Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — النحل 16:73 – النحل 16:128
المحتويات
- النحل 16:73
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:79
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:83
- النحل 16:84
- النحل 16:85
- النحل 16:86
- النحل 16:87
- النحل 16:88
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:93
- النحل 16:94
- النحل 16:95
- النحل 16:96
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:99
- النحل 16:100
- النحل 16:101
- النحل 16:102
- النحل 16:103
- النحل 16:104
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:107
- النحل 16:108
- النحل 16:109
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:112
- النحل 16:113
- النحل 16:114
- النحل 16:115
- النحل 16:116
- النحل 16:117
- النحل 16:118
- النحل 16:119
- النحل 16:120
- النحل 16:121
- النحل 16:122
- النحل 16:123
- النحل 16:124
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:127
- النحل 16:128
النحل 16:73
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَتَيِ التَّوْبِيخِ، وهو مَزِيدٌ مِنَ التَّوْبِيخِ، فَإنَّ الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْها أفادَتْها تَوْبِيخًا عَلى إيمانِهِمْ بِالآلِهَةِ الباطِلِ، وكُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ المَعْبُودِ الحَقِّ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ أفادَتْ التَّوْبِيخَ عَلى شُكْرِ ما لا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ، فَإنَّ العِبادَةَ شُكْرٌ، فَهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ولا بِيَدِهِ نِعْمَةٌ، وهو الأصْنامُ؛ لِأنَّها لا تَمْلِكُ ما يَأْتِيهِمْ مِنَ الرِّزْقِ لِاحْتِياجِها، ولا تَسْتَطِيعُ رِزْقَهم لِعَجْزِها، فَمُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدٌ لِمُفادِ ما قَبْلَها مَعَ اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ بِمُوجِبِ التَّوْبِيخِ في كِلْتَيْهِما.
ومِلْكُ الرِّزْقِ القُدْرَةُ عَلى إعْطائِهِ. والمِلْكُ يُطْلَقُ عَلى القُدْرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في سُورَةِ العُقُودِ، والرِّزْقُ هُنا مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ لا يَمْلِكُ أنْ يَرْزُقَ.
و(مِن) في ﴿مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ رِزْقًا مَوْصُوفًا بِوُرُودِهِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ.
و(شَيْئًا) مُبالَغَةٌ في المَنفِيِّ، أيْ ولا يَمْلِكُونَ جَزاءً قَلِيلًا مِنَ الرِّزْقِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (رِزْقًا)، فَهو في مَعْنى المَفْعُولُ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَمْلِكُ لَهم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ.
صفحة ٢٢٢
﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى يَمْلِكُ، فَهو مِن جُمْلَةِ صِلَةِ (ما)، فَضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها عَلى جَماعَةِ الأصْنامِ المَعْبُودَةِ لَهم، وأُجْرِيَتْ عَلَيْها صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ؛ مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَعْقِلُ وتَشْفَعُ وتَسْتَجِيبُ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ يَسْتَطِيعُونَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا؛ لِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ حِجارَةٌ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، والِاسْتِطاعَةُ: القُدْرَةُ.
النحل 16:74
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جَمِيعِ ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ والعِبَرِ والمِنَنِ؛ إذْ قَدِ اسْتَقامَ مِن جَمِيعِها انْفِرادُ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، ونَفْيُ الشَّرِيكِ فِيما خَلَقَ وأنْعَمَ، وبِالأوْلى نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وأنْ يُشَبَّهَ بِالحَوادِثِ، فَلا جَرَمَ اسْتَتَبَّ لِلْمَقامِ أنْ يُفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ زَجْرُ المُشْرِكِينَ عَنْ تَمْثِيلِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ بِاللَّهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأنْ يُمَثِّلُوهُ بِالمَوْجُوداتِ.
وهَذا جاءَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقَوْلُهُ ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] .
والأمْثالُ هُنا جَمْعُ مَثَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى المُماثِلِ، كَقَوْلِهِمْ: شَبَهٌ بِمَعْنى مُشابِهٍ، وضَرْبُ الأمْثالِ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في تَشْبِيهِ حالَةٍ بِحالَةٍ، وهَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ، وهو هُنا اسْتِعْمالٌ آخَرُ.
ومَعْنى الضَّرْبِ في قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ كَذا مَثَلًا، بَيَّنّاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واللّامُ في اللَّهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (الأمْثالِ) لا بِـ (تَضْرِبُوا)، إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَضْرِبُونَ مَثَلَ الأصْنامِ بِاللَّهِ ضَرْبًا لِلنّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] .
صفحة ٢٢٣
ووَجْهُ كَوْنِ الإشْراكِ ضَرْبَ مَثَلٍ لِلَّهِ أنَّهم أثْبَتُوا لِلْأصْنامِ صِفاتَ الإلَهِيَّةِ وشَبَّهُوها بِالخالِقِ، فَإطْلاقُ ضَرْبِ المَثَلِ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨]، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ عَنِ الأصْنامِ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، والمَلائِكَةُ هُنَّ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، فَذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ وتَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِالحَوادِثِ في التَّأثُّرِ بِشَفاعَةِ الأكْفاءِ والأعْيانِ والِازْدِهاءِ بِالبَنِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ تَشْبِيهِ اللَّهِ تَعالى بِالحَوادِثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَهْلَهم هو الَّذِي أوْقَعَهم في تِلْكَ السَّخافاتِ مِنَ العَقائِدِ، وأنَّ اللَّهَ إذْ نَهاهم وزَجَرَهم عَنْ أنْ يُشَبِّهُوهُ بِما شَبَّهُوهُ إنَّما نَهاهم لِعِلْمِهِ بِبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْعاءٌ لِإعْمالِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ لِيَصِلُوا إلى العِلْمِ البَرِيءِ مِنَ الأوْهامِ.
النحل 16:75
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهْوَ يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾
أعْقَبَ زَجْرَهم عَنْ أنْ يُشَبِّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ، أوْ أنْ يُشَبِّهُوا الخَلْقَ بِرَبِّهِمْ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ في ذَلِكَ بِحالِ مَن مَثَّلَ عَبْدًا بِسَيِّدِهِ في الإنْفاقِ، فَجُمْلَةُ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] .
فَشَبَّهَ حالَ أصْنامِهِمْ في العَجْزِ عَنْ رِزْقِهِمْ بِحالِ مَمْلُوكٍ لا يَقْدِرُ عَلى تَصَرُّفِ في نَفْسِهِ، ولا يَمْلِكُ مالًا، وشَبَّهَ شَأْنَ اللَّهِ تَعالى في رِزْقِهِ إيّاهم بِحالِ الغَنِيِّ المالِكِ أمْرَ نَفْسِهِ بِما شاءَ مِن إنْفاقٍ وغَيْرِهِ، ومَعْرِفَةُ الحالَيْنِ المُشَبَّهَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ، والمَقْصُودُ نَفْيُ المُماثَلَةِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ مُماثَلَةَ أصْنامِهِمْ لِلَّهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ، ولِذَلِكَ أُعْقِبَ بِجُمْلَةِ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ .
صفحة ٢٢٤
وذَيَّلَ هَذا التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ كَما في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] الآيَةَ، فَإنَّ المَقْصُودَ في المَقامَيْنِ مُتَّحِدٌ، والِاخْتِلافُ في الأُسْلُوبِ إنَّما يُومِئُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَقْصُودِ أوَّلًا والمَقْصُودِ ثانِيًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ هُنالِكَ.
والعَبْدُ: الإنْسانُ الَّذِي يَمْلِكُهُ إنْسانٌ آخَرُ بِالأسْرِ أوْ بِالشِّراءِ أوْ بِالإرْثِ.
وقَدْ وُصِفَ (عَبْدًا) هُنا بِقَوْلِهِ (مَمْلُوكًا) تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، وإشْعارًا لِما في لَفْظِ (عَبْدٍ) مِن مَعْنى المَمْلُوكِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ في عَمَلِهِ تَصَرُّفَ الحُرِّيَّةِ.
وانْتَصَبَ (عَبْدًا) عَلى البَدَلِيَّةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (مَثَلًا) وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ حالُ عَبْدٍ؛ لِأنَّ المَثَلَ هو لِلْهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ صِفَةُ عَبْدًا، أيْ عاجِزًا عَنْ كُلِّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ النّاسُ، كَأنْ يَكُونُ أعْمى، وزَمِنًا، وأصَمَّ، بِحَيْثُ يَكُونُ أقَلَّ العَبِيدِ فائِدَةً.
فَهَذا مَثَلٌ لِأصْنامِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَدْعُون مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧] .
و(مِن) مَوْصُولَةُ ماصَدَقُها حُرٌّ بِقَرِينَةِ أنَّهُ وقَعَ في مُقابَلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ، وأنَّهُ وُصِفَ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ، فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا، أيْ كَيْفَ شاءَ، وهَذا مِن تَصَرُّفاتِ الأحْرارِ؛ لِأنَّ العَبِيدَ لا يَمْلِكُونَ رِزْقًا في عُرْفِ العَرَبِ، وأمّا حُكْمُ تَمَلُّكِ العَبْدِ مالًا في الإسْلامِ فَذَلِكَ يَرْجِعُ إلى أدِلَّةٍ أُخْرى مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِهِ.
والرِّزْقُ: هُنا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَرْزُوقِ بِهِ.
والحَسَنُ: الَّذِي لا يَشُوبُهُ قُبْحٌ في نَوْعِهِ مِثْلُ قِلَّةِ وِجْدانِ وقْتِ الحاجَةِ، أوْ إسْراعِ فَسادٍ إلَيْهِ كَسُوسِ البُرِّ، أوْ رَداءَةٍ كالحَشَفِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو المَعْنى
صفحة ٢٢٥
الحاصِلُ في حالِ المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الحَقارَةِ، وعَدَمِ أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ والعَجْزِ عَنْ كُلِّ عَمَلٍ، ومِن حالِ الحُرِّيَّةِ والغِنى والتَّصَرُّفِ كَيْفَ يَشاءُ.
وجُعِلَتْ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ﴾ مُفَرَّعَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها دُونَ أنْ تُجْعَلَ صِفَةً لِلرِّزْقِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَضْمُونَ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ كَمالٌ في مَوْصُوفِهِ، فَكَوْنُهُ صاحِبَ رِزْقٍ حَسَنٍ كَمالٌ، وكَوْنُهُ يَتَصَرَّفُ في رِزْقِهِ بِالإعْطاءِ كَمالٌ آخَرُ، وكِلاهُما بِضِدِّ نَقائِصِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الإنْفاقِ، ولا ما يُنْفِقُ مِنهُ.
وجَعَلَ المُسْنَدَ فِعْلًا لِلدَّلالَةِ عَلى التَّقَوِّي، أيْ يُنْفَقُ إنْفاقًا ثابِتًا، وجَعَلَ الفِعْلَ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ، أيْ يُنْفِقُ ويَزِيدُ.
وسِرًّا وجَهْرًا حالانِ مِن ضَمِيرِ يُنْفِقُ، وهُما مَصْدَرانِ مُؤَوَّلانِ بِالصِّفَةِ، أيْ مُسِرًّا وجاهِرًا بِإنْفاقِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِما تَعْمِيمُ الإنْفاقِ، كِنايَةً عَنِ اسْتِقْلالِ التَّصَرُّفِ، وعَدَمِ الوِقايَةِ مِن مانِعِ إيّاهُ عَنِ الإنْفاقِ.
وهَذا مَثَلٌ لِغِنى اللَّهِ تَعالى وجُودِهِ عَلى النّاسِ.
وجُمْلَةُ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ فَبَيَّنَ غَرَضَ التَّشْبِيهِ بِأنَّ المَثَلَ مُرادٌ مِنهُ عَدَمُ تَساوِي الحالَتَيْنِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ مُساواةِ أصْحابِ الحالَةِ الأُولى لِصاحِبِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِالحالَةِ الثّانِيَةِ، والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ.
وأمّا جُمْلَةُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ المُفِيدِ لِلنَّفْيِ وبَيْنَ الإضْرابِ بِـ (بَلْ) الِانْتِقالِيَّةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ تَبَيَّنَ مِنَ المَثَلِ اخْتِصاصُ اللَّهِ بِالإنْعامِ فَوَجَبَ أنْ يُخْتَصَّ بِالشُّكْرِ، وأنَّ أصْنامَهم لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُشْكَرَ.
ولَمّا كانَ الحَمْدُ مَظْهَرًا مِن مَظاهِرِ الشُّكْرِ في مَظْهَرِ النُّطْقِ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ الشُّكْرِ هُنا؛ إذْ كانَ الكَلامُ عَلى إخْلالِ المُشْرِكِينَ بِواجِبِ الشُّكْرِ إذْ
صفحة ٢٢٦
أثْنَوْا عَلى الأصْنامِ وتَرَكُوا الثَّناءَ عَلى اللَّهِ وفي الحَدِيثِ «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ» .
جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ البَلِيغَةِ الدَّلالَةِ المُفِيدَةِ انْحِصارَ الحَمْدِ في مُلْكِ اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ؛ لِأنَّ الحَمْدَ إنَّما يَكُونُ عَلى نِعْمَةٍ، وغَيْرُ اللَّهِ إذا أنْعَمَ فَإنَّما إنْعامُهُ مَظْهَرٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي جَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، وإمّا قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرُ إفْرادٍ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ؛ إذْ قَسَّمُوا حَمْدَهم بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ.
ومُناسَبَةُ هَذا الِاعْتِراضِ هُنا تَقَدُّمُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا﴾ [النحل: ٧٣] . فَلَمّا ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ المُبَيِّنَ لِخَطَئِهِمْ، وأعْقَبَ بِجُمْلَةِ ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ [التوبة: ١٩] ثُنِيَ عِنانُ الكَلامِ إلى الحَمْدِ لِلَّهِ، لا لِلْأصْنامِ.
وجُمْلَةُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إضْرابٌ لِلِانْتِقالِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ إلى تَجْهِيلِهِمْ في عَقِيدَتِهِمْ.
وأسْنَدَ نَفْيَ العِلْمِ إلى أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ الحَقَّ ويُكابِرُ؛ اسْتِبْقاءً لِلسِّيادَةِ، واسْتِجْلابًا لِطاعَةِ دَهْمائِهِمْ؛ فَهَذا ذَمٌّ لِأكْثَرِهِمْ بِالصَّراحَةِ، وهو ذَمٌّ لِأقَلِّهِمْ بِوَصْمَةِ المُكابَرَةِ والعِنادِ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ.
وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] .
وإنَّما جاءَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ لِمُراعاةِ أصْحابِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ؛ لِأنَّها أصْنامٌ كَثِيرَةٌ، كُلُّ واحِدٍ مِنها مُشَبَّهٌ بِعَبْدٍ مَمْلُوكٍ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَصِيغَةُ الجَمْعِ هُنا تَجْرِيدٌ لِلتَّمْثِيلِيَّةِ، أيْ هَلْ يَسْتَوِي
صفحة ٢٢٧
أُولَئِكَ مَعَ الإلَهِ الحَقِّ القادِرِ المُتَصَرِّفِ، وإنَّما أُجْرِيَ ضَمِيرُ جَمْعِهِمْ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ العالَمِ؛ تَغْلِيبًا لِجانِبِ أحَدِ التَّمْثِيلَيْنِ، وهو جانِبُ الإلَهِ القادِرِ.
النحل 16:76
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهْوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهْوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
هَذا تَمْثِيلٌ ثانٍ لِلْحالَتَيْنِ بِحالَتَيْنِ بِاخْتِلافِ وجْهِ الشَّبَهِ، فاعْتُبِرَ هُنا المَعْنى الحاصِلُ مِن حالِ الأبْكَمِ، وهو العَجْزُ عَنِ الإدْراكِ، وعَنِ العَمَلِ، وتَعَذُّرُ الفائِدَةِ مِنهُ في سائِرِ أحْوالِهِ. والمَعْنى الحاصِلُ مِن حالِ الرَّجُلِ الكامِلِ العَقْلِ والنُّطْقِ في إدْراكِهِ الخَيْرَ وهَدْيِهِ إلَيْهِ وإتْقانِ عَمَلِهِ وعَمَلِ مَن يَهْدِيهِ ضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِكَمالِهِ وإرْشادِهِ النّاسَ إلى الحَقِّ، ومَثَلًا لِلْأصْنامِ الجامِدَةَ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ.
وقَدْ قَرَنَ في التَّمْثِيلِ هُنا حالَ الرَّجُلَيْنِ ابْتِداءً، ثُمَّ فَصَّلَ في آخِرِ الكَلامِ مَعَ ذِكْرِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما بِأُسْلُوبٍ مِن نَظْمِ الكَلامِ بَدِيعِ الإيجازِ، إذْ حَذَفَ مَن صَدْرِ التَّمْثِيلِ ذِكْرَ الرَّجُلِ الثّانِي لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِ في اسْتِنْتاجِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ تَفَنُّنًا في المُخالَفَةِ بَيْنَ أُسْلُوبِ هَذا التَّمْثِيلِ، وأُسْلُوبِ سابِقِهِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]، ومِثْلُ هَذا التَّفَنُّنِ مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ كَراهِيَةً لِلتَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ تَكْرِيرَ الأُسْلُوبِ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ الألْفاظِ.
والأبْكَمُ: المَوْصُوفُ بِالبَكَمِ بِفَتْحِ الباءِ والكافِ، وهو الخَرَسُ في أصْلِ الخِلْقَةِ مِن وقْتِ الوِلادَةِ، بِحَيْثُ لا يَفْهَمُ، ولا يُفْهِمُ. وزِيدَ في وصْفِهِ أنَّهُ زَمِنٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٢٨
والكَلُّ: بِفَتْحِ الكافِ العالَةُ عَلى النّاسِ، وفي الحَدِيثِ «مَن تَرَكَ كَلًّا فَعَلَيْنا» . أيْ مَن تَرَكَ عِيالًا فَنَحْنُ نَكْفُلُهم، وأصْلُ الكَلِّ: الثِّقَلُ، ونَشَأتْ عَنْهُ مَعانٍ مَجازِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ فَساوَتِ الحَقِيقَةَ.
والمَوْلى: الَّذِي يَلِي أمْرَ غَيْرِهِ، والمَعْنى: هو عالَةٌ عَلى كافِلِهِ لا يُدَبِّرُ أمْرَ نَفْسِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] في سُورَةِ يُونُسَ.
ثُمَّ زادَ وصْفُهُ بِقِلَّةِ الجَدْوى بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ . أيْ مَوْلاهُ في عَمَلٍ لِيَعْمَلَهُ أوْ يَأْتِيَ بِهِ ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾، أيْ لا يَهْتَدِي إلى ما وُجِّهَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الخَيْرَ هو ما فِيهِ تَحْصِيلُ الغَرَضِ مِنَ الفِعْلِ ونَفْعِهِ.
ودَلَّتْ صِلَةُ ﴿يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ عَلى أنَّهُ حَكِيمٌ عالِمٌ بِالحَقائِقِ ناصِحٌ لِلنّاسِ يَأْمُرُهم بِالعَدْلِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ بِذَلِكَ إلّا وقَدْ عَلِمَهُ وتَبَصَّرَ فِيهِ.
والعَدْلُ: الحَقُّ والصَّوابُ المُوافِقُ لِلْواقِعِ.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: المَحَجَّةُ الَّتِي لا التِواءَ فِيها، وأُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ العَمَلَ يُشَبَّهُ بِالسِّيرَةِ والسُّلُوكِ، فَإذا كانَ صالِحًا كانَ كالسُّلُوكِ في طَرِيقٍ مُوصِلَةٍ لِلْمَقْصُودِ واضِحَةٍ فَهو لا يَسْتَوِي مَعَ مَن لا يَعْرِفُ هُدًى، ولا يَسْتَطِيعُ إرْشادًا، بَلْ هو مُحْتاجٌ إلى مَن يَكْفُلُهُ.
فالأوَّلُ مِثْلُ الأصْنامِ الجامِدَةِ الَّتِي لا تَفْقَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلى مَن يَحْرُسُها ويَنْفُضُ عَنْها الغُبارَ والوَسَخَ، والثّانِي مَثَلٌ لِكَمالِهِ تَعالى في ذاتِهِ وإفاضَتِهِ الخَيْرَ عَلى عِبادِهِ.
النحل 16:77
صفحة ٢٢٩
﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كانَ مِمّا حُكِيَ مِن مَقالاتِ كُفْرِهِمْ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ إفْناءَ هَذا العالَمِ العَظِيمِ، وإحْياءَ العِظامِ وهي رَمِيمٌ أمْرٌ مُسْتَحِيلٌ، وأبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلى الفَوْرِ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ.
ثُمَّ انْتَقَلَ الكَلامُ عَقِبَ ذَلِكَ إلى بَسْطِ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، وتَسَلْسَلَ البَيانُ، وتَفَنَّنَتِ الأغْراضُ بِالمُناسَباتِ، فَكانَ مِن ذَلِكَ تَهْدِيدُهم بِأنَّ اللَّهَ لَوْ يُؤاخِذُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلى الأرْضِ مِن دابَّةٍ، ولَكِنَّهُ يُمْهِلُهم ويُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ عَيَّنَهُ في عِلْمِهِ لِحِكْمَتِهِ وحَذَّرَهم مِن مُفاجَأتِهِ، فَثَنى عِنانَ الكَلامِ إلى الِاعْتِراضِ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ لا يُخْرِجُ مِن قُدْرَتِهِ أعْظَمَ فِعْلٍ مِمّا غابَ عَنْ إدْراكِهِمْ، وأنَّ أمْرَ السّاعَةِ الَّتِي أنْكَرُوا إمْكانَها، وغَرَّهم تَأْخِيرُ حُلُولِها هي مِمّا لا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ مَتى شاءَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يُغادِرْ شَيْئًا مِمّا حُكِيَ عَنْهم مِن كُفْرِهِمْ وجِدالِهِمْ إلّا وقَدْ بَيَّنَهُ لَهُمُ اسْتِقْصاءً لِلْأعْذارِ لَهم.
ومِن مُقْتَضَياتِ تَأْخِيرِ هَذا أنَّهُ يَشْتَمِلُ بِصَرِيحِهِ عَلى تَعْلِيمٍ، وبِإيمائِهِ إلى تَهْدِيدٍ وتَحْذِيرٍ.
فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لامُ المِلْكِ. والغَيْبُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيِ الأشْياءُ الغائِبَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وهو الغائِبُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ مِنَ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ والعَوالِمِ الَّتِي لا تَصِلُ إلى مُشاهَدَتِها حَواسُّ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ.
والإخْبارُ بِأنَّها مِلْكٌ لِلَّهِ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الكِنايَةِ أيْضًا أنَّهُ عالِمٌ بِها.
صفحة ٢٣٠
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ أفادَ الحَصْرَ، أيْ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، ولامُ المِلْكِ أفادَتِ الحَصْرَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيمُ مُفِيدًا تَأْكِيدَ الحَصْرِ أوْ هو لِلِاهْتِمامِ.
وأمْرُ السّاعَةِ: شَأْنُها العَظِيمُ، فالأمْرُ: الشَّأْنُ المُهِمُّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما جاءَ بِهِ في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا أمْرٌ، أيْ شَأْنٌ وخَطْبٌ.
والسّاعَةُ: عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى وقْتِ فَناءِ العالَمِ، وهي مِن جُمْلَةِ غَيْبِ الأرْضِ.
ولَمْحُ البَصَرِ: تَوَجُّهُهُ إلى المَرْئِيِّ؛ لِأنَّ اللَّمْحَ هو النَّظَرُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو كَوْنُهُ مَقْدُورًا بِدُونِ كُلْفَةٍ؛ لِأنَّ لَمْحَ البَصَرِ هو أمْكَنُ وأسْرَعُ حَرَكاتِ الجَوارِحِ، فَهو أيْسَرُ وأسْرَعُ مِن نَقْلِ الأرْجُلِ في المَشْيِ، ومِنَ الإشارَةِ بِاليَدِ.
وهَذا التَّشْبِيهُ أفْصَحُ مِنَ الَّذِي في قَوْلِ زُهَيْرٍ
فَهُنَّ ووادِيِ الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
ووَجْهُ الشَّبَهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحَقُّقُ الوُقُوعِ بِدُونِ مَشَقَّةٍ، ولا إنْظارٍ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى ووُقُوعِهِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ الكَلامُ إثْباتًا لِإمْكانِ الوُقُوعِ وتَحْذِيرًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِتَأْخِيرِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ السُّرْعَةَ، أيْ سُرْعَةُ الحُصُولِ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ أيْ يَحْصُلُ فَجْأةً بِدُونِ أماراتٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
والمَقْصُودُ: إنْذارُهم وتَحْذِيرُهم مِن أنْ تَبْغَتَهُمُ السّاعَةُ؛ لِيُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِن وقْتِ الإنْذارِ، ولا يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ البَصَرُ تَشْبِيهًا في سُرْعَةِ الحُصُولِ؛ إذِ احْتِمالٌ مُعَطَّلٌ؛ لِأنَّ الواقِعَ حارِسٌ مِنهُ.
و(أوْ) في ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، إضْرابًا عَنِ التَّشْبِيهِ الأوَّلِ بِأنَّ المُشَبَّهَ أقْوى في وجْهِ الشَّبَهِ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ، فالمُتَكَلِّمُ يُخَيِّلُ لِلسّامِعِ أنَّهُ يُرِيدُ تَقْرِيبَ المَعْنى إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّشْبِيهِ ثُمَّ يُعْرِضُ عَنِ التَّشْبِيهِ
صفحة ٢٣١
بِأنَّ المُشَبَّهَ أقْوى في وجْهِ الشَّبَهِ وأنَّهُ لا يَجِدُ لَهُ شَبِيهًا فَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ فَيَحْصُلُ التَّقْرِيبُ ابْتِداءً، ثُمَّ الإعْرابُ عَنِ الحَقِيقَةِ ثانِيًا.
ثُمَّ المُرادُ بِالقُرْبِ في قَوْلِهِ تَعالى أقْرَبُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ لَمْحِ البَصَرِ هو القُرْبُ المَكانِيُّ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ في المَقْدُورِيَّةِ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ القَرِيبِ التَّناوُلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في تَفْسِيرِهِ يَكُونُ القُرْبُ قُرْبَ الزَّمانِ، أيْ أقْرَبِ مِن لَمْحِ البَصَرِ حِصَّةً، أيْ أسْرَعِ حُصُولًا.
والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ صالِحٌ لِكِلا التَّفْسِيرَيْنِ.
النحل 16:78
﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عَوْدٌ إلى إكْثارِ الدَّلائِلِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ، وإلى تَعْدادِ النِّعَمِ عَلى البَشَرِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢] بَعْدَما فَصَلَ بَيْنَ تَعْدادِ النِّعَمِ بِما اقْتَضاهُ الحالُ مِنَ التَّذْكِيرِ والإنْذارِ.
وقَدِ اعْتَبَرَ في هَذِهِ النِّعَمِ ما فِيها مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِالنّاسِ؛ لِيَكُونَ مِن ذَلِكَ التَّخَلُّصُ إلى الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وبَيانُ أُصُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] إلى آخِرِهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ كَما أخْرَجَكم مِن عَدَمٍ، وجَعَلَ فِيكُمُ الإدْراكَ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الإدْراكُ مِنَ الحَياةِ، فَكَذَلِكَ يُنْشِئُكم يَوْمَ البَعْثِ بَعْدَ العَدَمِ.
وإذْ كانَ هَذا الصُّنْعُ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ، فَهو أيْضًا باعِثٌ عَلى شُكْرِ اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ، ونَبْذِ الإشْراكِ، فَإنَّ الإنْعامَ يَبْعَثُ العاقِلَ عَلى الشُّكْرِ.
صفحة ٢٣٢
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِاسْمِ الجَلالَةِ، وجَعْلُ الخَبَرِ عَنْهُ فِعْلًا تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥] والآياتِ بَعْدَهُ.
والإخْراجُ: الإبْرازُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.
والأُمَّهاتُ: جَمْعُ أُمٍّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] في سُورَةِ النِّساءِ.
والبَطْنُ: ما بَيْنَ ضُلُوعِ الصَّدْرِ إلى العانَةِ، وفِيهِ الأمْعاءُ والمَعِدَةُ والكَبِدُ والرَّحِمُ.
وجُمْلَةُ ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أخْرَجَكم، وذَلِكَ أنَّ الطِّفْلَ حِينَ يُولَدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَأْخُذُ حَواسُّهُ تَنْقُلُ الأشْياءَ تَدْرِيجًا، فَجَعَلَ اللَّهُ في الطِّفْلِ آلاتِ الإدْراكِ وأُصُولَ التَّفَكُّرِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ تَفْسِيرُهُ أنَّهُ أوْجَدَ فِيكم إدْراكَ السَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ، أيْ كَوْنُها في النّاسِ حَتّى بَلَغَتْ مَبْلَغَ كَمالِها الَّذِي يَنْتَهِي بِها إلى عِلْمِ أشْياءَ كَثِيرَةٍ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، أيْ فَعَلِمْتُمْ أشْياءَ.
ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأفْئِدَةُ: جَمَعَ الفُؤادِ، وأصْلُهُ القَلْبُ، ويُطْلَقُ كَثِيرًا عَلى العَقْلِ وهو المُرادُ هُنا، فالسَّمْعُ والبَصَرُ أعْظَمُ آلاتِ الإدْراكِ إذْ بِهِما إدْراكُ أهَمِّ الجُزْئِيّاتِ، وهُما أقْوى الوَسائِلِ لِإدْراكِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ.
فالمُرادُ بِالسَّمْعِ: الإحْساسُ الَّذِي بِهِ إدْراكُ الأصْواتِ الَّذِي آلَتُهُ الصِّماخُ، وبِالإبْصارِ: الإحْساسُ المُدْرِكُ لِلذَّواتِ الَّذِي آلَتُهُ الحَدَقَةُ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِما مِن بَيْنِ الحَواسِّ؛ لِأنَّهُما أهَمُّ؛ ولِأنَّ بِهِما إدْراكَ دَلائِلِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ.
صفحة ٢٣٣
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُما الأفْئِدَةَ، أيِ العَقْلَ مَقَرَّ الإدْراكِ كُلِّهِ، فَهو الَّذِي تَنْقُلُ إلَيْهِ الحَواسُّ مُدْرَكاتِها، وهي العِلْمُ بِالتَّصَوُّراتِ المُفْرَدَةِ.
ولِلْعَقْلِ إدْراكٌ آخَرُ، وهو إدْراكُ اقْتِرانِ أحَدِ المَعْلُومَيْنِ بِالآخَرِ، وهو التَّصْدِيقاتُ المُنْقَسِمَةُ إلى البَدِيهِيّاتِ: كَكَوْنِ نَفْيِ الشَّيْءِ وإثْباتِهِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ لا يَجْتَمِعانِ، وكَكَوْنِ الكُلِّ أعْظَمَ مِنَ الجُزْءِ.
وإلى النَّظَرِيّاتِ، وتُسَمّى الكَسْبِيّاتُ، وهي العِلْمُ بِانْتِسابِ أحَدِ المَعْلُومَيْنِ إلى الآخَرِ بَعْدَ حَرَكَةِ العَقْلِ في الجَمْعِ بَيْنَهُما أوِ التَّفْرِيقِ، مِثْلُ أنْ يَحْضُرَ في العَقْلِ: أنَّ الجِسْمَ ما هو، وأنَّ المُحْدَثَ بِفَتْحِ الدّالِّ ما هو، فَإنَّ مُجَرَّدَ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ لا يَكْفِي في جَزْمِ العَقْلِ بِأنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن عُلُومٍ أُخْرى سابِقَةٍ، وهي ما يَدُلُّ عَلى المُقارَنَةِ بَيْنَ ماهِيَّةِ الجِسْمِيَّةِ وصِفَةِ الحُدُوثِ.
فالعُلُومُ الكَسْبِيَّةُ لا يُمْكِنُ اكْتِسابُها إلّا بِواسِطَةِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وحُصُولُ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ حُدُوثِ تَصَوُّرِ مَوْضُوعاتِها، وتَصَوُّرِ مَحْمُولاتِها، وحُدُوثُ هَذِهِ التَّصَوُّراتِ إنَّما هو بِسَبَبِ إعانَةِ الحَواسِّ عَلى جُزْئِيّاتِها، فَكانَتِ الحَواسُّ الخَمْسُ هي السَّبَبَ الأصْلِيَّ لِحُدُوثِ هَذِهِ العُلُومِ، وكانَ السَّمْعُ والبَصَرُ أوَّلَ الحَواسِّ تَحْصِيلًا لِلتَّصَوُّراتِ وأهَمَّها.
وهَذِهِ العُلُومُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولُطْفٌ؛ لِأنَّ بِها إدْراكَ الإنْسانِ لِما يَنْفَعُهُ، وعَمَلَ عَقْلِهِ فِيما يَدُلُّهُ عَلى الحَقائِقِ؛ لِيَسْلَمَ مِنَ الخَطَأِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ والأرْزاءِ العَظِيمَةِ، فَهي نِعْمَةٌ كُبْرى، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى عَقِبَ ذِكْرِها ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، أيْ هي سَبَبٌ لِرَجاءِ شُكْرِهِمْ واهِبَها سُبْحانَهُ.
والكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ مَضى غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظِيرِهِ ومُماثِلِهِ.
النحل 16:79
صفحة ٢٣٤
﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ والتَّدْلِيلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وعَلى لُطْفِهِ بِالمَخْلُوقاتِ، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَوْهِبَةَ العَقْلِ والحَواسِّ الَّتِي بِها تَحْصِيلُ المَنافِعِ، ودَفْعُ الأضْرارِ نَبَّهَ النّاسَ إلى لُطْفٍ يُشاهِدُونَهُ أجْلى مُشاهَدَةً لِأضْعَفِ الحَيَوانِ، بِأنَّ تَسْخِيرَ الجَوِّ لِلطَّيْرِ وخَلْقِها صالِحَةً لِأنْ تُرَفْرِفَ فِيهِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ هو لُطْفٌ بِها اقْتَضاهُ ضَعْفُ بِنْياتِها؛ إذْ كانَتْ عادِمَةً وسائِلَ الدِّفاعِ عَنْ حَياتِها، فَجَعَلَ اللَّهُ لَها سُرْعَةَ الِانْتِقالِ مَعَ الِابْتِعادِ عَنْ تَناوُلِ ما يَعْدُو عَلَيْها مِنَ البَشَرِ والدَّوابِّ.
فَلِأجْلِ هَذا المَوْقِعِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّها لَيْسَ في مَضْمُونِها نِعْمَةٌ عَلى البَشَرِ، ولَكِنَّها آيَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ، بِخِلافِ نَظِيرَتِها في سُورَةِ المُلْكِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] فَإنَّها عُطِفَتْ عَلى آياتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] ثُمَّ قالَ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] ثُمَّ قالَ ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ثُمَّ قالَ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ [الملك: ١٩] الآيَةَ، ولِذَلِكَ المَعْنى عُقِّبَتْ هَذِهِ وحْدَها بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
والتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ لِلْعَمَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والجَوُّ: الفَضاءُ الَّذِي بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ؛ لِأنَّهُ يَبْدُو مُتَّصِلًا بِالقُبَّةِ الزَّرْقاءِ في ما يَخالُ النّاظِرُ.
والإمْساكُ: الشَّدُّ عَنِ التَّفَلُّتِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٣٥
والمُرادُ هُنا: ما يُمْسِكُهُنَّ عَنِ السُّقُوطِ إلى الأرْضِ مِن دُونِ إرادَتِها، وإمْساكُ اللَّهِ إيّاها خَلْقُهُ الأجْنِحَةَ لَها والأذْنابَ، وجَعْلُهُ الأجْنِحَةَ والأذْنابَ قابِلَةً لِلْبَسْطِ، وخَلْقُ عِظامِها أخَفَّ مِن عِظامِ الدَّوابِّ بِحَيْثُ إذا بَسَطَتْ أجْنِحَتَها وأذْنابَها ونَهَضَتْ بِأعْصابِها خَفَّتْ خِفَّةً شَدِيدَةً؛ فَسَبَحَتْ في الهَواءِ فَلا يَصْلُحُ ثِقَلُها لِأنْ يَخْرِقَ ما تَحْتَها مِنَ الهَواءِ، إلّا إذا قَبَضَتْ مِن أجْنِحَتِها وأذْنابِها وقَوَّسَتْ أعْصابَ أصْلابِها عِنْدَ إرادَتِها النُّزُولَ إلى الأرْضِ أوِ الِانْخِفاضَ في الهَواءِ، فَهي تَحُومُ في الهَواءِ كَيْفَ شاءَتْ ثُمَّ تَقَعُ مَتى شاءَتْ أوْ عَيِيَتْ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ خَلَقَها عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَما اسْتَمْسَكَتْ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ إمْساكًا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، وهو لُطْفٌ بِها.
والرُّؤْيَةُ: بَصَرِيَّةٌ، وفِعْلُها يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (إلى) لِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى (يَنْظُرُوا) .
و(مُسَخَّراتٍ) حالٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ بِياءِ الغائِبِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ عَنْ خِطابِ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النحل: ٧٨] .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (ألَمْ تَرَوْا) بِتاءِ الخِطابِ تَبَعًا لِلْخِطابِ المَذْكُورِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، مَعْناهُ: إنْكارُ انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمُ الطَّيْرَ مُسَخَّراتٍ في الجَوِّ بِتَنْزِيلِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها مَنزِلَةَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِانْعِدامِ فائِدَةِ الرُّؤْيَةِ مِن إدْراكِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَرْئِيُّ مِنِ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الإنْكارَ عَلى المُشْرِكِينَ عَدَمَ الِانْتِفاعِ بِما يَرَوْنَهُ مِنَ الدَّلائِلِ يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ: أكانَ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِدَلالَةِ رُؤْيَةِ الطَّيْرِ عامًّا في البَشَرِ، فَيُجابُ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَسْتَدِلُّونَ مِن ذَلِكَ بِدَلالاتٍ كَثِيرَةٍ.
صفحة ٢٣٦
والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) مُناسِبٌ لِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ عَلى الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا تِلْكَ الآياتِ، فَأكَّدَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى انْتِفاعِ المُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الدَّلالَةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ لَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الدَّلالَةِ، فَهم بِمَنزِلَةِ مَن يُنْكِرُ أنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَنْظُرُونَ بِمِرْآةِ أنْفُسِهِمْ.
وبَيْنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ عَدَمَ رُؤْيَتِهِمْ تَسْخِيرَ الطَّيْرِ، وبَيْنَ إثْباتِ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وبَيْنَ نَفْيِ عَدَمِ رُؤْيَةِ المُشْرِكِينَ، وتَأْكِيدِ إثْباتِ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لِذَلِكَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ أيْضًا، وبَيْنَ ضَمِيرِ يَرَوْا وقَوْلِهِ قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ التَّضادُّ أيْضًا، فَحَصَلَ الطِّباقُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا أبْلَغُ طِباقٍ جاءَ مَحْوِيًّا لِلْبَيانِ.
وجَمْعُ الآياتِ؛ لِأنَّ في الطَّيْرِ دَلائِلَ مُخْتَلِفَةً: مِن خِلْقَةِ الهَواءِ، وخِلْقَةِ أجْسادِ الطَّيْرِ مُناسِبَةً لِلطَّيَرانِ في الهَواءِ. وخَلْقِ الإلْهامَ لِلطَّيْرِ بِأنْ يَسْبَحَ في الجَوِّ، وبِأنْ لا يَسْقُطَ إلى الأرْضِ إلّا بِإرادَتِهِ، وخُصَّتِ الآياتُ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم بِخُلُقِ الإيمانِ قَدْ ألِفُوا إعْمالَ تَفْكِيرِهِمْ في الِاسْتِدْلالِ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ، بِخِلافِ أهْلِ الكُفْرِ فَإنَّ خُلُقَ الكُفْرِ مَطْبُوعٌ عَلى النُّفْرَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِالنّاصِحِينَ وعَلى مُكابَرَةِ الحَقِّ.
النحل 16:80
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بِيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بِيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعَنِكم ويَوْمَ إقامَتِكُمْوَمِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ هَذا مِن تَعْدادِ النِّعَمِ الَّتِي ألْهَمَ اللَّهُ إلَيْها الإنْسانَ، وهي نِعْمَةُ الفِكْرِ بِصُنْعِ المَنازِلِ الواقِيَةِ والمُرَفَّهَةِ، وما يُشْبِهُها مِنَ الثِّيابِ والأثاثِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] . وكُلُّها مِنَ الألْطافِ الَّتِي أعَدَّ اللَّهُ لَها عَقْلَ الإنْسانِ، وهَيَّأ لَهُ وسائِلَها.
صفحة ٢٣٧
وهَذِهِ نِعْمَةُ الإلْهامِ إلى اتِّخاذِ المَساكِنِ، وذَلِكَ أصْلُ حِفْظِ النَّوْعِ مِن غَوائِلِ حَوادِثِ الجَوِّ مِن شِدَّةِ بَرْدٍ أوْ حَرٍّ، ومِن غَوائِلِ السِّباعِ والهَوامِ، وهي أيْضًا أصْلُ الحَضارَةِ والتَّمَدُّنِ؛ لِأنَّ البُلْدانَ ومَنازِلَ القَبائِلِ تَتَقَوَّمُ مِنِ اجْتِماعِ البُيُوتِ، وأيْضًا تَتَقَوَّمُ مِن مُجْتَمَعِ الحُلَلِ والخِيامِ.
والقَوْلُ في نَظْمِ جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ [النحل: ٧٢] كالقَوْلِ في الَّتِي قَبْلَها.
وبُيُوتٌ: يَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ المُوَحَّدَةِ وكَسْرُها، وهو جَمْعُ بَيْتٍ، وضَمُّ المُوَحَّدَةِ هو القِياسُ؛ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ فُعُولٌ، وهو مُطَّرِدٌ في جَمْعِ فَعْلٍ بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وأمّا لُغَةُ كَسْرِ الباءِ فَلِمُناسَبَةِ وُقُوعِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ المَضْمُومَةِ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ مِن حَرَكَةِ الضَّمِّ إلى النُّطْقِ بِالياءِ ثَقِيلٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الكَسْرَ (أيْ لا يَعْرِفُونَهُ لُغَةً) وبَيَّنَ أبُو عَلِيٍّ جَوازَهُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وبِالكَسْرِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأها بِالضَّمِّ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.
والبَيْتُ: مَكانٌ يُجْعَلُ لَهُ بِناءٌ وفُسْطاطٌ يُحِيطُ بِهِ يُعَيِّنُ مَكانَهُ لِيَتَّخِذَهُ جاعِلُهُ مَقَرًّا يَأْوِي إلَيْهِ، ويَسْتَكِنُّ بِهِ مِنَ الحَرِّ والقَرِّ، وقَدْ يَكُونُ مُحِيطُهُ مِن حَجَرٍ وطِينٍ ويُسَمّى جِدارًا، أوْ مِن أخْشابٍ أوْ قَصَبٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وتُسَمّى أيْضًا الأخْصاصُ، ويُوضَعُ فَوْقَ مُحِيطِهِ غِطاءٌ ساتِرٌ مِن أعْلاهُ يُسَمّى السَّقْفُ، يُتَّخَذُ مِن أعْوادٍ ويُطَيَّنُ عَلَيْها، وهَذِهِ بُيُوتُ أهْلِ المُدُنِ والقُرى.
وقَدْ يَكُونُ المُحِيطُ بِالبَيْتِ مُتَّخَذًا مِن أدِيمٍ مَدْبُوغٍ ويُسَمّى القُبَّةَ، أوْ مِن أثْوابٍ تُنْسَجُ مِن وبَرٍ أوْ شَعْرٍ أوْ صُوفٍ، ويُسَمّى الخَيْمَةَ أوِ الخِباءَ، وكُلُّها يَكُونُ بِشَكْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الهَرَمِيِّ تَلْتَقِي شُقَّتاهُ أوْ شُقَقُهُ مِن أعْلاهُ مُعْتَمِدَةً عَلى عَمُودٍ، وتَنْحَدِرُ مِنهُ مُتَّسِعَةً عَلى شَكْلٍ مَخْرُوطٍ، وهَذِهِ بُيُوتُ الأعْرابِ في البَوادِي أهْلِ الإبِلِ والغَنَمِ يَتَّخِذُونَها؛ لِأنَّها أسْعَدُ لَهم في انْتِجاعِهِمْ، فَيَنْقُلُونَها مَعَهم إذا انْتَقَلُوا
صفحة ٢٣٨
يَتَتَبَّعُونَ مَواقِعَ الكَلَأِ لِأنْعامِهِمْ والكَمْأةِ لِعَيْشِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البَيْتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(جَعَلَ) هُنا بِمَعْنى أوْجَدَ، فَتَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
والسَّكَنُ: اسْمٌ بِمَعْنى المَسْكُونِ، والسُّكْنى: مَصْدَرُ سَكَنَ فُلانٌ البَيْتَ، إذا جَعَلَهُ مَقَرًّا لَهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ، أيِ القَرارِ.
وانْتَصَبَ قَوْلُهُ تَعالى سَكَنًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ (جَعَلَ) .
وقَوْلُهُ ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ بَيانٌ لِلسَّكَنِ، فَتَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةٌ، أوْ تُجْعَلُ ابْتِدائِيَّةً، ويَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ التَّجْرِيدِ بِتَنْزِيلِ البُيُوتِ مَنزِلَةَ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ السَّكَنِ، كَقَوْلِهِمْ: لَئِنْ لَقِيتَ فُلانًا لَتَلْقَيَنَّ مِنهُ بَحْرًا، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: واللَّهُ جَعَلَ لَكم بُيُوتَكم سَكَنًا.
وقِيلَ: إنَّ سَكَنًا مَصْدَرٌ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ الِامْتِنانُ بِالإلْهامِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السُّكُونُ، وتَكُونُ (مِن) ابْتِدائِيَّةً؛ لِأنَّ أوَّلَ السُّكُونِ يَقَعُ في البُيُوتِ.
وشَمِلَ البُيُوتُ هُنا جَمِيعَ أصْنافِها.
وخُصَّ بِالذِّكْرِ القِبابُ والخِيامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾؛ لِأنَّ القِبابَ مَن أدَمٍ، والخِيامَ مِن مَنسُوجِ الأوْبارِ والأصْوافِ والأشْعارِ، وهي ناشِئَةٌ مِنَ الجِلْدِ؛ لِأنَّ الجِلْدَ هو الإهابُ بِما عَلَيْهِ، فَإذا دُبِغَ وأُزِيلَ مِنهُ الشَّعْرُ فَهو الأدِيمُ.
وهَذا امْتِنانٌ خاصٌّ بِالبُيُوتِ القابِلَةِ لِلِانْتِقالِ والِارْتِحالِ. والبَشَرُ كُلُّهم لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا أهْلَ قُرًى أوْ قَبائِلَ رُحَّلًا.
والسِّينُ والتّاءُ في (تَسْتَخِفُّونَها) لِلْوِجْدانِ، أيْ تَجِدُونَها خَفِيفَةً، أيْ خَفِيفَةَ المَحْمَلِ حِينَ تَرْحَلُونَ، إذْ يَسْهُلُ نَقْضُها مِن مَواضِعِها وطَيُّها وحَمْلُها عَلى الرَّواحِلِ، وحِينَ تُنِيخُونَ إناخَةَ الإقامَةِ في المَوْضِعِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ فَيَسْهُلُ ضَرْبُها وتَوْثِيقُها في الأرْضِ.
صفحة ٢٣٩
و(الظَّعْنُ) بِفَتْحِ الظّاءِ والعَيْنِ وتَسْكِينِ العَيْنِ، وقَدْ قَرَأهُ بِالأوَّلِ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وبِالثّانِي الباقُونَ، وهو السَّفَرُ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الحِينِ والزَّمَنِ، أيْ وقْتَ سَفَرِكم.
والأثاثُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ اسْمُ جَمْعٍ لِلْأشْياءِ الَّتِي تُفْرَشُ في البُيُوتِ مِن وسائِدَ وبُسُطٍ وزَرابِيِّ، وكُلُّها تُنْسَجُ أوْ تُحْشى بِالأصْوافِ والأشْعارِ والأوْبارِ.
والمَتاعُ أعَمُّ مِنَ الأثاثِ، فَيَشْمَلُ الأعْدالَ والخَطْمَ والرَّحائِلَ واللُّبُودَ والعُقُلَ.
فالمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المُتَعِ، وهو الذَّهابُ بِالشَّيْءِ، ولِمُلاحَظَةِ اشْتِقاقِهِ تَعَلَّقَ بِهِ إلى حِينٍ، والمَقْصُودُ مِن هَذا المُتَعَلِّقِ الوَعْظُ بِأنَّها أوْ أنَّهم صائِرُونَ إلى زَوالٍ يَحُولُ دُونَ الِانْتِفاعِ بِها؛ لِيَكُونَ النّاسُ عَلى أُهْبَةٍ واسْتِعْدادٍ لِلْآخِرَةِ؛ فَيَتْبَعُوا ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، كَما قالَ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] .
النحل 16:81
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى أخَواتِها.
والقَوْلُ في نَظْمِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ.
وهَذا امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ الإلْهامِ إلى التَّوَقِّي مِن أضْرارِ الحَرِّ والقَرِّ في حالَةِ الِانْتِقالِ، أعْقَبَتْ بِهِ المِنَّةَ بِذَلِكَ في حالِ الإقامَةِ والسُّكْنى، وبِنِعْمَةِ خَلْقِ الأشْياءِ الَّتِي
صفحة ٢٤٠
يَكُونُ بِها ذَلِكَ التَّوَقِّي بِاسْتِعْمالِ المَوْجُودِ، وصُنْعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ اللِّباسِ، إذْ خَلَقَ اللَّهُ الظِّلالَ صالِحَةً لِلتَّوَقِّي مِن حَرِّ الشَّمْسِ. وخَلَقَ الكُهُوفَ في الجِبالِ؛ لِيُمْكِنَ اللَّجَأُ إلَيْها. وخَلَقَ مَوادَّ اللِّباسِ مَعَ الإلْهامِ إلى صِناعَةِ نَسْجِها، وخَلَقَ الحَدِيدَ؛ لِاتِّخاذِ الدُّرُوعِ لِلْقِتالِ.
و(مِن) في ﴿مِمّا خَلَقَ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ.
والظِّلالُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] آنِفًا؛ لِأنَّ الظِّلالَ آثارُ حَجْبِ الأجْسامِ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنَ الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ.
والأكْنانُ: جَمَعَ (كِنٍّ) بِكَسْرِ الكافِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَكْنُونٍ فِيهِ، وهي الغِيرانُ والكُهُوفُ.
و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِمّا خَلَقَ﴾، و﴿مِنَ الجِبالِ﴾، لِلتَّبْعِيضِ، كانُوا يَأْوُونَ إلى الكُهُوفِ في شِدَّةِ حَرِّ الهَجِيرِ أوْ عِنْدَ اشْتِدادِ المَطَرِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ سَألُوا اللَّهَ بِأفْضَلِ أعْمالِهِمْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ.
والسَّرابِيلُ: جَمْعُ سِرْبالٍ، وهو القَمِيصُ يَقِي الجَسَدَ حَرَّ الشَّمْسِ، كَما يَقِيهِ البَرْدَ.
وخَصَّ الحَرَّ هُنا؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ أحْوالِ بِلادِ المُخاطَبِينَ في وقْتِ نُزُولِها، عَلى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدِّفْءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] ذَكَرَ ضِدَّهُ هُنا.
والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي البَأْسَ: هي دُرُوعُ الحَدِيدِ، ولَها مِن أسْماءِ القَمِيصِ الدِّرْعُ، والسِّرْبالُ، والبَدَنُ.
والبَأْسُ: الشِّدَّةُ في الحَرْبِ، وإضافَتُهُ إلى الضَّمِيرِ عَلى مَعْنى التَّوْزِيعِ، أيْ تَقِي بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ، كَما فَسَّرَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، وقالَ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وهو بَأْسُ السُّيُوفِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِيُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] .
صفحة ٢٤١
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَذْيِيلٌ لِما ذُكِرَ مِنَ النِّعَمِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو ما في النِّعَمِ المَذْكُورَةِ مِنَ الإتْمامِ، أوْ إلى الإتْمامِ المَأْخُوذِ مِن (يُتِمَّ) .
و(لَعَلَّ) لِلرَّجاءِ، اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنى الرَّغْبَةِ، أيْ رَغْبَةٌ في أنْ تُسْلِمُوا، أيْ تَتَّبِعُوا دِينَ الإسْلامِ الَّذِي يَدْعُوكم إلى ما مَآلُهُ شُكْرُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى.
وتَقَدَّمَ تَأْوِيلُ مَعْنى الرَّجاءِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
النحل 16:82
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النحل: ٨١] وجُمْلَةُ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] .
وقَدْ حَوَّلَ الخِطابَ عَنْهم إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ وهو نَوْعٌ مِنَ الِالتِفاتِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، والتِفاتٌ عَمَّنْ كانَ الكَلامُ مُوَجَّهًا إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ الكَلامِ إلى شَخْصٍ آخَرَ.
والمَعْنى: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لِتُسْلِمُوا فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ.
والمَقْصُودُ: تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ عَلى عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ.
والتَّوَلِّي: الإعْراضُ، وفِعْلُ (تَوَلَّوْا) هُنا بِصِيغَةِ المُضِيِّ، أيْ فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ فَلا تَقْصِيرَ مِنكَ، ولا غَضاضَةَ عَلَيْكَ فَإنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ البَلاغَ المُبِينَ لِلْمَحَجَّةِ.
والقَصْرُ إضافِيٌّ؛ أيْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لا تَقْلِيبُ قُلُوبِهِمْ إلى الإسْلامِ، أوْ لا تَوَلِّي جَزاءَهم عَلى الإعْراضِ، بَلْ عَلَيْنا جَزاؤُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] .
وجَعَلَ هَذا جَوابًا لِجُمْلَةِ (فَإنْ تَوَلَّوْا) مِن إقامَةِ السَّبَبِ والعِلَّةِ مَقامَ المُسَبِّبِ والمَعْلُولِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَإنْ تَوَلَّوْا فَلا تَقْصِيرَ ولا مُؤاخَذَةَ عَلَيْكَ
صفحة ٢٤٢
لِأنَّكَ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، ونَظِيرُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] .
النحل 16:83
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ تَوَلِّيَهم عَنِ الإسْلامِ مَعَ وفْرَةِ أسْبابِ اتِّباعِهِ يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ: كَيْفَ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ دَلائِلُ الإسْلامِ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهم عَرَفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، ولَكِنَّهم أعْرَضُوا عَنْها إنْكارًا ومُكابَرَةً، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَها حالًا مِن ضَمِيرِ (تَوَلَّوْا)، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِجُمْلَةِ (تَوَلَّوْا) .
وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَقْتَضِي عَدَمَ عَطْفِها عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: هم يَعْلَمُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ المَعْدُودَةَ عَلَيْهِمْ فَإنَّهم مُنْتَفِعُونَ بِها، ومَعَ تَحَقُّقُهِمْ أنَّها نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يُنْكِرُونَها، أيْ يَنْكَرُونَ شُكْرَها، فَإنَّ النِّعْمَةَ تَقْتَضِي أنْ يَشْكُرَ المُنْعَمُ عَلَيْهِ بِها مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، فَلَمّا عَبَدُوا ما لا يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم أنْكَرُوها، فَقَدْ أُطْلِقَ فِعْلُ (يُنْكِرُونَ) بِمَعْنى إنْكارِ حَقِّ النِّعْمَةِ، فَإسْنادُ إنْكارِ النِّعْمَةِ إلَيْهِمْ مَجازٌ لُغَوِيٌّ، أوْ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أيْ يُنْكِرُونَ مُلابِسَها وهو الشُّكْرُ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ)، وكَأنَّهُ قِيلَ: ويُنْكِرُونَها؛ لِأنَّ (ثُمَّ) لَمّا كانَتْ لِلْعَطْفِ اقْتَضَتِ التَّشْرِيكَ في الحُكْمِ، ولَمّا كانَتْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ زالَ عَنْها مَعْنى المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ المَوْضُوعَةِ هي لَهُ؛ فَبَقِيَ لَها مَعْنى التَّشْرِيكِ، وصارَتِ المُهْلَةُ مُهْلَةً رُتَبِيَّةً؛ لِأنَّ إنْكارَ نِعْمَةِ اللَّهِ أمْرٌ غَرِيبٌ.
وإنْكارُ النِّعْمَةِ يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ أئِمَّتُهم ودَهْماؤُهم، فَفَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ - وهم أئِمَّةُ الكُفْرِ شَأْنُهُمُ التَّعَقُّلُ والتَّأمُّلُ فَإنَّهم عَرِفُوا النِّعْمَةَ بِإقْرارِهِمْ بِالمُنْعِمِ، وبِما سَمِعُوا مِن دَلائِلِ القُرْآنِ حَتّى تَرَدَّدُوا وشَكُّوا في
صفحة ٢٤٣
دِينِ الشِّرْكِ ثُمَّ رَكِبُوا رُءُوسَهم وصَمَّمُوا عَلى الشِّرْكِ، ولِهَذا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإنْكارِ المُقابِلِ لِلْإقْرارِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ فَظاهِرُ كَلِمَةِ (أكْثَرُ) وكَلِمَةِ (الكافِرُونَ) أنَّ الَّذِينَ وُصِفُوا بِأنَّهُمُ الكافِرُونَ هم غالِبُ المُشْرِكِينَ لا جَمِيعُهم، فَيُحْمَلُ المُرادُ بِالغالِبِ عَلى دَهْماءِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ مُعْظَمَهم بُسَطاءُ العُقُولِ بُعَداءُ عَنِ النَّظَرِ، فَهم لا يَشْعُرُونَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، فَإنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ تَقْتَضِي إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، فَكانَ إشْراكَهم راسِخًا، بِخِلافِ عُقَلائِهِمْ وأهْلِ النَّظَرِ، فَإنَّ لَهم تَرَدُّدًا في نُفُوسِهِمْ، ولَكِنْ يَحْمِلُهم عَلى الكُفْرِ حُبُّ السِّيادَةِ في قَوْمِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
النحل 16:84
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾
الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ يَوْمَ نَبْعَثُ إلَخْ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] بِتَقْدِيرِ: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فالتَّذْكِيرُ بِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ البَلاغِ المُبِينِ، والمَعْنى: فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ، وسَنُجازِي يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْها، ذَلِكَ أنَّ وصْفَ شَهِيدٍ يَقْتَضِي أنَّهُ شاهِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ وعَلى الكافِرِينَ، أيْ شَهِيدٌ؛ لِأنَّهُ بَلَّغَهم رِسالَةَ اللَّهِ.
وبَعْثُ شَهِيدٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ يُفِيدُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ شَهِيدٌ عَلى هَؤُلاءِ الكافِرِينَ كَما سَيَجِيءُ عَقِبَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩]، وبِذَلِكَ انْتَظَمَ أمْرُ العَطْفِ، والتَّخَلُّصِ إلى وصْفِ يَوْمِ الحِسابِ، وإلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ.
صفحة ٢٤٤
وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْعَثُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِعامِلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ المَذْكُورُ يُقَدَّرُ بِما يَسْمَحُ بِهِ المَعْنى، مِثْلُ: نُحاسِبُهم حِسابًا لا يُسْتَعْتَبُونَ مِنهُ، أوْ وقَعُوا فِيما وقَعُوا مِنَ الخَطْبِ العَظِيمِ.
والَّذِي دَعا إلى هَذا الحَذْفِ هو أنَّ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ عامِلًا في الظَّرْفِ وهو (لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا) قَدْ حُوِّلَ إلى جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ الظَّرْفِ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ، إذِ الأصْلُ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ﴾ . . . إلى آخِرِهِ، فَبَقِيَ الظَّرْفُ بِدُونِ مُتَعَلَّقٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسّامِعِ بُدٌّ مِن تَقْدِيرِهِ بِما تَذْهَبُ إلَيْهِ نَفْسُهُ، وذَلِكَ يُفِيدُ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ.
والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ.
والبَعْثُ: إحْضارُهُ في المَوْقِفِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إلْجامَهم عَنِ الكَلامِ مَعَ تَعَذُّرِ الِاسْتِعْتابِ أشَدُّ هَوْلًا مِنَ الإتْيانِ بِالشَّهِيدِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَتْ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الزَّمَنِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإذْنِ لَهم مُقارِنٌ لِبَعْثِ الشَّهِيدِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يُؤْذَنُ لَهم بِالمُجادَلَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقِ يُؤْذَنُ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الإذْنِ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ كَما كانَ الإذْنُ كِنايَةً عَنِ الإكْرامِ، كَما في حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «ما اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ مُنْذُ أسْلَمْتُ إلّا أذِنَ لِي»، وحِينَئِذٍ لا يُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلَّقٌ، أوْ لا يُؤْذَنُ لَهم في الخُرُوجِ مِن جَهَنَّمَ حِينَ يَسْألُونَهُ بِقَوْلِهِمُ ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] .
والِاسْتِعْتابُ: أصْلُهُ طَلَبُ العُتْبى، والعُتْبى: الرِّضى بَعْدَ الغَضَبِ، يُقالُ: اسْتَعْتَبَ فُلانٌ فُلانًا فَأعْتَبَهُ، إذا أرْضاهُ، قالَ تَعالى ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] .
صفحة ٢٤٥
وإذا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ فالأصْلُ أنْ يَكُونَ نائِبَ فاعِلِهِ هو المَطْلُوبُ مِنهُ الرِّضى، تَقُولُ: اسْتَعْتَبَ فُلانٌ فَلَمْ يَعْتِبْ. وأمّا ما وقَعَ في القُرْآنِ مِنهُ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ فَقَدْ وقَعَ نائِبُ فاعِلِهِ ضَمِيرَ المُسْتَعْتِبِينَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧]، وفي سُورَةِ الجاثِيَةِ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥]، فَفَسَّرَهُ الرّاغِبُ فَقالَ: الِاسْتِعْتابُ أنْ يُطْلَبَ مِنَ الإنْسانِ أنْ يَطْلُبَ العُتْبى اهـ.
وعَلَيْهِ فَقالَ: اسْتَعْتَبَ فَلَمْ يُسْتَعْتَبْ. ويُقالُ: عَلى الأصْلِ اسْتَعْتَبَ فُلانٌ فَلَمْ يُعْتَبْ، وهَذا اسْتِعْمالٌ نَشَأ عَنِ الحَذْفِ، وأصْلُهُ: اسْتَعْتَبَ لَهُ، أيْ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَسْتَعْتِبَ، فَكَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى قَلَّ اسْتِعْمالُ اسْتَعْتَبَ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ في غَيْرِ هَذا المَعْنى.
وعُطِفَ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإنْ كانَ أخَصَّ مِنهُ، فَهو عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ، لِلِاهْتِمامِ بِخُصُوصِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَأْيُوسٌ مِنَ الرِّضى عَنْهم عِنْدَ سائِرِ أهْلِ المَوْقِفِ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ أنْ لا طائِلَ في اسْتِعْتابِهِمْ، فَلِذَلِكَ لا يُشِيرُ أحَدٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَسْتَعْتِبُوا، فَإنْ جُعِلَتْ (لا يُؤْذَنُ) كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ فالمَعْنى: أنَّهم يُطْرَدُونَ ولا يَجِدُونَ مَن يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَسْتَعْتِبُوا.
النحل 16:85
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤]) . و(إذا) شَرْطِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ.
وجُمْلَةُ (فَلا يُخَفَّفُ) جَوابُ (إذا) وقُرِنَ بِالفاءِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ والجَوابِيَّةِ لِدَفْعِ احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ.
صفحة ٢٤٦
وصاحِبُ الكَشّافِ جَعَلَ (إذا) ظَرْفًا مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ يَقْتَضِي تَقْدِيرُهُ عَدَمَ وُجُودِ مُتَعَلَّقٍ لِلظَّرْفِ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلَّقٌ بِما يُناسِبُ، كَما قُدِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ﴾ [النحل: ٨٤]، والتَّقْدِيرُ: إذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ وبَغَتَهم، وعَلى هَذا فالفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾ فَصِيحَةٌ، ولَيْسَتْ رابِطَةً لِلْجَوابِ.
و(الَّذِينَ ظَلَمُوا) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فالتَّعْبِيرُ بِهِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِقَصْدِ إجْراءِ الصِّفاتِ المُتَلَبِّسِينَ بِها عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: فَلا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، ثُمَّ يُساقُونَ إلى العَذابِ فَإذا رَأوْهُ لا يُخَفَّفُ عَنْهم، أيْ يَسْألُونَ تَخْفِيفَهُ، أوْ تَأْخِيرَ الإقْحامِ فِيهِ فَلا يُسْتَجابُ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وأطْلَقَ العَذابَ عَلى آلاتِهِ ومَكانِهِ.
وجاءَ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَنِ الِاسْمِ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمِ، فَأُرِيدَ تَقَوِّي حُكْمَ النَّفْيِ، أيْ أنَّ عَدَمَ تَخْفِيفِ العَذابِ عَنْهم مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا طَماعِيَةَ في إخْلافِهِ، فَحَصَلَ تَأْكِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَما حَصَلَ تَأْكِيدُ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِالفاءِ، أيْ فَهم يُلْقَوْنَ بِسُرْعَةٍ في العَذابِ.
النحل 16:86
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
الَّذِينَ أشْرَكُوا هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ يَرَوْنَ العَذابَ، وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ لا يُؤْذَنُ لَهم، وإجْراءُ هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّلاثِ عَلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ إجْرامِهِمُ الرّاجِعَةِ إلى تَكْذِيبِ ما دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهو نُكْتَةُ
صفحة ٢٤٧
الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ هُنا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] .
فالإشْراكُ المَقْصُودُ هُنا هو إشْراكُهُمُ الأصْنامَ في صِفَةِ الإلَهِيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأصْنامَ، أيِ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ حَسَبَ اعْتِقادِهِمْ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ أُضِيفَ لَفْظُ (شُرَكاءَ) إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِ تَعالى (شُرَكاءَهم)، كَقَوْلِ خالِدِ بْنِ الصَّقْعَبِ النَّهْدِيِّ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ وقَدْ تَحَدَّثَ عَمْرٌو في مَجْلِسِ قَوْمٍ بِأنَّهُ أغارَ عَلى بَنِي نَهْدٍ، وقَتَلَ خالِدًا، وكانَ خالِدٌ حاضِرًا في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَناداهُ: مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكُ يَسْمَعُ، أيْ قَتِيلُكُ المَزْعُومُ. فالإضافَةُ لِلتَّهَكُّمِ. والمَعْنى: إذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا الشُّرَكاءَ عِنْدَهم، أيْ في ظَنِّهِمْ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ لَفْظَ (شُرَكاءَ) لَقَبًا زالَ مِنهُ مَعْنى الوَصْفِ بِالشَّرِكَةِ، وصارَ لَقَبًا لِلْأصْنامِ، فَتَكُونُ الإضافَةُ عَلى أصْلِها.
والمَعْنى: أنَّهم يَرَوْنَ الأصْنامَ حِينَ تُقْذَفُ مَعَهم في النّارِ، قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا﴾ إمّا مِن قَبِيلِ الِاعْتِرافِ عَنْ غَيْرِ إرادَةٍ؛ فَضْحًا لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ ألْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، وإمّا مِن قَبِيلِ التَّنَصُّلِ وإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى المَعْبُوداتِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ هَؤُلاءِ أغْرَوْنا بِعِبادَتِهِمْ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٦٧] .
والفاءُ في فَألْقَوْا لِلتَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ بِتَكْذِيبِ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم، أنْطَقَ اللَّهُ تِلْكَ الأصْنامَ فَكَذَّبَتْ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم مِن كَوْنِ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوْ مِن كَوْنِ عِبادَتِهِمْ بِإغْراءٍ مِنها تَفْضِيحًا لَهم وحَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
والجَمْعُ في اسْمِ الإشارَةِ واسْمِ المَوْصُولِ جَمْعُ العُقَلاءِ؛ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ.
صفحة ٢٤٨
ولَمّا كانَ نُطْقُ الأصْنامِ غَيْرَ جارٍ عَلى المُتَعارَفِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالإلْقاءِ المُؤْذِنِ بِكَوْنِ القَوْلِ أجْراهُ اللَّهُ عَلى أفْواهِ الأصْنامِ مِن دُونِ أنْ يَكُونُوا ناطِقِينَ، فَكَأنَّهُ سَقَطَ مِنها.
وإسْنادُ الإلْقاءِ إلى ضَمِيرِ الشُّرَكاءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّها مَظْهَرُهُ.
وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ جَمْعِ العُقَلاءِ في فِعْلِ ألْقَوْا مُشاكَلَةً لِاسْمِ الإشارَةِ، واسْمِ المَوْصُولِ لِلْعُقَلاءِ.
ووَصْفُهم بِالكَذِبِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم أنَّ أُولَئِكَ آلِهَةٌ يُدْعَوْنَ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ في الحَدِيثِ: فَيُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقالُ لَهم: كَذَبْتُمْ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ. وأمّا صَرِيحُ كَلامِهِمْ وهو قَوْلُهم ﴿هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ﴾ فَهم صادِقُونَ فِيهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ القَوْلِ، وأُعِيدَ فِعْلُ ألْقَوْا في قَوْلِهِ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾؛ لِاخْتِلافِ فاعِلِ الإلْقاءِ، فَضَمِيرُ القَوْلِ الثّانِي عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَ (ألْقَوُا) الثّانِيَ مُماثِلًا لِفِعْلِ ألْقَوُا السّابِقِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الإلْقاءَ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ المُحارِبِ إذا غُلِبَ إذْ يُلْقِي سِلاحَهُ بَيْنَ يَدَيْ غالِبِهِ، فَفي قَوْلِهِ ألْقَوْا مَكْنِيَّةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَعَ ما في لَفْظِ ألْقَوْا مِنَ المُشاكَلَةِ، والسَّلْمُ بِفَتْحِ اللّامِ: الِاسْتِسْلامُ، أيِ الطّاعَةُ وتَرْكُ العِنادِ.
﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ غابَ عَنْهم وزايَلَهم ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ لِلْأصْنامِ مِن أنَّها تَسْمَعُ لَهم ونَحْوِ ذَلِكَ.
النحل 16:87
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
الَّذِينَ أشْرَكُوا هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ يَرَوْنَ العَذابَ، وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ لا يُؤْذَنُ لَهم، وإجْراءُ هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّلاثِ عَلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ إجْرامِهِمُ الرّاجِعَةِ إلى تَكْذِيبِ ما دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهو نُكْتَةُ
صفحة ٢٤٧
الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ هُنا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] .
فالإشْراكُ المَقْصُودُ هُنا هو إشْراكُهُمُ الأصْنامَ في صِفَةِ الإلَهِيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأصْنامَ، أيِ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ حَسَبَ اعْتِقادِهِمْ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ أُضِيفَ لَفْظُ (شُرَكاءَ) إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِ تَعالى (شُرَكاءَهم)، كَقَوْلِ خالِدِ بْنِ الصَّقْعَبِ النَّهْدِيِّ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ وقَدْ تَحَدَّثَ عَمْرٌو في مَجْلِسِ قَوْمٍ بِأنَّهُ أغارَ عَلى بَنِي نَهْدٍ، وقَتَلَ خالِدًا، وكانَ خالِدٌ حاضِرًا في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَناداهُ: مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكُ يَسْمَعُ، أيْ قَتِيلُكُ المَزْعُومُ. فالإضافَةُ لِلتَّهَكُّمِ. والمَعْنى: إذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا الشُّرَكاءَ عِنْدَهم، أيْ في ظَنِّهِمْ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ لَفْظَ (شُرَكاءَ) لَقَبًا زالَ مِنهُ مَعْنى الوَصْفِ بِالشَّرِكَةِ، وصارَ لَقَبًا لِلْأصْنامِ، فَتَكُونُ الإضافَةُ عَلى أصْلِها.
والمَعْنى: أنَّهم يَرَوْنَ الأصْنامَ حِينَ تُقْذَفُ مَعَهم في النّارِ، قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا﴾ إمّا مِن قَبِيلِ الِاعْتِرافِ عَنْ غَيْرِ إرادَةٍ؛ فَضْحًا لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ ألْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، وإمّا مِن قَبِيلِ التَّنَصُّلِ وإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى المَعْبُوداتِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ هَؤُلاءِ أغْرَوْنا بِعِبادَتِهِمْ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٦٧] .
والفاءُ في فَألْقَوْا لِلتَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ بِتَكْذِيبِ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم، أنْطَقَ اللَّهُ تِلْكَ الأصْنامَ فَكَذَّبَتْ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم مِن كَوْنِ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوْ مِن كَوْنِ عِبادَتِهِمْ بِإغْراءٍ مِنها تَفْضِيحًا لَهم وحَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
والجَمْعُ في اسْمِ الإشارَةِ واسْمِ المَوْصُولِ جَمْعُ العُقَلاءِ؛ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ.
صفحة ٢٤٨
ولَمّا كانَ نُطْقُ الأصْنامِ غَيْرَ جارٍ عَلى المُتَعارَفِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالإلْقاءِ المُؤْذِنِ بِكَوْنِ القَوْلِ أجْراهُ اللَّهُ عَلى أفْواهِ الأصْنامِ مِن دُونِ أنْ يَكُونُوا ناطِقِينَ، فَكَأنَّهُ سَقَطَ مِنها.
وإسْنادُ الإلْقاءِ إلى ضَمِيرِ الشُّرَكاءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّها مَظْهَرُهُ.
وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ جَمْعِ العُقَلاءِ في فِعْلِ ألْقَوْا مُشاكَلَةً لِاسْمِ الإشارَةِ، واسْمِ المَوْصُولِ لِلْعُقَلاءِ.
ووَصْفُهم بِالكَذِبِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم أنَّ أُولَئِكَ آلِهَةٌ يُدْعَوْنَ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ في الحَدِيثِ: فَيُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقالُ لَهم: كَذَبْتُمْ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ. وأمّا صَرِيحُ كَلامِهِمْ وهو قَوْلُهم ﴿هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ﴾ فَهم صادِقُونَ فِيهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ القَوْلِ، وأُعِيدَ فِعْلُ ألْقَوْا في قَوْلِهِ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾؛ لِاخْتِلافِ فاعِلِ الإلْقاءِ، فَضَمِيرُ القَوْلِ الثّانِي عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَ (ألْقَوُا) الثّانِيَ مُماثِلًا لِفِعْلِ ألْقَوُا السّابِقِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الإلْقاءَ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ المُحارِبِ إذا غُلِبَ إذْ يُلْقِي سِلاحَهُ بَيْنَ يَدَيْ غالِبِهِ، فَفي قَوْلِهِ ألْقَوْا مَكْنِيَّةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَعَ ما في لَفْظِ ألْقَوْا مِنَ المُشاكَلَةِ، والسَّلْمُ بِفَتْحِ اللّامِ: الِاسْتِسْلامُ، أيِ الطّاعَةُ وتَرْكُ العِنادِ.
﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ غابَ عَنْهم وزايَلَهم ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ لِلْأصْنامِ مِن أنَّها تَسْمَعُ لَهم ونَحْوِ ذَلِكَ.
النحل 16:88
صفحة ٢٤٩
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ العَذابَ الَّذِينَ هم لاقُوهُ عَلى كُفْرِهِمُ اسْتَأْنَفَ هُنا بِذِكْرِ زِيادَةِ العَذابِ لَهم عَلى الزِّيادَةِ في كُفْرِهِمْ بِأنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، وهو المُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيِ السَّبِيلِ المُوَصِّلَةِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى الكَوْنِ في أوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ، والمَقْصُودُ: تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ إلى كَيْدِهِمْ وإفْسادِهِمْ، والتَّعْرِيضُ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ في شِراكِهِمْ.
وزِيادَةُ العَذابِ: مُضاعَفَتُهُ.
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوْقَ العَذابِ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المَعْهُودِ حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥]؛ لِأنَّ عَذابَ كُفْرِهِمْ لَمّا كانَ مَعْلُومًا بِكَثْرَةِ الحَدِيثِ عَنْهُ صارَ كالمَعْهُودِ، وأمّا عَذابُ صَدِّهِمُ النّاسَ فَلا يَخْطُرُ بِالبالِ؛ فَكانَ مَجْهُولًا فَناسَبَهُ التَّنْكِيرُ.
والباءُ في ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُرادُ: إفْسادُهُمُ الرّاغِبِينَ في الإسْلامِ بِتَسْوِيلِ البَقاءِ عَلى الكُفْرِ، كَما فَعَلُوا مَعَ الأعْشى حِينَ جاءَ مَكَّةَ راغِبًا في الإسْلامِ مادِحًا الرَّسُولَ ﷺ بِقَصِيدَةِ:
هَلِ اغْتَمَضَتْ عَيْناكِ لَيْلَةَ أرْمَدا
وقِصَّتُهُ في كُتُبِ السِّيرَةِ والأدَبِ، وكَما فَعَلُوا مَعَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الدَّوْسِيِّ فَإنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ فَمَشى إلَيْهِ رِجالٌ مِن قُرَيْشٍ فَقالُوا: يا طُفَيْلُ إنَّكَ قَدِمْتَ بِلادَنا، وهَذا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِنا قَدْ أعْضَلَ بِنا، وقَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا، وشَتَّتَ أمْرَنا، وإنَّما قَوْلُهُ كالسِّحْرِ، وإنّا نَخْشى عَلَيْكَ، وعَلى قَوْمِكَ ما قَدْ دَخَلَ عَلَيْنا فَلا تُكَلِّمَنَّهُ ولا تَسْمَعْنَ مِنهُ، وقَدْ ذُكِرَ في قِصَّةِ إسْلامِ أبِي ذَرٍّ كَيْفَ تَعَرَّضُوا لَهُ بِالأذى في المَسْجِدِ الحَرامِ حِينَ عَلِمُوا إسْلامَهُ.
النحل 16:89
صفحة ٢٥٠
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ تَكْرِيرٌ لِجُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤] لِيُبْنى عَلَيْهِ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ .
ولَمّا كانَ تَكْرِيرًا أُعِيدَ نَظِيرُ الجُمْلَةِ عَلى صُورَةِ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ مُقْتَرِنَةً بِالواوِ؛ ولِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ زِيادَةَ وصْفِ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَحَصَلَتْ مُغايِرَةٌ مَعَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والمُغايَرَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلْعَطْفِ أيْضًا.
ومِن دَواعِي تَكْرِيرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أنَّهُ لِبُعْدِ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ بِما اعْتَرَضَ بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، فَهو كالإعادَةِ في قَوْلِ لَبِيَدٍ:
فَتَنازَعا سَبْطًا يَطِيرُ ظِلالُهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها
مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا
مَعَ أنَّ الإعادَةَ هُنا أجْدَرُ؛ لِأنَّ الفَصْلَ أطْوَلُ.
وقَدْ حَصَلَ مِن هَذِهِ الإعادَةِ تَأْكِيدُ التَّهْدِيدِ والتَّسْجِيلِ.
وعُدِّيَ فِعْلُ نَبْعَثُ هُنا بِحَرْفِ (في)، وعُدِّيَ نَظِيرُهُ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِحَرْفِ (مِن) لِيَحْصُلَ التَّفَنُّنُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ السّامِعِينَ.
وزِيدَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ الشَّهِيدَ يَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ؛ زِيادَةً في التَّذْكِيرِ بِأنَّ شَهادَةَ الرُّسُلِ عَلى الأُمَمِ شَهادَةٌ لا مَطْعَنَ لَهم فِيها؛ لِأنَّها شُهُودٌ مِن قَوْمِهِمْ، لا يَجِدُ المَشْهُودُ عَلَيْهِمْ فِيها مَساغًا لِلطَّعْنِ.
صفحة ٢٥١
ولَمْ تَخْلُ أيْضًا بَعْدَ التَّعْرِيضِ بِالتَّحْذِيرِ مَن صَدِّ الكافِرِينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن حُسْنِ مَوْقِعِ تَذْكِيرِ المُسْلِمِينَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ شَهِيدًا يَشْهَدُ لَهم بِما يَنْفَعُهم وبِما يَضُرُّ أعْداءَهم.
والقَوْلُ في بَقِيَّةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِثْلُ ما سَبَقَ في نَظِيرَتِها.
ولَمّا بُعِثَ الشُّهَداءُ لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ مُرادًا بِهِ بَعْثُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمُضارِعِ.
وجُمْلَةُ ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ﴾ كُلِّها، فالمَعْنى: وجِئْنا بِكَ لَمّا أرْسَلْناكَ إلى أُمَّتِكَ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، أيْ مُقَدَّرًا أنْ تَكُونَ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا كانَ حَيًّا في آنِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كانَ شَهِيدًا في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، فاخْتِيرَ لَفْظُ الماضِي في جِئْنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مَجِيءٌ حَصَلَ مِن يَوْمِ بِعْثَتِهِ.
ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ بِطَرِيقِ المُساواةِ لِبَقِيَّةِ إخْوانِهِ الشُّهَداءِ عَلى الأُمَمِ؛ إذِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ تَهْدِيدُ قَوْمِهِ وتَحْذِيرُهم، وهَذا الوَجْهُ شَدِيدُ المُناسَبَةِ بِأنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ.
وقَدْ عَلِمْتَ مِن هَذا أنَّ جُمْلَةَ ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا﴾ لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى (نَبْعَثُ) بِحَيْثُ تَدْخُلُ في حَيِّزِ الظَّرْفِ، وهو يَوْمَ، بَلْ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ جُمْلَةِ يَوْمَ نَبْعَثُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ: وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا مِن وقْتِ إرْسالِكَ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ تُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] فَتَدْخُلُ في حَيِّزِ الظَّرْفِ، ويَكُونُ الماضِي مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ مَجازًا؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، فَشابَهَ بِهِ ما حَصَلَ ومَضى، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ شَهِيدًا، ويَتَحَصَّلُ مِن
صفحة ٢٥٢
تَغْيِيرِ صِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ إلى الماضِي تَهْيِئَةَ عَطْفِ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ .
ولَمْ يُوصَفِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُ مِن أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ، وشَهِيدٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وأمّا وصْفُهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] في سُورَةِ التَّوْبَةِ فَذَلِكَ وصْفٌ كاشِفٌ اقْتَضاهُ مَقامُ التَّذْكِيرِ لِلْمُخاطِبِينَ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ضَمُّوا إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ كُفْرانَ نِعْمَةِ بَعْثِ رَسُولٍ إلَيْهِمْ مَن قَوْمِهِمْ.
ولَيْسَ في قَوْلِهِ عَلى هَؤُلاءِ ما يَقْتَضِي تَخْصِيصَ شَهادَتِهِ بِكَوْنِها شَهادَةً عَلى المُتَحَدِّثِ عَنْهم مِن أهْلِ الشِّرْكِ، ولَكِنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الكَلامَ جارٍ في تَهْدِيدِهِمْ وتَحْذِيرِهِمْ.
و(هَؤُلاءِ) إشارَةٌ إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ أكْثَرَ الحَدِيثَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ مَواقِعَ أمْثالِ اسْمِ الإشارَةِ هَذا في القُرْآنِ، فَرَأيْتُهُ يُعْنى بِهِ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
* * *
﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا﴾ أيْ أرْسَلْناكَ شَهِيدًا عَلى المُشْرِكِينَ، وأنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ المُسْلِمُونَ، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهِيدٌ عَلى المُكَذِّبِينَ، ومُرْشِدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وهَذا تَخَلُّصٌ لِلشُّرُوعِ في تَعْدادِ النِّعَمِ عَلى المُؤْمِنِينَ مِن نِعَمِ الإرْشادِ، ونِعَمِ الجَزاءِ عَلى الأمْثالِ، وبَيانُ بَرَكاتِ هَذا الكِتابِ المُنَزَّلِ لَهم.
صفحة ٢٥٣
وتَعْرِيفُ الكِتابِ لِلْعَهْدِ، وهو القُرْآنُ.
و(تِبْيانًا) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ. والتِّبْيانُ مَصْدَرٌ دالٌّ عَلى المُبالَغَةِ في المَصْدَرِيَّةِ، ثُمَّ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ فَحَصَلَتْ مُبالَغَتانِ، وهو بِكَسْرِ التّاءِ، ولا يُوجَدُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ (تِفْعالٌ) بِكَسْرِ التّاءِ إلّا (تِبْيانٌ) بِمَعْنى البَيانِ كَما هُنا، و(تِلْقاءُ) بِمَعْنى اللِّقاءِ لا بِمَعْنى المَكانِ، وما سِوى ذَلِكَ مِنَ المَصادِرِ الوارِدَةِ عَلى هَذِهِ الزِّنَةِ بِفَتْحِ التّاءِ.
وأمّا أسْماءُ الذَّواتِ والصِّفاتِ الوارِدَةِ عَلى هَذِهِ الزِّنَةِ فَهي بِكَسْرِ التّاءِ وهي قَلِيلَةٌ، عُدَّ مِنها: تِمْثالٌ، وتِنْبالٌ، لِلْقَصِيرِ. وأنْهاها ابْنُ مالِكٍ في نَظْمِ الفَوائِدِ إلى أرْبَعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً.
وكُلُّ شَيْءٍ يُفِيدُ العُمُومَ، إلّا أنَّهُ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ في دائِرَةِ ما لِمِثْلِهِ تَجِيءُ الأدْيانُ والشَّرائِعُ: مِن إصْلاحِ النُّفُوسِ، وإكْمالِ الأخْلاقِ، وتَقْوِيمِ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ، وتَبَيُّنِ الحُقُوقِ، وما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، وما يَأْتِي مِن خِلالِ ذَلِكَ مِنَ الحَقائِقِ العِلْمِيَّةِ والدَّقائِقِ الكَوْنِيَّةِ، ووَصْفِ أحْوالِ الأُمَمِ، وأسْبابِ فَلاحِها وخَسارِها، والمَوْعِظَةِ بِآثارِها بِشَواهِدِ التّارِيخِ، وما يَتَخَلَّلُ ذَلِكَ مِن قَوانِينِهِمْ وحَضاراتِهِمْ وصَنائِعِهِمْ.
وفِي خِلالِ ذَلِكَ كُلِّهِ أسْرارٌ، ونُكَتٌ مِن أُصُولِ العُلُومِ والمَعارِفِ صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ بَيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ عَلى وجْهِ العُمُومِ الحَقِيقِيِّ، إنْ سَلَكَ في بَيانِها طَرِيقَ التَّفْصِيلِ، واسْتُنِيرَ فِيها بِما شَرَحَ الرَّسُولُ ﷺ، وما قَفاهُ بِهِ أصْحابُهُ وعُلَماءُ أُمَّتِهِ، ثُمَّ ما يَعُودُ إلى التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ مِن وصْفِ ما أعَدَّ لِلطّائِعِينَ، وما أعَدَّ لِلْمُعْرِضِينَ، ووَصْفِ عالَمِ الغَيْبِ والحَياةِ الآخِرَةِ، فَفي كُلِّ ذَلِكَ بَيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ يُقْصَدُ بَيانُهُ لِلتَّبَصُّرِ في هَذا الغَرَضِ الجَلِيلِ، فَيُأوَّلُ ذَلِكَ العُمُومُ العُرْفِيُّ بِصَرِيحِهِ إلى عُمُومٍ حَقِيقِيٍّ بِضِمْنِهِ ولَوازِمِهِ، وهَذا مِن أبْدَعَ الإعْجازِ.
صفحة ٢٥٤
وخُصَّ بِالذِّكْرِ الهُدى والرَّحْمَةُ والبُشْرى لِأهَمِّيَّتِها، فالهُدى ما يَرْجِعُ مِنَ التِّبْيانِ إلى تَقْوِيمِ العَقائِدِ والأفْهامِ، والإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ، والرَّحْمَةُ ما يَرْجِعُ مِنهُ إلى سَعادَةِ الحَياتَيْنِ الدُّنْيا والأُخْرى، والبُشْرى ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ بِالحُسْنَيَيْنِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.
وكُلُّ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ غَيْرَهم لَمّا أعْرَضُوا عَنْهُ حَرَمُوا أنْفُسَهُمُ الِانْتِفاعَ بِخَواصِّهِ كُلِّها.
فاللّامُ في لِكُلِّ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٌ بِالتِّبْيانِ، وهي لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ في مَعْنى المَفْعُولِ بِهِ لِـ تِبْيانًا، واللّامُ في لِلْمُسْلِمِينَ لامُ العِلَّةِ بِتَنازُعِ تَعَلُّقِها (تِبْيانًا وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى) وهَذا هو الوَجْهُ.
النحل 16:90
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ لَمّا جاءَ أنَّ هَذا القُرْآنَ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وهُدًى ورَحْمَةٌ وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ، حَسُنَ التَّخَلُّصُ إلى تِبْيانِ أصُولِ الهُدى في التَّشْرِيعِ لِلدِّينِ الإسْلامِيِّ العائِدَةِ إلى الأمْرِ والنَّهْيِ، إذِ الشَّرِيعَةُ كُلُّها أمْرٌ ونَهْيٌ، والتَّقْوى مُنْحَصِرَةٌ في الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِ الكِتابِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَهي جامِعَةٌ أُصُولَ التَّشْرِيعِ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ ما حَوَتْهُ، وتَصْدِيرُها بِاسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّشْرِيفِ، وذَكَرَ (يَأْمُرُ) و(يَنْهى) دُونَ أنْ يُقالَ: اعْدِلُوا واجْتَنِبُوا الفَحْشاءَ، لِلتَّشْوِيقِ. ونَظِيرُهُ ما في الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَرْضى لَكم ثَلاثًا ويَكْرَهُ لَكم ثَلاثًا» الحَدِيثَ.
والعَدْلُ: إعْطاءُ الحَقِّ إلى صاحِبِهِ، وهو الأصْلُ الجامِعُ لِلْحُقُوقِ الرّاجِعَةِ إلى الضَّرُورِيِّ والحاجِيِّ مِنَ الحُقُوقِ الذّاتِيَّةِ وحُقُوقِ المُعامَلاتِ، إذِ المُسْلِمُ مَأْمُورٌ
صفحة ٢٥٥
بِالعَدْلِ في ذاتِهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ومَأْمُورٌ بِالعَدْلِ في المُعامَلَةِ وهي مُعامَلَةٌ مَعَ خالِقِهِ: بِالِاعْتِرافِ لَهُ بِصِفاتِهِ وبِأداءِ حُقُوقِهِ، ومُعامَلَةٌ مَعَ المَخْلُوقاتِ: مَن أصُولُ المُعاشَرَةِ العائِلِيَّةِ والمُخالَطَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ، وذَلِكَ في الأقْوالِ والأفْعالِ، قالَ تَعالى ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقالَ تَعالى ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.
ومِن هَذا تَفَرَّعَتْ شُعَبُ نِظامِ المُعامَلاتِ الِاجْتِماعِيَّةِ مِن آدابٍ، وحُقُوقٍ، وأقْضِيَةٍ، وشَهاداتٍ، ومُعامَلَةٍ مَعَ الأُمَمِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] .
ومَرْجِعُ تَفاصِيلِ العَدْلِ إلى أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ، فالعَدْلُ هُنا كَلِمَةٌ مُجْمَلَةٌ جامِعَةٌ. فَهي بِإجْمالِها مُناسِبَةٌ أحْوالَ المُسْلِمِينَ حِينَ كانُوا بِمَكَّةَ، فَيُصارُ فِيها إلى ما هو مُقَرَّرٌ بَيْنَ النّاسِ في أُصُولِ الشَّرائِعِ وإلى ما رَسَمَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنَ البَيانِ في مَواضِعِ الخَفاءِ، فَحُقُوقُ المُسْلِمِينَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ مِنَ الأُخُوَّةِ والتَّناصُحِ قَدْ أصْبَحَتْ مِنَ العَدْلِ بِوَضْعِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ.
وأمّا الإحْسانُ فَهو مُعامَلَةٌ بِالحُسْنى مِمَّنْ لا يَلْزَمُهُ إلى مَن هو أهْلُها، والحَسَنُ: ما كانَ مَحْبُوبًا عِنْدَ المُعامَلِ بِهِ، ولَمْ يَكُنْ لازِمًا لِفاعِلِهِ، وأعْلاهُ ما كانَ في جانِبِ اللَّهِ تَعالى مِمّا فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِقَوْلِهِ «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ودُونَ ذَلِكَ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ بِالنَّوافِلِ، ثُمَّ الإحْسانُ في المُعامَلَةِ فِيما زادَ عَلى العَدْلِ الواجِبِ، وهو يَدْخُلُ في جَمِيعِ الأقْوالِ والأفْعالِ، ومَعَ سائِرِ الأصْنافِ إلّا ما حَرَّمَ الإحْسانَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ.
ومِن أدْنى مَراتِبِ الإحْسانِ ما في حَدِيثِ المُوَطَّأِ: «أنَّ امْرَأةً بَغِيًّا رَأتْ كَلْبًا يَلْهَثُ مِنَ العَطَشِ يَأْكُلُ الثَّرى فَنَزَعَتْ خُفَّها وأدْلَتْهُ في بِئْرٍ ونَزَعَتْ فَسَقَتْهُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَها» .
صفحة ٢٥٦
وفِي الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُمْ فَأحْسَنُوا الذِّبْحَةَ» .
ومِنَ الإحْسانِ أنْ يُجازِيَ المُحْسَنُ إلَيْهِ المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ إذْ لَيْسَ الجَزاءُ بِواجِبٍ.
فَإلى حَقِيقَةِ الإحْسانِ تَرْجِعُ أُصُولُ وفُرُوعُ آدابِ المُعاشَرَةِ كُلِّها في العائِلَةِ والصُّحْبَةِ، والعَفْوُ عَنِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ مِنَ الإحْسانِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وخَصَّ اللَّهُ بِالذِّكْرِ مِن جِنْسِ أنْواعِ العَدْلِ والإحْسانِ نَوْعًا مُهِمًّا يَكْثُرُ أنْ يَغْفُلَ النّاسُ عَنْهُ، ويَتَهاوَنُوا بِحَقِّهِ أوْ بِفَضْلِهِ، وهو إيتاءُ ذِي القُرْبى، فَقَدْ تَقَرَّرَ في نُفُوسِ النّاسِ الِاعْتِناءُ بِاجْتِلابِ الأبْعَدِ واتِّقاءِ شَرِّهِ، كَما تَقَرَّرَ في نُفُوسِهِمُ الغَفْلَةُ عَنِ القَرِيبِ والِاطْمِئْنانُ مِن جانِبِهِ، وتَعَوُّدُ التَّساهُلِ في حُقُوقِهِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ كَثُرَ أنْ يَأْخُذُوا أمْوالَ الأيْتامِ مِن مَوالِيهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، وقالَ ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقالَ ﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] الآيَةَ، ولِأجْلِ ذَلِكَ صَرَفُوا مُعْظَمَ إحْسانَهم إلى الأبْعَدِينَ؛ لِاجْتِلابِ المَحْمَدَةِ، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ، ولَمْ يَزَلْ هَذا الخُلُقُ مُتَفَشِّيًا في النّاسِ حَتّى في الإسْلامِ إلى الآنِ، ولا يَكْتَرِثُونَ بِالأقْرَبِينَ.
وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقْصِدُونَ بِوَصايا أمْوالِهِمْ أصْحابَهم مِن وُجُوهِ القَوْمِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فَخَصَّ اللَّهُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ جِنْسِ العَدْلِ، وجِنْسِ الإحْسانِ إيتاءَ المالِ إلى ذِي القُرْبى؛ تَنْبِيهًا لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِأنَّ القَرِيبَ أحَقُّ بِالإنْصافِ مَن غَيْرِهِ، وأحَقُّ بِالإحْسانِ مَن غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الغَفْلَةِ، ولِأنَّ مَصْلَحَتَهُ أجْدى مِن مَصْلَحَةِ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ.
صفحة ٢٥٧
وهَذا راجِعٌ إلى تَقْوِيمِ نِظامِ العائِلَةِ والقَبِيلَةِ تَهْيِئَةً بِنُفُوسِ النّاسِ إلى أحْكامِ المَوارِيثِ الَّتِي شُرِعَتْ فِيما بَعْدُ.
وعَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ اهْتِمامًا بِهِ كَثِيرٌ في الكَلامِ، فَإيتاءُ ذِي القُرْبى ذُو حُكْمَيْنِ: وُجُوبٌ لِبَعْضِهِ، وفَضِيلَةٌ لِبَعْضِهِ، وذَلِكَ قَبْلَ فَرْضِ الوَصِيَّةِ، ثُمَّ فَرْضِ المَوارِيثِ.
وذُو القُرْبى: هو صاحِبُ القَرابَةِ، أيْ مِنَ المُؤْتِي، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والإيتاءُ: الإعْطاءُ، والمُرادُ: إعْطاءُ المالِ، قالَ تَعالى ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦]، وقالَ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
ونَهى اللَّهُ عَنِ الفَحْشاءِ، والمُنْكَرِ، والبَغْيِ، وهي أُصُولُ المَفاسِدِ.
فَأمّا الفَحْشاءُ: فاسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ تَسْتَفْظِعُهُ النُّفُوسُ لِفَسادِهِ مِنَ الآثامِ الَّتِي تُفْسِدُ نَفْسَ المَرْءِ: مِنِ اعْتِقادٍ باطِلٍ، أوْ عَمَلٍ مُفْسِدٍ لِلْخَلْقِ، والَّتِي تَضُرُّ بِأفْرادِ النّاسِ، بِحَيْثُ تُلْقِي فِيهِمُ الفَسادَ مِن قَتْلٍ أوْ سَرِقَةٍ أوْ قَذْفٍ أوْ غَصْبِ مالٍ، أوْ تَضُرُّ بِحالِ المُجْتَمَعِ وتُدْخِلُ عَلَيْهِ الِاضْطِرابَ مِن حَرابَةٍ أوْ زِنًى أوْ تَقامُرٍ أوْ شُرْبِ خَمْرٍ، فَدَخَلَ في الفَحْشاءِ كُلُّ ما يُوجِبُ اخْتِلالَ المُناسِبِ الضَّرُورِيِّ، وقَدْ سَمّاها اللَّهُ الفَواحِشَ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الفَحْشاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] في سُورَةِ الأعْرافِ وهي مَكِّيَّةٌ.
وأمّا المُنْكَرُ: فَهو ما تَسْتَنْكِرُهُ النُّفُوسُ المُعْتَدِلَةُ، وتَكْرَهُهُ الشَّرِيعَةُ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، قالَ تَعالى ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، وقالَ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، والِاسْتِنْكارُ مَراتِبٌ، مِنها مَرْتَبَةُ الحَرامِ، ومِنها مَرْتَبَةُ المَكْرُوهِ، فَإنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وشَمِلَ المُنْكِرُ كُلَّ ما يُفْضِي إلى الإخْلالِ بِالمُناسِبِ الحاجِيِّ، وكَذَلِكَ ما يُعَطِّلُ المُناسِبَ التَّحْسِينِيَّ بِدُونِ ما يُفْضِي مِنهُ إلى ضُرٍّ.
صفحة ٢٥٨
وخَصَّ اللَّهُ بِالذِّكْرِ نَوْعًا مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وهو البَغْيُ؛ اهْتِمامًا بِالنَّهْيِ عَنْهُ؛ وسَدًّا لِذَرِيعَةِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ تَنْساقُ إلَيْهِ بِدافِعِ الغَضَبِ، وتَغْفُلُ عَمّا يَشْمَلُهُ مِنَ النَّهْيِ مِن عُمُومِ الفَحْشاءِ بِسَبَبِ فُشُوِّهِ بَيْنَ النّاسِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا أهْلَ بَأْسٍ وشَجاعَةٍ وإباءٍ، فَكانُوا يَكْثُرُ فِيهِمُ البَغْيُ عَلى الغَيْرِ إذا لَقِيَ المُعْجَبُ بِنَفْسِهِ مِن أحَدٍ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، أوْ مُعامَلَةً يَعُدُّها هَضْمِيَّةً وتَقْصِيرًا في تَعْظِيمِهِ، وبِذَلِكَ كانَ يَخْتَلِطُ عَلى مُرِيدِ البَغْيِ حُسْنُ الذَّبِّ عَمّا يُسَمِّيهِ الشَّرَفَ، وقُبْحُ مُجاوَزَةِ حَدِّ الجَزاءِ.
فالبَغْيُ: هو الِاعْتِداءُ في المُعامَلَةِ، إمّا بِدُونِ مُقابَلَةِ ذَنْبٍ كالغارَةِ الَّتِي كانَتْ وسِيلَةَ كَسْبٍ في الجاهِلِيَّةِ، وإمّا بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ في مُقابَلَةِ الذَّنْبِ كالإفْراطِ في المُؤاخَذَةِ، ولِذا قالَ تَعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقالَ ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
فَهَذِهِ الآيَةُ جَمَعَتْ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ في الأمْرِ بِثَلاثَةٍ، والنَّهْيِ عَنْ ثَلاثَةٍ، بَلْ في الأمْرِ بِشَيْئَيْنِ وتَكْمِلَةٍ، والنَّهْيِ عَنْ شَيْئَيْنِ وتَكْمِلَةٍ.
رَوى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أنَّ هَذِهِ كانَتِ السَّبَبَ في تَمَكُّنِ الإيمانِ مِن عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَإنَّها لَمّا نَزَلَتْ كانَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ بِجانِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ حَدِيثَ الإسْلامِ، وكانَ إسْلامُهُ حَياءً مِنَ النَّبِيءِ ﷺ، وقَرَأها النَّبِيءُ عَلَيْهِ، قالَ عُثْمانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي، وعَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جالِسًا إذْ شَخَصَ بَصَرُهُ، فَقالَ: أتانِي جِبْرِيلُ فَأمَرَنِي أنْ أضَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا المَوْضِعِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ الآيَةَ» اهـ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ مُتَّصِلَةً بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها فَكانَ وضْعُها في هَذا المَوْضِعِ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ بَيانًا لِآيَةِ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا
صفحة ٢٥٩
لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] إلَخْ، ولِأنْ تَكُونَ مُقَدِّمَةً لِما بَعْدَها ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] الآيَةَ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أجْمَعُ آيَةٍ في القُرْآنِ.
وعَنْ قَتادَةَ: لَيْسَ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ ويَسْتَحْسِنُونَهُ إلّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَيْسَ مِن خُلُقٍ كانُوا يَتَعايَرُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وقَدَحَ فِيهِ، وإنَّما نَهى عَنْ سَفاسِفِ الأخْلاقِ ومَذامِّها.
ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلى قَبائِلِ العَرَبِ، فَخَرَجَ، فَوَقَفَ عَلى مَجْلِسِ قَوْمٍ مِن شَيْبانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ في المَوْسِمِ، فَدَعاهم إلى الإسْلامِ وأنْ يَنْصُرُوهُ، فَقالَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو مِنهم: إلامَ تَدْعُونا أخا قُرَيْشٍ، فَتَلا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: دَعَوْتَ واللَّهِ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ، ولَقَدْ أفِكَ قَوْمٌ كَذَّبُوكَ، وظاهَرُوا عَلَيْكَ» .
وقَدْ رُوِيَ أنَّ الفِقْراتِ الشَّهِيرَةَ الَّتِي شَهِدَ بِها الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لِلْقُرْآنِ مِن قَوْلِهِ (إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ، وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وما هو بِكَلامِ بَشَرٍ) قالَها عِنْدَ سَماعِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدِ اهْتَدى الخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى ما جَمَعَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن مَعانِي الخَيْرِ فَلَمّا اسْتُخْلِفَ سَنَةَ ٩٩ كَتَبَ يَأْمُرُ الخُطَباءَ بِتِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ، وتُجْعَلُ تِلاوَتُها عِوَضًا عَمّا كانُوا يَأْتُونَهُ في خُطْبَةِ الجُمْعَةِ مِن كَلِماتِ سَبِّ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ السَّبِّ دَقِيقَةٌ: أنَّها تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ السَّبِّ إذْ هو مَنَّ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغِيِّ.
ولَمْ أقِفْ عَلى تَعْيِينِ الوَقْتِ الَّذِي ابْتُدِعَ فِيهِ هَذا السَّبُّ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ في خِلافَةِ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
صفحة ٢٦٠
وفِي السِّيرَةِ الحَلَبِيَّةِ أنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ بْنَ عَبْدِ السَّلامِ ألَّفَ كِتابًا سَمّاهُ (الشَّجَرَةَ) بَيَّنَ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى جَمِيعِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في سائِرِ الأبْوابِ الفِقْهِيَّةِ، وسَمّاهُ السُّبْكِيُّ في الطَّبَقاتِ (شَجَرَةَ المَعارِفِ) .
وجُمْلَةُ يَعِظُكم في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ.
والوَعْظُ: كَلامٌ يُقْصَدُ مِنهُ إبْعادُ المُخاطَبِ بِهِ عَنِ الفَسادِ وتَحْرِيضُهُ عَلى الصَّلاحِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ.
والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ المَوْعِظَةَ مِن شَأْنِ مَن هو مُحْتاجٌ لِلْكَمالِ النَّفْسانِيِّ، ولِذَلِكَ قارَنَها بِالرَّجاءِ بِـ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ .
والتَّذَكُّرُ: مُراجَعَةُ المُنْشِيءِ المَغْفُولِ عَنْهُ، أيْ رَجاءَ أنْ تَتَذَكَّرُوا، أيْ تَتَذَكَّرُوا بِهَذِهِ المَوْعِظَةِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ؛ فَإنَّها جامِعَةٌ باقِيَةٌ في نُفُوسِكم.
النحل 16:91
﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِمِلاكِ المَصالِحِ، ونَهاهم عَنْ مِلاكِ المَفاسِدِ بِما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةً حَسَنَةً لِهَذا الِانْتِقالِ الَّذِي هو مِن أغْراضِ تَفَنُّنِ القُرْآنِ، وأوْضَحَ لَهم أنَّهم قَدْ صارُوا إلى كَمالٍ وخَيْرٍ بِذَلِكَ الكِتابِ المُبَيِّنِ لِكُلِّ شَيْءٍ، ولا جَرَمَ ذَكَّرَهُمُ الوَفاءَ بِالعَهْدِ الَّذِي عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ عِنْدَما أسْلَمُوا، وهو ما بايَعُوا عَلَيْهِ النَّبِيءَ ﷺ مِمّا فِيهِ: «أنْ لا يَعْصُوهُ في مَعْرُوفٍ» . وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَأْخُذُ البَيْعَةَ عَلى كُلِّ مَن أسْلَمَ مِن وقْتِ ابْتِداءِ الإسْلامِ في مَكَّةَ.
وتَكَرَّرَتِ البَيْعَةُ قُبَيْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها عَلى أُمُورٍ أُخْرى، مِثْلِ النُّصْرَةِ الَّتِي بايَعَ عَلَيْها الأنْصارُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، ومِثْلِ بَيْعَةِ الحُدَيْبِيَةِ.
صفحة ٢٦١
والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ في الحِفاظِ عَلى عَهْدِهِمْ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ، وإضافَةُ العَهْدِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهم عاهَدُوا النَّبِيءَ ﷺ عَلى الإسْلامِ الَّذِي دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، فَهم قَدْ عاهَدُوا اللَّهَ كَما قالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وقالَ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، والمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ الَّذِينَ كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ مِن أنْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، و(إذا) لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ قَدْ عاهَدُوا اللَّهَ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، فالإتْيانُ بِاسْمِ الزَّمانِ لِتَأْكِيدِ الوَفاءِ، فالمَعْنى: أنَّ مَن عاهَدَ وجَبَ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِالعَهْدِ، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ .
والعَهْدُ: الحَلِفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ النَّقْضُ تَقَدَّمَ في تِلْكَ الآيَةِ، ونَقْضُ الأيْمانِ: إبْطالُ ما كانَتْ لِأجْلِهِ، فالنَّقْضُ إبْطالُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لا إبْطالُ القَسَمِ، فَجَعَلَ إبْطالَ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَقْضًا لِلْيَمِينِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ تَهْوِيلًا وتَغْلِيظًا لِلنَّقْضِ؛ لِأنَّهُ نَقْضٌ لِحُرْمَةِ اليَمِينِ.
و﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ زِيادَةٌ في التَّحْذِيرِ، ولَيْسَ قَيْدًا لِلنَّهْيِ بِالبَعْدِيَّةِ، إذِ المَقْصُودُ أيْمانٌ مَعْلُومَةٌ، وهي أيْمانُ العَهْدِ والبَيْعَةِ، ولَيْسَتْ فِيها بَعْدِيَّةٌ.
و(بَعْدَ) هُنا بِمَعْنى (مَعَ)، إذِ البَعْدِيَّةُ والمَعِيَّةُ أثَرُهُما واحِدٌ هُنا، وهو حُصُولُ تَوْثِيقِ الأيْمانِ وتَوْكِيدِها، كَقَوْلِ الشُّمَيْذَرِ الحارِثِيِّ:
بَنِي عَمِّنا لا تَذْكُرُوا الشِّعْرَ بَعْدَما دَفَنْتُمْ بِصَحْراءِ الغُمَيْرِ القَوافِيا
أيْ لا تَذْكُرُوا أنَّكم شُعَراءُ، وأنَّ لَكم شِعْرًا، أوْ لا تَنْطِقُوا بِشِعْرٍ مَعَ وُجُودِ أسْبابِ الإمْساكِ عَنْهُ في وقْعَةِ صَحْراءِ الغُمَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] .
صفحة ٢٦٢
والتَّوْكِيدُ: التَّوْثِيقُ وتَكْرِيرُ الفَتْلِ، ولَيْسَ هو تَوْكِيدَ اللَّفْظِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم فَهو ضِدُّ النَّقْضِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الأيْمانِ لَيْسَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، ولا إلى مَفْعُولِهِ إذْ لَمْ يُقْصَدْ بِالمَصْدَرِ التَّجَدُّدُ بَلِ الِاسْمُ، فَهي الإضافَةُ الأصْلِيَّةُ عَلى مَعْنى اللّامِ، أيِ التَّوْكِيدِ الثّابِتِ لَها المُخْتَصِّ بِها، والمَعْنى: بَعْدَ ما فِيها مِنَ التَّوْكِيدِ، وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ .
والمَعْنى: ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ حَلِفِها. ولَيْسَ في الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ مِنَ اليَمِينِ ما لا حَرَجَ في نَقْضِهِ، وهو ما سَمَّوْهُ يَمِينَ اللَّغْوِ، وذَلِكَ انْزِلاقٌ عَنْ مَهْيَعِ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ.
ويُؤَيِّدُ ما فَسَّرْناهُ قَوْلُهُ ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ الواقِعُ مَوْقِعُ الحالِ مِن ضَمِيرِ (لا تَنْقُضُوا)، أيْ لا تَنْقُضُوا الأيْمانَ في حالِ جَعْلِكُمُ اللَّهُ كَفِيلًا عَلى أنْفُسِكم إذا أقْسَمْتُمْ بِاسْمِهِ، فَإنَّ مَدْلُولَ القَسَمِ أنَّهُ إشْهادُ اللَّهِ بِصِدْقِ ما يَقُولُهُ المُقْسِمُ: فَيَأْتِي بِاسْمِ اللَّهِ كالإتْيانِ بِذاتِ الشّاهِدِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحَلِفُ شَهادَةً في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمُ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]، والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الحالَةَ أظْهَرُ في اسْتِحْقاقِ النَّهْيِ عَنْها.
والكَفِيلُ: الشّاهِدُ والضّامِنُ والرَّقِيبُ عَلى الشَّيْءِ المُراعى لِتَحْقِيقِ الغَرَضِ مِنهُ.
والمَعْنى: أنَّ القَسَمَ بِاسْمِ اللَّهِ إشْهادٌ لِلَّهِ، وكَفالَةٌ بِهِ، وقَدْ كانُوا عِنْدَ العَهْدِ يَحْلِفُونَ، ويُشْهِدُونَ الكُفَلاءَ بِالتَّنْفِيذِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
واذْكُرُوا حِلْفَ ذِي المَجازِ وما قُـ ∗∗∗ ـدِّمَ فِيهِ العُهُـودُ والـكُـفَـلاءُ
و(عَلَيْكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلْتُمْ) لا بِـ (كَفِيلًا) . أيْ أقَمْتُمُوهُ عَلى أنْفُسِكم مَقامَ الكَفِيلِ، أيْ فَهو الكَفِيلُ، والمَكْفُولُ لَهُ، مِن بابِ قَوْلِهِمْ: أنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] .
صفحة ٢٦٣
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي خَبَرٌ مُرادٌ مِنهُ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّساهُلِ في التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ والإسْلامِ لِتَذْكِيرِهِمْ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلى ما يَفْعَلُونَهُ، فالتَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ)؛ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
وكَذَلِكَ التَّأْكِيدُ بِبِناءِ الجُمْلَةِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ دُونَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ، ولا: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ.
واخْتِيرَ الفِعْلُ المُضارِعُ في يَعْلَمُ وفي تَفْعَلُونَ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّجَدُّدِ، أيْ: كُلَّما فَعَلُوا فِعْلًا فاللَّهُ يَعْلَمُهُ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمَلِ كُلِّها مِن قَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إلى هُنا تَأْكِيدُ الوِصايَةِ بِحِفْظِ عَهْدِ الإيمانِ، وعَدَمِ الِارْتِدادِ إلى الكُفْرِ، وسَدِّ مَداخِلِ فِتْنَةِ المُشْرِكِينَ إلى نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، إذْ يَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الإسْلامِ بِفُنُونِ الصَّدِّ، كَقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] إلى ﴿اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَيْسَتْ بِحاجَةٍ إلى سَبَبٍ، وذَكَرُوا في الآيَةِ الآتِيَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ [النحل: ١٠٦] أنَّ آيَةَ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ إلى آخِرِها نَزَلَتْ في الَّذِينَ رَجَعُوا إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ لَمّا فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ كَما سَيَأْتِي، فَجَعَلُوا بَيْنَ الآيَتَيْنِ اتِّصالًا.
قالَ في الكَشّافِ: كَأنَّ قَوْمًا مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ لِجَزَعِهِمْ ما رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ، واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ وإيذانِهِمْ لَهم، ولَمّا كانُوا يَعِدُونَهم إنْ رَجَعُوا مِنَ المَواعِيدِ أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ اهـ، يُرِيدُ أنَّ لَهْجَةَ التَّحْذِيرِ في هَذا الكَلامِ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ [النحل: ٩٢] تُنْبِئُ عَنْ حالَةٍ مِنَ الوَسْوَسَةِ داخَلَتْ قُلُوبَ بَعْضِ حَدِيثِي الإسْلامِ فَنَبَّأهُمُ اللَّهُ بِها وحَذَّرَهم مِنها فَسَلِمُوا.
النحل 16:92
صفحة ٢٦٤
﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ تَشْجِيعٌ لِحالِ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ.
وعَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١]، واعْتَمَدَ العَطْفُ عَلى المُغايَرَةِ في المَعْنى بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ لِما في هَذِهِ الثّانِيَةِ مِنَ التَّمْثِيلِ، وإنْ كانَتْ مِن جِهَةِ المَوْقِعِ كالتَّوْكِيدِ لِجُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ [النحل: ٩١]، نُهُوا عَنْ أنْ يَكُونُوا مَضْرِبَ مَثَلٍ مَعْرُوفٍ في العَرَبِ بِالِاسْتِهْزاءِ، وهو المَرْأةُ الَّتِي تَنْقُضُ غَزْلَها بَعْدَ شَدِّ فَتْلِهِ، فالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها امْرَأةٌ اسْمُها رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدٍ التَّمِيمِيَّةُ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِن قُرَيْشٍ، وعَبَّرَ عَنْها بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِاشْتِهارِها بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ؛ ولِأنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ هو الحالَةُ المُشَبَّهُ بِها في هَذا التَّمْثِيلِ؛ ولِأنَّ القُرْآنَ لَمْ يَذْكُرُ فِيهِ بِالِاسْمِ العَلَمِ إلّا مَنِ اشْتُهِرَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ مِثْلُ جالُوتَ وقارُونَ.
وقَدْ ذُكِرَ مِن قِصَّتِها أنَّها كانَتِ امْرَأةً خَرْقاءَ مُخْتَلَّةَ العَقْلِ، ولَها جَوارٍ، وقَدِ اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ وصِنّارَةٍ مِثْلِ أُصْبُعٍ وفَلْكَةٍ عَظِيمَةٍ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ، فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَتَنْقُضُ ما غَزَلَتْهُ، وهَكَذا تَفْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ، فَكانَ حالُها إفْسادَ ما كانَ نافِعًا مُحْكَمًا مِن عَمَلِها، وإرْجاعَهُ إلى عَدَمِ الصَّلاحِ، فَنُهُوا عَنْ أنْ يَكُونَ حالُهم كَحالِها في نَقْضِهِمْ عَهْدَ اللَّهِ، وهو عَهْدُ الإيمانِ بِالرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ، وأعْمالِ الجاهِلِيَّةِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الرُّجُوعُ إلى فَسادٍ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِصَلاحٍ.
صفحة ٢٦٥
والغَزَلُ: هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَغْزُولِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْبَلُ النَّقْضَ، والغَزْلُ: فِتَلُ نُتَفٍ مِنَ الصُّوفِ أوِ الشَّعْرِ لِتُجْعَلَ خُيُوطًا مُحْكَمَةَ اتِّصالِ الأجْزاءِ بِواسِطَةِ إدارَةِ آلَةِ الغَزْلِ بِحَيْثُ تَلْتَفُّ النُّتَفُ المَفْتُولَةُ بِاليَدِ؛ فَتَصِيرُ خَيْطًا غَلِيظًا طَوِيلًا بِقَدْرِ الحاجَةِ لِيَكُونَ سُدًى أوْ لُحْمَةً لِلنَّسْجِ.
والقُوَّةُ: إحْكامُ الغَزْلِ، أيْ نَقَضَتْهُ مَعَ كَوْنِهِ مُحْكَمَ الفَتْلِ لا مُوجِبَ لِنَقْضِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ فَتْلُهُ غَيْرَ مُحْكَمٍ؛ لَكانَ عُذْرٌ لِنَقْضِهِ.
والأنْكاثُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: جَمْعُ نِكْثٍ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الكافِ أيْ مَنكُوثٌ، أيْ مَنقُوضٌ، ونَظِيرُهُ نَقْضٌ وأنْقاضٌ، والمُرادُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ أنَّ ما كانَ غَزْلًا واحِدًا جَعَلَتْهُ مَنقُوضًا، أيْ خُيُوطًا عَدِيدَةً، وذَلِكَ بِأنْ صَيَّرَتْهُ إلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ الغَزَلِ، وهي كَوْنُهُ خُيُوطًا ذاتَ عَدَدٍ.
وانْتَصَبَ أنْكاثًا عَلى الحالِ مِن غَزْلِها، أيْ نَقَضَتْهُ فَإذا هو أنْكاثٌ.
وجُمْلَةُ ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ [النحل: ٩١] .
والدَّخَلُ بِفَتْحَتَيْنِ: الفَسادُ، أيْ تَجْعَلُونَ أيْمانَكُمُ الَّتِي حَلَفْتُمُوها. .، والدَّخَلُ أيْضًا: الشَّيْءُ الفاسِدُ، ومِن كَلامِ العَرَبِ: تَرى الفِتْيانَ كالنَّخْلِ وما يُدْرِيكَ ما الدَّخْلُ (سَكِّنِ الخاءَ لُغَةً أوْ لِلضَّرُورَةِ إنْ كانَ نَظْمًا، أوْ لِلسَّجْعِ إنْ كانَ نَثْرًا) أيْ ما يُدْرِيكَ ما فِيهِمْ مِن فَسادٍ، والمَعْنى: تَجْعَلُونَ أيْمانَكُمُ الحَقِيقَةَ بِأنْ تَكُونَ مُعَظَّمَةً وصالِحَةً فَيَجْعَلُونَها فاسِدَةً كاذِبَةً، فَيَكُونُ وصْفُ الأيْمانِ بِالدَّخَلِ حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً، أوْ تَجْعَلُونَها سَبَبَ فَسادٍ بَيْنِكم إذْ تَجْعَلُونَها وسِيلَةً لِلْغَدْرِ والمَكْرِ فَيَكُونُ وصْفُ الأيْمانِ بِالدَّخَلِ مَجازًا عَقْلِيًّا.
ووَجْهُ الفَسادِ أنَّها تَقْتَضِي اطْمِئْنانَ المُتَحالِفِينَ، فَإذا نَقَضَها أحَدُ الجانِبَيْنِ فَقَدْ تَسَبَّبَ في الخِصامِ والحِقْدِ، وهَذا تَحْذِيرٌ لَهم وتَخْوِيفٌ مِن سُوءِ عاقِبَةِ نَقْضِ اليَمِينِ، ولَيْسَ بِمُقْتَضٍ أنَّ نَقْضًا حَدَثَ فِيهِمْ.
صفحة ٢٦٦
و﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ مَعْمُولٌ لِلامِ جَرٍّ مَحْذُوفَةٍ كَما هو غالِبُ حالِها مَعَ (أنْ)، والمَعْنى التَّعْلِيلُ، وهو عِلَّةٌ لِنَقْضِ الأيْمانِ المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ تَنْقُضُونَ الأيْمانَ بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أرْبى مِن أُمَّةٍ، أيْ أقْوى وأكْثَرُ.
والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ والقَبِيلَةُ، والمَقْصُودُ طائِفَةُ المُشْرِكِينَ وأحْلافُهم، وأرْبى: أزْيَدُ، وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الرُّبُوِّ بِوَزْنِ العُلُوِّ، أيِ الزِّيادَةِ، يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ أعْنِي كَثْرَةَ العَدَدِ، والمَجازَ أعْنِي رَفاهِيَةَ الحالِ وحُسْنَ العَيْشِ. وكَلِمَةُ أرْبى تُعْطِي هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها فَلا تَعْدِلُها كَلِمَةٌ أُخْرى تَصْلُحُ لِجَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي، فَوَقْعُها هُنا مِن مُقْتَضى الإعْجازِ، والمَعْنى: لا يَبْعَثُكم عَلى نَقْضِ الأيْمانِ كَوْنُ أُمَّةٍ أحْسَنَ مِن أُمَّةٍ.
ومَعْلُومٌ أنَّ الأُمَّةَ الَّتِي هي أحْسَنُ هي المَنقُوضُ لِأجْلِها، وأنَّ الأُمَّةَ المَفْضُولَةَ هي المُنْفَصِلُ عَنْها، أيْ لا يَحْمِلُكم عَلى نَقْضِ الحَلِفِ أنْ يَكُونَ المُشْرِكُونَ أكْثَرَ عَدَدًا وأمْوالًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَبْعَثُكم ذَلِكَ عَلى الِانْفِصالِ عَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، وعَلى الرُّجُوعِ إلى الكُفّارِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلتَّعْلِيلِ بِما يَقْتَضِي الحِكْمَةَ، وهو أنَّ ذَلِكَ يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ صِدْقَ الإيمانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] .
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: ما ذَلِكَ الرَّبْوُ إلّا بَلْوى لَكم. والبَلْوُ: الِاخْتِبارُ، ومَعْنى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ الكِنايَةَ عَنْ إظْهارِ حالِ المُسْلِمِينَ، ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ، وضَمِيرُ (بِهِ) يَعُودُ إلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾ .
ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ تَأْكِيدُ أنَّهُ سَيُبَيِّنُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ فَتَظْهَرُ الحَقائِقُ كَما هي غَيْرُ مُغَشّاةٍ بِزَخارِفِ الشَّهَواتِ ولا
صفحة ٢٦٧
بِمَكارِهِ مُخالَفَةِ الطِّباعِ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ دارُ الحَقائِقِ لا لَبْسَ فِيها، فَيَوْمَئِذٍ تَعْلَمُونَ أنَّ الإسْلامَ هو الخَيْرُ المَحْضُ، وأنَّ الكُفْرَ شَرٌّ مَحْضٌ.
وأكَّدَ هَذا الوَعْدَ بِمُؤَكِّدَيْنِ: القَسَمُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ، ونُونُ التَّوْكِيدِ، ثُمَّ يَظْهَرُ ذَلِكَ أيْضًا في تَرَتُّبِ آثارِهِ إذْ يَكُونُ النَّعِيمُ إثْرَ الإيمانِ، ويَكُونُ العَذابُ إثْرَ الشِّرْكِ، وكُلُّ ذَلِكَ بَيانٌ لِما كانُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِ في الدُّنْيا.
النحل 16:93
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
لَمّا أحالَ البَيانَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ زادَهم إعْلامًا بِحِكْمَةِ هَذا التَّأْخِيرِ؛ فَأعْلَمَهم أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ مِن هَذِهِ الدّارِ فَيَجْعَلُهم أُمَّةً واحِدَةً، ولَكِنَّهُ أضَلَّ مَن شاءَ، أيْ خَلَقَ فِيهِ داعِيَةَ الضَّلالِ، وهَدى مَن شاءَ، أيْ خَلَقَ فِيهِ داعِيَةَ الهُدى، وأحالَ الأمْرَ هُنا عَلى المَشِيئَةِ إجْمالًا؛ لِتَعَذُّرِ نَشْرِ مَطاوِي الحِكْمَةِ مِن ذَلِكَ.
ومَرْجِعُها إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَخْلُقَ النّاسَ عَلى هَذا الِاخْتِلافِ النّاشِئِ عَنِ اخْتِلافِ أحْوالِ التَّفْكِيرِ، ومَراتِبِ المَدارِكِ والعُقُولِ، وذَلِكَ يَتَوَلَّدُ مِن تَطَوُّراتٍ عَظِيمَةٍ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ في تَناسُلِهِ وحَضارَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أجْمَلَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]، وهَذِهِ المَشِيئَةُ لا يَطَّلِعُ عَلى كُنْهِها إلّا اللَّهُ تَعالى، وتَظْهَرُ آثارُها في فِرْقَةِ المُهْتَدِينَ، وفِرْقَةِ الضّالِّينَ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قَدْ يَغْتَرُّ بِهِ قِصارُ الأنْظارِ فَيَحْسَبُونَ أنَّ الضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ سَواءٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ الضّالِّينَ مَعْذُورُونَ في ضَلالِهِمْ إذْ كانَ مِن أثَرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ
صفحة ٢٦٨
﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مُؤَكَّدًا بِتَأْكِيدَيْنِ كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا، أيْ عَمّا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلِ ضَلالٍ أوْ عَمَلِ هُدًى.
والسُّؤالُ: كِنايَةٌ عَنِ المُحاسَبَةِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ حَكِيمٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإنارَةَ، ولَيْسَ سُؤالَ اسْتِطْلاعٍ.
النحل 16:94
﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لَمّا حَذَّرَهم مِنَ النَّقْضِ الَّذِي يَئُولُ إلى اتِّخاذِ أيْمانِهِمْ دَخَلًا فِيهِمْ، وأشارَ بِالإجْمالِ إلى ما في ذَلِكَ مِنَ الفَسادِ فِيهِمْ، أعادَ الكَرَّةَ إلى بَيانِ عاقِبَةِ ذَلِكَ الصَّنِيعِ إعادَةً تُفِيدُ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وتَأْكِيدَ التَّحْذِيرِ، وتَفْصِيلَ الفَسادِ في الدُّنْيا، وسُوءَ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَتَّخِذُوا﴾ تَصْرِيحًا بِالنَّهْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]، وكانَ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَفْصِيلًا لِما أُجْمِلَ في مَعْنى الدَّخَلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ المَعْطُوفُ عَلى التَّفْرِيعِ وعِيدٌ بِعِقابِ الآخِرَةِ، وبِهَذا التَّصْدِيرِ وهَذا التَّفْرِيعِ النّاشِئِ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ فارَقَتْ هَذِهِ نَظِيرَتَها السّابِقَةَ بِالتَّفْصِيلِ والزِّيادَةِ، فَحُقَّ أنْ تُعْطَفَ عَلَيْها لِهَذِهِ المُغايَرَةِ، وإنْ كانَ شَأْنُ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ أنْ لا تُعْطَفَ.
والزَّلَلُ: تَزَلُّقُ الرِّجْلِ وتَنَقُّلُها مِن مَوْضِعِها دُونَ إرادَةِ صاحِبِها؛ بِسَبَبِ مَلاسَةِ الأرْضِ مِن طِينٍ رَطْبٍ، أوْ تَخَلْخُلِ حَصًى أوْ حَجَرٍ مِن تَحْتِ القَدَمِ فَيَسْقُطُ الماشِي عَلى الأرْضِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٦٩
وزَلَلُ القَدَمِ تَمْثِيلٌ لِاخْتِلالِ الحالِ، والتَّعَرُّضِ لِلضُّرِّ؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ السُّقُوطُ أوِ الكَسْرُ، كَما أنَّ ثُبُوتَ القَدَمِ تَمَكُّنُ الرِّجْلِ مِنَ الأرْضِ، وهو تَمْثِيلٌ لِاسْتِقامَةِ الحالِ، ودَوامِ السَّيْرِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَمْثِيلَ ما يَجُرُّهُ نَقْضُ الأيْمانِ مِنَ الدَّخَلِ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ الماشِي في طَرِيقٍ بَيْنَما كانَتْ قَدَمُهُ ثابِتَةً إذا هي قَدْ زَلَّتْ بِهِ فَصُرِعَ، فالمُشَبَّهُ بِها حالُ رَجُلٍ واحِدٍ، ولِذَلِكَ نُكِّرَتْ (قَدَمٌ) وأُفْرِدَتْ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ قَدَمًا مَعْنِيَّةً، ولا عَدَدًا مِنَ الأقْدامِ، فَإنَّكَ تَقُولُ لِجَماعَةٍ يَتَرَدَّدُونَ في أمْرٍ: أراكم تُقَدِّمُونَ رِجْلًا، وتُؤَخِّرُونَ أُخْرى؛ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ الشَّخْصِ المُتَرَدِّدِ في المَشْيِ إلى الشَّيْءِ.
وزِيادَةُ ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ مَعَ أنَّ الزَّلَلَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ الثُّبُوتِ؛ لِتَصْوِيرِ اخْتِلافِ الحالَيْنِ، وأنَّهُ انْحِطاطٌ مَن حالِ سَعادَةٍ إلى حالِ شَقاءٍ، ومَن حالِ سَلامَةٍ إلى حالِ مِحْنَةٍ.
والثُّبُوتُ: مَصْدَرُ ثَبَتَ كالثَّباتِ، وهو الرُّسُوخُ، وعَدَمُ التَّنَقُّلِ، وخَصَّ المُتَأخِّرُونَ مِنَ الكُتّابِ الثُّبُوتَ الَّذِي بِالواوِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، وهو التَّحَقُّقُ مِثْلُ ثُبُوتِ عَدالَةِ الشّاهِدِ لَدى القاضِي، وخَصُّوا الثَّباتَ الَّذِي بِالألِفِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهي تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ.
والذَّوْقُ: مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ القَوِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ.
والسُّوءُ: ما يُؤْلِمُ، والمُرادُ بِهِ: ذَوْقُ السُّوءِ في الدُّنْيا مِن مُعامَلَتِهِمْ مُعامَلَةَ النّاكِثِينَ عَنِ الدِّينِ أوِ الخائِنِينَ عُهُودَهم.
و(صَدَدْتُمْ) هُنا قاصِرٌ، أيْ بِكَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا، ذَلِكَ أنَّ الآياتِ جاءَتْ في الحِفاظِ عَلى العَهْدِ الَّذِي يُعاهِدُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ، أيْ عَلى التَّمَسُّكِ بِالإسْلامِ.
فَسَبِيلُ اللَّهِ: هو دِينُ الإسْلامِ.
صفحة ٢٧٠
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ عَلى الرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ أوْ عَلى مَعْصِيَةِ غَدْرِ العَهْدِ.
وقَدْ عَصَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِنَ الِارْتِدادِ مُدَّةَ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ، وما ارْتَدَّ أحَدٌ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ حِينَ ظَهَرَ النِّفاقُ، فَكانَتْ فَلْتَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ واحِدَةً في المُهاجِرِينَ، وقَدْ تابَ، وقَبِلَ تَوْبَتَهُ النَّبِيءُ ﷺ .
النحل 16:95
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الثَّمَنُ القَلِيلُ هو ما يَعِدُهم بِهِ المُشْرِكُونَ إنْ رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ مِن مالٍ وهَناءِ عَيْشٍ، وهَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ؛ لِأجْلِ ما فاتَهم بِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ مِن مَنافِعَ عِنْدَ قَوْمِ الشِّرْكِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ عُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] وعَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤]؛لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها تَلْتَفِتُ إلى غَرَضٍ خاصٍّ مِمّا قَدْ يَبْعَثُ عَلى النَّقْضِ.
والثَّمَنُ: العِوَضُ الَّذِي يَأْخُذُهُ المُعاوِضُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرْنا هُناكَ أنَّ قَلِيلًا صِفَةٌ كاشِفَةٌ، ولَيْسَتْ مُقَيَّدَةً، أيْ أنَّ كُلَّ عِوَضٍ يُؤْخَذُ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ هو عِوَضٌ قَلِيلٌ، ولَوْ كانَ أعْظَمَ المُكْتَسَباتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِاعْتِبارِ وصْفِ عِوَضِ الِاشْتِراءِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالقِلَّةِ، فَإنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ مِن كُلِّ ثَمَنٍ، وإنْ عَظُمَ قَدْرُهُ.
صفحة ٢٧١
و﴿ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١١] هو ما ادَّخَرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مَن خَيْرٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَما سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧] الآيَةَ فَخَيْرُ الدُّنْيا المَوْعُودُ بِهِ أفْضَلُ مِمّا يَبْذُلُهُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ، وخَيْرُ الآخِرَةِ أعْظَمُ مِنَ الكُلِّ، فالعِنْدِيَّةُ هُنا بِمَعْنى الِادِّخارِ لَهم، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي كَذا، ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مِلْكِ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] وقَوْلُهُ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ .
و(وإنَّما) هَذِهِ مَرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) و(ما) المَوْصُولَةِ، فَحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً (ما) عَنْ (إنَّ)؛ لِأنَّها لَيْسَتْ (ما) الكافَّةَ، ولَكِنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ مَوْصُولَةً اعْتِبارًا لِحالَةِ النُّطْقِ، ولَمْ يَكُنْ وصْلُ أمْثالِها مُطَّرِدًا في جَمِيعِ المَواضِعِ مِنَ المُصْحَفِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ عَواقِبِ الأشْياءِ، ولا يَغُرُّكُمُ العاجِلُ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى التَّأمُّلِ والعِلْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ تَذْيِيلٌ وتَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ لَهم خَيْرٌ مُتَجَدِّدٌ لا نَفادَ لَهُ، وأنَّ ما يُعْطِيهِمُ المُشْرِكُونَ مَحْدُودٌ نافِذٌ؛ لِأنَّ خَزائِنَ النّاسِ صائِرَةٌ إلى النَّفادِ بِالإعْطاءِ، وخَزائِنُ اللَّهِ باقِيَةٌ.
والنَّفادُ: الِانْقِراضُ، والبَقاءُ: عَدَمُ الفَناءِ.
أيْ ما عِنْدَ اللَّهِ لا يَفْنى، فالأجْدَرُ الِاعْتِمادُ عَلى عَطاءِ اللَّهِ المَوْعُودِ عَلى الإسْلامِ دُونَ الِاعْتِمادِ عَلى عَطاءِ النّاسِ الَّذِينَ يَنْفَدُ رِزْقُهم، ولَوْ كَثُرَ.
وهَذا الكَلامُ جَرى مَجْرى التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَهُ، وأُرْسِلَ إرْسالَ المَثَلِ فَيُحْمَلُ عَلى أعَمَّ، ولِذَلِكَ كانَ ضَمِيرُ (عِنْدَكم) عائِدًا إلى جَمِيعِ النّاسِ بِقَرِينَةِ التَّذْيِيلِ والمَثَلِ، وبِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بِما عِنْدَ اللَّهِ، أيْ ما عِنْدَكم أيُّها النّاسُ ما عِنْدَ المَوْعُودِ، وما عِنْدَ الواعِدِ؛ لِأنَّ المَنهِيِّينَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ لَيْسَ بِيَدِهِمْ شَيْءٌ.
صفحة ٢٧٢
ولَمّا كانَ في نَهْيِهِمْ عَنْ أخْذِ ما يَعِدُهم بِهِ المُشْرِكُونَ حَمْلٌ لَهم عَلى حِرْمانِ أنْفُسِهِمْ مِن ذَلِكَ النَّفْعِ العاجِلِ وُعِدُوا الجَزاءَ عَلى صَبْرِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ﴾ .
قَرَأهُ الجُمْهُورُ و(لَيَجْزِيَنَّ) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى بِعَهْدِ اللَّهِ وما بَعْدَهُ، فَهو النّاهِي والواعِدُ، فَلا جَرَمَ كانَ هو المُجازِي عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ في إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ بِنُونِ العَظَمَةِ فَهو التِفاتٌ.
و(أجْرَهم) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ الثّانِيَةِ لِـ يَجْزِيَنَّ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْطاءِ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(أحْسَنَ) صِيغَةُ تَفْضِيلٍ مُسْتَعْمَلَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في الحُسْنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]، أيْ بِسَبَبِ عَمَلِهِمُ البالِغِ في الحُسْنِ، وهو عَمَلُ الدَّوامِ عَلى الإسْلامِ مَعَ تَجَرُّعِ ألَمِ الفِتْنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ أكَّدَ الوَعْدَ بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ.
النحل 16:96
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الثَّمَنُ القَلِيلُ هو ما يَعِدُهم بِهِ المُشْرِكُونَ إنْ رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ مِن مالٍ وهَناءِ عَيْشٍ، وهَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ؛ لِأجْلِ ما فاتَهم بِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ مِن مَنافِعَ عِنْدَ قَوْمِ الشِّرْكِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ عُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] وعَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤]؛لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها تَلْتَفِتُ إلى غَرَضٍ خاصٍّ مِمّا قَدْ يَبْعَثُ عَلى النَّقْضِ.
والثَّمَنُ: العِوَضُ الَّذِي يَأْخُذُهُ المُعاوِضُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرْنا هُناكَ أنَّ قَلِيلًا صِفَةٌ كاشِفَةٌ، ولَيْسَتْ مُقَيَّدَةً، أيْ أنَّ كُلَّ عِوَضٍ يُؤْخَذُ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ هو عِوَضٌ قَلِيلٌ، ولَوْ كانَ أعْظَمَ المُكْتَسَباتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِاعْتِبارِ وصْفِ عِوَضِ الِاشْتِراءِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالقِلَّةِ، فَإنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ مِن كُلِّ ثَمَنٍ، وإنْ عَظُمَ قَدْرُهُ.
صفحة ٢٧١
و﴿ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١١] هو ما ادَّخَرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مَن خَيْرٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَما سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧] الآيَةَ فَخَيْرُ الدُّنْيا المَوْعُودُ بِهِ أفْضَلُ مِمّا يَبْذُلُهُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ، وخَيْرُ الآخِرَةِ أعْظَمُ مِنَ الكُلِّ، فالعِنْدِيَّةُ هُنا بِمَعْنى الِادِّخارِ لَهم، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي كَذا، ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مِلْكِ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] وقَوْلُهُ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ .
و(وإنَّما) هَذِهِ مَرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) و(ما) المَوْصُولَةِ، فَحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً (ما) عَنْ (إنَّ)؛ لِأنَّها لَيْسَتْ (ما) الكافَّةَ، ولَكِنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ مَوْصُولَةً اعْتِبارًا لِحالَةِ النُّطْقِ، ولَمْ يَكُنْ وصْلُ أمْثالِها مُطَّرِدًا في جَمِيعِ المَواضِعِ مِنَ المُصْحَفِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ عَواقِبِ الأشْياءِ، ولا يَغُرُّكُمُ العاجِلُ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى التَّأمُّلِ والعِلْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ تَذْيِيلٌ وتَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ لَهم خَيْرٌ مُتَجَدِّدٌ لا نَفادَ لَهُ، وأنَّ ما يُعْطِيهِمُ المُشْرِكُونَ مَحْدُودٌ نافِذٌ؛ لِأنَّ خَزائِنَ النّاسِ صائِرَةٌ إلى النَّفادِ بِالإعْطاءِ، وخَزائِنُ اللَّهِ باقِيَةٌ.
والنَّفادُ: الِانْقِراضُ، والبَقاءُ: عَدَمُ الفَناءِ.
أيْ ما عِنْدَ اللَّهِ لا يَفْنى، فالأجْدَرُ الِاعْتِمادُ عَلى عَطاءِ اللَّهِ المَوْعُودِ عَلى الإسْلامِ دُونَ الِاعْتِمادِ عَلى عَطاءِ النّاسِ الَّذِينَ يَنْفَدُ رِزْقُهم، ولَوْ كَثُرَ.
وهَذا الكَلامُ جَرى مَجْرى التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَهُ، وأُرْسِلَ إرْسالَ المَثَلِ فَيُحْمَلُ عَلى أعَمَّ، ولِذَلِكَ كانَ ضَمِيرُ (عِنْدَكم) عائِدًا إلى جَمِيعِ النّاسِ بِقَرِينَةِ التَّذْيِيلِ والمَثَلِ، وبِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بِما عِنْدَ اللَّهِ، أيْ ما عِنْدَكم أيُّها النّاسُ ما عِنْدَ المَوْعُودِ، وما عِنْدَ الواعِدِ؛ لِأنَّ المَنهِيِّينَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ لَيْسَ بِيَدِهِمْ شَيْءٌ.
صفحة ٢٧٢
ولَمّا كانَ في نَهْيِهِمْ عَنْ أخْذِ ما يَعِدُهم بِهِ المُشْرِكُونَ حَمْلٌ لَهم عَلى حِرْمانِ أنْفُسِهِمْ مِن ذَلِكَ النَّفْعِ العاجِلِ وُعِدُوا الجَزاءَ عَلى صَبْرِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ﴾ .
قَرَأهُ الجُمْهُورُ و(لَيَجْزِيَنَّ) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى بِعَهْدِ اللَّهِ وما بَعْدَهُ، فَهو النّاهِي والواعِدُ، فَلا جَرَمَ كانَ هو المُجازِي عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ في إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ بِنُونِ العَظَمَةِ فَهو التِفاتٌ.
و(أجْرَهم) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ الثّانِيَةِ لِـ يَجْزِيَنَّ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْطاءِ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(أحْسَنَ) صِيغَةُ تَفْضِيلٍ مُسْتَعْمَلَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في الحُسْنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]، أيْ بِسَبَبِ عَمَلِهِمُ البالِغِ في الحُسْنِ، وهو عَمَلُ الدَّوامِ عَلى الإسْلامِ مَعَ تَجَرُّعِ ألَمِ الفِتْنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ أكَّدَ الوَعْدَ بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ.
النحل 16:97
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا كانَ الوَعْدُ المُتَقَدِّمُ بُقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] خاصًّا بِأُولَئِكَ الَّذِينَ نُهُوا عَنْ أنْ يَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا عَقَّبَ بِتَعْمِيمِهِ لِكُلِّ مَن ساواهم في الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ والعَمَلِ الصّالِحِ مَعَ التَّبْيِينِ لِلْأجْرِ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلَّتِي قَبْلَها، والبَيانِ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن مُجْمَلِ الأجْرِ، وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ يُوجِبُ فَصْلَهُما عَمّا قَبْلَها.
صفحة ٢٧٣
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ تَبْيِينٌ لِلْعُمُومِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ (مَن) المَوْصُولَةُ، وفي هَذا البَيانِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أحْكامَ الإسْلامِ يَسْتَوِي فِيها الذُّكُورُ والنِّساءُ، عَدا ما خَصَّصَهُ الدِّينُ بِأحَدِ الصِّنْفَيْنِ، وأكَّدَ هَذا الوَعْدَ كَما أكَّدَ المُبَيَّنَ بِهِ.
وذُكِرَ (لَنُحْيِيَنَّهُ) لِيُبْنى عَلَيْهِ بَيانُ نَوْعِ الحَياةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَياةً طَيِّبَةً﴾، وذَلِكَ المَصْدَرُ هو المَقْصُودُ، أيْ لَنَجْعَلَنَّ لَهُ حَياةً طَيِّبَةً، وابْتُدِئِ الوَعْدُ بِإسْنادِ الإحْياءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَهُ حَياةٌ طَيِّبَةٌ مِنّا، ولَمّا كانَتْ حَياةُ الذّاتِ لَها مُدَّةٌ مُعَيَّنَةٌ كَثُرَ إطْلاقُ الحَياةِ عَلى مُدَّتِها، فَوَصَفَها بِالطِّيبِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، أيْ طَيِّبٌ ما يَحْصُلُ فِيها، فَهَذا الوَصْفُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أيْ طَيِّبًا ما فِيها، ويُقارِنُها مِنَ الأحْوالِ العارِضَةِ لِلْمَرْءِ في مُدَّةِ حَيّاتِهِ، فَمَن ماتَ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَلِمُوا صالِحًا عَوَّضَهُ اللَّهُ عَنْ عَمَلِهِ ما فاتَهُ مِن وعْدِهِ.
ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في الصَّحِيحِ عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: هاجَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ، فَمِنّا مَن مَضى لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، كانَ مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَتْرُكْ إلّا نَمِرَةً كُنّا إذا غَطَّيْنا بِها رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاهُ، وإذا غُطِّيَ بِها رِجْلاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ، ومِنّا مَن أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يَهْدِبُها.
والطَّيِّبُ: ما يَطِيبُ ويَحْسُنُ، وضِدُّ الطَّيِّبِ: الخَبِيثُ والسَّيِّئُ، وهَذا وعْدٌ بِخَيْراتِ الدُّنْيا، وأعْظَمُها الرِّضى بِما قَسَمَ لَهم، وحُسْنُ أمَلِهِمْ بِالعاقِبَةِ والصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وعِزَّةُ الإسْلامِ في نُفُوسِهِمْ، وهَذا مَقامٌ دَقِيقٌ تَتَفاوَتُ فِيهِ الأحْوالُ عَلى تَفاوُتِ سَرائِرِ النُّفُوسِ، ويُعْطِي اللَّهُ فِيهِ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى مَراتِبِ هِمَمِهِمْ وآمالِهِمْ، ومَن راقَبَ نَفْسَهُ رَأى شَواهِدَ هَذا.
وقَدْ عَقَّبَ بِوَعْدِ جَزاءِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فاخْتَصَّ هَذا بِأجْرِ الآخِرَةِ بِالقَرِينَةِ بِخِلافِ نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، فَإنَّهُ عامٌّ في الجَزاءَيْنِ.
النحل 16:98
صفحة ٢٧٤
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾
مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ هُنا خَفِيٌّ ودَقِيقٌ، ولِذَلِكَ تَصَدّى بَعْضُ حُذّاقِ المُفَسِّرِينَ إلى البَحْثِ عَنْهُ، فَقالَ في الكَشّافِ: لَمّا ذَكَرَ العَمَلَ الصّالِحُ، ووَعَدَ عَلَيْهِ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ إيذانًا بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ مِن جُمْلَةِ الأعْمالِ الَّتِي يُجْزَلُ عَلَيْها الثَّوابُ اهـ.
وهُوَ إبْداءُ مُناسَبَةٍ ضَعِيفَةٍ لا تَقْتَضِي تَمَكُّنَ ارْتِباطِ أجْزاءِ النَّظْمِ.
وقالَ فَخْرُ الدِّينِ: لَمّا قالَ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي تَخْلُصُ بِهِ الأعْمالُ مِنَ الوَسْواسِ اهـ.
وهُوَ أمْكَنُ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وزادَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا كانَ مَدارُ الجَزاءِ هو حُسْنَ العَمَلِ؛ رَتَّبَ عَلَيْهِ الإرْشادَ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ بِأنْ يَخْلُصَ مِن شَوْبِ الفَسادِ، وفي كَلامَيْهِما مِنَ الوَهَنِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الِاسْتِعاذَةِ بِإرادَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ.
وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: الفاءُ في فَإذا واصِلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، فَتَكُونُ الفاءُ عَلى هَذا لِمُجَرَّدِ وصْلِ كَلامٍ بِكَلامٍ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِالِاسْتِعْمالِ، والعُهْدَةُ عَلَيْهِ.
وقالَ شَرَفُ الدِّينِ الطَّيْبِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ مُتَّصِلٌ بِالفاءِ بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِإنْزالِ كِتابٍ جامِعٍ لِصِفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلٍّ شَيْءٍ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِالكَلِمَةِ الجامِعَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]
صفحة ٢٧٥
الآيَةَ، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وأكَّدَهُ ذَلِكَ التَّأْكِيدَ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾، أيْ إذا شَرَعْتَ في قِراءَةِ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ الجامِعِ الَّذِي نَبَّهْتَ عَلى بَعْضِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ونازَعَكَ فِيهِ الشَّيْطانُ بِهَمْزِهِ ونَفْثِهِ؛ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنهُ، والمَقْصُودُ إرْشادُ الأُمَّةِ اهـ.
وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ، وقَدِ انْقَدَحَ في فِكْرِي قَبْلَ مُطالَعَةِ كَلامِهِ ثُمَّ وجَدْتُهُ في كَلامِهِ فَحَمِدْتُ اللَّهَ، وتَرَحَّمْتُهُ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ فَما بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا﴾ [النحل: ٨٩] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ الشُّرُوعُ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ.
وإظْهارُ اسْمِ القُرْآنِ دُونَ أنْ يُضْمَرَ لِلْكِتابِ؛ لِأجْلِ بُعْدِ المَعادِ.
والأظْهَرُ أنَّ (قَرَأْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ الفِعْلِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أيْ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى أزْواجِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] في سُورَةِ المُجادَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩] في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ أوْشَكُوا أنْ يَتْرُكُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، أيْ إذا أرَدْتُمْ أنْ تَسْألُوهُنَّ، وفي الحَدِيثِ «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ» .
وحَمَلَهُ قَلِيلٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى الظّاهِرِ مِن وُقُوعِ الفِعْلِ، فَجَعَلُوا إيقاعَ الِاسْتِعاذَةِ بَعْدَ القِراءَةِ، ونُسِبَ إلى مالِكٍ في المَجْمُوعَةِ، والصَّحِيحُ عَنْ مالِكٍ خِلافُهُ، ونُسِبَ إلى النَّخَعِيِّ، وابْنِ سِيرِينَ وداوُدَ الظّاهِرِيِّ، ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
والباءُ في بِاللَّهِ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الِاسْتِعاذَةِ يُقالُ: عاذَ بِحِصْنٍ، وعاذَ بِالحَرَمِ.
والسِّينُ في ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لِلطَّلَبِ، أيْ فاطْلُبِ العَوْذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ، والعَوْذُ: اللَّجَأُ إلى ما يَعْصِمُ، ويَقِي مِن أمْرٍ مُضِرٍّ.
صفحة ٢٧٦
ومَعْنى طَلَبُ العَوْذِ بِاللَّهِ مُحاوَلَةُ العَوْذِ بِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في جانِبِ اللَّهِ إلّا بِالدُّعاءِ أنْ يُعِيذَهُ، ومِن أحْسَنِ الِامْتِثالِ مُحاكاةُ صِيغَةِ الأمْرِ فِيما هو مِن قَبِيلِ الأقْوالِ بِحَيْثُ لا يُغَيِّرُ إلّا التَّغْيِيرَ الَّذِي لا مَناصَ مِنهُ فَتَكُونُ مُحاكاةُ لِفْظِ اسْتَعِذْ بِما يَدُلُّ عَلى طَلَبِ العَوْذِ بِأنْ يُقالَ: أسْتُعِيذَ، أوْ: أعُوذُ، فاخْتِيرَ لَفْظُ أعُوذُ؛ لِأنَّهُ مِن صِيَغِ الإنْشاءِ، فَفِيهِ إنْشاءُ الطَّلَبِ لَفْظُ أسْتَعِيذُ فَإنَّهُ أخْفى في إنْشاءِ الطَّلَبِ، عَلى اقْتِداءٍ بِما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] وأبْقى ما عَدا ذَلِكَ مِن ألْفاظِ آيَةِ الِاسْتِعاذَةِ عَلى حالِهِ، وهَذا أبْدَعُ الأمْثالِ، فَقَدْ ورَدَ في عَمَلِ النَّبِيءِ ﷺ بِهَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «أُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» يُحاكِي لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَقُلْ في الِاسْتِعاذَةِ ﴿أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]؛ لِأنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ قِراءَةِ القُرْآنِ، ولَمْ يُحاكِهِ النَّبِيءُ ﷺ في اسْتِعاذَتِهِ لِلْقِراءَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيءِ زِيادَةٌ عَلى هَذا اللَّفْظِ، وما يُرْوى مِنَ الزِّياداتِ لَمْ يَصِحَّ مِنهُ شَيْءٌ، وجاءَ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مَن هَمْزِهِ» إلَخْ، فَتِلْكَ اسْتِعاذَةُ تَعَوُّذٍ، ولَيْسَتِ الِاسْتِعاذَةُ لِأجْلِ قِراءَةِ القُرْآنِ.
واسْمُ الشَّيْطانِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إلى شَيْطانِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والرَّجِيمِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ عُمُومُهُ لِأُمَّتِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
وإنَّما شُرِعَتْ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ ابْتِداءِ القِراءَةِ؛ إيذانًا بِنَفاسَةِ القُرْآنِ ونَزاهَتِهِ؛ إذْ هو نازِلٌ مِنَ العالَمِ القُدْسِيِّ المَلَكِيِّ، فَجَعَلَ افْتِتاحَ قِراءَتَهُ بِالتَّجَرُّدِ عَنِ النَّقائِصِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولا اسْتِطاعَةُ لِلْعَبْدِ أنْ يَدْفَعَ تِلْكَ النَّقائِصَ عَنْ نَفْسِهِ إلّا بِأنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يُبْعِدَ الشَّيْطانَ عَنْهُ بِأنْ يَعُوذَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ جانِبَ اللَّهِ قُدْسِيٌّ لا تَسَلُكُ الشَّياطِينُ إلى مَن يَأْوِي إلَيْهِ، فَأرْشَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ إلى سُؤالِ
صفحة ٢٧٧
ذَلِكَ وضَمِنَ لَهُ أنْ يُعِيذَهُ مِنهُ، وأنْ يُعِيذَ أُمَّتَهُ عَوْذًا مُناسِبًا، كَما شُرِعَتِ التَّسْمِيَةُ في الأُمُورِ ذَواتِ البالِ، وكَما شُرِعَتِ الطَّهارَةُ لِلصَّلاةِ.
وإنَّما لَمْ تُشْرَعْ لِذَلِكَ كَلِمَةُ باسِمِ اللَّهِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَخَلٍّ عَنِ النَّقائِصِ لا مَقامُ اسْتِجْلابِ التَّيَمُّنِ والبَرَكَةِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَفْسَهُ يُمْنٌ وبَرَكَةٌ، وكَمالٌ تامٌّ، فالتَّيَمُّنُ حاصِلٌ، وإنَّما يُخْشى الشَّيْطانُ أنْ يَغْشى بَرَكاتِهِ فَيُدْخِلَ فِيها ما يُنْقِصُها، فَإنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ عِبارَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النُّطْقِ بِألْفاظِهِ، والتَّفَهُّمِ لِمَعانِيهِ وكِلاهُما مُعَرَّضٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وسُوسَةً تَتَعَلَّقُ بِألْفاظِهِ مِثْلُ الإنْساءِ؛ لِأنَّ الإنْساءَ يُضِيعُ عَلى القارِئِ ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ المِقْدارُ المَنسِيُّ مِن إرْشادٍ، ووَسْوَسَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَعانِيهِ مِثْلُ أنْ يُخْطِئَ فَهْمًا أوْ يَقْلِبَ عَلَيْهِ مُرادًا، وذَلِكَ أشَدُّ مِن وسْوَسَةِ الإنْساءِ، وهَذا المَعْنى يُلائِمُ مَحْمَلَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ.
فَأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا تَعَلُّقَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ أنَّها بَعْدَ الفَراغِ مِنَ القِراءَةِ، فَقالُوا؛ لِأنَّ القارِئَ كانَ في عِبادَةٍ فَرُبَّما دَخَلَهُ عُجْبٌ أوْ رِياءٌ، وهُما مِنَ الشَّيْطانِ؛ فَأُمِرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ لِلسَّلامَةِ مِن تَسْوِيلِهِ ذَلِكَ.
ومَحْمَلُ الأمْرِ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى النَّدْبِ؛ لِانْتِفاءِ أماراتِ الإيجابِ، فَإنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَيَّنَهُ، فَمِنَ العُلَماءِ مَن نَدَبَهُ مُطْلَقًا في الصَّلاةِ، وغَيْرِها عِنْدَ كُلِّ قِراءَةٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم جَمِيعَ قِراءَةِ الصَّلاةِ قِراءَةً واحِدَةً تَكْفِي اسْتِعاذَةٌ واحِدَةٌ في أوَّلِها، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ هَؤُلاءِ، ومِنهم مَن جَعَلَ قِراءَةَ كُلِّ رَكْعَةٍ قِراءَةً مُسْتَقِلَّةً.
ومِنَ العُلَماءِ مَن جَعَلَهُ مَندُوبًا لِلْقِراءَةِ في غَيْرِ الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وكَرِهَها في قِراءَةِ صَلاةِ الفَرِيضَةِ، وأباحَها بِلا نَدْبٍ في قِراءَةِ صَلاةِ النّافِلَةِ.
ولَعَلَّهُ رَأى أنَّ في الصَّلاةِ كِفايَةً في الحِفْظِ مِنَ الشَّيْطانِ.
وقِيلَ: الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَقِيلَ في قِراءَةِ الصَّلاةِ خاصَّةً، ونُسِبَ إلى عَطاءٍ، وقَدْ أطْلَقَ القُرْآنَ عَلى قُرْآنِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
صفحة ٢٧٨
وقالَ: الثَّوْرِيُّ بِالوُجُوبِ في قِراءَةِ الصَّلاةِ وغَيْرِها، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ تَجِبُ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ القِراءَةِ مَرَّةً في العُمْرِ، وقالَ قَوْمٌ: الوُجُوبُ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ، والنَّدَبُ لِبَقِيَّةِ أُمَّتِهِ.
ومَدارِكُ هَذِهِ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى تَأْوِيلِ الفِعْلِ في قَوْلِهِ تَعالى (قَرَأْتَ)، وتَأْوِيلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى فاسْتَعِذْ، وتَأْوِيلُ القُرْآنِ مَعَ ما حَفَّ بِذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ فِعْلًا وتَرْكًا.
وعَلى الأقْوالِ كُلِّها: فالِاسْتِعاذَةُ مَشْرُوعَةٌ لِلشُّرُوعِ في القِراءَةِ، أوْ لِإرادَتِهِ، ولَيْسَتْ مَشْرُوعَةً عِنْدَ كُلِّ تَلَفُّظٍ بِألْفاظِ القُرْآنِ كالنُّطْقِ بِآيَةٍ أوْ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ في التَّعْلِيمِ أوِ المَوْعِظَةِ أوْ شِبْهِهِما، خِلافًا لِما يَفْعَلُهُ بَعْضُ المُتَحَذِّقِينَ إذا ساقَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ في غَيْرِ مَقامِ القِراءَةِ أنْ يَقُولَ: كَقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ويَسُوقُ آيَةً.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ﴾ الآيَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ عِنْدَ إرادَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ، وبَيانٌ لِصِفَةِ الِاسْتِعاذَةِ.
فَأمّا كَوْنُها تَعْلِيلًا؛ فَلِزِيادَةِ الحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَمْنَعُ تَسَلُّطَ الشَّيْطانِ عَلى المُسْتَعِيذِ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَنَعَهُ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا المُتَوَكِّلِينَ، والِاسْتِعاذَةُ مِنهُ شُعْبَةٌ مِن شُعَبِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّجَأ إلَيْهِ تَوَكُّلٌ عَلَيْهِ، وفي الإعْلامِ بِالعِلَّةِ تَنْشِيطٌ لِلْمَأْمُورِ بِالفِعْلِ عَلى الِامْتِثالِ إذْ يَصِيرُ عالِمًا بِالحِكْمَةِ، وأمّا كَوْنُها بَيانًا فَلِما تَضَمَّنَتْهُ مِن ذِكْرِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ الِاسْتِعاذَةَ إعْرابٌ عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِدَفْعِ الشَّيْطانِ؛ لِيَعْقِدَ المُسْتَعِيذُ نِيَّتَهُ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَتِ الِاسْتِعاذَةُ مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِدُونِ اسْتِحْضارِ نِيَّةِ العَوْذِ بِاللَّهِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْمَوْصُولِ، وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ، أيْ لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى رَبِّهِمْ، وجَعَلَ فِعْلَها مُضارِعًا؛ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ التَّوَكُّلِ واسْتِمْرارِهِ، فَنَفْيُ سُلْطانِ الشَّيْطانِ مَشْرُوطٌ بِالأمْرَيْنِ: الإيمانُ، والتَّوَكُّلُ، ومِن هَذا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] .
صفحة ٢٧٩
والسُّلْطانُ: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الغُفْرانِ، وهو التَّسَلُّطُ والتَّصَرُّفُ المَكِينُ.
فالمَعْنى أنَّ الإيمانَ مَبْدَأٌ لِتَوْهِينِ سُلْطانِ الشَّيْطانِ في نَفْسِ المُؤْمِنِ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْهِ التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ انْدَفَعَ سُلْطانُ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنَ المُتَوَكِّلِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ قَبْلَها يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: فَسُلْطانُهُ عَلى مَن ؟ .
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرٌ إضافِيٌّ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ، أيْ بِدُونِ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، فَحَصَلَ بِهِ تَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَقْرِيرِ مَضْمُونِها، فَلا يُفْهَمُ مِنَ القَصْرِ أنَّهُ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى غَيْرِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أهْمَلُوا التَّوَكُّلَ، والَّذِينَ انْخَدَعُوا لِبَعْضِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ.
ومَعْنى يَتَوَلَّوْنَهُ يَتَّخِذُونَهُ ولِيًّا لَهم، وهُمُ المُلازِمُونَ لِلْمِلَلِ المُؤَسَّسَةِ عَلى ما يُخالِفُ الهَدْيَ الإلَهِيَّ عَنْ رَغْبَةٍ فِيها. ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ فَرِيقُ غَيْرِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ المُغايَرَةَ، وهم أصْنافٌ كَثِيرَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾؛ لِأنَّ وِلايَتَهم لِلشَّيْطانِ أقْوى.
وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّوَلِّي، أيِ الَّذِينَ يُجَدِّدُونَ تَوَلِّيهِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم كُلَّما تَوَلَّوْهُ بِالمَيْلِ إلى طاعَتِهِ تَمَكَّنَ مِنهم سُلْطانُهُ، وأنَّهُ إذا انْقَطَعَ التَّوَلِّي بِالإقْلاعِ أوِ التَّوْبَةِ انْسَلَخَ سُلْطانُهُ عَلَيْهِمْ، وإنَّما عُطِفَ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ دُونَ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الوَصْفَيْنِ كَصِلَةٍ واحِدَةٍ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ اجْتِماعُ الصِّلَتَيْنِ.
والباءُ في ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى الشَّيْطانِ، أيْ صارُوا مُشْرِكِينَ بِسَبَبِهِ، ولَيْسَتْ هي كالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الأعراف: ٣٣] .
صفحة ٢٨٠
وجُعِلَتِ الصِّلَةُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً؛ لِدَلالَتِها عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ؛ لِأنَّ الإشْراكَ صِفَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ؛ لِأنَّ قَرارَها القَلْبُ بِخِلافِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَظاهِرَها الجَوارِحُ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ سُلْطانَ الشَّيْطانِ عَلى المُشْرِكِينَ أشُدُّ وأدْوَمُ؛ لِأنَّ سَبَبَهُ ثابِتٌ ودائِمٌ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ ما أشْرَكُوا إلّا بِسَبَبِهِ، رَدًّا عَلَيْهِمْ إذْ يَقُولُونَ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلُهم ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] وقَوْلُهم ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] .
النحل 16:99
صفحة ٢٧٤
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾
مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ هُنا خَفِيٌّ ودَقِيقٌ، ولِذَلِكَ تَصَدّى بَعْضُ حُذّاقِ المُفَسِّرِينَ إلى البَحْثِ عَنْهُ، فَقالَ في الكَشّافِ: لَمّا ذَكَرَ العَمَلَ الصّالِحُ، ووَعَدَ عَلَيْهِ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ إيذانًا بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ مِن جُمْلَةِ الأعْمالِ الَّتِي يُجْزَلُ عَلَيْها الثَّوابُ اهـ.
وهُوَ إبْداءُ مُناسَبَةٍ ضَعِيفَةٍ لا تَقْتَضِي تَمَكُّنَ ارْتِباطِ أجْزاءِ النَّظْمِ.
وقالَ فَخْرُ الدِّينِ: لَمّا قالَ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي تَخْلُصُ بِهِ الأعْمالُ مِنَ الوَسْواسِ اهـ.
وهُوَ أمْكَنُ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وزادَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا كانَ مَدارُ الجَزاءِ هو حُسْنَ العَمَلِ؛ رَتَّبَ عَلَيْهِ الإرْشادَ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ بِأنْ يَخْلُصَ مِن شَوْبِ الفَسادِ، وفي كَلامَيْهِما مِنَ الوَهَنِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الِاسْتِعاذَةِ بِإرادَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ.
وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: الفاءُ في فَإذا واصِلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، فَتَكُونُ الفاءُ عَلى هَذا لِمُجَرَّدِ وصْلِ كَلامٍ بِكَلامٍ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِالِاسْتِعْمالِ، والعُهْدَةُ عَلَيْهِ.
وقالَ شَرَفُ الدِّينِ الطَّيْبِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ مُتَّصِلٌ بِالفاءِ بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِإنْزالِ كِتابٍ جامِعٍ لِصِفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلٍّ شَيْءٍ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِالكَلِمَةِ الجامِعَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]
صفحة ٢٧٥
الآيَةَ، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وأكَّدَهُ ذَلِكَ التَّأْكِيدَ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾، أيْ إذا شَرَعْتَ في قِراءَةِ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ الجامِعِ الَّذِي نَبَّهْتَ عَلى بَعْضِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ونازَعَكَ فِيهِ الشَّيْطانُ بِهَمْزِهِ ونَفْثِهِ؛ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنهُ، والمَقْصُودُ إرْشادُ الأُمَّةِ اهـ.
وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ، وقَدِ انْقَدَحَ في فِكْرِي قَبْلَ مُطالَعَةِ كَلامِهِ ثُمَّ وجَدْتُهُ في كَلامِهِ فَحَمِدْتُ اللَّهَ، وتَرَحَّمْتُهُ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ فَما بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا﴾ [النحل: ٨٩] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ الشُّرُوعُ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ.
وإظْهارُ اسْمِ القُرْآنِ دُونَ أنْ يُضْمَرَ لِلْكِتابِ؛ لِأجْلِ بُعْدِ المَعادِ.
والأظْهَرُ أنَّ (قَرَأْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ الفِعْلِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أيْ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى أزْواجِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] في سُورَةِ المُجادَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩] في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ أوْشَكُوا أنْ يَتْرُكُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، أيْ إذا أرَدْتُمْ أنْ تَسْألُوهُنَّ، وفي الحَدِيثِ «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ» .
وحَمَلَهُ قَلِيلٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى الظّاهِرِ مِن وُقُوعِ الفِعْلِ، فَجَعَلُوا إيقاعَ الِاسْتِعاذَةِ بَعْدَ القِراءَةِ، ونُسِبَ إلى مالِكٍ في المَجْمُوعَةِ، والصَّحِيحُ عَنْ مالِكٍ خِلافُهُ، ونُسِبَ إلى النَّخَعِيِّ، وابْنِ سِيرِينَ وداوُدَ الظّاهِرِيِّ، ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
والباءُ في بِاللَّهِ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الِاسْتِعاذَةِ يُقالُ: عاذَ بِحِصْنٍ، وعاذَ بِالحَرَمِ.
والسِّينُ في ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لِلطَّلَبِ، أيْ فاطْلُبِ العَوْذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ، والعَوْذُ: اللَّجَأُ إلى ما يَعْصِمُ، ويَقِي مِن أمْرٍ مُضِرٍّ.
صفحة ٢٧٦
ومَعْنى طَلَبُ العَوْذِ بِاللَّهِ مُحاوَلَةُ العَوْذِ بِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في جانِبِ اللَّهِ إلّا بِالدُّعاءِ أنْ يُعِيذَهُ، ومِن أحْسَنِ الِامْتِثالِ مُحاكاةُ صِيغَةِ الأمْرِ فِيما هو مِن قَبِيلِ الأقْوالِ بِحَيْثُ لا يُغَيِّرُ إلّا التَّغْيِيرَ الَّذِي لا مَناصَ مِنهُ فَتَكُونُ مُحاكاةُ لِفْظِ اسْتَعِذْ بِما يَدُلُّ عَلى طَلَبِ العَوْذِ بِأنْ يُقالَ: أسْتُعِيذَ، أوْ: أعُوذُ، فاخْتِيرَ لَفْظُ أعُوذُ؛ لِأنَّهُ مِن صِيَغِ الإنْشاءِ، فَفِيهِ إنْشاءُ الطَّلَبِ لَفْظُ أسْتَعِيذُ فَإنَّهُ أخْفى في إنْشاءِ الطَّلَبِ، عَلى اقْتِداءٍ بِما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] وأبْقى ما عَدا ذَلِكَ مِن ألْفاظِ آيَةِ الِاسْتِعاذَةِ عَلى حالِهِ، وهَذا أبْدَعُ الأمْثالِ، فَقَدْ ورَدَ في عَمَلِ النَّبِيءِ ﷺ بِهَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «أُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» يُحاكِي لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَقُلْ في الِاسْتِعاذَةِ ﴿أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]؛ لِأنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ قِراءَةِ القُرْآنِ، ولَمْ يُحاكِهِ النَّبِيءُ ﷺ في اسْتِعاذَتِهِ لِلْقِراءَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيءِ زِيادَةٌ عَلى هَذا اللَّفْظِ، وما يُرْوى مِنَ الزِّياداتِ لَمْ يَصِحَّ مِنهُ شَيْءٌ، وجاءَ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مَن هَمْزِهِ» إلَخْ، فَتِلْكَ اسْتِعاذَةُ تَعَوُّذٍ، ولَيْسَتِ الِاسْتِعاذَةُ لِأجْلِ قِراءَةِ القُرْآنِ.
واسْمُ الشَّيْطانِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إلى شَيْطانِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والرَّجِيمِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ عُمُومُهُ لِأُمَّتِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
وإنَّما شُرِعَتْ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ ابْتِداءِ القِراءَةِ؛ إيذانًا بِنَفاسَةِ القُرْآنِ ونَزاهَتِهِ؛ إذْ هو نازِلٌ مِنَ العالَمِ القُدْسِيِّ المَلَكِيِّ، فَجَعَلَ افْتِتاحَ قِراءَتَهُ بِالتَّجَرُّدِ عَنِ النَّقائِصِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولا اسْتِطاعَةُ لِلْعَبْدِ أنْ يَدْفَعَ تِلْكَ النَّقائِصَ عَنْ نَفْسِهِ إلّا بِأنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يُبْعِدَ الشَّيْطانَ عَنْهُ بِأنْ يَعُوذَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ جانِبَ اللَّهِ قُدْسِيٌّ لا تَسَلُكُ الشَّياطِينُ إلى مَن يَأْوِي إلَيْهِ، فَأرْشَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ إلى سُؤالِ
صفحة ٢٧٧
ذَلِكَ وضَمِنَ لَهُ أنْ يُعِيذَهُ مِنهُ، وأنْ يُعِيذَ أُمَّتَهُ عَوْذًا مُناسِبًا، كَما شُرِعَتِ التَّسْمِيَةُ في الأُمُورِ ذَواتِ البالِ، وكَما شُرِعَتِ الطَّهارَةُ لِلصَّلاةِ.
وإنَّما لَمْ تُشْرَعْ لِذَلِكَ كَلِمَةُ باسِمِ اللَّهِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَخَلٍّ عَنِ النَّقائِصِ لا مَقامُ اسْتِجْلابِ التَّيَمُّنِ والبَرَكَةِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَفْسَهُ يُمْنٌ وبَرَكَةٌ، وكَمالٌ تامٌّ، فالتَّيَمُّنُ حاصِلٌ، وإنَّما يُخْشى الشَّيْطانُ أنْ يَغْشى بَرَكاتِهِ فَيُدْخِلَ فِيها ما يُنْقِصُها، فَإنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ عِبارَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النُّطْقِ بِألْفاظِهِ، والتَّفَهُّمِ لِمَعانِيهِ وكِلاهُما مُعَرَّضٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وسُوسَةً تَتَعَلَّقُ بِألْفاظِهِ مِثْلُ الإنْساءِ؛ لِأنَّ الإنْساءَ يُضِيعُ عَلى القارِئِ ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ المِقْدارُ المَنسِيُّ مِن إرْشادٍ، ووَسْوَسَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَعانِيهِ مِثْلُ أنْ يُخْطِئَ فَهْمًا أوْ يَقْلِبَ عَلَيْهِ مُرادًا، وذَلِكَ أشَدُّ مِن وسْوَسَةِ الإنْساءِ، وهَذا المَعْنى يُلائِمُ مَحْمَلَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ.
فَأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا تَعَلُّقَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ أنَّها بَعْدَ الفَراغِ مِنَ القِراءَةِ، فَقالُوا؛ لِأنَّ القارِئَ كانَ في عِبادَةٍ فَرُبَّما دَخَلَهُ عُجْبٌ أوْ رِياءٌ، وهُما مِنَ الشَّيْطانِ؛ فَأُمِرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ لِلسَّلامَةِ مِن تَسْوِيلِهِ ذَلِكَ.
ومَحْمَلُ الأمْرِ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى النَّدْبِ؛ لِانْتِفاءِ أماراتِ الإيجابِ، فَإنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَيَّنَهُ، فَمِنَ العُلَماءِ مَن نَدَبَهُ مُطْلَقًا في الصَّلاةِ، وغَيْرِها عِنْدَ كُلِّ قِراءَةٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم جَمِيعَ قِراءَةِ الصَّلاةِ قِراءَةً واحِدَةً تَكْفِي اسْتِعاذَةٌ واحِدَةٌ في أوَّلِها، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ هَؤُلاءِ، ومِنهم مَن جَعَلَ قِراءَةَ كُلِّ رَكْعَةٍ قِراءَةً مُسْتَقِلَّةً.
ومِنَ العُلَماءِ مَن جَعَلَهُ مَندُوبًا لِلْقِراءَةِ في غَيْرِ الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وكَرِهَها في قِراءَةِ صَلاةِ الفَرِيضَةِ، وأباحَها بِلا نَدْبٍ في قِراءَةِ صَلاةِ النّافِلَةِ.
ولَعَلَّهُ رَأى أنَّ في الصَّلاةِ كِفايَةً في الحِفْظِ مِنَ الشَّيْطانِ.
وقِيلَ: الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَقِيلَ في قِراءَةِ الصَّلاةِ خاصَّةً، ونُسِبَ إلى عَطاءٍ، وقَدْ أطْلَقَ القُرْآنَ عَلى قُرْآنِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
صفحة ٢٧٨
وقالَ: الثَّوْرِيُّ بِالوُجُوبِ في قِراءَةِ الصَّلاةِ وغَيْرِها، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ تَجِبُ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ القِراءَةِ مَرَّةً في العُمْرِ، وقالَ قَوْمٌ: الوُجُوبُ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ، والنَّدَبُ لِبَقِيَّةِ أُمَّتِهِ.
ومَدارِكُ هَذِهِ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى تَأْوِيلِ الفِعْلِ في قَوْلِهِ تَعالى (قَرَأْتَ)، وتَأْوِيلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى فاسْتَعِذْ، وتَأْوِيلُ القُرْآنِ مَعَ ما حَفَّ بِذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ فِعْلًا وتَرْكًا.
وعَلى الأقْوالِ كُلِّها: فالِاسْتِعاذَةُ مَشْرُوعَةٌ لِلشُّرُوعِ في القِراءَةِ، أوْ لِإرادَتِهِ، ولَيْسَتْ مَشْرُوعَةً عِنْدَ كُلِّ تَلَفُّظٍ بِألْفاظِ القُرْآنِ كالنُّطْقِ بِآيَةٍ أوْ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ في التَّعْلِيمِ أوِ المَوْعِظَةِ أوْ شِبْهِهِما، خِلافًا لِما يَفْعَلُهُ بَعْضُ المُتَحَذِّقِينَ إذا ساقَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ في غَيْرِ مَقامِ القِراءَةِ أنْ يَقُولَ: كَقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ويَسُوقُ آيَةً.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ﴾ الآيَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ عِنْدَ إرادَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ، وبَيانٌ لِصِفَةِ الِاسْتِعاذَةِ.
فَأمّا كَوْنُها تَعْلِيلًا؛ فَلِزِيادَةِ الحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَمْنَعُ تَسَلُّطَ الشَّيْطانِ عَلى المُسْتَعِيذِ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَنَعَهُ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا المُتَوَكِّلِينَ، والِاسْتِعاذَةُ مِنهُ شُعْبَةٌ مِن شُعَبِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّجَأ إلَيْهِ تَوَكُّلٌ عَلَيْهِ، وفي الإعْلامِ بِالعِلَّةِ تَنْشِيطٌ لِلْمَأْمُورِ بِالفِعْلِ عَلى الِامْتِثالِ إذْ يَصِيرُ عالِمًا بِالحِكْمَةِ، وأمّا كَوْنُها بَيانًا فَلِما تَضَمَّنَتْهُ مِن ذِكْرِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ الِاسْتِعاذَةَ إعْرابٌ عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِدَفْعِ الشَّيْطانِ؛ لِيَعْقِدَ المُسْتَعِيذُ نِيَّتَهُ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَتِ الِاسْتِعاذَةُ مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِدُونِ اسْتِحْضارِ نِيَّةِ العَوْذِ بِاللَّهِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْمَوْصُولِ، وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ، أيْ لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى رَبِّهِمْ، وجَعَلَ فِعْلَها مُضارِعًا؛ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ التَّوَكُّلِ واسْتِمْرارِهِ، فَنَفْيُ سُلْطانِ الشَّيْطانِ مَشْرُوطٌ بِالأمْرَيْنِ: الإيمانُ، والتَّوَكُّلُ، ومِن هَذا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] .
صفحة ٢٧٩
والسُّلْطانُ: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الغُفْرانِ، وهو التَّسَلُّطُ والتَّصَرُّفُ المَكِينُ.
فالمَعْنى أنَّ الإيمانَ مَبْدَأٌ لِتَوْهِينِ سُلْطانِ الشَّيْطانِ في نَفْسِ المُؤْمِنِ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْهِ التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ انْدَفَعَ سُلْطانُ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنَ المُتَوَكِّلِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ قَبْلَها يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: فَسُلْطانُهُ عَلى مَن ؟ .
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرٌ إضافِيٌّ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ، أيْ بِدُونِ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، فَحَصَلَ بِهِ تَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَقْرِيرِ مَضْمُونِها، فَلا يُفْهَمُ مِنَ القَصْرِ أنَّهُ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى غَيْرِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أهْمَلُوا التَّوَكُّلَ، والَّذِينَ انْخَدَعُوا لِبَعْضِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ.
ومَعْنى يَتَوَلَّوْنَهُ يَتَّخِذُونَهُ ولِيًّا لَهم، وهُمُ المُلازِمُونَ لِلْمِلَلِ المُؤَسَّسَةِ عَلى ما يُخالِفُ الهَدْيَ الإلَهِيَّ عَنْ رَغْبَةٍ فِيها. ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ فَرِيقُ غَيْرِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ المُغايَرَةَ، وهم أصْنافٌ كَثِيرَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾؛ لِأنَّ وِلايَتَهم لِلشَّيْطانِ أقْوى.
وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّوَلِّي، أيِ الَّذِينَ يُجَدِّدُونَ تَوَلِّيهِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم كُلَّما تَوَلَّوْهُ بِالمَيْلِ إلى طاعَتِهِ تَمَكَّنَ مِنهم سُلْطانُهُ، وأنَّهُ إذا انْقَطَعَ التَّوَلِّي بِالإقْلاعِ أوِ التَّوْبَةِ انْسَلَخَ سُلْطانُهُ عَلَيْهِمْ، وإنَّما عُطِفَ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ دُونَ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الوَصْفَيْنِ كَصِلَةٍ واحِدَةٍ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ اجْتِماعُ الصِّلَتَيْنِ.
والباءُ في ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى الشَّيْطانِ، أيْ صارُوا مُشْرِكِينَ بِسَبَبِهِ، ولَيْسَتْ هي كالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الأعراف: ٣٣] .
صفحة ٢٨٠
وجُعِلَتِ الصِّلَةُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً؛ لِدَلالَتِها عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ؛ لِأنَّ الإشْراكَ صِفَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ؛ لِأنَّ قَرارَها القَلْبُ بِخِلافِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَظاهِرَها الجَوارِحُ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ سُلْطانَ الشَّيْطانِ عَلى المُشْرِكِينَ أشُدُّ وأدْوَمُ؛ لِأنَّ سَبَبَهُ ثابِتٌ ودائِمٌ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ ما أشْرَكُوا إلّا بِسَبَبِهِ، رَدًّا عَلَيْهِمْ إذْ يَقُولُونَ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلُهم ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] وقَوْلُهم ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] .
النحل 16:100
صفحة ٢٧٤
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾
مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ هُنا خَفِيٌّ ودَقِيقٌ، ولِذَلِكَ تَصَدّى بَعْضُ حُذّاقِ المُفَسِّرِينَ إلى البَحْثِ عَنْهُ، فَقالَ في الكَشّافِ: لَمّا ذَكَرَ العَمَلَ الصّالِحُ، ووَعَدَ عَلَيْهِ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ إيذانًا بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ مِن جُمْلَةِ الأعْمالِ الَّتِي يُجْزَلُ عَلَيْها الثَّوابُ اهـ.
وهُوَ إبْداءُ مُناسَبَةٍ ضَعِيفَةٍ لا تَقْتَضِي تَمَكُّنَ ارْتِباطِ أجْزاءِ النَّظْمِ.
وقالَ فَخْرُ الدِّينِ: لَمّا قالَ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي تَخْلُصُ بِهِ الأعْمالُ مِنَ الوَسْواسِ اهـ.
وهُوَ أمْكَنُ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وزادَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا كانَ مَدارُ الجَزاءِ هو حُسْنَ العَمَلِ؛ رَتَّبَ عَلَيْهِ الإرْشادَ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ بِأنْ يَخْلُصَ مِن شَوْبِ الفَسادِ، وفي كَلامَيْهِما مِنَ الوَهَنِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الِاسْتِعاذَةِ بِإرادَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ.
وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: الفاءُ في فَإذا واصِلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، فَتَكُونُ الفاءُ عَلى هَذا لِمُجَرَّدِ وصْلِ كَلامٍ بِكَلامٍ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِالِاسْتِعْمالِ، والعُهْدَةُ عَلَيْهِ.
وقالَ شَرَفُ الدِّينِ الطَّيْبِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ مُتَّصِلٌ بِالفاءِ بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِإنْزالِ كِتابٍ جامِعٍ لِصِفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلٍّ شَيْءٍ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِالكَلِمَةِ الجامِعَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]
صفحة ٢٧٥
الآيَةَ، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وأكَّدَهُ ذَلِكَ التَّأْكِيدَ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾، أيْ إذا شَرَعْتَ في قِراءَةِ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ الجامِعِ الَّذِي نَبَّهْتَ عَلى بَعْضِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ونازَعَكَ فِيهِ الشَّيْطانُ بِهَمْزِهِ ونَفْثِهِ؛ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنهُ، والمَقْصُودُ إرْشادُ الأُمَّةِ اهـ.
وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ، وقَدِ انْقَدَحَ في فِكْرِي قَبْلَ مُطالَعَةِ كَلامِهِ ثُمَّ وجَدْتُهُ في كَلامِهِ فَحَمِدْتُ اللَّهَ، وتَرَحَّمْتُهُ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ فَما بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا﴾ [النحل: ٨٩] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ الشُّرُوعُ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ.
وإظْهارُ اسْمِ القُرْآنِ دُونَ أنْ يُضْمَرَ لِلْكِتابِ؛ لِأجْلِ بُعْدِ المَعادِ.
والأظْهَرُ أنَّ (قَرَأْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ الفِعْلِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أيْ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى أزْواجِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] في سُورَةِ المُجادَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩] في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ أوْشَكُوا أنْ يَتْرُكُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، أيْ إذا أرَدْتُمْ أنْ تَسْألُوهُنَّ، وفي الحَدِيثِ «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ» .
وحَمَلَهُ قَلِيلٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى الظّاهِرِ مِن وُقُوعِ الفِعْلِ، فَجَعَلُوا إيقاعَ الِاسْتِعاذَةِ بَعْدَ القِراءَةِ، ونُسِبَ إلى مالِكٍ في المَجْمُوعَةِ، والصَّحِيحُ عَنْ مالِكٍ خِلافُهُ، ونُسِبَ إلى النَّخَعِيِّ، وابْنِ سِيرِينَ وداوُدَ الظّاهِرِيِّ، ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
والباءُ في بِاللَّهِ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الِاسْتِعاذَةِ يُقالُ: عاذَ بِحِصْنٍ، وعاذَ بِالحَرَمِ.
والسِّينُ في ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لِلطَّلَبِ، أيْ فاطْلُبِ العَوْذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ، والعَوْذُ: اللَّجَأُ إلى ما يَعْصِمُ، ويَقِي مِن أمْرٍ مُضِرٍّ.
صفحة ٢٧٦
ومَعْنى طَلَبُ العَوْذِ بِاللَّهِ مُحاوَلَةُ العَوْذِ بِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في جانِبِ اللَّهِ إلّا بِالدُّعاءِ أنْ يُعِيذَهُ، ومِن أحْسَنِ الِامْتِثالِ مُحاكاةُ صِيغَةِ الأمْرِ فِيما هو مِن قَبِيلِ الأقْوالِ بِحَيْثُ لا يُغَيِّرُ إلّا التَّغْيِيرَ الَّذِي لا مَناصَ مِنهُ فَتَكُونُ مُحاكاةُ لِفْظِ اسْتَعِذْ بِما يَدُلُّ عَلى طَلَبِ العَوْذِ بِأنْ يُقالَ: أسْتُعِيذَ، أوْ: أعُوذُ، فاخْتِيرَ لَفْظُ أعُوذُ؛ لِأنَّهُ مِن صِيَغِ الإنْشاءِ، فَفِيهِ إنْشاءُ الطَّلَبِ لَفْظُ أسْتَعِيذُ فَإنَّهُ أخْفى في إنْشاءِ الطَّلَبِ، عَلى اقْتِداءٍ بِما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] وأبْقى ما عَدا ذَلِكَ مِن ألْفاظِ آيَةِ الِاسْتِعاذَةِ عَلى حالِهِ، وهَذا أبْدَعُ الأمْثالِ، فَقَدْ ورَدَ في عَمَلِ النَّبِيءِ ﷺ بِهَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «أُعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» يُحاكِي لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَقُلْ في الِاسْتِعاذَةِ ﴿أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]؛ لِأنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ قِراءَةِ القُرْآنِ، ولَمْ يُحاكِهِ النَّبِيءُ ﷺ في اسْتِعاذَتِهِ لِلْقِراءَةِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيءِ زِيادَةٌ عَلى هَذا اللَّفْظِ، وما يُرْوى مِنَ الزِّياداتِ لَمْ يَصِحَّ مِنهُ شَيْءٌ، وجاءَ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مَن هَمْزِهِ» إلَخْ، فَتِلْكَ اسْتِعاذَةُ تَعَوُّذٍ، ولَيْسَتِ الِاسْتِعاذَةُ لِأجْلِ قِراءَةِ القُرْآنِ.
واسْمُ الشَّيْطانِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إلى شَيْطانِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والرَّجِيمِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ عُمُومُهُ لِأُمَّتِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
وإنَّما شُرِعَتْ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ ابْتِداءِ القِراءَةِ؛ إيذانًا بِنَفاسَةِ القُرْآنِ ونَزاهَتِهِ؛ إذْ هو نازِلٌ مِنَ العالَمِ القُدْسِيِّ المَلَكِيِّ، فَجَعَلَ افْتِتاحَ قِراءَتَهُ بِالتَّجَرُّدِ عَنِ النَّقائِصِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولا اسْتِطاعَةُ لِلْعَبْدِ أنْ يَدْفَعَ تِلْكَ النَّقائِصَ عَنْ نَفْسِهِ إلّا بِأنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يُبْعِدَ الشَّيْطانَ عَنْهُ بِأنْ يَعُوذَ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ جانِبَ اللَّهِ قُدْسِيٌّ لا تَسَلُكُ الشَّياطِينُ إلى مَن يَأْوِي إلَيْهِ، فَأرْشَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ إلى سُؤالِ
صفحة ٢٧٧
ذَلِكَ وضَمِنَ لَهُ أنْ يُعِيذَهُ مِنهُ، وأنْ يُعِيذَ أُمَّتَهُ عَوْذًا مُناسِبًا، كَما شُرِعَتِ التَّسْمِيَةُ في الأُمُورِ ذَواتِ البالِ، وكَما شُرِعَتِ الطَّهارَةُ لِلصَّلاةِ.
وإنَّما لَمْ تُشْرَعْ لِذَلِكَ كَلِمَةُ باسِمِ اللَّهِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَخَلٍّ عَنِ النَّقائِصِ لا مَقامُ اسْتِجْلابِ التَّيَمُّنِ والبَرَكَةِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَفْسَهُ يُمْنٌ وبَرَكَةٌ، وكَمالٌ تامٌّ، فالتَّيَمُّنُ حاصِلٌ، وإنَّما يُخْشى الشَّيْطانُ أنْ يَغْشى بَرَكاتِهِ فَيُدْخِلَ فِيها ما يُنْقِصُها، فَإنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ عِبارَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النُّطْقِ بِألْفاظِهِ، والتَّفَهُّمِ لِمَعانِيهِ وكِلاهُما مُعَرَّضٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وسُوسَةً تَتَعَلَّقُ بِألْفاظِهِ مِثْلُ الإنْساءِ؛ لِأنَّ الإنْساءَ يُضِيعُ عَلى القارِئِ ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ المِقْدارُ المَنسِيُّ مِن إرْشادٍ، ووَسْوَسَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَعانِيهِ مِثْلُ أنْ يُخْطِئَ فَهْمًا أوْ يَقْلِبَ عَلَيْهِ مُرادًا، وذَلِكَ أشَدُّ مِن وسْوَسَةِ الإنْساءِ، وهَذا المَعْنى يُلائِمُ مَحْمَلَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ.
فَأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا تَعَلُّقَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ أنَّها بَعْدَ الفَراغِ مِنَ القِراءَةِ، فَقالُوا؛ لِأنَّ القارِئَ كانَ في عِبادَةٍ فَرُبَّما دَخَلَهُ عُجْبٌ أوْ رِياءٌ، وهُما مِنَ الشَّيْطانِ؛ فَأُمِرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ لِلسَّلامَةِ مِن تَسْوِيلِهِ ذَلِكَ.
ومَحْمَلُ الأمْرِ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى النَّدْبِ؛ لِانْتِفاءِ أماراتِ الإيجابِ، فَإنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَيَّنَهُ، فَمِنَ العُلَماءِ مَن نَدَبَهُ مُطْلَقًا في الصَّلاةِ، وغَيْرِها عِنْدَ كُلِّ قِراءَةٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم جَمِيعَ قِراءَةِ الصَّلاةِ قِراءَةً واحِدَةً تَكْفِي اسْتِعاذَةٌ واحِدَةٌ في أوَّلِها، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ هَؤُلاءِ، ومِنهم مَن جَعَلَ قِراءَةَ كُلِّ رَكْعَةٍ قِراءَةً مُسْتَقِلَّةً.
ومِنَ العُلَماءِ مَن جَعَلَهُ مَندُوبًا لِلْقِراءَةِ في غَيْرِ الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وكَرِهَها في قِراءَةِ صَلاةِ الفَرِيضَةِ، وأباحَها بِلا نَدْبٍ في قِراءَةِ صَلاةِ النّافِلَةِ.
ولَعَلَّهُ رَأى أنَّ في الصَّلاةِ كِفايَةً في الحِفْظِ مِنَ الشَّيْطانِ.
وقِيلَ: الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَقِيلَ في قِراءَةِ الصَّلاةِ خاصَّةً، ونُسِبَ إلى عَطاءٍ، وقَدْ أطْلَقَ القُرْآنَ عَلى قُرْآنِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
صفحة ٢٧٨
وقالَ: الثَّوْرِيُّ بِالوُجُوبِ في قِراءَةِ الصَّلاةِ وغَيْرِها، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ تَجِبُ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ القِراءَةِ مَرَّةً في العُمْرِ، وقالَ قَوْمٌ: الوُجُوبُ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ، والنَّدَبُ لِبَقِيَّةِ أُمَّتِهِ.
ومَدارِكُ هَذِهِ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى تَأْوِيلِ الفِعْلِ في قَوْلِهِ تَعالى (قَرَأْتَ)، وتَأْوِيلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى فاسْتَعِذْ، وتَأْوِيلُ القُرْآنِ مَعَ ما حَفَّ بِذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ فِعْلًا وتَرْكًا.
وعَلى الأقْوالِ كُلِّها: فالِاسْتِعاذَةُ مَشْرُوعَةٌ لِلشُّرُوعِ في القِراءَةِ، أوْ لِإرادَتِهِ، ولَيْسَتْ مَشْرُوعَةً عِنْدَ كُلِّ تَلَفُّظٍ بِألْفاظِ القُرْآنِ كالنُّطْقِ بِآيَةٍ أوْ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ في التَّعْلِيمِ أوِ المَوْعِظَةِ أوْ شِبْهِهِما، خِلافًا لِما يَفْعَلُهُ بَعْضُ المُتَحَذِّقِينَ إذا ساقَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ في غَيْرِ مَقامِ القِراءَةِ أنْ يَقُولَ: كَقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ويَسُوقُ آيَةً.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ﴾ الآيَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ عِنْدَ إرادَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ، وبَيانٌ لِصِفَةِ الِاسْتِعاذَةِ.
فَأمّا كَوْنُها تَعْلِيلًا؛ فَلِزِيادَةِ الحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَمْنَعُ تَسَلُّطَ الشَّيْطانِ عَلى المُسْتَعِيذِ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَنَعَهُ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا المُتَوَكِّلِينَ، والِاسْتِعاذَةُ مِنهُ شُعْبَةٌ مِن شُعَبِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّجَأ إلَيْهِ تَوَكُّلٌ عَلَيْهِ، وفي الإعْلامِ بِالعِلَّةِ تَنْشِيطٌ لِلْمَأْمُورِ بِالفِعْلِ عَلى الِامْتِثالِ إذْ يَصِيرُ عالِمًا بِالحِكْمَةِ، وأمّا كَوْنُها بَيانًا فَلِما تَضَمَّنَتْهُ مِن ذِكْرِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ الِاسْتِعاذَةَ إعْرابٌ عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِدَفْعِ الشَّيْطانِ؛ لِيَعْقِدَ المُسْتَعِيذُ نِيَّتَهُ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَتِ الِاسْتِعاذَةُ مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِدُونِ اسْتِحْضارِ نِيَّةِ العَوْذِ بِاللَّهِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْمَوْصُولِ، وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ، أيْ لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى رَبِّهِمْ، وجَعَلَ فِعْلَها مُضارِعًا؛ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ التَّوَكُّلِ واسْتِمْرارِهِ، فَنَفْيُ سُلْطانِ الشَّيْطانِ مَشْرُوطٌ بِالأمْرَيْنِ: الإيمانُ، والتَّوَكُّلُ، ومِن هَذا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] .
صفحة ٢٧٩
والسُّلْطانُ: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الغُفْرانِ، وهو التَّسَلُّطُ والتَّصَرُّفُ المَكِينُ.
فالمَعْنى أنَّ الإيمانَ مَبْدَأٌ لِتَوْهِينِ سُلْطانِ الشَّيْطانِ في نَفْسِ المُؤْمِنِ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْهِ التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ انْدَفَعَ سُلْطانُ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنَ المُتَوَكِّلِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ قَبْلَها يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: فَسُلْطانُهُ عَلى مَن ؟ .
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرٌ إضافِيٌّ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ، أيْ بِدُونِ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، فَحَصَلَ بِهِ تَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَقْرِيرِ مَضْمُونِها، فَلا يُفْهَمُ مِنَ القَصْرِ أنَّهُ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى غَيْرِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أهْمَلُوا التَّوَكُّلَ، والَّذِينَ انْخَدَعُوا لِبَعْضِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ.
ومَعْنى يَتَوَلَّوْنَهُ يَتَّخِذُونَهُ ولِيًّا لَهم، وهُمُ المُلازِمُونَ لِلْمِلَلِ المُؤَسَّسَةِ عَلى ما يُخالِفُ الهَدْيَ الإلَهِيَّ عَنْ رَغْبَةٍ فِيها. ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ فَرِيقُ غَيْرِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ المُغايَرَةَ، وهم أصْنافٌ كَثِيرَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾؛ لِأنَّ وِلايَتَهم لِلشَّيْطانِ أقْوى.
وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّوَلِّي، أيِ الَّذِينَ يُجَدِّدُونَ تَوَلِّيهِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم كُلَّما تَوَلَّوْهُ بِالمَيْلِ إلى طاعَتِهِ تَمَكَّنَ مِنهم سُلْطانُهُ، وأنَّهُ إذا انْقَطَعَ التَّوَلِّي بِالإقْلاعِ أوِ التَّوْبَةِ انْسَلَخَ سُلْطانُهُ عَلَيْهِمْ، وإنَّما عُطِفَ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ دُونَ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الوَصْفَيْنِ كَصِلَةٍ واحِدَةٍ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ اجْتِماعُ الصِّلَتَيْنِ.
والباءُ في ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى الشَّيْطانِ، أيْ صارُوا مُشْرِكِينَ بِسَبَبِهِ، ولَيْسَتْ هي كالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الأعراف: ٣٣] .
صفحة ٢٨٠
وجُعِلَتِ الصِّلَةُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً؛ لِدَلالَتِها عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ؛ لِأنَّ الإشْراكَ صِفَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ؛ لِأنَّ قَرارَها القَلْبُ بِخِلافِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَظاهِرَها الجَوارِحُ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ سُلْطانَ الشَّيْطانِ عَلى المُشْرِكِينَ أشُدُّ وأدْوَمُ؛ لِأنَّ سَبَبَهُ ثابِتٌ ودائِمٌ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ ما أشْرَكُوا إلّا بِسَبَبِهِ، رَدًّا عَلَيْهِمْ إذْ يَقُولُونَ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلُهم ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] وقَوْلُهم ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] .
النحل 16:101
﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتِ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتَمَرَّ الكَلامُ عَلى شَأْنِ القُرْآنِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا يُوَسْوِسُهُ الشَّيْطانُ في الصَّدِّ عَنْ مُتابَعَتِهِ.
ولَمّا كانَ مَن أكْبَرِ الأغْراضِ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَيانُ فَضْلِهِ وهَدْيِهِ فابْتُدِئَ فِيها بِآيَةِ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] . ثُمَّ قُفِيَتْ بِما اخْتَلَقَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ بَعْدَ تَنَقُّلاتٍ جاءَ فِيها ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، وأُتْبِعُ ذَلِكَ بِتَنَقُّلاتٍ بَدِيعَةٍ؛ فَأُعِيدُ الكَلامَ عَلى القُرْآنِ، وفَضائِلِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وجاءَ في عَقِبِ ذَلِكَ بِشاهِدٍ يَجْمَعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ، وذَلِكَ آيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فَلَمّا اسْتَقَرَّ ما يَقْتَضِي تَقَرُّرَ فَضْلِ القُرْآنِ في النُّفُوسِ نَبَّهَ عَلى نَفاسَتِهِ ويُمْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، لا جَرَمَ تَهَيَّأ المَقامُ لِإبْطالِ اخْتِلاقٍ آخَرَ مِنِ اخْتِلاقِهِمْ عَلى القُرْآنِ اخْتِلاقًا مُمَوَّهًا بِالشُّبَهاتِ كاخْتِلاقِهِمُ السّابِقِ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، ذَلِكَ الِاخْتِلاقُ هو تَعَمُّدُهُمُ التَّمْوِيهَ فِيما يَأْتِي مِن
صفحة ٢٨١
آياتِ القُرْآنِ مُخالِفًا لِآياتٍ أُخْرى؛ لِاخْتِلافِ المُقْتَضِي والمَقامِ، والمُغايَرَةِ بِاللِّينِ والشِّدَّةِ، أوْ بِالتَّعْمِيمِ والتَّخْصِيصِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتْبَعُ اخْتِلافُهُ اخْتِلافَ المَقاماتِ، واخْتِلافَ الأغْراضِ، واخْتِلافَ الأحْوالِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها، فَيَتَّخِذُونَ مِن ظاهِرِ ذَلِكَ دُونَ وضْعِهِ مَواضِعَهُ، وحَمْلِهِ مَحامِلَهُ مَغامِزَ يَتَشَدَّقُونَ بِها في نَوادِيهِمْ، يَجْعَلُونَ ذَلِكَ اضْطِرابًا مِنَ القَوْلِ، ويَزْعُمُونَهُ شاهِدًا بِاقْتِداءِ قائِلِهِ في إحْدى المَقالَتَيْنِ أوْ كِلْتَيْهِما. وبَعْضُ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ قُصُورِ مَدارِكِهِمْ عَنْ إدْراكِ مَرامِي القُرْآنِ وسُمُوِّ مَعانِيهِ، وبَعْضُهُ ناشِئٌ عَنْ تَعَمُّدٍ لِلتَّجاهُلِ؛ تَعَلُّقًا بِظَواهِرِ الكَلامِ يُلَبِّسُونَ بِذَلِكَ عَلى ضُعَفاءِ الإدْراكِ مِن أتْباعِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ ومِنهم مَن يَعْلَمُونَ، ولَكِنَّهم يُكابِرُونَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ كانَ إذا نَزَلَتْ آيَةٌ فِيها شِدَّةٌ ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ ألْيَنُ مِنها يَقُولُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ بِأصْحابِهِ؛ اليَوْمَ يَأْمُرُ بِأمْرٍ، وغَدًا يَنْهى عَنْهُ، وأنَّهُ لا يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ اهـ.
وهَذِهِ الكَلِمَةُ أحْسَنُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في حاصِلِ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، فالمُرادُ مِنَ التَّبْدِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى (بَدَّلْنا) مُطْلَقُ التَّغايُرِ بَيْنَ الأغْراضِ والمَقاماتِ، أوِ التَّغايُرُ في المَعانِي واخْتِلافُها بِاخْتِلافِ المَقاصِدِ، والمَقاماتِ مَعَ وُضُوحِ الجَمْعِ بَيْنَ مَحامِلِها.
والمُرادُ بِالآيَةِ الكَلامُ التّامُّ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ المُرادُ عَلامَةَ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ أعْنِي المُعْجِزَةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ .
فَيَشْمَلُ التَّبْدِيلُ نَسْخَ الأحْكامِ مِثْلُ نَسْخِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ [الإسراء: ١١٠] بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، وهَذا قَلِيلٌ في القُرْآنِ الَّذِي يُقْرَأُ عَلى المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ نَسْخَ الأحْكامِ إنَّما كَثُرَ بَعْدَ الهِجْرَةِ حِينَ تَكَوَّنَتِ الجامِعَةُ الإسْلامِيَّةُ، وأمّا نَسْخُ التِّلاوَةِ فَلَمْ يَرِدْ مِنَ الآثارِ ما يَقْتَضِي وُقُوعَهُ في مَكَّةَ فَمَن فَسَّرَ بِهِ الآيَةَ كَما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ فَهو مُشْكِلٌ.
صفحة ٢٨٢
ويَشْمَلُ التَّعارُضَ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ التَّعارُضِ الَّذِي يُحْمَلُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، فَيُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويُؤَوِّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] في سُورَةِ الشُّورى مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] في سُورَةِ المُؤْمِنِ، فَيَأْخُذُونَ بِعُمُومٍ ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فَيَجْعَلُونَهُ مُكَذِّبًا لِخُصُوصٍ ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] فَيَزْعُمُونَهُ إعْراضًا عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ إلى الأخِيرِ مِنهُما.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] يَأْخُذُونَ مِن ظاهِرِهِ أنَّهُ أمْرٌ بِمُتارَكَتِهِمْ، فَإذا جاءَتْ آياتٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِدَعْوَتِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ زَعَمُوا أنَّهُ انْتَقَضَ كَلامُهُ، وبَدا لَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَبْدُو لَهُ مِن قَبْلُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] مَعَ آياتِ وصْفِ عَذابِ المُشْرِكِينَ وثَوابِ المُؤْمِنِينَ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] .
ومِن هَذا ما يَبْدُو مِن تَخالُفٍ بادِئَ الأمْرِ كَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ خَلْقِ الأرْضِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فصلت: ١١] في سُورَةِ فُصِّلَتْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] مِن سُورَةِ النّازِعاتِ، فَيَحْسَبُونَهُ تَناقُضًا مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ مَحْمَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ مِن جَعْلِ (بَعْدَ) بِمَعْنى (مَعَ) وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، فَهم يَتَوَهَّمُونَ التَّناقُضَ مَعَ جَهْلِهِمْ أوْ تَجاهُلِهِمْ بِالوَحَداتِ الثَّمانِيَةِ المُقَرَّرَةِ في المَنطِقِ.
فالتَّبْدِيلُ في قَوْلِهِ تَعالى بَدَّلْنا هو التَّعْوِيضُ بِبَدَلٍ، أيْ عِوَضٍ، والتَّعْوِيضُ لا يَقْتَضِي إبْطالَ المُعَوَّضِ بِفَتْحِ الواوِ بَلْ يَقْتَضِي أنْ يَجْعَلَ شَيْئًا عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ، وقَدْ يَبْدُو لِلسّامِعِ أنَّ مِثْلَ لَفْظِ المُعَوَّضِ بِفَتْحِ الواوِ جُعِلَ عِوَضًا عَنْ مِثْلِ لَفْظِ العِوَضِ بِالكَسْرِ في آياتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلافِ الأغْراضِ مِن تَبْشِيرٍ وإنْذارٍ، أوْ تَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ، أوْ إجْمالٍ وبَيانٍ، فَيَجْعَلُهُ الطّاعِنُونَ اضْطِرابًا؛ لِأنَّ مِثْلَهُ قَدْ كانَ بُدِّلَ،
صفحة ٢٨٣
ولا يَتَأمَّلُونَ في اخْتِلافِ الأغْراضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] في سُورَةِ يُونُسَ.
و﴿مَكانَ آيَةٍ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ: بِأنْ تَأْتِيَ (آيَةً) في الدَّعْوَةِ والخِطابِ في مَكانِ آيَةٍ أُخْرى أتَتْ في مِثْلِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ، فالمَكانُ هُنا مَكانٌ مَجازِيٌّ، وهو حالَةُ الكَلامِ والخِطابِ، كَما يُسَمّى ذَلِكَ مَقامًا، فَيُقالُ: هَذا مَقامُ الغَضَبِ، فَلا تَأْتِ فِيهِ بِالمَزْحِ، ولَيْسَ المُرادُ مَكانَها مِن ألْواحِ المُصْحَفِ ولا بِإبْدالِها مَحْوَها مِنهُ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ شَرْطِ (إذا) وجَوابِها، والمَقْصُودُ مِنها تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ لا الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهم لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ هو المُنَزِّلُ لِلْقُرْآنِ لارْتَفَعَ البُهْتانُ، والمَعْنى: أنَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ مِن آيَةٍ بَدَلَ آيَةٍ، فَهو أعْلَمُ بِمَكانِ الأُولى، ومَكانِ الثّانِيَةِ، ومَحْمَلِ كِلْتَيْهِما، وكُلٌّ عِنْدِهِ بِمِقْدارٍ وعَلى اعْتِبارٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِما يُنَزِّلُ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الزّايِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ النُّونِ، وتَخْفِيفِ الزّايِ.
وحِكايَةُ طَعْنِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ بِصِيغَةِ قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ، فَجَعَلُوهُ لا صِفَةَ لَهُ إلّا الِافْتِراءَ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتَ بِمُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا مِن مُجازَفَتِهِمْ وسُرْعَتِهِمْ في الحُكْمِ الجائِرِ، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أنَّ تَبْدِيلَهُ افْتِراءٌ بَلْ جَعَلُوا الرَّسُولَ مَقْصُورًا عَلى كَوْنِهِ مُفْتَرِيًا؛ لِإفادَةِ أنَّ القُرْآنَ الوارِدَ مَقْصُورٌ عَلى كَوْنِهِ افْتِراءً.
وأصْلُ الِافْتِراءِ: الِاخْتِراعُ، وغَلَبَ عَلى اخْتِراعِ الخَبَرِ، أيِ اخْتِلاقِهِ، فَساوى الكَذِبَ في المَعْنى، ولِذَلِكَ قَدْ يُطْلَقُ وحْدَهُ كَما هُنا، وقَدْ يُطْلَقُ مُقْتَرِنًا بِالكَذِبِ كَقَوْلِهِ الآتِي ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] إرْجاعًا بِهِ إلى أصْلِ الِاخْتِراعِ؛ فَيُجْعَلُ لَهُ مَفْعُولٌ هو آيِلٌ إلى مَعْناهُ؛ فَصارَ في مَعْنى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ عَلى كَلامِهِمْ، وهو مِن طَرِيقَةِ النَّقْضِ الإجْمالِيِّ في عِلْمِ المُناظَرَةِ.
صفحة ٢٨٤
وضَمِيرُ (أكْثَرُهم) لِلَّذِينِ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ، أيْ لَيْسَ كَما قالُوا، ولَكِنَّ أكْثَرَ القائِلِينَ ذَلِكَ لا يَعْلَمُونَ، أيْ يَفْهَمُونَ وضْعَ الكَلامِ مَواضِعَهُ، وحَمْلَهُ مَحامِلَهُ.
وفُهِمَ مِنَ الحُكْمِ عَلى أكْثَرِهِمْ بِعَدَمِ العِلْمِ أنَّ قَلِيلًا مِنهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ افْتِراءً، ولَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا، وبُهْتانًا، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ التَّنْزِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا يُنافِي إبْطالَ بَعْضِ الأحْكامِ إذا اخْتَلَفَتِ المَصالِحُ، أوْ رُوعِيَ الرِّفْقُ.
ويَجُوزُ حَمْلُ لَفْظِ (أكْثَرُ) عَلى إرادَةِ جَمِيعِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
النحل 16:102
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] فَلِذَلِكَ فُصِلَ فِعْلُ (قُلْ) لِوُقُوعِهِ في المُحاوَرَةِ، أيْ قُلْ لَهم: لَسْتَ بِمُفْتَرٍ، ولا القُرْآنُ بِافْتِراءٍ، بَلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنَ اللَّهِ، وفي أمْرِهِ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ شَدًّا لِعَزْمِهِ لِكَيْلا يَكُونَ تَجاوُزُهُمُ الحَدَّ في البُهْتانِ صارِفًا إيّاهُ عَنْ مُحاوَرَتِهِمْ.
فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ اللَّهُ دَعْواهم عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْتَرٍ بِطَرِيقَةِ النَّقْضِ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهم ماهِيَّةَ القُرْآنِ، وهَذِهِ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى مِن رَبِّكَ الجارِي عَلى خِلافِ مُقْتَضى ظاهِرِ حِكايَةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: مِن رَبِّي، فَوَقَعَ الِالتِفاتُ إلى الخِطابِ؛ تَأْنِيسًا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِزِيادَةِ تَوَغُّلِ الكَلامِ مَعَهُ في طَرِيقَةِ الخِطابِ.
واخْتِيرَ اسْمُ الرَّبِّ لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِنايَةِ والتَّدْبِيرِ.
ورُوحُ القُدُسِ: جِبْرِيلُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والرُّوحُ: المَلَكُ، قالَ تَعالى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧]، أيْ مَلَكًا منْ مَلائِكَتِنا.
صفحة ٢٨٥
والقُدُسُ: الطُّهْرُ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ والمَجازِيُّ الَّذِي هو الفَضْلُ، وجَلالَةُ القَدْرِ.
وإضافَةُ الرُّوحِ إلى القُدْسِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِمْ: حاتِمُ الجُودِ، وزَيْدُ الخَيْرِ، والمُرادُ: حاتِمٌ الجَوادُ، وزَيْدٌ الخَيِّرُ، فالمَعْنى: المَلَكُ المُقَدَّسُ.
والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نَزَّلَهُ) مِثْلُ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، أيْ مُلابِسًا لِلْحَقِّ، لا شائِبَةَ لِلْباطِلِ فِيهِ.
وذُكِرَتْ عِلَّةٌ مِن عِلَلِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ، أيْ تَبْدِيلُ آيَةٍ مَكانَ آيَةٍ، بِأنَّ في ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِلَّذِينِ آمَنُوا إذْ يَفْهَمُونَ مَحْمَلَ كُلِّ آيَةٍ، ويَهْتَدُونَ بِذَلِكَ، وتَكُونُ آياتُ البُشْرى بِشارَةً لَهم، وآياتُ الإنْذارِ مَحْمُولَةً عَلى أهْلِ الكُفْرِ.
فَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وفي قَوْلِهِ تَعالى بِالحَقِّ إيقاظٌ لِلنّاسِ بِأنْ يَنْظُرُوا في حِكْمَةِ اخْتِلافِ أغْراضِهِ، وأنَّها حَقٌّ.
وفِي التَّعْلِيلِ بِحِكْمَةِ التَّثْبِيتِ والهُدى والبُشْرى بَيانٌ لِرُسُوخِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، وسَدادِ آرائِهِمْ في فَهْمِ الكَلامِ السّامِي، وأنَّهُ تَثْبِيتٌ لِقُلُوبِهِمْ بِصِحَّةِ اليَقِينِ، وهُدًى وبُشْرى لَهم.
وفِي تَعَلُّقِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ بِفِعْلِ التَّثْبِيتِ إيماءٌ إلى أنَّ حُصُولِ ذَلِكَ لَهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ؛ فَيُفِيدُ تَعْرِيضًا بِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ تَقْتَصِرُ مَدارِكُهم عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الحَقِّ فَيَخْتَلِطُ عَلَيْهِمُ الفَهْمُ، ويَزْدادُونَ كُفْرًا، ويَضِلُّونَ، ويَكُونُ نِذارَةً لَهم.
والمُرادُ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وهُدًى وبُشْرى لَهم، فَعَدَلَ إلى الإظْهارِ؛ لِزِيادَةِ مَدْحِهِمْ بِوَصْفٍ آخَرَ شَرِيفٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] عَطْفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ لِيُثَبِّتَ، فَيَكُونُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] مَصْدَرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ٢٨٦
لِيُثَبِّتَ وإنْ كانَ مَجْرُورَ اللَّفْظِ بِاللّامِ؛ إذْ لا يَسُوغُ نَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَصْدَرًا صَرِيحًا.
وأمّا ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] فَلَمّا كانا مَصْدَرَيْنِ كانا حَقِيقَيْنِ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ بِحَيْثُ لَوْ ظَهَرَ إعْرابُهُما لَكانا مَنصُوبَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] .
النحل 16:103
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وهَذا إبْطالٌ لِتَلْبِيسٍ آخَرَ مِمّا يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلى عامَّتِهِمْ، وذَلِكَ أنْ يَقُولُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَلَقّى القُرْآنَ مِن رَجُلٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وغَيْرُهُ، قالَ عَنْهُ تَعالى فَقالَ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]، أيْ لا يُلَقِّنُهُ مَلَكٌ بَلْ يُعَلِّمُهُ إنْسانٌ، وقَدْ عَيَّنُوهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ .
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) يُشِيرُ إلى أنَّ خاصَّةَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِعامَّتِهِمْ، ولا يَجْرُونَ بِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ باطِلٌ مَكْشُوفٌ، وأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ رُومِيٌّ كانَ مَوْلًى لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، اسْمُهُ (جَبْرٌ) كانَ يَصْنَعُ السُّيُوفَ بِمَكَّةَ، ويَقْرَأُ مِنَ الإنْجِيلِ ما يَقْرَأُ أمْثالُهُ مِن عامَّةِ النَّصارى مِن دَعَواتِ الصَّلَواتِ، فاتَّخَذَ زُعَماءُ المُشْرِكِينَ مِن ذَلِكَ تَمْوِيهًا عَلى العامَّةِ، فَإنَّ مُعْظَمَ أهْلِ مَكَّةَ كانُوا أُمِّيِّينَ فَكانُوا يَحْسَبُونَ مَن يَتْلُو كَلِماتٍ يَحْفَظُها - ولَوْ مُحَرَّفَةً - أوْ يَكْتُبُ حُرُوفًا يَتَعَلَّمُها يَحْسَبُونَهُ عَلى عِلْمٍ، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ لَمّا جانَبَهُ قَوْمُهُ، وقاطَعُوهُ يَجْلِسُ إلى هَذا الغُلامِ، وكانَ هَذا الغُلامُ قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا ما يَقُولُهُ.
صفحة ٢٨٧
وقِيلَ: كانَ غُلامٌ رُومِيٌّ اسْمُهُ (بِلْعامُ) كانَ عَبْدًا بِمَكَّةَ لِرَجُلٍ مِن قُرَيْشَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ عَلَيْهِ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ مِنهُ، وكانَ هَذا العَبْدُ يَقُولُ: إنَّما يَقِفُ عَلَيَّ يُعَلِّمُنِي الإسْلامَ.
وظاهِرُ الإفْرادِ في إلَيْهِ أنَّ المَقْصُودَ رَجُلٌ واحِدٌ، وقَدْ قِيلَ: المُرادُ عَبْدانِ هَمّا (جَبْرٌ)، (ويَسارٌ) كانا قِنَّيْنِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ (بَشَرٌ) الجِنْسُ، وبِإفْرادِ ضَمِيرِهِ جَرَيانُهُ عَلى أفْرادِ مَعادِهِ.
وقَدْ كَشَفَ القُرْآنُ هَذا اللَّبْسَ هُنا بِأوْضَحِ كَشْفٍ؛ إذْ قالَ قَوْلًا فَصْلًا دُونَ طُولِ جِدالٍ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، أيْ كَيْفَ يُعَلِّمُهُ وهو أعْجَمِيٌّ لا يَكادُ يُبِينُ، وهَذا القُرْآنُ فَصِيحٌ عَرَبِيٌّ مُعْجِزٌ.
والجُمْلَةُ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِمْ، فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛لِأنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَسْألُ سائِلٌ: ماذا جَوابُ قَوْلِهِمْ ؟ فَيُقالُ ﴿لِسانُ الَّذِي﴾ إلَخْ، وهَذا النَّظْمُ نَظِيرُ نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
وألْحَدَ: مِثْلُ لَحَدَ، أيْ مالَ عَنِ القَوِيمِ، فَهو مِمّا جاءَ مِنَ الأفْعالِ مَهْمُوزٌ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، كَقَوْلِهِمْ: أبانَ بِمَعْنى بانَ. فَمَعْنى يُلْحِدُونَ يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اخْتِلاقُ مَعاذِيرَ، فَهم يَتْرُكُونَ الحَقَّ القَوِيمَ مِن أنَّهُ كَلامٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ إلى أنْ يَقُولُوا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فَذَلِكَ مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ، وهو إلْحادٌ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإلْحادِ المَيْلُ بِكَلامِهِمُ المُبْهَمِ إلى قَصْدٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وسَكَتُوا عَنْ تَعْيِينِهِ تَوْسِعَةَ عَلى أنْفُسِهِمْ في اخْتِلاقِ المَعاذِيرِ، فَإذا وجَدُوا ساذَجًا أبْلَهَ يَسْألُ عَنِ المَعْنِيِّ بِالبَشَرِ قالُوا لَهُ: هو (جَبْرٌ) أوْ (بِلْعامُ)، وإذا تَوَسَّمُوا نَباهَةَ السّائِلِ تَجاهَلُوا وقالُوا: هو بَشَرٌ مِنَ النّاسِ، فَإطْلاقُ الإلْحادِ عَلى هَذا المَعْنى مِثْلُ إطْلاقِ المَيْلِ عَلى الِاخْتِيارِ، وقَرَأ نافِعٌ والجُمْهُورُ (يُلْحِدُونَ) بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ ألْحَدَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَلْحَدُونَ بِفَتْحِ الياءِ مِن لَحَدَ مُرادِفُ ألْحَدَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإلْحادُ في قَوْلِهِ
صفحة ٢٨٨
تَعالى ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] في سُورَةِ الأعْرافِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهَمْزَةُ كَقَوْلِهِمْ: ألْحَدَ المَيِّتَ؛ لِأنَّ تِلْكَ لِلْجَعْلِ ذا لَحْدٍ.
واللِّسانُ: الكَلامُ، سُمِّيَ الكَلامُ بِاسْمِ آلَتِهِ، والأعْجَمِيُّ: المَنسُوبُ إلى الأعْجَمِ، وهو الَّذِي لا يُبَيِّنُ عَنْ مُرادِهِ مِن كُلِّ ناطِقٍ لا يَفْهَمُونَ ما يُرِيدُهُ، ولِذَلِكَ سَمَّوُا الدَّوابَّ العَجْماواتِ، فالياءُ فِيهِ ياءُ النَّسَبِ، ولَمّا كانَ المَنسُوبُ إلَيْهِ وصْفًا كانَ النَّسَبُ لِتَقْوِيَةِ الوَصْفِ.
والمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن أبانَ، إذا صارَ ذا إبانَةٍ، أيْ زائِدٌ في الإبانَةِ بِمَعْنى الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، فَحَصَلَ تَمامُ التَّضادِّ بَيْنَهُ وبَيْنَ لِسانِ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ.
النحل 16:104
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، ووُرُودُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ ذِكْرِ اخْتِلاقِ المُتَقَعِّرِينَ عَلى القُرْآنِ المُرْجِفِينَ بِالقالَةِ فِيهِ بَيْنَ الدَّهْماءِ يُومِئُ إلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ هم أُولَئِكَ المَرْدُودُ عَلَيْهِمْ آنِفًا، وهم فَرِيقٌ مَعْلُومٌ بِشِدَّةِ العَداوَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وبِالتَّصَلُّبِ في التَّصَدِّي لِصَرْفِ النّاسِ عَنْهُ، بِحَيْثُ بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ غايَةً ما وراءَها غايَةٌ، فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَهَؤُلاءِ فَرِيقٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ يَوْمَئِذٍ، ولَكِنَّهم مُشارٌ إلَيْهِمْ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وتَكْشِفُ عَنْ تَعْيِينِهِمْ عَواقِبُ أحْوالِهِمْ.
فَقَدْ كانَ مِنَ الكافِرِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ أبُو جَهْلٍ، وأبُو سُفْيانَ، وكانَ أبُو سُفْيانَ أطْوَلَ مُدَّةً في الكُفْرِ مِن أبِي جَهْلٍ، ولَكِنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَخْلِطُ كُفْرَهُ بِأذى النَّبِيءِ ﷺ والحَنَقِ عَلَيْهِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ مُقْتَصِرًا عَلى الِانْتِصارِ لِدِينِهِ ولِقَوْمِهِ، ودَفَعَ المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَغْلِبُوهم فَحَرَمَ اللَّهُ أبا جَهْلٍ الهِدايَةَ؛ فَأهْلَكَهُ كافِرًا، وهَدى أبا سُفْيانَ؛ فَأصْبَحَ مِن خِيرَةِ المُؤْمِنِينَ، وتَشَرَّفَ بِصِهْرِ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ
صفحة ٢٨٩
كافِرَيْنِ، وكانَ كِلاهُما يَدْفَعُ النّاسَ مِنَ اتِّباعِ الإسْلامِ، ولَكِنَّ الوَلِيدَ كانَ يَخْتَلِقُ المَعاذِيرَ والمَطاعِنَ في القُرْآنِ، وذَلِكَ مِنَ الكَيْدِ، وعُمَرُ كانَ يَصْرِفُ النّاسَ بِالغِلْظَةِ عَلَنًا دُونَ اخْتِلاقٍ؛ فَحَرَمَ اللَّهُ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ الِاهْتِداءَ، وهَدى عُمَرَ إلى الإسْلامِ، فَأصْبَحَ الإسْلامُ بِهِ عَزِيزَ الجانِبِ، فَتَبَيَّنَ النّاسُ أنَّ الوَلِيدَ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وأنَّ عُمَرَ لَيْسَ مِنهم، وقَدْ كانا مَعًا كافِرَيْنِ في زَمَنٍ ما، ويُشِيرُ إلى هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] فَوَصَفَ مَن لا يَهْدِيهِ اللَّهُ بِوَصْفَيِ؛ الكَذِبِ، وشِدَّةِ الكُفْرِ.
فَتَبَيَّنَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ مَن كانَ الإيمانُ مُنافِيًا لِجِبِلَّةِ طَبْعِهِ لا لِأمْيالِ هَواهُ، وهَذا يَعْلَمُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وأنَّهُ لَيْسَ مُعَرَّضًا لِلْإيمانِ؛ فَلِذَلِكَ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ، أيْ لا يُكَوِّنُ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ عَكْسُ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦])، وكُلٌّ يَرْمِي إلى مَعْنًى عَظِيمٍ.
فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجَمِيعِ أقْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ، والتَّذْيِيلِ لِخُلاصَةِ أحْوالِهِمْ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ بِدُونِ عَطْفٍ.
وعَطَفَ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣] عَلى ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى حِرْمانِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، وإلْقائِهِمْ في الشَّرِّ؛ لِأنَّهم إذا حُرِمُوا الهِدايَةَ فَقَدْ وقَعُوا في الضَّلالَةِ، ﴿وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢]، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، ويَشْمَلُ العَذابُ عَذابَ الدُّنْيا - وهو عَذابُ القَتْلِ - مِثْلُ ما أصابَ أبا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِن ألَمِ الجِراحِ، وهو في سَكَراتِ المَوْتِ، ثُمَّ مِن إهانَةِ الإجْهازِ عَلَيْهِ عَقِبَ ذَلِكَ.
النحل 16:105
صفحة ٢٩٠
﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ هَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَلْبِ ما زَعَمُوهُ عَلَيْهِمْ، كَما كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فَبَعْدَ أنْ نَزَّهَ القُرْآنَ عَنْ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، والمُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَنْ أنْ يَكُونَ مُفْتَرِيًا، ثُنِيَ العِنانُ لِبَيانِ مَن هو المُفْتَرِي، وهَذا مِن طَرِيقَةِ القَلْبِ في الحالِ.
ووَجْهُ مُناسَبَةِ ذِكْرِهِ هُنا أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ النَّبِيءِ ﷺ في أنَّ ما جاءَ بِهِ مُنَزَّلٌ إلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَصارُوا بِهَذا الِاعْتِبارِ يُؤَكِّدُونَ بِمَضْمُونِهِ قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] يُؤَكِّدُ أحَدُ القَوْلَيْنِ القَوْلَ الآخَرَ، فَلَمّا رَدَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، ورَدَتْ مَقالَتُهُمُ الأُخْرى في صَرِيحِها بِقَوْلِهِ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]، ورَدَ مَضْمُونُها هُنا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ، حاصِلًا بِهِ رَدُّ نَظِيرِها أعْنِي قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِكَلامٍ أبْلَغَ مِن كَلامِهِمْ؛ لِأنَّهم أتَوْا في قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِصِيغَةِ قَصْرٍ هي أبْلَغُ مِمّا قالُوهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] قَصْرٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى صِفَةِ الِافْتِراءِ الدّائِمَةِ؛ إذِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ تَقْتَضِي الثَّباتَ والدَّوامَ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِصِيغَةٍ تَقْصُرُهم عَلى الِافْتِراءِ المُتَكَرِّرِ المُتَجَدِّدِ؛ إذِ المُضارِعُ يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ.
وأكَّدَ فِعْلَ الِافْتِراءِ بِمَفْعُولِهِ الَّذِي هو بِمَعْنى المَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ لِكَوْنِهِ آيِلًا إلَيْهِ المَعْنى.
وعُرِّفَ الكَذِبُ بِأداةِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ الدّالَّةِ عَلى تَمَيُّزِ ماهِيَّةِ الجِنْسِ واسْتِحْضارِها، فَإنَّ تَعْرِيفَ اسْمِ الجِنْسِ أقْوى مِن تَنْكِيرِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
صفحة ٢٩١
وعَبَّرَ عَنِ المَقْصُورِ عَلَيْهِمْ بِاسْمِ المَوْصُولِ دُونَ أنْ يَذْكُرَ ضَمِيرَهم فَيُقالُ: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ أنْتُمْ؛ لِيُفِيدَ اشْتِهارَهم بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ، ولِأنَّ لِلصِّلَةِ أثَرًا في افْتِرائِهِمْ، لِما تُفِيدُهُ المَوْصُولِيَّةُ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ.
وعَلَيْهِ فَإنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ الَّتِي هي آياتُ صِدْقٍ لا يَسَعُهُ إلّا الِافْتِراءُ؛ لِتَرْوِيجِ تَكْذِيبِهِ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ، وفي هَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ عَنْ مُكابَرَةٍ لا عَنْ شُبْهَةٍ.
ثُمَّ أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ القَصْرِ بِجُمْلَةِ قَصْرٍ أُخْرى بِطَرِيقِ ضَمِيرِ الفَصْلِ وطَرِيقِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ وهي جُمْلَةُ (وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ) .
وافْتُتِحَتْ بِاسْمِ الإشارَةِ، بَعْدَ إجْراءِ وصْفِ انْتِفاءِ الإيمانِ بِآياتِ اللَّهِ عَنْهم؛ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما يَرِدُ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، وهو قَصْرُهم عَلى الكَذِبِ؛ لِأنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ يَتَّخِذُ الكَذِبَ دَيْدَنًا لَهُ مُتَجَدِّدًا.
وجُعِلَ المُسْنَدُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ؛ لِيُفِيدَ أنَّ جِنْسَ الكاذِبِينَ اتَّحَدَ بِهِمْ، وصارَ مُنْحَصِرًا فِيهِمْ، أيِ الَّذِينَ تَعْرِفُ أنَّهم طائِفَةُ الكاذِبِينَ هم هَؤُلاءِ، وهَذا يَئُولُ إلى مَعْنى قَصْرِ جِنْسِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، فَيَحْصُلُ قَصْرانِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ: قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وقَصْرُ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ، والقَصْرانِ الأوَّلانِ الحاصِلانِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَفْتَرِي﴾ وقَوْلُهُ (وأُولَئِكَ هم) إضافِيّانِ، أيْ لا غَيْرُهُمُ الَّذِي رَمَوْهُ بِالِافْتِراءِ وهو مُحاشًى مِنهُ، والثّالِثُ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ نَزَلَ بُلُوغُ الجِنْسِ فِيهِمْ مَبْلَغًا قَوِيًّا مَنزِلَةَ انْحِصارِهِ فِيهِمْ.
واخْتِيرَ في الصِّلَةِ صِيغَةُ لا يُؤْمِنُونَ دُونَ: لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِتَكُونَ عَلى وِزانِ ما عُرِفُوا بِهِ سابِقًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٤]، ولِما في المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ، لا يَثْبُتُ لَهم ضِدُّ ذَلِكَ.
النحل 16:106
صفحة ٢٩٢
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . لَمّا سَبَقَ التَّحْذِيرُ مِن نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عاهَدُوهُ، وأنْ لا يَغُرَّهم ما لِأُمَّةِ المُشْرِكِينَ مِنَ السَّعَةِ والرُّبُوِّ، والتَّحْذِيرُ مِن زَلَلِ القَدَمِ بَعْدَ ثُبُوتِها، وبُشِّرُوا بِالوَعْدِ بِحَياةٍ طَيِّبَةٍ، وجَزاءُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ مِنَ الإشارَةِ إلى التَّمَسُّكِ بِالقُرْآنِ والِاهْتِداءِ بِهِ، وأنْ لا تَغُرَّهم شُبَهُ المُشْرِكِينَ، وفُتُونُهم في تَكْذِيبِ القُرْآنِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.
ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُحاوِلُونَ فِتْنَةَ الرّاغِبِينَ في الإسْلامِ، والَّذِينَ أسْلَمُوا، فَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢]، وكانُوا يَقُولُونَ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وكانَ الغُلامُ الَّذِي عَنَوْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] قَدْ أسْلَمَ ثُمَّ فَتَنَهُ المُشْرِكُونَ فَكَفَرَ، وهو (جَبْرٌ) مَوْلى عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وكانُوا راوَدُوا نَفَرًا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى الِارْتِدادِ، مِنهم: بِلالٌ، وخِبابُ بْنُ الأرَتِّ، وياسِرٌ، وسُمَيَّةُ أبَوا عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعَمّارُ ابْنُهُما، فَثَبَتُوا عَلى الإسْلامِ، وفَتَنُوا عَمّارًا فَأظْهَرَ لَهُمُ الكُفْرَ، وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، وفَتَنُوا نَفَرًا آخَرِينَ فَكَفَرُوا، وذَكَرَ مِنهُمُ الحارِثَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، وأبُو قَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصِيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وأحْسَبُ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، فَكانَ مِن هَذِهِ المُناسَبَةِ رَدٌّ لِعَجُزِ الكَلامِ عَلى صَدْرِهِ.
صفحة ٢٩٣
عَلى أنَّ مَضْمُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ مُقابِلٌ لِمَضْمُونِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧]، فَحَصَلَ التَّرْهِيبُ بَعْدَ التَّرْغِيبِ، كَما ابْتُدِئَ بِالتَّحْذِيرِ؛ تَحَفُّظًا عَلى الصّالِحِ مِنَ الفَسادِ، ثُمَّ أُعِيدَ الكَلامُ بِإصْلاحِ الَّذِينَ اعْتَراهُمُ الفَسادُ، وفُتِحَ بابُ الرُّخْصَةِ لِلْمُحافِظِينَ عَلى صَلاحِهِمْ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ - إنْ كانَتْ تُشِيرُ إلى نَفَرٍ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ - كانَتْ (مَن) مَوْصُولَةً، وهي مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، وقَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ في المُبْتَدَأِ شَبَهًا بِأداةِ الشَّرْطِ، وقَدْ يُعامَلُ المَوْصُولُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، ووَقَعَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠]، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] في سُورَةِ بَراءَةَ، وقِيلَ: إنَّ فَرِيقًا كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ، كَما رُوِيَ في شَأْنِ جَبْرٍ غُلامِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ، وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨] الآيَةَ.
وإنْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فالآيَةُ مُجَرَّدُ تَحْذِيرٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ العَوْدِ إلى الكُفْرِ، ولِذَلِكَ تَكُونُ (مَن) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ غَيْرُ مُرادٍ بِهِ مُعَيَّنٌ بَلْ هو تَحْذِيرٌ، أيْ مِن يَكْفُرُوا بِاللَّهِ؛ لِأنَّ الماضِيَ في الشَّرْطِ يَنْقَلِبُ إلى مَعْنى المُضارِعِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ جَوابًا.
والتَّحْذِيرُ حاصِلٌ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ فَهو تَرْخِيصٌ، ومَعْذِرَةٌ لِما صَدَرَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وأمْثالِهِ إذا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ عَذابُ مَن فَتَنُوهم.
وقَوْلُهُ ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ مَن كَفَرَ؛ لِئَلّا يَقَعَ حُكْمُ الشَّرْطِ عَلَيْهِ، أيْ إلّا مَن أكْرَهَهُ المُشْرِكُونَ عَلى الكُفْرِ، أيْ عَلى إظْهارِهِ
صفحة ٢٩٤
فَأظْهَرُهُ بِالقَوْلِ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرِ اعْتِقادُهُ، وهَذا فَرِيقٌ رَخَّصَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي.
ومُصَحِّحُ الِاسْتِثْناءِ هو الَّذِي قالَ قَوْلَ الكُفّارِ قَدْ كَفَرَ بِلَفْظِهِ.
والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ اسْتَدْرَكَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وهو احْتِراسٌ مِن أنْ يَفْهَمَ أنَّ المُكْرَهَ مُرَخَّصٌ لَهُ أنْ يَنْسَلِخَ عَنِ الإيمانِ مِن قَلْبِهِ.
و(مَن) شَرْحٌ مَعْطُوفٍ بِـ (لَكِنْ) عَلى ﴿مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾؛ لِأنَّهُ في مَعْنى المَنفِيِّ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُثْبَتِ، فَحَرْفُ (لَكِنْ) عاطِفٌ، ولا عِبْرَةَ بِوُجُودِ الواوِ عَلى التَّحْقِيقِ.
واخْتِيرَ (فَعَلَيْهِمْ) غَضَبٌ دُونَ نَحْوِ: فَقَدْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ الدَّوامِ والثَّباتِ، أيْ غَضَبٌ لا مَغْفِرَةَ مَعَهُ.
وتَقْدِيمُ الخَبَرِ المَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِهِمْ، فَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِمْ، ولِتَصْحِيحِ الإتْيانِ بِالمُبْتَدَأِ نَكِرَةٌ حِينَ قَصَدَ بِالتَّنْكِيرِ التَّعْظِيمَ، أيْ غَضَبٌ عَظِيمٌ، فاكْتَفى بِالتَّنْكِيرِ عَنِ الصِّفَةِ.
وأمّا تَقْدِيمُ (لَهم) عَلى ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَلِلِاهْتِمامِ.
والإكْراهُ: الإلْجاءُ إلى فِعْلِ ما يُكْرَهُ فِعْلُهُ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِفِعْلِ شَيْءٍ تَضِيقُ عَنْ تَحَمُّلِهِ طاقَةُ الإنْسانِ مِن إيلامٍ بالِغٍ، أوْ سَجْنٍ، أوْ قَيْدٍ، أوْ نَحْوِهِ.
وقَدْ رَخَّصَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِلْمُكْرَهِ عَلى إظْهارِ الكُفْرِ أنْ يُظْهِرَهُ بِشَيْءٍ مِن مَظاهِرِهِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْها أنَّها كُفْرٌ في عُرْفِ النّاسِ مِن قَوْلٍ، أوْ فِعْلٍ.
وقَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى الأخْذِ بِذَلِكَ في أقْوالِ الكُفْرِ، فَقالُوا: فَمَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلَيْهِ أحْكامُ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الإكْراهَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ كُفْرَهُ تَقِيَّةٌ، ومُصانَعَةٌ بَعْدَ أنْ كانَ مُسْلِمًا، وقَدْ رَخَّصَ اللَّهُ ذَلِكَ رِفْقًا بِعِبادِهِ، واعْتِبارًا لِلْأشْياءِ بِغاياتِها ومَقاصِدِها.
صفحة ٢٩٥
وفِي الحَدِيثِ: أنَّ ذَلِكَ وقَعَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَصَوَّبَهُ، وقالَ لَهُ: «وإنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ» وأجْمَعَ عَلى ذَلِكَ العُلَماءُ، وشَذَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ فَأجْرى عَلى هَذا التَّظاهُرُ بِالكُفْرِ حُكْمَ الكُفّارِ في الظّاهِرِ كالمُرْتَدِّ فَيُسْتَتابُ عَنِ المُكْنَةِ مِنهُ.
وسَوّى جُمْهُورُ العُلَماءِ بَيْنَ أقْوالِ الكُفْرِ، وأفْعالِهِ كالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ الإكْراهَ عَلى أفْعالِ الكُفْرِ لا يُبِيحُها، ونُسِبَ إلى الأوْزاعِيِّ، وسَحْنُونَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وهي تَفْرِقَةٌ غَيْرُ واضِحَةٍ، وقَدْ ناطَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ بِاطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالإيمانِ وغَفَرَ ما سِوى القَلْبِ.
وإذا كانَ الإكْراهُ مُوجِبَ الرُّخْصَةِ في إظْهارِ الكُفْرِ فَهو في غَيْرِ الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي أوْلى كَشُرْبِ الخَمْرِ والزِّنا، وفي رَفْعِ أسْبابِ المُؤاخَذَةِ في غَيْرِ الِاعْتِداءِ عَلى الغَيْرِ كالإكْراهِ عَلى الطَّلاقِ أوِ البَيْعِ.
وأمّا في الِاعْتِداءِ عَلى النّاسِ مَن تَرَتُّبِ الغُرْمِ فَبَيْنَ مَراتِبِ الإكْراهِ، ومَراتِبِ الِاعْتِداءِ المَكْرُوهِ عَلَيْهِ تَفاوُتٌ، وأعْلاها الإكْراهُ عَلى قَتْلِ نَفْسٍ، وهَذا يَظْهَرُ أنَّهُ لا يُبِيحُ الإقْدامَ عَلى القَتْلِ؛ لِأنَّ التَّوَعُّدَ قَدْ لا يَتَحَقَّقُ، وتَفُوتُ نَفْسُ القَتِيلِ.
عَلى أنَّ أنْواعًا مِنَ الِاعْتِداءِ قَدْ يَجْعَلُ الإكْراهَ ذَرِيعَةً إلى ارْتِكابِها بِتَواطُئٍ بَيْنَ المُكْرَهِ والمُكْرِهِ؛ ولِهَذا كانَ لِلْمُكْرِهِ بِالكَسْرِ جانِبٌ مِنَ النَّظَرِ في حَمْلِ التَّبَعَةِ عَلَيْهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِغَيْرِ مُؤاخَذَةِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِ المَحْضِ، وما دُونُ ذَلِكَ فَهو مَجالُ الِاجْتِهادِ، والخِلافُ في طَلاقِ المُكْرَهِ مَعْلُومٌ، والتَّفاصِيلُ والتَّفارِيعُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وبَعْضِ التَّفاسِيرِ.
النحل 16:107
صفحة ٢٩٦
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، وإشارَةُ ذَلِكَ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .
وضَمِيرُ (بِأنَّهم) عائِدٌ إلى مَن كَفَرَ بِاللَّهِ سَواءٌ كانَ ماصَدَقُ (مَن) مُعَيَّنًا أوْ مَفْرُوضًا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَمَدْخُولُها سَبَبٌ.
و(اسْتَحَبُّوا) مُبالَغَةٌ في (أحَبُّوا) مِثْلَ اسْتَأْخَرَ واسْتَكانَ، وضَمَّنَ (اسْتَحَبُّوا) مَعْنى (فَضَّلُوا) بِحَرْفِ (عَلى)، أيْ لِأنَّهم قَدَّمُوا نَفْعَ الدُّنْيا عَلى نَفْعِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَقَرَّ في قُلُوبِهِمْ أحَقِّيَّةُ الإسْلامِ، وما رَجَعُوا عَنْهُ إلّا خَوْفَ الفِتْنَةِ، أوْ رَغْبَةً في رَفاهِيَةِ العَيْشِ، فَيَكُونُ كُفْرُهم أشَدَّ مَن كُفْرِ المُسْتَصْحِبِينَ لِلْكُفْرِ مِن قَبْلِ البَعْثَةِ.
﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ سَبَبٌ ثانٍ لِلْغَضَبِ والعَذابِ، أيْ وبِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ الهِدايَةَ فَهم مُوافُونَهُ عَلى الكُفْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١٠٤] .
وهُوَ تَذْيِيلٌ لِما في صِيغَةِ القَوْمِ الكافِرِينَ مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهم وغَيْرِهِمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ، ولَكِنَّهُ عُمُومٌ بَعْدَ خُصُوصٍ.
وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن كانَ هَذا شَأْنُهم فَقَدْ عُرِفُوا بِهِ، وتَمَكَّنَ مِنهم، وصارَ سَجِيَّةً حَتّى كَأنَّهم يَجْمَعُهم هَذا الوَصْفُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ جَرَيانَ وصْفٍ أوْ خَبَرٍ عَلى لَفْظِ (قَوْمَ) يُؤْذِنُ بِأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] في سُورَةِ
صفحة ٢٩٧
البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في سُورَةِ يُونُسَ.
النحل 16:108
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] بِأنَّ حِرْمانَهُمُ الهِدايَةَ بِحِرْمانِهِمُ الِانْتِفاعَ بِوَسائِلِها: مِنَ النَّظَرِ الصّادِقِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، ومِنَ الوَعْيِ لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، ومِن ثَباتِ القَلْبِ عَلى حِفْظِ ما داخَلَهُ مِنَ الإيمانِ، حَيْثُ انْسَلَخُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ تَلَبَّسُوا بِهِ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ تَبْيِينًا لِمَعْنى الصِّلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي اتِّصافُهم بِالِارْتِدادِ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ.
وأخْبَرَ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ بِالمَوْصُولِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ المُبَيَّنِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، وهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .
والطَّبْعُ: مُسْتَعارٌ لِمَنعِ وُصُولِ الإيمانِ وأدِلَّتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ تَكْمِلَةٌ لِلْبَيانِ، أيِ الغافِلُونَ الأكْمَلُونَ في الغَفْلَةِ؛ لِأنَّ الغافِلَ البالِغَ الغايَةَ يُنافِي حالَةَ الِاهْتِداءِ.
صفحة ٢٩٨
والقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وهو حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ، لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالغافِلِينَ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ في الغَفْلَةِ حَتّى عُدَّ كُلُّ غافِلٍ غَيْرِهِمْ كَمَن لَيْسَ بِغافِلٍ، ومِن هُنا جاءَ مَعْنى الكَمالِ في الغَفْلَةِ، لا مِن لامِ التَّعْرِيفِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ ما قَبْلَها صارَ كالدَّلِيلِ عَلى مَضْمُونِها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِكَلِمَةِ نَفْيِ الشَّكِّ.
فَإنَّ (لا جَرَمَ) بِمَعْنى (لا مَحالَةَ) أوْ (لا بُدَّ)، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ٢٣]، وتَقَدَّمُ بَسْطُ تَفْسِيرِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّ خَسارَتَهم هي الخَسارَةُ؛ لِأنَّهم أضاعُوا النَّعِيمَ إضاعَةً أبَدِيَّةً.
ويَجْرِي هَذا المَعْنى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في ماصَدَقِ (مَن) مِن قَوْلِهِ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] الآيَةَ.
ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] ووَقَعَ هُنا هُمُ الخاسِرُونَ؛ لِأنَّ آيَةَ سُورَةِ هُودٍ تَقَدَّمَها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١]، فَكانَ المَقْصُودُ بَيانَ خَسارَتِهِمْ في الآخِرَةِ أشَدَّ مِن خَسارَتِهِمْ في الدُّنْيا،
النحل 16:109
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] بِأنَّ حِرْمانَهُمُ الهِدايَةَ بِحِرْمانِهِمُ الِانْتِفاعَ بِوَسائِلِها: مِنَ النَّظَرِ الصّادِقِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، ومِنَ الوَعْيِ لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، ومِن ثَباتِ القَلْبِ عَلى حِفْظِ ما داخَلَهُ مِنَ الإيمانِ، حَيْثُ انْسَلَخُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ تَلَبَّسُوا بِهِ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ تَبْيِينًا لِمَعْنى الصِّلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي اتِّصافُهم بِالِارْتِدادِ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ.
وأخْبَرَ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ بِالمَوْصُولِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ المُبَيَّنِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، وهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .
والطَّبْعُ: مُسْتَعارٌ لِمَنعِ وُصُولِ الإيمانِ وأدِلَّتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ تَكْمِلَةٌ لِلْبَيانِ، أيِ الغافِلُونَ الأكْمَلُونَ في الغَفْلَةِ؛ لِأنَّ الغافِلَ البالِغَ الغايَةَ يُنافِي حالَةَ الِاهْتِداءِ.
صفحة ٢٩٨
والقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وهو حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ، لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالغافِلِينَ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ في الغَفْلَةِ حَتّى عُدَّ كُلُّ غافِلٍ غَيْرِهِمْ كَمَن لَيْسَ بِغافِلٍ، ومِن هُنا جاءَ مَعْنى الكَمالِ في الغَفْلَةِ، لا مِن لامِ التَّعْرِيفِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ ما قَبْلَها صارَ كالدَّلِيلِ عَلى مَضْمُونِها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِكَلِمَةِ نَفْيِ الشَّكِّ.
فَإنَّ (لا جَرَمَ) بِمَعْنى (لا مَحالَةَ) أوْ (لا بُدَّ)، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ٢٣]، وتَقَدَّمُ بَسْطُ تَفْسِيرِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّ خَسارَتَهم هي الخَسارَةُ؛ لِأنَّهم أضاعُوا النَّعِيمَ إضاعَةً أبَدِيَّةً.
ويَجْرِي هَذا المَعْنى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في ماصَدَقِ (مَن) مِن قَوْلِهِ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] الآيَةَ.
ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] ووَقَعَ هُنا هُمُ الخاسِرُونَ؛ لِأنَّ آيَةَ سُورَةِ هُودٍ تَقَدَّمَها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١]، فَكانَ المَقْصُودُ بَيانَ خَسارَتِهِمْ في الآخِرَةِ أشَدَّ مِن خَسارَتِهِمْ في الدُّنْيا،
النحل 16:110
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ [النحل: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ هُمُ الخاسِرُونَ.
صفحة ٢٩٩
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِها الجُمَلَ؛ وذَلِكَ أنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أعْظَمُ رُتْبَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ إذْ لا أعْظَمَ مِن رِضى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
والمُرادُ بِـ الَّذِينَ هاجَرُوا المُهاجِرُونَ إلى الحَبَشَةِ الَّذِينَ أذِنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِالهِجْرَةِ لِلتَّخَلُّصِ مِن أذى المُشْرِكِينَ، ولا يَسْتَقِيمُ مَعْنى الهِجْرَةِ إلّا لِهَذِهِ الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يُصِيبُ أصْحابَهُ مِنَ البَلاءِ وما هو فِيهِ مِنَ العافِيَةِ بِمَكانِهِ مِنَ اللَّهِ، ومِن عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَمْنَعَهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ البَلاءِ، قالَ لَهم: «لَوْ خَرَجْتُمْ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ فَإنَّ بِها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أحَدٌ، وهي أرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكم فَرَجًا مِمّا أنْتُمْ فِيهِ»؛ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مَخافَةَ الفِتْنَةِ وفِرارًا بِدِينِهِمُ اهـ.
فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ آمَنُوا، وصَبَرُوا عَلى الأذى وعَذَرَ الَّذِينَ اتَّقَوْا عَذابَ الفِتْنَةِ بِأنْ قالُوا كَلامَ الكُفْرِ بِأفْواهِهِمْ، ولَكِنَّ قُلُوبَهم مُطَمْئِنَّةٌ بِالإيمانِ ذَكَرَ فَرِيقًا آخَرَ فازُوا بِفِرارٍ مِنَ الفِتْنَةِ؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ بُعْدَهم عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في تِلْكَ الشِّدَّةِ يُوهِنُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ فاسْتَوْفى ذِكْرَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ كُلِّها، وقَدْ أوْمَأ إلى حَظِّهِمْ مِنَ الفَضْلِ بِقَوْلِهِ: (هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا) فَسَمّى عَمَلَهم هِجْرَةً.
وهَذا الِاسْمُ في مُصْطَلَحِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ لِأجْلِ المُحافَظَةِ عَلى الدِّينِ، كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي، وقالَ في الأنْصارِ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، أيِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ فارَقُوا مَكَّةَ.
وسَمّى ما لَقَوْهُ مِنَ المُشْرِكِينَ فِتْنَةً، والفِتْنَةُ: العَذابُ والأذى الشَّدِيدُ المُتَكَرِّرُ الَّذِي لا يَتْرُكُ لِمَن يَقَعُ بِهِ صَبْرًا ولا رَأْيًا، قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ هم عَلى
صفحة ٣٠٠
النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠]، وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ فَقَدْ نالَهُمُ الأذى في اللَّهِ.
والمُجاهَدَةُ: المُقاوَمَةُ بِالجُهْدِ، أيِ الطّاقَةِ.
والمُرادُ بِالمُجاهَدَةِ هُنا دِفاعُهُمُ المُشْرِكِينَ عَنْ أنْ يَرُدُّوهم إلى الكُفْرِ.
وهاتانِ الآيَتانِ مَكِّيَّتانِ نازِلَتانِ قَبْلَ شَرْعِ الجِهادِ الَّذِي هو بِمَعْنى قِتالِ الكُفّارِ لِنَصْرِ الدِّينِ.
والصَّبْرُ: الثَّباتُ عَلى تَحَمُّلِ المَكْرُوهِ والمَشاقِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ، والِاهْتِمامُ يَدْفَعُ النَّقِيصَةَ عَنْهم في الفَضْلِ.
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وهي مِمَّنْ قَدِمَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، دَخَلَتْ عَلى حَفْصَةَ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَيْها فَقالَ لَها: سَبَقْناكم بِالهِجْرَةِ فَنَحْنُ أحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنكم، فَغَضِبَتْ أسْماءُ وقالَتْ: كَلّا واللَّهِ، كُنْتُمْ مَعَ النَّبِيءِ يُطْعِمُ جائِعَكم ويَعِظُ جاهِلَكم، وكُنّا في أرْضِ البَعْداءِ البَغْضاءِ بِالحَبَشَةِ، ونَحْنُ كُنّا نَؤْذى ونَخافُ، وذَلِكَ في اللَّهِ ورَسُولِهِ، وايْمُ اللَّهِ لا أطْعَمُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى أذْكُرَ ما قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَلَمّا جاءَ النَّبِيءُ ﷺ بَيْتَ حَفْصَةَ قالَتْ: أسْماءُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عُمَرَ قالَ كَذا وكَذا، قالَ: فَما قُلْتِ لَهُ ؟ قالَتْ: قُلْتُ لَهُ كَذا وكَذا، قالَ لَيْسَ بِأحَقَّ بِي مِنكم، ولَهُ ولِأصْحابِهِ هِجْرَةٌ واحِدَةٌ ولَكم أنْتُمْ أهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتانِ» .
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ غَفُورٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، وأُعِيدَ إنَّ رَبَّكَ ثانِيًا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرِها المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ مَعَ إفادَةِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.
صفحة ٣٠١
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي هو اسْمُ (إنَّ) بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ العَلَمِيَّةِ لِما يُومِئُ إلَيْهِ إضافَةُ لَفْظِ (رَبَّ) إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ مِن كَوْنِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِأصْحابِهِ كانَتْ؛ لِأنَّهم أُوذُوا لِأجْلِ اللَّهِ، ولِأجْلِ النَّبِيءِ ﷺ فَكانَ إسْنادُ المَغْفِرَةِ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ حاصِلًا أُسْلُوبٌ يَدُلُّ عَلى الذّاتِ العَلِيَّةِ، وعَلى الذّاتِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وهَذا مِن أدَقِّ لَطائِفِ القُرْآنِ في قَرْنِ اسْمِ النَّبِيءِ بِاسْمِ اللَّهِ بِمُناسَبَةِ هَذا الإسْنادِ بِخُصُوصِهِ.
وضَمِيرُ (مِن بَعْدِها) عائِدٌ إلى الهِجْرَةِ المُسْتَفادَةِ مِن هاجَرُوا، أوْ إلى المَذْكُوراتِ: مِن هِجْرَةٍ، وفِتْنَةٍ، وجِهادٍ، وصَبْرٍ، أوْ إلى الفِتْنَةِ المَأْخُوذَةِ مَن (فَتَنُوا)، وكُلِّ تِلْكَ الِاحْتِمالاتِ تُشِيرُ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ لَهم جَزاءٌ عَلى بَعْضِ تِلْكَ الأفْعالِ، أوْ كُلِّها.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فَتَنُوا بِفَتْحِ الفاءِ والتّاءِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي لُغَةٌ في افْتَتَنَ، بِمَعْنى (وقَعَ) في الفِتْنَةِ.
النحل 16:111
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِئْنافًا، وتَذْيِيلًا بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها، وقَعَ عَقِبَ التَّحْذِيرِ والوَعِيدِ؛ وعِيدًا لِلَّذِينِ أُنْذِرُوا، ووَعْدًا لِلَّذِينِ بُشِّرُوا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَيَكُونُ انْتِصابُ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ (لَغَفُورٍ رَحِيمٍ) أيْ يَغْفِرُ لَهم، ويَرْحَمُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ أثَرًا لِذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَخْلُو
صفحة ٣٠٢
عَنْها غالِبُ النّاسِ، ويَجِدُونَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَهَذا المَعْنى هو مُقْتَضى الإتْيانِ بِهَذا الظَّرْفِ.
والمُجادَلَةُ: دِفاعٌ بِالقَوْلِ؛ لِلتَّخَلُّصِ مِن تَبِعَةِ فِعْلٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
والنَّفْسُ الأوَّلُ: بِمَعْنى الذّاتِ والشَّخْصِ كَقَوْلِهِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، والنَّفْسُ الثّانِيَةِ ما بِهِ الشَّخْصُ شَخْصٌ، فالِاخْتِلافُ بَيْنَهُما بِالِاعْتِبارِ كَقَوْلِ أعْرابِيٍّ قَتَلَ أخُوهُ ابْنًا لَهُ مِنَ الحَماسَةِ:
أقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْساءً وتَسْلِيَةً إحْدى يَدَيَّ أصابَتْنِي ولَمْ تُرِدْ
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ يَسْتَشْعِرُونَ لِلْإنْسانِ جُمْلَةً مُرَكَّبَةً مِن جَسَدٍ ورُوحٍ فَيُسَمُّونَها النَّفْسَ، أيِ الذّاتَ، وهي ما يُعَبِّرُ عَنْهُ المُتَكَلِّمُ بِضَمِيرِ أنا، ويَسْتَشْعِرُونَ لِلْإنْسانِ قُوَّةً باطِنِيَّةً بِها إدْراكُهُ، ويُسَمُّونَها نَفْسًا أيْضًا، ومِنهُ أخَذَ عُلَماءُ المَنطِقِ اسْمَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ.
والمَعْنى: يَأْتِي كُلُّ أحَدٍ يُدافِعُ عَنْ ذاتِهِ، أيْ يُدافِعُ بِأقْوالِهِ لِيَدْفَعَ تَبَعاتِ أعْمالِهِ، فَفاعِلُ المُجادَلَةِ، وما هو في قُوَّةٍ مَفْعُولِهِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهَذا قَرِيبٌ مِن نَوْعِ وُقُوعِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ شَيْئًا واحِدًا في أفْعالِ الظَّنِّ والدُّعاءِ بِكَثْرَةٍ، مِثْلُ: أرانِي فاعِلًا كَذا، وقَوْلُهم: عَدِمْتَنِي، وفَقَدْتَنِي، وبِقِلَّةٍ في غَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأفْعالِ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
قَدْ بَتُّ أحْرُسُنِي وحْدِي ويَمْنَعُنِي ∗∗∗ صَوْتُ السِّباعِ بِهِ يَضْبَحْنَ والهامِ
وتُوَفّى: تُعْطى شَيْئًا وافِيًا، أيْ كامِلًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، و(ما عَمِلَتْ) مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ تُوَفّى، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما عَمِلَتْ، أيْ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإظْهارُ كُلِّ نَفْسٍ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَجْرِي مَجْرى المَثَلِ.
صفحة ٣٠٣
والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى مُجاوَزَةِ الحَدِّ المُعَيَّنِ لِلْجَزاءِ في الشَّرِّ، والإجْحافِ عَنْهُ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا عَيَّنَ الجَزاءَ عَلى الشَّرِّ، ووَعَدَ بِالجَزاءِ عَلى الخَيْرِ صارَ ذَلِكَ كالحَقِّ لِكُلِّ فَرِيقٍ. والعِلْمُ بِمَراتِبِ هَذا التَّحْدِيدِ مُفَوَّضٌ لِلَّهِ تَعالى ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا.
وضَمِير و(﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾) عائِدانِ إلى كُلِّ نَفْسٍ بِحَسَبِ المَعْنى؛ لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ مِنَ النُّفُوسِ.
وزِيادَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلتَّصْرِيحِ بِمَفْهُومِ وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ؛ لِأنَّ تَوْفِيَةَ الجَزاءِ عَلى العَمَلِ تَسْتَلْزِمُ كَوْنَ تِلْكَ التَّوْفِيَةِ عَدْلًا، فَصَرَّحَ بِهَذا اللّازِمِ بِطَرِيقَةِ نَفْيِ ضِدِّهِ، وهو نَفْيُ الظُّلْمِ عَنْهم، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَدْلَ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدُ المَعْنى الأوَّلِ.
النحل 16:112
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ عَطْفُ عِظَةٍ عَلى عِظَةٍ، والمَعْطُوفُ عَلَيْها هي جُمَلُ الِامْتِنانِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وما اتَّصَلَ بِها إلى قَوْلِهِ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] فانْتَقَلَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدٍ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] .
فَبَعْدَ أنْ تَوَعَّدَهم بِقَوارِعِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٤] وقَوْلُهُ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] عادَ الكَلامُ إلى تَهْدِيدِهِمْ بِعَذابٍ في الدُّنْيا؛ بِأنْ جَعَلَهم مَضْرِبَ مَثَلٍ لِقَرْيَةٍ عُذِّبَتْ عَذابَ الدُّنْيا، أوْ جَعَلَهم مَثَلًا وعِظَةً لِمَن يَأْتِي بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ مِن إنْكارِ نِعْمَةِ اللَّهِ.
صفحة ٣٠٤
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْها جُمْلَةَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ [النحل: ١١١] إلَخْ، عَلى اعْتِبارِ تَقْدِيرِ اذْكُرْ، أيِ اذْكُرْ لَهم هَوْلَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ﴾ [النحل: ١١١] إلَخْ، وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا شَأْنَ قَرْيَةٍ كانَتْ آمِنَةً إلَخْ.
وضَرَبَ: بِمَعْنى جَعَلَ، أيْ جَعَلَ المُرَكَّبَ الدّالَّ عَلَيْهِ كَوْنَ نَظْمِهِ، وأوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ، كَما يُقالُ: أرْسَلَ فُلانٌ مَثَلًا قَوْلُهُ: كَيْتٌ وكَيْتٌ.
والتَّعْبِيرُ عَنْ ضَرْبِ المَثَلِ الواقِعِ في حالِ نُزُولِ الآيَةِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِلتَّشْوِيقِ إلى الإصْغاءِ إلَيْهِ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ الماضِي في الحالِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، مَثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، أوْ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِن زَمَنِ الحالِ، مِثْلَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ضَرَبَ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الطَّلَبِ والأمْرِ، أيِ اضْرِبْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ مَثَلًا قَرْيَةً إلى آخِرِهِ، كَما سَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ الخَبَرِ؛ تَوَسُّلًا إلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَنْوِيهًا بِهِ، ويُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما صِيغَ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ نَحْوُ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] بِما سَيُذْكَرُ في سُورَةِ الزُّمَرِ فَراجِعْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿٣٠ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
وجَعَلَ المَثَلَ قَرْيَةً مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ تُبَيِّنُ حالَها المَقْصُودَ مِنَ التَّمْثِيلِ، فاسْتَغْنى عَنْ تَعْيِينِ القَرْيَةِ.
والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنْ يَصْلُحَ هَذا المَثَلُ لِلتَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ القَرْيَةُ قَرْيَتَهم، أعْنِي (مَكَّةَ) بِأنْ جَعَلَهم مَثَلًا لِلنّاسِ مِن بَعْدِهِمْ، ويُقَوِّي هَذا الِاحْتِمالَ إذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ أصابَ أهْلَ مَكَّةَ الجُوعُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]
صفحة ٣٠٥
﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١]، وهو الدُّخانُ الَّذِي كانَ يَراهُ أهْلُ مَكَّةَ أيّامَ القَحْطِ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ .
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣] .
ولَعَلَّ المُخاطَبَ بِهَذا المَثَلِ هُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا، أيْ أصْحابُ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ تَسْلِيَةً لَهم عَنْ مُفارَقَةِ بَلَدِهِمْ، وبَعْثًا لَهم عَلى أنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ تَعالى إذْ أخْرَجَهم مِن تِلْكَ القَرْيَةِ فَسَلِمُوا مِمّا أصابَ أهْلَها، وما يُصِيبُهم.
وتَقَدَّمَ مَعْنى القَرْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُرادُ بِالقَرْيَةِ (أهْلُها) إذْ هُمُ المَقْصُودُ مِنَ القَرْيَةِ كَقَوْلِهِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والأمْنُ: السَّلامَةُ مِن تَسَلُّطِ العَدُوِّ.
والِاطْمِئْنانُ: الدَّعَةُ وهُدُوءُ البالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] في سُورَةِ النِّساءِ.
وقَدَّمَ الأمْنَ عَلى الطُّمَأْنِينَةِ؛ إذْ لا تَحْصُلُ الطُّمَأْنِينَةُ بِدُونِهِ، كَما أنَّ الخَوْفَ بِسَبَبِ الِانْزِعاجِ والقَلَقِ.
وقَوْلُهُ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾ تَيْسِيرُ الرِّزْقِ فِيها مِن أسْبابِ راحَةِ العَيْشِ، وقَدْ كانَتْ مَكَّةُ كَذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿أوْلَمَ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، والرِّزْقُ: الأقْواتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] في سُورَةِ يُوسُفَ.
والرَّغَدُ: الوافِرُ الهَنِيءُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٣٠٦
و﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ بِمَعْنى: مِن أمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ، و(كُلِّ) تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى الكَثْرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأنْعُمِ: جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
ومَعْنى الكُفْرِ بِأنْعُمِ اللَّهِ: الكُفْرُ بِالمُنْعِمِ؛ لِأنَّهم أشْرَكُوا غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ، فَلَمْ يَشْكُرُوا المُنْعِمَ الحَقَّ، وهَذا يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] .
واقْتِرانُ فِعْلِ (كَفَرَتْ) بِفاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ بِاعْتِبارِ حُصُولِ الكُفْرِ عَقِبَ النِّعَمِ الَّتِي كانُوا فِيها حِينَ طَرَأ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ، وذَلِكَ عِنْدَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ.
وأمّا قَرْنُ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَهو تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ في مِثْلِ ذَلِكَ المُعَقَّبِ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ عَلَيْهِمْ، وهم مُصِرُّونَ عَلى كَفْرِهِمْ، والرَّسُولُ يُكَرِّرُ الدَّعْوَةَ، وإنْذارُهم بِهِ، فَلَمّا حَصَلَ عَقِبَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ غَيْرِ طَوِيلَةٍ - وكانَ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ - جُعِلَ كالشَّيْءِ المُعَقَّبِ بِهِ كُفْرَهم.
والإذاقَةُ: حَقِيقَتُها إحْساسُ اللِّسانِ بِأحْوالِ الطُّعُومِ، وهي مُسْتَعارَةٌ هُنا، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ إلى إحْساسِ الألَمِ والأذى إحْساسًا مَكِينًا، كَتَمَكُّنِ ذَوْقِ الطَّعامِ مِن فَمِ ذائِقِهِ، لا يَجِدُ لَهُ مِدْفَعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ.
واللِّباسُ: حَقِيقَتُهُ الشَّيْءُ الَّذِي يُلْبَسُ، وإضافَتُهُ إلى الجُوعِ والخَوْفِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ مُسْتَعارٌ إلى ما يُغْشى مِن حالَةِ إنْسانٍ مُلازِمَةٍ لَهُ كَمُلازَمَةِ اللِّباسِ لابِسَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] بِجامِعِ الإحاطَةِ والمُلازَمَةِ.
صفحة ٣٠٧
ومِن قَبِيلِها اسْتِعارَةُ البِلى لِزَوالِ صِفَةِ الشَّخْصِ؛ تَشْبِيهًا لِلزَّوالِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ بِبِلى الثَّوْبِ بَعْدَ جِدَّتِهِ في قَوْلِ أبِي الغُولِ الطَّهَوِيِّ:
ولا تَبْلى بَسالَتُهم وإنْ هُـمُ صُلُوا بِالحَرْبِ حِينًا بَعْدَ حِينٍ
. واسْتِعارَةُ سَلِّ الثِّيابِ إلى زَوالِ المُعاشَرَةِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَسُلِّي ثِيابِي عَنْ ثِيابِكِ تَنْسِلِ
ومِن لَطائِفِ البَلاغَةِ جَعْلُ اللِّباسِ لِباسَ شَيْئَيْنِ؛ لِأنَّ تَمامَ اللُّبْسَةِ أنْ يَلْبِسَ المَرْءُ إزارًا ودِرْعًا.
ولَمّا كانَ اللِّباسُ مُسْتَعارًا لِإحاطَةِ ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، ومُلازَمَتِهِ أُرِيدَ إفادَةُ أنَّ ذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، ومُسْتَقِرٌّ في إدْراكِهِمِ اسْتِقْرارَ الطَّعامِ في البَطْنِ؛ إذْ يُذاقُ في اللِّسانِ والحَلْقِ ويُحَسُّ في الجَوْفِ والأمْعاءِ.
فاسْتُعِيرَ لَهُ فِعْلُ الإذاقَةِ تَمْلِيحًا، وجَمْعًا بَيْنَ الطَّعامِ واللِّباسِ؛ لِأنَّ غايَةَ القِرى والإكْرامِ أنْ يُؤْدَبَ لِلضَّيْفِ ويُخْلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً مِن إزارٍ وبُرُدٍ، فَكانَتِ اسْتِعارَتانِ تَهَكُّمِيَّتانِ.
فَحَصَلَ في الآيَةِ اسْتِعارَتانِ: الأُولى: اسْتِعارَةُ الإذاقَةِ، وهي تَبَعِيَّةٌ مُصَرِّحَةٌ، والثّانِيَةُ: اللِّباسِ، وهي أصْلِيَّةٌ مُصَرِّحَةٌ.
ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ أنْ جُعِلَتِ الثّانِيَةُ مُتَفَرِّعَةً عَلى الأوْلى، ومُرَكَّبَةً عَلَيْها بِجَعْلِ لَفْظِها مَفْعُولًا لِلَفْظِ الأُولى، وحَصَلَ بِذَلِكَ أنَّ الجُوعَ والخَوْفَ مُحِيطانِ بِأهْلِ القَرْيَةِ في سائِرِ أحْوالِهِمْ، ومُلازِمانِ لَهم وأنَّهم بالِغانِ مِنهم مَبْلَغًا ألِيمًا.
وأجْمَلَ ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ اعْتِمادًا عَلى سَبَقِ ما يُبَيِّنُهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ .
النحل 16:113
صفحة ٣٠٨
﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم أُذِيقُوا لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ، وكانَ إنَّما ذَكَرَ مِن صُنْعِهِمْ أنَّهم كَفَرُوا بِأنْعُمِ اللَّهِ، زِيدَ هُنا أنَّ ما كانُوا يَصْنَعُونَ عامٌّ لِكُلِّ عَمَلٍ لا يُرْضِي اللَّهَ غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِكُفْرِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ، وإنَّ مِن أشْنَعِ ما كانُوا يَصْنَعُونَ تَكْذِيبَهم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أنَّهُ مِنهم، وذَلِكَ أظْهَرُ في مَعْنى الإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والرِّفْقِ بِهِمْ، وما مِن قَرْيَةٍ أُهْلِكَتْ إلّا وقَدْ جاءَها رَسُولٌ مِن أهْلِها ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص: ٥٩] .
والأخْذُ: الإهْلاكُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ المُعَرَّضِ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْذارِ.
وتَعْرِيفُ العَذابِ لِلْجِنْسِ، أيْ فَأخَذَهم عَذابٌ كَقَوْلِهِ ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] .
النحل 16:114
﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى المَوْعِظَةِ وضَرْبِ المَثَلِ، وخُوطِبَ بِهِ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [النحل: ١١٥] إلى آخِرِهِ.
صفحة ٣٠٩
ولَعَلَّ هَذا مُوَجَّهٌ إلى أهْلِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ إذْ أصْبَحُوا آمِنِينَ عِنْدَ مَلِكٍ عادِلٍ في بَلَدٍ يَجِدُونَ فِيهِ رِزْقًا حَلالًا، وهو ما يُضافُونَ بِهِ، وما يَكْسِبُونَهُ بِكَدِّهِمْ، أيْ إذا عَلِمْتُمْ حالَ القَرْيَةِ المُمَثَّلِ بِها أوِ المُعَرَّضِ بِها فاشْكُرُوا اللَّهَ الَّذِي نَجّاكم مِن مِثْلِ ما أصابَ القَرْيَةَ، فاشْكُرُوا اللَّهَ ولا تَكْفُرُوهُ كَما كَفَرَ بِنِعْمَتِهِ أهْلُ تِلْكَ القَرْيَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ في المَثَلِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] إنْ كُنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، كَما هو مُقْتَضى الإيمانِ، وتَعْلِيقُ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ لِلْبَعْثِ عَلى الِامْتِثالِ لِإظْهارِ صِدْقِ إيمانِهِمْ، وإظْهارِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ لِزِيادَةِ التَّذْكِيرِ، ولِتَكُونَ جُمْلَةُ هَذا الأمْرِ مُسْتَقِلَّةً بِدَلالَتِها، بِحَيْثُ تَصِحُّ أنْ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ.
وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ والمَعْنى واحِدٌ وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ فَكُلُوا لِلِامْتِنانِ، وإدْخالِ حَرْفِ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّ الأمْرَ بِالأكْلِ مُقَدِّمَةٌ لِلْأمْرِ بِالشُّكْرِ، وهو المَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ، والمَقْصُودُ: فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، ولا تَكْفُرُوها فَيَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِأهْلِ القَرْيَةِ المَضْرُوبَةِ مَثَلًا.
والحَلالُ: المَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا، والطَّيِّبُ: ما يَطِيبُ لِلنّاسِ طَعْمُهُ ويَنْفَعُهم قُوتُهُ.
النحل 16:115
﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [النحل: ١١٤]؛ لِتَمْيِيزِ الطَّيِّبِ مِنَ الخَبِيثِ، فَإنَّ المَذْكُوراتِ في المُحَرَّماتِ هي خَبائِثُ خُبْثًا
صفحة ٣١٠
فِطْرِيًّا؛ لِأنَّ بَعْضَها مُفْسِدٌ لِتَوَلُّدِ الغِذاءِ؛ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَضَرَّةِ، وتِلْكَ هي المَيْتَةُ، والدَّمُ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ. وبَعْضُها مُنافٍ لِلْفِطْرَةِ، وهو ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مُنافٍ لِشُكْرِ المُنْعِمِ بِها، فاللَّهُ خَلَقَ الأنْعامَ، والمُشْرِكُونَ يَذْكُرُونَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْها.
ولِإفادَةِ بَيانِ الحَلالِ الطَّيِّبِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ جِيءَ فِيها بِأداةِ الحَصْرِ، أيْ ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا الأرْبَعَ المَذْكُوراتِ، فَبَقِيَ ما عَداها طَيِّبًا.
وهَذا بِالنَّظَرِ إلى الطِّيبِ والخُبْثِ بِالذّاتِ، وقَدْ يَعْرِضُ الخُبْثُ لِبَعْضِ المَطْعُوماتِ عَرْضًا.
ومُناسَبَةُ هَذا التَّحْدِيدِ في المُحَرَّماتِ أنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ كانُوا بِأرْضِ غُرْبَةٍ، وقَدْ يُؤْكَلُ فِيها لَحْمُ الخِنْزِيرِ، وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وكانَ بَعْضُهم بِبَلَدٍ يُؤْكَلُ فِيهِ الدَّمُ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والأنْعامِ.
النحل 16:116
﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يَفْلَحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
عادَ الخِطابُ إلى المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] الآيَةَ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ، فَرُبَّما بَقِيَتْ في نُفُوسِ بَعْضِهِمْ كَراهِيَةُ أكْلِ ما كانُوا يَتَعَفَّفُونَ عَنْ أكْلِهِ في الجاهِلِيَّةِ.
صفحة ٣١١
وعَلَّقَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِمْ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾، ولَمْ يُعَلِّقْ بِالأمْرِ بِأكْلِ ما عَدا ما حَرَّمَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ جَعْلِ الحَلالِ حَرامًا، والحَرامِ حَلالًا، لا أكْلُ جَمِيعِ الحَلالِ، وتَرْكُ جَمِيعِ الحَرامِ حَتّى في حالِ الِاضْطِرارِ؛ لِأنَّ إمْساكَ المَرْءِ عَنْ أكْلِ شَيْءٍ لِكَراهِيَةٍ أوْ عَيْفٍ هو عَمَلٌ قاصِرٌ عَلى ذاتِهِ، وأمّا قَوْلُ ﴿وهَذا حَرامٌ﴾ فَهو يُفْضِي إلى التَّحْجِيرِ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَهِي أنْ يَتَناوَلَهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ﴾ هي إحْدى اللّامَيْنِ اللَّتَيْنِ يَتَعَدّى بِهِما فِعْلُ القَوْلِ، وهي الَّتِي بِمَعْنى (عَنْ) الدّاخِلَةِ عَلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ فَهي كاللّامِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، أيْ قالُوا عَنْ إخْوانِهِمْ، ولَيْسَتْ هي لامُ التَّقْوِيَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المُخاطَبِ بِالقَوْلِ.
و(تَصِفُ) مَعْناهُ تَذْكُرُ وصْفًا وحالًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ لا تَقُولُوا ذَلِكَ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ تَقَوُّلٌ لَمْ يَقُلْهُ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ، وهو اللَّهُ تَعالى.
وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (تَصِفُ)، أيْ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ لَمْ يُنَبِّئْهم بِما قالُوا ولا نَصَبَ لَهم دَلِيلًا عَلَيْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ هي مَقُولُ تَقُولُوا، واسْمُ الإشارَةِ حِكايَةٌ بِالمَعْنى لِأوْصافِهِمْ أشْياءَ بِالحِلِّ، وأشْياءَ بِالتَّحْرِيمِ.
و(لِتَفْتَرُوا) عِلَّةٌ لِـ (تَقُولُوا) بِاعْتِبارِ كَوْنِ الِافْتِراءِ حاصِلًا لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَقْصُودًا لِلْقائِلِينَ، فَهي لامُ العاقِبَةِ، ولَيْسَتْ لامَ العِلَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أنَّ المَقْصِدَ مِنها تَنْزِيلُ الحاصِلِ المُحَقَّقِ حُصُولُهُ بَعْدَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ الغَرَضِ المَقْصُودِ مِنَ الفِعْلِ.
وافْتِراءُ الكَذِبِ تَقَدَّمَ آنِفًا، والَّذِينَ يَفْتَرُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَرَّمُوا أشْياءَ.
صفحة ٣١٢
وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ في صُورَةِ جَوابٍ عَمّا يَجِيشُ بِخاطِرِ سائِلٍ يَسْألُ عَنْ عَدَمِ فَلاحِهِمْ مَعَ مُشاهَدَةِ كَثِيرٍ مِنهم في حالَةٍ مِنَ الفَلاحِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَتاعٌ، أيْ نَفْعٌ مُؤَقَّتٌ زائِلٌ، ولَهم بَعْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ.
والآيَةُ تُحَذِّرُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَتَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ بِنَصٍّ صَرِيحٍ، أوْ بِإيجادِ مَعانٍ وأوْصافٍ لِلْأفْعالِ قَدْ جَعَلَ لِأمْثالِها أحْكامًا، فَمَن أثْبَتَ حَلالًا وحَرامًا بِدَلِيلٍ مِن مَعانٍ تَرْجِعُ إلى مُماثَلَةِ أفْعالٍ تَشْتَمِلُ عَلى تِلْكَ المَعانِي فَقَدْ قالَ بِما نَصَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وقَدَّمَ لَهم لِلِاهْتِمامِ زِيادَةً في التَّحْذِيرِ، وجِيءَ بِلامِ الِاسْتِحْقاقِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَذابَ حَقُّهم لِأجْلِ افْتِرائِهِمْ.
النحل 16:117
﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يَفْلَحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
عادَ الخِطابُ إلى المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] الآيَةَ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ، فَرُبَّما بَقِيَتْ في نُفُوسِ بَعْضِهِمْ كَراهِيَةُ أكْلِ ما كانُوا يَتَعَفَّفُونَ عَنْ أكْلِهِ في الجاهِلِيَّةِ.
صفحة ٣١١
وعَلَّقَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِمْ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾، ولَمْ يُعَلِّقْ بِالأمْرِ بِأكْلِ ما عَدا ما حَرَّمَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ جَعْلِ الحَلالِ حَرامًا، والحَرامِ حَلالًا، لا أكْلُ جَمِيعِ الحَلالِ، وتَرْكُ جَمِيعِ الحَرامِ حَتّى في حالِ الِاضْطِرارِ؛ لِأنَّ إمْساكَ المَرْءِ عَنْ أكْلِ شَيْءٍ لِكَراهِيَةٍ أوْ عَيْفٍ هو عَمَلٌ قاصِرٌ عَلى ذاتِهِ، وأمّا قَوْلُ ﴿وهَذا حَرامٌ﴾ فَهو يُفْضِي إلى التَّحْجِيرِ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَهِي أنْ يَتَناوَلَهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ﴾ هي إحْدى اللّامَيْنِ اللَّتَيْنِ يَتَعَدّى بِهِما فِعْلُ القَوْلِ، وهي الَّتِي بِمَعْنى (عَنْ) الدّاخِلَةِ عَلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ فَهي كاللّامِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، أيْ قالُوا عَنْ إخْوانِهِمْ، ولَيْسَتْ هي لامُ التَّقْوِيَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المُخاطَبِ بِالقَوْلِ.
و(تَصِفُ) مَعْناهُ تَذْكُرُ وصْفًا وحالًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ لا تَقُولُوا ذَلِكَ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ تَقَوُّلٌ لَمْ يَقُلْهُ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ، وهو اللَّهُ تَعالى.
وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (تَصِفُ)، أيْ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ لَمْ يُنَبِّئْهم بِما قالُوا ولا نَصَبَ لَهم دَلِيلًا عَلَيْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ هي مَقُولُ تَقُولُوا، واسْمُ الإشارَةِ حِكايَةٌ بِالمَعْنى لِأوْصافِهِمْ أشْياءَ بِالحِلِّ، وأشْياءَ بِالتَّحْرِيمِ.
و(لِتَفْتَرُوا) عِلَّةٌ لِـ (تَقُولُوا) بِاعْتِبارِ كَوْنِ الِافْتِراءِ حاصِلًا لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَقْصُودًا لِلْقائِلِينَ، فَهي لامُ العاقِبَةِ، ولَيْسَتْ لامَ العِلَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أنَّ المَقْصِدَ مِنها تَنْزِيلُ الحاصِلِ المُحَقَّقِ حُصُولُهُ بَعْدَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ الغَرَضِ المَقْصُودِ مِنَ الفِعْلِ.
وافْتِراءُ الكَذِبِ تَقَدَّمَ آنِفًا، والَّذِينَ يَفْتَرُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَرَّمُوا أشْياءَ.
صفحة ٣١٢
وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ في صُورَةِ جَوابٍ عَمّا يَجِيشُ بِخاطِرِ سائِلٍ يَسْألُ عَنْ عَدَمِ فَلاحِهِمْ مَعَ مُشاهَدَةِ كَثِيرٍ مِنهم في حالَةٍ مِنَ الفَلاحِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَتاعٌ، أيْ نَفْعٌ مُؤَقَّتٌ زائِلٌ، ولَهم بَعْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ.
والآيَةُ تُحَذِّرُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَتَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ بِنَصٍّ صَرِيحٍ، أوْ بِإيجادِ مَعانٍ وأوْصافٍ لِلْأفْعالِ قَدْ جَعَلَ لِأمْثالِها أحْكامًا، فَمَن أثْبَتَ حَلالًا وحَرامًا بِدَلِيلٍ مِن مَعانٍ تَرْجِعُ إلى مُماثَلَةِ أفْعالٍ تَشْتَمِلُ عَلى تِلْكَ المَعانِي فَقَدْ قالَ بِما نَصَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وقَدَّمَ لَهم لِلِاهْتِمامِ زِيادَةً في التَّحْذِيرِ، وجِيءَ بِلامِ الِاسْتِحْقاقِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَذابَ حَقُّهم لِأجْلِ افْتِرائِهِمْ.
النحل 16:118
﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
لَمّا شَنَّعَ عَلى المُشْرِكِينَ أنَّهم حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، وحَذَّرَ المُسْلِمِينَ مِن تَحْرِيمِ أشْياءَ عَلى أنْفُسِهِمْ جَرْيًا عَلى ما اعْتادَهُ قَوْمُهم مِن تَحْرِيمِ ما أُحِلَّ لَهم، نَظَرَ أُولَئِكَ، وحَذَّرَ هَؤُلاءِ. فَهَذا وجْهُ تَعْقِيبِ الآيَةِ السّالِفَةِ بِآيَةِ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ .
والمُرادُ مِنهُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، وقَدْ أشارَ إلى تِلْكَ المُناسَبَةِ قَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾، أيْ وما ظَلَمْناهم بِما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا النِّعْمَةَ فَحُرِمُوا مِن نَعَمٍ عَظِيمَةٍ، وغُيِّرَ أُسْلُوبُ الكَلامِ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ جانِبَ التَّحْذِيرِ فِيهِ أهَمُّ مِن جانِبِ التَّنْظِيرِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ لِلِاهْتِمامِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ حُرِّمَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٣١٣
الَّتِي كانَ عَلَيْها سَلَفُهم، كَما قالَ تَعالى ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ [آل عمران: ٩٣]، أيْ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَلا تَحْسَبُوا أنَّ ذَلِكَ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ.
النحل 16:119
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ اللَّواتِي قَبْلَها كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]، فَلَمّا ذُكِرَتْ أحْوالُ أهْلِ الشِّرْكِ، وكانَ مِنها ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وكانَ المُسْلِمُونَ قَدْ شارَكُوهم أيّامَ الجاهِلِيَّةِ في ذَلِكَ، ووَرَدَتْ قَوارِعُ الذَّمِّ لِما صَنَعُوا، كانَ مِمّا يُتَوَهَّمُ عُلُوقُهُ بِأذْهانِ المُسْلِمِينَ أنْ يَحْسَبُوا أنَّهم سَيَنالُهم شَيْءٌ مِن غَمْضٍ لِما اقْتَرَفُوهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَطَمْأنَ اللَّهُ نُفُوسَهم بِأنَّهم لَمّا تابُوا بِالإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، وأصْلَحُوا عَمَلَهم بَعْدَ أنْ أفْسَدُوا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً عَظِيمَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً واسِعَةً.
ووَقَعَ الإقْبالُ بِالخِطابِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ؛ إيماءً إلى أنَّ تِلْكَ المَغْفِرَةَ مِن بَرَكاتِ الدِّينِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ.
وذِكْرُ اسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ لِلنُّكْتَةِ المُتَقَدِّمَةِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] .
والجَهالَةُ: انْتِفاءُ العِلْمِ بِما يَجِبُ، والمُرادُ: جَهالَتُهم بِأدِلَّةِ الإسْلامِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ بِـ (ثُمَّ) تَضَمَّنَتْ حُكْمَ التَّوْبَةِ، وأنَّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ مِن آثارِها، وذَلِكَ أهَمُّ عِنْدَ المُخاطِبِينَ مِمّا سَبَقَ مِن وعِيدٍ، أيِ الَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ جاهِلِينَ بِما يَدُلُّ عَلى فَسادِ ما عَمِلُوهُ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ، فَإنَّهم في مُدَّةِ تَأخُّرِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ في
صفحة ٣١٤
الإسْلامِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم أهْلُ جَهالَةٍ وجاهِلِيَّةٍ، أوْ جاهِلِينَ بِالعِقابِ المُنْتَظَرِ عَلى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وعِنادِهِمْ إيّاهُ.
ويَدْخُلُ في هَذا الحُكْمِ مَن عَمِلَ حَرامًا مِنَ المُسْلِمِينَ جاهِلًا بِأنَّهُ حَرامٌ، وكانَ غَيْرَ مُقَصِّرٍ في جَهْلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾؛ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ عَلى الِاهْتِمامِ الحاصِلِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، ولامِ الِابْتِداءِ. ويَتَّصِلُ خَبَرُ (إنَّ) بِاسْمِها لِبُعْدِ ما بَيْنَهُما.
ووَقَعَ الخَبَرُ بِوَصْفِ اللَّهِ بِصِفَةِ المُبالَغَةِ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ غُفْرانِهِ لَهم، ورَحْمَتِهِ إيّاهم في ضِمْنِ وصْفِ اللَّهِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ.
والباءُ في (بِجَهالَةٍ) لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ عَمِلُوا.
وضَمِيرُ ﴿مِن بَعْدِها﴾ عائِدٌ إلى الجَهالَةِ أوْ إلى التَّوْبَةِ.
النحل 16:120
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِدِينِ الإسْلامِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] المَقْصُودُ بِهِ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ اتَّبَعُوا الإسْلامَ، فَبَعْدَ أنْ بَشَّرَهم بِأنَّهُ غَفَرَ لَهم ما عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ، زادَهم فَضْلًا بِبَيانِ فَضْلِ الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ.
صفحة ٣١٥
وجَعَلَ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ؛ لِبَيانِ أنَّ فَضْلَ الإسْلامِ فَضْلٌ زائِدٌ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ بِأنَّ مَبْدَأهُ بِرَسُولٍ ومُنْتَهاهُ بِرَسُولٍ، وهَذا فَضْلٌ لَمْ يَحْظَ بِهِ دِينٌ آخَرُ.
فالمَقْصُودُ بَعْدَ هَذا التَّمْهِيدِ، وهاتِهِ المُقَدِّمَةِ هو الإفْضاءُ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقَدْ قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] .
والأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَنْهُ وعَنْ فُرُوعِهِ هَذا الِانْتِقالُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ قَبْلَها مِن تَحْرِيمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى النّاسِ.
ونَظَّرَهم بِاليَهُودِ إذْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أشْياءَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ بِهَذا الِانْتِقالِ؛ لِإفادَةِ أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ قَدْ حادُوا عَنِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتابِعُوها، وأنَّ الحَنِيفِيَّةَ هي ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِن إباحَةِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الطَّيِّباتِ إلّا ما بَيَّنَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ في آيَةِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.
وقَدْ وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ كانَ أُمَّةً، والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ العَظِيمَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَجْمَعُها جِهَةٌ جامِعَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَصْفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ وصْفٌ بَدِيعٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في الفَضْلِ والفُتُوَّةِ والكَمالِ بِمَنزِلَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ كُلُّ الرَّجُلِ، وقالَ البُحْتُرِيُّ:
ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَـفَـاوُتًـا لَدى الفَضْلِ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «مُعاذٌ أُمَّةٌ قانِتٌ لِلَّهِ» .
صفحة ٣١٦
والثّانِي: أنَّهُ كانَ أُمَّةً وحْدَهُ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ بِعْثَتِهِ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ غَيْرُهُ، فَهو الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيدَ، وبَثَّهُ في الأُمَمِ والأقْطارِ، وبَنى لَهُ مَعْلَمًا عَظِيمًا، وهو الكَعْبَةُ، ودَعا النّاسَ إلى حَجِّهِ؛ لِإشاعَةِ ذِكْرِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزَلْ باقِيًا عَلى العُصُورِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خَطَرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ «وأنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، رَواهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ، ورَأيْتُ رِوايَةً أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.
والقانِتُ: المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واللّامُ لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ العامِلَ فَرْعٌ في العَمَلِ.
والحَنِيفُ: المُجانِبُ لِلْباطِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والأسْماءُ الثَّلاثَةِ أخْبارُ (كانَ) وهي فَضائِلُ.
﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اعْتِراضٌ لِإبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ هو دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ صَوَّرُوا إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ يَسْتَقْسِمانِ بِالأزْلامِ ووَضَعُوا الصُّورَةَ في جَوْفِ الكَعْبَةِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَسُوقًا مَساقَ الثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ، ولَكِنَّهُ تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا اخْتَلَقَهُ عَلَيْهِ المُبْطِلُونَ، فَوِزانُهُ وِزانُ قَوْلِهِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، وهو كالتَّأْكِيدِ لِوَصْفِ الحَنِيفِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] .
ونُفِيَ كَوْنُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحَرْفِ (لَمْ) لِأنَّ (لَمْ) تَقْلِبُ زَمَنَ الفِعْلِ المُضارِعِ إلى المُضِيِّ، فَتُفِيدُ انْتِفاءَ مادَّةِ الفِعْلِ في الزَّمَنِ الماضِي، وتُفِيدُ تَجَدُّدَ ذَلِكَ المَنفِيِّ الَّذِي هو مِن خَصائِصِ الفِعْلِ المُضارِعِ فَيَحْصُلُ مَعْنَيانِ: انْتِفاءُ مَدْلُولِ الفِعْلِ بِمادَّتِهِ، وتَجَدُّدُ الِانْتِفاءِ بِصِيغَتِهِ، فَيُفِيدُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ
صفحة ٣١٧
السَّلامُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِالإشْراكِ قَطُّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ صارَ مُمَيِّزًا، وأنَّهُ لا يَتَلَبَّسُ بِالإشْراكِ أبَدًا.
و﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ (كانَ)، وهو مَدْحٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَعْرِيضٌ بِذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ مُقابِلَ قَوْلِهِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا الكَلامُ عَلى أنْعُمِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ اجْتَباهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الثَّناءَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ سَبَبِ فَوْزِ إبْراهِيمَ بِهَذِهِ المَحامِدِ، فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
والِاجْتِباءُ: الِاخْتِيارُ، وهو افْتِعالٌ مَن جَبى إذا جَمَعَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والهِدايَةُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ: الهِدايَةُ إلى التَّوْحِيدِ، ودِينِ الحَنِيفِيَّةِ.
وضَمِيرُ (آتَيْناهُ) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ؛ تَفَنُّنًا في الأُسْلُوبِ لِتَوالِي ثَلاثَةِ ضَمائِرَ غَيْبَةٍ.
والحَسَنَةُ في الدُّنْيا: كُلُّ ما فِيهِ راحَةُ العَيْشِ مِنِ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالدِّينِ، والصِّحَّةِ، والسَّلامَةِ، وطُولِ العُمْرِ، وسَعَةِ الرِّزْقِ الكافِي، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] .
والصَّلاحُ: تَمامُ الِاسْتِقامَةِ في دِينِ الحَقِّ، واخْتِيرَ هَذا الوَصْفُ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهُ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ، إذْ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] .
النحل 16:121
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِدِينِ الإسْلامِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] المَقْصُودُ بِهِ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ اتَّبَعُوا الإسْلامَ، فَبَعْدَ أنْ بَشَّرَهم بِأنَّهُ غَفَرَ لَهم ما عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ، زادَهم فَضْلًا بِبَيانِ فَضْلِ الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ.
صفحة ٣١٥
وجَعَلَ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ؛ لِبَيانِ أنَّ فَضْلَ الإسْلامِ فَضْلٌ زائِدٌ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ بِأنَّ مَبْدَأهُ بِرَسُولٍ ومُنْتَهاهُ بِرَسُولٍ، وهَذا فَضْلٌ لَمْ يَحْظَ بِهِ دِينٌ آخَرُ.
فالمَقْصُودُ بَعْدَ هَذا التَّمْهِيدِ، وهاتِهِ المُقَدِّمَةِ هو الإفْضاءُ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقَدْ قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] .
والأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَنْهُ وعَنْ فُرُوعِهِ هَذا الِانْتِقالُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ قَبْلَها مِن تَحْرِيمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى النّاسِ.
ونَظَّرَهم بِاليَهُودِ إذْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أشْياءَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ بِهَذا الِانْتِقالِ؛ لِإفادَةِ أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ قَدْ حادُوا عَنِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتابِعُوها، وأنَّ الحَنِيفِيَّةَ هي ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِن إباحَةِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الطَّيِّباتِ إلّا ما بَيَّنَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ في آيَةِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.
وقَدْ وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ كانَ أُمَّةً، والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ العَظِيمَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَجْمَعُها جِهَةٌ جامِعَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَصْفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ وصْفٌ بَدِيعٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في الفَضْلِ والفُتُوَّةِ والكَمالِ بِمَنزِلَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ كُلُّ الرَّجُلِ، وقالَ البُحْتُرِيُّ:
ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَـفَـاوُتًـا لَدى الفَضْلِ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «مُعاذٌ أُمَّةٌ قانِتٌ لِلَّهِ» .
صفحة ٣١٦
والثّانِي: أنَّهُ كانَ أُمَّةً وحْدَهُ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ بِعْثَتِهِ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ غَيْرُهُ، فَهو الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيدَ، وبَثَّهُ في الأُمَمِ والأقْطارِ، وبَنى لَهُ مَعْلَمًا عَظِيمًا، وهو الكَعْبَةُ، ودَعا النّاسَ إلى حَجِّهِ؛ لِإشاعَةِ ذِكْرِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزَلْ باقِيًا عَلى العُصُورِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خَطَرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ «وأنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، رَواهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ، ورَأيْتُ رِوايَةً أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.
والقانِتُ: المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واللّامُ لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ العامِلَ فَرْعٌ في العَمَلِ.
والحَنِيفُ: المُجانِبُ لِلْباطِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والأسْماءُ الثَّلاثَةِ أخْبارُ (كانَ) وهي فَضائِلُ.
﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اعْتِراضٌ لِإبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ هو دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ صَوَّرُوا إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ يَسْتَقْسِمانِ بِالأزْلامِ ووَضَعُوا الصُّورَةَ في جَوْفِ الكَعْبَةِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَسُوقًا مَساقَ الثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ، ولَكِنَّهُ تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا اخْتَلَقَهُ عَلَيْهِ المُبْطِلُونَ، فَوِزانُهُ وِزانُ قَوْلِهِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، وهو كالتَّأْكِيدِ لِوَصْفِ الحَنِيفِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] .
ونُفِيَ كَوْنُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحَرْفِ (لَمْ) لِأنَّ (لَمْ) تَقْلِبُ زَمَنَ الفِعْلِ المُضارِعِ إلى المُضِيِّ، فَتُفِيدُ انْتِفاءَ مادَّةِ الفِعْلِ في الزَّمَنِ الماضِي، وتُفِيدُ تَجَدُّدَ ذَلِكَ المَنفِيِّ الَّذِي هو مِن خَصائِصِ الفِعْلِ المُضارِعِ فَيَحْصُلُ مَعْنَيانِ: انْتِفاءُ مَدْلُولِ الفِعْلِ بِمادَّتِهِ، وتَجَدُّدُ الِانْتِفاءِ بِصِيغَتِهِ، فَيُفِيدُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ
صفحة ٣١٧
السَّلامُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِالإشْراكِ قَطُّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ صارَ مُمَيِّزًا، وأنَّهُ لا يَتَلَبَّسُ بِالإشْراكِ أبَدًا.
و﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ (كانَ)، وهو مَدْحٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَعْرِيضٌ بِذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ مُقابِلَ قَوْلِهِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا الكَلامُ عَلى أنْعُمِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ اجْتَباهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الثَّناءَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ سَبَبِ فَوْزِ إبْراهِيمَ بِهَذِهِ المَحامِدِ، فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
والِاجْتِباءُ: الِاخْتِيارُ، وهو افْتِعالٌ مَن جَبى إذا جَمَعَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والهِدايَةُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ: الهِدايَةُ إلى التَّوْحِيدِ، ودِينِ الحَنِيفِيَّةِ.
وضَمِيرُ (آتَيْناهُ) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ؛ تَفَنُّنًا في الأُسْلُوبِ لِتَوالِي ثَلاثَةِ ضَمائِرَ غَيْبَةٍ.
والحَسَنَةُ في الدُّنْيا: كُلُّ ما فِيهِ راحَةُ العَيْشِ مِنِ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالدِّينِ، والصِّحَّةِ، والسَّلامَةِ، وطُولِ العُمْرِ، وسَعَةِ الرِّزْقِ الكافِي، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] .
والصَّلاحُ: تَمامُ الِاسْتِقامَةِ في دِينِ الحَقِّ، واخْتِيرَ هَذا الوَصْفُ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهُ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ، إذْ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] .
النحل 16:122
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِدِينِ الإسْلامِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] المَقْصُودُ بِهِ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ اتَّبَعُوا الإسْلامَ، فَبَعْدَ أنْ بَشَّرَهم بِأنَّهُ غَفَرَ لَهم ما عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ، زادَهم فَضْلًا بِبَيانِ فَضْلِ الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ.
صفحة ٣١٥
وجَعَلَ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ؛ لِبَيانِ أنَّ فَضْلَ الإسْلامِ فَضْلٌ زائِدٌ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ بِأنَّ مَبْدَأهُ بِرَسُولٍ ومُنْتَهاهُ بِرَسُولٍ، وهَذا فَضْلٌ لَمْ يَحْظَ بِهِ دِينٌ آخَرُ.
فالمَقْصُودُ بَعْدَ هَذا التَّمْهِيدِ، وهاتِهِ المُقَدِّمَةِ هو الإفْضاءُ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقَدْ قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] .
والأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَنْهُ وعَنْ فُرُوعِهِ هَذا الِانْتِقالُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ قَبْلَها مِن تَحْرِيمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى النّاسِ.
ونَظَّرَهم بِاليَهُودِ إذْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أشْياءَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ بِهَذا الِانْتِقالِ؛ لِإفادَةِ أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ قَدْ حادُوا عَنِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتابِعُوها، وأنَّ الحَنِيفِيَّةَ هي ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِن إباحَةِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الطَّيِّباتِ إلّا ما بَيَّنَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ في آيَةِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.
وقَدْ وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ كانَ أُمَّةً، والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ العَظِيمَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَجْمَعُها جِهَةٌ جامِعَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَصْفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ وصْفٌ بَدِيعٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في الفَضْلِ والفُتُوَّةِ والكَمالِ بِمَنزِلَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ كُلُّ الرَّجُلِ، وقالَ البُحْتُرِيُّ:
ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَـفَـاوُتًـا لَدى الفَضْلِ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «مُعاذٌ أُمَّةٌ قانِتٌ لِلَّهِ» .
صفحة ٣١٦
والثّانِي: أنَّهُ كانَ أُمَّةً وحْدَهُ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ بِعْثَتِهِ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ غَيْرُهُ، فَهو الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيدَ، وبَثَّهُ في الأُمَمِ والأقْطارِ، وبَنى لَهُ مَعْلَمًا عَظِيمًا، وهو الكَعْبَةُ، ودَعا النّاسَ إلى حَجِّهِ؛ لِإشاعَةِ ذِكْرِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزَلْ باقِيًا عَلى العُصُورِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خَطَرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ «وأنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، رَواهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ، ورَأيْتُ رِوايَةً أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.
والقانِتُ: المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واللّامُ لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ العامِلَ فَرْعٌ في العَمَلِ.
والحَنِيفُ: المُجانِبُ لِلْباطِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والأسْماءُ الثَّلاثَةِ أخْبارُ (كانَ) وهي فَضائِلُ.
﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اعْتِراضٌ لِإبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ هو دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ صَوَّرُوا إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ يَسْتَقْسِمانِ بِالأزْلامِ ووَضَعُوا الصُّورَةَ في جَوْفِ الكَعْبَةِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَسُوقًا مَساقَ الثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ، ولَكِنَّهُ تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا اخْتَلَقَهُ عَلَيْهِ المُبْطِلُونَ، فَوِزانُهُ وِزانُ قَوْلِهِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، وهو كالتَّأْكِيدِ لِوَصْفِ الحَنِيفِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] .
ونُفِيَ كَوْنُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحَرْفِ (لَمْ) لِأنَّ (لَمْ) تَقْلِبُ زَمَنَ الفِعْلِ المُضارِعِ إلى المُضِيِّ، فَتُفِيدُ انْتِفاءَ مادَّةِ الفِعْلِ في الزَّمَنِ الماضِي، وتُفِيدُ تَجَدُّدَ ذَلِكَ المَنفِيِّ الَّذِي هو مِن خَصائِصِ الفِعْلِ المُضارِعِ فَيَحْصُلُ مَعْنَيانِ: انْتِفاءُ مَدْلُولِ الفِعْلِ بِمادَّتِهِ، وتَجَدُّدُ الِانْتِفاءِ بِصِيغَتِهِ، فَيُفِيدُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ
صفحة ٣١٧
السَّلامُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِالإشْراكِ قَطُّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ صارَ مُمَيِّزًا، وأنَّهُ لا يَتَلَبَّسُ بِالإشْراكِ أبَدًا.
و﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ (كانَ)، وهو مَدْحٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَعْرِيضٌ بِذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ مُقابِلَ قَوْلِهِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا الكَلامُ عَلى أنْعُمِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ اجْتَباهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الثَّناءَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ سَبَبِ فَوْزِ إبْراهِيمَ بِهَذِهِ المَحامِدِ، فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
والِاجْتِباءُ: الِاخْتِيارُ، وهو افْتِعالٌ مَن جَبى إذا جَمَعَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والهِدايَةُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ: الهِدايَةُ إلى التَّوْحِيدِ، ودِينِ الحَنِيفِيَّةِ.
وضَمِيرُ (آتَيْناهُ) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ؛ تَفَنُّنًا في الأُسْلُوبِ لِتَوالِي ثَلاثَةِ ضَمائِرَ غَيْبَةٍ.
والحَسَنَةُ في الدُّنْيا: كُلُّ ما فِيهِ راحَةُ العَيْشِ مِنِ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالدِّينِ، والصِّحَّةِ، والسَّلامَةِ، وطُولِ العُمْرِ، وسَعَةِ الرِّزْقِ الكافِي، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] .
والصَّلاحُ: تَمامُ الِاسْتِقامَةِ في دِينِ الحَقِّ، واخْتِيرَ هَذا الوَصْفُ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهُ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ، إذْ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] .
النحل 16:123
صفحة ٣١٨
﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ المُشِيرِ إلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ مُتَباعِدٌ في رُتْبَةِ الرِّفْعَةِ عَلى مَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ تَنْوِيهًا جَلِيلًا بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ، وبِشَرِيعَةِ الإسْلامِ، وزِيادَةً في التَّنْوِيهِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ جَعَلْناكَ مُتَّبِعًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ. وذَلِكَ أجَلُّ ما أوْلَيْناكُما مِنَ الكَرامَةِ، وقَدْ بَيَّنْتُ آنِفًا أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَقْصُودُ، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] إلَخْ تَمْهِيدٌ لَها.
وزِيدَ ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ مِلَّةَ إبْراهِيمَ كانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإرْشادٍ صادِقٍ؛ تَعْرِيضًا بِأنَّ الَّذِينَ زَعَمُوا اتِّباعَهم مِلَّةَ إبْراهِيمَ مِنَ العَرَبِ مِن قَبْلُ قَدْ أخْطَأُوها بِشُبْهَةٍ مِثْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أوْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ مِثْلُ مَزاعِمِ قُرَيْشٍ في دِينِهِمْ.
و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةُ فِعْلِ أوْحَيْنا؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، فاحْتِيجَ إلى تَفْسِيرِهِ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ.
والِاتِّباعُ: اقْتِفاءُ السَّيْرِ عَلى سَيْرٍ آخَرَ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ بِمِثْلِ عَمَلِ الآخَرِ.
وانْتَصَبَ حَنِيفًا عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ فَيَكُونُ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ لِمُماثِلِهِ قَبْلَهُ أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ (إلَيْكَ) أوْ مِن ضَمِيرِ (اتَّبِعْ)، أيْ كُنْ يا مُحَمَّدُ حَنِيفًا كَما كانَ إبْراهِيمُ حَنِيفًا، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وتَفْسِيرُ فِعْلِ أوْحَيْنا بِجُمْلَةِ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ تَفْسِيرٌ بِكَلامٍ جامِعٍ لِما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ
صفحة ٣١٩
مَعَ الإعْلامِ بِأنَّها مُقامَةٌ عَلى أُصُولِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ المُرادُ أوْحَيْنا إلَيْكَ كَلِمَةَ ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّ المُوحى بِهِ إلَيْهِ مُنْبَجِسٌ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَوْلُهُ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ هو مِمّا أوْحاهُ اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، وهو عَطْفٌ عَلى حَنِيفًا عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في صاحِبِ ذَلِكَ الحالِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ الحالُ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ تَنْزِيهًا لِشَرِيعَةِ الإسْلامِ المُتَّبِعَةِ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ مِن أنْ يُخالِطَها شَيْءٌ مِنَ الشِّرْكِ.
ونَفِيُ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ هُنا بِحَرْفِ (ما) النّافِيَةِ؛ لِأنَّ (ما) إذا نَفَتْ فِعْلَ (كانَ) أفادَتْ قُوَّةَ النَّفْيِ، ومُباعَدَةَ المَنفِيِّ، وحَسَبُكَ أنَّها يُبْنى عَلَيْها الجُحُودُ في نَحْوِ: ما كانَ لِيَفْعَلَ كَذا.
فَحَصَلَ مِن قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] مِن قَوْلِهِ هُنا ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ثَلاثُ فَوائِدَ: نَفْيُ الإشْراكِ عَنْ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ أزْمِنَةِ الماضِي، وتَجَدُّدُ نَفْيِ الإشْراكِ تَجَدُّدًا مُسْتَمِرًّا، وبَراءَتُهُ مِنَ الإشْراكِ بَراءَةً تامَّةً.
وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ دِينَ الإسْلامِ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ شَوائِبُ الإشْراكِ؛ لِأنَّهُ جاءَ كَما جاءَ إبْراهِيمُ مُعْلِنًا تَوْحِيدًا لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ، ومُجْتَثًّا لِوَشِيجِ الشِّرْكِ، والشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ كُلِّها - وإنْ كانَتْ تُحَذِّرُ مِنَ الإشْراكِ - فَقَدِ امْتازَ القُرْآنُ مِن بَيْنِها بِسَدِّ المَنافِذِ الَّتِي يَتَسَلَّلُ مِنها الإشْراكُ بِصَراحَةِ أقْوالِهِ، وفَصاحَةِ بَيانِهِ، وأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ في ذَلِكَ كَلامًا مُتَشابِهًا كَما قَدْ يُوجَدُ في بَعْضِ الكُتُبِ الأُخْرى؛ مِثْلُ ما جاءَ في التَّوْراةِ مَن وصْفِ اليَهُودِ بِأبْناءِ اللَّهِ، وما في الأناجِيلِ مِن تَوَهُّمِ بُنُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلَّهِ، سُبْحانَهُ عَمّا يَصِفُونَ.
صفحة ٣٢٠
وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في خُطْبَةِ حِجَّةِ الوَداعِ: «أيُّها النّاسُ إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في أرْضِكم هَذِهِ - أيْ أرْضِ الإسْلامِ - أبَدًا، ولَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ أنْ يُطاعَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِمّا تَحْقِرُونَ مِن أعْمالِكم فاحْذَرُوهُ عَلى دِينِكم» .
ومَعْنى اتِّباعِ مُحَمَّدٍ مِلَّةَ إبْراهِيمَ الواقِعِ في كَثِيرٍ مِن آياتِ القُرْآنِ أنَّ دِينَ الإسْلامِ بُنِيَ عَلى أُصُولِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وهي أُصُولُ الفِطْرَةِ، والتَّوَسُّطُ بَيْنَ الشِّدَّةِ واللِّينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] .
وفِي قَضِيَّةِ أمْرِ إبْراهِيمَ بِذَبْحِ ولَدِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ فِدائِهِ بِذَبْحِ شاةٍ رَمَزٌ إلى الِانْتِقالِ مِن شِدَّةِ الأدْيانِ الأُخْرى في قَرابِينِها إلى سَماحَةِ دِينِ اللَّهِ الحَنِيفِ في القُرْبانِ بِالحَيَوانِ دُونَ الآدَمِيِّ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] .
فالشَّرِيعَةُ الَّتِي تُبْنى تَفاصِيلُها وتَفارِيعُها عَلى أُصُولِ شَرِيعَةٍ تُعْتَبَرُ كَأنَّها تِلْكَ الشَّرِيعَةُ، ولِذَلِكَ قالَ المُحَقِّقُونَ مِن عُلَمائِنا: إنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ بِالقِياسِ في الإسْلامِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وإنْ كانَ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: قالَهُ اللَّهُ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ جَمِيعَ ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ قَدْ جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِالبالِ - فَإنَّ الإسْلامَ شَرِيعَةٌ قانُونِيَّةٌ سُلْطانِيَّةٌ وشَرْعُ إبْراهِيمَ شَرِيعَةٌ قَبائِلِيَّةٌ خاصَّةٌ بِقَوْمٍ، ولا أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ابْتِداءً قَبْلَ أنْ يُوحِي إلَيْهِ بِشَرائِعِ دِينِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ؛ وإنْ كانَ صَحِيحًا مِن جِهَةِ المَعْنى وتَحْتَمِلُهُ ألْفاظُ الآيَةِ؛ لَكِنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ إذْ لَمْ يَرِدْ في شَيْءٍ مِنَ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ ما يُشِيرُ إلى أنَّهُ نَسْخٌ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن قَبْلُ.
صفحة ٣٢١
فاتِّباعُ النَّبِيءِ مِلَّةَ إبْراهِيمَ كانَ بِالقَوْلِ والعَمَلِ في أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والمُحاجَّةِ لَهُ، واتِّباعِ ما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ، وفي فُرُوعِها مِمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ مِثْلُ الخِتانِ، وخِصالِ الفِطْرَةِ، والإحْسانِ.
النحل 16:124
﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ يُنادِي عَلى أنَّها تَضَمَّنَتْ مَعْنًى يَرْتَبِطُ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، وبِمَجِيءِ الإسْلامِ عَلى أساسِها.
فَلَمّا نَفَتِ الآيَةُ قَبْلَ هَذِهِ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُشْرِكِينَ رَدًّا عَلى مَزاعِمِ العَرَبِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ انْتَقَلَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ إلى إبْطالِ ما يُشْبِهُ تِلْكَ المَزاعِمَ، وهي مَزاعِمُ اليَهُودِ أنَّ مِلَّةَ اليَهُودِيَّةِ هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ زَعْمًا ابْتَدَعُوهُ حِينَ ظُهُورِ الإسْلامِ؛ جَحْدًا لِفَضِيلَةٍ فاتَتْهم، وهي فَضِيلَةُ بِناءِ دِينِهِمْ عَلى أوَّلِ دِينٍ لِلْفِطْرَةِ الكامِلَةِ حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
فَهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ آيَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] فَذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ الثَّلاثَ اخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، فَكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ تَدَّعِي أنَّها عَلى مِلَّتِهِ، إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأعْظَمِ دَلِيلٍ، وهو أنَّ دِينَهُمُ الإشْراكَ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَقَّبَ ذَلِكَ
صفحة ٣٢٢
بِإبْطالِ مَزاعِمِ اليَهُودِ؛ لِأنَّها قَدْ تَكُونُ أكْثَرَ رَواجًا؛ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا مُخالِطِينَ العَرَبَ في بِلادِهِمْ، فَأهْلُ مَكَّةَ كانُوا يَتَّصِلُونَ بِاليَهُودِ في أسْفارِهِمْ، وأسْواقِهِمْ بِخِلافِ النَّصارى.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيها لِلنَّصارى الَّذِينَ تَعَرَّضَ لَهم في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
ولِهَذا تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] إذْ يُثِيرُ سُؤالًا مِنَ المُخالِفِينَ: كَيْفَ يَكُونُ الإسْلامُ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ ؟ وفِيهِ جُعِلَ يَوْمُ الجُمْعَةِ اليَوْمَ المُقَدَّسَ، وقَدْ جَعَلَتِ التَّوْراةُ لِلْيَهُودِ يَوْمَ التَّقْدِيسِ يَوْمَ السَّبْتِ، ولَعَلَّ اليَهُودَ شَغَبُوا بِذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ بَيانًا لِجَوابِ هَذا السُّؤالِ.
وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وجُمْلَةِ ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] إلَخْ.
ولِذَلِكَ افْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِأداةِ الحَصْرِ؛ إشْعارًا بِأنَّها لِقَلْبِ ما ظَنَّهُ السّائِلُونَ المُشَغِّبُونَ.
وهَذا أُسْلُوبٌ مَعْرُوفٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأجْوِبَةِ المُورَدَةِ لِرَدِّ رَأْيِ مَوْهُومٍ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ فِيهِ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ عَلى تَقْدِيرٍ مُضافٍ، أيِ اخْتَلَفُوا في مِلَّتِهِ، ولَيْسَ عائِدًا عَلى السَّبْتِ، إذْ لا طائِلَ مِنَ المَعْنى في ذَلِكَ، والَّذِينَ اخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، أيْ في مِلَّتِهِ هُمُ اليَهُودُ؛ لِأنَّهم أصْحابُ السَّبْتِ.
ومَعْنى (جُعِلَ السَّبْتُ) فُرِضَ وعُيِّنَ عَلَيْهِمْ، أيْ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ أحْكامُ السَّبْتِ: مِن تَحْرِيمِ العَمَلِ فِيهِ، وتَحْرِيمِ اسْتِخْدامِ الخَدَمِ والدَّوابِّ في يَوْمِ السَّبْتِ.
وعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ اليَهُودِ أوْ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ كَوْنِهِ أوْجَزَ إلى التَّعْبِيرِ عَنْهم بِالمَوْصُولِ؛ لِأنَّ اشْتِهارَهم بِالصِّلَةِ كافٍ في تَعْرِيفِهِمْ مَعَ ما في
صفحة ٣٢٣
المَوْصُولِ وصِلَتِهِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، وذَلِكَ الإيماءُ هو المَقْصُودُ هُنا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ أنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكُونُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
ولَيْسَ مَعْنى فِعْلِ اخْتَلَفُوا وُقُوعُ خِلافٍ بَيْنِهِمْ بِأمْرِ السَّبْتِ بَلْ فِعْلُ (اخْتَلَفُوا) مُرادٌ بِهِ خالَفُوا كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ»، أيْ عَمَلِهِمْ خِلافَ ما أمَرَ بِهِ أنْبِياؤُهم، فَحاصِلُ المَعْنى هَكَذا: ما فُرِضَ السَّبْتُ عَلى أهْلِ السَّبْتِ إلّا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، إذْ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ عِنْدَهم أنَّ مِلَّةَ إبْراهِيمَ لَيْسَ مِنها حُرْمَةُ السَّبْتِ، ولا هو مِن شَرائِعِها.
ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ لِلْيَوْمِ المُقَدَّسِ عِنْدَ النَّصارى لِعَدَمِ الدّاعِي إلى ذَلِكَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ كَما عَلِمْتَ.
ولا يُؤْخَذُ مِن هَذا أنَّ مِلَّةَ إبْراهِيمَ كانَ اليَوْمُ المُقَدَّسُ فِيها يَوْمَ الجُمْعَةِ؛ لِعَدَمِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والكافِي في نَفْيِ أنْ يَكُونَ اليَهُودُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ أنَّ يَوْمَ حُرْمَةِ السَّبْتِ لَمْ تَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ.
ثُمَّ الأظْهَرُ أنَّ حُرْمَةَ يَوْمِ الجُمْعَةِ ادُّخِرَتْ لِلْمِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فَهَذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ؛ اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ»؛ فَقَوْلُهُ (فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ذَلِكَ في مِلَّةٍ أُخْرى.
فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَحْمَلُ الفِعْلِ والضَّمِيرُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ .
وما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ مِن وُجُوهٍ لا يَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، وعَدَمِ طائِلٍ، وقَدْ جَعَلُوا ضَمِيرَ (فِيهِ) عائِدًا إلى السَّبْتِ، وتَأوَّلُوا مَعْنى الِاخْتِلافِ فِيهِ بِوُجُوهٍ، ولا مُناسَبَةَ بَيْنَ الخَبَرِ وبَيْنَ ما تُوُهِّمَ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لَهُ عَلى مَعْنى جَعْلِ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا عَلى نَبِيِّهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ السَّبْتِ؛ لِأنَّ نَبِيَّهم
صفحة ٣٢٤
أمَرَهم أنْ يُعَظِّمُوا يَوْمَ الجُمْعَةِ فَأبَوْا، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ السَّبْتُ هو المُفَضَّلَ مِنَ الأُسْبُوعِ؛ بِعِلَّةِ أنَّ اللَّهَ قَضى خَلْقَ السَّماواتِ والأرَضِينَ قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ، ولَمْ يَكُنْ في يَوْمِ السَّبْتِ خَلْقٌ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ في حُرْمَةِ السَّبْتِ، كَذا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو لا يَصِحُّ عَنْهُ. وكَيْفَ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤]، وكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعْدِلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اليَوْمِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِتَعْظِيمِهِ إلى يَوْمٍ آخَرَ لِشَهْوَةِ قَوْمِهِ، وقَدْ عُرِفَ بِالصَّلابَةِ في الدِّينِ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن زَعَمَ أنَّ التَّوْراةَ أمَرَتْهم بِيَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَعَيَّنُوهُ السَّبْتَ، وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ بَيْنَهم ثَمانِينَ سَنَةً، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ لَسُوءِ فَهْمِهِمْ في التَّوْراةِ ؟ ولَعَلَّكَ تَلُوحُ لَكَ حَيْرَةُ المُفَسِّرِينَ في التِئامِ مَعانِي هَذِهِ الآيَةِ.
و(إنَّما) لِلْحَصْرِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ مَقْصُودٌ بِهِ الرَّدُّ عَلى اليَهُودِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّ السَّبْتَ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهم شَرْعًا جَدِيدًا بِصَرِيحِ كِتابِهِمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهم، وتَرْكِيبُ الِاسْتِدْلالِ: إنْ حُرْمَةَ السَّبْتِ لَمْ تَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَأصْحابُ تِلْكَ الحُرْمَةِ لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى (جُعِلَ السَّبْتُ) أنَّهُ جُعِلَ يَوْمًا مُعَظَّمًا لا عَمَلَ فِيهِ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ السَّبْتَ مُعَظَّمًا، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ الجَعْلِ؛ لِأنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ إيجازًا لِيَشْمَلَ كُلَّ أحْوالِ السَّبْتِ المَحْكِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤] وقَوْلُهُ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] .
وضُمِّنَ فِعْلُ (جُعِلَ) مَعْنى (فُرِضَ) فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) .
وقَدِ ادَّخَرَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يَكُونَ هو الوارِثُ لِأُصُولِ إبْراهِيمَ، فَجَعَلَ لِلْيَهُودِ والنَّصارى دِينًا مُخالِفًا لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، ونَصَبَ عَلى ذَلِكَ شِعارًا، وهو اليَوْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أصْلُ ذَلِكَ الدِّينِ. وتَغْيِيرُ ذَلِكَ اليَوْمِ عِنْدَ بِعْثَةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ؛ لِئَلّا يَكُونَ يَوْمَ السَّبْتِ مُسْتَرْسِلًا
صفحة ٣٢٥
فِي بَنِي إسْرائِيلَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم عُرْضَةٌ لِنَسْخِ دِينِهِمْ بِدِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإعْدادًا لَهم لِتَلَقِّي نَسْخٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِدِينٍ آخَرَ، يَكُونُ شِعارُهُ يَوْمًا آخَرَ غَيْرَ السَّبْتِ، وغَيْرَ الأحَدِ. فَهَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي بِهِ يَظْهَرُ انْتِساقُ الآيِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ.
و(بَيْنَهم) ظَرْفٌ لِلْحُكْمِ المُسْتَفادِ مِن (يَحْكُمُ)، أيْ حُكْمًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ولَيْسَتْ (بَيْنَهم) لِتَعْدِيَةِ (يَحْكُمُ) إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ ذِكْرُ الِاخْتِلافِ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ هُنا.
النحل 16:125
﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَتَنَزَّلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَةَ البَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] فَإنَّ المُرادَ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ هو دِينُ الإسْلامِ، ودِينُ الإسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ الحَنِيفِيَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَ الرَّسُولُ ﷺ بِدَعْوَتِهِ النّاسَ إلى الإسْلامِ داعِيًا إلى اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ.
ومُخاطَبَةُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِهَذا الأمْرِ في حِينِ أنَّهُ داعٍ إلى الإسْلامِ ومُوافِقٌ لِأصُولِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في طَلَبِ الدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ، مَعَ ما انْضَمَّ إلى ذَلِكَ مِنَ الهِدايَةِ إلى طَرائِقِ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ.
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَثْبِيتَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى الدَّعْوَةِ، وأنْ لا يُؤَيِّسَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ لَهُ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] وقَوْلُهم ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وأنْ لا يَصُدَّهُ عَنِ الدَّعْوَةِ أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِي الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ، ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَتْرُكُوا حِيلَةً يَحْسَبُونَها تُثَبِّطُ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ دَعْوَتِهِ إلّا ألْقَوْا بِها إلَيْهِ، مِن: تَصْرِيحٍ بِالتَّكْذِيبِ، واسْتِسْخارٍ، وتَهْدِيدٍ، وبَذاءَةٍ، واخْتِلاقٍ، وبُهْتانٍ، كَما ذَلِكَ مَحْكِيٌّ في تَضاعِيفِ
صفحة ٣٢٦
القُرْآنِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهم يَجْهَلُونَ مَراتِبَ أهْلِ الِاصْطِفاءِ ويَزِنُونَهم بِمِعْيارِ مَوازِينِ نُفُوسِهِمْ، فَحَسِبُوا ما يَأْتُونَهُ مِنَ الخُزَعْبَلاتِ مُثَبِّطًا لَهُ، ومُوشِكًا لِأنْ يَصْرِفَهُ عَنْ دَعْوَتِهِمْ.
وسَبِيلُ الرَّبِّ: طَرِيقُهُ، وهو مُجازٌ لِكُلِّ عَمَلٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُبَلِّغَ عامِلَهُ إلى رِضى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العَمَلَ الَّذِي يَحْصُلُ لِعامِلِهِ غَرَضٌ ما يُشْبِهُ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى مَكانٍ مَقْصُودٍ، فَلِذَلِكَ يُسْتَعارُ اسْمُ السَّبِيلِ لِسَبَبِ الشَّيْءِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ الأمْرِ بِمُهادَنَةٍ قُرَيْشٍ، أيْ في مُدَّةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ لَمّا أحْزَنَ النَّبِيءَ ﷺ مَنظَرُ المُثْلَةِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ «لَأقْتُلَنَّ مَكانَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهم»، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.
ولا أحْسَبُ ما ذَكَراهُ صَحِيحًا، ولَعَلَّ الَّذِي غَرَّ مَن رَواهُ قَوْلُهُ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] كَما سَيَأْتِي، بَلْ مَوْقِعُ الآيَةِ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى إيجادِ سَبَبِ نُزُولٍ.
وإضافَةُ (سَبِيلِ) إلى (رَبِّكَ) بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَ إلَيْهِ، وأمَرَ بِالتِزامِهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ، وصارَ هَذا المُرَكَّبُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى دِينِ الإسْلامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وهو المُرادُ هُنا، وفي قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .
ويُطْلَقُ سَبِيلُ اللَّهِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ أيْضًا عَلى نُصْرَةِ الدَّيْنِ بِالقِتالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] .
والباءُ في قَوْلِهِ بِالحِكْمَةِ لِلْمُلابَسَةِ، كالباءِ في قَوْلِ العَرَبِ لِلْمُعَرِّسِ: بِالرِّفاءِ والبَنِينَ، بِتَقْدِيرِ: أعْرَسْتَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، وهي إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (ادْعُ)، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (ادْعُ) .
صفحة ٣٢٧
وحُذِفَ مَفْعُولُ (ادْعُ) لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أوْ لِأنَّ الفِعْلَ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الدَّوامُ عَلى الدَّعْوَةِ، لا بَيانُ المَدْعُوِّينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَعْلُومٌ مِن حالِ الدَّعْوَةِ.
ومَعْنى المُلابَسَةِ يَقْتَضِي أنْ لا تَخْلُوَ دَعْوَتُهُ إلى سَبِيلِ اللَّهِ عَنْ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ: الحِكْمَةُ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ.
فالحِكْمَةُ: هي المَعْرِفَةُ المُحْكَمَةُ، أيِ الصّائِبَةُ المُجَرَّدَةُ عَنِ الخَطَأِ، فَلا تُطْلَقُ الحِكْمَةُ إلّا عَلى المَعْرِفَةِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الأخْطاءِ، وبَقايا الجَهْلِ في تَعْلِيمِ النّاسِ وفي تَهْذِيبِهِمْ، ولِذَلِكَ عَرَّفُوا الحِكْمَةَ بِأنَّها: مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، بِحَيْثُ لا تَلْتَبِسُ عَلى صاحِبِها الحَقائِقُ المُتَشابِهَةُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ولا تُخْطِئُ في العِلَلِ والأسْبابِ، وهي اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ كَلامٍ أوْ عِلْمٍ يُراعى فِيهِ إصْلاحُ حالِ النّاسِ، واعْتِقادُهم إصْلاحًا مُسْتَمِرًّا لا يَتَغَيَّرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ مُفَصَّلًا فانْظُرْهُ، وتُطْلَقُ الحِكْمَةُ عَلى العُلُومِ الحاصِلَةِ لِلْأنْبِياءِ، ويُرادِفُها الحُكْمُ.
والمَوْعِظَةُ: القَوْلُ الَّذِي يُلَيِّنُ نَفْسَ المَقُولِ لَهُ لِعَمَلِ الخَيْرِ، وهي أخَصُّ مِنَ الحِكْمَةِ؛ لِأنَّها حِكْمَةٌ في أُسْلُوبٍ خاصٍّ لِإلْقائِها، تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ووَصْفُها بِالحُسْنِ تَحْرِيضٌ عَلى أنْ تَكُونَ لَيِّنَةً مَقْبُولَةً عِنْدَ النّاسِ، أيْ حَسَنَةً في جِنْسِها، وإنَّما تَتَفاضَلُ الأجْناسُ بِتَفاضُلِ الصِّفاتِ المَقْصُودَةِ مِنها.
وعَطْفُ المَوْعِظَةِ عَلى الحِكْمَةِ لِأنَّها تُغايِرُ الحِكْمَةَ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ، فَإنَّهُ قَدْ يَسْلُكُ بِالمَوْعِظَةِ مَسْلَكَ الإقْناعِ، فَمِنَ المَوْعِظَةِ حِكْمَةٌ، ومِنها خَطابَةٌ، ومِنها جَدَلٌ.
صفحة ٣٢٨
وهِيَ مِن حَيْثُ ماهِيَّتُها بَيْنَها وبَيْنَ الحِكْمَةِ العُمُومُ والخُصُوصُ مِن وجْهٍ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ بِها ما لا يَخْرُجُ عَنِ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ بِقَرِينَةِ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ، إذْ لَمْ يَعْطِفْ مَصْدَرَ المُجادَلَةِ عَلى الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ بِأنْ يُقالَ: والمُجادَلَةُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، بَلْ جِيءَ بِفِعْلِها، عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَقْيِيدُ الإذْنِ فِيها بِأنْ تَكُونَ كالَّتِي هي أحْسَنُ، كَما قالَ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
والمُجادَلَةُ: الِاحْتِجاجُ لِتَصْوِيبِ رَأْيٍ، وإبْطالِ ما يُخالِفُهُ أوْ عَمَلٍ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ ما لَقِيَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِن أذى المُشْرِكِينَ قَدْ يَبْعَثُهُ عَلى الغِلْظَةِ في المُجادَلَةِ؛ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجادِلَهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. وتَقَدَّمَتْ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها. وتَقَدَّمَتْ مِن قَبْلُ عِنْدِ قَوْلِهِ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ، والمَعْنى: إذا ألْجَأتِ الدَّعْوَةُ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ فَحاجِجْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ المُحاجَّةُ الصّادِرَةُ مِنهم، فَإنَّ المُجادَلَةَ تَقْتَضِي صُدُورَ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَعُلِمَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ أنْ تَكُونَ المُحاجَّةُ الصّادِرَةُ مِنهُ أشَدَّ حُسْنًا مِنَ المُحاجَّةِ الصّادِرَةِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] .
ولَمّا كانَتِ المُجادَلَةُ لا تَكُونُ إلّا مَعَ المُعارِضِينَ صَرَّحَ في المُجادَلَةِ بِضَمِيرِ جَمْعِ الغائِبِينَ المُرادُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ مُتَفاوِتُونَ في كَيْفِيّاتِ مُحاجَّتِهِمْ، فَمِنهم مَن يُحاجُّ بِلِينٍ، مِثْلُ ما في الحَدِيثِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ القُرْآنَ عَلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ثُمَّ قالَ لَهُ: هَلْ تَرى بِما أقُولُ بَأْسًا قالَ: لا والماءِ»، «وقَرَأ النَّبِيءُ ﷺ القُرْآنَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ في مَجْلِسِ قَوْمِهِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أيُّها المَرْءُ إنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا فاجْلِسْ في بَيْتِكَ فَمَن جاءَكَ فَحَدِّثْ إيّاهُ ومَن لَمْ يَأْتِكَ فَلا تَغْشَهْ ولا تَأْتِهِ في مَجْلِسِهِ بِما يَكْرَهُ مِنهُ» .
صفحة ٣٢٩
وتَصَدِّي المُشْرِكِينَ لِمُجادَلَةِ النَّبِيءِ ﷺ تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ومِن ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآيَةَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ الزِّبَعْرى: لَأخْصِمَنَّ مُحَمَّدًا، فَجاءَهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ قَدْ عُبِدَ عِيسى، وعُبِدَتِ المَلائِكَةُ فَهَلْ هم حَصَبٌ لِجَهَنَّمَ ؟ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ اقْرَأْ ما بَعْدَ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء»: ١٠١] . أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو داوُدَ في كِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ.
وقُيِّدَتِ المَوْعِظَةُ بِالحَسَنَةِ، ولَمْ تُقَيَّدِ الحِكْمَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَوْعِظَةَ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنها غالِبًا رَدْعَ نَفْسِ المَوْعُوظِ عَنْ أعْمالِهِ السَّيِّئَةِ أوْ عَنْ تَوَقُّعِ ذَلِكَ مِنهُ، كانَتْ مَظِنَّةً لِصُدُورِ غِلْظَةٍ مِنَ الواعِظِ، ولِحُصُولِ انْكِسارٍ في نَفْسِ المَوْعُوظِ، وأرْشَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَتَوَخّى في المَوْعِظَةِ أنْ تَكُونَ حَسَنَةً، أيْ بِإلانَةِ القَوْلِ وتَرْغِيبِ المَوْعُوظِ في الخَيْرِ، قالَ تَعالى خِطابًا لِمُوسى وهارُونَ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣] ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] .
وفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ أنَّهُ قالَ: «وعَظَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً وجِلَتْ مِنها القُلُوبُ وذَرَفَتْ مِنها العُيُونُ» الحَدِيثَ.
وأمّا الحِكْمَةُ فَهي تَعْلِيمٌ لِمُتَطَلِّبِي الكَمالِ مِن مُعَلِّمٍ يَهْتَمُّ بِتَعْلِيمِ طُلّابِهِ، فَلا تَكُونُ إلّا في حالَةٍ حَسَنَةٍ، فَلا حاجَةَ إلى التَّنْبِيهِ عَلى أنْ تَكُونَ حَسَنَةً.
والمُجادَلَةُ لَمّا كانَتْ مُحاجَّةً في فِعْلٍ أوْ رَأْيٍ لِقَصْدِ الإقْناعِ بِوَجْهِ الحَقِّ فِيهِ، فَهي لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ مِنَ الحِكْمَةِ أوْ مِنَ المَوْعِظَةِ، ولَكِنَّها جُعِلَتْ قَسِيمًا لَهُما هُنا بِالنَّظَرِ إلى الغَرَضِ الدّاعِي إلَيْها.
وإذْ قَدْ كانَتْ مُجادَلَةُ النَّبِيءِ ﷺ لَهم مِن ذُيُولِ الدَّعْوَةِ وُصِفَتْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، كَما وُصِفَتِ المَوْعِظَةُ بِالحَسَنَةِ.
صفحة ٣٣٠
وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُجادِلُونَ النَّبِيءَ قَصْدًا لِإفْحامِهِ، وتَمْوِيهًا لِتَغْلِيطِهِ، نَبَّهَ اللَّهُ عَلى أُسْلُوبِ مُجادَلَةِ النَّبِيءِ إيّاهم؛ اسْتِكْمالًا لِآدابِ وسائِلِ الدَّعْوَةِ كُلِّها، فالضَّمِيرُ في وجادِلْهم عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ المَقامِ؛ لِظُهُورِ أنَّ المُسْلِمِينَ لا يُجادِلُونَ النَّبِيءَ ﷺ، ولَكِنْ يَتَلَقَّوْنَ مِنهُ تَلَقِّيَ المُسْتَفِيدِ والمُسْتَرْشِدِ، وهَذا مُوجِبُ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُجادَلَةِ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ: والمُجادَلَةُ الحَسَنَةُ، بَلْ قالَ وجادِلْهم، وقالَ تَعالى أيْضًا ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
ويَنْدَرِجُ في الَّتِي هي أحْسَنُ رَدُّ تَكْذِيبِهِمْ بِكَلامٍ غَيْرِ صَرِيحٍ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]، وقَوْلِهِ ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الحج: ٦٨] ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٩] .
والآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ مِن أسالِيبِ الدَّعْوَةِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ إذا دَعا النّاسَ بِغَيْرِ القُرْآنِ مِن خُطَبِهِ ومَواعِظِهِ وإرْشادِهِ يَسْلُكُ مَعَهم هَذِهِ الطُّرُقَ الثَّلاثَةَ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن مَعانِي الكَلامِ، ومِن أحْوالِ المُخاطَبِينَ، مِن خاصَّةٍ وعامَّةٍ.
ولَيْسَ المَقْصُودُ لُزُومُ كَوْنِ الكَلامِ الواحِدِ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الكَلامُ حِكْمَةً مُشْتَمِلًا عَلى غِلْظَةٍ ووَعِيدٍ وخالِيًا عَنِ المُجادَلَةِ، وقَدْ يَكُونُ مُجادَلَةً غَيْرَ مَوْعِظَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] .
وكَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ إنَّكَ لَتَأْكُلُ المِرْباعَ وهو حَرامٌ في دِينِكَ، قالَهُ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ وهو نَصْرانِيٌّ قَبْلَ إسْلامِهِ.
صفحة ٣٣١
ومِنَ الإعْجازِ العِلْمِيِّ في القُرْآنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ جَمَعَتْ أُصُولَ الِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ الحَقِّ، وهي البُرْهانُ، والخَطابَةُ، والجَدَلُ المُعَبَّرُ عَنْها في عِلْمِ المَنطِقِ بِالصِّناعاتِ، وهي المَقْبُولَةُ مِنَ الصِّناعاتِ، وأمّا السَّفْسَطَةُ، والشِّعْرُ فَيَرْبَأُ عَنْهُما الحُكَماءُ الصّادِقُونَ بَلْهَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ.
قالَ فَخْرُ الدِّينِ: إنَّ الدَّعْوَةَ إلى المَذْهَبِ والمَقالَةِ لا بُدَّ مِن أنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلى حُجَّةٍ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الحُجَّةِ إمّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ المَذْهَبِ وذَلِكَ الِاعْتِقادِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ، وإمّا إلْزامُ الخَصْمِ وإفْحامُهُ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَيَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ إمّا أنْ تَكُونَ حُجَّةً حَقِيقِيَّةً يَقِينِيَّةً مُبَرَّأةً مِنِ احْتِمالِ النَّقِيضِ، وإمّا أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ بَلْ تَكُونَ مُفِيدَةً ظَنًّا ظاهِرًا وإقْناعًا، فَظَهَرَ انْحِصارُ الحُجَجِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ: أوَّلُها: الحُجَّةُ المُفِيدَةُ لِلْعَقائِدِ اليَقِينِيَّةِ، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِالحِكْمَةِ.
وثانِيها: الأماراتُ الظَّنِّيَّةُ، وهي المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ.
وثالِثُها: الدَّلائِلُ الَّتِي القَصْدُ مِنها إفْحامُ الخَصْمِ، وذَلِكَ هو الجَدَلُ.
وهُوَ عَلى قِسْمَيْنِ، لِأنَّهُ: إمّا أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِن مُقَدِّماتِ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو الجَدَلُ الواقِعُ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِن مُقَدِّماتٍ باطِلَةٍ يُحاوِلُ قائِلُها تَرْوِيجَها عَلى المُسْتَمِعِينَ بِالحِيَلِ الباطِلَةِ، وهَذا لا يَلِيقُ بِأهْلِ الفَضْلِ، اهـ.
وهَذا هو المَدْعُوُّ في المَنطِقِ بِالسَّفْسَطَةِ، ومِنهُ المُقَدِّماتُ الشِّعْرِيَّةُ، وهي سَفْسَطَةٌ مُزَوَّقَةٌ.
والآيَةُ جامِعَةٌ لِأقْسامِ الحُجَّةِ الحَقِّ، جَمْعًا لِمَواقِعِ أنْواعِها في طُرُقِ الدَّعْوَةِ، ولَكِنْ عَلى وجْهِ التَّداخُلِ، لا عَلى وجْهِ التَّبايُنِ والتَّقْسِيمِ كَما هو مُصْطَلَحُ المَنطِقِيِّينَ، فَإنَّ الحُجَجَ الِاصْطِلاحِيَّةَ عِنْدَهم بَعْضُها قَسِيمٌ لِبَعْضٍ
صفحة ٣٣٢
فالنِّسْبَةُ بَيْنَها التَّبايُنُ، أمّا طُرُقُ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ فالنِّسْبَةُ بَيْنَها العُمُومُ والخُصُوصُ المُطْلَقُ أوِ الوَجْهِيُّ. وتَفْصِيلُهُ يَخْرُجُ بِنا إلى تَطْوِيلٍ، وذِهْنُكَ في تَفْكِيكِها غَيْرُ كَلِيلٍ.
فَإلى الحِكْمَةِ تَرْجِعُ صِناعَةُ البُرْهانِ؛ لِأنَّهُ يَتَألَّفُ مِنَ المُقَدِّماتِ اليَقِينِيَّةِ، وهي حَقائِقُ ثابِتَةٌ تَقْتَضِي حُصُولَ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وإلى المَوْعِظَةِ تَرْجِعُ صِناعَةُ الخَطابَةِ؛ لِأنَّ الخَطابَةَ تَتَألَّفُ مِن مُقَدِّماتٍ ظَنِّيَّةٍ؛ لِأنَّها مُراعًى فِيها ما يَغْلِبُ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ المُعْتادَةِ، وكَفى بِالمَقْبُولاتِ العادِيَّةِ مَوْعِظَةً، ومِثالُها مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢] فَقَوْلُهُ ومَقْتًا أشارَ إلى أنَّهم كانُوا إذا فَعَلُوهُ في الجاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَهُ نِكاحَ المَقْتِ، فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ؛ لِأنَّهُ مُقْنِعٌ بِأنَّهُ فاحِشَةٌ، فَهو اسْتِدْلالٌ خَطابِيٌّ.
وأمّا الجَدَلُ فَما يُورَدُ في المُناظَراتِ والحِجاجِ مِنَ الأدِلَّةِ المُسَلَّمَةِ بَيْنَ المُتَحاجِّينَ أوْ مِنَ الأدِلَّةِ المَشْهُورَةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ الجَدَلِ عَلى الِاسْتِدْلالِ الَّذِي يَرُوجُ في خُصُوصِ المُجادَلَةِ، ولا يَلْتَحِقُ بِمَرْتَبَةِ الحِكْمَةِ، وقَدْ يَكُونُ مِمّا يُقْبَلُ مِثْلُهُ في المَوْعِظَةِ لَوْ أُلْقِيَ في غَيْرِ حالِ المُجادَلَةِ، وسَمّاهُ حُكَماءُ الإسْلامِ جَدَلًا تَقْرِيبًا لِلْمَعْنى الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ.
* * *
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهْوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى الدَّعْوَةِ بَعْدَ الإعْلامِ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ، وبَعْدَ وصْفِ أحْوالِ تَكْذِيبِهِمْ وعِنادِهِمْ.
صفحة ٣٣٣
فَلَمّا كانَ التَّحْرِيضُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى اسْتِدامَةِ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ مُحْتاجًا لِبَيانِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ بَيَّنَتِ الحِكْمَةُ بِأنَّ اللَّهَ هو أعْلَمُ بِمَصِيرِ النّاسِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ النّاسِ، فَما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، أيْ فَلا تَيْأسْ مِن هِدايَتِهِمْ، ولا تَتَجاوَزْ إلى حَدِّ الحُزْنِ عَلى عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِمَن يَهْتَدِي، ومَن يَضِلُّ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ، وإنَّما عَلَيْكَ التَّبْلِيغُ في كُلِّ حالٍ، وهَذا قَوْلٌ فَصْلٌ بَيْنَ فَرِيقِ الحَقِّ، وفَرِيقِ الباطِلِ.
وقَدَّمَ العِلْمَ بِمَن ضَلَّ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ دَعْوَتَهم أوْكَدُ، والإرْشادُ إلى اللِّينِ في جانِبِهِمْ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ والمُجادَلَةِ الحُسْنى أهَمُّ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالعِلْمِ بِالمُهْتَدِينَ عَلى وجْهِ التَّكْمِيلِ.
وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ لا يَدْرِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ مَن أيِسَ مِن إيمانِهِ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ بَعْدَ اليَأْسِ مِنهُ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وأمّا (إنْ) فَهي في مَقامِ التَّعْلِيلِ لَيْسَتْ إلّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، وهي قائِمَةٌ مَقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ عَلى ما أوْضَحَهُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ، فَإنَّ إفادَتَها التَّأْكِيدَ هُنا مُسْتَغْنًى عَنْها بِوُجُودِ ضَمِيرِ الفَصْلِ في الجُمْلَةِ المُفِيدَةِ لِقَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، فَإنَّ القَصْرَ تَأْكِيدٌ عَلى تَأْكِيدٍ.
وإعادَةُ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَقْوِيَةِ هَذا الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: وأعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ، لاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ (هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِـ (إنَّ) غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ التَّقْوِيَةِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ، فَأُعِيدَ ضَمِيرُ الفَصْلِ؛ لِدَفْعِ هَذا الِاحْتِمالِ.
ولَمْ يَقُلْ: و(بِالمُهْتَدِينَ)، تَصْرِيحًا بِالعِلْمِ في جانِبِهِمْ؛ لِيَكُونَ صَرِيحًا في تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِ، وهَذانِ القَصْرانِ إضافِيّانِ، أيْ رَبُّكَ أعْلَمُ بِالضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، وأنَّكم ضالُّونَ.
صفحة ٣٣٤
والتَّفْضِيلُ في قَوْلِهِ هو أعْلَمُ تَفْضِيلٌ عَلى عِلْمِ غَيْرِهِ بِذَلِكَ، فَإنَّهُ عِلْمٌ مُتَفاوِتٌ بِحَسَبِ تَفاوُتِ العالِمِينَ في مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ.
وفِي هَذا التَّفْضِيلِ إيماءٌ إلى وُجُوبِ طَلَبِ كَمالِ العِلْمِ بِالهُدى، وتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وغَوْصِ النَّظَرِ في ذَلِكَ، وتَجَنُّبِ التَّسَرُّعِ في الحُكْمِ دُونَ قُوَّةِ ظَنٍّ بِالحَقِّ، والحَذَرِ مِن تَغَلُّبِ تَيّاراتِ الأهْواءِ حَتّى لا تَنْعَكِسَ الحَقائِقُ، ولا تَسِيرَ العُقُولُ في بِنْياتِ الطَّرائِقِ، فَإنَّ الحَقَّ باقٍ عَلى الزَّمانِ، والباطِلُ تُكَذِّبُهُ الحُجَّةُ والبُرْهانُ.
والتَّخَلُّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ كُلَّ مَن يَقُومُ مَقامًا مِن مَقاماتِ الرَّسُولِ ﷺ في إرْشادِ المُسْلِمِينَ، أوْ سِياسَتِهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ سالِكًا لِلطَّرائِقِ الثَّلاثِ: الحِكْمَةُ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، والمُجادَلَةُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وإلّا كانَ مُنْصَرِفًا عَنِ الآدابِ الإسْلامِيَّةِ، وغَيْرَ خَلِيقٍ بِما هو فِيهِ مِن سِياسَةِ الأُمَّةِ، وأنْ يَخْشى أنْ يُعَرِّضَ مَصالِحَ الأُمَّةِ لِلتَّلَفِ، فَإصْلاحُ الأُمَّةِ يَتَطَلَّبُ إبْلاغَ الحَقِّ إلَيْها بِهَذِهِ الوَسائِلِ الثَّلاثِ، والمُجْتَمَعُ الإسْلامِيُّ لا يَخْوى عَنْ مُتَعَنِّتٍ أوْ مُلَبِّسٍ، وكِلاهُما يُلْقِي في طَرِيقِ المُصْلِحِينَ شَوْكَ الشُّبَهِ بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، فَسَبِيلُ تَقْوِيمِهِ هو المُجادَلَةُ، فَتِلْكَ أدْنى لِإقْناعِهِ، وكَشْفِ قِناعِهِ.
فِي المُوَطَّأِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ في خُطْبَةٍ خَطَبَها في آخِرِ عُمْرِهِ: أيُّها النّاسُ قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ، وفُرِضَتْ لَكُمُ الفَرائِضُ، وتُرِكْتُمْ عَلى الواضِحَةِ، إلّا أنْ تَضِلُّوا بِالنّاسِ يَمِينًا وشِمالًا، وضَرَبَ بِإحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، لَعَلَّهُ ضَرَبَ بِيَدِهِ اليُسْرى عَلى يَدِهِ اليُمْنى المُمْسِكَةِ السَّيْفَ أوِ العَصا في حالِ الخُطْبَةِ، وهَذا الضَّرْبُ عَلامَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ وراءَ ما ذَكَرَ مَطْلَبٌ لِلنّاسِ في حُكْمٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ بَيانٌ في الشَّرِيعَةِ.
وقَدَّمَ ذِكْرَ عِلْمَهُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ عَلى ذِكْرِ عِلْمِهِ بِالمُهْتَدِينَ؛ لِأنَّ المَقامَ تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ لِلضّالِّينَ؛ ولِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، فالوَعِيدُ مُقَدَّمٌ عَلى الوَعْدِ.
النحل 16:126
صفحة ٣٣٥
﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهْوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، أيْ إنْ كانَ المَقامُ مَقامَ الدَّعْوَةِ فَلْتَكُنْ دَعَوْتُكَ إيّاهم كَما وصَفْنا، وإنْ كُنْتُمْ - أيُّها المُؤْمِنُونَ - مُعاقِبِينَ المُشْرِكِينَ عَلى ما نالَكم مِن أذاهم فَعاقِبُوهم بِالعَدْلِ لا بِتَجاوُزِ حَدِّ ما لَقِيتُمْ مِنهم.
فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها أتَمَّ اتِّصالِ، وحَسْبُكَ وُجُودُ العاطِفِ فِيها، وهَذا تَدَرُّجٌ في رُتَبِ المُعامَلَةِ مِن مُعامَلَةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ ويَعِظُونَ، إلى مُعامَلَةِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، ثُمَّ إلى مُعامَلَةِ الَّذِينَ يُجازَوْنَ عَلى أفْعالِهِمْ، وبِذَلِكَ حَصَلَ حُسْنُ التَّرْتِيبِ في أُسْلُوبِ الكَلامِ.
وهَذا مُخْتارُ النَحّاسِ، وابْنِ عَطِيَّةَ، وفَخْرِ الدِّينِ، وبِذَلِكَ يَتَرَجَّحُ كَوْنُ هَذِهِ الآيَةِ مَكِّيَّةً مَعَ سَوابِقِها ابْتِداءً مِنَ الآيَةِ الحادِيَةِ والأرْبَعِينَ، وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، وهو مَرْوِيٌّ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ لِلطَّبَرانِيِّ، ولَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلى الرُّواةِ تَذَكُّرُ النَّبِيءِ ﷺ الآيَةَ حِينَ «تَوَعَّدَ المُشْرِكِينَ بِأنْ يُمَثِّلَ بِسَبْعِينَ مِنهم إنْ أظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ» .
والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ .
والمُعاقَبَةُ: الجَزاءُ عَلى فِعْلِ السُّوءِ بِما يَسُوءُ فاعِلَ السُّوءِ.
فَقَوْلُهُ (بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ) مُشاكَلَةٌ لِـ (عاقَبْتُمْ)، اسْتَعْمَلَ عُوقِبْتُمْ في مَعْنى عُومِلْتُمْ بِهِ؛ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ فِعْلِ عاقَبْتُمْ، فَهو اسْتِعارَةُ وجْهِ شَبَهِها هو
صفحة ٣٣٦
المُشاكَلَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُوقِبْتُمْ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ما يَلْقَوْنَهُ مِنَ الأذى مِنَ المُشْرِكِينَ قَصَدُوا بِهِ عِقابَهم عَلى مُفارَقَةِ دِينِ قَوْمِهِمْ، وعَلى شَتْمِ أصْنامِهِمْ، وتَسْفِيهِ آبائِهِمْ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ فَعاقِبُوا لِلْوُجُوبِ بِاعْتِبارِ مُتَعَلَّقِهِ، وهو قَوْلُهُ ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فَإنَّ عَدَمَ التَّجاوُزِ في العُقُوبَةِ واجِبٌ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ ويَجْعَلُهم في قَبْضَتِهِمْ، فَلَعَلَّ بَعْضَ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ يَبْعَثُهُ الحَنَقُ عَلى الإفْراطِ في العِقابِ، فَهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠] .
ورَغَّبَهم في الصَّبْرِ عَلى الأذى، أيْ بِالإعْراضِ عَنْ أذى المُشْرِكِينَ وبِالعَفْوِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ أجْلَبُ لِقُلُوبِ الأعْداءِ، فَوُصِفَ بِأنَّهُ خَيْرٌ، أيْ خَيْرٌ مِنَ الأخْذِ بِالعُقُوبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، وقَوْلُهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .
وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى الصَّبْرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ صَبَرْتُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، وأكَّدَ كَوْنَ الصَّبْرِ خَيْرًا بِلامِ القَسَمِ زِيادَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ.
وعَبَّرَ عَنْهم بِالصّابِرِينَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِصِفَةِ الصّابِرِينَ، أيِ الصَّبْرُ خَبَرٌ لِجِنْسِ الصّابِرِينَ.
النحل 16:127
﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ خُصَّ النَّبِيءُ ﷺ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَقامَهُ أعْلى، فَهو بِالتِزامِ الصَّبْرِ أوْلى؛ أخْذًا بِالعَزِيمَةِ بَعْدَ أنْ رَخَّصَ لَهم في المُعاقَبَةِ.
صفحة ٣٣٧
وجُمْلَةُ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، أيْ وما يَحْصُلُ صَبْرُكَ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إيّاكَ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ صَبْرَ النَّبِيءِ ﷺ عَظِيمٌ؛ لِأنَّهُ لَقِيَ مِن أذى المُشْرِكِينَ أشَدَّ مِمّا لَقِيَهُ عُمُومُ المُسْلِمِينَ، فَصَبْرُهُ لَيْسَ كالمُعْتادِ، لِذَلِكَ كانَ حُصُولُهُ بِإعانَةٍ مِنَ اللَّهِ.
وحَذَّرَهُ مِنَ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا كَقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] .
ثُمَّ أعْقَبَهُ بِأنْ لا يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن مَكْرِهِمْ. وهَذِهِ أحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ تَحْصُلُ في النَّفْسِ بِاخْتِلافِ الحَوادِثِ المُسَبِّبَةِ لَها؛ فَإنَّهم كانُوا يُعامِلُونَ النَّبِيءَ مَرَّةً بِالأذى عَلَنًا، ومَرَّةً بِالإعْراضِ عَنِ الِاسْتِماعِ إلَيْهِ، وإظْهارِ أنَّهم يَغِيظُونَهُ بِعَدَمِ مُتابَعَتِهِ، وآوِنَةً بِالكَيْدِ والمَكْرِ لَهُ، وهو تَدْبِيرُ الأذى في خَفاءٍ.
والضَّيْقُ: بِفَتْحِ الضّادِ، وسُكُونِ الياءِ مَصْدَرُ (ضاقَ)، مِثْلُ السَّيْرِ والقَوْلِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ.
ويُقالُ: الضِّيقُ بِكَسْرِ الضّادِ مِثْلُ: القِيلِ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، والمُرادُ ضِيقُ النَّفَسِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْجَزَعِ والكَدَرِ، كَما اسْتُعِيرَ ضِدُّهُ، وهو السَّعَةُ والِاتِّساعُ لِلِاحْتِمالِ والصَّبْرِ، يُقالُ: فُلانٌ ضَيِّقُ الصَّدْرِ، قالَ تَعالى في آخِرِ الحِجْرِ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]، ويُقالُ: سَعَةُ الصَّدْرِ.
والظَّرْفِيَّةُ في ضِيقٍ مَجازِيَّةٌ، أيْ لا يُلابِسُكَ ضِيقُ مُلابَسَةِ الظَّرْفِ لِلْحالِّ فِيهِ.
و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مِن مَكْرِهِمْ، واخْتِيرَ الفِعْلُ المُنْسَبِكُ إلى مَصْدَرٍ؛ لِما يُؤْذِنُ بِهِ الفِعْلُ المُضارِعُ مِنَ التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ.
النحل 16:128
صفحة ٣٣٨
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاقْتِصارِ عَلى قَدْرِ الجُرْمِ في العُقُوبَةِ، ولِلتَّرْغِيبِ في الصَّبْرِ عَلى الأذى، والعَفْوِ عَنِ المُعْتَدِينَ، ولِتَخْصِيصِ النَّبِيءِ ﷺ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ، والِاسْتِعانَةِ عَلى تَحْصِيلِهِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعالى، ولِصَرْفِ الكَدَرِ عَنْ نَفْسِهِ مِن جَرّاءِ أعْمالِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
عَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِأنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ فَيَقِفُونَ عِنْدَما حَدَّ لَهم، ومَعَ المُحْسِنِينَ، والمَعِيَّةُ هُنا مَجازٌ في التَّأْيِيدِ والنَّصْرِ.
وأتى في جانِبِ التَّقْوى بِصِلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ماضِيَةٍ لِلْإشارَةِ إلى لُزُومِ حُصُولِها، وتَقَرُّرِها مِن قَبْلُ؛ لِأنَّها مِن لَوازِمِ الإيمانِ؛ لِأنَّ التَّقْوى آيِلَةٌ إلى أداءِ الواجِبِ، وهو حَقٌّ عَلى المُكَلَّفِ، ولِذَلِكَ أُمِرَ فِيها بِالِاقْتِصارِ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ.
وأتى في جانِبِ الإحْسانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى كَوْنِ الإحْسانِ ثابِتًا لَهم دائِمًا مَعَهم؛ لِأنَّ الإحْسانَ فَضِيلَةٌ، فَيُصاحِبُهُ حاجَةٌ إلى رُسُوخِهِ مِن نَفْسِهِ، وتَمَكُّنِهِ.
* * *
صفحة ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الإسْراءِ سُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ سُورَةَ الإسْراءِ، وصَرَّحَ الأُلُوسِيُّ بِأنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ إذْ قَدْ ذُكِرَ في أوَّلِها الإسْراءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، واخْتُصَّتْ بِذِكْرِهِ.
وتُسَمّى في عَهْدِ الصَّحابَةِ (سُورَةَ بَنِي إسْرائِيلَ)، فَفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ في أبْوابِ الدُّعاءِ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ» .
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ ومَرْيَمَ: إنَّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأُوَلِ وهُنَّ مِن تِلادِي»، وبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ، والتِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّها ذُكِرَ فِيها مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ ما لَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِها، وهو اسْتِيلاءُ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ (الآشُورِيِّينَ) عَلَيْهِمْ ثُمَّ اسْتِيلاءُ قَوْمٍ آخَرِينَ، وهُمُ الرُّومُ عَلَيْهِمْ.
وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ سُبْحانَ؛ لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، قالَ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ.
صفحة ٦
وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، قِيلَ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها، وهُما ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قَوْلِهِ قَلِيلًا، وقِيلَ: إلّا أرْبَعًا، هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وقَوْلُهُ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقَوْلُهُ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] الآيَةَ، وقِيلَ: إلّا خَمْسًا، هاتِهِ الأرْبَعُ، وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ، وهي المُبْتَدَأةُ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] الآيَةَ، وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ [الإسراء: ٣٢] الآيَةَ، وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧] الآيَةَ، وقَوْلُهُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآيَةَ، وقَوْلُهُ ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] الآيَةَ، وقِيلَ إلّا ثَمانِيًا مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قَوْلِهِ ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] .
وأحْسَبُ أنَّ مَنشَأ هاتِهِ الأقْوالِ أنَّ ظاهِرَ الأحْكامِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها تِلْكَ الأقْوالُ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الآيَ لا تُناسِبُ حالَةَ المُسْلِمِينَ فِيما قَبْلَ الهِجْرَةِ فَغَلَبَ عَلى ظَنِّ أصْحابِ تِلْكَ الأقْوالِ أنَّ تِلْكَ الآيَ مَدَنِيَّةٌ. وسَيَأْتِي بَيانُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَّجِهٍ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِتَفْسِيرِها.
ويَظْهَرُ أنَّها نَزَلَتْ في زَمَنٍ فِيهِ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وأخَذَ التَّشْرِيعُ المُتَعَلِّقُ بِمُعامَلاتِ جَماعَتِهِمْ يَتَطَرَّقُ إلى نُفُوسِهِمْ، فَقَدْ ذُكِرَتْ فِيها أحْكامٌ مُتَتالِيَةٌ لَمْ تُذْكَرْ أمْثالُ عَدَدِها في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ غَيْرِها عَدا سُورَةِ الأنْعامِ، وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] .
وقَدِ اخْتُلِفَ في وقْتِ الإسْراءِ، والأصَحُّ أنَّهُ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ سَنَةٍ وخَمْسَةِ أشْهُرٍ، فَإذا كانَتْ قَدْ نَزَلَتْ عَقِبَ وُقُوعِ الإسْراءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ تَكُونُ قَدْ نَزَلَتْ في حُدُودِ سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَعْدَ البَعْثَةِ، وهي سَنَةُ اثْنَتَيْنِ قَبْلَ الهِجْرَةِ في مُنْتَصَفِ السَّنَةِ.
ولَيْسَ افْتِتاحُها بِذِكْرِ الإسْراءِ مُقْتَضِيًا أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ وُقُوعِ الإسْراءِ، بَلْ يَجُوزُ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ الإسْراءِ بِمُدَّةٍ.
صفحة ٧
وذُكِرَ فِيها الإسْراءُ إلى المَسْجِدِ الأقْصى؛ تَنْوِيهًا بِالمَسْجِدِ الأقْصى، وتَذْكِيرًا بِحُرْمَتِهِ.
نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ سُورَةِ القَصَصِ، وقَبْلَ سُورَةِ يُونُسَ.
وعُدَّتِ السُّورَةُ الخَمْسِينَ في تَعْدادِ نُزُولِ سُورَةِ القُرْآنِ.
وعَدَدُ آيِها مِائَةٌ وعَشْرٌ في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ، ومَكَّةَ، والشّامِ، والبَصْرَةِ، ومِائَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ في عَدِّ أهْلِ الكُوفَةِ.
* * *
أغْراضُها
العِمادُ الَّذِي أُقِيمَتْ عَلَيْهِ أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ إثْباتُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإثْباتُ أنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، وإثْباتُ فَضْلِهِ وفَضْلِ مَن أنْزَلَهُ، وذِكْرُ أنَّهُ مُعْجِزٌ، ورَدُّ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ فِيهِ وفِيمَن جاءَ بِهِ، وأنَّهم لَمْ يَفْقَهُوهُ فَلِذَلِكَ أعْرَضُوا عَنْهُ.
وإبْطالُ إحالَتِهِمْ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَرِيَ بِهِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، فافْتُتِحَتْ بِمُعْجِزَةِ الإسْراءِ تَوْطِئَةً لِلتَّنْظِيرِ بَيْنَ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، وشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في ذِكْرِ المُثُلِ والنَّظائِرِ الدِّينِيَّةِ، ورَمْزًا إلَهِيًّا إلى أنَّ اللَّهَ أعْطى مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الفَضائِلِ أفْضَلَ مِمّا أعْطى مَن قَبْلَهُ.
وأنَّهُ أكْمَلَ لَهُ الفَضائِلَ فَلَمْ يَفُتْهُ مِنها فائِتٌ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أحَلَّهُ بِالمَكانِ المُقَدَّسِ الَّذِي تَداوَلَتْهُ الرُّسُلُ مِن قَبْلُ، فَلَمْ يَسْتَأْثِرْهم بِالحُلُولِ
صفحة ٨
بِذَلِكَ المَكانِ الَّذِي هو مَهْبِطُ الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ، ورَمْزُ أطْوارِ تَأْرِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ وأسْلافِهِمْ، والَّذِي هو نَظِيرُ المَسْجِدِ الحَرامِ في أنَّ أصْلَ تَأْسِيسِهِ في عَهْدِ إبْراهِيمَ كَما سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١]، فَأحَلَّ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَعْدَ أنْ هُجِرَ وخُرِّبَ؛ إيماءً إلى أنَّ أُمَّتَهُ تُجَدِّدُ مَجْدَهُ.
وأنَّ اللَّهَ مَكَّنَهُ مِن حَرَمَيِ النُّبُوَّةِ والشَّرِيعَةِ، فالمَسْجِدُ الأقْصى لَمْ يَكُنْ مَعْمُورًا حِينَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما عُمِّرَتْ كَنائِسُ حَوْلَهُ، وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَحْفَظُوا حُرْمَةَ المَسْجِدِ الأقْصى، فَكانَ إفْسادُهم سَبَبًا في تَسَلُّطِ أعْدائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وخَرابِ المَسْجِدِ الأقْصى، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى أنَّ إعادَةَ المَسْجِدِ الأقْصى سَتَكُونُ عَلى يَدِ أُمَّةِ هَذا الرَّسُولِ الَّذِي أنْكَرُوا رِسالَتَهُ.
ثُمَّ إثْباتُ دَلائِلِ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ، والِاسْتِدْلالُ بِآيَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما فِيهِما مِنَ المِنَنِ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ.
والتَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ الَّتِي سَخَّرَها اللَّهُ لِلنّاسِ، وما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، وما تَقْتَضِيهِ مِن شُكْرِ المُنْعِمِ، وتَرْكِ شُكْرِ غَيْرِهِ، وتَنْزِيهُهُ عَنِ اتِّخاذِ بَناتٍ لَهُ.
وإظْهارُ فَضائِلَ مِن شَرِيعَةِ الإسْلامِ وحِكْمَتِهِ، وما عَلَّمَهُ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن آدابِ المُعامَلَةِ نَحْوَ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، ومُعامَلَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ. والحِكْمَةُ في سِيرَتِهِمْ وأقْوالِهِمْ، ومُراقَبَةُ اللَّهِ في ظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: التَّوْراةُ كُلُّها في خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: ثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مِنها كانَتْ في ألْواحِ مُوسى، أيْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] .
ويَعْنِي بِالتَّوْراةِ الألْواحَ المُشْتَمِلَةَ عَلى الوَصايا العَشْرِ، ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ القُرْآنَ حَكى ما في التَّوْراةِ، ولَكِنَّها أحْكامٌ قُرْآنِيَّةٌ مُوافِقَةٌ لِما في التَّوْراةِ.
صفحة ٩
عَلى أنَّ كَلامَ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أنَّ ما في الألْواحِ مَذْكُورٌ في تِلْكَ الآيِ، ولا يُرِيدُ أنَّهُما سَواءٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الآياتِ تَزِيدُ بِأحْكامٍ، مِنها قَوْلُهُ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧]، وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] . وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩]، مَعَ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن تَفْصِيلٍ وتَبْيِينٍ عَرِيَتْ عَنْهُ الوَصايا العَشْرُ الَّتِي كُتِبَتْ في الألْواحِ، وإثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ، والحَثُّ عَلى إقامَةِ الصَّلَواتِ في أوْقاتِها، والتَّحْذِيرُ مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ وعَداوَتِهِ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ، وقِصَّةُ إبايَتِهِ مِنَ السُّجُودِ، والإنْذارُ بِعَذابِ الآخِرَةِ. وذِكْرُ ما عَرَضَ لِلْأُمَمِ مِن أسْبابِ الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ، وتَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ يُوشِكُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى باطِلِهِمْ، وما لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أذى المُشْرِكِينَ، واسْتِعانَتِهِمْ بِاليَهُودِ، واقْتِراحِهِمُ الآياتِ، وتَحْمِيقِهِمْ في جَهْلِهِمْ بِآيَةِ القُرْآنِ، وأنَّهُ الحَقُّ.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَطْرَداتِ والنُّذُرِ والعِظاتِ ما فِيهِ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ، ومِنَ الأمْثالِ ما هو عِلْمٌ وحِكْمَةٌ.