Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الرحمن 55:1 – الواقعة 56:25
المحتويات
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:2
- الرحمن 55:3
- الرحمن 55:4
- الرحمن 55:5
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:7
- الرحمن 55:8
- الرحمن 55:9
- الرحمن 55:10
- الرحمن 55:11
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:13
- الرحمن 55:14
- الرحمن 55:15
- الرحمن 55:16
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:18
- الرحمن 55:19
- الرحمن 55:20
- الرحمن 55:21
- الرحمن 55:22
- الرحمن 55:23
- الرحمن 55:24
- الرحمن 55:25
- الرحمن 55:26
- الرحمن 55:27
- الرحمن 55:28
- الرحمن 55:29
- الرحمن 55:30
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:32
- الرحمن 55:33
- الرحمن 55:34
- الرحمن 55:35
- الرحمن 55:36
- الرحمن 55:37
- الرحمن 55:38
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:40
- الرحمن 55:41
- الرحمن 55:42
- الرحمن 55:43
- الرحمن 55:44
- الرحمن 55:45
- الرحمن 55:46
- الرحمن 55:47
- الرحمن 55:48
- الرحمن 55:49
- الرحمن 55:50
- الرحمن 55:51
- الرحمن 55:52
- الرحمن 55:53
- الرحمن 55:54
- الرحمن 55:55
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:57
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:59
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:61
- الرحمن 55:62
- الرحمن 55:63
- الرحمن 55:64
- الرحمن 55:65
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:67
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:69
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:71
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:73
- الرحمن 55:74
- الرحمن 55:75
- الرحمن 55:76
- الرحمن 55:77
- الرحمن 55:78
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:2
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:4
- الواقعة 56:5
- الواقعة 56:6
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:9
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:12
- الواقعة 56:13
- الواقعة 56:14
- الواقعة 56:15
- الواقعة 56:16
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:19
- الواقعة 56:20
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:23
- الواقعة 56:24
- الواقعة 56:25
الرحمن 55:1
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ .
خَبَرٌ ثانٍ، والمُرادُ بِالإنْسانِ جِنْسُ الإنْسانِ وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْخَبَرِ الآتِي وهو ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] .
وهَذِهِ قَضِيَّةٌ لا يُنازِعُونَ فِيها ولَكِنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنْ مُوجِبِها وهو إفْرادُ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، سِيقَ لَهُمُ الخَبَرُ بِها عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدِيدِ بِدُونِ عَطْفٍ كالَّذِي يَعُدُّ لِلْمُخاطَبِ مَواقِعَ أخْطائِهِ وغَفْلَتِهِ، وهَذا تَبْكِيتٌ ثانٍ.
صفحة ٢٣٣
فَفِي خَلْقِ الإنْسانِ دَلالَتانِ: أُولاهُما: الدَّلالَةُ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، وثانِيَتُهُما الدَّلالَةُ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ.
والخَلْقُ: نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ فِيها تَشْرِيفًا لِلْمَخْلُوقِ بِإخْراجِهِ مِن غَياهِبِ العَدَمِ إلى مَبْرَزِ الوُجُودِ في الأعْيانِ، وقَدَّمَ خَلْقَ الإنْسانِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا مِن مُناسَبَةِ إرْدافِهِ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ.
ومَجِيءُ المُسْنَدِ فَعُلًا بَعْدَ المُسْنَدِ إلَيْهِ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ لِلتَّخْصِيصِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ لِأنَّهم عَبَدُوا غَيْرَهُ.
الرحمن 55:2
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ .
خَبَرٌ ثانٍ، والمُرادُ بِالإنْسانِ جِنْسُ الإنْسانِ وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْخَبَرِ الآتِي وهو ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] .
وهَذِهِ قَضِيَّةٌ لا يُنازِعُونَ فِيها ولَكِنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنْ مُوجِبِها وهو إفْرادُ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، سِيقَ لَهُمُ الخَبَرُ بِها عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدِيدِ بِدُونِ عَطْفٍ كالَّذِي يَعُدُّ لِلْمُخاطَبِ مَواقِعَ أخْطائِهِ وغَفْلَتِهِ، وهَذا تَبْكِيتٌ ثانٍ.
صفحة ٢٣٣
فَفِي خَلْقِ الإنْسانِ دَلالَتانِ: أُولاهُما: الدَّلالَةُ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، وثانِيَتُهُما الدَّلالَةُ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ.
والخَلْقُ: نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ فِيها تَشْرِيفًا لِلْمَخْلُوقِ بِإخْراجِهِ مِن غَياهِبِ العَدَمِ إلى مَبْرَزِ الوُجُودِ في الأعْيانِ، وقَدَّمَ خَلْقَ الإنْسانِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا مِن مُناسَبَةِ إرْدافِهِ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ.
ومَجِيءُ المُسْنَدِ فَعُلًا بَعْدَ المُسْنَدِ إلَيْهِ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ لِلتَّخْصِيصِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ لِأنَّهم عَبَدُوا غَيْرَهُ.
الرحمن 55:3
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ .
خَبَرٌ ثانٍ، والمُرادُ بِالإنْسانِ جِنْسُ الإنْسانِ وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْخَبَرِ الآتِي وهو ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] .
وهَذِهِ قَضِيَّةٌ لا يُنازِعُونَ فِيها ولَكِنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنْ مُوجِبِها وهو إفْرادُ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، سِيقَ لَهُمُ الخَبَرُ بِها عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدِيدِ بِدُونِ عَطْفٍ كالَّذِي يَعُدُّ لِلْمُخاطَبِ مَواقِعَ أخْطائِهِ وغَفْلَتِهِ، وهَذا تَبْكِيتٌ ثانٍ.
صفحة ٢٣٣
فَفِي خَلْقِ الإنْسانِ دَلالَتانِ: أُولاهُما: الدَّلالَةُ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، وثانِيَتُهُما الدَّلالَةُ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ.
والخَلْقُ: نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ فِيها تَشْرِيفًا لِلْمَخْلُوقِ بِإخْراجِهِ مِن غَياهِبِ العَدَمِ إلى مَبْرَزِ الوُجُودِ في الأعْيانِ، وقَدَّمَ خَلْقَ الإنْسانِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا مِن مُناسَبَةِ إرْدافِهِ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ.
ومَجِيءُ المُسْنَدِ فَعُلًا بَعْدَ المُسْنَدِ إلَيْهِ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ لِلتَّخْصِيصِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ لِأنَّهم عَبَدُوا غَيْرَهُ.
الرحمن 55:4
﴿عَلَمَّهُ البَيانَ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ تَضَمَّنَ الاِعْتِبارَ بِنِعْمَةِ الإبانَةِ عَنِ المُرادِ والاِمْتِنانِ بِها بَعْدَ الاِمْتِنانِ بِنِعْمَةِ الإيجادِ، أيْ: عَلَّمَ جِنْسَ الإنْسانِ أنْ يُبَيِّنَ عَمّا في نَفْسِهِ لِيُفِيدَهْ غَيْرُهُ ويَسْتَفِيدُ هو.
والبَيانُ: الإعْرابُ عَمّا في الضَّمِيرِ مِنَ المَقاصِدِ والأغْراضِ وهو النُّطْقُ وبِهِ تَمَيُّزُ الإنْسانِ عَنْ بَقِيَّةِ أنْواعِ الحَيَوانِ فَهو مَن أعْظَمِ النِّعَمِ.
وأمّا البَيانُ مِن غَيْرِ النُّطْقِ مِن إشارَةٍ وإيماءٍ ولَمْحِ النَّظَرِ فَهو أيْضًا مِن مُمَيِّزاتِ الإنْسانِ وإنْ كانَ دُونَ بَيانِ النُّطْقِ.
ومَعْنى تَعْلِيمِ اللَّهِ الإنْسانَ البَيانَ: أنَّهُ خَلَقَ فِيهِ الاِسْتِعْدادَ لِعِلْمِ ذَلِكَ وألْهَمَهُ وضْعَ اللُّغَةِ لِلتَّعارُفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي الإشارَةِ إلى أنَّ نِعْمَةَ البَيانِ أجَلُّ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، فَعَدَّ نِعْمَةَ التَّكالِيفِ الدِّينِيَّةِ وفِيهِ تَنْوِيهٌ بِالعُلُومِ الزّائِدَةِ في بَيانِ الإنْسانِ وهي خَصائِصُ اللُّغَةِ وآدابِها.
ومَجِيءُ المُسْنَدِ فِعْلًا بَعْدَ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ.
وفِيهِ مِنَ التَّبْكِيتِ ما عَلِمْتَهُ آنِفًا، ووَجْهُهُ أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوهُ عَلى نِعْمَةِ البَيانِ إذْ
صفحة ٢٣٤
صَرَفُوا جُزْءًا كَبِيرًا مِن بَيانِهِمْ فِيما يُلْهِيهِمْ عَنْ إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ وفِيما يُنازِعُونَ بِهِ مَن يَدْعُوهم إلى الهُدى.
الرحمن 55:5
﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ .
جُمْلَةٌ هي خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الرَّحْمَنِ وإلّا كانَ ذِكْرُهُ هُنا بِدُونِ مُناسِبَةٍ فَيَنْقَلِبَ اعْتِراضًا. ورابِطُ الجُمْلَةِ بِالمُبْتَدَأِ تَقْدِيرُهُ: بِحُسْبانِهِ، أيْ حُسْبانِ الرَّحْمَنِ وضَبْطِهِ.
وهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى التَّفَرُّدِ بِخَلْقِ كَوْكَبِ الشَّمْسِ وكُرَةِ القَمَرِ وامْتِنانٌ بِما أوْدَعَ فِيهِما مِن مَنافِعَ لِلنّاسِ، ونِظامِ سَيْرِهِما الَّذِي بِهِ تَدْقِيقُ نِظامِ مُعامَلاتِ النّاسِ واسْتِعْدادِهِمْ لِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ عِنْدَ تَغَيُّراتِ أجْوائِهِمْ وأرْزاقِهِمْ. ويَتَضَمَّنُ الاِمْتِنانُ بِما في ذَلِكَ مِن مَنافِعِهِمْ، وفي كَوْنِ هَذا الخَبَرِ جارِيًا عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدِيدِ ما قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا مِنَ التَّبْكِيتِ، ووَجْهُهُ أنَّهم غَفَلُوا عَمّا في نِظامِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِنَ الحِكْمَةِ وما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ النِّظامُ مِن تَفَرُّدِ اللَّهِ بِتَقْدِيرِهِ، فاشْتَغَلَ بَعْضُهم بِعِبادَةِ الشَّمْسِ وبَعْضُهم بِعِبادَةِ القَمَرِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] .
وجِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلتَّهْوِيلِ بِالاِبْتِداءِ بِاسْمِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُسْبانَهُما ثابِتٌ لا يَتَغَيَّرُ مُنْذُ بَدْءِ الخَلْقِ مُؤْذِنٌ بِحِكْمَةِ الخالِقِ. واسْتُغْنِيَ بِجَعْلِ اسْمِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مُسْنَدًا إلَيْهِما عَنْ تَفْكِيكِ المُسْنَدِ إلى مَسْنَدَيْنِ: أحَدُهُما يَدُلُّ عَلى الاِسْتِدْلالِ، والآخَرُ يَدُلُّ عَلى الاِمْتِنانِ، كَما وقَعَ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ [الرحمن: ٣] ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] .
والحُسْبانُ: مَصْدَرُ حَسَبَ بِمَعْنى عَدَّ مِثْلَ الغُفْرانِ.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ عَنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، والتَّقْدِيرُ: كائِنانِ بِحُسْبانٍ، أيْ بِمُلابَسَةِ حُسْبانٍ أيْ لِحِسابِ النّاسِ مَواقِعَ سَيْرِهِما.
وإسْنادُ هَذِهِ المُلابَسَةِ إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ مَجازِيٌّ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ
صفحة ٢٣٥
سَبَبٌ لِتَلَبُّسِ النّاسِ بِحِسابِهِما كَما تَقُولُ: أنْتَ بِعِنايَةٍ مِنِّي، جَعَلْتَ عِنايَتَكَ مُلابِسَةً لِلْمُخاطَبِ مُلابَسَةً اعْتِبارِيَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. والحُسْبانُ كِنايَةٌ عَنِ انْتِظامِ سَيْرِهِما انْتِظامًا مُطَّرِدًا لا يَخْتَلُّ حِسابُ النّاسِ لَهُ والتَّوْقِيتُ بِهِ.
واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ دُونَ بَقِيَّةِ الكَواكِبِ وإنْ كانَ فِيها حُسْبانُ الأنْواءِ، والحَرِّ والبَرْدِ، مِثْلِ الجَوْزاءِ، والشِّعْرى، ومَنزَلَةِ الأسَدِ، والثُّرَيّا، لِأنَّ هَذَيْنِ الكَوْكَبَيْنِ هُما البادِيانِ لِجَمِيعِ النّاسِ لا يَحْتاجُ تَعَقُّلُ أحْوالِهِما إلى تَعْلِيمِ تَوْقِيتٍ مِثْلَ الكَواكِبِ الأُخْرى.
ولِأنَّ السُّورَةَ هَذِهِ بُنِيَتْ عَلى ذِكْرِ الأُمُورِ المُزْدَوِجَةِ والشَّمْسُ والقَمَرُ مُزْدَوِجانِ في مَعارِفِ عُمُومِ النّاسِ فالشَّمْسُ: كَوْكَبٌ سَماوِيٌّ لِأنَّهُ أعْلى مِنَ الأرْضِ والأرْضُ تَدُورُ حَوْلَهُ وداخِلَهُ في النِّظامِ الشَّمْسِيِّ. والقَمَرُ: كَوْكَبٌ أرْضِيٌّ لِأنَّهُ دُونَ الأرْضِ وتابِعٌ لَها كَبَقِيَّةِ أقْمارِ الكَواكِبِ فَذِكْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَذِكْرِ السَّماءِ والأرْضِ، والمَشْرِقِ، والمَغْرِبِ، والبَحْرِينِ.
الرحمن 55:6
﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] عَطَفَ الخَبَرَ عَلى الخَبَرِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ لِأنَّ سُجُودَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِلَّهِ تَعالى وهو انْتِقالٌ مِنَ الاِمْتِنانِ بِما في السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ إلى الاِمْتِنانِ بِما في الأرْضِ، وجَعَلَ لَفْظَ النَّجْمِ واسِطَةَ الاِنْتِقالِ لِصَلاحِيَّتِهِ لِأنَّهُ يُرادُ مِنهُ نُجُومُ السَّماءِ وما يُسَمّى نَجْمًا مِن نَباتِ الأرْضِ كَما يَأْتِي.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ ولَمْ تُفْصَلْ فَخَرَجَتْ مِن أُسْلُوبِ تَعْدادِ الأخْبارِ إلى أُسْلُوبِ عَطْفِ بَعْضِ الأخْبارِ عَلى بَعْضٍ لِأنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ بَعْدَ حُرُوفِ العَطْفِ لَمْ يُقْصَدْ بِها التَّعْدادُ إذْ لَيْسَ فِيها تَعْرِيضٌ بِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ، فالإخْبارُ بِسُجُودِ النَّجْمِ والشَّجَرِ أُرِيدَ بِهِ الإيقاظُ إلى ما في هَذا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ دَلالَةٍ رَمْزِيَّةٍ، ولِأنَّهُ لَمّا اقْتَضى المَقامُ جَمْعَ النَّظائِرِ مِنَ المُزاوَجاتِ بَعْدَ
صفحة ٢٣٦
ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا سُلُوكَ طَرِيقَةِ الوَصْلِ بالعَطْفِ بِجامِعِ التَّضادِّ.
وجُعِلَتِ الجُمْلَةُ مُفْتَتَحَةً بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ لِتَكُونَ عَلى صُورَةِ فاتِحَةِ الجُمْلَةِ الَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها. وأُتِيَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدٍ هَذا السُّجُودِ وتَكَرُّرِهِ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] .
والنَّجْمُ يُطْلَقُ: اسْمَ جَمْعٍ عَلى نُجُومِ السَّماءِ قالَ تَعالى ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] ويُطْلَقُ مُفْرَدًا فَيُجْمَعُ عَلى نُجُومٍ، قالَ تَعالى ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] . وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ هُنا بِنُجُومِ السَّماءِ.
ويُطْلَقُ النَّجْمُ عَلى النَّباتِ والحَشِيشِ الَّذِي لا سُوقَ لَهُ فَهو مُتَّصِلٌ بِالتُّرابِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ النَّجْمِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنَّباتِ الَّذِي لا ساقَ لَهُ. والشَّجَرُ: النَّباتُ الَّذِي لَهُ ساقٌ وارْتِفاعٌ عَنْ وجْهِ الأرْضِ. وهَذانَ يَنْتَفِعُ بِهِما الإنْسانُ والحَيَوانُ.
فَحَصَلَ مِن قَوْلِهِ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] قَرِينَتانِ مُتَوازِيَتانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وهَذا مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ الكامِلَةِ.
والسُّجُودُ: يُطْلَقُ عَلى وضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، ويُطْلَقُ الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أوِ اسْتِعارَةً ومِنهُ قَوْلُهم نَخْلَةٌ ساجِدَةٌ إذا أمالَها حِمْلُها، فَسُجُودُ نُجُومِ السَّماءِ نُزُولُها إلى جِهاتِ غُرُوبِها، وسُجُودُ نَجْمِ الأرْضِ التِصاقُهُ بِالتُّرابِ كالسّاجِدِ، وسُجُودُ الشَّجَرِ تَطَأْطُؤُهُ بِهُبُوبِ الرِّياحِ ودُنُوُّ أغْصانِهِ لِلجّانِينَ لِثِمارِهِ والخابِطِينَ لِوَرَقِهِ، فَفِعْلُ يَسْجُدانِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ وهُما الدُّنُوُّ لِلْمُتَناوِلِ والدَّلالَةُ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ شَبَّهَ ارْتِسامَ ظِلالِهِما عَلى الأرْضِ بِالسُّجُودِ كَما قالَ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ، وكَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
صفحة ٢٣٧
يَكُبُّ عَلى الأذْقانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
فَقالَ: عَلى الأذْقانِ، لِيَكُونَ الاِنْكِبابُ مُشَبَّهًا بِسُقُوطِ الإنْسانِ عَلى الأرْضِ بِوَجْهِهِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، وذِكْرُ الأذْقانِ تَخْيِيلٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ فِعْلُ يَسْجُدانِ هُنا مُسْتَعْمَلًا في مَجازِهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المَوْجُوداتِ دَلالاتٍ عِدَّةً عَلى أنَّ اللَّهَ مُوجِدُها ومُسَخِّرُها، فَفي جَمِيعِها دَلالاتٌ عَقْلِيَّةٌ، وفِيَ بَعْضِها أوْ مُعْظَمِها دَلالاتٌ أُخْرى رَمْزِيَّةٌ وخَيالِيَّةٌ لِتُفِيدَ مِنها العُقُولُ المُتَفاوِتَةُ في الاِسْتِدْلالِ.
الرحمن 55:7
﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضْعَ المِيزانَ﴾ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ .
اطَّرَدَ في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبُ المُقابَلَةِ بَيْنَ ما يُشْبِهُ الضِّدَّيْنِ بَعْدَ مُقابَلَةِ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِذِكْرِ النَّجْمِ والشَّجَرِ، فَجِيءَ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ وخَلْقِ الأرْضِ.
وعادَ الكَّلامُ إلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ كَما في قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]، وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ فَهو في مَعْناهُ.
ورَفْعُ السَّماءِ يَقْتَضِي خَلْقَها. وذُكِرَ رَفْعُها لِأنَّهُ مَحَلُّ العِبْرَةِ بِالخَلْقِ العَجِيبِ. ومَعْنى رَفَعَها: خَلَقَها مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ أعْمِدَةٍ كَما يُقالُ لِلْخَيّاطِ: وسِّعْ جَيْبَ القَمِيصِ، أيْ خِطْهُ واسِعًا عَلى أنَّ في مُجَرَّدِ الرَّفْعِ إيذانًا بِسِمُوِّ المَنزِلَةِ وشَرَفِها لِأنَّ فِيها مَنشَأ أحْكامِ اللَّهِ ومَصْدَرَ قَضائِهِ، ولِأنَّها مَكانُ المُلائِكَةِ، وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وتَقْدِيمُ السَّماءِ عَلى الفِعْلِ النّاصِبِ لَهُ زِيادَةٌ في الاِهْتِمامِ بِالاِعْتِبارِ بِخَلْقِها.
والمِيزانُ: أصْلُهُ اسْمُ آلَةِ الوَزْنِ، والوَزْنُ تَقْدِيرُ تَعادُلِ الأشْياءِ وضَبْطُ مَقادِيرِ ثِقَلِها وهو مِفْعالٌ مِنَ الوَزْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، وشاعَ إطْلاقُ المِيزانِ عَلى العَدْلِ بِاسْتِعارَةِ لَفْظِ المِيزانِ لِلْعَدْلِ عَلى وجْهِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٢٣٨
والمِيزانُ هَنا مُرادٌ بِهِ العَدْلَ، مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] لِأنَّهُ الَّذِي وضَعَهُ اللَّهُ، أيْ عَيَّنَهُ لِإقامَةِ نِظامِ الخَلْقِ، فالوَضْعُ هُنا مُسْتَعارٌ بِالجَعْلِ فَهو كالإنْزالِ في قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] . ومِنهُ قَوْلُ أبِي طَلْحَةَ الأنْصارِيِّ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بِئْرُ حاءٍ وأنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ أيِ اجْعَلْها وعَيِّنْها لِما يَدُلُّكَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَإطْلاقُ الوَضْعِ في الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ رَفْعِ السَّماءِ مُشاكَلَةٌ ضِدِّيَّةٌ، وإيهامُ طِباقٍ مَعَ قَوْلِهِ (رَفَعَها) فَفِيهِ مُحْسِنانِ بَدِيعِيّانِ.
وقَرَنَ ذَلِكَ مَعَ رَفْعِ السَّماءِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ العَدْلِ بِأنْ نُسِبَ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ وهو عالَمُ الحَقِّ والفَضائِلِ، وأنَّهُ نُزُلٌ إلى الأرْضِ مِنَ السَّماءِ أيْ هو مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ ذِكْرُ العَدْلِ مَعَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] في سُورَةِ الحِجْرِ، وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] في سُورَةِ الدُّخانِ. وهَذا يُصَدِّقُ القَوْلَ المَأْثُورَ: بِالعَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. وإذْ قَدْ كانَ الأمْرُ بِإقامَةِ العَدْلِ مِن أهَمِّ ما أوْصى اللَّهُ بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ قُرِنَ ذِكْرُ جَعْلِهِ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ووُضِعَ فِيها المِيزانُ.
وأنْ في قَوْلِهِ أنْ لا تَطْغَوْا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِأنَّ فِعْلَ وضَعَ المِيزانَ فِيهِ مَعْنى أمْرِ النّاسِ بِالعَدْلِ. وفي الأمْرِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ بِحَرْفِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ. فَكانَ النَّهْيُ عَنْ إضاعَةِ العَدْلِ في أكْثَرِ المُعامَلاتِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ. فَتَكُونُ لا ناهِيَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ لامِ الجَرِّ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَها. والتَّقْدِيرُ: لِئَلّا تَطْغَوْا في المِيزانِ، وعَلى كِلا الاِحْتِمالَيْنِ يُرادُ بِالمِيزانِ ما يَشْمَلُ العَدْلَ ويَشْمَلُ ما بِهِ تَقْدِيرُ الأشْياءِ المَوْزُونَةِ ونَحْوِها في البَيْعِ والشِّراءِ، أيْ مِن فَوائِدِ تَنْزِيلِ الأمْرِ بِالعَدْلِ أنْ تَجْتَنِبُوا الطُّغْيانَ في إقامَةِ الوَزْنِ في المُعامَلَةِ. وتَكُونُ لا نافِيَةً، وفِعْلُ تَطْغَوْا مَنصُوبًا بِ أنَّ المَصْدَرِيَّةِ.
صفحة ٢٣٩
ولَفْظُ المِيزانِ يَسْمَحُ بِإرادَةِ المَعْنَيَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. وفي لَفْظِ المِيزانِ وما قارَنَهُ مِن فِعْلِ (وضَعَ) وفِعْلَيْ (لا تَطْغَوْا) و (أقِيمُوا) وحَرْفُ الباءِ في قَوْلِهِ بِالقِسْطِ وحَرْفُ في مِن قَوْلِهِ في المِيزانِ ولَفْظُ القِسْطِ، كُلُّ هَذِهِ تَظاهَرَتْ عَلى إفادَةِ هَذِهِ المَعانِي وهَذا مِن إعْجازِ القُرْآنِ.
والطُّغْيانُ: دَحْضُ الحَقِّ عَمْدًا واحْتِقارًا لِأصْحابِهِ، فَمَعْنى الطُّغْيانِ في العَدْلِ الاِسْتِخْفافُ بِإضاعَتِهِ وضَعْفُ الوازِعِ عَنِ الظُّلْمِ. ومَعْنى الطُّغْيانِ في وزْنِ المُقَدَّراتِ تَطْفِيفُهُ.
و(في) مِن قَوْلِهِ في المِيزانِ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ تُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ أقَلِّ طُغْيانٍ عَلى المِيزانِ، أيْ لَيْسَ النَّهْيُ عَنْ إضاعَةِ المِيزانِ كُلِّهِ بَلِ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ طُغْيانٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى نَحْوِ الظَّرْفِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، أيِ ارْزُقُوهم مِن بَعْضِها وقَوْلُ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
إذْ أرادَ أنَّهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بِبَعْضِ أثْمانِ إبِلِهِمْ ويُقامِرُونَ، أيْ أنَّ لَهم فِيها مَنافِعَ أُخْرى وهي العَطاءُ والأكْلُ مِنها لِقَوْلِهِ في صَدْرِ البَيْتِ:
نُحابِي بِها أكْفاءَنا ونُهِينُها
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْها تَفْسِيرِيَّةً.
وعَلى جُمْلَةِ ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ عَلى احْتِمالِ قَوْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْها تَعْلِيلًا.
والإقامَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ قائِمًا، وهو تَمْثِيلٌ لِلْإتْيانِ بِهِ عَلى أكْمَلِ ما يُرِيدُ لَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَزْنُ حَقِيقَتُهُ: تَحْقِيقُ تَعادُلِ الأجْسامِ في الثِّقَلِ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ ما يَشْمَلُ تَقْدِيرُ الكَمِّيّاتِ وهو الكَيْلُ والمِقْياسُ.
صفحة ٢٤٠
والقِسْطُ: العَدْلُ وهو مُعَرَّبٌ مِنَ الرُّومِيَّةِ وأصْلُهُ قِسْطاسٌ ثُمَّ اخْتُصِرَ في العَرَبِيَّةِ فَقالُوا مَرَّةً: قِسْطاسٌ، ومَرَّةً: قِسْطٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ.
والمَعْنى: اجْعَلُوا العَدْلَ مُلازِمًا لِما تَقُوِّمُونَهُ مِن أُمُورِكم كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وكَما قالَ ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِالقِسْطِ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ أوِ الباءِ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ راعُوا في إقامَةِ التَّمْحِيصِ ما يَقْتَضِيهِ العَدْلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِالقِسْطِ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْهَدُونَ إلى التَّطْفِيفِ في الوَزْنِ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] . فَلَمّا كانَ التَّطْفِيفُ سُنَّةً مِن سُنَنِ المُشْرِكِينَ تَصَدَّتِ الآيَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، ويَجِيءُ عَلى الاِعْتِبارَيْنِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ فَإنْ حُمِلَ المِيزانُ فِيهِ عَلى مَعْنى العَدْلِ كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنِ التَّهاوُنِ بِالعَدْلِ لِغَفْلَةٍ أوْ تَسامُحٍ بَعْدَ أنْ نَهى عَنِ الطُّغْيانِ فِيهِ، ويَكُونُ إظْهارُ لَفْظِ المِيزانِ في مَقامِ ضَمِيرِهِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ عِنايَةِ اللَّهِ بِالعَدْلِ، وإنْ حُمِلَ فِيهِ عَلى آلَةِ الوَزْنِ كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنْ غَبْنِ النّاسِ في الوَزْنِ لَهم كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] .
والإخْسارُ: جَعْلُ الغَيْرِ خاسِرًا والخَسارَةُ النَّقْصُ.
فَعَلى حَمْلِ المِيزانِ عَلى مَعْنى العَدْلِ يَكُونُ الإخْسارُ جَعْلَ صاحِبِ الحَقِّ خاسِرًا مَغْبُونًا؛ ويَكُونُ المِيزانُ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وعَلى حَمْلِ المِيزانِ عَلى مَعْنى آلَةِ الوَزْنِ يَكُونُ الإخْسارُ بِمَعْنى النَّقْصِ، أيْ لا تَجْعَلُوا المِيزانَ ناقِصًا كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]، وقَدْ عَلِمْتَ هَذا النَّظْمَ البَدِيعَ في الآيَةِ الصّالِحَ لِهَذِهِ المَحامِلِ.
الرحمن 55:8
﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضْعَ المِيزانَ﴾ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ .
اطَّرَدَ في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبُ المُقابَلَةِ بَيْنَ ما يُشْبِهُ الضِّدَّيْنِ بَعْدَ مُقابَلَةِ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِذِكْرِ النَّجْمِ والشَّجَرِ، فَجِيءَ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ وخَلْقِ الأرْضِ.
وعادَ الكَّلامُ إلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ كَما في قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]، وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ فَهو في مَعْناهُ.
ورَفْعُ السَّماءِ يَقْتَضِي خَلْقَها. وذُكِرَ رَفْعُها لِأنَّهُ مَحَلُّ العِبْرَةِ بِالخَلْقِ العَجِيبِ. ومَعْنى رَفَعَها: خَلَقَها مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ أعْمِدَةٍ كَما يُقالُ لِلْخَيّاطِ: وسِّعْ جَيْبَ القَمِيصِ، أيْ خِطْهُ واسِعًا عَلى أنَّ في مُجَرَّدِ الرَّفْعِ إيذانًا بِسِمُوِّ المَنزِلَةِ وشَرَفِها لِأنَّ فِيها مَنشَأ أحْكامِ اللَّهِ ومَصْدَرَ قَضائِهِ، ولِأنَّها مَكانُ المُلائِكَةِ، وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وتَقْدِيمُ السَّماءِ عَلى الفِعْلِ النّاصِبِ لَهُ زِيادَةٌ في الاِهْتِمامِ بِالاِعْتِبارِ بِخَلْقِها.
والمِيزانُ: أصْلُهُ اسْمُ آلَةِ الوَزْنِ، والوَزْنُ تَقْدِيرُ تَعادُلِ الأشْياءِ وضَبْطُ مَقادِيرِ ثِقَلِها وهو مِفْعالٌ مِنَ الوَزْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، وشاعَ إطْلاقُ المِيزانِ عَلى العَدْلِ بِاسْتِعارَةِ لَفْظِ المِيزانِ لِلْعَدْلِ عَلى وجْهِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٢٣٨
والمِيزانُ هَنا مُرادٌ بِهِ العَدْلَ، مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] لِأنَّهُ الَّذِي وضَعَهُ اللَّهُ، أيْ عَيَّنَهُ لِإقامَةِ نِظامِ الخَلْقِ، فالوَضْعُ هُنا مُسْتَعارٌ بِالجَعْلِ فَهو كالإنْزالِ في قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] . ومِنهُ قَوْلُ أبِي طَلْحَةَ الأنْصارِيِّ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بِئْرُ حاءٍ وأنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ أيِ اجْعَلْها وعَيِّنْها لِما يَدُلُّكَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَإطْلاقُ الوَضْعِ في الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ رَفْعِ السَّماءِ مُشاكَلَةٌ ضِدِّيَّةٌ، وإيهامُ طِباقٍ مَعَ قَوْلِهِ (رَفَعَها) فَفِيهِ مُحْسِنانِ بَدِيعِيّانِ.
وقَرَنَ ذَلِكَ مَعَ رَفْعِ السَّماءِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ العَدْلِ بِأنْ نُسِبَ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ وهو عالَمُ الحَقِّ والفَضائِلِ، وأنَّهُ نُزُلٌ إلى الأرْضِ مِنَ السَّماءِ أيْ هو مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ ذِكْرُ العَدْلِ مَعَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] في سُورَةِ الحِجْرِ، وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] في سُورَةِ الدُّخانِ. وهَذا يُصَدِّقُ القَوْلَ المَأْثُورَ: بِالعَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. وإذْ قَدْ كانَ الأمْرُ بِإقامَةِ العَدْلِ مِن أهَمِّ ما أوْصى اللَّهُ بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ قُرِنَ ذِكْرُ جَعْلِهِ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ووُضِعَ فِيها المِيزانُ.
وأنْ في قَوْلِهِ أنْ لا تَطْغَوْا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِأنَّ فِعْلَ وضَعَ المِيزانَ فِيهِ مَعْنى أمْرِ النّاسِ بِالعَدْلِ. وفي الأمْرِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ بِحَرْفِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ. فَكانَ النَّهْيُ عَنْ إضاعَةِ العَدْلِ في أكْثَرِ المُعامَلاتِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ. فَتَكُونُ لا ناهِيَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ لامِ الجَرِّ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَها. والتَّقْدِيرُ: لِئَلّا تَطْغَوْا في المِيزانِ، وعَلى كِلا الاِحْتِمالَيْنِ يُرادُ بِالمِيزانِ ما يَشْمَلُ العَدْلَ ويَشْمَلُ ما بِهِ تَقْدِيرُ الأشْياءِ المَوْزُونَةِ ونَحْوِها في البَيْعِ والشِّراءِ، أيْ مِن فَوائِدِ تَنْزِيلِ الأمْرِ بِالعَدْلِ أنْ تَجْتَنِبُوا الطُّغْيانَ في إقامَةِ الوَزْنِ في المُعامَلَةِ. وتَكُونُ لا نافِيَةً، وفِعْلُ تَطْغَوْا مَنصُوبًا بِ أنَّ المَصْدَرِيَّةِ.
صفحة ٢٣٩
ولَفْظُ المِيزانِ يَسْمَحُ بِإرادَةِ المَعْنَيَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. وفي لَفْظِ المِيزانِ وما قارَنَهُ مِن فِعْلِ (وضَعَ) وفِعْلَيْ (لا تَطْغَوْا) و (أقِيمُوا) وحَرْفُ الباءِ في قَوْلِهِ بِالقِسْطِ وحَرْفُ في مِن قَوْلِهِ في المِيزانِ ولَفْظُ القِسْطِ، كُلُّ هَذِهِ تَظاهَرَتْ عَلى إفادَةِ هَذِهِ المَعانِي وهَذا مِن إعْجازِ القُرْآنِ.
والطُّغْيانُ: دَحْضُ الحَقِّ عَمْدًا واحْتِقارًا لِأصْحابِهِ، فَمَعْنى الطُّغْيانِ في العَدْلِ الاِسْتِخْفافُ بِإضاعَتِهِ وضَعْفُ الوازِعِ عَنِ الظُّلْمِ. ومَعْنى الطُّغْيانِ في وزْنِ المُقَدَّراتِ تَطْفِيفُهُ.
و(في) مِن قَوْلِهِ في المِيزانِ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ تُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ أقَلِّ طُغْيانٍ عَلى المِيزانِ، أيْ لَيْسَ النَّهْيُ عَنْ إضاعَةِ المِيزانِ كُلِّهِ بَلِ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ طُغْيانٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى نَحْوِ الظَّرْفِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، أيِ ارْزُقُوهم مِن بَعْضِها وقَوْلُ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
إذْ أرادَ أنَّهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بِبَعْضِ أثْمانِ إبِلِهِمْ ويُقامِرُونَ، أيْ أنَّ لَهم فِيها مَنافِعَ أُخْرى وهي العَطاءُ والأكْلُ مِنها لِقَوْلِهِ في صَدْرِ البَيْتِ:
نُحابِي بِها أكْفاءَنا ونُهِينُها
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْها تَفْسِيرِيَّةً.
وعَلى جُمْلَةِ ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ عَلى احْتِمالِ قَوْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْها تَعْلِيلًا.
والإقامَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ قائِمًا، وهو تَمْثِيلٌ لِلْإتْيانِ بِهِ عَلى أكْمَلِ ما يُرِيدُ لَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَزْنُ حَقِيقَتُهُ: تَحْقِيقُ تَعادُلِ الأجْسامِ في الثِّقَلِ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ ما يَشْمَلُ تَقْدِيرُ الكَمِّيّاتِ وهو الكَيْلُ والمِقْياسُ.
صفحة ٢٤٠
والقِسْطُ: العَدْلُ وهو مُعَرَّبٌ مِنَ الرُّومِيَّةِ وأصْلُهُ قِسْطاسٌ ثُمَّ اخْتُصِرَ في العَرَبِيَّةِ فَقالُوا مَرَّةً: قِسْطاسٌ، ومَرَّةً: قِسْطٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ.
والمَعْنى: اجْعَلُوا العَدْلَ مُلازِمًا لِما تَقُوِّمُونَهُ مِن أُمُورِكم كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وكَما قالَ ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِالقِسْطِ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ أوِ الباءِ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ راعُوا في إقامَةِ التَّمْحِيصِ ما يَقْتَضِيهِ العَدْلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِالقِسْطِ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْهَدُونَ إلى التَّطْفِيفِ في الوَزْنِ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] . فَلَمّا كانَ التَّطْفِيفُ سُنَّةً مِن سُنَنِ المُشْرِكِينَ تَصَدَّتِ الآيَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، ويَجِيءُ عَلى الاِعْتِبارَيْنِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ فَإنْ حُمِلَ المِيزانُ فِيهِ عَلى مَعْنى العَدْلِ كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنِ التَّهاوُنِ بِالعَدْلِ لِغَفْلَةٍ أوْ تَسامُحٍ بَعْدَ أنْ نَهى عَنِ الطُّغْيانِ فِيهِ، ويَكُونُ إظْهارُ لَفْظِ المِيزانِ في مَقامِ ضَمِيرِهِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ عِنايَةِ اللَّهِ بِالعَدْلِ، وإنْ حُمِلَ فِيهِ عَلى آلَةِ الوَزْنِ كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنْ غَبْنِ النّاسِ في الوَزْنِ لَهم كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] .
والإخْسارُ: جَعْلُ الغَيْرِ خاسِرًا والخَسارَةُ النَّقْصُ.
فَعَلى حَمْلِ المِيزانِ عَلى مَعْنى العَدْلِ يَكُونُ الإخْسارُ جَعْلَ صاحِبِ الحَقِّ خاسِرًا مَغْبُونًا؛ ويَكُونُ المِيزانُ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وعَلى حَمْلِ المِيزانِ عَلى مَعْنى آلَةِ الوَزْنِ يَكُونُ الإخْسارُ بِمَعْنى النَّقْصِ، أيْ لا تَجْعَلُوا المِيزانَ ناقِصًا كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]، وقَدْ عَلِمْتَ هَذا النَّظْمَ البَدِيعَ في الآيَةِ الصّالِحَ لِهَذِهِ المَحامِلِ.
الرحمن 55:9
﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضْعَ المِيزانَ﴾ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ .
اطَّرَدَ في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبُ المُقابَلَةِ بَيْنَ ما يُشْبِهُ الضِّدَّيْنِ بَعْدَ مُقابَلَةِ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِذِكْرِ النَّجْمِ والشَّجَرِ، فَجِيءَ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ وخَلْقِ الأرْضِ.
وعادَ الكَّلامُ إلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ كَما في قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]، وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ فَهو في مَعْناهُ.
ورَفْعُ السَّماءِ يَقْتَضِي خَلْقَها. وذُكِرَ رَفْعُها لِأنَّهُ مَحَلُّ العِبْرَةِ بِالخَلْقِ العَجِيبِ. ومَعْنى رَفَعَها: خَلَقَها مَرْفُوعَةً بِغَيْرِ أعْمِدَةٍ كَما يُقالُ لِلْخَيّاطِ: وسِّعْ جَيْبَ القَمِيصِ، أيْ خِطْهُ واسِعًا عَلى أنَّ في مُجَرَّدِ الرَّفْعِ إيذانًا بِسِمُوِّ المَنزِلَةِ وشَرَفِها لِأنَّ فِيها مَنشَأ أحْكامِ اللَّهِ ومَصْدَرَ قَضائِهِ، ولِأنَّها مَكانُ المُلائِكَةِ، وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وتَقْدِيمُ السَّماءِ عَلى الفِعْلِ النّاصِبِ لَهُ زِيادَةٌ في الاِهْتِمامِ بِالاِعْتِبارِ بِخَلْقِها.
والمِيزانُ: أصْلُهُ اسْمُ آلَةِ الوَزْنِ، والوَزْنُ تَقْدِيرُ تَعادُلِ الأشْياءِ وضَبْطُ مَقادِيرِ ثِقَلِها وهو مِفْعالٌ مِنَ الوَزْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، وشاعَ إطْلاقُ المِيزانِ عَلى العَدْلِ بِاسْتِعارَةِ لَفْظِ المِيزانِ لِلْعَدْلِ عَلى وجْهِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٢٣٨
والمِيزانُ هَنا مُرادٌ بِهِ العَدْلَ، مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] لِأنَّهُ الَّذِي وضَعَهُ اللَّهُ، أيْ عَيَّنَهُ لِإقامَةِ نِظامِ الخَلْقِ، فالوَضْعُ هُنا مُسْتَعارٌ بِالجَعْلِ فَهو كالإنْزالِ في قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] . ومِنهُ قَوْلُ أبِي طَلْحَةَ الأنْصارِيِّ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بِئْرُ حاءٍ وأنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ أيِ اجْعَلْها وعَيِّنْها لِما يَدُلُّكَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَإطْلاقُ الوَضْعِ في الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ رَفْعِ السَّماءِ مُشاكَلَةٌ ضِدِّيَّةٌ، وإيهامُ طِباقٍ مَعَ قَوْلِهِ (رَفَعَها) فَفِيهِ مُحْسِنانِ بَدِيعِيّانِ.
وقَرَنَ ذَلِكَ مَعَ رَفْعِ السَّماءِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ العَدْلِ بِأنْ نُسِبَ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ وهو عالَمُ الحَقِّ والفَضائِلِ، وأنَّهُ نُزُلٌ إلى الأرْضِ مِنَ السَّماءِ أيْ هو مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ ذِكْرُ العَدْلِ مَعَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] في سُورَةِ الحِجْرِ، وقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] في سُورَةِ الدُّخانِ. وهَذا يُصَدِّقُ القَوْلَ المَأْثُورَ: بِالعَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. وإذْ قَدْ كانَ الأمْرُ بِإقامَةِ العَدْلِ مِن أهَمِّ ما أوْصى اللَّهُ بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ قُرِنَ ذِكْرُ جَعْلِهِ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ووُضِعَ فِيها المِيزانُ.
وأنْ في قَوْلِهِ أنْ لا تَطْغَوْا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِأنَّ فِعْلَ وضَعَ المِيزانَ فِيهِ مَعْنى أمْرِ النّاسِ بِالعَدْلِ. وفي الأمْرِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ بِحَرْفِ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ. فَكانَ النَّهْيُ عَنْ إضاعَةِ العَدْلِ في أكْثَرِ المُعامَلاتِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ. فَتَكُونُ لا ناهِيَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ لامِ الجَرِّ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَها. والتَّقْدِيرُ: لِئَلّا تَطْغَوْا في المِيزانِ، وعَلى كِلا الاِحْتِمالَيْنِ يُرادُ بِالمِيزانِ ما يَشْمَلُ العَدْلَ ويَشْمَلُ ما بِهِ تَقْدِيرُ الأشْياءِ المَوْزُونَةِ ونَحْوِها في البَيْعِ والشِّراءِ، أيْ مِن فَوائِدِ تَنْزِيلِ الأمْرِ بِالعَدْلِ أنْ تَجْتَنِبُوا الطُّغْيانَ في إقامَةِ الوَزْنِ في المُعامَلَةِ. وتَكُونُ لا نافِيَةً، وفِعْلُ تَطْغَوْا مَنصُوبًا بِ أنَّ المَصْدَرِيَّةِ.
صفحة ٢٣٩
ولَفْظُ المِيزانِ يَسْمَحُ بِإرادَةِ المَعْنَيَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. وفي لَفْظِ المِيزانِ وما قارَنَهُ مِن فِعْلِ (وضَعَ) وفِعْلَيْ (لا تَطْغَوْا) و (أقِيمُوا) وحَرْفُ الباءِ في قَوْلِهِ بِالقِسْطِ وحَرْفُ في مِن قَوْلِهِ في المِيزانِ ولَفْظُ القِسْطِ، كُلُّ هَذِهِ تَظاهَرَتْ عَلى إفادَةِ هَذِهِ المَعانِي وهَذا مِن إعْجازِ القُرْآنِ.
والطُّغْيانُ: دَحْضُ الحَقِّ عَمْدًا واحْتِقارًا لِأصْحابِهِ، فَمَعْنى الطُّغْيانِ في العَدْلِ الاِسْتِخْفافُ بِإضاعَتِهِ وضَعْفُ الوازِعِ عَنِ الظُّلْمِ. ومَعْنى الطُّغْيانِ في وزْنِ المُقَدَّراتِ تَطْفِيفُهُ.
و(في) مِن قَوْلِهِ في المِيزانِ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ تُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ أقَلِّ طُغْيانٍ عَلى المِيزانِ، أيْ لَيْسَ النَّهْيُ عَنْ إضاعَةِ المِيزانِ كُلِّهِ بَلِ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ طُغْيانٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى نَحْوِ الظَّرْفِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، أيِ ارْزُقُوهم مِن بَعْضِها وقَوْلُ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
إذْ أرادَ أنَّهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بِبَعْضِ أثْمانِ إبِلِهِمْ ويُقامِرُونَ، أيْ أنَّ لَهم فِيها مَنافِعَ أُخْرى وهي العَطاءُ والأكْلُ مِنها لِقَوْلِهِ في صَدْرِ البَيْتِ:
نُحابِي بِها أكْفاءَنا ونُهِينُها
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْها تَفْسِيرِيَّةً.
وعَلى جُمْلَةِ ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ عَلى احْتِمالِ قَوْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْها تَعْلِيلًا.
والإقامَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ قائِمًا، وهو تَمْثِيلٌ لِلْإتْيانِ بِهِ عَلى أكْمَلِ ما يُرِيدُ لَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَزْنُ حَقِيقَتُهُ: تَحْقِيقُ تَعادُلِ الأجْسامِ في الثِّقَلِ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ ما يَشْمَلُ تَقْدِيرُ الكَمِّيّاتِ وهو الكَيْلُ والمِقْياسُ.
صفحة ٢٤٠
والقِسْطُ: العَدْلُ وهو مُعَرَّبٌ مِنَ الرُّومِيَّةِ وأصْلُهُ قِسْطاسٌ ثُمَّ اخْتُصِرَ في العَرَبِيَّةِ فَقالُوا مَرَّةً: قِسْطاسٌ، ومَرَّةً: قِسْطٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ.
والمَعْنى: اجْعَلُوا العَدْلَ مُلازِمًا لِما تَقُوِّمُونَهُ مِن أُمُورِكم كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وكَما قالَ ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِالقِسْطِ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ أوِ الباءِ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ راعُوا في إقامَةِ التَّمْحِيصِ ما يَقْتَضِيهِ العَدْلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِالقِسْطِ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْهَدُونَ إلى التَّطْفِيفِ في الوَزْنِ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] . فَلَمّا كانَ التَّطْفِيفُ سُنَّةً مِن سُنَنِ المُشْرِكِينَ تَصَدَّتِ الآيَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، ويَجِيءُ عَلى الاِعْتِبارَيْنِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ فَإنْ حُمِلَ المِيزانُ فِيهِ عَلى مَعْنى العَدْلِ كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنِ التَّهاوُنِ بِالعَدْلِ لِغَفْلَةٍ أوْ تَسامُحٍ بَعْدَ أنْ نَهى عَنِ الطُّغْيانِ فِيهِ، ويَكُونُ إظْهارُ لَفْظِ المِيزانِ في مَقامِ ضَمِيرِهِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ عِنايَةِ اللَّهِ بِالعَدْلِ، وإنْ حُمِلَ فِيهِ عَلى آلَةِ الوَزْنِ كانَ المَعْنى النَّهْيَ عَنْ غَبْنِ النّاسِ في الوَزْنِ لَهم كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] .
والإخْسارُ: جَعْلُ الغَيْرِ خاسِرًا والخَسارَةُ النَّقْصُ.
فَعَلى حَمْلِ المِيزانِ عَلى مَعْنى العَدْلِ يَكُونُ الإخْسارُ جَعْلَ صاحِبِ الحَقِّ خاسِرًا مَغْبُونًا؛ ويَكُونُ المِيزانُ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وعَلى حَمْلِ المِيزانِ عَلى مَعْنى آلَةِ الوَزْنِ يَكُونُ الإخْسارُ بِمَعْنى النَّقْصِ، أيْ لا تَجْعَلُوا المِيزانَ ناقِصًا كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]، وقَدْ عَلِمْتَ هَذا النَّظْمَ البَدِيعَ في الآيَةِ الصّالِحَ لِهَذِهِ المَحامِلِ.
الرحمن 55:10
صفحة ٢٤١
﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ [الرحمن: ٧] وهو مُقابِلُهُ في المُزاوَجَةِ والوَضْعِ يُقابِلُ الرَّفْعَ، فَحَصَلَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّتَيْنِ، ومَعْنى (وضَعَها) خَفَضَها لَهم، أيْ جَعَلَها تَحْتَ أقْدامِهِمْ وجَنُوبِهِمْ لِتَمْكِينِهِمْ مِنَ الاِنْتِفاعِ بِها بِجَمِيعِ ما لَهم فِيها مِن مَنافِعَ ومُعالَجاتٍ.
واللّامُ في لِلْأنامِ لِلْأجَلِ. والأنامُ: اخْتَلَفَتْ أقْوالُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ فِيهِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ الجَوْهَرِيُّ ولا الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ ولا ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ ولا أبُو البَقاءِ الكَفَوِيُّ في الكُلِّيّاتِ. وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ (الخَلْقُ وهو كُلُّ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن دابَّةٍ فِيها رُوحٌ) . وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَمْعٍ مِنَ التّابِعِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّهُ الإنْسانُ فَقَطْ. وهو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
وسِياقُ الآيَةِ يُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ، لِأنَّهُ في مَقامِ الاِمْتِنانِ والاِعْتِناءِ بِالبَشَرِ كَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] .
والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ مُشْتَقٍّ وفِيهِ لُغاتٌ: أنامٌ كَسَحابٍ، وأنامٌ كَساباطٍ، وأنِيمٌ كَأمِيرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ إلى آخِرِها مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ وتَقْدِيمُ (فِيها) عَلى المُبْتَدَأِ لِلْاِهْتِمامِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأرْضُ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿وضَعَها لِلْأنامِ﴾ يَتَضَمَّنُ وضْعًا وعِلَّةً لِذَلِكَ الوَضْعِ كانَتِ الجُمْلَةُ المُبَيِّنَةُ لَهُ مُشْتَمِلَةً عَلى ما فِيهِ العِبْرَةِ والاِمْتِنانِ.
والفاكِهَةُ: اسْمٌ لِما يُؤْكَلُ تَفَكُّهًا لا قُوتًا مُشْتَقَّةٌ مِن فَكِهَ كَفَرِحَ، إذا طابَتْ نَفْسُهُ بِالحَدِيثِ والضَّحِكِ، قالَ تَعالى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] لِأنَّ أكْلَ ما يَلَذُّ لَلْأكْلِ ولَيْسَ بِضَرُورِيٍّ لَهُ إنَّما يَكُونُ في حالِ الاِنْبِساطِ.
صفحة ٢٤٢
والفاكِهَةُ: مِثْلُ الثِّمارِ والبُقُولِ مِنُ لَوْزٍ وجَوْزٍ وفُسْتُقٍ.
وعَطَفَ عَلى الفاكِهَةِ النَّخْلَ وهو شَجَرُ التَّمْرِ وهو أهَمُّ شَجَرِ الفاكِهَةِ عِنْدَ العَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِمْ، وهو يُثْمِرُ أصْنافًا مِنَ الفاكِهَةِ مِن رَطْبٍ وبُسْرٍ ومِن تَمْرٍ وهو فاكِهَةٌ وقُوتٌ.
ووَصْفُ النَّخْلِ ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ وصْفٌ لِلتَّحْسِينِ فَهو اعْتِبارٌ بِأطْوارِ ثَمَرِ النَّخْلِ، وامْتِنانٌ بِجَمالِهِ وحُسْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] فامْتَنَّ بِمَنافِعِها وبِحُسْنِ مَنظَرِها.
والأكْمامُ: جَمْعُ كُمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وهو وِعاءُ ثَمَرِ النَّخْلَةِ ويُقالُ لَهُ: الكُفُرّى، فَلَيْسَتِ الأكْمامُ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَها مَعَ النَّخْلِ لِلتَّحْسِينِ.
﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾: هو الحُبُّ الَّذِي لِنَباتِهِ سَنابِلُ ولَها ورَقٌ وقَصَبٌ فَيَصِيرُ تِبْنًا، وذَلِكَ الوَرَقُ والقَصَبُ هو العَصْفُ، أيِ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّياحُ وهَذا وصَفٌ لِحَبِّ الشَّعِيرِ والحِنْطَةِ وبِهِما قِوامُ حَياةِ مُعْظَمِ النّاسِ وكَذَلِكَ ما أشْبَهَهُما مِن نَحْوِ السَّلْتِ والأُرْزِ.
وسُمِّيَ العَصْفُ عَصْفًا لِأنَّ الرِّياحَ تَعْصِفُهُ، أيْ تُحَرِّكُهُ ووَصَفَ الحَبَّ بِأنَّهُ ﴿ذُو العَصْفِ﴾ لِلتَّحْسِينِ ولِلتَّذْكِيرِ بِمِنَّةِ جَمالِ الزَّرْعِ حِينَ ظُهُورِهِ في سُنْبُلِهِ في حُقُولِهِ نَظِيرَ وصْفِ النَّخْلِ بِذاتِ الأكْمامِ ولِأنَّ في المَوْصُوفِ ووَصْفِهِ أقْواتَ البَشَرِ وحَيَوانِهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ بِرَفْعِ الحَبِّ ورَفْعِ الرَّيْحانِ ورَفْعِ ذُو، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِرَفْعِ الحَبِّ وذُو وبِجَرِّ الرَّيْحانِ عَطْفًا عَلى العَصْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ وعَلامَةُ نَصْبِ (ذا العَصْفِ) الألْفُ. وكَذَلِكَ كُتِبَ في مُصْحَفِ الشّامِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ أوْ هو عَلى الاِخْتِصاصِ.
والرَّيْحانُ: ما لَهُ رائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ مِنَ الأزْهارِ والحَشائِشِ وهو فَعْلانُ مِنَ الرّائِحَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ ما لَهُ رائِحَةٌ طَيِّبَةٌ. وهَذا اعْتِبارٌ وامْتِنانٌ بِالنَّباتِ المُودَعَةِ فِيهِ الأطْيابُ مِثْلَ الوَرْدِ والياسَمِينِ وما يُسَمّى بِالرَّيْحانِ الأخْضَرِ.
الرحمن 55:11
صفحة ٢٤١
﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ [الرحمن: ٧] وهو مُقابِلُهُ في المُزاوَجَةِ والوَضْعِ يُقابِلُ الرَّفْعَ، فَحَصَلَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّتَيْنِ، ومَعْنى (وضَعَها) خَفَضَها لَهم، أيْ جَعَلَها تَحْتَ أقْدامِهِمْ وجَنُوبِهِمْ لِتَمْكِينِهِمْ مِنَ الاِنْتِفاعِ بِها بِجَمِيعِ ما لَهم فِيها مِن مَنافِعَ ومُعالَجاتٍ.
واللّامُ في لِلْأنامِ لِلْأجَلِ. والأنامُ: اخْتَلَفَتْ أقْوالُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ فِيهِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ الجَوْهَرِيُّ ولا الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ ولا ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ ولا أبُو البَقاءِ الكَفَوِيُّ في الكُلِّيّاتِ. وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ (الخَلْقُ وهو كُلُّ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن دابَّةٍ فِيها رُوحٌ) . وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَمْعٍ مِنَ التّابِعِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّهُ الإنْسانُ فَقَطْ. وهو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
وسِياقُ الآيَةِ يُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ، لِأنَّهُ في مَقامِ الاِمْتِنانِ والاِعْتِناءِ بِالبَشَرِ كَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] .
والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ مُشْتَقٍّ وفِيهِ لُغاتٌ: أنامٌ كَسَحابٍ، وأنامٌ كَساباطٍ، وأنِيمٌ كَأمِيرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ إلى آخِرِها مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ وتَقْدِيمُ (فِيها) عَلى المُبْتَدَأِ لِلْاِهْتِمامِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأرْضُ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿وضَعَها لِلْأنامِ﴾ يَتَضَمَّنُ وضْعًا وعِلَّةً لِذَلِكَ الوَضْعِ كانَتِ الجُمْلَةُ المُبَيِّنَةُ لَهُ مُشْتَمِلَةً عَلى ما فِيهِ العِبْرَةِ والاِمْتِنانِ.
والفاكِهَةُ: اسْمٌ لِما يُؤْكَلُ تَفَكُّهًا لا قُوتًا مُشْتَقَّةٌ مِن فَكِهَ كَفَرِحَ، إذا طابَتْ نَفْسُهُ بِالحَدِيثِ والضَّحِكِ، قالَ تَعالى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] لِأنَّ أكْلَ ما يَلَذُّ لَلْأكْلِ ولَيْسَ بِضَرُورِيٍّ لَهُ إنَّما يَكُونُ في حالِ الاِنْبِساطِ.
صفحة ٢٤٢
والفاكِهَةُ: مِثْلُ الثِّمارِ والبُقُولِ مِنُ لَوْزٍ وجَوْزٍ وفُسْتُقٍ.
وعَطَفَ عَلى الفاكِهَةِ النَّخْلَ وهو شَجَرُ التَّمْرِ وهو أهَمُّ شَجَرِ الفاكِهَةِ عِنْدَ العَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِمْ، وهو يُثْمِرُ أصْنافًا مِنَ الفاكِهَةِ مِن رَطْبٍ وبُسْرٍ ومِن تَمْرٍ وهو فاكِهَةٌ وقُوتٌ.
ووَصْفُ النَّخْلِ ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ وصْفٌ لِلتَّحْسِينِ فَهو اعْتِبارٌ بِأطْوارِ ثَمَرِ النَّخْلِ، وامْتِنانٌ بِجَمالِهِ وحُسْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] فامْتَنَّ بِمَنافِعِها وبِحُسْنِ مَنظَرِها.
والأكْمامُ: جَمْعُ كُمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وهو وِعاءُ ثَمَرِ النَّخْلَةِ ويُقالُ لَهُ: الكُفُرّى، فَلَيْسَتِ الأكْمامُ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَها مَعَ النَّخْلِ لِلتَّحْسِينِ.
﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾: هو الحُبُّ الَّذِي لِنَباتِهِ سَنابِلُ ولَها ورَقٌ وقَصَبٌ فَيَصِيرُ تِبْنًا، وذَلِكَ الوَرَقُ والقَصَبُ هو العَصْفُ، أيِ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّياحُ وهَذا وصَفٌ لِحَبِّ الشَّعِيرِ والحِنْطَةِ وبِهِما قِوامُ حَياةِ مُعْظَمِ النّاسِ وكَذَلِكَ ما أشْبَهَهُما مِن نَحْوِ السَّلْتِ والأُرْزِ.
وسُمِّيَ العَصْفُ عَصْفًا لِأنَّ الرِّياحَ تَعْصِفُهُ، أيْ تُحَرِّكُهُ ووَصَفَ الحَبَّ بِأنَّهُ ﴿ذُو العَصْفِ﴾ لِلتَّحْسِينِ ولِلتَّذْكِيرِ بِمِنَّةِ جَمالِ الزَّرْعِ حِينَ ظُهُورِهِ في سُنْبُلِهِ في حُقُولِهِ نَظِيرَ وصْفِ النَّخْلِ بِذاتِ الأكْمامِ ولِأنَّ في المَوْصُوفِ ووَصْفِهِ أقْواتَ البَشَرِ وحَيَوانِهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ بِرَفْعِ الحَبِّ ورَفْعِ الرَّيْحانِ ورَفْعِ ذُو، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِرَفْعِ الحَبِّ وذُو وبِجَرِّ الرَّيْحانِ عَطْفًا عَلى العَصْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ وعَلامَةُ نَصْبِ (ذا العَصْفِ) الألْفُ. وكَذَلِكَ كُتِبَ في مُصْحَفِ الشّامِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ أوْ هو عَلى الاِخْتِصاصِ.
والرَّيْحانُ: ما لَهُ رائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ مِنَ الأزْهارِ والحَشائِشِ وهو فَعْلانُ مِنَ الرّائِحَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ ما لَهُ رائِحَةٌ طَيِّبَةٌ. وهَذا اعْتِبارٌ وامْتِنانٌ بِالنَّباتِ المُودَعَةِ فِيهِ الأطْيابُ مِثْلَ الوَرْدِ والياسَمِينِ وما يُسَمّى بِالرَّيْحانِ الأخْضَرِ.
الرحمن 55:12
صفحة ٢٤١
﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ [الرحمن: ٧] وهو مُقابِلُهُ في المُزاوَجَةِ والوَضْعِ يُقابِلُ الرَّفْعَ، فَحَصَلَ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّتَيْنِ، ومَعْنى (وضَعَها) خَفَضَها لَهم، أيْ جَعَلَها تَحْتَ أقْدامِهِمْ وجَنُوبِهِمْ لِتَمْكِينِهِمْ مِنَ الاِنْتِفاعِ بِها بِجَمِيعِ ما لَهم فِيها مِن مَنافِعَ ومُعالَجاتٍ.
واللّامُ في لِلْأنامِ لِلْأجَلِ. والأنامُ: اخْتَلَفَتْ أقْوالُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ فِيهِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ الجَوْهَرِيُّ ولا الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ ولا ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ ولا أبُو البَقاءِ الكَفَوِيُّ في الكُلِّيّاتِ. وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ (الخَلْقُ وهو كُلُّ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن دابَّةٍ فِيها رُوحٌ) . وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَمْعٍ مِنَ التّابِعِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّهُ الإنْسانُ فَقَطْ. وهو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
وسِياقُ الآيَةِ يُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ، لِأنَّهُ في مَقامِ الاِمْتِنانِ والاِعْتِناءِ بِالبَشَرِ كَقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] .
والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ مُشْتَقٍّ وفِيهِ لُغاتٌ: أنامٌ كَسَحابٍ، وأنامٌ كَساباطٍ، وأنِيمٌ كَأمِيرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ إلى آخِرِها مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ وتَقْدِيمُ (فِيها) عَلى المُبْتَدَأِ لِلْاِهْتِمامِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأرْضُ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿وضَعَها لِلْأنامِ﴾ يَتَضَمَّنُ وضْعًا وعِلَّةً لِذَلِكَ الوَضْعِ كانَتِ الجُمْلَةُ المُبَيِّنَةُ لَهُ مُشْتَمِلَةً عَلى ما فِيهِ العِبْرَةِ والاِمْتِنانِ.
والفاكِهَةُ: اسْمٌ لِما يُؤْكَلُ تَفَكُّهًا لا قُوتًا مُشْتَقَّةٌ مِن فَكِهَ كَفَرِحَ، إذا طابَتْ نَفْسُهُ بِالحَدِيثِ والضَّحِكِ، قالَ تَعالى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] لِأنَّ أكْلَ ما يَلَذُّ لَلْأكْلِ ولَيْسَ بِضَرُورِيٍّ لَهُ إنَّما يَكُونُ في حالِ الاِنْبِساطِ.
صفحة ٢٤٢
والفاكِهَةُ: مِثْلُ الثِّمارِ والبُقُولِ مِنُ لَوْزٍ وجَوْزٍ وفُسْتُقٍ.
وعَطَفَ عَلى الفاكِهَةِ النَّخْلَ وهو شَجَرُ التَّمْرِ وهو أهَمُّ شَجَرِ الفاكِهَةِ عِنْدَ العَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِمْ، وهو يُثْمِرُ أصْنافًا مِنَ الفاكِهَةِ مِن رَطْبٍ وبُسْرٍ ومِن تَمْرٍ وهو فاكِهَةٌ وقُوتٌ.
ووَصْفُ النَّخْلِ ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ وصْفٌ لِلتَّحْسِينِ فَهو اعْتِبارٌ بِأطْوارِ ثَمَرِ النَّخْلِ، وامْتِنانٌ بِجَمالِهِ وحُسْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] فامْتَنَّ بِمَنافِعِها وبِحُسْنِ مَنظَرِها.
والأكْمامُ: جَمْعُ كُمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وهو وِعاءُ ثَمَرِ النَّخْلَةِ ويُقالُ لَهُ: الكُفُرّى، فَلَيْسَتِ الأكْمامُ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَها مَعَ النَّخْلِ لِلتَّحْسِينِ.
﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾: هو الحُبُّ الَّذِي لِنَباتِهِ سَنابِلُ ولَها ورَقٌ وقَصَبٌ فَيَصِيرُ تِبْنًا، وذَلِكَ الوَرَقُ والقَصَبُ هو العَصْفُ، أيِ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّياحُ وهَذا وصَفٌ لِحَبِّ الشَّعِيرِ والحِنْطَةِ وبِهِما قِوامُ حَياةِ مُعْظَمِ النّاسِ وكَذَلِكَ ما أشْبَهَهُما مِن نَحْوِ السَّلْتِ والأُرْزِ.
وسُمِّيَ العَصْفُ عَصْفًا لِأنَّ الرِّياحَ تَعْصِفُهُ، أيْ تُحَرِّكُهُ ووَصَفَ الحَبَّ بِأنَّهُ ﴿ذُو العَصْفِ﴾ لِلتَّحْسِينِ ولِلتَّذْكِيرِ بِمِنَّةِ جَمالِ الزَّرْعِ حِينَ ظُهُورِهِ في سُنْبُلِهِ في حُقُولِهِ نَظِيرَ وصْفِ النَّخْلِ بِذاتِ الأكْمامِ ولِأنَّ في المَوْصُوفِ ووَصْفِهِ أقْواتَ البَشَرِ وحَيَوانِهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ بِرَفْعِ الحَبِّ ورَفْعِ الرَّيْحانِ ورَفْعِ ذُو، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِرَفْعِ الحَبِّ وذُو وبِجَرِّ الرَّيْحانِ عَطْفًا عَلى العَصْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ وعَلامَةُ نَصْبِ (ذا العَصْفِ) الألْفُ. وكَذَلِكَ كُتِبَ في مُصْحَفِ الشّامِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ أوْ هو عَلى الاِخْتِصاصِ.
والرَّيْحانُ: ما لَهُ رائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ مِنَ الأزْهارِ والحَشائِشِ وهو فَعْلانُ مِنَ الرّائِحَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ ما لَهُ رائِحَةٌ طَيِّبَةٌ. وهَذا اعْتِبارٌ وامْتِنانٌ بِالنَّباتِ المُودَعَةِ فِيهِ الأطْيابُ مِثْلَ الوَرْدِ والياسَمِينِ وما يُسَمّى بِالرَّيْحانِ الأخْضَرِ.
الرحمن 55:13
صفحة ٢٤٣
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المِنَنِ المُدْمَجَةِ مِن دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وحَقِّيَّةِ وحْيِ القُرْآنِ، ودَلائِلُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ بِاسْتِفْهامٍ عَنْ تَعْيِينِ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِ اللَّهِ يَأْتِي لَهم إنْكارُها، وهو تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ.
و(أيِّ) اسْتِفْهامٌ عَنْ تَعْيِينِ واحِدٍ مِنَ الجِنْسِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ وهي هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّقْرِيرِ بِذِكْرِ ضِدِّ ما يُقَرِّبُهُ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . وقَدْ بَيَّنْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَجْحَدَ نِعَمَ اللَّهِ.
والآلاءُ: النِّعَمُ جَمْعُ: إلْيٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ، وألْيٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ وياءٍ في آخِرِهِ ويُقالُ: ألْوٌ بِواوٍ عِوَضُ الياءِ وهو النِّعْمَةُ.
وضَمِيرُ المُثَنّى في رَبِّكُما تُكَذِّبانِ خِطابٌ لِفَرِيقَيْنِ مِنَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ. والوَجْهُ عِنْدِي أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ الَّذِينَ يَنْقَسِمُ إلَيْهِما جِنْسُ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ [الرحمن: ٣] وهُمُ المُخاطِبُونَ بِقَوْلِهِ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] الآيَةِ والمُنْقَسِمُ إلَيْهِما الأنامُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، أيْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى النّاسِ لا يَجْحَدُها كافِرٌ بَلْهَ المُؤْمِنُ، وكُلُّ فَرِيقٍ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الاِسْتِفْهامُ بِالمَعْنى الَّذِي يُناسِبُ حالَهُ.
والمَقْصُودُ الأصْلِيُّ: التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى أنْ أشْرَكُوا في العِبادَةِ مَعَ المُنْعِمِ غَيْرَ المُنْعِمِ، والشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ بِتِوْحِيدِ المُؤْمِنِينَ، والتَّكْذِيبُ مُسْتَعْمَلٌ في الجُحُودِ والإنْكارِ.
وقِيلَ التَّثْنِيَةُ جَرَتْ عَلى طَرِيقَةٍ في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ يُخاطِبُوا الواحِدَ بِصِيغَةِ المُثَنّى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، والنَّسَفِيُّ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ قائِمَةً مَقامَ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ لِتَأْكِيدِ المَعْنى مِثْلَ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، ومَعْنى هَذا أنَّ الخِطابَ لِواحِدٍ وهو الإنْسانُ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو خِطابٌ لِلْإنْسِ والجِنِّ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ القُرْآنَ
صفحة ٢٤٤
نَزَلَ لِخَطابِ النّاسِ ووَعْظِهِمْ ولَمْ يَأْتِ لِخِطابِ الجِنِّ، فَلا يَتَعَرَّضُ القُرْآنُ لِخِطابِهِمْ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن وُقُوعِ اهْتِداءِ نَفَرٍ مِنَ الجِنِّ بِالقُرْآنِ في سُورَةِ الأحْقافِ وفي سُورَةِ الجِنِّ يُحْمَلُ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الجِنَّ بِاتِّباعِ ما يَتَبَيَّنُ لَهم في إدْراكِهِمْ، وقَدْ يُكَلِّفُ اللَّهُ أصْنافًا بِما هم أهْلٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، كَما كَلَّفَ أهْلَ العِلْمِ بِالنَّظَرِ في العَقائِدِ وكَما كَلَّفَهم بِالاِجْتِهادِ في الفُرُوعِ ولَمْ يُكَلِّفِ العامَّةَ بِذَلِكَ، فَما جاءَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ الجِنِّ فَهو في سِياقِ الحِكايَةِ عَنْ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ فِيهِمْ ولَيْسَ لِتَوْجِيهِ العَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ.
وأمّا ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ أنَّ «النَّبِيءَ ﷺ خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ وهم ساكِتُونَ فَقالَ لَهم لَقَدْ قَرَأْتُها عَلى الجِنِّ لَيْلَةَ الجِنِّ فَكانُوا أحْسَنَ مَرْدُودًا مِنكم، كُنْتُ كُلَّما أتَيْتُ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالُوا لا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وفي سَنَدِهِ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقَدْ ضَعَّفَهُ البُخارِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وهَذا الحَدِيثُ لَوْ صَحَّ فَلَيْسَ تَفْسِيرًا لِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ لِأنَّ الجِنَّ سَمِعُوا ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهِ فَلا يَقْتَضِي أنَّهُمُ المُخاطِبُونَ بِهِ وإنَّما كانُوا مُقْتَدِينَ بِالَّذِينَ خاطَبَهُمُ اللَّهُ، وقِيلَ الخِطابُ لِلذُّكُورِ والإناثِ وهو بَعِيدٌ.
والتَّكْذِيبُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الجَحْدِ والإنْكارِ مَجازًا لِتَشْنِيعِ هَذا الجَحْدِ.
وتَكْذِيبُ الآلاءِ كِنايَةٌ عَنِ الإشْراكِ بِاللَّهِ في الإلَهِيَّةِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكم تُنْكِرُونَ إنَّها نِعْمَةٌ عَلَيْكم فَأشْرَكْتُمْ فِيها غَيْرَهُ بَلْهَ إنْكارَ جَمِيعِ نِعَمِهِ إذْ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ دَوامًا.
الرحمن 55:14
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ .
هَذا انْتِقالٌ إلى الاِعْتِبارِ بِخَلْقِ اللَّهِ الإنْسانَ وخَلْقِهِ الجِنَّ.
والقَوْلُ في مَجِيءِ المُسْنَدِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] .
صفحة ٢٤٥
والمُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ وهو أصْلُ الجِنْسِ وقَوْلُهُ مِن صَلْصالٍ تَقَدَّمَ نَظِيرِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
والصَّلْصالُ: الطِّينُ اليابِسُ.
والفَخّارُ: الطِّينُ المَطْبُوخُ بِالنّارِ ويُسَمّى الخَزَفَ. وظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ كالفَخّارِ صِفَةٌ لِ صَلْصالٍ. وصَرَّحَ بِذَلِكَ الكَواشِيُّ في تَلْخِيصِ التَّبْصِرَةِ ولَمْ يُعَرِّجُوا عَلى فائِدَةِ هَذا الوَصْفِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنْ يَكُونَ كالفَخّارِ حالًا مِنَ الإنْسانِ، أيْ خَلَقَهُ مِن صَلْصالٍ فَصارَ الإنْسانُ كالفَخّارِ في صُورَةٍ خاصَّةٍ وصَلابَةٍ.
ومَعْنى أنَّهُ صَلْصالٌ يابِسٌ يُشْبِهُ يَبِسَ الطِّينِ المَطْبُوخِ والمُشَبَّهُ غَيْرُ المُشَبَّهِ بِهِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالحَمَأِ المَسْنُونِ، والطِّينِ اللّازِبِ، والتُّرابِ.
والجانُّ: الجِنُّ والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وما خَرَجَ عَنْهُ مِنَ الشَّياطِينِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] .
والمارِجُ: هو المُخْتَلِطُ وهو اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ مِثْلِ دافِقٍ، وعِيشَةٍ راضِيَةِ، أيْ خَلَقَ الجانَّ مِن خَلِيطٍ مِن نارٍ، أيْ مُخْتَلِطٍ بِعَناصِرٍ أُخْرى إلّا أنَّ النّارَ أغْلَبُ عَلَيْهِ كَما كانَ التُّرابُ أغْلَبَ عَلى تَكْوِينِ الإنْسانِ مَعَ ما فِيهِ مِن عُنْصُرِ النّارِ وهو الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ والمَقْصُودُ هُنا هو خَلْقُ الإنْسانِ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وإنَّما قُرِنَ بِخَلْقِ الجانِّ إظْهارًا لِكَمالِ النِّعْمَةِ في خَلْقِ الإنْسانِ مِن مادَّةٍ لَيِّنَةٍ قابِلًا لِلتَّهْذِيبِ والكَمالِ وصُدُورِ الرِّفْقِ بِالمَوْجُوداتِ الَّتِي مَعَهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وهُوَ أيْضًا تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ بِمَظْهَرٍ مِن مَظاهِرِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ في خَلْقِ نَوْعِ الإنْسانِ وجِنْسِ الجانِّ.
وفِيهِ إيماءٌ إلى ما سَبَقَ في القُرْآنِ النّازِلِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَفْضِيلِ الإنْسانِ عَلى الجانِّ إذْ أمَرَ اللَّهُ الجانَّ بِالسُّجُودِ لِلْإنْسانِ، وما يَنْطَوِي مِن ذَلِكَ مِن وفْرَةِ مَصالِحِ الإنْسانِ عَلى مَصالِحِ الجانِّ، ومِن تَأهُّلِهِ لِعُمْرانِ العالِمِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مَن طِينَتِهِ إذِ الفَضِيلَةُ تَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ أوْصافٍ لا مِن خُصُوصِيّاتٍ مُفْرَدَةٍ.
الرحمن 55:15
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ .
هَذا انْتِقالٌ إلى الاِعْتِبارِ بِخَلْقِ اللَّهِ الإنْسانَ وخَلْقِهِ الجِنَّ.
والقَوْلُ في مَجِيءِ المُسْنَدِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] .
صفحة ٢٤٥
والمُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ وهو أصْلُ الجِنْسِ وقَوْلُهُ مِن صَلْصالٍ تَقَدَّمَ نَظِيرِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ.
والصَّلْصالُ: الطِّينُ اليابِسُ.
والفَخّارُ: الطِّينُ المَطْبُوخُ بِالنّارِ ويُسَمّى الخَزَفَ. وظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ كالفَخّارِ صِفَةٌ لِ صَلْصالٍ. وصَرَّحَ بِذَلِكَ الكَواشِيُّ في تَلْخِيصِ التَّبْصِرَةِ ولَمْ يُعَرِّجُوا عَلى فائِدَةِ هَذا الوَصْفِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنْ يَكُونَ كالفَخّارِ حالًا مِنَ الإنْسانِ، أيْ خَلَقَهُ مِن صَلْصالٍ فَصارَ الإنْسانُ كالفَخّارِ في صُورَةٍ خاصَّةٍ وصَلابَةٍ.
ومَعْنى أنَّهُ صَلْصالٌ يابِسٌ يُشْبِهُ يَبِسَ الطِّينِ المَطْبُوخِ والمُشَبَّهُ غَيْرُ المُشَبَّهِ بِهِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالحَمَأِ المَسْنُونِ، والطِّينِ اللّازِبِ، والتُّرابِ.
والجانُّ: الجِنُّ والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وما خَرَجَ عَنْهُ مِنَ الشَّياطِينِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] .
والمارِجُ: هو المُخْتَلِطُ وهو اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ مِثْلِ دافِقٍ، وعِيشَةٍ راضِيَةِ، أيْ خَلَقَ الجانَّ مِن خَلِيطٍ مِن نارٍ، أيْ مُخْتَلِطٍ بِعَناصِرٍ أُخْرى إلّا أنَّ النّارَ أغْلَبُ عَلَيْهِ كَما كانَ التُّرابُ أغْلَبَ عَلى تَكْوِينِ الإنْسانِ مَعَ ما فِيهِ مِن عُنْصُرِ النّارِ وهو الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ والمَقْصُودُ هُنا هو خَلْقُ الإنْسانِ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وإنَّما قُرِنَ بِخَلْقِ الجانِّ إظْهارًا لِكَمالِ النِّعْمَةِ في خَلْقِ الإنْسانِ مِن مادَّةٍ لَيِّنَةٍ قابِلًا لِلتَّهْذِيبِ والكَمالِ وصُدُورِ الرِّفْقِ بِالمَوْجُوداتِ الَّتِي مَعَهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وهُوَ أيْضًا تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ بِمَظْهَرٍ مِن مَظاهِرِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ في خَلْقِ نَوْعِ الإنْسانِ وجِنْسِ الجانِّ.
وفِيهِ إيماءٌ إلى ما سَبَقَ في القُرْآنِ النّازِلِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَفْضِيلِ الإنْسانِ عَلى الجانِّ إذْ أمَرَ اللَّهُ الجانَّ بِالسُّجُودِ لِلْإنْسانِ، وما يَنْطَوِي مِن ذَلِكَ مِن وفْرَةِ مَصالِحِ الإنْسانِ عَلى مَصالِحِ الجانِّ، ومِن تَأهُّلِهِ لِعُمْرانِ العالِمِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مَن طِينَتِهِ إذِ الفَضِيلَةُ تَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ أوْصافٍ لا مِن خُصُوصِيّاتٍ مُفْرَدَةٍ.
الرحمن 55:16
صفحة ٢٤٦
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
هَذا تَوْبِيخٌ عَلى عَدَمِ الاِعْتِرافِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، جِيءَ فِيهِ بِمِثْلِ ما جِيءَ بِهِ في نَظِيرِهِ الَّذِي سَبَقَهُ لِيَكُونَ التَّوْبِيخُ بِكَلامٍ مِثْلَ سابِقِهِ، وذَلِكَ تَكْرِيرٌ مِن أُسْلُوبِ التَّوْبِيخِ ونَحْوِهُ أنْ يَكُونَ بِمِثْلِ الكَلامِ السّابِقِ، فَحَقُّ هَذا أنْ يُسَمّى بِالتَّعْدادِ لا بِالتَّكْرارِ، لِأنَّهُ لَيْسَ تَكْرارًا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] هُنا تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] لِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَقْتَضِي الاِعْتِرافَ لَهُ بِنِعْمَةِ الإيجادِ والإمْدادِ وتَحْصُلُ مِن تَماثُلِ الجُمَلِ المُكَرَّرَةِ فائِدَةُ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أيْضًا فَيَكُونُ لِلتَّكْرِيرِ غَرَضانِ كَما قَدَّمْناهُ في الكَلامِ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ.
وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ تَوْكِيدُ التَّقْرِيرِ بِما لِلَّهِ تَعالى مِن نِعَمٍ عَلى المُخاطَبِينَ وتَعْرِيضُ تَوْبِيخِهِمْ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ أصْنامًا لا نِعْمَةَ لَها عَلى أحَدٍ، وكُلُّها دَلائِلُ عَلى تَفَرُّدِ الإلَهِيَّةِ. وعَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ اللَّهَ عَدَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَعْماءَ، وذَكَرَ خَلْقَهُ آلاءَهُ ثُمَّ أتْبَعَ كُلَّ خِلَّةٍ وصَفَها، ونِعْمَةٍ وضَعَها بِهَذِهِ، وجَعَلَها فاصِلَةً بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ لِيُنَبِّهَهم عَلى النِّعَمِ ويُقْرِرْهم بِها اهـ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّكْرِيرُ طَرْدٌ لِلْغَفْلَةِ وتَأْكِيدٌ لِلْحُجَّةِ.
وقالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضى في مَجالِسِهِ وآمالِهِ المُسَمّى الدُّرَرُّ والغَرَرُ: وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهِمْ، قالَ مُهَلْهَلُ بْنُ رَبِيعَةَ يَرْثِي أخاهُ كُلَيْبًا:
عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ إذا طَرَدَ اليَتِيمَ عَنِ الجَزُورِ
وذَكَرَ المِصْراعَ الأوَّلَ ثَمانِ مَرّاتٍ في أوائِلِ أبْياتٍ مُتَتابِعَةٍ. وقالَ الحارِثُ بْنُ عَيّادٍ:
قَرِّبا مَرْبِطَ النَّعامَةِ مِنِّي ∗∗∗ لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلٍ عَنْ حِبالِ
ثُمَّ كَرَّرَ قَوْلَهُ: قَرَّبا مَرْبِطَ النَّعامَةِ مِنِّي، في أبْياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القَصِيدِ.
صفحة ٢٤٧
وهَكَذا القَوْلُ في نَظائِرَ قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ المَذْكُورِ هُنا إلى ما في آخِرِ السُّورَةِ.
الرحمن 55:17
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ فِيهِ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] وعَطَفَ ﴿ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ لِأجْلِ ما ذَكَرْتُهُ آنِفًا مِن مُراعاةِ المُزاوَجَةِ.
وحَذَفَ المُسْنَدَ إلَيْهِ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي سَمّاها السَّكّاكِيُّ بِإتِّباعِ الاِسْتِعْمالِ الوارِدِ عَلى تَرْكِهِ أوْ تَرْكِ نَظائِرِهِ وتَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ.
والمَشْرِقُ: جِهَةُ شُرُوقِ الشَّمْسِ، والمَغْرِبُ: جِهَةُ غُرُوبِها وتَثْنِيَةُ المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ في فَصْلَيِ الشِّتاءِ والرَّبِيعِ مِن سَمْتٍ وفي فَصْلَيِ الصَّيْفِ والخَرِيفِ مِن سَمْتٍ آخَرَ وبِمُراعاةِ وقْتِ الطُّولِ ووَقْتِ القِصَرِ وكَذَلِكَ غُرُوبُها وهي فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ يَنْتَقِلُ طُلُوعُها وغُرُوبُها في دَرَجاتٍ مُتَقارِبَةٍ فَقَدْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فَيُقالُ: المَشارِقُ والمَغارِبُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠] في سُورَةِ المَعارِجِ.
ومَن زَعَمَ أنَّ تَثْنِيَةَ المَشْرِقَيْنِ لِمُراعاةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ المَغْرِبَيْنِ لَمْ يَغَصُّ عَلى مَعْنًى كَبِيرٍ.
وعَلى ما فَسَّرَ بِهِ الجُمْهُورُ (المَشْرِقَيْنِ) و (المَغْرِبَيْنِ) بِمَشْرِقَيِ الشَّمْسِ ومَغْرِبَيْها فالمُرادُ بِ المَشْرِقَيْنِ النِّصْفُ الشَّرْقِيُّ مِنَ الأرْضِ، وبِ المَغْرِبَيْنِ النِّصْفُ الغَرْبِيُّ مِنها.
ورُبُوبِيَّةُ اللَّهِ تَعالى بِالمَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ بِمَعْنى الخَلْقِ والتَّصَرُّفِ.
الرحمن 55:18
﴿فَبِأيٍّ آلَآءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
الرحمن 55:19
صفحة ٢٤٨
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ .
خَبَرٌ آخَرُ عَنِ الرَّحْمَنِ قَصَدَ مِنهُ العِبْرَةَ بِخَلْقِ البِحارِ والأنْهارِ، وذَلِكَ خَلْقٌ عَجِيبٌ دالٌّ عَلى عَظَمَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.
ومُناسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ ما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ وكانَتِ الأبْحُرُ والأنْهارُ في جِهاتِ الأرْضِ ناسَبَ الاِنْتِقالَ إلى الاِعْتِبارِ بِخَلْقِهِما وبِالاِمْتِنانِ بِما أوْدَعَها مِن مَنافِعِ النّاسِ.
والمَرَجُ: لَهُ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، وأوَّلُها في هَذا الكَلامِ أنَّهُ الإرْسالُ مِن قَوْلِهِمْ مَرَجَ الدّابَّةَ إذْ أرْسَلَها تَرْعى في المَرَجِ، وهو الأرْضُ الواسِعَةُ ذاتُ الكَلَأِ الَّذِي لا مالَ لَهُ، أيْ: تَرْكُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ.
والمَعْنى: أرْسَلَ البَحْرِينِ لا يَحْبِسُ ماءَهُما عَنِ الجَرْيِ حاجِزٌ. وهَذا تَهْيِئَةٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ .
والمُرادُ: أنَّهُ خَلَقَهُما ومَرَجَهُما، لِأنَّهُ ما مَرَجَهُما إلّا عَقِبَ أنْ خَلَقَهُما.
ويَلْتَقِيانِ: يَتَّصِلانِ بِحَيْثُ يَصُبُّ أحَدُهُما في الآخَرِ.
والبَحْرُ: الماءُ الغامِرُ جُزْءًا عَظِيمًا مِنَ الأرْضِ يُطْلَقُ عَلى الماءِ المالِحِ والعَذْبِ.
والمُرادُ تَثْنِيَةُ نَوْعَيِ البَحْرِ وهُما البَحْرُ المِلْحُ والبَحْرُ العَذْبُ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] . والتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ العَهْدِ الجِنْسِيِّ.
فالمَقْصُودُ ما يَعْرِفُهُ العَرَبُ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ وهُما نَهْرُ الفُراتِ وبَحْرُ العَجَمِ المُسَمّى اليَوْمَ بِالخَلِيجِ الفارِسِيِّ. والتِقاؤُهُما انْصِبابُ ماءِ الفُراتِ في الخَلِيجِ الفارِسِيِّ. في شاطِئِ البَصْرَةِ، والبِلادِ الَّتِي عَلى الشّاطِئِ العَرَبِيِّ مِنَ الخَلِيجِ الفارِسِيِّ تُعْرَفُ عِنْدَ العَرَبِ بِبِلادِ البَحْرِينِ لِذَلِكَ.
والمُرادُ بِالبَرْزَخِ الَّذِي بَيْنَهُما: الفاصِلُ بَيْنَ الماءَيْنِ الحُلْوِ والمِلْحِ بِحَيْثُ لا يُغَيِّرُ أحَدُ البَحْرَيْنِ طَعْمَ الآخَرِ بِجِوارِهِ. وذَلِكَ بِما في كُلِّ ماءٍ مِنهُما مِن خَصائِصَ تَدْفَعُ
صفحة ٢٤٩
عَنْهُ اخْتِلاطَ الآخَرِ بِهِ. وهَذا مِن مَسائِلِ الثِّقَلِ النَّوْعِيِّ. وذِكْرُ البَرْزَخِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بَيْنَهُما مِثْلُ البَرْزَخِ وهو مَعْنى لا يَبْغِيانِ، أيْ لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، أيْ لا يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَيُفْسِدُ طَعْمَهُ فاسْتُعِيرَ لِهَذِهِ الغَلَبَةِ لَفْظُ البَغْيِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ الاِعْتِداءُ والتَّظَلُّمُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ تَثْنِيَةَ بَحْرَيْنِ مِلْحَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، والتَّعْرِيفُ حِينَئِذٍ تَعْرِيفُ العَهْدِ الحُضُورِيِّ، فالمُرادُ: بَحْرانِ مَعْرُوفانِ لِلْعَرَبِ. فالأظْهَرُ أنَّ المُرادَ: البَحْرُ الأحْمَرُ الَّذِي عَلَيْهِ شُطُوطُ تِهامَةَ مَثَّلُ: جُدَّةُ ويَنْبُعُ النَّخْلِ، وبَحْرُ عُمانَ وهو بَحْرُ العَرَبِ الَّذِي عَلَيْهِ حَضْرَمَوْتُ وعَدَنُ مِن بِلادِ اليَمَنِ: والبَرْزَخُ: الحاجِزُ الفاصِلُ، والبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَ هَذَيْنِ البَحْرَيْنِ هو مَضِيقُ بابِ المَندَبِ حَيْثُ يَقَعُ مَرْسى عَدَنَ ومَرْسى زَيْلَعَ.
ولَمّا كانَ في خَلْقِ البَحْرَيْنِ نِعَمٌ عَلى النّاسِ عَظِيمَةٌ مِنها مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فَإنَّهم يَسِيرُونَ فِيهِما كَما قالَ تَعالى ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] وقالَ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] واسْتِخْراجُ سَمَكِهِ والتَّطَهُّرُ بِمائِهِ. ومِنها مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ وهي ما لِأمْلاحِ البَحْرِ مِن تَأْثِيرٍ في تَنْقِيَةِ هَواءِ الأرْضِ واسْتِجْلابِ الأمْطارِ وتَلَقِّي الأجْرامِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ الشُّهُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ يَلْتَقِيانِ وجُمْلَةُ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ حالانِ مِنَ البَحْرَيْنِ.
وجُمْلَةُ لا يَبْغِيانِ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ .
الرحمن 55:20
صفحة ٢٤٨
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ .
خَبَرٌ آخَرُ عَنِ الرَّحْمَنِ قَصَدَ مِنهُ العِبْرَةَ بِخَلْقِ البِحارِ والأنْهارِ، وذَلِكَ خَلْقٌ عَجِيبٌ دالٌّ عَلى عَظَمَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.
ومُناسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ ما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ وكانَتِ الأبْحُرُ والأنْهارُ في جِهاتِ الأرْضِ ناسَبَ الاِنْتِقالَ إلى الاِعْتِبارِ بِخَلْقِهِما وبِالاِمْتِنانِ بِما أوْدَعَها مِن مَنافِعِ النّاسِ.
والمَرَجُ: لَهُ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، وأوَّلُها في هَذا الكَلامِ أنَّهُ الإرْسالُ مِن قَوْلِهِمْ مَرَجَ الدّابَّةَ إذْ أرْسَلَها تَرْعى في المَرَجِ، وهو الأرْضُ الواسِعَةُ ذاتُ الكَلَأِ الَّذِي لا مالَ لَهُ، أيْ: تَرْكُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ.
والمَعْنى: أرْسَلَ البَحْرِينِ لا يَحْبِسُ ماءَهُما عَنِ الجَرْيِ حاجِزٌ. وهَذا تَهْيِئَةٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ .
والمُرادُ: أنَّهُ خَلَقَهُما ومَرَجَهُما، لِأنَّهُ ما مَرَجَهُما إلّا عَقِبَ أنْ خَلَقَهُما.
ويَلْتَقِيانِ: يَتَّصِلانِ بِحَيْثُ يَصُبُّ أحَدُهُما في الآخَرِ.
والبَحْرُ: الماءُ الغامِرُ جُزْءًا عَظِيمًا مِنَ الأرْضِ يُطْلَقُ عَلى الماءِ المالِحِ والعَذْبِ.
والمُرادُ تَثْنِيَةُ نَوْعَيِ البَحْرِ وهُما البَحْرُ المِلْحُ والبَحْرُ العَذْبُ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] . والتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ العَهْدِ الجِنْسِيِّ.
فالمَقْصُودُ ما يَعْرِفُهُ العَرَبُ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ وهُما نَهْرُ الفُراتِ وبَحْرُ العَجَمِ المُسَمّى اليَوْمَ بِالخَلِيجِ الفارِسِيِّ. والتِقاؤُهُما انْصِبابُ ماءِ الفُراتِ في الخَلِيجِ الفارِسِيِّ. في شاطِئِ البَصْرَةِ، والبِلادِ الَّتِي عَلى الشّاطِئِ العَرَبِيِّ مِنَ الخَلِيجِ الفارِسِيِّ تُعْرَفُ عِنْدَ العَرَبِ بِبِلادِ البَحْرِينِ لِذَلِكَ.
والمُرادُ بِالبَرْزَخِ الَّذِي بَيْنَهُما: الفاصِلُ بَيْنَ الماءَيْنِ الحُلْوِ والمِلْحِ بِحَيْثُ لا يُغَيِّرُ أحَدُ البَحْرَيْنِ طَعْمَ الآخَرِ بِجِوارِهِ. وذَلِكَ بِما في كُلِّ ماءٍ مِنهُما مِن خَصائِصَ تَدْفَعُ
صفحة ٢٤٩
عَنْهُ اخْتِلاطَ الآخَرِ بِهِ. وهَذا مِن مَسائِلِ الثِّقَلِ النَّوْعِيِّ. وذِكْرُ البَرْزَخِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بَيْنَهُما مِثْلُ البَرْزَخِ وهو مَعْنى لا يَبْغِيانِ، أيْ لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، أيْ لا يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَيُفْسِدُ طَعْمَهُ فاسْتُعِيرَ لِهَذِهِ الغَلَبَةِ لَفْظُ البَغْيِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ الاِعْتِداءُ والتَّظَلُّمُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ تَثْنِيَةَ بَحْرَيْنِ مِلْحَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، والتَّعْرِيفُ حِينَئِذٍ تَعْرِيفُ العَهْدِ الحُضُورِيِّ، فالمُرادُ: بَحْرانِ مَعْرُوفانِ لِلْعَرَبِ. فالأظْهَرُ أنَّ المُرادَ: البَحْرُ الأحْمَرُ الَّذِي عَلَيْهِ شُطُوطُ تِهامَةَ مَثَّلُ: جُدَّةُ ويَنْبُعُ النَّخْلِ، وبَحْرُ عُمانَ وهو بَحْرُ العَرَبِ الَّذِي عَلَيْهِ حَضْرَمَوْتُ وعَدَنُ مِن بِلادِ اليَمَنِ: والبَرْزَخُ: الحاجِزُ الفاصِلُ، والبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَ هَذَيْنِ البَحْرَيْنِ هو مَضِيقُ بابِ المَندَبِ حَيْثُ يَقَعُ مَرْسى عَدَنَ ومَرْسى زَيْلَعَ.
ولَمّا كانَ في خَلْقِ البَحْرَيْنِ نِعَمٌ عَلى النّاسِ عَظِيمَةٌ مِنها مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فَإنَّهم يَسِيرُونَ فِيهِما كَما قالَ تَعالى ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] وقالَ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] واسْتِخْراجُ سَمَكِهِ والتَّطَهُّرُ بِمائِهِ. ومِنها مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ وهي ما لِأمْلاحِ البَحْرِ مِن تَأْثِيرٍ في تَنْقِيَةِ هَواءِ الأرْضِ واسْتِجْلابِ الأمْطارِ وتَلَقِّي الأجْرامِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ الشُّهُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ يَلْتَقِيانِ وجُمْلَةُ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ حالانِ مِنَ البَحْرَيْنِ.
وجُمْلَةُ لا يَبْغِيانِ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ .
الرحمن 55:21
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ كَما عَلِمْتُهُ مِمّا تَقَدَّمَ، ووَقَعَ هُنا اعْتِراضًا بَيْنَ أحْوالِ البَحْرَيْنِ.
الرحمن 55:22
﴿يُخْرَجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ .
حالٌ ثالِثَةٌ. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ: بَحْرَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ مِنَ البِحارِ المِلْحَةِ تَكُونُ مِن في قَوْلِهِ مِنهُما ابْتِدائِيَّةً لِأنَّ اللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ يَكُونانِ في البَحْرِ المِلْحِ.
صفحة ٢٥٠
وإنْ كانَ المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ: البَحْرُ المِلْحُ، والبَحْرُ العَذْبُ كانَتْ مِن في قَوْلِهِ مِنهُما لِلسَّبَبِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (فَمِن نَفْسِكَ) في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ بِسَبَبِهِما، أيْ بِسَبَبِ مَجْمُوعِهِما، أمّا اللُّؤْلُؤُ فَأجْوَدُهُ ما كانَ في مَصَبِّ الفُراتِ عَلى خَلِيجِ فارِسَ، قالَ الرُّمّانِيُّ: لَمّا كانَ الماءُ العَذْبُ كاللِّقاحِ لِلْماءِ المِلْحِ في إخْراجِ اللُّؤْلُؤِ، قِيلَ: يَخْرُجُ مِنهُما كَما يُقالُ: يَتَخَلَّقُ الوَلَدُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ تَكَوُّنِ اللُّؤْلُؤِ في البِحارِ في سُورَةِ الحَجِّ.
وقالَ الزُّجاجُ: قَدْ ذَكَرَهُما اللَّهُ فَإذا خَرَجَ مِن أحَدِهِما شَيْءٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنهُما وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، و (القَمَرَ) في السَّماءِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ مِن أحَدِهِما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أيْ مِن إحْداهُما.
والمَرْجانُ: حَيَوانٌ بَحَرِيٌّ ذُو أصابِعَ دَقِيقَةٍ يَنْشَأُ لَيِّنًا ثُمَّ يَتَحَجَّرُ ويَتَلَوَّنُ بِلَوْنِ الحُمْرَةِ ويَتَصَلَّبُ كُلَّما طالَ مُكْثُهُ في البَحْرِ فَيُسْتَخْرَجُ مِنهُ كالعُرُوقِ تُتَّخَذُ مِنهُ حِلْيَةٌ ويُسَمّى بِالفارِسِيَّةِ (بِسَذْ) . وقَدْ تَتَفاوَتُ البِحارُ في الجَيِّدِ مِن مَرْجانِها. ويُوجَدُ بِبَحْرِ طَبَرْقَةَ عَلى البَحْرِ المُتَوَسِّطِ في شَمالِ البِلادِ التُّونِسِيَّةِ.
والمَرْجانُ: لا يَخْرُجُ مِن مُلْتَقى البَحْرَيْنِ المِلْحِ والعَذْبِ بَلْ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ.
وقِيلَ: المَرْجانُ اسْمٌ لِصِغارِ الدُّرِّ، واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ فَلا إشْكالَ في قَوْلِهِ مِنهُما.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (يَخْرُجُ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ. وقَرَأ الباقُونَ يَخْرُجُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ لِأنَّهُما إذا أخْرَجَهُما الغَوّاصُونَ فَقَدْ خَرَجا.
وبَيْنَ قَوْلِهِ (مَرَجَ) وقَوْلِهِ (والمَرْجانُ) الجِناسُ المُذَيَّلُ.
الرحمن 55:23
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ أوَّلًا.
الرحمن 55:24
صفحة ٢٥١
﴿ولَهُ الجِوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ .
الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] لِأنَّ هَذا مِن أحْوالِ البَحْرِينِ وقَدْ أغْنَتْ إعادَةُ لَفْظِ البَحْرِ عَنْ ذِكْرِ ضَمِيرِ البَحْرِينِ الرّابِطِ لِجُمْلَةِ الحالِ بِصاحِبِها.
واللّامُ لِلْمِلْكِ وهو مِلْكُ تَسْخِيرِ السَّيْرِ فِيها قالَ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أوْ ﴿يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] . فالمَعْنى: أنَّ الجَوارِيَ في البَحْرِ في تَصَرُّفِهِ تَعالى، قالَ تَعالى ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] .
والإخْبارُ عَنِ الجَوارِي بِأنَّها لَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إنْشاءَ البَحْرِ لِلسُّفُنِ لا يُخْرِجُها عَنْ مُلْكِ اللَّهِ.
والجَوارِي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُهُ وهو قَوْلُهُ: في البَحْرِ، والتَّقْدِيرُ: السُّفُنُ الجَوارِي إذْ لا يَجْرِي في البَحْرِ غَيْرُ السُّفُنِ.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ الإمامِ (الجِوارِ) بِراءٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءٍ وقِياسُ رَسْمِهِ أنْ يَكُونَ بِياءٍ في آخِرِهِ، فَكُتِبَ بِدُونَ ياءٍ اعْتِدادًا بِحالَةِ النُّطْقِ بِهِ في الوَصْلِ إذْ لا يَقِفُ القارِئُ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قُراهُ جَمِيعُ العَشَرَةِ بِدُونَ ياءٍ في حالَةِ الوَصْلِ والوَقْفِ لِأنَّ الوَقْفَ عَلَيْهِ نادِرٌ في حالِ قِراءَةِ القارِئِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ المُنْشَآتُ بِفَتْحِ الشِّينِ، فَهو اسْمُ مَفْعُولٍ، إذا أُوجِدَ وصُنِعَ، أيِ الَّتِي أنْشَأها النّاسُ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ فَحَصَلَ مِنَ الكَلامِ مِنَّتانِ مِنَّةُ تَسْخِيرِ السُّفُنِ لِلسَّيْرِ في البَحْرِ ومِنَّةُ إلْهامِ النّاسِ لِإنْشائِها.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الشِّينِ فَهو اسْمُ فاعِلٍ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُنْشَآتُ مُشْتَقًّا مَن أنْشَأ السَّيْرُ إذا أسْرَعَ، أيِ الَّتِي يَسِيرُ بِها النّاسُ سَيْرًا سَرِيعًا. قالَ مُجاهِدٌ: المُنْشَآتُ الَّتِي رُفِعَتْ قُلُوعُها. والآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِاسْتِعْمالِ الاِشْتِقاقِ في مَعْنَيَيِ المُشْتَقِّ مِنهُ ويَكُونُ في ذَلِكَ
صفحة ٢٥٢
تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ إلْهامِ النّاسِ إلى اخْتِراعِ الشِّراعِ لِإسْراعِ سَيْرِ السُّفُنِ وهي مِمّا اخْتُرِعَ بَعْدَ صُنْعِ سَفِينَةِ نُوحٍ.
ووُصِفَتِ الجَوارِي بِأنَّها كالأعْلامِ، أيِ الجِبالِ وصْفًا يُفِيدُ تَعْظِيمَ شَأْنِها في صُنْعِها المُقْتَضِي بَداعَةَ إلْهامِ عُقُولِ البَشَرِ لِصُنْعِها، والمُقْتَضِي عِظَمَ المِنَّةِ بِها لِأنَّ السُّفُنَ أمْكَنُ لِحَمْلِ العَدَدِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ والمَتاعِ.
الرحمن 55:25
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ السّابِقِ.
الرحمن 55:26
﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ .
لَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] مُؤْذِنًا بِنِعْمَةِ إيجادِ أسْبابِ النَّجاةِ مِنَ الهَلاكِ وأسْبابِ السَّعْيِ لِتَحْصِيلِ ما بِهِ إقامَةَ العَيْشِ إذْ يَسَرَّ لِلنّاسِ السُّفُنَ عَوْنًا لِلنّاسِ عَلى الأسْفارِ وقَضاءَ الأوْطارِ مَعَ السَّلامَةِ مِن طُغْيانِ ماءِ البِحارِ، وكانَ وصْفُ السُّفُنِ بِأنَّها كالأعْلامِ تَوْسِعَةً في هَذِهِ النِّعْمَةِ أتْبَعُهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ هَذا لا يَحُولُ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الفَناءِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في الفُرَصِ لِلْمَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ كَقَوْلِهِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . وفائِدَةُ هَذا أنْ لا يَنْسَوُا الاِسْتِعْدادَ لِلْحَياةِ الباقِيَةِ بِفِعْلِ الصّالِحاتِ، وأنْ يَتَفَكَّرُوا في عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ويُقْبِلُوا عَلى تَوْحِيدِهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ.
ووُقُوعُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَقِبَ ما عَدَّدَ مِنَ النِّعَمِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مَصِيرَ نِعَمِ الدُّنْيا إلى الفَناءِ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.
وضَمِيرُ (عَلَيْها) مُرادٌ بِهِ الأرْضَ بِقَرِينَةِ المَقامِ مِثْلُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، أيِ الشَّمْسِ ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ وفي كَلامِ البُلَغاءِ.
صفحة ٢٥٣
ومَعْنى (فَإنَّ): أنَّهُ صائِرٌ إلى الفَناءِ، فَهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ لِزَمانِ الاِسْتِقْبالِ بِالقَرِينَةِ مِثْلِ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
والمُرادُ بِ مَن عَلَيْها: النّاسُ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهَذِهِ العِبَرِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِ مَنِ المَوْصُولَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ.
والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَ جَمِيعِ مَن عَلى الأرْضِ إلى الفَناءِ، وهَذا التَّذْكِيرُ بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِنَ الجَزاءِ.
و(وجْهُ رَبِّكَ): ذاتُهُ، فَذِكْرُ الوَجْهِ هُنا جارٍ عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ. قالَ في الكَشّافِ: والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الجُمْلَةِ والذّاتِ اهـ.
وقَدْ أُضِيفَ إلى اسْمِهِ تَعالى لَفْظُ الوَجْهِ بِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنها ما هُنا ومِنها قَوْلُهُ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقَوْلُهُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] .
وقَدْ عَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ وجْهٌ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وهو الجُزْءُ الَّذِي في الرَّأْسِ.
واصْطَلَحَ عُلَماءُ العَقائِدِ عَلى تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذا بِالمُتَشابِهِ وكانَ السَّلَفُ يَحُجُّونَ عَلى الخَوْفِ في ذَلِكَ مَعَ اليَقِينِ بِاسْتِحالَةِ ظاهِرَةٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ تَناوَلَهُ عُلَماءُ التّابِعِينَ وما بَعْدَهم بِالتَّأْوِيلِ تَدْرِيجِيًّا إلى أنِ اتَّضَحَ وجْهُ التَّأْوِيلِ بِالجَرْيِ عَلى قَواعِدِ عِلْمِ المَعانِي فَزالَ الخَفاءُ، وانْدَفَعَ الجَفاءُ، وكُلُّ الفَرِيقَيْنِ خِيرَةُ الحُنَفاءِ.
وضَمِيرُ المُخاطَبِ في قَوْلِهِ: (وجْهُ رَبِّكَ) خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وفِيهِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والمَقْصُودُ تَبْلِيغُهُ إلى الَّذِينَ يُتْلى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لِيَذَّكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ.
ولَمّا كانَ الوَجْهُ هُنا بِمَعْنى الذّاتِ وُصِفَ بِ (ذُو الجَلالِ)، أيِ العَظَمَةِ (والإكْرامِ): أيِ المُنْعِمِ عَلى عِبادِهِ وإلّا فَإنَّ الوَجْهَ الحَقِيقِيَّ لا يُضافُ لِلْإكْرامِ في عُرْفِ اللُّغَةِ، وإنَّما يُضافُ لِلْإكْرامِ اليَدُ، أيْ فَهو لا يُفْقِدُ عَبِيدُهُ جَلالَهُ
صفحة ٢٥٤
وإكْرامَهُ، وقَدْ دَخَلَ في الجَلالِ جَمِيعُ الصِّفاتِ الرّاجِعَةِ إلى التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقْصِ وفي الإكْرامِ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ الوُجُودِيَّةِ وصِفاتِ الجَمالِ كالإحْسانِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] إنَّما هو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ كَما عَلِمَتْ مِن أنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُعامَلَةَ خَلْقِهِ مُعامَلَةَ العَظِيمِ الَّذِي لا تَصْدُرُ عَنْهُ السَّفاسِفُ، الكَرِيمُ الَّذِي لا يَقْطَعُ إنْعامَهُ، وذَلِكَ مِنَ الآلاءِ العَظِيمَةِ.
الرحمن 55:27
﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ .
لَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] مُؤْذِنًا بِنِعْمَةِ إيجادِ أسْبابِ النَّجاةِ مِنَ الهَلاكِ وأسْبابِ السَّعْيِ لِتَحْصِيلِ ما بِهِ إقامَةَ العَيْشِ إذْ يَسَرَّ لِلنّاسِ السُّفُنَ عَوْنًا لِلنّاسِ عَلى الأسْفارِ وقَضاءَ الأوْطارِ مَعَ السَّلامَةِ مِن طُغْيانِ ماءِ البِحارِ، وكانَ وصْفُ السُّفُنِ بِأنَّها كالأعْلامِ تَوْسِعَةً في هَذِهِ النِّعْمَةِ أتْبَعُهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ هَذا لا يَحُولُ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الفَناءِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في الفُرَصِ لِلْمَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ كَقَوْلِهِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . وفائِدَةُ هَذا أنْ لا يَنْسَوُا الاِسْتِعْدادَ لِلْحَياةِ الباقِيَةِ بِفِعْلِ الصّالِحاتِ، وأنْ يَتَفَكَّرُوا في عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ويُقْبِلُوا عَلى تَوْحِيدِهِ وطَلَبِ مَرْضاتِهِ.
ووُقُوعُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَقِبَ ما عَدَّدَ مِنَ النِّعَمِ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مَصِيرَ نِعَمِ الدُّنْيا إلى الفَناءِ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.
وضَمِيرُ (عَلَيْها) مُرادٌ بِهِ الأرْضَ بِقَرِينَةِ المَقامِ مِثْلُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، أيِ الشَّمْسِ ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ وفي كَلامِ البُلَغاءِ.
صفحة ٢٥٣
ومَعْنى (فَإنَّ): أنَّهُ صائِرٌ إلى الفَناءِ، فَهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ لِزَمانِ الاِسْتِقْبالِ بِالقَرِينَةِ مِثْلِ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
والمُرادُ بِ مَن عَلَيْها: النّاسُ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهَذِهِ العِبَرِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِ مَنِ المَوْصُولَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ.
والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَ جَمِيعِ مَن عَلى الأرْضِ إلى الفَناءِ، وهَذا التَّذْكِيرُ بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِنَ الجَزاءِ.
و(وجْهُ رَبِّكَ): ذاتُهُ، فَذِكْرُ الوَجْهِ هُنا جارٍ عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ. قالَ في الكَشّافِ: والوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الجُمْلَةِ والذّاتِ اهـ.
وقَدْ أُضِيفَ إلى اسْمِهِ تَعالى لَفْظُ الوَجْهِ بِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنها ما هُنا ومِنها قَوْلُهُ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقَوْلُهُ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] .
وقَدْ عَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ وجْهٌ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وهو الجُزْءُ الَّذِي في الرَّأْسِ.
واصْطَلَحَ عُلَماءُ العَقائِدِ عَلى تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذا بِالمُتَشابِهِ وكانَ السَّلَفُ يَحُجُّونَ عَلى الخَوْفِ في ذَلِكَ مَعَ اليَقِينِ بِاسْتِحالَةِ ظاهِرَةٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ تَناوَلَهُ عُلَماءُ التّابِعِينَ وما بَعْدَهم بِالتَّأْوِيلِ تَدْرِيجِيًّا إلى أنِ اتَّضَحَ وجْهُ التَّأْوِيلِ بِالجَرْيِ عَلى قَواعِدِ عِلْمِ المَعانِي فَزالَ الخَفاءُ، وانْدَفَعَ الجَفاءُ، وكُلُّ الفَرِيقَيْنِ خِيرَةُ الحُنَفاءِ.
وضَمِيرُ المُخاطَبِ في قَوْلِهِ: (وجْهُ رَبِّكَ) خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وفِيهِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والمَقْصُودُ تَبْلِيغُهُ إلى الَّذِينَ يُتْلى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لِيَذَّكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ.
ولَمّا كانَ الوَجْهُ هُنا بِمَعْنى الذّاتِ وُصِفَ بِ (ذُو الجَلالِ)، أيِ العَظَمَةِ (والإكْرامِ): أيِ المُنْعِمِ عَلى عِبادِهِ وإلّا فَإنَّ الوَجْهَ الحَقِيقِيَّ لا يُضافُ لِلْإكْرامِ في عُرْفِ اللُّغَةِ، وإنَّما يُضافُ لِلْإكْرامِ اليَدُ، أيْ فَهو لا يُفْقِدُ عَبِيدُهُ جَلالَهُ
صفحة ٢٥٤
وإكْرامَهُ، وقَدْ دَخَلَ في الجَلالِ جَمِيعُ الصِّفاتِ الرّاجِعَةِ إلى التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقْصِ وفي الإكْرامِ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ الوُجُودِيَّةِ وصِفاتِ الجَمالِ كالإحْسانِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٧٧] إنَّما هو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ كَما عَلِمَتْ مِن أنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُعامَلَةَ خَلْقِهِ مُعامَلَةَ العَظِيمِ الَّذِي لا تَصْدُرُ عَنْهُ السَّفاسِفُ، الكَرِيمُ الَّذِي لا يَقْطَعُ إنْعامَهُ، وذَلِكَ مِنَ الآلاءِ العَظِيمَةِ.
الرحمن 55:28
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ كَما تَقَدَّمَ وهَذا المَوْقِعُ يُنادِي عَلى أنَّ لَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ولا أنَّ جُمْلَةَ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] تَتَضَمَّنُ نِعْمَةً إذْ لَيْسَ في الفَناءِ نِعْمَةٌ.
الرحمن 55:29
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ، والمَعْنى أنَّ النّاسَ تَنْقَرِضُ مِنهم أجْيالٌ وتَبْقى أجْيالٌ وكَلُّ باقٍ مُحْتاجٌ إلى أسْبابِ بَقائِهِ وصَلاحِ أحْوالِهِ فَهم في حاجَةٍ إلى الَّذِي لا يَفْنى وهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِمْ. ولَمّا أفْضى الإخْبارُ إلى حاجَةِ النّاسِ إلَيْهِ تَعالى أتْبَعَ بِأنَّ الاِحْتِياجَ عامٌّ أهْلَ الأرْضِ وأهْلَ السَّماءِ. فالجَمِيعُ يَسْألُونَهُ، فَسُؤالُ أهْلِ السَّماواتِ وهُمُ المَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ويَسْألُونَ رِضى اللَّهُ تَعالى، ومَن في الأرْضِ وهُمُ البَشَرُ يَسْألُونَهُ نِعَمَ الحَياةِ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ ورَفْعَ الدَّرَجاتِ في الآخِرَةِ. وحَذَفَ مَفْعُولَ يَسْألُهُ لِإفادَةِ التَّعْمِيمِ، أيْ يَسْألُونَهُ حَوائِجَهم ومَهامِّهِمْ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها.
* * *
﴿كُلُّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في يَسْألُهُ أوْ تَذْيِيلًا لِجُمَلَةِ ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ مِنَ الشُّئُونِ
صفحة ٢٥٥
لِلسّائِلِينَ وغَيْرِهِمْ فَهو تَعالى يُبْرِمُ شُئُونًا مُخْتَلِفَةً مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ دَوامًا، ويَكُونُ (كُلَّ يَوْمٍ) ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِالاِسْتِقْرارِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾، وقُدِّمَ عَلى ما فِيهِ مُتَعَلِّقُهُ لِلْاِهْتِمامِ بِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ ودَوامِهِ. والمَعْنى: في شَأْنٍ مِن شُئُونِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِنِ اسْتِجابَةِ سُؤْلٍ، ومِن زِيادَةٍ، ومِن حِرْمانٍ، ومِن تَأْخِيرِ الاِسْتِجابَةِ، ومِن تَعْوِيضٍ عَنِ المُؤَوَّلِ بِثَوابٍ، كَما ورَدَ في أحادِيثَ الدُّعاءِ أنَّ اسْتِجابَتَهُ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
ومَعْنى (في) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَقْوِيَةُ ثُبُوتِ الشُّئُونِ لِلَّهِ تَعالى وهي شُئُونُ تَصَرُّفِهِ ومَظاهِرُ قُدْرَتِهِ، كَما قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ النَّيْسابُورِيُّ: شُئُونٌ يُبْدِيها لا شُئُونَ يَبْتَدِيها.
و(يَوْمٍ) مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الوَقْتِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، إذِ المَعْنى: كُلُّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ولَوْ لَحُظَةً، ولَيْسَ المُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتَ الخاصَّ الَّذِي يَمْتَدُّ مِنَ الفَجْرِ إلى الغُرُوبِ.
وإطْلاقُ اليَوْمِ ونَحْوِهُ عَلى مُطْلَقِ الزَّمانِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِمْ: الدَّهْرُ يَوْمانِ يَوْمٌ نُعُمٌ ويَوْمٌ بُؤْسٌ، وقالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
وإنَّ غَدًا وإنَّ اليَوْمَ رَهْنٌ وبَعْدَ غَدٍ لِما لا تَعْلَمِينَ
أرادَ الزَّمانَ المُسْتَقْبَلَ والحاضِرَ والمُسْتَقْبَلَ البَعِيدَ وإلّا فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ غَدٍ وبَعْدَ غَدٍ.
والشَّأْنُ: الشَّيْءُ العَظِيمُ والحَدَثُ المُهِمُّ مِن مَخْلُوقاتٍ وأعْمالٍ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ تَعالى كُلُّ يَوْمٍ يَغْفِرُ ذَنْبًا ويُفَرِّجُ كَرْبًا ويَرْفَعُ أقْوامًا ويَضَعُ آخَرِينَ»، وهو تَعالى يَأْمُرُ ويَنْهى ويُحْيِي ويُمِيتُ ويُعْطِي ويَمْنَعُ ونَحْوَ ذَلِكَ وإذا كانَ في تَصَرُّفِهِ كُلُّ شَأْنٍ فَما هو أقَلُّ مِنَ الشَّأْنِ أوْلى بِكَوْنِهِ مِن تَصَرُّفِهِ.
والظَّرْفِيَّةُ المُسْتَعْمَلَةُ في حَرْفِ في ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعارَةٌ لِشِدَّةِ التَّلَبُّسِ
صفحة ٢٥٦
والتَّعَلُّقِ بِتَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ إحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ أوْ بِأسْئِلَةِ المَخْلُوقاتِ الَّذِينَ في السَّماءِ والأرْضِ.
والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كُلُّ يَوْمٍ تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ بِأُمُورٍ يُبْرِزُها ويَتَعَلَّقُ أمْرُهُ التَّكْوِينِيُّ بِأُمُورٍ مِن إيجادٍ أوْ إعْدامٍ.
ومِن أحاسِنِ الكَلِمِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ لَمّا سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ قائِلًا: قَدْ أشْكَلَ عَلَيَّ قَوْلُهُ هَذا: وقَدْ صَحَّ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. فَقالَ: إنَّها شُئُونٌ يُبْدِيها لا شُئُونَ يَبْتَدِيها وقَدْ أجْمَلَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ الجَوابَ بِما يُقْنِعُ أمْثالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ، وإنْ كانَ الإشْكالُ غَيْرَ وارِدٍ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ الشُّئُونَ تُخالِفُ ما سَطَرَهُ قَلَمُ العِلْمِ الإلَهِيِّ، عَلى أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَجْرِي إلّا عَلى أحَدِ الوُجُوهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
الرحمن 55:30
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِهِ.
الرحمن 55:31
﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ .
هَذا تَخَلُّصٌ مِنَ الاِعْتِبارِ بِأحْوالِ الحَياةِ العاجِلَةِ إلى التَّذْكِيرِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ والجَزاءِ فِيها انْتَقَلَ إلَيْهِ بِمُناسَبَةِ اشْتِمالِ ما سَبَقَ مِن دَلائِلَ سَعَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، عَلى تَعْرِيضٍ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ أهْلٌ لِلتَّوْحِيدِ بِالإلَهِيَّةِ، ومُسْتَحَقُّ الإفْرادِ بِالعِبادَةِ، وإذْ قَدْ كانَ المُخاطَبُونَ بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ مَعَ اللَّهِ في العِبادَةِ انْتَقَلَ إلى تَهْدِيدِهِمْ بِأنَّهم وأوْلِياءَهم مِنَ الجِنِّ المُسَوِّلِينَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ سَيُعْرَضُونَ عَلى حُكْمِ اللَّهِ فِيهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ التَّرْكِيبِ المُكَنّى بِهِ عَنِ التَّحْقِيقِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ.
والفَراغُ لِلشَّيْءِ: الخُلُوُّ عَمّا يُشْغِلُ عَنْهُ، وهو تَمْثِيلٌ لِلْاِعْتِناءِ بِالشَّيْءِ، شَبَّهَ حالَ المُقْبِلِ عَلى عَمَلٍ دُونَ عَمَلٍ آخَرَ بِحالِ الوِعاءِ الَّذِي أُفْرِغَ مِمّا فِيهِ لِيُمْلَأ بِشَيْءٍ آخَرَ.
وهَذا التَّمْثِيلُ صالِحٌ لِلْاِسْتِعْمالِ في الاِعْتِناءِ كَما في قَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمانِ افْرُغْ إلى أضْيافِكَ أيْ تَخَلَّ عَنْ كُلِّ شُغْلٍ لِتَشْتَغِلَ بِأضْيافِكَ وتَتَوَفَّرُ عَلى قِراهم وصالِحٌ لِلْاِسْتِعْمالِ في الوَعِيدِ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نَمِيرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتُ لَها عَذابًا
والمُناسِبُ لِسِياقِ الآيَةِ بِاعْتِبارِ السّابِقِ واللّاحِقِ، أنْ تُحْمَلَ عَلى مَعْنى الإقْبالِ عَلى أُمُورِ الثَّقَلَيْنِ في الآخِرَةِ، لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١]، وهَذا لِكُفّارِ الثَّقَلَيْنِ وهُمُ الأكْثَرُ في حِينِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
والثَّقَلانِ: تَثْنِيَةُ ثَقَلٍ، وهَذا المُثَنّى اسْمٌ مُفْرَدٌ لِمَجْمُوعِ الإنْسِ والجِنِّ.
وأحْسَبُ أنَّ الثَّقَلَ هو الإنْسانُ لِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الأرْضِ، فَهو كالثِّقَلِ عَلى الدّابَّةِ، وأنَّ إطْلاقَ هَذا المُثَنّى عَلى الإنْسِ والجِنِّ مِن بابِ التَّغْلِيبِ، وقِيلَ غَيْرَ هَذا مِمّا لا يَرْتَضِيهِ المُتَأمِّلُ. وقَدْ عُدَّ هَذا اللَّفْظُ بِهَذا المَعْنى مِمّا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فَلا يُطْلَقُ عَلى نَوْعِ الإنْسانِ بِانْفِرادِهِ اسْمُ الثَّقَلِ ولِذَلِكَ فَهو مُثَنّى اللَّفْظِ مُفْرَدُ الإطْلاقِ. وأظُنُّ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لَمْ يُطْلَقْ عَلى مَجْمُوعِ النَّوْعَيْنِ قَبْلَ القُرْآنِ فَهو مِن أعْلامِ الأجْناسِ بِالغَلَبَةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ أهْلُ الإسْلامِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
ومِيَّةُ أحْسَنُ الثَّقَلَيْنِ وجْهًا ∗∗∗ وسالِفَةً وأحْسَنُهُ قَذالًا
أرادَ وأحْسَنُ الثَّقَلَيْنِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ لَهُ مُفْرَدًا. وقَدْ أخْطَأ في اسْتِعْمالِهِ إذْ لا عَلاقَةَ لِلْجِنِّ في شَيْءٍ مِن غَرَضِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَنَفْرُغُ بِالنُّونِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الاِلْتِفاتِ.
صفحة ٢٥٨
وكُتِبَ أيُّها في المُصْحَفِ بِهاءٍ لَيْسَ بَعْدَها ألْفٌ وهو رَسْمٌ مُراعى فِيهِ حالَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ في الوَصْلِ إذْ لا يُوقَفُ عَلى مِثْلِهِ، فَقَرَأها الجُمْهُورُ بِفَتْحَةٍ عَلى الهاءِ دُونَ ألِفٍ في حالَتَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأها أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِألِفٍ بَعْدَ الهاءِ في الوَقْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الهاءِ تَبَعًا لِضَمِّ الياءِ الَّتِي قَبْلَها وهَذا مِنَ الإتِّباعِ.
الرحمن 55:32
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِهِ ولَيْسَ هو خِطابًا لِلثَّقَلَيْنِ ولا تَذْيِيلًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبِلَهُ إذْ لَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَلى الثَّقَلَيْنِ بَلْ هي تَهْدِيدٌ لَهُما.
الرحمن 55:33
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ .
هَذا مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ السّابِقِ واللّاحِقِ، ولَيْسَ خِطابًا لِلْإنْسِ والجِنَّ في الحَياةِ الدُّنْيا. والتَّقْدِيرُ: فَنَقُولُ لَكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨] الآيَةِ، أيْ فَنَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمَعْشَرُ: اسْمٌ لِلْجَمْعِ الكَثِيرِ الَّذِي يُعَدُّ عَشَرَةً عَشَرَةً دُونَ آحادٍ.
وهَذا إعْلانٌ لَهم بِأنَّهم في قَبْضَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَجِدُونَ مَنجى مِنها، وهو تَرْوِيعٌ لِلضّالِّينَ والمُضِلِّينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ بِما يَتَرَقَّبُهم مِنَ الجَزاءِ السَّئِّ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقالُ لِجَمْعٍ مُخْتَلِطٍ إلّا والمَقْصُودُ أهْلُ الجِنايَةِ مِنهم فَقَوْلُهُ ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ عامٌ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] إلَخْ.
والنُّفُوذُ والنَّفاذُ: جَوازُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وخُرُوجُهُ مِنهُ. والشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، وكَذَلِكَ الأمْرُ الَّذِي هو جَوابُ هَذا الشَّرْطِ مِن قَوْلِهِ فانْفُذُوا، أيْ وأنْتُمْ لا تَسْتَطِيعُونَ الهُرُوبَ.
صفحة ٢٥٩
والمَعْنى: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى الاِنْفِلاتِ مِن هَذا المَوْقِفِ فافْلِتُوا. وهَذا مُؤْذِنٌ بِالتَّعْرِيضِ بِالتَّخْوِيفِ مِمّا سَيَظْهَرُ في ذَلِكَ المَوْقِفِ مِنَ العِقابِ لِأهْلِ التَّضْلِيلِ.
والأقْطارُ: جَمْعُ قُطْرٍ بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ وهو النّاحِيَةُ الواسِعَةُ مِنَ المَكانِ الأوْسَعِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ [الأحزاب: ١٤] في سُورَةِ الأحْزابِ.
وذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِتَحْقِيقِ إحاطَةِ الجِهاتِ كُلِّها تَحْقِيقًا لِلتَّعْجِيزِ، أيْ: فَهَذِهِ السَّماواتُ والأرْضُ أمامَكم فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ فاخْرُجُوا مِن جِهَةٍ مِنها فِرارًا مِن مَوْقِفِكم هَذا، وذَلِكَ أنَّ تَعَدُّدَ الأمْكِنَةِ يُسَهِّلُ الهُرُوبَ مِن إحْدى جِهاتِها.
والأرْضُ المَذْكُورَةُ هُنا إمّا أنْ تَكُونَ الأرْضَ المَذْكُورَةَ في الدُّنْيا وذَلِكَ حِينَ البَعْثِ، وإمّا أنْ تَكُونَ أرْضَ الحَشْرِ وهي الَّتِي سَمّاها القُرْآنُ السّاهِرَةَ في سُورَةِ النّازِعاتِ، وقالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ المُسْتَعْمَلِ لِلْمُبالَغَةِ في إحاطَةِ الجِهاتِ كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أيُّ أرْضٍ تُقِلُّنِي، وأيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي.
وهَذِهِ المَعانِي لا تَتَنافى، وهي مِن حَدِّ إعْجازِ القُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ بَيانٌ لِلتَّعْجِيزِ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ فَإنَّ السُّلْطانَ: القُدْرَةُ، أيْ لا تَنْفُذُونَ مِن هَذا المَأْزِقِ إلّا بِقُدْرَةٍ عَظِيمَةٍ تَفُوقُ قُدْرَةَ اللَّهِ الَّذِي حَشَرَكم لِهَذا المَوْقِفِ، وأنّى لَكم هاتِهِ القُوَّةُ.
وهَذا عَلى طَرِيقِ قَوْلِهِ ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١]، أيْ ما صَعِدُوا إلى السَّماءِ فَيَتَنَزَّلُوا بِهِ.
الرحمن 55:34
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
الرحمن 55:35
صفحة ٢٦٠
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٍ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَنْ جُمْلَةِ ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] إلَخْ لِأنَّ ذَلِكَ الإشْعارَ بِالتَّهْدِيدِ يُثِيرُ في نُفُوسِهِمْ تَساؤُلًا عَمّا وراءَهُ.
وضَمِيرُ عَلَيْكُما راجِعٌ إلى الجِنِّ والإنْسِ فَهو عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصَ بِالقَرِينَةِ، وهي قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] الآياتِ. وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهم مُعاقَبُونَ بَعْدَ أنْ عَرَّضَ لَهم بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِقَوْلِهِ ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] .
ومَعْنى ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما﴾ أنَّ ذَلِكَ يَعْتَرِضُهم قَبْلَ أنْ يَلِجُوا في جَهَنَّمَ، أيْ تُقْذَفُونَ بِشُواظٍ مِن نارٍ تَعْجِيلًا لِلسُّوءِ. والمُضارِعُ لِلْحالِ، أيْ ويُرْسَلُ عَلَيْكُما الآنَ شُواظٌ.
والشُّواظُ بِضَمِّ الشِّينِ وكَسْرِها: اللَّهَبُ الَّذِي لا يُخالِطُهُ دُخانٌ لِأنَّهُ قَدْ كَمُلَ اشْتِعالُهُ وذَلِكَ أشَدُّ إحْراقًا. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الشِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها.
والنُّحاسُ: يُطْلَقُ عَلى الدُّخانِ الَّذِي لا لَهَبَ مَعَهُ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وتَبِعَهُما الخَلِيلُ.
والمَعْنى عَلَيْهِ: أنَّ الدُّخّانَ الَّذِي لَمْ تَلْحَقْهم مَضَرَّتُهُ والاِخْتِناقُ بِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ لَهَبِ الشُّواظِ يُضافُ إلى ذَلِكَ الشُّواظِ عَلى حِيالِهِ فَلا يَفْلِتُونَ مِنَ الأمْرَيْنِ.
ويُطْلَقُ النُّحاسُ عَلى الصُّفْرِ وهو القِطْرُ. وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. فالمَعْنى: أنَّهُ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الصُّفْرُ المُذابُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ونُحاسٌ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى شُواظٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى نارٍ فَيَكُونُ الشُّواظُ مِنهُ أيْضًا، أيْ: شُواظُ لَهَبٍ مِن نارٍ، ولَهَبٍ مِن نُحاسٍ مُلْتَهِبٍ. وهَذِهِ نارٌ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
صفحة ٢٦١
ومَعْنى ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾: فَلا تَجِدانِ مَخْلِصًا مِن ذَلِكَ ولا تَجِدانِ ناصِرًا.
والنّاصِرُ: هَنا مُرادٌ مِنهُ حَقِيقَتُهُ ومَجازُهُ، أيْ لا تَجِدانِ مَن يَدْفَعُ عَنْكُما ذَلِكَ ولا مَلْجَأ تَتَّقِيانِ بِهِ.
الرحمن 55:36
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ كالقَوْلِ في الَّذِي وقَعَ قَبْلَهُ قَرِيبًا.
الرحمن 55:37
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى إخْبارِ فَرْعٍ عَلى بَعْضِ الخَبَرِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] إلى آخِرِهِ، تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ الإجْمالِ بِتَعْيِينِ وقَتِهِ وشَيْءٍ مِن أهْوالِ ما يَقَعُ فِيهِ لِلْمُجْرِمِينَ وبَشائِرِ ما يُعْطاهُ المُتَّقُونَ مِنَ النَّعِيمِ والحُبُورِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ كانَتْ كَوَرْدَةٍ.
والوَرْدَةُ: واحِدَةُ الوَرْدِ، وهو زَهْرٌ أحْمَرُ مِن شَجَرَةٍ دَقِيقَةٍ ذاتِ أغْصانٍ شائِكَةٍ تَظْهَرُ في فَصْلِ الرَّبِيعِ وهو مَشْهُورٌ. ووَجْهُ الشَّبَهِ قِيلَ هو شِدَّةُ الحُمْرَةِ، أيْ يَتَغَيَّرُ لَوْنُ السَّماءِ المَعْرُوفُ أنَّهُ أزْرَقُ إلى البَياضِ، فَيَصِيرُ لَوْنُها أحْمَرَ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] . ويَجُوزُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةَ الشُّقُوقِ كَأوْراقِ الوَرْدَةِ.
والدِّهانُ، بِكَسْرِ الدّالِ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. وهَذا تَشْبِيهٌ ثانٍ لِلسَّماءِ في التَّمَوُّجِ والاِضْطِرابِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ الجَوابِ وقَدْ مَثَّلَ بِها في مُغْنِي اللَّبِيبِ لِلْاِعْتِراضِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، وعَيَّنَ كَوْنَها مُعْتَرِضَةً لا
صفحة ٢٦٢
حالِيَّةً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةُ تَكْرِيرٍ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ كَما هو مُبَيَّنٌ، وانْشِقاقُ السَّماءِ مِن أحْوالِ الحَشْرِ، أيْ فَإذا قامَتِ القِيامَةُ وانْشَقَّتِ السَّماءُ. كَما قالَ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] . وهَذا هو الاِنْشِقاقُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ إلَخْ جَوابُ شَرْطِ إذا. واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّها صَدَرَتْ بِاسْمِ زَمانٍ وهو يَوْمَئِذٌ وذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِدُخُولِ إذا عَلَيْهِ.
ومَعْنى ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾: نَفْيُ السُّؤالِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ السّائِلُ مَعْرِفَةَ حُصُولِ الأمْرِ المُتَرَدِّدِ فِيهِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .
ولَيْسَ هو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] وقَوْلِهِ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، فَإنَّ ذَلِكَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ فَإنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَّسَعُ الزَّمانِ، فَفِيهِ مُواطِنٌ لا يُسْألُ أهْلُ الذُّنُوبِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وفِيهِ مُواطِنٌ يُسْألُونَ فِيها سُؤالا تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.
الرحمن 55:38
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى إخْبارِ فَرْعٍ عَلى بَعْضِ الخَبَرِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] إلى آخِرِهِ، تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ الإجْمالِ بِتَعْيِينِ وقَتِهِ وشَيْءٍ مِن أهْوالِ ما يَقَعُ فِيهِ لِلْمُجْرِمِينَ وبَشائِرِ ما يُعْطاهُ المُتَّقُونَ مِنَ النَّعِيمِ والحُبُورِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ كانَتْ كَوَرْدَةٍ.
والوَرْدَةُ: واحِدَةُ الوَرْدِ، وهو زَهْرٌ أحْمَرُ مِن شَجَرَةٍ دَقِيقَةٍ ذاتِ أغْصانٍ شائِكَةٍ تَظْهَرُ في فَصْلِ الرَّبِيعِ وهو مَشْهُورٌ. ووَجْهُ الشَّبَهِ قِيلَ هو شِدَّةُ الحُمْرَةِ، أيْ يَتَغَيَّرُ لَوْنُ السَّماءِ المَعْرُوفُ أنَّهُ أزْرَقُ إلى البَياضِ، فَيَصِيرُ لَوْنُها أحْمَرَ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] . ويَجُوزُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةَ الشُّقُوقِ كَأوْراقِ الوَرْدَةِ.
والدِّهانُ، بِكَسْرِ الدّالِ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. وهَذا تَشْبِيهٌ ثانٍ لِلسَّماءِ في التَّمَوُّجِ والاِضْطِرابِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ الجَوابِ وقَدْ مَثَّلَ بِها في مُغْنِي اللَّبِيبِ لِلْاِعْتِراضِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، وعَيَّنَ كَوْنَها مُعْتَرِضَةً لا
صفحة ٢٦٢
حالِيَّةً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةُ تَكْرِيرٍ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ كَما هو مُبَيَّنٌ، وانْشِقاقُ السَّماءِ مِن أحْوالِ الحَشْرِ، أيْ فَإذا قامَتِ القِيامَةُ وانْشَقَّتِ السَّماءُ. كَما قالَ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] . وهَذا هو الاِنْشِقاقُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ إلَخْ جَوابُ شَرْطِ إذا. واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّها صَدَرَتْ بِاسْمِ زَمانٍ وهو يَوْمَئِذٌ وذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِدُخُولِ إذا عَلَيْهِ.
ومَعْنى ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾: نَفْيُ السُّؤالِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ السّائِلُ مَعْرِفَةَ حُصُولِ الأمْرِ المُتَرَدِّدِ فِيهِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .
ولَيْسَ هو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] وقَوْلِهِ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، فَإنَّ ذَلِكَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ فَإنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَّسَعُ الزَّمانِ، فَفِيهِ مُواطِنٌ لا يُسْألُ أهْلُ الذُّنُوبِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وفِيهِ مُواطِنٌ يُسْألُونَ فِيها سُؤالا تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.
الرحمن 55:39
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى إخْبارِ فَرْعٍ عَلى بَعْضِ الخَبَرِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] إلى آخِرِهِ، تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ الإجْمالِ بِتَعْيِينِ وقَتِهِ وشَيْءٍ مِن أهْوالِ ما يَقَعُ فِيهِ لِلْمُجْرِمِينَ وبَشائِرِ ما يُعْطاهُ المُتَّقُونَ مِنَ النَّعِيمِ والحُبُورِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ كانَتْ كَوَرْدَةٍ.
والوَرْدَةُ: واحِدَةُ الوَرْدِ، وهو زَهْرٌ أحْمَرُ مِن شَجَرَةٍ دَقِيقَةٍ ذاتِ أغْصانٍ شائِكَةٍ تَظْهَرُ في فَصْلِ الرَّبِيعِ وهو مَشْهُورٌ. ووَجْهُ الشَّبَهِ قِيلَ هو شِدَّةُ الحُمْرَةِ، أيْ يَتَغَيَّرُ لَوْنُ السَّماءِ المَعْرُوفُ أنَّهُ أزْرَقُ إلى البَياضِ، فَيَصِيرُ لَوْنُها أحْمَرَ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] . ويَجُوزُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةَ الشُّقُوقِ كَأوْراقِ الوَرْدَةِ.
والدِّهانُ، بِكَسْرِ الدّالِ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. وهَذا تَشْبِيهٌ ثانٍ لِلسَّماءِ في التَّمَوُّجِ والاِضْطِرابِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ الجَوابِ وقَدْ مَثَّلَ بِها في مُغْنِي اللَّبِيبِ لِلْاِعْتِراضِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، وعَيَّنَ كَوْنَها مُعْتَرِضَةً لا
صفحة ٢٦٢
حالِيَّةً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةُ تَكْرِيرٍ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ كَما هو مُبَيَّنٌ، وانْشِقاقُ السَّماءِ مِن أحْوالِ الحَشْرِ، أيْ فَإذا قامَتِ القِيامَةُ وانْشَقَّتِ السَّماءُ. كَما قالَ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] . وهَذا هو الاِنْشِقاقُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ إلَخْ جَوابُ شَرْطِ إذا. واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّها صَدَرَتْ بِاسْمِ زَمانٍ وهو يَوْمَئِذٌ وذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِدُخُولِ إذا عَلَيْهِ.
ومَعْنى ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾: نَفْيُ السُّؤالِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ السّائِلُ مَعْرِفَةَ حُصُولِ الأمْرِ المُتَرَدِّدِ فِيهِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .
ولَيْسَ هو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] وقَوْلِهِ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، فَإنَّ ذَلِكَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ فَإنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَّسَعُ الزَّمانِ، فَفِيهِ مُواطِنٌ لا يُسْألُ أهْلُ الذُّنُوبِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وفِيهِ مُواطِنٌ يُسْألُونَ فِيها سُؤالا تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.
الرحمن 55:40
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى إخْبارِ فَرْعٍ عَلى بَعْضِ الخَبَرِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] إلى آخِرِهِ، تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ الإجْمالِ بِتَعْيِينِ وقَتِهِ وشَيْءٍ مِن أهْوالِ ما يَقَعُ فِيهِ لِلْمُجْرِمِينَ وبَشائِرِ ما يُعْطاهُ المُتَّقُونَ مِنَ النَّعِيمِ والحُبُورِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ كانَتْ كَوَرْدَةٍ.
والوَرْدَةُ: واحِدَةُ الوَرْدِ، وهو زَهْرٌ أحْمَرُ مِن شَجَرَةٍ دَقِيقَةٍ ذاتِ أغْصانٍ شائِكَةٍ تَظْهَرُ في فَصْلِ الرَّبِيعِ وهو مَشْهُورٌ. ووَجْهُ الشَّبَهِ قِيلَ هو شِدَّةُ الحُمْرَةِ، أيْ يَتَغَيَّرُ لَوْنُ السَّماءِ المَعْرُوفُ أنَّهُ أزْرَقُ إلى البَياضِ، فَيَصِيرُ لَوْنُها أحْمَرَ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] . ويَجُوزُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةَ الشُّقُوقِ كَأوْراقِ الوَرْدَةِ.
والدِّهانُ، بِكَسْرِ الدّالِ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. وهَذا تَشْبِيهٌ ثانٍ لِلسَّماءِ في التَّمَوُّجِ والاِضْطِرابِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ الجَوابِ وقَدْ مَثَّلَ بِها في مُغْنِي اللَّبِيبِ لِلْاِعْتِراضِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، وعَيَّنَ كَوْنَها مُعْتَرِضَةً لا
صفحة ٢٦٢
حالِيَّةً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةُ تَكْرِيرٍ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ كَما هو مُبَيَّنٌ، وانْشِقاقُ السَّماءِ مِن أحْوالِ الحَشْرِ، أيْ فَإذا قامَتِ القِيامَةُ وانْشَقَّتِ السَّماءُ. كَما قالَ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] . وهَذا هو الاِنْشِقاقُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ إلَخْ جَوابُ شَرْطِ إذا. واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّها صَدَرَتْ بِاسْمِ زَمانٍ وهو يَوْمَئِذٌ وذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِدُخُولِ إذا عَلَيْهِ.
ومَعْنى ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾: نَفْيُ السُّؤالِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ السّائِلُ مَعْرِفَةَ حُصُولِ الأمْرِ المُتَرَدِّدِ فِيهِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .
ولَيْسَ هو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] وقَوْلِهِ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، فَإنَّ ذَلِكَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ فَإنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَّسَعُ الزَّمانِ، فَفِيهِ مُواطِنٌ لا يُسْألُ أهْلُ الذُّنُوبِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وفِيهِ مُواطِنٌ يُسْألُونَ فِيها سُؤالا تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.
الرحمن 55:41
﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ .
هَذا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، أيْ يُسْتَغْنى عَنْ سُؤالِهِمْ بِظُهُورِ عَلاماتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ ويَعْرِفُونَهم بِسِيماهم فَيُؤْخَذُونَ أخْذَ عِقابٍ ويُساقُونَ إلى الجَزاءِ.
والسِّيما: العَلامَةُ. وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وال في ﴿بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
صفحة ٢٦٣
والنَّواصِي: جَمْعُ ناصِيَةٍ وهي الشَّعْرُ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] في سُورَةِ هُودٍ.
والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ أخْذٌ مُمْكِنٌ لا يُفْلِتُ مِنهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] .
والأقْدامُ: جَمْعُ قَدَمٍ، وهو ظاهِرُ السّاقِ مِن حَيْثُ تُمْسِكُ اليَدُ رِجْلَ الهارِبِ فَلا يَسْتَطِيعُ انْفِلاتًا وفِيهِ أيْضًا يُوضَعُ القَيْدُ، قالَ النّابِغَةُ:
أوْ حُرَّةٌ كَمَهاةِ الرَّمْلِ قَدْ كُبِلَتْ فَوْقَ المَعاصِمِ مِنها والعَراقِيبِ
الرحمن 55:42
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها الَّذِي قَبِلَها.
الرحمن 55:43
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ .
هَذا مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ المَلَأِ.
ووَصُفُ جَهَنَّمَ بِ ﴿الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ تَسْفِيهٌ لِلْمُجْرِمِينَ وفَضْحٌ لَهم. وجُمْلَةُ يَطُوفُونَ حالٌ مِنَ (المُجْرِمُونَ)، أيْ قَدْ تَبَيَّنَ سَفَهُ تَكْذِيبِهِمْ بِجَهَنَّمَ اتِّضاحًا بَيِّنًا بِظُهُورِها لِلنّاسِ وبِأنَّهم يَتَرَدَّدُونَ خِلالَها كَما تَرَدَّدُوا في إثْباتِها حِينَ أُنْذِرُوا بِها في الدُّنْيا.
والطَّوافُ: تَرْدادُ المَشْيِ والإكْثارُ مِنهُ، يُقالُ طافَ بِهِ، وطافَ عَلَيْهِ، ومِنهُ الطَّوافُ بِالكَعْبَةِ، والطَّوافُ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، قالَ تَعالى ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والحَمِيمُ: الماءُ المُغَلّى الشَّدِيدُ الحَرارَةِ.
صفحة ٢٦٤
والمَعْنى: يَمْشُونَ بَيْنَ مَكانِ النّارِ وبَيْنَ الحَمِيمِ فَإذا أصابَهم حَرُّ النّارِ طَلَبُوا التَّبَرُّدَ فَلاحَ لَهُمُ الماءَ فَذَهَبُوا إلَيْهِ فَأصابَهم حَرُّهُ فانْصَرَفُوا إلى النّارِ دَوالَيْكَ وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] .
وآنٍ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أنى، إذا اشْتَدَّتْ حَرارَتُهُ.
الرحمن 55:44
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ .
هَذا مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُءُوسِ المَلَأِ.
ووَصُفُ جَهَنَّمَ بِ ﴿الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ تَسْفِيهٌ لِلْمُجْرِمِينَ وفَضْحٌ لَهم. وجُمْلَةُ يَطُوفُونَ حالٌ مِنَ (المُجْرِمُونَ)، أيْ قَدْ تَبَيَّنَ سَفَهُ تَكْذِيبِهِمْ بِجَهَنَّمَ اتِّضاحًا بَيِّنًا بِظُهُورِها لِلنّاسِ وبِأنَّهم يَتَرَدَّدُونَ خِلالَها كَما تَرَدَّدُوا في إثْباتِها حِينَ أُنْذِرُوا بِها في الدُّنْيا.
والطَّوافُ: تَرْدادُ المَشْيِ والإكْثارُ مِنهُ، يُقالُ طافَ بِهِ، وطافَ عَلَيْهِ، ومِنهُ الطَّوافُ بِالكَعْبَةِ، والطَّوافُ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، قالَ تَعالى ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والحَمِيمُ: الماءُ المُغَلّى الشَّدِيدُ الحَرارَةِ.
صفحة ٢٦٤
والمَعْنى: يَمْشُونَ بَيْنَ مَكانِ النّارِ وبَيْنَ الحَمِيمِ فَإذا أصابَهم حَرُّ النّارِ طَلَبُوا التَّبَرُّدَ فَلاحَ لَهُمُ الماءَ فَذَهَبُوا إلَيْهِ فَأصابَهم حَرُّهُ فانْصَرَفُوا إلى النّارِ دَوالَيْكَ وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] .
وآنٍ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أنى، إذا اشْتَدَّتْ حَرارَتُهُ.
الرحمن 55:45
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
مِثْلُ مَوْقِعِ الَّذِي قَبْلَهُ في التَّكْرِيرِ.
الرحمن 55:46
﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
انْتِقالٌ مِن وصْفِ جَزاءِ المُجْرِمِينَ إلى ثَوابِ المُتَّقِينَ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إلى آخِرِها، وهو أظْهَرُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِها ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] يُفِيدُ مَعْنى أنَّهم فِيها.
واللّامُ في لِمَن خافَ لامُ المِلْكِ، أيْ يُعْطى مَن خافَ رَبَّهُ ويُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جِنْسَ الخائِفِينَ لا خائِفَ مُعَيَّنٌ فَهو مِن صِيَغِ العُمُومِ البَدَلِيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ولِلْخائِفِ مَقامُ رَبِّهِ. وعَلَيْهِ فَيَجِيءُ النَّظَرُ في تَأْوِيلِ تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِنْسَيْنِ مِنَ الجَنّاتِ.
وقَدْ ذُكِرَتِ الجَنّاتُ في القُرْآنِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ غَيْرُ مَرَّةٍ وسَيَجِيءُ بَعْدَ هَذا قَوْلُهُ ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ جِنْسانِ مِنَ الجَنّاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةً كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وفي القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]
صفحة ٢٦٥
ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ودَوالَيْكَ، كَقَوْلِ القَوّالِ الطّائِيِّ مِن شِعْرِ الحَماسَةِ:
فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَرائِضُ
أيْ فَقُولُوا: يا قَوْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وإيثارُ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُنا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَقَدْ بُنِيَتْ قَرائِنُ السُّورَةِ عَلَيْها والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الفَرّاءِ، وعَلى هَذا فَجَمِيعُ ما أُجْرِيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في شَأْنِ الجَنَّتَيْنِ فَمُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
وقِيلَ: أُرِيدُ جَنَّتانِ لِكُلِّ مُتَّقٍ تَحُفّانِ بِقَصْرِهِ في الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ جَنّاتِ الدُّنْيا ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] فَهُما جَنَّتانِ بِاعْتِبارِ يُمْنَةِ القَصْرِ ويُسْرَتِهِ والقَصْرُ فاصِلٌ بَيْنَهُما.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ ومَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْقِيامِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الحالَةِ والتَّلَبُّسِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَجِيرُهُ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ، فَإضافَةُ مَقامٍ إلى رَبِّهِ هُنا إنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلْخائِفِ فَهو بِمَعْنى الحالِ، وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ مَقامِهِ مِن رَبِّهِ، أيْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وإنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلَّهِ تَعالى فَهو بِمَعْنى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ. وإضافَتُهُ كالإضافَةِ إلى الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] في سُورَةِ إبْراهِيمَ وقَوْلُهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] في سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ وهي تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها.
وذَواتا: تَثْنِيَةُ ذاتٍ، والواوُ أصْلِيَّةٌ لِأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذُوَةٌ، والألِفُ الَّتِي بَعْدَ
صفحة ٢٦٦
الواوِ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ لازِمٌ لِلْكَلِمَةِ. وقِيلَ: الألْفُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذَواتٌ فَخُفِّفَتْ في الإفْرادِ ورَدَّتْها التَّثْنِيَةُ إلى أصْلِها وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا الألِفُ الَّتِي بَعْدَ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ فَهي عَلامَةُ رَفْعٍ نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ.
والأفْنانُ: جَمْعُ فَنَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الغُصْنُ. والمَقْصُودُ هُنا: أفْنانٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ الإيراقِ والإثْمارِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأفْنانَ لا تَخْلُو عَنْها الجَنّاتُ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الأفْنانِ لَوْلا قَصْدُ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَثْنِيَةُ عَيْنانِ جارٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ، وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ ضَمِيرِي فِيهِما، وضَمِيرُ تَجْرِيانِ تَبَعٌ لِتَثْنِيَةِ مَعادِهِما في اللَّفْظِ.
فَإنْ كانَ الجَنَّتانِ اثْنَتَيْنِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ فَلِكُلِّ جَنَّةٍ مِنهُما عَيْنٌ فَهُما عَيْنانِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وإنْ كانَتِ الجَنَّتانِ جِنْسَيْنِ فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الجَمْعِ، أيْ عُيُونٍ عَلى عَدَدِ الجَنّاتِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِن تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ الكَثْرَةَ كَما تَثْنِيَةُ عَيْنانِ لِلْكَثْرَةِ.
وفَصَلَ بَيْنَ الأفْنانِ وبَيْنَ ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِذِكْرِ العَيْنَيْنِ مَعَ أنَّ الفاكِهَةَ بِالأفْنانِ أنْسَبُ، لِأنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْنانِ، وهي مِن جَمالِ مَنظَرِ الجَنَّةِ أعْقَبَ بِما هو مِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ وهو عُيُونُ الماءِ جَمْعًا لِلنَّظِيرِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما هو مِن جَمالِ المَنظَرِ، أعْنِي: الفَواكِهَ في أفْنانِها ومِن مَلَذّاتِ الذَّوْقِ.
وأمّا تَثْنِيَةُ زَوْجانِ فَإنَّ الزَّوْجَ هُنا النَّوْعُ، وأنْواعُ فَواكِهِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ لِكُلِّ فاكِهَةٍ نَوْعانِ: فَإمّا أنْ نَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنى الجَمْعِ ونَجْعَلَ إيثارَ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ ولِأجْلِ المُزاوَجَةِ مَعَ نَظائِرِها مِن قَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى هُنا.
وإمّا أنْ نَجْعَلَ تَثْنِيَةَ زَوْجانِ لِكَوْنِ الفَواكِهِ بَعْضُها يُؤْكَلُ رَطْبًا وبَعْضُها يُؤْكَلُ يابِسًا مِثْلَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ والعِنَبِ والزَّبِيبِ، وأخُصُّ الجَوْزَ واللَّوْزَ وجافَّهُما.
صفحة ٢٦٧
و (مِن كُلِّ فاكِهَةٍ) بَيانٌ لِ زَوْجانِ مُقَدَّمٌ عَلى المُبَيِّنِ لِرَعْيِ الفاصِلَةِ.
وتَخَلُّلُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ بِآياتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ جارٍ عَلى وجْهِ الاِعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ أُولاها.
الرحمن 55:47
﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
انْتِقالٌ مِن وصْفِ جَزاءِ المُجْرِمِينَ إلى ثَوابِ المُتَّقِينَ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إلى آخِرِها، وهو أظْهَرُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِها ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] يُفِيدُ مَعْنى أنَّهم فِيها.
واللّامُ في لِمَن خافَ لامُ المِلْكِ، أيْ يُعْطى مَن خافَ رَبَّهُ ويُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جِنْسَ الخائِفِينَ لا خائِفَ مُعَيَّنٌ فَهو مِن صِيَغِ العُمُومِ البَدَلِيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ولِلْخائِفِ مَقامُ رَبِّهِ. وعَلَيْهِ فَيَجِيءُ النَّظَرُ في تَأْوِيلِ تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِنْسَيْنِ مِنَ الجَنّاتِ.
وقَدْ ذُكِرَتِ الجَنّاتُ في القُرْآنِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ غَيْرُ مَرَّةٍ وسَيَجِيءُ بَعْدَ هَذا قَوْلُهُ ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ جِنْسانِ مِنَ الجَنّاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةً كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وفي القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]
صفحة ٢٦٥
ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ودَوالَيْكَ، كَقَوْلِ القَوّالِ الطّائِيِّ مِن شِعْرِ الحَماسَةِ:
فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَرائِضُ
أيْ فَقُولُوا: يا قَوْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وإيثارُ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُنا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَقَدْ بُنِيَتْ قَرائِنُ السُّورَةِ عَلَيْها والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الفَرّاءِ، وعَلى هَذا فَجَمِيعُ ما أُجْرِيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في شَأْنِ الجَنَّتَيْنِ فَمُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
وقِيلَ: أُرِيدُ جَنَّتانِ لِكُلِّ مُتَّقٍ تَحُفّانِ بِقَصْرِهِ في الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ جَنّاتِ الدُّنْيا ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] فَهُما جَنَّتانِ بِاعْتِبارِ يُمْنَةِ القَصْرِ ويُسْرَتِهِ والقَصْرُ فاصِلٌ بَيْنَهُما.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ ومَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْقِيامِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الحالَةِ والتَّلَبُّسِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَجِيرُهُ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ، فَإضافَةُ مَقامٍ إلى رَبِّهِ هُنا إنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلْخائِفِ فَهو بِمَعْنى الحالِ، وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ مَقامِهِ مِن رَبِّهِ، أيْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وإنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلَّهِ تَعالى فَهو بِمَعْنى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ. وإضافَتُهُ كالإضافَةِ إلى الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] في سُورَةِ إبْراهِيمَ وقَوْلُهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] في سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ وهي تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها.
وذَواتا: تَثْنِيَةُ ذاتٍ، والواوُ أصْلِيَّةٌ لِأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذُوَةٌ، والألِفُ الَّتِي بَعْدَ
صفحة ٢٦٦
الواوِ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ لازِمٌ لِلْكَلِمَةِ. وقِيلَ: الألْفُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذَواتٌ فَخُفِّفَتْ في الإفْرادِ ورَدَّتْها التَّثْنِيَةُ إلى أصْلِها وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا الألِفُ الَّتِي بَعْدَ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ فَهي عَلامَةُ رَفْعٍ نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ.
والأفْنانُ: جَمْعُ فَنَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الغُصْنُ. والمَقْصُودُ هُنا: أفْنانٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ الإيراقِ والإثْمارِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأفْنانَ لا تَخْلُو عَنْها الجَنّاتُ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الأفْنانِ لَوْلا قَصْدُ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَثْنِيَةُ عَيْنانِ جارٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ، وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ ضَمِيرِي فِيهِما، وضَمِيرُ تَجْرِيانِ تَبَعٌ لِتَثْنِيَةِ مَعادِهِما في اللَّفْظِ.
فَإنْ كانَ الجَنَّتانِ اثْنَتَيْنِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ فَلِكُلِّ جَنَّةٍ مِنهُما عَيْنٌ فَهُما عَيْنانِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وإنْ كانَتِ الجَنَّتانِ جِنْسَيْنِ فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الجَمْعِ، أيْ عُيُونٍ عَلى عَدَدِ الجَنّاتِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِن تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ الكَثْرَةَ كَما تَثْنِيَةُ عَيْنانِ لِلْكَثْرَةِ.
وفَصَلَ بَيْنَ الأفْنانِ وبَيْنَ ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِذِكْرِ العَيْنَيْنِ مَعَ أنَّ الفاكِهَةَ بِالأفْنانِ أنْسَبُ، لِأنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْنانِ، وهي مِن جَمالِ مَنظَرِ الجَنَّةِ أعْقَبَ بِما هو مِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ وهو عُيُونُ الماءِ جَمْعًا لِلنَّظِيرِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما هو مِن جَمالِ المَنظَرِ، أعْنِي: الفَواكِهَ في أفْنانِها ومِن مَلَذّاتِ الذَّوْقِ.
وأمّا تَثْنِيَةُ زَوْجانِ فَإنَّ الزَّوْجَ هُنا النَّوْعُ، وأنْواعُ فَواكِهِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ لِكُلِّ فاكِهَةٍ نَوْعانِ: فَإمّا أنْ نَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنى الجَمْعِ ونَجْعَلَ إيثارَ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ ولِأجْلِ المُزاوَجَةِ مَعَ نَظائِرِها مِن قَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى هُنا.
وإمّا أنْ نَجْعَلَ تَثْنِيَةَ زَوْجانِ لِكَوْنِ الفَواكِهِ بَعْضُها يُؤْكَلُ رَطْبًا وبَعْضُها يُؤْكَلُ يابِسًا مِثْلَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ والعِنَبِ والزَّبِيبِ، وأخُصُّ الجَوْزَ واللَّوْزَ وجافَّهُما.
صفحة ٢٦٧
و (مِن كُلِّ فاكِهَةٍ) بَيانٌ لِ زَوْجانِ مُقَدَّمٌ عَلى المُبَيِّنِ لِرَعْيِ الفاصِلَةِ.
وتَخَلُّلُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ بِآياتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ جارٍ عَلى وجْهِ الاِعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ أُولاها.
الرحمن 55:48
﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
انْتِقالٌ مِن وصْفِ جَزاءِ المُجْرِمِينَ إلى ثَوابِ المُتَّقِينَ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إلى آخِرِها، وهو أظْهَرُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِها ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] يُفِيدُ مَعْنى أنَّهم فِيها.
واللّامُ في لِمَن خافَ لامُ المِلْكِ، أيْ يُعْطى مَن خافَ رَبَّهُ ويُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جِنْسَ الخائِفِينَ لا خائِفَ مُعَيَّنٌ فَهو مِن صِيَغِ العُمُومِ البَدَلِيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ولِلْخائِفِ مَقامُ رَبِّهِ. وعَلَيْهِ فَيَجِيءُ النَّظَرُ في تَأْوِيلِ تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِنْسَيْنِ مِنَ الجَنّاتِ.
وقَدْ ذُكِرَتِ الجَنّاتُ في القُرْآنِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ غَيْرُ مَرَّةٍ وسَيَجِيءُ بَعْدَ هَذا قَوْلُهُ ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ جِنْسانِ مِنَ الجَنّاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةً كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وفي القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]
صفحة ٢٦٥
ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ودَوالَيْكَ، كَقَوْلِ القَوّالِ الطّائِيِّ مِن شِعْرِ الحَماسَةِ:
فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَرائِضُ
أيْ فَقُولُوا: يا قَوْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وإيثارُ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُنا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَقَدْ بُنِيَتْ قَرائِنُ السُّورَةِ عَلَيْها والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الفَرّاءِ، وعَلى هَذا فَجَمِيعُ ما أُجْرِيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في شَأْنِ الجَنَّتَيْنِ فَمُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
وقِيلَ: أُرِيدُ جَنَّتانِ لِكُلِّ مُتَّقٍ تَحُفّانِ بِقَصْرِهِ في الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ جَنّاتِ الدُّنْيا ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] فَهُما جَنَّتانِ بِاعْتِبارِ يُمْنَةِ القَصْرِ ويُسْرَتِهِ والقَصْرُ فاصِلٌ بَيْنَهُما.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ ومَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْقِيامِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الحالَةِ والتَّلَبُّسِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَجِيرُهُ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ، فَإضافَةُ مَقامٍ إلى رَبِّهِ هُنا إنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلْخائِفِ فَهو بِمَعْنى الحالِ، وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ مَقامِهِ مِن رَبِّهِ، أيْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وإنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلَّهِ تَعالى فَهو بِمَعْنى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ. وإضافَتُهُ كالإضافَةِ إلى الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] في سُورَةِ إبْراهِيمَ وقَوْلُهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] في سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ وهي تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها.
وذَواتا: تَثْنِيَةُ ذاتٍ، والواوُ أصْلِيَّةٌ لِأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذُوَةٌ، والألِفُ الَّتِي بَعْدَ
صفحة ٢٦٦
الواوِ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ لازِمٌ لِلْكَلِمَةِ. وقِيلَ: الألْفُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذَواتٌ فَخُفِّفَتْ في الإفْرادِ ورَدَّتْها التَّثْنِيَةُ إلى أصْلِها وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا الألِفُ الَّتِي بَعْدَ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ فَهي عَلامَةُ رَفْعٍ نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ.
والأفْنانُ: جَمْعُ فَنَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الغُصْنُ. والمَقْصُودُ هُنا: أفْنانٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ الإيراقِ والإثْمارِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأفْنانَ لا تَخْلُو عَنْها الجَنّاتُ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الأفْنانِ لَوْلا قَصْدُ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَثْنِيَةُ عَيْنانِ جارٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ، وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ ضَمِيرِي فِيهِما، وضَمِيرُ تَجْرِيانِ تَبَعٌ لِتَثْنِيَةِ مَعادِهِما في اللَّفْظِ.
فَإنْ كانَ الجَنَّتانِ اثْنَتَيْنِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ فَلِكُلِّ جَنَّةٍ مِنهُما عَيْنٌ فَهُما عَيْنانِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وإنْ كانَتِ الجَنَّتانِ جِنْسَيْنِ فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الجَمْعِ، أيْ عُيُونٍ عَلى عَدَدِ الجَنّاتِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِن تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ الكَثْرَةَ كَما تَثْنِيَةُ عَيْنانِ لِلْكَثْرَةِ.
وفَصَلَ بَيْنَ الأفْنانِ وبَيْنَ ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِذِكْرِ العَيْنَيْنِ مَعَ أنَّ الفاكِهَةَ بِالأفْنانِ أنْسَبُ، لِأنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْنانِ، وهي مِن جَمالِ مَنظَرِ الجَنَّةِ أعْقَبَ بِما هو مِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ وهو عُيُونُ الماءِ جَمْعًا لِلنَّظِيرِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما هو مِن جَمالِ المَنظَرِ، أعْنِي: الفَواكِهَ في أفْنانِها ومِن مَلَذّاتِ الذَّوْقِ.
وأمّا تَثْنِيَةُ زَوْجانِ فَإنَّ الزَّوْجَ هُنا النَّوْعُ، وأنْواعُ فَواكِهِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ لِكُلِّ فاكِهَةٍ نَوْعانِ: فَإمّا أنْ نَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنى الجَمْعِ ونَجْعَلَ إيثارَ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ ولِأجْلِ المُزاوَجَةِ مَعَ نَظائِرِها مِن قَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى هُنا.
وإمّا أنْ نَجْعَلَ تَثْنِيَةَ زَوْجانِ لِكَوْنِ الفَواكِهِ بَعْضُها يُؤْكَلُ رَطْبًا وبَعْضُها يُؤْكَلُ يابِسًا مِثْلَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ والعِنَبِ والزَّبِيبِ، وأخُصُّ الجَوْزَ واللَّوْزَ وجافَّهُما.
صفحة ٢٦٧
و (مِن كُلِّ فاكِهَةٍ) بَيانٌ لِ زَوْجانِ مُقَدَّمٌ عَلى المُبَيِّنِ لِرَعْيِ الفاصِلَةِ.
وتَخَلُّلُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ بِآياتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ جارٍ عَلى وجْهِ الاِعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ أُولاها.
الرحمن 55:49
﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
انْتِقالٌ مِن وصْفِ جَزاءِ المُجْرِمِينَ إلى ثَوابِ المُتَّقِينَ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إلى آخِرِها، وهو أظْهَرُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِها ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] يُفِيدُ مَعْنى أنَّهم فِيها.
واللّامُ في لِمَن خافَ لامُ المِلْكِ، أيْ يُعْطى مَن خافَ رَبَّهُ ويُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جِنْسَ الخائِفِينَ لا خائِفَ مُعَيَّنٌ فَهو مِن صِيَغِ العُمُومِ البَدَلِيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ولِلْخائِفِ مَقامُ رَبِّهِ. وعَلَيْهِ فَيَجِيءُ النَّظَرُ في تَأْوِيلِ تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِنْسَيْنِ مِنَ الجَنّاتِ.
وقَدْ ذُكِرَتِ الجَنّاتُ في القُرْآنِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ غَيْرُ مَرَّةٍ وسَيَجِيءُ بَعْدَ هَذا قَوْلُهُ ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ جِنْسانِ مِنَ الجَنّاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةً كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وفي القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]
صفحة ٢٦٥
ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ودَوالَيْكَ، كَقَوْلِ القَوّالِ الطّائِيِّ مِن شِعْرِ الحَماسَةِ:
فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَرائِضُ
أيْ فَقُولُوا: يا قَوْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وإيثارُ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُنا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَقَدْ بُنِيَتْ قَرائِنُ السُّورَةِ عَلَيْها والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الفَرّاءِ، وعَلى هَذا فَجَمِيعُ ما أُجْرِيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في شَأْنِ الجَنَّتَيْنِ فَمُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
وقِيلَ: أُرِيدُ جَنَّتانِ لِكُلِّ مُتَّقٍ تَحُفّانِ بِقَصْرِهِ في الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ جَنّاتِ الدُّنْيا ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] فَهُما جَنَّتانِ بِاعْتِبارِ يُمْنَةِ القَصْرِ ويُسْرَتِهِ والقَصْرُ فاصِلٌ بَيْنَهُما.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ ومَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْقِيامِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الحالَةِ والتَّلَبُّسِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَجِيرُهُ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ، فَإضافَةُ مَقامٍ إلى رَبِّهِ هُنا إنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلْخائِفِ فَهو بِمَعْنى الحالِ، وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ مَقامِهِ مِن رَبِّهِ، أيْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وإنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلَّهِ تَعالى فَهو بِمَعْنى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ. وإضافَتُهُ كالإضافَةِ إلى الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] في سُورَةِ إبْراهِيمَ وقَوْلُهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] في سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ وهي تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها.
وذَواتا: تَثْنِيَةُ ذاتٍ، والواوُ أصْلِيَّةٌ لِأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذُوَةٌ، والألِفُ الَّتِي بَعْدَ
صفحة ٢٦٦
الواوِ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ لازِمٌ لِلْكَلِمَةِ. وقِيلَ: الألْفُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذَواتٌ فَخُفِّفَتْ في الإفْرادِ ورَدَّتْها التَّثْنِيَةُ إلى أصْلِها وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا الألِفُ الَّتِي بَعْدَ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ فَهي عَلامَةُ رَفْعٍ نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ.
والأفْنانُ: جَمْعُ فَنَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الغُصْنُ. والمَقْصُودُ هُنا: أفْنانٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ الإيراقِ والإثْمارِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأفْنانَ لا تَخْلُو عَنْها الجَنّاتُ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الأفْنانِ لَوْلا قَصْدُ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَثْنِيَةُ عَيْنانِ جارٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ، وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ ضَمِيرِي فِيهِما، وضَمِيرُ تَجْرِيانِ تَبَعٌ لِتَثْنِيَةِ مَعادِهِما في اللَّفْظِ.
فَإنْ كانَ الجَنَّتانِ اثْنَتَيْنِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ فَلِكُلِّ جَنَّةٍ مِنهُما عَيْنٌ فَهُما عَيْنانِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وإنْ كانَتِ الجَنَّتانِ جِنْسَيْنِ فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الجَمْعِ، أيْ عُيُونٍ عَلى عَدَدِ الجَنّاتِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِن تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ الكَثْرَةَ كَما تَثْنِيَةُ عَيْنانِ لِلْكَثْرَةِ.
وفَصَلَ بَيْنَ الأفْنانِ وبَيْنَ ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِذِكْرِ العَيْنَيْنِ مَعَ أنَّ الفاكِهَةَ بِالأفْنانِ أنْسَبُ، لِأنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْنانِ، وهي مِن جَمالِ مَنظَرِ الجَنَّةِ أعْقَبَ بِما هو مِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ وهو عُيُونُ الماءِ جَمْعًا لِلنَّظِيرِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما هو مِن جَمالِ المَنظَرِ، أعْنِي: الفَواكِهَ في أفْنانِها ومِن مَلَذّاتِ الذَّوْقِ.
وأمّا تَثْنِيَةُ زَوْجانِ فَإنَّ الزَّوْجَ هُنا النَّوْعُ، وأنْواعُ فَواكِهِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ لِكُلِّ فاكِهَةٍ نَوْعانِ: فَإمّا أنْ نَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنى الجَمْعِ ونَجْعَلَ إيثارَ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ ولِأجْلِ المُزاوَجَةِ مَعَ نَظائِرِها مِن قَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى هُنا.
وإمّا أنْ نَجْعَلَ تَثْنِيَةَ زَوْجانِ لِكَوْنِ الفَواكِهِ بَعْضُها يُؤْكَلُ رَطْبًا وبَعْضُها يُؤْكَلُ يابِسًا مِثْلَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ والعِنَبِ والزَّبِيبِ، وأخُصُّ الجَوْزَ واللَّوْزَ وجافَّهُما.
صفحة ٢٦٧
و (مِن كُلِّ فاكِهَةٍ) بَيانٌ لِ زَوْجانِ مُقَدَّمٌ عَلى المُبَيِّنِ لِرَعْيِ الفاصِلَةِ.
وتَخَلُّلُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ بِآياتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ جارٍ عَلى وجْهِ الاِعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ أُولاها.
الرحمن 55:50
﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
انْتِقالٌ مِن وصْفِ جَزاءِ المُجْرِمِينَ إلى ثَوابِ المُتَّقِينَ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إلى آخِرِها، وهو أظْهَرُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِها ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] يُفِيدُ مَعْنى أنَّهم فِيها.
واللّامُ في لِمَن خافَ لامُ المِلْكِ، أيْ يُعْطى مَن خافَ رَبَّهُ ويُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جِنْسَ الخائِفِينَ لا خائِفَ مُعَيَّنٌ فَهو مِن صِيَغِ العُمُومِ البَدَلِيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ولِلْخائِفِ مَقامُ رَبِّهِ. وعَلَيْهِ فَيَجِيءُ النَّظَرُ في تَأْوِيلِ تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِنْسَيْنِ مِنَ الجَنّاتِ.
وقَدْ ذُكِرَتِ الجَنّاتُ في القُرْآنِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ غَيْرُ مَرَّةٍ وسَيَجِيءُ بَعْدَ هَذا قَوْلُهُ ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ جِنْسانِ مِنَ الجَنّاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةً كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وفي القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]
صفحة ٢٦٥
ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ودَوالَيْكَ، كَقَوْلِ القَوّالِ الطّائِيِّ مِن شِعْرِ الحَماسَةِ:
فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَرائِضُ
أيْ فَقُولُوا: يا قَوْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وإيثارُ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُنا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَقَدْ بُنِيَتْ قَرائِنُ السُّورَةِ عَلَيْها والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الفَرّاءِ، وعَلى هَذا فَجَمِيعُ ما أُجْرِيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في شَأْنِ الجَنَّتَيْنِ فَمُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
وقِيلَ: أُرِيدُ جَنَّتانِ لِكُلِّ مُتَّقٍ تَحُفّانِ بِقَصْرِهِ في الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ جَنّاتِ الدُّنْيا ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] فَهُما جَنَّتانِ بِاعْتِبارِ يُمْنَةِ القَصْرِ ويُسْرَتِهِ والقَصْرُ فاصِلٌ بَيْنَهُما.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ ومَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْقِيامِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الحالَةِ والتَّلَبُّسِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَجِيرُهُ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ، فَإضافَةُ مَقامٍ إلى رَبِّهِ هُنا إنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلْخائِفِ فَهو بِمَعْنى الحالِ، وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ مَقامِهِ مِن رَبِّهِ، أيْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وإنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلَّهِ تَعالى فَهو بِمَعْنى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ. وإضافَتُهُ كالإضافَةِ إلى الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] في سُورَةِ إبْراهِيمَ وقَوْلُهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] في سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ وهي تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها.
وذَواتا: تَثْنِيَةُ ذاتٍ، والواوُ أصْلِيَّةٌ لِأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذُوَةٌ، والألِفُ الَّتِي بَعْدَ
صفحة ٢٦٦
الواوِ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ لازِمٌ لِلْكَلِمَةِ. وقِيلَ: الألْفُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذَواتٌ فَخُفِّفَتْ في الإفْرادِ ورَدَّتْها التَّثْنِيَةُ إلى أصْلِها وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا الألِفُ الَّتِي بَعْدَ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ فَهي عَلامَةُ رَفْعٍ نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ.
والأفْنانُ: جَمْعُ فَنَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الغُصْنُ. والمَقْصُودُ هُنا: أفْنانٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ الإيراقِ والإثْمارِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأفْنانَ لا تَخْلُو عَنْها الجَنّاتُ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الأفْنانِ لَوْلا قَصْدُ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَثْنِيَةُ عَيْنانِ جارٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ، وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ ضَمِيرِي فِيهِما، وضَمِيرُ تَجْرِيانِ تَبَعٌ لِتَثْنِيَةِ مَعادِهِما في اللَّفْظِ.
فَإنْ كانَ الجَنَّتانِ اثْنَتَيْنِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ فَلِكُلِّ جَنَّةٍ مِنهُما عَيْنٌ فَهُما عَيْنانِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وإنْ كانَتِ الجَنَّتانِ جِنْسَيْنِ فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الجَمْعِ، أيْ عُيُونٍ عَلى عَدَدِ الجَنّاتِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِن تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ الكَثْرَةَ كَما تَثْنِيَةُ عَيْنانِ لِلْكَثْرَةِ.
وفَصَلَ بَيْنَ الأفْنانِ وبَيْنَ ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِذِكْرِ العَيْنَيْنِ مَعَ أنَّ الفاكِهَةَ بِالأفْنانِ أنْسَبُ، لِأنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْنانِ، وهي مِن جَمالِ مَنظَرِ الجَنَّةِ أعْقَبَ بِما هو مِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ وهو عُيُونُ الماءِ جَمْعًا لِلنَّظِيرِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما هو مِن جَمالِ المَنظَرِ، أعْنِي: الفَواكِهَ في أفْنانِها ومِن مَلَذّاتِ الذَّوْقِ.
وأمّا تَثْنِيَةُ زَوْجانِ فَإنَّ الزَّوْجَ هُنا النَّوْعُ، وأنْواعُ فَواكِهِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ لِكُلِّ فاكِهَةٍ نَوْعانِ: فَإمّا أنْ نَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنى الجَمْعِ ونَجْعَلَ إيثارَ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ ولِأجْلِ المُزاوَجَةِ مَعَ نَظائِرِها مِن قَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى هُنا.
وإمّا أنْ نَجْعَلَ تَثْنِيَةَ زَوْجانِ لِكَوْنِ الفَواكِهِ بَعْضُها يُؤْكَلُ رَطْبًا وبَعْضُها يُؤْكَلُ يابِسًا مِثْلَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ والعِنَبِ والزَّبِيبِ، وأخُصُّ الجَوْزَ واللَّوْزَ وجافَّهُما.
صفحة ٢٦٧
و (مِن كُلِّ فاكِهَةٍ) بَيانٌ لِ زَوْجانِ مُقَدَّمٌ عَلى المُبَيِّنِ لِرَعْيِ الفاصِلَةِ.
وتَخَلُّلُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ بِآياتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ جارٍ عَلى وجْهِ الاِعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ أُولاها.
الرحمن 55:51
﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
انْتِقالٌ مِن وصْفِ جَزاءِ المُجْرِمِينَ إلى ثَوابِ المُتَّقِينَ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إلى آخِرِها، وهو أظْهَرُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِها ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] يُفِيدُ مَعْنى أنَّهم فِيها.
واللّامُ في لِمَن خافَ لامُ المِلْكِ، أيْ يُعْطى مَن خافَ رَبَّهُ ويُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جِنْسَ الخائِفِينَ لا خائِفَ مُعَيَّنٌ فَهو مِن صِيَغِ العُمُومِ البَدَلِيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ولِلْخائِفِ مَقامُ رَبِّهِ. وعَلَيْهِ فَيَجِيءُ النَّظَرُ في تَأْوِيلِ تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِنْسَيْنِ مِنَ الجَنّاتِ.
وقَدْ ذُكِرَتِ الجَنّاتُ في القُرْآنِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ غَيْرُ مَرَّةٍ وسَيَجِيءُ بَعْدَ هَذا قَوْلُهُ ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ جِنْسانِ مِنَ الجَنّاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةً كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وفي القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]
صفحة ٢٦٥
ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ودَوالَيْكَ، كَقَوْلِ القَوّالِ الطّائِيِّ مِن شِعْرِ الحَماسَةِ:
فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَرائِضُ
أيْ فَقُولُوا: يا قَوْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وإيثارُ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُنا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَقَدْ بُنِيَتْ قَرائِنُ السُّورَةِ عَلَيْها والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الفَرّاءِ، وعَلى هَذا فَجَمِيعُ ما أُجْرِيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في شَأْنِ الجَنَّتَيْنِ فَمُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
وقِيلَ: أُرِيدُ جَنَّتانِ لِكُلِّ مُتَّقٍ تَحُفّانِ بِقَصْرِهِ في الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ جَنّاتِ الدُّنْيا ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] فَهُما جَنَّتانِ بِاعْتِبارِ يُمْنَةِ القَصْرِ ويُسْرَتِهِ والقَصْرُ فاصِلٌ بَيْنَهُما.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ ومَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْقِيامِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الحالَةِ والتَّلَبُّسِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَجِيرُهُ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ، فَإضافَةُ مَقامٍ إلى رَبِّهِ هُنا إنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلْخائِفِ فَهو بِمَعْنى الحالِ، وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ مَقامِهِ مِن رَبِّهِ، أيْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وإنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلَّهِ تَعالى فَهو بِمَعْنى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ. وإضافَتُهُ كالإضافَةِ إلى الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] في سُورَةِ إبْراهِيمَ وقَوْلُهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] في سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ وهي تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها.
وذَواتا: تَثْنِيَةُ ذاتٍ، والواوُ أصْلِيَّةٌ لِأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذُوَةٌ، والألِفُ الَّتِي بَعْدَ
صفحة ٢٦٦
الواوِ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ لازِمٌ لِلْكَلِمَةِ. وقِيلَ: الألْفُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذَواتٌ فَخُفِّفَتْ في الإفْرادِ ورَدَّتْها التَّثْنِيَةُ إلى أصْلِها وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا الألِفُ الَّتِي بَعْدَ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ فَهي عَلامَةُ رَفْعٍ نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ.
والأفْنانُ: جَمْعُ فَنَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الغُصْنُ. والمَقْصُودُ هُنا: أفْنانٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ الإيراقِ والإثْمارِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأفْنانَ لا تَخْلُو عَنْها الجَنّاتُ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الأفْنانِ لَوْلا قَصْدُ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَثْنِيَةُ عَيْنانِ جارٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ، وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ ضَمِيرِي فِيهِما، وضَمِيرُ تَجْرِيانِ تَبَعٌ لِتَثْنِيَةِ مَعادِهِما في اللَّفْظِ.
فَإنْ كانَ الجَنَّتانِ اثْنَتَيْنِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ فَلِكُلِّ جَنَّةٍ مِنهُما عَيْنٌ فَهُما عَيْنانِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وإنْ كانَتِ الجَنَّتانِ جِنْسَيْنِ فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الجَمْعِ، أيْ عُيُونٍ عَلى عَدَدِ الجَنّاتِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِن تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ الكَثْرَةَ كَما تَثْنِيَةُ عَيْنانِ لِلْكَثْرَةِ.
وفَصَلَ بَيْنَ الأفْنانِ وبَيْنَ ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِذِكْرِ العَيْنَيْنِ مَعَ أنَّ الفاكِهَةَ بِالأفْنانِ أنْسَبُ، لِأنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْنانِ، وهي مِن جَمالِ مَنظَرِ الجَنَّةِ أعْقَبَ بِما هو مِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ وهو عُيُونُ الماءِ جَمْعًا لِلنَّظِيرِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما هو مِن جَمالِ المَنظَرِ، أعْنِي: الفَواكِهَ في أفْنانِها ومِن مَلَذّاتِ الذَّوْقِ.
وأمّا تَثْنِيَةُ زَوْجانِ فَإنَّ الزَّوْجَ هُنا النَّوْعُ، وأنْواعُ فَواكِهِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ لِكُلِّ فاكِهَةٍ نَوْعانِ: فَإمّا أنْ نَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنى الجَمْعِ ونَجْعَلَ إيثارَ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ ولِأجْلِ المُزاوَجَةِ مَعَ نَظائِرِها مِن قَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى هُنا.
وإمّا أنْ نَجْعَلَ تَثْنِيَةَ زَوْجانِ لِكَوْنِ الفَواكِهِ بَعْضُها يُؤْكَلُ رَطْبًا وبَعْضُها يُؤْكَلُ يابِسًا مِثْلَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ والعِنَبِ والزَّبِيبِ، وأخُصُّ الجَوْزَ واللَّوْزَ وجافَّهُما.
صفحة ٢٦٧
و (مِن كُلِّ فاكِهَةٍ) بَيانٌ لِ زَوْجانِ مُقَدَّمٌ عَلى المُبَيِّنِ لِرَعْيِ الفاصِلَةِ.
وتَخَلُّلُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ بِآياتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ جارٍ عَلى وجْهِ الاِعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ أُولاها.
الرحمن 55:52
﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
انْتِقالٌ مِن وصْفِ جَزاءِ المُجْرِمِينَ إلى ثَوابِ المُتَّقِينَ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إلى آخِرِها، وهو أظْهَرُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِها ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] يُفِيدُ مَعْنى أنَّهم فِيها.
واللّامُ في لِمَن خافَ لامُ المِلْكِ، أيْ يُعْطى مَن خافَ رَبَّهُ ويُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جِنْسَ الخائِفِينَ لا خائِفَ مُعَيَّنٌ فَهو مِن صِيَغِ العُمُومِ البَدَلِيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ولِلْخائِفِ مَقامُ رَبِّهِ. وعَلَيْهِ فَيَجِيءُ النَّظَرُ في تَأْوِيلِ تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِنْسَيْنِ مِنَ الجَنّاتِ.
وقَدْ ذُكِرَتِ الجَنّاتُ في القُرْآنِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ غَيْرُ مَرَّةٍ وسَيَجِيءُ بَعْدَ هَذا قَوْلُهُ ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ جِنْسانِ مِنَ الجَنّاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةً كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وفي القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]
صفحة ٢٦٥
ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ودَوالَيْكَ، كَقَوْلِ القَوّالِ الطّائِيِّ مِن شِعْرِ الحَماسَةِ:
فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَرائِضُ
أيْ فَقُولُوا: يا قَوْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وإيثارُ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُنا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَقَدْ بُنِيَتْ قَرائِنُ السُّورَةِ عَلَيْها والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الفَرّاءِ، وعَلى هَذا فَجَمِيعُ ما أُجْرِيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في شَأْنِ الجَنَّتَيْنِ فَمُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
وقِيلَ: أُرِيدُ جَنَّتانِ لِكُلِّ مُتَّقٍ تَحُفّانِ بِقَصْرِهِ في الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ جَنّاتِ الدُّنْيا ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] فَهُما جَنَّتانِ بِاعْتِبارِ يُمْنَةِ القَصْرِ ويُسْرَتِهِ والقَصْرُ فاصِلٌ بَيْنَهُما.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ ومَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْقِيامِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الحالَةِ والتَّلَبُّسِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَجِيرُهُ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ، فَإضافَةُ مَقامٍ إلى رَبِّهِ هُنا إنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلْخائِفِ فَهو بِمَعْنى الحالِ، وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ مَقامِهِ مِن رَبِّهِ، أيْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وإنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلَّهِ تَعالى فَهو بِمَعْنى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ. وإضافَتُهُ كالإضافَةِ إلى الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] في سُورَةِ إبْراهِيمَ وقَوْلُهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] في سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ وهي تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها.
وذَواتا: تَثْنِيَةُ ذاتٍ، والواوُ أصْلِيَّةٌ لِأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذُوَةٌ، والألِفُ الَّتِي بَعْدَ
صفحة ٢٦٦
الواوِ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ لازِمٌ لِلْكَلِمَةِ. وقِيلَ: الألْفُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذَواتٌ فَخُفِّفَتْ في الإفْرادِ ورَدَّتْها التَّثْنِيَةُ إلى أصْلِها وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا الألِفُ الَّتِي بَعْدَ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ فَهي عَلامَةُ رَفْعٍ نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ.
والأفْنانُ: جَمْعُ فَنَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الغُصْنُ. والمَقْصُودُ هُنا: أفْنانٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ الإيراقِ والإثْمارِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأفْنانَ لا تَخْلُو عَنْها الجَنّاتُ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الأفْنانِ لَوْلا قَصْدُ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَثْنِيَةُ عَيْنانِ جارٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ، وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ ضَمِيرِي فِيهِما، وضَمِيرُ تَجْرِيانِ تَبَعٌ لِتَثْنِيَةِ مَعادِهِما في اللَّفْظِ.
فَإنْ كانَ الجَنَّتانِ اثْنَتَيْنِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ فَلِكُلِّ جَنَّةٍ مِنهُما عَيْنٌ فَهُما عَيْنانِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وإنْ كانَتِ الجَنَّتانِ جِنْسَيْنِ فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الجَمْعِ، أيْ عُيُونٍ عَلى عَدَدِ الجَنّاتِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِن تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ الكَثْرَةَ كَما تَثْنِيَةُ عَيْنانِ لِلْكَثْرَةِ.
وفَصَلَ بَيْنَ الأفْنانِ وبَيْنَ ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِذِكْرِ العَيْنَيْنِ مَعَ أنَّ الفاكِهَةَ بِالأفْنانِ أنْسَبُ، لِأنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْنانِ، وهي مِن جَمالِ مَنظَرِ الجَنَّةِ أعْقَبَ بِما هو مِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ وهو عُيُونُ الماءِ جَمْعًا لِلنَّظِيرِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما هو مِن جَمالِ المَنظَرِ، أعْنِي: الفَواكِهَ في أفْنانِها ومِن مَلَذّاتِ الذَّوْقِ.
وأمّا تَثْنِيَةُ زَوْجانِ فَإنَّ الزَّوْجَ هُنا النَّوْعُ، وأنْواعُ فَواكِهِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ لِكُلِّ فاكِهَةٍ نَوْعانِ: فَإمّا أنْ نَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنى الجَمْعِ ونَجْعَلَ إيثارَ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ ولِأجْلِ المُزاوَجَةِ مَعَ نَظائِرِها مِن قَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى هُنا.
وإمّا أنْ نَجْعَلَ تَثْنِيَةَ زَوْجانِ لِكَوْنِ الفَواكِهِ بَعْضُها يُؤْكَلُ رَطْبًا وبَعْضُها يُؤْكَلُ يابِسًا مِثْلَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ والعِنَبِ والزَّبِيبِ، وأخُصُّ الجَوْزَ واللَّوْزَ وجافَّهُما.
صفحة ٢٦٧
و (مِن كُلِّ فاكِهَةٍ) بَيانٌ لِ زَوْجانِ مُقَدَّمٌ عَلى المُبَيِّنِ لِرَعْيِ الفاصِلَةِ.
وتَخَلُّلُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ بِآياتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ جارٍ عَلى وجْهِ الاِعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ أُولاها.
الرحمن 55:53
﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
انْتِقالٌ مِن وصْفِ جَزاءِ المُجْرِمِينَ إلى ثَوابِ المُتَّقِينَ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إلى آخِرِها، وهو أظْهَرُ لِأنَّ قَوْلَهُ في آخِرِها ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] يُفِيدُ مَعْنى أنَّهم فِيها.
واللّامُ في لِمَن خافَ لامُ المِلْكِ، أيْ يُعْطى مَن خافَ رَبَّهُ ويُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جِنْسَ الخائِفِينَ لا خائِفَ مُعَيَّنٌ فَهو مِن صِيَغِ العُمُومِ البَدَلِيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ولِلْخائِفِ مَقامُ رَبِّهِ. وعَلَيْهِ فَيَجِيءُ النَّظَرُ في تَأْوِيلِ تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِنْسَيْنِ مِنَ الجَنّاتِ.
وقَدْ ذُكِرَتِ الجَنّاتُ في القُرْآنِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ غَيْرُ مَرَّةٍ وسَيَجِيءُ بَعْدَ هَذا قَوْلُهُ ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ جِنْسانِ مِنَ الجَنّاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةً كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وفي القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]
صفحة ٢٦٥
ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ ودَوالَيْكَ، كَقَوْلِ القَوّالِ الطّائِيِّ مِن شِعْرِ الحَماسَةِ:
فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَرائِضُ
أيْ فَقُولُوا: يا قَوْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وإيثارُ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ هُنا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فَقَدْ بُنِيَتْ قَرائِنُ السُّورَةِ عَلَيْها والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الفَرّاءِ، وعَلى هَذا فَجَمِيعُ ما أُجْرِيَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في شَأْنِ الجَنَّتَيْنِ فَمُرادٌ بِهِ الجَمْعُ.
وقِيلَ: أُرِيدُ جَنَّتانِ لِكُلِّ مُتَّقٍ تَحُفّانِ بِقَصْرِهِ في الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى في صِفَةِ جَنّاتِ الدُّنْيا ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الآيَةَ، وقالَ ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ [سبإ: ١٥] فَهُما جَنَّتانِ بِاعْتِبارِ يُمْنَةِ القَصْرِ ويُسْرَتِهِ والقَصْرُ فاصِلٌ بَيْنَهُما.
والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ ومَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْقِيامِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الحالَةِ والتَّلَبُّسِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَجِيرُهُ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ، فَإضافَةُ مَقامٍ إلى رَبِّهِ هُنا إنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلْخائِفِ فَهو بِمَعْنى الحالِ، وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ مَقامِهِ مِن رَبِّهِ، أيْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وإنْ كانَتْ عَلى اعْتِبارِ المَقامِ لِلَّهِ تَعالى فَهو بِمَعْنى الشَّأْنِ والعَظْمَةِ. وإضافَتُهُ كالإضافَةِ إلى الفاعِلِ، ويَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] في سُورَةِ إبْراهِيمَ وقَوْلُهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] في سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ وهي تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها.
وذَواتا: تَثْنِيَةُ ذاتٍ، والواوُ أصْلِيَّةٌ لِأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذُوَةٌ، والألِفُ الَّتِي بَعْدَ
صفحة ٢٦٦
الواوِ إشْباعٌ لِلْفَتْحَةِ لازِمٌ لِلْكَلِمَةِ. وقِيلَ: الألْفُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ أصْلَ ذاتٍ: ذَواتٌ فَخُفِّفَتْ في الإفْرادِ ورَدَّتْها التَّثْنِيَةُ إلى أصْلِها وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا الألِفُ الَّتِي بَعْدَ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ فَهي عَلامَةُ رَفْعٍ نائِبَةٌ عَنِ الضَّمَّةِ.
والأفْنانُ: جَمْعُ فَنَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الغُصْنُ. والمَقْصُودُ هُنا: أفْنانٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ الإيراقِ والإثْمارِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأفْنانَ لا تَخْلُو عَنْها الجَنّاتُ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الأفْنانِ لَوْلا قَصْدُ ما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَثْنِيَةُ عَيْنانِ جارٍ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ، وكَذَلِكَ تَثْنِيَةُ ضَمِيرِي فِيهِما، وضَمِيرُ تَجْرِيانِ تَبَعٌ لِتَثْنِيَةِ مَعادِهِما في اللَّفْظِ.
فَإنْ كانَ الجَنَّتانِ اثْنَتَيْنِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ فَلِكُلِّ جَنَّةٍ مِنهُما عَيْنٌ فَهُما عَيْنانِ لِكُلِّ مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وإنْ كانَتِ الجَنَّتانِ جِنْسَيْنِ فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةِ الجَمْعِ، أيْ عُيُونٍ عَلى عَدَدِ الجَنّاتِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِن تَثْنِيَةِ جَنَّتانِ الكَثْرَةَ كَما تَثْنِيَةُ عَيْنانِ لِلْكَثْرَةِ.
وفَصَلَ بَيْنَ الأفْنانِ وبَيْنَ ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِذِكْرِ العَيْنَيْنِ مَعَ أنَّ الفاكِهَةَ بِالأفْنانِ أنْسَبُ، لِأنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْنانِ، وهي مِن جَمالِ مَنظَرِ الجَنَّةِ أعْقَبَ بِما هو مِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ وهو عُيُونُ الماءِ جَمْعًا لِلنَّظِيرِينَ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما هو مِن جَمالِ المَنظَرِ، أعْنِي: الفَواكِهَ في أفْنانِها ومِن مَلَذّاتِ الذَّوْقِ.
وأمّا تَثْنِيَةُ زَوْجانِ فَإنَّ الزَّوْجَ هُنا النَّوْعُ، وأنْواعُ فَواكِهِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ لِكُلِّ فاكِهَةٍ نَوْعانِ: فَإمّا أنْ نَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ بِمَعْنى الجَمْعِ ونَجْعَلَ إيثارَ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ ولِأجْلِ المُزاوَجَةِ مَعَ نَظائِرِها مِن قَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى هُنا.
وإمّا أنْ نَجْعَلَ تَثْنِيَةَ زَوْجانِ لِكَوْنِ الفَواكِهِ بَعْضُها يُؤْكَلُ رَطْبًا وبَعْضُها يُؤْكَلُ يابِسًا مِثْلَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ والعِنَبِ والزَّبِيبِ، وأخُصُّ الجَوْزَ واللَّوْزَ وجافَّهُما.
صفحة ٢٦٧
و (مِن كُلِّ فاكِهَةٍ) بَيانٌ لِ زَوْجانِ مُقَدَّمٌ عَلى المُبَيِّنِ لِرَعْيِ الفاصِلَةِ.
وتَخَلُّلُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ بِآياتِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ جارٍ عَلى وجْهِ الاِعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَكْرِيرٍ كَما تَقَدَّمَ أُولاها.
الرحمن 55:54
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرِشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنا الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ .
حالٌ مِن ﴿لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . وجِيءَ بِالحالِ صِيغَةَ جَمْعٍ بِمَعْنى اعْتِبارِ صاحِبِ الحالِ وصَلاحِيَةِ لَفْظِهِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، لا بِاعْتِبارِ وُقُوعِ صِلَتِهِ بِصِيغَةِ الإفْرادِ فَإنَّ ذَلِكَ اعْتِبارٌ بِكَوْنِ (مَن) مُفْرَدَةَ اللَّفْظِ.
والمَعْنى: أُعْطُوا الجِنانَ واسْتَقَرُّوا بِها واتَّكَئُوا عَلى فُرُشٍ.
والاِتِّكاءُ: افْتِعالٌ مِنَ الوَكْءِ مَهْمُوزُ اللّامِ وهو الاِعْتِمادُ، فَصارَ الاِتِّكاءُ اسْمًا لِاعْتِمادِ الجالِسِ ومِرْفَقِهِ إلى الأرْضِ وجَنْبِهِ إلى الأرْضِ وهي هَيْئَةٌ بَيْنَ الاِضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ والقُعُودِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وفُرُشٌ: جَمْعُ فِراشٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ. والفِراشُ أصْلُهُ ما يُفْرَشُ، أيْ يُبْسَطُ عَلى الأرْضِ لِلنَّوْمِ والاِضْطِجاعِ.
ثُمَّ أطْلَقَ الفِراشُ عَلى السَّرِيرِ المُرْتَفِعِ عَلى الأرْضِ بِسُوقٍ لِأنَّهُ يُوضَعُ عَلَيْهِ ما شَأْنُهُ أنْ يُفْرَشَ عَلى الأرْضِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ ما جُعِلَ فِيهِ، ولِذَلِكَ ورَدَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ في قَوْلِهِ عَلى ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] وفي سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] .
والمُعَبِّرُ عَنْهُ في هَذِهِ الآياتِ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفُرُشِ في هَذِهِ الآيَةِ السُّرُرُ الَّتِي عَلَيْها الفُرُشُ.
صفحة ٢٦٨
والاِتِّكاءُ: جِلْسَةُ أهْلِ التَّرَفِ المَخْدُومِينَ لِأنَّها جِلْسَةُ راحَةٍ وعَدَمِ احْتِياجٍ إلى النُّهُوضِ لِلتَّناوُلِ ونَحْوِهِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ.
والبَطائِنُ: جَمْعُ بِطانَةٍ بِكَسْرِ الباءِ وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ البَطْنِ ضِدِّ الظَّهْرِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الأسْفَلِ. يُقالُ لِلْجِهَةِ السُّفْلى: بَطْنٌ، ولِلْجِهَةِ العُلْيا ظَهْرٌ، فَيُقالُ: بَطَنْتُ ثَوْبِي بِآخَرَ إذا جَعَلَ تَحْتَ ثَوْبِهِ آخَرَ، فَبِطانَةُ الثَّوْبِ داخِلُهُ وما لا يَبْدُو مِنهُ، وضِدُّ البِطانَةِ الظِّهارَةُ بِكَسْرِ الظّاءِ، ومِن كَلامِهِمْ: أفْرَشَنِي ظَهْرُ أمْرِهِ وبَطْنُهُ، أيْ: عَلانِيَّتُهُ وسِرُّهُ، شُبِّهَتِ العَلانِيَةُ بِظَهْرِ الفِراشِ والسِّرُّ بِبَطْنِ الفِراشِ وهُما الظِّهارَةُ والبِطانَةُ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ هَذا التَّشْبِيهَ بِاسْتِعارَةِ فِعْلِ: أفْرَشَنِي. فالبِطانَةُ: هي الثَّوْبُ الَّذِي يُجْعَلُ عَلى الفِراشِ. والظِّهارَةُ: الثَّوْبُ الَّذِي يُجْعَلُ فَوْقَ البِطانَةِ لِيَظْهَرَ لِرُؤْيَةِ الدّاخِلِ لِلْبَيْتِ فَتَكُونُ الظِّهارَةُ أحْسَنُ مِنَ البِطانَةِ في الفِراشِ الواحِدِ.
والعَرَبُ كانُوا يَجْعَلُونَ الفِراشَ حَشِيَّةً، أيْ شَيْئًا مَحْشُوًّا بِصُوفٍ أوْ قُطْنٍ أوْ لِيفٍ لِيَكُونَ أوْثَرَ لِلْجَنْبِ، قالَ عَنْتَرَةُ يَصِفُ تَنَعُّمَ عَبْلَةَ:
تُمْسِي وتُصْبِحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشِيَّةٍ وأبِيتُ فَوْقَ سَراةِ أدْهَمَ مُلْجَمِ
فَإذا وضَعُوا عَلى الحَشِيَّةِ ثَوْبًا أوْ خاطُوها بِثَوْبٍ فَهو البِطانَةُ، وإذا غَطَّوْا ذَلِكَ بِثَوْبٍ أحْسَنَ مِنهُ فَهو الظِّهارَةُ.
فالمَعْنى هُنا: أنَّ بَطائِنَ فُرُشِ الجَنَّةِ مِن إسْتَبْرَقٍ فَلا تَسْألُ عَنْ ظَهائِرِها فَإنَّها أجْوَدُ مِن ذَلِكَ، ولا ثَوْبَ مِنَ الثِّيابِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ النّاسِ في الدُّنْيا أنْفَسُ مِنَ الإسْتَبْرَقِ البَطائِنِ بِالذِّكْرِ كِنايَةً عَنْ نَفاسَةِ وصْفِ ظَهائِرِ الفُرُشِ.
والإسْتَبْرَقُ: صِنْفٌ رَفِيعٌ مِنَ الدِّيباجِ الغَلِيظِ. والدِّيباجُ: نَسِيجٌ غَلِيظٌ مِن حَرِيرِ والإسْتَبْرَقِ يُنْسَجُ بِخُيُوطِ الذَّهَبِ. قالَ الفَخْرُ: وهو مُعَرَّبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ عَنْ كَلِمَةِ (سْتبرك) بِكافٍ في آخِرِهِ عَلامَةَ تَصْغِيرٍ (ستبز) بِمَعْنى ثَخِينٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ، فَأبْدَلُوا الكافَ قافًا خَشْيَةَ اشْتِباهِ الكافِ بِكافِ الخِطابِ، والَّذِي في القامُوسِ: الإسْتَبْرَقُ: الدِّيباجُ الغَلِيظُ مُعَرَّبُ اسْتُرُوهُ، وقَدْ
صفحة ٢٦٩
تَبَيَّنَ أنَّ الإسْتَبْرَقَ: صِنْفٌ مِنَ الدِّيباجِ، والدِّيباجُ: ثَوْبٌ مَنسُوجٌ مِنَ الحَرِيرِ مَنقُوشٌ وهو أجْوَدُ أنْواعِ الثِّيابِ.
ومِن (جَنى الجَنَّتَيْنِ): ما يُجْنى مِن ثِمارِهِما، وهو بِفَتْحِ الجِيمِ ما يُقْطَفُ مِنَ الثَّمَرِ. والمَعْنى: أنَّ ثَمَرَ الجَنَّةِ دانٍ مِنهم وهم عَلى فُرُشِهِمْ فَمَتى شاءُوا اقْتَطَفُوا مِنهُ.
الرحمن 55:55
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
هُوَ مِثْلُ نَظائِرِهِ.
الرحمن 55:56
﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ .
ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى فُرُشٍ وهو سَبَبُ تَأْخِيرِ نِعَمِ أهْلِ الجَنَّةِ بِلَذَّةِ التَّأنُّسِ بِالنِّساءِ عَنْ ما في الجَنّاتِ مِنَ الأفْنانِ والعُيُونِ والفَواكِهِ والفُرُشِ، لِيَكُونَ ذِكْرُ الفُرُشِ مُناسِبًا لِلْاِنْتِقالِ إلى الأوانِسِ في تِلْكَ الفُرُشِ ولِيَجِيءَ هَذا الضَّمِيرُ مُفِيدًا مَعْنًى كَثِيرًا مِن لَفْظٍ قَلِيلٍ، وذَلِكَ مِن خَصائِصِ التَّرْتِيبِ مِن هَذا التَّرْكِيبِ.
فَ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ كائِنَةٌ في الجَنَّةِ وكائِنَةٌ عَلى الفُرُشِ مَعَ أزْواجِهِنَّ قالَ تَعالى ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] الآيَةَ.
و(﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نِساءٌ، وشاعَ المَدْحُ بِهَذا الوَصْفِ في الكَلامِ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَةَ الاِسْمِ، فَ قاصِراتُ الطَّرْفِ نِساءٌ في نَظَرِهِنَّ مِثْلُ القُصُورِ والغَضُّ خِلْقَةٌ فِيهِنَّ، وهَذا نَظِيرُ ما يَقُولُ الشُّعَراءُ مِنَ المُوَلَّدِينَ: مِراضُ العُيُونِ، أيْ مِثْلِ المِراضِ خِلْقَةً. والقُصُورُ: مِثْلُ الغَضِّ مِن صِفاتِ عُيُونِ المَها والظِّباءِ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
وما سُعادُ غَداةَ البَيْنِ إذْ رَحَلُوا إلّا أغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
صفحة ٢٧٠
أيْ: كَغَضِيضِ الطَّرْفِ وهو الظَّبْيُ.
والطَّمْثُ بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ المِيمِ مَسِيسُ الأُنْثى البِكْرِ، أيْ مِن أبْكارٍ. وعُبِّرَ عَنِ البَكارَةِ بِ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ إطْنابًا في التَّحْسِينِ، وقَدْ جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] . وهَؤُلاءِ هُنَّ نِساءُ الجَنَّةِ لا أزْواجَ المُؤْمِنِينَ اللّائِي كُنْ لَهم في الدُّنْيا لِأنَّهُنَّ قَدْ يَكُنَّ طَمَثَهم أزْواجٌ فَإنَّ الزَّوْجَةَ في الجَنَّةِ تَكُونُ لِآخِرِ مِن تَزَوَّجَها في الدُّنْيا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَطْمِثْهُنَّ هُنا، وفي نَظِيرِهِ الآتِي بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأهُ الدَّوْرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ بِضَمِّ المِيمِ وهُما لُغَتانِ في مُضارِعِ طَمَثَ. ونُقِلَ عَنِ الكِسائِيِّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الضَّمِّ والكَسْرِ.
وقَوْلُهُ إنْسٌ قَبْلَهم أيْ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ أحَدٌ قَبْلَهم، وقَوْلُهُ ولا جانٌّ تَتْمِيمٌ واحْتِراسٌ وهو إطْنابٌ دَعا إلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ دارُ ثَوابٍ لِصالِحِ الإنْسِ والجِنِّ فَلَمّا ذَكَرَ (إنْسٌ) نَشَأ تَوَهُّمٌ أنْ يَمَسَّهُنَّ جِنٌّ فَدَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِهَذا الاِحْتِراسِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ نَعْتٌ أوْ حالٌ مِن ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ .
ووَجْهُ الشَّبَهِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ في لَوْنِ الحُمْرَةِ المَحْمُودَةِ، أيْ حُمْرَةِ الخُدُودِ كَما يُشَبَّهُ الخَدُّ بِالوُرُدِ، ويُطْلَقُ الأحْمَرُ عَلى الأبْيَضِ فَمِنهُ حَدِيثُ بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، وقالَ عَبْدُ بَنِي الحَسّاسِ:
فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقَتْنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ بِهِما في الصَّفاءِ واللَّمَعانِ.
الرحمن 55:57
﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ .
ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى فُرُشٍ وهو سَبَبُ تَأْخِيرِ نِعَمِ أهْلِ الجَنَّةِ بِلَذَّةِ التَّأنُّسِ بِالنِّساءِ عَنْ ما في الجَنّاتِ مِنَ الأفْنانِ والعُيُونِ والفَواكِهِ والفُرُشِ، لِيَكُونَ ذِكْرُ الفُرُشِ مُناسِبًا لِلْاِنْتِقالِ إلى الأوانِسِ في تِلْكَ الفُرُشِ ولِيَجِيءَ هَذا الضَّمِيرُ مُفِيدًا مَعْنًى كَثِيرًا مِن لَفْظٍ قَلِيلٍ، وذَلِكَ مِن خَصائِصِ التَّرْتِيبِ مِن هَذا التَّرْكِيبِ.
فَ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ كائِنَةٌ في الجَنَّةِ وكائِنَةٌ عَلى الفُرُشِ مَعَ أزْواجِهِنَّ قالَ تَعالى ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] الآيَةَ.
و(﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نِساءٌ، وشاعَ المَدْحُ بِهَذا الوَصْفِ في الكَلامِ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَةَ الاِسْمِ، فَ قاصِراتُ الطَّرْفِ نِساءٌ في نَظَرِهِنَّ مِثْلُ القُصُورِ والغَضُّ خِلْقَةٌ فِيهِنَّ، وهَذا نَظِيرُ ما يَقُولُ الشُّعَراءُ مِنَ المُوَلَّدِينَ: مِراضُ العُيُونِ، أيْ مِثْلِ المِراضِ خِلْقَةً. والقُصُورُ: مِثْلُ الغَضِّ مِن صِفاتِ عُيُونِ المَها والظِّباءِ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
وما سُعادُ غَداةَ البَيْنِ إذْ رَحَلُوا إلّا أغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
صفحة ٢٧٠
أيْ: كَغَضِيضِ الطَّرْفِ وهو الظَّبْيُ.
والطَّمْثُ بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ المِيمِ مَسِيسُ الأُنْثى البِكْرِ، أيْ مِن أبْكارٍ. وعُبِّرَ عَنِ البَكارَةِ بِ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ إطْنابًا في التَّحْسِينِ، وقَدْ جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] . وهَؤُلاءِ هُنَّ نِساءُ الجَنَّةِ لا أزْواجَ المُؤْمِنِينَ اللّائِي كُنْ لَهم في الدُّنْيا لِأنَّهُنَّ قَدْ يَكُنَّ طَمَثَهم أزْواجٌ فَإنَّ الزَّوْجَةَ في الجَنَّةِ تَكُونُ لِآخِرِ مِن تَزَوَّجَها في الدُّنْيا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَطْمِثْهُنَّ هُنا، وفي نَظِيرِهِ الآتِي بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأهُ الدَّوْرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ بِضَمِّ المِيمِ وهُما لُغَتانِ في مُضارِعِ طَمَثَ. ونُقِلَ عَنِ الكِسائِيِّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الضَّمِّ والكَسْرِ.
وقَوْلُهُ إنْسٌ قَبْلَهم أيْ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ أحَدٌ قَبْلَهم، وقَوْلُهُ ولا جانٌّ تَتْمِيمٌ واحْتِراسٌ وهو إطْنابٌ دَعا إلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ دارُ ثَوابٍ لِصالِحِ الإنْسِ والجِنِّ فَلَمّا ذَكَرَ (إنْسٌ) نَشَأ تَوَهُّمٌ أنْ يَمَسَّهُنَّ جِنٌّ فَدَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِهَذا الاِحْتِراسِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ نَعْتٌ أوْ حالٌ مِن ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ .
ووَجْهُ الشَّبَهِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ في لَوْنِ الحُمْرَةِ المَحْمُودَةِ، أيْ حُمْرَةِ الخُدُودِ كَما يُشَبَّهُ الخَدُّ بِالوُرُدِ، ويُطْلَقُ الأحْمَرُ عَلى الأبْيَضِ فَمِنهُ حَدِيثُ بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، وقالَ عَبْدُ بَنِي الحَسّاسِ:
فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقَتْنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ بِهِما في الصَّفاءِ واللَّمَعانِ.
الرحمن 55:58
﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ .
ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى فُرُشٍ وهو سَبَبُ تَأْخِيرِ نِعَمِ أهْلِ الجَنَّةِ بِلَذَّةِ التَّأنُّسِ بِالنِّساءِ عَنْ ما في الجَنّاتِ مِنَ الأفْنانِ والعُيُونِ والفَواكِهِ والفُرُشِ، لِيَكُونَ ذِكْرُ الفُرُشِ مُناسِبًا لِلْاِنْتِقالِ إلى الأوانِسِ في تِلْكَ الفُرُشِ ولِيَجِيءَ هَذا الضَّمِيرُ مُفِيدًا مَعْنًى كَثِيرًا مِن لَفْظٍ قَلِيلٍ، وذَلِكَ مِن خَصائِصِ التَّرْتِيبِ مِن هَذا التَّرْكِيبِ.
فَ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ كائِنَةٌ في الجَنَّةِ وكائِنَةٌ عَلى الفُرُشِ مَعَ أزْواجِهِنَّ قالَ تَعالى ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] الآيَةَ.
و(﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نِساءٌ، وشاعَ المَدْحُ بِهَذا الوَصْفِ في الكَلامِ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَةَ الاِسْمِ، فَ قاصِراتُ الطَّرْفِ نِساءٌ في نَظَرِهِنَّ مِثْلُ القُصُورِ والغَضُّ خِلْقَةٌ فِيهِنَّ، وهَذا نَظِيرُ ما يَقُولُ الشُّعَراءُ مِنَ المُوَلَّدِينَ: مِراضُ العُيُونِ، أيْ مِثْلِ المِراضِ خِلْقَةً. والقُصُورُ: مِثْلُ الغَضِّ مِن صِفاتِ عُيُونِ المَها والظِّباءِ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
وما سُعادُ غَداةَ البَيْنِ إذْ رَحَلُوا إلّا أغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
صفحة ٢٧٠
أيْ: كَغَضِيضِ الطَّرْفِ وهو الظَّبْيُ.
والطَّمْثُ بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ المِيمِ مَسِيسُ الأُنْثى البِكْرِ، أيْ مِن أبْكارٍ. وعُبِّرَ عَنِ البَكارَةِ بِ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ إطْنابًا في التَّحْسِينِ، وقَدْ جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] . وهَؤُلاءِ هُنَّ نِساءُ الجَنَّةِ لا أزْواجَ المُؤْمِنِينَ اللّائِي كُنْ لَهم في الدُّنْيا لِأنَّهُنَّ قَدْ يَكُنَّ طَمَثَهم أزْواجٌ فَإنَّ الزَّوْجَةَ في الجَنَّةِ تَكُونُ لِآخِرِ مِن تَزَوَّجَها في الدُّنْيا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَطْمِثْهُنَّ هُنا، وفي نَظِيرِهِ الآتِي بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأهُ الدَّوْرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ بِضَمِّ المِيمِ وهُما لُغَتانِ في مُضارِعِ طَمَثَ. ونُقِلَ عَنِ الكِسائِيِّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الضَّمِّ والكَسْرِ.
وقَوْلُهُ إنْسٌ قَبْلَهم أيْ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ أحَدٌ قَبْلَهم، وقَوْلُهُ ولا جانٌّ تَتْمِيمٌ واحْتِراسٌ وهو إطْنابٌ دَعا إلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ دارُ ثَوابٍ لِصالِحِ الإنْسِ والجِنِّ فَلَمّا ذَكَرَ (إنْسٌ) نَشَأ تَوَهُّمٌ أنْ يَمَسَّهُنَّ جِنٌّ فَدَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِهَذا الاِحْتِراسِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ نَعْتٌ أوْ حالٌ مِن ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ .
ووَجْهُ الشَّبَهِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ في لَوْنِ الحُمْرَةِ المَحْمُودَةِ، أيْ حُمْرَةِ الخُدُودِ كَما يُشَبَّهُ الخَدُّ بِالوُرُدِ، ويُطْلَقُ الأحْمَرُ عَلى الأبْيَضِ فَمِنهُ حَدِيثُ بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، وقالَ عَبْدُ بَنِي الحَسّاسِ:
فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقَتْنِي ∗∗∗ ولَكِنَّ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ بِهِما في الصَّفاءِ واللَّمَعانِ.
الرحمن 55:59
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
كَرَّرَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فِيما عَلِمْتَ سابِقًا.
الرحمن 55:60
صفحة ٢٧١
﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ المَبْدُوءَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، أيْ لِأنَّهم أحْسَنُوا فَجازاهم رَبُّهم بِالإحْسانِ.
والإحْسانُ الأوَّلُ: الفِعْلُ الحَسَنُ، والإحْسانُ الثّانِي: إعْطاءُ الحَسَنِ وهو الخَيْرُ، فالأوَّلُ مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَنُوا في كَذا، والثّانِي مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَنَ إلى فُلانٍ.
والاِسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في النَّفْيِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالاِسْتِثْناءِ فَأفادَ حَصْرَ مُجازاةِ الإحْسانِ في أنَّها إحْسانٌ، وهَذا الحَصْرُ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِهِ الجَزاءَ الحَقَّ ومُقْتَضى الحِكْمَةِ والعَدْلِ، وإلّا فَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ لَدى الظّالِمِينَ، قالَ تَعالى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وقالَ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [الأعراف: ١٩٠] .
وعُلِمَ مِنهُ أنَّ جَزاءَ الإساءَةِ السُّوءُ قالَ تَعالى ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبإ: ٢٦] .
الرحمن 55:61
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
القَوْلُ فِيهِ مِثْلُ القَوْلِ في نَظائِرِهِ.
الرحمن 55:62
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ جَنَّتانِ، أيْ ومِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ جَنَّتانِ، أيْ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ.
ومَعْنى مِن دُونِهِما يُحْتَمَلُ أنَّ (دُونَ) بِمَعْنى (غَيْرَ)، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ
صفحة ٢٧٢
رَبِّهِ جَنَّتانِ وجَنَّتانِ أُخْرَيانِ غَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ووُصِفَ ما في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما يُقارِبُ ما وُصِفَ بِهِ ما في الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ وصْفًا سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ أيْضًا لِبَيانِ حُسْنِهِما تَرْغِيبًا في السَّعْيِ لِنَيْلِهِما بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُوجَبُ تَكْرِيرِ بَعْضِ الأوْصافِ أوْ ما يُقارِبُ مِنَ التَّكْرِيرِ بِالمُتَرادِفاتِ.
ويَكُونُ لِكُلِّ الجَنّاتِ الأرْبَعِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ لا يَنْتَقِلْنَ مِن قُصُورِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أقَلِّ، أيْ لِنُزُولِ المَرْتَبَةِ، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أقَلُّ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِطائِفَةٍ أُخْرى مِمَّنْ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ هم أقَلُّ مِنَ الأوَّلِينَ في دَرَجَةِ مَخافَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولَعَلَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِأصْحابِ اليَمِينِ الَّذِينَ ورَدَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الواقِعَةِ والجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها في قَوْلِهِ جَنَّتانِ. . . ذَواتا أفْنانٍ إلى آخِرِ الوَصْفِ جَنَّتا السّابِقَيْنِ الوارِدِ ذِكْرَهم قَوْلَهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الآياتِ.
ومُدْهامَّتانِ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّهْمَةِ بِضَمِّ الدّالِ وهي لَوْنُ السَّوادِ. ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ خُضْرَةِ أشْجارِهِما حَتّى تَكُونا بِالتِفافِ أشْجارِها وقُوَّةِ خُضْرَتِها كالسَّوْداوَيْنِ لِأنَّ الشَّجَرَ إذا كانَ رَيّانًا اشْتَدَّتْ خُضْرَةُ أوْراقِهِ حَتّى تَقْرُبَ مِنَ السَّوادِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى أبُو تَمامٍ ورَكَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ:
يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيا نَظَرَيْكُما تَرَيا وُجُوهَ الأرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ
تَرَيا نَهارًا مُشْمِسًا قَدْ شابَهَ ∗∗∗ زَهْرَ الرُّبى فَكَأنَّما هو مُقْمِرٌ
و (﴿نَضّاخَتانِ﴾): فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ في آخِرِهِ أقْوى مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ الَّذِي هو الرَّشُّ.
وقَدْ وصَفَ (العَيْنانِ) هُنا بِغَيْرِ ما وصَفَ بِهِ (العَيْنانِ) بِالجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُما صِنْفانِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الحُسْنِ يُشِيرُ اخْتِلافُهُما إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ في المَحاسِنِ ولِذَلِكَ جاءَ هُنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، وجاءَ فِيها تَقَدَّمَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . وقِيلَ: الوَصْفانِ سَواءُ، وعَلَيْهِ فالمُخالِفَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الأوْصافِ تَفَنُّنٌ.
صفحة ٢٧٣
وعَطْفُ (﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾) عَلى فاكِهَةٍ مِن بابِ عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ تَنْوِيهًا بِبَعْضِ أفْرادِ الجَنَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجاءَتْ جُمَلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ جَنَّتانِ وصِفاتِها اعْتِراضًا لِلْاِزْدِيادِ مِن تَكْرِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِمَن حُرِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ.
الرحمن 55:63
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ جَنَّتانِ، أيْ ومِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ جَنَّتانِ، أيْ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ.
ومَعْنى مِن دُونِهِما يُحْتَمَلُ أنَّ (دُونَ) بِمَعْنى (غَيْرَ)، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ
صفحة ٢٧٢
رَبِّهِ جَنَّتانِ وجَنَّتانِ أُخْرَيانِ غَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ووُصِفَ ما في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما يُقارِبُ ما وُصِفَ بِهِ ما في الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ وصْفًا سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ أيْضًا لِبَيانِ حُسْنِهِما تَرْغِيبًا في السَّعْيِ لِنَيْلِهِما بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُوجَبُ تَكْرِيرِ بَعْضِ الأوْصافِ أوْ ما يُقارِبُ مِنَ التَّكْرِيرِ بِالمُتَرادِفاتِ.
ويَكُونُ لِكُلِّ الجَنّاتِ الأرْبَعِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ لا يَنْتَقِلْنَ مِن قُصُورِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أقَلِّ، أيْ لِنُزُولِ المَرْتَبَةِ، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أقَلُّ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِطائِفَةٍ أُخْرى مِمَّنْ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ هم أقَلُّ مِنَ الأوَّلِينَ في دَرَجَةِ مَخافَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولَعَلَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِأصْحابِ اليَمِينِ الَّذِينَ ورَدَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الواقِعَةِ والجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها في قَوْلِهِ جَنَّتانِ. . . ذَواتا أفْنانٍ إلى آخِرِ الوَصْفِ جَنَّتا السّابِقَيْنِ الوارِدِ ذِكْرَهم قَوْلَهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الآياتِ.
ومُدْهامَّتانِ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّهْمَةِ بِضَمِّ الدّالِ وهي لَوْنُ السَّوادِ. ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ خُضْرَةِ أشْجارِهِما حَتّى تَكُونا بِالتِفافِ أشْجارِها وقُوَّةِ خُضْرَتِها كالسَّوْداوَيْنِ لِأنَّ الشَّجَرَ إذا كانَ رَيّانًا اشْتَدَّتْ خُضْرَةُ أوْراقِهِ حَتّى تَقْرُبَ مِنَ السَّوادِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى أبُو تَمامٍ ورَكَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ:
يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيا نَظَرَيْكُما تَرَيا وُجُوهَ الأرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ
تَرَيا نَهارًا مُشْمِسًا قَدْ شابَهَ ∗∗∗ زَهْرَ الرُّبى فَكَأنَّما هو مُقْمِرٌ
و (﴿نَضّاخَتانِ﴾): فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ في آخِرِهِ أقْوى مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ الَّذِي هو الرَّشُّ.
وقَدْ وصَفَ (العَيْنانِ) هُنا بِغَيْرِ ما وصَفَ بِهِ (العَيْنانِ) بِالجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُما صِنْفانِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الحُسْنِ يُشِيرُ اخْتِلافُهُما إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ في المَحاسِنِ ولِذَلِكَ جاءَ هُنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، وجاءَ فِيها تَقَدَّمَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . وقِيلَ: الوَصْفانِ سَواءُ، وعَلَيْهِ فالمُخالِفَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الأوْصافِ تَفَنُّنٌ.
صفحة ٢٧٣
وعَطْفُ (﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾) عَلى فاكِهَةٍ مِن بابِ عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ تَنْوِيهًا بِبَعْضِ أفْرادِ الجَنَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجاءَتْ جُمَلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ جَنَّتانِ وصِفاتِها اعْتِراضًا لِلْاِزْدِيادِ مِن تَكْرِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِمَن حُرِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ.
الرحمن 55:64
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ جَنَّتانِ، أيْ ومِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ جَنَّتانِ، أيْ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ.
ومَعْنى مِن دُونِهِما يُحْتَمَلُ أنَّ (دُونَ) بِمَعْنى (غَيْرَ)، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ
صفحة ٢٧٢
رَبِّهِ جَنَّتانِ وجَنَّتانِ أُخْرَيانِ غَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ووُصِفَ ما في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما يُقارِبُ ما وُصِفَ بِهِ ما في الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ وصْفًا سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ أيْضًا لِبَيانِ حُسْنِهِما تَرْغِيبًا في السَّعْيِ لِنَيْلِهِما بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُوجَبُ تَكْرِيرِ بَعْضِ الأوْصافِ أوْ ما يُقارِبُ مِنَ التَّكْرِيرِ بِالمُتَرادِفاتِ.
ويَكُونُ لِكُلِّ الجَنّاتِ الأرْبَعِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ لا يَنْتَقِلْنَ مِن قُصُورِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أقَلِّ، أيْ لِنُزُولِ المَرْتَبَةِ، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أقَلُّ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِطائِفَةٍ أُخْرى مِمَّنْ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ هم أقَلُّ مِنَ الأوَّلِينَ في دَرَجَةِ مَخافَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولَعَلَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِأصْحابِ اليَمِينِ الَّذِينَ ورَدَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الواقِعَةِ والجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها في قَوْلِهِ جَنَّتانِ. . . ذَواتا أفْنانٍ إلى آخِرِ الوَصْفِ جَنَّتا السّابِقَيْنِ الوارِدِ ذِكْرَهم قَوْلَهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الآياتِ.
ومُدْهامَّتانِ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّهْمَةِ بِضَمِّ الدّالِ وهي لَوْنُ السَّوادِ. ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ خُضْرَةِ أشْجارِهِما حَتّى تَكُونا بِالتِفافِ أشْجارِها وقُوَّةِ خُضْرَتِها كالسَّوْداوَيْنِ لِأنَّ الشَّجَرَ إذا كانَ رَيّانًا اشْتَدَّتْ خُضْرَةُ أوْراقِهِ حَتّى تَقْرُبَ مِنَ السَّوادِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى أبُو تَمامٍ ورَكَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ:
يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيا نَظَرَيْكُما تَرَيا وُجُوهَ الأرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ
تَرَيا نَهارًا مُشْمِسًا قَدْ شابَهَ ∗∗∗ زَهْرَ الرُّبى فَكَأنَّما هو مُقْمِرٌ
و (﴿نَضّاخَتانِ﴾): فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ في آخِرِهِ أقْوى مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ الَّذِي هو الرَّشُّ.
وقَدْ وصَفَ (العَيْنانِ) هُنا بِغَيْرِ ما وصَفَ بِهِ (العَيْنانِ) بِالجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُما صِنْفانِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الحُسْنِ يُشِيرُ اخْتِلافُهُما إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ في المَحاسِنِ ولِذَلِكَ جاءَ هُنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، وجاءَ فِيها تَقَدَّمَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . وقِيلَ: الوَصْفانِ سَواءُ، وعَلَيْهِ فالمُخالِفَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الأوْصافِ تَفَنُّنٌ.
صفحة ٢٧٣
وعَطْفُ (﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾) عَلى فاكِهَةٍ مِن بابِ عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ تَنْوِيهًا بِبَعْضِ أفْرادِ الجَنَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجاءَتْ جُمَلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ جَنَّتانِ وصِفاتِها اعْتِراضًا لِلْاِزْدِيادِ مِن تَكْرِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِمَن حُرِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ.
الرحمن 55:65
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ جَنَّتانِ، أيْ ومِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ جَنَّتانِ، أيْ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ.
ومَعْنى مِن دُونِهِما يُحْتَمَلُ أنَّ (دُونَ) بِمَعْنى (غَيْرَ)، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ
صفحة ٢٧٢
رَبِّهِ جَنَّتانِ وجَنَّتانِ أُخْرَيانِ غَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ووُصِفَ ما في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما يُقارِبُ ما وُصِفَ بِهِ ما في الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ وصْفًا سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ أيْضًا لِبَيانِ حُسْنِهِما تَرْغِيبًا في السَّعْيِ لِنَيْلِهِما بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُوجَبُ تَكْرِيرِ بَعْضِ الأوْصافِ أوْ ما يُقارِبُ مِنَ التَّكْرِيرِ بِالمُتَرادِفاتِ.
ويَكُونُ لِكُلِّ الجَنّاتِ الأرْبَعِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ لا يَنْتَقِلْنَ مِن قُصُورِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أقَلِّ، أيْ لِنُزُولِ المَرْتَبَةِ، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أقَلُّ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِطائِفَةٍ أُخْرى مِمَّنْ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ هم أقَلُّ مِنَ الأوَّلِينَ في دَرَجَةِ مَخافَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولَعَلَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِأصْحابِ اليَمِينِ الَّذِينَ ورَدَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الواقِعَةِ والجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها في قَوْلِهِ جَنَّتانِ. . . ذَواتا أفْنانٍ إلى آخِرِ الوَصْفِ جَنَّتا السّابِقَيْنِ الوارِدِ ذِكْرَهم قَوْلَهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الآياتِ.
ومُدْهامَّتانِ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّهْمَةِ بِضَمِّ الدّالِ وهي لَوْنُ السَّوادِ. ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ خُضْرَةِ أشْجارِهِما حَتّى تَكُونا بِالتِفافِ أشْجارِها وقُوَّةِ خُضْرَتِها كالسَّوْداوَيْنِ لِأنَّ الشَّجَرَ إذا كانَ رَيّانًا اشْتَدَّتْ خُضْرَةُ أوْراقِهِ حَتّى تَقْرُبَ مِنَ السَّوادِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى أبُو تَمامٍ ورَكَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ:
يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيا نَظَرَيْكُما تَرَيا وُجُوهَ الأرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ
تَرَيا نَهارًا مُشْمِسًا قَدْ شابَهَ ∗∗∗ زَهْرَ الرُّبى فَكَأنَّما هو مُقْمِرٌ
و (﴿نَضّاخَتانِ﴾): فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ في آخِرِهِ أقْوى مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ الَّذِي هو الرَّشُّ.
وقَدْ وصَفَ (العَيْنانِ) هُنا بِغَيْرِ ما وصَفَ بِهِ (العَيْنانِ) بِالجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُما صِنْفانِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الحُسْنِ يُشِيرُ اخْتِلافُهُما إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ في المَحاسِنِ ولِذَلِكَ جاءَ هُنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، وجاءَ فِيها تَقَدَّمَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . وقِيلَ: الوَصْفانِ سَواءُ، وعَلَيْهِ فالمُخالِفَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الأوْصافِ تَفَنُّنٌ.
صفحة ٢٧٣
وعَطْفُ (﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾) عَلى فاكِهَةٍ مِن بابِ عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ تَنْوِيهًا بِبَعْضِ أفْرادِ الجَنَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجاءَتْ جُمَلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ جَنَّتانِ وصِفاتِها اعْتِراضًا لِلْاِزْدِيادِ مِن تَكْرِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِمَن حُرِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ.
الرحمن 55:66
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ جَنَّتانِ، أيْ ومِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ جَنَّتانِ، أيْ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ.
ومَعْنى مِن دُونِهِما يُحْتَمَلُ أنَّ (دُونَ) بِمَعْنى (غَيْرَ)، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ
صفحة ٢٧٢
رَبِّهِ جَنَّتانِ وجَنَّتانِ أُخْرَيانِ غَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ووُصِفَ ما في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما يُقارِبُ ما وُصِفَ بِهِ ما في الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ وصْفًا سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ أيْضًا لِبَيانِ حُسْنِهِما تَرْغِيبًا في السَّعْيِ لِنَيْلِهِما بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُوجَبُ تَكْرِيرِ بَعْضِ الأوْصافِ أوْ ما يُقارِبُ مِنَ التَّكْرِيرِ بِالمُتَرادِفاتِ.
ويَكُونُ لِكُلِّ الجَنّاتِ الأرْبَعِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ لا يَنْتَقِلْنَ مِن قُصُورِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أقَلِّ، أيْ لِنُزُولِ المَرْتَبَةِ، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أقَلُّ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِطائِفَةٍ أُخْرى مِمَّنْ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ هم أقَلُّ مِنَ الأوَّلِينَ في دَرَجَةِ مَخافَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولَعَلَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِأصْحابِ اليَمِينِ الَّذِينَ ورَدَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الواقِعَةِ والجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها في قَوْلِهِ جَنَّتانِ. . . ذَواتا أفْنانٍ إلى آخِرِ الوَصْفِ جَنَّتا السّابِقَيْنِ الوارِدِ ذِكْرَهم قَوْلَهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الآياتِ.
ومُدْهامَّتانِ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّهْمَةِ بِضَمِّ الدّالِ وهي لَوْنُ السَّوادِ. ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ خُضْرَةِ أشْجارِهِما حَتّى تَكُونا بِالتِفافِ أشْجارِها وقُوَّةِ خُضْرَتِها كالسَّوْداوَيْنِ لِأنَّ الشَّجَرَ إذا كانَ رَيّانًا اشْتَدَّتْ خُضْرَةُ أوْراقِهِ حَتّى تَقْرُبَ مِنَ السَّوادِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى أبُو تَمامٍ ورَكَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ:
يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيا نَظَرَيْكُما تَرَيا وُجُوهَ الأرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ
تَرَيا نَهارًا مُشْمِسًا قَدْ شابَهَ ∗∗∗ زَهْرَ الرُّبى فَكَأنَّما هو مُقْمِرٌ
و (﴿نَضّاخَتانِ﴾): فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ في آخِرِهِ أقْوى مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ الَّذِي هو الرَّشُّ.
وقَدْ وصَفَ (العَيْنانِ) هُنا بِغَيْرِ ما وصَفَ بِهِ (العَيْنانِ) بِالجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُما صِنْفانِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الحُسْنِ يُشِيرُ اخْتِلافُهُما إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ في المَحاسِنِ ولِذَلِكَ جاءَ هُنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، وجاءَ فِيها تَقَدَّمَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . وقِيلَ: الوَصْفانِ سَواءُ، وعَلَيْهِ فالمُخالِفَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الأوْصافِ تَفَنُّنٌ.
صفحة ٢٧٣
وعَطْفُ (﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾) عَلى فاكِهَةٍ مِن بابِ عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ تَنْوِيهًا بِبَعْضِ أفْرادِ الجَنَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجاءَتْ جُمَلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ جَنَّتانِ وصِفاتِها اعْتِراضًا لِلْاِزْدِيادِ مِن تَكْرِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِمَن حُرِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ.
الرحمن 55:67
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ جَنَّتانِ، أيْ ومِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ جَنَّتانِ، أيْ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ.
ومَعْنى مِن دُونِهِما يُحْتَمَلُ أنَّ (دُونَ) بِمَعْنى (غَيْرَ)، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ
صفحة ٢٧٢
رَبِّهِ جَنَّتانِ وجَنَّتانِ أُخْرَيانِ غَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ووُصِفَ ما في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما يُقارِبُ ما وُصِفَ بِهِ ما في الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ وصْفًا سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ أيْضًا لِبَيانِ حُسْنِهِما تَرْغِيبًا في السَّعْيِ لِنَيْلِهِما بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُوجَبُ تَكْرِيرِ بَعْضِ الأوْصافِ أوْ ما يُقارِبُ مِنَ التَّكْرِيرِ بِالمُتَرادِفاتِ.
ويَكُونُ لِكُلِّ الجَنّاتِ الأرْبَعِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ لا يَنْتَقِلْنَ مِن قُصُورِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أقَلِّ، أيْ لِنُزُولِ المَرْتَبَةِ، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أقَلُّ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِطائِفَةٍ أُخْرى مِمَّنْ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ هم أقَلُّ مِنَ الأوَّلِينَ في دَرَجَةِ مَخافَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولَعَلَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِأصْحابِ اليَمِينِ الَّذِينَ ورَدَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الواقِعَةِ والجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها في قَوْلِهِ جَنَّتانِ. . . ذَواتا أفْنانٍ إلى آخِرِ الوَصْفِ جَنَّتا السّابِقَيْنِ الوارِدِ ذِكْرَهم قَوْلَهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الآياتِ.
ومُدْهامَّتانِ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّهْمَةِ بِضَمِّ الدّالِ وهي لَوْنُ السَّوادِ. ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ خُضْرَةِ أشْجارِهِما حَتّى تَكُونا بِالتِفافِ أشْجارِها وقُوَّةِ خُضْرَتِها كالسَّوْداوَيْنِ لِأنَّ الشَّجَرَ إذا كانَ رَيّانًا اشْتَدَّتْ خُضْرَةُ أوْراقِهِ حَتّى تَقْرُبَ مِنَ السَّوادِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى أبُو تَمامٍ ورَكَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ:
يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيا نَظَرَيْكُما تَرَيا وُجُوهَ الأرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ
تَرَيا نَهارًا مُشْمِسًا قَدْ شابَهَ ∗∗∗ زَهْرَ الرُّبى فَكَأنَّما هو مُقْمِرٌ
و (﴿نَضّاخَتانِ﴾): فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ في آخِرِهِ أقْوى مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ الَّذِي هو الرَّشُّ.
وقَدْ وصَفَ (العَيْنانِ) هُنا بِغَيْرِ ما وصَفَ بِهِ (العَيْنانِ) بِالجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُما صِنْفانِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الحُسْنِ يُشِيرُ اخْتِلافُهُما إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ في المَحاسِنِ ولِذَلِكَ جاءَ هُنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، وجاءَ فِيها تَقَدَّمَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . وقِيلَ: الوَصْفانِ سَواءُ، وعَلَيْهِ فالمُخالِفَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الأوْصافِ تَفَنُّنٌ.
صفحة ٢٧٣
وعَطْفُ (﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾) عَلى فاكِهَةٍ مِن بابِ عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ تَنْوِيهًا بِبَعْضِ أفْرادِ الجَنَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجاءَتْ جُمَلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ جَنَّتانِ وصِفاتِها اعْتِراضًا لِلْاِزْدِيادِ مِن تَكْرِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِمَن حُرِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ.
الرحمن 55:68
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ جَنَّتانِ، أيْ ومِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ جَنَّتانِ، أيْ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ.
ومَعْنى مِن دُونِهِما يُحْتَمَلُ أنَّ (دُونَ) بِمَعْنى (غَيْرَ)، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ
صفحة ٢٧٢
رَبِّهِ جَنَّتانِ وجَنَّتانِ أُخْرَيانِ غَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ووُصِفَ ما في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما يُقارِبُ ما وُصِفَ بِهِ ما في الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ وصْفًا سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ أيْضًا لِبَيانِ حُسْنِهِما تَرْغِيبًا في السَّعْيِ لِنَيْلِهِما بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُوجَبُ تَكْرِيرِ بَعْضِ الأوْصافِ أوْ ما يُقارِبُ مِنَ التَّكْرِيرِ بِالمُتَرادِفاتِ.
ويَكُونُ لِكُلِّ الجَنّاتِ الأرْبَعِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ لا يَنْتَقِلْنَ مِن قُصُورِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أقَلِّ، أيْ لِنُزُولِ المَرْتَبَةِ، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أقَلُّ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِطائِفَةٍ أُخْرى مِمَّنْ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ هم أقَلُّ مِنَ الأوَّلِينَ في دَرَجَةِ مَخافَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولَعَلَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِأصْحابِ اليَمِينِ الَّذِينَ ورَدَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الواقِعَةِ والجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها في قَوْلِهِ جَنَّتانِ. . . ذَواتا أفْنانٍ إلى آخِرِ الوَصْفِ جَنَّتا السّابِقَيْنِ الوارِدِ ذِكْرَهم قَوْلَهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الآياتِ.
ومُدْهامَّتانِ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّهْمَةِ بِضَمِّ الدّالِ وهي لَوْنُ السَّوادِ. ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ خُضْرَةِ أشْجارِهِما حَتّى تَكُونا بِالتِفافِ أشْجارِها وقُوَّةِ خُضْرَتِها كالسَّوْداوَيْنِ لِأنَّ الشَّجَرَ إذا كانَ رَيّانًا اشْتَدَّتْ خُضْرَةُ أوْراقِهِ حَتّى تَقْرُبَ مِنَ السَّوادِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى أبُو تَمامٍ ورَكَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ:
يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيا نَظَرَيْكُما تَرَيا وُجُوهَ الأرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ
تَرَيا نَهارًا مُشْمِسًا قَدْ شابَهَ ∗∗∗ زَهْرَ الرُّبى فَكَأنَّما هو مُقْمِرٌ
و (﴿نَضّاخَتانِ﴾): فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ في آخِرِهِ أقْوى مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ الَّذِي هو الرَّشُّ.
وقَدْ وصَفَ (العَيْنانِ) هُنا بِغَيْرِ ما وصَفَ بِهِ (العَيْنانِ) بِالجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُما صِنْفانِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الحُسْنِ يُشِيرُ اخْتِلافُهُما إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ في المَحاسِنِ ولِذَلِكَ جاءَ هُنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، وجاءَ فِيها تَقَدَّمَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . وقِيلَ: الوَصْفانِ سَواءُ، وعَلَيْهِ فالمُخالِفَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الأوْصافِ تَفَنُّنٌ.
صفحة ٢٧٣
وعَطْفُ (﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾) عَلى فاكِهَةٍ مِن بابِ عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ تَنْوِيهًا بِبَعْضِ أفْرادِ الجَنَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجاءَتْ جُمَلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ جَنَّتانِ وصِفاتِها اعْتِراضًا لِلْاِزْدِيادِ مِن تَكْرِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِمَن حُرِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ.
الرحمن 55:69
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ جَنَّتانِ، أيْ ومِن دُونِ تِينِكَ الجَنَّتَيْنِ جَنَّتانِ، أيْ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ.
ومَعْنى مِن دُونِهِما يُحْتَمَلُ أنَّ (دُونَ) بِمَعْنى (غَيْرَ)، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ
صفحة ٢٧٢
رَبِّهِ جَنَّتانِ وجَنَّتانِ أُخْرَيانِ غَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . ووُصِفَ ما في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما يُقارِبُ ما وُصِفَ بِهِ ما في الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ وصْفًا سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الإطْنابِ أيْضًا لِبَيانِ حُسْنِهِما تَرْغِيبًا في السَّعْيِ لِنَيْلِهِما بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مُوجَبُ تَكْرِيرِ بَعْضِ الأوْصافِ أوْ ما يُقارِبُ مِنَ التَّكْرِيرِ بِالمُتَرادِفاتِ.
ويَكُونُ لِكُلِّ الجَنّاتِ الأرْبَعِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ لا يَنْتَقِلْنَ مِن قُصُورِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أقَلِّ، أيْ لِنُزُولِ المَرْتَبَةِ، أيْ ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أقَلُّ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِطائِفَةٍ أُخْرى مِمَّنْ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ هم أقَلُّ مِنَ الأوَّلِينَ في دَرَجَةِ مَخافَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولَعَلَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ لِأصْحابِ اليَمِينِ الَّذِينَ ورَدَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الواقِعَةِ والجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَها في قَوْلِهِ جَنَّتانِ. . . ذَواتا أفْنانٍ إلى آخِرِ الوَصْفِ جَنَّتا السّابِقَيْنِ الوارِدِ ذِكْرَهم قَوْلَهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] الآياتِ.
ومُدْهامَّتانِ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّهْمَةِ بِضَمِّ الدّالِ وهي لَوْنُ السَّوادِ. ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ خُضْرَةِ أشْجارِهِما حَتّى تَكُونا بِالتِفافِ أشْجارِها وقُوَّةِ خُضْرَتِها كالسَّوْداوَيْنِ لِأنَّ الشَّجَرَ إذا كانَ رَيّانًا اشْتَدَّتْ خُضْرَةُ أوْراقِهِ حَتّى تَقْرُبَ مِنَ السَّوادِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى أبُو تَمامٍ ورَكَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ:
يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيا نَظَرَيْكُما تَرَيا وُجُوهَ الأرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ
تَرَيا نَهارًا مُشْمِسًا قَدْ شابَهَ ∗∗∗ زَهْرَ الرُّبى فَكَأنَّما هو مُقْمِرٌ
و (﴿نَضّاخَتانِ﴾): فَوّارَتانِ بِالماءِ، والنَّضْخُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ في آخِرِهِ أقْوى مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ الَّذِي هو الرَّشُّ.
وقَدْ وصَفَ (العَيْنانِ) هُنا بِغَيْرِ ما وصَفَ بِهِ (العَيْنانِ) بِالجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُما صِنْفانِ مُخْتَلِفانِ في أوْصافِ الحُسْنِ يُشِيرُ اخْتِلافُهُما إلى أنَّ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ في المَحاسِنِ ولِذَلِكَ جاءَ هُنا ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، وجاءَ فِيها تَقَدَّمَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . وقِيلَ: الوَصْفانِ سَواءُ، وعَلَيْهِ فالمُخالِفَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الأوْصافِ تَفَنُّنٌ.
صفحة ٢٧٣
وعَطْفُ (﴿ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾) عَلى فاكِهَةٍ مِن بابِ عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ تَنْوِيهًا بِبَعْضِ أفْرادِ الجَنَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ﴾ [البقرة: ٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجاءَتْ جُمَلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ جَنَّتانِ وصِفاتِها اعْتِراضًا لِلْاِزْدِيادِ مِن تَكْرِيرِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ لِمَن حُرِمُوا مِن تِلْكَ الجَنّاتِ.
الرحمن 55:70
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ .
ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى الجَنّاتِ الأرْبَعِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ والجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ فَصارَتْ لَهُ أرْبَعُ جَنّاتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْزِيعًا عَلى مَن خافُوا رَبَّهم كَما تَقَدَّمَ.
و(خَيْراتٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُناسِبُ صِيغَةَ الوَصْفِ، أيْ: نِساءٌ خَيْراتٌ، وخَيْراتٌ مُخَفَّفٌ مِن خَيِّراتٍ بِتَشْدِيدِ الياءِ مُؤَنَّثُ خَيْرٍ وهو المُخْتَصُّ بِأنَّ صِفَتَهُ الخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ. وخَفَّفَ في الآيَةِ طَلَبًا لِخِفَّةِ اللَّفْظِ مَعَ السَّلامَةِ مَعَ اللَّبْسِ بِما أتْبَعَ بِهِ ومِن وصْفِ حِسانٍ الَّذِي هو جَمْعُ حَسْناءَ كَما خَفَّفَ هَيِّنَ ولَيِّنَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
هَيْنُونَ لَيْنُونَ
ومَعْنى (﴿خَيْراتٌ﴾) أنَّهُنَّ فاضِلاتُ النَّفْسِ كَرائِمُ الأخْلاقِ.
ومَعْنى (﴿حِسانٌ﴾): أنَّهم حِسانُ الخَلْقِ، أيْ صِفاتِ الذَّواتِ.
و(﴿حُورٌ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿خَيْراتٌ﴾) . الحُورُ: جَمْعُ حَوْراءَ وهي ذاتُ الحَوَرِ بِفَتْحِ الواوِ، وهو وصْفٌ مُرَكَّبٌ مِن مَجْمُوعِ شِدَّةٍ بَياضِ أبْيَضِ العَيْنِ وشِدَّةِ سَوادِ أسْوَدِها وهو مِن مَحاسِنِ النِّساءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] في سُورَةِ الدُّخانِ.
صفحة ٢٧٤
ووَصَفَ نِساءَ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ بِ قاصِراتِ الطَّرْفِ. ووَصَفَ نِساءَ الجَنّاتِ الأرْبَعِ بِأنَّهُنَ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في الخِيامِ، فَعُلِمَ أنَّ الصِّفاتَ الثّابِتَةَ لِنِساءِ الجَنَّتَيْنِ واحِدَةٌ.
والمَقْصُوراتُ: اللّائِي قُصِرَتْ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَعُدُّونَ الأُنْسَ مَعَ أزْواجِهِنَّ، وهو مِن صِفاتِ التَّرَفِ في نِساءِ الدُّنْيا فَهُنَّ اللّائِي لا يَحْتَجْنَ إلى مُغادَرَةِ بِيُوتِهِنَّ لِخِدْمَةٍ أوْ وِرْدٍ أوِ اقْتِطافِ ثِمارٍ، أيْ هُنَّ مَخْدُوماتٌ مُكَرَّماتٌ كَما قالَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ:
ويُكْرِمُها جاراتُها فَيَزُرْنَها ∗∗∗ وتَعْتَلَّ عَنْ إتْيانِهِنَّ فَتُعَذَرْ
والخِيامُ: جَمْعُ خَيْمَةٍ وهي البَيْتُ، وأكْثَرُ ما تُقالُ عَلى البَيْتِ مَن أدَمٍ أوْ شَعْرٍ تُقامُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى بَيْتِ البِناءِ.
واعْتَرَضَ بِجُمْلَةِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِقَصْدِ التَّكْرِيرِ في كُلِّ مَكانٍ يَقْتَضِيهِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] آنِفًا.
الرحمن 55:71
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ .
ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى الجَنّاتِ الأرْبَعِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ والجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ فَصارَتْ لَهُ أرْبَعُ جَنّاتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْزِيعًا عَلى مَن خافُوا رَبَّهم كَما تَقَدَّمَ.
و(خَيْراتٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُناسِبُ صِيغَةَ الوَصْفِ، أيْ: نِساءٌ خَيْراتٌ، وخَيْراتٌ مُخَفَّفٌ مِن خَيِّراتٍ بِتَشْدِيدِ الياءِ مُؤَنَّثُ خَيْرٍ وهو المُخْتَصُّ بِأنَّ صِفَتَهُ الخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ. وخَفَّفَ في الآيَةِ طَلَبًا لِخِفَّةِ اللَّفْظِ مَعَ السَّلامَةِ مَعَ اللَّبْسِ بِما أتْبَعَ بِهِ ومِن وصْفِ حِسانٍ الَّذِي هو جَمْعُ حَسْناءَ كَما خَفَّفَ هَيِّنَ ولَيِّنَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
هَيْنُونَ لَيْنُونَ
ومَعْنى (﴿خَيْراتٌ﴾) أنَّهُنَّ فاضِلاتُ النَّفْسِ كَرائِمُ الأخْلاقِ.
ومَعْنى (﴿حِسانٌ﴾): أنَّهم حِسانُ الخَلْقِ، أيْ صِفاتِ الذَّواتِ.
و(﴿حُورٌ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿خَيْراتٌ﴾) . الحُورُ: جَمْعُ حَوْراءَ وهي ذاتُ الحَوَرِ بِفَتْحِ الواوِ، وهو وصْفٌ مُرَكَّبٌ مِن مَجْمُوعِ شِدَّةٍ بَياضِ أبْيَضِ العَيْنِ وشِدَّةِ سَوادِ أسْوَدِها وهو مِن مَحاسِنِ النِّساءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] في سُورَةِ الدُّخانِ.
صفحة ٢٧٤
ووَصَفَ نِساءَ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ بِ قاصِراتِ الطَّرْفِ. ووَصَفَ نِساءَ الجَنّاتِ الأرْبَعِ بِأنَّهُنَ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في الخِيامِ، فَعُلِمَ أنَّ الصِّفاتَ الثّابِتَةَ لِنِساءِ الجَنَّتَيْنِ واحِدَةٌ.
والمَقْصُوراتُ: اللّائِي قُصِرَتْ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَعُدُّونَ الأُنْسَ مَعَ أزْواجِهِنَّ، وهو مِن صِفاتِ التَّرَفِ في نِساءِ الدُّنْيا فَهُنَّ اللّائِي لا يَحْتَجْنَ إلى مُغادَرَةِ بِيُوتِهِنَّ لِخِدْمَةٍ أوْ وِرْدٍ أوِ اقْتِطافِ ثِمارٍ، أيْ هُنَّ مَخْدُوماتٌ مُكَرَّماتٌ كَما قالَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ:
ويُكْرِمُها جاراتُها فَيَزُرْنَها ∗∗∗ وتَعْتَلَّ عَنْ إتْيانِهِنَّ فَتُعَذَرْ
والخِيامُ: جَمْعُ خَيْمَةٍ وهي البَيْتُ، وأكْثَرُ ما تُقالُ عَلى البَيْتِ مَن أدَمٍ أوْ شَعْرٍ تُقامُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى بَيْتِ البِناءِ.
واعْتَرَضَ بِجُمْلَةِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِقَصْدِ التَّكْرِيرِ في كُلِّ مَكانٍ يَقْتَضِيهِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] آنِفًا.
الرحمن 55:72
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ .
ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى الجَنّاتِ الأرْبَعِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ والجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ فَصارَتْ لَهُ أرْبَعُ جَنّاتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْزِيعًا عَلى مَن خافُوا رَبَّهم كَما تَقَدَّمَ.
و(خَيْراتٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُناسِبُ صِيغَةَ الوَصْفِ، أيْ: نِساءٌ خَيْراتٌ، وخَيْراتٌ مُخَفَّفٌ مِن خَيِّراتٍ بِتَشْدِيدِ الياءِ مُؤَنَّثُ خَيْرٍ وهو المُخْتَصُّ بِأنَّ صِفَتَهُ الخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ. وخَفَّفَ في الآيَةِ طَلَبًا لِخِفَّةِ اللَّفْظِ مَعَ السَّلامَةِ مَعَ اللَّبْسِ بِما أتْبَعَ بِهِ ومِن وصْفِ حِسانٍ الَّذِي هو جَمْعُ حَسْناءَ كَما خَفَّفَ هَيِّنَ ولَيِّنَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
هَيْنُونَ لَيْنُونَ
ومَعْنى (﴿خَيْراتٌ﴾) أنَّهُنَّ فاضِلاتُ النَّفْسِ كَرائِمُ الأخْلاقِ.
ومَعْنى (﴿حِسانٌ﴾): أنَّهم حِسانُ الخَلْقِ، أيْ صِفاتِ الذَّواتِ.
و(﴿حُورٌ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿خَيْراتٌ﴾) . الحُورُ: جَمْعُ حَوْراءَ وهي ذاتُ الحَوَرِ بِفَتْحِ الواوِ، وهو وصْفٌ مُرَكَّبٌ مِن مَجْمُوعِ شِدَّةٍ بَياضِ أبْيَضِ العَيْنِ وشِدَّةِ سَوادِ أسْوَدِها وهو مِن مَحاسِنِ النِّساءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] في سُورَةِ الدُّخانِ.
صفحة ٢٧٤
ووَصَفَ نِساءَ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ بِ قاصِراتِ الطَّرْفِ. ووَصَفَ نِساءَ الجَنّاتِ الأرْبَعِ بِأنَّهُنَ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في الخِيامِ، فَعُلِمَ أنَّ الصِّفاتَ الثّابِتَةَ لِنِساءِ الجَنَّتَيْنِ واحِدَةٌ.
والمَقْصُوراتُ: اللّائِي قُصِرَتْ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَعُدُّونَ الأُنْسَ مَعَ أزْواجِهِنَّ، وهو مِن صِفاتِ التَّرَفِ في نِساءِ الدُّنْيا فَهُنَّ اللّائِي لا يَحْتَجْنَ إلى مُغادَرَةِ بِيُوتِهِنَّ لِخِدْمَةٍ أوْ وِرْدٍ أوِ اقْتِطافِ ثِمارٍ، أيْ هُنَّ مَخْدُوماتٌ مُكَرَّماتٌ كَما قالَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ:
ويُكْرِمُها جاراتُها فَيَزُرْنَها ∗∗∗ وتَعْتَلَّ عَنْ إتْيانِهِنَّ فَتُعَذَرْ
والخِيامُ: جَمْعُ خَيْمَةٍ وهي البَيْتُ، وأكْثَرُ ما تُقالُ عَلى البَيْتِ مَن أدَمٍ أوْ شَعْرٍ تُقامُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى بَيْتِ البِناءِ.
واعْتَرَضَ بِجُمْلَةِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِقَصْدِ التَّكْرِيرِ في كُلِّ مَكانٍ يَقْتَضِيهِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] آنِفًا.
الرحمن 55:73
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ .
ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى الجَنّاتِ الأرْبَعِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ والجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ فَصارَتْ لَهُ أرْبَعُ جَنّاتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْزِيعًا عَلى مَن خافُوا رَبَّهم كَما تَقَدَّمَ.
و(خَيْراتٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُناسِبُ صِيغَةَ الوَصْفِ، أيْ: نِساءٌ خَيْراتٌ، وخَيْراتٌ مُخَفَّفٌ مِن خَيِّراتٍ بِتَشْدِيدِ الياءِ مُؤَنَّثُ خَيْرٍ وهو المُخْتَصُّ بِأنَّ صِفَتَهُ الخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ. وخَفَّفَ في الآيَةِ طَلَبًا لِخِفَّةِ اللَّفْظِ مَعَ السَّلامَةِ مَعَ اللَّبْسِ بِما أتْبَعَ بِهِ ومِن وصْفِ حِسانٍ الَّذِي هو جَمْعُ حَسْناءَ كَما خَفَّفَ هَيِّنَ ولَيِّنَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
هَيْنُونَ لَيْنُونَ
ومَعْنى (﴿خَيْراتٌ﴾) أنَّهُنَّ فاضِلاتُ النَّفْسِ كَرائِمُ الأخْلاقِ.
ومَعْنى (﴿حِسانٌ﴾): أنَّهم حِسانُ الخَلْقِ، أيْ صِفاتِ الذَّواتِ.
و(﴿حُورٌ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿خَيْراتٌ﴾) . الحُورُ: جَمْعُ حَوْراءَ وهي ذاتُ الحَوَرِ بِفَتْحِ الواوِ، وهو وصْفٌ مُرَكَّبٌ مِن مَجْمُوعِ شِدَّةٍ بَياضِ أبْيَضِ العَيْنِ وشِدَّةِ سَوادِ أسْوَدِها وهو مِن مَحاسِنِ النِّساءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] في سُورَةِ الدُّخانِ.
صفحة ٢٧٤
ووَصَفَ نِساءَ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ بِ قاصِراتِ الطَّرْفِ. ووَصَفَ نِساءَ الجَنّاتِ الأرْبَعِ بِأنَّهُنَ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في الخِيامِ، فَعُلِمَ أنَّ الصِّفاتَ الثّابِتَةَ لِنِساءِ الجَنَّتَيْنِ واحِدَةٌ.
والمَقْصُوراتُ: اللّائِي قُصِرَتْ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَعُدُّونَ الأُنْسَ مَعَ أزْواجِهِنَّ، وهو مِن صِفاتِ التَّرَفِ في نِساءِ الدُّنْيا فَهُنَّ اللّائِي لا يَحْتَجْنَ إلى مُغادَرَةِ بِيُوتِهِنَّ لِخِدْمَةٍ أوْ وِرْدٍ أوِ اقْتِطافِ ثِمارٍ، أيْ هُنَّ مَخْدُوماتٌ مُكَرَّماتٌ كَما قالَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ:
ويُكْرِمُها جاراتُها فَيَزُرْنَها ∗∗∗ وتَعْتَلَّ عَنْ إتْيانِهِنَّ فَتُعَذَرْ
والخِيامُ: جَمْعُ خَيْمَةٍ وهي البَيْتُ، وأكْثَرُ ما تُقالُ عَلى البَيْتِ مَن أدَمٍ أوْ شَعْرٍ تُقامُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى بَيْتِ البِناءِ.
واعْتَرَضَ بِجُمْلَةِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِقَصْدِ التَّكْرِيرِ في كُلِّ مَكانٍ يَقْتَضِيهِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] آنِفًا.
الرحمن 55:74
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ .
ضَمِيرُ فِيهِنَّ عائِدٌ إلى الجَنّاتِ الأرْبَعِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ والجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن دُونِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ فَصارَتْ لَهُ أرْبَعُ جَنّاتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْزِيعًا عَلى مَن خافُوا رَبَّهم كَما تَقَدَّمَ.
و(خَيْراتٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُناسِبُ صِيغَةَ الوَصْفِ، أيْ: نِساءٌ خَيْراتٌ، وخَيْراتٌ مُخَفَّفٌ مِن خَيِّراتٍ بِتَشْدِيدِ الياءِ مُؤَنَّثُ خَيْرٍ وهو المُخْتَصُّ بِأنَّ صِفَتَهُ الخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ. وخَفَّفَ في الآيَةِ طَلَبًا لِخِفَّةِ اللَّفْظِ مَعَ السَّلامَةِ مَعَ اللَّبْسِ بِما أتْبَعَ بِهِ ومِن وصْفِ حِسانٍ الَّذِي هو جَمْعُ حَسْناءَ كَما خَفَّفَ هَيِّنَ ولَيِّنَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
هَيْنُونَ لَيْنُونَ
ومَعْنى (﴿خَيْراتٌ﴾) أنَّهُنَّ فاضِلاتُ النَّفْسِ كَرائِمُ الأخْلاقِ.
ومَعْنى (﴿حِسانٌ﴾): أنَّهم حِسانُ الخَلْقِ، أيْ صِفاتِ الذَّواتِ.
و(﴿حُورٌ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿خَيْراتٌ﴾) . الحُورُ: جَمْعُ حَوْراءَ وهي ذاتُ الحَوَرِ بِفَتْحِ الواوِ، وهو وصْفٌ مُرَكَّبٌ مِن مَجْمُوعِ شِدَّةٍ بَياضِ أبْيَضِ العَيْنِ وشِدَّةِ سَوادِ أسْوَدِها وهو مِن مَحاسِنِ النِّساءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] في سُورَةِ الدُّخانِ.
صفحة ٢٧٤
ووَصَفَ نِساءَ الجَنَّتَيْنِ الأوَّلِيَّيْنِ بِ قاصِراتِ الطَّرْفِ. ووَصَفَ نِساءَ الجَنّاتِ الأرْبَعِ بِأنَّهُنَ ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ في الخِيامِ، فَعُلِمَ أنَّ الصِّفاتَ الثّابِتَةَ لِنِساءِ الجَنَّتَيْنِ واحِدَةٌ.
والمَقْصُوراتُ: اللّائِي قُصِرَتْ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَعُدُّونَ الأُنْسَ مَعَ أزْواجِهِنَّ، وهو مِن صِفاتِ التَّرَفِ في نِساءِ الدُّنْيا فَهُنَّ اللّائِي لا يَحْتَجْنَ إلى مُغادَرَةِ بِيُوتِهِنَّ لِخِدْمَةٍ أوْ وِرْدٍ أوِ اقْتِطافِ ثِمارٍ، أيْ هُنَّ مَخْدُوماتٌ مُكَرَّماتٌ كَما قالَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ:
ويُكْرِمُها جاراتُها فَيَزُرْنَها ∗∗∗ وتَعْتَلَّ عَنْ إتْيانِهِنَّ فَتُعَذَرْ
والخِيامُ: جَمْعُ خَيْمَةٍ وهي البَيْتُ، وأكْثَرُ ما تُقالُ عَلى البَيْتِ مَن أدَمٍ أوْ شَعْرٍ تُقامُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى العَمَدِ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى بَيْتِ البِناءِ.
واعْتَرَضَ بِجُمْلَةِ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ لِقَصْدِ التَّكْرِيرِ في كُلِّ مَكانٍ يَقْتَضِيهِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] آنِفًا.
الرحمن 55:75
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
تَكْرِيرٌ في آخِرِ الأوْصافِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.
الرحمن 55:76
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حَسانٍ﴾ .
و(مُتَّكِئِينَ): حالٌ مِن ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] كُرِّرَتْ بِدُونَ عَطْفٍ لِأنَّها في مَقامِ تَعْدادِ النِّعَمِ وهو مَقامٌ يَقْتَضِي التَّكْرِيرَ اسْتِئْنافًا.
والرَّفْرَفُ: ضَرْبٌ مِنَ البُسُطِ، وهو اسْمٌ جَمْعُ رَفْرَفَةٍ، وهو ما يُبْسَطُ عَلى الفِراشِ لِيُنامَ عَلَيْهِ، وهي تُنْسَجُ عَلى شِبْهِ الرِّياضِ ويَغْلُبُ عَلَيْها اللَّوْنُ الأخْضَرُ، ولِذَلِكَ شَبَّهَ ذُو الرُّمَّةِ الرِّياضَ بِالبُسُطِ العَبْقَرِيَّةِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٢٧٥
حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسَها مِن وشْيِ عَبْقَرٍ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ
فَوَصْفُها في الآيَةِ بِأنَّها (خُضْرٍ) وصْفٌ كاشِفٌ لِاسْتِحْضارِ اللَّوْنِ الأخْضَرِ لِأنَّهُ يَسُرُّ النّاظِرَ.
وكانَتِ الثِّيابُ الخُضْرُ عَزِيزَةٌ وهي لِباسُ المُلُوكِ والكُبَراءِ، وقالَ النّابِغَةُ:
يَصُونُونَ أجْسادًا قَدِيمًا نَعِيمُها ∗∗∗ بِخالِصَةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَناكِبِ
وكانَتِ الثِّيابُ مَصْبُوغَةً بِالألْوانِ الثّابِتَةِ الَّتِي لا يُزِيلُها الغَسْلُ نادِرًا لِقِلَّةِ الأصْباغِ الثّابِتَةِ ولا تَكادُ تَعْدُو الأخْضَرَ والأحْمَرَ ويُسَمّى الأُرْجُوانِيَّ.
وأمّا المُتَداوَلُ مِن أصْباغِ الثِّيابِ عِنْدَ العَرَبِ فَهو ما صُبِغَ بِالوَرَسِ والزَّعْفَرانِ فَيَكُونُ أصْفَرَ، وما عَدا ذَلِكَ فَإنَّما لَوْنُهُ لَوْنُ ما يُنْسَجُ مِنهُ مِن صُوفِ الغَنَمِ أبْيَضَ أوْ أسْوَدَ أوْ مِن وبَرٍ أوْ مِن كَتّانٍ أبْيَضَ أوْ كانَ مِن شِعْرِ المَعِزِ الأسْوَدِ.
و(﴿حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]): جَمْعُ حَسْناءُ وهو صِفَةٌ لِ رَفْرَفٍ إذْ هو اسْمُ جَمْعٍ.
(﴿وعَبْقَرِيٍّ﴾): وصْفٌ لِما كانَ فائِقًا في صِنْفِهِ عَزِيزَ الوُجُودِ وهو نِسْبَةٌ إلى عَبْقَرٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتَحَ اسْمَ بِلادِ الجِنِّ في مُعْتَقَدِ العَرَبِ فَنَسَبُوا إلَيْهِ كُلَّ ما تَجاوَزَ العادَةَ في الإتْقانِ والحُسْنِ، حَتّى كَأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأصْنافِ المَعْرُوفَةِ في أرْضِ البَشَرِ، قالَ زُهَيْرٌ:
بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا ويَسْتَعْلُوا
فَشاعَ ذَلِكَ فَصارَ العَبْقَرِيُّ وصْفًا لِلْفائِقِ في صِنْفِهِ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ فِيما حَكاهُ مِن رُؤْيا القَلِيبِ الَّذِي اسْتَسْقى مِنهُ ثُمَّ أخَذَها (أيِ الذُّنُوبِ) عُمَرُ فاسْتَحالَتْ غَرْبًا فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ.
وإلى هَذا أشارَ المَعَرِّيُّ بِقَوْلِهِ:
وقَدْ كانَ أرْبابُ الفَصاحَةِ كُلَّما ∗∗∗ رَأوْا حُسْنًا عَدُّوهُ مِن صَنْعَةِ الجِنِّ
فَضَرَبَهُ القُرْآنُ مَثَلًا لِما هو مَأْلُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ في إطْلاقِهِ.
الرحمن 55:77
صفحة ٢٧٦
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ آخِرُ الجُمَلِ المُكَرَّرَةِ وبِها انْتَهى الكَّلامُ المَسُوقُ لِلْاِسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإنْعامِ والتَّصَرُّفِ.
الرحمن 55:78
﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ .
إيذانٌ بِانْتِهاءِ الكَلامِ وفَذْلَكَةً لِما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى ونَعْمائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والكَّلامُ: إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ تَعالى مَبالِغٍ فِيهِ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ الَّتِي إذا كانَ فِعْلُها غَيْرَ صادِرٍ مِنِ اثْنَيْنِ فالمَقْصُودُ مِنها المُبالَغَةُ.
والمَعْنى: وصَفُهُ تَعالى بِكَمالِ البَرَكَةِ، والبَرَكَةُ: الخَيْرُ العَظِيمُ والنَّفْعُ، وقَدْ تُطْلَقُ البَرَكَةُ عَلى عُلُوِّ الشَّأْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ الفُرْقانِ.
والاِسْمُ ما دَلَّ عَلى ذاتٍ سَواءَ كانَ عَلَمًا مِثْلَ لَفْظِ اللَّهِ أوْ كانَ صِفَةً مِثْلَ الصِّفاتِ العُلى وهي الأسْماءُ الحُسْنى، فَأيُّ اسْمٍ قَدَّرْتَ مِن أسْماءِ اللَّهِ فَهو دالٌّ عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى.
وأسْنَدَ تَبارَكَ إلى اسْمٍ وهو ما يُعْرَفُ بِهِ المُسَمّى دُونَ أنْ يَقُولَ: تَبارَكَ رَبُّكَ، كَما قالَ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ [الفرقان: ١] وكَما قالَ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قَصَدَ المُبالَغَةَ في قَوْلِهِ تَعالى بِصِفَةِ البَرَكَةِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ لِأنَّها أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ كَما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ المَعانِي، وأطْبَقَ عَلَيْهِ البُلَغاءُ لِأنَّهُ إذا كانَ اسْمُهُ قَدْ تَبارَكَ فَإنَّ ذاتَهُ تَبارَكَتْ لا مَحالَةَ لِأنَّ الاِسْمَ دالٌّ عَلى المُسَمّى، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] فَإنَّهُ إذا كانَ التَّنْزِيهُ مُتَعَلِّقًا بِاسْمِهِ فَتَعَلُّقُ التَّنْزِيهِ بِذاتِهِ أوْلى ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] عَلى التَّأْوِيلِ الشّامِلِ، وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:
فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحْرِمٍ
أرادَ فَشَكَكْتُهُ بِالرُّمْحِ.
صفحة ٢٧٧
وأمّا قَوْلُهُ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] فَهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] عَلى أنَّ المُرادَ أنْ يَقُولَ كَلامًا فِيهِ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ويَحْتَمِلُ زِيادَةَ الباءِ فَيَكُونُ مُساوِيًا لِقَوْلِهِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] .
وهَذِهِ الكِنايَةُ مِن دَقائِقِ الكَلامِ كَقَوْلِهِمْ: لا يَتَعَلَّقُ الشَّكُّ بِأطْرافِهِ وقَوْلِ. . .:
يَبِيتُ بِنَجاةٍ مِنَ اللُّؤْمِ بَيْتُها ∗∗∗ إذا ما بُيُوتٌ بِالمَلامَةِ حَلَّتْ
ونَظِيرُ هَذا في التَّنْزِيهِ أنَّ القُرْآنَ يَقْرَأُ ألْفاظَهُ مِن لَيْسَ بِمُتَوَضِّئٍ ولا يُمْسِكُ المُصْحَفَ إلّا المُتَوَضِّئُ عِنْدَ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ.
فَذِكْرُ (اسْمُ) في قَوْلِهِ ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ مُراعًى فِيهِ أنَّ ما عُدِّدَ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى ونِعَمِهِ وإفْضالِهِ لا تُحِيطُ بِهِ العِبارَةُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ إذْ هي أقْصى ما تَسْمَحُ بِهِ اللُّغَةُ في التَّعْبِيرِ، لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّهم مَحْقُوقُونَ لِلَّهِ تَعالى بِشُكْرٍ يُوازِي عِظَمَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ.
وفِي اسْتِحْضارِ الجَلالَةِ بِعُنْوانِ (رَبِّ) مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ وهو النَّبِيءُ ﷺ إشارَةٌ إلى ما في مَعْنى الرَّبِّ مِنَ السِّيادَةِ المَشُوبَةِ بِالرَّأْفَةِ والتَّنْمِيَةِ، وإلى ما في الإضافَةِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُضافِ إلَيْهِ وإلى كَوْنِ النَّبِيءِ ﷺ هو الواسِطَةُ في حُصُولِ تِلْكَ الخَيِّراتِ لِلَّذِينِ خافُوا مَقامَ رَبِّهِمْ بِما بَلَّغَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ الهُدى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ذِي الجَلالِ) بِالياءِ مَجْرُورًا صِفَةً لِ رَبِّكَ وهو كَذَلِكَ مَرْسُومٌ في غَيْرِ المُصْحَفِ الشّامِيِّ. وقَرَأهُ، ابْنُ عامِرٍ، (ذُو الجَلالِ) صِفَةً لِ (اسْمُ) كَما في قَوْلِهِ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في غَيْرِ مُصْحَفِ أهْلِ الشّامِ. والمَعْنى واحِدٌ عَلى الاِعْتِبارَيْنِ.
ولَكِنَّ إجْماعَ القُرّاءِ عَلى رَفْعِ (ذُو الجَلالِ) الواقِعِ مَوْقِعَ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] واخْتِلافُ الرِّوايَةِ في جَرِّ ﴿ذِي الجَلالِ﴾ هُنا يُشْعِرُ بِأنَّ لَفْظَ (وجْهُ) أقْوى دَلالَةٍ عَلى الذّاتِ مَن لَفْظِ (اسْمُ) لِما عَلِمْتَ مِن جَوازِ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَرَيانَ البَرَكَةِ
صفحة ٢٧٨
عَلى التَّلَفُّظِ بِأسْماءِ اللَّهِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] فَذَلِكَ مِن حِكْمَةِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ.
والجَلالُ: العَظَمَةُ، وهو جامِعٌ لِصِفاتِ الكَمالِ اللّائِقَةِ بِهِ تَعالى. والإكْرامُ: إسْداءُ النِّعْمَةِ والخَيْرِ، فَهو إذْنٌ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ والشُّكْرِ.
* * *
صفحة ٢٧٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الواقِعَةِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الواقِعَةُ بِتَسْمِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ .
رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتُ، قالَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ، والواقِعَةُ، والمُرْسَلاتُ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ، وإذا الشَّمْسُ كَوِّرَتْ» وقالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ورَوى ابْنُ وهْبٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا»، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في عَصْرِ الصَّحابَةِ. رَوى أحْمَدُ «عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْرَأُ في الفَجْرِ الواقِعَةَ ونَحْوَها مِنَ السُّورِ» .
وهَكَذا سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ السُّنَّةِ فَلا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرُ هَذا.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِاجْتِماعِ مَن يَعْتَدُّ بِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ فِيها آياتٌ مَدَنِيَّةٌ، أيْ نَزَلَتْ في السَّفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ اهـ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا أرْبَعَ آياتٍ: اثْنَتانِ نَزَلَتا في سَفَرِ النَّبِيءِ ﷺ إلى مَكَّةَ وهُما ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، واثْنَتانِ نَزَلَتا في سَفَرِهِ إلى المَدِينَةِ وهُما ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.
صفحة ٢٨٠
وهِيَ السُّورَةُ السّادِسَةُ والأرْبَعُونَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ طه وقَبْلَ سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وقَدْ عَدَّ أهْلُ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ آيُّها تِسْعًا وتِسْعِينَ وعَدَّها أهَّلُ البَصْرَةِ سَبْعًا وتِسْعِينَ وأهْلُ الكُوفَةِ سِتًّا وتِسْعِينَ.
وهَذِهِ السُّورَةُ جامِعَةٌ لِلتَّذْكِيرِ قالَ مَسْرُوقٌ: مَن أرادَ أنْ يَعْلَمَ نَبَأً الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ونَبَأً أهْلِ الجَنَّةِ ونَبَأً أهْلِ النّارِ ونَبَأً أهْلِ الدُّنْيا ونَبَأً أهْلِ الآخِرَةِ فَلْيَقْرَأْ سُورَةَ الواقِعَةِ اهـ.
* * *
التَّذْكِيرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وتَحْقِيقُ وُقُوعِهِ.
ووَصْفُ ما يُعْرَضُ وهَذا العالِمِ الأرْضِيِّ عِنْدَ ساعَةِ القِيامَةِ.
ثُمَّ صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ وبَعْضُ نَعِيمِهِمْ.
وصِفَةُ أهْلِ النّارِ وما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ وأنَّ ذَلِكَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ. وإثْباتُ الحَشْرِ والجَزاءِ والاِسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي بِما أبْدَعَهُ اللَّهُ مِنَ المَوْجُوداتِ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ.
والاِسْتِدْلالُ بِدَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والاِسْتِدْلالُ بِنَزْعِ اللَّهِ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ والنّاسُ كارِهُونَ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مَنَعَها مِنَ الخُرُوجِ، عَلى أنَّ الَّذِي قَدِرَ عَلى نَزْعِها بِدُونِ مُدافِعٍ قادِرٌ عَلى إرْجاعِها مَتى أرادَ أنْ يُمِيتَهم.
وتَأْكِيدُ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّهُ نِعْمَةٌ أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَشْكُرُوها وكَذَّبُوا بِما فِيهِ.
الواقعة 56:1
صفحة ٢٨١
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ .
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالظَّرْفِ المُتَضَمِّنِ الشَّرْطَ، افْتِتاحٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ يَسْتَرْعِي الألْبابَ لِتَرَقُّبِ ما بَعْدَ هَذا الشَّرْطِ الزَّمانِيِّ مَعَ ما في الاِسْمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مِنَ التَّهْوِيلِ بِتَوَقُّعِ حَدَثٍ عَظِيمٍ يَحْدُثُ.
و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ إلَخْ وقَوْلُهُ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] إلَخْ وقَوْلُهُ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] إلَخْ. وضَمَّنَ (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ إلَخْ وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] إلَخْ.
والجَوابُ قَوْلُهُ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩]، فَيُفِيدُ جَوابًا لِلشَّرْطِ ويُفِيدُ تَفْصِيلَ جُمْلَةِ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنَيَيْنِ: رَبَطِ الجَوابِ، والتَّفْرِيعِ، وتَكُونُ جُمْلَةً ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ وما بَعْدَهُ اعْتِراضًا.
والواقِعَةُ أصْلُها: الحادِثَةُ الَّتِي وقَعَتْ، أيْ حَصَلَتْ، يُقالُ: وقَعَ أمْرٌ، أيْ حَصَلَ كَما يُقالُ: صَدَقُ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِلْواقِعِ، أيْ كَوْنِ المَعْنى المَفْهُومِ مِنهُ مُوافِقًا لِمُسَمّى ذَلِكَ المَعْنى في الوُجُودِ الحاصِلِ أوِ التَّوَقُّعِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ المَعْنى، ومِن ذَلِكَ حادِثَةُ الحَرْبِ يُقالُ: واقِعَةُ ذِي قارٍ، وواقِعَةُ القادِسِيَّةِ.
فَراعَوْا في تَأْنِيثِها مَعْنى الحادِثَةِ أوِ الكائِنَةِ أوِ السّاعَةِ، وهو تَأْنِيثٌ كَثِيرٌ في اللُّغَةِ جارٍ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ لا يَكُونُونَ راعَوْا فِيهِ إلّا مَعْنى الحادِثَةِ أوِ السّاعَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم: دارَتْ عَلَيْهِ الدّائِرَةُ، قالَ تَعالى ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] وقالَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ.
والمُرادُ بِالواقِعَةِ هُنا القِيامَةُ فَجُعِلَ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا لَها بِالغَلَبَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، قالَ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] كَما سُمِّيَتِ الصّاخَّةُ والطّامَّةُ والآزِفَةُ،
صفحة ٢٨٢
أيِ السّاعَةِ الواقِعَةِ. وبِهَذا الاِعْتِبارِ صارَ في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ مُحْسِنُ التَّجْنِيسِ.
والواقِعَةُ: المَوْصُوفَةُ بِالوُقُوعِ، وهو الحُدُوثُ.
وكاذِبَةٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِن كَذَبَ المُجَرَّدُ، جَرى عَلى التَّأْنِيثِ لِلدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ. وتَقْدِيرُهُ هُنا نَفْسٌ، أيْ تَنْتَفِي كُلُّ نَفْسٍ كاذِبَةٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَذَبَ اللّازِمِ إذا قالَ خِلافَ ما في نَفْسِ الأمْرِ وذَلِكَ أنَّ مُنْكِرِي القِيامَةِ يَقُولُونَ: لا تَقَعُ القِيامَةُ فَيَكْذِبُونَ في ذَلِكَ فَإذا وقَعَتِ الواقِعَةُ آمَنَتِ النُّفُوسُ كُلُّها بِوُقُوعِها فَلَمْ تَبْقَ نَفْسٌ تُكَذِّبُ، أيْ في شَأْنِها أوْ في الإخْبارِ عَنْها. وذَلِكَ التَّقْدِيرُ كُلُّهُ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَذَبَ المُتَعَدِّي مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِمْ كَذَبَتْ فَلانا نَفْسُهُ، أيْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ، أيْ: رَأْيُهُ بِحَدِيثِ كَذِبٍ وذَلِكَ أنَّ اعْتِقادَ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ اعْتِقادٌ سَوَّلَهُ لَهُ عَقْلُهُ القاصِرُ فَكَأنَّ نَفْسَهْ حَدَّثَتْهُ حَدِيثًا كَذَّبَتْهُ بِهِ، ويَقُولُونَ: كَذَبَتْ فَلانا نَفْسُهُ في الخَطْبِ العَظِيمِ، إذا أقْدَمَ عَلَيْهِ فَأخْفَقَ كَأنَّ نَفْسَهُ لَمّا شَجَّعَتْهُ عَلى اقْتِحامِهِ قَدْ قالَتْ لَهُ: إنَّكَ تُطِيقُهُ فَتَعْرِضُ لَهُ ولا تُبالِ بِهِ فَإنَّكَ مُذَلِّلُهُ فَإذا تَبَيَّنَ لَهُ عَجْزُهُ فَكَأنَّ نَفْسَهُ أخْبَرَتْهُ بِما لا يَكُونُ فَقَدْ كَذَّبَتْهُ، كَما يُقالُ: كَذَّبَتْهُ عَيْنُهُ إذا تَخَيَّلَ مَرْئِيًّا ولَمْ يَكُنْ.
والمَعْنى: إذا وقَعَتِ القِيامَةُ تَحَقَّقَ مُنْكِرُوها ذَلِكَ فَأقْلَعُوا عَنِ اعْتِقادِهِمْ أنَّها لا تَقَعُ وعَلِمُوا أنَّهم ضَلُّوا في اسْتِدْلالِهِمْ وهَذا وعِيدٌ بِتَحْذِيرِ المُنْكِرِينَ لِلْقِيامِةِ مِن خِزْيِ الخَيْبَةِ وسَفاهَةِ الرَّأْيِ بَيْنَ أهْلِ الحَشْرِ.
وإطْلاقُ صِفَةِ الكَذِبِ في جَمِيعِ هَذا اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ السَّبَبِ لِلْفِعْلِ غَيْرِ المُثْمِرِ بِالمُخْبِرِ بِحَدِيثِ كَذِبٍ أوْ تَشْبِيهِ التَّسَبُّبِ بِالقَوْلِ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَذِبُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ فَكَما جازَ أنْ يَتَّسِعَ في القَوْلِ في غَيْرِ نُطْقٍ نَحْوِ قَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
قَدْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِّ
صفحة ٢٨٣
جازَ في الكَذِبِ أنْ يُجْعَلَ في غَيْرِ نُطْقٍ نَحْوَ:
بِأنْ كَذَبَ القَراطِفُ والقَرُوفُ
.
واللّامُ في لِوَقْعَتِها لامُ التَّوْقِيتِ نَحْوُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . وقَوْلُهم: كَتَبْتُهُ لِكَذا مَن شَهْرِ كَذا، وهي بِمَعْنى عِنْدَ وأصْلُها لامُ الاِخْتِصاصِ شاعَ اسْتِعْمالُها في اخْتِصاصِ المُوَقَّتِ بِوَقْتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وهو تَوَسُّعٌ في مَعْنى الاِخْتِصاصِ بِحَيْثُ تُنُوسِيَ أصْلُ المَعْنى. وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُ الأعْمالِ أفْضَلُ فَقالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها» . وهَذا الاِسْتِعْمالُ غَيْرُ الاِسْتِعْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] .
الواقعة 56:2
صفحة ٢٨١
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ .
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالظَّرْفِ المُتَضَمِّنِ الشَّرْطَ، افْتِتاحٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ يَسْتَرْعِي الألْبابَ لِتَرَقُّبِ ما بَعْدَ هَذا الشَّرْطِ الزَّمانِيِّ مَعَ ما في الاِسْمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مِنَ التَّهْوِيلِ بِتَوَقُّعِ حَدَثٍ عَظِيمٍ يَحْدُثُ.
و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ إلَخْ وقَوْلُهُ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] إلَخْ وقَوْلُهُ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] إلَخْ. وضَمَّنَ (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ إلَخْ وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] إلَخْ.
والجَوابُ قَوْلُهُ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩]، فَيُفِيدُ جَوابًا لِلشَّرْطِ ويُفِيدُ تَفْصِيلَ جُمْلَةِ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنَيَيْنِ: رَبَطِ الجَوابِ، والتَّفْرِيعِ، وتَكُونُ جُمْلَةً ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ وما بَعْدَهُ اعْتِراضًا.
والواقِعَةُ أصْلُها: الحادِثَةُ الَّتِي وقَعَتْ، أيْ حَصَلَتْ، يُقالُ: وقَعَ أمْرٌ، أيْ حَصَلَ كَما يُقالُ: صَدَقُ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِلْواقِعِ، أيْ كَوْنِ المَعْنى المَفْهُومِ مِنهُ مُوافِقًا لِمُسَمّى ذَلِكَ المَعْنى في الوُجُودِ الحاصِلِ أوِ التَّوَقُّعِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ المَعْنى، ومِن ذَلِكَ حادِثَةُ الحَرْبِ يُقالُ: واقِعَةُ ذِي قارٍ، وواقِعَةُ القادِسِيَّةِ.
فَراعَوْا في تَأْنِيثِها مَعْنى الحادِثَةِ أوِ الكائِنَةِ أوِ السّاعَةِ، وهو تَأْنِيثٌ كَثِيرٌ في اللُّغَةِ جارٍ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ لا يَكُونُونَ راعَوْا فِيهِ إلّا مَعْنى الحادِثَةِ أوِ السّاعَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم: دارَتْ عَلَيْهِ الدّائِرَةُ، قالَ تَعالى ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] وقالَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ.
والمُرادُ بِالواقِعَةِ هُنا القِيامَةُ فَجُعِلَ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا لَها بِالغَلَبَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، قالَ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] كَما سُمِّيَتِ الصّاخَّةُ والطّامَّةُ والآزِفَةُ،
صفحة ٢٨٢
أيِ السّاعَةِ الواقِعَةِ. وبِهَذا الاِعْتِبارِ صارَ في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ مُحْسِنُ التَّجْنِيسِ.
والواقِعَةُ: المَوْصُوفَةُ بِالوُقُوعِ، وهو الحُدُوثُ.
وكاذِبَةٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِن كَذَبَ المُجَرَّدُ، جَرى عَلى التَّأْنِيثِ لِلدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ. وتَقْدِيرُهُ هُنا نَفْسٌ، أيْ تَنْتَفِي كُلُّ نَفْسٍ كاذِبَةٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَذَبَ اللّازِمِ إذا قالَ خِلافَ ما في نَفْسِ الأمْرِ وذَلِكَ أنَّ مُنْكِرِي القِيامَةِ يَقُولُونَ: لا تَقَعُ القِيامَةُ فَيَكْذِبُونَ في ذَلِكَ فَإذا وقَعَتِ الواقِعَةُ آمَنَتِ النُّفُوسُ كُلُّها بِوُقُوعِها فَلَمْ تَبْقَ نَفْسٌ تُكَذِّبُ، أيْ في شَأْنِها أوْ في الإخْبارِ عَنْها. وذَلِكَ التَّقْدِيرُ كُلُّهُ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَذَبَ المُتَعَدِّي مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِمْ كَذَبَتْ فَلانا نَفْسُهُ، أيْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ، أيْ: رَأْيُهُ بِحَدِيثِ كَذِبٍ وذَلِكَ أنَّ اعْتِقادَ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ اعْتِقادٌ سَوَّلَهُ لَهُ عَقْلُهُ القاصِرُ فَكَأنَّ نَفْسَهْ حَدَّثَتْهُ حَدِيثًا كَذَّبَتْهُ بِهِ، ويَقُولُونَ: كَذَبَتْ فَلانا نَفْسُهُ في الخَطْبِ العَظِيمِ، إذا أقْدَمَ عَلَيْهِ فَأخْفَقَ كَأنَّ نَفْسَهُ لَمّا شَجَّعَتْهُ عَلى اقْتِحامِهِ قَدْ قالَتْ لَهُ: إنَّكَ تُطِيقُهُ فَتَعْرِضُ لَهُ ولا تُبالِ بِهِ فَإنَّكَ مُذَلِّلُهُ فَإذا تَبَيَّنَ لَهُ عَجْزُهُ فَكَأنَّ نَفْسَهُ أخْبَرَتْهُ بِما لا يَكُونُ فَقَدْ كَذَّبَتْهُ، كَما يُقالُ: كَذَّبَتْهُ عَيْنُهُ إذا تَخَيَّلَ مَرْئِيًّا ولَمْ يَكُنْ.
والمَعْنى: إذا وقَعَتِ القِيامَةُ تَحَقَّقَ مُنْكِرُوها ذَلِكَ فَأقْلَعُوا عَنِ اعْتِقادِهِمْ أنَّها لا تَقَعُ وعَلِمُوا أنَّهم ضَلُّوا في اسْتِدْلالِهِمْ وهَذا وعِيدٌ بِتَحْذِيرِ المُنْكِرِينَ لِلْقِيامِةِ مِن خِزْيِ الخَيْبَةِ وسَفاهَةِ الرَّأْيِ بَيْنَ أهْلِ الحَشْرِ.
وإطْلاقُ صِفَةِ الكَذِبِ في جَمِيعِ هَذا اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ السَّبَبِ لِلْفِعْلِ غَيْرِ المُثْمِرِ بِالمُخْبِرِ بِحَدِيثِ كَذِبٍ أوْ تَشْبِيهِ التَّسَبُّبِ بِالقَوْلِ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَذِبُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ فَكَما جازَ أنْ يَتَّسِعَ في القَوْلِ في غَيْرِ نُطْقٍ نَحْوِ قَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
قَدْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِّ
صفحة ٢٨٣
جازَ في الكَذِبِ أنْ يُجْعَلَ في غَيْرِ نُطْقٍ نَحْوَ:
بِأنْ كَذَبَ القَراطِفُ والقَرُوفُ
.
واللّامُ في لِوَقْعَتِها لامُ التَّوْقِيتِ نَحْوُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . وقَوْلُهم: كَتَبْتُهُ لِكَذا مَن شَهْرِ كَذا، وهي بِمَعْنى عِنْدَ وأصْلُها لامُ الاِخْتِصاصِ شاعَ اسْتِعْمالُها في اخْتِصاصِ المُوَقَّتِ بِوَقْتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وهو تَوَسُّعٌ في مَعْنى الاِخْتِصاصِ بِحَيْثُ تُنُوسِيَ أصْلُ المَعْنى. وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُ الأعْمالِ أفْضَلُ فَقالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها» . وهَذا الاِسْتِعْمالُ غَيْرُ الاِسْتِعْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] .
الواقعة 56:3
﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ .
خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفِ ضَمِيرِ الواقِعَةُ، أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، أيْ يَحْصُلُ عِنْدَها خَفْضُ أقْوامٍ كانُوا مُرْتَفِعِينَ ورَفْعُ أقْوامٍ كانُوا مُنْخَفَضَيْنِ وذَلِكَ بِخَفْضِ الجَبابِرَةِ والمُفْسِدِينَ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا في رِفْعَةٍ وسِيادَةٍ، وبِرَفْعِ الصّالِحِينَ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا لا يَعْبَئُونَ بِأكْثَرِهِمْ، وهي أيْضًا خافِضَةُ جِهاتٍ كانَتْ مُرْتَفِعَةً كالجِبالِ والصَّوامِعِ، رافِعَةُ ما كانَ مُنْخَفِضًا بِسَبَبِ الاِنْقِلابِ بِالرَّجّاتِ الأرْضِيَّةِ.
وإسْنادُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلى الواقِعَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ إذْ هي وقَتُ ظُهُورِ ذَلِكَ. وفي قَوْلِهِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ مُحْسِّنُ الطِّباقِ مَعَ الإعْرابِ بِثُبُوتِ الضِّدَّيْنِ لِشَيْءٍ واحِدٍ.
الواقعة 56:4
صفحة ٢٨٤
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ .
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
والرَّجُّ: الاِضْطِرابُ والتَّحَرُّكُ الشَّدِيدُ، فَمَعْنى رُجَّتِ رَجَّها راجٌّ، وهو ما يَطْرَأُ فِيها مِنَ الزَّلازِلِ والخَسْفِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وتَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ ولِيَتَأتّى التَّنْوِينُ المُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ.
والبَسُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التَّفَتُّتِ وهو تَفَرُّقُ الأجْزاءِ المَجْمُوعَةِ، ومِنهُ البَسِيسَةُ مِن أسْماءِ السَّوِيقِ أيْ فُتِّتَتِ الجِبالُ ونُسِفَتْ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ويُطْلَقُ البَسُّ أيْضًا عَلى السَّوْقِ لِلْماشِيَةِ، يُقالُ: بَسَّ الغَنَمَ، إذا ساقَها. وفي الحَدِيثِ «فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ بِأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ»، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧]، وقَوْلِهِ ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النبإ: ٢٠] وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ بَسًّا كالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ رَجًّا لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ بِالتَّنْوِينِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ عَلى ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ لائِقٌ بِمَعْنى البَسِّ لِأنَّ الجِبالَ إذا سُيِّرَتْ فَإنَّما تَسِيرُ تَسْيِيرًا يُفَتِّتُها ويُفَرِّقُها، أيْ تَسْيِيرَ بَعْثَرَةٍ وارْتِطامٍ.
والهَباءُ: ما يَلُوحُ في خُيُوطِ شُعاعِ الشَّمْسِ مِن دَقِيقِ الغُبارِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
والمُنْبَثُّ: اسْمُ فاعِلِ انْبَثَّ، مُطاوِعُ بَثَّهُ، إذا فَرَّقَهُ. واخْتِيرَ هَذا المُطاوِعُ لِمُناسَبَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ في أنَّ المَبْنِيَّ لِلنّائِبِ مَعْناهُ كالمُطاوَعَةِ، وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ فَكانَتْ كالهَباءِ المُنْبَثِّ.
والخِطابُ في ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، وهَذا تَخَلُّصٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ وهو المَوْعِظَةُ.
صفحة ٢٨٥
والأزْواجُ: الأصْنافُ. والزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلى الصِّنْفِ والنَّوْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى فِيها مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الصِّنْفَ إذا ذُكِرَ يُذْكَرُ مَعَهُ نَظِيرُهُ غالِبًا فَيَكُونُ زَوْجًا.
الواقعة 56:5
صفحة ٢٨٤
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ .
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
والرَّجُّ: الاِضْطِرابُ والتَّحَرُّكُ الشَّدِيدُ، فَمَعْنى رُجَّتِ رَجَّها راجٌّ، وهو ما يَطْرَأُ فِيها مِنَ الزَّلازِلِ والخَسْفِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وتَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ ولِيَتَأتّى التَّنْوِينُ المُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ.
والبَسُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التَّفَتُّتِ وهو تَفَرُّقُ الأجْزاءِ المَجْمُوعَةِ، ومِنهُ البَسِيسَةُ مِن أسْماءِ السَّوِيقِ أيْ فُتِّتَتِ الجِبالُ ونُسِفَتْ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ويُطْلَقُ البَسُّ أيْضًا عَلى السَّوْقِ لِلْماشِيَةِ، يُقالُ: بَسَّ الغَنَمَ، إذا ساقَها. وفي الحَدِيثِ «فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ بِأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ»، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧]، وقَوْلِهِ ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النبإ: ٢٠] وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ بَسًّا كالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ رَجًّا لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ بِالتَّنْوِينِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ عَلى ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ لائِقٌ بِمَعْنى البَسِّ لِأنَّ الجِبالَ إذا سُيِّرَتْ فَإنَّما تَسِيرُ تَسْيِيرًا يُفَتِّتُها ويُفَرِّقُها، أيْ تَسْيِيرَ بَعْثَرَةٍ وارْتِطامٍ.
والهَباءُ: ما يَلُوحُ في خُيُوطِ شُعاعِ الشَّمْسِ مِن دَقِيقِ الغُبارِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
والمُنْبَثُّ: اسْمُ فاعِلِ انْبَثَّ، مُطاوِعُ بَثَّهُ، إذا فَرَّقَهُ. واخْتِيرَ هَذا المُطاوِعُ لِمُناسَبَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ في أنَّ المَبْنِيَّ لِلنّائِبِ مَعْناهُ كالمُطاوَعَةِ، وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ فَكانَتْ كالهَباءِ المُنْبَثِّ.
والخِطابُ في ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، وهَذا تَخَلُّصٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ وهو المَوْعِظَةُ.
صفحة ٢٨٥
والأزْواجُ: الأصْنافُ. والزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلى الصِّنْفِ والنَّوْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى فِيها مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الصِّنْفَ إذا ذُكِرَ يُذْكَرُ مَعَهُ نَظِيرُهُ غالِبًا فَيَكُونُ زَوْجًا.
الواقعة 56:6
صفحة ٢٨٤
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ .
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
والرَّجُّ: الاِضْطِرابُ والتَّحَرُّكُ الشَّدِيدُ، فَمَعْنى رُجَّتِ رَجَّها راجٌّ، وهو ما يَطْرَأُ فِيها مِنَ الزَّلازِلِ والخَسْفِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وتَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ ولِيَتَأتّى التَّنْوِينُ المُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ.
والبَسُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التَّفَتُّتِ وهو تَفَرُّقُ الأجْزاءِ المَجْمُوعَةِ، ومِنهُ البَسِيسَةُ مِن أسْماءِ السَّوِيقِ أيْ فُتِّتَتِ الجِبالُ ونُسِفَتْ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ويُطْلَقُ البَسُّ أيْضًا عَلى السَّوْقِ لِلْماشِيَةِ، يُقالُ: بَسَّ الغَنَمَ، إذا ساقَها. وفي الحَدِيثِ «فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ بِأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ»، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧]، وقَوْلِهِ ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النبإ: ٢٠] وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ بَسًّا كالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ رَجًّا لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ بِالتَّنْوِينِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ عَلى ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ لائِقٌ بِمَعْنى البَسِّ لِأنَّ الجِبالَ إذا سُيِّرَتْ فَإنَّما تَسِيرُ تَسْيِيرًا يُفَتِّتُها ويُفَرِّقُها، أيْ تَسْيِيرَ بَعْثَرَةٍ وارْتِطامٍ.
والهَباءُ: ما يَلُوحُ في خُيُوطِ شُعاعِ الشَّمْسِ مِن دَقِيقِ الغُبارِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
والمُنْبَثُّ: اسْمُ فاعِلِ انْبَثَّ، مُطاوِعُ بَثَّهُ، إذا فَرَّقَهُ. واخْتِيرَ هَذا المُطاوِعُ لِمُناسَبَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ في أنَّ المَبْنِيَّ لِلنّائِبِ مَعْناهُ كالمُطاوَعَةِ، وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ فَكانَتْ كالهَباءِ المُنْبَثِّ.
والخِطابُ في ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، وهَذا تَخَلُّصٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ وهو المَوْعِظَةُ.
صفحة ٢٨٥
والأزْواجُ: الأصْنافُ. والزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلى الصِّنْفِ والنَّوْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى فِيها مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الصِّنْفَ إذا ذُكِرَ يُذْكَرُ مَعَهُ نَظِيرُهُ غالِبًا فَيَكُونُ زَوْجًا.
الواقعة 56:7
صفحة ٢٨٤
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ .
﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
والرَّجُّ: الاِضْطِرابُ والتَّحَرُّكُ الشَّدِيدُ، فَمَعْنى رُجَّتِ رَجَّها راجٌّ، وهو ما يَطْرَأُ فِيها مِنَ الزَّلازِلِ والخَسْفِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وتَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ ولِيَتَأتّى التَّنْوِينُ المُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ.
والبَسُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التَّفَتُّتِ وهو تَفَرُّقُ الأجْزاءِ المَجْمُوعَةِ، ومِنهُ البَسِيسَةُ مِن أسْماءِ السَّوِيقِ أيْ فُتِّتَتِ الجِبالُ ونُسِفَتْ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ويُطْلَقُ البَسُّ أيْضًا عَلى السَّوْقِ لِلْماشِيَةِ، يُقالُ: بَسَّ الغَنَمَ، إذا ساقَها. وفي الحَدِيثِ «فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ بِأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ»، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧]، وقَوْلِهِ ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النبإ: ٢٠] وتَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ بَسًّا كالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ رَجًّا لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ بِالتَّنْوِينِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ عَلى ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ لائِقٌ بِمَعْنى البَسِّ لِأنَّ الجِبالَ إذا سُيِّرَتْ فَإنَّما تَسِيرُ تَسْيِيرًا يُفَتِّتُها ويُفَرِّقُها، أيْ تَسْيِيرَ بَعْثَرَةٍ وارْتِطامٍ.
والهَباءُ: ما يَلُوحُ في خُيُوطِ شُعاعِ الشَّمْسِ مِن دَقِيقِ الغُبارِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
والمُنْبَثُّ: اسْمُ فاعِلِ انْبَثَّ، مُطاوِعُ بَثَّهُ، إذا فَرَّقَهُ. واخْتِيرَ هَذا المُطاوِعُ لِمُناسَبَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ﴾ في أنَّ المَبْنِيَّ لِلنّائِبِ مَعْناهُ كالمُطاوَعَةِ، وقَوْلُهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ فَكانَتْ كالهَباءِ المُنْبَثِّ.
والخِطابُ في ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، وهَذا تَخَلُّصٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ وهو المَوْعِظَةُ.
صفحة ٢٨٥
والأزْواجُ: الأصْنافُ. والزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلى الصِّنْفِ والنَّوْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى فِيها مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الصِّنْفَ إذا ذُكِرَ يُذْكَرُ مَعَهُ نَظِيرُهُ غالِبًا فَيَكُونُ زَوْجًا.
الواقعة 56:8
﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ قَدْ عَلِمْتَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] الوَجْهَ في مُتَعَلِّقِ إذا، وإذْ قَدْ وقَعَ قَوْلُهُ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] عَطْفًا عَلى الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها (إذا) مِن قَوْلِهِ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] كانَ هو مَحَطَّ القَصْدِ مِنَ التَّوْقِيتِ بِ إذا الثّانِيَةِ الواقِعَةِ بَدَلًا مَن إذا الأُولى وكِلْتاهُما مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّ هَذا في مَعْنى الجَزاءِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ لِرَبْطِ الجَزاءِ مَعَ التَّفْصِيلِ لِلْإجْمالِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ جَوابًا لِ إذا الثّانِيَةِ آئِلًا إلى كَوْنِهِ جَوابًا لِ إذا الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنها، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ هَذا هو جَوابُ إذا الأُولى فَتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنَيَيْها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] .
وقَدْ أفادَ التَّفْصِيلُ أنَّ الأصْنافَ ثَلاثَةٌ: صِنْفٌ مِنهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُجْعَلُونَ في الجِهَةِ اليُمْنى في الجَنَّةِ أوْ في المَحْشَرِ. واليَمِينُ جِهَةُ عِنايَةٍ وكَرامَةٍ في العُرْفِ، واشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ، أيِ البَرَكَةِ.
وصِنْفٌ أصْحابُ المَشْأمَةِ، وهي اسْمُ جِهَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشُّؤْمِ، وهو ضِدُّ اليُمْنِ فَهو الضُّرُّ وعَدَمُ النَّفْعِ وقَدْ سُمِّيَ في الآيَةِ الآتِيَةِ: أصْحابَ اليَمِينِ وأصْحابَ الشِّمالِ، فَجُعِلَ الشَّمالُ ضِدَّ اليَمِينِ كَما جُعِلَ المَشْأمَةُ هُنا ضِدَّ المَيْمَنَةِ إشْعارًا بِأنَّ حالَهم حالُ شُؤْمٍ وسُوءٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ لِما عُرِفَ في كَلامِ العَرَبِ مِن
صفحة ٢٨٦
إطْلاقِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى هَذا المَعْنى الكِنائِيِّ الَّذِي شاعَ حَتّى ساوى الصَّرِيحَ، وأصْلُهُ جاءَ مِنَ الزَّجْرِ والعِيافَةِ إذْ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ حُصُولَ خَيْرٍ مِن أغْراضِهِمْ مِن مُرُورِ الطَّيْرِ أوِ الوَحْشِ مِن يَمِينِ الزّاجِرِ إلى يَسارِهِ ويَتَوَقَّعُونَ الشَّرَّ مِن مُرُورِهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] في سُورَةِ يس.
ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ هُنا عَنِ الإخْبارِ عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ بِخَبَرٍ فِيهِ وصْفُ بَعْضِ حالَيْهِما بِذِكْرِ ما هو إجْمالٌ لِحالَيْهِما مِمّا يَشْعُرُ بِهِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ أصْحابُهُ مِن لَفْظَيِ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ، بِطَرِيقَةِ الاِسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في التَّعَجِيبِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وهو تَعْجِيبٌ تُرِكَ عَلى إبْهامِهِ هُنا لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلُّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَ ما في المَوْضِعَيْنِ اسْمُ اسْتِفْهامٍ.
و﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ و ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ خَبَرانِ عَنْ ما في المَوْضِعَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١]، وقَوْلِهِ ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] .
وإظْهارُ لَفْظَيْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ و أصْحابُ المَشْأمَةِ بَعْدَ الاِسْتِفْهامَيْنِ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرَيْهِما. لِأنَّ مَقامَ التَّعَجُّبِ والتَّشْهِيرِ يَقْتَضِي الإظْهارَ بِمَقامِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] .
وقَوْلُهُ والسّابِقُونَ هَذا الصِّنْفُ الثّالِثُ في العَدِّ وهُمُ الصِّنْفُ الأفْضَلُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ووَصْفُهم بِالسَّبْقِ يَقْتَضِي أنَّهم سابِقُونَ أمْثالُهم مِنَ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ فَهم سابِقُونَ إلى الخَيْرِ، فالنّاسُ لا يَتَسابَقُونَ إلّا لِنَوالِ نَفِيسٍ مَرْغُوبٍ لِكُلِّ النّاسِ، وأمّا الشَّرُّ والضُّرُّ فَهم يَتَكَعْكَعُونَ عَنْهُ.
وحَقِيقَةُ السَّبْقِ: وُصُولُ أحَدٍ مَكانًا قَبْلَ وُصُولِ أحَدٍ آخَرَ. وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ عَلى سَبِيلِ الاِسْتِعارَةِ، وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
سَبَقْتَ الرِّجالَ الباهِشِينَ إلى العُلا كَسَبْقِ الجَوادِ اصْطادَ قَبْلَ الظَّوارِدِ
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُبادَرَةِ والإسْراعِ إلى الخَيْرِ في
صفحة ٢٨٧
الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] في سُورَةِ بَراءَةٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُغالَبَةِ في تَحْصِيلِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ السّابِقُونَ ثانِيًا يَجُوزُ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنِ السّابِقُونَ الأوَّلِ كَما أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ المَيْمَنَةِ بِأنَّهم ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى وصْفِهِمْ بِشَيْءٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ بِحَيْثُ لا يَفِي بِهِ التَّعْبِيرُ بِعِبارَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ إذْ هي أقْصى ما يَسَعُهُ التَّعْبِيرُ، فَإذا أرادَ السّامِعُ أنْ يَتَصَوَّرَ صِفاتَهَمْ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَدَبَّرَ حالَهم، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. ويَجُوزُ جَعْلُهُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ. فَمَآلُ جُمْلَةِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ونَظِيرَتُها وجُمْلَةُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هو التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ وطَرِيقُهُ هو الكِنايَةُ ولَكِنَّ بَيْنَ الكِنايَتَيْنِ فَرْقًا بِأنَّ إحْداهُما كانَتْ مِن طَرِيقِ السُّؤالِ عَنِ الوَصْفِ، والأُخْرى مِن طَرِيقِ تَعَذُّرِ التَّعْبِيرِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الوَصْفِ.
والمَعْنى: أنَّ حالَهم بَلَغَتْ مُنْتَهى الفَضْلِ والرِّفْعَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ المُتَكَلِّمُ خَبَرًا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهم أدَلَّ عَلى مَرْتَبَتِهِمْ مِنَ اسْمِ السّابِقُونَ فَهَذا الخَبَرُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِمْ مِنَ الإخْبارِ بِ ما الاِسْتِفْهامِيَّةُ التَّعَجِيبِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ:
وإنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هُمُو هُمُو ∗∗∗ إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ صاحِبُهُ
مَعَ ما في اشْتِقاقِ لَقَبِهِمْ مِنَ السَّبْقِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِمْ أقْصى ما يَطْلُبُهُ الطّالِبُونَ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ السّابِقُونَ في الآيَةِ لِقَصْدِ جَعْلِ وصْفِ السّابِقُونَ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ لَهم، ولِيُفِيدَ العُمُومَ، أيْ أنَّهم سابِقُونَ في كُلِّ مَيْدانٍ تَتَسابَقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، فَهَؤُلاءِ هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ بِالرُّسُلِ وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا الرُّسُلَ والأنْبِياءَ وتَلَقَّوْا مِنهم شَرائِعَهم، وهَذا الصِّنْفُ يُوجَدُ في جَمِيعِ العُصُورِ مِنَ القَدَمِ، ومُسْتَمِرٌّ في الأُمَمِ إلى الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ
صفحة ٢٨٨
ولَيْسَ صِنْفًا قَدِ انْقَضى وسَبَقَ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ. وأُخِّرَ السّابِقُونَ في الذِّكْرِ عَنْ أصْحابِ اليَمِينِ لِتَشْوِيقِ السّامِعِينَ إلى مَعْرِفَةِ صِنْفِهِمْ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ الصِّنْفانِ الآخَرانِ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ تَرْغِيبًا في الاِقْتِداءِ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّها جَوابٌ عَمّا يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ مِن تَساؤُلِ السّامِعِ عَنْ أثَرِ التَّنْوِيهِ بِهِمْ.
وبِذَلِكَ كانَ هَذا ابْتِداءَ تَفْصِيلٍ لِجَزاءِ أصْنافِ الثَّلاثَةِ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ بَعْدَ اللَّفِّ، نَشْرًا مُشَوَّشًا تَشْوِيشًا اقْتَضَتْهُ مُناسِبَةُ اتِّصالِ المَعانِي بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ صِنْفٍ أقْرَبَ ذِكْرًا، ثُمَّ مُراعاةُ الأهَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الصِّنْفَيْنِ الباقِيَيْنِ فَكانَ بَعْضُ الكَلامِ آخِذًا بِحُجُزِ بَعْضٍ.
والمُقَرَّبُ: أبْلَغُ مِنَ الغَرِيبِ لِدَلالَةِ صِيغَتِهِ عَلى الاِصْطِفاءِ والاِجْتِباءِ، وذَلِكَ قُرْبٌ مَجازِيٌّ، أيْ شُبِّهَ بِالقُرْبِ في مُلابَسَةِ القَرِيبِ والاِهْتِمامِ بِشُئُونِهِ فَإنَّ المُطِيعَ لِمُجاهَدَتِهِ في الطّاعَةِ يَكُونُ كالمُتَقَرِّبِ إلى اللَّهِ، أيْ طالِبِ القُرْبِ مِنهُ فَإذا بَلَغَ مَرْتَبَةً عالِيَةً مِن ذَلِكَ قَرَّبَهُ اللَّهُ، أيْ عامَلَهُ مُعامَلَةَ المُقَرَّبِ المَحْبُوبِ، كَما جاءَ «ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبُّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِها ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ مَجازِيَّةٌ تَقْرِيبًا لِمَعْنى التَّقْرِيبِ.
ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ المُقَرَّبُونَ لِظُهُورِ أنَّهُ مُقَرَّبٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عِنايَتِهِ وتَفْضِيلِهِ، وكَذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ زَمانُ التَّقْرِيبِ ولا مَكانُهُ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الأزْمانِ والبِقاعِ الاِعْتِبارِيَّةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وفِي جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشارَةٍ تَنْبِيهً عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُخْبِرُ عَنْهُ مِن أجْلِ الوَصْفِ الوارِدِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهو أنَّهم سابِقُونَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٨٩
وقَوْلُهُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ.
وإيقاعُهُ بَعْدَ وصْفِ المُقَرَّبُونَ مُشِيرٌ إلى أنَّ مَضْمُونَهُ مِن آثارِ التَّقْرِيبِ المَذْكُورِ.
الواقعة 56:9
﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ قَدْ عَلِمْتَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] الوَجْهَ في مُتَعَلِّقِ إذا، وإذْ قَدْ وقَعَ قَوْلُهُ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] عَطْفًا عَلى الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها (إذا) مِن قَوْلِهِ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] كانَ هو مَحَطَّ القَصْدِ مِنَ التَّوْقِيتِ بِ إذا الثّانِيَةِ الواقِعَةِ بَدَلًا مَن إذا الأُولى وكِلْتاهُما مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّ هَذا في مَعْنى الجَزاءِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ لِرَبْطِ الجَزاءِ مَعَ التَّفْصِيلِ لِلْإجْمالِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ جَوابًا لِ إذا الثّانِيَةِ آئِلًا إلى كَوْنِهِ جَوابًا لِ إذا الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنها، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ هَذا هو جَوابُ إذا الأُولى فَتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنَيَيْها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] .
وقَدْ أفادَ التَّفْصِيلُ أنَّ الأصْنافَ ثَلاثَةٌ: صِنْفٌ مِنهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُجْعَلُونَ في الجِهَةِ اليُمْنى في الجَنَّةِ أوْ في المَحْشَرِ. واليَمِينُ جِهَةُ عِنايَةٍ وكَرامَةٍ في العُرْفِ، واشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ، أيِ البَرَكَةِ.
وصِنْفٌ أصْحابُ المَشْأمَةِ، وهي اسْمُ جِهَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشُّؤْمِ، وهو ضِدُّ اليُمْنِ فَهو الضُّرُّ وعَدَمُ النَّفْعِ وقَدْ سُمِّيَ في الآيَةِ الآتِيَةِ: أصْحابَ اليَمِينِ وأصْحابَ الشِّمالِ، فَجُعِلَ الشَّمالُ ضِدَّ اليَمِينِ كَما جُعِلَ المَشْأمَةُ هُنا ضِدَّ المَيْمَنَةِ إشْعارًا بِأنَّ حالَهم حالُ شُؤْمٍ وسُوءٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ لِما عُرِفَ في كَلامِ العَرَبِ مِن
صفحة ٢٨٦
إطْلاقِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى هَذا المَعْنى الكِنائِيِّ الَّذِي شاعَ حَتّى ساوى الصَّرِيحَ، وأصْلُهُ جاءَ مِنَ الزَّجْرِ والعِيافَةِ إذْ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ حُصُولَ خَيْرٍ مِن أغْراضِهِمْ مِن مُرُورِ الطَّيْرِ أوِ الوَحْشِ مِن يَمِينِ الزّاجِرِ إلى يَسارِهِ ويَتَوَقَّعُونَ الشَّرَّ مِن مُرُورِهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] في سُورَةِ يس.
ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ هُنا عَنِ الإخْبارِ عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ بِخَبَرٍ فِيهِ وصْفُ بَعْضِ حالَيْهِما بِذِكْرِ ما هو إجْمالٌ لِحالَيْهِما مِمّا يَشْعُرُ بِهِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ أصْحابُهُ مِن لَفْظَيِ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ، بِطَرِيقَةِ الاِسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في التَّعَجِيبِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وهو تَعْجِيبٌ تُرِكَ عَلى إبْهامِهِ هُنا لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلُّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَ ما في المَوْضِعَيْنِ اسْمُ اسْتِفْهامٍ.
و﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ و ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ خَبَرانِ عَنْ ما في المَوْضِعَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١]، وقَوْلِهِ ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] .
وإظْهارُ لَفْظَيْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ و أصْحابُ المَشْأمَةِ بَعْدَ الاِسْتِفْهامَيْنِ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرَيْهِما. لِأنَّ مَقامَ التَّعَجُّبِ والتَّشْهِيرِ يَقْتَضِي الإظْهارَ بِمَقامِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] .
وقَوْلُهُ والسّابِقُونَ هَذا الصِّنْفُ الثّالِثُ في العَدِّ وهُمُ الصِّنْفُ الأفْضَلُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ووَصْفُهم بِالسَّبْقِ يَقْتَضِي أنَّهم سابِقُونَ أمْثالُهم مِنَ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ فَهم سابِقُونَ إلى الخَيْرِ، فالنّاسُ لا يَتَسابَقُونَ إلّا لِنَوالِ نَفِيسٍ مَرْغُوبٍ لِكُلِّ النّاسِ، وأمّا الشَّرُّ والضُّرُّ فَهم يَتَكَعْكَعُونَ عَنْهُ.
وحَقِيقَةُ السَّبْقِ: وُصُولُ أحَدٍ مَكانًا قَبْلَ وُصُولِ أحَدٍ آخَرَ. وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ عَلى سَبِيلِ الاِسْتِعارَةِ، وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
سَبَقْتَ الرِّجالَ الباهِشِينَ إلى العُلا كَسَبْقِ الجَوادِ اصْطادَ قَبْلَ الظَّوارِدِ
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُبادَرَةِ والإسْراعِ إلى الخَيْرِ في
صفحة ٢٨٧
الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] في سُورَةِ بَراءَةٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُغالَبَةِ في تَحْصِيلِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ السّابِقُونَ ثانِيًا يَجُوزُ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنِ السّابِقُونَ الأوَّلِ كَما أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ المَيْمَنَةِ بِأنَّهم ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى وصْفِهِمْ بِشَيْءٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ بِحَيْثُ لا يَفِي بِهِ التَّعْبِيرُ بِعِبارَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ إذْ هي أقْصى ما يَسَعُهُ التَّعْبِيرُ، فَإذا أرادَ السّامِعُ أنْ يَتَصَوَّرَ صِفاتَهَمْ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَدَبَّرَ حالَهم، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. ويَجُوزُ جَعْلُهُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ. فَمَآلُ جُمْلَةِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ونَظِيرَتُها وجُمْلَةُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هو التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ وطَرِيقُهُ هو الكِنايَةُ ولَكِنَّ بَيْنَ الكِنايَتَيْنِ فَرْقًا بِأنَّ إحْداهُما كانَتْ مِن طَرِيقِ السُّؤالِ عَنِ الوَصْفِ، والأُخْرى مِن طَرِيقِ تَعَذُّرِ التَّعْبِيرِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الوَصْفِ.
والمَعْنى: أنَّ حالَهم بَلَغَتْ مُنْتَهى الفَضْلِ والرِّفْعَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ المُتَكَلِّمُ خَبَرًا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهم أدَلَّ عَلى مَرْتَبَتِهِمْ مِنَ اسْمِ السّابِقُونَ فَهَذا الخَبَرُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِمْ مِنَ الإخْبارِ بِ ما الاِسْتِفْهامِيَّةُ التَّعَجِيبِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ:
وإنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هُمُو هُمُو ∗∗∗ إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ صاحِبُهُ
مَعَ ما في اشْتِقاقِ لَقَبِهِمْ مِنَ السَّبْقِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِمْ أقْصى ما يَطْلُبُهُ الطّالِبُونَ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ السّابِقُونَ في الآيَةِ لِقَصْدِ جَعْلِ وصْفِ السّابِقُونَ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ لَهم، ولِيُفِيدَ العُمُومَ، أيْ أنَّهم سابِقُونَ في كُلِّ مَيْدانٍ تَتَسابَقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، فَهَؤُلاءِ هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ بِالرُّسُلِ وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا الرُّسُلَ والأنْبِياءَ وتَلَقَّوْا مِنهم شَرائِعَهم، وهَذا الصِّنْفُ يُوجَدُ في جَمِيعِ العُصُورِ مِنَ القَدَمِ، ومُسْتَمِرٌّ في الأُمَمِ إلى الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ
صفحة ٢٨٨
ولَيْسَ صِنْفًا قَدِ انْقَضى وسَبَقَ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ. وأُخِّرَ السّابِقُونَ في الذِّكْرِ عَنْ أصْحابِ اليَمِينِ لِتَشْوِيقِ السّامِعِينَ إلى مَعْرِفَةِ صِنْفِهِمْ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ الصِّنْفانِ الآخَرانِ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ تَرْغِيبًا في الاِقْتِداءِ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّها جَوابٌ عَمّا يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ مِن تَساؤُلِ السّامِعِ عَنْ أثَرِ التَّنْوِيهِ بِهِمْ.
وبِذَلِكَ كانَ هَذا ابْتِداءَ تَفْصِيلٍ لِجَزاءِ أصْنافِ الثَّلاثَةِ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ بَعْدَ اللَّفِّ، نَشْرًا مُشَوَّشًا تَشْوِيشًا اقْتَضَتْهُ مُناسِبَةُ اتِّصالِ المَعانِي بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ صِنْفٍ أقْرَبَ ذِكْرًا، ثُمَّ مُراعاةُ الأهَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الصِّنْفَيْنِ الباقِيَيْنِ فَكانَ بَعْضُ الكَلامِ آخِذًا بِحُجُزِ بَعْضٍ.
والمُقَرَّبُ: أبْلَغُ مِنَ الغَرِيبِ لِدَلالَةِ صِيغَتِهِ عَلى الاِصْطِفاءِ والاِجْتِباءِ، وذَلِكَ قُرْبٌ مَجازِيٌّ، أيْ شُبِّهَ بِالقُرْبِ في مُلابَسَةِ القَرِيبِ والاِهْتِمامِ بِشُئُونِهِ فَإنَّ المُطِيعَ لِمُجاهَدَتِهِ في الطّاعَةِ يَكُونُ كالمُتَقَرِّبِ إلى اللَّهِ، أيْ طالِبِ القُرْبِ مِنهُ فَإذا بَلَغَ مَرْتَبَةً عالِيَةً مِن ذَلِكَ قَرَّبَهُ اللَّهُ، أيْ عامَلَهُ مُعامَلَةَ المُقَرَّبِ المَحْبُوبِ، كَما جاءَ «ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبُّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِها ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ مَجازِيَّةٌ تَقْرِيبًا لِمَعْنى التَّقْرِيبِ.
ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ المُقَرَّبُونَ لِظُهُورِ أنَّهُ مُقَرَّبٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عِنايَتِهِ وتَفْضِيلِهِ، وكَذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ زَمانُ التَّقْرِيبِ ولا مَكانُهُ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الأزْمانِ والبِقاعِ الاِعْتِبارِيَّةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وفِي جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشارَةٍ تَنْبِيهً عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُخْبِرُ عَنْهُ مِن أجْلِ الوَصْفِ الوارِدِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهو أنَّهم سابِقُونَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٨٩
وقَوْلُهُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ.
وإيقاعُهُ بَعْدَ وصْفِ المُقَرَّبُونَ مُشِيرٌ إلى أنَّ مَضْمُونَهُ مِن آثارِ التَّقْرِيبِ المَذْكُورِ.
الواقعة 56:10
﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ قَدْ عَلِمْتَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] الوَجْهَ في مُتَعَلِّقِ إذا، وإذْ قَدْ وقَعَ قَوْلُهُ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] عَطْفًا عَلى الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها (إذا) مِن قَوْلِهِ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] كانَ هو مَحَطَّ القَصْدِ مِنَ التَّوْقِيتِ بِ إذا الثّانِيَةِ الواقِعَةِ بَدَلًا مَن إذا الأُولى وكِلْتاهُما مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّ هَذا في مَعْنى الجَزاءِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ لِرَبْطِ الجَزاءِ مَعَ التَّفْصِيلِ لِلْإجْمالِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ جَوابًا لِ إذا الثّانِيَةِ آئِلًا إلى كَوْنِهِ جَوابًا لِ إذا الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنها، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ هَذا هو جَوابُ إذا الأُولى فَتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنَيَيْها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] .
وقَدْ أفادَ التَّفْصِيلُ أنَّ الأصْنافَ ثَلاثَةٌ: صِنْفٌ مِنهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُجْعَلُونَ في الجِهَةِ اليُمْنى في الجَنَّةِ أوْ في المَحْشَرِ. واليَمِينُ جِهَةُ عِنايَةٍ وكَرامَةٍ في العُرْفِ، واشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ، أيِ البَرَكَةِ.
وصِنْفٌ أصْحابُ المَشْأمَةِ، وهي اسْمُ جِهَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشُّؤْمِ، وهو ضِدُّ اليُمْنِ فَهو الضُّرُّ وعَدَمُ النَّفْعِ وقَدْ سُمِّيَ في الآيَةِ الآتِيَةِ: أصْحابَ اليَمِينِ وأصْحابَ الشِّمالِ، فَجُعِلَ الشَّمالُ ضِدَّ اليَمِينِ كَما جُعِلَ المَشْأمَةُ هُنا ضِدَّ المَيْمَنَةِ إشْعارًا بِأنَّ حالَهم حالُ شُؤْمٍ وسُوءٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ لِما عُرِفَ في كَلامِ العَرَبِ مِن
صفحة ٢٨٦
إطْلاقِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى هَذا المَعْنى الكِنائِيِّ الَّذِي شاعَ حَتّى ساوى الصَّرِيحَ، وأصْلُهُ جاءَ مِنَ الزَّجْرِ والعِيافَةِ إذْ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ حُصُولَ خَيْرٍ مِن أغْراضِهِمْ مِن مُرُورِ الطَّيْرِ أوِ الوَحْشِ مِن يَمِينِ الزّاجِرِ إلى يَسارِهِ ويَتَوَقَّعُونَ الشَّرَّ مِن مُرُورِهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] في سُورَةِ يس.
ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ هُنا عَنِ الإخْبارِ عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ بِخَبَرٍ فِيهِ وصْفُ بَعْضِ حالَيْهِما بِذِكْرِ ما هو إجْمالٌ لِحالَيْهِما مِمّا يَشْعُرُ بِهِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ أصْحابُهُ مِن لَفْظَيِ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ، بِطَرِيقَةِ الاِسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في التَّعَجِيبِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وهو تَعْجِيبٌ تُرِكَ عَلى إبْهامِهِ هُنا لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلُّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَ ما في المَوْضِعَيْنِ اسْمُ اسْتِفْهامٍ.
و﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ و ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ خَبَرانِ عَنْ ما في المَوْضِعَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١]، وقَوْلِهِ ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] .
وإظْهارُ لَفْظَيْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ و أصْحابُ المَشْأمَةِ بَعْدَ الاِسْتِفْهامَيْنِ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرَيْهِما. لِأنَّ مَقامَ التَّعَجُّبِ والتَّشْهِيرِ يَقْتَضِي الإظْهارَ بِمَقامِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] .
وقَوْلُهُ والسّابِقُونَ هَذا الصِّنْفُ الثّالِثُ في العَدِّ وهُمُ الصِّنْفُ الأفْضَلُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ووَصْفُهم بِالسَّبْقِ يَقْتَضِي أنَّهم سابِقُونَ أمْثالُهم مِنَ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ فَهم سابِقُونَ إلى الخَيْرِ، فالنّاسُ لا يَتَسابَقُونَ إلّا لِنَوالِ نَفِيسٍ مَرْغُوبٍ لِكُلِّ النّاسِ، وأمّا الشَّرُّ والضُّرُّ فَهم يَتَكَعْكَعُونَ عَنْهُ.
وحَقِيقَةُ السَّبْقِ: وُصُولُ أحَدٍ مَكانًا قَبْلَ وُصُولِ أحَدٍ آخَرَ. وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ عَلى سَبِيلِ الاِسْتِعارَةِ، وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
سَبَقْتَ الرِّجالَ الباهِشِينَ إلى العُلا كَسَبْقِ الجَوادِ اصْطادَ قَبْلَ الظَّوارِدِ
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُبادَرَةِ والإسْراعِ إلى الخَيْرِ في
صفحة ٢٨٧
الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] في سُورَةِ بَراءَةٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُغالَبَةِ في تَحْصِيلِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ السّابِقُونَ ثانِيًا يَجُوزُ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنِ السّابِقُونَ الأوَّلِ كَما أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ المَيْمَنَةِ بِأنَّهم ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى وصْفِهِمْ بِشَيْءٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ بِحَيْثُ لا يَفِي بِهِ التَّعْبِيرُ بِعِبارَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ إذْ هي أقْصى ما يَسَعُهُ التَّعْبِيرُ، فَإذا أرادَ السّامِعُ أنْ يَتَصَوَّرَ صِفاتَهَمْ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَدَبَّرَ حالَهم، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. ويَجُوزُ جَعْلُهُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ. فَمَآلُ جُمْلَةِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ونَظِيرَتُها وجُمْلَةُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هو التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ وطَرِيقُهُ هو الكِنايَةُ ولَكِنَّ بَيْنَ الكِنايَتَيْنِ فَرْقًا بِأنَّ إحْداهُما كانَتْ مِن طَرِيقِ السُّؤالِ عَنِ الوَصْفِ، والأُخْرى مِن طَرِيقِ تَعَذُّرِ التَّعْبِيرِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الوَصْفِ.
والمَعْنى: أنَّ حالَهم بَلَغَتْ مُنْتَهى الفَضْلِ والرِّفْعَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ المُتَكَلِّمُ خَبَرًا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهم أدَلَّ عَلى مَرْتَبَتِهِمْ مِنَ اسْمِ السّابِقُونَ فَهَذا الخَبَرُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِمْ مِنَ الإخْبارِ بِ ما الاِسْتِفْهامِيَّةُ التَّعَجِيبِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ:
وإنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هُمُو هُمُو ∗∗∗ إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ صاحِبُهُ
مَعَ ما في اشْتِقاقِ لَقَبِهِمْ مِنَ السَّبْقِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِمْ أقْصى ما يَطْلُبُهُ الطّالِبُونَ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ السّابِقُونَ في الآيَةِ لِقَصْدِ جَعْلِ وصْفِ السّابِقُونَ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ لَهم، ولِيُفِيدَ العُمُومَ، أيْ أنَّهم سابِقُونَ في كُلِّ مَيْدانٍ تَتَسابَقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، فَهَؤُلاءِ هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ بِالرُّسُلِ وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا الرُّسُلَ والأنْبِياءَ وتَلَقَّوْا مِنهم شَرائِعَهم، وهَذا الصِّنْفُ يُوجَدُ في جَمِيعِ العُصُورِ مِنَ القَدَمِ، ومُسْتَمِرٌّ في الأُمَمِ إلى الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ
صفحة ٢٨٨
ولَيْسَ صِنْفًا قَدِ انْقَضى وسَبَقَ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ. وأُخِّرَ السّابِقُونَ في الذِّكْرِ عَنْ أصْحابِ اليَمِينِ لِتَشْوِيقِ السّامِعِينَ إلى مَعْرِفَةِ صِنْفِهِمْ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ الصِّنْفانِ الآخَرانِ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ تَرْغِيبًا في الاِقْتِداءِ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّها جَوابٌ عَمّا يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ مِن تَساؤُلِ السّامِعِ عَنْ أثَرِ التَّنْوِيهِ بِهِمْ.
وبِذَلِكَ كانَ هَذا ابْتِداءَ تَفْصِيلٍ لِجَزاءِ أصْنافِ الثَّلاثَةِ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ بَعْدَ اللَّفِّ، نَشْرًا مُشَوَّشًا تَشْوِيشًا اقْتَضَتْهُ مُناسِبَةُ اتِّصالِ المَعانِي بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ صِنْفٍ أقْرَبَ ذِكْرًا، ثُمَّ مُراعاةُ الأهَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الصِّنْفَيْنِ الباقِيَيْنِ فَكانَ بَعْضُ الكَلامِ آخِذًا بِحُجُزِ بَعْضٍ.
والمُقَرَّبُ: أبْلَغُ مِنَ الغَرِيبِ لِدَلالَةِ صِيغَتِهِ عَلى الاِصْطِفاءِ والاِجْتِباءِ، وذَلِكَ قُرْبٌ مَجازِيٌّ، أيْ شُبِّهَ بِالقُرْبِ في مُلابَسَةِ القَرِيبِ والاِهْتِمامِ بِشُئُونِهِ فَإنَّ المُطِيعَ لِمُجاهَدَتِهِ في الطّاعَةِ يَكُونُ كالمُتَقَرِّبِ إلى اللَّهِ، أيْ طالِبِ القُرْبِ مِنهُ فَإذا بَلَغَ مَرْتَبَةً عالِيَةً مِن ذَلِكَ قَرَّبَهُ اللَّهُ، أيْ عامَلَهُ مُعامَلَةَ المُقَرَّبِ المَحْبُوبِ، كَما جاءَ «ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبُّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِها ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ مَجازِيَّةٌ تَقْرِيبًا لِمَعْنى التَّقْرِيبِ.
ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ المُقَرَّبُونَ لِظُهُورِ أنَّهُ مُقَرَّبٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عِنايَتِهِ وتَفْضِيلِهِ، وكَذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ زَمانُ التَّقْرِيبِ ولا مَكانُهُ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الأزْمانِ والبِقاعِ الاِعْتِبارِيَّةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وفِي جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشارَةٍ تَنْبِيهً عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُخْبِرُ عَنْهُ مِن أجْلِ الوَصْفِ الوارِدِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهو أنَّهم سابِقُونَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٨٩
وقَوْلُهُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ.
وإيقاعُهُ بَعْدَ وصْفِ المُقَرَّبُونَ مُشِيرٌ إلى أنَّ مَضْمُونَهُ مِن آثارِ التَّقْرِيبِ المَذْكُورِ.
الواقعة 56:11
﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ قَدْ عَلِمْتَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] الوَجْهَ في مُتَعَلِّقِ إذا، وإذْ قَدْ وقَعَ قَوْلُهُ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] عَطْفًا عَلى الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها (إذا) مِن قَوْلِهِ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] كانَ هو مَحَطَّ القَصْدِ مِنَ التَّوْقِيتِ بِ إذا الثّانِيَةِ الواقِعَةِ بَدَلًا مَن إذا الأُولى وكِلْتاهُما مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّ هَذا في مَعْنى الجَزاءِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ لِرَبْطِ الجَزاءِ مَعَ التَّفْصِيلِ لِلْإجْمالِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ جَوابًا لِ إذا الثّانِيَةِ آئِلًا إلى كَوْنِهِ جَوابًا لِ إذا الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنها، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ هَذا هو جَوابُ إذا الأُولى فَتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنَيَيْها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] .
وقَدْ أفادَ التَّفْصِيلُ أنَّ الأصْنافَ ثَلاثَةٌ: صِنْفٌ مِنهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُجْعَلُونَ في الجِهَةِ اليُمْنى في الجَنَّةِ أوْ في المَحْشَرِ. واليَمِينُ جِهَةُ عِنايَةٍ وكَرامَةٍ في العُرْفِ، واشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ، أيِ البَرَكَةِ.
وصِنْفٌ أصْحابُ المَشْأمَةِ، وهي اسْمُ جِهَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشُّؤْمِ، وهو ضِدُّ اليُمْنِ فَهو الضُّرُّ وعَدَمُ النَّفْعِ وقَدْ سُمِّيَ في الآيَةِ الآتِيَةِ: أصْحابَ اليَمِينِ وأصْحابَ الشِّمالِ، فَجُعِلَ الشَّمالُ ضِدَّ اليَمِينِ كَما جُعِلَ المَشْأمَةُ هُنا ضِدَّ المَيْمَنَةِ إشْعارًا بِأنَّ حالَهم حالُ شُؤْمٍ وسُوءٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ لِما عُرِفَ في كَلامِ العَرَبِ مِن
صفحة ٢٨٦
إطْلاقِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى هَذا المَعْنى الكِنائِيِّ الَّذِي شاعَ حَتّى ساوى الصَّرِيحَ، وأصْلُهُ جاءَ مِنَ الزَّجْرِ والعِيافَةِ إذْ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ حُصُولَ خَيْرٍ مِن أغْراضِهِمْ مِن مُرُورِ الطَّيْرِ أوِ الوَحْشِ مِن يَمِينِ الزّاجِرِ إلى يَسارِهِ ويَتَوَقَّعُونَ الشَّرَّ مِن مُرُورِهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] في سُورَةِ يس.
ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ هُنا عَنِ الإخْبارِ عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ بِخَبَرٍ فِيهِ وصْفُ بَعْضِ حالَيْهِما بِذِكْرِ ما هو إجْمالٌ لِحالَيْهِما مِمّا يَشْعُرُ بِهِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ أصْحابُهُ مِن لَفْظَيِ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ، بِطَرِيقَةِ الاِسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في التَّعَجِيبِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وهو تَعْجِيبٌ تُرِكَ عَلى إبْهامِهِ هُنا لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلُّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَ ما في المَوْضِعَيْنِ اسْمُ اسْتِفْهامٍ.
و﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ و ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ خَبَرانِ عَنْ ما في المَوْضِعَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١]، وقَوْلِهِ ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] .
وإظْهارُ لَفْظَيْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ و أصْحابُ المَشْأمَةِ بَعْدَ الاِسْتِفْهامَيْنِ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرَيْهِما. لِأنَّ مَقامَ التَّعَجُّبِ والتَّشْهِيرِ يَقْتَضِي الإظْهارَ بِمَقامِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] .
وقَوْلُهُ والسّابِقُونَ هَذا الصِّنْفُ الثّالِثُ في العَدِّ وهُمُ الصِّنْفُ الأفْضَلُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ووَصْفُهم بِالسَّبْقِ يَقْتَضِي أنَّهم سابِقُونَ أمْثالُهم مِنَ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ فَهم سابِقُونَ إلى الخَيْرِ، فالنّاسُ لا يَتَسابَقُونَ إلّا لِنَوالِ نَفِيسٍ مَرْغُوبٍ لِكُلِّ النّاسِ، وأمّا الشَّرُّ والضُّرُّ فَهم يَتَكَعْكَعُونَ عَنْهُ.
وحَقِيقَةُ السَّبْقِ: وُصُولُ أحَدٍ مَكانًا قَبْلَ وُصُولِ أحَدٍ آخَرَ. وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ عَلى سَبِيلِ الاِسْتِعارَةِ، وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
سَبَقْتَ الرِّجالَ الباهِشِينَ إلى العُلا كَسَبْقِ الجَوادِ اصْطادَ قَبْلَ الظَّوارِدِ
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُبادَرَةِ والإسْراعِ إلى الخَيْرِ في
صفحة ٢٨٧
الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] في سُورَةِ بَراءَةٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُغالَبَةِ في تَحْصِيلِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ السّابِقُونَ ثانِيًا يَجُوزُ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنِ السّابِقُونَ الأوَّلِ كَما أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ المَيْمَنَةِ بِأنَّهم ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى وصْفِهِمْ بِشَيْءٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ بِحَيْثُ لا يَفِي بِهِ التَّعْبِيرُ بِعِبارَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ إذْ هي أقْصى ما يَسَعُهُ التَّعْبِيرُ، فَإذا أرادَ السّامِعُ أنْ يَتَصَوَّرَ صِفاتَهَمْ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَدَبَّرَ حالَهم، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. ويَجُوزُ جَعْلُهُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ. فَمَآلُ جُمْلَةِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ونَظِيرَتُها وجُمْلَةُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هو التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ وطَرِيقُهُ هو الكِنايَةُ ولَكِنَّ بَيْنَ الكِنايَتَيْنِ فَرْقًا بِأنَّ إحْداهُما كانَتْ مِن طَرِيقِ السُّؤالِ عَنِ الوَصْفِ، والأُخْرى مِن طَرِيقِ تَعَذُّرِ التَّعْبِيرِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الوَصْفِ.
والمَعْنى: أنَّ حالَهم بَلَغَتْ مُنْتَهى الفَضْلِ والرِّفْعَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ المُتَكَلِّمُ خَبَرًا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهم أدَلَّ عَلى مَرْتَبَتِهِمْ مِنَ اسْمِ السّابِقُونَ فَهَذا الخَبَرُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِمْ مِنَ الإخْبارِ بِ ما الاِسْتِفْهامِيَّةُ التَّعَجِيبِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ:
وإنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هُمُو هُمُو ∗∗∗ إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ صاحِبُهُ
مَعَ ما في اشْتِقاقِ لَقَبِهِمْ مِنَ السَّبْقِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِمْ أقْصى ما يَطْلُبُهُ الطّالِبُونَ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ السّابِقُونَ في الآيَةِ لِقَصْدِ جَعْلِ وصْفِ السّابِقُونَ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ لَهم، ولِيُفِيدَ العُمُومَ، أيْ أنَّهم سابِقُونَ في كُلِّ مَيْدانٍ تَتَسابَقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، فَهَؤُلاءِ هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ بِالرُّسُلِ وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا الرُّسُلَ والأنْبِياءَ وتَلَقَّوْا مِنهم شَرائِعَهم، وهَذا الصِّنْفُ يُوجَدُ في جَمِيعِ العُصُورِ مِنَ القَدَمِ، ومُسْتَمِرٌّ في الأُمَمِ إلى الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ
صفحة ٢٨٨
ولَيْسَ صِنْفًا قَدِ انْقَضى وسَبَقَ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ. وأُخِّرَ السّابِقُونَ في الذِّكْرِ عَنْ أصْحابِ اليَمِينِ لِتَشْوِيقِ السّامِعِينَ إلى مَعْرِفَةِ صِنْفِهِمْ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ الصِّنْفانِ الآخَرانِ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ تَرْغِيبًا في الاِقْتِداءِ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّها جَوابٌ عَمّا يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ مِن تَساؤُلِ السّامِعِ عَنْ أثَرِ التَّنْوِيهِ بِهِمْ.
وبِذَلِكَ كانَ هَذا ابْتِداءَ تَفْصِيلٍ لِجَزاءِ أصْنافِ الثَّلاثَةِ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ بَعْدَ اللَّفِّ، نَشْرًا مُشَوَّشًا تَشْوِيشًا اقْتَضَتْهُ مُناسِبَةُ اتِّصالِ المَعانِي بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ صِنْفٍ أقْرَبَ ذِكْرًا، ثُمَّ مُراعاةُ الأهَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الصِّنْفَيْنِ الباقِيَيْنِ فَكانَ بَعْضُ الكَلامِ آخِذًا بِحُجُزِ بَعْضٍ.
والمُقَرَّبُ: أبْلَغُ مِنَ الغَرِيبِ لِدَلالَةِ صِيغَتِهِ عَلى الاِصْطِفاءِ والاِجْتِباءِ، وذَلِكَ قُرْبٌ مَجازِيٌّ، أيْ شُبِّهَ بِالقُرْبِ في مُلابَسَةِ القَرِيبِ والاِهْتِمامِ بِشُئُونِهِ فَإنَّ المُطِيعَ لِمُجاهَدَتِهِ في الطّاعَةِ يَكُونُ كالمُتَقَرِّبِ إلى اللَّهِ، أيْ طالِبِ القُرْبِ مِنهُ فَإذا بَلَغَ مَرْتَبَةً عالِيَةً مِن ذَلِكَ قَرَّبَهُ اللَّهُ، أيْ عامَلَهُ مُعامَلَةَ المُقَرَّبِ المَحْبُوبِ، كَما جاءَ «ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبُّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِها ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ مَجازِيَّةٌ تَقْرِيبًا لِمَعْنى التَّقْرِيبِ.
ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ المُقَرَّبُونَ لِظُهُورِ أنَّهُ مُقَرَّبٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عِنايَتِهِ وتَفْضِيلِهِ، وكَذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ زَمانُ التَّقْرِيبِ ولا مَكانُهُ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الأزْمانِ والبِقاعِ الاِعْتِبارِيَّةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وفِي جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشارَةٍ تَنْبِيهً عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُخْبِرُ عَنْهُ مِن أجْلِ الوَصْفِ الوارِدِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهو أنَّهم سابِقُونَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٨٩
وقَوْلُهُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ.
وإيقاعُهُ بَعْدَ وصْفِ المُقَرَّبُونَ مُشِيرٌ إلى أنَّ مَضْمُونَهُ مِن آثارِ التَّقْرِيبِ المَذْكُورِ.
الواقعة 56:12
﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ قَدْ عَلِمْتَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] الوَجْهَ في مُتَعَلِّقِ إذا، وإذْ قَدْ وقَعَ قَوْلُهُ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] عَطْفًا عَلى الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها (إذا) مِن قَوْلِهِ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] كانَ هو مَحَطَّ القَصْدِ مِنَ التَّوْقِيتِ بِ إذا الثّانِيَةِ الواقِعَةِ بَدَلًا مَن إذا الأُولى وكِلْتاهُما مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، فَكَأنَّ هَذا في مَعْنى الجَزاءِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ لِرَبْطِ الجَزاءِ مَعَ التَّفْصِيلِ لِلْإجْمالِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ جَوابًا لِ إذا الثّانِيَةِ آئِلًا إلى كَوْنِهِ جَوابًا لِ إذا الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ مُبْدَلَةٌ مِنها، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ هَذا هو جَوابُ إذا الأُولى فَتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنَيَيْها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] .
وقَدْ أفادَ التَّفْصِيلُ أنَّ الأصْنافَ ثَلاثَةٌ: صِنْفٌ مِنهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُجْعَلُونَ في الجِهَةِ اليُمْنى في الجَنَّةِ أوْ في المَحْشَرِ. واليَمِينُ جِهَةُ عِنايَةٍ وكَرامَةٍ في العُرْفِ، واشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ، أيِ البَرَكَةِ.
وصِنْفٌ أصْحابُ المَشْأمَةِ، وهي اسْمُ جِهَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشُّؤْمِ، وهو ضِدُّ اليُمْنِ فَهو الضُّرُّ وعَدَمُ النَّفْعِ وقَدْ سُمِّيَ في الآيَةِ الآتِيَةِ: أصْحابَ اليَمِينِ وأصْحابَ الشِّمالِ، فَجُعِلَ الشَّمالُ ضِدَّ اليَمِينِ كَما جُعِلَ المَشْأمَةُ هُنا ضِدَّ المَيْمَنَةِ إشْعارًا بِأنَّ حالَهم حالُ شُؤْمٍ وسُوءٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ لِما عُرِفَ في كَلامِ العَرَبِ مِن
صفحة ٢٨٦
إطْلاقِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى هَذا المَعْنى الكِنائِيِّ الَّذِي شاعَ حَتّى ساوى الصَّرِيحَ، وأصْلُهُ جاءَ مِنَ الزَّجْرِ والعِيافَةِ إذْ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ حُصُولَ خَيْرٍ مِن أغْراضِهِمْ مِن مُرُورِ الطَّيْرِ أوِ الوَحْشِ مِن يَمِينِ الزّاجِرِ إلى يَسارِهِ ويَتَوَقَّعُونَ الشَّرَّ مِن مُرُورِهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] في سُورَةِ يس.
ولِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ هُنا عَنِ الإخْبارِ عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ بِخَبَرٍ فِيهِ وصْفُ بَعْضِ حالَيْهِما بِذِكْرِ ما هو إجْمالٌ لِحالَيْهِما مِمّا يَشْعُرُ بِهِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ أصْحابُهُ مِن لَفْظَيِ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ، بِطَرِيقَةِ الاِسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في التَّعَجِيبِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وهو تَعْجِيبٌ تُرِكَ عَلى إبْهامِهِ هُنا لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلُّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَ ما في المَوْضِعَيْنِ اسْمُ اسْتِفْهامٍ.
و﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ و ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ خَبَرانِ عَنْ ما في المَوْضِعَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١]، وقَوْلِهِ ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] .
وإظْهارُ لَفْظَيْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ و أصْحابُ المَشْأمَةِ بَعْدَ الاِسْتِفْهامَيْنِ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرَيْهِما. لِأنَّ مَقامَ التَّعَجُّبِ والتَّشْهِيرِ يَقْتَضِي الإظْهارَ بِمَقامِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] .
وقَوْلُهُ والسّابِقُونَ هَذا الصِّنْفُ الثّالِثُ في العَدِّ وهُمُ الصِّنْفُ الأفْضَلُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ووَصْفُهم بِالسَّبْقِ يَقْتَضِي أنَّهم سابِقُونَ أمْثالُهم مِنَ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ فَهم سابِقُونَ إلى الخَيْرِ، فالنّاسُ لا يَتَسابَقُونَ إلّا لِنَوالِ نَفِيسٍ مَرْغُوبٍ لِكُلِّ النّاسِ، وأمّا الشَّرُّ والضُّرُّ فَهم يَتَكَعْكَعُونَ عَنْهُ.
وحَقِيقَةُ السَّبْقِ: وُصُولُ أحَدٍ مَكانًا قَبْلَ وُصُولِ أحَدٍ آخَرَ. وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ عَلى سَبِيلِ الاِسْتِعارَةِ، وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
سَبَقْتَ الرِّجالَ الباهِشِينَ إلى العُلا كَسَبْقِ الجَوادِ اصْطادَ قَبْلَ الظَّوارِدِ
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ السّابِقُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُبادَرَةِ والإسْراعِ إلى الخَيْرِ في
صفحة ٢٨٧
الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] في سُورَةِ بَراءَةٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في المُغالَبَةِ في تَحْصِيلِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ السّابِقُونَ ثانِيًا يَجُوزُ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنِ السّابِقُونَ الأوَّلِ كَما أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ المَيْمَنَةِ بِأنَّهم ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى وصْفِهِمْ بِشَيْءٍ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ بِحَيْثُ لا يَفِي بِهِ التَّعْبِيرُ بِعِبارَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ إذْ هي أقْصى ما يَسَعُهُ التَّعْبِيرُ، فَإذا أرادَ السّامِعُ أنْ يَتَصَوَّرَ صِفاتَهَمْ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَدَبَّرَ حالَهم، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. ويَجُوزُ جَعْلُهُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ. فَمَآلُ جُمْلَةِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ونَظِيرَتُها وجُمْلَةُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هو التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ وطَرِيقُهُ هو الكِنايَةُ ولَكِنَّ بَيْنَ الكِنايَتَيْنِ فَرْقًا بِأنَّ إحْداهُما كانَتْ مِن طَرِيقِ السُّؤالِ عَنِ الوَصْفِ، والأُخْرى مِن طَرِيقِ تَعَذُّرِ التَّعْبِيرِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الوَصْفِ.
والمَعْنى: أنَّ حالَهم بَلَغَتْ مُنْتَهى الفَضْلِ والرِّفْعَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ المُتَكَلِّمُ خَبَرًا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهم أدَلَّ عَلى مَرْتَبَتِهِمْ مِنَ اسْمِ السّابِقُونَ فَهَذا الخَبَرُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ قَدْرِهِمْ مِنَ الإخْبارِ بِ ما الاِسْتِفْهامِيَّةُ التَّعَجِيبِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ:
وإنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هُمُو هُمُو ∗∗∗ إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ صاحِبُهُ
مَعَ ما في اشْتِقاقِ لَقَبِهِمْ مِنَ السَّبْقِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِمْ أقْصى ما يَطْلُبُهُ الطّالِبُونَ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ السّابِقُونَ في الآيَةِ لِقَصْدِ جَعْلِ وصْفِ السّابِقُونَ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ لَهم، ولِيُفِيدَ العُمُومَ، أيْ أنَّهم سابِقُونَ في كُلِّ مَيْدانٍ تَتَسابَقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، فَهَؤُلاءِ هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ بِالرُّسُلِ وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا الرُّسُلَ والأنْبِياءَ وتَلَقَّوْا مِنهم شَرائِعَهم، وهَذا الصِّنْفُ يُوجَدُ في جَمِيعِ العُصُورِ مِنَ القَدَمِ، ومُسْتَمِرٌّ في الأُمَمِ إلى الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ
صفحة ٢٨٨
ولَيْسَ صِنْفًا قَدِ انْقَضى وسَبَقَ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ. وأُخِّرَ السّابِقُونَ في الذِّكْرِ عَنْ أصْحابِ اليَمِينِ لِتَشْوِيقِ السّامِعِينَ إلى مَعْرِفَةِ صِنْفِهِمْ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ الصِّنْفانِ الآخَرانِ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ تَرْغِيبًا في الاِقْتِداءِ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّها جَوابٌ عَمّا يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ مِن تَساؤُلِ السّامِعِ عَنْ أثَرِ التَّنْوِيهِ بِهِمْ.
وبِذَلِكَ كانَ هَذا ابْتِداءَ تَفْصِيلٍ لِجَزاءِ أصْنافِ الثَّلاثَةِ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ بَعْدَ اللَّفِّ، نَشْرًا مُشَوَّشًا تَشْوِيشًا اقْتَضَتْهُ مُناسِبَةُ اتِّصالِ المَعانِي بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ صِنْفٍ أقْرَبَ ذِكْرًا، ثُمَّ مُراعاةُ الأهَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الصِّنْفَيْنِ الباقِيَيْنِ فَكانَ بَعْضُ الكَلامِ آخِذًا بِحُجُزِ بَعْضٍ.
والمُقَرَّبُ: أبْلَغُ مِنَ الغَرِيبِ لِدَلالَةِ صِيغَتِهِ عَلى الاِصْطِفاءِ والاِجْتِباءِ، وذَلِكَ قُرْبٌ مَجازِيٌّ، أيْ شُبِّهَ بِالقُرْبِ في مُلابَسَةِ القَرِيبِ والاِهْتِمامِ بِشُئُونِهِ فَإنَّ المُطِيعَ لِمُجاهَدَتِهِ في الطّاعَةِ يَكُونُ كالمُتَقَرِّبِ إلى اللَّهِ، أيْ طالِبِ القُرْبِ مِنهُ فَإذا بَلَغَ مَرْتَبَةً عالِيَةً مِن ذَلِكَ قَرَّبَهُ اللَّهُ، أيْ عامَلَهُ مُعامَلَةَ المُقَرَّبِ المَحْبُوبِ، كَما جاءَ «ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبُّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِها ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ مَجازِيَّةٌ تَقْرِيبًا لِمَعْنى التَّقْرِيبِ.
ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ المُقَرَّبُونَ لِظُهُورِ أنَّهُ مُقَرَّبٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عِنايَتِهِ وتَفْضِيلِهِ، وكَذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ زَمانُ التَّقْرِيبِ ولا مَكانُهُ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الأزْمانِ والبِقاعِ الاِعْتِبارِيَّةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وفِي جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ إشارَةٍ تَنْبِيهً عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُخْبِرُ عَنْهُ مِن أجْلِ الوَصْفِ الوارِدِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ وهو أنَّهم سابِقُونَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٨٩
وقَوْلُهُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ.
وإيقاعُهُ بَعْدَ وصْفِ المُقَرَّبُونَ مُشِيرٌ إلى أنَّ مَضْمُونَهُ مِن آثارِ التَّقْرِيبِ المَذْكُورِ.
الواقعة 56:13
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وجُمْلَةِ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] .
وثُلَّةٌ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هم ثُلَّةٌ، ومُعادُ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ السّابِقُونَ، أيِ السّابِقُونَ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ.
وهَذا الاِعْتِراضُ يُقْصَدُ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِصِنْفِ السّابِقِينَ وتَفْضِيلِهِمْ بِطُرُقِ الكِنايَةِ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظَيْ ثُلَّةٌ و (قَلِيلٌ) المُشْعِرَيْنَ بِأنَّهم قُلٌّ مِن كُثُرٍ، فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أنَّهم صِنْفٌ عَزِيزٌ نَفِيسٌ لِما عُهِدَ في العُرْفِ مِن قِلَّةِ الأشْياءِ النَّفِيسَةِ وكَقَوْلِ السَّمَوْألِ وقِيلَ غَيْرُهُ:
تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا فَقُلْتُ لَها: إنَّ الكِرامَ قَلِيلُ
مَعَ بِشارَةِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ حَظَّهم في هَذا الصِّنْفِ كَحَظِّ المُؤْمِنِينَ السّالِفِيِّنَ أصْحابِ الرُّسُلِ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ سَمِعُوا في القُرْآنِ وفي أحادِيثِ الرَّسُولِ ﷺ تَنْوِيهًا بِثَباتِ المُؤْمِنَيْنِ السّالِفِيِّنَ مَعَ الرُّسُلِ ومُجاهَدَتِهِمْ فَرُبَّما خامَرَ نُفُوسَهم أنَّ تِلْكَ صِفَةٌ لا تُنالُ بَعْدَهم فَبَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ لَهم حَظًّا مِنها مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلى قَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] وغَيْرِها، تَلْهِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ وإذْكاءً لِهِمَمِهِمْ في الأخْذِ بِما يَلْحَقُهم بِأمْثالِ السّابِقِينَ مِنَ الأوَّلِينَ فَيَسْتَكْثِرُوا مِن تِلْكَ الأعْمالِ. وفي الحَدِيثِ «لَقَدْ كانَ مِن قَبْلِكم يُوضَعُ المِنشارُ عَلى أحَدِهِمْ فَيُنْشَرُ إلى عَظْمِهِ لا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» .
والثُّلَّةُ: بِضَمِّ الثّاءِ لا غَيْرَ: اسْمٌ لِلجَّماعَةِ مِنَ النّاسِ مُطْلَقًا قَلِيلًا كانُوا أوْ
صفحة ٢٩٠
كَثِيرًا وهَذا هو قَوْلُ الفَرّاءِ وأهْلِ اللُّغَةِ والرّاغِبِ وصاحِبِ لِسانِ العَرَبِ وصاحِبِ القامُوسِ والزَّمَخْشَرِيِّ في الأساسِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ إنَّ الثُّلَّةَ: الأُمَّةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ ومَحْمَلُهُ عَلى أنَّهُ أرادَ بِهِ تَفْسِيرَ مَعْناها في هَذِهِ الآيَةِ لا تَفْسِيرَ الكَلِمَةِ في اللُّغَةِ.
ولِما في هَذا الاِعْتِراضِ مِنَ الإشْعارِ بِالعِزَّةِ قَدَّمَ عَلى ذِكْرِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ لِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ كَيْفِيَّتِهِ المُناسِبَةِ لِوَصْفِهِمْ بِ السّابِقُونَ بِخِلافِ ما يَأْتِي في أصْحابِ اليَمِينِ.
ومَعْنى الأوَّلِينَ قَوْمٌ مُتَقَدِّمُونَ عَلى غَيْرِهِمْ في الزَّمانِ لِأنَّ الأوَّلَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ في صِفَةِ ما كالوُجُودِ أوِ الأحْوالِ عَلى غَيْرِ الَّذِي هو الآخَرِ أوِ الثّانِي، فالأوَّلِيَّةُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يُبَيِّنُهُ سِياقُ الكَلامِ حَيْثُما وقَعَ.
فالظّاهِرُ أنَّ الأوَّلِينَ هَنا مُرادٌ بِهِمُ الأُمَمَ السّابِقَةَ قَبْلَ الإسْلامِ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] خِطابٌ لِجَمِيعِ النّاسِ بِعُنْوانِ أنَّهم ناسٌ لِأنَّ المُنْقَرِضِينَ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ مِن أمَةٍ أوْ قَبِيلَةٍ أوْ أهْلِ نَحْلَةٍ يُدْعَوْنَ بِالأوَّلِينَ كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:
ومُهَلْهَلُ الشُّعَراءِ ذاكَ الأوَّلُ
وقالَ تَعالى أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ الَّذِينَ هم يَخْلِفُونَهم ويَكُونُونَ مَوْجُودِينَ، أوْ في تَقْدِيرِ المَوْجُودِينَ يُدْعَوْنَ الآخِرِينَ.
وقَدْ وُصِفَ أهْلُ الإسْلامِ بِالآخِرِينَ في حَدِيثِ فَضْلِ الجُمْعَةِ «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا» الحَدِيثَ. وإذْ قَدْ وُصِفَ السّابِقُونَ بِما دَلَّ عَلى أنَّهم أهْلُ السَّبْقِ إلى الخَيْرِ ووُصِفَتْ حالُهم في القِيامَةِ عَقِبَ ذَلِكَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّهم أفْضَلُ الصّالِحِينَ مِن أصْحابِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ ابْتِداءً مِن عَصْرِ آدَمَ إلى بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُمُ الَّذِينَ جاءَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] .
فَلا جَرَمَ أنَّ المُرادَ بِ الأوَّلِينَ الأُمَمُ الأُولى كُلُّها، وكانَ مُعْظَمُ تِلْكَ الأُمَمِ
صفحة ٢٩١
أهْلَ عِنادٍ وكُفْرٍ ولَمْ يَكُنِ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ إلّا قَلِيلًا كَما تُنْبِئُ بِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القُرْآنِ.
ووُصِفَ المُؤْمِنُونَ مِن بَعْضِ الأُمَمِ عِنْدَ أقْوامِهِمْ بِالمُسْتَضْعَفِينَ وبِالأرْذَلِينَ، وبِالأقَلِّينَ.
ولا جَرَمَ أنَّ المُرادَ بِالآخِرِينَ الأُمَّةُ الأخِيرَةُ وهُمُ المُسْلِمُونَ.
فالسّابِقُونَ طائِفَتانِ طائِفَةٌ مِنَ الأُمَمِ الماضِينَ ومَجْمُوعُ عَدَدِها في ماضِي القُرُونِ كَثِيرٌ مِثْلُ أصْحابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ رافَقُوهُ في التِّيهِ، ومِثْلُ أصْحابِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ومِثْلُ الحَوارِيِّينَ، وطائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ وهُمُ الَّذِينَ أسْرَعُوا لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ وصَحِبُوا النَّبِيءَ ﷺ كَما قالَ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَهي لا يَتَحَقَّقُ مُفادُها إلّا في المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ.
و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ كَما هو بَيِّنٌ، فاقْتَضى أنَّ السّابِقِينَ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ وزَمانِ الإسْلامِ حاضِرِهِ ومُسْتَقْبَلِهِ بَعُضٌ مَن كَلٍّ، والبَعْضِيَّةُ تَقْتَضِي القِلَّةَ النِّسْبِيَّةَ ولَفَظُ ثُلَّةٌ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ ولَفْظُ قَلِيلٌ صَرِيحٌ فِيهِ.
وإنَّما قُوبِلَ لَفْظُ ثُلَّةٌ بِلَفْظِ قَلِيلٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الثُّلَّةَ أكْثَرُ مِنهُ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ وحَزِنُوا وقالُوا: إذَنْ لا يَكُونُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إلّا قَلِيلٌ، فَنَزَلَتْ نِصْفُ النَّهارِ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] فَنَسَخَتْ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ .
وهَذا الحَدِيثُ مُشْكِلٌ ومُجْمَلٌ فَإنَّ هُنا قِسْمَيْنِ مُشْتَبِهَيْنِ، والآيَةُ الَّتِي فِيها ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] لَيْسَتْ وارِدَةً في شَأْنِ السّابِقِينَ فَلَيْسَ في الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلى
صفحة ٢٩٢
أنَّ عَدَدَ أهْلِ مَرْتَبَةِ السّابِقِينَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ مُساوٍ لِعَدَدِ أهْلِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ في المُسْلِمِينَ، وأنَّ قَوْلَ أبِي هُرَيْرَةَ فَنَسَخَتْ قَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ يُرِيدُ نَسَخَتْ هَذِهِ الكَلِمَةَ. فَمُرادُهُ أنَّها أبْطَلَتْ أنْ يَكُونَ التَّفَوُّقُ مُطَّرِدًا في عَدَدِ الصّالِحِينَ فَبَقِيَ التَّفَوُّقُ في العَدَدِ خاصًّا بِالسّابِقِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ دُونَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ هم أصْحابُ اليَمِينِ. والمُتَقَدِّمُونَ يُطْلِقُونَ النَّسْخَ عَلى ما يَشْمَلُ البَيانُ فَإنَّ مَوْرِدَ آيَةِ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] في شَأْنِ صِنْفِ أصْحابِ اليَمِينِ. ومَوْرِدُ الآيَةِ الَّتِي فِيها ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو صِنْفُ السّابِقِينَ فَلا يُتَصَوَّرُ مَعْنى النَّسَخِ بِالمَعْنى الاِصْطِلاحِيِّ مَعَ تَغايُرِ مَوْرِدِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ ولَكِنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البَيانُ وهو بَيانٌ بِالمَعْنى الأعَمِّ.
الواقعة 56:14
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وجُمْلَةِ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] .
وثُلَّةٌ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هم ثُلَّةٌ، ومُعادُ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ السّابِقُونَ، أيِ السّابِقُونَ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ.
وهَذا الاِعْتِراضُ يُقْصَدُ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِصِنْفِ السّابِقِينَ وتَفْضِيلِهِمْ بِطُرُقِ الكِنايَةِ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظَيْ ثُلَّةٌ و (قَلِيلٌ) المُشْعِرَيْنَ بِأنَّهم قُلٌّ مِن كُثُرٍ، فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أنَّهم صِنْفٌ عَزِيزٌ نَفِيسٌ لِما عُهِدَ في العُرْفِ مِن قِلَّةِ الأشْياءِ النَّفِيسَةِ وكَقَوْلِ السَّمَوْألِ وقِيلَ غَيْرُهُ:
تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا فَقُلْتُ لَها: إنَّ الكِرامَ قَلِيلُ
مَعَ بِشارَةِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ حَظَّهم في هَذا الصِّنْفِ كَحَظِّ المُؤْمِنِينَ السّالِفِيِّنَ أصْحابِ الرُّسُلِ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ سَمِعُوا في القُرْآنِ وفي أحادِيثِ الرَّسُولِ ﷺ تَنْوِيهًا بِثَباتِ المُؤْمِنَيْنِ السّالِفِيِّنَ مَعَ الرُّسُلِ ومُجاهَدَتِهِمْ فَرُبَّما خامَرَ نُفُوسَهم أنَّ تِلْكَ صِفَةٌ لا تُنالُ بَعْدَهم فَبَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ لَهم حَظًّا مِنها مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلى قَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] وغَيْرِها، تَلْهِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ وإذْكاءً لِهِمَمِهِمْ في الأخْذِ بِما يَلْحَقُهم بِأمْثالِ السّابِقِينَ مِنَ الأوَّلِينَ فَيَسْتَكْثِرُوا مِن تِلْكَ الأعْمالِ. وفي الحَدِيثِ «لَقَدْ كانَ مِن قَبْلِكم يُوضَعُ المِنشارُ عَلى أحَدِهِمْ فَيُنْشَرُ إلى عَظْمِهِ لا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» .
والثُّلَّةُ: بِضَمِّ الثّاءِ لا غَيْرَ: اسْمٌ لِلجَّماعَةِ مِنَ النّاسِ مُطْلَقًا قَلِيلًا كانُوا أوْ
صفحة ٢٩٠
كَثِيرًا وهَذا هو قَوْلُ الفَرّاءِ وأهْلِ اللُّغَةِ والرّاغِبِ وصاحِبِ لِسانِ العَرَبِ وصاحِبِ القامُوسِ والزَّمَخْشَرِيِّ في الأساسِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ إنَّ الثُّلَّةَ: الأُمَّةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ ومَحْمَلُهُ عَلى أنَّهُ أرادَ بِهِ تَفْسِيرَ مَعْناها في هَذِهِ الآيَةِ لا تَفْسِيرَ الكَلِمَةِ في اللُّغَةِ.
ولِما في هَذا الاِعْتِراضِ مِنَ الإشْعارِ بِالعِزَّةِ قَدَّمَ عَلى ذِكْرِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ لِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ كَيْفِيَّتِهِ المُناسِبَةِ لِوَصْفِهِمْ بِ السّابِقُونَ بِخِلافِ ما يَأْتِي في أصْحابِ اليَمِينِ.
ومَعْنى الأوَّلِينَ قَوْمٌ مُتَقَدِّمُونَ عَلى غَيْرِهِمْ في الزَّمانِ لِأنَّ الأوَّلَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ في صِفَةِ ما كالوُجُودِ أوِ الأحْوالِ عَلى غَيْرِ الَّذِي هو الآخَرِ أوِ الثّانِي، فالأوَّلِيَّةُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يُبَيِّنُهُ سِياقُ الكَلامِ حَيْثُما وقَعَ.
فالظّاهِرُ أنَّ الأوَّلِينَ هَنا مُرادٌ بِهِمُ الأُمَمَ السّابِقَةَ قَبْلَ الإسْلامِ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] خِطابٌ لِجَمِيعِ النّاسِ بِعُنْوانِ أنَّهم ناسٌ لِأنَّ المُنْقَرِضِينَ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ مِن أمَةٍ أوْ قَبِيلَةٍ أوْ أهْلِ نَحْلَةٍ يُدْعَوْنَ بِالأوَّلِينَ كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:
ومُهَلْهَلُ الشُّعَراءِ ذاكَ الأوَّلُ
وقالَ تَعالى أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ الَّذِينَ هم يَخْلِفُونَهم ويَكُونُونَ مَوْجُودِينَ، أوْ في تَقْدِيرِ المَوْجُودِينَ يُدْعَوْنَ الآخِرِينَ.
وقَدْ وُصِفَ أهْلُ الإسْلامِ بِالآخِرِينَ في حَدِيثِ فَضْلِ الجُمْعَةِ «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا» الحَدِيثَ. وإذْ قَدْ وُصِفَ السّابِقُونَ بِما دَلَّ عَلى أنَّهم أهْلُ السَّبْقِ إلى الخَيْرِ ووُصِفَتْ حالُهم في القِيامَةِ عَقِبَ ذَلِكَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّهم أفْضَلُ الصّالِحِينَ مِن أصْحابِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ ابْتِداءً مِن عَصْرِ آدَمَ إلى بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُمُ الَّذِينَ جاءَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] .
فَلا جَرَمَ أنَّ المُرادَ بِ الأوَّلِينَ الأُمَمُ الأُولى كُلُّها، وكانَ مُعْظَمُ تِلْكَ الأُمَمِ
صفحة ٢٩١
أهْلَ عِنادٍ وكُفْرٍ ولَمْ يَكُنِ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ إلّا قَلِيلًا كَما تُنْبِئُ بِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القُرْآنِ.
ووُصِفَ المُؤْمِنُونَ مِن بَعْضِ الأُمَمِ عِنْدَ أقْوامِهِمْ بِالمُسْتَضْعَفِينَ وبِالأرْذَلِينَ، وبِالأقَلِّينَ.
ولا جَرَمَ أنَّ المُرادَ بِالآخِرِينَ الأُمَّةُ الأخِيرَةُ وهُمُ المُسْلِمُونَ.
فالسّابِقُونَ طائِفَتانِ طائِفَةٌ مِنَ الأُمَمِ الماضِينَ ومَجْمُوعُ عَدَدِها في ماضِي القُرُونِ كَثِيرٌ مِثْلُ أصْحابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ رافَقُوهُ في التِّيهِ، ومِثْلُ أصْحابِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ومِثْلُ الحَوارِيِّينَ، وطائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ وهُمُ الَّذِينَ أسْرَعُوا لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ وصَحِبُوا النَّبِيءَ ﷺ كَما قالَ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَهي لا يَتَحَقَّقُ مُفادُها إلّا في المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ.
و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ كَما هو بَيِّنٌ، فاقْتَضى أنَّ السّابِقِينَ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ وزَمانِ الإسْلامِ حاضِرِهِ ومُسْتَقْبَلِهِ بَعُضٌ مَن كَلٍّ، والبَعْضِيَّةُ تَقْتَضِي القِلَّةَ النِّسْبِيَّةَ ولَفَظُ ثُلَّةٌ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ ولَفْظُ قَلِيلٌ صَرِيحٌ فِيهِ.
وإنَّما قُوبِلَ لَفْظُ ثُلَّةٌ بِلَفْظِ قَلِيلٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الثُّلَّةَ أكْثَرُ مِنهُ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ وحَزِنُوا وقالُوا: إذَنْ لا يَكُونُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إلّا قَلِيلٌ، فَنَزَلَتْ نِصْفُ النَّهارِ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] فَنَسَخَتْ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ .
وهَذا الحَدِيثُ مُشْكِلٌ ومُجْمَلٌ فَإنَّ هُنا قِسْمَيْنِ مُشْتَبِهَيْنِ، والآيَةُ الَّتِي فِيها ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] لَيْسَتْ وارِدَةً في شَأْنِ السّابِقِينَ فَلَيْسَ في الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلى
صفحة ٢٩٢
أنَّ عَدَدَ أهْلِ مَرْتَبَةِ السّابِقِينَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ مُساوٍ لِعَدَدِ أهْلِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ في المُسْلِمِينَ، وأنَّ قَوْلَ أبِي هُرَيْرَةَ فَنَسَخَتْ قَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ يُرِيدُ نَسَخَتْ هَذِهِ الكَلِمَةَ. فَمُرادُهُ أنَّها أبْطَلَتْ أنْ يَكُونَ التَّفَوُّقُ مُطَّرِدًا في عَدَدِ الصّالِحِينَ فَبَقِيَ التَّفَوُّقُ في العَدَدِ خاصًّا بِالسّابِقِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ دُونَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ هم أصْحابُ اليَمِينِ. والمُتَقَدِّمُونَ يُطْلِقُونَ النَّسْخَ عَلى ما يَشْمَلُ البَيانُ فَإنَّ مَوْرِدَ آيَةِ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] في شَأْنِ صِنْفِ أصْحابِ اليَمِينِ. ومَوْرِدُ الآيَةِ الَّتِي فِيها ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هو صِنْفُ السّابِقِينَ فَلا يُتَصَوَّرُ مَعْنى النَّسَخِ بِالمَعْنى الاِصْطِلاحِيِّ مَعَ تَغايُرِ مَوْرِدِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ ولَكِنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البَيانُ وهو بَيانٌ بِالمَعْنى الأعَمِّ.
الواقعة 56:15
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:16
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:17
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:18
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:19
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:20
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:21
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:22
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:23
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:24
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .
الواقعة 56:25
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٌ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وحَوَرٌ عَيْنٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونُ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .
الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهَذا تَبْشِيرٌ بِبَعْضِ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ مِمّا تَشْتاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لِتَشْوِيقِهِمْ إلى هَذا المَصِيرِ فَيَسْعَوْا لِنَوالِهِ بِصالِحِ الأعْمالِ، ولَيْسَ الاِقْتِصارُ عَلى المَذْكُورِ هُنا بِمُقْتَضٍ حَصْرَ النَّعِيمِ فِيما ذَكَرَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو كُرْسِيٌّ طَوِيلٌ مُتَّسِعٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المُتَّكِئُ والمُضْطَجِعُ لَهُ سُوقٌ أرْبَعٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الأرْضِ بِنَحْوِ ذِراعٍ يُتَّخَذُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْوادِ ويَتَّخِذُهُ المُلُوكُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِن عاجٍ ومِن نَفِيسِ العُودِ كالأبَنُوسِ ويَتَّخِذُهُ
صفحة ٢٩٣
العُظَماءُ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الحَدِيدِ الصِّرْفِ ومِنَ الحَدِيدِ المُلَوَّنِ أوِ المُزَيَّنِ بِالذَّهَبِ. والسَّرِيرُ مَجْلِسُ العُظَماءِ والمُلُوكِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَوْضُونَةُ: المَسْبُوكُ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَما تُسْبَكُ حِلَقُ الدُّرُوعِ وإنَّما تُوضَنُ سُطُوحُها وهي ما بَيْنَ سُوقِها الأرْبَعِ حَيْثُ تُلْقى عَلَيْها الطَّنافِسُ أوِ الزَّرابِيُّ لِلجُّلُوسِ والاِضْطِجاعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ المَفْرَشُ وثِيرًا فَلا يُؤْلِمُ المُضْطَجِعَ ولا الجالِسَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم مَوْضُونَةٍ بِمَرْمُولَةٍ، أيْ مَنسُوجَةٍ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ.
والاِتِّكاءُ: اضْطِجاعٌ مَعَ تَباعُدِ أعْلى الجَنْبِ، والاِعْتِمادِ عَلى المِرْفَقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ.
والتَّقابُلُ: مِن تَمامِ النَّعِيمِ لِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ بِمُشاهَدَةِ الأصْحابِ والحَدِيثِ مَعَهم.
وقَوْلُهُ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وتَقَدَّمَ في قَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والطَّوافُ: المَشْيُ المُكَرَّرُ حَوْلَ شَيْءٍ وهو يَقْتَضِي المُلازِمَةَ لِلشَّيْءِ. ووُصِفُ الوِلْدانِ بِالمُخَلَّدِينَ أيْ دائِمَيْنِ عَلى الطَّوافِ عَلَيْهِمْ ومُناوَلَتِهِمْ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْ ذَلِكَ. وإذْ قَدْ ألِفُوا رُؤْيَتَهم فَمِنَ النِّعْمَةِ دَوامُهم مَعَهم. وقَدْ فُسِّرَ مُخَلَّدُونَ بِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِفَةِ الوِلْدانِ، أيْ بِالشَّبابِ والغَضاضَةِ، أيْ لَيْسُوا كَوِلْدانِ الدُّنْيا يَصِيرُونَ قَرِيبًا فِتْيانًا فَكُهُولًا فَشُيُوخًا.
وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّهم مُقَرَّطُونَ بِالأقْراطِ. والقُرْطُ يُسَمّى خُلْدًا وخَلَدًا وجَمْعُهُ خِلَدَةٌ كَقِرْدَةٍ وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ كُلُّهم وكانُوا يُحْسِّنُونَ غِلْمانَهم بِالأقْراطِ في الآذانِ.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءُ الخَمْرِ لا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ وفِيهِ اسْتِدارَةٌ مُتَّسِعٌ مَوْضِعُ الشُّرْبِ مِنهُ فَهو كالقَدَحِ.
صفحة ٢٩٤
والأبارِيقُ: جَمْعُ إبْرِيقَ وهو إناءٌ تُحْمَلُ فِيهِ الخَمْرُ لِلشّارِبِينَ فَتُصَبُّ في الأكْوابِ، والإبْرِيقُ لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ.
والكَأْسُ: إناءٌ لِلْخَمْرِ كالكُوبِ إلّا أنَّهُ مُسْتَطِيلٌ ضَيِّقٌ المَشْرَبُ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والكَأْسُ جِنْسٌ يَصْدُقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ فَلَيْسَ إفْرادُهُ هُنا لِلْوَحْدَةِ فَإنَّ المُرادَ كُئُوسٌ كَثِيرَةٌ كَما اقْتَضاهُ جَمْعُ أكْوابٍ وأبارِيقَ، فَإذا كانَتْ آنِيَةُ حَمْلِ الخَمْرِ كَثِيرَةً كانَتْ كُئُوسُ الشّارِبِينَ أكْثَرَ، وإنَّما أُوثِرَتْ صِيغَةُ المُفْرَدِ لِأنَّ في لَفْظِ كُئُوسٍ ثِقَلًا بِوُجُودِ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ في وسَطِهِ مَعَ ثِقَلِ صِيغَةِ الجَمْعِ.
والمُعَيَّنُ: الجارِي، والمُرادُ بِهِ الخَمْرُ الَّتِي لِكَثْرَتِها تَجْرِي في المَجارِي كَما يَجْرِي الماءُ ولَيْسَتْ قَلِيلَةٌ عَزِيزَةٌ كَما هي في الدُّنْيا، قالَ تَعالى ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] .
ولَيْسَ المُرادُ بِالمُعَيَّنِ الماءَ لِأنَّ الكَأْسَ لَيْسَتْ مِن آنِيَةِ الماءِ وإنَّما آنِيَتُها الأقْداحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] وتِلْكَ صِفاتُ الخَمْرِ.
والتَّصْدِيعُ: الإصابَةُ بِالصُّداعِ، وهو وجَعُ الرَّأْسِ مِنَ الخُمارِ النّاشِئِ عَنِ السُّكْرِ، أيْ لا تُصِيبُهُمُ الخَمْرُ بِصُداعٍ.
ومَعْنى عَنْها مُجاوِزِينَ لَها، أيْ لا يَقَعُ لَهم صُداعٌ ناشِئٌ عَنْها، أيْ فَهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِخِلافِ خُمُورِ الدُّنْيا فاسْتُعْمِلَتْ عَنْ في مَعْنى السَّبَبِيَّةَ.
وعُطِفَ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُ ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ فَقَدْ قالَ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أيْ لا يَعْتَرِيهِمْ نَزْفٌ بِسَبَبِها كَما يَحْصُلُ لِلشّارِبِينَ في الدُّنْيا.
والنَّزْفُ: اخْتِلاطُ العَقْلِ. وفِعْلُهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ مِثْلُ: عُنِيَ فَهو مَنزُوفٌ.
صفحة ٢٩٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْزَفُونَ) بِفَتْحِ الزّايِ مَن أنْزَفَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ المَهْمُوزِ القاصِرِ إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ.
والفاكِهَةُ: الثِّمارُ والبُقُولُ كاللَّوْزِ والفُسْتُقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمانِ. وعَطْفُ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ، أيْ ويَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ وذَلِكَ أدْخَلُ في الدَّعَةِ وألَذُّ مِنَ التَّناوُبِ بِأيْدِيهِمْ، عَلى أنَّهم إنِ اشْتَهَوُا اقْتِطافَها بِالأيْدِي دَنَتْ لَهُمُ الأغْصانُ فَإنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَهِي تَناوُلَ الثَّمَرَةِ مِن أغْصانِها.
وما يَتَخَيَّرُونَ: الجِنْسُ الَّذِي يَخْتارُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ، أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِفاكِهَةٍ مِنَ الأنْواعِ الَّتِي يَخْتارُونَها، فَفِعْلُ يَتَخَيَّرُونَ يُفِيدُ قُوَّةَ الاِخْتِيارِ.
ولَحْمُ الطَّيْرِ: هو أرْفَعُ اللُّحُومِ وأشْهاها وأعَزُّها.
وعَطْفُ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ﴾ عَلى فاكِهَةٍ كَعَطْفِ فاكِهَةٍ عَلى أكْوابٍ.
والاِشْتِهاءُ: مَصْدَرُ اشْتَهى، وهو افْتِعالٌ مِنَ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَحَبَّةُ نَيْلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِن مَحْسُوساتٍ ومَعْنَوِيّاتٍ، يُقالُ: شَهِيٌّ كَرَضِيٌّ، وشَها كَدَعا. والأكْثَرُ أنْ يُقالَ: اشْتَهى، والاِفْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ.
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الفاكِهَةِ عَلى ذِكْرِ اللَّحْمِ قَدْ يَكُونُ لِأنَّ الفَواكِهَ أعَزُّ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الفاكِهَةِ ولَحْمِ طَيْرٍ فَجُعِلَ التَّخْيِرُ لِلْأوَّلِ، والاِشْتِهاءُ لِلثّانِي ولِأنَّ الاِشْتِهاءَ أعْلَقُ بِالطَّعامِ مِنهُ بِالفَواكِهِ، فَلَذَّةُ كَسْرِ الشّاهِيَةِ بِالطَّعامِ لَذَّةٌ زائِدَةٌ عَلى لَذَّةِ حُسْنِ طَعْمِهِ، وكَثْرَةُ التَّخَيُّرِ لِلْفاكِهَةِ هي لَذَّةُ تَلْوِينِ الأصْنافِ.
وحُورٌ عِينٌ عَطْفٌ عَلى وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، أيْ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
والحُورُ العِينُ: النِّساءُ ذَواتُ الحَوَرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذَواتُ العَيْنِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وتَقَدُّمٌ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٢٩٦
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (وحُورٍ عِينٍ) بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى أنَّ (حُورٌ) عُطِفَ عَلى أكْوابٍ عَطْفَ مَعْنى مِن بابِ قَوْلِهِ:
وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
بِتَقْدِيرِ: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، أوْ يُعْطَفُ عَلى (جَنّاتِ)، أيْ وفي حُورٍ عِينٍ، أيْ هم في حُورٍ عِينٍ أوْ مُحاطُونَ بِهِنَّ ومُحَدِّقُونَ بِهِنَّ.
والمُرادُ: أزْواجُ السّابِقَيْنِ في الجَنَّةِ وهُنَّ المَقْصُوراتُ في الخِيامِ.
والأمْثالُ: الأشْباهُ. ودُخُولُ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى (أمْثالِ) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والمَعْنى: هُنَّ أمْثالُ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ.
واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ، وتَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] في سُورَةِ الحَجِّ.
والمَكْنُونُ: المَخْزُونُ المُخَبَّأُ لِنَفاسَتِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (جَزاءً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ المُقَرَّبُونَ، أيْ أعْطَيْناهم ذَلِكَ جَزاءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَزاءً) مَصْدَرًا جاءَ بَدَلًا عَنْ فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جازَيْناهم جَزاءً.
والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضٌ تُفِيدُ إظْهارَ كَرامَتِهِمْ بِحَيْثُ جَعَلَتْ أصْنافَ النَّعِيمِ الَّذِي حَظُوا بِهِ جَزاءً عَلى عَمَلٍ قَدَّمُوهُ وذَلِكَ إتْمامٌ لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ.
ثُمَّ أكْمَلَ وصْفَ النَّعِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾، وهي نِعْمَةٌ رُوحِيَّةٌ فَإنَّ سَلامَةَ النَّفْسِ مِن سَماعِ ما لا يُحِبُّ سَماعَهُ ومِن سَماعِ ما يَكْرَهُ سَماعَهُ مِنَ الأذى نِعْمَةٌ بِراحَةِ البالِ وشُغْلِهِ بِسَماعِ المَحْبُوبِ.
واللَّغْوُ: الكَّلامُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ كالهَذَيانِ، والكَّلامُ الَّذِي لا مُحَصِّلَ لَهُ.
والتَّأْثِيمُ: اللَّوْمُ والإنْكارُ، وهو مَصْدَرُ أثَّمَ، إذا نَسَبَ غَيْرَهُ إلى الإثْمِ.
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (جَنّاتِ النَّعِيمِ) .
وأتْبَعَ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى مِنَ الأنْعامِ بِالمَسْمُوعِ الَّذِي يُفِيدُ الكَرامَةَ لِأنَّ الإكْرامَ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يُكْسِبُ النَّفْسَ عِزَّةً وإدْلالًا ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . وهو اسْتِثْناءٌ مِن ﴿لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ المُشْتَهِرَ في البَدِيعِ بِاسْمِ تَأْكِيدِ المَدْحِ لِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في البَلاغَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فالاِسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ادِّعاءً وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِحَسَبِ حاصِلِ المَعْنى، وعَلَيْهِ فَإنَّ انْتِصابَ قِيلًا عَلى الاِسْتِثْناءِ لا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (لَغَوًا) .
و(سَلامًا) الأوَّلُ مَقُولُ (قِيلًا)، أيْ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا سَلامًا، فَهو جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوُلِ.
و(سَلامًا) الثّانِي تَكْرِيرٌ لِ (سَلامًا) الأوَّلِ تَكْرِيرًا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ بَلْ لِإفادَةِ التَّعاقُبِ، أيْ سَلامًا إثْرَ سَلامٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقَوْلُهم: قَرَأتُ النَّحْوَ بابًا بابًا، أوْ مُشارًا بِهِ إلى كَثْرَةِ المُسَلِّمِينَ فَهو مُؤْذِنٌ مَعَ الكَرامَةِ بِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُبَجَّلُونَ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ التَّكْرِيرَ بِتَكْرِيرِ الأزْمِنَةِ، والثّانِي يُفِيدُ التَّكْرارَ بِتَكْرِيرِ المُسْلِمِينَ.
وهَذا القِيلُ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ويَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] .
وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ (سَلامًا) مَنصُوبًا دُونَ الرَّفْعِ مَعَ كَوْنِ الرَّفْعِ أدَلَّ عَلى المُبالَغَةِ كَما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الذّارِياتِ لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُ بَدَلًا مِن (قِيلًا) .