Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — ص 38:69 – الزمر 39:42
المحتويات
- ص 38:69
- ص 38:70
- ص 38:71
- ص 38:72
- ص 38:73
- ص 38:74
- ص 38:75
- ص 38:76
- ص 38:77
- ص 38:78
- ص 38:79
- ص 38:80
- ص 38:81
- ص 38:82
- ص 38:83
- ص 38:84
- ص 38:85
- ص 38:86
- ص 38:87
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:5
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:12
- الزمر 39:13
- الزمر 39:14
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:25
- الزمر 39:26
- الزمر 39:27
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
ص 38:69
﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ إعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ هُنا مُسْتَأْنَفًا. والعُدُولُ عَنِ الإتْيانِ بِحَرْفٍ يَعْطِفُ المَقُولَ أعْنِي ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ عَلى المَقُولِ السّابِقِ؛ أعْنِي: أنا مُنْذِرٌ، عُدُولٌ يُشْعِرُ بِالِاهْتِمامِ بِمَقُولٍ هُنا كَيْ لا يُؤْتى بِهِ تابِعًا لِمَقُولٍ آخَرَ فَيَضْعُفُ تَصَدِّي السّامِعِينَ لِوَعْيِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْقِعِ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ انْتِقالًا مِن غَرَضِ وصْفِ أحْوالِ أهْلِ المَحْشَرِ إلى غَرَضِ قِصَّةِ
صفحة ٢٩٦
خَلْقِ آدَمَ وشَقاءِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ ”هو“ ضَمِيرَ شَأْنٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وما يَبِينُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] جُعِلَ هَذا كالمُقَدِّمَةِ لِلْقِصَّةِ تَشْوِيقًا لِتَلَقِّيها فَيَكُونُ المُرادُ بِالنَّبَأِ نَبَأ خَلْقِ آدَمَ وما جَرى بَعْدَهُ، ويَكُونُ ضَمِيرُ ”يَخْتَصِمُونَ“ عائِدًا إلى المَلَأِ الأعْلى لِأنَّ المَلَأ جَماعَةٌ. ويُرادُ بِالِاخْتِصامِ: الِاخْتِلافُ الَّذِي جَرى بَيْنَ الشَّيْطانِ وبَيْنَ مَن بَلَغَ إلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ أمْرُ اللَّهِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فالمَلائِكَةُ هُمُ المَلَأُ الأعْلى وكانَ الشَّيْطانُ بَيْنَهم فَعُدَّ مِنهم قَبْلَ أنْ يُطْرَدَ مِنَ السَّماءِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ إلَخْ؛ تَذْيِيلًا لِلَّذِي سَبَقَ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] إلى هُنا، تَذْيِيلًا يُشْعِرُ بِالتَّنْوِيهِ بِهِ وبِطَلَبِ الإقْبالِ عَلى التَّدَبُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ.
وعَلَيْهِ يَكُونُ ضَمِيرُ ”هو“ ضَمِيرًا عائِدًا إلى الكَلامِ السّابِقِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ فَلِذَلِكَ أُتِيَ لِتَعْرِيفِهِ بِضَمِيرِ المُفْرَدِ.
والمُرادُ بِالنَّبَأِ: خَبَرُ الحَشْرِ وما أُعِدَّ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ مِن حُسْنِ مَآبٍ، ولِلطّاغِينَ مِن شَرِّ مَآبٍ، ومِن سُوءِ صُحْبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وتَراشُقِهِمْ بِالتَّأْنِيبِ والخِصامِ بَيْنَهم وهم في العَذابِ، وتَرَدُّدِهِمْ في سَبَبِ أنْ لَمْ يَجِدُوا مَعَهُمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَعُدُّونَهم مِنَ الأشْرارِ.
ووَصْفُ النَّبَأِ بِـ عَظِيمٍ تَهْوِيلًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وعَظَمَةُ هَذا النَّبَأِ بَيْنَ الأنْباءِ مِن نَوْعِهِ مِن أنْباءِ الشَّرِّ مِثْلَ قَوْلِهِ: ”فَسادٌ كَبِيرٌ“ فَتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ“ .
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى﴾ إلى قَوْلِهِ ”نَذِيرٌ مُبِينٌ“ اسْتِئْنافًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى صِدْقِ النَّبَأِ بِأنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ ولَوْلا أنَّهُ وحْيٌ لَما كانَ لِلرَّسُولِ ﷺ قِبَلٌ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ونَظائِرُ هَذا الِاسْتِدْلالِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
صفحة ٢٩٧
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾ [ص: ٧١] إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
وعَلى هَذا فَضَمِيرُ يَخْتَصِمُونَ عائِدٌ إلى أهْلِ النّارِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] إذْ لا تَخاصُمَ بَيْنَ أهْلِ المَلَأِ الأعْلى.
والمَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِعالَمِ الغَيْبِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِما سَيَكُونُ إذْ يَخْتَصِمُ أهْلُ النّارِ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ فَمَعْنى ”أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ“: أنَّهم غافِلُونَ عَنِ العِلْمِ بِهِ فَقَدْ أُعْلِمُوا بِالنَّبَأِ بِمَعْناهُ الأوَّلِ وسَيَعْلَمُونَ قَرِيبًا بِالنَّبَأِ بِمَعْناهُ الثّانِي.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ لِإفادَةِ إثْباتِ إعْراضِهِمْ وتَمَكُّنُهُ مِنهم، فَأمّا إعْراضُهم عَنِ النَّبَأِ بِمَعْناهُ الأوَّلِ فَظاهِرٌ تَمَكُّنُهُ مِن نُفُوسِهِمْ لِأنَّهُ طالَما أنْذَرَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ ووَصَفَهُ فَلَمْ يَكْتَرِثُوا بِذَلِكَ ولا ارْعَوَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ.
وأمّا إعْراضُهم عَنِ النَّبَأِ بِمَعْناهُ الثّانِي، فَتَأْوِيلُ تُمَكُّنِهِ مِن نُفُوسِهِمْ عَدَمُ اسْتِعْدادِهِمْ لِلِاعْتِبارِ بِمَغْزاهُ مِن تَحَقُّقَ أنَّ ما هم فِيهِ هو وسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطانَ قَصْدًا لِلشَّرِّ بِهِمْ.
ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هي أوَّلُ ما نَزَلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن ذِكْرِ قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ وسُجُودِ المَلائِكَةِ وإباءِ إبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ لا يُوجَدُ ذِكْرُ قِصَّةِ آدَمَ في سُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها.
فَذَلِكَ وجْهُ التَّوْطِئَةِ لِلْقِصَّةِ بِأسالِيبِ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ مِمّا خَلا غَيْرُها عَنْ مِثْلِهِ وبِأنَّها نَبَأٌ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ.
وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ تَوْبِيخٌ لَهم وتَحْمِيقٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ اعْتِراضُ إبْلاغٍ في التَّوْبِيخِ عَلى الإعْراضِ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ، وحُجَّةٌ عَلى تَحَقُّقِ النَّبَأِ بِسَبَبِ أنَّهُ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ لِلرَّسُولِ ﷺ سَبِيلٌ إلى عِلْمِهِ لَوْلا وحْيُ اللَّهِ إلَيْهِ بِهِ. وذِكْرُ فِعْلِ كانَ دالٌّ عَلى أنَّ المَنفِيَّ عِلْمُهُ بِذَلِكَ فِيما مَضى مِنَ الزَّمَنِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ بِذَلِكَ كَما
صفحة ٢٩٨
قالَ تَعالى ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [القصص: ٤٤] .
والباءُ في قَوْلِهِ ”بِالمَلَأِ الأعْلى“ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ لِلنَّبَأِ، لِتَعْدِيَةِ عِلْمٍ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإحاطَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في تَعْدِيَةِ العِلْمِ. ومِنهُ ما في حَدِيثِ سُؤالِ المَلَكَيْنِ في الصَّحِيحِ «فَيُقالُ لَهُ: ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ» .
ويَجُوزُ عَلى المَعْنى الثّانِي في النَّبَأِ أنْ تَكُونَ الباءُ ظَرْفِيَّةً، أيْ: ما كانَ لِي عِلْمٌ كائِنٌ في المَلَأِ الأعْلى، أيْ: ما كُنْتَ حاضِرًا في المَلَأِ الأعْلى؛ فَهي كالباءِ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] .
والمَلَأُ: الجَماعَةُ ذاتُ الشَّأْنِ، ووَصْفُهُ بِـ الأعْلى لِأنَّ المُرادَ مَلَأُ السَّماواتِ وهُمُ المَلائِكَةُ ولَهم عُلُوٌّ حَقِيقِيٌّ وعُلُوٌّ مَجازِيٌّ بِمَعْنى الشَّرَفِ.
و”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ أيْ حِينَ يَخْتَصِمُ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، أيْ: في حِينِ تَنازُعِ المَلائِكَةِ وإبْلِيسَ في السَّماءِ.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في مَوْضِعِ المُضِيِّ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ، أوْ حِينَ يَخْتَصِمُ الطّاغُونَ وأتْباعُهم في النّارِ بَيْنَ يَدَيِ المَلَأِ الأعْلى، أيْ: مَلائِكَةِ النّارِ أوْ مَلائِكَةُ المَحْشَرِ، والمُضارِعُ عَلى أصْلِهِ مِنَ الِاسْتِقْبالِ.
والِاخْتِصامُ: افْتِعالٌ مِن خَصَمَهُ، إذا نازَعَهُ وخالَفَهُ؛ فَهو مُبالَغَةٌ في ”خَصَمَ“ .
وجُمْلَةُ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: ما عَلِمْتُ بِذَلِكَ النَّبَأِ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وإنَّما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ ذَلِكَ لِأكُونَ نَذِيرًا مُبِينًا.
وقَدْ رُكِّبَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن طَرِيقَيْنِ لِلْقَصْرِ: أحَدُهُما طَرِيقُ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ، والآخَرُ طَرِيقُ أنَما المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ وهي أُخْتُ إنَّما المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ في مَعانِيها الَّتِي مِنها إفادَةُ الحَصْرِ، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ مَن نَفَوْا إفادَتَها الحَصْرَ فَإنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن
صفحة ٢٩٩
(أنَّ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ وما الكافَّةِ ولَيْسَتْ (أنَّ) المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ إلّا (إنَّ) المَكْسُورَةَ تُغَيَّرُ كَسْرَةُ هَمْزَتِها إلى فَتْحَةٍ لِتُفِيدَ مَعْنًى مَصْدَرِيًّا مُشْرَبًا بِـ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ إشْرابًا بَدِيعًا جُعِلَ شِعارُهُ فَتْحَ هَمْزَتِها لِتُشابِهَ (أنِ) المَصْدَرِيَّةَ في فَتْحِ الهَمْزَةِ وتُشابِهَ (إنَّ) في تَشْدِيدِ النُّونِ، وهَذا مِن دَقِيقِ الوَضْعِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
وتَكُونُ (أنَما) مَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ إذا جُعِلَتْ مَعْمُولَةً لِعامِلٍ في الكَلامِ. والَّذِي يَقْتَضِيهُ مَقامُ الكَلامِ هُنا أنَّ فَتْحَ هَمْزَةِ (أنَما) لِأجْلِ لامِ تَعْلِيلٍ مَقْدِرَةٍ مَجْرُورٍ بِها (أنَّما)، والتَّقْدِيرُ: إلّا لِأنَّما أنا نَذِيرٌ، أيْ: إلّا لِعِلَّةِ الإنْذارِ، أيْ: ما أُوحِيَ إلَيَّ نَبَأُ المَلَأِ الأعْلى إلّا لِأُنْذِرَكم بِهِ، أيْ: لَيْسَ لِمُجَرَّدِ القَصَصِ.
فالِاسْتِثْناءُ مِن عِلَلٍ، وقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ (يُوحى) مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ وحْيٌ فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ لِقِلَّةِ جَدْواهُ وإيثارِ جَدْوى تَعْلِيلِ الوَحْيِ.
وبِهَذا التَّقْدِيرِ تَكْمُلُ المُناسَبَةُ بَيْنَ مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ المُبَيَّنَةِ بِها جُمْلَةُ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ إذْ لا مُناسَبَةَ لَوْ جُعِلَ ”إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ“ مُسْتَثْنًى مِن نائِبِ فاعِلِ الوَحْيِ بِأنْ يُقَدَّرَ: إنْ يُوحى إلَيَّ شَيْءٌ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ شَيْءٌ إلّا كَوْنِي نَذِيرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ قَدْ يَسْبِقُ إلى الوَهْمِ لَكِنَّهُ بِالتَّأمُّلِ يَتَّضِحُ رُجْحانُ تَقْدِيرِ العِلَّةِ عَلَيْهِ.
فَأفادَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ حَصْرَ حِكْمَةِ ما يَأْتِيهُ مِنَ الوَحْيِ في حُصُولِ الإنْذارِ وحَصْرَ صِفَةِ الرَّسُولِ ﷺ في صِفَةِ النِّذارَةِ، ويَسْتَلْزِمُ هَذانِ الحَصْرانِ حَصْرًا ثالثًا، وهو أنَّ إخْبارَ القُرْآنِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ ولَيْسَتْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ كَما زَعَمُوا.
فَحَصَلَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ حُصُورٍ: اثْنانِ مِنها بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، والثّالثُ بِكِنايَةِ الكَلامِ، وإلى هَذا المَعْنى أشارَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] وهَذِهِ الحُصُورُ: اثْنانِ مِنها إضافِيّانِ، وهُما قَصَرُ ما يُوحى إلَيْهِ عَلى عِلَّةِ النِّذارَةِ وقَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ، وكِلاهُما قَلْبٌ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم يَسْمَعُونَ القُرْآنَ لِيَتَّخِذُوهُ لَعِبًا
صفحة ٣٠٠
واعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَسُولَ ﷺ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ. وعُلِمَ مِن هَذا أنَّ ذِكْرَ نَبَأِ خَلْقِ آدَمَ قُصِدَ بِهِ الإنْذارُ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”إلّا إنَّما“ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّما“ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ما يُوحى إلّا هَذا الكَلامُ.
ص 38:70
﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ إعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ هُنا مُسْتَأْنَفًا. والعُدُولُ عَنِ الإتْيانِ بِحَرْفٍ يَعْطِفُ المَقُولَ أعْنِي ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ عَلى المَقُولِ السّابِقِ؛ أعْنِي: أنا مُنْذِرٌ، عُدُولٌ يُشْعِرُ بِالِاهْتِمامِ بِمَقُولٍ هُنا كَيْ لا يُؤْتى بِهِ تابِعًا لِمَقُولٍ آخَرَ فَيَضْعُفُ تَصَدِّي السّامِعِينَ لِوَعْيِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْقِعِ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ انْتِقالًا مِن غَرَضِ وصْفِ أحْوالِ أهْلِ المَحْشَرِ إلى غَرَضِ قِصَّةِ
صفحة ٢٩٦
خَلْقِ آدَمَ وشَقاءِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ ”هو“ ضَمِيرَ شَأْنٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وما يَبِينُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] جُعِلَ هَذا كالمُقَدِّمَةِ لِلْقِصَّةِ تَشْوِيقًا لِتَلَقِّيها فَيَكُونُ المُرادُ بِالنَّبَأِ نَبَأ خَلْقِ آدَمَ وما جَرى بَعْدَهُ، ويَكُونُ ضَمِيرُ ”يَخْتَصِمُونَ“ عائِدًا إلى المَلَأِ الأعْلى لِأنَّ المَلَأ جَماعَةٌ. ويُرادُ بِالِاخْتِصامِ: الِاخْتِلافُ الَّذِي جَرى بَيْنَ الشَّيْطانِ وبَيْنَ مَن بَلَغَ إلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ أمْرُ اللَّهِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فالمَلائِكَةُ هُمُ المَلَأُ الأعْلى وكانَ الشَّيْطانُ بَيْنَهم فَعُدَّ مِنهم قَبْلَ أنْ يُطْرَدَ مِنَ السَّماءِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ إلَخْ؛ تَذْيِيلًا لِلَّذِي سَبَقَ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] إلى هُنا، تَذْيِيلًا يُشْعِرُ بِالتَّنْوِيهِ بِهِ وبِطَلَبِ الإقْبالِ عَلى التَّدَبُّرِ فِيهِ والِاعْتِبارِ بِهِ.
وعَلَيْهِ يَكُونُ ضَمِيرُ ”هو“ ضَمِيرًا عائِدًا إلى الكَلامِ السّابِقِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ فَلِذَلِكَ أُتِيَ لِتَعْرِيفِهِ بِضَمِيرِ المُفْرَدِ.
والمُرادُ بِالنَّبَأِ: خَبَرُ الحَشْرِ وما أُعِدَّ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ مِن حُسْنِ مَآبٍ، ولِلطّاغِينَ مِن شَرِّ مَآبٍ، ومِن سُوءِ صُحْبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وتَراشُقِهِمْ بِالتَّأْنِيبِ والخِصامِ بَيْنَهم وهم في العَذابِ، وتَرَدُّدِهِمْ في سَبَبِ أنْ لَمْ يَجِدُوا مَعَهُمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَعُدُّونَهم مِنَ الأشْرارِ.
ووَصْفُ النَّبَأِ بِـ عَظِيمٍ تَهْوِيلًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وعَظَمَةُ هَذا النَّبَأِ بَيْنَ الأنْباءِ مِن نَوْعِهِ مِن أنْباءِ الشَّرِّ مِثْلَ قَوْلِهِ: ”فَسادٌ كَبِيرٌ“ فَتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ“ .
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى﴾ إلى قَوْلِهِ ”نَذِيرٌ مُبِينٌ“ اسْتِئْنافًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى صِدْقِ النَّبَأِ بِأنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ ولَوْلا أنَّهُ وحْيٌ لَما كانَ لِلرَّسُولِ ﷺ قِبَلٌ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ونَظائِرُ هَذا الِاسْتِدْلالِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
صفحة ٢٩٧
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾ [ص: ٧١] إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
وعَلى هَذا فَضَمِيرُ يَخْتَصِمُونَ عائِدٌ إلى أهْلِ النّارِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] إذْ لا تَخاصُمَ بَيْنَ أهْلِ المَلَأِ الأعْلى.
والمَعْنى: ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِعالَمِ الغَيْبِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِما سَيَكُونُ إذْ يَخْتَصِمُ أهْلُ النّارِ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ فَمَعْنى ”أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ“: أنَّهم غافِلُونَ عَنِ العِلْمِ بِهِ فَقَدْ أُعْلِمُوا بِالنَّبَأِ بِمَعْناهُ الأوَّلِ وسَيَعْلَمُونَ قَرِيبًا بِالنَّبَأِ بِمَعْناهُ الثّانِي.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ لِإفادَةِ إثْباتِ إعْراضِهِمْ وتَمَكُّنُهُ مِنهم، فَأمّا إعْراضُهم عَنِ النَّبَأِ بِمَعْناهُ الأوَّلِ فَظاهِرٌ تَمَكُّنُهُ مِن نُفُوسِهِمْ لِأنَّهُ طالَما أنْذَرَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ ووَصَفَهُ فَلَمْ يَكْتَرِثُوا بِذَلِكَ ولا ارْعَوَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ.
وأمّا إعْراضُهم عَنِ النَّبَأِ بِمَعْناهُ الثّانِي، فَتَأْوِيلُ تُمَكُّنِهِ مِن نُفُوسِهِمْ عَدَمُ اسْتِعْدادِهِمْ لِلِاعْتِبارِ بِمَغْزاهُ مِن تَحَقُّقَ أنَّ ما هم فِيهِ هو وسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطانَ قَصْدًا لِلشَّرِّ بِهِمْ.
ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هي أوَّلُ ما نَزَلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن ذِكْرِ قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ وسُجُودِ المَلائِكَةِ وإباءِ إبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ لا يُوجَدُ ذِكْرُ قِصَّةِ آدَمَ في سُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها.
فَذَلِكَ وجْهُ التَّوْطِئَةِ لِلْقِصَّةِ بِأسالِيبِ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ مِمّا خَلا غَيْرُها عَنْ مِثْلِهِ وبِأنَّها نَبَأٌ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ.
وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ تَوْبِيخٌ لَهم وتَحْمِيقٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ اعْتِراضُ إبْلاغٍ في التَّوْبِيخِ عَلى الإعْراضِ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ، وحُجَّةٌ عَلى تَحَقُّقِ النَّبَأِ بِسَبَبِ أنَّهُ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ لِلرَّسُولِ ﷺ سَبِيلٌ إلى عِلْمِهِ لَوْلا وحْيُ اللَّهِ إلَيْهِ بِهِ. وذِكْرُ فِعْلِ كانَ دالٌّ عَلى أنَّ المَنفِيَّ عِلْمُهُ بِذَلِكَ فِيما مَضى مِنَ الزَّمَنِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ بِذَلِكَ كَما
صفحة ٢٩٨
قالَ تَعالى ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [القصص: ٤٤] .
والباءُ في قَوْلِهِ ”بِالمَلَأِ الأعْلى“ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ لِلنَّبَأِ، لِتَعْدِيَةِ عِلْمٍ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإحاطَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في تَعْدِيَةِ العِلْمِ. ومِنهُ ما في حَدِيثِ سُؤالِ المَلَكَيْنِ في الصَّحِيحِ «فَيُقالُ لَهُ: ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ» .
ويَجُوزُ عَلى المَعْنى الثّانِي في النَّبَأِ أنْ تَكُونَ الباءُ ظَرْفِيَّةً، أيْ: ما كانَ لِي عِلْمٌ كائِنٌ في المَلَأِ الأعْلى، أيْ: ما كُنْتَ حاضِرًا في المَلَأِ الأعْلى؛ فَهي كالباءِ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] .
والمَلَأُ: الجَماعَةُ ذاتُ الشَّأْنِ، ووَصْفُهُ بِـ الأعْلى لِأنَّ المُرادَ مَلَأُ السَّماواتِ وهُمُ المَلائِكَةُ ولَهم عُلُوٌّ حَقِيقِيٌّ وعُلُوٌّ مَجازِيٌّ بِمَعْنى الشَّرَفِ.
و”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ أيْ حِينَ يَخْتَصِمُ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، أيْ: في حِينِ تَنازُعِ المَلائِكَةِ وإبْلِيسَ في السَّماءِ.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في مَوْضِعِ المُضِيِّ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ، أوْ حِينَ يَخْتَصِمُ الطّاغُونَ وأتْباعُهم في النّارِ بَيْنَ يَدَيِ المَلَأِ الأعْلى، أيْ: مَلائِكَةِ النّارِ أوْ مَلائِكَةُ المَحْشَرِ، والمُضارِعُ عَلى أصْلِهِ مِنَ الِاسْتِقْبالِ.
والِاخْتِصامُ: افْتِعالٌ مِن خَصَمَهُ، إذا نازَعَهُ وخالَفَهُ؛ فَهو مُبالَغَةٌ في ”خَصَمَ“ .
وجُمْلَةُ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: ما عَلِمْتُ بِذَلِكَ النَّبَأِ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وإنَّما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ ذَلِكَ لِأكُونَ نَذِيرًا مُبِينًا.
وقَدْ رُكِّبَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن طَرِيقَيْنِ لِلْقَصْرِ: أحَدُهُما طَرِيقُ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ، والآخَرُ طَرِيقُ أنَما المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ وهي أُخْتُ إنَّما المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ في مَعانِيها الَّتِي مِنها إفادَةُ الحَصْرِ، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ مَن نَفَوْا إفادَتَها الحَصْرَ فَإنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن
صفحة ٢٩٩
(أنَّ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ وما الكافَّةِ ولَيْسَتْ (أنَّ) المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ إلّا (إنَّ) المَكْسُورَةَ تُغَيَّرُ كَسْرَةُ هَمْزَتِها إلى فَتْحَةٍ لِتُفِيدَ مَعْنًى مَصْدَرِيًّا مُشْرَبًا بِـ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ إشْرابًا بَدِيعًا جُعِلَ شِعارُهُ فَتْحَ هَمْزَتِها لِتُشابِهَ (أنِ) المَصْدَرِيَّةَ في فَتْحِ الهَمْزَةِ وتُشابِهَ (إنَّ) في تَشْدِيدِ النُّونِ، وهَذا مِن دَقِيقِ الوَضْعِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
وتَكُونُ (أنَما) مَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ إذا جُعِلَتْ مَعْمُولَةً لِعامِلٍ في الكَلامِ. والَّذِي يَقْتَضِيهُ مَقامُ الكَلامِ هُنا أنَّ فَتْحَ هَمْزَةِ (أنَما) لِأجْلِ لامِ تَعْلِيلٍ مَقْدِرَةٍ مَجْرُورٍ بِها (أنَّما)، والتَّقْدِيرُ: إلّا لِأنَّما أنا نَذِيرٌ، أيْ: إلّا لِعِلَّةِ الإنْذارِ، أيْ: ما أُوحِيَ إلَيَّ نَبَأُ المَلَأِ الأعْلى إلّا لِأُنْذِرَكم بِهِ، أيْ: لَيْسَ لِمُجَرَّدِ القَصَصِ.
فالِاسْتِثْناءُ مِن عِلَلٍ، وقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ (يُوحى) مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ وحْيٌ فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ لِقِلَّةِ جَدْواهُ وإيثارِ جَدْوى تَعْلِيلِ الوَحْيِ.
وبِهَذا التَّقْدِيرِ تَكْمُلُ المُناسَبَةُ بَيْنَ مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِي مِن عِلْمٍ بِالمَلَأِ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ المُبَيَّنَةِ بِها جُمْلَةُ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ إذْ لا مُناسَبَةَ لَوْ جُعِلَ ”إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ“ مُسْتَثْنًى مِن نائِبِ فاعِلِ الوَحْيِ بِأنْ يُقَدَّرَ: إنْ يُوحى إلَيَّ شَيْءٌ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أيْ: ما يُوحى إلَيَّ شَيْءٌ إلّا كَوْنِي نَذِيرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ قَدْ يَسْبِقُ إلى الوَهْمِ لَكِنَّهُ بِالتَّأمُّلِ يَتَّضِحُ رُجْحانُ تَقْدِيرِ العِلَّةِ عَلَيْهِ.
فَأفادَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ حَصْرَ حِكْمَةِ ما يَأْتِيهُ مِنَ الوَحْيِ في حُصُولِ الإنْذارِ وحَصْرَ صِفَةِ الرَّسُولِ ﷺ في صِفَةِ النِّذارَةِ، ويَسْتَلْزِمُ هَذانِ الحَصْرانِ حَصْرًا ثالثًا، وهو أنَّ إخْبارَ القُرْآنِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ ولَيْسَتْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ كَما زَعَمُوا.
فَحَصَلَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ حُصُورٍ: اثْنانِ مِنها بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، والثّالثُ بِكِنايَةِ الكَلامِ، وإلى هَذا المَعْنى أشارَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] وهَذِهِ الحُصُورُ: اثْنانِ مِنها إضافِيّانِ، وهُما قَصَرُ ما يُوحى إلَيْهِ عَلى عِلَّةِ النِّذارَةِ وقَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ، وكِلاهُما قَلْبٌ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم يَسْمَعُونَ القُرْآنَ لِيَتَّخِذُوهُ لَعِبًا
صفحة ٣٠٠
واعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَسُولَ ﷺ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ. وعُلِمَ مِن هَذا أنَّ ذِكْرَ نَبَأِ خَلْقِ آدَمَ قُصِدَ بِهِ الإنْذارُ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”إلّا إنَّما“ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّما“ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ما يُوحى إلّا هَذا الكَلامُ.
ص 38:71
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ مَوْقِعُ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا فَإذا جَعَلْنا النَّبَأ بِمَعْنى: نَبَأِ أهْلِ المَحْشَرِ المَوْعُودِ بِهِ فَيَكُونُ ”إذْ قالَ“ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] ونَظائِرِهِ.
فَإمّا عَلى جَعْلِ النَّبَأِ بِمَعْنى: نَبَأِ خَلْقِ آدَمَ فَإنَّ جُمْلَةَ ”إذْ قالَ رَبُّكَ“ بَدَلٌ مِن ”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ مُجادَلَةَ المَلَأِ الأعْلى عَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلى قَضِيَّةِ قِصَّةِ إبْلِيسَ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ مالِكِ بْنِ يَخامُرَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حَدِيثًا طَوِيلًا في رُؤْيا النَّبِيءِ ﷺ «أنَّهُ رَأى رَبَّهُ تَعالى فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى ؟ قُلْتُ: لا أدْرِي. قالَها ثَلاثًا. ثُمَّ قالَ بَعْدَ الثّالثَةِ بَعْدَ أنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: في الكَفّاراتِ. قالَ: ما هُنَّ ؟ قُلْتُ مَشْيُ الأقْدامِ إلى الحَسَناتِ والجُلُوسُ في المَسْجِدِ»، وذَكَرَ أشْياءَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ”ولَمْ يَذْكُرِ اخْتِصامَهم في قَضِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ“ . وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وقالَ عَنْهُ البُخارِيُّ: إنَّهُ أصَحُّ مِن غَيْرِهِ مِمّا في مَعْناهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ ولَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جَعَلَهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيهِ بَعْضٌ مِمّا يَخْتَصِمُ فِيهِ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى؛ مُرادٌ بِهِ اخْتِصامٌ خاصٌّ هو ما جَرى بَيْنَهم في قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ والمُقاوَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا كَلامًا دَلَّ عَلى أنَّهم أطاعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَهم بِهِ، بَلْ ورَدَ في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْصِيلُ ما جَرى مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ فَهو يُبَيِّنُ ما
صفحة ٣٠١
أُجْمِلَ هُنا وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا إذِ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ القِصَّةِ هُنا الِاتِّعاظُ بِكِبْرِ إبْلِيسَ دُونَ ما نَشَأ عَنْ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذْ قالَ رَبُّكَ“ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ: اذْكُرْ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وهو بِناءٌ عَلى أنَّ ضَمِيرَ ”هو نَبَأٌ عَظِيمٌ“ لَيْسَ ضَمِيرَ شَأْنٍ بَلْ هو عائِدٌ إلى ما قَبْلَهُ وأنَّ ”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ مُرادٌ بِهِ خُصُومَةَ أهْلِ النّارِ.
وقِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ أشْبَهُها بِما هُنا ما في سُورَةِ الحِجْرِ، وأبْيَنُها ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَقَعَ في سُورَةِ الحِجْرِ ”إلّا إبْلِيسَ أبِي“ وفي هَذِهِ السُّورَةِ ”إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ“ فَيَكُونُ ما في هَذِهِ الآيَةِ يُبَيِّنُ الباعِثَ عَلى الإبايَةِ.
ووَقَعَتْ هُنا زِيادَةُ ”وكانَ مِنَ الكافِرِينَ“ وهو بَيانٌ لِكَوْنِ المُرادِ في سُورَةِ الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ ”أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ“ الإبايَةَ مِنَ الكَوْنِ مِنَ السّاجِدِينَ لِلَّهِ، أيْ: المُنَزِّهِي اللَّهَ عَنِ الظُّلْمِ والجَهْلِ.
ووَقَعَ في هَذِهِ السُّورَةِ ”وكانَ مِنَ الكافِرِينَ“ ومَعْناهُ أنَّهُ كانَ كافِرًا ساعَتَئِذٍ، أيْ: ساعَةَ إبائِهِ مِنَ السُّجُودِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ كافِرًا، فَفِعْلُ (كانَ) الَّذِي وقَعَ في هَذا الكَلامِ حِكايَةً لِكُفْرِهِ الواقِعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ الزَّجّاجُ:
(كانَ) جارٍ عَلى بابِ سائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ إلّا أنَّ فِيهِ إخْبارًا عَنِ الحالَةِ فِيما مَضى، إذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا، فَقَدَ أنْبَأْتَ عَنْ أنَّ حالَتَهُ فِيما مَضى مِنَ الدَّهْرِ هَذا، وإذا قُلْتَ: سَيَكُونُ عالِمًا فَقَدْ أنْبَأْتَ عَنْ أنَّ حالَةً سَتَقَعُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، فَهُما عِبارَتانِ عَنِ الأفْعالِ والأحْوالِ اهـ.
وقَدْ بَدَتْ مِن إبْلِيسَ نَزْعَةٌ كانَتْ كامِنَةً في جِبِلَّتِهِ وهي نَزْعَةُ الكِبْرِ والعِصْيانِ، ولَمْ تَكُنْ تَظْهَرُ مِنهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأنَّ المَلَأ الَّذِي كانَ مَعَهم كانُوا عَلى أكْمَلِ حُسْنِ الخِلْطَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنهم مُثِيرٌ لِما سَكَنَ في نَفْسِهِ مِن طَبْعِ الكِبْرِ والعِصْيانِ. فَلَمّا طَرَأ عَلى ذَلِكَ المَلَأِ مَخْلُوقٌ جَدِيدٌ وأُمِرَ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى بِتَعْظِيمِهِ كانَ ذَلِكَ مُورِيًّا زِنادَ الكِبْرِ في نَفْسِ إبْلِيسَ فَنَشَأ عَنْهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ وعِصْيانُ أمْرِهِ.
صفحة ٣٠٢
وهَذا نامُوسٌ خِلْقِيٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ مَبْدَأً لِهَذا العالَمِ قَبْلَ تَعْمِيرِهِ، وهو أنْ تَكُونَ الحَوادِثُ والمَضائِقُ مِعْيارِ الأخْلاقِ والفَضِيلَةِ، فَلا يُحْكَمُ عَلى نَفْسٍ بِتَزْكِيَةٍ أوْ ضِدِّها إلّا بَعْدَ تَجْرِبَتِها ومُلاحَظَةِ تَصَرُّفاتِها عِنْدَ حُلُولِ الحَوادِثِ بِها. وقَدْ مُدِحَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِالخَيْرِ، فَقالَ عُمَرُ: هَلْ أرَيْتُمُوهُ الأبْيَضَ والأصْفَرَ ؟ يَعْنِي: الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ. وقالَ الشّاعِرُ:
لا تَمْدَحَنْ امْرَءًا حَتّى تُجَرِّبَهُ ولا تَذُمَّنَّهُ مِن قَبْلِ تَجْرِيبِ
إنَّ الرِّجالَ صَنادِيقٌ مُقَفَّلَةٌ ∗∗∗ وما مَفاتِيحُها غِيَرُ التَّجارِيبِ
ووَجْهُ كَوْنِهِ مِنَ الكافِرِينَ أنَّهُ امْتَنَعَ مِن طاعَةِ اللَّهِ امْتِناعَ طَعْنٍ في حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، وذَلِكَ كُفْرٌ لا مَحالَةَ، ولَيْسَ كامْتِناعِ أحَدٍ مِن أداءِ الفَرائِضِ إنْ لَمْ يَجْحَدْ أنَّها حَقٌّ خِلافًا لِلْخَوارِجِ وكَذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ.
ص 38:72
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ مَوْقِعُ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا فَإذا جَعَلْنا النَّبَأ بِمَعْنى: نَبَأِ أهْلِ المَحْشَرِ المَوْعُودِ بِهِ فَيَكُونُ ”إذْ قالَ“ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] ونَظائِرِهِ.
فَإمّا عَلى جَعْلِ النَّبَأِ بِمَعْنى: نَبَأِ خَلْقِ آدَمَ فَإنَّ جُمْلَةَ ”إذْ قالَ رَبُّكَ“ بَدَلٌ مِن ”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ مُجادَلَةَ المَلَأِ الأعْلى عَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلى قَضِيَّةِ قِصَّةِ إبْلِيسَ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ مالِكِ بْنِ يَخامُرَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حَدِيثًا طَوِيلًا في رُؤْيا النَّبِيءِ ﷺ «أنَّهُ رَأى رَبَّهُ تَعالى فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى ؟ قُلْتُ: لا أدْرِي. قالَها ثَلاثًا. ثُمَّ قالَ بَعْدَ الثّالثَةِ بَعْدَ أنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: في الكَفّاراتِ. قالَ: ما هُنَّ ؟ قُلْتُ مَشْيُ الأقْدامِ إلى الحَسَناتِ والجُلُوسُ في المَسْجِدِ»، وذَكَرَ أشْياءَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ”ولَمْ يَذْكُرِ اخْتِصامَهم في قَضِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ“ . وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وقالَ عَنْهُ البُخارِيُّ: إنَّهُ أصَحُّ مِن غَيْرِهِ مِمّا في مَعْناهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ ولَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جَعَلَهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيهِ بَعْضٌ مِمّا يَخْتَصِمُ فِيهِ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى؛ مُرادٌ بِهِ اخْتِصامٌ خاصٌّ هو ما جَرى بَيْنَهم في قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ والمُقاوَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا كَلامًا دَلَّ عَلى أنَّهم أطاعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَهم بِهِ، بَلْ ورَدَ في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْصِيلُ ما جَرى مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ فَهو يُبَيِّنُ ما
صفحة ٣٠١
أُجْمِلَ هُنا وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا إذِ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ القِصَّةِ هُنا الِاتِّعاظُ بِكِبْرِ إبْلِيسَ دُونَ ما نَشَأ عَنْ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذْ قالَ رَبُّكَ“ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ: اذْكُرْ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وهو بِناءٌ عَلى أنَّ ضَمِيرَ ”هو نَبَأٌ عَظِيمٌ“ لَيْسَ ضَمِيرَ شَأْنٍ بَلْ هو عائِدٌ إلى ما قَبْلَهُ وأنَّ ”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ مُرادٌ بِهِ خُصُومَةَ أهْلِ النّارِ.
وقِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ أشْبَهُها بِما هُنا ما في سُورَةِ الحِجْرِ، وأبْيَنُها ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَقَعَ في سُورَةِ الحِجْرِ ”إلّا إبْلِيسَ أبِي“ وفي هَذِهِ السُّورَةِ ”إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ“ فَيَكُونُ ما في هَذِهِ الآيَةِ يُبَيِّنُ الباعِثَ عَلى الإبايَةِ.
ووَقَعَتْ هُنا زِيادَةُ ”وكانَ مِنَ الكافِرِينَ“ وهو بَيانٌ لِكَوْنِ المُرادِ في سُورَةِ الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ ”أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ“ الإبايَةَ مِنَ الكَوْنِ مِنَ السّاجِدِينَ لِلَّهِ، أيْ: المُنَزِّهِي اللَّهَ عَنِ الظُّلْمِ والجَهْلِ.
ووَقَعَ في هَذِهِ السُّورَةِ ”وكانَ مِنَ الكافِرِينَ“ ومَعْناهُ أنَّهُ كانَ كافِرًا ساعَتَئِذٍ، أيْ: ساعَةَ إبائِهِ مِنَ السُّجُودِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ كافِرًا، فَفِعْلُ (كانَ) الَّذِي وقَعَ في هَذا الكَلامِ حِكايَةً لِكُفْرِهِ الواقِعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ الزَّجّاجُ:
(كانَ) جارٍ عَلى بابِ سائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ إلّا أنَّ فِيهِ إخْبارًا عَنِ الحالَةِ فِيما مَضى، إذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا، فَقَدَ أنْبَأْتَ عَنْ أنَّ حالَتَهُ فِيما مَضى مِنَ الدَّهْرِ هَذا، وإذا قُلْتَ: سَيَكُونُ عالِمًا فَقَدْ أنْبَأْتَ عَنْ أنَّ حالَةً سَتَقَعُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، فَهُما عِبارَتانِ عَنِ الأفْعالِ والأحْوالِ اهـ.
وقَدْ بَدَتْ مِن إبْلِيسَ نَزْعَةٌ كانَتْ كامِنَةً في جِبِلَّتِهِ وهي نَزْعَةُ الكِبْرِ والعِصْيانِ، ولَمْ تَكُنْ تَظْهَرُ مِنهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأنَّ المَلَأ الَّذِي كانَ مَعَهم كانُوا عَلى أكْمَلِ حُسْنِ الخِلْطَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنهم مُثِيرٌ لِما سَكَنَ في نَفْسِهِ مِن طَبْعِ الكِبْرِ والعِصْيانِ. فَلَمّا طَرَأ عَلى ذَلِكَ المَلَأِ مَخْلُوقٌ جَدِيدٌ وأُمِرَ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى بِتَعْظِيمِهِ كانَ ذَلِكَ مُورِيًّا زِنادَ الكِبْرِ في نَفْسِ إبْلِيسَ فَنَشَأ عَنْهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ وعِصْيانُ أمْرِهِ.
صفحة ٣٠٢
وهَذا نامُوسٌ خِلْقِيٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ مَبْدَأً لِهَذا العالَمِ قَبْلَ تَعْمِيرِهِ، وهو أنْ تَكُونَ الحَوادِثُ والمَضائِقُ مِعْيارِ الأخْلاقِ والفَضِيلَةِ، فَلا يُحْكَمُ عَلى نَفْسٍ بِتَزْكِيَةٍ أوْ ضِدِّها إلّا بَعْدَ تَجْرِبَتِها ومُلاحَظَةِ تَصَرُّفاتِها عِنْدَ حُلُولِ الحَوادِثِ بِها. وقَدْ مُدِحَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِالخَيْرِ، فَقالَ عُمَرُ: هَلْ أرَيْتُمُوهُ الأبْيَضَ والأصْفَرَ ؟ يَعْنِي: الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ. وقالَ الشّاعِرُ:
لا تَمْدَحَنْ امْرَءًا حَتّى تُجَرِّبَهُ ولا تَذُمَّنَّهُ مِن قَبْلِ تَجْرِيبِ
إنَّ الرِّجالَ صَنادِيقٌ مُقَفَّلَةٌ ∗∗∗ وما مَفاتِيحُها غِيَرُ التَّجارِيبِ
ووَجْهُ كَوْنِهِ مِنَ الكافِرِينَ أنَّهُ امْتَنَعَ مِن طاعَةِ اللَّهِ امْتِناعَ طَعْنٍ في حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، وذَلِكَ كُفْرٌ لا مَحالَةَ، ولَيْسَ كامْتِناعِ أحَدٍ مِن أداءِ الفَرائِضِ إنْ لَمْ يَجْحَدْ أنَّها حَقٌّ خِلافًا لِلْخَوارِجِ وكَذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ.
ص 38:73
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ مَوْقِعُ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا فَإذا جَعَلْنا النَّبَأ بِمَعْنى: نَبَأِ أهْلِ المَحْشَرِ المَوْعُودِ بِهِ فَيَكُونُ ”إذْ قالَ“ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] ونَظائِرِهِ.
فَإمّا عَلى جَعْلِ النَّبَأِ بِمَعْنى: نَبَأِ خَلْقِ آدَمَ فَإنَّ جُمْلَةَ ”إذْ قالَ رَبُّكَ“ بَدَلٌ مِن ”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ مُجادَلَةَ المَلَأِ الأعْلى عَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلى قَضِيَّةِ قِصَّةِ إبْلِيسَ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ مالِكِ بْنِ يَخامُرَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حَدِيثًا طَوِيلًا في رُؤْيا النَّبِيءِ ﷺ «أنَّهُ رَأى رَبَّهُ تَعالى فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى ؟ قُلْتُ: لا أدْرِي. قالَها ثَلاثًا. ثُمَّ قالَ بَعْدَ الثّالثَةِ بَعْدَ أنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: في الكَفّاراتِ. قالَ: ما هُنَّ ؟ قُلْتُ مَشْيُ الأقْدامِ إلى الحَسَناتِ والجُلُوسُ في المَسْجِدِ»، وذَكَرَ أشْياءَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ”ولَمْ يَذْكُرِ اخْتِصامَهم في قَضِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ“ . وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وقالَ عَنْهُ البُخارِيُّ: إنَّهُ أصَحُّ مِن غَيْرِهِ مِمّا في مَعْناهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ ولَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جَعَلَهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيهِ بَعْضٌ مِمّا يَخْتَصِمُ فِيهِ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى؛ مُرادٌ بِهِ اخْتِصامٌ خاصٌّ هو ما جَرى بَيْنَهم في قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ والمُقاوَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا كَلامًا دَلَّ عَلى أنَّهم أطاعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَهم بِهِ، بَلْ ورَدَ في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْصِيلُ ما جَرى مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ فَهو يُبَيِّنُ ما
صفحة ٣٠١
أُجْمِلَ هُنا وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا إذِ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ القِصَّةِ هُنا الِاتِّعاظُ بِكِبْرِ إبْلِيسَ دُونَ ما نَشَأ عَنْ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذْ قالَ رَبُّكَ“ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ: اذْكُرْ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وهو بِناءٌ عَلى أنَّ ضَمِيرَ ”هو نَبَأٌ عَظِيمٌ“ لَيْسَ ضَمِيرَ شَأْنٍ بَلْ هو عائِدٌ إلى ما قَبْلَهُ وأنَّ ”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ مُرادٌ بِهِ خُصُومَةَ أهْلِ النّارِ.
وقِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ أشْبَهُها بِما هُنا ما في سُورَةِ الحِجْرِ، وأبْيَنُها ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَقَعَ في سُورَةِ الحِجْرِ ”إلّا إبْلِيسَ أبِي“ وفي هَذِهِ السُّورَةِ ”إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ“ فَيَكُونُ ما في هَذِهِ الآيَةِ يُبَيِّنُ الباعِثَ عَلى الإبايَةِ.
ووَقَعَتْ هُنا زِيادَةُ ”وكانَ مِنَ الكافِرِينَ“ وهو بَيانٌ لِكَوْنِ المُرادِ في سُورَةِ الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ ”أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ“ الإبايَةَ مِنَ الكَوْنِ مِنَ السّاجِدِينَ لِلَّهِ، أيْ: المُنَزِّهِي اللَّهَ عَنِ الظُّلْمِ والجَهْلِ.
ووَقَعَ في هَذِهِ السُّورَةِ ”وكانَ مِنَ الكافِرِينَ“ ومَعْناهُ أنَّهُ كانَ كافِرًا ساعَتَئِذٍ، أيْ: ساعَةَ إبائِهِ مِنَ السُّجُودِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ كافِرًا، فَفِعْلُ (كانَ) الَّذِي وقَعَ في هَذا الكَلامِ حِكايَةً لِكُفْرِهِ الواقِعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ الزَّجّاجُ:
(كانَ) جارٍ عَلى بابِ سائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ إلّا أنَّ فِيهِ إخْبارًا عَنِ الحالَةِ فِيما مَضى، إذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا، فَقَدَ أنْبَأْتَ عَنْ أنَّ حالَتَهُ فِيما مَضى مِنَ الدَّهْرِ هَذا، وإذا قُلْتَ: سَيَكُونُ عالِمًا فَقَدْ أنْبَأْتَ عَنْ أنَّ حالَةً سَتَقَعُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، فَهُما عِبارَتانِ عَنِ الأفْعالِ والأحْوالِ اهـ.
وقَدْ بَدَتْ مِن إبْلِيسَ نَزْعَةٌ كانَتْ كامِنَةً في جِبِلَّتِهِ وهي نَزْعَةُ الكِبْرِ والعِصْيانِ، ولَمْ تَكُنْ تَظْهَرُ مِنهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأنَّ المَلَأ الَّذِي كانَ مَعَهم كانُوا عَلى أكْمَلِ حُسْنِ الخِلْطَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنهم مُثِيرٌ لِما سَكَنَ في نَفْسِهِ مِن طَبْعِ الكِبْرِ والعِصْيانِ. فَلَمّا طَرَأ عَلى ذَلِكَ المَلَأِ مَخْلُوقٌ جَدِيدٌ وأُمِرَ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى بِتَعْظِيمِهِ كانَ ذَلِكَ مُورِيًّا زِنادَ الكِبْرِ في نَفْسِ إبْلِيسَ فَنَشَأ عَنْهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ وعِصْيانُ أمْرِهِ.
صفحة ٣٠٢
وهَذا نامُوسٌ خِلْقِيٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ مَبْدَأً لِهَذا العالَمِ قَبْلَ تَعْمِيرِهِ، وهو أنْ تَكُونَ الحَوادِثُ والمَضائِقُ مِعْيارِ الأخْلاقِ والفَضِيلَةِ، فَلا يُحْكَمُ عَلى نَفْسٍ بِتَزْكِيَةٍ أوْ ضِدِّها إلّا بَعْدَ تَجْرِبَتِها ومُلاحَظَةِ تَصَرُّفاتِها عِنْدَ حُلُولِ الحَوادِثِ بِها. وقَدْ مُدِحَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِالخَيْرِ، فَقالَ عُمَرُ: هَلْ أرَيْتُمُوهُ الأبْيَضَ والأصْفَرَ ؟ يَعْنِي: الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ. وقالَ الشّاعِرُ:
لا تَمْدَحَنْ امْرَءًا حَتّى تُجَرِّبَهُ ولا تَذُمَّنَّهُ مِن قَبْلِ تَجْرِيبِ
إنَّ الرِّجالَ صَنادِيقٌ مُقَفَّلَةٌ ∗∗∗ وما مَفاتِيحُها غِيَرُ التَّجارِيبِ
ووَجْهُ كَوْنِهِ مِنَ الكافِرِينَ أنَّهُ امْتَنَعَ مِن طاعَةِ اللَّهِ امْتِناعَ طَعْنٍ في حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، وذَلِكَ كُفْرٌ لا مَحالَةَ، ولَيْسَ كامْتِناعِ أحَدٍ مِن أداءِ الفَرائِضِ إنْ لَمْ يَجْحَدْ أنَّها حَقٌّ خِلافًا لِلْخَوارِجِ وكَذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ.
ص 38:74
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ مَوْقِعُ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا فَإذا جَعَلْنا النَّبَأ بِمَعْنى: نَبَأِ أهْلِ المَحْشَرِ المَوْعُودِ بِهِ فَيَكُونُ ”إذْ قالَ“ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] ونَظائِرِهِ.
فَإمّا عَلى جَعْلِ النَّبَأِ بِمَعْنى: نَبَأِ خَلْقِ آدَمَ فَإنَّ جُمْلَةَ ”إذْ قالَ رَبُّكَ“ بَدَلٌ مِن ”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ مُجادَلَةَ المَلَأِ الأعْلى عَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلى قَضِيَّةِ قِصَّةِ إبْلِيسَ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ مالِكِ بْنِ يَخامُرَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حَدِيثًا طَوِيلًا في رُؤْيا النَّبِيءِ ﷺ «أنَّهُ رَأى رَبَّهُ تَعالى فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى ؟ قُلْتُ: لا أدْرِي. قالَها ثَلاثًا. ثُمَّ قالَ بَعْدَ الثّالثَةِ بَعْدَ أنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: في الكَفّاراتِ. قالَ: ما هُنَّ ؟ قُلْتُ مَشْيُ الأقْدامِ إلى الحَسَناتِ والجُلُوسُ في المَسْجِدِ»، وذَكَرَ أشْياءَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ”ولَمْ يَذْكُرِ اخْتِصامَهم في قَضِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ“ . وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وقالَ عَنْهُ البُخارِيُّ: إنَّهُ أصَحُّ مِن غَيْرِهِ مِمّا في مَعْناهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ ولَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جَعَلَهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيهِ بَعْضٌ مِمّا يَخْتَصِمُ فِيهِ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى؛ مُرادٌ بِهِ اخْتِصامٌ خاصٌّ هو ما جَرى بَيْنَهم في قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ والمُقاوَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا كَلامًا دَلَّ عَلى أنَّهم أطاعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَهم بِهِ، بَلْ ورَدَ في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْصِيلُ ما جَرى مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ فَهو يُبَيِّنُ ما
صفحة ٣٠١
أُجْمِلَ هُنا وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا إذِ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ القِصَّةِ هُنا الِاتِّعاظُ بِكِبْرِ إبْلِيسَ دُونَ ما نَشَأ عَنْ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذْ قالَ رَبُّكَ“ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ: اذْكُرْ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وهو بِناءٌ عَلى أنَّ ضَمِيرَ ”هو نَبَأٌ عَظِيمٌ“ لَيْسَ ضَمِيرَ شَأْنٍ بَلْ هو عائِدٌ إلى ما قَبْلَهُ وأنَّ ”إذْ يَخْتَصِمُونَ“ مُرادٌ بِهِ خُصُومَةَ أهْلِ النّارِ.
وقِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ أشْبَهُها بِما هُنا ما في سُورَةِ الحِجْرِ، وأبْيَنُها ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَقَعَ في سُورَةِ الحِجْرِ ”إلّا إبْلِيسَ أبِي“ وفي هَذِهِ السُّورَةِ ”إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ“ فَيَكُونُ ما في هَذِهِ الآيَةِ يُبَيِّنُ الباعِثَ عَلى الإبايَةِ.
ووَقَعَتْ هُنا زِيادَةُ ”وكانَ مِنَ الكافِرِينَ“ وهو بَيانٌ لِكَوْنِ المُرادِ في سُورَةِ الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ ”أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ“ الإبايَةَ مِنَ الكَوْنِ مِنَ السّاجِدِينَ لِلَّهِ، أيْ: المُنَزِّهِي اللَّهَ عَنِ الظُّلْمِ والجَهْلِ.
ووَقَعَ في هَذِهِ السُّورَةِ ”وكانَ مِنَ الكافِرِينَ“ ومَعْناهُ أنَّهُ كانَ كافِرًا ساعَتَئِذٍ، أيْ: ساعَةَ إبائِهِ مِنَ السُّجُودِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ كافِرًا، فَفِعْلُ (كانَ) الَّذِي وقَعَ في هَذا الكَلامِ حِكايَةً لِكُفْرِهِ الواقِعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ الزَّجّاجُ:
(كانَ) جارٍ عَلى بابِ سائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ إلّا أنَّ فِيهِ إخْبارًا عَنِ الحالَةِ فِيما مَضى، إذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا، فَقَدَ أنْبَأْتَ عَنْ أنَّ حالَتَهُ فِيما مَضى مِنَ الدَّهْرِ هَذا، وإذا قُلْتَ: سَيَكُونُ عالِمًا فَقَدْ أنْبَأْتَ عَنْ أنَّ حالَةً سَتَقَعُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، فَهُما عِبارَتانِ عَنِ الأفْعالِ والأحْوالِ اهـ.
وقَدْ بَدَتْ مِن إبْلِيسَ نَزْعَةٌ كانَتْ كامِنَةً في جِبِلَّتِهِ وهي نَزْعَةُ الكِبْرِ والعِصْيانِ، ولَمْ تَكُنْ تَظْهَرُ مِنهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأنَّ المَلَأ الَّذِي كانَ مَعَهم كانُوا عَلى أكْمَلِ حُسْنِ الخِلْطَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنهم مُثِيرٌ لِما سَكَنَ في نَفْسِهِ مِن طَبْعِ الكِبْرِ والعِصْيانِ. فَلَمّا طَرَأ عَلى ذَلِكَ المَلَأِ مَخْلُوقٌ جَدِيدٌ وأُمِرَ أهْلُ المَلَأِ الأعْلى بِتَعْظِيمِهِ كانَ ذَلِكَ مُورِيًّا زِنادَ الكِبْرِ في نَفْسِ إبْلِيسَ فَنَشَأ عَنْهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ وعِصْيانُ أمْرِهِ.
صفحة ٣٠٢
وهَذا نامُوسٌ خِلْقِيٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ مَبْدَأً لِهَذا العالَمِ قَبْلَ تَعْمِيرِهِ، وهو أنْ تَكُونَ الحَوادِثُ والمَضائِقُ مِعْيارِ الأخْلاقِ والفَضِيلَةِ، فَلا يُحْكَمُ عَلى نَفْسٍ بِتَزْكِيَةٍ أوْ ضِدِّها إلّا بَعْدَ تَجْرِبَتِها ومُلاحَظَةِ تَصَرُّفاتِها عِنْدَ حُلُولِ الحَوادِثِ بِها. وقَدْ مُدِحَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِالخَيْرِ، فَقالَ عُمَرُ: هَلْ أرَيْتُمُوهُ الأبْيَضَ والأصْفَرَ ؟ يَعْنِي: الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ. وقالَ الشّاعِرُ:
لا تَمْدَحَنْ امْرَءًا حَتّى تُجَرِّبَهُ ولا تَذُمَّنَّهُ مِن قَبْلِ تَجْرِيبِ
إنَّ الرِّجالَ صَنادِيقٌ مُقَفَّلَةٌ ∗∗∗ وما مَفاتِيحُها غِيَرُ التَّجارِيبِ
ووَجْهُ كَوْنِهِ مِنَ الكافِرِينَ أنَّهُ امْتَنَعَ مِن طاعَةِ اللَّهِ امْتِناعَ طَعْنٍ في حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ، وذَلِكَ كُفْرٌ لا مَحالَةَ، ولَيْسَ كامْتِناعِ أحَدٍ مِن أداءِ الفَرائِضِ إنْ لَمْ يَجْحَدْ أنَّها حَقٌّ خِلافًا لِلْخَوارِجِ وكَذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ.
ص 38:75
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ أيْ: خاطَبَ اللَّهُ إبْلِيسَ ولا شَكَّ أنَّ هَذا الخِطابَ حِينَئِذٍ كانَ بِواسِطَةِ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا اسْتَكْبَرَ قَدِ انْسَلَخَ عَنْ صِفَةِ المَلَكِيَّةِ فَلَمْ يَعُدْ أهْلًا لِتَلَقِّي الخِطابِ مِنَ اللَّهِ ولَمْ يَكُنْ أرْفَعُ رُتْبَةً مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] وبِذَلِكَ تَكُونُ المُحاوَرَةُ المَحْكِيَّةُ هُنا بِواسِطَةِ مَلَكٍ فَيَكُونُ الِاخْتِصامُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَلائِكَةِ عَلى جَعْلِ ضَمِيرِ يَخْتَصِمُونَ عائِدًا إلى المَلَأِ الأعْلى كَما تَقَدَّمَ.
وجِيءَ بِفِعْلِ قالَ غَيْرَ مَعْطُوفٍ حَسْبَ طَرِيقَةِ المُقاوَلاتِ. وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ إلّا قَوْلَهُ هُنا ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ، أيْ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، ووَقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ ”أنْ لا تَسْجُدَ“ عَلى أنْ لا زائِدَةً. وحُكِيَ هُنا أنَّ اللَّهَ قالَ لَهُ ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أيْ: خَلَقْتُهُ بِقُدْرَتِي، أيْ: خَلْقًا خاصًّا دَفْعَةً ومُباشَرَةً لِأمْرِ التَّكْوِينِ، فَكانَ تَعَلُّقُ هَذا التَّكْوِينِ أقْرَبَ مَن تَعَلُّقِهِ بِإيجادِ المَوْجُوداتِ
صفحة ٣٠٣
المُرَتَّبَةِ لَها أسْبابٌ تُباشِرُها مِن حَمَلٍ ووِلادَةٍ كَما هو المَعْرُوفُ في تَخَلُّقِ المَوْجُوداتِ عَنْ أُصُولِها. ولا شَكَّ في أنَّ خَلْقَ آدَمَ فِيهِ عِنايَةٌ زائِدَةٌ وتَشْرِيفُ اتِّصالٍ أقْرَبُ. فاليَدانِ تَمْثِيلٌ لِتَكَوُّنِ آدَمَ مِن مُجَرَّدِ أمْرِ التَّكْوِينِ لِلطِّينِ بِهَيْئَةِ صُنْعِ الفَخّارِيِّ لِلْإناءِ مِن طِينٍ إذْ يُسَوِّيهِ بِيَدَيْهِ. وكانَ السَّلَفُ يُقِرُّونَ أنَّ اليَدَيْنِ صِفَةٌ خاصَّةٌ لِلَّهِ تَعالى لِوُرُودِهِما في القُرْآنِ مَعَ جَزْمِهِمْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقاتِ وعَنِ الجِسْمِيَّةِ، وقَصْدُهُمُ الحَذَرُ مِن تَحْكِيمِ الآراءِ في صِفاتِ اللَّهِ. أوْ أنْ تَحْمِلَ العُقُولُ القاصِرَةُ صِفاتِ اللَّهِ عَلى ما تَعارَفَتْهُ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وقالَ مَرَّةً ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الآياتِ المُشابِهَةِ في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي إلْقاءِ هَذا السُّؤالِ إلى إبْلِيسَ قَطْعٌ بِمَعْذِرَتِهِ. والمَعْنى: أمِن أجْلِ أنَّكَ تَتَعاظَمُ بِغَيْرِ حَقٍّ أمْ لِأنَّكَ مِن أصْحابِ العُلُوِّ، والمُرادُ بِالعُلُوِّ: الشَّرَفُ، أيْ: مِنَ العالِينَ عَلى آدَمَ فَلا يَسْتَحِقُّ أنْ تُعَظِّمَهُ فَأجابَ إبْلِيسُ مِمّا يُشَقُّ الثّانِي. فَتَبَيَّنَ أنَّهُ يَعُدُّ نَفْسَهُ أفْضَلَ مِن آدَمَ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ وآدَمَ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ، يَعْنِي: والنّارُ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، أيْ: في رَأْيِهِ.
وعَبَّرَ عَنْ آدَمَ باسِمِ ”ما“ المَوْصُولَةِ وهو حِينَئِذٍ إنْسانٌ؛ لِأنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ كانَ بَعْدَ خَلْقِهِ وتَعْلِيمِهِ الأسْماءَ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ. ويُؤَيِّدُ قَوْلَ أهْلِ التَّحْقِيقِ أنَّ ”ما“ لا تَخْتَصُّ بِغَيْرِ العاقِلِ؛ وشَواهِدُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ.
وقالَ ”أنا خَيْرٌ مِنهُ“ قَوْلٌ مِنَ الشَّيْطانَ حُكِيَ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ.
وجُمْلَةُ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”أنا خَيْرٌ مِنهُ“ وقَدْ جَعَلَ إبْلِيسُ عُذْرَهُ مَبْنِيًّا عَلى تَأْصِيلِ أنَّ النّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ أنَّ اللَّهَ رَدَّ عَلَيْهِ هَذا التَّأْصِيلَ لِأنَّهُ أحْقَرُ مِن ذَلِكَ فَلَعَنَهُ وأطْرَدَهُ لِأنَّهُ ادَّعى باطِلًا وعَصى رَبَّهُ اسْتِكْبارًا: وطَرْدُهُ أجْمَعُ لِإبْطالِ عِلْمِهِ ودَحْضِ دَلِيلِهِ، غَيْرَ أنَّ النُّورَ الَّذِي في النّارِ نُورٌ عارِضٌ قائِمٌ بِالأجْسامِ المُلْتَهِبَةِ الَّتِي تُسَمّى نارًا، ولَيْسَ لِلنّارِ قِيامٌ بِنَفْسِها ولِذَلِكَ لَمْ تُعَدَّ أنْ يَكُونَ كِيانُها مَخْلُوطًا بِما يُلْهِبُها.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّيْطانِ مَخْلُوقًا مِنَ النّارِ أنَّ ابْتِداءَ تَكَوُّنِ الذَّرَّةِ الأصْلِيَّةِ لِقِوامِ
صفحة ٣٠٤
ماهِيَّتِهِ مِن عُنْصُرِ النّارِ، ثُمَّ تَمْتَزِجُ تِلْكَ الذَّرَّةُ بِعَناصِرَ أُخْرى مِثْلَ الهَواءِ وما اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ.
ومَعْنى كَوْنِ آدَمَ مَخْلُوقًا مِنَ الطِّينِ أنَّ ابْتِداءَ تَكَوُّنِ ذَرّاتِ جُثْمانِهِ مِن عُنْصُرِ التُّرابِ وأُدْخِلَ عَلى تِلْكَ الذَّرّاتِ ما امْتَزَجَتْ بِهِ عَناصِرُ الهَواءِ والماءِ والنّارِ وما يَتَوَلَّدُ عَلى ذَلِكَ التَّرْكِيبِ مِن عَناصِرَ كِيماوِيَّةٍ وقُوَّةٍ كَهْرَبائِيَّةٍ تَتَقَوَّمُ بِمَجْمُوعِها ماهِيَّةُ الإنْسانِ.
وتَكُونُ (مِن) في المَوْضِعَيْنِ ابْتِدائِيَّةً لا تَبْعِيضِيَّةً.
وقَدْ جَزَمَ الفَلاسِفَةُ الأوَّلُونَ والأطِبّاءُ بِأنَّ عُنْصُرَ النّارِ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِ التُّرابِ (ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالأرْضِ) لِأنَّ النّارَ لَطِيفَةٌ مُضِيئَةُ اللَّوْنِ والتُّرابَ كَثِيفٌ مُظْلِمُ اللَّوْنِ.
وقالَ الشِّيرازِيُّ في شَرْحِ كُلِّيّاتِ القانُونِ: إنَّ النّارَ وإنْ تَرَجَّحَتْ عَلى الأرْضِ بِما ذُكِرَ فالأرْضُ راجِحَةٌ عَلَيْها بِأنَّها خَيْرٌ لِلْحَيَوانِ والنَّباتِ، وغَيْرُ مُفْسِدَةٍ بِبَرْدِها، بِخِلافِ النّارِ فَإنَّها مُفْسِدَةٌ بِحَرِّها لِكَوْنِهِ في الغايَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
والحَقُّ: أنَّ أفْضَلِيَّةَ العَناصِرِ لا تَقْتَضِي أفْضَلِيَّةَ الكائِناتِ المُنْشَأةِ مِنها لِأنَّ العَناصِرَ أجْرامٌ بَسِيطَةٌ لا تَتَكَوَّنُ المَخْلُوقاتُ مِن مُجَرَّدِها بَلِ المَخْلُوقاتُ تَتَكَوَّنُ بِالتَّرْكِيبِ بَيْنَ العَناصِرِ، والأجْسامُ الإنْسانِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنَ العَناصِرِ كُلِّها. والرُّوحُ الآدَمِيُّ لَطِيفَةٌ نُورانِيَّةٌ تَفَوَّقَ بِها الإنْسانُ عَلى جَمِيعِ المُرَكَّباتِ بِأنْ كانَ فِيهِ جُزْءٌ مَلَكِيٌّ شارَكَ بِهِ المَلائِكَةَ، ولِذَلِكَ طَلَبَ مِنهُ خالِقُهُ تَعالى وتَقَدَّسَ أنْ يُلْحِقَ نَفْسَهُ بِالمَلائِكَةِ فَتَحَقَّقَ ذَلِكَ الِالتِحاقُ كامِلًا في الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ ومِن أجْلِ ذَلِكَ قُلْنا: إنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ لِاسْتِواءِ الفَرِيقَيْنِ في تَمَحُّضُ النُّورانِيَّةِ وتَمَيَّزَ فَرِيقُ الأنْبِياءِ بِأنَّهم لَحِقُوا تِلْكَ المَراتِبَ بِالِاصْطِفاءِ والطّاعَةِ، فَلَيْسَ لِإبْلِيسَ دَلِيلٌ في التَّفْضِيلِ عَلى آدَمَ وإنَّما عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ضالَّةٌ ولِذَلِكَ جُوزِيَ عَلى إبائِهِ مِنَ السُّجُودِ إلَيْهِ بِالطَّرْدِ مِنَ المَلَأِ الأعْلى.
وإنَّما بَسَطْنا القَوْلَ هُنا لِرَدِّ شُبَهِ طائِفَةٍ مِنَ المَلاحِدَةِ الَّذِينَ يُصَوِّبُونَ شُبْهَةَ إبْلِيسَ طَعْنًا في الدِّينِ لا إيمانًا بِالشَّياطِينِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ النّارَ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ لَما كانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا أنْ يَكُونَ ما يَنْشَأُ مِنَ النّارِ أفْضَلُ مِمّا يَنْشَأُ مِنَ الطِّينِ لِأنَّ
صفحة ٣٠٥
المَخْلُوقَ كائِنٌ مُرَكَّبٌ مِن عَناصِرَ وأجْزاءٍ مُتَفاوِتَةٍ والتَّرْكِيبُ قَدْ يَدْخُلُ عَلى المادَّةِ الأُولى شَرَفًا وقَدْ يَدْخُلُ عَلَيْها حَقارَةً، والتَّفاضُلُ إنَّما يَتَقَوَّمُ مِنَ الكَمالِ في الذّاتِ والآثارِ.
ص 38:76
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ أيْ: خاطَبَ اللَّهُ إبْلِيسَ ولا شَكَّ أنَّ هَذا الخِطابَ حِينَئِذٍ كانَ بِواسِطَةِ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا اسْتَكْبَرَ قَدِ انْسَلَخَ عَنْ صِفَةِ المَلَكِيَّةِ فَلَمْ يَعُدْ أهْلًا لِتَلَقِّي الخِطابِ مِنَ اللَّهِ ولَمْ يَكُنْ أرْفَعُ رُتْبَةً مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] وبِذَلِكَ تَكُونُ المُحاوَرَةُ المَحْكِيَّةُ هُنا بِواسِطَةِ مَلَكٍ فَيَكُونُ الِاخْتِصامُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَلائِكَةِ عَلى جَعْلِ ضَمِيرِ يَخْتَصِمُونَ عائِدًا إلى المَلَأِ الأعْلى كَما تَقَدَّمَ.
وجِيءَ بِفِعْلِ قالَ غَيْرَ مَعْطُوفٍ حَسْبَ طَرِيقَةِ المُقاوَلاتِ. وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ إلّا قَوْلَهُ هُنا ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ، أيْ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، ووَقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ ”أنْ لا تَسْجُدَ“ عَلى أنْ لا زائِدَةً. وحُكِيَ هُنا أنَّ اللَّهَ قالَ لَهُ ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أيْ: خَلَقْتُهُ بِقُدْرَتِي، أيْ: خَلْقًا خاصًّا دَفْعَةً ومُباشَرَةً لِأمْرِ التَّكْوِينِ، فَكانَ تَعَلُّقُ هَذا التَّكْوِينِ أقْرَبَ مَن تَعَلُّقِهِ بِإيجادِ المَوْجُوداتِ
صفحة ٣٠٣
المُرَتَّبَةِ لَها أسْبابٌ تُباشِرُها مِن حَمَلٍ ووِلادَةٍ كَما هو المَعْرُوفُ في تَخَلُّقِ المَوْجُوداتِ عَنْ أُصُولِها. ولا شَكَّ في أنَّ خَلْقَ آدَمَ فِيهِ عِنايَةٌ زائِدَةٌ وتَشْرِيفُ اتِّصالٍ أقْرَبُ. فاليَدانِ تَمْثِيلٌ لِتَكَوُّنِ آدَمَ مِن مُجَرَّدِ أمْرِ التَّكْوِينِ لِلطِّينِ بِهَيْئَةِ صُنْعِ الفَخّارِيِّ لِلْإناءِ مِن طِينٍ إذْ يُسَوِّيهِ بِيَدَيْهِ. وكانَ السَّلَفُ يُقِرُّونَ أنَّ اليَدَيْنِ صِفَةٌ خاصَّةٌ لِلَّهِ تَعالى لِوُرُودِهِما في القُرْآنِ مَعَ جَزْمِهِمْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقاتِ وعَنِ الجِسْمِيَّةِ، وقَصْدُهُمُ الحَذَرُ مِن تَحْكِيمِ الآراءِ في صِفاتِ اللَّهِ. أوْ أنْ تَحْمِلَ العُقُولُ القاصِرَةُ صِفاتِ اللَّهِ عَلى ما تَعارَفَتْهُ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وقالَ مَرَّةً ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الآياتِ المُشابِهَةِ في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي إلْقاءِ هَذا السُّؤالِ إلى إبْلِيسَ قَطْعٌ بِمَعْذِرَتِهِ. والمَعْنى: أمِن أجْلِ أنَّكَ تَتَعاظَمُ بِغَيْرِ حَقٍّ أمْ لِأنَّكَ مِن أصْحابِ العُلُوِّ، والمُرادُ بِالعُلُوِّ: الشَّرَفُ، أيْ: مِنَ العالِينَ عَلى آدَمَ فَلا يَسْتَحِقُّ أنْ تُعَظِّمَهُ فَأجابَ إبْلِيسُ مِمّا يُشَقُّ الثّانِي. فَتَبَيَّنَ أنَّهُ يَعُدُّ نَفْسَهُ أفْضَلَ مِن آدَمَ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ وآدَمَ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ، يَعْنِي: والنّارُ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، أيْ: في رَأْيِهِ.
وعَبَّرَ عَنْ آدَمَ باسِمِ ”ما“ المَوْصُولَةِ وهو حِينَئِذٍ إنْسانٌ؛ لِأنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ كانَ بَعْدَ خَلْقِهِ وتَعْلِيمِهِ الأسْماءَ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ. ويُؤَيِّدُ قَوْلَ أهْلِ التَّحْقِيقِ أنَّ ”ما“ لا تَخْتَصُّ بِغَيْرِ العاقِلِ؛ وشَواهِدُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ.
وقالَ ”أنا خَيْرٌ مِنهُ“ قَوْلٌ مِنَ الشَّيْطانَ حُكِيَ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ.
وجُمْلَةُ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”أنا خَيْرٌ مِنهُ“ وقَدْ جَعَلَ إبْلِيسُ عُذْرَهُ مَبْنِيًّا عَلى تَأْصِيلِ أنَّ النّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ أنَّ اللَّهَ رَدَّ عَلَيْهِ هَذا التَّأْصِيلَ لِأنَّهُ أحْقَرُ مِن ذَلِكَ فَلَعَنَهُ وأطْرَدَهُ لِأنَّهُ ادَّعى باطِلًا وعَصى رَبَّهُ اسْتِكْبارًا: وطَرْدُهُ أجْمَعُ لِإبْطالِ عِلْمِهِ ودَحْضِ دَلِيلِهِ، غَيْرَ أنَّ النُّورَ الَّذِي في النّارِ نُورٌ عارِضٌ قائِمٌ بِالأجْسامِ المُلْتَهِبَةِ الَّتِي تُسَمّى نارًا، ولَيْسَ لِلنّارِ قِيامٌ بِنَفْسِها ولِذَلِكَ لَمْ تُعَدَّ أنْ يَكُونَ كِيانُها مَخْلُوطًا بِما يُلْهِبُها.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّيْطانِ مَخْلُوقًا مِنَ النّارِ أنَّ ابْتِداءَ تَكَوُّنِ الذَّرَّةِ الأصْلِيَّةِ لِقِوامِ
صفحة ٣٠٤
ماهِيَّتِهِ مِن عُنْصُرِ النّارِ، ثُمَّ تَمْتَزِجُ تِلْكَ الذَّرَّةُ بِعَناصِرَ أُخْرى مِثْلَ الهَواءِ وما اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ.
ومَعْنى كَوْنِ آدَمَ مَخْلُوقًا مِنَ الطِّينِ أنَّ ابْتِداءَ تَكَوُّنِ ذَرّاتِ جُثْمانِهِ مِن عُنْصُرِ التُّرابِ وأُدْخِلَ عَلى تِلْكَ الذَّرّاتِ ما امْتَزَجَتْ بِهِ عَناصِرُ الهَواءِ والماءِ والنّارِ وما يَتَوَلَّدُ عَلى ذَلِكَ التَّرْكِيبِ مِن عَناصِرَ كِيماوِيَّةٍ وقُوَّةٍ كَهْرَبائِيَّةٍ تَتَقَوَّمُ بِمَجْمُوعِها ماهِيَّةُ الإنْسانِ.
وتَكُونُ (مِن) في المَوْضِعَيْنِ ابْتِدائِيَّةً لا تَبْعِيضِيَّةً.
وقَدْ جَزَمَ الفَلاسِفَةُ الأوَّلُونَ والأطِبّاءُ بِأنَّ عُنْصُرَ النّارِ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِ التُّرابِ (ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالأرْضِ) لِأنَّ النّارَ لَطِيفَةٌ مُضِيئَةُ اللَّوْنِ والتُّرابَ كَثِيفٌ مُظْلِمُ اللَّوْنِ.
وقالَ الشِّيرازِيُّ في شَرْحِ كُلِّيّاتِ القانُونِ: إنَّ النّارَ وإنْ تَرَجَّحَتْ عَلى الأرْضِ بِما ذُكِرَ فالأرْضُ راجِحَةٌ عَلَيْها بِأنَّها خَيْرٌ لِلْحَيَوانِ والنَّباتِ، وغَيْرُ مُفْسِدَةٍ بِبَرْدِها، بِخِلافِ النّارِ فَإنَّها مُفْسِدَةٌ بِحَرِّها لِكَوْنِهِ في الغايَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
والحَقُّ: أنَّ أفْضَلِيَّةَ العَناصِرِ لا تَقْتَضِي أفْضَلِيَّةَ الكائِناتِ المُنْشَأةِ مِنها لِأنَّ العَناصِرَ أجْرامٌ بَسِيطَةٌ لا تَتَكَوَّنُ المَخْلُوقاتُ مِن مُجَرَّدِها بَلِ المَخْلُوقاتُ تَتَكَوَّنُ بِالتَّرْكِيبِ بَيْنَ العَناصِرِ، والأجْسامُ الإنْسانِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنَ العَناصِرِ كُلِّها. والرُّوحُ الآدَمِيُّ لَطِيفَةٌ نُورانِيَّةٌ تَفَوَّقَ بِها الإنْسانُ عَلى جَمِيعِ المُرَكَّباتِ بِأنْ كانَ فِيهِ جُزْءٌ مَلَكِيٌّ شارَكَ بِهِ المَلائِكَةَ، ولِذَلِكَ طَلَبَ مِنهُ خالِقُهُ تَعالى وتَقَدَّسَ أنْ يُلْحِقَ نَفْسَهُ بِالمَلائِكَةِ فَتَحَقَّقَ ذَلِكَ الِالتِحاقُ كامِلًا في الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ ومِن أجْلِ ذَلِكَ قُلْنا: إنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ لِاسْتِواءِ الفَرِيقَيْنِ في تَمَحُّضُ النُّورانِيَّةِ وتَمَيَّزَ فَرِيقُ الأنْبِياءِ بِأنَّهم لَحِقُوا تِلْكَ المَراتِبَ بِالِاصْطِفاءِ والطّاعَةِ، فَلَيْسَ لِإبْلِيسَ دَلِيلٌ في التَّفْضِيلِ عَلى آدَمَ وإنَّما عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ضالَّةٌ ولِذَلِكَ جُوزِيَ عَلى إبائِهِ مِنَ السُّجُودِ إلَيْهِ بِالطَّرْدِ مِنَ المَلَأِ الأعْلى.
وإنَّما بَسَطْنا القَوْلَ هُنا لِرَدِّ شُبَهِ طائِفَةٍ مِنَ المَلاحِدَةِ الَّذِينَ يُصَوِّبُونَ شُبْهَةَ إبْلِيسَ طَعْنًا في الدِّينِ لا إيمانًا بِالشَّياطِينِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ النّارَ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ لَما كانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا أنْ يَكُونَ ما يَنْشَأُ مِنَ النّارِ أفْضَلُ مِمّا يَنْشَأُ مِنَ الطِّينِ لِأنَّ
صفحة ٣٠٥
المَخْلُوقَ كائِنٌ مُرَكَّبٌ مِن عَناصِرَ وأجْزاءٍ مُتَفاوِتَةٍ والتَّرْكِيبُ قَدْ يَدْخُلُ عَلى المادَّةِ الأُولى شَرَفًا وقَدْ يَدْخُلُ عَلَيْها حَقارَةً، والتَّفاضُلُ إنَّما يَتَقَوَّمُ مِنَ الكَمالِ في الذّاتِ والآثارِ.
ص 38:77
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ عاقَبَهُ اللَّهُ عَلى ما بَرَزَ مِن نَفْسانِيَّتِهِ فَخالَفَ ما كانَ مِن طَرِيقَتِهِ فَأطْرَدَهُ مِنَ المَلَأِ الأعْلى ومِنَ الجَنَّةِ، وضَمِيرُ ”قالَ“ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ. وفُرِّعَ أمْرُهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ بِالفاءِ عَلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ لِأنَّ جَوابَهُ دَلَّ عَلى كَوْنِ خُبْثٍ في نَفْسِهِ بِدَتْ آثارُهُ في عَمَلِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِمُخالَطَةِ أهْلِ المَلَأِ الأعْلى. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
واللَّعْنَةُ: الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وأُضِيفَتْ إلى اللَّهِ لِتَشْنِيعِ مُتَعَلِّقِها وهو المَلْعُونُ لِأنَّ المَلْعُونَ مِن جانِبِ اللَّهِ هو أشْنَعُ مَلْعُونٍ.
وجُعِلَ ”يَوْمِ الدِّينِ“ غايَةَ اللَّعْنَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِها مُدَّةَ هَذِهِ الحَياةِ كُلِّها لِيَسْتَغْرِقَ الأزْمِنَةَ كُلَّها، ولَيْسَ المُرادُ حُصُولُ ضِدِّ اللَّعْنَةِ لَهُ يَوْمَ الدِّينِ، أعْنِي: الرَّحْمَةَ؛ لِأنَّ يَوْمَ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، فَجَزاءُ المَلْعُونِ العَذابُ الألِيمُ كَما أنْبَأ بِذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِـ ”يَوْمِ الدِّينِ“ دُونَ: يَوْمِ يَبْعَثُونَ، أوْ يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ.
ص 38:78
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ عاقَبَهُ اللَّهُ عَلى ما بَرَزَ مِن نَفْسانِيَّتِهِ فَخالَفَ ما كانَ مِن طَرِيقَتِهِ فَأطْرَدَهُ مِنَ المَلَأِ الأعْلى ومِنَ الجَنَّةِ، وضَمِيرُ ”قالَ“ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ. وفُرِّعَ أمْرُهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ بِالفاءِ عَلى ما تَقَدَّمَهُ مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ لِأنَّ جَوابَهُ دَلَّ عَلى كَوْنِ خُبْثٍ في نَفْسِهِ بِدَتْ آثارُهُ في عَمَلِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِمُخالَطَةِ أهْلِ المَلَأِ الأعْلى. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
واللَّعْنَةُ: الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وأُضِيفَتْ إلى اللَّهِ لِتَشْنِيعِ مُتَعَلِّقِها وهو المَلْعُونُ لِأنَّ المَلْعُونَ مِن جانِبِ اللَّهِ هو أشْنَعُ مَلْعُونٍ.
وجُعِلَ ”يَوْمِ الدِّينِ“ غايَةَ اللَّعْنَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِها مُدَّةَ هَذِهِ الحَياةِ كُلِّها لِيَسْتَغْرِقَ الأزْمِنَةَ كُلَّها، ولَيْسَ المُرادُ حُصُولُ ضِدِّ اللَّعْنَةِ لَهُ يَوْمَ الدِّينِ، أعْنِي: الرَّحْمَةَ؛ لِأنَّ يَوْمَ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، فَجَزاءُ المَلْعُونِ العَذابُ الألِيمُ كَما أنْبَأ بِذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِـ ”يَوْمِ الدِّينِ“ دُونَ: يَوْمِ يَبْعَثُونَ، أوْ يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ.
ص 38:79
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ أيْ: قالَ إبْلِيسُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ وتَفْسِيرُها هُناكَ مُسْتَوْفًى.
ص 38:80
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ أيْ: قالَ إبْلِيسُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ وتَفْسِيرُها هُناكَ مُسْتَوْفًى.
ص 38:81
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ أيْ: قالَ إبْلِيسُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ وتَفْسِيرُها هُناكَ مُسْتَوْفًى.
ص 38:82
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ كَلامِهِ عَلى أمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ وعِقابِهِ إيّاهُ بِاللَّعْنَةِ
صفحة ٣٠٦
الدّائِمَةِ وهَذا التَّفْرِيعُ مِن تَرْكِيبِ كَلامِ مُتَكَلِّمٍ عَلى مُتَكَلِّمٍ آخَرَ. وهو المُلَقَّبُ بِعَطْفِ التَّلْقِينِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
أقْسَمَ الشَّيْطانُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَحْقِيقًا لِقِيامِهِ بِالإغْواءِ دُونَ تَخَلُّفٍ، وإنَّما أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ وهو يَعْلَمُ عَظَمَةَ هَذا القَسَمِ لِأنَّهُ وجَدَ في نَفْسِهِ أنَّ اللَّهَ أقْدَرَهُ عَلى القِيامِ بِالإغْواءِ والوَسْوَسَةِ وقَدْ قالَ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] .
والعِزَّةُ: القَهْرُ والسُّلْطانُ، وعِزَّةُ اللَّهِ هي العِزَّةُ الكامِلَةُ الَّتِي لا تَخْتَلُّ حَقِيقَتُها ولا يَتَخَلَّفُ سُلْطانُها، وقَسَمُ إبْلِيسَ بِها ناشِئٌ عَنْ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ الإغْواءَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ أقْدَرَهُ ولَوْلا ذَلِكَ لَنْ يَسْتَطِيعَ نَقْضَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] في سُورَةِ الحِجْرِ.
ص 38:83
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ كَلامِهِ عَلى أمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ وعِقابِهِ إيّاهُ بِاللَّعْنَةِ
صفحة ٣٠٦
الدّائِمَةِ وهَذا التَّفْرِيعُ مِن تَرْكِيبِ كَلامِ مُتَكَلِّمٍ عَلى مُتَكَلِّمٍ آخَرَ. وهو المُلَقَّبُ بِعَطْفِ التَّلْقِينِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
أقْسَمَ الشَّيْطانُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَحْقِيقًا لِقِيامِهِ بِالإغْواءِ دُونَ تَخَلُّفٍ، وإنَّما أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ وهو يَعْلَمُ عَظَمَةَ هَذا القَسَمِ لِأنَّهُ وجَدَ في نَفْسِهِ أنَّ اللَّهَ أقْدَرَهُ عَلى القِيامِ بِالإغْواءِ والوَسْوَسَةِ وقَدْ قالَ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] .
والعِزَّةُ: القَهْرُ والسُّلْطانُ، وعِزَّةُ اللَّهِ هي العِزَّةُ الكامِلَةُ الَّتِي لا تَخْتَلُّ حَقِيقَتُها ولا يَتَخَلَّفُ سُلْطانُها، وقَسَمُ إبْلِيسَ بِها ناشِئٌ عَنْ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ الإغْواءَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ أقْدَرَهُ ولَوْلا ذَلِكَ لَنْ يَسْتَطِيعَ نَقْضَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] في سُورَةِ الحِجْرِ.
ص 38:84
”﴿قالَ فالحَقَّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾“ أيْ: قالَ اللَّهُ تَعالى تَفْرِيعًا، وهَذا التَّفْرِيعُ نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] .
وقُوبِلَ تَأْكِيدُ عَزْمِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”فَبِعِزَّتِكَ“ بِتَأْكِيدٍ مِثْلِهِ، وهو لَفْظُ الحَقِّ الدّالِّ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ حَقٌّ ثابِتٌ لا يَتَخَلَّفُ، ولَمْ يَزِدْ في تَأْكِيدِ الخَبَرِ عَلى لَفْظِ الحَقِّ تَذْكِيرًا بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى حَقٌّ لا يَحْتاجُ إلى قَسَمٍ عَلَيْهِ تَرَفُّعًا مِن جَلالِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُقابِلَ كَلامَ الشَّيْطانِ بِقَسَمٍ مِثْلِهِ. ولِذَلِكَ زادَ هَذا المَعْنى تَقْرِيرًا بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ وهي ”والحَقَّ أقُولُ“ الَّذِي هو بِمَعْنى: لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، ولا حاجَةَ إلى القَسَمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فالحَقَّ“ بِالنَّصْبِ؛ وانْتِصابُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بَدَلًا عَنْ فِعْلٍ مِن لَفْظِهِ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: أُحِقُّ، أيْ: أُوجِبُ وأُحَقِّقُ. وأصْلُهُ التَّنْكِيرُ، فَتَعْرِيفُهُ بِاللّامِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ كالتَّعْرِيفِ في:
أرْسَلَها العِراكُ، فَهو في حُكْمِ النَّكِرَةِ
صفحة ٣٠٧
وإنَّما تَعْرِيفُهُ حِلْيَةٌ لَفْظِيَّةٌ إشارَةً إلى ما يَعْرِفُهُ السّامِعُ مِن أنَّ الحَقَّ ما هو وتَقَدَّمَ بَيانُهُ في أوَّلِ الفاتِحَةِ.وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ لَمّا تَعَرَّفَ بِاللّامِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَتُنُوسِيَ كَوْنُهُ نائِبًا عَنِ الفِعْلِ. وهَذا الرَّفْعُ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: فالحَقُّ قَوْلِي، أوْ فالحَقُّ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ إلَخْ؛ عَلى أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ القَسَمِ قائِمَةً مَقامَ الخَبَرِ، وإمّا عَلى الخَبَرِيَّةِ، أيْ: فَقَوْلِيَ الحَقُّ؛ وتَكُونُ جُمْلَةُ ”﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾“ مُفَسِّرُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، ولا خِلافَ في نَصْبِ الحَقِّ مِن قَوْلِهِ ”والحَقَّ أقُولُ“ وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ إلَخْ؛ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ”فالحَقُّ“ وهي مُؤَكَّدَةٌ بِلامِ القَسَمِ والنُّونِ.
وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ في ”والحَقَّ أقُولُ“ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ.
و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ بَيانِيَّةٌ وهي الَّتِي تَدْخُلُ عَلى التَّمْيِيزِ ويَنْتَصِبُ التَّمْيِيزُ بِتَقْدِيرِ مَعْناها. وتَدْخُلُ عَلى تَمْيِيزِ (كَمْ) في نَحْوِ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] وهي هُنا بَيانٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ”لَأمْلَأنَ“ مِن مِقْدارٍ مُبْهَمٍ فَبُيِّنَ بِآيَةِ ﴿مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ .
ولَمّا كانَ شَأْنُ مَدْخُولِ (مِنِ) البَيانِيَّةِ أنْ يَكُونَ نَكِرَةً تَعَيَّنَ اعْتِبارُ كافِ الخِطابِ في مَعْنى اسْمِ الجِنْسِ، أيْ: مِن جِنْسِكَ الشَّياطِينِ إذْ لا تَكُونُ ذاتُ إبْلِيسَ مِلْئًا لِجَهَنَّمَ، وإذْ قَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ أيْ: مَن تَبِعَكَ مِنَ الَّذِينَ أغْوَيْتَهم مِن بَنِي آدَمَ، فَلا جائِزَ أنْ يَبْقى مَن عَدا هَذَيْنِ مِنَ الشَّياطِينِ؛ والجِنَّةِ غَيْرَ مِلْءٍ لِجَهَنَّمَ.
و(أجْمَعِينَ) تَوْكِيدٌ لِضَمِيرِ (مِنكَ) ولِـ (مَن) في قَوْلِهِ ”ومِمَّنْ تَبِعَكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ حِكايَةَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وبَيْنَ الشَّيْطانِ حِكايَةٌ لِما جَرى في خَلَدِ الشَّيْطانِ مِنَ المَدارِكِ المُتَرَتِّبَةِ المُتَوَلِّدَةِ في قَرارَةِ نَفْسِهِ، وما جَرى في إرادَةِ اللَّهِ مِنَ المُسَبَّباتِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أسْبابِها مِن خَواطِرِ الشَّيْطانِ لِأنَّ العالَمَ الَّذِي جَرَتْ فِيهِ هَذِهِ الأسْبابُ ومُسَبَّباتُها عالَمُ حَقِيقَةٍ لا يَجْرِي فِيهِ إلّا الصِّدْقُ ولا مَطْمَعَ فِيهِ لِتَرْوِيجِ
صفحة ٣٠٨
المُوارَبَةِ ولا الحِيلَةِ ولِذَلِكَ لا تُعَدُّ خَواطِرُ الشَّيْطانِ المَذْكُورَةِ فِيهِ جَرْأةً عَلى جَلالِ اللَّهِ تَعالى ولا تُعَدُّ مُجازاةُ اللَّهِ تَعالى الشَّيْطانَ عَلَيْهِ تَنازُلًا مِنَ اللَّهِ لِمُحاوَرَةِ عَبَدٍ بَغِيضٍ لِلَّهِ تَعالى.
وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ سُورَةِ الحِجْرِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأقْوالُ الَّتِي جَرَتْ مِنَ الشَّيْطانَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى والأقْوالُ الَّتِي ألْقاها اللَّهُ عَلَيْهِ.
ص 38:85
”﴿قالَ فالحَقَّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾“ أيْ: قالَ اللَّهُ تَعالى تَفْرِيعًا، وهَذا التَّفْرِيعُ نَظِيرُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] .
وقُوبِلَ تَأْكِيدُ عَزْمِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”فَبِعِزَّتِكَ“ بِتَأْكِيدٍ مِثْلِهِ، وهو لَفْظُ الحَقِّ الدّالِّ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ حَقٌّ ثابِتٌ لا يَتَخَلَّفُ، ولَمْ يَزِدْ في تَأْكِيدِ الخَبَرِ عَلى لَفْظِ الحَقِّ تَذْكِيرًا بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى حَقٌّ لا يَحْتاجُ إلى قَسَمٍ عَلَيْهِ تَرَفُّعًا مِن جَلالِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُقابِلَ كَلامَ الشَّيْطانِ بِقَسَمٍ مِثْلِهِ. ولِذَلِكَ زادَ هَذا المَعْنى تَقْرِيرًا بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ وهي ”والحَقَّ أقُولُ“ الَّذِي هو بِمَعْنى: لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، ولا حاجَةَ إلى القَسَمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فالحَقَّ“ بِالنَّصْبِ؛ وانْتِصابُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بَدَلًا عَنْ فِعْلٍ مِن لَفْظِهِ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: أُحِقُّ، أيْ: أُوجِبُ وأُحَقِّقُ. وأصْلُهُ التَّنْكِيرُ، فَتَعْرِيفُهُ بِاللّامِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ كالتَّعْرِيفِ في:
أرْسَلَها العِراكُ، فَهو في حُكْمِ النَّكِرَةِ
صفحة ٣٠٧
وإنَّما تَعْرِيفُهُ حِلْيَةٌ لَفْظِيَّةٌ إشارَةً إلى ما يَعْرِفُهُ السّامِعُ مِن أنَّ الحَقَّ ما هو وتَقَدَّمَ بَيانُهُ في أوَّلِ الفاتِحَةِ.وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ لَمّا تَعَرَّفَ بِاللّامِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَتُنُوسِيَ كَوْنُهُ نائِبًا عَنِ الفِعْلِ. وهَذا الرَّفْعُ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: فالحَقُّ قَوْلِي، أوْ فالحَقُّ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ إلَخْ؛ عَلى أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ القَسَمِ قائِمَةً مَقامَ الخَبَرِ، وإمّا عَلى الخَبَرِيَّةِ، أيْ: فَقَوْلِيَ الحَقُّ؛ وتَكُونُ جُمْلَةُ ”﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾“ مُفَسِّرُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، ولا خِلافَ في نَصْبِ الحَقِّ مِن قَوْلِهِ ”والحَقَّ أقُولُ“ وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾ إلَخْ؛ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ”فالحَقُّ“ وهي مُؤَكَّدَةٌ بِلامِ القَسَمِ والنُّونِ.
وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ في ”والحَقَّ أقُولُ“ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: ولا أقُولُ إلّا الحَقَّ.
و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ بَيانِيَّةٌ وهي الَّتِي تَدْخُلُ عَلى التَّمْيِيزِ ويَنْتَصِبُ التَّمْيِيزُ بِتَقْدِيرِ مَعْناها. وتَدْخُلُ عَلى تَمْيِيزِ (كَمْ) في نَحْوِ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] وهي هُنا بَيانٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ”لَأمْلَأنَ“ مِن مِقْدارٍ مُبْهَمٍ فَبُيِّنَ بِآيَةِ ﴿مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ .
ولَمّا كانَ شَأْنُ مَدْخُولِ (مِنِ) البَيانِيَّةِ أنْ يَكُونَ نَكِرَةً تَعَيَّنَ اعْتِبارُ كافِ الخِطابِ في مَعْنى اسْمِ الجِنْسِ، أيْ: مِن جِنْسِكَ الشَّياطِينِ إذْ لا تَكُونُ ذاتُ إبْلِيسَ مِلْئًا لِجَهَنَّمَ، وإذْ قَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ أيْ: مَن تَبِعَكَ مِنَ الَّذِينَ أغْوَيْتَهم مِن بَنِي آدَمَ، فَلا جائِزَ أنْ يَبْقى مَن عَدا هَذَيْنِ مِنَ الشَّياطِينِ؛ والجِنَّةِ غَيْرَ مِلْءٍ لِجَهَنَّمَ.
و(أجْمَعِينَ) تَوْكِيدٌ لِضَمِيرِ (مِنكَ) ولِـ (مَن) في قَوْلِهِ ”ومِمَّنْ تَبِعَكَ“ .
واعْلَمْ أنَّ حِكايَةَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وبَيْنَ الشَّيْطانِ حِكايَةٌ لِما جَرى في خَلَدِ الشَّيْطانِ مِنَ المَدارِكِ المُتَرَتِّبَةِ المُتَوَلِّدَةِ في قَرارَةِ نَفْسِهِ، وما جَرى في إرادَةِ اللَّهِ مِنَ المُسَبَّباتِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أسْبابِها مِن خَواطِرِ الشَّيْطانِ لِأنَّ العالَمَ الَّذِي جَرَتْ فِيهِ هَذِهِ الأسْبابُ ومُسَبَّباتُها عالَمُ حَقِيقَةٍ لا يَجْرِي فِيهِ إلّا الصِّدْقُ ولا مَطْمَعَ فِيهِ لِتَرْوِيجِ
صفحة ٣٠٨
المُوارَبَةِ ولا الحِيلَةِ ولِذَلِكَ لا تُعَدُّ خَواطِرُ الشَّيْطانِ المَذْكُورَةِ فِيهِ جَرْأةً عَلى جَلالِ اللَّهِ تَعالى ولا تُعَدُّ مُجازاةُ اللَّهِ تَعالى الشَّيْطانَ عَلَيْهِ تَنازُلًا مِنَ اللَّهِ لِمُحاوَرَةِ عَبَدٍ بَغِيضٍ لِلَّهِ تَعالى.
وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ سُورَةِ الحِجْرِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأقْوالُ الَّتِي جَرَتْ مِنَ الشَّيْطانَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى والأقْوالُ الَّتِي ألْقاها اللَّهُ عَلَيْهِ.
ص 38:86
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِإبْلاغِ المَواعِظِ والعِبَرِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ أمَرَهُ عِنْدَ انْتِهائِها أنْ يَقْرَعَ أسْماعَهم بِهَذا الكَلامِ الَّذِي هو كالفَذْلَكَةِ لِلسُّورَةِ تَنْهِيَةً لَها وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ أنَّهُ ما جاءَهم إلّا بِما يَنْفَعُهم ولَيْسَ طالِبًا مِن ذَلِكَ جَزاءً، أيْ: لَوْ سَألَهم عَلَيْهِ أجْرًا لَراجَ اتِّهامُهم إيّاهُ بِالكَذِبِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، فَلَمّا انْتَفى ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَنْتَفِيَ تَوَهُّمُ اتِّهامِهِ بِالكَذِبِ لِأنَّ وازِعَ العَقْلِ يَصْرِفُ صاحِبَهُ عَنْ أنْ يَكْذِبَ لِغَيْرِ نَفْعٍ يَرْجُوهُ لِنَفْسِهِ.
والمَعْنى عُمُومُ نَفْيِ سُؤالِهِ الأجْرَ مِنهم مِن يَوْمِ بُعِثَ إلى وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وهو قِياسُ اسْتِقْراءٍ لِأنَّهم إذا اسْتَقْرَوْا أحْوالَ الرَّسُولِ ﷺ فِيما مَضى وجَدُوا انْتِفاءَ سُؤالِهِ أجْرًا أمْرًا عامًّا بِالِاسْتِقْراءِ التّامِّ الحاصِلِ مِن جَمِيعِ أفْرادِ المُشْرِكِينَ في جَمِيعِ مُخالَطاتِهِمْ إيّاهُ، فَهو أمْرٌ مُتَواتِرٌ بَيْنَهم؛ فَهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ”كَذّابٌ“ المَحْكِيُّ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ كَما سَيَجِيءُ.
وضَمِيرُ عَلَيْهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ فَإنَّ مَبْدَأ السُّورَةِ قَوْلُهُ ”والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ“ فَهَذا مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
وعَطْفُ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أفادَ انْتِفاءَ جَمِيعِ التَّكَلُّفِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .
والتَّكَلُّفُ: مُعالَجَةُ الكُلْفَةِ، وهي ما يَشُقُّ عَلى المَرْءِ عَمَلُهُ والتِزامُهُ لِكَوْنِهِ يُحْرِجُهُ
صفحة ٣٠٩
أوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، ومادَّةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلى مُعالَجَةِ ما لَيْسَ بِسَهْلٍ، فالمُتَكَلِّفُ هو الَّذِي يَتَطَلَّبُ ما لَيْسَ لَهُ أوْ يَدَّعِي عِلْمَ ما لا يَعْلَمُهُ.
فالمَعْنى هُنا: ما أنا بِمُدَّعٍ النُّبُوءَةَ باطِلًا مِن غَيْرِ أنْ يُوحى إلَيَّ وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ”كَذّابٌ“ وبِذَلِكَ كانَ كالنَّتِيجَةِ لِقَوْلِهِ ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ شَيْئًا إنَّما يَطْلُبُ مِن تَكَلُّفِهِ نَفْعًا، فالمَعْنى: وما أنا مِمَّنْ يَدَّعُونَ ما لَيْسَ لَهم. ومِنهُ حَدِيثُ الدّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ في بَعْضِ أسْفارِهِ فَمَرَّ عَلى رَجُلٍ جالسٍ عِنْدَ مِقْراةٍ لَهُ ”أيْ: حَوْضِ ماءٍ“ فَقالَ عُمَرُ: يا صاحِبَ المَقْراةِ أوَلَغَتِ السِّباعُ اللَّيْلَةَ في مَقْراتِكَ ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ يا صاحِبَ المَقْراةِ لا تُخْبِرْهُ، هَذا مُتَكَلِّفٌ؛ لَها ما حَمَلَتْ في بُطُونِها ولَنا ما بَقِيَ شَرابٌ وطَهُورٌ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ ”يَأيُّها النّاسُ مَن عَلِمَ مِنكم عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ .
وأُخِذَ مِن قَوْلِهِ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ لا تَكَلُّفَ فِيهِ، أيْ: لا مَشَقَّةَ في تَكالِيفِهِ وهو مَعْنى سَماحَةِ الإسْلامِ، وهَذا اسْتِرْواحٌ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَ طَبْعِ الرَّسُولِ ﷺ وبَيْنَ رَوْحِ شَرِيعَتِهِ تَناسُبًا لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى تَنْفِيذِ شَرْعِهِ بِشَراشِرِهِ لِأنَّ ذَلِكَ أنْفى لِلْحَرَجِ عَنْهُ في القِيامِ بِتَنْفِيذِ ما أُمِرَ بِهِ.
وتَرْكِيبُ ما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ أشَدُّ في نَفْيِ التَّكَلُّفِ مِن أنْ يَقُولَ: ما أنا بِمُتَكَلِّفٍ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ اشْتِمالِ نَفْيِ الشَّيْءِ عَلى ثُبُوتِ ضِدِّهِ، فَلَمّا نَفى بِقَوْلِهِ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أنْ يَكُونَ تَقَوَّلَ القُرْآنَ عَلى اللَّهِ، ثَبَتَ مِن ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ لِلنّاسِ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، أيْ: لَيْسَ هو بِالأساطِيرِ أوِ التُّرَّهاتِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَها تَذْيِيلًا إذْ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما هُنا. وهَذا الإخْبارُ عَنْ مَوْقِعِ القُرْآنِ لَدى جَمِيعِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لا خُصُوصِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ في مُجادَلَتِهِمْ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ
صفحة ٣١٠
لا يَرْجُو مِن مُعانِدِيهِ أجْرًا. وثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّلِ ما لَمْ يُوحَ إلَيْهِ؛ انْتَقَلَ إلى إثْباتِ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ لِلنّاسِ قاطِبَةً فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم مِنَ النّاسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَغْنِي اللَّهُ عَنْكم بِأقْوامٍ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] .
وعُمُومُ العالَمِينَ يُكْسِبُ الجُمْلَةَ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَها.
والقَصْرُ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ إضافِيٍّ، أيْ: هو ذِكْرٌ لا أساطِيرُ ولا سِحْرٌ ولا شِعْرٌ ولا غَيْرُ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ ما وسَمُوا بِهِ القُرْآنَ مِن غَيْرِ صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ بِاعْتِبارِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القَصْرُ مِن جانِبِ الإثْباتِ، أيْ: وسَتَعْلَمُونَ خَبَرَ هَذا القُرْآنِ بَعْدَ زَمانٍ عِلْمًا جَزْمًا فَيَزُولُ شَكُّكم فِيهِ، فالكَلامُ إخْبارٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ كَما هو مُقْتَضى وُجُودِ نُونِ التَّوْكِيدِ.
والنَّبَأُ: الخَبَرُ، وأصْلُ الخَبَرِ: الصِّدْقُ، أيْ: المُوافَقَةُ لِلْواقِعِ، فَإذا قِيلَ: أتانِي نَبَأُ كَذا، فَمَعْناهُ: الخَبَرُ عَنْ حالِهِ في الواقِعِ، فَإضافَةُ النَّبَأِ إلى ما يُضافُ إلَيْهِ عَلى مَعْنى اللّامِ إذْ مَعْنى اللّامِ هو أصلُ مَعانِي الإضافَةِ، قالَ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] أيْ: سَتَعْلَمُونَ صِدْقَ وصْفِ هَذا القُرْآنِ أنَّهُ الحَقُّ، وهَذا كَما قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وفُسِّرَ النَّبَأُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: ما أنْبَأ بِهِ القُرْآنُ مِن إنْذارِكم بِالعَذابِ، فَهو تَهْدِيدٌ. وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ واقِعٌ فَإنَّ مِنَ المُخاطَبِينَ مَن عُجِّلَ لَهُ عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَقِيَّتُهم رَأوْا ذَلِكَ رَأْيَ العَيْنِ مِنهم مَن عَلِمُوا دُخُولَ النّاسِ في الإسْلامِ فَماتُوا بِغَيْظِهِمْ ومِنهم مَن شاهَدُوا فَتْحَ مَكَّةَ وآمَنُوا، أوْ رَأوْا قَبائِلَ العَرَبِ تَدْخُلُ في الدِّينِ أفْواجًا فَعَلِمُوا نَبَأ صِدْقِ القُرْآنِ وما وعَدَ بِهِ بَعْدَ حِينٍ فازْدادُوا إيمانًا.
وحِينُ كُلِّ فَرِيقٍ ما مَضى عَلَيْهِ مِن زَمَنٍ بَيْنَ هَذا الخِطابِ وبَيْنَ تَحَقُّقِ الصِّدْقِ.
والحِينُ: الزَّمَنُ مِن ساعَةٍ إلى أرْبَعِينَ سَنَةٍ. فَخَتَمَ الكَلامَ بِتَسْجِيلِ التَّبْلِيغِ وأنَّ فائِدَةَ ما أبْلَغَهم لَهم لا لِلنَّبِيءِ ﷺ وخَتَمَ بِالمُواعَدَةِ لِوَقْتِ يَقِينِهِمْ بِنَبِيئِهِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ الكَلامِ ومُراعاةِ حُسْنِ الخِتامِ.
* * *
صفحة ٣١١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الزُّمَرِ سُمِّيَتْ“ سُورَةَ الزُّمَرِ " مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ النَّبِيءُ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ»، وإنَّما سُمِّيَتْ سُورَةَ الزُّمَرِ لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ فِيها دُونَ غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمّاها سُورَةَ الغُرَفِ وتَناقَلَهُ المُفَسِّرُونَ، ووَجْهُهُ أنَّها ذُكِرَ فِيها لَفْظُ الغُرَفِ، أيْ: بِهَذِهِ الصِّيغَةِ دُونَ الغُرُفاتِ، في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عِنْدَ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآياتِ الثَّلاثَ. وقِيلَ: إلى سَبْعِ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِصَّةِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وقِصَّتُهُ عَلَيْها مَخائِلُ القَصَصِ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ تِلْكَ الآياتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في هِشامِ بْنِ العاصِي بْنِ وائِلٍ إذْ تَأخَّرَ عَنِ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ بَعْدَ أنِ اسْتَعَدَّ لَها. وفي رِوايَةٍ: أنَّ مَعَهُ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وكانا تَواعَدا عَلى الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فَفُتِنا فافْتَتَنا.
والأصَحُّ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِها، وما نَشَأ القَولُ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا لِما رُوِيَ فِيها مِنَ القَصَصِ الضَّعِيفَةِ.
وقِيلَ: نَزَلَ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقَوْا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: ١٠] الآيَةَ؛ بِالمَدِينَةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] الآيَةَ؛ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
صفحة ٣١٢
فَبَلَغَتِ الآياتُ المُخْتَلَفُ فِيها تِسْعَ آياتٍ.
والمُتَّجَهُ: أنَّها كُلَّها مَكِّيَّةٌ وأنَّ ما يُخَيَّلُ أنَّهُ نَزَلَ في قَصَصٍ مُعَيَّنَةٍ إنْ صَحَّتْ أسانِيدُهُ أنْ يَكُونَ وقَعَ التَّمَثُّلُ بِهِ في تِلْكَ القَصَصِ فاشْتَبَهَ عَلى بَعْضِ الرُّواةِ بِأنَّهُ سَبَبُ نُزُولٍ.
وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] أنَّها نَزَلَتْ قُبَيْلَ هِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ إلى الحَبَشَةِ، أيْ: في سَنَةِ خَمْسٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وهِيَ السُّورَةُ التّاسِعَةُ والخَمْسُونَ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ عَلى المُخْتارِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ سَبَأٍ وقَبْلَ سُورَةِ غافِرٍ.
وعُدَّتْ آياتُها عِنْدَ المَدَنِيِّينَ والمَكِّيِّينَ والبَصْرِيِّينَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الشّامِ ثَلاثًا وسَبْعِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ خَمْسًا وسَبْعِينَ.
* * *
أغْراضُها: ابْتُدِئَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِما هو كالمُقَدِّمَةِ لِلْمَقْصُودِ، وذَلِكَ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ تَنْوِيهًا تَكَرَّرَ في سِتَّةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّ القُرْآنَ جامِعٌ لِأغْراضِها.
وأغْراضُها كَثِيرَةٌ تَحُومُ حَوْلَ إثْباتِ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالِ الشِّرْكِ فِيها.
وإبْطالِ تَعَلُّلاتِ المُشْرِكِينَ لِإشْراكِهِمْ وأكاذِيبِهِمْ.
ونَفْيِ ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ الإشْراكِ وهو زَعْمُهم أنَّ لِلَّهِ ولَدًا.
والِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ بِدَلائِلِ تَفَرُّدِهِ بِإيجادِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، وبِتَدْبِيرِ نِظامِها وما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِمّا لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ انْفِرادَهُ بِهِ.
صفحة ٣١٣
والخَلْقِ العَجِيبِ في أطْوارِ تَكْوِينِ الإنْسانِ والحَيَوانِ.
والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ مِن فِعْلِهِمْ وهو التِجاؤُهم إلى اللَّهِ عِنْدَما يُصِيبُهُمُ الضُّرُّ.
والدَّعْوَةِ إلى التَّدَبُّرِ فِيما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي هو أحْسَنُ القَوْلِ.
وتَنْبِيهِهِمْ عَلى كُفْرانِهِمْ شُكْرَ النِّعْمَةِ.
والمُقابَلَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وبَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ.
وأنَّ دِينَ التَّوْحِيدِ هو الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلُ.
والتَّحْذِيرِ مِن أنْ يَحِلَّ بِالمُشْرِكِينَ ما حَلَّ بِأهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
وإعْلامِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم وشُرَكاءَهم لا يُعْبَأُ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ﷺ فاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ، ورَسُولُهُ لا يَخْشاهم ولا يَخافُ أصْنامَهم لِأنَّ اللَّهَ كَفاهُ إيّاهم جَمِيعًا.
وإثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.
وتَمْثِيلِ البَعْثِ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها. وضَرَبَ لَهم مَثَلَهُ بِالنَّوْمِ والإفاقَةِ بَعْدَهُ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.
وتَمْثِيلِ حالِ المُؤْمِنِينَ وحالِ المُشْرِكِينَ في الحَياتَيْنِ الحَياةِ الدُّنْيا والحَياةِ الآخِرَةِ.
ودُعاءِ المُشْرِكِينَ لِلْإقْلاعِ عَنِ الإسْرافِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ودُعاءِ المُؤْمِنِينَ لِلثَّباتِ عَلى التَّقْوى ومُفارَقَةِ دارِ الكُفْرِ. وخُتِمَتْ بِوَصْفِ حالِ يَوْمِ الحِسابِ.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وعِيدٌ ووَعْدٌ، وأمْثالٌ، وتَرْهِيبٌ وتَرْغِيبٌ، ووَعْظٌ وإيماءٌ بِقَولِهِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] الآيَةَ؛ إلى أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم أهلُ عِلْمٍ وأنَّ المُشْرِكِينَ أهْلُ جَهالَةٍ، وذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِرِفْعَةِ العِلْمِ ومَذَمَّةِ الجَهْلِ.
ص 38:87
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِإبْلاغِ المَواعِظِ والعِبَرِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ أمَرَهُ عِنْدَ انْتِهائِها أنْ يَقْرَعَ أسْماعَهم بِهَذا الكَلامِ الَّذِي هو كالفَذْلَكَةِ لِلسُّورَةِ تَنْهِيَةً لَها وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ أنَّهُ ما جاءَهم إلّا بِما يَنْفَعُهم ولَيْسَ طالِبًا مِن ذَلِكَ جَزاءً، أيْ: لَوْ سَألَهم عَلَيْهِ أجْرًا لَراجَ اتِّهامُهم إيّاهُ بِالكَذِبِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، فَلَمّا انْتَفى ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَنْتَفِيَ تَوَهُّمُ اتِّهامِهِ بِالكَذِبِ لِأنَّ وازِعَ العَقْلِ يَصْرِفُ صاحِبَهُ عَنْ أنْ يَكْذِبَ لِغَيْرِ نَفْعٍ يَرْجُوهُ لِنَفْسِهِ.
والمَعْنى عُمُومُ نَفْيِ سُؤالِهِ الأجْرَ مِنهم مِن يَوْمِ بُعِثَ إلى وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وهو قِياسُ اسْتِقْراءٍ لِأنَّهم إذا اسْتَقْرَوْا أحْوالَ الرَّسُولِ ﷺ فِيما مَضى وجَدُوا انْتِفاءَ سُؤالِهِ أجْرًا أمْرًا عامًّا بِالِاسْتِقْراءِ التّامِّ الحاصِلِ مِن جَمِيعِ أفْرادِ المُشْرِكِينَ في جَمِيعِ مُخالَطاتِهِمْ إيّاهُ، فَهو أمْرٌ مُتَواتِرٌ بَيْنَهم؛ فَهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ”كَذّابٌ“ المَحْكِيُّ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ كَما سَيَجِيءُ.
وضَمِيرُ عَلَيْهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ فَإنَّ مَبْدَأ السُّورَةِ قَوْلُهُ ”والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ“ فَهَذا مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
وعَطْفُ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أفادَ انْتِفاءَ جَمِيعِ التَّكَلُّفِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .
والتَّكَلُّفُ: مُعالَجَةُ الكُلْفَةِ، وهي ما يَشُقُّ عَلى المَرْءِ عَمَلُهُ والتِزامُهُ لِكَوْنِهِ يُحْرِجُهُ
صفحة ٣٠٩
أوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، ومادَّةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلى مُعالَجَةِ ما لَيْسَ بِسَهْلٍ، فالمُتَكَلِّفُ هو الَّذِي يَتَطَلَّبُ ما لَيْسَ لَهُ أوْ يَدَّعِي عِلْمَ ما لا يَعْلَمُهُ.
فالمَعْنى هُنا: ما أنا بِمُدَّعٍ النُّبُوءَةَ باطِلًا مِن غَيْرِ أنْ يُوحى إلَيَّ وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ”كَذّابٌ“ وبِذَلِكَ كانَ كالنَّتِيجَةِ لِقَوْلِهِ ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ شَيْئًا إنَّما يَطْلُبُ مِن تَكَلُّفِهِ نَفْعًا، فالمَعْنى: وما أنا مِمَّنْ يَدَّعُونَ ما لَيْسَ لَهم. ومِنهُ حَدِيثُ الدّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ في بَعْضِ أسْفارِهِ فَمَرَّ عَلى رَجُلٍ جالسٍ عِنْدَ مِقْراةٍ لَهُ ”أيْ: حَوْضِ ماءٍ“ فَقالَ عُمَرُ: يا صاحِبَ المَقْراةِ أوَلَغَتِ السِّباعُ اللَّيْلَةَ في مَقْراتِكَ ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ يا صاحِبَ المَقْراةِ لا تُخْبِرْهُ، هَذا مُتَكَلِّفٌ؛ لَها ما حَمَلَتْ في بُطُونِها ولَنا ما بَقِيَ شَرابٌ وطَهُورٌ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ ”يَأيُّها النّاسُ مَن عَلِمَ مِنكم عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ .
وأُخِذَ مِن قَوْلِهِ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ لا تَكَلُّفَ فِيهِ، أيْ: لا مَشَقَّةَ في تَكالِيفِهِ وهو مَعْنى سَماحَةِ الإسْلامِ، وهَذا اسْتِرْواحٌ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَ طَبْعِ الرَّسُولِ ﷺ وبَيْنَ رَوْحِ شَرِيعَتِهِ تَناسُبًا لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى تَنْفِيذِ شَرْعِهِ بِشَراشِرِهِ لِأنَّ ذَلِكَ أنْفى لِلْحَرَجِ عَنْهُ في القِيامِ بِتَنْفِيذِ ما أُمِرَ بِهِ.
وتَرْكِيبُ ما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ أشَدُّ في نَفْيِ التَّكَلُّفِ مِن أنْ يَقُولَ: ما أنا بِمُتَكَلِّفٍ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ اشْتِمالِ نَفْيِ الشَّيْءِ عَلى ثُبُوتِ ضِدِّهِ، فَلَمّا نَفى بِقَوْلِهِ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أنْ يَكُونَ تَقَوَّلَ القُرْآنَ عَلى اللَّهِ، ثَبَتَ مِن ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ لِلنّاسِ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، أيْ: لَيْسَ هو بِالأساطِيرِ أوِ التُّرَّهاتِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَها تَذْيِيلًا إذْ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما هُنا. وهَذا الإخْبارُ عَنْ مَوْقِعِ القُرْآنِ لَدى جَمِيعِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لا خُصُوصِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ في مُجادَلَتِهِمْ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ
صفحة ٣١٠
لا يَرْجُو مِن مُعانِدِيهِ أجْرًا. وثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّلِ ما لَمْ يُوحَ إلَيْهِ؛ انْتَقَلَ إلى إثْباتِ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ لِلنّاسِ قاطِبَةً فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم مِنَ النّاسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَغْنِي اللَّهُ عَنْكم بِأقْوامٍ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] .
وعُمُومُ العالَمِينَ يُكْسِبُ الجُمْلَةَ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَها.
والقَصْرُ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ إضافِيٍّ، أيْ: هو ذِكْرٌ لا أساطِيرُ ولا سِحْرٌ ولا شِعْرٌ ولا غَيْرُ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ ما وسَمُوا بِهِ القُرْآنَ مِن غَيْرِ صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ بِاعْتِبارِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القَصْرُ مِن جانِبِ الإثْباتِ، أيْ: وسَتَعْلَمُونَ خَبَرَ هَذا القُرْآنِ بَعْدَ زَمانٍ عِلْمًا جَزْمًا فَيَزُولُ شَكُّكم فِيهِ، فالكَلامُ إخْبارٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ كَما هو مُقْتَضى وُجُودِ نُونِ التَّوْكِيدِ.
والنَّبَأُ: الخَبَرُ، وأصْلُ الخَبَرِ: الصِّدْقُ، أيْ: المُوافَقَةُ لِلْواقِعِ، فَإذا قِيلَ: أتانِي نَبَأُ كَذا، فَمَعْناهُ: الخَبَرُ عَنْ حالِهِ في الواقِعِ، فَإضافَةُ النَّبَأِ إلى ما يُضافُ إلَيْهِ عَلى مَعْنى اللّامِ إذْ مَعْنى اللّامِ هو أصلُ مَعانِي الإضافَةِ، قالَ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] أيْ: سَتَعْلَمُونَ صِدْقَ وصْفِ هَذا القُرْآنِ أنَّهُ الحَقُّ، وهَذا كَما قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وفُسِّرَ النَّبَأُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: ما أنْبَأ بِهِ القُرْآنُ مِن إنْذارِكم بِالعَذابِ، فَهو تَهْدِيدٌ. وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ واقِعٌ فَإنَّ مِنَ المُخاطَبِينَ مَن عُجِّلَ لَهُ عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَقِيَّتُهم رَأوْا ذَلِكَ رَأْيَ العَيْنِ مِنهم مَن عَلِمُوا دُخُولَ النّاسِ في الإسْلامِ فَماتُوا بِغَيْظِهِمْ ومِنهم مَن شاهَدُوا فَتْحَ مَكَّةَ وآمَنُوا، أوْ رَأوْا قَبائِلَ العَرَبِ تَدْخُلُ في الدِّينِ أفْواجًا فَعَلِمُوا نَبَأ صِدْقِ القُرْآنِ وما وعَدَ بِهِ بَعْدَ حِينٍ فازْدادُوا إيمانًا.
وحِينُ كُلِّ فَرِيقٍ ما مَضى عَلَيْهِ مِن زَمَنٍ بَيْنَ هَذا الخِطابِ وبَيْنَ تَحَقُّقِ الصِّدْقِ.
والحِينُ: الزَّمَنُ مِن ساعَةٍ إلى أرْبَعِينَ سَنَةٍ. فَخَتَمَ الكَلامَ بِتَسْجِيلِ التَّبْلِيغِ وأنَّ فائِدَةَ ما أبْلَغَهم لَهم لا لِلنَّبِيءِ ﷺ وخَتَمَ بِالمُواعَدَةِ لِوَقْتِ يَقِينِهِمْ بِنَبِيئِهِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ الكَلامِ ومُراعاةِ حُسْنِ الخِتامِ.
* * *
صفحة ٣١١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الزُّمَرِ سُمِّيَتْ“ سُورَةَ الزُّمَرِ " مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ النَّبِيءُ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ»، وإنَّما سُمِّيَتْ سُورَةَ الزُّمَرِ لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ فِيها دُونَ غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمّاها سُورَةَ الغُرَفِ وتَناقَلَهُ المُفَسِّرُونَ، ووَجْهُهُ أنَّها ذُكِرَ فِيها لَفْظُ الغُرَفِ، أيْ: بِهَذِهِ الصِّيغَةِ دُونَ الغُرُفاتِ، في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عِنْدَ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآياتِ الثَّلاثَ. وقِيلَ: إلى سَبْعِ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِصَّةِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وقِصَّتُهُ عَلَيْها مَخائِلُ القَصَصِ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ تِلْكَ الآياتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في هِشامِ بْنِ العاصِي بْنِ وائِلٍ إذْ تَأخَّرَ عَنِ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ بَعْدَ أنِ اسْتَعَدَّ لَها. وفي رِوايَةٍ: أنَّ مَعَهُ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وكانا تَواعَدا عَلى الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فَفُتِنا فافْتَتَنا.
والأصَحُّ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِها، وما نَشَأ القَولُ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا لِما رُوِيَ فِيها مِنَ القَصَصِ الضَّعِيفَةِ.
وقِيلَ: نَزَلَ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقَوْا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: ١٠] الآيَةَ؛ بِالمَدِينَةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] الآيَةَ؛ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
صفحة ٣١٢
فَبَلَغَتِ الآياتُ المُخْتَلَفُ فِيها تِسْعَ آياتٍ.
والمُتَّجَهُ: أنَّها كُلَّها مَكِّيَّةٌ وأنَّ ما يُخَيَّلُ أنَّهُ نَزَلَ في قَصَصٍ مُعَيَّنَةٍ إنْ صَحَّتْ أسانِيدُهُ أنْ يَكُونَ وقَعَ التَّمَثُّلُ بِهِ في تِلْكَ القَصَصِ فاشْتَبَهَ عَلى بَعْضِ الرُّواةِ بِأنَّهُ سَبَبُ نُزُولٍ.
وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] أنَّها نَزَلَتْ قُبَيْلَ هِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ إلى الحَبَشَةِ، أيْ: في سَنَةِ خَمْسٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وهِيَ السُّورَةُ التّاسِعَةُ والخَمْسُونَ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ عَلى المُخْتارِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ سَبَأٍ وقَبْلَ سُورَةِ غافِرٍ.
وعُدَّتْ آياتُها عِنْدَ المَدَنِيِّينَ والمَكِّيِّينَ والبَصْرِيِّينَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الشّامِ ثَلاثًا وسَبْعِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ خَمْسًا وسَبْعِينَ.
* * *
أغْراضُها: ابْتُدِئَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِما هو كالمُقَدِّمَةِ لِلْمَقْصُودِ، وذَلِكَ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ تَنْوِيهًا تَكَرَّرَ في سِتَّةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّ القُرْآنَ جامِعٌ لِأغْراضِها.
وأغْراضُها كَثِيرَةٌ تَحُومُ حَوْلَ إثْباتِ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالِ الشِّرْكِ فِيها.
وإبْطالِ تَعَلُّلاتِ المُشْرِكِينَ لِإشْراكِهِمْ وأكاذِيبِهِمْ.
ونَفْيِ ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ الإشْراكِ وهو زَعْمُهم أنَّ لِلَّهِ ولَدًا.
والِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ بِدَلائِلِ تَفَرُّدِهِ بِإيجادِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، وبِتَدْبِيرِ نِظامِها وما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِمّا لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ انْفِرادَهُ بِهِ.
صفحة ٣١٣
والخَلْقِ العَجِيبِ في أطْوارِ تَكْوِينِ الإنْسانِ والحَيَوانِ.
والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ مِن فِعْلِهِمْ وهو التِجاؤُهم إلى اللَّهِ عِنْدَما يُصِيبُهُمُ الضُّرُّ.
والدَّعْوَةِ إلى التَّدَبُّرِ فِيما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي هو أحْسَنُ القَوْلِ.
وتَنْبِيهِهِمْ عَلى كُفْرانِهِمْ شُكْرَ النِّعْمَةِ.
والمُقابَلَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وبَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ.
وأنَّ دِينَ التَّوْحِيدِ هو الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلُ.
والتَّحْذِيرِ مِن أنْ يَحِلَّ بِالمُشْرِكِينَ ما حَلَّ بِأهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
وإعْلامِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم وشُرَكاءَهم لا يُعْبَأُ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ﷺ فاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ، ورَسُولُهُ لا يَخْشاهم ولا يَخافُ أصْنامَهم لِأنَّ اللَّهَ كَفاهُ إيّاهم جَمِيعًا.
وإثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.
وتَمْثِيلِ البَعْثِ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها. وضَرَبَ لَهم مَثَلَهُ بِالنَّوْمِ والإفاقَةِ بَعْدَهُ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.
وتَمْثِيلِ حالِ المُؤْمِنِينَ وحالِ المُشْرِكِينَ في الحَياتَيْنِ الحَياةِ الدُّنْيا والحَياةِ الآخِرَةِ.
ودُعاءِ المُشْرِكِينَ لِلْإقْلاعِ عَنِ الإسْرافِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ودُعاءِ المُؤْمِنِينَ لِلثَّباتِ عَلى التَّقْوى ومُفارَقَةِ دارِ الكُفْرِ. وخُتِمَتْ بِوَصْفِ حالِ يَوْمِ الحِسابِ.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وعِيدٌ ووَعْدٌ، وأمْثالٌ، وتَرْهِيبٌ وتَرْغِيبٌ، ووَعْظٌ وإيماءٌ بِقَولِهِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] الآيَةَ؛ إلى أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم أهلُ عِلْمٍ وأنَّ المُشْرِكِينَ أهْلُ جَهالَةٍ، وذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِرِفْعَةِ العِلْمِ ومَذَمَّةِ الجَهْلِ.
ص 38:88
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِإبْلاغِ المَواعِظِ والعِبَرِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ أمَرَهُ عِنْدَ انْتِهائِها أنْ يَقْرَعَ أسْماعَهم بِهَذا الكَلامِ الَّذِي هو كالفَذْلَكَةِ لِلسُّورَةِ تَنْهِيَةً لَها وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ أنَّهُ ما جاءَهم إلّا بِما يَنْفَعُهم ولَيْسَ طالِبًا مِن ذَلِكَ جَزاءً، أيْ: لَوْ سَألَهم عَلَيْهِ أجْرًا لَراجَ اتِّهامُهم إيّاهُ بِالكَذِبِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، فَلَمّا انْتَفى ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَنْتَفِيَ تَوَهُّمُ اتِّهامِهِ بِالكَذِبِ لِأنَّ وازِعَ العَقْلِ يَصْرِفُ صاحِبَهُ عَنْ أنْ يَكْذِبَ لِغَيْرِ نَفْعٍ يَرْجُوهُ لِنَفْسِهِ.
والمَعْنى عُمُومُ نَفْيِ سُؤالِهِ الأجْرَ مِنهم مِن يَوْمِ بُعِثَ إلى وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وهو قِياسُ اسْتِقْراءٍ لِأنَّهم إذا اسْتَقْرَوْا أحْوالَ الرَّسُولِ ﷺ فِيما مَضى وجَدُوا انْتِفاءَ سُؤالِهِ أجْرًا أمْرًا عامًّا بِالِاسْتِقْراءِ التّامِّ الحاصِلِ مِن جَمِيعِ أفْرادِ المُشْرِكِينَ في جَمِيعِ مُخالَطاتِهِمْ إيّاهُ، فَهو أمْرٌ مُتَواتِرٌ بَيْنَهم؛ فَهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ”كَذّابٌ“ المَحْكِيُّ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ كَما سَيَجِيءُ.
وضَمِيرُ عَلَيْهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ فَإنَّ مَبْدَأ السُّورَةِ قَوْلُهُ ”والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ“ فَهَذا مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
وعَطْفُ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أفادَ انْتِفاءَ جَمِيعِ التَّكَلُّفِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .
والتَّكَلُّفُ: مُعالَجَةُ الكُلْفَةِ، وهي ما يَشُقُّ عَلى المَرْءِ عَمَلُهُ والتِزامُهُ لِكَوْنِهِ يُحْرِجُهُ
صفحة ٣٠٩
أوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، ومادَّةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلى مُعالَجَةِ ما لَيْسَ بِسَهْلٍ، فالمُتَكَلِّفُ هو الَّذِي يَتَطَلَّبُ ما لَيْسَ لَهُ أوْ يَدَّعِي عِلْمَ ما لا يَعْلَمُهُ.
فالمَعْنى هُنا: ما أنا بِمُدَّعٍ النُّبُوءَةَ باطِلًا مِن غَيْرِ أنْ يُوحى إلَيَّ وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ”كَذّابٌ“ وبِذَلِكَ كانَ كالنَّتِيجَةِ لِقَوْلِهِ ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ شَيْئًا إنَّما يَطْلُبُ مِن تَكَلُّفِهِ نَفْعًا، فالمَعْنى: وما أنا مِمَّنْ يَدَّعُونَ ما لَيْسَ لَهم. ومِنهُ حَدِيثُ الدّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ في بَعْضِ أسْفارِهِ فَمَرَّ عَلى رَجُلٍ جالسٍ عِنْدَ مِقْراةٍ لَهُ ”أيْ: حَوْضِ ماءٍ“ فَقالَ عُمَرُ: يا صاحِبَ المَقْراةِ أوَلَغَتِ السِّباعُ اللَّيْلَةَ في مَقْراتِكَ ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ يا صاحِبَ المَقْراةِ لا تُخْبِرْهُ، هَذا مُتَكَلِّفٌ؛ لَها ما حَمَلَتْ في بُطُونِها ولَنا ما بَقِيَ شَرابٌ وطَهُورٌ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ ”يَأيُّها النّاسُ مَن عَلِمَ مِنكم عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ .
وأُخِذَ مِن قَوْلِهِ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ لا تَكَلُّفَ فِيهِ، أيْ: لا مَشَقَّةَ في تَكالِيفِهِ وهو مَعْنى سَماحَةِ الإسْلامِ، وهَذا اسْتِرْواحٌ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَ طَبْعِ الرَّسُولِ ﷺ وبَيْنَ رَوْحِ شَرِيعَتِهِ تَناسُبًا لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى تَنْفِيذِ شَرْعِهِ بِشَراشِرِهِ لِأنَّ ذَلِكَ أنْفى لِلْحَرَجِ عَنْهُ في القِيامِ بِتَنْفِيذِ ما أُمِرَ بِهِ.
وتَرْكِيبُ ما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ أشَدُّ في نَفْيِ التَّكَلُّفِ مِن أنْ يَقُولَ: ما أنا بِمُتَكَلِّفٍ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ اشْتِمالِ نَفْيِ الشَّيْءِ عَلى ثُبُوتِ ضِدِّهِ، فَلَمّا نَفى بِقَوْلِهِ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ أنْ يَكُونَ تَقَوَّلَ القُرْآنَ عَلى اللَّهِ، ثَبَتَ مِن ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ لِلنّاسِ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، أيْ: لَيْسَ هو بِالأساطِيرِ أوِ التُّرَّهاتِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَها تَذْيِيلًا إذْ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما هُنا. وهَذا الإخْبارُ عَنْ مَوْقِعِ القُرْآنِ لَدى جَمِيعِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لا خُصُوصِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ في مُجادَلَتِهِمْ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ
صفحة ٣١٠
لا يَرْجُو مِن مُعانِدِيهِ أجْرًا. وثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّلِ ما لَمْ يُوحَ إلَيْهِ؛ انْتَقَلَ إلى إثْباتِ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ لِلنّاسِ قاطِبَةً فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم مِنَ النّاسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَغْنِي اللَّهُ عَنْكم بِأقْوامٍ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] .
وعُمُومُ العالَمِينَ يُكْسِبُ الجُمْلَةَ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَها.
والقَصْرُ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ إضافِيٍّ، أيْ: هو ذِكْرٌ لا أساطِيرُ ولا سِحْرٌ ولا شِعْرٌ ولا غَيْرُ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ ما وسَمُوا بِهِ القُرْآنَ مِن غَيْرِ صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ بِاعْتِبارِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القَصْرُ مِن جانِبِ الإثْباتِ، أيْ: وسَتَعْلَمُونَ خَبَرَ هَذا القُرْآنِ بَعْدَ زَمانٍ عِلْمًا جَزْمًا فَيَزُولُ شَكُّكم فِيهِ، فالكَلامُ إخْبارٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ كَما هو مُقْتَضى وُجُودِ نُونِ التَّوْكِيدِ.
والنَّبَأُ: الخَبَرُ، وأصْلُ الخَبَرِ: الصِّدْقُ، أيْ: المُوافَقَةُ لِلْواقِعِ، فَإذا قِيلَ: أتانِي نَبَأُ كَذا، فَمَعْناهُ: الخَبَرُ عَنْ حالِهِ في الواقِعِ، فَإضافَةُ النَّبَأِ إلى ما يُضافُ إلَيْهِ عَلى مَعْنى اللّامِ إذْ مَعْنى اللّامِ هو أصلُ مَعانِي الإضافَةِ، قالَ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] أيْ: سَتَعْلَمُونَ صِدْقَ وصْفِ هَذا القُرْآنِ أنَّهُ الحَقُّ، وهَذا كَما قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وفُسِّرَ النَّبَأُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: ما أنْبَأ بِهِ القُرْآنُ مِن إنْذارِكم بِالعَذابِ، فَهو تَهْدِيدٌ. وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ واقِعٌ فَإنَّ مِنَ المُخاطَبِينَ مَن عُجِّلَ لَهُ عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَقِيَّتُهم رَأوْا ذَلِكَ رَأْيَ العَيْنِ مِنهم مَن عَلِمُوا دُخُولَ النّاسِ في الإسْلامِ فَماتُوا بِغَيْظِهِمْ ومِنهم مَن شاهَدُوا فَتْحَ مَكَّةَ وآمَنُوا، أوْ رَأوْا قَبائِلَ العَرَبِ تَدْخُلُ في الدِّينِ أفْواجًا فَعَلِمُوا نَبَأ صِدْقِ القُرْآنِ وما وعَدَ بِهِ بَعْدَ حِينٍ فازْدادُوا إيمانًا.
وحِينُ كُلِّ فَرِيقٍ ما مَضى عَلَيْهِ مِن زَمَنٍ بَيْنَ هَذا الخِطابِ وبَيْنَ تَحَقُّقِ الصِّدْقِ.
والحِينُ: الزَّمَنُ مِن ساعَةٍ إلى أرْبَعِينَ سَنَةٍ. فَخَتَمَ الكَلامَ بِتَسْجِيلِ التَّبْلِيغِ وأنَّ فائِدَةَ ما أبْلَغَهم لَهم لا لِلنَّبِيءِ ﷺ وخَتَمَ بِالمُواعَدَةِ لِوَقْتِ يَقِينِهِمْ بِنَبِيئِهِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ الكَلامِ ومُراعاةِ حُسْنِ الخِتامِ.
* * *
صفحة ٣١١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الزُّمَرِ سُمِّيَتْ“ سُورَةَ الزُّمَرِ " مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ «كانَ النَّبِيءُ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ»، وإنَّما سُمِّيَتْ سُورَةَ الزُّمَرِ لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ فِيها دُونَ غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمّاها سُورَةَ الغُرَفِ وتَناقَلَهُ المُفَسِّرُونَ، ووَجْهُهُ أنَّها ذُكِرَ فِيها لَفْظُ الغُرَفِ، أيْ: بِهَذِهِ الصِّيغَةِ دُونَ الغُرُفاتِ، في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عِنْدَ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآياتِ الثَّلاثَ. وقِيلَ: إلى سَبْعِ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِصَّةِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وقِصَّتُهُ عَلَيْها مَخائِلُ القَصَصِ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ تِلْكَ الآياتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في هِشامِ بْنِ العاصِي بْنِ وائِلٍ إذْ تَأخَّرَ عَنِ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ بَعْدَ أنِ اسْتَعَدَّ لَها. وفي رِوايَةٍ: أنَّ مَعَهُ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وكانا تَواعَدا عَلى الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فَفُتِنا فافْتَتَنا.
والأصَحُّ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِها، وما نَشَأ القَولُ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا لِما رُوِيَ فِيها مِنَ القَصَصِ الضَّعِيفَةِ.
وقِيلَ: نَزَلَ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقَوْا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: ١٠] الآيَةَ؛ بِالمَدِينَةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] الآيَةَ؛ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
صفحة ٣١٢
فَبَلَغَتِ الآياتُ المُخْتَلَفُ فِيها تِسْعَ آياتٍ.
والمُتَّجَهُ: أنَّها كُلَّها مَكِّيَّةٌ وأنَّ ما يُخَيَّلُ أنَّهُ نَزَلَ في قَصَصٍ مُعَيَّنَةٍ إنْ صَحَّتْ أسانِيدُهُ أنْ يَكُونَ وقَعَ التَّمَثُّلُ بِهِ في تِلْكَ القَصَصِ فاشْتَبَهَ عَلى بَعْضِ الرُّواةِ بِأنَّهُ سَبَبُ نُزُولٍ.
وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] أنَّها نَزَلَتْ قُبَيْلَ هِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ إلى الحَبَشَةِ، أيْ: في سَنَةِ خَمْسٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وهِيَ السُّورَةُ التّاسِعَةُ والخَمْسُونَ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ عَلى المُخْتارِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ سَبَأٍ وقَبْلَ سُورَةِ غافِرٍ.
وعُدَّتْ آياتُها عِنْدَ المَدَنِيِّينَ والمَكِّيِّينَ والبَصْرِيِّينَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الشّامِ ثَلاثًا وسَبْعِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ خَمْسًا وسَبْعِينَ.
* * *
أغْراضُها: ابْتُدِئَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِما هو كالمُقَدِّمَةِ لِلْمَقْصُودِ، وذَلِكَ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ تَنْوِيهًا تَكَرَّرَ في سِتَّةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّ القُرْآنَ جامِعٌ لِأغْراضِها.
وأغْراضُها كَثِيرَةٌ تَحُومُ حَوْلَ إثْباتِ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالِ الشِّرْكِ فِيها.
وإبْطالِ تَعَلُّلاتِ المُشْرِكِينَ لِإشْراكِهِمْ وأكاذِيبِهِمْ.
ونَفْيِ ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ الإشْراكِ وهو زَعْمُهم أنَّ لِلَّهِ ولَدًا.
والِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ بِدَلائِلِ تَفَرُّدِهِ بِإيجادِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، وبِتَدْبِيرِ نِظامِها وما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِمّا لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ انْفِرادَهُ بِهِ.
صفحة ٣١٣
والخَلْقِ العَجِيبِ في أطْوارِ تَكْوِينِ الإنْسانِ والحَيَوانِ.
والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ مِن فِعْلِهِمْ وهو التِجاؤُهم إلى اللَّهِ عِنْدَما يُصِيبُهُمُ الضُّرُّ.
والدَّعْوَةِ إلى التَّدَبُّرِ فِيما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي هو أحْسَنُ القَوْلِ.
وتَنْبِيهِهِمْ عَلى كُفْرانِهِمْ شُكْرَ النِّعْمَةِ.
والمُقابَلَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وبَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ.
وأنَّ دِينَ التَّوْحِيدِ هو الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلُ.
والتَّحْذِيرِ مِن أنْ يَحِلَّ بِالمُشْرِكِينَ ما حَلَّ بِأهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
وإعْلامِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم وشُرَكاءَهم لا يُعْبَأُ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ﷺ فاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ، ورَسُولُهُ لا يَخْشاهم ولا يَخافُ أصْنامَهم لِأنَّ اللَّهَ كَفاهُ إيّاهم جَمِيعًا.
وإثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ.
وتَمْثِيلِ البَعْثِ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها. وضَرَبَ لَهم مَثَلَهُ بِالنَّوْمِ والإفاقَةِ بَعْدَهُ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.
وتَمْثِيلِ حالِ المُؤْمِنِينَ وحالِ المُشْرِكِينَ في الحَياتَيْنِ الحَياةِ الدُّنْيا والحَياةِ الآخِرَةِ.
ودُعاءِ المُشْرِكِينَ لِلْإقْلاعِ عَنِ الإسْرافِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ودُعاءِ المُؤْمِنِينَ لِلثَّباتِ عَلى التَّقْوى ومُفارَقَةِ دارِ الكُفْرِ. وخُتِمَتْ بِوَصْفِ حالِ يَوْمِ الحِسابِ.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وعِيدٌ ووَعْدٌ، وأمْثالٌ، وتَرْهِيبٌ وتَرْغِيبٌ، ووَعْظٌ وإيماءٌ بِقَولِهِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] الآيَةَ؛ إلى أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم أهلُ عِلْمٍ وأنَّ المُشْرِكِينَ أهْلُ جَهالَةٍ، وذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِرِفْعَةِ العِلْمِ ومَذَمَّةِ الجَهْلِ.
الزمر 39:1
صفحة ٣١٤
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فاتِحَةٌ أنِيقَةٌ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ جُعِلَتْ مُقَدِّمَةً لِهَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّ القُرْآنَ جامِعٌ لِما حَوَتْهُ وغَيْرَهُ مِن أُصُولِ الدِّينِ.
فَـ ”تَنْزِيلُ“ مَصْدَرٌ مُرادٌ بِهِ مَعْناهُ المَصْدَرِيُّ لا مَعْنى المَفْعُولِ، كَيْفَ وقَدْ أُضِيفَ إلى الكِتابِ وأصْلُ الإضافَةِ أنْ لا تَكُونَ بَيانِيَّةً.
وتَنْزِيلُ: مَصْدَرُ ”نَزَّلَ“ المُضاعَفِ وهو مُشْعِرٌ بِأنَّهُ أنْزَلَهُ مُنَجَّمًا. واخْتِيارُ هَذِهِ الصِّيغَةِ هُنا لِلرَّدِّ عَلى الطّاعِنِينَ لِأنَّهم مِن جُمْلَةِ ما تَعَلَّلُوا بِهِ قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقَدْ تَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَ المُضاعَفِ والمَهْمُوزِ في مِثْلِهِ في المُقَدِّمَةِ الأُولى.
والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ، وهو القُرْآنُ المَعْهُودُ بَيْنَهم عِنْدَ كُلِّ تَذْكِيرٍ وكُلِّ مُجادَلَةٍ. وأجْرى عَلى اسْمِ الجَلالَةِ الوَصْفَ بِـ ”العَزِيزِ الحَكِيمِ“ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ما يُنَزَّلُ مِنهُ يَأْتِي عَلى ما يُناسِبُ الصِّفَتَيْنِ، فَيَكُونُ عَزِيزًا؛ قالَ تَعالى ”وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ“ أيِ: القُرْآنُ عَزِيزٌ غالِبٌ بِالحُجَّةِ لِمَن كَذَّبَ بِهِ، وغالِبٌ بِالفَضْلِ لِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ مِن حَيْثُ إنَّ الغَلَبَةَ تَسْتَلْزِمُ التَّفَضُّلَ والتَّفَوُّقَ، وغالِبٌ لِبُلَغاءِ العَرَبِ إذْ أعْجَزَهم عَنْ مُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، ويَكُونُ حَكِيمًا مِثْلَ صِفَةِ مُنْزِلِهِ.
والحَكِيمُ: إمّا بِمَعْنى الحاكِمِ، فالقُرْآنُ أيْضًا حاكِمٌ عَلى مُعارِضِيهِ بِالحُجَّةِ، وحاكِمٌ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِما فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ والبَيانِ قالَ تَعالى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] .
وإمّا بِمَعْنى: المُحْكَمِ المُتْقَنِ، فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى البَيانِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الخَطَأ، وإمّا بِمَعْنى المَوْصُوفِ بِالحِكْمَةِ، فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحِكْمَةِ كاتِّصافِ مُنَزِّلِهِ بِها.
وهَذِهِ مَعانٍ مُرادَةٌ مِنَ الآيَةِ فِيما نَرى، عَلى أنَّ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءً إلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ بِبَلاغَةِ لَفْظِهِ وإعْجازِهِ العِلْمِيِّ، إذِ اشْتَمَلَ عَلى عُلُومٍ لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ عِلْمٌ بِها كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وفِي وصْفِ الحَكِيمِ إيماءٌ إلى أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالحِكْمَةِ؛ وهي: الشَّرِيعَةُ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] .
صفحة ٣١٥
وفِي هَذا إرْشادٌ إلى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ في مَعانِي هَذا الكِتابِ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّدَبُّرِ إلى العِلْمِ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
ومَعْنى ”العَزِيزِ الحَكِيمِ“ في صِفاتِ اللَّهِ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وافْتِتاحُ جُمْلَةِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ بِحَرْفِ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ ما اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ مِنَ الِامْتِنانِ. فَيُحْمَلُ (حَرْفُ) إنَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وما أُرِيدَ بِهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ فَيُحْمَلُ حَرْفُ (إنَّ) عَلى التَّأْكِيدِ اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. ولِما في هَذِهِ الآيَةِ مِن زِيادَةِ الإعْلانِ بِصِدْقِ النَّبِيءِ، المُنَزَّلِ عَلَيْهِ الكِتابُ، جَدِيرٌ بِالتَّأْكِيدِ لِأنَّ دَلِيلَ صِدْقِهِ لَيْسَ في ذاتِهِ بَلْ هو قائِمٌ بِالإعْجازِ الَّذِي في القُرْآنِ وبِغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَكانَ مُقْتَضى التَّأْكِيدِ مَوْجُودًا بِخِلافِ مُقْتَضى الحالِ في قَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ .
فَجُمْلَةُ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ .
وإعادَةُ لَفْظِ ”الكِتابِ“ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ جَرْيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِالإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ.
وتَعْدِيَةُ ”أنْزَلْنا“ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] في أوَّلِ البَقَرَةِ.
والباءُ في ”بِالحَقِّ“ لِلْمُلابَسَةِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حالًا مِنَ الكِتابِ، أيْ: أنْزَلْنا إلَيْكَ القُرْآنَ مُلابِسًا لِلْحَقِّ في جَمِيعِ مَعانِيهِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] .
وفُرِّعَ عَلى المَعْنى الصَّرِيحِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أنْ أُمِرَ بِأنْ يَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ العِبادَةَ. وفي هَذا التَّفْرِيعِ تَعْرِيضٌ بِما يُناسِبُ المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ في المُفَرَّعِ عَلَيْهِ وهو أنَّ المُعَرَّضَ بِهِمْ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدَّبَّرُوا في المَعْنى المُعَرَّضِ بِهِ.
صفحة ٣١٦
وهَذا إيماءٌ إلى أنَّ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ كُبْرى تَقْتَضِي أنْ يُقابِلَها الرَّسُولُ ﷺ بِالشُّكْرِ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وإيماءٌ إلى أنَّ إشْراكَ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ كُفْرٌ لِنِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها، فَإنَّ الشُّكْرَ صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ، وفي العِبادَةِ تَحْقِيقُ هَذا المَعْنى قالَ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
فالمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ التَّوْطِئَةُ إلى تَقْيِيدِ العِبادَةِ بِحالَةِ الإخْلاصِ مِن قَوْلِهِ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فالمَأْمُورُ بِهِ عِبادَةٌ خاصَّةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ بِالعِبادَةِ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلَيْها.
ولِذَلِكَ أيْضًا لَمْ يُؤْتَ في هَذا التَّرْكِيبِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ، خِلافَ قَوْلِهِ ”بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ“ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا زِيادَةُ التَّصْرِيحِ بِالإخْلاصِ والرَّسُولُ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ. وقَدْ تَوَهَّمَ ابْنُ الحاجِبِ مِن عَدَمِ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ هُنا أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦]“ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ لا يُفِيدُ القَصْرَ وهي زَلَّةُ عالِمٍ.
والإخْلاصُ: الإمْحاضُ وعَدَمُ الشَّوْبِ بِمُغايِرٍ، وهو يَشْمَلُ الإفْرادَ. وسُمِّيَتِ السُّورَةُ الَّتِي فِيها تَوْحِيدُ اللَّهِ سُورَةَ الإخْلاصِ، أيْ: إفْرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. وأُوثِرَ الإخْلاصُ هُنا لِإفادَةِ التَّوْحِيدِ وأخَصِّ مِنهُ وهو أنْ تَكُونَ عِبادَةُ النَّبِيءِ ﷺ رَبَّهُ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِحَظٍّ دُنْيَوِيٍّ كَما قالَ تَعالى ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] .
والدِّينُ: المُعامَلَةُ. والمُرادُ بِهِ هُنا مُعامَلَةُ المَخْلُوقِ رَبَّهُ وهي عِبادَتُهُ. فالمَعْنى: مُخْلِصًا لَهُ العِبادَةَ غَيْرَ خالِطٍ بِعِبادَتِهِ عِبادَةَ غَيْرِهِ.
وانْتُصِبَ ”مُخْلَصًا“ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ”أعْبُدُ“ .
ولَمّا أفادَ قَوْلُهُ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ مَعْنى إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ لَمْ يَكُنْ هُنا مُقْتَضٍ لِتَقْدِيمِ مَفْعُولِ ”أعْبُدُ اللَّهَ“ عَلى عامِلِهِ؛ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ قَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ الحالِ في قَوْلِهِ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وبِذَلِكَ يَبْطُلُ اسْتِنادُ الشَّيْخِ ابْنِ الحاجِبِ لِهَذِهِ الآيَةِ في تَوْجِيهِ رَأْيِهِ بِأنْكارِ إفادَةِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ التَّخْصِيصَ، وتَضْعِيفِهِ لِاسْتِدْلالِ أيِمَّةِ المَعانِي بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] آخِرَ السُّورَةِ بِأنَّهُ تَقْدِيمٌ لِمُجَرَّدِ
صفحة ٣١٧
الِاهْتِمامِ لِوُرُودِ ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾ قالَ في إيضاحِ المُفَصَّلِ في شَرْحِ قَوْلِ صاحِبِ المُفَصَّلِ في الدِّيباجَةِ ”اللَّهَ أحْمَدُ عَلى أنْ جَعَلَنِي مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ“ اللَّهَ أحْمَدُ عَلى طَرِيقَةِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، وما قِيلَ: إنَّهُ لِلْحَصْرِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ والتَّمَسُّكِ فِيهِ بِنَحْوِ ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] ضَعِيفٌ لِوُرُودِ ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾ اهـ. ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ كَتَبَ في حاشِيَتِهِ عَلى الإيضاحِ هُنالِكَ قَوْلَهُ ”لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ فَإنَّ المَعْبُودِيَّةَ مِن صِفاتِهِ تَعالى الخاصَّةِ بِهِ، فالِاخْتِصاصُ مُسْتَفادٌ مِنَ الحالِ لا مِنَ التَّقْدِيمِ“ اهـ.
وهُوَ ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ فَإنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى مَنعِ دَلِيلٍ شَهِدَ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ عِنْدَ أيِمَّةِ الِاسْتِعْمالِ وعَلى سَنَدِ مَنعِهِ بِتَوَهُّمِهِ أنَّ التَّقْدِيمَ الَّذِي لُوحِظَ في مَقامٍ يَجِبُ أنْ يُلاحَظَ في كُلِّ مَقامٍ، كَأنَّ الكَلامَ قَدْ جُعِلَ قَوالِبًا يُؤْتى بِها في كُلِّ مَقامٍ، وذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ اخْتِلافُ المَقاماتِ البَلاغِيَّةِ، حَتّى جُعِلَ الِاخْتِصاصُ بِالعِبادَةِ مُسْتَفادًا مِنَ القَرِينَةِ لا مِنَ التَّقْدِيمِ، كَأنَّ القَرِينَةَ لَوْ سُلِّمَ وجُودُها تَمْنَعُ مِنَ التَّعْوِيلِ عَلى دَلالَةِ النُّطْقِ.
الزمر 39:2
صفحة ٣١٤
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فاتِحَةٌ أنِيقَةٌ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ جُعِلَتْ مُقَدِّمَةً لِهَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّ القُرْآنَ جامِعٌ لِما حَوَتْهُ وغَيْرَهُ مِن أُصُولِ الدِّينِ.
فَـ ”تَنْزِيلُ“ مَصْدَرٌ مُرادٌ بِهِ مَعْناهُ المَصْدَرِيُّ لا مَعْنى المَفْعُولِ، كَيْفَ وقَدْ أُضِيفَ إلى الكِتابِ وأصْلُ الإضافَةِ أنْ لا تَكُونَ بَيانِيَّةً.
وتَنْزِيلُ: مَصْدَرُ ”نَزَّلَ“ المُضاعَفِ وهو مُشْعِرٌ بِأنَّهُ أنْزَلَهُ مُنَجَّمًا. واخْتِيارُ هَذِهِ الصِّيغَةِ هُنا لِلرَّدِّ عَلى الطّاعِنِينَ لِأنَّهم مِن جُمْلَةِ ما تَعَلَّلُوا بِهِ قَوْلُهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقَدْ تَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَ المُضاعَفِ والمَهْمُوزِ في مِثْلِهِ في المُقَدِّمَةِ الأُولى.
والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ، وهو القُرْآنُ المَعْهُودُ بَيْنَهم عِنْدَ كُلِّ تَذْكِيرٍ وكُلِّ مُجادَلَةٍ. وأجْرى عَلى اسْمِ الجَلالَةِ الوَصْفَ بِـ ”العَزِيزِ الحَكِيمِ“ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ما يُنَزَّلُ مِنهُ يَأْتِي عَلى ما يُناسِبُ الصِّفَتَيْنِ، فَيَكُونُ عَزِيزًا؛ قالَ تَعالى ”وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ“ أيِ: القُرْآنُ عَزِيزٌ غالِبٌ بِالحُجَّةِ لِمَن كَذَّبَ بِهِ، وغالِبٌ بِالفَضْلِ لِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ مِن حَيْثُ إنَّ الغَلَبَةَ تَسْتَلْزِمُ التَّفَضُّلَ والتَّفَوُّقَ، وغالِبٌ لِبُلَغاءِ العَرَبِ إذْ أعْجَزَهم عَنْ مُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ، ويَكُونُ حَكِيمًا مِثْلَ صِفَةِ مُنْزِلِهِ.
والحَكِيمُ: إمّا بِمَعْنى الحاكِمِ، فالقُرْآنُ أيْضًا حاكِمٌ عَلى مُعارِضِيهِ بِالحُجَّةِ، وحاكِمٌ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِما فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ والبَيانِ قالَ تَعالى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] .
وإمّا بِمَعْنى: المُحْكَمِ المُتْقَنِ، فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى البَيانِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الخَطَأ، وإمّا بِمَعْنى المَوْصُوفِ بِالحِكْمَةِ، فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحِكْمَةِ كاتِّصافِ مُنَزِّلِهِ بِها.
وهَذِهِ مَعانٍ مُرادَةٌ مِنَ الآيَةِ فِيما نَرى، عَلى أنَّ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءً إلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ بِبَلاغَةِ لَفْظِهِ وإعْجازِهِ العِلْمِيِّ، إذِ اشْتَمَلَ عَلى عُلُومٍ لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ عِلْمٌ بِها كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وفِي وصْفِ الحَكِيمِ إيماءٌ إلى أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالحِكْمَةِ؛ وهي: الشَّرِيعَةُ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] .
صفحة ٣١٥
وفِي هَذا إرْشادٌ إلى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ في مَعانِي هَذا الكِتابِ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّدَبُّرِ إلى العِلْمِ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
ومَعْنى ”العَزِيزِ الحَكِيمِ“ في صِفاتِ اللَّهِ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وافْتِتاحُ جُمْلَةِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ بِحَرْفِ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ ما اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ مِنَ الِامْتِنانِ. فَيُحْمَلُ (حَرْفُ) إنَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وما أُرِيدَ بِهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ فَيُحْمَلُ حَرْفُ (إنَّ) عَلى التَّأْكِيدِ اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. ولِما في هَذِهِ الآيَةِ مِن زِيادَةِ الإعْلانِ بِصِدْقِ النَّبِيءِ، المُنَزَّلِ عَلَيْهِ الكِتابُ، جَدِيرٌ بِالتَّأْكِيدِ لِأنَّ دَلِيلَ صِدْقِهِ لَيْسَ في ذاتِهِ بَلْ هو قائِمٌ بِالإعْجازِ الَّذِي في القُرْآنِ وبِغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَكانَ مُقْتَضى التَّأْكِيدِ مَوْجُودًا بِخِلافِ مُقْتَضى الحالِ في قَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ .
فَجُمْلَةُ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾ .
وإعادَةُ لَفْظِ ”الكِتابِ“ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ جَرْيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِالإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ.
وتَعْدِيَةُ ”أنْزَلْنا“ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] في أوَّلِ البَقَرَةِ.
والباءُ في ”بِالحَقِّ“ لِلْمُلابَسَةِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حالًا مِنَ الكِتابِ، أيْ: أنْزَلْنا إلَيْكَ القُرْآنَ مُلابِسًا لِلْحَقِّ في جَمِيعِ مَعانِيهِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] .
وفُرِّعَ عَلى المَعْنى الصَّرِيحِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أنْ أُمِرَ بِأنْ يَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ العِبادَةَ. وفي هَذا التَّفْرِيعِ تَعْرِيضٌ بِما يُناسِبُ المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ في المُفَرَّعِ عَلَيْهِ وهو أنَّ المُعَرَّضَ بِهِمْ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدَّبَّرُوا في المَعْنى المُعَرَّضِ بِهِ.
صفحة ٣١٦
وهَذا إيماءٌ إلى أنَّ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ كُبْرى تَقْتَضِي أنْ يُقابِلَها الرَّسُولُ ﷺ بِالشُّكْرِ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وإيماءٌ إلى أنَّ إشْراكَ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ كُفْرٌ لِنِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها، فَإنَّ الشُّكْرَ صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ، وفي العِبادَةِ تَحْقِيقُ هَذا المَعْنى قالَ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
فالمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ التَّوْطِئَةُ إلى تَقْيِيدِ العِبادَةِ بِحالَةِ الإخْلاصِ مِن قَوْلِهِ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فالمَأْمُورُ بِهِ عِبادَةٌ خاصَّةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ بِالعِبادَةِ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلَيْها.
ولِذَلِكَ أيْضًا لَمْ يُؤْتَ في هَذا التَّرْكِيبِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ، خِلافَ قَوْلِهِ ”بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ“ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا زِيادَةُ التَّصْرِيحِ بِالإخْلاصِ والرَّسُولُ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ. وقَدْ تَوَهَّمَ ابْنُ الحاجِبِ مِن عَدَمِ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ هُنا أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦]“ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ لا يُفِيدُ القَصْرَ وهي زَلَّةُ عالِمٍ.
والإخْلاصُ: الإمْحاضُ وعَدَمُ الشَّوْبِ بِمُغايِرٍ، وهو يَشْمَلُ الإفْرادَ. وسُمِّيَتِ السُّورَةُ الَّتِي فِيها تَوْحِيدُ اللَّهِ سُورَةَ الإخْلاصِ، أيْ: إفْرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. وأُوثِرَ الإخْلاصُ هُنا لِإفادَةِ التَّوْحِيدِ وأخَصِّ مِنهُ وهو أنْ تَكُونَ عِبادَةُ النَّبِيءِ ﷺ رَبَّهُ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِحَظٍّ دُنْيَوِيٍّ كَما قالَ تَعالى ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] .
والدِّينُ: المُعامَلَةُ. والمُرادُ بِهِ هُنا مُعامَلَةُ المَخْلُوقِ رَبَّهُ وهي عِبادَتُهُ. فالمَعْنى: مُخْلِصًا لَهُ العِبادَةَ غَيْرَ خالِطٍ بِعِبادَتِهِ عِبادَةَ غَيْرِهِ.
وانْتُصِبَ ”مُخْلَصًا“ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ”أعْبُدُ“ .
ولَمّا أفادَ قَوْلُهُ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ مَعْنى إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ لَمْ يَكُنْ هُنا مُقْتَضٍ لِتَقْدِيمِ مَفْعُولِ ”أعْبُدُ اللَّهَ“ عَلى عامِلِهِ؛ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ قَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ الحالِ في قَوْلِهِ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وبِذَلِكَ يَبْطُلُ اسْتِنادُ الشَّيْخِ ابْنِ الحاجِبِ لِهَذِهِ الآيَةِ في تَوْجِيهِ رَأْيِهِ بِأنْكارِ إفادَةِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ التَّخْصِيصَ، وتَضْعِيفِهِ لِاسْتِدْلالِ أيِمَّةِ المَعانِي بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] آخِرَ السُّورَةِ بِأنَّهُ تَقْدِيمٌ لِمُجَرَّدِ
صفحة ٣١٧
الِاهْتِمامِ لِوُرُودِ ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾ قالَ في إيضاحِ المُفَصَّلِ في شَرْحِ قَوْلِ صاحِبِ المُفَصَّلِ في الدِّيباجَةِ ”اللَّهَ أحْمَدُ عَلى أنْ جَعَلَنِي مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ“ اللَّهَ أحْمَدُ عَلى طَرِيقَةِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، وما قِيلَ: إنَّهُ لِلْحَصْرِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ والتَّمَسُّكِ فِيهِ بِنَحْوِ ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] ضَعِيفٌ لِوُرُودِ ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾ اهـ. ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ كَتَبَ في حاشِيَتِهِ عَلى الإيضاحِ هُنالِكَ قَوْلَهُ ”لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ فَإنَّ المَعْبُودِيَّةَ مِن صِفاتِهِ تَعالى الخاصَّةِ بِهِ، فالِاخْتِصاصُ مُسْتَفادٌ مِنَ الحالِ لا مِنَ التَّقْدِيمِ“ اهـ.
وهُوَ ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ فَإنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى مَنعِ دَلِيلٍ شَهِدَ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ عِنْدَ أيِمَّةِ الِاسْتِعْمالِ وعَلى سَنَدِ مَنعِهِ بِتَوَهُّمِهِ أنَّ التَّقْدِيمَ الَّذِي لُوحِظَ في مَقامٍ يَجِبُ أنْ يُلاحَظَ في كُلِّ مَقامٍ، كَأنَّ الكَلامَ قَدْ جُعِلَ قَوالِبًا يُؤْتى بِها في كُلِّ مَقامٍ، وذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ اخْتِلافُ المَقاماتِ البَلاغِيَّةِ، حَتّى جُعِلَ الِاخْتِصاصُ بِالعِبادَةِ مُسْتَفادًا مِنَ القَرِينَةِ لا مِنَ التَّقْدِيمِ، كَأنَّ القَرِينَةَ لَوْ سُلِّمَ وجُودُها تَمْنَعُ مِنَ التَّعْوِيلِ عَلى دَلالَةِ النُّطْقِ.
الزمر 39:3
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى اسْتِحْقاقِهِ تَعالى الإفْرادَ بِالعِبادَةِ وهو غَرَضُ السُّورَةِ وأفادَ التَّعْلِيلَ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ الخالصَةِ لِلَّهِ لِأنَّهُ إذا كانَ الدِّينُ الخالصُ مُسْتَحَقًّا لِلَّهِ وخاصًّا بِهِ كانَ الأمْرُ بِالإخْلاصِ لَهُ مُصِيبًا مَحَزَّهُ فَصارَ أمْرُ النَّبِيءِ ﷺ بِإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ مُسَبَّبًا عَنْ نِعْمَةِ إنْزالِ الكِتابِ إلَيْهِ ومُقْتَضًى لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقَ الإخْلاصِ في العِبادَةِ اقْتِضاءَ الكُلِّيَّةِ لِجُزَيْئاتِها. وبِهَذا العُمُومِ أفادَتِ الجُمْلَةُ مَعْنى التَّذْيِيلِ فَتَحَمَّلَتْ ثَلاثَةَ مَواقِعَ كُلَّها تَقْتَضِي الفَصْلَ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِأداةِ التَّنْبِيهِ تَنْوِيهًا بِمَضْمُونِها لِتَتَلَقّاهُ النَّفْسُ بِشَراشِرِها وذَلِكَ هو ما رَجَّحَ اعْتِبارَ الِاسْتِئْنافِ فِيها، وجَعَلَ مَعْنى التَّعْلِيلَ حاصِلًا تَبَعًا مِن ذِكْرِ إخْلاصٍ عامٍّ بَعْدَ إخْلاصٍ خاصٍّ ومَوْرِدُهُما واحِدٌ.
واللّامُ في ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ لامُ المِلْكِ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ، أيْ: لا يَحِقُّ الدِّينُ الخالصُ، أيْ: الطّاعَةُ غَيْرُ المَشُوبَةِ إلّا لَهُ عَلى نَحْوِ الحَمْدُ لِلَّهِ.
صفحة ٣١٨
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ؛ فَأفادَ قَوْلُهُ ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ أنَّهُ مُسْتَحِقُّهُ وأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ.
والدِّينُ: الطّاعَةُ كَما تَقَدَّمَ. والخالِصُ: السّالِمُ مِن أنْ يَشُوبَهُ تَشْرِيكُ غَيْرِهِ في عِبادَتِهِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ.
ومِمّا يَتَفَرَّعُ عَلى مَعْنى الآيَةِ: إخْلاصُ المُؤْمِنِ المُوَحِّدِ في عِبادَةِ رَبِّهِ، أيْ: أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِأجْلِهِ، أيْ: طَلَبًا لِرِضاهُ وامْتِثالًا لِأمْرِهِ وهو آيِلٌ إلى أحْوالِ النِّيَّةِ في العِبادَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوْ إلى امْرَأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوْ إلى امْرَأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» .
وعَرَّفَ الغَزالِيُّ الإخْلاصَ بِأنَّهُ تَجْرِيدُ قَصَدِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ عَنْ جَمِيعِ الشَّوائِبِ.
والإخْلاصُ في العِبادَةِ أنْ يَكُونَ الدّاعِي إلى الإتْيانِ بِالمَأْمُورِ وإلى تَرْكِ المَنهِيِّ إرْضاءَ اللَّهَ تَعالى، وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ: لِوَجْهِ اللَّهِ، أيْ: لِقَصْدِ الِامْتِثالِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ الحَظُّ الدُّنْيَوِيُّ هو الباعِثُ عَلى العِبادَةِ مِثْلَ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِيَمْدَحَهُ النّاسُ بِحَيْثُ لَوْ تَعَطَّلَ المَدْحُ لَتَرَكَ العِبادَةَ. ولِذا قِيلَ: الرِّياءُ: الشِّرْكُ الأصْغَرُ، أيْ: إذا كانَ هو الباعِثُ عَلى العَمَلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ يُقاتِلَ لِأجْلِ الغَنِيمَةِ فَلَوْ أيِسَ مِنها تَرَكَ القِتالَ، فَأمّا إنْ كانَ لِلنَّفْسِ حَظٌّ عاجِلٌ وكانَ حاصِلًا تَبَعًا لِلْعِبادَةِ ولَيْسَ هو المَقْصُودُ فَهو مُغْتَفَرٌ وخاصَّةً إذا كانَ ذَلِكَ لا تَخْلُو عَنْهُ النُّفُوسُ، أوْ كانَ مِمّا يُعِينُ عَلى الِاسْتِزادَةِ مِنَ العِبادَةِ.
وفِي جامِعِ العُتْبِيَّةِ في ما جاءَ مِن أنَّ النِّيَّةَ الصَّحِيحَةَ لا تُبْطِلُها الخَطْرَةُ الَّتِي لا تُمْلَكُ. حَدَّثَ العُتْبِيُّ عَنْ عِيسى بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ لَيْسَ مِن بَنِي سَلَمَةَ إلّا مُقاتِلٌ، فَمِنهم مَنِ القِتالُ طَبِيعَتُهُ، ومِنهم مَن يُقاتِلُ رِياءً، ومِنهم مَن يُقاتِلُ احْتِسابًا، فَأيُّ هَؤُلاءِ الشَّهِيدُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ؟ فَقالَ: يا مُعاذُ بْنَ جَبَلٍ مَن قاتَلَ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ أصْلُ أمْرِهِ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَقُتِلَ فَهو شَهِيدٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ» .
صفحة ٣١٩
قالَ ابْنُ رُشْدٍ في شَرْحِهِ: هَذا الحَدِيثُ: فِيهِ نَصٌّ جَلِيٌّ عَلى أنَّ مَن كانَ أصْلُ عَمَلِهِ لِلَّهِ وعَلى ذَلِكَ عَقَدَ نِيَّتَهُ لَمْ تَضُرْهُ الخَطَراتُ الَّتِي تَقَعُ في القَلْبِ ولا تُمْلَكُ، عَلى ما قالَهُ مالِكٌ خِلافَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ رَبِيعَةُ، وذَلِكَ أنَّهُما سُئِلا عَنِ الرَّجُلِ يُحِبُّ أنْ يُلْقى في طَرِيقِ المَسْجِدِ ويَكْرَهُ أنْ يُلْقى في طَرِيقِ السُّوقِ فَأنْكَرُ ذَلِكَ رَبِيعَةُ ولَمْ يُعْجِبْهُ أنْ يُحِبَّ أحَدٌ أنْ يُرى في شَيْءٍ مِن أعْمالِ الخَيْرِ.
وقالَ مالِكٌ: إذا كانَ أوَّلُ ذَلِكَ وأصْلُهُ لِلَّهِ فَلا بَأْسَ بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] وقالَ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] .
قالَ مالِكٌ، وإنَّما هَذا شَيْءٌ يَكُونُ في القَلْبِ لا يُمْلَكُ وذَلِكَ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ لِيَمْنَعَهُ مِنَ العَمَلِ فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلا يُكْسِلَهُ عَنِ التَّمادِي عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ولا يُؤَيِّسُهُ مِنَ الأجْرِ ولِيَدْفَعَ الشَّيْطانَ عَنْ نَفْسِهِ ما اسْتَطاعَ؛ أيْ: إذا أرادَ تَثْبِيطَهُ عَنِ العَمَلِ، ويُجَدِّدَ النِّيَّةَ فَإنَّ هَذا غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ اهـ.
وذُكِرَ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ رَأى رَجُلًا مِن أهْلِ مِصْرَ يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ رَبِيعَةَ. وذَكَرَ أنَّ رَبِيعَةَ أنْكَرَ ذَلِكَ. قالَ مالِكٌ: فَقُلْتُ لَهُ ما تَرى في التَّهْجِيرِ إلى المَسْجِدِ قَبْلَ الظُّهْرِ ؟ قالَ: ما زالَ الصّالِحُونَ يُهَجِّرُونَ.
وفِي جامِعِ المِعْيارِ: سُئِلَ مالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَذْهَبُ إلى الغَزْوِ ومَعَهُ فَضْلُ مالٍ لِيُصِيبَ بِهِ مِن فَضْلِ الغَنِيمَةِ؛ أيْ: (لِيَشْتَرِيَ مِنَ النّاسِ ما صَحَّ لَهم مِنَ الغَنِيمَةِ) فَأجابَ لا بَأْسَ بِهِ ونَزَعَ بِآيَةِ التِّجارَةِ في الحَجِّ قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مانِعٍ ولا قادِحٍ في صِحَّةِ العِبادَةِ إذا كانَ قَصْدُهُ بِالعِبادَةِ وجْهَ اللَّهِ ولا يُعَدُّ هَذا تَشْرِيكًا في العِبادَةِ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أباحَ ذَلِكَ ورَفَعَ الحَرَجَ عَنْ فاعِلِهِ مَعَ أنَّهُ قالَ ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] فَدَلَّ أنَّ هَذا التَّشْرِيكَ لَيْسَ بِداخِلٍ بِلَفْظِهِ ولا بِمَعْناهُ تَحْتَ آيَةِ الكَهْفِ اهـ.
وأقُولُ: إنْ قَصَدَ إلى العِبادَةِ لِيَتَقَرَّبَ إلى اللَّهِ فَيَسْألُهُ ما فِيهِ صَلاحُهُ في الدُّنْيا أيْضًا لا ضَيْرَ فِيهِ، لِأنَّ تِلْكَ العِبادَةَ جُعِلَتْ وسِيلَةً لِلدُّعاءِ ونَحْوِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ تَقَرُّبٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ شُرِعَتْ صَلَواتٌ لِكَشْفِ الضُّرِّ وقَضاءِ الحَوائِجِ مِثْلَ صَلاةِ الِاسْتِخارَةِ وصَلاةِ الضُّرِّ والحاجَةِ، ومِنَ المُغْتَفَرِ أيْضًا أنْ يَقْصِدَ العامِلُ مِن عَمَلِهِ
صفحة ٣٢٠
أنْ يَدْعُوَ لَهُ المُسْلِمُونَ ويَذْكُرُوهُ بِخَيْرٍ. وفي هَذا المَعْنى قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ خُرُوجِهِ إلى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ ودَعا لَهُ المُسْلِمُونَ حِينَ ودَّعُوهُ ولِمَن مَعَهُ بِأنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ سالِمِينَ:
لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً وضَرْبَةً ذاتَ فَرْعٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا
أوْ طَعْنَةً مِن يَدَيْ حَرّانَ مُجْهِزَةً ∗∗∗ بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الأحْشاءَ والكَبِدا
حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ أرْشَدَكَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا
وقَدْ عَلِمْتَ مِن تَقْيِيدِنا الحَظَّ بِأنَّهُ حَظٌّ دُنْيَوِيٌّ أنَّ رَجاءَ الثَّوْابِ واتِّقاءَ العِقابِ هو داخِلٌ في مَعْنى الإخْلاصِ لِأنَّهُ راجِعٌ إلى التَّقَرُّبِ لِرِضى اللَّهِ تَعالى.
ويَنْبَغِي أنْ تَعْلَمَ أنَّ فَضِيلَةَ الإخْلاصِ في العِبادَةِ هي قَضِيَّةٌ أخَصُّ مِن قَضِيَّةِ صِحَّةِ العِبادَةِ وإجْزائِها في ذاتِها إذْ قَدْ تَعْرُو العِبادَةِ عَنْ فَضِيلَةِ الإخْلاصِ وهي مَعَ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ مُجْزِئَةٌ، فَلِلْإخْلاصِ أثَرٌ في تَحْصِيلِ ثَوابِ العَمَلِ وزِيادَتِهِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِصِحَّةِ العَمَلِ.
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: وأمّا الإخْلاصُ فَهو أنْ يَكُونَ الدّاعِي إلى الإتْيانِ بِالفِعْلِ أوِ التَّرْكِ مُجَرَّدَ الِانْقِيادِ، فَإنْ حَصَلَ مَعَهُ داعٍ آخَرَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ جانِبُ الدّاعِي إلى الِانْقِيادِ راجِحًا عَلى جانِبِ الدّاعِي المُغايِرِ، أوْ مُعادِلًا لَهُ، أوْ مَرْجُوحًا. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُعادِلَ والمَرْجُوحَ ساقِطٌ، وأمّا إذا كانَ الدّاعِي إلى الطّاعَةِ راجِحًا عَلى جانِبِ الدّاعِي الآخَرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ أوْ لا اهـ.
وذَكَرَ أبُو إسْحاقَ الشّاطِبِيُّ: أنَّ الغَزالِيَّ (أيْ: في كِتابِ النِّيَّةِ مِنَ الرُّبْعِ الرّابِعِ مِنَ الإحْياءِ) يَذْهَبُ إلى أنَّ ما كانَ فِيهِ داعِيَ غَيْرِ الطّاعَةِ مَرْجُوحًا أنَّهُ يُنافِي الإخْلاصَ. وعَلامَتُهُ أنْ تَصِيرَ الطّاعَةُ أخَفَّ عَلى العَبْدِ بِسَبَبِ ما فِيها مِن غَرَضٍ، وأنَّ أبا بَكْرٍ بْنَ العَرَبِيِّ (أيْ: في كِتابِ سِراجِ المُرِيدِينَ كَما نَقَلَهُ في المِعْيارِ) يَذْهَبُ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في الإخْلاصِ.
قالَ الشّاطِبِيُّ: وكانَ مَجالُ النَّظَرِ في المَسْألَةِ يَلْتَفِتُ إلى انْفِكاكِ القَصْدَيْنِ أوْ عَدَمِ انْفِكاكِهِما، فالغَزالِيُّ يَلْتَفِتُ إلى مُجَرَّدِ وُجُودِ اجْتِماعِ القَصْدَيْنِ سَواءٌ كانَ القَصْدانِ مِمّا يَصِحُّ انْفِكاكُهُما أوْ لا، وابْنُ العَرَبِيِّ يَلْتَفِتُ إلى وجْهِ الِانْفِكاكِ.
صفحة ٣٢١
فَهَذِهِ مَسْألَةٌ دَقِيقَةٌ ألْحَقْناها بِتَفْسِيرِ الآيَةِ لِتَعَلُّقِها بِالإخْلاصِ المُرادِ في الآيَةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّشابُهِ العارِضِ بَيْنَ المَقاصِدِ الَّتِي تُقارِنُ قَصْدَ العِبادَةِ وبَيْنَ إشْراكِ المَعْبُودِ في العِبادَةِ بِغَيْرِهِ.
* * *
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ مَعْنى الإخْلاصِ لِلَّهِ في العِبادَةِ وأنَّهُ خُلُوصٌ كامِلٌ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الإشْراكِ، ولا إشْراكَ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا أوْلِياءَ وعَبَدُوهم حِرْصًا عَلى القُرْبِ مِنَ اللَّهِ يَزْعُمُونَهُ عُذْرًا لَهم فَقَوْلُهم مِن فَسادِ الوَضْعِ وقَلْبِ حَقِيقَةِ العِبادَةِ بِأنْ جَعَلُوا عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ وسِيلَةً إلى القُرْبِ مِنَ اللَّهِ فَنَقَضُوا بِهَذِهِ الوَسِيلَةِ مَقْصِدَها وتَطَلَّبُوا القُرْبَةَ بِما أبْعَدَها، والوَسِيلَةُ إذا أفْضَتْ إلى إبْطالِ المَقْصِدِ كانَ التَّوَسُّلُ بِها ضَرْبًا مِنَ العَبَثِ.
واسْمُ المَوْصُولِ مُرادٌ بِهِ: المُشْرِكُونَ؛ وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ”﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾“ .
وجُمْلَةُ ”ما نَعْبُدُهم“ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِأنَّ نَظْمَها يَقْتَضِي ذَلِكَ إذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ عَلَيْهِ نُونُ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ، فَتَعِينَ أنَّهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى المُبْتَدَأِ، أيْ: هُمُ المُتَكَلِّمُونَ بِهِ وبِما يَلِيهِ، وفِعْلُ القَوْلِ مَحْذُوفٌ؛ وهو: كَثِيرٌ، وهَذا القَولُ المَحْذُوفُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا؛ أيْ قائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: قالُوا ما نَعْبُدُهم، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”اتَّخَذُوا“ فَإنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوْلِياءَ اشْتَمَلَ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ فَعُلِمَ مِنهُ إبْطالُ تَعَلُّلِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ لِأنَّ الواقِعَ أنَّهم عَبَدُوا الأصْنامَ أكْثَرَ مِن عِبادَتِهِمُ اللَّهِ.
فَضَمِيرُ ”بَيْنَهم“ عائِدٌ إلى الَّذِينَ اتَّخَذُوا أوْلِياءَ. والمُرادُ بِـ ”ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ“
صفحة ٣٢٢
اخْتِلافُ طَرائِقِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ وفي أنْواعِها مِنَ الأنْصابِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ عَلى اخْتِلافِ المُشْرِكِينَ في بِلادِ العَرَبِ.
ومَعْنى الحُكْمِ بَيْنَهم أنَّهُ يُبَيِّنُ لَهم ضَلالَهم جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ إذْ لَيْسَ مَعْنى الحُكْمِ بَيْنَهم مُقْتَضِيًا الحُكْمَ لِفَرِيقٍ مِنهم عَلى فَرِيقٍ آخَرَ بَلْ قَدْ يَكُونُ الحُكْمُ بَيْنَ المُتَخاصِمِينَ بِإبْطالِ دَعْوى جَمِيعِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ عَلى ”بَيْنِهِمْ“ مُماثِلٍ لَهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها وهي ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالصُ﴾ لِاقْتِضائِها أنَّ الَّذِينَ أخْلَصُوا الدِّينَ لِلَّهِ قَدْ وافَقُوا الحَقَّ؛ فالتَّقْدِيرُ: يَحْكُمُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُخْلِصِينَ عَلى حَدِّ قَوْلِ النّابِغَةِ:
فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا أبُو حُجْرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ
تَقْدِيرُهُ: بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي بِدَلالَةِ سِياقِ الرِّثاءِ والتَّلَهُّفِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ”إلّا لِيُقَرِّبُونا“ اسْتِثْناءٌ مِن عِلَلٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ إلّا لِعِلَّةِ أنَّ يُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ فَيُفِيدُ قَصْرًا عَلى هَذِهِ العِلَّةِ قَصْرَ قَلْبٍ إضافِيٍّ، أيْ: دُونَ ما شَنَّعْتُمْ عَلَيْنا مِن أنَّنا كَفَرْنا نِعْمَةَ خالِقِنا إذْ عَبَدْنا غَيْرَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا آنِفًا مِن أنَّهم أرادُوا بِهِ المَعْذِرَةَ ويَكُونُ في أداةِ الِاسْتِثْناءِ اسْتِخْدامٌ؛ لِأنَّ اللّامَ المُقَدَّرَةَ قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ لامُ العاقِبَةِ لا لامُ العِلَّةِ إذْ لا يَكُونُ الكُفْرانُ بِالخالِقِ عِلَّةٌ لِعاقِلٍ ولَكِنَّهُ صائِرٌ إلَيْهِ، فالقَصْرُ لا يُنافِي أنَّهم أعَدُّوهم لِأشْياءَ أُخَرَ إذا عَدُّوهم شُفَعاءَ واسْتَنْجَدُوهم في النَّوائِبِ، واسْتَقْسَمُوا بِأزْلامِهِمْ لِلنَّجاحِ، كَما هو ثابِتٌ في الواقِعِ.
والزُّلْفى: مَنزِلَةُ القُرْبِ، أيْ: لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ في مَنزِلَةِ القُرْبِ، والمُرادُ بِهِ: مَنزِلَةُ الكَرامَةُ والعِنايَةِ في الدُّنْيا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِمَنازِلِ الآخِرَةِ، ويَكُونُ مَنصُوبًا بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ”لِيُقَرِّبُونا“ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: لِيُقَرِّبُوا مَنزِلَتَنا إلى اللَّهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ زُلْفى: اسْمُ مَصْدَرٍ فَيَكُونُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، أيْ: قُرْبًا شَدِيدًا.
وأفادَ نَظْمُ ”هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ“ أمْرَيْنِ أنَّ الِاخْتِلافَ ثابِتٌ لَهم، وأنَّهُ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ، فالأوَّلُ مِن تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، والثّانِي مِن كَوْنِ المُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا.
* * *
صفحة ٣٢٣
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في قَوْلِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ وعَنْ كَوْنِهِمْ كَفّارِينَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وكِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ ضالِّينَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ﴾ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ سُؤالًا عَنْ مَصِيرِ حالِهِمْ في الدُّنْيا مِن جَرّاءِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ، فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، أيْ: يَذَرُهم في ضَلالِهِمْ ويُمْهِلُهم إلى يَوْمِ الجَزاءِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهُمُ الدِّينَ فَخالَفُوهُ.
والمُرادُ بِـ ”مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ“ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، أيْ: المُشْرِكُونَ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإتْيانُ بِضَمِيرِهِمْ وعُدِلَ عَنْهُ إلى الإضْمارِ لِما في الصِّلَةِ مِن وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ وقُوَّةِ الكُفْرِ.
وهِدايَةُ اللَّهِ المَنفِيَّةُ عَنْهم هي: أنْ يَتَدارَكَهُمُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في نُفُوسِهِمْ، فالهِدايَةُ المَنفِيَّةُ هي الهِدايَةُ التَّكْوِينِيَّةُ لا الهِدايَةُ بِمَعْنى الإرْشادِ والتَّبْلِيغِ وهو ظاهِرٌ، فالمُرادُ نَفْيُ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ، أيِ العِنايَةِ الَّتِي بِها تَيْسِيرُ الهِدايَةِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَهْتَدُوا، أيْ: لا يُوَفِّقُهُمُ اللَّهُ بَلْ يَتْرُكُهم عَلى رَأْيِهِمْ غَضَبًا عَلَيْهِمْ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِما في المَوْصُولِ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِإفادَةِ الإيماءِ إلى عِلَّةِ الفِعْلِ لِيُفِيدَ أنَّ سَبَبَ حِرْمانِهِمُ التَّوْفِيقَ هو كَذِبُهم وشِدَّةُ كُفْرِهِمْ.
فَإنَّ اللَّهَ إذا أرْسَلَ رَسُولَهُ إلى النّاسِ فَبَلَّغَهم. كانُوا عِنْدَما يُبَلِّغُهُمُ الرَّسُولُ رِسالَةَ رَبِّهِ بِمُسْتَوى مُتَحَدٍّ عِنْدَ اللَّهِ بِما هم عَبِيدٌ مُرَبِوبُونَ ثُمَّ يَكُونُونَ أصْنافًا في تَلَقِّيهِمُ الدَّعْوَةَ، فَمِنهم طالِبُ هِدايَةٍ بِقَبُولِ ما فَهِمَهُ ويَسْألُ عَمّا جَهِلَهُ، ويَتَدَبَّرُ ويَنْظُرُ ويَسْألُ، فَهَذا بِمَحَلِّ الرِّضى مِن رَبِّهِ فَهو يُعِينُهُ ويَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلْخَيْرِ حَتّى يُشَوِّقَ صَدْرَهُ لِلْخَيْرِ حَتّى يُشْرِقَ باطِنُهُ بِنُورِ الإيمانِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقالَ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨] .
صفحة ٣٢٤
ولا جَرَمَ أنَّهُ كُلَّما تَوَغَّلَ العَبْدُ في الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وفي الكُفْرِ بِهِ ازْدادَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِ فازْدادَ بُعْدُ الهِدايَةِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] .
والتَّوْفِيقُ: خَلْقُ القُدْرَةِ عَلى الطّاعَةِ فَنَفْيُ هِدايَةِ اللَّهِ عَنْهم كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ تَوْفِيقِهِ ولُطْفِهِ لِأنَّ الهِدايَةَ مُسَبَّبَةُ عَنِ التَّوْفِيقِ فَعُبِّرَ بِنَفْيِ المُسَبَّبِ عَنْ نَفْيِ السَّبَبِ.
وكَذِبُهم هو ما اخْتَلَقُوهُ مِنَ الكُفْرِ بِتَأْلِيهِ الأصْنامِ، وما يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنِ اخْتِلاقِ صِفاتٍ وهْمِيَّةٍ لِلْأصْنامِ وشَرائِعَ يَدِينُونَ بِها لَهم.
والكَفّارُ: شَدِيدُ الكُفْرِ البَلِيغُهُ، وذَلِكَ كُفْرُهم بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﷺ وبِالقُرْآنِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ تَلَقِّيهِ، والتَّجَرُّدِ عَنِ المَوانِعِ لِلتَّدَبُّرِ فِيهِ.
وعُلِمَ مِن مُقارَنَةِ وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ بِوَصْفِهِمْ بِالأبْلَغِيَّةِ في الكُفْرِ أنَّهم مُتَبالِغُونَ في الكَذِبِ أيْضًا لِأنَّ كَذِبَهُمُ المَذْمُومَ إنَّما هو كَذِبُهم في كُفْرِيّاتِهِمْ فَلَزِمَ مِن مُبالَغَةِ الكُفْرِ مُبالَغَةُ الكَذِبِ فِيهِ.
الزمر 39:4
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مَوْقِعُ الِاحْتِجاجِ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ كاذِبُونَ وكَفّارُونَ في اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] وأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ الهُدى وذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] فَقَصَدَ إبْطالَ شِرْكِهِمْ بِإبْطالِ أقْواهُ وهو عَدُّهم في جُمْلَةِ شُرَكائِهِمْ شُرَكاءَ زَعَمُوا لَهم بُنُوَّةً لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ قالُوا ”اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا“ فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَزْعُمُونَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ بَناتِ اللَّهِ تَعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] ﴿ألْكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] .
قالَ في الكَشّافِ هُنالِكَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ وهَذِهِ الأصْنامَ يَعْنِي هَذِهِ الثَّلاثَةَ بَناتُ اللَّهِ، وذَكَرَ البَغْوَيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ كانَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ يَقُولُونَ:
صفحة ٣٢٥
الأصْنامُ والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ فَخُصَّ الِاعْتِقادُ بِأهْلِ مَكَّةَ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوهُ في غَيْرِ اللّاتِ والعُزّى ومَناةَ، لِأنَّ أسْماءَها مُؤَنَّثَةٌ، وإلّا فَإنَّ في أسْماءِ كَثِيرٍ مِن أسْماءِ أصْنامِهِمْ ما هو مُذَكَّرٌ نَحْوَ ذِي الخَلَصَةِ، وذَكَرَ في الكَشّافِ عِنْدَ ذِكْرِ البَسْمَلَةِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ الشُّرُوعِ في أعْمالِهِمْ: بِاسْمِ اللّاتِ، بِاسْمِ العُزّى.
فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إبْطالُ إلَهِيَّةِ أصْنامِ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ والآياتِ بَعْدَها اشْتَمَلَتْ عَلى حُجَجِ انْفِرادِ اللَّهِ.
ومَعْنى الآيَةِ: لَوْ كانَ اللَّهُ مُتَّخِذًا ولَدًا لاخْتارَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ اخْتِيارَهُ، أيْ: لاخْتارَ ما هو أجْدَرُ بِالِاخْتِيارِ ولا يَخْتارُ لِبُنُوَّتِهِ حِجارَةً كَما زَعَمْتُمْ لِأنَّ شَأْنَ الِاخْتِيارِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالأحْسَنِ مِنَ الأشْياءِ المُخْتارِ مِنها فَبَطَلَ أنْ تَكُونَ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ بَناتِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ عَنْها بَطَلَ عَنْ سائِرِ الأصْنامِ بِحُكْمِ المُساواةِ أوِ الأحْرى، فَتَكُونُ (لَوْ) هُنا هي المُلَقَّبَةُ (لَوِ) الصُّهَيْبِيَّةَ، أيْ: الَّتِي شَرْطُها مَفْرُوضٌ فَرْضًا عَلى أقْصى احْتِمالٍ وهي الَّتِي يُمَثِّلُونَ لَها بِالمَثَلِ المَشْهُورِ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخِفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فَكانَ هَذا إبْطالًا لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] إلى قَوْلِهِ (كَفّارٌ) .
ولَيْسَ هو إبْطالًا لِمَقالَةِ بَعْضِ العَرَبِ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِن عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ وجِّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ، ولا إبْطالًا لِبُنُوَّةِ المَسِيحِ عِنْدَ النَّصارى لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَقَدٍ عِنْدَ المُشْرِكِينَ المُخاطِبِينَ ولا شُعُورٌ لَهم بِهِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مُحاجَّةُ النَّصارى ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ المَكِّيُّ إلى مُحاجَّةِ النَّصارى.
واعْلَمْ أنَّهُ بُنِيَ الدَّلِيلُ عَلى قاعِدَةِ اسْتِحالَةِ الوَلَدِ عَلى اللَّهِ تَعالى إذْ بُنِيَ القِياسُ الشَّرْطِيُّ عَلى فَرْضِ اتِّخاذِ الوَلَدِ لا عَلى فَرْضِ التَّوَلُّدِ، فاقْتَضى أنَّ المُرادَ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ: التَّبَنِّي؛ لِأنَّ إبْطالَ التَّبَنِّي بِهَذا الِاسْتِدْلالِ يَسْتَلْزِمُ إبْطالَ تَّوَلُّدِ الِابْنِ بِالأوْلى.
وعُزِّزَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ فِعْلِ الِاتِّخاذِ بِتَعْقِيبِهِ بِفِعْلِ الِاصْطِفاءِ عَلى طَرِيقَةِ مُجاراةِ الخَصْمِ المُخْطِئ لِيُغَيِّرَ في مَهْواةِ خَطَئِهِ، أيْ: لَوْ كانَ لِأحَدٍ مِنَ اللَّهِ نِسْبَةُ بُنُوَّةٍ
صفحة ٣٢٦
لَكانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ التَّبَنِّيَ لا غَيْرَ. إذْ لا تُتَعَقَّلُ بُنُوَّةُ اللَّهِ غَيْرَ التَّبَنِّي ولَوْ كانَ اللَّهُ مُتَبَنِّيًا لاخْتارَ ما هو الألْيَقُ بِالتَّبَنِّي مِن مَخْلُوقاتِهِ دُونَ الحِجارَةِ الَّتِي زَعَمْتُمُوها بَناتٍ لِلَّهِ. وإذا بَطَلَتْ بُنُوَّةُ تِلْكَ الأصْنامِ الثَّلاثَةِ المَزْعُومَةِ بَطَلَتْ إلَهِيَّةُ سائِرِ الأصْنامِ الأُخْرى الَّتِي اعْتَرَفُوا بِأنَّها في مَرْتَبَةٍ دُونَ مَرْتَبَةِ اللّاتِ والعُزّى ومَناةِ بِطَرِيقِ الأوْلى واتِّفاقِ الخَصْمَيْنِ فَقَدِ اقْتَضى الكَلامُ دَلِيلَيْنِ: طُوِيَ أحَدُهُما وهو دَلِيلُ اسْتِحالَةِ الوَلَدِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ دَلِيلُ إبْطالِ التَّبَنِّي لِما لا يَلِيقُ أنْ يَتَبَنّاهُ الحَكِيمُ.
وهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيانِ وقْعِها مِمّا قَبْلَها وبِهِ تَخْرُجُ عَنْ نِطاقِ الحَيْرَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها المُفَسِّرُونَ فَسَلَكُوا مَسالِكَ تَعَسُّفٍ في مَعْناها ونَظْمِها ومَوْقِعِها، ولَمْ يَتِمَّ لِأحَدٍ مِنهم وجْهُ المُلازِمَةِ بَيْنَ شَرْطِ (لَوْ) وجَوابِها، وسَكَتَ بَعْضُهم عَنْ تَفْسِيرِها. فَوَقَعَ في الكَشّافِ ما يُفِيدُ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ زَعْمِ المُشْرِكِينَ بُنُوَّةُ المَلائِكَةِ وجَعْلُ جَوابِ ٩٩ (لَوْ) مَحْذُوفًا وجَعْلُ المَذْكُورِ في مَوْضِعِ الجَوابِ إرْشادًا إلى الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ في المَلائِكَةِ فَقالَ ”يَعْنِي لَوْ أرادَ اللَّهُ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ (أيْ ذَلِكَ الِاتِّخاذُ) مُحالًا ولَمْ يَتَأتَّ إلّا أنْ يَصْطَفِيَ مِن خَلْقِهِ بَعْضَهُ ويَخْتَصَّهم ويُقَرِّبَهم كَما يَخْتَصُّ الرَّجُلُ ولَدَهُ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمَلائِكَةِ فَغَرَّكُمُ اخْتِصاصِ إيّاهم فَزَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلادُهُ جَهْلًا مِنكم بِحَقِيقَتِهِ المُخالَفَةِ لِحَقائِقِ الأجْسامِ والأغْراضِ“ .
فَجُعِلَ ما هو في الظّاهِرِ جَوابُ (لَوْ) مُفِيدًا مَعْنى الِاسْتِدْراكِ الَّذِي يَعْقُبُ المُقَدَّمَ والتّالِيَ غالِبًا، فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِمُرادِفِهِ وهو الِاسْتِثْناءُ الَّذِي هو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
ولِلْتَفْتَزانِيِّ بَحْثٌ يَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِقامَةِ تَقْرِيرِ الكَشّافِ لِدَلِيلِ شَرْطِ (لَوْ) وجَوابِهِ، واسْتَظْهَرَ أنَّ (لَوْ) صُهَيْبِيَّةٌ تَبَعًا لِتَقْرِيرِ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ. وبَعْدُ فَإنَّ كَلامَ صاحِبِ الكَشّافِ يَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ مُنْقَطِعَةً عَنِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها، فَيَجْعَلُها بِمَنزِلَةِ غَرَضٍ مُسْتَأْنَفٍ مَعَ أنَّ نَظْمَ الآيَةِ نَظْمُ الِاحْتِجاجِ لا نَظْمُ الإفادَةِ، فَكانَ مَحْمَلُ الكَشّافِ فِيها بَعِيدًا. ومَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَذا فَإنَّ في تَقْرِيرِ المُلازَمَةِ في الِاسْتِدْلالِ خَفاءً وتَعَسُّفًا كَما أشارَ إلَيْهِ الشَّقّارُ في كِتابِهِ ”التَّقْرِيبُ مُخْتَصَرُ الكَشّافِ“ .
صفحة ٣٢٧
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ”مَعْنى اتِّخاذِ الوَلَدِ اتِّخاذُ التَّشْرِيفِ والتَّبَنِّي وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ (لاصْطَفى) وأمّا الِاتِّخاذُ المَعْهُودُ في الشّاهِدِ (يَعْنِي اتِّخاذَ النَّسْلِ) فَمُسْتَحِيلٌ أنْ يُتَوَهَّمَ في جِهَةِ اللَّهِ ولا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (لاصْطَفى)، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى أنْ يَتَّخِذَ الِاصْطِفاءُ والتَّبَنِّي قَوْلُهُ“ مِمّا يَخْلُقُ ”أيْ: مِن مُحْدَثاتِهِ اهـ وتَبِعَهُ عَلَيْهِ الفَخْرُ.
وبَنى عَلَيْهِ صاحِبُ التَّقْرِيبِ فَقالَ عَقْبَ تَعَقُّبِ كَلامِ الكَشّافِ“ والأوْلى ما قِيلَ: لَوْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا كَما زَعَمْتُمْ لاخْتارَ الأفْضَلَ (أيِ الذُّكُورَ) لا الأنْقَصَ وهُنَّ الإناثُ ”، وقالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ: هَذا مَعْنى الآيَةِ بِحَسْبِ الظّاهِرِ، وذَكَرَ أنَّ صاحِبَ الكَشّافِ لَمْ يَسْلُكْهُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ التَّفْتَزانِيُّ هُناكَ.
والَّذِي سَلَكَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وإنْ كانَ أقْرَبُ وأوْضَحُ مِن مَسْلَكِ الكَشّافِ في تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ لَكِنَّهُ يُشارِكُهُ في أنَّهُ لا يَصِلُ الآيَةَ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها ويَنْبَغِي أنْ لا تُقْطَعَ بَيْنَها الأواصِرُ، وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخِرِ.
وجُمْلَةُ“ سُبْحانَهُ ”تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ بَعْدَ أنْ أبْطَلَهُ بِالدَّلِيلِ الِامْتِناعِيِّ عَوْدًا إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ الَّذِي فارَقَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] .
وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ دَلِيلٌ لِلتَّنْزِيهِ المُسْتَفادِ مِن سُبْحانِهِ. فَجُمْلَةُ“ هو اللَّهُ ”تَمْهِيدٌ لِلْوَصْفَيْنِ، وذُكِرَ اسْمُهُ العَلَمُ لِإحْضارِهِ في الأذْهانِ بِالِاسْمِ المُخْتَصِّ بِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: هو الواحِدُ القَهّارُ كَما قالَ بَعْدَ ﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥] .
وإثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لَهُ يُبْطِلُ الشَّرِيكُ في الإلَهِيَّةِ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِ، وإثْباتُ“ القَهّارُ " يُبْطِلُ ما زَعَمُوهُ مِن أنَّ أوْلِياءَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفًى وتَشْفَعُ لَهم.
والقَهْرُ: الغَلَبَةُ، أيْ: هو شَدِيدُ الغَلَبَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ولا يَصْرِفُهُ عَنْ إرادَتِهِ.
الزمر 39:5
صفحة ٣٢٨
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] فَإنَّ خَلْقَ هَذِهِ العَوالِمِ والتَّصَرُّفَ فِيها عَلى شِدَّتِها وعَظَمَتِها يُبَيِّنُ مَعْنى الوَحْدانِيَّةِ ومَعْنى القَهّارِيَّةِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] ذاتَ اتِّصالَيْنِ: اتِّصالٌ بِجُمْلَةِ ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [الزمر: ٤] كاتِّصالِ التَّذْيِيلِ، واتِّصالٌ بِجُمْلَةِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ اتِّصالَ التَّمْهِيدِ.
وقَدِ انْتَقَلَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِاقْتِضاءِ حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ نَفِيَ الشَّرِيكِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ إذْ لا يَسْتَطِيعُ شُرَكاؤُهم خَلْقَ العَوالِمِ.
والباءُ في ”بِالحَقِّ“ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: خَلَقَها خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحَقِّ وهو هُنا ضِدُّ العَبَثِ، أيْ: خَلَقَهُما خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحِكْمَةِ والصَّوابِ والنَّفْعِ لا يَشُوبُ خَلْقَهُما عَبَثٌ ولا اخْتِلالٌ قالَ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] .
وجُمْلَةُ ”﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ﴾“ بَيانٌ ثانٍ وهو كَتَعْدادِ الجُمَلِ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ أوَ الِامْتِنانِ. وأُوثِرَ المُضارِعُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ وتَكَرُّرِهِ، أوْ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ التَّكْوِيرِ تَبَعًا لِاسْتِحْضارِ آثارِها فَإنَّ حالَةَ تَكْوِيرِ اللَّهِ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ غَيْرُ مُشاهَدَةٍ وإنَّما المَشاهَدُ أثَرُها وتَجَدُّدُ الأثَرِ يَدُلُّ عَلى تَجَدُّدِ التَّأْثِيرِ.
والتَّكْوِيرُ حَقِيقَتُهُ: اللَّفُّ واللَّيُّ، يُقالُ: كَوَّرَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ إذا لَواها ولَفَّها، ومُثِّلَتْ بِهِ هُنا هَيْئَةُ غَشَيانِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ في جُزْءٍ مِن سَطْحِ الأرْضِ وعَكْسُ ذَلِكَ عَلى التَّعاقُبِ بِهَيْئَةِ كُوَرِ العِمامَةَ إذْ تَغْشى اللِّيَةُ اللِّيَةَ الَّتِي قَبْلَها.
وهُوَ تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ قابِلٌ لِلتَّجْزِئَةِ بِأنْ تُشَبِّهَ الأرْضُ بِالرَّأْسِ، ويُشَبَّهَ تَعاوُرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلَيْها بِلَفِّ طَيّاتِ العِمامَةِ، ومِمّا يَزِيدُهُ إبْداعًا إيثارُ مادَّةِ التَّكْوِيرِ الَّذِي هو مُعْجِزَةٌ عِلْمِيَّةٌ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ المُشارِ إلَيْها في المُقَدِّمَةِ الرّابِعَةِ والمُوَضَّحَةِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ فَإنَّ مادَّةَ التَّكْوِيرِ جائِيَةٌ مِنِ اسْمِ الكُرَةِ، وهي الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ مِن جَمِيعِ
صفحة ٣٢٩
جِهاتِهِ عَلى التَّساوِي، والأرْضُ كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ في الواقِعِ وذَلِكَ كانَ يَجْهَلُهُ العَرَبُ وجُمْهُورُ البَشَرِ يَوْمَئِذٍ فَأوْمَأ القُرْآنُ إلَيْهِ بِوَصْفِ العَرَضَيْنِ اللَّذَيْنِ يَعْتَرِيانِ الأرْضَ عَلى التَّعاقُبِ وهُما النُّورُ والظُّلْمَةُ، أوِ اللَّيْلُ والنَّهارُ، إذْ جَعَلَ تَعاوُرَهُما تَكْوِيرًا لِأنَّ عَرَضَ الكُرَةِ يَكُونُ كُرَوِيًّا تَبَعًا لِذاتِها، فَلَمّا كانَ سِياقُ هَذِهِ الآيَةِ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الإلَهِيَّةِ الحَقِّ بِإنْشاءِ السَّماواتِ والأرْضِ اخْتِيرَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى ما يَتْبَعُ ذَلِكَ الإنْشاءَ مِن خَلْقِ العَرَضَيْنِ العَظِيمَيْنِ لِلْأرْضِ مادَّةِ التَّكْوِيرِ دُونَ غَيْرِها مِن نَحْوِ الغَشَيانِ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ مَسُوقَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى سَعَةِ التَّصَرُّفِ في المَخْلُوقاتِ لِأنَّ أوَّلَها ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَكانَ تَصْوِيرُ ذَلِكَ بِإغْشاءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ خاصَّةً لِأنَّهُ دَلَّ عَلى قُوَّةِ التَّمَكُّنِ مِن تَغْيِيرِهِ أعْراضَ مَخْلُوقاتِهِ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى تَغْيِيرِ أعْظَمِ عَرَضٍ وهو النُّورُ بِتَسْلِيطِ الظُّلْمَةِ عَلَيْهِ، لِتَكُونَ هاتِهِ الآيَةُ لِمَن يَأْتِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى عِلْمِ الهَيْئَةِ فَتَكُونُ مُعْجِزَةً عِنْدَهم.
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ هو مِن عَطْفِ الجُزْءِ المَقْصُودِ مِنَ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] .
وتَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ هو تَذْلِيلُهُما لِلْعَمَلِ عَلى ما جَعَلَ اللَّهُ لَهُما مِن نِظامِ السَّيْرِ سَيْرِ المَتْبُوعِ والتّابِعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ التَّسْخِيرَ مُناسِبٌ لِتَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ وعَكْسِهِ فَإنَّ ذَلِكَ التَّكْوِيرَ مِن آثارِ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ فَتِلْكَ المُناسَبَةُ اقْتَضَتْ عَطْفَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهُ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.
وجُمْلَةُ ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ في مَوْقِعِ بَدَلِ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ سَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ وذَلِكَ أوْضَحُ أحْوالِ التَّسْخِيرِ.
وتَنْوِينُ ”كُلٌّ“ لِلْعِوَضِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ. والجَرْيُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ. واللّامُ لِلْعِلَّةِ.
صفحة ٣٣٠
والأجَلُ هو أجَلُ فَنائِهِما فَإنَّ جَرْيَهُما لَمّا كانَ فِيهِ تَقْرِيبُ فَنائِهِما جُعِلَ جَرْيُهُما كَأنَّهُ لِأجْلِ الأجَلِ؛ أيْ: لِأجْلِ ما يَطْلُبُهُ ويَقْتَضِيهِ أجَلُ البَقاءِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨] فالتَّنْكِيرُ في ”أجَلٍ“ لِلْإفْرادِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأجَلِ أجْلَ حَياةِ النّاسِ الَّذِي يَنْتَهِي بانْتِهاءِ الأعْمارِ المُخْتَلِفَةِ. ولَيْسَ العُمْرُ إلّا أوْقاتًا مَحْدُودَةً وأنْفاسًا مَعْدُودَةً. وجَرْيُ الشَّمْسِ والقَمَرِ تُحْسَبُ بِهِ تِلْكَ الأوْقاتُ والأنْفاسُ، فَصارَ جَرْيُهُما كَأنَّهُ لِأجَلٍ.
قالَ أُسْقُفُ نَجْرانَ:
مَنَعَ البَقاءَ تَقَلُّبُ الشَّمْسِ وطُلُوعُها مِن حَيْثُ لا تُمْسِي
وأقْوالُهم في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.
فالتَّنْكِيرُ في ”أجَلٍ“ لِلنَّوْعِيَّةِ الَّذِي هو في مَعْنى لِآجالٍ مُسَمّاةٍ.
ولَعَلَّ تَعْقِيبَهُ بِوَصْفِ ”الغَفّارِ“ يُرَجِّحُ هَذا المَحْمَلَ كَما سَيَأْتِي.
والمُسَمّى: المَجْعُولُ لَهُ وسْمٌ، أيْ: ما بِهِ يُعَيَّنُ وهو ما عَيَّنَهُ اللَّهُ لِأنْ يَبْلُغَ إلَيْهِ.
وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخْرى ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ﴾ [لقمان: ٢٩] بِحَرْفِ انْتِهاءِ الغايَةِ، ولامُ العِلَّةِ وحَرْفُ الغايَةِ مُتَقارِبانِ في المَعْنى الأصْلِيِّ وأحْسَبُ أنَّ اخْتِلافَ التَّعْبِيرِ بِهِما مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ في الكَلامِ.
* * *
﴿ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ في مَعْنى الوَعِيدِ والوَعْدِ، فَإنَّ وصْفَ ”العَزِيزُ“ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ لا غالِبَ لَهُ فَلا تُجْدِي المُشْرِكِينَ عِبادَةُ أوْلِيائِهِمْ، ووَصْفُ ”الغَفّارُ“ مُؤْذِنٌ بِاسْتِدْعائِهِمْ إلى التَّوْبَةِ بِاتِّباعِ الإسْلامِ. وفي وصْفِ ”الغَفّارُ“ مُناسِبَةٌ لِذِكْرِ الأجَلِ لِأنَّ المَغْفِرَةَ يَظْهَرُ أثَرُها بَعْدَ البَعْثِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ وانْتِهاءِ الأجَلِ تَحْرِيضًا عَلى البِدارِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ المَوْتِ حِينَ يَفُوتُ التَّدارُكُ.
وفِي افْتِتاحِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ إيذانٌ بِأهَمِّيَّةِ مَدْلُولِها الصَّرِيحِ والكِنائِيِّ.
الزمر 39:6
صفحة ٣٣١
﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ النّاسِ وهو الخَلْقُ العَجِيبُ. وأُدْمِجَ فِيهِ الِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ أصْلِهِمْ وهو نَفْسٌ واحِدَةٌ تَشَعَّبَ مِنها عَدَدٌ عَظِيمٌ وبِخَلْقِ زَوْجِ آدَمَ لِيَتَقَوَّمَ نامُوسُ التَّناسُلِ.
والجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَلالَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا تَكْرِيرًا لِلِاسْتِدْلالِ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَأنّى تُصْرَفُونَ وهو التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ونُكْتَتُهُ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ رَسُولَهُ ﷺ عَنْهم بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ أقْبَلَ عَلى خِطابِهِمْ لِيَجْمَعَ في تَوْجِيهِ الِاسْتِدْلالِ إلَيْهِمْ بَيْنَ طَرِيقَيِ التَّعْرِيضِ والتَّصْرِيحِ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، إلّا أنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عُطِفَ قَوْلُهُ ﴿جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“ الدّالُّ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِي لِأنَّ مَساقَها الِاسْتِدْلالُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وإبْطالِ الشَّرِيكِ بِمَراتِبِهِ، فَكانَ خَلْقُ آدَمَ دَلِيلًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى وخَلْقُ زَوْجِهِ مِن نَفْسِهِ دَلِيلًا آخَرَ مُسْتَقِلُّ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ. فَعُطِفَ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“ الدّالِّ في عَطْفِ الجُمَلِ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِي إشارَةً إلى اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها بِالدَّلالَةِ مِثْلَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، فَكانَ خَلْقُ زَوْجِ آدَمَ مِنهُ أدَلَّ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مِن خَلْقِ النّاسِ مِن تِلْكَ النَّفْسِ الواحِدَةِ ومِن زَوْجِها لِأنَّهُ خَلَقٌ لَمْ تَجْرِ بِهِ عادَةٌ فَكانَ ذَلِكَ الخَلْقُ أجْلَبُ لِعَجَبِ السّامِعِ مِن خَلْقِ النّاسِ فَجِيءَ لَهُ بِحَرْفِ التَّراخِي المُسْتَعْمَلِ في تَراخِي المَنزِلَةِ لا في تَراخِي الزَّمَنِ لِأنَّ زَمَنَ خَلْقِ زَوْجِ آدَمَ سابِقٌ عَلى خَلْقِ النّاسِ.
فَأمّا آيَةُ الأعْرافِ فَمَساقُها مَساقُ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ بِنِعْمَةِ الإيجادِ، فَذُكِرَ الأصْلانَ لِلنّاسِ مَعْطُوفًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِحَرْفِ التَّشْرِيكِ في الحُكْمِ الَّذِي هو الكَوْنُ أصْلًا لِخَلْقِ النّاسِ.
وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ثَلاثَ دَلائِلَ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ في خَلْقِ النّاسِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى بِالأصالَةِ وخَلْقِ الذَّكَرِ الأوَّلِ بِالإدْماجِ وخَلْقِ الأُنْثى بِالأصالَةِ أيْضًا.
* * *
صفحة ٣٣٢
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ اسْتِدْلالٌ بِما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأنْعامِ عُطِفَ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ يَوْمَئِذٍ قِوامُ حَياتِهِمْ بِالأنْعامِ ولا تَخْلُو الأُمَمُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الحاجَةِ إلى الأنْعامِ ولَمْ تَزَلِ الحاجَةُ إلى الأنْعامِ حافَّةً بِالبَشَرِ في قِوامِ حَياتِهِمْ.
وهَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] وبَيْنَ ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ لِمُناسِبَةِ أزْواجِ الأنْعامِ لِزَوْجِ النَّفْسِ الواحِدَةِ.
وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ امْتِنانٌ بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”لَكم“ لِأنَّ في الأنْعامِ مَوادَّ عَظِيمَةً لِبَقاءِ الإنْسانِ وهي الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وقَوْلِهِ ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها﴾ [النحل: ٨٠] إلَخْ؛ في سُورَةِ النَّحْلِ.
والإنْزالُ: نَقْلُ الجِسْمِ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، ويُطْلَقُ عَلى تَذْلِيلِ الأمْرِ الصَّعْبِ كَما يُقالُ: نَزَلُوا عَلى حُكْمِ فُلانٍ، لِأنَّ الأمْرَ الصَّعْبَ يُتَخَيَّلُ صَعْبَ المَنالِ كالمُعْتَصِمِ بِقِمَمِ الجِبالِ، قالَ خَصّابُ بْنُ المُعَلّى مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
أنْزَلَنِي الدَّهْرُ عَلى حُكْمِهِ مِن شاهِقٍ عالٍ إلى خَفْضِ
فَإطْلاقُ الإنْزالِ هُنا بِمَعْنى التَّذْلِيلِ والتَّمْكِينِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] أيْ سَخَّرْناهُ لِلنّاسِ فَألْهَمْناهم إلى مَعْرِفَةِ قَيْنِهِ يَتَّخِذُونَهُ سُيُوفًا ودُرُوعًا ورِماحًا وعَتادًا مَعَ شِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْزالُ الأنْعامِ إنْزالَها الحَقِيقِيَّ، أيْ: إنْزالُ أُصُولِها مِن سَفِينَةِ نُوحٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] أيْ: خَلَقْنا أصْلَكم وهو آدَمُ، قالَ تَعالى ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] فَيَكُونُ الإنْزالُ هو الإهْباطُ؛ قالَ تَعالى ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] فَهَذانِ وجْهانِ حَسَنانِ لِإطْلاقِ الإنْزالِ، وهُما أحْسَنُ مِن تَأْوِيلِ المُفَسِّرِينَ إنْزالَ الأنْعامِ بِمَعْنى: الخَلْقِ، أيْ: لِأنَّ خَلْقَها بِأمْرِ التَّكْوِينِ يَنْزِلُ مِن حَضْرَةِ القُدْسِ إلى المَلائِكَةِ.
صفحة ٣٣٣
والأزْواجُ: الأنْواعُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] والمُرادُ أنْواعُ الإبِلِ والغَنَمِ والبَقَرِ والمَعْزِ.
وأُطْلِقَ عَلى النَّوْعِ اسْمُ الزَّوْجِ الَّذِي هو المُثَنِّي لِغَيْرِهِ لِأنَّ كُلَّ نَوْعٍ يَتَقَوَّمُ كِيانُهُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى وهُما زَوْجانِ أوْ أُطْلِقَ عَلَيْها أزْواجٌ لِأنَّهُ أشارَ إلى ما أُنْزِلَ مِن سَفِينَةِ نُوحٍ مِنها وهو ذَكَرٌ وأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
* * *
﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وضَمِيرُ المُخاطَبِينَ هُنا راجِعٌ إلى النّاسِ لا غَيْرَ وهو اسْتِدْلالٌ بِتَطَوُّرِ خَلْقِ الإنْسانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ودَقائِقِ صَنْعَتِهِ.
والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ الخَلْقِ وتَكَرُّرِهِ مَعَ اسْتِحْضارِ صُورَةِ هَذا التَّطَوُّرِ العَجِيبِ اسْتِحْضارًا بِالوَجْهِ والإجْمالِ الحاصِلِ لِلْأذْهانِ عَلى حَسْبِ اخْتِلافِ مَراتِبِ إدْراكِها، ويَعْلَمُ تَفْصِيلَهُ عُلَماءُ الطِّبِّ والعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ وقَدْ بَيَّنَهُ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» .
وقَوْلُهُ ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أيْ طَوْرًا مِنَ الخَلْقِ بَعْدَ طَوْرٍ آخَرَ يُخالِفُهُ وهَذِهِ الأطْوارُ عَشْرَةٌ:
الأوَّلُ: طَوْرُ النُّطْفَةِ، وهي جِسْمٌ مُخاطِيٌّ مُسْتَدِيرٌ أبْيَضُ خالٍ مِنَ الأعْضاءِ يُشْبِهُ دُودَةً، طُولُهُ نَحْوَ خَمْسَةِ مِلِّيمِتْرٍ.
الثّانِي: طَوْرُ العَلَقَةِ، وهي تَتَكَوَّنُ بَعْدَ ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ يَوْمًا مِن وقْتِ اسْتِقْرارِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ، وهي في حَجْمِ النَّمْلَةِ الكَبِيرَةِ؛ طُولُها نَحْوُ ثَلاثَةَ عَشَرَ مِلِّيمِتْرًا يَلُوحُ فِيها الرَّأْسُ وتَخْطِيطاتٌ مِن صُوَرِ الأعْضاءِ.
صفحة ٣٣٤
الثّالِثُ: طَوْرُ المُضْغَةِ وهي قِطْعَةٌ حَمْراءُ في حَجْمِ النَّحْلَةِ.
الرّابِعُ: عِنْدَ اسْتِكْمالِ شَهْرَيْنِ يَصِيرُ طُولُهُ ثَلاثَةَ صانْتِمِيتَرٍ وحَجْمُ رَأْسِهِ بِمِقْدارِ نِصْفِ بَقِيَّتِهِ ولا يَتَمَيَّزُ عُنُقُهُ ولا وجْهُهُ ويَسْتَمِرُّ احْمِرارُهُ.
الخامِسُ: في الشَّهْرِ الثّالثِ يَكُونُ طُولُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صانْتِمِيتَرًا ووَزْنُهُ مِائَةُ غِرامٍ ويَبْدُو رَسْمُ جَبْهَتِهِ وأنْفِهِ وحَواجِبِهِ وأظافِرِهِ ويَسْتَمِرُّ احْمِرارُ جِلْدِهِ.
السّادِسُ: في الشَّهْرِ الرّابِعِ يَصِيرُ طُولُهُ عِشْرِينَ صانْتِمِيتَرٍ ووَزْنُهُ ٢٤٠ غِراماتِ، ويَظْهَرُ في الرَّأْسِ زَغَبٌ وتَزِيدُ أعْضاؤُهُ البَطْنِيَّةُ عَلى أعْضائِهِ الصَّدْرِيَّةِ وتَتَّضِحُ أظافِرُهُ في أواخِرَ ذَلِكَ الشَّهْرِ.
السّابِعُ: في الشَّهْرِ السّادِسِ يَصِيرُ طُولُهُ نَحْوَ ثَلاثِينَ صانْتِمِيتَرٍ ووَزْنُهُ خَمْسُمِائَةِ غِرامٍ ويَظْهَرُ فِيهِ مُطْبِقًا وتَتَصَلَّبُ أظافِرُهُ.
الثّامِنُ: في الشَّهْرِ السّابِعِ يَصِيرُ طُولُهُ ثَمانِيَةً وثَلاثِينَ صانْتِمِيتَرًا ويَقِلُّ احْمِرارُ جِلْدِهِ ويَتَكاثَفُ جِلْدُهُ وتَظْهَرُ عَلى الجِلْدِ مادَّةٌ دُهْنِيَّةٌ دَسِمَةٌ مُلْتَصِقَةٌ، ويَطُولُ شَعْرُ رَأْسِهِ ويَمِيلُ إلى الشُّقْرَةِ وتَتَقَبَّبُ جُمْجُمَتُهُ مِنَ الوَسَطِ.
التّاسِعُ: في الشَّهْرِ الثّامِنِ يَزِيدُ غِلَظُهُ أكْثَرَ مِنِ ازْدِيادِ طُولِهِ ويَكُونُ طُولُهُ نَحْوَ أرْبَعِينَ صانْتِمِيتَرٍ، ووَزْنُهُ نَحْوَ أرْبَعَةِ أرْطالٍ أوْ تَزِيدُ، وتَقْوى حَرَكَتُهُ.
العاشِرُ: في الشَّهْرِ التّاسِعِ يَصِيرُ طُولُهُ مِن خَمْسِينَ إلى سِتِّينَ صانْتِمِيتَرٍ ووَزْنُهُ مِن سِتَّةٍ إلى ثَمانِيَةِ أرْطالٍ. ويَتِمُّ عَظْمُهُ، ويَتَضَخَّمُ رَأْسُهُ، ويُكَثُفُ شَعْرُهُ، وتَبْتَدِئُ فِيهِ وظائِفُ الحَياةِ في الجِهازِ الهَضْمِيِّ والرِّئَةِ والقَلْبِ، ويَصِيرُ نَماؤُهُ بِالغِذاءِ، وتَظْهَرُ دَوْرَةُ الدَّمِ فِيهِ؛ المَعْرُوفَةِ بِالدَّوْرَةِ الجَنِينِيَّةِ.
و ”الظُّلُماتُ الثَّلاثُ“: ظُلْمَةُ بَطْنِ الأُمِّ، وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وظُلْمَةُ المَشِيمَةِ، وهي غِشاءٌ مِن جَلْدٍ يُخْلَقُ مَعَ الجَنِينِ مُحِيطًا بِهِ لِيَقِيَهُ ولِيَكُونَ بِهِ اسْتِقْلالُهُ مِمّا يَنْجَرُّ إلَيْهِ مِنَ الأغْذِيَةِ في دَوْرَتِهِ الدَّمَوِيَّةِ الخاصَّةِ بِهِ دُونَ أُمِّهِ.
وفِي ذِكْرِ هَذِهِ الظُّلُماتِ تَنْبِيهٌ عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالأشْياءِ ونُفُوذِ قُدْرَتِهِ إلَيْها في أشَدِّ ما تَكُونُ فِيهِ مِنَ الخَفاءِ.
صفحة ٣٣٥
وانْتَصَبَ ”خَلْقًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُبَيِّنَةِ لِلنَّوْعِيَّةِ بِاعْتِبارِ وصْفِهِ بِأنَّهُ ﴿مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ بِـ ”يَخْلُقُكم“ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أُمَّهاتِكم“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ في حالِ الوَصْلِ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، إتْباعًا لِكَسْرَةِ نُونِ ”بُطُونِ“ وبِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ في حالِ الوَصْلِ مَعَ فَتْحِ الهَمْزَةِ.
* * *
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ بَعْدَ أنْ أُجْرِيَ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأخْبارِ والصِّفاتِ القاضِيَةِ بِأنَّهُ المُتَصَرِّفُ في الأكْوانِ كُلِّها: جَواهِرِها وأعْراضِها، ظاهِرِها وخَفِيِّها، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٥] ما يُرْشِدُ العاقِلَ إلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ المُسْتَحَقِّ العِبادَةِ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن أجْلِ تِلْكَ التَّصَرُّفاتِ والصِّفاتِ.
والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ ونَتِيجَةٌ أنْتَجَتْها الأدِلَّةُ السّابِقَةُ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ.
واسْمُ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِ صاحِبِ تِلْكَ الصِّفاتِ عَنْ غَيْرِهِ تَمْيِيزًا يُفْضِي إلى ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَعْنى: ذَلِكُمُ الَّذِي خَلَقَ وسَخَّرَ وأنْشَأ النّاسَ والأنْعامَ وخَلَقَ الإنْسانَ أطْوارًا هو اللَّهُ، فَلا تُشْرِكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ إذْ لَمْ تَبْقَ شُبْهَةٌ تَعْذُرُ أهْلَ الشِّرْكِ بِشِرْكِهِمْ، أيْ: لَيْسَ شَأْنُهُ بِمُشابِهٍ حالَ غَيْرِهِ مِن آلِهَتِكم قالَ تَعالى ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦] .
والإتْيانُ بِاسْمِهِ العَلَمِ لِإحْضارِ المُسَمّى في الأذْهانِ باسِمٍ مُخْتَصٍّ زِيادَةً في البَيانِ لِأنَّ حالَ المُخاطَبِينَ نُزِّلَ مَنزِلَةَ حالِ مَن لَمْ يَعْلَمْ أنَّ فاعِلَ تِلْكَ الأفْعالِ العَظِيمَةِ هو اللَّهُ تَعالى.
واسْمُ الجَلالَةِ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَولُهُ ”رَبُّكم“ صِفَةٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ.
صفحة ٣٣٦
ووَصْفُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةِ الإيجادِ والإمْدادِ وهو مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ، وتَوْطِئَةٌ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِكُفْرانِ نِعْمَتِهِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] .
وجُمْلَةُ لَهُ المُلْكُ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
والمُلْكُ: أصْلُهُ مَصْدَرُ مَلَكَ، وهو مُثَلَّثُ المِيمِ إلّا أنَّ مَضْمُومَ المِيمِ خَصَّهُ الِاسْتِعْمالُ بِمُلْكِ البِلادِ ورِعايَةِ النّاسِ، وفِيهِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] وصاحِبُهُ: مَلِكٌ، بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وجَمْعُهُ: مُلُوكٌ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ الِادِّعائِيِّ، أيْ: المُلْكُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وأمّا مُلْكُ المُلُوكِ فَهو لِنَقْصِهِ وتَعَرُّضِهِ لِلزَّوالِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ، وفي حَدِيثِ القِيامَةِ: ”«ثُمَّ يَقُولُ أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ» “ فالإلَهِيَّةُ هي المُلْكُ الحَقُّ، ولِذَلِكَ كانَ ادِّعاؤُهم شُرَكاءَ لِلْإلَهِ الحَقِّ خَطَأٌ، فَكانَ الحَصْرُ الِادِّعائِيُّ لِإبْطالِ ادِّعاءِ المُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ الحَصْرِ في قَوْلِهِ لَهُ المُلْكُ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ عَنِ انْصِرافِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ الِانْصِرافُ حالَةً اسْتُفْهِمَ عَنْها بِكَلِمَةِ ”أنّى“ الَّتِي هي بِمَعْنى كَيْفَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] .
والصَّرْفُ: الإبْعادُ عَنْ شَيْءٍ، والمَصْرُوفُ عَنْهُ هُنا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: عَنْ تَوْحِيدِهِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ .
وجَعَلَهم مَصْرُوفَيْنِ عَنِ التَّوْحِيدِ ولَمْ يَذْكُرْ لَهم صارِفًا، فَجاءَ في ذَلِكَ بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ ولَمْ يَقُلْ لَهم: فَأنّى تَنْصَرِفُونَ، نَعَيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالمَقُودِينَ إلى الكُفْرِ غَيْرِ المُسْتَقِلِّينَ بِأُمُورِهِمْ يَصْرِفُهُمُ الصّارِفُونَ، يَعْنِي أيِمَّةَ الكُفْرِ أوِ الشَّياطِينَ المُوَسْوِسِينَ لَهم. وذَلِكَ إلْهابٌ لِأنْفُسِهِمْ لِيَكُفُّوا عَنِ امْتِثالِ أيِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَهم ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] عَسى أنْ يَنْظُرُوا بِأنْفُسِهِمْ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ المَذْكُورَةِ لَهم.
صفحة ٣٣٧
والمَعْنى: فَكَيْفَ يَصْرِفُكم صارِفٌ عَنْ تَوْحِيدِهِ بَعْدَما عَلِمْتُمْ مِنَ الدَّلائِلِ الآنِفَةِ.
والمُضارِعُ هَنا مُرادٌ مِنهُ زَمَنُ الِاسْتِقْبالِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الدَّلائِلِ.
الزمر 39:7
﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أتْبَعَ إنْكارَ انْصِرافِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ بَعْدَ ما ظَهَرَ عَلى ثُبُوتِهِ مِنَ الأدِلَّةِ، بِأنْ أُعْلِمُوا بِأنَّ كُفْرَهم إنْ أصَرُّوا عَلَيْهِ لا يَضُرُّ اللَّهَ وإنَّما يَضُرُّ أنْفُسَهم.
وهَذا شُرُوعٌ في الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ لِلْكافِرِينَ ومُقابَلَتِهِ بِالتَّرْغِيبِ والبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِما سَبَقَ مِن إثْباتِ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ.
فَجُمْلَةُ ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإنْكارِ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ، أيْ: إنْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ هَذا الزَّمَنِ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم. ومَعْناهُ: غَنِيٌّ عَنْ إقْرارِكم لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، أيْ: غَيْرُ مُفْتَقِرٍ لَهُ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ طَلَبِ التَّوْحِيدِ مِنهم لِنَفْعِهِمْ ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْهم لا لِنَفْعِ اللَّهِ، وتَذْكِيرِهِمْ بِهَذا لِيُقْبِلُوا عَلى النَّظَرِ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً في تَنْبِيهِ المُخاطَبِ عَلى الخَطَأِ مِن فِعْلِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ لِقَصْدِ الِاحْتِراسِ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ السّامِعُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَكْتَرِثُ بِكُفْرِهِمْ ولا يَعْبَأُ بِهِ فَيَتَوَهَّمُوا أنَّهُ والشُّكْرَ سَواءٌ عِنْدَهُ، لِيَتَأكَّدَ بِذَلِكَ مَعْنى اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في تَنْبِيهِ المُخاطَبِ عَلى الخَطَأِ.
وبِهَذا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”لِعِبادِهِ“ العِبادُ الَّذِينَ وُجِّهَ الخِطابُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ وذَلِكَ جَرْيٌ عَلى أصْلِ اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ لَفْظَ العِبادِ، كَقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧] . الآيَةَ، وإنْ كانَ الغالِبُ في القُرْآنِ في لَفْظِ العِبادِ المُضافِ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ ضَمِيرِهِ أنْ يُطْلَقَ عَلى خُصُوصِ المُؤْمِنِينَ والمُقَرَّبِينَ، وقَرِينَةُ السِّياقِ ظاهِرَةٌ هُنا ظُهُورًا دُونَ ظُهُورِها في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] .
والرِّضى حَقِيقَتُهُ: حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَعْقُبُ حُصُولَ مُلائِمٍ مَعَ ابْتِهاجٍ بِهِ، وهو عَلى
صفحة ٣٣٨
التَّحْقِيقِ فِيهِ مَعْنًى لَيْسَ في مَعْنى الإرادَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِحْسانِ والِابْتِهاجِ ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِتَرْكِ الِاعْتِراضِ، ولِهَذا يُقابَلُ الرِّضى بِالسُّخْطِ، وتُقابَلُ الإرادَةُ بِالإكْراهِ، والرِّضى آئِلٌ إلى مَعْنى المَحَبَّةِ.
والرِّضى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَفاسَةُ المَرْضِيِّ عِنْدَ الرّاضِي وتَفْضِيلُهُ واخْتِيارُهُ، فَإذا أُسْنِدَ الرِّضى إلى اللَّهِ تَعالى تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ لازَمَ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ لِأنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الِانْفِعالاتِ، كَشَأْنِ إسْنادِ الأفْعالِ والصِّفاتِ الدّالَّةِ في اللُّغَةِ عَلى الِانْفِعالاتِ؛ مِثْلَ: الرَّحْمَنِ والرَّءُوفِ، وإسْنادُ الغَضَبِ والفَرَحِ والمَحَبَّةِ، فَيُئَوَّلُ الرِّضى بَلازِمِهِ مِنَ الكَرامَةِ والعِنايَةِ والإثابَةِ إنْ عُدِّيَ إلى النّاسِ، ومِنَ النَّفاسَةِ والفَضْلِ إنْ عُدِّيَ إلى أسْماءِ المَعانِي. وقَدْ فَسَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِالِاخْتِيارِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
وفِعْلُ الرِّضى يُعَدَّي في الغالِبِ بِحَرْفِ ”عَنْ“ فَتَدْخُلُ عَلى اسْمِ عَيْنٍ؛ لَكِنْ بِاعْتِبارِ مَعْنًى فِيها هو مُوجِبُ الرِّضى. وقَدْ يُعَدّى بِالباءِ فَيَدْخُلُ غالِبًا عَلى اسْمِ مَعْنًى؛ نَحْوَ: رَضِيتُ بِحُكْمِ فُلانٍ، ويَدْخُلُ عَلى اسْمِ ذاتٍ بِاعْتِبارِ مَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ تَمْيِيزٌ بَعْدَهُ؛ نَحْوَ: رَضِيَتُ بِاللَّهِ رَبًّا، أوْ نَحْوِهِ مِثْلُ ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أوْ قَرِينَةُ مَقامٍ «كَقَوْلِ قُرَيْشٍ في وضْعِ الحَجَرِ الأسْوَدِ: هَذا مُحَمَّدٌ قَدْ رَضِينا بِهِ»، أيْ: رَضِينا بِهِ حَكَمًا إذْ هم قَدِ اتَّفَقُوا عَلى تَحْكِيمِ أوَّلِ داخِلٍ.
ويُعَدّى بِنَفْسِهِ، ولَعَلَّهُ يُراعى فِيهِ التَّضْمِينُ، أوِ الحَذْفُ والإيصالُ، فَيَدْخُلُ غالِبًا عَلى اسْمِ مَعْنًى؛ نَحْوَ: رَضِيَتُ بِحُكْمِ فُلانٍ؛ بِمَعْنى: أحْبَبْتُ حُكْمَهُ. وفي هَذِهِ الحالَةِ قَدْ يُعَدّى إلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِواسِطَةِ لامِ الجَرِّ؛ نَحْوَ:
﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] أيْ: رَضِيتُهُ لِأجْلِكم وأحْبَبْتُهُ لَكم، أيْ: لِأجْلِكم، أيْ: لِمَنفَعَتِكم وفائِدَتِكم.
وفِي هَذا التَّرْكِيبِ مُبالَغَةٌ في التَّنْوِيهِ بِالشَّيْءِ المَرْضِيِّ لَدى السّامِعِ حَتّى كَأنَّ المُتَكَلِّمَ يَرْضاهُ لِأجْلِ السّامِعِ.
فَإذا كانَ قَوْلُهُ لِعِبادِهِ عامًّا غَيْرَ مَخْصُوصٍ وهو مِن صِيَغِ العُمُومِ ثارَ في الآيَةِ إشْكالٌ بَيْنَ المُتَكَلِّمِينَ في تَعَلُّقِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِأفْعالِ العِبادِ إذْ مِنَ الضَّرُورِيِّ
صفحة ٣٣٩
أنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ كَثِيرًا كافِرِينَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ واقِعٍ هو مُرادُ اللَّهِ تَعالى إذْ لا يَقَعُ في مُلْكِهِ إلّا ما يُرِيدُ فَأنْتَجَ ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ الشَّكْلِ الثّالثِ أنْ يُقالَ: كُفْرُ الكافِرُ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] ولا شَيْءَ مِنَ الكُفْرِ بِمُرْضٍ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ يَنْتِجُ القِياسُ بَعْضُ ما أرادَهُ اللَّهُ لَيْسَ بِمُرْضٍ لَهُ.
فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الإرادَةُ والرِّضى حَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وأنْ يَكُونَ لَفْظاهُما غَيْرَ مُتَرادِفَيْنِ، ولِهَذا قالَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ إنَّ الإرادَةَ غَيْرُ الرِّضى، والرِّضى غَيْرُ الإرادَةِ والمَشِيئَةِ، فالإرادَةُ والمَشِيئَةُ بِمَعْنًى واحِدٍ والرِّضى والمَحَبَّةُ والِاخْتِيارُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا حَمْلٌ لِهَذِهِ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ عَلى مَعانٍ يُمْكِنُ مَعَها الجَمْعُ بَيْنَ الآياتِ. قالَ التَّفْتَزانِيُّ: وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ التَّحْقِيقِ.
ويَنْبَنِي عَلَيْها القَوْلُ في تَعَلُّقِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ بِأفْعالِ العِبادِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ راجِعًا إلى خِطابِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] راجِعًا إلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالإيجادِ والخَلْقِ. ويَتَرَكَّبُ مِن مَجْمُوعِهِما ومَجْمُوعِ نَظائِرِ كُلٍّ مِنهُما الِاعْتِقادُ بِأنَّ لِلْعِبادِ كَسْبًا في أفْعالِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ وأنَّ اللَّهَ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِخَلْقِ تِلْكَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ عِنْدَ تَوَجُّهِ كَسْبِ العَبْدِ نَحْوَها، فاللَّهُ خالِقٌ لِأفْعالِ العَبْدِ غَيْرُ مُكْتَسِبٍ لَها. والعَبْدُ مُكْتَسِبٌ غَيْرُ خالِقٍ، فَإنَّ الكَسْبَ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ هو الِاسْتِطاعَةُ المُفَسَّرَةُ عِنْدَهُ بِسَلامَةِ أسْبابِ الفِعْلِ وآلاتِهِ، وهي واسِطَةٌ بَيْنَ القُدْرَةِ والجَبْرِ، أيْ: هي دُونَ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ وفَوْقَ تَسْخِيرِ الجَبْرِ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ الدِّينِيَّةِ النّاطِقَةِ بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وبَيْنَ دَلالَةِ الضَّرُورَةِ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ حَرَكَةِ المُرْتَعِشِ وحَرَكَةِ الماشِي، وجَمْعًا بَيْنَ أدِلَّةِ عُمُومِ القُدْرَةِ وبَيْنَ تَوْجِيهِ الشَّرِيعَةِ خِطابَها لِلْعِبادِ بِالأمْرِ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، والنَّهْيِ عَنِ الكُفْرِ والسَّيِّئاتِ وتَرْتِيبِ الثَّوابِ والعِقابِ.
وأمّا الَّذِينَ رَأوُا الِاتِّحادَ بَيْنَ مَعانِي الإرادَةِ والمَشِيئَةِ والرِّضى وهو قَولُ كَثِيرٍ مِن أصْحابِ الأشْعَرِيِّ وجَمِيعِ الماتُرِيدِيَّةِ فَسَلَكُوا في تَأْوِيلِ الآيَةِ مَحْمَلَ لَفْظِ ”لِعِبادِهِ“ عَلى العامِّ المَخْصُوصِ، أيْ: لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ واسْتَأْنَسُوا لِهَذا المَحْمَلِ بِأنَّهُ الجارِي عَلى غالِبِ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ في لَفْظَةِ العِبادِ لِاسْمِ اللَّهِ، أوْ ضَمِيرِهِ
صفحة ٣٤٠
كَقَوْلِهِ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] قالُوا: فَمَن كَفَرَ فَقَدْ أرادَ اللَّهُ كُفْرَهُ ومَن آمَنَ فَقَدْ أرادَ اللَّهُ إيمانَهُ، والتَزَمَ كِلا الفَرِيقَيْنِ الأشاعِرَةُ والماتُرِيدِيَّةُ أصْلَهُ في تَعَلُّقِ إرادَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ بِأفْعالِ العِبادِ الِاخْتِيارِيَّةِ المُسَمّى بِالكَسْبِ ولَمْ يَخْتَلِفا إلّا في نِسْبَةِ الأفْعالِ لِلْعِبادِ: أهِيَ حَقِيقِيَّةٌ أمْ مَجازِيَّةٌ، وقَدْ عُدَّ الخِلافُ في تَشْبِيهِ الأفْعالِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظِيًّا.
ومِنَ العَجِيبِ تَهْوِيلُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِهَذا القَوْلِ إذْ يَقُولُ: ”ولَقَدْ تَمَحَّلَ بَعْضُ الغُواةِ لِيُثْبِتَ لِلَّهِ ما نَفاهُ عَنْ ذاتِهِ مِنَ الرِّضى بِالكُفْرِ فَقالَ: هَذا مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ إلَخْ؛“ فَكانَ آخِرُ كَلامِهِ رَدًّا لِأوَّلِهِ وهَلْ يُعَدُّ التَّأْوِيلُ تَضْلِيلًا أمْ هَلْ يُعَدُّ العامُّ المَخْصُوصُ بِالدَّلِيلِ مِنَ النّادِرِ القَلِيلِ.
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهم بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ القُدْرَةَ لِلْعِبادِ عَلى أفْعالِهِمْ وأنَّ أفْعالَ العِبادِ غَيْرُ مُقْدُورَةٍ لِلَّهِ تَعالى ويَحْمِلُونَ ما ورَدَ في الكِتابِ مِن نِسْبَةِ أفْعالٍ مِن أفْعالِ العِبادِ إلى اللَّهِ أوْ إلى قُدْرَتِهِ أنَّهُ عَلى مَعْنى أنَّهُ خالِقُ أُصُولِها وأسْبابِها، ويَحْمِلُونَ ما ورَدَ مِن نَفْيِ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ ولِذَلِكَ أوْرَدُوا هَذِهِ الآيَةَ لِلِاحْتِجاجِ بِها. وقَدْ أوْرَدَها إمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ في فَصْلٍ حَشَرَ فِيهِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ مِن ظَواهِرِ الكِتابِ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ والمَعْنى: وإنْ تَشْكُرُوا بَعْدَ هَذِهِ المَوْعِظَةِ فَتُقْلِعُوا عَنِ الكُفْرِ وتَشْكُرُوا اللَّهَ بِالِاعْتِرافِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والتَّنْزِيهِ يَرْضَ لَكُمُ الشُّكْرَ، أيْ: يُجازِيكم بِلَوازِمِ الرِّضى. والشُّكْرُ يَتَقَوَّمُ مِنِ اعْتِقادٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ جَزاءً عَلى نِعْمَةٍ حاصِلَةٍ لِلشّاكِرِ مِنَ المَشْكُورِ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ ”يَرْضَهُ“ عائِدٌ إلى الشُّكْرِ المُتَصَيَّدِ مِن أفْعالِ إنْ تَشْكُرُوا.
* * *
﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ كَأنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَها أنَّ في المُخاطَبِينَ كافِرًا وشاكِرًا وهم في بَلَدٍ واحِدٍ بَيْنَهم وشائِجُ القَرابَةِ والوَلاءِ، فَرُبَّما تَحَرَّجَ المُؤْمِنُونَ مِن أنْ يَمَسَّهم إثْمٌ مِن جَرّاءَ كُفْرِ أقْرِبائِهِمْ وأوْلِيائِهِمْ، أوْ أنَّهم خَشَوْا أنْ يُصِيبَ اللَّهُ الكافِرِينَ بِعَذابٍ في
صفحة ٣٤١
الدُّنْيا فَيَلْحَقَ مِنهُ القاطِنِينَ مَعَهم بِمَكَّةَ فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِأنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ لا يُنْقِصُ إيمانَ هَؤُلاءِ وأرادَ اطْمِئْنانَهم عَلى أنْفُسِهِمْ.
وأصِلُ الوِزْرِ، بِكَسْرِ الواوِ: الثِّقَلُ، وأُطْلِقَ عَلى الإثْمِ لِأنَّهُ يَلْحَقُ صاحِبَهُ تَعَبٌ كَتَعَبِ حامِلِ الثِّقْلِ. ويُقالُ: وزِرَ بِمَعْنى حَمَلَ الوِزْرَ، بِمَعْنى كَسْبَ الإثْمَ.
وتَأْنِيثُ ”وازِرَةٌ“ و”أُخْرى“ بِاعْتِبارِ إرادَةِ مَعْنى النَّفْسِ في قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] .
والمَعْنى: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، أيْ: لا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا مِن إثْمِها فَلا تَطْمَعُ نَفْسٌ بِإعانَةِ ذَوِيِها وأقْرِبائِها، وكَذَلِكَ لا تَخْشى نَفْسٌ صالِحَةٌ أنْ تُؤاخَذَ بِتَبِعَةِ نَفْسٍ أُخْرى مِن ذَوِيِها أوْ قَرابَتِها. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُتارَكَةِ وقَطْعِ اللِّجاجِ مَعَ المُشْرِكِينَ وأنَّ قُصارى المُؤْمِنِينَ أنْ يُرْشِدُوا الضُّلّالَ لا أنْ يُلْجِئُوهم إلى الإيمانِ، كَما تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ.
* * *
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ثُمَّ لِلْتَرْتِيبَيْنَ الرُّتْبِيِّ والتَّراخِي، أيْ: وأعْظَمُ مِن كَوْنِ اللَّهِ غَنِيًّا عَنْكم أنَّهُ أعَدَّ لَكُمُ الجَزاءَ عَلى كُفْرِكم وسَتَرْجِعُونَ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ.
وإنَّما جاءَ في آيَةِ الأنْعامِ ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤] لِأنَّها وقَعَتْ إثْرَ آياتٍ كَثِيرَةٍ تَضَمَّنَتِ الِاخْتِلافَ بَيْنَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ المُشْرِكِينَ ولَمْ يَجِئْ مِثْلُ ذَلِكَ هُنا، فَلِذَلِكَ قِيلَ هُنا ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن كُفْرِ مَن كَفَرَ وشُكْرِ مَن شَكَرَ.
والأنْباءُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإظْهارِ الحاصِلِ بِهِ العِلْمُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَةِ الإخْبارِ بِأنْ يُعْلِنَ لَهم بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ أعْمالَهم، والمَعْنى: أنَّهُ يُظْهِرُ لَكُمُ الحَقَّ لا مِرْيَةَ فِيهِ أوْ يُخْبِرَكم بِهِ مُباشَرَةً، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ في آخِرِ الأنْعامِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠]
صفحة ٣٤٢
لِأنَّ العَلِيمَ بِذاتِ الصُّدُورِ لا يُغادِرُ شَيْئًا إلّا عَلِمَهُ فَإذا أنْبَأ بِأعْمالِهِمْ كانَ إنْباؤُهُ كامِلًا.
وذاتِ: صاحِبَةِ، مُؤَنَّثُ ”ذُو“ بِمَعْنى صاحِبٍ، صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: الأعْمالُ، أيْ: بِالأعْمالِ صاحِبَةِ الصُّدُورِ، أيْ: المُسْتَقِرَّةِ في النَّوايا فَعَبَّرَ بِـ ”الصُّدُورِ“ عَمّا يَحِلُّ بِها، والصُّدُورُ مُرادٌ بِها القُلُوبُ المُعَبَّرُ بِها عَمّا بِهِ الإدْراكُ والعَزْمُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.
الزمر 39:8
﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ هَذا مِثالٌ لِتَقَلُّبِ المُشْرِكِينَ بَيْنَ إشْراكِهِمْ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ، وبَيْنَ إظْهارِ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِ، فَذَلِكَ عُنْوانٌ عَلى مَبْلَغِ كُفْرِهِمْ وأقْصاهُ.
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ [الزمر: ٦] الآيَةَ؛ لِاشْتِراكِ الجُمْلَتَيْنِ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالتَّصَرُّفِ مُسْتَوْجِبٌ لِلشُّكْرِ، وعَلى أنَّ الكُفْرَ بِهِ قَبِيحٌ، وتَتَضَمَّنَ الِاسْتِدْلالُ عَلى وحْدانِيَّةِ إلَهِيَّتِهِ بِدَلِيلٍ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ بِهِ فَإنَّهم إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ لَجَأْوًا إلَيْهِ وحْدَهُ، وإذا أصابَتْهم نِعْمَةٌ أعْرَضُوا عَنْ شُكْرِهِ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ.
فالتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ ولَكِنَّ عُمُومَهُ هُنا عُمُومٌ عُرْفِيٌّ لِفَرِيقٍ مِنَ الإنْسانِ؛ وهم أهلُ الشِّرْكِ خاصَّةً لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ لا يَتَّفِقُ مَعَ حالِ المُؤْمِنِينَ.
والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ: إنْسانٌ مُعَيَّنٌ وأنَّهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، أوْ أبُو جَهْلٍ، خُرُوجٌ عَنْ مَهْيَعِ الكَلامِ، وإنَّما هَذانِ وأمْثالُهُما مِن جُمْلَةِ هَذا الجِنْسِ. وذِكْرُ الإنْسانِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [الزمر: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٧] فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ دَعَوْتُمْ رَبَّكم إلَخْ؛ فَعَدَلَ إلى الإظْهارِ لِما في مَعْنى الإنْسانِ مِن مُراعاةِ ما في
صفحة ٣٤٣
الإنْسانِيَّةِ مِنَ التَّقَلُّبِ والِاضْطِرابِ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ بِالتَّوْفِيقِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] وقَوْلِهِ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] وغَيْرِ ذَلِكَ ولِأنَّ في اسْمِ الإنْسانِ مُناسِبَةً مَعَ النِّسْيانِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ .
وتَقَدَّمَ نَظِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣] في سُورَةِ الرُّومِ.
والتَّخْوِيلُ: الإعْطاءُ والتَّمْلِيكُ دُونَ قَصْدِ عِوَضٍ. وعَيْنُهُ واوٌ لا مَحالَةَ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الخَوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو اسْمٌ لِلْعَبِيدِ والخَدَمِ، ولا التِفاتَ إلى فِعْلِ خالَ بِمَعْنى: افْتَخَرَ، فَتِلْكَ مادَّةٌ أُخْرى غَيْرُ ما اشْتُقَّ مِنهُ فِعْلُ خَوَّلَ.
والنِّسْيانُ: ذُهُولُ الحافِظَةِ عَنِ الأمْرِ المَعْلُومِ سابِقًا.
وماصَدَقَ ”ما“ في قَوْلِهِ ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ هو الضُّرُّ، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلَيْهِ، أيْ: إلى كَشْفِهِ عَنْهُ، ومَفْعُولُ يَدْعُو مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿دَعا رَبَّهُ﴾ وضَمِيرُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى ”ما“، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلَيْهِ، أيْ: إلى كَشْفِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“ صادِقًا عَلى الدُّعاءِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ ويَكُونَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ ”إلى“ عائِدًا إلى ”رَبِّهِ“، أيْ: نَسِيَ الدُّعاءَ، وضُمِّنَ الدُّعاءُ مَعْنى الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ فَعُدِّيَ بِحَرْفِ ”إلى“ .
وعائِدُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الصِّلَةِ تَفادِيًا مَن تَكَرُّرِ الضَّمائِرِ. والمَعْنى: نَسِيَ عِبادَةَ اللَّهِ والِابْتِهالَ إلَيْهِ.
والأنْدادُ: جَمْعُ نِدٍّ، بِكَسْرِ النُّونِ، وهو الكُفْءُ، أيْ: وزادَ عَلى نِسْيانِ رَبِّهِ فَجَعَلَ لَهُ شُرَكاءَ.
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لامُ التَّعْلِيلِ المَجازِيِّ لِأنَّ الإضْلالَ لَمّا كانَ نَتِيجَةُ الجَعْلِ جازَ تَعْلِيلُ الجَعْلَ بِهِ كَأنَّهُ هو العِلَّةُ لِلْجاعِلِ. والمَعْنى: وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا فَضَّلَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
صفحة ٣٤٤
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لِيُضِلَّ“ بِضَمِّ الياءِ، أيْ: لِيُضِلَّ النّاسَ بَعْدَ أنْ أضَلَّ نَفْسَهُ إذْ لا يُضِلُّ النّاسَ إلّا ضالٌّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ، بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيُضِلَّ هو، أيِ الجاعِلُ وهو إذا ضَلَّ أضَلَّ النّاسَ.
* * *
﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ذِكْرَ حالَةِ الإنْسانِ الكافِرِ المُعْرِضِ عَنْ شُكْرِ رَبِّهِ يُثِيرُ وصْفُها سُؤالَ السّامِعِ عَنْ عاقِبَةِ هَذا الكافِرِ، أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْإنْسانِ الَّذِي جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا، أيْ: قُلْ لِكُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ، أوْ رُوعِيَ في الإفْرادِ لَفْظُ الإنْسانِ. والتَّقْدِيرُ: قُلْ تَمَتَّعُوا بِكُفْرِكم قَلِيلًا إنَّكم مِن أصْحابِ النّارِ.
وعَلى مِثْلِ هَذَيْنِ الإعْتِبارَيْنِ جاءَ إفْرادُ كافِ الخِطابِ بَعْدَ الخَبَرِ عَنِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] في سُورَةِ القِيامَةِ.
والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ المُوَقَّتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والباءُ في ”بِكُفْرِكَ“ ظَرْفِيَّةٌ أوْ لِلْمُلابَسَةِ ولَيْسَتْ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ التَّمَتُّعِ. ومُتَعَلِّقُ التَّمَتُّعِ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ التَّهْدِيدِ. والتَّقْدِيرُ: تَمَتَّعْ بِالسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ في زَمَنِ كُفْرِكَ أوْ مُتَكَسِّبًا بِكُفْرِكَ تَمَتُّعًا قَلِيلًا فَأنْتَ آئِلٌ إلى العَذابِ لِأنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ.
ووَصْفُ التَّمَتُّعِ بِالقَلِيلِ لِأنَّ مُدَّةَ الحَياةِ الدُّنْيا قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى العَذابِ في الآخِرَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] .
وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَمَتَّعَ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإمْهالِ؛ المُرادِ مِنهُ: الإنْذارُ والوَعِيدُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ وهو الإنْذارُ بِالمَصِيرِ إلى النّارِ بَعْدَ مُدَّةِ الحَياةِ.
صفحة ٣٤٥
و”مَن“ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ بَعْضُ الأُمَمِ والطَّوائِفِ المَحْكُومِ عَلَيْها بِالخُلُودِ في النّارِ.
وأصْحابُ النّارِ: هُمُ الَّذِينَ لا يُفارِقُونَها فَإنَّ الصُّحْبَةَ تُشْعِرُ بِالمُلازَمَةِ، فَأصْحابُ النّارِ: المُخَلَّدُونَ فِيها.
الزمر 39:9
﴿أمَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ وحْدَهم ”أمَن“ بِتَخْفِيفِ المِيمِ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ دَخَلَتْ عَلى ”مَنِ“ المَوْصُولَةِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ هَمْزَةَ اسْتِفْهامٍ؛ و”مَن“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ الكافِرِ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [الزمر: ٨] إلى قَوْلِهِ ﴿مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ الإنْكارِ تَعْقِيبُهُ بِقَولِهِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لِظُهُورِ أنَّ ”هَلْ“ فِيهِ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وبِقَرِينَةِ صِلَةِ المَوْصُولِ. تَقْدِيرُهُ: أمَّنْ هو قانِتٌ أفْضَلُ أمْ مَن هو كافِرٌ ؟ والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ تَقْرِيرِيٌّ ويُقَدَّرُ لَهُ مُعادِلٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وجَعَلَ الفَرّاءُ الهَمْزَةَ لِلنِّداءِ ومَن هو قانِتٌ: النَّبِيءُ ﷺ ناداهُ اللَّهُ بِالأوْصافِ العَظِيمَةِ الأرْبَعَةِ لِأنَّها أوْصافٌ لَهُ ونِداءٌ لِمَن هم مِن أصْحابِ هَذِهِ الأوْصافِ، يَعْنِي المُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وعَلَيْهِ فَإفْرادُ ”قُلْ“ مُراعاةً لِلَّفْظِ ”مِنَ“ المُنادى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ بِتَشْدِيدِ مِيمِ ”مَن“ عَلى أنَّهُ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ ”أمْ“ و”مَن“ فَأُدْغِمَتْ مِيمُ ”أمْ“ في مِيمِ ”مَن“ . وفي مَعْناهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ”أمْ“ مُعادِلَةً لِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ مَعَ جُمْلَتِها دَلَّتْ عَلَيْها ”أمْ“ لِاقْتِضائِها مُعادِلًا. ودَلَّ عَلَيْها تَعْقِيبُهُ بِـ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ التَّسْوِيَةَ لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ. فالتَّقْدِيرُ: أهَذا الجاعِلُ لِلَّهِ أنْدادًا
صفحة ٣٤٦
الكافِرُ خَيْرٌ أمَّنْ هو قانِتٌ، والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ والمَقْصُودُ لازِمُهُ، وهو التَّنْبِيهُ عَلى الخَطَأِ عِنْدَ التَّأمُّلِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أمْ“ مُنْقَطِعَةً لِمُجَرَّدِ الإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. و ”أمْ“ تَقْتَضِي اسْتِفْهامًا مُقَدَّرًا بَعْدَها. ومَعْنى الكَلامِ: دَعْ تَهْدِيدَهم بِعَذابِ النّارِ وانْتَقِلْ بِهِمْ إلى هَذا السُّؤالِ: الَّذِي هو قانِتٌ، وقائِمٌ، ويَحْذَرُ اللَّهَ ويَرْجُو رَحْمَتَهُ. والمَعْنى: أذَلِكَ الإنْسانُ الَّذِي جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا هو قانِتٌ إلَخْ؛ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ لِظُهُورِ أنَّهُ لا تَتَلاقى تِلْكَ الصِّفاتُ الأرْبَعُ مَعَ صِفَةِ ”جَعْلِهِ لِلَّهِ أنْدادًا“ .
والقانِتُ: العابِدُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والآناءُ: جَمْعُ أنًى؛ مِثْلُ أمْعاءٍ ومَعًى، وأقْفاءٍ وقَفًى، والأنى: السّاعَةُ، ويُقالُ أيْضًا: إنى، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] في سُورَةِ الأحْزابِ.
وانْتَصَبَ ”آناءَ“ عَلى الظَّرْفِ لِـ ”قانِتٌ“، وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِقُنُوتِهِمْ لِأنَّ العِبادَةَ بِاللَّيْلِ أعْوَنُ عَلى تَمَحُّضِ القَلْبِ لِذِكْرِ اللَّهِ، وأبْعَدُ عَنْ مُداخَلَةِ الرِّياءِ وأدَلُّ عَلى إيثارِ عِبادَةِ اللَّهِ عَلى حَظِّ النَّفْسِ مِنَ الرّاحَةِ والنَّوْمِ، فَإنَّ اللَّيْلَ أدْعى إلى طَلَبِ الرّاحَةِ فَإذا آثَرَ المَرْءُ العِبادَةَ فِيهِ اسْتَنارَ قَلْبُهُ بِحُبِّ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] فَلا جَرَمَ كانَ تَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ دالًّا عَلى أنَّ هَذا القانِتَ لا يَخْلُوَ مِنَ السُّجُودِ والقِيامِ أناءَ النَّهارِ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ قالَ تَعالى ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا﴾ [المزمل: ٧] وبِذَلِكَ يَتِمُّ انْطِباقُ هَذِهِ الصِّلَةِ عَلى حالِ النَّبِيءِ ﷺ .
وقَوْلُهُ ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ حالانِ مُبَيِّنانِ لِـ ”قانِتٌ“ ومُؤَكِّدانِ لِمَعْناهُ. وجُمْلَةُ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ حالانِ، فالحالُ الأوَّلُ والثّانِي لِوَصْفِ عَمَلِهِ الظّاهِرِ والجُمْلَتانِ اللَّتانِ هُما ثالِثٌ ورابِعٌ لِوَصْفِ عَمَلِ قَلْبِهِ وهو أنَّهُ بَيْنَ الخَوْفِ مِن سَيِّئاتِهِ وفَلَتاتِهِ وبَيْنَ الرَّجاءِ لِرَحْمَةِ رَبِّهِ أنْ يُثِيبَهُ عَلى حَسَناتِهِ.
وفِي هَذا تَمامُ المُقابَلَةِ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ حالِ نَبِيِّهِمْ ﷺ وحالِ
صفحة ٣٤٧
أهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ اللَّهَ إلّا في نادِرِ الأوْقاتِ، وهي أوْقاتُ الِاضْطِرارِ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا اهْتِمامَ لَهم إلّا بِعاجِلِ الدُّنْيا لا يَحْذَرُونَ الآخِرَةَ ولا يَرْجُونَ ثَوابَها.
والرَّجاءُ: الخَوْفُ مِن مَقاماتِ السّالِكِينَ، أيْ: أوْصافِهِمُ الثّابِتَةِ الَّتِي لا تَتَحَوَّلُ.
والرَّجاءُ: انْتِظارُ ما فِيهِ نَعِيمٌ ومُلاءَمَةٌ لِلنَّفْسِ. والخَوْفُ: انْتِظارُ ما هو مَكْرُوهٌ لِلنَّفْسِ. والمُرادُ هُنا: المُلاءَمَةُ الأُخْرَوِيَّةُ لِقَوْلِهِ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: يَحْذَرُ عِقابَ الآخِرَةِ؛ فَتَعَيَّنَ أنَّ الرَّجاءَ أيْضًا: المَأْمُولَ في الآخِرَةِ.
ولِلْخَوْفِ مَزِيَّتُهُ مِن زَجْرِ النَّفْسِ عَمّا لا يُرْضِي اللَّهَ، ولِلرَّجاءِ مَزِيَّتُهُ مِن حَثِّها عَلى ما يُرْضِي اللَّهَ وكِلاهُما أنِيسُ السّالِكِينَ.
وإنَّما يَنْشَأُ الرَّجاءُ عَلى وُجُودِ أسْبابِهِ لِأنَّ المَرْءَ لا يَرْجُو إلّا ما يَظُنُّهُ حاصِلًا ولا يَظُنُّ المَرْءُ أمْرًا إلّا إذا لاحَتْ لَهُ دَلائِلُهُ ولَوازِمُهُ، لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ بِمُغالَطَةٍ، والمَرْءُ لا يُغالِطُ نَفْسَهُ، فالرَّجاءُ يَتْبَعُ السَّعْيَ لِتَحْصِيلِ المَرْجُوِّ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فَإنَّ تَرَقُّبَ المَرْءِ المَنفَعَةَ مِن غَيْرِ أسْبابِها فَذَلِكَ التَّرَقُّبُ يُسَمّى غُرُورًا.
وإنَّما يَكُونُ الرَّجاءُ أوِ الخَوْفُ ظَنًّا مَعَ تَرَدُّدٍ في المَظْنُونِ، أمّا المَقْطُوعُ بِهِ فَهو اليَقِينُ واليَأْسُ وكِلاهُما مَذْمُومٌ؛ قالَ تَعالى ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] وقالَ ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] .
وقَدْ بَسَطَ ذَلِكَ حُجَّةُ الإسْلامِ أبُو حامِدٍ في كِتابِ الرَّجاءِ والخَوْفِ مِن كِتابِ الإحْياءِ. ولِلَّهِ دَرُّ أبِي الحَسَنِ التِّهامِيِّ إذْ يَقُولُ:
وإذا رَجَوْتَ المُسْتَحِيلَ فَإنَّما تَبْنِي الرَّجاءَ عَلى شَفِيرٍ هارِ
وسُئِلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنْ رَجُلٍ يَتَمادى في المَعاصِي ويَرْجُو فَقالَ: هَذا تَمَنٍّ وإنَّما الرَّجاءُ، قَوْلُهُ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أُرِيدَ بِـ ﴿مَن هو قانِتٌ﴾ أبُو بَكْرٍ، وقِيلَ عَمّارُ بْنُ
صفحة ٣٤٨
ياسِرٍ، وقِيلَ: أبُو ذَرٍّ، وقِيلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهي رِواياتٌ ضَعِيفَةٌ ولا جَرَمَ أنَّ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ هم مِن أحَقِّ مَن تَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذِهِ الصِّلَةُ فَهي شامِلَةٌ لَهم ولَكِنَّ مَحْمَلَ المَوْصُولِ في الآيَةِ عَلى تَعْمِيمِ كُلِّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الصِّلَةِ.
* * *
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مَوْقِعُهُ كَمَوْقِعِ ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر: ٨] أثارُهُ وصْفُ المُؤْمِنِ الطّائِعِ، والمَعْنى: أعْلِمْهم يا مُحَمَّدُ بِأنَّ هَذا المُؤْمِنَ العالِمَ بِحَقِّ رَبِّهِ لَيْسَ سَواءٌ لِلْكافِرِ الجاهِلِ بِرَبِّهِ.
وإعادَةُ فِعْلِ ”قُلْ“ هُنا لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَقُولِ ولِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ إلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ. والمَقْصُودُ: إثْباتُ عَدَمِ المُساواةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وعَدَمِ المُساواةِ يُكَنّى بِهِ عَنِ التَّفْضِيلِ. والمُرادُ: تَفْضِيلُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥] أوْ بِالقَرِينَةِ كَما في قَوْلِهِ هُنا ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ؛ لِظُهُورِ أنَّ العِلْمَ كَمالٌ ولِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ولِهَذا كانَ نَفْيُ الِاسْتِواءِ في هَذِهِ الآيَةِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ المُماثَلَةِ في قَوْلِ النّابِغَةِ:
يُخْبِرُكَ ذُو عِرْضِهِمْ عَنِّي وعالِمُهُم ولَيْسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَن عَلِما
وفِعْلُ ”يَعْلَمُونَ“ في المَوْضِعَيْنِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مَفْعُولٌ.
والمَعْنى: الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِصِفَةِ العِلْمِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ الَّذِينَ عَلِمُوا شَيْئًا مُعَيَّنًا حَتّى يَكُونَ مِن حَذْفِ المَفْعُولَيْنِ اخْتِصارًا إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِصِفَةِ العِلْمِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: هْلِ العُقُولُ، والعَقْلُ والعِلْمُ مُتَرادِفانِ، أيْ: لا يَسْتَوِي الَّذِينَ لَهم عَلِمٌ فَهم يُدْرِكُونَ حَقائِقَ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ وتَجْرِي أعْمالُهم عَلى حَسْبِ عِلْمِهِمْ، مَعَ الَّذِينَ
صفحة ٣٤٩
لا يَعْلَمُونَ فَلا يُدْرِكُونَ الأشْياءَ عَلى ما هي عَلَيْهِ بَلْ تَخْتَلِطُ عَلَيْهِمُ الحَقائِقُ وتَجْرِي أعْمالُهم عَلى غَيْرِ انْتِظامٍ، كَحالِ الَّذِينَ تَوَهَّمُوا الحِجارَةَ آلِهَةً ووَضَعُوا الكُفْرَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ. فَتَعَيَّنَ أنَّ المَعْنى: لا يَسْتَوِي مَن هو قانِتٌ أناءَ اللَّيْلِ يَحْذُرُ رَبَّهُ ويَرْجُوهُ، ومَن جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ. وإذْ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا هُمُ الكُفّارُ؛ بِحُكْمِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر: ٨] ثَبَتَ أنَّ الَّذِينَ لا يَسْتَوُونَ مَعَهم هُمُ المُؤْمِنُونَ، أيْ: هم أفْضَلُ مِنهم، وإذْ تَقَرَّرَ أنَّ الكافِرِينَ مِن أصْحابِ النّارِ فَقَدِ اقْتَضى أنَّ المُفَضَّلِينَ عَلَيْهِمْ هم مِن أصْحابِ الجَنَّةِ.
وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: هَلْ يَسْتَوِي هَذا وذاكَ، إلى التَّعْبِيرِ بِالمَوْصُولِ إدْماجًا لِلثَّناءِ عَلى فَرِيقٍ ولِذَمِّ فَرِيقٍ بِأنَّ أهْلَ الإيمانِ أهْلُ عِلْمٍ وأهْلَ الشِّرْكِ أهْلُ جَهالَةٍ فَأغْنَتِ الجُمْلَةُ بِما فِيها مِن إدْماجٍ عَنْ ذِكْرِ جُمْلَتَيْنِ، فالَّذِينَ يَعْلَمُونَ هم أهْلُ الإيمانِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءِ﴾ [فاطر: ٢٨] والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هم أهْلُ الشِّرْكِ الجاهِلُونَ؛ قالَ تَعالى ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] .
وفِي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الإيمانَ أخُو العِلْمِ لِأنَّ كِلَيْهِما نُورٌ ومَعْرِفَةٌ حَقٌّ، وأنَّ الكُفْرَ أخُو الضَّلالِ لِأنَّهُ والضَّلالَ ظُلْمَةٌ وأوْهامٌ باطِلَةٌ.
هَذا ووُقُوعُ فِعْلِ يَسْتَوِي في حَيِّزِ النَّفْيِ يَكْسِبُهُ عُمُومَ النَّفْيِ لِجَمِيعِ جِهاتِ الِاسْتِواءِ. وإذْ قَدْ كانَ نَفْيُ الِاسْتِواءِ كِنايَةً عَنِ الفَضْلِ آلَ إلى إثْباتِ الفَضْلِ لِلَّذِينَ يَعْلَمُونَ عَلى وجْهِ العُمُومِ، فَإنَّكَ ما تَأمَّلْتَ مَقامًا اقْتَحَمَ فِيهِ عالِمٌ وجاهِلٌ إلّا وجَدْتَ لِلْعالَمِ فِيهِ مِنَ السَّعادَةِ ما لا تَجِدُهُ لِلْجاهِلِ ولِنَضْرِبَ لِذَلِكَ مَثَلًا بِمَقاماتٍ سِتَّةٍ هي جُلُّ وظائِفِ الحَياةِ الِاجْتِماعِيَّةِ.
المَقامُ الأوَّلُ: الِاهْتِداءُ إلى الشَّيْءِ المَقْصُودِ نَوالُهُ بِالعَمَلِ بِهِ وهو مَقامُ العَمَلِ، فالعالِمُ بِالشَّيْءِ يَهْتَدِي إلى طُرُقِهِ فَيَبْلُغُ المَقْصُودَ بِيُسْرٍ وفي قُرْبٍ ويَعْلَمُ ما هو مِنَ العَمَلِ أوْلى بِالإقْبالِ عَلَيْهِ، وغَيْرُ العالِمِ بِهِ يَضِلُّ مَسالِكَهُ ويُضِيعُ زَمانَهُ في طَلَبِهِ، فَإمّا أنْ يَخِيبَ في سَعْيِهِ وإمّا أنْ يَنالَهُ بَعْدَ أنْ تَتَقاذَفَهُ الأرْزاءُ وتَنْتابَهُ النَّوائِبُ وتَخْتَلِطَ عَلَيْهِ الحَقائِقُ فَرُبَّما يَتَوَهَّمُ أنَّهُ بَلَغَ المَقْصُودَ حَتّى إذا انْتَبَهَ وجَدَ نَفْسَهُ في غَيْرِ مُرادِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]
صفحة ٣٥٠
ومِن أجْلِ هَذا شاعَ تَشْبِيهُ العِلْمِ بِالنُّورِ والجَهْلِ بِالظُّلْمَةِ.
والمَقامُ الثّانِي: ناشِئٌ عَنِ الأوَّلِ وهو مَقامُ السَّلامَةِ مِن نَوائِبِ الخَطَأِ ومُزِلّاتِ المَذَلاتِ، فالعالِمُ يَعْصِمُهُ عِلْمُهُ مِن ذَلِكَ، والجاهِلُ يُرِيدُ السَّلامَةَ فَيَقَعُ في الهَلَكَةِ، فَإنَّ الخَطَأ قَدْ يُوقِعُ في الهَلاكِ مِن حَيْثُ طَلَبِ الفَوْزِ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] إذْ مَثَّلَهم بِالتّاجِرِ خَرَجَ يَطْلُبُ فَوائِدَ الرِّبْحِ مِن تِجارَتِهِ فَآبَ بِالخُسْرانِ ولِذَلِكَ يُشَبَّهُ سَعْيُ الجاهِلِ بِخَبْطِ العَشْواءِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَزَلْ أهْلُ النُّصْحِ يُسَهِّلُونَ لِطَلَبَةِ العِلْمِ الوَسائِلَ الَّتِي تَقِيهُمُ الوُقُوعَ فِيما لا طائِلَ تَحْتَهُ مِن أعْمالِهِمْ.
المَقامُ الثّالِثُ: مَقامُ أُنْسِ الِانْكِشافِ فالعالِمُ تَتَمَيَّزُ عِنْدَهُ المَنافِعُ والمَضارُّ وتَنْكَشِفُ لَهُ الحَقائِقُ فَيَكُونُ مَأْنُوسًا بِها واثِقًا بِصِحَّةِ إدْراكِهِ وكُلَّما انْكَشَفَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ كانَ كَمَن لَقِيَ أنِيسًا بِخِلافِ غَيْرِ العالِمِ بِالأشْياءِ فَإنَّهُ في حَيْرَةٍ مِن أمْرِهِ حِينَ تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ المُتَشابِهاتُ فَلا يَدْرِي ماذا يَأْخُذُ وماذا يَدَعُ، فَإنِ اجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ خَشِيَ الزَّلَلَ وإنْ قَلَّدَ خَشِيَ زَلَلَ مُقَلَّدِهِ، وهَذا المَعْنى يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] .
المَقامُ الرّابِعُ: مَقامُ الغِنى عَنِ النّاسِ بِمِقْدارِ العِلْمِ والمَعْلُوماتِ فَكُلَّما ازْدادَ عِلْمُ العالِمِ قَوِيَ غِناهُ عَنِ النّاسِ في دِينِهِ ودُنْياهُ.
المَقامُ الخامِسُ: الِالتِذاذُ بِالمَعْرِفَةِ، وقَدْ حَصَرَ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ اللَّذَّةُ في المَعارِفِ؛ وهي لَذَّةٌ لا تَقْطَعُها الكَثْرَةُ. وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِالظِّلِّ إذْ قالَ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠] ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] فَإنَّ الجُلُوسَ في الظِّلِّ يَلْتَذُّ بِهِ أهْلُ البِلادِ الحارَّةِ.
المَقامُ السّادِسُ: صُدُورُ الآثارِ النّافِعَةِ في مَدى العُمْرِ مِمّا يُكْسِبُ ثَناءَ النّاسِ في العاجِلِ وثَوابَ اللَّهِ في الآجِلِ. فَإنَّ العالِمَ مَصْدَرُ الإرْشادِ والعِلْمِ ودَلِيلٌ عَلى الخَيْرِ وقائِدٌ إلَيْهِ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] والعِلْمُ عَلى مُزاوَلَتِهِ ثَوابٌ جَزِيلٌ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ «ما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةَ وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ» .
صفحة ٣٥١
وعَلى بَثِّهِ مِثْلُ ذَلِكَ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، وعِلْمٍ بَثَّهُ في الصُّدُورِ، ووَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِخَيْرٍ» .
فَهَذا التَّفاوُتُ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ في صُوَرِهِ الَّتِي ذَكَرْناها مَشْمُولٌ لِنَفْيِ الِاسْتِواءِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وتَتَشَعَّبُ مِن هَذِهِ المَقاماتِ فُرُوعٌ جَمَّةٌ وهي عَلى كَثْرَتِها تَنْضَوِي تَحْتَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِنَفْيِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ العالِمِ وغَيْرِهِ المَقْصُودُ مِنهُ تَفْضِيلُ العالِمِ والعِلْمِ، فَإنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ مَرْكَبَةٌ مِن حَرْفَيْنِ ”إنْ“ و”ما“ الكافَّةُ أوِ النّافِيَةُ فَكانَتْ إنْ فِيهِ مُفِيدَةٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَها مُغْنِيَةً غَناءَ فاءِ التَّعْلِيلِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ ”إنِ“ المُفْرَدَةِ و”إنَّ“ المُرَكَّبَةَ مَعَ ”ما“، بَلْ أفادَها التَّرْكِيبُ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ وهو نَفْيُ الحُكْمِ الَّذِي أثْبَتَتْهُ ”إنَّ“ عَنْ غَيْرِ مَن أثْبَتَتْهُ لَهُ.
وقَدْ أُخِذَ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ جانِبُ إثْباتِ التَّذْكِيرِ لِلْعالَمِينَ، ونَفْيُهُ مِن غَيْرِ العالَمَيْنِ بِطَرِيقِ الحَصْرِ لِأنَّ جانِبَ التَّذْكِيرِ هو جانِبُ العَمَلِ الدِّينِيِّ وهو المَقْصِدُ الأهَمُّ في الإسْلامِ لِأنَّ بِهِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ والسَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ؛ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» .
والألْبابُ: العُقُولُ، وأُولُو الألْبابِ: هم أهلُ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ، وهم: أهْلُ العِلْمِ. فَلَمّا كانَ أهْلُ العِلْمِ هم أهْلُ التَّذَكُّرِ دُونَ غَيْرِهِمْ أفادَ عَدَمَ اسْتِواءِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ كَلامًا مُسْتَقِلًّا.
الزمر 39:10
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لَمّا أُجْرِيَ الثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِإقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ في أشَدِّ الآناءِ وبِشِدَّةِ
صفحة ٣٥٢
مُراقَبَتِهم إيّاهُ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ وبِتَمْيِيزِهِمْ بِصِفَةِ العِلْمِ والعَقْلِ والتَّذَكُّرِ، بِخِلافِ حالِ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ كُلِّهِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالإقْبالِ عَلى خِطابِهِمْ لِلِاسْتِزادَةِ مِن ثَباتِهِمْ ورِباطَةِ جَأْشِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ؛ .
وابْتِداءُ الكَلامِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ آنِفًا، وابْتِداءُ المَقُولِ بِالنِّداءِ وبِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، كُلُّ ذَلِكَ يُؤْذِنُ بِالِاهْتِمامِ بِما سَيُقالُ وبِأنَّهُ سَيُقالُ لَهم عَنْ رَبِّهِمْ، وهَذا وضِعَ لَهم في مَقامِ المُخاطَبَةِ مِنَ اللَّهِ وهي دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ المُضافِ إلَيْها ”عِبادِ“ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في المُنادى المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأهُ العَشَرَةُ يا عِبادِ بِدُونِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ كَما في إبْرازِ المَعانِي لِأبِي شامَةَ وكَما في الدُّرَّةِ المُضِيئَةِ في القِراءاتِ الثَّلاثِ المُتَمِّمَةِ لِلْعَشْرِ لِعَلِيٍّ الضَّبّاعِ المِصْرِيِّ، بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمُ﴾ [الزمر: ٥٣] الآتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمُخالَفَةُ بَيْنَهُما مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ. وقَدْ يُوَجَّهُ هَذا التَّخالُفُ بِأنَّ المُخاطَبِينَ في هَذِهِ الآيَةِ هم عِبادُ اللَّهِ المُتَّقُونَ، فانْتِسابُهم إلى اللَّهِ مُقَرَّرٌ فاسْتُغْنِيَ عَنْ إظْهارِ ضَمِيرِ الجَلالَةِ في إضافَتِهِمْ إلَيْهِ، بِخِلافِ الآيَةِ الآتِيَةِ، فَلَيْسَ في كَلِمَةِ يا عِبادِ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلّا وجْهٌ واحِدٌ بِاتِّفاقِ العَشَرَةِ ولِذَلِكَ كَتَبَها كُتّابُ المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الدّالِ.
وما وقَعَ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ مِن قَوْلِهِ وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ ”قُلْ يا عِبادِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا وعاصِمٌ والأعْشى وابْنُ كَثِيرٍ يا عِبادِ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ اهـ. سَهْوٌ، وإنَّما اخْتَلَفَ القُرّاءُ في الآيَةِ الآتِيَةِ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] في هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّها ثَبَتَتْ فِيهِ ياءُ المُتَكَلِّمِ فاخْتَلَفُوا كَما سَنَذْكُرُهُ.
والأمْرُ بِالتَّقْوى مُرادٌ بِهِ الدَّوامُ عَلى المَأْمُورِ بِهِ لِأنَّهم مُتَّقُونَ مِن قَبْلُ وهو يَشْعِرُ بِأنَّهم قَدْ نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الأذى في الدِّينِ ما يُخْشى عَلَيْهِمْ مَعَهُ أنْ يُقَصِّرُوا في تَقْواهم.
وهَذا الأمْرُ تَمْهِيدٌ لِما سَيُوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِن أمْرِهِمْ بِالهِجْرَةِ لِلسَّلامَةِ مِنَ الأذى في دِينِهِمْ، وهو ما عُرِّضَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ .
صفحة ٣٥٣
وفِي اسْتِحْضارِهِمْ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ إيماءٌ إلى أنَّ تَقَرُّرَ إيمانُهم مِمّا يَقْتَضِي التَّقْوى والِامْتِثالَ لِلْمُهاجَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ إيرادَ الأمْرِ بِالتَّقْوى لِلْمُتَّصِفِينَ بِها يُثِيرُ سُؤالَ سائِلِ عَنِ المَقْصُودِ مِن ذَلِكَ الأمْرِ فَأُرِيدُ بَيانُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ ولَكِنْ جُعِلَ قَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ تَمْهِيدًا لَهُ لِقَصْدِ تَعْجِيلِ التَّكَفُّلِ لَهم بِمُوافَقَةِ الحُسْنى في هِجْرَتِهِمْ.
ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ مَسُوقَةً مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى الواقِعِ بَعْدَها.
والمُرادُ بِالَّذِينَ أحْسَنُوا: الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ المَوْصُوفُونَ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] الآيَةَ؛، لِأنَّ تِلْكَ الخِصالَ تَدُلُّ عَلى الإحْسانِ المُفَسَّرِ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، فَعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِضَمِيرِ الخِطابِ بِأنْ يُقالَ: لَكم في الدُّنْيا حَسَنَةٌ، إلى الإتْيانِ بِاسْمِ المَوْصُولِ الظّاهِرِ وهو الَّذِينَ أحْسَنُوا لِيَشْمَلَ المُخاطِبِينَ وغَيْرَهم مِمَّنْ ثَبَتَتْ لَهُ هَذِهِ الصِّلَةُ. وذَلِكَ في مَعْنى: اتَّقَوْا رَبَّكم لِتَكُونُوا مُحْسِنِينَ فَإنَّ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا حَسَنَةً عَظِيمَةً فَكُونُوا مِنهم.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِالمُحْسَنِ إلَيْهِمْ وأنَّهم أحْرِياءٌ بِالإحْسانِ.
والمُرادُ بِالحَسَنَةِ: الحالَةُ الحَسَنَةُ، واسْتُغْنِيَ بِالوَصْفِ عَنِ المَوْصُوفِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] وقَوْلِهِ في عَكْسِهِ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ بَيْنَ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ وبَيْنَ حَسَنَةٍ نَظْمٌ مِمّا اخْتُصَّ بِهِ القُرْآنُ في مَواقِعِ الكَلِمِ لِإكْثارِ المَعانِي الَّتِي يَسْمَحُ بِها النَّظْمُ، وهَذا مِن طُرُقِ إعْجازِ القُرْآنِ.
فَيَجُوزُ أنَّ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ حالًا مِن حَسَنَةٍ قُدِّمَ عَلى صاحِبِ الحالِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الكَلامِ عَلى أنَّها جَزاؤُهم في الدُّنْيا، لِقِلَّةِ خُطُورِ ذَلِكَ في بالِهِمْ؛ ضَمِنَ اللَّهُ لَهم تَعْجِيلَ الجَزاءِ الحَسَنِ في الدُّنْيا قَبْلَ ثَوابِ الآخِرَةِ عَلى
صفحة ٣٥٤
نَحْوَ ما أثْنى عَلى مَن يَقُولُ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] وقَدْ جاءَ في نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ النَّحْلِ قَوْلُهُ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠] أيْ: خَيْرٌ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، ويَكُونُ الِاقْتِصارُ عَلى حَسَنَةِ الدُّنْيا في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها مُسَوَّقَةٌ لِتَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ عَلى ما يُلاقُونَهُ مِنَ الأذى، ولِأمْرِهِمْ بِالهِجْرَةِ عَنْ دارِ الشِّرْكِ والفِتْنَةِ في الدِّينِ، فَأمّا ثَوابُ الآخِرَةِ فَأمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَهم مِن قَبْلُ ومُومًى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُوَفَّوْنَ أجْرَهم في الآخِرَةِ. قالَ السُّدِّيُّ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا الصِّحَّةُ والعافِيَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ في الدُّنْيا مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ ”أحْسَنُوا“ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لُغَوِيٌّ، أيْ: فَعَلُوا الحَسَناتِ في الدُّنْيا فَيَكُونُ المَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى المُبادَرَةِ بِالحَسَناتِ في الحَياةِ الدُّنْيا قَبْلَ الفَواتِ والتَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ التَّقْصِيرِ في ذَلِكَ.
وتَنْوِينُ ”حَسَنَةٍ“ لِلتَّعْظِيمِ؛ وهو بِالنِّسْبَةِ لِحَسَنَةِ الآخِرَةِ لِلتَّعْظِيمِ الذّاتِيِّ، وبِالنِّسْبَةِ لِحَسَنَةِ الدُّنْيا تَعْظِيمٌ وصْفِيٌّ، أيْ: حَسَنَةٌ أعْظَمُ مِنَ المُتَعارَفِ، وأيًّا ما كانَ فاسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ لِتَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِ وإحْضارِهِ في الأذْهانِ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِـ ”حَسَنَةٌ“ يُحْتَمَلُ حَسَنَةُ الآخِرَةِ ويُحْتَمَلُ حَسَنَةُ الدُّنْيا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّحْلِ؛ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠] فَأُلْحِقَ بِها ما قُرِّرَ هُنا.
وعُطِفُ عَلَيْهِ ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ عَطْفَ المَقْصُودِ عَلى التَّوْطِئَةِ. وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالحَثِّ عَلى الهِجْرَةِ في الأرْضِ فِرارًا بِدِينِهِمْ مِنَ الفِتَنِ بِقَرِينَةِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ واسِعَةً أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِإفادَتِهِ وإنَّما كُنِّيَ بِهِ عَنْ لازِمِ مَعْناهُ، كَما قالَ إياسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:
ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها
والوَجْهُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ مُعْتَرِضَةً والواوُ اعْتِراضِيَّةً لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ.
صفحة ٣٥٥
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ وعَدَهم أنْ يُلاقُوا حَسَنَةً إذا هم هاجَرُوا مِن دِيارِ الشِّرْكِ. ولَيْسَ حُسْنُ العَيْشِ ولا ضِدُّهُ مَقْصُورًا عَلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ وقَدْ وقَعَ التَّصْرِيحُ بِما كُنِّيَ عَنْهُ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] .
والمُرادُ: الإيماءُ إلى الهِجْرَةِ إلى الحَبَشَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقَوْا رَبَّكُمْ﴾ يُرِيدُ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إلى الحَبَشَةِ.
ونُكْتَةُ الكِنايَةِ هُنا إلْقاءُ الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِلُطْفٍ وتَأْنِيسٍ دُونَ صَرِيحِ الأمْرِ لِما في مُفارَقَةِ الأوْطانِ مِنَ الغَمِّ عَلى النَّفْسِ، وأمّا الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ فَإنَّها حِكايَةُ تَوْبِيخُ المَلائِكَةِ لِمَن لَمْ يُهاجِرُوا.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها لِأنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والتَّغَرُّبَ والسَّفَرَ مَشاقٌّ لا يَسْتَطِيعُها إلّا صابَرٌ، فَذُيِّلَ الأمْرُ بِهِ بِتَعْظِيمِ أجْرِ الصّابِرِينَ؛ لِيَكُونَ إعْلامًا لِلْمُخاطَبِينَ بِأنَّ أجْرَهم عَلى ذَلِكَ عَظِيمٌ؛ لِأنَّهم حِينَئِذٍ مِنَ الصّابِرِينَ الَّذِينَ أجَرُهم بِغَيْرِ حِسابٍ.
والصَّبْرُ: سُكُونُ النَّفْسِ عِنْدَ حُلُولِ الآلامِ والمَصائِبِ بِأنْ لا تَضْجَرَ ولا تَضْطَرِبَ لِذَلِكَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وصِيغَةُ العُمُومِ في قَوْلِهِ ”الصّابِرِينَ“ تَشْمَلُ كُلَّ مَن صَبَرَ عَلى مَشَقَّةٍ في القِيامِ بِواجِباتِ الدِّينِ وامْتِثالِ المَأْمُوراتِ واجْتِنابِ المَنهِيّاتِ، ومَراتِبُ هَذا الصَّبْرُ مُتَفاوِتَةٌ وبِقَدْرِها يَتَفاوَتُ الأجْرُ.
والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ: تامًّا.
والأجْرُ: الثَّوابُ في الآخِرَةِ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الوَفْرَةِ والتَّعْظِيمِ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ لا يُتَصَدّى لِعَدِّهِ، والشَّيْءَ العَظِيمَ لا يُحاطُ بِمِقْدارِهِ، فَإنَّ الإحاطَةَ بِالمِقْدارِ ضَرْبٌ مِنَ الحِسابِ وذَلِكَ شَأْنُ ثَوابِ الآخِرَةِ الَّذِي لا يَخْطُرُ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
صفحة ٣٥٦
وفِي ذِكْرِ التَّوْفِيَةِ وإضافَةِ الأجْرِ إلى ضَمِيرِهِمْ تَأْنِيسٌ لَهم بِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ لا مِنَّةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وإنْ كانَتِ المِنَّةُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] .
والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ”إنَّما“ مُنْصَبٌّ عَلى القَيْدِ وهو ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ والمَعْنى: ما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم إلّا بِغَيْرِ حِسابٍ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ مَبْنِيٌّ عَلى قَلْبِ ظَنِّ الصّابِرِينَ أنَّ أجْرَ صَبْرِهِمْ بِمِقْدارِ صَبْرِهِمْ، أيْ: أنَّ أجْرَهم لا يَزِيدُ عَلى مِقْدارِ مَشَقَّةِ صَبْرِهِمْ.
والهِجْرَةُ إلى الحَبَشَةِ كانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. وكانَ سَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأى ما يُصِيبُ أصْحابَهُ مِنَ البَلاءِ وأنَّ عَمَّهُ أبا طالِبِ كانَ يَمْنَعُ ابْنَ أخِيهِ مِن أضْرارِ المُشْرِكِينَ ولا يَقْدِرُ أنْ يَمْنَعَ أصْحابَهُ؛ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ خَرَجْتُمْ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ فَإنَّ بِها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أحَدٌ حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكم فَرَجًا مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، فَخَرَجَ مُعْظَمُ المُسْلِمِينَ مَخافَةَ الفِتْنَةِ فَخَرَجَ ثَلاثَةٌ وثَمانُونَ رَجُلًا وتِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأةً سِوى أبْنائِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِهِمْ صِغارًا. وقَدْ كانَ أبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الهِجْرَةِ فَأذِنَ لَهُ فَخَرَجَ قاصِدًا بِلادَ الحَبَشَةِ فَلَقِيَهُ ابْنُ الدِّغِنَّةِ فَصَدَّهُ وجَعَلَهُ في جِوارِهِ» .
ولِما تَعَلَّقَتْ إرادَةُ اللَّهِ تَعالى بِنَشْرِ الإسْلامِ في مَكَّةَ بَيْنَ العَرَبِ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ وعُذِرَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ فِيما لَقُوهُ مِنَ الأذى في دِينِهِمْ أذِنَ لَهم بِالهِجْرَةِ وكانَتْ حِكْمَتُهُ مُقْتَضِيَةً بَقاءَ رَسُولِهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرانِيِّ المُشْرِكِينَ لِبَثِّ دَعْوَةِ الإسْلامِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالهِجْرَةِ إلى مَوْطِنٍ آخَرَ حَتّى إذا تَمَّ مُرادُ اللَّهِ مِن تَوَشُّجِ نَواةِ الدِّينِ في تِلْكَ الأرْضِ الَّتِي نَشَأ فِيها رَسُولُهُ ﷺ وأصْبَحَ انْتِقالُ الرَّسُولِ ﷺ إلى بَلَدٍ آخَرَ أسْعَدَ بِانْتِشارِ الإسْلامِ في الأرْضِ أذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ بَعْدَ أنْ هَيَّأ لَهُ بِلُطْفِهِ دُخُولَ أهْلِها في الإسْلامِ وكُلُّ ذَلِكَ جَرى بِقَدَرٍ وحِكْمَةٍ ولَطْفٍ بِرَسُولِهِ ﷺ .
الزمر 39:11
صفحة ٣٥٧
﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ بَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾ [الزمر: ١٠] أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ قَوْلًا يَتَعَيَّنُ أنَّهُ مَقُولٌ لِغَيْرِ المُسْلِمِينَ.
نَقَلَ الفَخْرُ عَنْ مُقاتِلٍ: «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ، ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجِدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ»﴾ .
وحَقًّا فَإنَّ إخْبارَ النَّبِيءِ بِذَلِكَ إذا حُمِلَ عَلى صَرِيحِهِ إنَّما يُناسِبُ تَوْجِيهَهُ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ صَرْفَهُ عَنْ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ أذِنَ اللَّهُ لَهم بِالهِجْرَةِ إلى الحَبَشَةِ عَلى أنَّهُ تَوْجِيهٌ لِبَقائِهِ بِمَكَّةَ لا يُهاجِرُ مَعَهم لِأنَّ الإذْنَ لَهم بِالهِجْرَةِ لِلْأمْنِ عَلى دِينِهِمْ مِنَ الفِتَنِ، فَلَعَلَّهم تَرَقَّبُوا أنْ يُهاجِرَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَهم إلى الحَبَشَةِ فَآذَنَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أيْ: أنَّ يُوَحِّدُهُ في مَكَّةَ فَتَكُونُ الآيَةُ ناظِرَةً إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرْ وأُعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] أيْ: أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُقِيمَ عَلى التَّبْلِيغِ بِمَكَّةَ فَإنَّهُ لَوْ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ لانْقَطَعَتِ الدَّعْوَةُ وإنَّما كانَتْ هِجْرَتُهم إلى الحَبَشَةِ رُخْصَةً لَهم إذْ ضَعُفُوا عَنْ دِفاعِ المُشْرِكِينَ عَنْ دِينِهِمْ ولَمْ يُرَخَّصْ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وقَدْ جاءَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أنَّ حَياةَ الرَّسُولِ ﷺ ومَماتَهُ لِلَّهِ، أيْ: فَلا يَفْرَقَ مِنَ المَوْتِ في سَبِيلِ الدِّينِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] .
صفحة ٣٥٨
فَكانَ قَوْلُهُ ﴿لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ عِلَّةً لِـ ﴿أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فالتَّقْدِيرُ: وأُمِرْتُ بِذَلِكَ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ، فَمُتَعَلِّقُ أُمِرْتُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ عَلَيْهِ.
فَـ ”أوَّلَ“ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَجازِهِ فَقَطْ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الأوَّلِيَّةِ مُجَرَّدُ السَّبْقِ في الزَّمانِ فَإنَّ ذَلِكَ حَصَلَ فَلا جَدْوى في الإخْبارِ بِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِأنْ يَكُونَ أقْوى المُسْلِمِينَ إسْلامًا بِحَيْثُ أنَّ ما يَقُومُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن أُمُورِ الإسْلامِ أعْظَمُ مِمّا يَقُومُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ كَما قالَ «إنِّي لِأتْقاكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِهِ» .
وعَطْفُ ”وأُمِرْتُ“ الثّانِي عَلى ”أُمِرْتُ“ الأوَّلِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الأمْرِ الثّانِي ولِأنَّهُ غايَرَ الأمْرَ الأوَّلَ بِضَمِيمَةِ قَيْدِ التَّعْلِيلِ فَصارَ ذِكْرُ الأمْرِ الأوَّلِ لِبَيانِ المَأْمُورِ، وذِكْرُ الأمْرِ الثّانِي لِبَيانِ المَأْمُورِ لِأجْلِهِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّهُ أمَرَ بِأمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وهو أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، والثّانِي يَخْتَصُّ بِهِ وهو أنْ يَعْبُدَهُ كَذَلِكَ لِيَكُونَ بِعِبادَتِهِ أوَّلَ المُسْلِمِينَ، أيْ: أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَبْلُغَ الغايَةَ القُصْوى في عِبادَةِ اللَّهِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، فَجَعَلَ وجُودَهُ مُتَمَحَّضًا لِلْإخْلاصِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ؛ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] .
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ الإسْلامُ هو دِينُ الأنْبِياءِ في خاصَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ ونَظائِرِها كَثِيرَةٌ، كانَتْ في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أفْضَلُ الرُّسُلِ لِشُمُولِ لَفْظِ المُسْلِمِينَ لِلرُّسُلِ السّابِقِينَ.
الزمر 39:12
صفحة ٣٥٧
﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ بَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾ [الزمر: ١٠] أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ قَوْلًا يَتَعَيَّنُ أنَّهُ مَقُولٌ لِغَيْرِ المُسْلِمِينَ.
نَقَلَ الفَخْرُ عَنْ مُقاتِلٍ: «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ، ألا تَنْظُرُ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وجِدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ»﴾ .
وحَقًّا فَإنَّ إخْبارَ النَّبِيءِ بِذَلِكَ إذا حُمِلَ عَلى صَرِيحِهِ إنَّما يُناسِبُ تَوْجِيهَهُ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ صَرْفَهُ عَنْ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ أذِنَ اللَّهُ لَهم بِالهِجْرَةِ إلى الحَبَشَةِ عَلى أنَّهُ تَوْجِيهٌ لِبَقائِهِ بِمَكَّةَ لا يُهاجِرُ مَعَهم لِأنَّ الإذْنَ لَهم بِالهِجْرَةِ لِلْأمْنِ عَلى دِينِهِمْ مِنَ الفِتَنِ، فَلَعَلَّهم تَرَقَّبُوا أنْ يُهاجِرَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَهم إلى الحَبَشَةِ فَآذَنَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أيْ: أنَّ يُوَحِّدُهُ في مَكَّةَ فَتَكُونُ الآيَةُ ناظِرَةً إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرْ وأُعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] أيْ: أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُقِيمَ عَلى التَّبْلِيغِ بِمَكَّةَ فَإنَّهُ لَوْ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ لانْقَطَعَتِ الدَّعْوَةُ وإنَّما كانَتْ هِجْرَتُهم إلى الحَبَشَةِ رُخْصَةً لَهم إذْ ضَعُفُوا عَنْ دِفاعِ المُشْرِكِينَ عَنْ دِينِهِمْ ولَمْ يُرَخَّصْ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وقَدْ جاءَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أنَّ حَياةَ الرَّسُولِ ﷺ ومَماتَهُ لِلَّهِ، أيْ: فَلا يَفْرَقَ مِنَ المَوْتِ في سَبِيلِ الدِّينِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] .
صفحة ٣٥٨
فَكانَ قَوْلُهُ ﴿لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ عِلَّةً لِـ ﴿أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فالتَّقْدِيرُ: وأُمِرْتُ بِذَلِكَ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ، فَمُتَعَلِّقُ أُمِرْتُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ عَلَيْهِ.
فَـ ”أوَّلَ“ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَجازِهِ فَقَطْ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الأوَّلِيَّةِ مُجَرَّدُ السَّبْقِ في الزَّمانِ فَإنَّ ذَلِكَ حَصَلَ فَلا جَدْوى في الإخْبارِ بِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِأنْ يَكُونَ أقْوى المُسْلِمِينَ إسْلامًا بِحَيْثُ أنَّ ما يَقُومُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن أُمُورِ الإسْلامِ أعْظَمُ مِمّا يَقُومُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ كَما قالَ «إنِّي لِأتْقاكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِهِ» .
وعَطْفُ ”وأُمِرْتُ“ الثّانِي عَلى ”أُمِرْتُ“ الأوَّلِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذا الأمْرِ الثّانِي ولِأنَّهُ غايَرَ الأمْرَ الأوَّلَ بِضَمِيمَةِ قَيْدِ التَّعْلِيلِ فَصارَ ذِكْرُ الأمْرِ الأوَّلِ لِبَيانِ المَأْمُورِ، وذِكْرُ الأمْرِ الثّانِي لِبَيانِ المَأْمُورِ لِأجْلِهِ، لِيُشِيرَ إلى أنَّهُ أمَرَ بِأمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وهو أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، والثّانِي يَخْتَصُّ بِهِ وهو أنْ يَعْبُدَهُ كَذَلِكَ لِيَكُونَ بِعِبادَتِهِ أوَّلَ المُسْلِمِينَ، أيْ: أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَبْلُغَ الغايَةَ القُصْوى في عِبادَةِ اللَّهِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، فَجَعَلَ وجُودَهُ مُتَمَحَّضًا لِلْإخْلاصِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ؛ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] .
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ الإسْلامُ هو دِينُ الأنْبِياءِ في خاصَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ ونَظائِرِها كَثِيرَةٌ، كانَتْ في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أفْضَلُ الرُّسُلِ لِشُمُولِ لَفْظِ المُسْلِمِينَ لِلرُّسُلِ السّابِقِينَ.
الزمر 39:13
﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هَذا القَوْلُ مُتَعَيِّنٌ لِأنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ مَأْمُورًا بِأنْ يُواجِهَ بِهِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يُحاوِلُونَ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَتْرُكَ الدَّعْوَةَ وأنْ يُتابِعَ دِينَهم. وهُما أحَدُ الشِّقَّيْنِ
صفحة ٣٥٩
اللَّذَيْنِ وُجِّهَ الخِطابُ السّابِقُ إلَيْهِما، وتَعْيِينُ كُلٍّ لِما وُجِّهَ إلَيْهِ مُنْطَوٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ وقَرِينَةِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] .
وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ عَلى هَذا لِلتَّأْكِيدِ اهْتِمامًا بِهَذا المَقُولِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في المُرادِ مِن تَوْجِيهِ المَطْلَبِ في قَوْلِهِ ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] الآيَةَ؛ فَتَكُونُ إعادَةُ فِعْلِ ”قُلْ“ لِأجْلِ اخْتِلافِ المَقْصُودِينَ بِتَوْجِيهِ القَوْلِ إلَيْهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مُقاتِلٍ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيءِ: ما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الدِّينِ الَّذِي أتَيْتَنا بِهِ ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ أبِيكَ وُجِدِّكَ وساداتِ قَوْمِكَ يَعْبُدُونَ اللّاتَ والعُزّى.
الزمر 39:14
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] أمْرٌ بِأنْ يُعِيدَ التَّصْرِيحَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] لِأهَمِّيَّتِهِ، وإنْ كانَ مُفادُ الجُمْلَتَيْنِ واحِدًا لِأنَّهُما مَعًا تُفِيدانِ أنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ تَعالى بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِ أعْبُدَ اللَّهَ الأوَّلِ بِقَيْدِ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وبِاعْتِبارِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى ”أعْبُدُ“ الثّانِي فَتَأكَّدَ مَعْنى التَّوْحِيدِ مَرَّتَيْنِ لِيَتَقَرَّرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] وهو المَقْصُودُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ”فاعْبُدُوا“ إلَخْ؛ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ الَّذِي بَعْدَها عَلى الكَلامِ قَبْلَها فَهو تَفْرِيعٌ ذِكْرِيٌّ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّخْلِيَةِ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّسْوِيَةِ. والمَقْصُودُ: التَّسْوِيَةُ في ذَلِكَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ فَتَكُونُ التَّسْوِيَةُ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِفِعْلِ المُخاطَبِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّنِي كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] أيْ: اعْبُدُوا أيَّ شَيْءٍ شِئْتُمْ عِبادَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ. وجُعِلَتِ الصِّلَةُ هُنا فِعْلَ المَشِيئَةِ إيماءً إلى أنَّ رائِدَهم في تَعْيِينِ مَعْبُوداتِهِمْ هو مُجَرَّدُ المَشِيئَةِ والهَوى بِلا دَلِيلٍ.
الزمر 39:15
صفحة ٣٦٠
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أعْقَبَ أمْرَ التَّسْوِيَةِ في شَأْنِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ المَوْعِظَةِ حِرْصًا عَلى إصْلاحِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ، ولُوحِظَ في إبْلاغِهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةَ مَقامُ ما سَبَقَ مِنَ التَّخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ شَأْنِهِمْ، جَمْعًا بَيْنَ الإرْشادِ وبَيْنَ التَّوْبِيخِ؛ فَجِيءَ بِالمَوْعِظَةِ عَلى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ والحَدِيثِ عَنِ الغائِبِ؛ والمُرادُ المُخاطَبُونَ.
وافْتُتِحَ المَقُولُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ واقِعٌ وتَعْرِيفُ الخاسِرِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ أنَّ الجِنْسَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالخُسْرانِ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ مِن طَرِيقِ القَصْرِ، فَيُفِيدُ هَذا التَّرْكِيبُ قَصْرَ جِنْسِ الخاسِرِينَ عَلى الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، وهو قَصْرُ مُبالَغَةٍ لِكَمالِ جِنْسِ الخُسْرانِ في الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ فَخُسْرانُ غَيْرِهِمْ كَلا خُسْرانٍ، ولِهَذا يُقالُ في لامِ التَّعْرِيفِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إنَّها دالَّةٌ عَلى مَعْنى الكَمالِ فَلَيْسُوا يُرِيدُونَ أنَّ مَعْنى الكَمالِ مِن مَعانِي لامِ التَّعْرِيفِ.
ولَمّا كانَ الكَلامُ مَسُوقًا بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ دارَ الجِدالُ مَعَهم مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَرى الجِدالُ مَعَهم، فَأفادَ مَعْنى: إنَّ الخاسِرِينَ أنْتُمْ، إلّا أنَّ وجْهَ العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرِ إلى المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِإدْماجِ وعِيدِهِمْ بِأنَّهم يَخْسَرُونَ أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
ومَعْنى خُسْرانِهِمْ أنْفُسَهم: أنَّهم تَسَبَّبُوا لِأنْفُسِهِمْ في العَذابِ في حِينِ حَسِبُوا أنَّهم سَعَوْا لَها في النَّعِيمِ والنَّجاحِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في إيقاعِ أنْفُسِهِمْ في العَذابِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُلْقُونَها في النَّعِيمِ، بِحالِ التّاجِرِ الَّذِي عَرَّضَ مالَهُ لِلنَّماءِ والرِّبْحِ فَأُصِيبَ بِالتَّلَفِ، فَأُطْلِقَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ تَرْكِيبُ ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ.
صفحة ٣٦١
وأمّا خُسْرانُهم أهْلِيهِمْ فَهو مِثْلُ خُسْرانِهِمْ أنْفُسَهم وذَلِكَ أنَّهم أغْرَوْا أهْلِيهِمْ مِن أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ بِالكُفْرِ كَما أوْقَعُوا أنْفُسَهم فِيهِ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِأهْلِيهِمْ في الآخِرَةِ ولَمْ يَنْفَعُوهم ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] فَكانَ خُسْرانُهم خُسْرانًا عَظِيمًا.
فَقَوْلُهُ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ اسْتِئْنافٌ هو بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ والنَّتِيجَةِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ لِأنَّ وصْفَ الَّذِينَ خَسِرُوا بِأنَّهم خَسِرُوا أحَبَّ ما عِنْدَهم وبِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْحَصَرَ فِيهِمْ جِنْسُ الخاسِرِينَ، يُسْتَخْلَصُ مِنهُ أنَّ خَسارَتَهم أعْظَمُ خَسارَةٍ وأوْضَحُها لِلْعَيانِ، ولِذَلِكَ أُوثِرَتْ خَسارَتُهم بِاسْمِ الخُسْرانِ الَّذِي هو اسْمُ مَصْدَرِ الخَسارَةِ دالٌّ عَلى قُوَّةِ المَصْدَرِ والمُبالَغَةِ فِيهِ.
وأُشِيرَ إلى العِنايَةِ والِاهْتِمامِ بِوَصْفِ خَسارَتِهِمْ، بِأنِ افْتَتَحَ الكَلامَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ داخِلًا عَلى اسْمِ الإشارَةِ المُفِيدِ تَمْيِيزَ المُشارِ إلَيْهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، وبِتَوَسُّطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ المُفِيدِ لِلْقَصْرِ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الحَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ .
الزمر 39:16
﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] وخُصَّ بِالإبْدالِ لِأنَّهُ أشَدُّ خُسْرانَهِمْ عَلَيْهِمْ لِتَسَلُّطِهِ عَلى إهْلاكِ أجْسامِهِمْ. والخُسْرانُ يَشْتَمِلُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخِزْيِ وغَضَبِ اللَّهِ واليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ. فَضَمِيرُ ”لَهم“ عائِدٌ إلى مَجْمُوعِ أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ.
والظُّلَلُ: اسْمُ جَمْعِ ظُلَّةٍ، وهي شَيْءٌ مُرْتَفِعٌ مِن بِناءٍ أوْ أعْوادٍ مِثْلُ الصُّفَّةِ يَسْتَظِلُّ بِهِ الجالِسُ تَحْتَهُ، مُشْتَقَّةُ مِنَ الظِّلِّ لِأنَّها يَكُونُ لَها ظِلٌّ في الشَّمْسِ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢] في سُورَةِ لُقْمانَ. وهي هُنا اسْتِعارَةٌ لِلطَّبَقَةِ الَّتِي تَعْلُو أهْلَ النّارِ في نارِ جَهَنَّمَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ مِنَ النّارِ، شُبِّهَتْ بِالظُّلَّةِ في العُلُوِّ والغَشَيانِ
صفحة ٣٦٢
مَعَ التَّهَكُّمِ لِأنَّهم يَتَمَنَّوْنَ ما يَحْجُبُ عَنْهم حَرَّ النّارِ فَعَبَّرَ عَنْ طَبَقاتِ النّارِ بِالظُّلَلِ إشارَةً إلى أنَّهم لا واقِيَ لَهم مِن حَرِّ النّارِ عَلى نَحْوِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، وقَوْلُهُ ”لَهم“ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ.
وأمّا إطْلاقُ الظُّلَلِ عَلى الطَّبَقاتِ الَّتِي تَحْتَهم فَهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ ولِأنَّ الطَّبَقاتِ الَّتِي تَحْتَهم مِنَ النّارِ تَكُونُ ظُلَلًا لِكُفّارٍ آخَرِينَ لِأنَّ جَهَنَّمَ دَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ.
* * *
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّهْدِيدِ بِالوَعِيدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمُ﴾ [الزمر: ١٥] الآيَةَ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ يَخْطُرُ في نَفْسِ السّامِعِ لِوَصْفِ عَذابِهِمْ بِأنَّهُ ظِلٌّ مِنَ النّارِ مِن فَوْقِهِمْ وظِلٌّ مِن تَحْتِهِمْ أنْ يَقُولَ سائِلُ: ما يَقَعُ إعْدادُ العَذابِ لَهم في الآخِرَةِ بَعْدَ فَواتِ تَدارُكِ كُفْرِهِمْ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ العَذابَ في الآخِرَةِ لِتَخْوِيفِ اللَّهِ عِبادَهُ حِينَ يَأْمُرُهم بِالِاسْتِقامَةِ ويُشَرِّعُ لَهُمُ الشَّرائِعَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم إذا لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ورُسُلِهِ تَكُونُ ذَلِكَ عاقِبَتُهم. ولَمّا كانَ وعِيدُ اللَّهِ خَبَرًا مِنهُ ولا يَكُونُ إلّا صِدْقًا حَقَّقَ لَهم في الآخِرَةِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ في الحَياةِ، وتَخْوِيفُ اللَّهِ بِهِ مَعْناهُ أنَّهُ يُخَوِّفُهم بِالإخْبارِ بِهِ وبِوَصْفِهِ، أمّا إذاقَتُهم إيّاهُ فَهي تَحْقِيقٌ لِلْوَعِيدِ.
ويُعْلَمُ مِن هَذا بِطْرِيقِ المُقابَلَةِ جَعْلُ الجَنَّةِ لِتَرْغِيبِ عِبادِهِ في التَّقْوى، إلّا أنَّهُ طَوى ذِكْرَهُ لِأنَّ السِّياقَ مَوْعِظَةُ أهْلِ الشِّرْكِ، فاللَّهُ جَعَلَ الجَنَّةَ وجَهَنَّمَ إتْمامًا لِحِكْمَتِهِ ومُرادِهِ مِن نِظامِ الحَياةِ الدُّنْيا لِيَكُونَ النّاسُ فِيها عَلى أكْمَلِ ما تَرْتَقِي إلَيْهِ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ. والظّاهِرُ أنَّ الجَنَّةَ جَعَلَها اللَّهُ مَسْكَنًا لِأهْلِ النُّفُوسِ المُقَدَّسَةِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ مِثْلَ الرُّسُلِ؛ فَلِذَلِكَ هي مَخْلُوقَةٌ مِن قَبْلِ ظُهُورِ التَّكْلِيفِ، وأمّا جَهَنَّمُ فَيُحْتَمَلُ أنَّها مُقَدَّمَةٌ وهو ظاهِرُ حَدِيثِ «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأذِنَ لَها بِنَفَسَيْنِ نَفْسٍ في الشِّتاءِ ونَفْسٍ في الصَّيْفِ»، ويُحْتَمَلُ أنَّها تُخْلَقُ يَوْمَ الجَزاءِ ويُتَأوَّلُ الحَدِيثُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما وصَفَ مِنَ الخُسْرانِ والعَذابِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.
صفحة ٣٦٣
والتَّخْوِيفُ مَصْدَرُ خَوَّفَهُ، إذا جَعَلَهُ خائِفًا إذا أراهُ ووَصَفَ لَهُ شَيْئًا يُثِيرُ في نَفْسِهِ الخَوْفَ، وهو الشُّعُورُ بِما يُؤْلِمُ النَّفْسَ بِواسِطَةِ إحْدى الحَواسِّ الخَمْسِ.
والعِبادُ المُضافُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ في المَوْضِعَيْنِ هُنا يَعُمُّ كُلَّ عَبْدٍ مِنَ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ إذِ الجَمِيعُ يَخافُونَ العَذابَ عَلى العِصْيانِ، والعَذابُ مُتَفاوِتٌ؛ وأقْصاهُ: الخُلُودُ لِأهْلِ الشِّرْكِ، ولَيْسَ العِبادُ هُنا مُرادًا بِهِ أهلُ القُرْبِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ مَقامَ التَّخْوِيفِ ولِأنَّ قَرِينَةَ قَوْلِهِ ”عِبادَهُ“ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُنادَيْنَ جَمِيعُ العِبادِ، فَفُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَحْوِ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ [الزخرف: ٦٨] .
* * *
﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ تَفْرِيعٌ وتَعْقِيبٌ لِجُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ لِأنَّ التَّخْوِيفَ مُؤْذِنُ بِأنَّ العَذابَ أُعِدَ لِأهْلِ العِصْيانِ فَناسَبَ أنْ يُعْقَبَ بِأمْرِ النّاسِ بِالتَّقْوى لِلتَّفادِي مِنَ العَذابِ.
وقُدِّمَ النِّداءُ عَلى التَّفْرِيعِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ المَقامَ هُنا مَقامُ تَحْذِيرٍ وتَرْهِيبٍ، فَهو جَدِيرٌ بِاسْتِرْعاءِ ألْبابِ المُخاطَبِينَ إلى ما سَيَرِدُ مِن بَعْدُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلى التَّخْوِيفِ بِخِلافِ آيَةِ البَقَرَةِ فَإنَّها في سِياقِ التَّرْغِيبِ في إكْمالِ أعْمالِ الحَجِّ والتَّزَوُّدِ لِلْآخِرَةِ فَلِذَلِكَ جاءَ الأمْرُ بِالتَّقْوى فِيها مَعْطُوفًا بِالواوِ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن قَوْلِهِ يا عِبادِ عَلى أحَدِ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ في المُنادى المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.
الزمر 39:17
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ لَمّا انْتَهى تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ ومَوْعِظَةُ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ ثُنِيَ عَنانِ الخِطابِ إلى جانِبِ المُؤْمِنِينَ فِيما يَخْتَصُّ بِهِمْ مِنَ البِشارَةِ مُقابَلَةً لِنِذارَةِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٦٤
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر: ١٥] الآيَةَ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو لَهُمُ البُشْرى، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ [الزمر: ١٦] .
والطّاغُوتُ: مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرِ ”طَغا“ عَلى وزْنِ ”فَعَلُوتٍ“ بِتَحْرِيكِ العَيْنِ بِوَزْنِ رَحَمُوتٍ ومَلَكُوتٍ. وفي أصْلِهِ لُغَتانِ الواوُ والياءُ لِقَوْلِهِمْ: طَغا طُغُوًّا مِثْلَ عُلُوٍّ، وقَوْلِهِمْ: طُغْوانُ وطُغْيانُ. وظاهِرُ القامُوسِ أنَّهُ واوِيٌّ، وإذْ كانَتْ لامُهُ حَرْفَ عِلَّةٍ ووَقَعَتْ بَعْدَها واوٌ زِنَةَ ”فَعَلَوْتٍ“ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَيْها فَقَدَّمُوها عَلى العَيْنِ لِيَتَأتّى قَلْبُها ألْفًا حَيْثُ تَحَرَّكَتْ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَصارَ ”طاغُوتٌ“ بِوَزْنِ ”فَلَعُوتٍ“ بِتَحْرِيكِ اللّامِ وتاؤُهُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في المَصْدَرِ.
ومِنَ العُلَماءِ مِن جَعَلَ الطّاغُوتَ اسْمًا أعْجَمِيًّا عَلى وزْنِ فاعُولٍ مِثْلَ جالُوتَ وطالُوتَ وهارُونَ، وذَكَرَهُ في الإتْقانِ فِيما وقَعَ في القُرْآنِ مِنَ المُعَرَّبِ وقالَ: إنَّهُ الكاهِنُ بِالحَبَشِيَّةِ. واسْتَدْرَكَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِيما زادَهُ عَلى أبْياتِ ابْنِ السُّبْكِيِّ في الألْفاظِ المُعَرَّبَةِ الواقِعَةِ في القُرْآنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِأخْصَرَ مِمّا هُنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] في سُورَةِ النِّساءِ.
وأُطْلِقَ الطّاغُوتُ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى القَوِيِّ في الكُفْرِ أوِ الظُّلْمِ، فَأُطْلِقَ عَلى الصَّنَمِ، وعَلى جَماعَةِ الأصْنامِ، وعَلى رَئِيسِ أهْلِ الكُفْرِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ. وأمّا جَمْعُهُ عَلى ”طَواغِيتَ“ فَذَلِكَ عَلى تَغْلِيبِ الإسْمِيَّةِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ إذْ جُعِلَ الطّاغُوتُ لِواحِدِ الأصْنامِ وهو قَلِيلٌ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ جَماعَةُ الأصْنامِ وقَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في قَوْلِهِ ”أنْ يَعْبُدُوها“ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَمْعٌ لِغَيْرِ العاقِلِ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ الذُّكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وقَعَ خَبَرًا عَنِ الأوْلِياءِ وهو جَمْعٌ مُذَكَّرٌ، وبِاعْتِبارِ تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في زَعْمِ عِبادِها.
و”أنْ يَعْبُدُوها“ بَدَلٌ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
صفحة ٣٦٥
والإنابَةُ: التَّوْبَةُ وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] في سُورَةِ هُودٍ.
والمُرادُ بِها هُنا التَّوْبَةُ مِن كُلِّ ذَنْبٍ ومَعْصِيَةٍ وأعْلاها التَّوْبَةُ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ.
والبُشْرى: البِشارَةُ، وهي الإخْبارُ بِحُصُولِ نَفْعٍ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] في سُورَةِ يُونُسَ. والمُرادُ بِها هُنا: البُشْرى بِالجَنَّةِ.
وفِي تَقْدِيمِ المُسْنَدِ مِن قَوْلِهِ ”لَهُمُ البُشْرى“ إفادَةُ القَصْرِ وهو مِثلُ القَصْرِ في ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ .
وفُرِّعَ عَلى قَوْلِهِ ”لَهُمُ البُشْرى“ قَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ وهُمُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ، فَعَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِمْ بِأنْ يُقالَ: فَبَشِّرْهم، إلى الإظْهارِ بِاسْمِ العِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، وبِالصِّلَةِ لِزِيادَةِ مَدْحِهِمْ بِصِفَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وهُما: صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، أيْ: عُبُودِيَّةِ التَّقَرُّبِ، وصِفَةُ اسْتِماعِ القَوْلِ واتِّباعِ أحْسَنِهِ.
وقَرَأ العَشَرَةُ ما عَدا السُّوسِيِّ راوِي أبِي عَمْرٍو كَلِمَةَ ”عِبادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ دُونَ ياءٍ وهو تَخْفِيفٌ واجْتِزاءٌ بِوُجُودِ الكَسْرَةِ عَلى الدّالِ. وقَرَأها السُّوسِيُّ بِياءٍ بَعْدَ الدّالِ مَفْتُوحَةٍ في الوَصْلِ وساكِنَةٍ في الوَقْفِ، ونُقِلَ عَنْهُ حَذْفُ الياءِ في حالَةِ الوَقْفِ وهُما وجْهانِ صَحِيحانِ في العَرَبِيَّةِ كَما في التَّسْهِيلِ، لَكِنِ اتَّفَقَتِ المَصاحِفُ كِتابَةَ ”عِبادِ“ هُنا بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الدّالِ وذَلِكَ يُوَهِّنُ قِراءَةالسُّوسِيِّ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ لَها بِأنَّها مِن قَبِيلِ الأداءِ.
والتَّعْرِيفُ في القَوْلِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ: يَسْتَمِعُونَ الأقْوالَ مِمّا يَدْعُو إلى الهُدى مِثْلَ القُرْآنِ وإرْشادِ الرَّسُولِ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ الأقْوالَ الَّتِي يُرِيدُ أهْلُها صَرْفَهم عَنِ الإيمانِ مِن تُرَّهاتِ أيِمَّةِ الكُفْرِ فَإذا اسْتَمَعُوا ذَلِكَ اتَّبَعُوا أحْسَنَهُ وهو ما يَدْعُو إلى الحَقِّ.
والمُرادُ: يَتْبَعُونَ القَوْلَ الحَسَنَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ هُنا لَيْسَ
صفحة ٣٦٦
مُسْتَعْمَلًا في تَفاوُتِ المَوْصُوفِ بِهِ في الفَضْلِ عَلى غَيْرِهِ فَهو لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الوَصْفِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] . أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أهْلُ نَقْدٍ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الهُدى والضَّلالِ والحِكْمَةِ والأوْهامِ نُظّارٌ في الأدِلَّةِ الحَقِيقِيَّةِ نُقّادٌ لِلْأدِلَّةِ السُّفُسْطائِيَّةِ.
وفِي المَوْصُولِ إيماءٌ إلى أنَّ اتِّباعَ أحْسَنِ القَوْلِ سَبَبٌ في حُصُولِ هِدايَةِ اللَّهِ إيّاهم.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ مُسْتَأْنِفَةٌ لِاسْتِرْعاءِ الذِّهْنِ لِتَلَقِّي هَذا الخَبَرَ. وأُكِّدَ هَذا الِاسْتِرْعاءُ بِجَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشارَةٍ لِيَتَمَيَّزَ المُشارُ إلَيْهِمْ، أكْمَلَ تَمَيُّزَهُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم كانُوا أحْرِياءَ بِهَذِهِ العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِأجْلِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهي صِفاتُ اجْتِنابِهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ مَعَ الإنابَةِ إلى اللَّهِ واسْتِماعِهِمْ كَلامِ اللَّهِ واتِّباعِهِمْ إيّاهُ نابِذِينَ ما يُلْقِي بِهِ المُشْرِكُونَ مِن أقْوالِ التَّضْلِيلِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ ذِكْرِ أوْصافٍ أوْ أخْبارٍ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في الِاهْتِمامِ بِالحُكْمِ والمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَتارَةً يُشارُ إلى المَحْكُومِ عَلَيْهِ كَما هُنا وتارَةً يُشارُ إلى الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] في سُورَةِ ص.
وقَدْ أفادَ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ قَصْرَ الهِدايَةِ عَلَيْهِمْ وهو قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرَ تَعْيِينٍ، أيْ: دُونِ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ.
ومَعْنى ”هَداهُمُ اللَّهُ“ أنَّهم نالُوا هَذِهِ الفَضِيلَةَ بِأنْ خَلَقَ اللَّهُ نُفُوسَهم قابِلَةً لِلْهُدى الَّذِي يُخاطِبُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَتَهَيَّأتْ نُفُوسُهم لِذَلِكَ وأقْبَلُوا عَلى سَماعِ الهُدى بِشَراشِرِهِمْ وسَعَوْا إلى ما يُبَلِّغُهم إلى رِضاهُ وطَلَبُوا النَّجاةَ مِن غَضَبِهِ.
ولَيْسَ المُرادُ بِهَدْيِ اللَّهِ إيّاهم أنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِمْ أوامِرَ إرْشادِهِ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلُ لِلَّذِينَ خُوطِبُوا بِالقُرْآنِ فَأعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَطَلَّبُوا البَحْثَ عَمّا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ.
صفحة ٣٦٧
وأشارَتْ جُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ إلى مَعْنى تَهْيِئَتِهِمْ لِلِاهْتِداءِ بِما فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن عُقُولٍ كامِلَةٍ، وأصْلُ الخِلْقَةِ مَيّالَةٌ لِفَهْمِ الحَقائِقِ غَيْرُ مُكْتَرِثَةٍ بِالمَأْلُوفِ ولا مُراعاةِ الباطِلِ، عَلى تَفاوُتِ تِلْكَ العُقُولِ في مَدى سُرْعَةِ البُلُوغِ لِلِاهْتِداءِ، فَمِنهم مَن آمَنَ عِنْدَ أوَّلِ دُعاءٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِثْلُ خَدِيجَةَ وأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومِنهم مَن آمَنَ بُعَيْدَ ذَلِكَ أوْ بَعْدَهُ، فَأُشِيرُ إلى رُسُوخِ هَذِهِ الأحْوالِ في عُقُولِهِمْ بِذِكْرِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مَعَ كَلِمَةِ أُولُوا الدّالَّةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ بِها مُمْسِكٌ بِما أُضِيفَتْ إلَيْهِ كَلِمَةُ ”أُولُوا“، وبِما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ ”الألْبابِ“ مِن مَعْنى الكَمالِ، فَلَيْسَ التَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ لِأنَّ جِنْسَ الألْبابِ ثابَتٌ لِجَمِيعِ العُقَلاءِ. وأشارَ إعادَةُ اسْمِ الإشارَةِ إلى تَمَيُّزِهِمْ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ مِن بَيْنِ نُظَرائِهِمْ وأهْلِ عَصْرِهِمْ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ وقابِلٍ، فَأُشِيرَ إلى الفاعِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ”هَداهُمُ اللَّهُ“، وإلى المُقابِلِ بِقَوْلِهِ هم أُولُوا الألْبابِ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ القَصْرِ ما في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ .
وقَدْ دَلَّ ثَناءُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُمَّلِ بِأنَّهم أحْرَزُوا صِفَةَ اتِّباعِ أحْسَنِ القَوْلِ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ، عَلى شَرَفِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ولِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصَّوابِ والخَطَأِ ولِغَلْقِ المَجالِ في وجْهِ الشُّبْهَةِ ونَفْيِ تَلَبُّسِ السَّفْسَطَةِ.
وهَذا مِنهُ ما هو واجِبٌ عَلى الأعْيانِ وهو ما يُكْتَسَبُ بِهِ الِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ عَلى قَدْرِ قَرِيحَةِ النّاظِرِ، ومِنهُ واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ وهو فَضِيلَةٌ وكَمالٌ في الأعْيانِ وهو النَّظَرُ والِاسْتِدْلالُ في شَرائِعِ الإسْلامِ وإدْراكُ دَلائِلِ ذَلِكَ والفِقْهُ في ذَلِكَ والفَهْمُ فِيهِ والتَّهَمُّمُ بِرِعايَةِ مَقاصِدِهِ في شَرائِعِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ، وآدابِ المُعاشَرَةِ لِإقامَةِ نِظامِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ عَلى أصْدَقِ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وإلْجامُ الخائِضِينَ في ذَلِكَ بِعَمايَةٍ وغُرُورٍ، وإلْقامُ المُتَنَطِّعِينَ والمُلْحِدِينَ.
ومِمّا يَتْبَعُ ذَلِكَ انْتِفاءُ أحْسَنِ الأدِلَّةِ وأبْلَغِ الأقْوالِ المُوَصِّلَةِ إلى هَذا المَقْصُودِ بِدُونِ اخْتِلالِ ولا اعْتِلالِ بِتَهْذِيبِ العُلُومِ ومُؤَلَّفاتِها، فَقَدْ قِيلَ: خُذُوا مِن كُلِّ عِلْمٍ أحْسَنَهُ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى هُنا ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ .
صفحة ٣٦٨
وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأبِي ذَرِّ الغِفارِيِّ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها في جاهِلِيَّتِهِمْ واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما بَلَغَهم مِنَ القَوْلِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ الآيَةَ في عُثْمانَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصِ، جاءُوا إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ أسْلَمَ فَسَألُوهُ فَأخْبَرَهم بِإيمانِهِ فَآمَنُوا.
الزمر 39:18
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ لَمّا انْتَهى تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ ومَوْعِظَةُ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ ثُنِيَ عَنانِ الخِطابِ إلى جانِبِ المُؤْمِنِينَ فِيما يَخْتَصُّ بِهِمْ مِنَ البِشارَةِ مُقابَلَةً لِنِذارَةِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٦٤
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر: ١٥] الآيَةَ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو لَهُمُ البُشْرى، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ [الزمر: ١٦] .
والطّاغُوتُ: مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرِ ”طَغا“ عَلى وزْنِ ”فَعَلُوتٍ“ بِتَحْرِيكِ العَيْنِ بِوَزْنِ رَحَمُوتٍ ومَلَكُوتٍ. وفي أصْلِهِ لُغَتانِ الواوُ والياءُ لِقَوْلِهِمْ: طَغا طُغُوًّا مِثْلَ عُلُوٍّ، وقَوْلِهِمْ: طُغْوانُ وطُغْيانُ. وظاهِرُ القامُوسِ أنَّهُ واوِيٌّ، وإذْ كانَتْ لامُهُ حَرْفَ عِلَّةٍ ووَقَعَتْ بَعْدَها واوٌ زِنَةَ ”فَعَلَوْتٍ“ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَيْها فَقَدَّمُوها عَلى العَيْنِ لِيَتَأتّى قَلْبُها ألْفًا حَيْثُ تَحَرَّكَتْ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَصارَ ”طاغُوتٌ“ بِوَزْنِ ”فَلَعُوتٍ“ بِتَحْرِيكِ اللّامِ وتاؤُهُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في المَصْدَرِ.
ومِنَ العُلَماءِ مِن جَعَلَ الطّاغُوتَ اسْمًا أعْجَمِيًّا عَلى وزْنِ فاعُولٍ مِثْلَ جالُوتَ وطالُوتَ وهارُونَ، وذَكَرَهُ في الإتْقانِ فِيما وقَعَ في القُرْآنِ مِنَ المُعَرَّبِ وقالَ: إنَّهُ الكاهِنُ بِالحَبَشِيَّةِ. واسْتَدْرَكَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِيما زادَهُ عَلى أبْياتِ ابْنِ السُّبْكِيِّ في الألْفاظِ المُعَرَّبَةِ الواقِعَةِ في القُرْآنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِأخْصَرَ مِمّا هُنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] في سُورَةِ النِّساءِ.
وأُطْلِقَ الطّاغُوتُ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى القَوِيِّ في الكُفْرِ أوِ الظُّلْمِ، فَأُطْلِقَ عَلى الصَّنَمِ، وعَلى جَماعَةِ الأصْنامِ، وعَلى رَئِيسِ أهْلِ الكُفْرِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ. وأمّا جَمْعُهُ عَلى ”طَواغِيتَ“ فَذَلِكَ عَلى تَغْلِيبِ الإسْمِيَّةِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ إذْ جُعِلَ الطّاغُوتُ لِواحِدِ الأصْنامِ وهو قَلِيلٌ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ جَماعَةُ الأصْنامِ وقَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في قَوْلِهِ ”أنْ يَعْبُدُوها“ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَمْعٌ لِغَيْرِ العاقِلِ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ الذُّكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وقَعَ خَبَرًا عَنِ الأوْلِياءِ وهو جَمْعٌ مُذَكَّرٌ، وبِاعْتِبارِ تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في زَعْمِ عِبادِها.
و”أنْ يَعْبُدُوها“ بَدَلٌ مِنَ الطّاغُوتِ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
صفحة ٣٦٥
والإنابَةُ: التَّوْبَةُ وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] في سُورَةِ هُودٍ.
والمُرادُ بِها هُنا التَّوْبَةُ مِن كُلِّ ذَنْبٍ ومَعْصِيَةٍ وأعْلاها التَّوْبَةُ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ.
والبُشْرى: البِشارَةُ، وهي الإخْبارُ بِحُصُولِ نَفْعٍ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] في سُورَةِ يُونُسَ. والمُرادُ بِها هُنا: البُشْرى بِالجَنَّةِ.
وفِي تَقْدِيمِ المُسْنَدِ مِن قَوْلِهِ ”لَهُمُ البُشْرى“ إفادَةُ القَصْرِ وهو مِثلُ القَصْرِ في ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ .
وفُرِّعَ عَلى قَوْلِهِ ”لَهُمُ البُشْرى“ قَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ وهُمُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ، فَعَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِمْ بِأنْ يُقالَ: فَبَشِّرْهم، إلى الإظْهارِ بِاسْمِ العِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، وبِالصِّلَةِ لِزِيادَةِ مَدْحِهِمْ بِصِفَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وهُما: صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، أيْ: عُبُودِيَّةِ التَّقَرُّبِ، وصِفَةُ اسْتِماعِ القَوْلِ واتِّباعِ أحْسَنِهِ.
وقَرَأ العَشَرَةُ ما عَدا السُّوسِيِّ راوِي أبِي عَمْرٍو كَلِمَةَ ”عِبادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ دُونَ ياءٍ وهو تَخْفِيفٌ واجْتِزاءٌ بِوُجُودِ الكَسْرَةِ عَلى الدّالِ. وقَرَأها السُّوسِيُّ بِياءٍ بَعْدَ الدّالِ مَفْتُوحَةٍ في الوَصْلِ وساكِنَةٍ في الوَقْفِ، ونُقِلَ عَنْهُ حَذْفُ الياءِ في حالَةِ الوَقْفِ وهُما وجْهانِ صَحِيحانِ في العَرَبِيَّةِ كَما في التَّسْهِيلِ، لَكِنِ اتَّفَقَتِ المَصاحِفُ كِتابَةَ ”عِبادِ“ هُنا بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الدّالِ وذَلِكَ يُوَهِّنُ قِراءَةالسُّوسِيِّ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ لَها بِأنَّها مِن قَبِيلِ الأداءِ.
والتَّعْرِيفُ في القَوْلِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ: يَسْتَمِعُونَ الأقْوالَ مِمّا يَدْعُو إلى الهُدى مِثْلَ القُرْآنِ وإرْشادِ الرَّسُولِ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ الأقْوالَ الَّتِي يُرِيدُ أهْلُها صَرْفَهم عَنِ الإيمانِ مِن تُرَّهاتِ أيِمَّةِ الكُفْرِ فَإذا اسْتَمَعُوا ذَلِكَ اتَّبَعُوا أحْسَنَهُ وهو ما يَدْعُو إلى الحَقِّ.
والمُرادُ: يَتْبَعُونَ القَوْلَ الحَسَنَ مِن تِلْكَ الأقْوالِ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ هُنا لَيْسَ
صفحة ٣٦٦
مُسْتَعْمَلًا في تَفاوُتِ المَوْصُوفِ بِهِ في الفَضْلِ عَلى غَيْرِهِ فَهو لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الوَصْفِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] . أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أهْلُ نَقْدٍ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الهُدى والضَّلالِ والحِكْمَةِ والأوْهامِ نُظّارٌ في الأدِلَّةِ الحَقِيقِيَّةِ نُقّادٌ لِلْأدِلَّةِ السُّفُسْطائِيَّةِ.
وفِي المَوْصُولِ إيماءٌ إلى أنَّ اتِّباعَ أحْسَنِ القَوْلِ سَبَبٌ في حُصُولِ هِدايَةِ اللَّهِ إيّاهم.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ مُسْتَأْنِفَةٌ لِاسْتِرْعاءِ الذِّهْنِ لِتَلَقِّي هَذا الخَبَرَ. وأُكِّدَ هَذا الِاسْتِرْعاءُ بِجَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشارَةٍ لِيَتَمَيَّزَ المُشارُ إلَيْهِمْ، أكْمَلَ تَمَيُّزَهُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم كانُوا أحْرِياءَ بِهَذِهِ العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِأجْلِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهي صِفاتُ اجْتِنابِهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ مَعَ الإنابَةِ إلى اللَّهِ واسْتِماعِهِمْ كَلامِ اللَّهِ واتِّباعِهِمْ إيّاهُ نابِذِينَ ما يُلْقِي بِهِ المُشْرِكُونَ مِن أقْوالِ التَّضْلِيلِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ ذِكْرِ أوْصافٍ أوْ أخْبارٍ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في الِاهْتِمامِ بِالحُكْمِ والمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَتارَةً يُشارُ إلى المَحْكُومِ عَلَيْهِ كَما هُنا وتارَةً يُشارُ إلى الخَبَرِ كَما في قَوْلِهِ ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] في سُورَةِ ص.
وقَدْ أفادَ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ قَصْرَ الهِدايَةِ عَلَيْهِمْ وهو قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرَ تَعْيِينٍ، أيْ: دُونِ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ.
ومَعْنى ”هَداهُمُ اللَّهُ“ أنَّهم نالُوا هَذِهِ الفَضِيلَةَ بِأنْ خَلَقَ اللَّهُ نُفُوسَهم قابِلَةً لِلْهُدى الَّذِي يُخاطِبُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَتَهَيَّأتْ نُفُوسُهم لِذَلِكَ وأقْبَلُوا عَلى سَماعِ الهُدى بِشَراشِرِهِمْ وسَعَوْا إلى ما يُبَلِّغُهم إلى رِضاهُ وطَلَبُوا النَّجاةَ مِن غَضَبِهِ.
ولَيْسَ المُرادُ بِهَدْيِ اللَّهِ إيّاهم أنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِمْ أوامِرَ إرْشادِهِ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلُ لِلَّذِينَ خُوطِبُوا بِالقُرْآنِ فَأعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَطَلَّبُوا البَحْثَ عَمّا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ.
صفحة ٣٦٧
وأشارَتْ جُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ إلى مَعْنى تَهْيِئَتِهِمْ لِلِاهْتِداءِ بِما فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن عُقُولٍ كامِلَةٍ، وأصْلُ الخِلْقَةِ مَيّالَةٌ لِفَهْمِ الحَقائِقِ غَيْرُ مُكْتَرِثَةٍ بِالمَأْلُوفِ ولا مُراعاةِ الباطِلِ، عَلى تَفاوُتِ تِلْكَ العُقُولِ في مَدى سُرْعَةِ البُلُوغِ لِلِاهْتِداءِ، فَمِنهم مَن آمَنَ عِنْدَ أوَّلِ دُعاءٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِثْلُ خَدِيجَةَ وأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومِنهم مَن آمَنَ بُعَيْدَ ذَلِكَ أوْ بَعْدَهُ، فَأُشِيرُ إلى رُسُوخِ هَذِهِ الأحْوالِ في عُقُولِهِمْ بِذِكْرِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مَعَ كَلِمَةِ أُولُوا الدّالَّةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ بِها مُمْسِكٌ بِما أُضِيفَتْ إلَيْهِ كَلِمَةُ ”أُولُوا“، وبِما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ ”الألْبابِ“ مِن مَعْنى الكَمالِ، فَلَيْسَ التَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ لِأنَّ جِنْسَ الألْبابِ ثابَتٌ لِجَمِيعِ العُقَلاءِ. وأشارَ إعادَةُ اسْمِ الإشارَةِ إلى تَمَيُّزِهِمْ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ مِن بَيْنِ نُظَرائِهِمْ وأهْلِ عَصْرِهِمْ.
وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ وقابِلٍ، فَأُشِيرَ إلى الفاعِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ”هَداهُمُ اللَّهُ“، وإلى المُقابِلِ بِقَوْلِهِ هم أُولُوا الألْبابِ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ القَصْرِ ما في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ .
وقَدْ دَلَّ ثَناءُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُمَّلِ بِأنَّهم أحْرَزُوا صِفَةَ اتِّباعِ أحْسَنِ القَوْلِ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ، عَلى شَرَفِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ولِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصَّوابِ والخَطَأِ ولِغَلْقِ المَجالِ في وجْهِ الشُّبْهَةِ ونَفْيِ تَلَبُّسِ السَّفْسَطَةِ.
وهَذا مِنهُ ما هو واجِبٌ عَلى الأعْيانِ وهو ما يُكْتَسَبُ بِهِ الِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ عَلى قَدْرِ قَرِيحَةِ النّاظِرِ، ومِنهُ واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ وهو فَضِيلَةٌ وكَمالٌ في الأعْيانِ وهو النَّظَرُ والِاسْتِدْلالُ في شَرائِعِ الإسْلامِ وإدْراكُ دَلائِلِ ذَلِكَ والفِقْهُ في ذَلِكَ والفَهْمُ فِيهِ والتَّهَمُّمُ بِرِعايَةِ مَقاصِدِهِ في شَرائِعِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ، وآدابِ المُعاشَرَةِ لِإقامَةِ نِظامِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ عَلى أصْدَقِ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وإلْجامُ الخائِضِينَ في ذَلِكَ بِعَمايَةٍ وغُرُورٍ، وإلْقامُ المُتَنَطِّعِينَ والمُلْحِدِينَ.
ومِمّا يَتْبَعُ ذَلِكَ انْتِفاءُ أحْسَنِ الأدِلَّةِ وأبْلَغِ الأقْوالِ المُوَصِّلَةِ إلى هَذا المَقْصُودِ بِدُونِ اخْتِلالِ ولا اعْتِلالِ بِتَهْذِيبِ العُلُومِ ومُؤَلَّفاتِها، فَقَدْ قِيلَ: خُذُوا مِن كُلِّ عِلْمٍ أحْسَنَهُ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى هُنا ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ .
صفحة ٣٦٨
وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأبِي ذَرِّ الغِفارِيِّ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها في جاهِلِيَّتِهِمْ واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما بَلَغَهم مِنَ القَوْلِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ الآيَةَ في عُثْمانَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصِ، جاءُوا إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ أسْلَمَ فَسَألُوهُ فَأخْبَرَهم بِإيمانِهِ فَآمَنُوا.
الزمر 39:19
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ لَمّا أفادَ الحُصْرُ في قَوْلِهِ ”لَهُمُ البُشْرى“ والحَصْرانِ اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] أنَّ مَن سِواهم وهُمُ المُشْرِكُونَ لا بُشْرى لَهم ولَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ ولا ألْبابَ لَهم لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِعُقُولِهِمْ، وكانَ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ مَحْرُومُونَ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ بِالنَّعِيمِ الخالدِ لِحِرْمانِهِمْ مِنَ الطّاعَةِ الَّتِي هي سَبَبُهُ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ التَّنْبِيهَ عَلى انْتِفاءِ الطَّماعِيَةِ في هِدايَةِ الفَرِيقِ الَّذِي حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وهُمُ الَّذِينَ قُصِدَ إقْصاؤُهم عَنِ البُشْرى، والهِدايَةِ والِانْتِفاعِ بِعُقُولِهِمْ، بِالقَصْرِ المَصُوغَةِ عَلَيْهِ صِيَغُ القَصْرِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى طَرِيقَةٍ مُبْتَكَرَةٍ في الخَبَرِ المُهْتَمِّ بِهِ بِأنْ يُؤَكِّدَ مَضْمُونَهُ الثّابِتَ لِلْخَبَرِ عَنْهُ، بِإثْباتِ نَقِيضِ أوْ ضِدِّ ذَلِكَ المَضْمُونِ لِضِدِّ المُخْبَرَ عَنْهُ لِيَتَقَرَّرَ مَضْمُونُ الخَبَرِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِأصْلِهِ ومَرَّةً بِنَقِيضِهِ أوْ ضِدِّهُ، لِضِدِّ المُخْبَرِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] ويَكْثُرُ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْخَبَرِ المُتَقَدِّمِ كَما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ أوْ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ كَما في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ١٨] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلى المَوْصُوفِينَ مَرَّتَيْنِ فُرِّعَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ إثْباتُ ضِدِّ حُكْمِهِمْ لِمَن هم مُتَّصِفُونَ بِضِدِّ حالِهِمْ.
وبِهَذا يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ الفاءِ لِتَفْرِيعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ
صفحة ٣٦٩
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] لِأنَّ التَّفْرِيعَ يَقْتَضِي اتِّصالًا وارْتِباطًا بَيْنَ المُفَرَّعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ وذَلِكَ كالتَّفْرِيعِ في قَوْلِ لَبِيَدٍ:
أفَتِلْكَ أمْ وحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ خُذِلَتْ وهادِيَةُ الصِّوارِ قِوامُها
إذْ فَرَّعَ تَشْبِيهًا عَلى تَشْبِيهٍ لِاخْتِلافِ المُشَبَّهِ بِهِما.
وكَلِمَةُ ”العَذابِ“ كَلامُ وعِيدِ اللَّهِ إيّاهم بِالعَذابِ في الآخِرَةِ.
ومَعْنى ”حَقَّ“ تَحَقَّقَتْ في الواقِعِ، أيْ: كانَتْ كَلِمَةُ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِها حَقًّا غَيْرَ كَذِبٍ، فَمَعْنى ”حَقَّ“ هُنا تَحَقُّقُ، وحَقُّ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ ضِدُّ هَدْيِ اللَّهِ الآخَرِينَ، وكَوْنِهِمْ في النّارِ ضِدُّ كَوْنِ الآخَرِينَ لَهُمُ البُشْرى، وتَرْتِيبُ المُتَضادَّيْنِ جَرى عَلى طَرِيقَةِ شِبْهِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ضِدٌّ لِقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقَوْلُهُ ”ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ“ ضِدُّ قَوْلِهِ ”وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ“ .
و”مَن“ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِها أبُو لَهَبٍ ووَلَدُهُ ومَن تَخَلَّفَ عَنِ الإيمانِ مِن عَشِيرَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ ”مَن“ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ. والتَّقْدِيرُ: تُنْقِذُهُ مِنَ النّارِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ تَذْيِيلًا، أيْ: أنْتَ لا تُنْقِذُ الَّذِينَ في النّارِ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والهَمْزَةُ الثّانِيَةُ كَذَلِكَ. وإحْداهُما تَأْكِيدٌ لِلْأُخْرى الَّتِي قَبْلَها لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى نَحْوِ تَكْرِيرِ ”أنْ“ في قَوْلِ قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ:
لَقَدْ عَلِمَ الحَيُّ اليَمانُونَ أنَّنِي ∗∗∗ إذا قُلْتُ: أمّا بَعْدُ، أنِّي خَطِيبُها
والَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ وتَبِعَهُ شارِحُوهُ أنَّ ”مَن“ في قَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ شَرْطِيَّةٌ، بِناءً عَلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾
صفحة ٣٧٠
يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِمَعْنى غَيْرِ مَعْنى التَّفْرِيعِ المُسْتَفادِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها وإلّا كانَتْ مُؤَكِّدَةً لِلْأُولى وذَلِكَ يُنْقِصُ مَعْنًى مِنَ الآيَةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”مِنَ“ الأُولى مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ وتَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ مُؤَكِّدَةً لِلْفاءِ الأُولى في قَوْلِهِ ”أفَمَن حَقَّ“ إلَخْ؛ فَتَكُونُ الهَمْزَةُ والفاءُ مَعًا مُؤَكِّدَتَيْنِ لِلْهَمْزَةِ الأُولى والفاءُ الَّتِي مَعَها لِاتِّصالِهِما، ولِأنَّ جُمْلَةَ ”أفَأنْتَ تُنْقِذُ“ صادِقَةٌ عَلى ما صَدَقَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ جارِيًا عَلى غالِبِ اسْتِعْمالِهِ مِن تَوَجُّهِهِ إلى كَلامٍ لا شَرْطَ فِيهِ.
وأصْلُ الكَلامِ عَلى اعْتِبارِ ”مَن“ شَرْطِيَّةً: أمَّنْ تَحَقُقْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ في المُسْتَقْبَلِ، فَأنْتَ لا تُنْقِذُهُ مِنهُ؛ فَتَكُونُ هَمْزَةُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ؛ وتَكُونُ هَمْزَةُ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ افْتُتِحَ بِها الكَلامُ المُتَضَمِّنُ الإنْكارَ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ إنْكارًا، كَما أنَّ الكَلامَ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى نَفْيٍ قَدْ يَفْتَتِحُونَهُ بِحَرْفِ نَفْيٍ قَبْلَ أنْ يَنْطِقُوا بِالنَّفْيِ كَما في قَوْلِ مُسْلِمِ بْنِ مَعْبَدٍ الوالِبِيِّ مِن بَنِي أسَدٍ:
فَلا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ∗∗∗ ولا لِما بِهِمُ أبَدًا دَواءُ
ويُفِيدُ ذِكْرُها تَوْكِيدُ مُفادِ هَمْزَةِ الإنْكارِ إفادَةَ تَبَعِيَّةٍ.
وأصْلُ الكَلامِ عَلى اعْتِبارِ ”مَنِ“ الأُولى مَوْصُولَةَ: الَّذِينَ تَحِقُّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ أنْتَ لا تُنْقِذُهم مِنَ النّارِ، فَتَكُونُ الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وتَكُونُ هَمْزَةُ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ تَأْكِيدًا لِلْهَمْزَةِ الأُولى.
و”مَن“ مِن قَوْلِهِ ”مَن في النّارِ“ مَوْصُولَةٌ.
و”مَن في النّارِ“ هم مَن حَقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ لِأنَّ كَلِمَةَ العَذابِ هي أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ النّارِ فَوَقَعَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، والأصْلُ: ”أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ مِنَ النّارِ“ .
صفحة ٣٧١
وفائِدَةُ هَذا الإظْهارِ تَهْوِيلُ حالَتِهِمْ لِما في الصِّلَةِ مِن حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُصَوِّرِ لِحالَةِ إحاطَةِ النّارِ بِهِمْ، أيْ: أفَأنْتَ تُرِيدُ إنْقاذَهم مِنَ الوُقُوعِ في النّارِ وهُمُ الآنَ في النّارِ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ مَصِيرُهم إلى النّارِ، فَشُبِّهَ تَحَقُّقُ الوُقُوعِ في المُسْتَقْبَلِ بِتَحَقُّقِهِ في الحالِ. وقَدْ صُرِّحَ بِمِثْلِ هَذا الخَبَرِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ تَعالى أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ؛ وقَوْلُهُ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] في سُورَةِ المُلْكِ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّساوِي بَيْنَ هَذا وبَيْنَ المُؤْمِنِ.
وكَلِمَةُ ”العَذابِ“ هي كَلامُ اللَّهِ المُقْتَضِي أنَّ الكافِرَ في العَذابِ، أيْ تَقْدِيرُ اللَّهِ ذَلِكَ لِلْكافِرِ في وعِيدِهِ المُتَكَرِّرِ في القُرْآنِ. وتَجْرِيدُ فِعْلِ ”حَقَّ“ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّ فاعِلَهُ مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ وهو ”كَلِمَةُ“، لِأنَّ الفاعِلَ اكْتَسَبَ التَّذْكِيرَ مِمّا أُضِيفَ هو إلَيْهِ نَظَرًا لِإمْكانِ الِاسْتِغْناءِ عَنِ المُضافِ بِالمُضافِ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ.
وفائِدَةُ إقْحامِ ”كَلِمَةُ“ الإشارَةُ إلى أنَّ ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في ”أفَأنْتَ تُنْقِذُ“ مُفِيدٌ لِتَقَوِّي الحُكْمِ وهو إنْكارُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ بِتَكْرِيرِ دَعْوَتِهِ يُخَلِّصُهم مِن تَحَقُّقِ الوَعِيدِ أوْ يَحْصُلُ لَهُمُ الهِدايَةُ إذا لَمْ يُقَدِّرْها اللَّهُ لَهم.
والخَطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَهْوِينًا عَلَيْهِ بَعْضَ حِرْصِهِ عَلى تَكْرِيرِ دَعْوَتِهِمْ إلى الإسْلامِ، وحُزْنِهِ عَلى إعْراضِهِمْ وضَلالِهِمْ، وإلّا فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيءُ ﷺ بِالَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ يُنْقِذُهم مِن وعِيدِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ اجْتُلِبَ فِعْلُ الإنْقاذِ هُنا تَشْبِيهًا لِحالِ النَّبِيءِ ﷺ في حِرْصِهِ عَلى هَدْيِهِمْ وبُلُوغِ جُهْدِهِ في إقْناعِهِمْ بِتَصْدِيقِ دَعَوْتِهِ، وحالِهِمْ في انْغِماسِهِمْ في مُوجِباتِ وعِيدِهِمْ بِحالِ مَن يُحاوِلُ إنْقاذَ ساقِطٍ في النّارِ قَدْ أحاطَتِ النّارُ بِجَوانِبِهِ اسْتِحْقاقًا قَضى بِهِ مَن لا يُرِدْ مُرادَهُ، فَحالُهم تُشْبِهُ حالَ وُقُوعِهِمْ في النّارِ مِنَ الآنِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وحُذِفَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها، ورُمِزَ إلى مَعْناهُ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن مُلائِماتِ ذَلِكَ المُرَكَّبِ المَحْذُوفِ وهو فِعْلُ ﴿تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ الَّذِي هو مِن مُلائِماتِ وُقُوعِهِمْ في النّارِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِالمَكْنِيَّةِ، أيْ: إجْراءَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ في المُرَكَّبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾
صفحة ٣٧٢
قَرِينَةَ هَذِهِ المَكْنِيَّةِ وهو في ذاتِهِ اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] .
وهَذا مِمّا أشارَ إلَيْهِ الكَشّافُ وبَيَّنَهُ التَّفْتَزانِيُّ فَيُعَدُّ مِن مُبْتَكَراتِ دَقائِقِ أنْظارِهِما، وبِهِ يَتِمُّ تَقْسِيمُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ إلى قِسْمَيْنِ: مُصَرِّحَةٍ ومَكْنِيَّةٍ. وذَلِكَ كانَ مَغْفُولًا عَنْهُ في عِلْمِ البَيانِ وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الإنْقاذَ أُطْلِقَ عَلى الإلْحاحِ في الإنْذارِ مِن إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وأنَّ مَن في النّارِ مَن هو صائِرٌ إلى النّارِ، فَلا مُتَمَسَّكُ لِلْمُعْتَزِلَةِ في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، عَلى أنَّنا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في غَرَضِ الشَّفاعَةِ فَإنَّما نَفَتِ الشَّفاعَةَ لَأهْلِ الشِّرْكِ لِأنَّ مَن في النّارِ يَحْتَمِلُ العَهْدَ وهُمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ. ولا خِلافَ في أنَّ المُشْرِكِينَ لا شَفاعَةَ فِيهِمْ؛ قالَ تَعالى ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] عَلى أنَّ المَنفِيَّ هو أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مُنْقِذًا لِمَن أرادَ اللَّهُ عَدَمَ إنْقاذِهِ، فَأمّا الشَّفاعَةُ فَهو سُؤالُ اللَّهِ أنْ يُنْقِذَهُ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى نُكَتٍ بَدِيعَةٍ مِنَ الإعْجازِ إذْ أفادَتْ أنَّ هَذا الفَرِيقَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ يَكْمُنُ الكُفْرُ في قُلُوبِهِمْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِتَعْذِيبِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ، وأنَّ حالَهُمُ الآنَ كَحالِ مَن وقَعَ في النّارِ فَهو هالِكٌ لا مَحالَةَ، وحالَ النَّبِيءِ ﷺ في حِرْصِهِ عَلى هَدْيِهِمْ كَحالِ مَن رَأى ساقِطًا في النّارِ فانْدَفَعَ بِدافِعِ الشَّفَقَةِ إلى مُحاوَلَةِ إنْقاذِهِ ولَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ أُنْكِرَتْ شِدَّةُ حِرْصِهِ عَلى تَخْلِيصِهِمْ فَكانَ إيداعُ هَذا المَعْنى في جُمْلَتَيْنِ نِهايَةً في الإيجازِ مَعَ قَرْنِهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ تَأْكِيدُ الهَمْزَةِ والفاءُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الإطْنابِ في مَقامِ الصَّراحَةِ.
ثُمَّ بِما أُودِعَ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ العَجِيبَةِ بِطَرِيقِ المَكْنِيَّةِ ومِنَ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ في قَرِينَةِ المَكْنِيَّةِ.
وحاصِلُ نَظْمِ هَذا التَّرْكِيبِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَهو في النّارِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ وتُنْقِذُ مَن في النّارِ.
وقَدْ أشارَ إلى هَذِهِ الحالَةِ المُمَثَّلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيءَ
صفحة ٣٧٣
ﷺ يَقُولُ:
«إنَّما مَثَلِي ومَثَلُ النّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ جَعَلَ الفَراشَ وهَذِهِ الدَّوابُّ الَّتِي تَقَعُ في النّارِ يَقَعْنَ فِيها فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيها، فَأنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها» .
الزمر 39:20
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ أُعِيدَتْ بِشارَةُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ تَفْصِيلًا لِلْإجْمالِ الواقِعِ مِن قَبْلُ.
وافْتُتِحَ الإخْبارُ عَنْهم بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الفارِقِ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ وحالِ المُشْرِكِينَ والمُضادَّةِ بَيْنَهُما، فَحَرْفُ الِاسْتِدْراكِ هُنا لِمُجَرَّدِ الإشْعارِ بِتَضادِّ الحالَيْنِ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّهُ سَيَتَلَقّى حُكَمًا مُخالِفًا لِما سَبَقَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] في سُورَةِ بَراءَةَ، فَحَصَلَ في قَضِيَّةِ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ تَقْرِيرٌ عَلى تَقْرِيرٍ ابْتُدِئَ في الإشارَتَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] ثُمَّ بِما أُعْقِبَ مِن تَفْرِيعِ حالِ أضْدادِهِمْ عَلى ذِكْرِ أحْوالِهِمْ ثُمَّ بِالِاسْتِدْراكِ الفارِقِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أضْدادِهِمْ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم: هُمُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا عِبادَةَ الطّاغُوتِ وأنابُوا إلى اللَّهِ واتَّبَعُوا أحْسَنَ القَوْلِ واهْتَدَوْا بِهَدْيِ اللَّهِ وكانُوا أُولِي ألْبابٍ، فَعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِ ”هم“ هُنا إلى المَوْصُولِ لِقَصْدِ مَدْحِهِمْ بِمَدْلُولِ الصِّلَةِ ولِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ سَبَبٌ لِلْحُكْمِ المَحْكُومِ بِهِ عَلى المَوْصُولِ وهو نُوالُهُمُ الغُرَفَ.
وعُدِلَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى وصْفِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُتَّقِينَ لِما في تِلْكَ الإضافَةِ مِن تَشْرِيفِهِمْ بِرِضى رَبِّهِمْ عَنْهِمْ.
واللّامُ في ”لَهم“ لِلِاخْتِصاصِ. والمَعْنى: أنَّها لَهم في الجَنَّةِ، أيْ: أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ.
والغُرَفُ: جَمْعُ غُرْفَةٍ، بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ (وهي البَيْتُ المُرْتَكِزُ عَلى بَيْتٍ آخَرَ، ويُقالُ لَها العُلِّيَّةُ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها وبِكَسْرِ اللّامِ مُشَدَّدَةً والتَّحْتِيَّةُ كَذَلِكَ)
صفحة ٣٧٤
وتَقَدَّمَتِ الغُرْفَةُ في آخِرَ سُورَةِ الفُرْقانِ.
ومَعْنى ﴿مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ أنَّها مَوْصُوفَةٌ بِاعْتِلاءِ غَرْفٍ عَلَيْها وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في حَيِّزِ لامِ الِاخْتِصاصِ، فالغُرَفُ الَّتِي فَوْقَ الغُرَفِ هي لَهم أيْضًا لِأنَّ ما فَوْقَ البِناءِ تابِعٌ لَهُ وهو المُسَمّى بِالهَواءِ في اصْطِلاحِ الفُقَهاءِ. فالمَعْنى: لَهم أطْباقٌ مِنَ الغُرَفِ، وذَلِكَ مُقابِلُ ما جُعِلَ لِأهْلِ النّارِ في قَوْلِهِ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] .
وخُولِفَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ: فَجُعِلَ لِلْمُتَّقِينَ غُرَفٌ مَوْصُوفَةٌ بِأنَّها فَوْقَها غُرَفٌ، وجُعِلَتْ لِلْمُشْرِكِينَ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ، وعُطِفَ عَلَيْها أنَّ مِن تَحْتِهِمْ ظُلَلًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُتَّقِينَ مُتَنَعِّمُونَ بِالتَّنَقُّلِ في تِلْكَ الغُرَفِ، وإلى أنَّ المُشْرِكِينَ مَحْبُوسُونَ في مَكانِهِمْ، وأنَّ الظَّلَلَ مِنَ النّارِ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ لِتَتَظاهَرَ الظُّلَلُ بِتَوْجِيهِ لَفْحِ النّارِ إلَيْهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ.
والمَبْنِيَّةُ: المَسْمُوكَةُ الجُدْرانِ بِحَجَرٍ وجَصٍّ، أوْ حَجَرٍ وتُرابٍ، أوْ بِطُوبٍ مُشَمَّسٍ ثُمَّ تُوضَعُ عَلَيْها السَّقْفُ، وهَذا نَعْتٌ لِغُرَفٍ، الَّتِي فَوْقَها غُرَفٌ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الغُرَفَ المُعْتَلى عَلَيْها مَبْنِيَّةٌ بِدَلالَةِ الفَحْوى. وقَدْ تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في وجْهِ وصْفِ الغُرَفِ مَعَ أنَّ الغُرْفَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن بِناءٍ، ولَمْ يَذْهَبُوا إلى أنَّهُ وصَفٌ كاشِفٌ، ولَهُمُ العُذْرُ في ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ فَقِيلَ: ذِكْرُ المَبْنِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها غُرَفٌ حَقِيقِيَّةٌ لا أشْياءَ مُشابَهَةُ الغُرَفِ فَرْقًا بَيْنَهُما وبَيْنَ الظُّلَلِ الَّتِي جُعِلَتْ لِلَّذِينَ خَسِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ فَإنْ ظُلَلَهم كانَتْ مِن نارٍ فَلا يَظُنُّ السّامِعُ أنَّ غُرَفَ المُتَّقِينَ مَجازٌ عَنْ سَحاباتٍ مِنَ الظِّلِّ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِعَدَمِ الدّاعِي إلى المَجازِ هُنا بِخِلافِهِ هُنالِكَ لِأنَّهُ اقْتَضاهُ مَقامَ التَّهَكُّمِ.
وقالَ في الشّافِ: ”مَبْنِيَّةٌ“ مِثْلُ المَنازِلِ اللّاصِقَةِ لِلْأرْضِ، أيْ: فَذَكَرَ الوَصْفَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ”تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ“ لِأنَّ المَعْرُوفَ أنَّ الأنْهارَ لا تَجْرِي إلّا تَحْتَ المَنازِلِ السُّفْلِيَّةِ؛ أيْ: لَمْ يَفُتِ الغُرَفَ شَيْءٌ مِن مَحاسِنِ المَنازِلِ السُّفْلِيَّةِ.
وقِيلَ: أُرِيدَ أنَّها مُهَيَّأةٌ لَهم مِنَ الآنَ. فَهي مَوْجُودَةٌ لِأنَّ اسْمَ المَفْعُولِ كاسْمِ
صفحة ٣٧٥
الفاعِلِ في اقْتِضائِهِ الِاتِّصافِ بِالوَصْفِ في زَمَنِ الحالِ فَيَكُونُ إيماءً إلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ مِنَ الآنَ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ الوَصْفُ احْتِرازًا عَنْ نَوْعٍ مِنَ الغُرَفِ تَكُونُ نَحْتًا في الحَجَرِ في الجِبالِ: مِثْلُ غُرَفِ ثَمُودَ، ومِثْلُ: ما يُسَمِّيهِ أهْلُ الجَنُوبِ التُّونِسِيِّ غُرَفًا، وهي بُيُوتٌ مَنقُورَةٌ في جِبالِ مِدْنِينَ ومُطْماطَةَ وتَطاوِينَ وانْظُرْ هَلْ تُسَمّى تِلْكَ البُيُوتُ غُرَفًا في العَرَبِيَّةِ، فَإنَّ كُتُبَ اللُّغَةِ لَمْ تَصِفْ مُسَمّى الغُرْفَةِ وصْفًا شافِيًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَبْنِيَّةٌ“ وصْفًا لِلْغُرَفِ بِاعْتِبارِ ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُها مِن مَعْنى المَبْنِيِّ المُعْتَلِي فَيَكُونُ الوَصْفُ دالًّا عَلى تَمَكُّنِ المَعْنى المَوْصُوفِ، أيْ: مَبْنِيَّةٌ بِناءً بالِغًا الغايَةَ في نَوْعِهِ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وظِلٌّ ظَلِيلٌ.
وجَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها مِن كَمالِ حُسْنِ مَنظَرِها لِلْمُطِلِّ مِنها. ومَعْنى مِن تَحْتِها: أنَّ الأنْهارَ تَمُرُّ عَلى ما يُجاوِرُ تَحْتَها، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [آل عمران: ١٥] في آلِ عِمْرانَ، فَأُطْلِقَ اسْمُ ”تَحْتٍ“ عَلى مُجاوِرِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَجْرِي مِن تَحْتِ أُسُسِها الأنْهارُ، أيْ: تَخْتَرِقُ أُسُسَها وتَمُرُّ فِيها وفي ساحاتِها، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ ما يُرى في الدِّيارِ كَدِيارِ دِمَشْقَ وقَصْرِ الحَمْراءِ بِالأنْدَلُسِ ودِيارِ أهْلِ التَّرَفِ في مَدِينَةِ فاسٍ فَيَكُونُ إطْلاقُ ”تَحْتِ“ حَقِيقَةً.
والمَعْنى: أنَّ كُلَّ غُرْفَةٍ مِنها يَجْرِي تَحْتَها نَهَرٌ فَهو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ لِيُقَسَّمَ عَلى الآحادِ، وذَلِكَ بِأنْ يَصْعَدَ الماءُ إلى كُلِّ غُرْفَةٍ فَيَجْرِي تَحْتَها.
و”وعْدَ اللَّهِ“ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ ”لَهم غُرَفٌ“ في مَعْنى: وعَدَهُمُ اللَّهُ غُرَفًا وعَدًا مِنهُ. ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن ”غُرَفٍ“ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ”وعْدًا عَلَيْنا“، وإضافَةُ ”وعْدَ“ إلى اَسْمِ الجَلالَةِ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ وعْدٌ مُوفًّى بِهِ فَوَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ بَيانًا لِمَعْنى ”وعْدَ اللَّهِ“ .
والمِيعادُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الوَعْدِ.
الزمر 39:21
صفحة ٣٧٦
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتُقِلَ بِهِ إلى غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وما احْتَوى عَلَيْهِ مِن هُدى الإسْلامِ، وهو الغَرَضُ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ وانْثَنى الكَلامُ مِنهُ إلى الِاسْتِطْرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] إلى هُنا، فَهَذا تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] فَمُثِّلَتْ حالَةُ إنْزالِ القُرْآنِ واهْتِداءِ المُؤْمِنِينَ بِهِ والوَعْدِ بِنَماءِ ذَلِكَ الِاهْتِداءِ، بِحالَةِ إنْزالِ المَطَرِ ونَباتِ الزَّرْعِ بِهِ واكْتِمالِهِ.
وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَجْزِئَةِ أجْزائِهِ عَلى أجْزاءِ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها: فَإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِإنْزالِ القُرْآنِ لِإحْياءِ القُلُوبِ، وإسْلاكُ الماءِ يَنابِيعَ في الأرْضِ تَشْبِيهٌ لِتَبْلِيغِ القُرْآنِ لِلنّاسِ، وإخْراجُ الزَّرْعِ المُخْتَلِفِ الألْوانِ تَشْبِيهٌ لِحالِ اخْتِلافِ النّاسِ مِن طَيِّبٍ وغَيْرِهِ، ونافِعٍ وضارٍّ، وهِياجُ الزَّرْعِ تَشْبِيهٌ لِتَكاثُرِ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ فَهو إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ بِحالَةِ المَماتِ واسْتِواءِ النّاسِ فِيها مِن نافِعٍ وضارٍّ. وفي تَعْقِيبِ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] إشارَةٌ إلى العِبْرَةِ مِن هَذا التَّمْثِيلِ.
وقَرِيبٌ مِن تَمْثِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا فَكانَتْ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها وسَقَوْا ورَعَوْا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ بِما بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أصالَةً وإدْماجًا عَلى عَكْسِ ما بَيَّنّا، فَيَكُونُ عُودًا إلى
صفحة ٣٧٧
الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ بِدَلِيلٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي يُشاهِدُها النّاسُ مُشاهَدَةً مُتَكَرِّرَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الزمر: ٦] المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ [الزمر: ٥] ويَكُونُ ما بَيَّنّاهُ مِن تَمْثِيلِ حالِ نُزُولِ القُرْآنِ وانْتِفاعِ المُؤْمِنِينَ إدْماجًا في هَذا الِاسْتِدْلالِ.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ أُدْمِجَ في أثْناءِ الكَلامِ إيماءً إلى إمْكانِ إحْياءِ النّاسِ حَياةً ثانِيَةً.
والكَلامُ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ فَلَيْسَ المُرادُ بِهِ مُخاطَبًا مُعَيَّنًا. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةُ.
وقَوْلُهُ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و”سَلَكَهُ“ أدْخَلَهُ، أيْ: جَعَلَهُ سالِكًا، أيْ: داخِلًا، فَفِعْلُ ”سَلَكَ“ هُنا مُتَعَدٍّ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ [طه: ٥٣] في سُورَةِ طه، وذَكَرْنا هُنالِكَ أنَّ فِعْلَ ”سَلَكَ“ يَكُونُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا، وهَذا الإدْخالُ دَلِيلٌ ثانٍ.
و”يَنابِيعَ“ جَمْعُ يَنْبُوعٍ وهو العَيْنُ مِنَ الماءِ، تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ. وانْتَصَبَ ”يَنابِيعَ“ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”ماءً“، وتَصْيِيرُ الماءِ الدّاخِلِ في الأرْضِ يَنابِيعَ: دَلِيلٌ ثالِثٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ.
وعَطَفَ بِـ ”ثُمَّ“ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّ إخْراجَ الزَّرْعِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ إقْحالِها أوْقَعُ في نُفُوسِ النّاسِ لِأنَّهُ أقْرَبُ لِأبْصارِهِمْ وأنْفَعُ لِعَيْشِهِمْ وإذْ هو المَقْصُودُ مِنَ المَطَرِ. وهَذا الإخْراجُ دَلِيلٌ رابِعٌ.
والألْوانُ: جَمْعُ لَوْنٍ، واللَّوْنُ: كَيْفِيَّةٌ لائِحَةٌ عَلى ظاهِرِ الجِسْمِ في الضَّوْءِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ فاطِرٍ.
صفحة ٣٧٨
واخْتِلافُ ألْوانِ الزَّرْعِ بِالمَعْنى الأوَّلِ أنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الزَّرْعِ لَوْنًا ولِنَوْرِها ألْوانًا ولِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ الزَّرْعِ ألْوانٌ مُخْتَلِفَةٌ في أطْوارِ نَباتِهِ وبُلُوغِهِ أشُدَّهُ، وهَذا الِاخْتِلافُ مَعَ اتِّحادِ الأرْضِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيها واتِّحادِ الماءِ الَّذِي نَبَتَ بِهِ آيَةٌ خامِسَةٌ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ.
ومَعْنى ”يَهِيجُ“: يُغْلُظُ ويَرْتَفِعُ.
وحَقِيقَةُ الهِياجِ: ثَوْرَةُ الإنْسانِ أوِ الحَيَوانِ، ويُسْتَعارُ الهِياجُ لِشِدَّةِ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ؛ يُقالُ: هاجَتْ رِيحٌ، ومِنهُ هِياجُ الزَّرْعِ في الآيَةِ لِأنَّ الزَّرْعَ تَطُولُ سُوقُهُ وسَنابِلُهُ فَيَتِمُّ جَفافُهُ فَإذا تَحَرَّكَ بِمُرُورِ الرِّيحِ عَلَيْهِ صارَ لَهُ حَفِيفٌ وخَشْخَشَةٌ؛ سَواءٌ في ذَلِكَ الحَبُّ والكَلَأُ؛ وهَذا الطَّوْرُ آيَةٌ سادِسَةٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.
والحُطامُ: المَحْطُومُ، أيِ: المَكْسُورُ المَفْتُوتُ، ووَزْنُ فُعالٍ (بِضَمِّ الفاءِ) يَدُلُّ عَلى المَفْعُولِ كالفُتاتِ والدُقاقِ، ومُثُلُهُ الفُعالَةُ كالصُبابَةِ والقُلامَةِ والقُمامَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَبْلُغُ مِنَ اليَبْسِ إلى حَدِّ أنْ يَتَحَطَّمَ ويَتَكَسَّرَ بِحَكِّ بَعْضِهِ بَعْضًا وتَساقُطِهِ وكَسْرِ الرِّيحِ إيّاهُ.
وهَذا الطَّوْرُ آيَةٌ سابِعَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ.
وجَمِيعُها آياتٌ عَلى دِقَّةِ صُنْعِهِ وكَيْفَ أوْدَعَ الأطْوارَ الكَثِيرَةَ في الشَّيْءِ الواحِدِ يَخْلُفُ بَعْضُها بَعْضًا مِن طَوْرِ وُجُودِهِ إلى طَوْرِ اضْمِحْلالِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ وفَذْلَكَةٌ لِلْأطْوارِ المُسْتَفْهَمِ عَنْها، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِنَ الإنْزالِ إلى أخِرِ الأطْوارِ.
والمُرادُ: ذِكْرى بِالدَّلالَةِ عَلى ما يَغْفُلُ عَنْهُ العاقِلُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الذِّكْرى لِما يَذْهَلُ عَنْهُ العاقِلُ مِمّا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الأحْوالُ مِن مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها. فَمِن ذَلِكَ أنَّها تَصْلُحُ مِثالًا لِتَقْرِيبِ البَعْثِ فَإنَّ إنْزالَ الماءِ عَلى الأرْضِ وإنْباتَها بِسَبَبِهِ أمْرٌ يَتَجَدَّدُ بَعْدَ أنْ صارَ ما عَلَيْها مِنَ النَّباتِ حُطامًا، وتَخَلَّلَتْ زَرارِيعُهُ الأرْضَ فَنَبَتَتْ مَرَّةً أُخْرى بِنُزُولِ الماءِ، فَكَذَلِكَ يُعُودُ الإنْسانُ بَعْدَ فَنائِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ أنَّبَتْكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٨] فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ إدْماجَ تَقْرِيبِ البَعْثِ وإمْكانِهِ مَعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ، ومِن
صفحة ٣٧٩
ذَلِكَ أنَّها تَصْلُحُ مَثَلًا لِلْحَياةِ الدُّنْيا كَما في آيَةِ سُورَةِ يُونُسَ وفي سُورَةِ الكَهْفِ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ فَلا يُعْتَبَرُ التَّجَوُّزُ في مُفْرَداتِ هَذا المُرَكَّبِ بِأنْ يُطْلَبَ لِكُلِّ طَوْرٍ مِن أطْوارِ الدُّنْيا طَوْرٌ يَشْتَبِهُ بِهِ مِن أطْوارِ النَّباتِ.
ومِنها أنَّها مَثَلٌ لِأطْوارِ الإنْسانِ مِن طَوْرِ النُّطَفِ إلى الشَّبابِ إلى الشَّيْخُوخَةِ ثُمَّ الهَلاكِ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ مَعَ إمْكانِ تَوْزِيعِ تَشْبِيهِ كُلِّ طَوْرٍ مِن أطْوارِ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ بِطَوْرٍ مِن أطْوارِ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ بِها وهو أكْمَلُ أنْواعِ التَّمْثِيلِيَّةِ.
و”أُولُوا اَلْألْبابِ“ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِألْبابِهِمْ فَيَهْتَدُونَ بِما نُصِبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الزمر: ٩] وهُمُ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا فَآمَنُوا. وفي هَذا التَّعْرِيضِ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنَ الأدِلَّةِ بِمَنزِلَةِ مَن عَدِمُوا العُقُولَ.
الزمر 39:22
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهْوَ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] وما أُلْحِقَ بِهِ مِن تَمْثِيلِ حالِهِمْ في الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ فُرِّعَ عَلَيْهِ هَذا الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ.
و”مَن“ مُوصِلَةٌ، مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٠] مِمّا اقْتَضاهُ حَرْفُ الِاسْتِدْراكِ مِن مُخالَفَةِ حالِهِ لِحالِ مَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ.
والتَّقْدِيرُ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ مِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَهو في ظُلْمَةِ الكُفْرِ، أوْ تَقْدِيرُهُ: مِثْلُ مَن قَسا قَلْبُهُ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهَذا مِن دَلالَةِ اللّاحِقِ.
وشَرْحُ الصَّدْرِ لِلْإسْلامِ: اسْتِعارَةٌ لِقَبُولِ العَقْلِ هُدى الإسْلامِ ومَحَبَّتِهِ. وحَقِيقَةُ الشَّرْحِ أنَّهُ: شَقُّ اللَّحْمِ، ومِنهُ سُمِّيَ عِلْمُ مُشاهِدَةِ باطِنِ الأسْبابِ وتَرْكِيبِهِ: عِلْمُ التَّشْرِيحِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى شَقِّ الجِلْدِ واللَّحْمِ والِاطِّلاعِ عَلى ما تَحْتَ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا تَحَيَّرَ وتَرَدَّدَ في أمْرٍ يَجِدُ في نَفْسِهِ عَمّا يَتَأثَّرُ مِنهُ جِهازُهُ العَصَبِيُّ فَيَظْهَرُ تَأثُّرُهُ في انْضِغاطِ نَفْسِهِ حَتّى يَصِيرَ تُنَفُّسُهُ عَسِيرًا ويَكْثُرُ تَنَهُّدُهُ وكانَ
صفحة ٣٨٠
عُضْوُ التَّنَفُّسِ في الصَّدْرِ، شُبِّهَ ذَلِكَ الِانْضِغاطُ بِالضِّيقِ والِانْطِباقِ فَقالُوا: ضاقَ صَدْرُهُ؛ قالَ تَعالى عَنْ مُوسى ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: ١٣] وقالُوا: انْطَبَقَ صَدْرُهُ وانْطَبَقَتْ أضْلاعُهُ وقالُوا في ضِدِّ ذَلِكَ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وجَمَعَ بَيْنَهُما قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ في انْشِراحٍ، أيْ: يُحِسُّ كَأنَّ صَدْرَهُ شُرِحَ ووُسِّعَ.
ومِن رَشاقَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ إيثارُ كَلِمَةِ ”شَرَحَ“ لِلدَّلالَةِ عَلى قَبُولِ الإسْلامِ لِأنَّ تَعالِيمَ الإسْلامِ وأخْلاقَهُ وآدابَهُ تُكْسِبُ المُسْلِمَ فَرَحًا بِحالِهِ ومَسَرَّةً بِرِضى رَبِّهِ واسْتِخْفافًا لِلْمَصائِبِ والكَوارِثِ لِجَزْمِهِ بِأنَّهُ عَلى حَقٍّ في أمْرِهِ وأنَّهُ مُثابٌ عَلى ضُرِّهِ وأنَّهُ راجٍ رَحْمَةَ رَبِّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولِعَدَمِ مُخالَطَةِ الشَّكِّ والحَيْرَةِ ضَمِيرَهُ.
فَإنَّ المُؤْمِنَ أوَّلُ ما يُؤْمِنُ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُهُ يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ بِأنَّهُ ارْتَفَعَ دَرَجاتٍ عَنِ الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها حالَةَ الشِّرْكِ أنِ اجْتَنَبَ عِبادَةَ أحْجارٍ هو أشْرَفُ مِنها ومُعْظَمُ مُمْتَلَكاتِهِ أشْرَفُ مِنها كَفَرَسِهِ وجَمَلِهِ وعَبْدِهِ وأمَتِهِ وماشِيَتِهِ ونَخْلِهِ، فَشَعَرَ بِعِزَّةِ نَفْسِهِ مُرْتَفِعًا عَمّا انْكَشَفَ لَهُ مِن مَهانَتِها السّابِقَةِ الَّتِي غَسَلَها عَنْهُ الإسْلامُ، ثُمَّ أصْبَحَ يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَنْطِقُ عَنِ الحِكْمَةِ ويَتَّسِمُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ وأصالَةِ الرَّأْيِ ومَحَبَّةِ فِعْلِ الخَيْرِ لِوَجْهِ اللَّهِ لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ، ولا يَنْطَوِي باطِنُهُ عَلى غِلٍّ ولا حَسَدٍ ولا كَراهِيَةٍ في ذاتِ اللَّهِ وأصْبَحَ يَعُدُّ المُسْلِمِينَ لِنَفْسِهِ إخْوانًا، وقَدْ تَرَكَ الِاكْتِسابَ بِالغارَةِ والمَيْسِرِ، واسْتَغْنى بِالقَناعَةِ عَنِ الضَّراعَةِ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا مَسَّهُ ضَرٌّ رَجا زَوالَهُ ولَمْ يَيْأسْ مِن تَغَيُّرِ حالِهِ، وأيْقَنَ أنَّهُ مُثابٌ عَلى تَحَمُّلِهِ وصَبْرِهِ، وإذا مَسَّتْهُ نِعْمَةٌ حَمِدَ رَبَّهُ وتَرَقَّبَ المَزِيدَ، فَكانَ صَدْرُهُ مُنْشَرِحًا بِالإسْلامِ مُتَلَقِّيًا الحَوادِثَ بِاسْتِبْصارٍ غَيْرَ هَيّابٍ شُجاعَ القَلْبِ عَزِيزَ النَّفْسِ.
واللّامُ في ”لِلْإسْلامِ“ لامُ العِلَّةِ، أيْ: شَرَحَهُ لِأجْلِ الإسْلامِ، أيْ: لِأجْلِ قَبُولِهِ.
وفُرِّعَ عَلى أنْ ”شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ“ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَن.
صفحة ٣٨١
والنُّورُ: مُسْتَعارٌ لِلْهُدى ووُضُوحِ الحَقِّ لِأنَّ النُّورَ بِهِ تَنْجَلِي الأشْياءُ ويَخْرُجُ المُبْصِرُ مِن غَياهِبِ الضَّلالَةِ وتَرَدُّدِ اللَّبْسِ بَيْنَ الحَقائِقِ والأشْباحِ.
واسْتُعِيرَتْ عَلى اسْتِعارَةٍ تَبَعِيَّةٍ أوْ تَمْثِيلِيَّةٍ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ النُّورِ كَما اسْتُعِيرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [لقمان: ٥] عَلى الوَجْهَيْنِ المُقَرَّرَيْنِ هُنالِكَ. و”مِن رَبِّهِ“ نَعْتٌ لِنُورٍ و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ: نُورٌ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهو نُورٌ كامِلٌ لا تُخالِطُهُ ظَلَمَةٌ، وهو النُّورُ الَّذِي أُضِيفَ إلى اسْمِ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ [النور: ٣٥] في سُورَةِ النُّورِ.
* * *
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
فُرِّعَ عَلى وصْفِ حالِ مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ، ما يَدُلُّ عَلى حالِ ضِدِّهِ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَحِ اللَّهُ صُدُورَهم لِلْإسْلامِ فَكانَتْ لِقُلُوبِهِمْ قَساوَةٌ فُطِرُوا عَلَيْها فَلا تَسْلُكُ دَعْوَةُ الخَيْرِ إلى قُلُوبِهِمْ.
وأُجْمِلَ سُوءُ حالِهِمْ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ”ويْلٌ“ مِن بُلُوغِهِمْ أقْصى غاياتِ الشَّقاوَةِ والتَّعاسَةِ، وهَذا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مَعانِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والقاسِي: المُتَّصِفُ بِالقَساوَةِ في الحالِ، وحَقِيقَةُ القَساوَةِ: الغِلَظُ والصَّلابَةُ في الأجْسامِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] وقَسْوَةُ القَلْبِ: مُسْتَعارَةٌ لِقِلَّةِ تَأثُّرِ العَقْلِ بِما يُسْدى إلى صاحِبِهِ مِنَ المَواعِظِ ونَحْوِها، ويُقابِلُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ اسْتِعارَةُ اللِّينِ لِسُرْعَةِ التَّأثُّرِ بِالنَّصائِحِ ونَحْوِها، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] .
و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن ذِكْرِ اللَّهِ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (عَنْ) بِتَضْمِينِ ”القاسِيَةِ“ مَعْنى: المُعْرِضَةِ والنّافِرَةِ، وقَدْ عُدَّ مُرادِفُ مَعْنى (عَنْ) مِن مَعانِي (مِن)، واسْتُشْهِدَ لَهُ في مُغْنِي اللَّبِيبُ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢] وفِيهِ نَظَرٌ، لِإمْكانِ حَمْلِها عَلى مَعْنَيَيْنِ شائِعَيْنِ مِن مَعانِي (مِن) وهُما: مَعْنى التَّعْلِيلِ في الآيَةِ الأُولى؛ كَقَوْلِهِمْ: سَقاهم مِنَ الغَيْمَةِ، أيْ: لِأجْلِ
صفحة ٣٨٢
العَطَشِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وجَعَلَ المَعْنى: أنَّ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ حَصَلَتْ فِيهِمْ مِن أجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَعْنى الِابْتِداءِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ، أيْ: قَسَتْ قُلُوبُهُمُ ابْتِداءً مِن سَماعِ ذِكْرِ اللَّهِ.
والمُرادُ ”بِذِكْرِ اللَّهِ“ القُرْآنُ؛ وإضافَتُهُ إلى ”اللَّهِ“ زِيادَةُ تَشْرِيفٍ لَهُ. والمَعْنى: أنَّهم إذا تُلِيَتْ آيَةٌ اشْمَأزُّوا فَتَمَكَّنَ الِاشْمِئْزازُ مِنهم فَقَسَتْ قُلُوبُهم.
وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ كُفْرَهم يَحْمِلُهم عَلى كَراهِيَةِ ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ بِالقُرْآنِ فَكُلَّما سَمِعُوهُ أعْرَضُوا وعانَدُوا وتَجَدَّدَتْ كَراهِيَةُ الإسْلامِ في قُلُوبِهِمْ حَتّى تُرَسَّخَ تِلْكَ الكَراهِيَةُ في قُلُوبِهِمْ فَتَصِيرَ قُلُوبُهم قاسِيَةً.
فَكانَ القُرْآنُ أنْ سَبَّبَ اطْمِئْنانَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وكانَ سَبَبًا في قَساوَةِ قُلُوبِ الكافِرِينَ.
وسَبَبُ ذَلِكَ اخْتِلافُ القابِلِيَّةِ فَإنَّ السَّبَبَ الواحِدَ تَخْتَلِفُ آثارُهُ وأفْعالُهُ بِاخْتِلافِ القابِلِيَّةِ، وإنَّما تُعْرَفُ خَصائِصُ الأشْياءِ بِاعْتِبارِ غالِبِ آثارِها في غالِبِ المُتَأثِّراتِ، فَذِكْرُ اللَّهِ سَبَبٌ في لِينِ القُلُوبِ وإشْراقِها إذا كانَتِ القُلُوبُ سَلِيمَةً مِن مَرِضِ العِنادِ والمُكابَرَةِ والكِبْرِ، فَإذا حَلَّ فِيها هَذا المَرَضُ صارَتْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَها أشَدَّ مَرَضًا مِمّا كانَتْ عَلَيْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ الحُكْمِ بِأنَّ قَساوَةَ قُلُوبِهِمْ مِن أجْلِ أنْ يُذْكَرَ اللَّهُ عِنْدَهم يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ: كَيْفَ كانَ ذِكْرُ اللَّهِ سَبَبَ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ ؟ فَأُفِيدَ بِأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الضَّلالَةِ مُنْغَمِسُونَ في حَمْأتِها فَكانَ ضَلالُهم أشَدَّ مِن أنْ يَتَقَشَّعَ حِينَ يَسْمَعُونَ ذِكْرَ اللَّهِ.
وافْتِتاحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ ما وُصِفُوا بِهِ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ لِإفادَةِ أنَّ ما سَيُذْكَرُ مِن حالِهِمْ بَعْدَ الإشارَةِ إلَيْهِمْ صارُوا بِهِ أحْرِياءَ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [لقمان: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكانَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهو الضَّلالُ الشَّدِيدُ عِلَّةً لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ
صفحة ٣٨٣
حَسْبَما اقْتَضاهُ وُقُوعُ جُمْلَتِهِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا. وكانَ مَضْمُونُها مَفْعُولًا لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ حَسْبَما اقْتَضاهُ تَصْدِيرُ جُمْلَتِها بِاسْمِ الإشارَةِ وعَقِبَ وصْفِ المُشارِ إلَيْهِمْ بِأوْصافٍ.
وكَذَلِكَ شَأْنُ الأعْراضِ النَّفْسِيَّةِ أنْ تَكُونَ فاعِلَةً ومُنْفَعِلَةً بِاخْتِلافِ المُثارِ وما تَتْرُكُهُ مِنَ الآثارِ لِأنَّها عِلَلٌ ومَعْلُولاتٌ بِالِاعْتِبارِ لا يَتَوَقَّفُ وُجُودُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ مِنهُما عَلى وُجُودِ الآخَرِ التَّوَقُّفَ المُسَمّى بِالدَّوْرِ المَعِيِّ.
والمُبِينُ: الشَّدِيدُ الَّذِي لا يَخْفى لِشِدَّتِهِ، فالمُبِينُ كِنايَةٌ عَنِ القُوَّةِ والرُّسُوخِ فَهو يَبِينُ لِلْمُتَأمِّلِ أنَّهُ ضَلالٌ.
الزمر 39:23
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ بِمُناسَبَةِ المُضادَّةِ بَيْنَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ومَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو أنَّ القُرْآنَ يُلَيِّنُ قُلُوبَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ وجْهِ قَسْوَةِ قُلُوبِ الضّالِّينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ إلى قَوْلِهِ ”مِن هادٍ“ مُبَيِّنَةً أنَّ قَساوَةَ قُلُوبِ الضّالِّينَ مِن سَماعِ القُرْآنِ إنَّما هي لِرَيْنٍ في قُلُوبِهِمْ وعُقُولِهِمْ لا لِنَقْصٍ في هِدايَتِهِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ثُمَّ قالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٦] .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكْمِيلٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ المُفْتَتَحِ بِهِ غَرَضُ السُّورَةِ وسَيُقَفّى بِثَناءٍ آخَرَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] الآيَةَ، ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٤١] ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] .
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الجَلالَةِ يُؤْذِنُ بِتَفْخِيمِ أحْسَنِ الحَدِيثِ المُنَزَّلِ بِأنَّ مُنْزِلَهُ هو أعْظَمُ عَظِيمٍ، ثُمَّ الإخْبارُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ يَدُلُّ عَلى تَقْوِيَةِ الحُكْمِ
صفحة ٣٨٤
وتَحْقِيقِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ، ويُفِيدُ مَعَ التَّقْوِيَةِ دَلالَةً عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ: اخْتِصاصُ تَنْزِيلِ الكِتابِ بِاللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: اللَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ لا غَيْرُهُ وضَعَهُ، فَفِيهِ إثْباتٌ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عالَمِ القُدْسِ، وذَلِكَ أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن وضْعِ البَشَرِ.
فَدَلَّتِ الجُمْلَةُ عَلى تَقَوٍّ واخْتِصاصٍ بِالصَّراحَةِ، وعَلى اخْتِصاصٍ بِالكِنايَةِ، وإذْ أُخِذَ مَفْهُومُ القَصْرِ ومَفْهُومُ الكِنايَةِ وهو المُغايِرُ لِمَنطُوقِهِما كَذَلِكَ يُؤْخَذُ مُغايِرُ التَّنْزِيلِ فِعْلًا يَلِيقُ بِوَضْعِ البَشَرِ، فالتَّقْدِيرُ: لا غَيْرَ اللَّهِ وضَعَهُ، رَدًّا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
والتَّحْقِيقُ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] هو أنَّ التَّقَوِّيَ والِاخْتِصاصَ يَجْتَمِعانِ في إسْنادِ الخَبَرِ الفِعْلِيِّ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ شُرّاحُ الكَشّافِ.
ومُفادُ هَذا التَّقْدِيمِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ فِيهِ تَحْقِيقٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الإضافَةُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ المُضافِ في قَوْلِهِ تَعالى ”مِن ذِكْرِ اللَّهِ“ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا، فالمُرادُ بِـ ”أحْسَنَ الحَدِيثِ“ عَيْنُ المُرادِ بِـ ”ذِكْرِ اللَّهِ“ وهو القُرْآنُ، عُدِلَ عَنْ ذِكْرِ ضَمِيرِهِ لِقَصْدِ إجْراءِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ عَلَيْهِ. وهي قَوْلُهُ ”كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم“ إلَخْ؛ فانْتَصَبَ ”كِتابًا“ عَلى الحالِ مِن ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ”أحْسَنَ الحَدِيثِ“، وانْتُصِبَ ”مُتَشابِهًا“ عَلى أنَّهُ نَعْتُ ”كِتابًا“ .
الوَصْفُ الأوَّلُ: أنَّهُ أحْسَنُ الحَدِيثِ. أيْ: أحْسَنُ الخَبَرِ، والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، والحَدِيثُ: الخَبَرُ، سُمِّيَ حَدِيثًا لِأنَّ شَأْنَ الإخْبارِ أنْ يَكُونَ عَنْ أمْرٍ حَدَثَ وجَدَّ. سُمِّيَ القُرْآنُ حَدِيثًا بِاسْمِ بَعْضِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ والوَعْدِ والوَعِيدِ.
وأمّا ما فِيهِ مِنَ الإنْشاءِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ ونَحْوِهِما فَإنَّهُ لَمّا كانَ النَّبِيءُ ﷺ مُبَلِّغَهُ لِلنّاسِ آلَ إلى أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ.
وقَدْ سُمِّيَ القُرْآنُ حَدِيثًا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]
صفحة ٣٨٥
فِي سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] في سُورَةِ الكَهْفِ.
ومَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ أحْسَنَ الحَدِيثِ أنَّهُ أفْضَلُ الأخْبارِ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى أفْضَلِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الأخْبارُ مِنَ المَعانِي النّافِعَةِ والجامِعَةِ لِأُصُولِ الإيمانِ، والتَّشْرِيعِ، والِاسْتِدْلالِ، والتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ العَوالِمِ والكائِناتِ، وعَجائِبِ تَكْوِينِ الإنْسانِ، والعَقْلِ، وبَثِّ الآدابِ، واسْتِدْعاءِ العُقُولِ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ الحَقِّ، ومِن فَصاحَةِ ألْفاظِهِ وبَلاغَةِ مَعانِيهِ البالِغَيْنِ حَدَّ الإعْجازِ، ومِن كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْها. وفي إسْنادِ إنْزالِهِ إلى اللَّهِ اسْتِشْهادٌ عَلى حُسْنِهِ حَيْثُ نَزَّلَهُ العَلِيمُ بِنِهايَةِ مَحاسِنِ الأخْبارِ والذِّكْرِ.
الوَصْفُ الثّانِي: أنَّهُ كِتابٌ، أيْ: مَجْمُوعُ كَلامٍ مُرادٌ قِراءَتُهُ وتِلاوَتُهُ والِاسْتِفادَةُ مِنهُ، مَأْمُورٌ بِكِتابَتِهِ لِيَبْقى حُجَّةً عَلى مَرِّ الزَّمانِ فَإنْ جُعِلَ الكَلامُ كِتابًا يَقْتَضِي أهَمِّيَّةَ ذَلِكَ الكَلامِ والعِنايَةَ بِتَنْسِيقِهِ والِاهْتِمامَ بِحِفْظِهِ عَلى حالَتِهِ.
ولَمّا سَمّى اللَّهُ القُرْآنَ كِتابًا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ كُتّابَ الوَحْيِ مِن أصْحابِهِ أنْ يَكْتُبُوا كُلَّ آيَةٍ تَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ في المَوْضِعِ المُعَيَّنِ لَها بَيْنَ أخَواتِها اسْتِنادًا إلى أمْرٍ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ أشارَ إلى الأمْرِ بِكِتابَتِهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن أوَّلِها قَوْلُهُ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] .
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ مُتَشابِهٌ، أيْ: مُتَشابِهَةٌ أجْزاؤُهُ مُتَماثِلَةٌ في فَصاحَةِ ألْفاظِها وشَرَفِ مَعانِيها، فَهي مُتَكافِئَةٌ في الشَّرَفِ والحُسْنِ ( وهَذا كَما قالُوا: امْرَأةٌ مُتَناصِفَةٌ الحُسْنِ، أيْ: أنْصَفَتْ صِفاتُها بَعْضُها بَعْضًا فَلَمْ يَزِدْ بَعْضُها عَلى بَعْضٌ، قالَ ابْنُ هَرْمَةَ:
إنِّي غَرِضْتُ إلى تَناصُفِ وجْهِها غَرَضَ المُحِبِّ إلى الحَبِيبِ الغائِبِ
ومِنهُ قَوْلُهم: وجْهٌ مُقَسَّمٌ، أيْ: مُتَماثِلُ الحُسْنِ، كَأنَّ أجْزاءَهُ تَقاسَمَتِ الحُسْنَ وتَعادَلَتْهُ، قالَ أرَقَمُ بْنُ عَلْباءَ اليَشْكُرِيُّ:
ويَوْمًا تَوافَيْنا بِوَجْهٍ مُقَسَّمِ ∗∗∗ كَأنَّ ظَبْيَةً تَعْطُو إلى وارْقِ السَّلَمِ
صفحة ٣٨٦
أيْ بِوَجْهٍ قُسِّمَ الحُسْنُ عَلى أجْزائِهِ أقْسامًا.
فَمَعانِيهُ مُتَشابِهَةٌ في صِحَّتِها وأحْكامِها وابْتِنائِها عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ ومُصادَفَةِ المَحَزِّ مِنَ الحُجَّةِ وتَبْكِيتِ الخُصُومِ وكَوْنِها صَلاحًا لِلنّاسِ وهُدًى. وألْفاظُهُ مُتَماثِلَةُ في الشَّرَفِ والفَصاحَةِ والإصابَةِ لِلْأغْراضِ مِنَ المَعانِي بِحَيْثُ تَبْلُغُ ألْفاظُهُ ومَعانِيهُ أقْصى ما تَحْتَمِلُهُ أشْرَفُ لُغَةٍ لِلْبَشَرِ وهي اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ مُفْرَداتٍ ونَظْمًا، وبِذَلِكَ كانَ مُعْجِزًا لِكُلِّ بَلِيغٍ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ جَمِيعَ آياتِ القُرْآنِ بالِغٌ الطَّرَفَ الأعْلى مِنَ البَلاغَةِ وأنَّها مُتَساوِيَةٌ في ذَلِكَ بِحَسْبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُ كُلِّ آيَةٍ مِنها، وأمّا تَفاوُتُها في كَثْرَةِ الخُصُوصِيّاتِ وقِلَّتِها فَذَلِكَ تابِعٌ لِاخْتِلافِ المَقاماتِ ومُقْتَضَياتِ الأحْوالِ، فَإنَّ بَلاغَةَ الكَلامِ مُطابَقَتُهُ لِمُقْتَضى الحالِ، والطَّرَفِ الأعْلى مِنَ البَلاغَةِ هو مُطابَقَةُ الكَلامِ لِجَمِيعِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ، فَآياتُ القُرْآنِ مُتَماثِلَةُ مُتَشابِهَةُ في الحُسْنِ لَدى أهْلِ الذَّوْقِ مِنَ البُلَغاءِ بِالسَّلِيقَةِ أوْ بِالعِلْمِ وهو في هَذا مُخالِفٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الكَلامِ البَلِيغِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ تَفاوُتٍ رُبَّما بَلَغَ بَعْضُهُ مُبْلَغَ أنْ لا يُشْبِهَ بَقِيَّتَهُ، وهَذا المَعْنى مِمّا يَدْخُلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فالكاتِبُ البَلِيغُ والشّاعِرُ المُجِيدُ لا يَخْلُو كَلامُ أحَدٍ مِنهُما مِن ضَعْفٍ في بَعْضِهِ، وأيْضًا لا تَتَشابَهُ أقْوالُ أحَدٍ مِنهُما بَلْ تَجِدُ لِكُلٍّ مِنهُما قِطَعًا مُتَفاوِتَةً في الحُسْنِ والبَلاغَةِ وصِحَّةِ المَعانِي. وبِما قَرَّرْنا تَعْلَمُ أنَّ المُتَشابِهَ هَنا مُرادٌ بِهِ مَعْنًى غَيْرَ المُرادِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] لِاخْتِلافِ ما فِيهِ مِنَ التَّشابُهِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ ”مَثانِيَ“، ومَثانِي: جَمْعُ مَثْنًى بِضَمِّ المِيمِ وبِتَشْدِيدِ النُّونِ جَمْعًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ. ويَجُوزُ كَوْنُهُ جَمْعُ مَثْنًى بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ النُّونِ وهو اسْمٌ لِجَعْلِ المَعْدُودِ أزْواجًا اثْنَيْنِ، اثْنَيْنِ، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ يُطْلَقُ عَلى مَعْنى التَّكْرِيرِ. كُنِّيَ عَنْ مَعْنى التَّكْرِيرِ بِمادَّةِ التَّثْنِيَةِ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ أوَّلُ مَراتِبِ التَّكْرِيرِ، كَما كُنِّيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ عَنِ التَّكْرِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] وقَوْلُ العَرَبِ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، أيْ: إجاباتٌ كَثِيرَةٌ ومُساعَداتٌ كَثِيرَةٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ”مَثانِيَ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] في سُورَةِ الحِجْرِ، فالقُرْآنُ مَثانِي لِأنَّهُ مُكَرَّرُ الأغْراضِ.
صفحة ٣٨٧
وهَذا يَتَضَمَّنُ امْتِنانًا عَلى الأُمَّةِ بِأنَّ أغْراضَ كِتابِها مُكَرَّرَةٌ فِيهِ لِتَكُونَ مَقاصِدُهُ أرْسَخُ في نُفُوسِها، ولِيَسْمَعُها مَن فاتَهُ سَماعُ أمْثالِها مِن قَبْلُ.
ويَتَضَمَّنُ أيْضًا تَنْبِيهًا عَلى ناحِيَةٍ مِن نَواحِي إعْجازِهِ، وهي عَدَمُ المَلَلِ مِن سَماعِهِ وأنَّهُ كُلَّما تَكَرَّرَ غَرَضٌ مِن أغْراضِهِ زادَهُ تَكَرُّرُهُ قَبُولًا وحَلاوَةً في نُفُوسِ السّامِعِينَ. فَكَأنَّهُ الوَجْهُ الحَسَنُ الَّذِي قالَ في مِثْلِهِ أبُو نُواسٍ:
يَزِيدُكَ وجْهُهُ حُسْنًا ∗∗∗ إذا ما زِدْتَهُ نَظَرا
وقَدْ عَدَّ عِياضٌ في كِتابِ الشِّفاءِ مِن وُجُوهِ إعْجازِ القُرْآنِ: أنَّ قارِئَهُ لا يَمَلُّهُ، وسامِعَهُ لا يَمَجُّهُ، بَلِ الإكْبابُ عَلى تِلاوَتِهِ يَزِيدُهُ حَلاوَةً، وتَرْدِيدُهُ يُوجِبُ لَهُ مَحَبَّةً، لا يَزالُ غَضًّا طَرِيًّا، وغَيْرُهُ مِنَ الكَلامِ ولَوْ بَلَغَ مِنَ الحُسْنِ والبَلاغَةِ مَبْلَغًا عَظِيمًا يُمَلُّ مَعَ التَّرْدِيدِ ويُعادى إذا أُعِيدَ، ولِذا وصَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ بِأنَّهُ «لا يَخْلَقُ عَلى كَثْرَةِ الرَّدِّ» . رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَرْفُوعًا.
وذَكَرَ عِياضٌ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ سَمِعَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] الآيَةَ؛ فَقالَ واللَّهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةٌ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ وصْفَ القُرْآنِ هُنا بِكَوْنِهِ ”مَثانِيَ“ هو غَيْرُ الوَصْفِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] لِاخْتِلافِ ما أُرِيدَ فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ وإنْ كانَ اشْتِقاقُ الوَصْفِ مُتَّحِدًا.
ووُصِفَ ”كِتابًا“ وهو مُفْرِدٌ بِوَصْفِ ”مَثانِيَ“ وهو مُقْتَضٍ التَّعَدُّدَ يُعَيِّنُ أنَّ هَذا الوَصْفَ جَرى عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أجْزائِهِ، أيْ: سُوَرِهِ أوْ آياتِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ غَرَضٍ مِنهُ يُكَرَّرُ، أيْ: بِاعْتِبارِ تَباعِيضِهِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم، وهَذا الوَصْفُ مُرَتَّبٌ عَلى الوَصْفِ قَبْلَهُ وهو كَوْنُ القُرْآنِ ”مَثانِيَ“، أيْ: مُثَنّى الأغْراضِ، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى ثَلاثِ جِهاتٍ:
أُولاها: وصْفُ القُرْآنِ بِالجَلالَةِ والرَّوْعَةِ في قُلُوبِ سامِعِيهِ، وذَلِكَ لِما في آياتِهِ الكَثِيرَةِ مِنَ المَوْعِظَةِ الَّتِي تَوْجَلُ مِنها القُلُوبُ، وهو وصْفُ كَمالٍ لِأنَّهُ مِن آثارِ قُوَّةِ
صفحة ٣٨٨
تَأْثِيرِ كَلامِهِ في النُّفُوسِ، ولَمْ يَزَلْ شَأْنُ أهْلِ الخَطابَةِ والحِكْمَةِ الحِرْصُ عَلى تَحْصِيلِ المَقْصُودِ مِن كَلامِهِمْ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يُواجَهُ بِهِ السّامِعُونَ لِحُصُولِ فَوائِدَ مَرْجُوَّةٍ مِنَ العَمَلِ بِهِ، وما تَبارى الخُطَباءُ والبُلَغاءُ في مَيادِينِ القَوْلِ إلّا لِلتَّسابُقِ إلى غاياتِ الإقْناعِ، كَما قالَ قَيْسُ بْنُ خارِجَةَ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: ما عِنْدَكَ ؟ ”عِنْدِي قِرى كُلِّ نازِلٍ، ورِضى كُلِّ ساخِطٍ، وخُطْبَةٌ مِن لَدُنْ تَطَلُعُ الشَّمْسُ إلى أنْ تَغْرُبَ، آمُرُ فِيها بِالتَّواصُلِ وأنْهى عَنِ التَّقاطُعِ“، وقَدْ ذَكَرَ أرِسْطُو في الغَرَضِ مِنَ الخَطابَةِ أنَّهُ إثارَةُ الأهْواءِ وقالَ: ”إنَّها انْفِعالاتٌ في النَّفْسِ تُثِيرُ فِيها حُزْنًا أوْ مَسَرَّةً.
وقَدِ اقْتَضى قَوْلُهُ ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أنَّ القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى مَعانٍ تَقْشَعِرُّ مِنها الجُلُودُ وهي المَعانِي المَوْسُومَةُ بِالجَزالَةِ الَّتِي تُثِيرُ في النُّفُوسِ رَوْعَةً وجَلالَةً ورَهْبَةً تَبْعُثُ عَلى امْتِثالِ السّامِعِينَ لَهُ وعَمَلِهِمْ بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِن قَوارِعِ القُرْآنِ وزَواجِرِهِ، وكُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِحالَةٍ تُقارِنُ انْفِعالَ الخَشْيَةِ والرَّهْبَةِ في النَّفْسِ لِأنَّ الإنْسانَ إذا ارْتاعَ وخَشِيَ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن أثَرِ الِانْفِعالِ الرَّهْبَنِيِّ، فَمَعْنى تَقْشَعِرُّ مِنهُ: تَقْشَعِرُّ مِن سَماعِهِ وفَهْمِهِ، فَإنَّ السَّماعَ والفَهْمَ يَوْمَئِذٍ مُتَقارِنانِ لِأنَّ السّامِعِينَ أهْلُ اللِّسانِ. يُقالُ: اقْشَعَرَّ الجِلْدُ، إذا تَقَبَّضَ تَقَبُّضًا شَدِيدًا كالَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ شِدَّةِ بَرْدِ الجَسَدِ ورِعْدَتِهِ. يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، إذا سَمِعَ أوْ رَأى ما يُثِيرُ انْزِعاجَهُ ورَوْعَهُ، فاقْشِعْرارُ الجُلُودِ: كِنايَةٌ عَنْ وجِلِ القُلُوبِ الَّذِي تَلْزَمُهُ قَشْعَرِيرَةٌ في الجِلْدِ غالِبًا.
وقَدْ عَدَّ عِياضٌ في الشِّفاءِ مِن وُجُوهِ إعْجازِ القُرْآنِ: الرَّوْعَةَ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ سامِعِيهِ عِنْدَ سَماعِهِ، والهَيْبَةَ الَّتِي تَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ عَلى كُلِّ كَلامٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَهابَهُ سامِعُهُ، قالَ تَعالى ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] .
وعَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ: كانَ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم.
وخَصُّ القُشَعْرِيرَةُ بِالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِاعْتِبارِ ما سَيُرْدَفُ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ﴾ كَما يَأْتِي، قالَ عِياضٌ: وهي - أيِ الرَّوْعَةِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ سامِعِيهِ عِنْدَ سَماعِهِ - عَلى المُكَذِّبِينَ بِهِ أعْظَمُ حَتّى كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَهُ كَما قالَ تَعالى
صفحة ٣٨٩
﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] .
وهَذِهِ الرَّوْعَةُ قَدِ اعْتَرَتْ جَماعَةً قَبْلَ الإسْلامِ، فَمِنهم مَن أسْلَمَ لَها لِأوَّلِ وهْلَةٍ. حُكِيَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعِمٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطَّوْرِ فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] إلى قَوْلِهِ المُصَيْطِرُونَ كادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ وذَلِكَ أوَّلُ ما وقَرَ الإسْلامُ في قَلْبِي» .
ومِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ كَلَّمَ النَّبِيءَ ﷺ في كَفِّهِ عَنْ سَبِّ أصْنامِهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ، وعَرَضَ عَلَيْهِ أُمُورًا والنَّبِيءُ ﷺ يَسْمَعُ فَلَمّا فَرَغَ قالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: اسْمَعْ ما أقُولُ، وقَرَأ عَلَيْهِ (حم؛ فُصِّلَتْ) حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فَمِ النَّبِيءِ ﷺ وناشَدَهُ الرَّحِمَ أنْ يَكُفَّ؛ أيْ عَنِ القِراءَةِ.
«وأمّا المُؤْمِنُ فَلا تَزالُ رَوْعَتُهُ وهَيْبَتُهُ إيّاهُ مَعَ تِلاوَتِهِ تُولِيهِ انْجِذابًا وتُكْسِبُهُ هَشاشَةً لِمَيْلِ قَلْبِهِ إلَيْهِ، قالَ تَعالى» تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ في جِهاتِ هَذا الوَصْفِ: لِينُ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَماعِهِ أيْضًا عَقِبَ وجَلِها العارِضِ مِن سَماعِهِ قَبْلُ.
واللِّينُ: مُسْتَعارٌ لِلْقَبُولِ والسُّرُورِ، وهو ضِدٌّ لِلْقَساوَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا سَمِعَ آياتِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ يَخْشى رَبَّهُ ويَتَجَنَّبُ ما حَذَّرَ مِنهُ فَيَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ فَإذا عُقِّبَ ذَلِكَ بِآياتِ البِشارَةِ والوَعْدِ اسْتَبْشَرَ وفَرِحَ وعَرَضَ أعْمالَهُ عَلى تِلْكَ الآياتِ فَرَأى نَفْسَهُ مُتَحَلِّيَةً بِالعَمَلِ الَّذِي وعَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ بِالثَّوابِ فاطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ وانْقَلَبَ الوَجَلُ والخَوْفُ رَجاءً وتَرَقُّبًا، فَذَلِكَ مَعْنى لِينِ القُلُوبِ.
وإنَّما يَبْعَثُ هَذا اللِّينَ في القُلُوبِ ما في القُرْآنِ مِن مَعانِي الرَّحْمَةِ وذَلِكَ في الآياتِ المَوْصُوفَةِ مَعانِيها بِالسُّهُولَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٣٩٠
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] والمَوْصُوفَةِ مَعانِيها بِالرِّقَّةِ نَحْوَ يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ وقَدْ عُلِمَ في فَنِّ الخَطابَةِ أنَّ لِلْجَزالَةِ مَقاماتُها ولِلسُّهُولَةِ والرِّقَّةِ مَقاماتُها.
الجِهَةُ الثّالِثَةُ مِن جِهاتِ هَذا الوَصْفِ: أُعْجُوبَةُ جَمْعِهِ بَيْنَ التَّأْثِيرَيِنِ المُتَضادَّيْنِ: مَرَّةً بِتَأْثِيرِ الرَّهْبَةِ، ومَرَّةً بِتَأْثِيرِ الرَّغْبَةِ، لِيَكُونَ المُسْلِمُونَ في مُعامَلَةِ رَبِّهِمْ جارِينَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ جَلالُهُ وما يَقْتَضِيهِ حِلْمُهُ ورَحْمَتُهُ. وهَذِهِ الجِهَةُ اقْتَضاها الجَمْعُ بَيْنَ الجِهَتَيْنِ المُصَرَّحِ بِهِما وهُما جِهَةُ القُشَعْرِيرَةِ وجِهَةُ اللِّينِ، مَعَ كَوْنِ المَوْصُوفِ بِالأمْرَيْنِ فَرِيقًا واحِدًا وهُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم، والمَقْصُودُ وصْفُهم بِالتَّأْثِيرَيْنِ عِنْدَ تَعاقُبِ آياتِ الرَّحْمَةِ بَعْدَ آياتِ الرَّهْبَةِ. قالَ الفَخْرُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ الكَمالِ قالُوا: السّائِرُونَ في مَبْدَأِ جَلالِ اللَّهِ إنْ نَظَرُوا إلى عالَمِ الجَلالِ طاشُوا، وإنْ لاحَ لَهم أثَرٌ مِن عالَمِ الجَمالِ عاشُوا اهـ. فالآيَةُ هُنا ذَكَرَتْ لَهُمُ الحالَتَيْنِ لِوُقُوعِها بَعْدَ قَوْلِهِ“ ”مَثانِيَ“ ”كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، وإلّا فَقَدِ اقْتُصِرَ عَلى وصْفِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِالوَجَلِ في قَوْلِهِ تَعالى إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم في سُورَةِ الأنْفالِ، فالمَقامُ هُنا لِبَيانِ تَأثُّرِ المُؤْمِنِينَ بِالقُرْآنِ، والمَقامُ هُنالِكَ لِلثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ حالَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ.
وإنَّما جُمِعَ بَيْنَ الجُلُودِ والقُلُوبِ في قَوْلِهِ تَعالى ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ولَمْ يُكْتَفَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرِ كَما اكْتُفِيَ في قَوْلِهِ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم لِأنَّ اقْشِعْرارَ الجُلُودِ حالَةٌ طارِئَةٌ عَلَيْها لا يَكُونُ إلّا مِن وجَلِ القُلُوبِ ورَوْعَتِها فَكُنِّيَ بِهِ عَنْ تِلْكَ الرَّوْعَةِ.
وأمّا لِينُ الجُلُودِ عَقِبَ تِلْكَ القُشَعْرِيرَةِ فَهو رُجُوعُ الجُلُودِ إلى حالَتِها السّابِقَةِ قَبْلَ اقْشِعْرارِها، وذَلِكَ قَدْ يَحْصُلُ عَنْ تَناسٍ أوْ تَشاغُلٍ بَعْدَ تِلْكَ الرَّوْعَةِ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ لِينَ القُلُوبِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لِينٌ خاصٌّ ناشِئٌ عَنِ اطْمِئْنانِ القُلُوبِ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ولَيْسَ مُجَرَّدُ رُجُوعِ الجُلُودِ إلى حالَتِها الَّتِي كانَتْ قَبْلَ القُشَعْرِيرَةِ. ولَمْ يُكْتَفَ بِذِكْرِ القُلُوبِ عَنْ لِينِ الجُلُودِ لِأنَّهُ قُصِدَ أنَّ لِينَ القُلُوبِ أفْعَمَها حَتّى ظَهَرَ أثَرُهُ عَلى ظاهِرِ الجُلُودِ.
صفحة ٣٩١
و“ ذِكْرُ اللَّهِ ”وهو أحْسَنُ الحَدِيثِ، وعُدِلَ عَنْ ضَمِيرِهِ لِبُعْدِ المَعادِ، وعُدِلَ عَنْ إعادَةِ اسْمِهِ السّابِقِ لِمَدْحِهِ بِأنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ بَعْدَ أنْ مُدِحَ بِأنَّهُ أحْسَنُ الحَدِيثِ. والمُرادُ بِـ“ ذِكْرِ اللَّهِ ”ما في آياتِهِ مِن ذِكْرِ الرَّحْمَةِ والبِشارَةِ، وذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ ما ذَكَرَ مَوْعِظَةً وتَرْهِيبًا إلّا أعْقَبَهُ بِتَرْغِيبٍ وبِشارَةٍ.
وعُدِّيَ فِعْلُ“ تَلِينُ ”بِحَرْفِ“ إلى ”لِتَضْمِينِ“ تَلِينُ ”مَعْنى: تُطَمْئِنُ وتَسْكُنُ.
* * *
﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ فَإنَّ إجْراءَ تِلْكَ الصِّفاتِ الغُرِّ عَلى القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ قَدِ اسْتَكْمَلَ أقْصى ما يُوصَفُ بِهِ كَلامٌ بالِغٌ في نُفُوسِ المُخاطَبِينَ كَيْفَ سَلَكَتْ آثارُهُ إلى نُفُوسِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم مِمّا يُثِيرُ سُؤالًا يَهْجِسُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ لَمْ تَتَأثَّرْ بِهِ نُفُوسُ فَرِيقِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ وهو يَقْرَعُ أسْماعَهم يَوْمًا فَيَوْمًا، فَتَقَعُ جُمْلَةُ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ جَوابًا عَنْ هَذا السُّؤالِ الهاجِسِ.
فالإشارَةُ إلى مَضْمُونِ صِفاتِ القُرْآنِ المَذْكُورَةِ وتَأثُّرُ المُؤْمِنِينَ بِهَدْيِهِ، أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ هُدى اللَّهِ، أيْ: جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا كامِلًا جامِعًا لِوَسائِلِ الهُدى، فَمَن فَطَرَ اللَّهُ عَقْلَهُ ونَفْسَهُ عَلى الصَّلاحِيَةِ لِقَبُولِ الهُدى سَرِيعًا أوْ بَطِيئًا اهْتَدى بِهِ، كَذَلِكَ ومَن فَطَرَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَلى المُكابَرَةِ، أوْ عَلى فَسادِ الفَهْمِ ضَلَّ فَلَمْ يَهْتَدِ حَتّى يَمُوتَ عَلى ضَلالِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى هَذا الفَطْرِ اسْمُ الهُدى واسْمُ الضَّلالِ، وأُسْنِدَ كِلاهُما إلى اللَّهِ لِأنَّهُ هو جَبّارُ القُلُوبِ عَلى فِطْرَتِها وخالِقُ وسائِلِ ذَلِكَ ومُدَبِّرُ نَوامِيسِهِ وأنْظِمَتِهِ.
فَمَعْنى إضافَةِ الهُدى إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ“ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ ”راجِعٌ إلى ما هَيَّأهُ اللَّهُ لِلْهُدى مِن صِفاتِ القُرْآنِ فَإضافَتُهُ إلَيْهِ بِأنَّهُ أنْزَلَهُ لِذَلِكَ.
ومَعْنى إسْنادِ الهُدى والإضْلالِ إلى اللَّهِ راجِعٌ إلى مَراتِبِ تَأثُّرِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ
صفحة ٣٩٢
وعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِحَيْثُ كانَ القُرْآنُ مُسْتَوْفِيًا لِأسْبابِ اهْتِداءِ النّاسِ بِهِ فَكانُوا مِنهم مَنِ اهْتَدى بِهِ ومِنهم مَن ضَلَّ عَنْهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى أحْسَنَ الحَدِيثِ وهو الكِتابُ، أيْ: ذَلِكَ القُرْآنُ هُدى اللَّهِ، أيْ: دَلِيلُ هُدى اللَّهِ. ومَقْصِدُهُ: اهْتَدى بِهِ مَن شاءَ اللَّهُ اهْتِداءَهُ، وكَفَرَ بِهِ مَن شاءَ اللَّهُ ضَلالَهُ.
فَجُمْلَةُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ تَذْيِيلٌ لِلِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ.
ومَعْنى“ مَن يَشاءُ ”عَلى تَقْدِيرِ: مَن يَشاءُ هَدْيَهُ، أيْ: مَن تَعَلَّقَتْ مَشِيئَتُهُ، وهي إرادَتُهُ بِأنَّهُ يَهْتَدِي فَخَلَقَهُ مُتَأثِّرًا بِتِلْكَ المَشِيئَةِ فَقَدَّرَ لَهُ الِاهْتِداءَ، وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ“ مَن يَشاءُ " أنَّهُ لا يَهْدِي بِهِ مَن لَمْ يَشَأْ هَدْيَهُ وهو ما دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ أيْ مَن لَمْ يَشَأْ هَدْيَهُ فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْ ضَلالِهِ فَلا سَبِيلَ لِهَدْيِهِ.
والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ لِنَقْصٍ في الضّالِّ لا في الكِتابِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الهُدى.
الزمر 39:24
﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ .
الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ فِيما مَضى وقَوْلِهِ الآتِي ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ.
وجَعَلَها المُفَسِّرُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ بِدَلالَةِ مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُهْتَدٍ، وفَرِيقٍ ضالٍّ، فَفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ هَذا الِاسْتِفْهامُ المُسْتَعْمَلُ في مَعْنًى مَجازِيٍّ.
وجَعَلَ المُفَسِّرُونَ في الكَلامِ حَذْفًا، وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: كَمَن أمِنَ العَذابَ؛ أوْ كَمَن هو في النَّعِيمِ. وجَعَلُوا الِاسْتِفْهامَ تَقْرِيرِيًّا أوْ إنْكارِيًّا، والمَقْصُودُ: عَدَمُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَن هو في العَذابِ، وهو الضّالُّ، ومَن هو في النَّعِيمِ، وهو الَّذِي هَداهُ اللَّهُ؛ وحُذِفَ حالُ الفَرِيقِ الآخَرِ لِظُهُورِهِ مِنَ المُقابَلَةِ الَّتِي اقْتَضاها الِاسْتِفْهامُ بِناءً عَلى أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ نَظِيرُ قَوْلِهِ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ وقَوْلِهِ
صفحة ٣٩٣
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] والقَوْلُ فِيهِ مِثْلُ القَوْلِ في سابِقِهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ الخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ، لِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهُ كَمَن أمِنَ مِنَ العَذابِ لِأنَّ اللَّهَ هَداهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤] والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ اهْتَدَوْا لا يَنالَهُمُ العَذابُ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ تَفْرِيعًا لِتَعْيِينِ ما صَدَقَ (مَن) في قَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ويَكُونُ ”مَن يَتَّقِي“ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أفَهُوَ مَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ.
والِاتِّقاءُ: تُكَلُّفُ الوِقايَةِ وهي الصَّوْنُ والدَّفْعُ، وفِعْلُها يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، يُقالُ: وقى نَفْسَهُ ضَرْبَ السَّيْفِ، ويَتَعَدّى بِالباءِ إلى سَبَبِ الوِقايَةِ، يُقالُ: وقى بِتُرْسِهِ، وقالَ النّابِغَةُ: .
سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
وإذا كانَ وجْهُ الإنْسانِ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوقى بِهِ شَيْءٌ مِنَ الجَسَدِ، إذِ الوَجْهُ أعَزُّ ما في الجَسَدِ وهو يُوقى ولا يُتَّقى بِهِ، فَإنَّ مِن جِبِلَّةِ الإنْسانِ إذا تَوَقَّعَ ما يُصِيبُ جَسَدَهُ سَتَرَ وجْهَهُ خَوْفًا عَلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ مُسْتَعْمَلًا كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الوِقايَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ أوِ التَّمْلِيحِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَطْلُبِ وِقايَةَ وجْهِهِ فَلا يَجِدُ ما يَقِيهِ بِهِ إلّا وجْهَهُ، وهَذا مِن إثْباتِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ نَفْيَهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] .
و”سُوءَ العَذابِ“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ ”يَتَّقِي“، وأصْلُهُ مَفْعُولٌ ثانٍ إذْ أصْلُهُ: وقى نَفْسَهُ سُوءَ العَذابِ، فَلَمّا صِيغَ مِنهُ الِافْتِعالُ صارَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ هو الَّذِي كانَ مَفْعُولًا ثانِيًا.
* * *
﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وقِيلَ“ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ. والتَّقْدِيرُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ، وقِيلَ لَهم فَإنَّ ”مَن“ مُرادٌ بِها جَمْعٌ، والتَّعْبِيرُ بِـ ”الظّالِمِينَ“ إظْهارٌ في
صفحة ٣٩٤
مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ما يُلاقُونَهُ مِنَ العَذابِ مُسَبَّبٌ عَلى ظُلْمِهِمْ، أيْ: شِرْكِهِمْ.
والمَعْنى: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ فَلا يَجِدُ وِقايَةً تُنْجِيهِ مِن ذَوْقِ العَذابِ فَيُقالُ لَهم: ذُوقُوا العَذابَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ”الظّالِمِينَ“ جَمِيعَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِنَ الأُمَمِ؛ غَيْرُ خاصٍّ بِالمُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، فَيَكُونُ ”الظّالِمِينَ“ إظْهارًا عَلى أصْلِهِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَعْنى التَّذْيِيلِ، أيْ: ويُقالُ لِهَؤُلاءِ وأشْباهِهِمْ، ويَظْهَرُ بِذَلِكَ وجْهُ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.
وجاءَ فِعْلُ ”وقِيلَ“ بِصِيغَةِ المُضِيِّ وهو واقِعٌ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّهُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ فِعْلٍ مَضى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ”وقِيلَ لِلظّالِمِينَ“ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ ”قَدْ“ ولِذَلِكَ لا يُحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ صِيغَةِ المُضِيِّ عَلى مَعْنى الأمْرِ المُحَقَّقِ وُقُوعُهُ.
والذَّوْقُ: مُسْتَعارٌ لِإحْساسِ ظاهِرِ الجَسَدِ لِأنَّ إحْساسَ الذَّوْقِ بِاللِّسانِ أشَدُّ مِن إحْساسِ ظاهِرِ الجِلْدِ؛ فَوَجْهُ الشَّبَهِ: قُوَّةُ الجِنْسِ.
والمَذُوقُ: هو العَذابُ فَهو جَزاءُ ما اكْتَسَبُوهُ في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ وشَرائِعِهِ، فَجُعِلَ المَذُوقُ نَفْسُ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مُبالِغَةً مُشِيرَةً إلى أنَّ الجَزاءَ وفْقُ أعْمالِهِمْ وأنَّ اللَّهَ عادِلٌ في تَعْذِيبِهِمْ.
وأُوثِرَ ”تَكْسِبُونَ“ عَلى تَعْمَلُونَ لِأنَّ خِطابَهم كانَ في حالِ اتِّقائِهِمْ سُوءَ العَذابِ ولا يَخْلُو حالُ المُعَذَّبِ مِنَ التَّبَرُّمِ الَّذِي هو كالإنْكارِ عَلى مُعَذِّبِهِ. فَجِيءَ بِالصِّلَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ ما ذاقُوهُ جَزاءُ ما اكْتَسَبُوهُ قَطْعًا لِتَبَرُّمِهِمْ.
الزمر 39:25
صفحة ٣٩٥
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِن مَصِيرِ المُشْرِكِينَ إلى سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَوْمَ يُقالُ لِلظّالِمِينَ هم وأمْثالِهِمْ: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ، يُثِيرُ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ سُؤالًا عَنْ تَمَتُّعِ المُشْرِكِينَ بِالنِّعْمَةِ في الدُّنْيا ويَتَمَنَّوْنَ أنْ يُعَجَّلَ لَهُمُ العَذابُ فَكانَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: هم مَظِنَّةُ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ كَما أتى العَذابُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، إذْ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بِدُونِ إنْذارٍ؛ غَيْرَ مُتَرَقِّبِينَ مَجِيئَهُ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] فَكانَ عَذابُ الدُّنْيا خِزْيًا يَجْزِي بِهِ اللَّهُ مَن يَشاءُ مِنَ الظّالِمِينَ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَجَزاءٌ يَجْزِي بِهِ اللَّهُ الظّالِمِينَ عَلى ظُلْمِهِمْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَأتاهُمُ العَذابُ“ دالَّةٌ عَلى تَسَبُّبِ التَّكْذِيبِ في إتْيانِ العَذابِ إلَيْهِمْ فَلَمّا ساواهم مُشْرِكُو العَرَبِ في تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ كانَ سَبَبُ حُلُولِ العَذابِ بِأُولَئِكَ مَوْجُودًا فِيهِمْ فَهو مُنْذِرٌ بِأنَّهم يَحِلُّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
وضَمِيرُ ”مَن قَبْلَهم“ عائِدٌ عَلى مَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَعْنى ”مَن“ جَمْعٌ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحِلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا وهو عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي أخْزاهُمُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ. فالمُرادُ بِالعَذابِ الَّذِي أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ: هو عَذابُ الدُّنْيا، لِأنَّهُ الَّذِي يُوصَفُ بِالإتْيانِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
و”حَيْثُ“ ظَرْفُ مَكانٍ، أيْ: جاءَ العَذابُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن مَكانٍ لا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَقَوْمٌ أتاهم مِن جِهَةِ السَّماءِ بِالصَّواعِقِ، وقَوْمٌ أتاهم مِنَ الجَوِّ مِثْلَ رِيحِ عادٍ، قالَ تَعالى فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ وقَوْمٌ أتاهم مِن تَحْتِهِمْ بِالزَّلازِلِ
صفحة ٣٩٦
والخَسْفِ مِثْلَ قَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمٌ أتاهم مِن نَبْعِ الماءِ مِنَ الأرْضِ مَثَلَ قَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمٌ عَمَّ عَلَيْهِمُ البَحْرُ مِثْلَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
وكانَ العَذابُ الَّذِي أصابَ كَفّارَ قُرَيْشٍ لَمْ يَخْطُرْ لَهم بِبالٍ، وهو قَطْعُ السُّيُوفِ رِقابَهم وهم في عِزَّةٍ مِن قَوْمِهِمْ وحُرْمَةٍ عِنْدَ قَبائِلِ العَرَبِ ما كانُوا يَحْسَبُونَ أيْدِيًا تَقْطَعُ رِقابَهم كَحالِ أبِي جَهْلٍ وهو في الغَرْغَرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ قالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْتَ أبا جَهْلٍ ؟ فَقالَ ”وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ“ .
واسْتِعارَةُ الإذاقَةِ لِإهانَةِ الخِزْيِ تَخْيِيلِيَّةٌ وهي مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لِلِاحْتِراسِ، أيْ: أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ هو الجَزاءُ، وأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَقَدْ يُصِيبُ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ الظَّلَمَةِ زِيادَةَ خِزْيٍ لَهم.
وقَوْلُهُ ”﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾“ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ.
ومَفْعُولُ ”يَعْلَمُونَ“ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ المُتَقَدِّمُ، أيْ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أذاقَ الآخَرِينَ الخِزْيَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ اللَّهَ أعَدَّ لَهم عَذابًا في الآخِرَةِ هو أشَدُّ.
وضَمِيرُ ”يَعْلَمُونَ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”قَبْلِهِمْ“ .
وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْرِيضُ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ الآيَةَ، تَقْدِيرُهُ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ ما حَلَّ بِهِمْ سَبَبُهُ تَكْذِيبُهم رُسُلَهم كَما كَذَّبَ هَؤُلاءِ مُحَمَّدًا ﷺ .
ووَصْفُ عَذابِ الآخِرَةِ بِـ ”أكْبَرُ“ بِمَعْنى: أشَدِّ فَهو أشَدُّ كَيْفِيَّةً مِن عَذابِ الدُّنْيا وأشَدُّ كَمِّيَّةً لِأنَّهُ أبَدِيٌّ.
الزمر 39:26
صفحة ٣٩٥
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِن مَصِيرِ المُشْرِكِينَ إلى سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ ويَوْمَ يُقالُ لِلظّالِمِينَ هم وأمْثالِهِمْ: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ، يُثِيرُ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ سُؤالًا عَنْ تَمَتُّعِ المُشْرِكِينَ بِالنِّعْمَةِ في الدُّنْيا ويَتَمَنَّوْنَ أنْ يُعَجَّلَ لَهُمُ العَذابُ فَكانَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: هم مَظِنَّةُ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ كَما أتى العَذابُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، إذْ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بِدُونِ إنْذارٍ؛ غَيْرَ مُتَرَقِّبِينَ مَجِيئَهُ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] فَكانَ عَذابُ الدُّنْيا خِزْيًا يَجْزِي بِهِ اللَّهُ مَن يَشاءُ مِنَ الظّالِمِينَ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَجَزاءٌ يَجْزِي بِهِ اللَّهُ الظّالِمِينَ عَلى ظُلْمِهِمْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَأتاهُمُ العَذابُ“ دالَّةٌ عَلى تَسَبُّبِ التَّكْذِيبِ في إتْيانِ العَذابِ إلَيْهِمْ فَلَمّا ساواهم مُشْرِكُو العَرَبِ في تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ كانَ سَبَبُ حُلُولِ العَذابِ بِأُولَئِكَ مَوْجُودًا فِيهِمْ فَهو مُنْذِرٌ بِأنَّهم يَحِلُّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
وضَمِيرُ ”مَن قَبْلَهم“ عائِدٌ عَلى مَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَعْنى ”مَن“ جَمْعٌ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحِلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا وهو عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي أخْزاهُمُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ. فالمُرادُ بِالعَذابِ الَّذِي أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ: هو عَذابُ الدُّنْيا، لِأنَّهُ الَّذِي يُوصَفُ بِالإتْيانِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
و”حَيْثُ“ ظَرْفُ مَكانٍ، أيْ: جاءَ العَذابُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن مَكانٍ لا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَقَوْمٌ أتاهم مِن جِهَةِ السَّماءِ بِالصَّواعِقِ، وقَوْمٌ أتاهم مِنَ الجَوِّ مِثْلَ رِيحِ عادٍ، قالَ تَعالى فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ وقَوْمٌ أتاهم مِن تَحْتِهِمْ بِالزَّلازِلِ
صفحة ٣٩٦
والخَسْفِ مِثْلَ قَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمٌ أتاهم مِن نَبْعِ الماءِ مِنَ الأرْضِ مَثَلَ قَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمٌ عَمَّ عَلَيْهِمُ البَحْرُ مِثْلَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
وكانَ العَذابُ الَّذِي أصابَ كَفّارَ قُرَيْشٍ لَمْ يَخْطُرْ لَهم بِبالٍ، وهو قَطْعُ السُّيُوفِ رِقابَهم وهم في عِزَّةٍ مِن قَوْمِهِمْ وحُرْمَةٍ عِنْدَ قَبائِلِ العَرَبِ ما كانُوا يَحْسَبُونَ أيْدِيًا تَقْطَعُ رِقابَهم كَحالِ أبِي جَهْلٍ وهو في الغَرْغَرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ قالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْتَ أبا جَهْلٍ ؟ فَقالَ ”وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ“ .
واسْتِعارَةُ الإذاقَةِ لِإهانَةِ الخِزْيِ تَخْيِيلِيَّةٌ وهي مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لِلِاحْتِراسِ، أيْ: أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ هو الجَزاءُ، وأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَقَدْ يُصِيبُ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ الظَّلَمَةِ زِيادَةَ خِزْيٍ لَهم.
وقَوْلُهُ ”﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾“ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ.
ومَفْعُولُ ”يَعْلَمُونَ“ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ المُتَقَدِّمُ، أيْ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أذاقَ الآخَرِينَ الخِزْيَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وأنَّ اللَّهَ أعَدَّ لَهم عَذابًا في الآخِرَةِ هو أشَدُّ.
وضَمِيرُ ”يَعْلَمُونَ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”قَبْلِهِمْ“ .
وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْرِيضُ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ الآيَةَ، تَقْدِيرُهُ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ ما حَلَّ بِهِمْ سَبَبُهُ تَكْذِيبُهم رُسُلَهم كَما كَذَّبَ هَؤُلاءِ مُحَمَّدًا ﷺ .
ووَصْفُ عَذابِ الآخِرَةِ بِـ ”أكْبَرُ“ بِمَعْنى: أشَدِّ فَهو أشَدُّ كَيْفِيَّةً مِن عَذابِ الدُّنْيا وأشَدُّ كَمِّيَّةً لِأنَّهُ أبَدِيٌّ.
الزمر 39:27
﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ إلى قَوْلِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ تَتِمَّةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وإرْشادِهِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِتَسْفِيهِ أحْلامِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِهِ
صفحة ٣٩٧
وأعْرَضُوا عَنِ الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ الفَرِيقِ الَّذِينَ لَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ وطَعَنُوا فِيهِ وأنْكَرُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والتَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: لِجَمِيعِ النّاسِ فَإنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ لِلنّاسِ كافَّةً.
وضَرْبُ المَثَلِ: ذِكْرُهُ ووَصْفُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَنْوِينُ ”مَثَلٍ“ لِلتَّعْظِيمِ والشَّرَفِ، أيْ: مِن كُلٍّ أشْرَفَ الأمْثالِ، فالمَعْنى: ذَكَرْنا لِلنّاسِ في القُرْآنِ أمْثالًا هي بَعْضٌ مِن كُلِّ أنْفَعِ الأمْثالِ وأشْرَفِها. والمُرادُ: شَرَفُ نَفْعِها.
وخُصَّتْ أمْثالُ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ مَزايا القُرْآنِ لِأجْلِ لَفْتِ بَصائِرِهِمْ لِلتَّدَبُّرِ في ناحِيَةٍ عَظِيمَةٍ مِن نَواحِي إعْجازِهِ وهي بَلاغَةُ أمْثالِهِ، فَإنَّ بُلَغاءَهم كانُوا يَتَنافَسُونَ في جَوْدَةِ الأمْثالِ وإصابَتِها المَحَزِّ مِن تَشْبِيهِ الحالَةِ بِالحالَةِ.
وتَقَدَّمَ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] في سُورَةِ الإسْراءِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] في سُورَةِ الرُّومِ.
ومَعْنى الرَّجاءِ في ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“ مُنْصَرِفٌ إلى أنَّ حالَهم عِنْدَ ضَرْبِ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ كَحالِ مَن يَرْجُو النّاسَ مِنهُ أنْ يَتَذَكَّرَ، وهَذا مِثْلُ نَظائِرِ هَذا التَّرَجِّي الواقِعِ في القُرْآنِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى التَّذَكُّرِ: التَّأمُّلُ والتَّدَبُّرُ لِيَنْكَشِفَ لَهم ما هم غافِلُونَ عَنْهُ سَواءٌ ما سَبَقَ لَهم بِهِ عِلْمٌ فَنَسُوهُ وشُغِلُوا عَنْهُ بِسَفْسافِ الأُمُورِ، وما لَمْ يَسْبِقْ لَهم عِلْمٌ بِهِ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَسْتَبْصِرَهُ الرَّأْيُ الأصِيلُ حَتّى إذا انْكَشَفَ لَهُ كانَ كالشَّيْءِ الَّذِي سَبَقَ لَهُ عِلْمُهُ وذَهَلَ عَنْهُ، فَمَعْنى التَّذَكُّرِ مَعْنًى بَدِيعٌ شامِلٌ لِهَذِهِ الخَصائِصِ.
وهَذا وصْفُ القُرْآنِ في حَدِّ ذاتِهِ إنْ صادَفَ عَقْلًا صافِيًا ونَفْسًا مُجَرَّدَةً
صفحة ٣٩٨
عَنِ المُكابَرَةِ، فَتَذَكَّرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ بِهِ مِن قَبْلُ، وتَذَكَّرَ بِهِ مَن كانَ التَّذَكُّرُ بِهِ سَبَبًا في إيمانِهِ بَعْدَ كُفْرِهِ بِسُرْعَةٍ أوْ بِبُطْءٍ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَتَذَكَّرُوا بِهِ فَإنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِهِمْ لِنَقْصٍ في فِطْرَتِهِمْ وتَغْشِيَةِ العِنادِ لِألْبابِهِمْ.
وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾“ .
وانْتَصَبَ ”قُرْآنًا“ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ المُبَيَّنِ بِالقُرْآنِ، فالحالُ هُنا مُوَطِّئَةٌ لِأنَّها تَوْطِئَةٌ لِلنَّعْتِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣]“ وإنْ كانَ بِظاهِرِ لَفْظِ ”قُرْآنًا“ حالًا مُؤَكَّدَةً ولَكِنَّ العِبْرَةَ بِما بَعْدَهُ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ عَرَبِيًّا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: لِأنَّهُ نَعَتٌ لِلْحالِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ التَّوَرُّكُ عَلى المُشْرِكِينَ حَيْثُ تَلَقَّوُا القُرْآنَ تَلَقِّيَ مَن سَمِعَ كَلامًا لَمْ يَفْهَمْهُ كَأنَّهُ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِ لا يُعِيرَهُ بالًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] مَعَ التَّحَدِّي لَهم بِأنَّهم عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وهو مِن لُغَتِهِمْ، وهو أيْضًا ثَناءٌ عَلى القُرْآنِ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَلامٌ بِاسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ لِأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ أفْصَحُ لُغاتِ البَشَرِ.
والعِوَجُ، بِكَسْرِ العَيْنِ، أُرِيدَ بِهِ: اخْتِلالُ المَعانِي دُونَ الأعْيانِ، وأمّا العَوَجُ، بِفَتْحِ العَيْنِ، فَيَشْمَلُها، وهَذا مُخْتارُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ مِثْلِ ابْنِ دُرَيْدٍ والزَّمَخْشَرِيِّ والزَّجّاجِ والفَيْرُوزَبادِيِّ، وصَحَّحَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الفَصِيحِ أنَّهُما سَواءٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَوْلِهِ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] في سُورَةِ طه.
وهَذا ثَناءٌ عَلى القُرْآنِ بِكَمالِ مَعانِيهِ بَعْدَ أنْ أُثْنِيَ عَلَيْهِ بِاسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ وصْفِهِ بِالِاسْتِقامَةِ إلى وصْفِهِ بِانْتِفاءِ العِوَجِ عَنْهُ التَّوَسُّلِ إلى إيقاعِ ”عِوَجٍ“ وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ ما هو بِمَعْنى النَّفْيِ وهو كَلِمَةُ ”غَيْرَ“ فَيُفِيدُ انْتِفاءَ جِنْسِ العِوَجِ عَلى وجْهِ عُمُومِ النَّفْيِ، أيْ: لَيْسَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، ولِأنَّ لَفْظَ ”عِوَجٍ“ مُخْتَصٌّ بِاخْتِلالِ المَعانِي، فَيَكُونُ الكَلامُ نَصًّا في اسْتِقامَةِ مَعانِي القُرْآنِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى اسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ ونَظْمِهِ قَدِ اسْتُفِيدَتْ مِن وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.
صفحة ٣٩٩
وقَوْلُهُ ”لَعَلَّهم يَتَّقُونَ“ مِثْلَ قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“، وذَكَرَ هُنا يَتَّقُونَ لِأنَّهم إذا تَذَكَّرُوا يُسِّرَتْ عَلَيْهِمُ التَّقْوى، ولِأنَّ التَّذَكُّرَ أنْسَبُ بِضَرْبِ الأمْثالِ لِأنَّ في الأمْثالِ عِبْرَةً بِأحْوالِ المُمَثَّلِ بِهِ فَهي مُفْضِيَةٌ إلى التَّذَكُّرِ، والِاتِّقاءِ أنْسَبُ بِانْتِفاءِ العِوَجِ لِأنَّهُ إذا اسْتَقامَتْ مَعانِيهِ واتَّضَحَتْ كانَ العَمَلُ بِما يَدْعُو إلَيْهِ أيْسَرَ وذَلِكَ هو التَّقْوى.
الزمر 39:28
﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ إلى قَوْلِهِ فَما لَهُ مِن هادٍ تَتِمَّةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وإرْشادِهِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِتَسْفِيهِ أحْلامِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِهِ
صفحة ٣٩٧
وأعْرَضُوا عَنِ الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ الفَرِيقِ الَّذِينَ لَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ وطَعَنُوا فِيهِ وأنْكَرُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والتَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: لِجَمِيعِ النّاسِ فَإنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ لِلنّاسِ كافَّةً.
وضَرْبُ المَثَلِ: ذِكْرُهُ ووَصْفُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَنْوِينُ ”مَثَلٍ“ لِلتَّعْظِيمِ والشَّرَفِ، أيْ: مِن كُلٍّ أشْرَفَ الأمْثالِ، فالمَعْنى: ذَكَرْنا لِلنّاسِ في القُرْآنِ أمْثالًا هي بَعْضٌ مِن كُلِّ أنْفَعِ الأمْثالِ وأشْرَفِها. والمُرادُ: شَرَفُ نَفْعِها.
وخُصَّتْ أمْثالُ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ مَزايا القُرْآنِ لِأجْلِ لَفْتِ بَصائِرِهِمْ لِلتَّدَبُّرِ في ناحِيَةٍ عَظِيمَةٍ مِن نَواحِي إعْجازِهِ وهي بَلاغَةُ أمْثالِهِ، فَإنَّ بُلَغاءَهم كانُوا يَتَنافَسُونَ في جَوْدَةِ الأمْثالِ وإصابَتِها المَحَزِّ مِن تَشْبِيهِ الحالَةِ بِالحالَةِ.
وتَقَدَّمَ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] في سُورَةِ الإسْراءِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] في سُورَةِ الرُّومِ.
ومَعْنى الرَّجاءِ في ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“ مُنْصَرِفٌ إلى أنَّ حالَهم عِنْدَ ضَرْبِ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ كَحالِ مَن يَرْجُو النّاسَ مِنهُ أنْ يَتَذَكَّرَ، وهَذا مِثْلُ نَظائِرِ هَذا التَّرَجِّي الواقِعِ في القُرْآنِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى التَّذَكُّرِ: التَّأمُّلُ والتَّدَبُّرُ لِيَنْكَشِفَ لَهم ما هم غافِلُونَ عَنْهُ سَواءٌ ما سَبَقَ لَهم بِهِ عِلْمٌ فَنَسُوهُ وشُغِلُوا عَنْهُ بِسَفْسافِ الأُمُورِ، وما لَمْ يَسْبِقْ لَهم عِلْمٌ بِهِ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَسْتَبْصِرَهُ الرَّأْيُ الأصِيلُ حَتّى إذا انْكَشَفَ لَهُ كانَ كالشَّيْءِ الَّذِي سَبَقَ لَهُ عِلْمُهُ وذَهَلَ عَنْهُ، فَمَعْنى التَّذَكُّرِ مَعْنًى بَدِيعٌ شامِلٌ لِهَذِهِ الخَصائِصِ.
وهَذا وصْفُ القُرْآنِ في حَدِّ ذاتِهِ إنْ صادَفَ عَقْلًا صافِيًا ونَفْسًا مُجَرَّدَةً
صفحة ٣٩٨
عَنِ المُكابَرَةِ، فَتَذَكَّرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ بِهِ مِن قَبْلُ، وتَذَكَّرَ بِهِ مَن كانَ التَّذَكُّرُ بِهِ سَبَبًا في إيمانِهِ بَعْدَ كُفْرِهِ بِسُرْعَةٍ أوْ بِبُطْءٍ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَتَذَكَّرُوا بِهِ فَإنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِهِمْ لِنَقْصٍ في فِطْرَتِهِمْ وتَغْشِيَةِ العِنادِ لِألْبابِهِمْ.
وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾“ .
وانْتَصَبَ ”قُرْآنًا“ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ المُبَيَّنِ بِالقُرْآنِ، فالحالُ هُنا مُوَطِّئَةٌ لِأنَّها تَوْطِئَةٌ لِلنَّعْتِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣]“ وإنْ كانَ بِظاهِرِ لَفْظِ ”قُرْآنًا“ حالًا مُؤَكَّدَةً ولَكِنَّ العِبْرَةَ بِما بَعْدَهُ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ عَرَبِيًّا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: لِأنَّهُ نَعَتٌ لِلْحالِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ التَّوَرُّكُ عَلى المُشْرِكِينَ حَيْثُ تَلَقَّوُا القُرْآنَ تَلَقِّيَ مَن سَمِعَ كَلامًا لَمْ يَفْهَمْهُ كَأنَّهُ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِ لا يُعِيرَهُ بالًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] مَعَ التَّحَدِّي لَهم بِأنَّهم عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وهو مِن لُغَتِهِمْ، وهو أيْضًا ثَناءٌ عَلى القُرْآنِ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَلامٌ بِاسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ لِأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ أفْصَحُ لُغاتِ البَشَرِ.
والعِوَجُ، بِكَسْرِ العَيْنِ، أُرِيدَ بِهِ: اخْتِلالُ المَعانِي دُونَ الأعْيانِ، وأمّا العَوَجُ، بِفَتْحِ العَيْنِ، فَيَشْمَلُها، وهَذا مُخْتارُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ مِثْلِ ابْنِ دُرَيْدٍ والزَّمَخْشَرِيِّ والزَّجّاجِ والفَيْرُوزَبادِيِّ، وصَحَّحَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الفَصِيحِ أنَّهُما سَواءٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَوْلِهِ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] في سُورَةِ طه.
وهَذا ثَناءٌ عَلى القُرْآنِ بِكَمالِ مَعانِيهِ بَعْدَ أنْ أُثْنِيَ عَلَيْهِ بِاسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ وصْفِهِ بِالِاسْتِقامَةِ إلى وصْفِهِ بِانْتِفاءِ العِوَجِ عَنْهُ التَّوَسُّلِ إلى إيقاعِ ”عِوَجٍ“ وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ ما هو بِمَعْنى النَّفْيِ وهو كَلِمَةُ ”غَيْرَ“ فَيُفِيدُ انْتِفاءَ جِنْسِ العِوَجِ عَلى وجْهِ عُمُومِ النَّفْيِ، أيْ: لَيْسَ فِيهِ عِوَجٌ قَطُّ، ولِأنَّ لَفْظَ ”عِوَجٍ“ مُخْتَصٌّ بِاخْتِلالِ المَعانِي، فَيَكُونُ الكَلامُ نَصًّا في اسْتِقامَةِ مَعانِي القُرْآنِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى اسْتِقامَةِ ألْفاظِهِ ونَظْمِهِ قَدِ اسْتُفِيدَتْ مِن وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.
صفحة ٣٩٩
وقَوْلُهُ ”لَعَلَّهم يَتَّقُونَ“ مِثْلَ قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“، وذَكَرَ هُنا يَتَّقُونَ لِأنَّهم إذا تَذَكَّرُوا يُسِّرَتْ عَلَيْهِمُ التَّقْوى، ولِأنَّ التَّذَكُّرَ أنْسَبُ بِضَرْبِ الأمْثالِ لِأنَّ في الأمْثالِ عِبْرَةً بِأحْوالِ المُمَثَّلِ بِهِ فَهي مُفْضِيَةٌ إلى التَّذَكُّرِ، والِاتِّقاءِ أنْسَبُ بِانْتِفاءِ العِوَجِ لِأنَّهُ إذا اسْتَقامَتْ مَعانِيهِ واتَّضَحَتْ كانَ العَمَلُ بِما يَدْعُو إلَيْهِ أيْسَرَ وذَلِكَ هو التَّقْوى.
الزمر 39:29
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ وهو مِن قَبِيلِ التَّعَرُّضِ إلى المَقْصُودِ بَعْدَ المُقَدِّمَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ﴾ [الزمر: ٢٧] مَثَلٍ تَوْطِئَةٌ لِهَذا المَثَلِ المَضْرُوبِ لِحالِ أهْلِ الشِّرْكِ وحالِ أهْلِ التَّوْحِيدِ، وفي هَذا الِانْتِقالِ تَخَلُّصٌ أُتْبِعَ تَذْكِيرُهم بِما ضُرِبَ لَهم في القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ عَلى وجْهِ إجْمالِ العُمُومِ اسْتِقْصاءً في التَّذْكِيرِ ومُعاوَدَةً لِلْإرْشادِ، وتَخَلُّصًا مَن وصْفِ القُرْآنِ بِأنَّ فِيهِ مِن كُلِّ مَثَلٍ، إلى تَمْثِيلِ حالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِحالٍ خاصٍّ.
فَهَذا المَثَلُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] فَهو مَثَلٌ لِحالِ مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهم لِلْإسْلامِ وحالِ مَن قَسَتْ قُلُوبُهم.
ومَجِيءُ فِعْلِ ”ضَرْبَ اللَّهُ“ بِصِيغَةِ الماضِي مَعَ أنَّ ضَرْبَ هَذا المَثَلِ ما حَصَلَ إلّا في زَمَنِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الحالِ مِن زَمَنِ الماضِي لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ إلى عِلْمِ هَذا المَثَلِ فَيُجْعَلُ كالإخْبارِ عَنْ أمْرٍ حَصَلَ لِأنَّ النُّفُوسَ أرْغَبُ في عَمَلِهِ كَقَوْلِ المُثَوِّبِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ. وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] في سُورَةِ النَّحْلِ.
أمّا صاحِبُ الكَشّافِ فَجَعَلَ فِعْلَ ”ضَرَبَ“ مُسْتَعْمِلًا في مَعْنى الأمْرِ إذْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: اضْرِبْ لَهم مَثَلًا وقُلْ لَهم ما تَقُولُونَ في رَجُلٍ مِنَ المَمالِيكِ قَدِ اشْتَرَكَ فِيهِ شُرَكاءُ، إلى آخَرِ كَلامِهِ، فَكانَ ظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ الخَبَرَ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ، فَقَرَّرَهُ شارِحُوهُ الطِّيبِيُّ والقَزْوِينِيُّ والتِّفْتَزانِيُّ بِما حاصِلُ مَجْمُوعِهِ: أنَّهُ أرادَ أنَّ النَّبِيءَ
صفحة ٤٠٠
ﷺ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] عَلِمَ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ مَثَلٌ مِن أمْثالِ القُرْآنِ فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِصِدْقِ ما عَلِمَهُ وجَعَلَهُ لِتَحَقُّقِهِ كَأنَّهُ ماضٍ.
ولِيُلائِمَ تَوْجِيهَ الِاسْتِفْهامِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ (فَإنَّهُ سُؤالُ تَبْكِيتٍ) فَتَلْتَئِمُ أطْرافُ نَظْمِ الكَلامِ، فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن إلْقاءِ ضَرْبِ المَثَلِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إلى إلْقائِهِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِإفادَةِ صِدْقِ عِلْمِ النَّبِيءِ ﷺ وكُلُّ هَذا أدَقُّ مَعْنًى وأنْسَبُ بِبَلاغَةِ القُرْآنِ مِن قَوْلِ مَن جَعَلَ المُضِيَّ في فِعْلِ ”ضَرَبَ“ عَلى حَقِيقَتِهِ وقالَ: إنَّ مَعْناهُ: ضَرْبُ المَثَلِ في عِلْمِهِ فَأخْبِرْ بِهِ قَوْمَكَ.
فالَّذِي دَعا الزَّمَخْشَرِيَّ إلى سُلُوكِ هَذا المَعْنى في خُصُوصِ هَذِهِ الآيَةِ هو رَعْيُ مُناسَباتٍ اخْتُصَّ بِها سِياقُ الكَلامِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ، ولا داعِيَ إلَيْهِ في غَيْرِها مِن نَظائِرِ صِيغَتِها مِمّا لَمْ يُوجَدْ لِلَّهِ فِيهِ مُقْتَضٍ لِنَحْوِ هَذا المَحْمَلِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَتَأتّى في نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] كَما في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] في سُورَةِ النَّحْلِ.
وقَدْ يُقالُ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ: إنَّ العُدُولَ عَنْ أنْ يُصاغَ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ كَما في قَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] إلى أنْ صِيَغَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ هو التَّوَسُّلُ إلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ المَثَلِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في سُورَةِ النَّحْلِ.
وإسْنادُ ضَرْبِ المَثَلِ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ كَوَّنَ نَظْمَهُ بِدُونِ واسِطَةٍ ثُمَّ أوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ فالقُرْآنُ كُلُّهُ مِن جَعْلِ اللَّهِ سَواءٌ في ذَلِكَ أمْثالُهُ وغَيْرُها، وهو كُلُّهُ مَأْمُورٌ رَسُولُهُ ﷺ بِتَبْلِيغِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا فاضْرِبْهُ لِلنّاسِ وبَيِّنْهُ لَهم، إذِ المَقْصُودُ مِن ضَرْبِ هَذا المَثَلِ مُحاجَّةُ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتُهم بِهِ في كَشْفِ سُوءِ حالَتِهِمْ في الإشْراكِ، إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَجْرِيَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ نَظائِرِهِ كَقَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] وكَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ في نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: ١٠] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ﴾ [الزمر: ١٤] ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ١٥] ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] .
صفحة ٤٠١
وقَدْ يَتَطَلَّبُ وجْهُهُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ ما صِيغَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ وما صِيغَ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ فَنُفَرِّقُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ بِأنَّ ما صِيغَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ كانَ في مَقامٍ أهَمَّ لِأنَّهُ إمّا تَمْثِيلٌ لِإبْطالِ الإشْراكِ، وإمّا لِوَعِيدِ المُشْرِكِينَ، وإمّا لِنَحْوِ ذَلِكَ، خِلافًا لِما صِيغَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ فَإنَّهُ كائِنٌ في مَقامِ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ أهْلِ الكِتابِ، وهَذا ما أشَرْنا إلَيْهِ إجْمالًا في سُورَةِ النَّحْلِ.
وقَوْلُهُ ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ﴾ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ البَيانِ لِـ ”مَثَلًا“ .
وجَعْلُ المُمَثَّلِ بِهِ حالَةَ رَجُلٍ لَيْسَ لِلِاحْتِرازِ عَنِ امْرَأةٍ أوْ طِفْلٍ ولَكِنْ لِأنَّ الرَّجُلَ هو الَّذِي يَسْبِقُ إلى أذْهانِ النّاسِ في المُخاطَباتِ والحِكاياتِ، ولِأنَّ ما يُرادُ مِنَ الرِّجالِ مِنَ الأعْمالِ أكْثَرُ مِمّا يُرادُ مِنَ المَرْأةِ والصَّبِيِّ، ولِأنَّ الرَّجُلَ أشَدُّ شُعُورًا بِما هو فِيهِ مِنَ الدَّعَةِ أوِ الكَدِّ، وأمّا المَرْأةُ والصَّبِيُّ فَقَدْ يَغْفُلانِ ويَلْهَيانِ.
وجُمْلَةُ ”فِيهِ شُرَكاءُ“ نَعْتٌ لِـ ”رَجُلًا“، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى ”شُرَكاءُ“ لِأنَّ خَبَرَ النَّكِرَةِ يَحْسُنُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْها إذا وُصِفَتْ، فَإذا لَمْ تُوصَفْ وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ لِكَراهَةِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
ومَعْنى ”فِيهِ شُرَكاءُ“: في مُلْكِهِ شُرَكاءُ.
والتَّشاكُسُ: شِدَّةُ الِاخْتِلافِ؛ وشِدَّةُ الِاخْتِلافِ في الرَّجُلِ: الِاخْتِلافُ في اسْتِخْدامِهِ وتَوْجِيهِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”سَلَمًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ بَعْدَها مِيمٌ؛ وهو اسْمُ مَصْدَرِ: سَلِمَ لَهُ، إذا خَلَصَ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ”سالِمًا“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ وهو مِن: سَلِمَ، إذا خَلَصَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ ولا وجْهَ لَهُ، والحَقُّ أنَّهُما سَواءٌ كَما أيَّدَهُ النَّحاسُ وأبُو حاتِمٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيهِ لِلرَّجُلِ.
وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ المُشْرِكِ في تَقَسُّمِ عَقْلِهِ بَيْنَ آلِهَةٍ كَثِيرِينَ فَهو في حَيْرَةٍ وشَكٍّ مِن رِضى بَعْضِهِمْ عَنْهُ وغَضَبِ بَعْضٍ، وفي تَرَدُّدِ عِبادَتِهِ إنْ أرْضى بِها أحَدَ آلِهَتِهِ، لَعَلَّهُ يُغْضِبُ بِها ضِدَّهُ، فَرَغَباتُهم مُخْتَلِفَةٌ وبَعْضُ القَبائِلِ أوْلى بِبَعْضِ الأصْنامِ مِن بَعْضٍ، قالَ تَعالى ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ويَبْقى هو ضائِعًا لا يَدْرِي عَلى
صفحة ٤٠٢
أيِّهِمْ يَعْتَمِدُ، فَوَهْمُهُ شُعاعٌ، وقَلْبُهُ أوْزاعٌ، بِحالِ مَمْلُوكٍ اشْتَرَكَ فِيهِ مالِكُونَ لا يَخْلُونَ مِن أنْ يَكُونَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ وتَنازُعٌ، فَهم يَتَعاوَرُونَهُ في مِهَنٍ شَتّى ويَتَدافَعُونَهُ في حَوائِجِهِمْ، فَهو حَيْرانُ في إرْضائِهِمْ تَعْباْنُ في أداءِ حُقُوقِهِمْ لا يَسْتَقِلُّ لَحْظَةً ولا يَتَمَكَّنُ مِنِ اسْتِراحَةٍ.
ويُقابِلُهُ تَمْثِيلُ حالِ المُسْلِمِ المُوَحِّدِ يَقُومُ بِما كَلَّفَهُ رَبُّهُ عارِفًا بِمَرْضاتِهِ مُؤَمِّلًا رِضاهُ وجَزاءَهُ، مُسْتَقِرَّ البالِ، بِحالِ العَبْدِ المَمْلُوكِ الخالِصِ لِمالِكٍ واحِدٍ قَدْ عَرَفَ مُرادَ مَوْلاهُ وعَلِمَ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِ؛ فَفَهْمُهُ واحِدٌ وقَلْبُهُ مُجْتَمِعٌ.
وكَذَلِكَ الحالُ في كُلِّ مُتَّبِعِ حَقٍّ ومُتَّبِعِ باطِلٍ فَإنَّ الحَقَّ هو المُوافِقُ لِما في الوُجُودِ والواقِعِ، والباطِلُ مُخالِفٌ لِما في الواقِعِ، فَمُتَّبِعُ الحَقِّ لا يَعْتَرِضُهُ ما يُشَوِّشُ عَلَيْهِ بِاللَّهِ ولا ما يُثْقِلُ عَلَيْهِ أعْمالَهُ، ومُتَّبِعُ الباطِلِ يَتَعَثَّرُ بِهِ في مَزالِقِ الخُطى ويَتَخَبَّطُ في أعْمالِهِ بَيْنَ تَناقُضٍ وخَطَأٍ.
ثُمَّ قالَ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ أيْ: هَلْ يَكُونُ هَذانِ الرَّجُلانِ المُشَبَّهانِ مُسْتَوِيَيْنِ حالًا بَعْدَ ما عَلِمْتُمْ مِنِ اخْتِلافِ حالَيِ المُشَبَّهِينَ بِهِما.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا، وجِيءَ فِيهِ بِـ ”هَلْ“ لِتَحْقِيقِ التَّقْرِيرِ أوِ الإنْكارِ.
وانْتُصِبَ ”مَثَلًا“ عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ ”يَسْتَوِيانِ“ .
والمَثَلُ: الحالُ. والتَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي حالاهُما، والِاسْتِواءُ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَأكْثَرَ، وإنَّما أُفْرِدَ التَّمْيِيزُ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وقَدْ عُرِفَ التَّعَدُّدُ مِن فاعِلِ ”يَسْتَوِيانِ“ ولَوْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ما وقَعَ بِهِ التَّمْيِيزُ لَقِيلَ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما.
وجُمْلَةُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ بِناءً عَلى أنَّ أحَدَ الظَّرْفَيْنِ المُقَرَّرِ عَلَيْهِما مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا يَسَعُ المُقَرَّرُ عَلَيْهِ إلّا الإقْرارَ بِهِ فَيُقَدَّرُونَ: أنَّهم أقَرُّوا بِعَدَمِ اسْتِوائِهِما في الحالَةِ، أيْ: بِأنَّ أحَدَهُما أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِفْهامِ لا يَنْتَظِرُ السّائِلُ جَوابًا عَنْهُ، فَلِذَلِكَ يَصِحُّ أنْ يَتَوَلّى الجَوابَ عَنْهُ قَبْلَ أنْ يُجِيبَ المَسْئُولُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] وقَدْ يُبْنى عَلى أنَّ المَسْئُولَ اعْتَرَفَ فَيُؤْتى بِما يُناسِبُ اعْتِرافَهُ كَما هُنا،
صفحة ٤٠٣
فَكَأنَّهم قالُوا: لا يَسْتَوِيانِ، وذَلِكَ هو ما يَبْتَغِيهِ المُتَكَلِّمُ مِنِ اسْتِفْهامِهِ، فَلَمّا وافَقَ جَوابُهم بُغْيَةَ المُسْتَفْهِمِ حَمِدَ اللَّهَ عَلى نُهُوضِ حُجَّتِهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا، فَمَوْقِعُها كَمَوْقِعِ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الدَّلِيلِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ قَرِينَةً عَلى أنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن عَلِمَ فَأقَرَّ وأنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً إذا جُعِلَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الإنْكارِ وبَيْنَ الإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ عَدَمَ اسْتِواءِ الحالَتَيْنِ ولَوْ عَلِمُوا لاخْتارُوا لِأنْفُسِهِمُ الحُسْنى مِنهُما، ولَما أصَرُّوا عَلى الإشْراكِ.
وأفادَ هَذا أنَّ ما انْتَحَلُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وتَكاذِيبِهِ لا يَمُتُّ إلى العِلْمِ بِصِلَةٍ فَهو جَهالَةٌ واخْتِلاقٌ. و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. وأُسْنِدَ عَدَمُ العِلْمِ لِأكْثَرِهِمْ لِأنَّ أكْثَرَهم عامَّةٌ أتْباعٌ لِزُعَمائِهِمُ الَّذِينَ سَنُّوا لَهُمُ الإشْراكَ وشَرائِعَهُ انْتِفاعًا بِالجاهِ والثَّناءِ الكاذِبِ بِحَيْثُ غَشّى ذَلِكَ عَلى عَمَلِهِمْ.
الزمر 39:30
﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
لَمّا جَرى الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ في مَهْيَعِ إبْطالِ الشِّرْكِ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ، وتَوْضِيحِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ وحالِ المُوَحِّدِينَ المُؤْمِنِينَ بِما يُنْبِئُ بِتَفْضِيلِ حالِ المُؤْمِنِينَ، وفي مَهْيَعِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وعَلى أحَقِّيَّةِ الإيمانِ، وإرْشادِ المُشْرِكِينَ إلى التَّبَصُّرِ في هَذا القُرْآنِ، وتَخَلَّلَ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي أنَّهم غَيْرُ مُقْلِعِينَ عَنْ باطِلِهِمْ، وخُتِمَ بِتَسْجِيلِ جَهْلِهِمْ وعَدَمِ عِلْمِهِمْ، خُتِمَ هَذا الغَرَضُ بِإحالَتِهِمْ عَلى حُكْمِ اللَّهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارًا، وحِينَ يَلْتَفِتُونَ فَلا يَرَوْنَ إلّا نارًا.
وقَدَّمَ لِذَلِكَ تَذْكِيرَهم بِأنَّ النّاسَ كُلَّهم صائِرُونَ إلى المَوْتِ فَإنَّ المَوْتَ آخِرُ ما يُذَكَّرُ بِهِ السّادِرُ في غُلَوائِهِ إذا كانَ قَدِ اغْتَرَّ بِعَظَمَةِ الحَياةِ ولَمْ يَتَفَكَّرْ في اخْتِيارِ طَرِيقِ السَّلامَةِ والنَّجاةِ، وهَذا مِنِ انْتِهازِ القُرْآنِ فُرَصَ الإرْشادِ والمَوْعِظَةِ.
صفحة ٤٠٤
فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ﴿إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ فاغْتُنِمَ هَذا الغَرَضُ لِيُجْتَلَبَ مَعَهُ مَوْعِظَةٌ بِما يَتَقَدَّمُهُ مِنَ الحَوادِثِ عَسى أنْ يَكُونَ لَهم بِها مُعْتَبَرٌ، فَحَصَلَتْ بِهَذا فَوائِدُ مِنها: تَمْهِيدُ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنها: التَّذْكِيرُ بِزَوالِ هَذِهِ الحَياةِ، فَهَذانِ عامّانِ لِلْمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، ومِنها: حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى المُبادَرَةِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ، ومِنها: إشْعارُهم بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَمُوتُ كَما ماتَ النَّبِيئُونَ مِن قَبْلِهِ لِيَغْتَنِمُوا الِانْتِفاعَ بِهِ في حَياتِهِ ويَحْرِصُوا عَلى مُلازَمَةِ مَجْلِسِهِ، ومِنها أنْ لا يَخْتَلِفُوا في مَوْتِهِ كَما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في غَيْرِهِ، ومِنها تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ أنَّ اللَّهَ سَوّى في المَوْتِ بَيْنَ الخَلْقِ دُونَ رَعْيٍ لِتَفاضُلِهِمْ في الحَياةِ لِتَكْثُرَ السَّلْوَةُ وتَقِلَّ الحَسْرَةُ.
فَجَمُلَتا إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ اسْتِئْنافٌ، وعُطِفَ عَلَيْهِما ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“ الدّالِّ عَلى التَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لِأنَّ الإنْباءَ بِالفَصْلِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ أهَمُّ في هَذا المَقامِ مِنَ الإنْباءِ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى المَوْتِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَقُولُونَ ”نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ“، والمَعْنى: أنَّ المَوْتَ يَأْتِيكَ ويَأْتِيهِمْ فَما يَدْرِي القائِلُونَ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ أنْ يَكُونُوا يَمُوتُونَ قَبْلَكَ، وكَذَلِكَ كانَ، فَقَدْ رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَصارِعَ أشَدِّ أعْدائِهِ في قَلِيبِ بَدْرٍ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ:
«دَعا رَسُولُ اللَّهِ عَلى أبِي جَهْلٍ، وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وعُمارَةَ بْنِ الوَلِيدِ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأيْتُ الَّذِينَ عَدَّهم رَسُولُ اللَّهِ صَرْعى في القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ» .
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في وإنَّهم مَيِّتُونَ لِلْمُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلا غَرَضَ هُنا لِلْإخْبارِ بِأنَّهم مَيِّتُونَ كَما هو بَيِّنٌ مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرَيْنِ بِـ ”إنَّ“ لِتَحْقِيقَ المَعْنى التَّعْرِيضِي المَقْصُودِ مِنها.
والمُرادُ بِالمَيِّتِ: الصّائِرُ إلى المَوْتِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ الوَصْفِ فِيمَن سَيَتَّصِفُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مِثْلُ اسْتِعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً.
صفحة ٤٠٥
والمَيِّتُ: هو مَنِ اتَّصَفَ بِالمَوْتِ، أيْ: زالَتْ عَنْهُ الحَياةُ، ومِثْلُهُ: المَيْتُ، بِتَخْفِيفِ السُّكُونِ عَلى الياءِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما خِلافًا لِلْكِسائِيِّ والفَرّاءِ.
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ لِرَدِّ إنْكارِ المُشْرِكِينَ البَعْثَ. وتَقْدِيمُ ”عِنْدَ رَبِّكم“ عَلى ”تَخْتَصِمُونَ“ لِلِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ.
والِاخْتِصامُ: كِنايَةٌ عَنِ الحُكْمِ بَيْنَهم، أيْ: يَحْكُمُ بَيْنَكم فِيما اخْتَصَمْتُمْ فِيهِ في الدُّنْيا مِن إثْباتِ المُشْرِكِينَ آلِهَةً وإبْطالِكم ذَلِكَ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ١٢٤] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِصامُ أُطْلِقَ عَلى حِكايَةِ ما وقَعَ بَيْنَهم في الدُّنْيا حِينَ تُعْرَضُ أعْمالُهم، كَما يُقالُ: هَذا تَخاصُمُ فُلانٍ وفُلانٍ، في طالِعِ مَحْضَرِ خُصُومَةٍ ومُقاوَلَةٍ بَيْنَهُما يُقْرَأُ بَيْنَ يَدَيِ القاضِي.
ويَجُوزُ أنْ تُصَوَّرَ خُصُومَةُ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ يَوْمَئِذٍ لِيَفْتَضِحَ المُبْطِلُونَ ويَبْهَجَ أهْلُ الحَقِّ عَلى نَحْوِ ما قالَ تَعالى ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] .
وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَضَمِيرُ ”إنَّكم“ عائِدٌ إلى مَجْمُوعِ ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”إنَّكَ“ و”إنَّهم“ .
وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى جَمِيعِ الأُمَّةِ وهو اخْتِصامُ الظُّلاماتِ، وقَدْ ورَدَ تَأْوِيلُ الضَّمِيرِ عَلى هَذا المَعْنى فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ " لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْنا: كَيْفَ نَخْتَصِمُ ونَحْنُ إخْوانٌ، فَلَمّا قُتِلَ عُثْمانُ وضَرَبَ بَعْضُنا وجْهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ قُلْنا: هَذا الخِصامُ الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا، ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَ مَقالَةِ ابْنِ عُمَرَ ولَكِنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ قُلْنا: نَعَمْ هو ذا، وسَواءٌ شَمِلَتِ الآيَةُ هَذِهِ المَحامِلَ وهو الألْيَقُ، أوْ لَمْ تَشْمَلْها فالمَقْصُودُ مِنها هو تَخاصُمُ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الشِّرْكِ.
الزمر 39:31
﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ .
لَمّا جَرى الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ في مَهْيَعِ إبْطالِ الشِّرْكِ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ، وتَوْضِيحِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ وحالِ المُوَحِّدِينَ المُؤْمِنِينَ بِما يُنْبِئُ بِتَفْضِيلِ حالِ المُؤْمِنِينَ، وفي مَهْيَعِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وعَلى أحَقِّيَّةِ الإيمانِ، وإرْشادِ المُشْرِكِينَ إلى التَّبَصُّرِ في هَذا القُرْآنِ، وتَخَلَّلَ في ذَلِكَ ما يَقْتَضِي أنَّهم غَيْرُ مُقْلِعِينَ عَنْ باطِلِهِمْ، وخُتِمَ بِتَسْجِيلِ جَهْلِهِمْ وعَدَمِ عِلْمِهِمْ، خُتِمَ هَذا الغَرَضُ بِإحالَتِهِمْ عَلى حُكْمِ اللَّهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارًا، وحِينَ يَلْتَفِتُونَ فَلا يَرَوْنَ إلّا نارًا.
وقَدَّمَ لِذَلِكَ تَذْكِيرَهم بِأنَّ النّاسَ كُلَّهم صائِرُونَ إلى المَوْتِ فَإنَّ المَوْتَ آخِرُ ما يُذَكَّرُ بِهِ السّادِرُ في غُلَوائِهِ إذا كانَ قَدِ اغْتَرَّ بِعَظَمَةِ الحَياةِ ولَمْ يَتَفَكَّرْ في اخْتِيارِ طَرِيقِ السَّلامَةِ والنَّجاةِ، وهَذا مِنِ انْتِهازِ القُرْآنِ فُرَصَ الإرْشادِ والمَوْعِظَةِ.
صفحة ٤٠٤
فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ﴿إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ فاغْتُنِمَ هَذا الغَرَضُ لِيُجْتَلَبَ مَعَهُ مَوْعِظَةٌ بِما يَتَقَدَّمُهُ مِنَ الحَوادِثِ عَسى أنْ يَكُونَ لَهم بِها مُعْتَبَرٌ، فَحَصَلَتْ بِهَذا فَوائِدُ مِنها: تَمْهِيدُ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنها: التَّذْكِيرُ بِزَوالِ هَذِهِ الحَياةِ، فَهَذانِ عامّانِ لِلْمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، ومِنها: حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى المُبادَرَةِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ، ومِنها: إشْعارُهم بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَمُوتُ كَما ماتَ النَّبِيئُونَ مِن قَبْلِهِ لِيَغْتَنِمُوا الِانْتِفاعَ بِهِ في حَياتِهِ ويَحْرِصُوا عَلى مُلازَمَةِ مَجْلِسِهِ، ومِنها أنْ لا يَخْتَلِفُوا في مَوْتِهِ كَما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في غَيْرِهِ، ومِنها تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ أنَّ اللَّهَ سَوّى في المَوْتِ بَيْنَ الخَلْقِ دُونَ رَعْيٍ لِتَفاضُلِهِمْ في الحَياةِ لِتَكْثُرَ السَّلْوَةُ وتَقِلَّ الحَسْرَةُ.
فَجَمُلَتا إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ اسْتِئْنافٌ، وعُطِفَ عَلَيْهِما ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“ الدّالِّ عَلى التَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لِأنَّ الإنْباءَ بِالفَصْلِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ أهَمُّ في هَذا المَقامِ مِنَ الإنْباءِ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى المَوْتِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَقُولُونَ ”نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ“، والمَعْنى: أنَّ المَوْتَ يَأْتِيكَ ويَأْتِيهِمْ فَما يَدْرِي القائِلُونَ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ أنْ يَكُونُوا يَمُوتُونَ قَبْلَكَ، وكَذَلِكَ كانَ، فَقَدْ رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَصارِعَ أشَدِّ أعْدائِهِ في قَلِيبِ بَدْرٍ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ:
«دَعا رَسُولُ اللَّهِ عَلى أبِي جَهْلٍ، وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وعُمارَةَ بْنِ الوَلِيدِ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأيْتُ الَّذِينَ عَدَّهم رَسُولُ اللَّهِ صَرْعى في القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ» .
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في وإنَّهم مَيِّتُونَ لِلْمُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلا غَرَضَ هُنا لِلْإخْبارِ بِأنَّهم مَيِّتُونَ كَما هو بَيِّنٌ مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرَيْنِ بِـ ”إنَّ“ لِتَحْقِيقَ المَعْنى التَّعْرِيضِي المَقْصُودِ مِنها.
والمُرادُ بِالمَيِّتِ: الصّائِرُ إلى المَوْتِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ الوَصْفِ فِيمَن سَيَتَّصِفُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مِثْلُ اسْتِعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً.
صفحة ٤٠٥
والمَيِّتُ: هو مَنِ اتَّصَفَ بِالمَوْتِ، أيْ: زالَتْ عَنْهُ الحَياةُ، ومِثْلُهُ: المَيْتُ، بِتَخْفِيفِ السُّكُونِ عَلى الياءِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما خِلافًا لِلْكِسائِيِّ والفَرّاءِ.
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ لِرَدِّ إنْكارِ المُشْرِكِينَ البَعْثَ. وتَقْدِيمُ ”عِنْدَ رَبِّكم“ عَلى ”تَخْتَصِمُونَ“ لِلِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ.
والِاخْتِصامُ: كِنايَةٌ عَنِ الحُكْمِ بَيْنَهم، أيْ: يَحْكُمُ بَيْنَكم فِيما اخْتَصَمْتُمْ فِيهِ في الدُّنْيا مِن إثْباتِ المُشْرِكِينَ آلِهَةً وإبْطالِكم ذَلِكَ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ١٢٤] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِصامُ أُطْلِقَ عَلى حِكايَةِ ما وقَعَ بَيْنَهم في الدُّنْيا حِينَ تُعْرَضُ أعْمالُهم، كَما يُقالُ: هَذا تَخاصُمُ فُلانٍ وفُلانٍ، في طالِعِ مَحْضَرِ خُصُومَةٍ ومُقاوَلَةٍ بَيْنَهُما يُقْرَأُ بَيْنَ يَدَيِ القاضِي.
ويَجُوزُ أنْ تُصَوَّرَ خُصُومَةُ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ يَوْمَئِذٍ لِيَفْتَضِحَ المُبْطِلُونَ ويَبْهَجَ أهْلُ الحَقِّ عَلى نَحْوِ ما قالَ تَعالى ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] .
وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَضَمِيرُ ”إنَّكم“ عائِدٌ إلى مَجْمُوعِ ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”إنَّكَ“ و”إنَّهم“ .
وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى جَمِيعِ الأُمَّةِ وهو اخْتِصامُ الظُّلاماتِ، وقَدْ ورَدَ تَأْوِيلُ الضَّمِيرِ عَلى هَذا المَعْنى فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ " لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْنا: كَيْفَ نَخْتَصِمُ ونَحْنُ إخْوانٌ، فَلَمّا قُتِلَ عُثْمانُ وضَرَبَ بَعْضُنا وجْهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ قُلْنا: هَذا الخِصامُ الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا، ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَ مَقالَةِ ابْنِ عُمَرَ ولَكِنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ قُلْنا: نَعَمْ هو ذا، وسَواءٌ شَمِلَتِ الآيَةُ هَذِهِ المَحامِلَ وهو الألْيَقُ، أوْ لَمْ تَشْمَلْها فالمَقْصُودُ مِنها هو تَخاصُمُ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الشِّرْكِ.
الزمر 39:32
صفحة ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (سُورَةُ الزُّمَرِ) ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ .
أفادَتِ الفاءُ تَفْرِيعَ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها تَفْرِيعَ القَضاءِ عَنِ الخُصُومَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] إذْ عَلِمْتَ أنَّ الِاخْتِصامَ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الحُكْمِ بَيْنَهم فِيما خالَفُوا فِيهِ وأنْكَرُوهُ، والمَعْنى: يَقْضِي بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَيَكُونُ القَضاءُ عَلى مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ إذْ هو الَّذِي لا أظْلَمَ مِنهُ، أيْ: فَيَكُونُ القَضاءُ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِنِسْبَةِ الشُّرَكاءِ إلَيْهِ والبَناتِ، وكَذَّبُوا بِالصِّدْقِ وهو القُرْآنُ، وما صَدَقُ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ الفَرِيقُ الَّذِينَ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وهُمُ المَعْنِيُّونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] .
وقَدْ كُنِّيَ عَنْ كَوْنِهِمْ مَدِينِينَ بِتَحْقِيقِ أنَّهم أظْلَمُ لِأنَّ مِنَ العَدْلِ أنْ لا يُقَرَّ الظّالِمُ عَلى ظُلْمِهِ فَإذا وُصِفَ الخَصْمُ بِأنَّهُ ظالِمٌ عُلِمَ أنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ داوُدَ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] .
وقَدْ عُدِلَ عَنْ صَوْغِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الإخْبارِ إلى صَوْغِهِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ السّامِعَ لا يَسَعُهُ إلّا الجَوابُ بِأنَّهم أظْلَمُ.
فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا مُرْسَلًا أوْ كِنايَةً مُرادٌ بِهِ أنَّهم أظْلَمُ الظّالِمِينَ وأنَّهُ لا ظالِمَ أظْلَمُ مِنهم، فَآلَ مَعْناهُ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ أظْلَمَ مِنهم فَإنَّهم أتَوْا أصْنافًا مِنَ
صفحة ٦
الظُّلْمِ العَظِيمِ: ظُلْمِ الِاعْتِداءِ عَلى حُرْمَةِ الرَّبِّ بِالكَذِبِ في صِفاتِهِ إذْ زَعَمُوا أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ، والكَذِبِ عَلَيْهِ بِادِّعاءِ أنَّهُ أمَرَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وظُلْمِ الرَّسُولِ ﷺ بِتَكْذِيبِهِ، وظُلْمِ القُرْآنِ بِنِسْبَتِهِ إلى الباطِلِ، وظُلْمِ المُؤْمِنِينَ بِالأذى، وظُلْمِ حَقائِقِ العالَمِ بِقَلْبِها وإفْسادِها، وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِإقْحامِها في العَذابِ الخالِدِ.
وعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِ ”هم“ إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ كَوْنِهِمْ أظْلَمَ النّاسِ.
وإنَّما اقْتُصِرَ في التَّعْلِيلِ عَلى أنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وكَذَّبُوا بِالصِّدْقِ لِأنَّ هَذَيْنِ الكَذِبَيْنِ هُما جِماعُ ما أتَوْا بِهِ مِنَ الظُّلْمِ المَذْكُورِ آنِفًا.
والصِّدْقُ: ضِدُّ الكَذِبِ.
والمُرادُ بِالصِّدْقِ القُرْآنُ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ومَجِيءُ الصِّدْقِ إلَيْهِمْ: بُلُوغُهُ إيّاهم، أيْ: سَماعُهم إيّاهُ وفَهْمُهم فَإنَّهُ بِلِسانِهِمْ وجاءَ بِأفْصَحِ بَيانٍ بِحَيْثُ لا يُعْرِضُ عَنْهُ إلّا مُكابِرٌ مُؤْثِرٌ حُظُوظَ الشَّهْوَةِ والباطِلِ عَلى حُظُوظِ الإنْصافِ والنَّجاةِ.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَةِ ”الصِّدْقِ“ وفِعْلِ ”كَذَّبَ“ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
و﴿إذْ جاءَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”كَذَّبَ“، و”إذْ“ ظَرْفُ زَمَنٍ ماضٍ وهو مُشْعِرٌ بِالمُقارَنَةِ بَيْنَ الزَّمَنِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها، وحُصُولُ مُتَعَلِّقِهِ، فَقَوْلُهُ ﴿إذْ جاءَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَذَّبَ بِالحَقِّ بِمُجَرَّدِ بُلُوغِهِ إيّاهُ بِدُونِ مُهْلَةٍ، أيْ: بادَرَ بِالتَّكْذِيبِ بِالحَقِّ عِنْدَ بُلُوغِهِ إيّاهُ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ لِإعْمالِ رُؤْيَةٍ ولا اهْتِمامٍ بِمَيْزٍ بَيْنَ حَقٍّ وباطِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ ظُلْمَهم أوْجَبَ أنْ يَكُونَ مَثْواهم في جَهَنَّمَ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وإنَّما وُجِّهَ الِاسْتِفْهامُ إلى نَفْيِ ما المَقْصُودُ التَّقْرِيرُ بِهِ جَرْيًا
صفحة ٧
عَلى الغالِبِ في الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ وهي طَرِيقَةُ إرْخاءِ العَنانِ لِلْمُقَرَّرِ بِحَيْثُ يُفْتَحُ لَهُ بابُ الإنْكارِ عِلْمًا مِنَ المُتَكَلِّمِ بِأنَّ المُخاطَبَ لا يَسَعُهُ الإنْكارُ فَلا يَلْبَثُ أنْ يُقِرَّ بِالإثْباتِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا رَدًّا لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم ناجُونَ مِنَ النّارِ الدّالِّ عَلَيْهِ تَصْمِيمُهم عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ في دَعْوَةِ القُرْآنِ.
والكافِرُونَ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ فَأثْبَتُوا لَهُ الشُّرَكاءَ أوْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ بَعْدَ ظُهُورِ دَلالَةِ صِدْقِهِمْ، والتَّعْرِيفُ في الكافِرِينَ لِلْجِنْسِ المُفِيدِ لِلِاسْتِغْراقِ فَشَمِلَ الكافِرِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم شُمُولًا أوَّلِيًّا.
وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُفِيدَةً لِلتَّذْيِيلِ أيْضًا، ويَكُونُ اقْتِضاءُ مَصِيرِ الكافِرِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم إلى النّارِ ثابِتًا بِشِبْهِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَعُمُّ مَصِيرَ جَمِيعِ الجِنْسِ الَّذِي هم مِن أصْنافِهِ.
ولَيْسَ في الكَلامِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ.
والمَثْوى: اسْمُ مَكانِ الثُّواءِ، وهو القَرارُ، فالمَثْوى: المَقَرُّ.
الزمر 39:33
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والصِّدْقُ: القُرْآنُ؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ.
وجُمْلَةُ وصَدَّقَ بِهِ صِلَةُ مَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: والَّذِي صَدَّقَ بِهِ، لِأنَّ المُصَدِّقَ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ لِأنَّ الَّذِي صَدَّقَ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ فالعَطْفُ عَطْفُ جُمْلَةٍ كامِلَةٍ ولَيْسَ عَطْفَ جُمْلَةِ صِلَةٍ.
صفحة ٨
وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى ”الصِّدْقِ“ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ والتَّصْدِيقُ بِكِلَيْهِما مُتَلازِمٌ، وإذْ قَدْ كانَ المُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالنَّبِيءِ ﷺ مَن ثَبَتَ لَهُ هَذا الوَصْفُ كانَ مُرادًا بِهِ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وهم جَماعَةٌ فَلا تَقَعُ صِفَتُهم صِلَةً لِـ ”الَّذِي“ لِأنَّ أصْلَهُ لِلْمُفْرَدِ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ بِفَرِيقٍ، وقَرِينَتُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وإنَّما أُفْرِدَ عائِدُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ وصَدَّقَ رَعْيًا لِلَفْظِ ”الَّذِي“ وذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الإيجازِ.
ورَوى الطَّبَرَيُّ بِسَنَدِهِ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ﷺ والَّذِي صَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ، وقالَهُ الكَلْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ومَحْمَلُهُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ أوَّلُ مَن صَدَّقَ النَّبِيءَ ﷺ .
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْعِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يُفِيدُ قَصْرَ جِنْسِ المُتَّقِينَ عَلى الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ لِأنَّهُ لا مُتَّقٍ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحابِهِ؛ وكُلُّهم مُتَّقُونَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ لَمّا أشْرَقَتْ عَلى نُفُوسِهِمْ أنْوارُ الرَّسُولِ ﷺ تَطَهَّرَتْ ضَمائِرُهم مِن كُلِّ سَيِّئَةٍ فَكانُوا مَحْفُوظِينَ مِنَ اللَّهِ بِالتَّقْوى قالَ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
والمَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ تَحَقَّقَ فِيهِمْ ما أُرِيدَ مِن إنْزالِ القُرْآنِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] .
وجُمْلَةُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم لَمّا قُصِرَ عَلَيْهِمْ جِنْسُ المُتَّقِينَ كانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِمَزِيَّةٍ عَظِيمَةٍ فَكانَ يَقْتَضِي أنْ يَسْألَ السّامِعُ عَنْ جَزاءِ هَذِهِ المَزِيَّةِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ اللَّهِ.
و﴿ما يَشاءُونَ﴾ هو ما يُرِيدُونَ ويَتَمَنَّوْنَ، أيْ: يُعْطِيهُمُ اللَّهُ ما يَطْلُبُونَ في الجَنَّةِ.
ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أنَّ اللَّهَ ادَّخَرَ لَهم ما يَبْتَغُونَهُ، وهَذا مِن صِيَغِ الِالتِزامِ
صفحة ٩
ووَعْدِ الإيجابِ، يُقالُ: لَكَ عِنْدِي كَذا، أيْ ألْتَزِمُ لَكَ بِكَذا، ثُمَّ يَجُوزُ أنَّ اللَّهَ يُلْهِمُهم أنْ يَشاءُوا ما لا يَتَجاوَزُ قَدْرَ ما عَيَّنَ اللَّهُ مِنَ الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُتَفاوِتُونَ في الدَّرَجاتِ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: تَمَنَّهْ، فَلا يَزالُ يَتَمَنّى حَتّى تَنْقَطِعَ بِهِ الأمانِيُّ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وعَشَرَةُ أمْثالِهِ مَعَهُ» .
ويَجُوزُ أنَّ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ مِمّا يَقَعُ تَحْتَ أنْظارِهِمْ في قُصُورِهِمْ ويَحْجُبُ اللَّهُ عَنْهم ما فَوْقَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَسْألُونَ ما هو مِن عَطاءِ أمْثالِهِمْ وهو عَظِيمٌ ويَقْلَعُ اللَّهُ مِن نُفُوسِهِمْ ما لَيْسَ مِن حُظُوظِهِمْ.
ويَجُوزُ أنَّ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ سَعَةِ ما يُعْطَوْنَهُ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهَذا كَما يَقُولُ مَن أسْدَيْتَ إلَيْهِ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ: لَكَ عَلَيَّ حُكْمُكَ، أوْ لَكَ عِنْدِي ما تَسْألُ، وأنْتَ تُرِيدُ ما هو غايَةُ الإحْسانِ لِأمْثالِهِ.
وعَدَلَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى وصْفِ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّهِمْ إيماءً إلى أنَّهُ يُعْطِيهِمْ عَطاءَ الرُّبُوبِيَّةِ والإيثارِ بِالخَيْرِ.
ثُمَّ نَوَّهَ بِهَذا الوَعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ والمُشارُ إلَيْهِ هو ﴿ما يَشاءُونَ﴾ لِما تَضَمَّنَهُ مِن أنَّهُ جَزاءٌ لَهم عَلى التَّصْدِيقِ. وأُشِيرَ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ.
والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم المُتَّقُونَ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِهِمْ فَيُقالُ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَوَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإفادَةِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مُحْسِنُونَ.
والإحْسانُ: هو كَمالُ التَّقْوى لِأنَّهُ فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ - بِأنَّهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ»، وأيُّ إحْسانٍ وأيُّ تَقْوًى أعْظَمُ مِن نَبْذِهِمْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، ومِن تَحَمُّلِهِمْ مُخالَفَةَ أهْلِيهِمْ وذَوِيهِمْ وعَداوَتِهم وأذاهم، ومِن صَبْرِهِمْ عَلى مُصادَرَةِ أمْوالِهِمْ ومُفارَقَةِ نِسائِهِمْ تَصْدِيقًا لِلَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وإيثارًا لِرِضى اللَّهِ عَلى شَهْوَةِ النَّفْسِ ورِضى العَشِيرَةِ.
صفحة ١٠
وقَوْلُهُ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وهي تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ والتَزَمَ لَهم ذَلِكَ لِيُكَفِّرَ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ وعَدَهم وعْدًا مُطْلَقًا لِيُكَفِّرَ عَنْهم أسْوَأ ما عَمِلُوهُ، أيْ ما وعَدَهم بِذَلِكَ الجَزاءِ إلّا لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ إعْلامُهم بِهِ لِيَطْمَئِنُّوا مِن عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم مِنَ الشِّرْكِ وأحْوالِهِ.
و(أسْوَأ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى ظاهِرِ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِنِ اقْتِضاءِ مُفَضَّلٍ عَلَيْهِ، فالمُرادُ بِأسْوَأِ عَمَلِهِمْ هو أعْظَمُهُ سُوءًا، وهو الشِّرْكُ «، سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ فَقالَ: أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ»، وإضافَتُهُ إلى الَّذِي عَمِلُوا إضافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ومَعْنى كَوْنِ الشِّرْكِ مِمّا عَمِلُوا بِاعْتِبارِ أنَّ الشِّرْكَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ أوْ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وإذا كَفَّرَ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا كَفَّرَ عَنْهم ما دُونَهُ مِن سَيِّئِ أعْمالِهِمْ بِدَلالَةِ الفَحْوى، فَأفادَ أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهم جَمِيعَ ما عَمِلُوا مِن سَيِّئاتٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ ما سَبَقَ قَبْلَ الإسْلامِ فالآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِالرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ بَعْدَ أنْ كانَ كافِرًا فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ ما عَسى أنْ يَعْمَلَهُ أحَدٌ مِنهم مِنَ الكَبائِرِ في الإسْلامِ كانَ هَذا التَّكْفِيرُ خُصُوصِيَّةً لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ فَضْلَ الصُّحْبَةِ عَظِيمٌ. رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ:
«لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْوَأ مَسْلُوبَ المُفاضَلَةِ، وإنَّما هو مُجازٌ في السُّوءِ العَظِيمِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] أيِ العَمَلُ الشَّدِيدُ السُّوءِ، وهو الكَبائِرُ، وتَكُونُ إضافَتُهُ بَيانِيَّةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ رُتْبَةَ صُحْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَظِيمَةٌ.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهَ اللَّهَ في أصْحابِي لا تَتَّخِذُوهم
صفحة ١١
غَرَضًا بَعْدِيَ، فَمَن أحَبَّهم فَبِحُبِّي أحَبَّهم ومَن أبْغَضَهم فَبِبُغْضِي أبْغَضَهم، ومَن آذاهم فَقَدْ آذانِي، ومَن آذانِي فَقَدْ آذى اللَّهَ ومَن آذى اللَّهَ فَيُوشِكُ أنْ يَأْخُذَهُ» .
وقَدْ أوْصى أيِمَّةُ سَلَفِنا الصّالِحِ أنْ لا يُذْكَرَ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ إلّا بِأحْسَنِ ذِكْرٍ، وبِالإمْساكِ عَمّا شَجَرَ بَيْنَهم، وأنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِأنْ يُلْتَمَسَ لَهم أحْسَنُ المَخارِجِ فِيما جَرى بَيْنَ بَعْضِهِمْ، ويُظَنَّ بِهِمْ أحْسَنُ المَذاهِبِ، ولِذَلِكَ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى تَفْسِيقِ ابْنِ الأشْتَرِ النَّخَعِيِّ ومَن لَفَّ لَفَّهُ مِنَ الثُّوّارِ الَّذِينَ جاءُوا مِن مِصْرَ إلى المَدِينَةِ لِخَلْعِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْحابَ الجَمَلِ وأصْحابَ صِفِّينَ كانُوا مُتَنازِعِينَ عَنِ اجْتِهادٍ وما دَفَعَهم عَلَيْهِ إلّا السَّعْيُ لِصَلاحِ الإسْلامِ والذَّبِّ عَنْ جامِعَتِهِ مِن أنْ تَتَسَرَّبَ إلَيْها الفُرْقَةُ والِاخْتِلالُ، فَإنَّهم جَمِيعًا قُدْوَتُنا وواسِطَةُ تَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ إلَيْنا، والطَّعْنُ في بَعْضِهِمْ يُفْضِي إلى مَخاوِفَ في الدِّينِ، ولِذَلِكَ أثْبَتَ عُلَماؤُنا عَدالَةَ جَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ .
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ بِضَمِيرِ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِزِيادَةِ تَمَكُّنِ الإخْبارِ بِتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ تَمْكِينًا لِاطْمِئْنانِ نُفُوسِهِمْ بِوَعْدِ رَبِّهِمْ.
وعُطِفَ عَلى الفِعْلِ المَجْعُولِ عِلَّةً أوْلى فِعْلٌ هو عِلَّةٌ ثانِيَةٌ وهو ﴿ويَجْزِيَهِمْ أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْوَعْدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .
والبِناءُ في قَوْلِهِ بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ صِفَةٌ لِ (أجْرَهم) ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (يَجْزِيَهِمْ)، أيْ يَجْزِيَهِمْ أجْرًا عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ. وإذا كانَ الجَزاءُ عَلى العَمَلِ الأحْسَنِ بِهَذا الوَعْدِ وهو لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم يُجازُونَ عَلى ما هو دُونَ الأحْسَنِ مِن مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، بِدَلالَةِ إيذانِ وصْفِ (الأحْسَنِ) بِأنَّ عِلَّةَ الجَزاءِ هي الأحْسَنِيَّةُ وهي تَتَضَمَّنُ أنَّ لِمَعْنى الحُسْنِ تَأْثِيرًا في الجَزاءِ فَإذا كانَ جَزاءُ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ أنَّ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ كانَ جَزاءُ ما هو دُونَ الأحْسَنِ مِن أعْمالِهِمْ جَزاءً دُونَ ذَلِكَ بِأنْ يُجازُوا بِزِيادَةٍ وتَنْفِيلٍ عَلى ما اسْتَحَقُّوهُ عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ بِزِيادَةِ تَنَعُّمٍ أوْ كَرامَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ١٢
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: أنَّ مُقاتِلًا كانَ شَيْخَ المُرْجِئَةِ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَدَّقَ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ فَإنَّهُ تَعالى يُكَفِّرُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا. ولا يَجُوزُ حَمْلُ الأسْوَأِ عَلى الكُفْرِ السّابِقِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ إنَّما حَصَلَ في حالِ ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأسْوَأِ الكَبائِرَ الَّتِي يَأْتِي بِها بَعْدَ الإيمانِ اهـ. ولَمْ يُجِبْ عَنْهُ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وجَوابُهُ: لِأنَّ الأسْوَأ مُحْتَمَلٌ أنَّ أدِلَّةً كَثِيرَةً أحْرى تُعارِضُ الِاسْتِدْلالَ بِعُمُومِها.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَةِ (أسْوَأ) وكَلِمَةِ (أحْسَنَ) مُحَسِّنُ الطَّباقِ.
الزمر 39:34
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والصِّدْقُ: القُرْآنُ؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ.
وجُمْلَةُ وصَدَّقَ بِهِ صِلَةُ مَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: والَّذِي صَدَّقَ بِهِ، لِأنَّ المُصَدِّقَ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ لِأنَّ الَّذِي صَدَّقَ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ فالعَطْفُ عَطْفُ جُمْلَةٍ كامِلَةٍ ولَيْسَ عَطْفَ جُمْلَةِ صِلَةٍ.
صفحة ٨
وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى ”الصِّدْقِ“ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ والتَّصْدِيقُ بِكِلَيْهِما مُتَلازِمٌ، وإذْ قَدْ كانَ المُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالنَّبِيءِ ﷺ مَن ثَبَتَ لَهُ هَذا الوَصْفُ كانَ مُرادًا بِهِ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وهم جَماعَةٌ فَلا تَقَعُ صِفَتُهم صِلَةً لِـ ”الَّذِي“ لِأنَّ أصْلَهُ لِلْمُفْرَدِ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ بِفَرِيقٍ، وقَرِينَتُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وإنَّما أُفْرِدَ عائِدُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ وصَدَّقَ رَعْيًا لِلَفْظِ ”الَّذِي“ وذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الإيجازِ.
ورَوى الطَّبَرَيُّ بِسَنَدِهِ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ﷺ والَّذِي صَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ، وقالَهُ الكَلْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ومَحْمَلُهُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ أوَّلُ مَن صَدَّقَ النَّبِيءَ ﷺ .
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْعِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يُفِيدُ قَصْرَ جِنْسِ المُتَّقِينَ عَلى الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ لِأنَّهُ لا مُتَّقٍ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحابِهِ؛ وكُلُّهم مُتَّقُونَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ لَمّا أشْرَقَتْ عَلى نُفُوسِهِمْ أنْوارُ الرَّسُولِ ﷺ تَطَهَّرَتْ ضَمائِرُهم مِن كُلِّ سَيِّئَةٍ فَكانُوا مَحْفُوظِينَ مِنَ اللَّهِ بِالتَّقْوى قالَ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
والمَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ تَحَقَّقَ فِيهِمْ ما أُرِيدَ مِن إنْزالِ القُرْآنِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] .
وجُمْلَةُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم لَمّا قُصِرَ عَلَيْهِمْ جِنْسُ المُتَّقِينَ كانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِمَزِيَّةٍ عَظِيمَةٍ فَكانَ يَقْتَضِي أنْ يَسْألَ السّامِعُ عَنْ جَزاءِ هَذِهِ المَزِيَّةِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ اللَّهِ.
و﴿ما يَشاءُونَ﴾ هو ما يُرِيدُونَ ويَتَمَنَّوْنَ، أيْ: يُعْطِيهُمُ اللَّهُ ما يَطْلُبُونَ في الجَنَّةِ.
ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أنَّ اللَّهَ ادَّخَرَ لَهم ما يَبْتَغُونَهُ، وهَذا مِن صِيَغِ الِالتِزامِ
صفحة ٩
ووَعْدِ الإيجابِ، يُقالُ: لَكَ عِنْدِي كَذا، أيْ ألْتَزِمُ لَكَ بِكَذا، ثُمَّ يَجُوزُ أنَّ اللَّهَ يُلْهِمُهم أنْ يَشاءُوا ما لا يَتَجاوَزُ قَدْرَ ما عَيَّنَ اللَّهُ مِنَ الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُتَفاوِتُونَ في الدَّرَجاتِ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: تَمَنَّهْ، فَلا يَزالُ يَتَمَنّى حَتّى تَنْقَطِعَ بِهِ الأمانِيُّ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وعَشَرَةُ أمْثالِهِ مَعَهُ» .
ويَجُوزُ أنَّ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ مِمّا يَقَعُ تَحْتَ أنْظارِهِمْ في قُصُورِهِمْ ويَحْجُبُ اللَّهُ عَنْهم ما فَوْقَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَسْألُونَ ما هو مِن عَطاءِ أمْثالِهِمْ وهو عَظِيمٌ ويَقْلَعُ اللَّهُ مِن نُفُوسِهِمْ ما لَيْسَ مِن حُظُوظِهِمْ.
ويَجُوزُ أنَّ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ سَعَةِ ما يُعْطَوْنَهُ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهَذا كَما يَقُولُ مَن أسْدَيْتَ إلَيْهِ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ: لَكَ عَلَيَّ حُكْمُكَ، أوْ لَكَ عِنْدِي ما تَسْألُ، وأنْتَ تُرِيدُ ما هو غايَةُ الإحْسانِ لِأمْثالِهِ.
وعَدَلَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى وصْفِ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّهِمْ إيماءً إلى أنَّهُ يُعْطِيهِمْ عَطاءَ الرُّبُوبِيَّةِ والإيثارِ بِالخَيْرِ.
ثُمَّ نَوَّهَ بِهَذا الوَعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ والمُشارُ إلَيْهِ هو ﴿ما يَشاءُونَ﴾ لِما تَضَمَّنَهُ مِن أنَّهُ جَزاءٌ لَهم عَلى التَّصْدِيقِ. وأُشِيرَ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ.
والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم المُتَّقُونَ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِهِمْ فَيُقالُ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَوَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإفادَةِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مُحْسِنُونَ.
والإحْسانُ: هو كَمالُ التَّقْوى لِأنَّهُ فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ - بِأنَّهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ»، وأيُّ إحْسانٍ وأيُّ تَقْوًى أعْظَمُ مِن نَبْذِهِمْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، ومِن تَحَمُّلِهِمْ مُخالَفَةَ أهْلِيهِمْ وذَوِيهِمْ وعَداوَتِهم وأذاهم، ومِن صَبْرِهِمْ عَلى مُصادَرَةِ أمْوالِهِمْ ومُفارَقَةِ نِسائِهِمْ تَصْدِيقًا لِلَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وإيثارًا لِرِضى اللَّهِ عَلى شَهْوَةِ النَّفْسِ ورِضى العَشِيرَةِ.
صفحة ١٠
وقَوْلُهُ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وهي تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ والتَزَمَ لَهم ذَلِكَ لِيُكَفِّرَ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ وعَدَهم وعْدًا مُطْلَقًا لِيُكَفِّرَ عَنْهم أسْوَأ ما عَمِلُوهُ، أيْ ما وعَدَهم بِذَلِكَ الجَزاءِ إلّا لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ إعْلامُهم بِهِ لِيَطْمَئِنُّوا مِن عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم مِنَ الشِّرْكِ وأحْوالِهِ.
و(أسْوَأ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى ظاهِرِ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِنِ اقْتِضاءِ مُفَضَّلٍ عَلَيْهِ، فالمُرادُ بِأسْوَأِ عَمَلِهِمْ هو أعْظَمُهُ سُوءًا، وهو الشِّرْكُ «، سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ فَقالَ: أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ»، وإضافَتُهُ إلى الَّذِي عَمِلُوا إضافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ومَعْنى كَوْنِ الشِّرْكِ مِمّا عَمِلُوا بِاعْتِبارِ أنَّ الشِّرْكَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ أوْ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وإذا كَفَّرَ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا كَفَّرَ عَنْهم ما دُونَهُ مِن سَيِّئِ أعْمالِهِمْ بِدَلالَةِ الفَحْوى، فَأفادَ أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهم جَمِيعَ ما عَمِلُوا مِن سَيِّئاتٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ ما سَبَقَ قَبْلَ الإسْلامِ فالآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِالرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ بَعْدَ أنْ كانَ كافِرًا فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ ما عَسى أنْ يَعْمَلَهُ أحَدٌ مِنهم مِنَ الكَبائِرِ في الإسْلامِ كانَ هَذا التَّكْفِيرُ خُصُوصِيَّةً لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ فَضْلَ الصُّحْبَةِ عَظِيمٌ. رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ:
«لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْوَأ مَسْلُوبَ المُفاضَلَةِ، وإنَّما هو مُجازٌ في السُّوءِ العَظِيمِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] أيِ العَمَلُ الشَّدِيدُ السُّوءِ، وهو الكَبائِرُ، وتَكُونُ إضافَتُهُ بَيانِيَّةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ رُتْبَةَ صُحْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَظِيمَةٌ.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهَ اللَّهَ في أصْحابِي لا تَتَّخِذُوهم
صفحة ١١
غَرَضًا بَعْدِيَ، فَمَن أحَبَّهم فَبِحُبِّي أحَبَّهم ومَن أبْغَضَهم فَبِبُغْضِي أبْغَضَهم، ومَن آذاهم فَقَدْ آذانِي، ومَن آذانِي فَقَدْ آذى اللَّهَ ومَن آذى اللَّهَ فَيُوشِكُ أنْ يَأْخُذَهُ» .
وقَدْ أوْصى أيِمَّةُ سَلَفِنا الصّالِحِ أنْ لا يُذْكَرَ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ إلّا بِأحْسَنِ ذِكْرٍ، وبِالإمْساكِ عَمّا شَجَرَ بَيْنَهم، وأنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِأنْ يُلْتَمَسَ لَهم أحْسَنُ المَخارِجِ فِيما جَرى بَيْنَ بَعْضِهِمْ، ويُظَنَّ بِهِمْ أحْسَنُ المَذاهِبِ، ولِذَلِكَ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى تَفْسِيقِ ابْنِ الأشْتَرِ النَّخَعِيِّ ومَن لَفَّ لَفَّهُ مِنَ الثُّوّارِ الَّذِينَ جاءُوا مِن مِصْرَ إلى المَدِينَةِ لِخَلْعِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْحابَ الجَمَلِ وأصْحابَ صِفِّينَ كانُوا مُتَنازِعِينَ عَنِ اجْتِهادٍ وما دَفَعَهم عَلَيْهِ إلّا السَّعْيُ لِصَلاحِ الإسْلامِ والذَّبِّ عَنْ جامِعَتِهِ مِن أنْ تَتَسَرَّبَ إلَيْها الفُرْقَةُ والِاخْتِلالُ، فَإنَّهم جَمِيعًا قُدْوَتُنا وواسِطَةُ تَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ إلَيْنا، والطَّعْنُ في بَعْضِهِمْ يُفْضِي إلى مَخاوِفَ في الدِّينِ، ولِذَلِكَ أثْبَتَ عُلَماؤُنا عَدالَةَ جَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ .
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ بِضَمِيرِ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِزِيادَةِ تَمَكُّنِ الإخْبارِ بِتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ تَمْكِينًا لِاطْمِئْنانِ نُفُوسِهِمْ بِوَعْدِ رَبِّهِمْ.
وعُطِفَ عَلى الفِعْلِ المَجْعُولِ عِلَّةً أوْلى فِعْلٌ هو عِلَّةٌ ثانِيَةٌ وهو ﴿ويَجْزِيَهِمْ أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْوَعْدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .
والبِناءُ في قَوْلِهِ بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ صِفَةٌ لِ (أجْرَهم) ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (يَجْزِيَهِمْ)، أيْ يَجْزِيَهِمْ أجْرًا عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ. وإذا كانَ الجَزاءُ عَلى العَمَلِ الأحْسَنِ بِهَذا الوَعْدِ وهو لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم يُجازُونَ عَلى ما هو دُونَ الأحْسَنِ مِن مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، بِدَلالَةِ إيذانِ وصْفِ (الأحْسَنِ) بِأنَّ عِلَّةَ الجَزاءِ هي الأحْسَنِيَّةُ وهي تَتَضَمَّنُ أنَّ لِمَعْنى الحُسْنِ تَأْثِيرًا في الجَزاءِ فَإذا كانَ جَزاءُ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ أنَّ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ كانَ جَزاءُ ما هو دُونَ الأحْسَنِ مِن أعْمالِهِمْ جَزاءً دُونَ ذَلِكَ بِأنْ يُجازُوا بِزِيادَةٍ وتَنْفِيلٍ عَلى ما اسْتَحَقُّوهُ عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ بِزِيادَةِ تَنَعُّمٍ أوْ كَرامَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ١٢
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: أنَّ مُقاتِلًا كانَ شَيْخَ المُرْجِئَةِ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَدَّقَ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ فَإنَّهُ تَعالى يُكَفِّرُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا. ولا يَجُوزُ حَمْلُ الأسْوَأِ عَلى الكُفْرِ السّابِقِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ إنَّما حَصَلَ في حالِ ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأسْوَأِ الكَبائِرَ الَّتِي يَأْتِي بِها بَعْدَ الإيمانِ اهـ. ولَمْ يُجِبْ عَنْهُ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وجَوابُهُ: لِأنَّ الأسْوَأ مُحْتَمَلٌ أنَّ أدِلَّةً كَثِيرَةً أحْرى تُعارِضُ الِاسْتِدْلالَ بِعُمُومِها.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَةِ (أسْوَأ) وكَلِمَةِ (أحْسَنَ) مُحَسِّنُ الطَّباقِ.
الزمر 39:35
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
والصِّدْقُ: القُرْآنُ؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ.
وجُمْلَةُ وصَدَّقَ بِهِ صِلَةُ مَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: والَّذِي صَدَّقَ بِهِ، لِأنَّ المُصَدِّقَ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ لِأنَّ الَّذِي صَدَّقَ غَيْرُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ فالعَطْفُ عَطْفُ جُمْلَةٍ كامِلَةٍ ولَيْسَ عَطْفَ جُمْلَةِ صِلَةٍ.
صفحة ٨
وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى ”الصِّدْقِ“ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ والتَّصْدِيقُ بِكِلَيْهِما مُتَلازِمٌ، وإذْ قَدْ كانَ المُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالنَّبِيءِ ﷺ مَن ثَبَتَ لَهُ هَذا الوَصْفُ كانَ مُرادًا بِهِ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وهم جَماعَةٌ فَلا تَقَعُ صِفَتُهم صِلَةً لِـ ”الَّذِي“ لِأنَّ أصْلَهُ لِلْمُفْرَدِ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ بِفَرِيقٍ، وقَرِينَتُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ وإنَّما أُفْرِدَ عائِدُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ وصَدَّقَ رَعْيًا لِلَفْظِ ”الَّذِي“ وذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الإيجازِ.
ورَوى الطَّبَرَيُّ بِسَنَدِهِ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ﷺ والَّذِي صَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ، وقالَهُ الكَلْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ومَحْمَلُهُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ أوَّلُ مَن صَدَّقَ النَّبِيءَ ﷺ .
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْعِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿هُمُ المُتَّقُونَ﴾ يُفِيدُ قَصْرَ جِنْسِ المُتَّقِينَ عَلى الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ لِأنَّهُ لا مُتَّقٍ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحابِهِ؛ وكُلُّهم مُتَّقُونَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ لَمّا أشْرَقَتْ عَلى نُفُوسِهِمْ أنْوارُ الرَّسُولِ ﷺ تَطَهَّرَتْ ضَمائِرُهم مِن كُلِّ سَيِّئَةٍ فَكانُوا مَحْفُوظِينَ مِنَ اللَّهِ بِالتَّقْوى قالَ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
والمَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ تَحَقَّقَ فِيهِمْ ما أُرِيدَ مِن إنْزالِ القُرْآنِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] .
وجُمْلَةُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم لَمّا قُصِرَ عَلَيْهِمْ جِنْسُ المُتَّقِينَ كانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِمَزِيَّةٍ عَظِيمَةٍ فَكانَ يَقْتَضِي أنْ يَسْألَ السّامِعُ عَنْ جَزاءِ هَذِهِ المَزِيَّةِ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ اللَّهِ.
و﴿ما يَشاءُونَ﴾ هو ما يُرِيدُونَ ويَتَمَنَّوْنَ، أيْ: يُعْطِيهُمُ اللَّهُ ما يَطْلُبُونَ في الجَنَّةِ.
ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أنَّ اللَّهَ ادَّخَرَ لَهم ما يَبْتَغُونَهُ، وهَذا مِن صِيَغِ الِالتِزامِ
صفحة ٩
ووَعْدِ الإيجابِ، يُقالُ: لَكَ عِنْدِي كَذا، أيْ ألْتَزِمُ لَكَ بِكَذا، ثُمَّ يَجُوزُ أنَّ اللَّهَ يُلْهِمُهم أنْ يَشاءُوا ما لا يَتَجاوَزُ قَدْرَ ما عَيَّنَ اللَّهُ مِنَ الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُتَفاوِتُونَ في الدَّرَجاتِ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: تَمَنَّهْ، فَلا يَزالُ يَتَمَنّى حَتّى تَنْقَطِعَ بِهِ الأمانِيُّ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وعَشَرَةُ أمْثالِهِ مَعَهُ» .
ويَجُوزُ أنَّ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ مِمّا يَقَعُ تَحْتَ أنْظارِهِمْ في قُصُورِهِمْ ويَحْجُبُ اللَّهُ عَنْهم ما فَوْقَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَسْألُونَ ما هو مِن عَطاءِ أمْثالِهِمْ وهو عَظِيمٌ ويَقْلَعُ اللَّهُ مِن نُفُوسِهِمْ ما لَيْسَ مِن حُظُوظِهِمْ.
ويَجُوزُ أنَّ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ سَعَةِ ما يُعْطَوْنَهُ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهَذا كَما يَقُولُ مَن أسْدَيْتَ إلَيْهِ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ: لَكَ عَلَيَّ حُكْمُكَ، أوْ لَكَ عِنْدِي ما تَسْألُ، وأنْتَ تُرِيدُ ما هو غايَةُ الإحْسانِ لِأمْثالِهِ.
وعَدَلَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى وصْفِ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّهِمْ إيماءً إلى أنَّهُ يُعْطِيهِمْ عَطاءَ الرُّبُوبِيَّةِ والإيثارِ بِالخَيْرِ.
ثُمَّ نَوَّهَ بِهَذا الوَعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ والمُشارُ إلَيْهِ هو ﴿ما يَشاءُونَ﴾ لِما تَضَمَّنَهُ مِن أنَّهُ جَزاءٌ لَهم عَلى التَّصْدِيقِ. وأُشِيرَ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ.
والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم المُتَّقُونَ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِهِمْ فَيُقالُ: ذَلِكَ جَزاؤُهم، فَوَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإفادَةِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مُحْسِنُونَ.
والإحْسانُ: هو كَمالُ التَّقْوى لِأنَّهُ فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ - بِأنَّهُ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ»، وأيُّ إحْسانٍ وأيُّ تَقْوًى أعْظَمُ مِن نَبْذِهِمْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، ومِن تَحَمُّلِهِمْ مُخالَفَةَ أهْلِيهِمْ وذَوِيهِمْ وعَداوَتِهم وأذاهم، ومِن صَبْرِهِمْ عَلى مُصادَرَةِ أمْوالِهِمْ ومُفارَقَةِ نِسائِهِمْ تَصْدِيقًا لِلَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وإيثارًا لِرِضى اللَّهِ عَلى شَهْوَةِ النَّفْسِ ورِضى العَشِيرَةِ.
صفحة ١٠
وقَوْلُهُ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وهي تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: وعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ والتَزَمَ لَهم ذَلِكَ لِيُكَفِّرَ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ وعَدَهم وعْدًا مُطْلَقًا لِيُكَفِّرَ عَنْهم أسْوَأ ما عَمِلُوهُ، أيْ ما وعَدَهم بِذَلِكَ الجَزاءِ إلّا لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ إعْلامُهم بِهِ لِيَطْمَئِنُّوا مِن عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم مِنَ الشِّرْكِ وأحْوالِهِ.
و(أسْوَأ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى ظاهِرِ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِنِ اقْتِضاءِ مُفَضَّلٍ عَلَيْهِ، فالمُرادُ بِأسْوَأِ عَمَلِهِمْ هو أعْظَمُهُ سُوءًا، وهو الشِّرْكُ «، سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ فَقالَ: أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ»، وإضافَتُهُ إلى الَّذِي عَمِلُوا إضافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ومَعْنى كَوْنِ الشِّرْكِ مِمّا عَمِلُوا بِاعْتِبارِ أنَّ الشِّرْكَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ أوْ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وإذا كَفَّرَ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا كَفَّرَ عَنْهم ما دُونَهُ مِن سَيِّئِ أعْمالِهِمْ بِدَلالَةِ الفَحْوى، فَأفادَ أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهم جَمِيعَ ما عَمِلُوا مِن سَيِّئاتٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ ما سَبَقَ قَبْلَ الإسْلامِ فالآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِالرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ بَعْدَ أنْ كانَ كافِرًا فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ ما عَسى أنْ يَعْمَلَهُ أحَدٌ مِنهم مِنَ الكَبائِرِ في الإسْلامِ كانَ هَذا التَّكْفِيرُ خُصُوصِيَّةً لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ فَضْلَ الصُّحْبَةِ عَظِيمٌ. رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ:
«لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْوَأ مَسْلُوبَ المُفاضَلَةِ، وإنَّما هو مُجازٌ في السُّوءِ العَظِيمِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] أيِ العَمَلُ الشَّدِيدُ السُّوءِ، وهو الكَبائِرُ، وتَكُونُ إضافَتُهُ بَيانِيَّةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ رُتْبَةَ صُحْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَظِيمَةٌ.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهَ اللَّهَ في أصْحابِي لا تَتَّخِذُوهم
صفحة ١١
غَرَضًا بَعْدِيَ، فَمَن أحَبَّهم فَبِحُبِّي أحَبَّهم ومَن أبْغَضَهم فَبِبُغْضِي أبْغَضَهم، ومَن آذاهم فَقَدْ آذانِي، ومَن آذانِي فَقَدْ آذى اللَّهَ ومَن آذى اللَّهَ فَيُوشِكُ أنْ يَأْخُذَهُ» .
وقَدْ أوْصى أيِمَّةُ سَلَفِنا الصّالِحِ أنْ لا يُذْكَرَ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ إلّا بِأحْسَنِ ذِكْرٍ، وبِالإمْساكِ عَمّا شَجَرَ بَيْنَهم، وأنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِأنْ يُلْتَمَسَ لَهم أحْسَنُ المَخارِجِ فِيما جَرى بَيْنَ بَعْضِهِمْ، ويُظَنَّ بِهِمْ أحْسَنُ المَذاهِبِ، ولِذَلِكَ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى تَفْسِيقِ ابْنِ الأشْتَرِ النَّخَعِيِّ ومَن لَفَّ لَفَّهُ مِنَ الثُّوّارِ الَّذِينَ جاءُوا مِن مِصْرَ إلى المَدِينَةِ لِخَلْعِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أصْحابَ الجَمَلِ وأصْحابَ صِفِّينَ كانُوا مُتَنازِعِينَ عَنِ اجْتِهادٍ وما دَفَعَهم عَلَيْهِ إلّا السَّعْيُ لِصَلاحِ الإسْلامِ والذَّبِّ عَنْ جامِعَتِهِ مِن أنْ تَتَسَرَّبَ إلَيْها الفُرْقَةُ والِاخْتِلالُ، فَإنَّهم جَمِيعًا قُدْوَتُنا وواسِطَةُ تَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ إلَيْنا، والطَّعْنُ في بَعْضِهِمْ يُفْضِي إلى مَخاوِفَ في الدِّينِ، ولِذَلِكَ أثْبَتَ عُلَماؤُنا عَدالَةَ جَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ .
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ بِضَمِيرِ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِزِيادَةِ تَمَكُّنِ الإخْبارِ بِتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ تَمْكِينًا لِاطْمِئْنانِ نُفُوسِهِمْ بِوَعْدِ رَبِّهِمْ.
وعُطِفَ عَلى الفِعْلِ المَجْعُولِ عِلَّةً أوْلى فِعْلٌ هو عِلَّةٌ ثانِيَةٌ وهو ﴿ويَجْزِيَهِمْ أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْوَعْدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .
والبِناءُ في قَوْلِهِ بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ صِفَةٌ لِ (أجْرَهم) ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (يَجْزِيَهِمْ)، أيْ يَجْزِيَهِمْ أجْرًا عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ. وإذا كانَ الجَزاءُ عَلى العَمَلِ الأحْسَنِ بِهَذا الوَعْدِ وهو لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم يُجازُونَ عَلى ما هو دُونَ الأحْسَنِ مِن مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، بِدَلالَةِ إيذانِ وصْفِ (الأحْسَنِ) بِأنَّ عِلَّةَ الجَزاءِ هي الأحْسَنِيَّةُ وهي تَتَضَمَّنُ أنَّ لِمَعْنى الحُسْنِ تَأْثِيرًا في الجَزاءِ فَإذا كانَ جَزاءُ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ أنَّ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ كانَ جَزاءُ ما هو دُونَ الأحْسَنِ مِن أعْمالِهِمْ جَزاءً دُونَ ذَلِكَ بِأنْ يُجازُوا بِزِيادَةٍ وتَنْفِيلٍ عَلى ما اسْتَحَقُّوهُ عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ بِزِيادَةِ تَنَعُّمٍ أوْ كَرامَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ١٢
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: أنَّ مُقاتِلًا كانَ شَيْخَ المُرْجِئَةِ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَدَّقَ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ فَإنَّهُ تَعالى يُكَفِّرُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا. ولا يَجُوزُ حَمْلُ الأسْوَأِ عَلى الكُفْرِ السّابِقِ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ إنَّما حَصَلَ في حالِ ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأسْوَأِ الكَبائِرَ الَّتِي يَأْتِي بِها بَعْدَ الإيمانِ اهـ. ولَمْ يُجِبْ عَنْهُ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وجَوابُهُ: لِأنَّ الأسْوَأ مُحْتَمَلٌ أنَّ أدِلَّةً كَثِيرَةً أحْرى تُعارِضُ الِاسْتِدْلالَ بِعُمُومِها.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ كَلِمَةِ (أسْوَأ) وكَلِمَةِ (أحْسَنَ) مُحَسِّنُ الطَّباقِ.
الزمر 39:36
﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ . لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ بِمَثَلِ رَجُلٍ فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلٍ خالِصٍ لِرَجُلٍ، كانَ ذَلِكَ المَثَلُ مُثِيرًا لِأنْ يَقُولَ قائِلُ المُشْرِكِينَ لَتَتَألَّبَنَّ شُرَكاؤُنا عَلى الَّذِي جاءَ يُحَقِّرُها ويَسُبُّها، ومُثِيرًا لِحَمِيَّةِ المُشْرِكِينَ أنْ يَنْتَصِرُوا لِآلِهَتِهِمْ كَما قالَ مُشْرِكُو قَوْمِ إبْراهِيمَ ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، ورُبَّما أنْطَقَتْهم حَمِيَّتُهم بِتَخْوِيفِ الرَّسُولِ ﷺ فَفي الكَشّافِ وتَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا وإنّا نَخْشى عَلَيْكَ مَعَرَّتَها بِعَيْنٍ بَعْدَ المِيمِ بِمَعْنى الإصابَةِ بِمَكْرُوهٍ يَعْنُونَ المَضَرَّةَ لِعَيْبِكَ إيّاها، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ ما هو بِمَعْنى هَذا، فَلَمّا حَكى تَكْذِيبَهم النَّبِيءَ عَطَفَ الكَلامَ إلى ما هَدَّدُوهُ بِهِ وخَوَّفُوهُ مِن شَرِّ أصْنامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ .
فَهَذا الكَلامُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ﴾ [الزمر: ٢٩] الآيَةَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ الَّذِي أفْرَدْتُهُ بِالعِبادَةِ هو كافِيكَ شَرَّ المُشْرِكِينَ وباطِلَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي عَبَدُوها مِن دُونِهِ، فَقَوْلُهُ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَعْجِيلِ مَساءَةِ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ تَعْجِيلُ مَسَرَّةِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ ضامِنٌ لَهُ الوِقايَةَ كَقَوْلِهِ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .
صفحة ١٣
وأصْلُ النَّظْمِ: ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِ اللَّهِ واللَّهُ كافِيكَ، فَغَيَّرَ مَجْرى النَّظْمِ لِهَذا الغَرَضِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ نَظْمَ الكَلامِ عَلى تَرْتِيبِهِ في اللَّفْظِ فَتَجْعَلَ جُمْلَةَ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ اسْتِئْنافًا وتَصِيرُ جُمْلَةُ (ويُخَوِّفُونَكَ) حالًا.
ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ وهو عَبْدُهُ دُونَ ضَمِيرِ الخِطابِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْجِيهُ الكَلامِ إلى المُشْرِكِينَ، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِ (كافٍ) لِظُهُورِ أنَّ المَقْصُودَ كافِيكَ أذاهم، فَأمّا الأصْنامُ فَلا تَسْتَطِيعُ أذًى حَتّى يُكْفاهُ الرَّسُولُ ﷺ والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ ظَنَّهم أنْ لا حامِيَ لِلرَّسُولِ ﷺ مِن ضُرِّ الأصْنامِ.
والمُرادُ بِ (عَبْدَهُ) هو الرَّسُولُ ﷺ لا مَحالَةَ وبِقَرِينَةِ (ويُخَوِّفُونَكَ) .
وفِي اسْتِحْضارِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ وإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، مَعْنًى عَظِيمٌ مِن تَشْرِيفِهِ بِهَذِهِ الإضافَةِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّمِهِ إلى أعْدائِهِ.
والخِطابُ في (ويُخَوِّفُونَكَ) لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ العائِدِ عَلى عَبْدِهِ، ونُكْتَةُ هَذا الِالتِفاتِ هو تَمْحِيضُ قَصْدِ النَّبِيءِ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
والَّذِينَ مِن دُونِهِ هُمُ الأصْنامُ. عَبَّرَ عَنْهم وهم حِجارَةٌ بِمَوْصُولِ العُقَلاءِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ التَّعْبِيرِ عَنْهم في الكَلامِ بِصِيَغِ العُقَلاءِ. ومِن دُونِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، تَقْدِيرُهُ: اتَّخَذُوهم مِن دُونِهِ أوْ عَبَدُوهم مِن دُونِهِ.
ووَقَعَ في تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هو خَبَرُ تَوْجِيهِ النَّبِيءِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى هَدْمِ العُزّى وأنَّ سادِنَ العُزّى قالَ لِخالِدٍ: أُحَذِّرُكَها يا خالِدُ فَإنَّ لَها شِدَّةً لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، فَعَمَدَ خالِدٌ إلى العُزّى فَهَشَّمَ أنْفَها حَتّى كَسَرَها بِالفَأْسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وتَأوَّلَ الخِطابَ في قَوْلِهِ ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ بِأنَّ تَخْوِيفَهم خالِدًا أرادُوا بِهِ تَخْوِيفَ النَّبِيءِ ﷺ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً وسِياقُ الآيَةِ نابَ عَنْهُ. ولَعَلَّ بَعْضَ مَن قالَ هَذا إنَّما أرادَ الِاسْتِشْهادَ لِتَخْوِيفِ المُشْرِكِينَ النَّبِيءَ ﷺ مِن أصْنامِهِمْ بِمِثالٍ مَشْهُورٍ.
صفحة ١٤
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِكافٍ عَبْدَهُ﴾، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ ”عِبادَهُ“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ أيِ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ فَإنَّهم لَمّا خَوَّفُوا النَّبِيءَ ﷺ فَقَدْ أرادُوا تَخْوِيفَهُ وتَخْوِيفَ أتْباعِهِ وأنَّ اللَّهَ كَفاهم شَرَّهم.
* * *
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] .
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ الآيَةَ، وجُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزمر: ٣٧] قَصَدَ مِن هَذا الِاعْتِراضِ أنَّ ضَلالَهم داءٌ عَياءٌ لِأنَّهُ ضَلالٌ مُكَوَّنٌ في نُفُوسِهِمْ وجِبِلَّتِهِمْ قَدْ ثَبَّتَتْهُ الأيّامُ، ورَسَّخَهُ تَعاقُبُ الأجْيالِ، فَرانَ بِغِشاوَتِهِ عَلى ألْبابِهِمْ، فَلَمّا صارَ ضَلالُهم كالمَجْبُولِ المَطْبُوعِ أُسْنِدَ إيجادُهُ إلى اللَّهِ كِنايَةً عَنْ تَعَسُّرِ أوْ تَعَذُّرِ اقْتِلاعِهِ مِن نُفُوسِهِمْ.
وأُرِيدَ مِن نَفْيِ الهادِي مِن قَوْلِهِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ نَفِيُ حُصُولِ الِاهْتِداءِ، فَكُنِّيَ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الهُدى بِانْتِفاءِ الهادِي لِأنَّ عَدَمَ الِاهْتِداءِ يَجْعَلُ هادِيَهم كالمَنفِيِّ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] .
والآيَتانِ مُتَساوِيَتانِ في إفادَةِ نَفْيِ جِنْسِ الهادِي، إلّا أنَّ إفادَةَ ذَلِكَ هُنا بِزِيادَةِ (مَن) تَنْصِيصًا عَلى نَفْيِ الجِنْسِ. وفي آيَةِ الأعْرافِ بِبِناءِ هادِي عَلى الفَتْحِ بَعْدَ (لا) النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ فَإنَّ بِناءَ اسْمِها عَلى الفَتْحِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المُرادَ نَفْيُ الجِنْسِ نَصًّا. والِاخْتِلافُ بَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ تَفَنُّنٌ في الكَلامِ وهو مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ.
وتَقْدِيمُ (لَهُ) عَلى (هادٍ) لِلِاهْتِمامِ بِضَمِيرِهِمْ في مَقامِ نَفْيِ الهادِي لَهم لِأنَّ ضَلالَهُمُ المَحْكِيَّ هُنا بالِغٌ في الشَّناعَةِ إذا بَلَغَ بِهِمْ حَدُّ الطَّمَعِ في تَخْوِيفِ النَّبِيءِ بِأصْنامِهِمْ في حالِ ظُهُورِ عَدَمِ اعْتِدادِهِ بِأصْنامِهِمْ لِكُلِّ مُتَأمِّلٍ مِن حالِ دَعْوَتِهِ، وإذْ بَلَغَ بِهِمُ اعْتِقادُ مَقْدِرَةِ أصْنامِهِمْ مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ قُدْرَةِ الرَّبِّ الحَقِّ، بِخِلافِ آيَةِ الأعْرافِ فَإنَّ فِيها ذِكْرَ إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو ضَلالٌ دُونَ ضَلالِ التَّخْوِيفِ مِن بَأْسِ أصْنامِهِمْ.
صفحة ١٥
وأمّا جُمْلَةُ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] فَقَدِ اقْتَضاها أنَّ الكَلامَ الَّذِي اعْتَرَضَتْ بَعْدَهُ الجُمْلَتانِ اقْتَضى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا مُتَمَسِّكًا بِاللَّهِ القادِرِ عَلى النَّفْعِ والضَّرِّ وهو النَّبِيءُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، وآخَرُ مُسْتَمْسِكًا بِالأصْنامِ العاجِزَةِ عَنِ الأمْرَيْنِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ ضَلالَ الفَرِيقِ الثّانِي ضَلالٌ مَكِينٌ بِبَيانِ أنَّ هُدى الفَرِيقِ الآخَرِ راسِخٌ مَتِينٌ فَلا مَطْمَعَ لِلْفَرِيقِ الضّالِّ بِأنْ يَجُرُّوا المُهْتَدِينَ إلى ضَلالِهِمْ.
الزمر 39:37
﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ .
تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ انْتِفاءِ كِفايَةِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ كَإنْكارِ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ لِأنَّ العِلْمَ بِعِزَّةِ اللَّهِ مُتَقَرِّرٌ في النُّفُوسِ لِاعْتِرافِ الكُلِّ بِإلَهِيَّتِهِ والإلَهِيَّةُ تَقْتَضِي العِزَّةَ، ولِأنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ مُنْتَقِمٌ مُتَقَرِّرٌ مِن مُشاهَدَةِ آثارِ أخْذِهِ لِبَعْضِ الأُمَمِ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ.
فَإذا كانُوا يُقِرُّونَ لِلَّهِ بِالوَصْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَما عَلَيْهِمْ إلّا أنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ كافٍ عَبْدَهُ بِعِزَّتِهِ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إصابَةِ عَبْدِهِ بِسُوءٍ، وبِانْتِقامِهِ مِنَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ لِعَبْدِهِ الأذى.
و(العَزِيزُ): صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ العِزِّ، وهو مَنَعَةُ الجانِبِ وأنْ لا يَنالَهُ المُتَسَلِّطُ وهو ضِدُّ الذُّلِّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(الِانْتِقامُ): المُكافَأةُ عَلى الشَّرِّ بِشَرٍّ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّقْمِ وهو الغَضَبُ كَأنَّهُ مُطاوِعُهُ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ النَّقْمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ في سُورَةِ العُقُودِ.
الزمر 39:38
صفحة ١٦
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ .
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ [الزمر: ٣٧]، وجُمْلَةِ قُلْ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وهو تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنَ دُونِ اللَّهِ﴾، لِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّوْطِئَةَ إلَيْهِ بِما لا نِزاعَ فِيهِ لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في عَظائِمِ الأُمُورِ، أيْ خَلْقِهِما وما تَحْوِيانِهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.
* * *
”﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾“ .
جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ﴾ عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُقاوَلَةِ والمُجاوَبَةِ لِكَلامِهِمُ المَحْكِيِّ بِجُمْلَةِ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفِ الثّانِيَةُ بِالواوِ ولا بِالفاءِ، والمَعْنى: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَقُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلَخْ. والفاءُ مِن (أفَرَأيْتُمْ) لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى جَوابِهِمْ تَفْرِيعًا يُفِيدُ مُحاجَّتَهم عَلى لازِمِ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وهَذا تَفْرِيعُ الإلْزامِ عَلى الإقْرارِ، والنَّتِيجَةُ عَلى الدَّلِيلِ فَإنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ يَلْزَمُهم أنْ يُقِرُّوا بِأنَّهُ المُتَصَرِّفُ فِيما تَحْوِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ. والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ أفَظَنَنْتُمْ.
وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَفْعُولُ (رَأيْتُمُ) الأوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ سَدَّ مَسَدَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ المُعْتَرِضُ بَعْدَ المَفْعُولِ الأوَّلِ عَلى قاعِدَةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عِنْدَ اجْتِماعِ مُبْتَدَأٍ وشَرْطٍ أنْ يَجْرِيَ ما بَعْدَهُما عَلى ما يُناسِبُ جُمْلَةَ الشَّرْطِ لِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِأفْعالِ القُلُوبِ في مَعْنى المُبْتَدَأِ.
صفحة ١٧
وجُمْلَةُ ﴿هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ جَوابُ (إنْ)، واسْتِعْمالُ العَرَبِ إذا صُدِّرَ الجَوابُ بِأداةِ اسْتِفْهامٍ غَيْرِ الهَمْزَةِ يَجُوزُ تَجَرُّدُهُ عَنِ الفاءِ الرّابِطَةِ لِلْجَوابِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، ويَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣] . فَأمّا المُصَدَّرُ بِالهَمْزَةِ فَلا يَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] .
وجَوابُ الشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ. والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفاتٍ ضُرَّهُ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو إنْكارِيٌّ إنْكارًا لِهَذا الظَّنِّ.
وجِيءَ بِحَرْفِ (هَلْ) في جَوابِ الشَّرْطِ وهي لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أيْضًا تَأْكِيدًا لِما أفادَتْهُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعَ ما في (هَلْ) مِن إفادَةِ التَّحْقِيقِ. وضَمِيرُ (هُنَّ) عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ الضَّمائِرُ المُؤَنَّثَةُ الوارِدَةُ بَعْدَهُ ظاهِرَةً ومُسْتَتِرَةً، إمّا لِأنَّ ماصَدَقَ (ما) المَوْصُولَةُ هُنا أحْجارٌ غَيْرُ عاقِلَةٍ وجَمْعُ غَيْرِ العُقَلاءِ يَجْرِي عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ، ولِأنَّ ذَلِكَ يُصَيِّرُ الكَلامَ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُوَجَّهِ بِأنَّ آلِهَتَهم كالإناثِ لا تَقْدِرُ عَلى النَّصْرِ.
والكاشِفاتُ: المُزِيلاتُ، فالكَشْفُ مُسْتَعارٌ لِلْإزالَةِ بِتَشْبِيهِ المَعْقُولِ وهو الضُّرُّ بِشَيْءٍ مُسْتَتِرٍ، وتَشْبِيهُ إزالَتِهِ بِكَشْفِ الشَّيْءِ المَسْتُورِ، أيْ إخْراجِهِ، وهي مَكْنِيَّةٌ والكَشْفُ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ.
والإمْساكُ أيْضًا مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الرَّحْمَةِ بِما يُسْعَفُ بِهِ، وتَشْبِيهُ التَّعَرُّضِ لِحُصُولِها بِإمْساكِ صاحِبِ المَتاعِ مَتاعَهُ عَنْ طالِبِيهِ.
وعَدَلَ عَنْ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الإرادَةِ لِلضُّرِّ والرَّحْمَةِ، إلى تَعْدِيَتِهِ لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ذاتِ المَضْرُورِ والمَرْحُومِ مَعَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الإراداتِ المَعانِي دُونَ الذَّواتِ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنْ أرادَ ضُرِّي أوْ أرادَ رَحْمَتِي فَحَقُّ فِعْلِ الإرادَةِ إذا قُصِدَ تَعْدِيَتُهُ إلى شَيْئَيْنِ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو المَفْعُولُ، وأنْ يَكُونَ ما مَعَهُ مُعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، نَحْوَ أرَدْتُ خَيْرًا لِزَيْدٍ، أوْ أرَدْتُ بِهِ خَيْرًا، فَإذا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ قَصَدَ بِهِ
صفحة ١٨
الِاهْتِمامَ بِالمُرادِ بِهِ لِإيصالِ المُرادِ إلَيْهِ حَتّى كَأنَّ ذاتَهُ هي المُرادُ لِمَن يُرِيدُ إيصالَ شَيْءٍ إلَيْهِ، وهَذا مِن تَعْلِيقِ الأحْكامِ بِالذَّواتِ. والمُرادُ أحْوالُ الذَّواتِ مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أكْلُها. ونَظْمُ التَّرْكِيبِ: إنْ أرادَنِي وأنا مُتَلَبِّسٌ بِضُرٍّ مِنهُ أوْ بِرَحْمَةٍ مِنهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ شاسٍ:
أرادَتْ عِرارًا بِالهَوانِ ومَن يُرِدْ عِرارًا لَعَمْرِي بِالهَوانِ فَقَدْ ظَلَمْ
وإنَّما فَرَضَ إرادَةَ الضُّرِّ وإرادَةَ الرَّحْمَةِ في نَفْسِهِ دُونَ أنْ يَقُولَ: إنْ أرادَكم، لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى ما خَوَّفُوهُ مِن ضُرِّ أصْنامِهِمْ إيّاهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ و﴿مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ بِإضافَةِ الوَصْفَيْنِ إلى الِاسْمَيْنِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِتَنْوِينِ الوَصْفَيْنِ ونَصْبِ ”ضُرِّهِ“ و”رَحْمَتِهِ“ وهو اخْتِلافٌ في لَفْظِ تَعَلُّقِ الوَصْفِ بِمَعْمُولِهِ والمَعْنى واحِدٌ.
ولَمّا ألْقَمَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الحَجَرَ وقَطَعَهم فَلا يُحِيرُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾، وإنَّما أُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ ولَمْ يَنْتَظِمْ حَسْبِيَ اللَّهُ في جُمْلَةِ الأمْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المَأْمُورَ بِأنْ يَقُولَهُ لَيْسَ المَقْصُودَ تَوْجِيهُهُ إلى المُشْرِكِينَ فَإنَّ فِيما سَبَقَهُ مُقْنِعًا مِن قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِأصْنامِهِمْ، وإنَّما المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ شِعارَ النَّبِيءِ ﷺ في جَمِيعِ شُئُونِهِ، وفِيهِ حَظٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ حاصِلٌ مِن قَوْلِهِ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ قالَ تَعالى ”﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]“، فَإعادَةُ فِعْلِ قُلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ هَذا الغَرَضِ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي قَبْلَهُ.
والحَسْبُ: الكافِي. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في آلِ عِمْرانَ.
وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لِعُمُومِ المُتَعَلِّقاتِ، أيْ حَسْبِيَ اللَّهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ حالٍ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ اعْتِقادُهُ، ثُمَّ تُذَكُّرُهُ، ثُمَّ الإعْلانُ بِهِ لِتَعْلِيمِ المُسْلِمِينَ وإغاظَةِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ١٩
والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ أُمُورِ المُفَوِّضِ إلى مَن يَكْفِيهِ إيّاهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ عَلَيْهِ ﴿يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا أُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ تَذَكُّرًا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وتَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّها أعَمُّ مِنها بِاعْتِبارِ القائِلِينَ لِأنَّ حَسْبِيَ اللَّهُ يَئُولُ إلى مَعْنى: تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ، أيْ حَسْبِيَ أنا وحَسْبُ كُلِّ مُتَوَكِّلٍ، أيْ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَعْرِفُ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ويَعْتَمِدُ عَلى كِفايَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَتَعْرِيفُ ”المُتَوَكِّلُونَ“ لِلْعُمُومِ العُرْفِيِّ، أيِ المُتَوَكِّلُونَ الحَقِيقِيُّونَ إذْ لا عِبْرَةَ بِغَيْرِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى خاطَبَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ ولَمْ يَأْمُرْهُ بِأنْ يَقُولَهُ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِقَوْلِ حَسْبِيَ اللَّهُ، أيِ اجْعَلِ اللَّهَ حَسْبَكَ، لِأنَّ أهْلَ التَّوَكُّلِ يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ وهُمُ الرُّسُلُ والصّالِحُونَ وإذْ قَدْ كُنْتَ مِن رَفِيقِهِمْ فَكُنْ مِثْلَهم في ذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى يَتَوَكَّلُ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ لِأنَّ أهْلَ التَّوَكُّلِ الحَقِيقِيِّينَ لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذا اعْتَمَدُوا في أُمُورِهِمْ عَلى أصْنامِهِمْ.
الزمر 39:39
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
لَمّا أبْلَغَهُمُ اللَّهُ مِنَ المَوْعِظَةِ لِأقْصى مَبْلَغٍ، ونَصَبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ أسَطَعَ حُجَّةٍ، وثَبَّتَ رَسُولَهُ ﷺ أرْسَخَ تَثْبِيتٍ، لا جَرَمَ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُوادِعَهم مُوادَعَةَ مُسْتَقْرِبِ النَّصْرِ، ويُواعِدَهم ما أُعِدَّ لَهم مَن خُسْرٍ.
وعَدَمُ عَطْفِ جُمْلَةِ قُلْ هَذِهِ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ أمْرُهُ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لِقَصْدِ إبْلاغِهِ إلى المُشْرِكِينَ نَظِيرَ تَرْكِ العَطْفِ في البَيْتِ المَشْهُورِ في عِلْمِ المَعانِي:
صفحة ٢٠
وتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها بَدَلًا أراها في الضَّلالِ تَهِيمُ
لَمْ يَعْطِفْ جُمْلَةَ: أراها في الضَّلالِ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: أبْغِي بِها بَدَلًا، ولِأنَّها انْتِقالٌ مِن غَرَضِ الدَّعْوَةِ والمُحاجَّةِ إلى غَرَضِ التَّهْدِيدِ.
وابْتَدَأ المَقُولَ بِالنِّداءِ بِوَصْفِ القَوْمِ لِما يَشْعَرُ بِهِ مِنَ التَّرْقِيقِ لِحالِهِمْ والأسَفِ عَلى ضَلالِهِمْ لِأنَّ كَوْنَهم قَوْمَهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَدَّخِرَهم نُصْحًا.
والمَكانَةُ: المَكانُ، وتَأْنِيثُهُ رُوعِيَ فِيهِ مَعْنى البُقْعَةِ، اسْتُعِيرَ لِلْحالَةِ المُحِيطَةِ بِصاحِبِها إحاطَةَ المَكانِ بِالكائِنِ فِيهِ.
والمَعْنى: اعْمَلُوا عَلى طَرِيقَتِكم وحالِكم مِن عَداوَتِي، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مَكانَتِكم بِصِيغَةِ المُفْرَدِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”مَكاناتِكم“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ بِألِفٍ وتاءٍ.
وقالَ تَعالى هُنا ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ لِيَكُونَ التَّهْدِيدُ بِعَذابِ خِزْيٍ في الدُّنْيا وعَذابٍ مُقِيمٍ في الآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] فَلَمْ يَذْكُرْ فِيها العَذابَ لِأنَّها جاءَتْ بَعْدَ تَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ إنِّي عامِلٌ لِيَعُمَّ كُلَّ مُتَعَلِّقٍ يَصْلُحُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِعامِلٍ مَعَ الِاخْتِصارِ فَإنَّ مُقابَلَتَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ مِن إنِّي عامِلٌ أنَّهُ ثابِتٌ عَلى عَمَلِهِ في نُصْحِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى ما يُنْجِيهِمْ. وأنَّ حَذْفَ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لا يَقْتَصِرُ عَلى مِقْدارِ مَكانَتِهِ وحالَتِهِ بَلْ حالُهُ تَزْدادُ كُلَّ حِينٍ قُوَّةً وشِدَّةً لا يَعْتَرِيها تَقْصِيرٌ ولا يُثَبِّطُها إعْراضُهم، وهَذا مِن مُسْتَتْبِعاتِ الحَذْفِ ولَمْ نُنَبِّهْ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ هُودٍ.
و(مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلَّقَتْ فِعْلَ تَعْلَمُونَ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْهِ.
صفحة ٢١
والعَذابُ المُخْزِي هو عَذابُ الدُّنْيا. والمُرادُ بِهِ هُنا عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ. والعَذابُ المُقِيمُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، وإقامَتُهُ خُلُودُهُ. وتَنْوِينُ عَذابٍ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ المُرادِ بِهِ التَّهْوِيلُ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ يَأْتِيهِ إلى العَذابِ المُخْزِي لِأنَّ الإتْيانَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يُفاجِئُهم كَما يَأْتِي الطّارِقُ. وكَذَلِكَ إسْنادُ فِعْلِ يَحِلُّ إلى العَذابِ المُقِيمِ لِأنَّ الحُلُولَ مُشْعِرٌ بِالمُلازَمَةِ والإقامَةِ مَعَهم، وهو عَذابُ الخُلُودِ، ولِذَلِكَ يُسَمّى مَنزِلُ القَوْمِ حِلَّةً، ويُقالُ لِلْقَوْمِ القاطِنِينَ غَيْرِ المُسافِرِينَ: هم حِلالٌ، فَكانَ الفِعْلُ مُناسِبًا لِوَصْفِهِ بِالمُقِيمِ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَحِلُّ بِحَرْفِ عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ.
الزمر 39:40
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
لَمّا أبْلَغَهُمُ اللَّهُ مِنَ المَوْعِظَةِ لِأقْصى مَبْلَغٍ، ونَصَبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ أسَطَعَ حُجَّةٍ، وثَبَّتَ رَسُولَهُ ﷺ أرْسَخَ تَثْبِيتٍ، لا جَرَمَ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُوادِعَهم مُوادَعَةَ مُسْتَقْرِبِ النَّصْرِ، ويُواعِدَهم ما أُعِدَّ لَهم مَن خُسْرٍ.
وعَدَمُ عَطْفِ جُمْلَةِ قُلْ هَذِهِ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ أمْرُهُ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لِقَصْدِ إبْلاغِهِ إلى المُشْرِكِينَ نَظِيرَ تَرْكِ العَطْفِ في البَيْتِ المَشْهُورِ في عِلْمِ المَعانِي:
صفحة ٢٠
وتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها بَدَلًا أراها في الضَّلالِ تَهِيمُ
لَمْ يَعْطِفْ جُمْلَةَ: أراها في الضَّلالِ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: أبْغِي بِها بَدَلًا، ولِأنَّها انْتِقالٌ مِن غَرَضِ الدَّعْوَةِ والمُحاجَّةِ إلى غَرَضِ التَّهْدِيدِ.
وابْتَدَأ المَقُولَ بِالنِّداءِ بِوَصْفِ القَوْمِ لِما يَشْعَرُ بِهِ مِنَ التَّرْقِيقِ لِحالِهِمْ والأسَفِ عَلى ضَلالِهِمْ لِأنَّ كَوْنَهم قَوْمَهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَدَّخِرَهم نُصْحًا.
والمَكانَةُ: المَكانُ، وتَأْنِيثُهُ رُوعِيَ فِيهِ مَعْنى البُقْعَةِ، اسْتُعِيرَ لِلْحالَةِ المُحِيطَةِ بِصاحِبِها إحاطَةَ المَكانِ بِالكائِنِ فِيهِ.
والمَعْنى: اعْمَلُوا عَلى طَرِيقَتِكم وحالِكم مِن عَداوَتِي، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مَكانَتِكم بِصِيغَةِ المُفْرَدِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”مَكاناتِكم“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ بِألِفٍ وتاءٍ.
وقالَ تَعالى هُنا ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ لِيَكُونَ التَّهْدِيدُ بِعَذابِ خِزْيٍ في الدُّنْيا وعَذابٍ مُقِيمٍ في الآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] فَلَمْ يَذْكُرْ فِيها العَذابَ لِأنَّها جاءَتْ بَعْدَ تَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ إنِّي عامِلٌ لِيَعُمَّ كُلَّ مُتَعَلِّقٍ يَصْلُحُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِعامِلٍ مَعَ الِاخْتِصارِ فَإنَّ مُقابَلَتَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ مِن إنِّي عامِلٌ أنَّهُ ثابِتٌ عَلى عَمَلِهِ في نُصْحِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى ما يُنْجِيهِمْ. وأنَّ حَذْفَ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لا يَقْتَصِرُ عَلى مِقْدارِ مَكانَتِهِ وحالَتِهِ بَلْ حالُهُ تَزْدادُ كُلَّ حِينٍ قُوَّةً وشِدَّةً لا يَعْتَرِيها تَقْصِيرٌ ولا يُثَبِّطُها إعْراضُهم، وهَذا مِن مُسْتَتْبِعاتِ الحَذْفِ ولَمْ نُنَبِّهْ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ هُودٍ.
و(مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلَّقَتْ فِعْلَ تَعْلَمُونَ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْهِ.
صفحة ٢١
والعَذابُ المُخْزِي هو عَذابُ الدُّنْيا. والمُرادُ بِهِ هُنا عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ. والعَذابُ المُقِيمُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، وإقامَتُهُ خُلُودُهُ. وتَنْوِينُ عَذابٍ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ المُرادِ بِهِ التَّهْوِيلُ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ يَأْتِيهِ إلى العَذابِ المُخْزِي لِأنَّ الإتْيانَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يُفاجِئُهم كَما يَأْتِي الطّارِقُ. وكَذَلِكَ إسْنادُ فِعْلِ يَحِلُّ إلى العَذابِ المُقِيمِ لِأنَّ الحُلُولَ مُشْعِرٌ بِالمُلازَمَةِ والإقامَةِ مَعَهم، وهو عَذابُ الخُلُودِ، ولِذَلِكَ يُسَمّى مَنزِلُ القَوْمِ حِلَّةً، ويُقالُ لِلْقَوْمِ القاطِنِينَ غَيْرِ المُسافِرِينَ: هم حِلالٌ، فَكانَ الفِعْلُ مُناسِبًا لِوَصْفِهِ بِالمُقِيمِ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَحِلُّ بِحَرْفِ عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ.
الزمر 39:41
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِأنْ يَقُولَ لَهُمُ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الزمر: ٣٩] المُفِيدِ مُوادَعَتَهم وتَهْوِينَ تَصْمِيمِ كُفْرِهِمْ عَلَيْهِ، وتَثْبِيتِهِ عَلى دَعْوَتِهِ. والمَعْنى: لِأنّا نَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِفائِدَةِ النّاسِ وكَفاكَ ذَلِكَ شَرَفًا وهِدايَةً وكَفاكَ تَبْلِيغُهُ إلَيْهِمْ فَمَنِ اهْتَدى مِنَ النّاسِ فَهِدايَتُهُ لِنَفْسِهِ بِواسِطَتِكَ ومَن ضَلَّ فَلَمْ يَهْتَدِ بِهِ فَضَلالُهُ عَلى نَفْسِهِ وما عَلَيْكَ مِن ضَلالِهِمْ تَبِعَةٌ لِأنَّكَ بَلَّغْتَ ما أُمِرْتَ بِهِ. ولِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ قَوْلِهِ في صَدْرِ السُّورَةِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٢]، لِأنَّ تِلْكَ في غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ فَناسَبَ أنْ يَكُونَ إنْزالُ الكِتابِ إلَيْهِ، و(لِلنّاسِ) مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلْنا، و(بِالحَقِّ) حالٌ مِنَ الكِتابِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، واللّامُ في لِلنّاسِ لِلْعِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ النّاسِ. وفي الكَلامِ مُضافٌ مَفْهُومٌ مِمّا تُؤْذِنُ بِهِ اللّامُ مِن مَعْنى الفائِدَةِ والنَّفْعِ أيْ لِنَفْعِ النّاسِ، أوْ مِمّا يُؤْذَنُ بِهِ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ فَمَنِ اهْتَدى إلَخْ.
وفاءُ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ لِلتَّفْرِيعِ وهو تَفْرِيعٌ ناشِئٌ مِن مَعْنى اللّامِ. و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، أيْ مَن حَصَلَ مِنهُ الِاهْتِداءُ في المُسْتَقْبَلِ فَإنَّ اهْتِداءَهُ لِفائِدَةِ
صفحة ٢٢
نَفْسِهِ لا غَيْرُ، أيْ لَيْسَتْ لَكَ مِنِ اهْتِدائِهِ فائِدَةٌ لِذاتِكَ لِأنَّ فائِدَةَ الرَّسُولِ ﷺ وهي شَرَفُهُ وأجْرُهُ ثابِتَةٌ عَلى التَّبْلِيغِ سَواءٌ اهْتَدى مَنِ اهْتَدى وضَلَّ مَن ضَلَّ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: ١٠٨] آخِرَ سُورَةِ يُونُسَ، وفي قَوْلِهِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] في آخِرِ سُورَةِ النَّمْلِ، ولَكِنْ جِيءَ في تَيْنِكَ الآيَتَيْنِ بِصِيغَةِ قَصْرِ الِاهْتِداءِ عَلى نَفْسِ المُهْتَدِي وتُرِكَ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ تَيْنَكَ الآيَتَيْنِ وارِدَتانِ بِالأمْرِ بِمُخاطَبَةِ المُشْرِكِينَ فَكانَ المَقامُ فِيهِما مُناسِبًا لِإفادَةِ أنَّ فائِدَةَ اهْتِدائِهِمْ لا تَعُودُ إلّا لِأنْفُسِهِمْ، أيْ لَيْسَتْ لِي مَنفَعَةٌ مِنِ اهْتِدائِهِمْ، خِلافًا لِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّها خِطابٌ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ لَيْسَ فِيها حالُ مَن يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المُدِلِّ بِاهْتِدائِهِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ فَصِيغَةُ القَصْرِ فِيهِ لِتَنْزِيلِ الرَّسُولِ ﷺ في أسَفِهِ عَلى ضَلالِهِمُ المُفْضِي بِهِمْ إلى العَذابِ مَنزِلَةَ مَن يَعُودُ عَلَيْهِ مِن ضَلالِهِمْ ضُرٌّ فَخُوطِبَ بِصِيغَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ. ولِذَلِكَ اتَّحَدَتِ الآياتُ الثَّلاثُ في الِاشْتِمالِ عَلى القَصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِجانِبِ ضَلالِهِمْ فَإنَّ قَوْلَهُ في سُورَةِ النَّمْلِ (﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢]) . وهَذِهِ نُكَتٌ مِن دَقائِقِ إعْجازِ القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ كالقَوْلِ في ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨] في سُورَةِ يُونُسَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ أيْ لَسْتَ مَأْمُورًا بِإرْغامِهِمْ عَلى الِاهْتِداءِ، فَصِيغَ هَذا الخَبَرُ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ حُكْمِ هَذا النَّفْيِ.
الزمر 39:42
صفحة ٢٣
﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
يَصْلُحُ هَذا أنْ يَكُونَ مَثَلًا لِحالِ ضَلالِ الضّالِّينَ وهُدى المُهْتَدِينَ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] إلى قَوْلِهِ (﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]) .
والمَعْنى: أنَّ اسْتِمْرارَ الضّالِّ عَلى ضَلالِهِ قَدْ يَحْصُلُ بَعْدَهُ اهْتِداءٌ وقَدْ يُوافِيهِ أجَلُهُ وهو في ضَلالِهِ فَضَرَبَ المَثَلَ لِذَلِكَ بِنَوْمِ النّائِمِ قَدْ تَعْقُبُهُ إفاقَةٌ وقَدْ يَمُوتُ النّائِمُ في نَوْمِهِ، وهَذا تَهْوِينٌ عَلى نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ بِرَجاءِ إيمانِ كَثِيرٍ مِمَّنْ هم يَوْمَئِذٍ في ضَلالٍ وشِرْكٍ كَما تَحَقَّقَ ذَلِكَ. فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها ولَها اتِّصالٌ بِقَوْلِهِ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِقالًا إلى اسْتِدْلالٍ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في الأحْوالِ فَإنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ الذَّواتِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦]، ثُمَّ دَلِيلَ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ أحْوالِ ذَواتٍ وإنْشاءِ ذَواتٍ مِن تِلْكَ الأحْوالِ، وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ [الزمر: ٢١] وأعْقَبَ كُلَّ دَلِيلٍ بِما يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُهُ مِنَ المَوْعِظَةِ والعِبْرَةِ والزَّجْرُ عَنْ مُخالَفَةِ مُقْتَضاهُ، فانْتَقَلَ هُنا إلى الِاسْتِدْلالِ بِحالَةٍ عَجِيبَةٍ مِن أحْوالِ أنْفُسِ المَخْلُوقاتِ وهي حالَةُ المَوْتِ وحالَةُ النَّوْمِ. وقَدْ أنْبَأ عَنْ الِاسْتِدْلالِ قَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فَهَذا دَلِيلٌ لِلنّاسِ مِن أنْفُسِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقالَ ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلتَّدَرُّجِ في الِاسْتِدْلالِ ولَها اتِّصالٌ بِجُمْلَةِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٥] وجُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ [الزمر: ٢١] المُتَقَدِّمَتَيْنِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ أفادَتِ الآيَةُ إبْرازَ حَقِيقَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِن نَوامِيسِ الحَياتَيْنِ النَّفْسِيَّةِ والجَسَدِيَّةِ وتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ تَخْصِيصِهِ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ، أيِ اللَّهُ يَتَوَفّى لا غَيْرُهُ فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِإظْهارِ فَسادِ أنْ أشْرَكُوا
صفحة ٢٤
بِهِ آلِهَةً لا تَمْلِكُ تَصَرُّفًا في أحْوالِ النّاسِ.
والتَّوَفِّي: الإماتَةُ، وُسُمِّيَتْ تَوَفِّيًا لِأنَّ اللَّهَ إذا أماتَ أحَدًا فَقَدْ تَوَفّاهُ أجَلَهُ فَ (اللَّهُ) المُتَوَفِّي ومَلَكُ المَوْتِ مُتَوَفٍّ أيْضًا لِأنَّهُ مُباشِرُ التَّوَفِّي.
والمَيِّتُ: مُتَوَفّى بِصِيغَةِ المَفْعُولِ، وشاعَ ذَلِكَ فَصارَ التَّوَفِّي مُرادِفًا لِلْإماتَةِ، والوَفاةُ مُرادِفَةٌ لِلْمَوْتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَصْرِيفِ ذَلِكَ واشْتِقاقِهِ مِن مادَّةِ الوَفاةِ.
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] في سُورَةِ السَّجْدَةِ.
والأنْفُسُ: جَمْعُ نَفْسٍ، وهي الشَّخْصُ والذّاتُ قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وتُطْلَقُ عَلى الرُّوحِ الَّذِي بِهِ الحَياةُ والإدْراكُ.
ومَعْنى التَّوَفِّي يَتَعَلَّقُ بِالأنْفُسِ عَلى كِلا الإطْلاقَيْنِ.
والمَعْنى: يَتَوَفّى النّاسَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فَإنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِالمَوْتِ هو الذّاتُ لا الرُّوحُ وأنَّ تَوَفِّيها سَلْبُ الأرْواحِ عَنْها.
وقَوْلُهُ والَّتِي لَمْ تَمُتْ عَطْفٌ عَلى الأنْفُسِ بِاعْتِبارِ قَيْدِ (حِينَ مَوْتِها) لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ فَكَأنَّهُ قِيلَ يَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي تَمُوتُ في حالَةِ نَوْمِها، والأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في نَوْمِها فَأفاقَتْ. ويَتَعَلَّقُ (في مَنامِها) بِقَوْلِهِ (يَتَوَفّى)، أيْ ويَتَوَفّى أنْفُسًا لَمْ تَمُتْ يَتَوَفّاها في مَنامِها كُلَّ يَوْمٍ، فَعَلِمَ أنَّ المُرادَ بِتَوَفِّيها هو مَنامُها، وهَذا جارٍ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِحَسَبِ عُرْفِ اللُّغَةِ إذْ لا يُطْلَقُ عَلى النّائِمِ مَيِّتَ ولا مُتَوَفّى.
وهُوَ تَشْبِيهٌ نُحِّيَ بِهِ مَنحى التَّنْبِيهِ إلى حَقِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ فَإنَّ حالَةَ النَّوْمِ حالَةُ انْقِطاعِ أهَمِّ فَوائِدِ الحَياةِ عَنِ الجَسَدِ وهي الإدْراكُ سِوى أنَّ أعْضاءَهُ الرَّئِيسِيَّةَ لَمْ تَفْقِدْ صَلاحِيَتَها لِلْعَوْدَةِ إلى أعْمالِها حِينَ الهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
صفحة ٢٥
والفاءُ في (فَيُمْسِكُ) فاءُ الفَصِيحَةِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَقْتَضِي مِقْدارًا يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ لِبَيانِ تَوَفِّي النُّفُوسِ في المَقامِ.
والإمْساكُ: الشَّدُّ بِاليَدِ وعَدَمُ تَسْلِيمِ المَشْدُودِ.
والمَعْنى: فَيُبْقِي ولا يَرُدُّ النَّفْسَ الَّتِي قَضى عَلَيْها بِالمَوْتِ، أيْ يَمْنَعُها أنْ تَرْجِعَ إلى الحَياةِ فَإطْلاقُ الإمْساكِ عَلى بَقاءِ حالَةِ المَوْتِ تَمْثِيلٌ لِدَوامِ تِلْكَ الحالَةِ. ومِن لَطائِفِهِ أنَّ أهْلَ المَيِّتِ يَتَمَنَّوْنَ عَوْدَ مَيِّتِهِمْ لَوْ وجَدُوا إلى عُودِهِ سَبِيلًا ولَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْمَحْ لِنَفْسٍ ماتَتْ أنْ تَعُودَ إلى الحَياةِ.
والإرْسالُ: الإطْلاقُ والتَّمْكِينُ مِن مُبارَحَةِ المَكانِ لِلرُّجُوعِ إلى ما كانَ. والمُرادُ بِ (الأُخْرى) (الَّتِي لَمْ تَمُتْ) ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَها بِمَنزِلَةِ المَيْتَةِ. والمَعْنى: يَرُدُّ إلَيْها الحَياةَ كامِلَةً.
والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْرازُ الفَرْقِ بَيْنَ الوَفاتَيْنِ.
ويَتَعَلَّقُ (﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾) بِفِعْلِ (يُرْسِلُ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى يَرُدُّ الحَياةَ إلَيْها، أيْ فَلا يَسْلُبُها الحَياةَ كُلَّها إلّا في أجَلِها المُسَمّى، أيِ المُعَيَّنِ لَها في تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى.
والتَّسْمِيَةُ: التَّعْيِينُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، الخَلِيُّ عَنِ التَّكَلُّفاتِ وعَنِ ارْتِكابِ شِبْهِ الِاسْتِخْدامِ في قَوْلِهِ ﴿الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ وعَنِ التَّقْدِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَذْكُرُ النَّتِيجَةَ عَقِبَ الدَّلِيلِ، أيْ أنَّ في حالَةِ الإماتَةِ والإنامَةِ دَلائِلَ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ وأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وأنْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ الإخْبارَ بِاخْتِلافِ حالَتَيِ المَوْتِ والنَّوْمِ بَلِ المَقْصُودُ التَّفَكُّرُ والنَّظَرُ في مَضْرِبِ المَثَلِ، وفي دَقائِقِ صُنْعِ اللَّهِ والتَّذْكِيرُ بِما تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِن دَقائِقِ الحِكْمَةِ الَّتِي تَمُرُّ عَلى كُلِّ إنْسانٍ كُلَّ يَوْمٍ في
صفحة ٢٦
نَفْسِهِ، وتَمُرُّ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في آلِهِمْ وفي عَشائِرِهِمْ وهم مُعْرِضُونَ عَمّا في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ وبَدِيعِ الصُّنْعِ.
وجَعَلَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّهُما حالَتانِ عَجِيبَتانِ ثُمَّ في كُلِّ حالَةٍ تَصَرُّفٌ يُغايِرُ التَّصَرُّفَ الَّذِي في الأُخْرى، فَفي حالَةِ المَوْتِ سَلْبُ الحَياةِ عَنِ الجِسْمِ وبَقاءُ الجِسْمِ كالجَمادِ ومَنعٌ مِن أنْ تَعُودَ إلَيْهِ الحَياةُ. وفي حالَةِ النَّوْمِ سَلْبُ بَعْضِ الحَياةِ عَنِ الجِسْمِ حَتّى يَكُونَ كالمَيِّتِ وما هو بِمَيِّتٍ ثُمَّ مَنحُ الحَياةِ أنْ تَعُودَ إلَيْهِ دَوالَيْكَ إلى أنْ يَأْتِيَ إبّانُ سَلْبِها عَنْهُ سَلْبًا مُسْتَمِرًّا.
والآياتُ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ حاصِلَةٌ عَلى كُلٍّ مِن إرادَةِ التَّمْثِيلِ وإرادَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ مُعْظَمِ النّاسِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِتِلْكَ الآياتِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ في أحْوالِهِمْ عَلى مُقْتَضى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ.
والتَّفَكُّرُ: تَكَلُّفُ الفِكْرَةِ، وهو مُعالَجَةُ الفِكْرِ ومُعاوَدَةُ التَّدَبُّرِ في دَلالَةِ الأدِلَّةِ عَلى الحَقائِقِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾) بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ المَوْتِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”﴿قُضِيَ عَلَيْها المَوْتُ﴾“ بِبِناءِ الفِعْلِ لِلنّائِبِ وبِرَفْعِ المَوْتِ وهو عَلى مُراعاةِ نَزْعِ الخافِضِ. والتَّقْدِيرُ: قُضِيَ عَلَيْها بِالمَوْتِ، فَلَمّا حُذِفَ الخافِضُ صارَ الِاسْمُ الَّذِي كانَ مَجْرُورًا بِمَنزِلَةِ المَفْعُولِ بِهِ فَجُعِلَ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ ”قُضِيَ“ مَعْنى كُتِبَ وقُدِّرَ.