Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — لقمان 31:1 – السجدة 32:30
المحتويات
- لقمان 31:1
- لقمان 31:2
- لقمان 31:3
- لقمان 31:4
- لقمان 31:5
- لقمان 31:6
- لقمان 31:7
- لقمان 31:8
- لقمان 31:9
- لقمان 31:10
- لقمان 31:11
- لقمان 31:12
- لقمان 31:13
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- لقمان 31:16
- لقمان 31:17
- لقمان 31:18
- لقمان 31:19
- لقمان 31:20
- لقمان 31:21
- لقمان 31:22
- لقمان 31:23
- لقمان 31:24
- لقمان 31:25
- لقمان 31:26
- لقمان 31:27
- لقمان 31:28
- لقمان 31:29
- لقمان 31:30
- لقمان 31:31
- لقمان 31:32
- لقمان 31:33
- لقمان 31:34
- السجدة 32:1
- السجدة 32:2
- السجدة 32:3
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:6
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:9
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:20
- السجدة 32:21
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
لقمان 31:1
﴿الم﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
لقمان 31:2
صفحة ١٤٠
﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
إذا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ قُرَيْشٍ عَنْ لُقْمانَ وابْنِهِ فَهَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] بِمَنزِلَةِ مُقَدِّمَةٍ لِبَيانِ أنَّ مَرْمى القُرْآنِ مِن قَصِّ القِصَّةِ ما فِيها مِن عِلْمٍ وحِكْمَةٍ وهَدًى وأنَّها مَسُوقَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلَّذِينَ سَألُوا عَنْها فَكانَ سُؤالُهم نَفْعًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ“ إلى ما سَيُذْكَرُ في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ مُتَرَقَّبُ الذِّكْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ البَقَرَةِ وفي أوَّلِ سُورَةِ الشُّعَراءِ والنَّمْلِ والقَصَصِ.
و”آياتُ الكِتابِ“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وفي الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى تَعْظِيمِ قَدْرِ تِلْكَ الآياتِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ البُعْدِ المُسْتَعْمَلِ في رِفْعَةِ القَدْرِ، وبِما دَلَّتْ عَلَيْهِ إضافَةُ الآياتِ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ الحَكِيمُ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ وسَبَبٌ وفَلاحٌ.
والحَكِيمُ: وصْفٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ، أيْ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحِكْمَةِ. فَوَصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) كَوَصْفِ الرَّجُلِ بِالحَكِيمِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الحَكِيمَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، أوْ بِعِبارَةٍ أرْشَقُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِالرَّجُلِ الحَكِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكَمِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ وصَفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَقَوْلِهِمْ: عَسَلٌ عَقِيدٌ، لِأنَّهُ أحْكَمُ وأتْقَنُ فَلَيْسَ فِيهِ فُضُولٌ ولا ما لا يُفِيدُ كَمالًا نَفْسانِيًّا.
وفِي وصْفِ الكِتابِ بِهَذا الوَصْفِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْغَرَضِ مِن ذِكْرِ حِكْمَةِ لُقْمانَ. وتَقَدَّمَ وصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وانْتَصَبَ (﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾) عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وإذا كانَ الكِتابُ مُضافًا إلَيْهِ فَمُسَوِّغُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ أنَّ الكِتابَ
صفحة ١٤١
أُضِيفَ إلَيْهِ ما هو اسْمُ جُزْئِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (آياتُ) . والعامِلُ في الحالِ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِرَفْعِ (رَحْمَةٌ) عَلى جَعْلِ (هُدًى) خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
ومَعْنى المُحْسِنِينَ: الفاعِلُونَ لِلْحَسَناتِ، وأعْلاها الإيمانُ وإقامُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ، ولِذَلِكَ خُصِّتْ هَذِهِ الثَّلاثُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ إطْلاقِ المُحْسِنِينَ لِأنَّها أفْضَلُ الحَسَناتِ، وإنْ كانَ المُحْسِنُونَ يَأْتُونَ بِها وبِغَيْرِها.
وزِيادَةُ وصْفِ الكِتابِ بِـ (رَحْمَةً) بَعْدَ هُدًى لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصِدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ لُقْمانَ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذِكْرَ القِصَّةِ رَحْمَةٌ لِما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الآدابِ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةً عَلى الهُدى أنَّهُ تَخَلَّقَ بِالحِكْمَةِ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] والخَيْرُ الكَثِيرُ: رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والزَّكاةُ هُنا الصَّدَقَةُ وكانَتْ مَوْكُولَةً إلى هِمَمِ المُسْلِمِينَ غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِوَقْتٍ ولا بِمِقْدارٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إلى هُمُ المُفْلِحُونَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
لقمان 31:3
صفحة ١٤٠
﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
إذا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ قُرَيْشٍ عَنْ لُقْمانَ وابْنِهِ فَهَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] بِمَنزِلَةِ مُقَدِّمَةٍ لِبَيانِ أنَّ مَرْمى القُرْآنِ مِن قَصِّ القِصَّةِ ما فِيها مِن عِلْمٍ وحِكْمَةٍ وهَدًى وأنَّها مَسُوقَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلَّذِينَ سَألُوا عَنْها فَكانَ سُؤالُهم نَفْعًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ“ إلى ما سَيُذْكَرُ في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ مُتَرَقَّبُ الذِّكْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ البَقَرَةِ وفي أوَّلِ سُورَةِ الشُّعَراءِ والنَّمْلِ والقَصَصِ.
و”آياتُ الكِتابِ“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وفي الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى تَعْظِيمِ قَدْرِ تِلْكَ الآياتِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ البُعْدِ المُسْتَعْمَلِ في رِفْعَةِ القَدْرِ، وبِما دَلَّتْ عَلَيْهِ إضافَةُ الآياتِ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ الحَكِيمُ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ وسَبَبٌ وفَلاحٌ.
والحَكِيمُ: وصْفٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ، أيْ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحِكْمَةِ. فَوَصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) كَوَصْفِ الرَّجُلِ بِالحَكِيمِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الحَكِيمَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، أوْ بِعِبارَةٍ أرْشَقُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِالرَّجُلِ الحَكِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكَمِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ وصَفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَقَوْلِهِمْ: عَسَلٌ عَقِيدٌ، لِأنَّهُ أحْكَمُ وأتْقَنُ فَلَيْسَ فِيهِ فُضُولٌ ولا ما لا يُفِيدُ كَمالًا نَفْسانِيًّا.
وفِي وصْفِ الكِتابِ بِهَذا الوَصْفِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْغَرَضِ مِن ذِكْرِ حِكْمَةِ لُقْمانَ. وتَقَدَّمَ وصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وانْتَصَبَ (﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾) عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وإذا كانَ الكِتابُ مُضافًا إلَيْهِ فَمُسَوِّغُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ أنَّ الكِتابَ
صفحة ١٤١
أُضِيفَ إلَيْهِ ما هو اسْمُ جُزْئِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (آياتُ) . والعامِلُ في الحالِ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِرَفْعِ (رَحْمَةٌ) عَلى جَعْلِ (هُدًى) خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
ومَعْنى المُحْسِنِينَ: الفاعِلُونَ لِلْحَسَناتِ، وأعْلاها الإيمانُ وإقامُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ، ولِذَلِكَ خُصِّتْ هَذِهِ الثَّلاثُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ إطْلاقِ المُحْسِنِينَ لِأنَّها أفْضَلُ الحَسَناتِ، وإنْ كانَ المُحْسِنُونَ يَأْتُونَ بِها وبِغَيْرِها.
وزِيادَةُ وصْفِ الكِتابِ بِـ (رَحْمَةً) بَعْدَ هُدًى لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصِدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ لُقْمانَ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذِكْرَ القِصَّةِ رَحْمَةٌ لِما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الآدابِ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةً عَلى الهُدى أنَّهُ تَخَلَّقَ بِالحِكْمَةِ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] والخَيْرُ الكَثِيرُ: رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والزَّكاةُ هُنا الصَّدَقَةُ وكانَتْ مَوْكُولَةً إلى هِمَمِ المُسْلِمِينَ غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِوَقْتٍ ولا بِمِقْدارٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إلى هُمُ المُفْلِحُونَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
لقمان 31:4
صفحة ١٤٠
﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
إذا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ قُرَيْشٍ عَنْ لُقْمانَ وابْنِهِ فَهَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] بِمَنزِلَةِ مُقَدِّمَةٍ لِبَيانِ أنَّ مَرْمى القُرْآنِ مِن قَصِّ القِصَّةِ ما فِيها مِن عِلْمٍ وحِكْمَةٍ وهَدًى وأنَّها مَسُوقَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلَّذِينَ سَألُوا عَنْها فَكانَ سُؤالُهم نَفْعًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ“ إلى ما سَيُذْكَرُ في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ مُتَرَقَّبُ الذِّكْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ البَقَرَةِ وفي أوَّلِ سُورَةِ الشُّعَراءِ والنَّمْلِ والقَصَصِ.
و”آياتُ الكِتابِ“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وفي الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى تَعْظِيمِ قَدْرِ تِلْكَ الآياتِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ البُعْدِ المُسْتَعْمَلِ في رِفْعَةِ القَدْرِ، وبِما دَلَّتْ عَلَيْهِ إضافَةُ الآياتِ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ الحَكِيمُ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ وسَبَبٌ وفَلاحٌ.
والحَكِيمُ: وصْفٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ، أيْ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحِكْمَةِ. فَوَصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) كَوَصْفِ الرَّجُلِ بِالحَكِيمِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الحَكِيمَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، أوْ بِعِبارَةٍ أرْشَقُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِالرَّجُلِ الحَكِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكَمِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ وصَفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَقَوْلِهِمْ: عَسَلٌ عَقِيدٌ، لِأنَّهُ أحْكَمُ وأتْقَنُ فَلَيْسَ فِيهِ فُضُولٌ ولا ما لا يُفِيدُ كَمالًا نَفْسانِيًّا.
وفِي وصْفِ الكِتابِ بِهَذا الوَصْفِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْغَرَضِ مِن ذِكْرِ حِكْمَةِ لُقْمانَ. وتَقَدَّمَ وصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وانْتَصَبَ (﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾) عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وإذا كانَ الكِتابُ مُضافًا إلَيْهِ فَمُسَوِّغُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ أنَّ الكِتابَ
صفحة ١٤١
أُضِيفَ إلَيْهِ ما هو اسْمُ جُزْئِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (آياتُ) . والعامِلُ في الحالِ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِرَفْعِ (رَحْمَةٌ) عَلى جَعْلِ (هُدًى) خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
ومَعْنى المُحْسِنِينَ: الفاعِلُونَ لِلْحَسَناتِ، وأعْلاها الإيمانُ وإقامُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ، ولِذَلِكَ خُصِّتْ هَذِهِ الثَّلاثُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ إطْلاقِ المُحْسِنِينَ لِأنَّها أفْضَلُ الحَسَناتِ، وإنْ كانَ المُحْسِنُونَ يَأْتُونَ بِها وبِغَيْرِها.
وزِيادَةُ وصْفِ الكِتابِ بِـ (رَحْمَةً) بَعْدَ هُدًى لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصِدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ لُقْمانَ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذِكْرَ القِصَّةِ رَحْمَةٌ لِما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الآدابِ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةً عَلى الهُدى أنَّهُ تَخَلَّقَ بِالحِكْمَةِ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] والخَيْرُ الكَثِيرُ: رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والزَّكاةُ هُنا الصَّدَقَةُ وكانَتْ مَوْكُولَةً إلى هِمَمِ المُسْلِمِينَ غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِوَقْتٍ ولا بِمِقْدارٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إلى هُمُ المُفْلِحُونَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
لقمان 31:5
صفحة ١٤٠
﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
إذا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ قُرَيْشٍ عَنْ لُقْمانَ وابْنِهِ فَهَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] بِمَنزِلَةِ مُقَدِّمَةٍ لِبَيانِ أنَّ مَرْمى القُرْآنِ مِن قَصِّ القِصَّةِ ما فِيها مِن عِلْمٍ وحِكْمَةٍ وهَدًى وأنَّها مَسُوقَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلَّذِينَ سَألُوا عَنْها فَكانَ سُؤالُهم نَفْعًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ“ إلى ما سَيُذْكَرُ في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ مُتَرَقَّبُ الذِّكْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ البَقَرَةِ وفي أوَّلِ سُورَةِ الشُّعَراءِ والنَّمْلِ والقَصَصِ.
و”آياتُ الكِتابِ“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وفي الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى تَعْظِيمِ قَدْرِ تِلْكَ الآياتِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ البُعْدِ المُسْتَعْمَلِ في رِفْعَةِ القَدْرِ، وبِما دَلَّتْ عَلَيْهِ إضافَةُ الآياتِ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ الحَكِيمُ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ وسَبَبٌ وفَلاحٌ.
والحَكِيمُ: وصْفٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ، أيْ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحِكْمَةِ. فَوَصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) كَوَصْفِ الرَّجُلِ بِالحَكِيمِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الحَكِيمَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، أوْ بِعِبارَةٍ أرْشَقُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِالرَّجُلِ الحَكِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكَمِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ وصَفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَقَوْلِهِمْ: عَسَلٌ عَقِيدٌ، لِأنَّهُ أحْكَمُ وأتْقَنُ فَلَيْسَ فِيهِ فُضُولٌ ولا ما لا يُفِيدُ كَمالًا نَفْسانِيًّا.
وفِي وصْفِ الكِتابِ بِهَذا الوَصْفِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْغَرَضِ مِن ذِكْرِ حِكْمَةِ لُقْمانَ. وتَقَدَّمَ وصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وانْتَصَبَ (﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾) عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وإذا كانَ الكِتابُ مُضافًا إلَيْهِ فَمُسَوِّغُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ أنَّ الكِتابَ
صفحة ١٤١
أُضِيفَ إلَيْهِ ما هو اسْمُ جُزْئِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (آياتُ) . والعامِلُ في الحالِ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِرَفْعِ (رَحْمَةٌ) عَلى جَعْلِ (هُدًى) خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
ومَعْنى المُحْسِنِينَ: الفاعِلُونَ لِلْحَسَناتِ، وأعْلاها الإيمانُ وإقامُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ، ولِذَلِكَ خُصِّتْ هَذِهِ الثَّلاثُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ إطْلاقِ المُحْسِنِينَ لِأنَّها أفْضَلُ الحَسَناتِ، وإنْ كانَ المُحْسِنُونَ يَأْتُونَ بِها وبِغَيْرِها.
وزِيادَةُ وصْفِ الكِتابِ بِـ (رَحْمَةً) بَعْدَ هُدًى لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصِدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ لُقْمانَ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذِكْرَ القِصَّةِ رَحْمَةٌ لِما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الآدابِ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةً عَلى الهُدى أنَّهُ تَخَلَّقَ بِالحِكْمَةِ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] والخَيْرُ الكَثِيرُ: رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والزَّكاةُ هُنا الصَّدَقَةُ وكانَتْ مَوْكُولَةً إلى هِمَمِ المُسْلِمِينَ غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِوَقْتٍ ولا بِمِقْدارٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إلى هُمُ المُفْلِحُونَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
لقمان 31:6
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذُها هُزُؤًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذْنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] . والمَعْنى: أنَّ حالَ الكِتابِ الحَكِيمِ هُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ، وأنَّ مِنَ النّاسِ مُعْرِضِينَ عَنْهُ يُؤْثِرُونَ لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي يَهْدِي إلَيْهِ الكِتابُ. وهَذا مِن مُقابَلَةِ الثَّناءِ عَلى آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ بِضِدِّ ذَلِكَ في ذَمِّ ما يَأْتِي بِهِ بَعْضُ النّاسِ، وهَذا تَخَلُّصٌ مِنَ المُقَدِّمَةِ إلى مَدْخَلٍ لِلْمَقْصُودِ وهو تَفْظِيعُ ما يَدْعُو إلَيْهِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ ومُشايِعُوهُ مِنَ اللَّهْوِ بِأخْبارِ المُلُوكِ الَّتِي لا تُكْسِبُ صاحِبَها كَمالًا ولا حِكْمَةً.
صفحة ١٤٢
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ لِلتَّشْوِيقِ إلى تَلَقِّي خَبَرِهِ العَجِيبِ.
والِاشْتِراءُ كِنايَةٌ عَنِ العِنايَةِ بِالشَّيْءِ والِاغْتِباطِ بِهِ، ولَيْسَ هُنا اسْتِعارَةً بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ فالِاشْتِراءُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِهِ وكِنايَتِهِ: فالصَّرِيحُ تَشْوِيهٌ لِاقْتِناءِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ قِصَصَ رُسْتَمَ وإسْفِنْدِيارَ وبَهْرامَ، والكِنايَةُ تَقْبِيحٌ لِلَّذِينَ التَفُّوا حَوْلَهُ وتَلَقَّوْا أخْبارَهُ، أيْ مِنَ النّاسِ مَن يَشْغَلُهُ لَهْوُ الحَدِيثِ والوَلَعُ بِهِ عَنِ الِاهْتِداءِ بِآياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ.
واللَّهْوُ: ما يُقْصَدُ مِنهُ تَشْغِيلُ البالِ وتَقْصِيرُ طُولِ وقْتِ البِطالَةِ دُونَ نَفْعٍ، لِأنَّهُ إذا كانَتْ في ذَلِكَ مَنفَعَةٌ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ مِنهُ اللَّهْوَ بَلْ تِلْكَ المَنفَعَةُ، ولَهْوُ الحَدِيثِ ما كانَ مِنَ الحَدِيثِ مُرادًا لِلَّهْوِ فَإضافَةُ لَهْوَ إلى الحَدِيثِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ عَلى رَأْيِ بَعْضِ النُّحاةِ، وبَعْضُهم لا يُثْبِتُ الإضافَةَ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ فَيَرُدُّها إلى مَعْنى اللّامِ.
وتَقَدَّمَ اللَّهْوُ في قَوْلِهِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأصَحُّ في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَإنَّهُ كانَ يُسافِرُ في تِجارَةٍ إلى بِلادِ فارِسَ فَيَتَلَقّى أكاذِيبَ الأخْبارِ عَنْ أبْطالِهِمْ في الحُرُوبِ المَمْلُوءَةِ أُكْذُوباتٍ فَيَقُصُّها عَلى قُرَيْشٍ في أسْمارِهِمْ ويَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ يُحَدِّثُكم بِأحادِيثِ عادٍ وثَمُودَ فَأنا أُحَدِّثُكم بِأحادِيثِ رُسْتَمَ وإسْفِنْدِيارَ وبَهْرامَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ النَّضْرَ كانَ يَشْتَرِي مِن بِلادِ فارِسَ كُتُبَ أخْبارِ مُلُوكِهِمْ فَيُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا، أيْ بِواسِطَةِ مَن يُتَرْجِمُها لَهم. ويَشْمَلُ لَفْظُ النّاسِ أهْلَ سامِرِهِ الَّذِينَ يُنْصِتُونَ لِما يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى إثْرَهُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .
وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَن يَقْتَنِي القَيْناتِ المُغَنِّياتِ، رَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِمَنِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ» في مِثْلِ ذَلِكَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ. قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إنَّما
صفحة ١٤٣
يُرْوى مِن حَدِيثِ القاسِمِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، وعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدًا (يَعْنِي البُخارِيَّ) يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يَضْعُفُ اهــ.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. الثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ (قِيلَ هو ابْنُ خَطَلٍ) اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً فَشُغِلَ النّاسُ بِها عَنِ اسْتِماعِ النَّبِيءِ ﷺ اهــ. وألْفاظُ الآيَةِ أنْسَبُ انْطِباقًا عَلى قِصَّةِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
ومَعْنى ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُلْهِيَ قُرَيْشًا عَنْ سَماعِ القُرْآنِ فَإنَّ القُرْآنَ سَبِيلٌ مُوَصِّلٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى الدِّينِ الَّذِي أرادَهُ، فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ مُجَرَّدَ اللَّهْوِ بَلْ تَجاوَزَهُ إلى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا زِيادَةٌ في تَفْظِيعِ عَمَلِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُضِلُّ) بِضَمِّ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ، أيْ لِيَزْدادَ ضَلالًا عَلى ضَلالَةٍ إذْ لَمْ يَكْتَفِ لِنَفْسِهِ بِالكُفْرِ حَتّى أخَذَ يَبُثُّ ضَلالَهُ لِلنّاسِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ مَآلُ القِراءَتَيْنِ مُتَّحِدَ المَعْنى.
ويَتَعَلَّقُ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِفِعْلِ يَشْتَرِي ويَتَعَلَّقُ بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِأنَّ أصْلَ تَعَلُّقِ المَجْرُوراتِ أنْ يَرْجِعَ إلى المُتَعَلِّقِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ الكَلامُ، فالمَعْنى: يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ في صالِحِ نَفْسِهِ حَيْثُ يَسْتَبْدِلُ الباطِلَ بِالحَقِّ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (يَتَّخِذُها) عائِدٌ إلى سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ.
وقَرأ الجُمْهُورُ (ويَتَّخِذُها) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (يَشْتَرِي) أيْ يَشْغَلُ النّاسَ بِلَهْوِ الحَدِيثِ لِيَصْرِفَهم عَنِ القُرْآنِ ويَتَّخِذُ سَبِيلَ اللَّهِ هُزُؤًا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (لِيُضِلَّ) أيْ يُلْهِيهِمْ بِلَهْوِ الحَدِيثِ لِيُضِلَّهم ولِيَتَّخِذَ دِينَ الإسْلامِ هُزْءًا.
ومَآلُ المَعْنى مُتَّحِدٌ في القِراءَتَيْنِ لِأنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مِن فِعْلِهِ ومِن غَرَضِهِ، وأمّا الإضْلالُ فَقَدْ رُجِّحَ فِيهِ جانِبُ التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ العِلَّةُ الباعِثَةُ لَهُ عَلى ما يَفْعَلُ.
صفحة ١٤٤
والهُزْؤُ: مَصْدَرُ هَزَأ بِهِ إذا سَخِرَ بِهِ كَقَوْلِهِ (اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا) .
ولَمّا كانَ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثَ صادِقًا عَلى النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ إلى قِصَصِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ جِيءَ في وعِيدِهِمْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .
واخْتِيرَ اسْمُ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ إنَّما اسْتَحَقَّهُ لِأجْلِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ مِنَ الوَصْفِ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ جُمْلَةِ ﴿مَن يَشْتَرِي﴾ وجُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ فَهَذا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَشْتَرِي إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي﴾ إلَخْ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ فالمَوْصُولُ واحِدٌ ولَهُ صِلَتانِ: اشْتِراءُ لَهْوِ الحَدِيثِ لِلضَّلالِ، والِاسْتِكْبارُ عِنْدَما تُتْلى عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿تُتْلى عَلَيْهِ﴾ أنَّهُ يُواجَهُ بِتَبْلِيغِ القُرْآنِ وإسْماعِهِ.
وقَوْلُهُ (ولّى) تَمْثِيلٌ لِلْإعْراضِ عَنْ آياتِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] .
و”مُسْتَكْبِرًا“ حالٌ، أيْ هو إعْراضُ اسْتِكْبارٍ لا إعْراضُ تَفْرِيطٍ في الخَيْرِ فَحَسْبُ.
وشُبِّهَ في ذَلِكَ بِالَّذِي لا يَسْمَعُ الآياتِ الَّتِي تُتْلى عَلَيْهِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو عَدَمُ التَّأثُّرِ ولَوْ تَأثُّرًا يَعْقُبُهُ إعْراضٌ كَتَأثُّرِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. و”كَأنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِن (كَأنَّ) وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ مُسْتَكْبِرًا.
وكَرَّرَ التَّشْبِيهَ لِتَقْوِيَتِهِ مَعَ اخْتِلافِ الكَيْفِيَّةِ في أنَّ عَدَمَ السَّمْعِ مَرَّةً مَعَ تَمَكُّنِ آلَةِ السَّمْعَ ومَرَّةً مَعَ انْعِدامِ قُوَّةِ آلَتِهِ فَشُبِّهَ ثانِيًا بِمَن في أُذُنَيْهِ وقْرٌ وهو أخَصُّ مِن مَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ . ومِثْلُ هَذا التَّشْبِيهِ الثّانِي قَوْلُ لَبِيَدٍ:
فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرامُها
مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا
والوَقْرُ: أصْلُهُ الثِّقَلُ، وشاعَ في الصَّمَمِ مَجازًا مَشْهُورًا ساوى الحَقِيقَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
صفحة ١٤٥
وقَرَأ نافِعٌ (في أُذْنَيْهِ) بِسُكُونِ الذّالِ لِلتَّخْفِيفِ لِأجْلِ ثِقَلِ المُثَنّى، وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ الذّالِ عَلى الأصْلِ.
وقَدْ تَرَتَّبَ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الَّتِي وُصِفَ بِها أنْ أمْرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُوعِدَهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ. وإطْلاقُ البِشارَةِ هُنا اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومَ:
فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا
وقَدْ عُذِّبَ النَّضْرُ بِالسَّيْفِ إذْ قُتِلَ صَبْرًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ عَذابُ الدُّنْيا، وعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ.
لقمان 31:7
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذُها هُزُؤًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذْنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] . والمَعْنى: أنَّ حالَ الكِتابِ الحَكِيمِ هُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ، وأنَّ مِنَ النّاسِ مُعْرِضِينَ عَنْهُ يُؤْثِرُونَ لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي يَهْدِي إلَيْهِ الكِتابُ. وهَذا مِن مُقابَلَةِ الثَّناءِ عَلى آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ بِضِدِّ ذَلِكَ في ذَمِّ ما يَأْتِي بِهِ بَعْضُ النّاسِ، وهَذا تَخَلُّصٌ مِنَ المُقَدِّمَةِ إلى مَدْخَلٍ لِلْمَقْصُودِ وهو تَفْظِيعُ ما يَدْعُو إلَيْهِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ ومُشايِعُوهُ مِنَ اللَّهْوِ بِأخْبارِ المُلُوكِ الَّتِي لا تُكْسِبُ صاحِبَها كَمالًا ولا حِكْمَةً.
صفحة ١٤٢
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ لِلتَّشْوِيقِ إلى تَلَقِّي خَبَرِهِ العَجِيبِ.
والِاشْتِراءُ كِنايَةٌ عَنِ العِنايَةِ بِالشَّيْءِ والِاغْتِباطِ بِهِ، ولَيْسَ هُنا اسْتِعارَةً بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ فالِاشْتِراءُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِهِ وكِنايَتِهِ: فالصَّرِيحُ تَشْوِيهٌ لِاقْتِناءِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ قِصَصَ رُسْتَمَ وإسْفِنْدِيارَ وبَهْرامَ، والكِنايَةُ تَقْبِيحٌ لِلَّذِينَ التَفُّوا حَوْلَهُ وتَلَقَّوْا أخْبارَهُ، أيْ مِنَ النّاسِ مَن يَشْغَلُهُ لَهْوُ الحَدِيثِ والوَلَعُ بِهِ عَنِ الِاهْتِداءِ بِآياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ.
واللَّهْوُ: ما يُقْصَدُ مِنهُ تَشْغِيلُ البالِ وتَقْصِيرُ طُولِ وقْتِ البِطالَةِ دُونَ نَفْعٍ، لِأنَّهُ إذا كانَتْ في ذَلِكَ مَنفَعَةٌ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ مِنهُ اللَّهْوَ بَلْ تِلْكَ المَنفَعَةُ، ولَهْوُ الحَدِيثِ ما كانَ مِنَ الحَدِيثِ مُرادًا لِلَّهْوِ فَإضافَةُ لَهْوَ إلى الحَدِيثِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ عَلى رَأْيِ بَعْضِ النُّحاةِ، وبَعْضُهم لا يُثْبِتُ الإضافَةَ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ فَيَرُدُّها إلى مَعْنى اللّامِ.
وتَقَدَّمَ اللَّهْوُ في قَوْلِهِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأصَحُّ في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَإنَّهُ كانَ يُسافِرُ في تِجارَةٍ إلى بِلادِ فارِسَ فَيَتَلَقّى أكاذِيبَ الأخْبارِ عَنْ أبْطالِهِمْ في الحُرُوبِ المَمْلُوءَةِ أُكْذُوباتٍ فَيَقُصُّها عَلى قُرَيْشٍ في أسْمارِهِمْ ويَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ يُحَدِّثُكم بِأحادِيثِ عادٍ وثَمُودَ فَأنا أُحَدِّثُكم بِأحادِيثِ رُسْتَمَ وإسْفِنْدِيارَ وبَهْرامَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ النَّضْرَ كانَ يَشْتَرِي مِن بِلادِ فارِسَ كُتُبَ أخْبارِ مُلُوكِهِمْ فَيُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا، أيْ بِواسِطَةِ مَن يُتَرْجِمُها لَهم. ويَشْمَلُ لَفْظُ النّاسِ أهْلَ سامِرِهِ الَّذِينَ يُنْصِتُونَ لِما يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى إثْرَهُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .
وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَن يَقْتَنِي القَيْناتِ المُغَنِّياتِ، رَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِمَنِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ» في مِثْلِ ذَلِكَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ. قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إنَّما
صفحة ١٤٣
يُرْوى مِن حَدِيثِ القاسِمِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، وعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدًا (يَعْنِي البُخارِيَّ) يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يَضْعُفُ اهــ.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. الثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ (قِيلَ هو ابْنُ خَطَلٍ) اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً فَشُغِلَ النّاسُ بِها عَنِ اسْتِماعِ النَّبِيءِ ﷺ اهــ. وألْفاظُ الآيَةِ أنْسَبُ انْطِباقًا عَلى قِصَّةِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
ومَعْنى ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُلْهِيَ قُرَيْشًا عَنْ سَماعِ القُرْآنِ فَإنَّ القُرْآنَ سَبِيلٌ مُوَصِّلٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى الدِّينِ الَّذِي أرادَهُ، فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ مُجَرَّدَ اللَّهْوِ بَلْ تَجاوَزَهُ إلى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا زِيادَةٌ في تَفْظِيعِ عَمَلِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُضِلُّ) بِضَمِّ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ، أيْ لِيَزْدادَ ضَلالًا عَلى ضَلالَةٍ إذْ لَمْ يَكْتَفِ لِنَفْسِهِ بِالكُفْرِ حَتّى أخَذَ يَبُثُّ ضَلالَهُ لِلنّاسِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ مَآلُ القِراءَتَيْنِ مُتَّحِدَ المَعْنى.
ويَتَعَلَّقُ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِفِعْلِ يَشْتَرِي ويَتَعَلَّقُ بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِأنَّ أصْلَ تَعَلُّقِ المَجْرُوراتِ أنْ يَرْجِعَ إلى المُتَعَلِّقِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ الكَلامُ، فالمَعْنى: يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ في صالِحِ نَفْسِهِ حَيْثُ يَسْتَبْدِلُ الباطِلَ بِالحَقِّ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (يَتَّخِذُها) عائِدٌ إلى سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ.
وقَرأ الجُمْهُورُ (ويَتَّخِذُها) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (يَشْتَرِي) أيْ يَشْغَلُ النّاسَ بِلَهْوِ الحَدِيثِ لِيَصْرِفَهم عَنِ القُرْآنِ ويَتَّخِذُ سَبِيلَ اللَّهِ هُزُؤًا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (لِيُضِلَّ) أيْ يُلْهِيهِمْ بِلَهْوِ الحَدِيثِ لِيُضِلَّهم ولِيَتَّخِذَ دِينَ الإسْلامِ هُزْءًا.
ومَآلُ المَعْنى مُتَّحِدٌ في القِراءَتَيْنِ لِأنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مِن فِعْلِهِ ومِن غَرَضِهِ، وأمّا الإضْلالُ فَقَدْ رُجِّحَ فِيهِ جانِبُ التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ العِلَّةُ الباعِثَةُ لَهُ عَلى ما يَفْعَلُ.
صفحة ١٤٤
والهُزْؤُ: مَصْدَرُ هَزَأ بِهِ إذا سَخِرَ بِهِ كَقَوْلِهِ (اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا) .
ولَمّا كانَ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثَ صادِقًا عَلى النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ إلى قِصَصِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ جِيءَ في وعِيدِهِمْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .
واخْتِيرَ اسْمُ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ إنَّما اسْتَحَقَّهُ لِأجْلِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ مِنَ الوَصْفِ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ جُمْلَةِ ﴿مَن يَشْتَرِي﴾ وجُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ فَهَذا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَشْتَرِي إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي﴾ إلَخْ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ فالمَوْصُولُ واحِدٌ ولَهُ صِلَتانِ: اشْتِراءُ لَهْوِ الحَدِيثِ لِلضَّلالِ، والِاسْتِكْبارُ عِنْدَما تُتْلى عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿تُتْلى عَلَيْهِ﴾ أنَّهُ يُواجَهُ بِتَبْلِيغِ القُرْآنِ وإسْماعِهِ.
وقَوْلُهُ (ولّى) تَمْثِيلٌ لِلْإعْراضِ عَنْ آياتِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] .
و”مُسْتَكْبِرًا“ حالٌ، أيْ هو إعْراضُ اسْتِكْبارٍ لا إعْراضُ تَفْرِيطٍ في الخَيْرِ فَحَسْبُ.
وشُبِّهَ في ذَلِكَ بِالَّذِي لا يَسْمَعُ الآياتِ الَّتِي تُتْلى عَلَيْهِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو عَدَمُ التَّأثُّرِ ولَوْ تَأثُّرًا يَعْقُبُهُ إعْراضٌ كَتَأثُّرِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. و”كَأنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِن (كَأنَّ) وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ مُسْتَكْبِرًا.
وكَرَّرَ التَّشْبِيهَ لِتَقْوِيَتِهِ مَعَ اخْتِلافِ الكَيْفِيَّةِ في أنَّ عَدَمَ السَّمْعِ مَرَّةً مَعَ تَمَكُّنِ آلَةِ السَّمْعَ ومَرَّةً مَعَ انْعِدامِ قُوَّةِ آلَتِهِ فَشُبِّهَ ثانِيًا بِمَن في أُذُنَيْهِ وقْرٌ وهو أخَصُّ مِن مَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ . ومِثْلُ هَذا التَّشْبِيهِ الثّانِي قَوْلُ لَبِيَدٍ:
فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرامُها
مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا
والوَقْرُ: أصْلُهُ الثِّقَلُ، وشاعَ في الصَّمَمِ مَجازًا مَشْهُورًا ساوى الحَقِيقَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
صفحة ١٤٥
وقَرَأ نافِعٌ (في أُذْنَيْهِ) بِسُكُونِ الذّالِ لِلتَّخْفِيفِ لِأجْلِ ثِقَلِ المُثَنّى، وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ الذّالِ عَلى الأصْلِ.
وقَدْ تَرَتَّبَ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الَّتِي وُصِفَ بِها أنْ أمْرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُوعِدَهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ. وإطْلاقُ البِشارَةِ هُنا اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومَ:
فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا
وقَدْ عُذِّبَ النَّضْرُ بِالسَّيْفِ إذْ قُتِلَ صَبْرًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ عَذابُ الدُّنْيا، وعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ.
لقمان 31:8
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
لَمّا ذَكَرَ عَذابَ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أتْبَعَ بِبِشارَةِ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ وصِفُوا بِأنَّهم يُقِيمُونَ الصَّلاةَ إلى قَوْلِهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ.
وانْتَصَبَ وعْدَ اللَّهِ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ النّائِبِ عَنْ فِعْلِهِ، وانْتَصَبَ (حَقًّا) عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِمَعْنى عامِلِها كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ يُونُسَ. وإجْراءُ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ عَلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِتَحْقِيقِ وعْدِهِ لِأنَّهُ لِعِزَّتِهِ لا يُعْجِزُهُ الوَفاءُ بِما وعَدَ، ولِحِكْمَتِهِ لا يُخْطِئُ ولا يَذْهَلُ عَمّا وعَدَ، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ بِالأعَمِّ.
لقمان 31:9
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
لَمّا ذَكَرَ عَذابَ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أتْبَعَ بِبِشارَةِ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ وصِفُوا بِأنَّهم يُقِيمُونَ الصَّلاةَ إلى قَوْلِهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ.
وانْتَصَبَ وعْدَ اللَّهِ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ النّائِبِ عَنْ فِعْلِهِ، وانْتَصَبَ (حَقًّا) عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِمَعْنى عامِلِها كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ يُونُسَ. وإجْراءُ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ عَلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِتَحْقِيقِ وعْدِهِ لِأنَّهُ لِعِزَّتِهِ لا يُعْجِزُهُ الوَفاءُ بِما وعَدَ، ولِحِكْمَتِهِ لا يُخْطِئُ ولا يَذْهَلُ عَمّا وعَدَ، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ بِالأعَمِّ.
لقمان 31:10
﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
اسْتِئْنافٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الَّذِينَ دَأْبُهُمُ الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ المَخْلُوقاتِ فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ تُثْبَتَ لَهُ الإلَهِيَّةُ فَكانَ ادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ
صفحة ١٤٦
هُوَ العِلَّةُ لِلْإعْراضِ عَنْ آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ فَهم لَمّا أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِما لا يَخْلُقُ شَيْئًا كانُوا كَمَن يَزْعُمُ أنَّ الأصْنامَ مُماثِلَةٌ لِلَّهِ تَعالى في أوْصافِهِ فَلِذَلِكَ يَقْتَضِي انْتِفاءُ وصْفِ الحِكْمَةِ عَنْهُ كَما هو مُنْتَفٍ عَنْها. ولِذا فَإنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الآياتِ مُوقِعُ دَلِيلِ الدَّلِيلِ، وهو المَقامُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ بِالتَّدْقِيقِ، وهو ذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ ودَلِيلِ دَلِيلِهِ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ (تَرَوْنَها) و(بِكم) لِلْمُشْرِكِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ قَوْلُهُ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ والمَعْنى خَوَفَ أنْ تَمِيدَ بِكم أوْ لِئَلّا تُمِيدَكم كَما بَيَّنَ هُنالِكَ.
وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
وقَوْلُهُ ﴿أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ [الرعد: ١٧] .
والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ (وأنْزَلْنا) لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي هي أكْثَرُ دَوَرانًا عِنْدَ النّاسِ.
وضَمِيرُ فِيها عائِدٌ إلى الأرْضِ.
والزَّوْجُ: الصِّنْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] في طه وقَوْلِهِ ﴿وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ.
والكَرِيمُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وقَدْ أُدْمِجَ في أثْناءِ دَلائِلِ صِفَةِ الحِكْمَةِ الِامْتِنانُ بِما في ذَلِكَ مِن مَنافِعٍ لِلْخَلْقِ بِقَوْلِهِ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ و﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ فَإنَّ مِنَ الدَّوابِّ المَبْثُوثَةِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ مَن أكْلِ لُحُومِ أوانِسِها ووُحُوشِها والِانْتِفاعِ بِألْبانِها وأصْوافِها وجُلُودِها وقُرُونِها وأسْنانِها والحَمْلِ عَلَيْها والتَّجَمُّلِ بِها في مُرابِطِها وغُدُوِّها ورَواحِها، ثُمَّ مِن نِعْمَةِ مَنافِعِ النَّباتِ مِنَ الحَبِّ والثَّمَرِ والكَلَأِ والكَمْأةِ. وإذْ كانَتِ البِحارُ مِن جُمْلَةِ الأرْضِ فَقَدْ شَمِلَ الِانْتِفاعُ بِدَوابَّ البَحْرِ فاللَّهُ كَما أبْدَعَ الصُّنْعَ أسْبَغَ النِّعْمَةَ فَأرانا آثارَ الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ.
صفحة ١٤٧
وجُمْلَةُ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها نَتِيجَةُ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والدَّوابِّ وإنْزالِ المَطَرِ. واسْمُ الإشارَةِ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ . والإتْيانُ بِهِ مُفْرَدًا بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.
والِانْتِقالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ التِفاتًا لِزِيادَةِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ الخِطابَ وارِدٌ مِن جانِبِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾، وكَذَلِكَ يَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ التِفاتًا لِمُراعاةِ العَوْدِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مِن قَوْلِهِ (فَأرُونِي) عَلَمِيَّةً، أيْ فَأنْبِئُونِي، والفِعْلُ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ ماذا.
فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ فَأرُونِي تَهَكُّمًا لِأنَّهم لا يُمْكِنُ لَهم أنْ يُكافِحُوا اللَّهَ زِيادَةً عَلى كَوْنِ الأمْرِ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيزِ، لَكِنَّ التَّهَكُّمَ أسْبَقُ لِلْقَطْعِ بِأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ مِن مُكافَحَةِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُقْطَعُوا بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَعْيِينِ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ مِن دُونِ اللَّهِ قَطْعًا نَظَرِيًّا.
وصَوْغُ أمْرِ التَّعْجِيزِ مِن مادَّةِ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أشَدُّ في التَّعْجِيزِ لِاقْتِضائِها الِاقْتِناعَ مِنهم بِأنْ يُحْضِرُوا شَيْئًا يَدَّعُونَ أنَّ آلِهَتَهم خَلَقَتْهُ. وهَذا كَقَوْلِ حُطائِطِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيِّ وقِيلِ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لَعَلَّنِي أرى ما تُزَيِّنُ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا
أيْ أحْضِرْنِي جَوادًا ماتَ مِنَ الهُزالِ وأرِينِيهِ لَعَلِّي أرى مِثْلَ ما رَأيْتِيهِ.
والعَرَبُ يَقْصِدُونَ في مِثْلِ هَذا الغَرَضِ الرُّؤْيَةَ البَصَرِيَّةَ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يَقُولَ: ما رَأتْ عَيْنِي، وانْظُرْ هَلْ تَرى. وقالَ امْرِؤُ القَيْسِ:
فَلِلَّهِ عَيْنا مَن رَأى مِن تَـفَـرُّقٍ ∗∗∗ أشَتَّ وأنْأى مِن فِراقِ المُحَصَّبِ
وإجْراءُ اسْمِ مَوْصُولِ العُقَلاءِ عَلى الأصْنامِ مُجازاةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ يَعُدُّنَهم عُقَلاءَ.
صفحة ١٤٨
و”مِن دُونِهِ“ صِلَةُ المَوْصُولِ، و”دُونَ“ كِنايَةٌ عَنِ الغَيْرِ، و”مِن“ جارَّةٌ لِاسْمِ المَكانِ عَلى وجْهِ الزِّيادَةِ لِتَأْكِيدِ الِاتِّصالِ بِالظَّرْفِ.
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن غَرَضِ المُجادَلَةِ إلى غَرَضِ تَسْجِيلِ ضَلالِهِمْ، أيْ في اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، كَما يُقالُ في المُناظَرَةِ: دَعْ عَنْكَ هَذا وانْتَقَلَ إلى كَذا.
والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ. والضَّلالُ المُبِينُ: الكُفْرُ الفَظِيعُ، لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ لِلْحَقِّ، وذَلِكَ ضَلالٌ، وأشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَذَلِكَ كُفْرٌ فَظِيعٌ.
وجِيءَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ اكْتِنافِ الضَّلالِ بِهِمْ في سائِرِ أحْوالِهِمْ، أيْ شِدَّةِ مُلابَسَتِهِ إيّاهم.
لقمان 31:11
﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
اسْتِئْنافٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الَّذِينَ دَأْبُهُمُ الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ المَخْلُوقاتِ فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ تُثْبَتَ لَهُ الإلَهِيَّةُ فَكانَ ادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ
صفحة ١٤٦
هُوَ العِلَّةُ لِلْإعْراضِ عَنْ آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ فَهم لَمّا أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِما لا يَخْلُقُ شَيْئًا كانُوا كَمَن يَزْعُمُ أنَّ الأصْنامَ مُماثِلَةٌ لِلَّهِ تَعالى في أوْصافِهِ فَلِذَلِكَ يَقْتَضِي انْتِفاءُ وصْفِ الحِكْمَةِ عَنْهُ كَما هو مُنْتَفٍ عَنْها. ولِذا فَإنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الآياتِ مُوقِعُ دَلِيلِ الدَّلِيلِ، وهو المَقامُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ بِالتَّدْقِيقِ، وهو ذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ ودَلِيلِ دَلِيلِهِ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ (تَرَوْنَها) و(بِكم) لِلْمُشْرِكِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ قَوْلُهُ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ والمَعْنى خَوَفَ أنْ تَمِيدَ بِكم أوْ لِئَلّا تُمِيدَكم كَما بَيَّنَ هُنالِكَ.
وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
وقَوْلُهُ ﴿أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ [الرعد: ١٧] .
والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ (وأنْزَلْنا) لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي هي أكْثَرُ دَوَرانًا عِنْدَ النّاسِ.
وضَمِيرُ فِيها عائِدٌ إلى الأرْضِ.
والزَّوْجُ: الصِّنْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] في طه وقَوْلِهِ ﴿وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ.
والكَرِيمُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وقَدْ أُدْمِجَ في أثْناءِ دَلائِلِ صِفَةِ الحِكْمَةِ الِامْتِنانُ بِما في ذَلِكَ مِن مَنافِعٍ لِلْخَلْقِ بِقَوْلِهِ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ و﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ فَإنَّ مِنَ الدَّوابِّ المَبْثُوثَةِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ مَن أكْلِ لُحُومِ أوانِسِها ووُحُوشِها والِانْتِفاعِ بِألْبانِها وأصْوافِها وجُلُودِها وقُرُونِها وأسْنانِها والحَمْلِ عَلَيْها والتَّجَمُّلِ بِها في مُرابِطِها وغُدُوِّها ورَواحِها، ثُمَّ مِن نِعْمَةِ مَنافِعِ النَّباتِ مِنَ الحَبِّ والثَّمَرِ والكَلَأِ والكَمْأةِ. وإذْ كانَتِ البِحارُ مِن جُمْلَةِ الأرْضِ فَقَدْ شَمِلَ الِانْتِفاعُ بِدَوابَّ البَحْرِ فاللَّهُ كَما أبْدَعَ الصُّنْعَ أسْبَغَ النِّعْمَةَ فَأرانا آثارَ الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ.
صفحة ١٤٧
وجُمْلَةُ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها نَتِيجَةُ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والدَّوابِّ وإنْزالِ المَطَرِ. واسْمُ الإشارَةِ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ . والإتْيانُ بِهِ مُفْرَدًا بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.
والِانْتِقالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ التِفاتًا لِزِيادَةِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ الخِطابَ وارِدٌ مِن جانِبِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾، وكَذَلِكَ يَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ التِفاتًا لِمُراعاةِ العَوْدِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مِن قَوْلِهِ (فَأرُونِي) عَلَمِيَّةً، أيْ فَأنْبِئُونِي، والفِعْلُ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ ماذا.
فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ فَأرُونِي تَهَكُّمًا لِأنَّهم لا يُمْكِنُ لَهم أنْ يُكافِحُوا اللَّهَ زِيادَةً عَلى كَوْنِ الأمْرِ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيزِ، لَكِنَّ التَّهَكُّمَ أسْبَقُ لِلْقَطْعِ بِأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ مِن مُكافَحَةِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُقْطَعُوا بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَعْيِينِ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ مِن دُونِ اللَّهِ قَطْعًا نَظَرِيًّا.
وصَوْغُ أمْرِ التَّعْجِيزِ مِن مادَّةِ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أشَدُّ في التَّعْجِيزِ لِاقْتِضائِها الِاقْتِناعَ مِنهم بِأنْ يُحْضِرُوا شَيْئًا يَدَّعُونَ أنَّ آلِهَتَهم خَلَقَتْهُ. وهَذا كَقَوْلِ حُطائِطِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيِّ وقِيلِ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لَعَلَّنِي أرى ما تُزَيِّنُ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا
أيْ أحْضِرْنِي جَوادًا ماتَ مِنَ الهُزالِ وأرِينِيهِ لَعَلِّي أرى مِثْلَ ما رَأيْتِيهِ.
والعَرَبُ يَقْصِدُونَ في مِثْلِ هَذا الغَرَضِ الرُّؤْيَةَ البَصَرِيَّةَ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يَقُولَ: ما رَأتْ عَيْنِي، وانْظُرْ هَلْ تَرى. وقالَ امْرِؤُ القَيْسِ:
فَلِلَّهِ عَيْنا مَن رَأى مِن تَـفَـرُّقٍ ∗∗∗ أشَتَّ وأنْأى مِن فِراقِ المُحَصَّبِ
وإجْراءُ اسْمِ مَوْصُولِ العُقَلاءِ عَلى الأصْنامِ مُجازاةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ يَعُدُّنَهم عُقَلاءَ.
صفحة ١٤٨
و”مِن دُونِهِ“ صِلَةُ المَوْصُولِ، و”دُونَ“ كِنايَةٌ عَنِ الغَيْرِ، و”مِن“ جارَّةٌ لِاسْمِ المَكانِ عَلى وجْهِ الزِّيادَةِ لِتَأْكِيدِ الِاتِّصالِ بِالظَّرْفِ.
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن غَرَضِ المُجادَلَةِ إلى غَرَضِ تَسْجِيلِ ضَلالِهِمْ، أيْ في اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، كَما يُقالُ في المُناظَرَةِ: دَعْ عَنْكَ هَذا وانْتَقَلَ إلى كَذا.
والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ. والضَّلالُ المُبِينُ: الكُفْرُ الفَظِيعُ، لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ لِلْحَقِّ، وذَلِكَ ضَلالٌ، وأشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَذَلِكَ كُفْرٌ فَظِيعٌ.
وجِيءَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ اكْتِنافِ الضَّلالِ بِهِمْ في سائِرِ أحْوالِهِمْ، أيْ شِدَّةِ مُلابَسَتِهِ إيّاهم.
لقمان 31:12
﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
الواوُ عاطِفَةٌ قِصَّةَ لُقْمانَ عَلى قِصَّةِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] بِاعْتِبارِ كَوْنِها تَضَمَّنَتْ عَجِيبَ حالِهِ في الضَّلالَةِ مِن عِنايَتِهِ بِلَهْوِ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَتَّخِذَ سَبِيلَ اللَّهِ هُزُؤًا، وبِاعْتِبارِ كَوْنِ قِصَّةِ لُقْمانَ مُتَضَمِّنَةً عَجِيبَ حالِ لُقْمانَ في الِاهْتِداءِ والحِكْمَةِ، فَهُما حالانِ مُتَضادّانِ؛ فَقُطِعَ النَّظَرُ عَنْ كَوْنِ قِصَّةِ النَّضْرِ سِيقَتْ مَساقَ المُقَدِّمَةِ والمَدْخَلِ إلى المَقْصُودِ لِأنَّ الكَلامَ لَمّا طالَ في المُقَدِّمَةِ خَرَجَتْ عَنْ سُنَنِ المُقْدِماتِ إلى المَقْصُوداتِ بِالذّاتِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَطْفَ القَصَصِ ولَمْ تُفْصَلْ فَصْلَ النَّتائِجِ عَقِبَ مُقَدِّماتِها. وقَدْ تَتَعَدَّدُ الِاعْتِباراتُ لِلْأُسْلُوبِ الواحِدِ فَيَتَخَيَّرُ البَلِيغُ في رَعْيِها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] في سُورَةِ إبْراهِيمَ. وافْتِتاحُ القِصَّةِ بِحَرْفَيِ التَّوْكِيدِ: لامِ القَسَمِ و(قَدْ) لِلْإنْباءِ بِأنَّها خَبَرٌ عَنْ أمْرٍ مُهِمٍّ واقِعٍ.
و(لُقْمانُ) اسْمُ رَجُلٍ حَكِيمٍ صالِحٍ. وأكْثَرُ الرِّواياتِ في شَأْنِهِ الَّتِي يُعَضِّدُ
صفحة ١٤٩
بَعْضُها وإنْ كانَتْ أسانِيدُها ضَعِيفَةً تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ مِنَ السُّودِ، فَقِيلَ هو مِن بِلادِ النُّوبَةِ، وقِيلَ مِنَ الحَبَشَةِ. ولَيْسَ هو لُقْمانَ بْنَ عادٍ الَّذِي قالَ المَثَلَ المَشْهُورَ (إحْدى حَظِيّاتِ لُقْمانَ) والَّذِي ذَكَرَهُ أبُو المُهَوَّشِ الأسَدِيُّ أوْ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ يُصْعَقُ في قَوْلِهِ:
تَراهُ يُطَوِّفُ الآفاقَ حِرْصًا لِيَأْكُلَ رَأْسَ
لُقْمانَ بْنِ عادٍ
ويُعْرَفُ ذَلِكَ بِلُقْمانَ صاحِبِ النُّسُورِ، وهو الَّذِي لَهُ ابْنٌ اسْمُهُ (لُقَيْمٌ) وبَعْضُهم ذَكَرَ أنَّ اسْمَ أبِيهِ باعُوراءُ، فَسَبَقَ إلى أوْهامِ بَعْضِ المُؤَلِّفِينَ أنَّهُ المُسَمّى في كُتُبِ اليَهُودِ
بَلْعامُ بْنُ باعُوراءَ
المَذْكُورُ خَبَرُهُ في الإصْحاحَيْنِ ٢٢ و٢٣ مِن سِفْرِ العَدَدِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ وهْمٌ لِأنَّ بَلْعامَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن أهْلِ مَدْيَنَ كانَ نَبِيئًا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَعَلَّ التَّوَهُّمَ جاءَ مِنَ اتِّحادِ اسْمِ الأبِ، أوْ مِن ظَنِّ أنَّ بَلْعامَ يُرادِفُ مَعْنى لُقْمانَ لِأنَّ بَلْعامَ مِنَ البَلْعِ ولُقْمانَ مِنَ اللَّقْمِ فَيَكُونُ العَرَبُ سَمَّوْهُ بِما يُرادِفُ اسْمَهُ في العِبْرانِيَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في أنَّ لُقْمانَ المَذْكُورَ في القُرْآنِ كانَ حَكِيمًا أوْ نَبِيئًا.فالجُمْهُورُ قالُوا: كانَ حَكِيمًا صالِحًا. واعْتَمَدَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَلى الثّانِي، فَذَكَرَهُ في جامِعِ المُوَطَّأِ مَرَّتَيْنِ بِوَصْفِ لُقْمانَ الحَكِيمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ اشْتُهِرَ بِذَلِكَ بَيْنَ عُلَماءِ المَدِينَةِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ ابْنَ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَمْ يَكُنْ لُقْمانُ نَبِيئًا ولَكِنْ كانَ عَبْدًا كَثِيرَ التَّفَكُّرِ حَسَنَ اليَقِينِ أحَبَّ اللَّهَ تَعالى فَأحَبَّهُ فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ» ويَظْهَرُ مِنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قِصَّتِهِ هَذِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا لِأنَّهُ لَمْ يُمْتَنَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ ولا بِكَلامِ المَلائِكَةِ. والِاقْتِصارُ عَلى أنَّهُ أُوتِيَ الحِكْمَةَ يُومِئُ إلى أنَّهُ أُلْهِمَ الحِكْمَةَ ونَطَقَ بِها، ولِأنَّهُ لَمّا ذُكِرَ تَعْلِيمُهُ لِابْنِهِ قالَ تَعالى ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان: ١٣] وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ تَعْلِيمٌ لا تَبْلِيغَ تَشْرِيعٍ.
وذَهَبَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: أنَّ لُقْمانَ نَبِيءٌ ولَفْظُ الحِكْمَةِ يَسْمَحُ بِهَذا القَوْلِ لِأنَّ
صفحة ١٥٠
الحِكْمَةَ أُطْلِقَتْ عَلى النُّبُوءَةِ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ في داوُدَ ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ [ص: ٢٠] . وقَدْ فُسِّرَتِ الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] بِما يَشْمَلُ النُّبُوءَةَ. وإنَّ الحِكْمَةَ (مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ) وأعْلاها النُّبُوءَةُ لِأنَّها عِلْمٌ بِالحَقائِقِ مَأْمُونٌ مِن أنْ يَكُونَ مُخالِفًا لِما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ إذِ النُّبُوءَةُ مُتَلَقّاةٌ مِنَ اللَّهِ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ.
وسَيَأْتِي أنَّ إيرادَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] في أثْناءِ كَلامِ لُقْمانَ يُساعِدُ هَذا القَوْلَ.
وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والتّارِيخِ أنَّهُ كانَ في زَمَنِ داوُدَ. وبَعْضُهم يَقُولُ إنَّهُ كانَ ابْنَ أُخْتِ أيُّوبَ أوِ ابْنَ خالَتِهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ عاشَ في بِلادِ إسْرائِيلَ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ عَبْدًا فَأعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ
عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ لُقْمانَ كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُوجَدُ ذِكْرُ ذَلِكَ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ.
قِيلَ كانَ راعِيًا لِغَنَمٍ وقِيلَ كانَ نَجّارًا وقِيلَ خَيّاطًا. وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ وهْبٍ أنَّ لُقْمانَ كانَ عَبْدًا لِبَنِي الحِسْحاسِ وبَنُو الحَسْحاسِ مِنَ العَرَبِ وكانَ مِن عَبِيدِهِمْ سُحَيْمٌ العَبْدُ الشّاعِرُ المُخَضْرَمُ الَّذِي قُتِلَ في مُدَّةِ عُثْمانَ.
وحِكْمَةُ لُقْمانَ مَأْثُورَةٌ في أقْوالِهِ النّاطِقَةِ عَنْ حَقائِقِ الأحْوالِ والمُقَرِّبَةِ لِلْخَفِيّاتِ بِأحْسَنِ الأمْثالِ. وقَدْ عُنِيَ بِها أهْلُ التَّرْبِيَةِ وأهْلُ الخَيْرِ، وذَكَرَ القُرْآنُ مِنها ما في هَذِهِ السُّورَةِ، وذَكَرَ مِنها مالِكٌ في المُوَطَّأِ بَلاغَيْنِ في كِتابِ الجامِعِ وذَكَرَ حِكْمَةً لَهُ في كِتابِ جامِعِ العَتَبِيَّةِ وذَكَرَ مِنها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في مُسْنَدِهِ ولا نَعْرِفُ كِتابًا جَمَعَ حِكْمَةَ لُقْمانَ.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ مِن حِكْمَةِ لُقْمانَ أرْجَحَ مِن عَشَرَةِ آلافِ بابٍ. ولَعَلَّ هَذا إنْ صَحَّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ كانَ مُبالَغَةً في الكَثْرَةِ.
وكانَ لُقْمانُ مَعْرُوفًا عِنْدَ خاصَّةِ العَرَبِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ: «قَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ الصّامِتِ أخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَكَّةَ حاجًّا أوْ مُعْتَمِرًا فَتَصَدّى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعاهُ إلى الإسْلامِ فَقالَ لَهُ سُوَيْدٌ: فَلَعَلَّ الَّذِي مَعَكَ مِثْلَ الَّذِي مَعِي، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وما مَعَكَ ؟ قالَ: مَجَلَّةُ لُقْمانَ. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اعْرِضْها عَلَيَّ، فَعَرَضَها عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ حَسَنٌ والَّذِي
صفحة ١٥١
مَعِي أفْضَلُ مِن هَذا قُرْآنٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَقَدِمَ المَدِينَةَ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ قَتَلَتْهُ الخَزْرَجُ وكانَ قَتْلُهُ قِيلَ يَوْمَ بُعاثٍ. وكانَ رِجالٌ مِن قَوْمِهِ يَقُولُونَ: إنّا لَنَراهُ قَدْ قُتِلَ وهو مُسْلِمٌ وكانَ قَوْمُهُ يَدْعُونَهُ الكامِلَ» اهــ. وفي الِاسْتِيعابِ لِابْنِ عَبْدِ البِرِّ: أنا شاكٌّ في إسْلامِهِ كَما شَكَّ غَيْرِي.
وقَدْ تَقَدَّمَ في صَدْرِ الكَلامِ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ أنْ قُرَيْشًا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقْمانَ وابْنِهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا لِلْعَرَبِ.
وقَدِ انْتَهى إلَيَّ حِينَ كِتابَةِ هَذا التَّفْسِيرِ مِن حِكَمِ لُقْمانَ المَأْثُورَةِ ثَمانٌ وثَلاثُونَ حِكْمَةً غَيْرَ ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ وسَنَذْكُرُها عِنْدَ الفَراغِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ.
والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْإلْهامِ أوِ الوَحْيِ.
ولُقْمانُ: اسْمُ عَلَمٍ مادَّتُهُ مادَّةٌ عَرَبِيَّةٌ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّقْمِ. والأظْهَرُ أنَّ العَرَبَ عَرَّبُوهُ بِلَفْظٍ قَرِيبٍ مِن ألْفاظِ لُغَتِهِمْ عَلى عادَتِهِمْ كَما عَرَّبُوا شاوُلَ بِاسْمِ طالُوتَ وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ لا لِلْعُجْمَةِ.
وتَقَدَّمُ تَعْرِيفُ الحِكْمَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] في سُورَةِ النَّحْلِ.
و(أنْ) في قَوْلِهِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ ولَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِفِعْلِ آتَيْنا لِأنَّهُ نَصَبَ مَفْعُولَهُ وهو الحِكْمَةُ، فَتَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لِلْحِكْمَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ الحِكْمَةَ هُنا أقْوالٌ أُوحِيَتْ إلَيْهِ أوْ أُلْهِمَها فَيَكُونُ في الحِكْمَةِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَيَصْلُحُ أنْ تُفَسِّرَ بِـ (أنِ) التَّفْسِيرِيَّةِ، كَما فُسِّرَتْ حاجَةً في قَوْلِ الشّاعِرِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ (وهو مِن شَواهِدِ العَرَبِيَّةِ):
إنْ تَحْمِلا حاجَةً لِي خَفَّ مَحْمَلُها ∗∗∗ تَسْتَوْجِبا مِنَّةً عِنْدِي بِـهَـا ويَدا
أنْ تَقْرَآنِ عَلَيْ أسْماءَ ويْحَكُمَـا ∗∗∗ مِنِّي السَّلامَ وأنْ لا تُخْبِرا أحَدا
والصُّوفِيَّةُ وحُكَماءُ الإشْراقِ يَرَوْنَ خَواطِرَ الأصْفِياءِ حُجَّةً ويُسَمُّونَها إلْهامًا.
ومالَ إلَيْهِ جَمٌّ مِن عُلَمائِنا. وقَدْ قالَ قُطْبُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في دِيباجَةِ شَرْحِهِ عَلى المِفْتاحِ (أمّا بَعْدُ إنِّي قَدْ أُلْقِيَ إلَيَّ عَلى سَبِيلِ الإنْذارِ، مِن حَضْرَةِ المَلِكِ الجَبّارِ
صفحة ١٥٢
بِلِسانِ الإلْهامِ، إلّا كَوَهْمٍ مِنَ الأوْهامِ، ما أوْرَثَنِي التَّجافِيَ عَنْ دارِ الغُرُورِ، والإنابَةَ إلى دارِ السُّرُورِ) إلَخْ.
وكانَ أوَّلُ ما لُقِّنَهُ لُقْمانُ مِنَ الحِكْمَةِ هو الحِكْمَةُ في نَفْسِهِ بِأنْ أمْرَهُ اللَّهُ بِشُكْرِهِ عَلى ما هو مَحْفُوفٌ بِهِ مِن نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي مِنها نِعْمَةُ الِاصْطِفاءِ لِإعْطائِهِ الحِكْمَةَ وإعْدادِهِ لِذَلِكَ بِقابِلِيَّتِهِ لَها. وهَذا رَأْسُ الحِكْمَةِ لِتَضَمُّنِهِ النَّظَرَ في دَلائِلِ نَفْسِهِ وحَقِيقَتِهِ قَبْلَ النَّظَرِ في حَقائِقِ الأشْياءِ وقَبْلَ التَّصَدِّيِ لِإرْشادِ غَيْرِهِ، وأنَّ أهَمَّ النَّظَرِ في حَقِيقَتِهِ هو الشُّعُورُ بِوُجُودِهِ عَلى حالَةٍ كامِلَةٍ والشُّعُورُ بِمُوجِدِهِ ومَفِيضِ الكَمالِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُقْتَضٍ لِشُكْرِ مُوجِدِهِ عَلى ذَلِكَ.
وأيْضًا فَإنَّ شُكْرَ اللَّهِ مِنَ الحِكْمَةِ، إذِ الحِكْمَةُ تَدْعُو إلى مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ لِقَصْدِ العَمَلِ بِمُقْتَضى العِلْمِ، فالحَكِيمُ يَبُثُّ في النّاسِ تِلْكَ الحَقائِقَ عَلى حَسَبِ قابِلِيّاتِهِمْ بِطَرِيقَةِ التَّشْرِيعِ تارَةً والمَوْعِظَةِ أُخْرى، والتَّعْلِيمُ لِقابِلِيهِ مَعَ حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِما عَلِمُوهُ مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ العَمَلُ مِنَ الشُّكْرِ إذِ الشُّكْرُ قَدْ عُرِفَ بِأنَّهُ صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن مَواهِبَ ونِعَمٍ فِيما خَلَقَ لِأجْلِهِ، فَكانَ شُكْرُ اللَّهِ هو الأهَمُّ في الأعْمالِ المُسْتَقِيمَةِ فَلِذَلِكَ كانَ رَأْسَ الحِكْمَةِ لِأنَّ مِنَ الحِكْمَةِ تَقْدِيمَ العِلْمِ بِالأنْفَعِ عَلى العِلْمِ بِما هو دُونَهُ، فالشُّكْرُ هو مَبْدَأُ الكَمالاتِ عِلْمًا، وغايَتُها عَمَلًا.
ولِلتَّنْبِيهِ عَلى هَذا المَعْنى أعْقَبَ اللَّهُ الشُّكْرَ المَأْمُورَ بِهِ بِبَيانِ أنَّ فائِدَتَهُ لِنَفْسِ الشّاكِرِ لا لِلْمَشْكُورِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ آثارَ شُكْرِ اللَّهِ كَمالاتٌ حاصِلَةٌ لِلشّاكِرِ ولا تَنْفَعُ المَشْكُورَ شَيْئًا لِغِناهُ سُبْحانَهُ عَنْ شُكْرِ الشّاكِرِينَ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ في صُورَةِ الشَّرْطِ لِتَحْقِيقِ التَّعَلُّقِ بَيْنَ مَضْمُونِ الشَّرْطِ ومَضْمُونِ الجَزاءِ فَإنَّ الشَّرْطَ أدَلُّ عَلى ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ.
وجِيءَ بِصِيغَةِ حَصْرِ نَفْعِ الشُّكْرِ في الثُّبُوتِ لِلشّاكِرِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ ما يَشْكُرُ إلّا لِفائِدَةِ نَفْسِهِ، ولامُ التَّعْلِيلِ مُؤْذِنَةٌ بِالفائِدَةِ. وزِيدَ ذَلِكَ تَبَيُّنًا بِعَطْفِ ضِدِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ لِإفادَةِ أنَّ الإعْراضَ عَنِ الشُّكْرِ بَعْدَ اسْتِشْعارِهِ كُفْرٌ لِلنِّعْمَةِ وأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ بِخِلافِ شَأْنِ المَخْلُوقاتِ إذْ يُكْسِبُهُمُ الشُّكْرُ فَوائِدَ بَيْنَ بَنِي جِنْسِهِمْ تَجُرُّ إلَيْهِمْ مَنافِعَ الطّاعَةِ أوِ
صفحة ١٥٣
الإعانَةِ أوِ الإغْناءِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن فَوائِدِ الشُّكْرِ لِلْمَشْكُورِينَ عَلى تَفاوُتِ مَقاماتِهِمْ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وهو حَمِيدٌ، أيْ كَثِيرُ المَحْمُودِيَّةِ بِلِسانِ حالِ الكائِناتِ كُلِّها حَتّى حالِ الكافِرِ بِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] .
ومِن بَلاغَةِ القُرْآنِ وبَدِيعِ إيجازِهِ أنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ جامِعًا لِمَبْدَأِ الحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها لُقْمانُ، ولِأمْرِهِ بِالشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ الإرْشادَ إلى الشُّكْرِ، مَعَ الشُّرُوعِ في الأمْرِ المَشْكُورِ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى المُبادَرَةِ بِالشُّكْرِ عِنْدَ حُصُولِ النِّعْمَةِ.
وإنَّما قُوبِلَ الإعْراضُ عَنِ الشُّكْرِ بِوَصْفِ اللَّهِ بِأنَّهُ حَمِيدٌ لِأنَّ الحَمْدَ والشُّكْرَ مُتَقارِبانِ، وفي الحَدِيثِ «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ» فَلَمّا لَمْ يَكُنْ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى اسْمٌ مِن مادَّةِ الشُّكْرِ إلّا اسْمَهُ الشَّكُورَ وهو بِمَعْنى شاكِرٍ، أيْ شاكِرٌ لِعِبادِهِ عِبادَتَهَمْ إيّاهُ عُبِّرَ هُنا بِاسْمِهِ حَمِيدٌ.
وجِيءَ في فِعْلِ يَشْكُرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيماءِ إلى جَدارَةِ الشُّكْرِ بِالتَّجْدِيدِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ داخِلَةٌ عَلى مَفْعُولِ الشُّكْرِ وهي لامٌ مُلْتَزِمٌ زِيادَتُها مَعَ مادَّةِ الشُّكْرِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْوِيَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
لقمان 31:13
﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهْوَ يَعِظُهُ يا بُنَيِّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] لِأنَّ الواوَ نائِبَةٌ مَنابَ الفِعْلِ فَمَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ يُفَسِّرُ بَعْضَ الحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها لُقْمانُ. والتَّقْدِيرُ: وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ إذْ قالَ لِابْنِهِ فَهو في وقْتِ قَوْلِهِ ذَلِكَ لِابْنِهِ قَدْ أُوتِيَ حِكْمَةً فَكانَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنَ الحِكْمَةِ لا مَحالَةَ، وكُلُّ حالَةٍ تَصْدُرُ عَنْهُ فِيها حِكْمَةٌ هو فِيها قَدْ أُوتِيَ حِكْمَةً.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ واوُ العَطْفِ، أيْ والتَّقْدِيرُ: وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ إذْ قالَ لِابْنِهِ. وهَذا انْتِقالٌ مَن وصْفِهِ بِحِكْمَةِ الِاهْتِداءِ
صفحة ١٥٤
إلى وصْفِهِ بِحِكْمَةِ الهُدى والإرْشادِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ قالَ) ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفًا.
وفائِدَةُ ذِكْرِ الحالِ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ الإشارَةُ إلى أنَّ قَوْلَهُ هَذا كانَ لِتَلَبُّسِ ابْنِهِ بِالإشْراكِ، وقَدْ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ابْنَ لُقْمانَ كانَ مُشْرِكًا فَلَمْ يَزَلْ لُقْمانُ يَعِظُهُ حَتّى آمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ، فَإنَّ الوَعْظَ زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ قالَ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] ويُعْرَفُ المَزْجُورُ عَنْهُ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ المَوْعِظَةِ فَتَعَيَّنَ أنَّ الزَّجْرَ هُنا عَنِ الإشْراكِ بِاللَّهِ. ولَعَلَّ ابْنَ لُقْمانَ كانَ يَدِينُ بِدِينِ قَوْمِهِ مِنَ السُّودانِ فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى لُقْمانَ بِالحِكْمَةِ والتَّوْحِيدِ أبى ابْنُهُ مُتابَعَتَهُ فَأخَذَ يَعِظُهُ حَتّى دانَ بِالتَّوْحِيدِ، ولَيْسَ اسْتِيطانُ لُقْمانَ بِمَدِينَةِ داوُدَ مُقْتَضِيًا أنْ تَكُونَ عائِلَتُهُ تَدِينُ بِدِينِ اليَهُودِيَّةِ.
وأصْلُ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ حِينَ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ المَنهِيِّ عَنْهُ أوْ عِنْدَ مُقارَبَةِ التَّلَبُّسِ بِهِ، والأصْلُ أنْ لا يَنْهى عَنْ شَيْءٍ مُنْتَفٍ عَنِ المَنهِيِّ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ اخْتِلافًا في اسْمِ ابْنِ لُقْمانَ فَلا داعِيَ إلَيْهِ.
وقَدْ جَمَعَ لُقْمانُ في هَذِهِ المَوْعِظَةِ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ وهي: الِاعْتِقاداتُ، والأعْمالُ، وأدَبُ المُعامَلَةِ، وأدَبُ النَّفْسِ.
وافْتِتاحُ المَوْعِظَةِ بِنِداءِ المُخاطَبِ المَوْعُوظِ مَعَ أنَّ تَوْجِيهَ الخِطابَ مُغْنٍ عَنْ نِدائِهِ لِحُضُورِهِ بِالخِطابِ، فالنِّداءُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في طَلَبِ حُضُورِ الذِّهْنِ لِوَعْيِ الكَلامِ وذَلِكَ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] وقَوْلِهِ ﴿يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ [يوسف: ٥] في سُورَةِ يُوسُفَ وقَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة: ١١٢] في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] في سُورَةِ مَرْيَمَ.
و”بُنَيَّ“ تَصْغِيرُ (ابْنٍ) مُضافًا إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ فَلِذَلِكَ كُسِرَتِ الياءُ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ ياءِ (بُنَيِّ) مُشَدَّدَةً. وأصْلُهُ: يا بُنَيْيِي بِثَلاتِ ياءاتٍ إذْ أصْلُهُ الأصِيلُ يا بُنَيْوِي لِأنَّ كَلِمَةَ ابْنٍ واوِيَّةُ اللّامِ المُلْتَزِمَةِ حَذْفُها فَلَمّا صُغِرَّ رُدَّ إلى
صفحة ١٥٥
أصْلِهِ، ثُمَّ لَمّا التَقَتْ ياءُ التَّصْغِيرِ ساكِنَةً قَبْلَ واوِ الكَلِمَةِ المُتَحَرِّكَةِ بِحَرَكَةِ الإعْرابِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتا، ولَمّا نُودِيَ وهو مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ حُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ لِجَوازِ حَذْفِها في النِّداءِ وكَراهِيَةِ تَكَرُّرِ الأمْثالِ، وأُشِيرَ إلى الياءِ المَحْذُوفَةِ بِإلْزامِهِ الكَسْرَ في أحْوالِ الإعْرابِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ الكَسْرَةَ دَلِيلٌ عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ.
والتَّصْغِيرُ فِيهِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِ الكَبِيرِ مَنزِلَةَ الصَّغِيرِ كِنايَةً عَنِ الشَّفَقَةِ بِهِ والتَّحَبُّبِ لَهُ، وهو في مَقامِ المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ إيماءٌ وكِنايَةٌ عَنْ إمْحاضِ النُّصْحِ وحُبِّ الخَيْرِ، فَفِيهِ حَثٌّ عَلى الِامْتِثالِ لِلْمَوْعِظَةِ.
ابْتَدَأ لُقْمانُ مَوْعِظَةَ ابْنِهِ بِطَلَبِ إقْلاعِهِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ لِأنَّ النَّفْسَ المُعَرَّضَةَ لِلتَّزْكِيَةِ والكَمالِ يَجِبُ أنْ يُقَدَّمَ لَها قَبْلَ ذَلِكَ تَخَلِّيَتُها عَنْ مَبادِئِ الفَسادِ والضَّلالِ، فَإنَّ إصْلاحَ الِاعْتِقادِ أصْلٌ لِإصْلاحِ العَمَلِ. وكانَ أصْلُ فَسادِ الِاعْتِقادِ أحَدَ أمْرَيْنِ هُما الدَّهْرِيَّةُ والإشْراكُ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ يُفِيدُ إثْباتَ وُجُودِ إلَهٍ وإبْطالَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في إلَهِيَّتِهِ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ يا بُنَيَّ بِفَتْحِ الياءِ مُشَدَّدَةً عَلى تَقْدِيرِ: يا بُنَيّا بِالألِفِ وهي اللُّغَةُ الخامِسَةُ في المُنادى المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ واكْتُفِيَ بِالفَتْحَةِ عَنْها، وهَذا سَماعٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وتَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، فَإنَّهُ ظُلْمٌ لِحُقُوقِ الخالِقِ، وظُلْمُ المَرْءِ لِنَفْسِهِ إذْ يَضَعُ نَفْسَهُ في حَضِيضِ العُبُودِيَّةِ لِأخَسِّ الجَماداتِ، وظُلْمٌ لِأهْلِ الإيمانِ الحَقِّ إذْ يَبْعَثُ عَلى اضْطِهادِهِمْ وأذاهم، وظُلْمٌ لِحَقائِقِ الأشْياءِ بِقَلْبِها وإفْسادِ تَعَلُّقِها.
وهَذا مِن جُمْلَةِ كَلامِ لُقْمانَ كَما هو ظاهِرُ السِّياقِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: أيُّنا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»﴾ .
صفحة ١٥٦
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى أيْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ كَلِمِ لُقْمانَ. فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وانْظُرْ مَن رَوى هَذا ومِقْدارَ صِحَّتِهِ.
لقمان 31:14
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
إذا دَرَجْنا عَلى أنَّ لُقْمانَ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا مُبَلِّغًا عَنِ اللَّهِ وإنَّما كانَ حَكِيمًا مُرْشِدًا كانَ هَذا الكَلامُ اعْتِراضًا بَيْنَ كَلامَيْ لُقْمانَ لِأنَّ صِيغَةَ هَذا الكَلامِ مَصُوغَةٌ عَلى أُسْلُوبِ الإبْلاغِ والحِكايَةِ لِقَوْلٍ مِن أقْوالِ اللَّهِ. والضَّمائِرُ ضَمائِرُ العَظَمَةِ جَرَّتْهُ مُناسِبَةُ حِكايَةِ نَهْيِ لُقْمانَ لِابْنِهِ عَنِ الإشْراكِ وتَفْظِيعِهِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ. فَذَكَرَ اللَّهُ هَذا لِتَأْكِيدِ ما في وصِيَّةِ لُقْمانَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِتَعْمِيمِ النَّهْيِ في الأشْخاصِ والأحْوالِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ النَّهْيَ خاصٌّ بِابْنِ لُقْمانَ أوْ بِبَعْضِ الأحْوالِ فَحَكى اللَّهُ أنَّ اللَّهَ أوْصى بِذَلِكَ كُلَّ إنْسانٍ وأنْ لا هَوادَةَ فِيهِ ولَوْ في أحْرَجِ الأحْوالِ وهي حالُ مُجاهَدَةِ الوالِدَيْنِ أوْلادَهم عَلى الإشْراكِ. وأحْسَنُ مِن هَذِهِ المُناسَبَةِ أنْ تَجْعَلَ مُناسَبَةَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لَمّا حَكى وِصايَةَ لُقْمانَ لِابْنِهِ بِما هو شُكْرُ اللَّهِ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ في الإلَهِيَّةِ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى أسْبَقُ مِنَّةً عَلى عِبادِهِ إذْ أوْصى الأبْناءَ بِبَرِّ الآباءِ فَدَخَلَ في العُمُومِ المِنَّةُ عَلى لُقْمانَ جَزاءً عَلى رَعْيِهِ لِحَقِّ اللَّهِ في ابْتِداءِ مَوْعِظَةِ ابْنِهِ فاللَّهُ أسْبَقُ بِالإحْسانِ إلى الَّذِينَ أحْسَنُوا بِرَعْيِ حَقِّهِ، ويُقَوِّي هَذا التَّفْسِيرَ اقْتِرانُ شُكْرِ اللَّهِ وشُكْرِ الوالِدَيْنِ في الأمْرِ.
وإذا دَرَجْنا عَلى أنَّ لُقْمانَ كانَ نَبِيئًا فَهَذا الكَلامُ مِمّا أبْلَغَهُ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو مِمّا أُوتِيَهُ مِنَ الوَحْيِ ويَكُونَ قَدْ حُكِيَ بِالأُسْلُوبِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلَيْهِ عَلى نَحْوِ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] . وهَذا الِاحْتِمالُ أنْسَبُ بِسِياقِ الكَلامِ، ويُرَجِّحُهُ اخْتِلافُ
صفحة ١٥٧
الأُسْلُوبِ بَيْنَها وبَيْنَ آيَتَيْ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ وسُورَةِ الأحْقافِ لِأنَّ ما هُنا حِكايَةُ ما سَبَقَ في أُمَّةٍ أُخْرى والأُخْرَيَيْنِ خِطابٌ أنِفَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ لُقْمانَ لَمّا أبْلَغَ ابْنَهَ هَذا قالَ لَهُ: إنِ اللَّهَ رَضِيَنِي لَكَ فَلَمْ يُوصِنِي بِكَ ولَمْ يَرْضَكَ لِي فَأوْصاكَ بِي.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ إلى آخِرِهِ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِواجِبِ بِرِّ الوالِدَيْنِ لِيَكُونَ النَّهْيُ عَنْ طاعَتِهِما إذًا أمَرًا بِالإشْراكِ بِاللَّهِ نَهْيًا عَنْهُ في أوْلى الحالاتِ بِالطّاعَةِ حَتّى يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ مَفْهُومًا بِفَحْوى الخِطابِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن حُسْنِ الإدْماجِ المُناسِبِ لِحِكْمَةِ لُقْمانَ سَواءٌ كانَ هَذا مِن كَلامِ لُقْمانَ أوْ كانَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى.
وعَلى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ لا يَحْسُنُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ إسْلامِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وامْتِعاضِ أُمِّهِ، لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ السِّياقَ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ نَزَلَ في ذَلِكَ، وأنَّها المُناسِبَةُ لِسَبَبِ النُّزُولِ فَإنَّها أُخْلِيَتْ عَنِ الأوْصافِ الَّتِي فِيها تَرْقِيقٌ عَلى الأُمِّ بِخِلافِ هَذِهِ، ولا وجْهَ لِنُزُولِ آيَتَيْنِ في غَرَضٍ واحِدٍ ووَقْتٍ مُخْتَلِفٍ وسَيَجِيءُ بَيانُ المُوصى بِهِ.
والوَهْنُ - بِسُكُونِ الهاءِ - مَصْدَرُ وهَنَ يَهِنُ مِن بابِ ضَرَبَ. ويُقالُ: وهَنٌ، بِفَتْحِ الهاءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ وهَنَ يُوهِنُ كَوَجِلَ يَوْجَلُ. وهو الضَّعْفُ وقِلَّةُ الطّاقَةِ عَلى تَحَمُّلِ شَيْءٍ.
وانْتَصَبَ (وهْنًا) عَلى الحالِ مِن (أُمُّهُ) مُبالَغَةً في ضَعْفِها حَتّى كَأنَّها نَفْسُ الوَهْنِ، أيْ واهِنَةً في حَمْلِهِ، و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِ (وهْنًا) أيْ وهْنًا واقِعًا عَلى وهْنٍ، كَما يُقالُ: رَجَعَ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ، إذا اسْتَأْنَفَ عَمَلًا فَرَغَ مِنهُ فَرَجَعَ إلَيْهِ، أيْ بَعْدَ بَدْءٍ، أوْ (عَلى) بِمَعْنى مَعَ كَما في قَوْلِ الأحْوَصِ:
إنِّي عَلى ما قَدْ عَلِمْتَ مُحَسَّدٌ أنْمِي عَلى البَغْضاءِ والشَّنَآنِ
فَإنَّ حَمْلَ المَرْأةِ يُقارِنُهُ التَّعَبُ مَن ثِقَلِ الجَنِينِ في البَطْنِ، والضُّعْفُ مِنِ انْعِكاسِ
صفحة ١٥٨
دَمِّها إلى تَغْذِيَةِ الجَنِينِ، ولا يَزالُ ذَلِكَ الضَّعْفُ يَتَزايَدُ بِامْتِدادِ زَمَنِ الحَمْلِ فَلا جَرَمَ أنَّهُ وهْنٌ عَلى وهْنٍ.
وجُمْلَةُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْوِصايَةِ بِالوالِدَيْنِ قَصْدًا لِتَأْكِيدِ تِلْكَ الوِصايَةِ لِأنَّ تَعْلِيلَ الحُكْمِ يُفِيدُهُ تَأْكِيدًا، ولِأنَّ في مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ما يُثِيرُ الباعِثَ في نَفْسِ الوَلَدِ عَلى أنْ يَبَرَّ بِأُمِّهِ ويَسْتَتْبِعَ البِرَّ بِأبِيهِ.
وإنَّما وقَعَ تَعْلِيلُ الوِصايَةِ بِالوالِدَيْنِ بِذِكْرِ أحْوالٍ خاصَّةٍ بِأحَدِهِما وهي الأُمُّ اكْتِفاءً بِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ تَقْتَضِي الوِصايَةَ بِالأبِ أيْضًا لِلْقِياسِ فَإنَّ الأبَ يُلاقِي مَشاقَّ وتَعَبًا في القِيامِ عَلى الأُمِّ لِتَتَمَكَّنَ مِنَ الشُّغْلِ بِالطِّفْلِ في مُدَّةِ حَضانَتِهِ ثُمَّ هو يَتَوَلّى تَرْبِيَتَهُ والذَّبَّ عَنْهُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ويَسْتَغْنِيَ عَنِ الإسْعافِ كَما قالَ تَعالى ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، فَجَمَعَهُما في التَّرْبِيَةِ في حالِ الصِّغَرِ مِمّا يَرْجِعُ إلى حِفْظِهِ وإكْمالِ نَشْأتِهِ. فَلَمّا ذُكِرَتْ هُنا الحالَةُ الَّتِي تَقْتَضِي البِرَّ بِالأُمِّ مِنَ الحَمْلِ والإرْضاعِ كانَتْ مُنَبِّهَةً إلى ما لِلْأبِ مِن حالَةٍ تَقْتَضِي البِرَّ بِهِ عَلى حِسابِ ما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ العِلَّةُ في كِلَيْهِما قُوَّةً وضَعْفًا. ولا يَقْدَحُ في القِياسِ التَّفاوُتُ بَيْنَ المَقِيسِ والمَقِيسِ عَلَيْهِ في قُوَّةِ الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْإلْحاقِ. وقَدْ نَبَّهَ عَلى هَذا القِياسِ تَشْرِيكُهُما في التَّحَكُّمِ عَقِبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ .
وحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ قَضاءُ حَقِّ الإيجازِ.
وأمّا رُجْحانُ الأُمِّ في هَذا البابِ عِنْدَ التَّعارُضِ في مُقْتَضَياتِ البُرُورِ تَعارُضًا لا يُمْكِنُ مَعَهُ الجَمْعُ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ: (شَرَكَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُمَّ والأبَ في رُتْبَةِ الوَصِيَّةِ بِهِما ثُمَّ خَصَّصَ الأُمَّ بِذِكْرِ دَرَجَةِ الحَمْلِ ودَرَجَةِ الرَّضاعِ فَتَحْصُلُ لِلْأُمِّ ثَلاثُ مَراتِبَ ولِلْأبِ واحِدَةٌ، وأشْبَهَ ذَلِكَ «قَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ: مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ» . فَجُعِلَ لَهُ الرُّبْعُ مِنَ المَبَرَّةِ. وهَذا كَلامٌ مَنسُوبٌ مِثْلُهُ لِابْنِ بَطّالٍ في شَرْحِ صَحِيحِ البُخارِيِّ. ولا يَخْفى أنَّ مَساقَ الحَدِيثِ لِتَأْكِيدِ البِرِّ بِالأُمِّ إذْ قَدْ يَقَعُ التَّفْرِيطُ في الوَفاءِ بِالواجِبِ لِلْأُمِّ مِنَ الِابْنِ اعْتِمادًا عَلى ما يُلاقِيهِ مِنَ اللِّينِ مِنها بِخِلافِ جانِبِ الأبِ فَإنَّهُ قَوِيٌّ ولِأبْنائِهِ تَوَقٍّ مِن شِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ، فَهَذا
صفحة ١٥٩
هُوَ مَساقُ الحَدِيثِ. ولا مَعْنى لِأخْذِهِ عَلى ظاهِرِهِ حَتّى نَذْهَبَ إلى تَجْزِئَةِ البِرِّ بَيْنَ الأُمِّ والأبِ أثْلاثًا أوْ أرْباعًا. وهو ما اسْتَشْكَلَهُ القَرافِيُّ في فائِدَةٍ مِنَ الفَرْقِ الثّالِثِ والعِشْرِينَ، وحَسْبُنا نَظْمُ هَذِهِ الآيَةِ البَدِيعِ في هَذا الشَّأْنِ. وأمّا لَفْظُ الحَدِيثِ فَهو مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ البِرِّ بِالأُمِّ خَشْيَةَ التَّفْرِيطِ فِيهِ، ولَيْسَ مَعْنى ( ثُمَّ) فِيهِ إلّا مُحاكاةَ قَوْلِ السّائِلِ (ثُمَّ مَن) بِقَرِينَةِ أنَّهُ عَطَفَ بِها لَفْظَ الأُمِّ في المَرَّتَيْنِ ولا مَعْنى لِتَفْضِيلِ الأُمِّ عَلى نَفْسِها في البِرِّ. وإذْ كانَ السِّياقُ مَسُوقًا لِلِاهْتِمامِ تَعَيَّنَ أنَّ عَطْفَ الأبِ عَلى الأُمِّ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ عَطْفٌ في الِاهْتِمامِ فَلا يُنْتَزَعُ مِنهُ تَرْجِيحٌ عِنْدَ التَّعارُضِ. ولَعَلَّ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلِمَ مِنَ السّائِلِ إرادَةَ التَّرْخِيصِ لَهُ في عَدَمِ البِرِّ. وقَدْ قالَ مالِكٌ لِرَجُلٍ سَألَهُ: أنَّ أباهُ في بَلَدِ السُّودانِ كَتَبَ إلَيْهِ أنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وأنَّ أُمَّهُ مَنَعَتْهُ فَقالَ لَهُ مالِكٌ: أطِعْ أباكَ ولا تَعْصِ أُمَّكَ. وهَذا يَقْتَضِي إعْراضَهُ عَنْ تَرْجِيحِ جانِبِ أحَدِ الأبَوَيْنِ وأنَّهُ مُتَوَقِّفٌ في هَذا التَّعارُضِ لِيَحْمِلَ الِابْنَ عَلى تَرْضِيَةِ كِلَيْهِما. وقالَ اللَّيْثُ: يُرَجَّحُ جانِبُ الأُمِّ. وقالَ الشّافِعِيُّ
يُرَجَّحُ جانِبُ الأبِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ إلَخْ، فَهي في مَوْقِعِ الحالِ أيْضًا. وفي الجُمْلَةِ تَقْدِيرُ ضَمِيرٍ رابِطٍ إيّاها بِصاحِبِها، إذِ التَّقْدِيرُ: وفِصالُها إيّاهُ، فَلَمّا أُضِيفَ الفِصالُ إلى مَفْعُولِهِ عُلِمَ أنَّ فاعِلَهُ هو الأُمُّ.
والفِصالُ: اسْمٌ لِلْفِطامِ، فَهو فَصْلٌ عَنِ الرَّضاعَةِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا﴾ [البقرة: ٢٣٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذُكِرَ الفِصالُ في مَعْرِضِ تَعْلِيلِ أحَقِّيَّةِ الأُمِّ بِالبَرِّ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الإرْضاعَ مِن قَبْلِ الفِصالِ، ولِلْإشارَةِ إلى ما تَتَحَمَّلُهُ الأُمُّ مِن كَدَرِ الشَّفَقَةِ عَلى الرَّضِيعِ حِينَ فِصالِهِ، وما تُشاهِدُهُ مِن حُزْنِهِ وألَمِهِ في مَبْدَأِ فِطامِهِ.
وذُكِرَ لِمُدَّةِ فِطامِهِ أقْصاها وهو عامانِ لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِالتَّرْقِيقِ عَلى الأُمِّ، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ الفِطامُ قَبْلَ العامَيْنِ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَصْدُقُ مَعَ اسْتِيعابِ المَظْرُوفِ جَمِيعَ الظَّرْفِ، ولِذَلِكَ فَمُوقِعُ (في) أبْلَغُ مِن مَوْقِعِ (مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ في قَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
صفحة ١٦٠
ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
لِأنَّهُ يَصْدُقُ بِأنْ يَسْتَغْرِقَ الشَّرابُ والمُقامَرَةُ كامِلَ أثْمانِ إبِلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَدْ حَمَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، أوِ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى هَذا المَعْنى فَأُخِذَ مِنهُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وآيَةِ سُورَةِ الأحْقافِ كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ وصَّيْنا. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، وإنَّما فُسِّرَتِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ بِما فِيهِ الأمْرُ بِشُكْرِ اللَّهِ مَعَ شُكْرِهِما عَلى وجْهِ الإدْماجِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ إلَخْ.
وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلْوَعْظِ والتَّحْذِيرِ مِن مُخالَفَةِ ما أوْصى اللَّهُ بِهِ مِنَ الشُّكْرِ لَهُ. وتَعْرِيفُ المَصِيرِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، أيْ مَصِيرُ النّاسِ كُلُّهم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (ألْ) عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْحَصْرِ، أيْ لَيْسَ لِلْأصْنامِ مَصِيرٌ في شَفاعَةٍ ولا غَيْرِها.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] إلى ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ؛ سِوى أنَّهُ قالَ هُنا ﴿عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ وقالَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] فَأمّا حَرْفُ (عَلى) فَهو أدَلُّ عَلى تَمَكُّنِ المُجاهَدَةِ، أيْ مُجاهَدَةٌ قَوِيَّةٌ لِلْإشْراكِ، والمُجاهَدَةُ: شِدَّةُ السَّعْيِ والإلْحاحِ. والمَعْنى: إنْ ألَحّا وبالَغا في دَعْوَتِكَ إلى الإشْراكِ بِي فَلا تُطِعْهُما. وهَذا تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِما إذا دَعَوْا إلى الإشْراكِ.
وأمّا آيَةُ العَنْكَبُوتِ فَجِيءَ فِيها بِلامِ العِلَّةِ لِظُهُورِ أنَّ سَعْدًا كانَ غَنِيًّا عَنْ تَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنْ طاعَةِ أُمِّهِ لِقُوَّةِ إيمانِهِ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ امْرَأةَ لُقْمانَ وابْنَهَ كانا مُشْرِكَيْنِ فَلَمْ يَزَلْ لُقْمانُ يَعِظُهُما حَتّى آمَنا، وبِهِ يَزِيدُ ذِكْرُ مُجاهَدَةِ الوالِدَيْنِ عَلى الشِّرْكِ اتِّضاحًا.
والمُصاحَبَةُ: المُعاشَرَةُ. ومِنهُ «حَدِيثُ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ( أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَن أحَقُّ النّاسِ بِحُسْنِ صَحابَتِي ؟ قالَ: أمُّكَ» إلَخْ.
صفحة ١٦١
والمَعْرُوفُ: الشَّيْءُ المُتَعارَفُ المَأْلُوفُ الَّذِي لا يُنْكَرُ فَهو الشَّيْءُ الحَسَنُ، أيْ صاحِبْ والِدَيْكَ صُحْبَةً حَسَنَةً. وانْتَصَبَ مَعْرُوفًا عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ لِ (صاحِبْهُما)، أيْ صِحابًا مَعْرُوفًا لِأمْثالِهِما. وفُهِمَ مِنهُ اجْتِنابُ ما يُنْكَرُ في مُصاحَبَتِهِما، فَشَمَلَ ذَلِكَ مُعامَلَةَ الِابْنِ أبَوَيْهِ بِالمُنْكَرِ، وشَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَدْعُوَ الوالِدُ إلى ما يُنْكِرُهُ اللَّهُ ولا يَرْضى بِهِ ولِذَلِكَ لا يُطاعانِ إذا أمَرا بِمَعْصِيَةٍ. وفُهِمَ مِن ذِكْرِ ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ أثَرَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ إلَخْ، أنَّ الأمْرَ بِمُعاشَرَتِهِما بِالمَعْرُوفِ شامِلٌ لِحالَةِ كَوْنِ الأبَوَيْنِ مُشْرِكَيْنِ فَإنَّ عَلى الِابْنِ مُعاشَرَتَهُما بِالمَعْرُوفِ كالإحْسانِ إلَيْهِما وصِلَتِهِما. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أُمِّي جاءَتْ راغِبَةً أفَأصِلُها ؟ فَقالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» وكانَتْ مُشْرِكَةً وهي قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى. وشَمَلَ المَعْرُوفُ ما هو مَعْرُوفٌ لَهُما أنْ يَفْعَلاهُ في أنْفُسِهِما، وإنْ كانَ مُنْكَرًا لِلْمُسْلِمِ فَلِذَلِكَ قالَ فُقَهاؤُنا: إذا أنْفَقَ الوَلَدُ عَلى أبَوَيْهِ الكافِرَيْنِ الفَقِيرَيْنِ وكانَ عادَتُهُما شُرْبَ الخَمْرِ اشْتَرى لَهُما الخَمْرَ لِأنَّ شُرْبَ الخَمْرِ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ لِلْكافِرِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُنْكَرًا في الدِّينَيْنِ فَلا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أنْ يُشايِعَ أحَدَ أبَوَيْهِ عَلَيْهِ.
واتِّباعُ سَبِيلِ مَن أنابَ هو الِاقْتِداءُ بِسِيرَةِ المُنِيبِينَ لِلَّهِ، أيِ الرّاجِعِينَ إلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإنابَةِ في سُورَةِ الرُّومِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] وفي سُورَةِ هُودٍ. فالمُرادُ بِمَن أنابَ: المُقْلِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ المَنهِيّاتِ الَّتِي مِنها عُقُوقُ الوالِدَيْنِ وهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى التَّوْحِيدِ ومَنِ اتَّبَعُوهم في ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ المُفِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِما بَعْدَها، أيْ وعِلاوَةً عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنْبِئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْإنْسانِ والوالِدَيْنِ، أيْ مَرْجِعُ الجَمِيعِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الرُّجُوعِ أوْ هو لِلتَّخْصِيصِ، أيْ لا يَنْفَعُكم شَيْءٌ مِمّا تَأْمَلُونَهُ مِنَ الأصْنامِ. وفَرَّعَ عَلى هَذا (فَأُنْبِئُكم) إلَخْ. والإنْباءُ كِنايَةٌ عَنْ إظْهارِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ لِأنَّ المُلازَمَةَ بَيْنَ إظْهارِ الشَّيْءِ وبَيْنَ العِلْمِ بِهِ ظاهِرَةٌ.
صفحة ١٦٢
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
وفِي هَذِهِ الضَّمائِرِ تَغْلِيبُ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ لِأنَّ الخِطابَ أهَمُّ لِأنَّهُ أعْرَفُ.
لقمان 31:15
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
إذا دَرَجْنا عَلى أنَّ لُقْمانَ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا مُبَلِّغًا عَنِ اللَّهِ وإنَّما كانَ حَكِيمًا مُرْشِدًا كانَ هَذا الكَلامُ اعْتِراضًا بَيْنَ كَلامَيْ لُقْمانَ لِأنَّ صِيغَةَ هَذا الكَلامِ مَصُوغَةٌ عَلى أُسْلُوبِ الإبْلاغِ والحِكايَةِ لِقَوْلٍ مِن أقْوالِ اللَّهِ. والضَّمائِرُ ضَمائِرُ العَظَمَةِ جَرَّتْهُ مُناسِبَةُ حِكايَةِ نَهْيِ لُقْمانَ لِابْنِهِ عَنِ الإشْراكِ وتَفْظِيعِهِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ. فَذَكَرَ اللَّهُ هَذا لِتَأْكِيدِ ما في وصِيَّةِ لُقْمانَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِتَعْمِيمِ النَّهْيِ في الأشْخاصِ والأحْوالِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ النَّهْيَ خاصٌّ بِابْنِ لُقْمانَ أوْ بِبَعْضِ الأحْوالِ فَحَكى اللَّهُ أنَّ اللَّهَ أوْصى بِذَلِكَ كُلَّ إنْسانٍ وأنْ لا هَوادَةَ فِيهِ ولَوْ في أحْرَجِ الأحْوالِ وهي حالُ مُجاهَدَةِ الوالِدَيْنِ أوْلادَهم عَلى الإشْراكِ. وأحْسَنُ مِن هَذِهِ المُناسَبَةِ أنْ تَجْعَلَ مُناسَبَةَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لَمّا حَكى وِصايَةَ لُقْمانَ لِابْنِهِ بِما هو شُكْرُ اللَّهِ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ في الإلَهِيَّةِ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى أسْبَقُ مِنَّةً عَلى عِبادِهِ إذْ أوْصى الأبْناءَ بِبَرِّ الآباءِ فَدَخَلَ في العُمُومِ المِنَّةُ عَلى لُقْمانَ جَزاءً عَلى رَعْيِهِ لِحَقِّ اللَّهِ في ابْتِداءِ مَوْعِظَةِ ابْنِهِ فاللَّهُ أسْبَقُ بِالإحْسانِ إلى الَّذِينَ أحْسَنُوا بِرَعْيِ حَقِّهِ، ويُقَوِّي هَذا التَّفْسِيرَ اقْتِرانُ شُكْرِ اللَّهِ وشُكْرِ الوالِدَيْنِ في الأمْرِ.
وإذا دَرَجْنا عَلى أنَّ لُقْمانَ كانَ نَبِيئًا فَهَذا الكَلامُ مِمّا أبْلَغَهُ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو مِمّا أُوتِيَهُ مِنَ الوَحْيِ ويَكُونَ قَدْ حُكِيَ بِالأُسْلُوبِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلَيْهِ عَلى نَحْوِ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] . وهَذا الِاحْتِمالُ أنْسَبُ بِسِياقِ الكَلامِ، ويُرَجِّحُهُ اخْتِلافُ
صفحة ١٥٧
الأُسْلُوبِ بَيْنَها وبَيْنَ آيَتَيْ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ وسُورَةِ الأحْقافِ لِأنَّ ما هُنا حِكايَةُ ما سَبَقَ في أُمَّةٍ أُخْرى والأُخْرَيَيْنِ خِطابٌ أنِفَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ لُقْمانَ لَمّا أبْلَغَ ابْنَهَ هَذا قالَ لَهُ: إنِ اللَّهَ رَضِيَنِي لَكَ فَلَمْ يُوصِنِي بِكَ ولَمْ يَرْضَكَ لِي فَأوْصاكَ بِي.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ إلى آخِرِهِ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِواجِبِ بِرِّ الوالِدَيْنِ لِيَكُونَ النَّهْيُ عَنْ طاعَتِهِما إذًا أمَرًا بِالإشْراكِ بِاللَّهِ نَهْيًا عَنْهُ في أوْلى الحالاتِ بِالطّاعَةِ حَتّى يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ مَفْهُومًا بِفَحْوى الخِطابِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن حُسْنِ الإدْماجِ المُناسِبِ لِحِكْمَةِ لُقْمانَ سَواءٌ كانَ هَذا مِن كَلامِ لُقْمانَ أوْ كانَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى.
وعَلى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ لا يَحْسُنُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ إسْلامِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وامْتِعاضِ أُمِّهِ، لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ السِّياقَ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ نَزَلَ في ذَلِكَ، وأنَّها المُناسِبَةُ لِسَبَبِ النُّزُولِ فَإنَّها أُخْلِيَتْ عَنِ الأوْصافِ الَّتِي فِيها تَرْقِيقٌ عَلى الأُمِّ بِخِلافِ هَذِهِ، ولا وجْهَ لِنُزُولِ آيَتَيْنِ في غَرَضٍ واحِدٍ ووَقْتٍ مُخْتَلِفٍ وسَيَجِيءُ بَيانُ المُوصى بِهِ.
والوَهْنُ - بِسُكُونِ الهاءِ - مَصْدَرُ وهَنَ يَهِنُ مِن بابِ ضَرَبَ. ويُقالُ: وهَنٌ، بِفَتْحِ الهاءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ وهَنَ يُوهِنُ كَوَجِلَ يَوْجَلُ. وهو الضَّعْفُ وقِلَّةُ الطّاقَةِ عَلى تَحَمُّلِ شَيْءٍ.
وانْتَصَبَ (وهْنًا) عَلى الحالِ مِن (أُمُّهُ) مُبالَغَةً في ضَعْفِها حَتّى كَأنَّها نَفْسُ الوَهْنِ، أيْ واهِنَةً في حَمْلِهِ، و﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِ (وهْنًا) أيْ وهْنًا واقِعًا عَلى وهْنٍ، كَما يُقالُ: رَجَعَ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ، إذا اسْتَأْنَفَ عَمَلًا فَرَغَ مِنهُ فَرَجَعَ إلَيْهِ، أيْ بَعْدَ بَدْءٍ، أوْ (عَلى) بِمَعْنى مَعَ كَما في قَوْلِ الأحْوَصِ:
إنِّي عَلى ما قَدْ عَلِمْتَ مُحَسَّدٌ أنْمِي عَلى البَغْضاءِ والشَّنَآنِ
فَإنَّ حَمْلَ المَرْأةِ يُقارِنُهُ التَّعَبُ مَن ثِقَلِ الجَنِينِ في البَطْنِ، والضُّعْفُ مِنِ انْعِكاسِ
صفحة ١٥٨
دَمِّها إلى تَغْذِيَةِ الجَنِينِ، ولا يَزالُ ذَلِكَ الضَّعْفُ يَتَزايَدُ بِامْتِدادِ زَمَنِ الحَمْلِ فَلا جَرَمَ أنَّهُ وهْنٌ عَلى وهْنٍ.
وجُمْلَةُ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْوِصايَةِ بِالوالِدَيْنِ قَصْدًا لِتَأْكِيدِ تِلْكَ الوِصايَةِ لِأنَّ تَعْلِيلَ الحُكْمِ يُفِيدُهُ تَأْكِيدًا، ولِأنَّ في مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ما يُثِيرُ الباعِثَ في نَفْسِ الوَلَدِ عَلى أنْ يَبَرَّ بِأُمِّهِ ويَسْتَتْبِعَ البِرَّ بِأبِيهِ.
وإنَّما وقَعَ تَعْلِيلُ الوِصايَةِ بِالوالِدَيْنِ بِذِكْرِ أحْوالٍ خاصَّةٍ بِأحَدِهِما وهي الأُمُّ اكْتِفاءً بِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ تَقْتَضِي الوِصايَةَ بِالأبِ أيْضًا لِلْقِياسِ فَإنَّ الأبَ يُلاقِي مَشاقَّ وتَعَبًا في القِيامِ عَلى الأُمِّ لِتَتَمَكَّنَ مِنَ الشُّغْلِ بِالطِّفْلِ في مُدَّةِ حَضانَتِهِ ثُمَّ هو يَتَوَلّى تَرْبِيَتَهُ والذَّبَّ عَنْهُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ويَسْتَغْنِيَ عَنِ الإسْعافِ كَما قالَ تَعالى ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، فَجَمَعَهُما في التَّرْبِيَةِ في حالِ الصِّغَرِ مِمّا يَرْجِعُ إلى حِفْظِهِ وإكْمالِ نَشْأتِهِ. فَلَمّا ذُكِرَتْ هُنا الحالَةُ الَّتِي تَقْتَضِي البِرَّ بِالأُمِّ مِنَ الحَمْلِ والإرْضاعِ كانَتْ مُنَبِّهَةً إلى ما لِلْأبِ مِن حالَةٍ تَقْتَضِي البِرَّ بِهِ عَلى حِسابِ ما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ العِلَّةُ في كِلَيْهِما قُوَّةً وضَعْفًا. ولا يَقْدَحُ في القِياسِ التَّفاوُتُ بَيْنَ المَقِيسِ والمَقِيسِ عَلَيْهِ في قُوَّةِ الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْإلْحاقِ. وقَدْ نَبَّهَ عَلى هَذا القِياسِ تَشْرِيكُهُما في التَّحَكُّمِ عَقِبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ .
وحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ قَضاءُ حَقِّ الإيجازِ.
وأمّا رُجْحانُ الأُمِّ في هَذا البابِ عِنْدَ التَّعارُضِ في مُقْتَضَياتِ البُرُورِ تَعارُضًا لا يُمْكِنُ مَعَهُ الجَمْعُ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ: (شَرَكَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُمَّ والأبَ في رُتْبَةِ الوَصِيَّةِ بِهِما ثُمَّ خَصَّصَ الأُمَّ بِذِكْرِ دَرَجَةِ الحَمْلِ ودَرَجَةِ الرَّضاعِ فَتَحْصُلُ لِلْأُمِّ ثَلاثُ مَراتِبَ ولِلْأبِ واحِدَةٌ، وأشْبَهَ ذَلِكَ «قَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ: مَن أبَرُّ ؟ قالَ: أُمَّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أُمَّكَ. قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أباكَ» . فَجُعِلَ لَهُ الرُّبْعُ مِنَ المَبَرَّةِ. وهَذا كَلامٌ مَنسُوبٌ مِثْلُهُ لِابْنِ بَطّالٍ في شَرْحِ صَحِيحِ البُخارِيِّ. ولا يَخْفى أنَّ مَساقَ الحَدِيثِ لِتَأْكِيدِ البِرِّ بِالأُمِّ إذْ قَدْ يَقَعُ التَّفْرِيطُ في الوَفاءِ بِالواجِبِ لِلْأُمِّ مِنَ الِابْنِ اعْتِمادًا عَلى ما يُلاقِيهِ مِنَ اللِّينِ مِنها بِخِلافِ جانِبِ الأبِ فَإنَّهُ قَوِيٌّ ولِأبْنائِهِ تَوَقٍّ مِن شِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ، فَهَذا
صفحة ١٥٩
هُوَ مَساقُ الحَدِيثِ. ولا مَعْنى لِأخْذِهِ عَلى ظاهِرِهِ حَتّى نَذْهَبَ إلى تَجْزِئَةِ البِرِّ بَيْنَ الأُمِّ والأبِ أثْلاثًا أوْ أرْباعًا. وهو ما اسْتَشْكَلَهُ القَرافِيُّ في فائِدَةٍ مِنَ الفَرْقِ الثّالِثِ والعِشْرِينَ، وحَسْبُنا نَظْمُ هَذِهِ الآيَةِ البَدِيعِ في هَذا الشَّأْنِ. وأمّا لَفْظُ الحَدِيثِ فَهو مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ البِرِّ بِالأُمِّ خَشْيَةَ التَّفْرِيطِ فِيهِ، ولَيْسَ مَعْنى ( ثُمَّ) فِيهِ إلّا مُحاكاةَ قَوْلِ السّائِلِ (ثُمَّ مَن) بِقَرِينَةِ أنَّهُ عَطَفَ بِها لَفْظَ الأُمِّ في المَرَّتَيْنِ ولا مَعْنى لِتَفْضِيلِ الأُمِّ عَلى نَفْسِها في البِرِّ. وإذْ كانَ السِّياقُ مَسُوقًا لِلِاهْتِمامِ تَعَيَّنَ أنَّ عَطْفَ الأبِ عَلى الأُمِّ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ عَطْفٌ في الِاهْتِمامِ فَلا يُنْتَزَعُ مِنهُ تَرْجِيحٌ عِنْدَ التَّعارُضِ. ولَعَلَّ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلِمَ مِنَ السّائِلِ إرادَةَ التَّرْخِيصِ لَهُ في عَدَمِ البِرِّ. وقَدْ قالَ مالِكٌ لِرَجُلٍ سَألَهُ: أنَّ أباهُ في بَلَدِ السُّودانِ كَتَبَ إلَيْهِ أنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وأنَّ أُمَّهُ مَنَعَتْهُ فَقالَ لَهُ مالِكٌ: أطِعْ أباكَ ولا تَعْصِ أُمَّكَ. وهَذا يَقْتَضِي إعْراضَهُ عَنْ تَرْجِيحِ جانِبِ أحَدِ الأبَوَيْنِ وأنَّهُ مُتَوَقِّفٌ في هَذا التَّعارُضِ لِيَحْمِلَ الِابْنَ عَلى تَرْضِيَةِ كِلَيْهِما. وقالَ اللَّيْثُ: يُرَجَّحُ جانِبُ الأُمِّ. وقالَ الشّافِعِيُّ
يُرَجَّحُ جانِبُ الأبِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ إلَخْ، فَهي في مَوْقِعِ الحالِ أيْضًا. وفي الجُمْلَةِ تَقْدِيرُ ضَمِيرٍ رابِطٍ إيّاها بِصاحِبِها، إذِ التَّقْدِيرُ: وفِصالُها إيّاهُ، فَلَمّا أُضِيفَ الفِصالُ إلى مَفْعُولِهِ عُلِمَ أنَّ فاعِلَهُ هو الأُمُّ.
والفِصالُ: اسْمٌ لِلْفِطامِ، فَهو فَصْلٌ عَنِ الرَّضاعَةِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ أرادا فِصالًا﴾ [البقرة: ٢٣٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذُكِرَ الفِصالُ في مَعْرِضِ تَعْلِيلِ أحَقِّيَّةِ الأُمِّ بِالبَرِّ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الإرْضاعَ مِن قَبْلِ الفِصالِ، ولِلْإشارَةِ إلى ما تَتَحَمَّلُهُ الأُمُّ مِن كَدَرِ الشَّفَقَةِ عَلى الرَّضِيعِ حِينَ فِصالِهِ، وما تُشاهِدُهُ مِن حُزْنِهِ وألَمِهِ في مَبْدَأِ فِطامِهِ.
وذُكِرَ لِمُدَّةِ فِطامِهِ أقْصاها وهو عامانِ لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِالتَّرْقِيقِ عَلى الأُمِّ، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ الفِطامُ قَبْلَ العامَيْنِ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَصْدُقُ مَعَ اسْتِيعابِ المَظْرُوفِ جَمِيعَ الظَّرْفِ، ولِذَلِكَ فَمُوقِعُ (في) أبْلَغُ مِن مَوْقِعِ (مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ في قَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
صفحة ١٦٠
ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
لِأنَّهُ يَصْدُقُ بِأنْ يَسْتَغْرِقَ الشَّرابُ والمُقامَرَةُ كامِلَ أثْمانِ إبِلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَدْ حَمَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، أوِ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى هَذا المَعْنى فَأُخِذَ مِنهُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وآيَةِ سُورَةِ الأحْقافِ كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ وصَّيْنا. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، وإنَّما فُسِّرَتِ الوَصِيَّةُ بِالوالِدَيْنِ بِما فِيهِ الأمْرُ بِشُكْرِ اللَّهِ مَعَ شُكْرِهِما عَلى وجْهِ الإدْماجِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ إلَخْ.
وجُمْلَةُ ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلْوَعْظِ والتَّحْذِيرِ مِن مُخالَفَةِ ما أوْصى اللَّهُ بِهِ مِنَ الشُّكْرِ لَهُ. وتَعْرِيفُ المَصِيرِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ، أيْ مَصِيرُ النّاسِ كُلُّهم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (ألْ) عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْحَصْرِ، أيْ لَيْسَ لِلْأصْنامِ مَصِيرٌ في شَفاعَةٍ ولا غَيْرِها.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] إلى ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ؛ سِوى أنَّهُ قالَ هُنا ﴿عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ وقالَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] فَأمّا حَرْفُ (عَلى) فَهو أدَلُّ عَلى تَمَكُّنِ المُجاهَدَةِ، أيْ مُجاهَدَةٌ قَوِيَّةٌ لِلْإشْراكِ، والمُجاهَدَةُ: شِدَّةُ السَّعْيِ والإلْحاحِ. والمَعْنى: إنْ ألَحّا وبالَغا في دَعْوَتِكَ إلى الإشْراكِ بِي فَلا تُطِعْهُما. وهَذا تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإصْغاءِ إلَيْهِما إذا دَعَوْا إلى الإشْراكِ.
وأمّا آيَةُ العَنْكَبُوتِ فَجِيءَ فِيها بِلامِ العِلَّةِ لِظُهُورِ أنَّ سَعْدًا كانَ غَنِيًّا عَنْ تَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنْ طاعَةِ أُمِّهِ لِقُوَّةِ إيمانِهِ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ امْرَأةَ لُقْمانَ وابْنَهَ كانا مُشْرِكَيْنِ فَلَمْ يَزَلْ لُقْمانُ يَعِظُهُما حَتّى آمَنا، وبِهِ يَزِيدُ ذِكْرُ مُجاهَدَةِ الوالِدَيْنِ عَلى الشِّرْكِ اتِّضاحًا.
والمُصاحَبَةُ: المُعاشَرَةُ. ومِنهُ «حَدِيثُ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ( أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَن أحَقُّ النّاسِ بِحُسْنِ صَحابَتِي ؟ قالَ: أمُّكَ» إلَخْ.
صفحة ١٦١
والمَعْرُوفُ: الشَّيْءُ المُتَعارَفُ المَأْلُوفُ الَّذِي لا يُنْكَرُ فَهو الشَّيْءُ الحَسَنُ، أيْ صاحِبْ والِدَيْكَ صُحْبَةً حَسَنَةً. وانْتَصَبَ مَعْرُوفًا عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ لِ (صاحِبْهُما)، أيْ صِحابًا مَعْرُوفًا لِأمْثالِهِما. وفُهِمَ مِنهُ اجْتِنابُ ما يُنْكَرُ في مُصاحَبَتِهِما، فَشَمَلَ ذَلِكَ مُعامَلَةَ الِابْنِ أبَوَيْهِ بِالمُنْكَرِ، وشَمَلَ ذَلِكَ أنْ يَدْعُوَ الوالِدُ إلى ما يُنْكِرُهُ اللَّهُ ولا يَرْضى بِهِ ولِذَلِكَ لا يُطاعانِ إذا أمَرا بِمَعْصِيَةٍ. وفُهِمَ مِن ذِكْرِ ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ أثَرَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ إلَخْ، أنَّ الأمْرَ بِمُعاشَرَتِهِما بِالمَعْرُوفِ شامِلٌ لِحالَةِ كَوْنِ الأبَوَيْنِ مُشْرِكَيْنِ فَإنَّ عَلى الِابْنِ مُعاشَرَتَهُما بِالمَعْرُوفِ كالإحْسانِ إلَيْهِما وصِلَتِهِما. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أُمِّي جاءَتْ راغِبَةً أفَأصِلُها ؟ فَقالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» وكانَتْ مُشْرِكَةً وهي قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى. وشَمَلَ المَعْرُوفُ ما هو مَعْرُوفٌ لَهُما أنْ يَفْعَلاهُ في أنْفُسِهِما، وإنْ كانَ مُنْكَرًا لِلْمُسْلِمِ فَلِذَلِكَ قالَ فُقَهاؤُنا: إذا أنْفَقَ الوَلَدُ عَلى أبَوَيْهِ الكافِرَيْنِ الفَقِيرَيْنِ وكانَ عادَتُهُما شُرْبَ الخَمْرِ اشْتَرى لَهُما الخَمْرَ لِأنَّ شُرْبَ الخَمْرِ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ لِلْكافِرِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُنْكَرًا في الدِّينَيْنِ فَلا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أنْ يُشايِعَ أحَدَ أبَوَيْهِ عَلَيْهِ.
واتِّباعُ سَبِيلِ مَن أنابَ هو الِاقْتِداءُ بِسِيرَةِ المُنِيبِينَ لِلَّهِ، أيِ الرّاجِعِينَ إلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإنابَةِ في سُورَةِ الرُّومِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] وفي سُورَةِ هُودٍ. فالمُرادُ بِمَن أنابَ: المُقْلِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ المَنهِيّاتِ الَّتِي مِنها عُقُوقُ الوالِدَيْنِ وهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى التَّوْحِيدِ ومَنِ اتَّبَعُوهم في ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ المُفِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِما بَعْدَها، أيْ وعِلاوَةً عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنْبِئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْإنْسانِ والوالِدَيْنِ، أيْ مَرْجِعُ الجَمِيعِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الرُّجُوعِ أوْ هو لِلتَّخْصِيصِ، أيْ لا يَنْفَعُكم شَيْءٌ مِمّا تَأْمَلُونَهُ مِنَ الأصْنامِ. وفَرَّعَ عَلى هَذا (فَأُنْبِئُكم) إلَخْ. والإنْباءُ كِنايَةٌ عَنْ إظْهارِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ لِأنَّ المُلازَمَةَ بَيْنَ إظْهارِ الشَّيْءِ وبَيْنَ العِلْمِ بِهِ ظاهِرَةٌ.
صفحة ١٦٢
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
وفِي هَذِهِ الضَّمائِرِ تَغْلِيبُ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ لِأنَّ الخِطابَ أهَمُّ لِأنَّهُ أعْرَفُ.
لقمان 31:16
﴿يا بُنَيِّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
تَكْرِيرُ النِّداءِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ لِوَعْيِ الكَلامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿إنْ تَكُ مِثْقالُ﴾ بِرَفْعِ (مِثْقالُ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ (تَكُ) مِن كانَ التّامَّةِ. وإنَّما جِيءَ بِفِعْلِهِ بِتاءِ المُضارَعَةِ لِلْمُؤَنَّثَةِ، وأُعِيدَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بِها مُؤَنَّثًا مَعَ أنَّ مِثْقالَ لَفْظٌ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى حَبَّةٍ فاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ إذا كانَ المُضافُ لَوْ حُذِفَ لَما اخْتَلَّ الكَلامُ بِحَيْثُ يُسْتَغْنى بِالمُضافِ إلَيْهِ عَنِ المُضافِ، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ ”إنَّها“ لِلْقِصَّةِ والحادِثَةِ وهو المُسَمّى بِضَمِيرِ الشَّأْنِ وهو يَقَعُ بِصُورَةِ ضَمِيرِ المُفْرَدَةِ المُؤَنَّثَةِ بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ، ويُخْتارُ تَأْنِيثُ هَذا الضَّمِيرِ إذا كانَ في القِصَّةِ لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦]، ويَكْثُرُ وُقُوعُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ بَعْدَ (إنَّ) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤] ومِن ذَلِكَ تَقْدِيرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ اسْمًا لِحَرْفِ (أنَّ) المَفْتُوحَةِ المُخَفَّفَةِ، وهو يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِإقْبالِ المُخاطَبِ عَلى ما يَأْتِي بَعْدَهُ، فاجْتَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ: النِّداءُ، وإنَّ، وضَمِيرُ القِصَّةِ، لِعَظَمِ خَطَرِ ما بَعْدَهُ المُقَيَّدِ تَقْرِيرِ وصْفِهِ تَعالى بِالعِلْمِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكائِناتِ ووَصْفِهِ بِالقُدْرَةِ المُحِيطَةِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ .
وقَدْ أُفِيدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ دَلالَةِ الفَحْوى؛ فَذُكِرَ أدَقُّ الكائِناتِ حالًا مِن حَيْثُ تَعَلُّقِ العِلْمِ والقُدْرَةِ بِهِ، وذَلِكَ أدَقُّ الأجْسامِ المُخْتَفِي في أصْلَبِ مَكانٍ أوْ أقْصاهُ وأعَزِّهِ مَنالًا، أوْ أوْسَعِهِ وأشَدِّهِ انْتِشارًا، لِيُعْلَمَ أنَّ ما هو أقْوى مِنهُ في الظُّهُورِ والدُّنُوِّ مِنَ التَّناوُلِ أوْلى بِأنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ.
صفحة ١٦٣
وقَرَأهُ الباقُونَ بِنَصْبِ (مِثْقالَ) عَلى الخَبَرِيَّةِ لِ (تَكُ) مِن (كانَ) النّاقِصَةِ، وتَقْدِيرِ اسْمٍ لَها يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ مَعَ كَوْنِ الفِعْلِ مُسْنَدًا لِمُؤَنَّثٍ، أيْ إنْ تَكُ الكائِنَةُ، فَضَمِيرُ إنَّها مُرادٌ مِنهُ الخَصْلَةُ مِن حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ أخْذًا مِنَ المَقامِ.
والمِثْقالُ بِكَسْرِ المِيمِ: ما يُقَدَّرُ بِهِ الثِّقَلُ ولِذَلِكَ صِيغَ عَلى زِنَةِ اسْمِ الآلَةِ.
والحَبَّةُ: واحِدَةُ الحَبِّ وهو بِذْرُ النَّباتِ مِن سَنابِلَ أوْ قُطْنِيَّةٍ بِحَيْثُ تَكُونُ تِلْكَ الواحِدَةُ زَرِيعَةً لِنَوْعِها مِنَ النَّباتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والخَرْدَلُ: نَبْتٌ لَهُ جِذْرٌ وساقٌ قائِمَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ أُسْطُوانِيَّةٌ أوْراقُها كَبِيرَةٌ يُخْرِجُ أزْهارًا صَغِيرَةً صُفْرًا سُنْبُلِيَّةً تَتَحَوَّلُ إلى قُرُونٍ دَقِيقَةٍ مُرَبَّعَةِ الزَّوايا تُخْرِجُ بُزُورًا دَقِيقَةً تُسَمّى الخَرْدَلَ أيْضًا، ولُبُّ تِلْكَ البُزُورِ شَدِيدُ الحَرارَةِ يَلْدَغُ اللِّسانَ والجِلْدَ، وهي سَرِيعَةُ التَّفَتُّقِ يَنْفَتِقُ عَنْها قِشْرُها بِدَقٍّ أوْ إذا بُلَّتْ بِمائِعٍ، فَتُسْتَعْمَلُ في الأدْوِيَةِ ضِماداتٍ عَلى المَواضِعِ الَّتِي فِيها التِهابٌ داخِلِيٌّ مِن نَزْلَةٍ أوْ ذاتِ جَنْبٍ وهو كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في الطِّبِّ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقَدْ أخَذَ الأطِبّاءُ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ بِعَقاقِيرَ أُخْرى. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
وقَوْلُهُ ﴿أوْ في السَّماواتِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ لِأنَّ الصَّخْرَةَ مِن أجْزاءِ الأرْضِ فَذَكَرَ بَعْدَها ﴿أوْ في السَّماواتِ﴾ عَلى مَعْنى أوْ كانَتْ في أعَزِّ مَنالًا مِنَ الصَّخْرَةِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿أوْ في الأرْضِ﴾ وإنَّما الصَّخْرَةُ جُزْءٌ مِنَ الأرْضِ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الأمْكِنَةِ الأرْضِيَّةِ فَإنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَصْدُقُ بِهِما، أيْ ذَلِكَ كُلُّهُ سَواءٌ في جانِبِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ حَيْثُ كانَتْ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .
والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنها، وهو أيْضًا كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنِ العِلْمِ بِها لِأنَّ الإتْيانَ بِأدَقِّ الأجْسامِ مِن أقْصى الأمْكِنَةِ وأعْمَقِها وأصْلَبِها لا يَكُونُ إلّا عَنْ عِلْمٍ بِكَوْنِها في ذَلِكَ المَكانِ وعِلْمٍ بِوَسائِلِ اسْتِخْراجِها مِنهُ.
صفحة ١٦٤
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ لُقْمانَ فَهي كالمَقْصِدِ مِنَ المُقَدِّمَةِ أوْ كالنَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ لِأنَّ النَّتِيجَةَ كَبَدَلِ الِاشْتِمالِ يَشْتَمِلُ عَلَيْها القِياسُ ولِذَلِكَ جِيءَ بِالنَّتِيجَةِ كُلِّيَّةً بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِجُزْئِيَّةٍ. وإنَّما لَمْ نَجْعَلْها تَعْلِيلًا لِأنَّ مَقامَ تَعْلِيمِ لُقْمانَ ابْنَهُ يَقْتَضِي أنَّ الِابْنَ جاهِلٌ بِهَذِهِ الحَقائِقِ، وشَرْطُ التَّعْلِيلِ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا مَعْلُومًا قَبْلَ العِلْمِ بِالمُعَلَّلِ لِيَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ كَلامِ لُقْمانَ تَعْلِيمًا مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ.
واللَّطِيفُ: مَن يَعْلَمُ دَقائِقَ الأشْياءِ ويَسْلُكُ في إيصالِها إلى مَن تَصْلُحُ بِهِ مَسْلَكَ الرِّفْقِ، فَهو وصْفٌ مُؤْذِنٌ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ الكامِلَيْنِ، أيْ يَعْلَمُ ويُقَدِّرُ ويُنَفِّذُ قُدْرَتَهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في الأنْعامِ.
فَفِي تَعْقِيبِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ بِوَصْفِهِ بِـ ”اللَّطِيفُ“ إيماءٌ إلى أنَّ التَّمَكُّنَ مِنها وامْتِلاكَها بِكَيْفِيَّةٍ دَقِيقَةٍ تُناسِبُ فَلْقَ الصَّخْرَةِ واسْتِخْراجَ الخَرْدَلَةِ مِنها مَعَ سَلامَتِها وسَلامَةِ ما اتَّصَلَ بِهِما مِنِ اخْتِلالِ نِظامِ صُنْعِهِ، وهُنا قَدِ اسْتَوْفى أُصُولَ الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ.
لقمان 31:17
﴿يا بُنَيِّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾
انْتَقَلَ مِن تَعْلِيمِهِ أُصُولَ العَقِيدَةِ إلى تَعْلِيمِهِ أُصُولَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فابْتَدَأها بِإقامَةِ الصَّلاةِ، والصَّلاةُ التَّوَجُّهُ إلى اللَّهِ بِالخُضُوعِ والتَّسْبِيحِ والدُّعاءِ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ في الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَدِينُ بِها لُقْمانُ، والصَّلاةُ عِمادُ الأعْمالِ لِاشْتِمالِها عَلى الِاعْتِرافِ بِطاعَةِ اللَّهِ وطَلَبِ الِاهْتِداءِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ.
وإقامَةُ الصَّلاةِ إدامَتُها والمُحافَظَةُ عَلى أدائِها في أوْقاتِها. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وشَمِلَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ الإتْيانَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ كُلِّها عَلى وجْهِ الإجْمالِ لِيَتَطَلَّبَ
صفحة ١٦٥
بَيانُهُ في تَضاعِيفِ وصايا أبِيهِ كَما شَمِلَ النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ اجْتِنابَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ كَذَلِكَ.
والأمْرُ بِأنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ يَقْتَضِي إيتانَ الأمْرِ وانْتِهاءَهُ في نَفْسِهِ لِأنَّ الَّذِي يَأْمُرُ بِفِعْلِ الخَيْرِ ويَنْهى عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ يَعْلَمُ ما في الأعْمالِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ومَصالِحَ ومَفاسِدَ، فَلا جَرَمَ أنْ يَتَوَقّاها في نَفْسِهِ بِالأوْلَوِيَّةِ مِن أمْرِهِ النّاسَ ونَهْيِهِ إيّاهم.
فَهَذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ مِنَ الحِكْمَةِ والتَّقْوى إذْ جَمَعَ لِابْنِهِ الإرْشادَ إلى فِعْلِهِ الخَيْرَ وبَثِّهِ في النّاسِ وكَفِّهِ عَنِ الشَّرِّ وزَجْرِهِ النّاسَ عَنِ ارْتِكابِهِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يُصِيبُهُ.
وُوجْهُ تَعْقِيبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِمُلازَمَةِ الصَّبْرِ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ قَدْ يَجُرّانِ لِلْقائِمِ بِهِما مُعاداةً مِن بَعْضِ النّاسِ أوْ أذًى مِن بَعْضٍ فَإذا لَمْ يَصْبِرْ عَلى ما يُصِيبُهُ مِن جَرّاءِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أوْشَكَ أنْ يَتْرُكَهُما.
ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ الصَّبْرِ عائِدَةً عَلى الصّابِرِ بِالأجْرِ العَظِيمِ عُدَّ الصَّبْرُ هُنا في عِدادِ الأعْمالِ القاصِرَةِ عَلى صاحِبِها ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى ما في تَحَمُّلِ أذى النّاسِ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ مَعَهم حَتّى يَذْكُرَ الصَّبْرَ مَعَ قَوْلِهِ (ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ) لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هو المَقْصُودُ الأوَّلُ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ.
والصَّبْرُ: هو تَحَمُّلُ ما يَحِلُّ بِالمَرْءِ مِمّا يُؤْلِمُ أوْ يُحْزِنُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مَوْقِعُها كَمُوقِعِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ لُقْمانَ وأنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ١٦٦
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى المَذْكُورِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والصَّبْرِ عَلى ما أصابَ. والتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ.
والعَزْمُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى: الجَزْمِ والإلْزامِ. والعَزِيمَةُ: الإرادَةُ الَّتِي لا تَرَدُّدَ فِيها.
و”عَزْمِ“ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مِن مَعْزُومِ الأُمُورِ، أيِ الَّتِي عَزَمَها اللَّهُ وأوْجَبَها.
لقمان 31:18
﴿ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾
انْتَقَلَ لُقْمانُ بِابْنِهِ إلى الآدابِ في مُعامَلَةِ النّاسِ فَنَهاهُ عَنِ احْتِقارِ النّاسَ وعَنِ التَّفَخُّرِ عَلَيْهِمْ، وهَذا يَقْتَضِي أمْرَهُ بِإظْهارِ مُساواتِهِ مَعَ النّاسِ وعَدِّ نَفْسِهِ كَواحِدٍ مِنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ولا تُصاعِرْ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (ولا تُصَعِّرْ) . يُقالُ: صاعَرَ وصَعَّرَ، إذا أمالَ عُنُقَهُ إلى جانِبٍ لِيُعْرِضَ عَنْ جانِبٍ آخَرَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّعَرِ بِالتَّحْرِيكِ لِداءٍ يُصِيبُ البَعِيرَ فَيَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ فَكَأنَّهُ صِيغَ لَهُ صِيغَةَ تَكَلُّفٍ بِمَعْنى تَكَلُّفِ إظْهارِ الصَّعَرِ وهو تَمْثِيلٌ لِلِاحْتِقارِ لِأنَّ مُصاعَرَةَ الخَدِّ هَيْئَةُ المُحْتَقِرِ المُسْتَخِفِّ في غالِبِ الأحْوالِ. قالَ عَمْرُو بْنُ حُنَيٍّ التَّغْلِبِيُّ يُخاطِبُ بَعْضَ مُلُوكِهِمْ:
وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَ
والمَعْنى: لا تَحْتَقِرِ النّاسَ فالنَّهْيُ عَنِ الإعْراضِ عَنْهُمُ احْتِقارًا لَهم لا عَنْ خُصُوصِ مُصاعَرَةِ الخَدِّ فَيَشْمَلُ الِاحْتِقارَ بِالقَوْلِ والشَّتْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلّا أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ كَنائِيٌّ والآخَرُ كِنايَةٌ لا تَمْثِيلَ فِيها.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ تَمْثِيلٌ كَنائِيٌّ عَنِ النَّهْيِ عَنِ التَّكَبُّرِ
صفحة ١٦٧
والتَّفاخُرُ لا عَنْ خُصُوصِ المَشْيِ في حالِ المَرَحِ فَيَشْمَلُ الفَخْرَ عَلَيْهِمْ بِالكَلامِ وغَيْرِهِ.
والمَرَحُ: فَرْطُ النَّشاطِ مِن فَرَحٍ وازْدِهاءٍ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ في المَشْيِ تَبَخْتُرًا واخْتِيالًا فَلِذَلِكَ يُسَمّى ذَلِكَ المَشْيُ مَرَحًا كَما في الآيَةِ، فانْتِصابُهُ عَلى الصِّفَةِ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، أيْ مَشْيًا مَرَحًا، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. ومَوْقِعُ قَوْلِهِ (في الأرْضِ) بَعْدَ (لا تَمْشِ) مَعَ أنَّ المَشْيَ لا يَكُونُ إلّا في الأرْضِ هو الإيماءُ إلى أنَّ المَشْيَ في مَكانٍ يَمْشِي فِيهِ النّاسُ كُلُّهم قَوِيُّهم وضَعِيفُهم، فَفي ذَلِكَ مَوْعِظَةٌ لِلْماشِي مَرَحًا أنَّهُ مُساوٍ لِسائِرِ النّاسِ.
ومَوْقِعُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ مُوقِعُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] كَما تَقَدَّمَ. والمُخْتالُ: اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اخْتالَ بِوَزْنِ الِافْتِعالِ مِن فِعْلِ خالَ إذا كانَ ذا خُيَلاءَ فَهو خائِلٌ. والخُيَلاءُ: الكِبْرُ والِازْدِهاءُ، فَصِيغَةُ الِافْتِعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ فَوَزْنُ المُخْتالِ مُخْتِيلٌ فَلَمّا تَحَرَّكَ حَرْفُ العِلَّةِ وانْفَتَحَ ما قَبْلَهُ قُلِبَ ألِفًا، فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ (ولا تُصاعِرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ)، وقَوْلُهُ (فَخُورًا) مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ .
والفَخُورُ: شَدِيدُ الفَخْرِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْ أحَدٍ مِنَ المُخْتالِينَ الفَخُورِينَ، ولا يَخْطُرُ بِبالِ أهْلِ الِاسْتِعْمالِ أنْ يَكُونَ مُفادُهُ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَجْمُوعَ المُخْتالِينَ الفَخُورِينَ إذا اجْتَمَعُوا بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ عَبْدُ القاهِرِ مِن أنَّ (كُلَّ) إذا وقَعَ في حَيِّزِ النَّفْيِ مُؤَخَّرًا عَنْ أداتِهِ يَنْصَبُّ النَّفْيُ عَلى الشُّمُولِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو في (كَلِّ) الَّتِي يُرادُ مِنها تَأْكِيدُ الإحاطَةِ لا في كُلِّ الَّتِي يُرادُ مِنها الأفْرادُ، والتَّعْوِيلُ في ذَلِكَ عَلى القَرائِنِ. عَلى أنّا نَرى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أمْرًا أغْلَبِيًّا غَيْرَ مُطَّرِدٍ في اسْتِعْمالِ أهْلِ اللِّسانِ ولِذَلِكَ نَرى صِحَّةَ الرَّفْعِ والنَّصْبِ في لَفْظِ (كُلَّ) في قَوْلِ أبِي النَّجْمِ العِجْلِيِّ:
قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أصْـنَـعِ
وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ في تَعْلِيقاتِي عَلى دَلائِلِ الإعْجازِ.
صفحة ١٦٨
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ يَجُوزُ فِيهِ ما مَضى في جُمْلَةِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] وجُمْلَةِ ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] .
لقمان 31:19
﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾
بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهُ آدابَ حُسْنِ المُعامَلَةِ مَعَ النّاسِ قَفّاها بِحُسْنِ الآدابِ في حالَتِهِ الخاصَّةِ، وتِلْكَ حالَتا المَشْيِ والتَّكَلُّمِ، وهَما أظْهَرُ ما يَلُوحُ عَلى المَرْءِ مِن آدابِهِ.
والقَصْدُ: الوَسَطُ العَدْلُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، فالقَصْدُ في المَشْيِ هو أنْ يَكُونَ بَيْنَ طَرَفِ التَّبَخْتُرِ وطَرَفِ الدَّبِيبِ ويُقالُ: قَصَدَ في مَشْيِهِ. فَمَعْنى ﴿اقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ ارْتَكِبِ القَصْدَ.
والغَضُّ: نَقْصُ قُوَّةِ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ. يُقالُ: غَضَّ بَصَرَهُ، إذا خَفَضَ نَظَرَهُ فَلَمْ يُحَدِّقْ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] في سُورَةِ النُّورِ. فَغَضُّ الصَّوْتِ: جَعْلُهُ دُونَ الجَهْرِ.
وجِيءَ بِـ (مِنَ) الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ لِإفادَةِ أنَّهُ يَغُضُّ بَعْضَهُ، أيْ بَعْضَ جَهْرِهِ، أيْ يَنْقُصُ مِن جُهُوَرَتِهِ ولَكِنَّهُ لا يَبْلُغُ بِهِ إلى التَّخافُتِ والسِّرارِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ عَلَّلَ بِهِ الأمْرَ بِالغَضِّ مِن صَوْتِهِ بِاعْتِبارِها مُتَضَمِّنَةً تَشْبِيهًا بَلِيغًا، أيْ لِأنَّ صَوْتَ الحَمِيرِ أنْكَرُ الأصْواتِ. ورَفْعُ الصَّوْتِ في الكَلامِ يُشْبِهُ نَهِيقَ الحَمِيرِ فَلَهُ حَظٌّ مِنَ النَّكارَةِ.
وأنْكَرَ: اسْمُ تَفْضِيلٍ في كَوْنِ الصَّوْتِ مَنكُورًا، فَهو تَفْضِيلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ ومِثْلُهُ سَماعِيٌّ وغَيْرُ شاذٍّ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ (أشْغَلُ مِن ذاتِ النَّحْيَيْنِ) أيْ أشَدُّ مَشْغُولِيَّةً مِنَ المَرْأةِ الَّتِي أُرِيدَتْ في هَذا المَثَلِ.
وإنَّما جَمَعَ الحَمِيرَ في نَظْمِ القُرْآنِ مَعَ أنَّ صَوْتَ مُفْرَدٌ ولَمْ يَقُلِ الحِمارَ لِأنَّ المُعَرَّفَ بِلامِ الجِنْسِ يَسْتَوِي مُفْرَدُهُ وجَمْعُهُ. ولِذَلِكَ يُقالُ: إنَّ لامَ الجِنْسِ إذا دَخَلَتْ
صفحة ١٦٩
عَلى جَمْعٍ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ. وإنَّما أُوثِرَ لَفْظُ الجَمْعِ لِأنَّ كَلِمَةَ الحَمِيرِ أسْعَدُ بِالفَواصِلِ لِأنَّ مِن مَحاسِنِ الفَواصِلِ والأسْجاعِ أنْ تَجْرِيَ عَلى أحْكامِ القَوافِي، والقافِيَةُ المُؤَسَّسَةُ بِالواوِ أوِ الياءِ لا يَجُوزُ أنْ يَرِدَ مَعَها ألِفُ تَأْسِيسٍ فَإنَّ الفَواصِلَ المُتَقَدِّمَةَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] هي: حَمِيدٌ، عَظِيمٌ، المَصِيرُ، خَبِيرٌ، الأُمُورِ، فَخُورٍ، الحَمِيرِ، وفَواصِلُ القُرْآنِ تَعْتَمِدُ كَثِيرًا عَلى الحَرَكاتِ والمُدُودِ والصِّيَغِ دُونَ تَماثُلِ الحُرُوفِ وبِذَلِكَ تُخالِفُ قَوافِيَ القَصائِدِ.
وهَذا وفاءٌ بِما وعَدْتُ بِهِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] مِن ذِكْرِ ما انْتَهى إلَيْهِ تَتَبُّعِي لِما أُثِرَ مِن حِكْمَةِ لُقْمانَ غَيْرَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ وقَدْ ذَكَرَ الآلُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ مِنها ثَمانِيًا وعِشْرِينَ حِكْمَةً وهي: قَوْلُهُ لِابْنِهِ: أيْ بُنَيَّ إنِ الدُّنْيا بَحْرٌ عَمِيقٌ، وقَدْ غَرِقَ فِيها أُناسٌ كَثِيرٌ فاجْعَلْ سَفِينَتَكَ فِيها تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وحَشَوْها الإيمانُ، وشِراعَها التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَعالى لَعَلَّكَ أنْ تَنْجُوَ ولا أراكَ ناجِيًا.
وقَوْلُهُ: مَن كانَ لَهُ مِن نَفْسِهِ واعِظٌ كانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حافِظٌ، ومَن أنْصَفَ النّاسَ مِن نَفْسِهِ زادَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ عِزًّا، والذُّلُّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالمَعْصِيَةِ.
وقَوْلُهُ: ضَرْبُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ كالسَّمادِ لِلزَّرْعِ.
وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إيّاكَ والدَّيْنَ فَإنَّهُ ذُلُّ النَّهارِ وهَمُّ اللَّيْلِ.
وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ ارْجُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ رَجاءً لا يُجْرِيكَ عَلى مَعْصِيَتِهِ تَعالى، وخَفِ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَوْفًا لا يُؤَيِّسُكَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ.
وقَوْلُهُ: مَن كَذَبَ ذَهَبَ ماءُ وجْهِهِ، ومَن ساءَ خُلُقُهُ كَثُرَ غَمُّهُ، ونَقْلُ الصُّخُورِ مِن مَواضِعِها أيْسَرُ مِن إفْهامِ مَن لا يَفْهَمُ.
وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ حَمَلْتُ الجَنْدَلَ والحَدِيدَ وكُلَّ شَيْءٍ ثَقِيلٍ فَلَمْ أحْمِلْ شَيْئًا هو أثْقَلُ مِن جارِ السُّوءِ، وذُقْتُ المَرارَ فَلَمْ أذُقْ شَيْئًا هو أمَرُّ مِنَ الفَقْرِ.
يا بُنَيَّ لا تُرْسِلْ رَسُولَكَ جاهِلًا فَإنْ لَمْ تَجِدْ حَكِيمًا فَكُنْ رَسُولَ نَفْسِكَ.
صفحة ١٧٠
يا بُنَيَّ إيّاكَ والكَذِبَ فَإنَّهُ شَهِيٌّ كَلَحْمِ العُصْفُورِ عَمّا قَلِيلٍ يُغْلى صاحِبُهُ.
يا بُنَيَّ احْضُرِ الجَنائِزَ ولا تَحْضُرِ العُرْسَ فَإنَّ الجَنائِزَ تُذَكِّرُكَ الآخِرَةَ والعُرْسَ يُشَهِّيكَ الدُّنْيا.
يا بُنَيَّ لا تَأْكُلْ شِبَعًا عَلى شِبَعٍ فَإنَّ إلْقاءَكَ إيّاهُ لِلْكَلْبِ خَيْرٌ مِن أنْ تَأْكُلَهُ.
يا بُنَيَّ لا تَكُنْ حُلْوًا فَتُبْلَعْ ولا تَكُنْ مُرًّا فَتُلْفَظْ.
وقَوْلُهُ لِابْنِهِ: لا يَأْكُلْ طَعامَكَ إلّا الأتْقِياءُ، وشاوِرْ في أمْرِكَ العُلَماءَ.
وقَوْلُهُ: لا خَيْرَ لَكَ في أنْ تَتَعَلَّمَ ما لَمْ تَعْلَمْ ولَمّا تَعْمَلْ بِما قَدْ عَلِمْتَ فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَمَلَ حُزْمَةً وذَهَبَ يَحْمِلُها فَعَجَزَ عَنْها فَضَمَّ إلَيْها أُخْرى.
وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إذا أرَدْتَ أنْ تُواخِيَ رَجُلًا فَأغْضِبْهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنْ أنْصَفَكَ عِنْدَ غَضَبِهِ وإلّا فاحْذَرْهُ.
وقَوْلُهُ: لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً، ولْيَكُنْ وجْهُكَ بَسْطًا تَكُنْ أحَبَّ إلى النّاسِ مِمَّنْ يُعْطِيهِمُ العَطاءَ.
وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ أنْزِلْ نَفْسَكَ مِن صاحِبِكَ مَنزِلَةَ مَن لا حاجَةَ لَهُ بِكَ ولا بُدَّ لَكَ مِنهُ.
يا بُنَيَّ كُنْ كَمَن لا يَبْتَغِي مَحْمَدَةَ النّاسِ ولا يَكْسِبُ ذَمَّهم فَنَفْسُهُ مِنهُ في عَناءٍ والنّاسُ مِنهُ في راحَةٍ.
وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ امْتَنِعْ بِما يَخْرُجُ مِن فِيكَ فَإنَّكَ ما سَكَتَّ سالِمٌ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ مِنَ القَوْلِ ما يَنْفَعُكَ.
وأنا أُقَفِّي عَلَيْها ما لَمْ يَذْكُرْهُ الآلُوسِيُّ.
فَمِن ذَلِكَ ما في المُوَطَّأِ فِيما جاءَ في طَلَبِ العِلْمِ مِن كِتابِ الجامِعِ: مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ أوْصى ابْنَهُ فَقالَ: يا بُنَيَّ جالِسِ العُلَماءَ وزاحِمْهم بِرُكْبَتَيْكَ فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِي القُلُوبَ بِنُورِ العِلْمِ كَما يُحْيِي الأرْضَ المَيْتَةَ بِوابِلِ السَّماءِ.
صفحة ١٧١
وفِيهِ فِيما جاءَ في الصِّدْقِ والكَذِبِ مِن كِتابِ الجامِعِ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّهُ قِيلَ لِلُقْمانَ: ما بَلَغَ بِكَ ما نَرى يُرِيدُونَ الفَضْلَ فَقالَ: صِدْقُ الحَدِيثِ، وأداءُ الأمانَةِ، وتَرْكُ ما لا يَعْنِينِي.
وفِي جامِعِ المُسْتَخْرَجَةِ لِلْعُتْبِيِّ قالَ مالِكٌ: بَلَغَنِي أنَّ لُقْمانَ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ لِيَكُنْ أوَّلُ ما تُفِيدُ مِنَ الدُّنْيا بَعْدَ خَلِيلٍ صالِحٍ امْرَأةً صالِحَةً.
وفِي أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ العَرَبِيِّ عَنْ مالِكٍ: أنَّ لُقْمانَ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ إنَّ النّاسَ قَدْ تَطاوَلَ عَلَيْهِمْ ما يُوعَدُونَ وهم إلى الآخِرَةِ سِراعًا يَذْهَبُونَ، وإنَّكَ قَدِ اسْتَدْبَرْتَ الدُّنْيا مُنْذُ كُنْتَ واسْتَقْبَلْتَ الآخِرَةَ، وإنَّ دارًا تَسِيرُ إلَيْها أقْرَبُ إلَيْكَ مِن دارٍ تَخْرُجُ عَنْها. وقالَ: لَيْسَ غِنًي كَصِحَّةٍ، ولا نِعْمَةٌ كَطِيبِ نَفْسٍ، وقالَ: يا بُنَيَّ لا تُجالِسِ الفُجّارَ ولا تُماشِهِمْ، اتَّقِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ فَيُصِيبَكَ مَعَهم، وقالَ: يا بُنَيَّ جالِسِ العُلَماءِ وماشِهِمْ عَسى أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ فَتُصِيبَكَ مَعَهم.
وفِي الكَشّافِ: أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ يَنْظُرُ إلَيْهِ: إنْ كُنْتَ تَرانِي غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِهِما كَلامٌ رَقِيقٌ، وإنْ كُنْتَ تَرانِي أسْوَدَ فَقَلْبِي أبْيَضُ. وأنَّ مَوْلاهُ أمَرَهُ بِذَبْحِ شاةٍ وأنْ يَأْتِيَهُ بِأطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ فَأتاهُ بِاللِّسانِ والقَلْبِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِذَبْحِ أُخْرى وأنْ ألْقِ مِنها أخْبَثَ مُضْغَتَيْنِ، فَألْقى اللِّسانَ والقَلْبَ؛ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: هُما أطْيَبُ ما فِيها إذا طابا وأخْبَثُ ما فِيها إذا خَبُثا.
ودَخَلَ عَلى داوُدَ وهو يَسْرُدُ الدُّرُوعَ فَأرادَ أنْ يَسْألَهُ عَمّاذا يَصْنَعُ فَأدْرَكَتْهُ الحِكْمَةُ فَسَكَتَ، فَلَمّا أتَمَّها داوُدُ لَبِسَها وقالَ: نِعْمَ لَبُوسُ الحَرْبِ أنْتِ. فَقالَ لُقْمانُ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ.
وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ: قِيلَ لِلُقْمانَ: أيُّ النّاسِ شَرٌّ ؟ فَقالَ: الَّذِي لا يُبالِي أنْ يَراهُ النّاسُ سَيِّئًا أوْ مُسِيئًا.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: كانَ لُقْمانُ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ فَلَمّا بُعِثَ داوُدُ قَطَعَ الفَتْوى. فَقِيلَ لَهُ. فَقالَ: ألا أكْتَفِي إذا كُفِيتُ. وفِيهِ: إنَّ الحاكِمَ بِأشَدِّ المَنازِلِ وكَدَرِها يَغْشاهُ المَظْلُومُ مِن كُلِّ مَكانٍ إنْ يُصِبْ فَبِالحَرِيِّ أنْ يَنْجُوَ وإنْ أخْطَأ أخْطَأ
صفحة ١٧٢
طَرِيقَ الجَنَّةِ. ومَن يَكُنْ في الدُّنْيا ذَلِيلًا خَيْرٌ مِن أنْ يَكُونَ شَرِيفًا. ومَن يَخْتَرِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ تَفُتْهُ الدُّنْيا ولا يُصِبِ الآخِرَةَ.
وفِي تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ: أنَّ داوُدَ سَألَ لُقْمانُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَقالَ: أصْبَحْتُ في يَدِي غَيْرِي.
وفِي دُرَّةِ التَّنْزِيلِ المَنسُوبِ لِفَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ: قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: إنَّ اللَّهَ رَضِيَنِي لَكَ فَلَمْ يُوصِنِي بِكَ ولَمْ يَرْضَكَ لِي فَأوْصاكَ بِي.
وفِي الشِّفاءِ لِعِياضٍ: قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: إذا امْتَلَأتِ المَعِدَةُ نامَتِ الفِكْرَةُ وخَرِسَتِ الحِكْمَةُ وقَعَدَتِ الأعْضاءُ عَنِ العِبادَةِ.
وفِي كِتابِ آدابِ النِّكاحِ لِقاسِمِ بْنِ يَأْمُونَ التَّلِيدِيِّ الأخْماسِيِّ: أنَّ مِن وصِيَّةِ لُقْمانَ: يا بُنَيَّ إنَّما مَثَلُ المَرْأةِ الصّالِحَةِ كَمَثَلِ الدُّهْنِ في الرَّأْسِ يُلِينُ العُرُوقَ ويُحَسِّنُ الشَّعْرَ، ومَثَلُها كَمَثَلِ التّاجِ عَلى رَأْسِ المَلِكِ، ومَثَلُها كَمَثَلِ اللُّؤْلُؤِ والجَوْهَرِ لا يَدْرِي أحَدٌ ما قِيمَتُهُ.
ومَثَلُ المَرْأةِ السُّوءِ كَمَثَلِ السَّيْلِ لا يَنْتَهِي حَتّى يَبْلُغَ مُنْتَهاهُ: إذا تَكَلَّمَتْ أسْمَعَتْ، وإذا مَشَتْ أسْرَعَتْ، وإذا قَعَدَتْ رَفَعَتْ، وإذا غَضِبَتْ أسْمَعَتْ. وكُلُّ داءٍ يَبْرَأُ إلّا داءَ امْرَأةِ السُّوءِ.
يا بُنَيَّ لَأنْ تُساكِنَ الأسَدَ والأُسُودَ خَيْرٌ مِن أنْ تُساكِنَها: تَبْكِي وهي الظّالِمَةُ، وتَحْكُمُ وهي الجائِرَةُ، وتَنْطِقُ وهي الجاهِلَةُ وهي أفْعى بِلَدْغِها.
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ لِلطَّبَرَسِيِّ: يا بُنَيَّ سافِرْ بِسَيْفِكَ وخُفِّكَ وعِمامَتِكَ وخِبائِكَ وسِقائِكَ وخُيُوطِكَ ومِخْرَزِكَ، وتَزَوَّدْ مَعَكَ مِنَ الأدْوِيَةِ ما تَنْتَفِعُ بِهِ أنْتَ ومَن مَعَكَ، وكُنْ لِأصْحابِكَ مُوافِقًا إلّا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. يا بُنَيَّ إذا سافَرْتَ مَعَ قَوْمٍ فَأكْثِرِ اسْتِشارَتَهم في أمْرِكَ وأُمُورِهِمْ، وأكْثِرِ التَّبَسُّمَ في وُجُوهِهِمْ وكُنْ كَرِيمًا عَلى زادِكَ بَيْنَهم، فَإذا دَعَوْكَ فَأجِبْهم وإذا اسْتَعانُوا بِكَ فَأعْنِهِمْ، واسْتَعْمِلْ طُولَ الصَّمْتِ
صفحة ١٧٣
وكَثْرَةَ الصَّلاةِ، وسَخاءَ النَّفْسِ بِما مَعَكَ مِن دابَّةٍ أوْ ماءٍ أوْ زادٍ، وإذا اسْتَشْهَدُوكَ عَلى الحَقِّ فاشْهَدْ لَهم، واجْهَدْ رَأْيَكَ لَهم إذا اسْتَشارُوكَ، ثُمَّ لا تَعْزِمْ حَتّى تَثْبُتَ وتَنْظُرَ، ولا تُجِبْ في مَشُورَةٍ حَتّى تَقُومَ فِيها وتَقْعُدَ وتَنامَ وتَأْكُلَ وتُصَلِّي وأنْتَ مُسْتَعْمِلٌ فِكْرَتَكَ وحِكْمَتَكَ في مَشُورَتِهِ، فَإنَّ مَن لَمْ يَمْحَضِ النَّصِيحَةَ مَنِ اسْتَشارَهُ سَلَبَهُ اللَّهُ رَأْيَهُ، وإذا رَأيْتَ أصْحابَكَ يَمْشُونَ فامْشِ مَعَهم، فَإذا رَأيْتَهم يَعْمَلُونَ فاعْمَلْ مَعَهم، واسْمَعْ لِمَن هو أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا. وإذا أمَرُوكَ بِأمْرٍ وسَألُوكَ شَيْئًا فَقُلْ نَعَمْ ولا تَقُلْ لا فَإنَّ لا عِيٌّ ولُؤْمٌ، وإذا تَحَيَّرْتُمْ في الطَّرِيقِ فانْزِلُوا، وإذا شَكَكْتُمْ في القَصْدِ فَقِفُوا وتَآمَرُوا، وإذا رَأيْتُمْ شَخْصًا واحِدًا فَلا تَسْألُوهُ عَنْ طَرِيقِكم ولا تَسْتَرْشِدُوهُ فَإنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ في الفَلاةِ مُرِيبٌ لَعَلَّهُ يَكُونُ عَيْنَ اللُّصُوصِ أوْ يَكُونُ هو الشَّيْطانَ الَّذِي حَيَّرَكم. واحْذَرُوا الشَّخْصَيْنِ أيْضًا إلّا أنْ تَرَوْا ما لا أرى لِأنَّ العاقِلَ إذا أبْصَرَ بِعَيْنِهِ شَيْئًا عَرَفَ الحَقَّ مِنهُ والشّاهِدُ يَرى ما لا يَرى الغائِبُ.
يا بُنَيَّ إذا جاءَ وقْتُ الصَّلاةِ فَلا تُؤَخِّرْها لِشَيْءٍ، صَلِّها واسْتَرِحْ مِنها فَإنَّها دَيْنٌ، وصَلِّ في جَماعَةٍ ولَوْ عَلى رَأْسِ زَجٍّ. وإذا أرَدْتُمُ النُّزُولَ فَعَلَيْكم مِن بِقاعِ الأرْضِ بِأحْسَنِها لَوْنًا وألْيَنِها تُرْبَةً وأكْثَرِها عُشْبًا. وإذا نَزَلْتَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تَجْلِسَ، وإذا أرَدْتَ قَضاءَ حاجَتِكَ فَأبْعِدِ المَذْهَبَ في الأرْضِ. وإذا ارْتَحَلْتَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ ودِّعِ الأرْضَ الَّتِي حَلَلْتَ بِها وسَلِّمْ عَلى أهْلِها فَإنَّ لِكُلِّ بُقْعَةٍ أهْلًا مِنَ المَلائِكَةِ، وإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ لا تَأْكُلَ طَعامًا حَتّى تَبْتَدِئَ فَتَتَصَدَّقَ مِنهُ فافْعَلْ. وعَلَيْكَ بِقِراءَةِ كِتابِ اللَّهِ (لَعَلَّهُ يَعْنِي الزَّبُورَ) ما دُمْتَ راكِبًا، وعَلَيْكَ بِالتَّسْبِيحِ ما دُمْتَ عامِلًا عَمَلًا، وعَلَيْكَ بِالدُّعاءِ ما دُمْتَ خالِيًا. وإيّاكَ والسَّيْرَ في أوَّلِ اللَّيْلِ إلى آخِرِهِ. وإيّاكَ ورَفْعَ الصَّوْتِ في مَسِيرِكَ.
فَقَدَ اسْتَقْصَيْنا ما وجَدْنا مِن حِكْمَةِ لُقْمانَ مِمّا يُقارِبُ سَبْعِينَ حِكْمَةً.
لقمان 31:20
﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾
رُجُوعٌ إلى تَعْدادِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وما صَحِبَ ذَلِكَ مِن مِنَّةٍ عَلى الخَلْقِ، فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ ورُجُوعٌ إلى ما سَلَفَ في أوَّلِ السُّورَةِ
صفحة ١٧٤
فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠] فَإنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والحَيَوانِ والأمْطارِ عادَ هُنا الِاسْتِدْلالُ والِامْتِنانُ بِأنْ سَخَّرَ لَنا ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى هَذا التَّسْخِيرِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [إبراهيم: ٣٢] الآياتُ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ.
ومَعْنى (سَخَّرَ لَكم) لِأجْلِكم لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ ما هو مَنافِعُ لَنا مِنَ الأمْطارِ والرِّياحِ ونُورِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَواقِيتِ البُرُوجِ والمَنازِلِ والِاتِّجاهِ بِها. والخِطابُ في (ألَمْ تَرَوْا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ النّاسِ مُؤْمِنِهِمْ ومُشْرِكِهِمْ لِأنَّهُ امْتِنانٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِخُصُوصِ المُشْرِكِينَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْتِدْلالٌ.
والِاسْتِفْهامُ في (ألَمْ تَرَوْا) تَقْرِيرٌ أوْ إنْكارٌ لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَرَوْا آثارَ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها في إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. ورُؤْيَةُ التَّسْخِيرِ رُؤْيَةُ آثارِهِ ودَلائِلِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً كَذَلِكَ، والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ كَما في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] .
وإسْباغُ النِّعَمِ: إكْثارُها. وأصْلُ الإسْباغِ: جَعْلُ ما يُلْبَسُ سابِغًا، أيْ وافِيًا في السِّتْرِ. ومِنهُ قَوْلُهم: دِرْعٌ سابِغَةٌ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْإكْثارِ لِأنَّ الشَّيْءَ السّابِغَ كَثِيرٌ فِيهِ ما يُتَّخَذُ مِنهُ مِن سَرْدٍ أوْ شُقَقِ أثْوابٍ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقِيَّ فَقِيلَ: سَوابِغُ النِّعَمِ.
والنِّعْمَةُ: المَنفَعَةُ الَّتِي يَقْصِدُ بِها فاعِلُها الإحْسانَ إلى غَيْرِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ (نِعَمَهُ) بِصِيغَةِ جَمْعِ نِعْمَةٍ مُضافٌ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، وفي الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَنْوِيهٌ بِهَذِهِ النِّعَمِ. وقَرَأ الباقُونَ (نِعْمَةٌ) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ، ولَمّا كانَ المُرادُ الجِنْسَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ فاسْتَوى القِراءَتانِ في إفادَةِ التَّنْوِيهِ بِما أسْبَغَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
صفحة ١٧٥
وانْتَصَبَ (ظاهِرَةً وباطِنَةً) عَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ ومَن مَعَهُ، وعَلى الصِّفَةِ عَلى قِراءَةِ البَقِيَّةِ.
والظّاهِرَةُ: الواضِحَةُ. والباطِنَةُ: الخَفِيَّةُ وما لا يُعْلَمُ إلّا بِدَلِيلٍ أوْ لا يُعْلَمُ أصْلًا.
وأصْلُ الباطِنَةِ المُسْتَقِرَّةُ في باطِنِ الشَّيْءِ أيْ داخِلِهِ، قالَ تَعالى ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الحديد: ١٣] فَكَمْ في بَدَنِ الإنْسانِ وأحْوالِهِ مِن نِعَمٍ يَعْلَمُها النّاسُ أوْ لا يَعْلَمُها بَعْضُهم، أوْ لا يَعْلَمُها إلّا العُلَماءُ، أوْ لا يَعْلَمُها أهْلُ عَصْرٍ ثُمَّ تَنْكَشِفُ لِمَن بَعْدَهم، وكِلا النَّوْعَيْنِ أصْنافٌ دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ.
* * *
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾
الواوُ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ﴾ واوُ الحالِ. والمَعْنى: قَدْ رَأيْتُمْ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وأنْعَمَ عَلَيْكم نِعَمًا ضافِيَةً في حالِ أنَّ بَعْضَكم يُجادِلُ في وحْدانِيَّةِ اللَّهِ ويَتَعامى عَنْ دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ. وجُمْلَةُ الحالِ هُنا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ هَذا الفَرِيقِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً والجُمْلَةَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [لقمان: ٢٥] .
وقَوْلُهُ (ومِنَ النّاسِ) مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنكم، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ. والمُرادُ بِهَذا الفَرِيقِ: هُمُ المُتَصَدُّونَ لِمُحاجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ والتَّمْوِيهِ عَلى قَوْمِهِمْ مِثْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرى.
وشَمِلَ قَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ مَراتِبَ اكْتِسابِ العِلْمِ وهي إمّا: الِاجْتِهادُ والِاكْتِسابُ، أوِ التَّلَقِّي مِنَ العالِمِ، أوْ مُطالَعَةُ الكُتُبِ الصّائِبَةِ.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحَجِّ.
صفحة ١٧٦
وجُمْلَةُ وإذا قِيلَ لَهم إلَخْ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ مَن، أيْ مِن حالِهِمْ هَذا وذاكَ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ (يَدْعُوهم) عائِدٌ إلى الآباءِ، أيْ أيَتَّبِعُونَ آباءَهم ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُو الآباءَ إلى العَذابِ فَهم يَتْبَعُونَهم إلى العَذابِ ولا يَهْتَدُونَ. ولَوْ وصْلِيَّةٌ، والواوُ مَعَهُ لِلْحالِ.
والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ مِن فَظاعَةِ ضَلالِهِمْ وعَماهم بِحَيْثُ يَتَّبِعُونَ مَن يَدْعُوهم إلى النّارِ، وهَذا ذَمٌّ لَهم. وهو وزانُ قَوْلِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٧٠] . والدُّعاءُ إلى عَذابِ السَّعِيرِ: الدُّعاءُ إلى أسْبابِهِ. والسَّعِيرُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] في سُورَةِ الإسْراءِ.
لقمان 31:21
﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾
رُجُوعٌ إلى تَعْدادِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وما صَحِبَ ذَلِكَ مِن مِنَّةٍ عَلى الخَلْقِ، فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ ورُجُوعٌ إلى ما سَلَفَ في أوَّلِ السُّورَةِ
صفحة ١٧٤
فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠] فَإنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والحَيَوانِ والأمْطارِ عادَ هُنا الِاسْتِدْلالُ والِامْتِنانُ بِأنْ سَخَّرَ لَنا ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى هَذا التَّسْخِيرِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [إبراهيم: ٣٢] الآياتُ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ.
ومَعْنى (سَخَّرَ لَكم) لِأجْلِكم لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ ما هو مَنافِعُ لَنا مِنَ الأمْطارِ والرِّياحِ ونُورِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَواقِيتِ البُرُوجِ والمَنازِلِ والِاتِّجاهِ بِها. والخِطابُ في (ألَمْ تَرَوْا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ النّاسِ مُؤْمِنِهِمْ ومُشْرِكِهِمْ لِأنَّهُ امْتِنانٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِخُصُوصِ المُشْرِكِينَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْتِدْلالٌ.
والِاسْتِفْهامُ في (ألَمْ تَرَوْا) تَقْرِيرٌ أوْ إنْكارٌ لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَرَوْا آثارَ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها في إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. ورُؤْيَةُ التَّسْخِيرِ رُؤْيَةُ آثارِهِ ودَلائِلِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً كَذَلِكَ، والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ كَما في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠] .
وإسْباغُ النِّعَمِ: إكْثارُها. وأصْلُ الإسْباغِ: جَعْلُ ما يُلْبَسُ سابِغًا، أيْ وافِيًا في السِّتْرِ. ومِنهُ قَوْلُهم: دِرْعٌ سابِغَةٌ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْإكْثارِ لِأنَّ الشَّيْءَ السّابِغَ كَثِيرٌ فِيهِ ما يُتَّخَذُ مِنهُ مِن سَرْدٍ أوْ شُقَقِ أثْوابٍ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقِيَّ فَقِيلَ: سَوابِغُ النِّعَمِ.
والنِّعْمَةُ: المَنفَعَةُ الَّتِي يَقْصِدُ بِها فاعِلُها الإحْسانَ إلى غَيْرِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ (نِعَمَهُ) بِصِيغَةِ جَمْعِ نِعْمَةٍ مُضافٌ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، وفي الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَنْوِيهٌ بِهَذِهِ النِّعَمِ. وقَرَأ الباقُونَ (نِعْمَةٌ) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ، ولَمّا كانَ المُرادُ الجِنْسَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ فاسْتَوى القِراءَتانِ في إفادَةِ التَّنْوِيهِ بِما أسْبَغَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
صفحة ١٧٥
وانْتَصَبَ (ظاهِرَةً وباطِنَةً) عَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ ومَن مَعَهُ، وعَلى الصِّفَةِ عَلى قِراءَةِ البَقِيَّةِ.
والظّاهِرَةُ: الواضِحَةُ. والباطِنَةُ: الخَفِيَّةُ وما لا يُعْلَمُ إلّا بِدَلِيلٍ أوْ لا يُعْلَمُ أصْلًا.
وأصْلُ الباطِنَةِ المُسْتَقِرَّةُ في باطِنِ الشَّيْءِ أيْ داخِلِهِ، قالَ تَعالى ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الحديد: ١٣] فَكَمْ في بَدَنِ الإنْسانِ وأحْوالِهِ مِن نِعَمٍ يَعْلَمُها النّاسُ أوْ لا يَعْلَمُها بَعْضُهم، أوْ لا يَعْلَمُها إلّا العُلَماءُ، أوْ لا يَعْلَمُها أهْلُ عَصْرٍ ثُمَّ تَنْكَشِفُ لِمَن بَعْدَهم، وكِلا النَّوْعَيْنِ أصْنافٌ دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ.
* * *
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾
الواوُ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ﴾ واوُ الحالِ. والمَعْنى: قَدْ رَأيْتُمْ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وأنْعَمَ عَلَيْكم نِعَمًا ضافِيَةً في حالِ أنَّ بَعْضَكم يُجادِلُ في وحْدانِيَّةِ اللَّهِ ويَتَعامى عَنْ دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ. وجُمْلَةُ الحالِ هُنا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ هَذا الفَرِيقِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً والجُمْلَةَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [لقمان: ٢٥] .
وقَوْلُهُ (ومِنَ النّاسِ) مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنكم، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ. والمُرادُ بِهَذا الفَرِيقِ: هُمُ المُتَصَدُّونَ لِمُحاجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ والتَّمْوِيهِ عَلى قَوْمِهِمْ مِثْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرى.
وشَمِلَ قَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ مَراتِبَ اكْتِسابِ العِلْمِ وهي إمّا: الِاجْتِهادُ والِاكْتِسابُ، أوِ التَّلَقِّي مِنَ العالِمِ، أوْ مُطالَعَةُ الكُتُبِ الصّائِبَةِ.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحَجِّ.
صفحة ١٧٦
وجُمْلَةُ وإذا قِيلَ لَهم إلَخْ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ مَن، أيْ مِن حالِهِمْ هَذا وذاكَ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ (يَدْعُوهم) عائِدٌ إلى الآباءِ، أيْ أيَتَّبِعُونَ آباءَهم ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُو الآباءَ إلى العَذابِ فَهم يَتْبَعُونَهم إلى العَذابِ ولا يَهْتَدُونَ. ولَوْ وصْلِيَّةٌ، والواوُ مَعَهُ لِلْحالِ.
والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ مِن فَظاعَةِ ضَلالِهِمْ وعَماهم بِحَيْثُ يَتَّبِعُونَ مَن يَدْعُوهم إلى النّارِ، وهَذا ذَمٌّ لَهم. وهو وزانُ قَوْلِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٧٠] . والدُّعاءُ إلى عَذابِ السَّعِيرِ: الدُّعاءُ إلى أسْبابِهِ. والسَّعِيرُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] في سُورَةِ الإسْراءِ.
لقمان 31:22
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهْوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾
هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٢٠] إلى قَوْلِهِ ﴿يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما وجَدُوا آباءَهم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فَوَقَعُوا في العَذابِ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِدِينِ آبائِهِمْ وأسْلَمُوا لِلَّهِ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ فَلَمْ يَصُدَّهم عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ إلْفٌ ولا تَقْدِيسُ آباءٍ، فَأُولَئِكَ تَعَلَّقُوا بِالأوْهامِ واسْتَمْسَكُوا بِها لِإرْضاءِ أهْوائِهِمْ، وهَؤُلاءِ اسْتَمْسَكُوا بِالحَقِّ إرْضاءً لِلدَّلِيلِ وأُولَئِكَ أرْضَوُا الشَّيْطانَ وهَؤُلاءِ اتَّبَعُوا رِضى اللَّهِ.
وإسْلامُ الوَجْهِ إلى اللَّهِ تَمْثِيلٌ لِإفْرادِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ كَأنَّهُ لا يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يُسْلِمْ بِحَرْفٍ إلى هُنا دُونَ اللّامِ كَما في آيَتَيْ سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَجازٌ في الفِعْلِ بِتَشْبِيهِ نَفْسِ الإنْسانِ بِالمَتاعِ الَّذِي يَدْفَعُهُ صاحِبُهُ إلى آخَرَ ويَكِلُهُ إلَيْهِ. وحَقِيقَتُهُ أنْ يُعَدّى بِاللّامِ، أيْ وجْهَهُ وهو ذاتُهُ سالِمًا
صفحة ١٧٧
لِلَّهِ، أيْ خالِصًا لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والإحْسانُ: العَمَلُ الصّالِحُ والإخْلاصُ في العِبادَةِ. وفي الحَدِيثِ «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّهُ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . والمَعْنى: ومَن يُسْلِمْ إسْلامًا لا نِفاقَ فِيهِ ولا شَكَّ فَقَدْ أخَذَ بِما يَعْتَصِمُ بِهِ مِنَ الهُوِيِّ أوِ التَّزَلْزُلِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ مَضى الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو ثَناءٌ عَلى المُسْلِمِينَ.
وتَذْيِيلُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ إيماءٌ إلى وعْدِهِمْ بِلِقاءِ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ في آخِرِ أمْرِهِمْ وهو الحَياةُ الآخِرَةُ.
والتَّعْرِيفُ في الأُمُورِ لِلِاسْتِغْراقِ، وهو تَعْمِيمٌ يُرادُ بِهِ أنَّ أُمُورَ المُسْلِمِينَ الَّتِي هي مِن مَشْمُولاتِ عُمُومِ الأُمُورِ صائِرَةٌ إلى اللَّهِ ومَوْكُولَةٌ إلَيْهِ فَجَزاؤُهم بِالخَيْرِ مُناسِبٌ لِعَظَمَةِ اللَّهِ.
والعاقِبَةُ: الحالَةُ الخاتِمَةُ والنِّهايَةُ.
والأُمُورُ: جَمْعٌ أمْرٍ وهو الشَّأْنُ.
وتَقْدِيمُ (إلى اللَّهِ) لِلِاهْتِمامِ والتَّنْبِيهِ إلى أنَّ الرّاجِعَ إلَيْهِ يُلاقِي جَزاءَهُ وافِيًا.
لقمان 31:23
﴿ومَن كَفَرَ فَلا يُحْزِنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
لَمّا خَلا ذَمُّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَنِ الوَعِيدِ وانْتَقَلَ مِنهُ إلى مَدْحِ المُسْلِمِينَ ووَعْدِهِمْ عَطَفَ عِنانَ الكَلامِ إلى تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِتَهْوِينِ كُفْرِهِمْ عَلَيْهِ تَسْلِيَةً لَهُ وتَعْرِيضًا بِقِلَّةِ العِبْءِ بِهِمْ لِأنَّ مَرْجِعَهم إلى اللَّهِ فَيُرِيهِمُ الجَزاءَ المُناسِبَ لِكُفْرِهِمْ، فَهو تَعْرِيضٌ لَهم بِالوَعِيدِ.
وأُسْنِدَ النَّهْيُ إلى كُفْرِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونَ مُحْزِنًا لِلرَّسُولِ ﷺ مَجازًا عَقْلِيًّا في نَهْيِ
صفحة ١٧٨
الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ مُداوَمَةِ الفِكْرِ بِالحُزْنِ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ لِأنَّهُ إذا قَلَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ انْتَفى إحْزانُ كُفْرِهِمْ إيّاهُ.
وقَرَأ نافِعٌ (يُحْزِنْكَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الزّايِ مُضارِعُ أحْزَنَهُ إذا جَعَلَهُ حَزِينًا. وقَرَأ البَقِيَّةُ (يَحْزُنْكَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الزّايِ مُضارِعُ حَزَنَهُ بِذَلِكَ المَعْنى، وهُما لُغَتانِ: الأُولى لُغَةُ تَمِيمٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، والأُولى أقْيَسُ وكِلْتاهُما فُصْحى ولُغَةُ تَمِيمٍ مِنَ اللُّغاتِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ وهي لُغَةُ عُلْيا تَمِيمٍ وهم بَنُو دارِمٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ. وزَعَمَ أبُو زَيْدٍ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ المُسْتَفِيضَ أحْزَنَ في الماضِي ويُحْزِنُ في المُسْتَقْبَلِ، يُرِيدانِ الشّائِعَ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ، والقِراءَةُ رِوايَةٌ وسُنَّةٌ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ [يوسف: ١٣] وفي سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
وجُمْلَةُ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وهي أيْضًا تَمْهِيدٌ لِوَعْدِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ يَتَوَلّى الِانْتِقامَ مِنهُمُ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَنُنَبِّئُهم مُفَرَّعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ كِنايَةً عَنِ المُجازاةِ؛ اسْتُعْمِلَ الإنْباءُ وأُرِيدَ لازِمُهُ وهو الإظْهارُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾، فَمَوْقِعُ حَرْفِ إنَّ هُنا مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّسَبُّبِ كَما في قَوْلِ بَشّارٍ:
إنَّ ذاكَ النَّجاحِ في التَّبْكِيرِ وذاتُ الصُّدُورِ: هي النَّوايا وأعْراضُ النَّفْسِ مِن نَحْوِ الحِقْدِ وتَدْبِيرِ المَكْرِ والكُفْرِ. ومُناسَبَتُهُ هُنا أنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ بَعْضُهُ إعْلانٌ وبَعْضُهُ إسْرارٌ قالَ تَعالى ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.
لقمان 31:24
﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ سُؤالًا عَنْ عَدَمِ تَعْجِيلِ الجَزاءِ إلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ يُمْهِلُهم زَمَنًا ثُمَّ يُوقِعُهم
صفحة ١٧٩
فِي عَذابٍ لا يَجِدُونَ مِنهُ مَنجًى. وهَذا الِاسْتِئْنافُ وقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ.
والتَّمْتِيعُ: العَطاءُ المُوَقَّتُ فَهو إعْطاءُ المَتاعِ، أيِ الشَّيْءِ القَلِيلِ. وقَلِيلًا صِفَةٌ لِمَصْدَرِ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، أيْ تَمْتِيعًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ لِقِلَّةِ مُدَّتِهِ في الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى مُدَّةِ الآخِرَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في الأعْرافِ.
والِاضْطِرارُ: الإلْجاءُ، وهو جَعْلُ الغَيْرِ ذا ضَرُورَةٍ، أيْ لُزُومٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ [البقرة: ١٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والغَلِيظُ: مِن صِفاتِ الأجْسامِ وهو القَوِيُّ الخَشِنُ، وأُطْلِقَ عَلى الشَّدِيدِ مِنَ الأحْوالِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ بِجامِعِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ وعَدَمِ الطّاقَةِ عَلى احْتِمالِهِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] في سُورَةِ هُودٍ كَما أُطْلِقَ الكَثِيرُ عَلى القَوِيِّ.
لقمان 31:25
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [لقمان: ٢١] بِاعْتِبارِ أنَّ ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم هو الإشْراكُ مَعَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وإنْ سَألَهم سائِلٌ: مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ يَقُولُوا خَلْقَهُنَّ اللَّهُ، وذَلِكَ تَسْخِيفٌ لِعُقُولِهِمُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الإقْرارِ لِلَّهِ بِالخَلْقِ وبَيْنَ اعْتِقادِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ.
والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ: ما يَشْمَلُ ما فِيها مِنَ المَخْلُوقاتِ ومِن بَيْنِ ذَلِكَ حِجارَةُ الأصْنامِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ. وعَبَّرَ هُنا بِـ (لا يَعْلَمُونَ) وفي سُورَةِ العَنْكَبُوتِ بِـ (لا يَعْقِلُونَ) تَفَنُّنًا في المُخالَفَةِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ مَعَ اتِّحادِ المَعْنى.
لقمان 31:26
صفحة ١٨٠
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾
مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مُوقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]؛ فَإنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ إقْرارُهم لِلَّهِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لَزِمَهم إنْتاجُ أنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لِلَّهِ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أصْنامُهم. والتَّصْرِيحُ بِهَذِهِ النَّتِيجَةِ لِقَصْدِ التَّهاوُنِ بِهِمْ في كُفْرِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَمْلِكُهم ويَمْلِكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ مَحْمُودٌ مِن غَيْرِهِمْ.
وضَمِيرُ هو ضَمِيرُ فَصْلٍ مُفادُهُ اخْتِصاصُ الغِنى والحَمْدِ بِاللَّهِ تَعالى، وهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ لَيْسَ لِآلِهَتِهِمُ المَزْعُومَةِ غِنًى ولا تَسْتَحِقُّ حَمْدًا.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الغَنِيِّ الحَمِيدِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] أوَّلَ السُّورَةِ.
لقمان 31:27
﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
تَكَرَّرَ فِيما سَبَقَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِإحاطَةِ العِلْمِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ ظاهِرَةً وخَفِيَّةً فَقالَ فِيما حَكى مِن وصِيَّةِ لُقْمانَ ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِإثْباتِ أنَّ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى مَظاهِرَ يُبَلِّغُ بَعْضَها إلى مَنِ اصْطَفاهُ مِن رُسُلِهِ بِالوَحْيِ مِمّا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ إبْلاغَهُ، وأنَّهُ يَسْتَأْثِرُ بِعِلْمِ ما اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ عَدَمَ إبْلاغِهِ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ أنْ يُبَلِّغَ ما في عِلْمِهِ لَما وفَتْ بِهِ مَخْلُوقاتُهُ الصّالِحَةُ لِتَسْجِيلِ كَلامِهِ بِالكِنايَةِ فَضْلًا عَلى الوَفاءِ بِإبْلاغِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ القَوْلِ. وقَدْ سَلَكَ في هَذا مَسْلَكَ التَّقْرِيبِ بِضَرْبِ هَذا
صفحة ١٨١
المَثَلِ؛ وقَدْ كانَ ما قَصَّ مِن أخْبارِ الماضِينَ مُوَطِّئًا لِهَذا فَقَدْ جَرَتْ قِصَّةُ لُقْمانَ في هَذِهِ السُّورَةِ كَما جَرَتْ قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ فَعُقِّبَتا بِقَوْلِهِ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وهي مُشابِهَةٌ لِلْآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ لُقْمانَ. فَهَذا وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِنَ الآياتِ المُتَفَرِّقَةِ.
ولِما في اتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِنَ الخَفاءِ أخَذَ أصْحابُ التَّأْوِيلِ مِنَ السَّلَفِ مِن أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ في بَيانِ إيقاعِ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَوْقِعِ. فَقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها ما ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ والواحِدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ بِرِواياتٍ مُتَقارِبَةٍ: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ أوْ أغْرَوْا قُرَيْشًا بِسُؤالِهِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعالى في شَأْنِهِمْ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فَقالُوا: كَيْفَ وأنْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن سَألُوهُ: هي في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ الآيَتَيْنِ أوِ الآياتِ الثَّلاثَ» .
وعَنِ السُّدِّيِّ، قالَتْ قُرَيْشٌ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَتْ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ الآيَةَ.
وعَنْ قَتادَةَ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَيَتِمُّ هَذا الكَلامُ لِمُحَمَّدٍ ويَنْحَسِرُ (أيْ مُحَمَّدٌ ﷺ) فَلا يَقُولُ بَعْدَهُ كَلامًا. وفي رِوايَةٍ سَيَنْفَدُ هَذا الكَلامُ، وهَذِهِ يَرْجِعُ بَعْضُها إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وضْعُها في هَذا المَوْضِعِ في السُّورَةِ بِتَوْقِيفٍ نَبَوِيٍّ لِلْمُناسَبَةِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا، وبَعْضُها يَرْجِعُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ فَيَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في أثْناءِ نُزُولِ سُورَةِ لُقْمانَ عَلى أنْ تُوضَعَ عَقِبَ الآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَها.
وكَلِماتٌ جَمْعُ كَلِمَةٍ بِمَعْنى الكَلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيِ الكَلامُ المُنْبِئُ عَنْ مُرادِ اللَّهِ مِن بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُخاطِبُ بِهِ مَلائِكَتَهُ وغَيْرَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ والعَناصِرِ المَعْدُودَةِ لِلتَّكَوُّنِ الَّتِي يُقالُ لَها: كُنْ فَتَكُونُ، ومِن ذَلِكَ ما أنْزَلَهُ مِنَ الوَحْيِ إلى رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ مِن أوَّلِ أزْمِنَةِ الأنْبِياءِ وما سَيُنْزِلُهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ، أيْ لَوْ فَرَضَ إرادَةَ اللَّهِ أنْ يَكْتُبَ كَلامَهُ كُلَّهُ صُحُفًا
صفحة ١٨٢
فَفُرِضَتِ الأشْجارُ كُلُّها مُقَسَّمَةً أقْلامًا، وفُرِضَ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مِدادًا فَكُتِبَ بِتِلْكَ الأقْلامِ وذَلِكَ المِدادِ لَنَفِدَ البَحْرُ ونَفِدَتِ الأقْلامُ وما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ في نَفْسِ الأمْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى (﴿وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]) فالتَّمامُ هُنالِكَ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ والنُّفُوذِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ [الأنفال: ٧] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وقَدْ نُظِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِإيجازٍ بَدِيعٍ إذِ ابْتُدِئَتْ بِحَرْفِ لَوْ فَعُلِمَ أنَّ مَضْمُونَها أمْرٌ مَفْرُوضٌ، وأنَّ لِـ (لَوِ) اسْتِعْمالاتٍ كَما حَقَّقَهُ في مُغْنِي اللَّبِيبِ عَنْ عِبارَةِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.
و﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ بَيانٌ لِ (ما) المَوْصُولَةِ وهو في مَعْنى التَّمْيِيزِ فَحَقُّهُ الإفْرادُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: مِن أشْجارٍ، والأقْلامُ: جَمْعُ قَلَمٍ وهو العُودُ المَشْقُوقُ لِيَرْفَعَ بِهِ المِدادَ ويَكْتُبَ بِهِ، أيْ لَوْ تَصِيرُ كُلُّ شَجَرَةٍ أقْلامًا بِمِقْدارِ ما فِيها مِن أغْصانٍ صالِحَةٍ لِذَلِكَ. والأقْلامُ هو الجَمْعُ الشّائِعُ لِقَلَمٍ فَيَرِدُ لِلْكَثْرَةِ والقِلَّةِ.
و(يَمُدُّهُ) بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ المِيمِ، أيْ يَزِيدُهُ مِدادًا. والمِدادُ بِكَسْرِ المِيمِ الحِبْرُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ. يُقالُ: مَدَّ الدَّواةَ يَمُدُّها. فَكانَ قَوْلُهُ يَمُدُّهُ مُتَضَمِّنًا فَرْضَ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مِدادًا ثُمَّ يُزادُ فِيهِ إذا نَشَفَ مِدادُهُ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، ولَوْ قِيلَ: يُمِدُّهُ، بِضَمِّ المِيمِ مِن أمَدَّ لَفاتَ هَذا الإيجازُ.
والسَّبْعَةُ: تُسْتَعْمَلُ في الكِنايَةِ عَنِ الكَثْرَةِ كَثِيرًا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ» فَلَيْسَ لِهَذا العَدَدِ مَفْهُومٌ، أيْ والبَحْرُ يَمُدُّهُ أبْحُرٌ كَثِيرَةٌ.
ومَعْنى ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ ما انْتَهَتْ، أيْ فَكَيْفَ تَحْسَبُ اليَهُودُ ما في التَّوْراةِ هو مُنْتَهى كَلِماتِ اللَّهِ، أوْ كَيْفَ يَحْسَبُ المُشْرِكُونَ أنَّ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ أوْشَكَ أنْ يَكُونَ انْتِهاءَ القُرْآنِ، فَيَكُونُ المَثَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ الآخَرِ وارِدًا مَوْرِدَ المُبالَغَةِ في كَثْرَةِ ما سَيَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ إغاظَةً لِلْمُشْرِكِينَ، فَتَكُونُ ﴿كَلِماتُ اللَّهِ﴾ هي القُرْآنُ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْرِفُونَ كَلِماتِ اللَّهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِها.
صفحة ١٨٣
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، فَهو لِعِزَّتِهِ لا يَغْلِبُهُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عَدَمَ الحاجَةِ إلى القُرْآنِ يَنْتَظِرُونَ انْفِحامَ الرَّسُولِ ﷺ وهو لِحِكْمَتِهِ لا تَنْحَصِرُ كَلِماتُهُ لِأنَّ الحِكْمَةَ الحَقَّ لا نِهايَةَ لَها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ (والبَحْرُ) عَلى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ في مَوْضِعِ الحالِ والواوَ واوُ الحالِ وهي حالٌ مِن ﴿أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ﴾، أيْ تِلْكَ الأشْجارُ كائِنَةٌ في حالِ كَوْنِ البَحْرِ مِدادًا لَها، والواوُ يَحْصُلُ بِها مِنَ الرَّبْطِ والِاكْتِفاءِ عَنِ الضَّمِيرِ لِدَلالَتِها عَلى المُقارَنَةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (والبَحْرَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ.
لقمان 31:28
﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] لِأنَّهُ كُلَّما ذَكَرَ أمْرَ البَعْثِ هَجَسَ في نُفُوسِ المُشْرِكِينَ اسْتِحالَةُ إعادَةِ الأجْسامِ بَعْدَ اضْمِحْلالِها فَيَكْثُرُ في القُرْآنِ تَعْقِيبُ ذِكْرِ البَعْثِ بِالإشارَةِ إلى إمْكانِهِ وتَقْرِيبِهِ.
وكانُوا أيْضًا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَنا أطْوارًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ لَحْمًا وعَظْمًا فَكَيْفَ يَبْعَثُنا خَلْقًا جَدِيدًا في ساعَةٍ واحِدَةٍ وكَيْفَ يُحْيِي جَمِيعَ الأُمَمِ والأجْيالَ الَّتِي تَضَمَّنَتْهُ الأرْضُ في القُرُونِ الكَثِيرَةِ، وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وأبُو الأسَدِ (أوْ أبُو الأسَدَيْنِ) ونُبَيْهٌ، ومُنَبِّهٌ، ابْنا الحَجّاجِ مِن بَنِي سَهْمٍ يَقُولُونَ ذَلِكَ ورُبَّما أسَرَّ بِهِ بَعْضُهم. وضَمِيرا المُخاطَبِينَ مُرادٌ بِهِما جَمِيعُ الخَلْقِ فَهُما بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ، أيْ ما خَلْقُ جَمِيعِ النّاسِ أوَّلَ مَرَّةٍ ولا بَعْثُهم، أيْ خَلْقُهم ثانِيَ مَرَّةٍ إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ لِأنَّ خَلْقَ نَفْسٍ واحِدَةٍ هَذا الخَلْقَ العَجِيبَ دالٌّ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ الخالِقِ تَعالى فَإذا كانَ كامِلُ القُدْرَةِ اسْتَوى في جانِبِ قُدْرَتِهِ القَلِيلُ والكَثِيرُ والبَدْءُ والإعادَةُ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكُمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِقَصْدِ مُجابَهَتِهِمْ بِالِاسْتِدْلالِ المُفْحِمِ.
صفحة ١٨٤
وفِي قَوْلِهِ ﴿كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ حَذْفُ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكُمْ﴾ . والتَّقْدِيرُ: إلّا كَخَلْقِ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ. وذَلِكَ إيجازٌ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدَ مَخافَتِـي عَلى وعْلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
التَّقْدِيرُ: عَلى مَخافَةِ وعْلٍ.
والمَقْصُودُ: إنَّ الخَلْقَ الثّانِيَ كالخَلْقِ الأوَّلِ في جانِبِ القُدْرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: إمّا واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِكَمالِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ الخَلْقِ العَجِيبِ اسْتِدْلالًا بِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِالأشْياءِ والأسْبابِ وتَفاصِيلِها وجُزْئِيّاتِها ومِن شَأْنِ العالِمِ أنْ يَتَصَرَّفَ في المَعْلُوماتِ كَما يَشاءُ لِأنَّ العَجْزَ عَنْ إيجادِ بَعْضِ ما تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الإرادَةُ يَتَأتّى مِن خَفاءِ السَّبَبِ المُوصِلِ إلى إيجادِهِ، وإذْ قَدْ كانَ المُشْرِكُونَ أوْ عُقَلاؤُهم يُسَلِّمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ جَعَلَ تَسْلِيمَهم ذَلِكَ وسِيلَةً إلى إقْناعِهِمْ بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وإمّا واقِعَةٌ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِما يَنْشَأُ عَنِ الإخْبارِ بِأنَّ بَعْثَهم كَنَفْسٍ مِن تَعَجُّبِ فَرِيقٍ مِمَّنْ أسَرُّوا إنْكارَ البَعْثِ في نُفُوسِهِمُ الَّذِينَ أوْمَأ إلَيْهِمْ قَوْلُهُ آنِفًا ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣]، ولِأجْلِ هَذا لَمْ يَقُلْ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.
لقمان 31:29
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
اسْتِدْلالٌ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ قَبْلَها مِن كَوْنِ الخَلْقِ الثّانِي وهو البَعْثُ في مُتَناوَلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى تَغْيِيرِ أحْوالِ ما هو أعْظَمُ حالًا مِنَ الإنْسانِ، وذَلِكَ بِتَغْيِيرِ أحْوالِ الأرْضِ وأُفُقِها بَيْنَ لَيْلٍ ونَهارٍ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَغْيِيرًا يُشْبِهُ طُرُوَّ المَوْتِ عَلى الحَياةِ في دُخُولِ اللَّيْلِ في النَّهارِ، وطُرُوَّ الحَياةِ عَلى المَوْتِ في دُخُولِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ، وبِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أعْظَمَ مِن ذَلِكَ بِما سَخَّرَهُ مِن سَيْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
فَهَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِقِياسِ التَّمْثِيلِ بِإمْكانِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ مِن شُئُونِ المَخْلُوقاتِ بَعْدَ أنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالقِياسِ الكُلِّيِّ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ
صفحة ١٨٥
سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] مِن إحاطَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالمَعْلُوماتِ المُقْتَضِي إحاطَةَ قُدْرَتِهِ بِالمُمْكِناتِ لِأنَّها جُزْئِيّاتُ المَعْلُوماتِ وفَرْعٌ عَنْها.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَقْصُودُ بِهِ المُشْرِكُونَ بِقَرِينَةِ ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ. والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ بِتَنْزِيلِ العالِمِينَ مَنزِلَةَ غَيْرِ عالِمِينَ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِعِلْمِهِمْ.
والإيلاجُ: الإدْخالُ. وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِتَعاقُبِ الظُّلْمَةِ والضِّياءِ بِوُلُوجِ أحَدِهِما في الآخَرِ كَقَوْلِهِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٢٧] أوَّلَ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [الحج: ٦١] الآيَةَ في سُورَةِ الحَجِّ مَعَ اخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ.
والِابْتِداءُ بِاللَّيْلِ لِأنَّ أمْرَهُ أعْجَبُ كَيْفَ تَغْشى ظُلْمَتُهُ تِلْكَ الأنْوارَ النَّهارِيَّةَ، والجَمْعُ بَيْنَ إيلاجِ اللَّيْلِ وإيلاجِ النَّهارِ لِتَشْخِيصِ تَمامِ القُدْرَةِ بِحَيْثُ لا تُلازِمُ عَمَلًا مُتَماثِلًا.
والكَلامُ عَلى تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مَضى في سُورَةِ الأعْرافِ.
وتَنْوِينُ (كُلٌّ) هو المُسَمّى تَنْوِينَ العِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: كُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يَجْرِي إلى أجَلٍ.
والجَرْيُ: المَشْيُ السَّرِيعُ؛ اسْتُعِيرَ لِانْتِقالِ الشَّمْسِ في فَلَكِها وانْتِقالِ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ وانْتِقالِ القَمَرِ حَوْلَ الأرْضِ، تَشْبِيهًا بِالمَشْيِ السَّرِيعِ لِأجْلِ شُسُوعِ المَسافاتِ الَّتِي تُقْطَعُ في خِلالِ ذَلِكَ.
وزِيادَةُ قَوْلِهِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لِهَذا النِّظامِ الشَّمْسِيِّ أمَدًا يَعْلَمُهُ اللَّهُ فَإذا انْتَهى ذَلِكَ الأمَدُ بَطَلَ ذَلِكَ التَّحَرُّكُ والتَّنَقُّلُ، وهو الوَقْتُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِانْقِراضِ العالِمِ؛ فَهَذا تَذْكِيرٌ بِوَقْتِ البَعْثِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إلى أجَلٍ) ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ يَجْرِي، أيْ يَنْتَهِي جَرْيُهُ، أيْ سَيْرُهُ عِنْدَ أجَلٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ اللَّهِ لِانْتِهاءِ سَيْرِهِما.
صفحة ١٨٦
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إلى أجَلٍ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ سَخَّرَ أيْ جَعَلَ نِظامَ تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مُنْتَهِيًا عِنْدَ أجَلٍ مُقَدَّرٍ.
وحَرْفُ إلى عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلِانْتِهاءِ.
ولَيْسَتْ إلى بِمَعْنى اللّامِ عِنْدَ صاحِبِ الكَشّافِ هُنا خِلافًا لِابْنِ مالِكٍ وابْنِ هِشامٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ١٣] في سُورَةِ فاطِرٍ.
﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾، فَهو داخِلٌ في الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بِتَنْزِيلِ العالِمِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ، فَهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ولا يَجْرُونَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ هَذا العِلْمُ في شَيْءٍ مِن أحْوالِهِمْ.
لقمان 31:30
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ .
كافُ الخِطابِ المُتَّصِلِ بِاسْمِ الإشارَةِ مُوَجَّهٌ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَقْصُودُ بِهِ المُشْرِكُونَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (﴿وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾) بِتاءِ الخِطابِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ. والمُشارُ إلَيْهِ هو المَذْكُورُ آنِفًا وهو الإيلاجُ والتَّسْخِيرُ.
ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ فَلَها حُكْمُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ فَإنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو فاعِلُ ذَلِكَ فَلَزِمَهُمُ الدَّلِيلُ ونَتِيجَتُهُ.
والمَعْنى: أنَّ إيلاجَ اللَّيْلِ في النَّهارِ وعَكْسَهُ وتَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ مُسَبَّبٌ عَنِ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ مُفِيدٌ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ هو الحَقُّ لا أصْنامُكم ولا غَيْرُها مِمّا يُدَّعى إلَهِيَّةً غَيْرَهُ تَعالى.
صفحة ١٨٧
والحَقُّ: هُنا بِمَعْنى الثّابِتِ، ويُفْهَمُ أنَّ المُرادَ حَقِّيَّةُ ثُبُوتِ إلَهِيَّتِهِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ ولِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ (﴿وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾)، والمَعْنى: لَمّا كانَ ذَلِكَ الصُّنْعُ البَدِيعُ مُسَبَّبًا عَنِ انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا دَلِيلًا عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ. والتَّعْرِيفُ في الحَقِّ والباطِلِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ في الشِّقِّ الثّانِي لِأنَّ ما يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ مِن أصْنامِهِمْ يَشْتَرِكُ مَعَها في أنَّهُ باطِلٌ. وذُكِرَ ضَمِيرُ الفَصْلِ في نَظِيرِهِ مِن سُورَةِ الحَجِّ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ.
والظّاهِرُ أنّا إذا جَعَلْنا الباءَ في ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ باءَ السَّبَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ﴾) عَطْفًا عَلى الخَبَرِ وهو مَجْمُوعٌ (بِأنَّ اللَّهَ) .
فالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ أنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ. ويُقَدَّرُ حَرْفُ جَرٍّ مُناسِبٌ لِلْمَعْنى حُذِفَ قَبْلَ أنْ وهو حَرْفٌ عَلى أيِّ ذَلِكَ دالٌّ. وهَذا كَما قُدِّرَ حَرْفُ (عَنْ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] ولا يَكُونُ عَطْفًا عَلى مَدْخُولِ باءِ السَّبَبِيَّةِ إذْ لَيْسَ لِبُطْلانِ آلِهَتِهِمْ أثَرٌ في إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ وتَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، أوْ تُقَدَّرُ لامُ العِلَّةِ، أيْ ذَلِكَ، لِأنَّ ما تَدْعُونَهُ باطِلٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَها حَظٌّ في إيلاجِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِاعْتِرافِ المُشْرِكِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ مِن دَلالَةِ إيلاجِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِأنَّهُ إذا اسْتَقَرَّ أنَّ ما ذُكِرَ دالٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ بِالإلَهِيَّةِ، ودالٌّ عَلى أنَّ ما يَدْعُونَهُ باطِلٌ، ثَبَتَ أنَّهُ العَلِيُّ الكَبِيرُ دُونَ أصْنامِهِمْ. وقَدِ اجْتُلِبَ ضَمِيرُ الفَصْلِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ وسَلْبِ العُلُوِّ والعَظَمَةِ عَنْ أصْنامِهِمْ.
والأحْسَنُ أنْ نَجْعَلَ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، فَإنَّ شَأْنَ الباءِ الَّتِي لِلْمُلابَسَةِ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا بَلْ قالَ الرَّضِيُّ: إنَّها لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، أيْ أنَّها لا تَتَعَلَّقُ إلّا بِنَحْوِ الخَبَرِ أوِ الحالِ كَما قالَ:
وما لِي بِحَمْدِ اللَّهِ لَحْمٌ ولا دَمٌ
صفحة ١٨٨
أيْ حالَةَ كَوْنِي مُلابِسًا حَمْدَ اللَّهِ، أيْ غَيْرَ ساخِطٍ مِن قَضائِهِ، ويُقالُ: أنْتَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، أيْ مُسْتِقَرٌّ.
فالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِنَ الإيلاجِ والتَّسْخِيرِ مُلابِسٌ لِحَقِّيَّةِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَعْطُوفانِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى المَجْرُورِ بِالياءِ، أيْ مُلابِسٌ لِكَوْنِ اللَّهِ إلَهًا حَقًّا، ولِكَوْنِ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ باطِلَ الإلَهِيَّةِ ولِكَوْنِ اللَّهِ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ. والمُلابَسَةُ المُفادَةُ بِالباءِ هي مُلابَسَةُ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ وبِذَلِكَ يَسْتَقِيمُ النَّظْمُ بِدُونِ تَكَلُّفٍ، ويَزْدادُ وُقُوعُ جُمْلَةِ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ إلى آخِرِها في مَوْقِعِ النَّتِيجَةِ وُضُوحًا.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ لِلِاخْتِصاصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] .
والعَلِيُّ: صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ العُلُوِّ المَعْنَوِيِّ المَجازِيِّ وهو القُدْسِيَّةُ والشَّرَفُ.
والكَبِيرُ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الكِبَرِ المَجازِيِّ وهو عَظَمَةُ الشَّأْنِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحَجِّ مَعَ زِيادَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ﴾ .
لقمان 31:31
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾
اسْتِئْنافٌ جاءَ عَلى سُنَنِ الِاسْتِئْنافَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [لقمان: ٢٩]، وجِيءَ بِها غَيْرَ مُتَعاطِفَةٍ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ العَطْفَ عَلى ما تَخَلَّلَ مِنها، وجاءَ هَذا الِاسْتِئْنافُ الثّالِثُ دَلِيلًا ثالِثًا عَلى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ في نِظامِ هَذا العالِمِ وتَوْفِيقِ البَشَرِ لِلِانْتِفاعِ بِما هَيَّأهُ اللَّهُ لِانْتِفاعِهِمْ بِهِ.
فَلَمّا أتى الِاسْتِئْنافانِ الأوَّلانِ عَلى دَلائِلِ صُنْعِ اللَّهِ في السَّماواتِ والأرْضِ جاءَ في هَذا الثّالِثِ دَلِيلٌ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ بِخَلْقِ البَحْرِ وتَيْسِيرِ الِانْتِفاعِ بِهِ في إقامَةِ نِظامِ
صفحة ١٨٩
المُجْتَمَعِ البَشَرِيِّ، وتَخَلَّصَ مِنهُ إلى اتِّخاذِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ مُوجِباتِ الشُّكْرِ دَواعِيَ كُفْرٍ.
فَكانَ خَلْقُ البَحْرِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَظِيمَةِ مُيَسِّرًا لِلِانْتِفاعِ بِالأسْفارِ فِيهِ حِينَ لا تُغْنِي طُرُقُ البَرِّ في التَّنَقُّلِ غَناءً فَجَعَلَهُ قابِلًا لِحَمْلِ المَراكِبِ العَظِيمَةِ، وألْهَمَ الإنْسانَ لِصُنْعِ تِلْكَ المَراكِبِ عَلى كَيْفِيَّةٍ تَحْفَظُها مِنَ الغَرَقِ في عُبابِ البَحْرِ، وعَصَمَهم مِن تَوالِي الرِّياحِ والمَوْجِ في أسْفارِهِمْ، وهَداهم إلى الحِيلَةِ في مُصانَعَتِها إذا طَرَأتْ حَتّى تَنْجَلِيَ، ولِذَلِكَ وصَفَ هَذا الجَرْيَ بِمُلابَسَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ فَإنَّ النّاسَ كُلَّما مَخَرَتْ بِهِمُ الفُلْكُ في البَحْرِ كانُوا مُلابِسِينَ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسَّلامَةِ إلّا في أحْوالٍ نادِرَةٍ، وقَدْ سُمِّيَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ أمْرًا في قَوْلِهِ ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] في سُورَةِ الحَجِّ، أيْ بِتَقْدِيرِهِ ونِظامِ خَلْقِهِ.
وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وفي قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] الآياتِ مِن سُورَةِ يُونُسَ وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] في سُورَةِ الحَجِّ.
ويَتَعَلَّقُ لِيُرِيَكم بِـ (تَجْرِي) أيْ تَجْرِي في البَحْرِ جَرْيًا، عِلَّةُ خَلْقِهِ أنْ يُرِيَكُمُ اللَّهُ بَعْضَ آياتِهِ، أيْ آياتِهِ لَكم فَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الآياتِ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ لِيُرِيَكم وجَرْيُ الفُلْكِ في البَحْرِ آيَةٌ مِن آياتِ القُدْرَةِ في بَدِيعِ الصُّنْعِ أنْ خَلَقَ ماءَ البَحْرِ بِنِظامٍ، وخَلَقَ الخَشَبَ بِنِظامٍ، وجَعَلَ لِعُقُولِ النّاسِ نِظامًا فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إمْكانُ سَيْرِ الفُلْكِ فَوْقَ عُبابِ البَحْرِ.
والمَعْنى أنَّ جَرْيَ السُّفُنِ فِيهِ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ مَقْصُودَةٌ مِن تَسْخِيرِهِ، مِنها أنْ يَكُونَ آيَةً لِلنّاسِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن لامِ التَّعْلِيلِ انْحِصارُ الغَرَضِ مِنَ المُعَلَّلِ في مَدْخُولِها لِأنَّ العِلَلَ جُزْئِيَّةٌ لا كُلِّيَّةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ يُرِيَكم مِن آياتِهِ. ولَها مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ إذْ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: كَيْفَ لَمْ يَهْتَدِ المُشْرِكُونَ بِهَذِهِ الآياتِ، فَأُفِيدَ أنَّ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِدَلالَتِها عَلى
صفحة ١٩٠
مَدْلُولِها هو (﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾) ثَناءً عَلى هَذا الفَرِيقِ صَرِيحًا، وتَعْرِيضًا بِالَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِدَلالَتِها.
واقْتِرانُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِأنَّهُ يُفِيدُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّنْسِيبِ.
وجَعَلَ ذَلِكَ عِدَّةَ آياتٍ لِأنَّ في ذَلِكَ دَلائِلَ كَثِيرَةً، أيِ الَّذِينَ لا يُفارِقُهُمُ الوَصْفانِ.
والصَّبّارُ: مُبالَغَةٌ في المَوْصُوفِ بِالصَّبْرِ، والشَّكُورُ كَذَلِكَ، أيِ الَّذِينَ لا يُفارِقُهُمُ الوَصْفانِ. وهَذانِ وصْفانِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ في الصَّبْرِ لِلضَّرّاءِ والشُّكْرِ لِلسَّرّاءِ إذْ يَرْجُونَ بِهِمْ رِضى اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلَيْهِ في كَشْفِ الضُّرِّ والزِّيادَةِ مِنَ الخَيْرِ. وقَدْ تَخَلَّقُوا بِذَلِكَ بِما سَمِعُوا مِنَ التَّرْغِيبِ في الوَصْفَيْنِ والتَّحْذِيرِ مِن ضِدَّيْهِما قالَ ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقالَ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فَهم بَيْنَ رَجاءِ الثَّوابِ وخَوْفِ العِقابِ لِأنَّهم آمَنُوا بِالحَياةِ الخالِدَةِ ذاتِ الجَزاءِ وعَلِمُوا أنَّ مَصِيرَهم إلى اللَّهِ الَّذِي أمَرَ ونَهى، فَصارا لَهم خُلُقًا تَطَبَّعُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يُفارِقاهُمُ البَتَّةَ أوْ إلّا نادِرًا؛ فَأمّا المُشْرِكُونَ فَنَظَرُهم قاصِرٌ عَلى الحَياةِ الحاضِرَةِ فَهم أُسَراءُ العالَمِ الحِسِّيِّ فَإذا أصابَهم ضُرٌّ ضَجِرُوا وإذا أصابَهم نَفْعٌ بَطَرُوا، فَهم أخْلِياءُ مِنَ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ كِنايَةً رَمْزِيَّةً عَنِ المُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضًا رَمْزِيًّا بِالمُشْرِكِينَ.
ووَجْهُ إيثارِ خُلُقَيِ الصَّبْرِ والشُّكْرِ هُنا لِلْكِنايَةِ بِهِما، مِن شُعَبِ الإيمانِ، أنَّهُما أنْسَبُ بِمَقامِ السَّيْرِ في البَحْرِ إذْ راكِبُ البَحْرِ بَيْنَ خَطَرٍ وسَلامَةٍ وهُما مَظْهَرُ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ حُسْنُ التَّخَلُّصِ إلى التَّفْصِيلِ الَّذِي عَقَّبَهُ في قَوْلِهِ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ الآيَةَ، فَعُطِفَ عَلى آياتِ سَيْرِ الفُلْكِ إشارَةً إلى أنَّ النّاسَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عِنْدَ تِلْكَ الآياتِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ، وغَفْلَتِهِمْ عَنْها في حالِ السَّلامَةِ، وهو ما تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ
صفحة ١٩١
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقَوْلِهِ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] الآياتِ.
والغِشْيانُ مُسْتَعارٌ لِلْمَجِيءِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ التَّغْطِيَةَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والظُّلَلُ: بِضَمِّ الظّاءِ وفَتْحِ اللّامِ: جَمْعُ ظُلَّةٍ بِالضَّمِّ وهي: ما أظَلَّ مِن سَحابٍ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ تَدُلُّ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا نَجّاهُمُ انْقَسَمُوا فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم غَيْرُهُ كَما سَيَأْتِي. وجَعَلَ ابْنُ مالِكٍ الفاءَ داخِلَةً عَلى جَوابِ (لَمّا) أيْ رابِطَةً لِلْجَوابِ ومُخالِفُوهُ يَمْنَعُونَ اقْتِرانَ جَوابِ (لَمّا) بِالفاءِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والمُقْتَصِدُ: الفاعِلُ لِلْقَصْدِ وهو التَّوَسُّطُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، والمَقامُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ الِاقْتِصادُ في الكُفْرِ لِوُقُوعِ تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ ولِقَوْلِهِ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقَدْ يُطْلَقُ المُقْتَصِدُ عَلى الَّذِي يَتَوَسَّطُ حالُهُ بَيْنَ الصَّلاحِ وضِدِّهِ. كَما قالَ تَعالى ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] .
والجاحِدُ الكَفُورُ: هو المُفْرِطُ في الكُفْرِ والجَحْدُ. والجُحُودُ: الإنْكارُ والنَّفْيُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. وعُلِمَ أنَّ هُنالِكَ قِسْمًا ثالِثًا وهو المُوقِنُ بِالآياتِ الشّاكِرُ لِلنِّعْمَةِ وأُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ قالَ في سُورَةِ فاطِرَ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] وهَذا الِاقْتِصارُ كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
كانَتْ حَنِيفَةُ أثْلاثًا فَثُلْثـُهُـمُ مِنَ العَبِيدِ وثُلْثٌ مِن مَوالِيها
أيْ والثُّلْثُ الآخَرُ مِن أنْفُسِهِمْ.
والخَتّارُ: الشَّدِيدُ الخَتْرِ، والخَتْرُ: أشَدُّ الغَدْرِ.
وجُمْلَةُ وما يَجْحَدُ إلى آخِرِها تَذْيِيلٌ لِأنَّها تَعُمُّ كُلَّ جاحِدٍ سَواءٌ مَن جَحَدَ آيَةَ
صفحة ١٩٢
سَيْرِ الفُلْكِ وهَوْلِ البَحْرِ ويَجْحَدُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ ومَن يَجْحَدُ غَيْرَ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ونِعَمِهِ، والمَعْنى: ومِنهم جاحِدٌ بِآياتِنا.
وفِي الِانْتِقالِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ بِآياتِنا التِفاتٌ.
والباءُ في بِآياتِنا لِتَأْكِيدِ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
لَكَ الخَيْرُ إنْ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا
وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] .
لقمان 31:32
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾
اسْتِئْنافٌ جاءَ عَلى سُنَنِ الِاسْتِئْنافَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [لقمان: ٢٩]، وجِيءَ بِها غَيْرَ مُتَعاطِفَةٍ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ العَطْفَ عَلى ما تَخَلَّلَ مِنها، وجاءَ هَذا الِاسْتِئْنافُ الثّالِثُ دَلِيلًا ثالِثًا عَلى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ في نِظامِ هَذا العالِمِ وتَوْفِيقِ البَشَرِ لِلِانْتِفاعِ بِما هَيَّأهُ اللَّهُ لِانْتِفاعِهِمْ بِهِ.
فَلَمّا أتى الِاسْتِئْنافانِ الأوَّلانِ عَلى دَلائِلِ صُنْعِ اللَّهِ في السَّماواتِ والأرْضِ جاءَ في هَذا الثّالِثِ دَلِيلٌ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ بِخَلْقِ البَحْرِ وتَيْسِيرِ الِانْتِفاعِ بِهِ في إقامَةِ نِظامِ
صفحة ١٨٩
المُجْتَمَعِ البَشَرِيِّ، وتَخَلَّصَ مِنهُ إلى اتِّخاذِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ مُوجِباتِ الشُّكْرِ دَواعِيَ كُفْرٍ.
فَكانَ خَلْقُ البَحْرِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَظِيمَةِ مُيَسِّرًا لِلِانْتِفاعِ بِالأسْفارِ فِيهِ حِينَ لا تُغْنِي طُرُقُ البَرِّ في التَّنَقُّلِ غَناءً فَجَعَلَهُ قابِلًا لِحَمْلِ المَراكِبِ العَظِيمَةِ، وألْهَمَ الإنْسانَ لِصُنْعِ تِلْكَ المَراكِبِ عَلى كَيْفِيَّةٍ تَحْفَظُها مِنَ الغَرَقِ في عُبابِ البَحْرِ، وعَصَمَهم مِن تَوالِي الرِّياحِ والمَوْجِ في أسْفارِهِمْ، وهَداهم إلى الحِيلَةِ في مُصانَعَتِها إذا طَرَأتْ حَتّى تَنْجَلِيَ، ولِذَلِكَ وصَفَ هَذا الجَرْيَ بِمُلابَسَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ فَإنَّ النّاسَ كُلَّما مَخَرَتْ بِهِمُ الفُلْكُ في البَحْرِ كانُوا مُلابِسِينَ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالسَّلامَةِ إلّا في أحْوالٍ نادِرَةٍ، وقَدْ سُمِّيَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ أمْرًا في قَوْلِهِ ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] في سُورَةِ الحَجِّ، أيْ بِتَقْدِيرِهِ ونِظامِ خَلْقِهِ.
وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وفي قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] الآياتِ مِن سُورَةِ يُونُسَ وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] في سُورَةِ الحَجِّ.
ويَتَعَلَّقُ لِيُرِيَكم بِـ (تَجْرِي) أيْ تَجْرِي في البَحْرِ جَرْيًا، عِلَّةُ خَلْقِهِ أنْ يُرِيَكُمُ اللَّهُ بَعْضَ آياتِهِ، أيْ آياتِهِ لَكم فَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الآياتِ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ لِيُرِيَكم وجَرْيُ الفُلْكِ في البَحْرِ آيَةٌ مِن آياتِ القُدْرَةِ في بَدِيعِ الصُّنْعِ أنْ خَلَقَ ماءَ البَحْرِ بِنِظامٍ، وخَلَقَ الخَشَبَ بِنِظامٍ، وجَعَلَ لِعُقُولِ النّاسِ نِظامًا فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إمْكانُ سَيْرِ الفُلْكِ فَوْقَ عُبابِ البَحْرِ.
والمَعْنى أنَّ جَرْيَ السُّفُنِ فِيهِ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ مَقْصُودَةٌ مِن تَسْخِيرِهِ، مِنها أنْ يَكُونَ آيَةً لِلنّاسِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن لامِ التَّعْلِيلِ انْحِصارُ الغَرَضِ مِنَ المُعَلَّلِ في مَدْخُولِها لِأنَّ العِلَلَ جُزْئِيَّةٌ لا كُلِّيَّةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ يُرِيَكم مِن آياتِهِ. ولَها مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ إذْ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: كَيْفَ لَمْ يَهْتَدِ المُشْرِكُونَ بِهَذِهِ الآياتِ، فَأُفِيدَ أنَّ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِدَلالَتِها عَلى
صفحة ١٩٠
مَدْلُولِها هو (﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾) ثَناءً عَلى هَذا الفَرِيقِ صَرِيحًا، وتَعْرِيضًا بِالَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِدَلالَتِها.
واقْتِرانُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِأنَّهُ يُفِيدُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّنْسِيبِ.
وجَعَلَ ذَلِكَ عِدَّةَ آياتٍ لِأنَّ في ذَلِكَ دَلائِلَ كَثِيرَةً، أيِ الَّذِينَ لا يُفارِقُهُمُ الوَصْفانِ.
والصَّبّارُ: مُبالَغَةٌ في المَوْصُوفِ بِالصَّبْرِ، والشَّكُورُ كَذَلِكَ، أيِ الَّذِينَ لا يُفارِقُهُمُ الوَصْفانِ. وهَذانِ وصْفانِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ في الصَّبْرِ لِلضَّرّاءِ والشُّكْرِ لِلسَّرّاءِ إذْ يَرْجُونَ بِهِمْ رِضى اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلَيْهِ في كَشْفِ الضُّرِّ والزِّيادَةِ مِنَ الخَيْرِ. وقَدْ تَخَلَّقُوا بِذَلِكَ بِما سَمِعُوا مِنَ التَّرْغِيبِ في الوَصْفَيْنِ والتَّحْذِيرِ مِن ضِدَّيْهِما قالَ ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقالَ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فَهم بَيْنَ رَجاءِ الثَّوابِ وخَوْفِ العِقابِ لِأنَّهم آمَنُوا بِالحَياةِ الخالِدَةِ ذاتِ الجَزاءِ وعَلِمُوا أنَّ مَصِيرَهم إلى اللَّهِ الَّذِي أمَرَ ونَهى، فَصارا لَهم خُلُقًا تَطَبَّعُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يُفارِقاهُمُ البَتَّةَ أوْ إلّا نادِرًا؛ فَأمّا المُشْرِكُونَ فَنَظَرُهم قاصِرٌ عَلى الحَياةِ الحاضِرَةِ فَهم أُسَراءُ العالَمِ الحِسِّيِّ فَإذا أصابَهم ضُرٌّ ضَجِرُوا وإذا أصابَهم نَفْعٌ بَطَرُوا، فَهم أخْلِياءُ مِنَ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ كِنايَةً رَمْزِيَّةً عَنِ المُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضًا رَمْزِيًّا بِالمُشْرِكِينَ.
ووَجْهُ إيثارِ خُلُقَيِ الصَّبْرِ والشُّكْرِ هُنا لِلْكِنايَةِ بِهِما، مِن شُعَبِ الإيمانِ، أنَّهُما أنْسَبُ بِمَقامِ السَّيْرِ في البَحْرِ إذْ راكِبُ البَحْرِ بَيْنَ خَطَرٍ وسَلامَةٍ وهُما مَظْهَرُ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ حُسْنُ التَّخَلُّصِ إلى التَّفْصِيلِ الَّذِي عَقَّبَهُ في قَوْلِهِ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ الآيَةَ، فَعُطِفَ عَلى آياتِ سَيْرِ الفُلْكِ إشارَةً إلى أنَّ النّاسَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عِنْدَ تِلْكَ الآياتِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ، وغَفْلَتِهِمْ عَنْها في حالِ السَّلامَةِ، وهو ما تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ
صفحة ١٩١
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقَوْلِهِ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] الآياتِ.
والغِشْيانُ مُسْتَعارٌ لِلْمَجِيءِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ التَّغْطِيَةَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والظُّلَلُ: بِضَمِّ الظّاءِ وفَتْحِ اللّامِ: جَمْعُ ظُلَّةٍ بِالضَّمِّ وهي: ما أظَلَّ مِن سَحابٍ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ تَدُلُّ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا نَجّاهُمُ انْقَسَمُوا فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم غَيْرُهُ كَما سَيَأْتِي. وجَعَلَ ابْنُ مالِكٍ الفاءَ داخِلَةً عَلى جَوابِ (لَمّا) أيْ رابِطَةً لِلْجَوابِ ومُخالِفُوهُ يَمْنَعُونَ اقْتِرانَ جَوابِ (لَمّا) بِالفاءِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والمُقْتَصِدُ: الفاعِلُ لِلْقَصْدِ وهو التَّوَسُّطُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، والمَقامُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ الِاقْتِصادُ في الكُفْرِ لِوُقُوعِ تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ ولِقَوْلِهِ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقَدْ يُطْلَقُ المُقْتَصِدُ عَلى الَّذِي يَتَوَسَّطُ حالُهُ بَيْنَ الصَّلاحِ وضِدِّهِ. كَما قالَ تَعالى ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] .
والجاحِدُ الكَفُورُ: هو المُفْرِطُ في الكُفْرِ والجَحْدُ. والجُحُودُ: الإنْكارُ والنَّفْيُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. وعُلِمَ أنَّ هُنالِكَ قِسْمًا ثالِثًا وهو المُوقِنُ بِالآياتِ الشّاكِرُ لِلنِّعْمَةِ وأُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ قالَ في سُورَةِ فاطِرَ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] وهَذا الِاقْتِصارُ كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
كانَتْ حَنِيفَةُ أثْلاثًا فَثُلْثـُهُـمُ مِنَ العَبِيدِ وثُلْثٌ مِن مَوالِيها
أيْ والثُّلْثُ الآخَرُ مِن أنْفُسِهِمْ.
والخَتّارُ: الشَّدِيدُ الخَتْرِ، والخَتْرُ: أشَدُّ الغَدْرِ.
وجُمْلَةُ وما يَجْحَدُ إلى آخِرِها تَذْيِيلٌ لِأنَّها تَعُمُّ كُلَّ جاحِدٍ سَواءٌ مَن جَحَدَ آيَةَ
صفحة ١٩٢
سَيْرِ الفُلْكِ وهَوْلِ البَحْرِ ويَجْحَدُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ ومَن يَجْحَدُ غَيْرَ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ونِعَمِهِ، والمَعْنى: ومِنهم جاحِدٌ بِآياتِنا.
وفِي الِانْتِقالِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ بِآياتِنا التِفاتٌ.
والباءُ في بِآياتِنا لِتَأْكِيدِ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
لَكَ الخَيْرُ إنْ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا
وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] .
لقمان 31:33
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾
إنْ لَمْ يَكُنْ يا أيُّها النّاسُ خِطابًا خاصًّا بِالمُشْرِكِينَ فَهو عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ، فَيَعُمُّ المُؤْمِنَ والمُشْرِكَ والمُعَطِّلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وفي سائِرِ الأزْمانِ إذِ الجَمِيعُ مَأْمُورُونَ بِتَقْوى اللَّهِ وأنَّ الخُطُواتِ المُوصِلَةَ إلى التَّقْوى مُتَفاوِتَةٌ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ بُعْدِ السّائِرِينَ عَنْها، وقَدْ كانَ فِيما سَبَقَ مِنَ السُّورَةِ حُظُوظٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وحُظُوظٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَلا يَبْعُدُ أنْ تُعَقَّبَ بِما يَصْلُحُ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ، وإنْ كانَ الخِطابُ خاصًّا بِالمُشْرِكِينَ جَرْيًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ يا أيُّها النّاسُ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، فالمُرادُ بِالتَّقْوى: الإقْلاعُ عَنِ الشِّرْكِ.
ومَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَها مِنَ الآياتِ مَوْقِعُ مَقْصِدِ الخُطْبَةِ بَعْدَ مُقَدِّماتِها إذْ كانَتِ المُقَدِّماتُ الماضِيَةُ قَدْ هَيَّأتِ النُّفُوسَ إلى قَبُولِ الهِدايَةِ والتَّأثُّرِ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وإنَّ لِاصْطِيادِ الحُكَماءِ فُرَصًا يَحْرِصُونَ عَلى عَدَمِ إضاعَتِها، وأحْسَنُ مُثُلِها قَوْلُ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الحادِيَةَ عَشْرَةَ (فَلَمّا ألْحَدُوا المَيْتَ، وفاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أشْرَفَ شَيْخٌ مِن رَباوَةٍ، مُتَخَصِّرٌ بِهَراوَةٍ، فَقالَ: لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ، فاذْكُرُوا أيُّها الغافِلُونَ، وشَمِّرُوا أيُّها المُقَصِّرُونَ) إلَخْ فَأمّا القُلُوبُ القاسِيَةُ، والنُّفُوسُ المُتَعاصِيَةُ، فَلَنْ تَأْسُوَها آسِيَةٌ.
صفحة ١٩٣
ولِاعْتِبارِ هَذا المَوْقِعِ جُعِلَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ والنَّتِيجَةِ.
والتَّقْوى تَبْتَدِئُ مِنَ الِاعْتِرافِ بِوُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وتَنْتَهِي إلى اجْتِنابِ المَنهِيّاتِ وامْتِثالِ المَأْمُوراتِ في الظّاهِرِ والباطِنِ في سائِرِ الأحْوالِ. وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَجِّ.
وخَشْيَةُ اليَوْمِ: الخَوْفُ مِن أهْوالِ ما يَقَعُ فِيهِ إذِ الزَّمانُ لا يُخْشى لِذاتِهِ، فانْتَصَبَ يَوْمًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ. والأمْرُ بِخَشْيَتِهِ تَتَضَمَّنُ وُقُوعَهُ فَهو كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِ البَعْثِ وذَلِكَ حَظُّ المُشْرِكِينَ مِنهُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى صارَ سِمَةً عَلَيْهِمْ قالَ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ إلَخْ صِفَةُ يَوْمٍ وحُذِفَ مِنها العائِدُ المَجْرُورُ بِـ (في) تَوَسُّعًا بِمُعامَلَتِهِ مُعامَلَةَ العائِدِ المَنصُوبِ كَقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجَزى إذا عُدِّيَ بِـ (عَنْ) فَهو بِمَعْنى قَضى عَنْهُ ودَفَعَ عَنْهُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْمُتَقاضِي: المُتَجازِي.
وجُمْلَةُ (ولا مَوْلُودٌ) إلَخْ عَطْفٌ عَلى الصِّفَةِ ومَوْلُودٌ مُبْتَدَأٌ، وهو ضَمِيرُ فَصْلٍ. وجازَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
وذِكْرُ الوالِدِ والوَلَدِ هُنا لِأنَّهُما أشَدُّ مَحَبَّةً وحَمِيَّةً مِن غَيْرِهِما فَيُعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُما أوْلى بِهَذا النَّفْيِ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] الآيَةَ.
وابْتُدِئَ بِـ (الوالِدِ) لِأنَّهُ أشَدُّ شَفَقَةً عَلى ابْنِهِ فَلا يَجِدُ لَهُ مَخْلَصًا مِن سُوءٍ إلّا فِعْلَهُ.
ووَجْهُ اخْتِيارِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في إفادَةِ عُمُومِ النَّفْيِ هُنا دُونَ طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وأهْلُها يَوْمَئِذٍ خَلِيطٌ مِن مُسْلِمِينَ وكافِرِينَ، ورُبَّما كانَ الأبُ مُسْلِمًا والوَلَدُ كافِرًا ورُبَّما كانَ العَكْسُ، وقَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ الكافِرِينَ حِينَ تُداخِلُهُمُ الظُّنُونُ في مَصِيرِهِمْ
صفحة ١٩٤
بَعْدَ المَوْتِ أنَّهُ إذا ظَهَرَ صِدْقُ وعِيدِ القُرْآنِ إيّاهم فَإنَّ مَن لَهُ أبٌ مُسْلِمٌ أوِ ابْنٌ مُسْلِمٌ يَدْفَعُ عَنْهُ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ بِهِ عَلى رَبِّ هَذا الدِّينِ، وقَدْ كانَ قارًّا في نُفُوسِ العَرَبِ التَّعْوِيلُ عَلى المَوْلى والنَّصِيرِ تَعْوِيلًا عَلى أنَّ الحَمِيَّةَ والأنَفَةَ تَدْفَعُهم إلى الدِّفاعِ عَنْهم في ذَلِكَ الجَمْعِ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ مُخْتَلِفِينَ لَهم لِضِيقِ عَطَنِ أفْهامِهِمْ يَقِيسُونَ الأُمُورَ عَلى مُعْتادِهِمْ.
وهَذا أيْضًا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ نَفْيِ جَزاءِ الوالِدِ عَنْ ولَدِهِ وبَيْنَ نَفْيِ جَزاءِ الوَلَدِ عَنْ والِدِهِ لِيَشْمَلَ الفَرِيقَيْنِ في الحالَتَيْنِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ أرْجى في المَقْصُودِ.
ثُمَّ أُوثِرَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ بِطُرُقٍ مِنَ التَّوْكِيدِ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى مِثْلِها جُمْلَةُ ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ فَإنَّها نُظِمَتْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، ووُسِّطَ فِيها ضَمِيرُ الفَصْلِ، وجُعِلَ النَّفْيُ فِيها مُنْصَبًّا إلى الجِنْسِ. ونُكْتَةُ هَذا الإيثارِ مُبالَغَةُ تَحْقِيقِ عَدَمِ جُزْءِ هَذا الفَرِيقِ عَنِ الآخَرِ إذْ كانَ مُعْظَمُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأبْناءِ والشَّبابِ، وكانَ آباؤُهم وأُمَّهاتُهم في الغالِبِ عَلى الشِّرْكِ مِثْلُ أبِي قُحافَةَ والِدِ أبِي بَكْرٍ وأبِي طالِبٍ والِدِ عَلِيٍّ وأُمِّ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأُمِّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، فَأُرِيدَ حَسْمُ أطْماعِ آبائِهِمْ وما عَسى أنْ يَكُونَ مِن أطْماعِهِمْ أنْ يَنْفَعُوا آباءَهم في الآخِرَةِ بِشَيْءٍ.
وعُبِّرَ فِيها بِـ (مَوْلُودٌ) دُونَ ولَدٍ لِإشْعارِ مَوْلُودٍ بِالمَعْنى الِاشْتِقاقِيِّ دُونَ (ولَدٍ) الَّذِي هو اسْمٌ بِمَنزِلَةِ الجَوامِدِ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تِلْكَ الصِّلَةَ الرَّقِيقَةَ لا تُخَوِّلُ صاحِبَها التَّعَرُّضَ لِنَفْعِ أبِيهِ المُشْرِكِ في الآخِرَةِ وفاءً لَهُ بِما تُومِئُ إلَيْهِ المَوْلُودِيَّةُ مِن تَجَشُّمِ المَشَقَّةِ مِن تَرْبِيَتِهِ، فَلَعَلَّهُ يَتَجَشَّمُ الإلْحاحَ في الجَزاءِ عَنْهُ في الآخِرَةِ حَسْمًا لِطَمَعِهِ في الجَزاءِ عَنْهُ، فَهَذا تَعْكِيسٌ لِلتَّرْقِيقِ الدُّنْيَوِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] وقَوْلِهِ ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ عِلَّةٌ لِجُمْلَتَيِ ﴿اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا﴾ . ووَعْدُ اللَّهِ: هو البَعْثُ، قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] .
وأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ) مُراعاةً لِمُنْكِرِي البَعْثِ، وإذْ قَدْ كانَتْ شُبْهَتُهم في إنْكارِهِ
صفحة ١٩٥
مُشاهَدَةَ النّاسِ يَمُوتُونَ ويَخْلُفُهم أجْيالٌ آخَرُونَ ولَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِمَّنْ ماتَ مِنهم ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقالُوا ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] .
فُرِّعَ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ إبْطالُ شُبْهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾، أيْ لا تَغُرَّنَّكم حالَةُ الحَياةِ الدُّنْيا بِأنْ تَتَوَهَّمُوا الباطِلَ حَقًّا والضُّرَّ نَفْعًا، فَإسْنادُ التَّغْرِيرِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الدُّنْيا ظَرْفُ الغَرُورِ أوْ شُبْهَتُهُ، وفاعِلُ التَّغْرِيرِ حَقِيقَةً هُمُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِالأقْيِسَةِ الباطِلَةِ فَيُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ إبْطاءَ الشَّيْءِ بِاسْتِحالَتِهِ فَذُكِرَتْ هُنا وسِيلَةُ التَّغْرِيرِ وشُبْهَتُهُ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ لِلتَّغْرِيرِ وهو الغَرُورُ. والغَرُورُ بِفَتْحِ الغَيْنِ: مَن يَكْثُرُ مِنهُ التَّغْرِيرُ، والمُرادُ بِهِ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ وما يَلِيهِ في نُفُوسِ دُعاةِ الضَّلالَةِ مِن شُبَهِ التَّمْوِيهِ لِلْباطِلِ في صُورَةٍ وما يُلْقِيهِ في نُفُوسِ أتْباعِهِمْ مِن قَبُولِ تَغْرِيرِهِمْ.
وعُطِفَ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في تَحْذِيرِهِمْ مِمَّنْ يُلْقُونَ إلَيْهِمُ الشُّبَهَ أوْ مِن أوْهامِ أنْفُسِهِمُ الَّتِي تُخَيِّلُ لَهُمُ الباطِلَ حَقًّا لِيَهِمُوا آراءَهم. وإذا أُرِيدَ بِالغُرُورِ الشَّيْطانُ أوْ ما يَشْمَلُهُ فَذَلِكَ أشَدُّ في التَّحْذِيرِ لِما تَقَرَّرَ مِن عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِلْإنْسانِ، كَما قالَ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقالَ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، فَفي التَّحْذِيرِ شَوْبٌ مِنَ التَّنْفِيرِ.
والباءُ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ﴾ هي كالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] . وقَرَّرَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الِانْفِطارِ مَعْنى الباءِ بِما يَقْتَضِي أنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ، وبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ السَّبَبُ شَأْنًا مِن شُئُونِ اللَّهِ يُناسِبُ المَقامَ لا ذاتَ اللَّهِ تَعالى. والَّذِي يُناسِبُ هُنا أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِما يُسَوِّلُهُ الغَرُورُ لِلْمُشْرِكِينَ كَتَوَهُّمِ أنَّ الأصْنامَ شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ في الدُّنْيا واقْتِناعِهِمْ بِأنَّهُ إذا ثَبَتَ البَعْثُ عَنِ احْتِمالٍ مَرْجُوحٍ عِنْدَهم شَفَعَتْ لَهم يَوْمَئِذٍ أصْنامُهم، أوْ يَغُرُّهم بِأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ البَعْثَ كَما يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ لَبَعَثَ آباءَهم وهم يَنْظُرُونَ، أوْ أنْ يَغُرَّهم بِأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ بَعْثَ النّاسِ لَعَجَّلَ لَهم ذَلِكَ وهو ما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] فَذَلِكَ كُلُّهُ غُرُورٌ لَهم مُسَبَّبٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى فَفي
صفحة ١٩٦
هَذا ما يُوَضِّحُ مَعْنى الباءِ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ . وقَدْ جاءَ مِثْلُهُ في سُورَةِ الحَدِيدِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ في تَعْدِيَةِ فِعْلِ الغَرُورِ بِالباءِ قَرِيبٌ مِن تَعْدِيَتِهِ بِـ (مِنَ) الِابْتِدائِيَّةِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي
أيْ لا يَغُرَّنَّكِ مِن مُعامَلَتِي مَعَكِ أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي.
لقمان 31:34
﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
كانَ مِن جُمْلَةِ غَرُورِهِمْ في نَفْيِ البَعْثِ أنَّهم يَجْعَلُونَ عَدَمَ إعْلامِ النّاسِ بِتَعْيِينِ وقْتِهِ أمارَةً عَلى أنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ، قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] وقالَ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨]، فَلَمّا جَرى في الآياتِ قَبْلَها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ أُعْقِبَتْ بِأنَّ وقْتَ السّاعَةِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِوُقُوعِها جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ في نُفُوسِ النّاسِ. والجُمَلُ الأرْبَعُ الَّتِي بَعْدَها إدْماجٌ لِجَمْعِ نَظائِرِها تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ. وقالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ: إنَّ رَجُلًا مِن مُحارِبِ خَصَفَةَ مِن أهْلِ البادِيَةِ سَمّاهُ في الكَشّافِ الحارِثَ بْنَ عَمْرٍو - وقَعَ في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ تَسْمِيَتُهُ الوارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حارِثَةَ - جاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: مَتى السّاعَةُ ؟ وقَدْ أجْدَبَتْ بِلادُنا فَمَتى تُخْصِبُ ؟ وتَرَكْتُ امْرَأتِي حُبْلى فَما تَلِدُ ؟ وماذا أكْسِبُ غَدًا ؟ وبِأيِّ أرْضٍ أمُوتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يُدْرى سَنَدُ هَذا. ونُسِبَ إلى عِكْرِمَةَ ومُقاتِلٍ، ولَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ مُنافِيًا لِاعْتِبارِ هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا فَإنَّهُ مُقْتَضى السِّياقِ.
وقَدْ أفادَ التَّأْكِيدُ بِحَرْفِ إنَّ تَحْقِيقَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِوَقْتِ السّاعَةِ وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَأْكِيدَ وُقُوعِها. وفي كَلِمَةٍ عِنْدَهُ إشارَةٌ إلى اخْتِصاصِهِ تَعالى بِذَلِكَ العِلْمِ لِأنَّ
صفحة ١٩٧
العِنْدِيَّةَ شَأْنُها الِاسْتِئْثارُ. وتَقْدِيمُ عِنْدَ وهو ظَرْفٌ مُسْنَدٌ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ بِالقَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مُرادٌ بِهِ مُجَرَّدَ التَّقْوى.
وجُمْلَةُ ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: وإنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الغَيْثَ، فَيُفِيدُ التَّخْصِيصَ بِتَنْزِيلِ الغَيْثِ. والمَقْصُودُ أيْضًا عِنْدَهُ عِلْمُ وقْتِ نُزُولِ الغَيْثِ ولَيْسَ المَقْصُودُ مُجَرَّدُ الإخْبارِ بِأنَّهُ يُنَزِّلُ الغَيْثَ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يُنْكِرُونَهُ ولَكِنْ نُظِمَتِ الجُمْلَةُ بِأُسْلُوبِ الفِعْلِ المُضارِعِ لِيَحْصُلَ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِئْثارِ بِالعِلْمِ بِهِ الِامْتِنانُ بِذَلِكَ المَعْلُومِ الَّذِي هو نِعْمَةٌ.
وفِي اخْتِيارِ الفِعْلِ المُضارِعِ إفادَةُ أنَّهُ يُجَدِّدُ إنْزالَ الغَيْثِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ عِنْدَ احْتِياجِ الأرْضِ. ولا التِفاتَ إلى مَن قَدَّرُوا: يُنَزِّلُ الغَيْثَ، بِتَقْدِيرِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ طَرَفَةَ:
ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى
لِلْبَوْنِ بَيْنَ المَقامَيْنِ وتَفاوُتِ الدَّرَجَتَيْنِ في البَلاغَةِ. وإذْ قَدْ جاءَ هَذا نَسَقًا في عِدادِ الحَصْرِ كانَ الإتْيانُ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا خَبَرًا عَنْ مُسْنَدٍ إلَيْهِ مُقَدَّمٍ مُفِيدًا لِلِاخْتِصاصِ بِالقَرِينَةِ؛ فالمَعْنى: ويَنْفَرِدُ بِعِلْمِ وقْتِ نُزُولِ الغَيْثِ مِن قُرْبٍ وبُعْدٍ وضَبْطِ وقْتٍ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾، أيْ يَنْفَرِدُ بِعِلْمِ جَمِيعِ أطْوارِهِ مِن نُطْفَةٍ وعَلَقَةٍ ومُضْغَةٍ ثُمَّ مِن كَوْنِهِ ذَكَرًا أوْ أُنْثى وإبّانَ وضْعِهِ بِالتَّدْقِيقِ، وجِيءَ بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ العِلْمِ بِتَبَدُّلِ تِلْكَ الأطْوارِ والأحْوالِ. والمَعْنى: يَنْفَرِدُ بِعِلْمِ جَمِيعِ تِلْكَ الأطْوارِ الَّتِي لا يَعْلَمُها النّاسُ لِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَصَدَ مِنهُ الحَصْرَ فَكانَ المُسْنَدُ الفِعْلِيُّ المُتَأخِّرُ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مُفِيدًا لِلِاخْتِصاصِ بِالقَرِينَةِ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ [المزمل: ٢٠] .
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ فَقَدْ نُسِجَ عَلى مِنوالٍ آخَرَ مِنَ النَّظْمِ فَجُعِلَ سُداهُ نَفْيَ عِلْمِ أيَّةِ نَفْسٍ بِأخَصِّ أحْوالِها وهو حالُ اكْتِسابِها القَرِيبُ مِنها في اليَوْمِ المُوالِي يَوْمَ تَأمُّلِها ونَظَرِها، وكَذَلِكَ مَكانُ انْقِضاءِ حَياتِها لِلنِّداءِ عَلَيْهِمْ بِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ؛ فَإذا كانُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ في
صفحة ١٩٨
قِلَّةِ العِلْمِ فَكَيْفَ يَتَطَلَّعُونَ إلى عِلْمِ أعْظَمِ حَوادِثِ هَذا العالَمِ وهو حادِثُ فَنائِهِ وانْقِراضِهِ واعْتِياضِهِ بِعالَمِ الخُلُودِ. وهَذا النَّفْيُ لِلدِّرايَةِ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ فِيهِ كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِ العِلْمِ بِما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ والعِلْمُ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ فِيها كُلُّ نَفْسٍ إلى اللَّهِ تَعالى، فَحَصَلَتْ إفادَةُ اخْتِصاصِ اللَّهِ تَعالى بِهَذَيْنِ العِلْمَيْنِ فَكانا في صَمِيمَةِ ما انْتَظَمَ مَعَهُما مِمّا تَقَدَّمَهُما.
وعَبَّرَ في جانِبِ نَفْيِ مَعْرِفَةِ النّاسِ بِفِعْلِ الدِّرايَةِ لِأنَّ الدِّرايَةَ عِلْمٌ فِيهِ مُعالَجَةٌ لِلِاطِّلاعِ عَلى المَعْلُومِ ولِذَلِكَ لا يُعَبَّرُ بِالدِّرايَةِ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَلا يُقالُ: اللَّهُ يَدْرِي كَذا، فَيُفِيدُ: انْتِفاءَ عِلْمِ النّاسِ بَعْدَ الحِرْصِ عَلى عِلْمِهِ، والمَعْنى: لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِما بِقَوْلِهِ ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ . وقَدْ عَلَّقَ فِعْلَ الدِّرايَةِ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْنِ بِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامَيْنِ بَعْدَهُما، أيْ ما تَدْرِي هَذا السُّؤالَ، أيْ جَوابَهُ.
وقَدْ حَصَلَ إفادَةُ اخْتِصاصِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ هَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ بِأفانِينَ بَدِيعَةٍ مِن أفانِينِ الإيجازِ البالِغِ حَدَّ الإعْجازِ.
ولُقِّبَتْ هَذِهِ الخَمْسَةُ في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ بِمَفاتِحِ الغَيْبِ وفُسِّرَ بِها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ»، ومِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. . . «فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عَلِمُ السّاعَةِ جَوابًا عَنْ سُؤالِ جِبْرِيلَ مَتى السّاعَةُ» ؟ . . . .
ومَعْنى حَصْرِ مَفاتِحِ الغَيْبِ في هَذِهِ الخَمْسَةِ أنَّها هي الأُمُورُ المُغَيَّبَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِأحْوالِ النّاسِ في هَذا العالَمِ وأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْها بِالمَفاتِحِ أنَّها تَكُونُ مَجْهُولَةً لِلنّاسِ فَإذا وقَعَتْ فَكَأنَّ وُقُوعَها فَتْحٌ لِما كانَ مُغْلَقًا وأمّا بَقِيَّةُ أحْوالِ النّاسِ فَخَفاؤُها عَنْهم مُتَفاوِتٌ ويُمْكِنُ لِبَعْضِهِمْ تَعْيِينُها مِثْلُ تَعْيِيِنِ يَوْمِ كَذا لِلزِّفافِ ويَوْمِ كَذا لِلْغَزْوِ وهَكَذا مَواقِيتُ العِباداتِ والأعْيادِ، وكَذَلِكَ مُقارَناتُ الأزْمِنَةِ مِثْلَ: يَوْمِ كَذا مَدْخَلُ الرَّبِيعِ؛ فَلا تَجِدُ مُغَيَّباتٍ لا قِبَلَ لِأحَدٍ بِمَعْرِفَةِ وُقُوعِها مِن أحْوالِ النّاسِ في هَذا العالَمِ غَيْرَ هَذِهِ الخَمْسَةِ فَأمّا في العَوالِمِ الأُخْرى وفي الحَياةِ الآخِرَةِ فالمُغَيَّباتُ عَنْ عِلْمِ النّاسِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَتْ لَها مَفاتِحُ عِلْمٍ في هَذا العالَمِ.
صفحة ١٩٩
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن إبْطالِ شُبْهَةِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [لقمان: ٣٣] كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ لُقْمانَ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦] الآيَةَ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَدى وعْدِهِ خَبِيرٌ بِأحْوالِكم مِمّا جَمَعَهُ قَوْلُهُ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ إلَخْ. ولِذا جَمَعَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ صِفَةِ (عَلِيمٌ) وصِفَةِ (خَبِيرٌ) لِأنَّ الثّانِيَةَ أخَصُّ.
* * *
صفحة ٢٠٠
صفحة ٢٠١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ السَّجْدَةِ
أشْهَرُ أسْماءِ هَذِهِ السُّورَةِ هو (سُورَةُ السَّجْدَةِ)، وهو أخْصَرُ أسْمائِها، وهو المَكْتُوبُ في السَّطْرِ المَجْعُولِ لِاسْمِ السُّورَةِ مِنَ المَصاحِفِ المُتَداوَلَةِ. وبِهَذا الِاسْمِ تَرْجَمَ لَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ وذَلِكَ بِإضافَةِ كَلِمَةِ (سُورَةٍ) إلى كَلِمَةِ (السَّجْدَةِ) . ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ كَلِمَةِ (الم) مَحْذُوفَةً لِلِاخْتِصارِ إذْ لا يَكْفِي مُجَرَّدُ إضافَةِ سُورَةٍ إلى السَّجْدَةِ في تَعْرِيفِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنَّهُ لا تَكُونُ سَجْدَةٌ مِن سُجُودِ القُرْآنِ إلّا في سُورَةٍ مِنَ السُّوَرِ.
وتُسَمّى أيْضًا الم تَنْزِيلُ؛ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «كانَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ (الم تَنْزِيلُ) و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك»: ١] .
وتُسَمّى (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقْرَأُ يَوْمَ الجُمُعَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) و﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ [الإنسان»: ١] . قالَ شارِحُو صَحِيحِ البُخارِيِّ ضَبْطُ اللّامِ مِن كَلِمَةِ (تَنْزِيلُ) بِضَمَّةٍ عَلى الحِكايَةِ، وأمّا لَفْظُ (السَّجْدَةِ) في هَذا الحَدِيثِ فَقالَ ابْنُ حَجَرٍ هو بِالنَّصْبِ: وقالَ العَيْنِيُّ والقَسْطَلانِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ يَعْنِي أنَّهُ بَيانٌ لِلَفْظِ (الم تَنْزِيلُ)، وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ لَفْظَ السَّجْدَةِ لَيْسَ اسْمًا لِهَذِهِ السُّورَةِ إلّا بِإضافَةِ (سُورَةٍ) إلى (السَّجْدَةِ)، فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (السَّجْدَةِ) في كَلامِ أبِي هُرَيْرَةَ مَجْرُورًا بِإضافَةِ مَجْمُوعِ (الم تَنْزِيلُ) إلى لَفْظِ (السَّجْدَةِ)، وسَأُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الإضافَةِ.
وعَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (سُورَةُ تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) . ويَجِبُ أنْ يَكُونَ (تَنْزِيلُ) مَضْمُومًا عَلى حِكايَةِ لَفْظِ القُرْآنِ، فَتَمَيَّزَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِوُقُوعِ سَجْدَةِ تِلاوَةٍ فِيها مِن
صفحة ٢٠٢
بَيْنِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِـ (الم)، فَلِذَلِكَ فَمَن سَمّاها (سُورَةَ السَّجْدَةِ) عَنى تَقْدِيرَ مُضافٍ أيْ سُورَةُ (الم السَّجْدَةِ) .
ومَن سَمّاها (تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) فَهو عَلى تَقْدِيرِ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) بِجَعْلِ (الم تَنْزِيلُ) اسْمًا مُرَكَّبًا ثُمَّ إضافَتِهِ إلى السَّجْدَةِ، أيْ ذاتِ السَّجْدَةِ، لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ والإيضاحِ، وإلّا فَإنَّ ذِكْرَ كَلِمَةِ (تَنْزِيلُ) كافٍ في تَمْيِيزِها عَمّا عَداها مِن ذَواتِ (الم) ثُمَّ اخْتَصَرَ بِحَذْفِ (الم) وإبْقاءِ (تَنْزِيلُ)، وأُضِيفَ (تَنْزِيلُ) إلى (السَّجْدَةِ) عَلى ما سَيَأْتِي في تَوْجِيهِ تَسْمِيَتِها (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) .
ومَن سَمّاها (الم السَّجْدَةِ) فَهو عَلى إضافَةِ (الم) إلى (السَّجْدَةِ) إضافَةً عَلى مَعْنى اللّامِ وجَعْلِ (الم) اسْمًا لِلسُّورَةِ.
ومَن سَمَّوْها (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَبْطِها في شُرُوحِ صَحِيحِ البُخارِيِّ ولا في النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الجامِعِ الصَّحِيحِ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (الم) مُضافًا إلى (تَنْزِيلُ) عَلى أنَّ مَجْمُوعَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ اسْمٌ لِهَذِهِ السُّورَةِ مَحْكِيٌّ لَفْظُهُ؛ فَتَكُونُ كَلِمَةُ (تَنْزِيلُ) مَضْمُومَةً عَلى حِكايَةِ لَفْظِها القُرْآنِيِّ، وأنْ يُعْتَبَرَ هَذا المُرَكَّبُ الإضافِيُّ اعْتِبارَ العَلَمِ مِثْلُ: عَبْدِ اللَّهِ، ويُعْتَبَرُ مَجْمُوعُ ذَلِكَ المُرَكَّبِ الإضافِيِّ مُضافًا إلى السَّجْدَةِ إضافَةَ المُفْرَداتِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ، ومِنهُ قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا:
إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنَـائِي فـَقَـاصـِدٌ بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكٍ
إذْ أضافَ مَجْمُوعَ (ابْنِ عَمِّ) إلى الصِّدْقِ، ولَمْ يُرِدْ إضافَةَ عَمِّ إلى الصِّدْقِ. وكَذَلِكَ قَوْلُ أحَدِ الطّائِيِّينَ في دِيوانِ الحَماسَةِ:
داوِ ابْنَ عَمِّ السُّوءِ بِالنَّأْيِ والغِنَـى ∗∗∗ كَفى بِالغِنى والنَّأْيِ عَنْهُ مُداوِيا
فَإنَّهُ ما أرادَ وصْفَ عَمِّهِ بِالسُّوءِ ولَكِنَّهُ أرادَ وصْفَ ابْنِ عَمِّهِ بِالسُّوءِ.
فَأضافَ مَجْمُوعَ ابْنِ عَمٍّ إلى السُّوءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ رَجُلٍ مِن كَلْبٍ في دِيوانِ الحَماسَةِ:
هَنِيئًا لِابْنِ عَمِّ السُّوءِ أنِّي ∗∗∗ مُجاوِرَةٌ بَنِي ثُعَلٍ لَبُونِي
وقالَ عُيَيْنَةُ بْنُ مِرْداسٍ في الحَماسَةِ:
صفحة ٢٠٣
فَلَمّا عَرَفْتُ اليَأْسَ مِنهُ وقَدْ بَدَتْ ∗∗∗ أيادِي سَبا الحاجاتِ لِلْمُتَذَكِّـرِ
فَأضافَ مَجْمُوعَ (أيادِي سَبا) وهو كالمُفْرَدِ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ إلى الحاجاتِ.
وقالَ بَعْضُ رُجّازِهِمْ:
أنا ابْنُ عَمِّ اللَّيْلِ وابْنُ خالِهِ ∗∗∗ إذا دُجًى دَخَلْتُ في سِرْبالِهِ
فَأضافَ (ابْنُ عَمِّ) إلى لَفْظِ (اللَّيْلِ)، وأضافَ (ابْنُ خالٍ) إلى ضَمِيرِ (اللَّيْلِ) عَلى مَعْنى أنا مُخالِطُ اللَّيْلِ، ولا يُرِيدُ إضافَةَ عَمٍّ ولا خالٍ إلى اللَّيْلِ.
ومِن هَذا اسْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ، فالمُضافُ إلى (الرُّقَيّاتِ) هو مَجْمُوعُ المُرَكَّبِ إمّا عَبْدُ اللَّهِ، أوِ (ابْنُ قَيْسٍ) لا أحَدُ مُفْرَداتِهِ.
وهَذِهِ الإضافَةُ قَرِيبَةٌ مِن إضافَةِ العَدَدِ المُرَكَّبِ إلى مَن يُضافُ إلَيْهِ مَعَ بَقاءِ اسْمِ العَدَدِ عَلى بِنائِهِ كَما تَقُولُ: أعْطِهِ خَمْسَةَ عَشْرَةَ.
وتُسَمّى هَذِهِ السُّورَةُ أيْضًا (سُورَةَ المَضاجِعِ) لِوُقُوعِ لَفْظِ (المَضاجِعِ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] .
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ مُسْنَدِ الدّارِمِيِّ أنَّ خالِدَ بْنَ مَعْدانَ سَمّاها (المُنْجِيَةَ) . قالَ: بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا يَقْرَؤُها ما يَقْرَأُ شَيْئًا غَيْرَها، وكانَ كَثِيرَ الخَطايا فَنَشَرَتْ جَناحَها وقالَتْ: رَبِّ اغْفِرْ لَهُ فَإنَّهُ كانَ يُكْثِرُ مِن قِراءَتِي فَشَفَّعَها الرَّبُّ فِيهِ وقالَ: اكْتُبُوا لَهُ بِكُلِّ خَطِيئَةٍ حَسَنَةً وارْفَعُوا لَهُ دَرَجَةً اهــ.
وقالَ الطَّبَرَسِيُّ: تُسَمّى (سُورَةَ سَجْدَةِ لُقْمانَ) لِوُقُوعِها بَعْدَ سُورَةِ لُقْمانَ لِئَلّا تَلْتَبِسَ بِسُورَةِ (حم السَّجْدَةِ)، أيْ كَما سَمَّوْا سُورَةَ (حم السَّجْدَةِ) وهي سُورَةُ فُصِّلَتْ (سُورَةَ سَجْدَةِ المُؤْمِنِ) لِوُقُوعِها بَعْدَ (سُورَةِ المُؤْمِنِينَ) .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في إطْلاقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ وإحْدى رِوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ اسْتِثْناءُ ثَلاثِ آياتٍ مَدَنِيَّةٍ وهي ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ
صفحة ٢٠٤
فاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] إلى لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ. قِيلَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وسَيَأْتِي إبْطالُهُ. وزادَ بَعْضُهم آيَتَيْنِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] إلى بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لِما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها وهو ضَعِيفٌ.
والَّذِي نُعَوِّلُ عَلَيْهِ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ وأنَّ ما خالَفَ ذَلِكَ إنْ هو إلّا تَأْوِيلٌ أوْ إلْحاقُ خاصٍّ بِعامٍّ كَما أصَّلْنا في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ.
نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النَّحْلِ وقَبْلَ سُورَةِ نُوحٍ، وقَدْ عُدَّتِ الثّالِثَةَ والسَبْعِينَ في النُّزُولِ.
وعُدَّتْ آياتُها عِنْدَ جُمْهُورِ العادِّينَ ثَلاثِينَ، وعَدَّها البَصْرِيُّونَ سَبْعًا وعِشْرِينَ.
* * *
مِن أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةُ أوَّلُها التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَوْبِيخُ المُشْرِكِينَ عَلى ادِّعائِهِمْ أنَّهُ مُفْتَرًى بِأنَّهم لَمْ يَسْبِقْ لَهُمُ التَّشَرُّفُ بِنُزُولِ كِتابٍ.
والِاسْتِدْلالُ عَلى إبْطالِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ بِإثْباتِ انْفِرادِ اللَّهِ بِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومُدَبِّرُ أُمُورِهِما.
وذِكْرُ البَعْثِ والِاسْتِدْلالُ عَلى كَيْفِيَّةِ بَدْءِ خَلْقِ الإنْسانِ ونَسْلِهِ، وتَنْظِيرِهِ بِإحْياءِ الأرْضِ، وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أنَّ إحْياءَ الأرْضِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ كَفَرُوا بِمُسْدِيها.
والإنْحاءُ عَلى الَّذِينَ أنْكَرُوهُ ووَعِيدُهم.
والثَّناءُ عَلى المُصَدِّقِينَ بِآياتِ اللَّهِ ووَعْدُهم، ومُقابَلَةُ إيمانِهِمْ بِكُفْرِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ إثْباتُ رِسالَةِ رَسُولٍ عَظِيمٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ هَدى بِهِ أُمَّةً عَظِيمَةً.
والتَّذْكِيرُ بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ السّابِقِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِظَةً لِلْحاضِرِينَ، وتَهْدِيدُهم بِالنَّصْرِ الحاصِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وخَتَمَ ذَلِكَ بِانْتِظارِ النَّصْرِ.
وأمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْهُ تَحْقِيرًا لَهم، ووَعَدَهُ بِانْتِظارِ نَصْرِهِ عَلَيْهِمْ.
صفحة ٢٠٥
ومِن مَزايا هَذِهِ السُّورَةِ وفَضائِلِها ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ («كانَ النَّبِيءُ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك»: ١] ) .
السجدة 32:1
﴿الم﴾
تَقَدَّمَ ما في نَظائِرِهِ.
السجدة 32:2
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ لِأنَّهُ جامِعُ الهُدى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ وغَيْرُها ولِأنَّ جِماعَ ضَلالِ الضّالِّينَ هو التَّكْذِيبُ بِهَذا الكِتابِ، فاللَّهُ جَعَلَ القُرْآنَ هُدًى لِلنّاسِ وخَصَّ العَرَبَ بِأنْ شَرَّفَهم بِجَعْلِهِمْ أوَّلَ مَن يَتَلَقّى هَذا الكِتابَ، وبِأنْ أنْزَلَهُ بِلُغَتِهِمْ، فَكانَ مِنهم أشَدُّ المُكَذِّبِينَ بِما جاءَ بِهِ، لا جَرَمَ أنَّ تَكْذِيبَ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ أعْرَقُ في الضَّلالَةِ وأوْغَلُ في أفْنِ الرَّأْيِ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِدَلالَتِها عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ لِإطالَتِهِ لِيَحْصُلَ بِتَطْوِيلِهِ ثُمَّ تَعْقِيبِهِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ التَّشْوِيقُ إلى مَعْرِفَةِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ ولَوْلا ذَلِكَ لَقِيلَ: قُرْآنٌ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وإنَّما عَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ تِلْكَ السُّورَةَ نازِلَةٌ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُسْلِمِينَ ومَن يُرْجى إسْلامُهم مِن أهْلِ الكِتابِ وهُمُ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤]؛ وأمّا هَذِهِ السُّورَةُ فَقَدْ جابَهَ اللَّهُ بِها المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالإلَهِ الواحِدِ ولا يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ فَهم أصْلَبُ عُودًا، وأشَدُّ كُفْرًا وصُدُودًا.
فَقَوْلُهُ تَنْزِيلُ الكِتابِ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ لا رَيْبَ فِيهِ جُمْلَةٌ هي صِفَةٌ لِلْكِتابِ أوْ حالٌ أوْ هي مُعْتَرِضَةٌ.
صفحة ٢٠٦
وقَوْلُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ.
والمَعْنى: مِن عِنْدِهِ ووَحْيُهُ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي كِتابٌ مِن فُلانٍ. ووَقَعَتْ جُمْلَةُ (﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]) بِأُسْلُوبِ المَعْلُومِ المُقَرَّرِ فَلَمْ تُجْعَلْ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ المُبْتَدَأِ لِزِيادَةِ التَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ لِيُقَرِّرَ كَوْنَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
ومَعْنى (﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]) أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِأنْ يَرْتابَ أحَدٌ في تَنْزِيلِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ لِما حَفَّ بِتَنْزِيلِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ بِسَبَبِ إعْجازِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ فَضْلًا عَنْ مَجْمُوعِهِ، وما عَضَّدَهُ مِن حالِ المُرْسَلِ بِهِ مِن شُهْرَةِ الصِّدْقِ والِاسْتِقامَةِ، ومَجِيءِ مِثْلِهِ مِن مِثْلِهِ مَعَ ما هو مَعْلُومٌ مِن وصْفِ الأُمِّيَّةِ.
فَمَعْنى نَفْيِ أنْ يَكُونَ الرَّيْبُ مَظْرُوفًا في هَذا الكِتابِ أنَّهُ لا يَشْتَمِلُ عَلى ما يُثِيرُ الرَّيْبَ، فالَّذِينَ ارْتابُوا بَلْ كَذَّبُوا أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهم لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا مُتَعَنِّتِينَ عَلى عِلْمٍ، أوْ جُهّالًا يَقُولُونَ قَبْلَ أنْ يَتَأمَّلُوا ويَنْتَظِرُوا، والأوَّلُونَ زُعَماؤُهم والأخْيَرُونَ دَهْماؤُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْتِحْضارُ الجَلالَةِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ بِوَصْفِ رَبِّ العالَمِينَ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى عُمُومِ الشَّرِيعَةِ وكَوْنِ كِتابِها مُنَزَّلًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِخِلافِ ما سَبَقَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] . وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مِن جُمْلَةِ دَواعِي تَكْذِيبِهِمْ بِهِ أنَّهُ كَيْفَ خَصَّ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ بَشَرًا مِنهم حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لِأنَّ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ لِلْعالِمِينَ تُنْبِئُ عَنْ أنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ.
السجدة 32:3
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
جاءَتْ أمْ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ إضْرابَ انْتِقالٍ، وهي أمِ المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى (بَلْ) الَّتِي لِلِاضْطِرابِ.
صفحة ٢٠٧
وحَيْثُما وقَعَتْ (أمْ) فَهي مُؤْذِنَةٌ بِاسْتِفْهامٍ بِالهَمْزَةِ بَعْدَها المُلْتَزِمُ حَذْفُها بَعْدَ (أمْ) . والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَها هُنا تَعْجِيبِيٌّ لِأنَّهم قالُوا هَذا القَوْلَ الشَّنِيعَ وعَلِمَهُ النّاسُ عَنْهم فَلا جَرَمَ كانُوا أحِقّاءَ بِالتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ ومَقالِهِمْ لِأنَّهم أبْدَوْا بِهِ أمْرًا غَرِيبًا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ لَدى العُقَلاءِ وذَوِي الأحْلامِ الرّاجِحَةِ والنُّفُوسِ المُنْصِفَةِ، إذْ دَلائِلُ انْتِفاءِ الرَّيْبِ عَنْ كَوْنِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ واضِحَةٌ بَلْهَ الجَزْمَ بِأنَّهُ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ تَعالى.
وصِيَغُ الخَبَرِ عَنْ قَوْلِهِمُ العَجِيبِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ ذَلِكَ القَوْلِ تَحْقِيقًا لِلتَّعْجِيبِ مِنهُ حَتّى لا تَغْفَلَ عَنْ حالِ قَوْلِهِمْ أذْهانُ السّامِعِينَ كَلَفْظِ (تَقُولُ) في بَيْتِ هُذْلُولٍ العَنْبَرِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
تَقُولُ وصَكَّتْ صَدْرَها بِيَمِينِها أبَعْلِيَ هَذا بِالرَّحى المُتَقاعِسِ
وفِي المُضارِعِ مَعَ ذَلِكَ إيذانٌ بِتَجَدُّدِ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ وأنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْها عَلى الرَّغْمِ مِمّا جاءَهم مِنَ البَيِّناتِ ورَغْمَ افْتِضاحِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن مَقامِ حِكايَةِ مَقالِهِمُ المُشْتَهَرِ بَيْنَ النّاسِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الكِتابِ.
وأُضْرِبَ عَلى قَوْلِهِمُ افْتَراهُ إضْرابَ إبْطالٍ بِـ ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ لِإثْباتِ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ومَعْنى الحَقِّ: الصِّدْقُ، أيْ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الَّذِي مِنهُ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وتَعْرِيفُ الحَقِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدِ تَحْقِيقَ الجِنْسِيَّةِ فِيهِ.
أيْ هو حَقٌّ ذَلِكَ الحَقُّ المَعْرُوفَةُ ماهِيَّتُهُ مِن بَيْنِ الأجْناسِ والمُفارِقُ لِجِنْسِ الباطِلِ. وفي تَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ ذَرِيعَةٌ إلى اعْتِبارِ كَمالِ هَذا الجِنْسِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو مَعْنى القَصْرِ الِادِّعائِي لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ:
أنْتَ الحَبِيبُ وعَمْرٌو الفارِسُ
.
ومِن رَبِّكَ في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ الحَقِّ، والحَقُّ الوارِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ لا جَرَمَ أنَّهُ أكْمَلُ جِنْسِ الحَقِّ. وكافُ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ . واسْتُحْضِرَتِ الذّاتُ العَلِيَّةُ هُنا بِعُنْوانِ رَبِّكَ لِأنَّ الكَلامَ جاءَ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمُ افْتَراهُ يَعْنُونَ النَّبِيءَ ﷺ فَكانَ مَقامُ الرَّدِّ مُقْتَضِيًا تَأْيِيدَ مَن ألْصَقُوا بِهِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ بِإثْباتِ أنَّ الكِتابَ حَقٌّ مِن رَبِّ مَن ألْصَقُوا بِهِ الِافْتِراءَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
صفحة ٢٠٨
وتَخَلُّصًا إلى تَصْدِيقِهِ لِأنَّهُ إذا كانَ الكِتابُ الَّذِي جاءَ بِهِ حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهو رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا.
وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أُسْلُوبٍ بَدِيعِ الإحْكامِ إذْ ثَبَتَ أنَّ الكِتابَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ جَمِيعِ الكائِناتِ، وأنَّهُ يَحِقُّ أنْ لا يَرْتابَ فِيهِ مُرْتابٌ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِنَ الَّذِينَ جَزَمُوا بِأنَّ الجائِيَ بِهِ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ الكامِلُ مِن رَبِّ الَّذِي نَسَبُوا إلَيْهِ افْتِراءَهُ فَلَوْ كانَ افْتَراهُ لَقَدِرَ اللَّهُ عَلى إظْهارِ أمْرِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] .
ثُمَّ جاءَ بِما هو أنْكى لِلْمُكَذِّبِينَ وأبْلَغُ في تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وأوْغَلُ في النِّداءِ عَلى إهْمالِهِمُ النَّظَرَ في دَقائِقِ المَعانِي، فَبَيَّنَ ما فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَهم بِبَعْضِ المَصالِحِ الَّتِي جاءَ لِأجْلِها هَذا الكِتابُ بِقَوْلِهِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ فَقَدْ جَمَعُوا مِنَ الجَهالَةِ ما هو ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ، فَإنَّ هَذا الكِتابَ، عَلى أنَّ حَقِّيَّتَهُ مُقْتَضِيَةُ المُنافَسَةِ في الِانْتِفاعِ بِهِ ولَوْ لَمْ يَلْفِتُوا إلى تَقَلُّدِهِ وعَلى أنَّهم دَعَوْا إلى الأخْذِ بِهِ وذَلِكَ مِمّا يَتَوَجَّبُ التَّأمُّلُ في حَقِّيَّتِهِ؛ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ فَهم كانُوا أحْوَجَ إلى اتِّباعِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ لِأنَّ هَؤُلاءِ لَمْ تَسْبِقْ لَهم رِسالَةُ مُرْسَلٍ فَكانُوا أبْعَدَ عَنْ طُرُقِ الهُدى بِما تَعاقَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرُونِ دُونَ دَعْوَةِ رَسُولٍ فَكانَ ذَلِكَ كافِيًا في حِرْصِهِمْ عَلى التَّمَسُّكِ بِهِ وشُعُورِهِمْ بِمَزِيدِ الحاجَةِ إلَيْهِ رَجاءً مِنهم أنْ يَهْتَدُوا، قالَ تَعالى﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تَرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ [الأنعام: ١٥٧]، فَمَثَلُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ كَمَثَلِ قَوْلِ المَعَرِّيِّ:
هَلْ تَزْجُرَنَّكُمُ رِسالَةُ مُرْسَلٍ ∗∗∗ أمْ لَيْسَ يَنْفَعُ في أُولاكِ أُلُوكُ
والقَوْمُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ الَّذِينَ يَجْمَعُهم أمْرٌ هو كالقِوامِ لَهم مِن نَسَبٍ أوْ مَوْطِنٍ أوْ غَرَضٍ تَجَمَّعُوا بِسَبَبِهِ، وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى الجَماعَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ في
صفحة ٢٠٩
النَّسَبِ إلى جَدٍّ اخْتَصُّوا بِالِانْتِسابِ إلَيْهِ. وتَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَمَّنْ يُشارِكُهم في جَدٍّ هو أعْلى مِنهُ، فَقُرَيْشٌ مَثَلًا قَوْمٌ اخْتَصُّوا بِالِانْتِسابِ إلى فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ فَتَمَيَّزُوا عَمَّنْ عَداهم مِن عَقِبِ كِنانَةَ فَيُقالُ: فُلانٌ قُرَشِيٌّ وفُلانٌ كِنانِيٌّ ولا يُقالُ لِمَن هو مِن أبْناءِ قُرَيْشٍ كِنانِيٌّ.
ووُصِفَ القَوْمُ بِأنَّهم ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [القصص: ٤٦] قَبْلَ النَّبِيءِ ﷺ والنَّبِيُّ حِينَئِذٍ يَدْعُو أهْلَ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها إلى الإسْلامِ ورُبَّما كانَتِ الدَّعْوَةُ شَمِلَتْ أهْلَ يَثْرِبَ وكُلُّهم مِنَ العَرَبِ فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ العَرَبُ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ قُرَيْشًا خاصَّةً، أوْ عَرَبَ الحِجازِ أهْلَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ وقَبائِلُ الحِجازِ، وعَرَبُ الحِجازِ جِذْمانٌ عَدْنانِيُّونَ وقَحْطانِيُّونَ؛ فَأمّا العَدْنانِيُّونَ فَهم أبْناءُ عَدْنانَ وهم مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ وإنَّما تَقَوَّمَتْ قَوْمِيَّتُهم في أبْناءِ عَدْنانَ: وهم مُضَرُ، ورَبِيعَةُ، وأنْمارٌ، وإيادٌ. وهَؤُلاءِ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ مُنْذُ تَقَوَّمَتْ قَوْمِيَّتُهم.
وأمّا جَدُّهم إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّهُ وإنْ كانَ رَسُولًا نَبِيئًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ فَإنَّما كانَتْ رِسالَتُهُ خاصَّةً بِأهْلِهِ وأصْهارِهِ مِن جُرْهُمٍ ولَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلى الَّذِينَ وُجِدُوا بَعْدَهُ لِأنَّ رِسالَتَهُ لَمْ تَكُنْ دائِمَةً ولا مُنْتَشِرَةً، قالَ تَعالى ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٥٥] .
وأمّا القَحْطانِيُّونَ القاطِنُونَ بِالحِجازِ مِثْلُ الأوْسِ والخَزْرَجِ وطَيِّئٍ فَإنَّهم قَدْ تَغَيَّرَتْ فِرَقُهم ومَواطِنُهم بَعْدَ سَيْلِ العَرِمِ وانْقَسَمُوا أقْوامًا جُدُدًا ولَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مُنْذُ ذَلِكَ الزَّمَنِ وإنْ كانَ المُنْذِرُونَ قَدْ جاءُوا أسْلافَهم مِثْلَ هُودٍ وصالِحٍ وتُبَّعٍ، فَذَلِكَ كانَ قَبْلَ تَقَوُّمِ قَوْمِيَّتِهِمُ الجَدِيدَةِ.
وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ العَرَبَ كُلَّهم بِما يَشْمَلُ أهْلَ اليَمَنِ واليَمامَةِ والبَحْرَيْنِ وغَيْرَهم مِمَّنْ شَمِلَتْهم جَزِيرَةُ العَرَبِ وكُلُّهم لا يَعْدُونَ أنْ يَرْجِعُوا إلى ذَيْنِكَ الجِذْمَيْنِ، وقَدْ كانَ انْقِسامُهم أقْوامًا ومَواطِنَ بَعْدَ سَيْلِ العَرِمِ ولَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ بَعْدَ ذَلِكَ الِانْقِسامِ كَما تَقَدَّمَ في حالِ القَحْطانِيِّينَ مِن أهْلِ الحِجازِ. وأمّا ما ورَدَ مِن ذِكْرِ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ صاحِبِ أهْلِ الرَّسِّ، وخالِدِ بْنِ سِنانٍ صاحِبِ بَنِي عَبْسَ فَلَمْ يَثْبُتْ أنَّهُما رَسُولانِ واخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِما. وقَدْ «رُوِيَ أنَّ ابْنَةَ خالِدِ بْنِ سِنانٍ وفَدَتْ إلى النَّبِيءِ ﷺ
صفحة ٢١٠
وهِيَ عَجُوزٌ وأنَّهُ قالَ لَها مَرْحَبًا بِابْنَةِ نَبِيٍّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ» . ولَيْسَ لِذَلِكَ سَنَدٌ صَحِيحٌ.
وأيًّا ما كانَ فالعَرَبُ كُلُّهم أوِ الَّذِينَ شَمِلَتْهم دَعْوَةُ الإسْلامِ يَوْمَئِذٍ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ وصْفُ ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [القصص: ٤٦] مِن وقْتِ تَحَقُّقِ قَوْمِيَّتِهِمْ.
والمَقْصُودُ بِهِ تَذْكِيرُهم بِأنَّهم أحْوَجُ الأقْوامِ إلى نَذِيرٍ، إذْ لَمْ يَكُونُوا عَلى بَقِيَّةٍ مِن هُدًى، وأثارَةُ هِمَمِهِمْ لِاغْتِباطِ أهْلِ الكِتابِ لِيَتَقَبَّلُوا الكِتابَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ويَسْبِقُوا أهْلَ الكِتابِ إلى اتِّباعِهِ؛ فَيَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهُ السَّبْقُ في الشَّرْعِ الأخِيرِ كَما كانَ لِمَن لَمْ يُسْلِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ السَّبْقُ بِبَعْضِ الِاهْتِداءِ ومُمارَسَةِ الكِتابِ السّابِقِ. وقَدِ اهْتَمَّ بَعْضُ أهْلِ الأحْلامِ مِنَ العَرَبِ بِتَطَلُّبِ الدِّينِ الحَقِّ فَتَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِن عَرَبِ اليَمَنِ، وتَنَصَّرَتْ طَيِّئٌ، وكَلْبٌ، وتَغْلِبُ وغَيْرُهم مِن نَصارى العَرَبِ، وتَتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ نَفَرٌ مِثْلُ قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ ذَلِكَ تَطَلُّبًا لِلْكَمالِ ولَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ بِذَلِكَ.
وهَذا التَّعْلِيلُ لا يَقْتَضِي اقْتِصارَ الرِّسالَةِ الإسْلامِيَّةِ عَلى هَؤُلاءِ القَوْمِ ولا يُنافِي عُمُومَ الرِّسالَةِ لِمَن أتاهم نَذِيرٌ، لِأنَّ لامَ العِلَّةِ لا تَقْتَضِي إلّا كَوْنَ ما بَعْدَها باعِثًا عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ دُونَ انْحِصارِ باعِثِ الفِعْلِ في تِلْكَ العِلَّةِ، فَإنَّ الفِعْلَ الواحِدَ قَدْ يَكُونُ لَهُ بَواعِثُ كَثِيرَةٌ، وأفْعالُ اللَّهِ تَعالى مَنُوطَةٌ بِحِكَمٍ عَدِيدَةٍ، ودَلائِلُ عُمُومِ الرِّسالَةِ مُتَواتِرَةٌ مِن صَرِيحِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ ومِن عُمُومِ الدَّعْوَةِ.
وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلُ جَمِيعُ الأُمَمِ، وأنَّ المُرادَ بِأنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ أنَّهم كُلَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ بَعْدَ أنْ ضَلُّوا، سَواءٌ مِنهم مَن ضَلَّ في شَرْعِهِ مِثْلُ أهْلِ الكِتابِ، ومَن ضَلَّ بِالخُلُوِّ عَنْ شَرْعٍ كالعَرَبِ. وهَذا الوَجْهُ بَعِيدٌ عَنْ لَفْظِ (قَوْمٍ) وعَنْ فِعْلِ أتاهم ومُفِيتٌ لِلْمَقْصُودِ مِن هَذا الوَصْفِ كَما قَدَّمْناهُ.
وأمّا قَضِيَّةُ عُمُومِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَدَلائِلُها كَثِيرَةٌ مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
ولَعَلَّ مُسْتَعارَةٌ تَمْثِيلًا لِإرادَةِ اهْتِدائِهِمْ والحِرْصِ عَلى حُصُولِهِ.
السجدة 32:4
صفحة ٢١١
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
لَمّا كانَ الرَّكْنُ الأعْظَمُ مِن أرْكانِ هُدى الكِتابِ هو إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلْإلَهِ وإبْطالُ الشِّرْكِ عَقِبَ الثَّناءِ عَلى الكِتابِ بِإثْباتِ هَذا الرُّكْنِ.
وجِيءَ بِاسْمِ الجَلالَةِ مُبْتَدَأً لِإحْضارِهِ في الأذْهانِ بِالِاسْمِ المُخْتَصِّ بِهِ قَطْعًا لِدابِرِ عَقِيدَةِ الشَّرِيكِ في الإلَهِيَّةِ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ جُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ [الفرقان: ٥٩] صِفَةً لِاسْمِ الجَلالَةِ.
وجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وأنَّهُ الِانْفِرادُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، ومِن أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ المَعْنِيُّونَ بِالخَبَرِ. والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
والوَلِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الوَلاءِ بِمَعْنى العَهْدِ والحَلِفِ والقَرابَةِ. ومِن لَوازِمِ حَقِيقَةِ الوَلاءِ النَّصْرُ والدِّفاعُ عَنِ المَوْلى. وأُرِيدَ بِالوَلِيِّ المُشارِكُ في الرُّبُوبِيَّةِ.
والشَّفِيعُ: الوَسِيطُ في قَضاءِ الحَوائِجِ مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ.
والمُشْرِكُونَ زَعَمُوا أنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ ثُمَّ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقالُوا ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] .
ومِن في قَوْلِهِ (مِن دُونِهِ) ابْتِدائِيَّةٌ في مَحَلِّ الحالِ مِن ضَمِيرِ لَكم، ودُونَ بِمَعْنى غَيْرُ، ومِن في قَوْلِهِ (مِن ولِيٍّ) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ لا ولِيَّ لَكم ولا شَفِيعَ لَكم غَيْرُ اللَّهِ فَلا وِلايَةَ لِلْأصْنامِ ولا شَفاعَةَ لَها إبْطالًا لِما زَعَمُوهُ لِأصْنامِهِمْ مِنَ الوَصْفَيْنِ إبْطالًا راجِعًا إلى إبْطالِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم لا نَصِيرَ لَهم ولا شَفِيعَ إلّا اللَّهُ لِأنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُهم عَلى نَفْسِهِ ولا يَشْفَعُ لَهم عِنْدَ نَفْسِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] وقالَ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ
صفحة ٢١٢
ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وبَيانُ تَأْوِيلِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا الدَّلِيلِ إنْكارٌ عَلى عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ في ذَلِكَ، وإهْمالُهُمُ النَّظَرَ بِقَوْلِهِ (أفَلا تَتَذَكَّرُونَ) فَهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. والتَّذَكُّرُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّكْرِ الَّذِي هو بِضَمِّ الذّالِ وهو التَّفَكُّرُ والنَّظَرُ بِالعَقْلِ.
السجدة 32:5
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾
جُمْلَةُ (يُدَبِّرُ الأمْرَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [السجدة: ٤]، أيْ خَلَقَ تِلْكَ الخَلائِقِ مُدَبِّرًا أمْرَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا، وقَوْلُهُ (مِنَ السَّماءِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُدَبِّرُ) أوْ صِفَةٌ لِلْأمْرِ أوْ حالٌ مِنهُ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، والمَقْصُودُ مِن حَرْفَيِ الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ شُمُولُ تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى الأُمُورَ كُلَّها في العالَمَيْنَ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ تَدْبِيرًا شامِلًا لَها مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، فَأفادَ حَرْفُ الِانْتِهاءِ شُمُولَ التَّدْبِيرِ لِأُمُورِ كُلِّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وفِيما بَيْنَهُما.
والتَّدْبِيرُ: حَقِيقَتُهُ التَّفْكِيرُ في إصْدارِ فِعْلٍ مُتْقَنٍ أوَّلُهُ وآخِرُهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن دُبُرِ الأمْرِ، أيْ آخِرِهِ لِأنَّ التَّدْبِيرَ النَّظَرُ في اسْتِقامَةِ الفِعْلِ ابْتِداءً ونِهايَةً. وهو إذا وُصِفَ بِهِ اللَّهُ تَعالى كِنايَةً عَنْ لازِمِ حَقِيقَتِهِ وهو تَمامُ الإتْقانِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ وأوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ.
والأمْرُ: الشَّأْنُ لِلْأشْياءِ ونِظامِها وما بِهِ تَقَوُّمُها. والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْجِنْسِ وهو مُفِيدٌ لِاسْتِغْراقِ الأُمُورِ كُلِّها لا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِهِ شَيْءٍ مِنها، فَجَمِيعُ ما نُقِلَ عَنْ سَلَفِ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الأمْرِ يَرْجِعُ إلى بَعْضِ هَذا العُمُومِ.
والعُرُوجُ: الصُّعُودُ. وضَمِيرُ يَعْرُجُ عائِدٌ عَلى الأمْرِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ مُفِيدَةٌ أنَّ تِلْكَ الأُمُورَ المُدَبَّرَةَ تَصْعَدُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ فالعُرُوجُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمَصِيرِ إلى تَصَرُّفِ الخالِقِ دُونَ شائِبَةِ تَأْثِيرٍ مِن غَيْرِهِ ولَوْ في الصُّورَةِ كَما في أحْوالٍ
صفحة ٢١٣
الدُّنْيا مِن تَأْثِيرِ الأسْبابِ. ولَمّا كانَ الجَلالُ يُشَبَّهُ بِالرِّفْعَةِ في مُسْتَعْمَلِ الكَلامِ شُبِّهَ المَصِيرُ إلى ذِي الجَلالِ بِانْتِقالِ الذَّواتِ إلى المَكانِ المُرْتَفِعِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في اللُّغَةِ بِالعُرُوجِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، أيْ يَرْفَعُهُ إلَيْهِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ مَرْجِعَ الأشْياءِ إلى تَصَرُّفِهِ بَعْدَ صُدُورِها مِن لَدُنْهُ أعْظَمُ وأعْجَبُ.
وقَدْ أفادَ التَّرْكِيبُ أنَّ تَدْبِيرَ الأُمُورِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مِن وقْتِ خَلْقِهِما وخَلْقِ ما بَيْنَهُما يَسْتَقِرُّ عَلى ما دُبِّرَ عَلَيْهِ كُلٌّ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُ تَدْبِيرِهِ مِنِ اسْتِقْرارِهِ، ويَزُولُ بَعْضُهُ ويَبْقى بَعْضُهُ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ثُمَّ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَيَصِيرُ إلى اللَّهِ مَصِيرًا مُناسِبًا لِحَقائِقِهِ؛ فالذَّواتُ تَصِيرُ مَصِيرَ الذَّواتِ والأعْراضُ والأعْمالُ تَصِيرُ مَصِيرَ أمْثالِها، أيْ يَصِيرُ وصْفُها ووَصْفُ أصْحابِها إلى عِلْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِ الجَزاءِ، فَذَلِكَ المَصِيرُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعُرُوجِ إلى اللَّهِ فَيَكُونُ الحِسابُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ يَوْمَئِذٍ.
واليَوْمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ هو اليَوْمُ الَّذِي جاءَ ذِكْرُهُ في آيَةِ سُورَةِ الحَجِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] .
ومَعْنى تَقْدِيرِهِ بِألْفِ سَنَةٍ أنَّهُ تَحْصُلُ فِيهِ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في كائِناتِ السَّماءِ والأرْضِ ما لَوْ كانَ مِن عَمَلِ النّاسِ لَكانَ حُصُولُ مِثْلِهِ في ألْفِ سَنَةٍ، فَلَكَ أنْ تُقَدِّرَ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ التَّصَرُّفاتِ، أوْ بِقَطْعِ المَسافاتِ، وقَدْ فُرِضَتْ في ذَلِكَ عِدَّةُ احْتِمالاتٍ. والمَقْصُودُ: التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ مَلَكُوتِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا اليَوْمَ هو يَوْمُ السّاعَةِ، أيْ ساعَةُ اضْمِحْلالِ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ، ولَيْسَ اليَوْمُ المَذْكُورُ هُنا هو يَوْمَ القِيامَةِ المَذْكُورَ في سُورَةِ المَعارِجِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
ولَمْ يُعَيِّنْ واحِدًا مِنهُما، ولَيْسَ مِن غَرَضِ القُرّاءِ تَعْيِينُ أحَدِ اليَوْمَيْنِ ولَكِنْ حُصُولُ العِبْرَةِ بِأهْوالِهِما.
وقَوْلُهُ ”في يَوْمٍ“ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن فِعْلَيْ ”يُدَبِّرُ“ و”يَعْرُجُ“، أيْ يَحْصُلُ الأمْرانِ في يَوْمٍ.
صفحة ٢١٤
و(ألْفَ) عِنْدَ العَرَبِ مُنْتَهى أسْماءِ العَدَدِ وما زادَ عَلى ذَلِكَ مِنَ المَعْدُوداتِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأعْدادٍ أُخْرى مَعَ عَدَدِ الألْفِ كَما يَقُولُونَ خَمْسَةُ آلافٍ، ومِائَةُ ألْفٍ، وألْفُ ألْفٍ.
و(ألْفَ) يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ كِنايَةً عَنِ الكَثْرَةِ الشَّدِيدَةِ كَما يُقالُ: زُرْتُكَ ألْفَ مَرَّةٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وهو هُنا بِتَقْدِيرِ كافِ التَّشْبِيهِ أوْ كَلِمَةِ نَحْوَ، أيْ كانَ مِقْدارُهُ كَألْفِ سَنَةٍ أوْ نَحْوَ ألْفِ سَنَةٍ كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألْفَ) مُسْتَعْمَلًا في صَرِيحِ مَعْناهُ. وقَوْلُهُ: ”مِمّا تَعُدُّونَ“، أيْ مِمّا تَحْسُبُونَ في أعْدادِكم، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولِيَّةٌ وهو وصْفٌ لِـ ”ألْفَ سَنَةٍ“ . وهَذا الوَصْفُ لا يَقْتَضِي كَوْنَ اسْمِ ألْفٍ مُسْتَعْمَلًا في صَرِيحِ مَعْناهُ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إيضاحًا لِلتَّشْبِيهِ فَهو قَرِيبٌ مِن ذِكْرِ وجْهِ الشَّبَهِ مَعَ التَّشْبِيهِ، وقَدْ يَتَرَجَّحُ أنَّ هَذا الوَصْفَ لَمّا كانَ في مَعْنى المَوْصُوفِ صارَ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِمَدْلُولِهِ فَكانَ رافِعًا لِاحْتِمالِ المَجازِ في العَدَدِ.
السجدة 32:6
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾
جِيءَ بِالإشارَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ بَعْدَما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِن أوْصافِ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ الكائِناتِ وتَدْبِيرِ أُمُورِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ حَقِيقٌ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [لقمان: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، لا جَرَمَ أنَّ المُتَصَرِّفَ بِذَلِكَ الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ عالِمٌ بِجَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ ومُحِيطٌ بِجَمِيعِ شُئُونِها فَهو عالِمُ الغَيْبِ، أيْ ما غابَ عَنْ حَواسِّ الخَلْقِ، وعالِمُ الشَّهادَةِ، وهو ما يَدْخُلُ تَحْتَ إدْراكِ الحَواسِّ، فالمُرادُ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ: كُلُّ غائِبٍ وكُلُّ مَشْهُودٍ.
والمَقْصُودُ هو عِلْمُ الغَيْبِ لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ وإحْياءَ المَوْتى كانَتْ شُبْهَتُهم في إحالَتِهِ أنَّ أجْزاءَ الأجْسامِ تَفَرَّقَتْ وتَخَلَّلَتِ الأرْضَ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]) . وأمّا عَطْفُ ”والشَّهادَةِ“ فَهو تَكْمِيلٌ واحْتِراسٌ.
صفحة ٢١٥
ومُناسَبَةُ وصْفِهِ تَعالى بِـ ”العَزِيزُ الرَّحِيمُ“ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ، أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ بِدُونِ مُعِينٍ، فالعِزَّةُ وهي الِاسْتِغْناءُ عَنِ الغَيْرِ ظاهِرَةٌ، وأنَّهُ خَلَقَهم عَلى أحْوالٍ فِيها لُطْفٌ بِهِمْ فَهو رَحِيمٌ بِهِمْ فِيما خَلَقَهم إذْ جَعَلَ أُمُورَ حَياتِهِمْ مُلائِمَةً لَهم فِيها نَعِيمٌ لَهم وجَنَّبَهُمُ الآلامَ فِيها. فَهَذا سَبَبُ الجَمْعِ بَيْنَ صِفَتَيِ (العَزِيزِ) و(الرَّحِيمِ) هُنا عَلى خِلافِ الغالِبِ مِن ذِكْرِ (الحَكِيمِ) مَعَ (العَزِيزِ) .
و(العَزِيزُ الرَّحِيمُ) يَجُوزُ كَوْنُهُما خَبَرَيْنِ آخَرَيْنِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ وصْفَيْنِ لِـ ”عالِمُ الغَيْبِ“ .
السجدة 32:7
﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾
خَبَرٌ آخَرُ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ وصْفٌ آخَرُ لِـ ”عالِمُ الغَيْبِ“، وهو ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ مَشُوبٌ بِامْتِنانٍ عَلى النّاسِ أنْ أحْسَنَ خَلْقَهم في جُمْلَةِ إحْسانِ خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ وبِتَخْصِيصِ خَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ. والمَقْصُودُ: أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ - وخاصَّةً الإنْسانَ - خَلْقًا بَعْدُ أنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وأخْرَجَ أصْلَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كَوَّنَ فِيهِ نِظامَ النَّسْلِ مِن ماءٍ، فَكَيْفَ تُعْجِزُهُ إعادَةُ أجْزائِهِ.
والإحْسانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ حَسَنًا، أيْ مَحْمُودًا غَيْرَ مَعِيبٍ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ وافِيًا بِالمَقْصُودِ مِنهُ فَإنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ الأشْياءَ رَأيْتَها مَصْنُوعَةً عَلى ما يَنْبَغِي، فَصَلابَةُ الأرْضِ مَثَلًا لِلسَّيْرِ عَلَيْها، ورِقَّةُ الهَواءِ لِيَسْهُلَ انْتِشاقُهُ لِلتَّنَفُّسِ، وتَوَجُّهُ لَهِيبِ النّارِ إلى فَوْقُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِثْلَ الماءِ تَلْتَهِبُ يَمِينًا وشِمالًا لَكَثُرَتِ الحَرائِقُ فَأمّا الهَواءُ فَلا يَقْبَلُ الِاحْتِراقَ.
وقَوْلُهُ (خَلَقَهُ) قَرَأهُ
نافِعٌ
وعاصِمٌ
وحَمْزَةُ
والكِسائِيُّ
وخَلَفٌ
بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِـ ”شَيْءٍ“ أيْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي خَلَقَها وهم يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنها.
وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ هو بَدَلٌ مِن ”كُلَّ شَيْءٍ“ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
صفحة ٢١٦
وتَخَلَّصَ مِن هَذا الوَصْفِ العامِّ إلى خَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّ في خِلْقَةِ الإنْسانِ دَقائِقُ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ وأعْظَمُها العَقْلُ.
والإنْسانُ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، وبَدْءُ خَلْقِهِ هو خَلْقُ أصْلِهِ آدَمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، أيْ خَلَقْنا أباكم ثُمَّ صَوَّرْناهُ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى هُنا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ بُدِئَ مِن أوَّلِ نَسْلٍ لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَلْقُ آدَمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومِن في قَوْلِهِ ”مِن طِينٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ.
والنَّسْلُ: الأبْناءُ والذُّرِّيَّةُ. سُمِّيَ نَسْلًا لِأنَّهُ يَنْسَلُّ، أيْ يَنْفَصِلُ مِن أصْلِهِ وهو مَأْخُوذٌ مِن نَسَلَ الصُّوفُ والوَبَرُ إذا سَقَطَ عَنْ جِلْدِ الحَيَوانِ، وهو مِن بابَيْ كَتَبَ وضَرَبَ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن سُلالَةٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ. وسُمِّيَتِ النُّطْفَةُ الَّتِي يَتَقَوَّمُ مِنها تَكْوِينُ الجَنِينِ سُلالَةً كَما في الآيَةِ لِأنَّها تَنْفَصِلُ عَنِ الرَّجُلِ، فَقَوْلُهُ ”مِن ماءٍ مَهِينٍ“ بَيانٌ لِـ ”سُلالَةٍ“ . و”مِن“ بَيانِيَّةٌ، فالسُّلالَةُ هي الماءُ المَهِينُ، هَذا هو الظّاهِرُ لِمُتَعارَفِ النّاسِ؛ ولَكِنْ في الآيَةِ إيماءٌ عِلْمِيٌّ لَمْ يُدْرِكْهُ النّاسُ إلّا في هَذا العَصْرِ وهو أنَّ النُّطْفَةَ يَتَوَقَّفُ تَكَوُّنُ الجَنِينِ عَلَيْها لِأنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِن ذَرّاتٍ فِيها تَخْتَلِطُ مَعَ سُلالَةٍ مِنَ المَرْأةِ وما زادَ عَلى ذَلِكَ يَذْهَبُ فَضْلُهُ، فالسُّلالَةُ الَّتِي تَنْفَرِزُ مِنَ الماءِ المَهِينِ هي النَّسْلُ لا جَمِيعُ الماءِ المَهِينِ، فَتَكُونُ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن ماءٍ مَهِينٍ“ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلِابْتِداءِ.
والمَهِينُ: الشَّيْءُ المُمْتَهَنُ الَّذِي لا يُعْبَأُ بِهِ. والغَرَضُ مِن إجْراءِ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِ الِاعْتِبارُ بِنِظامِ التَّكْوِينِ إذْ جَعَلَ اللَّهُ تَكْوِينَ هَذا الجِنْسِ المُكْتَمِلِ التَّرْكِيبِ العَجِيبِ الآثارِ مِن نَوْعِ ماءٍ مِهْراقٍ لا يُعْبَأُ بِهِ ولا يُصانُ.
والتَّسْوِيَةُ: التَّقْوِيمُ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”سَوّاهُ“ عائِدٌ إلى ”نَسْلِهِ“ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ ولِأنَّهُ ظاهِرُ العَطْفِ بِـ ”ثُمَّ“ وإنْ كانَ آدَمُ قَدْ سُوِّيَ ونُفِخَ فِيهِ مِنَ الرُّوحِ، قالَ تَعالى:
صفحة ٢١٧
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] . وذِكْرُ التَّسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ في جانِبِ النَّسْلِ يُؤْذِنُ بِأنَّ أصْلَهُ كَذَلِكَ، فالكَلامُ إيجازٌ.
وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ السِّرِّ العَجِيبِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَكْوِينَهُ إلّا هو تَعالى، فالإضافَةُ تُفِيدُ أنَّهُ مِن أشَدِّ المَخْلُوقاتِ اخْتِصاصًا بِاللَّهِ تَعالى وإلّا فالمَخْلُوقاتُ كُلُّها لِلَّهِ.
والنَّفْخُ: تَمْثِيلٌ لِسَرَيانِ اللَّطِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ في الكَثِيفَةِ الجَسَدِيَّةِ مَعَ سُرْعَةِ الإيداعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ ”وجَعَلَ لَكُمُ“ التِفاتٌ لِأنَّ المُخاطَبِينَ مِن أفْرادِ النّاسِ وجَعْلَ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ غَيْرُ خاصٍّ بِالمُخاطَبِينَ فَلَمّا انْتَهَضَ الِاسْتِدْلالُ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وإتْقانِ المُرادِ مِنَ المَصْنُوعاتِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِطَرِيقَةِ الغَيْبَةِ الشّامِلِ لِلْمُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ ناسَبَ أنْ يُلْتَفَتَ إلى الحاضِرِينَ بِنَقْلِ الكَلامِ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ آثَرُ بِالِامْتِنانِ وأسْعَدُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ”قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ“ . والِامْتِنانُ بِقُوى الحَواسِّ وقُوى العَقْلِ أقْوى مِنَ الِامْتِنانِ بِالخَلْقِ وتَسْوِيَتِهِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِالحَواسِّ والإدْراكِ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ فَهو مَحْسُوسٌ بِخِلافِ التَّكْوِينِ والتَّقْوِيمِ فَهو مُحْتاجٌ إلى النَّظَرِ في آثارِهِ.
والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: وجَعَلَكم سامِعِينَ مُبْصِرِينَ عالِمِينَ إلى ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ أعْرَقُ في الفَصاحَةِ، ولِما تُؤْذِنُ بِهِ اللّامُ مِن زِيادَةِ المِنَّةِ في هَذا الجَعْلِ إذْ كانَ جَعْلًا لِفائِدَتِهِمْ ولِأجْلِهِمْ، ولِما في تَعْلِيقِ الأجْناسِ مِنَ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ بِفِعْلِ الجَعْلِ مِنَ الرَّوْعَةِ والجَلالِ في تَمَكُّنِ التَّصَرُّفِ، ولِأنَّ كَلِمَةَ الأفْئِدَةِ أجْمَعُ مِن كَلِمَةِ عاقِلِينَ لِأنَّ الفُؤادَ يَشْمَلُ الحَواسَّ الباطِنَةَ كُلَّها والعَقْلُ بَعْضٌ مِنها.
وأفْرَدَ السَّمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ، وجَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ النّاسِ.
وتَقْدِيمُ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ تَقَدَّمَ وجْهُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]
صفحة ٢١٨
فِي سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقْدِيمُ السَّمْعِ والأبْصارِ هُنا عَكْسَ آيَةِ البَقَرَةِ لِأنَّهُ رُوعِيَ هُنا تَرْتِيبُ حُصُولِها في الوُجُودِ فَإنَّهُ يَكْتَسِبُ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ قَبْلَ اكْتِسابِ التَّعَقُّلِ.
و”قَلِيلًا“ اسْمُ فاعِلٍ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“، و”ما تَشْكُرُونَ“ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وهو مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ ”قَلِيلًا“، أيْ: أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ وحالُكم قِلَّةُ الشُّكْرِ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَلِيلًا مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ وهي كَوْنُ الشَّيْءِ حاصِلًا ولَكِنَّهُ غَيْرُ كَثِيرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العَدَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]“ . وعَلى الوَجْهَيْنِ يَحْصُلُ التَّوْبِيخُ لِأنَّ النِّعَمَ المُسْتَحِقَّةَ لِلشُّكْرِ وافِرَةٌ دائِمَةٌ فالتَّقْصِيرُ في شُكْرِها وعَدَمُ الشُّكْرِ سَواءٌ.
السجدة 32:8
﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾
خَبَرٌ آخَرُ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ وصْفٌ آخَرُ لِـ ”عالِمُ الغَيْبِ“، وهو ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ مَشُوبٌ بِامْتِنانٍ عَلى النّاسِ أنْ أحْسَنَ خَلْقَهم في جُمْلَةِ إحْسانِ خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ وبِتَخْصِيصِ خَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ. والمَقْصُودُ: أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ - وخاصَّةً الإنْسانَ - خَلْقًا بَعْدُ أنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وأخْرَجَ أصْلَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كَوَّنَ فِيهِ نِظامَ النَّسْلِ مِن ماءٍ، فَكَيْفَ تُعْجِزُهُ إعادَةُ أجْزائِهِ.
والإحْسانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ حَسَنًا، أيْ مَحْمُودًا غَيْرَ مَعِيبٍ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ وافِيًا بِالمَقْصُودِ مِنهُ فَإنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ الأشْياءَ رَأيْتَها مَصْنُوعَةً عَلى ما يَنْبَغِي، فَصَلابَةُ الأرْضِ مَثَلًا لِلسَّيْرِ عَلَيْها، ورِقَّةُ الهَواءِ لِيَسْهُلَ انْتِشاقُهُ لِلتَّنَفُّسِ، وتَوَجُّهُ لَهِيبِ النّارِ إلى فَوْقُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِثْلَ الماءِ تَلْتَهِبُ يَمِينًا وشِمالًا لَكَثُرَتِ الحَرائِقُ فَأمّا الهَواءُ فَلا يَقْبَلُ الِاحْتِراقَ.
وقَوْلُهُ (خَلَقَهُ) قَرَأهُ
نافِعٌ
وعاصِمٌ
وحَمْزَةُ
والكِسائِيُّ
وخَلَفٌ
بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِـ ”شَيْءٍ“ أيْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي خَلَقَها وهم يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنها.
وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ هو بَدَلٌ مِن ”كُلَّ شَيْءٍ“ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
صفحة ٢١٦
وتَخَلَّصَ مِن هَذا الوَصْفِ العامِّ إلى خَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّ في خِلْقَةِ الإنْسانِ دَقائِقُ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ وأعْظَمُها العَقْلُ.
والإنْسانُ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، وبَدْءُ خَلْقِهِ هو خَلْقُ أصْلِهِ آدَمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، أيْ خَلَقْنا أباكم ثُمَّ صَوَّرْناهُ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى هُنا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ بُدِئَ مِن أوَّلِ نَسْلٍ لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَلْقُ آدَمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومِن في قَوْلِهِ ”مِن طِينٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ.
والنَّسْلُ: الأبْناءُ والذُّرِّيَّةُ. سُمِّيَ نَسْلًا لِأنَّهُ يَنْسَلُّ، أيْ يَنْفَصِلُ مِن أصْلِهِ وهو مَأْخُوذٌ مِن نَسَلَ الصُّوفُ والوَبَرُ إذا سَقَطَ عَنْ جِلْدِ الحَيَوانِ، وهو مِن بابَيْ كَتَبَ وضَرَبَ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن سُلالَةٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ. وسُمِّيَتِ النُّطْفَةُ الَّتِي يَتَقَوَّمُ مِنها تَكْوِينُ الجَنِينِ سُلالَةً كَما في الآيَةِ لِأنَّها تَنْفَصِلُ عَنِ الرَّجُلِ، فَقَوْلُهُ ”مِن ماءٍ مَهِينٍ“ بَيانٌ لِـ ”سُلالَةٍ“ . و”مِن“ بَيانِيَّةٌ، فالسُّلالَةُ هي الماءُ المَهِينُ، هَذا هو الظّاهِرُ لِمُتَعارَفِ النّاسِ؛ ولَكِنْ في الآيَةِ إيماءٌ عِلْمِيٌّ لَمْ يُدْرِكْهُ النّاسُ إلّا في هَذا العَصْرِ وهو أنَّ النُّطْفَةَ يَتَوَقَّفُ تَكَوُّنُ الجَنِينِ عَلَيْها لِأنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِن ذَرّاتٍ فِيها تَخْتَلِطُ مَعَ سُلالَةٍ مِنَ المَرْأةِ وما زادَ عَلى ذَلِكَ يَذْهَبُ فَضْلُهُ، فالسُّلالَةُ الَّتِي تَنْفَرِزُ مِنَ الماءِ المَهِينِ هي النَّسْلُ لا جَمِيعُ الماءِ المَهِينِ، فَتَكُونُ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن ماءٍ مَهِينٍ“ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلِابْتِداءِ.
والمَهِينُ: الشَّيْءُ المُمْتَهَنُ الَّذِي لا يُعْبَأُ بِهِ. والغَرَضُ مِن إجْراءِ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِ الِاعْتِبارُ بِنِظامِ التَّكْوِينِ إذْ جَعَلَ اللَّهُ تَكْوِينَ هَذا الجِنْسِ المُكْتَمِلِ التَّرْكِيبِ العَجِيبِ الآثارِ مِن نَوْعِ ماءٍ مِهْراقٍ لا يُعْبَأُ بِهِ ولا يُصانُ.
والتَّسْوِيَةُ: التَّقْوِيمُ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”سَوّاهُ“ عائِدٌ إلى ”نَسْلِهِ“ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ ولِأنَّهُ ظاهِرُ العَطْفِ بِـ ”ثُمَّ“ وإنْ كانَ آدَمُ قَدْ سُوِّيَ ونُفِخَ فِيهِ مِنَ الرُّوحِ، قالَ تَعالى:
صفحة ٢١٧
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] . وذِكْرُ التَّسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ في جانِبِ النَّسْلِ يُؤْذِنُ بِأنَّ أصْلَهُ كَذَلِكَ، فالكَلامُ إيجازٌ.
وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ السِّرِّ العَجِيبِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَكْوِينَهُ إلّا هو تَعالى، فالإضافَةُ تُفِيدُ أنَّهُ مِن أشَدِّ المَخْلُوقاتِ اخْتِصاصًا بِاللَّهِ تَعالى وإلّا فالمَخْلُوقاتُ كُلُّها لِلَّهِ.
والنَّفْخُ: تَمْثِيلٌ لِسَرَيانِ اللَّطِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ في الكَثِيفَةِ الجَسَدِيَّةِ مَعَ سُرْعَةِ الإيداعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ ”وجَعَلَ لَكُمُ“ التِفاتٌ لِأنَّ المُخاطَبِينَ مِن أفْرادِ النّاسِ وجَعْلَ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ غَيْرُ خاصٍّ بِالمُخاطَبِينَ فَلَمّا انْتَهَضَ الِاسْتِدْلالُ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وإتْقانِ المُرادِ مِنَ المَصْنُوعاتِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِطَرِيقَةِ الغَيْبَةِ الشّامِلِ لِلْمُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ ناسَبَ أنْ يُلْتَفَتَ إلى الحاضِرِينَ بِنَقْلِ الكَلامِ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ آثَرُ بِالِامْتِنانِ وأسْعَدُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ”قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ“ . والِامْتِنانُ بِقُوى الحَواسِّ وقُوى العَقْلِ أقْوى مِنَ الِامْتِنانِ بِالخَلْقِ وتَسْوِيَتِهِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِالحَواسِّ والإدْراكِ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ فَهو مَحْسُوسٌ بِخِلافِ التَّكْوِينِ والتَّقْوِيمِ فَهو مُحْتاجٌ إلى النَّظَرِ في آثارِهِ.
والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: وجَعَلَكم سامِعِينَ مُبْصِرِينَ عالِمِينَ إلى ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ أعْرَقُ في الفَصاحَةِ، ولِما تُؤْذِنُ بِهِ اللّامُ مِن زِيادَةِ المِنَّةِ في هَذا الجَعْلِ إذْ كانَ جَعْلًا لِفائِدَتِهِمْ ولِأجْلِهِمْ، ولِما في تَعْلِيقِ الأجْناسِ مِنَ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ بِفِعْلِ الجَعْلِ مِنَ الرَّوْعَةِ والجَلالِ في تَمَكُّنِ التَّصَرُّفِ، ولِأنَّ كَلِمَةَ الأفْئِدَةِ أجْمَعُ مِن كَلِمَةِ عاقِلِينَ لِأنَّ الفُؤادَ يَشْمَلُ الحَواسَّ الباطِنَةَ كُلَّها والعَقْلُ بَعْضٌ مِنها.
وأفْرَدَ السَّمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ، وجَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ النّاسِ.
وتَقْدِيمُ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ تَقَدَّمَ وجْهُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]
صفحة ٢١٨
فِي سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقْدِيمُ السَّمْعِ والأبْصارِ هُنا عَكْسَ آيَةِ البَقَرَةِ لِأنَّهُ رُوعِيَ هُنا تَرْتِيبُ حُصُولِها في الوُجُودِ فَإنَّهُ يَكْتَسِبُ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ قَبْلَ اكْتِسابِ التَّعَقُّلِ.
و”قَلِيلًا“ اسْمُ فاعِلٍ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“، و”ما تَشْكُرُونَ“ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وهو مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ ”قَلِيلًا“، أيْ: أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ وحالُكم قِلَّةُ الشُّكْرِ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَلِيلًا مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ وهي كَوْنُ الشَّيْءِ حاصِلًا ولَكِنَّهُ غَيْرُ كَثِيرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العَدَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]“ . وعَلى الوَجْهَيْنِ يَحْصُلُ التَّوْبِيخُ لِأنَّ النِّعَمَ المُسْتَحِقَّةَ لِلشُّكْرِ وافِرَةٌ دائِمَةٌ فالتَّقْصِيرُ في شُكْرِها وعَدَمُ الشُّكْرِ سَواءٌ.
السجدة 32:9
﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾
خَبَرٌ آخَرُ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ وصْفٌ آخَرُ لِـ ”عالِمُ الغَيْبِ“، وهو ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ مَشُوبٌ بِامْتِنانٍ عَلى النّاسِ أنْ أحْسَنَ خَلْقَهم في جُمْلَةِ إحْسانِ خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ وبِتَخْصِيصِ خَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ. والمَقْصُودُ: أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ - وخاصَّةً الإنْسانَ - خَلْقًا بَعْدُ أنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وأخْرَجَ أصْلَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كَوَّنَ فِيهِ نِظامَ النَّسْلِ مِن ماءٍ، فَكَيْفَ تُعْجِزُهُ إعادَةُ أجْزائِهِ.
والإحْسانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ حَسَنًا، أيْ مَحْمُودًا غَيْرَ مَعِيبٍ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ وافِيًا بِالمَقْصُودِ مِنهُ فَإنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ الأشْياءَ رَأيْتَها مَصْنُوعَةً عَلى ما يَنْبَغِي، فَصَلابَةُ الأرْضِ مَثَلًا لِلسَّيْرِ عَلَيْها، ورِقَّةُ الهَواءِ لِيَسْهُلَ انْتِشاقُهُ لِلتَّنَفُّسِ، وتَوَجُّهُ لَهِيبِ النّارِ إلى فَوْقُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِثْلَ الماءِ تَلْتَهِبُ يَمِينًا وشِمالًا لَكَثُرَتِ الحَرائِقُ فَأمّا الهَواءُ فَلا يَقْبَلُ الِاحْتِراقَ.
وقَوْلُهُ (خَلَقَهُ) قَرَأهُ
نافِعٌ
وعاصِمٌ
وحَمْزَةُ
والكِسائِيُّ
وخَلَفٌ
بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِـ ”شَيْءٍ“ أيْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي خَلَقَها وهم يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنها.
وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ هو بَدَلٌ مِن ”كُلَّ شَيْءٍ“ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
صفحة ٢١٦
وتَخَلَّصَ مِن هَذا الوَصْفِ العامِّ إلى خَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّ في خِلْقَةِ الإنْسانِ دَقائِقُ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ وأعْظَمُها العَقْلُ.
والإنْسانُ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، وبَدْءُ خَلْقِهِ هو خَلْقُ أصْلِهِ آدَمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، أيْ خَلَقْنا أباكم ثُمَّ صَوَّرْناهُ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى هُنا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ بُدِئَ مِن أوَّلِ نَسْلٍ لِآدَمَ وحَوّاءَ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَلْقُ آدَمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومِن في قَوْلِهِ ”مِن طِينٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ.
والنَّسْلُ: الأبْناءُ والذُّرِّيَّةُ. سُمِّيَ نَسْلًا لِأنَّهُ يَنْسَلُّ، أيْ يَنْفَصِلُ مِن أصْلِهِ وهو مَأْخُوذٌ مِن نَسَلَ الصُّوفُ والوَبَرُ إذا سَقَطَ عَنْ جِلْدِ الحَيَوانِ، وهو مِن بابَيْ كَتَبَ وضَرَبَ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن سُلالَةٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ. وسُمِّيَتِ النُّطْفَةُ الَّتِي يَتَقَوَّمُ مِنها تَكْوِينُ الجَنِينِ سُلالَةً كَما في الآيَةِ لِأنَّها تَنْفَصِلُ عَنِ الرَّجُلِ، فَقَوْلُهُ ”مِن ماءٍ مَهِينٍ“ بَيانٌ لِـ ”سُلالَةٍ“ . و”مِن“ بَيانِيَّةٌ، فالسُّلالَةُ هي الماءُ المَهِينُ، هَذا هو الظّاهِرُ لِمُتَعارَفِ النّاسِ؛ ولَكِنْ في الآيَةِ إيماءٌ عِلْمِيٌّ لَمْ يُدْرِكْهُ النّاسُ إلّا في هَذا العَصْرِ وهو أنَّ النُّطْفَةَ يَتَوَقَّفُ تَكَوُّنُ الجَنِينِ عَلَيْها لِأنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِن ذَرّاتٍ فِيها تَخْتَلِطُ مَعَ سُلالَةٍ مِنَ المَرْأةِ وما زادَ عَلى ذَلِكَ يَذْهَبُ فَضْلُهُ، فالسُّلالَةُ الَّتِي تَنْفَرِزُ مِنَ الماءِ المَهِينِ هي النَّسْلُ لا جَمِيعُ الماءِ المَهِينِ، فَتَكُونُ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن ماءٍ مَهِينٍ“ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلِابْتِداءِ.
والمَهِينُ: الشَّيْءُ المُمْتَهَنُ الَّذِي لا يُعْبَأُ بِهِ. والغَرَضُ مِن إجْراءِ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِ الِاعْتِبارُ بِنِظامِ التَّكْوِينِ إذْ جَعَلَ اللَّهُ تَكْوِينَ هَذا الجِنْسِ المُكْتَمِلِ التَّرْكِيبِ العَجِيبِ الآثارِ مِن نَوْعِ ماءٍ مِهْراقٍ لا يُعْبَأُ بِهِ ولا يُصانُ.
والتَّسْوِيَةُ: التَّقْوِيمُ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”سَوّاهُ“ عائِدٌ إلى ”نَسْلِهِ“ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ ولِأنَّهُ ظاهِرُ العَطْفِ بِـ ”ثُمَّ“ وإنْ كانَ آدَمُ قَدْ سُوِّيَ ونُفِخَ فِيهِ مِنَ الرُّوحِ، قالَ تَعالى:
صفحة ٢١٧
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] . وذِكْرُ التَّسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ في جانِبِ النَّسْلِ يُؤْذِنُ بِأنَّ أصْلَهُ كَذَلِكَ، فالكَلامُ إيجازٌ.
وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ السِّرِّ العَجِيبِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَكْوِينَهُ إلّا هو تَعالى، فالإضافَةُ تُفِيدُ أنَّهُ مِن أشَدِّ المَخْلُوقاتِ اخْتِصاصًا بِاللَّهِ تَعالى وإلّا فالمَخْلُوقاتُ كُلُّها لِلَّهِ.
والنَّفْخُ: تَمْثِيلٌ لِسَرَيانِ اللَّطِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ في الكَثِيفَةِ الجَسَدِيَّةِ مَعَ سُرْعَةِ الإيداعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ ”وجَعَلَ لَكُمُ“ التِفاتٌ لِأنَّ المُخاطَبِينَ مِن أفْرادِ النّاسِ وجَعْلَ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ غَيْرُ خاصٍّ بِالمُخاطَبِينَ فَلَمّا انْتَهَضَ الِاسْتِدْلالُ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وإتْقانِ المُرادِ مِنَ المَصْنُوعاتِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِطَرِيقَةِ الغَيْبَةِ الشّامِلِ لِلْمُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ ناسَبَ أنْ يُلْتَفَتَ إلى الحاضِرِينَ بِنَقْلِ الكَلامِ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ آثَرُ بِالِامْتِنانِ وأسْعَدُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ”قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ“ . والِامْتِنانُ بِقُوى الحَواسِّ وقُوى العَقْلِ أقْوى مِنَ الِامْتِنانِ بِالخَلْقِ وتَسْوِيَتِهِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِالحَواسِّ والإدْراكِ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ فَهو مَحْسُوسٌ بِخِلافِ التَّكْوِينِ والتَّقْوِيمِ فَهو مُحْتاجٌ إلى النَّظَرِ في آثارِهِ.
والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: وجَعَلَكم سامِعِينَ مُبْصِرِينَ عالِمِينَ إلى ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ أعْرَقُ في الفَصاحَةِ، ولِما تُؤْذِنُ بِهِ اللّامُ مِن زِيادَةِ المِنَّةِ في هَذا الجَعْلِ إذْ كانَ جَعْلًا لِفائِدَتِهِمْ ولِأجْلِهِمْ، ولِما في تَعْلِيقِ الأجْناسِ مِنَ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ بِفِعْلِ الجَعْلِ مِنَ الرَّوْعَةِ والجَلالِ في تَمَكُّنِ التَّصَرُّفِ، ولِأنَّ كَلِمَةَ الأفْئِدَةِ أجْمَعُ مِن كَلِمَةِ عاقِلِينَ لِأنَّ الفُؤادَ يَشْمَلُ الحَواسَّ الباطِنَةَ كُلَّها والعَقْلُ بَعْضٌ مِنها.
وأفْرَدَ السَّمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ، وجَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ النّاسِ.
وتَقْدِيمُ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ تَقَدَّمَ وجْهُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]
صفحة ٢١٨
فِي سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقْدِيمُ السَّمْعِ والأبْصارِ هُنا عَكْسَ آيَةِ البَقَرَةِ لِأنَّهُ رُوعِيَ هُنا تَرْتِيبُ حُصُولِها في الوُجُودِ فَإنَّهُ يَكْتَسِبُ المَسْمُوعاتِ والمُبْصِراتِ قَبْلَ اكْتِسابِ التَّعَقُّلِ.
و”قَلِيلًا“ اسْمُ فاعِلٍ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“، و”ما تَشْكُرُونَ“ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وهو مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ ”قَلِيلًا“، أيْ: أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ وحالُكم قِلَّةُ الشُّكْرِ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَلِيلًا مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ وهي كَوْنُ الشَّيْءِ حاصِلًا ولَكِنَّهُ غَيْرُ كَثِيرٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العَدَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]“ . وعَلى الوَجْهَيْنِ يَحْصُلُ التَّوْبِيخُ لِأنَّ النِّعَمَ المُسْتَحِقَّةَ لِلشُّكْرِ وافِرَةٌ دائِمَةٌ فالتَّقْصِيرُ في شُكْرِها وعَدَمُ الشُّكْرِ سَواءٌ.
السجدة 32:10
﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ .
الواوُ لِلْحالِ، والحالُ لِلتَّعْجِيبِ مِنهم كَيْفَ أحالُوا إعادَةَ الخَلْقِ وهم يَعْلَمُونَ النَّشْأةَ الأُولى، ولَيْسَتِ الإعادَةُ بِأعْجَبَ مِن بَدْءِ الخَلْقِ وخاصَّةً بَدْءَ خَلْقِ آدَمَ عَنْ عَدَمٍ، وخُلُوُّ الجُمْلَةِ الماضَوِيَّةِ عَنْ حَرْفِ (قَدْ) لا يَقْدَحُ في كَوْنِها حالًا عَلى التَّحْقِيقِ.
والِاسْتِفْهامُ في ”أاْذا ضَلَلْنا“ لِلتَّعَجُّبِ والإحالَةِ، أيْ أظْهَرُوا في كَلامِهِمُ اسْتِبْعادَ البَعْثِ بَعْدَ فَناءِ الأجْسادِ واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ، مُغالَطَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرْوِيجًا لِكُفْرِهِمْ. والضَّلالُ: الغِيابُ، ومِنهُ: ضَلالُ الطَّرِيقِ، والضّالَّةُ: الدّابَّةُ الَّتِي ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها فَلَمْ يُعْرَفْ مَكانُها. وأرادُوا بِذَلِكَ إذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ أجْسادِنا في خِلالِ الأرْضِ واخْتَلَطَتْ بِتُرابِ الأرْضِ. وقِيلَ: الضَّلالُ في الأرْضِ: الدُّخُولُ فِيها بِناءً عَلى أنَّهُ يُقالُ: أضَلَّ النّاسُ المَيِّتَ، أيْ دَفَنُوهُ. وأنْشَدُوا قَوْلَ النّابِغَةِ في رِثاءِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:
فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
وقَرَأهُ نافِعٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: (﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى
صفحة ٢١٩
الإخْبارِ اكْتِفاءً بِدُخُولِ الِاسْتِفْهامِ عَلى أوَّلِ الجُمْلَةِ ومُتَعَلِّقِها. وقَرَأ الباقُونَ (﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) بِهَمْزَتَيْنِ أُولاهُما لِلِاسْتِفْهامِ والثّانِيَةُ تَأْكِيدًا لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الدّاخِلَةِ عَلى ﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أنَّ الكَلامَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ.
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ (﴿إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) بِحَرْفِ ”إنَّ“ لِأنَّهم حَكَوُا القَوْلَ الَّذِي تَعَجَّبُوا مِنهُ وهو ما في القُرْآنِ مِن تَأْكِيدِ تَجْدِيدِ الخَلْقِ فَحَكَوْهُ بِالمَعْنى كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧]، أيْ يُحَقِّقُ لَكم ذَلِكَ.
و”إذا“ ظَرْفٌ وهو مَعْمُولٌ لِما في جُمْلَةِ (﴿إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) مِن مَعْنى الكَوْنِ. والخَلْقُ: مَصْدَرٌ.
و”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ ومَعْناها المُصاحَبَةُ.
والجَدِيدُ: المُحْدَثُ، أيْ غَيْرِ خَلْقِنا الَّذِي كُنّا فِيهِ.
و”بَلْ“ مِن ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ كَلامِهِمْ، أيْ لَيْسَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ لِلِاسْتِبْعادِ والِاسْتِحالَةِ لِأنَّ دَلائِلَ إمْكانِهِ واضِحَةٌ لِكُلِّ مُتَأمِّلٍ ولَكِنَّ الباعِثَ عَلى إنْكارِهِمْ إيّاهُ هو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، أيْ كُفْرُهُمُ الَّذِي تَلَقَّوْهُ عَنْ أئِمَّتِهِمْ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فالمَعْنى: بَلْ هم قَدْ أيْقَنُوا بِانْتِفاءِ البَعْثِ فَهم مُتَعَنِّتُونَ في الكُفْرِ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ لا تَنْفَعُهُمُ الآياتُ والأدِلَّةُ، فالكُفْرُ المُثْبَتُ هُنا كُفْرٌ خاصٌّ وهو غَيْرُ الكُفْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) فَإنَّهُ كُفْرٌ بِلِقاءِ اللَّهِ لَكِنَّهم أظْهَرُوهُ في صُورَةِ الِاسْتِبْعادِ تَشْكِيكًا لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرْوِيجًا لِكُفْرِهِمْ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى ”كافِرُونَ“ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. والإتْيانُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ الدَّوامِ عَلى كُفْرِهِمْ والثَّباتِ عَلَيْهِ.
السجدة 32:11
صفحة ٢٢٠
﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾
اسْتِئْنافُّ ابْتِدائِيٌّ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ لِأنَّ جُمْلَةَ ”قُلْ“ في مَعْنى جَوابٍ لِقَوْلِهِمْ (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]) أُمِرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يُعِيدَ إعْلامَهم بِأنَّهم مَبْعُوثُونَ بَعْدَ المَوْتِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية: ١٥] إذْ هو مَناطُ إنْكارِهِمْ، وأمّا أنَّهم يَتَوَفّاهم مَلَكُ المَوْتِ فَذَكَرَهُ لِتَذْكِيرِهِمْ بِالمَوْتِ وهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّهم ألْهَتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا عَنِ النَّظَرِ في إمْكانِ البَعْثِ والِاسْتِعْدادِ لَهُ فَذُكِّرُوا بِهِ ثُمَّ أُدْمِجَ فِيهِ ذِكْرُ مَلَكِ المَوْتِ لِزِيادَةِ التَّخْوِيفِ مِنَ المَوْتِ والتَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ مِن قَوْلِهِ ”الَّذِي وُكِّلَ بِكم“ فَإنَّهُ مُوَكَّلٌ بِكُلِّ مَيِّتٍ بِما يُناسِبُ مُعامَلَتَهُ عِنْدَ قَبْضِ رُوحِهِ.
وفِيهِ إبْطالٌ لِجَهْلِهِمْ بِأنَّ المَوْتَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ كَما خَلَقَهم يُمِيتُهم وكَما يُمِيتُهم يُحْيِيهِمْ، وأنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ بِإذْنِهِ وتَسْخِيرِ مَلائِكَتِهِ في الحالَيْنِ، وذَلِكَ إبْطالٌ لِقَوْلِهِ ﴿ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ [الجاثية: ٢٤] فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لا في حالِ الحَياةِ ولا في حالِ المَماتِ. وإذا كانَ مَوْتُهم بِفِعْلِ مَلَكِ المَوْتِ المُوَكَّلِ مِنَ اللَّهِ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ ظَهَرَ أنَّهم مَرْدُودَةٌ إلَيْهِمْ أرْواحُهم مَتى شاءَ اللَّهُ.
والتَّوَفِّي: الإماتَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠] في الأنْفالِ.
ومَلَكُ المَوْتِ هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِقَبْضِ الأرْواحِ وقَدْ ورَدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ مُفْرَدًا كَما هُنا ووَرَدَ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠] في سُورَةِ الأنْفالِ وقَوْلِهِ ”﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١]“ في سُورَةِ الأنْعامِ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَلائِكَةً كَثِيرِينَ لَقَبْضِ الأرْواحِ وجَعَلَ مُبَلِّغَ أمْرِ اللَّهِ بِذَلِكَ عِزْرائِيلَ فَإسْنادُ التَّوَفِّي إلَيْهِ كَإسْنادِهِ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ ”﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]“، وجَعَلَ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ أعْوانًا لَهُ وأُولَئِكَ يُسَلِّمُونَ الأرْواحَ إلى عِزْرائِيلَ فَهو يَقْبِضُها ويُودِعُها في مَقارِّها الَّتِي أعَدَّها
صفحة ٢٢١
اللَّهُ لَها، ولَمْ يَرِدِ اسْمُ عِزْرائِيلَ في القُرْآنِ. وقِيلَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ في هَذِهِ الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ فَتَكُونُ كَقَوْلِهِ ”﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١]“ .
السجدة 32:12
﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾
أرْدَفَ ذِكْرَ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِتَصْوِيرِ حالِ المُنْكِرِينَ أثَرَ البَعْثِ وذَلِكَ عِنْدَ حَشْرِهِمْ إلى الحِسابِ، وجِيءَ في تَصْوِيرِ حالِهِمْ بِطَرِيقَةِ حَذْفِ جَوابِ لَوْ حَذْفًا يُرادِفُهُ أنْ تَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مِن تَصْوِيرِ فَظاعَةِ حالِهِمْ وهَوْلِ مَوْقِفِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ، وبِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِإفادَةِ تَناهِي حالِهِمْ في الظُّهُورِ حَتّى لا يَخْتَصَّ بِهِ مُخاطَبٌ. والمَعْنى: لَوْ تَرى أيُّها الرّائِي لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا.
والمُجْرِمُونَ هُمُ الَّذِينَ قالُوا (﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠])، فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ مُجْرِمُونَ، أيْ آتُونَ بِجُرْمٍ وهو جُرْمُ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وتَعْطِيلِ الدَّلِيلِ.
والنّاكِسُ: الَّذِي يَجْعَلُ أعْلى شَيْءٍ إلى أسْفَلَ، يُقالُ: نَكَّسَ رَأْسَهُ، إذا طَأْطَأهُ لِأنَّهُ كَمَن جَعَلَ أعْلى الشَّيْءِ إلى أسْفَلَ.
ونَكْسُ الرُّءُوسِ عَلامَةُ الذُّلِّ والنَّدامَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُلاقُونَ مِنَ التَّقْرِيعِ والإهانَةِ.
والعِنْدِيَّةُ: عِنْدِيَّةُ السُّلْطَةِ، أيْ: وهم في حُكْمِ رَبِّهِمْ لا يَسْتَطِيعُونَ مَحِيدًا عَنْهُ، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالكَوْنِ في مَكانٍ مُخْتَصٍّ بِرَبِّهِمْ في أنَّهم لا يُفْلِتُونَ مِنهُ.
وجُمْلَةُ ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ هو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ يَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ: أبْصَرْنا وسَمِعْنا، وهم يَقُولُونَ ذَلِكَ نَدامَةً وإقْرارًا بِأنَّ ما تَوَعَّدَهُمُ القُرْآنُ بِهِ حَقٌّ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ أبْصَرْنا ومَفْعُولِ سَمِعْنا لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ أبْصَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ المُبْصَرَةِ ما يُصَدِّقُ ما أخْبَرَنا بِهِ فَقَدْ رَأوُا البَعْثَ مِنَ القُبُورِ ورَأوْا ما يُعامَلُ بِهِ المُكَذِّبُونَ، وسَمِعْنا مِن أقْوالِ المَلائِكَةِ ما فِيهِ تَصْدِيقُ الوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَنا
صفحة ٢٢٢
بِهِ، أيْ فَعَلِمْنا أنَّ ما دَعانا إلَيْهِ الرَّسُولُ هو الحَقُّ الَّذِي بِهِ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ فارْجِعْنا إلى الدُّنْيا نَعْمَلْ صالِحًا كَما قالُوا في مَوْطِنٍ آخَرَ ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] .
وقَوْلُهُ ”﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾“ تَعْلِيلٌ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ بِأنَّهم صارُوا مُوقِنِينَ بِحَقِيَّةِ ما يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إلَيْهِ فَكانَتْ ”إنَّ“ مُغَنِيَةً غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ ما يَمْنَعُنا مِن تَحْقِيقِ ما وُعِدْنا بِهِ شَكٌ ولا تَكْذِيبٌ، إنّا أيْقَنّا الآنَ أنَّ ما دُعِينا إلَيْهِ حَقٌّ.
فاسْمُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ”مُوقِنُونَ“ واقِعٌ زَمانَ الحالِ كَما هو أصْلُهُ.
السجدة 32:13
﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾
اعْتِراضٌ بَيْنَ القَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] وبَيْنَ الجَوابِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ﴾ [السجدة: ١٤] فالواوُ الَّتِي في صَدْرِ الجُمْلَةِ اعْتِراضِيَّةٌ، وهي مِن قَبِيلِ واوِ الحالِ.
ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ عَلى ما هو الغالِبُ في فِعْلِ المَشِيئَةِ الواقِعِ شَرْطًا اسْتِغْناءً عَنِ المَفْعُولِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ.
والمَعْنى: لَوْ شِئْنا لَجَبَلْنا كُلَّ نَفْسٍ عَلى الِانْسِياقِ إلى الهُدى بِدُونِ اخْتِيارٍ كَما جُبِلَتِ العَجْماواتُ عَلى ما أُلْهِمَتْ إلَيْهِ مِن نِظامِ حَياةِ أنْواعِها فَلَكانَتِ النُّفُوسُ غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى النَّظَرِ في الهُدى وضِدِّهِ، ولا إلى دَعْوَةٍ مِنَ اللَّهِ إلى طَرِيقِ الهُدى، ولَكِنَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ أنْ يَكِلَ إلى نَوْعِ الإنْسانِ تَعْمِيرَ هَذا العالَمِ، وأنْ يَجْعَلَهُ عُنْوانًا لِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنْ يُفَضِّلَهُ عَلى جَمِيعِ الأنْواعِ والأجْناسِ العامِرَةِ لِهَذا العالَمِ؛ اقْتَضى لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الحِكْمَةِ أنْ يَخْلُقَ في الإنْسانِ عَقْلًا يُدْرِكُ بِهِ النَّفْعَ والضُّرَّ، والكَمالَ والنَّقْصَ، والصَّلاحَ والفَسادَ، والتَّعْمِيرَ والتَّخْرِيبَ، وتَنْكَشِفُ لَهُ بِالتَّدَبُّرِ عَواقِبُ الأعْمالِ المُشْتَبِهَةِ والمُمَوَّهَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ اخْتِيارُ ما يَصْدُرُ عَنْهُ مِن أجْناسِ وأنْواعِ الأفْعالِ الَّتِي هي في مُكْنَتِهِ بِإرادَةٍ تَتَوَجَّهُ إلى الشَّيْءِ وضِدِّهِ، وخَلَقَ فِيهِ مِن أسْبابِ
صفحة ٢٢٣
العَمَلِ وآلاتِهِ مِنَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ إذا كانَتْ سَلِيمَةً فَكانَ بِذَلِكَ مُسْتَطِيعًا لِأنْ يَعْمَلَ وأنْ لا يَعْمَلَ عَلى وِفاقِ مَيْلِهِ واخْتِيارِهِ وكَسْبِهِ. وهَذا المَعْنى هو الَّذِي سَمّاهُ الأشْعَرِيُّ بِالكَسْبِ وبِالِاسْتِطاعَةِ، وتَكَفَّلَ لَهُ بِإعانَتِهِ عَلى ما خَلَقَ لَهُ مِنَ الإدْراكِ يَدْعُوهُ إلى ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهُ مِنَ الهُدى والصَّلاحِ في هَذا العالَمِ بِواسِطَةِ رُسُلٍ مِن نَوْعِهِ يُبَلِّغُونَ إلَيْهِ مُرادَ رَبِّهِمْ فَطَرَهم عَلى الصِّفاتِ المَلَكِيَّةِ وجَعَلَهم وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ في إبْلاغِ مُرادِ رَبِّهِمْ إلَيْهِمْ.
ووَعْدُهُ النّاسَ بِالجَزاءِ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ وفِعْلِ الشَّرِّ بِما فِيهِ باعِثٌ عَلى الخَيْرِ ورادِعٌ عَنِ الشَّرِّ.
وقَدْ أرادَ اللَّهُ أنْ يُفَضِّلَ هَذا النَّوْعَ بِأنْ يَجْعَلَ مِنهُ عُمّارًا لِعالَمِ الكَمالِ الخالِدِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ فَجَعَلَ لِأهْلِ الكَمالِ الدِّينِيِّ مَراتِبَ سامِيَةً مُتَفاوِتَةً في عالَمِ الخُلْدِ عَلى تَفاوُتِ نُفُوسِهِمْ في مَيْدانِ السَّبْقِ إلى الكَمالاتِ، وجَعَلَ أضْدادَ هَؤُلاءِ عُمّارًا لِهُوَّةِ النَّقائِصِ فَمَلَأ مِنهم تِلْكَ الهُوَّةَ المُسَمّاةَ جَهَنَّمَ.
فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ البالِغِ مِنَ الإيجازِ مَبْلَغَ الإعْجازِ، إذْ حَذَفَ مُعْظَمَ ما أُرِيدَ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ الوارِدِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾؛ فَإنَّ مُقْتَضى الِاسْتِدْراكِ أنْ يُقَّدَّرَ: ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ بَلْ شِئْنا أنْ نَخْلُقَ النّاسَ مُخْتارِينَ بَيْنَ طَرِيقَيِ الهُدى والضَّلالِ، ووَضَعْنا لَهم دَواعِيَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وأرَيْناهم وسائِلَ النَّجاةِ والِارْتِباكِ بِالشَّرائِعِ قالَ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، أيِ الطَّرِيقَيْنِ، وحَقَّقْنا الأخْبارَ عَنِ الجَزاءَيْنِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ بِالجَنَّةِ وجَهَنَّمَ فَلْأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ بِأهْلِ الضَّلالِ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، فَدَخَلَ هَذا في قَوْلِهِ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ بِما يُشْبِهُ دَلالَةَ الِاقْتِضاءِ، وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا قَوْلُ النَّبِي ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها مِلْأها وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها مِلْأها» .
وإنَّما اخْتِيرَ الِاقْتِصارُ في المَنطُوقِ بِهِ الدّالِّ عَلى المَحْذُوفِ عَلى شِقِّ مَصِيرِ أهْلِ الضَّلالِ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِسِياقِ الِاعْتِراضِ إثْرَ كَلامِ أهْلِ الضَّلالَةِ في يَوْمِ الجَزاءِ، ولِأنَّهُ أظْهَرُ في تَعَلُّقِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ بِمَضْمُونِ اقْتِراحِهِمْ، أيْ لَوْ كانَ
صفحة ٢٢٤
إرْجاعُهم إلى الدُّنْيا لِيَعْمَلُوا الصّالِحاتِ مُقْتَضًى لِحِكْمَتِنا لَكُنّا جَبَلْناهم عَلى الهُدى في حَياتِهِمُ الدُّنْيا فَكانُوا يَأْتُونَ الصّالِحاتِ بِالقَسْرِ والإلْجاءِ.
فالمُرادُ ”القَوْلُ“ ما أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ أهْلَ الشِّرْكِ والضَّلالِ.
والجِنَّةُ: الجِنُّ وهم شَياطِينُ.
وجَعَلَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهُ ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ إلى آخِرِهِ جَوابًا مُوَجَّهًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى إلى المُجْرِمِينَ عَنْ قَوْلِهِمْ ”﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السجدة: ١٢]“ إلَخْ.
ووُجُودُ الواوِ في أوَّلِ هَذا الكَلامِ يُنادِي عَلى أنَّهُ لَيْسَ جَوابًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ فَهم أقَلُّ مِن أنْ يُجْعَلُوا أهْلًا لِتَلَقِّي هَذِهِ الحِكْمَةِ بَلْ حَقُّهُمُ الإعْراضُ عَنْ جَوابِهِمْ كَما جاءَ في آيَةِ ”سُورَةِ المُؤْمِنُونَ“ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ولِأنَّهُ لا يُلاقِي سُؤالَهم لِأنَّهم سَألُوا الرُّجُوعَ لِيَعْمَلُوا صالِحًا ولَمْ يَكُنْ كَلامُهُمُ اعْتِذارًا عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُؤْتِهِمُ الهُدى في الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما هَذا بَيانٌ مِنَ اللَّهِ ساقَهُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ لِيُحِيطُوا عِلْمًا بِدَقائِقِ الحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ.
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ في حَقَّ القَوْلُ مِنِّي فَلَمْ يَقُلْ: حَقَّ قَوْلِي، لِأنَّهُ أُرِيدَ الإشارَةُ إلى قَوْلٍ مَعْهُودٍ وهو ما في سُورَةِ ص ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] أيْ حَقَّ القَوْلُ المَعْهُودُ، واجْتُلِبَتْ (مِنَ) الِابْتِدائِيَّةُ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ هَذا القَوْلِ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ.
وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ العَظَمَةِ إلى ضَمِيرِ النَّفْسِ لِإفادَةِ الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ ولِأنَّهُ الأصْلُ، مَعَ ما في هَذا الِاخْتِلافِ مِنَ التَّفَنُّنِ.
السجدة 32:14
﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] الَّذِي هو إقْرارٌ بِصِدْقِ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ، المُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] . فالفاءُ لِتَفْرِيعِ جَوابٍ
صفحة ٢٢٥
عَنْ إقْرارِهِمْ إلْزامًا لَهم بِمُوجَبِ إقْرارِهِمْ، أيْ فَيَتَفَرَّعُ عَلى اعْتِرافِكم بِحَقِيَّةِ ما كانَ الرَّسُولُ يَدْعُوكم إلَيْهِ أنْ يَلْحَقَكم عَذابُ النّارِ.
ومَجِيءُ التَّفْرِيعِ مِنَ المُتَكَلِّمِ عَلى ما هو مِن كَلامِ المُخاطَبِ فِيهِ إلْزامٌ بِالحُجَّةِ كالفاءاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] وقَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لِأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وقَوْلِهِ ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]؛ فَهَذِهِ خَمْسُ فاءاتٍ كُلُّ فاءٍ مِنها هي تَفْرِيعٌ مِنَ المُتَكَلِّمِ بِها عَلى كَلامِ غَيْرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في العَطْفِ بِالواوِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالَ: ”ومِن ذُرِّيَّتِي“ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْتِعْمالُ الذَّوْقِ بِمَعْنى مُطْلَقِ الإحْساسِ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ.
ومَفْعُولُ ذُوقُوا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ فَذُوقُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِمّا دَعاكم إلى أنْ تَسْألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا.
والنِّسْيانُ الأوَّلُ: الإهْمالُ والإضاعَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”فَنَسِيَ“ في سُورَةِ طه.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ إهْمالِكُمُ الِاسْتِعْدادَ لِهَذا اليَوْمِ. والنِّسْيانُ في قَوْلِهِ ”﴿نَسِيناكُمْ﴾“ مُسْتَعْمَلٌ في الحِرْمانِ مِنَ الكَرامَةِ مَعَ المُشاكَلَةِ.
واللِّقاءُ: حَقِيقَتُهُ العُثُورِ عَلى ذاتٍ، فَمِنهُ لِقاءُ الرَّجُلِ غَيْرَهُ وتَجِيءُ مِنهُ المُلاقاةُ، ومِنهُ: لِقاءُ المَرْءِ ضالَّةً أوْ نَحْوَها. وقَدْ جاءَ مِنهُ: شَيْءٌ لَقًى، أيْ مَطْرُوحٌ. ولِقاءُ اليَوْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مَجازٌ في حُلُولِ اليَوْمِ ووُجُودِهِ عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ كَأنَّهُ عُثِرَ عَلَيْهِ.
وإضافَةُ يَوْمٍ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَهُ فَلَمّا تَحَقَّقُوهُ جُعِلَ كَأنَّهُ أشَدُّ اخْتِصاصًا بِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ لِأنَّ اليَوْمَ إذا أُضِيفَ إلى القَوْمِ أوِ الجَماعَةِ إذا كانَ يَوْمَ انْتِصارٍ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ قالَ السَّمَوْألُ:
وأيّامُنا مَشْهُورَةٌ في عَدُوِّنا لَها غُرَرٌ مَعْلُومَةٌ وحُجُولُ
صفحة ٢٢٦
ويَقُولُونَ: أيّامُ بَنِي فُلانٍ عَلى بَنِي فُلانٍ، أيْ أيّامُ انْتِصارِهِمْ. وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَ الإضافَةِ عَلى مَعْنى اللّامِ وهي تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ المُنْتَزَعَ مِنَ المِلْكِ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
وأيّامٍ لَنا غُرٍّ طِوالٍ
وقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ [النبإ: ٣٩]، أيْ يَوْمُ نَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ نَصْرًا مُؤَبَّدًا، أيْ لَيْسَ كَأيّامِكم في الدُّنْيا الَّتِي هي أيّامُ نَصْرٍ زائِلٍ.
والإشارَةُ بِـ ”هَذا“ إلى اليَوْمِ تَهْوِيلًا لَهُ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ المُجْرِمِينَ إذا سَمِعُوا ما عَلِمُوا مِنهُ أنَّهم مُلاقُو العَذابِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ تَطَلَّعُوا إلى مَعْرِفَةِ مَدى هَذا العَذابِ المَذُوقِ وهَلْ لَهم مِنهُ مَخْلَصٌ وهَلْ يُجابُونَ إلى ما سَألُوا مِنَ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا ما فاتَهم مِنَ التَّصْدِيقِ، فَأُعْلِمُوا بِأنَّ اللَّهَ مُمْهِلٌ شَأْنَهم، أيْ لا يَسْتَجِيبُ لَهم وهو كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِهِمْ فِيما أُذِيقُوهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طَهَ قَوْلُهُ: ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] فَشُبِّهَ بِالنِّسْيانِ إظْهارًا لِلْعَدْلِ في الجَزاءِ وأنَّهُ مِن جِنْسِ العَمَلِ المُجازى عَنْهُ.
وقَدْ حُقِّقَ هَذا الخَبَرُ بِمُؤَكِّداتٍ وهي حَرْفُ التَّوْكِيدِ، وإخْراجُ الكَلامِ في صِيغَةِ الماضِي عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن زَمَنِ الحالِ لِإفادَةِ تَحَقُّقِ الفِعْلِ حَتّى كَأنَّهُ مَضى ووَقَعَ.
وقَوْلُهُ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ، وهو وإنْ أفادَ تَأْكِيدَ تَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَإنَّ عَطْفَهُ مُراعًى فِيهِ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ المُغايَرَةِ بِالمُتَعَلِّقاتِ والقُيُودِ مُغايَرَةً اقْتَضَتْ أنْ تُعْتَبَرَ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُفِيدَةً فائِدَةً أُخْرى؛ فالجُمْلَةُ الأُولى تَضَمَّنَتْ أنَّ مِن سَبَبِ اسْتِحْقاقِهِمْ تِلْكَ الإذاقَةِ إهْمالَهُمُ التَّدَبُّرَ في حُلُولِ هَذا اليَوْمِ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ تَضَمَّنَتْ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ مُسْتَمِرٌّ وأنَّ سَبَبَ اسْتِمْرارِ العَذابِ وعَدَمِ تَخْفِيفِهِ أعْمالُهُمُ الخاطِئَةُ وهي أعَمُّ مِن نِسْيانِهِمْ لِقاءَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ.
السجدة 32:15
صفحة ٢٢٧
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ”أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ“ الآيَةَ، تَفَرَّغَ المَقامُ لَهُ بَعْدَ أنْ أنْحى بِالتَّقْرِيعِ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ عَلى كُفْرِهِمْ بِلِقاءِ اللَّهِ، بِما أفادَتِ اسْمِيَّةُ جُمْلَةِ ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] مِن أنَّهم ثابِتُونَ عَلى الكُفْرِ بِلِقاءِ اللَّهِ دائِمُونَ عَلَيْهِ، وهو مِمّا أنْذَرَتْهم بِهِ آياتُ القُرْآنِ، فالتَّكْذِيبُ بِلِقاءِ اللَّهِ تَكْذِيبٌ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ فَهم لا يُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أوْصافُهم هُنا.
والمُرادُ بِالآياتِ هُنا آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾“ بِتَشْدِيدِ الكافِ، أيْ أُعِيدَ ذِكْرُها عَلَيْهِمْ وتَكَرَّرَتْ تِلاوَتُها عَلى مَسامِعِهِمْ.
ومُفادُ إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها تَذْكِيرًا بِما سَبَقَ لَهم سَماعُهُ لَمْ يَتَرَيَّثُوا عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ لِلَّهِ دُونَ الَّذِينَ قالُوا (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠])، وهَذا تَأْيِيسٌ لِلنَّبِيِ ﷺ مِن إيمانِهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ المُسْلِمِينَ بِإيمانِهِمْ ولا يَغِيظُونَهم بِالتَّصَلُّبِ في الكُفْرِ.
وأُوثِرَتْ صِيغَةُ المُضارِعِ في إنَّما يُؤْمِنُ لِما تُشْعِرُ بِهِ مِن أنَّهم يَتَجَدَّدُونَ في الإيمانِ ويَزْدادُونَ يَقِينًا وقْتًا فَوَقْتًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإلّا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ حَصَلَ إيمانُهم فِيما مَضى فَفِعْلُ المُضِيِّ آثَرُ بِحِكايَةِ حالِهِمْ في الكَلامِ المُتَداوَلِ لَوْلا هَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ، ولِهَذا عُرِّفُوا بِالمَوْصُولِيَّةِ والصِّلَةِ الدّالِّ مَعْناها عَلى أنَّهم راسِخُونَ في الإيمانِ، فَعَبَّرَ عَنْ إبْلاغِهِمْ آياتِ القُرْآنِ وتِلاوَتِها عَلى أسْماعِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ المُقْتَضِي أنَّ ما تَتَضَمَّنَهُ الآياتُ حَقائِقُ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَهم لا يُفادُونَ بِها فائِدَةً لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً في نُفُوسِهِمْ ولَكِنَّها تُكْسِبُهم تَذْكِيرًا ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] . وهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الصِّلَةُ هي حالُهُمُ الَّتِي عُرِفُوا بِها لِقُوَّةِ إيمانِهِمْ وتَمَيَّزُوا بِها عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولَيْسَتْ تَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يَسْجُدُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ ولَمْ يُسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُونَ، ولَكِنَّ هَذِهِ
صفحة ٢٢٨
حالَةُ أكْمَلِ الإيمانِ وهي حالَةُ المُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيِ ﷺ يَوْمَئِذٍ عُرِفُوا بِها، وهَذا كَما تَقُولُ لِلسّائِلِ عَنْ عُلَماءِ البَلَدِ: هُمُ الَّذِينَ يَلْبَسُونَ عَمائِمَ صِفَتُها كَذا. جاءَ في تَرْجَمَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ ما أفْتى حَتّى أجازَهُ سَبْعُونَ مُحَنَّكًا، أيْ عالِمًا يَجْعَلُ شُقَّةً مِن عِمامَتِهِ تَحْتَ حَنَكِهِ وهي لُبْسَةُ أهْلِ الفِقْهِ والحَدِيثِ. قالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قُلْتُ لِأُمِّي: أذْهَبُ فَأكْتُبُ العِلْمَ، فَقالَتْ: تَعالَ فالبَسْ ثِيابَ العِلْمِ. فَألْبَسَتْنِي ثِيابًا مُشَمَّرَةً ووَضَعَتِ الطَّوِيلَةَ عَلى رَأْسِي وعَمَّمَتْنِي فَوْقَها.
والخُرُورُ: الهُوِيُّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ.
والسُّجُودُ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ إرادَةَ التَّعْظِيمِ والخُضُوعِ.
وانْتَصَبَ سُجَّدًا عَلى الحالِ المُبَيِّنَةِ لِلْقَصْدِ مِن خَرُّوا، أيْ سُجَّدًا لِلَّهِ وشُكْرًا لَهُ عَلى ما حَباهم بِهِ مِنَ العِلْمِ والإيمانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَرْنُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ . والباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] .
ودَلَّتِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى اتِّصالِ تَعَلُّقِ حُصُولِ الجَوابِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ وتَلازُمِهِما.
وجِيءَ في نَفْيِ التَّكَبُّرِ عَنْهم بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ دُونَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ الكِبْرُ خُلُقُهم فَهم لا يَرْضَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ بِالِانْقِيادِ لِلنَّبِيءِ مِنهم وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] .
وقَوْلُهُ تَعالى ”﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾“ مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِن سَجَداتِ تِلاوَةِ القُرْآنِ رَجاءَ أنْ يَكُونَ التّالِي مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ سَجَدُوا، فالقارِئُ يَقْتَدِي بِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أيِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا ومِن حالِهِمْ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ.
وجِيءَ فِيها بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ وتُجَدُّدِهِ مِنهم في أجْزاءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الأوْقاتِ المُعَدَّةِ لِلِاضْطِجاعِ وهي الأوْقاتُ الَّتِي الشَّأْنُ فِيها النَّوْمُ.
صفحة ٢٢٩
والتَّجافِي: التَّباعُدُ والمُتارَكَةُ، والمَعْنى: أنَّ تَجافِيَ جُنُوبِهِمْ عَنِ المَضاجِعِ يَتَكَرَّرُ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ، أيْ يُكْثِرُونَ السَّهَرَ بِقِيامِ اللَّيْلِ والدُّعاءِ لِلَّهِ؛ وقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِصَلاةِ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، كَما سَيَأْتِي في حَدِيثِ مُعاذٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ.
والمَضاجِعُ: الفُرُشُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو مَكانُ الضَّجْعِ، أيِ الِاسْتِلْقاءِ لِلرّاحَةِ والنَّوْمِ. و(ألْ) فِيهِ عِوَضٌ عَنَ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ مَضاجِعِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] .
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ يُمْضُونَ لَيْلَهم بِالنَّوْمِ لا يَصْرِفُهُ عَنْهم تَفَكُّرٌ بَلْ يَسْقُطُونَ كَما تَسْقُطُ الأنْعامُ. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ
بِقَوْلِهِ يَصِفُ النَّبِيءَ ﷺ وهو سَيِّدُ أصْحابِ هَذا الشَّأْنِ:
يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
وجُمْلَةُ يَدْعُونَ رَبَّهم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ جُنُوبِهِمْ والأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ تَتَجافى جُنُوبُهم.
وانْتَصَبَ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ خائِفِينَ وطامِعِينَ، أيْ مِن غَضَبِهِ وطَمَعًا في رِضاهُ وثَوابِهِ، أيْ هاتانِ صِفَتانِ لَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن رَبِّهِمْ والطَّمَعِ في رَحْمَتِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ إيثارَهُمُ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ عَلى حُظُوظِ لَذّاتِهِمُ الجَسَدِيَّةِ ذَكَرَ مَعَهُ إيثارَهم إيّاهُ عَلى ما بِهِ نَوالُ لَذّاتٍ أُخْرى وهو المالُ إذْ يُنْفِقُونَ مِنهُ ما لَوْ أبْقَوْهُ لَكانَ مَجْلَبَةَ راحَةٍ لَهم فَقالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ولَوْ أيْسَرَ أغْنِياؤُهم فُقَراءَهم.
ثُمَّ عَظَّمَ اللَّهُ جَزاءَهم إذْ قالَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ لا تَبْلُغُ نَفْسٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا مُعَرِفَةَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم قالَ النَّبِيءُ ﷺ قالَ اللَّهُ تَعالى: «أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ ”نَفْسٌ“ في هَذِهِ الآيَةِ أصْحابُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ
صفحة ٢٣٠
فَإنَّ مُدْرَكاتِ العُقُولِ مُنْتَهِيَةٌ إلى ما تُدْرِكُهُ الأبْصارُ مِنَ المَرْئِيّاتِ مِنَ الجَمالِ والزِّينَةِ، وما تُدْرِكُهُ الأسْماعُ مِن مَحاسِنِ الأقْوالِ ومَحامِدِها ومَحاسِنِ النَّغَماتِ، وإلى ما تَبْلُغُ إلَيْهِ المُتَخَيَّلاتُ مِن هَيْئاتٍ يَرْكَبُها الخَيالُ مِن مَجْمُوعِ ما يَعْهَدُهُ مِنَ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ مِثْلَ الأنْهارِ مِن عَسَلٍ أوْ خَمْرٍ أوْ لَبَنٍ، ومِثْلَ القُصُورِ والقِبابِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، ومِثْلَ الأشْجارِ مِن زَبَرْجَدٍ، والأزْهارِ مِن ياقُوتٍ، وتُرابٍ مِن مِسْكٍ وعَنْبَرٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ قَلِيلٌ في جانِبِ ما أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ مِن هَذِهِ المَوْصُوفاتِ ولا تَبْلُغُهُ صِفاتُ الواصِفِينَ لِأنَّ مُنْتَهى الصِّفَةِ مَحْصُورٌ فِيما تَنْتَهِي إلَيْهِ دَلالاتُ اللُّغاتِ مِمّا يَخْطُرُ عَلى قُلُوبِ البَشَرِ فَلِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهَذا كَقَوْلِهِمْ في تَعْظِيمِ شَيْءٍ: هَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
فَلَمْ يَدْرِ إلّا اللَّهُ ما هَيَّجَتْ لَنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ آناءِ الدِّيارِ وِشامُها
وعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ النِّعَمِ بِما أُخْفِيَ لِأنَّها مُغَيَّبَةٌ لا تُدْرَكُ إلّا في عالَمِ الخُلُودِ.
وقُرَّةُ الأعْيُنِ: كِنايَةٌ عَنِ المَسَرَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ”وقَرِّي عَيْنًا“ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (أُخْفِيَ) بِفَتْحِ الياءِ بِصِيغَةِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ (أُخْفِي) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفْتَتَحِ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ والياءِ ساكِنَةً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ما أُخْفِي لَهم وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيءُ ﷺ أنَّهُ جَزاءٌ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الصّالِحاتِ في حَدِيثٍ أغَرَّ رَواهُ
التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «قَلَتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي عَنِ النّارِ. قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وتُقِيمُ الصَّلاةَ وتُؤْتِي الزَّكاةَ وتَصُومُ رَمَضانَ وتَحُجُّ البَيْتَ ثُمَّ قالَ: ألا أدُلُّكَ عَلى أبْوابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ تَلا ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ حَتّى بَلَغَ ”. . . يَعْمَلُونَ“ . . الحَدِيثَ» .
السجدة 32:16
صفحة ٢٢٧
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ”أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ“ الآيَةَ، تَفَرَّغَ المَقامُ لَهُ بَعْدَ أنْ أنْحى بِالتَّقْرِيعِ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ عَلى كُفْرِهِمْ بِلِقاءِ اللَّهِ، بِما أفادَتِ اسْمِيَّةُ جُمْلَةِ ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] مِن أنَّهم ثابِتُونَ عَلى الكُفْرِ بِلِقاءِ اللَّهِ دائِمُونَ عَلَيْهِ، وهو مِمّا أنْذَرَتْهم بِهِ آياتُ القُرْآنِ، فالتَّكْذِيبُ بِلِقاءِ اللَّهِ تَكْذِيبٌ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ فَهم لا يُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أوْصافُهم هُنا.
والمُرادُ بِالآياتِ هُنا آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾“ بِتَشْدِيدِ الكافِ، أيْ أُعِيدَ ذِكْرُها عَلَيْهِمْ وتَكَرَّرَتْ تِلاوَتُها عَلى مَسامِعِهِمْ.
ومُفادُ إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها تَذْكِيرًا بِما سَبَقَ لَهم سَماعُهُ لَمْ يَتَرَيَّثُوا عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ لِلَّهِ دُونَ الَّذِينَ قالُوا (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠])، وهَذا تَأْيِيسٌ لِلنَّبِيِ ﷺ مِن إيمانِهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ المُسْلِمِينَ بِإيمانِهِمْ ولا يَغِيظُونَهم بِالتَّصَلُّبِ في الكُفْرِ.
وأُوثِرَتْ صِيغَةُ المُضارِعِ في إنَّما يُؤْمِنُ لِما تُشْعِرُ بِهِ مِن أنَّهم يَتَجَدَّدُونَ في الإيمانِ ويَزْدادُونَ يَقِينًا وقْتًا فَوَقْتًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإلّا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ حَصَلَ إيمانُهم فِيما مَضى فَفِعْلُ المُضِيِّ آثَرُ بِحِكايَةِ حالِهِمْ في الكَلامِ المُتَداوَلِ لَوْلا هَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ، ولِهَذا عُرِّفُوا بِالمَوْصُولِيَّةِ والصِّلَةِ الدّالِّ مَعْناها عَلى أنَّهم راسِخُونَ في الإيمانِ، فَعَبَّرَ عَنْ إبْلاغِهِمْ آياتِ القُرْآنِ وتِلاوَتِها عَلى أسْماعِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ المُقْتَضِي أنَّ ما تَتَضَمَّنَهُ الآياتُ حَقائِقُ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَهم لا يُفادُونَ بِها فائِدَةً لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً في نُفُوسِهِمْ ولَكِنَّها تُكْسِبُهم تَذْكِيرًا ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] . وهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الصِّلَةُ هي حالُهُمُ الَّتِي عُرِفُوا بِها لِقُوَّةِ إيمانِهِمْ وتَمَيَّزُوا بِها عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولَيْسَتْ تَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يَسْجُدُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ ولَمْ يُسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُونَ، ولَكِنَّ هَذِهِ
صفحة ٢٢٨
حالَةُ أكْمَلِ الإيمانِ وهي حالَةُ المُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيِ ﷺ يَوْمَئِذٍ عُرِفُوا بِها، وهَذا كَما تَقُولُ لِلسّائِلِ عَنْ عُلَماءِ البَلَدِ: هُمُ الَّذِينَ يَلْبَسُونَ عَمائِمَ صِفَتُها كَذا. جاءَ في تَرْجَمَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ ما أفْتى حَتّى أجازَهُ سَبْعُونَ مُحَنَّكًا، أيْ عالِمًا يَجْعَلُ شُقَّةً مِن عِمامَتِهِ تَحْتَ حَنَكِهِ وهي لُبْسَةُ أهْلِ الفِقْهِ والحَدِيثِ. قالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قُلْتُ لِأُمِّي: أذْهَبُ فَأكْتُبُ العِلْمَ، فَقالَتْ: تَعالَ فالبَسْ ثِيابَ العِلْمِ. فَألْبَسَتْنِي ثِيابًا مُشَمَّرَةً ووَضَعَتِ الطَّوِيلَةَ عَلى رَأْسِي وعَمَّمَتْنِي فَوْقَها.
والخُرُورُ: الهُوِيُّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ.
والسُّجُودُ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ إرادَةَ التَّعْظِيمِ والخُضُوعِ.
وانْتَصَبَ سُجَّدًا عَلى الحالِ المُبَيِّنَةِ لِلْقَصْدِ مِن خَرُّوا، أيْ سُجَّدًا لِلَّهِ وشُكْرًا لَهُ عَلى ما حَباهم بِهِ مِنَ العِلْمِ والإيمانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَرْنُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ . والباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] .
ودَلَّتِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى اتِّصالِ تَعَلُّقِ حُصُولِ الجَوابِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ وتَلازُمِهِما.
وجِيءَ في نَفْيِ التَّكَبُّرِ عَنْهم بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ دُونَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ الكِبْرُ خُلُقُهم فَهم لا يَرْضَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ بِالِانْقِيادِ لِلنَّبِيءِ مِنهم وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] .
وقَوْلُهُ تَعالى ”﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾“ مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِن سَجَداتِ تِلاوَةِ القُرْآنِ رَجاءَ أنْ يَكُونَ التّالِي مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ سَجَدُوا، فالقارِئُ يَقْتَدِي بِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أيِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا ومِن حالِهِمْ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ.
وجِيءَ فِيها بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ وتُجَدُّدِهِ مِنهم في أجْزاءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الأوْقاتِ المُعَدَّةِ لِلِاضْطِجاعِ وهي الأوْقاتُ الَّتِي الشَّأْنُ فِيها النَّوْمُ.
صفحة ٢٢٩
والتَّجافِي: التَّباعُدُ والمُتارَكَةُ، والمَعْنى: أنَّ تَجافِيَ جُنُوبِهِمْ عَنِ المَضاجِعِ يَتَكَرَّرُ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ، أيْ يُكْثِرُونَ السَّهَرَ بِقِيامِ اللَّيْلِ والدُّعاءِ لِلَّهِ؛ وقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِصَلاةِ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، كَما سَيَأْتِي في حَدِيثِ مُعاذٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ.
والمَضاجِعُ: الفُرُشُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو مَكانُ الضَّجْعِ، أيِ الِاسْتِلْقاءِ لِلرّاحَةِ والنَّوْمِ. و(ألْ) فِيهِ عِوَضٌ عَنَ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ مَضاجِعِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] .
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ يُمْضُونَ لَيْلَهم بِالنَّوْمِ لا يَصْرِفُهُ عَنْهم تَفَكُّرٌ بَلْ يَسْقُطُونَ كَما تَسْقُطُ الأنْعامُ. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ
بِقَوْلِهِ يَصِفُ النَّبِيءَ ﷺ وهو سَيِّدُ أصْحابِ هَذا الشَّأْنِ:
يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
وجُمْلَةُ يَدْعُونَ رَبَّهم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ جُنُوبِهِمْ والأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ تَتَجافى جُنُوبُهم.
وانْتَصَبَ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ خائِفِينَ وطامِعِينَ، أيْ مِن غَضَبِهِ وطَمَعًا في رِضاهُ وثَوابِهِ، أيْ هاتانِ صِفَتانِ لَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن رَبِّهِمْ والطَّمَعِ في رَحْمَتِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ إيثارَهُمُ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ عَلى حُظُوظِ لَذّاتِهِمُ الجَسَدِيَّةِ ذَكَرَ مَعَهُ إيثارَهم إيّاهُ عَلى ما بِهِ نَوالُ لَذّاتٍ أُخْرى وهو المالُ إذْ يُنْفِقُونَ مِنهُ ما لَوْ أبْقَوْهُ لَكانَ مَجْلَبَةَ راحَةٍ لَهم فَقالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ولَوْ أيْسَرَ أغْنِياؤُهم فُقَراءَهم.
ثُمَّ عَظَّمَ اللَّهُ جَزاءَهم إذْ قالَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ لا تَبْلُغُ نَفْسٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا مُعَرِفَةَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم قالَ النَّبِيءُ ﷺ قالَ اللَّهُ تَعالى: «أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ ”نَفْسٌ“ في هَذِهِ الآيَةِ أصْحابُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ
صفحة ٢٣٠
فَإنَّ مُدْرَكاتِ العُقُولِ مُنْتَهِيَةٌ إلى ما تُدْرِكُهُ الأبْصارُ مِنَ المَرْئِيّاتِ مِنَ الجَمالِ والزِّينَةِ، وما تُدْرِكُهُ الأسْماعُ مِن مَحاسِنِ الأقْوالِ ومَحامِدِها ومَحاسِنِ النَّغَماتِ، وإلى ما تَبْلُغُ إلَيْهِ المُتَخَيَّلاتُ مِن هَيْئاتٍ يَرْكَبُها الخَيالُ مِن مَجْمُوعِ ما يَعْهَدُهُ مِنَ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ مِثْلَ الأنْهارِ مِن عَسَلٍ أوْ خَمْرٍ أوْ لَبَنٍ، ومِثْلَ القُصُورِ والقِبابِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، ومِثْلَ الأشْجارِ مِن زَبَرْجَدٍ، والأزْهارِ مِن ياقُوتٍ، وتُرابٍ مِن مِسْكٍ وعَنْبَرٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ قَلِيلٌ في جانِبِ ما أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ مِن هَذِهِ المَوْصُوفاتِ ولا تَبْلُغُهُ صِفاتُ الواصِفِينَ لِأنَّ مُنْتَهى الصِّفَةِ مَحْصُورٌ فِيما تَنْتَهِي إلَيْهِ دَلالاتُ اللُّغاتِ مِمّا يَخْطُرُ عَلى قُلُوبِ البَشَرِ فَلِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهَذا كَقَوْلِهِمْ في تَعْظِيمِ شَيْءٍ: هَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
فَلَمْ يَدْرِ إلّا اللَّهُ ما هَيَّجَتْ لَنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ آناءِ الدِّيارِ وِشامُها
وعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ النِّعَمِ بِما أُخْفِيَ لِأنَّها مُغَيَّبَةٌ لا تُدْرَكُ إلّا في عالَمِ الخُلُودِ.
وقُرَّةُ الأعْيُنِ: كِنايَةٌ عَنِ المَسَرَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ”وقَرِّي عَيْنًا“ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (أُخْفِيَ) بِفَتْحِ الياءِ بِصِيغَةِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ (أُخْفِي) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفْتَتَحِ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ والياءِ ساكِنَةً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ما أُخْفِي لَهم وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيءُ ﷺ أنَّهُ جَزاءٌ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الصّالِحاتِ في حَدِيثٍ أغَرَّ رَواهُ
التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «قَلَتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي عَنِ النّارِ. قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وتُقِيمُ الصَّلاةَ وتُؤْتِي الزَّكاةَ وتَصُومُ رَمَضانَ وتَحُجُّ البَيْتَ ثُمَّ قالَ: ألا أدُلُّكَ عَلى أبْوابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ تَلا ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ حَتّى بَلَغَ ”. . . يَعْمَلُونَ“ . . الحَدِيثَ» .
السجدة 32:17
صفحة ٢٢٧
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ”أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ“ الآيَةَ، تَفَرَّغَ المَقامُ لَهُ بَعْدَ أنْ أنْحى بِالتَّقْرِيعِ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ عَلى كُفْرِهِمْ بِلِقاءِ اللَّهِ، بِما أفادَتِ اسْمِيَّةُ جُمْلَةِ ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] مِن أنَّهم ثابِتُونَ عَلى الكُفْرِ بِلِقاءِ اللَّهِ دائِمُونَ عَلَيْهِ، وهو مِمّا أنْذَرَتْهم بِهِ آياتُ القُرْآنِ، فالتَّكْذِيبُ بِلِقاءِ اللَّهِ تَكْذِيبٌ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ فَهم لا يُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أوْصافُهم هُنا.
والمُرادُ بِالآياتِ هُنا آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾“ بِتَشْدِيدِ الكافِ، أيْ أُعِيدَ ذِكْرُها عَلَيْهِمْ وتَكَرَّرَتْ تِلاوَتُها عَلى مَسامِعِهِمْ.
ومُفادُ إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها تَذْكِيرًا بِما سَبَقَ لَهم سَماعُهُ لَمْ يَتَرَيَّثُوا عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ لِلَّهِ دُونَ الَّذِينَ قالُوا (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠])، وهَذا تَأْيِيسٌ لِلنَّبِيِ ﷺ مِن إيمانِهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ المُسْلِمِينَ بِإيمانِهِمْ ولا يَغِيظُونَهم بِالتَّصَلُّبِ في الكُفْرِ.
وأُوثِرَتْ صِيغَةُ المُضارِعِ في إنَّما يُؤْمِنُ لِما تُشْعِرُ بِهِ مِن أنَّهم يَتَجَدَّدُونَ في الإيمانِ ويَزْدادُونَ يَقِينًا وقْتًا فَوَقْتًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإلّا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ حَصَلَ إيمانُهم فِيما مَضى فَفِعْلُ المُضِيِّ آثَرُ بِحِكايَةِ حالِهِمْ في الكَلامِ المُتَداوَلِ لَوْلا هَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ، ولِهَذا عُرِّفُوا بِالمَوْصُولِيَّةِ والصِّلَةِ الدّالِّ مَعْناها عَلى أنَّهم راسِخُونَ في الإيمانِ، فَعَبَّرَ عَنْ إبْلاغِهِمْ آياتِ القُرْآنِ وتِلاوَتِها عَلى أسْماعِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ المُقْتَضِي أنَّ ما تَتَضَمَّنَهُ الآياتُ حَقائِقُ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَهم لا يُفادُونَ بِها فائِدَةً لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً في نُفُوسِهِمْ ولَكِنَّها تُكْسِبُهم تَذْكِيرًا ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] . وهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الصِّلَةُ هي حالُهُمُ الَّتِي عُرِفُوا بِها لِقُوَّةِ إيمانِهِمْ وتَمَيَّزُوا بِها عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولَيْسَتْ تَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يَسْجُدُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ ولَمْ يُسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُونَ، ولَكِنَّ هَذِهِ
صفحة ٢٢٨
حالَةُ أكْمَلِ الإيمانِ وهي حالَةُ المُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيِ ﷺ يَوْمَئِذٍ عُرِفُوا بِها، وهَذا كَما تَقُولُ لِلسّائِلِ عَنْ عُلَماءِ البَلَدِ: هُمُ الَّذِينَ يَلْبَسُونَ عَمائِمَ صِفَتُها كَذا. جاءَ في تَرْجَمَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ ما أفْتى حَتّى أجازَهُ سَبْعُونَ مُحَنَّكًا، أيْ عالِمًا يَجْعَلُ شُقَّةً مِن عِمامَتِهِ تَحْتَ حَنَكِهِ وهي لُبْسَةُ أهْلِ الفِقْهِ والحَدِيثِ. قالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قُلْتُ لِأُمِّي: أذْهَبُ فَأكْتُبُ العِلْمَ، فَقالَتْ: تَعالَ فالبَسْ ثِيابَ العِلْمِ. فَألْبَسَتْنِي ثِيابًا مُشَمَّرَةً ووَضَعَتِ الطَّوِيلَةَ عَلى رَأْسِي وعَمَّمَتْنِي فَوْقَها.
والخُرُورُ: الهُوِيُّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ.
والسُّجُودُ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ إرادَةَ التَّعْظِيمِ والخُضُوعِ.
وانْتَصَبَ سُجَّدًا عَلى الحالِ المُبَيِّنَةِ لِلْقَصْدِ مِن خَرُّوا، أيْ سُجَّدًا لِلَّهِ وشُكْرًا لَهُ عَلى ما حَباهم بِهِ مِنَ العِلْمِ والإيمانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَرْنُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ . والباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] .
ودَلَّتِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى اتِّصالِ تَعَلُّقِ حُصُولِ الجَوابِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ وتَلازُمِهِما.
وجِيءَ في نَفْيِ التَّكَبُّرِ عَنْهم بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ دُونَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ الكِبْرُ خُلُقُهم فَهم لا يَرْضَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ بِالِانْقِيادِ لِلنَّبِيءِ مِنهم وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] .
وقَوْلُهُ تَعالى ”﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾“ مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِن سَجَداتِ تِلاوَةِ القُرْآنِ رَجاءَ أنْ يَكُونَ التّالِي مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ سَجَدُوا، فالقارِئُ يَقْتَدِي بِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أيِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا ومِن حالِهِمْ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ.
وجِيءَ فِيها بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ وتُجَدُّدِهِ مِنهم في أجْزاءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الأوْقاتِ المُعَدَّةِ لِلِاضْطِجاعِ وهي الأوْقاتُ الَّتِي الشَّأْنُ فِيها النَّوْمُ.
صفحة ٢٢٩
والتَّجافِي: التَّباعُدُ والمُتارَكَةُ، والمَعْنى: أنَّ تَجافِيَ جُنُوبِهِمْ عَنِ المَضاجِعِ يَتَكَرَّرُ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ، أيْ يُكْثِرُونَ السَّهَرَ بِقِيامِ اللَّيْلِ والدُّعاءِ لِلَّهِ؛ وقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِصَلاةِ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، كَما سَيَأْتِي في حَدِيثِ مُعاذٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ.
والمَضاجِعُ: الفُرُشُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو مَكانُ الضَّجْعِ، أيِ الِاسْتِلْقاءِ لِلرّاحَةِ والنَّوْمِ. و(ألْ) فِيهِ عِوَضٌ عَنَ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ مَضاجِعِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] .
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ يُمْضُونَ لَيْلَهم بِالنَّوْمِ لا يَصْرِفُهُ عَنْهم تَفَكُّرٌ بَلْ يَسْقُطُونَ كَما تَسْقُطُ الأنْعامُ. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ
بِقَوْلِهِ يَصِفُ النَّبِيءَ ﷺ وهو سَيِّدُ أصْحابِ هَذا الشَّأْنِ:
يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
وجُمْلَةُ يَدْعُونَ رَبَّهم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ جُنُوبِهِمْ والأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ تَتَجافى جُنُوبُهم.
وانْتَصَبَ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ خائِفِينَ وطامِعِينَ، أيْ مِن غَضَبِهِ وطَمَعًا في رِضاهُ وثَوابِهِ، أيْ هاتانِ صِفَتانِ لَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن رَبِّهِمْ والطَّمَعِ في رَحْمَتِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ إيثارَهُمُ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ عَلى حُظُوظِ لَذّاتِهِمُ الجَسَدِيَّةِ ذَكَرَ مَعَهُ إيثارَهم إيّاهُ عَلى ما بِهِ نَوالُ لَذّاتٍ أُخْرى وهو المالُ إذْ يُنْفِقُونَ مِنهُ ما لَوْ أبْقَوْهُ لَكانَ مَجْلَبَةَ راحَةٍ لَهم فَقالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ولَوْ أيْسَرَ أغْنِياؤُهم فُقَراءَهم.
ثُمَّ عَظَّمَ اللَّهُ جَزاءَهم إذْ قالَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ لا تَبْلُغُ نَفْسٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا مُعَرِفَةَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم قالَ النَّبِيءُ ﷺ قالَ اللَّهُ تَعالى: «أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ ”نَفْسٌ“ في هَذِهِ الآيَةِ أصْحابُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ
صفحة ٢٣٠
فَإنَّ مُدْرَكاتِ العُقُولِ مُنْتَهِيَةٌ إلى ما تُدْرِكُهُ الأبْصارُ مِنَ المَرْئِيّاتِ مِنَ الجَمالِ والزِّينَةِ، وما تُدْرِكُهُ الأسْماعُ مِن مَحاسِنِ الأقْوالِ ومَحامِدِها ومَحاسِنِ النَّغَماتِ، وإلى ما تَبْلُغُ إلَيْهِ المُتَخَيَّلاتُ مِن هَيْئاتٍ يَرْكَبُها الخَيالُ مِن مَجْمُوعِ ما يَعْهَدُهُ مِنَ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ مِثْلَ الأنْهارِ مِن عَسَلٍ أوْ خَمْرٍ أوْ لَبَنٍ، ومِثْلَ القُصُورِ والقِبابِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، ومِثْلَ الأشْجارِ مِن زَبَرْجَدٍ، والأزْهارِ مِن ياقُوتٍ، وتُرابٍ مِن مِسْكٍ وعَنْبَرٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ قَلِيلٌ في جانِبِ ما أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ مِن هَذِهِ المَوْصُوفاتِ ولا تَبْلُغُهُ صِفاتُ الواصِفِينَ لِأنَّ مُنْتَهى الصِّفَةِ مَحْصُورٌ فِيما تَنْتَهِي إلَيْهِ دَلالاتُ اللُّغاتِ مِمّا يَخْطُرُ عَلى قُلُوبِ البَشَرِ فَلِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهَذا كَقَوْلِهِمْ في تَعْظِيمِ شَيْءٍ: هَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
فَلَمْ يَدْرِ إلّا اللَّهُ ما هَيَّجَتْ لَنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ آناءِ الدِّيارِ وِشامُها
وعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ النِّعَمِ بِما أُخْفِيَ لِأنَّها مُغَيَّبَةٌ لا تُدْرَكُ إلّا في عالَمِ الخُلُودِ.
وقُرَّةُ الأعْيُنِ: كِنايَةٌ عَنِ المَسَرَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ”وقَرِّي عَيْنًا“ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (أُخْفِيَ) بِفَتْحِ الياءِ بِصِيغَةِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ (أُخْفِي) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفْتَتَحِ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ والياءِ ساكِنَةً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ما أُخْفِي لَهم وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيءُ ﷺ أنَّهُ جَزاءٌ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الصّالِحاتِ في حَدِيثٍ أغَرَّ رَواهُ
التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «قَلَتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي عَنِ النّارِ. قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وتُقِيمُ الصَّلاةَ وتُؤْتِي الزَّكاةَ وتَصُومُ رَمَضانَ وتَحُجُّ البَيْتَ ثُمَّ قالَ: ألا أدُلُّكَ عَلى أبْوابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ تَلا ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ حَتّى بَلَغَ ”. . . يَعْمَلُونَ“ . . الحَدِيثَ» .
السجدة 32:18
صفحة ٢٣١
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
فُرِّعَ بِالفاءِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ مِنَ الوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ اسْتِفْهامٌ بِالهَمْزَةِ مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ المُساواةِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وهو إنْكارٌ بِتَنْزِيلِ السّامِعِ مَنزِلَةَ المُتَعَجِّبِ مِنَ البَوْنِ بَيْنَ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ الإنْكارُ مُوَجَّهًا إلى ذَلِكَ التَّعَجُّبِ في مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ.
والكافُ لِلتَّشْبِيهِ في الجَزاءِ.
وجُمْلَةُ لا يَسْتَوُونَ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والفاسِقُ هُنا هو: مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . فالمُرادُ: الفِسْقُ عَنِ الإيمانِ الَّذِي هو الشِّرْكُ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
ثُمَّ أكَّدَ كِلا الجَزاءَيْنِ بِذِكْرٍ مُرادِفٍ لِمَدْلُولِهِ مَعَ زِيادَةِ فائِدَةٍ، فَجُمْلَةُ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى إلى آخِرِها مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] إلى آخِرِها.
وجُمْلَةُ فَمَأْواهُمُ النّارُ إلى آخِرِها مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [السجدة: ١٤] إلى ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] .
ومَنِ المَوْصُولَةُ في المَوْضِعَيْنِ عامَّةٌ بِقَرِينَةِ التَّفْصِيلِ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلْخَ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، فَلَيْسَتِ الآيَةُ نازِلَةً في مُعَيَّنٍ كَما قِيلَ.
والمَأْوى: المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ، أيْ يُرْجَعُ إلَيْهِ.
والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَأْوى المُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ مَأْواهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في
صفحة ٢٣٢
مُقابَلَةِ فَمَأْواهُمُ النّارُ. وإضافَةُ جَنّاتٍ إلى المَأْوى مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ وهي واقِعَةٌ في الكَلامِ وإنِ اخْتَلَفَ البَصْرِيُّونَ والكُوفِيُّونَ في تَأْوِيلِها خِلافًا لا طائِلَ تَحْتَهُ، وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقَوْلِهِمْ: عِشاءُ الآخِرَةِ. والمَعْنى: فَلَهُمُ الجَنّاتُ المَأْوى لَهم، أيِ المَوْعُودُونَ بِها.
وانْتَصَبَ نُزُلًا عَلى الحالِ مِن جَنّاتِ المَأْوى. والنُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّزُولِ فَيُطْلَقُ عَلى ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ مِنَ العَطاءِ والقِرى قالَ في الكَشّافِ النُّزُلُ: عَطاءُ النّازِلِ، ثُمَّ صارَ عامًّا، أيْ يُطْلَقُ عَلى العَطاءِ ولَوْ بِدُونِ ضِيافَةٍ مَجازًا مُرْسَلًا. قُلْتُ: ويُطْلَقُ عَلى مَحَلِّ نُزُولِ الضَّيْفِ ولِأجْلِ هَذِهِ الإطْلاقاتِ يَخْتَلِفُ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنهُ في بَعْضِ الآياتِ رَعْيًا لِما يُناسِبُ سِياقَ الكَلامِ.
وفَسَّرَهُ الزَّجّاجُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها بِالمَنزِلِ، وفَسَّرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] فَقالَ: يَقُولُ أذَلِكَ خَيْرٌ في بابِ الأنْزالِ الَّتِي تُمْكِنُ مَعَها الإقامَةُ أمْ نُزُلُ أهْلِ النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] لِلسَّبَبِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ.
ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: لِماذا أظْهَرَ اسْمَ النّارِ في قَوْلِهِ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ مَعَ أنَّ اسْمَ النّارِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ فَمَأْواهُمُ النّارُ فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارَ بِأنْ يُقالَ: وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَها. وهَذا السُّؤالُ أوْرَدَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وأجابَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ سِياقَ الآيَةِ التَّهْدِيدُ وفي إظْهارِ لَفْظِ النّارِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لَيْسَ في الإضْمارِ الثّانِي: أنَّ الجُمْلَةَ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ فَناسَبَ أنْ يُحْكى كَما قِيلَ لَهم ولَيْسَ فِيما يُقالُ لَهم تَقَدُّمُ ذِكْرُ النّارِ.
السجدة 32:19
صفحة ٢٣١
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
فُرِّعَ بِالفاءِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ مِنَ الوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ اسْتِفْهامٌ بِالهَمْزَةِ مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ المُساواةِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وهو إنْكارٌ بِتَنْزِيلِ السّامِعِ مَنزِلَةَ المُتَعَجِّبِ مِنَ البَوْنِ بَيْنَ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ الإنْكارُ مُوَجَّهًا إلى ذَلِكَ التَّعَجُّبِ في مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ.
والكافُ لِلتَّشْبِيهِ في الجَزاءِ.
وجُمْلَةُ لا يَسْتَوُونَ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والفاسِقُ هُنا هو: مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . فالمُرادُ: الفِسْقُ عَنِ الإيمانِ الَّذِي هو الشِّرْكُ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
ثُمَّ أكَّدَ كِلا الجَزاءَيْنِ بِذِكْرٍ مُرادِفٍ لِمَدْلُولِهِ مَعَ زِيادَةِ فائِدَةٍ، فَجُمْلَةُ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى إلى آخِرِها مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] إلى آخِرِها.
وجُمْلَةُ فَمَأْواهُمُ النّارُ إلى آخِرِها مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [السجدة: ١٤] إلى ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] .
ومَنِ المَوْصُولَةُ في المَوْضِعَيْنِ عامَّةٌ بِقَرِينَةِ التَّفْصِيلِ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلْخَ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، فَلَيْسَتِ الآيَةُ نازِلَةً في مُعَيَّنٍ كَما قِيلَ.
والمَأْوى: المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ، أيْ يُرْجَعُ إلَيْهِ.
والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَأْوى المُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ مَأْواهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في
صفحة ٢٣٢
مُقابَلَةِ فَمَأْواهُمُ النّارُ. وإضافَةُ جَنّاتٍ إلى المَأْوى مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ وهي واقِعَةٌ في الكَلامِ وإنِ اخْتَلَفَ البَصْرِيُّونَ والكُوفِيُّونَ في تَأْوِيلِها خِلافًا لا طائِلَ تَحْتَهُ، وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقَوْلِهِمْ: عِشاءُ الآخِرَةِ. والمَعْنى: فَلَهُمُ الجَنّاتُ المَأْوى لَهم، أيِ المَوْعُودُونَ بِها.
وانْتَصَبَ نُزُلًا عَلى الحالِ مِن جَنّاتِ المَأْوى. والنُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّزُولِ فَيُطْلَقُ عَلى ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ مِنَ العَطاءِ والقِرى قالَ في الكَشّافِ النُّزُلُ: عَطاءُ النّازِلِ، ثُمَّ صارَ عامًّا، أيْ يُطْلَقُ عَلى العَطاءِ ولَوْ بِدُونِ ضِيافَةٍ مَجازًا مُرْسَلًا. قُلْتُ: ويُطْلَقُ عَلى مَحَلِّ نُزُولِ الضَّيْفِ ولِأجْلِ هَذِهِ الإطْلاقاتِ يَخْتَلِفُ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنهُ في بَعْضِ الآياتِ رَعْيًا لِما يُناسِبُ سِياقَ الكَلامِ.
وفَسَّرَهُ الزَّجّاجُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها بِالمَنزِلِ، وفَسَّرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] فَقالَ: يَقُولُ أذَلِكَ خَيْرٌ في بابِ الأنْزالِ الَّتِي تُمْكِنُ مَعَها الإقامَةُ أمْ نُزُلُ أهْلِ النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] لِلسَّبَبِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ.
ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: لِماذا أظْهَرَ اسْمَ النّارِ في قَوْلِهِ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ مَعَ أنَّ اسْمَ النّارِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ فَمَأْواهُمُ النّارُ فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارَ بِأنْ يُقالَ: وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَها. وهَذا السُّؤالُ أوْرَدَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وأجابَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ سِياقَ الآيَةِ التَّهْدِيدُ وفي إظْهارِ لَفْظِ النّارِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لَيْسَ في الإضْمارِ الثّانِي: أنَّ الجُمْلَةَ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ فَناسَبَ أنْ يُحْكى كَما قِيلَ لَهم ولَيْسَ فِيما يُقالُ لَهم تَقَدُّمُ ذِكْرُ النّارِ.
السجدة 32:20
صفحة ٢٣١
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
فُرِّعَ بِالفاءِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ مِنَ الوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ اسْتِفْهامٌ بِالهَمْزَةِ مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ المُساواةِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وهو إنْكارٌ بِتَنْزِيلِ السّامِعِ مَنزِلَةَ المُتَعَجِّبِ مِنَ البَوْنِ بَيْنَ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ الإنْكارُ مُوَجَّهًا إلى ذَلِكَ التَّعَجُّبِ في مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ.
والكافُ لِلتَّشْبِيهِ في الجَزاءِ.
وجُمْلَةُ لا يَسْتَوُونَ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والفاسِقُ هُنا هو: مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . فالمُرادُ: الفِسْقُ عَنِ الإيمانِ الَّذِي هو الشِّرْكُ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
ثُمَّ أكَّدَ كِلا الجَزاءَيْنِ بِذِكْرٍ مُرادِفٍ لِمَدْلُولِهِ مَعَ زِيادَةِ فائِدَةٍ، فَجُمْلَةُ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى إلى آخِرِها مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] إلى آخِرِها.
وجُمْلَةُ فَمَأْواهُمُ النّارُ إلى آخِرِها مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [السجدة: ١٤] إلى ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] .
ومَنِ المَوْصُولَةُ في المَوْضِعَيْنِ عامَّةٌ بِقَرِينَةِ التَّفْصِيلِ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلْخَ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، فَلَيْسَتِ الآيَةُ نازِلَةً في مُعَيَّنٍ كَما قِيلَ.
والمَأْوى: المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ، أيْ يُرْجَعُ إلَيْهِ.
والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَأْوى المُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ مَأْواهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في
صفحة ٢٣٢
مُقابَلَةِ فَمَأْواهُمُ النّارُ. وإضافَةُ جَنّاتٍ إلى المَأْوى مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ وهي واقِعَةٌ في الكَلامِ وإنِ اخْتَلَفَ البَصْرِيُّونَ والكُوفِيُّونَ في تَأْوِيلِها خِلافًا لا طائِلَ تَحْتَهُ، وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقَوْلِهِمْ: عِشاءُ الآخِرَةِ. والمَعْنى: فَلَهُمُ الجَنّاتُ المَأْوى لَهم، أيِ المَوْعُودُونَ بِها.
وانْتَصَبَ نُزُلًا عَلى الحالِ مِن جَنّاتِ المَأْوى. والنُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّزُولِ فَيُطْلَقُ عَلى ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ مِنَ العَطاءِ والقِرى قالَ في الكَشّافِ النُّزُلُ: عَطاءُ النّازِلِ، ثُمَّ صارَ عامًّا، أيْ يُطْلَقُ عَلى العَطاءِ ولَوْ بِدُونِ ضِيافَةٍ مَجازًا مُرْسَلًا. قُلْتُ: ويُطْلَقُ عَلى مَحَلِّ نُزُولِ الضَّيْفِ ولِأجْلِ هَذِهِ الإطْلاقاتِ يَخْتَلِفُ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنهُ في بَعْضِ الآياتِ رَعْيًا لِما يُناسِبُ سِياقَ الكَلامِ.
وفَسَّرَهُ الزَّجّاجُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها بِالمَنزِلِ، وفَسَّرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] فَقالَ: يَقُولُ أذَلِكَ خَيْرٌ في بابِ الأنْزالِ الَّتِي تُمْكِنُ مَعَها الإقامَةُ أمْ نُزُلُ أهْلِ النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] لِلسَّبَبِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ.
ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: لِماذا أظْهَرَ اسْمَ النّارِ في قَوْلِهِ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ مَعَ أنَّ اسْمَ النّارِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ فَمَأْواهُمُ النّارُ فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارَ بِأنْ يُقالَ: وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَها. وهَذا السُّؤالُ أوْرَدَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وأجابَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ سِياقَ الآيَةِ التَّهْدِيدُ وفي إظْهارِ لَفْظِ النّارِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لَيْسَ في الإضْمارِ الثّانِي: أنَّ الجُمْلَةَ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ فَناسَبَ أنْ يُحْكى كَما قِيلَ لَهم ولَيْسَ فِيما يُقالُ لَهم تَقَدُّمُ ذِكْرُ النّارِ.
السجدة 32:21
﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
إخْبارٌ بِأنَّ لَهم عَذابًا آخَرَ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ عَذابِ النّارِ المَوْعُودِينَ بِهِ في الآخِرَةِ
صفحة ٢٣٣
فَتَعَيَّنَ أنَّ العَذابَ الأدْنى عَذابُ الدُّنْيا. والمَقْصُودُ مِن هَذا: التَّعْرِيضُ بِتَهْدِيدِهِمْ لِأنَّهم يَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ أوْ يُبَلَّغُ إلَيْهِمْ. وهَذا إنْذارٌ بِما لَحِقَهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وهو ما مُحِنُوا بِهِ مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ وكانُوا في أمْنٍ مِنهُما وما يُصِيبُهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ ويَوْمَ الفَتْحِ مِنَ الذُّلِّ.
وجُمْلَةُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِحِكْمَةِ إذاقَتِهِمُ العَذابَ الأدْنى في الدُّنْيا بِأنَّهُ لِرَجاءِ رُجُوعِهِمْ، أيْ رُجُوعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ بِالإيمانِ، والمُرادُ: رُجُوعُ مَن يُمْكِنُ رُجُوعُهُ وهُمُ الأحْياءُ مِنهم. وإسْنادُ الرُّجُوعِ إلى ضَمِيرِ جَمِيعِهِمْ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ والجَماعَةِ، أيْ لَعَلَّ جَماعَتَهم تَرْجِعُ.
وكَذَلِكَ كانَ، فَقَدْ آمَنَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ وبِخاصَّةٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَصارَ مَن تَحَقَّقَ فِيهِمُ الرُّجُوعُ المَرْجُوُّ مَخْصُوصِينَ مِن عُمُومِ الَّذِينَ فَسَقُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ [السجدة: ٢٠] الآيَةَ، فَبَقِيَ ذَلِكَ الوَعِيدُ لِلَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ، وهي مَسْألَةُ المُوافاةِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ.
السجدة 32:22
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ [السجدة: ١٥] إلى آخِرِها حَيْثُ اقْتَضَتْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]) لَيْسُوا كَأُولَئِكَ فانْتَقَلَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم أشَدُّ النّاسِ ظُلْمًا لِأنَّهم يُذَكَّرُونَ بِآياتِ اللَّهِ حِينَ يُتْلى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ فَيُعْرِضُونَ عَنْ تَدَبُّرِها ويَلْغُونَ فِيها، فَآياتُ اللَّهِ مُرادٌ بِها القُرْآنُ.
وجِيءَ في عَطْفِ جُمْلَةِ أعْرَضَ بِحَرْفِ (ثُمَّ) لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ الإعْراضِ عَنِ الآياتِ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِها تَراخِيَ اسْتِبْعادٍ وتَعْجِيبٍ مِن حالِهِمْ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
لا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
صفحة ٢٣٤
أيْ عَجِيبٌ إقْدامُهُ عَلى مَواقِعِ الهَلاكِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ غَمَراتِ المَوْتِ تَغْمُرُ الَّذِينَ أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ المَواقِعِ.
ومَن لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَقَوْلِهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] أيْ لا أظْلَمَ مِنهُ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمَ مِنهُ لِأنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِحِرْمانِها مِنَ التَّأمُّلِ فِيما نَفَعَهُ، وظَلَمَ الآياتِ بِتَعْطِيلِ نَفْعِها في بَعْضِ مَن أُرِيدَ انْتِفاعُهم بِها، وظَلَمَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَكْذِيبِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، وظَلَمَ حَقَّ رَبِّهِ إذْ لَمْ يَمْتَثِلْ ما أرادَ مِنهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَفْظِيعِ ظُلْمِ الَّذِي ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ جَزاءَ ذَلِكَ الظّالِمِ.
والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ هَؤُلاءِ الظّالِمُونَ، عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ ضَمِيرِهِمْ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ فَظاعَةِ حالِهِمْ بِأنَّهم مُجْرِمُونَ مَعَ أنَّهم ظالِمُونَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُجْرِمِينَ أعَمُّ مِنَ الظّالِمِينَ فَيَكُونُ دُخُلُوهم في الِانْتِقامِ مِنَ المُجْرِمِينَ أحْرَوِيًّا وتَصِيرُ جُمْلَةُ ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ تَذْيِيلًا.
السجدة 32:23
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾
لَمّا جَرى ذِكْرُ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنْ آياتِ اللَّهِ وهي آياتُ القُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢]، اسْتَطْرَدَ إلى تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ ما لَقِيَ مِن قَوْمِهِ هو نَظِيرُ ما لَقِيَهُ مُوسى مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْلِيَةِ بِالتَّنْظِيرِ والتَّمْثِيلِ.
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥] مُعْتَرِضاتٌ. ومَوْقِعُ التَّأْكِيدِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ هو ما اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ مِنَ التَّسْلِيَةِ لا لِأصْلِ الأخْبارِ لِأنَّهُ أمْرٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، وبِهِ تَظْهَرُ رَشاقَةُ الِاعْتِراضِ بِتَفْرِيعِ ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ عَلى الخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ.
صفحة ٢٣٥
وأُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أرْسَلْنا مُوسى، فَذِكْرُ إيتائِهِ الكِتابَ كِنايَةً عَنْ إرْسالِهِ، وإدْماجُ ذِكْرِ الكِتابِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ مُوسى ولَيْسَ داخِلًا في تَنْظِيرِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ بِحالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ لِأنَّ مُوسى لَمْ يُكَذِّبْهُ قَوْمُهُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآياتِ، ولِيَتَأتّى مِن وفْرَةِ المَعانِي في هَذِهِ الآيَةِ ما لا يَتَأتّى بِدُونِ ذِكْرِ الكِتابِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ وهو اعْتِراضٌ بِالفاءِ، ومِثْلُهُ وارِدٌ كَثِيرًا في الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] الآيَةَ في سُورَةِ النِّساءِ. ويَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] في سُورَةِ ص.
والمِرْيَةُ: الشَّكُّ والتَّرَدُّدُ. وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ مَجازٌ في شِدَّةِ المُلابَسَةِ، أيْ لا يَكُنِ الشَّكُّ مُحِيطًا بِكَ ومُتَمَكِّنًا مِنكَ، أيْ لا تَكُنْ مُمْتَرِيًا في أنَّكَ مِثْلَهُ سَيَنالُكَ ما نالَهُ مِن قَوْمِهِ.
والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ فالنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ عَلى انْتِفاءِ الشَّكِّ فَهو نَهْيٌ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّثْبِيتُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] ولَيْسَ لِطَلَبِ إحْداثِ انْكِفافٍ عَنِ المِرْيَةِ لِأنَّها لَمْ تَقَعْ مِن قَبْلُ.
واللِّقاءُ: اسْمُ مَصْدَرِ لَقِيَ وهو الغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ دُونَ لِقًى الَّذِي هو المَصْدَرُ القِياسِيُّ. واللِّقاءُ: مُصادَفَةُ فاعِلِ هَذا الفِعْلِ مَفْعُولَهُ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الإصابَةِ كَما يُقالُ: لَقِيتُ عَناءً، ولَقِيتُ عَرَقَ القِرْبَةِ، وهو هُنا مَجازٌ، أيْ لا تَكُنْ في مِرْيَةٍ في أنْ يُصِيبَكَ ما أصابَهُ، وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى مُوسى. واللِّقاءُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، أيْ مِمّا لَقِيَ مُوسى مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ مِن تَكْذِيبٍ، أيْ مِن مِثْلِ ما لَقِيَ مُوسى، وهَذا المُضافُ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ أوْ يَكُونُ جارِيًا عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَقَوْلِهِ: هو البَدْرُ، أيْ مِن لِقاءٍ كَلِقائِهِ، فَيَكُونُ هَذا في مَعْنى آياتٍ كَثِيرَةٍ في هَذا المَعْنى ورَدَتْ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ [الأنعام: ٣٤] وقَوْلِهِ (﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧])
صفحة ٢٣٦
هَذا أحْسَنُ تَفْسِيرٍ لِلْآيَةِ وقَرِيبٌ مِنهُ مَأْثُورٌ عَنِ الحَسَنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لِقائِهِ عائِدًا إلى مُوسى عَلى مَعْنى: مِن مِثْلِ ما لَقِيَ مُوسى مِن إرْسالِهِ وهو أنْ كانَتْ عاقِبَةُ النَّصْرِ لَهُ عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وحُصُولُ الِاهْتِداءِ بِالكِتابِ الَّذِي أُوتِيَهُ، وتَأْيِيدُهُ بِاهْتِداءِ بَنِي إسْرائِيلَ. فَيَكُونُ هَذا المَعْنى بِشارَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُ هَذا الدِّينَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ لِقائِهِ عائِدًا إلى الكِتابِ كَما في الكَشّافِ لَكِنْ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الكِتابِ، أيْ مِن أنْ تَلْقى مِن إيتائِكَ الكِتابَ ما هو شِنْشِنَةُ تَلَّقِي الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ كَما تَلَقّاها مُوسى. فالنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْذِيرِ مِمَّنْ ظَنَّ أنْ لا يَلْحَقَهُ في إيتاءِ الكِتابِ مِنَ المَشَقَّةِ ما لَقِيَهُ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ، أيْ مِن جانِبِ أذى قَوْمِهِ وإعْراضِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ فَلا تَكُنْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وهو مُوَجَّهٌ لِلَّذِينَ امْتَرَوْا في أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ سَواءً كانُوا المُشْرِكِينَ أوِ الَّذِينَ يُلَقِّنُونَهم مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ لا تَمْتَرُوا في إنْزالِ القُرْآنِ عَلى بَشَرٍ فَقَدْ أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى مُوسى فَلا تَكُونُوا في مِرْيَةٍ مِن إنْزالِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] . فالنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ مِن طَلَبِ الكَفِّ عَنِ المِرْيَةِ في إنْزالِ القُرْآنِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ احْتِمالاتٌ أُخْرى كَثِيرَةٌ لا تُسْفِرُ عَنْ مَعْنًى بَيِّنٍ، ومِن أبْعَدِها حَمْلُ اللِّقاءِ عَلى حَقِيقَتِهِ وعَوْدُ ضَمِيرِ الغائِبِ لِمُوسى وأنَّ المُرادَ لِقاؤُهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ وحَقَّقَهُ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ وُقُوعِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.
وضَمِيرُ النَّصْبِ في وجَعَلْناهُ هُدًى يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الكِتابِ أوْ عَلى مُوسى وكِلاهُما سَبَبُ هُدًى، فَوُصِفَ بِأنَّهُ هُدًى لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ بِهِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وهَذا تَعْرِيضٌ
صفحة ٢٣٧
بِالمُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلى أنْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ بِالقُرْآنِ لِيَهْتَدُوا فَأعْرَضُوا وكانُوا أحَقَّ بِأنْ يَحْرِصُوا عَلى الِاهْتِداءِ بِالقُرْآنِ وبِهَدْيِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
السجدة 32:24
﴿وجَعَلْنا مِنهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ .
أُشِيرَ إلى ما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جَعَلَ مِنهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِ اللَّهِ والأمْرُ يَشْمَلُ الوَحْيَ بِالشَّرِيعَةِ لِأنَّهُ أمْرٌ بِها، ويَشْمَلُ الِانْتِصابَ لِلْإرْشادِ فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ العُلَماءَ أنْ يُبَيِّنُوا الكِتابَ ويُرْشِدُوا إلَيْهِ فَإذا هَدَوْا فَإنَّما هَدَوْا بِأمْرِهِ وبِالعِلْمِ الَّذِي أتاهم بِهِ أنْبِياؤُهم وأحْبارُهم فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لَمّا صَبَرُوا وأيْقَنُوا لِما جاءَهم مِن كِتابِ اللَّهِ ومُعْجِزاتِ رَسُولِهِمْ فَإنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ بِآياتِنا يُوقِنُونَ دَلائِلَ صِدْقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فالمَعْنى: أنَّهم صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ والخُرُوجِ بِهِمْ مِن أرْضِ مِصْرَ وما لَقُوهُ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ العَذابِ والِاضْطِهادِ وتِيهِهِمْ في البَرِّيَّةِ أرْبَعِينَ سَنَةً وتَدَبَّرُوا في الآياتِ ونَظَرُوا حَتّى أيْقَنُوا.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الآياتِ ما في التَّوْراةِ مِنَ الشَّرائِعِ والمَواعِظِ فَإطْلاقُ اسْمِ الآياتِ عَلَيْها مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِما هو شائِعٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن تَسْمِيَةِ جُمَلِ القُرْآنِ آياتٍ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ في بَلاغَتِها خارِجَةٌ عَنْ طَوْقِ تَعْبِيرِ البَشَرِ.
فَكانَتْ دَلالاتٌ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وهَذا نَحْوُ ما وقَعَ في حَدِيثِ رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ مِن قَوْلِ الرّاوِي: فَوَضَعَ اليَهُودِيُّ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ؛ أيِ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ حُكْمُ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ فَسَمّاهُ الرّاوِي آيَةً مُشاكَلَةً لِكَلامِ القُرْآنِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِالبِشارَةِ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهم يَكُونُونَ أيِمَّةً لِدِينِ الإسْلامِ وهُداةً لِلْمُسْلِمِينَ إذْ صَبَرُوا عَلى ما لَحِقَهم في ذاتِ اللَّهِ مِن أذى قَوْمِهِمْ وصَبَرُوا عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ ومُعاداةِ أهْلِهِمْ وقَوْمِهِمْ وظُلْمِهِمْ إيّاهم.
وتَقْدِيمُ بِآياتِنا عَلى يُوقِنُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالآياتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿لَمّا صَبَرُوا﴾) بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي (لَمّا) الَّتِي هي حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ وتُسَمّى التَّوْقِيتِيَّةَ، أيْ جَعَلْناهم أيِمَّةً حِينَ صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ.
وقَرَأ
صفحة ٢٣٨
حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَخْفِيفِ المِيمِ عَلى أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن لامِ التَّعْلِيلِ و(ما) المَصْدَرِيَّةِ، أيْ جَعَلْناهم أيِمَّةً لِأجْلِ صَبْرِهِمْ وإيقانِهِمْ.
السجدة 32:25
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿وجَعَلْنا مِنهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [السجدة: ٢٤]) يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ سَمِعُوا ما في القُرْآنِ مِن وصْفِ اخْتِلافِ بَنِي إسْرائِيلَ وانْحِرافِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ وشاهَدَ كَثِيرٌ مِنهم بَنِي إسْرائِيلَ في زَمانِهِ غَيْرَ مُتَحَلِّينَ بِما يُناسِبُ ما قامَتْ بِهِ أيِمَّتُهم مِنَ الهِدايَةِ فَيَوَدُّ أنْ يَعْلَمَ سَبَبَ ذَلِكَ فَكانَ في هَذِهِ الآيَةِ جَوابُ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ. والمُرادُ أُمَّتُهُ تَحْذِيرًا مِن ذَلِكَ وإيماءً إلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ الِاخْتِلافِ الَّذِي لا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ في مَصْلَحَةِ الأُمَّةِ وفَهْمِ الدِّينِ.
والفَصْلُ: القَضاءُ والحُكْمُ، وهو يَقْتَضِي أنَّ اخْتِلافَهم أوْقَعَهم في إبْطالِ ما جاءَهم مِنَ الهُدى فَهو اخْتِلافٌ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلى أدِلَّةٍ ولا جارٍ في مَهْيَعِ أصْلِ الشَّرِيعَةِ؛ ولَكِنَّهُ مُتابَعَةٌ لِلْهَوى ومَيْلٌ لِأعْراضِ الدُّنْيا كَما وصَفَهُ القُرْآنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] .
ولَيْسَ مِنهُ اخْتِلافُ أيِمَّةِ الدِّينِ في تَفارِيعِ الأحْكامِ وفي فَهْمِ الدِّينِ مِمّا لا يُنْقِضُ أُصُولَهُ ولا يُخالِفُ نُصُوصَهُ وإنَّما هو إعْمالٌ لِأُصُولِهِ ولِأدِلَّتِهِ في الأحْوالِ المُناسِبَةِ لَها وحَمْلُ مُتَعارِضِها بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ في حَياتِهِ فَلَمْ يُعَنِّفْ أحَدًا، واخْتَلَفُوا بَعْدَ وفاتِهِ فَلَمْ يُعَنِّفْ بَعْضُهم بَعْضًا.
ويَشْمَلُ ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ما كانَ اخْتِلافًا بَيْنَ المُهْتَدِينَ والضّالِّينَ مِنهم وما كانَ اتِّفاقًا مِن جَمِيعِ أُمَّتِهِمْ عَلى الضَّلالَةِ فَإنَّ ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنَ المُجْمِعِينَ وبَيْنَ ما
صفحة ٢٣٩
نَطَقَتْ بِهِ شَرِيعَتُهم وسَنَّتْهُ أنْبِياؤُهم، ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ كِتْمانُهُمُ الشَّهادَةَ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَحْدِهِمْ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ مِن أنْبِيائِهِمْ.
وضَمِيرُ هو في قَوْلِهِ هو يَفْصِلُ ضَمِيرُ فَصْلٍ لِقَصْرِ الفَصْلِ عَلَيْهِ تَعالى إيماءً إلى أنَّ ما يُذْكَرُ في القُرْآنِ مِن بَيانِ بَعْضِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى أنْبِيائِهِمْ لَيْسَ مَطْمُوعًا مِنهُ أنْ يَرْتَدِعُوا عَنِ اخْتِلافِهِمْ وإنَّما هو لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ وقَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ لِأنَّهم لا يَقْبَلُونَ الحُجَّةَ فَلا يُفْصَلُ بَيْنَهم إلّا يَوْمَ القِيامَةِ.
السجدة 32:26
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢]، ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّذْكِيرُ مُتَّصِلًا كَقَوْلِهِ (﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠]) كانَ الهَدْيُ، أيِ العِلْمُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ شامِلًا لِلْهَدْيِ إلى دَلِيلِ البَعْثِ وإلى دَلِيلِ العِقابِ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّذْكِيرِ فَأفادَ قَوْلُهُ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: إهْلاكُ أُمَمٍ كانُوا قَبْلَهم فَجاءَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بَعْدَهم، وذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِلْبَعْثِ وتَقْرِيبٌ لِإمْكانِهِ. وثانِيهِما: إهْلاكُ أُمَمٍ كَذَّبُوا رُسُلَهم فَفِيهِمْ عِبْرَةٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ هم لَمْ يَهْتَدُوا بِدَلائِلِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ الَّتِي جاءَهم بِها القُرْآنُ فَأعْرَضُوا عَنْها ولا اتَّعَظُوا بِمَصارِعِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم وفي مَهْلِكِهِمْ آياتٌ تَزْجُرُ أمْثالَهم عَنِ السُّلُوكِ فِيما سَلَكُوهُ.
فَضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى المُجْرِمِينَ أوْ إلى مَن ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ، ويَهْدِ مِنَ الهِدايَةِ وهي الدَّلالَةُ والإرْشادُ، يُقالُ: هَداهُ إلى كَذا.
وضُمِّنَ فِعْلُ يَهْدِ مَعْنى يُبَيِّنُ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ فَأفادَ هِدايَةً واضِحَةً بَيِّنَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ [الأعراف: ١٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ. واخْتِيرَ فِعْلُ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ لِإرادَةِ الدَّلالَةِ الجامِعَةِ لِلْمُشاهَدَةِ ولِسَماعِ أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ في آخِرِها أفَلا يَسْمَعُونَ، ولِأنَّ كَثْرَةَ
صفحة ٢٤٠
ذَلِكَ المُسْتَفادَةَ مِن كَمِ الخَبَرِيَّةِ إنَّما تَحْصُلُ بِتَرْتِيبِ الِاسْتِدْلالِ في تَواتُرِ الأخْبارِ ولا تَحْصُلُ دُفْعَةً كَما تَحْصُلُ دَلالَةُ المُشاهَداتِ.
وفاعِلُ يَهْدِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَمِ الخَبَرِيَّةُ مِن مَعْنى الكَثْرَةِ: ولا يَجُوزُ عِنْدَ الجُمْهُورِ جَعْلُ كَمْ فاعِلَ يَهْدِ لِأنَّ كَمِ الخَبَرِيَّةَ اسْمٌ لَهُ الصَّدارَةُ في الِاسْتِعْمالِ إذْ أصْلُهُ اسْتِفْهامٌ فَتُوُسِّعَ فِيهِ.
ويَجُوزُ جَعْلُ كَمْ فاعِلًا عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطُوا أنْ تَكُونَ كَمِ الخَبَرِيَّةُ في صَدْرِ الكَلامِ. وجُوِّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ جُمْلَةَ كَمْ أهْلَكْنا عَلى مَعْنى الحِكايَةِ لِهَذا القَوْلِ، كَما يُقالُ: تَعْصِمُ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) الدِّماءَ والأمْوالَ، أيْ هَذِهِ الكَلِمَةُ أيِ النُّطْقُ بِها لِتَقَلُّدِ الإسْلامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ ضَمِيرُ الجَلالَةِ دالًّا عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ ألَمْ يَهْدِ اللَّهُ لَهم فَإنَّ اللَّهَ بَيَّنَ لَهم ذَلِكَ وذَكَّرَهم بِمَصارِعِ المُكَذِّبِينَ، وتَكُونَ جُمْلَةُ كَمْ أهْلَكْنا عَلى هَذا اسْتِئْنافًا، وتَقَدَّمَ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في أوَّلِ الأنْعامِ.
ونِيطَ الِاسْتِدْلالُ هُنا بِالكَثْرَةِ الَّتِي أفادَتْها كَمِ الخَبَرِيَّةُ لِأنَّ تَكَرُّرَ حُدُوثِ القُرُونِ وزَوالِها أقْوى دَلالَةً مِن مُشاهَدَةِ آثارِ أُمَّةٍ واحِدَةٍ.
و﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ أوَلَمْ يَرَوْا والمَعْنى: أنَّهم يَمُرُّونَ عَلى المَواضِعِ الَّتِي فِيها بَقايا مَساكِنِهِمْ مِثْلَ حِجْرِ ثَمُودَ ودِيارِ مَدْيَنَ فَتُعَضِّدُ مُشاهَدَةُ مَساكِنِهِمُ الأخْبارَ الوارِدَةَ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ وهي دَلائِلُ إمْكانِ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم فِيما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]، ودَلائِلُ ما يَحِيقُ بِالمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ؛ وفي كُلِّ أُمَّةٍ ومَوْطِنٍ دَلائِلُ كَثِيرَةٌ مُتَماثِلَةٌ أوْ مُتَخالِفَةٌ.
ولَمّا كانَ الَّذِي يُؤْثَرُ مِن أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ وتَقَلُّباتِ أحْوالِها وزَوالِ قُوَّتِها ورَفاهِيَتِها أشَدَّ دَلالَةً ومَوْعِظَةً لِلْمُشْرِكِينَ - فُرِّعَ عَلَيْهِ أفَلا يَسْمَعُونَ اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا مَشُوبًا بِتَوْبِيخٍ لِأنَّ اجْتِلابَ المُضارِعِ وهو يَسْمَعُونَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ اسْتِماعَ أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ فَيَكُونُ التَّوْبِيخُ عَلى الإقْرارِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ أوْقَعَ، بِخِلافِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ أفَلا يُبْصِرُونَ. وقَدْ شاعَ تَوْجِيهُ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ إلى المَنفِيِّ، وتَقَدَّمَ
صفحة ٢٤١
عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] في سُورَةِ الأعْرافِ.
السجدة 32:27
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى أوْ لَمْ يَهْدِ لَهم. ونِيطَ الِاسْتِدْلالُ هُنا بِالرُّؤْيَةِ لِأنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها ثُمَّ إخْراجَ النَّبْتِ مِنها دَلالَةٌ مُشاهَدَةٌ. واخْتِيرَ المُضارِعُ في قَوْلِهِ نَسُوقُ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ.
والسَّوْقُ: إزْجاءُ الماشِي مِن ورائِهِ.
والماءُ: ماءُ المُزْنِ، وسَوْقُهُ إلى الأرْضِ هو سَوْقُ السَّحابِ الحامِلَةِ إيّاهُ بِالرِّياحِ الَّتِي تَنْقِلُ السَّحابَ مِن جَوٍّ إلى جَوٍّ؛ فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ الرِّياحِ والسَّحابِ بِهَيْئَةِ السّائِقِ لِلدّابَّةِ. والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
والجُرُزُ: اسْمٌ لِلْأرْضِ الَّتِي انْقَطَعَ نَبْتُها، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَرْزِ، وهو: انْقِطاعُ النَّبْتِ والحَشِيشِ، إمّا بِسَبَبِ يُبْسِ الأرْضِ أوْ بِالرَّعْيِ، والجَرْزُ: القَطْعُ. وسُمِّيَ السَّيْفُ القاطِعُ جُرازًا، قالَ الرّاجِزُ يَصِفُ أسْنانَ ناقَةٍ:
تُنْحِي عَلى الشَّوْكِ جُرازًا مِقْضَبًا والهَرْمَ تَذْرِيهِ إذْدِراءً عَجَبا
فالأرْضُ الجُرُزُ: الَّتِي انْقَطَعَ نَبْتُها. ولا يُقالُ لِلْأرْضِ الَّتِي لا تُنْبِتُ كالسِّباخِ جُرُزٌ. والزَّرْعُ: ما نَبَتَ بِسَبَبِ بَذْرِ حُبُوبِهِ في الأرْضِ كالشَّعِيرِ والبُرِّ والفِصْفِصَةِ، وأكْلُ الأنْعامِ غالِبُهُ مِنَ الكَلَأِ لا مِنَ الزَّرْعِ فَذِكْرُ الزَّرْعِ بِلَفْظِهِ، ثُمَّ ذِكْرُ أكْلِ الأنْعامِ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ: وكَلَأ. فَفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ. والتَّقْدِيرُ: ونُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا وكَلَأً تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم. والمَقْصُودُ: الِاسْتِدْلالُ عَلى البَعْثِ وتَقْرِيبِهِ وإمْكانِهِ بِإخْراجِ النَّبْتِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ أنْ زالَ؛ فَوُجِّهَ الأوَّلُ، وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ امْتِنانٌ بِقَوْلِهِ ﴿تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ .
ثُمَّ فُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ بِجُمْلَةِ أفَلا يُبْصِرُونَ. وتَقَدَّمَ بَيانُ مِثْلِهِ آنِفًا
صفحة ٢٤٢
فِي قَوْلِهِ أفَلا يَسْمَعُونَ. ونِيطَ الحُكْمُ بِالإبْصارِ هُنا لِأنَّ دَلالَةَ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها دَلالَةٌ مُشاهَدَةٌ.
السجدة 32:28
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها، أيْ أعْرَضُوا عَنْ سَماعِ الآياتِ والتَّدَبُّرِ فِيها وتَجاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّكْذِيبِ والتَّهَكُّمِ بِها. ومُناسَبَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنا أنَّهُ وقَعَ عَقِبَ الإشارَةِ إلى دَلِيلِ وُقُوعِ البَعْثِ وهو يَوْمُ الفَصْلِ.
ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]) .
والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وما مَعَهُ مِنَ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ وكَذَّبُوا بِوَعِيدِ عَذابِ الدُّنْيا الَّذِي مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] .
والفَتْحُ: النَّصْرُ والقَضاءُ. والمُرادُ بِهِ: نَصْرُ أهْلِ الإيمانِ بِظُهُورِ فَوْزِهِمْ وخَيْبَةِ أعْدائِهِمْ فَإنَّ خَيْبَةَ العَدُوِّ نَصْرٌ لِضِدِّهِ وكانَ المُسْلِمُونَ يَتَحَدَّوْنَ المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ بَيْنَهم ويَنْصُرُهم وتَظْهَرُ حُجَّتُهم، فَكانَ الكافِرُونَ يُكَرِّرُونَ التَّهَكُّمَ بِالمُسْلِمِينَ بِالسُّؤالِ عَنْ وقْتِ هَذا الفَتْحِ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في التَّكْذِيبِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ.
وحِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ التَّعْجِيبِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] مَعَ إفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم واتِّخاذِهِمْ إيّاهُ.
والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ واقِعٌ فَبَيِّنُوا لَنا وقْتَهُ فَإنَّكم إذْ عَلِمْتُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِكم فَلْتَعْلَمُوا وقْتَهُ. وهَذا مِنَ السَّفْسَطَةِ الباطِلَةِ لِأنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ إجْمالًا لا يَقْتَضِي العِلْمَ بِتَفْصِيلِ أحْوالِهِ حَتّى يُنْسَبَ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَفْصِيلَهُ إلى الكَذِبِ في إجْمالِهِ.
صفحة ٢٤٣
واسْمُ الإشارَةِ في هَذا الفَتْحِ مَعَ إمْكانِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِذِكْرِ مُبَيِّنِهِ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّحْقِيرُ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ بِهِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
إنْباءً بِقِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِالمَوْتِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] فَأمَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ ﷺ بِأنْ يُجِيبَهم عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِأنَّ يَوْمَ الفَتْحِ الحَقِّ هو يَوْمُ القِيامَةِ وهو يَوْمُ الفَصْلِ وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ أمَلُ الكُفّارِ في النَّجاةِ والِاسْتِفادَةِ مِنَ النَّدامَةِ والتَّوْبَةِ ولا يَجِدُونَ إنْظارًا لِتَدارُكِ ما فاتَهم، أيْ إفادَتُهم هَذِهِ المَوْعِظَةَ خَيْرٌ لَهم مَن تَطَلُّبِهِمْ مَعْرِفَةَ وقْتِ حُلُولِ يَوْمِ الفَتْحِ لِأنَّهم يَقُولُونَ يَوْمَئِذٍ ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] مَعَ ما في هَذا الجَوابِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ زَمَنَ حُلُولِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلنّاسِ وأنَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ فَعَلى مَن يَحْتاطُ لِنَجاةِ نَفْسِهِ أنْ يَعْمَلَ لَهُ مِنَ الآنِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي مَتى يَحِلُّ بِهِ فَـ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
فَفِي هَذا الجَوابِ سُلُوكُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ مِن وجْهَيْنِ: مِن وجْهِ العُدُولِ عَنْ تَعْيِينِ يَوْمِ الفَتْحِ، ومِن وجْهِ العُدُولِ بِهِمْ إلى يَوْمِ الفَتْحِ الحَقِّ، وهم إنَّما أرادُوا بِالفَتْحِ نَصْرَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وإظْهارُ وصْفِ الَّذِينَ كَفَرُوا في مَقامِ الإضْمارِ مَعَ أنَّهم هُمُ القائِلُونَ ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ كُفْرَهم هو سَبَبُ خَيْبَتِهِمْ.
ثُمَّ فُرِّعَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُجادَلاتِ والدَّلالاتِ تَوْجِيهُ اللَّهِ خِطابَهَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُعْرِضَ عَنْ هَؤُلاءِ القائِلِينَ المُكَذِّبِينَ وأنْ لا يَزِيدَ في الإلْحاحِ عَلَيْهِمْ تَأْيِيسًا مِن إيمانِ المُجادِلِينَ مِنهُمُ المُتَصَدِّينَ لِلتَّمْوِيهِ عَلى دَهْمائِهِمْ. وهَذا إعْراضُ مُتارَكَةٍ عَنِ الجِدالِ وقْتِيًّا لا إعْراضٌ مُسْتَمِرٌّ، ولا عَنِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِأحْكامِ الجِهادِ المَشْرُوعِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
والِانْتِظارُ: التَّرَقُّبُ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّظَرِ فَكَأنَّهُ مُطاوِعُ أنْظَرَهُ، أيْ أراهُ فانْتَظَرَ، أيْ تَكَلَّفَ أنْ يَنْظُرَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ انْتَظِرْ لِلتَّهْوِيلِ، أيِ انْتَظِرْ أيّامًا يَكُونُ لَكَ فِيها النَّصْرُ،
صفحة ٢٤٤
ويَكُونُ لَهم فِيها الخُسْرانُ مِثْلَ سِنِي الجُوعِ إنْ كانَ حَصَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، ومِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ ويَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ وهُمّا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ لا مَحالَةَ، فَفي الأمْرِ بِالِانْتِظارِ تَعْرِيضٌ بِالبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّظَرِ، وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالعَذابِ في الدّارَيْنِ.
وجُمْلَةُ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ تَعْلِيلٌ لِما تُضَمَّنَهُ الأمْرُ بِالِانْتِظارِ مِن إضْمارِ العَذابِ لَهم. ومَفْعُولُ مُنْتَظِرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ مُنْتَظِرُونَ لَكُمُ الفُرْصَةَ لِحَرْبِكم أوْ لِإخْراجِكم قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وقالَ: ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] أيْ لَمْ نَكُنْ ظالِمِينَ في تَقْدِيرِ العَذابِ لَهم لِأنَّهم بَدَءُوا بِالظُّلْمِ.
* * *
صفحة ٢٤٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأحْزابِ
هَكَذا سُمِّيَتْ (سُورَةُ الأحْزابِ) في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ والسُّنَّةِ، وكَذَلِكَ رُوِيَتْ تَسْمِيَتُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِأسانِيدَ مَقْبُولَةٍ. ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرُهُ. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ فِيها ذِكْرَ أحْزابِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ ومَن تَحَزَّبَ مَعَهم أرادُوا غَزْوَ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ فَرَدَّ اللَّهُ كَيْدَهم وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آيَةَ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] إلَخْ نَزَلَتْ في تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِن زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ في مَكَّةَ.
وهِيَ التِّسْعُونَ في عِدادِ السُّوَرِ النّازِلَةِ مِنَ القُرْآنِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأنْفالِ، وقَبْلَ سُورَةِ المائِدَةِ.
وكانَ نُزُولُها عَلى قَوْلِ ابْنِ إسْحاقَ أواخِرَ سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ وهو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ
ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: أنَّها كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ وهي سَنَةُ غَزْوَةِ الأحْزابِ وتُسَمّى غَزْوَةُ الخَنْدَقِ حِينَ أحاطَ جَماعاتٌ مِن قُرَيْشٍ وأحابِيشِهِمْ وكِنانَةَ وغَطَفانَ وكانُوا عَشَرَةَ آلافٍ وكانَ المُسْلِمُونَ ثَلاثَةَ آلافٍ وعَقِبَتْها غَزْوَةُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.
وعَدَدُ آيِها ثَلاثٌ وسَبْعُونَ بِاتِّفاقِ أصْحابِ العَدَدِ.
ومِمّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ما رَواهُ الحاكِمُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيِّنْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الأحْزابِ ؟ قالَ:
صفحة ٢٤٦
قُلْتُ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً. قالَ: أقَطْ (بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى قَطْ، أيْ حَسْبُ) فَوالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ أُبَيٌّ: إنْ كانَتْ لَتَعْدِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ. ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتِّيَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، أيْ نُسِخَ فِيما نُسِخَ مِن تِلاوَةِ آياتِها. وما رَواهُ أبُو عَبِيدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ بِسَنَدِهِ وابْنُ الأنْبارِيِّ بِسَنَدِهِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيءِ ﷺ مِائَتَيْ آيَةٍ فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يَقْدِرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ» . وكَلامُ الخَبَرَيْنِ ضَعِيفُ السَّنَدِ.
ومَحْمَلُ الخَبَرِ الأوَّلِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ أُبَيًّا حَدَّثَ عَنْ سُورَةِ الأحْزابِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ مِنها ما نُسِخَ. فَمِنهُ ما نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ وحُكْمُهُ ومِنهُ ما نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ خاصَّةً مِثْلَ آيَةِ الرَّجْمِ. وأنا أقُولُ: إنْ صَحَّ عَنْ أُبَيٍّ ما نُسِبَ إلَيْهِ فَما هو إلّا أنَّ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ كانَ أُبَيٌّ يُلْحِقُهُ بِسُورَةِ الأحْزابِ وهو مِن سُوَرٍ أُخْرى مِنَ القُرْآنِ مِثْلَ كَثِيرٍ مِن سُورَةِ النِّساءِ الشَّبِيهِ بِبَعْضِ ما في سُورَةِ الأحْزابِ أغْراضًا ولَهْجَةً مِمّا فِيهِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، فَإنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في تَرْتِيبِ آيِ القُرْآنِ ولا في عِدَّةِ سُوَرِهِ وتَقْسِيمِ سُوَرِهِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ ولا في ضَبْطِ المَنسُوخِ لَفْظُهُ. كَيْفَ وقَدْ أجْمَعَ حُفّاظُ القُرْآنِ والخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وكافَّةُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا الَّذِينَ شَذُّوا عَلى أنَّ القُرْآنَ هو الَّذِي في المُصْحَفِ وأجْمَعُوا في عَدَدِ آياتِ القُرْآنِ عَلى عَدَدٍ قَرِيبٍ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ.
وأمّا الخَبَرُ عَنْ عائِشَةَ فَهو أضْعَفُ سَنَدًا وأقْرَبُ تَأْوِيلًا فَإنْ صَحَّ عَنْها، ولا إخالَهُ، فَقَدْ تَحَدَّثَتْ عَنْ شَيْءٍ نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ كانَ في سُورَةِ الأحْزابِ.
ولَيْسَ بَعْدَ إجْماعِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ مَطْلَبٌ لِطالِبٍ.
ولَمْ يَكُنْ تَعْوِيلُهم في مِقْدارِ القُرْآنِ وسُوَرِهِ إلّا عَلى حِفْظِ الحُفّاظِ. وقَدِ افْتَقَدَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ آيَةً مِن سُورَةِ الأحْزابِ لَمْ يَجِدْها فِيما دُفِعَ إلَيْهِ مِن صُحُفِ القُرْآنِ فَلَمْ يَزَلْ يَسْألُ عَنْها حَتّى وجَدَها مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ وقَدْ كانَ يَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ يَقْرَؤُها، فَلَمّا وجَدَها مَعَ خُزَيْمَةَ لَمْ يَشُكَّ في لَفْظِها الَّذِي كانَ عَرَفَهُ. وهي آيَةُ
صفحة ٢٤٧
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى قَوْلِهِ تَبْدِيلًا. وافْتَقَدَ الآيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ بَراءَةَ فَوَجَدَهُما عِنْدَ أبِي خُزَيْمَةَ بْنِ أوْسٍ المُشْتَهِرِ بِكُنْيَتِهِ.
وبَعْدُ فَخَبَرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ خَبَرٌ غَرِيبٌ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فَنُوقِنُ بِأنَّهُ دَخَلَهُ وهْمٌ مِن بَعْضِ رُواتِهِ. وهو أيْضًا خَبَرُ آحادٍ لا يَنْتَقِضُ بِهِ إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى المِقْدارِ المَوْجُودِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ مُتَواتِرًا.
وفِي الكَشّافِ: وأمّا ما يُحْكى أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ عائِشَةَ كانَتْ مَكْتُوبَةً في صَحِيفَةٍ في بَيْتِ عائِشَةَ فَأكَلَتْها الدّاجِنُ، أيِ الشّاةُ، فَمِن تَأْلِيفاتِ المَلاحِدَةِ والرَّوافِضِ اهـ.
ووَضْعُ هَذا الخَبَرِ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ فَإنَّهُ لَوْ صَدَقَ هَذا لَكانَتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ قَدْ هَلَكَتْ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ بَعْدَهُ والصَّحابَةُ مُتَوافِرُونَ وحُفّاظُ القُرْآنِ كَثِيرُونَ فَلَوْ تَلِفَتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ لَمْ يُتْلَفْ ما فِيها مِن صُدُورِ الحُفّاظِ.
وكَوْنُ القُرْآنِ قَدْ تَلاشى مِنهُ كَثِيرٌ هو أصْلٌ مِن أُصُولِ الرَّوافِضِ لِيَطْعَنُوا بِهِ في الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ، والرّافِضَةُ يَزْعُمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُسْتَوْدَعٌ عِنْدَ الإمامِ المُنْتَظَرِ فَهو الَّذِي يَأْتِي بِالقُرْآنِ وِقْرَ بَعِيرٍ. وقَدِ اسْتَوْعَبَ قَوْلُهم واسْتَوْفى إبْطالَهَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في كِتابِ العَواصِمِ مِنَ القَواصِمِ.
* * *
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ
لِكَثِيرٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ أسْبابٌ لِنُزُولِها، وأكْثَرُها نَزَلَ لِلرَّدِّ عَلى المُنافِقِينَ أقْوالًا قَصَدُوا بِها أذى النَّبِيءِ ﷺ .
وأهَمُّ أغْراضِها: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم لَمّا تَزَوَّجَ النَّبِيءُ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بَعْدَ أنْ طَلَّقَها زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَقالُوا: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ وهو يَنْهى النّاسَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: إبْطالَ التَّبَنِّي.
وأنَّ الحَقَّ في أحْكامِ اللَّهِ لِأنَّهُ الخَبِيرُ بِالأعْمالِ وهو الَّذِي يَقُولُ الحَقَّ.
صفحة ٢٤٨
وأنَّ وِلايَةَ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ أقْوى وِلايَةً، ولِأزْواجِهِ حُرْمَةَ الأُمَّهاتِ لَهم، وتِلْكَ وِلايَةٌ مَن جَعْلِ اللَّهِ فَهي أقْوى وأشَدُّ مِن وِلايَةِ الأرْحامِ.
وتَحْرِيضُ المُؤْمِنِينَ عَلى التَّمَسُّكِ بِما شَرَعَ اللَّهُ لَهم لِأنَّهُ أخَذَ العَهْدَ بِذَلِكَ عَلى جَمِيعِ النَّبِيئِينَ.
والِاعْتِبارُ بِما أظْهَرَهُ اللَّهُ مِن عِنايَتِهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى أحْزابِ أعْدائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ في وقْعَةِ الأحْزابِ ودَفْعِ كَيْدِ المُنافِقِينَ.
والثَّناءُ عَلى صِدْقِ المُؤْمِنِينَ وثَباتِهِمْ في الدِّفاعِ عَنِ الدِّينِ.
ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ أعْطاهم بِلادَ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ظاهَرُوا الأحْزابَ.
وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى أحْكامٍ في مُعاشَرَةِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ وذَكَرَ فَضْلَهُنَّ وفَضْلَ آلِ النَّبِيءِ ﷺ وفَضائِلَ أهْلِ الخَيْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ.
وتَشْرِيعٌ في عِدَّةِ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ.
وما يَسُوغُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأزْواجِ. وحُكْمُ حِجابِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ولُبْسَةِ المُؤْمِناتِ إذا خَرَجْنَ.
وتَهْدِيدُ المُنافِقِينَ عَلى الإرْجافِ بِالأخْبارِ الكاذِبَةِ.
وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِالشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ فَكانَ خِتامُها مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ في أوَّلِها ﴿واتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأحزاب: ٢]، وتَخَلَّلَ ذَلِكَ مُسْتَطْرَداتٌ مِنَ الأمْرِ بِالِائْتِساءِ بِالنَّبِيءِ ﷺ .
وتَحْرِيضُ المُؤْمِنِينَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ شُكْرًا لَهُ عَلى هَدْيِهِ. وتَعْظِيمُ قَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ وفي المَلَأِ الأعْلى، والأمْرُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والسَّلامِ.
ووَعِيدُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِما يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ.
والتَّحْذِيرُ مِنَ التَّوَرُّطِ في ذَلِكَ كَيْلا يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ الَّذِينَ آذَوْا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
السجدة 32:29
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها، أيْ أعْرَضُوا عَنْ سَماعِ الآياتِ والتَّدَبُّرِ فِيها وتَجاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّكْذِيبِ والتَّهَكُّمِ بِها. ومُناسَبَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنا أنَّهُ وقَعَ عَقِبَ الإشارَةِ إلى دَلِيلِ وُقُوعِ البَعْثِ وهو يَوْمُ الفَصْلِ.
ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]) .
والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وما مَعَهُ مِنَ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ وكَذَّبُوا بِوَعِيدِ عَذابِ الدُّنْيا الَّذِي مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] .
والفَتْحُ: النَّصْرُ والقَضاءُ. والمُرادُ بِهِ: نَصْرُ أهْلِ الإيمانِ بِظُهُورِ فَوْزِهِمْ وخَيْبَةِ أعْدائِهِمْ فَإنَّ خَيْبَةَ العَدُوِّ نَصْرٌ لِضِدِّهِ وكانَ المُسْلِمُونَ يَتَحَدَّوْنَ المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ بَيْنَهم ويَنْصُرُهم وتَظْهَرُ حُجَّتُهم، فَكانَ الكافِرُونَ يُكَرِّرُونَ التَّهَكُّمَ بِالمُسْلِمِينَ بِالسُّؤالِ عَنْ وقْتِ هَذا الفَتْحِ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في التَّكْذِيبِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ.
وحِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ التَّعْجِيبِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] مَعَ إفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم واتِّخاذِهِمْ إيّاهُ.
والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ واقِعٌ فَبَيِّنُوا لَنا وقْتَهُ فَإنَّكم إذْ عَلِمْتُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِكم فَلْتَعْلَمُوا وقْتَهُ. وهَذا مِنَ السَّفْسَطَةِ الباطِلَةِ لِأنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ إجْمالًا لا يَقْتَضِي العِلْمَ بِتَفْصِيلِ أحْوالِهِ حَتّى يُنْسَبَ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَفْصِيلَهُ إلى الكَذِبِ في إجْمالِهِ.
صفحة ٢٤٣
واسْمُ الإشارَةِ في هَذا الفَتْحِ مَعَ إمْكانِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِذِكْرِ مُبَيِّنِهِ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّحْقِيرُ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ بِهِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
إنْباءً بِقِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِالمَوْتِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] فَأمَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ ﷺ بِأنْ يُجِيبَهم عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِأنَّ يَوْمَ الفَتْحِ الحَقِّ هو يَوْمُ القِيامَةِ وهو يَوْمُ الفَصْلِ وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ أمَلُ الكُفّارِ في النَّجاةِ والِاسْتِفادَةِ مِنَ النَّدامَةِ والتَّوْبَةِ ولا يَجِدُونَ إنْظارًا لِتَدارُكِ ما فاتَهم، أيْ إفادَتُهم هَذِهِ المَوْعِظَةَ خَيْرٌ لَهم مَن تَطَلُّبِهِمْ مَعْرِفَةَ وقْتِ حُلُولِ يَوْمِ الفَتْحِ لِأنَّهم يَقُولُونَ يَوْمَئِذٍ ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] مَعَ ما في هَذا الجَوابِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ زَمَنَ حُلُولِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلنّاسِ وأنَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ فَعَلى مَن يَحْتاطُ لِنَجاةِ نَفْسِهِ أنْ يَعْمَلَ لَهُ مِنَ الآنِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي مَتى يَحِلُّ بِهِ فَـ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
فَفِي هَذا الجَوابِ سُلُوكُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ مِن وجْهَيْنِ: مِن وجْهِ العُدُولِ عَنْ تَعْيِينِ يَوْمِ الفَتْحِ، ومِن وجْهِ العُدُولِ بِهِمْ إلى يَوْمِ الفَتْحِ الحَقِّ، وهم إنَّما أرادُوا بِالفَتْحِ نَصْرَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وإظْهارُ وصْفِ الَّذِينَ كَفَرُوا في مَقامِ الإضْمارِ مَعَ أنَّهم هُمُ القائِلُونَ ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ كُفْرَهم هو سَبَبُ خَيْبَتِهِمْ.
ثُمَّ فُرِّعَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُجادَلاتِ والدَّلالاتِ تَوْجِيهُ اللَّهِ خِطابَهَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُعْرِضَ عَنْ هَؤُلاءِ القائِلِينَ المُكَذِّبِينَ وأنْ لا يَزِيدَ في الإلْحاحِ عَلَيْهِمْ تَأْيِيسًا مِن إيمانِ المُجادِلِينَ مِنهُمُ المُتَصَدِّينَ لِلتَّمْوِيهِ عَلى دَهْمائِهِمْ. وهَذا إعْراضُ مُتارَكَةٍ عَنِ الجِدالِ وقْتِيًّا لا إعْراضٌ مُسْتَمِرٌّ، ولا عَنِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِأحْكامِ الجِهادِ المَشْرُوعِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
والِانْتِظارُ: التَّرَقُّبُ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّظَرِ فَكَأنَّهُ مُطاوِعُ أنْظَرَهُ، أيْ أراهُ فانْتَظَرَ، أيْ تَكَلَّفَ أنْ يَنْظُرَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ انْتَظِرْ لِلتَّهْوِيلِ، أيِ انْتَظِرْ أيّامًا يَكُونُ لَكَ فِيها النَّصْرُ،
صفحة ٢٤٤
ويَكُونُ لَهم فِيها الخُسْرانُ مِثْلَ سِنِي الجُوعِ إنْ كانَ حَصَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، ومِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ ويَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ وهُمّا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ لا مَحالَةَ، فَفي الأمْرِ بِالِانْتِظارِ تَعْرِيضٌ بِالبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّظَرِ، وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالعَذابِ في الدّارَيْنِ.
وجُمْلَةُ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ تَعْلِيلٌ لِما تُضَمَّنَهُ الأمْرُ بِالِانْتِظارِ مِن إضْمارِ العَذابِ لَهم. ومَفْعُولُ مُنْتَظِرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ مُنْتَظِرُونَ لَكُمُ الفُرْصَةَ لِحَرْبِكم أوْ لِإخْراجِكم قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وقالَ: ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] أيْ لَمْ نَكُنْ ظالِمِينَ في تَقْدِيرِ العَذابِ لَهم لِأنَّهم بَدَءُوا بِالظُّلْمِ.
* * *
صفحة ٢٤٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأحْزابِ
هَكَذا سُمِّيَتْ (سُورَةُ الأحْزابِ) في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ والسُّنَّةِ، وكَذَلِكَ رُوِيَتْ تَسْمِيَتُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِأسانِيدَ مَقْبُولَةٍ. ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرُهُ. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ فِيها ذِكْرَ أحْزابِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ ومَن تَحَزَّبَ مَعَهم أرادُوا غَزْوَ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ فَرَدَّ اللَّهُ كَيْدَهم وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آيَةَ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] إلَخْ نَزَلَتْ في تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِن زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ في مَكَّةَ.
وهِيَ التِّسْعُونَ في عِدادِ السُّوَرِ النّازِلَةِ مِنَ القُرْآنِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأنْفالِ، وقَبْلَ سُورَةِ المائِدَةِ.
وكانَ نُزُولُها عَلى قَوْلِ ابْنِ إسْحاقَ أواخِرَ سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ وهو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ
ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: أنَّها كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ وهي سَنَةُ غَزْوَةِ الأحْزابِ وتُسَمّى غَزْوَةُ الخَنْدَقِ حِينَ أحاطَ جَماعاتٌ مِن قُرَيْشٍ وأحابِيشِهِمْ وكِنانَةَ وغَطَفانَ وكانُوا عَشَرَةَ آلافٍ وكانَ المُسْلِمُونَ ثَلاثَةَ آلافٍ وعَقِبَتْها غَزْوَةُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.
وعَدَدُ آيِها ثَلاثٌ وسَبْعُونَ بِاتِّفاقِ أصْحابِ العَدَدِ.
ومِمّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ما رَواهُ الحاكِمُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيِّنْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الأحْزابِ ؟ قالَ:
صفحة ٢٤٦
قُلْتُ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً. قالَ: أقَطْ (بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى قَطْ، أيْ حَسْبُ) فَوالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ أُبَيٌّ: إنْ كانَتْ لَتَعْدِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ. ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتِّيَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، أيْ نُسِخَ فِيما نُسِخَ مِن تِلاوَةِ آياتِها. وما رَواهُ أبُو عَبِيدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ بِسَنَدِهِ وابْنُ الأنْبارِيِّ بِسَنَدِهِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيءِ ﷺ مِائَتَيْ آيَةٍ فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يَقْدِرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ» . وكَلامُ الخَبَرَيْنِ ضَعِيفُ السَّنَدِ.
ومَحْمَلُ الخَبَرِ الأوَّلِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ أُبَيًّا حَدَّثَ عَنْ سُورَةِ الأحْزابِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ مِنها ما نُسِخَ. فَمِنهُ ما نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ وحُكْمُهُ ومِنهُ ما نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ خاصَّةً مِثْلَ آيَةِ الرَّجْمِ. وأنا أقُولُ: إنْ صَحَّ عَنْ أُبَيٍّ ما نُسِبَ إلَيْهِ فَما هو إلّا أنَّ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ كانَ أُبَيٌّ يُلْحِقُهُ بِسُورَةِ الأحْزابِ وهو مِن سُوَرٍ أُخْرى مِنَ القُرْآنِ مِثْلَ كَثِيرٍ مِن سُورَةِ النِّساءِ الشَّبِيهِ بِبَعْضِ ما في سُورَةِ الأحْزابِ أغْراضًا ولَهْجَةً مِمّا فِيهِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، فَإنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في تَرْتِيبِ آيِ القُرْآنِ ولا في عِدَّةِ سُوَرِهِ وتَقْسِيمِ سُوَرِهِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ ولا في ضَبْطِ المَنسُوخِ لَفْظُهُ. كَيْفَ وقَدْ أجْمَعَ حُفّاظُ القُرْآنِ والخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وكافَّةُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا الَّذِينَ شَذُّوا عَلى أنَّ القُرْآنَ هو الَّذِي في المُصْحَفِ وأجْمَعُوا في عَدَدِ آياتِ القُرْآنِ عَلى عَدَدٍ قَرِيبٍ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ.
وأمّا الخَبَرُ عَنْ عائِشَةَ فَهو أضْعَفُ سَنَدًا وأقْرَبُ تَأْوِيلًا فَإنْ صَحَّ عَنْها، ولا إخالَهُ، فَقَدْ تَحَدَّثَتْ عَنْ شَيْءٍ نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ كانَ في سُورَةِ الأحْزابِ.
ولَيْسَ بَعْدَ إجْماعِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ مَطْلَبٌ لِطالِبٍ.
ولَمْ يَكُنْ تَعْوِيلُهم في مِقْدارِ القُرْآنِ وسُوَرِهِ إلّا عَلى حِفْظِ الحُفّاظِ. وقَدِ افْتَقَدَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ آيَةً مِن سُورَةِ الأحْزابِ لَمْ يَجِدْها فِيما دُفِعَ إلَيْهِ مِن صُحُفِ القُرْآنِ فَلَمْ يَزَلْ يَسْألُ عَنْها حَتّى وجَدَها مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ وقَدْ كانَ يَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ يَقْرَؤُها، فَلَمّا وجَدَها مَعَ خُزَيْمَةَ لَمْ يَشُكَّ في لَفْظِها الَّذِي كانَ عَرَفَهُ. وهي آيَةُ
صفحة ٢٤٧
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى قَوْلِهِ تَبْدِيلًا. وافْتَقَدَ الآيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ بَراءَةَ فَوَجَدَهُما عِنْدَ أبِي خُزَيْمَةَ بْنِ أوْسٍ المُشْتَهِرِ بِكُنْيَتِهِ.
وبَعْدُ فَخَبَرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ خَبَرٌ غَرِيبٌ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فَنُوقِنُ بِأنَّهُ دَخَلَهُ وهْمٌ مِن بَعْضِ رُواتِهِ. وهو أيْضًا خَبَرُ آحادٍ لا يَنْتَقِضُ بِهِ إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى المِقْدارِ المَوْجُودِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ مُتَواتِرًا.
وفِي الكَشّافِ: وأمّا ما يُحْكى أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ عائِشَةَ كانَتْ مَكْتُوبَةً في صَحِيفَةٍ في بَيْتِ عائِشَةَ فَأكَلَتْها الدّاجِنُ، أيِ الشّاةُ، فَمِن تَأْلِيفاتِ المَلاحِدَةِ والرَّوافِضِ اهـ.
ووَضْعُ هَذا الخَبَرِ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ فَإنَّهُ لَوْ صَدَقَ هَذا لَكانَتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ قَدْ هَلَكَتْ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ بَعْدَهُ والصَّحابَةُ مُتَوافِرُونَ وحُفّاظُ القُرْآنِ كَثِيرُونَ فَلَوْ تَلِفَتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ لَمْ يُتْلَفْ ما فِيها مِن صُدُورِ الحُفّاظِ.
وكَوْنُ القُرْآنِ قَدْ تَلاشى مِنهُ كَثِيرٌ هو أصْلٌ مِن أُصُولِ الرَّوافِضِ لِيَطْعَنُوا بِهِ في الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ، والرّافِضَةُ يَزْعُمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُسْتَوْدَعٌ عِنْدَ الإمامِ المُنْتَظَرِ فَهو الَّذِي يَأْتِي بِالقُرْآنِ وِقْرَ بَعِيرٍ. وقَدِ اسْتَوْعَبَ قَوْلُهم واسْتَوْفى إبْطالَهَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في كِتابِ العَواصِمِ مِنَ القَواصِمِ.
* * *
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ
لِكَثِيرٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ أسْبابٌ لِنُزُولِها، وأكْثَرُها نَزَلَ لِلرَّدِّ عَلى المُنافِقِينَ أقْوالًا قَصَدُوا بِها أذى النَّبِيءِ ﷺ .
وأهَمُّ أغْراضِها: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم لَمّا تَزَوَّجَ النَّبِيءُ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بَعْدَ أنْ طَلَّقَها زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَقالُوا: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ وهو يَنْهى النّاسَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: إبْطالَ التَّبَنِّي.
وأنَّ الحَقَّ في أحْكامِ اللَّهِ لِأنَّهُ الخَبِيرُ بِالأعْمالِ وهو الَّذِي يَقُولُ الحَقَّ.
صفحة ٢٤٨
وأنَّ وِلايَةَ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ أقْوى وِلايَةً، ولِأزْواجِهِ حُرْمَةَ الأُمَّهاتِ لَهم، وتِلْكَ وِلايَةٌ مَن جَعْلِ اللَّهِ فَهي أقْوى وأشَدُّ مِن وِلايَةِ الأرْحامِ.
وتَحْرِيضُ المُؤْمِنِينَ عَلى التَّمَسُّكِ بِما شَرَعَ اللَّهُ لَهم لِأنَّهُ أخَذَ العَهْدَ بِذَلِكَ عَلى جَمِيعِ النَّبِيئِينَ.
والِاعْتِبارُ بِما أظْهَرَهُ اللَّهُ مِن عِنايَتِهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى أحْزابِ أعْدائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ في وقْعَةِ الأحْزابِ ودَفْعِ كَيْدِ المُنافِقِينَ.
والثَّناءُ عَلى صِدْقِ المُؤْمِنِينَ وثَباتِهِمْ في الدِّفاعِ عَنِ الدِّينِ.
ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ أعْطاهم بِلادَ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ظاهَرُوا الأحْزابَ.
وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى أحْكامٍ في مُعاشَرَةِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ وذَكَرَ فَضْلَهُنَّ وفَضْلَ آلِ النَّبِيءِ ﷺ وفَضائِلَ أهْلِ الخَيْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ.
وتَشْرِيعٌ في عِدَّةِ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ.
وما يَسُوغُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأزْواجِ. وحُكْمُ حِجابِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ولُبْسَةِ المُؤْمِناتِ إذا خَرَجْنَ.
وتَهْدِيدُ المُنافِقِينَ عَلى الإرْجافِ بِالأخْبارِ الكاذِبَةِ.
وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِالشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ فَكانَ خِتامُها مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ في أوَّلِها ﴿واتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأحزاب: ٢]، وتَخَلَّلَ ذَلِكَ مُسْتَطْرَداتٌ مِنَ الأمْرِ بِالِائْتِساءِ بِالنَّبِيءِ ﷺ .
وتَحْرِيضُ المُؤْمِنِينَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ شُكْرًا لَهُ عَلى هَدْيِهِ. وتَعْظِيمُ قَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ وفي المَلَأِ الأعْلى، والأمْرُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والسَّلامِ.
ووَعِيدُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِما يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ.
والتَّحْذِيرُ مِنَ التَّوَرُّطِ في ذَلِكَ كَيْلا يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ الَّذِينَ آذَوْا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
السجدة 32:30
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها، أيْ أعْرَضُوا عَنْ سَماعِ الآياتِ والتَّدَبُّرِ فِيها وتَجاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّكْذِيبِ والتَّهَكُّمِ بِها. ومُناسَبَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنا أنَّهُ وقَعَ عَقِبَ الإشارَةِ إلى دَلِيلِ وُقُوعِ البَعْثِ وهو يَوْمُ الفَصْلِ.
ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]) .
والمَعْنى: أنَّهم كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وما مَعَهُ مِنَ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ وكَذَّبُوا بِوَعِيدِ عَذابِ الدُّنْيا الَّذِي مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] .
والفَتْحُ: النَّصْرُ والقَضاءُ. والمُرادُ بِهِ: نَصْرُ أهْلِ الإيمانِ بِظُهُورِ فَوْزِهِمْ وخَيْبَةِ أعْدائِهِمْ فَإنَّ خَيْبَةَ العَدُوِّ نَصْرٌ لِضِدِّهِ وكانَ المُسْلِمُونَ يَتَحَدَّوْنَ المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ بَيْنَهم ويَنْصُرُهم وتَظْهَرُ حُجَّتُهم، فَكانَ الكافِرُونَ يُكَرِّرُونَ التَّهَكُّمَ بِالمُسْلِمِينَ بِالسُّؤالِ عَنْ وقْتِ هَذا الفَتْحِ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في التَّكْذِيبِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ.
وحِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ التَّعْجِيبِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] مَعَ إفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم واتِّخاذِهِمْ إيّاهُ.
والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ واقِعٌ فَبَيِّنُوا لَنا وقْتَهُ فَإنَّكم إذْ عَلِمْتُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِكم فَلْتَعْلَمُوا وقْتَهُ. وهَذا مِنَ السَّفْسَطَةِ الباطِلَةِ لِأنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ إجْمالًا لا يَقْتَضِي العِلْمَ بِتَفْصِيلِ أحْوالِهِ حَتّى يُنْسَبَ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَفْصِيلَهُ إلى الكَذِبِ في إجْمالِهِ.
صفحة ٢٤٣
واسْمُ الإشارَةِ في هَذا الفَتْحِ مَعَ إمْكانِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِذِكْرِ مُبَيِّنِهِ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّحْقِيرُ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ بِهِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
إنْباءً بِقِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِالمَوْتِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] فَأمَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ ﷺ بِأنْ يُجِيبَهم عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِأنَّ يَوْمَ الفَتْحِ الحَقِّ هو يَوْمُ القِيامَةِ وهو يَوْمُ الفَصْلِ وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ أمَلُ الكُفّارِ في النَّجاةِ والِاسْتِفادَةِ مِنَ النَّدامَةِ والتَّوْبَةِ ولا يَجِدُونَ إنْظارًا لِتَدارُكِ ما فاتَهم، أيْ إفادَتُهم هَذِهِ المَوْعِظَةَ خَيْرٌ لَهم مَن تَطَلُّبِهِمْ مَعْرِفَةَ وقْتِ حُلُولِ يَوْمِ الفَتْحِ لِأنَّهم يَقُولُونَ يَوْمَئِذٍ ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] مَعَ ما في هَذا الجَوابِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ زَمَنَ حُلُولِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلنّاسِ وأنَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ فَعَلى مَن يَحْتاطُ لِنَجاةِ نَفْسِهِ أنْ يَعْمَلَ لَهُ مِنَ الآنِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي مَتى يَحِلُّ بِهِ فَـ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
فَفِي هَذا الجَوابِ سُلُوكُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ مِن وجْهَيْنِ: مِن وجْهِ العُدُولِ عَنْ تَعْيِينِ يَوْمِ الفَتْحِ، ومِن وجْهِ العُدُولِ بِهِمْ إلى يَوْمِ الفَتْحِ الحَقِّ، وهم إنَّما أرادُوا بِالفَتْحِ نَصْرَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وإظْهارُ وصْفِ الَّذِينَ كَفَرُوا في مَقامِ الإضْمارِ مَعَ أنَّهم هُمُ القائِلُونَ ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ كُفْرَهم هو سَبَبُ خَيْبَتِهِمْ.
ثُمَّ فُرِّعَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُجادَلاتِ والدَّلالاتِ تَوْجِيهُ اللَّهِ خِطابَهَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُعْرِضَ عَنْ هَؤُلاءِ القائِلِينَ المُكَذِّبِينَ وأنْ لا يَزِيدَ في الإلْحاحِ عَلَيْهِمْ تَأْيِيسًا مِن إيمانِ المُجادِلِينَ مِنهُمُ المُتَصَدِّينَ لِلتَّمْوِيهِ عَلى دَهْمائِهِمْ. وهَذا إعْراضُ مُتارَكَةٍ عَنِ الجِدالِ وقْتِيًّا لا إعْراضٌ مُسْتَمِرٌّ، ولا عَنِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِأحْكامِ الجِهادِ المَشْرُوعِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
والِانْتِظارُ: التَّرَقُّبُ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّظَرِ فَكَأنَّهُ مُطاوِعُ أنْظَرَهُ، أيْ أراهُ فانْتَظَرَ، أيْ تَكَلَّفَ أنْ يَنْظُرَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ انْتَظِرْ لِلتَّهْوِيلِ، أيِ انْتَظِرْ أيّامًا يَكُونُ لَكَ فِيها النَّصْرُ،
صفحة ٢٤٤
ويَكُونُ لَهم فِيها الخُسْرانُ مِثْلَ سِنِي الجُوعِ إنْ كانَ حَصَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، ومِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ ويَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ وهُمّا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ لا مَحالَةَ، فَفي الأمْرِ بِالِانْتِظارِ تَعْرِيضٌ بِالبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّظَرِ، وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالعَذابِ في الدّارَيْنِ.
وجُمْلَةُ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ تَعْلِيلٌ لِما تُضَمَّنَهُ الأمْرُ بِالِانْتِظارِ مِن إضْمارِ العَذابِ لَهم. ومَفْعُولُ مُنْتَظِرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ مُنْتَظِرُونَ لَكُمُ الفُرْصَةَ لِحَرْبِكم أوْ لِإخْراجِكم قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وقالَ: ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] أيْ لَمْ نَكُنْ ظالِمِينَ في تَقْدِيرِ العَذابِ لَهم لِأنَّهم بَدَءُوا بِالظُّلْمِ.
* * *
صفحة ٢٤٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأحْزابِ
هَكَذا سُمِّيَتْ (سُورَةُ الأحْزابِ) في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ والسُّنَّةِ، وكَذَلِكَ رُوِيَتْ تَسْمِيَتُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِأسانِيدَ مَقْبُولَةٍ. ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرُهُ. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ فِيها ذِكْرَ أحْزابِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ ومَن تَحَزَّبَ مَعَهم أرادُوا غَزْوَ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ فَرَدَّ اللَّهُ كَيْدَهم وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آيَةَ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] إلَخْ نَزَلَتْ في تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِن زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ في مَكَّةَ.
وهِيَ التِّسْعُونَ في عِدادِ السُّوَرِ النّازِلَةِ مِنَ القُرْآنِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأنْفالِ، وقَبْلَ سُورَةِ المائِدَةِ.
وكانَ نُزُولُها عَلى قَوْلِ ابْنِ إسْحاقَ أواخِرَ سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ وهو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ
ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: أنَّها كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ وهي سَنَةُ غَزْوَةِ الأحْزابِ وتُسَمّى غَزْوَةُ الخَنْدَقِ حِينَ أحاطَ جَماعاتٌ مِن قُرَيْشٍ وأحابِيشِهِمْ وكِنانَةَ وغَطَفانَ وكانُوا عَشَرَةَ آلافٍ وكانَ المُسْلِمُونَ ثَلاثَةَ آلافٍ وعَقِبَتْها غَزْوَةُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.
وعَدَدُ آيِها ثَلاثٌ وسَبْعُونَ بِاتِّفاقِ أصْحابِ العَدَدِ.
ومِمّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ما رَواهُ الحاكِمُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيِّنْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الأحْزابِ ؟ قالَ:
صفحة ٢٤٦
قُلْتُ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً. قالَ: أقَطْ (بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى قَطْ، أيْ حَسْبُ) فَوالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ أُبَيٌّ: إنْ كانَتْ لَتَعْدِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ. ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتِّيَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ، أيْ نُسِخَ فِيما نُسِخَ مِن تِلاوَةِ آياتِها. وما رَواهُ أبُو عَبِيدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ بِسَنَدِهِ وابْنُ الأنْبارِيِّ بِسَنَدِهِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ الأحْزابِ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيءِ ﷺ مِائَتَيْ آيَةٍ فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يَقْدِرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ» . وكَلامُ الخَبَرَيْنِ ضَعِيفُ السَّنَدِ.
ومَحْمَلُ الخَبَرِ الأوَّلِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ أُبَيًّا حَدَّثَ عَنْ سُورَةِ الأحْزابِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ مِنها ما نُسِخَ. فَمِنهُ ما نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ وحُكْمُهُ ومِنهُ ما نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ خاصَّةً مِثْلَ آيَةِ الرَّجْمِ. وأنا أقُولُ: إنْ صَحَّ عَنْ أُبَيٍّ ما نُسِبَ إلَيْهِ فَما هو إلّا أنَّ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ كانَ أُبَيٌّ يُلْحِقُهُ بِسُورَةِ الأحْزابِ وهو مِن سُوَرٍ أُخْرى مِنَ القُرْآنِ مِثْلَ كَثِيرٍ مِن سُورَةِ النِّساءِ الشَّبِيهِ بِبَعْضِ ما في سُورَةِ الأحْزابِ أغْراضًا ولَهْجَةً مِمّا فِيهِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، فَإنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في تَرْتِيبِ آيِ القُرْآنِ ولا في عِدَّةِ سُوَرِهِ وتَقْسِيمِ سُوَرِهِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ ولا في ضَبْطِ المَنسُوخِ لَفْظُهُ. كَيْفَ وقَدْ أجْمَعَ حُفّاظُ القُرْآنِ والخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وكافَّةُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا الَّذِينَ شَذُّوا عَلى أنَّ القُرْآنَ هو الَّذِي في المُصْحَفِ وأجْمَعُوا في عَدَدِ آياتِ القُرْآنِ عَلى عَدَدٍ قَرِيبٍ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ.
وأمّا الخَبَرُ عَنْ عائِشَةَ فَهو أضْعَفُ سَنَدًا وأقْرَبُ تَأْوِيلًا فَإنْ صَحَّ عَنْها، ولا إخالَهُ، فَقَدْ تَحَدَّثَتْ عَنْ شَيْءٍ نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ كانَ في سُورَةِ الأحْزابِ.
ولَيْسَ بَعْدَ إجْماعِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ مَطْلَبٌ لِطالِبٍ.
ولَمْ يَكُنْ تَعْوِيلُهم في مِقْدارِ القُرْآنِ وسُوَرِهِ إلّا عَلى حِفْظِ الحُفّاظِ. وقَدِ افْتَقَدَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ آيَةً مِن سُورَةِ الأحْزابِ لَمْ يَجِدْها فِيما دُفِعَ إلَيْهِ مِن صُحُفِ القُرْآنِ فَلَمْ يَزَلْ يَسْألُ عَنْها حَتّى وجَدَها مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ وقَدْ كانَ يَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ يَقْرَؤُها، فَلَمّا وجَدَها مَعَ خُزَيْمَةَ لَمْ يَشُكَّ في لَفْظِها الَّذِي كانَ عَرَفَهُ. وهي آيَةُ
صفحة ٢٤٧
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى قَوْلِهِ تَبْدِيلًا. وافْتَقَدَ الآيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ بَراءَةَ فَوَجَدَهُما عِنْدَ أبِي خُزَيْمَةَ بْنِ أوْسٍ المُشْتَهِرِ بِكُنْيَتِهِ.
وبَعْدُ فَخَبَرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ خَبَرٌ غَرِيبٌ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فَنُوقِنُ بِأنَّهُ دَخَلَهُ وهْمٌ مِن بَعْضِ رُواتِهِ. وهو أيْضًا خَبَرُ آحادٍ لا يَنْتَقِضُ بِهِ إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى المِقْدارِ المَوْجُودِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ مُتَواتِرًا.
وفِي الكَشّافِ: وأمّا ما يُحْكى أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ عائِشَةَ كانَتْ مَكْتُوبَةً في صَحِيفَةٍ في بَيْتِ عائِشَةَ فَأكَلَتْها الدّاجِنُ، أيِ الشّاةُ، فَمِن تَأْلِيفاتِ المَلاحِدَةِ والرَّوافِضِ اهـ.
ووَضْعُ هَذا الخَبَرِ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ فَإنَّهُ لَوْ صَدَقَ هَذا لَكانَتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ قَدْ هَلَكَتْ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ بَعْدَهُ والصَّحابَةُ مُتَوافِرُونَ وحُفّاظُ القُرْآنِ كَثِيرُونَ فَلَوْ تَلِفَتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ لَمْ يُتْلَفْ ما فِيها مِن صُدُورِ الحُفّاظِ.
وكَوْنُ القُرْآنِ قَدْ تَلاشى مِنهُ كَثِيرٌ هو أصْلٌ مِن أُصُولِ الرَّوافِضِ لِيَطْعَنُوا بِهِ في الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ، والرّافِضَةُ يَزْعُمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُسْتَوْدَعٌ عِنْدَ الإمامِ المُنْتَظَرِ فَهو الَّذِي يَأْتِي بِالقُرْآنِ وِقْرَ بَعِيرٍ. وقَدِ اسْتَوْعَبَ قَوْلُهم واسْتَوْفى إبْطالَهَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في كِتابِ العَواصِمِ مِنَ القَواصِمِ.
* * *
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ
لِكَثِيرٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ أسْبابٌ لِنُزُولِها، وأكْثَرُها نَزَلَ لِلرَّدِّ عَلى المُنافِقِينَ أقْوالًا قَصَدُوا بِها أذى النَّبِيءِ ﷺ .
وأهَمُّ أغْراضِها: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم لَمّا تَزَوَّجَ النَّبِيءُ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بَعْدَ أنْ طَلَّقَها زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَقالُوا: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ وهو يَنْهى النّاسَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: إبْطالَ التَّبَنِّي.
وأنَّ الحَقَّ في أحْكامِ اللَّهِ لِأنَّهُ الخَبِيرُ بِالأعْمالِ وهو الَّذِي يَقُولُ الحَقَّ.
صفحة ٢٤٨
وأنَّ وِلايَةَ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ أقْوى وِلايَةً، ولِأزْواجِهِ حُرْمَةَ الأُمَّهاتِ لَهم، وتِلْكَ وِلايَةٌ مَن جَعْلِ اللَّهِ فَهي أقْوى وأشَدُّ مِن وِلايَةِ الأرْحامِ.
وتَحْرِيضُ المُؤْمِنِينَ عَلى التَّمَسُّكِ بِما شَرَعَ اللَّهُ لَهم لِأنَّهُ أخَذَ العَهْدَ بِذَلِكَ عَلى جَمِيعِ النَّبِيئِينَ.
والِاعْتِبارُ بِما أظْهَرَهُ اللَّهُ مِن عِنايَتِهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى أحْزابِ أعْدائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ في وقْعَةِ الأحْزابِ ودَفْعِ كَيْدِ المُنافِقِينَ.
والثَّناءُ عَلى صِدْقِ المُؤْمِنِينَ وثَباتِهِمْ في الدِّفاعِ عَنِ الدِّينِ.
ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ أعْطاهم بِلادَ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ظاهَرُوا الأحْزابَ.
وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى أحْكامٍ في مُعاشَرَةِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ وذَكَرَ فَضْلَهُنَّ وفَضْلَ آلِ النَّبِيءِ ﷺ وفَضائِلَ أهْلِ الخَيْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ.
وتَشْرِيعٌ في عِدَّةِ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ.
وما يَسُوغُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأزْواجِ. وحُكْمُ حِجابِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ولُبْسَةِ المُؤْمِناتِ إذا خَرَجْنَ.
وتَهْدِيدُ المُنافِقِينَ عَلى الإرْجافِ بِالأخْبارِ الكاذِبَةِ.
وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِالشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ فَكانَ خِتامُها مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ في أوَّلِها ﴿واتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأحزاب: ٢]، وتَخَلَّلَ ذَلِكَ مُسْتَطْرَداتٌ مِنَ الأمْرِ بِالِائْتِساءِ بِالنَّبِيءِ ﷺ .
وتَحْرِيضُ المُؤْمِنِينَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ شُكْرًا لَهُ عَلى هَدْيِهِ. وتَعْظِيمُ قَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ وفي المَلَأِ الأعْلى، والأمْرُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والسَّلامِ.
ووَعِيدُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِما يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ.
والتَّحْذِيرُ مِنَ التَّوَرُّطِ في ذَلِكَ كَيْلا يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ الَّذِينَ آذَوْا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .