Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الأعراف 7:44 – الأعراف 7:88
المحتويات
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:47
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:60
- الأعراف 7:61
- الأعراف 7:62
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:65
- الأعراف 7:66
- الأعراف 7:67
- الأعراف 7:68
- الأعراف 7:69
- الأعراف 7:70
- الأعراف 7:71
- الأعراف 7:72
- الأعراف 7:73
- الأعراف 7:74
- الأعراف 7:75
- الأعراف 7:76
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:79
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:81
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:84
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:87
- الأعراف 7:88
الأعراف 7:44
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] إلَخْ، عَطْفَ القَوْلِ عَلى القَوْلِ، إذْ حُكِيَ قَوْلُهم المُنْبِئُ عَنْ بَهْجَتِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ حُكِيَ ما يَقُولُونَهُ لِأهْلِ النّارِ حِينَما يُشاهِدُونَهم.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ بِمُناسَبَةِ الِانْتِقالِ مِن ذِكْرِ نِداءٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى ذِكْرِ مُناداةِ أهْلِ الآخِرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِأصْحابِ
صفحة ١٣٦
الجَنَّةِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ تَوْطِئَةً لِذِكْرِ نِداءِ أصْحابِ الأعْرافِ ونِداءِ أصْحابِ النّارِ، لِيُعَبِّرَ عَنْ كُلِّ فَرِيقٍ بِعُنْوانِهِ ولِيُكُونَ مِنهُ مُحَسِّنُ الطِّباقِ في مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابَ النّارِ﴾، وهَذا النِّداءُ خِطابٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالنِّداءِ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِهِ إلى أسْماعِ أصْحابِ النّارِ مِن مَسافَةٍ سَحِيقَةِ البُعْدِ، فَإنَّ سِعَةَ الجَنَّةِ وسِعَةَ النّارِ تَقْتَضِيانِ ذَلِكَ لا سِيَّما مَعَ قَوْلِهِ: (﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦])، ووَسِيلَةُ بُلُوغِ هَذا الخِطابِ مِنَ الجَنَّةِ إلى أصْحابِ النّارِ وسِيلَةٌ عَجِيبَةٌ غَيْرُ مُتَعارَفَةٍ.
وعِلْمُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ لا حَدَّ لِمُتَعَلَّقاتِهِما.
وأنْ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِلنِّداءِ.
والخَبَرُ الَّذِي هو ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الِاغْتِباطُ بِحالِهِمْ، وتَنْغِيصُ أعْدائِهِمْ بِعِلْمِهِمْ بِرَفاهِيَةِ حالِهِمْ، والتَّوَرُّكُ عَلى الأعْداءِ إذْ كانُوا يَحْسَبُونَهم قَدْ ضَلُّوا حِينَ فارَقُوا دِينَ آبائِهِمْ، وأنَّهم حَرَمُوا أنْفُسَهم طَيِّباتِ الدُّنْيا بِالِانْكِفافِ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٌ كُلُّها مِن لَوازِمِ الإخْبارِ، والمَعانِي الكِنائِيَّةُ لا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُها لِأنَّها تَبَعٌ لِلَّوازِمِ العَقْلِيَّةِ، وهَذِهِ الكِنايَةُ جُمِعَ فِيها بَيْنَ المَعْنى الصَّرِيحِ والمَعانِي الكِنائِيَّةِ، ولَكِنَّ المَعانِي الكِنائِيَّةَ هي المَقْصُودَةُ إذْ لَيْسَ القَصْدُ أنْ يَعْلَمَ أهْلُ النّارِ بِما حَصَلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ولَكِنَّ القَصْدَ ما يَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ. وأمّا المَعانِي الصَّرِيحَةُ فَمَدْلُولَةٌ بِالأصالَةِ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ المانِعَةِ.
والِاسْتِفْهامُ في جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ في تَوْقِيفِ المُخاطَبِينَ عَلى غَلَطِهِمْ، وإثارَةِ نَدامَتِهِمْ وغَمِّهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم، والشَّماتَةِ بِهِمْ في عَواقِبِ عِنادِهِمْ. والمَعانِي المَجازِيَّةُ الَّتِي عَلاقَتُها اللُّزُومُ يَجُوزُ تَعَدُّدُها مِثْلُ الكِنايَةِ، وقَرِينَةُ المَجازِ هي: ظُهُورُ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ يَعْلَمُونَ أنَّ أصْحابَ النّارِ وجَدُوا وعْدَهُ حَقًّا.
والوُجْدانُ: إلْفاءُ الشَّيْءِ ولُقِيُّهُ، قالَ تَعالى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، قالَ تَعالى ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩] ويَغْلِبُ أنْ
صفحة ١٣٧
يُذْكَرُ مَعَ المَفْعُولِ حالُهُ، فَقَوْلُهُ ﴿وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ مَعْناهُ ألْفَيْناهُ حالَ كَوْنِهِ حَقًّا لا تَخَلُّفَ في شَيْءٍ مِنهُ، فَلا يَدُلُّ قَوْلُهُ وجَدْنا عَلى سَبْقِ بَحَثٍ أوْ تَطَلُّبٍ لِلْمُطابَقَةِ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الوُجْدانُ في الإدْراكِ والظَّنِّ مَجازًا، وهو مَجازٌ شائِعٌ.
وما مَوْصُولَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ و﴿ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ ودَلَّتْ عَلى أنَّ الصِّلَةَ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ. عَلى تَفاوُتٍ في الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، فَقَدْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِنَعِيمٍ عَظِيمٍ، وتَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِعَذابٍ ألِيمٍ، سَمِعَ بَعْضُهم تَفاصِيلَ ذَلِكَ كُلَّها أوْ بَعْضَها، وسَمِعَ بَعْضُهم إجْمالَها: مُباشَرَةً أوْ بِالتَّناقُلِ عَنْ إخْوانِهِمْ، فَكانَ لِلْمَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ إيجازٌ بَدِيعٌ، والجَوابُ بِنَعَمْ تَحْقِيقٌ لِلْمَسْئُولِ عَنْهُ بِهَلْ: لِأنَّ السُّؤالَ بِهَلْ يَتَضَمَّنُ تَرْجِيحَ السّائِلِ وُقُوعَ المَسْئُولِ عَنْهُ. فَهو جَوابُ المُقِرِّ المُتَحَسِّرِ المُعْتَرِفِ، وقَدْ جاءَ الجَوابُ صالِحًا لِظاهِرِ السُّؤالِ وخَفِيِّهِ، فالمَقْصُودُ مِنَ الجَوابِ بِها تَحْقِيقُ ما أُرِيدَ بِالسُّؤالِ مِنَ المَعانِي حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، إذْ لَيْسَتْ (نَعَمْ) خاصَّةً بِتَحْقِيقِ المَعانِي الحَقِيقِيَّةِ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ وعَدَ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ لِمُجَرَّدِ الإيجازِ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ السُّؤالِ سُؤالُهم عَمّا يَخُصُّهم. فالتَّقْدِيرُ: فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم، أيْ مِنَ العَذابِ لِأنَّ الوَعْدَ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ.
ودَلَّتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ عَلى أنَّ التَّأْذِينَ مُسَبَّبٌ عَلى المُحاوَرَةِ تَحْقِيقًا لِمَقْصِدِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن سُؤالِ أهْلِ النّارِ مِن إظْهارِ غَلَطِهِمْ وفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ.
والتَّأْذِينُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ رَفْعًا يُسْمِعُ البَعِيدَ بِقَدْرِ الإمْكانِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأُذُنِ - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - جارِحَةِ السَّمْعِ المَعْرُوفَةِ، وهَذا التَّأْذِينُ إخْبارٌ بِاللَّعْنِ وهو الإبْعادُ عَنِ الخَيْرِ، أيْ إعْلامٌ بِأنَّ أهْلَ النّارِ مُبْعَدُونَ عَنْ
صفحة ١٣٨
رَحْمَةِ اللَّهِ، زِيادَةً في التَّأْيِيسِ لَهم، أوْ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِزِيادَةِ البُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ بِتَضْعِيفِ العَذابِ أوْ تَحْقِيقِ الخُلُودِ، ووُقُوعُ هَذا التَّأْذِينِ عَقِبَ المُحاوَرَةِ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ، وما تَبِعَهُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ، هم أصْحابُ النّارِ، والمَقْصُودُ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ تَفْظِيعُ حالِهِمْ، والنِّداءُ عَلى خُبْثِ نُفُوسِهِمْ، وفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بِتَخْفِيفِ نُونِ أنَّ عَلى أنَّها تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ أذَّنَ ورَفْعِ لَعْنَةُ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وبِنَصْبِ لَعْنَةُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَفْعُولُ أذَّنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: قائِلًا أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالظّالِمِينَ تَعْرِيفٌ لَهم بِوَصْفٍ جَرى مَجْرى اللَّقَبِ تُعْرَفُ بِهِ جَماعَتُهم، كَما يُقالُ: المُؤْمِنِينَ، لِأهْلِ الإسْلامِ، فَلا يُنافِي أنَّهم حِينَ وُصِفُوا بِهِ لَمْ يَكُونُوا ظالِمِينَ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا بُطْلانَ الشِّرْكِ حَقَّ العِلْمِ، وشَأْنُ اسْمِ الفاعِلِ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً في الحالِ مَجازًا في الِاسْتِقْبالِ، ولا يَكُونُ لِلْماضِي، وأمّا إجْراءُ الصِّلَةِ عَلَيْهِمْ بِالفِعْلَيْنِ المُضارِعَيْنِ في قَوْلِهِ يَصُدُّونَ وقَوْلِهِ ويَبْغُونَها وشَأْنُ المُضارِعِ الدَّلالَةُ عَلى حَدَثٍ حاصِلٍ في زَمَنِ الحالِ، وهم في زَمَنِ التَّأْذِينِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ولا بِبَغْيِ عِوَجِ السَّبِيلِ، فَذَلِكَ لِقَصْدِ ما يُفِيدُهُ المُضارِعُ مِن تَكَرُّرِ حُصُولِ الفِعْلِ تَبَعًا لِمَعْنى التَّجَدُّدِ، والمَعْنى وصْفُهم بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم في الزَّمَنِ الماضِي، وهو مَعْنى قَوْلِ عُلَماءِ المَعانِي: اسْتِحْضارُ الحالَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في الحِكايَةِ عَنْ نُوحٍ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] مَعَ أنَّ زَمَنَ صُنْعِ الفُلْكِ مَضى، وإنَّما قُصِدَ اسْتِحْضارُ حالَةِ التَّجَدُّدِ، وكَذَلِكَ وصْفُهم بِاسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ فَإنَّ حَقَّهُ الدَّلالَةُ عَلى زَمَنِ الحالِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا في الماضِي: أيْ كافِرُونَ بِالآخِرَةِ فِيما مَضى مِن حَياتِهِمُ الدُّنْيا، وكُلُّ ذَلِكَ اعْتِمادٌ عَلى قَرِينَةِ حالِ السّامِعِينَ المانِعَةِ مِن إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِن صِيغَةِ المُضارِعِ وصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ سامِعٍ أنَّ المَقْصُودِينَ صارُوا غَيْرَ مُتَلَبِّسِينَ بِتِلْكَ الأحْداثِ في وقْتِ التَّأْذِينِ، بَلْ تَلَبَّسُوا بِنَقائِضِها، فَإنَّهم
صفحة ١٣٩
حِينَئِذٍ قَدْ عَلِمُوا الحَقَّ وشاهَدُوهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم نَعَمْ وإنَّما عُرِّفُوا بِتِلْكَ الأحْوالِ الماضِيَةِ لِأنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ تُعْرَفُ بِالأحْوالِ الَّتِي كانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِها في مُدَّةِ الحَياةِ الأُولى، فَبِالمَوْتِ تَنْتَهِي أحْوالُ الإنْسانِ فَيَسْتَقِرُّ اتِّصافُ نَفْسِهِ بِما عاشَتْ عَلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ» رَواهُ مُسْلِمٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّعْنَةُ كانَتِ المَلائِكَةُ يَلْعَنُونَهم بِها في الدُّنْيا، فَجَهَرُوا بِها في الآخِرَةِ، لِأنَّها صارَتْ كالشِّعارِ لِلْكَفَرَةِ يُنادُونَ بِها، وهَذا كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «يُؤْتى بِالمُؤَذِّنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يَصْرُخُونَ بِالأذانِ» مَعَ أنَّ في ألْفاظِ الأذانِ ما لا يُقْصَدُ مَعْناهُ يَوْمَئِذٍ وهو: (حَيِّ عَلى الصَّلاةِ حَيِّ عَلى الفَلاحِ)، وفي حِكايَةِ ذَلِكَ هُنا إعْلامٌ لِأصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ في الدُّنْيا بِأنَّهم مَحْقُوقُونَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى.
والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: المُشْرِكُونَ، وبِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: إمّا تَعَرُّضُ المُشْرِكِينَ لِلرّاغِبِينَ في الإسْلامِ بِالأذى والصَّرْفِ عَنِ الدُّخُولِ في الدِّينِ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، وسَبِيلُ اللَّهِ ما بِهِ الوُصُولُ إلى مَرْضاتِهِ وهو الإسْلامُ، فَيَكُونُ الصَّدُّ مُرادًا بِهِ المُتَعَدِّي إلى المَفْعُولِ، وإمّا إعْراضُهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ وسَماعِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ الصَّدُّ مُرادًا بِهِ القاصِرُ، الَّذِي قِيلَ: إنَّ مُضارِعَهُ بِكَسْرِ الصّادِ، أوْ إنَّ حَقَّ مُضارِعِهِ كَسْرُ الصّادِ. إذْ قِيلَ لَمْ يُسْمَعْ مَكْسُورُ الصّادِ. وإنْ كانَ القِياسُ كَسْرُ الصّادِ في اللّازِمِ وضَمُّها في المُتَعَدِّي.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: ويَبْغُونَها عائِدٌ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] .
والعِوَجُ: ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِفَتْحِ العَيْنِ في الأجْسامِ، وبِكَسْرِ العَيْنِ في المَعانِي، وأصْلُهُ أنْ يَجُوزَ فِيهِ الفَتْحُ والكَسْرُ، ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّصَ الحَقِيقَةَ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ والمَجازَ بِالوَجْهِ الآخَرِ، وذَلِكَ مِن مَحاسِنِ الِاسْتِعْمالِ، فالإخْبارُ عَنِ السَّبِيلِ بِـ عِوَجٍ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ ويَرُومُونَ ويُحاوِلُونَ
صفحة ١٤٠
إظْهارَ هَذِهِ السَّبِيلِ عَوْجاءَ، أيْ يَخْتَلِقُونَ لَها نَقائِصَ يُمَوِّهُونَها عَلى النّاسِ تَنْفِيرًا عَنِ الإسْلامِ كَقَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
ووَرَدَ وصْفُهم بِالكُفْرِ بِطَرِيقِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الكُفْرِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِهِ مِنهم، لِأنَّ الكُفْرَ مِنَ الِاعْتِقاداتِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي لا يُناسِبُها التَّكَرُّرُ، فَلِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وصْفِهِمْ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وبَغْيِ إظْهارِ العِوَجِ فِيها، لِأنَّ ذَيْنَكَ مِنَ الأفْعالِ القابِلَةِ لِلتَّكْرِيرِ، بِخِلافِ الكُفْرِ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأفْعالِ، ولَكِنَّهُ مِنَ الِانْفِعالاتِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ.
الأعراف 7:45
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] إلَخْ، عَطْفَ القَوْلِ عَلى القَوْلِ، إذْ حُكِيَ قَوْلُهم المُنْبِئُ عَنْ بَهْجَتِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ حُكِيَ ما يَقُولُونَهُ لِأهْلِ النّارِ حِينَما يُشاهِدُونَهم.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ بِمُناسَبَةِ الِانْتِقالِ مِن ذِكْرِ نِداءٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى ذِكْرِ مُناداةِ أهْلِ الآخِرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِأصْحابِ
صفحة ١٣٦
الجَنَّةِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ تَوْطِئَةً لِذِكْرِ نِداءِ أصْحابِ الأعْرافِ ونِداءِ أصْحابِ النّارِ، لِيُعَبِّرَ عَنْ كُلِّ فَرِيقٍ بِعُنْوانِهِ ولِيُكُونَ مِنهُ مُحَسِّنُ الطِّباقِ في مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابَ النّارِ﴾، وهَذا النِّداءُ خِطابٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالنِّداءِ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِهِ إلى أسْماعِ أصْحابِ النّارِ مِن مَسافَةٍ سَحِيقَةِ البُعْدِ، فَإنَّ سِعَةَ الجَنَّةِ وسِعَةَ النّارِ تَقْتَضِيانِ ذَلِكَ لا سِيَّما مَعَ قَوْلِهِ: (﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦])، ووَسِيلَةُ بُلُوغِ هَذا الخِطابِ مِنَ الجَنَّةِ إلى أصْحابِ النّارِ وسِيلَةٌ عَجِيبَةٌ غَيْرُ مُتَعارَفَةٍ.
وعِلْمُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ لا حَدَّ لِمُتَعَلَّقاتِهِما.
وأنْ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِلنِّداءِ.
والخَبَرُ الَّذِي هو ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الِاغْتِباطُ بِحالِهِمْ، وتَنْغِيصُ أعْدائِهِمْ بِعِلْمِهِمْ بِرَفاهِيَةِ حالِهِمْ، والتَّوَرُّكُ عَلى الأعْداءِ إذْ كانُوا يَحْسَبُونَهم قَدْ ضَلُّوا حِينَ فارَقُوا دِينَ آبائِهِمْ، وأنَّهم حَرَمُوا أنْفُسَهم طَيِّباتِ الدُّنْيا بِالِانْكِفافِ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٌ كُلُّها مِن لَوازِمِ الإخْبارِ، والمَعانِي الكِنائِيَّةُ لا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُها لِأنَّها تَبَعٌ لِلَّوازِمِ العَقْلِيَّةِ، وهَذِهِ الكِنايَةُ جُمِعَ فِيها بَيْنَ المَعْنى الصَّرِيحِ والمَعانِي الكِنائِيَّةِ، ولَكِنَّ المَعانِي الكِنائِيَّةَ هي المَقْصُودَةُ إذْ لَيْسَ القَصْدُ أنْ يَعْلَمَ أهْلُ النّارِ بِما حَصَلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ولَكِنَّ القَصْدَ ما يَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ. وأمّا المَعانِي الصَّرِيحَةُ فَمَدْلُولَةٌ بِالأصالَةِ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ المانِعَةِ.
والِاسْتِفْهامُ في جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ في تَوْقِيفِ المُخاطَبِينَ عَلى غَلَطِهِمْ، وإثارَةِ نَدامَتِهِمْ وغَمِّهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم، والشَّماتَةِ بِهِمْ في عَواقِبِ عِنادِهِمْ. والمَعانِي المَجازِيَّةُ الَّتِي عَلاقَتُها اللُّزُومُ يَجُوزُ تَعَدُّدُها مِثْلُ الكِنايَةِ، وقَرِينَةُ المَجازِ هي: ظُهُورُ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ يَعْلَمُونَ أنَّ أصْحابَ النّارِ وجَدُوا وعْدَهُ حَقًّا.
والوُجْدانُ: إلْفاءُ الشَّيْءِ ولُقِيُّهُ، قالَ تَعالى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، قالَ تَعالى ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩] ويَغْلِبُ أنْ
صفحة ١٣٧
يُذْكَرُ مَعَ المَفْعُولِ حالُهُ، فَقَوْلُهُ ﴿وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ مَعْناهُ ألْفَيْناهُ حالَ كَوْنِهِ حَقًّا لا تَخَلُّفَ في شَيْءٍ مِنهُ، فَلا يَدُلُّ قَوْلُهُ وجَدْنا عَلى سَبْقِ بَحَثٍ أوْ تَطَلُّبٍ لِلْمُطابَقَةِ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الوُجْدانُ في الإدْراكِ والظَّنِّ مَجازًا، وهو مَجازٌ شائِعٌ.
وما مَوْصُولَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ و﴿ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ ودَلَّتْ عَلى أنَّ الصِّلَةَ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ. عَلى تَفاوُتٍ في الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، فَقَدْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِنَعِيمٍ عَظِيمٍ، وتَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِعَذابٍ ألِيمٍ، سَمِعَ بَعْضُهم تَفاصِيلَ ذَلِكَ كُلَّها أوْ بَعْضَها، وسَمِعَ بَعْضُهم إجْمالَها: مُباشَرَةً أوْ بِالتَّناقُلِ عَنْ إخْوانِهِمْ، فَكانَ لِلْمَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ إيجازٌ بَدِيعٌ، والجَوابُ بِنَعَمْ تَحْقِيقٌ لِلْمَسْئُولِ عَنْهُ بِهَلْ: لِأنَّ السُّؤالَ بِهَلْ يَتَضَمَّنُ تَرْجِيحَ السّائِلِ وُقُوعَ المَسْئُولِ عَنْهُ. فَهو جَوابُ المُقِرِّ المُتَحَسِّرِ المُعْتَرِفِ، وقَدْ جاءَ الجَوابُ صالِحًا لِظاهِرِ السُّؤالِ وخَفِيِّهِ، فالمَقْصُودُ مِنَ الجَوابِ بِها تَحْقِيقُ ما أُرِيدَ بِالسُّؤالِ مِنَ المَعانِي حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، إذْ لَيْسَتْ (نَعَمْ) خاصَّةً بِتَحْقِيقِ المَعانِي الحَقِيقِيَّةِ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ وعَدَ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ لِمُجَرَّدِ الإيجازِ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ السُّؤالِ سُؤالُهم عَمّا يَخُصُّهم. فالتَّقْدِيرُ: فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم، أيْ مِنَ العَذابِ لِأنَّ الوَعْدَ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ.
ودَلَّتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ عَلى أنَّ التَّأْذِينَ مُسَبَّبٌ عَلى المُحاوَرَةِ تَحْقِيقًا لِمَقْصِدِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن سُؤالِ أهْلِ النّارِ مِن إظْهارِ غَلَطِهِمْ وفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ.
والتَّأْذِينُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ رَفْعًا يُسْمِعُ البَعِيدَ بِقَدْرِ الإمْكانِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأُذُنِ - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - جارِحَةِ السَّمْعِ المَعْرُوفَةِ، وهَذا التَّأْذِينُ إخْبارٌ بِاللَّعْنِ وهو الإبْعادُ عَنِ الخَيْرِ، أيْ إعْلامٌ بِأنَّ أهْلَ النّارِ مُبْعَدُونَ عَنْ
صفحة ١٣٨
رَحْمَةِ اللَّهِ، زِيادَةً في التَّأْيِيسِ لَهم، أوْ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِزِيادَةِ البُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ بِتَضْعِيفِ العَذابِ أوْ تَحْقِيقِ الخُلُودِ، ووُقُوعُ هَذا التَّأْذِينِ عَقِبَ المُحاوَرَةِ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ، وما تَبِعَهُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ، هم أصْحابُ النّارِ، والمَقْصُودُ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ تَفْظِيعُ حالِهِمْ، والنِّداءُ عَلى خُبْثِ نُفُوسِهِمْ، وفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بِتَخْفِيفِ نُونِ أنَّ عَلى أنَّها تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ أذَّنَ ورَفْعِ لَعْنَةُ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وبِنَصْبِ لَعْنَةُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَفْعُولُ أذَّنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: قائِلًا أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالظّالِمِينَ تَعْرِيفٌ لَهم بِوَصْفٍ جَرى مَجْرى اللَّقَبِ تُعْرَفُ بِهِ جَماعَتُهم، كَما يُقالُ: المُؤْمِنِينَ، لِأهْلِ الإسْلامِ، فَلا يُنافِي أنَّهم حِينَ وُصِفُوا بِهِ لَمْ يَكُونُوا ظالِمِينَ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا بُطْلانَ الشِّرْكِ حَقَّ العِلْمِ، وشَأْنُ اسْمِ الفاعِلِ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً في الحالِ مَجازًا في الِاسْتِقْبالِ، ولا يَكُونُ لِلْماضِي، وأمّا إجْراءُ الصِّلَةِ عَلَيْهِمْ بِالفِعْلَيْنِ المُضارِعَيْنِ في قَوْلِهِ يَصُدُّونَ وقَوْلِهِ ويَبْغُونَها وشَأْنُ المُضارِعِ الدَّلالَةُ عَلى حَدَثٍ حاصِلٍ في زَمَنِ الحالِ، وهم في زَمَنِ التَّأْذِينِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ولا بِبَغْيِ عِوَجِ السَّبِيلِ، فَذَلِكَ لِقَصْدِ ما يُفِيدُهُ المُضارِعُ مِن تَكَرُّرِ حُصُولِ الفِعْلِ تَبَعًا لِمَعْنى التَّجَدُّدِ، والمَعْنى وصْفُهم بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم في الزَّمَنِ الماضِي، وهو مَعْنى قَوْلِ عُلَماءِ المَعانِي: اسْتِحْضارُ الحالَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في الحِكايَةِ عَنْ نُوحٍ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] مَعَ أنَّ زَمَنَ صُنْعِ الفُلْكِ مَضى، وإنَّما قُصِدَ اسْتِحْضارُ حالَةِ التَّجَدُّدِ، وكَذَلِكَ وصْفُهم بِاسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ فَإنَّ حَقَّهُ الدَّلالَةُ عَلى زَمَنِ الحالِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا في الماضِي: أيْ كافِرُونَ بِالآخِرَةِ فِيما مَضى مِن حَياتِهِمُ الدُّنْيا، وكُلُّ ذَلِكَ اعْتِمادٌ عَلى قَرِينَةِ حالِ السّامِعِينَ المانِعَةِ مِن إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِن صِيغَةِ المُضارِعِ وصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ سامِعٍ أنَّ المَقْصُودِينَ صارُوا غَيْرَ مُتَلَبِّسِينَ بِتِلْكَ الأحْداثِ في وقْتِ التَّأْذِينِ، بَلْ تَلَبَّسُوا بِنَقائِضِها، فَإنَّهم
صفحة ١٣٩
حِينَئِذٍ قَدْ عَلِمُوا الحَقَّ وشاهَدُوهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم نَعَمْ وإنَّما عُرِّفُوا بِتِلْكَ الأحْوالِ الماضِيَةِ لِأنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ تُعْرَفُ بِالأحْوالِ الَّتِي كانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِها في مُدَّةِ الحَياةِ الأُولى، فَبِالمَوْتِ تَنْتَهِي أحْوالُ الإنْسانِ فَيَسْتَقِرُّ اتِّصافُ نَفْسِهِ بِما عاشَتْ عَلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ» رَواهُ مُسْلِمٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّعْنَةُ كانَتِ المَلائِكَةُ يَلْعَنُونَهم بِها في الدُّنْيا، فَجَهَرُوا بِها في الآخِرَةِ، لِأنَّها صارَتْ كالشِّعارِ لِلْكَفَرَةِ يُنادُونَ بِها، وهَذا كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «يُؤْتى بِالمُؤَذِّنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يَصْرُخُونَ بِالأذانِ» مَعَ أنَّ في ألْفاظِ الأذانِ ما لا يُقْصَدُ مَعْناهُ يَوْمَئِذٍ وهو: (حَيِّ عَلى الصَّلاةِ حَيِّ عَلى الفَلاحِ)، وفي حِكايَةِ ذَلِكَ هُنا إعْلامٌ لِأصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ في الدُّنْيا بِأنَّهم مَحْقُوقُونَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى.
والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: المُشْرِكُونَ، وبِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: إمّا تَعَرُّضُ المُشْرِكِينَ لِلرّاغِبِينَ في الإسْلامِ بِالأذى والصَّرْفِ عَنِ الدُّخُولِ في الدِّينِ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، وسَبِيلُ اللَّهِ ما بِهِ الوُصُولُ إلى مَرْضاتِهِ وهو الإسْلامُ، فَيَكُونُ الصَّدُّ مُرادًا بِهِ المُتَعَدِّي إلى المَفْعُولِ، وإمّا إعْراضُهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ وسَماعِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ الصَّدُّ مُرادًا بِهِ القاصِرُ، الَّذِي قِيلَ: إنَّ مُضارِعَهُ بِكَسْرِ الصّادِ، أوْ إنَّ حَقَّ مُضارِعِهِ كَسْرُ الصّادِ. إذْ قِيلَ لَمْ يُسْمَعْ مَكْسُورُ الصّادِ. وإنْ كانَ القِياسُ كَسْرُ الصّادِ في اللّازِمِ وضَمُّها في المُتَعَدِّي.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: ويَبْغُونَها عائِدٌ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] .
والعِوَجُ: ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِفَتْحِ العَيْنِ في الأجْسامِ، وبِكَسْرِ العَيْنِ في المَعانِي، وأصْلُهُ أنْ يَجُوزَ فِيهِ الفَتْحُ والكَسْرُ، ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّصَ الحَقِيقَةَ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ والمَجازَ بِالوَجْهِ الآخَرِ، وذَلِكَ مِن مَحاسِنِ الِاسْتِعْمالِ، فالإخْبارُ عَنِ السَّبِيلِ بِـ عِوَجٍ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ ويَرُومُونَ ويُحاوِلُونَ
صفحة ١٤٠
إظْهارَ هَذِهِ السَّبِيلِ عَوْجاءَ، أيْ يَخْتَلِقُونَ لَها نَقائِصَ يُمَوِّهُونَها عَلى النّاسِ تَنْفِيرًا عَنِ الإسْلامِ كَقَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
ووَرَدَ وصْفُهم بِالكُفْرِ بِطَرِيقِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الكُفْرِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِهِ مِنهم، لِأنَّ الكُفْرَ مِنَ الِاعْتِقاداتِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي لا يُناسِبُها التَّكَرُّرُ، فَلِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وصْفِهِمْ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وبَغْيِ إظْهارِ العِوَجِ فِيها، لِأنَّ ذَيْنَكَ مِنَ الأفْعالِ القابِلَةِ لِلتَّكْرِيرِ، بِخِلافِ الكُفْرِ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأفْعالِ، ولَكِنَّهُ مِنَ الِانْفِعالاتِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ.
الأعراف 7:46
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَقْدِيمُ وبَيْنَهُما وهو خَبَرٌ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَكانِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ وما ذُكِرَ مِن شَأْنِهِ. وبِهَذا التَّقْدِيمِ صَحَّ تَصْحِيحُ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.
وضَمِيرُ بَيْنِهِما يَعُودُ إلى لَفْظَيِ الجَنَّةِ والنّارِ الواقِعَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] . وهُما اسْما مَكانٍ، فَيَصْلُحُ اعْتِبارُ
صفحة ١٤١
التَّوَسُّطِ بَيْنَهُما. وجُعِلَ الحِجابُ فَصْلًا بَيْنَهُما، وتَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ تُعَيِّنُ هَذا المَعْنى، ولَوْ أُرِيدَ مِنَ الضَّمِيرِ فَرِيقا أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، لَقالَ: بَيْنَهم. كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] الآيَةَ.
والحِجابُ سُورٌ ضُرِبَ فاصِلًا بَيْنَ مَكانِ الجَنَّةِ ومَكانِ جَهَنَّمَ، وقَدْ سَمّاهُ القُرْآنُ سُورًا في قَوْلِهِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحديد: ١٣] في سُورَةِ الحَدِيدِ، وسُمِّيَ السُّورُ حِجابًا لِأنَّهُ يُقْصَدُ مِنهُ الحَجْبُ والمَنعُ كَما سُمِّيَ سُورًا بِاعْتِبارِ الإحاطَةِ.
والأعْرافُ: جَمْعُ عُرْفٍ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَدْ تُضَمُّ الرّاءُ أيْضًا وهو أعْلى الشَّيْءِ ومِنهُ سُمِّيَ عُرْفُ الفَرَسِ، الشَّعْرُ الَّذِي في أعْلى رَقَبَتِهِ، وسُمِّيَ عُرْفُ الدِّيكِ. الرِّيشُ الَّذِي في أعْلى رَأْسِهِ.
و(ألْ) في الأعْرافِ لِلْعَهْدِ، وهي الأعْرافُ المَعْهُودَةُ الَّتِي تَكُونُ بارِزَةً في أعالِي السُّورِ، لِيَرْقُبَ مِنها النَّظّارَةُ حَرَكاتِ العَدِّ ولِيَشْعُرُوا بِهِ إذا داهَمَهم. ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِلْأعْرافِ هُنا حَتّى تُعَرَّفَ بِلامِ العَهْدِ، فَتَعَيَّنَ أنَّها ما يَعْهَدُهُ النّاسُ في الأسْوارِ، أوْ يَجْعَلُ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ وعَلى أعْرافِ السُّورِ، وهُما وجْهانِ في نَظائِرِ هَذا التَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] وأيًّا ما كانَ فَنَظْمُ الآيَةِ يَأْبى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأعْرافِ مَكانًا مَخْصُوصًا يَتَعَرَّفُ مِنهُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، إذْ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِهِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ الحَدِيثِ عَنْهُ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَصْحِيحِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، إذِ اقْتَضى المَقامُ الحَدِيثَ عَنْ رِجالٍ مَجْهُولِينَ يَكُونُونَ عَلى أعْرافِ هَذا الحِجابِ. قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيَشْهَدُونَ هُنالِكَ أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ وأحْوالَ أهْلِ النّارِ، ويَعْرِفُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ كانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ في الدُّنْيا، وكانُوا يُكَذِّبُونَ وعْدَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ. ولَيْسَ تَخْصِيصُ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ بِمُقْتَضٍ أنْ لَيْسَ في أهْلِ الأعْرافِ نِساءٌ، ولا اخْتِصاصُ هَؤُلاءِ الرِّجالِ المُتَحَدَّثِ
صفحة ١٤٢
عَنْهم بِذَلِكَ المَكانِ دُونَ سِواهم مِنَ الرِّجالِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ رِجالٌ يَقَعُ لَهم هَذا الخَبَرُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلِاعْتِبارِ عَلى وجْهِ المُصادَفَةِ، لا لِقَصْدِ تَقْسِيمِ أهْلِ الآخِرَةِ وأمْكِنَتِهِمْ، ولَعَلَّ تَوَهُّمَ أنَّ تَخْصِيصَ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ لِقَصْدِ التَّقْسِيمِ قَدْ أوْقَعَ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ في حَيْرَةٍ لِتَطَلُّبِ المَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أهْلُ الأعْرافِ قَدِ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ المَكانَ لِأجْلِ حالَةٍ لا حَظَّ لِلنِّساءِ فِيها، فَبَعْضُهم حَمَلَ الرِّجالَ عَلى الحَقِيقَةِ فَتَطَلَّبَ عَمَلًا يَعْمَلُهُ الرِّجالُ لا حَظَّ لِلنِّساءِ فِيهِ في الإسْلامِ، ولَيْسَ إلّا الجِهادُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ جاهَدُوا وكانُوا عاصِينَ لِآبائِهِمْ، وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ حَمَلَ الرِّجالَ عَلى المَجازِ بِمَعْنى الأشْخاصِ مِنَ المَلائِكَةِ، أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الرِّجالَ لِأنَّهم لَيْسُوا إناثًا كَما أُطْلِقَ عَلى أشْخاصِ الجِنِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] فَيَظْهَرُ وجْهٌ لِتَخْصِيصِ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ تَبَعًا لِما في بَعْضِ تِلْكَ الأحادِيثِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها.
وأمّا ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ مَوازِينُ حَسَناتِهِمْ مَعَ مَوازِينِ سَيِّئاتِهِمْ، ويَكُونُ إطْلاقُ الرِّجالِ عَلَيْهِمْ تَغْلِيبًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ نِساءٌ، ويُرْوى فِيهِ أخْبارٌ مُسْنَدَةٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الصَّحِيحِ ولَمْ تَنْزِلْ إلى رُتْبَةِ الضَّعِيفِ: رَوى بَعْضُها ابْنُ ماجَهْ، وبَعْضُها ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وبَعْضُها الطَّبَرِيُّ، فَإذا صَحَّتْ فَإنَّ المُرادَ مِنها أنَّ مَن كانَتْ تِلْكَ حالَتُهم يَكُونُونَ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الأعْرافِ المُخْبَرِ عَنْهم في القُرْآنِ بِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ وهم يَطْمَعُونَ، ولَيْسَ المُرادُ مِنها أنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فِيها.
والَّذِي يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الآيَةِ بِهِ: أنَّ هَذِهِ الأعْرافَ جَعَلَها اللَّهُ مَكانًا يُوقِفُ بِهِ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قَبْلَ دُخُولِهِ إيّاها، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ العِقابِ خَفِيفٌ، فَجَعَلَ الدّاخِلِينَ إلى الجَنَّةِ مُتَفاوِتِينَ في السَّبْقِ تَفاوُتًا يَعْلَمُ اللَّهُ أسْبابَهُ ومَقادِيرَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] . وخَصَّ اللَّهُ
صفحة ١٤٣
بِالحَدِيثِ في هَذِهِ الآياتِ رِجالًا مِن أصْحابِ الأعْرافِ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأعْرافِ مِنَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مِن سائِرِ الأُمَمِ المُؤْمِنِينَ بِرُسُلِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ هم مَن كانَ مِنَ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وتَنْوِينُ كُلًّا عَوِضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَعْرُوفِ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ أيْ كُلَّ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ.
والسِّيما بِالقَصْرِ السِّمَةُ أيِ العَلامَةُ، أيْ بِعَلّامَةٍ مَيَّزَ اللَّهُ بِها أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها واشْتِقاقُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ونِداؤُهم أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ يُؤْذِنُ بِأنَّهم في اتِّصالٍ بَعِيدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ أمارَةً لَهم بِحُسْنِ عاقِبَتِهِمْ تَرْتاحُ لَها نُفُوسُهم، ويَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلى الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ حَكى اللَّهُ حالَهم هَذِهِ لِلنّاسِ إيذانًا بِذَلِكَ وبانَ طَمَعُهم في قَوْلِهِ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ هو طَمَعٌ مُسْتَنِدٌ إلى عَلاماتِ وُقُوعِ المَطْمُوعِ فِيهِ، فَهو مِن صِنْفِ الرَّجاءِ كَقَوْلِهِ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] .
وأنْ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ، وهو القَوْلُ سَلامٌ عَلَيْكم.
وسَلامٌ عَلَيْكم دُعاءُ تَحِيَّةٍ وإكْرامٍ.
وجُمْلَةُ لَمْ يَدْخُلُوها ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ. لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ يُثِيرُ سُؤالًا يَبْحَثُ عَنْ كَوْنِهِمْ صائِرِينَ إلى الجَنَّةِ أوْ إلى غَيْرِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَدْخُلُوها والجُمْلَتانِ مَعًا مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ وجُمْلَةُ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ .
والصَّرْفُ: أمَرُ الحالِ بِمُغادَرَةِ المَكانِ. والصَّرْفُ هُنا مَجازٌ في الِالتِفاتِ أوِ اسْتِعارَةٌ. وإسْنادُهُ إلى المَجْهُولِ هُنا جارٍ عَلى المُتَعارَفِ في أمْثالِهِ مِنَ
صفحة ١٤٤
الأفْعالِ الَّتِي لا يُتَطَلَّبُ لَها فاعِلٌ، وقَدْ تَكَوَّنَ لِهَذا الإسْنادِ هُنا فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهم لا يَنْظُرُونَ إلى أهْلِ النّارِ إلّا نَظَرًا شَبِيهًا بِفِعْلِ مَن يَحْمِلُهُ عَلى الفِعْلِ حامِلٌ، وذَلِكَ أنَّ النَّفْسَ وإنْ كانَتْ تَكْرَهُ المَناظِرَ السَّيِّئَةَ فَإنَّ حُبَّ الِاطِّلاعِ يَحْمِلُها عَلى أنْ تُوَجِّهَ النَّظَرَ إلَيْها آوِنَةً لِتَحْصِيلِ ما هو مَجْهُولٌ لَدَيْها.
والتِّلْقاءُ: مَكانُ وُجُودِ الشَّيْءِ، وهو مَنقُولٌ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي هو بِمَعْنى اللِّقاءِ، لِأنَّ مَحَلَّ الوُجُودِ مُلاقٍ لِلْمَوْجُودِ فِيهِ.
الأعراف 7:47
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَقْدِيمُ وبَيْنَهُما وهو خَبَرٌ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَكانِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ وما ذُكِرَ مِن شَأْنِهِ. وبِهَذا التَّقْدِيمِ صَحَّ تَصْحِيحُ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.
وضَمِيرُ بَيْنِهِما يَعُودُ إلى لَفْظَيِ الجَنَّةِ والنّارِ الواقِعَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] . وهُما اسْما مَكانٍ، فَيَصْلُحُ اعْتِبارُ
صفحة ١٤١
التَّوَسُّطِ بَيْنَهُما. وجُعِلَ الحِجابُ فَصْلًا بَيْنَهُما، وتَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ تُعَيِّنُ هَذا المَعْنى، ولَوْ أُرِيدَ مِنَ الضَّمِيرِ فَرِيقا أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، لَقالَ: بَيْنَهم. كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] الآيَةَ.
والحِجابُ سُورٌ ضُرِبَ فاصِلًا بَيْنَ مَكانِ الجَنَّةِ ومَكانِ جَهَنَّمَ، وقَدْ سَمّاهُ القُرْآنُ سُورًا في قَوْلِهِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحديد: ١٣] في سُورَةِ الحَدِيدِ، وسُمِّيَ السُّورُ حِجابًا لِأنَّهُ يُقْصَدُ مِنهُ الحَجْبُ والمَنعُ كَما سُمِّيَ سُورًا بِاعْتِبارِ الإحاطَةِ.
والأعْرافُ: جَمْعُ عُرْفٍ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَدْ تُضَمُّ الرّاءُ أيْضًا وهو أعْلى الشَّيْءِ ومِنهُ سُمِّيَ عُرْفُ الفَرَسِ، الشَّعْرُ الَّذِي في أعْلى رَقَبَتِهِ، وسُمِّيَ عُرْفُ الدِّيكِ. الرِّيشُ الَّذِي في أعْلى رَأْسِهِ.
و(ألْ) في الأعْرافِ لِلْعَهْدِ، وهي الأعْرافُ المَعْهُودَةُ الَّتِي تَكُونُ بارِزَةً في أعالِي السُّورِ، لِيَرْقُبَ مِنها النَّظّارَةُ حَرَكاتِ العَدِّ ولِيَشْعُرُوا بِهِ إذا داهَمَهم. ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِلْأعْرافِ هُنا حَتّى تُعَرَّفَ بِلامِ العَهْدِ، فَتَعَيَّنَ أنَّها ما يَعْهَدُهُ النّاسُ في الأسْوارِ، أوْ يَجْعَلُ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ وعَلى أعْرافِ السُّورِ، وهُما وجْهانِ في نَظائِرِ هَذا التَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] وأيًّا ما كانَ فَنَظْمُ الآيَةِ يَأْبى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأعْرافِ مَكانًا مَخْصُوصًا يَتَعَرَّفُ مِنهُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، إذْ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِهِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ الحَدِيثِ عَنْهُ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَصْحِيحِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، إذِ اقْتَضى المَقامُ الحَدِيثَ عَنْ رِجالٍ مَجْهُولِينَ يَكُونُونَ عَلى أعْرافِ هَذا الحِجابِ. قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيَشْهَدُونَ هُنالِكَ أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ وأحْوالَ أهْلِ النّارِ، ويَعْرِفُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ كانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ في الدُّنْيا، وكانُوا يُكَذِّبُونَ وعْدَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ. ولَيْسَ تَخْصِيصُ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ بِمُقْتَضٍ أنْ لَيْسَ في أهْلِ الأعْرافِ نِساءٌ، ولا اخْتِصاصُ هَؤُلاءِ الرِّجالِ المُتَحَدَّثِ
صفحة ١٤٢
عَنْهم بِذَلِكَ المَكانِ دُونَ سِواهم مِنَ الرِّجالِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ رِجالٌ يَقَعُ لَهم هَذا الخَبَرُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلِاعْتِبارِ عَلى وجْهِ المُصادَفَةِ، لا لِقَصْدِ تَقْسِيمِ أهْلِ الآخِرَةِ وأمْكِنَتِهِمْ، ولَعَلَّ تَوَهُّمَ أنَّ تَخْصِيصَ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ لِقَصْدِ التَّقْسِيمِ قَدْ أوْقَعَ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ في حَيْرَةٍ لِتَطَلُّبِ المَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أهْلُ الأعْرافِ قَدِ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ المَكانَ لِأجْلِ حالَةٍ لا حَظَّ لِلنِّساءِ فِيها، فَبَعْضُهم حَمَلَ الرِّجالَ عَلى الحَقِيقَةِ فَتَطَلَّبَ عَمَلًا يَعْمَلُهُ الرِّجالُ لا حَظَّ لِلنِّساءِ فِيهِ في الإسْلامِ، ولَيْسَ إلّا الجِهادُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ جاهَدُوا وكانُوا عاصِينَ لِآبائِهِمْ، وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ حَمَلَ الرِّجالَ عَلى المَجازِ بِمَعْنى الأشْخاصِ مِنَ المَلائِكَةِ، أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الرِّجالَ لِأنَّهم لَيْسُوا إناثًا كَما أُطْلِقَ عَلى أشْخاصِ الجِنِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] فَيَظْهَرُ وجْهٌ لِتَخْصِيصِ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ تَبَعًا لِما في بَعْضِ تِلْكَ الأحادِيثِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها.
وأمّا ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ مَوازِينُ حَسَناتِهِمْ مَعَ مَوازِينِ سَيِّئاتِهِمْ، ويَكُونُ إطْلاقُ الرِّجالِ عَلَيْهِمْ تَغْلِيبًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ نِساءٌ، ويُرْوى فِيهِ أخْبارٌ مُسْنَدَةٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الصَّحِيحِ ولَمْ تَنْزِلْ إلى رُتْبَةِ الضَّعِيفِ: رَوى بَعْضُها ابْنُ ماجَهْ، وبَعْضُها ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وبَعْضُها الطَّبَرِيُّ، فَإذا صَحَّتْ فَإنَّ المُرادَ مِنها أنَّ مَن كانَتْ تِلْكَ حالَتُهم يَكُونُونَ مِن جُمْلَةِ أهْلِ الأعْرافِ المُخْبَرِ عَنْهم في القُرْآنِ بِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ وهم يَطْمَعُونَ، ولَيْسَ المُرادُ مِنها أنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فِيها.
والَّذِي يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الآيَةِ بِهِ: أنَّ هَذِهِ الأعْرافَ جَعَلَها اللَّهُ مَكانًا يُوقِفُ بِهِ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قَبْلَ دُخُولِهِ إيّاها، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ العِقابِ خَفِيفٌ، فَجَعَلَ الدّاخِلِينَ إلى الجَنَّةِ مُتَفاوِتِينَ في السَّبْقِ تَفاوُتًا يَعْلَمُ اللَّهُ أسْبابَهُ ومَقادِيرَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] . وخَصَّ اللَّهُ
صفحة ١٤٣
بِالحَدِيثِ في هَذِهِ الآياتِ رِجالًا مِن أصْحابِ الأعْرافِ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأعْرافِ مِنَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مِن سائِرِ الأُمَمِ المُؤْمِنِينَ بِرُسُلِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ هم مَن كانَ مِنَ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وتَنْوِينُ كُلًّا عَوِضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَعْرُوفِ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ أيْ كُلَّ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ.
والسِّيما بِالقَصْرِ السِّمَةُ أيِ العَلامَةُ، أيْ بِعَلّامَةٍ مَيَّزَ اللَّهُ بِها أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها واشْتِقاقُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ونِداؤُهم أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ يُؤْذِنُ بِأنَّهم في اتِّصالٍ بَعِيدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ أمارَةً لَهم بِحُسْنِ عاقِبَتِهِمْ تَرْتاحُ لَها نُفُوسُهم، ويَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلى الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ حَكى اللَّهُ حالَهم هَذِهِ لِلنّاسِ إيذانًا بِذَلِكَ وبانَ طَمَعُهم في قَوْلِهِ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ هو طَمَعٌ مُسْتَنِدٌ إلى عَلاماتِ وُقُوعِ المَطْمُوعِ فِيهِ، فَهو مِن صِنْفِ الرَّجاءِ كَقَوْلِهِ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] .
وأنْ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ، وهو القَوْلُ سَلامٌ عَلَيْكم.
وسَلامٌ عَلَيْكم دُعاءُ تَحِيَّةٍ وإكْرامٍ.
وجُمْلَةُ لَمْ يَدْخُلُوها ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ. لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ يُثِيرُ سُؤالًا يَبْحَثُ عَنْ كَوْنِهِمْ صائِرِينَ إلى الجَنَّةِ أوْ إلى غَيْرِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَدْخُلُوها والجُمْلَتانِ مَعًا مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ وجُمْلَةُ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ .
والصَّرْفُ: أمَرُ الحالِ بِمُغادَرَةِ المَكانِ. والصَّرْفُ هُنا مَجازٌ في الِالتِفاتِ أوِ اسْتِعارَةٌ. وإسْنادُهُ إلى المَجْهُولِ هُنا جارٍ عَلى المُتَعارَفِ في أمْثالِهِ مِنَ
صفحة ١٤٤
الأفْعالِ الَّتِي لا يُتَطَلَّبُ لَها فاعِلٌ، وقَدْ تَكَوَّنَ لِهَذا الإسْنادِ هُنا فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهم لا يَنْظُرُونَ إلى أهْلِ النّارِ إلّا نَظَرًا شَبِيهًا بِفِعْلِ مَن يَحْمِلُهُ عَلى الفِعْلِ حامِلٌ، وذَلِكَ أنَّ النَّفْسَ وإنْ كانَتْ تَكْرَهُ المَناظِرَ السَّيِّئَةَ فَإنَّ حُبَّ الِاطِّلاعِ يَحْمِلُها عَلى أنْ تُوَجِّهَ النَّظَرَ إلَيْها آوِنَةً لِتَحْصِيلِ ما هو مَجْهُولٌ لَدَيْها.
والتِّلْقاءُ: مَكانُ وُجُودِ الشَّيْءِ، وهو مَنقُولٌ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي هو بِمَعْنى اللِّقاءِ، لِأنَّ مَحَلَّ الوُجُودِ مُلاقٍ لِلْمَوْجُودِ فِيهِ.
الأعراف 7:48
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿أصْحابُ الأعْرافِ﴾ لِلْعَهْدِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هُنا ﴿رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ﴾ إذْ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الرِّجالُ يُنادِيهِمْ جَمِيعُ مَن كانَ عَلى الأعْرافِ، ولا أنْ يَعْرِفَهم بِسِيماهم جَمِيعُ الَّذِينَ كانُوا عَلى الأعْرافِ، مَعَ اخْتِلافِ العُصُورِ والأُمَمِ، فالمَقْصُودُ بِأصْحابِ الأعْرافِ هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في الآيَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونادى أُولَئِكَ الرِّجالُ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ رِجالًا. والتَّعْبِيرُ عَنْهم هُنا بِأصْحابِ الأعْرافِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، إذْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ. ونادَوْا رِجالًا، إلّا أنَّهُ لَمّا تَعَدَّدَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ما يَصْلُحُ لِعَوْدِ الضَّمائِرِ إلَيْهِ وقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ دَفْعًا لِلِالتِباسِ.
صفحة ١٤٥
والنِّداءُ يُؤْذِنُ بِبُعْدِ المُخاطَبِ فَيَظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ لَمّا تَطَلَّعُوا بِأبْصارِهِمْ إلى النّارِ عَرَفُوا رِجالًا، أوْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمّا مُرَّ عَلَيْهِمْ بِأهْلِ النّارِ عَرَفُوا رِجالًا كانُوا جَبّارِينَ في الدُّنْيا. والسِّيما هُنا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها المُشَخِّصاتِ الذّاتِيَّةَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِها الأشْخاصُ، ولَيْسَتِ السِّيما الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها أهْلُ النّارِ كُلُّهم كَما هو في الآيَةِ السّابِقَةِ.
فالمَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن أمْرِ الآخِرَةِ. فِيهِ نِذارَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَبابِرَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يُحَقِّرُونَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِمْ عَبِيدٌ وفُقَراءُ فَإذا سَمِعُوا بِشاراتِ القُرْآنِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ سَكَتُوا عَمَّنْ كانَ مِن أحْرارِ المُسْلِمِينَ وسادَتِهِمْ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الضِّعافُ والعَبِيدُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ فَرَضُوا صِدْقَ وُجُودِ جَنَّةٍ، فَلَيْسَ هَؤُلاءِ بِأهْلٍ لِسُكْنى الجَنَّةِ لِأنَّهم ما كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالجَنَّةِ، وقَصْدُهم مِن هَذا تَكْذِيبُ النَّبِيءِ ﷺ وإظْهارِ ما يَحْسَبُونَهُ خَطَلًا مِن أقْوالِهِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] فَجَعَلُوا تَمَزُّقَ الأجْسادِ وفَناءَها دَلِيلًا عَلى إبْطالِ الحَشْرِ. وسَكَتُوا عَنْ حَشْرِ الأجْسادِ الَّتِي لَمْ تُمَزَّقْ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن سُوءِ الفَهْمِ وضَعْفِ الإدْراكِ والتَّخْلِيطِ بَيْنَ العادِيّاتِ والعَقْلِيّاتِ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: يُنادِي أهْلُ الأعْرافِ وهم عَلى السُّورِ يا ولِيدُ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلَ بْنَ هِشامٍ يا فُلانُ ويا فُلانُ فَهَؤُلاءِ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم وكانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ.
ومَعْنى جَمْعُكم يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ النّاسِ، أيْ ما أغْنَتْ عَنْكم كَثْرَتُكُمُ الَّتِي تَعْتَزُّونَ بِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ مِنَ الجَمْعِ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ ما جَمَعْتُمُوهُ مِنَ المالِ والثَّرْوَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] .
صفحة ١٤٦
وما الأُولى نافِيَةٌ، ومَعْنى ﴿ما أغْنى﴾ ما أجْزى مَصْدَرُهُ الغَناءُ بِفَتْحِ الغَيْنِ وبِالمَدِّ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّماتَةِ والتَّوْقِيفِ عَلى الخَطَأِ.
وما الثّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ واسْتِكْبارُكُمُ الَّذِي مَضى في الدُّنْيا، ووَجْهُ صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ دُونَ المَصْدَرِ إذْ لَمْ يَقُلْ اسْتِكْبارُكم لِيَتَوَسَّلَ بِالفِعْلِ إلى كَوْنِهِ مُضارِعًا فَيُفِيدُ أنَّ الِاسْتِكْبارَ كانَ دَأْبَهم لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ.
وجُمْلَةُ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ.
والإشارَةُ بِـ أهَؤُلاءِ إلى قَوْمٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ في الدُّنْيا ومُحَقَّرِينَ عِنْدَ المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ هَؤُلاءِ مِثْلُ سَلْمانَ، وبِلالٍ، وخَبّابٍ، وصُهَيْبٍ مِن ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، فَإمّا أنْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ قَدِ اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ فَجَلّاهم اللَّهُ لِأهْلِ الأعْرافِ ولِلرِّجالِ الَّذِينَ خاطَبُوهم، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحِوارُ قَدْ وقَعَ قَبْلَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ. وقَسَمُهم عَلَيْهِمْ لِإظْهارِ تَصَلُّبِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ وأنَّهم لا يُخامِرُهم شَكٌّ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] .
وقَوْلُهُ لا ﴿يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ، وقَدْ سَلَّطُوا النَّفْيَ في كَلامِهِمْ عَلى مُراعاةِ نَفْيِ كَلامٍ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوِ المُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ أنَّ بِشاراتِ القُرْآنِ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ، ووَعْدَهُ إيّاهم بِالجَنَّةِ، وثَناءَهُ عَلَيْهِمْ نَزَلَ مَنزِلَةَ كَلامٍ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَنالُهم بِرَحْمَةٍ، أيْ بِأنْ جَعَلَ إيواءَ اللَّهِ إيّاهم بِدارِ رَحْمَتِهِ، أيِ الجَنَّةِ، بِمَنزِلَةِ النَّيْلِ وهو حُصُولُ الأمْرِ المَحْبُوبِ المَبْحُوثِ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] آنِفًا، فَأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ الإيواءِ فِعْلَ يَنالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.
صفحة ١٤٧
وجُعِلَتِ الرَّحْمَةُ بِمَنزِلَةِ الآلَةِ لِلنَّيْلِ كَما يُقالُ: نالَ الثَّمَرَةَ بِمِحْجَنٍ، فالباءُ لِلْآلَةِ. أوْ جُعِلَتِ الرَّحْمَةُ مُلابَسَةً لِلنَّيْلِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والنَّيْلُ هُنا اسْتِعارَةٌ، وقَدْ عَمَدُوا إلى هَذا الكَلامِ المُقَدَّرِ فَنَفَوْهُ فَقالُوا: (لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ)
وهَذا النَّظْمُ الَّذِي حُكِيَ بِهِ قَسَمُهم يُؤْذِنُ بِتَهَكُّمِهِمْ بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وقَدْ أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسَبِ نَظْمِها.
وجُمْلَةُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ قِيلَ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وحَذْفُ القَوْلِ في مِثْلِهِ كَثِيرٌ ولا سِيَّما إذا كانَ المَقُولُ جُمْلَةً إنْشائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: قالَ لَهُمُ اللَّهُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَكَذَّبَ اللَّهُ قَسَمَكم وخَيَّبَ ظَنَّكم، وهَذا كُلُّهُ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ لِلدُّعاءِ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ بِهَؤُلاءِ هم أُناسٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، لِأنَّ ذَلِكَ الحِينَ قَدِ اسْتَقَرَّ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، كَما تَقْتَضِيهِ الآياتُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] إلى قَوْلِهِ ﴿القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] فَلِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ جَعْلُ الأمْرِ لِلدُّعاءِ كَما في قَوْلِ المَعَرِّيِّ:
ابْقَ في نِعْمَةٍ بَقاءَ الدُّهُـورِ نافِذَ الحُكْمِ في جَمِيعِ الأُمُورِ
وإذْ قَدْ كانَ الدُّخُولُ حاصِلًا فالدُّعاءُ بِهِ لِإرادَةِ الدَّوامِ كَما يَقُولُ الدّاعِي عَلى الخارِجِ: اخْرُجْ غَيْرَ مَأْسُوفٍ عَلَيْكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.
ورُفِعَ خَوْفٌ مَعَ لا لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي الَّتِي لَيْسَتْ لَها أفْرادٌ في الخارِجِ يَسْتَوِي في نَفْيِها بِلا الرَّفْعُ والفَتْحُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.
الأعراف 7:49
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿أصْحابُ الأعْرافِ﴾ لِلْعَهْدِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هُنا ﴿رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ﴾ إذْ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الرِّجالُ يُنادِيهِمْ جَمِيعُ مَن كانَ عَلى الأعْرافِ، ولا أنْ يَعْرِفَهم بِسِيماهم جَمِيعُ الَّذِينَ كانُوا عَلى الأعْرافِ، مَعَ اخْتِلافِ العُصُورِ والأُمَمِ، فالمَقْصُودُ بِأصْحابِ الأعْرافِ هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في الآيَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونادى أُولَئِكَ الرِّجالُ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ رِجالًا. والتَّعْبِيرُ عَنْهم هُنا بِأصْحابِ الأعْرافِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، إذْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ. ونادَوْا رِجالًا، إلّا أنَّهُ لَمّا تَعَدَّدَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ما يَصْلُحُ لِعَوْدِ الضَّمائِرِ إلَيْهِ وقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ دَفْعًا لِلِالتِباسِ.
صفحة ١٤٥
والنِّداءُ يُؤْذِنُ بِبُعْدِ المُخاطَبِ فَيَظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ لَمّا تَطَلَّعُوا بِأبْصارِهِمْ إلى النّارِ عَرَفُوا رِجالًا، أوْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمّا مُرَّ عَلَيْهِمْ بِأهْلِ النّارِ عَرَفُوا رِجالًا كانُوا جَبّارِينَ في الدُّنْيا. والسِّيما هُنا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها المُشَخِّصاتِ الذّاتِيَّةَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِها الأشْخاصُ، ولَيْسَتِ السِّيما الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها أهْلُ النّارِ كُلُّهم كَما هو في الآيَةِ السّابِقَةِ.
فالمَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن أمْرِ الآخِرَةِ. فِيهِ نِذارَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَبابِرَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يُحَقِّرُونَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِمْ عَبِيدٌ وفُقَراءُ فَإذا سَمِعُوا بِشاراتِ القُرْآنِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ سَكَتُوا عَمَّنْ كانَ مِن أحْرارِ المُسْلِمِينَ وسادَتِهِمْ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الضِّعافُ والعَبِيدُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ فَرَضُوا صِدْقَ وُجُودِ جَنَّةٍ، فَلَيْسَ هَؤُلاءِ بِأهْلٍ لِسُكْنى الجَنَّةِ لِأنَّهم ما كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالجَنَّةِ، وقَصْدُهم مِن هَذا تَكْذِيبُ النَّبِيءِ ﷺ وإظْهارِ ما يَحْسَبُونَهُ خَطَلًا مِن أقْوالِهِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] فَجَعَلُوا تَمَزُّقَ الأجْسادِ وفَناءَها دَلِيلًا عَلى إبْطالِ الحَشْرِ. وسَكَتُوا عَنْ حَشْرِ الأجْسادِ الَّتِي لَمْ تُمَزَّقْ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن سُوءِ الفَهْمِ وضَعْفِ الإدْراكِ والتَّخْلِيطِ بَيْنَ العادِيّاتِ والعَقْلِيّاتِ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: يُنادِي أهْلُ الأعْرافِ وهم عَلى السُّورِ يا ولِيدُ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلَ بْنَ هِشامٍ يا فُلانُ ويا فُلانُ فَهَؤُلاءِ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم وكانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ.
ومَعْنى جَمْعُكم يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ النّاسِ، أيْ ما أغْنَتْ عَنْكم كَثْرَتُكُمُ الَّتِي تَعْتَزُّونَ بِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ مِنَ الجَمْعِ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ ما جَمَعْتُمُوهُ مِنَ المالِ والثَّرْوَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] .
صفحة ١٤٦
وما الأُولى نافِيَةٌ، ومَعْنى ﴿ما أغْنى﴾ ما أجْزى مَصْدَرُهُ الغَناءُ بِفَتْحِ الغَيْنِ وبِالمَدِّ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّماتَةِ والتَّوْقِيفِ عَلى الخَطَأِ.
وما الثّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ واسْتِكْبارُكُمُ الَّذِي مَضى في الدُّنْيا، ووَجْهُ صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ دُونَ المَصْدَرِ إذْ لَمْ يَقُلْ اسْتِكْبارُكم لِيَتَوَسَّلَ بِالفِعْلِ إلى كَوْنِهِ مُضارِعًا فَيُفِيدُ أنَّ الِاسْتِكْبارَ كانَ دَأْبَهم لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ.
وجُمْلَةُ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ.
والإشارَةُ بِـ أهَؤُلاءِ إلى قَوْمٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ في الدُّنْيا ومُحَقَّرِينَ عِنْدَ المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ هَؤُلاءِ مِثْلُ سَلْمانَ، وبِلالٍ، وخَبّابٍ، وصُهَيْبٍ مِن ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، فَإمّا أنْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ قَدِ اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ فَجَلّاهم اللَّهُ لِأهْلِ الأعْرافِ ولِلرِّجالِ الَّذِينَ خاطَبُوهم، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحِوارُ قَدْ وقَعَ قَبْلَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ. وقَسَمُهم عَلَيْهِمْ لِإظْهارِ تَصَلُّبِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ وأنَّهم لا يُخامِرُهم شَكٌّ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] .
وقَوْلُهُ لا ﴿يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ، وقَدْ سَلَّطُوا النَّفْيَ في كَلامِهِمْ عَلى مُراعاةِ نَفْيِ كَلامٍ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوِ المُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ أنَّ بِشاراتِ القُرْآنِ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ، ووَعْدَهُ إيّاهم بِالجَنَّةِ، وثَناءَهُ عَلَيْهِمْ نَزَلَ مَنزِلَةَ كَلامٍ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَنالُهم بِرَحْمَةٍ، أيْ بِأنْ جَعَلَ إيواءَ اللَّهِ إيّاهم بِدارِ رَحْمَتِهِ، أيِ الجَنَّةِ، بِمَنزِلَةِ النَّيْلِ وهو حُصُولُ الأمْرِ المَحْبُوبِ المَبْحُوثِ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] آنِفًا، فَأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ الإيواءِ فِعْلَ يَنالُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.
صفحة ١٤٧
وجُعِلَتِ الرَّحْمَةُ بِمَنزِلَةِ الآلَةِ لِلنَّيْلِ كَما يُقالُ: نالَ الثَّمَرَةَ بِمِحْجَنٍ، فالباءُ لِلْآلَةِ. أوْ جُعِلَتِ الرَّحْمَةُ مُلابَسَةً لِلنَّيْلِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والنَّيْلُ هُنا اسْتِعارَةٌ، وقَدْ عَمَدُوا إلى هَذا الكَلامِ المُقَدَّرِ فَنَفَوْهُ فَقالُوا: (لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ)
وهَذا النَّظْمُ الَّذِي حُكِيَ بِهِ قَسَمُهم يُؤْذِنُ بِتَهَكُّمِهِمْ بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وقَدْ أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسَبِ نَظْمِها.
وجُمْلَةُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ قِيلَ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وحَذْفُ القَوْلِ في مِثْلِهِ كَثِيرٌ ولا سِيَّما إذا كانَ المَقُولُ جُمْلَةً إنْشائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: قالَ لَهُمُ اللَّهُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَكَذَّبَ اللَّهُ قَسَمَكم وخَيَّبَ ظَنَّكم، وهَذا كُلُّهُ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ لِلدُّعاءِ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ بِهَؤُلاءِ هم أُناسٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، لِأنَّ ذَلِكَ الحِينَ قَدِ اسْتَقَرَّ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، كَما تَقْتَضِيهِ الآياتُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] إلى قَوْلِهِ ﴿القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] فَلِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ جَعْلُ الأمْرِ لِلدُّعاءِ كَما في قَوْلِ المَعَرِّيِّ:
ابْقَ في نِعْمَةٍ بَقاءَ الدُّهُـورِ نافِذَ الحُكْمِ في جَمِيعِ الأُمُورِ
وإذْ قَدْ كانَ الدُّخُولُ حاصِلًا فالدُّعاءُ بِهِ لِإرادَةِ الدَّوامِ كَما يَقُولُ الدّاعِي عَلى الخارِجِ: اخْرُجْ غَيْرَ مَأْسُوفٍ عَلَيْكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.
ورُفِعَ خَوْفٌ مَعَ لا لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي الَّتِي لَيْسَتْ لَها أفْرادٌ في الخارِجِ يَسْتَوِي في نَفْيِها بِلا الرَّفْعُ والفَتْحُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.
الأعراف 7:50
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الأعراف: ٥١]
صفحة ١٤٨
القَوْلُ في نادى وفي أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ كالقَوْلِ في: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ. وأصْحابُ النّارِ مُرادٌ بِهِمْ مَن كانَ مِن مُشْرِكِي أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ كَما تَقَدَّمَ، ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ بَعْدُ ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ [الأعراف: ٥٢] .
فِعْلُ الفَيْضِ حَقِيقَتُهُ سَيَلانُ الماءِ وانْصِبابُهُ بِقُوَّةٍ ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الكَثْرَةِ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «ويَفِيضُ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ» ويَجِيءُ مِنهُ مَجازٌ في السَّخاءِ ووَفْرَةِ العَطاءِ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ «أنَّهُ قالَ لِطَلْحَةَ: أنْتَ الفَيّاضُ» فالفَيْضُ في الآيَةِ إذا حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ أصْحابُ النّارِ طالِبِينَ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ أنْ يَصُبُّوا عَلَيْهِمْ ماءً لِيَشْرَبُوا مِنهُ، وعَلى هَذا المَعْنى حَمَلَهُ المُفَسِّرُونَ، ولِأجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَ ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى المُفْرَدِ، فَيُقَدَّرُ عامِلٌ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ يُناسِبُ ما عَدا الماءَ تَقْدِيرُهُ: أوْ أعْطُونا، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بَـارِدًا حَتّى شَبَّتْ هَمّالَةً عَيْناها
تَقْدِيرُهُ: عَلَفْتُها تِبْنًا وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ مِن بِمَعْنى بَعْضٍ، أوْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَيْئًا مِنَ الماءِ، لِأنَّ: أفِيضُوا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ الفَيْضُ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، وهو سِعَةُ العَطاءِ والسَّخاءِ، مِنَ الماءِ والرِّزْقِ، إذْ لَيْسَ مَعْنى الصَّبِّ بِمُناسِبٍ بَلِ المَقْصُودُ الإرْسالُ والتَّفَضُّلُ، ويَكُونُ العَطْفُ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ وهو أصْلُ العَطْفِ، ويَكُونُ سُؤْلُهم مِنَ الطَّعامِ مُماثِلًا لِسُؤْلِهِمْ مِنَ الماءِ في الكَثْرَةِ، فَيَكُونُ في هَذا الحَمْلِ
صفحة ١٤٩
تَعْرِيضٌ بِأنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ أهْلُ سَخاءٍ، وتَكُونُ مِن عَلى هَذا الوَجْهِ بَيانِيَّةً لِمَعْنى الإفاضَةِ، ويَكُونُ فِعْلُ (أفِيضُوا) مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَتَتَعَلَّقُ مِن بِفِعْلِ أفِيضُوا.
والرِّزْقُ مُرادٌ بِهِ الطَّعامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥] الآيَةَ.
وضَمِيرُ قالُوا لِأصْحابِ الجَنَّةِ، وهو جَوابُهم عَنْ سُؤالِ أصْحابِ النّارِ، ولِذَلِكَ فَصَلَ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.
والتَّحْرِيمُ في قَوْلِهِ ﴿حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو المَنعُ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ: حَرُمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لَمْ تَحْرُمِ وقَوْلِهِ ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] .
والمُرادُ بِالكافِرِينَ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهم قَدْ عُرِفُوا في القُرْآنِ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا، وعُرِفُوا بِإنْكارِ لِقاءِ يَوْمِ الحَشْرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] إلى قَوْلِهِ ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الأعراف: ٥١] هو مِن حِكايَةِ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَيَكُونُ ﴿اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا﴾ [الأعراف: ٥١] إلَخْ صِفَةً لِلْكافِرِينَ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا﴾ [الأعراف: ٥١] مُبْتَدَأً عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وهو يُفْضِي إلى جَعْلِ الفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] داخِلَةً عَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ لِتَشْبِيهِ اسْمِ المَوْصُولِ بِأسْماءِ الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ١٥٠
﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] وقَدْ جُعِلَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١] إلى قَوْلِهِ ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١] آيَةً واحِدَةً في تَرْقِيمِ أعْدادِ آيِ المَصاحِفِ ولَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ.
الأعراف 7:51
﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ اعْتِراضٌ حُكِيَ بِهِ كَلامٌ يُعْلَنُ بِهِ، مِن جانِبٍ اللَّهِ تَعالى، يَسْمَعُهُ الفَرِيقانِ. وتَغْيِيرُ أُسْلُوبِ الكَلامِ هو القَرِينَةُ عَلى اخْتِلافِ المُتَكَلِّمِ، وهَذا الألْيَقُ بِما رَجَّحْناهُ مِن جَعْلِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ إلى آخِرِهِ حِكايَةً لِكَلامِ أصْحابِ الجَنَّةِ.
والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِ أصْحابِ الجَنَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ الآيَةَ. وهَذا العَطْفُ بِالفاءِ مِن قَبِيلِ ما يُسَمّى بِعَطْفِ التَّلْقِينِ المُمَثَّلِ لَهُ غالِبًا بِمَعْطُوفٍ بِالواوِ فَهو عَطْفُ كَلامِ مُتَكَلِّمٍ عَلى كَلامِ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: قالَ اللَّهُ فاليَوْمَ نَنْساهم، فَحَذَفَ فِعْلَ القَوْلِ، وهَذا تَصْدِيقٌ لِأصْحابِ الجَنَّةِ، ومَن جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى تَكُونُ الفاءُ عِنْدَهم تَفْرِيعًا في كَلامٍ واحِدٍ.
والنِّسْيانُ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإهْمالِ والتَّرْكِ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِ النِّسْيانِ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا في الدُّنْيا ناسِينَ لِقاءَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَقَدْ كانُوا يَذْكُرُونَهُ ويَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ حَدِيثَ مَن لا يُصَدِّقُ بِوُقُوعِهِ.
وتَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ: نَنْساهم لِإظْهارِ أنَّ حِرْمانَهم مِنَ الرَّحْمَةِ كانَ مِن أشَدِّ أوْقاتِ احْتِياجِهِمْ إلَيْها، فَكانَ لِذِكْرِ اليَوْمِ أثَرٌ في إثارَةِ تَحَسُّرِهِمْ ونَدامَتِهِمْ، وذَلِكَ عَذابٌ نَفْسانِيٌّ.
صفحة ١٥١
ودَلَّ مَعْنى كافِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿كَما نَسُوا﴾ عَلى أنَّ حِرْمانَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ كانَ مُماثِلًا لِإهْمالِهِمُ التَّصْدِيقَ بِاللِّقاءِ، وهي مُماثَلَةُ جَزاءِ العَمَلِ لِلْعَمَلِ، وهي مُماثَلَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، فَلِذَلِكَ يُقالُ: إنَّ الكافَ في مِثْلِهِ لِلتَّعْلِيلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وإنَّما التَّعْلِيلُ مَعْنًى يَتَوَلَّدُ مِنِ اسْتِعْمالِ الكافِ في التَّشْبِيهِ الِاعْتِبارِيِّ، ولَيْسَ هَذا التَّشْبِيهُ بِمَجازٍ، ولَكِنَّهُ حَقِيقَةٌ خَفِيَّةٌ لِخَفاءِ وجْهِ الشَّبَهِ.
وقَوْلُهُ ﴿كَما نَسُوا﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ نَنْساهم أيْ نِسْيانًا كَما نَسُوا.
وما في: ﴿كَما نَسُوا﴾ وفي ﴿وما كانُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ أيْ كَنِسْيانِهِمُ اللِّقاءَ وكَجَحْدِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ. ومَعْنى جَحْدِ الآياتِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
الأعراف 7:52
﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الواوُ في ﴿ولَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والغَرَضِ عَلى الغَرَضِ، فَهو كَلامٌ أنِفٌ انْتُقِلَ بِهِ مِن غَرَضِ الخَبَرِ عَنْ حالِ المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ إلى غَرَضِ وصْفِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا، المُسْتَوْجِبِينَ بِها لِما سَيُلاقُونَهُ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الكَلامِ الَّذِي عَقَّبَ اللَّهُ بِهِ كَلامَ أصْحابِ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١] لِأنَّ قَوْلَهُ هُنا ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] إلَخْ، يَقْتَضِي أنَّهُ حَدِيثٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ في الدُّنْيا، فَضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ: جِئْناهم عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأعراف: ١٧٧] في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] الآيَةَ.
والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ.
صفحة ١٥٢
والباءُ في قَوْلِهِ بِكِتابٍ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ جِئْناهم، مِثْلُ الباءِ في قَوْلِهِ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] فَمَعْناهُ: أجَأْناهم كِتابًا، أيْ جَعَلْناهُ جاءِيًا إيّاهم، فَيَئُولُ إلى مَعْنى أبْلَغْناهم إيّاهُ وأرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ.
وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ إمّا بِاعْتِبارِ صِفَةِ كِتابٍ، وهي جُمْلَةُ ﴿فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً﴾ فَيَكُونُ التَّأْكِيدُ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الأوْصافِ، وإمّا تَأْكِيدٌ لِفِعْلِ جِئْناهم بِكِتابٍ، وهو بُلُوغُ الكِتابِ إلَيْهِمْ فَيَكُونُ التَّأْكِيدُ خارِجًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، بِتَنْزِيلِ المُبَلَّغِ إلَيْهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ بُلُوغَ الكِتابِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ في شَأْنِهِ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ الكِتابُ، وقَدْ يُناسِبُ هَذا الِاعْتِبارُ ظاهِرَ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] .
وتَنْكِيرُ كِتابٍ، وهو مَعْرُوفٌ، قُصِدَ بِهِ تَعْظِيمُ الكِتابِ، أوْ قُصِدَ بِهِ النَّوْعِيَّةُ، أيْ ما هو إلّا كِتابٌ كالكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن قَبْلُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وفَصَّلْناهُ أيْ بَيَّناهُ أيْ بَيَّنّا ما فِيهِ، والتَّفْصِيلُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و﴿عَلى عِلْمٍ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ فَصَّلْناهُ، أيْ حالَ كَوْنِنا عَلى عِلْمٍ، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، تَدُلُّ عَلى التَّمَكُّنِ مِن مَجْرُورِها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. ومَعْنى هَذا التَّمَكُّنِ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى ذاتِيٌّ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ.
وتَنْكِيرُ عِلْمٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عالِمِينَ أعْظَمَ العِلْمِ، والعَظَمَةُ هُنا راجِعَةٌ إلى كَمالِ الجِنْسِ في حَقِيقَتِهِ، وأعْظَمُ العِلْمِ هو العِلْمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الخَطَأ
صفحة ١٥٣
ولا الخَفاءَ أيْ عالِمِينَ عِلْمًا ذاتِيًّا لا يَتَخَلَّفُ عَنّا ولا يَخْتَلِفُ في ذاتِهِ، أيْ لا يَحْتَمِلُ الخَطَأ ولا التَّرَدُّدَ.
﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] حالٌ مِن كِتابٍ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في قَوْلِهِ: فَصَّلْناهُ. ووَصْفُ الكِتابِ بِالمَصْدَرَيْنَ ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ إشارَةٌ إلى قُوَّةِ هَدْيِهِ النّاسَ وجَلْبِ الرَّحْمَةِ لَهم.
وجُمْلَةُ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ تَوَصَّلُوا لِلِاهْتِداءِ بِهِ والرَّحْمَةِ، وأنَّ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا قَدْ حُرِمُوا الِاهْتِداءَ والرَّحْمَةَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .
الأعراف 7:53
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ: فَماذا يُؤَخِّرُهم عَنِ التَّصْدِيقِ بِهَذا الكِتابِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ؟ وهَلْ أعْظَمُ مِنهُ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ ؟ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ كالجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، الَّذِي يَجِيشُ في نَفْسِ السّامِعِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ.
ومَعْنى يَنْظُرُونَ يَنْتَظِرُونَ مِنَ النَّظْرَةِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأشْياءِ المُنْتَظَراتِ، والمُرادُ المُنْتَظَراتُ مِن هَذا النَّوْعِ وهو الآياتُ، أيْ
صفحة ١٥٤
ما يَنْتَظِرُونَ آيَةً أعْظَمَ إلّا تَأْوِيلَ الكِتابِ، أيْ إلّا ظُهُورَ ما تَوَعَّدَهم بِهِ، وإطْلاقُ الِانْتِظارِ هُنا اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ: شَبَّهُ حالَ تَمَهُّلِهِمْ إلى الوَقْتِ الَّذِي سَيَحِلُّ عَلَيْهِمْ فِيهِ ما أوْعَدَهم بِهِ القُرْآنُ بِحالِ المُنْتَظِرِينَ، وهم لَيْسُوا بِمُنْتَظِرِينَ ذَلِكَ إذْ هم جاحِدُونَ وُقُوعَهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨] وقَوْلِهِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] والِاسْتِثْناءُ عَلى حَقِيقَتِهِ ولَيْسَ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ لِأنَّ المَجازَ في فِعْلِ يَنْظُرُونَ فَقَطْ.
والقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أغْراضِ نِسْيانِهِمْ وجُحُودِهِمْ بِالآياتِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والتَّأْوِيلُ تَوْضِيحُ وتَفْسِيرُ ما خَفِيَ، مِن مَقْصِدِ كَلامٍ أوْ فِعْلٍ وتَحْقِيقُهُ. قالَ تَعالى ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] وقالَ ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقالَ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُهُ ومَعْناهُ في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وضَمِيرُ تَأْوِيلِهِ عائِدٌ إلى (كِتابٍ) مِن قَوْلِهِ ولَقَدْ ﴿جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٥٢] .
وتَأْوِيلُهُ وُضُوحُ مَعْنى ما عَدُّوهُ مُحالًا وكَذِبًا، مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ورِسالَةِ رَسُولٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّةِ الإلَهِ والعِقابِ، فَذَلِكَ تَأْوِيلُ ما جاءَ بِهِ الكِتابُ أيْ تَحْقِيقُهُ ووُضُوحُهُ بِالمُشاهَدَةِ، وما بَعْدَ العَيانِ بَيانٌ.
وقَدْ بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ﴾ إلَخْ، فَلِذَلِكَ فَصَّلَتْ، لِأنَّها تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البَيانِ لِلْمُرادِ مِن تَأْوِيلِهِ، وهو التَّأْوِيلُ الَّذِي سَيَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فالمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، بِدَلِيلِ تَعَلُّقِهِ بُقُولِهِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولا يَقُولُونَهُ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ.
صفحة ١٥٥
وإتْيانُ تَأْوِيلِهِ مَجازٌ في ظُهُورِهِ وتَبَيُّنِهِ بِعَلاقَةِ لُزُومِ ذَلِكَ لِلْإتْيانِ. والتَّأْوِيلُ مُرادٌ بِهِ ما بِهِ ظُهُورُ الأشْياءِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ القُرْآنِ، فِيما أخْبَرَهم وما تَوَعَّدَهم.
و﴿الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ، وهم مُعادُ ضَمِيرِ يَنْظُرُونَ فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: يَقُولُونَ، إلّا أنَّهُ أُظْهِرَ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم نَسُوهُ وأعْرَضُوا عَنْهُ وأنْكَرُوهُ، تَسْجِيلًا مُرادًا بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى خَطَئِهِمْ والنَّعْيُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَجُرُّونَ بِإعْراضِهِمْ سُوءَ العاقِبَةِ لِأنْفُسِهِمْ.
والنِّسْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في الإعْراضِ والصَّدِّ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١] .
والمُضافُ إلَيْهِ المُقَدَّرُ المُنْبِئُ عَنْهُ بِناءُ (قَبْلُ) عَلى الضَّمِّ: هو التَّأْوِيلُ أوِ اليَوْمُ، أيْ مِن قَبْلِ تَأْوِيلِهِ، أوْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ في الدُّنْيا. والقَوْلُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ والِاعْتِقادِ، لِأنَّ الأصْلَ في الأخْبارِ مُطابَقَتُها لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ، أيْ يَتَبَيَّنُ لَهُمُ الحَقَّ ويُصَرِّحُونَ بِهِ.
وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اعْتِرافًا بِخَطَئِهِمْ في تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ وما أخْبَرَ بِهِ عَنِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ الرُّسُلَ هُنا، مَعَ أنَّ الحَدِيثَ عَنِ المُكَذِّبِينَ مُحَمَّدًا ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُمُ الأمْثالَ بِالرُّسُلِ السّابِقِينَ، وهم لَمّا كَذَّبُوهُ جَرَّأهم تَكْذِيبُهُ عَلى إنْكارِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] أوْ لِأنَّهم مُشاهِدُونَ يَوْمَئِذٍ ما هو عِقابُ الأُمَمِ السّابِقَةِ عَلى تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ، فَيَصْدُرُ عَنْهم ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ تَأثُّرٍ بِجَمِيعِ ما شاهَدُوهُ مِنَ التَّهْدِيدِ الشّامِلِ لَهم ولِمَن عَداهم مِنَ الأُمَمِ.
وقَوْلُهم ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإقْرارِ بِخَطَئِهِمْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وإنْشاءٌ لِلْحَسْرَةِ عَلى ذَلِكَ، وإبْداءُ الحَيْرَةِ فِيما ذا
صفحة ١٥٦
يَصْنَعُونَ، ولِذَلِكَ رَتَّبُوا عَلَيْهِ وفَرَّعُوا بِالفاءِ قَوْلَهم ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ إلى آخِرِهِ.
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، لَعَلَّ أحَدَهم يُرْشِدُهم إلى مُخَلِّصٍ لَهم مِن تِلْكَ الوَرْطَةِ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُونَهُ في ابْتِداءِ رُؤْيَةِ ما يُهَدِّدُهم قَبْلَ أنْ يُوقِنُوا بِانْتِفاءِ الشُّفَعاءِ المَحْكِيِّ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّمَنِّي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في النَّفْيِ، عَلى مَعْنى التَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ، فَتُفِيدُ تَوْكِيدَ العُمُومِ في المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، لِيُفِيدَ أنَّهم لا يَسْألُونَ عَمَّنْ تَوَهَّمُوهم شُفَعاءَ مِن أصْنامِهِمْ، إذْ قَدْ يَئِسُوا مِنهم، كَما قالَ تَعالى ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ [الأنعام: ٩٤] بَلْ هم يَتَساءَلُونَ عَنْ أيِّ شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَهم، ولَوْ يَكُونُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِي ناصَبُوهُ العَداءَ في الحَياةِ الدُّنْيا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى، في سُورَةِ المُؤْمِنِ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] .
وانْتَصَبَ فَيَشْفَعُوا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، أوِ التَّمَنِّي، أوِ النَّفْيِ.
(والشُّفَعاءُ) جَمْعُ شَفِيعٍ وهو الَّذِي يَسْعى بِالشَّفاعَةِ، وهم يُسَمُّونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
وتَقَدَّمَ مَعْنى الشَّفاعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] في سُورَةِ النِّساءِ.
وعَطَفَ فِعْلَ نُرَدُّ بِـ أوْ عَلى مَدْخُولِ الِاسْتِفْهامِ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ، لِأنَّ أحَدَهُما لا يَجْتَمِعُ مَعَ الآخَرِ، فَإذا حَصَلَتِ الشَّفاعَةُ فَلا حاجَةَ إلى الرَّدِّ، وإذا حَصَلَ الرَّدُّ اسْتُغْنِيَ عَنِ الشَّفاعَةِ.
صفحة ١٥٧
وإذْ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ واقِعَةً في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ، فالَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها تَكُونُ واقِعَةً في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ رَفْعُ الفِعْلِ المُضارِعِ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، ورَفْعُهُ بِتَجَرُّدِهِ عَنْ عامِلِ النَّصْبِ وعامِلِ الجَزْمِ، فَوَقَعَ مَوْقِعَ الِاسْمِ كَما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ تَبَعًا لِلْفَرّاءِ، فَهو مَرْفُوعٌ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى تَأْوِيلِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، بِرَدِّها إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، بِتَقْدِيرِ: هَلْ يَشْفَعُ لَنا شُفَعاءُ كَما قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ، لِعَدَمِ المُلْجِئِ إلى ذَلِكَ، ولِذَلِكَ انْتَصَبَ: فَنَعْمَلَ في جَوابِ نُرَدُّ كَما انْتَصَبَ فَيَشْفَعُوا في جَوابِ ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ .
والمُرادُ بِالعَمَلِ في قَوْلِهِمْ فَنَعْمَلُ ما يَشْمَلُ الِاعْتِقادَ، وهو الأهَمُّ، مِثْلُ اعْتِقادِ الوَحْدانِيَّةِ والبَعْثِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، لِأنَّ الِاعْتِقادَ عَمَلُ القَلْبِ، ولِأنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثارٌ عَمَلِيَّةٌ، مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ وامْتِثالٍ. والمُرادُ بِالصِلَةِ في قَوْلِهِ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ بِقَرِينَةِ سِياقِ قَوْلِهِمْ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ أيْ فَنَعْمَلُ ما يُغايِرُ ما صَمَّمْنا عَلَيْهِ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .
وجُمْلَةُ ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا تَذْيِيلًا وخُلاصَةً لِقِصَّتِهِمْ، أيْ فَكانَ حاصِلُ أمْرِهِمْ أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم مِنَ الآنِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
والخَسارَةُ مُسْتَعارَةٌ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِما يُرْجى مِنهُ النَّفْعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. والمَعْنى: أنَّ ما أقْحَمُوا فِيهِ نُفُوسَهم مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهُ مُفْضٍ بِهِمْ إلى تَحَقُّقِ الوَعِيدِ فِيهِمْ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ، فَبِذَلِكَ تَحَقَّقَ أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم مِنَ الآنِ، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ.
صفحة ١٥٨
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فالضَّلالُ مُسْتَعارٌ لِلْعَدَمِ طَرِيقَةُ التَّهَكُّمِ شَبَّهَ عَدَمَ شُفَعائِهِمُ المَزْعُومِينَ بِضَلالِ الإبِلِ عَنْ أرْبابِها تَهَكُّمًا عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّهَكُّمُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى مُحاكاةِ ظَنِّهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ المَحْكِيِّ عَنْهم في قَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ [الأعراف: ٣٧] .
و(ما) مِن قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ، ما صَدَّقَها الشُّفَعاءُ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ، وحُذِفَ عائِدُ الصِّلَةِ المَنصُوبُ، أيْ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ، أيْ يُكَذِّبُونَهُ إذْ يَقُولُونَ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ [يونس: ١٨]، وهم جَمادٌ لا حَظَّ لَهم في شُئُونِ العُقَلاءِ حَتّى يَشْفَعُوا، فَهم قَدْ ضَلُّوا عَنْهم مِنَ الآنِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالمُضِيِّ لِأنَّ الضَّلالَ المُسْتَعارَ لِلْعَدَمِ مُتَحَقِّقٌ مِن ماضِي الأزْمِنَةِ.
الأعراف 7:54
﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾
جاءَتْ أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَناسِبَةً مُتَماسِكَةً. فَإنَّها ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ القُرْآنِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ ونَبْذِ ما يَصُدُّ عَنْهُ وهو اتِّباعُ الشِّرْكِ، ثُمَّ التَّذْكِيرِ بِالأُمَمِ الَّتِي أعْرَضَتْ عَنْ طاعَةِ رُسُلِ اللَّهِ. ثُمَّ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، والِامْتِنانِ بِخَلْقِ الأرْضِ والتَّمْكِينِ مِنها، وبِخَلْقِ أصْلِ البَشَرِ وخَلْقِهِمْ، وخَلَّلَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ لِأصْلِ البَشَرِ ولِلْبَشَرِ في قَوْلِهِ لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ، وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى التَّنْدِيدِ عَلى المُشْرِكِينَ فِيما اتَّبَعُوا فِيهِ تَسْوِيلَ الشَّيْطانِ مِن قَوْلِهِ وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً، ثُمَّ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالعَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى البَشَرِ في قَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] الآيَةَ.
صفحة ١٥٩
وبِأنَّ المُشْرِكِينَ ظَلَمُوا بِنَكْثِ العَهْدِ بِقَوْلِهِ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ وتَوَعَّدَهم وذَكَّرَهم أحْوالَ أهْلِ الآخِرَةِ، وعَقِبُ ذَلِكَ عادَ إلى ذِكْرِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ وأنْهاهُ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
فَلا جَرَمَ تَهَيَّأتِ الأسْماعُ والقُلُوبُ لِتَلَقِّي الحُجَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ إلَهٌ واحِدٌ، وأنَّ آلِهَةَ المُشْرِكِينَ ضَلالٌ وباطِلٌ، ثُمَّ لِبَيانِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ ومَجْدِهِ فَلِذَلِكَ اسْتُؤْنِفَ بِجُمْلَةِ (إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ) الآيَةَ، اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا عادَ بِهِ التَّذْكِيرُ إلى صَدْرِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، فَكانَ ما في صَدْرِ السُّورَةِ بِمَنزِلَةِ المَطْلُوبِ المَنطِقِيِّ، وكانَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ البُرْهانِ، وكانَ قَوْلُهُ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِلْبُرْهانِ، والنَّتِيجَةُ مُساوِيَةٌ لِلْمَطْلُوبِ إلّا أنَّها تُؤْخَذُ أوْضَحَ وأشَدَّ تَفْصِيلًا.
فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ ابْتِداءً، ولِذَلِكَ كانَ لِلتَّأْكِيدِ بِحَرْفِ إنَّ مَوْقِعُهُ لِرَدِّ إنْكارِ المُشْرِكِينَ انْفِرادَ اللَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وإذْ كانَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ يَزِيدُ المُسْلِمِينَ بَصِيرَةً بِعِظَمِ مَجْدِ اللَّهِ وسِعَةِ مُلْكِهِ، ويَزِيدُهم ذِكْرى بِدَلائِلِ قُدْرَتِهِ، كانَ الخِطابُ صالِحًا لِتَناوُلِ المُسْلِمِينَ، لِصَلاحِيَةِ ضَمِيرِ الخِطابِ لِذَلِكَ، ولا يَكُونُ حَرْفُ إنَّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ سُدًى، لِأنَّهُ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِالخَبَرِ، لِأنَّ فِيهِ حَظًّا لِلْفَرِيقَيْنِ، ولِأنَّ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ما هو بِالمُؤْمِنِينَ أعْلَقُ مِثْلُ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً وقَوْلِهِ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ وبَعْضُهُ بِالكافِرِينَ أنْسَبُ مِثْلُ قَوْلِهِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ.
وقَدْ جُعِلَ المُخْبَرُ عَنْهُ الرَّبَّ، والخَبَرُ اسْمَ الجَلالَةِ: لِأنَّ المَعْنى أنَّ الرَّبَّ لَكُمُ المَعْلُومُ عِنْدَكم هو الَّذِي اسْمُهُ الدّالُّ عَلى ذاتِهِ: اللَّهُ، لا غَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ
صفحة ١٦٠
لَهُ هَذا الِاسْمُ، عَلى ما هو الشَّأْنُ، فَهي تَعْرِيفُ المُسْنَدِ في نَحْوِ: أنا أخُوكَ. يُقالُ لِمَن يَعْرِفُ المُتَكَلِّمُ ويَعْرِفُ أنَّ لَهُ أخًا ولا يَعْرِفُ أنَّ المُتَكَلِّمَ هو أخُوهُ، فالمَقْصُودُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إفادَةُ ما يُسَمّى في المَنطِقِ بِحَمْلِ المُواطَأةِ، وهو حَمْلُ (هو هو) ولِذَلِكَ يُخَيَّرُ المُتَكَلِّمُ في جَعْلِ أحَدِ الجُزْأيْنِ مُسْنَدًا إلَيْهِ، وجَعْلِ الآخَرِ مُسْنَدًا، لِأنَّ كِلَيْهِما مَعْرُوفٌ عِنْدَ المُخاطَبِ، وإنَّما الشَّأْنُ أنْ يَجْعَلَ أقْواهُما مَعْرِفَةً عِنْدَ المُخاطَبِ هو المُسْنَدُ إلَيْهِ، لِيَكُونَ الحَمْلُ أجْدى إفادَةً، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ المَعَرِّيِّ يَصِفُ فارِسًا في غارَةٍ:
يَخُوضُ بَحْرًا نَقْعُهُ ماؤُهُ يَحْمِلُهُ السّابِحُ في لِبْدِهِ
إذْ قَدْ عَلِمَ السّامِعُ أنَّ لِلْفارِسِ عِنْدَ الغارَةِ نَقْعًا، وعَلِمَ أنَّ الشّاعِرَ أثْبَتَ لِلْفارِسِ بَحْرًا وأنَّ لِلْبَحْرِ ماءً، فَقَدْ صارَ النَّقْعُ والبَحْرُ مَعْلُومَيْنِ لِلسّامِعِ، فَأفادَهُ أنَّ نَقْعَ الفارِسِ هو ماءُ البَحْرِ المَزْعُومُ، لِأنَّهُ أجْدى لِمُناسَبَةِ اسْتِعارَةِ البَحْرِ لِلنَّقْعِ، وإلّا فَما كانَ يُعْوِزُ المُعَرِّيَّ أنْ يَقُولَ: ماؤُهُ نَقْعُهُ فَمَنِ انْتَقَدَ البَيْتَ فَإنَّهُ لَمْ يُنْصِفْهُ.
صفحة ١٦١
وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وإنْ كانَ المُشْرِكُونَ يَثْبُتُونَ الرُّبُوبِيَّةَ لِلَّهِ، والمُسْلِمُونَ لا يَمْتَرُونَ في ذَلِكَ، لِتَنْزِيلِ المُشْرِكِينَ مِنَ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في كَوْنِ اللَّهِ رَبًّا لَهم لِكَثْرَةِ إعْراضِهِمْ عَنْهُ في عِباداتِهِمْ وتَوَجُّهاتِهِمْ.
وقَوْلُهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ صِفَةٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ، والصِّلَةُ مُؤْذِنَةٌ بِالإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ المُتَقَدِّمِ، وهو إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ لِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ يَكْفِيهِمْ دَلِيلًا عَلى انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ بِسُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ تَعْلِيمٌ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، ويَحْصُلُ مِنهُ لِلْمُشْرِكِينَ زِيادَةُ شُعُورٍ بِضَلالِهِمْ في تَشْرِيكِ غَيْرِهِ في الإلَهِيَّةِ، فَلا يَدُلُّ قَوْلُهُ في سِتَّةِ أيّامٍ عَلى أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وفِيهِ تَحَدٍّ لِأهْلِ الكِتابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى أوَلَمَ يَكُنْ لَهم آيَةٌ أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَيْسَ القَصْدُ مِن قَوْلِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ الِاسْتِدْلالَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، إذْ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ.
وقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ مُدَرَّجًا، وأنْ لا يَكُونَ دُفْعَةً، لِأنَّهُ جَعَلَ العَوالِمَ مُتَوَلِّدًا بَعْضُها مِن بَعْضٍ، لِتَكُونَ أتْقَنَ صُنْعًا مِمّا لَوْ خُلِقَتْ دُفْعَةً، ولِيَكُونَ هَذا الخَلْقُ مَظْهَرًا لِصِفَتَيْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، فالقُدْرَةُ صالِحَةٌ لِخَلْقِها دُفْعَةً، لَكِنَّ العِلْمَ والحِكْمَةَ أقْتَضَيا هَذا التَّدَرُّجَ، وكانَتْ تِلْكَ المُدَّةُ أقَلَّ زَمَنٍ يَحْصُلُ فِيهِ المُرادُ مِنَ التَّوَلُّدِ بِعَظِيمِ القُدْرَةِ، ولَعَلَّ تَكَرُّرَ ذِكْرِ هَذِهِ الأيّامِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ البَدِيعَةِ، مِن كَوْنِها مَظْهَرَ سِعَةِ العِلْمِ وسِعَةِ القُدْرَةِ.
صفحة ١٦٢
وظاهِرُ الآياتِ أنَّ الأيّامَ هي المَعْرُوفَةُ لِلنّاسِ، الَّتِي هي جَمْعُ اليَوْمِ الَّذِي هو مُدَّةٌ تُقَدَّرُ مِن مَبْدَإ ظُهُورِ الشَّمْسِ في المَشْرِقِ إلى ظُهُورِها في ذَلِكَ المَكانِ ثانِيَةً، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالتَّقْدِيرُ في ما يُماثِلُ تِلْكَ المُدَّةِ سِتَّ مَرّاتٍ، لِأنَّ حَقِيقَةَ اليَوْمِ بِهَذا المَعْنى لَمْ تَتَحَقَّقْ إلّا بَعْدَ تَمامِ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، لِيُمْكِنَ ظُهُورُ نُورِ الشَّمْسِ عَلى نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ وظُهُورُ الظُّلْمَةِ عَلى ذَلِكَ النِّصْفِ إلى ظُهُورِ الشَّمْسِ مَرَّةً ثانِيَةً، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأيّامَ هُنا جَمْعُ اليَوْمِ مِن أيّامِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو مُدَّةُ ألْفِ سَنَةٍ، فَسِتَّةُ أيّامٍ عِبارَةٌ عَنْ سِتَّةِ آلافٍ مِنَ السِّنِينَ نَظَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ وقَوْلِهِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ. ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ واخْتارَهُ النَّقاشُ، وما هو بِبَعِيدٍ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما في التَّوْراةِ. وقِيلَ المُرادُ: في سِتَّةِ أوْقاتٍ، فَإنَّ اليَوْمَ يُطْلَقُ عَلى الوَقْتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ أيْ حِينَ إذْ يَلْقاهم زَحْفًا، ومَقْصُودُ هَذا القائِلِ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ خُلِقَتْ عالَمًا بَعْدَ عالَمٍ ولَمْ يَشْتَرِكْ جَمِيعُها في أوْقاتِ تَكْوِينِها، وأيًّا ما كانَ فالأيّامُ مُرادٌ بِها مَقادِيرٌ لا الأيّامُ الَّتِي واحِدُها يَوْمٌ الَّذِي هو مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها إذْ لَمْ تَكُنْ شَمْسٌ في بَعْضِ تِلْكَ المُدَّةِ، والتَّعَمُّقُ في البَحْثِ في هَذا خُرُوجٌ عَنْ غَرَضِ القُرْآنِ.
والِاسْتِواءُ حَقِيقَتُهُ الِاعْتِدالُ، والَّذِي يُؤْخَذُ مِن كَلامِ المُحَقِّقِينَ مِن عُلَماءِ اللُّغَةِ والمُفَسِّرِينَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الِارْتِفاعِ والِاعْتِلاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ جِبْرِيلَ فاسْتَوى وهو بِالأُفُقِ الأعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى.
والِاسْتِواءُ لَهُ مَعانٍ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ، أشْهَرُها القَصْدُ والِاعْتِلاءُ، وقَدِ التُزِمَ هَذا اللَّفْظُ في القُرْآنِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ عِنْدَ الإخْبارِ عَنْ أحْوالٍ سَماوِيَّةٍ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. ونَظائِرُها سَبْعُ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ: هُنا،
صفحة ١٦٣
وفِي يُونُسَ والرَّعْدِ وطه والفَرْقانِ وألْم السَّجْدَةِ والحَدِيدِ وفُصِّلَتْ. فَظَهَرَ لِي أنَّ لِهَذا الفِعْلِ خُصُوصِيَّةً في كَلامِ العَرَبِ كانَ بِسَبَبِها أجْدَرَ بِالدَّلالَةِ عَلى المَعْنى المُرادِ تَبْلِيغُهُ مُجْمَلًا مِمّا يَلِيقُ بِصِفاتِ اللَّهِ ويُقَرِّبُ إلى الإفْهامِ مَعْنى عَظَمَتِهِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ في هَذِهِ الآياتِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي فَسَّرَهُ بِها المُفَسِّرُونَ.
فالِاسْتِواءُ يُعَبِّرُ عَنْ شَأْنٍ عَظِيمٍ مِن شُئُونِ عَظَمَةِ الخالِقِ تَعالى، اخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ والتَّمْثِيلِ: لِأنَّ مَعْناهُ أقْرَبُ مَعانِي المَوادِّ العَرَبِيَّةِ إلى المَعْنى المُعَبِّرِ عَنْهُ مِن شُئُونِهِ تَعالى، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ تَعْلِيمَ مَعانٍ مِن عالَمِ الغَيْبِ لَمْ يَكُنْ يَتَأتّى ذَلِكَ في اللُّغَةِ إلّا بِأمْثِلَةٍ مَعْلُومَةٍ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المَعانِي المُغَيَّبَةِ بِعِباراتٍ تُقَرِّبُها مِمّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عالَمِ الشَّهادَةِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ في القُرْآنِ ذِكْرُ الِاسْتِعاراتِ التَّمْثِيلِيَّةِ والتَّخَيُّلِيَّةِ في مِثْلِ هَذا.
وقَدْ كانَ السَّلَفُ يَتَلَقَّوْنَ أمْثالَها بِلا بَحْثٍ ولا سُؤالٍ لِأنَّهم عَلِمُوا المَقْصُودَ الإجْمالِيَّ مِنها فاقْتَنَعُوا بِالمَعْنى مُجْمَلًا، ويُسَمُّونَ أمْثالَها بِالمُتَشابِهاتِ، ثُمَّ لَمّا ظَهَرَ عَصْرُ ابْتِداءِ البَحْثِ كانُوا إذا سُئِلُوا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ يَقُولُونَ: اسْتَوى اللَّهُ عَلى العَرْشِ ولا نَعْرِفُ لِذَلِكَ كَيْفًا، وقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ مِثْلَ هَذا مِنَ القِسْمِ الثّانِي مِنَ المُتَشابِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَكانُوا يَأْبَوْنَ تَأْوِيلَها. وقَدْ حَكى عِياضٌ في المَدارِكِ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: سَألَ رَجُلٌ مالِكًا فَقالَ: الرَّحْمانُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى. كَيْفَ اسْتَوى يا أبا عَبْدِ اللَّهِ؛ فَسَكَتَ مالِكٌ مَلِيًّا حَتّى عَلاهُ الرُّحَضاءُ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والسُّؤالُ عَنْ هَذا بِدْعَةٌ والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، وإنِّي لَأظُنَّكَ ضالًّا واشْتُهِرَ هَذا عَنْ مالِكٍ في رِواياتٍ كَثِيرَةٍ، وفي بَعْضِها أنَّهُ قالَ لِمَن سَألَهُ: وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ أخْرِجُوهُ عَنِّي وأنَّهُ قالَ:
صفحة ١٦٤
والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ. وعَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْها: فَقالَ: فَعَلَ اللَّهُ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً. قَدْ تَأوَّلَهُ المُتَأخِّرُونَ مِنَ الأشاعِرَةِ تَأْوِيلاتٍ، أحْسَنُها: ما جَنَحَ إلَيْهِ إمامُ الحَرَمَيْنِ أنَّ المُرادَ بِالِاسْتِواءِ الِاسْتِيلاءُ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ عَلى، وأنْشَدُوا عَلى وجْهِ الِاسْتِئْناسِ لِذَلِكَ قَوْلَ الأخْطَلِ:
قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ بِغَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُـهْـراقِ، وأراهُ بَعِيدًا، لِأنَّ العَرْشَ ما هو إلّا مِن مَخْلُوقاتِهِ فَلا وجْهَ لِلْإخْبارِ بِاسْتِيلائِهِ عَلَيْهِ، مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الأخْطَلُ قَدِ انْتَزَعَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: إنَّ مَعانِيَهُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ تَعْدِيَتِهِ بِعَلى أوْ بِإلى، قالَ البُخارِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ: اسْتَوى عَلا عَلى العَرْشِ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: اسْتَوى إلى السَّماءِ ارْتَفَعَ فَسَوّى خَلْقَهُنَّ.
وأحْسَبُ أنَّ اسْتِعارَتَهُ تَخْتَلِفُ بِقَرِينَةِ الحَرْفِ الَّذِي يُعَدّى بِهِ فِعْلُهُ فَإنْ عُدِّيَ بِحَرْفِ ”عَلى“ كَما في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها فَهو مُسْتَعارٌ مِن مَعْنى الِاعْتِلاءِ، مُسْتَعْمَلٌ في اعْتِلاءٍ مَجازِيٍّ يَدُلُّ عَلى مَعْنى التَّمَكُّنِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ التَّمْثِيلُ، وهو تَمْثِيلُ شَأْنِ تَصَرُّفِهِ تَعالى بِتَدْبِيرِ العَوالِمِ، ولِذَلِكَ نَجِدُهُ بِهَذا التَّرْكِيبِ في الآياتِ السَّبْعِ واقِعًا عَقِبَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فالمَعْنى حِينَئِذٍ: خَلَقَها ثُمَّ هو يُدَبِّرُ أُمُورَها تَدْبِيرَ المَلِكِ أُمُورَ مَمْلَكَتِهِ مُسْتَوِيًا عَلى عَرْشِهِ. ومِمّا يُقَرِّبُ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأرْضَ ويَطْوِي السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ» . ولِذَلِكَ أيْضًا عَقَّبَ التَّرْكِيبَ في مَواقِعِهِ كُلِّها بِما فِيهِ مَعْنى التَّصَرُّفِ كَقَوْلِهِ هُنا يَغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إلَخْ، وقَوْلِهِ في سُورَةِ يُونُسَ: يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ، وقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ: وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ. وقَوْلِهِ في سُورَةِ ألم السَّجْدَةِ: ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وكَمالُ هَذا
صفحة ١٦٥
التَّمْثِيلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُمَثَّلَةِ مُشَبَّهًا بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُمَثَّلِ بِها، فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ثَمَّةَ مَوْجُودٌ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُمَثَّلَةِ مُشابِهًا لِعَرْشِ المَلِكِ في العَظَمَةِ، وكَوْنِهِ مَصْدَرَ التَّدْبِيرِ والتَّصَرُّفِ الإلَهِيِّ يَفِيضُ عَلى العَوالِمِ قُوى تَدْبِيرِها، وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ الصَّحِيحَةُ مِن أقْوالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى وُجُودِ هَذا المَخْلُوقِ العَظِيمِ المُسَمّى بِالعَرْشِ كَما سَنُبَيِّنُهُ.
فَأمّا إذا عُدِّيَ فِعْلُ الِاسْتِواءِ بِحَرْفِ اللّامِ فَهو مُسْتَعارٌ مِن مَعْنى القَصْدِ والتَّوَجُّهِ إلى مَعْنى تَعَلُّقِ الإرادَةِ، كَما في قَوْلِهِ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ، وقَدْ نَحا صاحِبُ الكَشّافِ نَحْوًا مِن هَذا المَعْنى، إلّا أنَّهُ سَلَكَ بِهِ طَرِيقَةَ الكِنايَةِ عَنِ المُلْكِ: يَقُولُونَ اسْتَوى فُلانٌ عَلى العَرْشِ يُرِيدُونَ مَلَكَ.
والعَرْشُ حَقِيقَتُهُ الكُرْسِيُّ المُرْتَفِعُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ المَلِكُ، قالَ تَعالى ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ وقالَ: ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها مُسْتَعْمَلٌ جُزْءًا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، ومِن بَداعَةٍ هَذا التَّشْبِيهِ أنْ كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ مُماثِلًا لِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، وذَلِكَ أكْمَلُ التَّمْثِيلِ في البَلاغَةِ العَرَبِيَّةِ، كَما قَدَّمْتُهُ آنِفًا. وإذْ قَدْ كانَ هَذا التَّمْثِيلُ مَقْصُودًا لِتَقْرِيبِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ عَظَمَةِ مُلْكِ اللَّهِ بِحالِ هَيْئَةٍ مِنَ الهَيْئاتِ المُتَعارَفَةِ، ناسَبَ أنْ يَشْتَمِلَ عَلى ما هو شِعارُ أعْظَمِ المُدَبِّرِينَ لِلْأُمُورِ المُتَعارَفَةِ أعْنِي المُلُوكَ، وذَلِكَ شِعارُ العَرْشِ الَّذِي مِن حَوْلِهِ تَصْدُرُ تَصَرُّفاتُ المَلِكِ، فَإنَّ تَدْبِيرَ اللَّهِ لِمَخْلُوقاتِهِ بِأمْرِ التَّكْوِينِ يَكُونُ صُدُورُهُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ عَمَلَ بَعْضِهِمْ مِثْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَلَكِ المَوْتِ، وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ بَعْضَها: فَذَكَرَتْ مَلِكَ الجِبالِ، ومَلِكَ الرِّياحِ، والمَلِكَ الَّذِي يُباشِرُ تَكْوِينَ الجَنِينِ، ويَكْتُبُ رِزْقَهُ وأجَلَهُ وعاقِبَتَهُ، وكَذَلِكَ أشارَ القُرْآنُ إلى أنَّ مِنَ المَوْجُوداتِ العُلْوِيَّةِ مَوْجُودًا مُنَوَّهًا بِهِ سَمّاهُ العَرْشَ ذَكَرَهُ القُرْآنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وذَكَرَ العَرْشَ ذَكَرَهُ بِما يُشْعِرُ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ قَبْلَ هَذا الخَلْقِ. وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ العَرْشَ أعْظَمُ
صفحة ١٦٦
مِنَ السَّماواتِ وما فِيهِنَّ، مِن ذَلِكَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ» وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحِمانِ ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» وقَدْ قِيلَ إنَّ العَرْشَ هو الكُرْسِيُّ وأنَّهُ المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ كَما تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ دَلَّتْ ثُمَّ في قَوْلِهِ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ أيْ وأعْظَمُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ اسْتِواءُهُ عَلى العَرْشِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يُحْدِثْ تَغْيِيرًا في تَصَرُّفاتِ اللَّهِ بِزِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ عَقِبَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، ولَعَلَّ المَقْصِدَ مِن ذَلِكَ إبْطالُ ما يَقُولُهُ اليَهُودُ: إنَّ اللَّهَ اسْتَراحَ في اليَوْمِ السّابِعِ فَهو كالمَقْصِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ.
وجُمْلَةُ (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، ذُكِرَ بِهِ شَيْءٌ مِن عُمُومِ تَدْبِيرِهِ تَعالى وتَصَرُّفِهِ المُضَمَّنِ في الِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ، وتَنْبِيهٌ عَلى المَقْصُودِ مِنَ الِاسْتِواءِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِهِ في صُورَةِ الحالِ لا في صُورَةِ الخَبَرِ، كَما ذُكِرَ بِوَجْهِ العُمُومِ في آيَةِ سُورَةِ يُونُسَ وسُورَةِ الرَّعْدِ بِقَوْلِهِ: يُدَبِّرُ الأمْرَ وخَصَّ هَذا التَّصَرُّفَ بِالذِّكْرِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن عَظِيمِ المَقْدِرَةِ، وما فِيهِ مِن عِبْرَةِ التَّغَيُّرِ ودَلِيلِ الحُدُوثِ، ولِكَوْنِهِ مُتَكَرِّرًا حُدُوثُهُ في مُشاهَدَةِ النّاسِ كُلِّهِمْ. والإغْشاءُ والتَّغْشِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ غاشِيًا، والغَشْيُ والغَشَيانُ حَقِيقَتُهُ التَّغْطِيَةُ والغَمُّ.
فَمَعْنى يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ أحَدَهُما غاشِيًا الآخَرَ.
صفحة ١٦٧
والغَشْيُ مُسْتَعارٌ لِلْخَفاَءِ، لِأنَّ النَّهارَ يُزِيلُ أثَرَ اللَّيْلِ واللَّيْلَ يُزِيلُ أثَرَ النَّهارِ، ومِن بَدِيعِ الإيجازِ ورَشاقَةِ التَّرْكِيبِ: جَعْلُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَفْعُولَيْنِ لِفِعْلِ فاعِلِ الإغْشاءِ، فَهُما مَفْعُولانِ كِلاهُما صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ فاعِلَ الغَشْيِ، ولِهَذا اسْتَغْنى بِقَوْلِهِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ عَنْ ذِكْرِ عَكْسِهِ ولَمْ يَقُلْ: والنَّهارَ اللَّيْلَ، كَما في آيَةِ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ لَكِنَّ الأصْلَ في تَرْتِيبِ المَفاعِيلِ في هَذا البابِ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ هو الفاعِلَ في المَعْنى، ويَجُوزُ العَكْسُ إذا أمِنَ اللَّبْسَ، وبِالأحْرى إذا اسْتَوى الِاحْتِمالانِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ يُغْشِي بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الغَيْنِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في التَّعْدِيَةِ.
وجُمْلَةُ يَطْلُبُهُ إنْ جُعِلَتِ اسْتِئْنافًا أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يُغْشِي فَأمْرُها واضِحٌ، واحْتَمَلَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يَطْلُبُهُ أنْ يَعُودَ إلى اللَّيْلِ وإلى النَّهارِ، وإنْ جُعِلَتْ حالًا تُعِينُ أنْ تُعْتَبَرَ حالًا مِن أحَدِ المَفْعُولَيْنِ عَلى السَّواءِ فَإنَّ كِلا اللَّيْلِ والنَّهارِ يُعْتَبَرُ طالِبًا ومَطْلُوبًا، تَبَعًا لِاعْتِبارِ أحَدِهِما مَفْعُولًا أوَّلَ أوْ ثانِيًا.
وشُبِّهَ ظُهُورُ ظَلامِ اللَّيْلِ في الأُفُقِ مُمْتَدًّا مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ عِنْدَ الغُرُوبِ واخْتِفاءُ نُورِ النَّهارِ في الأُفُقِ ساقِطًا مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ حَتّى يَعُمَّ الظَّلامُ الأُفُقَ بِطَلَبِ اللَّيْلِ النَّهارَ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وكَذَلِكَ يُفْهَمُ تَشْبِيهُ امْتِدادِ ضَوْءِ الفَجْرِ في الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ واخْتِفاءِ ظَلامِ اللَّيْلِ في الأُفُقِ ساقِطًا في المَغْرِبِ حَتّى يَعُمَّ الضِّياءُ الأُفُقَ: بِطَلَبِ النَّهارِ اللَّيْلَ عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ، ولا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ التَّنازُعِ لِلْمَفْعُولَيْنِ في جُمْلَةِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ وقَوْلِهِ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ.
صفحة ١٦٨
والحَثِيثُ: المُسْرِعُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِن حَثَّهُ إذا أعْجَلَهُ وكَرَّرَ إعْجالَهُ لِيُبادِرَ بِالعَجَلَةِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ يَذْكُرُ انْتِهاءَ شَبابِهِ وابْتِداءَ عَصْرِ شَيْبِهِ: أوْدى الشَّبابُ الَّذِي مَجْدٌ عَواقِبُهُ فِيهِ نَلَذُّ ولا لَذّاتِ لِـلـشِّـيبِ ولّى حَثِيثًا وهَذا الشَّيْبُ يَتْبَعُـهُ لَوْ كانَ يُدْرِكُهُ رَكْضُ اليَعاقِيبِ فالمَعْنى يَطْلُبُهُ سَرِيعًا مُجِدًّا في السُّرْعَةِ لِأنَّهُ لا يَلْبَثُ أنْ يُعْفى أثَرُهُ.
والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ بِالنَّصْبِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَعْطُوفاتٌ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ، وهي مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها السَّماواتُ، و(مُسَخَّراتٍ) حالٌ مِنَ المَذْكُوراتِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ (الشَّمْسِ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ ورَفْعِ (مُسَخَّراتٍ)، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِن ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ كَقَوْلِهِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ويَأْتِي في سُورَةِ الشَّمْسِ.
والتَّسْخِيرُ حَقِيقَتُهُ تَذْلِيلُ ذِي عَمَلٍ شاقٍّ أوْ شاغِلٍ بِقَهْرٍ وتَخْوِيفٍ أوْ بِتَعْلِيمٍ وسِياسَةٍ بِدُونِ عِوَضٍ، فَمِنهُ تَسْخِيرُ العَبِيدِ والأسْرى، ومِنهُ تَسْخِيرُ الأفْراسِ والرَّواحِلِ، ومِنهُ تَسْخِيرُ البَقَرِ لِلْحَلْبِ، والغَنَمِ لِلْجَزِّ. ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في تَصْرِيفِ الشَّيْءِ غَيْرِ ذِي الإرادَةِ في عَمَلٍ عَجِيبٍ أوْ عَظِيمٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْعُبَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ، بِحِيلَةٍ أوْ إلْهامٍ تَصْرِيفًا يُصَيِّرُهُ مِن خَصائِصِهِ وشُئُونِهِ، كَتَسْخِيرِ الفُلْكِ لِلْمَخْرِ في البَحْرِ بِالرِّيحِ أوْ بِالجَذْفِ، وتَسْخِيرِ السَّحابِ لِلْأمْطارِ، وتَسْخِيرِ النَّهارِ لِلْعَمَلِ، واللَّيْلِ لِلسُّكُونِ، وتَسْخِيرِ اللَّيْلِ لِلسَّيْرِ في الصَّيْفِ، والشَّمْسِ لِلدِّفْءِ في الشِّتاءِ، والظِّلِّ لِلتَّبَرُّدِ في الصَّيْفِ، وتَسْخِيرِ الشَّجَرِ لِلْأكْلِ مِن ثِمارِهِ حَيْثُ خُلِقَ مُجَرَّدًا عَنْ مَوانِعَ تَمْنَعُ
صفحة ١٦٩
مِنِ اجْتِنائِهِ مِثْلَ الشَّوْكِ الشَّدِيدِ، فالأسَدُ غَيْرُ مُسَخَّرٍ بِهَذا المَعْنى ولَكِنَّهُ بِحَيْثُ يُسَخَّرُ إذا شاءَ الإنْسانُ الِانْتِفاعَ بِلَحْمِهِ أوْ جِلْدِهِ بِحِيلَةٍ لِصَيْدِهِ بِزُبْيَةٍ أوْ نَحْوِها، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ بِاعْتِبارِ هَذا المَجازِ عَلى تَفاوُتٍ في قُوَّةِ العَلاقَةِ. فَقَوْلُهُ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ أُطْلِقَ التَّسْخِيرُ فِيهِ مَجازًا عَلى جَعْلِها خاضِعَةً لِلنِّظامِ الَّذِي خَلَقَها اللَّهُ عَلَيْهِ بِدُونِ تَغْيِيرٍ، مَعَ أنَّ شَأْنَ عِظَمِها أنْ لا يَسْتَطِيعَ غَيْرُهُ تَعالى وضْعَها عَلى نِظامٍ مَحْدُودٍ مُنْضَبِطٍ.
ولَفْظُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: (بِأمْرِهِ) مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّصْرِيفِ بِحَسْبِ القُدْرَةِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ، ومِنهُ أمْرُ التَّكْوِينِ المُعَبَّرُ عَنْهُ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ لِأنَّ كُنْ تَقْرِيبٌ لِنَفاذِ القُدْرَةِ المُسَمّى بِالتَّعَلُّقِ التَّسْخِيرِيِّ عِنْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ التَّنْجِيزِيِّ أيْضًا فالأمْرُ هُنا مِن ذَلِكَ، وهو تَصْرِيفُ نِظامِ المَوْجُوداتِ كُلِّها.
وجُمْلَةُ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ التَّذْيِيلِ لِلْكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِإفادَةِ تَعْمِيمِ الخَلْقِ. والتَّقْدِيرُ: لِما ذُكِرَ آنِفًا ولِغَيْرِهِ. فالخَلْقُ: إيجادُ المَوْجُوداتِ، والأمْرُ تَسْخِيرُها لِلْعَمَلِ الَّذِي خُلِقَتْ لِأجْلِهِ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِتَعِيَ نُفُوسُ السّامِعِينَ هَذا الكَلامَ الجامِعَ.
واللّامُ الجارَّةُ لِضَمِيرِ الجَلالَةِ لامُ المِلْكِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ هُنا لِتَخْصِيصِهِ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ.
والتَّعْرِيفُ في الخَلْقِ والأمْرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَتُفِيدُ الجُمْلَةُ قَصْرَ جِنْسِ الخَلْقِ وجِنْسِ الأمْرِ عَلى الكَوْنِ في مُلْكِ اللَّهِ تَعالى، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ مِن هَذا الجِنْسِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ مَعْناهُ: لَيْسَ لِآلِهَتِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الخَلْقِ ولا مِنَ الأمْرِ، وأمّا قَصْرُ الجِنْسِ في الواقِعِ عَلى الكَوْنِ في مُلْكِ اللَّهِ تَعالى فَلِذَلِكَ يُرْجَعُ فِيهِ إلى القَرائِنِ، فالخَلْقُ مَقْصُورٌ حَقِيقَةً عَلى الكَوْنِ في مُلْكِهِ تَعالى، وأمّا الأمْرُ
صفحة ١٧٠
فَهُوَ مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ في مُلْكِ اللَّهِ قَصْرًا ادِّعائِيًّا لِأنَّ لِكَثِيرٍ مِنَ المَوْجُوداتِ تَدْبِيرَ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ولَكِنْ لَمّا كانَ المُدَبِّرُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى كانَ تَدْبِيرُهُ راجِعًا إلى تَدْبِيرِ اللَّهِ كَما قِيلَ في قِصَرِ جِنْسِ الحَمْدِ في قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ.
وجُمْلَةُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ تَذْيِيلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ وجُمْلَةِ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إذْ قَدْ تَهَيَّأ المَقامُ لِلتَّذْكِيرِ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلى النّاسِ، وبِنافِعِ تَصَرُّفاتِهِ، عَقِبَ ما أجْرى مِن إخْبارٍ عَنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ وإتْقانِ صُنْعِهِ.
وفِعْلُ (تَبارَكَ) في صُورَةِ اشْتِقاقِهِ يُؤْذِنُ بِإظْهارِ الوَصْفِ عَلى صاحِبِهِ المُتَّصِفِ بِهِ مِثْلُ: تَثاقَلَ، أظْهَرَ الثِّقَلَ في العَمَلِ، وتَعالَلَ، أيْ أظْهَرَ العِلَّةَ، وتَعاظَمَ: أظْهَرَ العَظَمَةَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى ظُهُورِ الفِعْلِ عَلى المُتَّصِفِ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا حَتّى كَأنَّ صاحِبَهُ يُظْهِرُهُ، ومِنهُ تَعالى اللَّهُ أيْ ظَهَرَ عُلُوُّهُ، أيْ شَرَفُهُ عَلى المَوْجُوداتِ كُلِّها، ومِنهُ تَبارَكَ، أيْ ظَهَرَتْ بَرَكَتُهُ.
والبَرَكَةُ: شِدَّةُ الخَيْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ في سُورَةِ الأنْعامِ. فَبَرَكَةُ اللَّهِ المَوْصُوفُ بِها هي مَجْدُهُ ونَزاهَتُهُ وقُدْسُهُ، وذَلِكَ جامِعٌ صِفاتِ الكَمالِ، ومِن ذَلِكَ أنَّ لَهُ الخَلْقَ والأمْرَ.
واتْباعُ اسْمِ الجَلالَةِ بِالوَصْفِ وهو رَبُّ العالَمِينَ في مَعْنى البَيانِ لِاسْتِحْقاقِهِ البَرَكَةِ والمَجْدِ، لِأنَّهُ مُفِيضُ خَيْراتِ الإيجادِ والإمْدادِ، ومُدَبِّرُ أحْوالِ المَوْجُوداتِ، بِوَصْفِ كَوْنِهِ رَبَّ أنْواعِ المَخْلُوقاتِ، ومَضى الكَلامُ عَلى العالَمِينَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
الأعراف 7:55
﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ جاءَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ دَلائِلِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِذِكْرِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى تَكْوِينِ أشْياءَ لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ في تَكْوِينِها، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ
صفحة ١٧١
جُمْلَةِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وجُمْلَةِ وهو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ جَرى هَذا الِاعْتِراضُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في انْتِهازِ فُرَصِ تَهَيُّؤِ القُلُوبِ لِلذِّكْرى. والخِطابُ بِـ ادْعُوا خاصٌّ بِالمُسْلِمِينَ لِأنَّهُ تَعْلِيمٌ لِأدَبِ دُعاءِ اللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، ولَيْسَ المُشْرِكُونَ بِمُتَهَيِّئِينَ لِمِثْلِ هَذا الخِطابِ، وهو تَقْرِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وإدْناءٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى رِضى اللَّهِ عَنْهم ومَحَبَّتِهِ، وشاهِدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.
والدُّعاءُ حَقِيقَتُهُ النِّداءُ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى النِّداءِ لِطَلَبٍ مُهِمٍّ، واسْتُعْمِلَ مَجازًا في العِبادَةِ لِاشْتِمالِها عَلى الدُّعاءِ والطَّلَبِ بِالقَوْلِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، كَما في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، مَعَ مُقارَنَتِهِما لِلْأقْوالِ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ هُنا الطَّلَبُ والتَّوَجُّهُ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ عَبَدُوا اللَّهَ وأفْرَدُوهُ بِالعِبادَةِ، وإنَّما المُهِمُّ إشْعارُهم بِالقُرْبِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِمْ وإدْناءِ مَقامِهِمْ مِنها.
وجِيءَ لِتَعْرِيفِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ ضَمِيرِ الغائِبِ، مَعَ وُجُودِ مُعادٍ قَرِيبٍ في قَوْلِهِ تَبارَكَ اللَّهُ ودُونَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لِأنَّ في لَفْظِ الرَّبِّ إشْعارًا بِتَقْرِيبِ المُؤْمِنِينَ بِصِلَةِ المَرْبُوبِيَّةِ، ولِيَتَوَسَّلَ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إلى تَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ وعِنايَةِ الرَّبِّ بِهِمْ كَقَوْلِهِ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم.
والتَّضَرُّعُ: إظْهارُ التَّذَلُّلِ بِهَيْئَةٍ خاصَّةٍ، ويُطْلَقُ التَّضَرُّعُ عَلى الجَهْرِ بِالدُّعاءِ لِأنَّ الجَهْرَ مِن هَيْئَةِ التَّضَرُّعِ، لِأنَّهُ تَذَلُّلٌ جَهْرِيٌّ، وقَدْ فُسِّرَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْعامِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً بِالجَهْرِ بِالدُّعاءِ، وهو الَّذِي نَخْتارُهُ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِمُقابَلَتِهِ بِالخُفْيَةِ، فَيَكُونُ أُسْلُوبُهُ وفْقًا لِأُسْلُوبِ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا وتَكُونُ، الواوُ لِلتَّقْسِيمِ بِمَنزِلَةِ أوْ وقَدْ قالُوا: إنَّها فِيهِ أجْوَدُ مِن أوْ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أبْقى التَّضَرُّعَ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو التَّذَلُّلُ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الحالِ، أيْ مُتَذَلِّلِينَ،
صفحة ١٧٢
أوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ ادْعُوا، لِأنَّ التَّذَلُّلَ بَعْضٌ أحْوالِ الدُّعاءِ فَكَأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ (وخُفْيَةً) مَأْمُورًا بِهِ مَقْصُورًا بِذاتِهِ، أيِ ادْعُوهُ مُخْفِينَ دُعاءَكم، حَتّى أوْهَمَ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الإعْلانَ بِالدُّعاءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ أوْ غَيْرُ مَثُوبٍ عَلَيْهِ، وهَذا خَطَأٌ: فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا عَلَنًا غَيْرَ مَرَّةٍ. وعَلى المِنبَرِ بِمَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ وقالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنا» . وقالَ: «اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا» . وقالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» . الحَدِيثَ. وما رُوِيَتْ أدْعِيَتُهُ إلّا لِأنَّهُ جَهَرَ بِها يَسْمَعُها مَن رَواها، فالصَّوابُ أنَّ قَوْلَهُ تَضَرُّعًا إذْنٌ بِالدُّعاءِ بِالجَهْرِ والإخْفاءِ، وأمّا ما ورَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الجَهْرِ فَإنَّما هو عَنِ الجَهْرِ الشَّدِيدِ الخارِجِ عَنْ حَدِّ الخُشُوعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (وخُفْيَةً) بِضَمِّ الخاءِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الخاءِ وتَقَدَّمَ في الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالدُّعاءِ، إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرُ تَكْرِيمٍ لِلْمُسْلِمِينَ يَتَضَمَّنُ رِضا اللَّهِ عَنْهم، ولَكِنْ سَلَكَ في التَّعْلِيلِ طَرِيقَ إثْباتِ الشَّيْءِ بِإبْطالِ ضِدِّهِ، تَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ الأمْرَيْنِ وإيجازًا في الكَلامِ. ولِكَوْنِ الجُمْلَةِ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ افْتُتِحَتْ بِـ إنَّ المُفِيدَةِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، بِقَرِينَةِ خُلُوِّ المُخاطَبِينَ عَنِ التَّرَدُّدِ في هَذا الخَبَرِ، ومِن شَأْنِ إنَّ إذا جاءَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تُفِيدَ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، وتَقُومَ مَقامَ الفاءِ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ.
وإطْلاقُ المَحَبَّةِ وصْفًا لِلَّهِ تَعالى، في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، إطْلاقٌ مَجازِيٌّ مُرادٌ بِها لازِمُ مَعْنى المَحَبَّةِ، بِناءً عَلى أنَّ حَقِيقَةَ المَحَبَّةِ انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ، وعِنْدِي فِيهِ احْتِمالٌ، فَقالُوا: أُرِيدَ لازِمُ المَحَبَّةِ، أيْ في المَحْبُوبِ والمُحِبِّ، فَيَلْزَمُها اتِّصافُ المَحْبُوبِ بِما يُرْضِي المُحِبَّ لِتَنْشَأ المَحَبَّةُ الَّتِي أصْلُها الِاسْتِحْسانُ، ويَلْزَمُها رِضى المُحِبِّ عَنْ مَحْبُوبِهِ وإيصالُ النَّفْعِ لَهُ. وهَذانِ اللّازِمانِ مُتَلازِمانِ في أنْفُسِهِما، فَإطْلاقُ المَحَبَّةِ وصْفًا لِلَّهِ مَجازٌ بِهَذا اللّازِمِ المُرَكَّبِ.
صفحة ١٧٣
والمُرادُ بِـ (المُعْتَدِينَ) المُشْرِكُونَ، لِأنَّهُ يُرادِفُ الظّالِمِينَ.
والمَعْنى: ادْعُوا رَبَّكم لِأنَّهُ يُحِبُّكم ولا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ، كَقَوْلِهِ وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ بِإجابَةِ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ وأنَّهُ لا يَسْتَجِيبُ دُعاءَ الكافِرِينَ، قالَ تَعالى وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ فِيها. وحَمَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ التَّضَرُّعَ عَلى الخُضُوعِ، فَجَعَلُوا الآيَةَ مَقْصُورَةً عَلى طَلَبِ الدُّعاءِ الخَفِيِّ حَتّى بالَغَ بَعْضُهم فَجَعَلَ الجَهْرَ بِالدُّعاءِ مَنهِيًّا عَنْهُ، وتَجاوَزَ بَعْضُهم فَجَعَلَ قَوْلَهُ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الأمْرِ بِإخْفاءِ الدُّعاءِ، وجَعَلَ الجَهْرَ بِالدُّعاءِ مِنَ الِاعْتِداءِ والجاهِرِينَ بِهِ مِنَ المُعْتَدِينَ الَّذِينَ لا يُحِبُّهُمُ اللَّهُ. ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وأحْسَبُ أنَّهُ نَقْلٌ عَنْهُ غَيْرُ مَضْبُوطِ العِبارَةِ، كَيْفَ وقَدْ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَهْرًا ودَعا أصْحابُهُ.
الأعراف 7:56
﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ عُطِفَ النَّهْيُ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ عَلى جُمْلَةِ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ عَطْفًا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ، فَإنَّ الكَلامَ لَمّا أنْبَأ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ بِالمُسْلِمِينَ وتَقْرِيبِهِ إيّاهم إذْ أمَرَهم بِأنْ يَدْعُوَهُ وشَرَّفَهم بِذَلِكَ العُنْوانِ العَظِيمِ في قَوْلِهِ (رَبُّكم)، وعَرَّضَ لَهم بِمَحَبَّتِهِ إيّاهم دُونَ أعْدائِهِمُ المُعْتَدِينَ، أعْقَبَهُ بِما يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الإدْلالِ عَلى اللَّهِ بِالِاسْتِرْسالِ فِيما تُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ شَهَواتُهم مِن ثَوَرانِ القُوَّتَيْنِ الشَّهْوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، فَإنَّهُما تَجْنِيانِ فَسادًا في الغالِبِ، فَذَكَّرَهم بِتَرْكِ الإفْسادِ لِيَكُونَ صَلاحُهم مُنَزَّهًا عَنْ أنْ يُخالِطَهُ فَسادٌ، فَإنَّهم إنْ أفْسَدُوا في الأرْضِ أفْسَدُوا مَخْلُوقاتٍ كَثِيرَةً وأفْسَدُوا أنْفُسَهم في ضِمْنِ ذَلِكَ الإفْسادِ، فَأشْبَهَ مَوْقِعَ الِاحْتِراسِ، وكَذَلِكَ دَأْبُ القُرْآنِ أنْ يُعَقِّبَ التَّرْغِيبَ بِالتَّرْهِيبِ، وبِالعَكْسِ، لِئَلّا يَقَعَ النّاسُ في اليَأْسِ أوِ الأمْنِ.
والِاهْتِمامُ بِدَرْءِ الفَسادِ كانَ مَقامًا هُنا مُقْتَضِيًا التَّعْجِيلَ بِهَذا النَّهْيِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَتَيِ الأمْرِ بِالدُّعاءِ.
صفحة ١٧٤
وفِي إيقاعِ هَذا النَّهْيِ عَقِبَ قَوْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُعْتَدِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، وإرْباءٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ مُشابِهَتِهِمْ، أيْ لا يَلِيقُ بِكم وأنْتُمُ المُقَرَّبُونَ مِن رَبِّكم، المَأْذُونُ لَكم بِدُعائِهِ، أنْ تَكُونُوا مِثْلَ المُبْعَدِينَ مِنهُ المُبْغَضِينَ.
والإفْسادُ في الأرْضِ والإصْلاحُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ أُصُولَ الفَسادِ وحَقائِقَ الإصْلاحِ، ومَرَّ هُنالِكَ القَوْلُ في حَذْفِ مَفْعُولِ تُفْسِدُوا مِمّا هو نَظِيرُ ما هُنا.
والأرْضُ هُنا هي الجِسْمُ الكُرَوِيُّ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالدُّنْيا.
والإفْسادُ في كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ هو إفْسادٌ لِمَجْمُوعِ الأرْضِ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الإفْسادِ مُؤَدِّيًا إلى صَلاحٍ أعْظَمَ مِمّا جَرَّهُ الإفْسادُ مِنَ المَضَرَّةِ، فَيَتَرَجَّحُ الإفْسادُ إذا لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ صَلاحٍ ضَرُورِيٍّ إلّا بِهِ، فَقَدْ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، ونَهى أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ - عَنْهُ عَنْ قَطْعِ شَجَرِ العَدُوِّ، لِاخْتِلافِ الأحْوالِ.
والبَعْدِيَّةُ في قَوْلِهِ بَعْدَ إصْلاحِها بَعْدِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، لِأنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ مِن أوَّلِ أمْرِها عَلى صَلاحٍ قالَ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها عَلى نِظامٍ صالِحٍ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ، وبِخاصَّةٍ الإنْسانُ الَّذِي هو أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَلى الأرْضِ، وخَلَقَ لَهُ ما في الأرْضِ، وعَزَّزَ ذَلِكَ النِّظامَ بِقَوانِينَ وضْعَها اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ المُرْسَلِينَ والصّالِحِينَ والحُكَماءِ مِن عِبادِهِ، الَّذِينَ أيَّدَهم بِالوَحْيِ والخِطابِ الإلَهِيِّ، أوْ بِالإلْهامِ والتَّوْفِيقِ والحِكْمَةِ، فَعَلَّمُوا النّاسَ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُونَ ما في الأرْضِ عَلى نِظامٍ يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِفاعُ بِنَفْعِ النّافِعِ وإزالَةِ ما في النّافِعِ مِنَ الضُّرِّ وتَجَنُّبِ ضُرِّ الضّارِّ، فَذَلِكَ النِّظامُ الأصْلِيُّ، والقانُونُ المُعَزِّزُ لَهُ، كِلاهُما
صفحة ١٧٥
إصْلاحٌ في الأرْضِ، لِأنَّ الأوَّلَ إيجادُ الشَّيْءِ صالِحًا، والَثانِي جَعْلُ الضّارِّ صالِحًا بِالتَّهْذِيبِ أوْ بِالإزالَةِ، وقَدْ مَضى في قَوْلِهِ تَعالى وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أنَّ الإصْلاحَ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ إيجادِ الشَّيْءِ صالِحًا وبَيْنَ جَعْلِ الفاسِدِ صالِحًا. فالإصْلاحُ هُنا مَصْدَرٌ في مَعْنى الِاسْمِ الجامِدِ، ولَيْسَ في مَعْنى الفِعْلِ، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ إصْلاحٌ حاصِلٌ ثابِتٌ في الأرْضِ لا إصْلاحٌ هو بِصَدَدِ الحُصُولِ، فَإذا غُيِّرَ ذَلِكَ النِّظامُ فَأُفْسِدَ الصّالِحُ، واسْتُعْمِلَ الضّارُّ عَلى ضُرِّهِ، أوِ اسْتُبِقِيَ مَعَ إمْكانِ إزالَتِهِ، كانَ إفْسادًا بَعْدَ إصْلاحٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ.
والتَّصْرِيحُ بِالبَعْدِيَّةِ هُنا تَسْجِيلٌ لِفَظاعَةِ الإفْسادِ بِأنَّهُ إفْسادٌ لِما هو حَسَنٌ ونافِعٌ، فَلا مَعْذِرَةَ لِفاعِلِهِ ولا مَساغَ لِفِعْلِهِ عِنْدَ أهْلِ الأرْضِ.
* * *
﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ عَوْدٌ إلى أمْرِ الدُّعاءِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الإفْسادِ أشْبَهَ الِاحْتِراسَ المُعْتَرِضَ بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ، وأُعِيدَ الأمْرُ بِالدُّعاءِ لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ خَوْفًا وطَمَعًا قَصْدًا لِتَعْلِيمِ الباعِثِ عَلى الدُّعاءِ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا كَيْفِيَّتَهُ، وهَذا الباعِثُ تَنْطَوِي تَحْتَهُ أغْراضُ الدُّعاءِ وأنْواعُهُ، فَلا إشْكالَ في عَطْفِ الأمْرِ بِالدُّعاءِ عَلى مِثْلِهِ لِأنَّهُما مُخْتَلِفانِ بِاخْتِلافِ مُتَعَلَّقاتِهِما.
والخَوْفُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ.
والطَّمَعُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وانْتِصابُ خَوْفًا وطَمَعًا هُنا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ أنَّ الدُّعاءَ يَكُونُ لِأجْلِ خَوْفٍ مِنهُ وطَمَعٍ فِيهِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الخَوْفِ والطَّمَعِ لِدَلالَةِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ادْعُوهُ.
صفحة ١٧٦
والواوُ لِلتَّقْسِيمِ لِلدُّعاءِ بِأنَّهُ يَكُونُ عَلى نَوْعَيْنِ.
فالخَوْفُ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ، والطَّمَعُ في رِضاهُ وثَوابِهِ، والدُّعاءُ لِأجْلِ الخَوْفِ نَحْوَ الدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ، والدُّعاءُ لِأجَلِ الطَّمَعِ نَحْوَ الدُّعاءِ بِالتَّوْفِيقِ وبِالرَّحْمَةِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ الدُّعاءَ يَشْتَمِلُ عَلى خَوْفٍ وطَمَعٍ في ذاتِهِ كَما فَسَّرَ بِهِ الفَخْرُ في السُّؤالِ الثّالِثِ لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ صَحَّ في الطَّمَعِ لا يَصِحُّ في الخَوْفِ إلّا بِسَماجَةٍ، وفي الأمْرِ بِالدُّعاءِ خَوْفًا وطَمَعًا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِن حُظُوظِ المُكَلَّفِينَ في أعْمالِهِمْ مُراعاةَ جانِبِ الخَوْفِ مِن عِقابِ اللَّهِ والطَّمَعِ في ثَوابِهِ، وهَذا مِمّا طَفَحَتْ بِهِ أدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وقَدْ أتى الفَخْرُ في السُّؤالِ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ بِكَلامٍ غَيْرِ مُلاقٍ لِلْمَعْرُوفِ عِنْدَ عُلَماءِ الأُمَّةِ، ونَزَعَ بِهِ نَزْعَةَ المُتَصَوِّفَةِ الغُلاةِ، وتَعَقُّبُهُ يَطُولُ، فَدُونَكَ فانْظُرْهُ إنْ شِئْتَ.
وقَدْ شَمِلَ الخَوْفُ والطَّمَعُ جَمِيعَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ أغْراضُ المُسْلِمِينَ نَحْوَ رَبِّهِمْ في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ، لِيَدْعُوا اللَّهَ بِأنْ يُيَسِّرَ لَهم أسْبابَ حُصُولِ ما يَطْمَعُونَ، وأنْ يُجَنِّبَهم أسْبابَ حُصُولِ ما يَخافُونَ، وهَذا يَقْتَضِي تَوَجُّهَ هِمَّتِهِمْ إلى اجْتِنابِ المَنهِيّاتِ لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِنَ العِقابِ، وإلى امْتِثالِ المَأْمُوراتِ لِأجْلِ الطَّمَعِ في الثَّوابِ، فَلا جَرَمَ أنَّهُ اقْتَضى الأمْرَ بِالإحْسانِ، وهو أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ عِبادَةَ مَن هو حاضِرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَسْتَحْيِي مِن أنْ يَعْصِيَهُ، فالتَّقْدِيرُ: وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا وأحْسِنُوا بِقَرِينَةِ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ. وهَذا إيجازٌ.
وجُمْلَةُ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ (وادْعُوهُ)، فَلِذَلِكَ قُرِنَتْ بِـ إنَّ الدّالَّةَ عَلى التَّوْكِيدِ، وهو لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، إذْ لَيْسَ المُخاطَبُونَ بِمُتَرَدِّدِينَ في مَضْمُونِ الخَبَرِ، ومِن شَأْنِ إنَّ إذا جاءَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تُفِيدَ التَّعْلِيلَ ورَبْطَ مَضْمُونِ جُمْلَتِها بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَتُغْنِي عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها فَلَمْ تُعْطَفْ لِإغْناءِ إنَّ عَنِ العاطِفِ.
صفحة ١٧٧
ورَحْمَةُ اللَّهِ: إحْسانُهُ وإيتاؤُهُ الخَيْرَ.
والقُرْبُ حَقِيقَتُهُ دُنُوُّ المَكانِ وتَجاوُرُهُ، ويُطْلَقُ عَلى الرَّجاءِ مَجازًا يُقالُ: هَذا قَرِيبٌ، أيْ مُمْكِنٌ مَرْجُوٌّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا فَإنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ الحَشْرَ وهو عِنْدُ اللَّهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، فالقَرِيبُ هُنا بِمَعْنى المَرْجُوِّ الحُصُولِ ولَيْسَ بِقُرْبِ مَكانٍ، ودَلَّ قَوْلُهُ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ عَلى مُقَدَّرٍ في الكَلامِ، أيْ وأحْسِنُوا لِأنَّهم إذا دَعَوْا خَوْفًا وطَمَعًا فَقَدْ تَهَيَّأُوا لِنَبْذِ ما يُوجِبُ الخَوْفَ، واكْتِسابِ ما يُوجِبُ الطَّمَعَ، لِئَلّا يَكُونَ الخَوْفُ والطَّمَعُ كاذِبِينَ، لِأنَّ مَن خافَ لا يُقْدِمُ عَلى المَخُوفِ، ومَن طَمَعَ لا يَتْرُكُ طَلَبَ المَطْمُوعِ، ويَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالإحْسانِ في العَمَلِ ويَلْزَمُ مِنَ الإحْسانِ تَرْكُ السَّيِّئاتِ، فَلا جَرَمَ تَكُونُ رَحْمَةُ اللَّهِ قَرِيبًا مِنهم، وسَكَتَ عَنْ ضِدِّ المُحْسِنِينَ رِفْقًا بِالمُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضًا بِأنَّهم لا يَظُنُّ بِهِمْ أنْ يُسِيئُوا فَتَبْعُدُ الرَّحْمَةُ عَنْهم.
وعَدَمُ لِحاقِ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِوَصْفِ (قَرِيبٍ) مَعَ أنَّ مَوْصُوفَهُ مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، وجَّهَهُ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأشارَ إلَيْهِما في الكَشّافِ، وجُلُّها يَحُومُ حَوْلَ تَأْوِيلِ الِاسْمِ المُؤَنَّثِ بِما يُرادِفُهُ مِنِ اسْمٍ مُذَكَّرٍ، أوِ الِاعْتِذارِ بِأنَّ بَعْضَ المَوْصُوفِ بِهِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ التَّأْنِيثِ كَما هُنا، وأحْسَنُها عِنْدِي قَوْلُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ: أنَّ قَرِيبًا أوْ بَعِيدًا إذا أُطْلِقَ عَلى قَرابَةِ النَّسَبِ أوْ بُعْدِ النَّسَبِ فَهو مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ ولا بُدَّ، وإذا أُطْلِقَ عَلى قُرْبِ المَسافَةِ أوْ بُعْدِها جازَ فِيهِ مُطابَقَةُ مَوْصُوفِهِ وجازَ فِيهِ التَّذْكِيرُ عَلى التَّأْوِيلِ بِالمَكانِ، وهو الأكْثَرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ وقالَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا. ولَمّا كانَ إطْلاقُهُ في هَذِهِ الآيِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ مِن قُرْبِ المَسافَةِ جَرى عَلى الشّائِعِ في اسْتِعْمالِهِ في المَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهَذا مِن لَطِيفِ الفُرُوقِ العَرَبِيَّةِ في اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ إزالَةً لِلْإبْهامِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
الأعراف 7:57
صفحة ١٧٨
﴿وهْوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾
جُمْلَةُ وهو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وقَدْ حَصَلَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ آخِرِ الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ وبَيْنَ الجُمْلَةِ المُعْتَرَضِ بَيْنَها وبَيْنَ ما عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قُرْبَ رَحْمَتِهِ مِنَ المُحْسِنِينَ ذَكَرَ بَعْضًا مِن رَحْمَتِهِ العامَّةِ وهو المَطَرُ. فَذِكْرُ إرْسالِ الرِّياحِ هو المَقْصُودُ الأهَمُّ لِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ والتَّدْبِيرِ، ولِذَلِكَ جَعَلْناهُ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أوْ عَلى جُمْلَةِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ. وذِكْرُ بَعْضِ الأحْوالِ المُقارَنَةِ لِإرْسالِ الرِّياحِ يَحْصُلُ مِنهُ إدْماجُ الِامْتِنانِ في الِاسْتِدْلالِ وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّ الرِّياحَ لا تُرْسَلُ إلّا لِلتَّبْشِيرِ بِالمَطَرِ، ولا أنَّ المَطَرَ لا يَنْزِلُ إلّا عَقِبَ إرْسالِ الرِّياحِ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ تَعْلِيمَ حَوادِثِ الجَوِّ، وإذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي انْحِصارَ المُلازَمَةِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ بِإغْداقِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ ونِذارَةِ المُشْرِكِينَ بِالقَحْطِ والجُوعِ كَقَوْلِهِ وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا وقَوْلِهِ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ.
وأُطْلِقَ الإرْسالُ عَلى الِانْتِقالِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، فَإرْسالُ الرِّياحِ هُبُوبُها مِنَ المَكانِ الَّذِي تَهُبُّ فِيهِ ووُصُولُها، وحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ أنَّ الرِّيحَ مُسَخَّرَةٌ إلى المَكانِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ هُبُوبَها فِيهِ فَشُبِّهَتْ بِالعاقِلِ المُرْسَلِ إلى جِهَةٍ ما، ومِن بَدائِعِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ الرِّيحَ لا تُفارِقُ كُرَةَ الهَواءِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَتَصْرِيفُ الرِّياحِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ أشْبَهُ بِالإرْسالِ مِنهُ بِالإيجادِ.
صفحة ١٧٩
والرِّياحُ: جَمْعُ رِيحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّياحَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: الرِّيحَ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، فَهو مُساوٍ لِقِراءَةِ الجَمْعِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَن قَرَأ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقِراءَتُهُ أسْعَدُ، لِأنَّ الرِّياحَ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ فَهي مُقْتَرِنَةٌ بِالرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ وأرْسَلْنا الرِّياحَ لِواقِحَ وأكْثَرُ ذِكْرِ الرِّيحِ المُفْرَدَةِ أنْ تَكُونَ مُقْتَرِنَةً بِالعَذابِ كَقَوْلِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ونَحْوَ ذَلِكَ. ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَتَقْيِيدُها بِالنَّشْرِ يُزِيلُ الِاشْتِراكَ أيِ الإيهامَ. والتَّحْقِيقُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ قَدْ يُرادُ بِهِ تَعَدُّدُ المَهابِّ أوْ حُصُولُ الفَتَراتِ في الهُبُوبِ، وأنَّ الإفْرادَ قَدْ يُرادُ بِهِ أنَّها مَدْفُوعَةٌ دُفْعَةً واحِدَةً قَوِيَّةً لا فَتْرَةَ بَيْنَ هَبّاتِها.
وقَوْلُهُ ”نُشُرًا“ قَرَأهُ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: نُشُرًا بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَشُورٍ بِفَتْحِ النُّونِ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، وهو فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والنَّشُورُ الرِّيحُ الحَيَّةُ الطَّيِّبَةُ لِأنَّها تَنْشُرُ السَّحابَ، أيْ تَبُثُّهُ وتُكَثِّرُهُ في الجَوِّ، كالشَّيْءِ المَنشُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعُولًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَنشُورَةً، أيْ مَبْثُوثَةً في الجِهاتِ، مُتَفَرِّقَةً فِيها، لِأنَّ النَّشْرَ هو التَّفْرِيقُ في جِهاتٍ كَثِيرَةٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ رِيحَ المَطَرِ تَكُونُ لَيِّنَةً، تَجِيءُ مَرَّةً مِنَ الجَنُوبِ ومَرَّةً مِنَ الشَّمالِ، وتَتَفَرَّقُ في الجِهاتِ حَتّى يَنْشَأ بِها السَّحابُ ويَتَعَدَّدَ سَحاباتٌ مَبْثُوثَةٌ، كَما قالَ الكُمَيْتُ في السَّحابِ: مَرَتْهُ الجَنُوبُ بِأنْفاسِها وحَلَّتْ عَزالِيَهُ الشَّمْألُ ومِن أجْلِ ذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِتَعَدُّدِ مَهابِّها، ولِذَلِكَ لَمْ تُجْمَعْ فِيما لا يُحْمَدُ فِيهِ تَعَدُّدُ المَهابِّ كَقَوْلِهِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ مِن حَيْثُ جَرْيُ السُّفُنِ إنَّما جِيدُهُ بِرِيحٍ مُتَّصِلَةٍ.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ نُشْرًا بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ وهو تَخْفِيفُ نُشُرٍ الَّذِي هو بِضَمَّتَيْنِ كَما يُقالُ: رُسْلٌ في رُسُلٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ،
صفحة ١٨٠
والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وانْتَصَبَ إمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِأنَّهُ مُرادِفٌ لِـ أرْسَلَ بِمَعْناهُ المَجازِيِّ، أيْ أرْسَلَها إرْسالًا أوْ نَشْرَها نَشْرًا، وإمّا عَلى الحالِ مِنَ الرِّيحِ، أيْ ناشِرَةً أيِ السَّحابُ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أرْسَلَ أيْ أرْسَلَها ناشِرًا أيْ مُحْيِيًا بِها الأرْضَ المَيْتَةَ، أيْ مُحْيِيًا بِآثارِها وهي الأمْطارُ.
وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ في مَوْضِعِ النُّونِ مَضْمُومَةً وبِسُكُونِ الشِّينِ وبِالتَّنْوِينِ وهو تَخْفِيفُ بُشُرًا بِضَمِّهِما عَلى أنَّهُ جَمْعُ بَشِيرٍ مِثْلُ نُذُرٍ ونَذِيرٍ، أيْ مُبَشِّرَةً لِلنّاسِ بِاقْتِرابِ الغَيْثِ.
فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ الرِّياحَ تَنْشُرُ السَّحابَ، وأنَّها تَأْتِي مِن جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَتَعاقَبُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ امْتِلاءِ الأسْحِبَةِ بِالماءِ وأنَّها تُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وأنَّها تُبَشِّرُ النّاسَ بِهُبُوبِها، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ بِها سُرُورًا.
وأصْلُ مَعْنى قَوْلِهِمْ: بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ، أنَّهُ يَكُونُ أمامَهُ بِقُرْبٍ مِنهُ ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِالخَلْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَقَصْدُ قائِلِهِ الكِنايَةُ عَنِ الأمامِ، ولَيْسَ صَرِيحًا، حَيْثُ إنَّ الأمامَ القَرِيبَ أوْسَعُ مِنَ الكَوْنِ بَيْنَ اليَدَيْنِ، ثُمَّ لِشُهْرَةِ هَذِهِ الكِنايَةِ وأغْلَبِيَّةِ مُوافَقَتِها لِلْمَعْنى الصَّرِيحِ جُعِلَتْ كالصَّرِيحِ، وساغَ أنْ تُسْتَعْمَلَ مَجازًا في التَّقَدُّمِ والسَّبْقِ القَرِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦]، وفي تَقَدُّمِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ مَعَ قُرْبِهِ مِنهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ أمامَهُ ومِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْمُتَقَدَّمِ عَلَيْهِ يَدانِ، وهَكَذا اسْتِعْمالُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ يُرْسِلُ الرِّياحَ سابِقَةً رَحْمَتُهُ.
والرَّحْمَةُ هَذِهِ أُرِيدَ بِها المَطَرُ، فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، لِأنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ بِهِ. والقَرِينَةُ عَلى المُرادِ بَقِيَّةُ الكَلامِ، ولَيْسَتِ الرَّحْمَةُ مِن أسْماءِ المَطَرِ في كَلامِ العَرَبِ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ، وإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في هَذِهِ الآيَةِ تُبْعِدُ دَعْوى مَنِ ادَّعاها مِن أسْماءِ المَطَرِ. والمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن قَوْلِهِ
صفحة ١٨١
﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ تَقْرِيعُ المُشْرِكِينَ وتَفْنِيدُ إشْراكِهِمْ، وتَبِعَهُ تَذْكِيرُ المُؤْمِنِينَ وإثارَةُ اعْتِبارِهِمْ، لِأنَّ المَوْصُولَ دَلَّ عَلى أنَّ الصِّلَةَ مَعْلُومَةُ الِانْتِسابِ لِلْمَوْصُولِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ لِلرِّياحِ مُصَرِّفًا وأنَّ لِلْمَطَرِ مُنَزِّلًا، غَيْرَ أنَّهم يَذْهَلُونَ أوْ يَتَذاهَلُونَ عَنْ تَعْيِينِ ذَلِكَ الفاعِلِ، ولِذَلِكَ يَجِيئُونَ في الكَلامِ بِأفْعالِ نُزُولِ المَطَرِ مَبْنِيَّةً إلى المَجْهُولِ غالِبًا، فَيَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ الثُّرَيّا ويَقُولُونَ: ”غِثْنا ما شِئْنا“ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ أيْ أغِثْنا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ فاعِلَ تِلْكَ الأفْعالِ هو اللَّهُ، وذَلِكَ بِإسْنادِ هَذا المَوْصُولِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ وهو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ أيِ الَّذِي عَلِمْتُمْ أنَّهُ يُرْسِلُ الرِّياحَ ويُنَزِّلُ الماءَ، وهو اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦]، فالخَبَرُ مُسَوِّقٌ لِتَعْيِينِ صاحِبِ هَذِهِ الصِّلَةِ. فَهو بِمَنزِلَةِ الجَوابِ عَنِ اسْتِفْهامٍ مَقْصُودٌ مِنهُ طَلَبُ التَّعْيِينِ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: أراحِلٌ أنْتَ أمْ ثاوٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في هَذا الإسْنادِ قَصْرٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ رَدَّ اعْتِقادٍ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يُرْسِلُ الرِّياحَ، ولَكِنَّهم كانُوا كَمَن يَجْهَلُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ إشْراكِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَرُوعِيَ في هَذا الإسْنادِ حالُهُمُ ابْتِداءً، ويَحْصُلُ رَعْيُ حالِ المُؤْمِنِينَ تَبَعًا، لِأنَّ السِّياقَ مُناسِبٌ لِمُخاطَبَةِ الفَرِيقَيْنِ كَما تَقَدَّمَ في الآيِ السّابِقَةِ.
و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ وهي غايَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ”﴿نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾“، الَّذِي هو في مَعْنى: مُتَقَدِّمَةً رَحْمَتَهُ، أيْ تَتَقَدَّمُها مُدَّةً وتَنْشُرُ أسْحِبَتَها حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا أنْزَلْنا بِهِ الماءَ، فَإنْزالُ الماءِ هو غايَةُ تَقَدُّمِ الرِّياحِ وسَبْقِها المَطَرَ، وكانَتِ الغايَةُ مُجَزَّأةً أجْزاءً فَأوَّلُها مَضْمُونُ قَوْلِهِ أقَلَّتْ أيِ الرِّياحُ السَّحابَ، ثُمَّ مَضْمُونُ قَوْلِهِ ثِقالًا، ثُمَّ مَضْمُونُ سُقْناهُ أيْ إلى البَلَدِ الَّذِي أرادَ اللَّهُ غَيْثَهُ، ثُمَّ أنْ يَنْزِلَ مِنهُ الماءُ. وكُلُّ ذَلِكَ غايَةٌ لِتَقَدُّمِ الرِّياحِ، لِأنَّ المُفَرَّعَ عَنِ الغايَةِ هو غايَةٌ.
(الثِّقالَ): البَطِيئَةُ التَّنَقُّلِ لِما فِيها مِن رُطُوبَةِ الماءِ، وهو البُخارُ، وهو السَّحابُ المَرْجُوُّ مِنهُ المَطَرُ، ومِن أحْسَنِ مَعانِي أبِي الطَّيِّبِ قَوْلُهُ في حُسْنِ الِاعْتِذارِ:
صفحة ١٨٢
ومِنَ الخَيْرِ بُطْءُ سَيْبِـكَ عَـنِّـي أسْرَعُ السُّحْبِ في المَسِيرِ الجَهامُ وطُوِيَ بَعْضُ المُغَيّا: وذَلِكَ أنَّ الرِّياحَ تُحَرِّكُ الأبْخِرَةَ الَّتِي عَلى سَطْحِ الأرْضِ، وتَمُدُّها بِرُطُوباتٍ تَسُوقُها إلَيْها مِنَ الجِهاتِ النَّدِّيَّةِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْها كالبِحارِ والأنْهارِ والبُحَيْراتِ والأرْضِينَ النَّدِّيَّةِ، ويَجْتَمِعُ بَعْضُ ذَلِكَ إلى بَعْضٍ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالإثارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] فَإذا بَلَغَ حَدَّ البُخارِيَّةِ رَفَعَتْهُ الرِّياحُ مِن سَطْحِ الأرْضِ إلى الجَوِّ.
ومَعْنى أقَلَّتْ حَمَلَتْ مُشْتَقٌّ مِنَ القِلَّةِ لِأنَّ الحامِلَ يُعَدُّ مَحْمُولُهُ قَلِيلًا فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ.
وإقْلالُ الرِّيحِ السَّحابَ هو أنَّ الرِّياحَ تَمُرُّ عَلى سَطْحِ الأرْضِ فَيَتَجَمَّعُ بِها ما عَلى السَّطْحِ مِنَ البُخارِ، وتَرْفَعُهُ الرِّياحُ إلى العُلُوِّ في الجَوِّ، حَتّى يَبْلُغَ نُقْطَةً بارِدَةً في أعْلى الجَوِّ، فَهُنالِكَ يَنْقَبِضُ البُخارُ وتَتَجَمَّعُ أجْزاؤُهُ فَيَصِيرُ سَحاباتٍ، وكُلَّما انْضَمَّتْ سَحابَةٌ إلى أُخْرى حَصَلَتْ مِنهُما سَحابَةٌ أثْقَلُ مِن إحْداهُما حِينَ كانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنِ الأُخْرى، فَيَقِلُّ انْتِشارُها إلى أنْ تَصِيرَ سَحابًا عَظِيمًا فَيَثْقُلُ، فَيَنْماعُ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَطَرًا، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ أقَلَّتْ غَيْرُ المُرادِ مِن قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى فَتُثِيرُ سَحابًا.
والسَّحابُ اسْمُ جَمْعٍ لِسَحابَةٍ فَلِذَلِكَ جازَ إجْراؤُهُ عَلى اعْتِبارِ التَّذْكِيرِ نَظَرًا لِتَجَرُّدِ لَفْظِهِ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، وجازَ اعْتِبارُ التَّأْنِيثِ فِيهِ نَظَرًا لِكَوْنِهِ في مَعْنى الجَمْعِ ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ وُصِفَ السَّحابُ في ابْتِداءِ إرْسالِهِ بِأنَّها تُثِيرُ، ووُصِفَ بَعْدَ الغايَةِ بِأنَّها ثِقالٌ، وهَذا مِن إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ، وقَدْ ورَدَ الِاعْتِبارانِ في هَذِهِ الآيَةِ فَوَصَفَ السَّحابَ بِقَوْلِهِ ثِقالًا اعْتِبارًا بِالجَمْعِ كَما «قالَ ﷺ ورَأيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ»، وأُعِيدَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ بِالإفْرادِ في قَوْلِهِ سُقْناهُ.
وحَقِيقَةُ السَّوْقِ أنَّهُ تَسْيِيرُ ما يَمْشِي ومُسَيِّرُهُ وراءَهُ يُزْجِيهِ ويُحِثُّهُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَسْيِيرِ السَّحابِ بِأسْبابِهِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ، وقَدْ يُجْعَلُ تَمْثِيلًا إذا
صفحة ١٨٣
رُوعِيَ قَوْلُهُ ﴿أقَلَّتْ سَحابًا﴾ أيْ: سُقْناهُ بِتِلْكَ الرِّيحِ إلى بَلَدٍ، فَيَكُونُ تَمْثِيلًا لِحالَةِ دَفْعِ الرِّيحِ السَّحابَ بِحالَةِ سَوْقِ السّائِقِ الدّابَّةَ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِبَلَدٍ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ بَلَدٍ مَيِّتٍ، وفي هَذِهِ اللّامِ دَلالَةٌ عَلى العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِذَلِكَ البَلَدِ فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ تَعْدِيَةِ سُقْناهُ بِحَرْفِ إلى.
والبَلَدُ: السّاحَةُ الواسِعَةُ مِنَ الأرْضِ.
والمَيِّتُ: مَجازٌ أُطْلِقَ عَلى الجانِبِ الَّذِي انْعَدَمَ مِنهُ النَّباتُ، وإسْنادُ المَوْتِ المَجازِيِّ إلى البَلَدِ هو أيْضًا مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّ المَيِّتَ إنَّما هو نَباتُهُ وثَمَرُهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى.
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ في قَوْلِهِ فَأخْرَجْنا بِهِ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى البَلَدِ، فَيَكُونُ الباءُ بِمَعْنى في ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الماءِ فَيَكُونُ الباءُ لِلْآلَةِ.
والِاسْتِغْراقُ في كُلِّ الثَّمَراتِ اسْتِغْراقٌ حَقِيقِيٌّ، لِأنَّ البَلَدَ المَيِّتَ لَيْسَ مُعَيَّنًا بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ بَلَدٍ مَيِّتٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ المَطَرُ، فَيَحْصُلُ مِن جَمِيعِ أفْرادِ البَلَدِ المَيِّتِ جَمِيعُ الثَّمَراتِ قَدْ أخْرَجَها اللَّهُ بِواسِطَةِ الماءِ، والبَلَدُ الواحِدُ يُخْرِجُ ثَمَراتِهِ المُعْتادَةَ فِيهِ، فَإذا نَظَرْتَ إلى ذَلِكَ البَلَدِ خاصَّةً فاجْعَلِ اسْتِغْراقَ كُلِّ الثَّمَراتِ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيْ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ المَعْرُوفَةِ في ذَلِكَ البَلَدِ وحَرْفُ مِن لِلتَّبْعِيضِ.
وجُمْلَةُ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى مُعْتَرِضَةٌ اسْتِطْرادًا لِلْمَوْعِظَةِ والِاسْتِدْلالِ عَلى تَقْرِيبِ البَعْثِ الَّذِي يَسْتَبْعِدُونَهُ، والإشارَةُ بِـ كَذَلِكَ إلى الإخْراجِ المُتَضَمِّنِ لَهُ فِعْلُ فَأخْرَجْنا بِاعْتِبارِ ما قَبْلَهُ مِن كَوْنِ البَلَدِ مَيِّتًا، ثُمَّ إحْيائِهِ أيْ إحْياءِ ما فِيهِ مِن أثَرِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، فَوَجْهُ الشَّبَهِ هو إحْياءٌ بَعْدَ مَوْتٍ، ولا شَكَّ أنَّ لِذَلِكَ الإحْياءِ كَيْفِيَّةً قَدَّرَها اللَّهُ وأجْمَلَ ذِكْرَها لِقُصُورِ الإفْهامِ عَنْ تَصَوُّرِها.
وجُمْلَةُ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ، والرَّجاءُ ناشِئٌ عَنِ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾“ لِأنَّ
صفحة ١٨٤
المُرادَ التَّذَكُّرُ الشّامِلُ الَّذِي يَزِيدُ المُؤْمِنَ عِبْرَةً وإيمانًا، والَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْلِعَ مِنَ المُشْرِكِ اعْتِقادَ الشِّرْكِ ومِن مُنْكِرِ البَعْثِ إنْكارَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَّكَّرُونَ“ بِتَشْدِيدِ الذّالِ عَلى إدْغامِ التّاءِ الثّانِيَةِ في الذّالِ بَعْدَ قَلْبِها ذالًا، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَذَكَّرُونَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.
الأعراف 7:58
﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] تَتَضَمَّنُ تَفْصِيلًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ إذْ قَدْ بَيَّنَ فِيها اخْتِلافَ حالِ البَلَدِ الَّذِي يُصِيبُهُ ماءُ السَّحابِ، دَعا إلى هَذا التَّفْصِيلِ أنَّهُ لَمّا مُثِّلَ إخْراجُ ثَمَراتِ الأرْضِ بِإخْراجِ المَوْتى مِنها يَوْمَ البَعْثِ تَذْكِيرًا بِذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإبْطالًا لِإحالَةِ البَعْثِ عِنْدَ المُشْرِكِينَ، مُثِّلَ هُنا بِاخْتِلافِ حالِ إخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ اخْتِلافُ حالِ النّاسِ الأحْياءِ في الِانْتِفاعِ بِرَحْمَةِ هُدى اللَّهِ، فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى ولِذَلِكَ ذُيِّلَ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ كَما ذُيِّلَ ما قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] .
والمَعْنى: كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى وكَذَلِكَ يَنْتَفِعُ بِرَحْمَةِ الهَدْيِ مَن خُلِقَتْ فِطْرَتُهُ طَيِّبَةً قابِلَةً لِلْهُدى كالبَلَدِ الطَّيِّبِ يَنْتَفِعُ بِالمَطَرِ، ويَحْرُمُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالهُدى مَن خُلِقَتْ فِطْرَتُهُ خَبِيثَةً كالأرْضِ الخَبِيثَةِ لا تَنْتَفِعُ بِالمَطَرِ فَلا تُنْبِتُ نَباتًا نافِعًا، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ التَّمْثِيلُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَفْصِيلِ أحْوالِ الأرْضِ بَعْدَ نُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الغَرَضَ المَسُوقَ لَهُ الكَلامُ
صفحة ١٨٥
يَجْمَعُ أمْرَيْنِ: العِبْرَةَ بِصُنْعِ اللَّهِ، والمَوْعِظَةَ بِما يُماثِلُ أحْوالَهُ. فالمَعْنى: كَما أنَّ البَلَدَ الطَّيِّبَ يَخْرُجُ نَباتُهُ سَرِيعًا بَهِجًا عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ، والبَلَدَ الخَبِيثَ لا يَكادُ يُنْبِتُ فَإنْ أنْبَتَ أخْرَجَ نَبْتًا خَبِيثًا لا خَيْرَ فِيهِ.
والطَّيِّبُ وصْفٌ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ وهي صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الوَصْفِ في المَوْصُوفِ مِثْلُ: قَيِّمٍ، وهو المُتَّصِفُ بِالطَّيِّبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطَّيِّبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ في سُورَةِ المائِدَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والبَلَدُ الطَّيِّبُ الأرْضُ المَوْصُوفَةُ بِالطَّيِّبِ، وطِيبُها زَكاءُ تُرْبَتِها ومُلاءَمَتُها لِإخْراجِ النَّباتِ الصّالِحِ ولِلزَّرْعِ والغَرْسِ وهي الأرْضُ النَّقِيَّةُ.
والَّذِي خَبُثَ ضِدَّ الطِّيبِ.
وقَوْلُهُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَباتِهِ. والإذْنُ: الأمْرُ، والمُرادُ بِهِ أمْرُ العِنايَةِ بِهِ كَقَوْلِهِ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ لِيَدُلَّ عَلى تَشْرِيفِ ذَلِكَ النَّباتِ، فَهو في مَعْنى الوَصْفِ بِالزَّكاءِ، والمَعْنى: البَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ طَيِّبًا زَكِيًّا مِثْلَهُ، وقَدْ أشارَ إلى طِيبِ نَباتِهِ بِأنَّ خُرُوجَهُ بِإذْنِ رَبِّهِ، فَأُرِيدُ بِهَذا الإذْنِ إذْنٌ خاصٌّ هو إذْنُ عِنايَةٍ وتَكْرِيمٍ، ولَيْسَ المُرادُ إذْنَ التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ فَإنَّ ذَلِكَ إذْنٌ مَعْرُوفٌ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِبَيانِهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ.
﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ حَمَلَهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْبَلَدِ، أيِ البَلَدُ الَّذِي خَبُثَ وهو مُقابِلُ البَلَدِ الطَّيِّبِ، وفَسَّرُوهُ بِالأرْضِ الَّتِي لا تُنْبِتُ إلّا نَباتًا لا يَنْفَعُ، ولا يُسْرِعُ إنْباتُها، مِثْلَ السِّباخِ، وحَمَلُوا ضَمِيرَ يَخْرُجُ عَلى أنَّهُ عائِدٌ لِلنَّباتِ، وجَعَلُوا تَقْدِيرَ الكَلامِ: والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ نَباتُهُ إلّا نَكِدًا، فَحُذِفَ المُضافُ في التَّقْدِيرِ، وهو نَباتُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وهو ضَمِيرُ البَلَدِ الَّذِي خَبُثَ، المُسْتَتِرُ في فِعْلِ يَخْرُجُ.
صفحة ١٨٦
والَّذِي يَظْهَرُ لِي: أنْ يَكُونَ ”الَّذِي“ صادِقًا عَلى نَباتِ الأرْضِ، والمَعْنى: والنَّبْتُ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا، ويَكُونُ في الكَلامِ احْتِباكٌ إذْ لَمْ يُذْكَرْ وصْفُ الطَّيِّبِ بَعْدَ نَباتِ البَلَدِ الطَّيِّبِ، ولَمْ تُذْكَرِ الأرْضُ الخَبِيثَةُ قَبْلَ ذِكْرِ النَّباتِ الخَبِيثِ، لِدَلالَةِ كِلا الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ. والتَّقْدِيرُ: والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ طَيِّبًا بِإذْنِ رَبِّهِ، والنَّباتُ الَّذِي خَبُثَ يَخْرُجُ نَكِدًا مِنَ البَلَدِ الخَبِيثِ، وهَذا صُنْعٌ دَقِيقٌ لا يُهْمَلُ في الكَلامِ البَلِيغِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ لا يَخْرُجُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الرّاءِ إلّا ابْنَ ورْدانَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قَرَأ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الرّاءِ عَلى خِلافِ المَشْهُورِ عَنْهُ، وقِيلَ إنَّ نِسْبَةَ هَذا لِابْنِ ورْدانَ تَوَهَّمٌ.
والنَّكِدُ وصْفٌ مِنَ النَّكَدِ بِفَتْحِ الكافِ وهو مَصْدَرُ نَكِدَ الشَّيْءُ إذا كانَ غَيْرَ صالِحٍ يَجُرُّ عَلى مُسْتَعْمِلِهِ شَرًّا. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ إلّا نَكَدًا، بِفَتْحِ الكافِ.
وفِي تَفْصِيلِ مَعْنى الآيَةِ جاءَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ بِها اللَّهُ النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ لِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ إلى تَفَنُّنِ الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ المُقْتَضِيَةِ الوَحْدانِيَّةَ، والدّالَّةِ أيْضًا عَلى وُقُوعِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والدّالَّةِ عَلى اخْتِلافِ قابِلِيَّةِ النّاسِ لِلْهُدى والِانْتِفاعِ بِهِ بِالِاسْتِدْلالِ الواضِحِ البَيِّنِ المُقَرَّبِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ تَصْرِيفٌ أيْ تَنْوِيعٌ وتَفْنِينٌ لِلْآياتِ
صفحة ١٨٧
أيِ: الدَّلائِلِ.
والمُرادُ بِالقَوْمِ الَّذِينَ يَشْكُرُونَ: المُؤْمِنُونَ: تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مَوْرِدُ التَّمْثِيلِ بِالبَلَدِ الطَّيِّبِ، وأنَّ غَيْرَهم مَوْرِدُ التَّمْثِيلِ بِالبَلَدِ الخَبِيثِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ.
الأعراف 7:59
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ انْتَقَلَ بِهِ الغَرَضُ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ والمِنَّةِ المُبْتَدِئَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠]، وتَنْبِيهِ أهْلِ الضَّلالَةِ أنَّهم غارِقُونَ في كَيْدِ الشَّيْطانِ، الَّذِي هو عَدُوُّ نَوْعِهِمْ، مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ثُمَّ بِالتَّهْدِيدِ بِوَصْفِ عَذابِ الآخِرَةِ وأحْوالِ النّاسِ فِيهِ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الأمْثالِ والتَّعْرِيضِ؛ إلى غَرَضِ الِاعْتِبارِ والمَوْعِظَةِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ لَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] الآيَةَ، وقَدْ أُفِيضَ القَوْلُ فِيهِ في مُعْظَمِ السُّورَةِ وتَتْبَعُ هَذا الِاعْتِبارَ أغْراضٌ أُخْرى: وهي تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ، وتَعْلِيمُ أُمَّتِهِ بِتارِيخِ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، لِيَعْلَمَ المُكَذِّبُونَ مِنَ العَرَبِ أنْ لا غَضاضَةَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ولا عَلى رِسالَتِهِ مِن تَكْذِيبِهِمْ، ولا يَجْعَلُهُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، بَلْهَ أنْ يُؤَيِّدَ زَعْمَهم أنَّهُ لَوْ كانَ صادِقًا في رِسالَتِهِ لَأيَّدَهُ اللَّهُ بِعِقابِ مُكَذِّبِيهِ لَمّا قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أوِ الحِجاجِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . ولِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم أنَّ ما لَقِيَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قَوْمِهِ هو شِنْشِنَةُ أهْلِ الشَّقاوَةِ تِلْقاءَ دَعْوَةِ رُسُلِ اللَّهِ. وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِأنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الأخْبارِ
صفحة ١٨٨
تَنْظِيرُ أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَها بِحالِ مُشْرِكِي العَرَبِ في تَكْذِيبِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وكَثُرَ في الكَلامِ اقْتِرانُ جُمْلَةِ جَوابِ القِسْمِ: بِـ قَدْ لِأنَّ القَسَمَ يُهَيِّئُ نَفْسَ السّامِعِ لِتَوَقُّعِ خَبَرٍ مُهِمٍّ فَيُؤْتى بِقَدْ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ أمْرٍ مُتَوَقَّعٍ، كَما أثْبَتَهُ الخَلِيلُ والزَّمَخْشَرِيُّ، والتَّوَقُّعُ قَدْ يَكُونُ تَوَقُّعًا لِلْمُخْبَرِ بِهِ، وقَدْ يَكُونُ تَوَقُّعًا لِلْخَبَرِ كَما هُنا.
وتَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِنُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكانَ قَوْمُ نُوحٍ يَسْكُنُونَ الجَزِيرَةَ والعِراقَ - حَسَبَ ظَنِّ المُؤَرِّخِينَ - وعَبَّرَ عَنْهُمُ القُرْآنُ بِطَرِيقِ القَوْمِيَّةِ المُضافَةِ إلى نُوحٍ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْمٌ خاصٌّ مِن أسْماءِ الأُمَمِ يُعْرَفُونَ بِهِ، فالتَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ هُنا لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ.
وعَطَفَ جُمْلَةَ ﴿فَقالَ يا قَوْمِ﴾ عَلى جُمْلَةِ أرْسَلْنا بِالفاءِ إشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ صَدَرَ مِنهُ بِفَوْرِ إرْسالِهِ، فَهي مَضْمُونُ ما أُرْسِلَ بِهِ.
وخاطَبَ نُوحٌ قَوْمَهُ كُلَّهم لِأنَّ الدَّعْوَةَ لا تَكُونُ إلّا عامَّةً لَهم، وعَبَّرَ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ لِتَذْكِيرِهِمْ بِآصِرَةِ القَرابَةِ، لِيَتَحَقَّقُوا أنَّهُ ناصِحٌ ومُرِيدٌ خَيْرَهم ومُشْفِقٌ عَلَيْهِمْ، وأضافَ ”القَوْمَ“ إلى ضَمِيرِهِ لِلتَّحْبِيبِ والتَّرْقِيقِ لِاسْتِجْلابِ اهْتِدائِهِمْ.
وقَوْلُهُ لَهُمُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إبْطالٌ لِلْحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ حالَةُ شِرْكٍ كَحالَةِ العَرَبِ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ حالَةَ وثَنِيَّةٍ بِاقْتِصارِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ دُونَ اللَّهِ تَعالى، كَحالَةِ الصّابِئَةِ وقُدَماءِ اليُونانِ، وآياتُ القُرْآنِ صالِحَةٌ لِلْحالَيْنِ، والمَنقُولُ في القَصَصِ: أنَّ قَوْمَ نُوحٍ كانُوا مُشْرِكِينَ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آلِهَةَ قَوْمِ نُوحٍ أسْماءُ جَماعَةٍ مِن صالِحِيهِمْ فَلَمّا ماتُوا قالَ
صفحة ١٨٩
قَوْمُهم: لَوِ اتَّخَذْنا في مَجالِسِهِمْ أنْصابًا فاتَّخَذُوها وسَمَّوْها بِأسْمائِهِمْ حَتّى إذا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ.
وظاهِرُ ما في سُورَةِ نُوحٍ أنَّهم كانُوا لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ لِقَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣] وظاهِرُ ما في سُورَةِ فُصِّلَتْ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] مَعَ احْتِمالِ أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ فَإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ كانَ أمْرُهُ إيّاهم بِعِبادَةِ اللَّهِ مُقَيَّدًا بِمَدْلُولِ قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أيْ أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا مَعَهُ الأصْنامَ، وإنْ كانُوا مُقْتَصِرِينَ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ قَوْلُهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَعْلِيلًا لِلْإقْبالِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، أيْ هو الإلاهُ لا أوْثانُكم.
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بَيانٌ لِلْعِبادَةِ الَّتِي أمَرَهم بِها، أيْ أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ لَكم بِإلاهٍ.
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلْأمْرِ بِالإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ غَيْرُهُ بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِإلَهٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ لِأنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ إذْ هو مُبْتَدَأٌ وإنَّما جُرَّ لِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ ولا يُعْتَدُّ بِجَرِّهِ، وقَرَأهُ الكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِجَرِّ ”غَيْرِ“ عَلى النَّعْتِ لِلَفْظِ (إلَهٍ) نَظَرًا لِحَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ، كَما في الكَشّافِ: أيْ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ خَوْفًا مِن عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وبُنِيَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى خَوْفِ المُتَكَلِّمِ عَلَيْهِمْ، دَلالَةً عَلى إمْحاضِهِ النُّصْحَ لَهم وحِرْصِهِ عَلى سَلامَتِهِمْ، حَتّى جَعَلَ ما يَضُرُّ بِهِمْ كَأنَّهُ يَضُرُّ بِهِ، فَهو يَخافُهُ كَما يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ هَذا كانَ في مَبْدَأِ خِطابِهِمْ بِما أُرْسِلُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَهُ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ: أيْ إنْ كُنْتُمْ لا تَخافُونَ عَذابًا فَإنِّي أخافُهُ
صفحة ١٩٠
عَلَيْكم، وهَذا مِن رَحْمَةِ الرُّسُلِ بِقَوْمِهِمْ.
وفِعْلُ الخَوْفِ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى الشَّيْءِ المَخُوفِ مِنهُ، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِحَرْفِ عَلى إذا كانَ الخَوْفُ مِن ضُرٍّ يَلْحَقُ غَيْرَ الخائِفِ، كَما قالَ الأحْوَصُ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ثانِيَةً بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ لِقَصْدِ الإرْهابِ والإنْذارِ، ونُكْتَةُ بِناءِ نَظْمِ الكَلامِ عَلى خَوْفِ المُتَكَلِّمِ عَلَيْهِمْ هي هي.
والعَذابُ المَخُوفُ ويَوْمُهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُما في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، والأظْهَرُ الأوَّلُ لِأنَّ جَوابَهم بِأنَّهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ يُشْعِرُ بِأنَّهم أحالُوا الوَحْدانِيَّةَ وأحالُوا البَعْثَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٧] فَحالُهم كَحالِ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ تُمَحِّضُ أهْلَها لِلِاقْتِصارِ عَلى أغْراضِ الدُّنْيا.
الأعراف 7:60
﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ في المُحاوَراتِ، واقْتَرَنَ جَوابُهم بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم حَقَّقُوا وأكَّدُوا اعْتِقادَهم أنَّ نُوحًا مُنْغَمِسٌ في الضَّلالَةِ. المَلَأُ مَهْمُوزٌ بِغَيْرِ مَدٍّ: الجَماعَةُ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ ورَأْيُهم واحِدٌ لِأنَّهم يُمالِئُ بَعْضُهم بَعْضًا، أيْ يُعاوِنُهُ ويُوافِقُهُ، ويُطْلَقُ المَلَأُ عَلى أشْرافِ القَوْمِ وقادَتِهِمْ لِأنَّ شَأْنَهم أنْ يَكُونَ رَأْيُهم واحِدًا عَنْ تَشاوُرٍ، وهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَرِينَةِ (مِن) الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ أيْ أنَّ قادَةَ القَوْمِ هُمُ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِمُجادَلَةِ نُوحٍ والمُناضَلَةِ عَنْ دِينِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ خاطَبَ جَمِيعَهم، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، أيْ إنّا لَنُوقِنُ أنَّكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ولَمْ يُوصَفِ المَلَأُ هُنا بِالَّذِينَ كَفَرُوا، أوْ بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كَما وُصِفَ المَلَأُ في قِصَّةِ هُودٍ بِالَّذِينَ
صفحة ١٩١
كَفَرُوا اسْتِغْناءً بِدَلالَةِ المَقامِ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا وكَفَرُوا.
وظَرْفِيَّةُ في ضَلالٍ مَجازِيَّةٌ تَعْبِيرًا عَنْ تَمَكُّنِ وصْفِ الضَّلالِ مِنهُ حَتّى كَأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ مِن جَوانِبِهِ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
والضَّلالُ اسْمُ مَصْدَرِ ضَلَّ إذا أخْطَأ الطَّرِيقَ المُوصِلَ، والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُرادِفِ بانَ، وذَلِكَ هو الضَّلالُ البالِغُ الغايَةَ في البُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وهَذِهِ شُبْهَةٌ مِنهم، فَإنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ الحَقَّ هو ما هم عَلَيْهِ، فَلا عَجَبَ إذا جَعَلُوا ما بَعُدَ عَنْهُ بُعْدًا عَظِيمًا ضَلالًا بَيِّنًا لِأنَّهُ خالَفَهم، وجاءَ بِما يَعُدُّونَهُ مِنَ المُحالِ، إذْ نَفى الإلَهِيَّةَ عَنْ آلِهَتِهِمْ، فَهَذِهِ مُخالَفَةٌ، وأثْبَتَها لِلَّهِ وحْدَهُ، فَإنْ كانُوا وثَنِيِّينَ فَهَذِهِ مُخالَفَةٌ أُخْرى، وتَوَعَّدَهم بِعَذابٍ عَلى ذَلِكَ وهَذِهِ مُخالَفَةٌ أيْضًا، وإنْ كانَ العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ عَذابُ الآخِرَةِ فَقَدْ أخْبَرَهم بِأمْرٍ مُحالٍ عِنْدَهم وهو البَعْثُ، فَهي مُخالِفَةٌ أُخْرى، فَضَلالُهُ عِنْدَهم مُبِينٌ، وقَدْ يَتَفاوَتُ ظُهُورُهُ، وادَّعى أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ وهَذا في زَعْمِهِمْ تَعَمُّدُ كَذِبٍ وسَفاهَةُ عَقْلٍ وادِّعاءُ مُحالٍ كَما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] - وقَوْلِهِ هُنا - ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] الآيَةَ.
الأعراف 7:61
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ.
والنِّداءُ في جَوابِهِ إيّاهم لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ولَمْ يَخُصَّ خُطّابَهُ بِالَّذِينَ جاوَبُوهُ، بَلْ أعادَ الخِطابَ إلى القَوْمِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ جَوابَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجادَلَةً
صفحة ١٩٢
لِلْمَلَأِ مِن قَوْمِهِ هو أيْضًا يَتَضَمَّنُ دَعْوَةً عامَّةً، كَما هو بَيِّنٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ، فَأعادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُوسِهِمْ مِمّا سَيَعْقُبُ النِّداءَ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] .
والضَّلالَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الضَّلالِ، فَتَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، والعَرَبُ يَسْتَشْعِرُونَ التَّأْنِيثَ غالِبًا في أسْماءِ أجْناسِ المَعانِي، مِثْلِ الغَوايَةِ والسَّفاهَةِ، فالتّاءُ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ اللَّفْظِ ولَيْسَ في هَذِهِ التّاءِ مَعْنى الوَحْدَةِ لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي لا تُراعى فِيها المُشَخِّصاتُ، فَلَيْسَ الضَّلالُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجَمْعِ لِلضَّلالَةِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ، وكَأنَّهُ حاوَلَ إثْباتَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ، وقَوْلِهِ هو ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ وتَبِعَهُ فِيهِ الفَخْرُ، وابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ، وقَدْ تَكَلَّفَ لِتَصْحِيحِهِ التَّفْتَزانِيُّ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، لِأنَّ التَّخالُفَ بَيْنَ كَلِمَتِي ضَلالٍ وضَلالَةٍ اقْتَضاهُ التَّفَنُّنُ حَيْثُ سَبَقَ لَفْظُ ضَلالٍ، ومُوجِبُ سَبْقِهِ إرادَةُ وصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)، فَلَوْ عَبَّرَ هُنالِكَ بِلَفْظِ ضَلالَةٍ لَكانَ وصْفُها بِمُبِينَةٍ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمالِ، ولَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ (ضَلالٍ) اسْتُحْسِنَ أنْ يُعادَ بِلَفْظٍ يُغايِرُهُ في السُّورَةِ دَفْعًا لِثِقَلِ الإعادَةِ؛ فَقَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] بِمُساوِيهِ لا بِأبْلَغَ مِنهُ.
والباءُ في قَوْلِهِ بِي لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ، وهي تُناقِضُ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] فَإنَّهم جَعَلُوا الضَّلالَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، فَنَفى هو أنْ يَكُونَ لِلضَّلالِ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.
وتَجْرِيدُ لَيْسَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ اسْمِها مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ جَرى عَلى الجَوازِ في تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، إذا كانَ مَرْفُوعُهُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، ولِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَجْرُورِ.
والِاسْتِدْراكُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾ لِرَفْعِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّهُ في ضَلالٍ حَيْثُ خالَفَ دِينَهم، أيْ هو في حالِ رِسالَةٍ عَنِ اللَّهِ، مَعَ ما تَقْتَضِي الرِّسالَةُ
صفحة ١٩٣
مِنَ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ والإخْبارِ بِما لا يَعْلَمُونَهُ، وذَلِكَ ما حَسِبُوهُ ضَلالًا، وشَأْنُ لَكِنَّ أنْ تَكُونَ جُمْلَتُها مُفِيدَةً مَعْنى يُغايِرُ مَعْنى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَها، ولا تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وذَلِكَ هو حَقِيقَةُ الِاسْتِدْراكِ المَوْضُوعَةُ لَهُ لَكِنَّ فَلا بُدَّ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ: إمّا في المُسْنَدِ نَحْوَ ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: ٤٣] أوْ في المُسْنَدِ إلَيْهِ نَحْوَ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَلا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: ما سافَرْتُ ولَكِنِّي مُقِيمٌ، وأكْثَرُ وُقُوعِها بَعْدَ جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ، لِأنَّ النَّفْيَ مَعْنًى واسِعٌ، فَيَكْثُرُ أنْ يَحْتاجَ المُتَكَلِّمُ بَعْدَهُ إلى زِيادَةِ بَيانٍ، فَيَأْتِي بِالِاسْتِدْراكِ، ومَن قالَ: إنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْراكِ هو رَفْعُ ما يَتَوَهَّمُ السّامِعُ ثُبُوتَهُ أوْ نَفْيَهُ فَإنَّما نَظَرَ إلى بَعْضِ أحْوالِ الِاسْتِدْراكِ أوْ إلى بَعْضِ أغْراضِ وُقُوعِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ، ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْراكِ لا تَقُومُ إلّا بِذَلِكَ.
واخْتِيارُ طَرِيقِ الإضافَةِ في تَعْرِيفِ المُرْسَلِ: لِما تُؤْذِنُ بِهِ مِن تَفْخِيمِ المُضافِ ومِن وُجُوبِ طاعَتِهِ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، تَعْرِيضًا بِقَوْمِهِ إذْ عَصَوْهُ.
وجُمْلَةُ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها إفادَةُ التَّجَدُّدِ، وأنَّهُ غَيْرُ تارِكِ التَّبْلِيغِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِهِمْ تَأْيِيسًا لَهم مِن مُتابَعَتِهِ إيّاهم، ولَوْلا هَذا المَقْصِدُ لَكانَ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ حاصِلًا مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾، ولِذَلِكَ جَمَعَ الرِّسالاتِ لِأنَّ كُلَّ تَبْلِيغٍ يَتَضَمَّنُ رِسالَةً بِما بَلَّغَهُ، ثُمَّ إنِ اعْتُبِرَتْ جُمْلَةُ أُبَلِّغُكم صِفَةً، يَكُنْ العُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ أُبَلِّغُكم وقَوْلِهِ رَبِّيَ التِفاتًا، بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَوْصُوفِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وإنِ اعْتُبِرَتِ اسْتِئْنافًا، فَلا التِفاتَ.
والتَّبْلِيغُ والإبْلاغُ: جَعْلُ الشَّيْءِ بالِغًا، أيْ واصِلًا إلى المَكانِ المَقْصُودِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإعْلامِ بِالأمْرِ المَقْصُودِ عِلْمُهُ، فَكَأنَّهُ يَنْقُلُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.
صفحة ١٩٤
وقَرَأ الجُمْهُورُ: أُبَلِّغَكم بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِنَ الإبْلاغِ والمَعْنى واحِدٌ.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ هو ما تُؤْذِنُ بِهِ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مِن لُزُومِ طاعَتِهِ، وأنَّهُ لا يَسَعُهُ إلّا تَبْلِيغُ ما أمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ، وإنْ كَرِهَ قَوْمُهُ.
والنُّصْحُ والنَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، يُعَبَّرُ بِها عَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ وإرادَةِ الخَيْرِ مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وفي الحَدِيثِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ وأنْ تَناصَحُوا مَن ولّاهُ اللَّهُ أمْرَكم. ويَكْثُرُ إطْلاقُ النُّصْحِ عَلى القَوْلِ الَّذِي فِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْمُخاطَبِ إلى ما يَنْفَعُهُ ويَدْفَعُ عَنْهُ الضُّرَّ.
وضِدُّهُ الغِشُّ. وأصْلُ مَعْناهُ أنْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، ويَكْثُرَ أنْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِلامٍ زائِدَةٍ دالَّةٍ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ النّاصِحَ أرادَ مِن نُصْحِهِ ذاتَ المَنصُوحِ، لا جَلْبَ خَيْرٍ لِنَفْسِ النّاصِحِ، فَفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ ودَلالَةٌ عَلى إمْحاضِ النَّصِيحَةِ، وأنَّها وقَعَتْ خالِصَةً لِلْمَنصُوحِ، مَقْصُودًا بِها جانِبُهُ لا غَيْرَ، فَرُبَّ نَصِيحَةٍ يَنْتَفِعُ بِها النّاصِحُ فَيَقْصِدُ النَّفْعَيْنِ جَمِيعًا، ورُبَّما يَقَعُ تَفاوُتٌ بَيْنَ النَّفْعَيْنِ فَيَكُونُ تَرْجِيحُ نَفْعِ النّاصِحِ تَقْصِيرًا أوْ إجْحافًا بِنَفْعِ المَنصُوحِ.
وفِي الإتْيانِ بِالمُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى تَجْدِيدِ النُّصْحِ لَهم، وأنَّهُ غَيْرُ تارِكِهِ مِن أجْلِ كَراهِيَتِهِمْ أوْ بَذاءَتِهِمْ.
وعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ جَمْعًا لِمَعانٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تَتَضَمَّنُهُ الرِّسالَةُ وتَأْيِيدًا لِثَباتِهِ عَلى دَوامِ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ لَهم، والِاسْتِخْفافِ بِكَراهِيَتِهِمْ وأذاهم، لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَهُ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى الِاسْتِرْسالِ في عَمَلِهِ ذَلِكَ، فَجاءَ بِهَذا الكَلامِ الجامِعِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا الإجْمالُ البَدِيعُ تَهْدِيدًا لَهم بِحُلُولِ عَذابٍ بِهِمْ في العاجِلِ والآجِلِ، وتَنْبِيهًا لِلتَّأمُّلِ فِيما
صفحة ١٩٥
أتاهم بِهِ، وفَتْحًا لِبَصائِرِهِمْ أنْ تَتَطَلَّبَ العِلْمَ بِما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ شَأْنُهُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى تَصْدِيقِهِ وقَبُولِ ما جاءَهم بِهِ.
و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ: صارَ لِي عِلْمٌ وارِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَضَمَّنَها هَذا الِاسْتِدْراكُ هي ما يُسَلِّمُ كُلُّ عاقِلٍ أنَّها مِنَ الهُدى والصَّلاحِ، وتِلْكَ هي أحْوالُهُ، وهم وصَفُوا حالَهُ بِأنَّهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَفي هَذا الِاسْتِدْراكِ نَعْيُ عَلى كَمالِ سَفاهَةِ عُقُولِهِمْ.
وانْتَقَلَ إلى كَشْفِ الخَطَأِ في شُبْهَتِهِمْ فَعَطَفَ عَلى كَلامِهِ قَوْلَهُ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ مُفْتَتِحًا الجُمْلَةَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بَعْدَ واوِ العَطْفِ، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم أحالُوا أنْ يَكُونَ رَسُولًا، مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم، كَما وقَعَتْ حِكايَتُهُ في آيَةٍ أُخْرى ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم.
واخْتِيرَ الِاسْتِفْهامُ دُونَ أنْ يَقُولَ: لا عَجَبَ، إشارَةً إلى أنَّ احْتِمالَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم مِمّا يَتَرَدَّدُ فِيهِ ظَنُّ العاقِلِ بِالعُقَلاءِ. فَقَوْلُهُ ﴿أوَعَجِبْتُمْ﴾ بِمَنزِلَةِ المَنعِ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مُقَدِّمَةِ دَلِيلٍ عَلى بُطْلانِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ.
وحَقِيقَةُ العَجَبِ أنَّهُ انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ يَحْصُلُ عِنْدَ إدْراكِ شَيْءٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ، وقَدْ يَكُونُ العَجَبُ مَشُوبًا بِإنْكارِ الشَّيْءِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ واسْتِبْعادِهِ وإحالَتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾ [ق: ٣] وقَدِ اجْتَمَعَ المَعْنَيانِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥] . والَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ كِنايَةٌ عَنِ الإنْكارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] أنْكَرُوا عَلَيْها أنَّها عَدَّتْ وِلادَتَها ولَدًا، وهي عَجُوزٌ، مُحالًا.
وتَنْكِيرُ ذِكْرٌ ورَجُلٍ لِلنَّوْعِيَّةِ إذْ لا خُصُوصِيَّةَ لِذِكْرٍ دُونَ ذِكْرٍ
صفحة ١٩٦
ولا لِرَجُلٍ دُونَ رَجُلٍ، فَإنَّ النّاسَ سَواءٌ، والذِّكْرَ سَواءٌ في قَبُولِهِ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ، ورَدِّهِ لِمَن حُرِمَ التَّوْفِيقَ، أيْ هَذا الحَدَثُ الَّذِي عَظَّمْتُمُوهُ وضَجَجْتُمْ لَهُ ما هو إلّا ﴿ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ . ووَصْفُ رَجُلٍ بِأنَّهُ مِنهم، أيْ مِن جِنْسِهِمُ البَشَرِيِّ فَضْحٌ لِشُبْهَتِهِمْ، ومَعَ ما في الكَلامِ مِن فَضْحِ شُبْهَتِهِمْ فِيهِ أيْضًا رَدٌّ لَها بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يَكُونَ ما جَعَلُوهُ مُوجِبَ اسْتِبْعادٍ واسْتِحالَةٍ هو مُوجِبُ القَبُولِ والإيمانِ، إذِ الشَّأْنُ أنْ يَنْظُرُوا في الذِّكْرِ الَّذِي جاءَهم مِن رَبِّهِمْ وأنْ لا يُسْرِعُوا إلى تَكْذِيبِ الجائِي بِهِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ كَوْنَ المُذَكِّرِ رَجُلًا مِنهم أقْرَبُ إلى التَّعَقُّلِ مِن كَوْنِ مُذَكِّرِهِمْ مِن جِنْسٍ آخَرَ مِن مَلَكٍ أوْ جِنِّيٍّ، فَكانَ هَذا الكَلامُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في إبْطالِ دَعْوى الخَصْمِ والِاسْتِدْلالِ لِصِدْقِ دَعْوى المُجادِلِ، وهو يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ سَنَدِ المَنعِ في عِلْمِ الجَدَلِ.
ومَعْنى عَلى مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ ﴿جاءَكُمْ﴾ ضُمِّنَ مَعْنى نَزَلَ: أيْ نَزَلَ ﴿ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾، وهَذا مُخْتارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وعَنِ الفَرّاءِ أنْ عَلى بِمَعْنى مَعَ.
والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن رَجُلٍ، أوْ هو ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿جاءَكُمْ﴾ وهو زِيادَةٌ في تَشْوِيهِ خَطَئِهِمْ إذْ جَعَلُوا ذَلِكَ ضَلالًا مُبِينًا، وإنَّما هو هَدْيٌ واضِحٌ لِفائِدَتِكم بِتَحْذِيرِكم مِنَ العُقُوبَةِ، وإرْشادِكم إلى تَقْوى اللَّهِ، وتَقْرِيبِكم مَن رَحْمَتِهِ.
وقَدْ رُتِّبَتِ الجُمَلُ عَلى تَرْتِيبِ حُصُولِ مَضْمُونِها في الوُجُودِ، فَإنَّ الإنْذارَ مُقَدَّمٌ لِأنَّهُ حَمْلٌ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أوِ الوَثَنِيَّةِ، ثُمَّ يَحْصُلُ بَعْدَهُ العَمَلُ الصّالِحُ فَتُرْجى مِنهُ الرَّحْمَةُ.
والإنْذارُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّقْوى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٩٧
ومَعْنى لَعَلَّ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرَّحْمَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
الأعراف 7:62
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ.
والنِّداءُ في جَوابِهِ إيّاهم لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ولَمْ يَخُصَّ خُطّابَهُ بِالَّذِينَ جاوَبُوهُ، بَلْ أعادَ الخِطابَ إلى القَوْمِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ جَوابَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجادَلَةً
صفحة ١٩٢
لِلْمَلَأِ مِن قَوْمِهِ هو أيْضًا يَتَضَمَّنُ دَعْوَةً عامَّةً، كَما هو بَيِّنٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ، فَأعادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُوسِهِمْ مِمّا سَيَعْقُبُ النِّداءَ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] .
والضَّلالَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الضَّلالِ، فَتَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، والعَرَبُ يَسْتَشْعِرُونَ التَّأْنِيثَ غالِبًا في أسْماءِ أجْناسِ المَعانِي، مِثْلِ الغَوايَةِ والسَّفاهَةِ، فالتّاءُ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ اللَّفْظِ ولَيْسَ في هَذِهِ التّاءِ مَعْنى الوَحْدَةِ لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي لا تُراعى فِيها المُشَخِّصاتُ، فَلَيْسَ الضَّلالُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجَمْعِ لِلضَّلالَةِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ، وكَأنَّهُ حاوَلَ إثْباتَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ، وقَوْلِهِ هو ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ وتَبِعَهُ فِيهِ الفَخْرُ، وابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ، وقَدْ تَكَلَّفَ لِتَصْحِيحِهِ التَّفْتَزانِيُّ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، لِأنَّ التَّخالُفَ بَيْنَ كَلِمَتِي ضَلالٍ وضَلالَةٍ اقْتَضاهُ التَّفَنُّنُ حَيْثُ سَبَقَ لَفْظُ ضَلالٍ، ومُوجِبُ سَبْقِهِ إرادَةُ وصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)، فَلَوْ عَبَّرَ هُنالِكَ بِلَفْظِ ضَلالَةٍ لَكانَ وصْفُها بِمُبِينَةٍ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمالِ، ولَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ (ضَلالٍ) اسْتُحْسِنَ أنْ يُعادَ بِلَفْظٍ يُغايِرُهُ في السُّورَةِ دَفْعًا لِثِقَلِ الإعادَةِ؛ فَقَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] بِمُساوِيهِ لا بِأبْلَغَ مِنهُ.
والباءُ في قَوْلِهِ بِي لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ، وهي تُناقِضُ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] فَإنَّهم جَعَلُوا الضَّلالَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، فَنَفى هو أنْ يَكُونَ لِلضَّلالِ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.
وتَجْرِيدُ لَيْسَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ اسْمِها مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ جَرى عَلى الجَوازِ في تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، إذا كانَ مَرْفُوعُهُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، ولِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَجْرُورِ.
والِاسْتِدْراكُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾ لِرَفْعِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّهُ في ضَلالٍ حَيْثُ خالَفَ دِينَهم، أيْ هو في حالِ رِسالَةٍ عَنِ اللَّهِ، مَعَ ما تَقْتَضِي الرِّسالَةُ
صفحة ١٩٣
مِنَ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ والإخْبارِ بِما لا يَعْلَمُونَهُ، وذَلِكَ ما حَسِبُوهُ ضَلالًا، وشَأْنُ لَكِنَّ أنْ تَكُونَ جُمْلَتُها مُفِيدَةً مَعْنى يُغايِرُ مَعْنى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَها، ولا تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وذَلِكَ هو حَقِيقَةُ الِاسْتِدْراكِ المَوْضُوعَةُ لَهُ لَكِنَّ فَلا بُدَّ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ: إمّا في المُسْنَدِ نَحْوَ ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: ٤٣] أوْ في المُسْنَدِ إلَيْهِ نَحْوَ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَلا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: ما سافَرْتُ ولَكِنِّي مُقِيمٌ، وأكْثَرُ وُقُوعِها بَعْدَ جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ، لِأنَّ النَّفْيَ مَعْنًى واسِعٌ، فَيَكْثُرُ أنْ يَحْتاجَ المُتَكَلِّمُ بَعْدَهُ إلى زِيادَةِ بَيانٍ، فَيَأْتِي بِالِاسْتِدْراكِ، ومَن قالَ: إنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْراكِ هو رَفْعُ ما يَتَوَهَّمُ السّامِعُ ثُبُوتَهُ أوْ نَفْيَهُ فَإنَّما نَظَرَ إلى بَعْضِ أحْوالِ الِاسْتِدْراكِ أوْ إلى بَعْضِ أغْراضِ وُقُوعِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ، ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْراكِ لا تَقُومُ إلّا بِذَلِكَ.
واخْتِيارُ طَرِيقِ الإضافَةِ في تَعْرِيفِ المُرْسَلِ: لِما تُؤْذِنُ بِهِ مِن تَفْخِيمِ المُضافِ ومِن وُجُوبِ طاعَتِهِ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، تَعْرِيضًا بِقَوْمِهِ إذْ عَصَوْهُ.
وجُمْلَةُ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها إفادَةُ التَّجَدُّدِ، وأنَّهُ غَيْرُ تارِكِ التَّبْلِيغِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِهِمْ تَأْيِيسًا لَهم مِن مُتابَعَتِهِ إيّاهم، ولَوْلا هَذا المَقْصِدُ لَكانَ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ حاصِلًا مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾، ولِذَلِكَ جَمَعَ الرِّسالاتِ لِأنَّ كُلَّ تَبْلِيغٍ يَتَضَمَّنُ رِسالَةً بِما بَلَّغَهُ، ثُمَّ إنِ اعْتُبِرَتْ جُمْلَةُ أُبَلِّغُكم صِفَةً، يَكُنْ العُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ أُبَلِّغُكم وقَوْلِهِ رَبِّيَ التِفاتًا، بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَوْصُوفِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وإنِ اعْتُبِرَتِ اسْتِئْنافًا، فَلا التِفاتَ.
والتَّبْلِيغُ والإبْلاغُ: جَعْلُ الشَّيْءِ بالِغًا، أيْ واصِلًا إلى المَكانِ المَقْصُودِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإعْلامِ بِالأمْرِ المَقْصُودِ عِلْمُهُ، فَكَأنَّهُ يَنْقُلُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.
صفحة ١٩٤
وقَرَأ الجُمْهُورُ: أُبَلِّغَكم بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِنَ الإبْلاغِ والمَعْنى واحِدٌ.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ هو ما تُؤْذِنُ بِهِ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مِن لُزُومِ طاعَتِهِ، وأنَّهُ لا يَسَعُهُ إلّا تَبْلِيغُ ما أمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ، وإنْ كَرِهَ قَوْمُهُ.
والنُّصْحُ والنَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، يُعَبَّرُ بِها عَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ وإرادَةِ الخَيْرِ مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وفي الحَدِيثِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ وأنْ تَناصَحُوا مَن ولّاهُ اللَّهُ أمْرَكم. ويَكْثُرُ إطْلاقُ النُّصْحِ عَلى القَوْلِ الَّذِي فِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْمُخاطَبِ إلى ما يَنْفَعُهُ ويَدْفَعُ عَنْهُ الضُّرَّ.
وضِدُّهُ الغِشُّ. وأصْلُ مَعْناهُ أنْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، ويَكْثُرَ أنْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِلامٍ زائِدَةٍ دالَّةٍ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ النّاصِحَ أرادَ مِن نُصْحِهِ ذاتَ المَنصُوحِ، لا جَلْبَ خَيْرٍ لِنَفْسِ النّاصِحِ، فَفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ ودَلالَةٌ عَلى إمْحاضِ النَّصِيحَةِ، وأنَّها وقَعَتْ خالِصَةً لِلْمَنصُوحِ، مَقْصُودًا بِها جانِبُهُ لا غَيْرَ، فَرُبَّ نَصِيحَةٍ يَنْتَفِعُ بِها النّاصِحُ فَيَقْصِدُ النَّفْعَيْنِ جَمِيعًا، ورُبَّما يَقَعُ تَفاوُتٌ بَيْنَ النَّفْعَيْنِ فَيَكُونُ تَرْجِيحُ نَفْعِ النّاصِحِ تَقْصِيرًا أوْ إجْحافًا بِنَفْعِ المَنصُوحِ.
وفِي الإتْيانِ بِالمُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى تَجْدِيدِ النُّصْحِ لَهم، وأنَّهُ غَيْرُ تارِكِهِ مِن أجْلِ كَراهِيَتِهِمْ أوْ بَذاءَتِهِمْ.
وعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ جَمْعًا لِمَعانٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تَتَضَمَّنُهُ الرِّسالَةُ وتَأْيِيدًا لِثَباتِهِ عَلى دَوامِ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ لَهم، والِاسْتِخْفافِ بِكَراهِيَتِهِمْ وأذاهم، لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَهُ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى الِاسْتِرْسالِ في عَمَلِهِ ذَلِكَ، فَجاءَ بِهَذا الكَلامِ الجامِعِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا الإجْمالُ البَدِيعُ تَهْدِيدًا لَهم بِحُلُولِ عَذابٍ بِهِمْ في العاجِلِ والآجِلِ، وتَنْبِيهًا لِلتَّأمُّلِ فِيما
صفحة ١٩٥
أتاهم بِهِ، وفَتْحًا لِبَصائِرِهِمْ أنْ تَتَطَلَّبَ العِلْمَ بِما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ شَأْنُهُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى تَصْدِيقِهِ وقَبُولِ ما جاءَهم بِهِ.
و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ: صارَ لِي عِلْمٌ وارِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَضَمَّنَها هَذا الِاسْتِدْراكُ هي ما يُسَلِّمُ كُلُّ عاقِلٍ أنَّها مِنَ الهُدى والصَّلاحِ، وتِلْكَ هي أحْوالُهُ، وهم وصَفُوا حالَهُ بِأنَّهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَفي هَذا الِاسْتِدْراكِ نَعْيُ عَلى كَمالِ سَفاهَةِ عُقُولِهِمْ.
وانْتَقَلَ إلى كَشْفِ الخَطَأِ في شُبْهَتِهِمْ فَعَطَفَ عَلى كَلامِهِ قَوْلَهُ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ مُفْتَتِحًا الجُمْلَةَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بَعْدَ واوِ العَطْفِ، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم أحالُوا أنْ يَكُونَ رَسُولًا، مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم، كَما وقَعَتْ حِكايَتُهُ في آيَةٍ أُخْرى ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم.
واخْتِيرَ الِاسْتِفْهامُ دُونَ أنْ يَقُولَ: لا عَجَبَ، إشارَةً إلى أنَّ احْتِمالَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم مِمّا يَتَرَدَّدُ فِيهِ ظَنُّ العاقِلِ بِالعُقَلاءِ. فَقَوْلُهُ ﴿أوَعَجِبْتُمْ﴾ بِمَنزِلَةِ المَنعِ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مُقَدِّمَةِ دَلِيلٍ عَلى بُطْلانِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ.
وحَقِيقَةُ العَجَبِ أنَّهُ انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ يَحْصُلُ عِنْدَ إدْراكِ شَيْءٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ، وقَدْ يَكُونُ العَجَبُ مَشُوبًا بِإنْكارِ الشَّيْءِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ واسْتِبْعادِهِ وإحالَتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾ [ق: ٣] وقَدِ اجْتَمَعَ المَعْنَيانِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥] . والَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ كِنايَةٌ عَنِ الإنْكارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] أنْكَرُوا عَلَيْها أنَّها عَدَّتْ وِلادَتَها ولَدًا، وهي عَجُوزٌ، مُحالًا.
وتَنْكِيرُ ذِكْرٌ ورَجُلٍ لِلنَّوْعِيَّةِ إذْ لا خُصُوصِيَّةَ لِذِكْرٍ دُونَ ذِكْرٍ
صفحة ١٩٦
ولا لِرَجُلٍ دُونَ رَجُلٍ، فَإنَّ النّاسَ سَواءٌ، والذِّكْرَ سَواءٌ في قَبُولِهِ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ، ورَدِّهِ لِمَن حُرِمَ التَّوْفِيقَ، أيْ هَذا الحَدَثُ الَّذِي عَظَّمْتُمُوهُ وضَجَجْتُمْ لَهُ ما هو إلّا ﴿ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ . ووَصْفُ رَجُلٍ بِأنَّهُ مِنهم، أيْ مِن جِنْسِهِمُ البَشَرِيِّ فَضْحٌ لِشُبْهَتِهِمْ، ومَعَ ما في الكَلامِ مِن فَضْحِ شُبْهَتِهِمْ فِيهِ أيْضًا رَدٌّ لَها بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يَكُونَ ما جَعَلُوهُ مُوجِبَ اسْتِبْعادٍ واسْتِحالَةٍ هو مُوجِبُ القَبُولِ والإيمانِ، إذِ الشَّأْنُ أنْ يَنْظُرُوا في الذِّكْرِ الَّذِي جاءَهم مِن رَبِّهِمْ وأنْ لا يُسْرِعُوا إلى تَكْذِيبِ الجائِي بِهِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ كَوْنَ المُذَكِّرِ رَجُلًا مِنهم أقْرَبُ إلى التَّعَقُّلِ مِن كَوْنِ مُذَكِّرِهِمْ مِن جِنْسٍ آخَرَ مِن مَلَكٍ أوْ جِنِّيٍّ، فَكانَ هَذا الكَلامُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في إبْطالِ دَعْوى الخَصْمِ والِاسْتِدْلالِ لِصِدْقِ دَعْوى المُجادِلِ، وهو يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ سَنَدِ المَنعِ في عِلْمِ الجَدَلِ.
ومَعْنى عَلى مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ ﴿جاءَكُمْ﴾ ضُمِّنَ مَعْنى نَزَلَ: أيْ نَزَلَ ﴿ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾، وهَذا مُخْتارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وعَنِ الفَرّاءِ أنْ عَلى بِمَعْنى مَعَ.
والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن رَجُلٍ، أوْ هو ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿جاءَكُمْ﴾ وهو زِيادَةٌ في تَشْوِيهِ خَطَئِهِمْ إذْ جَعَلُوا ذَلِكَ ضَلالًا مُبِينًا، وإنَّما هو هَدْيٌ واضِحٌ لِفائِدَتِكم بِتَحْذِيرِكم مِنَ العُقُوبَةِ، وإرْشادِكم إلى تَقْوى اللَّهِ، وتَقْرِيبِكم مَن رَحْمَتِهِ.
وقَدْ رُتِّبَتِ الجُمَلُ عَلى تَرْتِيبِ حُصُولِ مَضْمُونِها في الوُجُودِ، فَإنَّ الإنْذارَ مُقَدَّمٌ لِأنَّهُ حَمْلٌ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أوِ الوَثَنِيَّةِ، ثُمَّ يَحْصُلُ بَعْدَهُ العَمَلُ الصّالِحُ فَتُرْجى مِنهُ الرَّحْمَةُ.
والإنْذارُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّقْوى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٩٧
ومَعْنى لَعَلَّ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرَّحْمَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
الأعراف 7:63
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ.
والنِّداءُ في جَوابِهِ إيّاهم لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ولَمْ يَخُصَّ خُطّابَهُ بِالَّذِينَ جاوَبُوهُ، بَلْ أعادَ الخِطابَ إلى القَوْمِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ جَوابَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجادَلَةً
صفحة ١٩٢
لِلْمَلَأِ مِن قَوْمِهِ هو أيْضًا يَتَضَمَّنُ دَعْوَةً عامَّةً، كَما هو بَيِّنٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ، فَأعادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُوسِهِمْ مِمّا سَيَعْقُبُ النِّداءَ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] .
والضَّلالَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الضَّلالِ، فَتَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، والعَرَبُ يَسْتَشْعِرُونَ التَّأْنِيثَ غالِبًا في أسْماءِ أجْناسِ المَعانِي، مِثْلِ الغَوايَةِ والسَّفاهَةِ، فالتّاءُ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ اللَّفْظِ ولَيْسَ في هَذِهِ التّاءِ مَعْنى الوَحْدَةِ لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي لا تُراعى فِيها المُشَخِّصاتُ، فَلَيْسَ الضَّلالُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجَمْعِ لِلضَّلالَةِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ، وكَأنَّهُ حاوَلَ إثْباتَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ، وقَوْلِهِ هو ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ وتَبِعَهُ فِيهِ الفَخْرُ، وابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ، وقَدْ تَكَلَّفَ لِتَصْحِيحِهِ التَّفْتَزانِيُّ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، لِأنَّ التَّخالُفَ بَيْنَ كَلِمَتِي ضَلالٍ وضَلالَةٍ اقْتَضاهُ التَّفَنُّنُ حَيْثُ سَبَقَ لَفْظُ ضَلالٍ، ومُوجِبُ سَبْقِهِ إرادَةُ وصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)، فَلَوْ عَبَّرَ هُنالِكَ بِلَفْظِ ضَلالَةٍ لَكانَ وصْفُها بِمُبِينَةٍ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمالِ، ولَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ (ضَلالٍ) اسْتُحْسِنَ أنْ يُعادَ بِلَفْظٍ يُغايِرُهُ في السُّورَةِ دَفْعًا لِثِقَلِ الإعادَةِ؛ فَقَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] بِمُساوِيهِ لا بِأبْلَغَ مِنهُ.
والباءُ في قَوْلِهِ بِي لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ، وهي تُناقِضُ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] فَإنَّهم جَعَلُوا الضَّلالَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، فَنَفى هو أنْ يَكُونَ لِلضَّلالِ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.
وتَجْرِيدُ لَيْسَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ اسْمِها مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ جَرى عَلى الجَوازِ في تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، إذا كانَ مَرْفُوعُهُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، ولِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَجْرُورِ.
والِاسْتِدْراكُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾ لِرَفْعِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّهُ في ضَلالٍ حَيْثُ خالَفَ دِينَهم، أيْ هو في حالِ رِسالَةٍ عَنِ اللَّهِ، مَعَ ما تَقْتَضِي الرِّسالَةُ
صفحة ١٩٣
مِنَ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ والإخْبارِ بِما لا يَعْلَمُونَهُ، وذَلِكَ ما حَسِبُوهُ ضَلالًا، وشَأْنُ لَكِنَّ أنْ تَكُونَ جُمْلَتُها مُفِيدَةً مَعْنى يُغايِرُ مَعْنى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَها، ولا تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وذَلِكَ هو حَقِيقَةُ الِاسْتِدْراكِ المَوْضُوعَةُ لَهُ لَكِنَّ فَلا بُدَّ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ: إمّا في المُسْنَدِ نَحْوَ ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: ٤٣] أوْ في المُسْنَدِ إلَيْهِ نَحْوَ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَلا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: ما سافَرْتُ ولَكِنِّي مُقِيمٌ، وأكْثَرُ وُقُوعِها بَعْدَ جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ، لِأنَّ النَّفْيَ مَعْنًى واسِعٌ، فَيَكْثُرُ أنْ يَحْتاجَ المُتَكَلِّمُ بَعْدَهُ إلى زِيادَةِ بَيانٍ، فَيَأْتِي بِالِاسْتِدْراكِ، ومَن قالَ: إنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْراكِ هو رَفْعُ ما يَتَوَهَّمُ السّامِعُ ثُبُوتَهُ أوْ نَفْيَهُ فَإنَّما نَظَرَ إلى بَعْضِ أحْوالِ الِاسْتِدْراكِ أوْ إلى بَعْضِ أغْراضِ وُقُوعِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ، ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْراكِ لا تَقُومُ إلّا بِذَلِكَ.
واخْتِيارُ طَرِيقِ الإضافَةِ في تَعْرِيفِ المُرْسَلِ: لِما تُؤْذِنُ بِهِ مِن تَفْخِيمِ المُضافِ ومِن وُجُوبِ طاعَتِهِ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، تَعْرِيضًا بِقَوْمِهِ إذْ عَصَوْهُ.
وجُمْلَةُ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها إفادَةُ التَّجَدُّدِ، وأنَّهُ غَيْرُ تارِكِ التَّبْلِيغِ مِن أجْلِ تَكْذِيبِهِمْ تَأْيِيسًا لَهم مِن مُتابَعَتِهِ إيّاهم، ولَوْلا هَذا المَقْصِدُ لَكانَ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ حاصِلًا مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾، ولِذَلِكَ جَمَعَ الرِّسالاتِ لِأنَّ كُلَّ تَبْلِيغٍ يَتَضَمَّنُ رِسالَةً بِما بَلَّغَهُ، ثُمَّ إنِ اعْتُبِرَتْ جُمْلَةُ أُبَلِّغُكم صِفَةً، يَكُنْ العُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ أُبَلِّغُكم وقَوْلِهِ رَبِّيَ التِفاتًا، بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَوْصُوفِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وإنِ اعْتُبِرَتِ اسْتِئْنافًا، فَلا التِفاتَ.
والتَّبْلِيغُ والإبْلاغُ: جَعْلُ الشَّيْءِ بالِغًا، أيْ واصِلًا إلى المَكانِ المَقْصُودِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإعْلامِ بِالأمْرِ المَقْصُودِ عِلْمُهُ، فَكَأنَّهُ يَنْقُلُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.
صفحة ١٩٤
وقَرَأ الجُمْهُورُ: أُبَلِّغَكم بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِنَ الإبْلاغِ والمَعْنى واحِدٌ.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ هو ما تُؤْذِنُ بِهِ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مِن لُزُومِ طاعَتِهِ، وأنَّهُ لا يَسَعُهُ إلّا تَبْلِيغُ ما أمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ، وإنْ كَرِهَ قَوْمُهُ.
والنُّصْحُ والنَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، يُعَبَّرُ بِها عَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ وإرادَةِ الخَيْرِ مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وفي الحَدِيثِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ وأنْ تَناصَحُوا مَن ولّاهُ اللَّهُ أمْرَكم. ويَكْثُرُ إطْلاقُ النُّصْحِ عَلى القَوْلِ الَّذِي فِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْمُخاطَبِ إلى ما يَنْفَعُهُ ويَدْفَعُ عَنْهُ الضُّرَّ.
وضِدُّهُ الغِشُّ. وأصْلُ مَعْناهُ أنْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، ويَكْثُرَ أنْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِلامٍ زائِدَةٍ دالَّةٍ عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ النّاصِحَ أرادَ مِن نُصْحِهِ ذاتَ المَنصُوحِ، لا جَلْبَ خَيْرٍ لِنَفْسِ النّاصِحِ، فَفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ ودَلالَةٌ عَلى إمْحاضِ النَّصِيحَةِ، وأنَّها وقَعَتْ خالِصَةً لِلْمَنصُوحِ، مَقْصُودًا بِها جانِبُهُ لا غَيْرَ، فَرُبَّ نَصِيحَةٍ يَنْتَفِعُ بِها النّاصِحُ فَيَقْصِدُ النَّفْعَيْنِ جَمِيعًا، ورُبَّما يَقَعُ تَفاوُتٌ بَيْنَ النَّفْعَيْنِ فَيَكُونُ تَرْجِيحُ نَفْعِ النّاصِحِ تَقْصِيرًا أوْ إجْحافًا بِنَفْعِ المَنصُوحِ.
وفِي الإتْيانِ بِالمُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى تَجْدِيدِ النُّصْحِ لَهم، وأنَّهُ غَيْرُ تارِكِهِ مِن أجْلِ كَراهِيَتِهِمْ أوْ بَذاءَتِهِمْ.
وعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ جَمْعًا لِمَعانٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تَتَضَمَّنُهُ الرِّسالَةُ وتَأْيِيدًا لِثَباتِهِ عَلى دَوامِ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ لَهم، والِاسْتِخْفافِ بِكَراهِيَتِهِمْ وأذاهم، لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَهُ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى الِاسْتِرْسالِ في عَمَلِهِ ذَلِكَ، فَجاءَ بِهَذا الكَلامِ الجامِعِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا الإجْمالُ البَدِيعُ تَهْدِيدًا لَهم بِحُلُولِ عَذابٍ بِهِمْ في العاجِلِ والآجِلِ، وتَنْبِيهًا لِلتَّأمُّلِ فِيما
صفحة ١٩٥
أتاهم بِهِ، وفَتْحًا لِبَصائِرِهِمْ أنْ تَتَطَلَّبَ العِلْمَ بِما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ شَأْنُهُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى تَصْدِيقِهِ وقَبُولِ ما جاءَهم بِهِ.
و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ: صارَ لِي عِلْمٌ وارِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَضَمَّنَها هَذا الِاسْتِدْراكُ هي ما يُسَلِّمُ كُلُّ عاقِلٍ أنَّها مِنَ الهُدى والصَّلاحِ، وتِلْكَ هي أحْوالُهُ، وهم وصَفُوا حالَهُ بِأنَّهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَفي هَذا الِاسْتِدْراكِ نَعْيُ عَلى كَمالِ سَفاهَةِ عُقُولِهِمْ.
وانْتَقَلَ إلى كَشْفِ الخَطَأِ في شُبْهَتِهِمْ فَعَطَفَ عَلى كَلامِهِ قَوْلَهُ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ مُفْتَتِحًا الجُمْلَةَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بَعْدَ واوِ العَطْفِ، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم أحالُوا أنْ يَكُونَ رَسُولًا، مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم، كَما وقَعَتْ حِكايَتُهُ في آيَةٍ أُخْرى ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم.
واخْتِيرَ الِاسْتِفْهامُ دُونَ أنْ يَقُولَ: لا عَجَبَ، إشارَةً إلى أنَّ احْتِمالَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم مِمّا يَتَرَدَّدُ فِيهِ ظَنُّ العاقِلِ بِالعُقَلاءِ. فَقَوْلُهُ ﴿أوَعَجِبْتُمْ﴾ بِمَنزِلَةِ المَنعِ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مُقَدِّمَةِ دَلِيلٍ عَلى بُطْلانِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ.
وحَقِيقَةُ العَجَبِ أنَّهُ انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ يَحْصُلُ عِنْدَ إدْراكِ شَيْءٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ، وقَدْ يَكُونُ العَجَبُ مَشُوبًا بِإنْكارِ الشَّيْءِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ واسْتِبْعادِهِ وإحالَتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾ [ق: ٣] وقَدِ اجْتَمَعَ المَعْنَيانِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥] . والَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ كِنايَةٌ عَنِ الإنْكارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] أنْكَرُوا عَلَيْها أنَّها عَدَّتْ وِلادَتَها ولَدًا، وهي عَجُوزٌ، مُحالًا.
وتَنْكِيرُ ذِكْرٌ ورَجُلٍ لِلنَّوْعِيَّةِ إذْ لا خُصُوصِيَّةَ لِذِكْرٍ دُونَ ذِكْرٍ
صفحة ١٩٦
ولا لِرَجُلٍ دُونَ رَجُلٍ، فَإنَّ النّاسَ سَواءٌ، والذِّكْرَ سَواءٌ في قَبُولِهِ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ، ورَدِّهِ لِمَن حُرِمَ التَّوْفِيقَ، أيْ هَذا الحَدَثُ الَّذِي عَظَّمْتُمُوهُ وضَجَجْتُمْ لَهُ ما هو إلّا ﴿ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ . ووَصْفُ رَجُلٍ بِأنَّهُ مِنهم، أيْ مِن جِنْسِهِمُ البَشَرِيِّ فَضْحٌ لِشُبْهَتِهِمْ، ومَعَ ما في الكَلامِ مِن فَضْحِ شُبْهَتِهِمْ فِيهِ أيْضًا رَدٌّ لَها بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يَكُونَ ما جَعَلُوهُ مُوجِبَ اسْتِبْعادٍ واسْتِحالَةٍ هو مُوجِبُ القَبُولِ والإيمانِ، إذِ الشَّأْنُ أنْ يَنْظُرُوا في الذِّكْرِ الَّذِي جاءَهم مِن رَبِّهِمْ وأنْ لا يُسْرِعُوا إلى تَكْذِيبِ الجائِي بِهِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ كَوْنَ المُذَكِّرِ رَجُلًا مِنهم أقْرَبُ إلى التَّعَقُّلِ مِن كَوْنِ مُذَكِّرِهِمْ مِن جِنْسٍ آخَرَ مِن مَلَكٍ أوْ جِنِّيٍّ، فَكانَ هَذا الكَلامُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ في إبْطالِ دَعْوى الخَصْمِ والِاسْتِدْلالِ لِصِدْقِ دَعْوى المُجادِلِ، وهو يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ سَنَدِ المَنعِ في عِلْمِ الجَدَلِ.
ومَعْنى عَلى مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ ﴿جاءَكُمْ﴾ ضُمِّنَ مَعْنى نَزَلَ: أيْ نَزَلَ ﴿ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾، وهَذا مُخْتارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وعَنِ الفَرّاءِ أنْ عَلى بِمَعْنى مَعَ.
والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن رَجُلٍ، أوْ هو ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿جاءَكُمْ﴾ وهو زِيادَةٌ في تَشْوِيهِ خَطَئِهِمْ إذْ جَعَلُوا ذَلِكَ ضَلالًا مُبِينًا، وإنَّما هو هَدْيٌ واضِحٌ لِفائِدَتِكم بِتَحْذِيرِكم مِنَ العُقُوبَةِ، وإرْشادِكم إلى تَقْوى اللَّهِ، وتَقْرِيبِكم مَن رَحْمَتِهِ.
وقَدْ رُتِّبَتِ الجُمَلُ عَلى تَرْتِيبِ حُصُولِ مَضْمُونِها في الوُجُودِ، فَإنَّ الإنْذارَ مُقَدَّمٌ لِأنَّهُ حَمْلٌ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أوِ الوَثَنِيَّةِ، ثُمَّ يَحْصُلُ بَعْدَهُ العَمَلُ الصّالِحُ فَتُرْجى مِنهُ الرَّحْمَةُ.
والإنْذارُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّقْوى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٩٧
ومَعْنى لَعَلَّ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرَّحْمَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
الأعراف 7:64
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ وقَعَ التَّكْذِيبُ مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ: مِن قادَتِهِمْ، ودَهْمائِهِمْ، عَدا بَعْضَ أهْلِ بَيْتِهِ ومَن آمَنَ بِهِ عَقِبَ سَماعِ قَوْلِ نُوحٍ، فَعَطَفَ عَلى كَلامِهِ بِالفاءِ أيْ صَدَرَ مِنهم قَوْلٌ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ دَعْوى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ يُبَلِّغُ ويَنْصَحُ ويَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ، فَصارَ تَكْذِيبًا أعَمَّ مِنَ التَّكْذِيبِ الأوَّلِ، فَهو بِالنِّسْبَةِ لِلْمَلَأِ يَئُولُ إلى مَعْنى الِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ، وبِالنِّسْبَةِ لِلْعامَّةِ تَكْذِيبٌ أُنُفٍ، بَعْدَ سَماعِ قَوْلِ قادَتِهِمْ وانْتِهاءِ المُجادَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ نُوحٍ، فَلَيْسَ الفِعْلُ مُسْتَعْمَلًا في الِاسْتِمْرارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] إذْ لا داعِيَ إلَيْهِ هُنا، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى القَوْمِ، والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، وهو تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ: لِأنَّ التَّكْذِيبَ حَصَلَ بَعْدَهُ الوَحْيُ إلى نُوحٍ بِأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِهِ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، ولا يُرْجى زِيادَةُ مُؤْمِنٍ آخَرَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَدْخُلَ الفُلْكَ ويَحْمِلَ مَعَهُ مَن آمَنَ إلى آخَرِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في سُورَةِ هُودٍ.
وقُدِّمَ الإخْبارُ بِالإنْجاءِ عَلى الإخْبارِ بِالإغْراقِ، مَعَ أنَّ مُقْتَضى مَقامِ العِبْرَةِ تَقْدِيمُ الإخْبارِ بِإغْراقِ المُنْكِرِينَ، فَقُدِّمَ الإنْجاءُ لِلِاهْتِمامِ بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وتَعْجِيلًا لِمَسَرَّةِ السّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ عادَةَ اللَّهِ إذا أهْلَكَ المُشْرِكِينَ أنْ يُنَجِّيَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ التَّقْدِيمُ يُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِالنِّذارَةِ، وإلّا فَإنَّ الإغْراقَ وقَعَ قَبْلَ الإنْجاءِ، إذْ لا يَظْهَرُ تَحَقُّقُ إنْجاءِ نُوحٍ ومَن مَعَهُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ العَذابِ لِمَن لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فالمُعَقَّبُ بِهِ التَّكْذِيبُ ابْتِداءً هو
صفحة ١٩٨
الإغْراقُ، والإنْجاءُ واقِعٌ بَعْدَهُ، ولِيَتَأتّى هَذا التَّقْدِيمُ عُطِفَ فِعْلُ الإنْجاءِ بِالواوِ المُفِيدَةِ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، دُونَ الفاءِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى قَوْلِهِ مَعَهُ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ، وبِهَذا التَّعْلِيقِ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ في الفُلْكِ مَعْشَرًا، وأنَّهم كانُوا مُصَدِّقِينَ لَهُ، فَكانَ هَذا التَّعْلِيقٌ إيجازًا بَدِيعًا.
والفُلْكُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وسَنَذْكُرُ تَعْيِينَهم عِنْدَ الكَلامِ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ هُودٍ.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وأغْرَقْنا سائِرَهم، أوْ بَقِيَّتَهم، لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ تَعْلِيلِ الخَبَرِ في قَوْلِهِ وأغْرَقْنا أيْ أغْرَقْناهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ أغْرَقْنا كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ إنَّ لِأنَّ حَرْفَ إنَّ هُنا لا يُقْصَدُ بِهِ رَدُّ الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ، إذْ لا شَكَّ فِيهِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنَ الحَرْفِ الدَّلالَةُ عَلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ومِن شَأْنِ إنَّ إذا جاءَتْ لِلِاهْتِمامِ أنْ تَقُومَ مَقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ، وتُفِيدَ التَّعْلِيلَ ورَبْطَ الجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَها. فَفَصْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَلا فَصْلٍ.
وعَمِينَ جَمْعُ عَمٍ جَمْعُ سَلامَةٍ بِواوٍ ونُونٍ. وهو صِفَةٌ عَلى وزْنِ فَعِلٍ مِثْلُ أشِرٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ العَمى، وأصْلُهُ فُقْدانُ البَصَرِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى فُقْدانِ الرَّأْيِ النّافِعِ، ويُقالُ: عَمى القَلْبِ، وقَدْ غُلِّبَ في الكَلامِ تَخْصِيصُ المَوْصُوفِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ لِدَلالَتِها عَلى ثُبُوتِ الصِّفَةِ، وتُمَكِّنُها بِأنْ تَكُونَ سَجِيَّةً وإنَّما يَصْدُقُ ذَلِكَ في فَقْدِ الرَّأْيِ، لِأنَّ المَرْءَ يُخْلَقُ عَلَيْهِ غالِبًا، بِخِلافِ فَقْدِ البَصَرِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا عَمِينَ ولَمْ يَقُلْ عُمْيًا كَما
صفحة ١٩٩
قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] ومِثْلُهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمٍ
والَّذِينَ كَذَّبُوا كانُوا عَمِينَ لِأنَّ قادَتَهم داعُونَ إلى الضَّلالَةِ مُؤَيِّدُونَها، ودَهْماؤُهم مُتَقَبِّلُونَ تِلْكَ الدَّعْوَةِ سَمّاعُونَ لَها.
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى مَعْنًى عَظِيمٍ في إرادَةِ اللَّهِ تَعالى تَطَوُّرَ الخَلْقِ الإنْسانِيِّ: فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وخَلَقَ لَهُ الحِسَّ الظّاهِرَ والحِسَّ الباطِنَ، فانْتَفَعَ بِاسْتِعْمالِ بَعْضِ قُواهُ الحِسِّيَّةِ في إدْراكِ أوائِلِ العُلُومِ، ولَكِنَّهُ اسْتَعْمَلَ بَعْضَ ذَلِكَ فِيما جَلَبَ إلَيْهِ الضُّرَّ والضَّلالَ، وذَلِكَ بِاسْتِعْمالِ القَواعِدِ الحِسِّيَّةِ فِيما غابَ عَنْ حِسِّهِ وإعانَتِها بِالقُوى الوَهْمِيَّةِ والمُخَيَّلَةِ، فَفَكَّرَ في خالِقِهِ وصِفاتِهِ فَتَوَّهم لَهُ أنْدادًا وأعْوانًا وعَشِيرَةً وأبْناءً وشُرَكاءً في مُلْكِهِ، وتَفاقَمَ ذَلِكَ في الإنْسانِ مَعَ مُرُورِ الأزْمانِ حَتّى عادَ عَلَيْهِ بِنِسْيانِ خالِقِهِ، إذْ لَمْ يَدْخُلِ العِلْمُ بِهِ تَحْتَ حَواسِّهِ الظّاهِرَةِ، وأقْبَلَ عَلى عِبادَةِ الآلِهَةِ المَوْهُومَةِ حَيْثُ اتَّخَذَ لَها صُوَرًا مَحْسُوسَةً، فَأرادَ اللَّهُ إصْلاحَ البَشَرِ وتَهْذِيبَ إدْراكِهِمْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ نُوحًا فَآمَنَ بِهِ قَلِيلٌ مِن قَوْمِهِ وكَفَرَ بِهِ جُمْهُورُهم، فَأرادَ اللَّهُ انْتِخابَ الصّالِحِينَ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ قَبِلَتْ عُقُولُهُمُ الهُدى، وهم نُوحٌ ومَن آمَنَ بِهِ، واسْتِئْصالَ الَّذِينَ تَمَكَّنَتِ الضَّلالَةُ مِن عُقُولِهِمْ لِيُنْشِئَ مِنَ الصّالِحِينَ ذُرِّيَّةً صالِحَةً ويَكْفِيَ الإنْسانِيَّةَ فَسادَ الضّالِّينَ، كَما قالَ نُوحٌ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، فَكانَتْ بِعْثَةُ نُوحٍ وما طَرَأ عَلَيْها تَجْدِيدًا لِصَلاحِ البَشَرِ وانْتِخابًا لِلْأصْلَحِ.
الأعراف 7:65
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾
صفحة ٢٠٠
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِأنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ أرْسَلْنا لِدَلالَةِ حَرْفِ إلى عَلَيْهِ، مَعَ دَلالَةِ سَبْقِ نَظِيرِهِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ وأرْسَلْنا إلى عادٍ، فَتَكُونُ الواوُ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ اللَّفْظِيِّ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ولَيْسَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ: عَطَفَتِ الواوُ هُودًا عَلى نُوحًا، فَتَكُونُ الواوُ نائِبَةً عَنِ العامِلِ وهو أرْسَلْنا، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ وهُودًا أخا عادٍ إلَيْهِمْ وقُدِّمَتْ إلى فَهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ، وتَقْدِيمُ (إلى) اقْتَضاهُ حُسْنُ نَظْمِ الكَلامِ في عَوْدِ الضَّمائِرِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أحْسَنُ.
وقُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى المَفْعُولِ الأصْلِيِّ لِيَتَأتّى الإيجازُ بِالإضْمارِ حَيْثُ أُرِيدَ وصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ مِن إخْوَةِ عادٍ مِن صَمِيمِهِمْ، مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى إعادَةِ لَفْظِ عادٍ، ومَعَ تَجَنُّبِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً، فَقِيلَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، وهُودًا بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِن أخاهم.
وعادٌ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ البائِدَةِ، وكانُوا عَشْرَ قَبائِلَ، وقِيلَ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً وهم أبْناءُ عادِ بْنِ عُوصٍ، وعُوصٌ هو ابْنُ إرَمِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، كَذا اصْطَلَحَ المُؤَرِّخُونَ.
وهُودٌ اخْتُلِفَ في نَسَبِهِ، فَقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، فَقالَ القائِلُونَ بِهَذا: هو ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ عادٍ، وقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ سامٍ جَدِّ عادٍ، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، والقائِلُونَ بِهَذا قالُوا هو هُودُ بْنُ شالِخِ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وذَكَرَ البَغَوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بِحَضْرَمَوْتَ في كَثِيبٍ أحْمَرَ، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ وزَمْزَمَ.
وعادٌ أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةُ وساغَ صَرْفُهُ لِأنَّهُ ثُلاثِيٌّ ساكِنُ الوَسَطُ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بِبِلادِ العَرَبِ بِالشِّحْرِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الحاءِ المُهْمَلَةِ مِن أرْضِ اليَمَنِ وحَضْرَمَوْتَ وعُمانَ والأحْقافِ، وهي الرِّمالُ
صفحة ٢٠١
الَّتِي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ.
والأخُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ القَرِيبِ، عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ ومِنهُ قَوْلُهم يا أخا العَرَبِ، وقَدْ كانَ هُودٌ مِن بَنِي عادٍ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّ إرَمَ، ويُطْلَقُ الأخُ مَجازًا أيْضًا عَلى المُصاحِبِ المُلازِمِ، كَقَوْلِهِمْ: هو أخُو الحَرْبِ، ومِنهُ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وقَوْلُهُ ﴿وإخْوانُهم يُمِدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] . فالمُرادُ أنَّ هُودًا كانَ مِن ذَوِي نَسَبِ قَوْمِهِ عادٍ، وإنَّما وُصِفَ هُودٌ وغَيْرُهُ بِذَلِكَ، ولَمْ يُوصَفْ نُوحٌ بِأنَّهُ أخٌ لِقَوْمِهِ: لِأنَّ النّاسَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمْ يَكُونُوا قَدِ انْقَسَمُوا شُعُوبًا وقَبائِلَ، والعَرَبُ يَقُولُونَ، لِلْواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ: أخُو بَنِي فُلانٍ، قَصْدًا لَعَزْوِهِ ونِسْبَتِهِ تَمْيِيزًا لِلنّاسِ إذْ قَدْ يَشْتَرِكُونَ في الأعْلامِ، ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها أنَّ نِظامَ القَبائِلِ ما حَدَثَ إلّا بَعْدَ الطُّوفانِ.
فُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ ولَمْ تُعْطَفْ بِالفاءِ كَما عُطِفَ نَظِيرُها المُتَقَدِّمُ في قِصَّةِ نُوحٍ: لِأنَّ الحالَ اقْتَضى هُنا أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ قِصَّةَ هُودٍ لَمّا ورَدَتْ عَقِبَ قِصَّةِ نُوحٍ المَذْكُورِ فِيها دَعْوَتُهُ قَوْمَهُ صارَ السّامِعُ مُتَرَقِّبًا مَعْرِفَةَ ما خاطَبَ بِهِ هُودٌ قَوْمَهُ حَيْثُ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ مَثارَ سُؤالٍ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: فَماذا دَعا هُودٌ قَوْمَهُ وبِماذا أجابُوا ؟ فَيَقَعُ الجَوابُ بِأنَّهُ قالَ: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ مَعَ ما في هَذا الِاخْتِلافِ مِنَ التَّفَنُّنِ في أسالِيبِ الكَلامِ، ولِأنَّ الفِعْلَ المُفَرَّعَ عَنْهُ القَوْلُ بِالعَطْفِ لَمّا كانَ مَحْذُوفًا لَمْ يَكُنْ التَّفْرِيعُ حَسَنًا في صُورَةِ النَّظْمِ.
والرَّبْطُ بَيْنَ الجُمَلِ حاصِلٌ في الحالَتَيْنِ لِأنَّ فاءَ العَطْفِ رابِطٌ لَفْظِيٌّ لِلْمَعْطُوفِ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَوابُ السُّؤالِ رابِطٌ جُمْلَةَ الجَوابِ بِجُمْلَةِ مَثارِ السُّؤالِ رَبْطًا مَعْنَوِيًّا
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. وقَدْ شابَهَتْ دَعْوَةُ هُودٍ قَوْمَهُ دَعْوَةَ نُوحٍ قَوْمَهُ في المُهِمِّ مِن كَلامِها: لِأنَّ الرُّسُلَ مُرْسَلُونَ
صفحة ٢٠٢
مِنَ اللَّهِ والحِكْمَةُ مِنَ الإرْسالِ واحِدَةٌ، فَلا جَرَمَ أنْ تَتَشابَهَ دَعَواتُهم، وفي الحَدِيثِ: «الأنْبِياءُ أبْناءُ عَلّاتٍ» وقالَ تَعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣] .
وجُمْلَةُ أفَلا تَتَّقُونَ اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . والمُرادُ بِالتَّقْوى الحَذَرُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى عَلى إشْراكِهِمْ غَيْرَهُ في العِبادَةِ واعْتِقادِ الإلَهِيَّةِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِهِمْ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ. وإنَّما ابْتَدَأ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ إغْلاظًا في الدَّعْوَةِ وتَهْوِيلًا لِفَظاعَةِ الشِّرْكِ، إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ في ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ قَوْلٍ مِن أقْوالِهِ في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ أنْ دَعاهُمُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ ووَعَظَهم، كَما قالَ نُوحٌ ﴿إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] كَما اقْتَضاهُ بَعْضُ تَوْجِيهاتِ تَجْرِيدِ حِكايَةِ كَلامِهِ عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ المَذْكُورِ آنِفًا.
ووَصْفُ المَلَأِ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا، دُونَ ما في قِصَّةِ نُوحٍ، وصْفٌ كاشِفٌ ولَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ تَفَنُّنًا في أسالِيبِ الحِكايَةِ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ وصَفَ مَلَأ قَوْمِ نُوحٍ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ، والتَّوْجِيهُ الَّذِي في الكَشّافِ هُنا غَفْلَةٌ عَمّا في سُورَةِ هُودٍ.
والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ إنّا لَنَعْلَمُ أنَّكَ في سَفاهَةٍ.
والسَّفاهَةُ سَخافَةُ العَقْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذِهِ المادَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَلامًا لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ مُخْتَلِّ العَقْلِ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ المُحالِ عِنْدَهم.
وأطْلَقُوا الظَّنَّ عَلى اليَقِينِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأرادُوا تَكْذِيبَهُ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وفِيما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ ذَلِكَ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ.
صفحة ٢٠٣
وقَدْ تَشابَهَتْ أقْوالُ قَوْمِ هُودٍ وأقْوالُ قَوْمِ نُوحٍ في تَكْذِيبِ الرَّسُولِ لِأنَّ ضَلالَةَ المُكَذِّبِينَ مُتَّحِدَةٌ، وشُبُهاتِهِمْ مُتَّحِدَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] فَكَأنَّهم لَقَّنَ بَعْضُهم بَعْضًا كَما قالَ تَعالى ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] .
الأعراف 7:66
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾
صفحة ٢٠٠
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِأنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ أرْسَلْنا لِدَلالَةِ حَرْفِ إلى عَلَيْهِ، مَعَ دَلالَةِ سَبْقِ نَظِيرِهِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ وأرْسَلْنا إلى عادٍ، فَتَكُونُ الواوُ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ اللَّفْظِيِّ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ولَيْسَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ: عَطَفَتِ الواوُ هُودًا عَلى نُوحًا، فَتَكُونُ الواوُ نائِبَةً عَنِ العامِلِ وهو أرْسَلْنا، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ وهُودًا أخا عادٍ إلَيْهِمْ وقُدِّمَتْ إلى فَهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ، وتَقْدِيمُ (إلى) اقْتَضاهُ حُسْنُ نَظْمِ الكَلامِ في عَوْدِ الضَّمائِرِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أحْسَنُ.
وقُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى المَفْعُولِ الأصْلِيِّ لِيَتَأتّى الإيجازُ بِالإضْمارِ حَيْثُ أُرِيدَ وصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ مِن إخْوَةِ عادٍ مِن صَمِيمِهِمْ، مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى إعادَةِ لَفْظِ عادٍ، ومَعَ تَجَنُّبِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً، فَقِيلَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، وهُودًا بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِن أخاهم.
وعادٌ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ البائِدَةِ، وكانُوا عَشْرَ قَبائِلَ، وقِيلَ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً وهم أبْناءُ عادِ بْنِ عُوصٍ، وعُوصٌ هو ابْنُ إرَمِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، كَذا اصْطَلَحَ المُؤَرِّخُونَ.
وهُودٌ اخْتُلِفَ في نَسَبِهِ، فَقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، فَقالَ القائِلُونَ بِهَذا: هو ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ عادٍ، وقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ سامٍ جَدِّ عادٍ، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، والقائِلُونَ بِهَذا قالُوا هو هُودُ بْنُ شالِخِ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وذَكَرَ البَغَوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بِحَضْرَمَوْتَ في كَثِيبٍ أحْمَرَ، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ وزَمْزَمَ.
وعادٌ أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةُ وساغَ صَرْفُهُ لِأنَّهُ ثُلاثِيٌّ ساكِنُ الوَسَطُ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بِبِلادِ العَرَبِ بِالشِّحْرِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الحاءِ المُهْمَلَةِ مِن أرْضِ اليَمَنِ وحَضْرَمَوْتَ وعُمانَ والأحْقافِ، وهي الرِّمالُ
صفحة ٢٠١
الَّتِي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ.
والأخُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ القَرِيبِ، عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ ومِنهُ قَوْلُهم يا أخا العَرَبِ، وقَدْ كانَ هُودٌ مِن بَنِي عادٍ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّ إرَمَ، ويُطْلَقُ الأخُ مَجازًا أيْضًا عَلى المُصاحِبِ المُلازِمِ، كَقَوْلِهِمْ: هو أخُو الحَرْبِ، ومِنهُ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وقَوْلُهُ ﴿وإخْوانُهم يُمِدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] . فالمُرادُ أنَّ هُودًا كانَ مِن ذَوِي نَسَبِ قَوْمِهِ عادٍ، وإنَّما وُصِفَ هُودٌ وغَيْرُهُ بِذَلِكَ، ولَمْ يُوصَفْ نُوحٌ بِأنَّهُ أخٌ لِقَوْمِهِ: لِأنَّ النّاسَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمْ يَكُونُوا قَدِ انْقَسَمُوا شُعُوبًا وقَبائِلَ، والعَرَبُ يَقُولُونَ، لِلْواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ: أخُو بَنِي فُلانٍ، قَصْدًا لَعَزْوِهِ ونِسْبَتِهِ تَمْيِيزًا لِلنّاسِ إذْ قَدْ يَشْتَرِكُونَ في الأعْلامِ، ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها أنَّ نِظامَ القَبائِلِ ما حَدَثَ إلّا بَعْدَ الطُّوفانِ.
فُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ ولَمْ تُعْطَفْ بِالفاءِ كَما عُطِفَ نَظِيرُها المُتَقَدِّمُ في قِصَّةِ نُوحٍ: لِأنَّ الحالَ اقْتَضى هُنا أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ قِصَّةَ هُودٍ لَمّا ورَدَتْ عَقِبَ قِصَّةِ نُوحٍ المَذْكُورِ فِيها دَعْوَتُهُ قَوْمَهُ صارَ السّامِعُ مُتَرَقِّبًا مَعْرِفَةَ ما خاطَبَ بِهِ هُودٌ قَوْمَهُ حَيْثُ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ مَثارَ سُؤالٍ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: فَماذا دَعا هُودٌ قَوْمَهُ وبِماذا أجابُوا ؟ فَيَقَعُ الجَوابُ بِأنَّهُ قالَ: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ مَعَ ما في هَذا الِاخْتِلافِ مِنَ التَّفَنُّنِ في أسالِيبِ الكَلامِ، ولِأنَّ الفِعْلَ المُفَرَّعَ عَنْهُ القَوْلُ بِالعَطْفِ لَمّا كانَ مَحْذُوفًا لَمْ يَكُنْ التَّفْرِيعُ حَسَنًا في صُورَةِ النَّظْمِ.
والرَّبْطُ بَيْنَ الجُمَلِ حاصِلٌ في الحالَتَيْنِ لِأنَّ فاءَ العَطْفِ رابِطٌ لَفْظِيٌّ لِلْمَعْطُوفِ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَوابُ السُّؤالِ رابِطٌ جُمْلَةَ الجَوابِ بِجُمْلَةِ مَثارِ السُّؤالِ رَبْطًا مَعْنَوِيًّا
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. وقَدْ شابَهَتْ دَعْوَةُ هُودٍ قَوْمَهُ دَعْوَةَ نُوحٍ قَوْمَهُ في المُهِمِّ مِن كَلامِها: لِأنَّ الرُّسُلَ مُرْسَلُونَ
صفحة ٢٠٢
مِنَ اللَّهِ والحِكْمَةُ مِنَ الإرْسالِ واحِدَةٌ، فَلا جَرَمَ أنْ تَتَشابَهَ دَعَواتُهم، وفي الحَدِيثِ: «الأنْبِياءُ أبْناءُ عَلّاتٍ» وقالَ تَعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣] .
وجُمْلَةُ أفَلا تَتَّقُونَ اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . والمُرادُ بِالتَّقْوى الحَذَرُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى عَلى إشْراكِهِمْ غَيْرَهُ في العِبادَةِ واعْتِقادِ الإلَهِيَّةِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِهِمْ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ. وإنَّما ابْتَدَأ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ إغْلاظًا في الدَّعْوَةِ وتَهْوِيلًا لِفَظاعَةِ الشِّرْكِ، إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ في ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ قَوْلٍ مِن أقْوالِهِ في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ أنْ دَعاهُمُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ ووَعَظَهم، كَما قالَ نُوحٌ ﴿إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] كَما اقْتَضاهُ بَعْضُ تَوْجِيهاتِ تَجْرِيدِ حِكايَةِ كَلامِهِ عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ المَذْكُورِ آنِفًا.
ووَصْفُ المَلَأِ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا، دُونَ ما في قِصَّةِ نُوحٍ، وصْفٌ كاشِفٌ ولَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ تَفَنُّنًا في أسالِيبِ الحِكايَةِ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ وصَفَ مَلَأ قَوْمِ نُوحٍ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ، والتَّوْجِيهُ الَّذِي في الكَشّافِ هُنا غَفْلَةٌ عَمّا في سُورَةِ هُودٍ.
والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ إنّا لَنَعْلَمُ أنَّكَ في سَفاهَةٍ.
والسَّفاهَةُ سَخافَةُ العَقْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذِهِ المادَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَلامًا لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ مُخْتَلِّ العَقْلِ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ المُحالِ عِنْدَهم.
وأطْلَقُوا الظَّنَّ عَلى اليَقِينِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأرادُوا تَكْذِيبَهُ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وفِيما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ ذَلِكَ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ.
صفحة ٢٠٣
وقَدْ تَشابَهَتْ أقْوالُ قَوْمِ هُودٍ وأقْوالُ قَوْمِ نُوحٍ في تَكْذِيبِ الرَّسُولِ لِأنَّ ضَلالَةَ المُكَذِّبِينَ مُتَّحِدَةٌ، وشُبُهاتِهِمْ مُتَّحِدَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] فَكَأنَّهم لَقَّنَ بَعْضُهم بَعْضًا كَما قالَ تَعالى ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] .
الأعراف 7:67
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾
فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ لِأنَّها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها آنِفًا وفِيما مَضى.
وتَفْسِيرُ الآيَةِ تَقَدَّمَ في نَظِيرِها آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ، إلّا أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وقالَ في هَذِهِ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ فَنُوحٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُقْلِعٍ عَنِ النُّصْحِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وهُودٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ نُصْحَهُ لَهم وصْفٌ ثابِتٌ فِيهِ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، وأنَّ ما زَعَمُوهُ سَفاهَةً هو نُصْحٌ.
وأُتْبِعَ ناصِحٌ بِـ أمِينٌ وهو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ لَهُ ﴿لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] لِأنَّ الأمِينَ هو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ، والأمانَةُ حالَةٌ في الإنْسانِ تَبْعَثُهُ عَلى حِفْظِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ لِغَيْرِهِ، وتَمْنَعُهُ مِن إضاعَتِهِ، أوْ جَعْلِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، وضِدُّها الخِيانَةُ.
والأمانَةُ مِن أعَزِّ أوْصافِ البَشَرِ، وهي مِن أخْلاقِ المُسْلِمِينَ، وفي الحَدِيثِ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَ لَهُ» وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ في جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ثُمَّ قالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِن قَلْبِهِ إلى أنْ قالَ فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ ! ! وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» فَذَكَرَ الإيمانَ في مَوْضِعِ الأمانَةِ. والكَذِبُ مِنَ الخِيانَةِ،
صفحة ٢٠٤
والصِّدْقُ مِنَ الأمانَةِ، لِأنَّ الكَذِبَ الخَبَرُ بِأمْرٍ غَيْرِ واقِعٍ في صُورَةٍ تُوهِمُ السّامِعَ أنَّهُ واقِعٌ، فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِلسّامِعِ، والصِّدْقُ إبْلاغُ الأمْرِ الواقِعِ كَما هو فَهو أداءٌ لِأمانَةِ ما عَلِمَهُ المُخْبِرُ، فَقَوْلُهُ في الآيَةِ أمِينٌ وصْفٌ يَجْمَعُ الصِّفاتِ الَّتِي تَجْعَلُهُ بِمَحَلِّ الثِّقَةِ مِن قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ إبْطالُ كَوْنِهِ مِنَ الكاذِبِينَ.
وتَقْدِيمُ لَكم عَلى عامِلِهِ لِلْإيذانِ بِاهْتِمامِهِ بِما يَنْفَعُهم.
الأعراف 7:68
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾
فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ لِأنَّها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها آنِفًا وفِيما مَضى.
وتَفْسِيرُ الآيَةِ تَقَدَّمَ في نَظِيرِها آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ، إلّا أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وقالَ في هَذِهِ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ فَنُوحٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُقْلِعٍ عَنِ النُّصْحِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وهُودٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ نُصْحَهُ لَهم وصْفٌ ثابِتٌ فِيهِ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، وأنَّ ما زَعَمُوهُ سَفاهَةً هو نُصْحٌ.
وأُتْبِعَ ناصِحٌ بِـ أمِينٌ وهو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ لَهُ ﴿لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] لِأنَّ الأمِينَ هو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ، والأمانَةُ حالَةٌ في الإنْسانِ تَبْعَثُهُ عَلى حِفْظِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ لِغَيْرِهِ، وتَمْنَعُهُ مِن إضاعَتِهِ، أوْ جَعْلِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، وضِدُّها الخِيانَةُ.
والأمانَةُ مِن أعَزِّ أوْصافِ البَشَرِ، وهي مِن أخْلاقِ المُسْلِمِينَ، وفي الحَدِيثِ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَ لَهُ» وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ في جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ثُمَّ قالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِن قَلْبِهِ إلى أنْ قالَ فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ ! ! وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» فَذَكَرَ الإيمانَ في مَوْضِعِ الأمانَةِ. والكَذِبُ مِنَ الخِيانَةِ،
صفحة ٢٠٤
والصِّدْقُ مِنَ الأمانَةِ، لِأنَّ الكَذِبَ الخَبَرُ بِأمْرٍ غَيْرِ واقِعٍ في صُورَةٍ تُوهِمُ السّامِعَ أنَّهُ واقِعٌ، فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِلسّامِعِ، والصِّدْقُ إبْلاغُ الأمْرِ الواقِعِ كَما هو فَهو أداءٌ لِأمانَةِ ما عَلِمَهُ المُخْبِرُ، فَقَوْلُهُ في الآيَةِ أمِينٌ وصْفٌ يَجْمَعُ الصِّفاتِ الَّتِي تَجْعَلُهُ بِمَحَلِّ الثِّقَةِ مِن قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ إبْطالُ كَوْنِهِ مِنَ الكاذِبِينَ.
وتَقْدِيمُ لَكم عَلى عامِلِهِ لِلْإيذانِ بِاهْتِمامِهِ بِما يَنْفَعُهم.
الأعراف 7:69
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ هَذا مُماثِلٌ قَوْلَ نُوحٍ لِقَوْمِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا سَبَبُ المُماثَلَةِ. وتَقَدَّمَ مِن قَبْلُ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ.
* * *
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَصْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ واذْكُرُوا عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ اعْبُدُوا ويَكُونَ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا حُكِيَ بِهِ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ المُحاوَرَةِ الَّتِي قاطَعُوهُ بِها عَقِبَ قَوْلِهِ لَهُمُ اعْبُدُوا اللَّهَ، فَلَمّا أتَمَّ جَوابَهم عَمّا قاطَعُوا بِهِ كَلامَهُ عادَ إلى دَعْوَتِهِ، فَيَكُونُ رُجُوعًا إلى الدَّعْوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أيْ: لا تُنْكِرُوا أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم واذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْكم، فَيَكُونُ تَكْمِلَةً لِلِاسْتِدْلالِ، وأيًّا ما كانَ فالمَآلُ واحِدٌ، وانْتَقَلَ مِن أمْرِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ إلى تَذْكِيرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الَّتِي لا يُنْكِرُونَ أنَّها مِن نِعَمِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ والأمْرَ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، تَذْكِيرًا مِن شَأْنِهِ إيصالُهم إلى إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ. وإنَّما أمَرَهم
صفحة ٢٠٥
بِالذِّكْرِ (بِضَمِّ الذّالِ) لِأنَّ النَّفْسَ تَنْسى النِّعَمَ فَتَكْفُرُ المُنْعِمَ، فَإذا تَذَكَّرَتِ النِّعْمَةَ رَأتْ حَقًّا عَلَيْها أنْ تَشْكُرَ المُنْعِمَ، ولِذَلِكَ كانَتْ مَسْألَةُ شُكْرِ المُنْعِمِ مِن أهَمِّ مَسائِلِ التَّكْلِيفِ، والِاكْتِفاءِ بِحُسْنِهِ عَقْلًا عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ سَواءٌ مِنهم مَنِ اكْتَفى بِالحُسْنِ العَقْلِيِّ ومَن لَمْ يَكْتَفِ بِهِ واعْتَبَرَ التَّوَقُّفَ عَلى الخِطابِ الشَّرْعِيِّ.
و(إذْ) اسْمُ زَمانٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، ولَيْسَ ظَرْفًا لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ المَعْنى عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ إذْ لا تُلازِمُ الظَّرْفِيَّةَ بَلْ هي ظَرْفٌ مُتَصَرِّفٌ، وهو مُخْتارُ صاحِبِ الكَشّافِ، والمَعْنى: اذْكُرُوا الوَقْتَ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ خِلافَتُكم عَنْ قَوْمِ نُوحٍ في تَعْمِيرِ الأرْضِ والهَيْمَنَةِ عَلى الأُمَمِ، فَإنَّ عادًا كانُوا ذَوِي قُوَّةٍ ونِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .
فالخُلَفاءُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ وهو الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ في شَيْءٍ، أيْ يَتَوَلّى عَمَلَ ما كانَ يَعْمَلُهُ الآخَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالمُرادُ: جَعَلَكم خُلَفاءَ في تَعْمِيرِ الأرْضِ. ولَمّا قالَ ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ أنَّهم خُلَفاءُ قَوْمِ نُوحٍ، فَعادٌ أوَّلُ أُمَّةٍ اضْطَلَعَتْ بِالحَضارَةِ بَعْدَ الطُّوفانِ، وكانَ بَنُو نُوحٍ قَدْ تَكاثَرُوا وانْتَشَرُوا في الأرْضِ، في أرْمِينِيَّةَ والمَوْصِلِ والعِراقِ وبِلادِ العَرَبِ، وكانُوا أُمَمًا كَثِيرَةً، أوْ كانَتْ عادٌ أعْظَمَ تِلْكَ الأُمَمِ وأصْحابَ السِّيادَةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم خَلَّفُوا قَوْمَ نُوحٍ في دِيارِهِمْ لِأنَّ مَنازِلَ عادٍ غَيْرُ مُنازِلِ قَوْمِ نُوحٍ عِنْدَ المُؤَرِّخِينَ، وهَذا التَّذْكِيرُ تَصْرِيحٌ بِالنِّعْمَةِ، وتَعْرِيضٌ بِالنِّذارَةِ والوَعِيدِ بِأنَّ قَوْمَ نُوحٍ إنَّما اسْتَأْصَلَهم وأبادَهم عَذابٌ مِنَ اللَّهِ عَلى شِرْكِهِمْ، فَمَنِ اتَّبَعَهم في صُنْعِهِمْ يُوشِكُ أنْ يَحِلَّ بِهِ عَذابٌ أيْضًا.
و(الخَلْقُ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا خالِصًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، وهو يُسْتَعْمَلُ في المَعْنَيَيْنِ.
وقَوْلُهُ (بَصْطَةً) ثَبَتَ في المَصاحِفِ بِصادٍّ قَبْلَ الطّاءِ وهو مُرادِفُ بَسْطَةٍ
صفحة ٢٠٦
الَّذِي هو بِسِينٍ قَبْلَ الطّاءِ. ووَقَعَ في آياتٍ أُخْرى. وأهْمَلَ الرّاغِبُ (بَصْطَةً) الَّذِي بِالصّادِّ. وظاهِرُ عِبارَةِ القُرْطُبِيِّ أنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِسِينٍ ولَيْسَ كَذَلِكَ.
(والبَصْطَةُ): الوَفْرَةُ والسَّعَةُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فَإنْ كانَ (الخَلْقُ) بِمَعْنى المَصْدَرِ فالبَصْطَةُ الزِّيادَةُ في القُوى الجِبِلِّيَّةِ أيْ زادَهم قُوَّةً في عُقُولِهِمْ وأجْسامِهِمْ فَخَلَقَهم عُقَلاءَ أصِحّاءَ، وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ نِسْبَةُ العُقُولِ الرّاجِحَةِ إلى عادٍ، ونِسْبَةُ كَمالِ قُوى الأجْسامِ إلَيْهِمْ قالَ النّابِغَةُ:
أحْلامُ عادٍ وأجْسامٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ المَعَقَّةِ والآفاتِ والإثْمِ
وقالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ في الحَماسَةِ:
وأحْلامُ عادٍ لا يَخافُ جَلِيسُهم ∗∗∗ ولَوْ نَطَقَ العُوّارُ غَرْبَ لِسانِ
وقالَ قِيسُ بْنُ عُبادَةَ:
وأنْ لا يَقُولُوا غابَ قَيْسٌ وهَذِهِ ∗∗∗ سَراوِيلُ عادِيٍّ نَمَتْهُ ثَـمُـودُ
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فِي الخَلْقِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (بَصْطَةً)، وإنْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى النّاسِ فالمَعْنى: وزادَكم بَصْطَةً في النّاسِ بِأنَّ جَعْلَكم أفْضَلَ مِنهم فِيما تَتَفاضَلُ بِهِ الأُمَمُ مِنَ الأُمُورِ كُلِّها، فَيَشْمَلُ رُجْحانَ العُقُولِ وقُوَّةَ الأجْسامِ وسَلامَتَها مِنَ العاهاتِ، والآفاتِ وقُوَّةَ البَأْسِ، وقَدْ نُسِبَتِ الدُّرُوعُ إلى عادٍ فَيُقالُ لَها: العادِيَّةُ، وكَذَلِكَ السُّيُوفُ العادِيَّةُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وحَكى عَنْ هُودٍ أنَّهُ قالَ لَهم ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٢٩] وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فِي الخَلْقِ﴾ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: إنْ ذَكَرْتُمْ وقْتَ جَعَلَكُمُ اللَّهُ خُلَفاءَ في الأرْضِ ووَقْتَ زادَكم بَصْطَةً فاذْكُرُوا نِعَمَهُ الكَثِيرَةَ تَفْصِيلًا، فالكَلامُ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ القِياسِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالجُزْئِيِّ عَلى
صفحة ٢٠٧
إثْباتِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ، فَإنَّهُ ذَكَّرَهم بِنِعْمَةٍ واضِحَةٍ وهي كَوْنُهم خُلَفاءَ، ونِعَمٍ مُجْمَلَةٍ وهي زِيادَةُ بَصْطَتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بَقِيَّةَ النِّعَمِ بِلَفْظِ العُمُومِ وهو الجَمْعُ المُضافُ.
والآلاءُ جَمْعُ ”إلًى“ والإلى النِّعْمَةُ وهَذا مِثْلُ جَمْعِ عِنَبٍ عَلى أعْنابٍ، ونَظِيرُهُ جَمْعُ إنًى بِالنُّونِ، وهو الوَقْتُ، عَلى آناءٍ قالَ تَعالى ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أيْ وقْتَهُ، وقالَ ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ [طه: ١٣٠] .
ورُتِّبَ عَلى ذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ رَجاءُ أنْ يُفْلِحُوا لِأنَّ ذِكْرَ النِّعَمِ يُؤَدِّي إلى تَكْرِيرِ شُكْرِ المُنْعِمِ، فَيَحْمِلُ المُنْعَمَ عَلَيْهِ عَلى مُقابَلَةِ النِّعَمِ بِالطّاعَةِ.
الأعراف 7:70
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾
جاوَبُوا هُودًا بِما أنْبَأ عَنْ ضَياعِ حُجَّتِهِ في جَنْبِ ضَلالَةِ عُقُولِهِمْ ومُكابَرَةِ نُفُوسِهِمْ، ولِذَلِكَ أعادُوا تَكْذِيبَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى دَعْوَتِهِ لِلتَّوْحِيدِ، وهَذا الجَوابُ أقَلُّ جَفْوَةً وغِلْظَةً مِن جَوابِهِمُ الأوَّلِ، إذْ قالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] كَأنَّهم رامُوا اسْتِنْزالَ نَفْسِ هُودٍ ومُحاوَلَةَ إرْجاعِهِ عَمّا دَعاهم إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى الإنْكارِ وذَكَّرُوهُ بِأنَّ الأمْرَ الَّذِي أنْكَرَهُ هو دِينُ آباءِ الجَمِيعِ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ سَفَّهَ آباءَهُ، وهَذا المَقْصِدُ هو الَّذِي اقْتَضى التَّعْبِيرَ عَنْ دَيْنِهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِمْ ﴿ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ إيماءً إلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِ وإلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِمُتابَعَةِ دِينِ آبائِهِ، كَما قالَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي طالِبٍ حِينَ
صفحة ٢٠٨
دَعاهُ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ عِنْدَ احْتِضارِهِ فَقالُوا لِأبِي طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةٍ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
واجْتِلابُ (كانَ) لِتَدُلَّ عَلى أنَّ عِبادَتَهم أمْرٌ قَدِيمٌ مَضَتْ عَلَيْهِ العُصُورُ.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ وكَوْنُهُ مُضارِعًا في قَوْلِهِ يَعْبُدُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مِن آبائِهِمْ ومُتَجَدِّدٌ وأنَّهم لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ.
ومَعْنى أجِئْتَنا أقَصَدْتَ واهْتَمَمْتَ بِنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ فاسْتُعِيرَ فِعْلُ المَجِيءِ لِمَعْنى الِاهْتِمامِ والتَّحَفُّزِ والتَّصَلُّبِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: ذَهَبَ يَفْعَلُ، وفي القُرْآنِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ١] وقالَ حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢] وفِرْعَوْنُ لَمْ يُفارِقْ مَجْلِسَ مُلْكِهِ وإنَّما أُرِيدَ أنَّهُ أعْرَضَ واهْتَمَّ ومِثْلُهُ قَوْلُهم ذَهَبَ يَفْعَلُ كَذا قالَ النَّبَهانِيُّ: فَإنْ
كُنْتَ سَيِّدَنَـا سُـدْتَـنَـا وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ
فَقَصَدُوا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ المَجِيءِ زِيادَةَ الإنْكارِ عَلَيْهِ وتَسْفِيهَهُ عَلى اهْتِمامِهِ بِأمْرٍ مِثْلِ ما دَعاهم إلَيْهِ.
ووَحْدَهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ أوْحَدَهُ: إذا اعْتَقَدَهُ واحِدًا، فَقِياسُ المَصْدَرِ الإيحادُ، وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى الحالِ: إمّا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ عِنْدَ الجُمْهُورِ أيْ مُوَحَّدًا أيْ مَحْكُومًا لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وقالَ يُونُسُ: هو بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُوَحِّدِينَ لَهُ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لِنَعْبُدَ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى: ونَذَرَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ لِتَفْرِيعِ طَلَبِ تَحْقِيقِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ، وتَحَدِّيًا لِهُودٍ، وإشْعارًا لَهُ بِأنَّهم مُوقِنُونَ بِأنْ لا صِدْقَ لِلْوَعِيدِ الَّذِي يَتَوَعَّدُهم
صفحة ٢٠٩
فَلا يَخْشَوْنَ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِمْ فَأْتِنا لِلتَّعْجِيزِ.
والإتْيانُ بِالشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ أنْ يَجِيءَ مُصاحِبًا إيّاهُ، ويُسْتَعْمَلَ مَجازًا في الإحْضارِ والإثْباتِ كَما هُنا. والمَعْنى فَعَجِّلْ لَنا ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، أوْ فَحَقِّقْ لَنا ما زَعَمْتَ مِن وعِيدِنا. ونَظِيرُهُ الفِعْلُ المُشْتَقُّ مِنَ المَجِيءِ مِثْلُ: (﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] - الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ) .
وأسْنَدُوا الفِعْلَ إلى ضَمِيرِهِ تَعْرِيضًا بِأنَّ ما تَوَعَّدَهم بِهِ هو شَيْءٌ مِن مُخْتَلَقاتِهِ ولَيْسَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مِنهُمُ الإقْلاعَ عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِطَلَبِ الضَّلالِ في زَعْمِهِمْ.
والوَعْدُ الَّذِي أرادُوهُ وعْدٌ بِالشَّرِّ، وهو الوَعِيدُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُفِيدُ أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِسُوءٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا ضِمْنِيًّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] لِأنَّ إنْكارَهُ عَلَيْهِمِ انْتِفاءَ الِاتِّقاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ثَمَّةَ ما يُحَذَّرُ مِنهُ، ولِأجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُعَيِّنُوا وعِيدًا في كَلامِهِمْ بَلْ أبْهَمُوهُ بِقَوْلِهِمْ بِما تَعِدُنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَعِيدُ تَعْرِيضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] المُؤْذِنِ بِأنَّ اللَّهَ اسْتَأْصَلَ قَوْمَ نُوحٍ وأخْلَفَهم بِعادٍ، فَيُوشِكُ أنْ يَسْتَأْصِلَ عادًا ويُخْلِفَهم بِغَيْرِهِمْ.
وعَقَّبُوا كَلامَهم بِالشَّرْطِ فَقالُوا: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ اسْتِقْصاءً لِمَقْدِرَتِهِ قَصْدًا مِنهم لِإظْهارِ عَجْزِهِ عَنِ الإتْيانِ بِالعَذابِ فَلا يَسَعُهُ إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ كاذِبٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ: أتَيْتَ بِهِ وإلّا فَلَسْتَ بِصادِقٍ.
فَأجابَهم بِأنْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم وقَعَ عَلَيْهِمْ رِجْسٌ مِنَ اللَّهِ.
والأظْهَرُ أنَّ: وقَعَ مَعْناهُ حَقَّ وثَبَتَ، مِن قَوْلِهِمْ لِلْأمْرِ المُحَقَّقِ: هَذا واقِعٌ، وقَوْلِهِمْ لِلْأمْرِ المَكْذُوبِ: هَذا غَيْرُ واقِعٍ فالمَعْنى حَقَّ وقُدِّرَ
صفحة ٢١٠
عَلَيْكم رِجْسٌ وغَضَبٌ. فالرِّجْسُ هو الشَّيْءُ الخَبِيثُ، أُطْلِقَ هُنا مَجازًا عَلى خُبْثِ الباطِنِ، أيْ فَسادِ النَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] . والمَعْنى: أصابَ اللَّهُ نُفُوسَهم بِالفَسادِ لِكُفْرِهِمْ فَلا يَقْبَلُونَ الخَيْرَ ولا يَصِيرُونَ إلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ الرِّجْسَ هُنا بِاللَّعْنَةِ، والجُمْهُورُ فَسَّرُوا الرِّجْسَ هُنا بِالعَذابِ، فَيَكُونُ فِعْلُ وقَعَ مِنِ اسْتِعْمالِ صِيغَةِ المُضِيِّ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، إشْعارًا بِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ ؟ ومِنهم مَن فَسَّرَ الرِّجْسَ بِالسَّخَطِ، وفَسَّرَ الغَضَبَ بِالعَذابِ، عَلى أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ العَذابَ أثَرُ الغَضَبِ، وقَدْ أخْبَرَ هُودٌ بِذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ بِوَحْيٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ مِن حِينِ أرْسَلَهُ اللَّهُ، إذْ أعْلَمَهُ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنِ الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ يُبَلِّغَهُمُ الحُجَّةَ فَإنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمْ عَلامَةٌ عَلى أنَّ خُبْثَ قُلُوبِهِمْ مُتَمَكِّنٌ لا يَزُولُ، ولا يُرْجى مِنهم إيمانٌ، كَما قالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] .
وغَضَبُ اللَّهِ تَقْدِيرُهُ: الإبْعادُ والعُقُوبَةُ والتَّحْقِيرُ، وهي آثارُ الغَضَبِ في الحَوادِثِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الغَضَبِ: انْفِعالٌ تَنْشَأُ عَنْهُ كَراهِيَةُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ وإبْعادُهُ وإضْرارُهُ.
وتَأْخِيرُ الغَضَبِ عَنِ الرِّجْسِ لِأنَّ الرِّجْسَ، وهو خُبْثُ نُفُوسِهِمْ، قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ فَطَرَهم عَلى خُبْثٍ بِحَيْثُ كانَ اسْتِمْرارُهم عَلى الضَّلالِ أمْرًا جِبِلِّيًّا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ. فَوُقُوعُ الرِّجْسِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ حاصِلٌ في الزَّمَنِ الماضِي بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ قَوْلِ هُودٍ. واقْتِرانُهُ بِقَدْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ: مِثْلُ قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ.
وتَقْدِيمُ: ﴿عَلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلى فاعِلِ الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ بِتَعْجِيلِ ذِكْرِ المَغْضُوبِ والغاضِبِ، إيقاظًا لِبَصائِرِهِمْ لَعَلَّهم يُبادِرُونَ بِالتَّوْبَةِ، ولِأنَّ المَجْرُورَيْنِ مُتَعَلِّقانِ بِالفِعْلِ فَناسَبَ إيلاؤُهُما إيّاهُ، ولَوْ ذُكِرا بَعْدَ الفاعِلِ
صفحة ٢١١
لَتُوُهِّمَ أنَّهُما صِفَتانِ لَهُ. وقُدِّمَ المَجْرُورُ الَّذِي هو ضَمِيرُهم، عَلى الَّذِي هو وصْفُ رَبِّهِمْ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ بِالفِعْلِ.
ولَمّا قَدَّمَ إنْذارَهم بِغَضَبِ اللَّهِ عادَ إلى الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنْ يُجادِلُوا في شَأْنِ أصْنامِهِمْ.
والمُجادَلَةُ: المُحاجَّةُ.
وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِأنَّها أسْماءٌ، أيْ هي مُجَرَّدُ أسْماءٍ لَيْسَتْ لَها الحَقائِقُ الَّتِي اعْتَقَدُوها ووَضَعُوا لَها الأسْماءَ لِأجْلِ اسْتِحْضارِها، فَبِذَلِكَ كانَتْ تِلْكَ الأسْماءُ المَوْضُوعَةُ مُجَرَّدَ ألْفاظٍ، لِانْتِفاءِ الحَقائِقِ الَّتِي وضَعُوا الأسْماءَ لِأجْلِها. فَإنَّ الأسْماءَ تُوضَعُ لِلْمُسَمَّياتِ المَقْصُودَةِ مِنَ التَّسْمِيَةِ، وهم إنَّما وضَعُوا لَها الأسْماءَ واهْتَمُّوا بِها بِاعْتِبارِ كَوْنِ الإلَهِيَّةِ جُزْءًا مِنَ المُسَمّى المَوْضُوعِ لَهُ الِاسْمُ، وهو الدّاعِي إلى التَّسْمِيَةِ، فَمَعانِي الإلَهِيَّةِ وما يَتْبَعُها مُلاحَظَةٌ لِمَن وضَعَ تِلْكَ الأسْماءَ، فَلَمّا كانَتِ المَعانِي المَقْصُودَةُ مِن تِلْكَ الأسْماءِ مُنْتَفِيَةً كانَتِ الأسْماءُ لا مُسَمَّياتٍ لَها بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، سَواءٌ في ذَلِكَ ما كانَ مِنها لَهُ ذَواتٌ وأجْسامٌ كالتَّماثِيلِ والأنْصابِ، وما لَمْ تَكُنْ لَهُ ذاتٌ، فَلَعَلَّ بَعْضَ آلِهَةِ عادٍ كانَ مُجَرَّدَ اسْمٍ يَذْكُرُونَهُ بِالإلَهِيَّةِ ولا يَجْعَلُونَ لَهُ تِمْثالًا ولا نُصُبًا، مِثْلُ ما كانَتِ العُزّى عِنْدَ العَرَبِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا لَها بَيْتًا ولَمْ يَجْعَلُوا لَها نُصُبًا، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] .
وذَكَرَ أهْلُ الأخْبارِ أنَّ عادًا اتَّخَذُوا أصْنامًا ثَلاثَةً وهي صَمُودٌ بِفَتْحِ الصّادِ المُهْمَلَةِ بِوَزْنِ زَبُورٍ.
وصُداءُ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ مَضْبُوطًا بِخَطِّ الهَمَذانِيِّ مُحْشِي الكَشّافِ في نُسْخَةٍ مِن حاشِيَتِهِ المُسَمّاةِ تَوْضِيحَ المُشْكِلاتِ ومَنسُوخَةٌ بِخَطِّهِ، وبِدالٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَها ألِفٌ ولَمْ أقِفْ عَلى ضَبْطِ الدّالِ بِالتَّشْدِيدِ أوْ بِالتَّخْفِيفِ:
صفحة ٢١٢
وقَدْ رَأيْتُ في نُسْخَةٍ مِنَ الكَشّافِ مَخْطُوطَةً مَوْضُوعًا عَلى الدّالِ عَلامَةُ شَدٍّ، ولَسْتُ عَلى تَمامِ الثِّقَةِ بِصِحَّةِ النُّسْخَةِ، وبَعْدَ الألْفِ هَمْزَةٌ كَما هو في نُسَخِ الكَشّافِ وتَفْسِيرٍ البَغَوِيِّ، وكَذَلِكَ هو في أبْياتٍ مَوْضُوعَةٍ في قِصَّةِ قَوْمِ عادٍ في كُتُبِ القِصَصِ. ووَقَعَ في نُسْخَةِ تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وفي مُرُوجِ الذَّهَبِ لِلْمَسْعُودِيِّ، وفي نُسْخَةٍ مِن شَرْحِ ابْنِ بَدْرُونٍ عَلى قَصِيدَةِ ابْنِ عَبْدُونٍ الأنْدَلُسِيُّ بِدُونِ هَمْزَةٍ بَعْدَ الألْفِ.
والهَباءُ بِالمَدِّ في آخِرِهِ مَضْبُوطًا بِخَطِّ الهَمَذانِيِّ في نُسْخَةِ حاشِيَتِهِ عَلى الكَشّافِ، وفي نُسْخَةِ الكَشّافِ المَطْبُوعَةِ، وفي تَفْسِيرَيِ البَغَوِيِّ والخازِنِ، وفي الأبْياتِ المَذْكُورَةِ آنِفًا. ووَقَعَ في نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ مِنَ الكَشّافِ بِألْفٍ دُونَ مَدٍّ. ولَمْ أقِفْ عَلى ضَبْطِ الهاءِ، ولَمْ أرَ ذِكْرَ صُداءَ والهَباءِ فِيما رَأيْتُ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ.
وعُطِفَ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ: وآباؤُكم لِأنَّ مِن آبائِهِمْ مَن وضَعَ لَهم تِلْكَ الأسْماءَ، فالواضِعُونَ وضَعُوا وسَمَّوْا، والمُقَلِّدُونَ سَمَّوْا ولَمْ يَضَعُوا، واشْتَرَكَ الفَرِيقانِ في أنَّهم يَذْكُرُونَ أسْماءً لا مُسَمَّياتِ لَها.
وسَمَّيْتُمُوها مَعْناهُ: ذَكَّرْتُمُوها بِألْسِنَتِكم، كَما يُقالُ: سَمِّ اللَّهَ، أيِ اذْكُرِ اسْمَهُ، فَيَكُونُ سَمّى بِمَعْنى ذَكَرَ لَفْظَ الِاسْمِ، والألْفاظُ كُلُّها أسْماءٌ لِمَدْلُولاتِها، وأصْلُ اللُّغَةِ أسْماءٌ قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١]، وقالَ لَبِيدٌ:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامُ عَلَيْكُما
أيْ لَفْظُهُ.
ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّسْمِيَةِ في الآيَةِ وضْعَ الِاسْمِ لِلْمُسَمّى، كَما يُقالُ: سَمَّيْتُ ولَدِي كَذا، لِأنَّ المُخاطَبِينَ وكَثِيرًا مِن آبائِهِمْ لا حَظَّ لَهم في تَسْمِيَةِ الأصْنامِ، وإنَّما ذَلِكَ مِن فِعْلِ بَعْضِ الآباءِ وهُمُ الَّذِينَ انْتَحَلُوا الشِّرْكَ واتَّخَذُوهُ دِينًا وعَلَّمُوهُ أبْناءَهم وقَوْمَهم، ولِأجْلِ هَذا المَعْنى المَقْصُودِ مِنَ التَّسْمِيَةِ لَمْ يُذْكَرْ لِفِعْلِ: سَمَّيْتُمْ مَفْعُولٌ ثانٍ ولا مُتَعَلِّقٌ، بَلِ اقْتُصِرَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
صفحة ٢١٣
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ الَّتِي يُصَدِّقُ بِها المُخالِفُ، سُمِّيَتْ سُلْطانًا لِأنَّها تَتَسَلَّطُ عَلى نَفْسِ المَعارِضِ وتُقْنِعُهُ، ونَفى أنَ تَكُونَ الحُجَّةُ مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ لِأنَّ شَأْنَ الحُجَّةِ في مِثْلِ هَذا أنْ يَكُونَ مُخْبَرًا بِها مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ أُمُورَ الغَيْبِ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. وأعْظَمُ المُغَيَّباتِ ثُبُوتُ الإلَهِيَّةِ لِأنَّهُ قَدْ يَقْصِرُ العَمَلُ عَنْ إدْراكِها فَمِن شَأْنِها أنْ تُتَلَقّى مِن قِبَلِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فانْظُرُوا لِتَفْرِيعِ هَذا الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ السّابِقِ، لِأنَّ وُقُوعَ الغَضَبِ والرِّجْسِ عَلَيْهِمْ، ومُكابَرَتَهم واحْتِجاجَهم لِما لا حُجَّةَ لَهُ، يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ التَّهْدِيدُ بِانْتِظارِ العَذابِ.
وصِيغَةُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ مِثْلُ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، والِانْتِظارُ افْتِعالٌ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى التَّرَقُّبِ، كَأنَّ المُخاطَبَ أُمِرَ بِالتَّرَقُّبِ فارْتَقَبَ.
ومَفْعُولُ: انْتَظِرُوا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ أيْ فانْتَظَرُوا عِقابًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ تَهْدِيدَهُ إيّاهم يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِهِمْ أنْ يَقُولُوا: إذا كُنّا نَنْتَظِرُ العَذابَ فَماذا يَكُونُ حالُكَ، فَبَيَّنَ أنَّهُ يَنْتَظِرُ مَعَهم، وهَذا مَقامُ أدَبٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى تَلْقِينًا لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] فَهُودٌ يَخافُ أنْ يَشْمَلَهُ العَذابُ النّازِلُ بِقَوْمِهِ وذَلِكَ جائِزٌ كَما في الحَدِيثِ: أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: ”أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ“ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ. وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» ويَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ ويَراهُ هُودٌ ولَكِنَّهُ لا يُصِيبُهُ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُبْعِدَهُ اللَّهُ وقَدْ رُوِيَ أيْضًا في قِصَّتِهِ بِأنْ يَأْمُرَهُ بِمُبارَحَةِ دِيارِ قَوْمِهِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ:
الأعراف 7:71
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾
جاوَبُوا هُودًا بِما أنْبَأ عَنْ ضَياعِ حُجَّتِهِ في جَنْبِ ضَلالَةِ عُقُولِهِمْ ومُكابَرَةِ نُفُوسِهِمْ، ولِذَلِكَ أعادُوا تَكْذِيبَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى دَعْوَتِهِ لِلتَّوْحِيدِ، وهَذا الجَوابُ أقَلُّ جَفْوَةً وغِلْظَةً مِن جَوابِهِمُ الأوَّلِ، إذْ قالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] كَأنَّهم رامُوا اسْتِنْزالَ نَفْسِ هُودٍ ومُحاوَلَةَ إرْجاعِهِ عَمّا دَعاهم إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى الإنْكارِ وذَكَّرُوهُ بِأنَّ الأمْرَ الَّذِي أنْكَرَهُ هو دِينُ آباءِ الجَمِيعِ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ سَفَّهَ آباءَهُ، وهَذا المَقْصِدُ هو الَّذِي اقْتَضى التَّعْبِيرَ عَنْ دَيْنِهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِمْ ﴿ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ إيماءً إلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِ وإلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِمُتابَعَةِ دِينِ آبائِهِ، كَما قالَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي طالِبٍ حِينَ
صفحة ٢٠٨
دَعاهُ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ عِنْدَ احْتِضارِهِ فَقالُوا لِأبِي طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةٍ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
واجْتِلابُ (كانَ) لِتَدُلَّ عَلى أنَّ عِبادَتَهم أمْرٌ قَدِيمٌ مَضَتْ عَلَيْهِ العُصُورُ.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ وكَوْنُهُ مُضارِعًا في قَوْلِهِ يَعْبُدُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مِن آبائِهِمْ ومُتَجَدِّدٌ وأنَّهم لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ.
ومَعْنى أجِئْتَنا أقَصَدْتَ واهْتَمَمْتَ بِنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ فاسْتُعِيرَ فِعْلُ المَجِيءِ لِمَعْنى الِاهْتِمامِ والتَّحَفُّزِ والتَّصَلُّبِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: ذَهَبَ يَفْعَلُ، وفي القُرْآنِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ١] وقالَ حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢] وفِرْعَوْنُ لَمْ يُفارِقْ مَجْلِسَ مُلْكِهِ وإنَّما أُرِيدَ أنَّهُ أعْرَضَ واهْتَمَّ ومِثْلُهُ قَوْلُهم ذَهَبَ يَفْعَلُ كَذا قالَ النَّبَهانِيُّ: فَإنْ
كُنْتَ سَيِّدَنَـا سُـدْتَـنَـا وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ
فَقَصَدُوا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ المَجِيءِ زِيادَةَ الإنْكارِ عَلَيْهِ وتَسْفِيهَهُ عَلى اهْتِمامِهِ بِأمْرٍ مِثْلِ ما دَعاهم إلَيْهِ.
ووَحْدَهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ أوْحَدَهُ: إذا اعْتَقَدَهُ واحِدًا، فَقِياسُ المَصْدَرِ الإيحادُ، وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى الحالِ: إمّا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ عِنْدَ الجُمْهُورِ أيْ مُوَحَّدًا أيْ مَحْكُومًا لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وقالَ يُونُسُ: هو بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُوَحِّدِينَ لَهُ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لِنَعْبُدَ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى: ونَذَرَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ لِتَفْرِيعِ طَلَبِ تَحْقِيقِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ، وتَحَدِّيًا لِهُودٍ، وإشْعارًا لَهُ بِأنَّهم مُوقِنُونَ بِأنْ لا صِدْقَ لِلْوَعِيدِ الَّذِي يَتَوَعَّدُهم
صفحة ٢٠٩
فَلا يَخْشَوْنَ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِمْ فَأْتِنا لِلتَّعْجِيزِ.
والإتْيانُ بِالشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ أنْ يَجِيءَ مُصاحِبًا إيّاهُ، ويُسْتَعْمَلَ مَجازًا في الإحْضارِ والإثْباتِ كَما هُنا. والمَعْنى فَعَجِّلْ لَنا ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ، أوْ فَحَقِّقْ لَنا ما زَعَمْتَ مِن وعِيدِنا. ونَظِيرُهُ الفِعْلُ المُشْتَقُّ مِنَ المَجِيءِ مِثْلُ: (﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] - الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ) .
وأسْنَدُوا الفِعْلَ إلى ضَمِيرِهِ تَعْرِيضًا بِأنَّ ما تَوَعَّدَهم بِهِ هو شَيْءٌ مِن مُخْتَلَقاتِهِ ولَيْسَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مِنهُمُ الإقْلاعَ عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِطَلَبِ الضَّلالِ في زَعْمِهِمْ.
والوَعْدُ الَّذِي أرادُوهُ وعْدٌ بِالشَّرِّ، وهو الوَعِيدُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُفِيدُ أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِسُوءٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا ضِمْنِيًّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] لِأنَّ إنْكارَهُ عَلَيْهِمِ انْتِفاءَ الِاتِّقاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ثَمَّةَ ما يُحَذَّرُ مِنهُ، ولِأجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُعَيِّنُوا وعِيدًا في كَلامِهِمْ بَلْ أبْهَمُوهُ بِقَوْلِهِمْ بِما تَعِدُنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَعِيدُ تَعْرِيضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] المُؤْذِنِ بِأنَّ اللَّهَ اسْتَأْصَلَ قَوْمَ نُوحٍ وأخْلَفَهم بِعادٍ، فَيُوشِكُ أنْ يَسْتَأْصِلَ عادًا ويُخْلِفَهم بِغَيْرِهِمْ.
وعَقَّبُوا كَلامَهم بِالشَّرْطِ فَقالُوا: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ اسْتِقْصاءً لِمَقْدِرَتِهِ قَصْدًا مِنهم لِإظْهارِ عَجْزِهِ عَنِ الإتْيانِ بِالعَذابِ فَلا يَسَعُهُ إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ كاذِبٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ: أتَيْتَ بِهِ وإلّا فَلَسْتَ بِصادِقٍ.
فَأجابَهم بِأنْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم وقَعَ عَلَيْهِمْ رِجْسٌ مِنَ اللَّهِ.
والأظْهَرُ أنَّ: وقَعَ مَعْناهُ حَقَّ وثَبَتَ، مِن قَوْلِهِمْ لِلْأمْرِ المُحَقَّقِ: هَذا واقِعٌ، وقَوْلِهِمْ لِلْأمْرِ المَكْذُوبِ: هَذا غَيْرُ واقِعٍ فالمَعْنى حَقَّ وقُدِّرَ
صفحة ٢١٠
عَلَيْكم رِجْسٌ وغَضَبٌ. فالرِّجْسُ هو الشَّيْءُ الخَبِيثُ، أُطْلِقَ هُنا مَجازًا عَلى خُبْثِ الباطِنِ، أيْ فَسادِ النَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] . والمَعْنى: أصابَ اللَّهُ نُفُوسَهم بِالفَسادِ لِكُفْرِهِمْ فَلا يَقْبَلُونَ الخَيْرَ ولا يَصِيرُونَ إلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ الرِّجْسَ هُنا بِاللَّعْنَةِ، والجُمْهُورُ فَسَّرُوا الرِّجْسَ هُنا بِالعَذابِ، فَيَكُونُ فِعْلُ وقَعَ مِنِ اسْتِعْمالِ صِيغَةِ المُضِيِّ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، إشْعارًا بِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ ؟ ومِنهم مَن فَسَّرَ الرِّجْسَ بِالسَّخَطِ، وفَسَّرَ الغَضَبَ بِالعَذابِ، عَلى أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ العَذابَ أثَرُ الغَضَبِ، وقَدْ أخْبَرَ هُودٌ بِذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ بِوَحْيٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ مِن حِينِ أرْسَلَهُ اللَّهُ، إذْ أعْلَمَهُ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنِ الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ يُبَلِّغَهُمُ الحُجَّةَ فَإنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمْ عَلامَةٌ عَلى أنَّ خُبْثَ قُلُوبِهِمْ مُتَمَكِّنٌ لا يَزُولُ، ولا يُرْجى مِنهم إيمانٌ، كَما قالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] .
وغَضَبُ اللَّهِ تَقْدِيرُهُ: الإبْعادُ والعُقُوبَةُ والتَّحْقِيرُ، وهي آثارُ الغَضَبِ في الحَوادِثِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الغَضَبِ: انْفِعالٌ تَنْشَأُ عَنْهُ كَراهِيَةُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ وإبْعادُهُ وإضْرارُهُ.
وتَأْخِيرُ الغَضَبِ عَنِ الرِّجْسِ لِأنَّ الرِّجْسَ، وهو خُبْثُ نُفُوسِهِمْ، قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ فَطَرَهم عَلى خُبْثٍ بِحَيْثُ كانَ اسْتِمْرارُهم عَلى الضَّلالِ أمْرًا جِبِلِّيًّا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ. فَوُقُوعُ الرِّجْسِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ حاصِلٌ في الزَّمَنِ الماضِي بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ قَوْلِ هُودٍ. واقْتِرانُهُ بِقَدْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ: مِثْلُ قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ.
وتَقْدِيمُ: ﴿عَلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلى فاعِلِ الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ بِتَعْجِيلِ ذِكْرِ المَغْضُوبِ والغاضِبِ، إيقاظًا لِبَصائِرِهِمْ لَعَلَّهم يُبادِرُونَ بِالتَّوْبَةِ، ولِأنَّ المَجْرُورَيْنِ مُتَعَلِّقانِ بِالفِعْلِ فَناسَبَ إيلاؤُهُما إيّاهُ، ولَوْ ذُكِرا بَعْدَ الفاعِلِ
صفحة ٢١١
لَتُوُهِّمَ أنَّهُما صِفَتانِ لَهُ. وقُدِّمَ المَجْرُورُ الَّذِي هو ضَمِيرُهم، عَلى الَّذِي هو وصْفُ رَبِّهِمْ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ بِالفِعْلِ.
ولَمّا قَدَّمَ إنْذارَهم بِغَضَبِ اللَّهِ عادَ إلى الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنْ يُجادِلُوا في شَأْنِ أصْنامِهِمْ.
والمُجادَلَةُ: المُحاجَّةُ.
وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِأنَّها أسْماءٌ، أيْ هي مُجَرَّدُ أسْماءٍ لَيْسَتْ لَها الحَقائِقُ الَّتِي اعْتَقَدُوها ووَضَعُوا لَها الأسْماءَ لِأجْلِ اسْتِحْضارِها، فَبِذَلِكَ كانَتْ تِلْكَ الأسْماءُ المَوْضُوعَةُ مُجَرَّدَ ألْفاظٍ، لِانْتِفاءِ الحَقائِقِ الَّتِي وضَعُوا الأسْماءَ لِأجْلِها. فَإنَّ الأسْماءَ تُوضَعُ لِلْمُسَمَّياتِ المَقْصُودَةِ مِنَ التَّسْمِيَةِ، وهم إنَّما وضَعُوا لَها الأسْماءَ واهْتَمُّوا بِها بِاعْتِبارِ كَوْنِ الإلَهِيَّةِ جُزْءًا مِنَ المُسَمّى المَوْضُوعِ لَهُ الِاسْمُ، وهو الدّاعِي إلى التَّسْمِيَةِ، فَمَعانِي الإلَهِيَّةِ وما يَتْبَعُها مُلاحَظَةٌ لِمَن وضَعَ تِلْكَ الأسْماءَ، فَلَمّا كانَتِ المَعانِي المَقْصُودَةُ مِن تِلْكَ الأسْماءِ مُنْتَفِيَةً كانَتِ الأسْماءُ لا مُسَمَّياتٍ لَها بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، سَواءٌ في ذَلِكَ ما كانَ مِنها لَهُ ذَواتٌ وأجْسامٌ كالتَّماثِيلِ والأنْصابِ، وما لَمْ تَكُنْ لَهُ ذاتٌ، فَلَعَلَّ بَعْضَ آلِهَةِ عادٍ كانَ مُجَرَّدَ اسْمٍ يَذْكُرُونَهُ بِالإلَهِيَّةِ ولا يَجْعَلُونَ لَهُ تِمْثالًا ولا نُصُبًا، مِثْلُ ما كانَتِ العُزّى عِنْدَ العَرَبِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا لَها بَيْتًا ولَمْ يَجْعَلُوا لَها نُصُبًا، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] .
وذَكَرَ أهْلُ الأخْبارِ أنَّ عادًا اتَّخَذُوا أصْنامًا ثَلاثَةً وهي صَمُودٌ بِفَتْحِ الصّادِ المُهْمَلَةِ بِوَزْنِ زَبُورٍ.
وصُداءُ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ مَضْبُوطًا بِخَطِّ الهَمَذانِيِّ مُحْشِي الكَشّافِ في نُسْخَةٍ مِن حاشِيَتِهِ المُسَمّاةِ تَوْضِيحَ المُشْكِلاتِ ومَنسُوخَةٌ بِخَطِّهِ، وبِدالٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَها ألِفٌ ولَمْ أقِفْ عَلى ضَبْطِ الدّالِ بِالتَّشْدِيدِ أوْ بِالتَّخْفِيفِ:
صفحة ٢١٢
وقَدْ رَأيْتُ في نُسْخَةٍ مِنَ الكَشّافِ مَخْطُوطَةً مَوْضُوعًا عَلى الدّالِ عَلامَةُ شَدٍّ، ولَسْتُ عَلى تَمامِ الثِّقَةِ بِصِحَّةِ النُّسْخَةِ، وبَعْدَ الألْفِ هَمْزَةٌ كَما هو في نُسَخِ الكَشّافِ وتَفْسِيرٍ البَغَوِيِّ، وكَذَلِكَ هو في أبْياتٍ مَوْضُوعَةٍ في قِصَّةِ قَوْمِ عادٍ في كُتُبِ القِصَصِ. ووَقَعَ في نُسْخَةِ تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وفي مُرُوجِ الذَّهَبِ لِلْمَسْعُودِيِّ، وفي نُسْخَةٍ مِن شَرْحِ ابْنِ بَدْرُونٍ عَلى قَصِيدَةِ ابْنِ عَبْدُونٍ الأنْدَلُسِيُّ بِدُونِ هَمْزَةٍ بَعْدَ الألْفِ.
والهَباءُ بِالمَدِّ في آخِرِهِ مَضْبُوطًا بِخَطِّ الهَمَذانِيِّ في نُسْخَةِ حاشِيَتِهِ عَلى الكَشّافِ، وفي نُسْخَةِ الكَشّافِ المَطْبُوعَةِ، وفي تَفْسِيرَيِ البَغَوِيِّ والخازِنِ، وفي الأبْياتِ المَذْكُورَةِ آنِفًا. ووَقَعَ في نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ مِنَ الكَشّافِ بِألْفٍ دُونَ مَدٍّ. ولَمْ أقِفْ عَلى ضَبْطِ الهاءِ، ولَمْ أرَ ذِكْرَ صُداءَ والهَباءِ فِيما رَأيْتُ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ.
وعُطِفَ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ: وآباؤُكم لِأنَّ مِن آبائِهِمْ مَن وضَعَ لَهم تِلْكَ الأسْماءَ، فالواضِعُونَ وضَعُوا وسَمَّوْا، والمُقَلِّدُونَ سَمَّوْا ولَمْ يَضَعُوا، واشْتَرَكَ الفَرِيقانِ في أنَّهم يَذْكُرُونَ أسْماءً لا مُسَمَّياتِ لَها.
وسَمَّيْتُمُوها مَعْناهُ: ذَكَّرْتُمُوها بِألْسِنَتِكم، كَما يُقالُ: سَمِّ اللَّهَ، أيِ اذْكُرِ اسْمَهُ، فَيَكُونُ سَمّى بِمَعْنى ذَكَرَ لَفْظَ الِاسْمِ، والألْفاظُ كُلُّها أسْماءٌ لِمَدْلُولاتِها، وأصْلُ اللُّغَةِ أسْماءٌ قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١]، وقالَ لَبِيدٌ:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامُ عَلَيْكُما
أيْ لَفْظُهُ.
ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّسْمِيَةِ في الآيَةِ وضْعَ الِاسْمِ لِلْمُسَمّى، كَما يُقالُ: سَمَّيْتُ ولَدِي كَذا، لِأنَّ المُخاطَبِينَ وكَثِيرًا مِن آبائِهِمْ لا حَظَّ لَهم في تَسْمِيَةِ الأصْنامِ، وإنَّما ذَلِكَ مِن فِعْلِ بَعْضِ الآباءِ وهُمُ الَّذِينَ انْتَحَلُوا الشِّرْكَ واتَّخَذُوهُ دِينًا وعَلَّمُوهُ أبْناءَهم وقَوْمَهم، ولِأجْلِ هَذا المَعْنى المَقْصُودِ مِنَ التَّسْمِيَةِ لَمْ يُذْكَرْ لِفِعْلِ: سَمَّيْتُمْ مَفْعُولٌ ثانٍ ولا مُتَعَلِّقٌ، بَلِ اقْتُصِرَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
صفحة ٢١٣
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ الَّتِي يُصَدِّقُ بِها المُخالِفُ، سُمِّيَتْ سُلْطانًا لِأنَّها تَتَسَلَّطُ عَلى نَفْسِ المَعارِضِ وتُقْنِعُهُ، ونَفى أنَ تَكُونَ الحُجَّةُ مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ لِأنَّ شَأْنَ الحُجَّةِ في مِثْلِ هَذا أنْ يَكُونَ مُخْبَرًا بِها مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ أُمُورَ الغَيْبِ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. وأعْظَمُ المُغَيَّباتِ ثُبُوتُ الإلَهِيَّةِ لِأنَّهُ قَدْ يَقْصِرُ العَمَلُ عَنْ إدْراكِها فَمِن شَأْنِها أنْ تُتَلَقّى مِن قِبَلِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فانْظُرُوا لِتَفْرِيعِ هَذا الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ السّابِقِ، لِأنَّ وُقُوعَ الغَضَبِ والرِّجْسِ عَلَيْهِمْ، ومُكابَرَتَهم واحْتِجاجَهم لِما لا حُجَّةَ لَهُ، يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ التَّهْدِيدُ بِانْتِظارِ العَذابِ.
وصِيغَةُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ مِثْلُ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، والِانْتِظارُ افْتِعالٌ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى التَّرَقُّبِ، كَأنَّ المُخاطَبَ أُمِرَ بِالتَّرَقُّبِ فارْتَقَبَ.
ومَفْعُولُ: انْتَظِرُوا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ أيْ فانْتَظَرُوا عِقابًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ تَهْدِيدَهُ إيّاهم يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِهِمْ أنْ يَقُولُوا: إذا كُنّا نَنْتَظِرُ العَذابَ فَماذا يَكُونُ حالُكَ، فَبَيَّنَ أنَّهُ يَنْتَظِرُ مَعَهم، وهَذا مَقامُ أدَبٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى تَلْقِينًا لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] فَهُودٌ يَخافُ أنْ يَشْمَلَهُ العَذابُ النّازِلُ بِقَوْمِهِ وذَلِكَ جائِزٌ كَما في الحَدِيثِ: أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: ”أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ“ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ. وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» ويَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ ويَراهُ هُودٌ ولَكِنَّهُ لا يُصِيبُهُ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في قِصَّتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُبْعِدَهُ اللَّهُ وقَدْ رُوِيَ أيْضًا في قِصَّتِهِ بِأنْ يَأْمُرَهُ بِمُبارَحَةِ دِيارِ قَوْمِهِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ:
الأعراف 7:72
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾
صفحة ٢١٤
الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ: أيْ فَعَجَّلَ اللَّهُ اسْتِئْصالَ عادٍ ونَجّى هُودًا والَّذِينَ مَعَهُ أيِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِهِ، فالمُعَقَّبُ بِهِ هو قَطْعُ دابِرِ عادٍ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ النَّظْمُ هَكَذا: فَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا إلَخْ ونَجَّيْنا هُودًا إلَخْ، ولَكِنْ جَرى النَّظْمُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلِاهْتِمامِ بِتَعْجِيلِ الإخْبارِ بِنَجاةِ هُودٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ، عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْتُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٦٤] في قِصَّةِ نُوحٍ المُتَقَدِّمَةِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَعْرِيفِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٦٤] . والَّذِينَ مَعَهُ هم مَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ، فالمَعِيَّةُ هي المُصاحِبَةُ في الدِّينِ، وهي مَعِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ هُودًا ومَن مَعَهُ بِالهِجْرَةِ إلى مَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَحُلَّ العَذابُ بِعادٍ، وإنَّهُ تُوُفِّيَ هُنالِكَ ودُفِنَ في الحِجْرِ ولا أحْسَبُ هَذا ثابِتًا لِأنَّ مَكَّةَ إنَّما بَناها إبْراهِيمُ وظاهِرُ القُرْآنِ في سُورَةِ هُودٍ أنَّ بَيْنَ عادٍ وإبْراهِيمَ زَمَنًا طَوِيلًا لِأنَّهُ حَكى عَنْ شُعَيْبٍ قَوْلَهُ لِقَوْمِهِ ﴿أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] فَهو ظاهِرٌ في أنَّ عادًا وثَمُودًا كانُوا بَعِيدِينَ مِن زَمَنِ شُعَيْبٍ وأنَّ قَوْمَ لُوطٍ غَيْرُ بَعِيدِينَ، والبُعْدُ مُرادٌ بِهِ بُعْدُ الزَّمانِ، لِأنَّ أمْكِنَةَ الجَمِيعِ مُتَقارِبَةٌ، وكانَ لُوطٌ في زَمَنِ إبْراهِيمَ فالأوْلى أنْ لا نُعَيِّنَ كَيْفِيَّةَ إنْجاءِ هُودٍ ومَن مَعَهُ. والأظْهَرُ أنَّها بِالأمْرِ بِالهِجْرَةِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ عَنِ العَذابِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ قَبْرَ هُودٍ بِحَضْرَمَوْتَ وهَذا أقْرَبُ.
وقَوْلُهُ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ الباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وتَنْكِيرُ رَحْمَةٍ لِلتَّعْظِيمِ، وكَذَلِكَ وصَفُها بِأنَّها مِنَ اللَّهِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِها، ومِن لِلِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: فَأنْجَيْناهُ ورَحِمْناهُ، فَكانَتِ الرَّحْمَةُ مُصاحِبَةً لَهم إذْ كانُوا بِمَحَلِّ اللُّطْفِ والرِّفْقِ حَيْثُما حَلُّوا إلى انْقِضاءِ آجالِهِمْ، ومَوْقِعُ (مِنّا) عَلى هَذا الوَجْهِ مَوْقِعٌ رَشِيقٌ جِدًّا يُؤْذِنُ بِأنَّ الرَّحْمَةَ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ عَنْهم كَقَوْلِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] .
صفحة ٢١٥
وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَدْ أرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الدَّبُّورَ فَأفْناهم جَمِيعًا ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ أنْجاهُمُ اللَّهُ مِنهم لَمْ يَكُنْ لَهم نَسْلٌ. وأمّا الآيَةُ فَلا تَقْتَضِي إلّا انْقِراضَ نَسْلِ الَّذِينَ كَذَّبُوا ونَزَلَ بِهِمُ العَذابُ والتَّعْرِيفُ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٦٤] في قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا، فَهو لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو قَطْعُ دابِرِهِمْ.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا فَهو مِنَ الصِّلَةِ، وفائِدَةُ عَطْفِهِ الإشارَةُ إلى أنَّ كِلْتا الصِّلَتَيْنِ مُوجِبٌ لَقَطْعِ دابِرِهِمْ: وهُما التَّكْذِيبُ والإشْراكُ تَعْرِيضًا بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ولِمَوْعِظَتِهِمْ ذُكِرَتْ هَذِهِ القَصَصُ. وقَدْ كانَ ما حَلَّ بِعادٍ مِنَ الِاسْتِئْصالِ تَطْهِيرًا أوَّلَ لِبَلاءِ العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ، وقَطْعًا لِدابِرِ الضَّلالِ مِنها في أوَّلِ عُصُورِ عُمْرانِها، إعْدادًا لِما أرادَ اللَّهُ تَعالى مِنِ انْبِثاقِ نُورِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فِيها.
الأعراف 7:73
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ وقَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةٌ فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ الواوُ في قَوْلِهِ ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ مِثْلُها في قَوْلِهِ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] . وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَفْسِيرِها إلى قَوْلِهِ تَعالى (مِن إلَهٍ غَيْرُهُ)
وثَمُودُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ وهم أبْناءُ ثَمُودَ بْنِ جاثِرَ - بِجِيمٍ ومُثَلَّثَةٍ كَما في القامُوسِ - بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ فَيَلْتَقُونَ مَعَ عادٍ في ”إرَمَ“
صفحة ٢١٦
وكانَتْ مَساكِنُهم بِالحِجْرِ - بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ - بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، وهو المَكانُ المُسَمّى الآنَ مَدائِنُ صالِحٍ وسُمِّي في حَدِيثِ غَزْوَةِ تَبُوكٍ: حَجْرَ ثَمُودٍ.
وصالِحٌ هو ابْنُ عَبِيلٍ - بِلامٍ في آخِرِهِ وبِفَتْحِ العَيْنِ - ابْنِ آسِفَ بْنِ ماشِجَ أوْ شالِخَ بْنِ عَبِيلِ بْنِ جاثِرَ - ويُقالُ كاثِرَ - ابْنِ ثَمُودَ. وفي بَعْضِ هَذِهِ الأسْماءِ اخْتِلافٌ في حُرُوفِها في كُتُبِ التّارِيخِ وغَيْرِها أحْسَبُهُ مِنَ التَّحْرِيفِ وهي غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ سِوى عَبِيلٍ فَإنَّهُ مَضْبُوطٌ في سَمِيِّهِ الَّذِي هو جَدُّ قَبِيلَةٍ، كَما في القامُوسِ.
وثَمُودُ هُنا مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ القَبِيلَةُ لا جَدُّها. وأسْماءُ القَبائِلِ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ مَعَ العَلَمِيَّةِ وهو الغالِبُ في القُرْآنِ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ آياتِ القُرْآنِ مَصْرُوفًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٨] عَلى اعْتِبارِ الحَيِّ فَيَنْتَفِي مُوجِبُ مَنعِ الصَّرْفِ لِأنَّ الِاسْمَ عَرَبِيٌّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ثَمُودَ كانُوا مُشْرِكِينَ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في آياتِ سُورَةِ هُودٍ وغَيْرِها. والظّاهِرُ أنَّهم عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي عَبَدَتْها عادٌ لِأنَّ ثَمُودَ وعادًا أبْناءُ نَسَبٍ واحِدٍ، فَيُشْبِهُ أنْ تَكُونَ عَقائِدُهم مُتَماثِلَةٌ. وقَدْ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ ثَمُودَ قامَتْ بَعْدَ عادٍ فَنَمَتْ وعَظُمَتْ واتَّسَعَتْ حَضارَتُها، وكانُوا مُوَحِّدِينَ، ولَعَلَّهُمُ اتَّعَظُوا بِما حَلَّ بِعادٍ، ثُمَّ طالَتْ مُدَّتُهم ونَعِمْ عَيْشُهم فَعَتَوْا ونَسُوا نِعْمَةَ اللَّهِ وعَبَدُوا الأصْنامَ فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ صالِحًا رَسُولًا يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ فَلَمْ يَتْبَعْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم مُسْتَضْعَفُونَ، وعَصاهُ سادَتُهم وكُبَراؤُهم، وذَكَرَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ أنَّ قَوْمَهُ لَمْ يُغْلِظُوا لَهُ القَوْلَ كَما أغْلَظَتْ قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ هُودٍ لِرَسُولِهِمْ، فَقَدْ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] . وتَدُلُّ آياتُ القُرْآنِ وما فُسِّرَتْ بِهِ مِنَ القَصَصِ عَلى أنَّ صالِحًا أجَلَّهم مُدَّةً لِلتَّأمُّلِ وجَعَلَ النّاقَةَ لَهم آيَةً، وأنَّهم تارِكُوها ولَمْ يُهَيِّجُوها زَمَنًا طَوِيلًا.
صفحة ٢١٧
فَقَدْ أشْعَرَتْ مُجادَلَتُهم صالِحًا في أمْرِ الدِّينِ عَلى أنَّ التَّعَقُّلَ في المُجادَلَةِ أخَذَ يَدُبُّ في نُفُوسِ البَشَرِ، وأنَّ غَلْواءَهم في المُكابَرَةِ أخَذَتْ تَقْصُرُ؛ وأنَّ قَناةَ بِأْسِهِمْ ابْتَدَأتْ تَلِينُ، لِلْفَرْقِ الواضِحِ بَيْنَ جَوابِ قَوْمٍ نُوحٍ وقَوْمِ هُودٍ، وبَيْنَ جَوابِ قَوْمِ صالِحٍ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ أمْهَلَهُمُ اللَّهُ ومادَّهم لِيَنْظُرُوا ويُفَكِّرُوا فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ نَبِيُّهم ولِيَزِنُوا أمْرَهم، وجَعَلَ لَهُمُ الِانْكِفافَ عَنْ مَسِّ النّاقَةِ بِسُوءٍ عَلامَةً عَلى امْتِدادِ الإمْهالِ لِأنَّ انْكِفافَهم ذَلِكَ عَلامَةٌ عَلى أنَّ نُفُوسَهم لَمْ تُحْنِقْ عَلى رَسُولِهِمْ، فَرَجاؤُهُ إيمانَهم مُسْتَمِرٌّ، والإمْهالُ لَهم أقْطَعُ لِعُذْرِهِمْ، وأنْهَضُ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ أخَّرَ اللَّهُ العَذابَ عَنْهم إكْرامًا لِنَبِيِّهِمُ الحَرِيصِ عَلى إيمانِهِمْ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، كَما قالَ تَعالى لِنُوحٍ: أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ.
وجُمْلَةُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ إلَخْ، هي مِن مَقُولِ صالِحٍ في وقْتٍ غَيْرِ الوَقْتِ الَّذِي ابْتَدَأ فِيهِ بِالدَّعْوَةِ، لِأنَّهُ قَدْ طُوِيَ هُنا جَوابُ قَوْمِهِ وسُؤالُهم إيّاهُ آيَةً كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُ سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الشُّعَراءِ، فَفي سُورَةِ هُودٍ: ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] الآيَةَ، وفي سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِأيَّةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] الآيَة.
فَجُمْلَةُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: ٥٩]، أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ لِأنَّهُ جَعَلَ لَكم آيَةً عَلى تَصْدِيقِي فِيما بَلَّغْتُ لَكم، وعَلى انْفِرادِهِ بِالتَّصَرُّفِ في المَخْلُوقاتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ النّاقَةَ كانَتْ حاضِرَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ لِأنَّها نَفْسُ الآيَةِ.
صفحة ٢١٨
والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ عَلى صِدْقِ الدَّعْوى، فَهي تَرادُفُ الآيَةَ، وقَدْ عُبِّرَ بِها عَنِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] .
وهَذِهِ إشارَةٌ إلى النّاقَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ آيَةً لِصِدْقِ صالِحٍ ولَمّا كانَتِ النّاقَةُ هي البَيِّنَةُ كانَتْ جُمْلَةُ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ مُنَزَّلَةً مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ عَطْفِ البَيانِ.
وقَوْلُهُ آيَةً حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ، واقْتِرانُهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ يُقَوِّي شَبَهَهُ بِالفِعْلِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ عامِلًا في الحالِ بِالِاتِّفاقِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ﴾ [آل عمران: ٥٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وسَنَذْكُرُ قِصَّةً في هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في سُورَةِ هُودٍ.
وأُكِّدَتْ جُمْلَةُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ﴾، وزادَتْ عَلى التَّأْكِيدِ إفادَةُ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ لَكم مِنَ التَّخْصِيصِ وتَثْبِيتِ أنَّها آيَةٌ، وذَلِكَ مَعْنى اللّامِ، أيْ هي آيَةٌ مُقْنِعَةٌ لَكم ومَجْعُولَةٌ لِأجْلِكم.
فَقَوْلُهُ: لَكم ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن آيَةً، وأصْلُهُ صِفَةٌ فَلَمّا قُدِّمَ عَلى مَوْصُوفِهِ صارَ حالًا، وتَقْدِيمُهُ لِلِاهْتِمامِ بِأنَّها كافِيَةٌ لَهم عَلى ما فِيهِمْ مِن عِنادٍ.
وإضافَةُ ناقَةٍ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى تَشْرِيفٌ لَها لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِالإحْسانِ إلَيْها وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ، وعَظَّمَ حُرْمَتَها، كَما يُقالُ: الكَعْبَةُ بَيْتُ اللَّهِ، أوْ لِأنَّها وُجِدَتْ بِكَيْفِيَّةٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ، فَلِانْتِفاءِ ما الشَّأْنُ أنْ تُضافَ إلَيْهِ مِن أسْبابِ وُجُودِ أمْثالِها أُضِيفَتْ إلى اسْمِ الجَلالَةِ كَما قِيلَ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَلِمَةُ اللَّهِ.
وأمّا إضافَةُ: أرْضٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ فالمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ لِلنّاقَةِ حَقًّا في الأكْلِ مِن نَباتِ الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ لِلَّهِ وتِلْكَ النّاقَةُ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَلَها الحَقُّ
صفحة ٢١٩
فِي الِانْتِفاعِ بِما يَصْلُحُ لِانْتِفاعِها.
وقَوْلُهُ هَذا مُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِسُوءٍ يَعُوقُها عَنِ الرَّعْيِ إمّا بِمَوْتٍ أوْ بِجَرْحٍ، وإمّا لِأنَّهم لَمّا كَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا مُعْجِزَتَهُ رامُوا مَنعَ النّاقَةِ مِنَ الرَّعْيِ لِتَمُوتَ جُوعًا عَلى مَعْنى الإلْجاءِ النّاشِئِ عَنِ الجَهالَةِ.
والأرْضُ هَنا مُرادٌ بِها جِنْسُ الأرْضِ كَما تَقْتَضِيهِ الإضافَةُ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سَلامَةَ تِلْكَ النّاقَةِ عَلامَةً عَلى سَلامَتِهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي قَدَّمْتُها آنِفًا، وأنَّ ما أوْصى اللَّهُ بِهِ في شَأْنِها شَبِيهٌ بِالحَرَمِ، وشَبِيهٌ بِحِمى المُلُوكِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِ نُفُوسِ القَوْمِ لِمَن تُنْسَبُ إلَيْهِ تِلْكَ الحُرْمَةُ، ولِذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ لِأنَّهم إذا مَسَّها أحَدٌ بِسُوءٍ، عَنْ رِضًى مِنَ البَقِيَّةِ، فَقَدْ دَلُّوا عَلى أنَّهم خَلَعُوا حُرْمَةَ اللَّهِ تَعالى وحَنِقُوا عَلى رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجُزِمَ تَأْكُلْ عَلى أنَّ أصْلَهُ جَوابُ الأمْرِ بِتَقْدِيرِ: إنْ تَذْرُوها تَأْكُلْ، فالمَعْنى عَلى الرَّفْعِ والِاسْتِعْمالُ عَلى الجَزْمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] أيْ يُقِيمُونَ وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ، ويُشْبِهُ أنَّ أصْلَ جَزْمِ أمْثالِهِ في الكَلامِ العَرَبِيِّ عَلى التَّوَهُّمِ لِوُجُودِ فِعْلِ الطَّلَبِ قَبْلَ فِعْلٍ صالِحٍ لِلْجَزْمِ، ولَعَلَّ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ [الحج: ٢٧] .
وانْتَصَبَ قَوْلُهُ فَيَأْخُذَكم في جَوابِ النَّهْيِ لِيُعْتَبَرَ الجَوابُ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ لِأنَّ حَرْفَ النَّهْيِ لا أثَرَ لَهُ: أيْ إنْ تَمَسُّوها بِسُوءٍ يَأْخُذْكم عَذاب.
وأُنِيطَ النَّهْيُ بِالمَسِّ بِالسُّوءِ لِأنَّ المَسَّ يَصْدُقُ عَلى أقَلِّ اتِّصالِ شَيْءٍ بِالجِسْمِ، فَكُلُّ ما يَنالُها مِمّا يُرادُ مِنهُ السُّوءُ فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَيَوانَ لا يَسُوؤُهُ إلّا ما فِيهِ ألَمٌ لِذاتِهِ، لِأنَّهُ لا يَفْقَهُ المَعانِيَ النَّفْسانِيَّةَ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِسُوءٍ لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ تَمَسُّوها أيْ بِقَصْدِ سُوءٍ.
الأعراف 7:74
صفحة ٢٢٠
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بِيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (اعْبُدُوا اللَّهَ) وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ إلَخْ. والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] .
وبَوَّأكم مَعْناهُ أنْزَلَكم، مُشْتَقٌّ مِنَ البَوْءِ وهو الرُّجُوعُ، لِأنَّ المَرْءَ يَرْجِعُ إلى مَنزِلِهِ ومَسْكَنِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] .
وقَوْلُهُ في الأرْضِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ الأرْضِ لِلْعَهْدِ، أيْ في أرْضِكم هَذِهِ، وهي أرْضُ الحِجْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ لِأنَّهُ لَمّا بَوَّأهم في أرْضٍ مُعَيَّنَةٍ فَقَدْ بَوَّأهم في جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ.
والسُّهُولُ جَمْعُ سَهْلٍ، وهو المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، وضِدُّهُ الجَبَلُ.
والقُصُورُ: جَمْعُ قَصْرٍ وهو المَسْكَنُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُشَيِّدُونَ القُصُورَ، وآثارُهم تَنْطِقُ بِذَلِكَ. و(مِن) في قَوْلِهِ مِن سُهُولِها لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ: تَتَّخِذُونَ في سُهُولِها قُصُورًا.
والنَّحْتُ: بَرْيُ الحَجَرِ والخَشَبِ بِآلَةٍ عَلى تَقْدِيرٍ مَخْصُوصٍ.
والجِبالُ: جَمْعُ جَبَلٍ وهو الأرْضُ النّاتِئَةُ عَلى غَيْرِها مُرْتَفِعَةٌ، والجِبالُ: ضِدُّ السُّهُولِ.
والبُيُوتُ: جَمْعُ بَيْتٍ وهو المَكانُ المُحَدَّدُ المُتَّخَذُ لِلسُّكْنى، سَواءٌ كانَ مَبْنِيًّا مِن حَجَرٍ أمْ كانَ مِن أثْوابِ شَعْرٍ أوْ صُوفٍ. وفِعْلُ النَّحْتِ
صفحة ٢٢١
يَتَعَلَّقُ بِالجِبالِ لِأنَّ النَّحْتَ يَتَعَلَّقُ بِحِجارَةِ الجِبالِ، وانْتَصَبَ (بُيُوتًا) عَلى الحالِ مِنَ الجِبالِ، أيْ صائِرَةً بَعْدَ النَّحْتِ بُيُوتًا، كَما يُقالُ: خِطْ هَذا الثَّوْبَ قَمِيصًا، وابْرِ هَذِهِ القَصَبَةَ قَلَمًا، لِأنَّ الجَبَلَ لا يَكُونُ حالُهُ حالَ البُيُوتِ وقْتَ النَّحْتِ، ولَكِنْ يَصِيرُ بُيُوتًا بَعْدَ النَّحْتِ.
ومَحَلُّ الِامْتِنانِ هو أنْ جَعَلَ مَنازِلَهم قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ صالِحٌ لِلْبِناءِ فِيهِ، وقِسْمٌ صالِحٌ لِنَحْتِ البُيُوتِ، قِيلَ: كانُوا يَسْكُنُونَ في الصَّيْفِ القُصُورَ، وفي الشِّتاءِ البُيُوتَ المَنحُوتَةَ في الجِبالِ.
وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِذِكْرِ آلاءِ اللَّهِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ تَفْرِيعُ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ، لِأنَّهُ أمَرَهم بِذِكْرِ نِعْمَتَيْنِ، ثُمَّ أمَرَهم بِذِكْرِ جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي لا يُحْصُونَها، فَكانَ هَذا بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.
وفِعْلُ: اذْكُرُوا مُشْتَقٌّ مِنَ المَصْدَرِ، الَّذِي هو بِضَمِّ الذّالِ، وهو التَّذَكُّرُ بِالعَقْلِ والنَّظَرِ النَّفْسانِيِّ، وتَذَكُّرُ الآلاءِ يَبْعَثُ عَلى الشُّكْرِ والطّاعَةِ وتَرْكِ الفَسادِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ نَهْيَهم عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ عَلى الأمْرِ بِذِكْرِ آلاءِ اللَّهِ.
ولا تَعْثُوا مَعْناهُ ولا تُفْسِدُوا، يُقالُ: عَثِيَ كَرَضِيَ، وهَذا الأفْصَحُ، ولِذَلِكَ جاءَ في الآيَةِ بِفَتْحِ الثّاءِ حِينَ أُسْنِدَ إلى واوِ الجَماعَةِ، ويُقالُ عَثا يَعْثُو - مِن بابِ سَما - عَثْوًا وهي لُغَةٌ دُونَ الأُولى، وقالَ كُراعٌ، كَأنَّهُ مَقْلُوبُ عاثَ. والعَثْيُ والعَثْوُ كُلُّهُ بِمَعْنى أفْسَدَ أشَدَّ الإفْسادِ.
و(مُفْسِدِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى تَعْثُوا وهو وإنْ كانَ أعَمَّ مِنَ المُؤَكَّدِ فَإنَّ التَّأْكِيدَ يَحْصُلُ بِبَعْضِ مَعْنى المُؤَكَّدِ.
الأعراف 7:75
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾
صفحة ٢٢٢
عَدَلَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ مُجادَلَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى اخْتِبارِ تَصَلُّبِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في إيمانِهِمْ، ومُحاوَلَةِ إلْقاءِ الشَّكِّ في نُفُوسِهِمْ، ولَمّا كانَ خِطابُهم لِلْمُؤْمِنِينَ مَقْصُودًا بِهِ إفْسادُ دَعْوَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ خِطابُهم بِمَنزِلَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ جُمَلِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ، كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ آنِفًا وفِيما مَضى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَلَأِ قَرِيبًا.
ووَصْفُهم بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُنا لِتَفْظِيعِ كِبْرِهِمْ وتَعاظُمِهِمْ عَلى عامَّةِ قَوْمِهِمْ واسْتِذْلالِهِمْ إيّاهم. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما جاءَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم ضُعَفاءُ قَوْمِهِ.
واخْتِيارُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في وصْفِهِمْ ووَصْفِ الآخَرِينَ بِالَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِما تُومِئُ إلَيْهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ صُدُورِ هَذا الكَلامِ مِنهم، أيْ أنَّ اسْتِكْبارَهم هو صارِفُهم عَنْ طاعَةِ نَبِيِّهِمْ، وأنَّ احْتِقارَهُمُ المُؤْمِنِينَ هو الَّذِي لَمْ يُسِغْ عِنْدَهم سَبْقَهم إيّاهم إلى الخَيْرِ والهُدى، كَما حَكى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ قَوْلَهم: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] وكَما حَكى عَنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]، ولِهَذا لَمْ يُوصَفُوا بِالكُفْرِ كَما وُصِفَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ.
والَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هم عامَّةُ النّاسِ الَّذِينَ أذَلَّهم عُظَماؤُهم واسْتَعْبَدُوهم لِأنَّ زَعامَةَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كانَتْ قائِمَةً عَلى السِّيادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الخَلِيَّةِ عَنْ
صفحة ٢٢٣
خِلالِ الفَضِيلَةِ، مِنَ العَدْلِ والرَّأْفَةِ وحُبِّ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ المَلَأُ بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وأُطْلِقَ عَلى العامَّةِ وصْفُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا.
واللّامُ في قَوْلِهِ: (﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ.
وقَوْلُهُ: (﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾) بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي جُرَّ بِمِثْلِهِ المُبَدَلُ مِنهُ.
والِاسْتِفْهامُ في (أتَعْلَمُونَ) لِلتَّشْكِيكِ والإنْكارِ، أيْ: ما نَظُنُّكم آمَنتُمْ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ عِلْمٍ بِصِدْقِهِ، ولَكِنَّكُمُ اتَّبَعْتُمُوهُ عَنْ عَمًى وضَلالٍ غَيْرَ مُوقِنِينَ، كَما قالَ قَوْمُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] وفي ذَلِكَ شَوْبٌ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ.
وقَدْ جِيءَ في جَوابِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم بِمَزِيدِ الثَّباتِ، فَلَمْ يَتْرُكُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مَطْمَعًا في تَشْكِيكِهِمْ، بَلْهَ صَرْفَهم عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِهِمْ.
وأكَّدَ الخَبَرُ بِحَرْفِ إنَّ لِإزالَةِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن شَكِّ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا في صِحَّةِ إيمانِهِمْ، والعُدُولُ في حِكايَةِ جَوابِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا عَنْ أنْ يَكُونَ بِنَعَمْ إلى أنْ يَكُونَ بِالمَوْصُولِ صِلَتُهُ لِأنَّ الصِّلَةَ تَتَضَمَّنُ إدْماجًا بِتَصْدِيقِهِمْ بِما جاءَ بِهِ صالِحٌ مِن نَحْوِ التَّوْحِيدِ وإثْباتِ البَعْثِ والدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِذَلِكَ كُلِّهِ بِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الثَّباتِ والدَّوامِ وهَذا مِن بَلِيغِ الإيجازِ المُناسِبِ لِكَوْنِ نَسْجِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن حِكايَةِ القُرْآنِ لا مِنَ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ إذْ لا يُظَنُّ أنَّ كَلامَهم بَلَغَ مِنَ البَلاغَةِ هَذا المَبْلَغَ، ولَيْسَ هو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما فَهِمَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
ومُراجَعَةُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بِقَوْلِهِمْ: (﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾) تَدُلُّ عَلى تَصَلُّبِهِمْ في كُفْرِهِمْ وثَباتِهِمْ فِيهِ، إذْ صِيغَ كَلامُهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِمْ: (﴿بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ﴾) هو ما أُرْسِلَ بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِرَدِّ ما جَمَعَهُ كَلامُ المُسْتَضْعَفِينَ حِينَ
صفحة ٢٢٤
قالُوا ﴿إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فَهو مِن بَلاغَةِ القُرْآنِ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ ولَيْسَ مِن بَلاغَةِ كَلامِهِمْ.
ثُمَّ إنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورَيْنِ في قَوْلِهِ: (﴿بِما أُرْسِلَ بِهِ﴾)، (وبِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ) عَلى عامِلَيْهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَظْمِ حِكايَةِ كَلامِهِمْ ولَيْسَ لَهُ مُعادِلٌ في كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، وإنَّما هو لِتَتَقَوَّمَ الفاصِلَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَحْكِيِّ: بِأنْ يَكُونَ في كَلامِهِمْ ما دَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ المَوْصُولَيْنِ، فَجاءَ في نَظْمِ الآيَةِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ المَعْمُولَيْنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: قالَ المَلَأُ بِدُونِ عَطْفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِهِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: وقالَ بِحَرْفِ العَطْفِ وثَبَتَتِ الواوُ في المُصْحَفِ المَبْعُوثِ إلى الشّامِ خِلافًا لِطَرِيقَةِ نَظائِرِها، وهو عَطْفٌ عَلى كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: قالُوا ﴿إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: فَآمَنَ بِهِ بَعْضُ قَوْمِهِ، (﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣]) إلَخْ، أوْ هو عَطْفٌ عَلى: قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ الآيَةَ، ومُخالَفَةُ نَظائِرِهِ تَفَنُّنٌ.
الأعراف 7:76
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾
صفحة ٢٢٢
عَدَلَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ مُجادَلَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى اخْتِبارِ تَصَلُّبِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في إيمانِهِمْ، ومُحاوَلَةِ إلْقاءِ الشَّكِّ في نُفُوسِهِمْ، ولَمّا كانَ خِطابُهم لِلْمُؤْمِنِينَ مَقْصُودًا بِهِ إفْسادُ دَعْوَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ خِطابُهم بِمَنزِلَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ جُمَلِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ، كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ آنِفًا وفِيما مَضى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَلَأِ قَرِيبًا.
ووَصْفُهم بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُنا لِتَفْظِيعِ كِبْرِهِمْ وتَعاظُمِهِمْ عَلى عامَّةِ قَوْمِهِمْ واسْتِذْلالِهِمْ إيّاهم. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما جاءَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم ضُعَفاءُ قَوْمِهِ.
واخْتِيارُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في وصْفِهِمْ ووَصْفِ الآخَرِينَ بِالَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِما تُومِئُ إلَيْهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ صُدُورِ هَذا الكَلامِ مِنهم، أيْ أنَّ اسْتِكْبارَهم هو صارِفُهم عَنْ طاعَةِ نَبِيِّهِمْ، وأنَّ احْتِقارَهُمُ المُؤْمِنِينَ هو الَّذِي لَمْ يُسِغْ عِنْدَهم سَبْقَهم إيّاهم إلى الخَيْرِ والهُدى، كَما حَكى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ قَوْلَهم: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] وكَما حَكى عَنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]، ولِهَذا لَمْ يُوصَفُوا بِالكُفْرِ كَما وُصِفَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ.
والَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هم عامَّةُ النّاسِ الَّذِينَ أذَلَّهم عُظَماؤُهم واسْتَعْبَدُوهم لِأنَّ زَعامَةَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كانَتْ قائِمَةً عَلى السِّيادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الخَلِيَّةِ عَنْ
صفحة ٢٢٣
خِلالِ الفَضِيلَةِ، مِنَ العَدْلِ والرَّأْفَةِ وحُبِّ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ المَلَأُ بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وأُطْلِقَ عَلى العامَّةِ وصْفُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا.
واللّامُ في قَوْلِهِ: (﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ.
وقَوْلُهُ: (﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾) بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي جُرَّ بِمِثْلِهِ المُبَدَلُ مِنهُ.
والِاسْتِفْهامُ في (أتَعْلَمُونَ) لِلتَّشْكِيكِ والإنْكارِ، أيْ: ما نَظُنُّكم آمَنتُمْ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ عِلْمٍ بِصِدْقِهِ، ولَكِنَّكُمُ اتَّبَعْتُمُوهُ عَنْ عَمًى وضَلالٍ غَيْرَ مُوقِنِينَ، كَما قالَ قَوْمُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] وفي ذَلِكَ شَوْبٌ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ.
وقَدْ جِيءَ في جَوابِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم بِمَزِيدِ الثَّباتِ، فَلَمْ يَتْرُكُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مَطْمَعًا في تَشْكِيكِهِمْ، بَلْهَ صَرْفَهم عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِهِمْ.
وأكَّدَ الخَبَرُ بِحَرْفِ إنَّ لِإزالَةِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن شَكِّ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا في صِحَّةِ إيمانِهِمْ، والعُدُولُ في حِكايَةِ جَوابِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا عَنْ أنْ يَكُونَ بِنَعَمْ إلى أنْ يَكُونَ بِالمَوْصُولِ صِلَتُهُ لِأنَّ الصِّلَةَ تَتَضَمَّنُ إدْماجًا بِتَصْدِيقِهِمْ بِما جاءَ بِهِ صالِحٌ مِن نَحْوِ التَّوْحِيدِ وإثْباتِ البَعْثِ والدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِذَلِكَ كُلِّهِ بِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الثَّباتِ والدَّوامِ وهَذا مِن بَلِيغِ الإيجازِ المُناسِبِ لِكَوْنِ نَسْجِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن حِكايَةِ القُرْآنِ لا مِنَ المَحْكِيِّ مِن كَلامِهِمْ إذْ لا يُظَنُّ أنَّ كَلامَهم بَلَغَ مِنَ البَلاغَةِ هَذا المَبْلَغَ، ولَيْسَ هو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما فَهِمَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
ومُراجَعَةُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بِقَوْلِهِمْ: (﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾) تَدُلُّ عَلى تَصَلُّبِهِمْ في كُفْرِهِمْ وثَباتِهِمْ فِيهِ، إذْ صِيغَ كَلامُهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِمْ: (﴿بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ﴾) هو ما أُرْسِلَ بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِرَدِّ ما جَمَعَهُ كَلامُ المُسْتَضْعَفِينَ حِينَ
صفحة ٢٢٤
قالُوا ﴿إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فَهو مِن بَلاغَةِ القُرْآنِ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ ولَيْسَ مِن بَلاغَةِ كَلامِهِمْ.
ثُمَّ إنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورَيْنِ في قَوْلِهِ: (﴿بِما أُرْسِلَ بِهِ﴾)، (وبِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ) عَلى عامِلَيْهِما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَظْمِ حِكايَةِ كَلامِهِمْ ولَيْسَ لَهُ مُعادِلٌ في كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ، وإنَّما هو لِتَتَقَوَّمَ الفاصِلَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَحْكِيِّ: بِأنْ يَكُونَ في كَلامِهِمْ ما دَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ المَوْصُولَيْنِ، فَجاءَ في نَظْمِ الآيَةِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ المَعْمُولَيْنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: قالَ المَلَأُ بِدُونِ عَطْفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِهِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: وقالَ بِحَرْفِ العَطْفِ وثَبَتَتِ الواوُ في المُصْحَفِ المَبْعُوثِ إلى الشّامِ خِلافًا لِطَرِيقَةِ نَظائِرِها، وهو عَطْفٌ عَلى كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: قالُوا ﴿إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: فَآمَنَ بِهِ بَعْضُ قَوْمِهِ، (﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٣٣]) إلَخْ، أوْ هو عَطْفٌ عَلى: قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ الآيَةَ، ومُخالَفَةُ نَظائِرِهِ تَفَنُّنٌ.
الأعراف 7:77
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ لِحِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، أيْ قالُوا ذَلِكَ فَعَقَرُوا، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ كانُوا قَدْ صَدَعُوا بِالتَّكْذِيبِ، وصَمَّمُوا عَلَيْهِ، وعَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، فَعَزَمُوا عَلى المَصِيرِ إلى النِّكايَةِ والإغاظَةِ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ بِهِ، ورَسَمُوا لِابْتِداءِ عَمَلِهِمْ أنْ يَعْتَدُوا عَلى النّاقَةِ
صفحة ٢٢٥
الَّتِي جَعَلَها صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم، وأقامَها بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلامَةَ مُوادَعَةٍ ما دامُوا غَيْرَ مُتَعَرِّضِينَ لَها بِسُوءٍ، ومَقْصِدُهم مِن نِيَّتِهِمْ إهْلاكُ النّاقَةِ أنْ يُزِيلُوا آيَةَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يَزِيدَ عَدَدُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّ مُشاهَدَةَ آيَةِ نُبُوءَتِهِ سالِمَةً بَيْنَهم تُثِيرُ في نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنهُمُ الِاسْتِدْلالَ عَلى صِدْقِهِ والِاسْتِئْناسَ لِذَلِكَ بِسُكُوتِ كُبَرائِهِمْ وتَقْرِيرِهِمْ لَها عَلى مَرْعاها وشُرْبِها، ولِأنَّ في اعْتِدائِهِمْ عَلَيْها إيذانًا مِنهم بِتَحْفِيزِهِمْ لِلضِّرارِ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبِمَن آمَنَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ولِيُرُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ بِوَعِيدِهِ إذْ قالَ لَهم: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا) عائِدٌ إلى (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)، وقَدْ أُسْنِدَ العُقْرُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم لِأنَّهُ كانَ عَنْ تَمالُئٍ ورِضًى مِن جَمِيعِ الكُبَراءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، وهَذا كَقَوْلِ النّابِغَةِ في شَأْنِ بَنِي حُنٍّ:
وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً.
وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم.
وذُكِرَ في الأثَرِ: أنَّ الَّذِي تَوَلّى النّاقَةَ رَجُلٌ مِن سادَتِهِمُ اسْمُهُ قُدارُ بِضَمِّ القافِ ودالٍّ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ وراءٍ في آخِرِهِ ابْنُ سالِفٍ. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «ذَكَرَ في خُطْبَتِهِ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ فَقالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عَزِيزٌ عارِمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» .
والعُقْرُ: حَقِيقَتُهُ الجَرْحُ البَلِيغُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ٦٩ ∗∗∗ تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـاعَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ أيْ جَرَحْتَهُ بِاحْتِكاكِ الغَبِيطِ في ظَهْرِهِ مِن مَيْلِهِ إلى جِهَةٍ، ويُطْلَقُ العَقْرُ عَلى قَطْعِ عُضْوِ الحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُهم، عَقَرَ حِمارَ وحْشٍ، أيْ ضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ
صفحة ٢٢٦
فَقَطَعَ مِنهُ عُضْوًا، وكانُوا يَعْقِرُونَ البَعِيرَ المُرادَ نَحْرُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنهُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ الهُرُوبَ عِنْدَ النَّحْرِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ العَقْرُ عَلى النَّحْرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي
وما في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ.
والعُتُوُّ تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبْرِ، وتَعْدِيَتُهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْراضِ.
وأمْرُ رَبِّهِمْ هو ما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِ: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَعُبِّرَ عَنِ النَّهْيِ بِالأمْرِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مَقْصُودٌ مِنهُ الأمْرُ بِفِعْلِ ضِدِّهِ، ولِذَلِكَ يَقُولُ عُلَماءُ الأُصُولِ إنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِضِدِّهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تَحَقُّقُ الكَفِّ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
وأرادُوا: (بِما تَعِدُنا) العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ مُجْمَلًا. وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَخْشَوْنَ شَيْئًا مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ الوَعِيدِ المُجْمَلِ. فالمُرادُ بِما تَتَوَعَّدُنا بِهِ وصِيغَتْ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن مادَّةِ الوَعْدِ لِأنَّهُ أخَفُّ مِن مادَّةِ الوَعِيدِ.
وقَدْ فَرَضُوا كَوْنَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ بِحَرْفِ إنِ الدّالِّ عَلى الشَّكِّ في حُصُولِ الشَّرْطِ. أيْ إنْ كُنْتَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ اللَّهِ فالمُرادُ بِالمُرْسَلِينَ مَن صَدَقَ عَلَيْهِمْ هَذا اللَّقَبُ. وهَؤُلاءِ. لِجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ كَتَصَرُّفاتِ الخَلْقِ، فَإذا أرْسَلَ رَسُولًا ولَمْ يُصَدِّقْهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ غَضِبَ اللَّهُ وانْدَفَعَ إلى إنْزالِ العِقابِ إلَيْهِمْ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الظّالِمِينَ ثُمَّ يَأْخُذَهم مَتى شاءَ.
وجُمْلَةُ (فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾) وبَيْنَ جُمْلَةِ (فَتَوَلّى عَنْهم) أُرِيدُ بِاعْتِراضِها التَّعْجِيلُ بِالخَبَرِ عَنْ نَفاذِ الوَعِيدِ فِيهِمْ بِعَقِبِ عُتُوِّهِمْ، فالتَّعْقِيبُ عُرْفِيٌّ، أيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ العُقْرِ وبَيْنَ الرَّجْفَةِ زَمَنٌ طَوِيلٌ، كانَ بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أيّامٍ، كَما ورَدَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ
صفحة ٢٢٧
﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] .
وأصْلُ الأخْذِ تَناوُلُ شَيْءٍ بِاليَدِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِلْكِ الشَّيْءِ، بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا في القَهْرِ كَقَوْلِهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] وأخْذُ الرَّجْفَةِ: إهْلاكُها إيّاهم وإحاطَتُها بِهِمْ إحاطَةَ الآخِذِ. ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ نَجّى صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعَشَرَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقِيلَ: نَزَلُوا رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ: تَباعَدُوا عَنْ دِيارِ قَوْمِهِمْ بِحَيْثُ يَرَوْنَها، فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وهَلَكُوا عادَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم، وقِيلَ: سَكَنُوا مَكَّةَ وأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دُفِنَ بِها، وهَذا بَعِيدٌ كَما قُلْناهُ في عادٍ، ومِن أهْلِ الأنْسابِ مَن يَقُولُ: إنَّ ثَقِيفًا مِن بَقايا ثَمُودَ، أيْ مِن ذُرِّيَّةِ مَن نَجا مِنهم مِنَ العَذابِ، ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ أنَّ ثَمُودًا انْقَطَعَ دابِرُهم فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنهم بَقِيَّةٌ.
والرَّجْفَةُ: اضْطِرابُ الأرْضِ وارْتِجاجُها، فَتَكُونُ مِن حَوادِثَ سَماوِيَّةٍ كالرِّياحِ العاصِفَةِ والصَّواعِقِ، وتَكُونُ مِن أسْبابٍ أرْضِيَّةٍ كالزَّلازِلِ، فالرَّجْفَةُ اسْمٌ لِلْحالَةِ الحاصِلَةِ، وقَدْ سَمّاها في سُورَةِ هُودٍ بِالصَّيْحَةِ فَعَلِمْنا أنَّ الَّذِي أصابَ ثَمُودَ هو صاعِقَةٌ أوْ صَواعِقُ مُتَوالِيَةٌ رَجَفَتْ أرْضَهم وأهْلَكَتْهم صَعِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُقارِنَها زِلْزالٌ أرْضِيَّةٌ.
والدّارُ: المَكانُ الَّذِي يَحْتَلُّهُ القَوْمُ، وهو يُفْرَدُ ويُجْمَعُ بِاعْتِبارَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] .
فَأصْبَحُوا هُنا بِمَعْنى صارُوا.
والجاثِمُ: المُكِبُّ عَلى صَدْرِهِ في الأرْضِ مَعَ قَبْضِ ساقَيْهِ كَما يَجْثُو الأرْنَبُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ أشَدَّ سُكُونًا وانْقِطاعًا عَنِ اضْطِرابِ الأعْضاءِ اسْتُعْمِلَ في الآيَةِ كِنايَةً عَنْ هُمُودِ الجُثَّةِ بِالمَوْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَشْبِيهَ حالَةِ وُقُوعِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ حِينَ صُعِقُوا بِحالَةِ الجاثِمِ تَفْظِيعًا لِهَيْئَةِ مِيتَتَهم، والمَعْنى أنَّهم
صفحة ٢٢٨
أصْبَحُوا جُثَثًا هامِدَةً مَيِّتَةً عَلى أبْشَعِ مَنظَرٍ لِمَيِّتٍ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ والتَّوَلِّي الِانْصِرافُ عَنْ فِراقٍ وغَضَبٍ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِالشَّيْءِ، وهو هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ أنَّهُ فارَقَ دِيارَ قَوْمِهِ حِينَ عَلِمَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِهِمْ، فَيَكُونُ التَّعْقِيبُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ لِأنَّ ظاهِرَ تَعْقِيبِ التَّوَلِّي عَنْهم وخِطابِهِ إيّاهم أنْ لا يَكُونَ بَعْدَ أنْ تَأْخُذَهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا بِقَرِينَةِ الخِطابِ أيْضًا، أيْ فَأعْرَضَ عَنِ النَّظَرِ إلى القَرْيَةِ بَعْدَ أصابَتِها بِالصّاعِقَةِ، أوْ فَأعْرَضَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ واشْتَغَلَ بِالمُؤْمِنِينَ كَما قالَ تَعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم إلَخْ مُسْتَعْمَلًا في التَّوْبِيخِ لَهم والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في التَّحَسُّرِ أوْ في التَّبَرُّؤِ مِنهم، فَيَكُونُ النِّداءُ تَحَسُّرًا فَلا يَقْتَضِي كَوْنَ أصْحابِ الِاسْمِ المُنادى مِمَّنْ يَعْقِلُ النِّداءَ حِينَئِذٍ، مِثْلُ ما تُنادِي الحَسْرَةَ في: يا حَسْرَةً.
وقَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾) تَفْسِيرُهُ مِثْلُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢]) . واللّامُ في لَقَدْ لامُ القَسَمِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] .
والِاسْتِدْراكُ بِـ لَكِنْ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّبَرُّؤِ مِنَ التَّقْصِيرِ في مُعالَجَةِ كُفْرِهِمْ، سَواءٌ كانَ بِحَيْثُ هم يَسْمَعُونَهُ أمْ كانَ قالَهُ في نَفْسِهِ، فَذَلِكَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِدَفْعِ تَوَهُّمِ تَقْصِيرِ في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ لِانْعِدامِ ظُهُورِ فائِدَةِ الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ، فاسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾، أيْ تَكْرَهُونَ النّاصِحِينَ فَلا تُطِيعُونَهم في نُصْحِهِمْ. لِأنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ، فَأرادَ بِذَلِكَ الكِنايَةَ عَنْ رَفْضِهِمُ النَّصِيحَةَ.
صفحة ٢٢٩
واسْتِعْمالُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: لا تُحِبُّونَ إنْ كانَ في حالِ سَماعِهِمْ قَوْلَهُ فَهو لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ والتَّكْرِيرِ، أيْ لَمْ يَزَلْ هَذا دَأْبُكم فَيَكُونُ ذَلِكَ آخِرَ عِلاجٍ لِإقْلاعِهِمْ إنْ كانَتْ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ لِلْإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ، وإنْ كانَ بَعْدَ انْقِضاءِ سَماعِهِمْ فالمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] .
الأعراف 7:78
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ لِحِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، أيْ قالُوا ذَلِكَ فَعَقَرُوا، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ كانُوا قَدْ صَدَعُوا بِالتَّكْذِيبِ، وصَمَّمُوا عَلَيْهِ، وعَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، فَعَزَمُوا عَلى المَصِيرِ إلى النِّكايَةِ والإغاظَةِ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ بِهِ، ورَسَمُوا لِابْتِداءِ عَمَلِهِمْ أنْ يَعْتَدُوا عَلى النّاقَةِ
صفحة ٢٢٥
الَّتِي جَعَلَها صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم، وأقامَها بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلامَةَ مُوادَعَةٍ ما دامُوا غَيْرَ مُتَعَرِّضِينَ لَها بِسُوءٍ، ومَقْصِدُهم مِن نِيَّتِهِمْ إهْلاكُ النّاقَةِ أنْ يُزِيلُوا آيَةَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يَزِيدَ عَدَدُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّ مُشاهَدَةَ آيَةِ نُبُوءَتِهِ سالِمَةً بَيْنَهم تُثِيرُ في نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنهُمُ الِاسْتِدْلالَ عَلى صِدْقِهِ والِاسْتِئْناسَ لِذَلِكَ بِسُكُوتِ كُبَرائِهِمْ وتَقْرِيرِهِمْ لَها عَلى مَرْعاها وشُرْبِها، ولِأنَّ في اعْتِدائِهِمْ عَلَيْها إيذانًا مِنهم بِتَحْفِيزِهِمْ لِلضِّرارِ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبِمَن آمَنَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ولِيُرُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ بِوَعِيدِهِ إذْ قالَ لَهم: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا) عائِدٌ إلى (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)، وقَدْ أُسْنِدَ العُقْرُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم لِأنَّهُ كانَ عَنْ تَمالُئٍ ورِضًى مِن جَمِيعِ الكُبَراءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، وهَذا كَقَوْلِ النّابِغَةِ في شَأْنِ بَنِي حُنٍّ:
وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً.
وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم.
وذُكِرَ في الأثَرِ: أنَّ الَّذِي تَوَلّى النّاقَةَ رَجُلٌ مِن سادَتِهِمُ اسْمُهُ قُدارُ بِضَمِّ القافِ ودالٍّ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ وراءٍ في آخِرِهِ ابْنُ سالِفٍ. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «ذَكَرَ في خُطْبَتِهِ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ فَقالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عَزِيزٌ عارِمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» .
والعُقْرُ: حَقِيقَتُهُ الجَرْحُ البَلِيغُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ٦٩ ∗∗∗ تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـاعَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ أيْ جَرَحْتَهُ بِاحْتِكاكِ الغَبِيطِ في ظَهْرِهِ مِن مَيْلِهِ إلى جِهَةٍ، ويُطْلَقُ العَقْرُ عَلى قَطْعِ عُضْوِ الحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُهم، عَقَرَ حِمارَ وحْشٍ، أيْ ضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ
صفحة ٢٢٦
فَقَطَعَ مِنهُ عُضْوًا، وكانُوا يَعْقِرُونَ البَعِيرَ المُرادَ نَحْرُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنهُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ الهُرُوبَ عِنْدَ النَّحْرِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ العَقْرُ عَلى النَّحْرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي
وما في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ.
والعُتُوُّ تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبْرِ، وتَعْدِيَتُهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْراضِ.
وأمْرُ رَبِّهِمْ هو ما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِ: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَعُبِّرَ عَنِ النَّهْيِ بِالأمْرِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مَقْصُودٌ مِنهُ الأمْرُ بِفِعْلِ ضِدِّهِ، ولِذَلِكَ يَقُولُ عُلَماءُ الأُصُولِ إنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِضِدِّهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تَحَقُّقُ الكَفِّ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
وأرادُوا: (بِما تَعِدُنا) العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ مُجْمَلًا. وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَخْشَوْنَ شَيْئًا مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ الوَعِيدِ المُجْمَلِ. فالمُرادُ بِما تَتَوَعَّدُنا بِهِ وصِيغَتْ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن مادَّةِ الوَعْدِ لِأنَّهُ أخَفُّ مِن مادَّةِ الوَعِيدِ.
وقَدْ فَرَضُوا كَوْنَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ بِحَرْفِ إنِ الدّالِّ عَلى الشَّكِّ في حُصُولِ الشَّرْطِ. أيْ إنْ كُنْتَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ اللَّهِ فالمُرادُ بِالمُرْسَلِينَ مَن صَدَقَ عَلَيْهِمْ هَذا اللَّقَبُ. وهَؤُلاءِ. لِجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ كَتَصَرُّفاتِ الخَلْقِ، فَإذا أرْسَلَ رَسُولًا ولَمْ يُصَدِّقْهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ غَضِبَ اللَّهُ وانْدَفَعَ إلى إنْزالِ العِقابِ إلَيْهِمْ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الظّالِمِينَ ثُمَّ يَأْخُذَهم مَتى شاءَ.
وجُمْلَةُ (فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾) وبَيْنَ جُمْلَةِ (فَتَوَلّى عَنْهم) أُرِيدُ بِاعْتِراضِها التَّعْجِيلُ بِالخَبَرِ عَنْ نَفاذِ الوَعِيدِ فِيهِمْ بِعَقِبِ عُتُوِّهِمْ، فالتَّعْقِيبُ عُرْفِيٌّ، أيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ العُقْرِ وبَيْنَ الرَّجْفَةِ زَمَنٌ طَوِيلٌ، كانَ بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أيّامٍ، كَما ورَدَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ
صفحة ٢٢٧
﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] .
وأصْلُ الأخْذِ تَناوُلُ شَيْءٍ بِاليَدِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِلْكِ الشَّيْءِ، بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا في القَهْرِ كَقَوْلِهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] وأخْذُ الرَّجْفَةِ: إهْلاكُها إيّاهم وإحاطَتُها بِهِمْ إحاطَةَ الآخِذِ. ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ نَجّى صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعَشَرَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقِيلَ: نَزَلُوا رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ: تَباعَدُوا عَنْ دِيارِ قَوْمِهِمْ بِحَيْثُ يَرَوْنَها، فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وهَلَكُوا عادَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم، وقِيلَ: سَكَنُوا مَكَّةَ وأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دُفِنَ بِها، وهَذا بَعِيدٌ كَما قُلْناهُ في عادٍ، ومِن أهْلِ الأنْسابِ مَن يَقُولُ: إنَّ ثَقِيفًا مِن بَقايا ثَمُودَ، أيْ مِن ذُرِّيَّةِ مَن نَجا مِنهم مِنَ العَذابِ، ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ أنَّ ثَمُودًا انْقَطَعَ دابِرُهم فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنهم بَقِيَّةٌ.
والرَّجْفَةُ: اضْطِرابُ الأرْضِ وارْتِجاجُها، فَتَكُونُ مِن حَوادِثَ سَماوِيَّةٍ كالرِّياحِ العاصِفَةِ والصَّواعِقِ، وتَكُونُ مِن أسْبابٍ أرْضِيَّةٍ كالزَّلازِلِ، فالرَّجْفَةُ اسْمٌ لِلْحالَةِ الحاصِلَةِ، وقَدْ سَمّاها في سُورَةِ هُودٍ بِالصَّيْحَةِ فَعَلِمْنا أنَّ الَّذِي أصابَ ثَمُودَ هو صاعِقَةٌ أوْ صَواعِقُ مُتَوالِيَةٌ رَجَفَتْ أرْضَهم وأهْلَكَتْهم صَعِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُقارِنَها زِلْزالٌ أرْضِيَّةٌ.
والدّارُ: المَكانُ الَّذِي يَحْتَلُّهُ القَوْمُ، وهو يُفْرَدُ ويُجْمَعُ بِاعْتِبارَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] .
فَأصْبَحُوا هُنا بِمَعْنى صارُوا.
والجاثِمُ: المُكِبُّ عَلى صَدْرِهِ في الأرْضِ مَعَ قَبْضِ ساقَيْهِ كَما يَجْثُو الأرْنَبُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ أشَدَّ سُكُونًا وانْقِطاعًا عَنِ اضْطِرابِ الأعْضاءِ اسْتُعْمِلَ في الآيَةِ كِنايَةً عَنْ هُمُودِ الجُثَّةِ بِالمَوْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَشْبِيهَ حالَةِ وُقُوعِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ حِينَ صُعِقُوا بِحالَةِ الجاثِمِ تَفْظِيعًا لِهَيْئَةِ مِيتَتَهم، والمَعْنى أنَّهم
صفحة ٢٢٨
أصْبَحُوا جُثَثًا هامِدَةً مَيِّتَةً عَلى أبْشَعِ مَنظَرٍ لِمَيِّتٍ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ والتَّوَلِّي الِانْصِرافُ عَنْ فِراقٍ وغَضَبٍ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِالشَّيْءِ، وهو هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ أنَّهُ فارَقَ دِيارَ قَوْمِهِ حِينَ عَلِمَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِهِمْ، فَيَكُونُ التَّعْقِيبُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ لِأنَّ ظاهِرَ تَعْقِيبِ التَّوَلِّي عَنْهم وخِطابِهِ إيّاهم أنْ لا يَكُونَ بَعْدَ أنْ تَأْخُذَهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا بِقَرِينَةِ الخِطابِ أيْضًا، أيْ فَأعْرَضَ عَنِ النَّظَرِ إلى القَرْيَةِ بَعْدَ أصابَتِها بِالصّاعِقَةِ، أوْ فَأعْرَضَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ واشْتَغَلَ بِالمُؤْمِنِينَ كَما قالَ تَعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم إلَخْ مُسْتَعْمَلًا في التَّوْبِيخِ لَهم والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في التَّحَسُّرِ أوْ في التَّبَرُّؤِ مِنهم، فَيَكُونُ النِّداءُ تَحَسُّرًا فَلا يَقْتَضِي كَوْنَ أصْحابِ الِاسْمِ المُنادى مِمَّنْ يَعْقِلُ النِّداءَ حِينَئِذٍ، مِثْلُ ما تُنادِي الحَسْرَةَ في: يا حَسْرَةً.
وقَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾) تَفْسِيرُهُ مِثْلُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢]) . واللّامُ في لَقَدْ لامُ القَسَمِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] .
والِاسْتِدْراكُ بِـ لَكِنْ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّبَرُّؤِ مِنَ التَّقْصِيرِ في مُعالَجَةِ كُفْرِهِمْ، سَواءٌ كانَ بِحَيْثُ هم يَسْمَعُونَهُ أمْ كانَ قالَهُ في نَفْسِهِ، فَذَلِكَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِدَفْعِ تَوَهُّمِ تَقْصِيرِ في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ لِانْعِدامِ ظُهُورِ فائِدَةِ الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ، فاسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾، أيْ تَكْرَهُونَ النّاصِحِينَ فَلا تُطِيعُونَهم في نُصْحِهِمْ. لِأنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ، فَأرادَ بِذَلِكَ الكِنايَةَ عَنْ رَفْضِهِمُ النَّصِيحَةَ.
صفحة ٢٢٩
واسْتِعْمالُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: لا تُحِبُّونَ إنْ كانَ في حالِ سَماعِهِمْ قَوْلَهُ فَهو لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ والتَّكْرِيرِ، أيْ لَمْ يَزَلْ هَذا دَأْبُكم فَيَكُونُ ذَلِكَ آخِرَ عِلاجٍ لِإقْلاعِهِمْ إنْ كانَتْ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ لِلْإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ، وإنْ كانَ بَعْدَ انْقِضاءِ سَماعِهِمْ فالمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] .
الأعراف 7:79
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ لِحِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، أيْ قالُوا ذَلِكَ فَعَقَرُوا، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ كانُوا قَدْ صَدَعُوا بِالتَّكْذِيبِ، وصَمَّمُوا عَلَيْهِ، وعَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، فَعَزَمُوا عَلى المَصِيرِ إلى النِّكايَةِ والإغاظَةِ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ بِهِ، ورَسَمُوا لِابْتِداءِ عَمَلِهِمْ أنْ يَعْتَدُوا عَلى النّاقَةِ
صفحة ٢٢٥
الَّتِي جَعَلَها صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم، وأقامَها بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلامَةَ مُوادَعَةٍ ما دامُوا غَيْرَ مُتَعَرِّضِينَ لَها بِسُوءٍ، ومَقْصِدُهم مِن نِيَّتِهِمْ إهْلاكُ النّاقَةِ أنْ يُزِيلُوا آيَةَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يَزِيدَ عَدَدُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّ مُشاهَدَةَ آيَةِ نُبُوءَتِهِ سالِمَةً بَيْنَهم تُثِيرُ في نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنهُمُ الِاسْتِدْلالَ عَلى صِدْقِهِ والِاسْتِئْناسَ لِذَلِكَ بِسُكُوتِ كُبَرائِهِمْ وتَقْرِيرِهِمْ لَها عَلى مَرْعاها وشُرْبِها، ولِأنَّ في اعْتِدائِهِمْ عَلَيْها إيذانًا مِنهم بِتَحْفِيزِهِمْ لِلضِّرارِ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبِمَن آمَنَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ولِيُرُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ بِوَعِيدِهِ إذْ قالَ لَهم: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا) عائِدٌ إلى (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)، وقَدْ أُسْنِدَ العُقْرُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم لِأنَّهُ كانَ عَنْ تَمالُئٍ ورِضًى مِن جَمِيعِ الكُبَراءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، وهَذا كَقَوْلِ النّابِغَةِ في شَأْنِ بَنِي حُنٍّ:
وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً.
وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم.
وذُكِرَ في الأثَرِ: أنَّ الَّذِي تَوَلّى النّاقَةَ رَجُلٌ مِن سادَتِهِمُ اسْمُهُ قُدارُ بِضَمِّ القافِ ودالٍّ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ وراءٍ في آخِرِهِ ابْنُ سالِفٍ. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «ذَكَرَ في خُطْبَتِهِ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ فَقالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عَزِيزٌ عارِمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» .
والعُقْرُ: حَقِيقَتُهُ الجَرْحُ البَلِيغُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ٦٩ ∗∗∗ تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـاعَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ أيْ جَرَحْتَهُ بِاحْتِكاكِ الغَبِيطِ في ظَهْرِهِ مِن مَيْلِهِ إلى جِهَةٍ، ويُطْلَقُ العَقْرُ عَلى قَطْعِ عُضْوِ الحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُهم، عَقَرَ حِمارَ وحْشٍ، أيْ ضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ
صفحة ٢٢٦
فَقَطَعَ مِنهُ عُضْوًا، وكانُوا يَعْقِرُونَ البَعِيرَ المُرادَ نَحْرُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنهُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ الهُرُوبَ عِنْدَ النَّحْرِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ العَقْرُ عَلى النَّحْرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي
وما في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ.
والعُتُوُّ تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبْرِ، وتَعْدِيَتُهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْراضِ.
وأمْرُ رَبِّهِمْ هو ما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِ: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَعُبِّرَ عَنِ النَّهْيِ بِالأمْرِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مَقْصُودٌ مِنهُ الأمْرُ بِفِعْلِ ضِدِّهِ، ولِذَلِكَ يَقُولُ عُلَماءُ الأُصُولِ إنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِضِدِّهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تَحَقُّقُ الكَفِّ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
وأرادُوا: (بِما تَعِدُنا) العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ مُجْمَلًا. وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَخْشَوْنَ شَيْئًا مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ الوَعِيدِ المُجْمَلِ. فالمُرادُ بِما تَتَوَعَّدُنا بِهِ وصِيغَتْ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن مادَّةِ الوَعْدِ لِأنَّهُ أخَفُّ مِن مادَّةِ الوَعِيدِ.
وقَدْ فَرَضُوا كَوْنَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ بِحَرْفِ إنِ الدّالِّ عَلى الشَّكِّ في حُصُولِ الشَّرْطِ. أيْ إنْ كُنْتَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ اللَّهِ فالمُرادُ بِالمُرْسَلِينَ مَن صَدَقَ عَلَيْهِمْ هَذا اللَّقَبُ. وهَؤُلاءِ. لِجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ كَتَصَرُّفاتِ الخَلْقِ، فَإذا أرْسَلَ رَسُولًا ولَمْ يُصَدِّقْهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ غَضِبَ اللَّهُ وانْدَفَعَ إلى إنْزالِ العِقابِ إلَيْهِمْ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الظّالِمِينَ ثُمَّ يَأْخُذَهم مَتى شاءَ.
وجُمْلَةُ (فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾) وبَيْنَ جُمْلَةِ (فَتَوَلّى عَنْهم) أُرِيدُ بِاعْتِراضِها التَّعْجِيلُ بِالخَبَرِ عَنْ نَفاذِ الوَعِيدِ فِيهِمْ بِعَقِبِ عُتُوِّهِمْ، فالتَّعْقِيبُ عُرْفِيٌّ، أيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ العُقْرِ وبَيْنَ الرَّجْفَةِ زَمَنٌ طَوِيلٌ، كانَ بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أيّامٍ، كَما ورَدَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ
صفحة ٢٢٧
﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] .
وأصْلُ الأخْذِ تَناوُلُ شَيْءٍ بِاليَدِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِلْكِ الشَّيْءِ، بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا في القَهْرِ كَقَوْلِهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] وأخْذُ الرَّجْفَةِ: إهْلاكُها إيّاهم وإحاطَتُها بِهِمْ إحاطَةَ الآخِذِ. ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ نَجّى صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعَشَرَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقِيلَ: نَزَلُوا رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ: تَباعَدُوا عَنْ دِيارِ قَوْمِهِمْ بِحَيْثُ يَرَوْنَها، فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وهَلَكُوا عادَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم، وقِيلَ: سَكَنُوا مَكَّةَ وأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دُفِنَ بِها، وهَذا بَعِيدٌ كَما قُلْناهُ في عادٍ، ومِن أهْلِ الأنْسابِ مَن يَقُولُ: إنَّ ثَقِيفًا مِن بَقايا ثَمُودَ، أيْ مِن ذُرِّيَّةِ مَن نَجا مِنهم مِنَ العَذابِ، ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ أنَّ ثَمُودًا انْقَطَعَ دابِرُهم فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنهم بَقِيَّةٌ.
والرَّجْفَةُ: اضْطِرابُ الأرْضِ وارْتِجاجُها، فَتَكُونُ مِن حَوادِثَ سَماوِيَّةٍ كالرِّياحِ العاصِفَةِ والصَّواعِقِ، وتَكُونُ مِن أسْبابٍ أرْضِيَّةٍ كالزَّلازِلِ، فالرَّجْفَةُ اسْمٌ لِلْحالَةِ الحاصِلَةِ، وقَدْ سَمّاها في سُورَةِ هُودٍ بِالصَّيْحَةِ فَعَلِمْنا أنَّ الَّذِي أصابَ ثَمُودَ هو صاعِقَةٌ أوْ صَواعِقُ مُتَوالِيَةٌ رَجَفَتْ أرْضَهم وأهْلَكَتْهم صَعِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُقارِنَها زِلْزالٌ أرْضِيَّةٌ.
والدّارُ: المَكانُ الَّذِي يَحْتَلُّهُ القَوْمُ، وهو يُفْرَدُ ويُجْمَعُ بِاعْتِبارَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] .
فَأصْبَحُوا هُنا بِمَعْنى صارُوا.
والجاثِمُ: المُكِبُّ عَلى صَدْرِهِ في الأرْضِ مَعَ قَبْضِ ساقَيْهِ كَما يَجْثُو الأرْنَبُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ أشَدَّ سُكُونًا وانْقِطاعًا عَنِ اضْطِرابِ الأعْضاءِ اسْتُعْمِلَ في الآيَةِ كِنايَةً عَنْ هُمُودِ الجُثَّةِ بِالمَوْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَشْبِيهَ حالَةِ وُقُوعِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ حِينَ صُعِقُوا بِحالَةِ الجاثِمِ تَفْظِيعًا لِهَيْئَةِ مِيتَتَهم، والمَعْنى أنَّهم
صفحة ٢٢٨
أصْبَحُوا جُثَثًا هامِدَةً مَيِّتَةً عَلى أبْشَعِ مَنظَرٍ لِمَيِّتٍ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ والتَّوَلِّي الِانْصِرافُ عَنْ فِراقٍ وغَضَبٍ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِالشَّيْءِ، وهو هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ أنَّهُ فارَقَ دِيارَ قَوْمِهِ حِينَ عَلِمَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِهِمْ، فَيَكُونُ التَّعْقِيبُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ لِأنَّ ظاهِرَ تَعْقِيبِ التَّوَلِّي عَنْهم وخِطابِهِ إيّاهم أنْ لا يَكُونَ بَعْدَ أنْ تَأْخُذَهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا بِقَرِينَةِ الخِطابِ أيْضًا، أيْ فَأعْرَضَ عَنِ النَّظَرِ إلى القَرْيَةِ بَعْدَ أصابَتِها بِالصّاعِقَةِ، أوْ فَأعْرَضَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ واشْتَغَلَ بِالمُؤْمِنِينَ كَما قالَ تَعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم إلَخْ مُسْتَعْمَلًا في التَّوْبِيخِ لَهم والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في التَّحَسُّرِ أوْ في التَّبَرُّؤِ مِنهم، فَيَكُونُ النِّداءُ تَحَسُّرًا فَلا يَقْتَضِي كَوْنَ أصْحابِ الِاسْمِ المُنادى مِمَّنْ يَعْقِلُ النِّداءَ حِينَئِذٍ، مِثْلُ ما تُنادِي الحَسْرَةَ في: يا حَسْرَةً.
وقَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾) تَفْسِيرُهُ مِثْلُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢]) . واللّامُ في لَقَدْ لامُ القَسَمِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] .
والِاسْتِدْراكُ بِـ لَكِنْ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّبَرُّؤِ مِنَ التَّقْصِيرِ في مُعالَجَةِ كُفْرِهِمْ، سَواءٌ كانَ بِحَيْثُ هم يَسْمَعُونَهُ أمْ كانَ قالَهُ في نَفْسِهِ، فَذَلِكَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِدَفْعِ تَوَهُّمِ تَقْصِيرِ في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ لِانْعِدامِ ظُهُورِ فائِدَةِ الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ، فاسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾، أيْ تَكْرَهُونَ النّاصِحِينَ فَلا تُطِيعُونَهم في نُصْحِهِمْ. لِأنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ، فَأرادَ بِذَلِكَ الكِنايَةَ عَنْ رَفْضِهِمُ النَّصِيحَةَ.
صفحة ٢٢٩
واسْتِعْمالُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: لا تُحِبُّونَ إنْ كانَ في حالِ سَماعِهِمْ قَوْلَهُ فَهو لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ والتَّكْرِيرِ، أيْ لَمْ يَزَلْ هَذا دَأْبُكم فَيَكُونُ ذَلِكَ آخِرَ عِلاجٍ لِإقْلاعِهِمْ إنْ كانَتْ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ لِلْإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ، وإنْ كانَ بَعْدَ انْقِضاءِ سَماعِهِمْ فالمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] .
الأعراف 7:80
﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالُ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾
عُطِفَ ولُوطًا عَلى نُوحًا في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] فالتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ابْتِداءِ قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ إذِ ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ لُوطًا كَما ابْتُدِئَتْ قِصَّةٌ بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ لُوطٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ كَما لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ نُوحٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ. و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْنا“ المُقَدَّرُ يَعْنِي أرْسَلْناهُ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، وجُعِلَ وقْتُ القَوْلِ ظَرْفًا لِلْإرْسالِ لِإفادَةِ مُبادَرَتِهِ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ، والمُقارَنَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها الظَّرْفِيَّةُ بَيْنَ وقْتِ الإرْسالِ ووَقْتِ قَوْلِهِ، مُقارَنَةٌ عُرْفِيَّةٌ بِمَعْنى شِدَّةِ القُرْبِ بِأقْصى ما يُسْتَطاعُ مِن مُبادَرَةِ التَّبْلِيغِ.
وقَوْمُ لُوطٍ كانُوا خَلِيطًا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ ومِمَّنْ نَزَلَ حَوْلَهم. ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفْ بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ مِن قَبائِلِهِمْ، وإنَّما نَزَلَ فِيهِمْ واسْتَوْطَنَ دِيارَهم. ولُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وكانَ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ نَزَلَ بِبِلادِ سَدُومَ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ قُرابَةٌ.
صفحة ٢٣٠
والقَوْمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم أهْلُ قَرْيَةِ سَدُومَ وعَمُورَةَ مِن أرْضِ كَنْعانَ، ورُبَّما أُطْلِقَ اسْمُ سَدُومَ وعَمُورَةَ عَلى سُكّانِها. وهم أسْلافُ الفَنِيقِيِّينَ وكانَتا عَلى شاطِئِ السَّدِيمِ، وهو بَحْرُ المِلْحِ، كَما جاءَ في التَّوْراةِ وهو البَحْرُ المَيِّتُ المَدْعُوُّ بُحَيْرَةُ لُوطٍ بِقُرْبِ أُرْشَلِيمَ. وكانَتْ قُرْبَ سَدُومَ ومَن مَعَهم أحْدَثُوا فاحِشَةَ اسْتِمْتاعُ الرِّجالِ بِالرِّجالِ، فَأمَرَ اللَّهُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا نَزَلَ بِقَرْيَتِهِمْ سَدُومَ في رِحْلَتِهِ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَنْهاهم ويُغْلِظَ عَلَيْهِمْ.
فالِاسْتِفْهامُ في (أتَأْتُونَ) إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ، والإتْيانُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَجازٌ في التَّلَبُّسِ والعَمَلِ، أيْ أتَعْمَلُونَ الفاحِشَةَ، وكُنِّيَ بِالإتْيانِ عَلى العَمَلِ المَخْصُوصِ وهي كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ.
والفاحِشَةُ: الفِعْلُ الدَّنِيءُ الذَّمِيمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ [الأعراف: ٢٨]: والمُرادُ هُنا فاحِشَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ.
وجُمْلَةُ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ إتْيانَ الفاحِشَةِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالفاحِشَةِ، وبَّخَهم بِأنَّهم أحْدَثُوها، ولَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً في البَشَرِ فَقَدْ سَنُّوا سُنَّةً سَيِّئَةً لِلْفاحِشِينَ في ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ صِفَةً لِلْفاحِشَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ: تَأْتُونَ أوْ مِنَ: الفاحِشَةِ
والسَّبْقُ حَقِيقَتُهُ: وُصُولُ الماشِي إلى مَكانٍ مَطْلُوبٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ قَبْلَ وُصُولِ غَيْرِهِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في التَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، أيِ الأوَّلِيَّةِ والِابْتِداءِ، وهو المُرادُ هُنا، والمَقْصُودُ أنَّهم سَبَقُوا النّاسَ بِهَذِهِ الفاحِشَةِ إذْ لا يَقْصِدُ بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهُمُ ابْتَدَأُوا مَعَ غَيْرِهِمْ في وقْتٍ واحِدٍ.
صفحة ٢٣١
والباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلٍ (سَبَقَ) لِاسْتِعْمالِهِ بِمَعْنى ابْتَدَأ فالباءُ تَرْشِيحٌ لِلتَّبَعِيَّةِ. و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (أحَدٍ) لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الِاسْتِغْراقِ في النَّفْيِ. و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى العالَمِينَ لِلتَّبْعِيضِ.
وجُمْلَةُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾)، والتَّأْكِيدُ بِإنَّ واللّامِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوْبِيخِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَرْسِلُونَ عَلَيْهِ غَيْرَ سامِعِينَ لِنَهْيِ النّاهِي.
والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنْ عَمَلِ الفاحِشَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: (إنَّكم) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، فالبَيانُ راجِعٌ إلى الشَّيْءِ المُنْكَرِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ في (﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾)، وبِهِ يُعْرَفُ بَيانُ الإنْكارِ، ويَجُوزُ اعْتِبارُهُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّوْبِيخِ، ويَجُوزُ تَقْدِيرُ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ حُذِفَتْ لِلتَّخْفِيفِ ولِدَلالَةِ ما قَبْلَها. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ: (أإنَّكم) بِهَمْزَتَيْنِ عَلى صِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ فالبَيانُ لِلْإنْكارِ، وبِهِ يُعْرَفُ بَيانُ المُنْكَرِ، فالقِراءَتانِ مُسْتَوِيَتانِ.
والشَّهْوَةُ: الرَّغْبَةُ في تَحْصِيلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ، وهي مَصْدَرُ شَهِيَ كَرَضِيَ، جاءَ عَلى صِيغَةِ الفَعْلَةِ ولَيْسَ مُرادًا بِهِ المَرَّةُ.
وانْتَصَبَ (شَهْوَةً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا المَفْعُولِ تَفْظِيعُ الفاحِشَةِ وفاعِلِيها بِأنَّهم يَشْتَهُونَ ما هو حَقِيقٌ بِأنْ يُكْرَهَ ويُسْتَفْظَعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ زِيادَةٌ في التَّفْظِيعِ وقَطْعٌ لِلْعُذْرِ في فِعْلِ هَذِهِ الفاحِشَةِ، ولَيْسَ قَيْدًا لِلْإنْكارِ، فَلَيْسَ إتْيانُ الرِّجالِ مَعَ إتْيانِ النِّساءِ بِأقَلَّ مِنَ الآخَرِ فَظاعَةً، ولَكِنَّ المُرادَ أنَّ إتْيانَ الرِّجالِ كُلَّهُ واقِعٌ في حالَةٍ مِن حَقِّها إتْيانُ النِّساءِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] .
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضِ الإنْكارِ إلى غَرَضِ الذَّمِّ والتَّحْقِيرِ والتَّنْبِيهِ إلى حَقِيقَةِ حالِهِمْ.
صفحة ٢٣٢
والإسْرافُ مُجاوَزَةُ العَمَلِ مِقْدارَ أمْثالِهِ في نَوْعِهِ، أيِ المُسْرِفُونَ في الباطِلِ والجُرْمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا﴾ [النساء: ٦] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ووَصَفَهم بِالإسْرافِ بِطَرِيقِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَمَكَّنَ مِنهُمُ الإسْرافُ في الشَّهَواتِ فَلِذَلِكَ اشْتَهَوْا شَهْوَةً غَرِيبَةً لَمّا سَئِمُوا الشَّهَواتِ المُعْتادَةَ. وهَذِهِ شَنْشَنَةُ الِاسْتِرْسالِ في الشَّهَواتِ حَتّى يُصْبِحَ المَرْءُ لا يَشْفِي شَهْوَتَهُ شَيْءٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ عَنْهم في آيَةٍ أُخْرى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] .
ووَجْهُ تَسْمِيَةِ هَذا الفِعْلِ الشَّنِيعِ فاحِشَةً وإسْرافًا أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى مَفاسِدَ كَثِيرَةٍ: مِنها اسْتِعْمالُ الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ المَغْرُوزَةِ في غَيْرِ ما غُرِزَتْ عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الإنْسانِ الشَّهْوَةَ الحَيَوانِيَّةَ لِإرادَةِ بَقاءِ النَّوْعِ بِقانُونِ التَّناسُلِ، حَتّى يَكُونَ الدّاعِي إلَيْهِ قَهْرِيًّا يَنْساقُ إلَيْهِ الإنْسانُ بِطَبْعِهِ، فَقَضاءُ تِلْكَ الشَّهْوَةِ في غَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي وضَعَها اللَّهُ لِأجْلِهِ اعْتِداءٌ عَلى الفِطْرَةِ وعَلى النَّوْعِ، ولِأنَّهُ يُغَيِّرُ خُصُوصِيَّةَ الرُّجْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ بِهِ إذْ يَصِيرُ في غَيْرِ المَنزِلَةِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها بِخِلْقَتِهِ، ولِأنَّ فِيهِ امْتِهانًا مَحْضًا لِلْمَفْعُولِ بِهِ إذْ يُجْعَلُ آلَةً لِقَضاءِ شَهْوَةِ غَيْرِهِ عَلى خِلافِ ما وضَعَ اللَّهُ في نِظامِ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَتَيْنِ مَعًا، ولِأنَّهُ مُفْضٍ إلى قَطْعِ النَّسْلِ أوْ تَقْلِيلِهِ، ولِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يَجْلِبُ أضْرارًا لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ بِسَبَبِ اسْتِعْمالِ مَحَلَّيْنِ في غَيْرِ ما خُلِقا لَهُ.
وحَدَثَتْ هَذِهِ الفاحِشَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ مِن رَجُلٍ يُسَمّى الفُجاءَةَ، كَتَبَ فِيهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ وإذْ لَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِيها حَدٌّ مَعْرُوفٌ جَمَعَ أبُو بَكْرٍ أصْحابَ النَّبِيءِ ﷺ واسْتَشارَهم فِيهِ، فَقالَ عَلِيٌّ: أرى أنْ يُحْرَقَ بِالنّارِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُ الصَّحابَةِ عَلى ذَلِكَ فَكَتَبَ أبُو بَكْرٍ إلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ أنْ يَحْرِقَهُ فَأحْرَقَهُ، وكَذَلِكَ قَضى ابْنُ الزُّبَيْرِ
صفحة ٢٣٣
فِي جَماعَةٍ عَمِلُوا الفاحِشَةَ في زَمانِهِ، وهُشامُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ القَسْرِيُّ بِالعِراقِ، ولَعَلَّهُ قِياسٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ نارًا كَما سَيَأْتِي.
وقالَ مالِكٌ: يُرْجَمُ الفاعِلُ والمَفْعُولُ بِهِ، إذْ أطاعَ الفاعِلُ وكانا بالِغَيْنِ، رَجْمَ الزّانِي المُحَصَّنِ، سَواءٌ أحْصَنا أمْ لَمْ يُحْصِنا. وقاسَ عُقُوبَتَهم عَلى عُقُوبَةِ اللَّهِ لِقَوْمِ لُوطٍ إذْ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً، والَّذِي يُؤْخَذُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يَجُوزُ القِياسُ عَلى ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا، ورُوِيَ أنَّهُ أُخِذَ في زَمانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أرْبَعَةٌ عَمِلُوا عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، وقَدْ أُحْصِنُوا، فَأمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا مِنَ الحَرَمِ فَرُجِمُوا بِالحِجارَةِ حَتّى ماتُوا، وعِنْدَهُ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ فَلَمْ يُنْكِرا عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُعَزَّرُ فاعِلُهُ ولا يَبْلُغُ التَّعْزِيرُ حَدَّ الزِّنى، كَذا عَزا إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ، والَّذِي في كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ يَرى فِيهِ التَّعْزِيرَ إلّا إذا تَكَرَّرَ مِنهُ فَيُقْتَلُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: فِيهِ حَدُّ الزِّنى، فَإذا اعْتادَ ذَلِكَ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ بِالإحْراقِ، أوْ يُهْدَمُ عَلَيْهِ جِدارٌ، أوْ يُنَكَّسُ مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ ويُتْبَعُ بِالأحْجارِ، أوْ يُسْجَنُ حَتّى يَمُوتَ أوْ يَتُوبَ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ في الحاوِي أنَّ الأصَحَّ عَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ التَّعْزِيرُ بِالجِلْدِ - أيْ دُونَ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الِاعْتِيادِ وغَيْرِهِ - وسِياقُ كَلامِهِمُ التَّسْوِيَةُ في العُقُوبَةِ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ.
وقالَ الشّافِعِيُّ يُحَدُّ حَدَّ الزّانِي، فَإنْ كانَ مُحْصَنًا فَحَدُّ المُحْصَنِ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ فَحَدُّ غَيْرِ المُحْصَنِ. كَذا حَكاهُ القُرْطُبِيُّ. وقالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الحَنْبَلِيُّ، في كِتابِ اخْتِلافِ الأئِمَّةِ: إنَّ لِلشّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما هَذا، والآخَرُ أنَّهُ يُرْجَمُ بِكُلِّ حالٍ، ولَمْ يَذْكُرْ لَهُ تَرْجِيحًا، وقالَ الغَزّالِيُّ، في الوَجِيزِ: ”اللِّواطُ يُوجِبُ قَتْلَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ عَلى قَوْلٍ، والرَّجْمَ بِكُلِّ حالٍ عَلى قَوْلٍ، والتَّعْزِيرَ عَلى قَوْلٍ، وهو كالزِّنى عَلى قَوْلٍ“ وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ.
وفِي كِتابِ اخْتِلافِ الأئِمَّةِ لِابْنِ هُبَيْرَةَ الحَنْبَلِيِّ: أنَّ أظْهَرَ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ أنَّ في اللِّواطِ الرَّجْمَ بِكُلِّ حالٍ، أيْ مُحْصَنًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وفي رِوايَةِ عَنْهُ أنَّهُ كالزِّنى. وقالَ ابْنُ حَزْمٍ، في المُحَلّى: إنَّ مَذْهَبَ داوُدَ
صفحة ٢٣٤
وجَمِيعِ أصْحابِهِ أنَّ اللُّوطِيَّ يُجْلَدُ دُونَ الحَدِّ، ولَمْ يُصَرَّحْ، فِيما نَقَلُوا عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ، ولا عَنْ أحْمَدَ، ولا الشّافِعِيِّ بِمُساواةِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ في الحُكْمِ إلّا عِنْدَ مالِكٍ، ويُؤْخَذُ مِن حِكايَةِ ابْنِ حَزْمٍ في المُحَلّى: أنَّ أصْحابَ المَذاهِبِ المُخْتَلِفَةِ في تَعْزِيرِ هَذِهِ الفاحِشَةِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إلّا قَوْلًا شاذًّا لِأحَدِ فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ رَأى أنَّ المَفْعُولَ أغْلَظُ عُقُوبَةً مِنَ الفاعِلِ.
ورَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقالَ في إسْنادِهِ، مَقالٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ عَلِمْتَ اسْتِشارَةَ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ الجَرِيمَةِ، ولَوْ كانَ فِيها سَنَدٌ صَحِيحٌ لَظَهَرَ يَوْمَئِذٍ.
الأعراف 7:81
﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالُ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾
عُطِفَ ولُوطًا عَلى نُوحًا في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] فالتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ابْتِداءِ قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ إذِ ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ لُوطًا كَما ابْتُدِئَتْ قِصَّةٌ بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ لُوطٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ كَما لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ نُوحٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ. و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْنا“ المُقَدَّرُ يَعْنِي أرْسَلْناهُ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، وجُعِلَ وقْتُ القَوْلِ ظَرْفًا لِلْإرْسالِ لِإفادَةِ مُبادَرَتِهِ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ، والمُقارَنَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها الظَّرْفِيَّةُ بَيْنَ وقْتِ الإرْسالِ ووَقْتِ قَوْلِهِ، مُقارَنَةٌ عُرْفِيَّةٌ بِمَعْنى شِدَّةِ القُرْبِ بِأقْصى ما يُسْتَطاعُ مِن مُبادَرَةِ التَّبْلِيغِ.
وقَوْمُ لُوطٍ كانُوا خَلِيطًا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ ومِمَّنْ نَزَلَ حَوْلَهم. ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفْ بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ مِن قَبائِلِهِمْ، وإنَّما نَزَلَ فِيهِمْ واسْتَوْطَنَ دِيارَهم. ولُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وكانَ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ نَزَلَ بِبِلادِ سَدُومَ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ قُرابَةٌ.
صفحة ٢٣٠
والقَوْمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم أهْلُ قَرْيَةِ سَدُومَ وعَمُورَةَ مِن أرْضِ كَنْعانَ، ورُبَّما أُطْلِقَ اسْمُ سَدُومَ وعَمُورَةَ عَلى سُكّانِها. وهم أسْلافُ الفَنِيقِيِّينَ وكانَتا عَلى شاطِئِ السَّدِيمِ، وهو بَحْرُ المِلْحِ، كَما جاءَ في التَّوْراةِ وهو البَحْرُ المَيِّتُ المَدْعُوُّ بُحَيْرَةُ لُوطٍ بِقُرْبِ أُرْشَلِيمَ. وكانَتْ قُرْبَ سَدُومَ ومَن مَعَهم أحْدَثُوا فاحِشَةَ اسْتِمْتاعُ الرِّجالِ بِالرِّجالِ، فَأمَرَ اللَّهُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا نَزَلَ بِقَرْيَتِهِمْ سَدُومَ في رِحْلَتِهِ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَنْهاهم ويُغْلِظَ عَلَيْهِمْ.
فالِاسْتِفْهامُ في (أتَأْتُونَ) إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ، والإتْيانُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَجازٌ في التَّلَبُّسِ والعَمَلِ، أيْ أتَعْمَلُونَ الفاحِشَةَ، وكُنِّيَ بِالإتْيانِ عَلى العَمَلِ المَخْصُوصِ وهي كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ.
والفاحِشَةُ: الفِعْلُ الدَّنِيءُ الذَّمِيمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ [الأعراف: ٢٨]: والمُرادُ هُنا فاحِشَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ.
وجُمْلَةُ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ إتْيانَ الفاحِشَةِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالفاحِشَةِ، وبَّخَهم بِأنَّهم أحْدَثُوها، ولَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً في البَشَرِ فَقَدْ سَنُّوا سُنَّةً سَيِّئَةً لِلْفاحِشِينَ في ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ صِفَةً لِلْفاحِشَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ: تَأْتُونَ أوْ مِنَ: الفاحِشَةِ
والسَّبْقُ حَقِيقَتُهُ: وُصُولُ الماشِي إلى مَكانٍ مَطْلُوبٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ قَبْلَ وُصُولِ غَيْرِهِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في التَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، أيِ الأوَّلِيَّةِ والِابْتِداءِ، وهو المُرادُ هُنا، والمَقْصُودُ أنَّهم سَبَقُوا النّاسَ بِهَذِهِ الفاحِشَةِ إذْ لا يَقْصِدُ بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهُمُ ابْتَدَأُوا مَعَ غَيْرِهِمْ في وقْتٍ واحِدٍ.
صفحة ٢٣١
والباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلٍ (سَبَقَ) لِاسْتِعْمالِهِ بِمَعْنى ابْتَدَأ فالباءُ تَرْشِيحٌ لِلتَّبَعِيَّةِ. و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (أحَدٍ) لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الِاسْتِغْراقِ في النَّفْيِ. و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى العالَمِينَ لِلتَّبْعِيضِ.
وجُمْلَةُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾)، والتَّأْكِيدُ بِإنَّ واللّامِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوْبِيخِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَرْسِلُونَ عَلَيْهِ غَيْرَ سامِعِينَ لِنَهْيِ النّاهِي.
والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنْ عَمَلِ الفاحِشَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: (إنَّكم) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، فالبَيانُ راجِعٌ إلى الشَّيْءِ المُنْكَرِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ في (﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾)، وبِهِ يُعْرَفُ بَيانُ الإنْكارِ، ويَجُوزُ اعْتِبارُهُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّوْبِيخِ، ويَجُوزُ تَقْدِيرُ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ حُذِفَتْ لِلتَّخْفِيفِ ولِدَلالَةِ ما قَبْلَها. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ: (أإنَّكم) بِهَمْزَتَيْنِ عَلى صِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ فالبَيانُ لِلْإنْكارِ، وبِهِ يُعْرَفُ بَيانُ المُنْكَرِ، فالقِراءَتانِ مُسْتَوِيَتانِ.
والشَّهْوَةُ: الرَّغْبَةُ في تَحْصِيلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ، وهي مَصْدَرُ شَهِيَ كَرَضِيَ، جاءَ عَلى صِيغَةِ الفَعْلَةِ ولَيْسَ مُرادًا بِهِ المَرَّةُ.
وانْتَصَبَ (شَهْوَةً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا المَفْعُولِ تَفْظِيعُ الفاحِشَةِ وفاعِلِيها بِأنَّهم يَشْتَهُونَ ما هو حَقِيقٌ بِأنْ يُكْرَهَ ويُسْتَفْظَعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ زِيادَةٌ في التَّفْظِيعِ وقَطْعٌ لِلْعُذْرِ في فِعْلِ هَذِهِ الفاحِشَةِ، ولَيْسَ قَيْدًا لِلْإنْكارِ، فَلَيْسَ إتْيانُ الرِّجالِ مَعَ إتْيانِ النِّساءِ بِأقَلَّ مِنَ الآخَرِ فَظاعَةً، ولَكِنَّ المُرادَ أنَّ إتْيانَ الرِّجالِ كُلَّهُ واقِعٌ في حالَةٍ مِن حَقِّها إتْيانُ النِّساءِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] .
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضِ الإنْكارِ إلى غَرَضِ الذَّمِّ والتَّحْقِيرِ والتَّنْبِيهِ إلى حَقِيقَةِ حالِهِمْ.
صفحة ٢٣٢
والإسْرافُ مُجاوَزَةُ العَمَلِ مِقْدارَ أمْثالِهِ في نَوْعِهِ، أيِ المُسْرِفُونَ في الباطِلِ والجُرْمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا﴾ [النساء: ٦] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ووَصَفَهم بِالإسْرافِ بِطَرِيقِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَمَكَّنَ مِنهُمُ الإسْرافُ في الشَّهَواتِ فَلِذَلِكَ اشْتَهَوْا شَهْوَةً غَرِيبَةً لَمّا سَئِمُوا الشَّهَواتِ المُعْتادَةَ. وهَذِهِ شَنْشَنَةُ الِاسْتِرْسالِ في الشَّهَواتِ حَتّى يُصْبِحَ المَرْءُ لا يَشْفِي شَهْوَتَهُ شَيْءٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ عَنْهم في آيَةٍ أُخْرى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] .
ووَجْهُ تَسْمِيَةِ هَذا الفِعْلِ الشَّنِيعِ فاحِشَةً وإسْرافًا أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى مَفاسِدَ كَثِيرَةٍ: مِنها اسْتِعْمالُ الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ المَغْرُوزَةِ في غَيْرِ ما غُرِزَتْ عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الإنْسانِ الشَّهْوَةَ الحَيَوانِيَّةَ لِإرادَةِ بَقاءِ النَّوْعِ بِقانُونِ التَّناسُلِ، حَتّى يَكُونَ الدّاعِي إلَيْهِ قَهْرِيًّا يَنْساقُ إلَيْهِ الإنْسانُ بِطَبْعِهِ، فَقَضاءُ تِلْكَ الشَّهْوَةِ في غَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي وضَعَها اللَّهُ لِأجْلِهِ اعْتِداءٌ عَلى الفِطْرَةِ وعَلى النَّوْعِ، ولِأنَّهُ يُغَيِّرُ خُصُوصِيَّةَ الرُّجْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ بِهِ إذْ يَصِيرُ في غَيْرِ المَنزِلَةِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها بِخِلْقَتِهِ، ولِأنَّ فِيهِ امْتِهانًا مَحْضًا لِلْمَفْعُولِ بِهِ إذْ يُجْعَلُ آلَةً لِقَضاءِ شَهْوَةِ غَيْرِهِ عَلى خِلافِ ما وضَعَ اللَّهُ في نِظامِ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَتَيْنِ مَعًا، ولِأنَّهُ مُفْضٍ إلى قَطْعِ النَّسْلِ أوْ تَقْلِيلِهِ، ولِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يَجْلِبُ أضْرارًا لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ بِسَبَبِ اسْتِعْمالِ مَحَلَّيْنِ في غَيْرِ ما خُلِقا لَهُ.
وحَدَثَتْ هَذِهِ الفاحِشَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ مِن رَجُلٍ يُسَمّى الفُجاءَةَ، كَتَبَ فِيهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ وإذْ لَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِيها حَدٌّ مَعْرُوفٌ جَمَعَ أبُو بَكْرٍ أصْحابَ النَّبِيءِ ﷺ واسْتَشارَهم فِيهِ، فَقالَ عَلِيٌّ: أرى أنْ يُحْرَقَ بِالنّارِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُ الصَّحابَةِ عَلى ذَلِكَ فَكَتَبَ أبُو بَكْرٍ إلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ أنْ يَحْرِقَهُ فَأحْرَقَهُ، وكَذَلِكَ قَضى ابْنُ الزُّبَيْرِ
صفحة ٢٣٣
فِي جَماعَةٍ عَمِلُوا الفاحِشَةَ في زَمانِهِ، وهُشامُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ القَسْرِيُّ بِالعِراقِ، ولَعَلَّهُ قِياسٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ نارًا كَما سَيَأْتِي.
وقالَ مالِكٌ: يُرْجَمُ الفاعِلُ والمَفْعُولُ بِهِ، إذْ أطاعَ الفاعِلُ وكانا بالِغَيْنِ، رَجْمَ الزّانِي المُحَصَّنِ، سَواءٌ أحْصَنا أمْ لَمْ يُحْصِنا. وقاسَ عُقُوبَتَهم عَلى عُقُوبَةِ اللَّهِ لِقَوْمِ لُوطٍ إذْ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً، والَّذِي يُؤْخَذُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يَجُوزُ القِياسُ عَلى ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا، ورُوِيَ أنَّهُ أُخِذَ في زَمانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أرْبَعَةٌ عَمِلُوا عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، وقَدْ أُحْصِنُوا، فَأمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا مِنَ الحَرَمِ فَرُجِمُوا بِالحِجارَةِ حَتّى ماتُوا، وعِنْدَهُ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ فَلَمْ يُنْكِرا عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُعَزَّرُ فاعِلُهُ ولا يَبْلُغُ التَّعْزِيرُ حَدَّ الزِّنى، كَذا عَزا إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ، والَّذِي في كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ يَرى فِيهِ التَّعْزِيرَ إلّا إذا تَكَرَّرَ مِنهُ فَيُقْتَلُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: فِيهِ حَدُّ الزِّنى، فَإذا اعْتادَ ذَلِكَ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ بِالإحْراقِ، أوْ يُهْدَمُ عَلَيْهِ جِدارٌ، أوْ يُنَكَّسُ مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ ويُتْبَعُ بِالأحْجارِ، أوْ يُسْجَنُ حَتّى يَمُوتَ أوْ يَتُوبَ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ في الحاوِي أنَّ الأصَحَّ عَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ التَّعْزِيرُ بِالجِلْدِ - أيْ دُونَ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الِاعْتِيادِ وغَيْرِهِ - وسِياقُ كَلامِهِمُ التَّسْوِيَةُ في العُقُوبَةِ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ.
وقالَ الشّافِعِيُّ يُحَدُّ حَدَّ الزّانِي، فَإنْ كانَ مُحْصَنًا فَحَدُّ المُحْصَنِ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ فَحَدُّ غَيْرِ المُحْصَنِ. كَذا حَكاهُ القُرْطُبِيُّ. وقالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الحَنْبَلِيُّ، في كِتابِ اخْتِلافِ الأئِمَّةِ: إنَّ لِلشّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما هَذا، والآخَرُ أنَّهُ يُرْجَمُ بِكُلِّ حالٍ، ولَمْ يَذْكُرْ لَهُ تَرْجِيحًا، وقالَ الغَزّالِيُّ، في الوَجِيزِ: ”اللِّواطُ يُوجِبُ قَتْلَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ عَلى قَوْلٍ، والرَّجْمَ بِكُلِّ حالٍ عَلى قَوْلٍ، والتَّعْزِيرَ عَلى قَوْلٍ، وهو كالزِّنى عَلى قَوْلٍ“ وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ.
وفِي كِتابِ اخْتِلافِ الأئِمَّةِ لِابْنِ هُبَيْرَةَ الحَنْبَلِيِّ: أنَّ أظْهَرَ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ أنَّ في اللِّواطِ الرَّجْمَ بِكُلِّ حالٍ، أيْ مُحْصَنًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وفي رِوايَةِ عَنْهُ أنَّهُ كالزِّنى. وقالَ ابْنُ حَزْمٍ، في المُحَلّى: إنَّ مَذْهَبَ داوُدَ
صفحة ٢٣٤
وجَمِيعِ أصْحابِهِ أنَّ اللُّوطِيَّ يُجْلَدُ دُونَ الحَدِّ، ولَمْ يُصَرَّحْ، فِيما نَقَلُوا عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ، ولا عَنْ أحْمَدَ، ولا الشّافِعِيِّ بِمُساواةِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ في الحُكْمِ إلّا عِنْدَ مالِكٍ، ويُؤْخَذُ مِن حِكايَةِ ابْنِ حَزْمٍ في المُحَلّى: أنَّ أصْحابَ المَذاهِبِ المُخْتَلِفَةِ في تَعْزِيرِ هَذِهِ الفاحِشَةِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إلّا قَوْلًا شاذًّا لِأحَدِ فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ رَأى أنَّ المَفْعُولَ أغْلَظُ عُقُوبَةً مِنَ الفاعِلِ.
ورَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقالَ في إسْنادِهِ، مَقالٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ عَلِمْتَ اسْتِشارَةَ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ الجَرِيمَةِ، ولَوْ كانَ فِيها سَنَدٌ صَحِيحٌ لَظَهَرَ يَوْمَئِذٍ.
الأعراف 7:82
﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ عُطِفَتْ جُمْلَةُ: وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ عَلى جُمْلَةِ: قالَ لِقَوْمِهِ. والتَّقْدِيرُ: وإذْ ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا إلَخْ، والمَعْنى: أنَّهم أُفْحِمُوا عَنْ تَرْوِيجِ شَنْعَتِهِمْ والمُجادَلَةِ في شَأْنِها، وابْتَدَرُوا بِالتَّآمُرِ عَلى إخْراجِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ مِنَ القَرْيَةِ، لِأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ غَرِيبًا بَيْنَهم وقَدْ أرادُوا الِاسْتِراحَةَ مِن إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ، شَأْنُ مَن يَشْعُرُونَ بِفَسادِ حالِهِمْ، المَمْنُوعِينَ بِشَهَواتِهِمْ عَنِ الإقْلاعِ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ، المُصَمِّمِينَ عَلى مُداوَمَةِ ذُنُوبِهِمْ، فَإنَّ صُدُورَهم تَضِيقُ عَنْ تَحَمُّلِ المَوْعِظَةِ، وأسْماعُهم تَصَمُّ لِقَبُولِها، ولَمْ يَزَلْ مِن شَأْنِ المُنْغَمِسِينَ في الهَوى تَجَهُّمُ حُلُولِ مَن لا يُشارِكُهم بَيْنَهم.
صفحة ٢٣٥
والجَوابُ: الكَلامُ الَّذِي يُقابَلُ بِهِ كَلامٌ آخَرُ: تَقْرِيرًا، أوْ رَدًّا، أوْ جَزاءً.
وانْتَصَبَ قَوْلُهُ (جَوابَ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ (كانَ) مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها الواقِعِ بَعْدَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، وهَذا هو الِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، إذا كانَ أحَدُ مَعْمُولَيْ كانَ مَصْدَرًا مُنْسَبِكًا مِن أنْ والفِعْلِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وسُورَةِ الأنْعامِ، ولِذَلِكَ أجْمَعَتِ القِراءاتُ المَشْهُورَةُ عَلى نَصْبِ المَعْمُولِ الأوَّلِ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ: أخْرِجُوهم عائِدٌ عَلى مَحْذُوفٍ عُلِمَ مِنَ السِّياقِ، وهم لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلُهُ: وهم زَوْجُهُ وابْنَتاهُ.
وجُمْلَةُ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالإخْراجِ، وذَلِكَ شَأْنُ إنَّ إذا جاءَتْ في مَقامٍ لا شَكَّ فِيهِ ولا إنْكارَ، بَلْ كانَتْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ فَإنَّها تُفِيدُ مَفادَ فاءِ التَّفْرِيعِ وتَدُلُّ عَلى الرَّبْطِ والتَّعْلِيلِ.
والتَّطَهُّرُ تَكَلُّفُ الطَّهارَةِ. وحَقِيقَتُها النَّظافَةُ، وتُطْلَقُ الطَّهارَةُ - مَجازًا - عَلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ والحَذَرِ مِنَ الرَّذائِلِ وهي المُرادُ هُنا، وتِلْكَ صِفَةُ كَمالٍ، لَكِنَّ القَوْمَ لَمّا تَمَرَّدُوا عَلى الفُسُوقِ كانُوا يَعُدُّونَ الكَمالَ مُنافِرًا لِطِباعِهِمْ، فَلا يُطِيقُونَ مُعاشَرَةَ أهْلِ الكَمالِ، ويَذُمُّونَ ما لَهم مِنَ الكَمالاتِ فَيُسَمُّونَها ثِقْلًا، ولِذا وصَفُوا تَنَزُّهَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلِهِ تَطَهُّرًا، بِصِيغَةِ التَّكَلُّفِ والتَّصَنُّعِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما في كَلامِهِمْ مِنَ التَّهَكُّمِ بِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلِهِ، وهَذا مِن قَلْبِ الحَقائِقِ لِأجْلِ مُشايَعَةِ العَوائِدِ الذَّمِيمَةِ، وأهْلُ المُجُونِ والِانْخِلاعِ، يُسَمُّونَ المُتَعَفِّفَ عَنْ سِيرَتِهِمْ بِالتّائِبِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهم (﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾) قَصَدُوا بِهِ ذَمَّهم.
وهم قَدْ عَلِمُوا هَذا التَّطَهُّرَ مِن خُلُقِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ لِأنَّهم عاشَرُوهم، ورَأوْا سِيرَتَهم، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالخَبَرِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُضارِعِيَّةً لِدَلالَتِها عَلى أنَّ التَّطَهُّرَ مُتَكَرِّرٌ مِنهم، ومُتَجَدِّدٌ، وذَلِكَ أدْعى لِمُنافَرَتِهِمْ طِباعَهم
صفحة ٢٣٦
والغَضَبِ عَلَيْهِمْ وتَجَهُّمِ إنْكارِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ.
الأعراف 7:83
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: فَأنْجَيْناهُ تَعْقِيبٌ لِجُمْلَةِ: وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ أوْ لِجُمْلَةِ: (قالَ لِقَوْمِهِ) وهَذا التَّعْقِيبُ يُؤْذِنُ بِأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرْسِلَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ.
و(أنْجَيْناهُ) مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ. والتَّقْدِيرُ: فَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا وأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ، فَقَدَّمَ الخَبَرَ بِإنْجاءِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الخَبَرِ بِإمْطارِهِمْ مَطَرَ العَذابِ، لِقَصْدِ إظْهارِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ إنْجاءِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم لِحُسْنِ عَواقِبِ أسْلافِهِمْ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَيَعْلَمُوا أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ [الأعراف: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وأهْلُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم زَوْجُهُ وابْنَتانِ لَهُ بِكْرانِ، وكانَ لَهُ ابْنَتانِ مُتَزَوِّجَتانِ - كَما ورَدَ في التَّوْراةِ - امْتَنَعَ زَوْجاهُما مِنَ الخُرُوجِ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهَلَكَتا مَعَ أهْلِ القَرْيَةِ.
وأمّا امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْها هُنا أنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَجِّها، فَهَلَكَتْ مَعَ قَوْمِ لُوطٍ، وذُكِرَ في سُورَةِ هُودٍ ما ظاهِرُهُ أنَّها لَمْ تَمْتَثِلْ ما أمَرَ اللَّهُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَلْتَفِتَ هو ولا أحَدٌ مِن أهْلِهِ الخارِجِينَ مَعَهُ إلى المُدُنِ حِينَ يُصِيبُها العَذابُ فالتَفَتَتِ امْرَأتُهُ فَأصابَها العَذابُ، وذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ كافِرَةً. وقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ تُسِرُّ الكُفْرَ وتُظْهِرُ الإيمانَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ سَبَبُ التِفاتِها لِأنَّها كانَتْ غَيْرَ مُوقِنَةٍ بِنُزُولِ العَذابِ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّها لَمْ
صفحة ٢٣٧
تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ قَوْلَهُ: إلّا امْرَأتَكَ في سُورَةِ هُودٍ، اسْتِثْناءٌ مَن أهْلِكَ لا مَنِ (أحَدٍ) . لَعَلَّ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ مِن أهْلِ سَدُومَ تَزَوَّجَها لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنالِكَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ، فَإنَّهُ أقامَ في سَدُومَ سِنِينَ طَوِيلَةً بَعْدَ أنْ هَلَكَتْ أُمُّ بَناتِهِ وقَبْلَ أنْ يُرْسَلَ، ولَيْسَتْ هي أُمُّ بِنْتَيْهِ فَإنَّ التَّوْراةَ لَمْ تَذْكُرْ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا في آخِرِ القِصَّةِ.
ومَعْنى مِنَ الغابِرِينَ مِنَ الهالِكِينَ، والغابِرُ يُطْلَقُ عَلى المُنْقَضِي، ويُطْلَقُ عَلى الآتِي، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، وأشْهَرُ إطْلاقَيْهِ هو المُنْقَضِي، ولِذَلِكَ يُقالُ: غَبَرَ بِمَعْنى هَلَكَ، وهو المُرادُ هُنا: أيْ كانَتْ مِنَ الهالِكِينَ، أيْ هَلَكَتْ مَعَ مَن هَلَكَ مِن أهْلِ سَدُومَ.
والإمْطارُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَطَرِ، والمَطَرُ اسْمٌ لِلْماءِ النّازِلِ مِنَ السَّحابِ، يُقالُ: مَطَرَتْهُمُ السَّماءُ - بِدُونِ هَمْزَةٍ - بِمَعْنى نَزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، كَما يُقالُ: غاثَتْهم ووَبِلَتْهم، ويُقالُ: مَكانٌ مَمْطُورٌ، أيْ أصابَهُ المَطَرُ، ولا يُقالُ: مُمْطِرٌ، ويُقالُ أُمْطِرُوا - بِالهَمْزَةِ - بِمَعْنى نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ ما يُشْبِهُ المَطَرَ، ولَيْسَ هو بِمَطَرٍ، فَلا يُقالُ: هم مُمْطِرُونَ، ولَكِنْ يُقالُ: هم مُمْطَرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] وقالَ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - هُنا - وقالَ، في سُورَةِ الأنْفالِ: قَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَطَرَ وأمْطَرَ: أنَّ مَطَرَ لِلرَّحْمَةِ، وأمْطَرَ لِلْعَذابِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأحْقافِ: ﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فَهو يُعَكِّرُ عَلى كِلْتا التَّفْرِقَتَيْنِ، ويُعَيِّنُ أنْ تَكُونَ التَّفْرِقَةُ أغْلَبِيَّةً.
وكانَ الَّذِي أصابَ قَوْمَ لُوطٍحَجَرًا وكِبْرِيتًا مِن أعْلى القُرى كَما في التَّوْراةِ، وكانَ الدُّخانُ يَظْهَرُ مِنَ الأرْضِ مِثْلُ دُخانِ الأتُونِ، وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الباحِثِينَ أنَّ آبارَ الحُمَرِ الَّتِي ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّها كانَتْ في عُمْقِ السَّدِيمِ، كانَتْ قابِلَةً لِلِالتِهابِ بِسَبَبِ زَلازِلَ أوْ سُقُوطِ صَواعِقَ عَلَيْها. وقَدْ ذُكِرَ في
صفحة ٢٣٨
آيَةٍ أُخْرى، في القُرْآنِ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عالِيَ تِلْكَ القُرى سافِلًا، وذَلِكَ هو الخَسْفُ وهو مِن آثارِ الزَّلازِلِ، ومِنَ المُسْتَقْرَبِ أنْ يَكُونَ البَحْرُ المَيِّتُ هُنالِكَ قَدْ طَغى عَلى هَذِهِ الآبارِ أوِ البَراكِينِ مِن آثارِ الزِّلْزالِ.
وتَنْكِيرُ: (مَطَرًا) لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ أيْ: مَطَرًا عَجِيبًا مِن شَأْنِهِ أنْ يُهْلِكَ القُرى.
وتَفَرَّعَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ فالأمْرُ لِلْإرْشادِ والِاعْتِبارِ. والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بَلْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الِاعْتِبارُ، كَما هو شَأْنُ إيرادِ التَّذْيِيلِ بِالِاعْتِبارِ عَقِبَ المَوْعِظَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالخِطابِ كُلُّ مَن قُصِدَ بِالمَوْعِظَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِأنَّهُ لا يَيْأسُ مِن نَصْرِ اللَّهِ، وأنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ انْتِظارَ العَواقِبِ.
والمُجْرِمُونَ فاعِلُوا الجَرِيمَةِ، وهي المَعْصِيَةُ والسَّيِّئَةُ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ اللَّهَ عاقَبَهم بِذَلِكَ العِقابِ عَلى هَذِهِ الفاحِشَةِ، وأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرْسِلَ لَهم لِنَهْيِهِمْ عَنْها، لا لِأنَّهم مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، إذْ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ في القُرْآنِ بِخِلافِ ما قُصَّ عَنِ الأُمَمِ الأُخْرى، لَكِنَّ تَمالُئَهم عَلى فِعْلِ الفاحِشَةِ واسْتِحْلالِهِمْ إيّاها يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، وبِذَلِكَ يُؤْذِنُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠]، فَيَكُونُ إرْسالُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإنْكارِ تِلْكَ الفاحِشَةِ ابْتِداءً بِتَطْهِيرِ نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ يَصِفُ لَهُمُ الإيمانَ، إذْ لا شَكَّ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلَّغَهُمُ الرِّسالَةَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ دَعاهم إلى الإيمانِ، إلّا أنَّ اهْتِمامَهُ الأوَّلَ كانَ بِإبْطالِ هَذِهِ الفاحِشَةِ، ولِذَلِكَ وقَعَ الِاقْتِصارُ في إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ ومُجادَلَتِهِمْ إيّاهُ عَلى ما يَخُصُّ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ أصابَهم بِالعَذابِ عُقُوبَةً، عَلى تِلْكَ الفاحِشَةِ، كَما قالَ في
صفحة ٢٣٩
سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٤] وأنَّهم لَوْ أقْلَعُوا عَنْها لَتُرِكَ عَذابُهم عَلى الكُفْرِ إلى يَوْمٍ آخَرَ أوْ إلى اليَوْمِ الآخِرِ.
الأعراف 7:84
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: فَأنْجَيْناهُ تَعْقِيبٌ لِجُمْلَةِ: وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ أوْ لِجُمْلَةِ: (قالَ لِقَوْمِهِ) وهَذا التَّعْقِيبُ يُؤْذِنُ بِأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرْسِلَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ.
و(أنْجَيْناهُ) مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ. والتَّقْدِيرُ: فَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا وأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ، فَقَدَّمَ الخَبَرَ بِإنْجاءِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الخَبَرِ بِإمْطارِهِمْ مَطَرَ العَذابِ، لِقَصْدِ إظْهارِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ إنْجاءِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم لِحُسْنِ عَواقِبِ أسْلافِهِمْ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَيَعْلَمُوا أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ [الأعراف: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وأهْلُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم زَوْجُهُ وابْنَتانِ لَهُ بِكْرانِ، وكانَ لَهُ ابْنَتانِ مُتَزَوِّجَتانِ - كَما ورَدَ في التَّوْراةِ - امْتَنَعَ زَوْجاهُما مِنَ الخُرُوجِ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهَلَكَتا مَعَ أهْلِ القَرْيَةِ.
وأمّا امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْها هُنا أنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَجِّها، فَهَلَكَتْ مَعَ قَوْمِ لُوطٍ، وذُكِرَ في سُورَةِ هُودٍ ما ظاهِرُهُ أنَّها لَمْ تَمْتَثِلْ ما أمَرَ اللَّهُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَلْتَفِتَ هو ولا أحَدٌ مِن أهْلِهِ الخارِجِينَ مَعَهُ إلى المُدُنِ حِينَ يُصِيبُها العَذابُ فالتَفَتَتِ امْرَأتُهُ فَأصابَها العَذابُ، وذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ كافِرَةً. وقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ تُسِرُّ الكُفْرَ وتُظْهِرُ الإيمانَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ سَبَبُ التِفاتِها لِأنَّها كانَتْ غَيْرَ مُوقِنَةٍ بِنُزُولِ العَذابِ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّها لَمْ
صفحة ٢٣٧
تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ قَوْلَهُ: إلّا امْرَأتَكَ في سُورَةِ هُودٍ، اسْتِثْناءٌ مَن أهْلِكَ لا مَنِ (أحَدٍ) . لَعَلَّ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ مِن أهْلِ سَدُومَ تَزَوَّجَها لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنالِكَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ، فَإنَّهُ أقامَ في سَدُومَ سِنِينَ طَوِيلَةً بَعْدَ أنْ هَلَكَتْ أُمُّ بَناتِهِ وقَبْلَ أنْ يُرْسَلَ، ولَيْسَتْ هي أُمُّ بِنْتَيْهِ فَإنَّ التَّوْراةَ لَمْ تَذْكُرْ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا في آخِرِ القِصَّةِ.
ومَعْنى مِنَ الغابِرِينَ مِنَ الهالِكِينَ، والغابِرُ يُطْلَقُ عَلى المُنْقَضِي، ويُطْلَقُ عَلى الآتِي، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، وأشْهَرُ إطْلاقَيْهِ هو المُنْقَضِي، ولِذَلِكَ يُقالُ: غَبَرَ بِمَعْنى هَلَكَ، وهو المُرادُ هُنا: أيْ كانَتْ مِنَ الهالِكِينَ، أيْ هَلَكَتْ مَعَ مَن هَلَكَ مِن أهْلِ سَدُومَ.
والإمْطارُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَطَرِ، والمَطَرُ اسْمٌ لِلْماءِ النّازِلِ مِنَ السَّحابِ، يُقالُ: مَطَرَتْهُمُ السَّماءُ - بِدُونِ هَمْزَةٍ - بِمَعْنى نَزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، كَما يُقالُ: غاثَتْهم ووَبِلَتْهم، ويُقالُ: مَكانٌ مَمْطُورٌ، أيْ أصابَهُ المَطَرُ، ولا يُقالُ: مُمْطِرٌ، ويُقالُ أُمْطِرُوا - بِالهَمْزَةِ - بِمَعْنى نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ ما يُشْبِهُ المَطَرَ، ولَيْسَ هو بِمَطَرٍ، فَلا يُقالُ: هم مُمْطِرُونَ، ولَكِنْ يُقالُ: هم مُمْطَرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] وقالَ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] كَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - هُنا - وقالَ، في سُورَةِ الأنْفالِ: قَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَطَرَ وأمْطَرَ: أنَّ مَطَرَ لِلرَّحْمَةِ، وأمْطَرَ لِلْعَذابِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأحْقافِ: ﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فَهو يُعَكِّرُ عَلى كِلْتا التَّفْرِقَتَيْنِ، ويُعَيِّنُ أنْ تَكُونَ التَّفْرِقَةُ أغْلَبِيَّةً.
وكانَ الَّذِي أصابَ قَوْمَ لُوطٍحَجَرًا وكِبْرِيتًا مِن أعْلى القُرى كَما في التَّوْراةِ، وكانَ الدُّخانُ يَظْهَرُ مِنَ الأرْضِ مِثْلُ دُخانِ الأتُونِ، وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الباحِثِينَ أنَّ آبارَ الحُمَرِ الَّتِي ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّها كانَتْ في عُمْقِ السَّدِيمِ، كانَتْ قابِلَةً لِلِالتِهابِ بِسَبَبِ زَلازِلَ أوْ سُقُوطِ صَواعِقَ عَلَيْها. وقَدْ ذُكِرَ في
صفحة ٢٣٨
آيَةٍ أُخْرى، في القُرْآنِ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عالِيَ تِلْكَ القُرى سافِلًا، وذَلِكَ هو الخَسْفُ وهو مِن آثارِ الزَّلازِلِ، ومِنَ المُسْتَقْرَبِ أنْ يَكُونَ البَحْرُ المَيِّتُ هُنالِكَ قَدْ طَغى عَلى هَذِهِ الآبارِ أوِ البَراكِينِ مِن آثارِ الزِّلْزالِ.
وتَنْكِيرُ: (مَطَرًا) لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْجِيبِ أيْ: مَطَرًا عَجِيبًا مِن شَأْنِهِ أنْ يُهْلِكَ القُرى.
وتَفَرَّعَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ فالأمْرُ لِلْإرْشادِ والِاعْتِبارِ. والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بَلْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الِاعْتِبارُ، كَما هو شَأْنُ إيرادِ التَّذْيِيلِ بِالِاعْتِبارِ عَقِبَ المَوْعِظَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالخِطابِ كُلُّ مَن قُصِدَ بِالمَوْعِظَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِأنَّهُ لا يَيْأسُ مِن نَصْرِ اللَّهِ، وأنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ انْتِظارَ العَواقِبِ.
والمُجْرِمُونَ فاعِلُوا الجَرِيمَةِ، وهي المَعْصِيَةُ والسَّيِّئَةُ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ اللَّهَ عاقَبَهم بِذَلِكَ العِقابِ عَلى هَذِهِ الفاحِشَةِ، وأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرْسِلَ لَهم لِنَهْيِهِمْ عَنْها، لا لِأنَّهم مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، إذْ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ في القُرْآنِ بِخِلافِ ما قُصَّ عَنِ الأُمَمِ الأُخْرى، لَكِنَّ تَمالُئَهم عَلى فِعْلِ الفاحِشَةِ واسْتِحْلالِهِمْ إيّاها يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، وبِذَلِكَ يُؤْذِنُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠]، فَيَكُونُ إرْسالُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإنْكارِ تِلْكَ الفاحِشَةِ ابْتِداءً بِتَطْهِيرِ نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ يَصِفُ لَهُمُ الإيمانَ، إذْ لا شَكَّ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلَّغَهُمُ الرِّسالَةَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ دَعاهم إلى الإيمانِ، إلّا أنَّ اهْتِمامَهُ الأوَّلَ كانَ بِإبْطالِ هَذِهِ الفاحِشَةِ، ولِذَلِكَ وقَعَ الِاقْتِصارُ في إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ ومُجادَلَتِهِمْ إيّاهُ عَلى ما يَخُصُّ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ أصابَهم بِالعَذابِ عُقُوبَةً، عَلى تِلْكَ الفاحِشَةِ، كَما قالَ في
صفحة ٢٣٩
سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٤] وأنَّهم لَوْ أقْلَعُوا عَنْها لَتُرِكَ عَذابُهم عَلى الكُفْرِ إلى يَوْمٍ آخَرَ أوْ إلى اليَوْمِ الآخِرِ.
الأعراف 7:85
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
تَفْسِيرُ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِها في قِصَّةِ ثَمُودَ، سِوى أنَّ تَجْرِيدَ فِعْلِ (قالَ يا قَوْمِ) مِنَ الفاءِ هُنا يَتَرَجَّحُ أنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَلامَهُ هَذا لَيْسَ هو الَّذِي فاتَحَهم بِهِ في ابْتِداءِ رِسالَتِهِ بَلْ هو مِمّا خاطَبَهم بِهِ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِرارًا، وبَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم كَما يَأْتِي.
ومَدْيَنُ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّها مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مِن زَوْجِهِ الثّالِثَةِ الَّتِي تَزَوَّجَها في آخِرِ عُمُرِهِ وهي سُرِّيَّةٌ اسْمُها
صفحة ٢٤٠
قَطُورا. وتَزَوَّجَ مَدْيَنُ ابْنَةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووُلِدَ لَهُ أبْناءٌ: هم (عَيْفَةُ) و(عَفَرُ) و(حَنُوكُ) و(ابْيَداعُ) و(ألْدَعَةُ) وقَدْ أسْكَنَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِيارِهِمْ، وسَطًا بَيْنَ مَسْكَنِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَسْكَنِ ابْنِهِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِن ذُرِّيَّتِهِمْ تَفَرَّعَتْ بُطُونُ مَدْيَنَ، وكانُوا يُعَدُّونَ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، ومَواطِنُهم بَيْنَ الحِجازِ وخَلِيجِ العَقَبَةِ بِقُرْبِ ساحِلِ البَحْرِ الأحْمَرِ، وقاعِدَةُ بِلادِهِمْ (وجُّ) عَلى البَحْرِ الأحْمَرِ وتَنْتَهِي أرْضُهم مِنَ الشَّمالِ إلى حُدُودِ مَعانٍ مِن بِلادِ الشّامِ، وإلى نَحْوِ تَبُوكَ مِنَ الحِجازِ، وتُسَمّى بِلادُهُمُ الأيْكَةَ. ويُقالُ: إنَّ الأيْكَةَ هي تَبُوكُ فَعَلى هَذا هي مِن بِلادِ مَدْيَنَ، وكانَتْ بِلادُهم قُرًى وبَوادِي، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القَرْيَةِ وهي الأيْكَةُ، وقَدْ تَعَرَّبُوا بِمُجاوَرَةِ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ وكانُوا في مُدَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَحْتَ مُلُوكِ مِصْرَ، وقَدِ اكْتَسَبُوا، بِمُجاوَرَةِ قَبائِلِ العَرَبِ ومُخالَطَتِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ في طَرِيقِ مِصْرَ، عَرَبِيَّةً فَأصْبَحُوا في عِدادِ العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ، مِثْلَ بَنِي إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ كانَ شاعِرٌ في الجاهِلِيَّةِ يُعْرَفُ بِأبِي الهَمَيْسَعِ هو مِن شُعَراءِ مَدْيَنَ وهو القائِلُ: إنْ تَمْنَعِي صَوْبَكِ صَوْبَ المَدْمَعِ يَجْرِي عَلى الخَدِّ كَضِئْبِ الثَّعْثَعِ مِن طَمْحَةٍ صَبِيرُها جَحْلَنْجَعِ ويُقالُ: إنَّ الخَطَّ العَرَبِيَّ أوَّلُ ما ظَهَرَ في مَدْيَنَ.
وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو رَسُولٌ لِأهْلِ مَدْيَنَ، وهو مِن أنْفُسِهِمْ، اسْمُهُ في العَرَبِيَّةِ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْمُهُ في التَّوْراةِ: ”يَثْرُونُ“ ويُسَمّى أيْضًا ”رَعْوَئِيلَ“ وهو ابْنُ ”نُوَيْلى أوْ نُوَيْبِ بْنِ رَعْوِيلَ بْنِ عَيْفا بْنِ مَدْيَنَ. وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مِن مِصْرَ نَزَلَ بِلادَ مَدْيَنَ وزَوَّجَهُ شُعَيْبٌ ابْنَتَهُ المُسَمّاةَ صَفُورَهْ وأقامَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ أجِيرًا.
وقَدْ خَبَطَ في نَسَبِ مَدْيَنَ ونَسَبِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ
صفحة ٢٤١
المُفَسِّرِينَ والمُؤَرِّخِينَ، فَما وجَدْتَ مِمّا يُخالِفُ هَذا فانْبِذْهُ. وعَدَّ الصَّفَدِيُّ شُعَيْبًا في العُمْيانِ، ولَمْ أقِفْ عَلى ذَلِكَ في الكُتُبِ المُعْتَمَدَةِ. وقَدِ ابْتَدَأ الدَّعْوَةَ بِالإيمانِ لِأنَّ بِهِ صَلاحَ الِاعْتِقادِ والقَلْبِ، وإزالَةَ الزَّيْفِ مِنَ العَقْلِ.
وبَيِّنَةُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّتِي جاءَتْ في كَلامِهِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أُطْلِقَتْ عَلى الآيَةِ لِمُعْجِزَةٍ أظْهَرَها لِقَوْمِهِ عَرَفُوها ولَمْ يَذْكُرْها القُرْآنُ، كَما قالَ ذَلِكَ المُفَسِّرُونَ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ حُجَّةً أقامَها عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وسُوءِ الفِعْلِ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ فِيها، فَقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِثْلُ المُجادَلَةِ الَّتِي حُكِيَتْ في سُورَةِ هُودٍ فَتَكُونُ البَيِّنَةُ أُطْلِقَتْ عَلى ما يُبَيِّنُ صِدْقَ الدَّعْوى، لا عَلى خُصُوصِ خارِقِ العادَةِ، أوْ أنْ يَكُونَ أرادَ بِالبَيِّنَةِ ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ أيْ يَكُونُ أنْذَرَهم بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم مُرادًا بِهِ المُسْتَقْبَلُ القَرِيبُ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، أوْ أنْ يَكُونَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يُظْهِرَ لَهم آيَةً، أيْ مُعْجِزَةً لِيُؤْمِنُوا، فَلَمْ يَسْألُوها وبادَرُوا بِالتَّكْذِيبِ، فَيَكُونُ المَعْنى مِثْلَ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها﴾ [الأعراف: ١٠٦] الآيَةَ، فَيَكُونُ مَعْنى: (قَدْ جاءَتْكم) قَدْ أُعِدَّتْ لِأنْ تَجِيئَكم إذا كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ عِنْدَ مَجِيئِها.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَضْمُونِ مَعْنى بَيِّنَةٍ لِأنَّ البَيِّنَةَ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، فَلَمّا قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِدْقِهِ وكانَ قَدْ أمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ بادِئَ بَدْءٍ، لِما فِيهِ مِن صَلاحِ القَلْبِ، شَرَعَ يَأْمُرُهم بِالشَّرائِعِ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ الإيمانِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الآتِي: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فَتِلْكَ دَعْوَةٌ لِمَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ بِأنْ يُكْمِلُوا إيمانَهم بِالتِزامِ الشَّرائِعِ الفَرْعِيَّةِ، وإبْلاغٌ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِما يَلْزَمُهم بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، وفي دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ إلى الأعْمالِ الفَرْعِيَّةِ بَعْدَ أنِ اسْتَقَرَّتِ الدَّعْوَةُ إلى
صفحة ٢٤٢
التَّوْحِيدِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّ البَشَرَ في ذَلِكَ العَصْرِ قَدْ تَطَوَّرَتْ نُفُوسُهم تَطَوُّرًا هَيَّأهم لِقَبُولِ الشَّرائِعِ الفَرْعِيَّةِ، فَإنَّ دَعْوَةَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ أوْسَعَ مِن دَعْوَةِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ هُودٍ وصالِحٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذْ كانَ فِيها تَشْرِيعُ أحْكامٍ فَرْعِيَّةٍ وقَدْ كانَ عَصْرُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ أظَلَّ عَصْرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي جاءَ بِشَرِيعَةٍ عَظِيمَةٍ ماسَّةٍ نَواحِيَ الحَياةِ كُلِّها.
والبَخْسُ فَسَّرُوهُ بِالنَّقْصِ، وزادَ الرّاغِبُ في المُفْرَداتِ قَيْدًا، فَقالَ: نَقْصُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ، وأحْسَنُ ما رَأيْتُ في تَفْسِيرِهِ قَوْلُ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ:“ البَخْسُ في لِسانِ العَرَبِ هو النَّقْصُ بِالتَّعْيِيبِ والتَّزْهِيدِ أوِ المُخادَعَةُ عَنِ القِيمَةِ أوِ الِاحْتِيالُ في التَّزَيُّدِ في الكَيْلِ والنُّقْصانِ مِنهُ ”فَلْنَبْنِ عَلى أساسِ كَلامِهِ فَنَقُولُ: البَخْسُ هو إنْقاصُ شَيْءٍ مِن صِفَةٍ أوْ مِقْدارٍ هو حَقِيقٌ بِكَمالٍ في نَوْعِهِ. فَفِيهِ مَعْنى الظُّلْمِ والتَّحَيُّلِ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِيدَهْ في المُخَصَّصِ البَخْسُ في بابِ الذَّهابِ بِحَقِّ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ عِنْدَما ذَكَرَهُ وقَعَ فِيما وقَعَ فِيهِ غَيْرُهُ مِن مُدَوِّنِي اللُّغَةِ، فالبَخْسُ حَدَثٌ يَتَّصِفُ بِهِ فاعِلٌ ولَيْسَ صِفَةً لِلشَّيْءِ المَبْخُوسِ في ذاتِهِ، إلّا بِمَعْنى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أيْ دُونَ قِيمَةِ أمْثالِهِ، أيْ تَساهَلَ بائِعُوهُ في ثَمَنِهِ لِأنَّهم حَصَّلُوهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ولا كُلْفَةٍ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ البَخْسُ مُتَعَلِّقًا بِالكَمِّيَّةِ كَما يَقُولُ المُشْتَرِيَ: هَذا النِّحْيُ لا يَزِنُ أكْثَرَ مِن عَشَرَةِ أرْطالٍ، وهو يَعْلَمُ أنَّ مِثْلَهُ يَزِنُ اثْنَيْ عَشَرَ رِطْلًا، أوْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلى هَذا النَّخْلِ أكْثَرُ مِن عَشَرَةِ قَناطِيرَ تَمْرًا في حِينِ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ يَبْلُغُ عِشْرِينَ قِنْطارًا، وقَدْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالصِّفَةِ كَما يَقُولُ: هَذا البَعِيرُ شَرُودٌ وهو مِنَ الرَّواحِلِ، ويَكُونُ طَرِيقُ البَخْسِ قَوْلًا، كَما مَثَّلْنا، وفِعْلًا كَما يَكُونُ مِن بَذْلِ ثَمَنٍ رَخِيصٍ في شَيْءٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُباعَ غالِيًا، والمَقْصُودُ مِنَ البَخْسِ أنْ يَنْتَفِعَ الباخِسُ الرّاغِبُ في السِّلْعَةِ المَبْخُوسَةِ بِأنْ يَصْرِفَ النّاسَ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها فَتَبْقى كَلًّا عَلى جالِبِها فَيَضْطَرُّ إلى بَيْعِها بِثَمَنٍ زَهِيدٍ، وقَدْ يُقْصَدُ مِنهُ إلْقاءُ الشَّكِّ في نَفْسِ جالِبِ
صفحة ٢٤٣
السِّلْعَةِ بِأنَّ سِلْعَتَهُ هي دُونَ ما هو رائِجٌ بَيْنَ النّاسِ، فَيَدْخُلُهُ اليَأْسُ مِن فَوائِدِ نِتاجِهِ فَتَكْسَلُ الهِمَمُ.
وما وقَعَ في اللِّسانِ مِن مَعانِي البَخْسِ: أنَّهُ الخَسِيسُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ عَلى ضَرْبٍ مِنَ المَجازِ أوِ التَّوَسُّعِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ البَخْسَ هو بِمَعْنى النَّقْصِ الَّذِي هو فِعْلُ الفاعِلِ بِالمَفْعُولِ، لا النَّقْصُ الَّذِي هو صِفَةُ الشَّيْءِ النّاقِصِ، فَهو أخَصُّ مِنَ النَّقْصِ في الِاسْتِعْمالِ، وهو أخَصُّ مِنهُ في المَعْنى أيْضًا.
ثُمَّ إنَّ حَقَّ فِعْلِهِ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَإذا عُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ هُنا: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَذَلِكَ عَلى مَعْنى التَّحْوِيلِ لِتَحْصِيلِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ، وأصْلُ الكَلامِ: ولا تَبْخَسُوا أشْياءَ النّاسِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (أشْياءَهم) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ: (النّاسَ) وعَلى هَذا فَلَوْ بُنِيَ فِعْلُ بَخَسَ لِلْمَجْهُولِ لَقُلْتَ بُخِسَ فُلانٌ شَيْئُهُ - بِرَفْعِ فُلانٍ ورَفْعِ شَيْئِهِ. وقَدْ جَعَلَهُ أبُو البَقاءِ مَفْعُولًا ثانِيًا، فَعَلى إعْرابِهِ لَوْ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لَبَقِيَ أشْياءَهم مَنصُوبًا، وعَلى إعْرابِنا لَوْ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لَصارَ أشْياؤُهم مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ النّاسِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ بَيْنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ فَرْقًا قَدْ خَفِيَ عَلى كَثِيرٍ.
وحاصِلُ ما أمَرَ بِهِ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ، بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، يَنْحَصِرُ في ثَلاثَةِ أُصُولٍ: هي حِفْظُ حُقُوقِ المُعامَلَةِ المالِيَّةِ، وحِفْظُ نِظامِ الأُمَّةِ ومَصالِحِها، وحِفْظُ حُقُوقِ حُرِّيَّةِ الِاسْتِهْداءِ.
فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَإيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ يَرْجِعُ إلى حِفْظِ حُقُوقِ المُشْتَرِينَ، لِأنَّ الكائِلَ أوِ الوازِنَ هو البائِعُ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ حُبُّ الِاسْتِفْضالِ عَلى تَطْفِيفِ الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ، لِيَكُونَ باعَ الشَّيْءَ النّاقِصَ بِثَمَنِ الشَّيْءِ الوافِي، كَما يَحْسَبُهُ المُشْتَرِي.
وأمّا النَّهْيُ عَنْ بَخْسِ النّاسِ أشْياءَهم فَيَرْجِعُ إلى حِفْظِ حُقُوقِ البائِعِ لِأنَّ
صفحة ٢٤٤
المُشْتَرِيَ هو الَّذِي يَبْخَسُ شَيْءَ البائِعِ لِيُهَيِّئَهُ لِقَبُولِ الغَبْنِ في ثَمَنِ شَيْئِهِ، وكِلا هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ حِيلَةٌ وخِداعٌ لِتَحْصِيلِ رِبْحٍ مِنَ المالِ.
والكَيْلُ مَصْدَرٌ، ويُطْلَقُ عَلى ما يُكالُ بِهِ، وهو المِكْيالُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] وهو المُرادُ هُنا: لِمُقابَلَتِهِ بِالمِيزانِ، ولِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤] ومَعْنى إيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ أنْ تَكُونَ آلَةُ الكَيْلِ وآلَةُ الوَزْنِ بِمِقْدارِ ما يُقَدَّرُ بِها مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ. وإنَّما خَصَّ هَذَيْنِ التَّحَيُّلَيْنِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ المَذْكُورَيْنِ: لِأنَّهُما كانا شائِعَيْنِ عِنْدَ مَدْيَنَ، ولِأنَّ التَّحَيُّلاتِ في المُعامَلَةِ المالِيَّةِ تَنْحَصِرُ فِيهِما إذْ كانَ التَّعامُلُ بَيْنَ أهْلِ البَوادِي مُنْحَصِرًا في المُبادَلاتِ بِأعْيانِ الأشْياءِ: عَرْضًا وطَلَبًا.
وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ النَّهْيَ في قَوْلِهِ: ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم أفادَ مَعْنًى غَيْرَ الَّذِي أفادَهُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ. ولَيْسَ ذَلِكَ النَّهْيُ جارِيًا مَجْرى العِلَّةِ لِلْأمْرِ، أوِ التَّأْكِيدِ لِمَضْمُونِهِ، كَما فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
وما جاءَ في هَذا التَّشْرِيعِ هو أصْلٌ مِن أُصُولِ رَواجِ المُعامَلَةِ بَيْنَ الأُمَّةِ لِأنَّ المُعامَلاتِ تَعْتَمِدُ الثِّقَةَ المُتَبادَلَةَ بَيْنَ الأُمَّةِ، وإنَّما تَحْصُلُ بِشُيُوعِ الأمانَةِ فِيها، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ نَشِطَ النّاسُ لِلتَّعامُلِ فالمُنْتِجُ يَزْدادُ إنْتاجًا وعَرْضًا في الأسْواقِ، والطّالِبُ مِن تاجِرٍ أوْ مُسْتَهْلِكٍ يُقْبِلُ عَلى الأسْواقِ آمِنًا لا يَخْشى غَبْنًا ولا خَدِيعَةً ولا خِلابَةً، فَتَتَوَفَّرُ السِّلَعُ في الأُمَّةِ، وتَسْتَغْنِي عَنِ اجْتِلابِ أقْواتِها وحاجِيّاتِها وتَحْسِينِيّاتِها، فَيَقُومُ نَماءُ المَدِينَةِ والحَضارَةِ عَلى أساسٍ مَتِينٍ، ويَعِيشُ النّاسُ في رَخاءٍ وتَحابُبٍ وتَآخٍ، وبِضِدِّ ذَلِكَ يَخْتَلُّ حالُ الأُمَّةِ بِمِقْدارِ تَفَشِّي ضِدِّ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ هَذا الأصْلُ الثّانِي مِن أُصُولِ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّ ما يُفْضِي إلى إفْسادِ ما هو عَلى
صفحة ٢٤٥
حالَةِ الصَّلاحِ في الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]) في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى مَجْمُوعِ ما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ، ولِذا أُفْرِدَ اسْمُ الإشارَةِ. والمَذْكُورُ: هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ، وتَجَنُّبِ بَخْسِ أشْياءِ النّاسِ، وتَجَنُّبِ الفَسادِ في الأرْضِ. وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ لَهم، أيْ نَفْعٌ وصَلاحٌ تَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ. وإنَّما كانَ ما ذُكِرَ خَيْرًا: لِأنَّهُ يُوجِبُ هَناءَ العَيْشِ واسْتِقْرارَ الأمْنِ وصَفاءَ الوُدِّ بَيْنَ الأُمَّةِ وزَوالَ الإحَنِ المُفْضِيَةِ إلى الخُصُوماتِ والمُقاتَلاتِ، فَإذا تَمَّ ذَلِكَ كَثُرَتِ الأُمَّةُ وعَزَّتْ وهابَها أعْداؤُها وحَسُنَتْ أُحْدُوثَتُها وكَثُرَ مالُها بِسَبَبِ رَغْبَةِ النّاسِ في التِّجارَةِ والزِّراعَةِ لِأمْنِ صاحِبِ المالِ مِنِ ابْتِزازِ مالِهِ، وفِيهِ خَيْرُ الآخِرَةِ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ فَعَلُوهُ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ رَسُولِهِ أكْسَبَهم رِضا اللَّهِ، فَنَجَوْا مِنَ العَذابِ، وسَكَنُوا دارَ الثَّوابِ. فالتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: خَيْرٌ لِلتَّعْظِيمِ والكَمالِ لِأنَّهُ جامِعُ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرْطٌ مُقَيِّدٌ لِقَوْلِهِ: (ذَلِكم خَيْرٌ لَكم) والمُؤْمِنُونَ لَقَبٌ لِلْمُتَّصِفِينَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، كَما هو مُصْطَلَحُ الشَّرائِعِ، وحَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُصَدِّقِينَ لِقَوْلِهِ، ونُصْحِهِ، وأمانَتِهِ: حَمْلٌ عَلى ما يَأْباهُ السِّياقُ، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يَكُونُ خَيْرًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وحْدَهُ، فَهو رُجُوعٌ إلى الدَّعْوَةِ لِلتَّوْحِيدِ بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ في كَلامِهِ، ومَعْناهُ أنَّ حُصُولَ الخَيْرِ مِنَ الأشْياءِ المُشارِ إلَيْها لا يَكُونُ إلّا مَعَ الإيمانِ، لِأنَّهم إذا فَعَلُوها وهم مُشْرِكُونَ لَمْ يَحْصُلْ مِنها الخَيْرُ لِأنَّ مَفاسِدَ الشِّرْكِ تُفْسِدُ ما في الأفْعالِ مِنَ الخَيْرِ، أمّا في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الدُّنْيا فَإنَّ الشِّرْكَ يَدْعُو إلى أضْدادِ تِلْكَ الفَضائِلِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]
صفحة ٢٤٦
أوْ يَدْعُو إلى مَفاسِدَ لا يَظْهَرُ مَعَها نَفْعُ تِلْكَ المَصالِحِ. والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِالتَّقْيِيدِ نَفْيُ الخَيْرِ الكامِلِ عَنْ تِلْكَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فاعِلُوها مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ حَقَّ الإيمانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . وتَأْوِيلُ الآيَةِ بِغَيْرِ هَذا عُدُولٌ بِها عَنْ مَهْيَعِ الوُضُوحِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ هَذا الأصْلُ الثّالِثُ مِن دَعْوَتِهِ وهو النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلنّاسِ دُونَ الإيمانِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما يَتَطَلَّبُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي ذَلِكَ صَلاحُ أنْفُسِهِمْ، أيْ أصْلِحُوا أنْفُسَكم ولا تَمْنَعُوا مَن يَرْغَبُ في إصْلاحِ نَفْسِهِ. ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَصُدُّونَ وُفُودَ النّاسِ عَنِ الدُّخُولِ إلى المَدِينَةِ الَّتِي كانَ بِها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يُؤْمِنُوا بِهِ. فالمُرادُ بِالصِّراطِ الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إلى لِقاءِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والقُعُودُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ لازِمَةٍ وهو المُلازَمَةُ والِاسْتِقْرارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و(كُلِّ) لِلْعُمُومِ وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ كُلِّ صِراطٍ مُبَلِّغٍ إلى القَرْيَةِ أوْ إلى مَنزِلِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ كَما تَقَدَّمَ.
والباءُ لِلْإلْصاقِ، أوْ هي بِمَعْنى في كَشَأْنِها إذا دَخَلَتْ عَلى أسْماءِ المَنازِلِ. كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:“ بِسِقْطِ اللِّوى ”البَيْتَ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَقْعُدُوا. والإيعادُ: الوَعْدُ بِالشَّرِّ. والمَقْصُودُ مِنَ الإيعادِ الصَّدُّ، فَيَكُونُ عَطْفُ جُمْلَةٍ (وتَصُدُّونَ) عَطْفُ عِلَّةٍ عَلى مَعْلُولٍ، أوْ أُرِيدُ تُوعِدُونَ المُصَمِّمِينَ عَلى اتِّباعِ الإيمانِ، وتَصُدُّونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَمِّمُوا: فَهو عَطْفُ عامٍ عَلى خاصٍّ.
صفحة ٢٤٧
و(مَن آمَنَ) يَتَنازَعُهُ كُلُّ مِن تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ.
والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: مَن آمَنَ بِهِ عِوَضًا عَنِ المُضارِعِ، حَيْثُ المُرادُ بِمَن آمَنَ قاصِدُ الإيمانِ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ عَزْمِ القاصِدِ عَلى الإيمانِ فَهو لَوْلا أنَّهم يَصُدُّونَهُ لَكانَ قَدْ آمَنَ.
وسَبِيلُ اللَّهِ الدِّينُ لِأنَّهُ مِثْلُ الطَّرِيقِ المَوْصُولِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى القُرْبِ مِن مَرْضاتِهِ.
ومَعْنى (﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩]) تَبْغُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ عِوَجًا إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ ما يَدْعُو إلَيْهِ شُعَيْبٌ باطِلٌ، يُقالُ: بَغاهُ بِمَعْنى طَلَبَ لَهُ، فَأصْلُهُ بَغى لَهُ فَحَذَفُوا حَرْفَ الجَرِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ أوْ لِتَضْمِينِ بَغى مَعْنى أعْطى.
والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - عَدَمُ الِاسْتِقامَةِ في المَعانِي، وبِفَتْحِ العَيْنِ: عَدَمُ اسْتِقامَةِ الذّاتِ، والمَعْنى: تُحاوِلُونَ أنْ تَصِفُوا دَعْوَةَ شُعَيْبٍ المُسْتَقِيمَةَ بِأنَّها باطِلٌ وضَلالٌ، كَمَن يُحاوِلُ اعْوِجاجَ عُودٍ مُسْتَقِيمٍ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في هَذِهِ السُّورَةِ في ذِكْرِ نِداءِ أصْحابِ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ.
وإنَّما أخَّرَ النَّهْيَ عَنِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَجْعَلْهُ في نَسَقِ الأوامِرِ والنَّواهِي الماضِيَةِ ثُمَّ يُعَقِّبْهُ بِقَوْلِهِ (ذَلِكم خَيْرٌ لَكم) لِأنَّهُ رَتَّبَ الكَلامَ عَلى الِابْتِداءِ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمُناسَبَةِ أنَّ الجَمِيعَ فِيهِ صَلاحُ المُخاطَبِينَ، فَأعْقَبَها بِبَيانِ أنَّها خَيْرٌ لَهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَأعادَ تَنْبِيهَهم إلى الإيمانِ وإلى أنَّهُ شَرْطٌ في صَلاحِ الأعْمالِ، وبِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الإيمانِ عادَ إلى النَّهْيِ عَنْ صَدِّ الرّاغِبِينَ فِيهِ، فَهَذا مِثْلُ التَّرْتِيبِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِـلَـذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خُلْخالِ
ولَمْ أسْبَأِ الرّاحَ الكُمَيْتَ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفَـالِ
رَوى الواحِدِيُّ في شَرْحِ دِيوانِ المُتَنَبِّي أنَّ المُتَنَبِّي لَمّا أنْشَدَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ قَوْلَهُ فِيهِ:
صفحة ٢٤٨
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهو نَـائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمَـى حَـزِينَةً ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ بَـاسِـمُ
أنْكَرَ عَلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ تَطْبِيقَ عَجُزَيِ البَيْتَيْنِ عَلى صَدَرَيْهِما، وقالَ لَهُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ تَجْعَلَ العَجُزَ الثّانِي عَجُزَ الأوَّلِ والعَكْسَ وأنْتَ في هَذا مِثْلُ امْرِئِ القَيْسِ في قَوْلِهِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ
البَيْتَيْنِ، ووَجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَهُ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ: أنْ يَكُونَ عَجُزُ البَيْتِ الأوَّلِ لِلثّانِي وعَجُزُ البَيْتِ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِيَكُونَ رُكُوبُ الخَيْلِ مَعَ الأمْرِ لِلْخَيْلِ بِالكَرِّ، ويَكُونُ سِباءُ الخَمْرِ مَعَ تَبَطُّنِ الكاعِبِ، فَقالَ أبُو الطَّيِّبِ: إنْ صَحَّ أنَّ الَّذِي اسْتَدْرَكَ عَلى امْرِئِ القَيْسِ هَذا أعْلَمُ مِنهُ بِالشِّعْرِ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ وأخْطَأْتُ أنا، ومَوْلانا الأمِيرُ يَعْلَمُ أنَّ الثَّوْبَ لا يَعْرِفُهُ البَزّازُ مَعْرِفَةَ الحائِكِ، لِأنَّ البَزّازَ لا يَعْرِفُ إلّا جُمْلَتَهُ، والحائِكَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ، لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الغَزَلِيَّةِ إلى الثَّوْبِيَّةِ، وإنَّما قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ لَذَّةَ النِّساءِ بِلَذَّةِ الرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ وقَرَنَ السَّماحَةَ في شِراءِ الخَمْرِ لِلْأضْيافِ بِالشَّجاعَةِ في مُنازَلَةِ الأعْداءِ، وأنّا لَمّا ذَكَرْتُ المَوْتَ في أوَّلِ البَيْتِ أتْبَعْتُهُ بِذِكْرِ الرَّدى لِتَجانُسِهِ، ولَمّا كانَ وجْهُ المُنْهَزِمِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ عَبُوسًا وعَيْنُهُ مِن أنْ تَكُونَ باكِيَةً قُلْتُ: ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ لِأجْمَعَ بَيْنَ الأضْدادِ في المَعْنى.
وهُوَ يَعْنِي بِهَذا أنَّ وُجُوهَ المُناسَبَةِ في نَظْمِ الكَلامِ تَخْتَلِفُ وتَتَعَدَّدُ، وأنَّ بَعْضًا يَكُونُ أرْجَحَ مِن بَعْضٍ.
وذَكَّرَهم شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَقِبَ ذَلِكَ بِتَكْثِيرِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ كانُوا قَلِيلًا، وهي نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، إذْ صارُوا أُمَّةً بَعْدَ أنْ كانُوا مَعْشَرًا.
ومَعْنى تَكْثِيرِ اللَّهِ إيّاهم تَيْسِيرُهُ أسْبابَ الكَثْرَةِ لَهم بِأنْ قَوّى فِيهِمْ قُوَّةَ التَّناسُلِ، وحَفِظَهم مِن أسْبابِ المَوَتانِ، ويَسَّرَ لِنَسْلِهِمُ اليِفاعَةَ حَتّى كَثُرَتْ مَوالِيدُهم وقَلَّتْ وفِيّاتُهم، فَصارُوا عَدَدًا كَثِيرًا في زَمَنٍ لا يُعْهَدُ في مِثْلِهِ مَصِيرُ أُمَّةٍ إلى عَدَدِهِمْ، فَيُعَدُّ مَنعُهُمُ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في دِينِ اللَّهِ سَعْيًا في تَقْلِيلِ حِزْبِ اللَّهِ، وذَلِكَ كُفْرانٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ كَثَّرَهم، ولِيُقابِلُوا اعْتِبارَ
صفحة ٢٤٩
هَذِهِ النِّعْمَةِ بِاعْتِبارِ نِقْمَتِهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ، إذِ اسْتَأْصَلَهم بَعْدَ أنْ كانُوا كَثِيرًا فَذَلِكَ مِن تَمايُزِ الأشْياءِ بِأضْدادِها.
فَلِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ. وفي هَذا الكَلامِ جَمْعٌ بَيْنَ طَرِيقَيِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
(وقَلِيلٌ) وصْفٌ يَلْزَمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ، مِثْلُ كَثِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -:“ ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِئٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] " في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والمُرادُ بِـ المُفْسِدِينَ الَّذِينَ أفْسَدُوا أنْفُسَهم بِعَقِيدَةِ الشِّرْكِ وبِأعْمالِ الضَّلالِ، وأفْسَدُوا المُجْتَمَعَ بِخالِفَةِ الشَّرائِعِ، وأفْسَدُوا النّاسَ بِإمْدادِهِمْ بِالضَّلالِ وصَدِّهِمْ عَنِ الهُدى، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ: لِلْمُفْسِدِينَ بِمُتَعَلِّقٍ لِأنَّهُ اعْتُبِرَ صِفَةً، وقُطِعَ عَنْ مُشابَهَةِ الفِعْلِ، أيِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالإفْسادِ، وهَذا الخِطابُ مَقْصُودٌ مِنهُ الكافِرُونَ مِن قَوْمِهِ ابْتِداءً، وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ، فَإنَّها تَشْمَلُهم وبِالِاعْتِبارِ بِمَن مَضَوْا فَإنَّهُ يَنْفَعُهم، وفي هَذا الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ لِلْمُسْلِمِينَ وبِالتَّسْلِيَةِ لَهم عَلى ما يُلاقُونَهُ مِن مُفْسِدِي أهْلِ الشِّرْكِ لِانْطِباقِ حالِ الفَرِيقَيْنِ عَلى حالِ الفَرِيقَيْنِ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
و(إذْ) في قَوْلِهِ: إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا اسْمُ زَمانٍ، غَيْرُ ظَرْفٍ فَهو في مَحَلِّ المَفْعُولِ بِهِ أيِ اذْكُرُوا زَمانَ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَأعْقَبَهُ بِأنْ كَثَّرَكم في مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ.
و: الطّائِفَةُ الجَماعَةُ ذاتُ العَدَدِ الكَثِيرِ وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
والشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ﴾ أفادَ تَعْلِيقَ حُصُولِ مَضْمُونِ الجَزاءِ في المُسْتَقْبَلِ، أعْنِي ما تَضَمَّنَهُ الوَعِيدُ لِلْكافِرِينَ بِهِ والوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، عَلى تَحَقُّقِ حُصُولِ مَضْمُونِ فِعْلِ الشَّرْطِ، لا عَلى تَرَقُّبِ حُصُولِ مَضْمُونِهِ، لِأنَّهُ
صفحة ٢٥٠
مَعْلُومُ الحُصُولِ، فالماضِي الواقِعُ فِعْلًا لِلشَّرْطِ هُنا ماضٍ حَقِيقِيٌّ ولَيْسَ مَئُولًا بِالمُسْتَقْبَلِ، كَما هو الغالِبُ في وُقُوعِ الماضِي في سِياقِ الشَّرْطِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مَعْلُومَ الحُصُولِ، وبِقَرِينَةِ النَّفْيِ بِلَمِ المَعْطُوفِ عَلى الشَّرْطِ فَإنَّ (لَمْ) صَرِيحَةٌ في المُضِيِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ بِقَرِينَةٍ. (قَدْ) إذِ الماضِي المَدْخُولُ لِـ (قَدْ) لا يُقْلَبُ إلى مَعْنى المُسْتَقْبَلِ. فالمَعْنى: إنْ تَبَيَّنَ أنَّ طائِفَةً آمَنُوا وطائِفَةً كَفَرُوا فَسَيَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ. ويَئُولُ المَعْنى: إنِ اخْتَلَفْتُمْ في تَصْدِيقِي فَسَيَظْهَرُ الحُكْمُ بِأنِّي صادِقٌ.
ولَيْسَتْ (إنْ) بِمُفِيدَةِ الشَّكِّ في وُقُوعِ الشَّرْطِ كَما هو الشَّأْنُ، بَلِ اجْتُلِبَتْ هُنا لِأنَّها أصْلُ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنَّما يُفِيدُ مَعْنى الشَّكِّ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ إذا وقَعَ العُدُولُ عَنِ اجْتِلابِ (إذا) حِينَ يَصِحُّ اجْتِلابُها، فَأمّا إذا لَمْ يَصِحَّ اجْتِلابُ (إذا) فَلا تَدُلُّ (إنْ) عَلى شَكٍّ وكَيْفَ تُفِيدُ الشَّكَّ مَعَ تَحَقُّقِ المُضِيِّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
لَئِنْ كُنْتَ قَدْ بُلِّغْتَ عَنِّي وِشايَةً ∗∗∗ لَمُبْلِغُكَ الواشِي أغَشُّ وأكْذَبُ
والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ في حالِ التَّرَقُّبِ، سَواءٌ كانَ تَرَقُّبَ مَحْبُوبٍ أمْ تَرَقُّبَ مَكْرُوهٍ، وأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ أنْ يُطْلَقَ عَلى حَبْسِ النَّفْسِ في حالِ فُقْدانِ الأمْرِ المَحْبُوبِ، وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعْمَلًا في القَدْرِ المُشْتَرَكِ لِأنَّهُ خُوطِبَ بِهِ الفَرِيقانِ: المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، وصَبْرُ كُلٍّ بِما يُناسِبُهُ، ولَعَلَّهُ رَجَحَ فِيهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الحُكْمَ المُتَرَقَّبَ هو في مَنفَعَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً.
و(حَتّى) تُفِيدَ غايَةً لِلصَّبْرِ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَسَيَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ.
وحُكْمُ اللَّهِ أُرِيدَ بِهِ حُكْمٌ في الدُّنْيا بِإظْهارِ أثَرِ غَضَبِهِ عَلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ ورِضاهُ عَلى الَّذِينَ خالَفُوهم، فَيَظْهَرُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهَذا صَدَرَ عَنْ ثِقَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ سَيَحْكُمُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ اسْتِنادًا لِوَعْدِ
صفحة ٢٥١
اللَّهِ إيّاهُ بِالنَّصْرِ عَلى قَوْمِهِ، أوْ لِعِلْمِهِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في رُسُلِهِ ومَن كَذَّبَهم بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِذَلِكَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَتَأخَّرَ الحُكْمُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ الحِسابِ، ولَيْسَ هو المُرادَ مِن كَلامِهِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: (فاصْبِرُوا) إذا كانَ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ، فَإنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً صَحَّ إرادَةُ الحُكْمَيْنِ جَمِيعًا.
وأدْخَلَ نَفْسَهُ في المَحْكُومِ بَيْنَهم بِضَمِيرِ المُشارَكَةِ لِأنَّ الحُكْمَ المُتَعَلِّقَ بِالفَرِيقِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يُعْتَبَرُ شامِلًا لَهُ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ بِرِسالَةِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ: وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ تَذْيِيلٌ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِأنَّ حُكْمَهُ عَدْلٌ مَحْضٌ لا يَحْتَمِلُ الظُّلْمَ عَمْدًا ولا خَطَأً، وغَيْرُهُ مِنَ الحاكِمِينَ يَقَعُ مِنهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ أوْ كِلاهُما.
و(خَيْرُ): اسْمُ تَفْضِيلٍ أصْلُهُ أخْيَرُ فَخَفَّفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
الأعراف 7:86
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
تَفْسِيرُ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِها في قِصَّةِ ثَمُودَ، سِوى أنَّ تَجْرِيدَ فِعْلِ (قالَ يا قَوْمِ) مِنَ الفاءِ هُنا يَتَرَجَّحُ أنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَلامَهُ هَذا لَيْسَ هو الَّذِي فاتَحَهم بِهِ في ابْتِداءِ رِسالَتِهِ بَلْ هو مِمّا خاطَبَهم بِهِ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِرارًا، وبَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم كَما يَأْتِي.
ومَدْيَنُ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّها مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مِن زَوْجِهِ الثّالِثَةِ الَّتِي تَزَوَّجَها في آخِرِ عُمُرِهِ وهي سُرِّيَّةٌ اسْمُها
صفحة ٢٤٠
قَطُورا. وتَزَوَّجَ مَدْيَنُ ابْنَةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووُلِدَ لَهُ أبْناءٌ: هم (عَيْفَةُ) و(عَفَرُ) و(حَنُوكُ) و(ابْيَداعُ) و(ألْدَعَةُ) وقَدْ أسْكَنَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِيارِهِمْ، وسَطًا بَيْنَ مَسْكَنِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَسْكَنِ ابْنِهِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِن ذُرِّيَّتِهِمْ تَفَرَّعَتْ بُطُونُ مَدْيَنَ، وكانُوا يُعَدُّونَ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، ومَواطِنُهم بَيْنَ الحِجازِ وخَلِيجِ العَقَبَةِ بِقُرْبِ ساحِلِ البَحْرِ الأحْمَرِ، وقاعِدَةُ بِلادِهِمْ (وجُّ) عَلى البَحْرِ الأحْمَرِ وتَنْتَهِي أرْضُهم مِنَ الشَّمالِ إلى حُدُودِ مَعانٍ مِن بِلادِ الشّامِ، وإلى نَحْوِ تَبُوكَ مِنَ الحِجازِ، وتُسَمّى بِلادُهُمُ الأيْكَةَ. ويُقالُ: إنَّ الأيْكَةَ هي تَبُوكُ فَعَلى هَذا هي مِن بِلادِ مَدْيَنَ، وكانَتْ بِلادُهم قُرًى وبَوادِي، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القَرْيَةِ وهي الأيْكَةُ، وقَدْ تَعَرَّبُوا بِمُجاوَرَةِ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ وكانُوا في مُدَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَحْتَ مُلُوكِ مِصْرَ، وقَدِ اكْتَسَبُوا، بِمُجاوَرَةِ قَبائِلِ العَرَبِ ومُخالَطَتِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ في طَرِيقِ مِصْرَ، عَرَبِيَّةً فَأصْبَحُوا في عِدادِ العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ، مِثْلَ بَنِي إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ كانَ شاعِرٌ في الجاهِلِيَّةِ يُعْرَفُ بِأبِي الهَمَيْسَعِ هو مِن شُعَراءِ مَدْيَنَ وهو القائِلُ: إنْ تَمْنَعِي صَوْبَكِ صَوْبَ المَدْمَعِ يَجْرِي عَلى الخَدِّ كَضِئْبِ الثَّعْثَعِ مِن طَمْحَةٍ صَبِيرُها جَحْلَنْجَعِ ويُقالُ: إنَّ الخَطَّ العَرَبِيَّ أوَّلُ ما ظَهَرَ في مَدْيَنَ.
وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو رَسُولٌ لِأهْلِ مَدْيَنَ، وهو مِن أنْفُسِهِمْ، اسْمُهُ في العَرَبِيَّةِ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْمُهُ في التَّوْراةِ: ”يَثْرُونُ“ ويُسَمّى أيْضًا ”رَعْوَئِيلَ“ وهو ابْنُ ”نُوَيْلى أوْ نُوَيْبِ بْنِ رَعْوِيلَ بْنِ عَيْفا بْنِ مَدْيَنَ. وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مِن مِصْرَ نَزَلَ بِلادَ مَدْيَنَ وزَوَّجَهُ شُعَيْبٌ ابْنَتَهُ المُسَمّاةَ صَفُورَهْ وأقامَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ أجِيرًا.
وقَدْ خَبَطَ في نَسَبِ مَدْيَنَ ونَسَبِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ
صفحة ٢٤١
المُفَسِّرِينَ والمُؤَرِّخِينَ، فَما وجَدْتَ مِمّا يُخالِفُ هَذا فانْبِذْهُ. وعَدَّ الصَّفَدِيُّ شُعَيْبًا في العُمْيانِ، ولَمْ أقِفْ عَلى ذَلِكَ في الكُتُبِ المُعْتَمَدَةِ. وقَدِ ابْتَدَأ الدَّعْوَةَ بِالإيمانِ لِأنَّ بِهِ صَلاحَ الِاعْتِقادِ والقَلْبِ، وإزالَةَ الزَّيْفِ مِنَ العَقْلِ.
وبَيِّنَةُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّتِي جاءَتْ في كَلامِهِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أُطْلِقَتْ عَلى الآيَةِ لِمُعْجِزَةٍ أظْهَرَها لِقَوْمِهِ عَرَفُوها ولَمْ يَذْكُرْها القُرْآنُ، كَما قالَ ذَلِكَ المُفَسِّرُونَ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ حُجَّةً أقامَها عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وسُوءِ الفِعْلِ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ فِيها، فَقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِثْلُ المُجادَلَةِ الَّتِي حُكِيَتْ في سُورَةِ هُودٍ فَتَكُونُ البَيِّنَةُ أُطْلِقَتْ عَلى ما يُبَيِّنُ صِدْقَ الدَّعْوى، لا عَلى خُصُوصِ خارِقِ العادَةِ، أوْ أنْ يَكُونَ أرادَ بِالبَيِّنَةِ ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ أيْ يَكُونُ أنْذَرَهم بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم مُرادًا بِهِ المُسْتَقْبَلُ القَرِيبُ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، أوْ أنْ يَكُونَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يُظْهِرَ لَهم آيَةً، أيْ مُعْجِزَةً لِيُؤْمِنُوا، فَلَمْ يَسْألُوها وبادَرُوا بِالتَّكْذِيبِ، فَيَكُونُ المَعْنى مِثْلَ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها﴾ [الأعراف: ١٠٦] الآيَةَ، فَيَكُونُ مَعْنى: (قَدْ جاءَتْكم) قَدْ أُعِدَّتْ لِأنْ تَجِيئَكم إذا كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ عِنْدَ مَجِيئِها.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَضْمُونِ مَعْنى بَيِّنَةٍ لِأنَّ البَيِّنَةَ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، فَلَمّا قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِدْقِهِ وكانَ قَدْ أمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ بادِئَ بَدْءٍ، لِما فِيهِ مِن صَلاحِ القَلْبِ، شَرَعَ يَأْمُرُهم بِالشَّرائِعِ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ الإيمانِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الآتِي: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فَتِلْكَ دَعْوَةٌ لِمَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ بِأنْ يُكْمِلُوا إيمانَهم بِالتِزامِ الشَّرائِعِ الفَرْعِيَّةِ، وإبْلاغٌ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِما يَلْزَمُهم بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، وفي دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ إلى الأعْمالِ الفَرْعِيَّةِ بَعْدَ أنِ اسْتَقَرَّتِ الدَّعْوَةُ إلى
صفحة ٢٤٢
التَّوْحِيدِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّ البَشَرَ في ذَلِكَ العَصْرِ قَدْ تَطَوَّرَتْ نُفُوسُهم تَطَوُّرًا هَيَّأهم لِقَبُولِ الشَّرائِعِ الفَرْعِيَّةِ، فَإنَّ دَعْوَةَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ أوْسَعَ مِن دَعْوَةِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ هُودٍ وصالِحٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذْ كانَ فِيها تَشْرِيعُ أحْكامٍ فَرْعِيَّةٍ وقَدْ كانَ عَصْرُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ أظَلَّ عَصْرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي جاءَ بِشَرِيعَةٍ عَظِيمَةٍ ماسَّةٍ نَواحِيَ الحَياةِ كُلِّها.
والبَخْسُ فَسَّرُوهُ بِالنَّقْصِ، وزادَ الرّاغِبُ في المُفْرَداتِ قَيْدًا، فَقالَ: نَقْصُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ، وأحْسَنُ ما رَأيْتُ في تَفْسِيرِهِ قَوْلُ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ:“ البَخْسُ في لِسانِ العَرَبِ هو النَّقْصُ بِالتَّعْيِيبِ والتَّزْهِيدِ أوِ المُخادَعَةُ عَنِ القِيمَةِ أوِ الِاحْتِيالُ في التَّزَيُّدِ في الكَيْلِ والنُّقْصانِ مِنهُ ”فَلْنَبْنِ عَلى أساسِ كَلامِهِ فَنَقُولُ: البَخْسُ هو إنْقاصُ شَيْءٍ مِن صِفَةٍ أوْ مِقْدارٍ هو حَقِيقٌ بِكَمالٍ في نَوْعِهِ. فَفِيهِ مَعْنى الظُّلْمِ والتَّحَيُّلِ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِيدَهْ في المُخَصَّصِ البَخْسُ في بابِ الذَّهابِ بِحَقِّ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ عِنْدَما ذَكَرَهُ وقَعَ فِيما وقَعَ فِيهِ غَيْرُهُ مِن مُدَوِّنِي اللُّغَةِ، فالبَخْسُ حَدَثٌ يَتَّصِفُ بِهِ فاعِلٌ ولَيْسَ صِفَةً لِلشَّيْءِ المَبْخُوسِ في ذاتِهِ، إلّا بِمَعْنى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أيْ دُونَ قِيمَةِ أمْثالِهِ، أيْ تَساهَلَ بائِعُوهُ في ثَمَنِهِ لِأنَّهم حَصَّلُوهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ولا كُلْفَةٍ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ البَخْسُ مُتَعَلِّقًا بِالكَمِّيَّةِ كَما يَقُولُ المُشْتَرِيَ: هَذا النِّحْيُ لا يَزِنُ أكْثَرَ مِن عَشَرَةِ أرْطالٍ، وهو يَعْلَمُ أنَّ مِثْلَهُ يَزِنُ اثْنَيْ عَشَرَ رِطْلًا، أوْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلى هَذا النَّخْلِ أكْثَرُ مِن عَشَرَةِ قَناطِيرَ تَمْرًا في حِينِ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ يَبْلُغُ عِشْرِينَ قِنْطارًا، وقَدْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالصِّفَةِ كَما يَقُولُ: هَذا البَعِيرُ شَرُودٌ وهو مِنَ الرَّواحِلِ، ويَكُونُ طَرِيقُ البَخْسِ قَوْلًا، كَما مَثَّلْنا، وفِعْلًا كَما يَكُونُ مِن بَذْلِ ثَمَنٍ رَخِيصٍ في شَيْءٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُباعَ غالِيًا، والمَقْصُودُ مِنَ البَخْسِ أنْ يَنْتَفِعَ الباخِسُ الرّاغِبُ في السِّلْعَةِ المَبْخُوسَةِ بِأنْ يَصْرِفَ النّاسَ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها فَتَبْقى كَلًّا عَلى جالِبِها فَيَضْطَرُّ إلى بَيْعِها بِثَمَنٍ زَهِيدٍ، وقَدْ يُقْصَدُ مِنهُ إلْقاءُ الشَّكِّ في نَفْسِ جالِبِ
صفحة ٢٤٣
السِّلْعَةِ بِأنَّ سِلْعَتَهُ هي دُونَ ما هو رائِجٌ بَيْنَ النّاسِ، فَيَدْخُلُهُ اليَأْسُ مِن فَوائِدِ نِتاجِهِ فَتَكْسَلُ الهِمَمُ.
وما وقَعَ في اللِّسانِ مِن مَعانِي البَخْسِ: أنَّهُ الخَسِيسُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ عَلى ضَرْبٍ مِنَ المَجازِ أوِ التَّوَسُّعِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ البَخْسَ هو بِمَعْنى النَّقْصِ الَّذِي هو فِعْلُ الفاعِلِ بِالمَفْعُولِ، لا النَّقْصُ الَّذِي هو صِفَةُ الشَّيْءِ النّاقِصِ، فَهو أخَصُّ مِنَ النَّقْصِ في الِاسْتِعْمالِ، وهو أخَصُّ مِنهُ في المَعْنى أيْضًا.
ثُمَّ إنَّ حَقَّ فِعْلِهِ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَإذا عُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ هُنا: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَذَلِكَ عَلى مَعْنى التَّحْوِيلِ لِتَحْصِيلِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ، وأصْلُ الكَلامِ: ولا تَبْخَسُوا أشْياءَ النّاسِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (أشْياءَهم) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ: (النّاسَ) وعَلى هَذا فَلَوْ بُنِيَ فِعْلُ بَخَسَ لِلْمَجْهُولِ لَقُلْتَ بُخِسَ فُلانٌ شَيْئُهُ - بِرَفْعِ فُلانٍ ورَفْعِ شَيْئِهِ. وقَدْ جَعَلَهُ أبُو البَقاءِ مَفْعُولًا ثانِيًا، فَعَلى إعْرابِهِ لَوْ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لَبَقِيَ أشْياءَهم مَنصُوبًا، وعَلى إعْرابِنا لَوْ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لَصارَ أشْياؤُهم مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ النّاسِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ بَيْنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ فَرْقًا قَدْ خَفِيَ عَلى كَثِيرٍ.
وحاصِلُ ما أمَرَ بِهِ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ، بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، يَنْحَصِرُ في ثَلاثَةِ أُصُولٍ: هي حِفْظُ حُقُوقِ المُعامَلَةِ المالِيَّةِ، وحِفْظُ نِظامِ الأُمَّةِ ومَصالِحِها، وحِفْظُ حُقُوقِ حُرِّيَّةِ الِاسْتِهْداءِ.
فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَإيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ يَرْجِعُ إلى حِفْظِ حُقُوقِ المُشْتَرِينَ، لِأنَّ الكائِلَ أوِ الوازِنَ هو البائِعُ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ حُبُّ الِاسْتِفْضالِ عَلى تَطْفِيفِ الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ، لِيَكُونَ باعَ الشَّيْءَ النّاقِصَ بِثَمَنِ الشَّيْءِ الوافِي، كَما يَحْسَبُهُ المُشْتَرِي.
وأمّا النَّهْيُ عَنْ بَخْسِ النّاسِ أشْياءَهم فَيَرْجِعُ إلى حِفْظِ حُقُوقِ البائِعِ لِأنَّ
صفحة ٢٤٤
المُشْتَرِيَ هو الَّذِي يَبْخَسُ شَيْءَ البائِعِ لِيُهَيِّئَهُ لِقَبُولِ الغَبْنِ في ثَمَنِ شَيْئِهِ، وكِلا هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ حِيلَةٌ وخِداعٌ لِتَحْصِيلِ رِبْحٍ مِنَ المالِ.
والكَيْلُ مَصْدَرٌ، ويُطْلَقُ عَلى ما يُكالُ بِهِ، وهو المِكْيالُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] وهو المُرادُ هُنا: لِمُقابَلَتِهِ بِالمِيزانِ، ولِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤] ومَعْنى إيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ أنْ تَكُونَ آلَةُ الكَيْلِ وآلَةُ الوَزْنِ بِمِقْدارِ ما يُقَدَّرُ بِها مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ. وإنَّما خَصَّ هَذَيْنِ التَّحَيُّلَيْنِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ المَذْكُورَيْنِ: لِأنَّهُما كانا شائِعَيْنِ عِنْدَ مَدْيَنَ، ولِأنَّ التَّحَيُّلاتِ في المُعامَلَةِ المالِيَّةِ تَنْحَصِرُ فِيهِما إذْ كانَ التَّعامُلُ بَيْنَ أهْلِ البَوادِي مُنْحَصِرًا في المُبادَلاتِ بِأعْيانِ الأشْياءِ: عَرْضًا وطَلَبًا.
وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ النَّهْيَ في قَوْلِهِ: ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم أفادَ مَعْنًى غَيْرَ الَّذِي أفادَهُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ. ولَيْسَ ذَلِكَ النَّهْيُ جارِيًا مَجْرى العِلَّةِ لِلْأمْرِ، أوِ التَّأْكِيدِ لِمَضْمُونِهِ، كَما فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
وما جاءَ في هَذا التَّشْرِيعِ هو أصْلٌ مِن أُصُولِ رَواجِ المُعامَلَةِ بَيْنَ الأُمَّةِ لِأنَّ المُعامَلاتِ تَعْتَمِدُ الثِّقَةَ المُتَبادَلَةَ بَيْنَ الأُمَّةِ، وإنَّما تَحْصُلُ بِشُيُوعِ الأمانَةِ فِيها، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ نَشِطَ النّاسُ لِلتَّعامُلِ فالمُنْتِجُ يَزْدادُ إنْتاجًا وعَرْضًا في الأسْواقِ، والطّالِبُ مِن تاجِرٍ أوْ مُسْتَهْلِكٍ يُقْبِلُ عَلى الأسْواقِ آمِنًا لا يَخْشى غَبْنًا ولا خَدِيعَةً ولا خِلابَةً، فَتَتَوَفَّرُ السِّلَعُ في الأُمَّةِ، وتَسْتَغْنِي عَنِ اجْتِلابِ أقْواتِها وحاجِيّاتِها وتَحْسِينِيّاتِها، فَيَقُومُ نَماءُ المَدِينَةِ والحَضارَةِ عَلى أساسٍ مَتِينٍ، ويَعِيشُ النّاسُ في رَخاءٍ وتَحابُبٍ وتَآخٍ، وبِضِدِّ ذَلِكَ يَخْتَلُّ حالُ الأُمَّةِ بِمِقْدارِ تَفَشِّي ضِدِّ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ هَذا الأصْلُ الثّانِي مِن أُصُولِ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّ ما يُفْضِي إلى إفْسادِ ما هو عَلى
صفحة ٢٤٥
حالَةِ الصَّلاحِ في الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]) في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى مَجْمُوعِ ما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ، ولِذا أُفْرِدَ اسْمُ الإشارَةِ. والمَذْكُورُ: هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ، وتَجَنُّبِ بَخْسِ أشْياءِ النّاسِ، وتَجَنُّبِ الفَسادِ في الأرْضِ. وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ لَهم، أيْ نَفْعٌ وصَلاحٌ تَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ. وإنَّما كانَ ما ذُكِرَ خَيْرًا: لِأنَّهُ يُوجِبُ هَناءَ العَيْشِ واسْتِقْرارَ الأمْنِ وصَفاءَ الوُدِّ بَيْنَ الأُمَّةِ وزَوالَ الإحَنِ المُفْضِيَةِ إلى الخُصُوماتِ والمُقاتَلاتِ، فَإذا تَمَّ ذَلِكَ كَثُرَتِ الأُمَّةُ وعَزَّتْ وهابَها أعْداؤُها وحَسُنَتْ أُحْدُوثَتُها وكَثُرَ مالُها بِسَبَبِ رَغْبَةِ النّاسِ في التِّجارَةِ والزِّراعَةِ لِأمْنِ صاحِبِ المالِ مِنِ ابْتِزازِ مالِهِ، وفِيهِ خَيْرُ الآخِرَةِ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ فَعَلُوهُ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ رَسُولِهِ أكْسَبَهم رِضا اللَّهِ، فَنَجَوْا مِنَ العَذابِ، وسَكَنُوا دارَ الثَّوابِ. فالتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: خَيْرٌ لِلتَّعْظِيمِ والكَمالِ لِأنَّهُ جامِعُ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرْطٌ مُقَيِّدٌ لِقَوْلِهِ: (ذَلِكم خَيْرٌ لَكم) والمُؤْمِنُونَ لَقَبٌ لِلْمُتَّصِفِينَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، كَما هو مُصْطَلَحُ الشَّرائِعِ، وحَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُصَدِّقِينَ لِقَوْلِهِ، ونُصْحِهِ، وأمانَتِهِ: حَمْلٌ عَلى ما يَأْباهُ السِّياقُ، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يَكُونُ خَيْرًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وحْدَهُ، فَهو رُجُوعٌ إلى الدَّعْوَةِ لِلتَّوْحِيدِ بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ في كَلامِهِ، ومَعْناهُ أنَّ حُصُولَ الخَيْرِ مِنَ الأشْياءِ المُشارِ إلَيْها لا يَكُونُ إلّا مَعَ الإيمانِ، لِأنَّهم إذا فَعَلُوها وهم مُشْرِكُونَ لَمْ يَحْصُلْ مِنها الخَيْرُ لِأنَّ مَفاسِدَ الشِّرْكِ تُفْسِدُ ما في الأفْعالِ مِنَ الخَيْرِ، أمّا في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الدُّنْيا فَإنَّ الشِّرْكَ يَدْعُو إلى أضْدادِ تِلْكَ الفَضائِلِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]
صفحة ٢٤٦
أوْ يَدْعُو إلى مَفاسِدَ لا يَظْهَرُ مَعَها نَفْعُ تِلْكَ المَصالِحِ. والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِالتَّقْيِيدِ نَفْيُ الخَيْرِ الكامِلِ عَنْ تِلْكَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فاعِلُوها مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ حَقَّ الإيمانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . وتَأْوِيلُ الآيَةِ بِغَيْرِ هَذا عُدُولٌ بِها عَنْ مَهْيَعِ الوُضُوحِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ هَذا الأصْلُ الثّالِثُ مِن دَعْوَتِهِ وهو النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلنّاسِ دُونَ الإيمانِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما يَتَطَلَّبُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي ذَلِكَ صَلاحُ أنْفُسِهِمْ، أيْ أصْلِحُوا أنْفُسَكم ولا تَمْنَعُوا مَن يَرْغَبُ في إصْلاحِ نَفْسِهِ. ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَصُدُّونَ وُفُودَ النّاسِ عَنِ الدُّخُولِ إلى المَدِينَةِ الَّتِي كانَ بِها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يُؤْمِنُوا بِهِ. فالمُرادُ بِالصِّراطِ الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إلى لِقاءِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والقُعُودُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ لازِمَةٍ وهو المُلازَمَةُ والِاسْتِقْرارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و(كُلِّ) لِلْعُمُومِ وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ كُلِّ صِراطٍ مُبَلِّغٍ إلى القَرْيَةِ أوْ إلى مَنزِلِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ كَما تَقَدَّمَ.
والباءُ لِلْإلْصاقِ، أوْ هي بِمَعْنى في كَشَأْنِها إذا دَخَلَتْ عَلى أسْماءِ المَنازِلِ. كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:“ بِسِقْطِ اللِّوى ”البَيْتَ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَقْعُدُوا. والإيعادُ: الوَعْدُ بِالشَّرِّ. والمَقْصُودُ مِنَ الإيعادِ الصَّدُّ، فَيَكُونُ عَطْفُ جُمْلَةٍ (وتَصُدُّونَ) عَطْفُ عِلَّةٍ عَلى مَعْلُولٍ، أوْ أُرِيدُ تُوعِدُونَ المُصَمِّمِينَ عَلى اتِّباعِ الإيمانِ، وتَصُدُّونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَمِّمُوا: فَهو عَطْفُ عامٍ عَلى خاصٍّ.
صفحة ٢٤٧
و(مَن آمَنَ) يَتَنازَعُهُ كُلُّ مِن تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ.
والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: مَن آمَنَ بِهِ عِوَضًا عَنِ المُضارِعِ، حَيْثُ المُرادُ بِمَن آمَنَ قاصِدُ الإيمانِ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ عَزْمِ القاصِدِ عَلى الإيمانِ فَهو لَوْلا أنَّهم يَصُدُّونَهُ لَكانَ قَدْ آمَنَ.
وسَبِيلُ اللَّهِ الدِّينُ لِأنَّهُ مِثْلُ الطَّرِيقِ المَوْصُولِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى القُرْبِ مِن مَرْضاتِهِ.
ومَعْنى (﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩]) تَبْغُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ عِوَجًا إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ ما يَدْعُو إلَيْهِ شُعَيْبٌ باطِلٌ، يُقالُ: بَغاهُ بِمَعْنى طَلَبَ لَهُ، فَأصْلُهُ بَغى لَهُ فَحَذَفُوا حَرْفَ الجَرِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ أوْ لِتَضْمِينِ بَغى مَعْنى أعْطى.
والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - عَدَمُ الِاسْتِقامَةِ في المَعانِي، وبِفَتْحِ العَيْنِ: عَدَمُ اسْتِقامَةِ الذّاتِ، والمَعْنى: تُحاوِلُونَ أنْ تَصِفُوا دَعْوَةَ شُعَيْبٍ المُسْتَقِيمَةَ بِأنَّها باطِلٌ وضَلالٌ، كَمَن يُحاوِلُ اعْوِجاجَ عُودٍ مُسْتَقِيمٍ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في هَذِهِ السُّورَةِ في ذِكْرِ نِداءِ أصْحابِ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ.
وإنَّما أخَّرَ النَّهْيَ عَنِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَجْعَلْهُ في نَسَقِ الأوامِرِ والنَّواهِي الماضِيَةِ ثُمَّ يُعَقِّبْهُ بِقَوْلِهِ (ذَلِكم خَيْرٌ لَكم) لِأنَّهُ رَتَّبَ الكَلامَ عَلى الِابْتِداءِ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمُناسَبَةِ أنَّ الجَمِيعَ فِيهِ صَلاحُ المُخاطَبِينَ، فَأعْقَبَها بِبَيانِ أنَّها خَيْرٌ لَهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَأعادَ تَنْبِيهَهم إلى الإيمانِ وإلى أنَّهُ شَرْطٌ في صَلاحِ الأعْمالِ، وبِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الإيمانِ عادَ إلى النَّهْيِ عَنْ صَدِّ الرّاغِبِينَ فِيهِ، فَهَذا مِثْلُ التَّرْتِيبِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِـلَـذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خُلْخالِ
ولَمْ أسْبَأِ الرّاحَ الكُمَيْتَ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفَـالِ
رَوى الواحِدِيُّ في شَرْحِ دِيوانِ المُتَنَبِّي أنَّ المُتَنَبِّي لَمّا أنْشَدَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ قَوْلَهُ فِيهِ:
صفحة ٢٤٨
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهو نَـائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمَـى حَـزِينَةً ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ بَـاسِـمُ
أنْكَرَ عَلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ تَطْبِيقَ عَجُزَيِ البَيْتَيْنِ عَلى صَدَرَيْهِما، وقالَ لَهُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ تَجْعَلَ العَجُزَ الثّانِي عَجُزَ الأوَّلِ والعَكْسَ وأنْتَ في هَذا مِثْلُ امْرِئِ القَيْسِ في قَوْلِهِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ
البَيْتَيْنِ، ووَجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَهُ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ: أنْ يَكُونَ عَجُزُ البَيْتِ الأوَّلِ لِلثّانِي وعَجُزُ البَيْتِ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِيَكُونَ رُكُوبُ الخَيْلِ مَعَ الأمْرِ لِلْخَيْلِ بِالكَرِّ، ويَكُونُ سِباءُ الخَمْرِ مَعَ تَبَطُّنِ الكاعِبِ، فَقالَ أبُو الطَّيِّبِ: إنْ صَحَّ أنَّ الَّذِي اسْتَدْرَكَ عَلى امْرِئِ القَيْسِ هَذا أعْلَمُ مِنهُ بِالشِّعْرِ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ وأخْطَأْتُ أنا، ومَوْلانا الأمِيرُ يَعْلَمُ أنَّ الثَّوْبَ لا يَعْرِفُهُ البَزّازُ مَعْرِفَةَ الحائِكِ، لِأنَّ البَزّازَ لا يَعْرِفُ إلّا جُمْلَتَهُ، والحائِكَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ، لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الغَزَلِيَّةِ إلى الثَّوْبِيَّةِ، وإنَّما قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ لَذَّةَ النِّساءِ بِلَذَّةِ الرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ وقَرَنَ السَّماحَةَ في شِراءِ الخَمْرِ لِلْأضْيافِ بِالشَّجاعَةِ في مُنازَلَةِ الأعْداءِ، وأنّا لَمّا ذَكَرْتُ المَوْتَ في أوَّلِ البَيْتِ أتْبَعْتُهُ بِذِكْرِ الرَّدى لِتَجانُسِهِ، ولَمّا كانَ وجْهُ المُنْهَزِمِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ عَبُوسًا وعَيْنُهُ مِن أنْ تَكُونَ باكِيَةً قُلْتُ: ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ لِأجْمَعَ بَيْنَ الأضْدادِ في المَعْنى.
وهُوَ يَعْنِي بِهَذا أنَّ وُجُوهَ المُناسَبَةِ في نَظْمِ الكَلامِ تَخْتَلِفُ وتَتَعَدَّدُ، وأنَّ بَعْضًا يَكُونُ أرْجَحَ مِن بَعْضٍ.
وذَكَّرَهم شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَقِبَ ذَلِكَ بِتَكْثِيرِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ كانُوا قَلِيلًا، وهي نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، إذْ صارُوا أُمَّةً بَعْدَ أنْ كانُوا مَعْشَرًا.
ومَعْنى تَكْثِيرِ اللَّهِ إيّاهم تَيْسِيرُهُ أسْبابَ الكَثْرَةِ لَهم بِأنْ قَوّى فِيهِمْ قُوَّةَ التَّناسُلِ، وحَفِظَهم مِن أسْبابِ المَوَتانِ، ويَسَّرَ لِنَسْلِهِمُ اليِفاعَةَ حَتّى كَثُرَتْ مَوالِيدُهم وقَلَّتْ وفِيّاتُهم، فَصارُوا عَدَدًا كَثِيرًا في زَمَنٍ لا يُعْهَدُ في مِثْلِهِ مَصِيرُ أُمَّةٍ إلى عَدَدِهِمْ، فَيُعَدُّ مَنعُهُمُ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في دِينِ اللَّهِ سَعْيًا في تَقْلِيلِ حِزْبِ اللَّهِ، وذَلِكَ كُفْرانٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ كَثَّرَهم، ولِيُقابِلُوا اعْتِبارَ
صفحة ٢٤٩
هَذِهِ النِّعْمَةِ بِاعْتِبارِ نِقْمَتِهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ، إذِ اسْتَأْصَلَهم بَعْدَ أنْ كانُوا كَثِيرًا فَذَلِكَ مِن تَمايُزِ الأشْياءِ بِأضْدادِها.
فَلِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ. وفي هَذا الكَلامِ جَمْعٌ بَيْنَ طَرِيقَيِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
(وقَلِيلٌ) وصْفٌ يَلْزَمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ، مِثْلُ كَثِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -:“ ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِئٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] " في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والمُرادُ بِـ المُفْسِدِينَ الَّذِينَ أفْسَدُوا أنْفُسَهم بِعَقِيدَةِ الشِّرْكِ وبِأعْمالِ الضَّلالِ، وأفْسَدُوا المُجْتَمَعَ بِخالِفَةِ الشَّرائِعِ، وأفْسَدُوا النّاسَ بِإمْدادِهِمْ بِالضَّلالِ وصَدِّهِمْ عَنِ الهُدى، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ: لِلْمُفْسِدِينَ بِمُتَعَلِّقٍ لِأنَّهُ اعْتُبِرَ صِفَةً، وقُطِعَ عَنْ مُشابَهَةِ الفِعْلِ، أيِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالإفْسادِ، وهَذا الخِطابُ مَقْصُودٌ مِنهُ الكافِرُونَ مِن قَوْمِهِ ابْتِداءً، وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ، فَإنَّها تَشْمَلُهم وبِالِاعْتِبارِ بِمَن مَضَوْا فَإنَّهُ يَنْفَعُهم، وفي هَذا الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ لِلْمُسْلِمِينَ وبِالتَّسْلِيَةِ لَهم عَلى ما يُلاقُونَهُ مِن مُفْسِدِي أهْلِ الشِّرْكِ لِانْطِباقِ حالِ الفَرِيقَيْنِ عَلى حالِ الفَرِيقَيْنِ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
و(إذْ) في قَوْلِهِ: إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا اسْمُ زَمانٍ، غَيْرُ ظَرْفٍ فَهو في مَحَلِّ المَفْعُولِ بِهِ أيِ اذْكُرُوا زَمانَ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَأعْقَبَهُ بِأنْ كَثَّرَكم في مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ.
و: الطّائِفَةُ الجَماعَةُ ذاتُ العَدَدِ الكَثِيرِ وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
والشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ﴾ أفادَ تَعْلِيقَ حُصُولِ مَضْمُونِ الجَزاءِ في المُسْتَقْبَلِ، أعْنِي ما تَضَمَّنَهُ الوَعِيدُ لِلْكافِرِينَ بِهِ والوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، عَلى تَحَقُّقِ حُصُولِ مَضْمُونِ فِعْلِ الشَّرْطِ، لا عَلى تَرَقُّبِ حُصُولِ مَضْمُونِهِ، لِأنَّهُ
صفحة ٢٥٠
مَعْلُومُ الحُصُولِ، فالماضِي الواقِعُ فِعْلًا لِلشَّرْطِ هُنا ماضٍ حَقِيقِيٌّ ولَيْسَ مَئُولًا بِالمُسْتَقْبَلِ، كَما هو الغالِبُ في وُقُوعِ الماضِي في سِياقِ الشَّرْطِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مَعْلُومَ الحُصُولِ، وبِقَرِينَةِ النَّفْيِ بِلَمِ المَعْطُوفِ عَلى الشَّرْطِ فَإنَّ (لَمْ) صَرِيحَةٌ في المُضِيِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ بِقَرِينَةٍ. (قَدْ) إذِ الماضِي المَدْخُولُ لِـ (قَدْ) لا يُقْلَبُ إلى مَعْنى المُسْتَقْبَلِ. فالمَعْنى: إنْ تَبَيَّنَ أنَّ طائِفَةً آمَنُوا وطائِفَةً كَفَرُوا فَسَيَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ. ويَئُولُ المَعْنى: إنِ اخْتَلَفْتُمْ في تَصْدِيقِي فَسَيَظْهَرُ الحُكْمُ بِأنِّي صادِقٌ.
ولَيْسَتْ (إنْ) بِمُفِيدَةِ الشَّكِّ في وُقُوعِ الشَّرْطِ كَما هو الشَّأْنُ، بَلِ اجْتُلِبَتْ هُنا لِأنَّها أصْلُ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنَّما يُفِيدُ مَعْنى الشَّكِّ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ إذا وقَعَ العُدُولُ عَنِ اجْتِلابِ (إذا) حِينَ يَصِحُّ اجْتِلابُها، فَأمّا إذا لَمْ يَصِحَّ اجْتِلابُ (إذا) فَلا تَدُلُّ (إنْ) عَلى شَكٍّ وكَيْفَ تُفِيدُ الشَّكَّ مَعَ تَحَقُّقِ المُضِيِّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
لَئِنْ كُنْتَ قَدْ بُلِّغْتَ عَنِّي وِشايَةً ∗∗∗ لَمُبْلِغُكَ الواشِي أغَشُّ وأكْذَبُ
والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ في حالِ التَّرَقُّبِ، سَواءٌ كانَ تَرَقُّبَ مَحْبُوبٍ أمْ تَرَقُّبَ مَكْرُوهٍ، وأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ أنْ يُطْلَقَ عَلى حَبْسِ النَّفْسِ في حالِ فُقْدانِ الأمْرِ المَحْبُوبِ، وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعْمَلًا في القَدْرِ المُشْتَرَكِ لِأنَّهُ خُوطِبَ بِهِ الفَرِيقانِ: المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، وصَبْرُ كُلٍّ بِما يُناسِبُهُ، ولَعَلَّهُ رَجَحَ فِيهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الحُكْمَ المُتَرَقَّبَ هو في مَنفَعَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً.
و(حَتّى) تُفِيدَ غايَةً لِلصَّبْرِ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَسَيَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ.
وحُكْمُ اللَّهِ أُرِيدَ بِهِ حُكْمٌ في الدُّنْيا بِإظْهارِ أثَرِ غَضَبِهِ عَلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ ورِضاهُ عَلى الَّذِينَ خالَفُوهم، فَيَظْهَرُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهَذا صَدَرَ عَنْ ثِقَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ سَيَحْكُمُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ اسْتِنادًا لِوَعْدِ
صفحة ٢٥١
اللَّهِ إيّاهُ بِالنَّصْرِ عَلى قَوْمِهِ، أوْ لِعِلْمِهِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في رُسُلِهِ ومَن كَذَّبَهم بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِذَلِكَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَتَأخَّرَ الحُكْمُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ الحِسابِ، ولَيْسَ هو المُرادَ مِن كَلامِهِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: (فاصْبِرُوا) إذا كانَ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ، فَإنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً صَحَّ إرادَةُ الحُكْمَيْنِ جَمِيعًا.
وأدْخَلَ نَفْسَهُ في المَحْكُومِ بَيْنَهم بِضَمِيرِ المُشارَكَةِ لِأنَّ الحُكْمَ المُتَعَلِّقَ بِالفَرِيقِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يُعْتَبَرُ شامِلًا لَهُ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ بِرِسالَةِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ: وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ تَذْيِيلٌ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِأنَّ حُكْمَهُ عَدْلٌ مَحْضٌ لا يَحْتَمِلُ الظُّلْمَ عَمْدًا ولا خَطَأً، وغَيْرُهُ مِنَ الحاكِمِينَ يَقَعُ مِنهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ أوْ كِلاهُما.
و(خَيْرُ): اسْمُ تَفْضِيلٍ أصْلُهُ أخْيَرُ فَخَفَّفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
الأعراف 7:87
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
تَفْسِيرُ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِها في قِصَّةِ ثَمُودَ، سِوى أنَّ تَجْرِيدَ فِعْلِ (قالَ يا قَوْمِ) مِنَ الفاءِ هُنا يَتَرَجَّحُ أنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَلامَهُ هَذا لَيْسَ هو الَّذِي فاتَحَهم بِهِ في ابْتِداءِ رِسالَتِهِ بَلْ هو مِمّا خاطَبَهم بِهِ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِرارًا، وبَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم كَما يَأْتِي.
ومَدْيَنُ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّها مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مِن زَوْجِهِ الثّالِثَةِ الَّتِي تَزَوَّجَها في آخِرِ عُمُرِهِ وهي سُرِّيَّةٌ اسْمُها
صفحة ٢٤٠
قَطُورا. وتَزَوَّجَ مَدْيَنُ ابْنَةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووُلِدَ لَهُ أبْناءٌ: هم (عَيْفَةُ) و(عَفَرُ) و(حَنُوكُ) و(ابْيَداعُ) و(ألْدَعَةُ) وقَدْ أسْكَنَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِيارِهِمْ، وسَطًا بَيْنَ مَسْكَنِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَسْكَنِ ابْنِهِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِن ذُرِّيَّتِهِمْ تَفَرَّعَتْ بُطُونُ مَدْيَنَ، وكانُوا يُعَدُّونَ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، ومَواطِنُهم بَيْنَ الحِجازِ وخَلِيجِ العَقَبَةِ بِقُرْبِ ساحِلِ البَحْرِ الأحْمَرِ، وقاعِدَةُ بِلادِهِمْ (وجُّ) عَلى البَحْرِ الأحْمَرِ وتَنْتَهِي أرْضُهم مِنَ الشَّمالِ إلى حُدُودِ مَعانٍ مِن بِلادِ الشّامِ، وإلى نَحْوِ تَبُوكَ مِنَ الحِجازِ، وتُسَمّى بِلادُهُمُ الأيْكَةَ. ويُقالُ: إنَّ الأيْكَةَ هي تَبُوكُ فَعَلى هَذا هي مِن بِلادِ مَدْيَنَ، وكانَتْ بِلادُهم قُرًى وبَوادِي، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القَرْيَةِ وهي الأيْكَةُ، وقَدْ تَعَرَّبُوا بِمُجاوَرَةِ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ وكانُوا في مُدَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَحْتَ مُلُوكِ مِصْرَ، وقَدِ اكْتَسَبُوا، بِمُجاوَرَةِ قَبائِلِ العَرَبِ ومُخالَطَتِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ في طَرِيقِ مِصْرَ، عَرَبِيَّةً فَأصْبَحُوا في عِدادِ العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ، مِثْلَ بَنِي إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ كانَ شاعِرٌ في الجاهِلِيَّةِ يُعْرَفُ بِأبِي الهَمَيْسَعِ هو مِن شُعَراءِ مَدْيَنَ وهو القائِلُ: إنْ تَمْنَعِي صَوْبَكِ صَوْبَ المَدْمَعِ يَجْرِي عَلى الخَدِّ كَضِئْبِ الثَّعْثَعِ مِن طَمْحَةٍ صَبِيرُها جَحْلَنْجَعِ ويُقالُ: إنَّ الخَطَّ العَرَبِيَّ أوَّلُ ما ظَهَرَ في مَدْيَنَ.
وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو رَسُولٌ لِأهْلِ مَدْيَنَ، وهو مِن أنْفُسِهِمْ، اسْمُهُ في العَرَبِيَّةِ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْمُهُ في التَّوْراةِ: ”يَثْرُونُ“ ويُسَمّى أيْضًا ”رَعْوَئِيلَ“ وهو ابْنُ ”نُوَيْلى أوْ نُوَيْبِ بْنِ رَعْوِيلَ بْنِ عَيْفا بْنِ مَدْيَنَ. وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مِن مِصْرَ نَزَلَ بِلادَ مَدْيَنَ وزَوَّجَهُ شُعَيْبٌ ابْنَتَهُ المُسَمّاةَ صَفُورَهْ وأقامَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ أجِيرًا.
وقَدْ خَبَطَ في نَسَبِ مَدْيَنَ ونَسَبِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ
صفحة ٢٤١
المُفَسِّرِينَ والمُؤَرِّخِينَ، فَما وجَدْتَ مِمّا يُخالِفُ هَذا فانْبِذْهُ. وعَدَّ الصَّفَدِيُّ شُعَيْبًا في العُمْيانِ، ولَمْ أقِفْ عَلى ذَلِكَ في الكُتُبِ المُعْتَمَدَةِ. وقَدِ ابْتَدَأ الدَّعْوَةَ بِالإيمانِ لِأنَّ بِهِ صَلاحَ الِاعْتِقادِ والقَلْبِ، وإزالَةَ الزَّيْفِ مِنَ العَقْلِ.
وبَيِّنَةُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّتِي جاءَتْ في كَلامِهِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أُطْلِقَتْ عَلى الآيَةِ لِمُعْجِزَةٍ أظْهَرَها لِقَوْمِهِ عَرَفُوها ولَمْ يَذْكُرْها القُرْآنُ، كَما قالَ ذَلِكَ المُفَسِّرُونَ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ حُجَّةً أقامَها عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وسُوءِ الفِعْلِ، وعَجَزُوا عَنْ مُجادَلَتِهِ فِيها، فَقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِثْلُ المُجادَلَةِ الَّتِي حُكِيَتْ في سُورَةِ هُودٍ فَتَكُونُ البَيِّنَةُ أُطْلِقَتْ عَلى ما يُبَيِّنُ صِدْقَ الدَّعْوى، لا عَلى خُصُوصِ خارِقِ العادَةِ، أوْ أنْ يَكُونَ أرادَ بِالبَيِّنَةِ ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ أيْ يَكُونُ أنْذَرَهم بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكم مُرادًا بِهِ المُسْتَقْبَلُ القَرِيبُ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، أوْ أنْ يَكُونَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يُظْهِرَ لَهم آيَةً، أيْ مُعْجِزَةً لِيُؤْمِنُوا، فَلَمْ يَسْألُوها وبادَرُوا بِالتَّكْذِيبِ، فَيَكُونُ المَعْنى مِثْلَ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها﴾ [الأعراف: ١٠٦] الآيَةَ، فَيَكُونُ مَعْنى: (قَدْ جاءَتْكم) قَدْ أُعِدَّتْ لِأنْ تَجِيئَكم إذا كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ عِنْدَ مَجِيئِها.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَضْمُونِ مَعْنى بَيِّنَةٍ لِأنَّ البَيِّنَةَ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، فَلَمّا قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِدْقِهِ وكانَ قَدْ أمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ بادِئَ بَدْءٍ، لِما فِيهِ مِن صَلاحِ القَلْبِ، شَرَعَ يَأْمُرُهم بِالشَّرائِعِ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ الإيمانِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الآتِي: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فَتِلْكَ دَعْوَةٌ لِمَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ بِأنْ يُكْمِلُوا إيمانَهم بِالتِزامِ الشَّرائِعِ الفَرْعِيَّةِ، وإبْلاغٌ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِما يَلْزَمُهم بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، وفي دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ إلى الأعْمالِ الفَرْعِيَّةِ بَعْدَ أنِ اسْتَقَرَّتِ الدَّعْوَةُ إلى
صفحة ٢٤٢
التَّوْحِيدِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّ البَشَرَ في ذَلِكَ العَصْرِ قَدْ تَطَوَّرَتْ نُفُوسُهم تَطَوُّرًا هَيَّأهم لِقَبُولِ الشَّرائِعِ الفَرْعِيَّةِ، فَإنَّ دَعْوَةَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ أوْسَعَ مِن دَعْوَةِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ هُودٍ وصالِحٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذْ كانَ فِيها تَشْرِيعُ أحْكامٍ فَرْعِيَّةٍ وقَدْ كانَ عَصْرُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ أظَلَّ عَصْرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي جاءَ بِشَرِيعَةٍ عَظِيمَةٍ ماسَّةٍ نَواحِيَ الحَياةِ كُلِّها.
والبَخْسُ فَسَّرُوهُ بِالنَّقْصِ، وزادَ الرّاغِبُ في المُفْرَداتِ قَيْدًا، فَقالَ: نَقْصُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ، وأحْسَنُ ما رَأيْتُ في تَفْسِيرِهِ قَوْلُ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ:“ البَخْسُ في لِسانِ العَرَبِ هو النَّقْصُ بِالتَّعْيِيبِ والتَّزْهِيدِ أوِ المُخادَعَةُ عَنِ القِيمَةِ أوِ الِاحْتِيالُ في التَّزَيُّدِ في الكَيْلِ والنُّقْصانِ مِنهُ ”فَلْنَبْنِ عَلى أساسِ كَلامِهِ فَنَقُولُ: البَخْسُ هو إنْقاصُ شَيْءٍ مِن صِفَةٍ أوْ مِقْدارٍ هو حَقِيقٌ بِكَمالٍ في نَوْعِهِ. فَفِيهِ مَعْنى الظُّلْمِ والتَّحَيُّلِ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِيدَهْ في المُخَصَّصِ البَخْسُ في بابِ الذَّهابِ بِحَقِّ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ عِنْدَما ذَكَرَهُ وقَعَ فِيما وقَعَ فِيهِ غَيْرُهُ مِن مُدَوِّنِي اللُّغَةِ، فالبَخْسُ حَدَثٌ يَتَّصِفُ بِهِ فاعِلٌ ولَيْسَ صِفَةً لِلشَّيْءِ المَبْخُوسِ في ذاتِهِ، إلّا بِمَعْنى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أيْ دُونَ قِيمَةِ أمْثالِهِ، أيْ تَساهَلَ بائِعُوهُ في ثَمَنِهِ لِأنَّهم حَصَّلُوهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ولا كُلْفَةٍ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ البَخْسُ مُتَعَلِّقًا بِالكَمِّيَّةِ كَما يَقُولُ المُشْتَرِيَ: هَذا النِّحْيُ لا يَزِنُ أكْثَرَ مِن عَشَرَةِ أرْطالٍ، وهو يَعْلَمُ أنَّ مِثْلَهُ يَزِنُ اثْنَيْ عَشَرَ رِطْلًا، أوْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلى هَذا النَّخْلِ أكْثَرُ مِن عَشَرَةِ قَناطِيرَ تَمْرًا في حِينِ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ يَبْلُغُ عِشْرِينَ قِنْطارًا، وقَدْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالصِّفَةِ كَما يَقُولُ: هَذا البَعِيرُ شَرُودٌ وهو مِنَ الرَّواحِلِ، ويَكُونُ طَرِيقُ البَخْسِ قَوْلًا، كَما مَثَّلْنا، وفِعْلًا كَما يَكُونُ مِن بَذْلِ ثَمَنٍ رَخِيصٍ في شَيْءٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُباعَ غالِيًا، والمَقْصُودُ مِنَ البَخْسِ أنْ يَنْتَفِعَ الباخِسُ الرّاغِبُ في السِّلْعَةِ المَبْخُوسَةِ بِأنْ يَصْرِفَ النّاسَ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها فَتَبْقى كَلًّا عَلى جالِبِها فَيَضْطَرُّ إلى بَيْعِها بِثَمَنٍ زَهِيدٍ، وقَدْ يُقْصَدُ مِنهُ إلْقاءُ الشَّكِّ في نَفْسِ جالِبِ
صفحة ٢٤٣
السِّلْعَةِ بِأنَّ سِلْعَتَهُ هي دُونَ ما هو رائِجٌ بَيْنَ النّاسِ، فَيَدْخُلُهُ اليَأْسُ مِن فَوائِدِ نِتاجِهِ فَتَكْسَلُ الهِمَمُ.
وما وقَعَ في اللِّسانِ مِن مَعانِي البَخْسِ: أنَّهُ الخَسِيسُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ عَلى ضَرْبٍ مِنَ المَجازِ أوِ التَّوَسُّعِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ البَخْسَ هو بِمَعْنى النَّقْصِ الَّذِي هو فِعْلُ الفاعِلِ بِالمَفْعُولِ، لا النَّقْصُ الَّذِي هو صِفَةُ الشَّيْءِ النّاقِصِ، فَهو أخَصُّ مِنَ النَّقْصِ في الِاسْتِعْمالِ، وهو أخَصُّ مِنهُ في المَعْنى أيْضًا.
ثُمَّ إنَّ حَقَّ فِعْلِهِ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَإذا عُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ هُنا: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَذَلِكَ عَلى مَعْنى التَّحْوِيلِ لِتَحْصِيلِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ، وأصْلُ الكَلامِ: ولا تَبْخَسُوا أشْياءَ النّاسِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (أشْياءَهم) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ: (النّاسَ) وعَلى هَذا فَلَوْ بُنِيَ فِعْلُ بَخَسَ لِلْمَجْهُولِ لَقُلْتَ بُخِسَ فُلانٌ شَيْئُهُ - بِرَفْعِ فُلانٍ ورَفْعِ شَيْئِهِ. وقَدْ جَعَلَهُ أبُو البَقاءِ مَفْعُولًا ثانِيًا، فَعَلى إعْرابِهِ لَوْ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لَبَقِيَ أشْياءَهم مَنصُوبًا، وعَلى إعْرابِنا لَوْ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لَصارَ أشْياؤُهم مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ النّاسِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ بَيْنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ فَرْقًا قَدْ خَفِيَ عَلى كَثِيرٍ.
وحاصِلُ ما أمَرَ بِهِ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ، بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، يَنْحَصِرُ في ثَلاثَةِ أُصُولٍ: هي حِفْظُ حُقُوقِ المُعامَلَةِ المالِيَّةِ، وحِفْظُ نِظامِ الأُمَّةِ ومَصالِحِها، وحِفْظُ حُقُوقِ حُرِّيَّةِ الِاسْتِهْداءِ.
فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَإيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ يَرْجِعُ إلى حِفْظِ حُقُوقِ المُشْتَرِينَ، لِأنَّ الكائِلَ أوِ الوازِنَ هو البائِعُ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ حُبُّ الِاسْتِفْضالِ عَلى تَطْفِيفِ الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ، لِيَكُونَ باعَ الشَّيْءَ النّاقِصَ بِثَمَنِ الشَّيْءِ الوافِي، كَما يَحْسَبُهُ المُشْتَرِي.
وأمّا النَّهْيُ عَنْ بَخْسِ النّاسِ أشْياءَهم فَيَرْجِعُ إلى حِفْظِ حُقُوقِ البائِعِ لِأنَّ
صفحة ٢٤٤
المُشْتَرِيَ هو الَّذِي يَبْخَسُ شَيْءَ البائِعِ لِيُهَيِّئَهُ لِقَبُولِ الغَبْنِ في ثَمَنِ شَيْئِهِ، وكِلا هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ حِيلَةٌ وخِداعٌ لِتَحْصِيلِ رِبْحٍ مِنَ المالِ.
والكَيْلُ مَصْدَرٌ، ويُطْلَقُ عَلى ما يُكالُ بِهِ، وهو المِكْيالُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] وهو المُرادُ هُنا: لِمُقابَلَتِهِ بِالمِيزانِ، ولِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤] ومَعْنى إيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ أنْ تَكُونَ آلَةُ الكَيْلِ وآلَةُ الوَزْنِ بِمِقْدارِ ما يُقَدَّرُ بِها مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ. وإنَّما خَصَّ هَذَيْنِ التَّحَيُّلَيْنِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ المَذْكُورَيْنِ: لِأنَّهُما كانا شائِعَيْنِ عِنْدَ مَدْيَنَ، ولِأنَّ التَّحَيُّلاتِ في المُعامَلَةِ المالِيَّةِ تَنْحَصِرُ فِيهِما إذْ كانَ التَّعامُلُ بَيْنَ أهْلِ البَوادِي مُنْحَصِرًا في المُبادَلاتِ بِأعْيانِ الأشْياءِ: عَرْضًا وطَلَبًا.
وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ النَّهْيَ في قَوْلِهِ: ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم أفادَ مَعْنًى غَيْرَ الَّذِي أفادَهُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ. ولَيْسَ ذَلِكَ النَّهْيُ جارِيًا مَجْرى العِلَّةِ لِلْأمْرِ، أوِ التَّأْكِيدِ لِمَضْمُونِهِ، كَما فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
وما جاءَ في هَذا التَّشْرِيعِ هو أصْلٌ مِن أُصُولِ رَواجِ المُعامَلَةِ بَيْنَ الأُمَّةِ لِأنَّ المُعامَلاتِ تَعْتَمِدُ الثِّقَةَ المُتَبادَلَةَ بَيْنَ الأُمَّةِ، وإنَّما تَحْصُلُ بِشُيُوعِ الأمانَةِ فِيها، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ نَشِطَ النّاسُ لِلتَّعامُلِ فالمُنْتِجُ يَزْدادُ إنْتاجًا وعَرْضًا في الأسْواقِ، والطّالِبُ مِن تاجِرٍ أوْ مُسْتَهْلِكٍ يُقْبِلُ عَلى الأسْواقِ آمِنًا لا يَخْشى غَبْنًا ولا خَدِيعَةً ولا خِلابَةً، فَتَتَوَفَّرُ السِّلَعُ في الأُمَّةِ، وتَسْتَغْنِي عَنِ اجْتِلابِ أقْواتِها وحاجِيّاتِها وتَحْسِينِيّاتِها، فَيَقُومُ نَماءُ المَدِينَةِ والحَضارَةِ عَلى أساسٍ مَتِينٍ، ويَعِيشُ النّاسُ في رَخاءٍ وتَحابُبٍ وتَآخٍ، وبِضِدِّ ذَلِكَ يَخْتَلُّ حالُ الأُمَّةِ بِمِقْدارِ تَفَشِّي ضِدِّ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ هَذا الأصْلُ الثّانِي مِن أُصُولِ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّ ما يُفْضِي إلى إفْسادِ ما هو عَلى
صفحة ٢٤٥
حالَةِ الصَّلاحِ في الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]) في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى مَجْمُوعِ ما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ، ولِذا أُفْرِدَ اسْمُ الإشارَةِ. والمَذْكُورُ: هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ، وتَجَنُّبِ بَخْسِ أشْياءِ النّاسِ، وتَجَنُّبِ الفَسادِ في الأرْضِ. وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ لَهم، أيْ نَفْعٌ وصَلاحٌ تَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ. وإنَّما كانَ ما ذُكِرَ خَيْرًا: لِأنَّهُ يُوجِبُ هَناءَ العَيْشِ واسْتِقْرارَ الأمْنِ وصَفاءَ الوُدِّ بَيْنَ الأُمَّةِ وزَوالَ الإحَنِ المُفْضِيَةِ إلى الخُصُوماتِ والمُقاتَلاتِ، فَإذا تَمَّ ذَلِكَ كَثُرَتِ الأُمَّةُ وعَزَّتْ وهابَها أعْداؤُها وحَسُنَتْ أُحْدُوثَتُها وكَثُرَ مالُها بِسَبَبِ رَغْبَةِ النّاسِ في التِّجارَةِ والزِّراعَةِ لِأمْنِ صاحِبِ المالِ مِنِ ابْتِزازِ مالِهِ، وفِيهِ خَيْرُ الآخِرَةِ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ فَعَلُوهُ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ رَسُولِهِ أكْسَبَهم رِضا اللَّهِ، فَنَجَوْا مِنَ العَذابِ، وسَكَنُوا دارَ الثَّوابِ. فالتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: خَيْرٌ لِلتَّعْظِيمِ والكَمالِ لِأنَّهُ جامِعُ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرْطٌ مُقَيِّدٌ لِقَوْلِهِ: (ذَلِكم خَيْرٌ لَكم) والمُؤْمِنُونَ لَقَبٌ لِلْمُتَّصِفِينَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، كَما هو مُصْطَلَحُ الشَّرائِعِ، وحَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُصَدِّقِينَ لِقَوْلِهِ، ونُصْحِهِ، وأمانَتِهِ: حَمْلٌ عَلى ما يَأْباهُ السِّياقُ، بَلِ المَعْنى، أنَّهُ يَكُونُ خَيْرًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وحْدَهُ، فَهو رُجُوعٌ إلى الدَّعْوَةِ لِلتَّوْحِيدِ بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ في كَلامِهِ، ومَعْناهُ أنَّ حُصُولَ الخَيْرِ مِنَ الأشْياءِ المُشارِ إلَيْها لا يَكُونُ إلّا مَعَ الإيمانِ، لِأنَّهم إذا فَعَلُوها وهم مُشْرِكُونَ لَمْ يَحْصُلْ مِنها الخَيْرُ لِأنَّ مَفاسِدَ الشِّرْكِ تُفْسِدُ ما في الأفْعالِ مِنَ الخَيْرِ، أمّا في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الدُّنْيا فَإنَّ الشِّرْكَ يَدْعُو إلى أضْدادِ تِلْكَ الفَضائِلِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]
صفحة ٢٤٦
أوْ يَدْعُو إلى مَفاسِدَ لا يَظْهَرُ مَعَها نَفْعُ تِلْكَ المَصالِحِ. والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِالتَّقْيِيدِ نَفْيُ الخَيْرِ الكامِلِ عَنْ تِلْكَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فاعِلُوها مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ حَقَّ الإيمانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . وتَأْوِيلُ الآيَةِ بِغَيْرِ هَذا عُدُولٌ بِها عَنْ مَهْيَعِ الوُضُوحِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ هَذا الأصْلُ الثّالِثُ مِن دَعْوَتِهِ وهو النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلنّاسِ دُونَ الإيمانِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما يَتَطَلَّبُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي ذَلِكَ صَلاحُ أنْفُسِهِمْ، أيْ أصْلِحُوا أنْفُسَكم ولا تَمْنَعُوا مَن يَرْغَبُ في إصْلاحِ نَفْسِهِ. ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَصُدُّونَ وُفُودَ النّاسِ عَنِ الدُّخُولِ إلى المَدِينَةِ الَّتِي كانَ بِها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يُؤْمِنُوا بِهِ. فالمُرادُ بِالصِّراطِ الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إلى لِقاءِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والقُعُودُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ لازِمَةٍ وهو المُلازَمَةُ والِاسْتِقْرارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و(كُلِّ) لِلْعُمُومِ وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ كُلِّ صِراطٍ مُبَلِّغٍ إلى القَرْيَةِ أوْ إلى مَنزِلِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ كَما تَقَدَّمَ.
والباءُ لِلْإلْصاقِ، أوْ هي بِمَعْنى في كَشَأْنِها إذا دَخَلَتْ عَلى أسْماءِ المَنازِلِ. كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:“ بِسِقْطِ اللِّوى ”البَيْتَ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَقْعُدُوا. والإيعادُ: الوَعْدُ بِالشَّرِّ. والمَقْصُودُ مِنَ الإيعادِ الصَّدُّ، فَيَكُونُ عَطْفُ جُمْلَةٍ (وتَصُدُّونَ) عَطْفُ عِلَّةٍ عَلى مَعْلُولٍ، أوْ أُرِيدُ تُوعِدُونَ المُصَمِّمِينَ عَلى اتِّباعِ الإيمانِ، وتَصُدُّونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَمِّمُوا: فَهو عَطْفُ عامٍ عَلى خاصٍّ.
صفحة ٢٤٧
و(مَن آمَنَ) يَتَنازَعُهُ كُلُّ مِن تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ.
والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: مَن آمَنَ بِهِ عِوَضًا عَنِ المُضارِعِ، حَيْثُ المُرادُ بِمَن آمَنَ قاصِدُ الإيمانِ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ عَزْمِ القاصِدِ عَلى الإيمانِ فَهو لَوْلا أنَّهم يَصُدُّونَهُ لَكانَ قَدْ آمَنَ.
وسَبِيلُ اللَّهِ الدِّينُ لِأنَّهُ مِثْلُ الطَّرِيقِ المَوْصُولِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى القُرْبِ مِن مَرْضاتِهِ.
ومَعْنى (﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩]) تَبْغُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ عِوَجًا إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ ما يَدْعُو إلَيْهِ شُعَيْبٌ باطِلٌ، يُقالُ: بَغاهُ بِمَعْنى طَلَبَ لَهُ، فَأصْلُهُ بَغى لَهُ فَحَذَفُوا حَرْفَ الجَرِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ أوْ لِتَضْمِينِ بَغى مَعْنى أعْطى.
والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - عَدَمُ الِاسْتِقامَةِ في المَعانِي، وبِفَتْحِ العَيْنِ: عَدَمُ اسْتِقامَةِ الذّاتِ، والمَعْنى: تُحاوِلُونَ أنْ تَصِفُوا دَعْوَةَ شُعَيْبٍ المُسْتَقِيمَةَ بِأنَّها باطِلٌ وضَلالٌ، كَمَن يُحاوِلُ اعْوِجاجَ عُودٍ مُسْتَقِيمٍ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في هَذِهِ السُّورَةِ في ذِكْرِ نِداءِ أصْحابِ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ.
وإنَّما أخَّرَ النَّهْيَ عَنِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَجْعَلْهُ في نَسَقِ الأوامِرِ والنَّواهِي الماضِيَةِ ثُمَّ يُعَقِّبْهُ بِقَوْلِهِ (ذَلِكم خَيْرٌ لَكم) لِأنَّهُ رَتَّبَ الكَلامَ عَلى الِابْتِداءِ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمُناسَبَةِ أنَّ الجَمِيعَ فِيهِ صَلاحُ المُخاطَبِينَ، فَأعْقَبَها بِبَيانِ أنَّها خَيْرٌ لَهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَأعادَ تَنْبِيهَهم إلى الإيمانِ وإلى أنَّهُ شَرْطٌ في صَلاحِ الأعْمالِ، وبِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الإيمانِ عادَ إلى النَّهْيِ عَنْ صَدِّ الرّاغِبِينَ فِيهِ، فَهَذا مِثْلُ التَّرْتِيبِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِـلَـذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خُلْخالِ
ولَمْ أسْبَأِ الرّاحَ الكُمَيْتَ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفَـالِ
رَوى الواحِدِيُّ في شَرْحِ دِيوانِ المُتَنَبِّي أنَّ المُتَنَبِّي لَمّا أنْشَدَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ قَوْلَهُ فِيهِ:
صفحة ٢٤٨
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهو نَـائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمَـى حَـزِينَةً ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ بَـاسِـمُ
أنْكَرَ عَلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ تَطْبِيقَ عَجُزَيِ البَيْتَيْنِ عَلى صَدَرَيْهِما، وقالَ لَهُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ تَجْعَلَ العَجُزَ الثّانِي عَجُزَ الأوَّلِ والعَكْسَ وأنْتَ في هَذا مِثْلُ امْرِئِ القَيْسِ في قَوْلِهِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ
البَيْتَيْنِ، ووَجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَهُ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ: أنْ يَكُونَ عَجُزُ البَيْتِ الأوَّلِ لِلثّانِي وعَجُزُ البَيْتِ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِيَكُونَ رُكُوبُ الخَيْلِ مَعَ الأمْرِ لِلْخَيْلِ بِالكَرِّ، ويَكُونُ سِباءُ الخَمْرِ مَعَ تَبَطُّنِ الكاعِبِ، فَقالَ أبُو الطَّيِّبِ: إنْ صَحَّ أنَّ الَّذِي اسْتَدْرَكَ عَلى امْرِئِ القَيْسِ هَذا أعْلَمُ مِنهُ بِالشِّعْرِ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ وأخْطَأْتُ أنا، ومَوْلانا الأمِيرُ يَعْلَمُ أنَّ الثَّوْبَ لا يَعْرِفُهُ البَزّازُ مَعْرِفَةَ الحائِكِ، لِأنَّ البَزّازَ لا يَعْرِفُ إلّا جُمْلَتَهُ، والحائِكَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ، لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الغَزَلِيَّةِ إلى الثَّوْبِيَّةِ، وإنَّما قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ لَذَّةَ النِّساءِ بِلَذَّةِ الرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ وقَرَنَ السَّماحَةَ في شِراءِ الخَمْرِ لِلْأضْيافِ بِالشَّجاعَةِ في مُنازَلَةِ الأعْداءِ، وأنّا لَمّا ذَكَرْتُ المَوْتَ في أوَّلِ البَيْتِ أتْبَعْتُهُ بِذِكْرِ الرَّدى لِتَجانُسِهِ، ولَمّا كانَ وجْهُ المُنْهَزِمِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ عَبُوسًا وعَيْنُهُ مِن أنْ تَكُونَ باكِيَةً قُلْتُ: ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ لِأجْمَعَ بَيْنَ الأضْدادِ في المَعْنى.
وهُوَ يَعْنِي بِهَذا أنَّ وُجُوهَ المُناسَبَةِ في نَظْمِ الكَلامِ تَخْتَلِفُ وتَتَعَدَّدُ، وأنَّ بَعْضًا يَكُونُ أرْجَحَ مِن بَعْضٍ.
وذَكَّرَهم شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَقِبَ ذَلِكَ بِتَكْثِيرِ اللَّهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ كانُوا قَلِيلًا، وهي نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، إذْ صارُوا أُمَّةً بَعْدَ أنْ كانُوا مَعْشَرًا.
ومَعْنى تَكْثِيرِ اللَّهِ إيّاهم تَيْسِيرُهُ أسْبابَ الكَثْرَةِ لَهم بِأنْ قَوّى فِيهِمْ قُوَّةَ التَّناسُلِ، وحَفِظَهم مِن أسْبابِ المَوَتانِ، ويَسَّرَ لِنَسْلِهِمُ اليِفاعَةَ حَتّى كَثُرَتْ مَوالِيدُهم وقَلَّتْ وفِيّاتُهم، فَصارُوا عَدَدًا كَثِيرًا في زَمَنٍ لا يُعْهَدُ في مِثْلِهِ مَصِيرُ أُمَّةٍ إلى عَدَدِهِمْ، فَيُعَدُّ مَنعُهُمُ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في دِينِ اللَّهِ سَعْيًا في تَقْلِيلِ حِزْبِ اللَّهِ، وذَلِكَ كُفْرانٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ كَثَّرَهم، ولِيُقابِلُوا اعْتِبارَ
صفحة ٢٤٩
هَذِهِ النِّعْمَةِ بِاعْتِبارِ نِقْمَتِهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ، إذِ اسْتَأْصَلَهم بَعْدَ أنْ كانُوا كَثِيرًا فَذَلِكَ مِن تَمايُزِ الأشْياءِ بِأضْدادِها.
فَلِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ. وفي هَذا الكَلامِ جَمْعٌ بَيْنَ طَرِيقَيِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
(وقَلِيلٌ) وصْفٌ يَلْزَمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ، مِثْلُ كَثِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -:“ ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِئٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] " في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والمُرادُ بِـ المُفْسِدِينَ الَّذِينَ أفْسَدُوا أنْفُسَهم بِعَقِيدَةِ الشِّرْكِ وبِأعْمالِ الضَّلالِ، وأفْسَدُوا المُجْتَمَعَ بِخالِفَةِ الشَّرائِعِ، وأفْسَدُوا النّاسَ بِإمْدادِهِمْ بِالضَّلالِ وصَدِّهِمْ عَنِ الهُدى، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ: لِلْمُفْسِدِينَ بِمُتَعَلِّقٍ لِأنَّهُ اعْتُبِرَ صِفَةً، وقُطِعَ عَنْ مُشابَهَةِ الفِعْلِ، أيِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالإفْسادِ، وهَذا الخِطابُ مَقْصُودٌ مِنهُ الكافِرُونَ مِن قَوْمِهِ ابْتِداءً، وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ، فَإنَّها تَشْمَلُهم وبِالِاعْتِبارِ بِمَن مَضَوْا فَإنَّهُ يَنْفَعُهم، وفي هَذا الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ لِلْمُسْلِمِينَ وبِالتَّسْلِيَةِ لَهم عَلى ما يُلاقُونَهُ مِن مُفْسِدِي أهْلِ الشِّرْكِ لِانْطِباقِ حالِ الفَرِيقَيْنِ عَلى حالِ الفَرِيقَيْنِ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
و(إذْ) في قَوْلِهِ: إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا اسْمُ زَمانٍ، غَيْرُ ظَرْفٍ فَهو في مَحَلِّ المَفْعُولِ بِهِ أيِ اذْكُرُوا زَمانَ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَأعْقَبَهُ بِأنْ كَثَّرَكم في مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ.
و: الطّائِفَةُ الجَماعَةُ ذاتُ العَدَدِ الكَثِيرِ وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
والشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ﴾ أفادَ تَعْلِيقَ حُصُولِ مَضْمُونِ الجَزاءِ في المُسْتَقْبَلِ، أعْنِي ما تَضَمَّنَهُ الوَعِيدُ لِلْكافِرِينَ بِهِ والوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، عَلى تَحَقُّقِ حُصُولِ مَضْمُونِ فِعْلِ الشَّرْطِ، لا عَلى تَرَقُّبِ حُصُولِ مَضْمُونِهِ، لِأنَّهُ
صفحة ٢٥٠
مَعْلُومُ الحُصُولِ، فالماضِي الواقِعُ فِعْلًا لِلشَّرْطِ هُنا ماضٍ حَقِيقِيٌّ ولَيْسَ مَئُولًا بِالمُسْتَقْبَلِ، كَما هو الغالِبُ في وُقُوعِ الماضِي في سِياقِ الشَّرْطِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مَعْلُومَ الحُصُولِ، وبِقَرِينَةِ النَّفْيِ بِلَمِ المَعْطُوفِ عَلى الشَّرْطِ فَإنَّ (لَمْ) صَرِيحَةٌ في المُضِيِّ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ بِقَرِينَةٍ. (قَدْ) إذِ الماضِي المَدْخُولُ لِـ (قَدْ) لا يُقْلَبُ إلى مَعْنى المُسْتَقْبَلِ. فالمَعْنى: إنْ تَبَيَّنَ أنَّ طائِفَةً آمَنُوا وطائِفَةً كَفَرُوا فَسَيَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ. ويَئُولُ المَعْنى: إنِ اخْتَلَفْتُمْ في تَصْدِيقِي فَسَيَظْهَرُ الحُكْمُ بِأنِّي صادِقٌ.
ولَيْسَتْ (إنْ) بِمُفِيدَةِ الشَّكِّ في وُقُوعِ الشَّرْطِ كَما هو الشَّأْنُ، بَلِ اجْتُلِبَتْ هُنا لِأنَّها أصْلُ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنَّما يُفِيدُ مَعْنى الشَّكِّ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ إذا وقَعَ العُدُولُ عَنِ اجْتِلابِ (إذا) حِينَ يَصِحُّ اجْتِلابُها، فَأمّا إذا لَمْ يَصِحَّ اجْتِلابُ (إذا) فَلا تَدُلُّ (إنْ) عَلى شَكٍّ وكَيْفَ تُفِيدُ الشَّكَّ مَعَ تَحَقُّقِ المُضِيِّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
لَئِنْ كُنْتَ قَدْ بُلِّغْتَ عَنِّي وِشايَةً ∗∗∗ لَمُبْلِغُكَ الواشِي أغَشُّ وأكْذَبُ
والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ في حالِ التَّرَقُّبِ، سَواءٌ كانَ تَرَقُّبَ مَحْبُوبٍ أمْ تَرَقُّبَ مَكْرُوهٍ، وأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ أنْ يُطْلَقَ عَلى حَبْسِ النَّفْسِ في حالِ فُقْدانِ الأمْرِ المَحْبُوبِ، وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعْمَلًا في القَدْرِ المُشْتَرَكِ لِأنَّهُ خُوطِبَ بِهِ الفَرِيقانِ: المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، وصَبْرُ كُلٍّ بِما يُناسِبُهُ، ولَعَلَّهُ رَجَحَ فِيهِ حالُ المُؤْمِنِينَ، فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الحُكْمَ المُتَرَقَّبَ هو في مَنفَعَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً.
و(حَتّى) تُفِيدَ غايَةً لِلصَّبْرِ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَسَيَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ.
وحُكْمُ اللَّهِ أُرِيدَ بِهِ حُكْمٌ في الدُّنْيا بِإظْهارِ أثَرِ غَضَبِهِ عَلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ ورِضاهُ عَلى الَّذِينَ خالَفُوهم، فَيَظْهَرُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهَذا صَدَرَ عَنْ ثِقَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ سَيَحْكُمُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ اسْتِنادًا لِوَعْدِ
صفحة ٢٥١
اللَّهِ إيّاهُ بِالنَّصْرِ عَلى قَوْمِهِ، أوْ لِعِلْمِهِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في رُسُلِهِ ومَن كَذَّبَهم بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِذَلِكَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَتَأخَّرَ الحُكْمُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ الحِسابِ، ولَيْسَ هو المُرادَ مِن كَلامِهِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: (فاصْبِرُوا) إذا كانَ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ، فَإنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً صَحَّ إرادَةُ الحُكْمَيْنِ جَمِيعًا.
وأدْخَلَ نَفْسَهُ في المَحْكُومِ بَيْنَهم بِضَمِيرِ المُشارَكَةِ لِأنَّ الحُكْمَ المُتَعَلِّقَ بِالفَرِيقِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يُعْتَبَرُ شامِلًا لَهُ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ بِرِسالَةِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ: وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ تَذْيِيلٌ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِأنَّ حُكْمَهُ عَدْلٌ مَحْضٌ لا يَحْتَمِلُ الظُّلْمَ عَمْدًا ولا خَطَأً، وغَيْرُهُ مِنَ الحاكِمِينَ يَقَعُ مِنهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ أوْ كِلاهُما.
و(خَيْرُ): اسْمُ تَفْضِيلٍ أصْلُهُ أخْيَرُ فَخَفَّفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
الأعراف 7:88
صفحة ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْرافِ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ كانَ جَوابُهم عَنْ حُجَّةِ شُعَيْبٍ جَوابَ المُفْحَمِ عَنِ الحُجَّةِ، الصّائِرِ إلى الشِّدَّةِ، المُزْدَهِي بِالقُوَّةِ، المُتَوَقِّعِ أنْ يَكْثُرَ مُعانِدُوهُ، فَلِذَلِكَ عَدَلُوا إلى إقْصاءِ شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ عَنْ بِلادِهِمْ خَشْيَةَ ظُهُورِ دَعْوَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ، وبَثِّ أتْباعِهِ دَعْوَتَهُ بَيْنَ النّاسِ، فَلِذَلِكَ قالُوا (لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا)
وتَفْسِيرُ صَدْرِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِهِ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ.
وإيثارُ وصْفِهِمْ بِالِاسْتِكْبارِ هُنا دُونَ الكُفْرِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْهم هَنا خِطابُ المُسْتَضْعَفِينَ، حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ الِاسْتِكْبارِ إشارَةً إلى أنَّهُمُ اسْتَضْعَفُوا المُؤْمِنِينَ كَما اقْتَضَتْهُ قِصَّةُ ثَمُودَ، فاخْتِيرَ وصْفُ الِاسْتِكْبارِ هُنا لِمُناسَبَةِ مُخاطَبَتِهِمْ شُعَيْبًا بِالإخْراجِ أوِ الإكْراهِ عَلى اتِّباعِ دِينِهِمْ، وذَلِكَ مِن فِعْلِ الجَبّارِينَ أصْحابِ القُوَّةِ.
وكانَ إخْراجُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِن دِيارِ قَبِيلَتِهِ عُقُوبَةً مُتَّبَعَةً في العَرَبِ إذا أجْمَعَتِ القَبِيلَةُ عَلى ذَلِكَ ويُسَمّى هَذا الإخْراجُ عِنْدَ العَرَبِ بِالخَلْعِ، والمُخْرَجِ يُسَمّى خَلِيعًا.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
بِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كالخَلِيعِ المُعِيلِ
وأكَّدُوا التَّوَعُّدَ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ: لِيُوقِنَ شُعَيْبٌ بِأنَّهم مُنْجِزُو ذَلِكَ الوَعِيدِ.
صفحة ٦
وخِطابُهم إيّاهُ بِالنِّداءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ خِطابِ الغَضَبِ، كَما حَكى اللَّهُ قَوْلَ آزَرَ خِطابًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ.
وقَوْلُهُ (مَعَكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ لَنُخْرِجَنَّكَ، ومُتَعَلِّقُ آمَنُوا مَحْذُوفٌ، أيْ بِكَ، لِأنَّهم لا يَصِفُونَهم بِالإيمانِ الحَقِّ في اعْتِقادِهِمْ.
والقَرْيَةُ المَدِينَةُ لِأنَّها يَجْتَمِعُ بِها السُّكّانُ. والتَّقَرِّي: الِاجْتِماعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، والمُرادُ بِقَرْيَتِهِمْ هُنا هي الأيْكَةُ وهي تَبُوكُ وقَدْ رَدَّدُوا أمْرَ شُعَيْبٍ ومَن مَعَهُ بَيْنَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ القَرْيَةِ وبَيْنَ العَوْدِ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ.
وقَدْ جَعَلُوا عَوْدَ شُعَيْبٍ والَّذِينَ مَعَهُ إلى مِلَّةِ القَوْمِ مُقْسَمًا عَلَيْهِ فَقالُوا أوْ لَتَعُودُنَّ ولَمْ يَقُولُوا: لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ تَعُودُنَّ في مِلَّتِنا، لِأنَّهم أرادُوا تَرْدِيدَ الأمْرَيْنِ في حَيِّزِ القَسَمِ لِأنَّهم فاعِلُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ وأنَّهم مُلِحُّونَ في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ.
وكانُوا يَظُنُّونَ اخْتِيارَهُ العَوْدَ إلى مِلَّتِهِمْ، فَأكَّدُوا هَذا العَوْدَ بِالقَسَمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا مَحِيدَ عَنْ حُصُولِهِ عِوَضًا عَنْ حُصُولِ الإخْراجِ لِأنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ مُرْضٍ لِلْمُقْسِمِينَ، وأيْضًا فَإنَّ التَّوْكِيدَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم إنْ أبَوُا الخُرُوجَ مِنَ القَرْيَةِ فَإنَّهم يُكْرَهُونَ عَلى العَوْدِ إلى مِلَّةِ القَوْمِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ شُعَيْبٍ في جَوابِهِمْ: أوَ لَوْ كُنّا كارِهِينَ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ كانَ ذِكْرُ الإخْراجِ مِن أرْضِهِمْ أهَمَّ، فَلِذَلِكَ قَدَّمُوا القَسَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ أعَقَبُوهُ بِالمَعْطُوفِ بِحَرْفِ أوْ.
والعَوْدُ: الرُّجُوعُ إلى ما كانَ فِيهِ المَرْءُ مِن مَكانٍ أوْ عَمَلٍ، وجَعَلُوا مُوافَقَةَ شُعَيْبٍ إيّاهم عَلى الكُفْرِ عَوْدًا لِأنَّهم يَحْسَبُونَ شُعَيْبًا كانَ عَلى دِينِهِمْ، حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ مِنهُ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، فَهم يَحْسَبُونَهُ مُوافِقًا لَهم مِن قَبْلُ أنْ يَدْعُوَ إلى ما دَعا إلَيْهِ. وشَأْنُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ لِلنُّبُوءَةِ أنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُشارِكِينَ لِأهْلِ الضَّلالِ مِن قَوْمِهِمْ ولَكِنَّهم يَكُونُونَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِمْ في حالَةِ خُلُوٍّ عَنِ الإيمانِ حَتّى يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ تَدْرِيجًا، وقَوْمُهم لا يَعْلَمُونَ باطِنَهم فَلا حَيْرَةَ في تَسْمِيَةِ قَوْمِهِ مُوافَقَتَهُ إيّاهم عَوْدًا.
وهَذا بِناءً عَلى أنَّ الأنْبِياءِ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّرْكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ، وذَلِكَ قَوْلُ جَمِيعِ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ عِياضٌ في الشِّفاءِ في القِسْمِ الثّالِثِ وأوْرَدَ قَوْلَ شُعَيْبٍ: إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم وتَأوَّلَ العَوْدَ بِأنَّهُ المَصِيرُ، وذَلِكَ تَأْوِيلُ كَثِيرٍ مِن
صفحة ٧
المُفَسِّرِينَ لِهَذِهِ الآيَةِ. ودَلِيلُ العِصْمَةِ مِن هَذا هو كَمالُهم، والدَّلِيلُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ خِلافَ الكَمالِ قَبْلَ الوَحْيِ يُعَدُّ نَقْصًا، ولَيْسَ في الشَّرِيعَةِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى ذَلِكَ. وإنَّما الإشْكالُ في قَوْلِ شُعَيْبٍ إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم فَوَجْهُهُ أنَّهُ أجْراهُ عَلى المُشاكَلَةِ والتَّغْلِيبِ، وكِلاهُما مُصَحِّحٌ لِاسْتِعْمالِ لَفْظِ العَوْدِ في غَيْرِ مَعْناهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خاصَّةً، وقَدْ تَوَلّى شُعَيْبٌ الجَوابَ عَمَّنْ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَقِينِهِ بِصِدْقِ إيمانِهِمْ.
والمِلَّةُ: الدِّينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفَصْلُ جُمْلَةِ قالَ المَلَأُ لِوُقُوعِها في المُحاوَرَةِ عَلى ما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
﴿قالَ أوَ لَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ فَصْلُ جُمْلَةِ (قالَ. . .) لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا المُؤْذِنِ ما فِيهِ مِنَ المُؤَكِّداتِ بِأنَّهم يُكْرِهُونَهم عَلى المَصِيرِ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ، وذَلِكَ التَّعَجُّبُ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ تَصْمِيمِهِ ومَن مَعَهُ عَلى الإيمانِ، لِيَعْلَمَ قَوْمُهُ أنَّهُ أحاطَ خَبَرًا بِما أرادُوا مِن تَخْيِيرِهِ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ: الإخْراجُ أوِ الرُّجُوعُ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ، شَأْنَ الخَصْمِ اللَّبِيبِ الَّذِي يَأْتِي في جَوابِهِ بِما لا يُغادِرُ شَيْئًا مِمّا أرادَهُ خَصْمُهُ في حِوارِهِ، وفي كَلامِهِ تَعْرِيضٌ بِحَماقَةِ خُصُومِهِ إذْ يُحاوِلُونَ حَمْلَهُ عَلى مِلَّتِهِمْ بِالإكْراهِ، مَعَ أنَّ شَأْنَ المُحِقِّ أنْ يَتْرُكَ لِلْحَقِّ سُلْطانَهُ عَلى النُّفُوسِ ولا يَتَوَكَّأُ عَلى عَصا الضَّغْطِ والإكْراهِ، ولِذا قالَ اللَّهُ تَعالى لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ. فَإنَّ التِزامَ الدِّينِ عَنْ إكْراهٍ لا يَأْتِي بِالغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنَ التَّدَيُّنِ وهو تَزْكِيَةُ النَّفْسِ وتَكْثِيرُ جُنْدِ الحَقِّ والصَّلاحُ المَطْلُوبُ.
صفحة ٨
والكارِهُ مُشْتَقٌّ مِن كَرِهَ الَّذِي مَصْدَرُهُ الكَرْهُ - بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ الرّاءِ - وهو ضِدُّ المَحَبَّةِ، فَكارِهُ الشَّيْءِ لا يُدانِيهِ إلّا مَغْصُوبًا ويُقالُ لِلْغَصْبِ إكْراهٌ، أيْ مُلْجَئِينَ ومَغْصُوبِينَ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(لَوْ) وصْلِيَّةٌ تُفِيدُ أنَّ شَرْطَها هو أقْصى الأحْوالِ الَّتِي يَحْصُلُ مَعَها الفِعْلُ الَّذِي في جَوابِها، فَيَكُونُ ما بَعْدَها أحْرى بِالتَّعَجُّبِ. فالتَّقْدِيرُ: أتُعِيدُونَنا إلى مِلَّتِكم ولَوْ كُنّا كارِهِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ لَوْ هَذِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الواوِ الدّاخِلَةِ عَلَيْها وأنَّها واوُ الحالِ.
واسْتَأْنَفَ مُرْتَقِيًا في الجَوابِ، فَبَيَّنَ اسْتِحالَةَ عَوْدِهِمْ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ بِأنَّ العَوْدَ إلَيْها يَسْتَلْزِمُ كَذِبَهُ فِيما بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِن إرْسالِهِ إلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، فَذَلِكَ كَذِبٌ عَلى اللَّهِ عَنْ عَمْدٍ، لِأنَّ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ لا يَرْجِعُ إلى الكُفْرِ، ويَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ عَلى اللَّهِ حَيْثُ أيْقَنُوا بِأنَّ شُعَيْبًا مَبْعُوثٌ مِنَ اللَّهِ بِما دَلَّهم عَلى ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ في كُلٍّ مِن قَوْلِهِ (افْتَرَيْنا) و(عُدْنا) و(نَجّانا) و(نَعُودَ) و(رَبُّنا) و(تَوَكَّلْنا) .
والرَّبْطُ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ رَبْطُ التَّبْيِينِ والِانْكِشافِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ حُصُولِ الِافْتِراءِ بِالعَوْدِ في مِلَّةِ قَوْمِهِ، فَإنَّ الِافْتِراءَ المَفْرُوضَ بِهَذا المَعْنى سابِقٌ مُتَحَقِّقٌ وإنَّما يَكْشِفُهُ رُجُوعُهم إلى مِلَّةِ قَوْمِهِمْ، أيْ إنْ يَقَعْ عَوْدُنا في مِلَّتِكم فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّنا افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا، فالماضِي في قَوْلِهِ افْتَرَيْنا ماضٍ حَقِيقِيٌّ كَما يَقْتَضِيهِ دُخُولُ قَدْ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُهُ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ في الحالَتَيْنِ لا تَقْلِبُهُ إنْ لِلِاسْتِقْبالِ، أمّا الماضِي الواقِعُ شَرْطًا لِـ إنْ في قَوْلِهِ إنْ عُدْنا فَهو بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ إنْ تَقْلِبُ الماضِي لِلْمُسْتَقْبَلِ عَكْسَ لَمْ.
وقَوْلُهُ بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها عَلى هَذا الوَجْهِ، مَعْناهُ: بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ لِلدِّينِ الحَقِّ الَّذِي اتَّبَعْناهُ بِالوَحْيِ فَنَجّانا مِنَ الكُفْرِ، فَذَكَرَ الإنْجاءَ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاهْتِداءِ والإعْلانِ بِأنَّ مُفارَقَةَ الكُفْرِ نَجاةٌ، فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ أوْ كِنايَةٌ.
وهَذِهِ البَعْدِيَّةُ لَيْسَتْ قَيْدًا لِـ (افْتَرَيْنا) ولا هي مُوجِبٌ كَوْنَ العَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ دالًّا عَلى كَذِبِهِ في الرِّسالَةِ، بَلْ هَذِهِ البَعْدِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (عُدْنا) يُقْصَدُ مِنها تَفْظِيعُ هَذا العَوْدِ وتَأْيِيسُ
صفحة ٩
الكافِرِينَ مِن عَوْدِ شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ، بِخِلافِ حالِهِمُ الأُولى قَبْلَ الإيمانِ فَإنَّهم يُوصَفُونَ بِالكُفْرِ لا بِالِافْتِراءِ إذْ لَمْ يَظْهَرُ لَهم وجْهُ الحَقِّ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها أيْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْصِدُهُ العاقِلُ فَيَلْقِي نَفْسَهُ في الضَّلالِ والتَّعَرُّضِ لِلْعَذابِ.
وانْتِصابُ (كَذِبًا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ تَأْكِيدًا لِـ (افْتَرَيْنا) بِما هو مُساوٍ لَهُ أوْ أعَمُّ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في سُورَةِ المائِدَةِ.
وقَدْ رَتَّبَ عَلى مُقَدِّمَةِ لُزُومِ الِافْتِراءِ نَتِيجَةَ تَأْيِيسِ قَوْمِهِ مِن أنْ يَعُودَ المُؤْمِنُونَ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ بِقَوْلِهِ وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها فَنَفى العَوْدَ نَفْيًا مُؤَكَّدًا بِلامِ الجُحُودِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ تَأْكِيدِ النَّفْيِ بِلامِ الجُحُودِ في قَوْلِهِ تَعالى ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ إلَخْ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ وتَفْوِيضُ أمْرِهِ وأمْرِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ، أيْ: إلّا أنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ لَنا العَوْدَ في مِلَّتِكم فَإنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا فَعَلَ، فَأمّا عَوْدُ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفْرِ فَمُمْكِنٌ في العَقْلِ حُصُولُهُ ولَيْسَ في الشَّرْعِ اسْتِحالَتُهُ، والِارْتِدادُ وقَعَ في طَوائِفَ مِن أُمَمٍ.
وأمّا ارْتِدادُ شُعَيْبٍ بَعْدَ النُّبُوءَةِ فَهو مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا لِعِصْمَةِ اللَّهِ لِلْأنْبِياءِ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ سَلَبَ العِصْمَةَ عَنْ أحَدٍ مِنهم لَما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُحالٌ عَقْلًا، ولَكِنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ شَرْعًا، وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الشِّرْكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ فَعِصْمَتُهم مِنهُ بَعْدَ النُّبُوءَةِ بِالأوْلى، قالَ تَعالى: لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ.
وفِي قَوْلِ شُعَيْبٍ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا تَقْيِيدُ عَدَمِ العَوْدِ إلى الكُفْرِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وهو يَسْتَلْزِمُ تَقْيِيدَ الدَّوامِ عَلى الإيمانِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، لِأنَّ عَدَمَ العَوْدِ إلى الكُفْرِ مُساوٍ لِلثَّباتِ عَلى الإيمانِ، وهو تَقْيِيدٌ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّأدُّبُ وتَفْوِيضُ العِلْمِ بِالمُسْتَقْبَلِ إلى اللَّهِ، والكِنايَةُ عَنْ سُؤالِ الدَّوامِ عَلى الإيمانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ أنْ هَدَيْتَنا.
ومِن هُنا يُسْتَدَلُّ لِقَوْلِ الأشْعَرِيِّ وجَماعَةٍ عَلى رَأْسِهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ الفَقِيهُ
صفحة ١٠
المالِكِيُّ الجَلِيلُ أنَّ المُسْلِمَ يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ ما يُخْتَمُ لَهُ بِهِ بَعْدُ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الماتُرِيدِيِّ وطائِفَةٍ مِن عُلَماءِ القَيْرَوانِ عَلى رَأْسِهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ أنَّ المُسْلِمَ لا يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، لِأنَّهُ مُتَحَقِّقٌ أنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلا يَقُولُ كَلِمَةً تُنْبِئُ عَنِ الشَّكِّ في إيمانِهِ.
وقَدْ تَطايَرَ شَرَرُ الخِلافِ بَيْنَ ابْنِ عَبْدُوسٍ وأصْحابِهِ مِن جِهَةٍ، وابْنِ سَحْنُونٍ وأصْحابِهِ مِن جِهَةٍ، في القَيْرَوانِ زَمانًا طَوِيلًا ورَمى كُلُّ فَرِيقٍ الفَرِيقَ الآخَرَ بِما لا يَلِيقُ بِهِما، وكانَ أصْحابُ ابْنِ سَحْنُونٍ يَدْعُونَ ابْنَ عَبْدُوسٍ وأصْحابَهُ الشَّكُوكِيَّةَ وتَلَقَّفَتِ العامَّةُ بِالقَيْرَوانِ هَذا الخِلافَ عَلى غَيْرِ فَهْمٍ فَرُبَّما اجْتَرَأُوا عَلى ابْنِ عَبْدُوسٍ وأصْحابِهِ اجْتِراءً وافْتِراءً، كَما ذَكَرَهُ مُفَصَّلًا عِياضٌ في المَدارِكِ في تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونٍ، وتَرْجَمَةِ ابْنِ التَبّانِ، والَّذِي حَقَّقَهُ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ وعِياضٌ أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ: فَإنْ كانَ يَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وسَرِيرَتُهُ في الإيمانِ مِثْلُ عَلانِيَتِهِ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ شَكًّا فَهو شَكٌّ في الإيمانِ، ولَيْسَ ذَلِكَ ما يُرِيدُهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وقَدْ قالَ المُحَقِّقُونَ: أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ والماتُرِيدِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ مِنَ الخِلافِ اللَّفْظِيِّ، كَما حَقَّقَهُ تاجُ الدِّينِ السُّبْكِيِّ في مَنظُومَتِهِ النُّونِيَّةِ، وتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ نُورُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في شَرْحِهِ. ومِمّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهُ أنَّ الخِلافَ في المَسْألَةِ إنَّما هو مَفْرُوضٌ في صِحَّةِ قَوْلِ المُؤْمِنِ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، وأنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ هَلْ يُنْبِئُ عَنْ شَكِّهِ في إيمانِهِ، ولَيْسَ الخِلافُ في أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، عِنْدَ القائِلِينَ بِذَلِكَ، بِدَلِيلِ أنَّهم كَثِيرًا ما يُقابِلُونَ قَوْلَ القائِلِينَ بِالمَشِيئَةِ بِقَوْلِ الآخَرِينَ: أنا مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَرَجَعَتِ المَسْألَةُ إلى اخْتِلافِ النَّظَرِ في حالَةِ عَقْدِ القَلْبِ مَعَ ما هو في عِلْمِ اللَّهِ مِن خاتِمَتِهِ. وبِذَلِكَ سَهُلَ إرْجاعُ الخِلافِ إلى الخِلافِ اللَّفْظِيِّ.
والإتْيانُ بِوَصْفِ الرَّبِّ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ: إظْهارٌ لِحَضْرَةِ الإطْلاقِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا.
والخِلافُ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في جَوازِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى الكُفْرَ والمَعاصِي خِلافٌ ناشِئٌ عَنِ الخِلافِ في تَحْقِيقِ مَعْنى المَشِيئَةِ والإرادَةِ، ولِكِلا الفَرِيقَيْنِ اصْطِلاحٌ في
صفحة ١١
ذَلِكَ يُخالِفُ اصْطِلاحَ الآخَرِ، والمَسْألَةُ طَفِيفَةٌ وإنْ هَوَّلَها الفَرِيقانِ، واصْطِلاحُنا أسْعَدُ بِالشَّرِيعَةِ وأقْرَبُ إلى اللُّغَةِ، والمَسْألَةُ كُلُّها مِن فُرُوعِ مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ وقُدْرَةِ المُكَلِّفِ.
وقَوْلُهُ: وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا تَفْوِيضٌ لِعِلْمِ اللَّهِ، أيْ إلّا أنْ يَشاءَ ذَلِكَ فَهو أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِنّا، وإعادَةُ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ إظْهارِ وصْفِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وتَأْكِيدِ التَّعْرِيضِ المُتَقَدِّمِ، حَتّى يَصِيرَ كالتَّصْرِيحِ.
وانْتَصَبَ (عِلْمًا) عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِقَصْدِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِلِاهْتِمامِ.
وانْتَصَبَ (كُلَّ شَيْءٍ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (وسِعَ)، أيْ: وسِعَ عِلْمُ رَبِّنا كُلَّ شَيْءٍ.
والسِّعَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في الإحاطَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ لِأنَّ الشَّيْءَ الواسِعَ يَكُونُ أكْثَرَ إحاطَةً.
وفِي هَذِهِ المُجادَلَةِ إدْماجُ تَعْلِيمِ صِفاتِ اللَّهِ لِأتْباعِهِ وغَيْرِهِمْ عَلى عادَةِ الخُطَباءِ في انْتِهازِ الفُرْصَةِ.
ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ ومَن تَبِعَهُ قَدْ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ، والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ مُباشَرَةِ صَلاحِ المَرْءِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ في آلِ عِمْرانَ، وهَذا تَفْوِيضٌ يَقْتَضِي طَلَبَ الخَيْرِ، أيْ: رَجَوْنا أنْ لا يَسْلُبَنا الإيمانَ الحَقِّ ولا يُفْسِدُ خَلْقَ عُقُولِنا وقُلُوبِنا فَلا نُفْتَنُ ولا نَضِلُّ، ورَجَوْنا أنْ يَكْفِيَنا شَرَّ مَن يُضْمِرُ لَنا شَرًّا وذَلِكَ شَرُّ الكَفَرَةِ المُضْمَرُ لَهم، وهو الفِتْنَةُ في الأهْلِ بِالإخْراجِ، وفي الدِّينِ بِالإكْراهِ عَلى اتِّباعِ الكُفْرِ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى فِعْلِ ”تَوَكَّلْنا“ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ لِمَعْنى التَّوْحِيدِ ونَبْذِ غَيْرِ اللَّهِ، ولِما في قَوْلِهِ: عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا مِنَ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ في كِفايَتِهِمْ أمْرَ أعْدائِهِمْ، صَرَّحَ بِما يَزِيدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ. وفَسَّرُوا الفَتْحَ هُنا بِالقَضاءِ والحُكْمِ وقالُوا: هو لُغَةُ أزْدِ عُمانَ مِنَ اليَمَنِ، أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَهم، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الفَتْحِ بِمَعْنى النَّصْرِ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا لا يَتَحاكَمُونَ لِغَيْرِ السَّيْفِ، ويَحْسَبُونَ أنَّ النَّصْرَ حُكْمُ اللَّهِ لِلْغالِبِ عَلى المَغْلُوبِ.
وقَوْلُهُ: وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ هو كَقَوْلِهِ: وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ، أيْ
صفحة ١٢
وأنْتَ خَيْرُ النّاصِرِينَ، وخَيْرُ الحاكِمِينَ هو أفْضَلُ أهْلِ هَذا الوَصْفِ، وهو الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ كَمالُ هَذا الوَصْفِ فِيما يُقْصَدُ مِنهُ وفي فائِدَتِهِ بِحَيْثُ لا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الحَقُّ بِالباطِلِ ولا تُرَوَّجُ عَلَيْهِ التُّرَّهاتُ. والحُكّامُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ، فَتَبَيَّنَ وجْهُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ وكَذَلِكَ القِياسُ في قَوْلِهِ خَيْرُ النّاصِرِينَ، خَيْرُ الماكِرِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ.