Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الأنعام 6:138 – الأنعام 6:165

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الأنعام 6:138
  2. الأنعام 6:139
  3. الأنعام 6:140
  4. الأنعام 6:141
  5. الأنعام 6:142
  6. الأنعام 6:143
  7. الأنعام 6:144
  8. الأنعام 6:145
  9. الأنعام 6:146
  10. الأنعام 6:147
  11. الأنعام 6:148
  12. الأنعام 6:149
  13. الأنعام 6:150
  14. الأنعام 6:151
  15. الأنعام 6:152
  16. الأنعام 6:153
  17. الأنعام 6:154
  18. الأنعام 6:155
  19. الأنعام 6:156
  20. الأنعام 6:157
  21. الأنعام 6:158
  22. الأنعام 6:159
  23. الأنعام 6:160
  24. الأنعام 6:161
  25. الأنعام 6:162
  26. الأنعام 6:163
  27. الأنعام 6:164
  28. الأنعام 6:165

الأنعام 6:138

﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وهَذا ضَرْبٌ آخَرُ مِن دِينِهِمُ الباطِلِ، وهو راجِعٌ إلى تَحْجِيرِ التَّصَرُّفِ عَلى أنْفُسِهِمْ في بَعْضِ أمْوالِهِمْ، وتَعْيِينِ مَصارِفِهِ، وفي هَذا العَطْفِ إيماءٌ إلى أنَّ ما قالُوهُ هو مِن تَلْقِينِ شُرَكائِهِمْ وسَدَنَةِ أصْنامِهِمْ كَما قُلْنا في مَعْنى زَيَّنَ لَهم شُرَكاؤُهم. والإشارَةُ بِهَذِهِ وهَذِهِ إلى حاضِرٍ في ذِهْنِ المُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ صُدُورِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ أحَدُهم: هَذِهِ الأصْنامُ مَصْرِفُها كَذا، وهَذِهِ مَصْرِفُها كَذا، فالإشارَةُ مِن مَحْكِيِّ قَوْلِهِمْ حِينَ يُشَرِّعُونَ في بَيانِ أحْكامِ صفحة ١٠٦ دِينِهِمْ، كَما يَقُولُ القاسِمُ: هَذا لِفُلانٍ، وهَذا لِلْآخَرِ، وأجْمَلَ ذَلِكَ هُنا؛ إذْ لا غَرَضَ في بَيانِهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ التَّعْجِيبُ مِن فَسادِ شَرْعِهِمْ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام: ١٣٦] وقَدْ صَنَّفُوا ذَلِكَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ: صِنْفٌ مُحْجَرٌ عَلى مالِكِهِ انْتِفاعُهُ بِهِ، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ مَن يُعَيِّنُهُ المالِكُ، والَّذِي يُؤْخَذُ مِمّا رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ: أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ مِن أنْعامِهِمْ وزَرْعِهِمْ وثِمارِهِمْ شَيْئًا يَحْجُرُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِهِ، ويُعَيِّنُونَهُ لِمَن يَشاءُونَ مِن سَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ وخَدَمَتِها، فَتُنْحَرُ أوْ تُذْبَحُ عِنْدَما يَرى مَن عُيِّنَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَتَكُونُ لِحاجَةِ النّاسِ والوافِدِينَ عَلى بُيُوتِ الأصْنامِ وإضافَتِهِمْ، وكَذَلِكَ الزَّرْعُ والثِّمارُ تُدْفَعُ إلى مَن عُيِّنَتْ لَهُ، يَصْرِفُها حَيْثُ يَتَعَيَّنُ، ومِن هَذا الصِّنْفِ أشْياءٌ مُعَيَّنَةٌ بِالِاسْمِ، لَها حُكْمٌ مُنْضَبِطٌ مِثْلُ البَحِيرَةِ، فَإنَّها لا تُنْحَرُ ولا تُؤَكَلُ إلّا إذا ماتَتْ حَتْفَ أنْفِها، فَيَحِلُّ أكْلُها لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، وإذا كانَ لَها دَرٌّ لا يَشْرَبُهُ إلّا سَدَنَةُ الأصْنامِ وضُيُوفُهم، وكَذَلِكَ السّائِبَةُ يَنْتَفِعُ بِدَرِّها أبْناءُ السَّبِيلِ والسَّدَنَةُ، فَإذا ماتَتْ فَأكْلُها كالبَحِيرَةِ، وكَذَلِكَ الحامِي، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ. فَمَعْنى (لا يَطْعَمُها) لا يَأْكُلُ لَحْمَها؛ أيْ: يَحْرُمُ أكْلُ لَحْمِها، ونُونُ الجَماعَةِ في (نَشاءُ) مُرادٌ بِها القائِلُونَ؛ أيْ: يَقُولُونَ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ؛ أيْ: مَن نُعَيِّنُ أنْ يَطْعَمَها، قالَ في الكَشّافِ: يَعْنُونَ خَدَمَ الأوْثانِ والرِّجالَ دُونَ النِّساءِ. والحَرْثُ أصْلُهُ شَقُّ الأرْضِ بِآلَةٍ حَدِيدِيَّةٍ لِيُزْرَعَ فِيها أوْ يُغْرَسَ، ويُطْلَقُ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَكانِ المَحْرُوثِ وعَلى الأرْضِ المَزْرُوعَةِ والمَغْرُوسَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِها حَرْثٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] فَسَمّاهُ حَرْثًا في وقْتِ جُذاذِ الثِّمارِ. صفحة ١٠٧ الحِجْرُ: اسْمٌ لِلْمُحْجَرِ المَمْنُوعِ، مِثْلُ ذَبْحٍ لِلْمَذْبُوحِ، فَمَنعُ الأنْعامِ مَنعُ أكْلِ لُحُومِها، ومَنعُ الحَرْثِ مَنعُ أكْلِ الحَبِّ والتَّمْرِ والثِّمارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ﴾ . وقَوْلُهُ: (بِزَعْمِهِمْ) مُعْتَرِضٌ بَيْنَ ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ﴾ وبَيْنَ ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ . والباءُ في (بِزَعْمِهِمْ) بِمَعْنى ”عَنْ“، أوْ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمُ الباطِلِ، لِأنَّهم لَمّا قالُوا: (لا يَطْعَمُها) لَمْ يُرِيدُوا أنَّهم مَنَعُوا النّاسَ أكْلَها إلّا مَن شاءُوهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ ولَيْسَ مِن زَعْمِهِمْ، وإنَّما أرادُوا بِالنَّفْيِ نَفْيَ الإباحَةِ؛ أيْ: لا يَحِلُّ أنْ يَطْعَمَها إلّا مَن نَشاءُ، فالمَعْنى: اعْتَقَدُوها حَرامًا لِغَيْرِ مَن عَيَّنُوهُ، حَتّى أنْفُسَهم، وما هي بِحَرامٍ، فَهَذا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: بِزَعْمِهِمْ وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى الباءِ مِن قَوْلِهِ: بِزَعْمِهِمْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] . والصِّنْفُ الثّانِي: أنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها؛ أيْ: حُرِّمَ رُكُوبُها، مِنها الحامِي: لا يَرْكَبُهُ أحَدٌ، ولَهُ ضابِطٌ مُتَّبَعٌ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ، ومِنها أنْعامٌ يُحَرِّمُونَ ظُهُورَها بِالنَّذْرِ، يَقُولُ أحَدُهم: إذا فَعَلَتِ النّاقَةُ كَذا مِن نَسْلٍ أوْ مُواصَلَةٍ بَيْنَ عِدَّةٍ مِن إناثٍ، وإذا فَعَلَ الفَحْلُ كَذا وكَذا، حَرُمَ ظَهْرُهُ، وهَذا أشارَ إلَيْهِ أبُو نُواسٍ في قَوْلِهِ مادِحًا الأمِينَ: وإذا المَطِيُّ بِنا بَلَغَّنَ مُحَمَّدًا فَظُهُورُهُنَّ عَلى الرِّجالِ حَرامٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ فَهو كَخَبَرٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وعُلِمَ أنَّهُ عَطْفُ صِنْفٍ؛ لِوُرُودِهِ بَعْدَ اسْتِيفاءِ الأوْصافِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى خَبَرِ اسْمِ الإشارَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَقِبَهُ، والتَّقْدِيرُ: وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ وهَذِهِ أنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها. صفحة ١٠٨ وبُنِيَ فِعْلُ (حُرِّمَتْ) لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ الفاعِلِ؛ أيْ: حَرَّمَ اللَّهُ ظُهُورَها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ . والصِّنْفُ الثّالِثُ: أنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها؛ أيْ: لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ نَحْرِها أوْ ذَبْحِها، يَزْعُمُونَ أنَّ ما أُهْدِيَ لِلْجِنِّ أوْ لِلْأصْنامِ يُذْكَرُ عَلَيْهِ اسْمُ ما قُرِّبَ لَهُ، ويَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ لِتَكُونَ خالِصَةَ القُرْبانِ لِما عُيِّنَتْ لَهُ، فَلِأجْلِ هَذا الزَّعْمِ قالَ تَعالى: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ إذْ لا يُعْقَلُ أنْ يُنْسَبَ إلى اللَّهِ تَحْرِيمُ ذِكْرِ اسْمِهِ عَلى ما يُقَرَّبُ لِغَيْرِهِ لَوْلا أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ القُرْبانِ الَّذِي يَرْضى اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ لِشُرَكائِهِ، كَما كانُوا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وعَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهم أبُو وائِلٍ؛ الأنْعامُ الَّتِي لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها كانَتْ لَهم سُنَّةً في بَعْضِ الأنْعامِ أنْ لا يُحَجَّ عَلَيْها، فَكانَتْ تُرْكَبُ في كُلِّ وجْهٍ إلّا الحَجَّ، وأنَّها المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ لِأنَّ الحَجَّ لا يَخْلُو مِن ذِكْرِ اللَّهِ حِينَ الكَوْنِ عَلى الرّاحِلَةِ مِن تَلْبِيَةٍ وتَكْبِيرٍ، فَيَكُونُ ﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ كِنايَةً عَنْ مَنعِ الحَجِّ عَلَيْها، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ هي الحامِي والبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا جَعَلُوا نَفْعَها لِلْأصْنامِ لَمْ يُجِيزُوا أنْ تُسْتَعْمَلَ في غَيْرِ خِدْمَةِ الأصْنامِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: صفحة ١٠٩ ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ وهو عَطْفُ صِنْفٍ عَلى صِنْفٍ، بِقَرِينَةِ اسْتِيفاءِ أوْصافِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ. وانْتَصَبَ ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِـ (قالُوا) أيْ: قالُوا ذَلِكَ قَوْلَ افْتِراءٍ؛ لِأنَّ الِافْتِراءَ بَعْضُ أنْواعِ القَوْلِ، فَصَحَّ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ القَوْلِ، والِافْتِراءُ الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِقائِلِهِ فِيهِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ، وإنَّما كانَ قَوْلُهُمِ افْتِراءً؛ لِأنَّهُمُ اسْتَنَدُوا فِيهِ لِشَيْءٍ لَيْسَ وارِدًا لَهم مِن جانِبِ اللَّهِ، بَلْ هو مِن ضَلالِ كُبَرائِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ الِافْتِراءَ عَلى الخالِقِ أمْرٌ شَنِيعٌ عِنْدَ جَمِيعِ الخَلْقِ، فالإخْبارُ بِهِ يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَمّا سَيَلْقَوْنَهُ مِن جَزاءِ افْتِرائِهِمْ، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ، وقَدْ أُبْهِمَ الجَزاءُ لِلتَّهْوِيلِ لِتَذْهَبَ النُّفُوسُ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ في أنْواعِ الجَزاءِ عَلى الإثْمِ، والباءُ بِمَعْنى ”عَنْ“، أوْ لِلْبَدَلِيَّةِ والعِوَضِ.

الأنعام 6:139

﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] وأُعِيدَ فِعْلُ (وقالُوا) لِاخْتِلافِ غَرَضِ المَقُولِ. صفحة ١١٠ الإشارَةُ إلى أنْعامٍ مَعْرُوفَةٍ بَيْنَهم بِصِفاتِها، كَما تَقَدَّمَ، أوْ إلى الأنْعامِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ في هَذِهِ الآيَةِ بِأكْثَرِ مِن إجْمالِ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمُوها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّعْجِيبُ مِن فَسادِ شَرْعِهِمْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وهَذا خَبَرٌ عَنْ دِينِهِمْ في أجِنَّةِ الأنْعامِ الَّتِي حَجَرُوها أوْ حَرَّمُوا ظُهُورَها، فَكانُوا يَقُولُونَ في أجِنَّةِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ: إذا خَرَجَتْ أحْياءً يَحِلُّ أكْلُها لِلذُّكُورِ دُونَ النِّساءِ، وإذا خَرَجَتْ مَيْتَةً حَلَّ أكْلُها لِلذُّكُورِ والنِّساءِ، فالمُرادُ بِما في البُطُونِ أجِنَّةٌ لا مَحالَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ في ألْبانِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ: يَشْرَبُها الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، فَظَنَّ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِما في بُطُونِ الأنْعامِ ألْبانُها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو مَعْنى الآيَةِ ولَكِنَّ مَحْمَلَ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ما في البُطُونِ يَشْمَلُ الألْبانَ لِأنَّها تابِعَةٌ لِلْأجِنَّةِ وناشِئَةٌ عَنْ وِلادَتِها. والخالِصَةُ: السّائِغَةُ؛ أيِ: المُباحَةُ؛ أيْ: لا شائِبَةَ حَرَجٍ فِيها؛ أيْ: في أكْلِها، ويُقابِلُهُ قَوْلُهُ: (ومُحَرَّمٌ) . وتَأْنِيثُ خالِصَةٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ الأجِنَّةُ، فَرُوعِيَ مَعْنى (ما) ورُوعِيَ لَفْظُ (ما) في تَذْكِيرِ مُحَرَّمٍ. والمُحَرَّمُ: المَمْنُوعُ؛ أيْ: مَمْنُوعٌ أكْلُهُ، فَإسْنادُ الخُلُوصِ والتَّحْرِيمِ إلى الذَّواتِ بِتَأْوِيلِ تَحْرِيمِ ما تُقْصَدُ لَهُ، وهو الأكْلُ أوْ هو والشُّرْبُ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. والأزْواجُ جَمْعُ زَوْجٍ، وهو وصْفٌ لِلشَّيْءِ الثّانِي لِغَيْرِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ هو زَوْجٌ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ حَلِيلُ المَرْأةِ زَوْجًا وسُمِّيَتِ المَرْأةُ حَلِيلَةُ الرَّجُلِ زَوْجًا، وهو وصْفٌ يُلازِمُ حالَةً واحِدَةً فَلا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١١١ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المُرادَ أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى النِّساءِ المُتَزَوِّجاتِ؛ لِأنَّهم سَمُّوهُنَّ أزْواجًا، وأضافُوهُنَّ إلى ضَمِيرِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُنَّ النِّساءُ المُتَزَوِّجاتُ بِهِمْ كَما يُقالُ: امْرَأةُ فُلانٍ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى الظّاهِرِ وهو الأوْلى عِنْدِي كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّهم كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِأكْلِ الزَّوْجاتِ لِشَيْءٍ ذِي صِفَةٍ، كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ تُصِيبَ نِساءَهم: مِثْلُ العُقْمِ، أوْ سُوءِ المُعاشَرَةِ مَعَ أزْواجٍ، والنُّشُوزِ، أوِ الفِراقِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أوْهامِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وتَكاذِيبِهِمْ، أوْ لِأنَّهُ نِتاجُ أنْعامٍ مُقَدَّسَةٍ، فَلا تَحِلُّ لِلنِّساءِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ مَرْمُوقَةٌ عِنْدَ القُدَماءِ قَبْلَ الإسْلامِ بِالنَّجاسَةِ والخَباثَةِ، لِأجْلِ الحَيْضِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَمْنَعُونَ النِّساءَ دُخُولَ المَساجِدِ، وكانَ العَرَبُ لا يُؤاكِلُونَ الحائِضَ، وقالَتْ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِ يَكْرِبَ تُعَيِّرُ قَوْمَها: ولا تَشْرَبُوا إلّا فُضُولَ نِسائِكم إذا ارْتَمَلَتْ أعْقابُهُنَّ مِنَ الدَّمِ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أُطْلِقَ الأزْواجُ عَلى النِّساءِ مُطْلَقًا؛ أيْ: فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، فَيَشْمَلُ المَرْأةَ الأيِّمَ ولا يَشْمَلُ البَناتَ، وقالَ بَعْضُهم: أُرِيدَ بِهِ البَناتُ؛ أيْ: بِمَجازِ الأوَّلِ، فَلَعَلَّهم كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِأكْلِ البَناتِ مِنهُ أنْ يُصِيبَهُنَّ عُسْرُ التَّزَوُّجِ، أوْ ما يَتَعَيَّرُونَ مِنهُ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وكانَتِ الأحْوالُ الشّائِعَةُ بَيْنَهم دالَّةً عَلى المُرادِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ أيْ: إنْ يُولَدْ ما في بُطُونِ الأنْعامِ مَيِّتًا جازَ أكْلُهُ لِلرِّجالِ والأزْواجِ، أوْ لِلرِّجالِ والنِّساءِ، أوْ لِلرِّجالِ والنِّساءِ والبَناتِ، وذَلِكَ لِأنَّ خُرُوجَهُ مَيِّتًا يُبْطِلُ ما فِيهِ مِنَ الشُّؤْمِ عَلى المَرْأةِ، أوْ يُذْهِبُ قَداسَتَهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وإنْ يَكُنْ بِالتَّحْتِيَّةِ ونَصْبِ (مَيْتَةً)، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرَفْعِ (مَيْتَةً)، عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، وقَدْ أُجْرِيَ ضَمِيرُ (يَكُنْ) عَلى التَّذْكِيرِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ في الخَبَرِ عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ المُفْرَدِ اعْتِبارُ التَّذْكِيرِ صفحة ١١٢ لِتَجَرُّدِ لَفْظِهِ عَنْ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ، وقَدْ يُراعى المَقْصُودُ مِنهُ فَيَجْرِي الإخْبارُ عَلى اعْتِبارِهِ، وقَدِ اجْتَمَعا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ [محمد: ١٦] . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى اتِّباعِ تَأْنِيثِ خالِصَةٍ؛ أيْ: إنْ تَكُنِ الأجِنَّةُ، وقَرَأ (مَيْتَةً) بِالنَّصْبِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّأْنِيثِ والنَّصْبِ. وجُمْلَةُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَما قُلْتُ في جُمْلَةِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨] آنِفًا. والوَصْفُ: ذِكْرُ حالاتِ الشَّيْءِ المَوْصُوفِ وما يَتَمَيَّزُ بِهِ لِمَن يُرِيدُ تَمْيِيزَهُ في غَرَضٍ ما، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. والوَصْفُ هُنا: هو ما وصَفُوا بِهِ الأجِنَّةَ مِن حَلٍّ وحُرْمَةٍ لِفَرِيقٍ دُونَ فَرِيقٍ، فَذَلِكَ وصْفٌ في بَيانِ الحَرامِ والحَلالِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ [النحل: ١١٦] . وجَزاؤُهم عَنْهُ هو جَزاءُ سُوءٍ بِقَرِينَةِ المَقامِ؛ لِأنَّهُ سَمّى مَزاعِمَهُمُ السّابِقَةَ افْتِراءً عَلى اللَّهِ. وجُعِلَ الجَزاءُ مُتَعَدِّيًا لِلْوَصْفِ بِنَفْسِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: سَيَجْزِيهِمْ جَزاءَ وصْفِهِمْ، ضَمَّنَ (يَجْزِيهِمْ) مَعْنى يُعْطِيهِمْ؛ أيْ: جَزاءً وِفاقًا لَهُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ الجَزاءِ مُوافِقًا لِجُرْمِ وصْفِهِمْ. وتُؤْذِنُ (إنْ) بِالرَّبْطِ والتَّعْلِيلِ، وتُغْنِي غَناءَ الفاءِ، فالحَكِيمُ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، والعَلِيمُ يَطَّلِعُ عَلى أفْعالِ المَجْزِيِّينَ، فَلا يُضَيِّعُ مِنها ما يَسْتَحِقُّ الجَزاءَ.

الأنعام 6:140

صفحة ١١٣ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ تَذْيِيلٌ جُعِلَ فَذْلَكَةً لِلْكَلامِ السّابِقِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ ضَلالِهِمْ في قَتْلِ أوْلادِهِمْ، وتَحْجِيرِ بَعْضِ الحَلالِ عَلى بَعْضِ مَن أُحِلَّ لَهُ. وتَحْقِيقُ الفِعْلِ بِـ (قَدْ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ خُسْرانَهم أمْرٌ ثابِتٌ، فَيُفِيدُ التَّحْقِيقُ التَّعْجِيبَ مِنهم كَيْفَ عَمُوا عَمّا هم فِيهِ مِن خُسْرانِهِمْ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعَلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] وجَعَلَها فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ تَقْرِيبًا، وهي في العَدِّ السّادِسَةُ والثَلاثُونَ ومِائَةٌ. ووَصَفَ فِعْلَهم بِالخُسْرانِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الخُسْرانِ نُقْصانُ مالِ التّاجِرِ، والتّاجِرُ قاصِدُ الرِّبْحِ وهو الزِّيادَةُ، فَإذا خَسِرَ فَقَدْ باءَ بِعَكْسِ ما عَمِلَ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ اسْتِعارَةُ الخُسْرانِ لِعَمَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ وثَوابِهِ فَيَقَعُونَ في غَضَبِهِ وعِقابِهِ؛ لِأنَّهم أتْعَبُوا أنْفُسَهم فَحَصَّلُوا عَكْسَ ما تَعِبُوا لِأجْلِهِ؛ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم قَدْ طَلَبُوا نَفْعَ أنْفُسِهِمْ بِالتَّخَلُّصِ مِن أضْرارٍ في الدُّنْيا مُحْتَمَلٍ لَحاقُها بِهِمْ مِن جَرّاءِ بَناتِهِمْ، فَوَقَعُوا في أضْرارٍ مُحَقَّقَةٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فَإنَّ النَّسْلَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى الوالِدَيْنِ يَأْنَسُونَ بِهِ ويَجِدُونَهُ لِكِفايَةِ مُهِمّاتِهِمْ، ونِعْمَةٌ عَلى القَبِيلَةِ تَكْثُرُ وتَعْتَزُّ، وعَلى العالَمِ كُلِّهِ بِكَثْرَةِ مَن يُعَمِّرُهُ وبِما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ مِن مَواهِبِ النَّسْلِ وصَنائِعِهِ، ونِعْمَةٌ عَلى النَّسْلِ نَفْسِهِ بِما يَنالُهُ مِن نَعِيمِ الحَياةِ ومَلَذّاتِها. ولِتِلْكَ الفَوائِدِ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ إيجادَ نِظامِ صفحة ١١٤ التَّناسُلِ، حِفْظًا لِلنَّوْعِ، وتَعْمِيرًا لِلْعالَمِ، وإظْهارًا لِما في الإنْسانِ مِن مَواهِبَ تَنْفَعُهُ وتَنْفَعُ قَوْمَهُ، عَلى ما في عَمَلِهِمْ مِنِ اعْتِداءٍ عَلى حَقِّ البِنْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَها وهو حَقُّ الحَياةِ إلى انْقِضاءِ الأجَلِ المُقَدَّرِ لَها، وهو حَقٌّ فِطْرِيٌّ لا يَمْلِكُهُ الأبُ فَهو ظُلْمٌ بَيِّنٌ لِرَجاءِ صَلاحٍ لِغَيْرِ المَظْلُومِ، ولا يُضَرُّ بِأحَدٍ لِيَنْتَفِعَ غَيْرُهُ، فَلَمّا قَتَلَ بَعْضُ العَرَبِ بَناتَهم بِالوَأْدِ كانُوا قَدْ عَطَّلُوا مَصالِحَ عَظِيمَةً مُحَقَّقَةً، وارْتَكَبُوا بِهِ أضْرارًا حاصِلَةً، مِن حَيْثُ أرادُوا التَّخَلُّصَ مِن أضْرارٍ طَفِيفَةٍ غَيْرِ مُحَقَّقَةِ الوُقُوعِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانُوا في فِعْلِهِمْ كالتّاجِرِ الَّذِي أرادَ الرِّبْحَ فَباءَ بِضَياعِ أصْلِ مالِهِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ سَمّى اللَّهُ فِعْلَهم سَفَهًا؛ لِأنَّ السَّفَهَ هو خِفَّةُ العَقْلِ واضْطِرابُهُ، وفِعْلُهم ذَلِكَ سَفَهٌ مَحْضٌ؛ أيْ: سَفَهٌ أعْظَمُ مِن إضاعَةِ مَصالِحَ جَمَّةٍ، وارْتِكابِ أضْرارٍ عَظِيمَةٍ وجِنايَةٍ شَنِيعَةٍ، لِأجْلِ التَّخَلُّصِ مِن أضْرارٍ طَفِيفَةٍ قَدْ تَحْصُلُ وقَدْ لا تَحْصُلُ، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في الخَبَرِ فَإنَّ خُسْرانَهم مُسَبَّبٌ عَنْ قَتْلِ أوْلادِهِمْ. وقَوْلُهُ: (سَفَهًا) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ القَتْلِ، أنَّهُ قَتْلُ سَفَهٍ لا رَأْيَ لِصاحِبِهِ، بِخِلافِ قَتْلِ العَدُوِّ وقَتْلِ القاتِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ مِنَ ﴿الَّذِينَ قَتَلُوا﴾ وُصِفُوا بِالمَصْدَرِ؛ لِأنَّهم سُفَهاءُ بالِغُونَ أقْصى السَّفَهِ. والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ إمّا مِن (سَفَهًا) فَتَكُونُ حالًا مُؤَكَّدَةً، إذِ السَّفَهُ لا يَكُونُ إلّا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وإمّا مِن فاعِلِ (قَتَلُوا) فَإنَّهم لَمّا فَعَلُوا القَتْلَ كانُوا جاهِلِينَ بِسَفاهَتِهِمْ وبِشَناعَةِ فِعْلِهِمْ وبِعاقِبَةِ ما قَدَّرُوا حُصُولَهُ لَهم مِنَ الضُّرِّ، إذْ قَدْ يَحْصُلُ خِلافُ ما قَدَّرُوهُ ولَوْ كانُوا يَزِنُونَ المَصالِحَ والمَفاسِدَ لَما أقْدَمُوا عَلى فِعْلَتِهِمُ الفَظِيعَةِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ كَوْنِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ صفحة ١١٥ سَفَهٌ، التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم فَعَلُوا ما في العالَمِ مِنَ المَفاسِدِ، ويُنَظِّمُونَ حَياتَهم أحْسَنَ نِظامٍ، وهم في ذَلِكَ مَغْرُورُونَ بِأنْفُسِهِمْ، وجاهِلُونَ بِأنَّهم يَجْهَلُونَ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الوَأْدِ آنِفًا، ويَأْتِي في سُورَةِ الإسْراءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ لِأنَّهُ قَتْلٌ بِشِدَّةٍ، ولَيْسَتْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ مُفِيتَةً هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ تَسْلِيطَ فِعْلِ القَتْلِ عَلى الأوْلادِ يُفِيدُ أنَّهُ قَتْلٌ فَظِيعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ نَعى عَلَيْهِمْ خُسْرانَهم في أنْ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بَعْضَ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ، فَحُرِمُوا الِانْتِفاعَ بِهِ، وحَرَمُوا النّاسَ الِانْتِفاعَ بِهِ، وهَذا شامِلٌ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، بِخِلافِ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم، والمَوْصُولُ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَماعَةُ يَصِحُّ في العَطْفِ عَلى صِلَتِهِ أنْ تَكُونَ الجُمَلُ المُتَعاطِفَةُ مَعَ الصِّلَةِ مُوَزَّعَةً عَلى طَوائِفِ تِلْكَ الجَماعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] . وانْتَصَبَ (افْتِراءً) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (حَرَّمُوا) لِبَيانِ نَوْعِ التَّحْرِيمِ بِأنَّهم نَسَبُوهُ لِلَّهِ كَذِبًا. وجُمْلَةُ (قَدْ ضَلُّوا) اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِزِيادَةِ النِّداءِ عَلى تَحَقُّقِ ضَلالِهِمْ. والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المُوصِّلِ إلى المَقْصُودِ، فَهم رامُوا البُلُوغَ إلى مَصالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ، والتَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ وإلى شُرَكائِهِمْ، فَوَقَعُوا في المَفاسِدِ العَظِيمَةِ، وأبْعَدَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلِذَلِكَ كانُوا كَمَن رامَ الوُصُولَ فَسَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ. صفحة ١١٦ وعَطْفُ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ عَلى ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ضَلُّوا؛ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ يَنْفِي ضِدَّ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَئُولُ إلى تَقْرِيرِ مَعْناها. والعَرَبُ إذا أكَّدُوا بِمِثْلِ هَذا قَدْ يَأْتُونَ بِهِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ نَظَرًا لِمَآلِ مُفادِ الجُمْلَتَيْنِ، وأنَّهُما بِاعْتِبارِهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وذَلِكَ حَقُّ التَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]، وقَوْلِهِ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]، وقَوْلِ الأعْشى: إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا وقَدْ يَأْتُونَ بِهِ بِالعَطْفِ وهو عَطْفٌ صُورِيٌّ لِأنَّهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ مَفْهُومَ الجُمْلَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، ولا اعْتِدادَ بِمَآلِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩]، وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وقَوْلِ المُتَنَبِّي: والبَيْنُ جارَ عَلى ضُعْفِي وما عَدَلا وكَذَلِكَ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ لِيُفِيدَ، بِالعَطْفِ، أنَّهُما خَبَرانِ عَنْ مَساوِيهِمْ. و(كانَ) هُنا في حُكْمِ الزّائِدَةِ؛ لِأنَّها زائِدَةٌ مَعْنًى، وإنْ كانَتْ عامِلَةً، والمُرادُ وما هم بِمُهْتَدِينَ، فَزِيادَةُ (كانَ) هُنا لِتَحْقِيقِ النَّفْيِ مِثْلُ مَوْقِعِها مَعَ لامِ الجُحُودِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ما كانُوا مُهْتَدِينَ قَبْلَ أنْ يَقْتُلُوا أوْلادَهم ويُحَرِّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ؛ لِأنَّ هَذا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ بَلِيغٌ.

الأنعام 6:141

﴿وهْوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكْلُهُ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ صفحة ١١٧ الواوُ في: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ﴾ لِلْعَطْفِ، فَيَكُونُ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٠] تَذْكِيرًا بِمِنَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ بِما أنْشَأ لَهم في الأرْضِ مِما يَنْفَعُهم، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ سُوءَ تَصَرُّفِ المُشْرِكِينَ فِيما مَنَّ بِهِ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ مَعَ تَسْفِيهِ آرائِهِمْ في تَحْرِيمِ بَعْضِها عَلى أنْفُسِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ المِنَّةَ بِذَلِكَ اسْتِنْزالًا بِهِمْ إلى إدْراكِ الحَقِّ والرُّجُوعِ عَنِ الغَيِّ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ غالِبُ ما ذُكِرَ في نَظِيرَتِها المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ الأُولى الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّهُ الصّانِعُ، وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ، فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ، ولِذَلِكَ ذَيَّلَها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] وعَطَفَ عَلَيْها قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] الآياتِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الِامْتِنانُ وإبْطالُ ما يُنافِي الِامْتِنانَ ولِذَلِكَ ذُيِّلَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ . والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهُ اعْتِبارٌ وامْتِنانٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ الحَظُّ العَظِيمُ مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِالأمْرِ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حِصادِهِ﴾ إذْ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ. وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ؛ أيْ: هو الَّذِي أنْشَأ لا غَيْرُهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الحَصْرِ إبْطالُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ حَظٌّ فِيها، لِإبْطالِ ما جَعَلُوهُ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ مِن نَصِيبِ أصْنامِهِمْ مَعَ أنَّ اللَّهَ أنْشَأهُ. والإنْشاءُ: الإيجادُ والخَلْقُ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أيْ: نِساءَ الجَنَّةِ. صفحة ١١٨ والجَنّاتُ هي المَكانُ مِنَ الأرْضِ النّابِتُ فِيهِ شَجَرٌ كَثِيرٌ بِحَيْثُ يَجِنُّ أيْ: يَسْتُرُ الكائِنَ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإنْشاؤُها إنْباتُها وتَيْسِيرُ ذَلِكَ بِإعْطائِها ما يُعِينُها عَلى النَّماءِ، ودَفْعِ ما يُفْسِدُها أوْ يَقْطَعُ نَبْتَها، كَقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] . والمَعْرُوشاتُ: المَرْفُوعاتُ، يُقالُ: عَرَشَ الكَرْمَةَ إذا رَفَعَها عَلى أعْمِدَةٍ لِيَكُونَ نَماؤُها في ارْتِفاعٍ لا عَلى وجْهِ الأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ أجْوَدُ لِعِنَبِها إذْ لَمْ يَكُنْ مُلْقًى عَلى وجْهِ الأرْضِ، وعَرَشَ فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ العَرْشِ وهو السَّقْفُ، ويُقالُ لِلْأعْمِدَةِ الَّتِي تُرْفَعُ فَوْقَها أغْصانُ الشَّجَرِ فَتَصِيرُ كالسَّقْفِ يَسْتَظِلُّ تَحْتَهُ الجالِسُ: العَرِيشُ. ومِنهُ ما يُذْكَرُ في السِّيرَةِ: العَرِيشُ الَّذِي جُعِلَ لِلنَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو الَّذِي بُنِيَ عَلى بُقْعَتِهِ مَسْجِدٌ بَعْدَ ذَلِكَ هو اليَوْمَ مَوْجُودٌ بِبَدْرٍ. ووَصْفُ الجَنّاتِ بِمَعْرُوشاتٍ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هي مَعْرُوشٌ فِيها، والمَعْرُوشُ أشْجارُها، وغَيْرُ المَعْرُوشاتِ المُبْقاةِ كُرُومُها مُنْبَسِطَةً عَلى وجْهِ الأرْضِ وأرْفَعُ بِقَلِيلٍ، ومِن مَحاسِنِها أنَّها تُزَيِّنُ وجْهَ الأرْضِ فَيَرى الرّائِي جَمِيعَها أخْضَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ صِفَةٌ لِـ (جَنّاتٍ) قُصِدَ مِنها تَحْسِينُ المَوْصُوفِ والتَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أنْ ألْهَمَ الإنْسانَ إلى جَعْلِها عَلى صِفَتَيْنِ، فَإنَّ ذِكْرَ مَحاسِنِ ما أنْشَأهُ اللَّهُ يَزِيدُ في المِنَّةِ، كَقَوْلِهِ في شَأْنِ الأنْعامِ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] . و﴿مُخْتَلِفًا أُكْلُهُ﴾ حالٌ مِنَ الزَّرْعِ، وهو أقْرَبُ المَذْكُوراتِ إلى اسْمِ الحالِ، ويُعْلَمُ أنَّ النَّخْلَ والجَنّاتِ كَذَلِكَ، والمَقْصُودُ التَّذْكِيرُ بِعَجِيبِ خَلْقِ اللَّهِ، فَيُفِيدُ ذِكْرُ الحالِ مَعَ أحَدِ الأنْواعِ تَذَكُّرَ مِثْلِهِ في النَّوْعِ الآخَرِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] أيْ: وإلَيْهِ، صفحة ١١٩ وهِيَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى ظاهِرِ قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ؛ لِأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ عَنِ الإنْشاءِ، وعِنْدِي أنَّ عامِلَ الحالِ إذا كانَ مِمّا يَحْصُلُ مَعْناهُ في أزْمِنَةٍ، وكانَتِ الحالُ مُقارِنَةً لِبَعْضِ أزْمِنَةِ عامِلِها، فَهي جَدِيرَةٌ بَأنْ تَكُونُ مُقارِنَةً، كَما هُنا. والأُكْلُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ لِنافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ، وبِضَمِّهِما قَرَأهُ الباقُونَ، هو الشَّيْءُ الَّذِي يُؤْكَلُ؛ أيْ: مُخْتَلِفًا ما يُؤْكَلُ مِنهُ. وعُطِفَ ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ عَلى: جَنّاتِ والنَّخْلَ والزَّرْعَ. والمُرادُ شَجَرُ الزَّيْتُونِ وشَجَرُ الرُّمّانِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الأنعام: ٩٩] الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ. إلّا أنَّهُ قالَ هُناكَ: (مُشْتَبِهًا) وقالَ هُنا: (مُتَشابِهًا) وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ؛ لِأنَّ التَّشابُهَ حاصِلٌ مِن جانِبَيْنِ، فَلَيْسَتْ صِيغَةُ التَّفاعُلِ لِلْمُبالَغَةِ، ألا تَرى أنَّهُما اسْتَوَيا في قَوْلِهِ: ﴿وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ في الآيَتَيْنِ. * * * ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حِصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الحِكايَةِ عَنْ أحْوالِ المُشْرِكِينَ فَأقْبَلَ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ المِنَّةِ وهَذا الحُكْمِ؛ فَهَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ وهي تَعْرِيضٌ بِتَسْفِيهِ أحْلامِ المُشْرِكِينَ لِتَحْرِيمِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ. والثَّمَرُ: بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وبِضَمِّهِما، وقُرِئَ بِهِما كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في نَظِيرَتِها. والأمْرُ لِلْإباحَةِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأكْلَ مِن حَقِّ الإنْسانِ الَّذِي لا يَجِبُ عَلَيْهِ صفحة ١٢٠ أنْ يَفْعَلَهُ، فالقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ، والمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلى الَّذِينَ حَجَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بَعْضَ الحَرْثِ. و(إذا) مُفِيدَةٌ لِلتَّوْقِيتِ؛ لِأنَّها ظَرْفٌ؛ أيْ: حِينَ إثْمارِهِ، والمَقْصُودُ مِنَ التَّقْيِيدِ بِهَذا الظَّرْفِ إباحَةُ الأكْلِ مِنهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ وقَبْلَ حَصادِهِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حِصادِهِ﴾ أيْ: كُلُوا مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّهِ، وهَذِهِ رُخْصَةٌ ومِنَّةٌ؛ لِأنَّ العَزِيمَةَ أنْ لا يَأْكُلُوا إلّا بَعْدَ إعْطاءِ حَقِّهِ كَيْلا يَسْتَأْثِرُوا بِشَيْءٍ مِنهُ عَلى أصْحابِ الحَقِّ، إلّا أنْ رَخَّصَ لِلنّاسِ في الأكْلِ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ أنْ يَأْكُلُوا مِنهُ أخْضَرَ قَبْلَ يُبْسِهِ؛ لِأنَّهم يَسْتَطِيبُونَهُ كَذَلِكَ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ كَما سَيَأْتِي. وإفْرادُ الضَّمِيرَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ عَلى اعْتِبارِ تَأْوِيلِ المُعادِ بِالمَذْكُورِ. والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حِصادِهِ﴾ خِطابٌ خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ كَما تَقَدَّمَ، وهَذا الأمْرُ ظاهِرٌ في الوُجُوبِ بِقَرِينَةِ تَسْمِيَةِ المَأْمُورِ بِهِ حَقًّا. وأُضِيفَ الحَقُّ إلى ضَمِيرِ المَذْكُورِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ؛ أيِ: الحَقُّ الكائِنُ فِيهِ. وقَدْ أُجْمِلَ الحَقُّ اعْتِمادًا عَلى ما يَعْرِفُونَهُ، وهو: حَقُّ الفَقِيرِ والقُرْبى والضُّعَفاءِ والجِيرَةِ، فَقَدْ كانَ العَرَبُ إذا جَذُّوا ثِمارَهم أعْطُوا مِنها مَن يَحْضُرُ مِنَ المَساكِينِ والقَرابَةِ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] . فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أوْجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ هَذا الحَقَّ، وسَمّاهُ حَقًّا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] وسَمّاهُ اللَّهُ زَكاةً في آياتٍ كَثِيرَةٍ ولَكِنَّهُ أجْمَلَ مِقْدارَهُ وأجْمَلَ الأنْواعَ الَّتِي فِيها الحَقُّ، ووَكَلَهم في ذَلِكَ إلى حِرْصِهِمْ عَلى الخَيْرِ، وكانَ هَذا قَبْلَ شَرْعِ نُصُبِها ومَقادِيرِها، ثُمَّ شُرِعَتِ الزَّكاةُ وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ نُصُبَها ومَقادِيرَها. صفحة ١٢١ والحَصادُ - بِكَسْرِ الحاءِ وبِفَتْحِها - قَطْعُ الثَّمَرِ والحَبِّ مِن أُصُولِهِ، وهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ الفِعالِ أوِ الفَعالِ، قالَ سِيبَوَيْهِ جاءُوا بِالمَصادِرِ حِينَ أرادُوا انْتِهاءَ الزَّمانِ عَلى مِثالِ فِعالٍ، وذَلِكَ الصِّرامُ والجِزازُ والجِدادُ والقِطاعُ والحِصادُ، ورُبَّما دَخَلَتِ اللُّغَةُ في بَعْضِ هَذا - أيِ: اخْتَلَفَتِ اللُّغاتُ فَقالَ بَعْضُ القَبائِلِ حَصادٌ؛ بِفَتْحِ الحاءِ، وقالَ بَعْضُهم حِصادٌ؛ بِكَسْرِ الحاءِ، فَكانَ فِيهِ فِعالٌ وفَعالٌ فَإذا أرادُوا الفِعْلَ عَلى فَعَلْتَ قالُوا حَصَدْتُهُ حَصْدًا وقَطَعْتُهُ قَطْعًا إنَّما تُرِيدُ العَمَلَ لا انْتِهاءَ الغايَةِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الحاءِ. وقَدْ فُرِضَتِ الزَّكاةُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ مَعَ فَرْضِ الصَّلاةِ، أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ؛ لِأنَّ افْتِراضَها ضَرُورِيٌّ لِإقامَةِ أوَدِ الفُقَراءِ مِنَ المُسَلِمِينَ، وهم كَثِيرُونَ في صَدْرِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ أسْلَمُوا قَدْ نَبَذَهم أهْلُوهم ومَوالِيهِمْ، وجَحَدُوا حُقُوقَهم، واسْتَباحُوا أمْوالَهم، فَكانَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أنْ يَسُدَّ أهْلُ الجِدَةِ والقُوَّةِ مِنَ المُسْلِمِينَ خَلَّتَهم، وقَدْ جاءَ ذِكْرُ الزَّكاةِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ مِثْلُ سُورَةِ المُزَّمِّلِ وسُورَةِ البَيِّنَةِ، وهي مِن أوائِلِ سُوَرِ القُرْآنِ؛ فالزَّكاةُ قَرِينَةُ الصَّلاةِ. وقَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ: الزَّكاةُ فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، يَحْمِلُ عَلى ضَبْطِ مَقادِيرِها بِآيَةِ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] وهي مَدَنِيَّةٌ، ثُمَّ تَطَرَّقُوا فَمَنَعُوا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَقِّ هُنا الزَّكاةَ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّوَرَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وإنَّما تِلْكَ الآيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْوُجُوبِ بَعْدَ الحُلُولِ بِالمَدِينَةِ، ولِأنَّ المُرادَ مِنها أخْذُها مِنَ المُنافِقِينَ أيْضًا، وإنَّما ضُبِطَتِ الزَّكاةُ، بِبَيانِ الأنْواعِ المُزَكّاةِ ومِقْدارِ النُّصُبِ والمُخْرَجِ مِنهُ، بِالمَدِينَةِ، فَلا يُنافِي ذَلِكَ أنَّ أصْلَ وُجُوبِها في مَكَّةَ، وقَدْ حَمَلَها مالِكٌ عَلى الزَّكاةِ المُعَيَّنَةِ المَضْبُوطَةِ في رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ صفحة ١٢٢ وابْنِ وهْبٍ عَنْهُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وجَمْعٍ مِنَ التّابِعِينَ كَثِيرٍ. ولَعَلَّهم يَرَوْنَ الزَّكاةَ فُرِضَتِ ابْتِداءً بِتَعْيِينِ النُّصُبِ والمَقادِيرِ، وحَمَلَها ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وعَطاءٌ، وحَمّادٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ عَلى غَيْرِ الزَّكاةِ وجَعَلُوا الأمْرَ لِلنَّدْبِ، وحَمَلَها السُّدِّيُّ، والحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، في رِوايَةٍ عَنْهُ، عَلى صَدَقَةٍ واجِبَةٍ ثُمَّ نَسَخَتْها الزَّكاةُ. وإنَّما أوْجَبَ اللَّهُ الحَقَّ في الثِّمارِ والحَبِّ يَوْمَ الحَصادِ؛ لِأنَّ الحَصادَ إنَّما يُرادُ لِلِادِّخارِ وإنَّما يَدَّخِرُ المَرْءُ ما يُرِيدُهُ لِلْقُوتِ، فالِادِّخارُ هو مَظِنَّةُ الغِنى المُوجِبَةِ لِإعْطاءِ الزَّكاةِ، والحَصادُ مَبْدَأُ تِلْكَ المَظِنَّةِ، فالَّذِي لَيْسَتْ لَهُ إلّا شَجَرَةٌ أوْ شَجَرَتانِ فَإنَّما يَأْكُلُ ثَمَرَها مَخْضُورًا قَبْلَ أنْ يَيْبَسَ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَتِ الشَّرِيعَةُ لِصاحِبِ الثَّمَرَةِ أنْ يَأْكُلَ مِنَ الثَّمَرِ إذا أثْمَرَ، ولَمْ تُوجِبْ عَلَيْهِ إعْطاءَ حَقِّ الفُقَراءِ إلّا عِنْدَ الحَصادِ، ثُمَّ إنَّ حَصادَ الثِّمارِ، وهو جُذاذُها، هو قَطْعُها لِادِّخارِها، وأمّا حَصادُ الزَّرْعِ فَهو قَطْعُ السُّنْبُلِ مِن جُذُورِ الزَّرْعِ ثُمَّ يُفْرَكُ الحَبُّ الَّذِي في السُّنْبُلِ لِيُدَّخَرَ، فاعْتُبِرَ ذَلِكَ الفَرْكُ بَقِيَّةً لِلْحَصادِ، ويَظْهَرُ مِن هَذا أنَّ الحَقَّ إنَّما وجَبَ فِيما يُحْصَدُ مِنَ المَذْكُوراتِ مِثْلُ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ والزَّرْعِ والزَّيْتُونِ، مِن زَيْتِهِ أوْ مِن حَبِّهِ، بِخِلافِ الرُّمّانِ والفَواكِهِ. وعَلى القَوْلِ المُخْتارِ فَهَذِهِ الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، ولَكِنَّها مُخَصَّصَةٌ ومُبَيَّنَةٌ بِآياتٍ أُخْرى وبِما يُبَيِّنُهُ النَّبِيءُ ﷺ، فَلا يُتَعَلَّقُ بِإطْلاقِها، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها نُسِخَتْ بِآيَةِ الزَّكاةِ يَعْنِي: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقَدْ كانَ المُتَقَدِّمُونَ يُسَمُّونَ التَّخْصِيصَ نَسْخًا. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ عَطْفٌ عَلى كُلُوا؛ أيْ: كُلُوا غَيْرَ مُسْرِفِينَ. والإسْرافُ والسَّرَفُ: تَجاوُزُ الكافِي مِن إرْضاءِ النَّفْسِ بِالشَّيْءِ المُشْتَهى. وتَقَدَّمَ صفحة ١٢٣ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا﴾ [النساء: ٦] في سُورَةِ النِّساءِ، وهَذا إدْماجٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإسْرافِ، وهو نَهْيُ إرْشادٍ وإصْلاحٍ؛ أيْ: لا تُسْرِفُوا في الأكْلِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] . والإسْرافُ إذا اعْتادَهُ المَرْءُ حَمَلَهُ عَلى التَّوَسُّعِ في تَحْصِيلِ المَرْغُوباتِ، فَيَرْتَكِبُ لِذَلِكَ مَذَمّاتٍ كَثِيرَةً، ويَنْتَقِلُ مِن مَلَذَّةٍ إلى مَلَذَّةٍ فَلا يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ. وقِيلَ عَطْفٌ عَلى ﴿وآتُوا حَقَّهُ﴾ أيْ: ولا تُسْرِفُوا فِيما بَقِيَ بَعْدَ إتْيانِ حَقِّهِ فَتُنْفِقُوا أكْثَرَ مِمّا يَجِبُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا في الإنْفاقِ والأكْلِ ونَحْوِهِ، فَأمّا بَذْلُهُ في الخَيْرِ ونَفْعِ النّاسِ فَلَيْسَ مِنَ السَّرَفِ، ولِذَلِكَ يُعَدُّ مِن خَطَأِ التَّفْسِيرِ تَفْسِيرُها بِالنَّهْيِ عَنِ الإسْرافِ في الصَّدَقَةِ، وبِما ذَكَرُوهُ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ صَرَّمَ خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ وفَرَّقَ ثَمَرَها كُلَّهُ ولَمْ يُدْخِلْ مِنهُ شَيْئًا إلى مَنزِلِهِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ قُصِدَ بِهِ تَعْمِيمُ حُكْمِ النَّهْيِ عَنِ الإسْرافِ، وأكَّدَ بِـ (إنَّ) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحُكْمِ، فَبَيَّنَ أنَّ الإسْرافَ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا يُحِبُّها، فَهو مِنَ الأخْلاقِ الَّتِي يَلْزَمُ الِانْتِهاءُ عَنْها، ونَفْيُ المَحَبَّةِ مُخْتَلِفُ المَراتِبِ، فَيُعْلَمُ أنَّ نَفْيَ المَحَبَّةِ يَشْتَدُّ بِمِقْدارِ قُوَّةِ الإسْرافِ، وهَذا حُكْمٌ مُجْمَلٌ وهو ظاهِرٌ في التَّحْرِيمِ، وبَيانُ هَذا الإجْمالِ هو في مَطاوِي أدِلَّةٍ أُخْرى والإجْمالُ مَقْصُودٌ. ولِغُمُوضِ تَأْوِيلِ هَذا النَّهْيِ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ تَفَرَّقَتْ آراءُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ مَعْنى الإسْرافِ المَنهِيِّ عَنْهُ، لِيُعِينُوهُ في إسْرافٍ حَرامٍ، حَتّى قالَ بَعْضُهم: إنَّها مَنسُوخَةٌ، وقَدْ عَلِمْتَ المُنْجى مِن ذَلِكَ كُلِّهِ. صفحة ١٢٤ فَوَجْهُ عَدَمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ إيّاهم أنَّ الإفْراطَ في تَناوُلِ اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ، والإكْثارَ مِن بَذْلِ المالِ في تَحْصِيلِها، يُفْضِي غالِبًا إلى اسْتِنْزافِ الأمْوالِ والشَّرَهِ إلى الِاسْتِكْثارِ مِنها، فَإذا ضاقَتْ عَلى المُسْرِفِ أمْوالُهُ تَطَلَّبَ تَحْصِيلَ المالِ مِن وُجُوهٍ فاسِدَةٍ، لِيُخْمِدَ بِذَلِكَ نَهْمَتَهُ إلى اللَّذّاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَأْبَهُ، فَرُبَّما ضاقَ عَلَيْهِ مالُهُ، فَشَقَّ عَلَيْهِ الإقْلاعُ عَنْ مُعْتادِهِ، فَعاشَ في كَرْبٍ وضَيْقٍ، ورُبَّما تَطَلَّبَ المالَ مِن وُجُوهٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، فَوَقَعَ فِيما يُؤاخَذُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ قَدْ يُعْقِبُ عِيالَهُ خَصاصَةً وضَنْكَ مَعِيشَةٍ، ويَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مَلامٌ وتَوْبِيخٌ وخُصُوماتٌ تُفْضِي إلى ما لا يُحْمَدُ في اخْتِلالِ نِظامِ العائِلَةِ. فَأمّا كَثْرَةُ الإنْفاقِ في وُجُوهِ البِرِّ فَإنَّها لا تُوقِعُ في مِثْلِ هَذا؛ لِأنَّ المُنْفِقَ لا يَبْلُغُ فِيها مَبْلَغَ المُنْفِقِ لِمَحَبَّةِ لَذّاتِهِ؛ لِأنَّ داعِيَ الحِكْمَةِ قابِلٌ لِلتَّأمُّلِ والتَّحْدِيدِ بِخِلافِ داعِي الشَّهْوَةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ في الكَلامِ الَّذِي يَصِحُّ طَرْدًا وعَكْسًا: لا خَيْرَ في السَّرَفِ ولا سَرَفَ في الخَيْرِ، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «ويَكْرَهُ لَكم قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ وإضاعَةَ المالِ» .

الأنعام 6:142

﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ عُطِفَ حَمُولَةً عَلى: ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] أيْ: وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا، فَيَنْسَحِبُ عَلَيْهِ القَصْرُ الَّذِي في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ أيْ: هو الَّذِي أنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا لا آلِهَةَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ المُشْرِكُونَ ظالِمِينَ في جَعْلِهِمْ لِلْأصْنامِ حَقًّا في الأنْعامِ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِأنَّ الِابْتِداءَ مَعْنًى يَصْلُحُ صفحة ١٢٥ لِلْحَمُولَةِ ولِلْفَرْشِ؛ لِأنَّهُ أوْسَعُ مَعانِي (مِن) والمَجْرُورُ: إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ (أنْشَأ) وإمّا حالٌ مِن (حَمُولَةً) أصْلُها صِفَةٌ، فَلَمّا قُدِّمَتْ تَحَوَّلَتْ. وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي هو أوْلى بِالتَّقْدِيمِ في تَرْتِيبِ المُتَعَلِّقاتِ، أوْ تَقْدِيمِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن سِياقِ الكَلامِ، وهو إبْطالُ تَحْرِيمِ بَعْضِها، وإبْطالُ جَعْلِ نَصِيبٍ مِنها لِلْأصْنامِ، وأمّا الحَمْلُ والفَرْشُ فَذَلِكَ امْتِنانٌ أُدْمِجَ في المَقْصُودِ تَوْفِيرًا لِلْأغْراضِ؛ ولِأنَّ لِلِامْتِنانِ بِذَلِكَ أثَرًا واضِحًا في إبْطالِ تَحْرِيمِ بَعْضِها الَّذِي هو تَضْيِيقٌ في المِنَّةِ ونَبْذٌ لِلنِّعْمَةِ، ولِيَتِمَّ الإيجازُ إذْ يُغْنِي عَنْ أنْ يَقُولَ: وأنْشَأ لَكُمُ الأنْعامَ وأنْشَأ مِنها حَمُولَةً وفَرْشًا كَما سَيَأْتِي. والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والشّاءُ والمَعْزُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ العُقُودِ، والحَمُولَةُ - بِفَتْحِ الحاءِ - ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ المَتاعُ أوِ النّاسُ يُقالُ: حَمَلَ المَتاعَ وحَمَلَ فُلانًا قالَ تَعالى: ﴿إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] ويَلْزَمُها التَّأْنِيثُ والإفْرادُ مِثْلُ (صَرُورَةٍ) لِلَّذِي لَمْ يَحُجَّ يُقالُ: امْرَأةٌ صَرُورَةٌ ورَجُلٌ صَرُورَةٌ. والفَرْشُ: اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: الفَرْشُ ما لا يُطِيقُ الحَمْلَ مِنَ الإبِلِ؛ أيْ: فَهو يُرْكَبُ كَما يُفْرَشُ الفَرْشُ، وهَذا قَوْلُ الرّاغِبِ، وقِيلَ: الفَرْشُ الصِّغارُ مِنَ الإبِلِ أوْ مِنَ الأنْعامِ كُلِّها؛ لِأنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الأرْضِ فَهي كالفَرْشِ، وقِيلَ: الفَرْشُ ما يُذْبَحُ؛ لِأنَّهُ يُفْرَشُ عَلى الأرْضِ حِينَ الذَّبْحِ أوْ بَعْدِهِ؛ أيْ: فَهو الضَّأْنُ والمَعْزُ والبَقَرُ؛ لِأنَّها تُذْبَحُ، وفي اللِّسانِ عَنْ أبِي إسْحاقَ: أجْمَعَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الفَرْشَ هو صِغارُ الإبِلِ. زادَ في الكَشّافِ: أوِ الفَرْشُ: ما يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشَعْرِهِ الفَرْشَ يُرِيدُ أنَّهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، صفحة ١٢٦ وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] الآيَةَ، ولِأنَّهم كانُوا يَفْتَرِشُونَ جُلُودَ الغَنَمِ والمَعْزِ لِلْجُلُوسِ عَلَيْها. ولَفْظُ (فَرْشًا) صالِحٌ لِهَذِهِ المَعانِي كُلِّها، ومَحامِلُهُ كُلُّها مُناسِبَةٌ لِلْمَقامِ، فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً مِنَ الآيَةِ، وكَأنَّ لَفْظَ الفَرْشِ لا يُوازِنُهُ غَيْرُهُ في جَمْعِ هَذِهِ المَعانِي، وهَذا مِن إعْجازِ القُرْآنِ مِن جانِبِ فَصاحَتِهِ، فالحَمُولَةُ الإبِلُ خاصَّةً، والفَرْشُ يَكُونُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ عَلى اخْتِلافِ مَعانِي اسْمِ الفَرْشِ الصّالِحَةِ لِكُلِّ نَوْعٍ مَعَ ضَمِيمَتِهِ إلى كَلِمَةِ مِنَ الصّالِحَةِ لِلِابْتِداءِ. فالمَعْنى: وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ ما تَحْمِلُونَ عَلَيْهِ وتَرْكَبُونَهُ، وهو الإبِلُ الكَبِيرَةُ والإبِلُ الصَّغِيرَةُ، وما تَأْكُلُونَهُ وهو البَقَرُ والغَنَمُ، وما هو فَرْشٌ لَكم وهو ما يُجَزُّ مِنها، وجُلُودُها، وقَدْ عَلِمَ السّامِعُ أنَّ اللَّهَ لَمّا أنْشَأ حَمُولَةً وفَرْشًا مِنَ الأنْعامِ أنْ يَتَذَكَّرُوا أنَّهم يَأْكُلُونَ مِنها، فَحَصَلَ إيجازٌ في الكَلامِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مِثْلُ آيَةِ ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] ومُناسَبَةُ الأمْرِ بِالأكْلِ بَعْدَ ذِكْرِ الأنْعامِ أنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: (وفَرْشًا) شَيْئًا مُلائِمًا لِلذَّبْحِ كَما تَقَدَّمَ، عَقَّبَ بِالإذْنِ بِأكْلِ ما يَصْلُحُ لِلْأكْلِ مِنها، واقْتَصَرَ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ إبْطالًا لِتَحْرِيمِ ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ فالأمْرُ بِالأكْلِ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ وهو عَدَمُ الأكْلِ مِن بَعْضِها؛ أيْ: لا تُحَرِّمُوا ما أُحِلَّ لَكم مِنها اتِّباعًا لِتَغْرِيرِ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ لِزُعَماءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَنُّوا لَهم تِلْكَ السُّنَنِ الباطِلَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ الإباحَةَ فَقَطْ. وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: كُلُوا مِنها إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ صفحة ١٢٧ ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ لِما في صِلَةِ المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى تَضْلِيلِ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ عَلى بَعْضِهِمُ الأكْلَ مِن بَعْضِها، فَعَطَّلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بَعْضًا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ. ومَعْنى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ النَّهْيُ عَنْ شُئُونِ الشِّرْكِ فَإنَّ أوَّلَ خُطُواتِ الشَّيْطانِ في هَذا الغَرَضِ هي تَسْوِيلُهُ لَهم تَحْرِيمَ بَعْضِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وخُطُواتُ الشَّيْطانِ تَمْثِيلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، ومَوْقِعُ (إنَّ) فِيهِ يُغْنِي عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آيَةِ البَقَرَةِ.

الأنعام 6:143

﴿ثَمانِيَةُ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنَّ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ صفحة ١٢٨ جُمْلَةُ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ حالٌ مِن ( مِنَ الأنْعامِ ذُكِرُ تَوْطِئَةً لِتَقْسِيمِ الأنْعامِ إلى أرْبَعَةِ أصْنافِ الَّذِي هو تَوْطِئَةٌ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ أيْ: أنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً إلى آخِرِهِ حالَةَ كَوْنِها ثَمانِيَةَ أزْواجٍ. والأزْواجُ جَمْعُ زَوْجٍ، والزَّوْجُ اسْمٌ لِذاتٍ مُنْضَمَّةٌ إلى غَيْرِها عَلى وجْهِ المُلازَمَةِ، فالزَّوْجُ ثانٍ لِواحِدٍ، وكُلٌّ مِن ذَيْنِكَ الِاثْنَيْنِ يُقالُ لَهُ: زَوْجٌ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَضْمُومٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ويُطْلَقُ الزَّوْجُ غالِبًا عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى مَن بَنِي آدَمَ المُتَلازِمَيْنِ بِعُقْدَةِ نِكاحٍ، وتُوُسِّعَ في هَذا الإطْلاقِ فَأُطْلِقَ بِالِاسْتِعارَةِ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَتَقارَنُ ذَكَرُهُ وأُنْثاهُ مِثْلُ حِمارِ الوَحْشِ وأتانِهِ، وذَكَرُ الحَمامِ وأُنْثاهُ، لِشَبْهِها بِالزَّوْجَيْنِ مِنَ الإنْسانِ، ويُطْلَقُ الزَّوْجُ عَلى الصِّنْفِ مِن نَوْعٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] في سُورَةِ الرَّعْدِ. وكِلا الإطْلاقَيْنِ الأخِيرَيْنِ صالِحٌ لِلْإرادَةِ هُنا؛ لِأنَّ الإبِلَ والبَقَرَ والضَّأْنَ والمَعْزَ أصْنافٌ لِلْأنْعامِ؛ ولِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنهُ ذَكَرٌ وأُنْثى؛ إذِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ ذَكَرَها وأُنْثاها، فالأزْواجُ هُنا أزْواجُ الأصْنافِ، ولَيْسَ المُرادُ زَوْجًا بِعَيْنِهِ؛ إذْ لا تُعَرَفُ بِأعْيانِها، فَثَمانِيَةُ أزْواجٍ هي أرْبَعَةُ ذُكُورٍ مِن أرْبَعَةِ أصْنافٍ وأرْبَعُ إناثٍ كَذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ أبَدَلَ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ قَوْلُهُ: اثْنَيْنِ بَدَلُ تَفْصِيلٍ، والمُرادُ اثْنَيْنِ مِنها؛ أيْ: مِنَ الأزْواجِ؛ أيْ: ذَكَرٌ وأُنْثى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ لِلْآخَرِ، وفائِدَةُ هَذا التَّفْصِيلِ التَّوَصُّلُ لِذِكْرِ أقْسامِ الذُّكُورِ والإناثِ تَوْطِئَةً لِلِاسْتِدْلالِ الآتِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ الآيَةَ. وسُلِكَ في التَّفْصِيلِ طَرِيقُ التَّوْزِيعِ تَمْيِيزًا لِلْأنْواعِ المُتَقارِبَةِ، والإبِلُ صفحة ١٢٩ تُنْحَرُ، والبَقَرُ تُذْبَحُ وتُنْحَرُ أيْضًا، ومِنَ البَقَرِ صِنْفٌ لَهُ سِنامٌ فَهو أشْبَهُ بِالإبِلِ، ويُوجَدُ في بِلادِ فارِسَ ودَخَلَ بِلادَ العَرَبِ وهو الجامُوسُ، والبَقَرُ العَرَبِيُّ لا سَنامَ لَهُ، وثَوْرُها يُسَمّى الفَرِيشُ. ولَمّا كانُوا قَدْ حَرَّمُوا في الجاهِلِيَّةِ بَعْضَ الغَنَمِ، ومِنها ما يُسَمّى بِالوَصِيلَةِ كَما تَقَدَّمَ، وبَعْضَ الإبِلِ كالبَحِيرَةِ والوَصِلِيةِ أيْضًا، ولَمْ يُحَرِّمُوا بَعْضَ المَعْزِ ولا شَيْئًا مِنَ البَقَرِ، ناسَبَ أنْ يَأْتِيَ بِهَذا التَّقْسِيمِ قَبْلَ الِاسْتِدْلالِ تَمْهِيدًا لِتَحَكُّمِهم؛ إذْ حَرَّمُوا بَعْضَ أفْرادٍ مِن أنْواعٍ، ولَمْ يُحَرِّمُوا بَعْضًا مِن أنْواعٍ أُخْرى، وأسْبابُ التَّحْرِيمِ المَزْعُومَةِ تَتَأتّى في كُلِّ نَوْعٍ فَهَذا إبْطالٌ إجْمالِيٌّ لِما شَرَّعُوهُ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن دِينِ اللَّهِ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا. وهَذا الِاسْتِدْلالُ يُسَمّى في عِلْمِ المُناظَرَةِ والبَحْثِ بِالتَّحَكُّمِ. والضَّأْنُ - بِالهَمْزِ - اسْمُ جَمْعٍ لِلْغَنَمِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومُفْرَدُ الضَّأْنِ شاةٌ وجَمْعُها شاءٌ، وقِيلَ هو جَمْعُ ضائِنٍ، والضَّأْنُ نَوْعٌ مِنَ الأنْعامِ ذَواتِ الظِّلْفِ لَهُ صُوفٌ. والمَعْزُ اسْمُ جَمْعٍ مُفْرَدُهُ ماعِزٌ، وهو نَوْعٌ مِنَ الأنْعامِ شَبِيهٌ بِالضَّأْنِ مِن ذَواتِ الظِّلْفِ لَهُ شَعْرٌ مُسْتَطِيلٌ، ويُقالُ: مَعْزٌ بِسُكُونِ العَيْنِ ومَعَزٌ بِفَتْحِ العَيْنِ وبِالأوَّلِ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ وقَرَأ بِالثّانِي الباقُونَ. وبَعْدَ أنْ تَمَّ ذِكْرُ المِنَّةِ والتَّمْهِيدِ لِلْحُجَّةِ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ، فابْتُدِئَ بِخِطابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُجادِلَ المُشْرِكِينَ ويُظْهِرَ افْتِراءَهم عَلى اللَّهِ فِيما زَعَمُوهُ مِن تَحْرِيمِ ما ابْتَدَعُوا تَحْرِيمَهُ مِن أنْواعٍ وأصْنافِ الأنْعامِ عَلى مَن عَيَّنُوهُ مِنَ النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ الآياتِ، فَهَذا الكَلامُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، إبْطالُ ما شَرَّعُوهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ الآيَةَ. صفحة ١٣٠ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى آخِرِها في المَوْضِعَيْنِ، اعْتِراضٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ وضَمِيرُ (﴿حَرَّمَ﴾) عائِدٌ إلى اسْمِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢] أوْ في قَوْلِهِ: ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٠] الآيَةَ، وفي تَكْرِيرِ الِاسْتِفْهامِ مَرَّتَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالتَّخْطِئَةِ فالتَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّصْرِيحُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ. فَلا تَرَدُّدَ في أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ في المَوْضِعَيْنِ إبْطالُ تَحْرِيمِ ما حَرَّمَ المُشْرِكُونَ أكْلَهُ، ونَفْيُ نِسْبَةِ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما النَّظَرُ في طَرِيقِ اسْتِفادَةِ هَذا المَقْصُودِ مِن نَظْمِ الكَلامِ، وهو مِنَ المُعْضِلاتِ. فَقالَ الفَخْرُ: أطْبَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأنْعامِ، فاحْتَجَّ اللَّهُ عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ بِأنْ ذَكَرَ الضَّأْنَ والمَعْزَ والإبِلَ والبَقَرَ، وذَكَرَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ زَوْجَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى، وإنْ كانَ حَرَّمَ الأُنْثى وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إناثِها حَرامًا، وأنَّهُ إنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ وجَبَ تَحْرِيمُ الأوْلادِ كُلِّها، حاصِلُ المَعْنى نَفْيُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا زَعَمُوا تَحْرِيمَهُ إيّاهُ بِطَرِيقِ السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ، وهو مِن طُرُقِ الجَدَلِ. قُلْتُ: هَذا ما عَزاهُ الطَّبَرِيُّ إلى قَتادَةَ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ، وهَذا لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّ السَّبْرَ غَيْرُ تامٍّ؛ إذْ لا يَنْحَصِرُ سَبَبُ التَّحْرِيمِ في النَّوْعِيَّةِ، بَلِ الأكْثَرُ أنَّ سَبَبَهُ بَعْضُ أوْصافِ المَمْنُوعِ وأحْوالِهِ. وقالَ البَغَوِيُّ: قالُوا: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] وقالُوا: صفحة ١٣١ (﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩]) وحَرَّمُوا البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِيَ، فَلَمّا قامَ الإسْلامُ جادَلُوا النَّبِيءَ ﷺ، وكانَ خَطِيبُهم مالِكَ بْنَ عَوْفٍ الجُشَمِيَّ قالُوا: يا مُحَمَّدُ بَلَغَنا أنَّكَ تُحَرِّمُ أشْياءَ مِمّا كانَ آباؤُنا يَفْعَلُونَهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكم قَدْ حَرَّمْتُمْ أصْنافًا مِنَ النَّعَمِ عَلى غَيْرِ أصْلٍ، وإنَّما خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ لِلْأكْلِ والِانْتِفاعِ بِها، فَمِن أيْنَ جاءَ هَذا التَّحْرِيمُ أمِن قِبَلِ الذَّكَرِ أمْ مِن قِبَلِ الأُنْثى. فَسَكَتَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ وتَحَيَّرَ اهـ. أيْ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ ولَمْ يَعْزُهُ البَغَوِيُّ إلى قائِلٍ وهو قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ فَتَبَيَّنَ أنَّ الحِجاجَ كُلَّهُ في تَحْرِيمِ أكْلِ بَعْضِ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ الأنْعامِ، وفي عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ ما حَرَّمُوا أكْلَهُ وما لَمْ يُحَرِّمُوهُ مَعَ تَماثُلِ النَّوْعِ أوِ الصِّنْفِ. والَّذِي يُؤْخَذُ مِن كَلامِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ في نَظْمِ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُشْرِكِينَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ في المَوْضِعَيْنِ، اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، قالَ في الكَشّافِ: الهَمْزَةُ في (﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾) لِلْإنْكارِ، والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعالى مِن جِنْسَيِ الغَنَمِ شَيْئًا مِن نَوْعَيْ ذُكُورِها وإناثِها وما تَحْمِلُ إناثُها، وكَذَلِكَ في جِنْسَيِ الإبِلِ والبَقَرِ، وبَيَّنَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ في بابِ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِ: وإنْ أرَدْتَ بِهِ - أيْ: بِالِاسْتِفْهامِ - الإنْكارَ فانْسُجْهُ عَلى مِنوالِ النَّفْيِ، فَقُلْ في إنْكارِ نَفْسِ الضَّرْبِ أضَرَبْتَ زَيْدًا، وقُلْ في إنْكارِ - أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطَبِ مَضْرُوبٌ - أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا، فَإنَّكَ إذا أنْكَرْتَ مَن يُرَدَّدِ الضَّرْبُ بَيْنَهُما - أيْ: بِزَعْمِهِ - تَوَلَّدَ مِنهُ - أيْ: مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِ - إنْكارُ الضَّرْبِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ . قالَ شارِحُهُ القُطْبُ الشِّيرازِيُّ: لِاسْتِلْزامِ انْتِفاءِ مَحَلِّ التَّحْرِيمِ انْتِفاءَ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّهُ عَرَضٌ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ؛ أيِ: التَّحْرِيمُ، دُونَ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، فَإذا انْتَفى؛ أيْ: مَحَلُّهُ انْتَفى هو؛ أيِ: التَّحْرِيمُ. اهـ. صفحة ١٣٢ أقُولُ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّ اللَّهَ لَوْ حَرَّمَ أكْلَ بَعْضِ الذُّكُورِ مِن أحَدِ النَّوْعَيْنِ لَحَرَّمَ البَعْضَ الآخَرَ، ولَوْ حَرَّمَ أكْلَ بَعْضِ الإناثِ لِحَرَّمَ البَعْضَ الآخَرَ؛ لِأنَّ شَأْنَ أحْكامِ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُطَّرِدَةً في الأشْياءِ المُتَّحِدَةِ بِالنَّوْعِ والصِّفَةِ، ولَوْ حَرَّمَ بَعْضَ ما في بُطُونِ الأنْعامِ عَلى النِّساءِ لَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى الرِّجالِ، وإذْ لَمْ يُحَرِّمْ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ مَعَ تَماثُلِ الأنْواعِ والأحْوالِ، أنْتَجَ أنَّهُ لَمْ يُحَرِّمِ البَعْضَ المَزْعُومَ تَحْرِيمُهُ؛ لِأنَّ أحْكامَ اللَّهِ مَنُوطَةٌ بِالحِكْمَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما حَرَّمُوهُ إنَّما حَرَّمُوهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ تَحَكُّمًا واعْتِباطًا، وكانَ تَحْرِيمُهم ما حَرَّمُوهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ، ونَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، المُلْجِئَةُ لَهم، كَما أشارَ إلَيْهِ كَلامُ النَّبِيءِ ﷺ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ الجُشَمِيِّ المَذْكُورُ آنِفًا، ولِذَلِكَ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ أيْ: لَوْ حَرَّمَ اللَّهُ الذَّكَرَيْنِ لَسَوّى في تَحْرِيمِهِما بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في الأُنْثَيَيْنِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ والإنْكارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] . وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ [الأنعام: ١٤٢] ومَعْلُومٌ أنَّ اسْتِعْمالَ الِاسْتِفْهامِ في غَيْرِ مَعْنى طَلَبِ الفَهْمِ هو إمّا مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ. ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) ومَعْناها الإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ تَعْدِيدًا لَهم، ويُقَدَّرُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ، فالمُفْرَدُ بَعْدَ (أمْ) مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أمْ أُحَرِّمُ الأُنْثَيَيْنِ، وكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ في نَظِيرِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ مِن مَسْلَكِ السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ المَذْكُورِ في مَسالِكِ العِلَّةِ مِن عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ. وجُمْلَةُ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ صفحة ١٣٣ ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ لِأنَّ إنْكارَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ حَرَّمَ شَيْئًا مِن ذُكُورٍ وإناثٍ ذَيْنِكَ الصِّنْفَيْنِ يَقْتَضِي تَكْذِيبَهم في زَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ما ذَكَرُوهُ، فَيَلْزَمُ مِنهُ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلى دَعْواهم، فَمَوْقِعُ جُمْلَةُ (﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾) بِمَنزِلَةِ الِاسْتِفْسارِ في عِلْمِ آدابِ البَحْثِ، ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِمَنزِلَةِ المَنعِ، وهَذا تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهُ لا يُطْلَبُ تَلَقِّي عِلْمٍ مِنهم، وهَذا التَّهَكُّمُ تابِعٌ لِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ وفَرْعٌ عَنْها. وهُوَ هُنا مُتَجَرِّدٌ لِلْمَجازِ أوْ لِلْمَعْنى المَلْزُومِ المُنْتَقِلِ مِنهُ في الكِنايَةِ. وتَثْنِيَةُ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِاعْتِبارِ ذُكُورِ وإناثِ النَّوْعَيْنِ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (حَرَّمَ) إلى (﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾) و(﴿الأُنْثَيَيْنِ﴾) وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ؛ أيْ: حَرَّمَ أكْلَ الذَّكَرَيْنِ أمِ الأُنْثَيَيْنِ إلى آخِرِهِ. والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ كَما في الكَشّافِ. والباءُ في ( بِعِلْمٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الإنْباءِ، فالعِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: نَبِّئُونِي إنْباءً مُلابِسًا لِلْعِلْمِ، فالعِلْمُ ما قابَلَ الجَهْلَ؛ أيْ: إنْباءُ العِلْمِ، ولَمّا كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الإنْباءِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم حَرَّمُوا ما حَرَّمُوا بِجَهالَةٍ وسُوءِ عَقْلٍ لا بِعِلْمٍ، وشَأْنُ مَن يَتَصَدّى لِلتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ أنْ يَكُونَ ذا عِلْمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ما ذَكَرْتُمْ أنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ لاسْتَطاعُوا بَيانَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، ولَأبْدَوْا حِكْمَةَ تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوهُ ونَسَبُوا تَحْرِيمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى: صفحة ١٣٤ (﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾) لِأنَّهُ مِن تَمامِ تَفْصِيلِ عَدَدِ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ، والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في سابِقِهِ، والمَقْصُودُ إبْطالُ تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والحامِي وما في بُطُونِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. و(أمْ) في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، فَتُؤْذِنُ بِاسْتِفْهامٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها حَيْثُما وقَعَتْ، وهو إنْكارِيٌّ تَقْرِيرِيٌّ أيْضًا بِقَرِينَةِ السِّياقِ. والشُّهَداءُ: الحاضِرُونَ جَمْعُ شَهِيدٍ وهو الحاضِرُ؛ أيْ: شُهَداءَ حِينَ وصّاكُمُ اللَّهُ، فَـ (إذْ) ظَرْفٌ لِـ (﴿شُهَداءَ﴾) مُضافٌ إلى جُمْلَةِ (﴿وصّاكُمُ﴾) . والإيصاءُ: الأمْرُ بِشَيْءٍ يُفْعَلُ في غَيْبَةِ الآمِرِ، فَيُؤَكَّدُ عَلى المَأْمُورِ بِفِعْلِهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الغائِبِ التَّأكُّدُ، وأُطْلِقَ الإيصاءُ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ النّاسَ لَمْ يُشاهِدُوا اللَّهَ حِينَ فِعْلِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ، فَكانَ أمْرُ اللَّهِ مُؤَكَّدًا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالإيصاءِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى الِاحْتِرازِ مِنَ التَّفْوِيتِ في أوامِرِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى أمْرِ اللَّهِ الإيصاءُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] . والإشارَةُ في قَوْلِهِ بِهَذا إلى التَّحْرِيمِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: (حَرَّمَ) وذَلِكَ لِأنَّ في إنْكارِ مَجْمُوعِ التَّحْرِيمِ تَضُمُّنًا لِإبْطالِ تَحْرِيمٍ مُعَيَّنٍ ادَّعَوْهُ، وهم يَعْرِفُونَهُ، فَلِذَلِكَ صَحَّتِ الإشارَةُ إلى التَّحْرِيمِ عَلى الإجْمالِ، وخُصَّ بِالإنْكارِ حالَةُ المُشاهَدَةِ، تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ ﷺ، فَحالُهم حالُ مَن يَضَعُ نَفْسَهُ مَوْضِعَ مَن يَحْضُرُ حَضْرَةَ اللَّهِ تَعالى لِسَماعِ أوامِرِهِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ ولا إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ولَمْ يَأْتِ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، ولَمْ يَدَّعُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ اللَّهَ خاطَبَهم بِهِ مُباشَرَةً. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى الإنْكارِ في قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ صفحة ١٣٥ أيْ: فَيَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ والإنْكارِ أنْ يَتَوَجَّهَ سُؤالٌ مِنَ المُتَكَلِّمِ مَشُوبٌ بِإنْكارٍ، عَمَّنِ اتَّصَفَ بِزِيادَةِ ظُلْمِ الظّالِمِينَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ لِيُضِلُّوا النّاسَ؛ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، فَإذا ثَبَتَ أنَّ هو أظْلَمُ الظّالِمِينَ. والمُشْرِكُونَ إمّا أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ وضَعَ الشِّرْكَ وهم كُبَراءُ المُشْرِكِينَ، مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، واضِعُ عِبادَةِ الأصْنامِ، وأوَّلُ مَن جَعَلَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِيَ، ومَن جاءَ بَعْدَهُ مِن طَواغِيتِ أهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ سَنُّوا لَهم جَعْلَ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ لِبُيُوتِ الأصْنامِ وسَدَنَتِها، فَهَؤُلاءِ مُفْتَرُونَ، وإمّا أنْ يَكُونُوا مِمَّنِ اتَّبَعَ أُولَئِكَ بِعَزْمٍ وتَصَلُّبٍ وشارَكُوهم فَهُمُ اتَّبَعُوا أُناسًا لَيْسُوا بِأهْلٍ لِأنْ يُبَلِّغُوا عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ حَقُّهم أنْ يَتَوَخَّوْا مَن يَتَّبِعُونَ ومَن يَظُنُّونَ أنَّهُ مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ وهُمُ الرُّسُلُ، فَمِن ضَلالِهِمْ أنَّهم لَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ الحَقُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَّبُوهُ، وقَدْ صَدَّقُوا الكَذَبَةَ وأيَّدُوهم ونَصَرُوهم. ويُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مِنَ الظُّلْمِ أنْ يُقْدِمَ أحَدٌ عَلى الإفْتاءِ في الدِّينِ ما لَمْ يَكُنْ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ يُفْتِي بِالصَّوابِ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ، وذَلِكَ إنْ كانَ مُجْتَهِدًا فَبِالِاسْتِنادِ إلى الدَّلِيلِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ مُصادَفَتُهُ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مُقَلِّدًا فَبِالِاسْتِنادِ إلى ما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ مَذْهَبُ إمامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِكَوْنِهِمْ مِن أظْلَمِ النّاسِ؛ لِأنَّ مَعْنى الزِّيادَةِ في الظُّلْمِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ ظُلْمُهم لا إقْلاعَ عَنْهُ؛ لِأنَّ الضَلالَ يَزْدادُ رُسُوخًا في النَّفْسِ بِتَكَرُّرِ أحْوالِهِ ومَظاهِرِهِ، لِأنَّهم لَمّا تَعَمَّدُوا الإضْلالَ أوِ اتَّبَعُوا مُتَعَمِّدِيهِ عَنْ تَصَلُّبٍ، فَهم بِمَعْزِلٍ عَنْ تَطَلُّبِ الهُدى وإعادَةِ النَّظَرِ في حالِ أنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يُغْرِيهِمْ صفحة ١٣٦ بِالِازْدِيادِ والتَّمَلِّي مِن تِلْكَ الأحْوالِ، حَتّى تَصِيرَ فِيهِمْ مَلِكَةً وسَجِيَّةً، فَيَتَعَذَّرُ إقْلاعُهم عَنْها، فَعَلى هَذا تَكُونُ (إنَّ) مُفِيدَةً مَعْنى التَّعْلِيلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا لَهم، إنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ، بِأنَّ اللَّهَ يَحْرِمُهُمُ التَّوْفِيقَ ويَذَرَهم في غَيِّهِمْ وعَمَهِهِمْ، فاللَّهُ هَدى كَثِيرًا مِنَ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ في الشِّرْكِ؛ أيْ: لَمْ يَكُونُوا قادَةً ولا مُتَصَلِّبِينَ في شِرْكِهِمْ، والَّذِينَ كانُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ هُمُ الَّذِينَ حَرَمَهُمُ اللَّهُ الهُدى، مِثْلُ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ أصْحابِ القَلِيبِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأمّا الَّذِينَ اتَّبَعُوا الإسْلامَ بِالقِتالِ مِثْلُ مُعْظَمِ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وكَذَلِكَ هَوازِنَ ومَن بَعْدِها، فَهَؤُلاءِ أسْلَمُوا مُذْعِنِينَ ثُمَّ عَلِمُوا أنَّ آلِهَتَهم لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا فَحَصَلَ لَهُمُ الهُدى بَعْدَ ذَلِكَ، وكانُوا مِن خِيرَةِ المُسْلِمِينَ ونَصَرُوا اللَّهَ حَقَّ نَصْرِهِ، فالمُرادُ مِن نَفْيِ الهُدى عَنْهم إمّا نَفْيُهُ عَنْ فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهُمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ، وإمّا نَفْيُ الهُدى المَحْضِ الدّالِّ عَلى صَفاءِ النَّفْسِ ونُورِ القَلْبِ، دُونَ الهُدى الحاصِلِ بَعْدَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَذَلِكَ هُدًى في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] .

الأنعام 6:144

﴿ثَمانِيَةُ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنَّ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ صفحة ١٢٨ جُمْلَةُ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ حالٌ مِن ( مِنَ الأنْعامِ ذُكِرُ تَوْطِئَةً لِتَقْسِيمِ الأنْعامِ إلى أرْبَعَةِ أصْنافِ الَّذِي هو تَوْطِئَةٌ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ أيْ: أنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً إلى آخِرِهِ حالَةَ كَوْنِها ثَمانِيَةَ أزْواجٍ. والأزْواجُ جَمْعُ زَوْجٍ، والزَّوْجُ اسْمٌ لِذاتٍ مُنْضَمَّةٌ إلى غَيْرِها عَلى وجْهِ المُلازَمَةِ، فالزَّوْجُ ثانٍ لِواحِدٍ، وكُلٌّ مِن ذَيْنِكَ الِاثْنَيْنِ يُقالُ لَهُ: زَوْجٌ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَضْمُومٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ويُطْلَقُ الزَّوْجُ غالِبًا عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى مَن بَنِي آدَمَ المُتَلازِمَيْنِ بِعُقْدَةِ نِكاحٍ، وتُوُسِّعَ في هَذا الإطْلاقِ فَأُطْلِقَ بِالِاسْتِعارَةِ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَتَقارَنُ ذَكَرُهُ وأُنْثاهُ مِثْلُ حِمارِ الوَحْشِ وأتانِهِ، وذَكَرُ الحَمامِ وأُنْثاهُ، لِشَبْهِها بِالزَّوْجَيْنِ مِنَ الإنْسانِ، ويُطْلَقُ الزَّوْجُ عَلى الصِّنْفِ مِن نَوْعٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] في سُورَةِ الرَّعْدِ. وكِلا الإطْلاقَيْنِ الأخِيرَيْنِ صالِحٌ لِلْإرادَةِ هُنا؛ لِأنَّ الإبِلَ والبَقَرَ والضَّأْنَ والمَعْزَ أصْنافٌ لِلْأنْعامِ؛ ولِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنهُ ذَكَرٌ وأُنْثى؛ إذِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ ذَكَرَها وأُنْثاها، فالأزْواجُ هُنا أزْواجُ الأصْنافِ، ولَيْسَ المُرادُ زَوْجًا بِعَيْنِهِ؛ إذْ لا تُعَرَفُ بِأعْيانِها، فَثَمانِيَةُ أزْواجٍ هي أرْبَعَةُ ذُكُورٍ مِن أرْبَعَةِ أصْنافٍ وأرْبَعُ إناثٍ كَذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ أبَدَلَ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ قَوْلُهُ: اثْنَيْنِ بَدَلُ تَفْصِيلٍ، والمُرادُ اثْنَيْنِ مِنها؛ أيْ: مِنَ الأزْواجِ؛ أيْ: ذَكَرٌ وأُنْثى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجٌ لِلْآخَرِ، وفائِدَةُ هَذا التَّفْصِيلِ التَّوَصُّلُ لِذِكْرِ أقْسامِ الذُّكُورِ والإناثِ تَوْطِئَةً لِلِاسْتِدْلالِ الآتِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ الآيَةَ. وسُلِكَ في التَّفْصِيلِ طَرِيقُ التَّوْزِيعِ تَمْيِيزًا لِلْأنْواعِ المُتَقارِبَةِ، والإبِلُ صفحة ١٢٩ تُنْحَرُ، والبَقَرُ تُذْبَحُ وتُنْحَرُ أيْضًا، ومِنَ البَقَرِ صِنْفٌ لَهُ سِنامٌ فَهو أشْبَهُ بِالإبِلِ، ويُوجَدُ في بِلادِ فارِسَ ودَخَلَ بِلادَ العَرَبِ وهو الجامُوسُ، والبَقَرُ العَرَبِيُّ لا سَنامَ لَهُ، وثَوْرُها يُسَمّى الفَرِيشُ. ولَمّا كانُوا قَدْ حَرَّمُوا في الجاهِلِيَّةِ بَعْضَ الغَنَمِ، ومِنها ما يُسَمّى بِالوَصِيلَةِ كَما تَقَدَّمَ، وبَعْضَ الإبِلِ كالبَحِيرَةِ والوَصِلِيةِ أيْضًا، ولَمْ يُحَرِّمُوا بَعْضَ المَعْزِ ولا شَيْئًا مِنَ البَقَرِ، ناسَبَ أنْ يَأْتِيَ بِهَذا التَّقْسِيمِ قَبْلَ الِاسْتِدْلالِ تَمْهِيدًا لِتَحَكُّمِهم؛ إذْ حَرَّمُوا بَعْضَ أفْرادٍ مِن أنْواعٍ، ولَمْ يُحَرِّمُوا بَعْضًا مِن أنْواعٍ أُخْرى، وأسْبابُ التَّحْرِيمِ المَزْعُومَةِ تَتَأتّى في كُلِّ نَوْعٍ فَهَذا إبْطالٌ إجْمالِيٌّ لِما شَرَّعُوهُ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن دِينِ اللَّهِ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا. وهَذا الِاسْتِدْلالُ يُسَمّى في عِلْمِ المُناظَرَةِ والبَحْثِ بِالتَّحَكُّمِ. والضَّأْنُ - بِالهَمْزِ - اسْمُ جَمْعٍ لِلْغَنَمِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومُفْرَدُ الضَّأْنِ شاةٌ وجَمْعُها شاءٌ، وقِيلَ هو جَمْعُ ضائِنٍ، والضَّأْنُ نَوْعٌ مِنَ الأنْعامِ ذَواتِ الظِّلْفِ لَهُ صُوفٌ. والمَعْزُ اسْمُ جَمْعٍ مُفْرَدُهُ ماعِزٌ، وهو نَوْعٌ مِنَ الأنْعامِ شَبِيهٌ بِالضَّأْنِ مِن ذَواتِ الظِّلْفِ لَهُ شَعْرٌ مُسْتَطِيلٌ، ويُقالُ: مَعْزٌ بِسُكُونِ العَيْنِ ومَعَزٌ بِفَتْحِ العَيْنِ وبِالأوَّلِ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ وقَرَأ بِالثّانِي الباقُونَ. وبَعْدَ أنْ تَمَّ ذِكْرُ المِنَّةِ والتَّمْهِيدِ لِلْحُجَّةِ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ، فابْتُدِئَ بِخِطابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُجادِلَ المُشْرِكِينَ ويُظْهِرَ افْتِراءَهم عَلى اللَّهِ فِيما زَعَمُوهُ مِن تَحْرِيمِ ما ابْتَدَعُوا تَحْرِيمَهُ مِن أنْواعٍ وأصْنافِ الأنْعامِ عَلى مَن عَيَّنُوهُ مِنَ النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ الآياتِ، فَهَذا الكَلامُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، إبْطالُ ما شَرَّعُوهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ الآيَةَ. صفحة ١٣٠ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى آخِرِها في المَوْضِعَيْنِ، اعْتِراضٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ وضَمِيرُ (﴿حَرَّمَ﴾) عائِدٌ إلى اسْمِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢] أوْ في قَوْلِهِ: ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٠] الآيَةَ، وفي تَكْرِيرِ الِاسْتِفْهامِ مَرَّتَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالتَّخْطِئَةِ فالتَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّصْرِيحُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ. فَلا تَرَدُّدَ في أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ في المَوْضِعَيْنِ إبْطالُ تَحْرِيمِ ما حَرَّمَ المُشْرِكُونَ أكْلَهُ، ونَفْيُ نِسْبَةِ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما النَّظَرُ في طَرِيقِ اسْتِفادَةِ هَذا المَقْصُودِ مِن نَظْمِ الكَلامِ، وهو مِنَ المُعْضِلاتِ. فَقالَ الفَخْرُ: أطْبَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأنْعامِ، فاحْتَجَّ اللَّهُ عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ بِأنْ ذَكَرَ الضَّأْنَ والمَعْزَ والإبِلَ والبَقَرَ، وذَكَرَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ زَوْجَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى، وإنْ كانَ حَرَّمَ الأُنْثى وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إناثِها حَرامًا، وأنَّهُ إنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ وجَبَ تَحْرِيمُ الأوْلادِ كُلِّها، حاصِلُ المَعْنى نَفْيُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا زَعَمُوا تَحْرِيمَهُ إيّاهُ بِطَرِيقِ السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ، وهو مِن طُرُقِ الجَدَلِ. قُلْتُ: هَذا ما عَزاهُ الطَّبَرِيُّ إلى قَتادَةَ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ، وهَذا لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّ السَّبْرَ غَيْرُ تامٍّ؛ إذْ لا يَنْحَصِرُ سَبَبُ التَّحْرِيمِ في النَّوْعِيَّةِ، بَلِ الأكْثَرُ أنَّ سَبَبَهُ بَعْضُ أوْصافِ المَمْنُوعِ وأحْوالِهِ. وقالَ البَغَوِيُّ: قالُوا: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] وقالُوا: صفحة ١٣١ (﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩]) وحَرَّمُوا البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِيَ، فَلَمّا قامَ الإسْلامُ جادَلُوا النَّبِيءَ ﷺ، وكانَ خَطِيبُهم مالِكَ بْنَ عَوْفٍ الجُشَمِيَّ قالُوا: يا مُحَمَّدُ بَلَغَنا أنَّكَ تُحَرِّمُ أشْياءَ مِمّا كانَ آباؤُنا يَفْعَلُونَهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكم قَدْ حَرَّمْتُمْ أصْنافًا مِنَ النَّعَمِ عَلى غَيْرِ أصْلٍ، وإنَّما خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ لِلْأكْلِ والِانْتِفاعِ بِها، فَمِن أيْنَ جاءَ هَذا التَّحْرِيمُ أمِن قِبَلِ الذَّكَرِ أمْ مِن قِبَلِ الأُنْثى. فَسَكَتَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ وتَحَيَّرَ اهـ. أيْ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ ولَمْ يَعْزُهُ البَغَوِيُّ إلى قائِلٍ وهو قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ فَتَبَيَّنَ أنَّ الحِجاجَ كُلَّهُ في تَحْرِيمِ أكْلِ بَعْضِ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ الأنْعامِ، وفي عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ ما حَرَّمُوا أكْلَهُ وما لَمْ يُحَرِّمُوهُ مَعَ تَماثُلِ النَّوْعِ أوِ الصِّنْفِ. والَّذِي يُؤْخَذُ مِن كَلامِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ في نَظْمِ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُشْرِكِينَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ في المَوْضِعَيْنِ، اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، قالَ في الكَشّافِ: الهَمْزَةُ في (﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾) لِلْإنْكارِ، والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعالى مِن جِنْسَيِ الغَنَمِ شَيْئًا مِن نَوْعَيْ ذُكُورِها وإناثِها وما تَحْمِلُ إناثُها، وكَذَلِكَ في جِنْسَيِ الإبِلِ والبَقَرِ، وبَيَّنَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ في بابِ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِ: وإنْ أرَدْتَ بِهِ - أيْ: بِالِاسْتِفْهامِ - الإنْكارَ فانْسُجْهُ عَلى مِنوالِ النَّفْيِ، فَقُلْ في إنْكارِ نَفْسِ الضَّرْبِ أضَرَبْتَ زَيْدًا، وقُلْ في إنْكارِ - أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطَبِ مَضْرُوبٌ - أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا، فَإنَّكَ إذا أنْكَرْتَ مَن يُرَدَّدِ الضَّرْبُ بَيْنَهُما - أيْ: بِزَعْمِهِ - تَوَلَّدَ مِنهُ - أيْ: مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِ - إنْكارُ الضَّرْبِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ . قالَ شارِحُهُ القُطْبُ الشِّيرازِيُّ: لِاسْتِلْزامِ انْتِفاءِ مَحَلِّ التَّحْرِيمِ انْتِفاءَ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّهُ عَرَضٌ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ؛ أيِ: التَّحْرِيمُ، دُونَ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، فَإذا انْتَفى؛ أيْ: مَحَلُّهُ انْتَفى هو؛ أيِ: التَّحْرِيمُ. اهـ. صفحة ١٣٢ أقُولُ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّ اللَّهَ لَوْ حَرَّمَ أكْلَ بَعْضِ الذُّكُورِ مِن أحَدِ النَّوْعَيْنِ لَحَرَّمَ البَعْضَ الآخَرَ، ولَوْ حَرَّمَ أكْلَ بَعْضِ الإناثِ لِحَرَّمَ البَعْضَ الآخَرَ؛ لِأنَّ شَأْنَ أحْكامِ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُطَّرِدَةً في الأشْياءِ المُتَّحِدَةِ بِالنَّوْعِ والصِّفَةِ، ولَوْ حَرَّمَ بَعْضَ ما في بُطُونِ الأنْعامِ عَلى النِّساءِ لَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى الرِّجالِ، وإذْ لَمْ يُحَرِّمْ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ مَعَ تَماثُلِ الأنْواعِ والأحْوالِ، أنْتَجَ أنَّهُ لَمْ يُحَرِّمِ البَعْضَ المَزْعُومَ تَحْرِيمُهُ؛ لِأنَّ أحْكامَ اللَّهِ مَنُوطَةٌ بِالحِكْمَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما حَرَّمُوهُ إنَّما حَرَّمُوهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ تَحَكُّمًا واعْتِباطًا، وكانَ تَحْرِيمُهم ما حَرَّمُوهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ، ونَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، المُلْجِئَةُ لَهم، كَما أشارَ إلَيْهِ كَلامُ النَّبِيءِ ﷺ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ الجُشَمِيِّ المَذْكُورُ آنِفًا، ولِذَلِكَ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ أيْ: لَوْ حَرَّمَ اللَّهُ الذَّكَرَيْنِ لَسَوّى في تَحْرِيمِهِما بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في الأُنْثَيَيْنِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ والإنْكارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] . وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ [الأنعام: ١٤٢] ومَعْلُومٌ أنَّ اسْتِعْمالَ الِاسْتِفْهامِ في غَيْرِ مَعْنى طَلَبِ الفَهْمِ هو إمّا مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ. ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) ومَعْناها الإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ تَعْدِيدًا لَهم، ويُقَدَّرُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ، فالمُفْرَدُ بَعْدَ (أمْ) مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أمْ أُحَرِّمُ الأُنْثَيَيْنِ، وكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ في نَظِيرِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ مِن مَسْلَكِ السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ المَذْكُورِ في مَسالِكِ العِلَّةِ مِن عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ. وجُمْلَةُ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ صفحة ١٣٣ ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ لِأنَّ إنْكارَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ حَرَّمَ شَيْئًا مِن ذُكُورٍ وإناثٍ ذَيْنِكَ الصِّنْفَيْنِ يَقْتَضِي تَكْذِيبَهم في زَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ما ذَكَرُوهُ، فَيَلْزَمُ مِنهُ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلى دَعْواهم، فَمَوْقِعُ جُمْلَةُ (﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾) بِمَنزِلَةِ الِاسْتِفْسارِ في عِلْمِ آدابِ البَحْثِ، ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِمَنزِلَةِ المَنعِ، وهَذا تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهُ لا يُطْلَبُ تَلَقِّي عِلْمٍ مِنهم، وهَذا التَّهَكُّمُ تابِعٌ لِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ وفَرْعٌ عَنْها. وهُوَ هُنا مُتَجَرِّدٌ لِلْمَجازِ أوْ لِلْمَعْنى المَلْزُومِ المُنْتَقِلِ مِنهُ في الكِنايَةِ. وتَثْنِيَةُ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِاعْتِبارِ ذُكُورِ وإناثِ النَّوْعَيْنِ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (حَرَّمَ) إلى (﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾) و(﴿الأُنْثَيَيْنِ﴾) وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ؛ أيْ: حَرَّمَ أكْلَ الذَّكَرَيْنِ أمِ الأُنْثَيَيْنِ إلى آخِرِهِ. والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ كَما في الكَشّافِ. والباءُ في ( بِعِلْمٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الإنْباءِ، فالعِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: نَبِّئُونِي إنْباءً مُلابِسًا لِلْعِلْمِ، فالعِلْمُ ما قابَلَ الجَهْلَ؛ أيْ: إنْباءُ العِلْمِ، ولَمّا كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الإنْباءِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم حَرَّمُوا ما حَرَّمُوا بِجَهالَةٍ وسُوءِ عَقْلٍ لا بِعِلْمٍ، وشَأْنُ مَن يَتَصَدّى لِلتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ أنْ يَكُونَ ذا عِلْمٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ما ذَكَرْتُمْ أنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ لاسْتَطاعُوا بَيانَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، ولَأبْدَوْا حِكْمَةَ تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوهُ ونَسَبُوا تَحْرِيمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى: صفحة ١٣٤ (﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾) لِأنَّهُ مِن تَمامِ تَفْصِيلِ عَدَدِ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ، والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في سابِقِهِ، والمَقْصُودُ إبْطالُ تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والحامِي وما في بُطُونِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. و(أمْ) في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، فَتُؤْذِنُ بِاسْتِفْهامٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها حَيْثُما وقَعَتْ، وهو إنْكارِيٌّ تَقْرِيرِيٌّ أيْضًا بِقَرِينَةِ السِّياقِ. والشُّهَداءُ: الحاضِرُونَ جَمْعُ شَهِيدٍ وهو الحاضِرُ؛ أيْ: شُهَداءَ حِينَ وصّاكُمُ اللَّهُ، فَـ (إذْ) ظَرْفٌ لِـ (﴿شُهَداءَ﴾) مُضافٌ إلى جُمْلَةِ (﴿وصّاكُمُ﴾) . والإيصاءُ: الأمْرُ بِشَيْءٍ يُفْعَلُ في غَيْبَةِ الآمِرِ، فَيُؤَكَّدُ عَلى المَأْمُورِ بِفِعْلِهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الغائِبِ التَّأكُّدُ، وأُطْلِقَ الإيصاءُ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ النّاسَ لَمْ يُشاهِدُوا اللَّهَ حِينَ فِعْلِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ، فَكانَ أمْرُ اللَّهِ مُؤَكَّدًا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالإيصاءِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى الِاحْتِرازِ مِنَ التَّفْوِيتِ في أوامِرِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى أمْرِ اللَّهِ الإيصاءُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] . والإشارَةُ في قَوْلِهِ بِهَذا إلى التَّحْرِيمِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: (حَرَّمَ) وذَلِكَ لِأنَّ في إنْكارِ مَجْمُوعِ التَّحْرِيمِ تَضُمُّنًا لِإبْطالِ تَحْرِيمٍ مُعَيَّنٍ ادَّعَوْهُ، وهم يَعْرِفُونَهُ، فَلِذَلِكَ صَحَّتِ الإشارَةُ إلى التَّحْرِيمِ عَلى الإجْمالِ، وخُصَّ بِالإنْكارِ حالَةُ المُشاهَدَةِ، تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ ﷺ، فَحالُهم حالُ مَن يَضَعُ نَفْسَهُ مَوْضِعَ مَن يَحْضُرُ حَضْرَةَ اللَّهِ تَعالى لِسَماعِ أوامِرِهِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ ولا إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ولَمْ يَأْتِ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، ولَمْ يَدَّعُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ اللَّهَ خاطَبَهم بِهِ مُباشَرَةً. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى الإنْكارِ في قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ صفحة ١٣٥ أيْ: فَيَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ والإنْكارِ أنْ يَتَوَجَّهَ سُؤالٌ مِنَ المُتَكَلِّمِ مَشُوبٌ بِإنْكارٍ، عَمَّنِ اتَّصَفَ بِزِيادَةِ ظُلْمِ الظّالِمِينَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ لِيُضِلُّوا النّاسَ؛ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، فَإذا ثَبَتَ أنَّ هو أظْلَمُ الظّالِمِينَ. والمُشْرِكُونَ إمّا أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ وضَعَ الشِّرْكَ وهم كُبَراءُ المُشْرِكِينَ، مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، واضِعُ عِبادَةِ الأصْنامِ، وأوَّلُ مَن جَعَلَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِيَ، ومَن جاءَ بَعْدَهُ مِن طَواغِيتِ أهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ سَنُّوا لَهم جَعْلَ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ لِبُيُوتِ الأصْنامِ وسَدَنَتِها، فَهَؤُلاءِ مُفْتَرُونَ، وإمّا أنْ يَكُونُوا مِمَّنِ اتَّبَعَ أُولَئِكَ بِعَزْمٍ وتَصَلُّبٍ وشارَكُوهم فَهُمُ اتَّبَعُوا أُناسًا لَيْسُوا بِأهْلٍ لِأنْ يُبَلِّغُوا عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ حَقُّهم أنْ يَتَوَخَّوْا مَن يَتَّبِعُونَ ومَن يَظُنُّونَ أنَّهُ مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ وهُمُ الرُّسُلُ، فَمِن ضَلالِهِمْ أنَّهم لَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ الحَقُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَّبُوهُ، وقَدْ صَدَّقُوا الكَذَبَةَ وأيَّدُوهم ونَصَرُوهم. ويُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مِنَ الظُّلْمِ أنْ يُقْدِمَ أحَدٌ عَلى الإفْتاءِ في الدِّينِ ما لَمْ يَكُنْ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ يُفْتِي بِالصَّوابِ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ، وذَلِكَ إنْ كانَ مُجْتَهِدًا فَبِالِاسْتِنادِ إلى الدَّلِيلِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ مُصادَفَتُهُ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مُقَلِّدًا فَبِالِاسْتِنادِ إلى ما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ مَذْهَبُ إمامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِكَوْنِهِمْ مِن أظْلَمِ النّاسِ؛ لِأنَّ مَعْنى الزِّيادَةِ في الظُّلْمِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ ظُلْمُهم لا إقْلاعَ عَنْهُ؛ لِأنَّ الضَلالَ يَزْدادُ رُسُوخًا في النَّفْسِ بِتَكَرُّرِ أحْوالِهِ ومَظاهِرِهِ، لِأنَّهم لَمّا تَعَمَّدُوا الإضْلالَ أوِ اتَّبَعُوا مُتَعَمِّدِيهِ عَنْ تَصَلُّبٍ، فَهم بِمَعْزِلٍ عَنْ تَطَلُّبِ الهُدى وإعادَةِ النَّظَرِ في حالِ أنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يُغْرِيهِمْ صفحة ١٣٦ بِالِازْدِيادِ والتَّمَلِّي مِن تِلْكَ الأحْوالِ، حَتّى تَصِيرَ فِيهِمْ مَلِكَةً وسَجِيَّةً، فَيَتَعَذَّرُ إقْلاعُهم عَنْها، فَعَلى هَذا تَكُونُ (إنَّ) مُفِيدَةً مَعْنى التَّعْلِيلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَهْدِيدًا ووَعِيدًا لَهم، إنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ، بِأنَّ اللَّهَ يَحْرِمُهُمُ التَّوْفِيقَ ويَذَرَهم في غَيِّهِمْ وعَمَهِهِمْ، فاللَّهُ هَدى كَثِيرًا مِنَ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ في الشِّرْكِ؛ أيْ: لَمْ يَكُونُوا قادَةً ولا مُتَصَلِّبِينَ في شِرْكِهِمْ، والَّذِينَ كانُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ هُمُ الَّذِينَ حَرَمَهُمُ اللَّهُ الهُدى، مِثْلُ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ أصْحابِ القَلِيبِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأمّا الَّذِينَ اتَّبَعُوا الإسْلامَ بِالقِتالِ مِثْلُ مُعْظَمِ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وكَذَلِكَ هَوازِنَ ومَن بَعْدِها، فَهَؤُلاءِ أسْلَمُوا مُذْعِنِينَ ثُمَّ عَلِمُوا أنَّ آلِهَتَهم لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا فَحَصَلَ لَهُمُ الهُدى بَعْدَ ذَلِكَ، وكانُوا مِن خِيرَةِ المُسْلِمِينَ ونَصَرُوا اللَّهَ حَقَّ نَصْرِهِ، فالمُرادُ مِن نَفْيِ الهُدى عَنْهم إمّا نَفْيُهُ عَنْ فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهُمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ، وإمّا نَفْيُ الهُدى المَحْضِ الدّالِّ عَلى صَفاءِ النَّفْسِ ونُورِ القَلْبِ، دُونَ الهُدى الحاصِلِ بَعْدَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَذَلِكَ هُدًى في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] .

الأنعام 6:145

﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنْ إبْطالِ تَحْرِيمِ ما حَرَّمَهُ المُشْرِكُونَ، إذْ يَتَوَجَّهُ سُؤالُ سائِلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ المُحَرَّماتِ الثّابِتَةِ، إذْ أُبْطِلَتِ المُحَرَّماتُ الباطِلَةُ، صفحة ١٣٧ فَلِذَلِكَ خُوطِبَ الرَّسُولُ ﷺ بِبَيانِ المُحَرَّماتِ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ خُوطِبَ بِبَيانِ ما لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ مِمّا حَرَّمَهُ المُشْرِكُونَ في قَوْلِهِ: (﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]) الآياتِ. وافْتُتِحَ الكَلامُ المَأْمُورُ بِأنْ يَقُولَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿لا أجِدُ﴾) إدْماجًا لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في خِلالِ بَيانِ ما حُرِّمَ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا الرَّدُّ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ كِنايَةِ الإيماءِ بِأنْ لَمْ يُنْفَ تَحْرِيمُ ما ادَّعَوْا تَحْرِيمَهُ صَرِيحًا، ولَكِنَّهُ يَقُولُ لا أجِدُهُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ، ويُسْتَفادُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ تَحْرِيمُهُ مِنَ اللَّهِ في شَرْعِهِ؛ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْرِيمِ شَيْءٍ مِمّا يَتَناوَلُهُ النّاسُ إلّا بِإعْلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُحِلُّ ما شاءَ ويُحَرِّمُ ما شاءَ ويُحَرِّمُ ما شاءَ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وذَلِكَ الإعْلامُ لا يَكُونُ إلّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ أوْ ما يُسْتَنْبَطُ مِنهُ، فَإذا كانَ حُكْمٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ في الوَحْيِ ولا في فُرُوعِهِ فَهو حُكْمٌ غَيْرُ حَقٍّ، فاسْتُفِيدَ بُطْلانُ تَحْرِيمِ ما زَعَمُوهُ بِطَرِيقَةِ الإيماءِ، وهي طَرِيقَةٌ اسْتِدْلالِيَّةٌ؛ لِأنَّ فِيها نَفْيَ الشَّيْءِ بِنَفْيِ مَلْزُومِهِ. و(أجِدُ) بِمَعْنى: أظْفَرُ، وهو الَّذِي مَصْدَرُهُ الوَجْدُ والوِجْدانُ، وهو هُنا مَجازٌ في حُصُولِ الشَّيْءِ وبُلُوغِهِ، يُقالُ: وجَدْتُ فُلانًا ناصِرًا؛ أيْ: حَصَلْتُ عَلَيْهِ، فَشَبَّهَ التَّحْصِيلَ لِلشَّيْءِ بِالظَّفَرِ وإلْفاءِ المَطْلُوبِ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. والمُرادُ بِـ (﴿ما أُوحِيَ﴾) ما أعْلَمَهُ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِوَحْيٍ غَيْرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ النّازِلَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ وإنَّما نَزَلَ القُرْآنُ بِتَحْرِيمِ ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ في سُورَةِ المائِدَةِ. والطّاعِمُ: الآكِلُ، يُقالُ: طَعِمَ كَعَلِمَ، إذا أكَلَ الطَّعامَ، ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلشّارِبِ، وأمّا طَعِمَ بِمَعْنى ذاقَ فَيُسْتَعْمَلُ في ذَوْقِ المَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في النَّفْيِ، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ١٣٨ ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ الآيَةُ قاصِرَةً عَلى بَيانِ مُحَرَّمِ المَأْكُولاتِ. وقَوْلُهُ: (﴿يَطْعَمُهُ﴾) صِفَةٌ لِـ (﴿طاعِمٍ﴾) وهي صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأكْوانِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ؛ أيْ: لا أجِدُ كائِنًا مُحَرَّمًا إلّا كَوْنَهُ مَيْتَةً إلَخْ، أيْ: إلّا الكائِنَ مَيْتَةً إلَخْ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ. والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ المَنفِيِّ والِاسْتِثْناءِ حَقِيقِيٌّ بِحَسَبِ وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مِن مُحَرَّماتِ الأكْلِ غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ بِالمَدِينَةِ فَزِيدَ في المُحَرَّماتِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا. والمَسْفُوحُ: المَصْبُوبُ السّائِلُ، وهو ما يَخْرُجُ مِنَ المَذْبَحِ والمَنحَرِ، أوْ مِنَ الفَصْدِ في بَعْضِ عُرُوقِ الأعْضاءِ فَيَسِيلُ، وقَدْ كانَ العَرَبُ يَأْكُلُونَ الدَّمَ الَّذِي يَسِيلُ مِن أوْداجِ الذَّبِيحَةِ أوْ مِن مَنحَرِ المَنحُورَةِ ويَجْمَعُونَهُ في مَصِيرٍ أوْ جِلْدٍ ويُجَفِّفُونَهُ ثُمَّ يَشْوُونَهُ، ورُبَّما فَصَدُوا مِن قَوائِمِ الإبِلِ مُفَصَّدًا فَأخَذُوا ما يَحْتاجُونَ مِنَ الدَّمِ بِدُونِ أنْ يَهْلِكَ البَعِيرُ، ورُبَّما خَلَطُوا الدَّمَ بِالوَبَرِ ويُسَمُّونَهُ العِلْهِزَ، وذَلِكَ في المَجاعاتِ. وتَقْيِيدُ الدَّمِ بِالمَسْفُوحِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى العَفْوِ عَنِ الدَّمِ الَّذِي يَنِزُّ مِن عُرُوقِ اللَّحْمِ عِنْدَ طَبْخِهِ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفاتِ، والضَّمِيرُ قِيلَ: عائِدٌ إلى لَحْمِ الخِنْزِيرِ، والأظْهَرُ أنْ يَعُودَ إلى جَمِيعِ ما قَبْلَهُ، وإنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ؛ أيْ: فَإنَّ المَذْكُورَ رِجْسٌ، كَما يُفْرَدُ اسْمُ الإشارَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] . صفحة ١٣٩ والرِّجْسُ: الخَبِيثُ والقَذَرُ، وقَدْ مَضى بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] في هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى لَحْمِ الخِنْزِيرِ خاصَّةً فَوَصْفُهُ بِرِجْسٍ تَنْبِيهٌ عَلى ذَمِّهِ، وهو ذَمٌّ زائِدٌ عَلى التَّحْرِيمِ، فَوَصْفُهُ بِهِ تَحْذِيرٌ مِن تَناوُلِهِ، وتَأْنِيسٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ العَرَبِ كانُوا يَأْكُلُونَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ بِخِلافِ المَيْتَةِ والدَّمِ فَما يَأْكُلُونَها إلّا في الخَصاصَةِ. وخَباثَةُ الخِنْزِيرِ عَلِمَها اللَّهُ تَعالى الَّذِي خَلَقَهُ، وتَبَيَّنَ أخِيرًا أنَّ لَحْمَهُ يَشْتَمِلُ عَلى ذَرّاتٍ حَيَوانِيَّةٍ مُضِرَّةٍ لِآكِلِهِ أثْبَتَها عِلْمُ الحَيَوانِ وعِلْمُ الطِّبِّ، وقِيلَ: أُرِيدَ أنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ النَّجاساتِ وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ بَعْضَ الدَّوابِّ تَأْكُلُ النَّجاسَةِ وتُسَمّى الجَلّالَةَ ولَيْسَتْ مُحَرَّمَةَ الأكْلِ في صَحِيحِ أقْوالِ العُلَماءِ. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الثَّلاثَةِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ كانَ قَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾) تَنْبِيهًا عَلى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وأنَّها لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ تَحْصُلُ مَن أكْلِ هَذِهِ الأشْياءَ، وهي مَفْسَدَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَأمّا المَيْتَةُ فَلِما يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ جِسْمُ الحَيَوانِ بَعْدَ المَوْتِ مِنَ التَّعَفُّنِ، ولِأنَّ المَرَضَ الَّذِي كانَ سَبَبُ مَوْتِهِ قَدْ يَنْتَقِلُ إلى آكِلِهِ، وأمّا الدَّمُ فَلِأنَّ فِيهِ أجْزاءً مُضِرَّةً، ولِأنَّ شُرْبَهُ يُورِثُ ضَراوَةً. والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنْ شَيْءٍ، وهو حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ في الخُرُوجِ عَنِ الإيمانِ، أوِ الطّاعَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ الفِعْلُ الحَرامُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِفِسْقِ صاحِبِهِ عَنِ الطّاعَةِ، وقَدْ سَمى القُرْآنُ ما أُهِّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فِسْقًا في الآيَةِ السّالِفَةِ وفي هَذِهِ الآيَةِ، فَصارَ وصْفًا مَشْهُورًا لِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صِفَةً أوْ بَيانًا لِـ ( فِسْقًا وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ لَيْسَ لِأنَّ لَحْمُهُ مُضِرٌّ بَلْ لِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بِاللَّهِ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى انْحِصارِ المُحَرَّماتِ مِنَ الحَيَوانِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وذَلِكَ الِانْحِصارُ بِحَسَبِ ما كانَ مُحَرَّمًا يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَمْ صفحة ١٤٠ يُحَرَّمْ بِمَكَّةَ عَلى غَيْرِها مِن لَحْمِ الحَيَوانِ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ، وهَذِهِ السُّوَرُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى الصَّحِيحِ، ثُمَّ حَرَّمَ بِالمَدِينَةِ أشْياءَ أُخْرى، وهي: المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وأكِيلَةُ السَّبُعِ بِآيَةِ سُورَةِ العُقُودِ، وحَرَّمَ لَحْمَ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى اخْتِلافٍ بَيْنَ العُلَماءِ في أنَّ تَحْرِيمَهُ لِذاتِهِ كالخِنْزِيرِ، أوْ لِكَوْنِها يَوْمَئِذٍ حَمُولَةَ جَيْشِ خَيْبَرَ، وفي أنَّ تَحْرِيمَهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّهُ لِذاتِهِ مُسْتَمِرٌّ أوْ مَنسُوخٌ، والمَسْألَةُ لَيْسَتْ مِن غَرَضِ التَّفْسِيرِ فَلا حاجَةَ بِنا إلى ما تَكَلَّفُوهُ مِن تَأْوِيلِ حَصْرِ هَذِهِ الآيَةِ المُحَرَّماتِ في الأرْبَعَةِ، وكَذَلِكَ مَسْألَةُ تَحْرِيمِ لَحْمِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ولَحْمِ سِباعِ الطَّيْرِ وقَدْ بَسَطَها القُرْطُبِيُّ، وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ في سُورَةِ المائِدَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا أنْ يَكُونَ) بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ ونَصْبِ (مَيْتَةً) وما عُطِفَ عَلَيْها وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ ونَصْبِ (مَيْتَةً) وما عُطِفَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَن - عَدا ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ ورَفْعِ (مَيْتَةٌ) - ويُشْكَلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ المَعْطُوفَ عَلى (مَيْتَةً) مَنصُوباتٌ وهي: أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْها صاحِبُ الكَشّافِ، وقَدْ خُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ عَطْفًا عَلى (أنْ) وصِلَتِها؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ فالتَّقْدِيرُ: إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ، فَلَمّا عَبَّرَ عَنِ الوُجُودِ بِفِعْلِ يَكُونُ التّامِّ ارْتَفَعَ ما كانَ مُضافًا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] . وإنَّما جاءَ المُسْنَدُ إلَيْهِ في جُمْلَةِ الجَزاءِ وهو (رَبَّكَ) مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ دُونَ العَلَمِيَّةِ كَما في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢] لِما يُؤْذِنُ بِهِ لَفْظُ الرَّبِّ مِنَ الرَّأْفَةِ واللُّطْفِ بِالمَرْبُوبِ والوِلايَةِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ جَعَلَ هَذِهِ الرُّخْصَةَ صفحة ١٤١ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ ولَمْ يُشْرِكُوا بِهِ، وأنَّهُ أعْرَضَ عَنِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ؛ لِأنَّ الإضافَةَ تُشْعِرُ بِالِاخْتِصاصِ؛ لِأنَّها عَلى تَقْدِيرِ لامِ الِاخْتِصاصِ، فَلَمّا عَبَّرَ عَنِ الغَفُورِ تَعالى بِأنَّهُ رَبُّ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عُلِمَ أنَّهُ رَبُّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وأنَّهُ لَيْسَ رَبُّ المُشْرِكِينَ بِاعْتِبارِ ما في مَعْنى الرَّبِّ مِنَ الوِلايَةِ، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] أيْ: لا مَوْلى يُعامِلُهم بِآثارِ الوِلايَةِ وشِعارِها؛ ذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ في سِياقِ حِجاجِ المُشْرِكِينَ بِخِلافِ آيَةِ البَقَرَةِ فَإنَّها مُفْتَتَحَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] . والإخْبارُ بِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِن مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، هو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإذْنِ في تَناوُلِ تِلْكَ المُحَرَّماتِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ ورَفْعِ حَرَجِ التَّحْرِيمِ عَنْها حِينَئِذٍ فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] .

الأنعام 6:146

﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ جُمْلَةُ وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ) عَطْفُ خَبَرٍ عَلى إنْشاءٍ؛ أيْ: بَيِّنْ لَهم ما حُرِّمَ في الإسْلامِ، واذْكُرَ لَهم ما حَرَّمْنا عَلى الَّذِينَ هادَوْا قَبْلَ الإسْلامِ، والمُناسَبَةُ أنَّ اللَّهَ لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُبَيِّنَ ما حَرَّمَ اللَّهُ أكْلَهُ مِنَ الحَيَوانِ، وكانَ في خِلالِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ خَبِيثٌ بَعْضُهُ لا يَصْلُحُ أكْلُهُ بِالأجْسادِ الَّذِي قالَ فِيهِ: ( ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ومِنهُ صفحة ١٤٢ ما لا يُلاقِي واجِبَ شُكْرِ الخالِقِ وهو الَّذِي قالَ فِيهِ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما حَرَّمَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ تَحْرِيمًا خاصًّا لِحِكْمَةٍ خاصَّةٍ بِأحْوالِهِمْ ومُؤَقَّتَةً إلى مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ الخاتِمَةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الأخِيرِ أنْ يَظْهَرَ لِلْمُشْرِكِينَ أنَّ ما حَرَّمُوهُ لَيْسَ مِن تَشْرِيعِ اللَّهِ في الحالِ ولا فِيما مَضى، فَهو ضَلالٌ بَحْتٌ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلَّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: عَلَيْهِمْ لا عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. والظُّفُرُ: العَظْمُ الَّذِي تَحْتَ الجِلْدِ في مُنْتَهى أصابِعِ الإنْسانِ والحَيَوانِ والمَخالِبِ، وهو يُقابِلُ الحافِرَ والظِّلْفَ ويَكُونُ لِلْإبِلِ والسَّبُعِ والكَلْبِ والهِرِّ والأرْنَبِ والوَبَرِ ونَحْوِها، فَهَذِهِ مُحَرَّمَةٌ عَلى اليَهُودِ بِنَصِّ شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفي الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: الجَمَلُ والأرْنَبُ والوَبَرُ فَلا تَأْكُلُوها. والشُّحُومُ: جَمْعُ شَحْمٍ، وهو المادَّةُ الدُّهْنِيَّةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ اللَّحْمِ في جَسَدِ الحَيَوانِ، وقَدْ أباحَ اللَّهُ لِلْيَهُودِ أكْلَ لُحُومِ البَقَرِ والغَنَمِ وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَها إلّا ما كانَ في الظَّهْرِ. و(﴿الحَوايا﴾) مَعْطُوفٌ عَلى ( ظُهُورِهِما فالمَقْصُودُ العَطْفُ عَلى المُباحِ لا عَلى المُحَرَّمِ؛ أيْ: أوْ ما حَمَلَتِ الحَوايا، وهي جَمْعُ حَوِيَّةٍ، وهي الأكْياسُ الشَّحْمِيَّةُ الَّتِي تَحْوِي الأمْعاءَ. أوْ (﴿ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾) هو الشَّحْمُ الَّذِي يَكُونُ مُلْتَفًّا عَلى عَظْمِ الحَيَوانِ مِنَ السَّمْنِ فَهو مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِعُسْرِ تَجْرِيدِهِ عَنْ عَظْمِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الشُّحُومَ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ بِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهي المُحَرَّماتُ الَّتِي أجْمَلَتْها آيَةُ سُورَةِ النِّساءِ صفحة ١٤٣ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] كَما أشَرْنا إلَيْهِ هُنالِكَ؛ لِأنَّ الجَرائِمَ الَّتِي عُدَّتْ عَلَيْهِمْ هُنالِكَ كُلَّها مِمّا أحْدَثُوهُ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ يُرادُ مِنهُ البَغْيُ الَّذِي أحْدَثُوهُ زَمَنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، في مُدَّةِ التِّيهِ، مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهم: مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، وقَوْلِهِمْ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] وعِبادَتِهِمِ العِجْلَ، وقَدْ عُدَّ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِن ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومُناسَبَةُ تَحْرِيمِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ لِلْكَوْنِ جَزاءً لِبَغْيِهِمْ؛ أنَّ بَغْيَهم نَشَأ عَنْ صَلابَةِ نُفُوسِهِمْ وتَغَلُّبِ القُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ فِيهِمْ عَلى القُوَّةِ المَلَكِيَّةِ، فَلَعَلَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأُمُورَ تَخْفِيفًا مِن صَلابَتِهِمْ، وفي ذَلِكَ إظْهارُ مِنَّتَهِ عَلى المُسْلِمِينَ بِإباحَةِ جَمِيعِ الحَيَوانِ لَهم إلّا ما حَرَّمَهُ القُرْآنُ وحَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ مِمّا لَمْ يَخْتَلِفُ العُلَماءُ وما اخْتَلَفُوا فِيهِ. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَحْرِيمَ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، مَعَ أنَّهُ مِمّا شَمِلَهُ نَصُّ التَّوْراةِ؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ هُنا ما خُصُّوا بِتَحْرِيمِهِ مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ في الإسْلامِ؛ أيْ: ما كانَ تَحْرِيمُهُ مُؤَقَّتًا. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَلْتَفِتُ الذِّهْنُ إلَيْهِ عِنْدَ سَماعِ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي ظُفُرٍ فَيَتَرَقَّبُ الحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِمَنزِلَةِ الِافْتِتاحِ بِـ ( أمّا. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ تَذْيِيلٌ يُبَيِّنُ عِلَّةَ تَحْرِيمِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ. واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ﴾ مَقْصُودٌ بِهِ التَّحْرِيمُ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ﴾ مَقْصُودٌ بِهِ التَّحْرِيمُ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِ: (حَرَّمَنا) فَهو في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ ثانٍ لِـ (جَزَيْناهم) قُدِّمَ صفحة ١٤٤ عَلى عامِلِهِ ومَفْعُولِهِ الأوَّلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ والتَّثْبِيتِ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ جَزاءٌ لِبَغْيِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها قَصْدًا لِتَحْقِيقِ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وإبْطالًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنا شَيْئًا وإنَّما حَرَّمْنا ذَلِكَ عَلى أنْفُسِنا اقْتِداءً بِيَعْقُوبَ فِيما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ لَمّا انْتَبَزُوا بِتَحْرِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ما أحَلَّهُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُمُ المُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ دُونَ جَمِيعِ الأُمَمِ، أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ اللَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وأنَّهُ عُقُوبَةٌ لَهم، فَكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ تِلْكَ المُحَرَّماتِ كانَ حَرَّمَها يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ نَذْرًا لِلَّهِ فاتَّبَعَهُ أبْناؤُهُ اقْتِداءً بِهِ، ولَيْسَ قَوْلُهم بِحَقٍّ: لِأنَّ يَعْقُوبَ إنَّما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، كَما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ وأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ [آل عمران: ٩٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ لِنَذْرٍ أوْ مَصْلَحَةٍ بَدَنِيَّةٍ لا يَسْرِي إلى مَن عَداهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَحْرِيمَها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مَذْكُورٌ تَحْرِيمُها في التَّوْراةِ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ تَحْرِيمَها. فالتَّأْكِيدُ لِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ، ونَظِيرُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ قَوْلُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥] .

الأنعام 6:147

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الكَلامِ السّابِقِ الَّذِي أبْطَلَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمُوهُ، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] الآياتِ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَرْعَوُوا بَعْدَ هَذا البَيانِ صفحة ١٤٥ وكَذَّبُوكَ في نَفْيِ تَحْرِيمِ اللَّهِ ما زَعَمُوا أنَّهُ حَرَّمَهُ فَذَكِّرْهم بِبَأْسِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ عَمّا زَعَمُوهُ، وذَكِّرْهم بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لَعَلَّهم يُبادِرُونَ بِطَلَبِ ما يُخَوِّلُهم رَحْمَتَهُ مِنِ اتِّباعِ هَدْيِ الإسْلامِ، فَيَعُودُ ضَمِيرُ (كَذَّبُوكَ) إلى المُشْرِكِينَ وهو المُتَبادَرُ مِن سِياقِ الكَلامِ سابِقِهِ ولاحِقِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ: (﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾) تَنْبِيهٌ لَهم بِأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم هو إمْهالٌ داخِلٌ في رَحْمَةِ اللَّهِ رَحْمَةً مُؤَقَّتَةً، لَعَلَّهم يُسْلِمُونَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَعْنى فِعْلِ (كَذَّبُوكَ) الِاسْتِمْرارَ؛ أيْ: إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ بَعْدَ هَذِهِ الحُجَجِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ( ﴿الَّذِينَ هادُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] تَكْمِلَةً لِلِاسْتِطْرادِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ عَلَيْنا شَيْئًا وإنَّما حَرَّمْنا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ فَرْضَ تَكْذِيبِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلَخْ؛ لِأنَّ أقْوالَهم تُخالِفُ ذَلِكَ فَهم بِحَيْثُ يُكَذِّبُونَ ما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْهِمِ الإمْهالُ بِالرِّضى، فَقِيلَ لَهم: ﴿رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ إمْهالُهُ المُجْرِمِينَ في الدُّنْيا غالِبًا. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ فِيهِ إيجازٌ بِحَذْفٍ تَقْدِيرُهُ وذُو بَأْسٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ إذا أرادَهُ، وهَذا وعِيدٌ وتَوَقُّعٌ وهو تَذْيِيلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ يَعُمُّهم وغَيْرَهم وهو يَتَضَمَّنُ أنَّهم مُجْرِمُونَ.

الأنعام 6:148

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ صفحة ١٤٦ اسْتِئْنافٌ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ أنِ اعْتَرَضَ بَيْنَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَلَمّا قَطَعَ اللَّهُ حُجَّتَهم في شَأْنِ تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوهُ، وقِسْمَةِ ما قَسَّمُوهُ، اسْتَقْصى ما بَقِيَ لَهم مِن حُجَّةٍ وهي حُجَّةُ المَحْجُوجِ المَغْلُوبِ الَّذِي أعْيَتْهُ المُجادَلَةُ ولَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ؛ إذْ يَتَشَبَّثُ بِالمَعاذِيرِ الواهِيَةِ لِتَرْوِيجِ ضَلالِهِ، بِأنْ يَقُولَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ وقُدِّرَ. فَإنْ كانَ ضَمِيرُ الرَّفْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ [الأنعام: ١٤٧] عائِدًا إلى المُشْرِكِينَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَفْظِيعِ أقْوالِهِمْ، فَإخْبارُ اللَّهِ عَنْهم بِأنَّهم سَيَقُولُونَ ذَلِكَ إنْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] هو الأرْجَحُ، فَإنَّ سُورَةَ النَّحْلِ مَعْدُودَةٌ في النُّزُولِ بَعْدَ سُورَةِ الأنْعامِ، كانَ الإخْبارُ بِأنَّهم سَيَقُولُونَهُ اطِّلاعًا عَلى ما تُكِنُّهُ نُفُوسُهم مِن تَزْوِيرِ هَذِهِ الحُجَّةِ، فَهو مُعْجِزَةٌ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ مِن نَوْعِ الإخْبارِ بِالغَيْبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] وإنْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ فَإخْبارٌ بِأنَّهم سَيَقُولُونَهُ مَعْناهُ أنَّهم سَيُعِيدُونَ مَعْذِرَتَهُمُ المَأْلُوفَةَ. وحاصِلُ هَذِهِ الحُجَّةِ أنَّهم يَحْتَجُّونَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِرِضى اللَّهِ تَعالى لَصَرَفَهم عَنْهُ ولَمّا يَسَّرَهُ لَهم، يَقُولُونَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ إفْحامِ الرَّسُولِ ﷺ وإبْطالِ حُكْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالَةِ، وهَذِهِ شُبْهَةُ أهْلِ العُقُولِ الأفِنَةِ الَّذِينَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّقْدِيرِ وحِفْظِ قَوانِينِ الوُجُودِ، وهو التَّرَفُ الَّذِي نُسَمِّيهِ نَحْنُ بِالمَشِيئَةِ وبِالإرادَةِ، وبَيْنَ تَصَرُّفِهِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وهو الَّذِي نُسَمِّيهِ بِالرِّضى وبِالمَحَبَّةِ؛ فالأوَّلُ تَصَرُّفُ التَّكْوِينِ والثّانِي تَصَرُّفُ التَّكْلِيفِ، فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ تَمَكُّنَهم مِن وضْعِ قَواعِدِ الشِّرْكِ ومِنَ التَّحْرِيمِ صفحة ١٤٧ والتَّحْلِيلِ ما هو إلّا بِأنْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِمُ التَّمَكُّنَ مِن ذَلِكَ، فَيَحْسَبُونَ أنَّهُ حِينَ لَمْ يُمْسِكْ عِنانَ أفْعالِهِمْ كانَ قَدْ رَضِيَ بِما فَعَلُوهُ، وأنَّهُ لَوْ كانَ لا يَرْضى بِهِ لَما عَجَزَ عَنْ سَلْبِ تَمَكُّنِهِمْ، يَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ يُهِمُّه سُوءَ تَصَرُّفِهِمْ فِيما فَطَرَهم عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ كَما يَتَوَهَّمُونَ لَكانَ الباطِلُ والحَقُّ شَيْئًا واحِدًا، وهَذا ما لا يَفْهَمُهُ عَقْلٌ حَصِيفٌ. فَإنَّ أهْلَ العُقُولِ السَّخِيفَةِ حِينَ يَتَوَهَّمُونَ ذَلِكَ كانُوا غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلّا إلى جانِبِ نِحْلَتِهِمْ ومُعْرِضِينَ عَنْ جانِبِ مُخالِفِهِمْ، فَإنَّهم حِينَ يَقُولُونَ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ غافِلُونَ عَنْ أنْ يُقالَ لَهم - مِن جانِبِ الرَّسُولِ -: لَوْ شاءَ ما قُلْتُ لَكم أنَّ فِعْلَكم ضَلالٌ، فَيَكُونُ اللَّهُ عَلى حَسَبِ شُبْهَتِهِمْ قَدْ شاءَ الشَّيْءَ ونَقِيضَهُ، إذْ شاءَ أنَّهم يُشْرِكُونَ وشاءَ أنْ يَقُولَ لَهُمُ الرَّسُولُ: لا تُشْرِكُوا. وسَبَبُ هَذِهِ الضَّلالَةِ العارِضَةِ لِأهْلِ الضَّلالِ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي تَلُوحُ في عُقُولِ بَعْضِ عَوامِّ المُسْلِمِينَ في مَعاذِيرِهِمْ لِلْمَعاصِي والجَرائِمِ أنْ يَقُولُوا: أمْرُ اللَّهِ أوْ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، هو الجَهْلُ بِأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى في وضْعِ نِظامِ هَذا العالَمِ اقْتَضَتْ أنْ يَجْعَلَ حِجابًا بَيْنَ تَصَرُّفِهِ تَعالى في أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، وبَيْنَ تَصَرُّفِهِمْ في أحْوالِهِمْ بِمُقْتَضى إرادَتِهِمْ، وذَلِكَ الحِجابُ هو نامُوسُ ارْتِباطِ المُسَبَّباتِ بِأسْبابِها، وارْتِباطِ أحْوالِ المَوْجُوداتِ في هَذا العالَمِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، ومِنهُ ما يُسَمّى بِالكَسْبِ والِاسْتِطاعَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الأشاعِرَةِ، ويُسَّمى بِالقُدْرَةِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ وبَعْضِ الأشاعِرَةِ، وذَلِكَ هو مَوْرِدُ التَّكْلِيفِ الدّالِّ عَلى ما يَرْضاهُ اللَّهُ وما لا يَرْضى بِهِ، وأنَّ اللَّهَ وضَعَ نِظامَ هَذا العالَمِ بِحِكْمَةٍ، فَجَعَلَ قِوامَهُ هو تَدْبِيرُ الأشْياءِ أُمُورَها مِن ذَواتِها بِحَسَبِ قُوًى أوْدَعَها في المَوْجُوداتِ لِتَسْعى لِما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ، وزادَ الإنْسانَ مَزِيَّةً بِأنْ وضَعَ لَهُ عَقْلًا يُمَكِّنُهُ مِن تَغْيِيرِ أحْوالِهِ عَلى حَسَبِ احْتِياجِهِ، ووَضَعَ لَهُ في عَقْلِهِ وسائِلَ الِاهْتِداءِ إلى الخَيْرِ والشَّرِّ، كَما قَيَّضَ لَهُ دُعاةً إلى الخَيْرِ تُنَبِّهُهُ إلَيْهِ إنْ عَرَتْهُ غَفْلَةٌ، أوْ حَجَبَتْهُ شَهْوَةٌ، فَإنْ هو لَمْ يَرْعَوِ عَنْ غَيِّهِ فَقَدْ خانَ بِساطَ عَقْلِهِ بِطَيِّهِ. صفحة ١٤٨ وبِهَذا ظَهَرَ تَخْلِيطُ أهْلِ الضَّلالَةِ بَيْنَ مَشِيئَةِ العِبادِ ومَشِيئَةِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُنا قَوْلَهم: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ لِأنَّهم جَعَلُوا ما هو مَشِيئَةٌ لَهم مَشِيئَةً لِلَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ فَهو قَدْ أثْبَتَ مَشِيئَتَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] فَهي مَشِيئَةُ تَكْوِينِ العُقُولِ وتَكْوِينِ نِظامِ الجَماعَةِ. فَهَذِهِ المَشِيئَةُ الَّتِي اعْتَلُّوا بِها مَشِيئَةٌ خَفِيَّةٌ لا تَتَوَصَّلُ إلى الِاطِّلاعِ عَلى كُنْهِها عُقُولُ البَشَرِ، فَلِذَلِكَ نَعى اللَّهُ عَلَيْهِمِ اسْتِنادَهم إلَيْها عَلى جَهْلِهِمْ بِكُنْهِها، فَقالَ: (﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾) فَشَبَّهَ بِتَكْذِيبِهِمْ تَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَكَنّى بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِ مَقْصِدِ المُشْرِكِينَ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ تَكْذِيبَ النَّبِيءِ ﷺ، وقَدْ سَبَقَ لَنا بَيانٌ في هَذا المَعْنى في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] . ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَنْهَضُ حُجَّةً لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ، ولا لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَيْنا، وإنْ حاوَلَ كِلا الفَرِيقَيْنِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقانِ عَلى بُطْلانِ حُجَّةِ المُشْرِكِينَ. وفِي الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى الجَبْرِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أنْبِياءَهم كَمِثْلِ ما كَذَّبَكَ هَؤُلاءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ تَكْذِيبَ النَّبِيءِ ﷺ إذا دَعاهم إلى الإقْلاعِ عَمّا يَعْتَقِدُونَ بِحُجَّةٍ أنَّ اللَّهَ رَضِيَهُ لَهم وشاءَهُ مِنهم مَشِيئَةَ رِضًى، فَكَذَلِكَ الأُمَمُ قَبْلَهم كَذَّبُوا رُسُلَهم مُسْتَنِدِينَ إلى هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَسَمّى اللَّهُ اسْتِدْلالَهم هَذا تَكْذِيبًا؛ لِأنَّهم ساقُوهُ مَساقَ التَّكْذِيبِ والإفْحامِ، لا لِأنَّ مُقْتَضاهُ لا يَقُولُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ والمُسْلِمُونَ، فَإنّا نَقُولُ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] نُرِيدُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحًا فَكَلامُهم مِن بابِ كَلامِ الحَقِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ، ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّهُ قُرِئَ: كَذَلِكَ كَذَبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ - بِتَخْفِيفِ ذالِ (كَذَّبَ) - صفحة ١٤٩ وقالَ الطِّيبِيُّ: هي قِراءَةٌ مَوْضُوعَةٌ أوْ شاذَّةٌ يَعْنِي شاذَّةً شُذُوذًا شَدِيدًا ولَمْ يَرْوِها أحَدٌ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ القِراءاتِ الشّاذَّةِ، ولَعَلَّها مِن وضْعِ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ في المُناظَرَةِ كَما يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الفَخْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ غايَةٌ لِلتَّكْذِيبِ مَقْصُودٌ مِنها دَوامُهم عَلَيْهِ إلى آخِرِ أوْقاتِ وُجُودِهِمْ، فَلَمّا ذاقُوا بَأْسَ اللَّهِ هَلَكُوا واضْمَحَلُّوا، ولَيْسَتِ الغايَةُ هُنا لِلتَّنْهِيَةِ والرُّجُوعِ عَنِ الفِعْلِ؛ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الرُّجُوعُ بَعْدَ اسْتِئْصالِهِمْ. والذَّوْقُ مَجازٌ في الإحْساسِ والشُّعُورِ، فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ. والبَأْسُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى لِتَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ. وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالجَوابِ عَنْ مَقالِهِمُ الواقِعِ أوِ المُتَوَقَّعِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ فَفَصَّلَ جُمْلَةَ (قُلْ) لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى المَقُولَةِ والمُجاوَبَةِ كَما تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجاءَ بِالِاسْتِفْهامِ المَقْصُودِ مِنهُ الإفْحامُ والتَّهَكُّمُ بِما عُرِفَ مِن تَشَبُّثِهِمْ بِمِثْلِ هَذا الِاسْتِدْلالِ. وجُعِلَ الِاسْتِفْهامُ بِـ (هَلْ) لِأنَّها تَدُلُّ عَلى طَلَبِ تَحْقِيقِ الإسْنادِ المَسْئُولِ عَنْهُ؛ لِأنَّ أصْلَ (هَلْ) أنَّها حَرْفٌ بِمَعْنى ”قَدْ“ لِاخْتِصاصِها بِالأفْعالِ، وكَثُرَ وُقُوعُها بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَغَلَبَ عَلَيْها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَكَثُرَ حَذْفُ الهَمْزَةِ مَعَها حَتّى تُنُوسِيَتِ الهَمْزَةُ في مَشْهُورِ الكَلامِ ولَمْ تَظْهَرْ مَعَها إلّا في النّادِرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] في سُورَةِ العُقُودِ، فَدَلَّ بِـ (هَلْ) عَلى أنَّهُ سائِلٌ عَنْ أمْرٍ يُرِيدُ أنْ يَكُونَ مُحَقَّقًا كَأنَّهُ يَرْغَبُ في حُصُولِهِ فَيُغْرِيهِمْ بِإظْهارِهِ حَتّى إذا عَجَزُوا كانَ قَطْعًا لِدَعْواهم. صفحة ١٥٠ والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّهَكُّمُ بِهِمْ في قَوْلِهِمْ: (﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾) إلى ( ﴿ولا حَرَّمْنا﴾ فَأظْهَرَ لَهم مِنَ القَوْلِ ما يُظْهِرُهُ المُعْجَبُ بِكَلامِهِمْ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ بادِيَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يُظَنُّ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ أنْ يَطْلُبُوا العِلْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، كَيْفَ وهو يُصارِحُهم بِالتَّجْهِيلِ والتَّضْلِيلِ صَباحَ مَساءٍ. والعِلْمُ: ما قابَلَ الجَهْلَ، وإخْراجُهُ الإعْلامُ بِهِ، شُبِّهَتْ إفادَةُ المَعْلُومِ لِمَن يَجْهَلُهُ بِإخْراجِ الشَّيْءِ المَخْبُوءِ، وذَلِكَ مِثْلُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (وعِلْمٌ بَثَّهُ في صُدُورِ الرِّجالِ) ولِذَلِكَ كانَ لِلْإتْيانِ بِـ (عِنْدَكم) مَوْقِعٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ ”عِنْدَ“ في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المَكانِ المُخْتَصِّ بِالَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ لَفْظُها، فَهي مِمّا يُناسِبُ الخَفاءَ، ولَوْلا شُيُوعُ اسْتِعْمالِها في المَعْنى المَجازِيِّ حَتّى صارَتْ كالحَقِيقَةِ لَقُلْتُ: إنَّ ذِكْرَ ”عِنْدَ“ هُنا تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ الإخْراجِ لِلْإعْلامِ. وجُعِلَ إخْراجُ العِلْمِ مُرَتَّبًا بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ عَلى العِنْدِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ السُّؤالَ مَقْصُودٌ بِهِ ما يَتَسَبَّبُ عَلَيْهِ. واللّامُ في ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ لِلْأجْلِ والِاخْتِصاصِ، فَتُؤْذِنُ بِحاجَةِ مَجْرُورِها لِمُتَعَلَّقِها؛ أيْ: فَتُخْرِجُوهُ لِأجْلِنا؛ أيْ: لِنَفْعِنا، والمَعْنى: لَقَدْ أبْدَعْتُمْ في هَذا العِلْمِ الَّذِي أبْدَيْتُمُوهُ في اسْتِفادَتِكم أنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِالشِّرْكِ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمْتُمُوهُ بِدَلالَةِ مَشِيئَةٍ عَلى ذَلِكَ؛ إذْ لَوْ شاءَ لَما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَزِيدُونا مِن هَذا العِلْمِ. وهَذا الجَوابُ يُشْبِهُ المَنعَ في اصْطِلاحِ أهْلِ الجَدَلِ، ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ صُورِيًّا وكانَ المُتَكَلِّمُ جازِمًا بِانْتِفاءِ ما اسْتَفْهَمَ عَنْهُ أعْقَبَهُ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ . وجُمْلَةُ (﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها ابْتِداءُ كَلامٍ بِإضْرابٍ صفحة ١٥١ عَنِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَبَعْدَ أنْ تَهَكَّمَ بِهِمْ جَدَّ في جَوابِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ: لا عِلْمَ عِنْدَكم، وقُصارى ما عِنْدَكم هو الظَّنُّ الباطِلُ والخَرْصُ، وهَذا يُشْبِهُ سَنَدَ المَنعِ في عُرْفِ أهْلِ الجَدَلِ، والمُرادُ بِالظَّنِّ الظَّنُّ الكاذِبُ، وهو إطْلاقٌ لَهُ شائِعٌ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إن يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.

الأنعام 6:149

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] تَكْمِلَةٌ لِلْجَوابِ السّابِقِ؛ لِأنَّهُ زِيادَةٌ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ، وهو يُشْبِهُ المُعارَضَةَ في اصْطِلاحِ أهْلِ الجَدَلِ. وأُعِيدَ فِعْلُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ لِما سَيَرِدُ بَعْدَ فِعْلِ (قُلْ) وقَدْ كُرِّرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَعاقِبَةً بِدُونِ عَطْفٍ، والنُّكْتَةُ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ القَوْلِ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ. والفاءُ فَصِيحَةٌ تُؤْذِنُ بِكَلامٍ مُقَدَّرٍ هو شَرْطٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كانَ قَوْلُكم لِمُجَرَّدِ اتِّباعِ الظَّنِّ والخَرْصِ وسُوءِ التَّأْوِيلِ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: لِلَّهِ لا لَكم، فَفُهِمَ مِنهُ أنَّ حُجَّتَهم داحِضَةٌ. والحُجَّةُ: الأمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ أحَدٍ في دَعْواهُ وعَلى مُصادَفَةِ المُسْتَدِلِّ وجْهَ الحَقِّ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والبالِغَةُ هي الواصِلَةُ؛ أيْ: الواصِلَةُ إلى ما قُصِدَتْ لِأجْلِهِ، وهو غَلَبُ الخَصْمِ، وإبْطالُ حُجَّتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] فالبُلُوغُ اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ لِحُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ الشَّيْءِ فَلا حاجَةَ إلى إجْراءِ اسْتِعارَةٍ صفحة ١٥٢ مَكْنِيَّةٍ في الحُجَّةِ بِأنْ تُشَبَّهَ بِسائِرٍ إلى غايَةٍ، وقَرِينَتُها إثْباتُ البُلُوغِ، ولا حاجَةَ أيْضًا إلى جَعْلِ إسْنادِ البُلُوغِ إلى الحُجَّةِ مَجازًا عَقْلِيًّا؛ أيْ: بالِغًا صاحِبُها قَصْدَهُ؛ لِأنَّهُ لا مَحِيصَ مِنِ اعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ في مَعْنى البُلُوغِ، فالتَّفْسِيرُ بِهِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ أوْلى، والمَعْنى: لِلَّهِ الحُجَّةُ الغالِبَةُ لَكم؛ أيْ: ولَيْسَ اسْتِدْلالُكم بِحُجَّةٍ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ فاءُ التَّفْرِيعِ عَلى ظُهُورِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ تَفَرَّعَ عَلى بُطْلانِ اسْتِدْلالِهِمْ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَهَداهم؛ أيْ: لَوْ شاءَ هِدايَتَهم بِأكْثَرَ مِن إرْسالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُغَيِّرَ عُقُولَهم فَتَأْتِي عَلى خِلافِ ما هُيِّئَتْ لَهُ لَكانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِوَجْهِ عِنايَةٍ خاصَّةٍ بِهِمْ أوْ خارِقِ عادَةٍ لِأجْلِهِمْ، إذْ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ولَكِنَّ حِكْمَتَهُ قَضَتْ أنْ لا يُعَمِّمَ عِنايَتَهُ بَلْ يَخْتَصَّ بِها بَعْضَ خاصَّتِهِ، وأنْ لا يَعْدِلَ عَنْ سُنَّتِهِ في الهِدايَةِ؛ بِوَضْعِ العُقُولِ وتَنْبِيهِها إلى الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ والدُّعاءِ إلى سَبِيلِهِ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ، فالمَشِيئَةُ المَقْصُودَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ غَيْرُ المَشِيئَةِ المَقْصُودَةِ فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وإلّا لَكانَ ما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَدْ أثْبَتَ نَظِيرَهُ عَقِبَ الإنْكارِ فَتَتَناقَضَ المُحاجَّةُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ تُساوِي عَدَمَ الإشْراكِ وعَدَمَ التَّحْرِيمِ، فَلا يَصْدُقُ جَعْلُ كِلَيْهِما جَوابًا لِـ (لَوِ) الِامْتِناعِيَّةِ، فالمَشِيئَةُ المَقْصُودَةُ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ هي المَشِيئَةُ الخَفِيَّةُ المَحْجُوبَةُ، وهي مَشِيئَةُ التَّكْوِينِ، والمَشِيئَةُ المُنْكَرَةُ عَلَيْهِمْ هي ما أرادُوهُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالواقِعِ عَلى الرِّضى والمَحَبَّةِ. هَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي كَلَّلَها مِنَ الإيجازِ ما شَتَّتَ أفْهامًا كَثِيرَةً في وجْهِ تَفْسِيرِها لا يَخْفى بُعْدُها عَنْ مُطالِعِ التَّفاسِيرِ، والمُوازَنَةُ بَيْنَها وبَيْنَ ما هُنا.

الأنعام 6:150

﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ صفحة ١٥٣ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ: لِلِانْتِقالِ مِن طَرِيقَةِ الجَدَلِ والمُناظَرَةِ في إبْطالِ زَعْمِهِمْ إلى إبْطالِهِ بِطَرِيقَةِ التَّبْيِينِ؛ أيْ: أحْضِرُوا مَن يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا؛ تَقَصِّيًا لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ مِن سائِرِ جِهاتِهِ. ولِذَلِكَ أُعِيدَ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما يُظْهِرُ كِذْبَ دَعْواهم. وإعادَةُ فِعْلِ (قُلْ) بِدُونِ عَطْفٍ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ ولِوُقُوعِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما قَدَّمْنا آنِفًا. و(هَلُمَّ) اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ لِلْحُضُورِ أوِ الإحْضارِ، فَهي تَكُونُ قاصِرَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨]) ومُتَعَدِّيَةً كَما هُنا، وهو في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ يَلْزَمُ حالَةً واحِدَةً فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتٌ مُناسِبَةٌ لِلْمُخاطَبِ، فَتَقُولُ: هَلُمَّ يا زَيْدُ، وهَلُمَّ يا هِنْدُ، وهَكَذا، وفي لُغَةِ أهْلِ العالِيَةِ أعْنِي بَنِي تَمِيمٍ تَلْحَقُهُ عَلاماتٌ مُناسِبَةٌ، يَقُولُونَ: هَلُمِّي يا هِنْدُ، وهَلُمّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ، وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأفْصَحِ فَقالَ: ( ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ . والشُّهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى شاهِدٍ، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ؛ إذْ لا يَلْقَوْنَ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ما نَسَبُوا إلَيْهِ مِن شُئُونِ دِينِهِمِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وأُضِيفَ الشُّهَداءَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِزِيادَةِ تَعْجِيزِهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُحِقِّ أنْ يَكُونَ لَهُ شُهَداءُ يَعْلَمُهم فَيُحْضِرُهم إذا دُعِيَ إلى إحْقاقِ حَقِّهِ، كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: ارْكَبْ فَرَسَكَ والحَقْ فُلانًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذِي بَيْتٍ في العَرَبِ لا يَعْدَمُ أنْ يَكُونَ لَهُ فَرَسٌ، فَيَقُولُ ذَلِكَ لَهُ مَن لا يَعْلَمُ لَهُ فَرَسًا خاصًّا، ولَكِنَّ الشَّأْنَ أنْ يَكُونَ لَهُ فَرَسٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] وقَدْ لا يَكُونُ لِإحْداهِنَّ جِلْبابٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ سُئِلَ: إذا لَمْ يَكُنْ لِإحْدانا جِلْبابٌ، قالَ: لِتُلْبِسْها أُخْتُها مِن جِلْبابِها» . صفحة ١٥٤ وصَفَهم بِالمَوْصُولِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى إعْدادِ أمْثالِهِمْ لِلشَّهادَةِ، فالطّالِبُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّهم لا يَخْلَوْنَ عَنْ شُهَداءَ بِحَقِّهِمْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَشْهَدُوا لَهم وذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِتَعْجِيزِهِمُ البَيِّنِ إذا لَمْ يُحْضِرُوهم، كَما هو المَوْثُوقُ بِهِ مِنهم، ألا تَرى قَوْلَهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] فَهو يَعْلَمُ أنْ لَيْسَ ثَمَّةَ شُهَداءُ. وإشارَةُ (هَذا) تُشِيرُ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ، وهو ما كانَ الكَلامُ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الجِدالِ مِن قَوْلِهِ: (﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]) الآياتِ، وقَدْ سَبَقَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] . ثُمَّ فَرَّعَ عَلى فَرْضِ أنْ يُحْضِرُوا شُهَداءَ يَشْهَدُونَ، وقَوْلُهُ: (﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أيْ: إنْ فُرِضَ المُسْتَبْعَدُ فَأحْضَرُوا لَكَ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا الَّذِي زَعَمُوهُ، فَكَذِّبْهم واعْلَمْ بِأنَّهم شُهُودُ زُورٍ، فَقَوْلُهُ: ( ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾) كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصَدِّقُ أحَدًا يُوافِقُهُ في قَوْلِهِ، فاسْتُعْمِلَ النَّهْيُ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ في لازِمِهِ؛ وهو التَّكْذِيبُ، وإلّا فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّهادَةِ مَعَهم لِمَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَشْهَدُ مَعَهم؛ لِأنَّهُ لا يُصَدِّقُ بِذَلِكَ فَضْلًا عَلى أنْ يَكُونَ شاهِدُهُ مِن قَبِيلِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَقَرِينَةُ الكِنايَةِ ظاهِرَةٌ. وعُطِفَ عَلى النَّهْيِ عَنْ تَصْدِيقِهِمُ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ هَواهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ . وأظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ لِأنَّ في هَذِهِ الصِّلَةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ المُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِ اللَّهِ، فَهم مِمَّنْ يُتَجَنَّبُ اتِّباعُهم، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا اليَهُودُ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِنِ احْتِمالِ أنْ يَكُونُوا المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧] وسَمّى دِينَهم هَوًى لِعَدَمِ اسْتِنادِهِ إلى مُسْتَنَدٍ ولَكِنَّهُ إرْضاءٌ لِلْهَوى، والهَوى غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى مَحَبَّةِ المُلائِمِ العاجِلِ الَّذِي عاقِبَتُهُ ضَرَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١٥٥ وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ والمَقْصُودُ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ؛ لِأنَّ أصْحابَ الصِّلَتَيْنِ مُتَّحِدُونَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ، فَهَذا كَعَطْفِ الصِّفاتِ في قَوْلِ القائِلِ، أنْشَدَهُ الفَرّاءُ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُما مِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا يُعادَ اسْمُ المَوْصُولِ؛ لِأنَّ حَرْفَ العَطْفِ مُغْنٍ عَنْهُ، ولَكِنْ أُجْرِيَ الكَلامُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِزِيادَةِ التَّشْهِيرِ بِهِمْ، كَما هو بَعْضُ نُكَتِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وقِيلَ أُرِيدُ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ والقُرْآنَ، وهم أهْلُ الكِتابَيْنِ، وبِالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ: المُشْرِكُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

الأنعام 6:151

﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن إبْطالِ تَحْرِيمِ ما ادَّعَوْا تَحْرِيمَهُ مِن لُحُومِ الأنْعامِ، إلى دَعْوَتِهِمْ لِمَعْرِفَةِ المُحَرَّماتِ، الَّتِي عِلْمُها حَقٌّ وهو أحَقُّ بِأنْ يَعْلَمُوهُ مِمّا اخْتَلَقُوا مِنِ افْتِرائِهِمْ ومَوَّهُوا بِجَدَلِهِمْ، والمُناسَبَةُ لِهَذا الِانْتِقالِ ظاهِرَةٌ فالمَقامُ مَقامُ تَعْلِيمٍ وإرْشادٍ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِأمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ القَوْلِ اسْتِرْعاءً لِلْأسْماعِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. صفحة ١٥٦ وعُقِّبَ بِفِعْلِ: تَعالَوْا اهْتِمامًا بِالغَرَضِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ بِأنَّهُ أجْدى عَلَيْهِمْ مِن تِلْكَ السَّفاسِفِ الَّتِي اهْتَمُّوا بِها عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآياتِ، وقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] الآيَةَ، لِيَعْلَمُوا البَوْنَ بَيْنَ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ قَوْمَهم وبَيْنَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الإسْلامُ مِن جَلائِلِ الأعْمالِ، فَيَعْلَمُوا أنَّهم قَدْ أضاعُوا أزْمانَهم وأذْهانَهم. وافْتِتاحُهُ بِطَلَبِ الحُضُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا في إعْراضٍ. وقَدْ تَلا عَلَيْهِمْ أحْكامًا كانُوا جارِينَ عَلى خِلافِها مِمّا أفْسَدَ حالَهم في جاهِلِيَّتِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ أعْمالِهِمْ مِمّا يُؤْخَذُ مِنَ النَّهْيِ عَنْها والأمْرِ بِضِدِّها. وقَدِ انْقَسَمَتِ الأحْكامُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الجُمَلُ المُتَعاطِفَةُ في الآياتِ الثَّلاثِ المُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ: أحْكامٌ بِها إصْلاحُ الحالَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ العامَّةِ بَيْنَ النّاسِ وهو ما افْتُتِحَ بِقَوْلِهِ: ( ﴿أن لّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . الثّانِي: ما بِهِ حِفْظُ نِظامِ تَعامُلِ النّاسِ بَعْضِهم مَعَ بَعْضٍ وهو المُفْتَتَحُ بِقَوْلِهِ ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ. الثّالِثُ: أصْلٌ كُلِّيٌّ جامِعٌ لِجَمِيعِ الهُدى وهو اتِّباعُ طَرِيقِ الإسْلامِ والتَّحَرُّزِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْهُ إلى سُبُلِ الضَّلالِ وهو المُفْتَتَحُ بِقَوْلِهِ: وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ. وقَدْ ذُيِّلَ كُلُّ قِسْمٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ بِالوِصايَةِ بِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾) ثَلاثَ مَرّاتٍ. صفحة ١٥٧ و”تَعالَ“ فِعْلُ أمْرٍ، أصْلُهُ يُؤْمَرُ بِهِ مَن يُرادُ صُعُودُهُ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَوْقَ مَكانِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا إذا نادَوْا إلى أمْرٍ مُهِمٍّ ارْتَقى المُنادِي عَلى رَبْوَةٍ لِيُسْمَعَ صَوْتُهُ، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُ ”تَعالَ“ عَلى طَلَبِ المَجِيءِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ فَهو مَجازٌ شائِعٌ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، فَأصْلُهُ فِعْلُ أمْرٍ لا مَحالَةَ مِنَ التَّعالِي وهو تَكَلُّفُ الِاعْتِلاءِ ثُمَّ نُقِلَ إلى طَلَبِ الإقْبالِ مُطْلَقًا، فَقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى اقْدَمْ؛ لِأنَّهم وجَدُوهُ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ في الكَلامِ إذْ لا يُقالُ: تَعالَيْتُ بِمَعْنى قَدِمْتُ، ولا تَعالى إلَيَّ فُلانٌ بِمَعْنى جاءَ، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ لَزِمَتْهُ عَلاماتٌ مُناسِبَةٌ لِحالِ المُخاطَبِ بِهِ فَيُقالُ: تَعالَوْا وتَعالَيْنَ، وبِذَلِكَ رَجَّحَ جُمْهُورُ النُّحاةِ أنَّهُ فِعْلُ أمْرٍ ولَيْسَ بِاسْمِ فِعْلٍ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ اسْمَ فِعْلٍ لَما لَحِقَتْهُ العَلاماتُ، ولَكانَ مِثْلَ: هَلُمَّ وهَيْهاتَ. و(أتْلُ) جَوابُ (تَعالَوْا والتِّلاوَةُ القِراءَةُ والسَّرْدُ وحِكايَةُ اللَّفْظِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] و( أنْ لا تُشْرِكُوا) تَفْسِيرٌ لِلتِّلاوَةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى القَوْلِ. وذُكِرَتْ فِيما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أشْياءَ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ اللُّحُومِ إشارَةً إلى أنَّ الِاهْتِمامَ بِالمُحَرَّماتِ الفَواحِشِ أوْلى مِنَ العُكُوفِ عَلى دِراسَةِ أحْكامِ الأطْعِمَةِ؛ تَعْرِيضًا بِصَرْفِ المُشْرِكِينَ هِمَّتَهم إلى بَيانِ الأطْعِمَةِ وتَضْيِيعِهِمْ تَزْكِيَةَ نُفُوسِهِمْ وكَفِّ المَفاسِدِ عَنِ النّاسِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: (﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]) إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها﴾ [الأعراف: ٣٣] الآيَةَ. وقَدْ ذُكِرَتِ المُحَرَّماتُ بَعْضُها بِصِيغَةِ النَّهْيِ، وبَعْضُها بِصِيغَةِ الأمْرِ الصَّرِيحِ أوِ المُؤَوَّلِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، ونُكْتَةُ الِاخْتِلافِ في صِيغَةِ الطَّلَبِ لَهاتِهِ المَعْدُوداتِ سَنُبَيِّنُها. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ أتْلُ لِأنَّ التِّلاوَةَ فِيها مَعْنى القَوْلِ، فَجُمْلَةُ ﴿ألّا تُشْرِكُوا﴾ في مَوْقِعِ عَطْفِ بَيانٍ. صفحة ١٥٨ والِابْتِداءُ بِالنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ الِاعْتِقادِ هو مِفْتاحُ بابِ الإصْلاحِ في العاجِلِ، والفَلاحِ في الآجِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أنْ لا تُشْرِكُوا، وإحْسانًا مَصْدَرٌ نابَ مَنابَ فِعْلِهِ؛ أيْ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وهو أمْرٌ بِالإحْسانِ إلَيْهِما فَيُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، وهو الإساءَةُ إلى الوالِدَيْنِ، وبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وقَعَ هُنا في عِدادِ ما حَرَّمَ اللَّهُ؛ لِأنَّ المُحَرَّمَ هو الإساءَةُ لِلْوالِدَيْنِ، وإنَّما عَدَلَ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الإساءَةِ إلى الأمْرِ بِالإحْسانِ اعْتِناءً بِالوالِدَيْنِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ بِرَّهُما، والبِرُّ إحْسانٌ، والأمْرُ بِهِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنِ الإساءَةِ إلَيْهِما بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ، وقَدْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ في جاهِلِيَّتِهِمْ أهْلَ جَلافَةٍ، فَكانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ لا يُوَقِّرُونَ آباءَهم إذا أضْعَفَهُمُ الكِبَرُ، فَلِذَلِكَ كَثُرَتْ وِصايَةُ القُرْآنِ بِالإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ جُمْلَةٌ عُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الوَأْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُكم. و(مِن) تَعْلِيلِيَّةٌ، وأصْلُها الِابْتِدائِيَّةُ، فَجُعِلَ المَعْلُولُ كَأنَّهُ مُبْتَدِئٌ مِن عِلَّتِهِ. والإمْلاقُ: الفَقْرُ، وكَوْنُهُ عِلَّةً لِقَتْلِ الأوْلادِ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أنْ يَكُونَ حاصِلًا بِالفِعْلِ، وهو المُرادُ هُنا، وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ (مِن) التَّعْلِيلِيَّةُ، وأنْ يَكُونَ مُتَوَقَّعَ الحُصُولِ كَما قالَ تَعالى في آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] لِأنَّهم كانُوا يَئِدُونَ بَناتَهم إمّا لِلْعَجْزِ عَنِ القِيامِ بِهِنَّ وإمّا لِتَوَقُّعٍ ذَلِكَ، قالَ إسْحاقُ بْنُ خَلَفٍ: وهو إسْلامِيٌّ قَدِيمٌ: إذا تَذَكَّرْتُ بِنْتِي حِينَ تَنْدُبُنِي فاضَتْ لِعَبْرَةِ بِنْتِي عَبْرَتِي بِدَمِ أُحاذِرُ الفَقْرَ يَوْمًا أنْ يُلِمَّ بِها ∗∗∗ فَيُكْشَفُ السِّتْرُ عَنْ لَحْمٍ عَلى وضَمِ ٢٠٦ صفحة ١٥٩ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجُمْلَةُ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِمْ؛ إبْطالًا لِمَعْذِرَتِهِمْ؛ لِأنَّ الفَقْرَ قَدْ جَعَلُوهُ عُذْرًا لِقَتْلِ الأوْلادِ، ومَعَ كَوْنِ الفَقْرِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ داعِيًا لِقَتْلِ النَّفْسِ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأوْلادَ فَقَدْ قَدَّرَ رِزْقَهم، فَمِنَ الحَماقَةِ أنْ يَظُنَّ الأبُ أنَّ عَجْزَهُ عَنْ رِزْقِهِمْ يُخَوِّلُهُ قَتْلَهم، وكانَ الأجْدَرُ بِهِ أنْ يَكْتَسِبَ لَهم. وعَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الغَيْبَةِ الَّذِي جَرى عَلَيْهِ الكَلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى طَرِيقِ التَّكَلُّمِ بِضَمِيرِ نَرْزُقُكم تَذْكِيرًا بِالَّذِي أمَرَ بِهَذا القَوْلِ كُلِّهِ، حَتّى كَأنَّ اللَّهَ أقْحَمَ كَلامَهُ بِنَفْسِهِ في أثْناءِ كَلامِ رَسُولِهِ الَّذِي أمَرَهُ بِهِ، فَكَلَّمَ النّاسَ بِنَفْسِهِ، وتَأْكِيدًا لِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ . وذَكَرَ اللَّهُ رِزْقَهم مَعَ رِزْقِ آبائِهِمْ، وقَدَّمَ رِزْقَ الآباءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ كَما رَزَقَ الآباءَ فَلَمْ يَمُوتُوا جُوعًا، كَذَلِكَ يَرْزُقُ الأبْناءَ، عَلى أنَّ الفَقْرَ إنَّما اعْتَرى الآباءَ فَلِمَ يُقْتَلُ لِأجْلِهِ الأبْناءُ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ هُنا لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم لا أنْتُمْ تَرْزُقُونَ أنْفُسَكم ولا تَرْزُقُونَ أبْناءَكم، وقَدْ بَيَّنْتُ آنِفًا أنَّ قَبائِلَ كَثِيرَةً كانَتْ تَئِدُ البَناتِ، فَلِذَلِكَ حُذِّرُوا في هَذِهِ الآيَةِ. وجُمْلَةُ ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وهو نَهْيٌ عَنِ اقْتِرافِ الآثامِ، وقَدْ نَهى عَنِ القَرِيبِ مِنها، وهو أبْلَغُ في التَّحْذِيرِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ مُلابَسَتِها؛ لِأنَّ القُرْبَ مِنَ الشَّيْءِ مَظِنَّةُ الوُقُوعِ فِيهِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْإثْمِ قُرْبٌ وبُعْدٌ كانَ القُرْبُ مُرادًا بِهِ الكِنايَةُ عَنْ مُلابَسَةِ الإثْمِ أقَلَّ مُلابَسَةٍ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُتَعارَفِ أنْ يُقالَ ذَلِكَ في الأُمُورِ المُسْتَقِرَّةِ صفحة ١٦٠ فِي الأمْكِنَةِ إذا قِيلَ: لا تَقْرَبْ مِنها، فُهِمُ النَّهْيُ عَنِ القُرْبِ مِنها لِيَكُونَ النَّهْيُ عَنْ مُلابَسَتِها بِالأحْرى، فَلَمّا تَعَذَّرَ المَعْنى المُطابِقِيُّ هُنا تَعَيَّنَتْ إرادَةُ المَعْنى الِالتِزامِيِّ بِأبْلَغِ وجْهٍ. والفَواحِشُ: الآثامُ الكَبِيرَةُ، وهي المُشْتَمِلَةُ عَلى مَفاسِدَ، وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وما ظَهَرَ مِنها ما يُظْهِرُونَهُ ولا يَسْتَخْفُونَ بِهِ، مِثْلُ الغَضَبِ والقَذْفِ، وما بَطَنَ ما يَسْتَخْفُونَ بِهِ وأكْثَرُهُ الزِّنا والسَّرِقَةُ وكانا فاشِيَيْنِ في العَرَبِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الفَواحِشَ بِالزِّنا، وجَعَلَ ما ظَهَرَ مِنها ما يَفْعَلُهُ سُفَهاؤُهم في الحَوانِيتِ ودِيارِ البَغايا، وبِما بَطَنَ اتِّخاذَ الأخْدانِ سِرًّا، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وابْنِ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الزِّنا سِرًّا حَلالًا، ويَسْتَقْبِحُونَهُ في العَلانِيَةِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ الزِّنى في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وعِنْدِي أنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ في الفَواحِشِ تُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَ هَؤُلاءِ عَلى تَفْسِيرِ الفَواحِشِ بِالزِّنى قَوْلُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ في آياتٍ عَدَّدَتْ مَنهِيّاتٍ كَبِيرَةً تُشابِهُ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ وهي قَوْلُهُ: ( ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآياتِ المُتَماثِلَةِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ( ما ظَهَرَ وما بَطَنْ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]) في هَذِهِ السُّورَةِ. وأعْقَبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ، وهو مِنَ الفَواحِشِ عَلى تَفْسِيرِها بِالأعَمِّ، تَخْصِيصًا لَهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ فَسادٌ عَظِيمٌ، ولِأنَّهُ كانَ مُتَفَشِّيًا بَيْنَ العَرَبِ. والتَّعْرِيفُ في النَّفْسِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ. صفحة ١٦١ ووُصِفَتْ بِـ ”الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ“ تَأْكِيدًا لِلتَّحْرِيمِ بِأنَّهُ تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ. فَإنَّ اللَّهَ حَرَّمَ قَتْلَ النَّفْسِ مِن عَهْدِ آدَمَ، وتَعْلِيقُ التَّحْرِيمِ بِالنَّفْسِ: هو عَلى وجْهِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ، أيْ حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَها عَلى ما هو المَعْرُوفُ في تَعْلِيقِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ بِأعْيانِ الذَّواتِ أنَّهُ يُرادُ تَعْلِيقُهُ بِالمَعْنى الَّذِي تُسْتَعْمَلُ تِلْكَ الذّاتُ فِيهِ كَقَوْلِهِ ”﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١]“ أيْ أكْلُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى: ”حَرَّمَ اللَّهُ“ جَعَلَها اللَّهُ حَرَمًا أيْ شَيْئًا مُحْتَرَمًا لا يُتَعَدّى عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] . وفي الحَدِيثِ: «وإنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لابَتَيْها» . وقَوْلُهُ إلّا الحَقَّ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن عُمُومِ أحْوالِهِ مُلابَسَةَ القَتْلِ، أيْ لا تَقْتُلُوها في أيَّةِ حالَةٍ أوْ بِأيِّ سَبَبٍ تَنْتَحِلُونَهُ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ. والحَقُّ ضِدُّ الباطِلِ، هو الأمْرُ الَّذِي حَقَّ، أيْ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ باطِلٍ في حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، وعِنْدَ أهْلِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ البَرِيئَةِ مِن هَوًى أوْ شَهْوَةٍ خاصَّةٍ، فَيَكُونُ الأمْرُ الَّذِي اتَّفَقَتِ العُقُولُ عَلى قَبُولِهِ هو ما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ، أوِ الَّذِي اصْطَلَحَ أهْلُ نَزْعَةٍ خاصَّةٍ عَلى أنَّهُ يَحِقُّ وُقُوعُهُ وهو ما اصْطَلَحَتْ عَلَيْهِ شَرِيعَةٌ خاصَّةٌ بِأُمَّةٍ أوْ زَمَنٍ. فالتَّعْرِيفُ في: الحَقِّ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ بِهِ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ ماهِيَّةُ الحَقِّ المُتَقَدِّمِ شَرْحُها، وحَيْثُما أُطْلِقَ في الإسْلامِ فالمُرادُ بِهِ ماهِيَّتُهُ في نَظَرِ الإسْلامِ، وقَدْ فَصَّلَ الإسْلامُ حَقَّ قَتْلِ النَّفْسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ، وهو قَتْلُ المُحارِبِ والقِصاصُ، وهَذانِ بِنَصِّ القُرْآنِ، وقَتْلُ المُرْتَدِّ عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ اسْتِتابَتِهِ، وقَتْلُ الزّانِي المُحْصَنِ، وقَتْلُ المُمْتَنِعِ مِن أداءِ الصَّلاةِ بَعْدَ إنْظارِهِ حَتّى يَخْرُجَ وقْتُها، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ ومِنهُ القَتْلُ النّاشِئُ عَنْ إكْراهٍ ودِفاعٍ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا. وذَلِكَ قَتْلُ مَن يُقْتَلُ مِنَ البُغاةِ وهو بِنَصِّ القُرْآنِ، وقَتْلُ مَن يُقْتَلُ مِن مانِعِي صفحة ١٦٢ الزَّكاةِ وهو بِإجْماعِ الصَّحابَةِ، وأمّا الجِهادُ فَغَيْرُ داخِلٍ في قَوْلِهِ: إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ قَتْلَ الأسِيرِ في الجِهادِ إذا كانَ لِمَصْلَحَةٍ كانَ حَقًّا، وقَدْ فَصَّلْنا الكَلامَ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الإسْراءِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ إلى مَجْمُوعِ ما ذَكَرَ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ اسْمَ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ المَذْكُورِ، ولَوْ أتى بِإشارَةِ الجَمْعِ لَكانَ ذَلِكَ فَصِيحًا، ومِنهُ: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . وتَقَدَّمَ مَعْنى الوِصايَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ”﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤]“ آنِفًا. وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَعْقِلُوا، أيْ يَصِيرُوا ذَوِي عُقُولٍ لِأنَّ مُلابَسَةَ بَعْضِ المُحَرَّماتِ يُنْبِئُ عَنْ خَساسَةِ عَقْلٍ، بِحَيْثُ يُنَزَّلُ مُلابِسُوها مَنزِلَةَ مَن لا يَعْقِلُ، فَلِذَلِكَ رُجِيَ أنْ يَعْقِلُوا. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ جُعِلَ نِهايَةً لِلْآيَةِ، فَأوْمَأ إلى تَنْهِيَةِ نَوْعِ المُحَرَّماتِ وهو المُحَرَّماتُ الرّاجِعُ تَحْرِيمُها إلى إصْلاحِ الحالَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ لِلْأُمَّةِ، بِإصْلاحِ الِاعْتِقادِ، وحِفْظِ نِظامِ العائِلَةِ والِانْكِفافِ عَنِ المَفاسِدِ، وحِفْظِ النَّوْعِ بِتَرْكِ التَّقاتُلِ.

الأنعام 6:152

﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ عَطَفَ جُمْلَةَ ”ولا تَقْرَبُوا“ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي فَسَّرَتْ فِعْلَ: ”أتْلُ“ عَطْفَ مُحَرَّماتٍ تَرْجِعُ إلى حِفْظِ قَواعِدِ التَّعامُلِ بَيْنَ النّاسِ لِإقامَةِ قَواعِدِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ ومَدَنِيَّتِها وتَحْقِيقِ ثِقَةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. صفحة ١٦٣ وابْتَدَأها بِحِفْظِ حَقِّ الضَّعِيفِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الدَّفْعَ عَنْ حَقِّهِ في مالِهِ، وهو اليَتِيمُ، فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ والقُرْبانُ كِنايَةٌ عَنْ مُلابَسَةِ مالِ اليَتِيمِ. والتَّصَرُّفُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ [الأنعام: ١٥١] . ولَمّا اقْتَضى هَذا تَحْرِيمَ التَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ، ولَوْ بِالخَزْنِ والحِفْظِ، وذَلِكَ يُعَرِّضُ مالَهُ لِلتَّلَفِ، اسْتُثْنِي مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ إلّا بِالحالَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، فاسْمُ المَوْصُولِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُناسِبًا لِلْمَوْصُولِ الَّذِي هو اسْمُ المُؤَنَّثِ، فَيُقَدَّرُ بِالحالَةِ أوِ الخَصْلَةِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ إلّا مُلابِسِينَ لِلْخَصْلَةِ أوِ الحالَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ حالاتِ القُرْبِ، ولَكَ أنْ تُقَدِّرَهُ بِالمَرَّةِ مِن تَقْرَبُوا أيْ إلّا بِالقُرْبَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ. وقَدِ التُزِمَ حَذْفُ المَوْصُوفِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ واعْتِبارُهُ مُؤَنَّثًا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ بِالخَصْلَةِ الحَسَنَةِ ادْفَعِ السَّيِّئَةَ، ومِن هَذا القَبِيلِ أنَّهم أتَوْا بِالمَوْصُولِ مُؤَنَّثًا وصْفًا لِمَحْذُوفٍ مُلْتَزَمِ الحَذْفِ وحَذَفُوا صِلَتَهُ أيْضًا في قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، أيْ بَعْدَ الدّاهِيَةِ الحَقِيرَةِ والدّاهِيَةِ الجَلِيلَةِ كَما قالَ سُلْمِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ الضَّبِّيُّ: ولَقَدْ رَأيْتُ ثَأْيَ العَشِيرَةِ بَيْنَها ٢٠٦ وكَفَيْتُ جانِبَها اللَّتَيّا والَّتِي و”أحْسَنُ“ اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ، أيِ الحَسَنَةُ، وهي النّافِعَةُ الَّتِي لا ضُرَّ فِيها لِلْيَتِيمِ ولا لِمالِهِ. وإنَّما قالَ هُنا: ﴿ولا تَقْرَبُوا﴾ تَحْذِيرًا مِن أخْذِ مالِهِ ولَوْ بِأقَلِّ أحْوالِ الأخْذِ لِأنَّهُ لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنا: ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ [الأنعام: ١٢١] كَما قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . والأشُدُّ: اسْمٌ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الإنْسانِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّدِّ وهو التَّوَثُّقُ، صفحة ١٦٤ والمُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها، مِمّا الكَلامُ فِيهِ عَلى اليَتِيمِ، بُلُوغُهُ القُوَّةَ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِن ضَعْفِ الصِّبا، وتِلْكَ هي البُلُوغُ مَعَ صِحَّةِ العَقْلِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بُلُوغُهُ أهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ في مالِهِ. وما مُنِعَ الصَّبِيُّ مِنَ التَّصَرُّفِ في المالِ إلّا لِضَعْفٍ في عَقْلِهِ بِخِلافِ المُرادِ مِنهُ في أوْصافِ الرِّجالِ فَإنَّهُ يَعْنِي بِهِ بُلُوغَ الرَّجُلِ مُنْتَهى حَدِّ القُوَّةِ في الرِّجالِ وهو الأرْبَعِينَ سَنَةً إلى الخَمْسِينَ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] وقالَ سُحَيْمُ بْنُ وثِيلٍ: أخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ ونَجَّذَنِي مُداوَرَةُ الشُّئُونِ والبُلُوغُ: الوُصُولُ، وهو هُنا مَجازٌ في التَّدَرُّجِ في أطْوارِ القُوَّةِ المُخْرِجَةِ مِن وهْنِ الصِّبا. وحَتّى غايَةٌ لِلْمُسْتَثْنى: وهو القُرْبانُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، أيِ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلى أنْ يَبْلُغَ صاحِبُهُ أشُدَّهُ أيْ فَيُسَلِّمُ إلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمُ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ حَقِّ اليَتِيمِ في مالِهِ بِالحِفْظِ: أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ مَظِنَّةُ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ مِنَ الوَلِيِّ، وهو مَظِنَّةُ انْعِدامِ المُدافِعِ عَنْهُ، لِأنَّهُ ما مِن ضَعِيفٍ عِنْدَهم إلّا ولَهُ مِنَ الأقارِبِ والمَوالِي مَن يَدْفَعُ عَنْهُ إذا اسْتَجارَهُ أوِ اسْتَنْجَدَهُ، فَأمّا اليَتِيمُ فَإنَّ الِاعْتِداءَ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ، وهو ولِيُّهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلِي اليَتِيمَ عِنْدَهم إلّا أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ، وكانَ الأوْلِياءُ يَتَوَسَّعُونَ في أمْوالِ أيْتامِهِمْ، ويَعْتَدُونَ عَلَيْها، ويُضَيِّعُونَ الأيْتامَ لِكَيْلا يَنْشَأُوا نَشْأةً يَعْرِفُونَ بِها حُقُوقَهم، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] لِأنَّ اليَتِيمَ مَظِنَّةُ الإضاعَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُوَصِّ اللَّهُ تَعالى بِمالِ غَيْرِ اليَتِيمِ، لِأنَّ صاحِبَهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، أوْ يَسْتَدْفِعُ بِأوْلِيائِهِ ومُنْجِدِيهِ. ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ صفحة ١٦٥ عَطَفَ الأمْرَ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ، وذَلِكَ في التَّبايُعِ، فَقَدْ كانُوا يَبِيعُونَ التَّمْرَ والزَّبِيبَ كَيْلًا، وكانُوا يَتَوازَنُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، فَكانُوا يُطَفِّفُونَ حِرْصًا عَلى الرِّبْحِ، فَلِذَلِكَ أمَرَهم بِالوَفاءِ. وعَدَلَ عَنْ أنْ يَأْتِيَ فِيهِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّطْفِيفِ كَما في قَوْلِ شُعَيْبٍ: ”﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]“ إشارَةً إلى أنَّهم مَأْمُورُونَ بِالحَدِّ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ العَدْلُ وافِيًا، وعَدَمُ النَّقْصِ يُساوِي الوَفاءَ، ولَكِنْ في اخْتِيارِ الأمْرِ بِالإيفاءِ اهْتِمامًا بِهِ لِتَكُونَ النُّفُوسُ مُلْتَفَّةً إلى جانِبِ الوَفاءِ لا إلى جانِبِ تَرْكِ النَّقِيضِ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ لَهم بِالسَّخاءِ الَّذِي يَتَمادَحُونَ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: أيْنَ سَخاؤُكُمُ الَّذِي تَتَنافَسُونَ فِيهِ فَهَلّا تُظْهِرُونَهُ إذا كِلْتُمْ أوْ وزَنْتُمْ فَتَزِيدُوا عَلى العَدْلِ بِأنْ تُوَفِّرُوا لِلْمُكْتالِ كَرَمًا بَلْهَ أنْ تَسْرِقُوهُ حَقَّهُ. وهَذا تَنْبِيهٌ لَهم عَلى اخْتِلالِ أخْلاقِهِمْ وعَدَمِ تَوازُنِها. والباءُ في قَوْلِهِ: بِالقِسْطِ لِلْمُلابَسَةِ والقِسْطُ العَدْلُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ أوْفُوا مُتَلَبِّسِينَ بِالعَدْلِ بِأنْ لا تَظْلِمُوا المُكْتالَ حَقَّهُ. * * * ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ ظاهِرُ تَعْقِيبِ جُمْلَةِ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾ إلَخْ بِجُمْلَةِ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالَّتِي ولَيْتَها فَتَكُونُ احْتِراسًا، أيْ لا نُكَلِّفُكم تَمامَ القِسْطِ في الكَيْلِ والمِيزانِ بِالحَبَّةِ والذَّرَّةِ ولَكِنّا نُكَلِّفُكم ما تَظُنُّونَ أنَّهُ عَدْلٌ ووَفاءٌ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاحْتِراسِ أنْ لا يَتْرُكَ النّاسُ التَّعامُلَ بَيْنَهم خَشْيَةَ الغَلَطِ أوِ الغَفْلَةِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى تَعْطِيلِ مَنافِعَ جَمَّةٍ. وقَدْ عَدَلَ في هَذا الِاحْتِراسِ عَنْ طَرِيقِ الغَيْبَةِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ المَقُولُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] لِما في صفحة ١٦٦ هَذا الِاحْتِراسِ مِنَ الِامْتِنانِ، فَتَوَلّى اللَّهُ خِطابَ النّاسِ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّكَلُّمِ مُباشَرَةً زِيادَةً بِالمِنَّةِ، وتَصْدِيقًا لِلْمُبَلِّغِ، فالوِصايَةُ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ راجِعَةٌ إلى حِفْظِ مالِ المُشْتَرِي مِن مَظِنَّةِ الإضاعَةِ، لِأنَّ حالَةَ الكَيْلِ والوَزْنِ حالَةُ غَفْلَةٍ لِلْمُشْتَرِي، إذِ البائِعُ هو الَّذِي بِيَدِهِ المِكْيالُ أوِ المِيزانُ، ولِأنَّ المُشْتَرِيَ لِرَغْبَتِهِ في تَحْصِيلِ المَكِيلِ أوِ المَوْزُونِ قَدْ يَتَحَمَّلُ التَّطَفُّفَ، فَأُوصِيَ البائِعُ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ. وهَذا الأمْرُ يَدُلُّ بِفَحْوى الخِطابِ عَلى وُجُوبِ حِفْظِ المالِ فِيما هو أشَدُّ مِنَ التَّطَفُّفِ، فَإنَّ التَّطَفُّفَ إنْ هو إلّا مُخالَسَةُ قَدْرٍ يَسِيرٍ مِنَ المَبِيعِ، وهو الَّذِي لا يَظْهَرُ حِينَ التَّقْدِيرِ، فَأكْلُ ما هو أكْثَرُ مِن ذَلِكَ مِنَ المالِ أوْلى بِالحِفْظِ، وتَجَنُّبِ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ تَذْيِيلًا لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ جَمِيعَ ما دَعَوْا إلَيْهِ هو في طاقَتِهِمْ ومُكْنَتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ هَذا جامِعٌ كُلَّ المُعامَلاتِ بَيْنَ النّاسِ بِواسِطَةِ الكَلامِ وهي الشَّهادَةُ، والقَضاءُ، والتَّعْدِيلُ، والتَّجْرِيحُ، والمُشاوَرَةُ، والصُّلْحُ بَيْنَ النّاسِ، والأخْبارُ المُخْبِرَةُ عَنْ صِفاتِ الأشْياءِ في المُعامَلاتِ: مِن صِفاتِ المَبِيعاتِ، والمُؤاجَراتِ، والعُيُوبِ، وفي الوُعُودِ، والوَصايا، والأيْمانِ، وكَذَلِكَ المَدائِحُ والشَّتائِمُ كالقَذْفِ، فَكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ فِيما يَصْدُرُ عَنِ القَوْلِ. والعَدْلُ في ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ في القَوْلِ شَيْءٌ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى الحُقُوقِ: صفحة ١٦٧ بِإبْطالِها، أوْ إخْفائِها، مِثْلَ كِتْمانِ عُيُوبِ المَبِيعِ، وادِّعاءِ العُيُوبِ في الأشْياءِ السَّلِيمَةِ، والكَذِبِ في الأثْمانِ، كَأنْ يَقُولَ التّاجِرُ: أُعْطِيتُ في هَذِهِ السِّلْعَةِ كَذا، لِثَمَنٍ لَمْ يُعْطَهُ، أوْ أنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ قامَتْ عَلَيَّ بِكَذا. ومِنهُ التِزامُ الصِّدْقِ في التَّعْدِيلِ والتَّجْرِيحِ وإبْداءِ النَّصِيحَةِ في المُشاوَرَةِ، وقَوْلُ الحَقِّ في الصُّلْحِ. وأمّا الشَّهادَةُ والقَضاءُ فَأمْرُ العَدْلِ فِيهِما ظاهِرٌ، وإذا وعَدَ القائِلُ لا يُخْلِفُ، وإذا أوْصى لا يَظْلِمُ أصْحابَ حُقُوقِ المِيراثِ، ولا يَحْلِفُ عَلى الباطِلِ، وإذا مَدَحَ أحَدًا مَدَحَهُ بِما فِيهِ. وأمّا الشَّتْمُ فالإمْساكُ عَنْهُ واجِبٌ ولَوْ كانَ حَقًّا فَذَلِكَ الإمْساكُ هو العَدْلُ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ. وفِي التَّعْلِيقِ بِأداةِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ إشارَةٌ أنَّ المَرْءَ في سَعَةٍ مِنَ السُّكُوتِ إنْ خَشِيَ قَوْلَ العَدْلِ. وأمّا أنْ يَقُولَ الجَوْرَ والظُّلْمَ والباطِلَ فَلَيْسَ لَهُ سَبِيلٌ إلى ذَلِكَ، والكَذِبُ كُلُّهُ مِنَ القَوْلِ بِغَيْرِ العَدْلِ، عَلى أنَّ مِنَ السُّكُوتِ ما هو واجِبٌ. وفِي المُوَطَّأِ أنَّ رَجُلًا خَطَبَ إلى رِجْلٍ أُخْتَهُ فَذَكَرَ الأخُ أنَّها قَدْ كانَتْ أحْدَثَتْ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَضَرَبَهُ أوْ كادَ يَضْرِبُهُ ثُمَّ قالَ: ما لَكَ ولِلْخَبَرِ. والواوُ في قَوْلِهِ: ”ولَوْ كانَ“ واوُ الحالِ، ولَوْ وصْلِيَّةٌ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الحالِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَظُنَّ السّامِعُ عَدَمَ شُمُولِ الحُكْمِ إيّاها لِاخْتِصاصِها مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأحْوالِ الَّتِي يَشْمَلُها الحُكْمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَإنَّ حالَةَ قَرابَةِ المَقُولِ لِأجْلِهِ القَوْلُ قَدْ تَحْمِلُ القائِلَ عَلى أنْ يَقُولَ غَيْرَ العَدْلِ، لِنَفْعِ قَرِيبِهِ أوْ مُصانَعَتِهِ، فَنُبِّهُوا عَلى وُجُوبِ التِزامِ العَدْلِ في القَوْلِ في تِلْكَ الحالَةِ، فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في كانَ عائِدٌ إلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنَ الكَلامِ: أيْ لَوْ كانَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ القَوْلُ ذا قُرْبى. صفحة ١٦٨ والقُرْبى: القَرابَةُ ويُعْلَمُ أنَّهُ ذُو قَرابَةٍ مِنَ القائِلِ، أيْ إذا قُلْتُمْ قَوْلًا لِأجْلِهِ أوْ عَلَيْهِ فاعْدِلُوا ولا تَقُولُوا غَيْرَ الحَقِّ، ولا لِدَفْعِ ضُرِّهِ بِأنْ تُغْمِصُوا الحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ، ولا لِنَفْعِهِ بِأنْ تَخْتَلِقُوا لَهُ حَقًّا عَلى غَيْرِهِ أوْ تُبَرِّئُوهُ مِمّا صَدَرَ مِنهُ عَلى غَيْرِهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في العَدْلِ في الشَّهادَةِ في القَضاءِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] . وقَدْ جاءَ طَلَبُ الحَقِّ في القَوْلِ بِصِيغَةِ الأمْرِ بِالعَدْلِ، دُونَ النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ أوِ الباطِلِ: لِأنَّهُ قَيَّدَهُ بِأداةِ الشَّرْطِ المُقْتَضِي لِصُدُورِ القَوْلِ: فالقَوْلُ إذا صَدَرَ لا يَخْلُو عَنْ أنْ يَكُونَ حَقًّا أوْ باطِلًا، والأمْرُ بِأنْ يَكُونَ حَقًّا أوْفى بِمَقْصِدِ الشّارِعِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إظْهارَ الحَقِّ بِالقَوْلِ فَفي الأمْرِ بِأنْ يَكُونَ عَدْلًا أمْرٌ بِإظْهارِهِ ونَهِيٌّ عَنِ السُّكُوتِ بِدُونِ مُوجِبٍ. والثّانِي أنَّ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِ الباطِلِ أوِ الزُّورِ يَصْدُقُ بِالكَلامِ المُوَجَّهِ الَّذِي ظاهِرُهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، وذَلِكَ مَذْمُومٌ إلّا عِنْدَ الخَوْفِ أوِ المُلايَنَةِ، أوْ فِيما لا يَرْجِعُ إلى إظْهارِ حَقٍّ، وتِلْكَ هي المَعارِيضُ الَّتِي ورَدَ فِيها الحَدِيثُ: إنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ. * * * ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ خَتَمَ هَذِهِ المَتْلُوّاتِ بِالأمْرِ بِإيفاءِ العَهْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ . وعَهْدُ اللَّهِ المَأْمُورُ بِالإيفاءِ بِهِ هو كُلُّ عَهْدٍ فِيهِ مَعْنى الِانْتِسابِ إلى اللَّهِ الَّذِي صفحة ١٦٩ اقْتَضَتْهُ الإضافَةُ، إذِ الإضافَةُ هُنا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ، أيْ ما عَهِدَ اللَّهُ بِهِ إلَيْكم مِنَ الشَّرائِعِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ أنْ تَفْعَلُوهُ والتَزَمْتُمُوهُ وتَقَلَّدْتُمُوهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، أيِ العَهْدُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ، وحَذَّرَ مِن خَتْرِهِ، وهو العُهُودُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بَيْنَ النّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ سَواءٌ كانَ بَيْنَ القَبائِلِ أمْ كانَ بَيْنَ الآحادِ. ولِأجْلِ مُراعاةِ هَذِهِ المَعانِي النّاشِئَةِ عَنْ صَلاحِيَةِ الإضافَةِ لِإفادَتِها عُدِلَ إلى طَرِيقِ إسْنادِ اسْمِ العَهْدِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ طَرِيقِ الفِعْلِ، بِأنْ يُقالَ: وبِما عاهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا. وإذْ كانَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: تَعالَوْا لِلْمُشْرِكِينَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ العَهْدُ شَيْئًا قَدْ تَقَرَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ بَيْنَهم، وهو العُهُودُ الَّتِي يَعْقِدُونَها بِالمُوالاةِ والصُّلْحِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهو يَدْعُوهم إلى الوَفاءِ بِما عاقَدُوا عَلَيْهِ. وأُضِيفَ إلى اللَّهِ لِأنَّهم كانُوا يَتَحالَفُونَ عِنْدَ التَّعاقُدِ ولِذَلِكَ يُسَمُّونَ العَهْدَ حِلْفًا قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: واذْكُرُوا حِلْفَ ذِي المَجازِ وما قُدِّمَ فِيهِ العُهُودُ والكُفَلاءُ وقالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ونُوجَدُ نَحْنُ أمْنَعَهم ذِمارًا وأوْفاهم إذا عَقَدُوا يَمِينا فالآيَةُ آمِرَةٌ لَهم بِالوَفاءِ، وكانَ العَرَبُ يَتَمادَحُونَ بِهِ. ومِنَ العُهُودِ المُقَرَّرَةِ بَيْنَهم: حِلْفُ الفُضُولِ، وحِلْفُ المُطَيَّبِينَ، وكِلاهُما كانَ في الجاهِلِيَّةِ عَلى نَفْيِ الظُّلْمِ والجَوْرِ عَنِ القاطِنِينَ بِمَكَّةَ، وذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِعَهْدِ اللَّهِ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ بَلَدًا آمِنًا ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وقَدِ اعْتَدى المُشْرِكُونَ عَلى ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ وظَلَمُوهم مِثْلَ عَمّارٍ، وبِلالٍ، وعامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ، ونَحْوِهِمْ، فَهو يَقُولُ لَهم فِيما يَتْلُو عَلَيْهِمْ أنَّ خَفْرَ عَهْدِ اللَّهِ بِأمانِ مَكَّةَ، وخَفْرَ عُهُودِكم بِذَلِكَ أوْلى بِأنْ تُحَرِّمُوهُ صفحة ١٧٠ مِن مَزاعِمِكُمُ الكاذِبَةِ فِيما حَرَّمْتُمْ وفَصَّلْتُمْ، فَهَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ العَهْدِ وصَرْفِ ذِهْنِ السّامِعِ عَنْهُ، لِيَتَقَرَّرَ في ذِهْنِهِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ بِالوَفاءِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِدْحَةً فَعَهْدُ اللَّهِ أوْلى بِالوَفاءِ وأنْتُمْ قَدِ اخْتَرْتُمُوهُ، فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] . * * * ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ تَكْرارٌ لِقَوْلِهِ المُماثِلِ لَهُ قَبْلَهُ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ هَذا التَّذْيِيلَ خُتِمَ بِهِ صِنْفٌ مِن أصْنافِ الأحْكامِ. وجاءَ مَعَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ لِأنَّ هَذِهِ المَطالِبَ الأرْبَعَةَ عُرِفَ بَيْنَ العَرَبِ أنَّها مَحامِدُ، فالأمْرُ بِها، والتَّحْرِيضُ عَلَيْها تَذْكِيرٌ بِما عَرَفُوهُ في شَأْنِها ولَكِنَّهم تَناسَوْهُ بِغَلَبَةِ الهَوى وغِشاوَةِ الشِّرْكِ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: ”تَذَّكَّرُونَ“ بِتَشْدِيدِ الذّالِ لِإدْغامِ التّاءِ الثّانِيَةِ في الذّالِ بَعْدَ قَلْبِها، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وخَلَفٍ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى حَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ تَخْفِيفًا.

الأنعام 6:153

﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ صفحة ١٧١ الواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ”﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]“ لِتَماثُلِ المَعْطُوفاتِ في أغْراضِ الخِطابِ وتَرْتِيبِهِ، وفي تَخَلُّلِ التَّذْيِيلاتِ الَّتِي عَقِبَتْ تِلْكَ الأغْراضَ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ، لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ، لَعَلَّكم تَتَّقُونَ. وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِاتِّباعِ ما يَجِيءُ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ في القُرْآنِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: أنَّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ. وعَنِ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى: ما حَرَّمَ رَبُّكم، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلِ ”أتْلُ“ والتَّقْدِيرُ: وأتْلُ عَلَيْكم أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا. وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: أنَّ قِياسَ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنْ تُحْمَلَ ”أنَّ“، أيْ تُعَلَّقَ عَلى قَوْلِهِ فاتَّبِعُوهُ، والتَّقْدِيرُ: ولِأنَّ ﴿هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾، عَلى قِياسِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] . وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] المَعْنى: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا. ا. هـ. فَـ أنَّ مَدْخُولَةٌ لِلامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةٌ عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن حَذْفِها مَعَ أنَّ وأنْ. وتَقْدِيرُ النَّظْمِ: واتَّبِعُوا صِراطِي لِأنَّهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، فَوَقَعَ تَحْوِيلٌ في النَّظْمِ بِتَقْدِيرِ التَّعْلِيلِ عَلى الفِعْلِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا، فَصارَ التَّعْلِيلُ بِمَنزِلَةِ الشَّرْطِ بِسَبَبِ هَذا التَّقْدِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا كانَ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ”وإنَّ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ فَلا تَحْوِيلَ في نَظْمِ الكَلامِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ”فاتَّبِعُوهُ“ تَفْرِيعًا عَلى إثْباتٍ بِأنَّ صِراطَهُ مُسْتَقِيمٌ. وقَرَأ عامِرٌ، ويَعْقُوبُ: وأنْ صفحة ١٧٢ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأحْسَنُ تَخْرِيجُها بِكَوْنِ أنَّ تَفْسِيرِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى: أنْ لا تُشْرِكُوا. ووَجْهُ إعادَةِ أنَّ اخْتِلافُ أُسْلُوبِ الكَلامِ عَمّا قَبْلَهُ. والإشارَةُ إلى الإسْلامِ: أيْ وأنَّ الإسْلامَ صِراطِي؛ فالإشارَةُ إلى حاضِرٍ في أذْهانِ المُخاطَبِينَ مِن أثَرِ تَكَرُّرِ نُزُولِ القُرْآنِ وسَماعِ أقْوالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِحَيْثُ عَرَفَهُ النّاسُ وتَبَيَّنَهُ، فَنَزَلَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ، فاسْتُعْمِلَ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعُ لِتَعْيِينِ ذاتٍ بِطَرِيقِ المُشاهَدَةِ مَعَ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ التَّشْرِيعاتِ والمَواعِظِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها صارَتْ كالشَّيْءِ الحاضِرِ المُشاهَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ. والصِّراطُ: الطَّرِيقُ الجادَّةُ الواسِعَةُ، وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] والمُرادُ الإسْلامُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ السُّورَةِ ”﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قَيِّمًا﴾ [الأنعام: ١٦١]“ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها تَحْصِيلُ الصَّلاحِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَشُبِّهَتْ بِالطَّرِيقِ المُوصِلِ السّائِرِ فِيهِ إلى غَرَضِهِ ومَقْصِدِهِ. ولَمّا شُبِّهَ الإسْلامُ بِالصِّراطِ وجُعِلَ كالشَّيْءِ المُشاهَدِ صارَ كالطَّرِيقِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ فادُّعِي أنَّهُ مُسْتَقِيمٌ، أيْ لا اعْوِجاجَ فِيهِ لِأنَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ أيْسَرُ سُلُوكًا عَلى السّائِرِ وأسْرَعُ وُصُولًا بِهِ. والياءُ المُضافُ إلَيْها صِراطٌ تَعُودُ عَلى اللَّهِ، كَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ”﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣]“ عَلى إحْدى طَرِيقَتَيْنِ في حِكايَةِ القَوْلِ إذا كانَ في المَقُولِ ضَمِيرُ القائِلِ أوْ ضَمِيرُ الآمِرِ بِالقَوْلِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] في سُورَةِ العُقُودِ. وقَدْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ، الَّتِي جَرى عَلَيْها الكَلامُ مِن صفحة ١٧٣ قَوْلِهِ: ”﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]“ لِغَرَضِ الإيماءِ إلى عِصْمَةِ هَذا الصِّراطِ مِنَ الزَّلَلِ، لِأنَّ كَوْنَهُ صِراطَ اللَّهِ يَكْفِي في إفادَةِ أنَّهُ مُوصِلٌ إلى النَّجاحِ، فَلِذَلِكَ صَحَّ تَفْرِيعُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ عَلى مُجَرَّدِ كَوْنِهِ صِراطَ اللَّهِ. ويَجُوزُ عُودُ الياءِ إلى النَّبِيءِ المَأْمُورِ بِالقَوْلِ، إلّا أنَّ هَذا يَسْتَدْعِي بِناءَ التَّفْرِيعِ بِالأمْرِ بِاتِّباعِهِ عَلى ادِّعاءِ أنَّهُ واضِحُ الِاسْتِقامَةِ، وإلّا فَإنَّ كَوْنَهُ طَرِيقَ النَّبِيءِ لا يَقْتَضِي تَسَبُّبَ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِينَ المُكَذِّبِينَ. وقَوْلُهُ: ”مُسْتَقِيمًا“ حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، وحَسَّنَ وُقُوعَهُ حالًا أنَّ الإشارَةَ بُنِيَتْ عَلى ادِّعاءِ أنَّهُ مُشاهَدٌ، فَيَقْتَضِي أنَّهُ مُسْتَحْضَرٌ في الذِّهْنِ بِمُجْمَلِ كُلِّيّاتِهِ وما جَرَّبُوهُ مِنهُ وعَرَفُوهُ، وأنَّ ذَلِكَ يُرِيهِمْ أنَّهُ في حالِ الِاسْتِقامَةِ كَأنَّهُ أمْرٌ مَحْسُوسٌ، ولِذَلِكَ كَثُرَ مَجِيءُ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ نَحْوَ: ”﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]“ ولَمْ يَأْتُوا بِهِ خَبَرًا. والسُّبُلَ: الطَّرْقُ، ووُقُوعُها هُنا في مُقابَلَةِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ يَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيِ السُّبُلَ المُتَفَرِّقَةَ غَيْرَ المُسْتَقِيمَةِ، وهي الَّتِي يُسَمُّونَها: بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ، وهي طُرُقٌ تَتَشَعَّبُ مِنَ السَّبِيلِ الجادَّةِ ذاهِبَةً، يَسْلُكُها بَعْضُ المارَّةِ فُرادى إلى بُيُوتِهِمْ أوْ مَراعِيهِمْ فَلا تَبْلُغُ إلى بَلَدٍ ولا إلى حَيٍّ، ولا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ فِيها إلّا مَن عَقَلَها واعْتادَها، فَلِذَلِكَ سَبَبٌ عَنِ النَّهْيِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾، أيْ فَإنَّها طُرُقٌ مُتَفَرِّقَةٌ فَهي تَجْعَلُ سالِكَها مُتَفَرِّقًا عَنِ السَّبِيلِ الجادَّةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأنَّ السَّبِيلَ اسْمٌ لِلطَّرِيقِ الضَّيِّقَةِ غَيْرِ المُوصِلَةِ، فَإنَّ السَّبِيلَ يُرادِفُ الصِّراطَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي، بَلْ لِأنَّ المُقابَلَةَ والإخْبارَ عَنْها بِالتَّفَرُّقِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ سُبُلٌ خاصَّةٌ مَوْصُوفَةٌ بِغَيْرِ الِاسْتِقامَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ: ”بِكم“ لِلْمُصاحَبَةِ: أيْ فَتَتَفَرُّقُ السُّبُلِ مُصاحِبَةٌ لَكم، أيْ تَتَفَرَّقُونَ مَعَ تَفَرُّقِها، وهَذِهِ المُصاحَبَةُ المَجازِيَّةُ تَجْعَلُ الباءَ بِمَنزِلَةِ صفحة ١٧٤ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ كَما قالَهُ النُّحاةُ، في نَحْوِ: ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ، أنَّهُ بِمَعْنى أذْهَبْتُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى فَتُفَرِّقُكم عَنْ سَبِيلِهِ، أيْ لا تُلاقُونَ سَبِيلَهُ. والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ في: سَبِيلِهِ يَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَرِينَةِ المَقامِ، فَإذا كانَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: ”صِراطِي“ عائِدًا لِلَّهِ كانَ في ضَمِيرِ سَبِيلِهِ التِفاتًا عَنْ سَبِيلِي. رَوى النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ، وأحْمَدُ، والدّارِمِيُّ في مَسْنَدَيْهِما، والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: «خَطَّ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا خَطًّا ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ أيْ عَنْ يَمِينِ الخَطِّ المَخْطُوطِ أوَّلًا وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْها ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ»﴾ . ورَوى أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَخَطَّ خَطًّا وخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسارِهِ ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ في الخَطِّ الأوْسَطِ أيِ الَّذِي بَيْنَ الخُطُوطِ الأُخْرى فَقالَ: هَذِهِ سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ»﴾ . وما وقَعَ في الرِّوايَةِ الأُولى وخَطَّ خُطُوطًا هو بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ ما عَلى اليَمِينِ والشِّمالِ. وهَذا رَسْمُهُ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ: وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ تَذْيِيلُ تَكْرِيرٍ لِمِثْلَيْهِ السّابِقَيْنِ، فالإشارَةُ بِـ ذَلِكم إلى الصِّراطِ، والوِصايَةُ بِهِ مَعْناها الوِصايَةُ بِما يَحْتَوِي عَلَيْهِ. وجَعَلَ الرَّجاءَ لِلتَّقْوى لِأنَّ هَذِهِ السَّبِيلَ تَحْتَوِي عَلى تَرْكِ المُحَرَّماتِ، وتَزِيدُ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الصّالِحاتِ، فَإذا اتَّبَعَها السّالِكُ فَقَدْ صفحة ١٧٥ صارَ مِنَ المُتَّقِينَ أيِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالتَّقْوى بِمَعْناها الشَّرْعِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ”هُدًى لِلْمُتَّقِينَ“ .

الأنعام 6:154

﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ”ثُمَّ“ هُنا عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ”قُلْ تَعالَوْا“ فَلَيْسَتْ عاطِفَةً لِلْمُفْرَداتِ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّها لِتَراخِي الزَّمانِ، بَلْ تَنْسَلِخُ عَنْهُ حِينَ تَعْطِفُ الجُمَلَ فَتَدُلُّ عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ، وهو مُهْلَةٌ مَجازِيَّةٌ، وتِلْكَ دَلالَةُ ”ثُمَّ“ إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ. وقَدِ اسْتُصْعِبَ عَلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ مَسْلَكُ ”ثُمَّ“ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ إتْيانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَيْسَ بِرُتْبَةٍ أهَمَّ مِن رُتْبَةِ تِلاوَةِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنَ المُحَرَّماتِ وما فَرَضَهُ مِنَ اتِّباعِ صِراطِ الإسْلامِ. وتَعَدَّدَتْ آراءُ المُفَسِّرِينَ في مَحْمِلِ ”ثُمَّ“ هُنا إلى آراءٍ: لِلْفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، والزَّمَخْشَرِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ، وغَيْرِهِمْ، كُلٌّ يَرُومُ التَّخَلُّصَ مِن هَذا المَضِيقِ. والوَجْهُ عِنْدِي: أنَّ ”ثُمَّ“ ما فارَقَتِ المَعْرُوفَ مِن إفادَةِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وأنَّ تَراخِيَ رُتْبَةِ إتْيانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ عَنْ تِلاوَةِ ما حَرَّمَ اللَّهُ في القُرْآنِ، وما أُمِرَ بِهِ مِن مُلازَمَةِ صِراطِ الإسْلامِ، إنَّما يَظْهَرُ بَعْدَ النَّظَرِ إلى المَقْصُودِ مِن نَظْمِ الكَلامِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مَن ذِكْرِ إيتاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَيْسَ لِذاتِهِ بَلْ هو التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ: ”﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥]“ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦]“ إلى قَوْلِهِ ”وهُدًى ورَحْمَةً“، فَمَعْنى الكَلامِ: وفَوْقَ ذَلِكَ فَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ جُمِعَ فِيهِ ما أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أعْظَمُ ما أُوتِيَهُ الأنْبِياءُ مِن قَبْلِهِ وما في القُرْآنِ الَّذِي هو مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ؛ إنِ اتَّبَعْتُمُوهُ واتَّقَيْتُمْ رَحِمْناكم ولا مَعْذِرَةَ لَكم صفحة ١٧٦ أنْ تَقُولُوا لَوْ أُنْزِلَ لَنا كِتابٌ لَكُنّا أفْضَلَ اهْتِداءً مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، فَهَذا غَرَضٌ أهَمُّ جَمْعًا لِاتِّباعِ جَمِيعِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وأُدْخِلَ في إقْناعِ المُخاطَبِينَ بِمَزِيَّةِ أخْذِهِمْ بِهَذا الكِتابِ. ومُناسَبَةُ هَذا الِانْتِقالِ: ما ذُكِرَ مِن صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا كَذَّبُوا دَعْوَةَ الإسْلامِ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ كَما اشْتَهَرَ بَيْنَهم حَسْبَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ، في هَذِهِ السُّورَةِ، لِيَنْتَقِلَ إلى ذِكْرِ القُرْآنِ والتَّحْرِيضِ عَلى اتِّباعِهِ فَيَكُونَ التَّذْكِيرُ بِكِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَمْهِيدًا لِذَلِكَ الغَرَضِ. والكِتابُ هو المَعْهُودُ، أيِ التَّوْراةُ، وتَمامًا حالٌ مِنَ الكِتابِ، والتَّمامُ الكَمالُ، أيْ كانَ ذَلِكَ الكِتابُ كَمالًا لِما في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الصَّلاحِ الَّذِي هو بَقِيَّةٌ مِمّا تَلَقَّوْهُ عَنْ أسْلافِهِمْ: مِن صَلاحِ إبْراهِيمَ، وما كانَ عَلَيْهِ إسْحاقُ ويَعْقُوبُ والأسْباطُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَتِ التَّوْراةُ مُكَمِّلَةً لِصَلاحِهِمْ، ومُزِيلَةً لِما اعْتَراهم مِنَ الفَسادِ، وأنَّ إزالَةَ الفَسادِ تَكْمِلَةٌ لِلصَّلاحِ. ووَصْفُ التَّوْراةِ بِالتَّمامِ مُبالَغَةٌ في مَعْنى المُتَمِّ. والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى مُفْرَدُهُ وجَمْعُهُ. والمُرادُ بِهِ هُنا الفَرِيقُ المُحْسِنُ، أيْ تَمامًا لِإحْسانِ المُحْسِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فالفِعْلُ مَنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيِ الَّذِي اتَّصَفَ بِالإحْسانِ. والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] في هَذِهِ السُّورَةِ. صفحة ١٧٧ وكُلِّ شَيْءٍ مُرادٌ بِهِ أعْظَمُ الأشْياءِ، أيِ المُهِمّاتُ المُحْتاجُ إلى بَيانِ أحْكامِها في أحْوالِ الدِّينِ. فَتَكُونُ كُلُّ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكَثْرَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. أوْ في مَعْنى العَظِيمِ مِنَ الأشْياءِ كَأنَّهُ جَمَعَ الأشْياءَ كُلَّها. أوْ يُرادُ بِالشَّيْءِ: الشَّيْءُ المُهِمُّ، فَيَكُونُ مِن حَذْفِ الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] . وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِن إيتاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ أنَّ المُنْتَفِعِينَ بِهِ هم قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ، ومَعْنى ذَلِكَ: لَعَلَّهم إنْ تَحَرَّوْا في أعْمالِهِمْ، عَلى ما يُناسِبُ الإيمانَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِلِقاءِ اللَّهِ مِن قَبْلِ نُزُولِ التَّوْراةِ، ولَكِنَّهم طَرَأ عَلَيْهِمْ مِن أزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ: مِن أطْوارِ مُجاوَرَةِ القِبْطِ، وما لَحِقَهم مِنَ المَذَلَّةِ والتَّغَرُّبِ والخَصاصَةِ والِاسْتِعْبادِ، ما رَفَعَ مِنهُمُ العِلْمَ، وأذْوى الأخْلاقَ الفاضِلَةَ، فَنَسُوا مُراقَبَةَ اللَّهِ تَعالى، وأفْسَدُوا، حَتّى كانَ حالُهم كَحالِ مَن لا يُؤْمِنُ بِأنَّهُ يَلْقى اللَّهَ، فَأرادَ اللَّهُ إصْلاحَهم بِبَعْثِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِيَرْجِعُوا إلى ما كانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمُ الصّالِحُ مِن مُراقَبَةِ اللَّهِ تَعالى وخَشْيَةِ لِقائِهِ، والرَّغْبَةِ في أنْ يَلْقَوْهُ وهو راضٍ عَنْهم. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأهْلِ مَكَّةَ ومَن إلَيْهِمْ مِنَ العَرَبِ، فَكَذَلِكَ كانَ سَلَفُهم عَلى هُدًى وصَلاحٍ، فَدَخَلَ فِيهِمْ مَن أضَلَّهم ولَقَّنَهُمُ الشِّرْكَ وإنْكارَ البَعْثِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ لِيَرُدَّهم إلى الهُدى ويُؤْمِنُوا بِلِقاءِ رَبِّهِمْ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ البَعْثِ والجَزاءِ.

الأنعام 6:155

صفحة ١٧٨ ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ جُمْلَةُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . المَعْنى: ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وأنْزَلْنا هَذا الكِتابَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . . . إلَخْ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وبِناءُ الفِعْلِ عَلَيْهِ، وجَعْلُ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أنْزَلْناهُ“، مُبْتَدَأً، كُلُّ ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالكِتابِ والتَّنْوِيهِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ، وكَوْنِهِ مُبارَكًا، ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَرَدَّدُ أحَدٌ في اتِّباعِهِ. والِاتِّباعُ أُطْلِقَ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقَوْلِهِ ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] في هَذِهِ السُّورَةِ. صفحة ١٧٩ والخِطابُ في قَوْلِهِ: فاتَّبِعُوهُ لِلْمُشْرِكِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ . وجُمْلَةُ: أنْزَلْناهُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِـ كِتابٌ، ومُبارَكٌ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وهُما المَقْصِدُ مِنِ الإخْبارِ، لِأنَّ كَوْنَهُ كِتابًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وإنَّما امْتَرَوْا في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي كَوْنِهِ مُبارَكًا. وحَسُنَ عَطْفُ مُبارَكٌ عَلى: أنْزَلْناهُ لِأنَّ اسْمَ المَفْعُولِ - لِاشْتِقاقِهِ - هو في قُوَّةِ الفِعْلِ، ومَعْنى اتَّقُوا كُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوى وهي الأخْذُ بِدِينِ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ وفي قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وعْدٌ عَلى اتِّباعِهِ وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِفِعْلِ أنْزَلْناهُ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن حَذْفِها مَعَ أنْ. والتَّقْدِيرُ: لِأنْ تَقُولُوا، أيْ لِقَوْلِكم ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لِمُلاحَظَةِ قَوْلِكم وتَوَقُّعِ وُقُوعِهِ، فالقَوْلُ باعِثٌ عَلى إنْزالِ الكِتابِ. والمَقامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ باعِثًا عَلى إنْزالِ هَذا الكِتابِ، والعِلَّةُ الباعِثَةُ عَلى شَيْءٍ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً، فَهَذا المَعْنى في اللّامِ عَكْسُ مَعْنى لامِ العاقِبَةِ، ويَئُولُ المَعْنى إلى أنَّ إنْزالَ الكِتابِ فِيهِ حِكَمٌ مِنها حِكْمَةُ قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَنْزِلْ إلَيْهِمْ كِتابٌ، أوْ كَراهِيَةُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، أوْ لِتَجَنُّبِ أنْ يَقُولُوهُ، وذَلِكَ بِمَعُونَةِ المَقامِ إيثارًا لِلْإيجازِ فَلِذَلِكَ يُقَدَّرُ مُضافٌ مِثْلَ: كَراهِيَةَ أوْ تَجَنُّبَ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ جَرى نُحاةُ البَصْرَةِ. وذَهَبَ نُحاةُ الكُوفَةِ إلى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ لا النّافِيَةِ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَهم: أنْ لا تَقُولُوا، والمَآلُ واحِدٌ ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ”﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]“ وقَوْلِهِ ”﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]“ صفحة ١٨٠ وقَوْلِهِ ”﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]“ أيْ لِتَجَنُّبِ مَيْدِها بِكم، وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا وهَذا القَوْلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ صَدَرَ عَنْهم مِن قَبْلُ، فَقَدْ جاءَ في آيَةِ سُورَةِ القَصَصِ: ”﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨]“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَوَقَّعًا ثُمَّ قالُوهُ مِن بَعْدُ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّهُ مُتَوَقَّعٌ أنْ يُكَرِّرُوهُ ويُعِيدُوهُ قَوْلًا مُوافِقًا لِلْحالِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَكانَ مُتَوَقَّعًا صُدُورُهُ عِنْدَما يَتَوَّجَهُ المَلامُ عَلَيْهِمْ في انْحِطاطِهِمْ عَنْ مُجاوَرِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِن حَيْثُ اسْتِكْمالِ الفَضائِلِ وحُسْنِ السَّيْرِ وكَمالِ التَّدَيُّنِ، وعِنْدَ سُؤالِهِمْ في الآخِرَةِ عَنِ اتِّباعِ ضَلالِهِمْ، وعِنْدَما يُشاهِدُونَ ما يَنالُهُ أهْلُ المِلَلِ الصّالِحَةِ مِنَ النَّعِيمِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في ثَوابِ اللَّهِ فَيَتَطَلَّعُونَ إلى حَظٍّ مِن ذَلِكَ ويَتَعَلَّلُونَ بِأنَّهم حُرِمُوا الإرْشادَ في الدُّنْيا. وقَدْ كانَ اليَهُودُ والنَّصارى في بِلادِ العَرَبِ عَلى حالَةٍ أكْمَلَ مِن أحْوالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ النّابِغَةِ يَمْدَحُ آلَ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ، وكانُوا نَصارى: مَجَلَّتُهم ذاتُ الإلَهِ ودِينُهم قَوِيمٌ ∗∗∗ فَما يَرْجُونَ غَيْرَ العَواقِبِ ولا يَحْسِبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا يَحْسِبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ والطّائِفَةُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الكَثِيرَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ، والمُرادُ بِالطّائِفَتَيْنِ هُنا اليَهُودُ والنَّصارى. والكِتابُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ المُنْحَصِرُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ. ومَعْنى إنْزالُ الكِتابِ عَلَيْهِمْ أنَّهم خُوطِبُوا بِالكُتُبِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى صفحة ١٨١ أنْبِيائِهِمْ فَلَمْ يَكُنِ العَرَبُ مُخاطَبِينَ بِما أُنْزِلَ عَلى غَيْرِهِمْ، فَهَذا تَعَلُّلٌ أوَّلُ مِنهم، وثَمَّةُ اعْتِلالٌ آخَرُ عَنِ الزَّهادَةِ في التَّخَلُّقِ بِالفَضائِلِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ: وهو قَوْلُهم: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾، أيْ وأنّا كُنّا غافِلِينَ عَنِ اتِّباعِ رُشْدِهِمْ لِأنّا لَمْ نَتَعَلَّمْ، فالدِّراسَةُ مُرادٌ بِها التَّعْلِيمُ. والدِّراسَةُ: القِراءَةُ بِمُعاوَدَةٍ لِلْحِفْظِ أوْ لِلتَّأمُّلِ، فَلَيْسَ سَرْدُ الكِتابِ بِدِراسَةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]“ في هَذِهِ السُّورَةِ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والغَفْلَةُ: السَّهْوُ الحاصِلُ مِن عَدَمِ التَّفَطُّنِ، أيْ لَمْ نَهْتَمَّ بِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ كُتُبُهم فَنَقْتَدِي بِهَدْيِها، فَكانَ مَجِيءُ القُرْآنِ مُنَبِّهًا لَهم لِلْهَدْيِ الكامِلِ ومُغْنِيًا عَنْ دِراسَةِ كُتُبِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، تَدَرُّجٌ في الِاعْتِلالِ جاءَ عَلى ما تُكِنَّهُ نُفُوسُ العَرَبِ مِن شُفُوفِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ عَلى بَقِيَّةِ الأُمَمِ، وتَطَلُّعِهِمْ إلى مَعالِي الأُمُورِ، وإدْلالِهِمْ بِفِطْنَتِهِمْ وفَصاحَةِ ألْسِنَتِهِمْ وحِدَّةِ أذْهانِهِمْ وسُرْعَةِ تَلَقِّيهِمْ، وهم أخْلِقاءُ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وفِي الإعْرابِ عَنْ هَذا الِاعْتِلالِ مِنهم تَلْقِينٌ لَهم، وإيقاظٌ لِإفْهامِهِمْ أنْ يَغْتَبِطُوا بِالقُرْآنِ، ويَفْهَمُوا ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ والشَّرَفِ بَيْنَ الأُمَمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ. وقَدْ كانَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا القُرْآنَ أهْدى مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِبَوْنٍ بَعِيدِ الدَّرَجاتِ. ولَقَدْ تَهَيَّأ المَقامُ بَعْدَ هَذا التَّنْبِيهِ العَجِيبِ لِفاءِ الفَصِيحَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وتَقْدِيرُها: فَإذا كُنْتُمْ تَقُولُونَ ذَلِكَ ويَهْجِسُ في نُفُوسِكم فَقَدْ جاءَكم بَيانٌ مِن رَبِّكم يَعْنِي القُرْآنَ، يَدْفَعُ عَنْكم ما تَسْتَشْعِرُونَ مِنَ الِانْحِطاطِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ. صفحة ١٨٢ والبَيِّنَةُ ما بِهِ البَيانُ وظُهُورُ الحَقِّ. فالقُرْآنُ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِإعْجازِهِ بُلَغاءَ العَرَبِ، وهو هَدْيٌ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنِ الإرْشادِ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، وهو رَحْمَةٌ بِما جاءَ بِهِ مِن شَرِيعَةٍ سَمْحَةٍ لا حَرَجَ فِيها، فَهي مُقِيمَةٌ لِصَلاحِ الأُمَّةِ مَعَ التَّيْسِيرِ. وهَذا مِن أعْجَبِ التَّشْرِيعِ وهو أدَلُّ عَلى أنَّهُ مِن أمْرِ العَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ. وتَفَرَّعَ عَنْ هَذا الإعْذارِ لَهُمُ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم لا أظْلَمَ مِنهم، لِأنَّهم كَذَّبُوا وأعْرَضُوا. فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ لِلتَّفْرِيعِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ. و”مِن“ في ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ مَوْصُولَةٌ وما صِدْقُها المُخاطَبُونَ مِن قَوْلِهِ: أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ. والظُّلْمُ هُنا يَشْمَلُ ظُلْمَ نُفُوسِهِمْ، إذْ زَجُّوا بِها إلى العَذابِ في الآخِرَةِ وخُسْرانِ الدُّنْيا، وظُلْمَ الرَّسُولِ ﷺ إذْ كَذَّبُوهُ، وما هو بِأهْلِ التَّكْذِيبِ، وظُلْمَ اللَّهِ إذْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ وأنْكَرُوا نِعْمَتَهُ، وظَلَمُوا النّاسَ بِصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ. وقَدْ جِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِتَدُلَّ الصِّلَةُ عَلى تَعْلِيلِ الحُكْمِ ووَجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، لِأنَّ مَن ثَبَتَ لَهُ مَضْمُونُ تِلْكَ الصِّلَةِ كانَ حَقِيقًا بِأنَّهُ لا أظْلَمَ مِنهُ. ومَعْنى: ”صَدَفَ“ أعْرَضَ هو، ويُطْلَقُ بِمَعْنى صَرَفَ غَيْرَهُ كَما في القامُوسِ. وأصْلُهُ التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ وإلى الثّانِي بِـ ”عَنْ“ يُقالُ: صَدَفْتُ فُلانًا عَنْ كَذا، كَما يُقالُ: صَرَفْتُهُ، وقَدْ شاعَ تَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ حَتّى غَلَبَ عَدَمُ ظُهُورِ المَفْعُولِ بِهِ، يُقالُ: صَدَفَ عَنْ كَذا بِمَعْنى أعَرَضَ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦]“ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدَّرَهُ في الكَشّافِ هُنا مُتَعَدِّيًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِكَوْنِهِمِ أظْلَمَ النّاسِ تَكْثِيرًا في وُجُوهِ اعْتِدائِهِمْ، ولَمْ أرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ نَظَرًا صفحة ١٨٣ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾“ إذْ يُناسِبُهُ مَعْنى المُتَعَدِّي لِأنَّ الجَزاءَ عَلى إعْراضِهِمْ وعَلى صَدِّهِمُ النّاسَ عَنِ الآياتِ، فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِالآياتِ يَتَضَمَّنُ إعْراضَهم عَنْها فَناسَبَ أنْ يَكُونَ صَدْفُهم هو صَرْفُهُمُ النّاسَ. و”سُوءَ العَذابِ“ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وسُوءُهُ أشَدُّهُ وأقْواهُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ. فَقَوْلُهُ: ”﴿عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]“ هو مُضاعَفَةُ العَذابِ، أيْ شِدَّتُهُ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والذُّلِّ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ جَزاءَهم لِأنَّهم لَمْ يُكَذِّبُوا تَكْذِيبًا عَنْ دَعْوَةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ كَذَّبُوا بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الآياتُ البَيِّناتُ. وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِصَدْفِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ إعْراضًا مُسْتَمِرًّا لَمْ يَدْعُوا راغِبَهُ فَـ كانَ " هُنا مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ مِثْلُ: وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.

الأنعام 6:156

صفحة ١٧٨ ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ جُمْلَةُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . المَعْنى: ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وأنْزَلْنا هَذا الكِتابَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . . . إلَخْ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وبِناءُ الفِعْلِ عَلَيْهِ، وجَعْلُ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أنْزَلْناهُ“، مُبْتَدَأً، كُلُّ ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالكِتابِ والتَّنْوِيهِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ، وكَوْنِهِ مُبارَكًا، ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَرَدَّدُ أحَدٌ في اتِّباعِهِ. والِاتِّباعُ أُطْلِقَ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقَوْلِهِ ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] في هَذِهِ السُّورَةِ. صفحة ١٧٩ والخِطابُ في قَوْلِهِ: فاتَّبِعُوهُ لِلْمُشْرِكِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ . وجُمْلَةُ: أنْزَلْناهُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِـ كِتابٌ، ومُبارَكٌ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وهُما المَقْصِدُ مِنِ الإخْبارِ، لِأنَّ كَوْنَهُ كِتابًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وإنَّما امْتَرَوْا في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي كَوْنِهِ مُبارَكًا. وحَسُنَ عَطْفُ مُبارَكٌ عَلى: أنْزَلْناهُ لِأنَّ اسْمَ المَفْعُولِ - لِاشْتِقاقِهِ - هو في قُوَّةِ الفِعْلِ، ومَعْنى اتَّقُوا كُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوى وهي الأخْذُ بِدِينِ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ وفي قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وعْدٌ عَلى اتِّباعِهِ وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِفِعْلِ أنْزَلْناهُ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن حَذْفِها مَعَ أنْ. والتَّقْدِيرُ: لِأنْ تَقُولُوا، أيْ لِقَوْلِكم ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لِمُلاحَظَةِ قَوْلِكم وتَوَقُّعِ وُقُوعِهِ، فالقَوْلُ باعِثٌ عَلى إنْزالِ الكِتابِ. والمَقامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ باعِثًا عَلى إنْزالِ هَذا الكِتابِ، والعِلَّةُ الباعِثَةُ عَلى شَيْءٍ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً، فَهَذا المَعْنى في اللّامِ عَكْسُ مَعْنى لامِ العاقِبَةِ، ويَئُولُ المَعْنى إلى أنَّ إنْزالَ الكِتابِ فِيهِ حِكَمٌ مِنها حِكْمَةُ قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَنْزِلْ إلَيْهِمْ كِتابٌ، أوْ كَراهِيَةُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، أوْ لِتَجَنُّبِ أنْ يَقُولُوهُ، وذَلِكَ بِمَعُونَةِ المَقامِ إيثارًا لِلْإيجازِ فَلِذَلِكَ يُقَدَّرُ مُضافٌ مِثْلَ: كَراهِيَةَ أوْ تَجَنُّبَ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ جَرى نُحاةُ البَصْرَةِ. وذَهَبَ نُحاةُ الكُوفَةِ إلى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ لا النّافِيَةِ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَهم: أنْ لا تَقُولُوا، والمَآلُ واحِدٌ ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ”﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]“ وقَوْلِهِ ”﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]“ صفحة ١٨٠ وقَوْلِهِ ”﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]“ أيْ لِتَجَنُّبِ مَيْدِها بِكم، وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا وهَذا القَوْلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ صَدَرَ عَنْهم مِن قَبْلُ، فَقَدْ جاءَ في آيَةِ سُورَةِ القَصَصِ: ”﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨]“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَوَقَّعًا ثُمَّ قالُوهُ مِن بَعْدُ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّهُ مُتَوَقَّعٌ أنْ يُكَرِّرُوهُ ويُعِيدُوهُ قَوْلًا مُوافِقًا لِلْحالِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَكانَ مُتَوَقَّعًا صُدُورُهُ عِنْدَما يَتَوَّجَهُ المَلامُ عَلَيْهِمْ في انْحِطاطِهِمْ عَنْ مُجاوَرِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِن حَيْثُ اسْتِكْمالِ الفَضائِلِ وحُسْنِ السَّيْرِ وكَمالِ التَّدَيُّنِ، وعِنْدَ سُؤالِهِمْ في الآخِرَةِ عَنِ اتِّباعِ ضَلالِهِمْ، وعِنْدَما يُشاهِدُونَ ما يَنالُهُ أهْلُ المِلَلِ الصّالِحَةِ مِنَ النَّعِيمِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في ثَوابِ اللَّهِ فَيَتَطَلَّعُونَ إلى حَظٍّ مِن ذَلِكَ ويَتَعَلَّلُونَ بِأنَّهم حُرِمُوا الإرْشادَ في الدُّنْيا. وقَدْ كانَ اليَهُودُ والنَّصارى في بِلادِ العَرَبِ عَلى حالَةٍ أكْمَلَ مِن أحْوالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ النّابِغَةِ يَمْدَحُ آلَ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ، وكانُوا نَصارى: مَجَلَّتُهم ذاتُ الإلَهِ ودِينُهم قَوِيمٌ ∗∗∗ فَما يَرْجُونَ غَيْرَ العَواقِبِ ولا يَحْسِبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا يَحْسِبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ والطّائِفَةُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الكَثِيرَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ، والمُرادُ بِالطّائِفَتَيْنِ هُنا اليَهُودُ والنَّصارى. والكِتابُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ المُنْحَصِرُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ. ومَعْنى إنْزالُ الكِتابِ عَلَيْهِمْ أنَّهم خُوطِبُوا بِالكُتُبِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى صفحة ١٨١ أنْبِيائِهِمْ فَلَمْ يَكُنِ العَرَبُ مُخاطَبِينَ بِما أُنْزِلَ عَلى غَيْرِهِمْ، فَهَذا تَعَلُّلٌ أوَّلُ مِنهم، وثَمَّةُ اعْتِلالٌ آخَرُ عَنِ الزَّهادَةِ في التَّخَلُّقِ بِالفَضائِلِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ: وهو قَوْلُهم: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾، أيْ وأنّا كُنّا غافِلِينَ عَنِ اتِّباعِ رُشْدِهِمْ لِأنّا لَمْ نَتَعَلَّمْ، فالدِّراسَةُ مُرادٌ بِها التَّعْلِيمُ. والدِّراسَةُ: القِراءَةُ بِمُعاوَدَةٍ لِلْحِفْظِ أوْ لِلتَّأمُّلِ، فَلَيْسَ سَرْدُ الكِتابِ بِدِراسَةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]“ في هَذِهِ السُّورَةِ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والغَفْلَةُ: السَّهْوُ الحاصِلُ مِن عَدَمِ التَّفَطُّنِ، أيْ لَمْ نَهْتَمَّ بِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ كُتُبُهم فَنَقْتَدِي بِهَدْيِها، فَكانَ مَجِيءُ القُرْآنِ مُنَبِّهًا لَهم لِلْهَدْيِ الكامِلِ ومُغْنِيًا عَنْ دِراسَةِ كُتُبِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، تَدَرُّجٌ في الِاعْتِلالِ جاءَ عَلى ما تُكِنَّهُ نُفُوسُ العَرَبِ مِن شُفُوفِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ عَلى بَقِيَّةِ الأُمَمِ، وتَطَلُّعِهِمْ إلى مَعالِي الأُمُورِ، وإدْلالِهِمْ بِفِطْنَتِهِمْ وفَصاحَةِ ألْسِنَتِهِمْ وحِدَّةِ أذْهانِهِمْ وسُرْعَةِ تَلَقِّيهِمْ، وهم أخْلِقاءُ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وفِي الإعْرابِ عَنْ هَذا الِاعْتِلالِ مِنهم تَلْقِينٌ لَهم، وإيقاظٌ لِإفْهامِهِمْ أنْ يَغْتَبِطُوا بِالقُرْآنِ، ويَفْهَمُوا ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ والشَّرَفِ بَيْنَ الأُمَمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ. وقَدْ كانَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا القُرْآنَ أهْدى مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِبَوْنٍ بَعِيدِ الدَّرَجاتِ. ولَقَدْ تَهَيَّأ المَقامُ بَعْدَ هَذا التَّنْبِيهِ العَجِيبِ لِفاءِ الفَصِيحَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وتَقْدِيرُها: فَإذا كُنْتُمْ تَقُولُونَ ذَلِكَ ويَهْجِسُ في نُفُوسِكم فَقَدْ جاءَكم بَيانٌ مِن رَبِّكم يَعْنِي القُرْآنَ، يَدْفَعُ عَنْكم ما تَسْتَشْعِرُونَ مِنَ الِانْحِطاطِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ. صفحة ١٨٢ والبَيِّنَةُ ما بِهِ البَيانُ وظُهُورُ الحَقِّ. فالقُرْآنُ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِإعْجازِهِ بُلَغاءَ العَرَبِ، وهو هَدْيٌ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنِ الإرْشادِ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، وهو رَحْمَةٌ بِما جاءَ بِهِ مِن شَرِيعَةٍ سَمْحَةٍ لا حَرَجَ فِيها، فَهي مُقِيمَةٌ لِصَلاحِ الأُمَّةِ مَعَ التَّيْسِيرِ. وهَذا مِن أعْجَبِ التَّشْرِيعِ وهو أدَلُّ عَلى أنَّهُ مِن أمْرِ العَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ. وتَفَرَّعَ عَنْ هَذا الإعْذارِ لَهُمُ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم لا أظْلَمَ مِنهم، لِأنَّهم كَذَّبُوا وأعْرَضُوا. فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ لِلتَّفْرِيعِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ. و”مِن“ في ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ مَوْصُولَةٌ وما صِدْقُها المُخاطَبُونَ مِن قَوْلِهِ: أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ. والظُّلْمُ هُنا يَشْمَلُ ظُلْمَ نُفُوسِهِمْ، إذْ زَجُّوا بِها إلى العَذابِ في الآخِرَةِ وخُسْرانِ الدُّنْيا، وظُلْمَ الرَّسُولِ ﷺ إذْ كَذَّبُوهُ، وما هو بِأهْلِ التَّكْذِيبِ، وظُلْمَ اللَّهِ إذْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ وأنْكَرُوا نِعْمَتَهُ، وظَلَمُوا النّاسَ بِصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ. وقَدْ جِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِتَدُلَّ الصِّلَةُ عَلى تَعْلِيلِ الحُكْمِ ووَجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، لِأنَّ مَن ثَبَتَ لَهُ مَضْمُونُ تِلْكَ الصِّلَةِ كانَ حَقِيقًا بِأنَّهُ لا أظْلَمَ مِنهُ. ومَعْنى: ”صَدَفَ“ أعْرَضَ هو، ويُطْلَقُ بِمَعْنى صَرَفَ غَيْرَهُ كَما في القامُوسِ. وأصْلُهُ التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ وإلى الثّانِي بِـ ”عَنْ“ يُقالُ: صَدَفْتُ فُلانًا عَنْ كَذا، كَما يُقالُ: صَرَفْتُهُ، وقَدْ شاعَ تَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ حَتّى غَلَبَ عَدَمُ ظُهُورِ المَفْعُولِ بِهِ، يُقالُ: صَدَفَ عَنْ كَذا بِمَعْنى أعَرَضَ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦]“ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدَّرَهُ في الكَشّافِ هُنا مُتَعَدِّيًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِكَوْنِهِمِ أظْلَمَ النّاسِ تَكْثِيرًا في وُجُوهِ اعْتِدائِهِمْ، ولَمْ أرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ نَظَرًا صفحة ١٨٣ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾“ إذْ يُناسِبُهُ مَعْنى المُتَعَدِّي لِأنَّ الجَزاءَ عَلى إعْراضِهِمْ وعَلى صَدِّهِمُ النّاسَ عَنِ الآياتِ، فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِالآياتِ يَتَضَمَّنُ إعْراضَهم عَنْها فَناسَبَ أنْ يَكُونَ صَدْفُهم هو صَرْفُهُمُ النّاسَ. و”سُوءَ العَذابِ“ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وسُوءُهُ أشَدُّهُ وأقْواهُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ. فَقَوْلُهُ: ”﴿عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]“ هو مُضاعَفَةُ العَذابِ، أيْ شِدَّتُهُ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والذُّلِّ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ جَزاءَهم لِأنَّهم لَمْ يُكَذِّبُوا تَكْذِيبًا عَنْ دَعْوَةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ كَذَّبُوا بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الآياتُ البَيِّناتُ. وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِصَدْفِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ إعْراضًا مُسْتَمِرًّا لَمْ يَدْعُوا راغِبَهُ فَـ كانَ " هُنا مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ مِثْلُ: وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.

الأنعام 6:157

صفحة ١٧٨ ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ جُمْلَةُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . المَعْنى: ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وأنْزَلْنا هَذا الكِتابَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . . . إلَخْ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وبِناءُ الفِعْلِ عَلَيْهِ، وجَعْلُ الكِتابِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أنْزَلْناهُ“، مُبْتَدَأً، كُلُّ ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالكِتابِ والتَّنْوِيهِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ، وكَوْنِهِ مُبارَكًا، ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَرَدَّدُ أحَدٌ في اتِّباعِهِ. والِاتِّباعُ أُطْلِقَ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقَوْلِهِ ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] في هَذِهِ السُّورَةِ. صفحة ١٧٩ والخِطابُ في قَوْلِهِ: فاتَّبِعُوهُ لِلْمُشْرِكِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ . وجُمْلَةُ: أنْزَلْناهُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِـ كِتابٌ، ومُبارَكٌ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وهُما المَقْصِدُ مِنِ الإخْبارِ، لِأنَّ كَوْنَهُ كِتابًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وإنَّما امْتَرَوْا في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي كَوْنِهِ مُبارَكًا. وحَسُنَ عَطْفُ مُبارَكٌ عَلى: أنْزَلْناهُ لِأنَّ اسْمَ المَفْعُولِ - لِاشْتِقاقِهِ - هو في قُوَّةِ الفِعْلِ، ومَعْنى اتَّقُوا كُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوى وهي الأخْذُ بِدِينِ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ وفي قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وعْدٌ عَلى اتِّباعِهِ وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِفِعْلِ أنْزَلْناهُ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً عَلى ما هو مَعْرُوفٌ مِن حَذْفِها مَعَ أنْ. والتَّقْدِيرُ: لِأنْ تَقُولُوا، أيْ لِقَوْلِكم ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لِمُلاحَظَةِ قَوْلِكم وتَوَقُّعِ وُقُوعِهِ، فالقَوْلُ باعِثٌ عَلى إنْزالِ الكِتابِ. والمَقامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ باعِثًا عَلى إنْزالِ هَذا الكِتابِ، والعِلَّةُ الباعِثَةُ عَلى شَيْءٍ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً، فَهَذا المَعْنى في اللّامِ عَكْسُ مَعْنى لامِ العاقِبَةِ، ويَئُولُ المَعْنى إلى أنَّ إنْزالَ الكِتابِ فِيهِ حِكَمٌ مِنها حِكْمَةُ قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَنْزِلْ إلَيْهِمْ كِتابٌ، أوْ كَراهِيَةُ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، أوْ لِتَجَنُّبِ أنْ يَقُولُوهُ، وذَلِكَ بِمَعُونَةِ المَقامِ إيثارًا لِلْإيجازِ فَلِذَلِكَ يُقَدَّرُ مُضافٌ مِثْلَ: كَراهِيَةَ أوْ تَجَنُّبَ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ جَرى نُحاةُ البَصْرَةِ. وذَهَبَ نُحاةُ الكُوفَةِ إلى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ لا النّافِيَةِ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَهم: أنْ لا تَقُولُوا، والمَآلُ واحِدٌ ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ”﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]“ وقَوْلِهِ ”﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]“ صفحة ١٨٠ وقَوْلِهِ ”﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]“ أيْ لِتَجَنُّبِ مَيْدِها بِكم، وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا وهَذا القَوْلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ صَدَرَ عَنْهم مِن قَبْلُ، فَقَدْ جاءَ في آيَةِ سُورَةِ القَصَصِ: ”﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨]“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَوَقَّعًا ثُمَّ قالُوهُ مِن بَعْدُ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّهُ مُتَوَقَّعٌ أنْ يُكَرِّرُوهُ ويُعِيدُوهُ قَوْلًا مُوافِقًا لِلْحالِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَكانَ مُتَوَقَّعًا صُدُورُهُ عِنْدَما يَتَوَّجَهُ المَلامُ عَلَيْهِمْ في انْحِطاطِهِمْ عَنْ مُجاوَرِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِن حَيْثُ اسْتِكْمالِ الفَضائِلِ وحُسْنِ السَّيْرِ وكَمالِ التَّدَيُّنِ، وعِنْدَ سُؤالِهِمْ في الآخِرَةِ عَنِ اتِّباعِ ضَلالِهِمْ، وعِنْدَما يُشاهِدُونَ ما يَنالُهُ أهْلُ المِلَلِ الصّالِحَةِ مِنَ النَّعِيمِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في ثَوابِ اللَّهِ فَيَتَطَلَّعُونَ إلى حَظٍّ مِن ذَلِكَ ويَتَعَلَّلُونَ بِأنَّهم حُرِمُوا الإرْشادَ في الدُّنْيا. وقَدْ كانَ اليَهُودُ والنَّصارى في بِلادِ العَرَبِ عَلى حالَةٍ أكْمَلَ مِن أحْوالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ النّابِغَةِ يَمْدَحُ آلَ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ، وكانُوا نَصارى: مَجَلَّتُهم ذاتُ الإلَهِ ودِينُهم قَوِيمٌ ∗∗∗ فَما يَرْجُونَ غَيْرَ العَواقِبِ ولا يَحْسِبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا يَحْسِبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ والطّائِفَةُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الكَثِيرَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ، والمُرادُ بِالطّائِفَتَيْنِ هُنا اليَهُودُ والنَّصارى. والكِتابُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ المُنْحَصِرُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ. ومَعْنى إنْزالُ الكِتابِ عَلَيْهِمْ أنَّهم خُوطِبُوا بِالكُتُبِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى صفحة ١٨١ أنْبِيائِهِمْ فَلَمْ يَكُنِ العَرَبُ مُخاطَبِينَ بِما أُنْزِلَ عَلى غَيْرِهِمْ، فَهَذا تَعَلُّلٌ أوَّلُ مِنهم، وثَمَّةُ اعْتِلالٌ آخَرُ عَنِ الزَّهادَةِ في التَّخَلُّقِ بِالفَضائِلِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ: وهو قَوْلُهم: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾، أيْ وأنّا كُنّا غافِلِينَ عَنِ اتِّباعِ رُشْدِهِمْ لِأنّا لَمْ نَتَعَلَّمْ، فالدِّراسَةُ مُرادٌ بِها التَّعْلِيمُ. والدِّراسَةُ: القِراءَةُ بِمُعاوَدَةٍ لِلْحِفْظِ أوْ لِلتَّأمُّلِ، فَلَيْسَ سَرْدُ الكِتابِ بِدِراسَةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]“ في هَذِهِ السُّورَةِ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والغَفْلَةُ: السَّهْوُ الحاصِلُ مِن عَدَمِ التَّفَطُّنِ، أيْ لَمْ نَهْتَمَّ بِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ كُتُبُهم فَنَقْتَدِي بِهَدْيِها، فَكانَ مَجِيءُ القُرْآنِ مُنَبِّهًا لَهم لِلْهَدْيِ الكامِلِ ومُغْنِيًا عَنْ دِراسَةِ كُتُبِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، تَدَرُّجٌ في الِاعْتِلالِ جاءَ عَلى ما تُكِنَّهُ نُفُوسُ العَرَبِ مِن شُفُوفِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ عَلى بَقِيَّةِ الأُمَمِ، وتَطَلُّعِهِمْ إلى مَعالِي الأُمُورِ، وإدْلالِهِمْ بِفِطْنَتِهِمْ وفَصاحَةِ ألْسِنَتِهِمْ وحِدَّةِ أذْهانِهِمْ وسُرْعَةِ تَلَقِّيهِمْ، وهم أخْلِقاءُ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وفِي الإعْرابِ عَنْ هَذا الِاعْتِلالِ مِنهم تَلْقِينٌ لَهم، وإيقاظٌ لِإفْهامِهِمْ أنْ يَغْتَبِطُوا بِالقُرْآنِ، ويَفْهَمُوا ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ والشَّرَفِ بَيْنَ الأُمَمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ. وقَدْ كانَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا القُرْآنَ أهْدى مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِبَوْنٍ بَعِيدِ الدَّرَجاتِ. ولَقَدْ تَهَيَّأ المَقامُ بَعْدَ هَذا التَّنْبِيهِ العَجِيبِ لِفاءِ الفَصِيحَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وتَقْدِيرُها: فَإذا كُنْتُمْ تَقُولُونَ ذَلِكَ ويَهْجِسُ في نُفُوسِكم فَقَدْ جاءَكم بَيانٌ مِن رَبِّكم يَعْنِي القُرْآنَ، يَدْفَعُ عَنْكم ما تَسْتَشْعِرُونَ مِنَ الِانْحِطاطِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ. صفحة ١٨٢ والبَيِّنَةُ ما بِهِ البَيانُ وظُهُورُ الحَقِّ. فالقُرْآنُ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِإعْجازِهِ بُلَغاءَ العَرَبِ، وهو هَدْيٌ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنِ الإرْشادِ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، وهو رَحْمَةٌ بِما جاءَ بِهِ مِن شَرِيعَةٍ سَمْحَةٍ لا حَرَجَ فِيها، فَهي مُقِيمَةٌ لِصَلاحِ الأُمَّةِ مَعَ التَّيْسِيرِ. وهَذا مِن أعْجَبِ التَّشْرِيعِ وهو أدَلُّ عَلى أنَّهُ مِن أمْرِ العَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ. وتَفَرَّعَ عَنْ هَذا الإعْذارِ لَهُمُ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم لا أظْلَمَ مِنهم، لِأنَّهم كَذَّبُوا وأعْرَضُوا. فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ لِلتَّفْرِيعِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ. و”مِن“ في ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ مَوْصُولَةٌ وما صِدْقُها المُخاطَبُونَ مِن قَوْلِهِ: أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ. والظُّلْمُ هُنا يَشْمَلُ ظُلْمَ نُفُوسِهِمْ، إذْ زَجُّوا بِها إلى العَذابِ في الآخِرَةِ وخُسْرانِ الدُّنْيا، وظُلْمَ الرَّسُولِ ﷺ إذْ كَذَّبُوهُ، وما هو بِأهْلِ التَّكْذِيبِ، وظُلْمَ اللَّهِ إذْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ وأنْكَرُوا نِعْمَتَهُ، وظَلَمُوا النّاسَ بِصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ. وقَدْ جِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِتَدُلَّ الصِّلَةُ عَلى تَعْلِيلِ الحُكْمِ ووَجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، لِأنَّ مَن ثَبَتَ لَهُ مَضْمُونُ تِلْكَ الصِّلَةِ كانَ حَقِيقًا بِأنَّهُ لا أظْلَمَ مِنهُ. ومَعْنى: ”صَدَفَ“ أعْرَضَ هو، ويُطْلَقُ بِمَعْنى صَرَفَ غَيْرَهُ كَما في القامُوسِ. وأصْلُهُ التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ وإلى الثّانِي بِـ ”عَنْ“ يُقالُ: صَدَفْتُ فُلانًا عَنْ كَذا، كَما يُقالُ: صَرَفْتُهُ، وقَدْ شاعَ تَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ حَتّى غَلَبَ عَدَمُ ظُهُورِ المَفْعُولِ بِهِ، يُقالُ: صَدَفَ عَنْ كَذا بِمَعْنى أعَرَضَ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦]“ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدَّرَهُ في الكَشّافِ هُنا مُتَعَدِّيًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِكَوْنِهِمِ أظْلَمَ النّاسِ تَكْثِيرًا في وُجُوهِ اعْتِدائِهِمْ، ولَمْ أرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ نَظَرًا صفحة ١٨٣ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾“ إذْ يُناسِبُهُ مَعْنى المُتَعَدِّي لِأنَّ الجَزاءَ عَلى إعْراضِهِمْ وعَلى صَدِّهِمُ النّاسَ عَنِ الآياتِ، فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِالآياتِ يَتَضَمَّنُ إعْراضَهم عَنْها فَناسَبَ أنْ يَكُونَ صَدْفُهم هو صَرْفُهُمُ النّاسَ. و”سُوءَ العَذابِ“ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وسُوءُهُ أشَدُّهُ وأقْواهُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ. فَقَوْلُهُ: ”﴿عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]“ هو مُضاعَفَةُ العَذابِ، أيْ شِدَّتُهُ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والذُّلِّ، وعَذابُ الآخِرَةِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ جَزاءَهم لِأنَّهم لَمْ يُكَذِّبُوا تَكْذِيبًا عَنْ دَعْوَةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ كَذَّبُوا بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الآياتُ البَيِّناتُ. وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِصَدْفِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ إعْراضًا مُسْتَمِرًّا لَمْ يَدْعُوا راغِبَهُ فَـ كانَ " هُنا مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ مِثْلُ: وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.

الأنعام 6:158

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ”﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ الآيَةَ، وهو يَحْتَمِلُ الوَعِيدَ ويَحْتَمِلُ التَّهَكُّمَ، كَما سَيَأْتِي. فَإنْ كانَ هَذا وعِيدًا وتَهْدِيدًا فَهو ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ: ”﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ لِإثارَتِهِ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: مَتى يَكُونُ جَزاؤُهم، وإنْ كانَ تَهَكُّمًا بِهِمْ عَلى صَدْفِهِمْ عَنِ الآياتِ الَّتِي جاءَتْهم، وتَطَلُّعِهِمْ إلى آياتٍ أعْظَمَ مِنها في اعْتِقادِهِمْ، فَهو ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ: صفحة ١٨٤ ”﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ لِأنَّهُ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: ماذا كانُوا يَتَرَقَّبُونَ مِنَ الآياتِ فَوْقَ الآياتِ الَّتِي جاءَتْهم. و”هَلْ“ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهي تَرِدُ لَهُ كَما تَرِدُ لَهُ الهَمْزَةُ عَلى التَّحْقِيقِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ. ويَنْتَظِرُونَ مُضارِعُ نَظَرَ بِمَعْنى انْتَظَرَ، وهو مُشْتَرِكٌ مَعَ نَظَرَ بِمَعْنى رَأى في الماضِي والمُضارِعِ والمَصْدَرِ، ويُخالِفُهُ أيْضًا في أنَّ لَهُ اسْمَ مَصْدَرٍ وهو النَّظِرَةُ بِكَسْرِ الظّاءِ ولا يُقالُ ذَلِكَ في النَّظَرِ بِالعَيْنِ. والضَّمِيرُ عائِدٌ لِلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنِ الآياتِ. ثُمَّ إنْ كانَ الِانْتِظارُ واقِعًا مِنهم عَلى أنَّهُ انْتِظارُ آياتٍ، كَما يَقْتَرِحُونَ، فَمَعْنى الحَصْرِ: أنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ الآياتِ الَّتِي جاءَتْهم ولَمْ يَقْتَنِعُوا بِها إلّا الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها وسَألُوها وشَرَطُوا أنْ لا يُؤْمِنُوا حَتّى يُجاءُوا بِها، وهي ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ”﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]“ إلى قَوْلِهِ ”﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]“ وقَوْلِهِ ”﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]“ فَهم يَنْتَظِرُونَ بَعْضَ ذَلِكَ بِجِدٍّ مِن عامَّتِهِمْ، فالِانْتِظارُ حَقِيقَةٌ، وبِسُخْرِيَةٍ مِن قادَتِهِمْ ومُضَلِّلِيهِمْ، فالِانْتِظارُ مَجازٌ بِالصُّورَةِ، لِأنَّهم أظْهَرُوا أنْفُسَهم في مَظْهَرِ المُنْتَظِرِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ”﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ [التوبة: ٦٤]“ الآيَةَ. والمُرادُ بِبَعْضِ آياتِ رَبِّكَ: ما يَشْمَلُ ما حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ”﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]“ إلى قَوْلِهِ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . وفي قَوْلِهِ: ”﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]“ إلى قَوْلِهِ ”﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠]“ فالكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وبِعَقائِدِهِمْ. صفحة ١٨٥ وإنْ كانَ الِانْتِظارُ غَيْرَ واقِعٍ بِجِدٍّ ولا بِسُخْرِيَةٍ فَمَعْناهُ أنَّهم ما يَتَرَقَّبُونَ شَيْئًا مِنَ الآياتِ يَأْتِيهِمْ أعْظَمَ مِمّا أتاهم، فَلا انْتِظارَ لَهم، ولَكِنَّهم صَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ واسْتَبْطَنُوا العِنادَ، فَإنْ فُرِضَ لَهُمُ انْتِظارٌ فَإنَّما هو انْتِظارُ ما سَيَحُلُّ بِهِمْ مِن عَذابِ الآخِرَةِ أوْ عَذابِ الدُّنْيا أوْ ما هو بَرْزَخٌ بَيْنَهُما، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ تَأْكِيدًا لِلشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ. والمُرادُ: أنَّهم لا يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا ولَكِنْ سَيَجِيئُهم ما لا يَنْتَظِرُونَهُ، وهو إتْيانُ المَلائِكَةِ، إلى آخِرِهِ، فالكَلامُ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ. والقَصْرُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ إضافِيٌّ، أيْ بِالنِّسْبَةِ لِما يُنْتَظَرُ مِنَ الآياتِ، والِاسْتِفْهامُ الخَبَرِيُّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، لِأنَّهم لا يَنْتَظِرُونَ آيَةً، فَإنَّهم جازِمُونَ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ، ولَكِنَّهم يَسْألُونَ الآياتِ إفْحامًا في ظَنِّهِمْ. ولا يَنْتَظِرُونَ حِسابًا لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ. والإتْيانُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ حَقِيقَةٌ، والمُرادُ بِهِمْ: مَلائِكَةُ العَذابِ، مِثْلَ الَّذِينَ نَزَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ ”﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]“ . وأمّا المُسْنَدُ إلى الرَّبِّ فَهو مَجازٌ، والمُرادُ بِهِ: إتْيانُ عَذابِهِ العَظِيمِ، فَهو لِعَظِيمِ هَوْلِهِ جَعَلَ إتْيانَهُ مُسْنَدًا إلى الآمِرِ بِهِ أمْرًا جازِمًا لِيُعْرَفَ مِقْدارُ عَظَمَتِهِ، بِحَسَبِ عَظِيمِ قُدْرَةِ فاعِلِهِ وآمِرِهِ، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن بابِ: بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، وهَذا مَجازٌ وارِدٌ مِثْلُهُ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ أوْ ﴿يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] إتْيانُ أمْرِهِ بِحِسابِ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ ”﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]“، أيْ لا يَنْتَظِرُونَ إلّا عَذابَ الدُّنْيا أوْ عَذابَ الآخِرَةِ. صفحة ١٨٦ وعَلى الِاحْتِمالاتِ كُلِّها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وُقُوعُ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا. وجُمْلَةُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾، مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ الِانْتِظارَ والتَّرَيُّثَ عَنِ الإيمانِ وخِيمُ العاقِبَةِ، لِأنَّهُ مُهَدَّدٌ بِما يَمْنَعُ مِنَ التَّدارُكِ عِنْدَ النَّدامَةِ، فَإمّا أنْ يَعْقُبَهُ المَوْتُ والحِسابُ، وإمّا أنْ يَعْقُبَهُ مَجِيءُ آيَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ، وهي آيَةُ عَذابٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ يَخْتَصُّ بِهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ عُقُوبَةٌ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وصَدْفِهِمْ، وحِينَ يَنْزِلُ ذَلِكَ العَذابُ لا تَبْقى فُسْحَةٌ لِتَدارُكِ ما فاتَ لِأنَّ اللَّهَ إذا أنْزَلَ عَذابَهُ عَلى المُكَذِّبِينَ لَمْ يَنْفَعْ عِنْدَهُ تَوْبَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ”﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]“ وقالَ تَعالى ”﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨]“ وقالَ ”﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨]“ . ومِن جُمْلَةِ آياتِ اللَّهِ الآياتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عامَّةً لِلنّاسِ، وهي أشْراطُ السّاعَةِ: والَّتِي مِنها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها حِينَ تُؤْذِنُ بِانْقِراضِ نِظامِ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ. رَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها فَإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ وذَلِكَ حِينَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . والنَّفْعُ المَنفِيُّ هو النَّفْعُ في الآخِرَةِ، بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، لِأنَّ نَفْعَ الدُّنْيا بِكَشْفِ العَذابِ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ لا يَنْفَعُ النُّفُوسَ المُؤْمِنَةَ ولا الكافِرَةَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» . صفحة ١٨٧ والمُرادُ بِالنَّفْسِ: كُلُّ نَفْسٍ، لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ. وجُمْلَةُ: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صِفَةُ نَفْسًا، وهي صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ: نَفْسًا، أيِ: النَّفْسَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلِ إتْيانِ بَعْضِ الآياتِ لا يَنْفَعُها إيمانُها إذا آمَنَتْ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، فَعُلِمَ مِنهُ أنَّ النَّفْسَ الَّتِي كانَتْ آمَنَتْ مِن قَبْلِ نُزُولِ العَذابِ يَنْفَعُها إيمانُها في الآخِرَةِ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ: ﴿نَفْسًا إيمانُها﴾ لِيَتِمَّ الإيجازُ في عَوْدِ الضَّمِيرِ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى آمَنَتْ، أيْ أوْ لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا. و”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ، وإنَّما يَصْلُحُ لِلظَّرْفِيَّةِ مُدَّةُ الإيمانِ، لا الإيمانُ، أيْ أوْ كَسَبَتْ في مُدَّةِ إيمانِها خَيْرًا. والخَيْرُ هو الأعْمالُ الصّالِحَةُ والطّاعاتُ. و”أوْ“ لِلتَّقْسِيمِ في صِفاتِ النَّفْسِ فَيَسْتَلْزِمُ تَقْسِيمُ النُّفُوسِ الَّتِي خَصَّصَتْها الصِّفَتانِ إلى قِسْمَيْنِ: نُفُوسٌ كافِرَةٌ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، فَلا يَنْفَعُها إيمانُها يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ اللَّهِ، ونُفُوسٌ آمَنَتْ ولَمْ تَكْسِبْ خَيْرًا في مُدَّةِ إيمانِها، فَهي نُفُوسٌ مُؤْمِنَةٌ، فَلا يَنْفَعُها ما تَكْسِبُهُ مِن خَيْرٍ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ. وهَذا القِسْمُ الثّانِي ذُو مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ، لِأنَّ التَّقْصِيرَ في اكْتِسابِ الخَيْرِ مُتَفاوِتٌ، فَمِنهُ إضاعَةٌ لِأعْمالِ الخَيْرِ كُلِّها، ومِنهُ إضاعَةٌ لِبَعْضِها، ومِنهُ تَفْرِيطٌ في الإكْثارِ مِنها. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ المُرادَ نُفُوسٌ لَمْ تَكْسِبْ في إيمانِها شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ أيِ اقْتَصَرَتْ عَلى الإيمانِ وفَرَّطَتْ في جَمِيعِ أعْمالِ الخَيْرِ. وقَدْ عُلِمَ مِنَ التَّقْسِيمِ أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ لا يَنْفَعُها اكْتِسابُ الخَيْرِ مِن بَعْدِ مَجِيءِ الآياتِ، ولا ما يَقُومُ مَقامَ اكْتِسابِ الخَيْرِ عِنْدَ اللَّهِ، وهو ما مَنَّ بِهِ صفحة ١٨٨ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن غُفْرانِ السَّيِّئاتِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، فالعَزْمُ عَلى الخَيْرِ هو التَّوْبَةُ، أيِ العَزْمُ عَلى اكْتِسابِ الخَيْرِ، فَوَقَعَ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ الواضِحَةِ. والتَّقْدِيرُ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا غَيْرَ مُؤْمِنَةٍ إيمانُها أوْ نَفْسًا لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ خَيْرًا في إيمانِها مِن قَبْلِ كَسْبِها، يَعْنِي أوْ ما يَقُومُ مَقامَ كَسْبِ الخَيْرِ، مِثْلَ التَّوْبَةِ فَإنَّها بَعْضُ اكْتِسابِ الخَيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ نَفْسًا مُؤْمِنَةً إيمانُها إذا لَمْ تَكُنْ قَدْ كَسَبَتْ خَيْرًا بِحَيْثُ يَقَعُ الإيمانُ إذا لَمْ يَقَعِ اكْتِسابُ الخَيْرِ، لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَما كانَتْ فائِدَةً لِلتَّقْسِيمِ، ولَكَفى أنْ يُقالَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكْسِبْ خَيْرًا، لِأنَّ الأدِلَّةَ القَطْعِيَّةَ ناهِضَةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ الواقِعَ قَبْلَ مَجِيءِ الآياتِ لا يُدْحَضُ إذا فَرَّطَ صاحِبُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ وسَلَّمْناهُ لَما اقْتَضى أكْثَرَ مِن أنَّ الَّذِي لَمْ يَفْعَلِ الخَيْرَ عَدا أنَّهُ آمَنَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ، وذَلِكَ إيجادُ قِسْمٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ. وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا تَنْهَضُ حُجَّةً لِلْمُعْتَزِلَةِ ولا الخَوارِجِ الَّذِينَ أوْجَبُوا خُلُودَ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ غَيْرِ التّائِبِ في النّارِ، والتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكافِرِ، وإنْ كانَ ظاهِرُها قَبْلَ التَّأمُّلِ يُوهِمُ أنَّها حُجَّةٌ لَهم، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالُوا لَصارَ الدُّخُولُ في الإيمانِ مَعَ ارْتِكابِ كَبِيرَةٍ واحِدَةٍ عَبَثًا لا يَرْضاهُ عاقِلٌ لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ في كُلْفَةِ كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ بِدُونِ جَدْوى عَلَيْهِ مِنها، ولَكانَ أهْوَنُ الأحْوالِ عَلى مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ أنْ يَخْلَعَ رِبْقَةَ الإيمانِ إلى أنْ يَتُوبَ مِنَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. وسَخافَةُ هَذا اللّازِمِ لِأصْحابِ هَذا المَذْهَبِ سَخافَةٌ لا يَرْضاها مَن لَهُ نَظَرٌ ثاقِبٌ. والِاشْتِغالُ بِتَبْيِينِ ما يُسْتَفادُ مِن نَظْمِ الآيَةِ مِن ضَبْطِ الحَدِّ الَّذِي يَنْتَهِي عِنْدَهُ الِانْتِفاعُ بِتَحْصِيلِ الإيمانِ وتَحْصِيلِ أعْمالِ الخَيْرِ، أجْدى مِنَ الخَوْضِ في لَوازِمِ مَعانِيها مِن‍َ اعْتِبارِ الأعْمالِ جُزْءًا مِنَ الإيمانِ، لا سِيَّما مَعَ ما في أصْلِ المَعْنى مِنَ الِاحْتِمالِ المُسْقِطِ لِلِاسْتِدْلالِ. صفحة ١٨٩ فَصِفَةُ: ”﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾“ تَحْذِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ التَّرَيُّثِ عَنِ الإيمانِ خَشْيَةَ أنْ يَبْغَتَهم يَوْمُ ظُهُورِ الآياتِ، وهُمُ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ. وصِفَةُ ”﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾“ إدْماجٌ في أثْناءِ المَقْصُودِ لِتَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. ثُمَّ إنَّ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ السّالِفِينَ، في تَصْوِيرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، تَفَرَّقَتْ تَفَرُّقًا يُؤْذِنُ بِاسْتِصْعابِ اسْتِخْلاصِ مَقْصُودِ الآيَةِ مِن ألْفاظِها، فَلَمْ تُقارِبِ الإفْصاحَ بِعِبارَةٍ بَيِّنَةٍ، ويَجْمَعُ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: عَنِ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ: أنَّ مَعْنى ”﴿كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾“: كَسَبَتْ في تَصْدِيقِها، أيْ مَعَهُ أوْ في مُدَّتِهِ، عَمَلًا صالِحًا، قالا: وهَؤُلاءِ أهْلُ القِبْلَةِ، فَإنْ كانَتْ مُصَدِّقَةً ولَمْ تَعْمَلْ قَبْلَ ذَلِكَ، أيْ إتْيانِ بَعْضِ آياتِ اللَّهِ، فَعَمِلَتْ بَعْدَ أنْ رَأتِ الآيَةَ لَمْ يُقْبَلْ مِنها، وإنْ عَمِلَتْ قَبْلَ الآيَةِ خَيْرًا ثُمَّ عَمِلَتْ بَعْدَ الآيَةِ خَيْرًا قُبِلَ مِنها. والثّانِي: أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ جَرى عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ، لِأنَّ الأكْثَرَ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِإيمانِهِ ساعَتَئِذٍ هو مَن كَسَبَ في إيمانِهِ خَيْرًا. الثّالِثُ: أنَّ الكَلامَ إبْهامٌ في أحَدِ الأمْرَيْنِ، فالمَعْنى: لا يَنْفَعُ يَوْمَئِذٍ إيمانُ مَن لَمْ يَكُنْ آمَنَ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ أوْ ضَمَّ إلى إيمانِهِ فِعْلَ الخَيْرِ، أيْ لا يَنْفَعُ إيمانُ مَن يُؤْمِنُ مِنَ الكُفّارِ ولا طاعَةُ مَن يُطِيعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا مَن آمَنَ قَبْلُ فَإنَّهُ يَنْفَعُهُ إيمانُهُ، وكَذَلِكَ مَن أطاعَ قَبْلُ يَنْفَعُهُ طاعَتُهُ. وقَدْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾، مُقْتَصِرًا عَلى ما يَأْتِي مِن آياتِ اللَّهِ في اليَوْمِ المُؤَجَّلِ لَهُ، إعْراضًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِما يَكُونُ يَوْمَ تَأْتِي المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِي رَبُّكَ، لِأنَّ إتْيانَ المَلائِكَةِ، والمَعْطُوفَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُحْتَمَلِ الوُقُوعِ وإنَّما جَرى ذِكْرُهُ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ: صفحة ١٩٠ ”﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]“ ونَحْوِهِ مِن تَهَكُّماتِهِمْ مِمّا انْتَظَرُوهُ هو أنْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ اللَّهِ، فَهو مَحَلُّ المَوْعِظَةِ والتَّحْذِيرِ، وآياتُ القُرْآنِ في هَذِهِ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] . وآياتُ اللَّهِ مِنها ما يَخْتَصُّ بِالمُشْرِكِينَ وهو ما هَدَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ، ومِنها آياتٌ عامَّةٌ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ، وهو ما يُعْرَفُ بِأشْراطِ السّاعَةِ، أيِ الأشْراطِ الكُبْرى. وقَدْ جاءَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في السُّنَّةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها. فَفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها فَإذا رَآها النّاسُ آمَنَ مَن عَلَيْها فَذَلِكَ حِينَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ . ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ»، أيْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ خَيْرًا. وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تابَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ المُرادِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بابٌ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ مَفْتُوحٌ مَسِيرَةُ عَرْضِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً كَذا مَفْتُوحٌ لِلتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تُعارِضُ آيَةَ سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]: لِأنَّ مَحْمَلَ تِلْكَ الآيَةِ عَلى تَعْيِينِ وقْتِ فَواتِ التَّوْبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأحْوالِ الخاصَّةِ بِآحادِ النّاسِ، وذَلِكَ ما فُسِّرَ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وأحْمَدُ. ومَعْنى يُغَرْغِرُ أنْ تَبْلُغَ رُوحُهُ أيْ أنْفاسُهُ رَأْسَ حَلْقِهِ. صفحة ١٩١ ومَحْمَلُ الآيَةِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ فِيها تَعْيِينُ وقْتِ فَواتِ التَّوْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاسِ كافَّةً، وهي حالَةُ يَأْسِ النّاسِ كُلِّهِمْ مِنَ البَقاءِ. وجاءَ الِاسْتِئْنافُ بِقَوْلِهِ ”﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾“ أمْرًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يُهَدِّدَهم ويَتَوَعَّدَهم عَلى الِانْتِظارِ إنْ كانَ واقِعًا مِنهم، أوْ عَلى التَّرَيُّثِ والتَّأخُّرِ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ الَّذِي هو شَبِيهٌ بِالِانْتِظارِ إنْ كانَ الِانْتِظارُ ادِّعائِيًّا، بِأنْ يَأْمُرَهم بِالدَّوامِ عَلى حالِهِمُ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالِانْتِظارِ أمْرَ تَهْدِيدٍ، ويُخْبِرُهم بِأنَّ المُسْلِمِينَ يَنْتَظِرُونَ نَصْرَ اللَّهِ ونُزُولَ العِقابِ بِأعْدائِهِمْ، أيْ: دُومُوا عَلى انْتِظارِكم فَنَحْنُ مُنْتَظِرُونَ. وفِي مَفْهُومِ الصِّفَتَيْنِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّفْسَ الَّتِي آمَنَتْ قَبْلَ مَجِيءِ الحِسابِ، وكَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا، ويَنْفَعُها إيمانُها وعَمَلُها. فاشْتَمَلَتِ الآيَةُ بِمَنطُوقِها ومَفْهُومِها عَلى وعِيدٍ ووَعْدٍ مُجْمَلَيْنِ تُبَيِّنُها دَلائِلُ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

الأنعام 6:159

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ جاءَ عَقِبَ الوَعِيدِ كالنَّتِيجَةِ والفَذْلَكَةِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ”﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]“ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَبايِنانِ مُتَجافِيانِ في مُدَّةِ الِانْتِظارِ. وجِيءَ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ تَحَقُّقِ مَعْنى الصِّلَةِ فِيهِمْ، لِأنَّها تُناسِبُ التَّنْفِيرَ مِنَ الِاتِّصالِ بِهِمْ، لِأنَّ شَأْنَ الدِّينِ أنْ يَكُونَ عَقِيدَةً واحِدَةً وأعْمالًا واحِدَةً، والتَّفَرُّقُ في أُصُولِهِ يُنافِي وحْدَتَهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَزَلْ عُلَماءُ الإسْلامِ يَبْذُلُونَ وُسْعَهم لِاسْتِنْباطِ مُرادِ اللَّهِ مِنَ الأُمَّةِ، ويَعْلَمُونَ صفحة ١٩٢ أنَّ الحَقَّ واحِدٌ وأنَّ اللَّهَ كَلَّفَ العُلَماءَ بِإصابَتِهِ وجَعَلَ لِلْمُصِيبِ أجْرَيْنِ ولِمَن أخْطَأ مَعَ اسْتِفْراغِ الوُسْعِ أجْرًا واحِدًا. وذَلِكَ أجْرٌ عَلى بَذْلِ الوُسْعِ في طَلَبِهِ فَإنَّ بَذْلَ الوُسْعِ في ذَلِكَ يُوشِكُ أنْ يَبْلُغَ المَقْصُودَ، فالمُرادُ بِـ ”﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُشْرِكُونَ. لِأنَّهم لَمْ يَتَّفِقُوا عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ في الدِّينِ، فَقَدْ عَبَدَتِ القَبائِلُ أصْنامًا مُخْتَلِفَةً، وكانَ بَعْضُ العَرَبِ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وبَعْضُهم يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وبَعْضُهم يَعْبُدُ القَمَرَ، وكانُوا يَجْعَلُونَ لِكُلِّ صَنَمٍ عِبادَةً تُخالِفُ عِبادَةَ غَيْرِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهم كانُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ، وهي دِينُ التَّوْحِيدِ لِجَمِيعِهِمْ، فَفَرَّقُوا وجَعَلُوا آلِهَةً عِبادَتُها مُخْتَلِفَةُ الصُّوَرِ. وأمّا كَوْنُهم كانُوا شِيَعًا فَلِأنَّ كُلَّ قَبِيلَةٍ كانَتْ تَنْتَصِرُ لِصَنَمِها، وتَزْعُمُ أنَّهُ يَنْصُرُهم عَلى عُبّادِ غَيْرِهِ كَما قالَ ضِرارُ بْنُ الخَطّابِ الفِهْرِيُّ: وفَرَّتْ ثَقِيفُ إلى لاتِها بِمُنْقَلَبِ الخائِبِ الخاسِرِ ومَعْنى لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ أنَّكَ لا صِلَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَحَرْفُ مِنِ اتِّصالِيَّةٌ، وأصْلُها ”مِنَ“ الِابْتِدائِيَّةُ. وشَيْءٌ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى مَوْجُودٌ فَنَفْيُهُ يُفِيدُ نَفْيِ جَمِيعِ ما يُوجَدُ مِنَ الِاتِّصالِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ [المائدة: ٦٨] في سُورَةِ المائِدَةِ. ولَمّا دَلَّتْ عَلى التَّبَرِّي مِنهم وعَدَمِ مُخالَطَتِهِمْ، وكانَ الكَلامُ مَثارَ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: أعَلى الرَّسُولِ أنْ يَتَوَلّى جَزاءَهم عَلى سُوءِ عَمَلِهِمْ، فَلِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِئْنافُ بِقَوْلِهِ: ”﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾“ فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وصِيغَةُ القَصْرِ لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُتَرَدِّدِ، أيْ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ لا إلى الرَّسُولِ ﷺ ولا إلى غَيْرِهِ، وهَذا إنْذارٌ شَدِيدٌ. والمُرادُ بِأمْرِهِمْ: عَمَلُهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَزاءَ والعُقُوبَةَ. وإلى مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِهاءِ صفحة ١٩٣ المَجازِيِّ، شَبَّهَ أمْرَهم بِالضّالَّةِ الَّتِي تَرَكَها النّاسُ فَسارَتْ حَتّى انْتَهَتْ إلى مَراحِها، فَإنَّ الخَلْقَ كُلَّهم عَبِيدُ اللَّهِ وإلَيْهِ يَرْجِعُونَ، واللَّهُ يُمْهِلُهم ثُمَّ يَأْخُذُهم بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ حِينَ يَأْذَنُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِقِتالِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] . والبَطْشَةُ الكُبْرى وهي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُمَّ فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ مَعَ إفادَةِ المُهْلَةِ، أيْ يَبْقى أمْرُهم إلى اللَّهِ مُدَّةً. وذَلِكَ مِنَ الإمْهالِ والإمْلاءِ لَهم، ثُمَّ يُعاقِبُهم، فَأطْلَقَ الإنْباءَ عَلى العِقابِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ العِقابُ عِقابَ الآخِرَةِ فَهو يَتَقَدَّمُهُ الحِسابُ، وفِيهِ إنْباءُ الجانِي بِجِنايَتِهِ وبِأنَّهُ مَأْخُوذٌ بِها، فَإطْلاقُ الإنْباءِ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ مُرادٌ مَعَها لازِمُهُ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ، وإنْ كانَ العِقابُ عِقابَ الدُّنْيا فَإطْلاقُ الإنْباءِ عَلَيْهِ مَجازٌ، لِأنَّهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بَعْدَ الوَعِيدِ عَلِمُوا أنَّهُ العِقابُ المَوْعُودُ بِهِ، فَكانَ حُصُولُ ذَلِكَ العِلْمِ لَهم عِنْدَ وُقُوعِهِ شَبِيهًا بِحُصُولِ العِلْمِ الحاصِلِ عَلى الإخْبارِ فَأطْلَقَ عَلَيْهِ الإنْباءَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ”يُنَبِّئُهم“ بِمَعْنى يُعاقِبُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ. ووَصْفُ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم فَرَّقُوا دَيْنَهم وكانُوا شِيَعًا: يُؤْذِنُ بِأنَّهُ وصْفٌ شَنِيعٌ، إذْ ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلّا في سِياقِ الذَّمِّ، فَيُؤْذِنُ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُحَذِّرُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَكُونُوا في دِينِهِمْ كَما كانَ المُشْرِكُونَ في دِينِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . وتَفْرِيقُ دِينِ الإسْلامِ هو تَفْرِيقُ أُصُولِهِ بَعْدَ اجْتِماعِها، كَما فَعَلَ بَعْضُ العَرَبِ مِن مَنعِهِمُ الزَّكاةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ صفحة ١٩٤ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ. وأمّا تَفْرِيقُ الآراءِ في التَّعْلِيلاتِ والتَّبْيِيناتِ فَلا بَأْسَ بِهِ، وهو مِنَ النَّظَرِ في الدِّينِ، مِثْلَ الِاخْتِلافِ في أدِلَّةِ الصِّفاتِ، وفي تَحْقِيقِ مَعانِيها، مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى إثْباتِها. وكَذَلِكَ تَفْرِيعُ الفُرُوعِ كَتَفْرِيقِ فُرُوعِ الفِقْهِ بِالخِلافِ بَيْنَ الفُقَهاءِ، مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى صِفَةِ العَمَلِ وعَلى ما بِهِ صِحَّةُ الأفْعالِ وفَسادُها. كالِاخْتِلافِ في حَقِيقَةِ الفَرْضِ والواجِبِ. والحاصِلُ أنَّ كُلَّ تَفْرِيقٍ لا يُكَفِّرُ بِهِ بَعْضُ الفِرَقِ بَعْضًا، ولا يُفْضِي إلى تَقاتُلٍ وفِتَنٍ، فَهو تَفْرِيقُ نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ وتَطَلُّبٍ لِلْحَقِّ بِقَدْرِ الطّاقَةِ. وكُلُّ تَفْرِيقٍ يُفْضِي بِأصْحابِهِ إلى تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ومُقاتَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا في أمْرِ الدِّينِ، فَهو مِمّا حَذَّرَ اللَّهُ مِنهُ، وأمّا ما كانَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ نِزاعًا عَلى المُلْكِ والدُّنْيا فَلَيْسَ تَفْرِيقًا في الدِّينِ، ولَكِنَّهُ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي لا تَسْلَمُ مِنها الجَماعاتُ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ: ”فَرَّقُوا“ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ”فارَقُوا“ بِألْفٍ بَعْدِ الفاءِ أيْ تَرَكُوا دِينَهم، أيْ تَرَكُوا ما كانَ دِينًا لَهم، أيْ لِجَمِيعِ العَرَبِ، وهو الحَنِيفِيَّةُ فَنَبَذُوها وجَعَلُوها عِدَّةَ نِحَلٍ. ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.

الأنعام 6:160

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ مِن عادَةِ القُرْآنِ أنَّهُ إذا أنْذَرَ أعْقَبَ الإنْذارَ لِمَن لا يَحِقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الإنْذارُ، وإذا بَشَّرَ أعْقَبَ البِشارَةَ لِمَن يَتَّصِفُ بِضِدِّ ما بُشِّرَ عَلَيْهِ، وقَدْ جَرى عَلى ذَلِكَ هاهُنا: فَإنَّهُ لَمّا أنْذَرَ المُؤْمِنِينَ وحَذَّرَهم مِنَ التَّرَيُّثِ في اكْتِسابِ الخَيْرِ، قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ اللَّهِ القاهِرَةِ، بِقَوْلِهِ: صفحة ١٩٥ ”﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]“ فَحَدَّ لَهم بِذَلِكَ حَدًّا هو مِن مَظْهَرِ عَدْلِهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِبُشْرى مِن مَظاهِرِ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ. وهي الجَزاءُ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها والجَزاءُ عَلى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها، فَقَوْلُهُ: ”﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾“ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جَرى عَلى عُرْفِ القُرْآنِ في الأنْفالِ بَيْنَ الأغْراضِ. فالكَلامُ تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ اقْتَضاهُما قَوْلُهُ: ”﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]“ الآيَةَ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وجاءَ بِالحَسَنَةِ مَعْناهُ عَمِلَ الحَسَنَةَ: شَبَّهَ عَمَلَهُ الحَسَنَ بِحالِ المُكْتَسِبِ، إذْ يَخْرُجُ يَطْلُبُ رِزْقًا مِن وُجُوهِهِ أوِ احْتِطابٍ أوْ صَيْدٍ فَيَجِيءُ أهْلُهُ بِشَيْءٍ. وهَذا كَما اسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ التِّجارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] . فالباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ، ويَجُوزُ حَمْلُ المَجِيءِ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ مَجِيءٌ إلى الحِسابِ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَسَنَةِ أنْ يَجِيءَ بِكِتابِها في صَحِيفَةِ أعْمالِهِ. وأمْثالُ الحَسَنَةِ ثَوابُ أمْثالِها، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾، أوْ مَعْناهُ تُحْسَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ مِثْلَ الَّتِي جاءَ بِها كَما في الحَدِيثِ: «كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ» ويُعْرَفُ مِن ذَلِكَ أنَّ الثَّوابَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ الحِسابِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . والأمْثالُ: جَمْعُ مِثْلٍ وهو المُماثِلُ المُساوِي، وجِيءَ لَهُ بِاسْمِ عَدَدِ المُؤَنَّثِ وهو عَشْرُ اعْتِبارًا بِأنَّ الأمْثالَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الحَسَنَةُ صفحة ١٩٦ أيْ فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها، فَرُوعِيَ في اسْمِ العَدَدِ مَعْنى مُمَيِّزِهِ دُونَ لَفْظِهِ وهو أمْثالٌ. والجَزاءُ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرَةِ أضْعافٍ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، وهو جَزاءُ غالِبِ الحَسَناتِ. وقَدْ زادَ اللَّهُ في بَعْضِ الحَسَناتِ أنْ ضاعَفَها سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَذَلِكَ خاصٌّ بِالإنْفاقِ في الجِهادِ. وفي الحَدِيثِ: «مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً وإنْ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَشْرُ أمْثالِها بِإضافَةِ عَشْرُ إلى أمْثالِها وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِتَنْوِينِ عَشْرُ ورَفْعِ أمْثالُها، عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَشْرٍ، أيْ فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ مُماثِلَةٍ لِلْحَسَنَةِ الَّتِي جاءَ بِها. ومُماثَلَةُ الجَزاءِ لِلْحَسَنَةِ مَوْكُولَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ. وإنَّما قالَ في جانِبِ السَّيِّئَةِ“ ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ ”بِصِيغَةِ الحَصْرِ لِأجْلِ ما في صِيغَتِهِ مِن تَقْدِيمِ جانِبِ النَّفْيِ، اهْتِمامًا بِهِ، لِإظْهارِ العَدْلِ الإلَهِيِّ، فالحَصْرُ حَقِيقِيٌّ، ولَيْسَ في الحَصْرِ الحَقِيقِيِّ رَدُّ اعْتِقادٍ بَلْ هو إخْبارٌ عَمّا في نَفْسِ الأمْرِ، ولِذَلِكَ كانَ يُساوِيهِ أنْ يُقالَ: ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَيُجْزى مِثْلَها، لَوْلا الِاهْتِمامُ بِجانِبِ نَفْيِ الزِّيادَةِ عَلى المُماثَلَةِ. ونَظِيرُهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ سَألَتْهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقالَتْ: إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيالَنا، فَقالَ لَها: لا إلّا بِالمَعْرُوفِ» ولَمْ يَقُلْ لَها: أطْعِمِيهِمْ بِالمَعْرُوفِ. وقَدْ جاءَ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «ومَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً وإنْ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ سَيِّئَةً واحِدَةً»؛ فَأكَّدَها بِواحِدَةٍ تَحْقِيقًا لِعَدَمِ الزِّيادَةِ في جَزاءِ السَّيِّئَةِ. صفحة ١٩٧ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ:“ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ " والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ، إظْهارًا لِلْعَدْلِ، فَلِذَلِكَ سَجَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ هَذا لا ظُلْمَ فِيهِ لِيُنْصِفُوا مِن أنْفُسِهِمْ. وأمّا عَدُّ عَوْدِ الضَّمِيرَيْنِ إلى الفَرِيقَيْنِ فَلا يُناسِبُهُ فَرِيقُ أصْحابِ الحَسَناتِ، لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لِلَّذِي أُكْرِمَ وأُفِيضَ عَلَيْهِ الخَيْرُ إنَّهُ غَيْرُ مَظْلُومٍ.

الأنعام 6:161

﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قَيِّمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ، وما تَخَلَّلَها، إلى فَذْلَكَةِ ما أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في هَذا الشَّأْنِ، غَلْقًا لِبابِ المُجادَلَةِ مَعَ المُعْرِضِينَ، وإعْلانًا بِأنَّهُ قَدْ تَقَلَّدَ لِنَفْسِهِ ما كانَ يُجادِلُهم فِيهِ لِيَتَقَلَّدُوهُ وأنَّهُ ثابِتٌ عَلى ما جاءَهم بِهِ، وأنَّ إعْراضَهم لا يُزَلْزِلُهُ عَنِ الحَقِّ. وفِيهِ إيذانٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ لِأنَّ الواعِظَ والمُناظِرَ إذا ما أشْبَعَ الكَلامَ في غَرَضِهِ، ثُمَّ أخَذَ يُبَيِّنُ ما رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ وما قَرَّ عَلَيْهِ قَرارُهُ، عَلِمَ السّامِعُ أنَّهُ قَدْ أخَذَ يَطْوِي سِجِلَّ المُحاجَّةِ، ولِذَلِكَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ. فَأمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِأنْ يَقُولَ أشْياءَ يُعْلِنُ بِها أُصُولَ دِينِهِ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ بِالقَوْلِ ثَلاثَ مَرّاتٍ تَنْوِيهًا بِالمَقُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الَّذِي بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] فَزادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ هَذا قُلْ ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، لِيُبَيِّنَ أنَّ هَذا الدِّينَ إنَّما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بِهَدْيٍ صفحة ١٩٨ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ جَعَلَهُ دِينًا قَيِّمًا عَلى قَواعِدِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّهُ زائِدٌ بِما تَضَمَّنَهُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ إذْ هَداهُ إلى ذَلِكَ الصِّراطِ الَّذِي هو سَبِيلُ النَّجاةِ. وافْتُتِحَ الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ. وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ لِلِاعْتِزازِ بِمَرْبُوبِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ لِلَّهِ تَعالى، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أضَلَّهم أرْبابُهم، ولَوْ وحَّدُوا الرَّبَّ الحَقِيقَ بِالعِبادَةِ لَهَداهم. وقَوْلُهُ: ﴿هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَتْ هَيْئَةَ الإرْشادِ إلى الحَقِّ المُبَلَّغِ بِالنَّجاةِ بِهَيْئَةِ مَن يَدُلُّ السّائِرَ عَلى الطَّرِيقِ المُبَلِّغَةِ لِلْمَقْصُودِ. والمُناسَبَةُ بَيْنَ الهِدايَةِ وبَيْنَ الصِّراطِ تامَّةٌ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الهِدايَةِ التَّعَرُّفُ بِالطَّرِيقِ، يُقالُ: هو هادٍ خِرِّيتٌ، وحَقِيقَةُ الصِّراطِ الطَّرِيقُ الواسِعَةُ. وقَدْ صَحَّ أنْ تُسْتَعارَ الهِدايَةُ لِلْإرْشادِ والتَّعْلِيمِ، والصِّراطُ لِلدِّينِ القَوِيمِ، فَكانَ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا قابِلًا لِلتَّفْكِيكِ وهو أكْمَلُ أحْوالِ التَّمْثِيلِيَّةِ. ووُصِفَ الصِّراطُ بِالمُسْتَقِيمِ، أيِ الَّذِي لا خَطَأ فِيهِ ولا فَسادَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، والمَقْصُودُ إتْمامُ هَيْئَةِ التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ دِينٌ لا يَتَطَرَّقُ مُتَّبِعَهُ شَكٌّ في نَفْعِهِ كَما لا يَتَرَدَّدُ سالِكُ الطَّرِيقِ الواسِعَةِ الَّتِي لا انْعِطافَ فِيها ولا يَتَحَيَّرُ في أمْرِهِ. وفِي قَوْلِهِ: دِينًا تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ مُؤْذِنٌ بِالمُشَبَّهِ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ مِن: ”صِّراطَ“ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. والدِّينُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وهو السِّيرَةُ الَّتِي يَتَّبِعُها النّاسُ. صفحة ١٩٩ والقَيِّمُ بِفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ الياءِ كَما قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: وصْفُ مُبالَغَةٍ قائِمٌ بِمَعْنى مُعْتَدِلٍ غَيْرِ مُعْوَجٍّ، وإطْلاقُ القِيامِ عَلى الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ مَجازٌ، لِأنَّ المَرْءَ إذا قامَ اعْتَدَلَتْ قامَتُهُ، فَيَلْزَمُ الِاعْتِدالُ القِيامَ. والأحْسَنُ أنْ نَجْعَلَ القَيِّمَ لِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ، وهو مُرادِفُ القَيُّومِ، فَيُسْتَعارُ القِيامُ لِلْكِفايَةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ والوَفاءُ بِما فِيهِ صَلاحُ المُقَوَّمِ عَلَيْهِ، فالإسْلامُ قَيِّمٌ بِالأُمَّةِ وحاجَتِها، يُقالُ: فُلانٌ قَيِّمٌ عَلى كَذا، بِمَعْنى مُدَبِّرٌ لَهُ ومُصْلِحٌ، ومِنهُ وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِالقَيُّومِ، وهَذا أحْسَنُ لِأنَّ فِيهِ زِيادَةً عَلى مُفادِ مُسْتَقِيمٍ الَّذِي أخَذَ جُزْءًا مِنَ التَّمْثِيلِيَّةِ، فَلا تَكُونُ إعادَةً لِبَعْضِ التَّشْبِيهِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ”قِيَمًا“ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ مُخَفَّفَةً وهو مِن صِيَغِ مَصادِرِ قامَ، فَهو وصْفٌ لِلدِّينِ بِمَصْدَرِ القِيامِ المَقْصُودِ بِهِ كِفايَةُ المَصْلَحَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وهَذِهِ زِنَةٌ قَلِيلَةٌ في المَصادِرِ، وقَلْبُ واوِهِ ياءً بَعْدَ الكَسْرَةِ عَلى غَيْرِ الغالِبِ، لِأنَّ الغالِبَ فِيهِ تَصْحِيحُ لامِهِ لِأنَّها مَفْتُوحَةٌ، فَسَواءٌ في خِفَّتِها وُقُوعُها عَلى الواوِ أوْ عَلى الياءِ، مِثْلَ عِوَضٍ وحِوَلٍ، وهَذا كَشُذُوذِ جِيادٍ جَمْعِ جَوادٍ، وانْتَصَبَ ”قَيِّمًا“ عَلى الوَصْفِ لِـ ”دِينًا“ وقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ حالٌ مِن: دِينًا أوْ مِن: صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِن: دِينًا. المِلَّةُ، الدِّينُ: مُرادِفَةُ الدِّينِ، فالتَّعْبِيرُ بِها هُنا لِلتَّفَنُّنِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢] . و”مِلَّةَ“ فِعْلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَمْلُولِ، مِن أمْلَلْتُ الكِتابَ إذا لَقَّنْتُ الكاتِبَ ما يَكْتُبُ، وكانَ حَقُّها أنْ لا تَقْتَرِنَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ زِنَةَ فِعْلٍ بِمَعْنى المَفْعُولِ تَلْزَمُ التَّذْكِيرَ، كالذَّبْحِ، إلّا أنَّهم صفحة ٢٠٠ قَرَنُوها بَهاءِ التَّأْنِيثِ لَمّا صَيَّرُوها اسْمًا لِلدِّينِ، ولِذَلِكَ قالَ الرّاغِبُ: المِلَّةُ كالدِّينِ، ثُمَّ قالَ: والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الدِّينِ أنَّ المِلَّةَ لا تُضافُ إلّا إلى النَّبِيءِ الَّذِي تُسْنَدُ إلَيْهِ نَحْوَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، مِلَّةِ آبائِي، ولا تُوجَدُ مُضافَةً إلى اللَّهِ ولا إلى الأُمَّةِ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ دُونَ آحادِها لا يُقالُ الصَّلاةُ مِلَّةُ اللَّهِ، أيْ ويُقالُ: الصَّلاةُ دِينُ اللَّهِ ذَلِكَ أنَّهُ يُراعى في لَفْظِ المِلَّةِ أنَّها مَمْلُولَةٌ مِنَ اللَّهِ فَهي تُضافُ لِلَّذِي أُمِلَّتْ عَلَيْهِ. ومَعْنى كَوْنِ الإسْلامِ مِلَّةَ إبْراهِيمَ: أنَّهُ جاءَ بِالأُصُولِ الَّتِي هي شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ وهي: التَّوْحِيدُ، ومُسايَرَةُ الفِطْرَةِ، والشُّكْرُ، والسَّماحَةُ، وإعْلانُ الحَقِّ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والحَنِيفُ: المُجانِبُ لِلْباطِلِ، فَهو بِمَعْنى المُهْتَدِي، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. وجُمْلَةُ ”﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾“ عَطْفٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُضافِ إلَيْهِ، لِأنَّ المُضافَ هُنا كالجَزاءِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

الأنعام 6:162

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايْ ومَماتِيَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ، أيْضًا، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّفْرِيعِ عَنِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ اسْتُؤْنِفَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَرَضٌ مُسْتَقِلٌّ مُهِمٌّ في ذاتِهِ، وإنْ كانَ مُتَفَرِّعًا عَنْ غَيْرِهِ، وحاصِلُ ما تَضَمَّنَهُ هو الإخْلاصُ لِلَّهِ في العِبادَةِ، وهو مُتَفَرِّعٌ عَنِ التَّوْحِيدِ، صفحة ٢٠١ ولِذَلِكَ قِيلَ: الرِّياءُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ. عُلِّمَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ عَقِبَ ما عُلِّمَهُ بِما ذُكِرَ قَبْلَهُ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهُ هَداهُ ثُمَّ ألْهَمَهُ الشُّكْرَ عَلى الهِدايَةِ بِأنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ لِلَّهِ تَعالى. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا. وافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ المَقُولِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِتَحْقِيقِهِ، أوْ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُرائِي بِصَلاتِهِ، فَقَدْ «قالَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ: ألا تَنْظُرُونَ إلى هَذا المُرائِي أيُّكم يَقُومُ إلى جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَعْمِدُ إلى فَرْثِها وسَلاها فَإذا سَجَدَ وضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . فَتَكُونُ إنَّ عَلى هَذا لِرَدِّ الشَّكِّ. واللّامُ في لِلَّهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمِلْكِ، أيْ هي بِتَيْسِيرِ اللَّهِ فَيَكُونُ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ اللَّهِ جَعَلَ صَلاتَهُ لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ. ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ لا شَرِيكَ لَهُ. والنُّسُكُ حَقِيقَتُهُ العِبادَةُ ومِنهُ يُسَمّى العابِدُ النّاسِكُ. والمَحْيا والمَماتُ يُسْتَعْمَلانِ مَصْدَرَيْنِ مِيمِيَّيْنِ، ويُسْتَعْمَلانِ اسْمَيْ زَمانٍ، مِن حَيِيَ وماتَ، والمَعْنَيانِ مُحْتَمَلانِ فَإذا كانَ المُرادُ مِنَ المَحْيا والمَماتِ المَعْنى المَصْدَرِيَّ، كانَ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: أعْمالُ المَحْيا وأعْمالُ المَماتِ، أيِ الأعْمالُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَتَلَبَّسَ بِها المَرْءُ مَعَ حَياتِهِ، ومَعَ وقْتِ مَماتِهِ. وإذْ كانَ المُرادُ مِنهُما المَعْنى الزَّمَنِيَّ كانَ المَعْنى ما يَعْتَرِيهِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَماتِ. صفحة ٢٠٢ ثُمَّ إنَّ أعْمالَ الحَياةِ كَثِيرَةٌ وفِيرَةٌ، وأمّا الأعْمالُ عِنْدَ المَوْتِ فَهي ما كانَ عَلَيْهِ في مُدَّةِ الحَياةِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ، لِأنَّ حالَةَ المَوْتِ أوْ مَدَّتَهُ هي الحالَةُ أوِ المَدَّةُ الَّتِي يَنْقَلِبُ فِيها أحْوالُ الجِسْمِ إلى صِفَةٍ تُؤْذِنُ بِقُرْبِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الحَياةِ وتِلْكَ حالَةُ الِاحْتِضارِ، وتِلْكَ الحالَةُ قَدْ تُؤَثِّرُ انْقِلابًا في الفِكْرِ أوِ اسْتِعْجالًا بِما لَمْ يَكُنْ يُسْتَعْجَلُ بِهِ الحَيُّ، فَرُبَّما صَدَرَتْ عَنْ صاحِبِها أعْمالٌ لَمْ يَكُنْ يُصْدِرُها في مُدَّةِ الصِّحَّةِ، اتِّقاءً أوْ حَياءً أوْ جَلْبًا لِنَفْعٍ، فَيُرى أنَّهُ قَدْ يَئِسَ مِمّا كانَ يُراعِيهِ، فَيَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ، وأيْضًا لِتِلْكَ الحالَةِ شُئُونٌ خاصَّةٌ تَقَعُ عِنْدَها في العادَةِ مِثْلَ الوَصِيَّةِ، وهَذِهِ كُلُّها مِن أحْوالِ آخِرِ الحَياةِ. ولَكِنَّها تُضافُ إلى المَوْتِ لِوُقُوعِها بِقُرْبِهِ، وبِهَذا يَكُونُ ذِكْرُ المَماتِ مَقْصُودًا مِنهُ اسْتِيعابُ جَمِيعِ مُدَّةِ الحَياةِ حَتّى زَمَنِ الإشْرافِ عَلى المَوْتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَماتِ ما يَحْصُلُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَ وفاتِهِ مِن تَوَجُّهاتِهِ الرُّوحِيَّةِ نَحْوَ أُمَّتِهِ بِالدُّعاءِ لَهم والتَّسْلِيمِ عَلى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنهم والظُّهُورِ لِخاصَّةِ أُمَّتِهِ في المَنامِ، فَإنَّ لِلرَّسُولِ بَعْدَ مَماتِهِ أحْكامَ الحَياةِ الرُّوحِيَّةِ الكامِلَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «إذا سَلَّمَ عَلَيَّ أحَدٌ مِن أُمَّتِي رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ السَّلامَ» وكَذَلِكَ أعْمالُهُ في الحَشْرِ مِنَ الشَّفاعَةِ العامَّةِ والسُّجُودِ لِلَّهِ في عَرَصاتِ القِيامَةِ فَتِلْكَ أعْمالٌ خاصَّةٌ بِهِ ﷺ وهي كُلُّها لِلَّهِ تَعالى لِأنَّها لِنَفْعِ عَبِيدِهِ أوْ لِنَفْعِ أتْباعِ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضاهُ لَهم، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ومَماتِي هُنا ناظِرًا إلى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «حَياتِي خَيْرٌ لَكم ومَماتِي خَيْرٌ لَكم» . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى مَماتِهِ لِلَّهِ الشَّهادَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّتْهُ اليَهُودِيَّةُ بِخَيْبَرَ في لَحْمِ شاةٍ أطْعَمُوهُ إيّاهُ حَصَلَ بَعْضٌ مِنهُ في أمْعاءِهِ. فَفي الحَدِيثِ صفحة ٢٠٣ ما زالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تَعْتادُنِي كُلَّ عامٍ حَتّى كانَ هَذا أوانَ قَطْعِ أبْهَرِي. وبِقَوْلِهِ: ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ تَحَقَّقَ مَعْنى الإسْلامِ الَّذِي أصْلُهُ الإلْقاءُ بِالنَّفْسِ إلى المُسْلَمِ لَهُ، وهو المَعْنى الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وهو مَعْنى الحَنِيفِيَّةِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ: وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ صِفَةٌ تُشِيرُ إلى سَبَبِ اسْتِحْقاقِهِ أنْ يَكُونَ عَمَلُ مَخْلُوقاتِهِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، لِأنَّ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ نِعْمَةُ الإيجادِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . وجُمْلَةُ: ”﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾“ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ مُصَرِّحَةٌ بِما أفادَ جَمْعُ التَّوْكِيدِ مَعَ لامِ المِلْكِ مِن إفادَةِ القَصْرِ. والمَقْصُودُ مِنَ الصِّفَةِ والحالِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّهم ما أخْلَصُوا عَمَلَهم لِلَّذِي خَلَقَهم. وبِأنَّهم أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ. وقَرَأ نافِعٌ: ”ومَحْيايْ“ بِسُكُونِ الياءِ الثّانِيَةِ إجْراءً لِلْوُصُولِ مَجْرى الوَقْفِ وهو نادِرٌ في النَّثْرِ، والرِّوايَةُ عَنْ نافِعٍ أثْبَتَتْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّدْرَةَ لا تُناكِدُ الفَصاحَةِ ولا يَرِيبُكَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: أنَّها شاذَّةٌ عَنِ القِياسِ لِأنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ساكِنَيْنِ؛ لِأنَّ سُكُونَ الألِفِ قَبْلَ حَرْفٍ ساكِنٍ لَيْسَ مِمّا يَثْقُلُ في النُّطْقِ نَحْوَ عَصايْ ورُؤْيايْ. ووَجْهُ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ هُنا إرادَةُ التَّخْفِيفِ لِأنَّ تَوالِيَ يائَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ صفحة ٢٠٤ فِيهِ ثِقَلٌ، والألِفُ النّاشِئَةُ عَنِ الفَتْحَةِ الأُولى لا تُعَدُّ حاجِزًا فَعَدَلَ عَنْ فَتْحِ الياءِ الثّانِيَةِ إلى إسْكانِها. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِفَتْحِ الياءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ورْشٍ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ القِراءَةِ أنَّ نافِعًا رَجَعَ عَنِ الإسْكانِ إلى الفَتْحِ. وجُمْلَةُ ”﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّ صَلاتِي. . . إلَخْ. فَهَذا مِمّا أُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ، وحَرْفُ العَطْفِ لَيْسَ مِنَ المَقُولِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ”وبِذَلِكَ“ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ: ”﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾“ . . . إلَخْ، أيْ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِلَّهِ بِهَدْيٍ مِنَ اللَّهِ وأمْرٍ مِنهُ، فَرَجَعَ إلى قَوْلِهِ: ”﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١]“ يَعْنِي أنَّهُ كَما هَداهُ أمَرَهُ بِما هو شُكْرٌ عَلى تِلْكَ الهِدايَةِ، وإنَّما أُعِيدَ هُنا لِأنَّهُ لَمّا أضافَ الصَّلاةَ وما عَطَفَ عَلَيْها لِنَفْسِهِ وجَعَلَها لِلَّهِ تَعالى أعْقَبَها بِأنَّهُ هُدًى مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] . وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُشارِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ، وهو لازِمُ مَعْناهُ، يَعْنِي قَبُولَ الإسْلامِ والثَّباتَ عَلَيْهِ والِاغْتِباطَ بِهِ، لِأنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا أسْرَعَ إلَيْهِ فَجاءَهُ أوَّلُ النّاسِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ فِعْلِ السَّبْقِ إذْ يُطْلَقُ في كَلامِهِمْ عَلى التَّمَكُّنِ والتَّرَجُّحِ، كَما قالَ النّابِغَةُ: سَبَقْتَ الرِّجالَ الباهِشِينَ إلى العُلا كَسَبْقِ الجَوادِ اصْطادَ قَبْلَ الطَّوارِدِ لا يُرِيدُ أنَّهُ كانَ في المَعالِي أقْدَمَ مَن غَيْرِهِ لِأنَّ في أهْلِ المَعالِي مَن هو أكْبَرُ مِنهُ سِنًّا، ومَن نالَ العُلا قَبْلَ أنْ يُولَدَ المَمْدُوحُ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ تَمَكَّنَ مِن نَوالِ العُلا وأصْبَحَ الحائِزَ لَهُ والثّابِتَ عَلَيْهِ. وفِي الحَدِيثِ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ» . وهَذا المَعْنى تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ الطَّمَعِ في التَّنازُلِ لَهم في دِينِهِمْ ولَوْ أقَلَّ تَنازُلٍ. ومِنِ اسْتِعْمالِ ”أوَّلُ“ صفحة ٢٠٥ فِي مِثْلِ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَيْسَ المُرادُ مَعْناهُ الصَّرِيحَ لِقِلَّةِ جَدْوى الخَبَرِ بِذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ داعٍ إلى شَيْءٍ فَهو أوَّلُ أصْحابِهِ لا مَحالَةَ، فَماذا يُفِيدُ ذَلِكَ الأعْداءَ والأتْباعَ، فَإنْ أُرِيدَ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا حَقِيقَةَ الإسْلامِ بِمَعْنى إسْلامِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَسْتَقِمْ، لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُسْلِمًا وكانَ بَنُوهُ مُسْلِمِينَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم إذْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] . وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِإثْباتِ ألِفِ أنا إذا وقَعَتْ بَعْدَها هَمْزَةٌ ويَجْرِي مَدُّها عَلى قاعِدَةِ المَدِّ، وحَذْفُها تَخْفِيفًا جَرى عَلَيْهِ العَرَبُ في الفَصِيحِ مِن كَلامِهِمْ نَحْوَ: ﴿أنا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠] واخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ الهَمْزَةِ نَحْوَ أنا أفْعَلُ، وأحْسَبُ أنَّ الأفْصَحَ إثْباتُها مَعَ الهَمْزِ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ المَدِّ.

الأنعام 6:163

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايْ ومَماتِيَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ، أيْضًا، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّفْرِيعِ عَنِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ اسْتُؤْنِفَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَرَضٌ مُسْتَقِلٌّ مُهِمٌّ في ذاتِهِ، وإنْ كانَ مُتَفَرِّعًا عَنْ غَيْرِهِ، وحاصِلُ ما تَضَمَّنَهُ هو الإخْلاصُ لِلَّهِ في العِبادَةِ، وهو مُتَفَرِّعٌ عَنِ التَّوْحِيدِ، صفحة ٢٠١ ولِذَلِكَ قِيلَ: الرِّياءُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ. عُلِّمَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ عَقِبَ ما عُلِّمَهُ بِما ذُكِرَ قَبْلَهُ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهُ هَداهُ ثُمَّ ألْهَمَهُ الشُّكْرَ عَلى الهِدايَةِ بِأنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ لِلَّهِ تَعالى. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا. وافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ المَقُولِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِتَحْقِيقِهِ، أوْ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُرائِي بِصَلاتِهِ، فَقَدْ «قالَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ: ألا تَنْظُرُونَ إلى هَذا المُرائِي أيُّكم يَقُومُ إلى جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَعْمِدُ إلى فَرْثِها وسَلاها فَإذا سَجَدَ وضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . فَتَكُونُ إنَّ عَلى هَذا لِرَدِّ الشَّكِّ. واللّامُ في لِلَّهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمِلْكِ، أيْ هي بِتَيْسِيرِ اللَّهِ فَيَكُونُ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ اللَّهِ جَعَلَ صَلاتَهُ لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ. ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ لا شَرِيكَ لَهُ. والنُّسُكُ حَقِيقَتُهُ العِبادَةُ ومِنهُ يُسَمّى العابِدُ النّاسِكُ. والمَحْيا والمَماتُ يُسْتَعْمَلانِ مَصْدَرَيْنِ مِيمِيَّيْنِ، ويُسْتَعْمَلانِ اسْمَيْ زَمانٍ، مِن حَيِيَ وماتَ، والمَعْنَيانِ مُحْتَمَلانِ فَإذا كانَ المُرادُ مِنَ المَحْيا والمَماتِ المَعْنى المَصْدَرِيَّ، كانَ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: أعْمالُ المَحْيا وأعْمالُ المَماتِ، أيِ الأعْمالُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَتَلَبَّسَ بِها المَرْءُ مَعَ حَياتِهِ، ومَعَ وقْتِ مَماتِهِ. وإذْ كانَ المُرادُ مِنهُما المَعْنى الزَّمَنِيَّ كانَ المَعْنى ما يَعْتَرِيهِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَماتِ. صفحة ٢٠٢ ثُمَّ إنَّ أعْمالَ الحَياةِ كَثِيرَةٌ وفِيرَةٌ، وأمّا الأعْمالُ عِنْدَ المَوْتِ فَهي ما كانَ عَلَيْهِ في مُدَّةِ الحَياةِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ، لِأنَّ حالَةَ المَوْتِ أوْ مَدَّتَهُ هي الحالَةُ أوِ المَدَّةُ الَّتِي يَنْقَلِبُ فِيها أحْوالُ الجِسْمِ إلى صِفَةٍ تُؤْذِنُ بِقُرْبِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الحَياةِ وتِلْكَ حالَةُ الِاحْتِضارِ، وتِلْكَ الحالَةُ قَدْ تُؤَثِّرُ انْقِلابًا في الفِكْرِ أوِ اسْتِعْجالًا بِما لَمْ يَكُنْ يُسْتَعْجَلُ بِهِ الحَيُّ، فَرُبَّما صَدَرَتْ عَنْ صاحِبِها أعْمالٌ لَمْ يَكُنْ يُصْدِرُها في مُدَّةِ الصِّحَّةِ، اتِّقاءً أوْ حَياءً أوْ جَلْبًا لِنَفْعٍ، فَيُرى أنَّهُ قَدْ يَئِسَ مِمّا كانَ يُراعِيهِ، فَيَفْعَلُ ما لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ، وأيْضًا لِتِلْكَ الحالَةِ شُئُونٌ خاصَّةٌ تَقَعُ عِنْدَها في العادَةِ مِثْلَ الوَصِيَّةِ، وهَذِهِ كُلُّها مِن أحْوالِ آخِرِ الحَياةِ. ولَكِنَّها تُضافُ إلى المَوْتِ لِوُقُوعِها بِقُرْبِهِ، وبِهَذا يَكُونُ ذِكْرُ المَماتِ مَقْصُودًا مِنهُ اسْتِيعابُ جَمِيعِ مُدَّةِ الحَياةِ حَتّى زَمَنِ الإشْرافِ عَلى المَوْتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَماتِ ما يَحْصُلُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَ وفاتِهِ مِن تَوَجُّهاتِهِ الرُّوحِيَّةِ نَحْوَ أُمَّتِهِ بِالدُّعاءِ لَهم والتَّسْلِيمِ عَلى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنهم والظُّهُورِ لِخاصَّةِ أُمَّتِهِ في المَنامِ، فَإنَّ لِلرَّسُولِ بَعْدَ مَماتِهِ أحْكامَ الحَياةِ الرُّوحِيَّةِ الكامِلَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «إذا سَلَّمَ عَلَيَّ أحَدٌ مِن أُمَّتِي رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ السَّلامَ» وكَذَلِكَ أعْمالُهُ في الحَشْرِ مِنَ الشَّفاعَةِ العامَّةِ والسُّجُودِ لِلَّهِ في عَرَصاتِ القِيامَةِ فَتِلْكَ أعْمالٌ خاصَّةٌ بِهِ ﷺ وهي كُلُّها لِلَّهِ تَعالى لِأنَّها لِنَفْعِ عَبِيدِهِ أوْ لِنَفْعِ أتْباعِ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضاهُ لَهم، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ومَماتِي هُنا ناظِرًا إلى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «حَياتِي خَيْرٌ لَكم ومَماتِي خَيْرٌ لَكم» . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى مَماتِهِ لِلَّهِ الشَّهادَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّتْهُ اليَهُودِيَّةُ بِخَيْبَرَ في لَحْمِ شاةٍ أطْعَمُوهُ إيّاهُ حَصَلَ بَعْضٌ مِنهُ في أمْعاءِهِ. فَفي الحَدِيثِ صفحة ٢٠٣ ما زالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تَعْتادُنِي كُلَّ عامٍ حَتّى كانَ هَذا أوانَ قَطْعِ أبْهَرِي. وبِقَوْلِهِ: ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ تَحَقَّقَ مَعْنى الإسْلامِ الَّذِي أصْلُهُ الإلْقاءُ بِالنَّفْسِ إلى المُسْلَمِ لَهُ، وهو المَعْنى الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وهو مَعْنى الحَنِيفِيَّةِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ: وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ صِفَةٌ تُشِيرُ إلى سَبَبِ اسْتِحْقاقِهِ أنْ يَكُونَ عَمَلُ مَخْلُوقاتِهِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، لِأنَّ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ نِعْمَةُ الإيجادِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . وجُمْلَةُ: ”﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾“ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ مُصَرِّحَةٌ بِما أفادَ جَمْعُ التَّوْكِيدِ مَعَ لامِ المِلْكِ مِن إفادَةِ القَصْرِ. والمَقْصُودُ مِنَ الصِّفَةِ والحالِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّهم ما أخْلَصُوا عَمَلَهم لِلَّذِي خَلَقَهم. وبِأنَّهم أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ. وقَرَأ نافِعٌ: ”ومَحْيايْ“ بِسُكُونِ الياءِ الثّانِيَةِ إجْراءً لِلْوُصُولِ مَجْرى الوَقْفِ وهو نادِرٌ في النَّثْرِ، والرِّوايَةُ عَنْ نافِعٍ أثْبَتَتْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّدْرَةَ لا تُناكِدُ الفَصاحَةِ ولا يَرِيبُكَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: أنَّها شاذَّةٌ عَنِ القِياسِ لِأنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ساكِنَيْنِ؛ لِأنَّ سُكُونَ الألِفِ قَبْلَ حَرْفٍ ساكِنٍ لَيْسَ مِمّا يَثْقُلُ في النُّطْقِ نَحْوَ عَصايْ ورُؤْيايْ. ووَجْهُ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ هُنا إرادَةُ التَّخْفِيفِ لِأنَّ تَوالِيَ يائَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ صفحة ٢٠٤ فِيهِ ثِقَلٌ، والألِفُ النّاشِئَةُ عَنِ الفَتْحَةِ الأُولى لا تُعَدُّ حاجِزًا فَعَدَلَ عَنْ فَتْحِ الياءِ الثّانِيَةِ إلى إسْكانِها. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِفَتْحِ الياءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ورْشٍ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ القِراءَةِ أنَّ نافِعًا رَجَعَ عَنِ الإسْكانِ إلى الفَتْحِ. وجُمْلَةُ ”﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّ صَلاتِي. . . إلَخْ. فَهَذا مِمّا أُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ، وحَرْفُ العَطْفِ لَيْسَ مِنَ المَقُولِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ”وبِذَلِكَ“ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ: ”﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾“ . . . إلَخْ، أيْ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِلَّهِ بِهَدْيٍ مِنَ اللَّهِ وأمْرٍ مِنهُ، فَرَجَعَ إلى قَوْلِهِ: ”﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١]“ يَعْنِي أنَّهُ كَما هَداهُ أمَرَهُ بِما هو شُكْرٌ عَلى تِلْكَ الهِدايَةِ، وإنَّما أُعِيدَ هُنا لِأنَّهُ لَمّا أضافَ الصَّلاةَ وما عَطَفَ عَلَيْها لِنَفْسِهِ وجَعَلَها لِلَّهِ تَعالى أعْقَبَها بِأنَّهُ هُدًى مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] . وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُشارِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ، وهو لازِمُ مَعْناهُ، يَعْنِي قَبُولَ الإسْلامِ والثَّباتَ عَلَيْهِ والِاغْتِباطَ بِهِ، لِأنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا أسْرَعَ إلَيْهِ فَجاءَهُ أوَّلُ النّاسِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ فِعْلِ السَّبْقِ إذْ يُطْلَقُ في كَلامِهِمْ عَلى التَّمَكُّنِ والتَّرَجُّحِ، كَما قالَ النّابِغَةُ: سَبَقْتَ الرِّجالَ الباهِشِينَ إلى العُلا كَسَبْقِ الجَوادِ اصْطادَ قَبْلَ الطَّوارِدِ لا يُرِيدُ أنَّهُ كانَ في المَعالِي أقْدَمَ مَن غَيْرِهِ لِأنَّ في أهْلِ المَعالِي مَن هو أكْبَرُ مِنهُ سِنًّا، ومَن نالَ العُلا قَبْلَ أنْ يُولَدَ المَمْدُوحُ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ تَمَكَّنَ مِن نَوالِ العُلا وأصْبَحَ الحائِزَ لَهُ والثّابِتَ عَلَيْهِ. وفِي الحَدِيثِ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ» . وهَذا المَعْنى تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ الطَّمَعِ في التَّنازُلِ لَهم في دِينِهِمْ ولَوْ أقَلَّ تَنازُلٍ. ومِنِ اسْتِعْمالِ ”أوَّلُ“ صفحة ٢٠٥ فِي مِثْلِ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَيْسَ المُرادُ مَعْناهُ الصَّرِيحَ لِقِلَّةِ جَدْوى الخَبَرِ بِذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ داعٍ إلى شَيْءٍ فَهو أوَّلُ أصْحابِهِ لا مَحالَةَ، فَماذا يُفِيدُ ذَلِكَ الأعْداءَ والأتْباعَ، فَإنْ أُرِيدَ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا حَقِيقَةَ الإسْلامِ بِمَعْنى إسْلامِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَسْتَقِمْ، لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُسْلِمًا وكانَ بَنُوهُ مُسْلِمِينَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم إذْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] . وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِإثْباتِ ألِفِ أنا إذا وقَعَتْ بَعْدَها هَمْزَةٌ ويَجْرِي مَدُّها عَلى قاعِدَةِ المَدِّ، وحَذْفُها تَخْفِيفًا جَرى عَلَيْهِ العَرَبُ في الفَصِيحِ مِن كَلامِهِمْ نَحْوَ: ﴿أنا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠] واخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ الهَمْزَةِ نَحْوَ أنا أفْعَلُ، وأحْسَبُ أنَّ الأفْصَحَ إثْباتُها مَعَ الهَمْزِ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ المَدِّ.

الأنعام 6:164

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهْوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ، مُفْتَتَحٌ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّهُ لَمّا عُلِمَ أنَّ اللَّهَ هَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وأنْقَذَهُ مِنَ الشِّرْكِ، وأمَرَهُ بِأنْ يُمَحِّضَ عِبادَتَهُ وطاعَتَهُ لِرَبِّهِ تَعالى، شُكْرًا عَلى الهِدايَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ يُنْكِرَ أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ واهِبَ النِّعَمِ هو مُسْتَحِقُّ الشُّكْرِ، والعِبادَةُ جِماعُ مَراتِبِ الشُّكْرِ، وفي هَذا رُجُوعٌ إلى بَيانِ ضَلالِهِمْ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ. وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِهِ. صفحة ٢٠٦ والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم يَرْغَبُونَ أنْ يَعْتَرِفَ بِرُبُوبِيَّةِ أصْنامِهِمْ، وقَدْ حاوَلُوا مِن ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ سَواءٌ كانُوا حاوَلُوا ذَلِكَ مِنهُ بِقُرْبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أمْ لَمْ يُحاوِلُوهُ، فَهم دائِمُونَ عَلى الرَّغْبَةِ في مُوافَقَتِهِمْ عَلى دِينِهِمْ، حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ النَّقاشِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: ارْجِعْ إلى دِينِنا واعْبُدْ آلِهَتَنا ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ تِباعَةٍ تَتَوَقَّعُها في دُنْياكَ وآخِرَتِكَ وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وقُدِّمَ المَفْعُولُ عَلى فِعْلِهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، لِأنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ يُبْتَغى لَهُ رَبًّا، ولِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنَ الجَوابِ إذا صَحَّ أنَّ المُشْرِكِينَ دَعَوُا النَّبِيءَ ﷺ لِعِبادَةِ آلِهَتِهِمْ فَيَكُونَ تَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ لِمُوجِبٍ أوْ لِمُوجِبَيْنِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجُمْلَةُ: ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو الحالُ مُعَلَّلٌ لِلْإنْكارِ، أيْ أنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وذَلِكَ بِاعْتِرافِهِمْ، لِأنَّهم لا يَدَّعُونَ أنَّ الأصْنامَ خالِقَةٌ لِشَيْءٍ،، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فَلَمّا كانَ اللَّهُ خالِقَ كُلِّ شَيْءٍ ورَبَّهُ فَلا حَقَّ لِغَيْرِهِ في أنْ يَعْبُدَهُ الخَلائِقُ وعِبادَةُ غَيْرِهِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وكُفْرٌ بِنِعَمِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ إيجادٌ والوُجُودُ أفْضَلُ مِنَ العَدَمِ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَلْقِ مُوجِبٌ لِلْعِبادَةِ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ. وإنَّما قِيلَ ”﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾“، ولَمْ يَقُلْ: وهو رَبِّي، لِإثْباتِ أنَّهُ رَبُّهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لِكَوْنِهِ إَثْباتَ حُكْمٍ عامٍّ يَشْمَلُ حُكْمَ المَقْصُودِ الخاصِّ، ولِإفادَةِ أنَّ أرْبابَهم غَيْرُ حَقِيقَةٍ بِالرُّبُوبِيَّةِ أيْضًا لِلَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: ”﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾“ مِنَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، مُفِيدٌ مُتارَكَةً لِلْمُشْرِكِينَ ومَقْتًا لَهم بِأنَّ عِنادَهم لا يَضُرُّهُ، فَإنَّ ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ صفحة ٢٠٧ الشِّرْكِ لا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ فَإنَّما كَسْبُ كُلِّ نَفْسٍ عَلَيْها، وهم مِن جُمْلَةِ الأنْفُسِ فَكَسْبُهم عَلَيْهِمْ لا يَتَجاوَزُهم إلى غَيْرِهِمْ. فالتَّعْلِيمُ في الحُكْمِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: ”كُلُّ نَفْسٍ“ فائِدَتُهُ مِثْلُ فائِدَةِ التَّعْمِيمِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . ودَلَّتْ كَلِمَةُ ”عَلى“ عَلى أنَّ مَفْعُولَ الكَسْبِ المَحْذُوفَ تَقْدِيرُهُ: شَرًّا، أوْ إثْمًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لِأنَّ شَأْنَ المُخاطَبِينَ هو اكْتِسابُ الشَّرِّ والإثْمِ كَقَوْلِهِ: ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ في الكَلامِ احْتِباكًا لِدَلالَةِ الثّانِي وبِالعَكْسِ إذا جَرَيْتَ عَلى أنَّ ”كَسَبَ“ يَغْلِبُ في تَحْصِيلِ الخَيْرِ، وأنَّ اكْتَسَبَ يَغْلِبُ في تَحْصِيلِ الشَّرِّ، سَواءٌ اجْتَمَعَ الفِعْلانِ أمْ لَمْ يَجْتَمِعا. ولا أحْسَبُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ فَرْقًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . والمَعْنى: أنَّ ما يَكْتَسِبُهُ المَرْءُ أوْ يَكْسِبُهُ لا يَتَعَدّى مِنهُ شَيْءٌ إلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ تَكْمِلَةٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ”﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾“ فَكَما أنَّ ما تَكْسِبُهُ نَفْسٌ لا يَتَعَدّى مِنهُ شَيْءٌ إلى غَيْرِها، كَذَلِكَ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، والمَعْنى: ولا أحْمِلُ أوْزارَكم. فَقَوْلُهُ: ”وازِرَةٌ“ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: نَفْسٌ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾، أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةً حِمْلَ أُخْرى. والوِزْرُ: الحِمْلُ، وهو ما يَحْمِلُهُ المَرْءُ عَلى ظَهْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٢٠٨ ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمُ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] . وأمّا تَسْمِيَةُ الإثْمِ وِزْرًا فَلِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ ثَقِيلًا عَلى نَفْسِ المُؤْمِنِ. فَمَعْنى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ لا تَحْمِلُ حامِلَةٌ، أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حِينَ تَحْمِلُ حِمْلَ أيِّ نَفْسٍ أُخْرى غَيْرَها، فالمَعْنى لا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا تَحْمِلُهُ عَنْها. أيْ كُلُّ نَفْسٍ تَزِرُ وِزْرَ نَفْسِها، فَيُفِيدُ أنَّ وِزْرَ كُلِّ أحَدٍ عَلَيْهِ وأنَّهُ لا يَحْمِلُ غَيْرُهُ عَنْهُ شَيْئًا مِن وِزْرِهِ الَّذِي وزَرَهُ، وأنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى أحَدٍ مِن وِزْرِ غَيْرِهِ مِن قَرِيبٍ أوْ صَدِيقٍ، فَلا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، ولا تُتَّبَعُ نَفْسٌ بِإثْمِ غَيْرِها، فَهي إنْ حَمَلَتْ لا تَحْمِلُ حِمْلَ غَيْرِها. وهَذا إتْمامٌ لِمَعْنى المُشارَكَةِ. * * * ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ. وهَذا الكَلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ فَيَكُونُ تَعْقِيبًا لِلْمُشارَكَةِ بِما فِيهِ تَهْدِيدُهم ووَعِيدُهم، فَكانَ مَوْقِعُ ثُمَّ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ أهَمُّ. فالخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ وكَذَلِكَ الضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ والمَعْنى: بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ مَعَ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ الِاخْتِلافَ واقِعٌ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في أنْفُسِهِمِ اخْتِلافٌ، فَأُدْمِجَ الوَعِيدُ بِالوَعِيدِ. وقَدْ جَعَلُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعَ الَّتِي قَبْلَها آيَةً واحِدَةً في المَصاحِفِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقُولُ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: وِزْرَ أُخْرى فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُعانِدِينَ لَهُ، و”ثُمَّ“ صالِحَةٌ لِلِاسْتِئْنافِ لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ مُلائِمٌ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، والكَلامُ وعِيدٌ ووَعْدٌ أيْضًا. ولا يُنافِي ذَلِكَ أنْ تَكُونَ مَعَ الَّتِي قَبْلَها آيَةً واحِدَةً. صفحة ٢٠٩ والتَّنْبِئَةُ: الإخْبارُ، والمُرادُ بِها إظْهارُ آثارِ الإيمانِ والكُفْرِ واضِحَةً يَوْمَ الحِسابِ، فَيَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا ضالِّينَ، فَشَبَّهَ ذَلِكَ العِلْمَ بِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهم بِذَلِكَ يَوْمَئِذٍ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ نَبَّأهم بِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن زَمَنِ الحَياةِ الدُّنْيا، أوِ المُرادُ يُنْبِئُكم مُباشَرَةً بِدُونِ واسِطَةِ الرُّسُلِ إنْباءً لا يَسْتَطِيعُ الكافِرُ أنْ يَقُولَ: هَذا كَذِبٌ عَلى اللَّهِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الحَشْرِ: «فَيُسْمِعُهُمُ الدّاعِي لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ حِجابٌ» .

الأنعام 6:165

﴿وهْوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَظْهَرُ أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، وعَلى وُقُوعِهِ، لِأنَّ الَّذِي جَعَلَ بَعْضَ الأجْيالِ خَلائِفَ لِما سَبَقَها، فَعَمَرُوا الأرْضَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، لا يُعْجِزُهُ أنْ يَحْشُرَها جَمِيعًا بَعْدَ انْقِضاءِ عالَمِ حَياتِهِمُ الأُولى، ثُمَّ إنَّ الَّذِي دَبَّرَ ذَلِكَ وأتْقَنَهُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ لا يُقِيمَ بَيْنَهم مِيزانَ الجَزاءِ عَلى ما صَنَعُوا في الحَياةِ الأُولى لِئَلّا يَذْهَبَ المُعْتَدُونَ والظّالِمُونَ فائِزِينَ بِما جَنَوْا، وإذا كانَ يُقِيمُ مِيزانَ الجَزاءِ عَلى الظّالِمِينَ فَكَيْفَ يَتْرُكُ إثابَةَ المُحْسِنِينَ، وقَدْ أشارَ إلى الشِّقِّ الأوَّلِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾، وأشارَ إلى الشَّقِّ الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِتَذْيِيلِهِ: إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ وذَلِكَ يُذَكِّرُ بِأنَّهم سَيَصِيرُونَ إلى ما صارَ إلَيْهِ أُولَئِكَ. صفحة ٢١٠ فَمَوْقِعُ هَذِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ”ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم“ تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ بَعْدَ الإنْذارِ بِسَلْبِها، وتَحْرِيضٌ عَلى تَدارُكِ ما فاتَ، وهو يَفْتَحُ أعْيُنَهم لِلنَّظَرِ في عَواقِبِ الأُمَمِ وانْقِراضِها وبَقائِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وتَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ، أيْ جَعَلَكم خَلائِفَ الأُمَمِ الَّتِي مَلَكَتِ الأرْضَ فَأنْتُمْ خَلائِفُ لِلْأرْضِ، فَتَكُونُ بِشارَةُ الأُمَّةِ بِأنَّها آخِرُ الأُمَمِ المَجْعُولَةِ مِنَ اللَّهِ لِتَعْمِيرِ الأرْضِ. والمُرادُ: الأُمَمُ ذَواتُ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ وأيًّا ما كانَ فَهو تَذْكِيرٌ بِعَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ ومِنَّتِهِ لِاسْتِدْعاءِ الشُّكْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الكُفْرِ. والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ، والخَلِيفَةُ: اسْمٌ لِما يُخْلَفُ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ يُجْعَلُ خَلَفًا عَنْهُ، أيْ عِوَضَهُ، يُقالُ: خَلِيفَةٌ وخِلْفَةٌ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وظَهَرَتْ فِيهِ التّاءُ لِأنَّهم لَمّا صَيَّرُوهُ اسْمًا قَطَعُوهُ عَنْ مَوْصُوفِهِ. وإضافَتُهُ إلى الأرْضِ عَلى مَعْنى ”في“ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ خَلائِفَ فِيها، أيْ خَلَفَ بِكم أُمَمًا مَضَتْ قَبْلَكم كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الرُّسُلِ في مُخاطَبَةِ أقْوامِهِمْ: ”﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]“، ”﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]“، ”﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]“ . والإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي وهو كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ. وفِي هَذا أيْضًا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ تَتَضَمَّنُ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا جَعَلَهم خَلائِفَ غَيْرِهِمْ فَقَدْ أنْشَأهم وأوْجَدَهم عَلى حِينِ أعْدَمَ غَيْرَهم، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ، لِأنَّهُ لَوْ قَدَّرَ بَقاءَ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَهم لَما وُجِدَ هَؤُلاءِ. صفحة ٢١١ وعَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ يَجْرِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ فَهو أيْضًا عِبْرَةً وعِظَةً، لِعَدَمِ الِاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ والرِّفْعَةِ، ولِجَعْلِ ذَلِكَ وسِيلَةً لِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ والسَّعْيِ في زِيادَةِ الفَضْلِ لِمَن قَصَّرَ عَنْها والرِّفْقِ بِالضَّعِيفِ وإنْصافِ المَظْلُومِ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ أيْ لِيُخْبِرَكم فِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن دَرَجاتِ النِّعَمِ حَتّى يَظْهَرَ لِلنّاسِ كَيْفَ يَضَعُ أهْلَ النِّعْمَةِ أنْفُسَهم في مَواضِعِها اللّائِقَةِ بِها وهي المُعَبَّرُ عَنْها بِالدَّرَجاتِ. والدَّرَجاتُ مُسْتَعارَةٌ لِتَفاوُتِ النِّعَمِ. وهي اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ لِتَقْرِيبِهِ. والإيتاءُ مُسْتَعارٌ لِتَكْوِينِ الرِّفْعَةِ في أرْبابِها تَشْبِيهًا لِلتَّكْوِينِ بِإعْطاءِ المُعْطِي شَيْئًا لِغَيْرِهِ. والبَلْوُ: الِاخْتِبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] . والمُرادُ بِهِ ظُهُورُ مَوازِينِ العُقُولِ في الِانْتِفاعِ والنَّفْعِ بِمَواهِبِ اللَّهِ وما يَسَّرَهُ لَها مِنَ المُلائَماتِ والمُساعَداتِ، فاللَّهُ يَعْلَمُ مَراتِبَ النّاسِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ بَلْوى لِأنَّها لا تَظْهَرُ لِلْعِيانِ إلّا بَعْدَ العَمَلِ، أيْ لِيَعْلَمَهُ اللَّهُ عِلْمَ الواقِعاتِ بَعْدَ أنْ كانَ يَعْلَمُهُ عِلْمَ المُقَدَّراتِ، فَهَذا مَوْقِعُ لامِ التَّعْلِيلِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها وجُمْلَةُ: إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وإيذانٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ العَمَلُ والِامْتِثالُ فَلِذَلِكَ جَمَعَ هُنا بَيْنَ صِفَةِ سَرِيعِ العِقابِ وصِفَةِ الغَفُورِ لِيُناسِبَ جَمِيعَ ما حَوَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ. صفحة ٢١٢ واسْتُعِيرَتِ السُّرْعَةُ لِعَدَمِ التَّرَدُّدِ ولِتَمامِ المَقْدِرَةِ عَلى العِقابِ، لِأنَّ شَأْنَ المُتَرَدِّدِ أوِ العاجِزِ أنْ يَتَرَيَّثَ وأنْ يَخْشى غائِلَةَ المُعاقَبِ، فالمُرادُ سَرِيعُ العِقابِ في يَوْمِ العِقابِ، ولَيْسَ المُرادُ سَرِيعَهُ مِنَ الآنِ حَتّى يُؤَوَّلَ بِمَعْنى: كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، إذْ لا مَوْقِعَ لَهُ هُنا. ومِن لَطائِفِ القُرْآنِ الِاقْتِصارُ في وصْفِ سَرِيعِ العِقابِ عَلى مُؤَكَّدٍ واحِدٍ، وتَعْزِيزِ وصْفِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ بِمُؤَكِّداتٍ ثَلاثَةٍ وهي إنَّ، ولامُ الِابْتِداءِ، والتَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ؛ لِأنَّ الرَّحِيمَ يُؤَكِّدُ مَعْنى الغَفُورِ: لِيُطَمْئِنَ أهْلَ العَمَلِ الصّالِحِ إلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، ولِيَسْتَدْعِيَ أهْلَ الإعْراضِ والصُّدُوفِ، إلى الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ. * * * صفحة ٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْرافِ هَذا هو الِاسْمُ الَّذِي عُرِفَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ، مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . أخْرَجَ النَّسائِيُّ، مِن حَدِيثِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أنَّهُ قالَ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ: ”«ما لِي أراكَ تَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِقِصارِ السُّوَرِ وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيها بِأطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ.“ قالَ مَرْوانُ قُلْتُ: ”يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ما أطُولُ الطُّولَيَيْنِ“، قالَ: ”الأعْرافُ» “ . وكَذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِطُولى الطُّولَيَيْنِ» . والمُرادُ بِالطُّولَيَيْنِ سُورَةُ الأعْرافِ وسُورَةُ الأنْعامِ فَإنَّ سُورَةَ الأعْرافِ أطْوَلُ مِن سُورَةِ الأنْعامِ، بِاعْتِبارِ عَدَدِ الآياتِ. ويُفَسِّرُ ذَلِكَ حَدِيثُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في صَلاةِ المَغْرِبِ بِسُورَةِ الأعْرافِ فَرَّقَها في رَكْعَتَيْنِ» . ووَجْهُ تَسْمِيَتِها أنَّها ذُكِرَ في لَفْظِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] الآيَةَ. ولَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ، ولِأنَّها ذُكِرَ فِيها شَأْنُ أهْلِ الأعْرافِ في الآخِرَةِ، ولَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ بِهَذا اللَّفْظِ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ بِلَفْظِ سُورٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ [الحديد: ١٣] في سُورَةِ الحَدِيدِ. ورُبَّما تُدْعى بِأسْماءِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوَّلِها وهي: ”ألِفْ - لامْ - مِيمْ - صادْ“ أخْرَجَ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي الأسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أنَّهُ قالَ لِمَرْوانَ: «لَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِأطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ: ”ألِفْ - لامْ - مِيمْ - صادْ» “ . وهو يَجِيءُ صفحة ٦ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ الَّتِي في أوائِلِ بَعْضِ السُّورِ هي أسْماءٌ لِلسُّوَرِ الواقِعَةِ فِيها، وهو ضَعِيفٌ، فَلا يَكُونُ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] اسْمًا لِلسُّورَةِ، وإطْلاقُهُ عَلَيْها إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ إلى السُّورَةِ ذاتِ (المص)، وكَذَلِكَ سَمّاها الشَّيْخُ ابْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ في بابِ سُجُودِ القُرْآنِ ولَمْ يَعُدُّوا هَذِهِ السُّورَةَ في السُّوَرِ ذاتِ (﴿المص﴾ [الأعراف: ١]) في الأسْماءِ المُتَعَدِّدَةِ. وأمّا ما في حَدِيثِ زَيْدٍ مِن أنَّها طُولى الطُّولَيَيْنِ فَعَلى إرادَةِ الوَصْفِ دُونَ التَّلْقِيبِ. وذَكَرَ الفَيْرُوزْأبادِيُّ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ المِيقاتِ لِاشْتِمالِها عَلى ذِكْرِ مِيقاتِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وأنَّها تُسَمّى سُورَةَ المِيثاقِ لِاشْتِمالِها عَلى حَدِيثِ المِيثاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . ولَمْ أقِفْ عَلى هاتَيْنِ التَّسْمِيَتَيْنِ في كَلامِ غَيْرِهِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. ثُمَّ قِيلَ جَمِيعُها مَكِّيٌّ، وهو ظاهِرُ رِوايَةِ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ نُقِلَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وقِيلَ نَزَلَ بَعْضُها في المَدِينَةِ، قالَ قَتادَةُ آيَةُ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] - إلى قَوْلِهِ - ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، فَإذا صَحَّ هَذا احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ السُّورَةُ بِمَكَّةَ ثُمَّ أُلْحِقَ بِها الآيَتانِ المَذْكُورَتانِ، واحْتَمَلَ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وأكْمَلَ مِنها بَقِيَّتَها تانِكَ الآيَتانِ. ولَمْ أقِفْ عَلى ما يُضْبَطُ بِهِ تارِيخُ نُزُولِها، وعَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ”ص“ قَبْلَ سُورَةِ قُلْ أُوحِيَ، وظاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ سُورَةَ ”﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: ١]“ أُنْزِلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ حِينَ صفحة ٧ ظُهُورِ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ في أيّامِ الحَجِّ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَجِّهٌ بِأصْحابِهِ إلى سُوقِعُكاظٍ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البَعْثَةِ، ولا أحْسَبُ أنَّ سُورَةَ الأعْرافِ قَدْ نَزَلَتْ في تِلْكَ المُدَّةِ لِأنَّ السُّورَ الطِّوالَ يَظْهَرُ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ في أوَّلِ البَعْثَةِ. وهِيَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوالِ الَّتِي جُعِلَتْ في أوَّلِ القُرْآنِ لِطُولِها وهي سُوَرُ: البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ، والنِّساءِ والمائِدَةِ، والأنْعامِ والأعْرافِ، وبَراءَةٍ، وقُدِّمَ المَدَنِيُّ مِنها وهي سُوَرُ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، والنِّساءِ، والمائِدَةِ؛ ثُمَّ ذُكِرَ المَكِّيُّ وهو: الأنْعامُ والأعْرافُ عَلى تَرْتِيبِ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ اعْتِبارًا بِأنَّ سُورَةَ الأنْعامِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ بَعْدَ سُورَةِ الأعْرافِ فَهي أقْرَبُ إلى المَدَنِيِّ مِنَ السُّوَرِ الطِّوالِ. وهِيَ مَعْدُودَةٌ التّاسِعَةُ والثَّلاثِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ”ص“ وقَبْلَ سُورَةِ الجِنِّ، كَما تَقَدَّمَ، قالُوا جَعَلَها ابْنُ مَسْعُودٍ في مُصْحَفِهِ عَقِبَ سُورَةِ البَقَرَةِ وجَعَلَ بَعْدَها سُورَةَ النِّساءِ، ثُمَّ آلِ عِمْرانَ، ووَقَعَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ بَعْدَ آلِ عِمْرانَ الأنْعامُ ثُمَّ الأعْرافُ. وسُورَةُ النِّساءِ هي الَّتِي تَلِي سُورَةَ البَقَرَةِ في الطُّولِ وسُورَةُ الأعْرافِ تَلِي سُورَةَ النِّساءِ في الطُّولِ. وعَدُّ آيِ سُورَةِ الأعْرافِ مِائَتانِ وسِتُّ آياتٍ في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ والكُوفَةِ، ومِائَتانِ وخَمْسٌ في عَدِّ أهْلِ الشّامِ والبَصْرَةِ، قالَ في الإتْقانِ قِيلَ مِائَتانِ وسَبْعٌ. * * * افْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ والوَعْدِ بِتَيْسِيرِهِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِيَبْلُغَهُ وكانَ افْتِتاحُها كَلامًا جامِعًا وهو مُناسِبٌ صفحة ٨ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ المَقاصِدِ فَهو افْتِتاحٌ وارِدٌ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ البَيانِ وأكْمَلِها شَأْنَ سُوَرِ القُرْآنِ. وتَدُورُ مَقاصِدُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى مِحْوَرِ مَقاصِدٍ؛ مِنها: النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الشُّرَكاءِ مِن دُونِ اللَّهِ. وإنْذارُ المُشْرِكِينَ عَنْ سُوءِ عاقِبَةِ الشِّرْكِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ووَصْفُ ما حَلَّ بِالمُشْرِكِينَ والَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ: مِن سُوءِ العَذابِ في الدُّنْيا، وما سَيَحُلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ. تَذْكِيرُ النّاسِ بِنِعْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ، وتَمْكِينُ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ مِن خَيْراتِ الأرْضِ، وبِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى هَذا النَّوْعِ بِخَلْقِ أصْلِهِ وتَفْضِيلِهِ. وما نَشَأ مِن عَداوَةِ جِنْسِ الشَّيْطانِ لِنَوْعِ الإنْسانِ. وتَحْذِيرُ النّاسِ مِنَ التَّلَبُّسِ بِبَقايا مَكْرِ الشَّيْطانِ مِن تَسْوِيلِهِ إيّاهم حِرْمانَ أنْفُسِهِمُ الطَّيِّباتِ، ومِنَ الوُقُوعِ فِيما يَزُجُّ بِهِمْ في العَذابِ في الآخِرَةِ. ووَصْفُ أهْوالِ يَوْمَ الجَزاءِ لِلْمُجْرِمِينَ وكَراماتِهِ لِلْمُتَّقِينَ. والتَّذْكِيرُ بِالبَعْثِ وتَقْرِيبُ دَلِيلِهِ. والنَّهْيُ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّتِي أصْلَحَها اللَّهُ لِفائِدَةِ الإنْسانِ. والتَّذْكِيرُ بِبَدِيعِ ما أوْجَدَهُ اللَّهُ لِإصْلاحِها وإحْيائِها. والتَّذْكِيرُ بِما أوْدَعَ اللَّهُ في فِطْرَةِ الإنْسانِ مِن وقْتِ تَكْوِينِ أصْلِهِ أنْ يَقْبَلُوا دَعْوَةَ رُسُلِ اللَّهِ إلى التَّقْوى والإصْلاحِ. وأفاضَ في أحْوالِ الرُّسُلِ مَعَ أقْوامِهِمُ المُشْرِكِينَ، ومِمّا لاقَوْهُ مِن عِنادِهِمْ وأذاهم، وأنْذَرَ بِعَدَمِ الِاغْتِرارِ بِإمْهالِ اللَّهِ النّاسَ قَبْلَ أنْ يُنْزِلَ بِهِمُ العَذابَ، وإعْذارًا لَهم أنْ يُقْلِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، فَإنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً بَعْدَ ذَلِكَ الإمْهالِ. صفحة ٩ وأطالَ القَوْلَ في قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ، وفي تَصَرُّفاتِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَخَلَّلَ قِصَّتَهُ بِشارَةُ اللَّهِ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَةِ أُمَّتِهِ وفَضْلِ دِينِهِ. ثُمَّ تَخَلَّصَ إلى مَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ بَدَّلُوا الحَنِيفِيَّةَ وتَقَلَّدُوا الشِّرْكَ، وضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِمَن آتاهُ اللَّهُ الآياتِ فَوَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطانُ فانْسَلَخَ عَنِ الهُدى. ووَصَفَ حالَ أهْلِ الضَّلالَةِ ووَصَفَ تَكْذِيبَهم بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ووَصَفَ آلِهَتَهم بِما يُنافِي الإلَهِيَّةَ وأنَّ لِلَّهِ الصِّفاتِ الحُسْنى صِفاتِ الكَمالِ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمِينَ بِسَعَةِ الصَّدْرِ والمُداوَمَةِ عَلى الدَّعْوَةِ وحَذَّرَهم مِن مَداخِلِ الشَّيْطانِ بِمُراقَبَةِ اللَّهِ بِذِكْرِهِ سِرًّا وجَهْرًا والإقْبالِ عَلى عِبادَتِهِ.