Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الأعراف 7:131 – الأعراف 7:173

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الأعراف 7:131
  2. الأعراف 7:132
  3. الأعراف 7:133
  4. الأعراف 7:134
  5. الأعراف 7:135
  6. الأعراف 7:136
  7. الأعراف 7:137
  8. الأعراف 7:138
  9. الأعراف 7:139
  10. الأعراف 7:140
  11. الأعراف 7:141
  12. الأعراف 7:142
  13. الأعراف 7:143
  14. الأعراف 7:144
  15. الأعراف 7:145
  16. الأعراف 7:146
  17. الأعراف 7:147
  18. الأعراف 7:148
  19. الأعراف 7:149
  20. الأعراف 7:150
  21. الأعراف 7:151
  22. الأعراف 7:152
  23. الأعراف 7:153
  24. الأعراف 7:154
  25. الأعراف 7:155
  26. الأعراف 7:156
  27. الأعراف 7:157
  28. الأعراف 7:158
  29. الأعراف 7:159
  30. الأعراف 7:160
  31. الأعراف 7:161
  32. الأعراف 7:162
  33. الأعراف 7:163
  34. الأعراف 7:164
  35. الأعراف 7:165
  36. الأعراف 7:166
  37. الأعراف 7:167
  38. الأعراف 7:168
  39. الأعراف 7:169
  40. الأعراف 7:170
  41. الأعراف 7:171
  42. الأعراف 7:172
  43. الأعراف 7:173

الأعراف 7:131

﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ هَذا انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ المَصائِبِ الَّتِي أصابَ اللَّهُ بِها فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وجَعَلَها آياتٍ لِمُوسى، لِيُلْجِئَ فِرْعَوْنَ إلى الإذْنِ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ، وقَدْ وقَعَتْ تِلْكَ الآياتُ بَعْدَ المُعْجِزَةِ الكُبْرى الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ لِمُوسى في مَجْمَعِ السَّحَرَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ أغْضى عَنْ تَحْقِيقِ وعِيدِهِ إبْقاءً عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُومُونَ بِالأشْغالِ العَظِيمَةِ لِفِرْعَوْنَ. ويُؤْخَذُ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ مُوسى بَقِيَ في قَوْمِهِ مُدَّةً يُعِيدُ مُحاوَلَةَ فِرْعَوْنَ أنْ يُطْلِقَ بَنِي إسْرائِيلَ، وفِرْعَوْنُ يَعِدُ ويُخْلِفُ، ولَمْ تَضْبِطِ التَّوْراةُ مُدَّةَ مُقامِ مُوسى كَذَلِكَ، وظاهِرُها أنَّ المُدَّةَ لَمْ تَطُلْ، ولَيْسَ قَوْلُهُ - تَعالى - بِالسِّنِينَ دَلِيلًا عَلى أنَّها طالَتْ أعْوامًا لِأنَّ السِّنِينَ هُنا جُمَعُ سَنَةٍ بِمَعْنى الجَدْبِ لا بِمَعْنى الزَّمَنِ المُقَدَّرِ مِنَ الدَّهْرِ، فالسَّنَةُ في كَلامِ العَرَبِ إذا عُرِّفَتْ بِاللّامِ يُرادُ بِها سَنَةُ الجَدْبِ، والقَحْطِ، وهي حِينَئِذٍ عَلَمُ جِنْسٍ بِالغَلَبَةِ، ومِن ثَمَّ اشْتَقُّوا مِنها: أسْنَتَ القَوْمُ، إذا أصابَهُمُ الجَدْبُ والقَحْطُ، فالسِّنِينُ في الآيَةِ مُرادٌ بِها القُحُوطُ وجَمْعُها بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ مَواقِعِها أيْ: أصابَهُمُ القَحْطُ في جَمِيعِ الأرَضِينَ والبُلْدانِ، فالمَعْنى: ولَقَدْ أخَذْناهم بِالقُحُوطِ العامَّةِ في كُلِّ أرْضٍ. والأخْذُ: هُنا مَجازٌ في القَهْرِ والغَلَبَةِ، كَقَوْلِهِ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ هُنا مَجازًا في الإصابَةِ بِالشَّدائِدِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الأخْذِ: تَناوُلُ الشَّيْءِ بِاليَدِ، وتَعَدَّدَتْ إطْلاقاتُهُ، فَأُطْلِقَ كِنايَةً عَنِ المُلْكِ. وأُطْلِقَ اسْتِعارَةً لِلْقَهْرِ والغَلَبَةِ، ولِلْإهْلاكِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعانِيهِ مُتَفَرِّقَةً في السُّوَرِ الماضِيَةِ. وجُمْلَةُ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ولَقَدْ أخَذْنا فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. صفحة ٦٤ ونَقْصٍ الثَّمَراتِ قِلَّةُ إنْتاجِها قِلَّةً غَيْرَ مُعْتادَةٍ لَهم، فَتَنْوِينُ (نَقْصٍ) لِلتَّكْثِيرِ ولِذَلِكَ نُكِّرَ (نَقْصٍ) ولَمْ يُضَفْ إلى (الثَّمَراتِ) لِئَلّا تَفُوتَ الدَّلالَةُ عَلى الكَثْرَةِ. فالسِّنُونَ تَنْتابُ المَزارِعَ والحُقُولَ، ونَقْصُ الثَّمَراتِ يَنْتابُ الجَنّاتِ. و(لَعَلَّ) لِلرَّجاءِ، أيْ مَرْجُوًّا تَذَكُّرُهم؛ لِأنَّ المَصائِبَ والأضْرارَ المُقارِنَةَ لِتَذْكِيرِ مُوسى إيّاهم بِرَبِّهِمْ، وتَسْرِيحِ عَبِيدِهِ، مِن شَأْنِها أنْ يَكُونَ أصْحابُها مَرْجُوًّا مِنهم أنْ يَتَذَكَّرُوا بِأنَّ ذَلِكَ عِقابٌ عَلى إعْراضِهِمْ وعَلى عَدَمِ تَذَكُّرِهم؛ لِأنَّ اللَّهَ نَصَبَ العَلاماتِ لِلِاهْتِداءِ إلى الخَفِيِّاتِ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿ما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ﴾ [الأعراف: ٩٤]) في هَذِهِ السُّورَةِ، فَشَأْنُ أهْلِ الألْبابِ أنْ يَتَذَكَّرُوا، فَإذا لَمْ يَتَذَكَّرُوا فَقَدْ خَيَّبُوا ظَنَّ مَن يَظُنُّ بِهِمْ ذَلِكَ مِثْلِ مُوسى وهارُونَ، أمّا اللَّهُ - تَعالى - فَهو يَعْلَمُ أنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ ولَكِنَّهُ أرادَ الإمْلاءَ لَهم، وقَطْعَ عُذْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يُنافِي ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَعَلَّ مِنَ الرَّجاءِ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى الرّاجِي والمَرْجُوِّ مِنهُ دَلالَةٌ عُرْفِيَّةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى وُقُوعِ لَعَلَّ في كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ لِلْأُمَّةِ لِلنَّظَرِ فِيما يُحِيطُ بِها مِن دَلائِلِ غَضَبِ اللَّهِ فَإنَّ سَلْبَ النِّعْمَةِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ إعْراضَ اللَّهِ - تَعالى - عَنْهم. والفاءُ في قَوْلِهِ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ لِتَفْرِيعِ هَذا الخَبَرِ عَلى جُمْلَةِ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أيْ: فَكانَ حالُهم إذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ إلَخْ. . . والمَعْنى: فَلَمْ يَتَذَكَّرُوا ولَكِنَّهم زادُوا كُفْرًا وغُرُورًا. والمَجِيءُ: الحُصُولُ والإصابَةُ. وإنَّما عُبِّرَ في جانِبِ الحَسَنَةِ بِالمَجِيءِ لِأنَّ حُصُولَها مَرْغُوبٌ، فَهي بِحَيْثُ تُتَرَقَّبُ كَما يُتَرَقَّبُ الجائِي، وعُبِّرَ في جانِبِ السَّيِّئَةِ بِالإصابَةِ لِأنَّها تَحْصُلُ فَجْأةً عَنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ ولا تَرَقُّبٍ. وجِيءَ في جانِبِ الحَسَنَةِ بِإذا الشَّرْطِيَّةِ لِأنَّ الغالِبَ في (إذا) الدَّلالَةُ عَلى اليَقِينِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ اليَقِينِ كَقَوْلِكَ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَعَلْتُ كَذا، ولِذَلِكَ غَلَبَ أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ مَعَ (إذا) فِعْلًا ماضِيًا لِكَوْنِ الماضِي أقْرَبَ إلى اليَقِينِ في الحُصُولِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، كَما في الآيَةِ، فالحَسَناتُ أيِ: النِّعَمُ كَثِيرَةُ الحُصُولِ صفحة ٦٥ تَنْتابُهم مُتَوالِيَةً مِن صِحَّةٍ وخِصْبٍ ورَخاءٍ ورَفاهِيَةٍ. وجِيءَ في جانِبِ السَّيِّئَةِ بِحَرْفِ (إنْ) لِأنَّ الغالِبَ أنْ تَدُلَّ (إنْ) عَلى التَّرَدُّدِ في وُقُوعِ الشَّرْطِ، أوْ عَلى الشَّكِّ، ولِكَوْنِ الشَّيْءِ النّادِرِ الحُصُولِ غَيْرَ مَجْزُومٍ بِوُقُوعِهِ، ومَشْكُوكًا فِيهِ، جِيءَ في شَرْطِ إصابَةِ السَّيِّئَةِ بِحَرْفِ (إنْ) لِنُدْرَةِ وُقُوعِ السَّيِّئاتِ أيِ: المَكْرُوهاتِ عَلَيْهِمْ، بِالنِّسْبَةِ إلى الحَسَناتِ، أيِ: النِّعَمِ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ كانَتْ مُتَكاثِرَةً لَدَيْهِمْ وأنَّهم كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الشُّكْرِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ إصابَتَهم بِالسَّيِّئاتِ نادِرَةٌ وهم يَعُدُّونَ السَّيِّئاتِ مِن جَرّاءِ مُوسى ومَن آمَنَ مَعَهُ، فَهم في كِلْتا الحالَتَيْنِ بَيْنَ كافِرِينَ بِالنِّعْمَةِ وظالِمِينَ لِمُوسى ومَن مَعَهُ، ولِهَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ عُرِّفَتِ (الحَسَنَةُ) تَعْرِيفَ الجِنْسِ المَعْرُوفَ في عِلْمِ المَعانِي بِالعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ: جاءَتْهُمُ الحَسَناتُ؛ لِأنَّ هَذا الجِنْسَ مَحْبُوبٌ مَأْلُوفٌ كَثِيرُ الحُصُولِ لَدَيْهِمْ، ونُكِّرَتْ (سَيِّئَةٌ) لِنُدْرَةِ وُقُوعِها عَلَيْهِمْ، ولِأنَّها شَيْءٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ حُلُولُهُ بِهِمْ، أيْ: وإنْ تُصِبْهم آيَةٌ سَيِّئَةٌ، كَذا في الكَشّافِ والمِفْتاحِ. واعْلَمْ أنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ تَعْرِيفِ الجِنْسِ والتَّنْكِيرِ مِن لَطائِفِ الِاسْتِعْمالِ البَلاغِيِّ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - الحَمْدُ لِلَّهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، وأمّا مِن جِهَةِ مُفادِ اللَّفْظِ، فالمُعَرَّفُ بِلامِ الجِنْسِ والنَّكِرَةُ سَواءٌ، فَلا تَظُنَّ أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ لِحَسَنَةٍ مَعْهُودَةٍ، ووُقُوعُ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ والمُنَكَّرِ في سِياقِ الشَّرْطِ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ كُلَّ حَسَنَةٍ وكُلَّ سَيِّئَةٍ. والحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هَنا مُرادٌ بِهِما الحالَةُ الحَسَنَةُ والحالَةُ السَّيِّئَةُ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَنا هَذِهِ لامُ الِاسْتِحْقاقِ أيْ: هَذِهِ الحَسَنَةُ حَقٌّ لَنا، لِأنَّهم بِغُرُورِهِمْ يَحْسَبُونَ أنَّهم أحْرِياءُ بِالنِّعَمِ، أيْ: فَلا يَرَوْنَ تِلْكَ الحَسَنَةَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً. و(يَطَّيَّرُوا) أصْلُهُ يَتَطَيَّرُوا، وهو تَفَعُّلٌ، مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الطَّيْرِ، كَأنَّهم صاغُوهُ عَلى وزْنِ التَّفَعُّلِ لِما فِيهِ مِن تَكَلُّفِ مَعْرِفَةِ حَظِّ المَرْءِ بِدَلالَةِ حَرَكاتِ الطَّيْرِ، أوْ هو مُطاوَعَةٌ سُمِّيَ بِها ما يَحْصُلُ مِنَ الِانْفِعالِ مِن إثْرِ طَيَرانِ الطَّيْرِ. وكانَ العَرَبُ إذا خَرَجُوا في سَفَرٍ لِحاجَةٍ، نَظَرُوا إلى ما يُلاقِيهِمْ أوَّلَ سِيَرِهِمْ مِن طائِرٍ، فَكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ في مُرُورِهِ عَلاماتِ يُمْنٍ وعَلاماتِ شُؤْمٍ، فالَّذِي في طَيَرانِهِ عَلّامَةُ يُمْنٍ - في اصْطِلاحِهِمْ - يُسَمُّونَهُ السّانِحَ، وهو الَّذِي يَنْهَضُ فَيَطِيرُ مِن جِهَةِ اليَمِينِ لِلسّائِرِ والَّذِي عَلامَتُهُ الشُّؤْمُ هو البارِحُ وهو الَّذِي يَمُرُّ عَلى اليَسارِ، وإذا وجَدَ السّائِرُ طَيْرًا جاثِمًا أثارَهُ لِيَنْظُرَ أيَّ جِهَةٍ يَطِيرُ، وتُسَمّى تِلْكَ الإثارَةُ زَجْرًا، فَمِنَ الطَّيْرِ مَيْمُونٌ ومِنهُ مَشْئُومٌ صفحة ٦٦ والعَرَبُ يَدْعُونَ لِلْمُسافِرِ بِقَوْلِهِمْ ”عَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ“، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمالُ لَفْظِ التَّطَيُّرِ في مَعْنى التَّشاؤُمِ خاصَّةً، يُقالُ الطِّيَرَةُ أيْضًا، كَما في الحَدِيثِ «لا طِيَرَةَ وإنَّما الطِّيَرَةُ عَلى مَن تَطَيَّرَ» أيْ: الشُّؤْمُ يَقَعُ عَلى مَن يَتَشاءَمُ، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ في الدُّنْيا لِسُوءِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ، وإنَّما غَلَبَ لَفْظُ الطِّيَرَةِ عَلى التَّشاؤُمِ لِأنَّ لِلْأثَرِ الحاصِلِ مِن دَلالَةِ الطَّيَرانِ عَلى الشُّؤْمِ دَلالَةً أشُدَّ عَلى النَّفْسِ؛ لِأنَّ تَوَقُّعَ الضُّرِّ أدْخَلُ في النُّفُوسِ مِن رَجاءِ النَّفْعِ. والمُرادُ بِهِ في الآيَةِ لِأنَّهم يَتَشاءَمُونَ بِمُوسى ومَن مَعَهُ فاسْتُعْمِلَ التَّطَيُّرَ في التَّشاؤُمِ بِدُونِ دَلالَةٍ مِنَ الطَّيْرِ؛ لِأنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَزْجُرُ الطَّيْرَ فِيما عَلِمْنا مِن أحْوالِ تارِيخِهِمْ، ولَكِنَّهم زَعَمُوا أنَّ دَعْوَةَ مُوسى فِيهِمْ كانَتْ سَبَبَ مَصائِبَ حَلَّتْ بِهِمْ، فَعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّطَيُّرِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ العَرَبِيِّ. والتَّشاؤُمُ: هو عَدُّ الشَّيْءِ مَشْئُومًا، أيْ: يَكُونُ وُجُودُهُ سَبَبًا في وُجُودِ ما يُحْزِنُ ويَضُرُّ، فَمَعْنى يَطَّيَّرُوا بِمُوسى يَحْسَبُونَ حُلُولَ ذَلِكَ بِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ وُجُودِ مُوسى ومَن آمَنَ بِهِ وذَلِكَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ كانُوا مُتَعَلِّقِينَ بِضَلالِ دِينِهِمْ، وكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم إذا حافَظُوا عَلى اتِّباعِهِ كانُوا في سَعادَةِ عَيْشٍ، فَحَسِبُوا وُجُودَ مَن يُخالِفُ دِينَهم بَيْنَهم سَبَبًا في حُلُولِ المَصائِبِ والإضْرارِ بِهِمْ فَتَشاءَمُوا بِهِمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ سَبَبَ المَصائِبِ هو كُفْرُهم وإعْراضُهم؛ لِأنَّ حُلُولَ المَصائِبِ بِهِمْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَنْ أسْبابٍ فِيهِمْ لا في غَيْرِهِمْ. وهَذا مِنَ العَمايَةِ في الضَّلالَةِ فَيَبْقَوْنَ مُنْصَرِفِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ الأسْبابِ الحَقِيقَيَّةِ، ولِذَلِكَ كانَ التَّطَيُّرُ مِن شِعارِ أهْلِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى نِسْبَةِ المُسَبَّباتِ لِغَيْرِ أسْبابِها، وذَلِكَ مِن مُخْتَرَعاتِ الَّذِينَ وضَعُوا لَهم دِيانَةَ الشِّرْكِ وأوْهامَها. فِي الحَدِيثِ «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» وتَأْوِيلُهُ أنَّها: مِن بَقايا دِينِ الشِّرْكِ، ويَقَعُ بَعْدَ فِعْلِ التَّطَيُّرِ باءٌ، وهي باءُ السَّبَبِيَّةِ تَدْخُلُ عَلى مُوجِبِ التَّطَيُّرِ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: تَطَيَّرَ مِن كَذا. وعَطْفُ (ومَن مَعَهُ)، أيْ: مَن آمَنُوا بِهِ؛ لِأنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ يَعُدُّونَ مُوجِبَ شُؤْمِ مُوسى هو ما جاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ لِأنَّهُ لا يُرْضِي آلِهَتَهم ودِينَهم، ولَوْلا دِينُهُ لَمْ يَكُنْ مَشْئُومًا كَما قالَ ثَمُودُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا. صفحة ٦٧ و(ألا) حَرْفُ اسْتِفْتاحٍ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِالخَبَرِ الوارِدِ بَعْدَهُ. تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وتَعْرِيضًا بِمُشْرِكِي العَرَبِ. والطّائِرُ: اسْمٌ لِلطَّيْرِ الَّذِي يُثارُ لِيُتَيَمَّنَ بِهِ أوْ يُتَشاءَمَ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلسَّبَبِ الحَقِّ لِحُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ بِعَلاقَةِ المُشاكَلَةِ لِقَوْلِهِ يَطَّيَّرُوا فَشُبِّهَ السَّبَبُ الحَقُّ، وهو ما اسْتَحَقُّوا بِهِ العَذابَ مِن غَضَبِ اللَّهِ بِالطّائِرِ. و(عِنْدَ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّصَرُّفِ مَجازًا لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَصَرَّفَ فِيهِ كالمُسْتَقِرِّ في مَكانٍ، أيْ: سَبَبُ شُؤْمِهِمْ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ، وهَذا كَما وقَعَ في الحَدِيثِ «ولا طَيْرَ إلّا طَيْرُكَ»، فَعُبِّرَ عَمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ ”بِطَيْرٍ“ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ «ولا طَيْرَ» ومَن فَسَّرَ الطّائِرَ بِالحَظِّ فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ السِّياقِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن إنَّما إضافِيٌّ أيْ: سُوءُ حالِهِمْ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ، لا مِن عِنْدِ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَلا يُنافِي أنَّ المُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ سَبَبَ حُلُولِ المَصائِبِ بِأهْلِ الشِّرْكِ المُعانِدِينَ لِلرُّسُلِ، هو شِرْكُهم وتَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ: يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِأخْبارِ الرُّسُلِ، أوْ بِصِدْقِ الفِراسَةِ وحُسْنِ الِاسْتِدْلالِ، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ لَيْلَةَ الفَتْحِ لَمّا هَداهُ اللَّهُ ”لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا“ . فَأمّا المُشْرِكُونَ وأضْرابُهم مِن أهْلِ العَقائِدِ الضّالَّةِ، فَيُسْنِدُونَ صُدُورَ الضَّرَرِ والنَّفْعِ إلى أشْياءَ تُقارِنُ حُصُولَ ضُرٍّ ونَفْعٍ، فَيَتَوَهَّمُونَ تِلْكَ المُقارَنَةَ تَسَبُّبًا، ولِذَلِكَ تَراهم يَتَطَلَّبُونَ مَعْرِفَةَ حُصُولِ الخَيْرِ والشَّرِّ مِن غَيْرِ أسْبابِها، ومِن ذَلِكَ الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ. وجُمْلَةُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ مُعْتَرِضَةٌ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، والِاسْتِدْراكُ المُسْتَفادُ مِن (لَكِنَّ) ناشِئٌ عَمّا يُوهِمُهُ الِاهْتِمامُ بِالخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ لِقَرْنِهِ بِأداةِ الِاسْتِفْتاحِ، واشْتِمالِهِ عَلى صِيغَةِ القَصْرِ: مِن كَوْنِ شَأْنِهِ أنْ لا يَجْهَلَهُ العُقَلاءُ، فاسْتُدْرِكَ بِأنَّ أكْثَرَ أُولَئِكَ لا يَعْلَمُونَ. فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (أكْثَرَهم) عائِدٌ إلى الَّذِينَ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنَّما نُفِيَ العِلْمُ عَنْ أكْثَرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قَلِيلًا مِنهم يَعْلَمُونَ خِلافَ ذَلِكَ ولَكِنَّهم يُشايِعُونَ مَقالَةَ الأكْثَرِينَ.

الأعراف 7:132

صفحة ٦٨ ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ جُمْلَةُ (وقالُوا) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ الآيَةَ فَهم قابَلُوا المَصائِبَ الَّتِي أصابَهُمُ اللَّهُ بِها لِيَذَّكَّرُوا، بِازْدِيادِ الغُرُورِ فَأيِسُوا مِنَ التَّذَكُّرِ بِها، وعانَدُوا مُوسى حِينَ تَحَدّاهم بِها فَقالُوا: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن أعْمالِ سِحْرِكِ العَجِيبَةِ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، أيْ: فَلا تُتْعِبْ نَفْسَكَ في السِّحْرِ. و(مَهْما) اسْمٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ (ما) المَوْصُولَةُ أوِ النَّكِرَةُ الدّالَّةُ عَلى العُمُومِ، فَرُكِّبَتْ مَعَها (ما) لِتَصْيِيرِها شَرْطِيَّةً كَما رُكِّبَتْ (ما) مَعَ (أيْ) و(مَتى) و(أيْنَ) فَصارَتْ أسْماءَ شَرْطٍ، وجُعِلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً اسْتِثْقالًا لِتَكْرِيرِ المُتَجانِسَيْنِ، ولِقُرْبِ الهاءِ مِنَ الألِفِ فَصارَتْ مَهْما، ومَعْناها: شَيْءٌ ما، وهي مُبْهَمَةٌ فَيُؤْتى بَعْدَها بِمِنِ التَّبْيِينِيَّةِ، أيْ: إنْ تَأْتِنا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. و(مَهْما) في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ: أيُّما شَيْءٍ تَأْتِينا بِهِ، وخَبَرُهُ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، ويَجُوزُ كَوْنُها في مَحَلِّ نَصْبٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَأْتِنا بِهِ) المَذْكُورُ. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ تُحْضِرُنا تَأْتِينا بِهِ. وذُكِّرَ ضَمِيرُ (بِهِ) رَعْيًا لِلَفْظِ (مَهْما) الَّذِي هو في مَعْنى أيِّ شَيْءٍ، وأُنِّثَ ضَمِيرُ بِها رَعْيًا لِوُقُوعِهِ بَعْدَ بَيانِ مَهْما بِاسْمٍ مُؤَنَّثٍ هو (آيَةٍ) . ومِن (آيَةٍ) بَيانٌ لِإبْهامِ (مَهْما) . والآيَةُ: العَلامَةُ الدّالَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِهِ - تَعالى - وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وسَمَّوْا ما جاءَ بِهِ مُوسى آيَةً بِاعْتِبارِ الغَرَضِ الَّذِي تَحَدّاهم بِهِ مُوسى حِينَ الإتْيانِ بِها؛ لِأنَّ مُوسى يَأْتِيهِمْ بِها اسْتِدْلالًا عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، وهم لا يَعُدُّونَها آيَةً ولَكِنَّهم جارُوا مُوسى في التَّسْمِيَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ لِتَسْحَرَنا بِها، وفي ذَلِكَ صفحة ٦٩ اسْتِهْزاءٌ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وقالُوا يَأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ. وجُمْلَةُ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ مُفِيدَةٌ المُبالِغَةَ في القَطْعِ بِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ بِمُوسى لِأنَّهم جاءُوا في كَلامِهِمْ بِما حَوَتْهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الَّتِي حَكَتْهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِ هَذا الِانْتِفاءِ ودَوامِهِ، وبِما تُفِيدُهُ الباءُ مِن تَوْكِيدِ النَّفْيِ، وما يُفِيدُهُ تَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ مُؤْمِنِينَ مِنَ اهْتِمامِهِمْ بِمُوسى في تَعْلِيقِ الإيمانِ بِهِ المَنفِيِّ بِاسْمِهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَأرْسَلْنا) لِتَفْرِيعِ إصابَتِهِمْ بِهَذِهِ المَصائِبِ عَلى عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ. والإرْسالُ: حَقِيقَتُهُ تَوْجِيهُ رَسُولٍ أوْ رِسالَةٍ فَيُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِإلى ويُضَمَّنُ مَعْنى الإرْسالِ مِن فَوْقَ، فَيُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِعَلى، قالَ - تَعالى - وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ وفي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ فَحَرْفُ (عَلى) دَلَّ عَلى أنَّ جُمْلَةَ أرْسَلْنا مُفَرَّعَةٌ تَفْرِيعَ العِقابِ لا تَفْرِيعَ زِيادَةِ الآياتِ. والطُّوفانُ: السَّيْحُ الغالِبُ مِنَ الماءِ الَّذِي يَغْمُرُ جِهاتٍ كَثِيرَةً ويَطْغى عَلى المَنازِلِ والمَزارِعِ. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّوافِ لِأنَّ الماءَ يَطُوفُ بِالمَنازِلِ، أيْ: تَتَكَرَّرُ جَرْيَتُهُ حَوْلَها. ولَمْ يَدْخُلِ الطُّوفانُ الأرْضَ الَّتِي كانَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ وهي أرْضُ ”(جاسانَ)“ . والجَرادُ: الحَشَرَةُ الطّائِرَةُ مِن فَصِيلَةِ الصُّرْصُرِ والخَنافِسِ لَهُ أجْنِحَةٌ سِتَّةٌ ذاتُ ألْوانٍ صُفْرٍ وحُمْرٍ تَنْتَشِرُ عِنْدَ طَيَرانِهِ، يَكُونُ جُنُودًا كَثِيرَةً يُسَمّى الجُنْدُ مِنها رِجْلًا. وهو مُهْلِكٌ لِلزَّرْعِ والشَّجَرِ، يَأْكُلُ الوَرَقَ والسُّنْبُلَ ووَرَقَ الشَّجَرِ وقِشْرَهُ، فَهو مِن أسْبابِ القَحْطِ. أصابَ أرْضَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ولَمْ يُصِبْ أرْضَ بَنِي إسْرائِيلَ. والقُمَّلُ: - بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ المَفْتُوحَةِ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ - اسْمُ نَوْعٍ مِنَ القُرادِ عَظِيمٍ يُسَمّى الحُمْنانُ - بِضَمِّ الحاءِ المُهْمَلَةِ ومِيمٍ ساكِنَةٍ ونُونَيْنِ واحِدَتُهُ حَمْنانَةٌ - وهو يَمْتَصُّ دَمَ الإنْسانِ وهو غَيْرُ القَمْلِ - بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ الَّذِي هو مِنَ الحَشَراتِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي تَكُونُ في شَعْرِ الرَّأْسِ وفي جِلْدِ الجَسَدِ يَتَكَوَّنُ مِن تَعَفُّنِ الجَلْدِ لِوَسَخِهِ ودُسُومَتِهِ ومِن تَعَفُّنِ جِلْدِ الرَّأْسِ كَثِيرًا -، أصابَ القِبْطَ جُنْدٌ كَثِيرٌ مِنَ الحُمْنانِ عَسُرَ الِاحْتِرازُ عَنْهُ ولَعَلَّهُ أصابَ مَواشِيَهم. والضَّفادِعُ جَمْعُ ضِفْدَعٍ وهو حَيَوانٌ يَمْشِي عَلى أرْجُلٍ أرْبَعٍ ويَسْحَبُ بَطْنَهُ عَلى صفحة ٧٠ الأرْضِ ويَسْبَحُ في المِياهِ، ويَكُونُ في الغُدْرانِ ومَناقِعِ المِياهِ، صَوْتُهُ مِثْلُ القُراقِرِ يُسَمّى نَقِيقًا. أصابَهم جُنْدٌ كَثِيرٌ مِنهُ يَقَعُ في طَعامِهِمْ يَرْتَمِي إلى القُدُورِ، ويَقَعُ في فِيِّ العُيُونِ والأسْقِيَةِ وفي البُيُوتِ فَيُفْسِدُ ما يَقَعُ فِيهِ وتَطَؤُهُ أرْجُلُ النّاسِ فَتَتَقَذَّرُ بِهِ البُيُوتُ، وقَدْ سَلِمَتْ مِنهُ بِلادُ (جاسانَ) مَنزِلِ بَنِي إسْرائِيلَ. والدَّمُ مَعْرُوفٌ، قِيلَ: أصابَهم رُعافٌ مُتَفَشٍّ فِيهِمْ، وقِيلَ: صارَتْ مِياهُ القِبْطِ كالدَّمِ في اللَّوْنِ، كَما في التَّوْراةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن حُدُوثِ دُودٍ أحْمَرَ في الماءِ فَشُبِّهَ الماءُ بِالدَّمِ، وسَلِمَتْ مِياهُ (جاسانَ) قَرْيَةِ بَنِي إسْرائِيلَ. وسَمّى اللَّهُ هاتِهِ آياتٍ لِأنَّها دَلائِلُ عَلى صِدْقِ مُوسى لِاقْتِرانِها بِالتَّحَدِّي، ولِأنَّها دَلائِلُ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِتَظافُرِها عَلَيْهِمْ حِينَ صَمَّمُوا الكُفْرَ والعِنادَ. وانْتَصَبَ (آياتٍ) عَلى الحالِ مِنَ الطُّوفانِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ و(مُفَصَّلاتٍ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِن فَصَّلَ المُضاعَفِ الدّالِّ عَلى قُوَّةِ الفَصْلِ. والفَصْلُ حَقِيقَتُهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، ويُسْتَعارُ الفَصْلُ لِإزالَةِ اللَّبْسِ والِاخْتِلاطِ في المَعانِي فِـ (مُفَصَّلاتٍ) وصْفٌ لـِ (آياتٍ)، فَيَكُونُ مُرادًا مِنهُ مَعْنى الفَصْلِ المَجازِيِّ وهو إزالَةُ اللَّبْسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأنْسَبُ بِالآياتِ والدَّلائِلِ، أيْ: هي آياتٌ لا شُبْهَةَ في كَوْنِها كَذَلِكَ لِمَن نَظَرَ نَظَرَ اعْتِبارٍ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّها مَفْصُولٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ في الزَّمانِ، أيْ لَمْ تَحْدُثْ كُلُّها في وقْتٍ واحِدٍ، بَلْ حَدَثَ بَعْضُها بَعْدَ بَعْضٍ، وعَلى هَذا فَصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي المُدَّةِ بَيْنَ الواحِدَةِ والأُخْرى، ويَجِيءُ عَلى هَذا أنَّ العَذابَ كانَ أشَدَّ وأطْوَلَ زَمَنًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها، قِيلَ: كانَ بَيْنَ الآيَةِ مِنها والأُخْرى مُدَّةُ شَهْرٍ أوْ مُدَّةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وكانَتْ تَدُومُ الواحِدَةُ مِنها مُدَّةَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ وأكْثَرَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالأنْسَبُ أنْ يُجْعَلَ (مُفَصَّلاتٍ) حالًا ثانِيَةً مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ، وأنْ لا يُجْعَلَ صِفَةَ (آياتٍ) . والفاءُ في قَوْلِهِ فاسْتَكْبَرُوا لِلتَّفْرِيعِ والتَّرَتُّبِ، أيْ: فَتَفَرَّعَ عَلى إرْسالِ الطُّوفانِ وما بَعْدَهُ اسْتِكْبارُهم، كَما تَفَرَّعَ عَلى أخْذِهِمْ بِالسِّنِينَ غُرُورُهم بِأنَّ ذَلِكَ مِن شُؤْمِ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَعُلِمَ أنَّ مِن طَبْعِ تَفْكِيرِهِمْ فَسادَ الوَضْعِ، وهو انْتِزاعُ المَدْلُولاتِ صفحة ٧١ مِن أضْدادِ أدِلَّتِها، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى انْغِماسِهِمْ في الضَّلالَةِ والخِذْلانِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ السَّعادَةِ والتَّوْفِيقِ، فَلا يَزالُونَ مُوَرَّطِينَ في وحْلِ الشَّقاوَةِ. فالِاسْتِكْبارُ: شِدَّةُ التَّكَبُّرِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ السِّينُ والتّاءُ، أيْ: عَدُّ أنْفُسِهِمْ كُبَراءَ، أيْ تَعاظُمُهم عَنِ التَّصْدِيقِبِمُوسى وإبْطالِ دِينِهِمْ إذْ أعْرَضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ بِتِلْكَ الآياتِ المُفَصَّلاتِ. وجُمْلَةُ (وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (فاسْتَكْبَرُوا)، فالمَعْنى: فاسْتَكْبَرُوا عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَةِ تِلْكَ الآياتِ وأجْرَمُوا، وإنَّما صِيَغَ الخَبَرُ عَنْ إجْرامِهِمْ بِصِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ وصْفِ الإجْرامِ فِيهِمْ، وتَمَكُّنِهِ مِنهم، ورُسُوخِهِ فِيهِمْ مِن قَبْلِ حُدُوثِ الِاسْتِكْبارِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإجْرامِ الرّاسِخَ فِيهِمْ هو عِلَّةٌ لِلِاسْتِكْبارِ الصّادِرِ مِنهم، فِـ (كانَ) دالَّةٌ عَلى اسْتِمْرارِ الخَبَرِ وهو وصْفُ الإجْرامِ. والإجْرامُ: فِعْلُ الجُرْمِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

الأعراف 7:133

صفحة ٦٨ ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ جُمْلَةُ (وقالُوا) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ الآيَةَ فَهم قابَلُوا المَصائِبَ الَّتِي أصابَهُمُ اللَّهُ بِها لِيَذَّكَّرُوا، بِازْدِيادِ الغُرُورِ فَأيِسُوا مِنَ التَّذَكُّرِ بِها، وعانَدُوا مُوسى حِينَ تَحَدّاهم بِها فَقالُوا: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن أعْمالِ سِحْرِكِ العَجِيبَةِ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، أيْ: فَلا تُتْعِبْ نَفْسَكَ في السِّحْرِ. و(مَهْما) اسْمٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ (ما) المَوْصُولَةُ أوِ النَّكِرَةُ الدّالَّةُ عَلى العُمُومِ، فَرُكِّبَتْ مَعَها (ما) لِتَصْيِيرِها شَرْطِيَّةً كَما رُكِّبَتْ (ما) مَعَ (أيْ) و(مَتى) و(أيْنَ) فَصارَتْ أسْماءَ شَرْطٍ، وجُعِلَتِ الألِفُ الأُولى هاءً اسْتِثْقالًا لِتَكْرِيرِ المُتَجانِسَيْنِ، ولِقُرْبِ الهاءِ مِنَ الألِفِ فَصارَتْ مَهْما، ومَعْناها: شَيْءٌ ما، وهي مُبْهَمَةٌ فَيُؤْتى بَعْدَها بِمِنِ التَّبْيِينِيَّةِ، أيْ: إنْ تَأْتِنا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. و(مَهْما) في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ: أيُّما شَيْءٍ تَأْتِينا بِهِ، وخَبَرُهُ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، ويَجُوزُ كَوْنُها في مَحَلِّ نَصْبٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَأْتِنا بِهِ) المَذْكُورُ. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ تُحْضِرُنا تَأْتِينا بِهِ. وذُكِّرَ ضَمِيرُ (بِهِ) رَعْيًا لِلَفْظِ (مَهْما) الَّذِي هو في مَعْنى أيِّ شَيْءٍ، وأُنِّثَ ضَمِيرُ بِها رَعْيًا لِوُقُوعِهِ بَعْدَ بَيانِ مَهْما بِاسْمٍ مُؤَنَّثٍ هو (آيَةٍ) . ومِن (آيَةٍ) بَيانٌ لِإبْهامِ (مَهْما) . والآيَةُ: العَلامَةُ الدّالَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِهِ - تَعالى - وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وسَمَّوْا ما جاءَ بِهِ مُوسى آيَةً بِاعْتِبارِ الغَرَضِ الَّذِي تَحَدّاهم بِهِ مُوسى حِينَ الإتْيانِ بِها؛ لِأنَّ مُوسى يَأْتِيهِمْ بِها اسْتِدْلالًا عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، وهم لا يَعُدُّونَها آيَةً ولَكِنَّهم جارُوا مُوسى في التَّسْمِيَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ لِتَسْحَرَنا بِها، وفي ذَلِكَ صفحة ٦٩ اسْتِهْزاءٌ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وقالُوا يَأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ. وجُمْلَةُ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ مُفِيدَةٌ المُبالِغَةَ في القَطْعِ بِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ بِمُوسى لِأنَّهم جاءُوا في كَلامِهِمْ بِما حَوَتْهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الَّتِي حَكَتْهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِ هَذا الِانْتِفاءِ ودَوامِهِ، وبِما تُفِيدُهُ الباءُ مِن تَوْكِيدِ النَّفْيِ، وما يُفِيدُهُ تَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ مُؤْمِنِينَ مِنَ اهْتِمامِهِمْ بِمُوسى في تَعْلِيقِ الإيمانِ بِهِ المَنفِيِّ بِاسْمِهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ (فَأرْسَلْنا) لِتَفْرِيعِ إصابَتِهِمْ بِهَذِهِ المَصائِبِ عَلى عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ. والإرْسالُ: حَقِيقَتُهُ تَوْجِيهُ رَسُولٍ أوْ رِسالَةٍ فَيُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِإلى ويُضَمَّنُ مَعْنى الإرْسالِ مِن فَوْقَ، فَيُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِعَلى، قالَ - تَعالى - وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ وفي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ فَحَرْفُ (عَلى) دَلَّ عَلى أنَّ جُمْلَةَ أرْسَلْنا مُفَرَّعَةٌ تَفْرِيعَ العِقابِ لا تَفْرِيعَ زِيادَةِ الآياتِ. والطُّوفانُ: السَّيْحُ الغالِبُ مِنَ الماءِ الَّذِي يَغْمُرُ جِهاتٍ كَثِيرَةً ويَطْغى عَلى المَنازِلِ والمَزارِعِ. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّوافِ لِأنَّ الماءَ يَطُوفُ بِالمَنازِلِ، أيْ: تَتَكَرَّرُ جَرْيَتُهُ حَوْلَها. ولَمْ يَدْخُلِ الطُّوفانُ الأرْضَ الَّتِي كانَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ وهي أرْضُ ”(جاسانَ)“ . والجَرادُ: الحَشَرَةُ الطّائِرَةُ مِن فَصِيلَةِ الصُّرْصُرِ والخَنافِسِ لَهُ أجْنِحَةٌ سِتَّةٌ ذاتُ ألْوانٍ صُفْرٍ وحُمْرٍ تَنْتَشِرُ عِنْدَ طَيَرانِهِ، يَكُونُ جُنُودًا كَثِيرَةً يُسَمّى الجُنْدُ مِنها رِجْلًا. وهو مُهْلِكٌ لِلزَّرْعِ والشَّجَرِ، يَأْكُلُ الوَرَقَ والسُّنْبُلَ ووَرَقَ الشَّجَرِ وقِشْرَهُ، فَهو مِن أسْبابِ القَحْطِ. أصابَ أرْضَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ولَمْ يُصِبْ أرْضَ بَنِي إسْرائِيلَ. والقُمَّلُ: - بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ المَفْتُوحَةِ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ - اسْمُ نَوْعٍ مِنَ القُرادِ عَظِيمٍ يُسَمّى الحُمْنانُ - بِضَمِّ الحاءِ المُهْمَلَةِ ومِيمٍ ساكِنَةٍ ونُونَيْنِ واحِدَتُهُ حَمْنانَةٌ - وهو يَمْتَصُّ دَمَ الإنْسانِ وهو غَيْرُ القَمْلِ - بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ الَّذِي هو مِنَ الحَشَراتِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي تَكُونُ في شَعْرِ الرَّأْسِ وفي جِلْدِ الجَسَدِ يَتَكَوَّنُ مِن تَعَفُّنِ الجَلْدِ لِوَسَخِهِ ودُسُومَتِهِ ومِن تَعَفُّنِ جِلْدِ الرَّأْسِ كَثِيرًا -، أصابَ القِبْطَ جُنْدٌ كَثِيرٌ مِنَ الحُمْنانِ عَسُرَ الِاحْتِرازُ عَنْهُ ولَعَلَّهُ أصابَ مَواشِيَهم. والضَّفادِعُ جَمْعُ ضِفْدَعٍ وهو حَيَوانٌ يَمْشِي عَلى أرْجُلٍ أرْبَعٍ ويَسْحَبُ بَطْنَهُ عَلى صفحة ٧٠ الأرْضِ ويَسْبَحُ في المِياهِ، ويَكُونُ في الغُدْرانِ ومَناقِعِ المِياهِ، صَوْتُهُ مِثْلُ القُراقِرِ يُسَمّى نَقِيقًا. أصابَهم جُنْدٌ كَثِيرٌ مِنهُ يَقَعُ في طَعامِهِمْ يَرْتَمِي إلى القُدُورِ، ويَقَعُ في فِيِّ العُيُونِ والأسْقِيَةِ وفي البُيُوتِ فَيُفْسِدُ ما يَقَعُ فِيهِ وتَطَؤُهُ أرْجُلُ النّاسِ فَتَتَقَذَّرُ بِهِ البُيُوتُ، وقَدْ سَلِمَتْ مِنهُ بِلادُ (جاسانَ) مَنزِلِ بَنِي إسْرائِيلَ. والدَّمُ مَعْرُوفٌ، قِيلَ: أصابَهم رُعافٌ مُتَفَشٍّ فِيهِمْ، وقِيلَ: صارَتْ مِياهُ القِبْطِ كالدَّمِ في اللَّوْنِ، كَما في التَّوْراةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن حُدُوثِ دُودٍ أحْمَرَ في الماءِ فَشُبِّهَ الماءُ بِالدَّمِ، وسَلِمَتْ مِياهُ (جاسانَ) قَرْيَةِ بَنِي إسْرائِيلَ. وسَمّى اللَّهُ هاتِهِ آياتٍ لِأنَّها دَلائِلُ عَلى صِدْقِ مُوسى لِاقْتِرانِها بِالتَّحَدِّي، ولِأنَّها دَلائِلُ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِتَظافُرِها عَلَيْهِمْ حِينَ صَمَّمُوا الكُفْرَ والعِنادَ. وانْتَصَبَ (آياتٍ) عَلى الحالِ مِنَ الطُّوفانِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ و(مُفَصَّلاتٍ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِن فَصَّلَ المُضاعَفِ الدّالِّ عَلى قُوَّةِ الفَصْلِ. والفَصْلُ حَقِيقَتُهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، ويُسْتَعارُ الفَصْلُ لِإزالَةِ اللَّبْسِ والِاخْتِلاطِ في المَعانِي فِـ (مُفَصَّلاتٍ) وصْفٌ لـِ (آياتٍ)، فَيَكُونُ مُرادًا مِنهُ مَعْنى الفَصْلِ المَجازِيِّ وهو إزالَةُ اللَّبْسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأنْسَبُ بِالآياتِ والدَّلائِلِ، أيْ: هي آياتٌ لا شُبْهَةَ في كَوْنِها كَذَلِكَ لِمَن نَظَرَ نَظَرَ اعْتِبارٍ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّها مَفْصُولٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ في الزَّمانِ، أيْ لَمْ تَحْدُثْ كُلُّها في وقْتٍ واحِدٍ، بَلْ حَدَثَ بَعْضُها بَعْدَ بَعْضٍ، وعَلى هَذا فَصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي المُدَّةِ بَيْنَ الواحِدَةِ والأُخْرى، ويَجِيءُ عَلى هَذا أنَّ العَذابَ كانَ أشَدَّ وأطْوَلَ زَمَنًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها، قِيلَ: كانَ بَيْنَ الآيَةِ مِنها والأُخْرى مُدَّةُ شَهْرٍ أوْ مُدَّةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، وكانَتْ تَدُومُ الواحِدَةُ مِنها مُدَّةَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ وأكْثَرَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالأنْسَبُ أنْ يُجْعَلَ (مُفَصَّلاتٍ) حالًا ثانِيَةً مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ، وأنْ لا يُجْعَلَ صِفَةَ (آياتٍ) . والفاءُ في قَوْلِهِ فاسْتَكْبَرُوا لِلتَّفْرِيعِ والتَّرَتُّبِ، أيْ: فَتَفَرَّعَ عَلى إرْسالِ الطُّوفانِ وما بَعْدَهُ اسْتِكْبارُهم، كَما تَفَرَّعَ عَلى أخْذِهِمْ بِالسِّنِينَ غُرُورُهم بِأنَّ ذَلِكَ مِن شُؤْمِ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَعُلِمَ أنَّ مِن طَبْعِ تَفْكِيرِهِمْ فَسادَ الوَضْعِ، وهو انْتِزاعُ المَدْلُولاتِ صفحة ٧١ مِن أضْدادِ أدِلَّتِها، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى انْغِماسِهِمْ في الضَّلالَةِ والخِذْلانِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ السَّعادَةِ والتَّوْفِيقِ، فَلا يَزالُونَ مُوَرَّطِينَ في وحْلِ الشَّقاوَةِ. فالِاسْتِكْبارُ: شِدَّةُ التَّكَبُّرِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ السِّينُ والتّاءُ، أيْ: عَدُّ أنْفُسِهِمْ كُبَراءَ، أيْ تَعاظُمُهم عَنِ التَّصْدِيقِبِمُوسى وإبْطالِ دِينِهِمْ إذْ أعْرَضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ بِتِلْكَ الآياتِ المُفَصَّلاتِ. وجُمْلَةُ (وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (فاسْتَكْبَرُوا)، فالمَعْنى: فاسْتَكْبَرُوا عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَةِ تِلْكَ الآياتِ وأجْرَمُوا، وإنَّما صِيَغَ الخَبَرُ عَنْ إجْرامِهِمْ بِصِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ وصْفِ الإجْرامِ فِيهِمْ، وتَمَكُّنِهِ مِنهم، ورُسُوخِهِ فِيهِمْ مِن قَبْلِ حُدُوثِ الِاسْتِكْبارِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإجْرامِ الرّاسِخَ فِيهِمْ هو عِلَّةٌ لِلِاسْتِكْبارِ الصّادِرِ مِنهم، فِـ (كانَ) دالَّةٌ عَلى اسْتِمْرارِ الخَبَرِ وهو وصْفُ الإجْرامِ. والإجْرامُ: فِعْلُ الجُرْمِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

الأعراف 7:134

﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لِنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ الرِّجْزُ العَذابُ فالتَّعْرِيفُ بِاللّامِ هُنا لِلْعَهْدِ أيِ العَذابُ المَذْكُورُ وهو ما في قَوْلِهِ - تَعالى - فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ إلى قَوْلِهِ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ والرِّجْزُ مِن أسْماءِ الطّاعُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرِّجْزِ الطّاعُونُ أيْ أصابَهم طاعُونٌ ألْجَأهم إلى التَّضَرُّعِ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَطُوِيَ ذِكْرُهُ لِلْإيجازِ، فالتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّجْزَ ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ إلَخْ. . . وإنَّما يُذْكَرُ الرِّجْزُ في عِدادِ الآياتِ الَّتِي في قَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ الآيَةَ تَخْصِيصًا لَهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ لَهُ نَبَأً عَجِيبًا فَإنَّهُ كانَ مُلْجِئَهم إلى الِاعْتِرافِ بِآياتِ مُوسى ووُجُودِ رَبِّهِ - تَعالى - . صفحة ٧٢ وهَذا الطّاعُونُ هو المُوتانُ الَّذِي حُكِيَ في الإصْحاحِ الحادِي عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ إنِّي أخْرُجُ نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ في وسَطِ مِصْرَ فَيَمُوتُ كُلُّ بِكْرٍ في أرْضِ مِصْرَ مِن بِكْرِ فِرْعَوْنَ الجالِسِ عَلى كُرْسِيِّهِ إلى بِكْرِ الجارِيَةِ الَّتِي خَلْفَ الرَّحى وكُلُّ بِكْرِ بَهِيمَةٍ - ثُمَّ قالَتْ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ - فَحَدَثَ في نِصْفِ اللَّيْلِ أنَّ الرَّبَّ ضَرَبَ كُلَّ بِكْرٍ في أرْضَ مِصْرَ فَقامَ فِرْعَوْنُ لَيْلًا هو وعَبِيدُهُ وجَمِيعُ المِصْرِيِّينَ فَدَعا مُوسى وهارُونَ لَيْلًا وقالَ قُومُوا اخْرُجُوا أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا واذْهَبُوا اعْبُدُوا رَبَّكم واذْهَبُوا وبارِكُونِي“ إلَخْ. . . قِيلَ ماتَ سَبْعُونَ ألْفَ رَجُلٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ القِبْطِ خاصَّةَ، ولَمْ يُصِبْ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ شَيْءٌ. ولَيْسَ قَوْلُهم ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِإيمانٍ بِاللَّهِ ورِسالَةِ مُوسى، ولَكِنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ وكانُوا يُجَوِّزُونَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ واخْتِصاصَ بَعْضِ الأُمَمِ وبَعْضِ الأقْطارِ بِآلِهَةٍ لَهم، فَهم قَدْ خامَرَهم مِن كَثْرَةِ ما رَأوْا مِن آياتِ مُوسى أنْ يَكُونَ لِمُوسى رَبٌّ لَهُ تَصَرُّفٌ وقُدْرَةٌ، وأنَّهُ أصابَهم بِالمَصائِبِ لِأنَّهم أضَرُّوا عَبِيدَهُ، فَسَألُوا مُوسى أنْ يُكِفَّ عَنْهم رَبَّهُ ويَكُونَ جَزاؤُهُ الإذْنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ لِيَعْبُدُوا رَبَّهم، كَما حَكَتِ التَّوْراةُ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ مِن فِرْعَوْنَ ”فَقالَ قُومُوا اخْرُجُوا أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا واذْهَبُوا اعْبُدُوا رَبَّكم“ وقَدْ كانَ عَبْدَةُ الأرْبابِ الكَثِيرِينَ يُجَوِّزُ أنْ تَغْلِبَ بَعْضُ الأرْبابِ عَلى بَعْضٍ مِثْلَ ما يَحْدُثُ بَيْنَ المُلُوكِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ أساطِيرُ (المِيثُولُوجْيا) اليُونانِيَّةُ، وقِصَّةُ إلْياذَةِ ”هُومِيرُوسَ“ . فَبَدا لِفِرْعَوْنَ أنَّ وجْهَ الفَصْلِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَعْبُدُوا رَبَّهم في أرْضٍ غَيْرِ أرْضِ مِصْرَ الَّتِي لَها أرْبابٌ أُخَرُ ولِذَلِكَ قالَ رَبُّكُ ولَمْ يَقِلْ رَبُّنا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ الدُّعاءِ لِظُهُورِ المُرادِ، أيِ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِأنْ يَكُفَّ عَنّا. كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى وهارُونَ ”واذْهَبُوا وبارِكُونِي“ أيْضًا. وقَدْ أنْبَهم حالُ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ فَلَمْ يَدْرِ أهْوَ رَسُولٌ مِن إلَهٍ غَيْرِ آلِهَةِ القِبْطِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأوْدَعَ عِنْدَكَ مِنَ الأسْرارِ، وهَذِهِ عِبارَةُ مُتَحَيِّرٍ في الأمْرِ مُلْتَبِسَةٍ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ. والباءُ في بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الدُّعاءِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ مُبْهَمَةٌ، أيِ ادْعُهُ بِما صفحة ٧٣ عَلَّمَكَ رَبُّكَ مِن وسائِلِ إجابَةِ دُعائِكَ عِنْدَ رَبِّكَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُوسى مَبْعُوثًا مِن رَبٍّ لَهُ بِناءً عَلى تَجْوِيزِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ. وجُمْلَةُ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ طَلَبَهم مِن مُوسى الدُّعاءَ بِكَشْفِ الرِّجْزِ عَنْهم مَعَ سابِقِيَّةِ كُفْرِهِمْ بِهِ يُثِيرُ سُؤالَ مُوسى أنْ يَقُولَ: فَما الجَزاءُ عَلى ذَلِكَ. واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. وجُمْلَةُ (لَنُؤْمِنَنَّ) جَوابُ القَسَمِ. ووَعْدُهم بِالإيمانِ لِمُوسى وعْدٌ بِالإيمانِ بِأنَّهُ صادِقٌ في أنَّهُ مُرْسَلٌ مِن رَبِّ بَنِي إسْرائِيلَ لِيُخْرِجَهم مِن أرْضِ مِصْرَ، ولَيْسَ وعْدًا بِاتِّباعِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ في ذَلِكَ وزاعِمُونَ أنَّهُ ساحِرٌ يُرِيدُ إخْراجَ النّاسِ مِن أرْضِهِمْ ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الإيمانِ مُتَعَلِّقًا بِمُوسى لا باسِمِ اللَّهِ، وقَدْ جاءَ هَذا الوَعْدُ عَلى حَسَبِ ظَنِّهِمْ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ مُوسى هو رَبٌّ خاصٌّ بِهِ وبِقَوْمِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ وقَدْ وضَّحُوا مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. وجُمْلَةُ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ دالَّةٌ عَلى أنَّ مُوسى دَعا اللَّهَ بِرَفْعِ الطّاعُونِ فارْتَفَعَ وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في التَّوْراةِ، وحُذِفَ هُنا لِلْإيجازِ. وقَوْلُهُ ”إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كَشَفْنا) بِاعْتِبارِ كَوْنِ كَشْفِ الرِّجْزِ إزالَةً لَلْمُوتانِ الَّذِي سَبَّبَهُ الطّاعُونُ، فَإزالَةٌ المُوتانِ مُغَيّاةٌ إلى أجَلٍ هم بالِغُونَ إلَيْهِ وهو الأجَلُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِهَلاكِهِمْ فالغايَةُ مَنظُورٌ فِيها إلى فِعْلِ الكَشْفِ لا إلى مَفْعُولِهِ، وهو الرِّجْزُ. وجُمْلَةُ ”إذا هم يَنْكُثُونَ“ جَوابُ (لَمّا) و(إذا) رابِطَةٌ لِلْجَوابِ لِوُقُوعِ جَوابِ الشَّرْطِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، فَلَمّا كانَ (إذا) حَرْفًا يَدُلُّ عَلى مَعْنى المُفاجَأةِ كانَ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ فاجَئُوا بِالنَّكْثِ، أيْ: بادَرُوا بِهِ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ. وهَذا وصْفٌ لَهم بِإضْمارِ الكُفْرِ بِمُوسى وإضْمارِ النَّكْثِ لِلْيَمِينِ. والنَّكْثُ حَقِيقَتُهُ نَقْضُ المَفْتُولِ مِن حَبْلٍ أوْ غَزْلٍ، قالَ - تَعالى - ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا واسْتُعِيرَ النَّكْثُ لِعَدَمِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، كَما اسْتُعِيرَ الحَبْلُ لِلْعَهْدِ في قَوْلِهِ - تَعالى - إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ فَفي قَوْلِهِ يَنْكُثُونَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. صفحة ٧٤ وهَذا النَّكْثُ هو أنَّ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ أذِنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ وخَرَجُوا مِن أرْضِ (جاسانَ) لَيْلًا قالَ لِفِرْعَوْنَ بَعْضُ خاصَّتِهِ: ماذا فَعَلْنا حَتّى أطْلَقْنا إسْرائِيلَ مِن خِدْمَتِنا فَنَدِمَ فِرْعَوْنُ وجَهَّزَ جَيْشًا لِلِالتِحاقِ بِبَنِي إسْرائِيلَ لِيَرُدُّوهم إلى مَنازِلِهِمْ كَما هو في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.

الأعراف 7:135

﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لِنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ الرِّجْزُ العَذابُ فالتَّعْرِيفُ بِاللّامِ هُنا لِلْعَهْدِ أيِ العَذابُ المَذْكُورُ وهو ما في قَوْلِهِ - تَعالى - فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ إلى قَوْلِهِ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ والرِّجْزُ مِن أسْماءِ الطّاعُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرِّجْزِ الطّاعُونُ أيْ أصابَهم طاعُونٌ ألْجَأهم إلى التَّضَرُّعِ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَطُوِيَ ذِكْرُهُ لِلْإيجازِ، فالتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّجْزَ ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمْ إلَخْ. . . وإنَّما يُذْكَرُ الرِّجْزُ في عِدادِ الآياتِ الَّتِي في قَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ الآيَةَ تَخْصِيصًا لَهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ لَهُ نَبَأً عَجِيبًا فَإنَّهُ كانَ مُلْجِئَهم إلى الِاعْتِرافِ بِآياتِ مُوسى ووُجُودِ رَبِّهِ - تَعالى - . صفحة ٧٢ وهَذا الطّاعُونُ هو المُوتانُ الَّذِي حُكِيَ في الإصْحاحِ الحادِي عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ إنِّي أخْرُجُ نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ في وسَطِ مِصْرَ فَيَمُوتُ كُلُّ بِكْرٍ في أرْضِ مِصْرَ مِن بِكْرِ فِرْعَوْنَ الجالِسِ عَلى كُرْسِيِّهِ إلى بِكْرِ الجارِيَةِ الَّتِي خَلْفَ الرَّحى وكُلُّ بِكْرِ بَهِيمَةٍ - ثُمَّ قالَتْ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ - فَحَدَثَ في نِصْفِ اللَّيْلِ أنَّ الرَّبَّ ضَرَبَ كُلَّ بِكْرٍ في أرْضَ مِصْرَ فَقامَ فِرْعَوْنُ لَيْلًا هو وعَبِيدُهُ وجَمِيعُ المِصْرِيِّينَ فَدَعا مُوسى وهارُونَ لَيْلًا وقالَ قُومُوا اخْرُجُوا أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا واذْهَبُوا اعْبُدُوا رَبَّكم واذْهَبُوا وبارِكُونِي“ إلَخْ. . . قِيلَ ماتَ سَبْعُونَ ألْفَ رَجُلٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ القِبْطِ خاصَّةَ، ولَمْ يُصِبْ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ شَيْءٌ. ولَيْسَ قَوْلُهم ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِإيمانٍ بِاللَّهِ ورِسالَةِ مُوسى، ولَكِنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ وكانُوا يُجَوِّزُونَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ واخْتِصاصَ بَعْضِ الأُمَمِ وبَعْضِ الأقْطارِ بِآلِهَةٍ لَهم، فَهم قَدْ خامَرَهم مِن كَثْرَةِ ما رَأوْا مِن آياتِ مُوسى أنْ يَكُونَ لِمُوسى رَبٌّ لَهُ تَصَرُّفٌ وقُدْرَةٌ، وأنَّهُ أصابَهم بِالمَصائِبِ لِأنَّهم أضَرُّوا عَبِيدَهُ، فَسَألُوا مُوسى أنْ يُكِفَّ عَنْهم رَبَّهُ ويَكُونَ جَزاؤُهُ الإذْنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ لِيَعْبُدُوا رَبَّهم، كَما حَكَتِ التَّوْراةُ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ مِن فِرْعَوْنَ ”فَقالَ قُومُوا اخْرُجُوا أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا واذْهَبُوا اعْبُدُوا رَبَّكم“ وقَدْ كانَ عَبْدَةُ الأرْبابِ الكَثِيرِينَ يُجَوِّزُ أنْ تَغْلِبَ بَعْضُ الأرْبابِ عَلى بَعْضٍ مِثْلَ ما يَحْدُثُ بَيْنَ المُلُوكِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ أساطِيرُ (المِيثُولُوجْيا) اليُونانِيَّةُ، وقِصَّةُ إلْياذَةِ ”هُومِيرُوسَ“ . فَبَدا لِفِرْعَوْنَ أنَّ وجْهَ الفَصْلِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَعْبُدُوا رَبَّهم في أرْضٍ غَيْرِ أرْضِ مِصْرَ الَّتِي لَها أرْبابٌ أُخَرُ ولِذَلِكَ قالَ رَبُّكُ ولَمْ يَقِلْ رَبُّنا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ الدُّعاءِ لِظُهُورِ المُرادِ، أيِ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِأنْ يَكُفَّ عَنّا. كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِيَ عَشَرَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى وهارُونَ ”واذْهَبُوا وبارِكُونِي“ أيْضًا. وقَدْ أنْبَهم حالُ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ فَلَمْ يَدْرِ أهْوَ رَسُولٌ مِن إلَهٍ غَيْرِ آلِهَةِ القِبْطِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأوْدَعَ عِنْدَكَ مِنَ الأسْرارِ، وهَذِهِ عِبارَةُ مُتَحَيِّرٍ في الأمْرِ مُلْتَبِسَةٍ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ. والباءُ في بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الدُّعاءِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ مُبْهَمَةٌ، أيِ ادْعُهُ بِما صفحة ٧٣ عَلَّمَكَ رَبُّكَ مِن وسائِلِ إجابَةِ دُعائِكَ عِنْدَ رَبِّكَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُوسى مَبْعُوثًا مِن رَبٍّ لَهُ بِناءً عَلى تَجْوِيزِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ. وجُمْلَةُ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ طَلَبَهم مِن مُوسى الدُّعاءَ بِكَشْفِ الرِّجْزِ عَنْهم مَعَ سابِقِيَّةِ كُفْرِهِمْ بِهِ يُثِيرُ سُؤالَ مُوسى أنْ يَقُولَ: فَما الجَزاءُ عَلى ذَلِكَ. واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. وجُمْلَةُ (لَنُؤْمِنَنَّ) جَوابُ القَسَمِ. ووَعْدُهم بِالإيمانِ لِمُوسى وعْدٌ بِالإيمانِ بِأنَّهُ صادِقٌ في أنَّهُ مُرْسَلٌ مِن رَبِّ بَنِي إسْرائِيلَ لِيُخْرِجَهم مِن أرْضِ مِصْرَ، ولَيْسَ وعْدًا بِاتِّباعِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ في ذَلِكَ وزاعِمُونَ أنَّهُ ساحِرٌ يُرِيدُ إخْراجَ النّاسِ مِن أرْضِهِمْ ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الإيمانِ مُتَعَلِّقًا بِمُوسى لا باسِمِ اللَّهِ، وقَدْ جاءَ هَذا الوَعْدُ عَلى حَسَبِ ظَنِّهِمْ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ مُوسى هو رَبٌّ خاصٌّ بِهِ وبِقَوْمِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ وقَدْ وضَّحُوا مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. وجُمْلَةُ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ دالَّةٌ عَلى أنَّ مُوسى دَعا اللَّهَ بِرَفْعِ الطّاعُونِ فارْتَفَعَ وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في التَّوْراةِ، وحُذِفَ هُنا لِلْإيجازِ. وقَوْلُهُ ”إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كَشَفْنا) بِاعْتِبارِ كَوْنِ كَشْفِ الرِّجْزِ إزالَةً لَلْمُوتانِ الَّذِي سَبَّبَهُ الطّاعُونُ، فَإزالَةٌ المُوتانِ مُغَيّاةٌ إلى أجَلٍ هم بالِغُونَ إلَيْهِ وهو الأجَلُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِهَلاكِهِمْ فالغايَةُ مَنظُورٌ فِيها إلى فِعْلِ الكَشْفِ لا إلى مَفْعُولِهِ، وهو الرِّجْزُ. وجُمْلَةُ ”إذا هم يَنْكُثُونَ“ جَوابُ (لَمّا) و(إذا) رابِطَةٌ لِلْجَوابِ لِوُقُوعِ جَوابِ الشَّرْطِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، فَلَمّا كانَ (إذا) حَرْفًا يَدُلُّ عَلى مَعْنى المُفاجَأةِ كانَ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ فاجَئُوا بِالنَّكْثِ، أيْ: بادَرُوا بِهِ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ. وهَذا وصْفٌ لَهم بِإضْمارِ الكُفْرِ بِمُوسى وإضْمارِ النَّكْثِ لِلْيَمِينِ. والنَّكْثُ حَقِيقَتُهُ نَقْضُ المَفْتُولِ مِن حَبْلٍ أوْ غَزْلٍ، قالَ - تَعالى - ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا واسْتُعِيرَ النَّكْثُ لِعَدَمِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، كَما اسْتُعِيرَ الحَبْلُ لِلْعَهْدِ في قَوْلِهِ - تَعالى - إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ فَفي قَوْلِهِ يَنْكُثُونَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. صفحة ٧٤ وهَذا النَّكْثُ هو أنَّ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ أذِنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ وخَرَجُوا مِن أرْضِ (جاسانَ) لَيْلًا قالَ لِفِرْعَوْنَ بَعْضُ خاصَّتِهِ: ماذا فَعَلْنا حَتّى أطْلَقْنا إسْرائِيلَ مِن خِدْمَتِنا فَنَدِمَ فِرْعَوْنُ وجَهَّزَ جَيْشًا لِلِالتِحاقِ بِبَنِي إسْرائِيلَ لِيَرُدُّوهم إلى مَنازِلِهِمْ كَما هو في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.

الأعراف 7:136

﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ هَذا مَحَلُّ العِبْرَةِ مِنَ القِصَّةِ، فَهو مُفَرَّعٌ عَلَيْها تَفْرِيعَ النَّتِيجَةِ عَلى المُقَدِّماتِ والفَذْلَكَةِ عَلى القِصَّةِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ وصَفَ عِنادَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وتَكْذِيبَهم رِسالَةَ مُوسى واقْتِراحَهم عَلى مُوسى أنْ يَجِيءَ بِآيَةٍ ومُشاهَدَتَهم آيَةَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وتَغْيِيرَ لَوْنِ يَدِهِ، ورَمْيَهم مُوسى بِالسِّحْرِ، وسُوءَ المَقْصِدِ، ومُعارَضَةَ السَّحَرَةِ مُعْجِزَةَ مُوسى وتَغَلُّبَ مُوسى عَلَيْهِمْ، وكَيْفَ أخَذَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ بِمَصائِبَ جَعَلَها آياتٍ عَلى صِدْقِ مُوسى، وكَيْفَ كابَرُوا وعانَدُوا، حَتّى أُلْجِئُوا إلى أنْ وعَدُوا مُوسى بِالإيمانِ وتَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وعاهَدُوهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ الرِّجْزَ نَكَثُوا، فَأخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ اسْتِئْصالُ المُسْتَكْبِرِينَ المُعانِدِينَ، وتَحْرِيرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ. وذَلِكَ مَحَلُّ العِبْرَةِ، فَلِذَلِكَ كانَ المَوْقِعُ في عَطْفِهِ لِفاءِ التَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ، وقَدِ اتَّبَعَ في هَذا الخِتامِ الأُسْلُوبَ الَّتِي اخْتُتِمَتْ بِهِ القَصَصُ الَّتِي قَبْلَ هَذا. والِانْتِقامُ افْتِعالٌ، وهو العُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ الشَّبِيهَةُ بِالنَّقْمِ، وهو غَضَبُ الحَنَقِ عَلى ذَنْبِ اعْتِداءٍ عَلى المُنْتَقِمِ يُنْكِرُ ويَكْرَهُ فاعِلَهُ. وأصْلُ صِيغَةِ الِافْتِعالِ أنْ تَكُونَ لِمُطاوَعَةِ فِعْلِ المُتَعَدِّي بِحَيْثُ يَكُونُ فاعِلُ المُطاوَعَةِ هو مَفْعُولَ الفِعْلِ المُجَرَّدِ، ولَمْ يُسْمَعْ أنْ قالُوا نَقَمَهُ فانْتَقَمَ، أيْ أحْفَظَهُ وأغْضَبَهُ فَعاقَبَ، فَهَذِهِ المُطاوَعَةُ أُمِيتَ فِعْلُها المُجَرَّدُ، وعَدَّوْهُ إلى المُعاقَبِ بِمِنِ الِابْتِدائِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مَنشَأُ العُقُوبَةِ وسَبَبُها وأنَّهُ مُسْتَوْجِبُها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المُجَرَّدِ مِن هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - آنِفًا وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا. صفحة ٧٥ وكانَ إغْراقُهُمُ انْتِقامًا مِنَ اللَّهِ لِذاتِهِ لِأنَّهم جَحَدُوا انْفِرادَ اللَّهِ بِالإلاهِيَّةِ، أوْ جَحَدُوا إلاهِيَّتَهُ أصْلًا، وانْتِقامًا أيْضًا لِبَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ ظَلَمُوا بَنِي إسْرائِيلَ وأذَلُّوهم واسْتَعْبَدُوهم باطِلًا. والإغْراقُ: الإلْقاءُ في الماءِ المُسْتَبْحِرِ الَّذِي يَغْمُرُ المُلْقى فَلا يَتْرُكُ لَهُ تَنَفُّسًا، وهو بَيانٌ لِلِانْتِقامِ وتَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِهِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ فَأغْرَقْناهم لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، وهو عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم. وحَمَلَ صاحِبُ الكَشّافِ الفِعْلَ المَطْلُوبَ عَلَيْهِ هُنا عَلى مَعْنى العَزْمِ فَيَكُونُ المَعْنى: فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم فَأغْرَقْناهم، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم في سُورَةِ البَقَرَةِ. واليَمُّ: البَحْرُ والنَّهْرُ العَظِيمُ، قِيلَ هو كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ. وهو صَنِيعُ الكَشّافِ إذْ جَعَلَهُ مُشْتَقًّا مِنَ التَّيَمُّمِ؛ لِأنَّهُ يُقْصَدُ لِلْمُنْتَفِعِينَ بِهِ، وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مُعَرَّبٌ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ وأصْلُهُ فِيها ”يَما“ وقالَ شَيْدَلَةُ: هو مِنَ القِبْطِيَّةِ، وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: هو مِنَ العِبْرِيَّةِ، ولَعَلَّهُ مَوْجُودٌ في هَذِهِ اللُّغاتِ. ولَعَلَّ أصْلَهُ عَرَبِيٌّ وأخَذَتْهُ لُغاتٌ أُخْرى سامِيَّةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ والمُرادُ بِهِ هُنا بَحْرُ القُلْزُمِ، المُسَمّى في التَّوْراةِ ”بَحْرَ سُوفَ“، وهو البَحْرُ الأحْمَرُ. وقَدْ أُطْلِقَ اليَمُّ عَلى نَهْرِ النِّيلِ في قَوْلِهِ - تَعالى - أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ وقَوْلِهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ، فالتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (اليَمِّ) هُنا تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي المَعْرُوفُ بِتَعْرِيفِ الجِنْسِ عِنْدَ النُّحاةِ إذْ لَيْسَ في العِبْرَةِ اهْتِمامٌ بِبَحْرٍ مَخْصُوصٍ ولَكِنْ بِفَرْدٍ مِن هَذا النَّوْعِ. وقَدْ أُغْرِقَ فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ في البَحْرِ الأحْمَرِ حِينَ لَحِقَ بَنِي إسْرائِيلَ يُرِيدُ صَدَّهم عَنِ الخُرُوجِ مِن أرْضِ مِصْرَ وتَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ في سُورَةِ يُونُسَ. والباءُ في بِأنَّهم لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: أغْرَقْناهم جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ. والغَفْلَةُ ذُهُولُ الذِّهْنِ عَنْ تَذَكُّرِ شَيْءٍ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى - وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وأُرِيدَ بِها التَّغافُلُ عَنْ عَمْدٍ وهو الإعْراضُ عَنِ التَّفَكُّرِ في الآياتِ، وإبايَةُ النَّظَرِ في دَلالَتِها عَلى صِدْقِ مُوسى، فَإطْلاقُ الغَفْلَةِ عَلى هَذا مَجازٌ، صفحة ٧٦ وهَذا تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي العَرَبِ في إعْراضِهِمْ عَنِ التَّفَكُّرِ في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، ودَلالَةِ مُعْجِزَةِ القُرْآنِ، فَلِذَلِكَ أُعِيدَ التَّصْرِيحُ بِتَسَبُّبِ الإعْراضِ في غَرَقِهِمْ مَعَ اسْتِفادَتِهِ مِنَ التَّفْرِيعِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ لِلِانْتِقالِ مِنَ القِصَّةِ إلى العِبْرَةِ. وقَدْ صِيغَ الإخْبارُ عَنْ إعْراضِهِمْ بِصِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الإعْراضَ ثابِتٌ لَهم، وراسِخٌ فِيهِمْ، وأنَّهُ هو عِلَّةُ التَّكْذِيبِ المَصُوغِ خَبَرُهُ بِصِيغَةِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِهِ عِنْدَ تَجَدُّدِ الآياتِ.

الأعراف 7:137

﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ عُطِفَ عَلى فانْتَقَمْنا مِنهم. والمَعْنى: فَأخَذْناهم بِالعِقابِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ وجازَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ. وتَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى مَعْنى أوْرَثْنا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها والمُرادُ هُنا تَمْلِيكُ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ بَعْدَ أهْلِها مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كانَتْ تَمْلِكُها مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وغَيْرِهِمْ. وقَدْ قِيلَ إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى بِلادِ الشّامِ، ولا حاجَةَ إلى هَذا إذْ لَيْسَ في الآيَةِ تَعْيِينُ المَوْرُوثِ عَنْهُ. والقَوْمُ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ هم بَنُو إسْرائِيلَ كَما وقَعَ في الآيَةِ الأُخْرى كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ. وعُدِلَ عَنْ تَعْرِيفِهِمْ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى تَعْرِيفِهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِنُكْتَتَيْنِ: أُولاهُما الإيماءُ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ أنَّ اللَّهَ مَلَّكَهُمُ الأرْضَ وجَعَلَهم أُمَّةً حاكِمَةً جَزاءً لَهم عَلى ما صَبَرُوا عَلى الِاسْتِعْبادِ، غَيْرَةً مِنَ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. الثّانِيَةُ: التَّعْرِيضُ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّهم سَتَكُونُ لَهم عاقِبَةُ السُّلْطانِ كَما كانَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ، جَزاءً عَلى صَبْرِهِمْ عَلى الأذى في اللَّهِ، ونِذارَةُ المُشْرِكِينَ بِزَوالِ سُلْطانِ دِينِهِمْ. ومَعْنى يُسْتَضْعَفُونَ: يُسْتَعْبَدُونَ ويُهانُونَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْحُسْبانِ مِثْلَ اسْتَنْجَبَ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ كَما في اسْتَجابَ. صفحة ٧٧ والمَشارِقُ والمَغارِبُ جَمْعٌ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الجِهاتِ؛ لِأنَّ الجِهَةَ أمْرٌ نِسْبِيٌّ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الأمْكِنَةِ المَفْرُوضَةِ، والمُرادُ بِهِما إحاطَةُ الأمْكِنَةِ. و(الأرْضُ) أرْضُ الشّامِ وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ وهي تَبْتَدِئُ مِنَ السَّواحِلِ الشَّرْقِيَّةِ الشَّمالِيَّةِ لِلْبَحْرِ الأحْمَرِ وتَنْتَهِي إلى سَواحِلِ بَحْرِ الرُّومِ وهو البَحْرُ المُتَوَسِّطُ وإلى حُدُودِ العِراقِ وحُدُودِ بِلادِ العَرَبِ وحُدُودِ بِلادِ التُّرْكِ. والَّتِي بارَكْنا فِيها صِفَةٌ لِلْأرْضِ أوْ لِمَشارِقِها ومَغارِبِها لِأنَّ ماصَدَقَيْهِما مُتَّحِدانِ، أيْ قَدَّرْنا لَها البَرَكَةَ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى البَرَكَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ في هَذِهِ السُّورَةِ أيْ أعَضْناهم عَنْ أرْضِ مِصْرَ الَّتِي أُخْرِجُوا مِنها أرْضًا هي خَيْرٌ مِن أرْضِ مِصْرَ. * * * ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ إلَخْ. . . والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ هو قَوْلُهُ بِما صَبَرُوا تَنْوِيهًا بِفَضِيلَةِ الصَّبْرِ وحُسْنِ عاقِبَتِهِ، وبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ عُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وإلّا فَإنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ تَشْمَلُ إيراثَهُمُ الأرْضَ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ فِيها، فَتَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ إلى آخِرِها مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ الَّذِي لا يُعْطَفُ، فَكانَ مُقْتَضى العَطْفِ هو قَوْلُهُ بِما صَبَرُوا. و(كَلِمَةُ): هي القَوْلُ، وهو هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ اللَّفْظَ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى في قَوْلِهِ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ أوْ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ وهي وعْدُ تَمْلِيكِهِمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فَتَمامُ الكَلِمَةِ تَحَقُّقُ وعْدِها، شُبِّهَ تَحَقُّقُها بِالشَّيْءِ إذا اسْتَوْفى أجْزاءَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّها كَلِمَةُ اللَّهِ في عِلْمِهِ وقَدَرِهِ وهي إرادَةُ اللَّهِ إطْلاقَهم مِنَ اسْتِعْبادِ القِبْطِ وإرادَتُهُ تَمْلِيكَهُمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ كَقَوْلِهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ. وتَمامُ الِكَلِمَةِ بِهَذا المَعْنى ظُهُورُ تَعَلُّقِها التَّنْجِيزِيِّ في صفحة ٧٨ الخارِجِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ مُوسى يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا في سُورَةِ الأنْعامِ. و(الحُسْنى): صِفَةٌ لِـ (كَلِمَةُ)، وهي صِفَةُ تَشْرِيفٍ كَما يُقالُ الأسْماءُ الحُسْنى، أيْ كَلِمَةُ رَبِّكَ المُنَزَّهَةُ عَنِ الخُلْفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُسْنَها لِبَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ كانَتْ سَيِّئَةً عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ العَدْلَ حَسَنٌ وإنْ كانَ فِيهِ إضْرارٌ بِالمَحْكُومِ عَلَيْهِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ (رَبِّكَ) لِلنَّبِيءِ ﷺ، أُدْمِجَ في ذِكْرِ القِصَّةِ إشارَةً إلى أنَّ الَّذِي حَقَّقَ نَصْرَ مُوسى وأُمَّتِهِ عَلى عَدُوِّهِمْ هو رَبُّكَ فَسَيَنْصُرُكَ وأُمَّتَكَ عَلى عَدُوِّكم لِأنَّهُ ذَلِكَ الرَّبُّ الَّذِي نَصَرَ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ، وتِلْكَ سُنَّتُهُ وصُنْعُهُ، ولَيْسَ في الخِطابِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِاخْتِلافِ المُرادِ مِنَ الضَّمائِرِ. وعُدِّيَ فِعْلُ التَّمامِ بِعَلى لِلْإشارَةِ إلى تَضْمِينِ (تَمَّتْ) مَعْنى الإنْعامِ، أوْ مَعْنى (حَقَّتْ) . وباءُ ”بِما صَبَرُوا“ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِصَبْرِهِمْ عَلى الأذى في ذاتِ الإلَهِ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى فائِدَةِ الصَّبْرِ وأنَّ الصّابِرَ صائِرٌ إلى النَّصْرِ وتَحْقِيقِ الأمَلِ. والتَّدْمِيرُ: التَّخْرِيبُ الشَّدِيدُ وهو مَصْدَرُ دَمَّرَ الشَّيْءَ إذا جَعَلَهُ دامِرًا لِلتَّعْدِيَةِ مُتَصَرِّفٌ مِنَ الدَّمارِ - بِفَتْحِ الدّالِّ - وهو مَصْدَرٌ قاصِرٌ. يُقالُ دَمَرَ القَوْمُ - بِفَتْحِ المِيمِ - يَدْمُرُونَ بِضَمِّ المِيمِ دَمارًا، إذا هَلَكُوا جَمِيعًا، فَهم دامِرُونَ. والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ التَّدْمِيرِ عَلى إهْلاكِ المَصْنُوعِ مَجازِيٌّ عَلاقَتُهُ الإطْلاقُ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ التَّدْمِيرَ حَقِيقَتُهُ إهْلاكُ الإنْسانِ. و”ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ“: ما شادَهُ مِنَ المَصانِعِ، وإسْنادُ الصُّنْعِ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ الآمِرُ بِالصُّنْعِ، وأمّا إسْنادُهُ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَهو عَلى الحَقِيقَةِ العَقْلِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى القَوْمِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ فَرْدٍ عَلى وجْهِ التَّغْلِيبِ. و(يَعْرِشُونَ) يُنْشِئُونَ مِنَ الجَنّاتِ ذاتِ العَرايِشِ. والعَرِيشُ: ما يُرْفَعُ مِن دَوالِي الكُرُومِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى النَّخْلاتِ العَدِيدَةِ تُرَبّى في أصْلٍ واحِدٍ ولَعَلَّ جَنّاتِ القِبْطِ كانَتْ كَذَلِكَ كَما تَشْهَدُ بِهِ بَعْضُ الصُّوَرِ المَرْسُومَةِ عَلى هَياكِلِهِمْ نَقْشًا ودَهْنًا، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] في سُورَةِ الأنْعامِ صفحة ٧٩ وفِعْلُهُ عَرَشَ - مِن بابَيْ ضَرَبَ ونَصَرَ - وبِالأوَّلِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ بِالثّانِي ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ خَرَّبَ دِيارَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ جَنّاتِهِمْ بِما ظَلَمُوا بِالإهْمالِ، أوْ بِالزِّلْزالِ، أوْ عَلى أيْدِي جُيُوشِ أعْدائِهِمُ الَّذِينَ مَلَكُوا مِصْرَ بَعْدَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَعْرِشُونَ) بِمَعْنى يَرْفَعُونَ أيْ يَشِيدُونَ مِنَ البِناءِ مِثْلَ مَبانِي الأهْرامِ والهَياكِلِ وهو المُناسِبُ لِفِعْلِ (دَمَّرْنا)، شُبِّهَ البِناءُ المَرْفُوعُ بِالعَرْشِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَعْرِشُونَ) اسْتِعارَةً لِقُوَّةِ المُلْكِ والدَّوْلَةِ ويَكُونَ دَمَّرْنا تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ. وفِعْلُ (كانَ) في الصِّلَتَيْنِ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُ وهِجِّيراهُ، أيْ ما عُنِيَ بِهِ مِنَ الصَّنائِعِ والجَنّاتِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في الخَبَرَيْنِ عَنْ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ.

الأعراف 7:138

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهْوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ لَمّا تَمَّتِ العِبْرَةُ بِقِصَّةِ بَعْثِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وكَيْفَ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلى عَدُوِّهِ، ونَصَرَ قَوْمَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وأهْلَكَ عَدُوَّهم كَشَأْنِ سُنَّةِ اللَّهِ في نَصْرِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ، اسْتُرْسِلَ الكَلامُ إلى وصْفِ تَكْوِينِ أُمَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وما يَحِقُّ أنْ يُعْتَبَرَ بِهِ مِنَ الأحْوالِ العارِضَةِ لَهم في خِلالِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ طُمَأْنِينَةُ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ في صالِحِ أعْمالِهِمْ، وتَحْذِيرُهم مِمّا يَرْمِي بِهِمْ إلى غَضَبِ اللَّهِ فِيما يُحَقِّرُونَ مِنَ المُخالَفاتِ، لِما في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ التَّشابُهِ في تَدْبِيرِ اللَّهِ - تَعالى - أُمُورَ عَبِيدِهِ، وسُنَّتِهِ في تَأْيِيدِ رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ، وإيقاظِ نُفُوسِ الأُمَّةِ إلى مُراقَبَةِ خَواطِرِهِمْ ومُحاسَبَةِ نُفُوسِهِمْ في شُكْرِ النِّعْمَةِ ودَحْضِ الكُفْرانِ. والمُجاوَزَةُ: البُعْدُ عَنِ المَكانِ عَقِبَ المُرُورِ فِيهِ، يُقالُ: جاوَزَ بِمَعْنى جازَ، كَما يُقالُ: عالى بِمَعْنى عَلا، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ وإلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ فَإذا قُلْتَ: جُزْتُ بِهِ، فَأصْلُ مَعْناهُ أنَّكَ جُزْتَهُ مُصاحِبًا في الجَوازِ بِهِ لِلْمَجْرُورِ بِالباءِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتِ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ: جُزْتُ بِهِ الطَّرِيقَ إذا سَهَّلْتَ لَهُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ تَسِرْ مَعَهُ، فَهو صفحة ٨٠ بِمَعْنى أجَزْتُهُ، كَما قالُوا: ذَهَبْتَ بِهِ بِمَعْنى أذْهَبْتَهُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ هُنا ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ قَدَّرْنا لَهم جَوازَهُ ويَسَّرْناهُ لَهم. والبَحْرُ هو بَحْرُ القُلْزُمِ - المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِالبَحْرِ الأحْمَرِ - وهو المُرادُ بِاليَمِّ في الآيَةِ السّابِقَةِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الحُضُورِيِّ، أيِ البَحْرَ المَذْكُورَ كَما هو شَأْنُ المَعْرِفَةِ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، واخْتِلافُ اللَّفْظِ تَفَنُّنٌ، تَجَنُّبًا لِلْإعادَةِ، والمَعْنى: أنَّهم قَطَعُوا البَحْرَ وخَرَجُوا عَلى شاطِئِهِ الشَّرْقِيِّ. و(أتَوْا عَلى قَوْمٍ) مَعْناهُ أتَوْا قَوْمًا، ولَمّا ضُمِّنَ أتَوْا مَعْنى مَرُّوا عُدِّيَ بِعَلى، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا الإقامَةَ في القَوْمِ، ولَكِنَّهم ألْفَوْهم في طَرِيقِهِمْ. والقَوْمُ هُمُ الكَنْعانِيُّونَ ويُقالُ لَهم عِنْدَ العَرَبِ العَمالِقَةُ ويُعْرَفُونَ عِنْدَ مُتَأخِّرِي المُؤَرِّخِينَ بِالفِنِيقِيِّينَ. والأصْنامُ كانَتْ صُوَرَ البَقَرِ، وقَدْ كانَ البَقَرُ يُعْبَدُ عِنْدَ الكَنْعانِيِّينَ، أيِ الفِينِيقِيِّينَ باسِمِ (بَعْلَ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِنِيَّةِ العِبادَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَعْدِيَةُ العُكُوفِ بِحَرْفِ (عَلى) لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّزُولِ وتَمَكُّنِهِ كَقَوْلِهِ قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ. وقُرِئَ (يَعْكُفُونَ) . بِضَمِّ الكافِ لِلْجُمْهُورِ، وبِكَسْرِها لِحَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وخَلَفٍ، وهُما لُغَتانِ في مُضارِعِ عَكَفَ. واخْتِيرَ طَرِيقُ التَّنْكِيرِ في أصْنامٍ ووَصْفُهُ بِأنَّها لَهم، أيِ القَوْمِ دُونَ طَرِيقِ الإضافَةِ لِيُتَوَصَّلَ بِالتَّنْكِيرِ إلى إرادَةِ تَحْقِيرِ الأصْنامِ وأنَّها مَجْهُولَةٌ؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ يَسْتَلْزِمُ خَفاءَ المَعْرِفَةِ. وإنَّما وُصِفَتِ الأصْنامُ بِأنَّها لَهم ولَمْ يُقْتَصَرْ عَلى قَوْلِهِ (أصْنامٍ) قالَ ابْنُ عَرَفَةَ التُّونِسِيُّ ”عادَتُهم يُجِيبُونَ بِأنَّهُ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى جَهْلِهِمْ وغَوايَتِهِمْ في أنَّهم يَعْبُدُونَ ما هو مِلْكٌ لَهم فَيَجْعَلُونَ مَمْلُوكَهم إلاهَهَمْ“ . صفحة ٨١ وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا، فَلَمْ تُعْطَفْ بِالفاءِ: لِأنَّها لَمّا كانَتِ افْتِتاحَ مُحاوِرٍ، وكانَ شَأْنُ المُحاوَرَةِ أنْ تَكُونَ جُمَلُها مَفْصُولَةً شاعَ فَصْلُها، ولَوْ عُطِفَتْ بِالفاءِ لَجازَ أيْضًا. ونِداؤُهم مُوسى وهو مَعَهم مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الإصْغاءِ لِما يَقُولُونَهُ، إظْهارًا لِرَغْبَتِهِمْ فِيما سَيَطْلُبُونَ، وسَمَّوُا الصَّنَمَ إلَهًا لِجَهْلِهِمْ، فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ اتِّخاذَ الصَّنَمِ يُجْدِي صاحِبَهُ، كَما لَوْ كانَ إلاهُهُ مَعَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدِ انْخَلَعُوا في مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِمِصْرَ عَنْ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ وحَنِيفِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ الَّتِي وصّى بِها في قَوْلِهِ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في حالِ ذُلٍّ واسْتِعْبادٍ ذَهَبَ عِلْمُهم وتارِيخُ مَجْدِهِمْ وانْدَمَجُوا في دِيانَةِ الغالِبِينَ لَهم فَلَمْ تَبْقَ لَهم مَيْزَةٌ تُمَيِّزُهم إلّا أنَّهم خَدَمَةٌ وعَبِيدٌ. والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ كَما لَهم آلِهَةٌ أرادُوا بِهِ حَضَّ مُوسى عَلى إجابَةِ سُؤالِهِمْ، وابْتِهاجًا بِما رَأوْا مِن حالِ القَوْمِ الَّذِينَ حَلُّوا بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ وكَفى بِالأُمَّةِ خِسَّةَ عُقُولٍ أنْ تَعُدَّ القَبِيحَ حَسَنًا، وأنْ تَتَّخِذَ المَظاهِرَ المُزَيَّنَةَ قُدْوَةً لَها، وأنْ تَنْخَلِعَ عَنْ كَمالِها في اتِّباعِ نَقائِصِ غَيْرِها. و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةً وتَوْكِيدًا كافَّةَ عَمَلِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ، ولِذَلِكَ صارَ كافُ التَّشْبِيهِ داخِلًا عَلى جُمْلَةٍ لا عَلى مُفْرَدٍ، وهي جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ ومُبْتَدَأٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً غَيْرَ زَمانِيَّةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، والتَّقْدِيرُ كَوُجُودِ آلِهَةٍ لَهم، وإنْ كانَ الغالِبُ أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الفِعْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى - ودُّوا ما عَنِتُّمْ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ في قَوْلِهِ (لَهم) أوْ يُكْتَفى بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وُقُوعُ الخَبَرِ جارًّا ومَجْرُورًا، كَقَوْلِ نَهْشَلِ بْنِ جَرِيرِ التَّمِيمِيِّ: كَما سَيْفُ عَمْرٍو لَمْ تَخُنْهُ مَضارِبُهُ وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لِوُقُوعِها في جَوابِ المُحاوَرَةِ، أيْ: أجابَ مُوسى كَلامَهم، وكانَ جَوابُهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِحالِهِمْ. صفحة ٨٢ والجَهْلُ: انْتِفاءُ العِلْمِ أوْ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلى خِلافِ حَقِيقَتِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] في سُورَةِ النِّساءِ، والمُرادُ جَهْلُهم بِمَفاسِدِ عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ وصْفُ مُوسى إيّاهم بِالجَهالَةِ مُؤَكِّدًا لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِن كَوْنِ الجَهالَةِ صِفَةً ثابِتَةً فِيهِمْ وراسِخَةً مِن نُفُوسِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ لَهم في بادِئِ النَّظَرِ زاجِرٌ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ: الصَّرِيحِ والكِنايَةِ، مُكَنًّى بِهِ عَنِ التَّعَجُّبِ مِن فَداحَةِ جَهْلِهِمْ. وفِي الإتْيانِ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) جَعَلَ ما هو مَقْصُودٌ بِالإخْبارِ وصْفًا لِقَوْمٍ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ وصْفَهم بِالجَهالَةِ كالمُتَحَقِّقِ المَعْلُومِ الدّاخِلِ في تَقْوِيمِ قَوْمِيَّتِهِمْ. وفي الحُكْمِ بِالجَهالَةِ عَلى القَوْمِ كُلِّهِمْ تَأْكِيدٌ لِلتَّعَجُّبِ مِن حالِ جَهالَتِهِمْ وعُمُومِها فِيهِمْ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ فِيهِمْ مَن يَشِذُّ عَنْ هَذا الوَصْفِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، ولِأجْلِ هَذِهِ الغَرابَةِ أُكِّدُّ الحُكْمُ (بِإنَّ) لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَتَرَدَّدَ في ثُبُوتِهِ السّامِعُ. وجُمْلَةُ إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها وقَدْ أُكِّدَتْ وجُعِلَتِ اسْمِيَّةً لِمِثْلِ الأغْراضِ الَّتِي ذُكِرَتْ في أُخْتِها، وقَدْ عُرِّفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ بِالإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هم مُتَلَبِّسُونَ بِها أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ وهي كَوْنُهم مُتَبَّرًا أمْرُهم وباطِلًا عَمَلُهم، وقُدِّمَ المُسْنَدُ وهو (مُتَبَّرٌ) عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ما هم فِيهِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَهُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ أيْ: هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ مُتَبَّرٌ مُسْنَدًا إلَيْهِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإخْبارِ هو ما هم فِيهِ. والمُتَبِّرُ: المُدَمِّرُ، والتَّبارُ - بِفَتْحِ التّاءِ - الهَلاكُ ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا. يُقالُ تَبَرَ الشَّيْءُ - كَضَرَبَ وتَعِبَ وقَتَلَ - وتَبَّرَهُ تَضْعِيفٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ أهْلَكَهُ، والتَّتْبِيرُ مُسْتَعارٌ هُنا لِفَسادِ الحالِ، فَيَبْقى اسْمُ المَفْعُولِ عَلى حَقِيقَتِهِ في أنَّهُ وصْفٌ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ في زَمَنِ الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّتْبِيرُ مُسْتَعارًا لِسُوءِ العاقِبَةِ، شُبِّهَ حالُهُمُ المُزَخْرَفُ ظاهِرُهُ بِحالِ الشَّيْءِ البَهِيجِ الآيِلِ إلى الدَّمارِ والكَسْرِ فَيَكُونُ اسْمُ المَفْعُولِ مَجازًا في الِاسْتِقْبالِ، أيْ صفحة ٨٣ صائِرٌ إلى السُّوءِ. وما هم فِيهِ هو حالُهم، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ وما تَقْتَضِيهِ مِنَ الضَّلالاتِ والسَّيِّئاتِ ولِذَلِكَ اخْتِيرَ في تَعْرِيفِها طَرِيقُ المَوْصُولِيَّةِ لِأنَّ الصِّلَةَ تُحِيطُ بِأحْوالِهِمُ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها المُتَكَلِّمُ ولا المُخاطَبُونَ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُلابَسَةِ، تَشْبِيهًا لِلتَّلَبُّسِ بِاحْتِواءِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ. والباطِلُ اسْمٌ لِضِدِّ الحَقَّ، فالإخْبارُ بِهِ كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ مُبالَغَةً في بُطْلانِهِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّوْبِيخِ والمُبالَغَةِ في الإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا مَعْنى الباطِلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. وفِي تَقْدِيمِ المُسْنَدِ، وهو (باطِلٌ) عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ما كانُوا يَعْمَلُونَ ما في نَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ. وإعادَةُ لَفْظِ (قالَ) مُسْتَأْنَفًا في حِكايَةِ تَكْمِلَةِ جَوابِ مُوسى بِقَوْلِهِ - تَعالى - قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - قالَ اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا إلى قَوْلِهِ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ يُعادُ في حِكايَةِ الأقْوالِ إذا طالَ المَقُولُ، أوْ لِأنَّهُ انْتِقالٌ مِن غَرَضِ التَّوْبِيخِ عَلى سُؤالِهِمْ إلى غَرَضِ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي زَجْرَهم عَنْ مُحاوَلَةِ عِبادَةِ غَيْرِ المُنْعِمِ، وهو مِنَ الِارْتِقاءِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى طَرِيقَةِ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، أيْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الآلِهَةُ باطِلًا لَكانَ في اشْتِغالِكم بِعِبادَتِها والإعْراضِ عَنِ الإلَهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم كُفْرانٌ لِلنِّعْمَةِ ونِداءٌ عَلى الحَماقَةِ وتَنَزُّهٌ عَنْ أنْ يُشارِكَهم في حَماقَتِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن طَلَبِهِمْ أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، وقَدْ أُولِيَ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ الهَمْزَةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا، فَتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاخْتِصاصِ، لِلْمُبالَغَةِ في الإنْكارِ أيِ: اخْتِصاصِ الإنْكارِ بِبَغْيِ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا. وهَمْزَةُ (أبْغِيكم) هَمْزَةُ المُتَكَلِّمِ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، وهو مُضارِعُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ. ومَصْدَرُهُ البُغاءُ - بِضَمِّ الباءِ - . صفحة ٨٤ وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ومَفْعُولُهُ هو (غَيْرَ اللَّهِ) لِأنَّهُ هو الَّذِي يُنْكِرُ مُوسى أنْ يَكُونَ يَبْغِيهِ لِقَوْمِهِ. وتَعْدِيَتُهُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، وأصْلُ الكَلامِ: أبْغِي لَكم و(إلَهًا) تَمْيِيزٌ لِـ (غَيْرَ) . وجُمْلَةُ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ في مَوْضِعِ الحالِ، وحِينَ كانَ عامِلُها مَحَلَّ إنْكارٍ بِاعْتِبارِ مَعْمُولِهِ، كانَتِ الحالُ أيْضًا داخِلَةً في حَيِّزِ الإنْكارِ، ومُقَرِّرَةً لِجِهَتِهِ. وظاهِرُ صَوْغِ الكَلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ أنَّ تَفْضِيلَهم عَلى العالَمِينَ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِلْإنْكارِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ إعْلامَهم بِذَلِكَ وأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ. ومَجِيءُ المُسْنَدِ فِعْلِيًّا: لِيُفِيدَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ الخَبَرِ الفِعْلِيِّ أيْ: وهو فَضَّلَكم لَمْ تُفَضِّلْكُمُ الأصْنامُ، فَكانَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ تَحْمِيقًا لَهم في أنَّهم مَغْمُورُونَ في نِعْمَةِ اللَّهِ ويَطْلُبُونَ عِبادَةَ ما لا يُنْعِمُ. والمُرادُ بِالعالَمِينَ: أُمَمُ عَصْرِهِمْ، وتَفْضِيلُهم عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ذُرِّيَّةُ رَسُولٍ وأنْبِياءَ، وبِأنَّ مِنهم رُسُلًا وأنْبِياءَ، وبِأنَّ اللَّهَ هَداهم إلى التَّوْحِيدِ والخَلاصِ مِن دِينِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ تَخَبَّطُوا فِيهِ، وبِأنَّهُ جَعَلَهم أحْرارًا بَعْدَ أنْ كانُوا عَبِيدًا، وساقَهم إلى امْتِلاكِ أرْضٍ مُبارَكَةٍ وأيَّدَهم بِنَصْرِهِ وآياتِهِ، وبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا لِيُقِيمَ لَهُمُ الشَّرِيعَةَ. وهَذِهِ الفَضائِلُ لَمْ تَجْتَمِعْ لِأُمَّةٍ غَيْرِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِن جُمْلَةِ العالَمِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ أتَوْا عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ إنْكارِ طَلَبِهِمُ اتِّخاذَ أصْنامٍ مِثْلَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ الفاضِلِ أنْ لا يُقَلِّدَ المَفْضُولَ؛ لِأنَّ اقْتِباسَ أحْوالِ الغَيْرِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرافًا بِأنَّهُ أرْجَحُ رَأْيًا وأحْسَنُ حالًا، في تِلْكَ النّاحِيَةِ.

الأعراف 7:139

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهْوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ لَمّا تَمَّتِ العِبْرَةُ بِقِصَّةِ بَعْثِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وكَيْفَ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلى عَدُوِّهِ، ونَصَرَ قَوْمَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وأهْلَكَ عَدُوَّهم كَشَأْنِ سُنَّةِ اللَّهِ في نَصْرِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ، اسْتُرْسِلَ الكَلامُ إلى وصْفِ تَكْوِينِ أُمَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وما يَحِقُّ أنْ يُعْتَبَرَ بِهِ مِنَ الأحْوالِ العارِضَةِ لَهم في خِلالِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ طُمَأْنِينَةُ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ في صالِحِ أعْمالِهِمْ، وتَحْذِيرُهم مِمّا يَرْمِي بِهِمْ إلى غَضَبِ اللَّهِ فِيما يُحَقِّرُونَ مِنَ المُخالَفاتِ، لِما في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ التَّشابُهِ في تَدْبِيرِ اللَّهِ - تَعالى - أُمُورَ عَبِيدِهِ، وسُنَّتِهِ في تَأْيِيدِ رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ، وإيقاظِ نُفُوسِ الأُمَّةِ إلى مُراقَبَةِ خَواطِرِهِمْ ومُحاسَبَةِ نُفُوسِهِمْ في شُكْرِ النِّعْمَةِ ودَحْضِ الكُفْرانِ. والمُجاوَزَةُ: البُعْدُ عَنِ المَكانِ عَقِبَ المُرُورِ فِيهِ، يُقالُ: جاوَزَ بِمَعْنى جازَ، كَما يُقالُ: عالى بِمَعْنى عَلا، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ وإلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ فَإذا قُلْتَ: جُزْتُ بِهِ، فَأصْلُ مَعْناهُ أنَّكَ جُزْتَهُ مُصاحِبًا في الجَوازِ بِهِ لِلْمَجْرُورِ بِالباءِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتِ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ: جُزْتُ بِهِ الطَّرِيقَ إذا سَهَّلْتَ لَهُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ تَسِرْ مَعَهُ، فَهو صفحة ٨٠ بِمَعْنى أجَزْتُهُ، كَما قالُوا: ذَهَبْتَ بِهِ بِمَعْنى أذْهَبْتَهُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ هُنا ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ قَدَّرْنا لَهم جَوازَهُ ويَسَّرْناهُ لَهم. والبَحْرُ هو بَحْرُ القُلْزُمِ - المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِالبَحْرِ الأحْمَرِ - وهو المُرادُ بِاليَمِّ في الآيَةِ السّابِقَةِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الحُضُورِيِّ، أيِ البَحْرَ المَذْكُورَ كَما هو شَأْنُ المَعْرِفَةِ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، واخْتِلافُ اللَّفْظِ تَفَنُّنٌ، تَجَنُّبًا لِلْإعادَةِ، والمَعْنى: أنَّهم قَطَعُوا البَحْرَ وخَرَجُوا عَلى شاطِئِهِ الشَّرْقِيِّ. و(أتَوْا عَلى قَوْمٍ) مَعْناهُ أتَوْا قَوْمًا، ولَمّا ضُمِّنَ أتَوْا مَعْنى مَرُّوا عُدِّيَ بِعَلى، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا الإقامَةَ في القَوْمِ، ولَكِنَّهم ألْفَوْهم في طَرِيقِهِمْ. والقَوْمُ هُمُ الكَنْعانِيُّونَ ويُقالُ لَهم عِنْدَ العَرَبِ العَمالِقَةُ ويُعْرَفُونَ عِنْدَ مُتَأخِّرِي المُؤَرِّخِينَ بِالفِنِيقِيِّينَ. والأصْنامُ كانَتْ صُوَرَ البَقَرِ، وقَدْ كانَ البَقَرُ يُعْبَدُ عِنْدَ الكَنْعانِيِّينَ، أيِ الفِينِيقِيِّينَ باسِمِ (بَعْلَ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِنِيَّةِ العِبادَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَعْدِيَةُ العُكُوفِ بِحَرْفِ (عَلى) لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّزُولِ وتَمَكُّنِهِ كَقَوْلِهِ قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ. وقُرِئَ (يَعْكُفُونَ) . بِضَمِّ الكافِ لِلْجُمْهُورِ، وبِكَسْرِها لِحَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وخَلَفٍ، وهُما لُغَتانِ في مُضارِعِ عَكَفَ. واخْتِيرَ طَرِيقُ التَّنْكِيرِ في أصْنامٍ ووَصْفُهُ بِأنَّها لَهم، أيِ القَوْمِ دُونَ طَرِيقِ الإضافَةِ لِيُتَوَصَّلَ بِالتَّنْكِيرِ إلى إرادَةِ تَحْقِيرِ الأصْنامِ وأنَّها مَجْهُولَةٌ؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ يَسْتَلْزِمُ خَفاءَ المَعْرِفَةِ. وإنَّما وُصِفَتِ الأصْنامُ بِأنَّها لَهم ولَمْ يُقْتَصَرْ عَلى قَوْلِهِ (أصْنامٍ) قالَ ابْنُ عَرَفَةَ التُّونِسِيُّ ”عادَتُهم يُجِيبُونَ بِأنَّهُ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى جَهْلِهِمْ وغَوايَتِهِمْ في أنَّهم يَعْبُدُونَ ما هو مِلْكٌ لَهم فَيَجْعَلُونَ مَمْلُوكَهم إلاهَهَمْ“ . صفحة ٨١ وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا، فَلَمْ تُعْطَفْ بِالفاءِ: لِأنَّها لَمّا كانَتِ افْتِتاحَ مُحاوِرٍ، وكانَ شَأْنُ المُحاوَرَةِ أنْ تَكُونَ جُمَلُها مَفْصُولَةً شاعَ فَصْلُها، ولَوْ عُطِفَتْ بِالفاءِ لَجازَ أيْضًا. ونِداؤُهم مُوسى وهو مَعَهم مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الإصْغاءِ لِما يَقُولُونَهُ، إظْهارًا لِرَغْبَتِهِمْ فِيما سَيَطْلُبُونَ، وسَمَّوُا الصَّنَمَ إلَهًا لِجَهْلِهِمْ، فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ اتِّخاذَ الصَّنَمِ يُجْدِي صاحِبَهُ، كَما لَوْ كانَ إلاهُهُ مَعَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدِ انْخَلَعُوا في مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِمِصْرَ عَنْ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ وحَنِيفِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ الَّتِي وصّى بِها في قَوْلِهِ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في حالِ ذُلٍّ واسْتِعْبادٍ ذَهَبَ عِلْمُهم وتارِيخُ مَجْدِهِمْ وانْدَمَجُوا في دِيانَةِ الغالِبِينَ لَهم فَلَمْ تَبْقَ لَهم مَيْزَةٌ تُمَيِّزُهم إلّا أنَّهم خَدَمَةٌ وعَبِيدٌ. والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ كَما لَهم آلِهَةٌ أرادُوا بِهِ حَضَّ مُوسى عَلى إجابَةِ سُؤالِهِمْ، وابْتِهاجًا بِما رَأوْا مِن حالِ القَوْمِ الَّذِينَ حَلُّوا بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ وكَفى بِالأُمَّةِ خِسَّةَ عُقُولٍ أنْ تَعُدَّ القَبِيحَ حَسَنًا، وأنْ تَتَّخِذَ المَظاهِرَ المُزَيَّنَةَ قُدْوَةً لَها، وأنْ تَنْخَلِعَ عَنْ كَمالِها في اتِّباعِ نَقائِصِ غَيْرِها. و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةً وتَوْكِيدًا كافَّةَ عَمَلِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ، ولِذَلِكَ صارَ كافُ التَّشْبِيهِ داخِلًا عَلى جُمْلَةٍ لا عَلى مُفْرَدٍ، وهي جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ ومُبْتَدَأٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً غَيْرَ زَمانِيَّةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، والتَّقْدِيرُ كَوُجُودِ آلِهَةٍ لَهم، وإنْ كانَ الغالِبُ أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الفِعْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى - ودُّوا ما عَنِتُّمْ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ في قَوْلِهِ (لَهم) أوْ يُكْتَفى بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وُقُوعُ الخَبَرِ جارًّا ومَجْرُورًا، كَقَوْلِ نَهْشَلِ بْنِ جَرِيرِ التَّمِيمِيِّ: كَما سَيْفُ عَمْرٍو لَمْ تَخُنْهُ مَضارِبُهُ وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لِوُقُوعِها في جَوابِ المُحاوَرَةِ، أيْ: أجابَ مُوسى كَلامَهم، وكانَ جَوابُهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِحالِهِمْ. صفحة ٨٢ والجَهْلُ: انْتِفاءُ العِلْمِ أوْ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلى خِلافِ حَقِيقَتِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] في سُورَةِ النِّساءِ، والمُرادُ جَهْلُهم بِمَفاسِدِ عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ وصْفُ مُوسى إيّاهم بِالجَهالَةِ مُؤَكِّدًا لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِن كَوْنِ الجَهالَةِ صِفَةً ثابِتَةً فِيهِمْ وراسِخَةً مِن نُفُوسِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ لَهم في بادِئِ النَّظَرِ زاجِرٌ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ: الصَّرِيحِ والكِنايَةِ، مُكَنًّى بِهِ عَنِ التَّعَجُّبِ مِن فَداحَةِ جَهْلِهِمْ. وفِي الإتْيانِ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) جَعَلَ ما هو مَقْصُودٌ بِالإخْبارِ وصْفًا لِقَوْمٍ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ وصْفَهم بِالجَهالَةِ كالمُتَحَقِّقِ المَعْلُومِ الدّاخِلِ في تَقْوِيمِ قَوْمِيَّتِهِمْ. وفي الحُكْمِ بِالجَهالَةِ عَلى القَوْمِ كُلِّهِمْ تَأْكِيدٌ لِلتَّعَجُّبِ مِن حالِ جَهالَتِهِمْ وعُمُومِها فِيهِمْ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ فِيهِمْ مَن يَشِذُّ عَنْ هَذا الوَصْفِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، ولِأجْلِ هَذِهِ الغَرابَةِ أُكِّدُّ الحُكْمُ (بِإنَّ) لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَتَرَدَّدَ في ثُبُوتِهِ السّامِعُ. وجُمْلَةُ إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها وقَدْ أُكِّدَتْ وجُعِلَتِ اسْمِيَّةً لِمِثْلِ الأغْراضِ الَّتِي ذُكِرَتْ في أُخْتِها، وقَدْ عُرِّفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ بِالإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هم مُتَلَبِّسُونَ بِها أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ وهي كَوْنُهم مُتَبَّرًا أمْرُهم وباطِلًا عَمَلُهم، وقُدِّمَ المُسْنَدُ وهو (مُتَبَّرٌ) عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ما هم فِيهِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَهُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ أيْ: هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ مُتَبَّرٌ مُسْنَدًا إلَيْهِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإخْبارِ هو ما هم فِيهِ. والمُتَبِّرُ: المُدَمِّرُ، والتَّبارُ - بِفَتْحِ التّاءِ - الهَلاكُ ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا. يُقالُ تَبَرَ الشَّيْءُ - كَضَرَبَ وتَعِبَ وقَتَلَ - وتَبَّرَهُ تَضْعِيفٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ أهْلَكَهُ، والتَّتْبِيرُ مُسْتَعارٌ هُنا لِفَسادِ الحالِ، فَيَبْقى اسْمُ المَفْعُولِ عَلى حَقِيقَتِهِ في أنَّهُ وصْفٌ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ في زَمَنِ الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّتْبِيرُ مُسْتَعارًا لِسُوءِ العاقِبَةِ، شُبِّهَ حالُهُمُ المُزَخْرَفُ ظاهِرُهُ بِحالِ الشَّيْءِ البَهِيجِ الآيِلِ إلى الدَّمارِ والكَسْرِ فَيَكُونُ اسْمُ المَفْعُولِ مَجازًا في الِاسْتِقْبالِ، أيْ صفحة ٨٣ صائِرٌ إلى السُّوءِ. وما هم فِيهِ هو حالُهم، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ وما تَقْتَضِيهِ مِنَ الضَّلالاتِ والسَّيِّئاتِ ولِذَلِكَ اخْتِيرَ في تَعْرِيفِها طَرِيقُ المَوْصُولِيَّةِ لِأنَّ الصِّلَةَ تُحِيطُ بِأحْوالِهِمُ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها المُتَكَلِّمُ ولا المُخاطَبُونَ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُلابَسَةِ، تَشْبِيهًا لِلتَّلَبُّسِ بِاحْتِواءِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ. والباطِلُ اسْمٌ لِضِدِّ الحَقَّ، فالإخْبارُ بِهِ كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ مُبالَغَةً في بُطْلانِهِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّوْبِيخِ والمُبالَغَةِ في الإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا مَعْنى الباطِلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. وفِي تَقْدِيمِ المُسْنَدِ، وهو (باطِلٌ) عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ما كانُوا يَعْمَلُونَ ما في نَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ. وإعادَةُ لَفْظِ (قالَ) مُسْتَأْنَفًا في حِكايَةِ تَكْمِلَةِ جَوابِ مُوسى بِقَوْلِهِ - تَعالى - قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - قالَ اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا إلى قَوْلِهِ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ يُعادُ في حِكايَةِ الأقْوالِ إذا طالَ المَقُولُ، أوْ لِأنَّهُ انْتِقالٌ مِن غَرَضِ التَّوْبِيخِ عَلى سُؤالِهِمْ إلى غَرَضِ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي زَجْرَهم عَنْ مُحاوَلَةِ عِبادَةِ غَيْرِ المُنْعِمِ، وهو مِنَ الِارْتِقاءِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى طَرِيقَةِ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، أيْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الآلِهَةُ باطِلًا لَكانَ في اشْتِغالِكم بِعِبادَتِها والإعْراضِ عَنِ الإلَهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم كُفْرانٌ لِلنِّعْمَةِ ونِداءٌ عَلى الحَماقَةِ وتَنَزُّهٌ عَنْ أنْ يُشارِكَهم في حَماقَتِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن طَلَبِهِمْ أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، وقَدْ أُولِيَ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ الهَمْزَةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا، فَتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاخْتِصاصِ، لِلْمُبالَغَةِ في الإنْكارِ أيِ: اخْتِصاصِ الإنْكارِ بِبَغْيِ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا. وهَمْزَةُ (أبْغِيكم) هَمْزَةُ المُتَكَلِّمِ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، وهو مُضارِعُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ. ومَصْدَرُهُ البُغاءُ - بِضَمِّ الباءِ - . صفحة ٨٤ وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ومَفْعُولُهُ هو (غَيْرَ اللَّهِ) لِأنَّهُ هو الَّذِي يُنْكِرُ مُوسى أنْ يَكُونَ يَبْغِيهِ لِقَوْمِهِ. وتَعْدِيَتُهُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، وأصْلُ الكَلامِ: أبْغِي لَكم و(إلَهًا) تَمْيِيزٌ لِـ (غَيْرَ) . وجُمْلَةُ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ في مَوْضِعِ الحالِ، وحِينَ كانَ عامِلُها مَحَلَّ إنْكارٍ بِاعْتِبارِ مَعْمُولِهِ، كانَتِ الحالُ أيْضًا داخِلَةً في حَيِّزِ الإنْكارِ، ومُقَرِّرَةً لِجِهَتِهِ. وظاهِرُ صَوْغِ الكَلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ أنَّ تَفْضِيلَهم عَلى العالَمِينَ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِلْإنْكارِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ إعْلامَهم بِذَلِكَ وأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ. ومَجِيءُ المُسْنَدِ فِعْلِيًّا: لِيُفِيدَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ الخَبَرِ الفِعْلِيِّ أيْ: وهو فَضَّلَكم لَمْ تُفَضِّلْكُمُ الأصْنامُ، فَكانَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ تَحْمِيقًا لَهم في أنَّهم مَغْمُورُونَ في نِعْمَةِ اللَّهِ ويَطْلُبُونَ عِبادَةَ ما لا يُنْعِمُ. والمُرادُ بِالعالَمِينَ: أُمَمُ عَصْرِهِمْ، وتَفْضِيلُهم عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ذُرِّيَّةُ رَسُولٍ وأنْبِياءَ، وبِأنَّ مِنهم رُسُلًا وأنْبِياءَ، وبِأنَّ اللَّهَ هَداهم إلى التَّوْحِيدِ والخَلاصِ مِن دِينِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ تَخَبَّطُوا فِيهِ، وبِأنَّهُ جَعَلَهم أحْرارًا بَعْدَ أنْ كانُوا عَبِيدًا، وساقَهم إلى امْتِلاكِ أرْضٍ مُبارَكَةٍ وأيَّدَهم بِنَصْرِهِ وآياتِهِ، وبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا لِيُقِيمَ لَهُمُ الشَّرِيعَةَ. وهَذِهِ الفَضائِلُ لَمْ تَجْتَمِعْ لِأُمَّةٍ غَيْرِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِن جُمْلَةِ العالَمِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ أتَوْا عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ إنْكارِ طَلَبِهِمُ اتِّخاذَ أصْنامٍ مِثْلَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ الفاضِلِ أنْ لا يُقَلِّدَ المَفْضُولَ؛ لِأنَّ اقْتِباسَ أحْوالِ الغَيْرِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرافًا بِأنَّهُ أرْجَحُ رَأْيًا وأحْسَنُ حالًا، في تِلْكَ النّاحِيَةِ.

الأعراف 7:140

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهْوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ لَمّا تَمَّتِ العِبْرَةُ بِقِصَّةِ بَعْثِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وكَيْفَ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلى عَدُوِّهِ، ونَصَرَ قَوْمَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وأهْلَكَ عَدُوَّهم كَشَأْنِ سُنَّةِ اللَّهِ في نَصْرِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ، اسْتُرْسِلَ الكَلامُ إلى وصْفِ تَكْوِينِ أُمَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وما يَحِقُّ أنْ يُعْتَبَرَ بِهِ مِنَ الأحْوالِ العارِضَةِ لَهم في خِلالِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ طُمَأْنِينَةُ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ في صالِحِ أعْمالِهِمْ، وتَحْذِيرُهم مِمّا يَرْمِي بِهِمْ إلى غَضَبِ اللَّهِ فِيما يُحَقِّرُونَ مِنَ المُخالَفاتِ، لِما في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ التَّشابُهِ في تَدْبِيرِ اللَّهِ - تَعالى - أُمُورَ عَبِيدِهِ، وسُنَّتِهِ في تَأْيِيدِ رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ، وإيقاظِ نُفُوسِ الأُمَّةِ إلى مُراقَبَةِ خَواطِرِهِمْ ومُحاسَبَةِ نُفُوسِهِمْ في شُكْرِ النِّعْمَةِ ودَحْضِ الكُفْرانِ. والمُجاوَزَةُ: البُعْدُ عَنِ المَكانِ عَقِبَ المُرُورِ فِيهِ، يُقالُ: جاوَزَ بِمَعْنى جازَ، كَما يُقالُ: عالى بِمَعْنى عَلا، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ وإلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ فَإذا قُلْتَ: جُزْتُ بِهِ، فَأصْلُ مَعْناهُ أنَّكَ جُزْتَهُ مُصاحِبًا في الجَوازِ بِهِ لِلْمَجْرُورِ بِالباءِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتِ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ: جُزْتُ بِهِ الطَّرِيقَ إذا سَهَّلْتَ لَهُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ تَسِرْ مَعَهُ، فَهو صفحة ٨٠ بِمَعْنى أجَزْتُهُ، كَما قالُوا: ذَهَبْتَ بِهِ بِمَعْنى أذْهَبْتَهُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ هُنا ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ قَدَّرْنا لَهم جَوازَهُ ويَسَّرْناهُ لَهم. والبَحْرُ هو بَحْرُ القُلْزُمِ - المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِالبَحْرِ الأحْمَرِ - وهو المُرادُ بِاليَمِّ في الآيَةِ السّابِقَةِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الحُضُورِيِّ، أيِ البَحْرَ المَذْكُورَ كَما هو شَأْنُ المَعْرِفَةِ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، واخْتِلافُ اللَّفْظِ تَفَنُّنٌ، تَجَنُّبًا لِلْإعادَةِ، والمَعْنى: أنَّهم قَطَعُوا البَحْرَ وخَرَجُوا عَلى شاطِئِهِ الشَّرْقِيِّ. و(أتَوْا عَلى قَوْمٍ) مَعْناهُ أتَوْا قَوْمًا، ولَمّا ضُمِّنَ أتَوْا مَعْنى مَرُّوا عُدِّيَ بِعَلى، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا الإقامَةَ في القَوْمِ، ولَكِنَّهم ألْفَوْهم في طَرِيقِهِمْ. والقَوْمُ هُمُ الكَنْعانِيُّونَ ويُقالُ لَهم عِنْدَ العَرَبِ العَمالِقَةُ ويُعْرَفُونَ عِنْدَ مُتَأخِّرِي المُؤَرِّخِينَ بِالفِنِيقِيِّينَ. والأصْنامُ كانَتْ صُوَرَ البَقَرِ، وقَدْ كانَ البَقَرُ يُعْبَدُ عِنْدَ الكَنْعانِيِّينَ، أيِ الفِينِيقِيِّينَ باسِمِ (بَعْلَ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِنِيَّةِ العِبادَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَعْدِيَةُ العُكُوفِ بِحَرْفِ (عَلى) لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّزُولِ وتَمَكُّنِهِ كَقَوْلِهِ قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ. وقُرِئَ (يَعْكُفُونَ) . بِضَمِّ الكافِ لِلْجُمْهُورِ، وبِكَسْرِها لِحَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وخَلَفٍ، وهُما لُغَتانِ في مُضارِعِ عَكَفَ. واخْتِيرَ طَرِيقُ التَّنْكِيرِ في أصْنامٍ ووَصْفُهُ بِأنَّها لَهم، أيِ القَوْمِ دُونَ طَرِيقِ الإضافَةِ لِيُتَوَصَّلَ بِالتَّنْكِيرِ إلى إرادَةِ تَحْقِيرِ الأصْنامِ وأنَّها مَجْهُولَةٌ؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ يَسْتَلْزِمُ خَفاءَ المَعْرِفَةِ. وإنَّما وُصِفَتِ الأصْنامُ بِأنَّها لَهم ولَمْ يُقْتَصَرْ عَلى قَوْلِهِ (أصْنامٍ) قالَ ابْنُ عَرَفَةَ التُّونِسِيُّ ”عادَتُهم يُجِيبُونَ بِأنَّهُ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى جَهْلِهِمْ وغَوايَتِهِمْ في أنَّهم يَعْبُدُونَ ما هو مِلْكٌ لَهم فَيَجْعَلُونَ مَمْلُوكَهم إلاهَهَمْ“ . صفحة ٨١ وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا، فَلَمْ تُعْطَفْ بِالفاءِ: لِأنَّها لَمّا كانَتِ افْتِتاحَ مُحاوِرٍ، وكانَ شَأْنُ المُحاوَرَةِ أنْ تَكُونَ جُمَلُها مَفْصُولَةً شاعَ فَصْلُها، ولَوْ عُطِفَتْ بِالفاءِ لَجازَ أيْضًا. ونِداؤُهم مُوسى وهو مَعَهم مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الإصْغاءِ لِما يَقُولُونَهُ، إظْهارًا لِرَغْبَتِهِمْ فِيما سَيَطْلُبُونَ، وسَمَّوُا الصَّنَمَ إلَهًا لِجَهْلِهِمْ، فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ اتِّخاذَ الصَّنَمِ يُجْدِي صاحِبَهُ، كَما لَوْ كانَ إلاهُهُ مَعَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدِ انْخَلَعُوا في مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِمِصْرَ عَنْ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ وحَنِيفِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ الَّتِي وصّى بِها في قَوْلِهِ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في حالِ ذُلٍّ واسْتِعْبادٍ ذَهَبَ عِلْمُهم وتارِيخُ مَجْدِهِمْ وانْدَمَجُوا في دِيانَةِ الغالِبِينَ لَهم فَلَمْ تَبْقَ لَهم مَيْزَةٌ تُمَيِّزُهم إلّا أنَّهم خَدَمَةٌ وعَبِيدٌ. والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ كَما لَهم آلِهَةٌ أرادُوا بِهِ حَضَّ مُوسى عَلى إجابَةِ سُؤالِهِمْ، وابْتِهاجًا بِما رَأوْا مِن حالِ القَوْمِ الَّذِينَ حَلُّوا بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ وكَفى بِالأُمَّةِ خِسَّةَ عُقُولٍ أنْ تَعُدَّ القَبِيحَ حَسَنًا، وأنْ تَتَّخِذَ المَظاهِرَ المُزَيَّنَةَ قُدْوَةً لَها، وأنْ تَنْخَلِعَ عَنْ كَمالِها في اتِّباعِ نَقائِصِ غَيْرِها. و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةً وتَوْكِيدًا كافَّةَ عَمَلِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ، ولِذَلِكَ صارَ كافُ التَّشْبِيهِ داخِلًا عَلى جُمْلَةٍ لا عَلى مُفْرَدٍ، وهي جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ ومُبْتَدَأٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً غَيْرَ زَمانِيَّةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، والتَّقْدِيرُ كَوُجُودِ آلِهَةٍ لَهم، وإنْ كانَ الغالِبُ أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الفِعْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى - ودُّوا ما عَنِتُّمْ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ في قَوْلِهِ (لَهم) أوْ يُكْتَفى بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وُقُوعُ الخَبَرِ جارًّا ومَجْرُورًا، كَقَوْلِ نَهْشَلِ بْنِ جَرِيرِ التَّمِيمِيِّ: كَما سَيْفُ عَمْرٍو لَمْ تَخُنْهُ مَضارِبُهُ وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لِوُقُوعِها في جَوابِ المُحاوَرَةِ، أيْ: أجابَ مُوسى كَلامَهم، وكانَ جَوابُهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِحالِهِمْ. صفحة ٨٢ والجَهْلُ: انْتِفاءُ العِلْمِ أوْ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلى خِلافِ حَقِيقَتِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] في سُورَةِ النِّساءِ، والمُرادُ جَهْلُهم بِمَفاسِدِ عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ وصْفُ مُوسى إيّاهم بِالجَهالَةِ مُؤَكِّدًا لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِن كَوْنِ الجَهالَةِ صِفَةً ثابِتَةً فِيهِمْ وراسِخَةً مِن نُفُوسِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ لَهم في بادِئِ النَّظَرِ زاجِرٌ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ: الصَّرِيحِ والكِنايَةِ، مُكَنًّى بِهِ عَنِ التَّعَجُّبِ مِن فَداحَةِ جَهْلِهِمْ. وفِي الإتْيانِ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) جَعَلَ ما هو مَقْصُودٌ بِالإخْبارِ وصْفًا لِقَوْمٍ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ وصْفَهم بِالجَهالَةِ كالمُتَحَقِّقِ المَعْلُومِ الدّاخِلِ في تَقْوِيمِ قَوْمِيَّتِهِمْ. وفي الحُكْمِ بِالجَهالَةِ عَلى القَوْمِ كُلِّهِمْ تَأْكِيدٌ لِلتَّعَجُّبِ مِن حالِ جَهالَتِهِمْ وعُمُومِها فِيهِمْ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ فِيهِمْ مَن يَشِذُّ عَنْ هَذا الوَصْفِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، ولِأجْلِ هَذِهِ الغَرابَةِ أُكِّدُّ الحُكْمُ (بِإنَّ) لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَتَرَدَّدَ في ثُبُوتِهِ السّامِعُ. وجُمْلَةُ إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها وقَدْ أُكِّدَتْ وجُعِلَتِ اسْمِيَّةً لِمِثْلِ الأغْراضِ الَّتِي ذُكِرَتْ في أُخْتِها، وقَدْ عُرِّفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ بِالإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هم مُتَلَبِّسُونَ بِها أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ وهي كَوْنُهم مُتَبَّرًا أمْرُهم وباطِلًا عَمَلُهم، وقُدِّمَ المُسْنَدُ وهو (مُتَبَّرٌ) عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ما هم فِيهِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَهُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ أيْ: هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ مُتَبَّرٌ مُسْنَدًا إلَيْهِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإخْبارِ هو ما هم فِيهِ. والمُتَبِّرُ: المُدَمِّرُ، والتَّبارُ - بِفَتْحِ التّاءِ - الهَلاكُ ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا. يُقالُ تَبَرَ الشَّيْءُ - كَضَرَبَ وتَعِبَ وقَتَلَ - وتَبَّرَهُ تَضْعِيفٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ أهْلَكَهُ، والتَّتْبِيرُ مُسْتَعارٌ هُنا لِفَسادِ الحالِ، فَيَبْقى اسْمُ المَفْعُولِ عَلى حَقِيقَتِهِ في أنَّهُ وصْفٌ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ في زَمَنِ الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّتْبِيرُ مُسْتَعارًا لِسُوءِ العاقِبَةِ، شُبِّهَ حالُهُمُ المُزَخْرَفُ ظاهِرُهُ بِحالِ الشَّيْءِ البَهِيجِ الآيِلِ إلى الدَّمارِ والكَسْرِ فَيَكُونُ اسْمُ المَفْعُولِ مَجازًا في الِاسْتِقْبالِ، أيْ صفحة ٨٣ صائِرٌ إلى السُّوءِ. وما هم فِيهِ هو حالُهم، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ وما تَقْتَضِيهِ مِنَ الضَّلالاتِ والسَّيِّئاتِ ولِذَلِكَ اخْتِيرَ في تَعْرِيفِها طَرِيقُ المَوْصُولِيَّةِ لِأنَّ الصِّلَةَ تُحِيطُ بِأحْوالِهِمُ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها المُتَكَلِّمُ ولا المُخاطَبُونَ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُلابَسَةِ، تَشْبِيهًا لِلتَّلَبُّسِ بِاحْتِواءِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ. والباطِلُ اسْمٌ لِضِدِّ الحَقَّ، فالإخْبارُ بِهِ كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ مُبالَغَةً في بُطْلانِهِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّوْبِيخِ والمُبالَغَةِ في الإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا مَعْنى الباطِلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. وفِي تَقْدِيمِ المُسْنَدِ، وهو (باطِلٌ) عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ما كانُوا يَعْمَلُونَ ما في نَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ. وإعادَةُ لَفْظِ (قالَ) مُسْتَأْنَفًا في حِكايَةِ تَكْمِلَةِ جَوابِ مُوسى بِقَوْلِهِ - تَعالى - قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - قالَ اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا إلى قَوْلِهِ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ يُعادُ في حِكايَةِ الأقْوالِ إذا طالَ المَقُولُ، أوْ لِأنَّهُ انْتِقالٌ مِن غَرَضِ التَّوْبِيخِ عَلى سُؤالِهِمْ إلى غَرَضِ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي زَجْرَهم عَنْ مُحاوَلَةِ عِبادَةِ غَيْرِ المُنْعِمِ، وهو مِنَ الِارْتِقاءِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى طَرِيقَةِ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، أيْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الآلِهَةُ باطِلًا لَكانَ في اشْتِغالِكم بِعِبادَتِها والإعْراضِ عَنِ الإلَهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم كُفْرانٌ لِلنِّعْمَةِ ونِداءٌ عَلى الحَماقَةِ وتَنَزُّهٌ عَنْ أنْ يُشارِكَهم في حَماقَتِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن طَلَبِهِمْ أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، وقَدْ أُولِيَ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ الهَمْزَةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا، فَتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاخْتِصاصِ، لِلْمُبالَغَةِ في الإنْكارِ أيِ: اخْتِصاصِ الإنْكارِ بِبَغْيِ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا. وهَمْزَةُ (أبْغِيكم) هَمْزَةُ المُتَكَلِّمِ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، وهو مُضارِعُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ. ومَصْدَرُهُ البُغاءُ - بِضَمِّ الباءِ - . صفحة ٨٤ وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ومَفْعُولُهُ هو (غَيْرَ اللَّهِ) لِأنَّهُ هو الَّذِي يُنْكِرُ مُوسى أنْ يَكُونَ يَبْغِيهِ لِقَوْمِهِ. وتَعْدِيَتُهُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، وأصْلُ الكَلامِ: أبْغِي لَكم و(إلَهًا) تَمْيِيزٌ لِـ (غَيْرَ) . وجُمْلَةُ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ في مَوْضِعِ الحالِ، وحِينَ كانَ عامِلُها مَحَلَّ إنْكارٍ بِاعْتِبارِ مَعْمُولِهِ، كانَتِ الحالُ أيْضًا داخِلَةً في حَيِّزِ الإنْكارِ، ومُقَرِّرَةً لِجِهَتِهِ. وظاهِرُ صَوْغِ الكَلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ أنَّ تَفْضِيلَهم عَلى العالَمِينَ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِلْإنْكارِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ إعْلامَهم بِذَلِكَ وأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ. ومَجِيءُ المُسْنَدِ فِعْلِيًّا: لِيُفِيدَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ الخَبَرِ الفِعْلِيِّ أيْ: وهو فَضَّلَكم لَمْ تُفَضِّلْكُمُ الأصْنامُ، فَكانَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ تَحْمِيقًا لَهم في أنَّهم مَغْمُورُونَ في نِعْمَةِ اللَّهِ ويَطْلُبُونَ عِبادَةَ ما لا يُنْعِمُ. والمُرادُ بِالعالَمِينَ: أُمَمُ عَصْرِهِمْ، وتَفْضِيلُهم عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ذُرِّيَّةُ رَسُولٍ وأنْبِياءَ، وبِأنَّ مِنهم رُسُلًا وأنْبِياءَ، وبِأنَّ اللَّهَ هَداهم إلى التَّوْحِيدِ والخَلاصِ مِن دِينِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ تَخَبَّطُوا فِيهِ، وبِأنَّهُ جَعَلَهم أحْرارًا بَعْدَ أنْ كانُوا عَبِيدًا، وساقَهم إلى امْتِلاكِ أرْضٍ مُبارَكَةٍ وأيَّدَهم بِنَصْرِهِ وآياتِهِ، وبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا لِيُقِيمَ لَهُمُ الشَّرِيعَةَ. وهَذِهِ الفَضائِلُ لَمْ تَجْتَمِعْ لِأُمَّةٍ غَيْرِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِن جُمْلَةِ العالَمِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ أتَوْا عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ إنْكارِ طَلَبِهِمُ اتِّخاذَ أصْنامٍ مِثْلَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ الفاضِلِ أنْ لا يُقَلِّدَ المَفْضُولَ؛ لِأنَّ اقْتِباسَ أحْوالِ الغَيْرِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرافًا بِأنَّهُ أرْجَحُ رَأْيًا وأحْسَنُ حالًا، في تِلْكَ النّاحِيَةِ.

الأعراف 7:141

﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يَقْتُلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ”وإذْ أنْجاكم“ والمَعْنى: أأبْتَغِي لَكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ في حالِ أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ، صفحة ٨٥ وفِي زَمانٍ أنْجاكم فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِواسِطَتِي فابْتِغاءُ إلَهٍ غَيْرِهِ كُفْرانٌ لِنِعْمَتِهِ. فَضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ يَعُودُ إلى اللَّهِ ومُوسى ومَعادُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا امْتِنانًا مِنَ اللَّهِ اعْتَرَضَهُ بَيْنَ القِصَّةِ وعِدَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتِقالًا مِنَ الخَبَرِ والعِبْرَةِ إلى النِّعْمَةِ والمِنَّةِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ تَعْظِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْجَيْناكم بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: ”وإذْ أنْجاكم“ عَلى إعادَةِ الضَّمِيرِ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا، وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ الشّامِ فَيَكُونُ مِن كَلامِ مُوسى وبِمَجْمُوعِ القِراءَتَيْنِ يَحْصُلُ المَعْنَيانِ. و(إذْ) اسْمُ زَمانٍ، وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا. واخْتارَ الطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وإذْ أنْجَيْناكم خِطابًا لِلْيَهُودِ المَوْجُودِينَ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَكُونُ ابْتِداءَ خِطابٍ افْتُتِحَ بِكَلِمَةِ (إذْ)، والتَّعْرِيضُ بِتَذْكِيرِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ وسُورَةُ الأعْرافِ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ في المَكِّيِّ مِنَ القُرْآنِ ما هو مُجادَلَةٌ مَعَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مُشابِهَتِها في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الأعراف 7:142

﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ عَوْدٌ إلى بَقِيَّةِ حَوادِثِ بَنِي إسْرائِيلَ، بَعْدَ مُجاوَزَتِهِمُ البَحْرَ، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى المُواعَدَةِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”ووَعَدْنا“ . وحَذَفَ المَوْعُودَ بِهِ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ في قَوْلِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً إلَخْ. و(ثَلاثِينَ) مَنصُوبٌ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ تَمْيِيزَهُ ظَرْفٌ لِلْمُواعَدِ بِهِ وهو الحُضُورُ لِتَلَقِّي الشَّرِيعَةِ، ودَلَّ عَلَيْهِ (واعَدْنا) لِأنَّ المُواعَدَةَ لِلِقاءٍ فالعامِلُ واعَدْنا بِاعْتِبارِ المُقَدَّرِ، أيْ حُضُورًا مُدَّةَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مُدَّةَ المُناجاةِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً تَيْسِيرًا عَلَيْهِ، فَلَمّا قَضاها وزادَتْ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ صفحة ٨٦ تَعَلُّقًا ورَغْبَةً في مُناجاةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ، زادَهُ اللَّهُ مِن هَذا الفَضْلِ عَشْرَ لَيالٍ، فَصارَتْ مُدَّةُ المُناجاةِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قِصَّةً في سَبَبِ زِيادَةِ عَشْرِ لَيالٍ، لَمْ تَصِحَّ. ولَمْ يَزِدْهُ عَلى أرْبَعِينَ لَيْلَةً: إمّا لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ أقْصى ما تَحْتَمِلُهُ قُوَّتُهُ البَشَرِيَّةُ فَباعَدَهُ اللَّهُ مِن أنْ تَعْرِضَ لَهُ السَّآمَةُ في عِبادَةِ رَبِّهِ، وذَلِكَ يُجَنَّبُ عَنْهُ المُتَّقُونَ بَلَهَ الأنْبِياءُ، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ بِما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا»، وإمّا لِأنَّ زِيادَةَ مَغِيبِهِ عَنْ قَوْمِهِ تُفْضِي إلى إضْرارٍ، كَما قِيلَ: إنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ في العَشْرِ اللَّيالِي الأخِيرَةِ مِنَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وسُمِّيَتْ زِيادَةُ اللَّيالِي العَشْرِ إتْمامًا إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ - تَعالى - أرادَ أنْ تَكُونَ مُناجاةُ مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ولَكِنَّهُ لَمّا أمَرَهُ بِها أمَرَهُ بِها مُفَرَّقَةً إمّا لِحِكْمَةِ الِاسْتِيناسِ وإمّا لِتَكُونَ تِلْكَ العَشْرُ عِبادَةً أُخْرى فَيَتَكَرَّرَ الثَّوابُ، والمُرادُ اللَّيالِي بِأيّامِها فاقْتُصِرَ عَلى اللَّيالِي لِأنَّ المُواعَدَةَ كانَتْ لِأجْلِ الِانْقِطاعِ لِلْعِبادَةِ وتَلَقِّي المُناجاةِ، والنَّفْسُ في اللَّيْلِ أكْثَرُ تَجَرُّدًا لِلْكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ، والأحْوالِ المَلَكِيَّةِ، مِنها في النَّهارِ، إذْ قَدِ اعْتادَتِ النُّفُوسُ بِحَسَبِ أصْلِ التَّكْوِينِ الِاسْتِئْناسَ بِنُورِ الشَّمْسِ والنَّشاطَ بِهِ لِلشُّغْلِ، فَلا يُفارِقُها في النَّهارِ الِاشْتِغالُ بِالدُّنْيا ولَوْ بِالتَّفَكُّرِ وبِمُشاهَدَةِ المَوْجُوداتِ، وذَلِكَ يَنْحَطُّ في اللَّيْلِ والظُّلْمَةِ، وتَنْعَكِسُ تَفَكُّراتُ النَّفْسِ إلى داخِلِها، ولِذَلِكَ لَمْ تَزَلِ الشَّرِيعَةُ تُحَرِّضُ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ وعَلى الِابْتِهالِ فِيهِ إلى اللَّهِ - تَعالى -، قالَ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] الآيَةَ. وقالَ ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وفي الحَدِيثِ «يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا في ثُلُثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لَهُ هَلْ مِن داعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ»، ولَمْ يَزَلِ الشُّغْلُ في السَّهَرِ مِن شِعارِ الحُكَماءِ والمُرْتاضِينَ لِأنَّ السَّهَرَ يُلَطِّفُ سُلْطانَ القُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ كَما يُلَطِّفُها الصَّوْمُ قالَ في هَياكِلِ النُّورِ: النُّفُوسُ النّاطِقَةُ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ وإنَّما شَغَلَها عَنْ عالَمِها القُوى البَدَنِيَّةُ ومُشاغَلَتُها فَإذا قَوِيَتِ النَّفْسُ بِالفَضائِلِ الرُّوحانِيَّةِ وضَعُفَ سُلْطانُ القُوى البَدَنِيَّةِ بِتَقْلِيلِ الطَّعامِ وتَكْثِيرِ السَّهَرِ تَتَخَلَّصُ أحْيانًا إلى عالَمِ القُدُسِ وتَتَّصِلُ بِرَبِّها وتَتَلَقّى مِنَ المَعارِفِ. عَلى أنَّ الغالِبَ في الكَلامِ العَرَبِيِّ التَّوْقِيتُ بِاللَّيالِي، ويُرِيدُونَ أنَّها بِأيّامِها؛ لِأنَّ الأشْهُرَ العَرَبِيَّةَ تُبْتَدَأُ بِاللَّيالِي إذْ هي مَنُوطَةٌ بِظُهُورِ الأهِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فَذْلَكَةُ الحِسابِ كَما في قَوْلِهِ صفحة ٨٧ ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ. والتَّمامُ الَّذِي في قَوْلِهِ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّماءِ والتَّفَوُّقِ فَكانَ مِيقاتًا أكْمَلَ وأفْضَلَ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وقَوْلِهِ ﴿وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] إشارَةً إلى أنَّ زِيادَةَ العَشْرِ كانَتْ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ تَكُونُ مُدَّةُ الثَلاثِينَ بِدُونِها غَيْرَ بالِغَةٍ أقْصى الكَمالِ، وأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ المُناجاةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ولَكِنَّهُ أبْرَزَ الأمْرَ لِمُوسى مَفْرِقًا وتَيْسِيرًا عَلَيْهِ. لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى إتْمامِ الأرْبَعِينَ بِاشْتِياقٍ وقُوَّةٍ. وانْتَصَبَ (أرْبَعِينَ) عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ: بالِغًا أرْبَعِينَ. والمِيقاتُ قِيلَ: مُرادِفٌ لِلْوَقْتِ، وقِيلَ هو وقْتٌ قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ ما، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ لِلتَّشْرِيفِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِتَحْمِيقِ بَعْضِ قَوْمِهِ حِينَ تَأخَّرَ مَغِيبُ مُوسى عَنْهم في المُناجاةِ بَعْدَ الثَّلاثِينَ، فَزَعَمُوا أنَّ مُوسى هَلَكَ في الجَبَلِ كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيحٍ، ويَشْهَدُ لِبَعْضِهِ كَلامُ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ. * * * ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِأخِيهِ عِنْدَ العَزْمِ عَلى الصُّعُودِ إلى الجَبَلِ لِلْمُناجاةِ فَإنَّهُ صَعِدَ وحْدَهُ ومَعَهُ غُلامُهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. ومَعْنى اخْلُفْنِي كُنْ خَلَفًا عَنِّي وخَلِيفَةً، وهو الَّذِي يَتَوَلّى عَمَلَ غَيْرِهِ عِنْدَ فَقْدِهِ فَتَنْتَهِي تِلْكَ الخِلافَةُ عِنْدِ حُضُورِ المُسْتَخْلِفِ، فالخِلافَةُ وكالَةٌ، وفِعْلُ خَلَفَ مُشْتَقٌّ مِنَ الخَلْفِ بِسُكُونِ اللّامِ وهو ضِدُّ الأمامِ؛ لِأنَّ الخَلِيفَةَ يَقُومُ بِعَمَلِ مَن خَلَفَهُ عِنْدَ مَغِيبِهِ، والغائِبُ يَجْعَلُ مَكانَهُ وراءَهُ. وقَدْ جَمَعَ لَهُ في وصِيَّتِهِ مِلاكَ السِّياسَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ سِياسَةَ الأُمَّةِ تَدُورُ حَوْلَ مِحْوَرِ الإصْلاحِ، وهو جَعْلُ الشَّيْءِ صالِحًا، فَجَمِيعُ تَصَرُّفاتِ الأُمَّةِ وأحْوالِها يَجِبُ أنْ تَكُونَ صالِحَةً، وذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ الأعْمالُ عائِدَةً صفحة ٨٨ بِالخَيْرِ والصَّلاحِ لِفاعِلِها ولِغَيْرِهِ، فَإنْ عادَتْ بِالصَّلاحِ عَلَيْهِ وبِضِدِّهِ عَلى غَيْرِهِ لَمْ تُعْتَبَرْ صَلاحًا، ولا تَلْبَثُ أنْ تَئُولَ فَسادًا عَلى مَن لاحَتْ عِنْدَهُ صَلاحًا، ثُمَّ إذا تَرَدَّدَ فِعْلٌ بَيْنَ كَوْنِهِ خَيْرًا مِن جِهَةٍ وشَرًّا مِن جِهَةٍ أُخْرى وجَبَ اعْتِبارُ أقْوى حالَتَيْهِ فاعْتُبِرَ بِها إنْ تَعَذَّرَ العُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِمّا هو أوْفَرُ صَلاحًا، وإنِ اسْتَوى جِهَتاهُ أُلْغِيَ إنْ أمْكَنَ إلْغاؤُهُ وإلّا تَخَيَّرَ، وهَذا أمْرٌ لِهارُونَ جامِعٌ لِما يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ مِن أعْمالِهِ في سِياسَةِ الأُمَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ الفَسادِ بِأبْلَغِ صِيغَةٍ لِأنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ نَهْيٍ - والنَّهْيُ عَنْ فِعْلٍ تَنْصَرِفُ صِيغَتُهُ أوَّلَ وهْلَةٍ إلى فَسادِ المَنهِيِّ عَنْهُ - وبَيْنَ تَعْلِيقِ النَّهْيِ بِاتِّباعِ سَبِيلِ المُفْسِدِينَ. والإتْباعُ أصْلُهُ المَشْيُ عَلى حِلْفِ ماشٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمُشارَكَةِ في عَمَلِ المُفْسِدِ، فَإنَّ الطَّرِيقَ مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ المُؤَدِّي إلى الفَسادِ والمُفْسِدُ مَن كانَ الفَسادُ صِفَتَهُ، فَلَمّا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ المُفْسِدِينَ كانَ تَحْذِيرًا مِن كُلِّ ما يُسْتَرْوَحُ مِنهُ مَآلٌ إلى فَسادٍ؛ لِأنَّ المُفْسِدِينَ قَدْ يَعْمَلُونَ عَمَلًا لا فَسادَ فِيهِ، فَنُهِيَ عَنِ المُشارَكَةِ في عَمَلِ مَن عُرِفَ بِالفَسادِ؛ لِأنَّ صُدُورَهُ عَنِ المَعْرُوفِ بِالفَسادِ كافٍ في تَوَقُّعِ إفْضائِهِ إلى فَسادٍ. فَفي هَذا النَّهْيِ سَدُّ ذَرِيعَةِ الفَسادِ، وسَدُّ ذَرائِعِ الفَسادِ مِن أُصُولِ الإسْلامِ، وقَدْ عُنِيَ بِها مالِكُ بْنُ أنَسٍ وكَرَّرَها في كِتابِهِ واشْتُهِرَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ في أُصُولِ مَذْهَبِهِ. فَلا جَرَمَ أنْ كانَ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ جامِعًا لِلنَّهْيِ عَنْ ثَلاثِ مَراتِبَ مِن مَراتِبِ الإفْضاءِ إلى الفَسادِ وهو العَمَلُ المَعْرُوفُ بِالِانْتِسابِ إلى المُفْسِدِ، وعَمَلُ المُفْسِدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا اعْتادَهُ، وتَجَنُّبُ الِاقْتِرابِ مِنَ المُفْسِدِ ومُخالَطَتِهِ. وقَدْ أجْرى اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مُوسى، أوْ أعْلَمَهُ، ما يَقْتَضِي أنَّ في رَعِيَّةِ هارُونَ مُفْسِدِينَ، وأنَّهُ يُوشِكُ إنْ سَلَكُوا سَبِيلَ الفَسادِ أنْ يُسايِرَهم عَلَيْهِ لِما يَعْلَمُ في نَفْسِ هارُونَ مِنَ اللِّينِ في سِياسَتِهِ، ولِلِاحْتِياطِ مِن حُدُوثِ العِصْيانِ في قَوْمِهِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [طه: ٩٤] . صفحة ٨٩ فَلَيْسَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (وأصْلِحْ) تَأْكِيدًا لِلشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلَ قَوْلِهِ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ لِأنَّها لَوْ كانَ ذَلِكَ هو المَقْصِدُ مِنها لَجُرِّدَتْ مِن حَرْفِ العَطْفِ، ولاقْتُصِرَ عَلى النَّهْيِ عَنِ الإفْسادِ فَقِيلَ وأصْلِحْ لا تُفْسِدْ، نَعَمْ يَحْصُلُ مِن مَعانِيها ما فِيهِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (وأصْلِحْ) .

الأعراف 7:143

﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنُ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالَتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ جُعِلَ مَجِيءُ مُوسى في الوَقْتِ المُعَيَّنِ أمْرًا حاصِلًا غَيْرَ مُحْتاجٍ لِلْإخْبارِ عَنْهُ، لِلْعِلْمِ بِأنَّ مُوسى لا يَتَأخَّرُ ولا يَتْرُكُ ذَلِكَ، وجُعِلَ تَكْلِيمُ اللَّهِ إيّاهُ في خِلالِ ذَلِكَ المِيقاتِ أيْضًا حاصِلًا غَيْرَ مُحْتاجٍ لِلْإخْبارِ عَنْ حُلُولِهِ، لِظُهُورِ أنَّ المُواعَدَةَ المُتَضَمِّنَةَ لِلْمُلاقاةِ تَتَضَمَّنُ الكَلامَ؛ لِأنَّ مُلاقاةَ اللَّهِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، فَلَيْسَ يَحْصُلُ مِن شُئُونِ المُواعَدَةِ إلّا الكَلامُ الصّادِرُ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، فَلِذَلِكَ كُلِّهِ جُعِلَ مَجِيءُ مُوسى لِلْمِيقاتِ وتَكْلِيمُ اللَّهِ إيّاهُ شَرْطًا لِحِرْفِ (لَمّا) لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ، وجُعِلَ الإخْبارُ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَ ذَلِكَ وهو اعْتِبارٌ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ، فَكانَ الكَلامُ ضَرْبًا مِنَ الإيجازِ بِحَذْفِ الخَبَرِ عَنْ جُمْلَتَيْنِ اسْتِغْناءً عَنْهُما بِأنَّهُما جُعِلَتا شَرْطًا لَلَمّا. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الواوُ في قَوْلِهِ ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ زائِدَةً في جَوابِ (لَمّا) كَما قالَهُ الأكْثَرُ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ أنَّ جَوابَ لَمّا هو قَوْلُهُ وانْتَحى، وجَوَّزُوهُ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] الآيَةَ، أنْ يَكُونَ ونادَيْناهُ هو جَوابَ (لَمّا) فَيَصِيرُ صفحة ٩٠ التَّقْدِيرُ: لَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا كَلَّمَهُ رَبُّهُ، فَيَكُونُ إيجازًا بِحَذْفِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، ولا يُسْتَفادُ مِن مَعْنى إنْشاءِ التَّكْلِيمِ الطَّمَعُ في الرُّؤْيَةِ إلّا مِن لازِمِ المُواعَدَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لِمِيقاتِنا صِنْفٌ مِن لامِ الِاخْتِصاصِ، كَما سَمّاها في الكَشّافِ ومَثَّلَها بِقَوْلِهِمْ: أتَيْتُهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، يَعْنِي أنَّهُ اخْتِصاصُ ما، وجَعَلَها ابْنُ هِشامٍ بِمَعْنى عِنْدَ وجَعَلَ ذَلِكَ مِن مَعانِي اللّامِ وهو أظْهَرُ، والمَعْنى: فَلَمّا جاءَ مُوسى مَجِيئًا خاصًّا بِالمِيقاتِ أيْ: حاصِلًا عِنْدَهُ لا تَأْخِيرَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ فَقالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها» أيْ عِنْدَ وقْتِها ومِنهُ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . ويَجُوزُ جَعْلُ اللّامِ لِلْأجْلِ والعِلَّةِ، أيْ جاءَ لِأجْلِ مِيقاتِنا، وذَلِكَ لِما قَدَّمْناهُ مِن تَضَمُّنِ المِيقاتِ مَعْنى المُلاقاةِ والمُناجاةِ، أيْ جاءَ لِأجْلِ مُناجاتِنا. والمَجِيءُ: انْتِقالُهُ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ إلى جَبَلِ سِينا المُعَيَّنِ فِيهِ مَكانُ المُناجاةِ. والتَّكْلِيمُ حَقِيقَتُهُ النُّطْقُ بِالألْفاظِ المُفِيدَةِ مَعانِي بِحَسَبِ وضْعٍ مُصْطَلَحٍ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحَقِيقَةُ مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّها مِن أعْراضِ الحَوادِثِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ إسْنادُ التَّكْلِيمِ إلى اللَّهِ مَجازًا مُسْتَعْمَلًا في الدَّلالَةِ عَلى مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِألْفاظٍ مِن لُغَةِ المُخاطَبِ بِهِ بِكَيْفِيَّةٍ يُوقِنُ المُخاطَبُ بِهِ أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِن أثَرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ ووَفْقِ العِلْمِ، وهو تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُعْتادٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الكَلامَ في شَيْءٍ حادِثِ سَمِعَهُ مُوسى كَما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ الَّتِي كانَ مُوسى حَذْوَها، وذَلِكَ أوَّلُ كَلامٍ كَلَّمَهُ اللَّهُ مُوسى في أرْضِ مَدْيَنَ في جَبَلِ (حُورِيبَ)، ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الكَلامَ مِن خِلالِ السَّحابِ وذَلِكَ الكَلامُ الواقِعُ في طُورِ سِينا وهو المُرادُ هُنا. وهو المَذْكُورُ في الإصْحاحِ ١٩ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ. والكَلامُ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كانَ يَسْمَعُهُ مُوسى حِينَ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ النّاسِ في المُناجاةِ أوْ نَحْوِها، وهو أحَدُ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ الَّتِي يُكَلِّمُ اللَّهُ بِها أنْبِياءَهُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا الآيَةَ في سُورَةِ الشُّورى، وهو حادِثٌ لا مَحالَةَ ونِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ أنَّهُ صادِرٌ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ لا تَكُونُ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ أنْ يُخالِفَ صفحة ٩١ بِهِ المُعْتادَ تَشْرِيفًا لَهُ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَدْ كَلَّمَ اللَّهُ - تَعالى - مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ الإسَراءِ، وأحْسَبُ الأحادِيثَ القُدْسِيَّةَ كُلَّها أوْ مُعْظَمَها مِمّا كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، وأمّا إرْسالُ اللَّهِ جِبْرِيلَ بِكَلامٍ إلى أحَدِ أنْبِيائِهِ فَهي كَيْفِيَّةٌ أُخْرى وذَلِكَ بِإلْقاءِ الكَلامِ في نَفْسِ المَلِكِ الَّذِي يُبَلِّغُهُ إلى النَّبِيءِ، والقُرْآنُ كُلُّهُ مِن هَذا النَّوْعِ، وقَدْ كانَ الوَحْيُ إلى مُوسى بِواسِطَةِ المَلَكِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ وهو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ في التَّوْراةِ بِقَوْلِها قالَ اللَّهُ لِمُوسى. وقَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ هو جَوابُ (لَمّا) عَلى الأظْهَرِ، فَإنْ قَدَّرْنا الواوَ في قَوْلِهِ وكَلَّمَهُ زائِدَةً في جَوابِ (لَمّا) كانَ قَوْلُهُ (قالَ) واقِعًا في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَ. وسُؤالُ مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ - تَعالى - تَطَلُّعٌ إلى زِيادَةِ المُعْرِفَةِ بِالجَلالِ الإلَهِيِّ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ المُواعِدَةُ تَتَضَمَّنُ المُلاقاةَ. وكانَتِ المُلاقاةُ تَعْتَمِدُ رُؤْيَةَ الذّاتِ وسَماعَ الحَدِيثِ، وحَصَلَ لِمُوسى أحَدُ رُكْنَيِ المُلاقاةِ وهو التَّكْلِيمُ، أطْمَعَهُ ذَلِكَ في الرُّكْنِ الثّانِي وهو المُشاهَدَةُ، ومِمّا يُؤْذِنُ بِأنَّ التَّكْلِيمَ هو الَّذِي أطْمَعَ مُوسى في حُصُولِ الرُّؤْيَةِ جَعْلُ جُمْلَةِ (﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾) شَرْطًا لِحَرْفِ (لَمّا) لِأنَّ (لَمّا) تَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِارْتِباطِ بَيْنَ شَرْطِها وجَوابِها، فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً في حُصُولِ جَوابِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [الأعراف: ٢٢] في هَذِهِ السُّورَةِ، هَذا عَلى جَعْلِ (وكَلَّمَهُ) عَطْفًا عَلى شَرْطِ (لَمّا) ولَيْسَ جَوابَ (لَمّا)، ولا نَشُكُّ في أنَّهُ سَألَ رُؤْيَةً تَلِيقُ بِذاتِ اللَّهِ - تَعالى - وهي مِثْلُ الرُّؤْيَةِ المَوْعُودِ بِها في الآخِرَةِ، فَكانَ مُوسى يَحْسَبُ أنَّ مِثْلَها مُمْكِنٌ في الدُّنْيا حَتّى أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واقِعٍ في الدُّنْيا، ولا يَمْتَنِعُ عَلى نَبِيءٍ عَدَمُ العِلْمِ بِتَفاصِيلِ الشُّئُونِ الإلَهِيَّةِ قَبْلَ أنْ يُعَلِّمَها اللَّهُ إيّاهُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، ولِذَلِكَ كانَ أيِمَّةُ أهْلِ السُّنَّةِ مُحِقِّينَ في الِاسْتِدْلالِ بِسُؤالِ مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ عَلى إمْكانِها بِكَيْفِيَّةٍ تَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ لا نَعْلَمُ كُنْهَها وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ ”بِلا كَيْفٍ“ . وكانَ المُعْتَزِلَةُ غَيْرَ مُحِقِّينَ في اسْتِدْلالِهِمْ بِذَلِكَ عَلى اسْتِحالَتِها بِكُلِّ صِفَةٍ. وقَدْ يَئُولُ الخِلافُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إلى اللَّفْظِ، فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقانِ عَلى اسْتِحالَةِ صفحة ٩٢ إحاطَةِ الإدْراكِ بِذاتِ اللَّهِ واسْتِحالَةِ التَّحَيُّزِ، وأهْلُ السُّنَّةِ قاطِعُونَ بِأنَّها رُؤْيَةٌ لا تُنافِي صِفاتِ اللَّهِ - تَعالى -، وأمّا ما تَبَجَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ فَذَلِكَ مِن عُدْوانِ تَعَصُّبِهِ عَلى مُخالِفِيهِ عَلى عادَتِهِ، وما كانَ يَنْبَغِي لِعُلَماءِ طَرِيقَتِنا التَّنازُلُ لِمُهاجاتِهِ بِمِثْلِ ما هاجاهم بِهِ، ولَكِنَّهُ قالَ فَأوْجَبَ. واعْلَمْ أنَّ سُؤالَ مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ - تَعالى - طَلَبٌ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ سِياقُ الآيَةِ ولَيْسَ هو السُّؤالَ الَّذِي سَألَهُ بَنُو إسْرائِيلَ المَحْكِيَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وما تَمَحَّلَ بِهِ في الكَشّافِ مِن أنَّهُ هو ذَلِكَ السُّؤالُ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ لَهُ. ومَفْعُولُ (أرِنِي) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ (إلَيْكَ) . وفُصِلَ قَوْلُهُ ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ لِأنَّهُ واقِعٌ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ. و(لَنْ) يُسْتَعْمَلُ لِتَأْيِيدِ النَّفْيِ ولِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، وهُما مُتَقارِبانِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِهَذِهِ الحَياةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالأبَدِ، فَنَفَتْ (لَنْ) رُؤْيَةَ مُوسى رَبَّهُ نَفْيًا لا طَمَعَ بَعْدَهُ لِلسّائِلِ في الإلْحاحِ والمُراجَعَةِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ طِلْبَتَهُ مُتَعَذَّرَةُ الحُصُولِ، فَلا دَلالَةَ في هَذا النَّفْيِ عَلى اسْتِمْرارِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ. والِاسْتِدْراكُ المُسْتَفادُ مِن (لَكِنْ) لِرَفْعِ تَوَهُّمِ المُخاطَبِ الِاقْتِصارَ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ بِدُونِ تَعْلِيلٍ ولا إقْناعٍ، أوْ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ هَذا المَنعَ لِغَضَبٍ عَلى السّائِلِ ومَنقَصَةٍ فِيهِ، فَلِذَلِكَ يَعْلَمُ مِن حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ أنَّ بَعْضَ ما يَتَوَهَّمُهُ سَيُرْفَعُ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى الجَبَلِ الَّذِي هو فِيهِ هَلْ يَثْبُتُ في مَكانِهِ، وهَذا يَعْلَمُ مِنهُ أنَّ الجَبَلَ سَيَتَوَجَّهُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِن شَأْنِ الجَلالِ الإلَهِيِّ، وأنَّ قُوَّةَ الجَبَلِ لا تَسْتَقِرُّ عِنْدَ ذَلِكَ التَّوَجُّهِ العَظِيمِ فَيَعْلَمُ مُوسى أنَّهُ أحْرى بِتَضاؤُلِ قُواهُ الفانِيَةِ لَوْ تَجَلّى لَهُ شَيْءٌ مِن سُبُحاتِ اللَّهِ - تَعالى - . وعُلِّقَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ (إنْ) لِأنَّ الغالِبَ اسْتِعْمالُها في مَقامِ نُدْرَةِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أوِ التَّعْرِيضِ بِتَعَذُّرِهِ، ولَمّا كانَ اسْتِقْرارُ الجَبَلِ في مَكانِهِ مَعْلُومًا لِلَّهِ انْتِفاؤُهُ، صَحَّ تَعْلِيقُ الأمْرِ المُرادِ تَعَذُّرُ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ دَلِيلِ الِانْتِفاءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في هَذا التَّعْلِيقِ حُجَّةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ تَقْتَضِي أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ - تَعالى - جائِزَةٌ عَلَيْهِ - تَعالى -، خِلافًا لِما اعْتادَ كَثِيرٌ مِن عُلَمائِنا مِنَ الِاحْتِجاجِ بِذَلِكَ. صفحة ٩٣ وقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ تَرانِي﴾ لَيْسَ بِوَعْدٍ بِالرُّؤْيَةِ عَلى الفَرْضِ لِأنَّ سَبْقَ قَوْلِهِ لَنْ تَرانِي أزالَ طَماعِيَّةَ السّائِلِ الرُّؤْيَةَ، ولَكِنَّهُ إيذانٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن نَظَرِهِ إلى الجَبَلِ أنْ يَرى رَأْيَ اليَقِينِ عَجْزَ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِالأحْرى، مِن عَدَمِ ثَباتِ قُوَّةِ الجَبَلِ، فَصارَتْ قُوَّةُ الكَلامِ: أنَّ الجَبَلَ لا يَسْتَقِرُّ مَكانَهُ مِنَ التَّجَلِّي الَّذِي يَحْصُلُ عَلَيْهِ، فَلَسْتَ أنْتَ بِالَّذِي تَرانِي، لِأنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَمَنزِلَةُ الشَّرْطِ هُنا مَنزِلَةُ الشَّرْطِ الِامْتِناعِيِّ الحاصِلِ بِحَرْفِ (لَوْ) بِدَلالَةِ قَرِينَةِ السّابِقِ. والتَّجَلِّي حَقِيقَةُ الظُّهُورِ وإزالَةُ الحِجابِ، وهو هُنا مَجازٌ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ إزالَةُ الحَوائِلِ المُعْتادَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ حِجابًا بَيْنَ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ وبَيْنَ قُوى الجَبَرُوتِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ - تَعالى - بِتَصْرِيفِها عَلى مَقادِيرَ مَضْبُوطَةٍ ومُتَدَرِّجَةٍ في عَوالِمَ مُتَرَتِّبَةٍ تَرْتِيبًا يَعْلَمُهُ اللَّهُ. وتَقْرِيبُهُ لِلْإفْهامِ شَبِيهٌ بِما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الحُكَماءُ في تَرْتِيبِ العُقُولِ العَشَرَةِ، وتِلْكَ القُوى تُنْسَبُ إلى اللَّهِ - تَعالى - لِكَوْنِها آثارًا لِقُدْرَتِهِ بِدُونِ واسِطَةٍ، فَإذا أزالَ اللَّهُ الحِجابَ المُعْتادَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ وبَيْنَ شَيْءٍ مِن تِلْكَ القُوى المُؤَثِّرَةِ تَأْثِيرًا خارِقًا لِلْعادَةِ اتَّصَلَتِ القُوَّةُ بِالجِسْمِ اتِّصالًا تَظْهَرُ لَهُ آثارٌ مُناسِبَةٌ لِنَوْعِ تِلْكَ القُوَّةِ، فَتِلْكَ الإزالَةُ هي الَّتِي اسْتُعِيرَ لَها التَّجَلِّي المُسْنَدُ إلى اللَّهِ - تَعالى - تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ، فَلَمّا اتَّصَلَتْ قُوَّةٌ رَبّانِيَّةٌ بِالجَبَلِ تُماثِلُ اتِّصالَ الرُّؤْيَةِ انْدَكَّ الجَبَلُ، ومِمّا يُقَرِّبُ هَذا المَعْنى ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ، مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ قَوْلَهُ - تَعالى - ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ﴾ فَوَضَعَ إبْهامَهُ قَرِيبًا مِن طَرَفِ خِنْصَرِهِ يُقَلِّلُ مِقْدارَ التَّجَلِّي» . وصَعِقَ مُوسى مِنَ انْدِكاكِ الجَبَلِ فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ لَوْ تَوَجَّهَ ذَلِكَ التَّجَلِّي إلَيْهِ لانْتَثَرَ جِسْمُهُ فُضاضًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ دَكًّا - بِالتَّنْوِينِ - والدَّكُّ مَصْدَرٌ وهو والدَّقُّ مُتَرادِفانِ وهو الهَدُّ وتَفَرُّقُ الأجْزاءِ كَقَوْلِهِ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا، وقَدْ أُخْبِرَ عَنِ الجَبَلِ بِأنَّهُ جُعِلَ دَكًّا لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ أنَّهُ مَدْكُوكٌ أيْ: مَدْقُوقٌ مَهْدُومٌ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ ”دَكّاءَ“ بِمَدٍّ بَعْدَ الكافِ وتَشْدِيدِ الكافِ، والدَّكّاءُ: النّاقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أيْ كالدَّكّاءِ أيْ ذَهَبَتْ قُنَّتُهُ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي انْدَكَّ مِنهُ لَمْ يَرْجِعْ ولَعَلَّ آثارَ ذَلِكَ الدَّكِّ ظاهِرَةٌ فِيهِ إلى الآنِ. صفحة ٩٤ والخُرُورُ السُّقُوطُ عَلى الأرْضِ. والصَّعْقُ: وصْفٌ بِمَعْنى المَصْعُوقِ، ومَعْناهُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن صَيْحَةٍ ونَحْوِها، مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الصّاعِقَةِ وهي القِطْعَةُ النّارِيَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ إلى الأرْضِ مِن كَهْرَباءِ البَرْقِ، فَإذا أصابَتْ جِسْمًا أحْرَقَتْهُ، وإذا أصابَتِ الحَيَوانَ مِن قَرِيبٍ أماتَتْهُ، أوْ مِن بَعِيدٍ غُشِيَ عَلَيْهِ مِن رائِحَتِها، وسُمِّيَ خُوَيْلِدُ بْنُ نُفَيْلٍ الصَّعِقَ عَلَمًا عَلَيْهِ بِالغَلَبَةِ، وإنَّما رَجَّحْنا أنَّ الوَصْفَ والمَصْدَرَ مُشْتَقّانِ مِنَ اسْمِ الصّاعِقَةِ دُونَ أنْ نَجْعَلَ الصّاعِقَةَ مُشْتَقًّا مِنَ الصَّعْقِ لِأنَّ أيِمَّةَ اللُّغَةِ قالُوا: إنَّ الصَّعْقَ الغَشْيُ مِن صَيْحَةٍ ونَحْوِها، ولَكِنْ تَوَسَّعُوا في إطْلاقِ هَذا الوَصْفِ عَلى مَن غُشِيَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ هَدَّةٍ أوْ رَجَّةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الصّاعِقَةِ. والإفاقَةُ: رُجُوعُ الإدْراكِ بَعْدَ زَوالِهِ بِغَشْيٍ، أوْ نَوْمٍ، أوْ سُكْرٍ، أوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ. وسُبْحانَكَ مَصْدَرٌ جاءَ عِوَضًا عَنْ فِعْلِهِ أيْ: أُسَبِّحُكَ وهو هُنا إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ وتَنْزِيهٍ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، لِمُناسَبَةِ سُؤالِهِ مِنهُ ما تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ سُؤالُهُ دُونَ اسْتِئْذانِهِ وتَحَقُّقِ إمْكانِهِ كَما قالَ - تَعالى - لِنُوحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ في سُورَةِ هُودٍ. وقَوْلُهُ (﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾) إنْشاءٌ لِتَوْبَةٍ مِنَ العَوْدِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] . وصِيغَةُ - الماضِي مِن قَوْلِهِ تُبْتُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْشاءِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في زَمَنِ الحالِ مِثْلَ صِيَغِ العُقُودِ في قَوْلِهِمْ بِعْتُ وزَوَّجْتُ، مُبالَغَةً في تَحَقُّقِ العَقْدِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ أُطْلِقَ (الأوَّلُ) عَلى المُبادِرِ إلى الإيمانِ، وإطْلاقُ الأوَّلِ عَلى المُبادِرِ مَجازٌ شائِعٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقَةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا وفي نَظائِرِهِ - الكِنايَةُ عَنْ قُوَّةِ إيمانِهِ، حَتّى إنَّهُ يُبادِرُ إلَيْهِ حِينَ تَرَدُّدِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو لِلْمُبالَغَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ مَن كانَ الإيمانُ وصْفَهم ولَقَبَهم، أيِ الإيمانُ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ كَما يَلِيقُ بِهِ، فالإيمانُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللَّقَبِيِّ، ولِذَلِكَ شُبِّهَ الوَصْفُ بِأفْعالِ السَّجايا فَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، ومَن ذَهَبَ مِنَ المُفَسِّرِينَ يُقَدِّرُ لَهُ مُتَعَلِّقًا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ نَهْجِ المَعْنى. صفحة ٩٥ وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ يا مُوسى﴾ لِوُقُوعِ القَوْلِ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ والمُجاوَبَةِ، والنِّداءُ لِلتَّأْنِيسِ وإزالَةِ الرَّوْعِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ في قَوْلِهِ أنِّي اصْطَفَيْتُكَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ إذْ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْإنْكارِ. والِاصْطِفاءُ افْتِعالُ مُبالَغَةٍ في الإصْفاءِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّفْوِ، وهو الخُلُوصُ مِمّا يُكَدِّرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وضُمِّنَ اصْطَفَيْتُكَ مَعْنى الإيثارِ والتَّفْضِيلِ فَعُدِّيَ بِعَلى. والمُرادُ بِالنّاسِ: جَمِيعُ النّاسِ، أيِ المَوْجُودِينَ في زَمَنِهِ، فالِاسْتِغْراقُ في النّاسِ عُرْفِيُّ أيْ هو مُفَضَّلٌ عَلى النّاسِ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ رَسُولٌ، ولِتَفْضِيلِهِ بِمَزِيَّةِ الكَلامِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ مُوسى أفْضَلُ جَمِيعِ النّاسِ الَّذِينَ مَضَوْا يَوْمَئِذٍ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ: فَهو أفْضَلُ مِن أخِيهِ هارُونَ لِأنَّ مُوسى أُرْسِلَ بِشَرِيعَةٍ عَظِيمَةٍ، وكَلَّمَهُ اللَّهُ، وهارُونَ أرْسَلَهُ اللَّهُ مُعاوِنًا لِمُوسى ولَمْ يُكَلِّمْهُ اللَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿بِرِسالَتِي وبِكَلامِي﴾ وما ورَدَ في الحَدِيثِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْضِيلِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ لِدَلِيلٍ صَرِيحٍ، أوْ عَلى جَعْلِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ شُغُلًا لِلنّاسِ في نَوادِيهِمْ بِدُونِ مُقْتَضٍ مُعْتَبَرٍ لِلْخَوْضِ في ذَلِكَ. وهَذا امْتِنانٌ مِنَ اللَّهِ وتَعْرِيفٌ. ثُمَّ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ والأوَّلُ تَفْرِيعٌ عَلى الإرْسالِ والتَّكْلِيمِ، والثّانِي تَفْرِيعٌ عَلى الِامْتِنانِ، وماصَدَقَ ما آتَيْتُكَ قِيلَ هو الشَّرِيعَةُ والرِّسالَةُ، فالإيتاءُ مُجازٌ أُطْلِقَ عَلى التَّعْلِيمِ والإرْشادِ، والأخْذُ مَجازٌ في التَّلَقِّي والحِفْظِ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ما آتَيْتُكَ إعْطاءَ الألْواحِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقَدْ فُسِّرَ بِذَلِكَ، فالإيتاءُ حَقِيقَةٌ، والأخْذَ كَذَلِكَ، وهَذا ألْيَقُ بِنَظْمِ الكَلامِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] ويَحْصُلُ بِهِ أخْذُ الرِّسالَةِ والكَلامِ وزِيادَةٌ. والإخْبارُ عَنْ (كُنْ) بِقَوْلِهِ مِنَ الشّاكِرِينَ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ (كُنْ شاكِرًا) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: (بِرِسالَتِي) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ﴿بِرِسالاتِي﴾، بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وهو عَلى تَأْوِيلِهِ بِتَعَدُّدِ التَّكالِيفِ والإرْشادِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها.

الأعراف 7:144

﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنُ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالَتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ جُعِلَ مَجِيءُ مُوسى في الوَقْتِ المُعَيَّنِ أمْرًا حاصِلًا غَيْرَ مُحْتاجٍ لِلْإخْبارِ عَنْهُ، لِلْعِلْمِ بِأنَّ مُوسى لا يَتَأخَّرُ ولا يَتْرُكُ ذَلِكَ، وجُعِلَ تَكْلِيمُ اللَّهِ إيّاهُ في خِلالِ ذَلِكَ المِيقاتِ أيْضًا حاصِلًا غَيْرَ مُحْتاجٍ لِلْإخْبارِ عَنْ حُلُولِهِ، لِظُهُورِ أنَّ المُواعَدَةَ المُتَضَمِّنَةَ لِلْمُلاقاةِ تَتَضَمَّنُ الكَلامَ؛ لِأنَّ مُلاقاةَ اللَّهِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، فَلَيْسَ يَحْصُلُ مِن شُئُونِ المُواعَدَةِ إلّا الكَلامُ الصّادِرُ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، فَلِذَلِكَ كُلِّهِ جُعِلَ مَجِيءُ مُوسى لِلْمِيقاتِ وتَكْلِيمُ اللَّهِ إيّاهُ شَرْطًا لِحِرْفِ (لَمّا) لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ، وجُعِلَ الإخْبارُ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَ ذَلِكَ وهو اعْتِبارٌ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ، فَكانَ الكَلامُ ضَرْبًا مِنَ الإيجازِ بِحَذْفِ الخَبَرِ عَنْ جُمْلَتَيْنِ اسْتِغْناءً عَنْهُما بِأنَّهُما جُعِلَتا شَرْطًا لَلَمّا. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الواوُ في قَوْلِهِ ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ زائِدَةً في جَوابِ (لَمّا) كَما قالَهُ الأكْثَرُ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ أنَّ جَوابَ لَمّا هو قَوْلُهُ وانْتَحى، وجَوَّزُوهُ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] الآيَةَ، أنْ يَكُونَ ونادَيْناهُ هو جَوابَ (لَمّا) فَيَصِيرُ صفحة ٩٠ التَّقْدِيرُ: لَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا كَلَّمَهُ رَبُّهُ، فَيَكُونُ إيجازًا بِحَذْفِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، ولا يُسْتَفادُ مِن مَعْنى إنْشاءِ التَّكْلِيمِ الطَّمَعُ في الرُّؤْيَةِ إلّا مِن لازِمِ المُواعَدَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لِمِيقاتِنا صِنْفٌ مِن لامِ الِاخْتِصاصِ، كَما سَمّاها في الكَشّافِ ومَثَّلَها بِقَوْلِهِمْ: أتَيْتُهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، يَعْنِي أنَّهُ اخْتِصاصُ ما، وجَعَلَها ابْنُ هِشامٍ بِمَعْنى عِنْدَ وجَعَلَ ذَلِكَ مِن مَعانِي اللّامِ وهو أظْهَرُ، والمَعْنى: فَلَمّا جاءَ مُوسى مَجِيئًا خاصًّا بِالمِيقاتِ أيْ: حاصِلًا عِنْدَهُ لا تَأْخِيرَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ فَقالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها» أيْ عِنْدَ وقْتِها ومِنهُ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . ويَجُوزُ جَعْلُ اللّامِ لِلْأجْلِ والعِلَّةِ، أيْ جاءَ لِأجْلِ مِيقاتِنا، وذَلِكَ لِما قَدَّمْناهُ مِن تَضَمُّنِ المِيقاتِ مَعْنى المُلاقاةِ والمُناجاةِ، أيْ جاءَ لِأجْلِ مُناجاتِنا. والمَجِيءُ: انْتِقالُهُ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ إلى جَبَلِ سِينا المُعَيَّنِ فِيهِ مَكانُ المُناجاةِ. والتَّكْلِيمُ حَقِيقَتُهُ النُّطْقُ بِالألْفاظِ المُفِيدَةِ مَعانِي بِحَسَبِ وضْعٍ مُصْطَلَحٍ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحَقِيقَةُ مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّها مِن أعْراضِ الحَوادِثِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ إسْنادُ التَّكْلِيمِ إلى اللَّهِ مَجازًا مُسْتَعْمَلًا في الدَّلالَةِ عَلى مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِألْفاظٍ مِن لُغَةِ المُخاطَبِ بِهِ بِكَيْفِيَّةٍ يُوقِنُ المُخاطَبُ بِهِ أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِن أثَرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ ووَفْقِ العِلْمِ، وهو تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُعْتادٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الكَلامَ في شَيْءٍ حادِثِ سَمِعَهُ مُوسى كَما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ الَّتِي كانَ مُوسى حَذْوَها، وذَلِكَ أوَّلُ كَلامٍ كَلَّمَهُ اللَّهُ مُوسى في أرْضِ مَدْيَنَ في جَبَلِ (حُورِيبَ)، ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الكَلامَ مِن خِلالِ السَّحابِ وذَلِكَ الكَلامُ الواقِعُ في طُورِ سِينا وهو المُرادُ هُنا. وهو المَذْكُورُ في الإصْحاحِ ١٩ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ. والكَلامُ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كانَ يَسْمَعُهُ مُوسى حِينَ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ النّاسِ في المُناجاةِ أوْ نَحْوِها، وهو أحَدُ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ الَّتِي يُكَلِّمُ اللَّهُ بِها أنْبِياءَهُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا الآيَةَ في سُورَةِ الشُّورى، وهو حادِثٌ لا مَحالَةَ ونِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ أنَّهُ صادِرٌ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ لا تَكُونُ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ أنْ يُخالِفَ صفحة ٩١ بِهِ المُعْتادَ تَشْرِيفًا لَهُ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَدْ كَلَّمَ اللَّهُ - تَعالى - مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ الإسَراءِ، وأحْسَبُ الأحادِيثَ القُدْسِيَّةَ كُلَّها أوْ مُعْظَمَها مِمّا كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، وأمّا إرْسالُ اللَّهِ جِبْرِيلَ بِكَلامٍ إلى أحَدِ أنْبِيائِهِ فَهي كَيْفِيَّةٌ أُخْرى وذَلِكَ بِإلْقاءِ الكَلامِ في نَفْسِ المَلِكِ الَّذِي يُبَلِّغُهُ إلى النَّبِيءِ، والقُرْآنُ كُلُّهُ مِن هَذا النَّوْعِ، وقَدْ كانَ الوَحْيُ إلى مُوسى بِواسِطَةِ المَلَكِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ وهو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ في التَّوْراةِ بِقَوْلِها قالَ اللَّهُ لِمُوسى. وقَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ هو جَوابُ (لَمّا) عَلى الأظْهَرِ، فَإنْ قَدَّرْنا الواوَ في قَوْلِهِ وكَلَّمَهُ زائِدَةً في جَوابِ (لَمّا) كانَ قَوْلُهُ (قالَ) واقِعًا في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَ. وسُؤالُ مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ - تَعالى - تَطَلُّعٌ إلى زِيادَةِ المُعْرِفَةِ بِالجَلالِ الإلَهِيِّ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ المُواعِدَةُ تَتَضَمَّنُ المُلاقاةَ. وكانَتِ المُلاقاةُ تَعْتَمِدُ رُؤْيَةَ الذّاتِ وسَماعَ الحَدِيثِ، وحَصَلَ لِمُوسى أحَدُ رُكْنَيِ المُلاقاةِ وهو التَّكْلِيمُ، أطْمَعَهُ ذَلِكَ في الرُّكْنِ الثّانِي وهو المُشاهَدَةُ، ومِمّا يُؤْذِنُ بِأنَّ التَّكْلِيمَ هو الَّذِي أطْمَعَ مُوسى في حُصُولِ الرُّؤْيَةِ جَعْلُ جُمْلَةِ (﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾) شَرْطًا لِحَرْفِ (لَمّا) لِأنَّ (لَمّا) تَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِارْتِباطِ بَيْنَ شَرْطِها وجَوابِها، فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً في حُصُولِ جَوابِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [الأعراف: ٢٢] في هَذِهِ السُّورَةِ، هَذا عَلى جَعْلِ (وكَلَّمَهُ) عَطْفًا عَلى شَرْطِ (لَمّا) ولَيْسَ جَوابَ (لَمّا)، ولا نَشُكُّ في أنَّهُ سَألَ رُؤْيَةً تَلِيقُ بِذاتِ اللَّهِ - تَعالى - وهي مِثْلُ الرُّؤْيَةِ المَوْعُودِ بِها في الآخِرَةِ، فَكانَ مُوسى يَحْسَبُ أنَّ مِثْلَها مُمْكِنٌ في الدُّنْيا حَتّى أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واقِعٍ في الدُّنْيا، ولا يَمْتَنِعُ عَلى نَبِيءٍ عَدَمُ العِلْمِ بِتَفاصِيلِ الشُّئُونِ الإلَهِيَّةِ قَبْلَ أنْ يُعَلِّمَها اللَّهُ إيّاهُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، ولِذَلِكَ كانَ أيِمَّةُ أهْلِ السُّنَّةِ مُحِقِّينَ في الِاسْتِدْلالِ بِسُؤالِ مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ عَلى إمْكانِها بِكَيْفِيَّةٍ تَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ لا نَعْلَمُ كُنْهَها وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ ”بِلا كَيْفٍ“ . وكانَ المُعْتَزِلَةُ غَيْرَ مُحِقِّينَ في اسْتِدْلالِهِمْ بِذَلِكَ عَلى اسْتِحالَتِها بِكُلِّ صِفَةٍ. وقَدْ يَئُولُ الخِلافُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إلى اللَّفْظِ، فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقانِ عَلى اسْتِحالَةِ صفحة ٩٢ إحاطَةِ الإدْراكِ بِذاتِ اللَّهِ واسْتِحالَةِ التَّحَيُّزِ، وأهْلُ السُّنَّةِ قاطِعُونَ بِأنَّها رُؤْيَةٌ لا تُنافِي صِفاتِ اللَّهِ - تَعالى -، وأمّا ما تَبَجَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ فَذَلِكَ مِن عُدْوانِ تَعَصُّبِهِ عَلى مُخالِفِيهِ عَلى عادَتِهِ، وما كانَ يَنْبَغِي لِعُلَماءِ طَرِيقَتِنا التَّنازُلُ لِمُهاجاتِهِ بِمِثْلِ ما هاجاهم بِهِ، ولَكِنَّهُ قالَ فَأوْجَبَ. واعْلَمْ أنَّ سُؤالَ مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ - تَعالى - طَلَبٌ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ سِياقُ الآيَةِ ولَيْسَ هو السُّؤالَ الَّذِي سَألَهُ بَنُو إسْرائِيلَ المَحْكِيَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وما تَمَحَّلَ بِهِ في الكَشّافِ مِن أنَّهُ هو ذَلِكَ السُّؤالُ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ لَهُ. ومَفْعُولُ (أرِنِي) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ (إلَيْكَ) . وفُصِلَ قَوْلُهُ ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ لِأنَّهُ واقِعٌ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ. و(لَنْ) يُسْتَعْمَلُ لِتَأْيِيدِ النَّفْيِ ولِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، وهُما مُتَقارِبانِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِهَذِهِ الحَياةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالأبَدِ، فَنَفَتْ (لَنْ) رُؤْيَةَ مُوسى رَبَّهُ نَفْيًا لا طَمَعَ بَعْدَهُ لِلسّائِلِ في الإلْحاحِ والمُراجَعَةِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ طِلْبَتَهُ مُتَعَذَّرَةُ الحُصُولِ، فَلا دَلالَةَ في هَذا النَّفْيِ عَلى اسْتِمْرارِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ. والِاسْتِدْراكُ المُسْتَفادُ مِن (لَكِنْ) لِرَفْعِ تَوَهُّمِ المُخاطَبِ الِاقْتِصارَ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ بِدُونِ تَعْلِيلٍ ولا إقْناعٍ، أوْ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ هَذا المَنعَ لِغَضَبٍ عَلى السّائِلِ ومَنقَصَةٍ فِيهِ، فَلِذَلِكَ يَعْلَمُ مِن حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ أنَّ بَعْضَ ما يَتَوَهَّمُهُ سَيُرْفَعُ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى الجَبَلِ الَّذِي هو فِيهِ هَلْ يَثْبُتُ في مَكانِهِ، وهَذا يَعْلَمُ مِنهُ أنَّ الجَبَلَ سَيَتَوَجَّهُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِن شَأْنِ الجَلالِ الإلَهِيِّ، وأنَّ قُوَّةَ الجَبَلِ لا تَسْتَقِرُّ عِنْدَ ذَلِكَ التَّوَجُّهِ العَظِيمِ فَيَعْلَمُ مُوسى أنَّهُ أحْرى بِتَضاؤُلِ قُواهُ الفانِيَةِ لَوْ تَجَلّى لَهُ شَيْءٌ مِن سُبُحاتِ اللَّهِ - تَعالى - . وعُلِّقَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ (إنْ) لِأنَّ الغالِبَ اسْتِعْمالُها في مَقامِ نُدْرَةِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أوِ التَّعْرِيضِ بِتَعَذُّرِهِ، ولَمّا كانَ اسْتِقْرارُ الجَبَلِ في مَكانِهِ مَعْلُومًا لِلَّهِ انْتِفاؤُهُ، صَحَّ تَعْلِيقُ الأمْرِ المُرادِ تَعَذُّرُ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ دَلِيلِ الِانْتِفاءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في هَذا التَّعْلِيقِ حُجَّةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ تَقْتَضِي أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ - تَعالى - جائِزَةٌ عَلَيْهِ - تَعالى -، خِلافًا لِما اعْتادَ كَثِيرٌ مِن عُلَمائِنا مِنَ الِاحْتِجاجِ بِذَلِكَ. صفحة ٩٣ وقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ تَرانِي﴾ لَيْسَ بِوَعْدٍ بِالرُّؤْيَةِ عَلى الفَرْضِ لِأنَّ سَبْقَ قَوْلِهِ لَنْ تَرانِي أزالَ طَماعِيَّةَ السّائِلِ الرُّؤْيَةَ، ولَكِنَّهُ إيذانٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن نَظَرِهِ إلى الجَبَلِ أنْ يَرى رَأْيَ اليَقِينِ عَجْزَ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِالأحْرى، مِن عَدَمِ ثَباتِ قُوَّةِ الجَبَلِ، فَصارَتْ قُوَّةُ الكَلامِ: أنَّ الجَبَلَ لا يَسْتَقِرُّ مَكانَهُ مِنَ التَّجَلِّي الَّذِي يَحْصُلُ عَلَيْهِ، فَلَسْتَ أنْتَ بِالَّذِي تَرانِي، لِأنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَمَنزِلَةُ الشَّرْطِ هُنا مَنزِلَةُ الشَّرْطِ الِامْتِناعِيِّ الحاصِلِ بِحَرْفِ (لَوْ) بِدَلالَةِ قَرِينَةِ السّابِقِ. والتَّجَلِّي حَقِيقَةُ الظُّهُورِ وإزالَةُ الحِجابِ، وهو هُنا مَجازٌ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ إزالَةُ الحَوائِلِ المُعْتادَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ حِجابًا بَيْنَ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ وبَيْنَ قُوى الجَبَرُوتِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ - تَعالى - بِتَصْرِيفِها عَلى مَقادِيرَ مَضْبُوطَةٍ ومُتَدَرِّجَةٍ في عَوالِمَ مُتَرَتِّبَةٍ تَرْتِيبًا يَعْلَمُهُ اللَّهُ. وتَقْرِيبُهُ لِلْإفْهامِ شَبِيهٌ بِما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الحُكَماءُ في تَرْتِيبِ العُقُولِ العَشَرَةِ، وتِلْكَ القُوى تُنْسَبُ إلى اللَّهِ - تَعالى - لِكَوْنِها آثارًا لِقُدْرَتِهِ بِدُونِ واسِطَةٍ، فَإذا أزالَ اللَّهُ الحِجابَ المُعْتادَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ وبَيْنَ شَيْءٍ مِن تِلْكَ القُوى المُؤَثِّرَةِ تَأْثِيرًا خارِقًا لِلْعادَةِ اتَّصَلَتِ القُوَّةُ بِالجِسْمِ اتِّصالًا تَظْهَرُ لَهُ آثارٌ مُناسِبَةٌ لِنَوْعِ تِلْكَ القُوَّةِ، فَتِلْكَ الإزالَةُ هي الَّتِي اسْتُعِيرَ لَها التَّجَلِّي المُسْنَدُ إلى اللَّهِ - تَعالى - تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ، فَلَمّا اتَّصَلَتْ قُوَّةٌ رَبّانِيَّةٌ بِالجَبَلِ تُماثِلُ اتِّصالَ الرُّؤْيَةِ انْدَكَّ الجَبَلُ، ومِمّا يُقَرِّبُ هَذا المَعْنى ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ، مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ قَوْلَهُ - تَعالى - ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ﴾ فَوَضَعَ إبْهامَهُ قَرِيبًا مِن طَرَفِ خِنْصَرِهِ يُقَلِّلُ مِقْدارَ التَّجَلِّي» . وصَعِقَ مُوسى مِنَ انْدِكاكِ الجَبَلِ فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ لَوْ تَوَجَّهَ ذَلِكَ التَّجَلِّي إلَيْهِ لانْتَثَرَ جِسْمُهُ فُضاضًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ دَكًّا - بِالتَّنْوِينِ - والدَّكُّ مَصْدَرٌ وهو والدَّقُّ مُتَرادِفانِ وهو الهَدُّ وتَفَرُّقُ الأجْزاءِ كَقَوْلِهِ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا، وقَدْ أُخْبِرَ عَنِ الجَبَلِ بِأنَّهُ جُعِلَ دَكًّا لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ أنَّهُ مَدْكُوكٌ أيْ: مَدْقُوقٌ مَهْدُومٌ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ ”دَكّاءَ“ بِمَدٍّ بَعْدَ الكافِ وتَشْدِيدِ الكافِ، والدَّكّاءُ: النّاقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أيْ كالدَّكّاءِ أيْ ذَهَبَتْ قُنَّتُهُ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي انْدَكَّ مِنهُ لَمْ يَرْجِعْ ولَعَلَّ آثارَ ذَلِكَ الدَّكِّ ظاهِرَةٌ فِيهِ إلى الآنِ. صفحة ٩٤ والخُرُورُ السُّقُوطُ عَلى الأرْضِ. والصَّعْقُ: وصْفٌ بِمَعْنى المَصْعُوقِ، ومَعْناهُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن صَيْحَةٍ ونَحْوِها، مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الصّاعِقَةِ وهي القِطْعَةُ النّارِيَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ إلى الأرْضِ مِن كَهْرَباءِ البَرْقِ، فَإذا أصابَتْ جِسْمًا أحْرَقَتْهُ، وإذا أصابَتِ الحَيَوانَ مِن قَرِيبٍ أماتَتْهُ، أوْ مِن بَعِيدٍ غُشِيَ عَلَيْهِ مِن رائِحَتِها، وسُمِّيَ خُوَيْلِدُ بْنُ نُفَيْلٍ الصَّعِقَ عَلَمًا عَلَيْهِ بِالغَلَبَةِ، وإنَّما رَجَّحْنا أنَّ الوَصْفَ والمَصْدَرَ مُشْتَقّانِ مِنَ اسْمِ الصّاعِقَةِ دُونَ أنْ نَجْعَلَ الصّاعِقَةَ مُشْتَقًّا مِنَ الصَّعْقِ لِأنَّ أيِمَّةَ اللُّغَةِ قالُوا: إنَّ الصَّعْقَ الغَشْيُ مِن صَيْحَةٍ ونَحْوِها، ولَكِنْ تَوَسَّعُوا في إطْلاقِ هَذا الوَصْفِ عَلى مَن غُشِيَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ هَدَّةٍ أوْ رَجَّةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الصّاعِقَةِ. والإفاقَةُ: رُجُوعُ الإدْراكِ بَعْدَ زَوالِهِ بِغَشْيٍ، أوْ نَوْمٍ، أوْ سُكْرٍ، أوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ. وسُبْحانَكَ مَصْدَرٌ جاءَ عِوَضًا عَنْ فِعْلِهِ أيْ: أُسَبِّحُكَ وهو هُنا إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ وتَنْزِيهٍ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، لِمُناسَبَةِ سُؤالِهِ مِنهُ ما تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ سُؤالُهُ دُونَ اسْتِئْذانِهِ وتَحَقُّقِ إمْكانِهِ كَما قالَ - تَعالى - لِنُوحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ في سُورَةِ هُودٍ. وقَوْلُهُ (﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾) إنْشاءٌ لِتَوْبَةٍ مِنَ العَوْدِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] . وصِيغَةُ - الماضِي مِن قَوْلِهِ تُبْتُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْشاءِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في زَمَنِ الحالِ مِثْلَ صِيَغِ العُقُودِ في قَوْلِهِمْ بِعْتُ وزَوَّجْتُ، مُبالَغَةً في تَحَقُّقِ العَقْدِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ أُطْلِقَ (الأوَّلُ) عَلى المُبادِرِ إلى الإيمانِ، وإطْلاقُ الأوَّلِ عَلى المُبادِرِ مَجازٌ شائِعٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقَةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا وفي نَظائِرِهِ - الكِنايَةُ عَنْ قُوَّةِ إيمانِهِ، حَتّى إنَّهُ يُبادِرُ إلَيْهِ حِينَ تَرَدُّدِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو لِلْمُبالَغَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ مَن كانَ الإيمانُ وصْفَهم ولَقَبَهم، أيِ الإيمانُ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ كَما يَلِيقُ بِهِ، فالإيمانُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللَّقَبِيِّ، ولِذَلِكَ شُبِّهَ الوَصْفُ بِأفْعالِ السَّجايا فَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، ومَن ذَهَبَ مِنَ المُفَسِّرِينَ يُقَدِّرُ لَهُ مُتَعَلِّقًا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ نَهْجِ المَعْنى. صفحة ٩٥ وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ يا مُوسى﴾ لِوُقُوعِ القَوْلِ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ والمُجاوَبَةِ، والنِّداءُ لِلتَّأْنِيسِ وإزالَةِ الرَّوْعِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ في قَوْلِهِ أنِّي اصْطَفَيْتُكَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ إذْ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْإنْكارِ. والِاصْطِفاءُ افْتِعالُ مُبالَغَةٍ في الإصْفاءِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّفْوِ، وهو الخُلُوصُ مِمّا يُكَدِّرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وضُمِّنَ اصْطَفَيْتُكَ مَعْنى الإيثارِ والتَّفْضِيلِ فَعُدِّيَ بِعَلى. والمُرادُ بِالنّاسِ: جَمِيعُ النّاسِ، أيِ المَوْجُودِينَ في زَمَنِهِ، فالِاسْتِغْراقُ في النّاسِ عُرْفِيُّ أيْ هو مُفَضَّلٌ عَلى النّاسِ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ رَسُولٌ، ولِتَفْضِيلِهِ بِمَزِيَّةِ الكَلامِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ مُوسى أفْضَلُ جَمِيعِ النّاسِ الَّذِينَ مَضَوْا يَوْمَئِذٍ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ: فَهو أفْضَلُ مِن أخِيهِ هارُونَ لِأنَّ مُوسى أُرْسِلَ بِشَرِيعَةٍ عَظِيمَةٍ، وكَلَّمَهُ اللَّهُ، وهارُونَ أرْسَلَهُ اللَّهُ مُعاوِنًا لِمُوسى ولَمْ يُكَلِّمْهُ اللَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿بِرِسالَتِي وبِكَلامِي﴾ وما ورَدَ في الحَدِيثِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْضِيلِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ لِدَلِيلٍ صَرِيحٍ، أوْ عَلى جَعْلِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ شُغُلًا لِلنّاسِ في نَوادِيهِمْ بِدُونِ مُقْتَضٍ مُعْتَبَرٍ لِلْخَوْضِ في ذَلِكَ. وهَذا امْتِنانٌ مِنَ اللَّهِ وتَعْرِيفٌ. ثُمَّ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ والأوَّلُ تَفْرِيعٌ عَلى الإرْسالِ والتَّكْلِيمِ، والثّانِي تَفْرِيعٌ عَلى الِامْتِنانِ، وماصَدَقَ ما آتَيْتُكَ قِيلَ هو الشَّرِيعَةُ والرِّسالَةُ، فالإيتاءُ مُجازٌ أُطْلِقَ عَلى التَّعْلِيمِ والإرْشادِ، والأخْذُ مَجازٌ في التَّلَقِّي والحِفْظِ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ما آتَيْتُكَ إعْطاءَ الألْواحِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقَدْ فُسِّرَ بِذَلِكَ، فالإيتاءُ حَقِيقَةٌ، والأخْذَ كَذَلِكَ، وهَذا ألْيَقُ بِنَظْمِ الكَلامِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] ويَحْصُلُ بِهِ أخْذُ الرِّسالَةِ والكَلامِ وزِيادَةٌ. والإخْبارُ عَنْ (كُنْ) بِقَوْلِهِ مِنَ الشّاكِرِينَ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ (كُنْ شاكِرًا) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: (بِرِسالَتِي) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ﴿بِرِسالاتِي﴾، بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وهو عَلى تَأْوِيلِهِ بِتَعَدُّدِ التَّكالِيفِ والإرْشادِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها.

الأعراف 7:145

صفحة ٩٦ ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالَتِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] إلى آخِرِها؛ لِأنَّ فِيها ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] والَّذِي آتاهُ هو ألْواحُ الشَّرِيعَةِ، أوْ هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما آتَيْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] . والتَّعْرِيفُ في الألْواحِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ العَهْدِ، إنْ كانَ ما آتَيْتُكَ مُرادًا بِهِ الألْواحُ الَّتِي أُعْطِيَها مُوسى في المُناجاةِ فَساغَ أنْ تُعَرَّفَ تَعْرِيفَ العَهْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَخُذْ ألْواحًا آتَيْتُكَها، ثُمَّ قِيلَ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾، وإذا كانَ ما آتَيْتُكَ مُرادًا بِهِ الرِّسالَةُ والكَلامُ كانَ التَّعْرِيفُ في الألْواحِ تَعْرِيفَ الذِّهْنِي، أيْ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ مُعَيَّنَةٍ مِن جِنْسِ الألْواحِ. و(الألْواحُ) جَمْعُ لَوْحٍ بِفَتْحِ اللّامِ وهو قِطْعَةٌ مُرَبَّعَةٌ مِنَ الخَشَبِ، وكانُوا يَكْتُبُونَ عَلى الألْواحِ، أوْ لِأنَّها ألْواحٌ مَعْهُودَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ سِيقَتْ إلَيْهِمْ تَفاصِيلُ القِصَّةِ (وإنْ كانَ سَوْقُ مُجْمَلِ القِصَّةِ لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَصَلَ بِالمُكَذِّبِينَ بِمُوسى) . وتَسْمِيَةُ الألْواحِ الَّتِي أعْطاها اللَّهُ مُوسى ألْواحًا مَجازٌ بِالصُّورَةِ لِأنَّ الألْواحَ الَّتِي أُعْطِيَها مُوسى كانَتْ مِن حِجارَةٍ، كَما في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ، فَتَسْمِيَتُها الألْواحَ لِأنَّها عَلى صُورَةِ الألْواحِ، والَّذِي بِالإصْحاحِ الرّابِعِ والثَلاثِينَ أنَّ اللَّوْحَيْنِ كُتِبَتْ فِيهِما الوَصايا العَشْرُ الَّتِي ابْتَدَأتْ بِها شَرِيعَةُ مُوسى، وكانا لَوْحَيْنِ، كَما في التَّوْراةِ، فَإطْلاقُ الجَمْعِ عَلَيْها هُنا: إمّا مِن بابِ إطْلاقِ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى المُثَنّى بِناءً عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، وإمّا لِأنَّهُما كانا مَكْتُوبَيْنِ عَلى كِلا وجْهَيْهِما، كَما يَقْتَضِيهِ الإصْحاحُ الثّانِي والثَلاثُونَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ فَكانا بِمَنزِلَةِ أرْبَعَةِ ألْواحٍ. وأُسْنِدَتِ الكِتابَةُ إلى اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّها كانَتْ مَكْتُوبَةً نَقْشًا في الحَجَرِ مِن غَيْرِ فِعْلِ إنْسانٍ بَلْ بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ - تَعالى -، كَما يُفْهَمُ مِنَ الإصْحاحِ الثّانِي والثَّلاثِينَ، كَما أُسْنِدَ الكَلامُ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ (وبِكَلامِي) . صفحة ٩٧ و(مِن) الَّتِي في قَوْلِهِ (مِن كُلِّ شَيْءٍ) تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ (بِكَتَبْنا) ومَفْعُولُ (كَتَبْنا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كَتَبْنا أيْ مَكْتُوبًا، ويَجُوزُ جَعْلُ (مِن) اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِكَتَبْنا، أيْ كَتَبْنا لَهُ بَعْضًا مِن كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] . (وكُلِّ شَيْءٍ) عامٌّ عُمُومًا عُرْفِيًّا أيْ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتاجُ إلَيْهِ الأُمَّةُ في دِينِها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ في أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ، وعَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أُصُولَهُ. والَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لِمُوسى في الألْواحِ هو أصُولُ كُلِّيّاتٍ هامَّةٍ لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي أوْحى اللَّهُ بِها إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي ما في الإصْحاحِ ٢٠ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ونَصُّها: ”أنا الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِن بَيْتِ العُبُودِيَّةِ، لا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرى أمامِي لا تَصْنَعْ تِمْثالًا مَنحُوتًا، ولا صُورَةً ما مِمّا في السَّماءِ مِن فَوْقَ، وما في الأرْضِ مِن تَحْتَ، وما في الماءِ مِن تَحْتِ الأرْضِ، لا تَسْجُدْ لَهُنَّ ولا تَعْبُدْهُنَّ؛ لِأنِّي أنا الرَّبُّ. إلَهُكَ غَيُورٌ افْتَقِدْ ذُنُوبَ الآباءِ في الأبْناءِ في الجِيلِ الثّالِثِ والرّابِعِ مِن مُبْغِضِيَّ، واضِعٌ إحْسانًا إلى أُلُوفٍ مِن مُحِبِّيَّ وحافِظِي وصايايَ. لا تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إلَهِكَ باطِلًا لِأنَّ الرَّبَّ لا يُبَرِّئُ مَن نَطَقَ بِاسْمِهِ باطِلًا. اذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ سِتَّةَ أيّامٍ تَعْمَلُ وتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وأمّا اليَوْمُ السّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إلَهِكَ لا تَصْنَعْ عَمَلًا ما أنْتَ وابْنُكَ وابْنَتُكَ وعَبْدُكَ وأُخْتُكَ وبَهِيمَتُكَ ونَزِيلُكَ الَّذِي داخَلَ أبْوابِكَ لِأنَّ في سِتَّةِ أيّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّما والأرْضَ والبَحْرَ وكُلَّ ما فِيها واسْتَراحَ في اليَوْمِ السّابِعِ لِذَلِكَ بارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وقَدَّسَهُ، أكْرِمْ أباكَ وأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أيّامُكَ عَلى الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إلَهُكَ. لا تَقْتُلْ. لا تَزْنِ. لا تَسْرِقْ. لا تَشْهَدْ عَلى قَرِيبِكَ شَهادَةَ زُورٍ. لا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لا تَشْتَهِ امْرَأةَ قَرِيبِكَ ولا عَبْدَهُ ولا أمَتَهُ، ولا ثَوْرَهُ ولا حِمارَهُ ولا شَيْئًا مِمّا لِقَرِيبِكَ ا ه.“ واشْتُهِرَتْ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ بِالوَصايا العَشْرِ، وبِالكَلِماتِ العَشْرِ أيِ الجُمَلِ العَشْرِ. وقَدْ فُصِلَتْ في الإصْحاحِ العِشْرِينَ إلى نِهايَةِ الحادِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ، ومِن جُمْلَتِها الوَصايا العَشْرُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ بِها مُوسى في جَبَلِ سِينا صفحة ٩٨ ووَقَعَ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والثَلاثِينَ أنَّ الألْواحَ لَمْ تُكْتَبْ فِيها إلّا الكَلِماتُ العَشْرُ، الَّتِي بِالفِقْراتِ السَبْعَ عَشْرَةَ مِنهُ، وقَوْلُهُ هُنا (﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا﴾) يَقْتَضِي الِاعْتِمادَ عَلى ما في الأصاحِيحِ الثَّلاثَةَ عَشَرَ. والمَوْعِظَةُ اسْمُ مَصْدَرِ الوَعْظِ وهو نُصْحٌ بِإرْشادٍ مَشُوبٍ بِتَحْذِيرٍ مِن لَحاقِ ضُرٍّ في العاقِبَةِ أوْ بِتَحْرِيضٍ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ، مَغْفُولٍ عَنْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وسَيَجِيءُ قَوْلُهُ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ. والتَّفْصِيلُ التَّبْيِينُ لِلْمُجْمَلاتِ ولَعَلَّ المَوْعِظَةَ هي الكَلِماتُ العَشْرُ والتَّفْصِيلُ ما ذُكِرَ بَعْدَها مِنَ الأحْكامِ في الإصْحاحاتِ الَّتِي ذَكَرْناها. وانْتَصَبَ (مَوْعِظَةً) عَلى الحالِ مِن (كُلِّ شَيْءٍ)، أوْ عَلى البَدَلِ مِن (مِن) إذا كانَتِ اسْمًا - إذا كانَ ابْتِداءُ التَّفْصِيلِ قَدْ عَقِبَ كِتابَةَ الألْواحِ بِما كَلَّمَهُ اللَّهُ بِهِ في المُناجاةِ مِمّا تَضَمَّنَهُ سِفْرُ الخُرُوجِ مِنَ الإصْحاحِ الحادِيِ والعِشْرِينَ إلى الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ ولِما أُوحِيَ إلَيْهِ إثْرَ ذَلِكَ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (مَوْعِظَةً) و(تَفْصِيلًا) حالَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ وكَتَبْنا لَهُ أيْ واعِظِينَ ومُفَصِّلِينَ، فَـ (مَوْعِظَةً) حالٌ مُقارِنَةٌ وتَفْصِيلًا حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وأمّا جَعْلُهُما بَدَلَيْنِ مِن قَوْلِهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَلا يَسْتَقِيمُ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ وتَفْصِيلًا. وقَوْلُهُ (فَخُذْها) يَتَعَيَّنُ أنَّ الفاءَ دالَّةٌ عَلى شَيْءٍ مِن مَعْنى ما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ مُوسى، ولَمّا لَمْ يَقَعْ فِيما ولَيْتُهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَتَفَرَّعَ عَنْهُ الأمْرُ بِأخْذِها بِقُوَّةٍ. تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَخُذْها بَدَلًا مِن قَوْلِهِ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِأنَّ الأخْذَ بِقُوَّةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الأخْذُ المُطْلَقُ، وقَدِ اقْتَضاهُ العَوْدُ إلى ما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ مُوسى إثْرَ صَعْقَتِهِ إتْمامًا لِذَلِكَ الخِطابِ فَأُعِيدَ مَضْمُونُ ما سَبَقَ لِيَتَّصِلَ بِبَقِيَّتِهِ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ بِقُوَّةٍ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ، ويَكُونُ ما بَيْنَهُما بِمَنزِلَةِ اعْتِراضٍ، ولَوْلا إعادَةُ فَخُذْها لَكانَ ما بَيْنَ قَوْلِهِ مِنَ الشّاكِرِينَ وقَوْلِهِ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا اعْتِراضًا عَلى بابِهِ ولَمّا اقْتَضى المَقامُ هَذا الفَصْلَ، وإعادَةَ الأمْرِ بِالأخْذِ، اقْتَضى حُسْنُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صفحة ٩٩ فِي الإعادَةِ زِيادَةٌ، فَأُخِّرَ مُقَيِّدُ الأخْذِ، وهو كَوْنُهُ بِقُوَّةٍ، عَنِ التَّعَلُّقِ بِالأمْرِ الأوَّلِ، وعُلِّقَ بِالأمْرِ الثّانِي الرّابِطُ لِلْأمْرِ الأوَّلِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ فَخُذْها بِتَأْكِيدٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ نَظْمُ حِكايَةِ الخِطابِ لِمُوسى عَلى هَذا الأُسْلُوبِ مِن نَظْمِ القُرْآنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في أصْلِ الخِطابِ المَحْكِيِّ إعادَةُ ما يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالأخْذِ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ هَذا الأخْذِ، فَيَكُونُ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا، ويَكُونُ تَأْخِيرُ القَيْدِ تَحْسِينًا لِلتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِيَكُونَ مَعَهُ زِيادَةُ فائِدَةٍ، ويَكُونَ الِاعْتِراضُ قَدْ وقَعَ بَيْنَ التَّوْكِيدِ والمُؤَكَّدِ وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ نَظْمُ الخِطابِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ مِن نَظْمِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى حُكِيَ في القُرْآنِ عَلى أُسْلُوبِهِ الصّادِرِ بِهِ. والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ فَخُذْها عائِدٌ إلى الألْواحِ بِاعْتِبارِ تَقَدُّمِ ذِكْرِها في قَوْلِهِ ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ . والمَقُولُ لِمُوسى هو مَرْجِعُ الضَّمِيرِ. وفي هَذا الضَّمِيرِ تَفْسِيرٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ (ما آتَيْتُكَ) وفي هَذا تَرْجِيحُ كَوْنِ ماصَدَقَ ما آتَيْتُكَ هو (الألْواحُ)، ومَن جَعَلُوا ماصَدَقَ (ما آتَيْتُكَ) الرِّسالَةَ والكَلامَ جَعَلُوا الفاءَ عاطِفَةً لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى جُمْلَةِ (وكَتَبْنا) والتَّقْدِيرُ عِنْدَهم: وكَتَبْنا فَقُلْنا خُذْها بِقُوَّةٍ، وما اخْتَرْناهُ أحْسَنُ وأوْفَقُ بِالنَّظْمِ. والأخْذُ: تَناوُلُ الشَّيْءِ، وهو هُنا مَجازٌ في التَّلَقِّي والحِفْظِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِقُوَّةٍ لِلْمُصاحَبَةِ. والقُوَّةُ حَقِيقَتُها حالَةٌ في الجِسْمِ يَتَأتّى لَهُ بِها أنْ يَعْمَلَ ما يَشُقُّ عَمَلُهُ في المُعْتادِ فَتَكُونُ في الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ مِثْلَ قُوَّةِ اليَدَيْنِ عَلى الصُّنْعِ الشَّدِيدِ، والرِّجْلَيْنِ عَلى المَشْيِ الطَّوِيلِ، والعَيْنَيْنِ عَلى النَّظَرِ لِلْمَرْئِيّاتِ الدَّقِيقَةِ. وتَكُونُ في الأعْضاءِ الباطِنَةِ مِثْلَ قُوَّةِ الدِّماغِ عَلى التَّفْكِيرِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُهُ غالِبُ النّاسِ، وعَلى حِفْظِ ما يَعْجِزُ عَنْ حِفْظِهِ غالِبُ النّاسِ ومِنهُ قَوْلُهم: قُوَّةُ العَقْلِ. وإطْلاقُ اسْمِ القُوى عَلى العَقْلِ وفِيما أنْشَدَ ثَعْلَبٌ وصاحِبَيْنِ حازِمًا قُواهُما نُبِّهَتْ والرُّقادُ قَدْ عَلاهُما إلى أمُونَيْنِ فَعَدَّياهُـمَـا صفحة ١٠٠ وسَمّى الحُكَماءُ الحَواسَّ الخَمْسَ العَقْلِيَّةَ بِالقُوى الباطِنِيَّةِ وهي الحافِظَةُ، والواهِمَةُ، والمُفَكِّرَةُ، والمُخَيِّلَةُ، والحِسُّ المُشْتَرَكُ. فَيُقالُ: فَرَسٌ قَوِيٌّ، وجَمَلٌ قَوِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: عُودٌ قَوِيٌّ، إذا كانَ عَسِيرَ الِانْكِسارِ، وأُسٌّ قَوِيٌّ، إذا كانَ لا يَنْخَسِفُ بِما يُبْنى عَلَيْهِ مِن جِدارٍ ثَقِيلٍ، إطْلاقًا قَرِيبًا مِنَ الحَقِيقَةِ، وهاتِهِ الحالَةُ مَقُولٌ عَلَيْها بِالتَّشْكِيكِ لِأنَّها في بَعْضِ مَوْصُوفاتِها أشَدُّ مِنها في بَعْضٍ آخَرَ، ويَظْهَرُ تَفاوُتُها في تَفاوُتِ ما يَسْتَطِيعُ مَوْصُوفُها أنْ يَعْمَلَهُ مِن عَمَلٍ مِمّا هي حالَّةٌ فِيهِ، ولَمّا كانَ مِن لَوازِمِ القُوَّةِ أنَّ قُدْرَةَ صاحِبِها عَلى عَمَلِ ما يُرِيدُهُ أشَدُّ مِمّا هو المُعْتادُ، والأعْمالُ عَلَيْهِ أيْسَرُ، شاعَ إطْلاقُها عَلى الوَسائِلِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِها المَرْءُ عَلى تَذْيِيلِ المَصاعِبِ مِثْلَ السِّلاحِ والعَتادِ، والمالِ، والجاهِ، وهو إطْلاقٌ كَنائِيٌّ قالَ - تَعالى - ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ [النمل: ٣٣] في سُورَةِ النَّمْلِ. ولِكَوْنِها يَلْزَمُها الِاقْتِدارُ عَلى الفِعْلِ وُصِفَ اللَّهُ - تَعالى - بِاسْمِ القَوِيِّ أيِ الكامِلِ القُدْرَةِ قالَ - تَعالى - ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] في سُورَةِ الأنْفالِ. والقُوَّةُ هُنا في قَوْلِهِ (﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾) تَمْثِيلٌ لِحالَةِ العَزْمِ عَلى العَمَلِ بِما في الألْواحِ، بِمُنْتَهى الجِدِّ والحِرْصِ دُونَ تَأْخِيرٍ ولا تَساهُلٍ ولا انْقِطاعٍ عِنْدَ المَشَقَّةِ ولا مَلَلٍ، بِحالَةِ القَوِيِّ الَّذِي لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ عَمَلٌ يُرِيدُهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وهَذا الأخْذُ هو حَظُّ الرَّسُولِ وأصْحابِهِ المُبَلِّغِينَ لِلشَّرِيعَةِ والمُنَفِّذِينَ لَها، فاللَّهُ المُشَرِّعُ، والرَّسُولُ المُنَفِّذُ، وأصْحابُهُ ووُلاةُ الأُمُورِ هم أعْوانٌ عَلى التَّنْفِيذِ. وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ بِهَذا الأخْذِ لِأنَّهُ مِن خَصائِصِهِ مَن يَقُومُ مَقامَهُ في حَضْرَتِهِ وعِنْدَ مَغِيبِهِ، وهو وهم فِيما سِوى ذَلِكَ كَسائِرِ الأُمَّةِ. فَقَوْلُهُ ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ تَعْرِيجٌ عَلى ما هو حَظُّ عُمُومِ الأُمَّةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وهو التَّمَسُّكُ بِها. فَهَذا الأخْذُ مَجازٌ في التَّمَسُّكِ والعَمَلِ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ الدّالَّةِ عَلى اللُّصُوقِ، يُقالُ: أخَذَ بِكَذا إذا تَمَسَّكَ بِهِ وقَبَضَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقَوْلِهِ ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] . ولَمْ يُعَدَّ فِعْلُ الأخْذِ بِالباءِ في قَوْلِهِ فَخُذْها لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّلَقِّي والحِفْظِ لِأنَّهُ أهَمُّ مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى التَّمَسُّكِ والعَمَلِ، فَأنَّ الأوَّلَ حَظُّ ولِيِّ الأمْرِ والثّانِي حَظُّ جَمِيعِ الأُمَّةِ. صفحة ١٠١ وجُزِمَ يَأْخُذُوا جَوابًا لِقَوْلِهِ (وأْمُرْ) تَحْقِيقًا لِحُصُولِ امْتِثالِهِمْ عِنْدَما يَأْمُرُهم. و(بِأحْسَنِها) وصْفٌ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ مَقْصُودٌ بِهِ المُبالَغَةُ في الحُسْنِ، فَإضافَتُها إلى ضَمِيرِ الألْواحِ عَلى مَعْنى اللّامِ، أيْ: بِالأحْسَنِ الَّذِي هو لَها وهو جَمِيعُ ما فِيها، لِظُهُورِ أنَّ ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ لَيْسَ بَيْنَهُ تَفاضُلٌ بَيْنَ أحْسَنَ ودُونَ الأحْسَنِ، بَلْ كُلُّهُ مَرْتَبَةٌ واحِدَةٌ فِيما عُيِّنَ لَهُ، ولِظُهُورِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالأخْذِ بِبَعْضِ الشَّرِيعَةِ وتَرْكِ بَعْضِها، ولِأنَّ الشَّرِيعَةَ مُفَصَّلٌ فِيها مَراتِبُ الأعْمالِ، فَلَوْ أنَّ بَعْضَ الأعْمالِ كانَ عِنْدَها أفْضَلَ مِن بَعْضٍ كالمَندُوبِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُباحِ، وكالرُّخْصَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَزِيمَةِ. كانَ التَّرْغِيبُ في العَمَلِ بِالأفْضَلِ مَذْكُورًا في الشَّرِيعَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الأخْذِ بِها، فَقَرائِنُ سَلْبِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ عَنِ المُفاضَلَةِ قائِمَةٌ واضِحَةٌ، فَلا وجْهَ لِلتَّرَدُّدِ في تَفْسِيرِ الأحْسَنِ في هَذِهِ الآيَةِ والتَّعَزُّبِ إلى التَّنْظِيرِ بِتَراكِيبَ مَصْنُوعَةٍ أوْ نادِرَةٍ خارِجَةٍ عَنْ كَلامِ الفُصَحاءِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] في سُورَةِ الزُّمَرِ. والمَعْنى: وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِما فِيها لِحُسْنِها. * * * ﴿سَأُورِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ كَلامٌ مُوَجَّهٌ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا عَنِ الكَلامُ الَّذِي قَبْلَهُ فَيَكُونُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا: هو وعْدٌ لَهُ بِدُخُولِهِمُ الأرْضَ المَوْعُودَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها فَتَكُونُ مِن تَمامِ جُمْلَةِ ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ عَلى أنَّها تَحْذِيرٌ مِنَ التَّفْرِيطِ في شَيْءٍ مِمّا كُتِبَ لَهُ في الألْواحِ، والمَعْنى سَأُبَيِّنُ لَكم عِقابَ الَّذِينَ لا يَأْخُذُونَ بِها. والدّارُ: المَكانُ الَّذِي تَسْكُنُهُ العائِلَةُ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] في سُورَةِ القَصَصِ والمَكانُ الَّذِي يَحُلُّهُ الجَماعَةُ مِن حَيٍّ أوْ قَبِيلَةٍ كَما قالَ - تَعالى - ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] وقَدْ تَقَدَّمَ. وتُطْلَقُ الدّارُ عَلى ما يَكُونُ عَلَيْهِ النّاسُ أوِ المَرْءُ مِن حالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . وقَدْ يُرادُ بِها مَآلُ المَرْءِ ومَصِيرُهُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الدّارِ يَأْوِي إلَيْهِ في شَأْنِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] في سُورَةِ الأنْعامِ. وخُوطِبَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ مَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ شُيُوخِ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ بِاعْتِبارِ صفحة ١٠٢ جَماعَةِ قَوْمِهِ فالخِطابُ شامِلٌ لِمُوسى ومَن مَعَهُ. والإراءَةُ مَن (رَأى) البَصَرِيَّةِ لِأنَّها عُدِّيَتْ إلى مَفْعُولَيْنِ فَقَطْ. وأُوثِرَ فِعْلُ أُرِيكم دُونَ نَحْوِ: سَأُدْخِلُكم؛ لِأنَّ اللَّهَ مَنَعَ مُعْظَمَ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى مِن دُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ لَمّا امْتَنَعُوا مِن قِتالِ الكَنْعانِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - قالَ ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمُ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] في سُورَةِ المائِدَةِ. وجاءَ ذَلِكَ في التَّوْراةِ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ في الإصْحاحِ الأوَّلِ: أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى ”وأنْتَ لا تَدْخُلُ إلى هُناكَ“ وفي الإصْحاحِ ”وصَعِدَ مُوسى إلى الجَبَلِ (نَبْو) فَأراهُ اللَّهُ جَمِيعَ الأرْضِ وقالَ لَهُ هَذِهِ الأرْضُ الَّتِي أقْسَمْتُ لِإبْراهِيمَ قائِلًا لِنَسْلِكَ أُعْطِيها قَدْ أرَيْتُكَ إيّاها بِعَيْنَيْكَ ولَكِنَّكَ لا تَعْبُرُ“ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَأُرِيكم خِطابًا لِقَوْمِ مُوسى فَيَكُونُ فِعْلُ أُرِيكم كِنايَةً عَنِ الحُلُولِ في دارِ الفاسِقِينَ؛ والحُلُولُ في دِيارِ قَوْمٍ لا يَكُونُ إلّا لِلْفَتْحِ والغَلَبَةِ، فالإراءَةُ رَمْزٌ إلى الوَعْدِ بِفَتْحِ بِلادِ الفاسِقِينَ، والمُرادُ بِالفاسِقِينَ المُشْرِكُونَ، فالكَلامُ وعْدٌ لِمُوسى وقَوْمِهِ بِأنْ يَفْتَحُوا دِيارَ الأُمَمِ الحالَّةِ بِالأرْضِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي وعَدَهُمُ اللَّهُ بِها وهُمُ المَذْكُورُونَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّالِثِ والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ خِطابًا لِلشَّعْبِ ”احْفَظْ ما أنا مُوصِيكَ بِهِ ها أنا طارِدٌ مِن قُدّامِكَ الأمُورِيِّينَ، والكَنْعانِيِّينَ، والحَثِّيِّينَ، والفَرْزِيِّينَ، والحَوِّيِّينِ، واليَبُوسِيِّينَ، احْتَرِزْ مِن أنْ تَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ سُكّانِ الأرْضِ الَّتِي أنْتَ آتٍ إلَيْها لِئَلّا يَصِيرُوا فَخًّا في وسَطِكَ بَلْ تَهْدِمُونَ مَذابِحَهم وتَكْسِرُونَ أنْصابَهم وتَقْطَعُونَ سُوارِيَهم فَإنَّكَ لا تَسْجُدُ لِإلَهٍ آخَرَ“ . ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ دارَ الفاسِقِينَ هي دارُ العَمالِقَةِ والجَبابِرَةِ، وهي الشّامُ، فَمِنَ الخَطَأِ تَفْسِيرُ مَن فَسَّرُوا دارَ الفاسِقِينَ بِأنَّها أرْضُ مِصْرَ فَإنَّهم قَدْ كانُوا بِها وخَرَجُوا مِنها ولَمْ يَرْجِعُوا إلَيْها، ومِنَ البَعِيدِ تَفْسِيرُ دارِ الفاسِقِينَ بِجِهَتِهِمْ وفي الإصْحاحِ: ٣٤ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”احْتَرِزْ مِن أنْ تَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ سُكّانِ الأرْضِ الَّتِي أنْتَ آتٍ إلَيْها فَيَزْنُونَ وراءَ آلِهَتِهِمْ ويَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ فَتُدْعى وتَأْكُلُ مِن ذَبِيحَتِهِمْ وتَأْخُذُ مِن بَناتِهِمْ لِبَنِيكَ فَتَزْنِي بَناتُهم وراءَ آلِهَتِهِنَّ ويَجْعَلْنَ بَنِيكَ يَزْنُونَ وراءَ آلِهَتِهِنَّ“ . ولا يَخْفى حُسْنُ مُناسَبَةِ التَّعْبِيرِ عَنْ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِالفاسِقِينَ عَلى هَذا الوَجْهِ. صفحة ١٠٣ وقِيلَ المُرادُ بِدارِ الفاسِقِينَ دِيارُ الأُمَمِ الخالِيَةِ مِثْلَ دِيارِ ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِكُفْرِهِمْ، أيْ سَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ فَتَرَوْنَ دِيارَهم فَتَتَّعِظُونَ بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ لِفِسْقِهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَمُرُّوا مَعَ مُوسى عَلى هَذِهِ البِلادِ. والعُدُولُ عَنْ تَسْمِيَةِ الأُمَمِ بِأسْمائِهِمْ إلى التَّعْبِيرِ عَنْهم بِوَصْفِ الفاسِقِينَ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى تَسَبُّبِ الوَصْفِ في المَصِيرِ الَّذِي صارُوا إلَيْهِ، ولِأنَّهُ أجْمَعُ وأوْجَزُ، واخْتِيارُ وصْفِ الفاسِقِينَ دُونَ المُشْرِكِينَ والظّالِمِينَ الشّائِعِ في التَّعْبِيرِ عَنِ الشِّرْكِ في القُرْآنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عاقِبَتَهُمُ السُّوأى تَسَبَّبَتْ عَلى الشِّرْكِ وفاسِدِ الأفْعالِ مَعًا.

الأعراف 7:146

﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَكْمِلَةً لِما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ مُوسى وقَوْمَهُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ سَأصْرِفُ إلَخْ بِأنَّهم، اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَهابُونَ أُولَئِكَ الأقْوامَ ويَخْشَوْنَ فَكَأنَّهم تَساءَلُوا كَيْفَ تُرِينا دارَهم وتَعِدُنا بِها، وهَلْ لا نَهْلِكُ قَبْلَ الحُلُولِ بِها، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]) الآيَةَ في سُورَةِ العُقُودِ وقَدْ حَكى ذَلِكَ في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ العَدَدِ، فَأُجِيبُوا بِأنَّ اللَّهَ سَيَصْرِفُ أُولَئِكَ عَنْ آياتِهِ. والصَّرْفُ الدَّفْعُ أيْ سَأصُدُّ عَنْ آياتِي، أيْ عَنْ تَعْطِيلِها وإبْطالِها. والآياتُ الشَّرِيعَةُ، ووَعَدَ اللَّهُ أهْلَها بِأنْ يُورِثَهم أرْضَ الشّامِ، فَيَكُونُ المَعْنى سَأتَوَلّى دَفْعَهم عَنْكم، ويَكُونُ هَذا مِثْلَ ما ورَدَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والثَلاثِينَ ”ها أنا طارِدٌ مِن قُدّامِكَ الأمُورِيِّينَ إلَخْ“، فالصَّرْفُ عَلى هَذا الوَجْهِ عِنايَةٌ مِنَ اللَّهِ بِمُوسى وقَوْمِهِ بِما يُهَئُّ لَهم مِن أسْبابِ النَّصْرِ عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ الأقْوِياءِ، كَإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، وتَشْتِيتِ كَلِمَتِهِمْ، وإيجادِ الحَوادِثِ الَّتِي تَفُتُّ في ساعِدِ عُدَّتِهِمْ. أوْ تَكُونُ الجُمْلَةُ جَوابًا لِسُؤالِ مَن يَقُولُ: إذا دَخَلْنا أرْضَ العَدُوِّ فَلَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ بِهَدْيِنا، ويَتَّبِعُونَ دِينَنا فَلا نَحْتاجُ إلى قِتالِهِمْ، فَأُجِيبُوا بِأنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهم عَنِ اتِّباعِ آياتِهِ لِأنَّهم جُبِلُوا عَلى التَّكَبُّرِ في الأرْضِ، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ، فالصَّرْفُ صفحة ١٠٤ هُنا صَرْفٌ تَكْوِينِيٌّ في نُفُوسِ الأقْوامِ، وعَنِ الحَسَنِ: إنَّ مِنَ الكُفّارِ مَن يُبالِغُ في كُفْرِهِ ويَنْتَهِي إلى حَدٍّ إذا وصَلَ إلَيْهِ ماتَ قَلْبُهُ. وفِي قَصِّ اللَّهِ - تَعالى - هَذا الكَلامَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَعْرِيضٌ بِكُفّارِ العَرَبِ بِأنَّ اللَّهَ دافِعُهم عَنْ تَعْطِيلِ آياتِهِ، وبِأنَّهُ مانِعٌ كَثِيرًا مِنهم عَنِ الإيمانِ بِها لِما ذَكَرْناهُ آنِفًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾) مِن خِطابِ اللَّهِ - تَعالى - لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَوى الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً في أثْناءِ قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] تَعْرِيضًا بِأنَّ حالَ مُشْرِكِي العَرَبِ كَحالِ أُولَئِكَ الفاسِقِينَ، وتَصْرِيحًا بِسَبَبِ إدامَتِهِمُ العِنادَ والإعْراضَ عَنِ الإيمانِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وتَأْتِي في مَعْنى الصَّرْفِ عَنِ الآياتِ الوُجُوهُ السّابِقَةُ واقْتِرانُ فِعْلِ سَأصْرِفُ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ القَرِيبِ تُنَبِّهُهُ عَلى أنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُ ذَلِكَ الصَّرْفَ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مَفْعُولِ (أصْرِفُ) لِلِاهْتِمامِ بِالآياتِ، ولِأنَّ ذِكْرَهُ عَقِبَ الفِعْلِ المُتَعَلِّقِ هو بِهِ أحْسَنُ. وتَعْرِيفُ المَصْرُوفِينَ عَنِ الآياتِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ بِالصِّلَةِ إلى عِلَّةِ الصَّرْفِ. وهي ما تَضَمَّنَتْهُ الصِّلاتُ المَذْكُورَةُ؛ لِأنَّ مَن صارَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ حالاتٍ لَهُ يَنْصُرُهُ اللَّهُ، أوْ لِأنَّهُ إذا صارَ ذَلِكَ حالَهُ رِينَ عَلى قَلْبِهِ، فَصُرِفَ قَلْبُهُ عَنْ إدْراكِ دَلالَةِ الآياتِ. وزالَتْ مِنهُ الأهْلِيَّةُ لِذَلِكَ الفَهْمِ الشَّرِيفِ. والأوْصافُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الصِّلاتُ في الآيَةِ تَنْطَبِقُ عَلى مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ أتَمَّ الِانْطِباقِ. والتَّكَبُّرُ الِاتِّصافُ بِالكِبْرِ. وقَدْ صِيغَ لَهُ الصِّيغَةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكَلُّفِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]) وقَوْلِهِ (﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم يُعْجَبُونَ بِأنْفُسِهِمْ، ويَعُدُّونَ أنْفُسَهم عُظَماءَ فَلا يَأْتَمِرُونَ لِآمِرٍ، ولا يَنْتَصِحُونَ لِناصِحٍ. وزِيادَةُ قَوْلِهِ في الأرْضِ لِتَفْضِيحِ تَكَبُّرِهِمْ، والتَّشْهِيرِ بِهِمْ بِأنَّ كِبْرَهم مَظْرُوفٌ في الأرْضِ، أيْ لَيْسَ هو خَفِيًّا مُقْتَصِرًا عَلى أنْفُسِهِمْ، بَلْ هو مَبْثُوثٌ في الأرْضِ، أيْ صفحة ١٠٥ مَبْثُوثٌ أثَرُهُ، فَهو تَكَبُّرٌ شائِعٌ في بِقاعِ الأرْضِ كَقَوْلِهِ ﴿يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءٍ الفَقْعَسِيِّ. فَهَلّا أعْدَوْنِي لِمِثْـلِـي تَـفَـاقَـدُوا وفي الأرْضِ مَبْثُوثٌ شُجاعٌ وعَقْرَبُ وقَوْلُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ زِيادَةٌ لِتَشْنِيعِ التَّكَبُّرِ بِذِكْرِ ما هو صِفَةٌ لازِمَةٌ لَهُ، وهو مُغايَرَةُ الحَقِّ، أيْ: باطِلٌ وهي حالٌ لازِمَةٌ لِلتَّكَبُّرِ، كاشِفَةٌ لِوَصْفِهِ، إذِ التَّكَبُّرُ لا يَكُونُ بِحَقٍّ في جانِبِ الخَلْقِ، وإنَّما هو وصْفٌ لِلَّهِ بِحَقٍّ لِأنَّهُ العَظِيمُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، ولَيْسَ تَكَبُّرُ اللَّهِ بِمَقْصُودٍ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ هُنا حَتّى يُجْعَلَ القَيْدُ بِغَيْرِ الحَقِّ لِلِاحْتِرازِ عَنْهُ، كَما في الكَشّافِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حاوَلَ جَعْلَ قَوْلِهِ بِغَيْرِ الحَقِّ قَيْدًا لِلتَّكَبُّرِ، وجَعَلَ مِنَ التَّكَبُّرِ ما هو حَقٌّ؛ لِأنَّ لِلْمُحِقِّ أنْ يَتَكَبَّرَ عَلى المُبْطِلِ، ومِنهُ المَقالَةُ المَشْهُورَةُ ”الكِبْرُ عَلى المُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ“ وهَذِهِ المَقالَةُ المُسْتَشْهَدُ بِها جَرَتْ عَلى المَجازِ أوِ الغَلَطِ. وقَوْلُهُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ يَتَكَبَّرُونَ فَهو في حُكْمِ الصِّلَةِ، والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] في سُورَةِ يُونُسَ وكُلُّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والسَّبِيلُ مُسْتَعارٌ لِوَسِيلَةِ الشَّيْءِ بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى الرُّشْدِ وإلى الغَيِّ. والرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْإدْراكِ. والِاتِّخاذُ حَقِيقَتُهُ مُطاوِعُ أخَّذَهُ بِالتَّشْدِيدِ، إذا جَعَلَهُ آخِذًا، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى أخْذِ الشَّيْءِ ولَوْ لَمْ يُعْطِهِ إيّاهُ غَيْرُهُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمُلازَمَةِ، أيْ لا يُلازِمُونَ طَرِيقَ الرُّشْدِ، ويُلازِمُونَ طَرِيقَ الغَيِّ. والرُّشْدُ: الصَّلاحُ وفِعْلُ النّافِعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] في سُورَةِ النِّساءِ والمُرادُ بِهِ هُنا: الشَّيْءُ الصّالِحُ كُلُّهُ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ. والغَيُّ: الفَسادُ والضَّلالُ، وهو ضِدُّ الرُّشْدِ بِهَذا المَعْنى، كَما أنَّ السَّفَهَ ضِدُّ الرُّشْدِ بِمَعْنى حُسْنِ النَّظَرِ في المالِ. فالمَعْنى: إنْ يُدْرِكُوا الشَّيْءَ الصّالِحَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ صفحة ١٠٦ لِغَلَبَةِ الهَوى عَلى قُلُوبِهِمْ، وإنْ يُدْرِكُوا الفَسادَ عَمِلُوا بِهِ لِغَلَبَةِ الهَوى، فالعَمَلُ بِهِ حَمْلٌ لِلنَّفْسِ عَلى كُلْفَةٍ، وذَلِكَ تَأْباهُ الأنْفُسُ الَّتِي نَشَأتْ عَلى مُتابَعَةِ مَرْغُوبِها، وذَلِكَ شَأْنُ النّاسِ الَّذِينَ لَمْ يُرَوِّضُوا أنْفُسَهم بِالهُدى الإلَهِيِّ، ولا بِالحِكْمَةِ ونَصائِحِ الحُكَماءِ والعُقَلاءِ، بِخِلافِ الغَيِّ فَإنَّهُ ما ظَهَرَ في العالَمِ إلّا مِن آثارِ شَهَواتِ النُّفُوسِ ودَعَواتِها الَّتِي يُزَيِّنُ لَها الظّاهِرُ العاجِلُ، وتَجَهُّلُ عَواقِبِ السُّوءِ الآجِلَةِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» . والتَّعْبِيرُ في الصِّلاتِ الأرْبَعِ بِالأفْعالِ المُضارَعَةِ: لِإفادَةِ تَجَدُّدِ تِلْكَ الأفْعالِ مِنهم واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الرُّشْدُ - بِضَمٍّ فَسُكُونٍ - وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ فِيهِ. وجُمْلَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ تَوْسِيمَهم بِتِلْكَ الصِّلاتِ يُثِيرُ سُؤالًا. والمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ، نُزِّلَ مَنزِلَةَ المَوْجُودِ في الخارِجِ، وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾) إلى آخِرِ الآيَةِ، واسْتُعْمِلُ لَهُ اسْمُ إشارَةِ المُفْرِدِ لِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالمَذْكُورِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أيْ مَن يَفْعَلِ المَذْكُورَ، وهَذا الِاسْتِعْمالُ كَثِيرٌ في اسْمِ الإشارَةِ، وأُلْحِقَ بِهِ الضَّمِيرُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: كِبْرُهم، وعَدَمُ إيمانِهِمْ، واتِّباعُهم سَبِيلَ الغَيِّ، وإعْراضُهم عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ سَبَبُهُ تَكْذِيبُهم بِالآياتِ، فَأفادَتِ الجُمْلَةُ بَيانَ سَبَبِ الكِبْرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي هي سَبَبُ صَرْفِهِمْ عَنِ الآياتِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ السَّبَبِ، وهَذا أحْسَنُ مِن إرْجاعِ الإشارَةِ إلى الصَّرْفِ المَأْخُوذِ مِن سَأصْرِفُ لِأنَّ هَذا المَحْمَلَ يَجْعَلُ التَّكْذِيبَ سَبَبًا ثانِيًا لِلصَّرْفِ، وجَعْلُهُ سَبَبًا لِلسَّبَبِ أرْشَقُ. واجْتُلِبَتْ (أنْ) الدّالَّةُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والتَّوْكِيدِ: لِتَحْقِيقِ هَذا التَّسَبُّبِ وتَأْكِيدِهِ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ عَرابَةٍ. صفحة ١٠٧ وجُعِلَ المُسْنَدُ فِعْلًا ماضِيًا، لِإفادَةِ أنَّ وصْفَ التَّكْذِيبِ قَدِيمٌ راسِخٌ فِيهِمْ، فَكانَ رُسُوخُ ذَلِكَ فِيهِمْ سَبَبًا في أنْ خَلَقَ الطَّبْعَ والخَتْمَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَشْعُرُونَ بِنَقائِصِهِمْ، ولا يُصْلِحُونَ أنْفُسَهم، فَلا يَزالُونَ مُتَكَبِّرِينَ مُعْرِضِينَ غاوِينَ. ومَعْنى ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٣٦] أنَّهُمُ ابْتَدَءُوا بِالتَّكْذِيبِ، ولَمْ يَنْظُرُوا، ولَمْ يَهْتَمُّوا بِالتَّأمُّلِ في الآياتِ فَدامُوا عَلى الكِبْرِ وما مَعَهُ، فَصَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الِانْتِفاعِ بِالآياتِ، ولَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ بِأنَّهم حَصَلَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ . والغَفْلَةُ انْصِرافُ العَقْلِ والذِّهْنِ عَنْ تَذَكُّرِ شَيْءٍ بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في القُرْآنِ فِيما كانَ عَنْ قَصْدٍ بِإعْراضٍ وتَشاغُلٍ، والمَذْمُومُ مِنها ما كانَ عَنْ قَصْدٍ وهو مَناطُ التَّكْلِيفِ والمُؤاخَذَةِ، فَأمّا الغَفْلَةُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلا مُؤاخَذَةَ عَلَيْها، وهي المَقْصُودُ مِن قَوْلِ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ: يُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الغافِلِ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ غَفْلَتَهم عَنْ قَصْدٍ صِيغَ الإخْبارُ عَنْهم بِصِيغَةِ ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ غَفْلَتِهِمْ، وكَوْنِها دَأْبًا لَهم، وإنَّما تَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانُوا قَدِ التَزَمُوها، فَأمّا لَوْ كانَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَإنَّها قَدْ تَعْتَرِيهِمْ وقَدْ تُفارِقُهم.

الأعراف 7:147

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] إلى آخِرِ الآياتِ عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ القِصَّتَيْنِ وتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، وأيًّا ما كانَ فَهي آثارُها الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم إنْ ﴿يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] فَإنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ هو الغالِبَ عَلى المُتَكَبِّرِينَ الجاحِدِينَ لِلْآياتِ وكانَ لا تَخْلُو جَماعَةُ المُتَكَبِّرِينَ مِن فَرِيقٍ قَلِيلٍ يَتَّخِذُ سَبِيلَ الرُّشْدِ عَنْ حِلْمٍ وحُبٍّ لِلْمَحْمَدَةِ، وهم بَعْضُ سادَةِ المُشْرِكِينَ وعُظَماؤُهم في كُلِّ عَصْرٍ كانُوا، قَدْ يَحْسَبُ السّامِعُ أنْ سَتَنْفَعُهم أعْمالُهم، أُزِيلَ هَذا التَّوَهُّمُ بِأنَّ أعْمالَهم لا تَنْفَعُهم مَعَ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ صفحة ١٠٨ ولِقاءِ الآخِرَةِ، وأُشِيرَ إلى أنَّ التَّكْذِيبَ هو سَبَبُ حَبَطِ أعْمالِهِمْ بِتَعْرِيفِهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ، دُونَ الإضْمارِ، مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِمُ المُقْتَضِي بِحَسَبِ الظّاهِرِ الإضْمارَ فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِذَلِكَ. وإضافَةُ (ولِقاءِ) إلى (الآخِرَةِ) عَلى مَعْنى (في) لِأنَّها إضافَةٌ إلى ظَرْفِ المَكانِ، مِثْلُ عُقْبى الدّارِ أيْ لِقاءِ اللَّهِ في الآخِرَةِ، أيْ لِقاءِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ. والحَبَطُ فَسادُ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ صالِحًا وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] في سُورَةِ المائِدَةِ. وجُمْلَةُ ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ قَوْلِهِ حَبِطَتْ أعْمالُهم إذْ قَدْ يَقُولُ سائِلٌ: كَيْفَ تَحْبَطُ أعْمالُهُمُ الصّالِحَةُ، فَأُجِيبُ بِأنَّهم جُوزُوا كَما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَإنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ كانُوا قَدْ أحالُوا الرِّسالَةَ والتَّبْلِيغَ عَنِ اللَّهِ، فَمِن أيْنَ جاءَهُمُ العِلْمُ بِأنَّ لَهم عَلى أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ جَزاءً حَسَنًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا بِإخْبارٍ مِنَ اللَّهِ - تَعالى -، وهم قَدْ عَطَّلُوا طَرِيقَ الإخْبارِ وهو الرِّسالَةُ، ولِأنَّ الجَزاءَ إنَّما يَظْهَرُ في الآخِرَةِ وهم قَدْ كَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ، فَقَدْ قَطَعُوا الصِّلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الجَزاءِ، فَكانَ حَبَطُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ وِفاقًا لِاعْتِقادِهِمْ. والمُرادُ بِـ (﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]) ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ، فَأُطْلِقَ عَلى التَّكْذِيبِ بِالآياتِ وبِلِقاءِ الآخِرَةِ فِعْلُ يَعْمَلُونَ لِأنَّ آثارَ الِاعْتِقادِ تَظْهَرُ في أقْوالِ المُعْتَقِدِ وأفْعالِهِ، وهي مِن أعْمالِهِ. والِاسْتِفْهامُ بِـ (هَلْ) مُشْرَبٌ مَعْنى النَّفْيِ، وقَدْ جُعِلَ مِن مَعانِي (هَلْ) النَّفْيُ، وقَدْ بَيَّنّاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] في سُورَةِ النَّمْلِ، فانْظُرْهُ هُناكَ. و(﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) مُقَدَّرٌ فِيهِ مُضافٌ، والتَّقْدِيرُ مُكافِئٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ يُجْزَوْنَ لِأنَّ الجَزاءَ لا يَكُونُ نَفْسَ المَجْزِيِّ عَلَيْهِ، فَإنَّ فِعْلَ (جَزى) يَتَعَدّى إلى العِوَضِ المَجْعُولِ جَزاءً بِنَفْسِهِ، ويَتَعَدّى إلى العَمَلِ المَجْزِيِّ عَلَيْهِ بِالباءِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ صفحة ١٠٩ الأنْعامِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] .

الأعراف 7:148

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ وواعَدْنا مُوسى عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَذُكِرَ فِيما تَقَدَّمَ قِصَّةُ المُناجاةِ وما حَصَلَ فِيها مِنَ الآياتِ والعِبَرِ، وذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما كانَ مِن قَوْمِ مُوسى، في مُدَّةِ مَغِيبِهِ في المُناجاةِ، مِنَ الإشْراكِ. فَقَوْلُهُ مِن بَعْدِهِ أيْ مِن بَعْدِ مَغِيبِهِ، كَما هو مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ومِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] . وحَذْفُ المُضافِ مَعَ (بَعْدِ) المُضافَةِ إلى اسْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. و(مِن) في مِثْلِهِ لِلِابْتِداءِ، وهو أصْلُ مَعانِي (مِن) وأمّا (مِن) في قَوْلِهِ مِن حُلِيِّهِمْ فَهي لِلتَّبْعِيضِ. والحُلِيُّ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، جَمْعُ حَلْيٍ، بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ، ووَزْنُ هَذا الجَمْعِ فُعُولٌ كَما جُمِعَ ثُدِيُّ، ويَجْمَعُ أيْضًا عَلى حِلِيٍّ، بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ اللّامِ، مِثْلَ عِصِيٍّ وقِسِيٍّ اتْباعًا لِحَرَكَةِ العَيْنِ، وبِالأوَّلِ قَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ، وبِالثّانِي حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ”حَلْيِهِمْ“ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللّامِ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ، أيِ اتَّخَذُوا مِن مَصُوغِهِمْ وفي التَّوْراةِ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ مِن ذَهَبٍ، نَزَعُوا أقْراطَ الذَّهَبِ الَّتِي في آذانِ نِسائِهِمْ وبَناتِهِمْ وبَنِيهِمْ. والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ ثَوْرًا، وذُكِرَ في سُورَةِ (طه) أنَّ صانِعَ العِجْلِ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ السّامِرِيُّ، وفي التَّوْراةِ أنَّ صانِعَهُ هو هارُونُ، وهَذا مِن تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ الواقِعِ في التَّوْراةِ بَعْدَ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ هارُونُ صائِغًا، ونُسِبَ الِاتِّخاذُ إلى قَوْمِ مُوسى كُلِّهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِاتِّخاذِهِ، والحَرِيصُونَ عَلَيْهِ، وهَذا مَجازٌ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. ومَعْنى اتَّخَذُوا عِجْلًا صُورَةَ عِجْلٍ، وهَذا مِن مَجازِ الصُّورَةِ، وهو شائِعٌ في الكَلامِ. صفحة ١١٠ والجَسَدُ الجِسْمُ الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ، فَهو خاصٌّ بِجِسْمِ الحَيَوانِ إذا كانَ بِلا رُوحٍ، والمُرادُ أنَّهُ كَجِسْمِ العِجْلِ في الصُّورَةِ والمِقْدارِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ وما وقَعَ في القَصَصِ: أنَّهُ كانَ لَحْمًا ودَمًا يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، فَهو مِن وضْعِ القَصّاصِينَ، وكَيْفَ والقُرْآنُ يَقُولُ مِن حُلِيِّهِمْ ويَقُولُ لَهُ خُوارٌ فَلَوْ كانَ لَحْمًا ودَمًا لَكانَ ذِكْرُهُ أدْخَلَ في التَّعْجِيبِ مِنهُ. والخُوارُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ صَوْتُ البَقَرِ، وقَدْ جَعَلَ صانِعُ العِجْلِ في باطِنِهِ تَجْوِيفًا عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ الضِّيقِ مَخْصُوصٍ واتَّخَذَ لَهُ آلَةً نافِخَةً خَفِيَّةً فَإذا حُرِّكَتْ آلَةُ النَّفْخِ انْضَغَطَ الهَواءُ في باطِنِهِ، وخَرَجَ مِنَ المَضِيقِ، فَكانَ لَهُ صَوْتٌ كالخُوارِ، وهَذِهِ صَنْعَةٌ كَصَنْعَةِ الصَّفّارَةِ والمِزْمارِ، وكانَ الكَنْعانِيُّونَ يَجْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ لِصُنْعِهِما المُسَمّى بَعْلًا. و(جَسَدًا) نَعْتٌ لِـ (عِجْلًا) وكَذَلِكَ لَهُ خُوارٌ. وجُمْلَةُ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِبَيانِ فَسادِ نَظَرِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ ولِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، ولِذَلِكَ جُعِلَ الِاسْتِفْهامُ عَنْ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ هو غَيْرُ الواقِعِ مِن حالِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ ولَكِنَّ حالَهم يُشْبِهُ حالَ مَن لا يَرَوْنَ عَدَمَ تَكْلِيمِهِ، فَوَقَعَ الِاسْتِفْهامُ عَنْهُ لَعَلَّهم لَمْ يَرَوْا ذَلِكَ، مُبالَغَةً، وهو لِلتَّعْجِيبِ ولَيْسَ لِلْإنْكارِ، إذْ لا يُنْكَرُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وبِهَذا يُعْلَمُ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ في هَذا المَقامِ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ لِلنَّفْي إنَّما نَشَأ مِن تَنْزِيلِ المَسْئُولِ عَنْهم مَنزِلَةَ مَن لا يَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ لِأنَّ عَدَمَ تَكْلِيمِ العِجْلِ إيّاهم مُشاهَدٌ لَهم؛ لِأنَّ عَدَمَ الكَلامِ يُرى مِن حالِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ، بِانْعِدامِ آلَةِ التَّكَلُّمِ وهو الفَمُ الصّالِحُ لِلْكَلامِ، وبِتَكَرُّرِ دُعائِهِمْ إيّاهُ وهو لا يُجِيبُ. وقَدْ سَفِهَ رَأْيُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا بِأنَّهم يُشاهِدُونَ أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى سَفَهِ رَأْيِهِمْ هو أنَّهم لا شُبْهَةَ لَهم في اتِّخاذِهِ إلَهًا بِأنَّ خَصائِصَهُ خَصائِصُ العَجْماواتِ، فَجِسْمُهُ جِسْمُ عِجْلٍ، وهو مِن نَوْعٍ لَيْسَ أرْقى أنْواعِ المَوْجُوداتِ المَعْرُوفَةِ، وصَوْتُهُ صَوْتُ البَقَرِ، وهو صَوْتٌ صفحة ١١١ لا يُفِيدُ سامِعَهُ، ولا يُبَيِّنُ، خِطابًا ولَيْسَ هو بِالَّذِي يَهْدِيهِمْ إلى أمْرٍ يَتَّبِعُونَهُ حَتّى تُغْنِيَ هِدايَتُهم عَنْ كَلامِهِ، فَهو مِنَ المَوْجُوداتِ المُنْحَطَّةِ عَنْهم، وهَذا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فَماذا رَأوْا مِنهُ مِمّا يَسْتَأْهِلُ الإلَهِيَّةَ، فَضْلًا عَلى أنْ تَرْتَقِيَ بِهِمْ إلى الصِّفاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّها الإلَهُ الحَقُّ، والَّذِينَ عَبَدُوهُ أشْرَفُ مِنهُ حالًا وأهْدى، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ بِالتَّكْلِيمِ والهِدايَةِ، وإلّا لَلَزِمَ إثْباتُ الإلَهِيَّةِ لِحُكَماءِ البَشَرِ. وجُمْلَةُ اتَّخَذُوهُ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، والغَرَضِ مِنَ التَّوْكِيدِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ هو التَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّعْجِيبِ، كَما يُقالُ: نَعَمِ اتَّخَذُوهُ، ولِتُبْنى عَلَيْهِ جُمْلَةُ وكانُوا ظالِمِينَ فَيَظْهَرُ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِاتِّخاذِ العِجْلِ، وذَلِكَ لِبُعْدِ جُمْلَةِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ بِما ولِيَها مِنَ الجُمْلَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوْلِهِ فَلْيَكْتُبْ أُعِيدَ فَلْيَكْتُبْ لِتُبْنى عَلَيْهِ جُمْلَةُ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ، وهَذا التَّكْرِيرُ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ التَّوْكِيدَ وما يَتَرَتَّبُ عَلى التَّوْكِيدِ. وجُمْلَةُ وكانُوا ظالِمِينَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ (اتَّخَذُوهُ) وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] .

الأعراف 7:149

﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لِنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في تَرْتِيبِ حِكايَةِ الحَوادِثِ أنْ يَتَأخَّرَ قَوْلُهُ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ، عَنْ قَوْمِهِ ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] لِأنَّهم ما سُقِطَ في أيْدِيهِمْ إلّا بَعْدَ أنْ رَجَعَ مُوسى ورَأوْا فَرْطَ غَضَبِهِ وسَمِعُوا تَوْبِيخَهُ أخاهُ وإيّاهم، وإنَّما خُولِفَ مُقْتَضى التَّرْتِيبِ تَعْجِيلًا بِذِكْرِ ما كانَ لِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ مِن عاقِبَةِ النَّدامَةِ، وتَبْيِينُ الضَّلالَةِ مَوْعِظَةٌ لِلسّامِعِينَ لِكَيْلا يَعْجَلُوا في التَّحَوُّلِ عَنْ سُنَّتِهِمْ، حَتّى يَتَبَيَّنُوا عَواقِبَ ما هم مُتَحَوِّلُونَ إلَيْهِ. و﴿سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، كَلِمَةٌ أجْراها القُرْآنُ مَجْرى المَثَلِ إذْ أُنْظِمَتْ عَلى إيجازٍ بَدِيعٍ وكِنايَةٍ واسْتِعارَةٍ، فَإنَّ اليَدَ تُسْتَعارُ لِلْقُوَّةِ والنُّصْرَةِ إذْ بِها صفحة ١١٢ يُضْرَبُ بِالسَّيْفِ والرُّمْحِ، ولِذَلِكَ حِينَ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالسُّوءِ يَقُولُونَ ”شُلَّتْ مِن يَدَيَّ الأنامِلُ“، وهي آلَةُ القُدْرَةِ قالَ - تَعالى - ذا الأيْدِ، ويُقالُ: ما لِي بِذَلِكَ يَدٌ، أوْ ما لِي بِذَلِكَ يَدانِ أيْ لا أسْتَطِيعُهُ، والمَرْءُ إذا حَصَلَ لَهُ شَلَلٌ في عَضُدٍ ولَمْ يَسْتَطِعْ تَحْرِيكَهُ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ سُقِطَ في يَدِهِ ساقِطٌ، أيْ نَزَلَ بِهِ نازِلٌ. ولَمّا كانَ ذِكْرُ فاعِلِ السُّقُوطِ المَجْهُولِ لا يَزِيدُ عَلى كَوْنِهِ مُشْتَقًّا مِن فِعْلِهِ، ساغَ أنْ يُبْنى فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ فَمَعْنى ”سُقِطَ في يَدِهِ“ سَقَطَ في يَدِهِ ساقِطٌ فَأبْطَلَ حَرَكَةَ يَدِهِ، إذِ المَقْصُودُ أنَّ حَرَكَةَ يَدِهِ تَعَطَّلَتْ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ إلّا بِأنَّهُ شَيْءٌ دَخَلَ في يَدِهِ فَصَيَّرَها عاجِزَةً عَنِ العَمَلِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ قَدْ فاجَأهُ ما أوْجَبَ حَيْرَتَهُ في أمْرِهِ كَما يُقالُ فَتَّ في ساعِدِهِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ في الآيَةِ في مَعْنى النَّدَمِ وتَبَيُّنِ الخَطَأِ لَهم فَهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ بِحالِ مَن سُقِطَ في يَدِهِ حِينَ العَمَلِ. فالمَعْنى أنَّهم تَبَيَّنَ لَهم خَطَؤُهم وسُوءُ مُعامَلَتِهِمْ رَبَّهم ونَبِيَّهم. فالنَّدامَةُ هي مَعْنى التَّرْكِيبِ كُلِّهِ، وأمّا الكِنايَةُ فَهي في بَعْضِ أجْزاءِ المُرَكَّبِ وهو سُقِطَ في اليَدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وحُدِّثْتُ عَنْ أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ سُقِطَ في يَدِهِ مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ. وقالَ الزَّجّاجُ هو نَظْمٌ لَمْ يُسْمَعْ قَبْلَ القُرْآنِ ولَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ. قُلْتُ: وهو القَوْلُ الفَصْلُ فَإنِّي لَمْ أرَهُ في شَيْءٍ مِن كَلامِهِمْ قَبْلَ القُرْآنِ فَقَوْلُ ابْنِ سِراجٍ: قَوْلُ العَرَبِ سُقِطَ في يَدِهِ، لَعَلَّهُ يُرِيدُ العَرَبَ الَّذِينَ بَعْدَ القُرْآنِ. والمَعْنى لَمّا رَجَعَ مُوسى إلَيْهِمْ وهَدَّدَهم وأحْرَقَ العِجْلَ كَما ذُكِرَ في سُورَةِ طه. وأُوجِزَ هُنا إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم ما سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم ضَلُّوا بَعْدَ تَصْمِيمِهِمْ وتَصَلُّبِهِمْ في عِبادَةِ العِجْلِ وقَوْلِهِمْ لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ، إلّا بِسَبَبِ حادِثٍ حَدَثَ يَنْكَشِفُ لَهم بِسَبَبِهِ ضَلالُهم فَطَيُّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الإيجازِ لِيُبْنى عَلَيْهِ أنَّ ضَلالَهم لَمْ يَلْبَثْ أنِ انْكَشَفَ لَهم، ولِذَلِكَ قُرِنَ بِهَذا حِكايَةُ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ لِلْمُبادَرَةِ بِبَيانِ انْكِشافِ صفحة ١١٣ ضَلالِهِمْ تَنْهِيَةً لِقِصَّةِ ضَلالِهِمْ وكَأنَّهُ قِيلَ فَسُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا ثُمَّ قِيلَ ولَمّا سُقِطَ أيْدِيهِمْ قالُوا. وقَوْلُهم ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ تَوْبَةٌ وإنابَةٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهم أخْطَئُوا خَطِيئَةً عَظِيمَةً ولِذَلِكَ أكَّدُوا التَّعْلِيقَ الشَّرْطِيَّ بِالقَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ. وقَدَّمُوا الرَّحْمَةَ عَلى المَغْفِرَةِ لِأنَّها سَبَبُها. ومَجِيءُ خَبَرِ كانَ مُقْتَرِنًا بِحَرْفِ (مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى في إثْباتِ الخَسارَةِ مِن لَنَكُونَنَّ خاسِرِينَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ وقَرَأهُ الجُمْهُورِ ﴿يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ في أوَّلِ الفِعْلَيْنِ وبِرَفْعِ (رَبُّنا) وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ في أوَّلِ الفِعْلَيْنِ ونَصْبِ (رَبَّنا) عَلى النِّداءِ، أيْ قالُوا ذَلِكَ كُلَّهُ لِأنَّهم دَعَوْا رَبَّهم وتَداوَلُوا ذَلِكَ بَيْنَهم.

الأعراف 7:150

﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ جُعِلَ رُجُوعُ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ كالأمْرِ الَّذِي وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ مِن قَبْلُ عَلى الأُسْلُوبِ المُبَيَّنِ في قَوْلِهِ ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وقَوْلِهِ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] . فَرُجُوعُ مُوسى مَعْلُومٌ مِن تَحَقُّقِ انْقِضاءِ المُدَّةِ المَوْعُودِ بِها، وكَوْنُهُ رَجَعَ في حالَةِ غَضَبٍ مُشْعِرٌ بِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ فَأعْلَمَهُ بِما صَنَعَ قَوْمُهُ في مَغِيبِهِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ طَهَ قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ فِـ (﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾) حالانِ مِن مُوسى، فَهُما قَيْدانِ لِـ (رَجَعَ) فَعُلِمَ أنَّ الغَضَبَ والأسَفَ مُقارِنانِ لِلرُّجُوعِ. والغَضَبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١]) في هَذِهِ السُّورَةِ. صفحة ١١٤ والأسِفُ بِدُونِ مَدٍّ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ لِلْآسِفِ بِالمَدِّ الَّذِي هو اسْمُ فاعِلٍ لِلَّذِي حَلَّ بِهِ الأسَفُ وهو الحُزْنُ الشَّدِيدُ، أيْ رَجَعَ غَضْبانَ مِن عِصْيانِ قَوْمِهِ حَزِينًا عَلى فَسادِ أحْوالِهِمْ. وبِئْسَما ضِدُّ نِعِمّا وقَدْ مَضى القَوْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى بِئْسَتْ خِلافَةٌ خَلَفْتُمُونِيها خِلافَتُكم. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ خَلَفَ في قَوْلِهِ اخْلُفْنِي في قَوْمِي قَرِيبًا. وهَذا خِطابٌ لِهارُونَ ووُجُوهِ القَوْمِ لِأنَّهم خُلَفاءُ مُوسى في قَوْمِهِمْ فَيَكُونُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِجَمِيعِ القَوْمِ، فَأمّا هارُونُ فَلِأنَّهُ لَمْ يُحْسِنِ الخِلافَةَ بِسِياسَةِ الأُمَّةِ كَما كانَ يَسُوسُها مُوسى، وأمّا القَوْمُ فَلِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ بَعْدَ غَيْبَةِ مُوسى، ومِن لَوازِمِ الخِلافَةِ فِعْلُ ما كانَ يَفْعَلُهُ المَخْلُوفُ عَنْهُ، فَهم لَمّا تَرَكُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ مُوسى مِن عِبادَةِ اللَّهِ وصارُوا إلى عِبادَةِ العِجْلِ فَقَدِ انْحَرَفُوا عَنْ سِيرَتِهِ فَلَمْ يَخْلُفُوهُ في سِيرَتِهِ، وإطْلاقُ الخِلافَةِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ فَيَكُونُ فِعْلُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وزِيادَةُ (مِن بَعْدِي) عَقِبَ خَلَفْتُمُونِي لِلتَّذْكِيرِ بِالبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَ حالِ الخَلَفِ وحالِ المَخْلُوفِ عَنْهُ تَصْوِيرًا لِفَظاعَةٍ ما خَلَفُوهُ بِهِ، أيْ بَعْدَ ما سَمِعْتُمْ مِنِّي التَّحْذِيرَ مِنَ الإشْراكِ وزَجْرِكم عَنْ تَقْلِيدِ المُشْرِكِينَ حِينَ قُلْتُمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَيَكُونُ قَيْدُ (مِن بَعْدِي) لِلْكَشْفِ وتَصْوِيرِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] . ومَعْلُومٌ أنَّ السَّقْفَ لا يَكُونُ إلّا مِن فَوْقَ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ لِتَصْوِيرِ حالَةِ الخُرُورِ وتَهْوِيلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ نَفَرٍ مِنَ الأنْبِياءِ وصِفاتِهِمْ - ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] أيْ مِن بَعْدِ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ. و(عَجِلَ) أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا، بِمَعْنى فَعَلَ العَجَلَةَ أيِ السُّرْعَةَ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى المَعْمُولِ بِعْنَ فَيُقالُ: عَجِلَ عَنْ كَذا بِمَعْنى لَمْ يُتِمَّهُ بَعْدَ أنْ شَرَعَ فِيهِ، وضِدُّهُ تَمَّ عَلى الأمْرِ إذا شَرَعَ فِيهِ فَأتَمَّهُ، ويُسْتَعْمَلُ عَجِلَ مُضَمَّنًا مَعْنى سَبَقَ فَعُدِّيَ بِنَفْسِهِ عَلى اعْتِبارِ هَذا المَعْنى، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ. ومَعْنى عَجِلَ هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى لَمْ يُتَمَّ، وتَكُونُ تَعْدِيَتُهُ إلى المَفْعُولِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ. صفحة ١١٥ والأمْرُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّكْلِيفِ وهو ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ: مِنَ المُحافَظَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وانْتِظارِ رُجُوعِهِ، فَلَمْ يُتِّمُوا ذَلِكَ واسْتَعْجَلُوا فَبَدَّلُوا وغَيَّرُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى سَبَقَ أيْ بادَرْتُمْ فَيَكُونُ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ أيِ الغَضَبِ والسُّخْطِ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] فالأمْرُ هو الوَعِيدُ، فَإنَّ اللَّهَ حَذَّرَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَوَعَّدَهم، فَكانَ الظَّنُّ بِهِمْ إنْ وقَعَ مِنهم ذَلِكَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ طُولِ المُدَّةِ، فَلَمّا فَعَلُوا ما نُهُوا عَنْهُ بِحِدْثانِ عَهْدِ النَّهْيِ، جُعِلُوا سابِقِينَ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ: شُبِّهُوا في مُبادَرَتِهِمْ إلى أسْبابِ الغَضَبِ والسُّخْطِ بِسَبْقِ السّابِقِ المَسْبُوقَ، وهَذا هو المَعْنى الأوْضَحُ، ويُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ، في نَظِيرِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ (طه)، حِكايَةً عَنْ مُوسى قالَ ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] . وقَدْ تَعَرَّضَتِ التَّوْراةُ إلى شَيْءٍ مِن هَذا المَعْنى في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”وقالَ اللَّهُ لِمُوسى رَأيْتُ هَذا الشَّعْبَ فَإذا هو شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ فالآنَ اتْرُكْنِي لِيَحْمى غَضَبِي عَلَيْهِمْ فَأُفْنِيَهم“ . وإلْقاءُ الألْواحِ رَمْيُها مِن يَدِهِ إلى الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الإلْقاءِ آنِفًا، وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ لَمّا نَزَلَ مِنَ المُناجاةِ كانَتِ الألْواحُ في يَدِهِ، كَما صُرِّحَ بِهِ في التَّوْراةِ. ثُمَّ إنَّ إلْقاءَهُ إيّاها إنَّما كانَ إظْهارًا لِلْغَضَبِ، أوْ أثَرًا مِن آثارِ فَوَرانِ الغَضَبِ لَمّا شاهَدَهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وما ذَكَرَ القُرْآنُ ذَلِكَ الإلْقاءَ إلّا لِلدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى إذْ لَيْسَ فِيهِ مِن فَوائِدِ العِبْرَةِ في القِصَّةِ إلّا ذَلِكَ، فَلا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَن فَسَّرَها بِأنَّ الإلْقاءَ لِأجْلِ إشْغالِ يَدِهِ بِجَرِّ رَأْسِ أخِيهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لا جُرُورَ فِيهِ ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَعُطِفَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ بِالفاءِ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في خُلُقِهِ ضِيقٌ، وكانَ شَدِيدًا عِنْدَ الغَضَبِ، ولِذَلِكَ وكَزَ القِبْطِيَّ فَقَضى عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى فَظاعَةِ الفِعْلِ الَّذِي شاهَدَهُ مِن قَوْمِهِ، وذَلِكَ عَلامَةٌ عَلى الفَظاعَةِ، وتَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ تَأْدِيبًا لَهم لِأنَّهُ لا يَكُونُ تَأْدِيبُهم بِإلْقاءِ ألْواحٍ كُتِبَ فِيها ما يُصْلِحُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ تَصَرُّفَ النُّبُوءَةِ (ولِذَلِكَ جَزَمْنا بِأنَّ إعْراضَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِتابَةِ الكِتابِ الَّذِي هَمَّ بِكِتابَتِهِ قُبَيْلَ وفاتِهِ لَمْ يَكُنْ تَأْدِيبًا لِلْقَوْمِ عَلى اخْتِلافِهِمْ عِنْدَهُ، كَما هو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، بَلْ إنَّما كانَ ذَلِكَ لِما رَأى مِنَ اخْتِلافِهِمْ في ذَلِكَ، فَرَأى أنَّ الأوْلى تَرْكُ كِتابَتِهِ، إذْ لَمْ يَكُنِ الدِّينُ مُحْتاجًا إلَيْهِ) ووَقَعَ في التَّوْراةِ أنَّ صفحة ١١٦ الألْواحَ تَكَسَّرَتْ حِينَ ألْقاها، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ سِوى أنَّ التَّعْبِيرَ بِالإلْقاءِ الَّذِي هو الرَّمْيُ، وما رُوِيَ مِن أنَّ الألْواحَ كانَتْ مِن حَجَرٍ، يَقْتَضِي أنَّها اعْتَراها انْكِسارٌ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الِانْكِسارَ لا يُذْهِبُ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الكِتابَةِ. وأمّا ما رُوِيَ أنَّها لَمّا تَكَسَّرَتْ ذَهَبَ سِتَّةُ أسِباعِها، أوْ ذَهَبَ تَفْصِيلُها وبَقِيَتْ مَوْعِظَتُها، فَهو مِن وضْعِ القَصّاصِينَ واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] . وأمّا أخْذُهُ بِرَأْسِ أخِيهِ هارُونَ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، أيْ إمْساكُهُ بِشَعْرِ رَأْسِهِ، وذَلِكَ يُؤْلِمُهُ، فَذَلِكَ تَأْنِيبٌ لِهارُونَ عَلى عَدَمِ أخْذِهِ بِالشِّدَّةِ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ واقْتِصارِهِ عَلى تَغْيِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالقَوْلِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ في اجْتِهادِهِ الَّذِي أفْصَحَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] لِأنَّ ضَعْفَ مُسْتَنَدِهِ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرًا، وكانَ مُوسى هو الرَّسُولَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وما هارُونُ إلّا مِن جُمْلَةِ قَوْمِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وإنَّما كانَ هارُونُ رَسُولًا مَعَ مُوسى لِفِرْعَوْنَ خاصَّةً، ولِذَلِكَ لَمْ يَسَعْ هارُونَ إلّا الِاعْتِذارُ والِاسْتِصْفاحُ مِنهُ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَطَأ في الِاجْتِهادِ مَعَ وُضُوحِ الأدِلَّةِ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِيهِ صاحِبُهُ في إجْراءِ الأحْكامِ عَلَيْهِ، وهو ما يُسَمِّيهِ الفُقَهاءُ بِالتَّأْوِيلِ البَعِيدِ ولا يُظَنُّ بِأنَّ مُوسى عاقَبَ هارُونَ قَبْلَ تَحَقُّقِ التَّقْصِيرِ. وفُصِلَتْ جُمْلَةُ (﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾) لِوُقُوعِها جَوابًا لِحِوارٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ لِأنَّ الشَّأْنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا مَعَ كَلامِ تَوْبِيخٍ، وهو ما حُكِيَ في سُورَةِ طه بِقَوْلِهِ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] قالَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَوْزِيعِ القِصَّةِ، واقْتِصارًا عَلى مَوْقِعِ العِبْرَةِ لِيُخالِفَ أُسْلُوبُ قَصَصِهِ الَّذِي قُصِدَ مِنهُ المَوْعِظَةُ أسالِيبَ القَصّاصِينَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ الخَبَرَ بِكُلِّ ما حَدَثَ. و(﴿ابْنَ أُمَّ﴾) مُنادى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ، والنِّداءُ بِهَذا الوَصْفِ لِلتَّرْقِيقِ والِاسْتِشْفاعِ، وحُذِفَ حَرْفُ النِّداءِ لِإظْهارِ ما صاحَبَ هارُونَ مِنَ الرُّعْبِ والِاضْطِرابِ، أوْ لِأنَّ كَلامَهُ هَذا وقَعَ بَعْدَ كَلامٍ سَبَقَهُ فِيهِ حَرْفُ النِّداءِ وهو المَحْكِيُّ في سُورَةِ طَهَ ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه: ٩٤] صفحة ١١٧ ثُمَّ قالَ، بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ فَهُما كَلامانِ مُتَعاقِبانِ، ويَظْهَرُ أنَّ المَحْكِيَّ هُنا هو القَوْلُ الثّانِي وأنَّ ما في سُورَةِ طَهَ هو الَّذِي ابْتَدَأ بِهِ هارُونُ، لِأنَّهُ كانَ جَوابًا عَنْ قَوْلِ مُوسى ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا أنْ لا تَتَّبِعَنِي. واخْتِيارُ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ: لِتَضَمُّنِ المُضافِ إلَيْهِ مَعْنى التَّذْكِيرِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ؛ لِأنَّ إخْوَةَ الأُمِّ أشَدُّ أواصِرِ القَرابَةِ لِاشْتِراكِ الأخَوَيْنِ في الإلْفِ مِن وقْتِ الصِّبا والرَّضاعِ. وفَتْحُ المِيمِ في (﴿ابْنَ أُمَّ﴾) قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في المُنادى المُضافِ إلى أُمٍّ أوْ عَمٍّ، وذَلِكَ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ وتَعْوِيضِ ألْفٍ عَنْها في آخِرِ المُنادى، ثُمَّ يُحْذَفُ ذَلِكَ الألِفُ تَخْفِيفًا، ويَجُوزُ بَقاءُ كَسْرَةِ المِيمِ عَلى الأصْلِ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ أيْضًا، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأُمِّ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] في سُورَةِ النِّساءِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِهِ لَدى مُوسى، لِأنَّهُ بِحَيْثُ يَتَرَدَّدُ فِيهِ قَبْلَ إخْبارِ المُخْبِرِ بِهِ، والتَّأْكِيدُ يَسْتَدْعِيهِ قَبُولُ الخَبَرِ لِلتَّرَدُّدِ مِن قِبَلِ إخْبارِ المُخْبِرِ بِهِ، وإنْ كانَ المُخْبِرُ لا يُظَنُّ بِهِ الكَذِبُ، أوْ لِئَلّا يُظَنَّ بِهِ أنَّهُ تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِن حالِ قَوْمِهِ، وكانَتْ حالُهم دُونَ ذَلِكَ. والسِّينُ والتّاءُ في ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ لِلْحُسْبانِ أيْ حَسِبُونِي ضَعِيفًا لا ناصِرَ لِي، لِأنَّهم تَمالَئُوا عَلى عِبادَةِ العِجْلِ ولَمْ يُخالِفْهم إلّا هارُونُ في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ. وقَوْلُهُ ﴿وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عارَضَهم مُعارَضَةً شَدِيدَةً ثُمَّ سَلَّمَ خَشْيَةَ القَتْلِ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى تَبَيُّنِ عُذْرِهِ في إقْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ، فَطَلَبَ مِن أخِيهِ الكَفَّ عَنْ عِقابِهِ الَّذِي يَشْمَتُ بِهِ الأعْداءُ لِأجْلِهِ، ويَجْعَلُهُ مَعَ عِدادِ الظّالِمِينَ. فَطَلَبُ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ الإعْراضِ عَنِ العِقابِ. والشَّماتَةُ: سُرُورُ النَّفْسِ بِما يُصِيبُ غَيْرَها مِنَ الأضْرارِ، وإنَّما تَحْصُلُ مِنَ العَداوَةِ والحَسَدِ، وفِعْلُها قاصِرٌ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُها مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، ويَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ بِالباءِ يُقالُ شَمِتَ بِهِ أيْ كانَ شامِتًا بِسَبَبِهِ، وأشْمَتَهُ بِهِ جَعَلَهُ شامِتًا بِهِ، وأرادَ بِالأعْداءِ صفحة ١١٨ الَّذِينَ دَعَوْا إلى عِبادَةِ العِجْلِ؛ لِأنَّ هارُونَ أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ فَكَرِهُوهُ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَماتَةُ الأعْداءِ كَلِمَةً جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ في الشَّيْءِ الَّذِي يُلْحِقُ بِالمَرْءِ سُوءًا شَدِيدًا، سَواءٌ كانَ لِلْمَرْءِ أعْداءٌ أوْ لْمُ يَكُونُوا، جَرْيًا عَلى غالِبِ العُرْفِ. ومَعْنى ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ لا تَحْسَبْنِي واحِدًا مِنهم، فَجَعَلَ بِمَعْنى ظَنَّ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] . والقَوْمُ الظّالِمُونَ هُمُ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ عِبادَةَ العِجْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تَجْعَلْنِي في العُقُوبَةِ مَعَهم؛ لِأنَّ مُوسى قَدْ أمَرَ بِقَتْلِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، فَجَعَلَ عَلى أصْلِها. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ جَوابٌ عَنْ كَلامِ هارُونَ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، وابْتَدَأ مُوسى دُعاءَهُ فَطَلَبَ المَغْفِرَةَ لِنَفْسِهِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ فِيما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، ثُمَّ طَلَبَ المَغْفِرَةَ لِأخِيهِ فِيما عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ مِنهُ مِن تَفْرِيطٍ أوْ تَساهُلٍ في رَدْعِ عَبَدَةِ العِجْلِ عَنْ ذَلِكَ. وذِكْرُ وصْفِ الإخْوَةِ هُناكَ زِيادَةٌ في الِاسْتِعْطافِ عَسى اللَّهُ أنْ يُكْرِمَ رَسُولَهُ بِالمَغْفِرَةِ لِأخِيهِ كَقَوْلِ نُوحٍ ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] . والإدْخالُ في الرَّحْمَةِ اسْتِعارَةٌ لِشُمُولِ الرَّحْمَةِ لَهُما في سائِرِ أحْوالِهِما، بِحَيْثُ يَكُونانِ مِنها كالمُسْتَقِرِّ في بَيْتٍ أوْ نَحْوِهِ مِمّا يَحْوِي، فالإدْخالُ اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ وحَرْفُ (في) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، أوْقَعَ حَرْفُهُ الظَّرْفِيَّةَ مَوْقِعَ باءِ المُلابَسَةِ. وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾) تَذْيِيلٌ، والواوُ لِلْحالِ أوِ اعْتِراضِيَّةٌ، و(﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾) الأشَدُّ رَحْمَةً مِن كُلِّ راحِمٍ.

الأعراف 7:151

﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ جُعِلَ رُجُوعُ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ كالأمْرِ الَّذِي وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ مِن قَبْلُ عَلى الأُسْلُوبِ المُبَيَّنِ في قَوْلِهِ ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وقَوْلِهِ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] . فَرُجُوعُ مُوسى مَعْلُومٌ مِن تَحَقُّقِ انْقِضاءِ المُدَّةِ المَوْعُودِ بِها، وكَوْنُهُ رَجَعَ في حالَةِ غَضَبٍ مُشْعِرٌ بِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ فَأعْلَمَهُ بِما صَنَعَ قَوْمُهُ في مَغِيبِهِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ طَهَ قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ فِـ (﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾) حالانِ مِن مُوسى، فَهُما قَيْدانِ لِـ (رَجَعَ) فَعُلِمَ أنَّ الغَضَبَ والأسَفَ مُقارِنانِ لِلرُّجُوعِ. والغَضَبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١]) في هَذِهِ السُّورَةِ. صفحة ١١٤ والأسِفُ بِدُونِ مَدٍّ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ لِلْآسِفِ بِالمَدِّ الَّذِي هو اسْمُ فاعِلٍ لِلَّذِي حَلَّ بِهِ الأسَفُ وهو الحُزْنُ الشَّدِيدُ، أيْ رَجَعَ غَضْبانَ مِن عِصْيانِ قَوْمِهِ حَزِينًا عَلى فَسادِ أحْوالِهِمْ. وبِئْسَما ضِدُّ نِعِمّا وقَدْ مَضى القَوْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى بِئْسَتْ خِلافَةٌ خَلَفْتُمُونِيها خِلافَتُكم. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ خَلَفَ في قَوْلِهِ اخْلُفْنِي في قَوْمِي قَرِيبًا. وهَذا خِطابٌ لِهارُونَ ووُجُوهِ القَوْمِ لِأنَّهم خُلَفاءُ مُوسى في قَوْمِهِمْ فَيَكُونُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِجَمِيعِ القَوْمِ، فَأمّا هارُونُ فَلِأنَّهُ لَمْ يُحْسِنِ الخِلافَةَ بِسِياسَةِ الأُمَّةِ كَما كانَ يَسُوسُها مُوسى، وأمّا القَوْمُ فَلِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ بَعْدَ غَيْبَةِ مُوسى، ومِن لَوازِمِ الخِلافَةِ فِعْلُ ما كانَ يَفْعَلُهُ المَخْلُوفُ عَنْهُ، فَهم لَمّا تَرَكُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ مُوسى مِن عِبادَةِ اللَّهِ وصارُوا إلى عِبادَةِ العِجْلِ فَقَدِ انْحَرَفُوا عَنْ سِيرَتِهِ فَلَمْ يَخْلُفُوهُ في سِيرَتِهِ، وإطْلاقُ الخِلافَةِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ فَيَكُونُ فِعْلُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وزِيادَةُ (مِن بَعْدِي) عَقِبَ خَلَفْتُمُونِي لِلتَّذْكِيرِ بِالبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَ حالِ الخَلَفِ وحالِ المَخْلُوفِ عَنْهُ تَصْوِيرًا لِفَظاعَةٍ ما خَلَفُوهُ بِهِ، أيْ بَعْدَ ما سَمِعْتُمْ مِنِّي التَّحْذِيرَ مِنَ الإشْراكِ وزَجْرِكم عَنْ تَقْلِيدِ المُشْرِكِينَ حِينَ قُلْتُمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَيَكُونُ قَيْدُ (مِن بَعْدِي) لِلْكَشْفِ وتَصْوِيرِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] . ومَعْلُومٌ أنَّ السَّقْفَ لا يَكُونُ إلّا مِن فَوْقَ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ لِتَصْوِيرِ حالَةِ الخُرُورِ وتَهْوِيلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ نَفَرٍ مِنَ الأنْبِياءِ وصِفاتِهِمْ - ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] أيْ مِن بَعْدِ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ. و(عَجِلَ) أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا، بِمَعْنى فَعَلَ العَجَلَةَ أيِ السُّرْعَةَ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى المَعْمُولِ بِعْنَ فَيُقالُ: عَجِلَ عَنْ كَذا بِمَعْنى لَمْ يُتِمَّهُ بَعْدَ أنْ شَرَعَ فِيهِ، وضِدُّهُ تَمَّ عَلى الأمْرِ إذا شَرَعَ فِيهِ فَأتَمَّهُ، ويُسْتَعْمَلُ عَجِلَ مُضَمَّنًا مَعْنى سَبَقَ فَعُدِّيَ بِنَفْسِهِ عَلى اعْتِبارِ هَذا المَعْنى، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ. ومَعْنى عَجِلَ هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى لَمْ يُتَمَّ، وتَكُونُ تَعْدِيَتُهُ إلى المَفْعُولِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ. صفحة ١١٥ والأمْرُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّكْلِيفِ وهو ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ: مِنَ المُحافَظَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وانْتِظارِ رُجُوعِهِ، فَلَمْ يُتِّمُوا ذَلِكَ واسْتَعْجَلُوا فَبَدَّلُوا وغَيَّرُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى سَبَقَ أيْ بادَرْتُمْ فَيَكُونُ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ أيِ الغَضَبِ والسُّخْطِ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] فالأمْرُ هو الوَعِيدُ، فَإنَّ اللَّهَ حَذَّرَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَوَعَّدَهم، فَكانَ الظَّنُّ بِهِمْ إنْ وقَعَ مِنهم ذَلِكَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ طُولِ المُدَّةِ، فَلَمّا فَعَلُوا ما نُهُوا عَنْهُ بِحِدْثانِ عَهْدِ النَّهْيِ، جُعِلُوا سابِقِينَ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ: شُبِّهُوا في مُبادَرَتِهِمْ إلى أسْبابِ الغَضَبِ والسُّخْطِ بِسَبْقِ السّابِقِ المَسْبُوقَ، وهَذا هو المَعْنى الأوْضَحُ، ويُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ، في نَظِيرِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ (طه)، حِكايَةً عَنْ مُوسى قالَ ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] . وقَدْ تَعَرَّضَتِ التَّوْراةُ إلى شَيْءٍ مِن هَذا المَعْنى في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”وقالَ اللَّهُ لِمُوسى رَأيْتُ هَذا الشَّعْبَ فَإذا هو شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ فالآنَ اتْرُكْنِي لِيَحْمى غَضَبِي عَلَيْهِمْ فَأُفْنِيَهم“ . وإلْقاءُ الألْواحِ رَمْيُها مِن يَدِهِ إلى الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الإلْقاءِ آنِفًا، وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ لَمّا نَزَلَ مِنَ المُناجاةِ كانَتِ الألْواحُ في يَدِهِ، كَما صُرِّحَ بِهِ في التَّوْراةِ. ثُمَّ إنَّ إلْقاءَهُ إيّاها إنَّما كانَ إظْهارًا لِلْغَضَبِ، أوْ أثَرًا مِن آثارِ فَوَرانِ الغَضَبِ لَمّا شاهَدَهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وما ذَكَرَ القُرْآنُ ذَلِكَ الإلْقاءَ إلّا لِلدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى إذْ لَيْسَ فِيهِ مِن فَوائِدِ العِبْرَةِ في القِصَّةِ إلّا ذَلِكَ، فَلا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَن فَسَّرَها بِأنَّ الإلْقاءَ لِأجْلِ إشْغالِ يَدِهِ بِجَرِّ رَأْسِ أخِيهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لا جُرُورَ فِيهِ ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَعُطِفَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ بِالفاءِ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في خُلُقِهِ ضِيقٌ، وكانَ شَدِيدًا عِنْدَ الغَضَبِ، ولِذَلِكَ وكَزَ القِبْطِيَّ فَقَضى عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى فَظاعَةِ الفِعْلِ الَّذِي شاهَدَهُ مِن قَوْمِهِ، وذَلِكَ عَلامَةٌ عَلى الفَظاعَةِ، وتَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ تَأْدِيبًا لَهم لِأنَّهُ لا يَكُونُ تَأْدِيبُهم بِإلْقاءِ ألْواحٍ كُتِبَ فِيها ما يُصْلِحُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ تَصَرُّفَ النُّبُوءَةِ (ولِذَلِكَ جَزَمْنا بِأنَّ إعْراضَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِتابَةِ الكِتابِ الَّذِي هَمَّ بِكِتابَتِهِ قُبَيْلَ وفاتِهِ لَمْ يَكُنْ تَأْدِيبًا لِلْقَوْمِ عَلى اخْتِلافِهِمْ عِنْدَهُ، كَما هو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، بَلْ إنَّما كانَ ذَلِكَ لِما رَأى مِنَ اخْتِلافِهِمْ في ذَلِكَ، فَرَأى أنَّ الأوْلى تَرْكُ كِتابَتِهِ، إذْ لَمْ يَكُنِ الدِّينُ مُحْتاجًا إلَيْهِ) ووَقَعَ في التَّوْراةِ أنَّ صفحة ١١٦ الألْواحَ تَكَسَّرَتْ حِينَ ألْقاها، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ سِوى أنَّ التَّعْبِيرَ بِالإلْقاءِ الَّذِي هو الرَّمْيُ، وما رُوِيَ مِن أنَّ الألْواحَ كانَتْ مِن حَجَرٍ، يَقْتَضِي أنَّها اعْتَراها انْكِسارٌ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الِانْكِسارَ لا يُذْهِبُ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الكِتابَةِ. وأمّا ما رُوِيَ أنَّها لَمّا تَكَسَّرَتْ ذَهَبَ سِتَّةُ أسِباعِها، أوْ ذَهَبَ تَفْصِيلُها وبَقِيَتْ مَوْعِظَتُها، فَهو مِن وضْعِ القَصّاصِينَ واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] . وأمّا أخْذُهُ بِرَأْسِ أخِيهِ هارُونَ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، أيْ إمْساكُهُ بِشَعْرِ رَأْسِهِ، وذَلِكَ يُؤْلِمُهُ، فَذَلِكَ تَأْنِيبٌ لِهارُونَ عَلى عَدَمِ أخْذِهِ بِالشِّدَّةِ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ واقْتِصارِهِ عَلى تَغْيِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالقَوْلِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ في اجْتِهادِهِ الَّذِي أفْصَحَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] لِأنَّ ضَعْفَ مُسْتَنَدِهِ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرًا، وكانَ مُوسى هو الرَّسُولَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وما هارُونُ إلّا مِن جُمْلَةِ قَوْمِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وإنَّما كانَ هارُونُ رَسُولًا مَعَ مُوسى لِفِرْعَوْنَ خاصَّةً، ولِذَلِكَ لَمْ يَسَعْ هارُونَ إلّا الِاعْتِذارُ والِاسْتِصْفاحُ مِنهُ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَطَأ في الِاجْتِهادِ مَعَ وُضُوحِ الأدِلَّةِ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِيهِ صاحِبُهُ في إجْراءِ الأحْكامِ عَلَيْهِ، وهو ما يُسَمِّيهِ الفُقَهاءُ بِالتَّأْوِيلِ البَعِيدِ ولا يُظَنُّ بِأنَّ مُوسى عاقَبَ هارُونَ قَبْلَ تَحَقُّقِ التَّقْصِيرِ. وفُصِلَتْ جُمْلَةُ (﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾) لِوُقُوعِها جَوابًا لِحِوارٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ لِأنَّ الشَّأْنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا مَعَ كَلامِ تَوْبِيخٍ، وهو ما حُكِيَ في سُورَةِ طه بِقَوْلِهِ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] قالَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَوْزِيعِ القِصَّةِ، واقْتِصارًا عَلى مَوْقِعِ العِبْرَةِ لِيُخالِفَ أُسْلُوبُ قَصَصِهِ الَّذِي قُصِدَ مِنهُ المَوْعِظَةُ أسالِيبَ القَصّاصِينَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ الخَبَرَ بِكُلِّ ما حَدَثَ. و(﴿ابْنَ أُمَّ﴾) مُنادى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ، والنِّداءُ بِهَذا الوَصْفِ لِلتَّرْقِيقِ والِاسْتِشْفاعِ، وحُذِفَ حَرْفُ النِّداءِ لِإظْهارِ ما صاحَبَ هارُونَ مِنَ الرُّعْبِ والِاضْطِرابِ، أوْ لِأنَّ كَلامَهُ هَذا وقَعَ بَعْدَ كَلامٍ سَبَقَهُ فِيهِ حَرْفُ النِّداءِ وهو المَحْكِيُّ في سُورَةِ طَهَ ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه: ٩٤] صفحة ١١٧ ثُمَّ قالَ، بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ فَهُما كَلامانِ مُتَعاقِبانِ، ويَظْهَرُ أنَّ المَحْكِيَّ هُنا هو القَوْلُ الثّانِي وأنَّ ما في سُورَةِ طَهَ هو الَّذِي ابْتَدَأ بِهِ هارُونُ، لِأنَّهُ كانَ جَوابًا عَنْ قَوْلِ مُوسى ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا أنْ لا تَتَّبِعَنِي. واخْتِيارُ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ: لِتَضَمُّنِ المُضافِ إلَيْهِ مَعْنى التَّذْكِيرِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ؛ لِأنَّ إخْوَةَ الأُمِّ أشَدُّ أواصِرِ القَرابَةِ لِاشْتِراكِ الأخَوَيْنِ في الإلْفِ مِن وقْتِ الصِّبا والرَّضاعِ. وفَتْحُ المِيمِ في (﴿ابْنَ أُمَّ﴾) قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في المُنادى المُضافِ إلى أُمٍّ أوْ عَمٍّ، وذَلِكَ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ وتَعْوِيضِ ألْفٍ عَنْها في آخِرِ المُنادى، ثُمَّ يُحْذَفُ ذَلِكَ الألِفُ تَخْفِيفًا، ويَجُوزُ بَقاءُ كَسْرَةِ المِيمِ عَلى الأصْلِ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ أيْضًا، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأُمِّ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] في سُورَةِ النِّساءِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِهِ لَدى مُوسى، لِأنَّهُ بِحَيْثُ يَتَرَدَّدُ فِيهِ قَبْلَ إخْبارِ المُخْبِرِ بِهِ، والتَّأْكِيدُ يَسْتَدْعِيهِ قَبُولُ الخَبَرِ لِلتَّرَدُّدِ مِن قِبَلِ إخْبارِ المُخْبِرِ بِهِ، وإنْ كانَ المُخْبِرُ لا يُظَنُّ بِهِ الكَذِبُ، أوْ لِئَلّا يُظَنَّ بِهِ أنَّهُ تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِن حالِ قَوْمِهِ، وكانَتْ حالُهم دُونَ ذَلِكَ. والسِّينُ والتّاءُ في ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ لِلْحُسْبانِ أيْ حَسِبُونِي ضَعِيفًا لا ناصِرَ لِي، لِأنَّهم تَمالَئُوا عَلى عِبادَةِ العِجْلِ ولَمْ يُخالِفْهم إلّا هارُونُ في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ. وقَوْلُهُ ﴿وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عارَضَهم مُعارَضَةً شَدِيدَةً ثُمَّ سَلَّمَ خَشْيَةَ القَتْلِ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى تَبَيُّنِ عُذْرِهِ في إقْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ، فَطَلَبَ مِن أخِيهِ الكَفَّ عَنْ عِقابِهِ الَّذِي يَشْمَتُ بِهِ الأعْداءُ لِأجْلِهِ، ويَجْعَلُهُ مَعَ عِدادِ الظّالِمِينَ. فَطَلَبُ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ الإعْراضِ عَنِ العِقابِ. والشَّماتَةُ: سُرُورُ النَّفْسِ بِما يُصِيبُ غَيْرَها مِنَ الأضْرارِ، وإنَّما تَحْصُلُ مِنَ العَداوَةِ والحَسَدِ، وفِعْلُها قاصِرٌ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُها مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، ويَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ بِالباءِ يُقالُ شَمِتَ بِهِ أيْ كانَ شامِتًا بِسَبَبِهِ، وأشْمَتَهُ بِهِ جَعَلَهُ شامِتًا بِهِ، وأرادَ بِالأعْداءِ صفحة ١١٨ الَّذِينَ دَعَوْا إلى عِبادَةِ العِجْلِ؛ لِأنَّ هارُونَ أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ فَكَرِهُوهُ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَماتَةُ الأعْداءِ كَلِمَةً جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ في الشَّيْءِ الَّذِي يُلْحِقُ بِالمَرْءِ سُوءًا شَدِيدًا، سَواءٌ كانَ لِلْمَرْءِ أعْداءٌ أوْ لْمُ يَكُونُوا، جَرْيًا عَلى غالِبِ العُرْفِ. ومَعْنى ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ لا تَحْسَبْنِي واحِدًا مِنهم، فَجَعَلَ بِمَعْنى ظَنَّ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] . والقَوْمُ الظّالِمُونَ هُمُ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ عِبادَةَ العِجْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تَجْعَلْنِي في العُقُوبَةِ مَعَهم؛ لِأنَّ مُوسى قَدْ أمَرَ بِقَتْلِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، فَجَعَلَ عَلى أصْلِها. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ جَوابٌ عَنْ كَلامِ هارُونَ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، وابْتَدَأ مُوسى دُعاءَهُ فَطَلَبَ المَغْفِرَةَ لِنَفْسِهِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ فِيما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، ثُمَّ طَلَبَ المَغْفِرَةَ لِأخِيهِ فِيما عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ مِنهُ مِن تَفْرِيطٍ أوْ تَساهُلٍ في رَدْعِ عَبَدَةِ العِجْلِ عَنْ ذَلِكَ. وذِكْرُ وصْفِ الإخْوَةِ هُناكَ زِيادَةٌ في الِاسْتِعْطافِ عَسى اللَّهُ أنْ يُكْرِمَ رَسُولَهُ بِالمَغْفِرَةِ لِأخِيهِ كَقَوْلِ نُوحٍ ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] . والإدْخالُ في الرَّحْمَةِ اسْتِعارَةٌ لِشُمُولِ الرَّحْمَةِ لَهُما في سائِرِ أحْوالِهِما، بِحَيْثُ يَكُونانِ مِنها كالمُسْتَقِرِّ في بَيْتٍ أوْ نَحْوِهِ مِمّا يَحْوِي، فالإدْخالُ اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ وحَرْفُ (في) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، أوْقَعَ حَرْفُهُ الظَّرْفِيَّةَ مَوْقِعَ باءِ المُلابَسَةِ. وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾) تَذْيِيلٌ، والواوُ لِلْحالِ أوِ اعْتِراضِيَّةٌ، و(﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾) الأشَدُّ رَحْمَةً مِن كُلِّ راحِمٍ.

الأعراف 7:152

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى قَوْلِهِ الدُّنْيا مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى، فَبَعْدَ أنْ دَعا لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلى الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وأنَّهُ سَيَظْهَرُ أثَرُ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وسَتَنالُهم ذِلَّةٌ في الدُّنْيا وذَلِكَ بِوَحْيٍ تَلَقّاهُ، وانْتَهى كَلامُ صفحة ١١٩ مُوسى عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وأنَّ جُمْلَةَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ خِطابٌ مِن جانِبِ اللَّهِ في القُرْآنِ، فَهو اعْتِراضٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ ذَيَّلَ اللَّهُ بِهَذا الِاعْتِراضِ حِكايَةَ كَلامِ مُوسى فَأخْبَرَ بِأنَّهُ يُجازِي كُلَّ مُفْتَرٍ بِمِثْلِ ما أخْبَرَ بِهِ مُوسى عَنْ مُفْتَرِيِّ قَوْمِهِ، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَكْمِلَةٌ لِلْفائِدَةِ بِبَيانِ حالَةِ أضْدادِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وعَنْ أمْثالِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى آخِرِها خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِمُوسى، جَوابًا عَنْ دُعائِهِ لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قُلْنا إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ إلى آخِرِهِ، مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] الآيَةَ. و(يَنالُهم) يُصِيبُهم. والنَّوْلُ والنَّيْلُ: الأخْذُ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإصابَةِ والتَّلَبُّسِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، والَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ فالمَفْعُولُ الثّانِي لِـ اتَّخَذُوا مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا، أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا. وتَعْرِيفُهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ في اسْتِحْضارِهِمْ بِصِفَةٍ عُرِفُوا بِها، ولِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِسَبَبِيَّةِ ما نالَهم مِنَ العِقابِ، والمُرادُ بِالغَضَبِ ظُهُورُ أثَرِهِ مِنَ الخِذْلانِ ومَنعِ العِنايَةِ، وأمّا نَفْسُ الغَضَبِ فَهو حاصِلٌ في الحالِ. وغَضَبُ اللَّهِ - تَعالى - إرادَتُهُ السُّوءَ بِعَبْدِهِ وعِقابُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ في إحْداهُما، والذِّلَّةُ: خُضُوعٌ في النَّفْسِ واسْتِكانَةٌ مِن جَرّاءِ العَجْزِ عَنِ الدَّفْعِ، فَمَعْنى نَيْلِ الذِّلَّةِ إيّاهم أنَّهم يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ لِمَن يَغْلِبُهم، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِتَسْلِيطِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ، أوْ بِسَلْبِ الشُّجاعَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ خائِفِينَ العَدُوَّ ولَوْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ، أوْ ذِلَّةُ الِاغْتِرابِ إذْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ مُلْكَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَكانُوا بِلا وطَنٍ طُولَ حَياتِهِمْ حَتّى انْقَرَضَ ذَلِكَ الجِيلُ كُلُّهُ، وهَذِهِ الذِّلَّةُ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ قَدْ لا تَمْحُوها التَّوْبَةُ، فَإنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَقْتَضِي العَفْوَ عَنْ عِقابِ التَّكْلِيفِ، ولا تَقْتَضِي تَرْكَ المُؤاخَذَةِ بِمَصائِبِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةَ مُسَبَّباتٌ تَنْشَأُ عَنْ أسْبابِها، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَرْفَعَها التَّوْبَةُ إلّا بِعِنايَةٍ صفحة ١٢٠ إلَهِيَّةٍ خاصَّةٍ، وهَذا يُشْبِهُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ خِطابِ الوَضْعِ وخِطابِ التَّكْلِيفِ كَما يُؤْخَذُ مِن حَدِيثِ الإسَراءِ لَمّا أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإناءَيْنِ أحَدُهُما مِن لَبَنٍ والآخَرُ مِن خَمْرٍ فاخْتارَ اللَّبَنَ فَقالَ جِبْرِيلُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَداكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ، هَذا وقَدْ يَمْحُو اللَّهُ العُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ إذا رَضِيَ عَنِ الجانِي واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. والقَوْلُ في الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُفْتَرِينَ. والِافْتِراءُ الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لَكاذِبِهِ في اخْتِلاقِهِ، وقَدْ مَضى في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. والمُرادُ بِالِافْتِراءِ الِاخْتِلاقُ في أُصُولِ الدِّينِ بِوَضْعِ عَقائِدَ لا تَسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ صَحِيحٍ مِن دَلالَةِ العَقْلِ أوْ مِن دَلالَةِ الوَحْيِ، فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ حَذَّرَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كَما حَكاهُ اللَّهُ فِيما مَضى في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] الآياتِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةَ آنِفًا، فَجَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهم عَلى الِافْتِراءِ الغَضَبَ والذِّلَّةَ، وذَلِكَ إذا فَعَلُوا مِثْلَهُ بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ المَوْعِظَةُ مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكُو العَرَبِ أذِلّاءَ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهَداهم فاسْتَمَرُّوا عَلى الِافْتِراءِ عاقَبَهُمُ اللَّهُ بِالذِّلَّةِ، فَأزالَ مَهابَتَهم مِن قُلُوبِ العَرَبِ، واسْتَأْصَلَهم قَتْلًا وأسْرًا، وسَلَبَ دِيارَهم، فَلَمّا أسْلَمَ مِنهم مَن أسْلَمُوا صارُوا أعِزَّةً بِالإسْلامِ. ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكَذّابَ يُرْمى بِالمَذَلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا﴾ الآيَةَ، اعْتِراضٌ بِأنَّهم إنْ تابُوا وآمَنُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ التَّهْدِيدِ بِالتَّرْغِيبِ، والمَغْفِرَةُ تَرْجِعُ إلى عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ في عِقابِ الآخِرَةِ، وإلى ارْتِفاعِ غَضَبِ اللَّهِ عَنْهم في المُسْتَقْبَلِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ ما يَشْمَلُ الكُفْرَ وهو أعْظَمُ السَّيِّئاتِ. والتَّوْبَةُ مِنهُ هي الإيمانُ. وفِي قَوْلِهِ مِن بَعْدِها في المَوْضِعَيْنِ حَذْفُ مُضافٍ قَبْلَ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ (بَعْدُ) - وقَدْ شاعَ حَذْفُهُ - دَلَّ عَلَيْهِ عَمِلُوا أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ مَعَ ”بَعْدُ“ و”قَبْلُ“ المُضافَيْنِ إلى مُضافٍ لِلْمُضافِ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١٢١ وحَرْفُ ثُمَّ هَنا مُفِيدٌ لِلتَّراخِي، وذَلِكَ إلْجاءٌ إلى قَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ مَمْلُوءٍ بِفِعْلِ السَّيِّئاتِ. وقَوْلُهُ مِن بَعْدِها تَأْكِيدٌ لِمُفادِ المُهْلَةِ الَّتِي أفادَها حَرْفُ ثُمَّ وهَذا تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنْ آمَنُوا يُغْفَرْ لَهم ولَوْ طالَ أمَدُ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ. وعُطِفَ الإيمانُ عَلى التَّوْبَةِ، مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ تَشْمَلُهُ مِن حَيْثُ إنَّ الإيمانَ تَوْبَةٌ مِنَ الكُفْرِ، إمّا لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ أصْلُ الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . ولِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الإشْراكَ لِخُطُورَتِهِ لا تُنْجِي مِنهُ التَّوْبَةُ. وإمّا أنْ يُرادَ بِالإيمانِ إيمانٌ خاصٌّ، وهو الإيمانُ بِإخْلاصٍ، فَيَشْمَلُ عَمَلَ الواجِباتِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ إنَّ رَبَّكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الوَجْهِ الأظْهَرِ، أوْ لِمُوسى عَلى جَعْلِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ مَقُولًا مِنَ اللَّهِ لِمُوسى. وفِي تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ تَوَسُّلٌ إلى تَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ - تَعالى -، وفي ذِكْرِ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ هُنا تَمْهِيدٌ لِوَصْفِ الرَّحْمَةِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِإنَّ ولامِ التَّوْكِيدِ وصِيغَتَيِ المُبالَغَةِ في ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهِ تَرْغِيبٌ لِلْعُصاةِ في التَّوْبَةِ، وطَرْدًا لِلْقُنُوطِ مِن نُفُوسِهِمْ، وإنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُهم، فَلا يَحْسَبُوا تَحْدِيدَ التَّوْبَةِ بِحَدٍّ إذا تَجاوَزَتْهُ الذُّنُوبُ بِالكَثْرَةِ أوِ العِظَمِ لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ تَوْبَةٌ. وضَمِيرُ مِن بَعْدِها الثّانِي مُبالَغَةٌ في الِامْتِنانِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ بَعْدَ التَّمَلِّي مِنَ السَّيِّئاتِ. وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ، والتَّقْدِيرُ: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم، أوْ لِكُلِّ مَن عَمِلَ سَيِّئَةً وتابَ مِنها.

الأعراف 7:153

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى قَوْلِهِ الدُّنْيا مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى، فَبَعْدَ أنْ دَعا لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلى الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وأنَّهُ سَيَظْهَرُ أثَرُ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وسَتَنالُهم ذِلَّةٌ في الدُّنْيا وذَلِكَ بِوَحْيٍ تَلَقّاهُ، وانْتَهى كَلامُ صفحة ١١٩ مُوسى عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وأنَّ جُمْلَةَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ خِطابٌ مِن جانِبِ اللَّهِ في القُرْآنِ، فَهو اعْتِراضٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ ذَيَّلَ اللَّهُ بِهَذا الِاعْتِراضِ حِكايَةَ كَلامِ مُوسى فَأخْبَرَ بِأنَّهُ يُجازِي كُلَّ مُفْتَرٍ بِمِثْلِ ما أخْبَرَ بِهِ مُوسى عَنْ مُفْتَرِيِّ قَوْمِهِ، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَكْمِلَةٌ لِلْفائِدَةِ بِبَيانِ حالَةِ أضْدادِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وعَنْ أمْثالِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى آخِرِها خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِمُوسى، جَوابًا عَنْ دُعائِهِ لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قُلْنا إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ إلى آخِرِهِ، مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] الآيَةَ. و(يَنالُهم) يُصِيبُهم. والنَّوْلُ والنَّيْلُ: الأخْذُ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإصابَةِ والتَّلَبُّسِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، والَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ فالمَفْعُولُ الثّانِي لِـ اتَّخَذُوا مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا، أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا. وتَعْرِيفُهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ في اسْتِحْضارِهِمْ بِصِفَةٍ عُرِفُوا بِها، ولِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِسَبَبِيَّةِ ما نالَهم مِنَ العِقابِ، والمُرادُ بِالغَضَبِ ظُهُورُ أثَرِهِ مِنَ الخِذْلانِ ومَنعِ العِنايَةِ، وأمّا نَفْسُ الغَضَبِ فَهو حاصِلٌ في الحالِ. وغَضَبُ اللَّهِ - تَعالى - إرادَتُهُ السُّوءَ بِعَبْدِهِ وعِقابُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ في إحْداهُما، والذِّلَّةُ: خُضُوعٌ في النَّفْسِ واسْتِكانَةٌ مِن جَرّاءِ العَجْزِ عَنِ الدَّفْعِ، فَمَعْنى نَيْلِ الذِّلَّةِ إيّاهم أنَّهم يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ لِمَن يَغْلِبُهم، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِتَسْلِيطِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ، أوْ بِسَلْبِ الشُّجاعَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ خائِفِينَ العَدُوَّ ولَوْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ، أوْ ذِلَّةُ الِاغْتِرابِ إذْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ مُلْكَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَكانُوا بِلا وطَنٍ طُولَ حَياتِهِمْ حَتّى انْقَرَضَ ذَلِكَ الجِيلُ كُلُّهُ، وهَذِهِ الذِّلَّةُ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ قَدْ لا تَمْحُوها التَّوْبَةُ، فَإنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَقْتَضِي العَفْوَ عَنْ عِقابِ التَّكْلِيفِ، ولا تَقْتَضِي تَرْكَ المُؤاخَذَةِ بِمَصائِبِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةَ مُسَبَّباتٌ تَنْشَأُ عَنْ أسْبابِها، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَرْفَعَها التَّوْبَةُ إلّا بِعِنايَةٍ صفحة ١٢٠ إلَهِيَّةٍ خاصَّةٍ، وهَذا يُشْبِهُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ خِطابِ الوَضْعِ وخِطابِ التَّكْلِيفِ كَما يُؤْخَذُ مِن حَدِيثِ الإسَراءِ لَمّا أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإناءَيْنِ أحَدُهُما مِن لَبَنٍ والآخَرُ مِن خَمْرٍ فاخْتارَ اللَّبَنَ فَقالَ جِبْرِيلُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَداكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ، هَذا وقَدْ يَمْحُو اللَّهُ العُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ إذا رَضِيَ عَنِ الجانِي واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. والقَوْلُ في الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُفْتَرِينَ. والِافْتِراءُ الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لَكاذِبِهِ في اخْتِلاقِهِ، وقَدْ مَضى في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. والمُرادُ بِالِافْتِراءِ الِاخْتِلاقُ في أُصُولِ الدِّينِ بِوَضْعِ عَقائِدَ لا تَسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ صَحِيحٍ مِن دَلالَةِ العَقْلِ أوْ مِن دَلالَةِ الوَحْيِ، فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ حَذَّرَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كَما حَكاهُ اللَّهُ فِيما مَضى في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] الآياتِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةَ آنِفًا، فَجَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهم عَلى الِافْتِراءِ الغَضَبَ والذِّلَّةَ، وذَلِكَ إذا فَعَلُوا مِثْلَهُ بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ المَوْعِظَةُ مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكُو العَرَبِ أذِلّاءَ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهَداهم فاسْتَمَرُّوا عَلى الِافْتِراءِ عاقَبَهُمُ اللَّهُ بِالذِّلَّةِ، فَأزالَ مَهابَتَهم مِن قُلُوبِ العَرَبِ، واسْتَأْصَلَهم قَتْلًا وأسْرًا، وسَلَبَ دِيارَهم، فَلَمّا أسْلَمَ مِنهم مَن أسْلَمُوا صارُوا أعِزَّةً بِالإسْلامِ. ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكَذّابَ يُرْمى بِالمَذَلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا﴾ الآيَةَ، اعْتِراضٌ بِأنَّهم إنْ تابُوا وآمَنُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ التَّهْدِيدِ بِالتَّرْغِيبِ، والمَغْفِرَةُ تَرْجِعُ إلى عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ في عِقابِ الآخِرَةِ، وإلى ارْتِفاعِ غَضَبِ اللَّهِ عَنْهم في المُسْتَقْبَلِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ ما يَشْمَلُ الكُفْرَ وهو أعْظَمُ السَّيِّئاتِ. والتَّوْبَةُ مِنهُ هي الإيمانُ. وفِي قَوْلِهِ مِن بَعْدِها في المَوْضِعَيْنِ حَذْفُ مُضافٍ قَبْلَ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ (بَعْدُ) - وقَدْ شاعَ حَذْفُهُ - دَلَّ عَلَيْهِ عَمِلُوا أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ مَعَ ”بَعْدُ“ و”قَبْلُ“ المُضافَيْنِ إلى مُضافٍ لِلْمُضافِ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١٢١ وحَرْفُ ثُمَّ هَنا مُفِيدٌ لِلتَّراخِي، وذَلِكَ إلْجاءٌ إلى قَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ مَمْلُوءٍ بِفِعْلِ السَّيِّئاتِ. وقَوْلُهُ مِن بَعْدِها تَأْكِيدٌ لِمُفادِ المُهْلَةِ الَّتِي أفادَها حَرْفُ ثُمَّ وهَذا تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنْ آمَنُوا يُغْفَرْ لَهم ولَوْ طالَ أمَدُ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ. وعُطِفَ الإيمانُ عَلى التَّوْبَةِ، مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ تَشْمَلُهُ مِن حَيْثُ إنَّ الإيمانَ تَوْبَةٌ مِنَ الكُفْرِ، إمّا لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ أصْلُ الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . ولِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الإشْراكَ لِخُطُورَتِهِ لا تُنْجِي مِنهُ التَّوْبَةُ. وإمّا أنْ يُرادَ بِالإيمانِ إيمانٌ خاصٌّ، وهو الإيمانُ بِإخْلاصٍ، فَيَشْمَلُ عَمَلَ الواجِباتِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ إنَّ رَبَّكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الوَجْهِ الأظْهَرِ، أوْ لِمُوسى عَلى جَعْلِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ مَقُولًا مِنَ اللَّهِ لِمُوسى. وفِي تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ تَوَسُّلٌ إلى تَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ - تَعالى -، وفي ذِكْرِ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ هُنا تَمْهِيدٌ لِوَصْفِ الرَّحْمَةِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِإنَّ ولامِ التَّوْكِيدِ وصِيغَتَيِ المُبالَغَةِ في ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهِ تَرْغِيبٌ لِلْعُصاةِ في التَّوْبَةِ، وطَرْدًا لِلْقُنُوطِ مِن نُفُوسِهِمْ، وإنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُهم، فَلا يَحْسَبُوا تَحْدِيدَ التَّوْبَةِ بِحَدٍّ إذا تَجاوَزَتْهُ الذُّنُوبُ بِالكَثْرَةِ أوِ العِظَمِ لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ تَوْبَةٌ. وضَمِيرُ مِن بَعْدِها الثّانِي مُبالَغَةٌ في الِامْتِنانِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ بَعْدَ التَّمَلِّي مِنَ السَّيِّئاتِ. وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ، والتَّقْدِيرُ: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم، أوْ لِكُلِّ مَن عَمِلَ سَيِّئَةً وتابَ مِنها.

الأعراف 7:154

﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ نَظْمُ هَذا الكَلامِ مِثْلُ نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] وقَوْلِهِ ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، أيْ: ثُمَّ سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ ولَمّا سَكَتَ عَنْهُ أخَذَ الألْواحَ صفحة ١٢٢ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ. والسُّكُوتُ مُسْتَعارٌ لِذَهابِ الغَضَبِ عَنْهُ - شُبِّهَ ثَوَرانُ الغَضَبِ في نَفْسِ مُوسى المُنْشِئُ خَواطِرَ العُقُوبَةِ لِأخِيهِ ولِقَوْمِهِ وإلْقاءُ الألْواحِ حَتّى انْكَسَرَتْ، بِكَلامِ شَخْصٍ يُغْرِيهِ بِذَلِكَ، وحَسَّنَ هَذا التَّشْبِيهَ أنَّ الغَضْبانَ يَجِيشُ في نَفْسِهِ حَدِيثٌ لِلنَّفْسِ يَدْفَعُهُ إلى أفْعالٍ يُطْفِئُ بِها ثَوَرانَ غَضَبِهِ، فَإذا سَكَنَ غَضَبُهُ وهَدَأتْ نَفْسُهُ كانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ سُكُوتِ المُغْرِي، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ السُّكُوتُ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ تَشْبِيهَ الغَضَبِ بِالنّاطِقِ المُغْرِي عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، فاجْتَمَعَ اسْتِعارَتانِ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ لِأنَّهُ لَمْ تُذْكَرِ الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها ورُمِزَ إلَيْها بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن رَوادِفِها وهو السُّكُوتُ وفي هَذا ما يُؤَيِّدُ أنَّ إلْقاءَ الألْواحِ كانَ أثَرًا لِلْغَضَبِ. والتَّعْرِيفُ في الألْواحِ لِلْعَهْدِ، أيِ الألْواحَ الَّتِي ألْقاها، وإنَّما أخَذَها حِفْظًا لَها لِلْعَمَلِ بِها لِأنَّ انْكِسارَها لا يُضِيعُ ما فِيها مِنَ الكِتابَةِ. والنُّسْخَةُ بِمَعْنى المَنسُوخِ كالخُطْبَةِ والقُبْضَةِ، والنَّسْخُ هو نَقْلُ مِثْلِ المَكْتُوبِ في لَوْحٍ أوْ صَحِيفَةٍ أُخْرى، وما يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الألْواحَ أُخِذَتْ مِنها نُسْخَةٌ لِأنَّ النُّسْخَةَ أُضِيفَتْ إلى ضَمِيرِ الألْواحِ، وهَذا مِنَ الإيجازِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أخَذَ الألْواحَ فَجُعِلَتْ مِنها نُسْخَةٌ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ، وهَذا يُشِيرُ إلى ما في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ " ثُمَّ قالَ الرَّبُّ لِمُوسى انْحِتْ لَكَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ مِثْلَ الأوَّلَيْنِ فَأكْتُبُ أنا عَلى اللَّوْحَيْنِ الكَلِماتِ الَّتِي كانَتْ عَلى اللَّوْحَيْنِ الأوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرْتَهُما - ثُمَّ قالَ - فَنَحَتَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ كالأوَّلَيْنِ إلَهانِ - قالَ -: وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى اكْتُبْ لِنَفْسِكَ هَذِهِ الكَلِماتِ - إلى أنْ قالَ -: فَكَتَبَ عَلى اللَّوْحَيْنِ كَلِماتِ العَهْدِ الكَلِماتِ العَشْرَ. فَوَصْفُ النُّسْخَةِ بِأنَّ فِيها هُدًى ورَحْمَةً يَسْتَلْزِمُ الأصْلَ المُنْتَسَخَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ ما في النُّسْخَةِ نَظِيرُ ما في الأصْلِ، وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ النُّسْخَةِ هُنا إشارَةً إلى أنَّ اللَّوْحَيْنِ الأصْلِيَّيْنِ عُوِّضا بِنُسْخَةٍ لَهُما، وقَدْ قِيلَ: إنَّ رُضاضَ الألْواحِ الأصْلِيَّةِ وضَعَهُ في تابُوتِ العَهْدِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ [البقرة: ٢٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يَتَنازَعُ تَعَلُّقَهُ كُلٌّ مِن (هُدًى) و(رَحْمَةٌ)، واللّامُ في قَوْلِهِ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لامُ التَّقْوِيَةِ دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ لِضَعْفِ العامِلِ صفحة ١٢٣ بِتَأْخِيرِهِ عَنِ المَعْمُولِ.

الأعراف 7:155

﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] عُطِفَتْ جُمْلَةُ واخْتارَ مُوسى عَلى جُمْلَةِ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ: لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ أيْضًا مِن مَواقِعِ المَوْعِظَةِ والعِبْرَةِ بَيْنَ العِبَرِ المَأْخُوذَةِ مِن قِصَّةِ مُوسى مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّ في هَذِهِ عِبْرَةً بِعَظَمَةِ اللَّهِ - تَعالى - ورَحْمَتِهِ، ودُعاءُ مُوسى بِما فِيهِ جُمّاعُ الخَيْراتِ، والبِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ومِلاكُ شَرِيعَتِهِ. والِاخْتِيارُ تَمْيِيزُ المَرْغُوبِ مِن بَيْنِ ما هو مَخْلُوطٌ مِن مَرْغُوبٍ وضِدِّهِ، وهو زِنَةُ افْتِعالٍ مِنَ الخَيْرِ صِيغَ الفِعْلُ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى مُطاوَعَةٍ لِفِعْلِ (خارَ) . وقَوْلُهُ سَبْعِينَ رَجُلًا بَدَلٌ مِن (قَوْمَهُ) بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ إنَّما نُصِبَ (قَوْمَهُ) عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ: اخْتارَ مِن قَوْمِهِ، قالُوا وحَذْفُ الجارِ مِنَ المُتَعَلِّقِ الَّذِي هو في رُتْبَةِ المَفْعُولِ الثّانِي شائِعٌ في ثَلاثَةِ أفْعالٍ: اخْتارَ، واسْتَغْفَرَ وأمَرَ، ومِنهُ أمَرْتُكَ الخَيْرَ وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ (سَبْعِينَ) مَفْعُولًا أوَّلًا. وأيًّا ما كانَ فَبِناءُ نَظْمِ الكَلامِ عَلى ذِكْرِ القَوْمِ ابْتِداءً دُونَ الِاقْتِصارِ عَلى سَبْعِينَ رَجُلًا اقْتَضاهُ حالُ الإيجازِ في الحِكايَةِ، وهو مِن مَقاصِدِ القُرْآنِ. وهَذا الِاخْتِيارُ وقَعَ عِنْدَما أمَرَهُ اللَّهُ بِالمَجِيءِ لِلْمُناجاةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآيَةَ، فَقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ”أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَصْعَدَ طُورَ سِينا هو و(هارُونُ) و(نادابُ) و(أبِيهُو) و(يَشُوعُ) وسَبْعُونَ مِن شُيُوخِ بَنِي إسْرائِيلَ ويَكُونُ شُيُوخُ بَنِي إسْرائِيلَ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الجَبَلِ ويَتَقَدَّمُ مُوسى حَتّى يَدْخُلَ في السَّحابِ لِيَسْمَعَ كَلامَ صفحة ١٢٤ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ لَمّا تَجَلّى لِلْجَبَلِ ارْتَجَفَ الجَبَلُ ومَكَثَ مُوسى أرْبَعِينَ يَوْمًا. وجاءَ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ والَّذِي بَعْدَهُ، بَعْدَ ذِكْرِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ وكَسْرِ الألْواحِ، أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى بِأنْ يَنْحِتَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ مِثْلَ الأوَّلَيْنِ لِيَكْتُبَ عَلَيْهِما الكَلِماتِ العَشْرَ المَكْتُوبَةَ عَلى اللَّوْحَيْنِ المُنْكَسِرَيْنِ وأنْ يَصْعَدَ إلى طُورِ سِينا وذُكِرَتْ صِفَةُ صُعُودٍ تُقارِبُ الصِّفَةَ الَّتِي في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ، وأنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى مَن أخْطَأ أمْحُوهُ مِن كِتابِي، وأنَّ مُوسى سَجَدَ لِلَّهِ - تَعالى - واسْتَغْفَرَ لِقَوْمِهِ قِلَّةَ امْتِثالِهِمْ وقالَ:“ فَإنْ غَفَرْتَ خَطِيئَتَهم وإلّا فامْحُنِي مِن كِتابِكَ. ”وجاءَ في الإصْحاحِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: أنَّ مُوسى لَمّا صَعِدَ الطُّورَ في المُناجاةِ الثّانِيَةِ صامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَأْكُلُ طَعامًا ولا يَشْرَبُ ماءً اسْتِغْفارًا لِخَطِيئَةِ قَوْمِهِ وطَلَبًا لِلْعَفْوِ عَنْهم. فَتَبَيَّنَ مِمّا في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِمُوسى مِيقاتَيْنِ لِلْمُناجاةِ، وأنَّهُ اخْتارَ سَبْعِينَ رَجُلًا لِلْمُناجاةِ الأُولى ولَمْ تَذْكُرِ اخْتِيارَهم لِلْمُناجاةِ الثّانِيَةِ، ولَمّا كانَتِ المُناجاةُ الثّانِيَةُ كالتَّكْمِلَةِ لِلْأُولى تَعَيَّنَ أنَّ مُوسى اسْتَصْحَبَ مَعَهُ السَبْعِينَ المُخْتارِينَ، ولِذَلِكَ وقَعَتْ فِيها الرَّجْفَةُ مِثْلَ المَرَّةِ الأُولى، ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ أنَّ الرَّجْفَةَ أخَذَتْهم في المَرَّةِ الأُولى، وإنَّما ذَكَرَ أنَّ مُوسى خَرَّ صَعِقًا، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ السَبْعُونَ قَدْ أصابَهم ما أصابَ مُوسى لِأنَّهم كانُوا في الجَبَلِ أيْضًا، وذَكَرَ الرَّجْفَةَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ ولَمْ تَذْكُرْها التَّوْراةُ. والضَّمِيرُ في أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لِلسَّبْعِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو حِكايَةُ حالِ مِيقاتِ المُناجاةِ الثّانِيَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها الِاسْتِغْفارُ لِقَوْمِهِ، وأنَّ الرَّجْفَةَ المَحْكِيَّةَ هُنا رَجْفَةٌ أخَذَتْهم مِثْلُ الرَّجْفَةِ الَّتِي أخَذَتْهم في المُناجاةِ الأُولى؛ لِأنَّ الرَّجْفَةَ تَكُونُ مِن تَجَلِّي أثَرٍ عَظِيمٍ مِن آثارِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ، فَإنَّ قَوْلَ مُوسى أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا يُؤْذِنُ بِأنَّهُ يَعْنِى بِهِ عِبادَتَهُمُ العِجْلَ، وحُضُورَهم ذَلِكَ، وسُكُوتَهم، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ وقَدْ خَشِيَ مُوسى أنَّ تِلْكَ الرَّجْفَةَ مُقَدِّمَةُ عَذابٍ كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَخْشى الرِّيحَ أنْ يَكُونَ مَبْدَأ عَذابٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في المُناجاةِ الأُولى وأنَّ قَوْلَهُ بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا يَعْنِي بِهِ ما صَدَرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّصَلُّبِ قَبْلَ المُناجاةِ، كَقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، وسُؤالِهِمْ رُؤْيَةَ اللَّهِ - تَعالى - . لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ (فَعَلَ) صفحة ١٢٥ فِي قَوْلِهِ ﴿بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ . والحاصِلُ أنَّ مَوْضِعَ العِبْرَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ هو التَّوَقِّي مِن غَضَبِ اللَّهِ، وخَوْفُ بَطْشِهِ، ومَقامُ الرُّسُلِ مِنَ الخَشْيَةِ، ودُعاءُ مُوسى، إلَخْ. وقَدْ صِيغَ نَظْمُ الكَلامِ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ عَلى نَحْوِ ما صِيغَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] كَما تَقَدَّمَ. والأخْذُ مَجازٌ في الإصابَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَمَكِّنَةِ تَمَكُّنَ الآخِذِ مِنَ المَأْخُوذِ. و(لَوْ) في قَوْلِهِ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في التَّمَنِّي وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ ناشِئٌ مِن مَعْنى الِامْتِناعِ الَّذِي هو مَعْنى لَوِ الأصْلِيُّ ومِنهُ قَوْلُ المَثَلِ“ لَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي ”إذْ تَقْدِيرُ الجَوابِ. لَوْ لَطَمَتْنِي لَكانَ أهْوَنَ عَلَيَّ، وقَدْ صُرِّحَ بِالجَوابِ في الآيَةِ وهو (شِئْتَ أهْلَكْتَهم) أيْ لَيْتَكَ أرَدْتَ إهْلاكَهم أيِ السَبْعِينَ الَّذِينَ مَعَهُ، فَجُمْلَةُ أهْلَكْتَهم بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (شِئْتَ) مِن قِبَلِ خَطِيئَةِ القَوْمِ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الرُّجُوعُ إلى المُناجاةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ في (لَوْ) لا يَكُونُ، في قَوْلِهِ (أهْلَكْتَهم) حَذْفُ اللّامِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَقْتَرِنَ بِجَوابِ (لَوْ) وإنَّما قالَ أهْلَكْتَهم وإيّايَ ولَمْ يَقُلْ: أهْلَكْتَنا، لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإهْلاكَيْنِ لِأنَّ إهْلاكَ السَبْعِينَ لِأجْلِ سُكُوتِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وإهْلاكَ مُوسى قَدْ يَكُونُ لِأجْلِ أنْ لا يَشْهَدَ هَلاكَ القَوْمِ، قالَ - تَعالى - فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا الآيَةَ ونَظائِرُها كَثِيرَةٌ وقَدْ خَشِيَ مُوسى أنَّ اللَّهَ يُهْلِكُ جَمِيعَ القَوْمِ بِتِلْكَ الرَّجْفَةِ لِأنَّ سائِرَ القَوْمِ أجْدَرُ بِالإهْلاكِ مِنَ السَّبْعِينَ، وقَدْ أشارَتِ التَّوْراةُ إلى هَذا في الإصْحاحِ“ فَرَجَعَ مُوسى إلى اللَّهِ وقالَ أنَّ الشَّعْبَ قَدْ أخْطَأ خَطِيئَةً عَظِيمَةً وصَنَعُوا لِأنْفُسِهِمْ آلِهَةً فَإنْ غَفَرْتَ لَهم خَطِيئَتَهم وإلّا فامْحُنِي مِن كِتابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ. فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى مَن أخْطَأْ إلَيَّ أمْحُوهُ مِن كِتابِي ”. فالمَحْوُ مِنَ الكِتابِ هو مَحْوُ تَقْدِيرِ اللَّهِ لَهُ الحَياةَ مَحْوَ غَضَبٍ، وهو المَحْكِيُّ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ وقَدْ خَشِيَ مُوسى أنْ تَكُونَ تِلْكَ الرَّجْفَةُ أمارَةَ غَضَبٍ ومُقَدِّمَةَ إهْلاكٍ عُقُوبَةً عَلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، فَلِذَلِكَ قالَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا فالسُّفَهاءُ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ وسُمِّيَ شِرْكُهم سَفَهًا لِأنَّهُ شِرْكٌ مَشُوبٌ بِخِسَّةِ عَقْلٍ إذْ جَعَلُوا صُورَةً صَنَعُوها بِأنْفُسِهِمْ إلَهًا لَهم. صفحة ١٢٦ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَرْفُ (لَوْ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الأصْلِيِّ: مِنَ امْتِناعِ جَوابِهِ لِامْتِناعِ شَرْطِهِ، فَيُتَّجَهُ أنْ يُتَساءَلَ عَنْ مُوجِبِ حَذْفِ اللّامِ مِن جَوابِ (لَوْ) ولَمْ يَقُلْ: لَأهْلَكْتَهم مَعَ أنَّ الغالِبَ في جَوابِها الماضِي المُثْبَتِ أنْ يَقْتَرِنَ بِاللّامِ فَحَذْفُ اللّامِ هُنا لِنُكْتَةِ أنَّ التَّلازُمَ بَيْنَ شَرْطِ (لَوْ) وجَوابِها هُنا قَوِيٌ لِظُهُورِ أنَّ الإهْلاكَ مِن فِعْلِ اللَّهِ وحْدَهُ فَهو كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] سُورَةُ الواقِعَةِ وسَيَأْتِي بَيانُهُ، ويَكُونُ المَعْنى اعْتِرافًا بِمِنَّةِ العَفْوِ عَنْهم فِيما سَبَقَ، وتَمْهِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ العَفْوِ عَنْهُمُ الآنَ، وهو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ﴾ أيِ إنَّكَ لَمْ تَشَأْ إهْلاكَهم حِينَ تَلَبَّسُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ فَلا تُهْلِكْهُمُ الآنَ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ أتُهْلِكُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّفَجُّعِ أيْ: أخْشى ذَلِكَ؛ لِأنَّ القَوْمَ اسْتَحَقُّوا العَذابَ ويَخْشى أنْ يَشْمَلَ عَذابُ اللَّهِ مَن كانَ مَعَ القَوْمِ المُسْتَحِقِّينَ وإنْ لَمْ يُشارِكْهم في سَبَبِ العَذابِ، كَما قالَ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وفي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» وفي حَدِيثٍ آخَرَ، «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» وقَدْ خَشِيَ مُوسى سُوءَ الظِّنَّةِ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ ولِلْبُراءِ مِن قَوْمِهِ أنْ يَظُنَّهُمُ الأُمَمُ الَّتِي يَبْلُغُها خَبَرُهم أنَّهم مُجْرِمُونَ. وإنَّما جُمِعُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ أتُهْلِكُنا لِأنَّ هَذا الإهْلاكَ هو الإهْلاكُ المُتَوَقَّعُ مِنَ اسْتِمْرارِ الرَّجْفَةِ، وتَوَقُّعِهِ واحِدٌ في زَمَنٍ واحِدٍ، بِخِلافِ الإهْلاكِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فَسَبَبُهُ مُخْتَلِفٌ فَناسَبَ تَوْزِيعَ مَفْعُولِهِ. وجُمْلَةُ أتُهْلِكُنا مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى طَرِيقَةِ تَقْطِيعِ كَلامِ الحَزِينِ الخائِفِ السّائِلِ. وكَذَلِكَ جُمْلَةُ إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ وجُمْلَةُ أنْتَ ولِيُّنا. وضَمِيرُ إنْ هي راجِعٌ إلى ما فَعَلَ السُّفَهاءُ لِأنَّ ماصَدَقَ ما فَعَلَ السُّفَهاءُ هو الفِتْنَةُ، والمَعْنى: لَيْسَتِ الفِتْنَةُ الحاصِلَةُ بِعِبادَةِ العِجْلِ إلّا فِتْنَةً مِنكَ، أيْ مِن تَقْدِيرِكَ وخَلْقِ أسْبابِ حُدُوثِها، مِثْلَ سَخافَةِ عُقُولِ القَوْمِ، وإعْجابِهِمْ بِأصْنامِ الكَنْعانِيِّينَ، وغَيْبَةِ مُوسى، ولِينِ هارُونَ، وخَشْيَتِهِ مِنَ القَوْمِ، وخَشْيَةِ شُيُوخِ إسْرائِيلَ مِن عامَّتِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ وأيْقَنَ مُوسى بِهِ إيقانًا إجْمالِيًّا. والخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ الآيَةَ: مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّمْجِيدِ بِسِعَةِ صفحة ١٢٧ العِلْمِ والقُدْرَةِ، والتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ اسْتِبْقائِهِمْ وهِدايَتِهِمْ، ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في الِاعْتِذارِ لِقَوْمِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ الَّذِي هو في مَوْضِعِ الحالِ مِن فِتْنَتِكَ فالإضْلالُ بِها حالٌ مِن أحْوالِها. ثُمَّ عَرَّضَ بِطَلَبِ الهِدايَةِ لَهم بِقَوْلِهِ ﴿وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ بِها مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (تُضِلُّ) وحْدَهُ ولا يَتَنازَعُهُ مَعَهُ فِعْلُ (تَهْدِي) لِأنَّ الفِتْنَةَ لا تَكُونُ سَبَبَ هِدايَةٍ بِقَرِينَةِ تَسْمِيَتِها فِتْنَةً، فَمَن قَدَّرَ في التَّفْسِيرِ: وتَهْدِي بِها أوْ نَحْوَهُ، فَقَدْ غَفَلَ. والباءُ: إمّا لِلْمُلابَسَةِ، أيْ تُضِلُّ مَن تَشاءُ مُلابِسًا لَها، وإمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: تُضِلُّ بِسَبَبِ تِلْكَ الفِتْنَةِ، فَهي مِن جِهَةٍ فِتْنَةٌ، ومِن جِهَةٍ سَبَبُ ضَلالٍ. والفِتْنَةُ ما يَقَعُ بِهِ اضْطِرابُ الأحْوالِ، ومَرَجُها، وتَشَتُّتُ البالِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] في سُورَةِ العُقُودِ وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. والقَصْدُ مِن جُمْلَةِ ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ الِاعْتِرافُ بِالِانْقِطاعِ لِعِبادَةِ اللَّهِ - تَعالى -، تَمْهِيدًا لِمَطْلَبِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الوَلِيِّ أنْ يَرْحَمَ مَوْلاهُ ويَنْصُرَهُ. والوَلِيُّ: الَّذِي لَهُ وِلايَةٌ عَلى أحَدٍ، والوِلايَةُ حَلْفٌ أوْ عِتْقٌ يَقْتَضِي النُّصْرَةَ والإعانَةَ، فَإنْ كانَ مِن جانِبَيْنِ مُتَكافِئَيْنِ فَكِلا المُتَعاقِدَيْنِ يُقالُ لَهُ مَوْلًى، وإنْ كانَ أحَدُ الجانِبَيْنِ أقْوى قِيلَ لِلْقَوِيِّ ولِيٌّ ولِلضَّعِيفِ مَوْلًى وإذْ قَدْ كانَتِ الوِلايَةُ غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّعَدُّدِ؛ لِأنَّ المَرْءَ لا يَتَوَلّى غَيْرَ مَوالِيهِ، كانَ قَوْلُهُ ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ مُقْتَضِيًا عَدَمَ الِانْتِصارِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وفي صَرِيحِهِ صِيغَةُ قَصْرٍ. والتَّفْرِيعُ عَنِ الوِلايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ تَفْرِيعُ كَلامٍ عَلى كَلامٍ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ الوَلِيَّ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الغُفْرانُ. وقَدَّمَ المَغْفِرَةَ عَلى الرَّحْمَةِ لِأنَّ المَغْفِرَةَ سَبَبٌ لِرَحَماتٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّ المَغْفِرَةَ تَنْهِيةٌ لِغَضَبِ اللَّهِ المُتَرَتِّبِ عَلى الذَّنْبِ، فَإذا انْتَهى الغَضَبُ تَسَنّى أنْ يَخْلُفَهُ الرِّضا. والرِّضا يَقْتَضِي الإحْسانَ. صفحة ١٢٨ و﴿خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ الَّذِي يَغْفِرُ كَثِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وإنَّما عَطَفَ جُمْلَةَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ في مَعْنى طَلِبِ المَغْفِرَةِ العَظِيمَةِ، فَعُطِفَ عَلى الدُّعاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا واغْفِرْ لَنا جَمِيعَ ذُنُوبِنا؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ في المَغْفِرَةِ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ. (واكْتُبْ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى العَطاءِ المُحَقِّقِ حُصُولُهُ، المُجَدَّدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يُرِيدُ تَحْقِيقَ عَقْدٍ، أوْ عِدَةٍ، أوْ عَطاءٍ، وتَعَلُّقُهُ بِالتَّجَدُّدِ في المُسْتَقْبَلِ يَكْتُبُ بِهِ في صَحِيفَةٍ، فَلا يَقْبَلُ النُّكْرانَ، ولا النُّقْصانَ، ولا الرُّجُوعَ، وتُسَمّى تِلْكَ الكِتابَةُ عَهْدًا، ومِنهُ ما كَتَبُوهُ في صَحِيفَةِ القَطِيعَةِ، وما كَتَبُوهُ مِن حِلْفِ ذِي المَجازِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ. حَذَرَ الجَوْرَ والتَّطاخِـي وهَـلْ يَنْــ ـــقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءِ ولَوْ كانَ العَطاءُ أوِ التَّعاقُدُ لِمَرَّةٍ واحِدَةٍ لَمْ يَحْتَجْ لِلْكِتابَةِ؛ لِأنَّ الحَوْزَ أوِ التَّمْكِينَ مُغْنٍ عَنِ الكِتابَةِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جَناحٌ أنْ لا تَكْتُبُوها﴾ [البقرة: ٢٨٢] . فالمَعْنى: آتِنا الحَسَنَةَ تِلْوَ الحَسَنَةِ في أزْمانِ حَياتِنا وفي يَوْمِ القِيامَةِ، دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى لَفْظُ اكْتُبْ ولَوْلاهُ لَكانَ دُعاءً صادِقًا بِإعْطاءِ حَسَنَةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْتاجُ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى العُمُومِ بِقَرِينَةِ الدُّعاءِ، فَإنَّ النَّكِرَةَ يُرادُ بِها العُمُومُ في سِياقِ الدُّعاءِ كَقَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الخامِسَةِ: “ يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمْ ضُرًّا " . أيْ: كُلَّ ضُرٍّ ولَيْسَ المُرادُ وُقِيتُمْ ضُرًّا مُعَيَّنًا، والحَسَنَةُ: الحالَةُ الحَسَنَةُ، وهي: في الدُّنْيا المُرْضِيَةُ لِلنّاسِ، ولِلَّهِ - تَعالى -، فَتَجْمَعُ خَيْرَ الدُّنْيا والدِّينِ، وفي الآخِرَةِ حالَةُ الكَمالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلطَّلَبِ والِاسْتِجابَةِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولِأنَّ مَوْقِعَ حَرْفِ التَّأْكِيدِ في أوَّلِها مَوْقِعُ الِاهْتِمامِ، فَيُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، ويُغْنِي غِناءَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. و(هُدْنا) مَعْناهُ تُبْنا، يُقالُ: هادَ يَهُودُ إذا رَجَعَ وتابَ فَهو مَضْمُومُ الهاءِ صفحة ١٢٩ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِاتِّفاقِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ والمَعْنى تُبْنا مِمّا عَسى أنْ نَكُونَ ألْمَمْنا بِهِ مِن ذَنْبٍ وتَقْصِيرٍ، وهَذا إخْبارٌ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنِ المُخْتارِينَ مِن قَوْمِهِ، بِما يَعْلَمُ مِن صِدْقِ سَرائِرِهِمْ.

الأعراف 7:156

﴿قالَ عَذابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسَعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيءَ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْرَيةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ أمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ جُمْلَةُ قالَ إلَخْ جَوابٌ لِكَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِوُقُوعِها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وكَلامُ مُوسى، وإنْ كانَ طَلَبًا، وهو لا يَسْتَدْعِي جَوابًا، فَإنَّ جَوابَ الطّالِبِ عِنايَةٌ بِهِ وفَضْلٌ. والمُرادُ بِالعَذابِ هُنا عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الكَلامَ جَوابٌ لِقَوْلِ مُوسى ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . والإهْلاكُ عَذابٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا يُصِيبُ اللَّهُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ سَبَبَ المَشِيئَةِ وهو أعْلَمُ بِهِ، ومُوسى يَعْلَمُهُ إجْمالًا، فالكَلامُ يَتَضَمَّنُ طَمْأنَةَ مُوسى مِن أنْ يَنالَهُ العَذابُ هو والبُرَآءُ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ مِن أنْ يُعامِلَهم مُعامَلَةَ المُجْرِمِينَ، والمَعْنى: إنِّي قادِرٌ عَلى تَخْصِيصِ العَذابِ بِمَن عَصَوْا وتَنْجِيَةِ مَن لَمْ يُشارِكْ في العِصْيانِ، وجاءَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةٍ مُجْمَلَةٍ شَأْنَ كَلامِ مَن لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وقَوْلُهُ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مُقابِلُ قَوْلِ مُوسى فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا، وهو وعْدُ تَعْرِيضٍ بِحُصُولِ الرَّحْمَةِ المَسْئُولَةِ لَهُ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُخْتارِينَ، لِأنَّها لَمّا صفحة ١٣٠ وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَهم أرْجى النّاسِ بِها، وأنَّ العاصِينَ هم أيْضًا مَغْمُورُونَ بِالرَّحْمَةِ، فَمِنها رَحْمَةُ الإمْهالِ والرِّزْقِ، ولَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عِبادَهَ ذاتُ مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ. وقَوْلُهُ ﴿عَذابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ إلى قَوْلِهِ كُلَّ شَيْءٍ جَوابٌ إجْمالِيٌّ، هو تَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ في قَوْلِهِ فَسَأكْتُبُها. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ فَسَأكْتُبُها تَفْرِيعٌ عَلى سِعَةِ الرَّحْمَةِ، لِأنَّها لَمّا وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ كانَ مِنها ما يُكْتَبُ أيْ يُعْطى في المُسْتَقْبَلِ لِلَّذِينَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وعْدًا لِمُوسى ولِصُلَحاءَ قَوْمِهِ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّلاتِ فِيهِمْ، وهو وعْدُ ناظِرٍ إلى قَوْلِ مُوسى ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في أكْتُبُها عائِدٌ إلى ﴿رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] فَهو ضَمِيرُ جِنْسٍ، وهو مُساوٍ لِلْمُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، أيِ اكْتُبُ فَرْدًا مِن هَذا الجِنْسِ لِأصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يَكْتُبُ جَمِيعَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ لِأنَّ هَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الِاسْتِعْمالِ في الإخْبارِ عَنِ الأجْناسِ، لَكِنْ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الرَّحْمَةِ نَوْعٌ عَظِيمٌ بِقَرِينَةِ الثَّناءِ عَلى مُتَعَلِّقِها بِصِفاتٍ تُؤْذِنُ بِاسْتِحْقاقِها، وبِقَرِينَةِ السُّكُوتِ عَنْ غَيْرِهِ، فَيُعْلَمُ أنَّ لِهَذا المُتَعَلِّقِ رَحْمَةً خاصَّةً عَظِيمَةً وأنَّ غَيْرَهُ داخِلٌ في بَعْضِ مَراتِبِ عُمُومِ الرَّحْمَةِ المَعْلُومَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَدْ أفْصَحَ عَنْ هَذا المَعْنى الحَصْرُ في قَوْلِهِ في آخِرِ الآيَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. وتَقَدَّمَ مَعْنى أكْتُبُها قَرِيبًا. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٩] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمَعْنى: أنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي سَألَها مُوسى لَهُ ولِقَوْمِهِ وعَدَ اللَّهُ بِإعْطائِها لِمَن كانَ مِنهم مُتَّصِفًا بِأنَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ والمُؤْتِينَ الزَّكاةَ، ولِمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِآياتِ اللَّهِ، والآياتُ تَصْدُقُ: بِدَلائِلِ صِدْقِ الرُّسُلِ، وبِكَلِماتِ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَ بِها لِلنّاسِ رَشادَهم وهَدْيَهم، ولا سِيَّما القُرْآنُ لِأنَّ كُلَّ مِقْدارِ ثَلاثِ آياتٍ مِنهُ هو آيَةٌ لِأنَّهُ مُعْجِزٌ فَدالٌّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، وهو المَقْصُودُ هُنا، وهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الأُمِّيَّ إذا جاءَهم، أيْ يُطِيعُونَهُ فِيما يَأْمُرُهم، ولَمّا جُعِلَتْ هَذِهِ الأشْياءُ بِسَبَبِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ صفحة ١٣١ عُلِمَ أنَّ التَّحْصِيلَ عَلى بَعْضِها يُحَصِّلُ بَعْضَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ بِما يُناسِبُهُ، بِشَرْطِ الإيمانِ، كَما عُلِمَ مِن آياتٍ أُخْرى خاطَبَ اللَّهُ بِها مُوسى كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا﴾ [الأعراف: ١٥٣] فَتَشْمَلُ هَذِهِ الرَّحْمَةُ مَنِ اتَّقى وآمَنَ وآتى الزَّكاةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ اتِّباعَهم إيّاهُ مُتَعَذَّرُ الحُصُولِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ. ولَكِنْ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا عازِمِينَ عَلى اتِّباعِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ أنْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ كَما قالَ - تَعالى - ”﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢]“ . وتَشْمَلُ الرَّحْمَةُ أيْضًا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ، والمَعْنِيُّ بِها الآياتُ الَّتِي سَتَجِيءُ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ آياتِ مُوسى قَدِ اسْتَقَرَّ الإيمانُ بِها يَوْمَئِذٍ، وهَذا مُوجِبُ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ في ذِكْرِ أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم طائِفَةٌ أُخْرى، وهم مَن يَكُونُ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ولِذَلِكَ أُبْدِلَ مِنهم قَوْلُهُ (﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾) إلَخْ. وهو إشارَةٌ إلى اليَهُودِ والنَّصارى الكائِنِينَ في زَمَنِ البِعْثَةِ وبَعْدَها لِقَوْلِهِ ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا أهْلَ شَرِيعَةٍ فِيها شِدَّةٌ وحَرَجٌ، والمُرادُ بِآياتِ اللَّهِ: القُرْآنُ؛ لِأنَّ ألْفاظَهُ هي المَخْصُوصَةُ بِاسْمِ الآياتِ لِأنَّها جُعِلَتْ مُعْجِزاتٍ لِلْفُصَحاءِ عَنْ مُعارَضَتِها، ودالَّةً عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ وعَلى صِدْقِ رَسُولِهِ، كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ بِشارَةٌ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهي مُشِيرَةٌ إلى ما في التَّوْراةِ مِنَ الإصْحاحِ العاشِرِ حَتّى الرّابِعَ عَشَرَ، والإصْحاحِ الثّامَنَ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: فَإنَّ مُوسى بَعْدَ أنْ ذَكَّرَهم بِخَطِيئَةِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وذَكَرَ مُناجاتَهُ لِلَّهِ لِلدُّعاءِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ، كَما تَضَمَّنَهُ الإصْحاحُ التّاسِعُ مِن ذَلِكَ السِّفْرِ، وذَكَرْناهُ آنِفًا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . ثُمَّ ذَكَرَ في الإصْحاحِ العاشِرِ أمْرَهم بِالتَّقْوى بِقَوْلِهِ: ”فالآنَ يا إسْرائِيلُ ما يَطْلُبُ مِنكَ الرَّبُّ إلّا أنْ تَتَّقِيَ رَبَّكَ لِتَسْلُكَ في طُرُقِهِ وتُحِبَّهُ“، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ وفي الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ وصايا تَفْصِيلًا لِلتَّقْوى، ثُمَّ ذَكَرَ في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ الزَّكاةَ فَقالَ ”تَعْشِيرًا تُعَشِّرُ كُلَّ مَحْصُولِ زَرْعِكَ صفحة ١٣٢ سَنَةً بِسَنَةٍ عَشِّرْ حِنْطَتَكَ وخَمْرَكَ وزَيْتَكَ وإبْكارَ بَقَرِكَ وغَنَمِكَ وفي آخِرِ ثَلاثِ سِنِينَ تُخْرِجُ كُلَّ عُشْرِ مَحْصُولِكَ في تِلْكَ السَّنَةِ فَتَضَعُهُ في أبْوابِكَ فَيَأْتِي اللّاوِي والغَرِيبُ واليَتِيمُ والأرْمَلَةُ الَّذِينَ عَلى أبْوابِكَ فَيَأْكُلُونَ ويَشْبَعُونَ“ إلَخْ. ثُمَّ ذَكَرَ أحْكامًا كَثِيرَةً في الإصْحاحاتِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ. ثُمَّ في الإصْحاحِ الثّامِنَ عَشَرَ قَوْلُهُ: ”يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ نَبِيًّا ومِن وسَطِ إخْوَتِكَ مِثْلِي لَهُ تَسْمَعُونَ حَسَبَ كُلِّ ما طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ في حُورِيبَ“ أيْ جَبَلِ الطُّورِ حِينَ المُناجاةِ ”يَوْمَ الِاجْتِماعِ قالَ لِيَ الرَّبُّ أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ“ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذا النَّبِيءَ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ مِن وسَطِ إخْوَتِكَ فَإنَّ الخِطابَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ولا يَكُونُونَ إخْوَةً لِأنْفُسِهِمْ. وإخْوَتُهم هم أبْناءُ أخِي أبِيهِمْ: إسْماعِيلَ أخِي إسْحاقَ، وهُمُ العَرَبُ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ نَبِيئًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ (صَمْوِيلَ) كَما يُؤَوِّلُهُ اليَهُودُ لَقالَ: مِن بَيْنِكم أوْ مِن وسَطِكم، وعُلِمَ أنَّ النَّبِيءَ رَسُولٌ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ مِن قَوْلِهِ ”مِثْلَكَ“ فَإنَّ مُوسى كانَ نَبِيًّا رَسُولًا، فَقَدَ جَمَعَ القُرْآنُ ذَلِكَ كُلَّهُ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ. ومِن نُكَتِ القُرْآنِ الجَمْعُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ وصْفَيِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اليَهُودَ بَدَّلُوا وصْفَ الرَّسُولِ وعَبَّرُوا عَنْهُ بِالنَّبِيءِ لِيَصْدُقَ عَلى أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وغَفَلُوا عَنْ مُفادِ قَوْلِهِ ”مِثْلَكَ“، وحَذَفُوا وصْفَ الأُمِّيِّ، وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَبَبَ إسْلامِ الحَبْرِ العَظِيمِ الأنْدَلُسِيِّ السَّمَوْألِ بْنِ يَحْيى اليَهُودِيِّ، كَما حَكاهُ عَنْ نَفْسِهِ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ غايَةَ المَقْصُودِ في الرَّدِّ عَلى النَّصارى واليَهُودِ. فَهَذِهِ الرَّحْمَةُ العَظِيمَةُ تَخْتَصُّ بِالَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وتَشْمَلُ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكانُوا عالِمِينَ بِبَعْثَتِهِ يَقِينًا فَهم آمَنُوا بِهِ، وتَنَزَّلُوا مَنزِلَةَ مَنِ اتَّبَعَ ما جاءَ بِهِ، لِأنَّهُمُ اسْتَعَدُّوا لِذَلِكَ، وتَشْمَلُ المُسْلِمِينَ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ غَيْرَ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهم سارُوا - مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اليَهُودِ - في اتَباعِ الرَّسُولِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ. صفحة ١٣٣ وتَقْدِيمُ وصْفِ الرَّسُولِ لِأنَّهُ الوَصْفُ الأخَصُّ الأهَمُّ، ولِأنَّ في تَقْدِيمِهِ زِيادَةَ تَسْجِيلٍ لِتَحْرِيفِ أهْلِ الكِتابِ، حَيْثُ حَذَفُوا هَذا الوَصْفَ لِيَصِيرَ كَلامُ التَّوْراةِ صادِقًا بِمَن أتى بَعْدَ مُوسى مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اشْتُهِرَ بِوَصْفِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ، فَصارَ هَذا المُرَكَّبُ كاللَّقَبِ لَهُ، فَلِذَلِكَ لا يُغَيِّرُ عَنْ شُهْرَتِهِ، وكَذَلِكَ هو حَيْثُما ورَدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ. والأُمِّيُّ: الَّذِي لا يَعْرِفُ الكِتابَةَ والقِراءَةَ، قِيلَ هو مَنسُوبٌ إلى الأُمِّ أيْ هو أشْبَهُ بِأُمِّهِ مِنهُ بِأبِيهِ؛ لِأنَّ النِّساءَ في العَرَبِ ما كُنَّ يَعْرِفْنَ القِراءَةَ والكِتابَةَ، وما تَعَلَّمْنَها إلّا في الإسْلامِ، فَصارَ تَعَلُّمُ القِراءَةِ والكِتابَةِ مِن شِعارِ الحَرائِرِ دُونَ الإماءِ كَما قالَ عُبَيْدٌ الرّاعِي، وهو إسْلامِيٌّ. هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِـرَةٍ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ أمّا الرِّجالُ فَفِيهِمْ مَن يَقْرَأُ ويَكْتُبُ. وقِيلَ: مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ أيِ الَّذِي حالُهُ حالُ مُعْظَمِ الأُمَّةِ، أيِ الأُمَّةِ المَعْهُودَةِ عِنْدَهم وهي العَرَبِيَّةُ، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يَعْرِفُ مِنهُمُ القِراءَةَ والكِتابَةَ إلّا النّادِرُ مِنهم، ولِذَلِكَ يَصِفُهم أهْلُ الكِتابِ بِالأُمِّيِّينَ، لِما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْهم في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] في آلِ عِمْرانَ. والأُمِّيَّةُ وصْفٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ مِن رُسُلِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، إتْمامًا لِلْإعْجازِ العِلْمِيِّ العَقْلِيِّ الَّذِي أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ، فَجَعَلَ الأُمِّيَّةَ وصْفًا ذاتِيًّا لَهُ لِيُتِمَّ بِها وصْفَهُ الذّاتِيَّ وهو الرِّسالَةُ، لِيُظْهِرَ أنَّ كَمالَهُ النَّفْسانِيَّ كَمالٌ لَدُنِّيٌّ إلَهِيٌّ، لا واسِطَةَ فِيهِ لِلْأسْبابِ المُتَعارَفَةِ لِلْكِمالاتِ، وبِذَلِكَ كانَتِ الأُمِّيَّةُ وصْفَ كَمالِ فِيهِ، مَعَ أنَّها في غَيْرِهِ وصْفُ نُقْصانٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَصَلَ لَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ وسَدادِ العَقْلِ ما لا يَحْتِمَلُ الخَطَأ في كُلِّ نَواحِي مَعْرِفَةِ الكِمالاتِ الحَقِّ، وكانَ عَلى يَقِينٍ مِن عِلْمِهِ، وبَيِّنَةٍ مِن أمْرِهِ، ما هو أعْظُمُ مِمّا حَصَلَ لِلْمُتَعَلِّمِينَ، صارَتْ أُمِّيَّتُهُ آيَةً عَلى كَوْنِ ما حَصَلَ لَهُ إنَّما هو مِن فَيُوضاتٍ إلَهِيَّةٍ. ومَعْنى ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ وِجْدانُ صِفاتِهِ ونُعُوتِهِ، الَّتِي لا يُشْبِهُهُ فِيها غَيْرُهُ، فَجُعِلَتْ خاصَّتُهُ بِمَنزِلَةِ ذاتِهِ. وأُطْلِقَ عَلَيْها ضَمِيرُ الرَّسُولِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ مَجازًا بِالِاسْتِخْدامِ صفحة ١٣٤ وإنَّما المَوْجُودُ نَعْتُهُ ووَصْفُهُ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ مَكْتُوبًا فَإنَّ الذّاتَ لا تُكْتَبُ، وعُدِلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَجِدُونَ وصْفًا لا يَقْبَلُ الِالتِباسَ، وهو: كَوْنُهُ أُمِّيًّا، ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، ويُحِلُّ الطَّيِّباتِ، ويُحَرِّمُ الخَبائِثَ، ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم، وشَدَّةَ شَرِيعَتِهِمْ. وذُكِرَ الإنْجِيلُ هُنا لِأنَّهُ مُنَزَّلٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ آمَنَ بِهِ جَمْعٌ مِنهم ومَن جاءَ بَعْدَهم مِن خَلْفِهِمْ، وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ مُوسى بِهَذا. والمَكْتُوبُ في التَّوْراةِ هو ما ذَكَرْناهُ آنِفًا، والمَكْتُوبُ في الإنْجِيلِ بِشاراتٌ جَمَّةٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي بَعْضِها التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ بِعْثَةً عامَّةً، فَفي إنْجِيلِ مَتّى في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ ”ويَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويَضِلُّونَ كَثِيرُونَ ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى (أيْ يَدُومُ شَرْعُهُ إلى نِهايَةِ العالَمِ) فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ شَهادَةٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ، ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى“ أيْ مُنْتَهى الدُّنْيا، وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ ”وأمّا المُعَزّى الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم“ ومَعْنى بِاسْمِي أيْ بِمُماثَلَتِي وهو كَوْنُهُ رَسُولًا مُشَرِّعًا لا نَبِيًّا مُؤَكِّدًا. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي بَيانٌ لِلْمَكْتُوبِ عِنْدَهم ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ يَجِدُونَهُ لِأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ لِلذِّكْرِ والِاسْمِ، والذِّكْرُ والِاسْمُ لا يَأْمُرانِ أيْ: فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الضَّمِيرِ مَجازًا، وكَوْنُ الآمِرِ بِالمَعْرُوفِ هو ذاتُ الرَّسُولِ لا وصْفُهُ وذِكْرُهُ، ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ تَعْرِيفُهم بِها لِتَدُلَّهم عَلى تَعْيِينِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ عِنْدَ مَجِيئِهِ بِشَرِيعَةٍ هَذِهِ صِفاتُها. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ، والطَّيِّباتِ، والخَبائِثَ، والإصْرَ والأغْلالَ مُتَعَلِّقاتٍ لِتَشْرِيعِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ وعَلاماتٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها ما يَتَبادَرُ مِن مَعانِي ألْفاظِها لِلْأفْهامِ المُسْتَقِيمَةِ. صفحة ١٣٥ فالمَعْرُوفُ شامِلٌ لِكُلِّ ما تَقْبَلُهُ العُقُولُ والفِطَرُ السَّلِيمَةُ، والمُنْكَرُ ضِدُّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُما عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ويَجْمَعُها مَعْنى الفِطْرَةِ، الَّتِي هي قِوامُ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وهَذِهِ أوْضَحُ عَلامَةٍ لِتَعَرُّفِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. والطَّيِّباتُ: جَمْعُ طَيِّبَةٍ، وقَدْ رُوعِيَ في التَّأْنِيثِ مَعْنى الأكِيلَةِ، أوْ مَعْنى الطُّعْمَةِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ الطَّيِّباتُ مِنَ المَأْكُولاتِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في نَظائِرِها نَحْوَ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] في البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤] في سُورَةِ المائِدَةِ، ولَيْسَ المُرادُ الأفْعالَ الحَسَنَةَ لِأنَّ الأفْعالَ عُرِّفَتْ بِوَصْفِ المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، والمَأْكُولاتُ لا تَدْخُلُ في المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، إذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ حَظٌّ في التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَقْبُولِها ومَرْفُوضِها، وإنَما تَمْتَلِكُ النّاسَ فِيها عَوائِدُهم، ولَمّا كانَ الإسْلامُ دِينَ الفِطْرَةِ ولا اعْتِدادَ بِالعَوائِدِ فِيهِ، ناطَ حالَ المَأْكُولاتِ بِالطَّيِّبِ وحُرْمَتَها بِالخُبْثِ، فالطَّيِّبُ ما لا ضُرَّ فِيهِ ولا وخامَةَ ولا قَذارَةَ، والخَبِيثُ ما أضَرَّ، أوْ كانَ وخِيمَ العاقِبَةِ، أوْ كانَ مُسْتَقْذَرًا لا يَقْبَلُهُ العُقَلاءُ، كالنَّجاسَةِ وهَذا مِلاكُ المُباحِ والمُحَرَّمِ مِنَ المَآكِلِ، فَلا تَدْخُلُ العاداتُ إلّا في اخْتِيارِ أهْلِها ما شاءُوا مِنَ المُباحِ، فَقَدْ كانَتْ قُرَيْشٌ لا تَأْكُلُ الضَّبَّ، وقَدْ وُضِعَ عَلى مائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَرِهَ أنْ يَأْكُلَ مِنهُ، وقالَ: «ما هو بِحَرامٍ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن طَعامِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أعافُهُ» ولِهَذا فالوَجْهُ: أنَّ كُلَّ ما لا ضُرَّ فِيهِ ولا فَسادَ ولا قَذارَةَ فَهو مُباحٌ، وقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا اعْتِبارًا بِمَضَرَّةٍ خَفِيفَةٍ، فَلِذَلِكَ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومَحْمَلُهُ عِنْدَ مالِكٍ في أشْهَرِ الرِّواياتِ عَنْهُ، عَلى الكَراهَةِ، وهو الَّذِي لا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِيهِ، وأيُّ ضُرٍّ في أكْلِ لَحْمِ الأسَدِ وكَذَلِكَ إباحَةُ أكْلِ الخِشاشِ والحَشَراتِ والزَّواحِفِ البَرِّيَّةِ والبَحْرِيَّةِ لِاخْتِلافِ عَوائِدِ النّاسِ في أكْلِها وعَدَمِهِ، فَقَدْ كانَتْ جَرْمٌ لا يَأْكُلُونَ الدَّجاجَ، وفَقْعَسٌ يَأْكُلُونَ الكَلْبَ، فَلا يُحْجَرُ عَلى قَوْمٍ لِأجْلِ كَراهِيَةِ غَيْرِهِمْ مِمّا كَرِهَهُ ذَوْقُهُ أوْ عادَةُ قَوْمِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا في آيَةِ سُورَةِ المائِدَةِ. فَعَلى الفَقِيهِ أنْ يَقْصُرَ النَّظَرَ عَلى طَبائِعِ صفحة ١٣٦ المَأْكُولاتِ وصِفاتِها، وما جُهِلَتْ بَعْضُ صِفاتِهِ وحَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِثْلُ تَحْرِيمِ الخِنْزِيرِ. ووَضْعُ الإصْرِ إبْطالُ تَشْرِيعِهِ، أيْ بِنَسْخِ ما كانَ فِيهِ شِدَّةٌ مِنَ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ السّابِقَةِ، وحَقِيقَةُ الوَضْعِ الحَطُّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ وهو هُنا مَجازٌ في إبْطالِ التَّكْلِيفِ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ. وحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِحَرْفِ ”في“ الظَّرْفِيَّةِ، فَإذا عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”عَنْ“ دَلَّ عَلى نَقْلِ المَفْعُولِ الأوَّلِ مِن مَدْخُولِ ”عَنْ“ وإذا عُدِّيَ إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِـ ”عَلى“ كانَ دالًّا عَلى حَطِّ المَفْعُولِ الأوَّلِ في مَدْخُولِ ”عَلى“ حَطًّا مُتَمَكِّنًا، فاسْتُعِيرَ (يَضَعُ عَنْهم) هُنا إلى إزالَةِ التَّكْلِيفاتِ الَّتِي هي كالإصْرِ والأغْلالِ فَيَشْمَلُ الوَضْعُ مَعْنى النَّسْخِ وغَيْرِهِ، كَما سَيَأْتِي. و(الإصْرُ) ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ في الكَشّافِ والأساسِ أنَّهُ حَقِيقَةُ الثِّقَلِ، بِكَسْرِ الثّاءِ الحِسِّيِّ بِحَيْثُ يَصْعُبُ مَعَهُ التَّحَرُّكُ، ولَمْ يُقَيِّدْهُ غَيْرُهُ مِن أصْحابِ دَواوِينِ اللُّغَةِ، وهَذا القَيْدُ مِن تَحْقِيقاتِهِ، وهو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ والحَرَجُ في الدِّينِ فَإنْ كانَ كَما قَيَّدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ يَكُنْ (﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾) تَمْثِيلِيَّةً بِتَشْبِيهِ حالِ المُزالِ عَنْهُ ما يُحْرِجُهُ مِنَ التَّكالِيفِ بِحالِ مَن كانَ مُحَمَّلًا بِثِقَلٍ فَأُزِيلَ عَنْ ظَهْرِهِ ثِقَلُهُ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ الإصْرُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً و(يَضَعُ) تَخْيِيلًا، وهو أيْضًا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلْإزالَةِ. وقَدْ كانَتْ شَرِيعَةُ التَّوْراةِ مُشْتَمِلَةً عَلى أحْكامٍ كَثِيرَةٍ شاقَّةٍ مِثْلِ العُقُوبَةِ بِالقَتْلِ عَلى مَعاصٍ كَثِيرَةٍ، مِنها العَمَلُ يَوْمَ السَّبْتِ، ومِثْلُ تَحْرِيمِ مَأْكُولاتٍ كَثِيرَةٍ طَيِّبَةٍ وتَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ في أُمُورٍ هَيِّنَةٍ، كالعَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وأشَدُّ ما في شَرِيعَةِ التَّوْراةِ مِنَ الإصْرِ أنَّها لَمْ تُشْرَعْ فِيها التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، ولا اسْتِتابَةُ المُجْرِمِ. والإصْرُ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، ”آصارَهم“ بِلَفْظِ الجَمْعِ، والجَمْعُ والإفْرادُ في الأجْناسِ سَواءٌ. والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ - بِضَمِّ الغَيْنِ - وهو إطارٌ مِن حَدِيدٍ يُجْعَلُ في رَقَبَةِ الأسِيرِ صفحة ١٣٧ والجانِي ويُمْسَكُ بِسَيْرٍ مِن جِلْدٍ أوْ سِلْسِلَةٍ مِن حَدِيدٍ بِيَدِ المُوَكَّلِ بِحِراسَةِ الأسِيرِ، قالَ - تَعالى - إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ ويُسْتَعارُ الغُلُّ لِلتَّكْلِيفِ والعَمَلِ الَّذِي يُؤْلِمُ ولا يُطاقُ فَهو اسْتِعارَةٌ فَإنْ بَنَيْنا عَلى كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ كانَ (الأغْلالُ) تَمْثِيلِيَّةً بِتَشْبِيهِ حالِ المُحَرَّرِ مِنَ الذُّلِّ والإهانَةِ بِحالِ مَن أُطْلِقَ مِنَ الأسْرِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ وضْعَ الأغْلالِ اسْتِعارَةٌ لِما يُعانِيهِ اليَهُودُ مِنَ المَذَلَّةِ بَيْنَ الأُمَمِ الَّذِينَ نَزَلُوا في دِيارِهِمْ بَعْدَ تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وزَوالِ مُلْكِ يَهُوذا، فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ بِتَسْوِيَةِ أتْباعِهِ في حُقُوقِهِمْ في الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ فَلا يَبْقى فِيهِ مَيْزٌ بَيْنَ أصِيلٍ ودَخِيلٍ، وصَمِيمٍ ولَصِيقٍ، كَما كانَ الأمْرُ في الجاهِلِيَّةِ. ومُناسَبَةُ اسْتِعارَةِ الأغْلالِ لِلذِّلَّةِ أوْضَحُ؛ لِأنَّ الأغْلالَ مِن شِعارِ الإذْلالِ في الأسْرِ والقَوَدِ ونَحْوِهِما. وهَذانِ الوَصْفانِ لَهُما مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِاليَهُودِ، المُتَحَدَّثِ عَنْهم في خِطابِ اللَّهِ - تَعالى - لِمُوسى، ولا يَتَحَقَّقانِ في غَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ اليَهُودَ قَدْ كانَ لَهم شَرْعٌ، وكانَ فِيهِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ، بِخِلافِ غَيْرِ اليَهُودِ مِنَ العَرَبِ والفُرْسِ وغَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ أضافَ اللَّهُ الإصْرَ إلى ضَمِيرِهِمْ، ووَصَفَ الأغْلالَ بِما فِيهِ ضَمِيرُهم، عَلى أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في حالِ الأُمَمِ كُلِّهِمْ قَبْلَ الإسْلامِ لا تَجِدُ شَرائِعَهم وقَوانِينَهم وأحْوالَهم خالِيَةً مِن إصْرٍ عَلَيْهِمْ مِثْلِ تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّباتِ في الجاهِلِيَّةِ، ومِثْلِ تَكالِيفَ شاقَّةٍ عِنْدَ النَّصارى والمَجُوسِ لا تَتَلاقى مَعَ السَّماحَةِ الفِطْرِيَّةِ، وكَذَلِكَ لا تَجِدُها خالِيَةً مِن رَهَقِ الجَبابِرَةِ، وإذْلالِ الرُّؤَساءِ، وشِدَّةِ الأقْوِياءِ عَلى الضُّعَفاءِ، وما كانَ يَحْدُثُ بَيْنَهم مِنَ التَّقاتُلِ والغاراتِ، والتَّكايُلِ في الدِّماءِ، وأكْلِهِمْ أمْوالَهم بِالباطِلِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُخَلِّصَ البَشَرَ مِن تِلْكَ الشَّدائِدِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ولِذَلِكَ فَسَّرْنا الوَضْعَ بِما يَعُمُّ النَّسْخَ وغَيْرَهُ، وفَسَّرْنا الأغْلالَ بِما يُخالِفُ المُرادَ مِنَ الإصْرِ، ولا يُناكِدُ هَذا ما في أدْيانِ الجاهِلِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ وغَيْرِها مِنَ التَّحَلُّلِ في أحْكامٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّهُ فَسادٌ عَظِيمٌ لا يُخَفِّفُ وطْأةَ ما فِيها مِنَ الإصْرِ، وهو التَّحَلُّلُ الَّذِي نَظَرَ إلَيْهِ أبُو خِراشٍ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ، يَعْنِي شَرِيعَةَ الإسْلامِ: فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدّارِ يا أُمَّ مَـالِـكٍ ∗∗∗ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ، والمَعْنى: إذا كانَ هَذا النَّبِيءُ كَما صفحة ١٣٨ عَلِمْتُمْ مِن شَهادَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِنُبُوأتِهِ، ومِنَ اتِّصافِ شَرْعِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي سَمِعْتُمْ، عَلِمْتُمْ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا هَدْيَهُ، هُمُ المُفْلِحُونَ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ ومِن ضَمِيرِ الفَصْلِ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ هُمُ الَّذِينَ أفْلَحُوا أيْ دُونَ مَن كَفَرَ بِهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ؛ لِأنَّ مَقامَ دُعاءِ مُوسى يَقْتَضِي أنَّهُ أرادَ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ وكِتابَةَ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ، ولا يُرِيدُ مُوسى شُمُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَتَّبِعُ الإسْلامَ بَعْدَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَكِنْ جَرى القَصْرُ عَلى مَعْنى الِاحْتِراسِ مِنَ الإيهامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَصْرُ ادِّعائِيًّا، دالًّا عَلى مَعْنى كَمالِ صِفَةِ الفَلاحِ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ النَّبِيءَ الأُمِّيَّ، فَفَلاحُ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُفْلِحِينَ الَّذِينَ سَبَقُوهم كَلا فَلاحٍ، إذا نُسِبَ إلى فَلاحِهِمْ، أيْ أنَّ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ أفْضَلُ الأُمَمِ عَلى الجُمْلَةِ، وأنَّهُمُ الَّذِينَ تَنالُهُمُ الرَّحْمَةُ الإلَهِيَّةُ الَّتِي تَسَعُ كُلَّ شَيْءٍ مِن شُئُونِهِمْ قالَ - تَعالى - ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ومَعْنى عَزَّرُوهُ أيَّدُوهُ وقَوَّوْهُ، وذَلِكَ بِإظْهارِ ما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهم مِنَ البِشارَةِ بِصِفاتِهِ، وصِفاتِ شَرِيعَتِهِ، وإعْلانِ ذَلِكَ بَيْنَ النّاسِ، وذَلِكَ شَيْءٌ زائِدٌ عَلى الإيمانِ بِهِ. كَما فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وكَقَوْلِ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ”هَذا النّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى“، وهو أيْضًا مُغايِرٌ لِلنَّصْرِ؛ لِأنَّ النَّصْرَ هو الإعانَةُ في الحَرْبِ بِالسِّلاحِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ ونَصَرُوهُ. واتِّباعُ النُّورِ تَمْثِيلٌ لِلِاقْتِداءِ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ: شُبِّهَ حالُ المُقْتَدِي بِهَدْيِ القُرْآنِ، بِحالِ السّارِي في اللَّيْلِ إذا رَأى نُورًا يَلُوحُ لَهُ اتَّبَعَهُ، لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ مَنجاةً مِنَ المَخاوِفِ وأضْرارِ السَّيْرِ، وأجْزاءُ هَذا التَّمْثِيلِ اسْتِعاراتٌ، فالِاتِّباعُ يَصْلُحُ مُسْتَعارًا لِلِاقْتِداءِ، وهو مَجازٌ شائِعٌ فِيهِ، والنُّورُ يَصْلُحُ مُسْتَعارًا لِلْقُرْآنِ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُعَلِّمُ الحَقَّ والرُّشْدَ يُشَبَّهُ بِالنُّورِ، وأحْسَنُ التَّمْثِيلِ ما كانَ صالِحًا لِاعْتِبارِ التَّشْبِيهاتِ المُفْرَدَةِ في أجْزائِهِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ صارُوا أحْرِياءَ بِما يُخْبَرُ بِهِ عَنْهم بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . صفحة ١٣٩ وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْوِيهٌ بِعَظِيمِ فَضْلِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، ويُلْحَقُ بِهِمْ مَن نَصَرَ دِينَهُ بَعْدَهم.

الأعراف 7:157

﴿قالَ عَذابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسَعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيءَ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْرَيةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ أمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ جُمْلَةُ قالَ إلَخْ جَوابٌ لِكَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِوُقُوعِها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وكَلامُ مُوسى، وإنْ كانَ طَلَبًا، وهو لا يَسْتَدْعِي جَوابًا، فَإنَّ جَوابَ الطّالِبِ عِنايَةٌ بِهِ وفَضْلٌ. والمُرادُ بِالعَذابِ هُنا عَذابُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الكَلامَ جَوابٌ لِقَوْلِ مُوسى ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . والإهْلاكُ عَذابٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا يُصِيبُ اللَّهُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ سَبَبَ المَشِيئَةِ وهو أعْلَمُ بِهِ، ومُوسى يَعْلَمُهُ إجْمالًا، فالكَلامُ يَتَضَمَّنُ طَمْأنَةَ مُوسى مِن أنْ يَنالَهُ العَذابُ هو والبُرَآءُ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ مِن أنْ يُعامِلَهم مُعامَلَةَ المُجْرِمِينَ، والمَعْنى: إنِّي قادِرٌ عَلى تَخْصِيصِ العَذابِ بِمَن عَصَوْا وتَنْجِيَةِ مَن لَمْ يُشارِكْ في العِصْيانِ، وجاءَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةٍ مُجْمَلَةٍ شَأْنَ كَلامِ مَن لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وقَوْلُهُ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مُقابِلُ قَوْلِ مُوسى فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا، وهو وعْدُ تَعْرِيضٍ بِحُصُولِ الرَّحْمَةِ المَسْئُولَةِ لَهُ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُخْتارِينَ، لِأنَّها لَمّا صفحة ١٣٠ وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَهم أرْجى النّاسِ بِها، وأنَّ العاصِينَ هم أيْضًا مَغْمُورُونَ بِالرَّحْمَةِ، فَمِنها رَحْمَةُ الإمْهالِ والرِّزْقِ، ولَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عِبادَهَ ذاتُ مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ. وقَوْلُهُ ﴿عَذابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ إلى قَوْلِهِ كُلَّ شَيْءٍ جَوابٌ إجْمالِيٌّ، هو تَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ في قَوْلِهِ فَسَأكْتُبُها. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ فَسَأكْتُبُها تَفْرِيعٌ عَلى سِعَةِ الرَّحْمَةِ، لِأنَّها لَمّا وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ كانَ مِنها ما يُكْتَبُ أيْ يُعْطى في المُسْتَقْبَلِ لِلَّذِينَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وعْدًا لِمُوسى ولِصُلَحاءَ قَوْمِهِ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّلاتِ فِيهِمْ، وهو وعْدُ ناظِرٍ إلى قَوْلِ مُوسى ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في أكْتُبُها عائِدٌ إلى ﴿رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] فَهو ضَمِيرُ جِنْسٍ، وهو مُساوٍ لِلْمُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، أيِ اكْتُبُ فَرْدًا مِن هَذا الجِنْسِ لِأصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يَكْتُبُ جَمِيعَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلاءِ لِأنَّ هَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الِاسْتِعْمالِ في الإخْبارِ عَنِ الأجْناسِ، لَكِنْ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الرَّحْمَةِ نَوْعٌ عَظِيمٌ بِقَرِينَةِ الثَّناءِ عَلى مُتَعَلِّقِها بِصِفاتٍ تُؤْذِنُ بِاسْتِحْقاقِها، وبِقَرِينَةِ السُّكُوتِ عَنْ غَيْرِهِ، فَيُعْلَمُ أنَّ لِهَذا المُتَعَلِّقِ رَحْمَةً خاصَّةً عَظِيمَةً وأنَّ غَيْرَهُ داخِلٌ في بَعْضِ مَراتِبِ عُمُومِ الرَّحْمَةِ المَعْلُومَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَدْ أفْصَحَ عَنْ هَذا المَعْنى الحَصْرُ في قَوْلِهِ في آخِرِ الآيَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. وتَقَدَّمَ مَعْنى أكْتُبُها قَرِيبًا. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٩] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمَعْنى: أنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي سَألَها مُوسى لَهُ ولِقَوْمِهِ وعَدَ اللَّهُ بِإعْطائِها لِمَن كانَ مِنهم مُتَّصِفًا بِأنَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ والمُؤْتِينَ الزَّكاةَ، ولِمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِآياتِ اللَّهِ، والآياتُ تَصْدُقُ: بِدَلائِلِ صِدْقِ الرُّسُلِ، وبِكَلِماتِ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَ بِها لِلنّاسِ رَشادَهم وهَدْيَهم، ولا سِيَّما القُرْآنُ لِأنَّ كُلَّ مِقْدارِ ثَلاثِ آياتٍ مِنهُ هو آيَةٌ لِأنَّهُ مُعْجِزٌ فَدالٌّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، وهو المَقْصُودُ هُنا، وهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الأُمِّيَّ إذا جاءَهم، أيْ يُطِيعُونَهُ فِيما يَأْمُرُهم، ولَمّا جُعِلَتْ هَذِهِ الأشْياءُ بِسَبَبِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ صفحة ١٣١ عُلِمَ أنَّ التَّحْصِيلَ عَلى بَعْضِها يُحَصِّلُ بَعْضَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ بِما يُناسِبُهُ، بِشَرْطِ الإيمانِ، كَما عُلِمَ مِن آياتٍ أُخْرى خاطَبَ اللَّهُ بِها مُوسى كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا﴾ [الأعراف: ١٥٣] فَتَشْمَلُ هَذِهِ الرَّحْمَةُ مَنِ اتَّقى وآمَنَ وآتى الزَّكاةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ اتِّباعَهم إيّاهُ مُتَعَذَّرُ الحُصُولِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ. ولَكِنْ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا عازِمِينَ عَلى اتِّباعِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ أنْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ كَما قالَ - تَعالى - ”﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢]“ . وتَشْمَلُ الرَّحْمَةُ أيْضًا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ، والمَعْنِيُّ بِها الآياتُ الَّتِي سَتَجِيءُ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ آياتِ مُوسى قَدِ اسْتَقَرَّ الإيمانُ بِها يَوْمَئِذٍ، وهَذا مُوجِبُ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ في ذِكْرِ أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم طائِفَةٌ أُخْرى، وهم مَن يَكُونُ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ولِذَلِكَ أُبْدِلَ مِنهم قَوْلُهُ (﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾) إلَخْ. وهو إشارَةٌ إلى اليَهُودِ والنَّصارى الكائِنِينَ في زَمَنِ البِعْثَةِ وبَعْدَها لِقَوْلِهِ ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا أهْلَ شَرِيعَةٍ فِيها شِدَّةٌ وحَرَجٌ، والمُرادُ بِآياتِ اللَّهِ: القُرْآنُ؛ لِأنَّ ألْفاظَهُ هي المَخْصُوصَةُ بِاسْمِ الآياتِ لِأنَّها جُعِلَتْ مُعْجِزاتٍ لِلْفُصَحاءِ عَنْ مُعارَضَتِها، ودالَّةً عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ وعَلى صِدْقِ رَسُولِهِ، كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ بِشارَةٌ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهي مُشِيرَةٌ إلى ما في التَّوْراةِ مِنَ الإصْحاحِ العاشِرِ حَتّى الرّابِعَ عَشَرَ، والإصْحاحِ الثّامَنَ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: فَإنَّ مُوسى بَعْدَ أنْ ذَكَّرَهم بِخَطِيئَةِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وذَكَرَ مُناجاتَهُ لِلَّهِ لِلدُّعاءِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ، كَما تَضَمَّنَهُ الإصْحاحُ التّاسِعُ مِن ذَلِكَ السِّفْرِ، وذَكَرْناهُ آنِفًا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . ثُمَّ ذَكَرَ في الإصْحاحِ العاشِرِ أمْرَهم بِالتَّقْوى بِقَوْلِهِ: ”فالآنَ يا إسْرائِيلُ ما يَطْلُبُ مِنكَ الرَّبُّ إلّا أنْ تَتَّقِيَ رَبَّكَ لِتَسْلُكَ في طُرُقِهِ وتُحِبَّهُ“، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ وفي الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ وصايا تَفْصِيلًا لِلتَّقْوى، ثُمَّ ذَكَرَ في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ الزَّكاةَ فَقالَ ”تَعْشِيرًا تُعَشِّرُ كُلَّ مَحْصُولِ زَرْعِكَ صفحة ١٣٢ سَنَةً بِسَنَةٍ عَشِّرْ حِنْطَتَكَ وخَمْرَكَ وزَيْتَكَ وإبْكارَ بَقَرِكَ وغَنَمِكَ وفي آخِرِ ثَلاثِ سِنِينَ تُخْرِجُ كُلَّ عُشْرِ مَحْصُولِكَ في تِلْكَ السَّنَةِ فَتَضَعُهُ في أبْوابِكَ فَيَأْتِي اللّاوِي والغَرِيبُ واليَتِيمُ والأرْمَلَةُ الَّذِينَ عَلى أبْوابِكَ فَيَأْكُلُونَ ويَشْبَعُونَ“ إلَخْ. ثُمَّ ذَكَرَ أحْكامًا كَثِيرَةً في الإصْحاحاتِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ. ثُمَّ في الإصْحاحِ الثّامِنَ عَشَرَ قَوْلُهُ: ”يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ نَبِيًّا ومِن وسَطِ إخْوَتِكَ مِثْلِي لَهُ تَسْمَعُونَ حَسَبَ كُلِّ ما طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ في حُورِيبَ“ أيْ جَبَلِ الطُّورِ حِينَ المُناجاةِ ”يَوْمَ الِاجْتِماعِ قالَ لِيَ الرَّبُّ أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ“ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذا النَّبِيءَ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ مِن وسَطِ إخْوَتِكَ فَإنَّ الخِطابَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ولا يَكُونُونَ إخْوَةً لِأنْفُسِهِمْ. وإخْوَتُهم هم أبْناءُ أخِي أبِيهِمْ: إسْماعِيلَ أخِي إسْحاقَ، وهُمُ العَرَبُ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ نَبِيئًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ (صَمْوِيلَ) كَما يُؤَوِّلُهُ اليَهُودُ لَقالَ: مِن بَيْنِكم أوْ مِن وسَطِكم، وعُلِمَ أنَّ النَّبِيءَ رَسُولٌ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ مِن قَوْلِهِ ”مِثْلَكَ“ فَإنَّ مُوسى كانَ نَبِيًّا رَسُولًا، فَقَدَ جَمَعَ القُرْآنُ ذَلِكَ كُلَّهُ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ. ومِن نُكَتِ القُرْآنِ الجَمْعُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ وصْفَيِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اليَهُودَ بَدَّلُوا وصْفَ الرَّسُولِ وعَبَّرُوا عَنْهُ بِالنَّبِيءِ لِيَصْدُقَ عَلى أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وغَفَلُوا عَنْ مُفادِ قَوْلِهِ ”مِثْلَكَ“، وحَذَفُوا وصْفَ الأُمِّيِّ، وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَبَبَ إسْلامِ الحَبْرِ العَظِيمِ الأنْدَلُسِيِّ السَّمَوْألِ بْنِ يَحْيى اليَهُودِيِّ، كَما حَكاهُ عَنْ نَفْسِهِ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ غايَةَ المَقْصُودِ في الرَّدِّ عَلى النَّصارى واليَهُودِ. فَهَذِهِ الرَّحْمَةُ العَظِيمَةُ تَخْتَصُّ بِالَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وتَشْمَلُ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكانُوا عالِمِينَ بِبَعْثَتِهِ يَقِينًا فَهم آمَنُوا بِهِ، وتَنَزَّلُوا مَنزِلَةَ مَنِ اتَّبَعَ ما جاءَ بِهِ، لِأنَّهُمُ اسْتَعَدُّوا لِذَلِكَ، وتَشْمَلُ المُسْلِمِينَ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ غَيْرَ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهم سارُوا - مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اليَهُودِ - في اتَباعِ الرَّسُولِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ. صفحة ١٣٣ وتَقْدِيمُ وصْفِ الرَّسُولِ لِأنَّهُ الوَصْفُ الأخَصُّ الأهَمُّ، ولِأنَّ في تَقْدِيمِهِ زِيادَةَ تَسْجِيلٍ لِتَحْرِيفِ أهْلِ الكِتابِ، حَيْثُ حَذَفُوا هَذا الوَصْفَ لِيَصِيرَ كَلامُ التَّوْراةِ صادِقًا بِمَن أتى بَعْدَ مُوسى مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اشْتُهِرَ بِوَصْفِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ، فَصارَ هَذا المُرَكَّبُ كاللَّقَبِ لَهُ، فَلِذَلِكَ لا يُغَيِّرُ عَنْ شُهْرَتِهِ، وكَذَلِكَ هو حَيْثُما ورَدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ. والأُمِّيُّ: الَّذِي لا يَعْرِفُ الكِتابَةَ والقِراءَةَ، قِيلَ هو مَنسُوبٌ إلى الأُمِّ أيْ هو أشْبَهُ بِأُمِّهِ مِنهُ بِأبِيهِ؛ لِأنَّ النِّساءَ في العَرَبِ ما كُنَّ يَعْرِفْنَ القِراءَةَ والكِتابَةَ، وما تَعَلَّمْنَها إلّا في الإسْلامِ، فَصارَ تَعَلُّمُ القِراءَةِ والكِتابَةِ مِن شِعارِ الحَرائِرِ دُونَ الإماءِ كَما قالَ عُبَيْدٌ الرّاعِي، وهو إسْلامِيٌّ. هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِـرَةٍ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ أمّا الرِّجالُ فَفِيهِمْ مَن يَقْرَأُ ويَكْتُبُ. وقِيلَ: مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ أيِ الَّذِي حالُهُ حالُ مُعْظَمِ الأُمَّةِ، أيِ الأُمَّةِ المَعْهُودَةِ عِنْدَهم وهي العَرَبِيَّةُ، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يَعْرِفُ مِنهُمُ القِراءَةَ والكِتابَةَ إلّا النّادِرُ مِنهم، ولِذَلِكَ يَصِفُهم أهْلُ الكِتابِ بِالأُمِّيِّينَ، لِما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْهم في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] في آلِ عِمْرانَ. والأُمِّيَّةُ وصْفٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ مِن رُسُلِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، إتْمامًا لِلْإعْجازِ العِلْمِيِّ العَقْلِيِّ الَّذِي أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ، فَجَعَلَ الأُمِّيَّةَ وصْفًا ذاتِيًّا لَهُ لِيُتِمَّ بِها وصْفَهُ الذّاتِيَّ وهو الرِّسالَةُ، لِيُظْهِرَ أنَّ كَمالَهُ النَّفْسانِيَّ كَمالٌ لَدُنِّيٌّ إلَهِيٌّ، لا واسِطَةَ فِيهِ لِلْأسْبابِ المُتَعارَفَةِ لِلْكِمالاتِ، وبِذَلِكَ كانَتِ الأُمِّيَّةُ وصْفَ كَمالِ فِيهِ، مَعَ أنَّها في غَيْرِهِ وصْفُ نُقْصانٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَصَلَ لَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ وسَدادِ العَقْلِ ما لا يَحْتِمَلُ الخَطَأ في كُلِّ نَواحِي مَعْرِفَةِ الكِمالاتِ الحَقِّ، وكانَ عَلى يَقِينٍ مِن عِلْمِهِ، وبَيِّنَةٍ مِن أمْرِهِ، ما هو أعْظُمُ مِمّا حَصَلَ لِلْمُتَعَلِّمِينَ، صارَتْ أُمِّيَّتُهُ آيَةً عَلى كَوْنِ ما حَصَلَ لَهُ إنَّما هو مِن فَيُوضاتٍ إلَهِيَّةٍ. ومَعْنى ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ وِجْدانُ صِفاتِهِ ونُعُوتِهِ، الَّتِي لا يُشْبِهُهُ فِيها غَيْرُهُ، فَجُعِلَتْ خاصَّتُهُ بِمَنزِلَةِ ذاتِهِ. وأُطْلِقَ عَلَيْها ضَمِيرُ الرَّسُولِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ مَجازًا بِالِاسْتِخْدامِ صفحة ١٣٤ وإنَّما المَوْجُودُ نَعْتُهُ ووَصْفُهُ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ مَكْتُوبًا فَإنَّ الذّاتَ لا تُكْتَبُ، وعُدِلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَجِدُونَ وصْفًا لا يَقْبَلُ الِالتِباسَ، وهو: كَوْنُهُ أُمِّيًّا، ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، ويُحِلُّ الطَّيِّباتِ، ويُحَرِّمُ الخَبائِثَ، ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم، وشَدَّةَ شَرِيعَتِهِمْ. وذُكِرَ الإنْجِيلُ هُنا لِأنَّهُ مُنَزَّلٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ آمَنَ بِهِ جَمْعٌ مِنهم ومَن جاءَ بَعْدَهم مِن خَلْفِهِمْ، وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ مُوسى بِهَذا. والمَكْتُوبُ في التَّوْراةِ هو ما ذَكَرْناهُ آنِفًا، والمَكْتُوبُ في الإنْجِيلِ بِشاراتٌ جَمَّةٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي بَعْضِها التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ بِعْثَةً عامَّةً، فَفي إنْجِيلِ مَتّى في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ ”ويَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويَضِلُّونَ كَثِيرُونَ ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى (أيْ يَدُومُ شَرْعُهُ إلى نِهايَةِ العالَمِ) فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ شَهادَةٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ، ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى“ أيْ مُنْتَهى الدُّنْيا، وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ ”وأمّا المُعَزّى الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم“ ومَعْنى بِاسْمِي أيْ بِمُماثَلَتِي وهو كَوْنُهُ رَسُولًا مُشَرِّعًا لا نَبِيًّا مُؤَكِّدًا. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي بَيانٌ لِلْمَكْتُوبِ عِنْدَهم ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ يَجِدُونَهُ لِأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ لِلذِّكْرِ والِاسْمِ، والذِّكْرُ والِاسْمُ لا يَأْمُرانِ أيْ: فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الضَّمِيرِ مَجازًا، وكَوْنُ الآمِرِ بِالمَعْرُوفِ هو ذاتُ الرَّسُولِ لا وصْفُهُ وذِكْرُهُ، ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ تَعْرِيفُهم بِها لِتَدُلَّهم عَلى تَعْيِينِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ عِنْدَ مَجِيئِهِ بِشَرِيعَةٍ هَذِهِ صِفاتُها. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ، والطَّيِّباتِ، والخَبائِثَ، والإصْرَ والأغْلالَ مُتَعَلِّقاتٍ لِتَشْرِيعِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ وعَلاماتٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها ما يَتَبادَرُ مِن مَعانِي ألْفاظِها لِلْأفْهامِ المُسْتَقِيمَةِ. صفحة ١٣٥ فالمَعْرُوفُ شامِلٌ لِكُلِّ ما تَقْبَلُهُ العُقُولُ والفِطَرُ السَّلِيمَةُ، والمُنْكَرُ ضِدُّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُما عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ويَجْمَعُها مَعْنى الفِطْرَةِ، الَّتِي هي قِوامُ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وهَذِهِ أوْضَحُ عَلامَةٍ لِتَعَرُّفِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. والطَّيِّباتُ: جَمْعُ طَيِّبَةٍ، وقَدْ رُوعِيَ في التَّأْنِيثِ مَعْنى الأكِيلَةِ، أوْ مَعْنى الطُّعْمَةِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ الطَّيِّباتُ مِنَ المَأْكُولاتِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في نَظائِرِها نَحْوَ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] في البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤] في سُورَةِ المائِدَةِ، ولَيْسَ المُرادُ الأفْعالَ الحَسَنَةَ لِأنَّ الأفْعالَ عُرِّفَتْ بِوَصْفِ المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، والمَأْكُولاتُ لا تَدْخُلُ في المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، إذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ حَظٌّ في التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَقْبُولِها ومَرْفُوضِها، وإنَما تَمْتَلِكُ النّاسَ فِيها عَوائِدُهم، ولَمّا كانَ الإسْلامُ دِينَ الفِطْرَةِ ولا اعْتِدادَ بِالعَوائِدِ فِيهِ، ناطَ حالَ المَأْكُولاتِ بِالطَّيِّبِ وحُرْمَتَها بِالخُبْثِ، فالطَّيِّبُ ما لا ضُرَّ فِيهِ ولا وخامَةَ ولا قَذارَةَ، والخَبِيثُ ما أضَرَّ، أوْ كانَ وخِيمَ العاقِبَةِ، أوْ كانَ مُسْتَقْذَرًا لا يَقْبَلُهُ العُقَلاءُ، كالنَّجاسَةِ وهَذا مِلاكُ المُباحِ والمُحَرَّمِ مِنَ المَآكِلِ، فَلا تَدْخُلُ العاداتُ إلّا في اخْتِيارِ أهْلِها ما شاءُوا مِنَ المُباحِ، فَقَدْ كانَتْ قُرَيْشٌ لا تَأْكُلُ الضَّبَّ، وقَدْ وُضِعَ عَلى مائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَرِهَ أنْ يَأْكُلَ مِنهُ، وقالَ: «ما هو بِحَرامٍ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن طَعامِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أعافُهُ» ولِهَذا فالوَجْهُ: أنَّ كُلَّ ما لا ضُرَّ فِيهِ ولا فَسادَ ولا قَذارَةَ فَهو مُباحٌ، وقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا اعْتِبارًا بِمَضَرَّةٍ خَفِيفَةٍ، فَلِذَلِكَ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومَحْمَلُهُ عِنْدَ مالِكٍ في أشْهَرِ الرِّواياتِ عَنْهُ، عَلى الكَراهَةِ، وهو الَّذِي لا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِيهِ، وأيُّ ضُرٍّ في أكْلِ لَحْمِ الأسَدِ وكَذَلِكَ إباحَةُ أكْلِ الخِشاشِ والحَشَراتِ والزَّواحِفِ البَرِّيَّةِ والبَحْرِيَّةِ لِاخْتِلافِ عَوائِدِ النّاسِ في أكْلِها وعَدَمِهِ، فَقَدْ كانَتْ جَرْمٌ لا يَأْكُلُونَ الدَّجاجَ، وفَقْعَسٌ يَأْكُلُونَ الكَلْبَ، فَلا يُحْجَرُ عَلى قَوْمٍ لِأجْلِ كَراهِيَةِ غَيْرِهِمْ مِمّا كَرِهَهُ ذَوْقُهُ أوْ عادَةُ قَوْمِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا في آيَةِ سُورَةِ المائِدَةِ. فَعَلى الفَقِيهِ أنْ يَقْصُرَ النَّظَرَ عَلى طَبائِعِ صفحة ١٣٦ المَأْكُولاتِ وصِفاتِها، وما جُهِلَتْ بَعْضُ صِفاتِهِ وحَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِثْلُ تَحْرِيمِ الخِنْزِيرِ. ووَضْعُ الإصْرِ إبْطالُ تَشْرِيعِهِ، أيْ بِنَسْخِ ما كانَ فِيهِ شِدَّةٌ مِنَ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ السّابِقَةِ، وحَقِيقَةُ الوَضْعِ الحَطُّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ وهو هُنا مَجازٌ في إبْطالِ التَّكْلِيفِ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ. وحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِحَرْفِ ”في“ الظَّرْفِيَّةِ، فَإذا عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”عَنْ“ دَلَّ عَلى نَقْلِ المَفْعُولِ الأوَّلِ مِن مَدْخُولِ ”عَنْ“ وإذا عُدِّيَ إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِـ ”عَلى“ كانَ دالًّا عَلى حَطِّ المَفْعُولِ الأوَّلِ في مَدْخُولِ ”عَلى“ حَطًّا مُتَمَكِّنًا، فاسْتُعِيرَ (يَضَعُ عَنْهم) هُنا إلى إزالَةِ التَّكْلِيفاتِ الَّتِي هي كالإصْرِ والأغْلالِ فَيَشْمَلُ الوَضْعُ مَعْنى النَّسْخِ وغَيْرِهِ، كَما سَيَأْتِي. و(الإصْرُ) ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ في الكَشّافِ والأساسِ أنَّهُ حَقِيقَةُ الثِّقَلِ، بِكَسْرِ الثّاءِ الحِسِّيِّ بِحَيْثُ يَصْعُبُ مَعَهُ التَّحَرُّكُ، ولَمْ يُقَيِّدْهُ غَيْرُهُ مِن أصْحابِ دَواوِينِ اللُّغَةِ، وهَذا القَيْدُ مِن تَحْقِيقاتِهِ، وهو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ والحَرَجُ في الدِّينِ فَإنْ كانَ كَما قَيَّدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ يَكُنْ (﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾) تَمْثِيلِيَّةً بِتَشْبِيهِ حالِ المُزالِ عَنْهُ ما يُحْرِجُهُ مِنَ التَّكالِيفِ بِحالِ مَن كانَ مُحَمَّلًا بِثِقَلٍ فَأُزِيلَ عَنْ ظَهْرِهِ ثِقَلُهُ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ الإصْرُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً و(يَضَعُ) تَخْيِيلًا، وهو أيْضًا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلْإزالَةِ. وقَدْ كانَتْ شَرِيعَةُ التَّوْراةِ مُشْتَمِلَةً عَلى أحْكامٍ كَثِيرَةٍ شاقَّةٍ مِثْلِ العُقُوبَةِ بِالقَتْلِ عَلى مَعاصٍ كَثِيرَةٍ، مِنها العَمَلُ يَوْمَ السَّبْتِ، ومِثْلُ تَحْرِيمِ مَأْكُولاتٍ كَثِيرَةٍ طَيِّبَةٍ وتَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ في أُمُورٍ هَيِّنَةٍ، كالعَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وأشَدُّ ما في شَرِيعَةِ التَّوْراةِ مِنَ الإصْرِ أنَّها لَمْ تُشْرَعْ فِيها التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، ولا اسْتِتابَةُ المُجْرِمِ. والإصْرُ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، ”آصارَهم“ بِلَفْظِ الجَمْعِ، والجَمْعُ والإفْرادُ في الأجْناسِ سَواءٌ. والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ - بِضَمِّ الغَيْنِ - وهو إطارٌ مِن حَدِيدٍ يُجْعَلُ في رَقَبَةِ الأسِيرِ صفحة ١٣٧ والجانِي ويُمْسَكُ بِسَيْرٍ مِن جِلْدٍ أوْ سِلْسِلَةٍ مِن حَدِيدٍ بِيَدِ المُوَكَّلِ بِحِراسَةِ الأسِيرِ، قالَ - تَعالى - إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ ويُسْتَعارُ الغُلُّ لِلتَّكْلِيفِ والعَمَلِ الَّذِي يُؤْلِمُ ولا يُطاقُ فَهو اسْتِعارَةٌ فَإنْ بَنَيْنا عَلى كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ كانَ (الأغْلالُ) تَمْثِيلِيَّةً بِتَشْبِيهِ حالِ المُحَرَّرِ مِنَ الذُّلِّ والإهانَةِ بِحالِ مَن أُطْلِقَ مِنَ الأسْرِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ وضْعَ الأغْلالِ اسْتِعارَةٌ لِما يُعانِيهِ اليَهُودُ مِنَ المَذَلَّةِ بَيْنَ الأُمَمِ الَّذِينَ نَزَلُوا في دِيارِهِمْ بَعْدَ تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وزَوالِ مُلْكِ يَهُوذا، فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ بِتَسْوِيَةِ أتْباعِهِ في حُقُوقِهِمْ في الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ فَلا يَبْقى فِيهِ مَيْزٌ بَيْنَ أصِيلٍ ودَخِيلٍ، وصَمِيمٍ ولَصِيقٍ، كَما كانَ الأمْرُ في الجاهِلِيَّةِ. ومُناسَبَةُ اسْتِعارَةِ الأغْلالِ لِلذِّلَّةِ أوْضَحُ؛ لِأنَّ الأغْلالَ مِن شِعارِ الإذْلالِ في الأسْرِ والقَوَدِ ونَحْوِهِما. وهَذانِ الوَصْفانِ لَهُما مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِاليَهُودِ، المُتَحَدَّثِ عَنْهم في خِطابِ اللَّهِ - تَعالى - لِمُوسى، ولا يَتَحَقَّقانِ في غَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ اليَهُودَ قَدْ كانَ لَهم شَرْعٌ، وكانَ فِيهِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ، بِخِلافِ غَيْرِ اليَهُودِ مِنَ العَرَبِ والفُرْسِ وغَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ أضافَ اللَّهُ الإصْرَ إلى ضَمِيرِهِمْ، ووَصَفَ الأغْلالَ بِما فِيهِ ضَمِيرُهم، عَلى أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ في حالِ الأُمَمِ كُلِّهِمْ قَبْلَ الإسْلامِ لا تَجِدُ شَرائِعَهم وقَوانِينَهم وأحْوالَهم خالِيَةً مِن إصْرٍ عَلَيْهِمْ مِثْلِ تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّباتِ في الجاهِلِيَّةِ، ومِثْلِ تَكالِيفَ شاقَّةٍ عِنْدَ النَّصارى والمَجُوسِ لا تَتَلاقى مَعَ السَّماحَةِ الفِطْرِيَّةِ، وكَذَلِكَ لا تَجِدُها خالِيَةً مِن رَهَقِ الجَبابِرَةِ، وإذْلالِ الرُّؤَساءِ، وشِدَّةِ الأقْوِياءِ عَلى الضُّعَفاءِ، وما كانَ يَحْدُثُ بَيْنَهم مِنَ التَّقاتُلِ والغاراتِ، والتَّكايُلِ في الدِّماءِ، وأكْلِهِمْ أمْوالَهم بِالباطِلِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُخَلِّصَ البَشَرَ مِن تِلْكَ الشَّدائِدِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ولِذَلِكَ فَسَّرْنا الوَضْعَ بِما يَعُمُّ النَّسْخَ وغَيْرَهُ، وفَسَّرْنا الأغْلالَ بِما يُخالِفُ المُرادَ مِنَ الإصْرِ، ولا يُناكِدُ هَذا ما في أدْيانِ الجاهِلِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ وغَيْرِها مِنَ التَّحَلُّلِ في أحْكامٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّهُ فَسادٌ عَظِيمٌ لا يُخَفِّفُ وطْأةَ ما فِيها مِنَ الإصْرِ، وهو التَّحَلُّلُ الَّذِي نَظَرَ إلَيْهِ أبُو خِراشٍ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ، يَعْنِي شَرِيعَةَ الإسْلامِ: فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدّارِ يا أُمَّ مَـالِـكٍ ∗∗∗ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ، والمَعْنى: إذا كانَ هَذا النَّبِيءُ كَما صفحة ١٣٨ عَلِمْتُمْ مِن شَهادَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِنُبُوأتِهِ، ومِنَ اتِّصافِ شَرْعِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي سَمِعْتُمْ، عَلِمْتُمْ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا هَدْيَهُ، هُمُ المُفْلِحُونَ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ ومِن ضَمِيرِ الفَصْلِ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ هُمُ الَّذِينَ أفْلَحُوا أيْ دُونَ مَن كَفَرَ بِهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ؛ لِأنَّ مَقامَ دُعاءِ مُوسى يَقْتَضِي أنَّهُ أرادَ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ وكِتابَةَ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ، ولا يُرِيدُ مُوسى شُمُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَتَّبِعُ الإسْلامَ بَعْدَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَكِنْ جَرى القَصْرُ عَلى مَعْنى الِاحْتِراسِ مِنَ الإيهامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَصْرُ ادِّعائِيًّا، دالًّا عَلى مَعْنى كَمالِ صِفَةِ الفَلاحِ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ النَّبِيءَ الأُمِّيَّ، فَفَلاحُ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُفْلِحِينَ الَّذِينَ سَبَقُوهم كَلا فَلاحٍ، إذا نُسِبَ إلى فَلاحِهِمْ، أيْ أنَّ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ أفْضَلُ الأُمَمِ عَلى الجُمْلَةِ، وأنَّهُمُ الَّذِينَ تَنالُهُمُ الرَّحْمَةُ الإلَهِيَّةُ الَّتِي تَسَعُ كُلَّ شَيْءٍ مِن شُئُونِهِمْ قالَ - تَعالى - ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ومَعْنى عَزَّرُوهُ أيَّدُوهُ وقَوَّوْهُ، وذَلِكَ بِإظْهارِ ما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهم مِنَ البِشارَةِ بِصِفاتِهِ، وصِفاتِ شَرِيعَتِهِ، وإعْلانِ ذَلِكَ بَيْنَ النّاسِ، وذَلِكَ شَيْءٌ زائِدٌ عَلى الإيمانِ بِهِ. كَما فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وكَقَوْلِ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ”هَذا النّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى“، وهو أيْضًا مُغايِرٌ لِلنَّصْرِ؛ لِأنَّ النَّصْرَ هو الإعانَةُ في الحَرْبِ بِالسِّلاحِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ ونَصَرُوهُ. واتِّباعُ النُّورِ تَمْثِيلٌ لِلِاقْتِداءِ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ: شُبِّهَ حالُ المُقْتَدِي بِهَدْيِ القُرْآنِ، بِحالِ السّارِي في اللَّيْلِ إذا رَأى نُورًا يَلُوحُ لَهُ اتَّبَعَهُ، لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ مَنجاةً مِنَ المَخاوِفِ وأضْرارِ السَّيْرِ، وأجْزاءُ هَذا التَّمْثِيلِ اسْتِعاراتٌ، فالِاتِّباعُ يَصْلُحُ مُسْتَعارًا لِلِاقْتِداءِ، وهو مَجازٌ شائِعٌ فِيهِ، والنُّورُ يَصْلُحُ مُسْتَعارًا لِلْقُرْآنِ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُعَلِّمُ الحَقَّ والرُّشْدَ يُشَبَّهُ بِالنُّورِ، وأحْسَنُ التَّمْثِيلِ ما كانَ صالِحًا لِاعْتِبارِ التَّشْبِيهاتِ المُفْرَدَةِ في أجْزائِهِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ صارُوا أحْرِياءَ بِما يُخْبَرُ بِهِ عَنْهم بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . صفحة ١٣٩ وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْوِيهٌ بِعَظِيمِ فَضْلِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، ويُلْحَقُ بِهِمْ مَن نَصَرَ دِينَهُ بَعْدَهم.

الأعراف 7:158

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِ ويُمِيتُ فَأمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ، جاءَتْ مُسْتَطْرِدَةً لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ، تَذْكِيرًا لِبَنِي إسْرائِيلَ بِما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وإيقاظًا لِأفْهامِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو مِصْداقُ الصِّفاتِ الَّتِي عَلَّمَها اللَّهُ مُوسى. والخِطابُ بِـ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ لِجَمِيعِ البَشَرِ، وضَمِيرُ التَّكَلُّمِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) بِاعْتِبارِ أنَّ في جُمْلَةِ المُخاطَبِينَ مُنْكِرِينَ ومُتَرَدِّدِينَ اسْتِقْصاءٌ في إبْلاغِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِمْ. وتَأْكِيدُ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِوَصْفِ (جَمِيعًا) الدّالِّ نَصًّا عَلى العُمُومِ، لِرَفْعِ احْتِمالِ تَخْصِيصِ رِسالَتِهِ بِغَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأنَّ مِنَ اليَهُودِ فَرِيقًا كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيءٌ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ نَبِيءُ العَرَبِ خاصَّةً ولِذَلِكَ لَمّا قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِابْنِ صَيّادٍ - وهو يَهُودِيٌّ - أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قالَ ابْنُ صَيّادٍ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. وقَدْ ثَبَتَ مِن مَذاهِبِ اليَهُودِ مَذْهَبُ فَرِيقٍ مِن يَهُودِ أصْفَهانَ يُدْعَوْنَ بِالعِيسَوِيَّةِ وهم أتَباعُ أبِي عِيسى الأصْفَهانِيِّ اليَهُودِيِّ القائِلِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلى العَرَبِ خاصَّةً لا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ اليَهُودَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يَزْعُمُونَ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُنْسَخُ بِغَيْرِها. وفَرِيقٌ يَزْعُمُونَ أنَّها لا تُنْسَخُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ رَسُولٌ لِغَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ. وانْتَصَبَ (جَمِيعًا) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، بِـ (إلى) وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَجْمُوعِينَ، ولِذَلِكَ لَزِمَ الإفْرادَ لِأنَّهُ لا يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ. صفحة ١٤٠ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ نَعْتٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ، دالٌّ عَلى الثَّناءِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْقَصْرِ، أيْ: لا لِغَيْرِهِ مِمّا يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ، فَهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ. وجُمْلَةُ لا إلَهَ إلّا هو حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قُوَّةِ مُتَفَرِّدًا بِالإلَهِيَّةِ، وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِتَحْقِيقِ صِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، لا لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ. وجُمْلَةُ يُحْيِي ويُمِيتُ حالٌ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ: تَذْكِيرُ اليَهُودِ، ووَعْظُهم، حَيْثُ جَحَدُوا نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا رَسُولَ بَعْدَ مُوسى، واسْتَعْظَمُوا دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ، فَكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ مُوسى لا يُشْبِهُهُ رَسُولٌ، فَذُكِّرُوا بِأنَّ اللَّهَ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو واهِبُ الفَضائِلِ، فَلا يُسْتَعْظَمُ أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا ثُمَّ يُرْسِلَ رَسُولًا آخَرَ؛ لِأنَّ المُلْكَ بِيَدِهِ، وبِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي لا يُشابِهُهُ أحَدٌ في إلُوهِيَّتِهِ، فَلا يَكُونُ إلَهانِ لِلْخَلْقِ. وأمّا مَرْتَبَةُ الرِّسالَةِ فَهي قابِلَةٌ لِلتَّعَدُّدِ، وبِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي ويُمِيتُ فَكَذَلِكَ هو يُمِيتُ شَرِيعَةً ويُحْيِي شَرِيعَةً أُخْرى، وإحْياءُ الشَّرِيعَةِ إيجادُها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ: لِأنَّ الإحْياءَ حَقِيقَتُهُ إيجادُ الحَياةِ في المَوْجُودِ، ثُمَّ يُحَصَّلُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ إبْطالُ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ وبِإنْكارِ الحَشْرِ. وقَدِ انْتَظَمَ أنْ يُفَرَّعَ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الطَّلَبُ الجازِمُ بِالإيمانِ بِهَذا الرَّسُولِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ﴾، والمَقْصُودُ طَلَبُ الإيمانِ بِالنَّبِيءِ الأُمِّيِّ لِأنَّهُ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ، ولَكِنْ لَمّا صَدَرَ الأمْرُ بِخِطابِ جَمِيعِ البَشَرِ وكانَ فِيهِمْ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وفِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ولا يُؤْمِنُ بِالنَّبِيءِ الأُمِّيِّ، جُمِعَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والإيمانِ بِالنَّبِيءِ الأُمِّيِّ في طَلَبٍ واحِدٍ، لِيَكُونَ هَذا الطَّلَبُ مُتَوَجِّهًا لِلْفِرَقِ كُلِّهِمْ، لِيَجْمَعُوا في إيمانِهِمْ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والنَّبِيءِ الأُمِّيِّ، مَعَ قَضاءِ حَقِّ التَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ بِجَعْلِ الإيمانِ بِهِ مُقَدَّمًا عَلى طَلَبِ الإيمانِ بِالرَّسُولِ ﷺ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإيمانَ بِالرَّسُولِ إنَّما هو لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ، عَلى نَحْوِ ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وهَذا الأُسْلُوبُ نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] صفحة ١٤١ فَإنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ زِيادَةُ النَّهْيِ عَنِ اعْتِقادِ التَّثْلِيثِ، وهو المَقْصُودُ مِن سِياقِ الكَلامِ. والإيمانُ بِاللَّهِ الإيمانُ بِأعْظَمِ صِفاتِهِ وهي الإلَهِيَّةُ المُتَضَمِّنُ إيّاها اسْمُ الذّاتِ، والإيمانُ بِالرَّسُولِ الإيمانُ بِأخَصِّ صِفاتِهِ وهو الرِّسالَةُ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن إناطَةِ الإيمانِ بِوَصْفِ الرَّسُولِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ. وفِي قَوْلِهِ ورَسُولِهِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِقَصْدِ إعْلانِ تَحَقُّقِ الصِّفَةِ المَوْعُودِ بِها في التَّوْراةِ في شَخْصِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ووَصْفُ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ بِــ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ، بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ الأمْرِ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ، وأنَّهُ لا مَعْذِرَةَ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ هَذا الرَّسُولَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِكَلِماتِ اللَّهِ، فَقَدِ انْدَرَجَ في الإيمانِ بِهِ الإيمانُ بِسائِرِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ الحَقِّ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى -، في تَفْضِيلِ المُسْلِمِينَ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] وتَقَدَّمَ مَعْنى الأُمِّيِّ قَرِيبًا. وكَلِماتٌ جَمْعُ كَلِمَةٍ بِمَعْنى الكَلامِ مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ قَوْلُهُ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . فَلِكَلِماتِ اللَّهِ تَشْمَلُ كُتُبَهُ ووَحْيَهُ لِلرُّسُلِ، وأُوثِرَ هُنا التَّعْبِيرُ بِكَلِماتِهِ، دُونَ كُتُبِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الإيماءُ إلى إيمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ، أيْ أثَرُ كَلِمَتِهِ، وهي أمْرُ التَّكْوِينِ، إذْ كانَ تَكَوُّنُ عِيسى عَنْ غَيْرِ سَبَبِ التَّكَوُّنِ المُعْتادِ بَلْ كانَ تَكَوُّنُهُ بِقَوْلِ اللَّهِ كُنْ كَما قالَ - تَعالى - ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فاقْتَضى أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُؤْمِنُ بِعِيسى، أيْ بِكَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ قَطْعٌ لِمَعْذِرَةِ النَّصارى في التَّرَدُّدِ في الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ واقْتَضى أنَّ الرَّسُولَ يُؤْمِنُ بِأنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ، ولَيْسَ ابْنَ اللَّهِ، وفي ذَلِكَ بَيانٌ لِلْإيمانِ الحَقِّ، ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ، ورَدٌّ عَلى النَّصارى فِيما غَلَوْا فِيهِ. والقَوْلُ في مَعْنى الِاتِّباعِ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في نَحْوِ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

الأعراف 7:159

﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] صفحة ١٤٢ الآيَةَ، فَهَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ العُمُومِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٤٨] قُصِدَ بِهِ الِاحْتِراسُ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ عَمِلَهُ قَوْمُ مُوسى كُلُّهم، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى دَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ قُدِّمَ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ. وقَوْمُ مُوسى هم أتْباعُ دِينِهِ مِن قَبْلِ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَن بَقِيَ مُتَمَسِّكًا بَدِينِ مُوسى، بَعْدَ بُلُوغِ دَعْوَةِ الإسْلامِ إلَيْهِ، فَلَيْسَ مِن قَوْمِ مُوسى، ولَكِنْ يُقالُ هو مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِنَ اليَهُودِ، لِأنَّ الإضافَةَ في ﴿قَوْمِ مُوسى﴾ تُؤْذِنُ بِأنَّهم مُتَّبِعُو دِينِهِ الَّذِي مِن جُمْلَةِ أُصُولِهِ تَرَقُّبُ مَجِيءِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ ﷺ . و(أُمَّةٌ): جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مُتَّفِقَةٌ في عَمَلٍ يَجْمَعُها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ أنَّ مِنهم في كُلِّ زَمانٍ قَبْلَ الإسْلامِ. و﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَهْدُونَ النّاسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن غَيْرِهِمْ بِبَثِّ فَضائِلِ الدِّينِ الإلَهِيِّ، وهو الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ بِالحَقِّ و(يَعْدِلُونَ) أيْ يَحْكُمُونَ حُكْمًا لا جَوْرَ فِيهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، إذْ لا مُقْتَضِي لِإرادَةِ القَصْرِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ حَيْثُ لَمْ يُقَدَّمِ المَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهم يَحْكُمُونَ بِالعَدْلِ عَلى بَصِيرَةٍ وعِلْمٍ، ولَيْسَ بِمُجَرَّدِ مُصادَفَةِ الحَقِّ عَنْ جَهْلٍ، فَإنَّ القاضِيَ الجاهِلَ إذا قَضى بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ أحَدَ القاضِيَيْنِ اللَّذَيْنِ في النّارِ، ولَوْ صادَفَ الحَقَّ. لِأنَّهُ بِجَهْلِهِ قَدِ اسْتَخَفَّ بِحُقُوقِ النّاسِ ولا تَنْفَعُهُ مُصادَفَةُ الحَقِّ لِأنَّ تِلْكَ المُصادَفَةَ لا عَمَلَ لَهُ فِيها.

الأعراف 7:160

﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٩] إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ التَّقْطِيعَ وقَعَ في الأُمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ. والتَّقْطِيعُ شِدَّةٌ في القَطْعِ وهو التَّفْرِيقُ، والمُرادُ بِهِ التَّقْسِيمُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهَذا الخَبَرِ الذَّمَّ، ولا بِالتَّقْطِيعِ العِقابَ. لِأنَّ ذَلِكَ التَّقْطِيعَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وهو مِن مَحاسِنِ سِياسَةِ الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ، ومِن مُقَدِّماتِ نِظامِ الجَماعَةِ كَما فَصَّلَهُ السِّفْرُ الرّابِعُ، وهو سِفْرُ عَدَدِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَقْسِيمِهِمْ، وهو نَظِيرُ ما فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِن تَدْوِينِ صفحة ١٤٣ الدِّيوانِ، وهم كانُوا مُنْتَسِبِينَ إلى أسْباطِ إسْحاقَ، ولَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُقَسَّمِينَ عَشائِرَ لَمّا كانُوا في مِصْرَ، ولَمّا اجْتازُوا البَحْرَ، فَكانَ التَّقْسِيمُ بَعْدَ اجْتِيازِهِمُ البَحْرَ الأحْمَرَ، وقَبْلَ انْفِجارِ العُيُونِ، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِما ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وذِكْرُهُ هُنا الِاسْتِسْقاءَ عَقِبَ الِانْقِسامِ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً، وذَلِكَ ضَرُورِيٌّ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الِاسْتِسْقاءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ السَّقْيُ قَبْلَ التَّقْسِيمِ لَحَصَلَ مِنَ التَّزاحُمِ عَلى الماءِ ما يُفْضِي إلى الضُّرِّ بِالقَوْمِ، وظاهِرُ التَّوْراةِ أنَّهم لَمّا مَرُّوا بِحُورِيبَ، وجاءَ شُعَيْبٌ لِلِقاءِ مُوسى: أنَّ شُعَيْبًا أشارَ عَلى مُوسى أنْ يُقِيمَ لَهم رُؤَساءَ أُلُوفٍ، ورُؤَساءَ مِئاتٍ، ورُؤَساءَ خَماسِينَ، ورُؤَساءَ عَشَراتٍ، حَسَبَ الإصْحاحِ ١٨ مِنَ الخُرُوجِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الأُمَّةَ كانَتْ مُنْتَسِبَةً قَبائِلَ مِن قَبْلُ، لِيَسْهُلَ وضْعُ الرُّؤَساءِ عَلى الأعْدادِ، ووَقَعَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِن خُرُوجِهِمْ أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يُحْصِيَ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ مُوسى وهارُونَ جَمَعا جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ فانْتَسَبُوا إلى عَشائِرِهِمْ وبُيُوتِ آبائِهِمْ، كَما في الإصْحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ العَدَدِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الأسْباطِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجِيءَ بِاسْمِ العَدَدِ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ لِأنَّ السِّبْطَ أُطْلِقَ هُنا عَلى الأُمَّةِ فَحُذِفَ تَمْيِيزُ العَدَدِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ أُمَمًا عَلَيْهِ. و(أسْباطًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في وقَطَّعْناهم ولا يَجُوزُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا لِأنَّ تَمْيِيزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ونَحْوِهِ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا. وقَوْلُهُ (أُمَمًا) بَدَلٌ مِن (أسْباطًا) أوْ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وعُدِلَ عَنْ جَعْلِ أحَدِ الحالَيْنِ تَمْيِيزًا في الكَلامِ إيجازًا وتَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ المِنَّةِ بِكَوْنِهِمْ أُمَمًا مِن آباءٍ إخْوَةٍ، وأنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِن أُولَئِكَ قَدْ صارَ أُمَّةً قالَ - تَعالى - ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] مَعَ ما يُذْكَرُ بِهِ لَفْظُ أسْباطٍ مِن تَفْضِيلِهِمْ لِأنَّ الأسْباطَ أسْباطُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . * * * ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ هَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ حِكْمَةِ تَقْسِيمِهِمْ إلى اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ولَمْ يُعْطَفْ هَذا الخَبَرُ بِالفاءِ لِإفادَةِ أنَّهُ مِنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. صفحة ١٤٤ وتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مَضى في مُشابِهَتِها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(انْبَجَسَتْ) مُطاوِعُ بَجَسَ إذا شَقَّ. والتَّعْقِيبُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ تَعْقِيبٌ مَجازِيٌّ تَشْبِيهًا لِقِصَرِ المُهْلَةِ بِالتَّعْقِيبِ، ونَظايِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ ومِنهُ ما وقَعَ في خَبَرِ الشُّرْبِ إلى أُمِّ زَرْعٍ قَوْلُها ”فَلَقِيَ امْرَأةً مَعَها ولَدانِ كالفَهْدَيْنِ يَلْعَبانِ مِن تَحْتِ خَصْرِها بِرُمّانَتَيْنِ فَطَلَّقَنِي ونَكَحَها“ إذِ التَّقْدِيرُ: فَأعْجَبَتْهُ فَطَلَّقَنِي ونَكَحَها. * * * ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ راجِعَةٌ إلى قَوْمِ مُوسى، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ سِوى اخْتِلافٍ بِضَمِيرَيِ الغَيْبَةِ هُنا وضَمِيرَيِ الخِطابِ هُناكَ لِأنَّ ما هُنالِكَ قُصِدَ بِهِ التَّوْبِيخُ. وقَدْ أُسْنِدَ فِعْلُ (قِيلَ) في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١] إلى المَجْهُولِ وأُسْنِدَ في سُورَةِ البَقَرَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ وإذْ قُلْنا لِظُهُورِ أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - .

الأعراف 7:161

﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا تُغْفَرُ لَكم خَطِيئاتُكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا نَظِيرُ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ اسْكُنُوا وفي سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ادْخُلُوا لِأنَّ القَوْلَيْنِ قِيلا لَهم، أيْ قِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا واسْكُنُوها، فَفُرِّقَ ذَلِكَ عَلى القِصَّتَيْنِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَغْيِيرِ أُسْلُوبِ القَصَصِ اسْتِجْدادًا لِنَشاطِ السّامِعِ. صفحة ١٤٥ وكَذَلِكَ اخْتِلافُ التَّعْبِيرِ في قَوْلِهِ هُنا وكُلُوا وقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَكُلُوا فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ لَهم بِما يُرادِفُ فاءَ التَّعْقِيبِ، كَما جاءَ في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ التَّعْقِيبَ مَعْنًى زائِدٌ عَلى مُطْلَقِ الجَمْعِ الَّذِي تُفِيدُهُ واوُ العَطْفِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى حِكايَةِ أنَّهُ قِيلَ لَهم، وكانَتْ آيَةُ البَقَرَةِ أوْلى بِحِكايَةِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ فاءُ التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ فَناسَبَها ما هو أدَلُّ عَلى المِنَّةِ، وهو تَعْجِيلُ الِانْتِفاعِ بِخَيْراتِ القَرْيَةِ. وآياتُ الأعْرافِ سِيقَتْ لِمُجَرَّدِ العِبْرَةِ بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ. ولِأجْلِ هَذا الِاخْتِلافِ مُيِّزَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِإعادَةِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة: ٥٩] وعُوِّضَ عَنْهُ هُنا بِضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا لِأنَّ القَصْدَ في آيَةِ البَقَرَةِ بَيانُ سَبَبِ إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ أُشِيرَ إلى أُولاهُما بِما يُومِئُ إلَيْهِ المَوْصُولُ مِن عِلَّةِ الحُكْمِ، وإلى الثّانِيَةِ بِحَرْفِ السَّبَبِيَّةِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى الثّانِي. وقَدْ وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لَفْظُ فَأنْزَلْنا ووَقَعَ هُنا لَفْظُ فَأرْسَلْنا ولَمّا قُيِّدَ كِلاهُما بِقَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ كانَ مُفادُهُما واحِدًا، فالِاخْتِلافُ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ. وعُبِّرَ هُنا ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وفي البَقَرَةِ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] لِأنَّهُ لَمّا اقْتَضى الحالُ في القِصَّتَيْنِ تَأْكِيدَ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ وأُدِّيَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ بُقُولِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، اسْتُثْقِلَتْ إعادَةُ لَفْظِ الظُّلْمِ هُنالِكَ ثالِثَةً، فَعُدِلَ عَنْهُ إلى ما يُفِيدُ مُفادَهُ، وهو الفِسْقُ، وهو أيْضًا أعَمُّ، فَهو أنْسَبُ بِتَذْيِيلِ التَّوْبِيخِ، وجِيءَ هُنا بِلَفْظِ (يَظْلِمُونَ) لِئَلّا يَفُوتَ تَسْجِيلُ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ مَرَّةً ثالِثَةً، فَكانَ تَذْيِيلُ آيَةِ البَقَرَةِ أنْسَبَ بِالتَّغْلِيطِ في ذَمِّهِمْ لِأنَّ مَقامَ التَّوْبِيخِ يَقْتَضِيهِ. ووَقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ ولَمْ يَقَعْ لَفْظُ (مِنهم) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ووَجْهُ زِيادَتِها هُنا التَّصْرِيحُ بِأنَّ تَبْدِيلَ القَوْلِ لَمْ يَصْدُرْ مِن جَمِيعِهِمْ، وأُجْمِلَ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ لَمّا سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ ناسَبَ إرْهابُهم بِما يُوهِمُ أنَّ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ هم جَمِيعُ القَوْمِ لِأنَّ تَبِعاتِ بَعْضِ القَبِيلَةِ تُحْمَلُ عَلى جَماعَتِها. وقُدِّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ (﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾) عَلى قَوْلِهِ (﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾) وعُكِسَ هُنا وهو اخْتِلافٌ في الإخْبارِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ، فَإنَّ كِلا القَوْلَيْنِ واقِعٌ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ. صفحة ١٤٦ وذُكِرَ في البَقَرَةِ ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] ولَمْ يُذْكَرْ وصْفُ (رَغَدًا) هُنا وإنَّما حُكِيَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ زِيادَةَ المِنَّةِ أدْخَلُ في تَقْوِيَةِ التَّوْبِيخِ. وجُمْلَةُ (﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ قَوْلَهُ ”تُغْفَرُ لَكم“ في مَقامِ الِامْتِنانِ بِإعْطاءِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: وهَلِ الغُفْرانُ هو قُصارى جَزائِهِمْ ؟ فَأُجِيبُ بِأنَّ بَعْدَهُ زِيادَةَ الأجْرِ عَلى الإحْسانِ، أيْ عَلى الِامْتِثالِ. وفِي نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ ذُكِرَتْ جُمْلَةُ (﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]) مَعْطُوفَةً بِالواوِ عَلى تَقْدِيرِ: قُلْنا لَهم ذَلِكَ وقُلْنا لَهم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ، فالواوُ هُنالِكَ لِحِكايَةِ الأقْوالِ، فَهي مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ أيْ قُلْنا وقُلْنا سَنَزِيدُ. وتَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ (أرِيحَياءُ) . وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ ”تُغْفَرُ“ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، و(خَطِيئاتُكم) بِصِيغَةِ جَمْعِ السَّلامَةِ لِلْمُؤَنَّثِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (نَغْفِرْ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و(خَطِيئاتِكم) بِصِيغَةِ جَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ أيْضًا وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو (نَغْفِرْ) بِالنُّونِ و”خَطاياكم“ بِصِيغَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، مِثْلَ آيَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”تُغْفَرْ“ بِالفَوْقِيَّةِ ”وخَطِيئَتُكم“ بِالإفْرادِ. والِاخْتِلافُ بَيْنَها وبَيْنَ آيَةِ البَقَرَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ ومَن وافَقَهُ: تَفَنُّنٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ.

الأعراف 7:162

﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا تُغْفَرُ لَكم خَطِيئاتُكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا نَظِيرُ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ اسْكُنُوا وفي سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ادْخُلُوا لِأنَّ القَوْلَيْنِ قِيلا لَهم، أيْ قِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا واسْكُنُوها، فَفُرِّقَ ذَلِكَ عَلى القِصَّتَيْنِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَغْيِيرِ أُسْلُوبِ القَصَصِ اسْتِجْدادًا لِنَشاطِ السّامِعِ. صفحة ١٤٥ وكَذَلِكَ اخْتِلافُ التَّعْبِيرِ في قَوْلِهِ هُنا وكُلُوا وقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَكُلُوا فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ لَهم بِما يُرادِفُ فاءَ التَّعْقِيبِ، كَما جاءَ في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ التَّعْقِيبَ مَعْنًى زائِدٌ عَلى مُطْلَقِ الجَمْعِ الَّذِي تُفِيدُهُ واوُ العَطْفِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى حِكايَةِ أنَّهُ قِيلَ لَهم، وكانَتْ آيَةُ البَقَرَةِ أوْلى بِحِكايَةِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ فاءُ التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ فَناسَبَها ما هو أدَلُّ عَلى المِنَّةِ، وهو تَعْجِيلُ الِانْتِفاعِ بِخَيْراتِ القَرْيَةِ. وآياتُ الأعْرافِ سِيقَتْ لِمُجَرَّدِ العِبْرَةِ بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ. ولِأجْلِ هَذا الِاخْتِلافِ مُيِّزَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِإعادَةِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة: ٥٩] وعُوِّضَ عَنْهُ هُنا بِضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا لِأنَّ القَصْدَ في آيَةِ البَقَرَةِ بَيانُ سَبَبِ إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ أُشِيرَ إلى أُولاهُما بِما يُومِئُ إلَيْهِ المَوْصُولُ مِن عِلَّةِ الحُكْمِ، وإلى الثّانِيَةِ بِحَرْفِ السَّبَبِيَّةِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى الثّانِي. وقَدْ وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لَفْظُ فَأنْزَلْنا ووَقَعَ هُنا لَفْظُ فَأرْسَلْنا ولَمّا قُيِّدَ كِلاهُما بِقَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ كانَ مُفادُهُما واحِدًا، فالِاخْتِلافُ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ. وعُبِّرَ هُنا ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وفي البَقَرَةِ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] لِأنَّهُ لَمّا اقْتَضى الحالُ في القِصَّتَيْنِ تَأْكِيدَ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ وأُدِّيَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ بُقُولِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، اسْتُثْقِلَتْ إعادَةُ لَفْظِ الظُّلْمِ هُنالِكَ ثالِثَةً، فَعُدِلَ عَنْهُ إلى ما يُفِيدُ مُفادَهُ، وهو الفِسْقُ، وهو أيْضًا أعَمُّ، فَهو أنْسَبُ بِتَذْيِيلِ التَّوْبِيخِ، وجِيءَ هُنا بِلَفْظِ (يَظْلِمُونَ) لِئَلّا يَفُوتَ تَسْجِيلُ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ مَرَّةً ثالِثَةً، فَكانَ تَذْيِيلُ آيَةِ البَقَرَةِ أنْسَبَ بِالتَّغْلِيطِ في ذَمِّهِمْ لِأنَّ مَقامَ التَّوْبِيخِ يَقْتَضِيهِ. ووَقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ ولَمْ يَقَعْ لَفْظُ (مِنهم) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ووَجْهُ زِيادَتِها هُنا التَّصْرِيحُ بِأنَّ تَبْدِيلَ القَوْلِ لَمْ يَصْدُرْ مِن جَمِيعِهِمْ، وأُجْمِلَ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ لَمّا سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ ناسَبَ إرْهابُهم بِما يُوهِمُ أنَّ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ هم جَمِيعُ القَوْمِ لِأنَّ تَبِعاتِ بَعْضِ القَبِيلَةِ تُحْمَلُ عَلى جَماعَتِها. وقُدِّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ (﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾) عَلى قَوْلِهِ (﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾) وعُكِسَ هُنا وهو اخْتِلافٌ في الإخْبارِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ، فَإنَّ كِلا القَوْلَيْنِ واقِعٌ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ. صفحة ١٤٦ وذُكِرَ في البَقَرَةِ ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] ولَمْ يُذْكَرْ وصْفُ (رَغَدًا) هُنا وإنَّما حُكِيَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ زِيادَةَ المِنَّةِ أدْخَلُ في تَقْوِيَةِ التَّوْبِيخِ. وجُمْلَةُ (﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ قَوْلَهُ ”تُغْفَرُ لَكم“ في مَقامِ الِامْتِنانِ بِإعْطاءِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: وهَلِ الغُفْرانُ هو قُصارى جَزائِهِمْ ؟ فَأُجِيبُ بِأنَّ بَعْدَهُ زِيادَةَ الأجْرِ عَلى الإحْسانِ، أيْ عَلى الِامْتِثالِ. وفِي نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ ذُكِرَتْ جُمْلَةُ (﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]) مَعْطُوفَةً بِالواوِ عَلى تَقْدِيرِ: قُلْنا لَهم ذَلِكَ وقُلْنا لَهم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ، فالواوُ هُنالِكَ لِحِكايَةِ الأقْوالِ، فَهي مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ أيْ قُلْنا وقُلْنا سَنَزِيدُ. وتَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ (أرِيحَياءُ) . وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ ”تُغْفَرُ“ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، و(خَطِيئاتُكم) بِصِيغَةِ جَمْعِ السَّلامَةِ لِلْمُؤَنَّثِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (نَغْفِرْ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و(خَطِيئاتِكم) بِصِيغَةِ جَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ أيْضًا وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو (نَغْفِرْ) بِالنُّونِ و”خَطاياكم“ بِصِيغَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، مِثْلَ آيَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”تُغْفَرْ“ بِالفَوْقِيَّةِ ”وخَطِيئَتُكم“ بِالإفْرادِ. والِاخْتِلافُ بَيْنَها وبَيْنَ آيَةِ البَقَرَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ ومَن وافَقَهُ: تَفَنُّنٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ.

الأعراف 7:163

﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يِسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الخَبَرِ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا: فابْتُدِئَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ بِطَلَبِ أنْ يَسْألَ سائِلٌ بَنِي إسْرائِيلَ الحاضِرِينَ عَنْها، فَنَعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ لِهَذِهِ القَصَصِ الآتِيَةِ شَأْنًا غَيْرَ شَأْنِ القِصَصِ الماضِيَةِ، ولا أحْسَبُ ذَلِكَ إلّا مِن أجْلِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَيْسَتْ مِمّا كُتِبَ في تَوْراةِ اليَهُودِ ولا في كُتُبِ أنْبِيائِهِمْ، ولَكِنَّها مِمّا كانَ مَرْوِيًّا عَنْ أحْبارِهِمْ، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِالأمْرِ بِسُؤالِهِمْ عَنْها، لِإشْعارِ يَهُودِ العَصْرِ النَّبَوِيِّ بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْها، وهم كانُوا يَكْتُمُونَها، وذَلِكَ أنَّ الحَوادِثَ الَّتِي تَكُونُ مَواعِظَ لِلْأُمَّةِ فِيما صفحة ١٤٧ اجْتَرَحَتْهُ مِنَ المُخالَفاتِ والمَعاصِي تُبْقِي لَها عَقِبَ المَوْعِظَةِ أثَرًا قَدْ تُعَيَّرُ الأُمَّةُ بِهِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ لا يُؤْبَهُ بِهِ في جانِبِ ما يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ لَها بِالمَوْعِظَةِ، فالأُمَّةُ في خُوَيِّصَّتِها لا يَهْتَمُّ قادَتُها ونُصَحاؤُها إلّا بِإصْلاحِ الحالِ، وإنْ كانَ في ذِكْرِ بَعْضِ تِلْكَ الأحْوالِ غَضاضَةٌ عِنْدَها وامْتِعاضٌ، فَإذا جاءَ حُكْمُ التّارِيخِ العامِّ بَيْنَ الأُمَمِ تَناوَلَتِ الأُمَمُ أحْوالَ تِلْكَ الأُمَّةِ بِالحُكْمِ لَها وعَلَيْها، فَبَقِيَتْ حَوادِثُ فَلَتاتِها مَغْمَزًا عَلَيْها ومَعَرَّةً تُعَيَّرُ بِها. وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ اليَهُودِ لَمّا أضاعُوا مُلْكَهم ووَطَنَهم وجاوَرُوا أُمَمًا أُخْرى فَأصْبَحُوا يَكْتُمُونَ عَنْ أُولَئِكَ الجِيرَةِ مَساوِئَ تارِيخِهِمْ، حَتّى أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَعَلَّمَهُ مِن أحْوالِهِمْ ما فِيهِ مُعْجِزَةٌ لِأسْلافِهِمْ، وما بَقِيَ مَعَرَّةً لِأخْلافِهِمْ، وذَلِكَ تَحَدٍّ لَهم، ووَخْزٌ عَلى سُوءِ تَلَقِّيهِمُ الدَّعْوَةَ المُحَمَّدِيَّةَ بِالمَكْرِ والحَسَدِ. فالسُّؤالُ هُنا في مَعْنى التَّقْرِيرِ لِتَقْرِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَوْبِيخِهِمْ وعَدِّ سَوابِقِ عِصْيانِهِمْ، أيْ لَيْسَ عِصْيانُهم إيّاكَ بِبِدْعٍ، فَإنَّ ذَلِكَ شِنْشِنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ، ولَيْسَ سُؤالَ الِاسْتِفادَةِ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ أُعْلِمَ بِذَلِكَ مِن جانِبِ رَبِّهِ - تَعالى - . وهو نَظِيرُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ فَوِزانُ (﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾) وزِانُ: أعَدَوْتُمْ في السَّبْتِ، فَإنَّ السُّؤالَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى نَوْعَيْنِ أشْهَرُهُما أنْ يَسْألَ السّائِلُ عَمّا لا يَعْلَمُهُ لِيَعْلَمَهُ، والآخَرُ أنْ يَسْألَ عَلى وجْهِ التَّقْرِيرِ حِينَ يَكُونُ السّائِلُ يَعْلَمُ حُصُولَ المَسْئُولِ عَنْهُ، ويَعْلَمُ المَسْئُولُ أنَّ السّائِلَ عالِمٌ وأنَّهُ إنَّما سَألَهُ لِيُقَرِّرَهُ. وجُمْلَةُ (واسْألْهم) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١] واقِعَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَصَصِ الِامْتِنانِ وقَصَصِ الِانْتِقامِ الآتِيَةِ في قَوْلِهِ وقَطَّعْناهم، ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ إلى هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ في كِلْتا القِصَّتَيْنِ حَدِيثًا يَتَعَلَّقُ بِأهْلِ قَرْيَةٍ مِن قُرى بَنِي إسْرائِيلَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القَرْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] الآيَةَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذِهِ القَرْيَةُ قِيلَ (أيْلَةُ) وهي المُسَمّاةُ اليَوْمَ (العَقَبَةَ) وهي مَدِينَةٌ عَلى ساحِلِ البَحْرِ الأحْمَرِ قُرْبَ شِبْهِ جَزِيرَةِ طُورِ سِينا، وهي مَبْدَأُ أرْضِ الشّامِ مِن جِهَةِ مِصْرَ، وكانَتْ مِن مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ في زَمانِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ووُصِفَتْ بِأنَّها حاضِرَةُ البَحْرِ بِمَعْنى الِاتِّصالِ بِالبَحْرِ والقُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّ الحُضُورَ يَسْتَلْزِمُ القُرْبَ، وكانَتْ (أيْلَةُ) مُتَّصِلَةً بِخَلِيجٍ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ وهو القُلْزُمُ. صفحة ١٤٨ وقِيلَ هي (طَبَرِيَّةُ) وكانَتْ طَبَرِيَّةُ تُدْعى بُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ، وقَدْ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ كانَتْ في مُدَّةِ داوُدَ. وأُطْلِقَتِ القَرْيَةُ عَلى أهْلِها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إذْ يَعْدُونَ أيْ أهْلُها. والمُرادُ السُّؤالُ عَنِ اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ إلَخْ فَقَوْلُهُ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ القَرْيَةِ وهو المَقْصُودُ بِالحُكْمِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: واسْألْهم إذْ يَعْدُو أهْلُ القَرْيَةِ في السَّبْتِ. و(إذْ) فِيهِ اسْمُ زَمانٍ لِلْماضِي، ولَيْسَتْ ظَرْفًا. والعُدْوانُ الظُّلْمُ ومُخالَفَةُ الحَقِّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ العَدْوِ بِسُكُونِ الدّالِ وهو التَّجاوُزُ. والسَّبْتُ عَلَمٌ لِلْيَوْمِ الواقِعِ بَعْدَ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤] في سُورَةِ النِّساءِ. واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَعْدُونَ إلى في السَّبْتِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ العُدْوانَ لِأجْلِ يَوْمِ السَّبْتِ، نَظَرًا إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُضارِعِ مِنَ التَّكْرِيرِ المُقْتَضِي أنَّ عُدْوانَهم يَتَكَرَّرُ في كُلِّ سَبْتٍ، ونَظَرًا إلى أنَّ ذِكْرَ وقْتِ العُدْوانِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضُ البَلِيغِ ما لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الوَقْتِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِالفِعْلِ فَيُعْلَمُ أنَّ الِاعْتِداءَ كانَ مَنُوطًا بِحَقٍّ خاصٍّ بِيَوْمِ السَّبْتِ، وذَلِكَ هو حَقُّ عَدَمِ العَمَلِ فِيهِ، إذْ لَيْسَ لِيَوْمِ السَّبْتِ حَقٌّ في شَرِيعَةِ مُوسى سِوى أنَّهُ يُحَرَّمُ العَمَلُ فِيهِ، وهَذا العَمَلُ هو الصَّيْدُ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ القِصَّةِ. وهَدَفُ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ العُدْوانَ وقَعَ في شَأْنِ نَقْضِ حُرْمَةِ السَّبْتِ. وقَوْلُهُ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِـ يَعْدُونَ أيْ يَعْدُونَ حِينَ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم. والحِيتانُ جَمْعُ حُوتٍ، وهو السَّمَكَةُ، ويُطْلَقُ الحُوتُ عَلى الجَمْعِ فَهو مِمّا اسْتَوى فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ مِثْلُ فُلْكٍ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ الحُوتُ عَلى الواحِدِ، والجَمْعُ حِيتانُ. وقَوْلُهُ شُرَّعًا وهو جَمْعُ شارِعٍ، صِفَةٌ لِلْحُوتِ الَّذِي هو المُفْرَدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، يَعْنِي أنَّها قَرِيبَةٌ مِن سَطْحِ البَحْرِ آمِنَةً مِن أنْ تُصادَ، أيْ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَها ذَلِكَ لِتَكُونَ آيَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى أنَّ احْتِرامَ السَّبْتِ مِنَ العَمَلِ فِيهِ هو مِن أمْرِ اللَّهِ، وقالَ الضَّحّاكُ: شُرَّعًا مُتَتابِعَةً مُصْطَفَّةً، أيْ فَهو كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ ما يَرِدُ مِنها يَوْمَ السَّبْتِ. صفحة ١٤٩ وأحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ مِن شَرَعَتِ الإبِلُ نَحْوَ الماءِ أيْ: دَخَلَتْ لِتَشْرَبَ، وهي إذا شَرَعَها الرُّعاةُ تَسابَقَتْ إلى الماءِ فاكْتَظَّتْ وتَراكَمَتْ ورُبَّما دَخَلَتْ فِيهِ، فَمُثِّلَتْ هَيْئَةُ الحِيتانِ، في كَثْرَتِها في الماءِ بِالنَّعَمِ الشّارِعَةِ إلى الماءِ وحَسَّنَ ذَلِكَ وُجُودُ الماءِ في الحالَتَيْنِ وهَذا أحْسَنُ تَفْسِيرًا. والمَعْنى: أنَّهم يَعْدُونَ في السَّبْتِ ولَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ اللَّهِ بِتَرْكِ العَمَلِ فِيهِ، ولا اتَّعَظُوا بِآيَةِ إلْهامِ الحُوتِ أنْ يَكُونَ آمِنًا فِيهِ. وقَوْلُهُ ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ سَبْتٍ مَصْدَرَ (سَبَتَ) إذا قُطِعَ العَمَلُ بِقَرِينَةِ ظاهِرِ قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ فَإنَّهُ مُضارِعُ سَبَتَ، فَيَتَطابَقُ المُثْبَتُ والمَنفِيُّ فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم إذا حَفِظُوا حُرْمَةَ السَّبْتِ، فَأمْسَكُوا عَنِ الصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، جاءَتِ الحِيتانُ يَوْمَئِذٍ شُرَّعًا آمِنَةً، وإذا بَعَثَهُمُ الطَّمَعُ في وفْرَةِ الصَّيْدِ فَأعَدُّوا لَهُ، آلاتِهِ وعَزَمُوا عَلى الصَّيْدِ لَمْ تَأْتِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ سَبْتِهِمْ بِمَعْنى الِاسْمِ العَلَمِ لِلْيَوْمِ المَعْرُوفِ بِهَذا الِاسْمِ مِن أيّامِ الأُسْبُوعِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِمِ اخْتِصاصُهُ بِهِمْ بِما أنَّهم يَهُودُ، تَعْرِيضًا بِهِمْ لِاسْتِحْلالِهِمْ حُرْمَةَ السَّبْتِ فَإنَّ الِاسْمَ العَلَمَ قَدْ يُضافُ بِهَذا القَصْدِ، كَقَوْلِ أحَدِ الطّائِيِّنَ: عَلا زَيْدُنا يَوْمَ النَّقا رَأْسَ زَيْدِكم بِأبْيَضَ ماضِي الشَّفْرَتَيْنِ يِمانِ وقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ ثابِتٍ الأسَدِيِّ. لَشَتّانَ ما بَيْنَ اليَزِيدَيْنِ في النَّدى ∗∗∗ يَزِيدِ سُلَيْمٍ والأغَرِّ ابْنِ حَـاتِـمٍ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجُوزُ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ أنْ يَكُونَ المَعْنى والأيّامَ الَّتِي لا يَحْرُمُ العَمَلُ فِيها، أيْ أيّامَ الأُسْبُوعِ، لا تَأْتِي فِيها الحِيتانُ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى وأيّامَ السُّبُوتِ الَّتِي اسْتَحَلُّوها فَلَمْ يَكُفُّوا عَنِ الصَّيْدِ فِيها يَنْقَطِعُ فِيها إتْيانُ الحِيتانِ، ولا يَخْفى أنْ لا يُثارَ هَذا الأُسْلُوبُ في التَّعْبِيرِ عَنِ السَّبْتِ خُصُوصِيَّةٌ بَلاغِيَّةٌ، تَرْمِي إلى إرادَةِ كِلا المَعْنَيَيْنِ. صفحة ١٥٠ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ المَوْعِظَةُ والعِبْرَةُ ولَيْسَتْ مِنَّةً عَلَيْهِمْ، وقَرِينَتُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ نَمْتَحِنُ طاعَتَهم بِتَعْرِيضِهِمْ لِداعِي العِصْيانِ وهو وُجُودُ المُشْتَهى المَمْنُوعِ. وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالِ مَن يَقُولُ: ما فائِدَةُ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ بِأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنِ انْتِهاكِ حُرْمَةِ السَّبْتِ. والإشارَةُ إلى البَلْوى الدّالِّ عَلَيْها نَبْلُوهم أيْ مِثْلَ هَذا الِابْتِلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأصْلُ البَلْوى الِاخْتِبارُ والبَلْوى إذا أُسْنِدَتْ إلى اللَّهِ - تَعالى - كانَتْ مَجازًا عَقْلِيًّا أيْ لِيَبْلُوَ النّاسَ تَمَسُّكَهم بِشَرائِعِ دِينِهِمْ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِفِسْقِهِمْ، أيْ تَوَغُّلُهم في العِصْيانِ أضَرَّهم عَلى الزِّيادَةِ مِنهُ، فَإذا عَرَضَ لَهم داعِيهِ خَفُّوا إلَيْهِ ولَمْ يَرْقُبُوا أمْرَ اللَّهِ - تَعالى - .

الأعراف 7:164

﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ جُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] والتَّقْدِيرُ: واسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿إذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾، فَإذْ فِيهِ اسْمُ زَمانٍ لِلْماضِي، ولَيْسَتْ ظَرْفًا، ولَها حُكْمُ (إذْ) أُخْتِها، المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، فالتَّقْدِيرُ: واسْألْهم عَنْ وقْتِ قالَتْ أُمَّةٌ، أيْ عَنْ زَمَنِ قَوْلِ أُمَّةٍ مِنهم، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِن عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ اسْألْهم ولَيْسَ عائِدًا إلى القَرْيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْبِيخُ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، فَإنْ كانَ هَذا القَوْلُ حَصَلَ في تِلْكَ القَرْيَةِ كَما ذَكَرُوهُ المُفَسِّرُونَ كانَ غَيْرَ مَنظُورٍ إلى حُصُولِهِ في تِلْكَ القَرْيَةِ، بَلْ مَنظُورًا إلَيْهِ بِأنَّهُ مَظْهَرٌ آخَرُ مِن مَظاهِرِ عِصْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى المَوْعِظَةِ صفحة ١٥١ فِيهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ شَأْنٌ مَعْلُومٌ مِنهم عِنْدَ عُلَمائِهِمْ وصُلَحائِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمّا عُطِفَتْ هَذِهِ القِصَّةُ أُعِيدَ مَعَها لَفْظُ اسْمِ الزَّمانِ فَقِيلَ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وقالَتْ أُمَّةٌ. والأُمَّةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ المُشْتَرِكَةُ في هَذا القَوْلِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ أُمَّةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ دائِبَةً عَلى القِيامِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأمَةً كانَتْ قامَتْ بِذَلِكَ ثُمَّ أيِسَتْ مِنَ اتِّعاظِ المَوْعُوظِينَ وأيْقَنَتْ أنْ قَدْ حَقَّتْ عَلى المَوْعُوظِينَ المُصِمِّينَ آذانَهم كَلِمَةُ العَذابِ، وأُمَّةً كانَتْ سادِرَةً في غُلَوائِها، لا تَرْعَوِي عَنْ ضَلالَتِها، ولا تَرْقُبُ اللَّهَ في أعْمالِها. وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ما كانَ مِنَ الأُمَّةِ القائِلَةِ إيجازًا في الكَلامِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ لِأنَّ قَوْلَهُمُ (﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلى المَوْعُوظِينَ. وأنَّهم ما عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم إلّا بَعْدَ أنْ مارَسُوا أمْرَهم، وسَبَرُوا غَوْرَهم، ورَأوْا أنَّهم لا تُغْنِي مَعَهُمُ العِظاتُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ لَهم بِالمَوْعِظَةِ. وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ”﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ﴾“ إذْ جَعَلَ النّاسَ فَرِيقَيْنِ، فَعَلِمْنا أنَّ القائِلِينَ مِنَ الفَرِيقِ النّاجِي، لِأنَّهم لَيْسُوا بِظالِمِينَ. وعَلِمْنا أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَعْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ. واللّامُ في (﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾) لِلتَّعْلِيلِ، فالمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مِن نَوْعِ العِلَلِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جَمِيعِ العِلَلِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُوعَظَ لِتَحْصِيلِها. وذَلِكَ يُفْضِي إلى اليَأْسِ مِن حُصُولِ اتِّعاظِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ تَعِظُونَ أُمَّةً أُخْرى. ووَصْفُ القَوْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الحالُ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهُ يُهْلِكُ أوْ يُعَذِّبُ مَن تَحَقَّقَتْ فِيهِ، وقَدْ أيْقَنَ القائِلُونَ بِأنَّها قَدْ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ وأيْقَنَّ المَقُولُ لَهم بِذَلِكَ حَتّى جازَ أنْ يَصِفَهُمُ القائِلُونَ لِلْمُخاطَبِينَ بِهَذا الوَصْفِ الكاشِفِ لَهم بِأنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالمَصِيرِ إلى أحَدِ الوَعِيدَيْنِ. واسْما الفاعِلِ في قَوْلِهِ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم مُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، وبِقَرِينَةِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الإهْلاكِ والعَذابِ، فَإنَّها تُؤْذِنُ بِأنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ غَيْرُ مُعَيَّنِ صفحة ١٥٢ الحُصُولِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ ولَكِنْ لا يَخْلُو حالُهم عَنْ أحَدِهِما. وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قالَ المُخاطَبُونَ بِـ (﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾) إلَخْ. والمَعْذِرَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الذّالِ - مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِفِعْلِ (اعْتَذَرَ) عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ومَعْنى اعْتَذَرَ أظْهَرَ العُذْرَ - بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الذّالِ - والعُذْرُ السَّبَبُ الَّذِي تَبْطُلُ بِهِ المُؤاخَذَةُ بِذَنْبٍ أوْ تَقْصِيرٍ، فَهو بِمَنزِلَةِ الحُجَّةِ الَّتِي يُبْدِيها المُؤاخَذُ بِذَنْبٍ لِيُظْهِرَ أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ، أوْ مُتَأوِّلٌ فِيهِ، ويُقالُ: عَذَرَهُ إذا قَبِلَ عُذْرَهُ وتَحَقَّقَ بَراءَتَهُ، ويُعَدّى فِعْلُ الِاعْتِذارِ بِإلى لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإنْهاءِ والإبْلاغِ. وارْتَفَعَ ”مَعْذِرَةٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ السّائِلَيْنِ لِمَ تَعِظُونَ والتَّقْدِيرُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ مِنّا إلى اللَّهِ. وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ أيْ وعَظْناهم لِأجْلِ المَعْذِرَةِ. وقَوْلُهُ ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ عَلى المَوْعِظَةِ أيْ لِتَأْثِيرِ المَوْعِظَةِ فِيهِمْ بِتَكْرارِها. فالمَعْنى: أنَّ صُلَحاءَ القَوْمِ كانُوا فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ مِنهم أيِسَ مِن نَجاحِ المَوْعِظَةِ وتَحَقَّقَ حُلُولَ الوَعِيدِ بِالقَوْمِ، لِتَوَغُّلِهِمْ في المَعاصِي، وفَرِيقٌ لَمْ يَنْقَطِعْ رَجاؤُهم مِن حُصُولِ أثَرِ المَوْعِظَةِ بِزِيادَةِ التَّكْرارِ، فَأنْكَرَ الفَرِيقُ الأوَّلُ عَلى الفَرِيقِ الثّانِي اسْتِمْرارَهم عَلى كُلْفَةِ المَوْعِظَةِ، واعْتَذَرَ الفَرِيقُ الثّانِي بِقَوْلِهِمْ ﴿مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ فالفَرِيقُ الأوَّلُ أخَذُوا بِالطَّرَفِ الرّاجِحِ المُوجِبِ لِلظَّنِّ، والفَرِيقُ الثّانِي أخَذُوا بِالطَّرَفِ المَرْجُوحِ جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الرّاجِحِ لِقَصْدِ الِاحْتِياطِ، لِيَكُونَ لَهم عُذْرًا عِنْدَ اللَّهِ إنْ سَألَهم ”لِماذا أقْلَعْتُمْ عَنِ المَوْعِظَةِ ؟“ ولِما عَسى أنْ يَحْصُلَ مِن تَقْوى المَوْعُوظِينَ بِزِيادَةِ المَوْعِظَةِ. فاسْتِعْمالُ حَرْفِ الرَّجاءِ في مَوْقِعِهِ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ يُقالُ عَلى جِنْسِهِ بِالتَّشْكِيكِ فَمِنهُ قَوِيٌّ ومِنهُ ضَعِيفٌ. وضَمِيرُ نَسُوا عائِدٌ إلى (قَوْمًا) والنِّسْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في الإعْراضِ المُفْضِي إلى النِّسْيانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. صفحة ١٥٣ و(الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) هُمُ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ، و(﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) هُمُ القَوْمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ (﴿قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) إلَخْ. والظُّلْمُ هُنا بِمَعْنى العِصْيانِ، وهو ظُلْمُ النَّفْسِ وظُلْمُ حَقِّ اللَّهِ - تَعالى - في عَدَمِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ. و”بِيسٍ“ قَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مُشْبَعَةً بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ وبِتَنْوِينِ السِّينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (بِئْسَ) بِسُكُونِ الهَمْزَةِ فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ ياءً مِثْلَ قَوْلِهِمْ ذِيبٌ في ذِئْبٍ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ”بِئْسٍ“ بِالهَمْزَةِ السّاكِنَةِ وإبْقاءِ التَّنْوِينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (بَئِيسٍ) . وقَرَأهُ الجُمْهُورُ (بَئِيسٍ) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ وتَنْوِينِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِن فِعْلِ (بَؤُسَ) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الهَمْزَةِ إذا أصابَهُ البُؤْسُ، وهو الشِّدَّةُ مِنَ الضُّرِّ. أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ عَذِيرٍ ونَكِيرٍ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”بَيْئَسٍ“ بِوَزْنِ صَيْقَلٍ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَوْصُوفِ بِفِعْلِ البُؤْسِ، والمَعْنى، عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: أنَّهُ عَذابٌ شَدِيدُ الضُّرِّ. وقَوْلُهُ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ قَرِيبًا. وقَدْ أُجْمِلَ هَذا العَذابُ هُنا، فَقِيلَ هو عَذابٌ غَيْرُ المَسْخِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ وهو عَذابٌ أُصِيبَ بِهِ الَّذِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، فَيَكُونُ المَسْخُ عَذابًا ثانِيًا أُصِيبَ بِهِ فَرِيقٌ شاهَدُوا العَذابَ الَّذِي حَلَّ بِإخْوانِهِمْ، وهو عَذابٌ أشَدُّ، وقَعَ بَعْدَ العَذابِ البِيسِ، أيْ أنَّ اللَّهَ أعْذَرَ إلَيْهِمْ فابْتَدَأهم بِعَذابِ الشِّدَّةِ فَلَمّا لَمْ يَنْتَهُوا وعَتَوْا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَذابَ المَسْخِ. وقِيلَ العَذابُ البِئْسُ هو المَسْخُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ بَيانًا لِإجْمالِ العَذابِ البِئْسِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ فَلَمّا نَسُوا صِيغَ بِهَذا الأُسْلُوبِ لِتَهْوِيلِ النِّسْيانِ والعُتُوِّ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ النِّسْيانَ، وهو الإعْراضُ، وقَعَ مُقارِنًا لِلْعُتُوِّ. وما ذُكِّرُوا بِهِ وما نُهُوا عَنْهُ ماصَدَقَهُما شَيْءٌ واحِدٌ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ صفحة ١٥٤ أنْ يُقالَ: فَلَمّا نَسُوا وعَتَوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وذُكِّرُوا بِهِ قُلْنا لَهم إلَخْ فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ إلى هَذا الأُسْلُوبِ مِنَ الإطْنابِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ العَذابِ، وتَكْثِيرِ أشْكالِهِ، ومَقامُ التَّهْوِيلِ مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ وهَذا كَإعادَةِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِ لَبِيدٍ: فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتٍ عَرْفَـجِ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا ولَكِنَّ أُسْلُوبَ الآيَةِ أبْلَغُ وأوْفَرُ فائِدَةً، وأبْعَدُ عَنِ التَّكْرِيرِ اللَّفْظِيِّ، فَما في بَيْتِ لَبِيدٍ كَلامٌ بَلِيغٌ، وما في الآيَةِ كَلامٌ مُعْجِزٌ. والعُتُوُّ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِأجْلِ التَّشابُهِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وذِكْرِ العَدْوِ في السَّبْتِ فِيهِما، وذِكْرِهِ هُنا في الإخْبارِ عَنِ القَرْيَةِ، جَزَمَ المُفَسِّرُونَ بِأنَّ الَّذِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ وعَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ هم أهْلُ هَذِهِ القَرْيَةِ، وبِأنَّ الأُمَّةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هي أُمَّةٌ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ فَجَزَمُوا بِأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، وهَذا وإنْ كانَ لا يَنْبُو عَنْهُ المَقامُ كَما أنَّهُ لا يَمْنَعُ تَشابُهَ فَرِيقَيْنِ في العَذابِ، فَقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي جَعْلَ القِصَّةِ في مَعْنى قِصَّتَيْنِ مِن جِهَةِ الِاعْتِبارِ.

الأعراف 7:165

﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ جُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] والتَّقْدِيرُ: واسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿إذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾، فَإذْ فِيهِ اسْمُ زَمانٍ لِلْماضِي، ولَيْسَتْ ظَرْفًا، ولَها حُكْمُ (إذْ) أُخْتِها، المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، فالتَّقْدِيرُ: واسْألْهم عَنْ وقْتِ قالَتْ أُمَّةٌ، أيْ عَنْ زَمَنِ قَوْلِ أُمَّةٍ مِنهم، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِن عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ اسْألْهم ولَيْسَ عائِدًا إلى القَرْيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْبِيخُ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، فَإنْ كانَ هَذا القَوْلُ حَصَلَ في تِلْكَ القَرْيَةِ كَما ذَكَرُوهُ المُفَسِّرُونَ كانَ غَيْرَ مَنظُورٍ إلى حُصُولِهِ في تِلْكَ القَرْيَةِ، بَلْ مَنظُورًا إلَيْهِ بِأنَّهُ مَظْهَرٌ آخَرُ مِن مَظاهِرِ عِصْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى المَوْعِظَةِ صفحة ١٥١ فِيهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ شَأْنٌ مَعْلُومٌ مِنهم عِنْدَ عُلَمائِهِمْ وصُلَحائِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمّا عُطِفَتْ هَذِهِ القِصَّةُ أُعِيدَ مَعَها لَفْظُ اسْمِ الزَّمانِ فَقِيلَ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وقالَتْ أُمَّةٌ. والأُمَّةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ المُشْتَرِكَةُ في هَذا القَوْلِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ أُمَّةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ دائِبَةً عَلى القِيامِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأمَةً كانَتْ قامَتْ بِذَلِكَ ثُمَّ أيِسَتْ مِنَ اتِّعاظِ المَوْعُوظِينَ وأيْقَنَتْ أنْ قَدْ حَقَّتْ عَلى المَوْعُوظِينَ المُصِمِّينَ آذانَهم كَلِمَةُ العَذابِ، وأُمَّةً كانَتْ سادِرَةً في غُلَوائِها، لا تَرْعَوِي عَنْ ضَلالَتِها، ولا تَرْقُبُ اللَّهَ في أعْمالِها. وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ما كانَ مِنَ الأُمَّةِ القائِلَةِ إيجازًا في الكَلامِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ لِأنَّ قَوْلَهُمُ (﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلى المَوْعُوظِينَ. وأنَّهم ما عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم إلّا بَعْدَ أنْ مارَسُوا أمْرَهم، وسَبَرُوا غَوْرَهم، ورَأوْا أنَّهم لا تُغْنِي مَعَهُمُ العِظاتُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ لَهم بِالمَوْعِظَةِ. وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ”﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ﴾“ إذْ جَعَلَ النّاسَ فَرِيقَيْنِ، فَعَلِمْنا أنَّ القائِلِينَ مِنَ الفَرِيقِ النّاجِي، لِأنَّهم لَيْسُوا بِظالِمِينَ. وعَلِمْنا أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَعْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ. واللّامُ في (﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾) لِلتَّعْلِيلِ، فالمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مِن نَوْعِ العِلَلِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جَمِيعِ العِلَلِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُوعَظَ لِتَحْصِيلِها. وذَلِكَ يُفْضِي إلى اليَأْسِ مِن حُصُولِ اتِّعاظِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ تَعِظُونَ أُمَّةً أُخْرى. ووَصْفُ القَوْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الحالُ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهُ يُهْلِكُ أوْ يُعَذِّبُ مَن تَحَقَّقَتْ فِيهِ، وقَدْ أيْقَنَ القائِلُونَ بِأنَّها قَدْ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ وأيْقَنَّ المَقُولُ لَهم بِذَلِكَ حَتّى جازَ أنْ يَصِفَهُمُ القائِلُونَ لِلْمُخاطَبِينَ بِهَذا الوَصْفِ الكاشِفِ لَهم بِأنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالمَصِيرِ إلى أحَدِ الوَعِيدَيْنِ. واسْما الفاعِلِ في قَوْلِهِ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم مُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، وبِقَرِينَةِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الإهْلاكِ والعَذابِ، فَإنَّها تُؤْذِنُ بِأنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ غَيْرُ مُعَيَّنِ صفحة ١٥٢ الحُصُولِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ ولَكِنْ لا يَخْلُو حالُهم عَنْ أحَدِهِما. وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قالَ المُخاطَبُونَ بِـ (﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾) إلَخْ. والمَعْذِرَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الذّالِ - مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِفِعْلِ (اعْتَذَرَ) عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ومَعْنى اعْتَذَرَ أظْهَرَ العُذْرَ - بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الذّالِ - والعُذْرُ السَّبَبُ الَّذِي تَبْطُلُ بِهِ المُؤاخَذَةُ بِذَنْبٍ أوْ تَقْصِيرٍ، فَهو بِمَنزِلَةِ الحُجَّةِ الَّتِي يُبْدِيها المُؤاخَذُ بِذَنْبٍ لِيُظْهِرَ أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ، أوْ مُتَأوِّلٌ فِيهِ، ويُقالُ: عَذَرَهُ إذا قَبِلَ عُذْرَهُ وتَحَقَّقَ بَراءَتَهُ، ويُعَدّى فِعْلُ الِاعْتِذارِ بِإلى لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإنْهاءِ والإبْلاغِ. وارْتَفَعَ ”مَعْذِرَةٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ السّائِلَيْنِ لِمَ تَعِظُونَ والتَّقْدِيرُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ مِنّا إلى اللَّهِ. وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ أيْ وعَظْناهم لِأجْلِ المَعْذِرَةِ. وقَوْلُهُ ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ عَلى المَوْعِظَةِ أيْ لِتَأْثِيرِ المَوْعِظَةِ فِيهِمْ بِتَكْرارِها. فالمَعْنى: أنَّ صُلَحاءَ القَوْمِ كانُوا فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ مِنهم أيِسَ مِن نَجاحِ المَوْعِظَةِ وتَحَقَّقَ حُلُولَ الوَعِيدِ بِالقَوْمِ، لِتَوَغُّلِهِمْ في المَعاصِي، وفَرِيقٌ لَمْ يَنْقَطِعْ رَجاؤُهم مِن حُصُولِ أثَرِ المَوْعِظَةِ بِزِيادَةِ التَّكْرارِ، فَأنْكَرَ الفَرِيقُ الأوَّلُ عَلى الفَرِيقِ الثّانِي اسْتِمْرارَهم عَلى كُلْفَةِ المَوْعِظَةِ، واعْتَذَرَ الفَرِيقُ الثّانِي بِقَوْلِهِمْ ﴿مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ فالفَرِيقُ الأوَّلُ أخَذُوا بِالطَّرَفِ الرّاجِحِ المُوجِبِ لِلظَّنِّ، والفَرِيقُ الثّانِي أخَذُوا بِالطَّرَفِ المَرْجُوحِ جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الرّاجِحِ لِقَصْدِ الِاحْتِياطِ، لِيَكُونَ لَهم عُذْرًا عِنْدَ اللَّهِ إنْ سَألَهم ”لِماذا أقْلَعْتُمْ عَنِ المَوْعِظَةِ ؟“ ولِما عَسى أنْ يَحْصُلَ مِن تَقْوى المَوْعُوظِينَ بِزِيادَةِ المَوْعِظَةِ. فاسْتِعْمالُ حَرْفِ الرَّجاءِ في مَوْقِعِهِ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ يُقالُ عَلى جِنْسِهِ بِالتَّشْكِيكِ فَمِنهُ قَوِيٌّ ومِنهُ ضَعِيفٌ. وضَمِيرُ نَسُوا عائِدٌ إلى (قَوْمًا) والنِّسْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في الإعْراضِ المُفْضِي إلى النِّسْيانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. صفحة ١٥٣ و(الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) هُمُ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ، و(﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) هُمُ القَوْمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ (﴿قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) إلَخْ. والظُّلْمُ هُنا بِمَعْنى العِصْيانِ، وهو ظُلْمُ النَّفْسِ وظُلْمُ حَقِّ اللَّهِ - تَعالى - في عَدَمِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ. و”بِيسٍ“ قَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مُشْبَعَةً بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ وبِتَنْوِينِ السِّينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (بِئْسَ) بِسُكُونِ الهَمْزَةِ فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ ياءً مِثْلَ قَوْلِهِمْ ذِيبٌ في ذِئْبٍ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ”بِئْسٍ“ بِالهَمْزَةِ السّاكِنَةِ وإبْقاءِ التَّنْوِينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (بَئِيسٍ) . وقَرَأهُ الجُمْهُورُ (بَئِيسٍ) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ وتَنْوِينِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِن فِعْلِ (بَؤُسَ) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الهَمْزَةِ إذا أصابَهُ البُؤْسُ، وهو الشِّدَّةُ مِنَ الضُّرِّ. أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ عَذِيرٍ ونَكِيرٍ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”بَيْئَسٍ“ بِوَزْنِ صَيْقَلٍ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَوْصُوفِ بِفِعْلِ البُؤْسِ، والمَعْنى، عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: أنَّهُ عَذابٌ شَدِيدُ الضُّرِّ. وقَوْلُهُ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ قَرِيبًا. وقَدْ أُجْمِلَ هَذا العَذابُ هُنا، فَقِيلَ هو عَذابٌ غَيْرُ المَسْخِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ وهو عَذابٌ أُصِيبَ بِهِ الَّذِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، فَيَكُونُ المَسْخُ عَذابًا ثانِيًا أُصِيبَ بِهِ فَرِيقٌ شاهَدُوا العَذابَ الَّذِي حَلَّ بِإخْوانِهِمْ، وهو عَذابٌ أشَدُّ، وقَعَ بَعْدَ العَذابِ البِيسِ، أيْ أنَّ اللَّهَ أعْذَرَ إلَيْهِمْ فابْتَدَأهم بِعَذابِ الشِّدَّةِ فَلَمّا لَمْ يَنْتَهُوا وعَتَوْا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَذابَ المَسْخِ. وقِيلَ العَذابُ البِئْسُ هو المَسْخُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ بَيانًا لِإجْمالِ العَذابِ البِئْسِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ فَلَمّا نَسُوا صِيغَ بِهَذا الأُسْلُوبِ لِتَهْوِيلِ النِّسْيانِ والعُتُوِّ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ النِّسْيانَ، وهو الإعْراضُ، وقَعَ مُقارِنًا لِلْعُتُوِّ. وما ذُكِّرُوا بِهِ وما نُهُوا عَنْهُ ماصَدَقَهُما شَيْءٌ واحِدٌ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ صفحة ١٥٤ أنْ يُقالَ: فَلَمّا نَسُوا وعَتَوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وذُكِّرُوا بِهِ قُلْنا لَهم إلَخْ فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ إلى هَذا الأُسْلُوبِ مِنَ الإطْنابِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ العَذابِ، وتَكْثِيرِ أشْكالِهِ، ومَقامُ التَّهْوِيلِ مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ وهَذا كَإعادَةِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِ لَبِيدٍ: فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتٍ عَرْفَـجِ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا ولَكِنَّ أُسْلُوبَ الآيَةِ أبْلَغُ وأوْفَرُ فائِدَةً، وأبْعَدُ عَنِ التَّكْرِيرِ اللَّفْظِيِّ، فَما في بَيْتِ لَبِيدٍ كَلامٌ بَلِيغٌ، وما في الآيَةِ كَلامٌ مُعْجِزٌ. والعُتُوُّ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِأجْلِ التَّشابُهِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وذِكْرِ العَدْوِ في السَّبْتِ فِيهِما، وذِكْرِهِ هُنا في الإخْبارِ عَنِ القَرْيَةِ، جَزَمَ المُفَسِّرُونَ بِأنَّ الَّذِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ وعَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ هم أهْلُ هَذِهِ القَرْيَةِ، وبِأنَّ الأُمَّةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هي أُمَّةٌ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ فَجَزَمُوا بِأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، وهَذا وإنْ كانَ لا يَنْبُو عَنْهُ المَقامُ كَما أنَّهُ لا يَمْنَعُ تَشابُهَ فَرِيقَيْنِ في العَذابِ، فَقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي جَعْلَ القِصَّةِ في مَعْنى قِصَّتَيْنِ مِن جِهَةِ الِاعْتِبارِ.

الأعراف 7:166

﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ جُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] والتَّقْدِيرُ: واسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿إذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾، فَإذْ فِيهِ اسْمُ زَمانٍ لِلْماضِي، ولَيْسَتْ ظَرْفًا، ولَها حُكْمُ (إذْ) أُخْتِها، المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، فالتَّقْدِيرُ: واسْألْهم عَنْ وقْتِ قالَتْ أُمَّةٌ، أيْ عَنْ زَمَنِ قَوْلِ أُمَّةٍ مِنهم، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِن عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ اسْألْهم ولَيْسَ عائِدًا إلى القَرْيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْبِيخُ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، فَإنْ كانَ هَذا القَوْلُ حَصَلَ في تِلْكَ القَرْيَةِ كَما ذَكَرُوهُ المُفَسِّرُونَ كانَ غَيْرَ مَنظُورٍ إلى حُصُولِهِ في تِلْكَ القَرْيَةِ، بَلْ مَنظُورًا إلَيْهِ بِأنَّهُ مَظْهَرٌ آخَرُ مِن مَظاهِرِ عِصْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى المَوْعِظَةِ صفحة ١٥١ فِيهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ شَأْنٌ مَعْلُومٌ مِنهم عِنْدَ عُلَمائِهِمْ وصُلَحائِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمّا عُطِفَتْ هَذِهِ القِصَّةُ أُعِيدَ مَعَها لَفْظُ اسْمِ الزَّمانِ فَقِيلَ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وقالَتْ أُمَّةٌ. والأُمَّةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ المُشْتَرِكَةُ في هَذا القَوْلِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ أُمَّةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ دائِبَةً عَلى القِيامِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأمَةً كانَتْ قامَتْ بِذَلِكَ ثُمَّ أيِسَتْ مِنَ اتِّعاظِ المَوْعُوظِينَ وأيْقَنَتْ أنْ قَدْ حَقَّتْ عَلى المَوْعُوظِينَ المُصِمِّينَ آذانَهم كَلِمَةُ العَذابِ، وأُمَّةً كانَتْ سادِرَةً في غُلَوائِها، لا تَرْعَوِي عَنْ ضَلالَتِها، ولا تَرْقُبُ اللَّهَ في أعْمالِها. وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ما كانَ مِنَ الأُمَّةِ القائِلَةِ إيجازًا في الكَلامِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ لِأنَّ قَوْلَهُمُ (﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلى المَوْعُوظِينَ. وأنَّهم ما عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم إلّا بَعْدَ أنْ مارَسُوا أمْرَهم، وسَبَرُوا غَوْرَهم، ورَأوْا أنَّهم لا تُغْنِي مَعَهُمُ العِظاتُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ لَهم بِالمَوْعِظَةِ. وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ”﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ﴾“ إذْ جَعَلَ النّاسَ فَرِيقَيْنِ، فَعَلِمْنا أنَّ القائِلِينَ مِنَ الفَرِيقِ النّاجِي، لِأنَّهم لَيْسُوا بِظالِمِينَ. وعَلِمْنا أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَعْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ. واللّامُ في (﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾) لِلتَّعْلِيلِ، فالمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مِن نَوْعِ العِلَلِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جَمِيعِ العِلَلِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُوعَظَ لِتَحْصِيلِها. وذَلِكَ يُفْضِي إلى اليَأْسِ مِن حُصُولِ اتِّعاظِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ تَعِظُونَ أُمَّةً أُخْرى. ووَصْفُ القَوْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الحالُ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهُ يُهْلِكُ أوْ يُعَذِّبُ مَن تَحَقَّقَتْ فِيهِ، وقَدْ أيْقَنَ القائِلُونَ بِأنَّها قَدْ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ وأيْقَنَّ المَقُولُ لَهم بِذَلِكَ حَتّى جازَ أنْ يَصِفَهُمُ القائِلُونَ لِلْمُخاطَبِينَ بِهَذا الوَصْفِ الكاشِفِ لَهم بِأنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالمَصِيرِ إلى أحَدِ الوَعِيدَيْنِ. واسْما الفاعِلِ في قَوْلِهِ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم مُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، وبِقَرِينَةِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الإهْلاكِ والعَذابِ، فَإنَّها تُؤْذِنُ بِأنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ غَيْرُ مُعَيَّنِ صفحة ١٥٢ الحُصُولِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ ولَكِنْ لا يَخْلُو حالُهم عَنْ أحَدِهِما. وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قالَ المُخاطَبُونَ بِـ (﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾) إلَخْ. والمَعْذِرَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الذّالِ - مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِفِعْلِ (اعْتَذَرَ) عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ومَعْنى اعْتَذَرَ أظْهَرَ العُذْرَ - بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الذّالِ - والعُذْرُ السَّبَبُ الَّذِي تَبْطُلُ بِهِ المُؤاخَذَةُ بِذَنْبٍ أوْ تَقْصِيرٍ، فَهو بِمَنزِلَةِ الحُجَّةِ الَّتِي يُبْدِيها المُؤاخَذُ بِذَنْبٍ لِيُظْهِرَ أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ، أوْ مُتَأوِّلٌ فِيهِ، ويُقالُ: عَذَرَهُ إذا قَبِلَ عُذْرَهُ وتَحَقَّقَ بَراءَتَهُ، ويُعَدّى فِعْلُ الِاعْتِذارِ بِإلى لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإنْهاءِ والإبْلاغِ. وارْتَفَعَ ”مَعْذِرَةٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ السّائِلَيْنِ لِمَ تَعِظُونَ والتَّقْدِيرُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ مِنّا إلى اللَّهِ. وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ أيْ وعَظْناهم لِأجْلِ المَعْذِرَةِ. وقَوْلُهُ ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ عَلى المَوْعِظَةِ أيْ لِتَأْثِيرِ المَوْعِظَةِ فِيهِمْ بِتَكْرارِها. فالمَعْنى: أنَّ صُلَحاءَ القَوْمِ كانُوا فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ مِنهم أيِسَ مِن نَجاحِ المَوْعِظَةِ وتَحَقَّقَ حُلُولَ الوَعِيدِ بِالقَوْمِ، لِتَوَغُّلِهِمْ في المَعاصِي، وفَرِيقٌ لَمْ يَنْقَطِعْ رَجاؤُهم مِن حُصُولِ أثَرِ المَوْعِظَةِ بِزِيادَةِ التَّكْرارِ، فَأنْكَرَ الفَرِيقُ الأوَّلُ عَلى الفَرِيقِ الثّانِي اسْتِمْرارَهم عَلى كُلْفَةِ المَوْعِظَةِ، واعْتَذَرَ الفَرِيقُ الثّانِي بِقَوْلِهِمْ ﴿مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ فالفَرِيقُ الأوَّلُ أخَذُوا بِالطَّرَفِ الرّاجِحِ المُوجِبِ لِلظَّنِّ، والفَرِيقُ الثّانِي أخَذُوا بِالطَّرَفِ المَرْجُوحِ جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الرّاجِحِ لِقَصْدِ الِاحْتِياطِ، لِيَكُونَ لَهم عُذْرًا عِنْدَ اللَّهِ إنْ سَألَهم ”لِماذا أقْلَعْتُمْ عَنِ المَوْعِظَةِ ؟“ ولِما عَسى أنْ يَحْصُلَ مِن تَقْوى المَوْعُوظِينَ بِزِيادَةِ المَوْعِظَةِ. فاسْتِعْمالُ حَرْفِ الرَّجاءِ في مَوْقِعِهِ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ يُقالُ عَلى جِنْسِهِ بِالتَّشْكِيكِ فَمِنهُ قَوِيٌّ ومِنهُ ضَعِيفٌ. وضَمِيرُ نَسُوا عائِدٌ إلى (قَوْمًا) والنِّسْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في الإعْراضِ المُفْضِي إلى النِّسْيانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. صفحة ١٥٣ و(الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) هُمُ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ، و(﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) هُمُ القَوْمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ (﴿قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) إلَخْ. والظُّلْمُ هُنا بِمَعْنى العِصْيانِ، وهو ظُلْمُ النَّفْسِ وظُلْمُ حَقِّ اللَّهِ - تَعالى - في عَدَمِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ. و”بِيسٍ“ قَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مُشْبَعَةً بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ وبِتَنْوِينِ السِّينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (بِئْسَ) بِسُكُونِ الهَمْزَةِ فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ ياءً مِثْلَ قَوْلِهِمْ ذِيبٌ في ذِئْبٍ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ”بِئْسٍ“ بِالهَمْزَةِ السّاكِنَةِ وإبْقاءِ التَّنْوِينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (بَئِيسٍ) . وقَرَأهُ الجُمْهُورُ (بَئِيسٍ) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ وتَنْوِينِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِن فِعْلِ (بَؤُسَ) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الهَمْزَةِ إذا أصابَهُ البُؤْسُ، وهو الشِّدَّةُ مِنَ الضُّرِّ. أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ عَذِيرٍ ونَكِيرٍ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”بَيْئَسٍ“ بِوَزْنِ صَيْقَلٍ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَوْصُوفِ بِفِعْلِ البُؤْسِ، والمَعْنى، عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: أنَّهُ عَذابٌ شَدِيدُ الضُّرِّ. وقَوْلُهُ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ قَرِيبًا. وقَدْ أُجْمِلَ هَذا العَذابُ هُنا، فَقِيلَ هو عَذابٌ غَيْرُ المَسْخِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ وهو عَذابٌ أُصِيبَ بِهِ الَّذِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، فَيَكُونُ المَسْخُ عَذابًا ثانِيًا أُصِيبَ بِهِ فَرِيقٌ شاهَدُوا العَذابَ الَّذِي حَلَّ بِإخْوانِهِمْ، وهو عَذابٌ أشَدُّ، وقَعَ بَعْدَ العَذابِ البِيسِ، أيْ أنَّ اللَّهَ أعْذَرَ إلَيْهِمْ فابْتَدَأهم بِعَذابِ الشِّدَّةِ فَلَمّا لَمْ يَنْتَهُوا وعَتَوْا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَذابَ المَسْخِ. وقِيلَ العَذابُ البِئْسُ هو المَسْخُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ بَيانًا لِإجْمالِ العَذابِ البِئْسِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ فَلَمّا نَسُوا صِيغَ بِهَذا الأُسْلُوبِ لِتَهْوِيلِ النِّسْيانِ والعُتُوِّ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ النِّسْيانَ، وهو الإعْراضُ، وقَعَ مُقارِنًا لِلْعُتُوِّ. وما ذُكِّرُوا بِهِ وما نُهُوا عَنْهُ ماصَدَقَهُما شَيْءٌ واحِدٌ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ صفحة ١٥٤ أنْ يُقالَ: فَلَمّا نَسُوا وعَتَوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وذُكِّرُوا بِهِ قُلْنا لَهم إلَخْ فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ إلى هَذا الأُسْلُوبِ مِنَ الإطْنابِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ العَذابِ، وتَكْثِيرِ أشْكالِهِ، ومَقامُ التَّهْوِيلِ مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ وهَذا كَإعادَةِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِ لَبِيدٍ: فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتٍ عَرْفَـجِ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا ولَكِنَّ أُسْلُوبَ الآيَةِ أبْلَغُ وأوْفَرُ فائِدَةً، وأبْعَدُ عَنِ التَّكْرِيرِ اللَّفْظِيِّ، فَما في بَيْتِ لَبِيدٍ كَلامٌ بَلِيغٌ، وما في الآيَةِ كَلامٌ مُعْجِزٌ. والعُتُوُّ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِأجْلِ التَّشابُهِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وذِكْرِ العَدْوِ في السَّبْتِ فِيهِما، وذِكْرِهِ هُنا في الإخْبارِ عَنِ القَرْيَةِ، جَزَمَ المُفَسِّرُونَ بِأنَّ الَّذِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ وعَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ هم أهْلُ هَذِهِ القَرْيَةِ، وبِأنَّ الأُمَّةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هي أُمَّةٌ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ فَجَزَمُوا بِأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، وهَذا وإنْ كانَ لا يَنْبُو عَنْهُ المَقامُ كَما أنَّهُ لا يَمْنَعُ تَشابُهَ فَرِيقَيْنِ في العَذابِ، فَقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي جَعْلَ القِصَّةِ في مَعْنى قِصَّتَيْنِ مِن جِهَةِ الِاعْتِبارِ.

الأعراف 7:167

﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ واسْألْهم بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ، وضَمِيرُ عَلَيْهِمْ عائِدٌ إلى اليَهُودِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِمْ بِدَلالَةِ المَقامِ في قَوْلِهِ - تَعالى - واسْألْهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ فالمُتَحَدَّثَ عَنْهم بِهَذِهِ الآيَةِ لا عَلاقَةَ لَهم بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّذِينَ عَدَوْا في السَّبْتِ. و(تَأذَّنَ) عَلى اخْتِلافِ إطْلاقاتِهِ ومِمّا فِيهِ هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الإذْنِ وهو صفحة ١٥٥ العِلْمُ، يُقالُ أذِنَ أيْ عَلِمَ، وأصْلُهُ العِلْمُ بِالخَبَرِ لِأنَّ مادَّةَ هَذا الفِعْلِ وتَصارِيفَهُ جائِيَةٌ مِنَ الأُذُنِ - اسْمِ الجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّمْعِ، فَهَذِهِ التَّصارِيفُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الجامِدِ نَحْوَ اسْتَحْجَرَ الطِّينُ أيْ صارَ حَجَرًا، واسْتَنْسَرَ البُغاثُ أيْ صارَ نَسْرًا. فَتَأذَّنَ: بِزِنَةٍ تَفَعَّلَ الدّالَّةِ عَلى مُطاوَعَةِ فَعَلَ، والمُطاوَعَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى قُوَّةِ حُصُولِ الفِعْلِ، فَقِيلَ هو هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ كَما يُقالُ تَوَعَّدَ بِمَعْنى أوْعَدَ فَمَعْنى تَأذَّنَ رَبُّكَ أعْلَمَ وأخْبَرَ لَيَبْعَثَنَّ، فَيَكُونُ فِعْلُ أعْلَمَ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِلامِ القَسَمِ، وإلى هَذا مالَ الطَّبَرِيُّ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهَذا قَلَقٌ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ إذْ نِسْبَةُ تَأذَّنَ إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ أعْلَمَ ويَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنَ التَّعَدِّي وغَيْرِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: تَأذَّنَ تَألّى قالَ في الكَشّافِ مَعْناهُ عَزَمَ رَبُّكَ؛ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِهِ أرادَ أنَّ إشْرابَهُ مَعْنى القَسَمِ ناشِئٌ عَنْ مَجازٍ فَأُطْلِقَ التَّأذُّنُ عَلى العَزْمِ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ، فَهو يُؤْذِنُها بِفِعْلِهِ فَتَعْزِمُ نَفْسُهُ، ثُمَّ أُجْرِيَ مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ مِثْلَ عَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ. ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ. قالابْنُ عَطِيَّةَ: ”وقادَهم إلى هَذا القَوْلِ دُخُولُ اللّامِ في الجَوابِ وأمّا اللَّفْظَةُ فَبَعِيدَةٌ عَنْ هَذا“ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”تَأذَّنَ رَبُّكَ قالَ رَبُّكَ“ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ أعْلَنَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ. وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أعْلَمَهم بِذَلِكَ وتَوَعَّدَهم بِهِ وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] في سُورَةِ إبْراهِيمَ. ومَعْنى البَعْثِ الإرْسالُ وهو هُنا مَجازٌ في التَّقْيِيضِ والإلْهامِ وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ ذَلِكَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَمِرًّا يَوْمًا فَيَوْمًا، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ فِعْلُ لَيَبْعَثَنَّ دُونَ نَحْوِ لَيُلْزِمَنَّهم، وضُمِّنَ مَعْنى التَّسْلِيطِ فَعُدِّيَ بِعَلى كَقَوْلِهِ بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا وقَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ. و(إلى يَوْمِ القِيامَةِ) غايَةٌ لِما في القَسَمِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وهي غايَةٌ مَقْصُودٌ مِنها جَعْلُ أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ ظَرْفًا لِلْبَعْثِ، لِإخْراجِ ما بَعْدَ الغايَةِ، وهَذا الِاسْتِغْراقُ لِأزْمِنَةِ البَعْثِ أيْ أنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في خِلالِ المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، والبَعْثُ مُطْلَقٌ لا عامٌّ. ويَسُومُهم يَفْرِضُ عَلَيْهِمْ، وحَقِيقَةُ السَّوْمِ أنَّهُ تَقْدِيرُ العِوَضِ الَّذِي يُسْتَبْدَلُ صفحة ١٥٦ بِهِ الشَّيْءُ، واسْتُعْمِلَ مَجازًا في المُعامَلَةِ اللّازِمَةِ بِتَشْبِيهِها بِالسَّوْمِ المُقَدِّرِ لِلشَّيْءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ [البقرة: ٤٩] وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَظِيرُهُ، فالمَعْنى يُجْعَلُ سُوءُ العَذابِ كالقِيمَةِ لَهم فَهو حَظُّهم. وسُوءُ العَذابِ أشَدُّهُ لِأنَّ العَذابَ كُلَّهُ سُوءٌ فَسُوءُهُ الأشَدُّ فِيهِ. والآيَةُ تُشِيرُ إلى وعِيدِ اللَّهِ إيّاهم بِأنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهم كُلَّما نَقَضُوا مِيثاقَ اللَّهِ - تَعالى -، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الوَعِيدُ مِن عَهْدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَلُمَّ جَرًّا كَما في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ في الثّامِنِ والعِشْرِينَ فَفِيهِ ”إنْ لَمْ تَحْرِصْ لِتَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِماتِ هَذا النّامُوسِ. . . . ويُبَدِّدُكَ اللَّهُ في جَمِيعِ الشُّعُوبِ وفي تِلْكَ الأُمَمِ لا تَطْمَئِنُّ وتَرْتَعِبُ لَيْلًا ونَهارًا ولا تَأْمَن عَلى حَياتِكَ“ وفي سِفْرِ يُوشَعَ الإصْحاحِ: ٢٣ ”لِتَحْفَظُوا وتَعْمَلُوا كُلَّ المَكْتُوبِ في سِفْرِ شَرِيعَةِ مُوسى ولَكِنْ إذا رَجَعْتُمْ ولُصِقْتُمْ بِبَقِيَّةِ هَؤُلاءِ الشُّعُوبِ اعْلَمُوا يَقِينًا أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهم لَكم سَوْطًا عَلى جَنُوبِكم وشَوْكًا في أعْيُنِكم حَتّى تَبِيدُوا حِينَما تَتَعَدَّوْنَ عَهْدَ الرَّبِّ إلَهِكم. وأعْظَمُ هَذِهِ الوَصايا هي العَهْدُ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ الَّذِي يُرْسَلُ إلَيْهِمْ، كَما تَقَدَّمَ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ مَعْناهُ ما دامُوا عَلى إعْراضِهِمْ وعِنادِهِمْ وكَوْنِهِمْ أتْباعَ مِلَّةِ اليَهُودِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الوَفاءِ بِها، فَإذا أسْلَمُوا وآمَنُوا بِالرَّسُولِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ فَقَدْ خَرَجُوا عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ التَّأذُّنِ ودَخَلُوا فِيما وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ. ولِذَلِكَ ذُيِّلَ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ أيْ لَهم، والسُّرْعَةُ تَقْتَضِي التَّحَقُّقَ، أيْ أنَّ عِقابَهُ واقِعٌ وغَيْرُ مُتَأخِّرٍ؛ لِأنَّ التَّأخُّرَ تَقْلِيلٌ في التَّحَقُّقِ إذِ التَّأخُّرُ اسْتِمْرارُ العَدَمِ مُدَّةً ما. وأوَّلُ مَن سُلِّطَ عَلَيْهِمْ“ بُخْتَنَصَّرُ ”مَلِكُ بابِلَ، ثُمَّ تَوالَتْ عَلَيْهِمُ المَصائِبُ فَكانَ أعْظَمَها خَرابُ“ أُرْشَلِيمَ ”في زَمَنِ“ أدِرْيانُوسَ ”إمْبِراطُورِ“ رُوما " ولَمْ تَزَلِ المَصائِبُ تَنْتابُهم ويُنَفَّسُ عَلَيْهِمْ في فَتَراتٍ مَعْرُوفَةٍ في التّارِيخِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَهو وعْدٌ بِالإنْجاءِ مِن ذَلِكَ إذا تابُوا واتَّبَعُوا صفحة ١٥٧ الإسْلامَ، أيْ لَغَفُورٌ لِمَن تابَ ورَجَعَ إلى الحَقِّ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ قَدْ يُنَفِّسُ عَلَيْهِمْ في فَتَراتٍ مِنَ الزَّمَنِ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وقَدْ ألَمَّ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]

الأعراف 7:168

﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونُ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ وهو عَوْدٌ إلى قَصَصِ الإخْبارِ عَنْ أحْوالِهِمْ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ إشارَةً إلى تَفَرُّقِهِمْ بَعْدَ الِاجْتِماعِ، والتَّقْطِيعُ التَّفْرِيقُ، فَيَكُونُ مَحْمُودًا مِثْلَ وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا، ويَكُونُ مَذْمُومًا، فالتَّعْوِيلُ عَلى القَرِينَةِ لا عَلى لَفْظِ التَّقْطِيعِ. فالمُرادُ مِنَ الأرْضِ الجِنْسُ أيْ في أقْطارِ الأرْضِ. و(أُمَمًا) جَمْعُ أُمَّةٍ بِمَعْنى الجَماعَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا تَقْطِيعًا مَذْمُومًا أيْ تَفْرِيقًا بَعْدَ اجْتِماعِ أُمَّتِهِمْ فَيَكُونُ إشارَةً إلى أسْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَما غَزا مَمْلَكَةَ إسْرائِيلَ ”شَلَمْناصِرُ“ مَلِكُ بابِلَ، ونَقَلَهم إلى جِبالِ أنْشُورَ وأرْضِ بابِلَ سَنَةَ: ٧٢١ قَبْلَ المِيلادِ. ثُمَّ أسَرَ ”بُخْتَنَصَّرُ“ مَمْلَكَةَ يَهُوذا ومَلَكَها سَنَةَ: ٥٧٨ قَبْلَ المِيلادِ، ونَقَلَ اليَهُودَ مِن ”أُرْشَلِيمَ“ ولَمْ يَبْقَ إلّا الفُقَراءُ والعُجَّزُ. ثُمَّ عادُوا إلى أُرْشَلِيمَ سَنَةَ: ٥٣٠ وبَنَوُا البَيْتَ المُقَدَّسَ إلى أنْ أجْلاهم ”طَيْطُوسُ“ الرُّومانِيُّ وخُرِّبَ بَيْتُ المَقْدِسِ في أوائِلِ القَرْنِ الثّانِي بَعْدَ المِيلادِ، فَلَمْ تَجْتَمِعْ أُمَّتُهم بَعْدَ ذَلِكَ فَتَمَزَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ. ووَصْفُ الأُمَمِ بِأنَّهم مِنهُمُ الصّالِحُونَ إيذانٌ بِأنَّ التَّفْرِيقَ شَمِلَ المُذْنِبِينَ وغَيْرَهم، وأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلصّالِحِينَ مَنزِلَةَ إكْرامٍ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي حَلُّوا بَيْنَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ . صفحة ١٥٨ وشَمِلَ قَوْلُهُ ومِنهم دُونُ ذَلِكَ كُلَّ مَن لَمْ يَكُنْ صالِحًا عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِ فُقْدانِ الصَّلاحِ مِنهم. و(الصّالِحُونَ) هُمُ المُتَمَسِّكُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسى والمُصَدِّقُونَ لِلْأنْبِياءِ المَبْعُوثِينَ مِن بَعْدِهِ والمُؤْمِنُونَ بِعِيسى بَعْدَ بِعْثَتِهِ. وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا بَعْدَ بِعْثَةِ عِيسى غَيْرَ صالِحِينَ إلّا قَلِيلًا مِنهُمُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وزادُوا بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ، بُعْدًا عَنِ الصَّلاحِ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا مِنهم مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومُخَيْرِيقٍ. وانْتَصَبَ (دُونَ ذَلِكَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ وصْفًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِنهم أيْ ومِنهم فَرِيقٌ دُونَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) بِمَعْنى بَعْضٍ اسْمًا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ، فَهي مُبْتَدَأٌ، و(دُونَ) خَبَرٌ عَنْهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تُشِيرُ إلى تَفْرِيقِهِمْ في الأرْضِ في مُدَّةِ مُلُوكِ بابِلَ، وأنَّهم كانُوا في مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِبابِلَ مِنهُمُ الصّالِحُونَ مِثْلُ ”دانْيالَ“ وغَيْرِهِ، ومِنهم دُونُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّقْسِيمَ بِمِنهم مُشْعِرٌ بِوَفْرَةِ كِلا الفَرِيقَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيْ أظْهَرْنا مُخْتَلِفَ حالِ بَنِي إسْرائِيلَ في الصَّبْرِ والشُّكْرِ، أوْ في الجَزَعِ والكُفْرِ، بِسَبَبِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، فَهي جَمْعُ حَسَنَةٍ وسَيِّئَةٍ بِمَعْنى الَّتِي تَحْسُنُ والَّتِي تَسُوءُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وعَلى هَذا يَكُونُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تَفْصِيلًا لِلْبَلْوى، فالحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ مِن فِعْلِ اللَّهِ - تَعالى -، أيْ بالَتِي تَحْسُنُ لِفَرِيقِ الصّالِحِينَ وبالَّتِي تَسُوءُ فَرِيقَ غَيْرِهِمْ، تَوْزِيعًا لِحالِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم. وجُمْلَةُ (﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أيْ رَجاءَ أنْ يَتُوبُوا أيْ حِينَ يَذْكُرُونَ مُدَّةَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، أوْ حِينَ يَرَوْنَ حُسْنَ حالِ الصّالِحِينَ وسُوءَ حالِ مَن هم دُونَ ذَلِكَ، عَلى حَسَبِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. والرُّجُوعُ هُنا الرُّجُوعُ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ وعَنِ العِصْيانِ، وهو مَعْنى التَّوْبَةِ. هَذا كُلُّهُ جَرْيٌ عَلى تَأْوِيلِ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ في مَعْنى قَطَّعْناهم. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا، عَوْدًا إلى أخْبارِ المِنَنِ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ كالبِناءِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]، صفحة ١٥٩ فَيَكُونُ تَقْطِيعًا مَحْمُودًا. والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ القُدْسِ المَوْعُودَةُ لَهم أيْ لَكَثَّرْناهم فَعَمَرُوها جَمِيعَها، فَيَكُونُ ذِكْرُ الأرْضِ هُنا دُونَ آيَةِ ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم عَمَرُوها كُلَّها، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ إنْصافًا لَهم بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِ عُدْوانِ جَماعاتِهِمْ وصَمِّ آذانِهِمْ عَنِ المَوْعِظَةِ، وقَوْلُهُ ﴿وبَلَوْناهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ عامَلَهم مَرَّةً بِالرَّحْمَةِ ومَرَّةً بِالجَزاءِ عَلى أعْمالِ دَهْمائِهِمْ.

الأعراف 7:169

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ جُمْلَةُ فَخَلَفَ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ وقَطَّعْناهم أنْ كانَ المُرادُ تَقْطِيعَهم في بِلادِ أعْدائِهِمْ وإخْراجَهم مِن مَمْلَكَتِهِمْ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى عَوْدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بِلادِهِمْ في عَهْدِ المَلِكِ ”كُورَشَ“ مَلِكِ الفُرْسِ في حُدُودِ سَنَةِ: ٥٣٠ قَبْلَ المِيلادِ، فَإنَّهُ لَمّا فَتَحَ بِلادَ آشُورَ أذِنَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أسَرَهم ”بُخْتَنَصَّرُ“ أنْ يَرْجِعُوا إلى بِلادِهِمْ فَرَجَعُوا وبَنَوْا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ خَرابِهِ عَلى يَدِ ”نَحْمِيا“ و”عِزْرا“ كَما تَضَمَّنَهُ سِفْرُ ”نَحْمِيا“ وسِفْرُ ”عِزْرا“، وكانَ مِن جُمْلَةِ ما أحْيَوْهُ أنَّهم أتَوْا بِسِفْرِ شَرِيعَةِ مُوسى الَّذِي كَتَبَهُ عِزْرا وقَرَءُوهُ عَلى الشَّعْبِ في أُورْشَلِيمَ فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ ما أوَّلُهُ ذَلِكَ الفَلُّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِن أسْرِ الآشُورِيِّينَ. والمُرادُ بِإرْثِ الكِتابِ إعادَةُ مُزاوَلَتِهِمُ التَّوْراةَ الَّتِي أخْرَجَها إلَيْهِمْ ”عِزْرا“ المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الإسْلامِ بِاسْمِ عُزَيْرٍ، ويَكُونُ أخْذُهم عَرَضَ الأدْنى أخْذَ بَعْضِ الخَلْفِ لا جَمِيعِهِ؛ لِأنَّ صَدْرَ ذَلِكَ الخَلْفِ كانُوا تائِبِينَ وفِيهِمْ أنْبِياءُ وصالِحُونَ. وإنْ كانَ المُرادُ مِن تَقْطِيعِهِمْ في الأرْضِ أُمَمًا تَكْثِيرَهم والِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ، كانَ صفحة ١٦٠ قَوْلُهُ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ تَفْرِيعًا عَلى جَمِيعِ القَصَصِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي قَصَصُ أسْلافِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ مَن نَشَأ مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ اليَهُودِ بَعْدَ زَوالِ الأُمَّةِ وتَفَرُّقِها، مِنهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ وإلى هَذا المَعْنى في الخَلْفِ نَحا المُفَسِّرُونَ. والخَلْفُ - بِسُكُونِ اللّامِ - مَن يَأْتِي بَعْدَ غَيْرِهِ سابِقِهِ في مَكانٍ أوْ عَمَلٍ أوْ نَسْلٍ، يُبَيِّنُهُ المَقامُ أوِ القَرِينَةُ، ولا يَغْلِبُ فِيمَن يَخْلُفُ في أمْرٍ سَيِّءٍ، قالَهُ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، خِلافًا لِكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ إذْ قالُوا: الأكْثَرُ اسْتِعْمالُ الخَلْفِ - بِسُكُونِ اللّامِ - فِيمَن يَخْلُفُ في الشَّرِّ، وبِفَتْحِ اللّامِ فِيمَن يَخْلُفُ في الخَيْرِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: يَجُوزُ التَّحْرِيكُ والإسْكانُ في الرَّدِيءِ وأمّا الحَسَنُ فَبِالتَّحْرِيكِ فَقَطْ. وهُوَ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ أيْ (خالِفٌ)، والخَلْفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْفِ ضِدِّ القُدّامِ لِأنَّ مَن يَجِيءُ بَعْدَ قَوْمٍ فَكَأنَّهُ جاءَ مِن ورائِهِمْ، ولا حَدَّ لِآخِرِ الخَلْفِ، بَلْ يَكُونُ تَحْدِيدُهُ بِالقَرائِنِ، فَلا يَنْحَصِرُ في جِيلٍ ولا في قَرْنٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الخَلْفُ مُمْتَدًّا. قالَ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ الأنْبِياءِ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ [مريم: ٥٩] فَيَشْمَلُ مَن خَلْفَهم مِن ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ العَرَبِ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهُ ذَكَرَ مِن أسْلافِهِمْ إدْرِيسَ وهو جَدُّ نُوحٍ. و(ورِثُوا) مَجازٌ في القِيامِ مَقامَ الغَيْرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ فِيها ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ [الأعراف: ١٠٠] فَهو بِمَعْنى الخَلْفِيَّةِ، والمَعْنى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ في إرْثِ الكِتابِ، وهَذا يَجْرِي عَلى كِلا القَوْلَيْنِ في تَخْصِيصِ الخَلْفِ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلْفِعْلِ لا لِاسْمِ الخَلْفِ. وجُمْلَةُ ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ورِثُوا، والمَقْصُودُ هو ذَمُّ الخَلْفِ بِأنَّهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ الأدْنى ويَقُولُونَ ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾، ومُهِّدَ لِذَلِكَ بِأنَّهم ورِثُوا الكِتابَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ جَهْلٍ، وذَلِكَ أشَدُّ مَذَمَّةٍ كَما قالَ - تَعالى - ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] . ومَعْنى الأخْذِ هُنا المُلابَسَةُ والِاسْتِعْمالُ فَهو مَجازٌ أيْ: يُلابِسُونَهُ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ حَقِيقَةً كَما سَيَأْتِي. صفحة ١٦١ والعَرَضُ - بِفَتْحِ العَيْنِ وفَتْحِ الرّاءِ - الأمْرُ الَّذِي يَزُولُ ولا يَدُومُ، ويُرادُ بِهِ المالُ، ويُرادُ بِهِ أيْضًا ما يَعْرِضُ لِلْمَرْءِ مِنَ الشَّهَواتِ والمَنافِعِ. والأدْنى الأقْرَبُ مِنَ المَكانِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الدُّنْيا، وفي اسْمِ الإشارَةِ إيماءٌ إلى تَحْقِيرِ هَذا العَرَضِ الَّذِي رَغِبُوا فِيهِ كالإشارَةِ في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِيَ إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضَـاءَهَـا وقَدْ قِيلَ: أخْذُ عَرَضِ الدُّنْيا أُرِيدَ بِهِ مُلابَسَةُ الذُّنُوبِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والطَّبَرِيُّ، فَيَشْمَلُ كُلَّ ذَنْبٍ، ويَكُونُ الأخْذُ مُسْتَعْمَلًا في المَجازِ وهو المُلابَسَةُ، فَيَصْدُقُ بِالتَّناوُلِ بِاليَدِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهو مِن عُمُومِ المَجازِ، وقِيلَ عَرَضُ الدُّنْيا هو الرِّشا وبِهِ فَسَّرَ السُّدِّيُّ، ومُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ، فَيَكُونُ الأخْذُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ وهو التَّناوُلُ، وقَدْ يَتَرَجَّحُ هَذا التَّفْسِيرُ بِقَوْلِهِ وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ كَما سَيَأْتِي. والقَوْلُ في ويَقُولُونَ هو الكَلامُ اللِّسانِيُّ، يَقُولُونَ لِمَن يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ مُلابَسَةَ الذُّنُوبِ وتَناوُلَ الشَّهَواتِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ يَقُولُونَ يُناسِبُهُ الكَلامُ اللَّفْظِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامَ النَّفْسانِيَّ؛ لِأنَّهُ فَرْعٌ عَنْهُ، أيْ قَوْلُهم في أنْفُسِهِمْ يُعَلِّلُونَها بِهِ حِينَ يَجِيشُ فِيها وازِعُ النَّهْيِ، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] وذَلِكَ مِن غُرُورِهِمْ في الدِّينِ. وبِناءُ فِعْلِ (يُغْفَرُ) عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِأنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ، وهو اللَّهُ، إذْ لا يَصْدُرُ هَذا الفِعْلُ إلّا عَنْهُ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ العُمُومِ لا في خُصُوصِ الذَّنْبِ الَّذِي أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، أوِ الَّذِي تَلَبَّسُوا بِهِ حِينَ القَوْلِ، ونائِبُ الفاعِلِ مَحْذُوفٌ لِعِلْمِهِ مِنَ السِّياقِ، والتَّقْدِيرُ: سَيُغْفَرُ لَنا ذَلِكَ، أوْ ذُنُوبُنا، لِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّ ذُنُوبَهم كُلَّها مَغْفُورَةٌ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ يُغْفَرُ لَنا بِدُونِ سَبَبِ المَغْفِرَةِ وهو التَّوْبَةُ كَما يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ، وهو جَزْمُهم بِذَلِكَ عَقِبَ ذِكْرِ الذَّنْبِ دُونَ ذِكْرِ كَفّارَةٍ أوْ نَحْوِها. وقَوْلُهُ (لَنا) لا يَصْلُحُ لِلنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّهُ لَيْسَ في مَعْنى المَفْعُولِ، إذْ فِعْلُ صفحة ١٦٢ المَغْفِرَةِ يَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، وأمّا المَجْرُورُ بَعْدَهُ بِاللّامِ فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ يُقالُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] فَلَوْ بُنِيَ شُرِحَ لِلْمَجْهُولِ لَما صَحَّ أنْ يُجْعَلَ (لَكَ) نائِبًا عَنِ الفاعِلِ. وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يَأْخُذُونَ لِأنَّ كِلا الخَبَرَيْنِ يُوجِبُ الذَّمَّ، واجْتِماعَهُما أشَدُّ في ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، واسْتُعِيرَ إتْيانُ العَرَضِ لِبَذْلِهِ لَهم إنْ كانَ المُرادُ بِالعَرَضِ المالَ، وقَدْ يُرادُ بِهِ خُطُورُ شَهْوَتِهِ في نُفُوسِهِمْ إنْ كانَ المُرادُ بِالعَرَضِ جَمِيعَ الشَّهَواتِ والمَلاذِ المُحَرَّمَةِ، واسْتِعْمالُ الإتْيانِ في الذَّواتِ أنْسَبُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ في خُطُورِ الأعْراضِ والأُمُورِ المَعْنَوِيَّةِ، لِقُرْبِ المُشابَهَةِ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي. والمَعْنى: أنَّهم يَعْصُونَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ سَيِّئاتِهِمْ مَغْفُورَةٌ، ولا يُقْلِعُونَ عَنِ المَعاصِي. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ سَيُغْفَرُ لَنا إبْطالًا لِمَضْمُونِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم سَيُغْفَرُ لَنا يَتَضَمَّنُ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالمَغْفِرَةِ عَلى ذَلِكَ. والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ الإخْبارِ عَنِ الصّالِحِينَ وغَيْرِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ إعْلامُ النَّبِيءِ ﷺ لِيَحُجَّهم بِها، فَهُمُ المَقْصُودُ بِالكَلامِ، كَما تَشْهَدُ بِهِ قِراءَةُ أفَلا تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ المَقْصُودِ مِنهُ التَّوْبِيخُ، وهَذا التَّقْرِيرُ لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ لِأنَّهُ صَرِيحُ كِتابِهِمْ، في الإصْحاحِ الرّابِعِ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ ”لا تَزِيدُوا عَلى الكَلامِ الَّذِي أُوصِيكم بِهِ ولا تُنْقِصُوا مِنهُ لِكَيْ تَحْفَظُوا وصايا الرَّبِّ“ ولا يَجِدُونَ في الكِتابِ أنَّهم يُغْفَرُ لَهم، وإنَّما يَجِدُونَ فِيهِ التَّوْبَةَ كَما في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، وكَما في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في دَعْوَةِ سُلَيْمانَ حِينَ بَنى الهَيْكَلَ في الإصْحاحِ الثّامِنِ. فَقَوْلُهم سَيُغْفَرُ لَنا تَقَوُّلٌ عَلى اللَّهِ بِما لَمْ يَقُلْهُ. والمِيثاقُ: العَهْدُ، وهو وصِيَّةُ مُوسى الَّتِي بَلَّغَها إلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، وإضافَةُ المِيثاقِ إلى الكِتابِ عَلى مَعْنى ”في“ أوْ عَلى مَعْنى اللّامِ أيِ المِيثاقُ صفحة ١٦٣ المَعْرُوفُ بِهِ، والكِتابُ تَوْراةُ مُوسى، وأنْ لا يَقُولُوا هو مَضْمُونُ مِيثاقِ الكِتابِ فَهو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ النّاصِبَةِ، والمَعْنى: بِأنْ لا يَقُولُوا، أيْ بِانْتِفاءِ قَوْلِهِمْ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ عَطْفَ بَيانٍ مِن (مِيثاقُ)، فَلا يُقَدَّرُ حَرْفُ جَرٍّ، والتَّقْدِيرُ: مِيثاقُ الكِتابِ انْتِفاءُ قَوْلِهِمْ عَلى اللَّهِ إلَخْ. وفِعْلُ دَرَسُوا عُطِفَ عَلى (يُؤْخَذْ)؛ لِأنَّ (يُؤْخَذْ) في مَعْنى المُضِيِّ، لِأجْلِ دُخُولِ لَمْ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ يُؤْخَذْ ويَدْرُسُوا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْرِيرُهم بِأنَّهم دَرَسُوا الكِتابَ، لا الإخْبارُ عَنْهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا وخَلَقْناكم أزْواجًا وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ [النبإ: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النبإ: ١٤] والتَّقْدِيرُ: ونَخْلُقُكم أزْواجًا ونَجْعَلُ نَوْمَكم سُباتًا، إلى آخِرِ الآيَةِ. والمَعْنى: أنَّهم قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِأنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ المِيثاقِ لِأنَّهم دَرَسُوا ما في الكِتابِ فَبِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ. وجُمْلَةُ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ يَأْخُذُونَ أيْ: يَأْخُذُونَ ذَلِكَ ويَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ ويُصِرُّونَ عَلى الذَّنْبِ ويَنْبِذُونَ مِيثاقَ الكِتابِ عَلى عِلْمٍ في حالِ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِمّا تَعَجَّلُوهُ. وفي جَعْلِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أيْضًا فَهم قَدْ خَيَّرُوا عَلَيْهِ عَرَضَ الدُّنْيا قَصْدًا، ولَيْسَ ذَلِكَ عَنْ غَفْلَةٍ صادَفَتْهم فَحَرَمَتْهم مِن خَيْرِ الآخِرَةِ، بَلْ هم قَدْ حَرُمُوا أنْفُسَهم، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ أفَلا تَعْقِلُونَ المُتَفَرِّعُ عَلى قَوْلِهِ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وقَدْ نُزِّلُوا في تَخَيُّرِهِمْ عَرَضَ الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ مَن لا عُقُولَ لَهم فَخُوطِبُوا بِـ أفَلا تَعْقِلُونَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ قُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ، عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، لِيَكُونَ أوْقَعَ في تَوْجِيهِ التَّوْبِيخِ إلَيْهِمْ مُواجَهَةً، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وابْنِ ذَكْوانَ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ بِياءِ الغَيْبَةِ، فَيَكُونُ تَوْبِيخُهم تَعْرِيضِيًّا. وفِي قَوْلِهِ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ خَسِرُوا خَيْرَ الآخِرَةِ بِأخْذِهِمْ عَرَضَ الدُّنْيا بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ لِأنَّ كَوْنَ الدّارِ الآخِرَةِ خَيْرًا مِمّا أخَذُوهُ صفحة ١٦٤ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ ما أخَذُوهُ قَدْ أفاتَ عَلَيْهِمْ خَيْرَ الآخِرَةِ. وفِي جَعْلِ الآخِرَةِ خَيْرًا لِلْمُتَّقِينَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ الَّذِينَ أخَذُوا عَرَضَ الدُّنْيا بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عَنْ خُسْرانِهِمْ خَيْرَ الآخِرَةِ مَعَ إثْباتِ كَوْنِ خَيْرِ الآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ تَسْتَلْزِمُ أنَّ الَّذِينَ أضاعُوا خَيْرَ الآخِرَةِ لَيْسُوا مِنَ المُتَّقِينَ، وهَذِهِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ جَمَعَها قَوْلُهُ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وهَذا مِن حَدِّ الإعْجازِ العَجِيبِ. ووَقَعَتْ جُمْلَةُ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ إلى آخِرِها عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها: لِأنَّ مَضْمُونَها مُقابِلُ حُكْمِ الَّتِي قَبْلَها إذْ حُصِّلَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها أنَّ هَؤُلاءِ الخَلْفَ الَّذِينَ أخَذُوا عَرَضَ الأدْنى قَدْ فَرَّطُوا في مِيثاقِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُونُوا مِنَ المُتَّقِينَ، فَعُقِّبَ ذَلِكَ بِبِشارَةِ مَن كانُوا ضِدَّ أعْمالِهِمْ، وهُمُ الآخِذُونَ بِمِيثاقِ الكِتابِ والعامِلُونَ بِبِشارَتِهِ بِالرُّسُلِ، وآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأُولَئِكَ يَسْتَكْمِلُونَ أجْرَهم لِأنَّهم مُصْلِحُونَ. فَكُنِّيَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِإقامَةِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ شِعارُ دِينِ الإسْلامِ، حَتّى سُمِّيَ أهْلُ الإسْلامِ أهْلَ القِبْلَةِ، فالمُرادُ مِن هَؤُلاءِ هم مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ بِعِيسى في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، لِأنَّهم وجَدُوها مُبَدَّلَةً مُحَرَّفَةً فَبَقُوا في انْتِظارِ الرَّسُولِ المُخَلِّصِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ثُمَّ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ بُعِثَ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ: المُسْلِمُونَ: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ الفائِزُونَ في الآخِرَةِ وتَبْشِيرًا لَهم بِأنَّهم لا يَسْلُكُونَ بِكِتابِهِمْ مَسْلَكَ اليَهُودِ بِكِتابِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ، والمُصْلِحُونَ هم، والتَّقْدِيرُ: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم لِأنَّهم مُصْلِحُونَ، فَطُوِيَ ذِكْرُهُمُ اكْتِفاءً بِشُمُولِ الوَصْفِ لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ البَدِيعِ.

الأعراف 7:170

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ جُمْلَةُ فَخَلَفَ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ وقَطَّعْناهم أنْ كانَ المُرادُ تَقْطِيعَهم في بِلادِ أعْدائِهِمْ وإخْراجَهم مِن مَمْلَكَتِهِمْ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى عَوْدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بِلادِهِمْ في عَهْدِ المَلِكِ ”كُورَشَ“ مَلِكِ الفُرْسِ في حُدُودِ سَنَةِ: ٥٣٠ قَبْلَ المِيلادِ، فَإنَّهُ لَمّا فَتَحَ بِلادَ آشُورَ أذِنَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أسَرَهم ”بُخْتَنَصَّرُ“ أنْ يَرْجِعُوا إلى بِلادِهِمْ فَرَجَعُوا وبَنَوْا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ خَرابِهِ عَلى يَدِ ”نَحْمِيا“ و”عِزْرا“ كَما تَضَمَّنَهُ سِفْرُ ”نَحْمِيا“ وسِفْرُ ”عِزْرا“، وكانَ مِن جُمْلَةِ ما أحْيَوْهُ أنَّهم أتَوْا بِسِفْرِ شَرِيعَةِ مُوسى الَّذِي كَتَبَهُ عِزْرا وقَرَءُوهُ عَلى الشَّعْبِ في أُورْشَلِيمَ فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ ما أوَّلُهُ ذَلِكَ الفَلُّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِن أسْرِ الآشُورِيِّينَ. والمُرادُ بِإرْثِ الكِتابِ إعادَةُ مُزاوَلَتِهِمُ التَّوْراةَ الَّتِي أخْرَجَها إلَيْهِمْ ”عِزْرا“ المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الإسْلامِ بِاسْمِ عُزَيْرٍ، ويَكُونُ أخْذُهم عَرَضَ الأدْنى أخْذَ بَعْضِ الخَلْفِ لا جَمِيعِهِ؛ لِأنَّ صَدْرَ ذَلِكَ الخَلْفِ كانُوا تائِبِينَ وفِيهِمْ أنْبِياءُ وصالِحُونَ. وإنْ كانَ المُرادُ مِن تَقْطِيعِهِمْ في الأرْضِ أُمَمًا تَكْثِيرَهم والِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ، كانَ صفحة ١٦٠ قَوْلُهُ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ تَفْرِيعًا عَلى جَمِيعِ القَصَصِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي قَصَصُ أسْلافِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ مَن نَشَأ مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ اليَهُودِ بَعْدَ زَوالِ الأُمَّةِ وتَفَرُّقِها، مِنهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ وإلى هَذا المَعْنى في الخَلْفِ نَحا المُفَسِّرُونَ. والخَلْفُ - بِسُكُونِ اللّامِ - مَن يَأْتِي بَعْدَ غَيْرِهِ سابِقِهِ في مَكانٍ أوْ عَمَلٍ أوْ نَسْلٍ، يُبَيِّنُهُ المَقامُ أوِ القَرِينَةُ، ولا يَغْلِبُ فِيمَن يَخْلُفُ في أمْرٍ سَيِّءٍ، قالَهُ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، خِلافًا لِكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ إذْ قالُوا: الأكْثَرُ اسْتِعْمالُ الخَلْفِ - بِسُكُونِ اللّامِ - فِيمَن يَخْلُفُ في الشَّرِّ، وبِفَتْحِ اللّامِ فِيمَن يَخْلُفُ في الخَيْرِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: يَجُوزُ التَّحْرِيكُ والإسْكانُ في الرَّدِيءِ وأمّا الحَسَنُ فَبِالتَّحْرِيكِ فَقَطْ. وهُوَ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ أيْ (خالِفٌ)، والخَلْفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْفِ ضِدِّ القُدّامِ لِأنَّ مَن يَجِيءُ بَعْدَ قَوْمٍ فَكَأنَّهُ جاءَ مِن ورائِهِمْ، ولا حَدَّ لِآخِرِ الخَلْفِ، بَلْ يَكُونُ تَحْدِيدُهُ بِالقَرائِنِ، فَلا يَنْحَصِرُ في جِيلٍ ولا في قَرْنٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الخَلْفُ مُمْتَدًّا. قالَ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ الأنْبِياءِ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ [مريم: ٥٩] فَيَشْمَلُ مَن خَلْفَهم مِن ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ العَرَبِ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهُ ذَكَرَ مِن أسْلافِهِمْ إدْرِيسَ وهو جَدُّ نُوحٍ. و(ورِثُوا) مَجازٌ في القِيامِ مَقامَ الغَيْرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ فِيها ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ [الأعراف: ١٠٠] فَهو بِمَعْنى الخَلْفِيَّةِ، والمَعْنى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ في إرْثِ الكِتابِ، وهَذا يَجْرِي عَلى كِلا القَوْلَيْنِ في تَخْصِيصِ الخَلْفِ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلْفِعْلِ لا لِاسْمِ الخَلْفِ. وجُمْلَةُ ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ورِثُوا، والمَقْصُودُ هو ذَمُّ الخَلْفِ بِأنَّهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ الأدْنى ويَقُولُونَ ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾، ومُهِّدَ لِذَلِكَ بِأنَّهم ورِثُوا الكِتابَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ جَهْلٍ، وذَلِكَ أشَدُّ مَذَمَّةٍ كَما قالَ - تَعالى - ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] . ومَعْنى الأخْذِ هُنا المُلابَسَةُ والِاسْتِعْمالُ فَهو مَجازٌ أيْ: يُلابِسُونَهُ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ حَقِيقَةً كَما سَيَأْتِي. صفحة ١٦١ والعَرَضُ - بِفَتْحِ العَيْنِ وفَتْحِ الرّاءِ - الأمْرُ الَّذِي يَزُولُ ولا يَدُومُ، ويُرادُ بِهِ المالُ، ويُرادُ بِهِ أيْضًا ما يَعْرِضُ لِلْمَرْءِ مِنَ الشَّهَواتِ والمَنافِعِ. والأدْنى الأقْرَبُ مِنَ المَكانِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الدُّنْيا، وفي اسْمِ الإشارَةِ إيماءٌ إلى تَحْقِيرِ هَذا العَرَضِ الَّذِي رَغِبُوا فِيهِ كالإشارَةِ في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِيَ إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضَـاءَهَـا وقَدْ قِيلَ: أخْذُ عَرَضِ الدُّنْيا أُرِيدَ بِهِ مُلابَسَةُ الذُّنُوبِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والطَّبَرِيُّ، فَيَشْمَلُ كُلَّ ذَنْبٍ، ويَكُونُ الأخْذُ مُسْتَعْمَلًا في المَجازِ وهو المُلابَسَةُ، فَيَصْدُقُ بِالتَّناوُلِ بِاليَدِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهو مِن عُمُومِ المَجازِ، وقِيلَ عَرَضُ الدُّنْيا هو الرِّشا وبِهِ فَسَّرَ السُّدِّيُّ، ومُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ، فَيَكُونُ الأخْذُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ وهو التَّناوُلُ، وقَدْ يَتَرَجَّحُ هَذا التَّفْسِيرُ بِقَوْلِهِ وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ كَما سَيَأْتِي. والقَوْلُ في ويَقُولُونَ هو الكَلامُ اللِّسانِيُّ، يَقُولُونَ لِمَن يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ مُلابَسَةَ الذُّنُوبِ وتَناوُلَ الشَّهَواتِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ يَقُولُونَ يُناسِبُهُ الكَلامُ اللَّفْظِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامَ النَّفْسانِيَّ؛ لِأنَّهُ فَرْعٌ عَنْهُ، أيْ قَوْلُهم في أنْفُسِهِمْ يُعَلِّلُونَها بِهِ حِينَ يَجِيشُ فِيها وازِعُ النَّهْيِ، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] وذَلِكَ مِن غُرُورِهِمْ في الدِّينِ. وبِناءُ فِعْلِ (يُغْفَرُ) عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِأنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ، وهو اللَّهُ، إذْ لا يَصْدُرُ هَذا الفِعْلُ إلّا عَنْهُ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ العُمُومِ لا في خُصُوصِ الذَّنْبِ الَّذِي أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، أوِ الَّذِي تَلَبَّسُوا بِهِ حِينَ القَوْلِ، ونائِبُ الفاعِلِ مَحْذُوفٌ لِعِلْمِهِ مِنَ السِّياقِ، والتَّقْدِيرُ: سَيُغْفَرُ لَنا ذَلِكَ، أوْ ذُنُوبُنا، لِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّ ذُنُوبَهم كُلَّها مَغْفُورَةٌ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ يُغْفَرُ لَنا بِدُونِ سَبَبِ المَغْفِرَةِ وهو التَّوْبَةُ كَما يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ، وهو جَزْمُهم بِذَلِكَ عَقِبَ ذِكْرِ الذَّنْبِ دُونَ ذِكْرِ كَفّارَةٍ أوْ نَحْوِها. وقَوْلُهُ (لَنا) لا يَصْلُحُ لِلنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّهُ لَيْسَ في مَعْنى المَفْعُولِ، إذْ فِعْلُ صفحة ١٦٢ المَغْفِرَةِ يَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، وأمّا المَجْرُورُ بَعْدَهُ بِاللّامِ فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ يُقالُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] فَلَوْ بُنِيَ شُرِحَ لِلْمَجْهُولِ لَما صَحَّ أنْ يُجْعَلَ (لَكَ) نائِبًا عَنِ الفاعِلِ. وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يَأْخُذُونَ لِأنَّ كِلا الخَبَرَيْنِ يُوجِبُ الذَّمَّ، واجْتِماعَهُما أشَدُّ في ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، واسْتُعِيرَ إتْيانُ العَرَضِ لِبَذْلِهِ لَهم إنْ كانَ المُرادُ بِالعَرَضِ المالَ، وقَدْ يُرادُ بِهِ خُطُورُ شَهْوَتِهِ في نُفُوسِهِمْ إنْ كانَ المُرادُ بِالعَرَضِ جَمِيعَ الشَّهَواتِ والمَلاذِ المُحَرَّمَةِ، واسْتِعْمالُ الإتْيانِ في الذَّواتِ أنْسَبُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ في خُطُورِ الأعْراضِ والأُمُورِ المَعْنَوِيَّةِ، لِقُرْبِ المُشابَهَةِ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي. والمَعْنى: أنَّهم يَعْصُونَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ سَيِّئاتِهِمْ مَغْفُورَةٌ، ولا يُقْلِعُونَ عَنِ المَعاصِي. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ سَيُغْفَرُ لَنا إبْطالًا لِمَضْمُونِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم سَيُغْفَرُ لَنا يَتَضَمَّنُ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالمَغْفِرَةِ عَلى ذَلِكَ. والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ الإخْبارِ عَنِ الصّالِحِينَ وغَيْرِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ إعْلامُ النَّبِيءِ ﷺ لِيَحُجَّهم بِها، فَهُمُ المَقْصُودُ بِالكَلامِ، كَما تَشْهَدُ بِهِ قِراءَةُ أفَلا تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ المَقْصُودِ مِنهُ التَّوْبِيخُ، وهَذا التَّقْرِيرُ لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ لِأنَّهُ صَرِيحُ كِتابِهِمْ، في الإصْحاحِ الرّابِعِ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ ”لا تَزِيدُوا عَلى الكَلامِ الَّذِي أُوصِيكم بِهِ ولا تُنْقِصُوا مِنهُ لِكَيْ تَحْفَظُوا وصايا الرَّبِّ“ ولا يَجِدُونَ في الكِتابِ أنَّهم يُغْفَرُ لَهم، وإنَّما يَجِدُونَ فِيهِ التَّوْبَةَ كَما في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، وكَما في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في دَعْوَةِ سُلَيْمانَ حِينَ بَنى الهَيْكَلَ في الإصْحاحِ الثّامِنِ. فَقَوْلُهم سَيُغْفَرُ لَنا تَقَوُّلٌ عَلى اللَّهِ بِما لَمْ يَقُلْهُ. والمِيثاقُ: العَهْدُ، وهو وصِيَّةُ مُوسى الَّتِي بَلَّغَها إلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، وإضافَةُ المِيثاقِ إلى الكِتابِ عَلى مَعْنى ”في“ أوْ عَلى مَعْنى اللّامِ أيِ المِيثاقُ صفحة ١٦٣ المَعْرُوفُ بِهِ، والكِتابُ تَوْراةُ مُوسى، وأنْ لا يَقُولُوا هو مَضْمُونُ مِيثاقِ الكِتابِ فَهو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ النّاصِبَةِ، والمَعْنى: بِأنْ لا يَقُولُوا، أيْ بِانْتِفاءِ قَوْلِهِمْ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ عَطْفَ بَيانٍ مِن (مِيثاقُ)، فَلا يُقَدَّرُ حَرْفُ جَرٍّ، والتَّقْدِيرُ: مِيثاقُ الكِتابِ انْتِفاءُ قَوْلِهِمْ عَلى اللَّهِ إلَخْ. وفِعْلُ دَرَسُوا عُطِفَ عَلى (يُؤْخَذْ)؛ لِأنَّ (يُؤْخَذْ) في مَعْنى المُضِيِّ، لِأجْلِ دُخُولِ لَمْ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ يُؤْخَذْ ويَدْرُسُوا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْرِيرُهم بِأنَّهم دَرَسُوا الكِتابَ، لا الإخْبارُ عَنْهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا وخَلَقْناكم أزْواجًا وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ [النبإ: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النبإ: ١٤] والتَّقْدِيرُ: ونَخْلُقُكم أزْواجًا ونَجْعَلُ نَوْمَكم سُباتًا، إلى آخِرِ الآيَةِ. والمَعْنى: أنَّهم قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِأنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ المِيثاقِ لِأنَّهم دَرَسُوا ما في الكِتابِ فَبِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ. وجُمْلَةُ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ يَأْخُذُونَ أيْ: يَأْخُذُونَ ذَلِكَ ويَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ ويُصِرُّونَ عَلى الذَّنْبِ ويَنْبِذُونَ مِيثاقَ الكِتابِ عَلى عِلْمٍ في حالِ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِمّا تَعَجَّلُوهُ. وفي جَعْلِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أيْضًا فَهم قَدْ خَيَّرُوا عَلَيْهِ عَرَضَ الدُّنْيا قَصْدًا، ولَيْسَ ذَلِكَ عَنْ غَفْلَةٍ صادَفَتْهم فَحَرَمَتْهم مِن خَيْرِ الآخِرَةِ، بَلْ هم قَدْ حَرُمُوا أنْفُسَهم، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ أفَلا تَعْقِلُونَ المُتَفَرِّعُ عَلى قَوْلِهِ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وقَدْ نُزِّلُوا في تَخَيُّرِهِمْ عَرَضَ الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ مَن لا عُقُولَ لَهم فَخُوطِبُوا بِـ أفَلا تَعْقِلُونَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ قُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ، عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، لِيَكُونَ أوْقَعَ في تَوْجِيهِ التَّوْبِيخِ إلَيْهِمْ مُواجَهَةً، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وابْنِ ذَكْوانَ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ بِياءِ الغَيْبَةِ، فَيَكُونُ تَوْبِيخُهم تَعْرِيضِيًّا. وفِي قَوْلِهِ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ خَسِرُوا خَيْرَ الآخِرَةِ بِأخْذِهِمْ عَرَضَ الدُّنْيا بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ لِأنَّ كَوْنَ الدّارِ الآخِرَةِ خَيْرًا مِمّا أخَذُوهُ صفحة ١٦٤ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ ما أخَذُوهُ قَدْ أفاتَ عَلَيْهِمْ خَيْرَ الآخِرَةِ. وفِي جَعْلِ الآخِرَةِ خَيْرًا لِلْمُتَّقِينَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ الَّذِينَ أخَذُوا عَرَضَ الدُّنْيا بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عَنْ خُسْرانِهِمْ خَيْرَ الآخِرَةِ مَعَ إثْباتِ كَوْنِ خَيْرِ الآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ تَسْتَلْزِمُ أنَّ الَّذِينَ أضاعُوا خَيْرَ الآخِرَةِ لَيْسُوا مِنَ المُتَّقِينَ، وهَذِهِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ جَمَعَها قَوْلُهُ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وهَذا مِن حَدِّ الإعْجازِ العَجِيبِ. ووَقَعَتْ جُمْلَةُ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ إلى آخِرِها عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها: لِأنَّ مَضْمُونَها مُقابِلُ حُكْمِ الَّتِي قَبْلَها إذْ حُصِّلَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها أنَّ هَؤُلاءِ الخَلْفَ الَّذِينَ أخَذُوا عَرَضَ الأدْنى قَدْ فَرَّطُوا في مِيثاقِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُونُوا مِنَ المُتَّقِينَ، فَعُقِّبَ ذَلِكَ بِبِشارَةِ مَن كانُوا ضِدَّ أعْمالِهِمْ، وهُمُ الآخِذُونَ بِمِيثاقِ الكِتابِ والعامِلُونَ بِبِشارَتِهِ بِالرُّسُلِ، وآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأُولَئِكَ يَسْتَكْمِلُونَ أجْرَهم لِأنَّهم مُصْلِحُونَ. فَكُنِّيَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِإقامَةِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ شِعارُ دِينِ الإسْلامِ، حَتّى سُمِّيَ أهْلُ الإسْلامِ أهْلَ القِبْلَةِ، فالمُرادُ مِن هَؤُلاءِ هم مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ بِعِيسى في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، لِأنَّهم وجَدُوها مُبَدَّلَةً مُحَرَّفَةً فَبَقُوا في انْتِظارِ الرَّسُولِ المُخَلِّصِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ثُمَّ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ بُعِثَ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ: المُسْلِمُونَ: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ الفائِزُونَ في الآخِرَةِ وتَبْشِيرًا لَهم بِأنَّهم لا يَسْلُكُونَ بِكِتابِهِمْ مَسْلَكَ اليَهُودِ بِكِتابِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ، والمُصْلِحُونَ هم، والتَّقْدِيرُ: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم لِأنَّهم مُصْلِحُونَ، فَطُوِيَ ذِكْرُهُمُ اكْتِفاءً بِشُمُولِ الوَصْفِ لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ البَدِيعِ.

الأعراف 7:171

﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ عادَ الكَلامُ إلى العِبْرَةِ بِقَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّ قِصَّةَ رَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ مِن أُمَّهاتِ قَصَصِهِمْ، ولَيْسَتْ مِثْلَ قِصَّةِ القَرْيَةِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في صفحة ١٦٥ السَّبْتِ، ولا مِثْلَ خَبَرِ إيذانِهِمْ بِمَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ كُلُّها هَنا مُرادٌ بِها بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى، بِقَرِينَةِ المَقامِ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها. و(إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ ﴿إذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ . والنَّتْقُ الفَصْلُ والقَلْعُ. والجَبَلُ الطُّورُ. وهَذِهِ آيَةٌ أظْهَرَها اللَّهُ لَهم تَخْوِيفًا لَهم، لِتَكُونَ مُذَكِّرَةً لَهم، فَيَعْقُبُ ذَلِكَ أخْذُ العَهْدِ عَلَيْهِمْ بِعَزِيمَةِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، فَكانَ رَفْعُ الطُّورِ مُعْجِزَةً لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَصْدِيقًا لَهُ فِيما سَيُبَلِّغُهم عَنِ اللَّهِ مِن أخْذِ أحْكامِ التَّوْراةِ بِعَزِيمَةٍ ومُداوَمَةٍ، والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] . والظُّلَّةُ السَّحابَةُ، وجُمْلَةُ خُذُوا ما آتَيْناكم مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَظْمُ الكَلامِ، وحَذْفُ القَوْلِ في مِثْلِهِ شائِعٌ كَثِيرٌ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعُدِّيَ (واقِعٌ) بِالباءِ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا مُسْتَقِرِّينَ في الجَبَلِ فَهو إذا ارْتَفَعَ وقَعَ مُلابِسًا لَهم فَفَتَّتَهم، فَهم يَرَوْنَ أعْلاهُ فَوْقَهم وهم في سَفْحِهِ، وهَذا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ فَوْقَهم وبَيْنَ باءِ المُلابَسَةِ، وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الباءَ بِمَعْنى ”عَلى“ . وجُمْلَةُ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الأعراف 7:172

﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ هَذا كَلامٌ مَصْرُوفٌ إلى غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ واللَّهُ يَقُولُ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ فَهَذا انْتِقالٌ بِالكَلامِ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ مِنَ صفحة ١٦٦ العَرَبِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ ابْتِداءً ونِهايَةً، فَكانَ هَذا الِانْتِقالُ بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. جاءَ هَذا الِانْتِقالُ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ العَهْدِ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في وصِيَّةِ مُوسى، وهو مِيثاقُ الكِتابِ، وفي يَوْمِ رَفْعِ الطُّورِ، وهو عَهْدٌ حَصَلَ بِالخِطابِ التَّكْوِينِيِّ أيْ بِجَعْلِ مَعْناهُ في جِبِلَّةِ كُلِّ نَسَمَةٍ وفِطْرَتِها، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِهِ ابْتِداءً هُمُ المُشْرِكُونَ. وتَبَدُّلُ أُسْلُوبِ القِصَّةِ واضِحٌ إذِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى خِطابٍ في قَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وإذْ صُرِّحَ فِيها بِمُعادِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ وهو قَوْلُهُ مِن بَنِي آدَمَ فَعُمُومُ المَوْعِظَةِ تابِعٌ لِعُمُومِ العِظَةِ. فَهَذا ابْتِداءٌ لِتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ عَلى الإشْراكِ، وما ذُكِرَ بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ. و(إذْ) اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهو هُنا مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفٍ. وفِعْلُ (أخَذَ) يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن بَنِي آدَمَ وهو مُعَدًّى إلى ذُرِّيّاتِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أخَذَ رَبُّكَ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الذُّرِّيَّةِ، مِن كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ، فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ لِلَّهِ - تَعالى - . و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾) وقَوْلِهِ (﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾) ابْتِدائِيَّةٌ فِيهِما. والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ والذُّرِّيَّةُ اسْمُ جَمْعٍ لِما يَتَوَلَّدُ مِنَ الإنْسانِ، وجَمْعُهُ هُنا لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ. وأخْذُ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ المُخْرَجِينَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ يَقْتَضِي أخْذَ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ في ظَهْرِ آدَمَ بِدَلالَةِ الفَحْوى، وإلّا لَكانَ أبْناءُ آدَمَ الأدْنَوْنَ لَيْسُوا مَأْخُوذًا عَلَيْهِمُ العَهْدُ مَعَ أنَّهم أوْلى بِأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ في ظَهْرِ آدَمَ. ومِمّا يُثْبِتُ هَذِهِ الدَّلالَةَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وعَنْ جَمْعٍ مِن أصْحابِهِ، مُتَفاوِتَةٌ في القُوَّةِ غَيْرُ خالٍ واحِدٌ مِنها عَنْ مُتَكَلَّمٍ، غَيْرَ أنَّ كَثْرَتَها يُؤَيِّدُ بَعْضُها بَعْضًا، وأوْضَحُها ما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ في تَرْجَمَةِ صفحة ١٦٧ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالقَدَرِ بِسَنَدِهِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْألُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ حَتّى اسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ» وساقَ الحَدِيثَ بِما لا حاجَةَ إلَيْهِ في غَرَضِنا ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمَدْلُولِ الفَحْوى المَذْكُورِ، ولَيْسَ تَفْسِيرًا لِمَنطُوقِ الآيَةِ، وبِهِ صارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما صَرِيحٌ وهو ما أفادَهُ لَفْظُها، وثانِيهِما مَفْهُومٌ وهو فَحْوى الخِطابِ. وجاءَ في الآيَةِ أنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى الذُّرِّيّاتِ العَهْدَ بِالإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ ولَمْ يُتَعَرَّضْ لِذَلِكَ في الحَدِيثِ، وذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ مَيَّزَ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ مِنهم، ولَعَلَّ الحَدِيثَ اقْتِصارٌ عَلى بَيانِ ما سَألَ عَنْهُ السّائِلُ فَيَكُونُ تَفْسِيرُ الآيَةِ تَفْسِيرَ تَكْمِيلٍ لِما لَمْ يُذْكَرْ فِيها، أوْ كانَ في الحَدِيثِ اقْتِصارٌ مِن أحَدِ رُواتِهِ عَلى بَعْضِ ما سَمِعَهُ. والأخْذُ مَجازٌ في الإخْراجِ والِانْتِزاعِ قالَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] الآيَةَ. وقَوْلُهُ مِن ظُهُورِهِمْ بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقَدْ أُعِيدَ حَرْفُ الجَرِّ مَعَ البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ. والإشْهادُ عَلى الأنْفُسِ يُطْلَقُ عَلى ما يُساوِي الإقْرارَ أوِ الحَمْلَ عَلَيْهِ، وهو هُنا الحَمْلُ عَلى الإقْرارِ، واسْتُعِيرَ لِحالَةٍ مُغَيَّبَةٍ تَتَضَمَّنُ هَذا الإقْرارَ يَعْلَمُها اللَّهُ لِاسْتِقْرارِ مَعْنى هَذا الِاعْتِرافِ في فِطْرَتِهِمْ. والضَّمِيرُ في أشْهَدَهم عائِدٌ عَلى الذُّرِّيَّةِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ لِأنَّهُ اسْمٌ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ. والقَوْلُ في (﴿قالُوا بَلى﴾) مُسْتَعارٌ أيْضًا لِدَلالَةِ حالِهِمْ عَلى الِاعْتِرافِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ - تَعالى - . وجُمْلَةُ (﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾) مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو بَيانٌ لِجُمْلَةِ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أيْ قَرَّرَهم بِهَذا القَوْلِ وهو مِن أمْرِ التَّكْوِينِ. والمَعْنى واحِدٌ لِأنَّ الذُّرِّيَّةَ لَمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ بَنِي آدَمَ كانَ عَلى مَعْنى التَّوْزِيعِ. صفحة ١٦٨ والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾) تَقْرِيرِيٌّ، ومِثْلُهُ يُقالُ في تَقْرِيرِ مَن يُظَنُّ بِهِ الإنْكارُ أوْ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ يُقَرَّرُ عَلى النَّفْيِ اسْتِدْراجًا لَهُ حَتّى إذا كانَ عاقِدًا قَلْبَهُ عَلى النَّفْيِ ظَنَّ أنَّ المُقَرِّرَ يَطْلُبُهُ مِنهُ فَأقْدَمَ عَلى الجَوابِ بِالنَّفْيِ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ عاقِدًا قَلْبَهُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ يُجِيبُ بِإبْطالِ النَّفْيِ فَيَتَحَقَّقُ أنَّهُ بَرِيءٌ مِن نَفْيِ ذَلِكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٤] تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. والكَلامُ تَمْثِيلُ حالٍ مِن أحْوالِ الغَيْبِ، مِن تَسَلُّطِ أمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ عَلى ذَواتِ الكائِناتِ وأعْراضِها عِنْدَ إرادَةِ تَكْوِينِها، لا تَبْلُغُ النُّفُوسُ إلى تَصَوُّرِها بِالكُنْهِ، لِأنَّها وراءَ المُعْتادِ المَأْلُوفِ، فَيُرادُ تَقْرِيبُها بِهَذا التَّمْثِيلِ، وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الإنْسانِ مِن وقْتِ تَكْوِينِهِ إدْراكَ أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ، وجَعَلَ في فِطْرَةِ حَرَكَةِ تَفْكِيرِ الإنْسانِ التَّطَلُّعَ إلى إدْراكِ ذَلِكَ وتَحْصِيلِ إدْراكِهِ إذا جَرَّدَ نَفْسَهُ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى فِطْرَتِهِ فَتُفْسِدُها. وجُمْلَةُ قالُوا بَلى جَوابٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وفُصِلَتْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأُطْلِقَ القَوْلُ إمّا حَقِيقَةً فَذَلِكَ قَوْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وإمّا مَجازًا عَلى دَلالَةِ حالِهِمْ عَلى أنَّهم مَرْبُوبُونَ لِلَّهِ - تَعالى - كَما أُطْلِقَ القَوْلُ عَلى مِثْلِهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] أيْ ظَهَرَتْ فِيهِما آثارُ أمْرِ التَّكْوِينِ. وقالَ أبُو النَّجْمِ: قالَتْ لَهُ الطَّيْرُ تَقَدَّمْ راشِدًا إنَّكَ لا تَرْجِعُ إلّا حامِـدًا فَهُوَ مِنَ المَجازِ الَّذِي كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ. و(بَلى) حَرْفُ جَوابٍ لِكَلامٍ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، فَيَقْتَضِي إبْطالَ النَّفْيِ وتَقْرِيرَ المَنفِيِّ، ولِذَلِكَ كانَ الجَوابُ بِها بَعْدَ النَّفْيِ أصْرَحَ مِنَ الجَوابِ بِحَرْفِ (نَعَمْ) لِأنَّ نَعَمْ تَحْتَمِلُ تَقْرِيرَ النَّفْيِ وتَقْرِيرَ المَنفِيِّ، وهَذا مَعْنى ما نُقِلَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: صفحة ١٦٩ لَوْ قالُوا نَعَمْ لَكَفَرُوا أيْ لَكانَ جَوابُهم مُحْتَمِلًا لِلْكُفْرِ، ولَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ إقْرارٍ كانَ الِاحْتِمالُ فِيهِ تَفَصِّيًا مِنَ الِاعْتِرافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: ذُرِّيّاتِهِمْ، بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ. وقَوْلُهم (شَهِدْنا) تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ (بَلى) والشَّهادَةُ هُنا أيْضًا بِمَعْنى الإقْرارِ. ووَقَعَ (أنْ تَقُولُوا) في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِفِعْلِ الأخْذِ والإشْهادِ، فَهو عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ الجارَةِ، وحَذْفُها مَعَ (أنْ) جارٍ عَلى المُطَّرِدِ الشّائِعِ. والمَقْصُودُ التَّعْلِيلُ بِنَفْيِ أنْ يَقُولُوا إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ لا بِإيقاعِ القَوْلِ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ جَرْيًا عَلى شُيُوعِ حَذْفِهِ مَعَ القَوْلِ، أوْ هو تَعْلِيلٌ بِأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، إنْ لَمْ يَقَعْ إشْهادُهم عَلى أنْفُسِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾ [الأنعام: ١٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ تَقُولُوا - بِتاءِ الخِطابِ - وقَدْ حُوِّلَ الأُسْلُوبُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ثُمَّ مِن خِطابِ الرَّسُولِ إلى خِطابِ قَوْمِهِ، تَصْرِيحًا بِأنَّ المَقْصُودَ مِن قِصَّةِ أخْذِ العَهْدِ تَذْكِيرُ المُشْرِكِينَ بِما أوْدَعَ اللَّهُ في الفِطْرَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وهَذا الأُسْلُوبُ هو مِن تَحْوِيلِ الخِطابِ عَنْ مُخاطَبٍ إلى غَيْرِهِ، ولَيْسَ مِنَ الِالتِفافِ لِاخْتِلافِ المُخاطَبِينَ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحْدَهُ: بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ذُرِّيّاتِ بَنِي آدَمَ. والإشارَةُ بِـ هَذا إلى مَضْمُونِ الِاسْتِفْهامِ وجَوابِهِ وهو الِاعْتِرافُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ - تَعالى - عَلى تَقْدِيرِهِ بِالمَذْكُورِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ لَمّا جُعِلَ في الفِطْرَةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ كانَتْ عُقُولُ البَشَرِ مُنْساقَةً إلَيْهِ، فَلا يَغْفُلُ عَنْهُ أحَدٌ مِنهم فَيَعْتَذِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا سُئِلَ عَنِ الإشْراكِ، بِعُذْرِ الغَفْلَةِ، فَهَذا إبْطالٌ لِلِاعْتِذارِ بِالغَفْلَةِ، ولِذَلِكَ وقَعَ تَقْدِيرُ حَرْفِ نَفْيٍ أيْ أنْ لا تَقُولُوا إلَخْ. وعُطِفَ عَلَيْهِ الِاعْتِذارُ بِالجَهْلِ دُونَ الغَفْلَةِ بِأنْ يَقُولُوا: إنَّنا اتَّبَعْنا آباءَنا وما ظَنَنّا الإشْراكَ إلّا حَقًّا، فَلَمّا كانَ في أصْلِ الفِطْرَةِ العِلْمُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ بَطَلَ الِاعْتِذارُ صفحة ١٧٠ بِالجَهْلِ بِهِ، وكانَ الإشْراكُ إمّا عَنْ عَمْدٍ وإمّا عَنْ تَقْصِيرٍ وكَلاهُما لا يَنْهَضُ عُذْرًا، وكُلُّ هَذا إنَّما يَصْلُحُ لِخِطابِ المُشْرِكِينَ دُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. ومَعْنى (وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ) كُنّا عَلى دِينِهِمْ تَبَعًا لَهم لِأنَّنا ذُرِّيَّةٌ لَهم، وشَأْنُ الذُّرِّيَّةِ الِاقْتِداءُ بِالآباءِ وإقامَةُ عَوائِدِهِمْ فَوَقَعَ إيجازٌ في الكَلامِ وأُقِيمَ التَّعْلِيلُ مَقامَ المُعَلَّلِ. و(مِن بَعْدِهِمْ) نَعْتٌ لِذُرِّيَّةٍ لِما تُؤْذِنُ بِهِ ذُرِّيَّةٌ مِنَ الخَلْفِيَّةِ والقِيامِ في مَقامِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ في أفَتُهْلِكُنا إنْكارِيٌّ، والإهْلاكُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْعَذابِ، والمُبْطِلُونَ الآخِذُونَ بِالباطِلِ، وهو في هَذا المَقامِ الإشْراكُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ بِالإلَهِ الواحِدِ مُسْتَقِرٌّ في فِطْرَةِ العَقْلِ، لَوْ خُلِّيَ ونَفْسَهُ، وتَجَرَّدَ مِنَ الشُّبُهاتِ النّاشِئَةِ فِيهِ مِنَ التَّقْصِيرِ في النَّظَرِ، أوِ المُلْقاةِ إلَيْهِ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ المُسْتَقِرَّةِ فِيهِمُ الضَّلالَةُ، بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، ولِذَلِكَ قالَ الماتُرِيدِيُّ والمُعْتَزِلَةُ: إنَّ الإيمانَ بِالإلَهِ الواحِدِ واجِبٌ بِالعَقْلِ، ونُسِبَ إلى أبِي حَنِيفَةَ وإلى الماوَرْدِيِّ وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ مِن أهْلِ العِراقِ، وعَلَيْهِ انْبَتَّتْ مُؤاخَذَةُ أهْلِ الفَتْرَةِ عَلى الإشْراكِ، وقالَ الأشْعَرِيُّ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالشَّرْعِ لا بِالعَقْلِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولَعَلَّهُ أرْجَعَ مُؤاخَذَةَ أهْلِ الفَتْرَةِ عَلى الشِّرْكِ إلى التَّواتُرِ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ بِالتَّوْحِيدِ. وجُمْلَةُ (﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، وتُسَمّى واوَ الِاسْتِئْنافِ أيْ مِثْلُ هَذا التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ الآياتِ أيْ آياتِ القُرْآنِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ. وتَفْصِيلُها بَيانُها وتَجْرِيدُها مِنَ الِالتِباسِ. وجُمْلَةُ (﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾) فَهي في مَوْقِعِ الِاعْتِراضِ، وهَذا إنْشاءُ تَرَجِّي رُجُوعِ المُشْرِكِينَ إلى التَّوْحِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَأْوِيلِ مَعْنى الرَّجاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى صُدُورِهِ مِن جانِبِ اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١٧١ والرُّجُوعُ مُسْتَعارٌ لِلْإقْلاعِ عَنِ الشِّرْكِ، شُبِّهَ الإقْلاعُ عَنِ الحالَةِ الَّتِي هم مُتَلَبِّسُونَ بِها بِتَرْكِ مَن حَلَّ في غَيْرِ مَقَرِّهِ المَوْضِعَ الَّذِي هو بِهِ لِيَرْجِعَ إلى مَقَرِّهِ، وهَذا التَّشْبِيهُ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ حالِ الإشْراكِ بِمَوْضِعِ الغُرْبَةِ لِأنَّ الشِّرْكَ لَيْسَ مِن مُقْتَضى الفِطْرَةِ فالتَّلَبُّسُ بِهِ خُرُوجٌ عَنْ أصْلِ الخِلْقَةِ كَخُرُوجِ المُسافِرِ عَنْ مَوْطِنِهِ، ويَقْتَضِي أيْضًا تَشْبِيهَ حالِ التَّوْحِيدِ بِمَحَلِّ المَرْءِ وحَيِّهِ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الرُّجُوعِ عَلى إقْلاعِ المُشْرِكِينَ عَنِ الشِّرْكِ كَقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] أيْ يَرْجِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالعَرَبِ لِأنَّهُمُ المُشْرِكُونَ مِن عَقِبِ إبْراهِيمَ، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] فَإنِّي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنَّهُ يُشِيرُ بِهَؤُلاءِ إلى العَرَبِ.

الأعراف 7:173

﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ هَذا كَلامٌ مَصْرُوفٌ إلى غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ واللَّهُ يَقُولُ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ فَهَذا انْتِقالٌ بِالكَلامِ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ مِنَ صفحة ١٦٦ العَرَبِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ ابْتِداءً ونِهايَةً، فَكانَ هَذا الِانْتِقالُ بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. جاءَ هَذا الِانْتِقالُ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ العَهْدِ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في وصِيَّةِ مُوسى، وهو مِيثاقُ الكِتابِ، وفي يَوْمِ رَفْعِ الطُّورِ، وهو عَهْدٌ حَصَلَ بِالخِطابِ التَّكْوِينِيِّ أيْ بِجَعْلِ مَعْناهُ في جِبِلَّةِ كُلِّ نَسَمَةٍ وفِطْرَتِها، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِهِ ابْتِداءً هُمُ المُشْرِكُونَ. وتَبَدُّلُ أُسْلُوبِ القِصَّةِ واضِحٌ إذِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى خِطابٍ في قَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وإذْ صُرِّحَ فِيها بِمُعادِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ وهو قَوْلُهُ مِن بَنِي آدَمَ فَعُمُومُ المَوْعِظَةِ تابِعٌ لِعُمُومِ العِظَةِ. فَهَذا ابْتِداءٌ لِتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ عَلى الإشْراكِ، وما ذُكِرَ بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ. و(إذْ) اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهو هُنا مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفٍ. وفِعْلُ (أخَذَ) يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن بَنِي آدَمَ وهو مُعَدًّى إلى ذُرِّيّاتِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أخَذَ رَبُّكَ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الذُّرِّيَّةِ، مِن كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ، فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ بَنِي آدَمَ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ لِلَّهِ - تَعالى - . و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾) وقَوْلِهِ (﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾) ابْتِدائِيَّةٌ فِيهِما. والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ والذُّرِّيَّةُ اسْمُ جَمْعٍ لِما يَتَوَلَّدُ مِنَ الإنْسانِ، وجَمْعُهُ هُنا لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ. وأخْذُ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ المُخْرَجِينَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ يَقْتَضِي أخْذَ العَهْدِ عَلى الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ في ظَهْرِ آدَمَ بِدَلالَةِ الفَحْوى، وإلّا لَكانَ أبْناءُ آدَمَ الأدْنَوْنَ لَيْسُوا مَأْخُوذًا عَلَيْهِمُ العَهْدُ مَعَ أنَّهم أوْلى بِأخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ في ظَهْرِ آدَمَ. ومِمّا يُثْبِتُ هَذِهِ الدَّلالَةَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وعَنْ جَمْعٍ مِن أصْحابِهِ، مُتَفاوِتَةٌ في القُوَّةِ غَيْرُ خالٍ واحِدٌ مِنها عَنْ مُتَكَلَّمٍ، غَيْرَ أنَّ كَثْرَتَها يُؤَيِّدُ بَعْضُها بَعْضًا، وأوْضَحُها ما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ في تَرْجَمَةِ صفحة ١٦٧ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالقَدَرِ بِسَنَدِهِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْألُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ حَتّى اسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ» وساقَ الحَدِيثَ بِما لا حاجَةَ إلَيْهِ في غَرَضِنا ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمَدْلُولِ الفَحْوى المَذْكُورِ، ولَيْسَ تَفْسِيرًا لِمَنطُوقِ الآيَةِ، وبِهِ صارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما صَرِيحٌ وهو ما أفادَهُ لَفْظُها، وثانِيهِما مَفْهُومٌ وهو فَحْوى الخِطابِ. وجاءَ في الآيَةِ أنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى الذُّرِّيّاتِ العَهْدَ بِالإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ ولَمْ يُتَعَرَّضْ لِذَلِكَ في الحَدِيثِ، وذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ مَيَّزَ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ مِنهم، ولَعَلَّ الحَدِيثَ اقْتِصارٌ عَلى بَيانِ ما سَألَ عَنْهُ السّائِلُ فَيَكُونُ تَفْسِيرُ الآيَةِ تَفْسِيرَ تَكْمِيلٍ لِما لَمْ يُذْكَرْ فِيها، أوْ كانَ في الحَدِيثِ اقْتِصارٌ مِن أحَدِ رُواتِهِ عَلى بَعْضِ ما سَمِعَهُ. والأخْذُ مَجازٌ في الإخْراجِ والِانْتِزاعِ قالَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] الآيَةَ. وقَوْلُهُ مِن ظُهُورِهِمْ بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقَدْ أُعِيدَ حَرْفُ الجَرِّ مَعَ البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ. والإشْهادُ عَلى الأنْفُسِ يُطْلَقُ عَلى ما يُساوِي الإقْرارَ أوِ الحَمْلَ عَلَيْهِ، وهو هُنا الحَمْلُ عَلى الإقْرارِ، واسْتُعِيرَ لِحالَةٍ مُغَيَّبَةٍ تَتَضَمَّنُ هَذا الإقْرارَ يَعْلَمُها اللَّهُ لِاسْتِقْرارِ مَعْنى هَذا الِاعْتِرافِ في فِطْرَتِهِمْ. والضَّمِيرُ في أشْهَدَهم عائِدٌ عَلى الذُّرِّيَّةِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ لِأنَّهُ اسْمٌ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ. والقَوْلُ في (﴿قالُوا بَلى﴾) مُسْتَعارٌ أيْضًا لِدَلالَةِ حالِهِمْ عَلى الِاعْتِرافِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ - تَعالى - . وجُمْلَةُ (﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾) مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو بَيانٌ لِجُمْلَةِ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أيْ قَرَّرَهم بِهَذا القَوْلِ وهو مِن أمْرِ التَّكْوِينِ. والمَعْنى واحِدٌ لِأنَّ الذُّرِّيَّةَ لَمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ بَنِي آدَمَ كانَ عَلى مَعْنى التَّوْزِيعِ. صفحة ١٦٨ والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾) تَقْرِيرِيٌّ، ومِثْلُهُ يُقالُ في تَقْرِيرِ مَن يُظَنُّ بِهِ الإنْكارُ أوْ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ يُقَرَّرُ عَلى النَّفْيِ اسْتِدْراجًا لَهُ حَتّى إذا كانَ عاقِدًا قَلْبَهُ عَلى النَّفْيِ ظَنَّ أنَّ المُقَرِّرَ يَطْلُبُهُ مِنهُ فَأقْدَمَ عَلى الجَوابِ بِالنَّفْيِ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ عاقِدًا قَلْبَهُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ يُجِيبُ بِإبْطالِ النَّفْيِ فَيَتَحَقَّقُ أنَّهُ بَرِيءٌ مِن نَفْيِ ذَلِكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٤] تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. والكَلامُ تَمْثِيلُ حالٍ مِن أحْوالِ الغَيْبِ، مِن تَسَلُّطِ أمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ عَلى ذَواتِ الكائِناتِ وأعْراضِها عِنْدَ إرادَةِ تَكْوِينِها، لا تَبْلُغُ النُّفُوسُ إلى تَصَوُّرِها بِالكُنْهِ، لِأنَّها وراءَ المُعْتادِ المَأْلُوفِ، فَيُرادُ تَقْرِيبُها بِهَذا التَّمْثِيلِ، وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الإنْسانِ مِن وقْتِ تَكْوِينِهِ إدْراكَ أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ، وجَعَلَ في فِطْرَةِ حَرَكَةِ تَفْكِيرِ الإنْسانِ التَّطَلُّعَ إلى إدْراكِ ذَلِكَ وتَحْصِيلِ إدْراكِهِ إذا جَرَّدَ نَفْسَهُ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى فِطْرَتِهِ فَتُفْسِدُها. وجُمْلَةُ قالُوا بَلى جَوابٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وفُصِلَتْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأُطْلِقَ القَوْلُ إمّا حَقِيقَةً فَذَلِكَ قَوْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وإمّا مَجازًا عَلى دَلالَةِ حالِهِمْ عَلى أنَّهم مَرْبُوبُونَ لِلَّهِ - تَعالى - كَما أُطْلِقَ القَوْلُ عَلى مِثْلِهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] أيْ ظَهَرَتْ فِيهِما آثارُ أمْرِ التَّكْوِينِ. وقالَ أبُو النَّجْمِ: قالَتْ لَهُ الطَّيْرُ تَقَدَّمْ راشِدًا إنَّكَ لا تَرْجِعُ إلّا حامِـدًا فَهُوَ مِنَ المَجازِ الَّذِي كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ. و(بَلى) حَرْفُ جَوابٍ لِكَلامٍ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، فَيَقْتَضِي إبْطالَ النَّفْيِ وتَقْرِيرَ المَنفِيِّ، ولِذَلِكَ كانَ الجَوابُ بِها بَعْدَ النَّفْيِ أصْرَحَ مِنَ الجَوابِ بِحَرْفِ (نَعَمْ) لِأنَّ نَعَمْ تَحْتَمِلُ تَقْرِيرَ النَّفْيِ وتَقْرِيرَ المَنفِيِّ، وهَذا مَعْنى ما نُقِلَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: صفحة ١٦٩ لَوْ قالُوا نَعَمْ لَكَفَرُوا أيْ لَكانَ جَوابُهم مُحْتَمِلًا لِلْكُفْرِ، ولَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ إقْرارٍ كانَ الِاحْتِمالُ فِيهِ تَفَصِّيًا مِنَ الِاعْتِرافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: ذُرِّيّاتِهِمْ، بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ. وقَوْلُهم (شَهِدْنا) تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ (بَلى) والشَّهادَةُ هُنا أيْضًا بِمَعْنى الإقْرارِ. ووَقَعَ (أنْ تَقُولُوا) في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِفِعْلِ الأخْذِ والإشْهادِ، فَهو عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ الجارَةِ، وحَذْفُها مَعَ (أنْ) جارٍ عَلى المُطَّرِدِ الشّائِعِ. والمَقْصُودُ التَّعْلِيلُ بِنَفْيِ أنْ يَقُولُوا إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ لا بِإيقاعِ القَوْلِ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ جَرْيًا عَلى شُيُوعِ حَذْفِهِ مَعَ القَوْلِ، أوْ هو تَعْلِيلٌ بِأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، إنْ لَمْ يَقَعْ إشْهادُهم عَلى أنْفُسِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾ [الأنعام: ١٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ تَقُولُوا - بِتاءِ الخِطابِ - وقَدْ حُوِّلَ الأُسْلُوبُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ثُمَّ مِن خِطابِ الرَّسُولِ إلى خِطابِ قَوْمِهِ، تَصْرِيحًا بِأنَّ المَقْصُودَ مِن قِصَّةِ أخْذِ العَهْدِ تَذْكِيرُ المُشْرِكِينَ بِما أوْدَعَ اللَّهُ في الفِطْرَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وهَذا الأُسْلُوبُ هو مِن تَحْوِيلِ الخِطابِ عَنْ مُخاطَبٍ إلى غَيْرِهِ، ولَيْسَ مِنَ الِالتِفافِ لِاخْتِلافِ المُخاطَبِينَ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحْدَهُ: بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ذُرِّيّاتِ بَنِي آدَمَ. والإشارَةُ بِـ هَذا إلى مَضْمُونِ الِاسْتِفْهامِ وجَوابِهِ وهو الِاعْتِرافُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ - تَعالى - عَلى تَقْدِيرِهِ بِالمَذْكُورِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ لَمّا جُعِلَ في الفِطْرَةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ كانَتْ عُقُولُ البَشَرِ مُنْساقَةً إلَيْهِ، فَلا يَغْفُلُ عَنْهُ أحَدٌ مِنهم فَيَعْتَذِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا سُئِلَ عَنِ الإشْراكِ، بِعُذْرِ الغَفْلَةِ، فَهَذا إبْطالٌ لِلِاعْتِذارِ بِالغَفْلَةِ، ولِذَلِكَ وقَعَ تَقْدِيرُ حَرْفِ نَفْيٍ أيْ أنْ لا تَقُولُوا إلَخْ. وعُطِفَ عَلَيْهِ الِاعْتِذارُ بِالجَهْلِ دُونَ الغَفْلَةِ بِأنْ يَقُولُوا: إنَّنا اتَّبَعْنا آباءَنا وما ظَنَنّا الإشْراكَ إلّا حَقًّا، فَلَمّا كانَ في أصْلِ الفِطْرَةِ العِلْمُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ بَطَلَ الِاعْتِذارُ صفحة ١٧٠ بِالجَهْلِ بِهِ، وكانَ الإشْراكُ إمّا عَنْ عَمْدٍ وإمّا عَنْ تَقْصِيرٍ وكَلاهُما لا يَنْهَضُ عُذْرًا، وكُلُّ هَذا إنَّما يَصْلُحُ لِخِطابِ المُشْرِكِينَ دُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. ومَعْنى (وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ) كُنّا عَلى دِينِهِمْ تَبَعًا لَهم لِأنَّنا ذُرِّيَّةٌ لَهم، وشَأْنُ الذُّرِّيَّةِ الِاقْتِداءُ بِالآباءِ وإقامَةُ عَوائِدِهِمْ فَوَقَعَ إيجازٌ في الكَلامِ وأُقِيمَ التَّعْلِيلُ مَقامَ المُعَلَّلِ. و(مِن بَعْدِهِمْ) نَعْتٌ لِذُرِّيَّةٍ لِما تُؤْذِنُ بِهِ ذُرِّيَّةٌ مِنَ الخَلْفِيَّةِ والقِيامِ في مَقامِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ في أفَتُهْلِكُنا إنْكارِيٌّ، والإهْلاكُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْعَذابِ، والمُبْطِلُونَ الآخِذُونَ بِالباطِلِ، وهو في هَذا المَقامِ الإشْراكُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ بِالإلَهِ الواحِدِ مُسْتَقِرٌّ في فِطْرَةِ العَقْلِ، لَوْ خُلِّيَ ونَفْسَهُ، وتَجَرَّدَ مِنَ الشُّبُهاتِ النّاشِئَةِ فِيهِ مِنَ التَّقْصِيرِ في النَّظَرِ، أوِ المُلْقاةِ إلَيْهِ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ المُسْتَقِرَّةِ فِيهِمُ الضَّلالَةُ، بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، ولِذَلِكَ قالَ الماتُرِيدِيُّ والمُعْتَزِلَةُ: إنَّ الإيمانَ بِالإلَهِ الواحِدِ واجِبٌ بِالعَقْلِ، ونُسِبَ إلى أبِي حَنِيفَةَ وإلى الماوَرْدِيِّ وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ مِن أهْلِ العِراقِ، وعَلَيْهِ انْبَتَّتْ مُؤاخَذَةُ أهْلِ الفَتْرَةِ عَلى الإشْراكِ، وقالَ الأشْعَرِيُّ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالشَّرْعِ لا بِالعَقْلِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولَعَلَّهُ أرْجَعَ مُؤاخَذَةَ أهْلِ الفَتْرَةِ عَلى الشِّرْكِ إلى التَّواتُرِ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ بِالتَّوْحِيدِ. وجُمْلَةُ (﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، وتُسَمّى واوَ الِاسْتِئْنافِ أيْ مِثْلُ هَذا التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ الآياتِ أيْ آياتِ القُرْآنِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ. وتَفْصِيلُها بَيانُها وتَجْرِيدُها مِنَ الِالتِباسِ. وجُمْلَةُ (﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾) فَهي في مَوْقِعِ الِاعْتِراضِ، وهَذا إنْشاءُ تَرَجِّي رُجُوعِ المُشْرِكِينَ إلى التَّوْحِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَأْوِيلِ مَعْنى الرَّجاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى صُدُورِهِ مِن جانِبِ اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١٧١ والرُّجُوعُ مُسْتَعارٌ لِلْإقْلاعِ عَنِ الشِّرْكِ، شُبِّهَ الإقْلاعُ عَنِ الحالَةِ الَّتِي هم مُتَلَبِّسُونَ بِها بِتَرْكِ مَن حَلَّ في غَيْرِ مَقَرِّهِ المَوْضِعَ الَّذِي هو بِهِ لِيَرْجِعَ إلى مَقَرِّهِ، وهَذا التَّشْبِيهُ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ حالِ الإشْراكِ بِمَوْضِعِ الغُرْبَةِ لِأنَّ الشِّرْكَ لَيْسَ مِن مُقْتَضى الفِطْرَةِ فالتَّلَبُّسُ بِهِ خُرُوجٌ عَنْ أصْلِ الخِلْقَةِ كَخُرُوجِ المُسافِرِ عَنْ مَوْطِنِهِ، ويَقْتَضِي أيْضًا تَشْبِيهَ حالِ التَّوْحِيدِ بِمَحَلِّ المَرْءِ وحَيِّهِ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الرُّجُوعِ عَلى إقْلاعِ المُشْرِكِينَ عَنِ الشِّرْكِ كَقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] أيْ يَرْجِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالعَرَبِ لِأنَّهُمُ المُشْرِكُونَ مِن عَقِبِ إبْراهِيمَ، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] فَإنِّي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنَّهُ يُشِيرُ بِهَؤُلاءِ إلى العَرَبِ.