْرارِ، فَذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ﴾ إلَخْ، وذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ إلَخْ.
صفحة ٤٦
والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وهو حُكْمُ التَّحْوِيلِ فَهو راجِعٌ إلى ما يُؤْخَذُ مِنَ المَقامِ، فالضَّمِيرُ هُنا كالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦] وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ عَلى الخِطابِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِياءِ الغَيْبَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ فَوَلُّوا الدّالِّ عَلى طَلَبِ الفِعْلِ وامْتِثالِهِ، أيْ شَرَعْتُ لَكم ذَلِكَ لِنَدْحَضَ حُجَّةَ الأُمَمِ عَلَيْكم، وشَأْنُ تَعْلِيلِ صِيَغِ الطَّلَبِ أنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ لِلطَّلَبِ بِاعْتِبارِ الإتْيانِ بِالفِعْلِ المَطْلُوبِ.
فَإنَّ مَدْلُولَ صِيغَةِ الطَّلَبِ هو إيجادُ الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ لا الإعْلامُ بِكَوْنِ الطّالِبِ طالَبًا وإلّا لَما وجَبَ الِامْتِثالُ لِلْآمِرِ فَيُكْتَفى بِحُصُولِ سَماعِ الطَّلَبِ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا.
والتَّعْرِيفُ في ”النّاسِ“ لِلِاسْتِغْراقِ يَشْمَلُ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّ مِن شُبْهَتِهِمْ أنْ يَقُولُوا: لا نَتَّبِعُ هَذا الدِّينَ إذْ لَيْسَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ اسْتَقْبَلَ قِبْلَةَ اليَهُودِ والنَّصارى، وأهْلِ الكِتابِ، والحُجَّةُ أنْ يَقُولُوا: إنَّ مُحَمَّدًا اقْتَدى بِنا واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنا فَكَيْفَ يَدْعُونا إلى اتِّباعِهِ.
ولِجَمِيعِ النّاسِ مِمَّنْ عَداكم حُجَّةٌ عَلَيْكم، أيْ لِيَكُونَ هَذا الدِّينُ مُخالِفًا في الِاسْتِقْبالِ لِكُلِّ دِينٍ سَبَقَهُ فَلا يَدَّعِي أهْلُ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ أنَّ الإسْلامَ مُقْتَبِسٌ مِنهُ.
ولا شَكَّ أنَّ ظُهُورَ الِاسْتِقْبالِ يَكُونُ في أمْرٍ مُشاهَدٍ لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّ إدْراكَ المُخالَفَةِ في الأحْكامِ والمَقاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي فَضُلَ بِها الإسْلامُ غَيْرَهُ لا يُدْرِكُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ لا يَعْلَمُهُ إلّا الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ ناظِرًا إلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦] .
وقَدْ قِيلَ في مَعْنى حُجَّةِ النّاسِ مَعانٍ أُخَرُ أُراها بَعِيدَةً.
والحُجَّةُ في كَلامِ العَرَبِ ما يُقْصَدُ بِهِ إثْباتُ المُخالِفِ، بِحَيْثُ لا يَجِدُ مِنهُ تَفَصِّيًا، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلَّذِي غَلَبَ مُخالِفَهُ بِحُجَّتِهِ: قَدْ حَجَّهُ، وأمّا الِاحْتِجاجُ فَهو إتْيانُ المُحْتَجِّ بِما يَظُنُّهُ حُجَّةً ولَوْ مُغالَطَةً، قالَ: احْتَجَّ، يُقالُ: حاجَّ إذا أتى بِما يَظُنُّهُ حُجَّةً قالَ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فالحُجَّةُ لا تُطْلَقُ حَقِيقَةً إلّا عَلى البُرْهانِ والدَّلِيلِ النّاهِضِ المُبَكِّتِ لِلْمُخالِفِ، وأمّا إطْلاقُها عَلى الشُّبْهَةِ فَمَجازٌ لِأنَّها تُورَدُ في صُورَةِ الحُجَّةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حُجَّتُهم
صفحة ٤٧
داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، وهَذا هو فِقْهُ اللُّغَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ الكَشّافُ، وأمّا ما خالَفَهُ مِن كَلامِ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ فَهو مِن تَخْلِيطِ الإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وإنَّما أرادُوا التَّفَصِّيَ مِن وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ وأشْكَلَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْناءُ لِأنَّ المُسْتَثْنى مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ عِنْدَ قاطِبَةِ أهْلِ اللِّسانِ والعُلَماءِ، إلّا خِلافًا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ في عِلْمِ الأُصُولِ، فَصارَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُقْتَضِيًا أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا لَهم عَلَيْكم حُجَّةٌ، فَأجابَ صاحِبُ الكَشّافِ، بِأنَّهُ إنَّما أطْلَقَ عَلَيْهِ حُجَّةً لِمُشابَهَتِهِ لِلْحُجَّةِ في سِياقِهِمْ إيّاهُ مَساقَ البُرْهانِ أيْ فاسْتِثْناءُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَقْتَضِي أنَّهم يَأْتُونَ بِحُجَّةٍ أيْ بِما يُشْبِهُ الحُجَّةَ، فَحَرْفُ ”إلّا“ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ لَفْظِ حُجَّةٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ المَجازِيِّ، وإطْلاقُ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ لَيْسَ بِبِدْعٍ لا سِيَّما مَعَ الإتْيانِ بِلَفْظٍ يُخالِفُ الأوَّلَ عَلى أنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا بِمَعْنى: لَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَشْغَبُونَ عَلَيْكم فَلا تَخْشَوْهم.
وجُمْلَةُ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا وهو أنَّهُ تَعْلِيلُ الِامْتِثالِ فالمَعْنى: أمَرْتُكم بِذَلِكَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِاسْتِيفاءِ أسْبابِ ذَلِكَ الإتْمامِ، مِنها: أنْ تَكُونَ قِبْلَتُكم إلى أفْضَلِ بَيْتٍ بُنِيَ لِلَّهِ تَعالى، ومَعْلُومٌ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ بِامْتِثالِ ما أُمِرْنا بِهِ، وجِماعُ ذَلِكَ الِاسْتِقامَةُ وبِها دُخُولُ الجَنَّةِ. أيُّ غايَةُ إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْنا دُخُولُ الجَنَّةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ولَكِنَّهُ مِن جُمْلَةِ مَعْناها فالمُرادُ بِالإتْمامِ هُنا إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِرًا مِن أوَّلِ الأمْرِ لا إتْمامُهُ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى فَأتَمَّهُنَّ أيِ امْتَثَلَهُنَّ امْتِثالًا تامًّا ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَها ثُمَّ فَعَلَ بَعْضًا آخَرَ، فَمَعْنى الآيَةِ: ولِتَكُونَ نِعْمَتِي نِعْمَةً وافِرَةً في كُلِّ حالٍ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ولِأُتِمَّ أيْ أمَرْتُكم بِذَلِكَ رَجاءَ امْتِثالِكم فَيَحْصُلُ الِاهْتِداءُ مِنكم إلى الحَقِّ.
وحَرْفُ ”لَعَلَّ“ في قَوْلِهِ ﴿ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ مَجازٌ في لازِمِ مَعْنى الرَّجاءِ وهو قُرْبُ ذَلِكَ وتَوَقُّعُهُ. ومَعْنى جَعْلِ ذَلِكَ القُرْبِ عِلَّةً أنَّ اسْتِقْبالَهُمُ الكَعْبَةَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم يَكُونُونَ مُعْتَدِينَ في
صفحة ٤٨
سائِرِ أُمُورِهِمْ لِأنَّ المَبادِئَ تَدُلُّ عَلى الغاياتِ فَهو كَقَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما قَدَّمْناهُ وقالَ حَبِيبٌ:
إنَّ الهِلالَ إذا رَأيْتَ نَماءَهُ أيْقَنْتَ أنْ سَيَصِيرُ بَدْرًا كامِلًا
البقرة 2:151
﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكُمُ آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
تَشْبِيهٌ لِلْعِلَّتَيْنِ مِن قَوْلِهِ ولِأُتِمَّ وقَوْلِهِ ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ أيْ ذَلِكَ مِن نِعْمَتِي عَلَيْكم كَنِعْمَةِ إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجُعِلَ الإرْسالُ مُشَبَّهًا بِهِ لِأنَّهُ أسْبَقُ وأظْهَرُ تَحْقِيقًا لِلْمُشَبَّهِ؛أيْ أنَّ المَبادِئَ دَلَّتْ عَلى الغاياتِ وهَذا كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ» ونُكِّرَ ”رَسُولٌ“ لِلتَّعْظِيمِ ولِتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفاتُ الَّتِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها نِعْمَةٌ خاصَّةٌ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ فِيكم وما بَعْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ ومِن قَوْمِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى تَيْسِيرًا لِهِدايَتِهِمْ؛ وهَذا عَلى نَحْوِ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلى عُمُومِ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] أيْ جِنْسِهِمُ الإنْسانِيِّ لِأنَّ ذَلِكَ آنَسُ لَهم مِمّا لَوْ كانَ رَسُولُهم مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] .
ولِذَلِكَ عُلِّقَ بِفِعْلِ أرْسَلْنا حَرْفُ ”في“ ولَمْ يُعَلَّقْ بِهِ حَرْفُ ”إلى“ كَما في قَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥]، لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ احْتِجاجٍ وهَذا مَقامُ امْتِنانٍ فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ ما بِهِ تَمامُ المِنَّةِ وهي أنْ جَعَلَ رَسُولَهم فِيهِمْ ومِنهم، أيْ هو مَوْجُودٌ في قَوْمِهِمْ وهو عَرَبِيٌّ مِثْلُهم، والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ هُمُ العَرَبُ أيِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فالأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ يَوْمَئِذٍ تَتَكَلَّمُ بِلِسانٍ واحِدٍ سَواءٌ في ذَلِكَ العَدْنانِيُّونَ والقَحْطانِيُّونَ ومَن تَبِعَهم مِنَ الأحْلافِ والمَوالِي مِثْلِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وبِلالٍ الحَبَشِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ الإسْرائِيلِيِّ، إذْ نِعْمَةُ الرِّسالَةِ في الإبْلاغِ والإفْهامِ، فالرَّسُولُ يُكَلِّمُهم بِلِسانِهِمْ فَيَفْهَمُونَ جَمِيعَ مَقاصِدِهِ، ويُدْرِكُونَ إعْجازَ القُرْآنِ، ويَفُوزُونَ بِمَزِيَّةِ
صفحة ٤٩
نَقْلِ هَذا الدِّينِ إلى الأُمَمِ، وهَذِهِ المَزِيَّةُ يَنالُها كُلُّ مَن يَعْلَمُ اللِّسانَ العَرَبِيَّ كَغالِبِ الأُمَمِ الإسْلامِيَّةِ، وبِذَلِكَ كانَ تَبْلِيغُ الإسْلامِ بِواسِطَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ فَيَكُونُ نَقْلُهُ مُتَواتِرًا، ويَسْهُلُ انْتِشارُهُ سَرِيعًا.
والرَّسُولُ: المُرْسَلُ فَهو فَعُولٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مِثْلُ ذَلُولٍ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ مُطابَقَةِ مَوْصُوفِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وقَوْلُهُ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمُ آياتِنا﴾ أيْ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ وسَمّاهُ أوَّلًا آياتٍ بِاعْتِبارِ كَوْنِ كُلِّ كَلامٍ مِنهُ مُعْجِزَةً، وسَمّاهُ ثانِيًا كِتابًا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ كِتابَ شَرِيعَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
وعَبَّرَ بِـ يَتْلُو لِأنَّ نُزُولَ القُرْآنِ مُسْتَمِرٌّ، وقِراءَةُ النَّبِيءِ لَهُ مُتَوالِيَةٌ وفي كُلِّ قِراءَةٍ يَحْصُلُ عِلْمٌ بِالمُعْجِزَةِ لِلسّامِعِينَ.
وقَوْلُهُ ويُزَكِّيكم إلَخْ: التَّزْكِيَةُ تَطْهِيرُ النَّفْسِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الزَّكاةِ وهي النَّماءُ، وذَلِكَ لِأنَّ في أصْلِ خِلْقَةِ النُّفُوسِ كَمالاتٍ وطَهاراتٍ تَعْتَرِضُها أرْجاسٌ ناشِئَةٌ عَنْ ضَلالٍ أوْ تَضْلِيلٍ، فَتَهْذِيبُ النُّفُوسِ وتَقْوِيمُها يَزِيدُها مِن ذَلِكَ الخَيْرِ المُودَعِ فِيها، قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦]، وفي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الأخْلاقِ»، فَفي الإرْشادِ إلى الصَّلاحِ والكَمالِ نَماءٌ لِما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِنَ الخَيْرِ في الفِطْرَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيْ يُعَلِّمُكُمُ الشَّرِيعَةَ فالكِتابُ هُنا هو القُرْآنُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ كِتابَ تَشْرِيعٍ لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا ويُعَلِّمُكم أُصُولَ الفَضائِلِ، فالحِكْمَةُ هي التَّعالِيمُ المانِعَةُ مِنَ الوُقُوعِ في الخَطَأِ والفَسادِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ وسَيَأْتِي أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وقُدِّمَتْ جُمْلَةُ ويُزَكِّيكم عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ هُنا عَكْسُ ما في الآيَةِ السّابِقَةِ في حِكايَةِ قَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، لِأنَّ المَقامَ هُنا لِلِامْتِنانِ عَلى المُسْلِمِينَ فَقَدَّمَ فِيها ما يُفِيدُ مَعْنى المَنفَعَةِ الحاصِلَةِ مِن تِلاوَةِ الآياتِ عَلَيْهِمْ وهي مَنفَعَةُ تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمُ اهْتِمامًا بِها وبَعْثًا لَها بِالحِرْصِ عَلى تَحْصِيلِ
صفحة ٥٠
وسائِلِها وتَعْجِيلًا لِلْبِشارَةِ بِها. فَأمّا في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ فَقَدْ رُتِّبَتِ الجُمَلُ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ في الخارِجِ، مَعَ ما في ذَلِكَ التَّخالُفِ مِنَ التَّفَنُّنِ.
وقَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تَعْمِيمٌ لِكُلِّ ما كانَ غَيْرَ شَرِيعَةٍ ولا حِكْمَةٍ مِن مَعْرِفَةِ أحْوالِ الأُمَمِ وأحْوالِ سِياسَةِ الدُّوَلِ وأحْوالِ الآخِرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وإنَّما أعادَ قَوْلَهُ ويُعَلِّمُكم مَعَ صِحَّةِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالعَطْفِ تَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هو الكِتابُ والحِكْمَةُ، وتَنْصِيصًا عَلى أنَّ (ما لَمْ تَكُونُوا) مَفْعُولٌ لا مُبْتَدَأٌ حَتّى لا يَتَرَقَّبَ السّامِعُ خَبَرًا لَهُ فَيَضِلُّ فَهْمُهُ في ذَلِكَ التَّرَقُّبِ، واعْلَمْ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ إذا جِيءَ مَعَهُ بِإعادَةِ عامِلِهِ كانَ عاطِفُهُ عامِلًا عَلى مِثْلِهِ، فَصارَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ لَكِنَّ العاطِفَ حِينَئِذٍ أشْبَهُ بِالمُؤَكِّدِ لِمَدْلُولِ العامِلِ.
البقرة 2:152
﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عاطِفَةُ جُمْلَةِ الأمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ وشُكْرِهِ عَلى جُمَلِ النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ؛ أيْ إذْ قَدْ أنْعَمْتُ عَلَيْكم بِهاتِهِ النِّعَمِ فَأنا آمُرُكم بِذِكْرِي، وقَوْلُهُ ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ فِعْلانِ مُشْتَقّانِ مِنَ الذِّكْرِ بِكَسْرِ الذّالِ ومِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّها، والكُلُّ مَأْمُورٌ بِهِ لِأنَّنا مَأْمُورُونَ بِتَذَكُّرِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الأفْعالِ لِنَذْكُرَ أوامِرَهُ ونَواهِيَهُ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ومَأْمُورُونَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى بِألْسِنَتِنا في جُمَلٍ تَدُلُّ عَلى حَمْدِهِ وتَقْدِيسِهِ والدَّعْوَةِ إلى طاعَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ» والذِّكْرُ في قَوْلِهِ أذْكُرْكم يَجِيءُ عَلى المَعْنَيَيْنِ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ في قَوْلِهِ اذْكُرُونِي عَلى الوَجْهَيْنِ لِأنَّ الذِّكْرَ لا يَتَعَلَّقُ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى فالتَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا عَظَمَتِي وصِفاتِي وثَنائِي وما تَرَتَّبَ عَلَيْها مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، أوِ اذْكُرُوا نِعَمِي ومَحامِدِي، وهو تَقْدِيرٌ مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ، وأمّا أذْكُرْكم فَهو مَجازٌ، أيْ أُعامِلْكم مُعامَلَةَ مَن لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ بِزِيادَةِ النِّعَمِ والنَّصْرِ والعِنايَةِ في الدُّنْيا، وبِالثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في الآخِرَةِ، أوْ أخْلُقْ ما يَفْهَمُ مِنهُ النّاسُ في المَلَأِ الأعْلى وفي الأرْضِ فَضْلَكم والرِّضى عَنْكم، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وحُسْنَ مَصِيرِكم في الآخِرَةِ، لِأنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيَّيْنِ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّ تَعْدِيَتَهُ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا عَلى طَرِيقِ دَلالَةِ
صفحة ٥١
الِاقْتِضاءِ إذْ لَيْسَ المُرادُ تَذَكُّرَ الذَّواتِ ولا ذِكْرَ أسْمائِها بَلِ المُرادُ تَذَكُّرُ ما يَنْفَعُهم إذا وصَلَ إلَيْهِمْ وذِكْرُ فَضائِلِهِمْ.
وقَوْلُهُ واشْكُرُوا لِي أمْرٌ بِالشُّكْرِ الأعَمِّ مِنَ الذِّكْرِ مِن وجْهٍ أوْ مُطْلَقًا، وتَعْدِيَتُهُ لِلْمَفْعُولِ بِاللّامِ هو الأفْصَحُ وتُسَمّى اللّامُ لامَ التَّبْلِيغِ ولامَ التَّبْيِينِ كَما قالُوا نَصَحَ لَهُ ونَصَحَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى فَتَعْسًا لَهم وقَوْلِ النّابِغَةِ:
شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمى وأثْنَيْتُ جاهِدًا وعَطَّلْتُ أعْراضَ العُبَيْدِ بْنِ عامِرِ
وقَوْلِهِ ولا تَكْفُرُونَ نَهْيٌ عَنِ الكُفْرانِ لِلنِّعْمَةِ، والكُفْرانُ مَراتِبُ أعْلاها جَحْدُ النِّعْمَةِ وإنْكارُها ثُمَّ قَصْدُ إخْفائِها، ثُمَّ السُّكُوتُ عَنْ شُكْرِها غَفْلَةً وهَذا أضْعَفُ المَراتِبِ وقَدْ يُعْرِضُ عَنْ غَيْرِ سُوءِ قَصْدٍ لَكِنَّهُ تَقْصِيرٌ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ عَطْفُ قَوْلِهِ ولا تَكْفُرُونِ بِدَلِيلٍ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالشُّكْرِ مُطْلَقٌ أيْ لِأنَّ الأمْرَ لا يَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ فَلا عُمُومَ لَهُ فَيَصْدُقُ بِشُكْرِهِ يَوْمًا واحِدًا فَلَمّا قالَ ولا تَكْفُرُونِ أفادَ النَّهْيَ عَنِ الكُفْرِ دائِمًا، اهـ، يُرِيدُ لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّهْيِ يَعُمُّ، مِثْلَ الفِعْلِ في سِياقِ النَّفْيِ لِأنَّ النَّهْيَ أخُو النَّفْيِ.
البقرة 2:153
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾
هَذِهِ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ تَكْمِلَةً لِدَفْعِ المَطاعِنِ في شَأْنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَلَهُ أشَدُّ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] .
وهُوَ اعْتِراضٌ مُطْنِبٌ ابْتُدِئَ بِهِ إعْدادُ المُسْلِمِينَ لِما هم أهْلُهُ مِن نَصْرِ دِينِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما خَوَّلَهم مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ في الآياتِ السّالِفَةِ مِن جَعْلِهِمْ أُمَّةً وسَطًا وشُهَداءَ عَلى
صفحة ٥٢
النّاسِ، وتَفْضِيلِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى اسْتِقْبالِ أفْضَلِ بُقْعَةٍ، وتَأْيِيدِهِمْ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ، وأمْرِهِمْ بِالِاسْتِخْفافِ بِالظّالِمِينَ وأنْ لا يَخْشَوْهم، وتَبْشِيرِهِمْ بِأنَّهُ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وهَداهم، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، وهَداهم إلى الِامْتِثالِ لِلْأحْكامِ العَظِيمَةِ كالشُّكْرِ والذِّكْرِ، فَإنَّ الشُّكْرَ والذِّكْرَ بِهِما تَهْيِئَةُ النُّفُوسِ إلى عَظِيمِ الأعْمالِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ كُلِّهُ أمَرَهم هُنا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ونَبَّهَهم إلى أنَّهُما عَوْنٌ لِلنَّفْسِ عَلى عَظِيمِ الأعْمالِ، فَناسَبَ تَعْقِيبَها بِها، وأيْضًا فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ أُناسًا مُتَصَدُّونَ لِشَغْبِهِمْ وتَشْكِيكِهِمْ والكَيْدِ لَهم، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ.
وكُلُّها مُتَماسِكَةٌ مُتَناسِبَةُ الِانْتِقالِ عَدا آيَةِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى قَوْلِهِ ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَسَيَأْتِي تَبْيِينُنا لِمَوْقِعِها.
وافْتُتِحَ الكَلامُ بِالنِّداءِ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِخَبَرٍ مُهِمٍّ عَظِيمٍ، فَإنَّ شَأْنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهُولُ المُخاطَبَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَها ما يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِها لِتَسْتَأْنِسَ بِها قَبْلَ أنْ تَفْجَأها.
وفِي افْتِتاحِ هَذا الخِطابِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ إيذانٌ بِأنَّهُ سَيُعْقَبُ بِالنَّدْبِ إلى عَمَلٍ عَظِيمٍ وبَلْوًى شَدِيدَةٍ، وذَلِكَ تَهْيِئَةٌ لِلْجِهادِ، ولَعَلَّهُ إعْدادٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرى، فَإنَّ ابْتِداءَ المَغازِي كانَ قُبَيْلَ زَمَنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إذْ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ في رَجَبٍ أوْ شَعْبانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ وكانَتْ غَزْوَةُ بُواطَ والعُشَيْرَةِ وبَدْرٍ الأُولى في رَبِيعٍ وجُمادى مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِما قِتالٌ، وكانَتْ بَدْرٌ الكُبْرى في رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ فَكانَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أنَّ ما وقَعَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مِن قَوْلِ الرّاوِي أنَّ ناسًا قُتِلُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، أنَّهُ تَوَهُّمٌ مِن أحَدِ الرُّواةِ عَنِ البَراءِ، فَإنَّ أوَّلَ قَتْلٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ وهي بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ، والأصَحُّ ما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «لَمّا وُجِّهَ النَّبِيءُ إلى الكَعْبَةِ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ» الحَدِيثَ فَلَمْ يَقُلِ: الَّذِينَ قُتِلُوا.
فالوَجْهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تَهْيِئَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِلصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ، وتَحْبِيبٌ لِلشَّهادَةِ إلَيْهِمْ.
صفحة ٥٣
ولِذَلِكَ وقَعَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ وهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا في وقْعَةِ بَدْرٍ بُعَيْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ إلّا أنّا نَقُولُ هُنا إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ عِلْمًا مِنهُ بِضَعْفِ عَزائِمِهِمْ عَنْ عَظائِمِ الأعْمالِ وقالَ هُنالِكَ ﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] ولَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذا هُنا، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ يُسِرَّ لَهم ما يَصْعُبُ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّهُمُ الخاشِعُونَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ هُنالِكَ، وزادَ هُنا فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فَبَشَّرَهم بِأنَّهم مِمَّنْ يَمْتَثِلُ هَذا الأمْرَ ويُعَدُّ لِذَلِكَ في زُمْرَةِ الصّابِرِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ أيِ اصْبِرُوا لِيَكُونَ اللَّهُ مَعَكم لِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ﴾
عَطَفَ النَّهْيَ عَلى الأمْرِ قَبْلَهُ لِمُناسَبَةِ التَّعَرُّضِ لِلْغَزْوِ مِمّا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَرَفُوا أنَّ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ أقْوى ما يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ، ولَكِنْ نَبَّهَ مَعَ ذَلِكَ عَلى أنَّ الصَّبْرَ يَنْقَلِبُ شُكْرًا عِنْدَما يَرى الشَّهِيدُ كَرامَتَهُ بَعْدَ الشَّهادَةِ، وعِنْدَما يُوقِنُ ذَوُوهُ بِمَصِيرِهِ مِنَ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَقَوْلُهُ ولا تَقُولُوا نَهْيٌ عَنِ القَوْلِ النّاشِئِ عَنِ اعْتِقادٍ، ذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقُولُ إلّا ما يَعْتَقِدُ فالمَعْنى: ولا تَعْتَقِدُوا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَكْمِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ البَراءِ فَإنَّهُ قالَ: قُتِلَ أُناسٌ قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، فَأعْقَبَ قَوْلَهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بِأنَّ فَضِيلَةَ شَهادَتِهم غَيْرُ مَنقُوصَةٍ.
وارْتَفَعَ أمْواتٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ.
وبَلْ لِلْإضْرابِ الإبْطالِي إبْطالًا لِمَضْمُونِ المَنهِيِّ عَنْ قَوْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولَيْسَ المَعْنى بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ لِأنَّ المُرادَ إخْبارُ المُخاطَبِينَ هَذا الخَبَرَ العَظِيمَ، فَقَوْلُهُ أحْياءٌ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ ”بَلِ“ الإضْرابِيَّةِ.
وإنَّما قالَ ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها حَياةٌ غَيْرُ جِسْمِيَّةٍ ولا مادِّيَّةٍ
صفحة ٥٤
بَلْ حَياةٌ رُوحِيَّةٌ، لَكِنَّها زائِدَةٌ عَلى مُطْلَقِ حَياةِ الأرْواحِ، فَإنَّ لِلْأرْواحِ كُلِّها حَياةً وهي عَدَمُ الِاضْمِحْلالِ وقَبُولُ التَّجَسُّدِ في الحَشْرِ مَعَ إحْساسٍ ما بِكَوْنِها آيِلَةً إلى نَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، وأمّا حَياةُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَهي حَياةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى إدْراكاتِ التَّنَعُّمِ بِلَذّاتِ الجَنَّةِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والِانْكِشافاتِ الكامِلَةِ، ولِذَلِكَ ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تُجْعَلُ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْعى مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ وتَشْرَبُ مِن مائِها» .
والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ اتِّصالَ اللَّذّاتِ بِالأرْواحِ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَوَسُّطِ الحَواسِّ الجُسْمانِيَّةِ، فَلَمّا انْفَصَلَتِ الرُّوحُ عَنِ الجَسَدِ عُوِّضَتْ جَسَدًا مُناسِبًا لِلْجَنَّةِ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِنَعِيمِها.
البقرة 2:154
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾
هَذِهِ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ تَكْمِلَةً لِدَفْعِ المَطاعِنِ في شَأْنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَلَهُ أشَدُّ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] .
وهُوَ اعْتِراضٌ مُطْنِبٌ ابْتُدِئَ بِهِ إعْدادُ المُسْلِمِينَ لِما هم أهْلُهُ مِن نَصْرِ دِينِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما خَوَّلَهم مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ في الآياتِ السّالِفَةِ مِن جَعْلِهِمْ أُمَّةً وسَطًا وشُهَداءَ عَلى
صفحة ٥٢
النّاسِ، وتَفْضِيلِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى اسْتِقْبالِ أفْضَلِ بُقْعَةٍ، وتَأْيِيدِهِمْ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ، وأمْرِهِمْ بِالِاسْتِخْفافِ بِالظّالِمِينَ وأنْ لا يَخْشَوْهم، وتَبْشِيرِهِمْ بِأنَّهُ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وهَداهم، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، وهَداهم إلى الِامْتِثالِ لِلْأحْكامِ العَظِيمَةِ كالشُّكْرِ والذِّكْرِ، فَإنَّ الشُّكْرَ والذِّكْرَ بِهِما تَهْيِئَةُ النُّفُوسِ إلى عَظِيمِ الأعْمالِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ كُلِّهُ أمَرَهم هُنا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ونَبَّهَهم إلى أنَّهُما عَوْنٌ لِلنَّفْسِ عَلى عَظِيمِ الأعْمالِ، فَناسَبَ تَعْقِيبَها بِها، وأيْضًا فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ أُناسًا مُتَصَدُّونَ لِشَغْبِهِمْ وتَشْكِيكِهِمْ والكَيْدِ لَهم، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ.
وكُلُّها مُتَماسِكَةٌ مُتَناسِبَةُ الِانْتِقالِ عَدا آيَةِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى قَوْلِهِ ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَسَيَأْتِي تَبْيِينُنا لِمَوْقِعِها.
وافْتُتِحَ الكَلامُ بِالنِّداءِ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِخَبَرٍ مُهِمٍّ عَظِيمٍ، فَإنَّ شَأْنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهُولُ المُخاطَبَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَها ما يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِها لِتَسْتَأْنِسَ بِها قَبْلَ أنْ تَفْجَأها.
وفِي افْتِتاحِ هَذا الخِطابِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ إيذانٌ بِأنَّهُ سَيُعْقَبُ بِالنَّدْبِ إلى عَمَلٍ عَظِيمٍ وبَلْوًى شَدِيدَةٍ، وذَلِكَ تَهْيِئَةٌ لِلْجِهادِ، ولَعَلَّهُ إعْدادٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرى، فَإنَّ ابْتِداءَ المَغازِي كانَ قُبَيْلَ زَمَنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إذْ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ في رَجَبٍ أوْ شَعْبانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ وكانَتْ غَزْوَةُ بُواطَ والعُشَيْرَةِ وبَدْرٍ الأُولى في رَبِيعٍ وجُمادى مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِما قِتالٌ، وكانَتْ بَدْرٌ الكُبْرى في رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ فَكانَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أنَّ ما وقَعَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مِن قَوْلِ الرّاوِي أنَّ ناسًا قُتِلُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، أنَّهُ تَوَهُّمٌ مِن أحَدِ الرُّواةِ عَنِ البَراءِ، فَإنَّ أوَّلَ قَتْلٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ وهي بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ، والأصَحُّ ما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «لَمّا وُجِّهَ النَّبِيءُ إلى الكَعْبَةِ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ» الحَدِيثَ فَلَمْ يَقُلِ: الَّذِينَ قُتِلُوا.
فالوَجْهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تَهْيِئَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِلصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ، وتَحْبِيبٌ لِلشَّهادَةِ إلَيْهِمْ.
صفحة ٥٣
ولِذَلِكَ وقَعَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ وهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا في وقْعَةِ بَدْرٍ بُعَيْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ إلّا أنّا نَقُولُ هُنا إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ عِلْمًا مِنهُ بِضَعْفِ عَزائِمِهِمْ عَنْ عَظائِمِ الأعْمالِ وقالَ هُنالِكَ ﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] ولَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذا هُنا، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ يُسِرَّ لَهم ما يَصْعُبُ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّهُمُ الخاشِعُونَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ هُنالِكَ، وزادَ هُنا فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فَبَشَّرَهم بِأنَّهم مِمَّنْ يَمْتَثِلُ هَذا الأمْرَ ويُعَدُّ لِذَلِكَ في زُمْرَةِ الصّابِرِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ أيِ اصْبِرُوا لِيَكُونَ اللَّهُ مَعَكم لِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ﴾
عَطَفَ النَّهْيَ عَلى الأمْرِ قَبْلَهُ لِمُناسَبَةِ التَّعَرُّضِ لِلْغَزْوِ مِمّا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَرَفُوا أنَّ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ أقْوى ما يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ، ولَكِنْ نَبَّهَ مَعَ ذَلِكَ عَلى أنَّ الصَّبْرَ يَنْقَلِبُ شُكْرًا عِنْدَما يَرى الشَّهِيدُ كَرامَتَهُ بَعْدَ الشَّهادَةِ، وعِنْدَما يُوقِنُ ذَوُوهُ بِمَصِيرِهِ مِنَ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَقَوْلُهُ ولا تَقُولُوا نَهْيٌ عَنِ القَوْلِ النّاشِئِ عَنِ اعْتِقادٍ، ذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقُولُ إلّا ما يَعْتَقِدُ فالمَعْنى: ولا تَعْتَقِدُوا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَكْمِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ البَراءِ فَإنَّهُ قالَ: قُتِلَ أُناسٌ قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، فَأعْقَبَ قَوْلَهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بِأنَّ فَضِيلَةَ شَهادَتِهم غَيْرُ مَنقُوصَةٍ.
وارْتَفَعَ أمْواتٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ.
وبَلْ لِلْإضْرابِ الإبْطالِي إبْطالًا لِمَضْمُونِ المَنهِيِّ عَنْ قَوْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولَيْسَ المَعْنى بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ لِأنَّ المُرادَ إخْبارُ المُخاطَبِينَ هَذا الخَبَرَ العَظِيمَ، فَقَوْلُهُ أحْياءٌ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ ”بَلِ“ الإضْرابِيَّةِ.
وإنَّما قالَ ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها حَياةٌ غَيْرُ جِسْمِيَّةٍ ولا مادِّيَّةٍ
صفحة ٥٤
بَلْ حَياةٌ رُوحِيَّةٌ، لَكِنَّها زائِدَةٌ عَلى مُطْلَقِ حَياةِ الأرْواحِ، فَإنَّ لِلْأرْواحِ كُلِّها حَياةً وهي عَدَمُ الِاضْمِحْلالِ وقَبُولُ التَّجَسُّدِ في الحَشْرِ مَعَ إحْساسٍ ما بِكَوْنِها آيِلَةً إلى نَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، وأمّا حَياةُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَهي حَياةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى إدْراكاتِ التَّنَعُّمِ بِلَذّاتِ الجَنَّةِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والِانْكِشافاتِ الكامِلَةِ، ولِذَلِكَ ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تُجْعَلُ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْعى مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ وتَشْرَبُ مِن مائِها» .
والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ اتِّصالَ اللَّذّاتِ بِالأرْواحِ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَوَسُّطِ الحَواسِّ الجُسْمانِيَّةِ، فَلَمّا انْفَصَلَتِ الرُّوحُ عَنِ الجَسَدِ عُوِّضَتْ جَسَدًا مُناسِبًا لِلْجَنَّةِ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِنَعِيمِها.
البقرة 2:155
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾
عَطَفَ لَنَبْلُوَنَّكم عَلى قَوْلِهِ ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] عَطْفَ المَقْصِدِ عَلى المُقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ولَنَبْلُوَنَّكم عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآياتِ لِيُعْلِمَ المُسْلِمِينَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ ومَنزِلَةَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ لَحاقِ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِأسْبابِها، وأنَّ تِلْكَ المَصائِبَ مَظْهَرٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ فَيَنالُونَ بِذَلِكَ بَهْجَةَ نُفُوسِهِمْ بِما أصابَهم في مَرْضاةِ اللَّهِ ويَزْدادُونَ بِهِ رِفْعَةً وزَكاءً، ويَزْدادُونَ يَقِينًا بِأنَّ اتِّباعَهم لِهَذا الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِنَوالَ حُظُوظٍ في الدُّنْيا، ويَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ ثَوابٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] الآيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِيَكُونَ نَصِيحَةً لِعِلاجِ الأمْرَيْنِ تَمامِ النِّعْمَةِ والهُدى والِابْتِلاءِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ ما يُصَيِّرُ الجَمِيعَ خَبَرًا بِقَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ .
وجِيءَ بِكَلِمَةِ شَيْءٍ تَهْوِينًا لِلْخَبَرِ المُفْجِعِ، وإشارَةً إلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذا الِابْتِلاءِ وبَيْنَ الجُوعِ والخَوْفِ اللَّذَيْنِ سَلَّطَهُما اللَّهُ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ عُقُوبَةً، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] ولِذَلِكَ جاءَ هُنا بِكَلِمَةِ شَيْءٍ وجاءَ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ، وهو أنِ اسْتَعارَ لَها اللِّباسَ اللّازِمَ لِلّابِسِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ مِن أسْماءِ الأجْناسِ
صفحة ٥٥
العالِيَةِ العامَّةِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى اسْمِ جِنْسٍ أوْ بُيِّنَتْ بِهِ عُلِمَ أنَّ المُتَكَلِّمَ ما زادَ كَلِمَةَ شَيْءٍ قَبْلَ اسْمِ ذَلِكَ الجِنْسِ إلّا لِقَصْدِ التَّقْلِيلِ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُ بَعْدَها لَوْ شاءَ المُتَكَلِّمُ لَأغْنى غَناءَها، فَما ذَكَرَ كَلِمَةَ شَيْءٍ إلّا والقَصْدُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ تَنْكِيرَ اسْمِ الجِنْسِ لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ ولا لِلتَّنْوِيعِ، فَبَقِيَ لَهُ الدَّلالَةُ عَلى التَّحْقِيرِ وهَذا كَقَوْلِ السَّرِيِّ مُخاطِبًا لِأبِي إسْحاقَ الصّابِي:
فَشَيْئًا مِن دَمِ العُنْقُو دِ أجْعَلُهُ مَكانَ دَمِي
فَقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ عُدُولٌ عَنْ أنْ يَقُولَ: بِخَوْفٍ وجُوعٍ، أمّا لَوْ ذَكَرَ لَفْظَ شَيْءٍ مَعَ غَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ كَما إذا أُتْبِعَ بِوَصْفٍ أوْ لَمْ يُتْبَعْ أوْ أُضِيفَ لِغَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ فَهو حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّنْوِيعِ نَحْوُ قَوْلِ قُحَيْطٍ العِجْلِيِّ:
فَلا تَطْمَعْ أبَيْتَ اللَّعْنَ فِيها ∗∗∗ ومَنَعُكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ
فَقَدْ فَسَّرَهُ المَرْزُوقِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ مَعْنى بِشَيْءٍ بِمَعْنًى مِنَ المَعانِي مِن غَلَبَةٍ أوْ مَعازَةٍ أوْ فِداءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وقَدْ يَكُونُ بَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المُقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهو الدِّيَةُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ أوْ هو العَفْوُ عَلى تَفْسِيرٍ آخَرَ، وقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
ومِن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِن شَيْءِ غَيْرِهِ ∗∗∗ إذا راحَ نَحْوَ الجَمْرَةِ البَيْضُ كالدُّمى
أيْ مِن مَحاسِنِ امْرَأةٍ غَيْرِ امْرَأتِهِ.
وقَوْلِ أبى حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
إذا ما تَقاضى المَرْءَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ∗∗∗ تَقاضاهُ شَيْءٌ لا يَمَلُّ التَّقاضِيا
أيْ شَيْءٌ مِنَ الزَّمانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] أيْ مِنِ الغَناءِ.
صفحة ٥٦
وكَأنَّ مُراعاةَ هَذَيْنِ الِاسْتِعْمالَيْنِ في كَلِمَةِ ”شَيْءٍ“ هو الَّذِي دَعا الشَّيْخَ عَبَدَ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ إلى الحُكْمِ بِحُسْنِ وقْعِ كَلِمَةِ شَيْءٍ في بَيْتِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ وبَيْتِ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ، وبِقِلَّتِها وتَضاؤُلِها في قَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
لَوِ الفَلَكُ الدَّوّارُ أبْغَضْتَ سَعْيَهُ ∗∗∗ لَعَوَّقَهُ شَيْءٌ عَنِ الدَّوَرانِ
لِأنَّها في بَيْتِ أبِي الطَّيِّبِ لا يَتَعَلَّقُ بِها مَعْنى التَّقْلِيلِ كَما هو ظاهِرٌ ولا التَّنْوِيعِ لِقِلَّةِ جَدْوى التَّنْوِيعِ هُنا إذْ لا يَجْهَلُ أحَدٌ أنَّ مُعَوِّقَ الفَلَكِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ شَيْئًا.
والمُرادُ بِالخَوْفِ والجُوعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِما مَعانِيها المُتَبادِرَةُ وهي ما أصابَ المُسْلِمِينَ مِنِ القِلَّةِ وتَألُّبِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ، كَما وقَعَ في يَوْمِ الأحْزابِ إذْ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن أسْفَلَ مِنهم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وأمّا الجُوعُ فَكَما أصابَهم مِن قِلَّةِ الأزْوادِ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ونَقْصِ الأمْوالِ ما يَنْشَأُ عَنْ قِلَّةِ العِنايَةِ بِنَخِيلِهِمْ في خُرُوجِهِمْ إلى الغَزْوِ، ونَقْصُ الأنْفُسِ يَكُونُ بِقِلَّةِ الوِلادَةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ نِسائِهِمْ كَما قالَ النّابِغَةُ:
شُعَبُ العِلافِيّاتِ بَيْنَ فُرُوجِهِمْ ∗∗∗ والمُحْصَناتُ عَوازِبُ الأطْهارِ
وكَما قالَ الأعْشى يَمْدَحُ هَوْذَةَ بْنَ عَلِيٍّ صاحِبَ اليَمامَةِ، بِكَثْرَةِ غَزَواتِهِ:
أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا
مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي المَجْدِ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
وكَذَلِكَ نَقْصُ الأنْفُسَ بِالِاسْتِشْهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وما يُصِيبُهم في خِلالِ ذَلِكَ وفِيما بَعْدَهُ مِن مَصائِبَ تَرْجِعُ إلى هاتِهِ الأُمُورِ.
والكَلامُ عَلى الأمْوالِ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] في هَذِهِ السُّورَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
* * *
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ولَنَبْلُوَنَّكم، والخُطّابُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِمُناسَبَةِ أنَّهُ مِمَّنْ شَمِلَهُ قَوْلُهُ ولَنَبْلُوَنَّكم وهو عَطْفُ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ ولا ضَمِيرَ فِيهِ عِنْدَ مَن تَحَقَّقَ أسالِيبَ العَرَبِ ورَأى في كَلامِهِمْ كَثْرَةَ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وعَكْسِهِ.
صفحة ٥٧
وأُفِيدَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو حُصُولُ الصَّلَواتِ والرَّحْمَةِ والهُدى لِلصّابِرِينَ بِطَرِيقَةِ التَّبْشِيرِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ تَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ، وزِيادَةً في تَعَلُّقِ المُؤْمِنِينَ بِهِ بِحَيْثُ تَحْصُلُ خَيْراتُهم بِواسِطَتِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ مِن لَطائِفِ القُرْآنِ إسْنادُ البَلْوى إلى اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ الرَّسُولِ، وإسْنادُ البِشارَةِ بِالخَيْرِ الآتِي مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ.
والكَلامُ عَلى الصَّبْرِ وفَضائِلِهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .
ووَصْفُ الصّابِرِينَ بِأنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا﴾ إلَخْ لِإفادَةِ أنَّ صَبْرَهم أكْمَلُ الصَّبْرِ إذْ هو صَبْرٌ مُقْتَرِنٌ بِبَصِيرَةٍ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ يَعْلَمُونَ عَنْدَ المُصِيبَةِ أنَّهم مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ فَلا يَجْزَعُونَ مِمّا يَأْتِيهِمْ، ويَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلَيْهِ فَيُثِيبُهم عَلى ذَلِكَ، فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ هُنا القَوْلُ المُطابِقُ لِلِاعْتِقادِ إذِ الكَلامُ إنَّما وُضِعَ لِلصِّدْقِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ القَوْلُ مُعْتَبَرًا إذا كانَ تَعْبِيرًا عَمّا في الضَّمِيرِ فَلَيْسَ لِمَن قالَ هاتِهِ الكَلِماتِ بِدُونِ اعْتِقادٍ لَها فَضْلٌ وإنَّما هو كالَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ، وقَدْ عَلَّمَهُمُ اللَّهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الجامِعَةَ لِتَكُونَ شِعارَهم عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ الِاعْتِقادَ يَقْوى بِالتَّصْرِيحِ لِأنَّ اسْتِحْضارَ النَّفْسِ لِلْمُدْرَكاتِ المَعْنَوِيَّةِ ضَعِيفٌ يَحْتاجُ إلى التَّقْوِيَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الحِسِّ، ولِأنَّ في تَصْرِيحِهِمْ بِذَلِكَ إعْلانًا لِهَذا الِاعْتِقادِ وتَعْلِيمًا لَهُ لِلنّاسِ. والمُصِيبَةُ يَأْتِي الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ [النساء: ٧٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
والتَّوْكِيدُ بِإنَّ في قَوْلِهِمْ إنّا لِلَّهِ لِأنَّ المُقامَ مَقامُ اهْتِمامٍ، ولِأنَّهُ يُنْزِلُ المُصابَ فِيهِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ كَوْنُهُ مِلْكًا لِلَّهِ تَعالى وعَبْدًا لَهُ إذْ تُنْسِيهِ المُصِيبَةُ ذَلِكَ ويَحُولُ هَوْلُها بَيْنَهُ وبَيْنَ رُشْدِهِ. واللّامُ فِيهِ لِلْمُلْكِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ السّابِقَةِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وأنَّ الحُكْمَ الَّذِي يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ مِثْلُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وهَذا بَيانٌ لِجَزاءِ صَبْرِهِمْ. والصَّلَواتُ هُنا مَجازٌ في التَّزْكِياتِ والمَغْفِراتِ ولِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها الرَّحْمَةُ الَّتِي هي مِن مَعانِي الصَّلاةِ مَجازًا في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وحَقِيقَةُ الصَّلاةِ في كَلامِ العَرَبِ أنَّها أقْوالٌ تُنْبِئُ عَنْ مَحَبَّةِ الخَيْرِ لِأحَدٍ، ولِذَلِكَ كانَ
صفحة ٥٨
أشْهَرُ مَعانِيها هو الدُّعاءَ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] ولِأجْلِ ذَلِكَ كانَ إسْنادُ هَذا الفِعْلِ لِمَن لا يُطْلَبُ الخَيْرُ إلّا مِنهُ مُتَعَيِّنًا لِلْمَجازِ في لازِمِ المَعْنى وهو حُصُولُ الخَيْرِ، فَكانَتِ الصَّلاةُ إذا أُسْنِدَتْ إلى اللَّهِ أوْ أُضِيفَتْ إلَيْهِ دالَّةً عَلى الرَّحْمَةِ وإيصالِ ما بِهِ النَّفْعُ مِن رَحْمَةٍ أوْ مَغْفِرَةٍ أوْ تَزْكِيَةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ بَيانٌ لِفَضِيلَةِ صِفَتِهِمْ إذِ اهْتَدَوْا لِما هو حَقُّ كُلِّ عَبْدٍ عارِفٍ فَلَمْ تُزْعِجْهُمُ المَصائِبُ ولَمْ تَكُنْ لَهم حاجِبًا عَنِ التَّحَقُّقِ في مَقامِ الصَّبْرِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ الحَياةَ لا تَخْلُو مِنَ الأكْدارِ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا فَهم يَجْعَلُونَ المَصائِبَ سَبَبًا في اعْتِراضِهِمْ عَلى اللَّهِ أوْ كُفْرِهِمْ بِهِ أوْ قَوْلِ ما لا يَلِيقُ أوْ شَكِّهِمْ في صِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ هَذا هو الدِّينَ المَرْضِيَّ لِلَّهِ لَما لَحِقَنا عَذابٌ ومُصِيبَةٌ، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الضَّلالِ الَّذِينَ حَذَّرَنا اللَّهُ أمْرَهم بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقالَ في المُنافِقِينَ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، والقَوْلُ الفَصْلُ أنَّ جَزاءَ الأعْمالِ يَظْهَرُ في الآخِرَةِ، وأمّا مَصائِبُ الدُّنْيا فَمُسَبَّبَةٌ عَنْ أسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ، تَعْرِضُ لِعُرُوضِ سَبَبِها، وقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ سَبَبَ المُصِيبَةِ عُقُوبَةً لِعَبْدِهِ في الدُّنْيا عَلى سُوءِ أدَبٍ أوْ نَحْوِهِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وقَدْ تَكُونُ لِرَفْعِ دَرَجاتِ النَّفْسِ، ولَها أحْوالٌ ودَقائِقُ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى وقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْها العَبْدُ إذا راقَبَ نَفْسَهُ وحاسَبَها، ولِلَّهِ تَعالى في الحالَيْنِ لُطْفٌ ونِكايَةٌ يَظْهَرُ أثَرُ أحَدِهِما لِلْعارِفِينَ.
البقرة 2:156
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾
عَطَفَ لَنَبْلُوَنَّكم عَلى قَوْلِهِ ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] عَطْفَ المَقْصِدِ عَلى المُقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ولَنَبْلُوَنَّكم عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآياتِ لِيُعْلِمَ المُسْلِمِينَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ ومَنزِلَةَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ لَحاقِ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِأسْبابِها، وأنَّ تِلْكَ المَصائِبَ مَظْهَرٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ فَيَنالُونَ بِذَلِكَ بَهْجَةَ نُفُوسِهِمْ بِما أصابَهم في مَرْضاةِ اللَّهِ ويَزْدادُونَ بِهِ رِفْعَةً وزَكاءً، ويَزْدادُونَ يَقِينًا بِأنَّ اتِّباعَهم لِهَذا الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِنَوالَ حُظُوظٍ في الدُّنْيا، ويَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ ثَوابٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] الآيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِيَكُونَ نَصِيحَةً لِعِلاجِ الأمْرَيْنِ تَمامِ النِّعْمَةِ والهُدى والِابْتِلاءِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ ما يُصَيِّرُ الجَمِيعَ خَبَرًا بِقَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ .
وجِيءَ بِكَلِمَةِ شَيْءٍ تَهْوِينًا لِلْخَبَرِ المُفْجِعِ، وإشارَةً إلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذا الِابْتِلاءِ وبَيْنَ الجُوعِ والخَوْفِ اللَّذَيْنِ سَلَّطَهُما اللَّهُ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ عُقُوبَةً، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] ولِذَلِكَ جاءَ هُنا بِكَلِمَةِ شَيْءٍ وجاءَ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ، وهو أنِ اسْتَعارَ لَها اللِّباسَ اللّازِمَ لِلّابِسِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ مِن أسْماءِ الأجْناسِ
صفحة ٥٥
العالِيَةِ العامَّةِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى اسْمِ جِنْسٍ أوْ بُيِّنَتْ بِهِ عُلِمَ أنَّ المُتَكَلِّمَ ما زادَ كَلِمَةَ شَيْءٍ قَبْلَ اسْمِ ذَلِكَ الجِنْسِ إلّا لِقَصْدِ التَّقْلِيلِ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُ بَعْدَها لَوْ شاءَ المُتَكَلِّمُ لَأغْنى غَناءَها، فَما ذَكَرَ كَلِمَةَ شَيْءٍ إلّا والقَصْدُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ تَنْكِيرَ اسْمِ الجِنْسِ لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ ولا لِلتَّنْوِيعِ، فَبَقِيَ لَهُ الدَّلالَةُ عَلى التَّحْقِيرِ وهَذا كَقَوْلِ السَّرِيِّ مُخاطِبًا لِأبِي إسْحاقَ الصّابِي:
فَشَيْئًا مِن دَمِ العُنْقُو دِ أجْعَلُهُ مَكانَ دَمِي
فَقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ عُدُولٌ عَنْ أنْ يَقُولَ: بِخَوْفٍ وجُوعٍ، أمّا لَوْ ذَكَرَ لَفْظَ شَيْءٍ مَعَ غَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ كَما إذا أُتْبِعَ بِوَصْفٍ أوْ لَمْ يُتْبَعْ أوْ أُضِيفَ لِغَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ فَهو حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّنْوِيعِ نَحْوُ قَوْلِ قُحَيْطٍ العِجْلِيِّ:
فَلا تَطْمَعْ أبَيْتَ اللَّعْنَ فِيها ∗∗∗ ومَنَعُكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ
فَقَدْ فَسَّرَهُ المَرْزُوقِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ مَعْنى بِشَيْءٍ بِمَعْنًى مِنَ المَعانِي مِن غَلَبَةٍ أوْ مَعازَةٍ أوْ فِداءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وقَدْ يَكُونُ بَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المُقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهو الدِّيَةُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ أوْ هو العَفْوُ عَلى تَفْسِيرٍ آخَرَ، وقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
ومِن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِن شَيْءِ غَيْرِهِ ∗∗∗ إذا راحَ نَحْوَ الجَمْرَةِ البَيْضُ كالدُّمى
أيْ مِن مَحاسِنِ امْرَأةٍ غَيْرِ امْرَأتِهِ.
وقَوْلِ أبى حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
إذا ما تَقاضى المَرْءَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ∗∗∗ تَقاضاهُ شَيْءٌ لا يَمَلُّ التَّقاضِيا
أيْ شَيْءٌ مِنَ الزَّمانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] أيْ مِنِ الغَناءِ.
صفحة ٥٦
وكَأنَّ مُراعاةَ هَذَيْنِ الِاسْتِعْمالَيْنِ في كَلِمَةِ ”شَيْءٍ“ هو الَّذِي دَعا الشَّيْخَ عَبَدَ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ إلى الحُكْمِ بِحُسْنِ وقْعِ كَلِمَةِ شَيْءٍ في بَيْتِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ وبَيْتِ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ، وبِقِلَّتِها وتَضاؤُلِها في قَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
لَوِ الفَلَكُ الدَّوّارُ أبْغَضْتَ سَعْيَهُ ∗∗∗ لَعَوَّقَهُ شَيْءٌ عَنِ الدَّوَرانِ
لِأنَّها في بَيْتِ أبِي الطَّيِّبِ لا يَتَعَلَّقُ بِها مَعْنى التَّقْلِيلِ كَما هو ظاهِرٌ ولا التَّنْوِيعِ لِقِلَّةِ جَدْوى التَّنْوِيعِ هُنا إذْ لا يَجْهَلُ أحَدٌ أنَّ مُعَوِّقَ الفَلَكِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ شَيْئًا.
والمُرادُ بِالخَوْفِ والجُوعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِما مَعانِيها المُتَبادِرَةُ وهي ما أصابَ المُسْلِمِينَ مِنِ القِلَّةِ وتَألُّبِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ، كَما وقَعَ في يَوْمِ الأحْزابِ إذْ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن أسْفَلَ مِنهم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وأمّا الجُوعُ فَكَما أصابَهم مِن قِلَّةِ الأزْوادِ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ونَقْصِ الأمْوالِ ما يَنْشَأُ عَنْ قِلَّةِ العِنايَةِ بِنَخِيلِهِمْ في خُرُوجِهِمْ إلى الغَزْوِ، ونَقْصُ الأنْفُسِ يَكُونُ بِقِلَّةِ الوِلادَةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ نِسائِهِمْ كَما قالَ النّابِغَةُ:
شُعَبُ العِلافِيّاتِ بَيْنَ فُرُوجِهِمْ ∗∗∗ والمُحْصَناتُ عَوازِبُ الأطْهارِ
وكَما قالَ الأعْشى يَمْدَحُ هَوْذَةَ بْنَ عَلِيٍّ صاحِبَ اليَمامَةِ، بِكَثْرَةِ غَزَواتِهِ:
أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا
مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي المَجْدِ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
وكَذَلِكَ نَقْصُ الأنْفُسَ بِالِاسْتِشْهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وما يُصِيبُهم في خِلالِ ذَلِكَ وفِيما بَعْدَهُ مِن مَصائِبَ تَرْجِعُ إلى هاتِهِ الأُمُورِ.
والكَلامُ عَلى الأمْوالِ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] في هَذِهِ السُّورَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
* * *
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ولَنَبْلُوَنَّكم، والخُطّابُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِمُناسَبَةِ أنَّهُ مِمَّنْ شَمِلَهُ قَوْلُهُ ولَنَبْلُوَنَّكم وهو عَطْفُ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ ولا ضَمِيرَ فِيهِ عِنْدَ مَن تَحَقَّقَ أسالِيبَ العَرَبِ ورَأى في كَلامِهِمْ كَثْرَةَ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وعَكْسِهِ.
صفحة ٥٧
وأُفِيدَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو حُصُولُ الصَّلَواتِ والرَّحْمَةِ والهُدى لِلصّابِرِينَ بِطَرِيقَةِ التَّبْشِيرِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ تَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ، وزِيادَةً في تَعَلُّقِ المُؤْمِنِينَ بِهِ بِحَيْثُ تَحْصُلُ خَيْراتُهم بِواسِطَتِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ مِن لَطائِفِ القُرْآنِ إسْنادُ البَلْوى إلى اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ الرَّسُولِ، وإسْنادُ البِشارَةِ بِالخَيْرِ الآتِي مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ.
والكَلامُ عَلى الصَّبْرِ وفَضائِلِهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .
ووَصْفُ الصّابِرِينَ بِأنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا﴾ إلَخْ لِإفادَةِ أنَّ صَبْرَهم أكْمَلُ الصَّبْرِ إذْ هو صَبْرٌ مُقْتَرِنٌ بِبَصِيرَةٍ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ يَعْلَمُونَ عَنْدَ المُصِيبَةِ أنَّهم مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ فَلا يَجْزَعُونَ مِمّا يَأْتِيهِمْ، ويَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلَيْهِ فَيُثِيبُهم عَلى ذَلِكَ، فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ هُنا القَوْلُ المُطابِقُ لِلِاعْتِقادِ إذِ الكَلامُ إنَّما وُضِعَ لِلصِّدْقِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ القَوْلُ مُعْتَبَرًا إذا كانَ تَعْبِيرًا عَمّا في الضَّمِيرِ فَلَيْسَ لِمَن قالَ هاتِهِ الكَلِماتِ بِدُونِ اعْتِقادٍ لَها فَضْلٌ وإنَّما هو كالَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ، وقَدْ عَلَّمَهُمُ اللَّهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الجامِعَةَ لِتَكُونَ شِعارَهم عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ الِاعْتِقادَ يَقْوى بِالتَّصْرِيحِ لِأنَّ اسْتِحْضارَ النَّفْسِ لِلْمُدْرَكاتِ المَعْنَوِيَّةِ ضَعِيفٌ يَحْتاجُ إلى التَّقْوِيَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الحِسِّ، ولِأنَّ في تَصْرِيحِهِمْ بِذَلِكَ إعْلانًا لِهَذا الِاعْتِقادِ وتَعْلِيمًا لَهُ لِلنّاسِ. والمُصِيبَةُ يَأْتِي الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ [النساء: ٧٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
والتَّوْكِيدُ بِإنَّ في قَوْلِهِمْ إنّا لِلَّهِ لِأنَّ المُقامَ مَقامُ اهْتِمامٍ، ولِأنَّهُ يُنْزِلُ المُصابَ فِيهِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ كَوْنُهُ مِلْكًا لِلَّهِ تَعالى وعَبْدًا لَهُ إذْ تُنْسِيهِ المُصِيبَةُ ذَلِكَ ويَحُولُ هَوْلُها بَيْنَهُ وبَيْنَ رُشْدِهِ. واللّامُ فِيهِ لِلْمُلْكِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ السّابِقَةِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وأنَّ الحُكْمَ الَّذِي يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ مِثْلُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وهَذا بَيانٌ لِجَزاءِ صَبْرِهِمْ. والصَّلَواتُ هُنا مَجازٌ في التَّزْكِياتِ والمَغْفِراتِ ولِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها الرَّحْمَةُ الَّتِي هي مِن مَعانِي الصَّلاةِ مَجازًا في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وحَقِيقَةُ الصَّلاةِ في كَلامِ العَرَبِ أنَّها أقْوالٌ تُنْبِئُ عَنْ مَحَبَّةِ الخَيْرِ لِأحَدٍ، ولِذَلِكَ كانَ
صفحة ٥٨
أشْهَرُ مَعانِيها هو الدُّعاءَ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] ولِأجْلِ ذَلِكَ كانَ إسْنادُ هَذا الفِعْلِ لِمَن لا يُطْلَبُ الخَيْرُ إلّا مِنهُ مُتَعَيِّنًا لِلْمَجازِ في لازِمِ المَعْنى وهو حُصُولُ الخَيْرِ، فَكانَتِ الصَّلاةُ إذا أُسْنِدَتْ إلى اللَّهِ أوْ أُضِيفَتْ إلَيْهِ دالَّةً عَلى الرَّحْمَةِ وإيصالِ ما بِهِ النَّفْعُ مِن رَحْمَةٍ أوْ مَغْفِرَةٍ أوْ تَزْكِيَةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ بَيانٌ لِفَضِيلَةِ صِفَتِهِمْ إذِ اهْتَدَوْا لِما هو حَقُّ كُلِّ عَبْدٍ عارِفٍ فَلَمْ تُزْعِجْهُمُ المَصائِبُ ولَمْ تَكُنْ لَهم حاجِبًا عَنِ التَّحَقُّقِ في مَقامِ الصَّبْرِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ الحَياةَ لا تَخْلُو مِنَ الأكْدارِ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا فَهم يَجْعَلُونَ المَصائِبَ سَبَبًا في اعْتِراضِهِمْ عَلى اللَّهِ أوْ كُفْرِهِمْ بِهِ أوْ قَوْلِ ما لا يَلِيقُ أوْ شَكِّهِمْ في صِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ هَذا هو الدِّينَ المَرْضِيَّ لِلَّهِ لَما لَحِقَنا عَذابٌ ومُصِيبَةٌ، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الضَّلالِ الَّذِينَ حَذَّرَنا اللَّهُ أمْرَهم بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقالَ في المُنافِقِينَ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، والقَوْلُ الفَصْلُ أنَّ جَزاءَ الأعْمالِ يَظْهَرُ في الآخِرَةِ، وأمّا مَصائِبُ الدُّنْيا فَمُسَبَّبَةٌ عَنْ أسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ، تَعْرِضُ لِعُرُوضِ سَبَبِها، وقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ سَبَبَ المُصِيبَةِ عُقُوبَةً لِعَبْدِهِ في الدُّنْيا عَلى سُوءِ أدَبٍ أوْ نَحْوِهِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وقَدْ تَكُونُ لِرَفْعِ دَرَجاتِ النَّفْسِ، ولَها أحْوالٌ ودَقائِقُ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى وقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْها العَبْدُ إذا راقَبَ نَفْسَهُ وحاسَبَها، ولِلَّهِ تَعالى في الحالَيْنِ لُطْفٌ ونِكايَةٌ يَظْهَرُ أثَرُ أحَدِهِما لِلْعارِفِينَ.
البقرة 2:157
﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾
عَطَفَ لَنَبْلُوَنَّكم عَلى قَوْلِهِ ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] عَطْفَ المَقْصِدِ عَلى المُقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ولَنَبْلُوَنَّكم عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآياتِ لِيُعْلِمَ المُسْلِمِينَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ ومَنزِلَةَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ لَحاقِ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِأسْبابِها، وأنَّ تِلْكَ المَصائِبَ مَظْهَرٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ فَيَنالُونَ بِذَلِكَ بَهْجَةَ نُفُوسِهِمْ بِما أصابَهم في مَرْضاةِ اللَّهِ ويَزْدادُونَ بِهِ رِفْعَةً وزَكاءً، ويَزْدادُونَ يَقِينًا بِأنَّ اتِّباعَهم لِهَذا الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِنَوالَ حُظُوظٍ في الدُّنْيا، ويَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ ثَوابٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] الآيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِيَكُونَ نَصِيحَةً لِعِلاجِ الأمْرَيْنِ تَمامِ النِّعْمَةِ والهُدى والِابْتِلاءِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ ما يُصَيِّرُ الجَمِيعَ خَبَرًا بِقَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ .
وجِيءَ بِكَلِمَةِ شَيْءٍ تَهْوِينًا لِلْخَبَرِ المُفْجِعِ، وإشارَةً إلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذا الِابْتِلاءِ وبَيْنَ الجُوعِ والخَوْفِ اللَّذَيْنِ سَلَّطَهُما اللَّهُ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ عُقُوبَةً، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] ولِذَلِكَ جاءَ هُنا بِكَلِمَةِ شَيْءٍ وجاءَ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ، وهو أنِ اسْتَعارَ لَها اللِّباسَ اللّازِمَ لِلّابِسِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ مِن أسْماءِ الأجْناسِ
صفحة ٥٥
العالِيَةِ العامَّةِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى اسْمِ جِنْسٍ أوْ بُيِّنَتْ بِهِ عُلِمَ أنَّ المُتَكَلِّمَ ما زادَ كَلِمَةَ شَيْءٍ قَبْلَ اسْمِ ذَلِكَ الجِنْسِ إلّا لِقَصْدِ التَّقْلِيلِ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُ بَعْدَها لَوْ شاءَ المُتَكَلِّمُ لَأغْنى غَناءَها، فَما ذَكَرَ كَلِمَةَ شَيْءٍ إلّا والقَصْدُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ تَنْكِيرَ اسْمِ الجِنْسِ لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ ولا لِلتَّنْوِيعِ، فَبَقِيَ لَهُ الدَّلالَةُ عَلى التَّحْقِيرِ وهَذا كَقَوْلِ السَّرِيِّ مُخاطِبًا لِأبِي إسْحاقَ الصّابِي:
فَشَيْئًا مِن دَمِ العُنْقُو دِ أجْعَلُهُ مَكانَ دَمِي
فَقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ عُدُولٌ عَنْ أنْ يَقُولَ: بِخَوْفٍ وجُوعٍ، أمّا لَوْ ذَكَرَ لَفْظَ شَيْءٍ مَعَ غَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ كَما إذا أُتْبِعَ بِوَصْفٍ أوْ لَمْ يُتْبَعْ أوْ أُضِيفَ لِغَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ فَهو حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّنْوِيعِ نَحْوُ قَوْلِ قُحَيْطٍ العِجْلِيِّ:
فَلا تَطْمَعْ أبَيْتَ اللَّعْنَ فِيها ∗∗∗ ومَنَعُكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ
فَقَدْ فَسَّرَهُ المَرْزُوقِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ مَعْنى بِشَيْءٍ بِمَعْنًى مِنَ المَعانِي مِن غَلَبَةٍ أوْ مَعازَةٍ أوْ فِداءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وقَدْ يَكُونُ بَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المُقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهو الدِّيَةُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ أوْ هو العَفْوُ عَلى تَفْسِيرٍ آخَرَ، وقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
ومِن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِن شَيْءِ غَيْرِهِ ∗∗∗ إذا راحَ نَحْوَ الجَمْرَةِ البَيْضُ كالدُّمى
أيْ مِن مَحاسِنِ امْرَأةٍ غَيْرِ امْرَأتِهِ.
وقَوْلِ أبى حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
إذا ما تَقاضى المَرْءَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ∗∗∗ تَقاضاهُ شَيْءٌ لا يَمَلُّ التَّقاضِيا
أيْ شَيْءٌ مِنَ الزَّمانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] أيْ مِنِ الغَناءِ.
صفحة ٥٦
وكَأنَّ مُراعاةَ هَذَيْنِ الِاسْتِعْمالَيْنِ في كَلِمَةِ ”شَيْءٍ“ هو الَّذِي دَعا الشَّيْخَ عَبَدَ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ إلى الحُكْمِ بِحُسْنِ وقْعِ كَلِمَةِ شَيْءٍ في بَيْتِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ وبَيْتِ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ، وبِقِلَّتِها وتَضاؤُلِها في قَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
لَوِ الفَلَكُ الدَّوّارُ أبْغَضْتَ سَعْيَهُ ∗∗∗ لَعَوَّقَهُ شَيْءٌ عَنِ الدَّوَرانِ
لِأنَّها في بَيْتِ أبِي الطَّيِّبِ لا يَتَعَلَّقُ بِها مَعْنى التَّقْلِيلِ كَما هو ظاهِرٌ ولا التَّنْوِيعِ لِقِلَّةِ جَدْوى التَّنْوِيعِ هُنا إذْ لا يَجْهَلُ أحَدٌ أنَّ مُعَوِّقَ الفَلَكِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ شَيْئًا.
والمُرادُ بِالخَوْفِ والجُوعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِما مَعانِيها المُتَبادِرَةُ وهي ما أصابَ المُسْلِمِينَ مِنِ القِلَّةِ وتَألُّبِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ، كَما وقَعَ في يَوْمِ الأحْزابِ إذْ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن أسْفَلَ مِنهم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وأمّا الجُوعُ فَكَما أصابَهم مِن قِلَّةِ الأزْوادِ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ونَقْصِ الأمْوالِ ما يَنْشَأُ عَنْ قِلَّةِ العِنايَةِ بِنَخِيلِهِمْ في خُرُوجِهِمْ إلى الغَزْوِ، ونَقْصُ الأنْفُسِ يَكُونُ بِقِلَّةِ الوِلادَةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ نِسائِهِمْ كَما قالَ النّابِغَةُ:
شُعَبُ العِلافِيّاتِ بَيْنَ فُرُوجِهِمْ ∗∗∗ والمُحْصَناتُ عَوازِبُ الأطْهارِ
وكَما قالَ الأعْشى يَمْدَحُ هَوْذَةَ بْنَ عَلِيٍّ صاحِبَ اليَمامَةِ، بِكَثْرَةِ غَزَواتِهِ:
أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا
مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي المَجْدِ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
وكَذَلِكَ نَقْصُ الأنْفُسَ بِالِاسْتِشْهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وما يُصِيبُهم في خِلالِ ذَلِكَ وفِيما بَعْدَهُ مِن مَصائِبَ تَرْجِعُ إلى هاتِهِ الأُمُورِ.
والكَلامُ عَلى الأمْوالِ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] في هَذِهِ السُّورَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
* * *
﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ولَنَبْلُوَنَّكم، والخُطّابُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِمُناسَبَةِ أنَّهُ مِمَّنْ شَمِلَهُ قَوْلُهُ ولَنَبْلُوَنَّكم وهو عَطْفُ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ ولا ضَمِيرَ فِيهِ عِنْدَ مَن تَحَقَّقَ أسالِيبَ العَرَبِ ورَأى في كَلامِهِمْ كَثْرَةَ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ وعَكْسِهِ.
صفحة ٥٧
وأُفِيدَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو حُصُولُ الصَّلَواتِ والرَّحْمَةِ والهُدى لِلصّابِرِينَ بِطَرِيقَةِ التَّبْشِيرِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ تَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ، وزِيادَةً في تَعَلُّقِ المُؤْمِنِينَ بِهِ بِحَيْثُ تَحْصُلُ خَيْراتُهم بِواسِطَتِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ مِن لَطائِفِ القُرْآنِ إسْنادُ البَلْوى إلى اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ الرَّسُولِ، وإسْنادُ البِشارَةِ بِالخَيْرِ الآتِي مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ.
والكَلامُ عَلى الصَّبْرِ وفَضائِلِهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .
ووَصْفُ الصّابِرِينَ بِأنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا﴾ إلَخْ لِإفادَةِ أنَّ صَبْرَهم أكْمَلُ الصَّبْرِ إذْ هو صَبْرٌ مُقْتَرِنٌ بِبَصِيرَةٍ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ يَعْلَمُونَ عَنْدَ المُصِيبَةِ أنَّهم مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ فَلا يَجْزَعُونَ مِمّا يَأْتِيهِمْ، ويَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلَيْهِ فَيُثِيبُهم عَلى ذَلِكَ، فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ هُنا القَوْلُ المُطابِقُ لِلِاعْتِقادِ إذِ الكَلامُ إنَّما وُضِعَ لِلصِّدْقِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ القَوْلُ مُعْتَبَرًا إذا كانَ تَعْبِيرًا عَمّا في الضَّمِيرِ فَلَيْسَ لِمَن قالَ هاتِهِ الكَلِماتِ بِدُونِ اعْتِقادٍ لَها فَضْلٌ وإنَّما هو كالَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ، وقَدْ عَلَّمَهُمُ اللَّهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الجامِعَةَ لِتَكُونَ شِعارَهم عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ الِاعْتِقادَ يَقْوى بِالتَّصْرِيحِ لِأنَّ اسْتِحْضارَ النَّفْسِ لِلْمُدْرَكاتِ المَعْنَوِيَّةِ ضَعِيفٌ يَحْتاجُ إلى التَّقْوِيَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الحِسِّ، ولِأنَّ في تَصْرِيحِهِمْ بِذَلِكَ إعْلانًا لِهَذا الِاعْتِقادِ وتَعْلِيمًا لَهُ لِلنّاسِ. والمُصِيبَةُ يَأْتِي الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ [النساء: ٧٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
والتَّوْكِيدُ بِإنَّ في قَوْلِهِمْ إنّا لِلَّهِ لِأنَّ المُقامَ مَقامُ اهْتِمامٍ، ولِأنَّهُ يُنْزِلُ المُصابَ فِيهِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ كَوْنُهُ مِلْكًا لِلَّهِ تَعالى وعَبْدًا لَهُ إذْ تُنْسِيهِ المُصِيبَةُ ذَلِكَ ويَحُولُ هَوْلُها بَيْنَهُ وبَيْنَ رُشْدِهِ. واللّامُ فِيهِ لِلْمُلْكِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ السّابِقَةِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وأنَّ الحُكْمَ الَّذِي يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ مِثْلُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وهَذا بَيانٌ لِجَزاءِ صَبْرِهِمْ. والصَّلَواتُ هُنا مَجازٌ في التَّزْكِياتِ والمَغْفِراتِ ولِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها الرَّحْمَةُ الَّتِي هي مِن مَعانِي الصَّلاةِ مَجازًا في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وحَقِيقَةُ الصَّلاةِ في كَلامِ العَرَبِ أنَّها أقْوالٌ تُنْبِئُ عَنْ مَحَبَّةِ الخَيْرِ لِأحَدٍ، ولِذَلِكَ كانَ
صفحة ٥٨
أشْهَرُ مَعانِيها هو الدُّعاءَ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] ولِأجْلِ ذَلِكَ كانَ إسْنادُ هَذا الفِعْلِ لِمَن لا يُطْلَبُ الخَيْرُ إلّا مِنهُ مُتَعَيِّنًا لِلْمَجازِ في لازِمِ المَعْنى وهو حُصُولُ الخَيْرِ، فَكانَتِ الصَّلاةُ إذا أُسْنِدَتْ إلى اللَّهِ أوْ أُضِيفَتْ إلَيْهِ دالَّةً عَلى الرَّحْمَةِ وإيصالِ ما بِهِ النَّفْعُ مِن رَحْمَةٍ أوْ مَغْفِرَةٍ أوْ تَزْكِيَةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ بَيانٌ لِفَضِيلَةِ صِفَتِهِمْ إذِ اهْتَدَوْا لِما هو حَقُّ كُلِّ عَبْدٍ عارِفٍ فَلَمْ تُزْعِجْهُمُ المَصائِبُ ولَمْ تَكُنْ لَهم حاجِبًا عَنِ التَّحَقُّقِ في مَقامِ الصَّبْرِ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ الحَياةَ لا تَخْلُو مِنَ الأكْدارِ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا فَهم يَجْعَلُونَ المَصائِبَ سَبَبًا في اعْتِراضِهِمْ عَلى اللَّهِ أوْ كُفْرِهِمْ بِهِ أوْ قَوْلِ ما لا يَلِيقُ أوْ شَكِّهِمْ في صِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ هَذا هو الدِّينَ المَرْضِيَّ لِلَّهِ لَما لَحِقَنا عَذابٌ ومُصِيبَةٌ، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الضَّلالِ الَّذِينَ حَذَّرَنا اللَّهُ أمْرَهم بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وقالَ في المُنافِقِينَ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، والقَوْلُ الفَصْلُ أنَّ جَزاءَ الأعْمالِ يَظْهَرُ في الآخِرَةِ، وأمّا مَصائِبُ الدُّنْيا فَمُسَبَّبَةٌ عَنْ أسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ، تَعْرِضُ لِعُرُوضِ سَبَبِها، وقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ سَبَبَ المُصِيبَةِ عُقُوبَةً لِعَبْدِهِ في الدُّنْيا عَلى سُوءِ أدَبٍ أوْ نَحْوِهِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وقَدْ تَكُونُ لِرَفْعِ دَرَجاتِ النَّفْسِ، ولَها أحْوالٌ ودَقائِقُ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى وقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْها العَبْدُ إذا راقَبَ نَفْسَهُ وحاسَبَها، ولِلَّهِ تَعالى في الحالَيْنِ لُطْفٌ ونِكايَةٌ يَظْهَرُ أثَرُ أحَدِهِما لِلْعارِفِينَ.