Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الصافات 37:131 – الصافات 37:182
المحتويات
- الصافات 37:131
- الصافات 37:132
- الصافات 37:133
- الصافات 37:134
- الصافات 37:135
- الصافات 37:136
- الصافات 37:137
- الصافات 37:138
- الصافات 37:139
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:143
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:150
- الصافات 37:151
- الصافات 37:152
- الصافات 37:153
- الصافات 37:154
- الصافات 37:155
- الصافات 37:156
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:160
- الصافات 37:161
- الصافات 37:162
- الصافات 37:163
- الصافات 37:164
- الصافات 37:165
- الصافات 37:166
- الصافات 37:167
- الصافات 37:168
- الصافات 37:169
- الصافات 37:170
- الصافات 37:171
- الصافات 37:172
- الصافات 37:173
- الصافات 37:174
- الصافات 37:175
- الصافات 37:176
- الصافات 37:177
- الصافات 37:178
- الصافات 37:179
- الصافات 37:180
- الصافات 37:181
- الصافات 37:182
الصافات 37:131
”﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾“ أُتْبِعَ الكَلامُ عَلى رُسُلٍ ثَلاثَةٍ أصْحابِ الشَّرائِعِ: نُوحٍ، وإبْراهِيمَ، ومُوسى بِالخَبَرِ عَنْ ثَلاثَةِ أنْبِياءَ وما لَقُوهُ مِن قَوْمِهِمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ شَواهِدُ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوارِعُ مِنَ المَوْعِظَةِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ.
وابْتُدِئَ ذِكْرُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ بِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّهم سَواءٌ في
صفحة ١٦٦
مَرْتَبَةِ الدَّعْوَةِ إلى دِينِ اللَّهِ، وفي أنَّهم لا شَرائِعَ لَهم. وتَأْكِيدُ إرْسالِهِمْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِأنَّهُ قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ إذْ لَمْ تَكُنْ لِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ شَرِيعَةٌ خاصَّةٌ.
وإلْياسُ هو (إيلْياءُ) مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ التّابِعِينَ لِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ الرَّسُولِ لِأنَّهُ أُمِرَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى بِتَبْلِيغِ مُلُوكِ إسْرائِيلَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَإطْلاقُ وصْفِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ مِثْلُ إطْلاقِهِ عَلى الرُّسُلِ إلى أهْلِ أنْطاكِيَّةَ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ يس.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“، أيْ أنَّهُ مِن حِينِ ذَلِكَ القَوْلِ كانَ مُبَلِّغًا رِسالَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى إلى قَوْمِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ إلْياْسَ في سُورَةِ الأنْعامِ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ: بَنُو إسْرائِيلَ وكانُوا قَدْ عَبَدُوا بَعْلًا مَعْبُودَ الكَنْعانِيِّينَ بِسَبَبِ مُصاهَرَةِ بَعْضِ مُلُوكِ يَهُوذا لِلْكَنْعانِيِّينَ ولِذَلِكَ قامَ إلْياسُ داعِيًا قَوْمَهَ إلى نَبْذِ عِبادَةِ بَعْلِ الصَّنَمِ وإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
وقَوْلُهُ ”ألا“ كَلِمَتانِ: هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ، و”لا“ النّافِيَةُ، إنْكارٌ لِعَدَمِ تَقْواهم، وحَذْفُ مَفْعُولِ ”تَتَّقُونَ“ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ.
و(بَعْلٌ) اسْمُ صَنَمِ الكَنْعانِيِّينَ وهو أعْظَمُ أصْنامِهِمْ لِأنَّ كَلِمَةَ بَعْلٍ في لُغَتِهِمْ تَدُلُّ عَلى مَعْنى الذُّكُورَةِ. ثُمَّ دَلَّتْ عَلى مَعْنى السِّيادَةِ، فَلَفْظُ البَعْلِ يُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ، وهو عِنْدَهم رَمْزٌ عَلى الشَّمْسِ ويُقابِلُهُ كَلِمَةُ (تانِيتْ) بِمُثَنّاتَيْنِ، أيِ الأُنْثى وكانَتْ لَهم صَنْعَةٌ تُسَمّى عِنْدَ الفِينِيقِيِّينَ بِقُرْطاجَنَّةَ (تانِيتْ) وهي عِنْدَهم رَمْزُ القَمَرِ وعِنْدَ فِينِيقِيِّيِ أرْضِ فِينِيقِيَّةَ الوَطَنُ الأصْلِيُّ لِلْكَنْعانِيِّينَ تُسَمّى هَذِهِ الصَّنَمَةُ (العَشْتارُوثْ)، وقَدْ أُطْلِقَ عَلى بَعْلٍ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْمُ (مُولَكْ) أيْضًا، وقَدْ مَثَّلُوهُ بِصُورَةِ إنْسانٍ لَهُ رَأْسُ عِجْلٍ ولَهُ قَرْنانِ وعَلَيْهِ إكْلِيلٌ وهو جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ مادًّا يَدَيْهِ كَمَن يَتَناوَلُ شَيْئًا، وكانَتْ صُورَتُهُ مِن نُحاسٍ وداخِلُها مُجَوَّفٌ وقَدْ وضَعُوها عَلى قاعِدَةٍ مِن بِناءٍ كالتَّنُّورِ، فَكانُوا يُوقِدُونَ النّارَ في ذَلِكَ التَّنُّورِ حَتّى يُحْمى النُّحاسُ، ويَأْتُونَ بِالقَرابِينِ فَيَضَعُونَها عَلى ذِراعَيْهِ فَتَحْتَرِقُ بِالحَرارَةِ فَيَحْسَبُونَ لِجَهْلِهِمُ الصَّنَمَ تَقَبَّلَها وأكَلَها مِن يَدَيْهِ، وكانُوا يُقَرِّبُونَ لَهُ أطْفالًا مِن أطْفالِ مُلُوكِهِمْ وعُظَماءِ مِلَّتِهِمْ، وقَدْ عَبَدَهُ بَنُو إسْرائِيلَ غَيْرَ مَرَّةٍ تَبَعًا لِلْكَنْعانِيِّينَ، والعَمُونِيِّينَ،
صفحة ١٦٧
والمُؤْبِيِّينَ وكانَ لِبَعْلٍ مِنَ السَّدَنَةِ في بِلادِ السّامِرَةِ، أوْ مَدِينَةِ صِرْفَةَ أرْبَعُمائَةٍ وخَمْسُونَ سادِنًا.
وتُوجَدُ صُورَةُ بَعْلٍ في دارِ الآثارِ بِقَصْرِ اللُّوفَرِ في بارِيسَ مَنقُوشَةٌ عَلى وجْهِ حِجارَةٍ، صَوَّرُوهُ بِصُورَةِ إنْسانٍ عَلى رَأْسِهِ خَوْذَةٌ بِها قَرْنانِ وبِيَدِهِ مِقْرَعَةٌ. ولَعَلَّها صُورَتُهُ عِنْدَ بَعْضِ الأُمَمِ الَّتِي عَبَدَتْهُ، ولا تُوجَدُ لَهُ صُورَةٌ في آثارِ قُرْطاجَنَّةَ الفِينِيقِيَّةِ بِتُونُسَ.
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ بِذِكْرِ صِفَةِ اللَّهِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ تَعْرِيضًا بِتَسْفِيهِ عُقُولِ الَّذِينَ عَبَدُوا بَعْلا بِأنَّهم تَرَكُوا عِبادَةَ الرَّبِّ المُتَّصِفِ بِأحْسَنِ الصِّفاتِ وأكْمَلِها، وعَبَدُوا صَنَمًا ذاتُهُ وخْشٌ فَكَأنَّهُ قالَ: أتَدْعُونَ صَنَمًا بَشِعًا جَمَعَ عُنْصُرَيِ الضَّعْفِ وهُما المَخْلُوقِيَّةُ وقُبْحُ الصُّورَةِ، وتَتْرُكُونَ مَن لَهُ صِفَةُ الخالِقِيَّةِ والصِّفاتُ الحُسْنى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿إلْياسَ﴾“ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ في أوَّلِهِ عَلى اعْتِبارِ الألِفِ واللّامِ مِن جُمْلَةِ الِاسْمِ العَلَمِ فَلَمْ يَحْذِفُوا الهَمْزَةَ إذا وصَلُوا (إنَّ) بِها. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةِ وصْلٍ، فَحَذَفَها في الوَصْلِ مَعَ (إنَّ) عَلى اعْتِبارِ الألِفِ واللّامِ حَرْفًا لِلَمْحِ الأصْلِ. وأنَّ أصْلَ الِاسْمِ ياسُ مُراعاةً لِقَوْلِهِ ﴿سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ﴾ .
ولِلْعَرَبِ في النُّطْقِ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَصَرُّفاتٌ كَثِيرَةٌ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن لُغَتِهِمْ، فَهم يَتَصَرَّفُونَ في النُّطْقِ بِهِ عَلى ما يُناسِبُ أبْنِيَةَ كَلامِهِمْ.
وجُمْلَةُ ”﴿اللَّهُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾“ قَرَأ الأكْثَرُ بِرَفْعِ اسْمِ الجَلالَةِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَهو مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ بِأنْ عَبَدُوا (بَعْلًا) . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِنَصْبِ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى عَطْفِ البَيانِ لِ ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾، والمَقْصُودُ مِنَ البَيانِ زِيادَةُ التَّصْرِيحِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إيضاحٍ لِأصْلِ الدِّيانَةِ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فالكَلامُ مَسُوقٌ لِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ مِن أُصُولِ دِينِهِمْ أنَّهم لا رَبَّ لَهم إلّا اللَّهُ، وهَذا أوَّلُ أُصُولِ الدِّينِ، فَإنَّهُ رَبُّ آبائِهِمْ فَإنَّ آباءَهم لَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو الأبُ الأوَّلُ، مِن حِينِ تَمَيَّزَتْ أُمَّتُهم عَنْ غَيْرِهِمْ، أوْ هو يَعْقُوبُ قالَ تَعالى ﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا
صفحة ١٦٨
تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، واحْتِرازٌ بِ ”الأوَّلِينَ“ عَنْ آبائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُلُوكِهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ.
وجُمِعَ هَذا الخَبَرُ تَحْرِيضًا عَلى إبْطالِ عِبادَةِ (بَعْلٍ) لِأنَّ في الطَّبْعِ مَحَبَّةَ الِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ في الخَيْرِ. وقَدْ جَمَعَ إلْياْسُ مَن مَعَهُ مِن أتْباعِهِ وجَعَلَ مَكِيدَةً لِسَدَنَةِ (بَعْلٍ) فَقَتَلَهم عَنْ آخِرِهِمُ انْتِصارًا لِلدِّينِ وانْتِقامًا لِمَن قَتَلَتْهم إيزابِلْ زَوْجَةُ آخابْ.
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: ”أنَّ المُلَقَّبَ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ، أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ“، أيْ أوْهَمَ كَلامُ الرَّشِيدِ أنَّهُ لَوْ كانَتْ كَلِمَةُ ”تَدَعُونَ“ عِوَضًا عَنْ ”تَذَرُونَ“ . وأجابَ الفَخْرُ بِأنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ اهـ.
وهُوَ جَوابٌ غَيْرُ مُقْنِعٍ إذْ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِ حُسْنِ مَوْقِعِ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ بَعْدَ اسْتِكْمالِ مُقْتَضَياتِ البَلاغَةِ. قالَ السَّكّاكِيُّ: ”وأصْلُ الحُسْنِ في جَمِيعِ ذَلِكَ (أيْ ما ذُكِرَ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ) أنْ تَكُونَ الألْفاظُ تَوابِعَ لِلْمَعانِي لا أنْ تَكُونَ المَعانِي لَها تَوابِعَ، أعْنِي أنْ لا تَكُونَ مُتَكَلَّفَةً“ . فَإذا سَلَّمْنا أنَّ ”تَذَرُونَ“ و”تَدَعُونَ“ مُتَرادِفانِ لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلى إبْطالِ أنَّ إيثارَ ”تَدَعُونَ“ أنْسَبُ.
فالوَجْهُ إمّا أنْ يُجابَ بِما قالَهُ سَعْدُ اللَّهِ مُحَشِّي البَيْضاوِيِّ بِأنَّ الجِناسَ مِنَ المُحَسِّناتِ فَإنَّما يُناسِبُ كَلامًا صادِرًا في مَقامِ الرِّضى لا في مَقامِ الغَضَبِ والتَّهْوِيلِ. يَعْنِي أنَّ كَلامَ إلْياسَ المَحْكِيَّ هُنا مَحْكِيٌّ عَنْ مَقامِ الغَضَبِ والتَّهْوِيلِ فَلا تُناسِبُهُ اللَّطائِفُ اللَّفْظِيَّةُ، يَعْنِي بِالنَّظَرِ إلى حالِ المُخاطَبِينَ بِهِ لِأنَّ كَلامَهُ مَحْكِيٌّ في العَرَبِيَّةِ بِما يُناسِبُ مَصْدَرَهُ في لُغَةِ قائِلِهِ، وذَلِكَ مِن دَقائِقِ التَّرْجَمَةِ، وهو جَوابٌ دَقِيقٌ، وإنْ كابَرَ فِيهِ الخَفاجِيُّ بِكَلامٍ لا يَلِيقُ، وإنْ تَأمَّلْتَهُ جَزَمْتَ بِاخْتِلالِهِ.
وقَدْ أُجِيبَ بِما يَقْتَضِي مَنعَ التَّرادُفِ بَيْنَ فِعْلَيْ ”تَذَرُونَ“ و”تَدَعُونَ“ بِأنَّ فِعْلَ
صفحة ١٦٩
(يَدَعُ) أخَصُّ: إمّا لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَرْكِ شَيْءٍ مَعَ الِاعْتِناءِ بِعَدَمِ تَرْكِهِ كَما قالَ سَعْدُ اللَّهِ، وإمّا فِعْلُ يَدَعُ يَدُلُّ عَلى تَرْكِ شَيْءٍ قَبْلَ العِلْمِ، وفِعْلُ (يَذَرُ) يَدُلُّ عَلى تَرْكِ شَيْءٍ بَعْدَ العِلْمِ بِهِ كَما حَكاهُ سَعْدُ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ الأيِمَّةِ عازِيًا إيّاهُ لِلْفَخْرِ.
وعِنْدِي: أنَّ مَنعَ التَّرادُفِ هو الوَجْهُ، لَكِنْ لا كَما قالَ سَعْدُ اللَّهِ ولا كَما نُقِلَ عَنِ الفَخْرِ، بَلْ لِأنَّ فِعْلَ (يَدَعُ) قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ في كَلامِ العَرَبِ ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ إلّا في قِراءَةٍ شاذَّةٍ لا سَنَدَ لَها خِلافًا لِفِعْلِ (يَذَرُ)، ولا شَكَّ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أنَّ فِعْلَ (يَذَرُ) يَدُلُّ عَلى تَرْكٍ مَعَ إعْراضٍ عَنِ المَتْرُوكِ بِخِلافِ (يَدَعُ) فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَرْكًا مُؤَقَّتًا، وأشارَ إلى الفَرْقِ بَيْنَهُما كَلامُ الرّاغِبِ فِيهِما.
وهُنالِكَ عِدَّةُ أجْوِبَةٍ أُخْرى، هي بِالإعْراضِ عَنْها أحْرى.
ومَعْنى ”فَكَذَّبُوهُ“ أنَّهم لَمْ يُطِيعُوهُ تَمَلُّقًا لِمُلُوكِهِمُ الَّذِينَ أجابُوا رَغْبَةَ نِسائِهِمُ المُشْرِكاتِ لِإقامَةِ هَياكِلَ لِلْأصْنامِ، فَإنَّ إيزابِلْ ابْنَةَ مَلِكِ الصَّيْدَوَنِيِّينَ زَوْجَةَ أخابْ مَلِكِ إسْرائِيلَ لَمّا بَلَغَها ما صَنَعَ إلْياسُ بِسَدَنَةِ بَعْلٍ ثَأْرًا لِمَن قَتَلَتْهُ إيزابِلْ مِن صالِحِي إسْرائِيلَ، أرْسَلَتْ إلى إلْياسَ تَتَوَعَّدُهُ بِالقَتْلِ فَخَرَجَ إلى مَوْضِعٍ اسْمُهُ (بِئْرُ سَبْعٍ) ثُمَّ ساحَ في الأرْضِ وسَألَ اللَّهَ أنْ يَقْبِضَهُ إلَيْهِ فَأمَرَهُ بِأنْ يَعْهَدَ إلى صاحِبِهِ اليَسَعَ بِالنُّبُوءَةِ مِن بَعْدِهِ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ مَكانَهُ.
وفِي كِتابِ (إيلِياءَ) مِن كُتُبِ اليَهُودِ أنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ في مَرْكَبَةٍ يَجُرُّها فُرْسانٌ، وأنَّ ”اليَسَعَ“ شاهَدَهُ صاعِدًا فِيها، ولِذَلِكَ كانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ”﴿إنَّهُ كانَ صَدِّيقًا نَبِيئًا ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٦]“، وقِيلَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“ عِوَضَ ”وإنَّ إلْياسَ“، ويَقْرَأُ ”سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ“ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ في إدْرِيسَ. ولا يَقْتَضِي ما في كُتُبِ اليَهُودِ مِن رَفْعِهِ أنْ يَكُونَ هو إدْرِيسَ لِأنَّ الرَّفْعَ إذا صَحَّ قَدْ يَتَكَرَّرُ وقَدْ رَفَعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ومَعْنى ”﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾“ أنَّ اللَّهَ يُحْضِرُهم لِلْعِقابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
واسْتُثْنِيَ مِن ذَلِكَ عِبادُ اللَّهِ المُخْلَصُونَ وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا إلْياسَ وأعانُوهُ عَلى قَتْلِ سَدَنَةِ (بَعْلٍ) . وتَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾“ فِيما
صفحة ١٧٠
سَبَقَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ”﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ﴾“ إلى آخِرِ الآيَةِ، تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
وقَوْلُهُ ”آلِ ياسِينَ“ قِيلَ: أُرِيدَ بِهِ إلْياسُ خاصَّةً، وعَبَّرَ عَنْهُ بِ ”ياسِينَ“ لِأنَّهُ يُدْعى بِهِ. قالَ في الكَشّافِ: ولَعَلَّ لِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ في لُغَتِهِمْ مَعْنًى ويَكُونُ ذِكْرُ ”آلِ“ إقْحامًا كَقَوْلِهِ ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] .
وقِيلَ: إنَّ ياسِينَ هو أبُو إلْياسَ. فالمُرادُ: سَلامٌ عَلى إلْياسَ وذَوِيهِ مِن آلِ أبِيهِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”﴿إلْ ياسِينَ﴾“ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها ألِفٌ عَلى أنَّهُما كَلِمَتانِ (إلْ) و(ياسِينَ) . وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ دُونَ ألِفٍ بَعْدَها وبِإسْكانِ اللّامِ عَلى أنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ هي اسْمُ إلْياْسَ وهي مَرْسُومَةٌ في المَصاحِفِ كُلِّها عَلى قِطْعَتَيْنِ ”﴿إلْ ياسِينَ﴾“، ولا مُنافاةَ بَيْنَها وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ لِأنَّ آلَ قَدْ تُرْسَمُ مَفْصُولَةً عَنْ مَدْخُولِها.
والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِ ”آلِ ياسِينَ“ أنْصارُهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وأعانُوهُ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ» . وهَؤُلاءِ هم أهْلُ (جَبَلِ الكَرْمَلِ) الَّذِينَ اسْتَنْجَدَهم إلْياسُ عَلى سَدَنَةِ بَعْلٍ فَأطاعُوهُ وأنْجَدُوهُ وذَبَحُوا سَدَنَةَ بَعْلٍ كَما هو مَوْصُوفٌ بِإسْهابٍ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ. فَيَكُونُ المَعْنى: سَلامٌ عَلى ياسِينَ وآلِهِ، لِأنَّهُ إذا حَصَلَتْ لَهُمُ الكَرامَةُ لِأنَّهم آلُهُ فَهو بِالكَرامَةِ أوْلى.
وفِي قِصَّةِ إلْياسَ إنْباءٌ بِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ أداءُ الرِّسالَةِ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يُشاهِدَ عِقابَ المُكَذِّبِينَ ولا هَلاكَهم لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨]، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣]، وقالَ تَعالى: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] وفي الآيَةِ الأُخْرى " وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.
الصافات 37:132
”﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾“ أُتْبِعَ الكَلامُ عَلى رُسُلٍ ثَلاثَةٍ أصْحابِ الشَّرائِعِ: نُوحٍ، وإبْراهِيمَ، ومُوسى بِالخَبَرِ عَنْ ثَلاثَةِ أنْبِياءَ وما لَقُوهُ مِن قَوْمِهِمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ شَواهِدُ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوارِعُ مِنَ المَوْعِظَةِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ.
وابْتُدِئَ ذِكْرُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ بِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّهم سَواءٌ في
صفحة ١٦٦
مَرْتَبَةِ الدَّعْوَةِ إلى دِينِ اللَّهِ، وفي أنَّهم لا شَرائِعَ لَهم. وتَأْكِيدُ إرْسالِهِمْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِأنَّهُ قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ إذْ لَمْ تَكُنْ لِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ شَرِيعَةٌ خاصَّةٌ.
وإلْياسُ هو (إيلْياءُ) مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ التّابِعِينَ لِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ الرَّسُولِ لِأنَّهُ أُمِرَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى بِتَبْلِيغِ مُلُوكِ إسْرائِيلَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَإطْلاقُ وصْفِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ مِثْلُ إطْلاقِهِ عَلى الرُّسُلِ إلى أهْلِ أنْطاكِيَّةَ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ يس.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“، أيْ أنَّهُ مِن حِينِ ذَلِكَ القَوْلِ كانَ مُبَلِّغًا رِسالَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى إلى قَوْمِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ إلْياْسَ في سُورَةِ الأنْعامِ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ: بَنُو إسْرائِيلَ وكانُوا قَدْ عَبَدُوا بَعْلًا مَعْبُودَ الكَنْعانِيِّينَ بِسَبَبِ مُصاهَرَةِ بَعْضِ مُلُوكِ يَهُوذا لِلْكَنْعانِيِّينَ ولِذَلِكَ قامَ إلْياسُ داعِيًا قَوْمَهَ إلى نَبْذِ عِبادَةِ بَعْلِ الصَّنَمِ وإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
وقَوْلُهُ ”ألا“ كَلِمَتانِ: هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ، و”لا“ النّافِيَةُ، إنْكارٌ لِعَدَمِ تَقْواهم، وحَذْفُ مَفْعُولِ ”تَتَّقُونَ“ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ.
و(بَعْلٌ) اسْمُ صَنَمِ الكَنْعانِيِّينَ وهو أعْظَمُ أصْنامِهِمْ لِأنَّ كَلِمَةَ بَعْلٍ في لُغَتِهِمْ تَدُلُّ عَلى مَعْنى الذُّكُورَةِ. ثُمَّ دَلَّتْ عَلى مَعْنى السِّيادَةِ، فَلَفْظُ البَعْلِ يُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ، وهو عِنْدَهم رَمْزٌ عَلى الشَّمْسِ ويُقابِلُهُ كَلِمَةُ (تانِيتْ) بِمُثَنّاتَيْنِ، أيِ الأُنْثى وكانَتْ لَهم صَنْعَةٌ تُسَمّى عِنْدَ الفِينِيقِيِّينَ بِقُرْطاجَنَّةَ (تانِيتْ) وهي عِنْدَهم رَمْزُ القَمَرِ وعِنْدَ فِينِيقِيِّيِ أرْضِ فِينِيقِيَّةَ الوَطَنُ الأصْلِيُّ لِلْكَنْعانِيِّينَ تُسَمّى هَذِهِ الصَّنَمَةُ (العَشْتارُوثْ)، وقَدْ أُطْلِقَ عَلى بَعْلٍ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْمُ (مُولَكْ) أيْضًا، وقَدْ مَثَّلُوهُ بِصُورَةِ إنْسانٍ لَهُ رَأْسُ عِجْلٍ ولَهُ قَرْنانِ وعَلَيْهِ إكْلِيلٌ وهو جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ مادًّا يَدَيْهِ كَمَن يَتَناوَلُ شَيْئًا، وكانَتْ صُورَتُهُ مِن نُحاسٍ وداخِلُها مُجَوَّفٌ وقَدْ وضَعُوها عَلى قاعِدَةٍ مِن بِناءٍ كالتَّنُّورِ، فَكانُوا يُوقِدُونَ النّارَ في ذَلِكَ التَّنُّورِ حَتّى يُحْمى النُّحاسُ، ويَأْتُونَ بِالقَرابِينِ فَيَضَعُونَها عَلى ذِراعَيْهِ فَتَحْتَرِقُ بِالحَرارَةِ فَيَحْسَبُونَ لِجَهْلِهِمُ الصَّنَمَ تَقَبَّلَها وأكَلَها مِن يَدَيْهِ، وكانُوا يُقَرِّبُونَ لَهُ أطْفالًا مِن أطْفالِ مُلُوكِهِمْ وعُظَماءِ مِلَّتِهِمْ، وقَدْ عَبَدَهُ بَنُو إسْرائِيلَ غَيْرَ مَرَّةٍ تَبَعًا لِلْكَنْعانِيِّينَ، والعَمُونِيِّينَ،
صفحة ١٦٧
والمُؤْبِيِّينَ وكانَ لِبَعْلٍ مِنَ السَّدَنَةِ في بِلادِ السّامِرَةِ، أوْ مَدِينَةِ صِرْفَةَ أرْبَعُمائَةٍ وخَمْسُونَ سادِنًا.
وتُوجَدُ صُورَةُ بَعْلٍ في دارِ الآثارِ بِقَصْرِ اللُّوفَرِ في بارِيسَ مَنقُوشَةٌ عَلى وجْهِ حِجارَةٍ، صَوَّرُوهُ بِصُورَةِ إنْسانٍ عَلى رَأْسِهِ خَوْذَةٌ بِها قَرْنانِ وبِيَدِهِ مِقْرَعَةٌ. ولَعَلَّها صُورَتُهُ عِنْدَ بَعْضِ الأُمَمِ الَّتِي عَبَدَتْهُ، ولا تُوجَدُ لَهُ صُورَةٌ في آثارِ قُرْطاجَنَّةَ الفِينِيقِيَّةِ بِتُونُسَ.
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ بِذِكْرِ صِفَةِ اللَّهِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ تَعْرِيضًا بِتَسْفِيهِ عُقُولِ الَّذِينَ عَبَدُوا بَعْلا بِأنَّهم تَرَكُوا عِبادَةَ الرَّبِّ المُتَّصِفِ بِأحْسَنِ الصِّفاتِ وأكْمَلِها، وعَبَدُوا صَنَمًا ذاتُهُ وخْشٌ فَكَأنَّهُ قالَ: أتَدْعُونَ صَنَمًا بَشِعًا جَمَعَ عُنْصُرَيِ الضَّعْفِ وهُما المَخْلُوقِيَّةُ وقُبْحُ الصُّورَةِ، وتَتْرُكُونَ مَن لَهُ صِفَةُ الخالِقِيَّةِ والصِّفاتُ الحُسْنى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿إلْياسَ﴾“ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ في أوَّلِهِ عَلى اعْتِبارِ الألِفِ واللّامِ مِن جُمْلَةِ الِاسْمِ العَلَمِ فَلَمْ يَحْذِفُوا الهَمْزَةَ إذا وصَلُوا (إنَّ) بِها. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةِ وصْلٍ، فَحَذَفَها في الوَصْلِ مَعَ (إنَّ) عَلى اعْتِبارِ الألِفِ واللّامِ حَرْفًا لِلَمْحِ الأصْلِ. وأنَّ أصْلَ الِاسْمِ ياسُ مُراعاةً لِقَوْلِهِ ﴿سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ﴾ .
ولِلْعَرَبِ في النُّطْقِ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَصَرُّفاتٌ كَثِيرَةٌ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن لُغَتِهِمْ، فَهم يَتَصَرَّفُونَ في النُّطْقِ بِهِ عَلى ما يُناسِبُ أبْنِيَةَ كَلامِهِمْ.
وجُمْلَةُ ”﴿اللَّهُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾“ قَرَأ الأكْثَرُ بِرَفْعِ اسْمِ الجَلالَةِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَهو مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ بِأنْ عَبَدُوا (بَعْلًا) . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِنَصْبِ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى عَطْفِ البَيانِ لِ ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾، والمَقْصُودُ مِنَ البَيانِ زِيادَةُ التَّصْرِيحِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إيضاحٍ لِأصْلِ الدِّيانَةِ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فالكَلامُ مَسُوقٌ لِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ مِن أُصُولِ دِينِهِمْ أنَّهم لا رَبَّ لَهم إلّا اللَّهُ، وهَذا أوَّلُ أُصُولِ الدِّينِ، فَإنَّهُ رَبُّ آبائِهِمْ فَإنَّ آباءَهم لَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو الأبُ الأوَّلُ، مِن حِينِ تَمَيَّزَتْ أُمَّتُهم عَنْ غَيْرِهِمْ، أوْ هو يَعْقُوبُ قالَ تَعالى ﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا
صفحة ١٦٨
تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، واحْتِرازٌ بِ ”الأوَّلِينَ“ عَنْ آبائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُلُوكِهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ.
وجُمِعَ هَذا الخَبَرُ تَحْرِيضًا عَلى إبْطالِ عِبادَةِ (بَعْلٍ) لِأنَّ في الطَّبْعِ مَحَبَّةَ الِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ في الخَيْرِ. وقَدْ جَمَعَ إلْياْسُ مَن مَعَهُ مِن أتْباعِهِ وجَعَلَ مَكِيدَةً لِسَدَنَةِ (بَعْلٍ) فَقَتَلَهم عَنْ آخِرِهِمُ انْتِصارًا لِلدِّينِ وانْتِقامًا لِمَن قَتَلَتْهم إيزابِلْ زَوْجَةُ آخابْ.
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: ”أنَّ المُلَقَّبَ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ، أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ“، أيْ أوْهَمَ كَلامُ الرَّشِيدِ أنَّهُ لَوْ كانَتْ كَلِمَةُ ”تَدَعُونَ“ عِوَضًا عَنْ ”تَذَرُونَ“ . وأجابَ الفَخْرُ بِأنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ اهـ.
وهُوَ جَوابٌ غَيْرُ مُقْنِعٍ إذْ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِ حُسْنِ مَوْقِعِ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ بَعْدَ اسْتِكْمالِ مُقْتَضَياتِ البَلاغَةِ. قالَ السَّكّاكِيُّ: ”وأصْلُ الحُسْنِ في جَمِيعِ ذَلِكَ (أيْ ما ذُكِرَ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ) أنْ تَكُونَ الألْفاظُ تَوابِعَ لِلْمَعانِي لا أنْ تَكُونَ المَعانِي لَها تَوابِعَ، أعْنِي أنْ لا تَكُونَ مُتَكَلَّفَةً“ . فَإذا سَلَّمْنا أنَّ ”تَذَرُونَ“ و”تَدَعُونَ“ مُتَرادِفانِ لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلى إبْطالِ أنَّ إيثارَ ”تَدَعُونَ“ أنْسَبُ.
فالوَجْهُ إمّا أنْ يُجابَ بِما قالَهُ سَعْدُ اللَّهِ مُحَشِّي البَيْضاوِيِّ بِأنَّ الجِناسَ مِنَ المُحَسِّناتِ فَإنَّما يُناسِبُ كَلامًا صادِرًا في مَقامِ الرِّضى لا في مَقامِ الغَضَبِ والتَّهْوِيلِ. يَعْنِي أنَّ كَلامَ إلْياسَ المَحْكِيَّ هُنا مَحْكِيٌّ عَنْ مَقامِ الغَضَبِ والتَّهْوِيلِ فَلا تُناسِبُهُ اللَّطائِفُ اللَّفْظِيَّةُ، يَعْنِي بِالنَّظَرِ إلى حالِ المُخاطَبِينَ بِهِ لِأنَّ كَلامَهُ مَحْكِيٌّ في العَرَبِيَّةِ بِما يُناسِبُ مَصْدَرَهُ في لُغَةِ قائِلِهِ، وذَلِكَ مِن دَقائِقِ التَّرْجَمَةِ، وهو جَوابٌ دَقِيقٌ، وإنْ كابَرَ فِيهِ الخَفاجِيُّ بِكَلامٍ لا يَلِيقُ، وإنْ تَأمَّلْتَهُ جَزَمْتَ بِاخْتِلالِهِ.
وقَدْ أُجِيبَ بِما يَقْتَضِي مَنعَ التَّرادُفِ بَيْنَ فِعْلَيْ ”تَذَرُونَ“ و”تَدَعُونَ“ بِأنَّ فِعْلَ
صفحة ١٦٩
(يَدَعُ) أخَصُّ: إمّا لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَرْكِ شَيْءٍ مَعَ الِاعْتِناءِ بِعَدَمِ تَرْكِهِ كَما قالَ سَعْدُ اللَّهِ، وإمّا فِعْلُ يَدَعُ يَدُلُّ عَلى تَرْكِ شَيْءٍ قَبْلَ العِلْمِ، وفِعْلُ (يَذَرُ) يَدُلُّ عَلى تَرْكِ شَيْءٍ بَعْدَ العِلْمِ بِهِ كَما حَكاهُ سَعْدُ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ الأيِمَّةِ عازِيًا إيّاهُ لِلْفَخْرِ.
وعِنْدِي: أنَّ مَنعَ التَّرادُفِ هو الوَجْهُ، لَكِنْ لا كَما قالَ سَعْدُ اللَّهِ ولا كَما نُقِلَ عَنِ الفَخْرِ، بَلْ لِأنَّ فِعْلَ (يَدَعُ) قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ في كَلامِ العَرَبِ ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ إلّا في قِراءَةٍ شاذَّةٍ لا سَنَدَ لَها خِلافًا لِفِعْلِ (يَذَرُ)، ولا شَكَّ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أنَّ فِعْلَ (يَذَرُ) يَدُلُّ عَلى تَرْكٍ مَعَ إعْراضٍ عَنِ المَتْرُوكِ بِخِلافِ (يَدَعُ) فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَرْكًا مُؤَقَّتًا، وأشارَ إلى الفَرْقِ بَيْنَهُما كَلامُ الرّاغِبِ فِيهِما.
وهُنالِكَ عِدَّةُ أجْوِبَةٍ أُخْرى، هي بِالإعْراضِ عَنْها أحْرى.
ومَعْنى ”فَكَذَّبُوهُ“ أنَّهم لَمْ يُطِيعُوهُ تَمَلُّقًا لِمُلُوكِهِمُ الَّذِينَ أجابُوا رَغْبَةَ نِسائِهِمُ المُشْرِكاتِ لِإقامَةِ هَياكِلَ لِلْأصْنامِ، فَإنَّ إيزابِلْ ابْنَةَ مَلِكِ الصَّيْدَوَنِيِّينَ زَوْجَةَ أخابْ مَلِكِ إسْرائِيلَ لَمّا بَلَغَها ما صَنَعَ إلْياسُ بِسَدَنَةِ بَعْلٍ ثَأْرًا لِمَن قَتَلَتْهُ إيزابِلْ مِن صالِحِي إسْرائِيلَ، أرْسَلَتْ إلى إلْياسَ تَتَوَعَّدُهُ بِالقَتْلِ فَخَرَجَ إلى مَوْضِعٍ اسْمُهُ (بِئْرُ سَبْعٍ) ثُمَّ ساحَ في الأرْضِ وسَألَ اللَّهَ أنْ يَقْبِضَهُ إلَيْهِ فَأمَرَهُ بِأنْ يَعْهَدَ إلى صاحِبِهِ اليَسَعَ بِالنُّبُوءَةِ مِن بَعْدِهِ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ مَكانَهُ.
وفِي كِتابِ (إيلِياءَ) مِن كُتُبِ اليَهُودِ أنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ في مَرْكَبَةٍ يَجُرُّها فُرْسانٌ، وأنَّ ”اليَسَعَ“ شاهَدَهُ صاعِدًا فِيها، ولِذَلِكَ كانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ”﴿إنَّهُ كانَ صَدِّيقًا نَبِيئًا ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٦]“، وقِيلَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“ عِوَضَ ”وإنَّ إلْياسَ“، ويَقْرَأُ ”سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ“ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ في إدْرِيسَ. ولا يَقْتَضِي ما في كُتُبِ اليَهُودِ مِن رَفْعِهِ أنْ يَكُونَ هو إدْرِيسَ لِأنَّ الرَّفْعَ إذا صَحَّ قَدْ يَتَكَرَّرُ وقَدْ رَفَعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ومَعْنى ”﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾“ أنَّ اللَّهَ يُحْضِرُهم لِلْعِقابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
واسْتُثْنِيَ مِن ذَلِكَ عِبادُ اللَّهِ المُخْلَصُونَ وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا إلْياسَ وأعانُوهُ عَلى قَتْلِ سَدَنَةِ (بَعْلٍ) . وتَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾“ فِيما
صفحة ١٧٠
سَبَقَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ”﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ﴾“ إلى آخِرِ الآيَةِ، تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
وقَوْلُهُ ”آلِ ياسِينَ“ قِيلَ: أُرِيدَ بِهِ إلْياسُ خاصَّةً، وعَبَّرَ عَنْهُ بِ ”ياسِينَ“ لِأنَّهُ يُدْعى بِهِ. قالَ في الكَشّافِ: ولَعَلَّ لِزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ في لُغَتِهِمْ مَعْنًى ويَكُونُ ذِكْرُ ”آلِ“ إقْحامًا كَقَوْلِهِ ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] .
وقِيلَ: إنَّ ياسِينَ هو أبُو إلْياسَ. فالمُرادُ: سَلامٌ عَلى إلْياسَ وذَوِيهِ مِن آلِ أبِيهِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”﴿إلْ ياسِينَ﴾“ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها ألِفٌ عَلى أنَّهُما كَلِمَتانِ (إلْ) و(ياسِينَ) . وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ دُونَ ألِفٍ بَعْدَها وبِإسْكانِ اللّامِ عَلى أنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ هي اسْمُ إلْياْسَ وهي مَرْسُومَةٌ في المَصاحِفِ كُلِّها عَلى قِطْعَتَيْنِ ”﴿إلْ ياسِينَ﴾“، ولا مُنافاةَ بَيْنَها وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ لِأنَّ آلَ قَدْ تُرْسَمُ مَفْصُولَةً عَنْ مَدْخُولِها.
والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِ ”آلِ ياسِينَ“ أنْصارُهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وأعانُوهُ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ» . وهَؤُلاءِ هم أهْلُ (جَبَلِ الكَرْمَلِ) الَّذِينَ اسْتَنْجَدَهم إلْياسُ عَلى سَدَنَةِ بَعْلٍ فَأطاعُوهُ وأنْجَدُوهُ وذَبَحُوا سَدَنَةَ بَعْلٍ كَما هو مَوْصُوفٌ بِإسْهابٍ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ. فَيَكُونُ المَعْنى: سَلامٌ عَلى ياسِينَ وآلِهِ، لِأنَّهُ إذا حَصَلَتْ لَهُمُ الكَرامَةُ لِأنَّهم آلُهُ فَهو بِالكَرامَةِ أوْلى.
وفِي قِصَّةِ إلْياسَ إنْباءٌ بِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ أداءُ الرِّسالَةِ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يُشاهِدَ عِقابَ المُكَذِّبِينَ ولا هَلاكَهم لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨]، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣]، وقالَ تَعالى: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] وفي الآيَةِ الأُخْرى " وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.
الصافات 37:133
صفحة ١٧١
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ هَذا ثانِي الأنْبِياءِ الَّذِينَ جَمَعَهُمُ التَّنْظِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولُوطٌ كانَ رَسُولًا لِلْقُرى الَّتِي كانَ ساكِنًا في إحْداها، فَهو رَسُولٌ لا شَرِيعَةَ لَهُ سِوى أنَّهُ جاءَ يَنْهى الأقْوامَ الَّذِينَ كانَ نازِلًا بَيْنَهم عَنِ الفاحِشَةِ، وتِلْكَ لَمْ يَسْبِقِ النَّهْيُ عَنْها في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“ . والمَعْنى: أنَّهُ في حِينِ إنْجاءِ اللَّهِ إيّاهُ وإهْلاكِ اللَّهِ قَوْمَهَ كانَ قائِمًا بِالرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى ناطِقًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ، وإنَّما خُصَّ حِينَ إنْجائِهِ بِجَعْلِهِ ظَرْفًا لِلْكَوْنِ مِنَ المُرْسَلِينَ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ ظَرْفٌ لِلْأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى رِسالَتِهِ، إذْ هي مُماثِلَةٌ لِأحْوالِ الرُّسُلِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ. وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.
والعَجُوزُ: امْرَأةُ لُوطٍ، وتَقَدَّمَ خَبَرُها وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
الصافات 37:134
صفحة ١٧١
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ هَذا ثانِي الأنْبِياءِ الَّذِينَ جَمَعَهُمُ التَّنْظِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولُوطٌ كانَ رَسُولًا لِلْقُرى الَّتِي كانَ ساكِنًا في إحْداها، فَهو رَسُولٌ لا شَرِيعَةَ لَهُ سِوى أنَّهُ جاءَ يَنْهى الأقْوامَ الَّذِينَ كانَ نازِلًا بَيْنَهم عَنِ الفاحِشَةِ، وتِلْكَ لَمْ يَسْبِقِ النَّهْيُ عَنْها في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“ . والمَعْنى: أنَّهُ في حِينِ إنْجاءِ اللَّهِ إيّاهُ وإهْلاكِ اللَّهِ قَوْمَهَ كانَ قائِمًا بِالرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى ناطِقًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ، وإنَّما خُصَّ حِينَ إنْجائِهِ بِجَعْلِهِ ظَرْفًا لِلْكَوْنِ مِنَ المُرْسَلِينَ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ ظَرْفٌ لِلْأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى رِسالَتِهِ، إذْ هي مُماثِلَةٌ لِأحْوالِ الرُّسُلِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ. وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.
والعَجُوزُ: امْرَأةُ لُوطٍ، وتَقَدَّمَ خَبَرُها وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
الصافات 37:135
صفحة ١٧١
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ هَذا ثانِي الأنْبِياءِ الَّذِينَ جَمَعَهُمُ التَّنْظِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولُوطٌ كانَ رَسُولًا لِلْقُرى الَّتِي كانَ ساكِنًا في إحْداها، فَهو رَسُولٌ لا شَرِيعَةَ لَهُ سِوى أنَّهُ جاءَ يَنْهى الأقْوامَ الَّذِينَ كانَ نازِلًا بَيْنَهم عَنِ الفاحِشَةِ، وتِلْكَ لَمْ يَسْبِقِ النَّهْيُ عَنْها في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“ . والمَعْنى: أنَّهُ في حِينِ إنْجاءِ اللَّهِ إيّاهُ وإهْلاكِ اللَّهِ قَوْمَهَ كانَ قائِمًا بِالرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى ناطِقًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ، وإنَّما خُصَّ حِينَ إنْجائِهِ بِجَعْلِهِ ظَرْفًا لِلْكَوْنِ مِنَ المُرْسَلِينَ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ ظَرْفٌ لِلْأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى رِسالَتِهِ، إذْ هي مُماثِلَةٌ لِأحْوالِ الرُّسُلِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ. وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.
والعَجُوزُ: امْرَأةُ لُوطٍ، وتَقَدَّمَ خَبَرُها وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
الصافات 37:136
صفحة ١٧١
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ هَذا ثانِي الأنْبِياءِ الَّذِينَ جَمَعَهُمُ التَّنْظِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولُوطٌ كانَ رَسُولًا لِلْقُرى الَّتِي كانَ ساكِنًا في إحْداها، فَهو رَسُولٌ لا شَرِيعَةَ لَهُ سِوى أنَّهُ جاءَ يَنْهى الأقْوامَ الَّذِينَ كانَ نازِلًا بَيْنَهم عَنِ الفاحِشَةِ، وتِلْكَ لَمْ يَسْبِقِ النَّهْيُ عَنْها في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“ . والمَعْنى: أنَّهُ في حِينِ إنْجاءِ اللَّهِ إيّاهُ وإهْلاكِ اللَّهِ قَوْمَهَ كانَ قائِمًا بِالرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى ناطِقًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ، وإنَّما خُصَّ حِينَ إنْجائِهِ بِجَعْلِهِ ظَرْفًا لِلْكَوْنِ مِنَ المُرْسَلِينَ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ ظَرْفٌ لِلْأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى رِسالَتِهِ، إذْ هي مُماثِلَةٌ لِأحْوالِ الرُّسُلِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ. وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ لُوطٍ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.
والعَجُوزُ: امْرَأةُ لُوطٍ، وتَقَدَّمَ خَبَرُها وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
الصافات 37:137
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ سِيقَتْ هَذِهِ القَصَصُ لِعِظَتِهِمْ.
والمُرُورُ: مُجاوَزَةُ السّائِرِ بِسَيْرِهِ شَيْئًا يَتْرُكُهُ، والمُرادُ هُنا: مُرُورُهم في السَّفَرِ، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ إذا سافَرُوا في تِجارَتِهِمْ إلى الشّامِ يَمُرُّونَ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ فَيَمُرُّونَ بِأرْضِ لُوطٍ عَلى شاطِئِ البَحْرِ المَيِّتِ المُسَمّى بُحَيْرَةَ لُوطٍ. وتَعْدِيَةُ المُرُورِ بِحَرْفِ (عَلى) يُعَيِّنُ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ إلى: عَلى أرْضِهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ.
يُقالُ: مَرَّ عَلَيْهِ ومَرَّ بِهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (عَلى) تُفِيدُ تَمَكُّنَ المُرُورِ أشَدَّ مِن تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وكانُوا يَمُرُّونَ بِدِيارِ لُوطٍ بِجانِبِها لِأنَّ قُراهم غَمَرَها البَحْرُ المَيِّتُ وآثارُها باقِيَةٌ تَحْتَ الماءِ.
والمُصْبِحُ: الدّاخِلُ في وقْتِ الصَّباحِ، يَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في الصَّباحِ تارَةً وفي اللَّيْلِ تارَةً بِحَسَبِ تَقْدِيرِ السَّيْرِ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، لِأنَّ رِحْلَةَ قُرَيْشٍ إلى الشّامِ
صفحة ١٧٢
تَكُونُ في زَمَنِ الصَّيْفِ ويَكُونُ السَّيْرُ بُكْرَةً وعَشِيًّا وسُرًى، والباءُ في ”وبِاللَّيْلِ“ لِلظَّرْفِيَّةِ.
والخَبَرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾“ مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ والِاعْتِبارِ لا في حَقِيقَةِ الإخْبارِ، وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِاللّامِ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ”﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦]“ في سُورَةِ الحِجْرِ.
وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مِن عَدَمِ فِطْنَتِهِمْ لِدَلالَةِ تِلْكَ الآثارِ عَلى ما حَلَّ بِهِمْ مَن سَخَطِ اللَّهِ، وعَلى سَبَبِ ذَلِكَ وهو تَكْذِيبُ رَسُولِ اللَّهِ لُوطٍ.
وقَدْ أشَرْنا إلى وجْهِ تَخْصِيصِ قِصَّةِ لُوطٍ مَعَ القَصَصِ الخَمْسِ في أوَّلِ الكَلامِ عَلى قِصَّةِ نُوحٍ، وتَزِيدُ عَلى تِلْكَ القَصَصِ بِأنَّ فِيها مُشاهَدَةَ آثارِ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوا وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ.
الصافات 37:138
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ سِيقَتْ هَذِهِ القَصَصُ لِعِظَتِهِمْ.
والمُرُورُ: مُجاوَزَةُ السّائِرِ بِسَيْرِهِ شَيْئًا يَتْرُكُهُ، والمُرادُ هُنا: مُرُورُهم في السَّفَرِ، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ إذا سافَرُوا في تِجارَتِهِمْ إلى الشّامِ يَمُرُّونَ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ فَيَمُرُّونَ بِأرْضِ لُوطٍ عَلى شاطِئِ البَحْرِ المَيِّتِ المُسَمّى بُحَيْرَةَ لُوطٍ. وتَعْدِيَةُ المُرُورِ بِحَرْفِ (عَلى) يُعَيِّنُ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ إلى: عَلى أرْضِهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ.
يُقالُ: مَرَّ عَلَيْهِ ومَرَّ بِهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (عَلى) تُفِيدُ تَمَكُّنَ المُرُورِ أشَدَّ مِن تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وكانُوا يَمُرُّونَ بِدِيارِ لُوطٍ بِجانِبِها لِأنَّ قُراهم غَمَرَها البَحْرُ المَيِّتُ وآثارُها باقِيَةٌ تَحْتَ الماءِ.
والمُصْبِحُ: الدّاخِلُ في وقْتِ الصَّباحِ، يَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في الصَّباحِ تارَةً وفي اللَّيْلِ تارَةً بِحَسَبِ تَقْدِيرِ السَّيْرِ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، لِأنَّ رِحْلَةَ قُرَيْشٍ إلى الشّامِ
صفحة ١٧٢
تَكُونُ في زَمَنِ الصَّيْفِ ويَكُونُ السَّيْرُ بُكْرَةً وعَشِيًّا وسُرًى، والباءُ في ”وبِاللَّيْلِ“ لِلظَّرْفِيَّةِ.
والخَبَرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾“ مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ والِاعْتِبارِ لا في حَقِيقَةِ الإخْبارِ، وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِاللّامِ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ”﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦]“ في سُورَةِ الحِجْرِ.
وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مِن عَدَمِ فِطْنَتِهِمْ لِدَلالَةِ تِلْكَ الآثارِ عَلى ما حَلَّ بِهِمْ مَن سَخَطِ اللَّهِ، وعَلى سَبَبِ ذَلِكَ وهو تَكْذِيبُ رَسُولِ اللَّهِ لُوطٍ.
وقَدْ أشَرْنا إلى وجْهِ تَخْصِيصِ قِصَّةِ لُوطٍ مَعَ القَصَصِ الخَمْسِ في أوَّلِ الكَلامِ عَلى قِصَّةِ نُوحٍ، وتَزِيدُ عَلى تِلْكَ القَصَصِ بِأنَّ فِيها مُشاهَدَةَ آثارِ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوا وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ.
الصافات 37:139
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهْوَ مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يُونُسُ هو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ آمِتايَ، وهو مِن أهْلِ فِلَسْطِينَ، وهو مِن أنْبِياءِ إسْرائِيلَ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ ( نِينَوى) وكانَتْ نِينَوى مَدِينَةً عَظِيمَةً مِن بِلادِ الآشُورِيِّينَ، وكانَ بِها أسْرى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِأيْدِي الآشُورِيِّينَ وكانُوا زُهاءَ مِائَةِ ألْفٍ بَقَوْا بَعْدَ (دانْيالَ)، وكانَ يُونُسُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ قَوْمِهِ في الأنْعامِ وسُورَةِ يُونُسَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“، وإنَّما وُقِّتَتْ رِسالَتُهُ بِالزَّمَنِ الَّذِي أبَقَ فِيهِ إلى الفُلْكِ لِأنَّ فِعْلَتَهُ تِلْكَ كانَتْ عِنْدَما أمَرَهُ اللَّهُ بِالذَّهابِ إلى نِينَوى لِإبْلاغِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ انْحَرَفُوا عَنْ شَرِيعَتِهِمْ.
فَحِينَما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ عَظُمَ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ فَخَرَجَ مِن بَلَدِهِ وقَصَدَ مَرْسى (يافا) لِيَذْهَبَ إلى مَدِينَةِ (تَرْشِيشَ) وهي طَرْطُوسِيَّةٌ عَلى شاطِئِ بِلادِ الشّامِ، فَهالَ
صفحة ١٧٣
البَحْرُ حَتّى اضْطَرَّ أهْلُ السَّفِينَةِ إلى تَخْفِيفِ عَدَدِ رُكّابِها فاسْتَهَمُوا عَلى مَن يَطْرَحُونَهُ مِن سَفِينَتِهِمْ في البَحْرِ، فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خَرَجَ سَهْمُ إلْقائِهِ في البَحْرِ فالتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ، وجَرَتْ قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا كانَ هُرُوبُهُ مِن كُلْفَةِ الرِّسالَةِ مُقارِنًا لِإرْسالِهِ وُقِّتَ بِكَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
و”أبَقَ“ مَصْدَرُهُ إباقٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الباءِ وهو فِرارُ العَبْدِ مِن مالِكِهِ. وفِعْلُهُ كَضَرَبَ وسَمِعَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّ يُونُسَ هَرَبَ مِنَ البَلَدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ فِيهِ قاصِدًا بَلَدًا آخَرَ تَخَلُّصًا مِن إبْلاغِ رِسالَةِ اللَّهِ إلى أهْلِ نِينَوى، ولَعَلَّهُ خافَ بَأْسَهم واتَّهَمَ صَبْرَ نَفْسِهِ عَلى أذاهُمُ المُتَوَقَّعِ لِأنَّهم كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ في حِمايَةِ الآشُورِيِّينَ.
فَفِعْلُ أبَقَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَتْ حالَةَ خُرُوجِهِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي كَلَّفَهُ رَبُّهُ فِيهِ بِالرِّسالَةِ تَباعُدًا مِن كُلْفَةِ رَبِّهِ بِإباقِ العَبْدِ مِن سَيِّدِهِ الَّذِي كَلَّفَهُ عَمَلًا.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِالرّاكِبِينَ، وتَقَدَّمَ مَعْناهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
وساهَمَ: قارَعَ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ السَّهْمِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِالسِّهامِ وهي أعْوادُ النِّبالِ وتُسَمّى الأزْلامَ.
وتَفْرِيعُ ”فَساهَمَ“ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ تَقْدِيرُها: فَهالَ البَحْرُ وخافَ الرّاكِبُونَ الغَرَقَ فَساهَمَ. وهَذا نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، والمَذْكُورُ في كِتابِ يُونانَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ: أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِ قُرْعَةً لِنَعْرِفَ مَن هو سَبَبُ هَذِهِ البَلِيَّةِ فَألْقَوْا قُرْعَةً فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ القُرْعَةَ خَرَجَتْ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى يُونُسَ.
وسُنَّةُ الِاقْتِراعِ في أسْفارِ البَحْرِ كانَتْ مُتَّبَعَةً عِنْدَ الأقْدَمِينَ إذا ثَقُلَتِ السَّفِينَةُ بِوَفْرَةِ الرّاكِبِينَ أوْ كَثْرَةِ المَتاعِ. وفِيها قِصَّةُ الحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَها الصَّفَدَيُّ في شَرْحِ الطُّغْرائِيَّةِ: أنَّ بَعْضَ الأصْحابِ يَدَّعِي أنَّ مَرْكَبًا فِيهِ مُسْلِمُونَ وكُفّارٌ
صفحة ١٧٤
أشْرَفَ عَلى الغَرَقِ وأرادُوا أنْ يَرْمُوا بَعْضَهم إلى البَحْرِ لِيَخِفَّ المَرْكَبُ فَيَنْجُوَ بَعْضُهم ويَسْلَمَ المَرْكَبُ فَقالُوا: نَقْتَرِعُ فَمَن وقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ ألْقَيْناهُ. فَنَظَرَ رَئِيسُ المَرْكَبِ إلَيْهِمْ وهم جالِسُونَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ فَقالَ: لَيْسَ هَذا حُكْمًا مُرْضِيًا، وإنَّما نَعُدُّ الجَماعَةَ فَمَن كانَ تاسِعًا ألْقَيْناهُ فارْتَضَوْا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَعُدُّهم ويُلْقِي التّاسِعَ فالتّاسِعَ إلى أنْ ألْقى الكُفّارَ وسَلِمَ المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ صُورَةُ ذَلِكَ (وصَوَّرَ دائِرَةً فِيها عَلاماتٌ حُمْرٌ وعَلاماتٌ سُودٌ، فالحُمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ ومِنهُمُ ابْتِداءُ العَدِّ وهو إلى جِهَةِ الشِّمالِ) قالَ: ولَقَدْ ذَكَرْتُها لِنُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إسْماعِيلَ الصَّفَدِيِّ فَأعْجَبَتْهُ وقالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِحِفْظِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: الضّابِطُ في هَذا البَيْتِ تَجْعَلُ حُرُوفَهَ المُعْجَمَةَ لِلْكُفّارِ والمُهْمَلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وهو:
اللَّهُ يَقْضِي بِكُلِّ يُسْرٍ ويَرْزَقُ الضَّيْفَ حَيْثُ كانا
اهـ وكانَتِ القُرْعَةُ طَرِيقًا مِن طُرُقِ القَضاءِ عِنْدَ التِباسِ الحَقِّ أوْ عِنْدَ اسْتِواءِ عَدَدٍ في اسْتِحْقاقِ شَيْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وهي طَرِيقَةٌ إقْناعِيَّةٌ كانَ البَشَرُ يَصِيرُونَ إلَيْها لِفَصْلِ التَّنازُعِ، يَزْعُمُونَ أنَّها دالَّةٌ عَلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الأُمَمِ المُتَدَيِّنَةِ، أوْ إرادَةِ الأصْنامِ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ الأصْنامَ تَمْيِيزَ صاحِبِ الحَقِّ عِنْدَ التَّنازُعِ.
ولَعَلَّها مِن مُخْتَرَعاتِ الكَهَنَةِ وسَدَنَةِ الأصْنامِ. فَلَمّا شاعَتْ في البَشَرِ أقَرَّتْها الشَّرائِعُ لِما فِيها مِن قَطْعِ الخِصامِ والقِتالِ، ولَكِنَّ الشَّرائِعَ الحَقَّ لَمّا أقَرَّتْها اقْتَصَدَتْ في اسْتِعْمالِها بِحَيْثُ لا يُصارُ إلَيْها إلّا عِنْدَ التَّساوِي في الحَقِّ وفُقْدانِ المُرَجِّحِ الَّذِي هو مُؤَثِّرٌ في نَوْعِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهي مِن بَقايا الأوْهامِ. وقَدِ اقْتَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ في اعْتِبارِها عَلى أقَلِّ ما تُعْتَبَرُ فِيهِ، مِثْلَ تَعْيِينِ أحَدِ الأقْسامِ المُتَساوِيَةِ لِأحَدِ المُتَقاسِمِينَ إذْ تَشاحُّوا في أحَدِها. قالَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: ”والقُرْعَةُ إنَّما جُعِلَتْ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِ المُتَقاسِمِينَ، وأصْلُها قائِمٌ في كِتابِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ يُونُسَ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾“ .
وعِنْدِي: أنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ في الفَصْلِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ لِأنَّها لَمْ تَحْكِ شَرْعًا صَحِيحًا كانَ قَبْلَ الإسْلامِ إذْ لا يُعْرَفُ دِينُ أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أجْرَوُا الِاسْتِهامَ عَلى يُونُسَ، عَلى أنَّ ما أُجْرِيَ الِاسْتِهامُ عَلَيْهِ قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ
صفحة ١٧٥
عَلى أنَّهُ لا يَجْرِي في مِثْلِهِ اسْتِهامٌ. فَلَوْ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبِلْنا فَقَدْ نَسَخَهُ إجْماعُ عُلَماءِ أُمَّتِنا.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الِاقْتِراعُ عَلى إلْقاءِ الآدَمِيِّ في البَحْرِ لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ المُسْلِمُ ؟ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ فِيمَن كانَ عاصِيًا أنْ يُقْتَلَ ولا يُرْمى بِهِ في النّارِ والبَحْرِ. وإنَّما تَجْرِي عَلَيْهِ الحُدُودُ والتَّعْزِيزُ عَلى مِقْدارِ جِنايَتِهِ. وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ البَحْرَ إذا هالَ عَلى القَوْمِ فاضْطَرُّوا إلى تَخْفِيفِ السَّفِينَةِ أنَّ القُرْعَةَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَيُطْرَحُ بَعْضُهم تَخْفِيفًا، وهَذا فاسِدٌ، فَلا تُخَفَّفُ بِرَمْيِ بَعْضِ الرِّجالِ وإنَّما ذَلِكَ في الأمْوالِ، وإنَّما يَصْبِرُونَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ.
وكانَتْ في شَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا القُرْعَةُ جائِزَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ. وجاءَتِ القُرْعَةُ في شَرْعِنا عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ:
الأوَّلُ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها مَعَهُ» .
الثّانِي: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ في مَرَضِ مَوْتِهِ سِتَّةَ أعْبُدٍ لا مالَ لَهُ غَيْرُهم، فَأقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ (وهُما مُعادِلُ الثُّلُثِ) وأرَقَّ أرْبَعَةً» .
الثّالِثُ: «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ في مَوارِيثَ دُرِسَتْ، فَقالَ: اذْهَبا وتَوَخَّيا الحَقَّ واسْتَهِما ولْيُحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ» .
واخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في القُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجاتِ عِنْدَ الغَزْوِ عَلى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنهُما الِاقْتِراعُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لا يُمْكِنُ، واخْتِيارُ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إيثارٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القُرْعَةُ.
وقالَ القَرافِيُّ في الفِرَقِ ٢٤٠: مَتى تَعَيَّنَتِ المَصْلَحَةُ أوِ الحَقُّ في جِهَةٍ لا يَجُوزُ الِاقْتِراعُ لِأنَّ في القُرْعَةِ ضَياعَ الحَقِّ، ومَتى تَساوَتِ الحُقُوقُ أوِ المَصالِحُ فَهَذا مَوْضِعُ القُرْعَةِ دَفْعا لِلضَّغائِنِ، فَهي مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ الخُلَفاءِ إذا اسْتَوَتْ فِيهِمُ الأهْلِيَّةُ لِلْوِلايَةِ، والأيِمَّةِ، والمُؤَذِّنِينَ، إذا اسْتَوَوْا، والتَّقَدُّمُ لِلصَّفِّ الأوَّلِ عِنْدَ الِازْدِحامِ، وتَغْسِيلُ الأمْواتِ عِنْدَ تَزاحُمِ الأوْلِياءِ وتُساوِيهِمْ، وبَيْنَ الحاضِناتِ، والزَّوْجاتِ في السَّفَرِ
صفحة ١٧٦
والقِسْمَةُ، والخُصُومُ عِنْدَ الحُكّامِ، في عِتْقِ العَبِيدِ إذا أوْصى بِعِتْقِهِمْ في المَرَضِ ولَمْ يُحَمِّلَهُمُ الثُّلُثَ. وقالَهُ الشّافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجُوزُ القُرْعَةُ (بَيْنَهم) . ويُعْتَقُ مِن كُلِّ واحِدٍ ثُلُثُهُ ويُسْتَسْعى في قِيمَتِهِ ووافَقَ في قِيمَةِ الأرْضِ. قالَ: والحَقُّ عِنْدِي أنَّها تَجْرِي في كُلِّ مُشْكِلٍ اهـ.
قُلْتُ: وفي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ أنَّهُ لَمّا اقْتَرَعَتِ الأنْصارُ عَلى سُكْنى المُهاجِرِينَ وقَعَ في سَهْمِهِمْ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ الحَدِيثَ.
وقالَ الجَصّاصُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الأغْمارِ في إيجابِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ المَرِيضُ. وذَلِكَ إغْفالٌ مِنهُ لِأنَّ يُونُسَ ساهَمَ في طَرْحِهِ في البَحْرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقَهاءِ كَما لا تَجُوزُ القُرْعَةُ في قَتْلِ مَن خَرَجَتْ عَلَيْهِ وفي أخْذِ مالِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ فِيهِ.
وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ”ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِإلْقاءِ الأقْلامِ في كَفالَةِ مَرْيَمَ عَلى جَوازِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ الرَّجُلُ في مَرَضِهِ ثُمَّ يَمُوتُ ولا مالَ لَهُ غَيْرُهم، ولَيْسَ هَذا (أيْ إلْقاءُ الأقْلامِ) مِن عِتْقِ العَبِيدِ في شَيْءٍ لِأنَّ الرِّضى بِكَفالَةِ الواحِدِ مِنهم مَرْيَمَ جائِزٌ في مِثْلِهِ، ولا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى اسْتِرْقاقِ مَن حَصَلَتْ لَهُ الحُرِّيَّةُ، وقَدْ كانَ عِتْقُ المَيِّتِ نافِذًا في الجَمِيعِ فَلا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالقُرْعَةِ عَنْ أحَدٍ مِنهم إلى غَيْرِهِ كَما لا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ.
والإدْحاضُ: جَعْلُ المَرْءِ داحِضًا، أيْ: زالِقًا غَيْرَ ثابِتِ الرِّجْلَيْنِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْخُسْرانِ والمَغْلُوبِيَّةِ.
والِالتِقامُ: البَلْعُ. والحُوتُ الَّذِي التَقَمَهُ: حُوتٌ عَظِيمٌ يَبْتَلِعُ الأشْياءَ ولا يَعَضُّ بِأسْنانِهِ، ويُقالُ: إنَّهُ الحُوتُ الَّذِي يُسَمّى“ بالَيْنُ ”بِالإفْرِنْجِيَّةِ.
والمُلِيمُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن ألامَ، إذا فَعَلَ ما يَلُومُهُ عَلَيْهِ النّاسُ لِأنَّهُ جَعَلَهم لائِمِينَ فَهو ألامَهم عَلى نَفْسِهِ.
وكانَ غَرَقُهُ في البَحْرِ المُسَمّى بَحْرَ الرُّومِ وهو الَّذِي نُسَمِّيهِ البَحْرَ الأبْيَضَ المُتَوَسِّطَ، ولَمْ يَكُنْ بِنَهْرِ دِجْلَةَ كَما غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
صفحة ١٧٧
وكانَ مِنَ المَسَبِّحِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَأنْجاهُ اللَّهُ بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِ وتَوْبَتِهِ فَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ إلى البَرِّ بَعْدَ أنْ مَكَثَ في جَوْفِ الحُوتِ ثَلاثَ لَيالٍ، وقِيلَ: يَوْمًا ولَيْلَةً، وقِيلَ: بِضْعَ ساعاتٍ.
ومَعْنى قَوْلِهِ“ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " التَّأْبِيدُ بِأنْ يُمِيتَ اللَّهُ الحُوتَ حِينَ ابْتِلاعِهِ ويُبْقِيَهُما في قَعْرِ البَحْرِ، أوْ بِأنْ يُخْتَطَفَ الحُوتُ في حَجَرٍ في البَحْرِ أوْ نَحْوِهُ فَلا يَطْفُو عَلى الماءِ حَتّى يُبْعَثَ يُونُسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَعْرِ البَحْرِ.
الصافات 37:140
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهْوَ مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يُونُسُ هو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ آمِتايَ، وهو مِن أهْلِ فِلَسْطِينَ، وهو مِن أنْبِياءِ إسْرائِيلَ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ ( نِينَوى) وكانَتْ نِينَوى مَدِينَةً عَظِيمَةً مِن بِلادِ الآشُورِيِّينَ، وكانَ بِها أسْرى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِأيْدِي الآشُورِيِّينَ وكانُوا زُهاءَ مِائَةِ ألْفٍ بَقَوْا بَعْدَ (دانْيالَ)، وكانَ يُونُسُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ قَوْمِهِ في الأنْعامِ وسُورَةِ يُونُسَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“، وإنَّما وُقِّتَتْ رِسالَتُهُ بِالزَّمَنِ الَّذِي أبَقَ فِيهِ إلى الفُلْكِ لِأنَّ فِعْلَتَهُ تِلْكَ كانَتْ عِنْدَما أمَرَهُ اللَّهُ بِالذَّهابِ إلى نِينَوى لِإبْلاغِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ انْحَرَفُوا عَنْ شَرِيعَتِهِمْ.
فَحِينَما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ عَظُمَ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ فَخَرَجَ مِن بَلَدِهِ وقَصَدَ مَرْسى (يافا) لِيَذْهَبَ إلى مَدِينَةِ (تَرْشِيشَ) وهي طَرْطُوسِيَّةٌ عَلى شاطِئِ بِلادِ الشّامِ، فَهالَ
صفحة ١٧٣
البَحْرُ حَتّى اضْطَرَّ أهْلُ السَّفِينَةِ إلى تَخْفِيفِ عَدَدِ رُكّابِها فاسْتَهَمُوا عَلى مَن يَطْرَحُونَهُ مِن سَفِينَتِهِمْ في البَحْرِ، فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خَرَجَ سَهْمُ إلْقائِهِ في البَحْرِ فالتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ، وجَرَتْ قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا كانَ هُرُوبُهُ مِن كُلْفَةِ الرِّسالَةِ مُقارِنًا لِإرْسالِهِ وُقِّتَ بِكَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
و”أبَقَ“ مَصْدَرُهُ إباقٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الباءِ وهو فِرارُ العَبْدِ مِن مالِكِهِ. وفِعْلُهُ كَضَرَبَ وسَمِعَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّ يُونُسَ هَرَبَ مِنَ البَلَدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ فِيهِ قاصِدًا بَلَدًا آخَرَ تَخَلُّصًا مِن إبْلاغِ رِسالَةِ اللَّهِ إلى أهْلِ نِينَوى، ولَعَلَّهُ خافَ بَأْسَهم واتَّهَمَ صَبْرَ نَفْسِهِ عَلى أذاهُمُ المُتَوَقَّعِ لِأنَّهم كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ في حِمايَةِ الآشُورِيِّينَ.
فَفِعْلُ أبَقَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَتْ حالَةَ خُرُوجِهِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي كَلَّفَهُ رَبُّهُ فِيهِ بِالرِّسالَةِ تَباعُدًا مِن كُلْفَةِ رَبِّهِ بِإباقِ العَبْدِ مِن سَيِّدِهِ الَّذِي كَلَّفَهُ عَمَلًا.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِالرّاكِبِينَ، وتَقَدَّمَ مَعْناهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
وساهَمَ: قارَعَ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ السَّهْمِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِالسِّهامِ وهي أعْوادُ النِّبالِ وتُسَمّى الأزْلامَ.
وتَفْرِيعُ ”فَساهَمَ“ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ تَقْدِيرُها: فَهالَ البَحْرُ وخافَ الرّاكِبُونَ الغَرَقَ فَساهَمَ. وهَذا نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، والمَذْكُورُ في كِتابِ يُونانَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ: أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِ قُرْعَةً لِنَعْرِفَ مَن هو سَبَبُ هَذِهِ البَلِيَّةِ فَألْقَوْا قُرْعَةً فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ القُرْعَةَ خَرَجَتْ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى يُونُسَ.
وسُنَّةُ الِاقْتِراعِ في أسْفارِ البَحْرِ كانَتْ مُتَّبَعَةً عِنْدَ الأقْدَمِينَ إذا ثَقُلَتِ السَّفِينَةُ بِوَفْرَةِ الرّاكِبِينَ أوْ كَثْرَةِ المَتاعِ. وفِيها قِصَّةُ الحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَها الصَّفَدَيُّ في شَرْحِ الطُّغْرائِيَّةِ: أنَّ بَعْضَ الأصْحابِ يَدَّعِي أنَّ مَرْكَبًا فِيهِ مُسْلِمُونَ وكُفّارٌ
صفحة ١٧٤
أشْرَفَ عَلى الغَرَقِ وأرادُوا أنْ يَرْمُوا بَعْضَهم إلى البَحْرِ لِيَخِفَّ المَرْكَبُ فَيَنْجُوَ بَعْضُهم ويَسْلَمَ المَرْكَبُ فَقالُوا: نَقْتَرِعُ فَمَن وقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ ألْقَيْناهُ. فَنَظَرَ رَئِيسُ المَرْكَبِ إلَيْهِمْ وهم جالِسُونَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ فَقالَ: لَيْسَ هَذا حُكْمًا مُرْضِيًا، وإنَّما نَعُدُّ الجَماعَةَ فَمَن كانَ تاسِعًا ألْقَيْناهُ فارْتَضَوْا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَعُدُّهم ويُلْقِي التّاسِعَ فالتّاسِعَ إلى أنْ ألْقى الكُفّارَ وسَلِمَ المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ صُورَةُ ذَلِكَ (وصَوَّرَ دائِرَةً فِيها عَلاماتٌ حُمْرٌ وعَلاماتٌ سُودٌ، فالحُمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ ومِنهُمُ ابْتِداءُ العَدِّ وهو إلى جِهَةِ الشِّمالِ) قالَ: ولَقَدْ ذَكَرْتُها لِنُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إسْماعِيلَ الصَّفَدِيِّ فَأعْجَبَتْهُ وقالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِحِفْظِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: الضّابِطُ في هَذا البَيْتِ تَجْعَلُ حُرُوفَهَ المُعْجَمَةَ لِلْكُفّارِ والمُهْمَلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وهو:
اللَّهُ يَقْضِي بِكُلِّ يُسْرٍ ويَرْزَقُ الضَّيْفَ حَيْثُ كانا
اهـ وكانَتِ القُرْعَةُ طَرِيقًا مِن طُرُقِ القَضاءِ عِنْدَ التِباسِ الحَقِّ أوْ عِنْدَ اسْتِواءِ عَدَدٍ في اسْتِحْقاقِ شَيْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وهي طَرِيقَةٌ إقْناعِيَّةٌ كانَ البَشَرُ يَصِيرُونَ إلَيْها لِفَصْلِ التَّنازُعِ، يَزْعُمُونَ أنَّها دالَّةٌ عَلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الأُمَمِ المُتَدَيِّنَةِ، أوْ إرادَةِ الأصْنامِ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ الأصْنامَ تَمْيِيزَ صاحِبِ الحَقِّ عِنْدَ التَّنازُعِ.
ولَعَلَّها مِن مُخْتَرَعاتِ الكَهَنَةِ وسَدَنَةِ الأصْنامِ. فَلَمّا شاعَتْ في البَشَرِ أقَرَّتْها الشَّرائِعُ لِما فِيها مِن قَطْعِ الخِصامِ والقِتالِ، ولَكِنَّ الشَّرائِعَ الحَقَّ لَمّا أقَرَّتْها اقْتَصَدَتْ في اسْتِعْمالِها بِحَيْثُ لا يُصارُ إلَيْها إلّا عِنْدَ التَّساوِي في الحَقِّ وفُقْدانِ المُرَجِّحِ الَّذِي هو مُؤَثِّرٌ في نَوْعِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهي مِن بَقايا الأوْهامِ. وقَدِ اقْتَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ في اعْتِبارِها عَلى أقَلِّ ما تُعْتَبَرُ فِيهِ، مِثْلَ تَعْيِينِ أحَدِ الأقْسامِ المُتَساوِيَةِ لِأحَدِ المُتَقاسِمِينَ إذْ تَشاحُّوا في أحَدِها. قالَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: ”والقُرْعَةُ إنَّما جُعِلَتْ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِ المُتَقاسِمِينَ، وأصْلُها قائِمٌ في كِتابِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ يُونُسَ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾“ .
وعِنْدِي: أنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ في الفَصْلِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ لِأنَّها لَمْ تَحْكِ شَرْعًا صَحِيحًا كانَ قَبْلَ الإسْلامِ إذْ لا يُعْرَفُ دِينُ أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أجْرَوُا الِاسْتِهامَ عَلى يُونُسَ، عَلى أنَّ ما أُجْرِيَ الِاسْتِهامُ عَلَيْهِ قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ
صفحة ١٧٥
عَلى أنَّهُ لا يَجْرِي في مِثْلِهِ اسْتِهامٌ. فَلَوْ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبِلْنا فَقَدْ نَسَخَهُ إجْماعُ عُلَماءِ أُمَّتِنا.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الِاقْتِراعُ عَلى إلْقاءِ الآدَمِيِّ في البَحْرِ لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ المُسْلِمُ ؟ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ فِيمَن كانَ عاصِيًا أنْ يُقْتَلَ ولا يُرْمى بِهِ في النّارِ والبَحْرِ. وإنَّما تَجْرِي عَلَيْهِ الحُدُودُ والتَّعْزِيزُ عَلى مِقْدارِ جِنايَتِهِ. وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ البَحْرَ إذا هالَ عَلى القَوْمِ فاضْطَرُّوا إلى تَخْفِيفِ السَّفِينَةِ أنَّ القُرْعَةَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَيُطْرَحُ بَعْضُهم تَخْفِيفًا، وهَذا فاسِدٌ، فَلا تُخَفَّفُ بِرَمْيِ بَعْضِ الرِّجالِ وإنَّما ذَلِكَ في الأمْوالِ، وإنَّما يَصْبِرُونَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ.
وكانَتْ في شَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا القُرْعَةُ جائِزَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ. وجاءَتِ القُرْعَةُ في شَرْعِنا عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ:
الأوَّلُ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها مَعَهُ» .
الثّانِي: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ في مَرَضِ مَوْتِهِ سِتَّةَ أعْبُدٍ لا مالَ لَهُ غَيْرُهم، فَأقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ (وهُما مُعادِلُ الثُّلُثِ) وأرَقَّ أرْبَعَةً» .
الثّالِثُ: «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ في مَوارِيثَ دُرِسَتْ، فَقالَ: اذْهَبا وتَوَخَّيا الحَقَّ واسْتَهِما ولْيُحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ» .
واخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في القُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجاتِ عِنْدَ الغَزْوِ عَلى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنهُما الِاقْتِراعُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لا يُمْكِنُ، واخْتِيارُ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إيثارٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القُرْعَةُ.
وقالَ القَرافِيُّ في الفِرَقِ ٢٤٠: مَتى تَعَيَّنَتِ المَصْلَحَةُ أوِ الحَقُّ في جِهَةٍ لا يَجُوزُ الِاقْتِراعُ لِأنَّ في القُرْعَةِ ضَياعَ الحَقِّ، ومَتى تَساوَتِ الحُقُوقُ أوِ المَصالِحُ فَهَذا مَوْضِعُ القُرْعَةِ دَفْعا لِلضَّغائِنِ، فَهي مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ الخُلَفاءِ إذا اسْتَوَتْ فِيهِمُ الأهْلِيَّةُ لِلْوِلايَةِ، والأيِمَّةِ، والمُؤَذِّنِينَ، إذا اسْتَوَوْا، والتَّقَدُّمُ لِلصَّفِّ الأوَّلِ عِنْدَ الِازْدِحامِ، وتَغْسِيلُ الأمْواتِ عِنْدَ تَزاحُمِ الأوْلِياءِ وتُساوِيهِمْ، وبَيْنَ الحاضِناتِ، والزَّوْجاتِ في السَّفَرِ
صفحة ١٧٦
والقِسْمَةُ، والخُصُومُ عِنْدَ الحُكّامِ، في عِتْقِ العَبِيدِ إذا أوْصى بِعِتْقِهِمْ في المَرَضِ ولَمْ يُحَمِّلَهُمُ الثُّلُثَ. وقالَهُ الشّافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجُوزُ القُرْعَةُ (بَيْنَهم) . ويُعْتَقُ مِن كُلِّ واحِدٍ ثُلُثُهُ ويُسْتَسْعى في قِيمَتِهِ ووافَقَ في قِيمَةِ الأرْضِ. قالَ: والحَقُّ عِنْدِي أنَّها تَجْرِي في كُلِّ مُشْكِلٍ اهـ.
قُلْتُ: وفي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ أنَّهُ لَمّا اقْتَرَعَتِ الأنْصارُ عَلى سُكْنى المُهاجِرِينَ وقَعَ في سَهْمِهِمْ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ الحَدِيثَ.
وقالَ الجَصّاصُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الأغْمارِ في إيجابِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ المَرِيضُ. وذَلِكَ إغْفالٌ مِنهُ لِأنَّ يُونُسَ ساهَمَ في طَرْحِهِ في البَحْرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقَهاءِ كَما لا تَجُوزُ القُرْعَةُ في قَتْلِ مَن خَرَجَتْ عَلَيْهِ وفي أخْذِ مالِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ فِيهِ.
وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ”ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِإلْقاءِ الأقْلامِ في كَفالَةِ مَرْيَمَ عَلى جَوازِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ الرَّجُلُ في مَرَضِهِ ثُمَّ يَمُوتُ ولا مالَ لَهُ غَيْرُهم، ولَيْسَ هَذا (أيْ إلْقاءُ الأقْلامِ) مِن عِتْقِ العَبِيدِ في شَيْءٍ لِأنَّ الرِّضى بِكَفالَةِ الواحِدِ مِنهم مَرْيَمَ جائِزٌ في مِثْلِهِ، ولا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى اسْتِرْقاقِ مَن حَصَلَتْ لَهُ الحُرِّيَّةُ، وقَدْ كانَ عِتْقُ المَيِّتِ نافِذًا في الجَمِيعِ فَلا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالقُرْعَةِ عَنْ أحَدٍ مِنهم إلى غَيْرِهِ كَما لا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ.
والإدْحاضُ: جَعْلُ المَرْءِ داحِضًا، أيْ: زالِقًا غَيْرَ ثابِتِ الرِّجْلَيْنِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْخُسْرانِ والمَغْلُوبِيَّةِ.
والِالتِقامُ: البَلْعُ. والحُوتُ الَّذِي التَقَمَهُ: حُوتٌ عَظِيمٌ يَبْتَلِعُ الأشْياءَ ولا يَعَضُّ بِأسْنانِهِ، ويُقالُ: إنَّهُ الحُوتُ الَّذِي يُسَمّى“ بالَيْنُ ”بِالإفْرِنْجِيَّةِ.
والمُلِيمُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن ألامَ، إذا فَعَلَ ما يَلُومُهُ عَلَيْهِ النّاسُ لِأنَّهُ جَعَلَهم لائِمِينَ فَهو ألامَهم عَلى نَفْسِهِ.
وكانَ غَرَقُهُ في البَحْرِ المُسَمّى بَحْرَ الرُّومِ وهو الَّذِي نُسَمِّيهِ البَحْرَ الأبْيَضَ المُتَوَسِّطَ، ولَمْ يَكُنْ بِنَهْرِ دِجْلَةَ كَما غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
صفحة ١٧٧
وكانَ مِنَ المَسَبِّحِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَأنْجاهُ اللَّهُ بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِ وتَوْبَتِهِ فَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ إلى البَرِّ بَعْدَ أنْ مَكَثَ في جَوْفِ الحُوتِ ثَلاثَ لَيالٍ، وقِيلَ: يَوْمًا ولَيْلَةً، وقِيلَ: بِضْعَ ساعاتٍ.
ومَعْنى قَوْلِهِ“ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " التَّأْبِيدُ بِأنْ يُمِيتَ اللَّهُ الحُوتَ حِينَ ابْتِلاعِهِ ويُبْقِيَهُما في قَعْرِ البَحْرِ، أوْ بِأنْ يُخْتَطَفَ الحُوتُ في حَجَرٍ في البَحْرِ أوْ نَحْوِهُ فَلا يَطْفُو عَلى الماءِ حَتّى يُبْعَثَ يُونُسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَعْرِ البَحْرِ.
الصافات 37:141
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهْوَ مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يُونُسُ هو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ آمِتايَ، وهو مِن أهْلِ فِلَسْطِينَ، وهو مِن أنْبِياءِ إسْرائِيلَ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ ( نِينَوى) وكانَتْ نِينَوى مَدِينَةً عَظِيمَةً مِن بِلادِ الآشُورِيِّينَ، وكانَ بِها أسْرى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِأيْدِي الآشُورِيِّينَ وكانُوا زُهاءَ مِائَةِ ألْفٍ بَقَوْا بَعْدَ (دانْيالَ)، وكانَ يُونُسُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ قَوْمِهِ في الأنْعامِ وسُورَةِ يُونُسَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“، وإنَّما وُقِّتَتْ رِسالَتُهُ بِالزَّمَنِ الَّذِي أبَقَ فِيهِ إلى الفُلْكِ لِأنَّ فِعْلَتَهُ تِلْكَ كانَتْ عِنْدَما أمَرَهُ اللَّهُ بِالذَّهابِ إلى نِينَوى لِإبْلاغِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ انْحَرَفُوا عَنْ شَرِيعَتِهِمْ.
فَحِينَما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ عَظُمَ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ فَخَرَجَ مِن بَلَدِهِ وقَصَدَ مَرْسى (يافا) لِيَذْهَبَ إلى مَدِينَةِ (تَرْشِيشَ) وهي طَرْطُوسِيَّةٌ عَلى شاطِئِ بِلادِ الشّامِ، فَهالَ
صفحة ١٧٣
البَحْرُ حَتّى اضْطَرَّ أهْلُ السَّفِينَةِ إلى تَخْفِيفِ عَدَدِ رُكّابِها فاسْتَهَمُوا عَلى مَن يَطْرَحُونَهُ مِن سَفِينَتِهِمْ في البَحْرِ، فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خَرَجَ سَهْمُ إلْقائِهِ في البَحْرِ فالتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ، وجَرَتْ قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا كانَ هُرُوبُهُ مِن كُلْفَةِ الرِّسالَةِ مُقارِنًا لِإرْسالِهِ وُقِّتَ بِكَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
و”أبَقَ“ مَصْدَرُهُ إباقٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الباءِ وهو فِرارُ العَبْدِ مِن مالِكِهِ. وفِعْلُهُ كَضَرَبَ وسَمِعَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّ يُونُسَ هَرَبَ مِنَ البَلَدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ فِيهِ قاصِدًا بَلَدًا آخَرَ تَخَلُّصًا مِن إبْلاغِ رِسالَةِ اللَّهِ إلى أهْلِ نِينَوى، ولَعَلَّهُ خافَ بَأْسَهم واتَّهَمَ صَبْرَ نَفْسِهِ عَلى أذاهُمُ المُتَوَقَّعِ لِأنَّهم كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ في حِمايَةِ الآشُورِيِّينَ.
فَفِعْلُ أبَقَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَتْ حالَةَ خُرُوجِهِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي كَلَّفَهُ رَبُّهُ فِيهِ بِالرِّسالَةِ تَباعُدًا مِن كُلْفَةِ رَبِّهِ بِإباقِ العَبْدِ مِن سَيِّدِهِ الَّذِي كَلَّفَهُ عَمَلًا.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِالرّاكِبِينَ، وتَقَدَّمَ مَعْناهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
وساهَمَ: قارَعَ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ السَّهْمِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِالسِّهامِ وهي أعْوادُ النِّبالِ وتُسَمّى الأزْلامَ.
وتَفْرِيعُ ”فَساهَمَ“ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ تَقْدِيرُها: فَهالَ البَحْرُ وخافَ الرّاكِبُونَ الغَرَقَ فَساهَمَ. وهَذا نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، والمَذْكُورُ في كِتابِ يُونانَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ: أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِ قُرْعَةً لِنَعْرِفَ مَن هو سَبَبُ هَذِهِ البَلِيَّةِ فَألْقَوْا قُرْعَةً فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ القُرْعَةَ خَرَجَتْ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى يُونُسَ.
وسُنَّةُ الِاقْتِراعِ في أسْفارِ البَحْرِ كانَتْ مُتَّبَعَةً عِنْدَ الأقْدَمِينَ إذا ثَقُلَتِ السَّفِينَةُ بِوَفْرَةِ الرّاكِبِينَ أوْ كَثْرَةِ المَتاعِ. وفِيها قِصَّةُ الحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَها الصَّفَدَيُّ في شَرْحِ الطُّغْرائِيَّةِ: أنَّ بَعْضَ الأصْحابِ يَدَّعِي أنَّ مَرْكَبًا فِيهِ مُسْلِمُونَ وكُفّارٌ
صفحة ١٧٤
أشْرَفَ عَلى الغَرَقِ وأرادُوا أنْ يَرْمُوا بَعْضَهم إلى البَحْرِ لِيَخِفَّ المَرْكَبُ فَيَنْجُوَ بَعْضُهم ويَسْلَمَ المَرْكَبُ فَقالُوا: نَقْتَرِعُ فَمَن وقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ ألْقَيْناهُ. فَنَظَرَ رَئِيسُ المَرْكَبِ إلَيْهِمْ وهم جالِسُونَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ فَقالَ: لَيْسَ هَذا حُكْمًا مُرْضِيًا، وإنَّما نَعُدُّ الجَماعَةَ فَمَن كانَ تاسِعًا ألْقَيْناهُ فارْتَضَوْا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَعُدُّهم ويُلْقِي التّاسِعَ فالتّاسِعَ إلى أنْ ألْقى الكُفّارَ وسَلِمَ المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ صُورَةُ ذَلِكَ (وصَوَّرَ دائِرَةً فِيها عَلاماتٌ حُمْرٌ وعَلاماتٌ سُودٌ، فالحُمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ ومِنهُمُ ابْتِداءُ العَدِّ وهو إلى جِهَةِ الشِّمالِ) قالَ: ولَقَدْ ذَكَرْتُها لِنُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إسْماعِيلَ الصَّفَدِيِّ فَأعْجَبَتْهُ وقالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِحِفْظِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: الضّابِطُ في هَذا البَيْتِ تَجْعَلُ حُرُوفَهَ المُعْجَمَةَ لِلْكُفّارِ والمُهْمَلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وهو:
اللَّهُ يَقْضِي بِكُلِّ يُسْرٍ ويَرْزَقُ الضَّيْفَ حَيْثُ كانا
اهـ وكانَتِ القُرْعَةُ طَرِيقًا مِن طُرُقِ القَضاءِ عِنْدَ التِباسِ الحَقِّ أوْ عِنْدَ اسْتِواءِ عَدَدٍ في اسْتِحْقاقِ شَيْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وهي طَرِيقَةٌ إقْناعِيَّةٌ كانَ البَشَرُ يَصِيرُونَ إلَيْها لِفَصْلِ التَّنازُعِ، يَزْعُمُونَ أنَّها دالَّةٌ عَلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الأُمَمِ المُتَدَيِّنَةِ، أوْ إرادَةِ الأصْنامِ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ الأصْنامَ تَمْيِيزَ صاحِبِ الحَقِّ عِنْدَ التَّنازُعِ.
ولَعَلَّها مِن مُخْتَرَعاتِ الكَهَنَةِ وسَدَنَةِ الأصْنامِ. فَلَمّا شاعَتْ في البَشَرِ أقَرَّتْها الشَّرائِعُ لِما فِيها مِن قَطْعِ الخِصامِ والقِتالِ، ولَكِنَّ الشَّرائِعَ الحَقَّ لَمّا أقَرَّتْها اقْتَصَدَتْ في اسْتِعْمالِها بِحَيْثُ لا يُصارُ إلَيْها إلّا عِنْدَ التَّساوِي في الحَقِّ وفُقْدانِ المُرَجِّحِ الَّذِي هو مُؤَثِّرٌ في نَوْعِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهي مِن بَقايا الأوْهامِ. وقَدِ اقْتَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ في اعْتِبارِها عَلى أقَلِّ ما تُعْتَبَرُ فِيهِ، مِثْلَ تَعْيِينِ أحَدِ الأقْسامِ المُتَساوِيَةِ لِأحَدِ المُتَقاسِمِينَ إذْ تَشاحُّوا في أحَدِها. قالَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: ”والقُرْعَةُ إنَّما جُعِلَتْ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِ المُتَقاسِمِينَ، وأصْلُها قائِمٌ في كِتابِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ يُونُسَ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾“ .
وعِنْدِي: أنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ في الفَصْلِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ لِأنَّها لَمْ تَحْكِ شَرْعًا صَحِيحًا كانَ قَبْلَ الإسْلامِ إذْ لا يُعْرَفُ دِينُ أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أجْرَوُا الِاسْتِهامَ عَلى يُونُسَ، عَلى أنَّ ما أُجْرِيَ الِاسْتِهامُ عَلَيْهِ قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ
صفحة ١٧٥
عَلى أنَّهُ لا يَجْرِي في مِثْلِهِ اسْتِهامٌ. فَلَوْ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبِلْنا فَقَدْ نَسَخَهُ إجْماعُ عُلَماءِ أُمَّتِنا.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الِاقْتِراعُ عَلى إلْقاءِ الآدَمِيِّ في البَحْرِ لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ المُسْلِمُ ؟ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ فِيمَن كانَ عاصِيًا أنْ يُقْتَلَ ولا يُرْمى بِهِ في النّارِ والبَحْرِ. وإنَّما تَجْرِي عَلَيْهِ الحُدُودُ والتَّعْزِيزُ عَلى مِقْدارِ جِنايَتِهِ. وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ البَحْرَ إذا هالَ عَلى القَوْمِ فاضْطَرُّوا إلى تَخْفِيفِ السَّفِينَةِ أنَّ القُرْعَةَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَيُطْرَحُ بَعْضُهم تَخْفِيفًا، وهَذا فاسِدٌ، فَلا تُخَفَّفُ بِرَمْيِ بَعْضِ الرِّجالِ وإنَّما ذَلِكَ في الأمْوالِ، وإنَّما يَصْبِرُونَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ.
وكانَتْ في شَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا القُرْعَةُ جائِزَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ. وجاءَتِ القُرْعَةُ في شَرْعِنا عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ:
الأوَّلُ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها مَعَهُ» .
الثّانِي: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ في مَرَضِ مَوْتِهِ سِتَّةَ أعْبُدٍ لا مالَ لَهُ غَيْرُهم، فَأقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ (وهُما مُعادِلُ الثُّلُثِ) وأرَقَّ أرْبَعَةً» .
الثّالِثُ: «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ في مَوارِيثَ دُرِسَتْ، فَقالَ: اذْهَبا وتَوَخَّيا الحَقَّ واسْتَهِما ولْيُحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ» .
واخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في القُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجاتِ عِنْدَ الغَزْوِ عَلى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنهُما الِاقْتِراعُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لا يُمْكِنُ، واخْتِيارُ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إيثارٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القُرْعَةُ.
وقالَ القَرافِيُّ في الفِرَقِ ٢٤٠: مَتى تَعَيَّنَتِ المَصْلَحَةُ أوِ الحَقُّ في جِهَةٍ لا يَجُوزُ الِاقْتِراعُ لِأنَّ في القُرْعَةِ ضَياعَ الحَقِّ، ومَتى تَساوَتِ الحُقُوقُ أوِ المَصالِحُ فَهَذا مَوْضِعُ القُرْعَةِ دَفْعا لِلضَّغائِنِ، فَهي مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ الخُلَفاءِ إذا اسْتَوَتْ فِيهِمُ الأهْلِيَّةُ لِلْوِلايَةِ، والأيِمَّةِ، والمُؤَذِّنِينَ، إذا اسْتَوَوْا، والتَّقَدُّمُ لِلصَّفِّ الأوَّلِ عِنْدَ الِازْدِحامِ، وتَغْسِيلُ الأمْواتِ عِنْدَ تَزاحُمِ الأوْلِياءِ وتُساوِيهِمْ، وبَيْنَ الحاضِناتِ، والزَّوْجاتِ في السَّفَرِ
صفحة ١٧٦
والقِسْمَةُ، والخُصُومُ عِنْدَ الحُكّامِ، في عِتْقِ العَبِيدِ إذا أوْصى بِعِتْقِهِمْ في المَرَضِ ولَمْ يُحَمِّلَهُمُ الثُّلُثَ. وقالَهُ الشّافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجُوزُ القُرْعَةُ (بَيْنَهم) . ويُعْتَقُ مِن كُلِّ واحِدٍ ثُلُثُهُ ويُسْتَسْعى في قِيمَتِهِ ووافَقَ في قِيمَةِ الأرْضِ. قالَ: والحَقُّ عِنْدِي أنَّها تَجْرِي في كُلِّ مُشْكِلٍ اهـ.
قُلْتُ: وفي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ أنَّهُ لَمّا اقْتَرَعَتِ الأنْصارُ عَلى سُكْنى المُهاجِرِينَ وقَعَ في سَهْمِهِمْ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ الحَدِيثَ.
وقالَ الجَصّاصُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الأغْمارِ في إيجابِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ المَرِيضُ. وذَلِكَ إغْفالٌ مِنهُ لِأنَّ يُونُسَ ساهَمَ في طَرْحِهِ في البَحْرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقَهاءِ كَما لا تَجُوزُ القُرْعَةُ في قَتْلِ مَن خَرَجَتْ عَلَيْهِ وفي أخْذِ مالِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ فِيهِ.
وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ”ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِإلْقاءِ الأقْلامِ في كَفالَةِ مَرْيَمَ عَلى جَوازِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ الرَّجُلُ في مَرَضِهِ ثُمَّ يَمُوتُ ولا مالَ لَهُ غَيْرُهم، ولَيْسَ هَذا (أيْ إلْقاءُ الأقْلامِ) مِن عِتْقِ العَبِيدِ في شَيْءٍ لِأنَّ الرِّضى بِكَفالَةِ الواحِدِ مِنهم مَرْيَمَ جائِزٌ في مِثْلِهِ، ولا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى اسْتِرْقاقِ مَن حَصَلَتْ لَهُ الحُرِّيَّةُ، وقَدْ كانَ عِتْقُ المَيِّتِ نافِذًا في الجَمِيعِ فَلا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالقُرْعَةِ عَنْ أحَدٍ مِنهم إلى غَيْرِهِ كَما لا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ.
والإدْحاضُ: جَعْلُ المَرْءِ داحِضًا، أيْ: زالِقًا غَيْرَ ثابِتِ الرِّجْلَيْنِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْخُسْرانِ والمَغْلُوبِيَّةِ.
والِالتِقامُ: البَلْعُ. والحُوتُ الَّذِي التَقَمَهُ: حُوتٌ عَظِيمٌ يَبْتَلِعُ الأشْياءَ ولا يَعَضُّ بِأسْنانِهِ، ويُقالُ: إنَّهُ الحُوتُ الَّذِي يُسَمّى“ بالَيْنُ ”بِالإفْرِنْجِيَّةِ.
والمُلِيمُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن ألامَ، إذا فَعَلَ ما يَلُومُهُ عَلَيْهِ النّاسُ لِأنَّهُ جَعَلَهم لائِمِينَ فَهو ألامَهم عَلى نَفْسِهِ.
وكانَ غَرَقُهُ في البَحْرِ المُسَمّى بَحْرَ الرُّومِ وهو الَّذِي نُسَمِّيهِ البَحْرَ الأبْيَضَ المُتَوَسِّطَ، ولَمْ يَكُنْ بِنَهْرِ دِجْلَةَ كَما غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
صفحة ١٧٧
وكانَ مِنَ المَسَبِّحِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَأنْجاهُ اللَّهُ بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِ وتَوْبَتِهِ فَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ إلى البَرِّ بَعْدَ أنْ مَكَثَ في جَوْفِ الحُوتِ ثَلاثَ لَيالٍ، وقِيلَ: يَوْمًا ولَيْلَةً، وقِيلَ: بِضْعَ ساعاتٍ.
ومَعْنى قَوْلِهِ“ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " التَّأْبِيدُ بِأنْ يُمِيتَ اللَّهُ الحُوتَ حِينَ ابْتِلاعِهِ ويُبْقِيَهُما في قَعْرِ البَحْرِ، أوْ بِأنْ يُخْتَطَفَ الحُوتُ في حَجَرٍ في البَحْرِ أوْ نَحْوِهُ فَلا يَطْفُو عَلى الماءِ حَتّى يُبْعَثَ يُونُسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَعْرِ البَحْرِ.
الصافات 37:142
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهْوَ مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يُونُسُ هو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ آمِتايَ، وهو مِن أهْلِ فِلَسْطِينَ، وهو مِن أنْبِياءِ إسْرائِيلَ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ ( نِينَوى) وكانَتْ نِينَوى مَدِينَةً عَظِيمَةً مِن بِلادِ الآشُورِيِّينَ، وكانَ بِها أسْرى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِأيْدِي الآشُورِيِّينَ وكانُوا زُهاءَ مِائَةِ ألْفٍ بَقَوْا بَعْدَ (دانْيالَ)، وكانَ يُونُسُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ قَوْمِهِ في الأنْعامِ وسُورَةِ يُونُسَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“، وإنَّما وُقِّتَتْ رِسالَتُهُ بِالزَّمَنِ الَّذِي أبَقَ فِيهِ إلى الفُلْكِ لِأنَّ فِعْلَتَهُ تِلْكَ كانَتْ عِنْدَما أمَرَهُ اللَّهُ بِالذَّهابِ إلى نِينَوى لِإبْلاغِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ انْحَرَفُوا عَنْ شَرِيعَتِهِمْ.
فَحِينَما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ عَظُمَ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ فَخَرَجَ مِن بَلَدِهِ وقَصَدَ مَرْسى (يافا) لِيَذْهَبَ إلى مَدِينَةِ (تَرْشِيشَ) وهي طَرْطُوسِيَّةٌ عَلى شاطِئِ بِلادِ الشّامِ، فَهالَ
صفحة ١٧٣
البَحْرُ حَتّى اضْطَرَّ أهْلُ السَّفِينَةِ إلى تَخْفِيفِ عَدَدِ رُكّابِها فاسْتَهَمُوا عَلى مَن يَطْرَحُونَهُ مِن سَفِينَتِهِمْ في البَحْرِ، فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خَرَجَ سَهْمُ إلْقائِهِ في البَحْرِ فالتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ، وجَرَتْ قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا كانَ هُرُوبُهُ مِن كُلْفَةِ الرِّسالَةِ مُقارِنًا لِإرْسالِهِ وُقِّتَ بِكَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
و”أبَقَ“ مَصْدَرُهُ إباقٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الباءِ وهو فِرارُ العَبْدِ مِن مالِكِهِ. وفِعْلُهُ كَضَرَبَ وسَمِعَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّ يُونُسَ هَرَبَ مِنَ البَلَدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ فِيهِ قاصِدًا بَلَدًا آخَرَ تَخَلُّصًا مِن إبْلاغِ رِسالَةِ اللَّهِ إلى أهْلِ نِينَوى، ولَعَلَّهُ خافَ بَأْسَهم واتَّهَمَ صَبْرَ نَفْسِهِ عَلى أذاهُمُ المُتَوَقَّعِ لِأنَّهم كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ في حِمايَةِ الآشُورِيِّينَ.
فَفِعْلُ أبَقَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَتْ حالَةَ خُرُوجِهِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي كَلَّفَهُ رَبُّهُ فِيهِ بِالرِّسالَةِ تَباعُدًا مِن كُلْفَةِ رَبِّهِ بِإباقِ العَبْدِ مِن سَيِّدِهِ الَّذِي كَلَّفَهُ عَمَلًا.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِالرّاكِبِينَ، وتَقَدَّمَ مَعْناهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
وساهَمَ: قارَعَ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ السَّهْمِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِالسِّهامِ وهي أعْوادُ النِّبالِ وتُسَمّى الأزْلامَ.
وتَفْرِيعُ ”فَساهَمَ“ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ تَقْدِيرُها: فَهالَ البَحْرُ وخافَ الرّاكِبُونَ الغَرَقَ فَساهَمَ. وهَذا نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، والمَذْكُورُ في كِتابِ يُونانَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ: أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِ قُرْعَةً لِنَعْرِفَ مَن هو سَبَبُ هَذِهِ البَلِيَّةِ فَألْقَوْا قُرْعَةً فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ القُرْعَةَ خَرَجَتْ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى يُونُسَ.
وسُنَّةُ الِاقْتِراعِ في أسْفارِ البَحْرِ كانَتْ مُتَّبَعَةً عِنْدَ الأقْدَمِينَ إذا ثَقُلَتِ السَّفِينَةُ بِوَفْرَةِ الرّاكِبِينَ أوْ كَثْرَةِ المَتاعِ. وفِيها قِصَّةُ الحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَها الصَّفَدَيُّ في شَرْحِ الطُّغْرائِيَّةِ: أنَّ بَعْضَ الأصْحابِ يَدَّعِي أنَّ مَرْكَبًا فِيهِ مُسْلِمُونَ وكُفّارٌ
صفحة ١٧٤
أشْرَفَ عَلى الغَرَقِ وأرادُوا أنْ يَرْمُوا بَعْضَهم إلى البَحْرِ لِيَخِفَّ المَرْكَبُ فَيَنْجُوَ بَعْضُهم ويَسْلَمَ المَرْكَبُ فَقالُوا: نَقْتَرِعُ فَمَن وقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ ألْقَيْناهُ. فَنَظَرَ رَئِيسُ المَرْكَبِ إلَيْهِمْ وهم جالِسُونَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ فَقالَ: لَيْسَ هَذا حُكْمًا مُرْضِيًا، وإنَّما نَعُدُّ الجَماعَةَ فَمَن كانَ تاسِعًا ألْقَيْناهُ فارْتَضَوْا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَعُدُّهم ويُلْقِي التّاسِعَ فالتّاسِعَ إلى أنْ ألْقى الكُفّارَ وسَلِمَ المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ صُورَةُ ذَلِكَ (وصَوَّرَ دائِرَةً فِيها عَلاماتٌ حُمْرٌ وعَلاماتٌ سُودٌ، فالحُمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ ومِنهُمُ ابْتِداءُ العَدِّ وهو إلى جِهَةِ الشِّمالِ) قالَ: ولَقَدْ ذَكَرْتُها لِنُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إسْماعِيلَ الصَّفَدِيِّ فَأعْجَبَتْهُ وقالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِحِفْظِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: الضّابِطُ في هَذا البَيْتِ تَجْعَلُ حُرُوفَهَ المُعْجَمَةَ لِلْكُفّارِ والمُهْمَلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وهو:
اللَّهُ يَقْضِي بِكُلِّ يُسْرٍ ويَرْزَقُ الضَّيْفَ حَيْثُ كانا
اهـ وكانَتِ القُرْعَةُ طَرِيقًا مِن طُرُقِ القَضاءِ عِنْدَ التِباسِ الحَقِّ أوْ عِنْدَ اسْتِواءِ عَدَدٍ في اسْتِحْقاقِ شَيْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وهي طَرِيقَةٌ إقْناعِيَّةٌ كانَ البَشَرُ يَصِيرُونَ إلَيْها لِفَصْلِ التَّنازُعِ، يَزْعُمُونَ أنَّها دالَّةٌ عَلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الأُمَمِ المُتَدَيِّنَةِ، أوْ إرادَةِ الأصْنامِ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ الأصْنامَ تَمْيِيزَ صاحِبِ الحَقِّ عِنْدَ التَّنازُعِ.
ولَعَلَّها مِن مُخْتَرَعاتِ الكَهَنَةِ وسَدَنَةِ الأصْنامِ. فَلَمّا شاعَتْ في البَشَرِ أقَرَّتْها الشَّرائِعُ لِما فِيها مِن قَطْعِ الخِصامِ والقِتالِ، ولَكِنَّ الشَّرائِعَ الحَقَّ لَمّا أقَرَّتْها اقْتَصَدَتْ في اسْتِعْمالِها بِحَيْثُ لا يُصارُ إلَيْها إلّا عِنْدَ التَّساوِي في الحَقِّ وفُقْدانِ المُرَجِّحِ الَّذِي هو مُؤَثِّرٌ في نَوْعِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهي مِن بَقايا الأوْهامِ. وقَدِ اقْتَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ في اعْتِبارِها عَلى أقَلِّ ما تُعْتَبَرُ فِيهِ، مِثْلَ تَعْيِينِ أحَدِ الأقْسامِ المُتَساوِيَةِ لِأحَدِ المُتَقاسِمِينَ إذْ تَشاحُّوا في أحَدِها. قالَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: ”والقُرْعَةُ إنَّما جُعِلَتْ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِ المُتَقاسِمِينَ، وأصْلُها قائِمٌ في كِتابِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ يُونُسَ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾“ .
وعِنْدِي: أنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ في الفَصْلِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ لِأنَّها لَمْ تَحْكِ شَرْعًا صَحِيحًا كانَ قَبْلَ الإسْلامِ إذْ لا يُعْرَفُ دِينُ أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أجْرَوُا الِاسْتِهامَ عَلى يُونُسَ، عَلى أنَّ ما أُجْرِيَ الِاسْتِهامُ عَلَيْهِ قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ
صفحة ١٧٥
عَلى أنَّهُ لا يَجْرِي في مِثْلِهِ اسْتِهامٌ. فَلَوْ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبِلْنا فَقَدْ نَسَخَهُ إجْماعُ عُلَماءِ أُمَّتِنا.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الِاقْتِراعُ عَلى إلْقاءِ الآدَمِيِّ في البَحْرِ لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ المُسْلِمُ ؟ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ فِيمَن كانَ عاصِيًا أنْ يُقْتَلَ ولا يُرْمى بِهِ في النّارِ والبَحْرِ. وإنَّما تَجْرِي عَلَيْهِ الحُدُودُ والتَّعْزِيزُ عَلى مِقْدارِ جِنايَتِهِ. وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ البَحْرَ إذا هالَ عَلى القَوْمِ فاضْطَرُّوا إلى تَخْفِيفِ السَّفِينَةِ أنَّ القُرْعَةَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَيُطْرَحُ بَعْضُهم تَخْفِيفًا، وهَذا فاسِدٌ، فَلا تُخَفَّفُ بِرَمْيِ بَعْضِ الرِّجالِ وإنَّما ذَلِكَ في الأمْوالِ، وإنَّما يَصْبِرُونَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ.
وكانَتْ في شَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا القُرْعَةُ جائِزَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ. وجاءَتِ القُرْعَةُ في شَرْعِنا عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ:
الأوَّلُ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها مَعَهُ» .
الثّانِي: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ في مَرَضِ مَوْتِهِ سِتَّةَ أعْبُدٍ لا مالَ لَهُ غَيْرُهم، فَأقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ (وهُما مُعادِلُ الثُّلُثِ) وأرَقَّ أرْبَعَةً» .
الثّالِثُ: «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ في مَوارِيثَ دُرِسَتْ، فَقالَ: اذْهَبا وتَوَخَّيا الحَقَّ واسْتَهِما ولْيُحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ» .
واخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في القُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجاتِ عِنْدَ الغَزْوِ عَلى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنهُما الِاقْتِراعُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لا يُمْكِنُ، واخْتِيارُ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إيثارٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القُرْعَةُ.
وقالَ القَرافِيُّ في الفِرَقِ ٢٤٠: مَتى تَعَيَّنَتِ المَصْلَحَةُ أوِ الحَقُّ في جِهَةٍ لا يَجُوزُ الِاقْتِراعُ لِأنَّ في القُرْعَةِ ضَياعَ الحَقِّ، ومَتى تَساوَتِ الحُقُوقُ أوِ المَصالِحُ فَهَذا مَوْضِعُ القُرْعَةِ دَفْعا لِلضَّغائِنِ، فَهي مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ الخُلَفاءِ إذا اسْتَوَتْ فِيهِمُ الأهْلِيَّةُ لِلْوِلايَةِ، والأيِمَّةِ، والمُؤَذِّنِينَ، إذا اسْتَوَوْا، والتَّقَدُّمُ لِلصَّفِّ الأوَّلِ عِنْدَ الِازْدِحامِ، وتَغْسِيلُ الأمْواتِ عِنْدَ تَزاحُمِ الأوْلِياءِ وتُساوِيهِمْ، وبَيْنَ الحاضِناتِ، والزَّوْجاتِ في السَّفَرِ
صفحة ١٧٦
والقِسْمَةُ، والخُصُومُ عِنْدَ الحُكّامِ، في عِتْقِ العَبِيدِ إذا أوْصى بِعِتْقِهِمْ في المَرَضِ ولَمْ يُحَمِّلَهُمُ الثُّلُثَ. وقالَهُ الشّافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجُوزُ القُرْعَةُ (بَيْنَهم) . ويُعْتَقُ مِن كُلِّ واحِدٍ ثُلُثُهُ ويُسْتَسْعى في قِيمَتِهِ ووافَقَ في قِيمَةِ الأرْضِ. قالَ: والحَقُّ عِنْدِي أنَّها تَجْرِي في كُلِّ مُشْكِلٍ اهـ.
قُلْتُ: وفي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ أنَّهُ لَمّا اقْتَرَعَتِ الأنْصارُ عَلى سُكْنى المُهاجِرِينَ وقَعَ في سَهْمِهِمْ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ الحَدِيثَ.
وقالَ الجَصّاصُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الأغْمارِ في إيجابِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ المَرِيضُ. وذَلِكَ إغْفالٌ مِنهُ لِأنَّ يُونُسَ ساهَمَ في طَرْحِهِ في البَحْرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقَهاءِ كَما لا تَجُوزُ القُرْعَةُ في قَتْلِ مَن خَرَجَتْ عَلَيْهِ وفي أخْذِ مالِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ فِيهِ.
وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ”ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِإلْقاءِ الأقْلامِ في كَفالَةِ مَرْيَمَ عَلى جَوازِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ الرَّجُلُ في مَرَضِهِ ثُمَّ يَمُوتُ ولا مالَ لَهُ غَيْرُهم، ولَيْسَ هَذا (أيْ إلْقاءُ الأقْلامِ) مِن عِتْقِ العَبِيدِ في شَيْءٍ لِأنَّ الرِّضى بِكَفالَةِ الواحِدِ مِنهم مَرْيَمَ جائِزٌ في مِثْلِهِ، ولا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى اسْتِرْقاقِ مَن حَصَلَتْ لَهُ الحُرِّيَّةُ، وقَدْ كانَ عِتْقُ المَيِّتِ نافِذًا في الجَمِيعِ فَلا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالقُرْعَةِ عَنْ أحَدٍ مِنهم إلى غَيْرِهِ كَما لا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ.
والإدْحاضُ: جَعْلُ المَرْءِ داحِضًا، أيْ: زالِقًا غَيْرَ ثابِتِ الرِّجْلَيْنِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْخُسْرانِ والمَغْلُوبِيَّةِ.
والِالتِقامُ: البَلْعُ. والحُوتُ الَّذِي التَقَمَهُ: حُوتٌ عَظِيمٌ يَبْتَلِعُ الأشْياءَ ولا يَعَضُّ بِأسْنانِهِ، ويُقالُ: إنَّهُ الحُوتُ الَّذِي يُسَمّى“ بالَيْنُ ”بِالإفْرِنْجِيَّةِ.
والمُلِيمُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن ألامَ، إذا فَعَلَ ما يَلُومُهُ عَلَيْهِ النّاسُ لِأنَّهُ جَعَلَهم لائِمِينَ فَهو ألامَهم عَلى نَفْسِهِ.
وكانَ غَرَقُهُ في البَحْرِ المُسَمّى بَحْرَ الرُّومِ وهو الَّذِي نُسَمِّيهِ البَحْرَ الأبْيَضَ المُتَوَسِّطَ، ولَمْ يَكُنْ بِنَهْرِ دِجْلَةَ كَما غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
صفحة ١٧٧
وكانَ مِنَ المَسَبِّحِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَأنْجاهُ اللَّهُ بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِ وتَوْبَتِهِ فَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ إلى البَرِّ بَعْدَ أنْ مَكَثَ في جَوْفِ الحُوتِ ثَلاثَ لَيالٍ، وقِيلَ: يَوْمًا ولَيْلَةً، وقِيلَ: بِضْعَ ساعاتٍ.
ومَعْنى قَوْلِهِ“ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " التَّأْبِيدُ بِأنْ يُمِيتَ اللَّهُ الحُوتَ حِينَ ابْتِلاعِهِ ويُبْقِيَهُما في قَعْرِ البَحْرِ، أوْ بِأنْ يُخْتَطَفَ الحُوتُ في حَجَرٍ في البَحْرِ أوْ نَحْوِهُ فَلا يَطْفُو عَلى الماءِ حَتّى يُبْعَثَ يُونُسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَعْرِ البَحْرِ.
الصافات 37:143
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهْوَ مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يُونُسُ هو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ آمِتايَ، وهو مِن أهْلِ فِلَسْطِينَ، وهو مِن أنْبِياءِ إسْرائِيلَ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ ( نِينَوى) وكانَتْ نِينَوى مَدِينَةً عَظِيمَةً مِن بِلادِ الآشُورِيِّينَ، وكانَ بِها أسْرى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِأيْدِي الآشُورِيِّينَ وكانُوا زُهاءَ مِائَةِ ألْفٍ بَقَوْا بَعْدَ (دانْيالَ)، وكانَ يُونُسُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ قَوْمِهِ في الأنْعامِ وسُورَةِ يُونُسَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“، وإنَّما وُقِّتَتْ رِسالَتُهُ بِالزَّمَنِ الَّذِي أبَقَ فِيهِ إلى الفُلْكِ لِأنَّ فِعْلَتَهُ تِلْكَ كانَتْ عِنْدَما أمَرَهُ اللَّهُ بِالذَّهابِ إلى نِينَوى لِإبْلاغِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ انْحَرَفُوا عَنْ شَرِيعَتِهِمْ.
فَحِينَما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ عَظُمَ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ فَخَرَجَ مِن بَلَدِهِ وقَصَدَ مَرْسى (يافا) لِيَذْهَبَ إلى مَدِينَةِ (تَرْشِيشَ) وهي طَرْطُوسِيَّةٌ عَلى شاطِئِ بِلادِ الشّامِ، فَهالَ
صفحة ١٧٣
البَحْرُ حَتّى اضْطَرَّ أهْلُ السَّفِينَةِ إلى تَخْفِيفِ عَدَدِ رُكّابِها فاسْتَهَمُوا عَلى مَن يَطْرَحُونَهُ مِن سَفِينَتِهِمْ في البَحْرِ، فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خَرَجَ سَهْمُ إلْقائِهِ في البَحْرِ فالتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ، وجَرَتْ قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا كانَ هُرُوبُهُ مِن كُلْفَةِ الرِّسالَةِ مُقارِنًا لِإرْسالِهِ وُقِّتَ بِكَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
و”أبَقَ“ مَصْدَرُهُ إباقٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الباءِ وهو فِرارُ العَبْدِ مِن مالِكِهِ. وفِعْلُهُ كَضَرَبَ وسَمِعَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّ يُونُسَ هَرَبَ مِنَ البَلَدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ فِيهِ قاصِدًا بَلَدًا آخَرَ تَخَلُّصًا مِن إبْلاغِ رِسالَةِ اللَّهِ إلى أهْلِ نِينَوى، ولَعَلَّهُ خافَ بَأْسَهم واتَّهَمَ صَبْرَ نَفْسِهِ عَلى أذاهُمُ المُتَوَقَّعِ لِأنَّهم كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ في حِمايَةِ الآشُورِيِّينَ.
فَفِعْلُ أبَقَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَتْ حالَةَ خُرُوجِهِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي كَلَّفَهُ رَبُّهُ فِيهِ بِالرِّسالَةِ تَباعُدًا مِن كُلْفَةِ رَبِّهِ بِإباقِ العَبْدِ مِن سَيِّدِهِ الَّذِي كَلَّفَهُ عَمَلًا.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِالرّاكِبِينَ، وتَقَدَّمَ مَعْناهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
وساهَمَ: قارَعَ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ السَّهْمِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِالسِّهامِ وهي أعْوادُ النِّبالِ وتُسَمّى الأزْلامَ.
وتَفْرِيعُ ”فَساهَمَ“ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ تَقْدِيرُها: فَهالَ البَحْرُ وخافَ الرّاكِبُونَ الغَرَقَ فَساهَمَ. وهَذا نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، والمَذْكُورُ في كِتابِ يُونانَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ: أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِ قُرْعَةً لِنَعْرِفَ مَن هو سَبَبُ هَذِهِ البَلِيَّةِ فَألْقَوْا قُرْعَةً فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ القُرْعَةَ خَرَجَتْ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى يُونُسَ.
وسُنَّةُ الِاقْتِراعِ في أسْفارِ البَحْرِ كانَتْ مُتَّبَعَةً عِنْدَ الأقْدَمِينَ إذا ثَقُلَتِ السَّفِينَةُ بِوَفْرَةِ الرّاكِبِينَ أوْ كَثْرَةِ المَتاعِ. وفِيها قِصَّةُ الحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَها الصَّفَدَيُّ في شَرْحِ الطُّغْرائِيَّةِ: أنَّ بَعْضَ الأصْحابِ يَدَّعِي أنَّ مَرْكَبًا فِيهِ مُسْلِمُونَ وكُفّارٌ
صفحة ١٧٤
أشْرَفَ عَلى الغَرَقِ وأرادُوا أنْ يَرْمُوا بَعْضَهم إلى البَحْرِ لِيَخِفَّ المَرْكَبُ فَيَنْجُوَ بَعْضُهم ويَسْلَمَ المَرْكَبُ فَقالُوا: نَقْتَرِعُ فَمَن وقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ ألْقَيْناهُ. فَنَظَرَ رَئِيسُ المَرْكَبِ إلَيْهِمْ وهم جالِسُونَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ فَقالَ: لَيْسَ هَذا حُكْمًا مُرْضِيًا، وإنَّما نَعُدُّ الجَماعَةَ فَمَن كانَ تاسِعًا ألْقَيْناهُ فارْتَضَوْا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَعُدُّهم ويُلْقِي التّاسِعَ فالتّاسِعَ إلى أنْ ألْقى الكُفّارَ وسَلِمَ المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ صُورَةُ ذَلِكَ (وصَوَّرَ دائِرَةً فِيها عَلاماتٌ حُمْرٌ وعَلاماتٌ سُودٌ، فالحُمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ ومِنهُمُ ابْتِداءُ العَدِّ وهو إلى جِهَةِ الشِّمالِ) قالَ: ولَقَدْ ذَكَرْتُها لِنُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إسْماعِيلَ الصَّفَدِيِّ فَأعْجَبَتْهُ وقالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِحِفْظِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: الضّابِطُ في هَذا البَيْتِ تَجْعَلُ حُرُوفَهَ المُعْجَمَةَ لِلْكُفّارِ والمُهْمَلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وهو:
اللَّهُ يَقْضِي بِكُلِّ يُسْرٍ ويَرْزَقُ الضَّيْفَ حَيْثُ كانا
اهـ وكانَتِ القُرْعَةُ طَرِيقًا مِن طُرُقِ القَضاءِ عِنْدَ التِباسِ الحَقِّ أوْ عِنْدَ اسْتِواءِ عَدَدٍ في اسْتِحْقاقِ شَيْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وهي طَرِيقَةٌ إقْناعِيَّةٌ كانَ البَشَرُ يَصِيرُونَ إلَيْها لِفَصْلِ التَّنازُعِ، يَزْعُمُونَ أنَّها دالَّةٌ عَلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الأُمَمِ المُتَدَيِّنَةِ، أوْ إرادَةِ الأصْنامِ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ الأصْنامَ تَمْيِيزَ صاحِبِ الحَقِّ عِنْدَ التَّنازُعِ.
ولَعَلَّها مِن مُخْتَرَعاتِ الكَهَنَةِ وسَدَنَةِ الأصْنامِ. فَلَمّا شاعَتْ في البَشَرِ أقَرَّتْها الشَّرائِعُ لِما فِيها مِن قَطْعِ الخِصامِ والقِتالِ، ولَكِنَّ الشَّرائِعَ الحَقَّ لَمّا أقَرَّتْها اقْتَصَدَتْ في اسْتِعْمالِها بِحَيْثُ لا يُصارُ إلَيْها إلّا عِنْدَ التَّساوِي في الحَقِّ وفُقْدانِ المُرَجِّحِ الَّذِي هو مُؤَثِّرٌ في نَوْعِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهي مِن بَقايا الأوْهامِ. وقَدِ اقْتَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ في اعْتِبارِها عَلى أقَلِّ ما تُعْتَبَرُ فِيهِ، مِثْلَ تَعْيِينِ أحَدِ الأقْسامِ المُتَساوِيَةِ لِأحَدِ المُتَقاسِمِينَ إذْ تَشاحُّوا في أحَدِها. قالَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: ”والقُرْعَةُ إنَّما جُعِلَتْ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِ المُتَقاسِمِينَ، وأصْلُها قائِمٌ في كِتابِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ يُونُسَ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾“ .
وعِنْدِي: أنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ في الفَصْلِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ لِأنَّها لَمْ تَحْكِ شَرْعًا صَحِيحًا كانَ قَبْلَ الإسْلامِ إذْ لا يُعْرَفُ دِينُ أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أجْرَوُا الِاسْتِهامَ عَلى يُونُسَ، عَلى أنَّ ما أُجْرِيَ الِاسْتِهامُ عَلَيْهِ قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ
صفحة ١٧٥
عَلى أنَّهُ لا يَجْرِي في مِثْلِهِ اسْتِهامٌ. فَلَوْ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبِلْنا فَقَدْ نَسَخَهُ إجْماعُ عُلَماءِ أُمَّتِنا.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الِاقْتِراعُ عَلى إلْقاءِ الآدَمِيِّ في البَحْرِ لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ المُسْلِمُ ؟ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ فِيمَن كانَ عاصِيًا أنْ يُقْتَلَ ولا يُرْمى بِهِ في النّارِ والبَحْرِ. وإنَّما تَجْرِي عَلَيْهِ الحُدُودُ والتَّعْزِيزُ عَلى مِقْدارِ جِنايَتِهِ. وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ البَحْرَ إذا هالَ عَلى القَوْمِ فاضْطَرُّوا إلى تَخْفِيفِ السَّفِينَةِ أنَّ القُرْعَةَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَيُطْرَحُ بَعْضُهم تَخْفِيفًا، وهَذا فاسِدٌ، فَلا تُخَفَّفُ بِرَمْيِ بَعْضِ الرِّجالِ وإنَّما ذَلِكَ في الأمْوالِ، وإنَّما يَصْبِرُونَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ.
وكانَتْ في شَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا القُرْعَةُ جائِزَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ. وجاءَتِ القُرْعَةُ في شَرْعِنا عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ:
الأوَّلُ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها مَعَهُ» .
الثّانِي: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ في مَرَضِ مَوْتِهِ سِتَّةَ أعْبُدٍ لا مالَ لَهُ غَيْرُهم، فَأقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ (وهُما مُعادِلُ الثُّلُثِ) وأرَقَّ أرْبَعَةً» .
الثّالِثُ: «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ في مَوارِيثَ دُرِسَتْ، فَقالَ: اذْهَبا وتَوَخَّيا الحَقَّ واسْتَهِما ولْيُحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ» .
واخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في القُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجاتِ عِنْدَ الغَزْوِ عَلى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنهُما الِاقْتِراعُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لا يُمْكِنُ، واخْتِيارُ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إيثارٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القُرْعَةُ.
وقالَ القَرافِيُّ في الفِرَقِ ٢٤٠: مَتى تَعَيَّنَتِ المَصْلَحَةُ أوِ الحَقُّ في جِهَةٍ لا يَجُوزُ الِاقْتِراعُ لِأنَّ في القُرْعَةِ ضَياعَ الحَقِّ، ومَتى تَساوَتِ الحُقُوقُ أوِ المَصالِحُ فَهَذا مَوْضِعُ القُرْعَةِ دَفْعا لِلضَّغائِنِ، فَهي مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ الخُلَفاءِ إذا اسْتَوَتْ فِيهِمُ الأهْلِيَّةُ لِلْوِلايَةِ، والأيِمَّةِ، والمُؤَذِّنِينَ، إذا اسْتَوَوْا، والتَّقَدُّمُ لِلصَّفِّ الأوَّلِ عِنْدَ الِازْدِحامِ، وتَغْسِيلُ الأمْواتِ عِنْدَ تَزاحُمِ الأوْلِياءِ وتُساوِيهِمْ، وبَيْنَ الحاضِناتِ، والزَّوْجاتِ في السَّفَرِ
صفحة ١٧٦
والقِسْمَةُ، والخُصُومُ عِنْدَ الحُكّامِ، في عِتْقِ العَبِيدِ إذا أوْصى بِعِتْقِهِمْ في المَرَضِ ولَمْ يُحَمِّلَهُمُ الثُّلُثَ. وقالَهُ الشّافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجُوزُ القُرْعَةُ (بَيْنَهم) . ويُعْتَقُ مِن كُلِّ واحِدٍ ثُلُثُهُ ويُسْتَسْعى في قِيمَتِهِ ووافَقَ في قِيمَةِ الأرْضِ. قالَ: والحَقُّ عِنْدِي أنَّها تَجْرِي في كُلِّ مُشْكِلٍ اهـ.
قُلْتُ: وفي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ أنَّهُ لَمّا اقْتَرَعَتِ الأنْصارُ عَلى سُكْنى المُهاجِرِينَ وقَعَ في سَهْمِهِمْ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ الحَدِيثَ.
وقالَ الجَصّاصُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الأغْمارِ في إيجابِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ المَرِيضُ. وذَلِكَ إغْفالٌ مِنهُ لِأنَّ يُونُسَ ساهَمَ في طَرْحِهِ في البَحْرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقَهاءِ كَما لا تَجُوزُ القُرْعَةُ في قَتْلِ مَن خَرَجَتْ عَلَيْهِ وفي أخْذِ مالِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ فِيهِ.
وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ”ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِإلْقاءِ الأقْلامِ في كَفالَةِ مَرْيَمَ عَلى جَوازِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ الرَّجُلُ في مَرَضِهِ ثُمَّ يَمُوتُ ولا مالَ لَهُ غَيْرُهم، ولَيْسَ هَذا (أيْ إلْقاءُ الأقْلامِ) مِن عِتْقِ العَبِيدِ في شَيْءٍ لِأنَّ الرِّضى بِكَفالَةِ الواحِدِ مِنهم مَرْيَمَ جائِزٌ في مِثْلِهِ، ولا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى اسْتِرْقاقِ مَن حَصَلَتْ لَهُ الحُرِّيَّةُ، وقَدْ كانَ عِتْقُ المَيِّتِ نافِذًا في الجَمِيعِ فَلا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالقُرْعَةِ عَنْ أحَدٍ مِنهم إلى غَيْرِهِ كَما لا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ.
والإدْحاضُ: جَعْلُ المَرْءِ داحِضًا، أيْ: زالِقًا غَيْرَ ثابِتِ الرِّجْلَيْنِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْخُسْرانِ والمَغْلُوبِيَّةِ.
والِالتِقامُ: البَلْعُ. والحُوتُ الَّذِي التَقَمَهُ: حُوتٌ عَظِيمٌ يَبْتَلِعُ الأشْياءَ ولا يَعَضُّ بِأسْنانِهِ، ويُقالُ: إنَّهُ الحُوتُ الَّذِي يُسَمّى“ بالَيْنُ ”بِالإفْرِنْجِيَّةِ.
والمُلِيمُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن ألامَ، إذا فَعَلَ ما يَلُومُهُ عَلَيْهِ النّاسُ لِأنَّهُ جَعَلَهم لائِمِينَ فَهو ألامَهم عَلى نَفْسِهِ.
وكانَ غَرَقُهُ في البَحْرِ المُسَمّى بَحْرَ الرُّومِ وهو الَّذِي نُسَمِّيهِ البَحْرَ الأبْيَضَ المُتَوَسِّطَ، ولَمْ يَكُنْ بِنَهْرِ دِجْلَةَ كَما غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
صفحة ١٧٧
وكانَ مِنَ المَسَبِّحِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَأنْجاهُ اللَّهُ بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِ وتَوْبَتِهِ فَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ إلى البَرِّ بَعْدَ أنْ مَكَثَ في جَوْفِ الحُوتِ ثَلاثَ لَيالٍ، وقِيلَ: يَوْمًا ولَيْلَةً، وقِيلَ: بِضْعَ ساعاتٍ.
ومَعْنى قَوْلِهِ“ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " التَّأْبِيدُ بِأنْ يُمِيتَ اللَّهُ الحُوتَ حِينَ ابْتِلاعِهِ ويُبْقِيَهُما في قَعْرِ البَحْرِ، أوْ بِأنْ يُخْتَطَفَ الحُوتُ في حَجَرٍ في البَحْرِ أوْ نَحْوِهُ فَلا يَطْفُو عَلى الماءِ حَتّى يُبْعَثَ يُونُسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَعْرِ البَحْرِ.
الصافات 37:144
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهْوَ مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يُونُسُ هو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ آمِتايَ، وهو مِن أهْلِ فِلَسْطِينَ، وهو مِن أنْبِياءِ إسْرائِيلَ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ ( نِينَوى) وكانَتْ نِينَوى مَدِينَةً عَظِيمَةً مِن بِلادِ الآشُورِيِّينَ، وكانَ بِها أسْرى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِأيْدِي الآشُورِيِّينَ وكانُوا زُهاءَ مِائَةِ ألْفٍ بَقَوْا بَعْدَ (دانْيالَ)، وكانَ يُونُسُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وذِكْرُ قَوْمِهِ في الأنْعامِ وسُورَةِ يُونُسَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”المُرْسَلِينَ“، وإنَّما وُقِّتَتْ رِسالَتُهُ بِالزَّمَنِ الَّذِي أبَقَ فِيهِ إلى الفُلْكِ لِأنَّ فِعْلَتَهُ تِلْكَ كانَتْ عِنْدَما أمَرَهُ اللَّهُ بِالذَّهابِ إلى نِينَوى لِإبْلاغِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ انْحَرَفُوا عَنْ شَرِيعَتِهِمْ.
فَحِينَما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ عَظُمَ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ فَخَرَجَ مِن بَلَدِهِ وقَصَدَ مَرْسى (يافا) لِيَذْهَبَ إلى مَدِينَةِ (تَرْشِيشَ) وهي طَرْطُوسِيَّةٌ عَلى شاطِئِ بِلادِ الشّامِ، فَهالَ
صفحة ١٧٣
البَحْرُ حَتّى اضْطَرَّ أهْلُ السَّفِينَةِ إلى تَخْفِيفِ عَدَدِ رُكّابِها فاسْتَهَمُوا عَلى مَن يَطْرَحُونَهُ مِن سَفِينَتِهِمْ في البَحْرِ، فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خَرَجَ سَهْمُ إلْقائِهِ في البَحْرِ فالتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ، وجَرَتْ قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا كانَ هُرُوبُهُ مِن كُلْفَةِ الرِّسالَةِ مُقارِنًا لِإرْسالِهِ وُقِّتَ بِكَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
و”أبَقَ“ مَصْدَرُهُ إباقٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الباءِ وهو فِرارُ العَبْدِ مِن مالِكِهِ. وفِعْلُهُ كَضَرَبَ وسَمِعَ.
والمُرادُ هُنا: أنَّ يُونُسَ هَرَبَ مِنَ البَلَدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ فِيهِ قاصِدًا بَلَدًا آخَرَ تَخَلُّصًا مِن إبْلاغِ رِسالَةِ اللَّهِ إلى أهْلِ نِينَوى، ولَعَلَّهُ خافَ بَأْسَهم واتَّهَمَ صَبْرَ نَفْسِهِ عَلى أذاهُمُ المُتَوَقَّعِ لِأنَّهم كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ في حِمايَةِ الآشُورِيِّينَ.
فَفِعْلُ أبَقَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَتْ حالَةَ خُرُوجِهِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي كَلَّفَهُ رَبُّهُ فِيهِ بِالرِّسالَةِ تَباعُدًا مِن كُلْفَةِ رَبِّهِ بِإباقِ العَبْدِ مِن سَيِّدِهِ الَّذِي كَلَّفَهُ عَمَلًا.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِالرّاكِبِينَ، وتَقَدَّمَ مَعْناهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
وساهَمَ: قارَعَ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ السَّهْمِ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِالسِّهامِ وهي أعْوادُ النِّبالِ وتُسَمّى الأزْلامَ.
وتَفْرِيعُ ”فَساهَمَ“ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ تَقْدِيرُها: فَهالَ البَحْرُ وخافَ الرّاكِبُونَ الغَرَقَ فَساهَمَ. وهَذا نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، والمَذْكُورُ في كِتابِ يُونانَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ: أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِ قُرْعَةً لِنَعْرِفَ مَن هو سَبَبُ هَذِهِ البَلِيَّةِ فَألْقَوْا قُرْعَةً فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ القُرْعَةَ خَرَجَتْ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى يُونُسَ.
وسُنَّةُ الِاقْتِراعِ في أسْفارِ البَحْرِ كانَتْ مُتَّبَعَةً عِنْدَ الأقْدَمِينَ إذا ثَقُلَتِ السَّفِينَةُ بِوَفْرَةِ الرّاكِبِينَ أوْ كَثْرَةِ المَتاعِ. وفِيها قِصَّةُ الحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَها الصَّفَدَيُّ في شَرْحِ الطُّغْرائِيَّةِ: أنَّ بَعْضَ الأصْحابِ يَدَّعِي أنَّ مَرْكَبًا فِيهِ مُسْلِمُونَ وكُفّارٌ
صفحة ١٧٤
أشْرَفَ عَلى الغَرَقِ وأرادُوا أنْ يَرْمُوا بَعْضَهم إلى البَحْرِ لِيَخِفَّ المَرْكَبُ فَيَنْجُوَ بَعْضُهم ويَسْلَمَ المَرْكَبُ فَقالُوا: نَقْتَرِعُ فَمَن وقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ ألْقَيْناهُ. فَنَظَرَ رَئِيسُ المَرْكَبِ إلَيْهِمْ وهم جالِسُونَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ فَقالَ: لَيْسَ هَذا حُكْمًا مُرْضِيًا، وإنَّما نَعُدُّ الجَماعَةَ فَمَن كانَ تاسِعًا ألْقَيْناهُ فارْتَضَوْا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَعُدُّهم ويُلْقِي التّاسِعَ فالتّاسِعَ إلى أنْ ألْقى الكُفّارَ وسَلِمَ المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ صُورَةُ ذَلِكَ (وصَوَّرَ دائِرَةً فِيها عَلاماتٌ حُمْرٌ وعَلاماتٌ سُودٌ، فالحُمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ ومِنهُمُ ابْتِداءُ العَدِّ وهو إلى جِهَةِ الشِّمالِ) قالَ: ولَقَدْ ذَكَرْتُها لِنُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إسْماعِيلَ الصَّفَدِيِّ فَأعْجَبَتْهُ وقالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِحِفْظِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: الضّابِطُ في هَذا البَيْتِ تَجْعَلُ حُرُوفَهَ المُعْجَمَةَ لِلْكُفّارِ والمُهْمَلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وهو:
اللَّهُ يَقْضِي بِكُلِّ يُسْرٍ ويَرْزَقُ الضَّيْفَ حَيْثُ كانا
اهـ وكانَتِ القُرْعَةُ طَرِيقًا مِن طُرُقِ القَضاءِ عِنْدَ التِباسِ الحَقِّ أوْ عِنْدَ اسْتِواءِ عَدَدٍ في اسْتِحْقاقِ شَيْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وهي طَرِيقَةٌ إقْناعِيَّةٌ كانَ البَشَرُ يَصِيرُونَ إلَيْها لِفَصْلِ التَّنازُعِ، يَزْعُمُونَ أنَّها دالَّةٌ عَلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الأُمَمِ المُتَدَيِّنَةِ، أوْ إرادَةِ الأصْنامِ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي تَعْبُدُ الأصْنامَ تَمْيِيزَ صاحِبِ الحَقِّ عِنْدَ التَّنازُعِ.
ولَعَلَّها مِن مُخْتَرَعاتِ الكَهَنَةِ وسَدَنَةِ الأصْنامِ. فَلَمّا شاعَتْ في البَشَرِ أقَرَّتْها الشَّرائِعُ لِما فِيها مِن قَطْعِ الخِصامِ والقِتالِ، ولَكِنَّ الشَّرائِعَ الحَقَّ لَمّا أقَرَّتْها اقْتَصَدَتْ في اسْتِعْمالِها بِحَيْثُ لا يُصارُ إلَيْها إلّا عِنْدَ التَّساوِي في الحَقِّ وفُقْدانِ المُرَجِّحِ الَّذِي هو مُؤَثِّرٌ في نَوْعِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهي مِن بَقايا الأوْهامِ. وقَدِ اقْتَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ في اعْتِبارِها عَلى أقَلِّ ما تُعْتَبَرُ فِيهِ، مِثْلَ تَعْيِينِ أحَدِ الأقْسامِ المُتَساوِيَةِ لِأحَدِ المُتَقاسِمِينَ إذْ تَشاحُّوا في أحَدِها. قالَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: ”والقُرْعَةُ إنَّما جُعِلَتْ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِ المُتَقاسِمِينَ، وأصْلُها قائِمٌ في كِتابِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ يُونُسَ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾“ .
وعِنْدِي: أنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ في الفَصْلِ بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ لِأنَّها لَمْ تَحْكِ شَرْعًا صَحِيحًا كانَ قَبْلَ الإسْلامِ إذْ لا يُعْرَفُ دِينُ أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أجْرَوُا الِاسْتِهامَ عَلى يُونُسَ، عَلى أنَّ ما أُجْرِيَ الِاسْتِهامُ عَلَيْهِ قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ
صفحة ١٧٥
عَلى أنَّهُ لا يَجْرِي في مِثْلِهِ اسْتِهامٌ. فَلَوْ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبِلْنا فَقَدْ نَسَخَهُ إجْماعُ عُلَماءِ أُمَّتِنا.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: الِاقْتِراعُ عَلى إلْقاءِ الآدَمِيِّ في البَحْرِ لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ المُسْلِمُ ؟ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ فِيمَن كانَ عاصِيًا أنْ يُقْتَلَ ولا يُرْمى بِهِ في النّارِ والبَحْرِ. وإنَّما تَجْرِي عَلَيْهِ الحُدُودُ والتَّعْزِيزُ عَلى مِقْدارِ جِنايَتِهِ. وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ البَحْرَ إذا هالَ عَلى القَوْمِ فاضْطَرُّوا إلى تَخْفِيفِ السَّفِينَةِ أنَّ القُرْعَةَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ فَيُطْرَحُ بَعْضُهم تَخْفِيفًا، وهَذا فاسِدٌ، فَلا تُخَفَّفُ بِرَمْيِ بَعْضِ الرِّجالِ وإنَّما ذَلِكَ في الأمْوالِ، وإنَّما يَصْبِرُونَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ.
وكانَتْ في شَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا القُرْعَةُ جائِزَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ. وجاءَتِ القُرْعَةُ في شَرْعِنا عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ:
الأوَّلُ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها مَعَهُ» .
الثّانِي: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رُفِعَ إلَيْهِ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ في مَرَضِ مَوْتِهِ سِتَّةَ أعْبُدٍ لا مالَ لَهُ غَيْرُهم، فَأقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ (وهُما مُعادِلُ الثُّلُثِ) وأرَقَّ أرْبَعَةً» .
الثّالِثُ: «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ في مَوارِيثَ دُرِسَتْ، فَقالَ: اذْهَبا وتَوَخَّيا الحَقَّ واسْتَهِما ولْيُحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ» .
واخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في القُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجاتِ عِنْدَ الغَزْوِ عَلى قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنهُما الِاقْتِراعُ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لا يُمْكِنُ، واخْتِيارُ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إيثارٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القُرْعَةُ.
وقالَ القَرافِيُّ في الفِرَقِ ٢٤٠: مَتى تَعَيَّنَتِ المَصْلَحَةُ أوِ الحَقُّ في جِهَةٍ لا يَجُوزُ الِاقْتِراعُ لِأنَّ في القُرْعَةِ ضَياعَ الحَقِّ، ومَتى تَساوَتِ الحُقُوقُ أوِ المَصالِحُ فَهَذا مَوْضِعُ القُرْعَةِ دَفْعا لِلضَّغائِنِ، فَهي مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ الخُلَفاءِ إذا اسْتَوَتْ فِيهِمُ الأهْلِيَّةُ لِلْوِلايَةِ، والأيِمَّةِ، والمُؤَذِّنِينَ، إذا اسْتَوَوْا، والتَّقَدُّمُ لِلصَّفِّ الأوَّلِ عِنْدَ الِازْدِحامِ، وتَغْسِيلُ الأمْواتِ عِنْدَ تَزاحُمِ الأوْلِياءِ وتُساوِيهِمْ، وبَيْنَ الحاضِناتِ، والزَّوْجاتِ في السَّفَرِ
صفحة ١٧٦
والقِسْمَةُ، والخُصُومُ عِنْدَ الحُكّامِ، في عِتْقِ العَبِيدِ إذا أوْصى بِعِتْقِهِمْ في المَرَضِ ولَمْ يُحَمِّلَهُمُ الثُّلُثَ. وقالَهُ الشّافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تَجُوزُ القُرْعَةُ (بَيْنَهم) . ويُعْتَقُ مِن كُلِّ واحِدٍ ثُلُثُهُ ويُسْتَسْعى في قِيمَتِهِ ووافَقَ في قِيمَةِ الأرْضِ. قالَ: والحَقُّ عِنْدِي أنَّها تَجْرِي في كُلِّ مُشْكِلٍ اهـ.
قُلْتُ: وفي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ أنَّهُ لَمّا اقْتَرَعَتِ الأنْصارُ عَلى سُكْنى المُهاجِرِينَ وقَعَ في سَهْمِهِمْ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ الحَدِيثَ.
وقالَ الجَصّاصُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الأغْمارِ في إيجابِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ المَرِيضُ. وذَلِكَ إغْفالٌ مِنهُ لِأنَّ يُونُسَ ساهَمَ في طَرْحِهِ في البَحْرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقَهاءِ كَما لا تَجُوزُ القُرْعَةُ في قَتْلِ مَن خَرَجَتْ عَلَيْهِ وفي أخْذِ مالِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ فِيهِ.
وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ”ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِإلْقاءِ الأقْلامِ في كَفالَةِ مَرْيَمَ عَلى جَوازِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يَعْتِقُهُمُ الرَّجُلُ في مَرَضِهِ ثُمَّ يَمُوتُ ولا مالَ لَهُ غَيْرُهم، ولَيْسَ هَذا (أيْ إلْقاءُ الأقْلامِ) مِن عِتْقِ العَبِيدِ في شَيْءٍ لِأنَّ الرِّضى بِكَفالَةِ الواحِدِ مِنهم مَرْيَمَ جائِزٌ في مِثْلِهِ، ولا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى اسْتِرْقاقِ مَن حَصَلَتْ لَهُ الحُرِّيَّةُ، وقَدْ كانَ عِتْقُ المَيِّتِ نافِذًا في الجَمِيعِ فَلا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالقُرْعَةِ عَنْ أحَدٍ مِنهم إلى غَيْرِهِ كَما لا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ.
والإدْحاضُ: جَعْلُ المَرْءِ داحِضًا، أيْ: زالِقًا غَيْرَ ثابِتِ الرِّجْلَيْنِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْخُسْرانِ والمَغْلُوبِيَّةِ.
والِالتِقامُ: البَلْعُ. والحُوتُ الَّذِي التَقَمَهُ: حُوتٌ عَظِيمٌ يَبْتَلِعُ الأشْياءَ ولا يَعَضُّ بِأسْنانِهِ، ويُقالُ: إنَّهُ الحُوتُ الَّذِي يُسَمّى“ بالَيْنُ ”بِالإفْرِنْجِيَّةِ.
والمُلِيمُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن ألامَ، إذا فَعَلَ ما يَلُومُهُ عَلَيْهِ النّاسُ لِأنَّهُ جَعَلَهم لائِمِينَ فَهو ألامَهم عَلى نَفْسِهِ.
وكانَ غَرَقُهُ في البَحْرِ المُسَمّى بَحْرَ الرُّومِ وهو الَّذِي نُسَمِّيهِ البَحْرَ الأبْيَضَ المُتَوَسِّطَ، ولَمْ يَكُنْ بِنَهْرِ دِجْلَةَ كَما غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
صفحة ١٧٧
وكانَ مِنَ المَسَبِّحِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَأنْجاهُ اللَّهُ بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِ وتَوْبَتِهِ فَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ إلى البَرِّ بَعْدَ أنْ مَكَثَ في جَوْفِ الحُوتِ ثَلاثَ لَيالٍ، وقِيلَ: يَوْمًا ولَيْلَةً، وقِيلَ: بِضْعَ ساعاتٍ.
ومَعْنى قَوْلِهِ“ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " التَّأْبِيدُ بِأنْ يُمِيتَ اللَّهُ الحُوتَ حِينَ ابْتِلاعِهِ ويُبْقِيَهُما في قَعْرِ البَحْرِ، أوْ بِأنْ يُخْتَطَفَ الحُوتُ في حَجَرٍ في البَحْرِ أوْ نَحْوِهُ فَلا يَطْفُو عَلى الماءِ حَتّى يُبْعَثَ يُونُسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَعْرِ البَحْرِ.
الصافات 37:145
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهْوَ سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ لِأنَّها تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ. فالتَّقْدِيرُ: يُسَبِّحُ رَبَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ ونَجّاهُ، كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ. والمَعْنى: فَلَفَظَهُ الحُوتُ وقاءَهُ، وحَمَلَهُ المَوْجُ إلى الشّاطِئِ.
والنَّبْذُ: الإلْقاءُ، وأُسْنِدَ نَبْذُهُ إلى اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي سَخَّرَ الحُوتَ لِقَذْفِهِ مِن بَطْنِهِ إلى شاطِئٍ لا شَجَرَ فِيهِ.
والعَراءُ: الأرْضُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا ما يُغَطِّيها.
وكانَ يُونُسُ قَدْ خَرَجَ مِن بَطْنِ الحُوتِ سَقِيمًا لِأنَّ أمْعاءَ الحُوتِ أضَرَّتْ بِجِلْدِهِ بِحَرَكَتِها حَوْلَهُ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ نَزَعَ ثِيابَهُ عِنْدَما أُرِيدَ رَمْيُهُ في البَحْرِ لِيَخِفَّ لِلسِّباحَةِ، ولَعَلَّ اللَّهَ أصابَ الحُوتَ بِشِبْهِ الإغْماءِ فَتَعَطَّلَتْ حَرَكَةُ هَضْمِهِ تَعْطِيلًا ما فَبَقِيَ كالخَدِرِ لِئَلّا تَضُرَّ أمْعاؤُهُ لَحْمَ يُونُسَ.
وأنْبَتَ اللَّهُ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ لِتُظَلِّلَهُ وتَسْتُرَهُ. واليَقْطِينُ: الدُّبّاءُ وهي كَثِيرَةُ الوَرَقِ تَتَسَلَّقُ أغْصانُها في الشَّيْءِ المُرْتَفِعِ، فالظّاهِرُ أنَّ أغْصانَ اليَقْطِينَةِ تَسَلَّقَتْ عَلى جَسَدِ يُونُسَ فَكَسَتْهُ وأظَلَّتْهُ. واخْتِيرَ لَهُ اليَقْطِينُ لِيُمْكِنَ لَهُ أنْ يَقْتاتَ مِن غَلَّتِهِ
صفحة ١٧٨
فَيَصْلُحُ جَسَدُهُ لُطْفًا مِن رَبِّهِ بِهِ بَعْدَ أنْ أجْرى لَهُ حادِثًا لِتَأْدِيبِهِ، شَأْنُ الرَّبِّ مَعَ عَبِيدِهِ أنْ يُعْقِبَ الشِّدَّةَ بِاليُسْرِ.
وهَذا حَدَثٌ لَمْ يَعْهَدْ مَثِيلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ولِأجْلِهِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيِرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ»، إذْ لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أحَدًا آخَرَ إذْ لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ يَقُولَهُ أحَدٌ غَيْرُ الأنْبِياءِ.
والمَعْنى نَفْيُ الأخْيَرِيَّةِ في وصْفِ النُّبُوءَةِ، أيْ لا يَظُنَّنَّ أحَدٌ أنَّ فِعْلَةَ يُونُسَ تَسْلُبُ عَنْهُ النُّبُوءَةَ.
فَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ: «لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ»، أيْ في أصْلِ النُّبُوءَةِ لا في دَرَجاتِها فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقالَ: ”﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]“ .
واعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ يُونُسَ هُنا تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ فِيما يَلْقاهُ مَن ثِقَلِ الرِّسالَةِ، بِأنَّ ذَلِكَ قَدْ أثْقَلَ الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِ فَظَهَرَتْ مَرْتَبَةُ النَّبِيءِ ﷺ في صَبْرِهِ عَلى ذَلِكَ وعَدَمِ تَذَمُّرِهِ وإعْلامِ جَمِيعِ النّاسِ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمُداوَمَةِ الدَّعْوَةِ لِلدِّينِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَلُومُونَهُ عَلى إلْحاحِهِ عَلَيْهِمْ ودَعْوَتِهِ إيّاهم في مُخْتَلَفِ الأزْمانِ والأحْوالِ ويَقُولُونَ: لا تَغْشَنا في مَجالِسِنا، فَمَن جاءَكَ مِنّا فاسْمَعْهُ، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالاتِهِ﴾ [المائدة: ٦٧] . فَلِذِكْرِ قِصَّةِ يُونُسَ أثَرٌ مِن مَوْعِظَةِ التَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعَ فِيهِ مِن غَضَبِ رَبِّهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لِنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] .
ولْيَعْلَمِ النّاسُ أنَّ اللَّهَ إذا اصْطَفى أحَدًا لِلرِّسالَةِ لا يُرَخِّصُ لَهُ في الفُتُورِ عَنْها ولا يَنْسَخُ أمْرَهُ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ.
الصافات 37:146
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهْوَ سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ لِأنَّها تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ. فالتَّقْدِيرُ: يُسَبِّحُ رَبَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ ونَجّاهُ، كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ. والمَعْنى: فَلَفَظَهُ الحُوتُ وقاءَهُ، وحَمَلَهُ المَوْجُ إلى الشّاطِئِ.
والنَّبْذُ: الإلْقاءُ، وأُسْنِدَ نَبْذُهُ إلى اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي سَخَّرَ الحُوتَ لِقَذْفِهِ مِن بَطْنِهِ إلى شاطِئٍ لا شَجَرَ فِيهِ.
والعَراءُ: الأرْضُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا ما يُغَطِّيها.
وكانَ يُونُسُ قَدْ خَرَجَ مِن بَطْنِ الحُوتِ سَقِيمًا لِأنَّ أمْعاءَ الحُوتِ أضَرَّتْ بِجِلْدِهِ بِحَرَكَتِها حَوْلَهُ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ نَزَعَ ثِيابَهُ عِنْدَما أُرِيدَ رَمْيُهُ في البَحْرِ لِيَخِفَّ لِلسِّباحَةِ، ولَعَلَّ اللَّهَ أصابَ الحُوتَ بِشِبْهِ الإغْماءِ فَتَعَطَّلَتْ حَرَكَةُ هَضْمِهِ تَعْطِيلًا ما فَبَقِيَ كالخَدِرِ لِئَلّا تَضُرَّ أمْعاؤُهُ لَحْمَ يُونُسَ.
وأنْبَتَ اللَّهُ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ لِتُظَلِّلَهُ وتَسْتُرَهُ. واليَقْطِينُ: الدُّبّاءُ وهي كَثِيرَةُ الوَرَقِ تَتَسَلَّقُ أغْصانُها في الشَّيْءِ المُرْتَفِعِ، فالظّاهِرُ أنَّ أغْصانَ اليَقْطِينَةِ تَسَلَّقَتْ عَلى جَسَدِ يُونُسَ فَكَسَتْهُ وأظَلَّتْهُ. واخْتِيرَ لَهُ اليَقْطِينُ لِيُمْكِنَ لَهُ أنْ يَقْتاتَ مِن غَلَّتِهِ
صفحة ١٧٨
فَيَصْلُحُ جَسَدُهُ لُطْفًا مِن رَبِّهِ بِهِ بَعْدَ أنْ أجْرى لَهُ حادِثًا لِتَأْدِيبِهِ، شَأْنُ الرَّبِّ مَعَ عَبِيدِهِ أنْ يُعْقِبَ الشِّدَّةَ بِاليُسْرِ.
وهَذا حَدَثٌ لَمْ يَعْهَدْ مَثِيلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ولِأجْلِهِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيِرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ»، إذْ لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أحَدًا آخَرَ إذْ لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ يَقُولَهُ أحَدٌ غَيْرُ الأنْبِياءِ.
والمَعْنى نَفْيُ الأخْيَرِيَّةِ في وصْفِ النُّبُوءَةِ، أيْ لا يَظُنَّنَّ أحَدٌ أنَّ فِعْلَةَ يُونُسَ تَسْلُبُ عَنْهُ النُّبُوءَةَ.
فَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ: «لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ»، أيْ في أصْلِ النُّبُوءَةِ لا في دَرَجاتِها فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقالَ: ”﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]“ .
واعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ يُونُسَ هُنا تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ فِيما يَلْقاهُ مَن ثِقَلِ الرِّسالَةِ، بِأنَّ ذَلِكَ قَدْ أثْقَلَ الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِ فَظَهَرَتْ مَرْتَبَةُ النَّبِيءِ ﷺ في صَبْرِهِ عَلى ذَلِكَ وعَدَمِ تَذَمُّرِهِ وإعْلامِ جَمِيعِ النّاسِ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمُداوَمَةِ الدَّعْوَةِ لِلدِّينِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَلُومُونَهُ عَلى إلْحاحِهِ عَلَيْهِمْ ودَعْوَتِهِ إيّاهم في مُخْتَلَفِ الأزْمانِ والأحْوالِ ويَقُولُونَ: لا تَغْشَنا في مَجالِسِنا، فَمَن جاءَكَ مِنّا فاسْمَعْهُ، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالاتِهِ﴾ [المائدة: ٦٧] . فَلِذِكْرِ قِصَّةِ يُونُسَ أثَرٌ مِن مَوْعِظَةِ التَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعَ فِيهِ مِن غَضَبِ رَبِّهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لِنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] .
ولْيَعْلَمِ النّاسُ أنَّ اللَّهَ إذا اصْطَفى أحَدًا لِلرِّسالَةِ لا يُرَخِّصُ لَهُ في الفُتُورِ عَنْها ولا يَنْسَخُ أمْرَهُ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ.
الصافات 37:147
صفحة ١٧٩
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ظاهِرُ تَرْتِيبِ ذِكْرِ الإرْسالِ بَعْدَ الإنْجاءِ مِنَ الحُوتِ أنَّهُ إعادَةٌ لِإرْسالِهِ.
وهَذا هو مُقْتَضى ما في كِتابِ يُونُسَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ، إذْ وقَعَ في الإصْحاحِ الثّالِثِ ”ثُمَّ صارَ قَوْلُ الرَّبِّ إلى يُونُسَ ثانِيَةً: قُمِ اذْهَبْ إلى نِينَوى ونادِ لَها المُناداةَ الَّتِي أنا مُكَلِّمُكَ بِها.
والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ: اليَهُودُ القاطِنُونَ في نِينَوى في أسْرِ الآشُورِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ. والظّاهِرُ أنَّ الرَّسُولَ إذا بُعِثَ إلى قَوْمٍ مُخْتَلِطِينَ بِغَيْرِهِمْ أنْ تَعُمَّ رِسالَتُهُ جَمِيعَ الخَلْطِ لِأنَّ في تَمْيِيزِ البَعْضِ بِالدَّعْوَةِ تَقْرِيرًا لِكُفْرِ غَيْرِهِمْ. ولِهَذا لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَخْلِيصِ بَنِي إسْرائِيلَ دَعا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلى نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ المُقَدَّرَيْنِ بِمِائَةِ ألْفٍ هُمُ اليَهُودُ وأنَّ المَعْطُوفَيْنِ بِقَوْلِهِ“ أوْ يَزِيدُونَ ”هم بَقِيَّةُ سُكّانِ نِينَوى، وذُكِرَ في كِتابِ يُونُسَ أنَّ دَعْوَةَ يُونُسَ لَمّا بَلَغَتْ مَلِكَ نِينَوى قامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وخَلَعَ رِداءَهُ ولَبِسَ مَسْحًا وأمَرَ أهْلَ مَدِينَتِهِ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ، إلَخْ. ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ يُونُسَ دَعا غَيْرَ أهْلِ نِينَوى مِن بِلادِ أشُورَ مَعَ سَعَتِها.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى“ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ”قالَ:“ عِشْرُونَ ألْفًا» ”. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
فَحَرْفُ (أوْ) في قَوْلِهِ“ أوْ يَزِيدُونَ ”بِمَعْنى (بَلْ) عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ واخْتِيارِ الفَرّاءِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وابْنِ جِنِّيِّ وابْنِ بُرْهانَ. واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ جَرِيرٍ:
ماذا تَرى في عِيالٍ قَدْ بَرَمْتَ بِهِمْ لَمْ أُحْصِ عِدَّتَهم إلّا بّعَدّادِ
كانُوا ثَمانِينَ أوْ زادُوا ثَمانِيَةً ∗∗∗ لَوْلا رَجاؤُكَ قَدْ قَتَّلْتَ أوْلادِي
والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ إلّا بِشَرْطَيْنِ أنْ يَتَقَدَّمَها نَفْيٌ أوْ نَهْيٌ وأنْ يُعادَ
صفحة ١٨٠
العامِلُ، وتَأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ، والمَعْنى إذا رَآهُمُ الرّائِي تَخَيَّرَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ: هم مِائَةُ ألْفٍ، أوْ يَقُولَ: يَزِيدُونَ.
ويُرَجِّحُهُ أنَّ المَعْطُوفَ بِ (أوْ) غَيْرُ مُفْرَدٍ بَلْ هو كَلامٌ مُبِينٌ ناسَبَ أنْ يَكُونَ الحَرْفُ لِلْإضْرابِ.
والفاءُ في“ فَآمَنُوا " لِلتَّعْقِيبِ العُرْفِيِّ لِأنَّ يُونُسَ لَمّا أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ودَعاهُمُ امْتَنَعُوا في أوَّلِ الأمْرِ فَأخْبَرَهم بِوَعِيدٍ بِهَلاكِهِمْ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ خافُوا فَآمَنُوا، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] .
الصافات 37:148
صفحة ١٧٩
﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ظاهِرُ تَرْتِيبِ ذِكْرِ الإرْسالِ بَعْدَ الإنْجاءِ مِنَ الحُوتِ أنَّهُ إعادَةٌ لِإرْسالِهِ.
وهَذا هو مُقْتَضى ما في كِتابِ يُونُسَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ، إذْ وقَعَ في الإصْحاحِ الثّالِثِ ”ثُمَّ صارَ قَوْلُ الرَّبِّ إلى يُونُسَ ثانِيَةً: قُمِ اذْهَبْ إلى نِينَوى ونادِ لَها المُناداةَ الَّتِي أنا مُكَلِّمُكَ بِها.
والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ: اليَهُودُ القاطِنُونَ في نِينَوى في أسْرِ الآشُورِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ. والظّاهِرُ أنَّ الرَّسُولَ إذا بُعِثَ إلى قَوْمٍ مُخْتَلِطِينَ بِغَيْرِهِمْ أنْ تَعُمَّ رِسالَتُهُ جَمِيعَ الخَلْطِ لِأنَّ في تَمْيِيزِ البَعْضِ بِالدَّعْوَةِ تَقْرِيرًا لِكُفْرِ غَيْرِهِمْ. ولِهَذا لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَخْلِيصِ بَنِي إسْرائِيلَ دَعا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلى نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ المُقَدَّرَيْنِ بِمِائَةِ ألْفٍ هُمُ اليَهُودُ وأنَّ المَعْطُوفَيْنِ بِقَوْلِهِ“ أوْ يَزِيدُونَ ”هم بَقِيَّةُ سُكّانِ نِينَوى، وذُكِرَ في كِتابِ يُونُسَ أنَّ دَعْوَةَ يُونُسَ لَمّا بَلَغَتْ مَلِكَ نِينَوى قامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وخَلَعَ رِداءَهُ ولَبِسَ مَسْحًا وأمَرَ أهْلَ مَدِينَتِهِ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ، إلَخْ. ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ يُونُسَ دَعا غَيْرَ أهْلِ نِينَوى مِن بِلادِ أشُورَ مَعَ سَعَتِها.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى“ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ”قالَ:“ عِشْرُونَ ألْفًا» ”. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
فَحَرْفُ (أوْ) في قَوْلِهِ“ أوْ يَزِيدُونَ ”بِمَعْنى (بَلْ) عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ واخْتِيارِ الفَرّاءِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وابْنِ جِنِّيِّ وابْنِ بُرْهانَ. واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ جَرِيرٍ:
ماذا تَرى في عِيالٍ قَدْ بَرَمْتَ بِهِمْ لَمْ أُحْصِ عِدَّتَهم إلّا بّعَدّادِ
كانُوا ثَمانِينَ أوْ زادُوا ثَمانِيَةً ∗∗∗ لَوْلا رَجاؤُكَ قَدْ قَتَّلْتَ أوْلادِي
والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ إلّا بِشَرْطَيْنِ أنْ يَتَقَدَّمَها نَفْيٌ أوْ نَهْيٌ وأنْ يُعادَ
صفحة ١٨٠
العامِلُ، وتَأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ، والمَعْنى إذا رَآهُمُ الرّائِي تَخَيَّرَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ: هم مِائَةُ ألْفٍ، أوْ يَقُولَ: يَزِيدُونَ.
ويُرَجِّحُهُ أنَّ المَعْطُوفَ بِ (أوْ) غَيْرُ مُفْرَدٍ بَلْ هو كَلامٌ مُبِينٌ ناسَبَ أنْ يَكُونَ الحَرْفُ لِلْإضْرابِ.
والفاءُ في“ فَآمَنُوا " لِلتَّعْقِيبِ العُرْفِيِّ لِأنَّ يُونُسَ لَمّا أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ودَعاهُمُ امْتَنَعُوا في أوَّلِ الأمْرِ فَأخْبَرَهم بِوَعِيدٍ بِهَلاكِهِمْ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ خافُوا فَآمَنُوا، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] .
الصافات 37:149
﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الإنْكارِ عَلى المُشْرِكِينَ وإبْطالِ دَعاوِيهِمْ، وضَرَبَ الأمْثالَ لَهم بِنُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ فَفَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرَ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِإبْطالِ ما نَسَبَهُ المُشْرِكُونَ إلى اللَّهِ مِنَ الوَلَدِ.
فَضَمِيرُ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ”فاسْتَفْتِهِمْ“ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ يُعْلَمُ مِنَ المَقامِ، مِثْلَ نَظِيرِهِ السّابِقِ في قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمَّنْ خَلَقْنا﴾ [الصافات: ١١] . والمُرادُ: التَّهَكُّمُ عَلَيْهِمْ بِصُورَةِ الِاسْتِفْتاءِ، إذْ يَقُولُونَ: وُلَدَ اللَّهُ، عَلى أنَّهم قَسَّمُوا قِسْمَةً ضِيزى حَيْثُ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ، وهم يَرْغَبُونَ في الأبْناءِ الذُّكُورِ ويَكْرَهُونَ الإناثَ، فَجَعَلُوا لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ.
وقَدْ جاءُوا في مَقالِهِمْ هَذا بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ:
أحَدُها: أنَّهم أثْبَتُوا التَّجْسِيمَ لِلَّهِ لِأنَّ الوِلادَةَ مِن أحْوالِ الأجْسامِ.
الثّانِي: إيثارُ أنْفُسِهِمْ بِالأفْضَلِ وجَعْلُهم لِلَّهِ الأقَلَّ. قالَ تَعالى: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧] .
الثّالِثُ: أنَّهم جَعَلُوا لِلْمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وصْفَ الأُنُوثَةِ وهم يَتَعَيَّرُونَ بِأبِي الإناثِ، ولِذَلِكَ كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأنْواعَ مِن كُفْرِهِمْ في كِتابِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
صفحة ١٨١
فَجُمْلَةُ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”فاسْتَفْتِهِمْ“ .
وضَمِيرُ ”لِرَبِّكَ“ مُخاطَبٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ وهو حِكايَةٌ لِلِاسْتِفْتاءِ بِالمَعْنى لِأنَّهُ إذا اسْتَفْتاهم يَقُولُ: ألِرَبِّكُمُ البَناتُ، وكَذَلِكَ ضَمِيرُ ”ولَهم“ مَحْكِيٌّ بِالمَعْنى لِأنَّهُ إنَّما يَقُولُ لَهم: ولَكُمُ البَنُونَ. وهَذا التَّصَرُّفُ يَقَعُ في حِكايَةِ القَوْلِ ونَحْوِهُ مِمّا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ مِثْلَ الِاسْتِفْتاءِ.
الصافات 37:150
﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) وهي لا يُفارِقُها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فالكَلامُ بَعْدَها مُقَدَّرٌ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ بَلْ أخَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا.
وضَمِيرُ ”خَلَقْنا“ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ، وهو إذا اسْتَفْتاهم يَقُولُ لَهم: أمْ خَلَقَ المَلائِكَةَ، كَما تَقَدَّمَ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ وتَعْجِيبِيٌّ مِن جُرْأتِهِمْ وقَوْلِهِمْ بِلا عِلْمٍ.
وجُمْلَةُ ”وهم شاهِدُونَ“ في مَوْضِعِ الحالِ وهي قَيْدٌ لِلْإنْكارِ، أيْ كانُوا حاضِرِينَ حِينَ خَلَقْنا المَلائِكَةَ فَشَهِدُوا أُنُوثَةَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ هَذا لا يَثْبُتُ لِأمْثالِهِمْ إلّا بِالمُشاهَدَةِ إذْ لا قِبَلَ لَهم بِعِلْمِ ذَلِكَ إلّا المُشاهَدَةُ. وبَقِيَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالخَبَرِ القاطِعِ فَذَلِكَ ما سَيَنْفِيهِ بِقَوْلِهِ ”﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦]، وذَلِكَ لِأنَّ أُنُوثَةَ المَلائِكَةِ لَيْسَتْ مِنَ المُسْتَحِيلِ ولَكِنَّهُ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ.
وضَمِيرُ“ وهم شاهِدُونَ " مَحْكِيٌّ بِالمَعْنى في الِاسْتِفْتاءِ. والأصْلُ: وأنْتُمْ شاهِدُونَ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
الصافات 37:151
﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ارْتِقاءٌ في تَجْهِيلِهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ المُسْتَحِيلَ فَضْلًا عَلى القَوْلِ بِلا دَلِيلٍ فَلِذَلِكَ سَمّاهُ إفْكًا. والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمَلِ الِاسْتِفْتاءِ.
صفحة ١٨٢
و(ألا) حَرْفُ تَنْبِيهٍ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. والإفْكُ: الكَذِبُ أيْ: قَوْلُهم هَذا بَعْضٌ مِن أُكْذُوباتِهِمْ.
ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِعَطْفِ وإنَّهم لَكاذِبُونَ مُؤَكَّدًا بِ (إنَّ) واللّامِ، أيْ: شَأْنُهُمُ الكَذِبُ في هَذا وفي غَيْرِهِ مِن باطِلِهِمْ، فَلَيْسَتِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ”مِن إفْكِهِمْ“ كَيْفَ وهي مَعْطُوفَةٌ.
الصافات 37:152
﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ارْتِقاءٌ في تَجْهِيلِهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ المُسْتَحِيلَ فَضْلًا عَلى القَوْلِ بِلا دَلِيلٍ فَلِذَلِكَ سَمّاهُ إفْكًا. والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمَلِ الِاسْتِفْتاءِ.
صفحة ١٨٢
و(ألا) حَرْفُ تَنْبِيهٍ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. والإفْكُ: الكَذِبُ أيْ: قَوْلُهم هَذا بَعْضٌ مِن أُكْذُوباتِهِمْ.
ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِعَطْفِ وإنَّهم لَكاذِبُونَ مُؤَكَّدًا بِ (إنَّ) واللّامِ، أيْ: شَأْنُهُمُ الكَذِبُ في هَذا وفي غَيْرِهِ مِن باطِلِهِمْ، فَلَيْسَتِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ”مِن إفْكِهِمْ“ كَيْفَ وهي مَعْطُوفَةٌ.
الصافات 37:153
﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكَمَ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ عَوْدٌ إلى الِاسْتِفْتاءِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها كَمالَ الِاتِّصالِ، فالمَعْنى: وقُلْ لَهم: أصْطَفى البَناتِ.
قَرَأهُ الجُمْهُورُ أصْطَفى بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى أنَّها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا هَمْزَةُ الوَصْلِ الَّتِي في الفِعْلِ فَمَحْذُوفَةٌ لِأجْلِ الوَصْلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ.
والكَلامُ ارْتِقاءٌ في التَّجْهِيلِ، أيْ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا فَلِماذا اصْطَفى البَناتِ دُونَ الذُّكُورِ ؟ أيِ اخْتارَ لِذاتِهِ البَناتِ دُونَ البَنِينَ والبَنُونَ أفْضَلُ عِنْدَكم ؟ . وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَإنَّ إنْكارَ اصْطِفاءِ البَناتِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلِيلِ في حُكْمِهِمْ ذَلِكَ، فَأبْدَلَ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ مِن إنْكارِ ادِّعائِهِمُ اصْطِفاءَ اللَّهِ البَناتِ لِنَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ ”ما لَكم“ (ما) اسْتِفْهامٌ عَنْ ذاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم ؟ وهَذا إبْهامٌ، فَلِذَلِكَ كانَتْ كَلِمَةُ ”ما لَكَ“ ونَحْوُها في الِاسْتِفْهامِ يَجِبُ أنْ يُتْلى بِجُمْلَةِ حالٍ تُبَيِّنُ الفِعْلَ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ نَحْوَ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ونَحْوَ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقَدْ بُيِّنَتْ هُنا بِما
صفحة ١٨٣
تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ اسْتِفْهامِ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فَإنَّ (كَيْفَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الحالِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تَحْكُمُونَ“ قُدِّمَتْ لِأجْلِ صَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وجُمْلَةُ ”تَحْكُمُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ في قَوْلِهِ تَعالى ”ما لَكم“ فَحَصَلَ اسْتِفْهامانِ: أحَدُهُما عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ لَهم فَحَكَمُوا هَذا الحُكْمَ. وثانِيهِما عَنِ الحالَةِ الَّتِي اتَّصَفُوا بِها لَمّا حُكِيَ هَذا الحُكْمُ الباطِلُ. وهَذا إيجازُ حَذْفٍ إذِ التَّقْدِيرُ: ما لَكَمَ تَحْكُمُونَ هَذا الحُكْمَ، كَيْفَ تَحْكُمُونَهُ ؟ وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ ”تَحْكُمُونَ“ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامانِ مِن كَوْنِ ما حَكَمُوا بِهِ مُنْكَرًا يَحِقُّ العَجَبُ مِنهُ، فَكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَنْ عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، أيِ اسْتِعْمالُ ذُكْرِهِمْ ”بِضَمِّ الذّالِ وهو العَقْلُ“ أيْ فَمُنْكَرٌ عَدَمُ تَفَهُّمِكم فِيما يَصْدُرُ مِن حُكْمِكم.
و﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، فَ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) الَّتِي مَعْناها الإضْرابُ الإبْطالِيُّ والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.
والمُبِينُ: المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (أمْ) بَعْدَها إنْكارِيُّ أيْضًا. فالمَعْنى: ما لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ، أيْ عَلى ما قُلْتُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
وتَفَرَّعَ عَلى إنْكارِ أنْ تَكُونَ لَهم حُجَّةٌ بِما قالُوا أنْ خُوطِبُوا بِالإتْيانِ بِكِتابٍ عَلى ذَلِكَ إنْ كانُوا صادِقِينَ فِيما زَعَمُوا، فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِكُتّابٍ عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ غَيْرُ صادِقِينَ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ”فَأْتُوا“ أمْرُ تَعْجِيزٍ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ عَلى مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ كِتابٍ مُرْسَلٍ إلَيْكم. ومُجادَلَتُهم بِهَذِهِ الجُمَلِ المُتَفَنَّنَةِ رُتِّبَتْ عَلى قانُونِ المُناظَرَةِ، فابْتَدَأهم بِما يُشْبِهُ الِاسْتِفْسارَ عَنْ دَعْوَيَيْنِ: دَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ودَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ [الصافات: ١٤٩] .
صفحة ١٨٤
ثُمَّ لَمّا كانَ تَفْسِيرُهم لِذَلِكَ مَعْلُومًا مِن مُتَكَرَّرِ أقْوالِهِمْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ المُجِيبِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وأنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وإنَّما أُرِيدَ مِنِ اسْتِفْسارِهِمْ صُورَةُ الِاسْتِفْسارِ مُضايَقَةً لَهم ولِيَنْتَقِلَ مِن مَقامِ الِاسْتِفْسارِ إلى مَقامِ المُطالَبَةِ بِالدَّلِيلِ عَلى دَعْواهم، فَذَلِكَ الِانْتِقالُ ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] وهو اسْمُ فاعِلٍ مَن شَهِدَ إذا حَضَرَ ورَأى، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فَرَدَّدَهم بَيْنَ أنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَنَدُوا إلى دَلِيلِ المُشاهَدَةِ أوْ إلى دَلِيلٍ غَيْرِهِ، وهو هُنا مُتَعَيَّنٌ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا مَقْطُوعًا بِصِدْقِهِ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها غَيْرُ ذَلِكَ، فَدَلِيلُ المُشاهَدَةِ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، ودَلِيلُ العَقْلِ والنَّظَرِ مُنْتَفٍ أيْضًا إذْ لا دَلِيلَ مِنَ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ ولا عَلى أنَّهم ذُكُورٌ.
فَلَمّا عُلِمَ أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ غَيْرُ مَفْرُوضٍ هُنا انْحَصَرَ الكَلامُ مَعَهم في دَلِيلِ السَّمْعِ وهو الخَبَرُ الصّادِقُ لِأنَّ أسْبابَ العِلْمِ لِلْخَلْقِ مُنْحَصِرَةٌ في هَذِهِ الأدِلَّةِ الثَّلاثَةِ: أُشِيرَ إلى دَلِيلِ الحِسِّ بِقَوْلِهِ ”وهم شاهِدُونَ“، وإلى دَلِيلَيِ العَقْلِ والسَّمْعِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهو دَلِيلُ السَّمْعِ. فَأسْقَطَ بِهَذا التَّفْرِيعِ احْتِمالَ دَلِيلِ العَقْلِ لِأنَّ انْتِفاءَهُ مَقْطُوعٌ إذْ لا طَرِيقَ إلَيْهِ، وانْحَصَرَ دَلِيلُ السَّمْعِ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما عَلِمْتَ إذْ لا يَعْلَمُ ما في غَيْبِ اللَّهِ غَيْرُهُ.
ثُمَّ خُوطِبُوا بِأمْرِ التَّعْجِيزِ بِأنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ أيْ كِتابٍ جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ. وإنَّما عَيَّنَ لَهم ذَلِكَ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ مَجِيءِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ واسْتِحالَةَ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ أحَدًا مَن خَلْقِهِ، فانْحَصَرَ الدَّلِيلُ المَفْرُوضُ مِن جانِبِ السَّمْعِ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ في أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهم كانُوا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، ولَنْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ.
فَذِكْرُ لَفْظِ ”كِتابِكم“ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَأْتُوا بِهِ، أيِ السُّلْطانِ المُبِينِ فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ إلّا أنْ يَكُونَ كِتابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وإضافَةُ كِتابٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ ما فِيهِ مَعْنى المَصْدَرِ إلى مَعْنى المَفْعُولِ
صفحة ١٨٥
عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، والتَّقْدِيرُ: بِكِتابٍ إلَيْكم؛ لِأنَّ ما فِيهِ مادَّةُ الكِتابَةِ لا يَتَعَدّى إلى المَكْتُوبِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ بَلْ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ وهو (إلى) .
فَلا جَرَمَ قَدِ اتَّضَحَ إفْحامُهم بِهَذِهِ المُجادَلَةِ الجارِيَةِ عَلى القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ، ولِذَلِكَ صارُوا كالمُعْتَرِفِينَ بِأنْ لا دَلِيلَ لَهم عَلى ما زَعَمُوا فانْتَقَلَ السّائِلُ المُسْتَفْتِي مِن مَقامِ الِاعْتِراضِ في المُناظَرَةِ إلى انْقِلابِهِ مُسْتَدِلًّا بِاسْتِنْتاجٍ مِن إفْحامِهِمْ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] الواقِعُ مُعْتَرِضًا بَيْنَ التَّرْدِيدِ في الدَّلِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التَّسْلِيمِ في أثْناءِ المُناظَرَةِ كَما عَلِمْتَ عِنْدَ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهَذا يُسَمّى المُعارَضَةَ. وإنَّما أُقْحِمَ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُجْعَلْ مَعَ حِكايَةِ دَعْواهم لِيَكُونَ آخِرُ الجَدَلِ مَعَهم هو الدَّلِيلَ الَّذِي يَجْرِفُ جَمِيعَ ما بَنَوْهُ وهو قَوْلُهُ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . فَهَذا مِن بَدِيعِ النَّسِيجِ الجامِعِ بَيْنَ أُسْلُوبِ المُناظَرَةِ وأُسْلُوبِ المَوْعِظَةِ وأُسْلُوبِ التَّعْلِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَّكَّرُونَ“ بِتَشْدِيدِ الذّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في الدّالِ بَعْدَ قَلْبِها ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى أنَّ إحْدى التّاءَيْنِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا.
الصافات 37:154
﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكَمَ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ عَوْدٌ إلى الِاسْتِفْتاءِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها كَمالَ الِاتِّصالِ، فالمَعْنى: وقُلْ لَهم: أصْطَفى البَناتِ.
قَرَأهُ الجُمْهُورُ أصْطَفى بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى أنَّها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا هَمْزَةُ الوَصْلِ الَّتِي في الفِعْلِ فَمَحْذُوفَةٌ لِأجْلِ الوَصْلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ.
والكَلامُ ارْتِقاءٌ في التَّجْهِيلِ، أيْ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا فَلِماذا اصْطَفى البَناتِ دُونَ الذُّكُورِ ؟ أيِ اخْتارَ لِذاتِهِ البَناتِ دُونَ البَنِينَ والبَنُونَ أفْضَلُ عِنْدَكم ؟ . وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَإنَّ إنْكارَ اصْطِفاءِ البَناتِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلِيلِ في حُكْمِهِمْ ذَلِكَ، فَأبْدَلَ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ مِن إنْكارِ ادِّعائِهِمُ اصْطِفاءَ اللَّهِ البَناتِ لِنَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ ”ما لَكم“ (ما) اسْتِفْهامٌ عَنْ ذاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم ؟ وهَذا إبْهامٌ، فَلِذَلِكَ كانَتْ كَلِمَةُ ”ما لَكَ“ ونَحْوُها في الِاسْتِفْهامِ يَجِبُ أنْ يُتْلى بِجُمْلَةِ حالٍ تُبَيِّنُ الفِعْلَ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ نَحْوَ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ونَحْوَ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقَدْ بُيِّنَتْ هُنا بِما
صفحة ١٨٣
تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ اسْتِفْهامِ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فَإنَّ (كَيْفَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الحالِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تَحْكُمُونَ“ قُدِّمَتْ لِأجْلِ صَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وجُمْلَةُ ”تَحْكُمُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ في قَوْلِهِ تَعالى ”ما لَكم“ فَحَصَلَ اسْتِفْهامانِ: أحَدُهُما عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ لَهم فَحَكَمُوا هَذا الحُكْمَ. وثانِيهِما عَنِ الحالَةِ الَّتِي اتَّصَفُوا بِها لَمّا حُكِيَ هَذا الحُكْمُ الباطِلُ. وهَذا إيجازُ حَذْفٍ إذِ التَّقْدِيرُ: ما لَكَمَ تَحْكُمُونَ هَذا الحُكْمَ، كَيْفَ تَحْكُمُونَهُ ؟ وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ ”تَحْكُمُونَ“ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامانِ مِن كَوْنِ ما حَكَمُوا بِهِ مُنْكَرًا يَحِقُّ العَجَبُ مِنهُ، فَكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَنْ عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، أيِ اسْتِعْمالُ ذُكْرِهِمْ ”بِضَمِّ الذّالِ وهو العَقْلُ“ أيْ فَمُنْكَرٌ عَدَمُ تَفَهُّمِكم فِيما يَصْدُرُ مِن حُكْمِكم.
و﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، فَ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) الَّتِي مَعْناها الإضْرابُ الإبْطالِيُّ والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.
والمُبِينُ: المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (أمْ) بَعْدَها إنْكارِيُّ أيْضًا. فالمَعْنى: ما لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ، أيْ عَلى ما قُلْتُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
وتَفَرَّعَ عَلى إنْكارِ أنْ تَكُونَ لَهم حُجَّةٌ بِما قالُوا أنْ خُوطِبُوا بِالإتْيانِ بِكِتابٍ عَلى ذَلِكَ إنْ كانُوا صادِقِينَ فِيما زَعَمُوا، فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِكُتّابٍ عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ غَيْرُ صادِقِينَ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ”فَأْتُوا“ أمْرُ تَعْجِيزٍ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ عَلى مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ كِتابٍ مُرْسَلٍ إلَيْكم. ومُجادَلَتُهم بِهَذِهِ الجُمَلِ المُتَفَنَّنَةِ رُتِّبَتْ عَلى قانُونِ المُناظَرَةِ، فابْتَدَأهم بِما يُشْبِهُ الِاسْتِفْسارَ عَنْ دَعْوَيَيْنِ: دَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ودَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ [الصافات: ١٤٩] .
صفحة ١٨٤
ثُمَّ لَمّا كانَ تَفْسِيرُهم لِذَلِكَ مَعْلُومًا مِن مُتَكَرَّرِ أقْوالِهِمْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ المُجِيبِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وأنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وإنَّما أُرِيدَ مِنِ اسْتِفْسارِهِمْ صُورَةُ الِاسْتِفْسارِ مُضايَقَةً لَهم ولِيَنْتَقِلَ مِن مَقامِ الِاسْتِفْسارِ إلى مَقامِ المُطالَبَةِ بِالدَّلِيلِ عَلى دَعْواهم، فَذَلِكَ الِانْتِقالُ ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] وهو اسْمُ فاعِلٍ مَن شَهِدَ إذا حَضَرَ ورَأى، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فَرَدَّدَهم بَيْنَ أنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَنَدُوا إلى دَلِيلِ المُشاهَدَةِ أوْ إلى دَلِيلٍ غَيْرِهِ، وهو هُنا مُتَعَيَّنٌ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا مَقْطُوعًا بِصِدْقِهِ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها غَيْرُ ذَلِكَ، فَدَلِيلُ المُشاهَدَةِ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، ودَلِيلُ العَقْلِ والنَّظَرِ مُنْتَفٍ أيْضًا إذْ لا دَلِيلَ مِنَ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ ولا عَلى أنَّهم ذُكُورٌ.
فَلَمّا عُلِمَ أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ غَيْرُ مَفْرُوضٍ هُنا انْحَصَرَ الكَلامُ مَعَهم في دَلِيلِ السَّمْعِ وهو الخَبَرُ الصّادِقُ لِأنَّ أسْبابَ العِلْمِ لِلْخَلْقِ مُنْحَصِرَةٌ في هَذِهِ الأدِلَّةِ الثَّلاثَةِ: أُشِيرَ إلى دَلِيلِ الحِسِّ بِقَوْلِهِ ”وهم شاهِدُونَ“، وإلى دَلِيلَيِ العَقْلِ والسَّمْعِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهو دَلِيلُ السَّمْعِ. فَأسْقَطَ بِهَذا التَّفْرِيعِ احْتِمالَ دَلِيلِ العَقْلِ لِأنَّ انْتِفاءَهُ مَقْطُوعٌ إذْ لا طَرِيقَ إلَيْهِ، وانْحَصَرَ دَلِيلُ السَّمْعِ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما عَلِمْتَ إذْ لا يَعْلَمُ ما في غَيْبِ اللَّهِ غَيْرُهُ.
ثُمَّ خُوطِبُوا بِأمْرِ التَّعْجِيزِ بِأنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ أيْ كِتابٍ جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ. وإنَّما عَيَّنَ لَهم ذَلِكَ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ مَجِيءِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ واسْتِحالَةَ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ أحَدًا مَن خَلْقِهِ، فانْحَصَرَ الدَّلِيلُ المَفْرُوضُ مِن جانِبِ السَّمْعِ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ في أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهم كانُوا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، ولَنْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ.
فَذِكْرُ لَفْظِ ”كِتابِكم“ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَأْتُوا بِهِ، أيِ السُّلْطانِ المُبِينِ فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ إلّا أنْ يَكُونَ كِتابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وإضافَةُ كِتابٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ ما فِيهِ مَعْنى المَصْدَرِ إلى مَعْنى المَفْعُولِ
صفحة ١٨٥
عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، والتَّقْدِيرُ: بِكِتابٍ إلَيْكم؛ لِأنَّ ما فِيهِ مادَّةُ الكِتابَةِ لا يَتَعَدّى إلى المَكْتُوبِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ بَلْ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ وهو (إلى) .
فَلا جَرَمَ قَدِ اتَّضَحَ إفْحامُهم بِهَذِهِ المُجادَلَةِ الجارِيَةِ عَلى القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ، ولِذَلِكَ صارُوا كالمُعْتَرِفِينَ بِأنْ لا دَلِيلَ لَهم عَلى ما زَعَمُوا فانْتَقَلَ السّائِلُ المُسْتَفْتِي مِن مَقامِ الِاعْتِراضِ في المُناظَرَةِ إلى انْقِلابِهِ مُسْتَدِلًّا بِاسْتِنْتاجٍ مِن إفْحامِهِمْ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] الواقِعُ مُعْتَرِضًا بَيْنَ التَّرْدِيدِ في الدَّلِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التَّسْلِيمِ في أثْناءِ المُناظَرَةِ كَما عَلِمْتَ عِنْدَ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهَذا يُسَمّى المُعارَضَةَ. وإنَّما أُقْحِمَ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُجْعَلْ مَعَ حِكايَةِ دَعْواهم لِيَكُونَ آخِرُ الجَدَلِ مَعَهم هو الدَّلِيلَ الَّذِي يَجْرِفُ جَمِيعَ ما بَنَوْهُ وهو قَوْلُهُ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . فَهَذا مِن بَدِيعِ النَّسِيجِ الجامِعِ بَيْنَ أُسْلُوبِ المُناظَرَةِ وأُسْلُوبِ المَوْعِظَةِ وأُسْلُوبِ التَّعْلِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَّكَّرُونَ“ بِتَشْدِيدِ الذّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في الدّالِ بَعْدَ قَلْبِها ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى أنَّ إحْدى التّاءَيْنِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا.
الصافات 37:155
﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكَمَ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ عَوْدٌ إلى الِاسْتِفْتاءِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها كَمالَ الِاتِّصالِ، فالمَعْنى: وقُلْ لَهم: أصْطَفى البَناتِ.
قَرَأهُ الجُمْهُورُ أصْطَفى بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى أنَّها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا هَمْزَةُ الوَصْلِ الَّتِي في الفِعْلِ فَمَحْذُوفَةٌ لِأجْلِ الوَصْلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ.
والكَلامُ ارْتِقاءٌ في التَّجْهِيلِ، أيْ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا فَلِماذا اصْطَفى البَناتِ دُونَ الذُّكُورِ ؟ أيِ اخْتارَ لِذاتِهِ البَناتِ دُونَ البَنِينَ والبَنُونَ أفْضَلُ عِنْدَكم ؟ . وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَإنَّ إنْكارَ اصْطِفاءِ البَناتِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلِيلِ في حُكْمِهِمْ ذَلِكَ، فَأبْدَلَ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ مِن إنْكارِ ادِّعائِهِمُ اصْطِفاءَ اللَّهِ البَناتِ لِنَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ ”ما لَكم“ (ما) اسْتِفْهامٌ عَنْ ذاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم ؟ وهَذا إبْهامٌ، فَلِذَلِكَ كانَتْ كَلِمَةُ ”ما لَكَ“ ونَحْوُها في الِاسْتِفْهامِ يَجِبُ أنْ يُتْلى بِجُمْلَةِ حالٍ تُبَيِّنُ الفِعْلَ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ نَحْوَ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ونَحْوَ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقَدْ بُيِّنَتْ هُنا بِما
صفحة ١٨٣
تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ اسْتِفْهامِ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فَإنَّ (كَيْفَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الحالِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تَحْكُمُونَ“ قُدِّمَتْ لِأجْلِ صَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وجُمْلَةُ ”تَحْكُمُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ في قَوْلِهِ تَعالى ”ما لَكم“ فَحَصَلَ اسْتِفْهامانِ: أحَدُهُما عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ لَهم فَحَكَمُوا هَذا الحُكْمَ. وثانِيهِما عَنِ الحالَةِ الَّتِي اتَّصَفُوا بِها لَمّا حُكِيَ هَذا الحُكْمُ الباطِلُ. وهَذا إيجازُ حَذْفٍ إذِ التَّقْدِيرُ: ما لَكَمَ تَحْكُمُونَ هَذا الحُكْمَ، كَيْفَ تَحْكُمُونَهُ ؟ وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ ”تَحْكُمُونَ“ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامانِ مِن كَوْنِ ما حَكَمُوا بِهِ مُنْكَرًا يَحِقُّ العَجَبُ مِنهُ، فَكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَنْ عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، أيِ اسْتِعْمالُ ذُكْرِهِمْ ”بِضَمِّ الذّالِ وهو العَقْلُ“ أيْ فَمُنْكَرٌ عَدَمُ تَفَهُّمِكم فِيما يَصْدُرُ مِن حُكْمِكم.
و﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، فَ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) الَّتِي مَعْناها الإضْرابُ الإبْطالِيُّ والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.
والمُبِينُ: المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (أمْ) بَعْدَها إنْكارِيُّ أيْضًا. فالمَعْنى: ما لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ، أيْ عَلى ما قُلْتُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
وتَفَرَّعَ عَلى إنْكارِ أنْ تَكُونَ لَهم حُجَّةٌ بِما قالُوا أنْ خُوطِبُوا بِالإتْيانِ بِكِتابٍ عَلى ذَلِكَ إنْ كانُوا صادِقِينَ فِيما زَعَمُوا، فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِكُتّابٍ عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ غَيْرُ صادِقِينَ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ”فَأْتُوا“ أمْرُ تَعْجِيزٍ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ عَلى مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ كِتابٍ مُرْسَلٍ إلَيْكم. ومُجادَلَتُهم بِهَذِهِ الجُمَلِ المُتَفَنَّنَةِ رُتِّبَتْ عَلى قانُونِ المُناظَرَةِ، فابْتَدَأهم بِما يُشْبِهُ الِاسْتِفْسارَ عَنْ دَعْوَيَيْنِ: دَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ودَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ [الصافات: ١٤٩] .
صفحة ١٨٤
ثُمَّ لَمّا كانَ تَفْسِيرُهم لِذَلِكَ مَعْلُومًا مِن مُتَكَرَّرِ أقْوالِهِمْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ المُجِيبِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وأنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وإنَّما أُرِيدَ مِنِ اسْتِفْسارِهِمْ صُورَةُ الِاسْتِفْسارِ مُضايَقَةً لَهم ولِيَنْتَقِلَ مِن مَقامِ الِاسْتِفْسارِ إلى مَقامِ المُطالَبَةِ بِالدَّلِيلِ عَلى دَعْواهم، فَذَلِكَ الِانْتِقالُ ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] وهو اسْمُ فاعِلٍ مَن شَهِدَ إذا حَضَرَ ورَأى، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فَرَدَّدَهم بَيْنَ أنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَنَدُوا إلى دَلِيلِ المُشاهَدَةِ أوْ إلى دَلِيلٍ غَيْرِهِ، وهو هُنا مُتَعَيَّنٌ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا مَقْطُوعًا بِصِدْقِهِ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها غَيْرُ ذَلِكَ، فَدَلِيلُ المُشاهَدَةِ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، ودَلِيلُ العَقْلِ والنَّظَرِ مُنْتَفٍ أيْضًا إذْ لا دَلِيلَ مِنَ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ ولا عَلى أنَّهم ذُكُورٌ.
فَلَمّا عُلِمَ أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ غَيْرُ مَفْرُوضٍ هُنا انْحَصَرَ الكَلامُ مَعَهم في دَلِيلِ السَّمْعِ وهو الخَبَرُ الصّادِقُ لِأنَّ أسْبابَ العِلْمِ لِلْخَلْقِ مُنْحَصِرَةٌ في هَذِهِ الأدِلَّةِ الثَّلاثَةِ: أُشِيرَ إلى دَلِيلِ الحِسِّ بِقَوْلِهِ ”وهم شاهِدُونَ“، وإلى دَلِيلَيِ العَقْلِ والسَّمْعِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهو دَلِيلُ السَّمْعِ. فَأسْقَطَ بِهَذا التَّفْرِيعِ احْتِمالَ دَلِيلِ العَقْلِ لِأنَّ انْتِفاءَهُ مَقْطُوعٌ إذْ لا طَرِيقَ إلَيْهِ، وانْحَصَرَ دَلِيلُ السَّمْعِ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما عَلِمْتَ إذْ لا يَعْلَمُ ما في غَيْبِ اللَّهِ غَيْرُهُ.
ثُمَّ خُوطِبُوا بِأمْرِ التَّعْجِيزِ بِأنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ أيْ كِتابٍ جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ. وإنَّما عَيَّنَ لَهم ذَلِكَ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ مَجِيءِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ واسْتِحالَةَ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ أحَدًا مَن خَلْقِهِ، فانْحَصَرَ الدَّلِيلُ المَفْرُوضُ مِن جانِبِ السَّمْعِ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ في أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهم كانُوا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، ولَنْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ.
فَذِكْرُ لَفْظِ ”كِتابِكم“ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَأْتُوا بِهِ، أيِ السُّلْطانِ المُبِينِ فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ إلّا أنْ يَكُونَ كِتابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وإضافَةُ كِتابٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ ما فِيهِ مَعْنى المَصْدَرِ إلى مَعْنى المَفْعُولِ
صفحة ١٨٥
عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، والتَّقْدِيرُ: بِكِتابٍ إلَيْكم؛ لِأنَّ ما فِيهِ مادَّةُ الكِتابَةِ لا يَتَعَدّى إلى المَكْتُوبِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ بَلْ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ وهو (إلى) .
فَلا جَرَمَ قَدِ اتَّضَحَ إفْحامُهم بِهَذِهِ المُجادَلَةِ الجارِيَةِ عَلى القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ، ولِذَلِكَ صارُوا كالمُعْتَرِفِينَ بِأنْ لا دَلِيلَ لَهم عَلى ما زَعَمُوا فانْتَقَلَ السّائِلُ المُسْتَفْتِي مِن مَقامِ الِاعْتِراضِ في المُناظَرَةِ إلى انْقِلابِهِ مُسْتَدِلًّا بِاسْتِنْتاجٍ مِن إفْحامِهِمْ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] الواقِعُ مُعْتَرِضًا بَيْنَ التَّرْدِيدِ في الدَّلِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التَّسْلِيمِ في أثْناءِ المُناظَرَةِ كَما عَلِمْتَ عِنْدَ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهَذا يُسَمّى المُعارَضَةَ. وإنَّما أُقْحِمَ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُجْعَلْ مَعَ حِكايَةِ دَعْواهم لِيَكُونَ آخِرُ الجَدَلِ مَعَهم هو الدَّلِيلَ الَّذِي يَجْرِفُ جَمِيعَ ما بَنَوْهُ وهو قَوْلُهُ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . فَهَذا مِن بَدِيعِ النَّسِيجِ الجامِعِ بَيْنَ أُسْلُوبِ المُناظَرَةِ وأُسْلُوبِ المَوْعِظَةِ وأُسْلُوبِ التَّعْلِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَّكَّرُونَ“ بِتَشْدِيدِ الذّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في الدّالِ بَعْدَ قَلْبِها ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى أنَّ إحْدى التّاءَيْنِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا.
الصافات 37:156
﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكَمَ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ عَوْدٌ إلى الِاسْتِفْتاءِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها كَمالَ الِاتِّصالِ، فالمَعْنى: وقُلْ لَهم: أصْطَفى البَناتِ.
قَرَأهُ الجُمْهُورُ أصْطَفى بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى أنَّها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا هَمْزَةُ الوَصْلِ الَّتِي في الفِعْلِ فَمَحْذُوفَةٌ لِأجْلِ الوَصْلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ.
والكَلامُ ارْتِقاءٌ في التَّجْهِيلِ، أيْ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا فَلِماذا اصْطَفى البَناتِ دُونَ الذُّكُورِ ؟ أيِ اخْتارَ لِذاتِهِ البَناتِ دُونَ البَنِينَ والبَنُونَ أفْضَلُ عِنْدَكم ؟ . وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَإنَّ إنْكارَ اصْطِفاءِ البَناتِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلِيلِ في حُكْمِهِمْ ذَلِكَ، فَأبْدَلَ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ مِن إنْكارِ ادِّعائِهِمُ اصْطِفاءَ اللَّهِ البَناتِ لِنَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ ”ما لَكم“ (ما) اسْتِفْهامٌ عَنْ ذاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم ؟ وهَذا إبْهامٌ، فَلِذَلِكَ كانَتْ كَلِمَةُ ”ما لَكَ“ ونَحْوُها في الِاسْتِفْهامِ يَجِبُ أنْ يُتْلى بِجُمْلَةِ حالٍ تُبَيِّنُ الفِعْلَ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ نَحْوَ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ونَحْوَ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقَدْ بُيِّنَتْ هُنا بِما
صفحة ١٨٣
تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ اسْتِفْهامِ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فَإنَّ (كَيْفَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الحالِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تَحْكُمُونَ“ قُدِّمَتْ لِأجْلِ صَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وجُمْلَةُ ”تَحْكُمُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ في قَوْلِهِ تَعالى ”ما لَكم“ فَحَصَلَ اسْتِفْهامانِ: أحَدُهُما عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ لَهم فَحَكَمُوا هَذا الحُكْمَ. وثانِيهِما عَنِ الحالَةِ الَّتِي اتَّصَفُوا بِها لَمّا حُكِيَ هَذا الحُكْمُ الباطِلُ. وهَذا إيجازُ حَذْفٍ إذِ التَّقْدِيرُ: ما لَكَمَ تَحْكُمُونَ هَذا الحُكْمَ، كَيْفَ تَحْكُمُونَهُ ؟ وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ ”تَحْكُمُونَ“ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامانِ مِن كَوْنِ ما حَكَمُوا بِهِ مُنْكَرًا يَحِقُّ العَجَبُ مِنهُ، فَكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَنْ عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، أيِ اسْتِعْمالُ ذُكْرِهِمْ ”بِضَمِّ الذّالِ وهو العَقْلُ“ أيْ فَمُنْكَرٌ عَدَمُ تَفَهُّمِكم فِيما يَصْدُرُ مِن حُكْمِكم.
و﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، فَ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) الَّتِي مَعْناها الإضْرابُ الإبْطالِيُّ والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.
والمُبِينُ: المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (أمْ) بَعْدَها إنْكارِيُّ أيْضًا. فالمَعْنى: ما لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ، أيْ عَلى ما قُلْتُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
وتَفَرَّعَ عَلى إنْكارِ أنْ تَكُونَ لَهم حُجَّةٌ بِما قالُوا أنْ خُوطِبُوا بِالإتْيانِ بِكِتابٍ عَلى ذَلِكَ إنْ كانُوا صادِقِينَ فِيما زَعَمُوا، فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِكُتّابٍ عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ غَيْرُ صادِقِينَ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ”فَأْتُوا“ أمْرُ تَعْجِيزٍ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ عَلى مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ كِتابٍ مُرْسَلٍ إلَيْكم. ومُجادَلَتُهم بِهَذِهِ الجُمَلِ المُتَفَنَّنَةِ رُتِّبَتْ عَلى قانُونِ المُناظَرَةِ، فابْتَدَأهم بِما يُشْبِهُ الِاسْتِفْسارَ عَنْ دَعْوَيَيْنِ: دَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ودَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ [الصافات: ١٤٩] .
صفحة ١٨٤
ثُمَّ لَمّا كانَ تَفْسِيرُهم لِذَلِكَ مَعْلُومًا مِن مُتَكَرَّرِ أقْوالِهِمْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ المُجِيبِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وأنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وإنَّما أُرِيدَ مِنِ اسْتِفْسارِهِمْ صُورَةُ الِاسْتِفْسارِ مُضايَقَةً لَهم ولِيَنْتَقِلَ مِن مَقامِ الِاسْتِفْسارِ إلى مَقامِ المُطالَبَةِ بِالدَّلِيلِ عَلى دَعْواهم، فَذَلِكَ الِانْتِقالُ ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] وهو اسْمُ فاعِلٍ مَن شَهِدَ إذا حَضَرَ ورَأى، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فَرَدَّدَهم بَيْنَ أنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَنَدُوا إلى دَلِيلِ المُشاهَدَةِ أوْ إلى دَلِيلٍ غَيْرِهِ، وهو هُنا مُتَعَيَّنٌ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا مَقْطُوعًا بِصِدْقِهِ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها غَيْرُ ذَلِكَ، فَدَلِيلُ المُشاهَدَةِ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، ودَلِيلُ العَقْلِ والنَّظَرِ مُنْتَفٍ أيْضًا إذْ لا دَلِيلَ مِنَ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ ولا عَلى أنَّهم ذُكُورٌ.
فَلَمّا عُلِمَ أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ غَيْرُ مَفْرُوضٍ هُنا انْحَصَرَ الكَلامُ مَعَهم في دَلِيلِ السَّمْعِ وهو الخَبَرُ الصّادِقُ لِأنَّ أسْبابَ العِلْمِ لِلْخَلْقِ مُنْحَصِرَةٌ في هَذِهِ الأدِلَّةِ الثَّلاثَةِ: أُشِيرَ إلى دَلِيلِ الحِسِّ بِقَوْلِهِ ”وهم شاهِدُونَ“، وإلى دَلِيلَيِ العَقْلِ والسَّمْعِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهو دَلِيلُ السَّمْعِ. فَأسْقَطَ بِهَذا التَّفْرِيعِ احْتِمالَ دَلِيلِ العَقْلِ لِأنَّ انْتِفاءَهُ مَقْطُوعٌ إذْ لا طَرِيقَ إلَيْهِ، وانْحَصَرَ دَلِيلُ السَّمْعِ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما عَلِمْتَ إذْ لا يَعْلَمُ ما في غَيْبِ اللَّهِ غَيْرُهُ.
ثُمَّ خُوطِبُوا بِأمْرِ التَّعْجِيزِ بِأنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ أيْ كِتابٍ جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ. وإنَّما عَيَّنَ لَهم ذَلِكَ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ مَجِيءِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ واسْتِحالَةَ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ أحَدًا مَن خَلْقِهِ، فانْحَصَرَ الدَّلِيلُ المَفْرُوضُ مِن جانِبِ السَّمْعِ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ في أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهم كانُوا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، ولَنْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ.
فَذِكْرُ لَفْظِ ”كِتابِكم“ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَأْتُوا بِهِ، أيِ السُّلْطانِ المُبِينِ فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ إلّا أنْ يَكُونَ كِتابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وإضافَةُ كِتابٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ ما فِيهِ مَعْنى المَصْدَرِ إلى مَعْنى المَفْعُولِ
صفحة ١٨٥
عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، والتَّقْدِيرُ: بِكِتابٍ إلَيْكم؛ لِأنَّ ما فِيهِ مادَّةُ الكِتابَةِ لا يَتَعَدّى إلى المَكْتُوبِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ بَلْ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ وهو (إلى) .
فَلا جَرَمَ قَدِ اتَّضَحَ إفْحامُهم بِهَذِهِ المُجادَلَةِ الجارِيَةِ عَلى القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ، ولِذَلِكَ صارُوا كالمُعْتَرِفِينَ بِأنْ لا دَلِيلَ لَهم عَلى ما زَعَمُوا فانْتَقَلَ السّائِلُ المُسْتَفْتِي مِن مَقامِ الِاعْتِراضِ في المُناظَرَةِ إلى انْقِلابِهِ مُسْتَدِلًّا بِاسْتِنْتاجٍ مِن إفْحامِهِمْ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] الواقِعُ مُعْتَرِضًا بَيْنَ التَّرْدِيدِ في الدَّلِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التَّسْلِيمِ في أثْناءِ المُناظَرَةِ كَما عَلِمْتَ عِنْدَ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهَذا يُسَمّى المُعارَضَةَ. وإنَّما أُقْحِمَ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُجْعَلْ مَعَ حِكايَةِ دَعْواهم لِيَكُونَ آخِرُ الجَدَلِ مَعَهم هو الدَّلِيلَ الَّذِي يَجْرِفُ جَمِيعَ ما بَنَوْهُ وهو قَوْلُهُ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . فَهَذا مِن بَدِيعِ النَّسِيجِ الجامِعِ بَيْنَ أُسْلُوبِ المُناظَرَةِ وأُسْلُوبِ المَوْعِظَةِ وأُسْلُوبِ التَّعْلِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَّكَّرُونَ“ بِتَشْدِيدِ الذّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في الدّالِ بَعْدَ قَلْبِها ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى أنَّ إحْدى التّاءَيْنِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا.
الصافات 37:157
﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكَمَ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ عَوْدٌ إلى الِاسْتِفْتاءِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها كَمالَ الِاتِّصالِ، فالمَعْنى: وقُلْ لَهم: أصْطَفى البَناتِ.
قَرَأهُ الجُمْهُورُ أصْطَفى بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى أنَّها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا هَمْزَةُ الوَصْلِ الَّتِي في الفِعْلِ فَمَحْذُوفَةٌ لِأجْلِ الوَصْلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ.
والكَلامُ ارْتِقاءٌ في التَّجْهِيلِ، أيْ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا فَلِماذا اصْطَفى البَناتِ دُونَ الذُّكُورِ ؟ أيِ اخْتارَ لِذاتِهِ البَناتِ دُونَ البَنِينَ والبَنُونَ أفْضَلُ عِنْدَكم ؟ . وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَإنَّ إنْكارَ اصْطِفاءِ البَناتِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلِيلِ في حُكْمِهِمْ ذَلِكَ، فَأبْدَلَ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ مِن إنْكارِ ادِّعائِهِمُ اصْطِفاءَ اللَّهِ البَناتِ لِنَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ ”ما لَكم“ (ما) اسْتِفْهامٌ عَنْ ذاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم ؟ وهَذا إبْهامٌ، فَلِذَلِكَ كانَتْ كَلِمَةُ ”ما لَكَ“ ونَحْوُها في الِاسْتِفْهامِ يَجِبُ أنْ يُتْلى بِجُمْلَةِ حالٍ تُبَيِّنُ الفِعْلَ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ نَحْوَ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ونَحْوَ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقَدْ بُيِّنَتْ هُنا بِما
صفحة ١٨٣
تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ اسْتِفْهامِ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فَإنَّ (كَيْفَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الحالِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تَحْكُمُونَ“ قُدِّمَتْ لِأجْلِ صَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وجُمْلَةُ ”تَحْكُمُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ في قَوْلِهِ تَعالى ”ما لَكم“ فَحَصَلَ اسْتِفْهامانِ: أحَدُهُما عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ لَهم فَحَكَمُوا هَذا الحُكْمَ. وثانِيهِما عَنِ الحالَةِ الَّتِي اتَّصَفُوا بِها لَمّا حُكِيَ هَذا الحُكْمُ الباطِلُ. وهَذا إيجازُ حَذْفٍ إذِ التَّقْدِيرُ: ما لَكَمَ تَحْكُمُونَ هَذا الحُكْمَ، كَيْفَ تَحْكُمُونَهُ ؟ وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ ”تَحْكُمُونَ“ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامانِ مِن كَوْنِ ما حَكَمُوا بِهِ مُنْكَرًا يَحِقُّ العَجَبُ مِنهُ، فَكِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَنْ عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، أيِ اسْتِعْمالُ ذُكْرِهِمْ ”بِضَمِّ الذّالِ وهو العَقْلُ“ أيْ فَمُنْكَرٌ عَدَمُ تَفَهُّمِكم فِيما يَصْدُرُ مِن حُكْمِكم.
و﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، فَ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) الَّتِي مَعْناها الإضْرابُ الإبْطالِيُّ والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.
والمُبِينُ: المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (أمْ) بَعْدَها إنْكارِيُّ أيْضًا. فالمَعْنى: ما لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ، أيْ عَلى ما قُلْتُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ.
وتَفَرَّعَ عَلى إنْكارِ أنْ تَكُونَ لَهم حُجَّةٌ بِما قالُوا أنْ خُوطِبُوا بِالإتْيانِ بِكِتابٍ عَلى ذَلِكَ إنْ كانُوا صادِقِينَ فِيما زَعَمُوا، فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِكُتّابٍ عَلى ذَلِكَ فَأنْتُمْ غَيْرُ صادِقِينَ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ”فَأْتُوا“ أمْرُ تَعْجِيزٍ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ عَلى مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ كِتابٍ مُرْسَلٍ إلَيْكم. ومُجادَلَتُهم بِهَذِهِ الجُمَلِ المُتَفَنَّنَةِ رُتِّبَتْ عَلى قانُونِ المُناظَرَةِ، فابْتَدَأهم بِما يُشْبِهُ الِاسْتِفْسارَ عَنْ دَعْوَيَيْنِ: دَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ودَعْوى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ [الصافات: ١٤٩] .
صفحة ١٨٤
ثُمَّ لَمّا كانَ تَفْسِيرُهم لِذَلِكَ مَعْلُومًا مِن مُتَكَرَّرِ أقْوالِهِمْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ المُجِيبِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وأنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ. وإنَّما أُرِيدَ مِنِ اسْتِفْسارِهِمْ صُورَةُ الِاسْتِفْسارِ مُضايَقَةً لَهم ولِيَنْتَقِلَ مِن مَقامِ الِاسْتِفْسارِ إلى مَقامِ المُطالَبَةِ بِالدَّلِيلِ عَلى دَعْواهم، فَذَلِكَ الِانْتِقالُ ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] وهو اسْمُ فاعِلٍ مَن شَهِدَ إذا حَضَرَ ورَأى، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فَرَدَّدَهم بَيْنَ أنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَنَدُوا إلى دَلِيلِ المُشاهَدَةِ أوْ إلى دَلِيلٍ غَيْرِهِ، وهو هُنا مُتَعَيَّنٌ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا مَقْطُوعًا بِصِدْقِهِ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها غَيْرُ ذَلِكَ، فَدَلِيلُ المُشاهَدَةِ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، ودَلِيلُ العَقْلِ والنَّظَرِ مُنْتَفٍ أيْضًا إذْ لا دَلِيلَ مِنَ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ ولا عَلى أنَّهم ذُكُورٌ.
فَلَمّا عُلِمَ أنَّ دَلِيلَ العَقْلِ غَيْرُ مَفْرُوضٍ هُنا انْحَصَرَ الكَلامُ مَعَهم في دَلِيلِ السَّمْعِ وهو الخَبَرُ الصّادِقُ لِأنَّ أسْبابَ العِلْمِ لِلْخَلْقِ مُنْحَصِرَةٌ في هَذِهِ الأدِلَّةِ الثَّلاثَةِ: أُشِيرَ إلى دَلِيلِ الحِسِّ بِقَوْلِهِ ”وهم شاهِدُونَ“، وإلى دَلِيلَيِ العَقْلِ والسَّمْعِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهو دَلِيلُ السَّمْعِ. فَأسْقَطَ بِهَذا التَّفْرِيعِ احْتِمالَ دَلِيلِ العَقْلِ لِأنَّ انْتِفاءَهُ مَقْطُوعٌ إذْ لا طَرِيقَ إلَيْهِ، وانْحَصَرَ دَلِيلُ السَّمْعِ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما عَلِمْتَ إذْ لا يَعْلَمُ ما في غَيْبِ اللَّهِ غَيْرُهُ.
ثُمَّ خُوطِبُوا بِأمْرِ التَّعْجِيزِ بِأنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ أيْ كِتابٍ جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ. وإنَّما عَيَّنَ لَهم ذَلِكَ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ مَجِيءِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ واسْتِحالَةَ أنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ أحَدًا مَن خَلْقِهِ، فانْحَصَرَ الدَّلِيلُ المَفْرُوضُ مِن جانِبِ السَّمْعِ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ في أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهم كانُوا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، ولَنْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَأْتُوا بِكِتابٍ.
فَذِكْرُ لَفْظِ ”كِتابِكم“ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَأْتُوا بِهِ، أيِ السُّلْطانِ المُبِينِ فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ إلّا أنْ يَكُونَ كِتابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وإضافَةُ كِتابٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ ما فِيهِ مَعْنى المَصْدَرِ إلى مَعْنى المَفْعُولِ
صفحة ١٨٥
عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، والتَّقْدِيرُ: بِكِتابٍ إلَيْكم؛ لِأنَّ ما فِيهِ مادَّةُ الكِتابَةِ لا يَتَعَدّى إلى المَكْتُوبِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ بَلْ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ وهو (إلى) .
فَلا جَرَمَ قَدِ اتَّضَحَ إفْحامُهم بِهَذِهِ المُجادَلَةِ الجارِيَةِ عَلى القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ، ولِذَلِكَ صارُوا كالمُعْتَرِفِينَ بِأنْ لا دَلِيلَ لَهم عَلى ما زَعَمُوا فانْتَقَلَ السّائِلُ المُسْتَفْتِي مِن مَقامِ الِاعْتِراضِ في المُناظَرَةِ إلى انْقِلابِهِ مُسْتَدِلًّا بِاسْتِنْتاجٍ مِن إفْحامِهِمْ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] الواقِعُ مُعْتَرِضًا بَيْنَ التَّرْدِيدِ في الدَّلِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ التَّسْلِيمِ في أثْناءِ المُناظَرَةِ كَما عَلِمْتَ عِنْدَ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهَذا يُسَمّى المُعارَضَةَ. وإنَّما أُقْحِمَ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُجْعَلْ مَعَ حِكايَةِ دَعْواهم لِيَكُونَ آخِرُ الجَدَلِ مَعَهم هو الدَّلِيلَ الَّذِي يَجْرِفُ جَمِيعَ ما بَنَوْهُ وهو قَوْلُهُ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . فَهَذا مِن بَدِيعِ النَّسِيجِ الجامِعِ بَيْنَ أُسْلُوبِ المُناظَرَةِ وأُسْلُوبِ المَوْعِظَةِ وأُسْلُوبِ التَّعْلِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَّكَّرُونَ“ بِتَشْدِيدِ الذّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في الدّالِ بَعْدَ قَلْبِها ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى أنَّ إحْدى التّاءَيْنِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا.
الصافات 37:158
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”لَيَقُولُونَ“ أيْ شَفَّعُوا قَوْلَهم ”ولَدَ اللَّهُ“، فَجَعَلُوا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الجِنِّ نَسَبًا بِتِلْكَ الوِلادَةِ، أيْ بَيَّنُوا كَيْفَ حَصَلَتْ تِلْكَ الوِلادَةُ بِأنْ جَعَلُوها بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا.
صفحة ١٨٦
والجِنَّةُ: الجَماعَةُ مِنَ الجِنِّ، فَتَأْنِيثُ اللَّفْظِ بِتَأْوِيلِ الجَماعَةِ مِثْلُ تَأْنِيثِ رَجْلَةَ، الطّائِفَةُ مِنَ الرِّجالِ، ذَلِكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، أيْ مِن فَرِيقِ نِساءٍ مِنَ الجِنِّ مِن أشْرافِ الجِنِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والنَّسَبُ: القَرابَةُ العَمُودِيَّةُ أوِ الأُفُقِيَّةُ أيْ مِنَ الأطْرافِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذَوِي نَسَبٍ لِلَّهِ تَعالى وهو نَسَبُ النُّبُوَّةِ لِزَعْمِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى نَسَبًا لِلْجِنَّةِ ولِلْجِنَّةِ نَسَبًا لِلَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ”نَسَبًا“ أيْ كائِنًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ، أيْ أنَّ نَسَبَهُ تَعالى، أيْ نَسْلَهُ سُبْحانَهُ، ناشِئٌ مِن بَيْنِهِ وبَيْنِ الجِنِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ ”جَعَلُوا“، أيْ جَعَلُوا في الِاقْتِرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنِّ نَسَبًا لَهُ، أيْ جَعَلُوا مِن ذَلِكَ نَسَبًا يَتَوَلَّدُ لَهُ، فَقَوْلُهُ ﴿بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ هو كَقَوْلِكَ: بَيْنَ فُلانٍ وفُلانَةٍ بَنُونَ، أيْ لَهُ مِنها ولَها مِنهُ بَنُونَ، وهَذا المَعْنى هو مُرادُ مَن فَسَّرَهُ بِأنْ جَعَلُوا الجِنَّ أصْهارًا لِلَّهِ تَعالى، فَتَفْسِيرُهُ النَّسَبَ بِالمُصاهَرَةِ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى ولَيْسَ المُرادُ أنَّ النَّسَبَ يُطْلَقُ عَلى المُصاهَرَةِ كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ؛ لِأنَّ هَذا الإطْلاقَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ فَلا تَغْتَرِرْ بِهِ.
ولِعَدَمِ الغَوْصِ في مَعْنى الآيَةِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ المَلائِكَةُ، أيْ جَعَلُوا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ نَسَبَ الأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ، وهَذا تَفْسِيرٌ فاسِدٌ لِأنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ إعادَةً لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١] ومِن قَوْلِهِ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] .
ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الجِنَّةِ أصْلُ الجِنَّةِ وهو الشَّيْطانُ وأنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم جَعَلُوا اللَّهَ نَسِيبًا لِلشَّيْطانِ نَسَبَ الأُخُوَّةِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ مِنَ المَجُوسِ بِوُجُودِ إلَهٍ لِلْخَيْرِ هو اللَّهُ، وإلَهٍ لِلشَّرِّ هو الشَّيْطانُ، وهم مِن مِلَلِ مَجُوسِ فارِسَ وسَمَّوْا إلَهَ الخَيْرِ (يَزْدانَ) وإلَهَ الشَّرِّ (أهْرُمُنْ)، وقالُوا: كانَ إلَهُ الخَيْرِ وحْدَهُ فَخَطَرَ لَهُ خاطِرٌ في نَفْسِهِ مِنَ الشَّرِّ فَنَشَأ مِنهُ إلَهُ الشَّرِّ هو (أهْرُمُنْ) وهو ما نَعاهُ المَعَرِّيُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:
صفحة ١٨٧
قالَ أُناسٌ باطِلٌ زَعْمُهم فَراقِبُوا اللَّهَ ولا تَزْعُمُنْ
فَكَّرَ (يَزْدانُ) عَلى غِرَّةٍ ∗∗∗ فَصِيغَ مِن تَفْكِيرِهِ أهْرُمُنْ
وهَذا الدِّينُ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ مِن عَرَبِ العِراقِ المُجاوِرِينَ لِبِلادِ فارِسَ والخاضِعِينَ لِسُلْطانِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآياتِ، ولِأنَّ الجِنَّةَ لا يَشْمَلُ الشَّياطِينَ إذا أُطْلِقَ فَإنَّ الشَّيْطانَ كانَ مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّهُ تَمَيَّزَ بِهِ صِنْفٌ خاصٌّ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩]، ”وجَعَلُوا بَيْنَهُ“ إلَخْ. . . حالٌ والواوُ حالِيَّةٌ، وضَمِيرُ ”إنَّهم“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ أوْ إلى الجِنَّةِ، والوَجْهانِ مُرادانِ فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَعاقِبانِ. والمُحْضَرُونَ: المَجْلُوبُونَ لِلْحُضُورِ، والمُرادُ: مُحَضَرُونَ لِلْعِقابِ، بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ فَإنَّ التَّوْبِيخَ يَتْبَعُهُ التَّهْدِيدُ، والغالِبُ في فِعْلِ الإحْضارِ أنْ يُرادَ بِهِ إحْضارُ سُوءٍ، قالَ تَعالى: ”﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المَحْضَرَيْنَ﴾ [الصافات: ٥٧]“ ولِذَلِكَ حَذَفَ مُتَعَلِّقَ ”مُحْضَرُونَ“، فَأمّا الإتْيانُ بِأحَدٍ لِإكْرامِهِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ المَجِيءُ.
والمَعْنى: أنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ كَذِبَ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ كَذِبًا فاحِشًا يُجازَوْنَ عَلَيْهِ بِالإحْضارِ لِلْعَذابِ، فَجُعِلَ ”مُحْضَرُونَ“ كِنايَةً عَنْ كَذِبِهِمْ لِأنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ ما عُذِّبُوا عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
وظاهِرُهُ أنَّ هَذا العِلْمَ حاصِلٌ لِلْجِنِّ فِيما مَضى، ولَعَلَّ ذَلِكَ حَصَلَ لَهم مِن زَمانِ تَمَكُّنِهِمْ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ اسْتِعْمالِ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، أيْ سَتَعْلَمُ الجِنَّةُ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. والمَقْصُودُ: أنَّهم يَتَحَقَّقُونَ ذَلِكَ ولا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ العَذابِ عَنْهم فَقَدْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ لِاعْتِقادِ وجاهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ بِالصَّهْرِ الَّذِي لَهم.
الصافات 37:159
صفحة ١٨٨
١ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ اتُّبِعَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِمُ الباطِلِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ بِاعْتِراضٍ بَيْنَ المُسْتَثْنى مِنهُ والمُسْتَثْنى، يَتَضَمَّنُ إنْشاءَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، فَهو إنْشاءٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِتَنْزِيهِهِ، وتَلْقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقْتَدُوا بِاللَّهِ في ذَلِكَ التَّنْزِيهِ، وتَعْجِيبٌ مِن فَظِيعِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.
الصافات 37:160
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ“ وجُمْلَةِ ”فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ“ الآيَةَ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، قِيلَ: نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ”إنَّهم لَمُحْضَرُونَ“، والمَعْنى لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لا يُحْضَرُونَ، وقِيلَ: نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ”عَمّا يَصِفُونَ“ أيْ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخَلَصِينَ لا يَصِفُونَهُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ ”وجَعَلُوا“ أيْ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ. وهو مِن مَعْنى القَوْلِ الثّانِي، فالمُرادُ بِالعِبادِ المُخْلَصِينَ المُؤْمِنُونَ.
والوَجْهُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ”﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩]“ فَهو مُرْتَبِطٌ بِهِ لِأنَّ ما يَصِفُونَ أفادَ أنَّهم يَصِفُونَ اللَّهَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] .
والمَعْنى: لَكِنَّ المَلائِكَةَ عِبادُ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فالمُرادُ مِن ”﴿عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾“ المَلائِكَةُ، فَهَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] .
الصافات 37:161
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ عُقِّبَ قَوْلُهم في المَلائِكَةِ والجِنِّ بِهَذا لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ دَعاهم إلى عِبادَةِ الجِنِّ وعِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي سَوَّلَها لَهُمُ الشَّيْطانُ وحَرَّضَهم عَلَيْها الكُهّانُ خَدَمَةُ الجِنِّ،
صفحة ١٨٩
فَعُقِّبَ ذَلِكَ بِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِن إدْخالِ الفِتْنَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ في إيمانِهِمْ بِما يُحاوِلُونَ مِنهم مِنَ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِكم، فَإنَّكم لا تَفْتِنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِفْتاءِ مِن قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ ”﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]“ الآيَةَ.
والواوُ في قَوْلِهِ ”وما تَعْبُدُونَ“ واوُ العَطْفِ أوْ واوُ المَعِيَّةِ، وما بَعْدَها مَفْعُولٌ مَعَهُ، والخَبَرُ هو ”﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾“ .
وضَمِيرُ ”أنْتُمْ“ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِثْلُ ضَمِيرِ ”إنَّكم“ .
والمَعْنى: أنَّكم مُصْطَحَبِينَ بِالجِنِّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم لا تَفْتِنُونَ أحَدًا. ووَجْهُ ذِكْرِ المَفْعُولِ مَعَهُ أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ لِلنّاسِ أنَّ الجِنَّ تَنْفَعُ وتَضُرُّ وأنَّ الأصْنامَ كَذَلِكَ، وكانُوا يُخَوِّفُونَ النّاسَ مِن بَأْسِها وانْتِقامِها كَما قالَتِ امْرَأةُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ لَمّا أسْلَمَ ودَعاها إلى الإسْلامِ: ”ألا تَخْشى عَلى الصِّبْيَةِ مِن ذِي الشَّرى ؟ قالَ: لا، فَأسْلَمَتْ، وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مَن يَسُبُّ الأصْنامَ يُصِيبُهُ البَرَصُ أوِ الجُذامُ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا قَدِمَ ضِمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ عَلى قَوْمِهِ مِن عِنْدِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ في قَوْلِهِ: باسَتِ اللّاتُ والعُزّى. فَقالُوا: يا ضِمامُ اتَّقِ الجُذامَ اتَّقِ الجُنُونَ.
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً لِأنَّ الأصْنامَ لا يُسْنَدُ إلَيْها الإفْتانُ.
وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ“ وما تَعْبُدُونَ ”مَفْعُولًا مَعَهُ سادًّا مَسَدَّ خَبَرِ (إنَّ)، والمَعْنى: فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، أيْ فَإنَّكم قُرَناءُ لِآلِهَتِكم لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، وهَذا كَما يَقُولُونَ:“ كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ ”أيْ مَعَ ضَيْعَتِهِ، أيْ مُقارِنٌ لَها.
و“ ما تَعْبُدُونَ ”صادِقٌ عَلى الجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] لِأنَّ الجِنَّ تَصْدُرُ مِنهم فِتْنَةُ النّاسِ بِالإشْراكِ دُونَ الأصْنامِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنها،
صفحة ١٩٠
قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] الآيَةَ.
وضَمِيرُ“ عَلَيْهِ ”يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١] أوْ في قَوْلِهِ“ إلّا عِبادَ اللَّهِ ”، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى“ ما تَعْبُدُونَ ”بِمُراعاةِ إفْرادِ اسْمِ المَوْصُولِ وهو (ما) .
وحُذِفَ مَفْعُولُ“ فاتِنِينَ ”لِقَصْدِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: بِفاتِنِينَ أحَدًا، ومِعْيارُهُ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والمُسْتَثْنى مَفْعُولٌ بِفاتِنِينَ.
وحَرْفُ (عَلى) يَتَعَلَّقُ بِ“ فاتِنِينَ ”إمّا لِتَضْمِينِ“ فاتِنِينَ ”مَعْنى مُفْسِدِينَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ كَما يُقالُ: فَسَدَ العَبْدُ عَلى سَيِّدِهِ، وخَلَّقَ فُلانٌ المَرْأةَ عَلى زَوْجِها، وتَكُونُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ لِأنَّ تَضْمِينَ مُفْسِدِينَ فِيهِ مَعْنى الغَلَبَةِ.
وإمّا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى حامِلِينَ ومَسْئُولِينَ، ويَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويَكُونُ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَيْنَ (عَلى) ومَجْرُورِها تَقْدِيرُهُ: عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى: أنَّكم والشَّياطِينَ لا يَتْبَعُكم أحَدٌ في دِينِكم إلّا مَن عَرَّضَ نَفْسَهُ لِيَكُونَ صالِيَ الجَحِيمِ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .
ورُسِمَ في المُصْحَفِ“ صالِ الجَحِيمِ ”بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ اللّامِ اعْتِبارًا بِحالَةِ الوَصْلِ، فَإنَّ الياءَ لا يُنْطَقُ بِها فَرَسَمَهُ كاتِبُ المُصْحَفِ بِمِثْلِ حالَةِ النُّطْقِ، ولِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلى“ صالِ " .
الصافات 37:162
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ عُقِّبَ قَوْلُهم في المَلائِكَةِ والجِنِّ بِهَذا لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ دَعاهم إلى عِبادَةِ الجِنِّ وعِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي سَوَّلَها لَهُمُ الشَّيْطانُ وحَرَّضَهم عَلَيْها الكُهّانُ خَدَمَةُ الجِنِّ،
صفحة ١٨٩
فَعُقِّبَ ذَلِكَ بِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِن إدْخالِ الفِتْنَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ في إيمانِهِمْ بِما يُحاوِلُونَ مِنهم مِنَ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِكم، فَإنَّكم لا تَفْتِنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِفْتاءِ مِن قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ ”﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]“ الآيَةَ.
والواوُ في قَوْلِهِ ”وما تَعْبُدُونَ“ واوُ العَطْفِ أوْ واوُ المَعِيَّةِ، وما بَعْدَها مَفْعُولٌ مَعَهُ، والخَبَرُ هو ”﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾“ .
وضَمِيرُ ”أنْتُمْ“ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِثْلُ ضَمِيرِ ”إنَّكم“ .
والمَعْنى: أنَّكم مُصْطَحَبِينَ بِالجِنِّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم لا تَفْتِنُونَ أحَدًا. ووَجْهُ ذِكْرِ المَفْعُولِ مَعَهُ أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ لِلنّاسِ أنَّ الجِنَّ تَنْفَعُ وتَضُرُّ وأنَّ الأصْنامَ كَذَلِكَ، وكانُوا يُخَوِّفُونَ النّاسَ مِن بَأْسِها وانْتِقامِها كَما قالَتِ امْرَأةُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ لَمّا أسْلَمَ ودَعاها إلى الإسْلامِ: ”ألا تَخْشى عَلى الصِّبْيَةِ مِن ذِي الشَّرى ؟ قالَ: لا، فَأسْلَمَتْ، وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مَن يَسُبُّ الأصْنامَ يُصِيبُهُ البَرَصُ أوِ الجُذامُ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا قَدِمَ ضِمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ عَلى قَوْمِهِ مِن عِنْدِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ في قَوْلِهِ: باسَتِ اللّاتُ والعُزّى. فَقالُوا: يا ضِمامُ اتَّقِ الجُذامَ اتَّقِ الجُنُونَ.
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً لِأنَّ الأصْنامَ لا يُسْنَدُ إلَيْها الإفْتانُ.
وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ“ وما تَعْبُدُونَ ”مَفْعُولًا مَعَهُ سادًّا مَسَدَّ خَبَرِ (إنَّ)، والمَعْنى: فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، أيْ فَإنَّكم قُرَناءُ لِآلِهَتِكم لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، وهَذا كَما يَقُولُونَ:“ كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ ”أيْ مَعَ ضَيْعَتِهِ، أيْ مُقارِنٌ لَها.
و“ ما تَعْبُدُونَ ”صادِقٌ عَلى الجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] لِأنَّ الجِنَّ تَصْدُرُ مِنهم فِتْنَةُ النّاسِ بِالإشْراكِ دُونَ الأصْنامِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنها،
صفحة ١٩٠
قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] الآيَةَ.
وضَمِيرُ“ عَلَيْهِ ”يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١] أوْ في قَوْلِهِ“ إلّا عِبادَ اللَّهِ ”، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى“ ما تَعْبُدُونَ ”بِمُراعاةِ إفْرادِ اسْمِ المَوْصُولِ وهو (ما) .
وحُذِفَ مَفْعُولُ“ فاتِنِينَ ”لِقَصْدِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: بِفاتِنِينَ أحَدًا، ومِعْيارُهُ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والمُسْتَثْنى مَفْعُولٌ بِفاتِنِينَ.
وحَرْفُ (عَلى) يَتَعَلَّقُ بِ“ فاتِنِينَ ”إمّا لِتَضْمِينِ“ فاتِنِينَ ”مَعْنى مُفْسِدِينَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ كَما يُقالُ: فَسَدَ العَبْدُ عَلى سَيِّدِهِ، وخَلَّقَ فُلانٌ المَرْأةَ عَلى زَوْجِها، وتَكُونُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ لِأنَّ تَضْمِينَ مُفْسِدِينَ فِيهِ مَعْنى الغَلَبَةِ.
وإمّا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى حامِلِينَ ومَسْئُولِينَ، ويَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويَكُونُ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَيْنَ (عَلى) ومَجْرُورِها تَقْدِيرُهُ: عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى: أنَّكم والشَّياطِينَ لا يَتْبَعُكم أحَدٌ في دِينِكم إلّا مَن عَرَّضَ نَفْسَهُ لِيَكُونَ صالِيَ الجَحِيمِ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .
ورُسِمَ في المُصْحَفِ“ صالِ الجَحِيمِ ”بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ اللّامِ اعْتِبارًا بِحالَةِ الوَصْلِ، فَإنَّ الياءَ لا يُنْطَقُ بِها فَرَسَمَهُ كاتِبُ المُصْحَفِ بِمِثْلِ حالَةِ النُّطْقِ، ولِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلى“ صالِ " .
الصافات 37:163
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ عُقِّبَ قَوْلُهم في المَلائِكَةِ والجِنِّ بِهَذا لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ دَعاهم إلى عِبادَةِ الجِنِّ وعِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي سَوَّلَها لَهُمُ الشَّيْطانُ وحَرَّضَهم عَلَيْها الكُهّانُ خَدَمَةُ الجِنِّ،
صفحة ١٨٩
فَعُقِّبَ ذَلِكَ بِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِن إدْخالِ الفِتْنَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ في إيمانِهِمْ بِما يُحاوِلُونَ مِنهم مِنَ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِكم، فَإنَّكم لا تَفْتِنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِفْتاءِ مِن قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ ”﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]“ الآيَةَ.
والواوُ في قَوْلِهِ ”وما تَعْبُدُونَ“ واوُ العَطْفِ أوْ واوُ المَعِيَّةِ، وما بَعْدَها مَفْعُولٌ مَعَهُ، والخَبَرُ هو ”﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾“ .
وضَمِيرُ ”أنْتُمْ“ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِثْلُ ضَمِيرِ ”إنَّكم“ .
والمَعْنى: أنَّكم مُصْطَحَبِينَ بِالجِنِّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم لا تَفْتِنُونَ أحَدًا. ووَجْهُ ذِكْرِ المَفْعُولِ مَعَهُ أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ لِلنّاسِ أنَّ الجِنَّ تَنْفَعُ وتَضُرُّ وأنَّ الأصْنامَ كَذَلِكَ، وكانُوا يُخَوِّفُونَ النّاسَ مِن بَأْسِها وانْتِقامِها كَما قالَتِ امْرَأةُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ لَمّا أسْلَمَ ودَعاها إلى الإسْلامِ: ”ألا تَخْشى عَلى الصِّبْيَةِ مِن ذِي الشَّرى ؟ قالَ: لا، فَأسْلَمَتْ، وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مَن يَسُبُّ الأصْنامَ يُصِيبُهُ البَرَصُ أوِ الجُذامُ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا قَدِمَ ضِمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ عَلى قَوْمِهِ مِن عِنْدِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ في قَوْلِهِ: باسَتِ اللّاتُ والعُزّى. فَقالُوا: يا ضِمامُ اتَّقِ الجُذامَ اتَّقِ الجُنُونَ.
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً لِأنَّ الأصْنامَ لا يُسْنَدُ إلَيْها الإفْتانُ.
وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ“ وما تَعْبُدُونَ ”مَفْعُولًا مَعَهُ سادًّا مَسَدَّ خَبَرِ (إنَّ)، والمَعْنى: فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، أيْ فَإنَّكم قُرَناءُ لِآلِهَتِكم لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، وهَذا كَما يَقُولُونَ:“ كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ ”أيْ مَعَ ضَيْعَتِهِ، أيْ مُقارِنٌ لَها.
و“ ما تَعْبُدُونَ ”صادِقٌ عَلى الجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] لِأنَّ الجِنَّ تَصْدُرُ مِنهم فِتْنَةُ النّاسِ بِالإشْراكِ دُونَ الأصْنامِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنها،
صفحة ١٩٠
قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] الآيَةَ.
وضَمِيرُ“ عَلَيْهِ ”يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١] أوْ في قَوْلِهِ“ إلّا عِبادَ اللَّهِ ”، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى“ ما تَعْبُدُونَ ”بِمُراعاةِ إفْرادِ اسْمِ المَوْصُولِ وهو (ما) .
وحُذِفَ مَفْعُولُ“ فاتِنِينَ ”لِقَصْدِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: بِفاتِنِينَ أحَدًا، ومِعْيارُهُ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والمُسْتَثْنى مَفْعُولٌ بِفاتِنِينَ.
وحَرْفُ (عَلى) يَتَعَلَّقُ بِ“ فاتِنِينَ ”إمّا لِتَضْمِينِ“ فاتِنِينَ ”مَعْنى مُفْسِدِينَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ كَما يُقالُ: فَسَدَ العَبْدُ عَلى سَيِّدِهِ، وخَلَّقَ فُلانٌ المَرْأةَ عَلى زَوْجِها، وتَكُونُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ لِأنَّ تَضْمِينَ مُفْسِدِينَ فِيهِ مَعْنى الغَلَبَةِ.
وإمّا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى حامِلِينَ ومَسْئُولِينَ، ويَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويَكُونُ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَيْنَ (عَلى) ومَجْرُورِها تَقْدِيرُهُ: عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى: أنَّكم والشَّياطِينَ لا يَتْبَعُكم أحَدٌ في دِينِكم إلّا مَن عَرَّضَ نَفْسَهُ لِيَكُونَ صالِيَ الجَحِيمِ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .
ورُسِمَ في المُصْحَفِ“ صالِ الجَحِيمِ ”بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ اللّامِ اعْتِبارًا بِحالَةِ الوَصْلِ، فَإنَّ الياءَ لا يُنْطَقُ بِها فَرَسَمَهُ كاتِبُ المُصْحَفِ بِمِثْلِ حالَةِ النُّطْقِ، ولِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلى“ صالِ " .
الصافات 37:164
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ
صفحة ١٩١
فِي المَعْنى بِعِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَيْسُوا أوْلادَ اللَّهِ تَعالى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ فالواوُ عاطِفَةٌ قَوْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ الواوِ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ كَلامَ قائِلٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ ﴿ما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ وقَوْلِهِ ”الصّافُّونَ. . . المُسَبِّحُونَ“: الشّائِعُ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأمْثالِها في القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وصْفُهم بِالصّافّاتِ، ووَصْفُهم بِالتَّسْبِيحِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، وذِكْرُ مَقاماتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٌ مُطاعٌ ثَمَّ أمِينٌ﴾ [التكوير: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] .
وفِي أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مَثَلًا حَدِيثُ الإسْراءِ: «أنَّ جِبْرِيلَ وجَدَ في كُلِّ سَماءٍ مَلَكًا يَسْتَأْذِنُهُ جِبْرِيلُ أنْ يَدْخُلَ تِلْكَ السَّماءَ، ويَسْألُهُ المَلَكُ: مَن أنْتَ ؟ ومَن مَعَكَ ؟ وهَلْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، فَتَحَ لَهُ» .
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ إلى ”المُسَبِّحُونَ“ نَزَلَ «ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَتَأخَّرَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ: أهُنا تُفارِقُنِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أتَقَدَّمَ عَنْ مَكانِي»، وأنْزَلَ اللَّهُ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ الآيَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَطْفًا عَلى التَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١]“ إلى آخِرِهِ، ويَتَّصِلُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] إلى هُنا.
والمَعْنى: ما أنْتُمْ بَفاتِنِينَنا فِتْنَةَ جَراءَةٍ عَلى رَبِّنا فَنَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والجِنُّ أصْهارُ اللَّهِ فَما مِنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ وهو مَقامُ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ والعُبُودِيَّةِ لَهُ.
والمَنفِيُّ بِ ”ما“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ ”مِنّا“، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِنّا، كَما في قَوْلِ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلاعِ الثَّنايا مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
صفحة ١٩٢
التَّقْدِيرُ: ابْنُ رَجُلٍ جَلا.
والخَبَرُ هو قَوْلُهُ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“، والتَّقْدِيرُ: ما أحَدٌ مِنّا إلّا كائِنٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ. ولَمّا كانَ القِيامُ يَكُونُ في الغالِبِ لِأجْلِ العَمَلِ كَثُرَ إطْلاقُ المَقامِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ المَرْءُ، كَما حُكِيَ في قَوْلِ نُوحٍ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] أيْ عَمَلِي.
والمَعْلُومُ: المُعَيَّنُ المَضْبُوطُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ ”مَعْلُومٌ“ لِأنَّ الشَّيْءَ المُعَيَّنَ المَضْبُوطَ لا يَشْتَبِهُ عَلى المُتَبَصِّرِ فِيهِ فَمَن تَأمَّلَهُ عَلِمَهُ.
والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ مِنّا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إلّا لَهُ صِفَةٌ وعَمَلٌ نَحْوَ خالِقِهِ لا يَسْتَزِلُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا تَرُوجُ عَلَيْهِ فِيهِ الوَساوِسُ، فَلا أنْ تَزِلُّونا عَنْ عِبادَةِ رَبِّنا. فالمَقامُ هو صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦١]، أيْ ما أنْتُمْ بِفاتِنِينَ لَنا فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْنا فَضْلُ المَلائِكَةِ فَنَرْفَعَهُ إلى مَقامِ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، ولا نُشَبِّهُ اعْتِقادَكم في تَصَرُّفِ الجِنِّ أنْ تَبْلُغُوا بِهِمْ مَقامَ المُصاهَرَةِ لِلَّهِ تَعالى والمُداناةِ لِجَلالِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠] .
فَقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيْ وإنّا - مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ - الصّافُّونَ أيِ: الواقِفُونَ لِعِبادَةِ اللَّهِ صُفُوفًا بِالصَّلاةِ. ووَصَفَ وُقُوفَهم في الصَّلاةِ بِالصَّفِّ تَشَبُّهًا بِنِظامِ المَلائِكَةِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ»، والمُرادُ بِالمُسَبِّحِينَ المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا أوْ يَكُونَ خَلَقَ صِهْرًا لَهُ أوْ صاحِبَةً خِلافًا لِشِرْكِكم إذْ عِبادَتُكم مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ، وخِلافًا لِكُفْرِكم إذْ تَجْعَلُونَ لَهُ صَواحِبَ وبَناتٍ وأصْهارًا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”الصّافُّونَ. . المُسَبِّحُونَ“ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] عَلَيْهِ، أيِ: الصّافُّونَ لِعِبادَتِهِ المُسَبِّحُونَ لَهُ، فَإنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها مُتَعَلِّقٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.
وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ مِن قَوْلِهِ ”لَنَحْنُ“ يُفِيدانِ قَصْرًا مُؤَكَّدًا فَهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُنُوَّةِ لِلَّهِ.
الصافات 37:165
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ
صفحة ١٩١
فِي المَعْنى بِعِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَيْسُوا أوْلادَ اللَّهِ تَعالى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ فالواوُ عاطِفَةٌ قَوْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ الواوِ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ كَلامَ قائِلٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ ﴿ما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ وقَوْلِهِ ”الصّافُّونَ. . . المُسَبِّحُونَ“: الشّائِعُ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأمْثالِها في القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وصْفُهم بِالصّافّاتِ، ووَصْفُهم بِالتَّسْبِيحِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، وذِكْرُ مَقاماتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٌ مُطاعٌ ثَمَّ أمِينٌ﴾ [التكوير: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] .
وفِي أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مَثَلًا حَدِيثُ الإسْراءِ: «أنَّ جِبْرِيلَ وجَدَ في كُلِّ سَماءٍ مَلَكًا يَسْتَأْذِنُهُ جِبْرِيلُ أنْ يَدْخُلَ تِلْكَ السَّماءَ، ويَسْألُهُ المَلَكُ: مَن أنْتَ ؟ ومَن مَعَكَ ؟ وهَلْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، فَتَحَ لَهُ» .
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ إلى ”المُسَبِّحُونَ“ نَزَلَ «ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَتَأخَّرَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ: أهُنا تُفارِقُنِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أتَقَدَّمَ عَنْ مَكانِي»، وأنْزَلَ اللَّهُ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ الآيَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَطْفًا عَلى التَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١]“ إلى آخِرِهِ، ويَتَّصِلُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] إلى هُنا.
والمَعْنى: ما أنْتُمْ بَفاتِنِينَنا فِتْنَةَ جَراءَةٍ عَلى رَبِّنا فَنَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والجِنُّ أصْهارُ اللَّهِ فَما مِنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ وهو مَقامُ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ والعُبُودِيَّةِ لَهُ.
والمَنفِيُّ بِ ”ما“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ ”مِنّا“، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِنّا، كَما في قَوْلِ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلاعِ الثَّنايا مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
صفحة ١٩٢
التَّقْدِيرُ: ابْنُ رَجُلٍ جَلا.
والخَبَرُ هو قَوْلُهُ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“، والتَّقْدِيرُ: ما أحَدٌ مِنّا إلّا كائِنٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ. ولَمّا كانَ القِيامُ يَكُونُ في الغالِبِ لِأجْلِ العَمَلِ كَثُرَ إطْلاقُ المَقامِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ المَرْءُ، كَما حُكِيَ في قَوْلِ نُوحٍ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] أيْ عَمَلِي.
والمَعْلُومُ: المُعَيَّنُ المَضْبُوطُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ ”مَعْلُومٌ“ لِأنَّ الشَّيْءَ المُعَيَّنَ المَضْبُوطَ لا يَشْتَبِهُ عَلى المُتَبَصِّرِ فِيهِ فَمَن تَأمَّلَهُ عَلِمَهُ.
والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ مِنّا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إلّا لَهُ صِفَةٌ وعَمَلٌ نَحْوَ خالِقِهِ لا يَسْتَزِلُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا تَرُوجُ عَلَيْهِ فِيهِ الوَساوِسُ، فَلا أنْ تَزِلُّونا عَنْ عِبادَةِ رَبِّنا. فالمَقامُ هو صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦١]، أيْ ما أنْتُمْ بِفاتِنِينَ لَنا فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْنا فَضْلُ المَلائِكَةِ فَنَرْفَعَهُ إلى مَقامِ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، ولا نُشَبِّهُ اعْتِقادَكم في تَصَرُّفِ الجِنِّ أنْ تَبْلُغُوا بِهِمْ مَقامَ المُصاهَرَةِ لِلَّهِ تَعالى والمُداناةِ لِجَلالِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠] .
فَقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيْ وإنّا - مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ - الصّافُّونَ أيِ: الواقِفُونَ لِعِبادَةِ اللَّهِ صُفُوفًا بِالصَّلاةِ. ووَصَفَ وُقُوفَهم في الصَّلاةِ بِالصَّفِّ تَشَبُّهًا بِنِظامِ المَلائِكَةِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ»، والمُرادُ بِالمُسَبِّحِينَ المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا أوْ يَكُونَ خَلَقَ صِهْرًا لَهُ أوْ صاحِبَةً خِلافًا لِشِرْكِكم إذْ عِبادَتُكم مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ، وخِلافًا لِكُفْرِكم إذْ تَجْعَلُونَ لَهُ صَواحِبَ وبَناتٍ وأصْهارًا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”الصّافُّونَ. . المُسَبِّحُونَ“ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] عَلَيْهِ، أيِ: الصّافُّونَ لِعِبادَتِهِ المُسَبِّحُونَ لَهُ، فَإنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها مُتَعَلِّقٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.
وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ مِن قَوْلِهِ ”لَنَحْنُ“ يُفِيدانِ قَصْرًا مُؤَكَّدًا فَهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُنُوَّةِ لِلَّهِ.
الصافات 37:166
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ
صفحة ١٩١
فِي المَعْنى بِعِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَيْسُوا أوْلادَ اللَّهِ تَعالى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ فالواوُ عاطِفَةٌ قَوْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ الواوِ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ كَلامَ قائِلٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ ﴿ما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ وقَوْلِهِ ”الصّافُّونَ. . . المُسَبِّحُونَ“: الشّائِعُ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأمْثالِها في القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وصْفُهم بِالصّافّاتِ، ووَصْفُهم بِالتَّسْبِيحِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، وذِكْرُ مَقاماتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٌ مُطاعٌ ثَمَّ أمِينٌ﴾ [التكوير: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] .
وفِي أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مَثَلًا حَدِيثُ الإسْراءِ: «أنَّ جِبْرِيلَ وجَدَ في كُلِّ سَماءٍ مَلَكًا يَسْتَأْذِنُهُ جِبْرِيلُ أنْ يَدْخُلَ تِلْكَ السَّماءَ، ويَسْألُهُ المَلَكُ: مَن أنْتَ ؟ ومَن مَعَكَ ؟ وهَلْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، فَتَحَ لَهُ» .
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ إلى ”المُسَبِّحُونَ“ نَزَلَ «ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَتَأخَّرَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ: أهُنا تُفارِقُنِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أتَقَدَّمَ عَنْ مَكانِي»، وأنْزَلَ اللَّهُ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ الآيَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَطْفًا عَلى التَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١]“ إلى آخِرِهِ، ويَتَّصِلُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] إلى هُنا.
والمَعْنى: ما أنْتُمْ بَفاتِنِينَنا فِتْنَةَ جَراءَةٍ عَلى رَبِّنا فَنَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والجِنُّ أصْهارُ اللَّهِ فَما مِنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ وهو مَقامُ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ والعُبُودِيَّةِ لَهُ.
والمَنفِيُّ بِ ”ما“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ ”مِنّا“، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِنّا، كَما في قَوْلِ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلاعِ الثَّنايا مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
صفحة ١٩٢
التَّقْدِيرُ: ابْنُ رَجُلٍ جَلا.
والخَبَرُ هو قَوْلُهُ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“، والتَّقْدِيرُ: ما أحَدٌ مِنّا إلّا كائِنٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ. ولَمّا كانَ القِيامُ يَكُونُ في الغالِبِ لِأجْلِ العَمَلِ كَثُرَ إطْلاقُ المَقامِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ المَرْءُ، كَما حُكِيَ في قَوْلِ نُوحٍ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] أيْ عَمَلِي.
والمَعْلُومُ: المُعَيَّنُ المَضْبُوطُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ ”مَعْلُومٌ“ لِأنَّ الشَّيْءَ المُعَيَّنَ المَضْبُوطَ لا يَشْتَبِهُ عَلى المُتَبَصِّرِ فِيهِ فَمَن تَأمَّلَهُ عَلِمَهُ.
والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ مِنّا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إلّا لَهُ صِفَةٌ وعَمَلٌ نَحْوَ خالِقِهِ لا يَسْتَزِلُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا تَرُوجُ عَلَيْهِ فِيهِ الوَساوِسُ، فَلا أنْ تَزِلُّونا عَنْ عِبادَةِ رَبِّنا. فالمَقامُ هو صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦١]، أيْ ما أنْتُمْ بِفاتِنِينَ لَنا فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْنا فَضْلُ المَلائِكَةِ فَنَرْفَعَهُ إلى مَقامِ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، ولا نُشَبِّهُ اعْتِقادَكم في تَصَرُّفِ الجِنِّ أنْ تَبْلُغُوا بِهِمْ مَقامَ المُصاهَرَةِ لِلَّهِ تَعالى والمُداناةِ لِجَلالِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠] .
فَقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيْ وإنّا - مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ - الصّافُّونَ أيِ: الواقِفُونَ لِعِبادَةِ اللَّهِ صُفُوفًا بِالصَّلاةِ. ووَصَفَ وُقُوفَهم في الصَّلاةِ بِالصَّفِّ تَشَبُّهًا بِنِظامِ المَلائِكَةِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ»، والمُرادُ بِالمُسَبِّحِينَ المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا أوْ يَكُونَ خَلَقَ صِهْرًا لَهُ أوْ صاحِبَةً خِلافًا لِشِرْكِكم إذْ عِبادَتُكم مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ، وخِلافًا لِكُفْرِكم إذْ تَجْعَلُونَ لَهُ صَواحِبَ وبَناتٍ وأصْهارًا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”الصّافُّونَ. . المُسَبِّحُونَ“ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] عَلَيْهِ، أيِ: الصّافُّونَ لِعِبادَتِهِ المُسَبِّحُونَ لَهُ، فَإنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها مُتَعَلِّقٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.
وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ مِن قَوْلِهِ ”لَنَحْنُ“ يُفِيدانِ قَصْرًا مُؤَكَّدًا فَهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُنُوَّةِ لِلَّهِ.
الصافات 37:167
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ
صفحة ١٩١
فِي المَعْنى بِعِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَيْسُوا أوْلادَ اللَّهِ تَعالى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ فالواوُ عاطِفَةٌ قَوْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ الواوِ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ كَلامَ قائِلٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ ﴿ما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ وقَوْلِهِ ”الصّافُّونَ. . . المُسَبِّحُونَ“: الشّائِعُ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأمْثالِها في القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وصْفُهم بِالصّافّاتِ، ووَصْفُهم بِالتَّسْبِيحِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، وذِكْرُ مَقاماتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٌ مُطاعٌ ثَمَّ أمِينٌ﴾ [التكوير: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] .
وفِي أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مَثَلًا حَدِيثُ الإسْراءِ: «أنَّ جِبْرِيلَ وجَدَ في كُلِّ سَماءٍ مَلَكًا يَسْتَأْذِنُهُ جِبْرِيلُ أنْ يَدْخُلَ تِلْكَ السَّماءَ، ويَسْألُهُ المَلَكُ: مَن أنْتَ ؟ ومَن مَعَكَ ؟ وهَلْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، فَتَحَ لَهُ» .
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ إلى ”المُسَبِّحُونَ“ نَزَلَ «ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَتَأخَّرَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ: أهُنا تُفارِقُنِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أتَقَدَّمَ عَنْ مَكانِي»، وأنْزَلَ اللَّهُ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ الآيَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَطْفًا عَلى التَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١]“ إلى آخِرِهِ، ويَتَّصِلُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] إلى هُنا.
والمَعْنى: ما أنْتُمْ بَفاتِنِينَنا فِتْنَةَ جَراءَةٍ عَلى رَبِّنا فَنَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والجِنُّ أصْهارُ اللَّهِ فَما مِنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ وهو مَقامُ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ والعُبُودِيَّةِ لَهُ.
والمَنفِيُّ بِ ”ما“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ ”مِنّا“، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِنّا، كَما في قَوْلِ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلاعِ الثَّنايا مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
صفحة ١٩٢
التَّقْدِيرُ: ابْنُ رَجُلٍ جَلا.
والخَبَرُ هو قَوْلُهُ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“، والتَّقْدِيرُ: ما أحَدٌ مِنّا إلّا كائِنٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ. ولَمّا كانَ القِيامُ يَكُونُ في الغالِبِ لِأجْلِ العَمَلِ كَثُرَ إطْلاقُ المَقامِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ المَرْءُ، كَما حُكِيَ في قَوْلِ نُوحٍ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] أيْ عَمَلِي.
والمَعْلُومُ: المُعَيَّنُ المَضْبُوطُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ ”مَعْلُومٌ“ لِأنَّ الشَّيْءَ المُعَيَّنَ المَضْبُوطَ لا يَشْتَبِهُ عَلى المُتَبَصِّرِ فِيهِ فَمَن تَأمَّلَهُ عَلِمَهُ.
والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ مِنّا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إلّا لَهُ صِفَةٌ وعَمَلٌ نَحْوَ خالِقِهِ لا يَسْتَزِلُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا تَرُوجُ عَلَيْهِ فِيهِ الوَساوِسُ، فَلا أنْ تَزِلُّونا عَنْ عِبادَةِ رَبِّنا. فالمَقامُ هو صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦١]، أيْ ما أنْتُمْ بِفاتِنِينَ لَنا فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْنا فَضْلُ المَلائِكَةِ فَنَرْفَعَهُ إلى مَقامِ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، ولا نُشَبِّهُ اعْتِقادَكم في تَصَرُّفِ الجِنِّ أنْ تَبْلُغُوا بِهِمْ مَقامَ المُصاهَرَةِ لِلَّهِ تَعالى والمُداناةِ لِجَلالِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠] .
فَقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيْ وإنّا - مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ - الصّافُّونَ أيِ: الواقِفُونَ لِعِبادَةِ اللَّهِ صُفُوفًا بِالصَّلاةِ. ووَصَفَ وُقُوفَهم في الصَّلاةِ بِالصَّفِّ تَشَبُّهًا بِنِظامِ المَلائِكَةِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ»، والمُرادُ بِالمُسَبِّحِينَ المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا أوْ يَكُونَ خَلَقَ صِهْرًا لَهُ أوْ صاحِبَةً خِلافًا لِشِرْكِكم إذْ عِبادَتُكم مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ، وخِلافًا لِكُفْرِكم إذْ تَجْعَلُونَ لَهُ صَواحِبَ وبَناتٍ وأصْهارًا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”الصّافُّونَ. . المُسَبِّحُونَ“ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] عَلَيْهِ، أيِ: الصّافُّونَ لِعِبادَتِهِ المُسَبِّحُونَ لَهُ، فَإنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها مُتَعَلِّقٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.
وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ مِن قَوْلِهِ ”لَنَحْنُ“ يُفِيدانِ قَصْرًا مُؤَكَّدًا فَهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُنُوَّةِ لِلَّهِ.
الصافات 37:168
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ
صفحة ١٩١
فِي المَعْنى بِعِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَيْسُوا أوْلادَ اللَّهِ تَعالى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ فالواوُ عاطِفَةٌ قَوْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ الواوِ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ كَلامَ قائِلٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ ﴿ما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ وقَوْلِهِ ”الصّافُّونَ. . . المُسَبِّحُونَ“: الشّائِعُ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأمْثالِها في القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وصْفُهم بِالصّافّاتِ، ووَصْفُهم بِالتَّسْبِيحِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، وذِكْرُ مَقاماتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٌ مُطاعٌ ثَمَّ أمِينٌ﴾ [التكوير: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] .
وفِي أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مَثَلًا حَدِيثُ الإسْراءِ: «أنَّ جِبْرِيلَ وجَدَ في كُلِّ سَماءٍ مَلَكًا يَسْتَأْذِنُهُ جِبْرِيلُ أنْ يَدْخُلَ تِلْكَ السَّماءَ، ويَسْألُهُ المَلَكُ: مَن أنْتَ ؟ ومَن مَعَكَ ؟ وهَلْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، فَتَحَ لَهُ» .
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ إلى ”المُسَبِّحُونَ“ نَزَلَ «ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَتَأخَّرَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ: أهُنا تُفارِقُنِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أتَقَدَّمَ عَنْ مَكانِي»، وأنْزَلَ اللَّهُ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ الآيَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَطْفًا عَلى التَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١]“ إلى آخِرِهِ، ويَتَّصِلُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] إلى هُنا.
والمَعْنى: ما أنْتُمْ بَفاتِنِينَنا فِتْنَةَ جَراءَةٍ عَلى رَبِّنا فَنَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والجِنُّ أصْهارُ اللَّهِ فَما مِنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ وهو مَقامُ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ والعُبُودِيَّةِ لَهُ.
والمَنفِيُّ بِ ”ما“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ ”مِنّا“، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِنّا، كَما في قَوْلِ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلاعِ الثَّنايا مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
صفحة ١٩٢
التَّقْدِيرُ: ابْنُ رَجُلٍ جَلا.
والخَبَرُ هو قَوْلُهُ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“، والتَّقْدِيرُ: ما أحَدٌ مِنّا إلّا كائِنٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ. ولَمّا كانَ القِيامُ يَكُونُ في الغالِبِ لِأجْلِ العَمَلِ كَثُرَ إطْلاقُ المَقامِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ المَرْءُ، كَما حُكِيَ في قَوْلِ نُوحٍ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] أيْ عَمَلِي.
والمَعْلُومُ: المُعَيَّنُ المَضْبُوطُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ ”مَعْلُومٌ“ لِأنَّ الشَّيْءَ المُعَيَّنَ المَضْبُوطَ لا يَشْتَبِهُ عَلى المُتَبَصِّرِ فِيهِ فَمَن تَأمَّلَهُ عَلِمَهُ.
والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ مِنّا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إلّا لَهُ صِفَةٌ وعَمَلٌ نَحْوَ خالِقِهِ لا يَسْتَزِلُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا تَرُوجُ عَلَيْهِ فِيهِ الوَساوِسُ، فَلا أنْ تَزِلُّونا عَنْ عِبادَةِ رَبِّنا. فالمَقامُ هو صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦١]، أيْ ما أنْتُمْ بِفاتِنِينَ لَنا فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْنا فَضْلُ المَلائِكَةِ فَنَرْفَعَهُ إلى مَقامِ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، ولا نُشَبِّهُ اعْتِقادَكم في تَصَرُّفِ الجِنِّ أنْ تَبْلُغُوا بِهِمْ مَقامَ المُصاهَرَةِ لِلَّهِ تَعالى والمُداناةِ لِجَلالِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠] .
فَقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيْ وإنّا - مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ - الصّافُّونَ أيِ: الواقِفُونَ لِعِبادَةِ اللَّهِ صُفُوفًا بِالصَّلاةِ. ووَصَفَ وُقُوفَهم في الصَّلاةِ بِالصَّفِّ تَشَبُّهًا بِنِظامِ المَلائِكَةِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ»، والمُرادُ بِالمُسَبِّحِينَ المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا أوْ يَكُونَ خَلَقَ صِهْرًا لَهُ أوْ صاحِبَةً خِلافًا لِشِرْكِكم إذْ عِبادَتُكم مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ، وخِلافًا لِكُفْرِكم إذْ تَجْعَلُونَ لَهُ صَواحِبَ وبَناتٍ وأصْهارًا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”الصّافُّونَ. . المُسَبِّحُونَ“ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] عَلَيْهِ، أيِ: الصّافُّونَ لِعِبادَتِهِ المُسَبِّحُونَ لَهُ، فَإنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها مُتَعَلِّقٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.
وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ مِن قَوْلِهِ ”لَنَحْنُ“ يُفِيدانِ قَصْرًا مُؤَكَّدًا فَهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُنُوَّةِ لِلَّهِ.
الصافات 37:169
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠] عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ
صفحة ١٩١
فِي المَعْنى بِعِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَيْسُوا أوْلادَ اللَّهِ تَعالى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ فالواوُ عاطِفَةٌ قَوْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ الواوِ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ كَلامَ قائِلٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ ﴿ما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ وقَوْلِهِ ”الصّافُّونَ. . . المُسَبِّحُونَ“: الشّائِعُ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأمْثالِها في القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وصْفُهم بِالصّافّاتِ، ووَصْفُهم بِالتَّسْبِيحِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، وذِكْرُ مَقاماتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٌ مُطاعٌ ثَمَّ أمِينٌ﴾ [التكوير: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] .
وفِي أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مَثَلًا حَدِيثُ الإسْراءِ: «أنَّ جِبْرِيلَ وجَدَ في كُلِّ سَماءٍ مَلَكًا يَسْتَأْذِنُهُ جِبْرِيلُ أنْ يَدْخُلَ تِلْكَ السَّماءَ، ويَسْألُهُ المَلَكُ: مَن أنْتَ ؟ ومَن مَعَكَ ؟ وهَلْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، فَتَحَ لَهُ» .
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ إلى ”المُسَبِّحُونَ“ نَزَلَ «ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَتَأخَّرَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ: أهُنا تُفارِقُنِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أتَقَدَّمَ عَنْ مَكانِي»، وأنْزَلَ اللَّهُ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ ”﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“ الآيَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَطْفًا عَلى التَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١]“ إلى آخِرِهِ، ويَتَّصِلُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] إلى هُنا.
والمَعْنى: ما أنْتُمْ بَفاتِنِينَنا فِتْنَةَ جَراءَةٍ عَلى رَبِّنا فَنَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والجِنُّ أصْهارُ اللَّهِ فَما مِنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ وهو مَقامُ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ والعُبُودِيَّةِ لَهُ.
والمَنفِيُّ بِ ”ما“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ ”مِنّا“، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِنّا، كَما في قَوْلِ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ:
أنا ابْنُ جَلا وطَلاعِ الثَّنايا مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
صفحة ١٩٢
التَّقْدِيرُ: ابْنُ رَجُلٍ جَلا.
والخَبَرُ هو قَوْلُهُ ”﴿إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾“، والتَّقْدِيرُ: ما أحَدٌ مِنّا إلّا كائِنٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ. ولَمّا كانَ القِيامُ يَكُونُ في الغالِبِ لِأجْلِ العَمَلِ كَثُرَ إطْلاقُ المَقامِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ المَرْءُ، كَما حُكِيَ في قَوْلِ نُوحٍ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] أيْ عَمَلِي.
والمَعْلُومُ: المُعَيَّنُ المَضْبُوطُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ ”مَعْلُومٌ“ لِأنَّ الشَّيْءَ المُعَيَّنَ المَضْبُوطَ لا يَشْتَبِهُ عَلى المُتَبَصِّرِ فِيهِ فَمَن تَأمَّلَهُ عَلِمَهُ.
والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ مِنّا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إلّا لَهُ صِفَةٌ وعَمَلٌ نَحْوَ خالِقِهِ لا يَسْتَزِلُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا تَرُوجُ عَلَيْهِ فِيهِ الوَساوِسُ، فَلا أنْ تَزِلُّونا عَنْ عِبادَةِ رَبِّنا. فالمَقامُ هو صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦١]، أيْ ما أنْتُمْ بِفاتِنِينَ لَنا فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْنا فَضْلُ المَلائِكَةِ فَنَرْفَعَهُ إلى مَقامِ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، ولا نُشَبِّهُ اعْتِقادَكم في تَصَرُّفِ الجِنِّ أنْ تَبْلُغُوا بِهِمْ مَقامَ المُصاهَرَةِ لِلَّهِ تَعالى والمُداناةِ لِجَلالِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠] .
فَقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيْ وإنّا - مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ - الصّافُّونَ أيِ: الواقِفُونَ لِعِبادَةِ اللَّهِ صُفُوفًا بِالصَّلاةِ. ووَصَفَ وُقُوفَهم في الصَّلاةِ بِالصَّفِّ تَشَبُّهًا بِنِظامِ المَلائِكَةِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ»، والمُرادُ بِالمُسَبِّحِينَ المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا أوْ يَكُونَ خَلَقَ صِهْرًا لَهُ أوْ صاحِبَةً خِلافًا لِشِرْكِكم إذْ عِبادَتُكم مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ، وخِلافًا لِكُفْرِكم إذْ تَجْعَلُونَ لَهُ صَواحِبَ وبَناتٍ وأصْهارًا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”الصّافُّونَ. . المُسَبِّحُونَ“ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] عَلَيْهِ، أيِ: الصّافُّونَ لِعِبادَتِهِ المُسَبِّحُونَ لَهُ، فَإنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها مُتَعَلِّقٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.
وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ مِن قَوْلِهِ ”لَنَحْنُ“ يُفِيدانِ قَصْرًا مُؤَكَّدًا فَهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُنُوَّةِ لِلَّهِ.
الصافات 37:170
صفحة ١٩٣
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات: ١٦٧] ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ انْتِقالٌ مَن ذِكْرِ كُفْرِ المُشْرِكِينَ بِتَعَدُّدِ الإلَهِ وبِإنْكارِ البَعْثِ وما وصَفُوا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، ثُمَّ بِما نَسَبُوا لِلَّهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والوَعِيدِ لَهم والوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ والعِبْرَةِ بِمَصارِعِ المُكَذِّبِينَ السّابِقِينَ وما لَقِيَهُ رُسُلُ اللَّهِ مِن أقْوامِهِمْ.
فانْتَقَلَ الكَلامُ إلى ذِكْرِ ما كَفَرَ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن تَكْذِيبِ القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ هَدًى لَهم، فالمَقْصُودُ مِن هَذا هو قَوْلُهُ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ أيِ الذِّكْرِ، وإنَّما قَدَّمَ لَهُ في نَظْمِ الكَلامِ ما فِيهِ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ تَهافُتُهم في القَوْلِ، إذْ كانُوا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالكِتابِ المُبِينِ يَوَدُّونَ أنْ يُشَرِّفَهُمُ اللَّهُ بِكِتابٍ لَهم كَما شَرَّفَ الأوَّلِينَ، ويَرْجُونَ لَوْ كانَ ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ مُخْلَصِينَ لَهُ، فَلَمّا جاءَهم ما رَغِبُوا فِيهِ كَفَرُوا بِهِ وذَلِكَ أفْظَعُ الكُفْرِ لِأنَّهُ كُفْرٌ بِما كانُوا عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، إذْ كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ ويَغْبِطُونَ الأُمَمَ الَّتِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلُهُ، فَلَمْ يَكُنْ كُفْرُهم عَنْ مُباغَتَةٍ ولا عَنْ قِلَّةِ تَمَكُّنٍ مِنَ النَّظَرِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (إنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبِلامِ الِابْتِداءِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم لِيَسُدَّ عَلَيْهِمْ بابَ الإنْكارِ.
وإقْحامُ فِعْلِ ”كانُوا“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَبَرَ ”كانَ“ ثابِتٌ لَهم في الماضِي.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ”يَقُولُونَ“ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنهم.
و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ وسَدَّتْ (أنَّ) وصِلَتُها مَسَدَّ فِعْلِ الشَّرْطِ وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ.
والذِّكْرُ: الكِتابُ المَقْرُوءُ، سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّهُ يُذَكِّرُ النّاسَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِمْ، مُسَمًّى بِالمَصْدَرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.
و”﴿مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨]“ صِفَةٌ لِ ”ذِكْرًا“، والمُرادُ بِ ”الأوَّلِينَ“ الرُّسُلُ السّابِقُونَ، و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ: ذِكْرًا جائِيًا مِنَ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ، أيْ مِثْلَ مُوسى وعِيسى. ومُرادُهم
صفحة ١٩٤
بِهَذا أنَّ الرُّسُلَ الأوَّلِينَ لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ ولا بَلَّغُوا إلَيْهِمْ كِتابَهم ولَوْ كانُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ لَآمَنُوا بِهِمْ فَكانُوا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَذَكَرَ في جَوابِ (لَوْ) ما هو أخَصُّ مِنَ الإيمانِ لِيُفِيدَ مَعْنى الإيمانِ بِدَلالَةِ الفَحْوى.
وفِي جُمْلَةِ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] صِيغَةُ قَصْرٍ مِن أجْلِ كَوْنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعْرِفَةً بِالإضْمارِ والمُسْنَدِ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ، أيْ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ دُونَ غَيْرِنا، ولَمّا وصَفَ المُسْنَدَ بِ ”المُخْلَصِينَ“ وهو مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ، حَصَلَ قَصْرُ عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ لَهم صِفَةُ الإخْلاصِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ، وهَذا قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في ثُبُوتِ صِفَةِ الإخْلاصِ لَهم حَتّى كانُوا شَبِيهِينَ بِالمُنْفَرِدِينَ بِالإخْلاصِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِإخْلاصِ غَيْرِهِمْ في جانِبِ إخْلاصِهِمْ. وهو يَئُولُ إلى مَعْنى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ في الإخْلاصِ لِلَّهِ حِينَئِذٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] .
والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ لِلتَّعْقِيبِ عَلى فِعْلِ ”لَيَقُولُونَ“، أيِ اسْتَمَرَّ قَوْلُهم حَتّى كانَ آخِرُهُ أنْ جاءَهُمُ الكِتابُ فَكَفَرُوا بِهِ، أوْ لِلْفَضِيحَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَكانَ عِنْدَهم ذِكْرٌ فَكَفَرُوا بِهِ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لِيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] .
وبِهَذا كانَ لِلْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ ”﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾“ مَوْقِعُهُ المُصادِفُ المِجَزُّ مِنَ الكَلامِ، وهَوْلُهُ بِما ضَمِنَهُ مِنَ الإبْهامِ.
و(سَوْفَ) أُخْتُ السِّينِ في إفادَةِ مُطْلَقِ الِاسْتِقْبالِ.
الصافات 37:171
﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ وبَيانٌ لِبَعْضِ الوَعِيدِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ
صفحة ١٩٥
جانِبُ التَّسْلِيَةِ فَعَطَفَ بِالواوِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.
والكَلِمَةُ مُرادٌ بِها الكَلامُ، عَبَّرَ عَنِ الكَلامِ بِكَلِمَةٍ إشارَةً إلى أنَّهُ مُنْتَظِمٌ في مَعْنًى واحِدٍ دالٍّ عَلى المَقْصُودِ دَلالَةً سَرِيعَةً فَشُبِّهَ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ في سُرْعَةِ الدَّلالَةِ وإيجازِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»
وبُيِّنَتِ الكَلِمَةُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾، أيِ الكَلامُ المُتَضَمِّنُ وعْدَهم بِأنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوهم وعادَوْهم، وهَذِهِ بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَقِبَ تَسْلِيَتِهِ لِأنَّهُ داخِلٌ في عُمُومِ المُرْسَلِينَ.
وعَطَفَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ جُنْدُ اللَّهِ، أيْ أنْصارُهُ لِأنَّهم نَصَرُوا دِينَهُ وتَلَقَّوْا كَلامَهُ، كَما سُمُّوا حِزْبَ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ﴾ [المجادلة: ٢٢] مِنهُ إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وقَوْلُهُ ”لَهُمُ الغالِبُونَ“ يَشْمَلُ عُلُوَّهم عَلى عَدُوِّهِمْ في مَقامِ الحِجاجِ ومَلاحِمِ القِتالِ في الدُّنْيا، وعُلُوَّهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ ”الغالِبُونَ“ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
ومَعْنى ”المَنصُورُونَ“ و”الغالِبُونَ“ في أكْثَرِ الأحْوالِ وبِاعْتِبارِ العاقِبَةِ، فَلا يُنافِي أنَّهم يُغْلَبُونَ نادِرًا ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ، أوِ المُرادُ النَّصْرُ والغَلَبَةُ المَوْعُودُ بِهِما قَرِيبًا وهُما ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
الصافات 37:172
﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ وبَيانٌ لِبَعْضِ الوَعِيدِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ
صفحة ١٩٥
جانِبُ التَّسْلِيَةِ فَعَطَفَ بِالواوِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.
والكَلِمَةُ مُرادٌ بِها الكَلامُ، عَبَّرَ عَنِ الكَلامِ بِكَلِمَةٍ إشارَةً إلى أنَّهُ مُنْتَظِمٌ في مَعْنًى واحِدٍ دالٍّ عَلى المَقْصُودِ دَلالَةً سَرِيعَةً فَشُبِّهَ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ في سُرْعَةِ الدَّلالَةِ وإيجازِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»
وبُيِّنَتِ الكَلِمَةُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾، أيِ الكَلامُ المُتَضَمِّنُ وعْدَهم بِأنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوهم وعادَوْهم، وهَذِهِ بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَقِبَ تَسْلِيَتِهِ لِأنَّهُ داخِلٌ في عُمُومِ المُرْسَلِينَ.
وعَطَفَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ جُنْدُ اللَّهِ، أيْ أنْصارُهُ لِأنَّهم نَصَرُوا دِينَهُ وتَلَقَّوْا كَلامَهُ، كَما سُمُّوا حِزْبَ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ﴾ [المجادلة: ٢٢] مِنهُ إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وقَوْلُهُ ”لَهُمُ الغالِبُونَ“ يَشْمَلُ عُلُوَّهم عَلى عَدُوِّهِمْ في مَقامِ الحِجاجِ ومَلاحِمِ القِتالِ في الدُّنْيا، وعُلُوَّهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ ”الغالِبُونَ“ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
ومَعْنى ”المَنصُورُونَ“ و”الغالِبُونَ“ في أكْثَرِ الأحْوالِ وبِاعْتِبارِ العاقِبَةِ، فَلا يُنافِي أنَّهم يُغْلَبُونَ نادِرًا ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ، أوِ المُرادُ النَّصْرُ والغَلَبَةُ المَوْعُودُ بِهِما قَرِيبًا وهُما ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
الصافات 37:173
﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ وبَيانٌ لِبَعْضِ الوَعِيدِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ١٧٠] بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، ولَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ
صفحة ١٩٥
جانِبُ التَّسْلِيَةِ فَعَطَفَ بِالواوِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.
والكَلِمَةُ مُرادٌ بِها الكَلامُ، عَبَّرَ عَنِ الكَلامِ بِكَلِمَةٍ إشارَةً إلى أنَّهُ مُنْتَظِمٌ في مَعْنًى واحِدٍ دالٍّ عَلى المَقْصُودِ دَلالَةً سَرِيعَةً فَشُبِّهَ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ في سُرْعَةِ الدَّلالَةِ وإيجازِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»
وبُيِّنَتِ الكَلِمَةُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾، أيِ الكَلامُ المُتَضَمِّنُ وعْدَهم بِأنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوهم وعادَوْهم، وهَذِهِ بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَقِبَ تَسْلِيَتِهِ لِأنَّهُ داخِلٌ في عُمُومِ المُرْسَلِينَ.
وعَطَفَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ جُنْدُ اللَّهِ، أيْ أنْصارُهُ لِأنَّهم نَصَرُوا دِينَهُ وتَلَقَّوْا كَلامَهُ، كَما سُمُّوا حِزْبَ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ﴾ [المجادلة: ٢٢] مِنهُ إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وقَوْلُهُ ”لَهُمُ الغالِبُونَ“ يَشْمَلُ عُلُوَّهم عَلى عَدُوِّهِمْ في مَقامِ الحِجاجِ ومَلاحِمِ القِتالِ في الدُّنْيا، وعُلُوَّهم عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ ”الغالِبُونَ“ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
ومَعْنى ”المَنصُورُونَ“ و”الغالِبُونَ“ في أكْثَرِ الأحْوالِ وبِاعْتِبارِ العاقِبَةِ، فَلا يُنافِي أنَّهم يُغْلَبُونَ نادِرًا ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ، أوِ المُرادُ النَّصْرُ والغَلَبَةُ المَوْعُودُ بِهِما قَرِيبًا وهُما ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
الصافات 37:174
﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ هَذا مُفَرَّعٌ عَلى التَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾ [الصافات: ١٧١] .
صفحة ١٩٦
التَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ: المُفارَقَةُ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠]، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِما يَقُولُونَهُ وتَرْكِ النَّكَدِ مِن إعْراضِهِمْ.
والحِينُ: الوَقْتُ. وأجْمَلَ هُنا إيماءً إلى تَقْلِيلِهِ، أيْ تَقْرِيبِهِ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ المَعْنَوِيِّ وهو التَّقْلِيلُ.
ومَعْنى ”أبْصِرْهم“ انْظُرْ إلَيْهِمْ، أيْ مِنَ الآنِ، وعُدِّيَ (أبْصِرْ) إلى ضَمِيرِهِمُ الدّالِّ عَلى ذَواتِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ النَّظَرَ إلى ذَواتِهِمْ لَكِنْ إلى أحْوالِهِمْ، أيْ تَأمَّلْ أحْوالَهم تَرَ كَيْفَ نَصَرَكَ عَلَيْهِمْ، وهَذا وعِيدٌ بِما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
وحُذِفَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْصارُ مِن حالٍ أوْ مَفْعُولٍ مَعَهُ بِتَقْدِيرِ: وأبْصِرْهم مَأْسُورِينَ مَقْتُولِينَ، أوْ وأبْصِرْهم وما يُقْضى بِهِ عَلَيْهِمْ مِن أسْرٍ وقَتْلٍ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ المَأْمُورُ بِهِ أيْضًا ذَواتِهِمْ، وهَذا مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ.
وصِيغَةُ الأمْرِ في ”وأبْصِرْهم“ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإرْشادِ عَلى حَدِّ قَوْلِ:
إذا أعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حالٌ مِنِ امْرِئٍ فَدَعْهُ وواكِلْ أمْرَهُ واللَّيالِيا
أيْ إذا شِئْتَ أنْ تَتَحَقَّقَ قَرارَةَ حالِهِ فانْتَظِرْهُ.
وعَبَّرَ عَنْ تَرْتِيبِ نُزُولِ الوَعِيدِ بِهِمْ بِفِعْلِ الإبْصارِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما تُوُعِّدُوا بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ قَرِيبٌ حَتّى أنَّ المَوْعُودَ بِالنَّصْرِ يَتَشَوَّفُ إلى حُلُولِهِ، فَكانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ تَحَقُّقِهِ وقُرْبِهِ لِأنَّ تَحْدِيقَ البَصَرِ لا يَكُونُ إلّا إلى شَيْءٍ أشْرَفَ عَلى الحُلُولِ.
وتَفْرِيعُ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَلى ”وأبْصِرْهم“ تَفْرِيعٌ لِإنْذارِهِمْ بِوَعِيدٍ قَرِيبٍ عَلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِقُرْبِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ البَصَرَ يَسُرُّ النَّبِيءَ ﷺ ويُحْزِنُ أعْداءَهُ، فَفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبْصِرْهم وما يَنْزِلُ بِهِمْ فَسَوْفَ تُبْصِرُ ما وعَدْناكَ ولِيُبْصِرُوا ما يَنْزِلُ بِهِمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَهُ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يُبْصِرُونَ“ لِدَلالَةِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ.
واعْلَمْ أنَّ تَفْرِيعَ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَلى ”وأبْصِرْهم“ يَمْنَعُ مِن إرادَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأبْصِرْهم حِينَ يَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ بَعْدَ ذَلِكَ الحِينِ كَما لا يَخْفى.
الصافات 37:175
﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ هَذا مُفَرَّعٌ عَلى التَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا﴾ [الصافات: ١٧١] .
صفحة ١٩٦
التَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ: المُفارَقَةُ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠]، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِما يَقُولُونَهُ وتَرْكِ النَّكَدِ مِن إعْراضِهِمْ.
والحِينُ: الوَقْتُ. وأجْمَلَ هُنا إيماءً إلى تَقْلِيلِهِ، أيْ تَقْرِيبِهِ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ المَعْنَوِيِّ وهو التَّقْلِيلُ.
ومَعْنى ”أبْصِرْهم“ انْظُرْ إلَيْهِمْ، أيْ مِنَ الآنِ، وعُدِّيَ (أبْصِرْ) إلى ضَمِيرِهِمُ الدّالِّ عَلى ذَواتِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ النَّظَرَ إلى ذَواتِهِمْ لَكِنْ إلى أحْوالِهِمْ، أيْ تَأمَّلْ أحْوالَهم تَرَ كَيْفَ نَصَرَكَ عَلَيْهِمْ، وهَذا وعِيدٌ بِما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
وحُذِفَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْصارُ مِن حالٍ أوْ مَفْعُولٍ مَعَهُ بِتَقْدِيرِ: وأبْصِرْهم مَأْسُورِينَ مَقْتُولِينَ، أوْ وأبْصِرْهم وما يُقْضى بِهِ عَلَيْهِمْ مِن أسْرٍ وقَتْلٍ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ المَأْمُورُ بِهِ أيْضًا ذَواتِهِمْ، وهَذا مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ.
وصِيغَةُ الأمْرِ في ”وأبْصِرْهم“ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإرْشادِ عَلى حَدِّ قَوْلِ:
إذا أعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حالٌ مِنِ امْرِئٍ فَدَعْهُ وواكِلْ أمْرَهُ واللَّيالِيا
أيْ إذا شِئْتَ أنْ تَتَحَقَّقَ قَرارَةَ حالِهِ فانْتَظِرْهُ.
وعَبَّرَ عَنْ تَرْتِيبِ نُزُولِ الوَعِيدِ بِهِمْ بِفِعْلِ الإبْصارِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما تُوُعِّدُوا بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ قَرِيبٌ حَتّى أنَّ المَوْعُودَ بِالنَّصْرِ يَتَشَوَّفُ إلى حُلُولِهِ، فَكانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ تَحَقُّقِهِ وقُرْبِهِ لِأنَّ تَحْدِيقَ البَصَرِ لا يَكُونُ إلّا إلى شَيْءٍ أشْرَفَ عَلى الحُلُولِ.
وتَفْرِيعُ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَلى ”وأبْصِرْهم“ تَفْرِيعٌ لِإنْذارِهِمْ بِوَعِيدٍ قَرِيبٍ عَلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِقُرْبِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ البَصَرَ يَسُرُّ النَّبِيءَ ﷺ ويُحْزِنُ أعْداءَهُ، فَفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبْصِرْهم وما يَنْزِلُ بِهِمْ فَسَوْفَ تُبْصِرُ ما وعَدْناكَ ولِيُبْصِرُوا ما يَنْزِلُ بِهِمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَهُ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يُبْصِرُونَ“ لِدَلالَةِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ.
واعْلَمْ أنَّ تَفْرِيعَ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَلى ”وأبْصِرْهم“ يَمْنَعُ مِن إرادَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأبْصِرْهم حِينَ يَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ بَعْدَ ذَلِكَ الحِينِ كَما لا يَخْفى.
الصافات 37:176
صفحة ١٩٧
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ هَذا تَفْرِيعٌ عَلى التَّأْجِيلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ”حَتّى حِينٍ“ فَإنَّ ذَلِكَ ما أُنْذِرُهم بِعَذابٍ يَحِلُّ بِهِمْ تُوُقِّعَ أنَّهم سَيَقُولُونَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: أرِنا العَذابَ الَّذِي تُخَوِّفُنا بِهِ وعَجِّلْهُ لَنا.
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَ أنَّهم قالُوهُ فَلُوحِظَ ذَلِكَ وفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ في تَأْخِيرِهِ والنَّظْرَةِ بِهِ رَأْفَةً بِهِمْ واسْتِبْقاءً لَهم حِينًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فاءُ الفَصِيحَةِ، أيْ إنْ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ فَإذا نَزَلَ بِهِمْ فَبِئْسَ وقْتُ نُزُولِهِ.
وإسْنادُ النُّزُولِ إلى العَذابِ وجَعْلُهُ في ساحَتِهِمُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ، شَبَّهَتْ هَيْئَةَ حُصُولِ العَذابِ لَهم بَعْدَ ما أُنْذِرُوا بِهِ فَلَمْ يَعْبَئُوا بِهَيْئَةِ نُزُولِ جَيْشِ عَدُوٍّ في ساحَتِهِمْ بَعْدَ أنْ أنْذَرَهم بِهِ النَّذِيرُ العُرْيانُ فَلَمْ يَأْخُذُوا أُهْبَتَهم حَتّى أناخَ بِهِمْ.
وذَكَرَ الصَّباحَ لِأنَّهُ مِن عَلائِقِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، فَإنَّ شَأْنَ الغارَةِ أنْ تَكُونَ في الصَّباحِ ولِذَلِكَ كانَ نَذِيرُ المَجِيءِ بِغارَةِ عَدُوٍّ يُنادِي: يا صَباحاهُ ! نِداءَ نُدْبَةٍ وتَفَجُّعٍ.
ولِذَلِكَ جُعِلَ جَوابُ (إذا) قَوْلُهُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ بِئْسَ الصَّباحُ صَباحُهم.
وفِي وصْفِهِمْ بِ ”المُنْذَرِينَ“ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ وتَوْرِيَةٌ في اللَّفْظِ لِأنَّ المُشَبَّهِينَ مُنْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ بِالعَذابِ. والَّذِينَ يَسُوءُ صَباحُهم عِنْدَ الغارَةِ هُمُ المَهْزُومُونَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ كانُوا مَغْلُوبِينَ.
وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ في التَّشْبِيهِ بِأنْ يُشَبِّهَ العَذابَ بِالجَيْشِ، وحُلُولَهُ بِهِمْ بِنُزُولِ الجَيْشِ بِساحَةِ قَوْمٍ وما يَلْحَقُهم مِن ضُرِّ العَذابِ بِضُرِّ الهَزِيمَةِ، ووَقْتَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ بِتَصْبِيحِ العَدُوِّ مَحِلَّةَ قَوْمٍ. قالَ في الكَشّافِ: " وما فَصَحَتْ هَذِهِ الآيَةُ
صفحة ١٩٨
ولا كانَتْ لَها الرَّوْعَةُ الَّتِي تُحِسُّ بِها ويَرُوقُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكَ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ.
واعْلَمْ أنَّ في اخْتِيارِ هَذا التَّمْثِيلِ البَدِيعِ مَعْنًى بَدِيعًا مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ العَذابَ الَّذِي وُعِدُوهُ هو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْرِيَةِ.
الصافات 37:177
صفحة ١٩٧
﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ هَذا تَفْرِيعٌ عَلى التَّأْجِيلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ”حَتّى حِينٍ“ فَإنَّ ذَلِكَ ما أُنْذِرُهم بِعَذابٍ يَحِلُّ بِهِمْ تُوُقِّعَ أنَّهم سَيَقُولُونَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: أرِنا العَذابَ الَّذِي تُخَوِّفُنا بِهِ وعَجِّلْهُ لَنا.
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَ أنَّهم قالُوهُ فَلُوحِظَ ذَلِكَ وفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ في تَأْخِيرِهِ والنَّظْرَةِ بِهِ رَأْفَةً بِهِمْ واسْتِبْقاءً لَهم حِينًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فاءُ الفَصِيحَةِ، أيْ إنْ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ فَإذا نَزَلَ بِهِمْ فَبِئْسَ وقْتُ نُزُولِهِ.
وإسْنادُ النُّزُولِ إلى العَذابِ وجَعْلُهُ في ساحَتِهِمُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ، شَبَّهَتْ هَيْئَةَ حُصُولِ العَذابِ لَهم بَعْدَ ما أُنْذِرُوا بِهِ فَلَمْ يَعْبَئُوا بِهَيْئَةِ نُزُولِ جَيْشِ عَدُوٍّ في ساحَتِهِمْ بَعْدَ أنْ أنْذَرَهم بِهِ النَّذِيرُ العُرْيانُ فَلَمْ يَأْخُذُوا أُهْبَتَهم حَتّى أناخَ بِهِمْ.
وذَكَرَ الصَّباحَ لِأنَّهُ مِن عَلائِقِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، فَإنَّ شَأْنَ الغارَةِ أنْ تَكُونَ في الصَّباحِ ولِذَلِكَ كانَ نَذِيرُ المَجِيءِ بِغارَةِ عَدُوٍّ يُنادِي: يا صَباحاهُ ! نِداءَ نُدْبَةٍ وتَفَجُّعٍ.
ولِذَلِكَ جُعِلَ جَوابُ (إذا) قَوْلُهُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ بِئْسَ الصَّباحُ صَباحُهم.
وفِي وصْفِهِمْ بِ ”المُنْذَرِينَ“ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ وتَوْرِيَةٌ في اللَّفْظِ لِأنَّ المُشَبَّهِينَ مُنْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ بِالعَذابِ. والَّذِينَ يَسُوءُ صَباحُهم عِنْدَ الغارَةِ هُمُ المَهْزُومُونَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ كانُوا مَغْلُوبِينَ.
وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ في التَّشْبِيهِ بِأنْ يُشَبِّهَ العَذابَ بِالجَيْشِ، وحُلُولَهُ بِهِمْ بِنُزُولِ الجَيْشِ بِساحَةِ قَوْمٍ وما يَلْحَقُهم مِن ضُرِّ العَذابِ بِضُرِّ الهَزِيمَةِ، ووَقْتَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ بِتَصْبِيحِ العَدُوِّ مَحِلَّةَ قَوْمٍ. قالَ في الكَشّافِ: " وما فَصَحَتْ هَذِهِ الآيَةُ
صفحة ١٩٨
ولا كانَتْ لَها الرَّوْعَةُ الَّتِي تُحِسُّ بِها ويَرُوقُكَ مَوْرِدُها عَلى نَفْسِكَ وطَبْعِكَ إلّا لِمَجِيئِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ.
واعْلَمْ أنَّ في اخْتِيارِ هَذا التَّمْثِيلِ البَدِيعِ مَعْنًى بَدِيعًا مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ العَذابَ الَّذِي وُعِدُوهُ هو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْرِيَةِ.
الصافات 37:178
﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٧] الآيَةَ؛ لِأنَّ مَعْنى المَعْطُوفِ عَلَيْها الوَعْدُ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنهم، فَعَطَفَ عَلَيْهِ أمْرَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ لا يَهْتَمَّ بِعِنادِهِمْ.
وهَذِهِ نَظِيرُ الَّتِي سَبَقَتْها المُفَرَّعَةِ بِالفاءِ، فَلِذَلِكَ يَحْصُلُ مِنها تَأْكِيدُ نَظِيرَتِها، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ هَذا التَّوَلِّي غَيْرَ الأوَّلِ وإلى حِينٍ آخَرَ وإبْصارٍ آخَرَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تَوَلٍّ عَمَّنْ يَبْقى مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ الَّذِي اسْتُعْجِلُوهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِينًا مِن أوْقاتِ الدُّنْيا فَهو إنْذارٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى حِينٍ مِن أحْيانِ الآخِرَةِ، وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ غايَةً لِتَوَلِّي النَّبِيءِ ﷺ عَنْهم لِأنَّ تَوَلِّيَهُ العَذابَ عَنْهم غايَةٌ لِتَوَلِّي النَّبِيءِ ﷺ عَنْهم لِأنَّ تَوَلِّيَهُ عَنْهم مُسْتَمِرٌّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ لَحاقِ النَّبِيءِ ﷺ بِالرَّفِيقِ الأعْلى لَمّا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِتَوَلِّيهِ عَنْهم جُعِلَتْ تِلْكَ المُدَّةُ كَأنَّها ظَرْفٌ لِلتَّوَلِّي يَنْتَهِي بِحِينِ إحْضارِهِمْ لِلْعِقابِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”إلى حِينٍ“ مُرادًا بِهِ الأبَدُ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”وأبْصِرْ“ في هَذِهِ الآيَةِ لِدَلالَةِ ما في نَظِيرِها عَلَيْهِ.
الصافات 37:179
﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٧] الآيَةَ؛ لِأنَّ مَعْنى المَعْطُوفِ عَلَيْها الوَعْدُ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنهم، فَعَطَفَ عَلَيْهِ أمْرَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ لا يَهْتَمَّ بِعِنادِهِمْ.
وهَذِهِ نَظِيرُ الَّتِي سَبَقَتْها المُفَرَّعَةِ بِالفاءِ، فَلِذَلِكَ يَحْصُلُ مِنها تَأْكِيدُ نَظِيرَتِها، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ هَذا التَّوَلِّي غَيْرَ الأوَّلِ وإلى حِينٍ آخَرَ وإبْصارٍ آخَرَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تَوَلٍّ عَمَّنْ يَبْقى مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ الَّذِي اسْتُعْجِلُوهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِينًا مِن أوْقاتِ الدُّنْيا فَهو إنْذارٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى حِينٍ مِن أحْيانِ الآخِرَةِ، وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ غايَةً لِتَوَلِّي النَّبِيءِ ﷺ عَنْهم لِأنَّ تَوَلِّيَهُ العَذابَ عَنْهم غايَةٌ لِتَوَلِّي النَّبِيءِ ﷺ عَنْهم لِأنَّ تَوَلِّيَهُ عَنْهم مُسْتَمِرٌّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ لَحاقِ النَّبِيءِ ﷺ بِالرَّفِيقِ الأعْلى لَمّا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِتَوَلِّيهِ عَنْهم جُعِلَتْ تِلْكَ المُدَّةُ كَأنَّها ظَرْفٌ لِلتَّوَلِّي يَنْتَهِي بِحِينِ إحْضارِهِمْ لِلْعِقابِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”إلى حِينٍ“ مُرادًا بِهِ الأبَدُ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”وأبْصِرْ“ في هَذِهِ الآيَةِ لِدَلالَةِ ما في نَظِيرِها عَلَيْهِ.
الصافات 37:180
﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصْفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ تَذْيِيلًا لِخِطابِهِ المُبْتَدَأِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيَةَ. فَإنَّهُ خُلاصَةٌ جامِعَةٌ لِما حَوَتْهُ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ رُسُلَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ فَذْلَكَةٌ لِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الأغْراضِ جَمَعَتْ تَنْزِيهَ اللَّهِ والثَّناءَ عَلى
صفحة ١٩٩
الرُّسُلِ والمَلائِكَةِ وحَمْدَ اللَّهَ عَلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن نِعْمَةٍ عَلى المُسْلِمِينَ مِن هُدًى ونَصْرٍ وفَوْزٍ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ.
وهَذِهِ المَقاصِدُ الثَّلاثَةُ هي أُصُولُ كَمالِ النُّفُوسِ في العاجِلِ والآجِلِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى بِما يَلِيقُ بِهِ تُنْقِذُ النَّفْسَ مِنَ الوُقُوعِ في مُهاوِي الجَهالَةِ المُفْضِيَةِ إلى الضَّلالَةِ فَسُوءِ الحالَةِ. وإنَّما يَتِمُّ ذَلِكَ بِتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. فَأشارَ قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلَخْ إلى تَنْزِيهِهِ، وأشارَ وصْفُ ”رَبِّ العِزَّةِ“ إلى التَّوْصِيفِ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَإنَّ العِزَّةَ تَجْمَعُ الصِّفاتِ النَّفْسِيَّةَ وصِفاتِ المَعانِي والمَعْنَوِيَّةَ لِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ هي كَمالُ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الغَيْرِ، ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ وإنْ تَفاوَتَتْ في مَراتِبِ الكَمالِ لا تَسْلَمُ مِن نَقْصٍ أوْ حَيْرَةٍ كانَتْ في حاجَةٍ إلى مُرْشِدِينَ يُبَلِّغُونَها مَراتِبَ الكَمالِ بِإرْشادِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ إلى النّاسِ وبِواسِطَةِ المُبَلِّغِينَ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الرُّسُلِ.
وكانَتْ غايَةُ ذَلِكَ هي بُلُوغَ الكَمالِ في الدُّنْيا والفَوْزَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ. وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ عَلى النّاسِ حَمْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الحَمْدَ يَقْتَضِي اتِّصافَ المَحْمُودِ بِالفَضائِلِ وإنْعامَهُ بِالفَواضِلِ، وأعْظَمُها نِعْمَةُ الهِدايَةِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ فَهُمُ المُبَلِّغُونَ إرْشادَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ.
و”رَبِّ“ هُنا بِمَعْنى: مالِكٍ. ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى مالِكَ العِزَّةِ: أنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالعِزَّةِ الحَقِيقِيَّةِ وهي العِزَّةُ الَّتِي لا يَشُوبُها افْتِقارٌ، فَإضافَةُ ”رَبِّ“ إلى العِزَّةِ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ كَما يُقالُ: صاحِبُ صِدْقٍ، لِمَنِ اخْتُصَّ بِالصِّدْقِ وكانَ عَرِيقًا فِيهِ. وفي الِانْتِقالِ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ إلى التَّسْبِيحِ والتَّسْلِيمِ إيذانٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ عَلى طَرِيقَةِ بَراعَةِ الخَتْمِ مَعَ كَوْنِها مِن جَوامِعِ الكَلِمِ.
والتَّعْرِيفُ في ”العِزَّةِ“ كالتَّعْرِيفِ في ”الحَمْدِ“ هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَقْتَضِي انْفِرادَهُ تَعالى بِهِ لِأنَّ ما يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ كالعَدَمِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
وتَنْكِيرُ ”سَلامٌ“ لِلتَّعْظِيمِ.
صفحة ٢٠٠
ووَصْفُ ”المُرْسَلِينَ“ يَشْمَلُ الأنْبِياءَ والمَلائِكَةَ فَإنَّ المَلائِكَةَ مُرْسَلُونَ فِيما يَقُومُونَ بِهِ مِن تَنْفِيذِ أمْرِ اللَّهِ.
رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ إلى يَحْيى بْنِ يَحْيى التَّمِيمِيِّ النَّيْسابُورِيِّ إلى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتَيْنِ يَقُولُ آخِرَ صِلاتِهِ أوْ حِينَ يَنْصَرِفُ: ”﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ»﴾ .
ومِنَ المَرْوِيِّ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ“ مَن أرادَ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أنْ يَقُومَ: ”﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾“ إلى آخِرِ السُّورَةِ»، ”وفي بَعْضِ أسانِيدِهِ أنَّهُ رَفَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَصِحَّ.
* * *
صفحة ٢٠١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ ص سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ والآثارِ عَنِ السَّلَفِ“ سُورَةَ صادٍ ”كَما يُنْطَقُ بِاسْمِ حَرْفِ الصّادِ تَسْمِيَةً لَها بِأوَّلِ كَلِمَةٍ مِنها هي صادٌ (بِصادٍ فَألِفٍ فَدالٍ ساكِنَةٍ سُكُونَ وقْفٍ) شَأْنُ حُرُوفِ التَّهَجِّي عِنْدَ التَّهَجِّي بِها أنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً، أيْ ساكِنَةَ الأعْجازِ. وأمّا قَوْلُ المَعَرِّيِّ يَذْكُرُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -:
وهُوَ مَن سُخِّرَتْ لَهُ الإنْسُ والجِ نُّ بِما صَحَّ مِن شَهادَةِ صادِ
فَإنَّما هي كَسْرَةُ القافِيَةِ السّاكِنَةِ تُغَيَّرُ إلى الكَسْرَةِ ( لِأنَّ الكَسْرَ أصْلٌ في التَّخَلُّصِ مِنَ السُّكُونِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
عَقَرْتَ بَعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ
وفِي الإتْقانِ عَنْ كِتابِ جَمالِ القُرّاءِ لِلسَّخاوِيِّ: أنَّ سُورَةَ ص تُسَمّى أيْضًا سُورَةَ داوُدَ، ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ في ذَلِكَ.
وكُتِبَ اسْمُها في المَصاحِفِ بِصُورَةِ حَرْفِ الصّادِ مِثْلَ سائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ اتِّباعًا لِما كُتِبَ في المُصْحَفِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وذُكِرَ في الإتْقانِ أنَّ الجَعْبَرِيَّ حَكى قَوْلًا بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَ السُّيُوطِيُّ: وهو خِلافُ حِكايَةِ جَماعَةِ الإجْماعِ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. وعَنِ الدّانِيِّ في كِتابِ العَدَدِ قَوْلٌ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ وقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وهِيَ السُّورَةُ الثّامِنَةُ والثَلاثُونَ في عِدادِ نُزُولِ السُّورَةِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] وقَبْلَ سُورَةِ الأعْرافِ.
صفحة ٢٠٢
وعُدَّتْ آيُها سِتًّا وثَمانِينَ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ والشّامِ والبَصْرَةِ، وعَدَّها أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ البَصْرِيُّ خَمْسًا وثَمانِينَ. وعُدَّتْ عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ ثَمانًا وثَمانِينَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ:
«مَرِضَ أبُو طالِبٍ فَجاءَتْهُ قُرَيْشٌ وجاءَهُ النَّبِيءُ ﷺ وعِنْدَ أبِي طالِبٍ مَجْلِسُ رَجُلٍ، فَقامَ أبُو جَهْلٍ يَمْنَعُ النَّبِيءَ ﷺ مِن أنْ يَجْلِسَ، وشَكَوْهُ إلى أبِي طالِبٍ، فَقالَ: يا بْنَ أخِي ما تُرِيدُ مِن قَوْمِكَ ؟ قالَ: إنِّي أُرِيدُ مِنهم كَلِمَةً واحِدَةً تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ. قالَ: كَلِمَةً واحِدَةً ! . قالَ: يا عَمِّ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالُوا: أإلَهًا واحِدًا ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ، قالَ: فَنَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص»: ٧] قالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَهَذا نَصٌّ في أنَّ نُزُولَها في آخِرِ حَياةِ أبِي طالِبٍ، وهَذا المَرَضُ مَرَضُ مَوْتِهِ كَما في ابْنِ عَطِيَّةَ فَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ في سَنَةِ ثَلاثٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
* * *
أغْراضُها أصْلُها ما عَلِمْتَ مِن حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ في سَبَبِ نُزُولِها. وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ وتَكَبُّرِهِمْ عَنْ قَبُولِ ما أُرْسِلَ بِهِ، وتَهْدِيدِهِمْ بِمِثْلِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهم وأنَّهم إنَّما كَذَّبُوهُ لِأنَّهُ جاءَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ولِأنَّهُ اخْتُصَّ بِالرِّسالَةِ مِن دُونِهِمْ.
وتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وأنْ يَقْتَدِيَ بِالرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ داوُدَ وأيُّوبَ وغَيْرِهِمْ وما جُوزُوا عَنْ صَبْرِهِمْ، واسْتِطْرادُ الثَّناءِ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ، وأتْبَعَ ذِكْرَ أنْبِياءَ آخَرِينَ لِمُناسَبَةٍ سَنَذْكُرُها.
وإثْباتُ البَعْثِ لِحِكْمَةِ جَزاءِ العامِلِينَ بِأعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وجَزاءُ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ وضِدُّهُ مِن جَزاءِ الطّاغِينَ والَّذِينَ أضَلُّوهم وقَبَّحُوا لَهُمُ الإسْلامَ والمُسْلِمِينَ.
ووَصَفَ أحْوالَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
صفحة ٢٠٣
وذِكْرُ أوَّلِ غَوايَةٍ حَصَلَتْ وأصْلِ كُلِّ ضَلالَةٍ وهي غَوايَةُ الشَّيْطانِ في قِصَّةِ السُّجُودِ لِآدَمَ. وقَدْ جاءَتْ فاتِحَتُها مُناسِبَةً لِجَمِيعِ أغْراضِها إذِ ابْتُدِئَتْ بِالقَسَمِ بِالقُرْآنِ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، وجاءَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ، وكُلُّ ما ذُكِرَ فِيها مِن أحْوالِ المُكَذِّبِينَ سَبَبُهُ اعْتِزازُهِمْ وشِقاقُهم، ومِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ سَبَبُهُ ضِدُّ ذَلِكَ، مَعَ ما في الِافْتِتاحِ بِالقَسَمِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما بَعْدَهُ فَكانَتْ فاتِحَتُها مُسْتَكْمِلَةً خَصائِصَ حُسْنِ الِابْتِداءِ.
* * *
ص القَوْلُ في هَذا الحَرْفِ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ بَعْضِ السُّوَرِ بِدُونِ فَرْقٍ أنَّها مَقْصُودَةٌ لِلتَّهَجِّي تَحَدِّيًا لِبُلَغاءِ العَرَبِ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، وتَوَرُّكًا عَلَيْهِمْ إذْ عَجَزُوا عَنْهُ، واتَّفَقَ أهْلُ العَدِّ عَلى أنَّ ص لَيْسَ بِآيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بَلْ هي في مَبْدَأِ آيَةٍ إلى قَوْلِهِ“ ذِي الذِّكْرِ " وإنَّما لَمْ تُعَدَّ ص آيَةً لِأنَّها حَرْفٌ واحِدٌ كَما لَمْ يُعَدَّ (ق) و(ن) آيَةً.
الصافات 37:181
﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصْفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ تَذْيِيلًا لِخِطابِهِ المُبْتَدَأِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيَةَ. فَإنَّهُ خُلاصَةٌ جامِعَةٌ لِما حَوَتْهُ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ رُسُلَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ فَذْلَكَةٌ لِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الأغْراضِ جَمَعَتْ تَنْزِيهَ اللَّهِ والثَّناءَ عَلى
صفحة ١٩٩
الرُّسُلِ والمَلائِكَةِ وحَمْدَ اللَّهَ عَلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن نِعْمَةٍ عَلى المُسْلِمِينَ مِن هُدًى ونَصْرٍ وفَوْزٍ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ.
وهَذِهِ المَقاصِدُ الثَّلاثَةُ هي أُصُولُ كَمالِ النُّفُوسِ في العاجِلِ والآجِلِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى بِما يَلِيقُ بِهِ تُنْقِذُ النَّفْسَ مِنَ الوُقُوعِ في مُهاوِي الجَهالَةِ المُفْضِيَةِ إلى الضَّلالَةِ فَسُوءِ الحالَةِ. وإنَّما يَتِمُّ ذَلِكَ بِتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. فَأشارَ قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلَخْ إلى تَنْزِيهِهِ، وأشارَ وصْفُ ”رَبِّ العِزَّةِ“ إلى التَّوْصِيفِ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَإنَّ العِزَّةَ تَجْمَعُ الصِّفاتِ النَّفْسِيَّةَ وصِفاتِ المَعانِي والمَعْنَوِيَّةَ لِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ هي كَمالُ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الغَيْرِ، ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ وإنْ تَفاوَتَتْ في مَراتِبِ الكَمالِ لا تَسْلَمُ مِن نَقْصٍ أوْ حَيْرَةٍ كانَتْ في حاجَةٍ إلى مُرْشِدِينَ يُبَلِّغُونَها مَراتِبَ الكَمالِ بِإرْشادِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ إلى النّاسِ وبِواسِطَةِ المُبَلِّغِينَ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الرُّسُلِ.
وكانَتْ غايَةُ ذَلِكَ هي بُلُوغَ الكَمالِ في الدُّنْيا والفَوْزَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ. وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ عَلى النّاسِ حَمْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الحَمْدَ يَقْتَضِي اتِّصافَ المَحْمُودِ بِالفَضائِلِ وإنْعامَهُ بِالفَواضِلِ، وأعْظَمُها نِعْمَةُ الهِدايَةِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ فَهُمُ المُبَلِّغُونَ إرْشادَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ.
و”رَبِّ“ هُنا بِمَعْنى: مالِكٍ. ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى مالِكَ العِزَّةِ: أنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالعِزَّةِ الحَقِيقِيَّةِ وهي العِزَّةُ الَّتِي لا يَشُوبُها افْتِقارٌ، فَإضافَةُ ”رَبِّ“ إلى العِزَّةِ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ كَما يُقالُ: صاحِبُ صِدْقٍ، لِمَنِ اخْتُصَّ بِالصِّدْقِ وكانَ عَرِيقًا فِيهِ. وفي الِانْتِقالِ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ إلى التَّسْبِيحِ والتَّسْلِيمِ إيذانٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ عَلى طَرِيقَةِ بَراعَةِ الخَتْمِ مَعَ كَوْنِها مِن جَوامِعِ الكَلِمِ.
والتَّعْرِيفُ في ”العِزَّةِ“ كالتَّعْرِيفِ في ”الحَمْدِ“ هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَقْتَضِي انْفِرادَهُ تَعالى بِهِ لِأنَّ ما يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ كالعَدَمِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
وتَنْكِيرُ ”سَلامٌ“ لِلتَّعْظِيمِ.
صفحة ٢٠٠
ووَصْفُ ”المُرْسَلِينَ“ يَشْمَلُ الأنْبِياءَ والمَلائِكَةَ فَإنَّ المَلائِكَةَ مُرْسَلُونَ فِيما يَقُومُونَ بِهِ مِن تَنْفِيذِ أمْرِ اللَّهِ.
رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ إلى يَحْيى بْنِ يَحْيى التَّمِيمِيِّ النَّيْسابُورِيِّ إلى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتَيْنِ يَقُولُ آخِرَ صِلاتِهِ أوْ حِينَ يَنْصَرِفُ: ”﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ»﴾ .
ومِنَ المَرْوِيِّ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ“ مَن أرادَ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أنْ يَقُومَ: ”﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾“ إلى آخِرِ السُّورَةِ»، ”وفي بَعْضِ أسانِيدِهِ أنَّهُ رَفَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَصِحَّ.
* * *
صفحة ٢٠١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ ص سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ والآثارِ عَنِ السَّلَفِ“ سُورَةَ صادٍ ”كَما يُنْطَقُ بِاسْمِ حَرْفِ الصّادِ تَسْمِيَةً لَها بِأوَّلِ كَلِمَةٍ مِنها هي صادٌ (بِصادٍ فَألِفٍ فَدالٍ ساكِنَةٍ سُكُونَ وقْفٍ) شَأْنُ حُرُوفِ التَّهَجِّي عِنْدَ التَّهَجِّي بِها أنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً، أيْ ساكِنَةَ الأعْجازِ. وأمّا قَوْلُ المَعَرِّيِّ يَذْكُرُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -:
وهُوَ مَن سُخِّرَتْ لَهُ الإنْسُ والجِ نُّ بِما صَحَّ مِن شَهادَةِ صادِ
فَإنَّما هي كَسْرَةُ القافِيَةِ السّاكِنَةِ تُغَيَّرُ إلى الكَسْرَةِ ( لِأنَّ الكَسْرَ أصْلٌ في التَّخَلُّصِ مِنَ السُّكُونِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
عَقَرْتَ بَعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ
وفِي الإتْقانِ عَنْ كِتابِ جَمالِ القُرّاءِ لِلسَّخاوِيِّ: أنَّ سُورَةَ ص تُسَمّى أيْضًا سُورَةَ داوُدَ، ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ في ذَلِكَ.
وكُتِبَ اسْمُها في المَصاحِفِ بِصُورَةِ حَرْفِ الصّادِ مِثْلَ سائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ اتِّباعًا لِما كُتِبَ في المُصْحَفِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وذُكِرَ في الإتْقانِ أنَّ الجَعْبَرِيَّ حَكى قَوْلًا بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَ السُّيُوطِيُّ: وهو خِلافُ حِكايَةِ جَماعَةِ الإجْماعِ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. وعَنِ الدّانِيِّ في كِتابِ العَدَدِ قَوْلٌ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ وقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وهِيَ السُّورَةُ الثّامِنَةُ والثَلاثُونَ في عِدادِ نُزُولِ السُّورَةِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] وقَبْلَ سُورَةِ الأعْرافِ.
صفحة ٢٠٢
وعُدَّتْ آيُها سِتًّا وثَمانِينَ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ والشّامِ والبَصْرَةِ، وعَدَّها أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ البَصْرِيُّ خَمْسًا وثَمانِينَ. وعُدَّتْ عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ ثَمانًا وثَمانِينَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ:
«مَرِضَ أبُو طالِبٍ فَجاءَتْهُ قُرَيْشٌ وجاءَهُ النَّبِيءُ ﷺ وعِنْدَ أبِي طالِبٍ مَجْلِسُ رَجُلٍ، فَقامَ أبُو جَهْلٍ يَمْنَعُ النَّبِيءَ ﷺ مِن أنْ يَجْلِسَ، وشَكَوْهُ إلى أبِي طالِبٍ، فَقالَ: يا بْنَ أخِي ما تُرِيدُ مِن قَوْمِكَ ؟ قالَ: إنِّي أُرِيدُ مِنهم كَلِمَةً واحِدَةً تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ. قالَ: كَلِمَةً واحِدَةً ! . قالَ: يا عَمِّ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالُوا: أإلَهًا واحِدًا ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ، قالَ: فَنَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص»: ٧] قالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَهَذا نَصٌّ في أنَّ نُزُولَها في آخِرِ حَياةِ أبِي طالِبٍ، وهَذا المَرَضُ مَرَضُ مَوْتِهِ كَما في ابْنِ عَطِيَّةَ فَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ في سَنَةِ ثَلاثٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
* * *
أغْراضُها أصْلُها ما عَلِمْتَ مِن حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ في سَبَبِ نُزُولِها. وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ وتَكَبُّرِهِمْ عَنْ قَبُولِ ما أُرْسِلَ بِهِ، وتَهْدِيدِهِمْ بِمِثْلِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهم وأنَّهم إنَّما كَذَّبُوهُ لِأنَّهُ جاءَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ولِأنَّهُ اخْتُصَّ بِالرِّسالَةِ مِن دُونِهِمْ.
وتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وأنْ يَقْتَدِيَ بِالرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ داوُدَ وأيُّوبَ وغَيْرِهِمْ وما جُوزُوا عَنْ صَبْرِهِمْ، واسْتِطْرادُ الثَّناءِ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ، وأتْبَعَ ذِكْرَ أنْبِياءَ آخَرِينَ لِمُناسَبَةٍ سَنَذْكُرُها.
وإثْباتُ البَعْثِ لِحِكْمَةِ جَزاءِ العامِلِينَ بِأعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وجَزاءُ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ وضِدُّهُ مِن جَزاءِ الطّاغِينَ والَّذِينَ أضَلُّوهم وقَبَّحُوا لَهُمُ الإسْلامَ والمُسْلِمِينَ.
ووَصَفَ أحْوالَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
صفحة ٢٠٣
وذِكْرُ أوَّلِ غَوايَةٍ حَصَلَتْ وأصْلِ كُلِّ ضَلالَةٍ وهي غَوايَةُ الشَّيْطانِ في قِصَّةِ السُّجُودِ لِآدَمَ. وقَدْ جاءَتْ فاتِحَتُها مُناسِبَةً لِجَمِيعِ أغْراضِها إذِ ابْتُدِئَتْ بِالقَسَمِ بِالقُرْآنِ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، وجاءَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ، وكُلُّ ما ذُكِرَ فِيها مِن أحْوالِ المُكَذِّبِينَ سَبَبُهُ اعْتِزازُهِمْ وشِقاقُهم، ومِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ سَبَبُهُ ضِدُّ ذَلِكَ، مَعَ ما في الِافْتِتاحِ بِالقَسَمِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما بَعْدَهُ فَكانَتْ فاتِحَتُها مُسْتَكْمِلَةً خَصائِصَ حُسْنِ الِابْتِداءِ.
* * *
ص القَوْلُ في هَذا الحَرْفِ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ بَعْضِ السُّوَرِ بِدُونِ فَرْقٍ أنَّها مَقْصُودَةٌ لِلتَّهَجِّي تَحَدِّيًا لِبُلَغاءِ العَرَبِ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، وتَوَرُّكًا عَلَيْهِمْ إذْ عَجَزُوا عَنْهُ، واتَّفَقَ أهْلُ العَدِّ عَلى أنَّ ص لَيْسَ بِآيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بَلْ هي في مَبْدَأِ آيَةٍ إلى قَوْلِهِ“ ذِي الذِّكْرِ " وإنَّما لَمْ تُعَدَّ ص آيَةً لِأنَّها حَرْفٌ واحِدٌ كَما لَمْ يُعَدَّ (ق) و(ن) آيَةً.
الصافات 37:182
﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصْفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ تَذْيِيلًا لِخِطابِهِ المُبْتَدَأِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيَةَ. فَإنَّهُ خُلاصَةٌ جامِعَةٌ لِما حَوَتْهُ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ رُسُلَهُ. وهَذِهِ الآيَةُ فَذْلَكَةٌ لِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الأغْراضِ جَمَعَتْ تَنْزِيهَ اللَّهِ والثَّناءَ عَلى
صفحة ١٩٩
الرُّسُلِ والمَلائِكَةِ وحَمْدَ اللَّهَ عَلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن نِعْمَةٍ عَلى المُسْلِمِينَ مِن هُدًى ونَصْرٍ وفَوْزٍ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ.
وهَذِهِ المَقاصِدُ الثَّلاثَةُ هي أُصُولُ كَمالِ النُّفُوسِ في العاجِلِ والآجِلِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى بِما يَلِيقُ بِهِ تُنْقِذُ النَّفْسَ مِنَ الوُقُوعِ في مُهاوِي الجَهالَةِ المُفْضِيَةِ إلى الضَّلالَةِ فَسُوءِ الحالَةِ. وإنَّما يَتِمُّ ذَلِكَ بِتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. فَأشارَ قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلَخْ إلى تَنْزِيهِهِ، وأشارَ وصْفُ ”رَبِّ العِزَّةِ“ إلى التَّوْصِيفِ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَإنَّ العِزَّةَ تَجْمَعُ الصِّفاتِ النَّفْسِيَّةَ وصِفاتِ المَعانِي والمَعْنَوِيَّةَ لِأنَّ الرُّبُوبِيَّةَ هي كَمالُ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الغَيْرِ، ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ وإنْ تَفاوَتَتْ في مَراتِبِ الكَمالِ لا تَسْلَمُ مِن نَقْصٍ أوْ حَيْرَةٍ كانَتْ في حاجَةٍ إلى مُرْشِدِينَ يُبَلِّغُونَها مَراتِبَ الكَمالِ بِإرْشادِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ إلى النّاسِ وبِواسِطَةِ المُبَلِّغِينَ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الرُّسُلِ.
وكانَتْ غايَةُ ذَلِكَ هي بُلُوغَ الكَمالِ في الدُّنْيا والفَوْزَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ. وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ عَلى النّاسِ حَمْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الحَمْدَ يَقْتَضِي اتِّصافَ المَحْمُودِ بِالفَضائِلِ وإنْعامَهُ بِالفَواضِلِ، وأعْظَمُها نِعْمَةُ الهِدايَةِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ فَهُمُ المُبَلِّغُونَ إرْشادَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ.
و”رَبِّ“ هُنا بِمَعْنى: مالِكٍ. ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى مالِكَ العِزَّةِ: أنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالعِزَّةِ الحَقِيقِيَّةِ وهي العِزَّةُ الَّتِي لا يَشُوبُها افْتِقارٌ، فَإضافَةُ ”رَبِّ“ إلى العِزَّةِ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ كَما يُقالُ: صاحِبُ صِدْقٍ، لِمَنِ اخْتُصَّ بِالصِّدْقِ وكانَ عَرِيقًا فِيهِ. وفي الِانْتِقالِ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ إلى التَّسْبِيحِ والتَّسْلِيمِ إيذانٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ عَلى طَرِيقَةِ بَراعَةِ الخَتْمِ مَعَ كَوْنِها مِن جَوامِعِ الكَلِمِ.
والتَّعْرِيفُ في ”العِزَّةِ“ كالتَّعْرِيفِ في ”الحَمْدِ“ هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَقْتَضِي انْفِرادَهُ تَعالى بِهِ لِأنَّ ما يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ كالعَدَمِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
وتَنْكِيرُ ”سَلامٌ“ لِلتَّعْظِيمِ.
صفحة ٢٠٠
ووَصْفُ ”المُرْسَلِينَ“ يَشْمَلُ الأنْبِياءَ والمَلائِكَةَ فَإنَّ المَلائِكَةَ مُرْسَلُونَ فِيما يَقُومُونَ بِهِ مِن تَنْفِيذِ أمْرِ اللَّهِ.
رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ إلى يَحْيى بْنِ يَحْيى التَّمِيمِيِّ النَّيْسابُورِيِّ إلى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتَيْنِ يَقُولُ آخِرَ صِلاتِهِ أوْ حِينَ يَنْصَرِفُ: ”﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ»﴾ .
ومِنَ المَرْوِيِّ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ“ مَن أرادَ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أنْ يَقُومَ: ”﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾“ إلى آخِرِ السُّورَةِ»، ”وفي بَعْضِ أسانِيدِهِ أنَّهُ رَفَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَصِحَّ.
* * *
صفحة ٢٠١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ ص سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ والآثارِ عَنِ السَّلَفِ“ سُورَةَ صادٍ ”كَما يُنْطَقُ بِاسْمِ حَرْفِ الصّادِ تَسْمِيَةً لَها بِأوَّلِ كَلِمَةٍ مِنها هي صادٌ (بِصادٍ فَألِفٍ فَدالٍ ساكِنَةٍ سُكُونَ وقْفٍ) شَأْنُ حُرُوفِ التَّهَجِّي عِنْدَ التَّهَجِّي بِها أنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً، أيْ ساكِنَةَ الأعْجازِ. وأمّا قَوْلُ المَعَرِّيِّ يَذْكُرُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -:
وهُوَ مَن سُخِّرَتْ لَهُ الإنْسُ والجِ نُّ بِما صَحَّ مِن شَهادَةِ صادِ
فَإنَّما هي كَسْرَةُ القافِيَةِ السّاكِنَةِ تُغَيَّرُ إلى الكَسْرَةِ ( لِأنَّ الكَسْرَ أصْلٌ في التَّخَلُّصِ مِنَ السُّكُونِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
عَقَرْتَ بَعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ
وفِي الإتْقانِ عَنْ كِتابِ جَمالِ القُرّاءِ لِلسَّخاوِيِّ: أنَّ سُورَةَ ص تُسَمّى أيْضًا سُورَةَ داوُدَ، ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ في ذَلِكَ.
وكُتِبَ اسْمُها في المَصاحِفِ بِصُورَةِ حَرْفِ الصّادِ مِثْلَ سائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ اتِّباعًا لِما كُتِبَ في المُصْحَفِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وذُكِرَ في الإتْقانِ أنَّ الجَعْبَرِيَّ حَكى قَوْلًا بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَ السُّيُوطِيُّ: وهو خِلافُ حِكايَةِ جَماعَةِ الإجْماعِ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. وعَنِ الدّانِيِّ في كِتابِ العَدَدِ قَوْلٌ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ وقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وهِيَ السُّورَةُ الثّامِنَةُ والثَلاثُونَ في عِدادِ نُزُولِ السُّورَةِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١] وقَبْلَ سُورَةِ الأعْرافِ.
صفحة ٢٠٢
وعُدَّتْ آيُها سِتًّا وثَمانِينَ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ والشّامِ والبَصْرَةِ، وعَدَّها أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ البَصْرِيُّ خَمْسًا وثَمانِينَ. وعُدَّتْ عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ ثَمانًا وثَمانِينَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ:
«مَرِضَ أبُو طالِبٍ فَجاءَتْهُ قُرَيْشٌ وجاءَهُ النَّبِيءُ ﷺ وعِنْدَ أبِي طالِبٍ مَجْلِسُ رَجُلٍ، فَقامَ أبُو جَهْلٍ يَمْنَعُ النَّبِيءَ ﷺ مِن أنْ يَجْلِسَ، وشَكَوْهُ إلى أبِي طالِبٍ، فَقالَ: يا بْنَ أخِي ما تُرِيدُ مِن قَوْمِكَ ؟ قالَ: إنِّي أُرِيدُ مِنهم كَلِمَةً واحِدَةً تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ. قالَ: كَلِمَةً واحِدَةً ! . قالَ: يا عَمِّ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالُوا: أإلَهًا واحِدًا ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ، قالَ: فَنَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص»: ٧] قالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَهَذا نَصٌّ في أنَّ نُزُولَها في آخِرِ حَياةِ أبِي طالِبٍ، وهَذا المَرَضُ مَرَضُ مَوْتِهِ كَما في ابْنِ عَطِيَّةَ فَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ في سَنَةِ ثَلاثٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
* * *
أغْراضُها أصْلُها ما عَلِمْتَ مِن حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ في سَبَبِ نُزُولِها. وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ وتَكَبُّرِهِمْ عَنْ قَبُولِ ما أُرْسِلَ بِهِ، وتَهْدِيدِهِمْ بِمِثْلِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهم وأنَّهم إنَّما كَذَّبُوهُ لِأنَّهُ جاءَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ولِأنَّهُ اخْتُصَّ بِالرِّسالَةِ مِن دُونِهِمْ.
وتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وأنْ يَقْتَدِيَ بِالرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ داوُدَ وأيُّوبَ وغَيْرِهِمْ وما جُوزُوا عَنْ صَبْرِهِمْ، واسْتِطْرادُ الثَّناءِ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ، وأتْبَعَ ذِكْرَ أنْبِياءَ آخَرِينَ لِمُناسَبَةٍ سَنَذْكُرُها.
وإثْباتُ البَعْثِ لِحِكْمَةِ جَزاءِ العامِلِينَ بِأعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وجَزاءُ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ وضِدُّهُ مِن جَزاءِ الطّاغِينَ والَّذِينَ أضَلُّوهم وقَبَّحُوا لَهُمُ الإسْلامَ والمُسْلِمِينَ.
ووَصَفَ أحْوالَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
صفحة ٢٠٣
وذِكْرُ أوَّلِ غَوايَةٍ حَصَلَتْ وأصْلِ كُلِّ ضَلالَةٍ وهي غَوايَةُ الشَّيْطانِ في قِصَّةِ السُّجُودِ لِآدَمَ. وقَدْ جاءَتْ فاتِحَتُها مُناسِبَةً لِجَمِيعِ أغْراضِها إذِ ابْتُدِئَتْ بِالقَسَمِ بِالقُرْآنِ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، وجاءَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ، وكُلُّ ما ذُكِرَ فِيها مِن أحْوالِ المُكَذِّبِينَ سَبَبُهُ اعْتِزازُهِمْ وشِقاقُهم، ومِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ سَبَبُهُ ضِدُّ ذَلِكَ، مَعَ ما في الِافْتِتاحِ بِالقَسَمِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما بَعْدَهُ فَكانَتْ فاتِحَتُها مُسْتَكْمِلَةً خَصائِصَ حُسْنِ الِابْتِداءِ.
* * *
ص القَوْلُ في هَذا الحَرْفِ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ بَعْضِ السُّوَرِ بِدُونِ فَرْقٍ أنَّها مَقْصُودَةٌ لِلتَّهَجِّي تَحَدِّيًا لِبُلَغاءِ العَرَبِ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، وتَوَرُّكًا عَلَيْهِمْ إذْ عَجَزُوا عَنْهُ، واتَّفَقَ أهْلُ العَدِّ عَلى أنَّ ص لَيْسَ بِآيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بَلْ هي في مَبْدَأِ آيَةٍ إلى قَوْلِهِ“ ذِي الذِّكْرِ " وإنَّما لَمْ تُعَدَّ ص آيَةً لِأنَّها حَرْفٌ واحِدٌ كَما لَمْ يُعَدَّ (ق) و(ن) آيَةً.