Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الواقعة 56:93 – المجادلة 58:22

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الواقعة 56:93
  2. الواقعة 56:94
  3. الواقعة 56:95
  4. الواقعة 56:96
  5. الحديد 57:1
  6. الحديد 57:2
  7. الحديد 57:3
  8. الحديد 57:4
  9. الحديد 57:5
  10. الحديد 57:6
  11. الحديد 57:7
  12. الحديد 57:8
  13. الحديد 57:9
  14. الحديد 57:10
  15. الحديد 57:11
  16. الحديد 57:12
  17. الحديد 57:13
  18. الحديد 57:14
  19. الحديد 57:15
  20. الحديد 57:16
  21. الحديد 57:17
  22. الحديد 57:18
  23. الحديد 57:19
  24. الحديد 57:20
  25. الحديد 57:21
  26. الحديد 57:22
  27. الحديد 57:23
  28. الحديد 57:24
  29. الحديد 57:25
  30. الحديد 57:26
  31. الحديد 57:27
  32. الحديد 57:28
  33. الحديد 57:29
  34. المجادلة 58:1
  35. المجادلة 58:2
  36. المجادلة 58:3
  37. المجادلة 58:4
  38. المجادلة 58:5
  39. المجادلة 58:6
  40. المجادلة 58:7
  41. المجادلة 58:8
  42. المجادلة 58:9
  43. المجادلة 58:10
  44. المجادلة 58:11
  45. المجادلة 58:12
  46. المجادلة 58:13
  47. المجادلة 58:14
  48. المجادلة 58:15
  49. المجادلة 58:16
  50. المجادلة 58:17
  51. المجادلة 58:18
  52. المجادلة 58:19
  53. المجادلة 58:20
  54. المجادلة 58:21
  55. المجادلة 58:22

الواقعة 56:93

صفحة ٣٤٧ ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعَيْمٍ﴾ ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ لَمّا اقْتَضى الكَلامُ بِحَذافِرِهِ أنَّ الإنْسانَ صاحِبُ الرُّوحِ صائِرٌ إلى الجَزاءِ فَرَّعَ عَلَيْهِ إجْمالَ أحْوالِ الجَزاءِ في مَراتِبِ النّاسِ إجْمالًا لِما سَبَقَ تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] إلى قَوْلِهِ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] لِيَكُونَ هَذا فَذْلَكَةً لِلسُّورَةِ ورَدًّا لِعَجُزِها عَلى صَدْرِها. فَضَمِيرُ ”إنْ كانَ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”إلَيْهِ“ مِن قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] . والمُقَرَّبُونَ هُمُ السّابِقُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] وأصْحابُ اليَمِينِ قَدْ تَقَدَّمَ. والمُكَذِّبُونَ الضّالُّونَ: هم أصْحابُ الشِّمالِ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم. وقَدْ ذُكِرَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِن هَؤُلاءِ جَزاءٌ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ لِيُضَمَّ إلى ما أُعِدَّ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى طَرِيقَةِ القُرْآنِ في تَوْزِيعِ القِصَّةِ. والرَّوْحُ: بِفَتْحِ الرّاءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو الرّاحَةُ، أيْ فَرَوْحٌ لَهُ، أيْ هو في راحَةٍ ونَعِيمٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] في سُورَةِ يُوسُفَ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الرّاءِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، أيْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُوِيَ عَنْهُ الوَجْهانِ، فالمَشْهُورُ رُوِيَ مُتَواتِرًا، والآخَرُ رُوِيَ مُتَواتِرًا وبِالآحادِ، وكِلاهُما مُرادٌ. ومَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ ضَمِّ الرّاءِ: أنَّ رُوحَهُ مَعَها الرَّيْحانُ وهو الطِّيبُ وجَنَّةُ النَّعِيمِ. وقَدْ ورَدَ في حَدِيثٍ آخَرَ: أنَّ «رُوحَ المُؤْمِنِ تَخَرُجُ طَيِّبَةً» . وقِيلَ: أطْلَقَ الرُّوحَ بِضَمِّ الرّاءِ عَلى الرَّحْمَةِ لِأنَّ مَن كانَ في رَحْمَةِ اللَّهِ فَهو الحَيُّ حَقًّا، فَهو صفحة ٣٤٨ ذُو رُوحٍ، أمّا مَن كانَ في العَذابِ فَحَياتُهُ أقَلُّ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤]، أيْ لِأنَّهُ يَتَمَنّى المَوْتَ فَلا يَجِدُهُ. والرَّيْحانُ: شَجَرٌ لِوَرَقَهِ وقُضْبانِهِ رائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ شَدِيدُ الخُضْرَةِ كانَتِ الأُمَمُ تُزَيِّنُ بِهِ مَجالِسِ الشَّرابِ. قالَ الحَرِيرِيُّ: وطَوْرًا يَسْتَبْزِلُ الدِّنانَ، ومَرَّةً يَسْتَنْشِقُ الرَّيْحانَ وكانَتْ مُلُوكُ العَرَبِ تَتَّخِذُهُ، قالَ النّابِغَةُ: يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ قَبْلَ ذِكْرِ الجَنَّةِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَيْهِ إيماءً إلى كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] . وجُمْلَةُ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ جَوابُ أمّا الَّتِي هي بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ شَيْءٌ. وفَصَلَ بَيْنَ ”ما“ المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى اسْمِ شَرْطٍ وبَيْنَ فِعْلِ شَرْطٍ وبَيْنَ الجَوابِ بِشَرْطٍ آخَرَ هو ﴿إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ جَرى عَلى لُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَ (أمّا) وجَوابِها بِفاصِلٍ كَراهِيَةَ اتِّصالِ فاءِ الجَوابِ بِأداةِ الشَّرْطِ لَمّا التَزَمُوا حَذْفَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَأقامُوا مَقامَهُ فاصِلًا كَيْفَ كانَ. وجَوابُ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ جَوابُ (أمّا) . وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ . والسَّلامُ: اسْمٌ لِلسَّلامَةِ مِنَ المَكْرُوهِ، ويُطْلَقُ عَلى التَّحِيَّةِ، واللّامُ في قَوْلِهِ لَكَ لِلِاخْتِصاصِ. والكَلامُ إجْمالٌ لِلتَّنْوِيهِ بِهِمْ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وخَلاصِهِمْ مِنَ المُكَدِّراتِ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ فَقِيلَ: كافُ الخِطابِ مُوَجَّهَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ: لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ هَذا الخَبَرَ. والمَعْنى: أنَّ السَّلامَةَ الحاصِلَةَ لِأصْحابِ اليَمِينِ تَسُرُّ مَن يَبْلُغُهُ أمْرُها. وهَذا كَما يُقالُ: صفحة ٣٤٩ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ بِهِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، واللَّفْظُ جَرى مَجْرى المَثَلِ فَطُوِيَ مِنهُ بَعْضُهُ، وأصْلُهُ: فَلَهُمُ السَّلامَةُ سَلامَةٌ تَسُرُّ مَن بَلَغَهُ حَدِيثُها. وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَقْرِيرُ المَعْنى كَما تَقَدَّمَ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُسَرُّ بِما يَنالُهُ أهْلُ الإسْلامِ مِنَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ وهم مِمَّنْ شَمَلَهم لَفْظُ أصْحابِ اليَمِينِ. وقِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: تَقُولُ لَهُ المَلائِكَةُ. ومِن أصْحابِ اليَمِينِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، و”مِن“ عَلى هَذا تَبْعِيضِيَّةٌ، فَهي بِشارَةٌ لِلْمُخاطَبِ عِنْدَ البَعْثِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] . وقِيلَ: الكافُ خِطابٌ لِمَن كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَسَلامٌ لَهُ، فَعَدَلَ إلى الخِطابِ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّرِيفَةِ، أيْ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ أصْحابُ اليَمِينِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ يُبادِرُونَهُ بِالسَّلامِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن أهْلِ مَنزِلَتِهِمْ، و(مِن) عَلى هَذا ابْتِدائِيَّةٌ. فَهَذِهِ مَحامِلُ لِهَذِهِ الآيَةِ يُسْتَخْلَصُ مِن مَجْمُوعِها مَعْنى الرِّفْعَةِ والكَرامَةِ. والمُكَذِّبُونَ الضّالُّونَ: هم أصْحابُ الشِّمالِ في القِسْمِ السّابِقِ إلى أزْواجٍ ثَلاثَةٍ. وقُدِّمَ هُنا وصْفُ التَّكْذِيبِ عَلى وصْفِ الضَّلالِ عَكْسَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] لِمُراعاةِ سَبَبِ ما نالَهم مِنَ العَذابِ وهو التَّكْذِيبُ، لِأنَّ الكَلامَّ هُنا عَلى عَذابٍ قَدْ حانَ حِينُهُ وفاتَ وقْتُ الحَذَرِ مِنهُ فَبُيِّنَ سَبَبُ عَذابِهِمْ وذُكِّرُوا بِالَّذِي أوْقَعَهم في سَبَبِهِ لِيَحْصُلَ لَهم ألَمُ التَّنَدُّمِ. والنُّزُلُ: ما يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ مِنَ القِرى، وإطْلاقُهُ هُنا تَهَكُّمٌ، كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا في هَذِهِ السُّورَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] . صفحة ٣٥٠ والتَّصْلِيَةُ: مَصْدَرُ صَلّاهُ المُشَدَّدُ، إذْ أحْرَقَهُ وشَواهُ، يُقالُ: صَلّى اللَّحْمَ تَصْلِيَةً، إذا شَواهُ، وهو هُنا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ لِإيهامِهِ لَهُ يُصَلّى لَهُ الشِّواءُ في نُزُلِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، أيْ يُحَرَّقُ بِها. والجَحِيمُ: يُطْلَقُ عَلى النّارِ المُؤَجَّجَةِ، ويُطْلَقُ عَلَمًا عَلى جَهَنَّمِ دارِ العَذابِ الآخِرَةِ.

الواقعة 56:94

صفحة ٣٤٧ ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعَيْمٍ﴾ ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ لَمّا اقْتَضى الكَلامُ بِحَذافِرِهِ أنَّ الإنْسانَ صاحِبُ الرُّوحِ صائِرٌ إلى الجَزاءِ فَرَّعَ عَلَيْهِ إجْمالَ أحْوالِ الجَزاءِ في مَراتِبِ النّاسِ إجْمالًا لِما سَبَقَ تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] إلى قَوْلِهِ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] لِيَكُونَ هَذا فَذْلَكَةً لِلسُّورَةِ ورَدًّا لِعَجُزِها عَلى صَدْرِها. فَضَمِيرُ ”إنْ كانَ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”إلَيْهِ“ مِن قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] . والمُقَرَّبُونَ هُمُ السّابِقُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] وأصْحابُ اليَمِينِ قَدْ تَقَدَّمَ. والمُكَذِّبُونَ الضّالُّونَ: هم أصْحابُ الشِّمالِ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم. وقَدْ ذُكِرَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِن هَؤُلاءِ جَزاءٌ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ لِيُضَمَّ إلى ما أُعِدَّ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى طَرِيقَةِ القُرْآنِ في تَوْزِيعِ القِصَّةِ. والرَّوْحُ: بِفَتْحِ الرّاءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو الرّاحَةُ، أيْ فَرَوْحٌ لَهُ، أيْ هو في راحَةٍ ونَعِيمٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] في سُورَةِ يُوسُفَ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الرّاءِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، أيْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُوِيَ عَنْهُ الوَجْهانِ، فالمَشْهُورُ رُوِيَ مُتَواتِرًا، والآخَرُ رُوِيَ مُتَواتِرًا وبِالآحادِ، وكِلاهُما مُرادٌ. ومَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ ضَمِّ الرّاءِ: أنَّ رُوحَهُ مَعَها الرَّيْحانُ وهو الطِّيبُ وجَنَّةُ النَّعِيمِ. وقَدْ ورَدَ في حَدِيثٍ آخَرَ: أنَّ «رُوحَ المُؤْمِنِ تَخَرُجُ طَيِّبَةً» . وقِيلَ: أطْلَقَ الرُّوحَ بِضَمِّ الرّاءِ عَلى الرَّحْمَةِ لِأنَّ مَن كانَ في رَحْمَةِ اللَّهِ فَهو الحَيُّ حَقًّا، فَهو صفحة ٣٤٨ ذُو رُوحٍ، أمّا مَن كانَ في العَذابِ فَحَياتُهُ أقَلُّ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤]، أيْ لِأنَّهُ يَتَمَنّى المَوْتَ فَلا يَجِدُهُ. والرَّيْحانُ: شَجَرٌ لِوَرَقَهِ وقُضْبانِهِ رائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ شَدِيدُ الخُضْرَةِ كانَتِ الأُمَمُ تُزَيِّنُ بِهِ مَجالِسِ الشَّرابِ. قالَ الحَرِيرِيُّ: وطَوْرًا يَسْتَبْزِلُ الدِّنانَ، ومَرَّةً يَسْتَنْشِقُ الرَّيْحانَ وكانَتْ مُلُوكُ العَرَبِ تَتَّخِذُهُ، قالَ النّابِغَةُ: يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ قَبْلَ ذِكْرِ الجَنَّةِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَيْهِ إيماءً إلى كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] . وجُمْلَةُ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ جَوابُ أمّا الَّتِي هي بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ شَيْءٌ. وفَصَلَ بَيْنَ ”ما“ المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى اسْمِ شَرْطٍ وبَيْنَ فِعْلِ شَرْطٍ وبَيْنَ الجَوابِ بِشَرْطٍ آخَرَ هو ﴿إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ جَرى عَلى لُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَ (أمّا) وجَوابِها بِفاصِلٍ كَراهِيَةَ اتِّصالِ فاءِ الجَوابِ بِأداةِ الشَّرْطِ لَمّا التَزَمُوا حَذْفَ فِعْلِ الشَّرْطِ فَأقامُوا مَقامَهُ فاصِلًا كَيْفَ كانَ. وجَوابُ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ جَوابُ (أمّا) . وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ . والسَّلامُ: اسْمٌ لِلسَّلامَةِ مِنَ المَكْرُوهِ، ويُطْلَقُ عَلى التَّحِيَّةِ، واللّامُ في قَوْلِهِ لَكَ لِلِاخْتِصاصِ. والكَلامُ إجْمالٌ لِلتَّنْوِيهِ بِهِمْ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وخَلاصِهِمْ مِنَ المُكَدِّراتِ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ فَقِيلَ: كافُ الخِطابِ مُوَجَّهَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ: لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ هَذا الخَبَرَ. والمَعْنى: أنَّ السَّلامَةَ الحاصِلَةَ لِأصْحابِ اليَمِينِ تَسُرُّ مَن يَبْلُغُهُ أمْرُها. وهَذا كَما يُقالُ: صفحة ٣٤٩ ناهِيكَ بِهِ، وحَسْبُكَ بِهِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، واللَّفْظُ جَرى مَجْرى المَثَلِ فَطُوِيَ مِنهُ بَعْضُهُ، وأصْلُهُ: فَلَهُمُ السَّلامَةُ سَلامَةٌ تَسُرُّ مَن بَلَغَهُ حَدِيثُها. وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَقْرِيرُ المَعْنى كَما تَقَدَّمَ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُسَرُّ بِما يَنالُهُ أهْلُ الإسْلامِ مِنَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ وهم مِمَّنْ شَمَلَهم لَفْظُ أصْحابِ اليَمِينِ. وقِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُ: سَلامٌ لَكَ، أيْ: تَقُولُ لَهُ المَلائِكَةُ. ومِن أصْحابِ اليَمِينِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، و”مِن“ عَلى هَذا تَبْعِيضِيَّةٌ، فَهي بِشارَةٌ لِلْمُخاطَبِ عِنْدَ البَعْثِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] . وقِيلَ: الكافُ خِطابٌ لِمَن كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَسَلامٌ لَهُ، فَعَدَلَ إلى الخِطابِ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّرِيفَةِ، أيْ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ أصْحابُ اليَمِينِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ يُبادِرُونَهُ بِالسَّلامِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن أهْلِ مَنزِلَتِهِمْ، و(مِن) عَلى هَذا ابْتِدائِيَّةٌ. فَهَذِهِ مَحامِلُ لِهَذِهِ الآيَةِ يُسْتَخْلَصُ مِن مَجْمُوعِها مَعْنى الرِّفْعَةِ والكَرامَةِ. والمُكَذِّبُونَ الضّالُّونَ: هم أصْحابُ الشِّمالِ في القِسْمِ السّابِقِ إلى أزْواجٍ ثَلاثَةٍ. وقُدِّمَ هُنا وصْفُ التَّكْذِيبِ عَلى وصْفِ الضَّلالِ عَكْسَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] لِمُراعاةِ سَبَبِ ما نالَهم مِنَ العَذابِ وهو التَّكْذِيبُ، لِأنَّ الكَلامَّ هُنا عَلى عَذابٍ قَدْ حانَ حِينُهُ وفاتَ وقْتُ الحَذَرِ مِنهُ فَبُيِّنَ سَبَبُ عَذابِهِمْ وذُكِّرُوا بِالَّذِي أوْقَعَهم في سَبَبِهِ لِيَحْصُلَ لَهم ألَمُ التَّنَدُّمِ. والنُّزُلُ: ما يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ مِنَ القِرى، وإطْلاقُهُ هُنا تَهَكُّمٌ، كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا في هَذِهِ السُّورَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] . صفحة ٣٥٠ والتَّصْلِيَةُ: مَصْدَرُ صَلّاهُ المُشَدَّدُ، إذْ أحْرَقَهُ وشَواهُ، يُقالُ: صَلّى اللَّحْمَ تَصْلِيَةً، إذا شَواهُ، وهو هُنا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ لِإيهامِهِ لَهُ يُصَلّى لَهُ الشِّواءُ في نُزُلِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، أيْ يُحَرَّقُ بِها. والجَحِيمُ: يُطْلَقُ عَلى النّارِ المُؤَجَّجَةِ، ويُطْلَقُ عَلَمًا عَلى جَهَنَّمِ دارِ العَذابِ الآخِرَةِ.

الواقعة 56:95

﴿إنَّ هَذا لَهْوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ تَذْيِيلٌ لِجَمِيعِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ المَعانِي المُثْبَتَةِ. والإشارَةُ إلى ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ مِن تَحْقِيقِ حَقٍّ وإبْطالِ باطِلٍ. والحَقُّ: الثّابِتُ. واليَقِينُ: المَعْلُومُ جَزْمًا الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ. وإضافَةُ ”حَقُّ“ إلى ”اليَقِينِ“ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيْ: لَهو اليَقِينُ الحَقُّ. وذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ كامِلًا في نَوْعِهِ وُصِفَ بِأنَّهُ حَقُّ ذَلِكَ الجِنْسِ، كَما في الحَدِيثِ ”لَأبْعَثَنَّ مَعَكم أمِينًا حَقَّ أمِينٍ“ . فالمَعْنى: أنَّ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ في هَذِهِ السُّورَةِ هو اليَقِينُ حَقُّ اليَقِينِ، كَما يُقالُ: زَيْدٌ العالِمُ حَقُّ عالِمٍ. ومَآلُ هَذا الوَصْفِ إلى تَوْكِيدِ اليَقِينِ، فَهو بِمَنزِلَةِ ذِكْرِ مُرادِفِ الشَّيْءِ، وإضافَةُ المُتَرادِفَيْنِ تُفِيدُ مَعْنى التَّوْكِيدِ، فَلِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِمَعْنى: أنَّ هَذا يَقِينُ اليَقِينِ وصَوابُ الصَّوابِ. نُرِيدُ: أنَّهُ نِهايَةُ الصَّوابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ بَيانِيَّةً عَلى مَعْنى (مِن)، وحَقِيقَتُهُ عَلى مَعْنى اللّامِ بِتَقْدِيرِ: لَهو حَقُّ الأمْرِ اليَقِينِ، وسَيَجِيءُ نَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ في سُورَةِ الحاقَّةِ. وسَأُبَيِّنُ هُنالِكَ ما يَزِيدُ عَلى ما ذَكَرْتُهُ هُنا فانْظُرْهُ هُنالِكَ. وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا التَّذْيِيلُ عَلى أرْبَعَةِ مُؤَكِّداتٍ وهي: (إنَّ)، ولامُ الِابْتِداءِ، وضَمِيرُ الفَصْلِ، وإضافَةُ شِبْهِ المُتَرادِفَيْنِ.

الواقعة 56:96

صفحة ٣٥١ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى تَحْقِيقِ أنَّ ما ذُكِرَ هو اليَقِينُ حَقًّا فَإنَّ ما ذُكِرَ يَشْتَمِلُ عَلى عَظِيمِ صِفاتِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ، ويُبَشِّرُ النَّبِيءَ ﷺ وأُمَّتَهُ بِمَراتِبَ مِنَ الشَّرَفِ والسَّلامَةِ عَلى مَقادِيرِ دَرَجاتِهِمْ وبِنِعْمَةِ النَّجاةِ مِمّا يَصِيرُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِن سُوءِ العاقِبَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُؤْمَرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَسْبِيحًا اسْتَحَقَّهُ لِعَظَمَتِهِ، والتَّسْبِيحُ ثَناءٌ، فَهو يَتَضَمَّنُ حَمْدًا لِنِعْمَتِهِ وما هَدى إلَيْهِ مِن طُرُقِ الخَيْرِ، وقَدْ مَضى تَفْصِيلُ القَوْلِ في نَظِيرِهِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. * * * صفحة ٣٥٢ صفحة ٣٥٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَدِيدِ هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى مِن عَهْدِ الصَّحابَةِ (سُورَةَ الحَدِيدِ)، فَقَدْ وقَعَ في حَدِيثِ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ، والبَزّارِ أنَّ عُمَرَ دَخَلَ عَلى أُخْتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فَإذا صَحِيفَةٌ فِيها أوَّلُ سُورَةِ الحَدِيدِ فَقُرَأهُ حَتّى بَلَغَ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] فَأسْلَمَ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وفي كُتُبِ السُّنَّةِ، لِوُقُوعِ لَفْظِ (الحَدِيدِ) فِيها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . وهَذا اللَّفْظُ وإنْ ذُكِرَ في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] وهي سابِقَةٌ في النُّزُولِ عَلى سُورَةِ الحَدِيدِ عَلى المُخْتارِ، فَلَمْ تُسَمَّ بِهِ لِأنَّها سُمِّيَتْ بِاسْمِ الكَهْفِ لِلِاعْتِناءِ بِقِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ، ولِأنَّ الحَدِيدَ الَّذِي ذُكِرَ هُنا مُرادٌ بِهِ حَدِيدُ السِّلاحِ مِن سُيُوفٍ ودُرُوعٍ وخُوَذٍ، تَنْوِيهًا بِهِ إذا هو أثَرٌ مِن آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِ مادَّتِهِ وإلْهامِ النّاسِ صَنَعَهُ لِتَحْصُلَ بِهِ مَنافِعُ لِتَأْيِيدِ الدِّينِ ودِفاعِ المُعْتَدِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] . وفِي كَوْنِ هَذِهِ السُّورَةِ مَدَنِيَّةً أوْ مَكِّيَّةً اخْتِلافٌ قَوِيٌّ لَمْ يُخْتَلَفْ مِثْلُهُ في غَيْرِها، فَقالَ الجُمْهُورُ: مَدَنِيَّةٌ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ النَّقاشِ: أنَّ ذَلِكَ إجْماعُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ صَدْرَها مَكِّيٌّ لِما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبَنا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] إلّا أرْبَعُ سِنِينَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِن أوَّلِ النّاسِ إسْلامًا، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةً. وهَذا يُعارِضُهُ ما رَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ، وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنِ ابْتِداءِ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيُصارُ إلى صفحة ٣٥٤ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ أوِ التَّرْجِيحِ، ورِوايَةُ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أصَحُّ سَنَدًا، وكَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُرَجَّحُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ، وابْنِ عَبّاسٍ لَأَّنَهُ أقْدَمَ إسْلامًا وأعْلَمَ بِنُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ كانَ مَقْرُوءًا قَبْلَ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يُشْبِهُ صَدْرُها أنْ يَكُونَ مَكِّيًّا واللَّهُ أعْلَمُ، ولا خِلافَ أنَّ فِيها قُرْآنًا مَدَنِيًّا اهـ. ورُوِيَ أنَّ نُزُولَها كانَ يَوْمَ ثُلاثاءَ اسْتِنادًا إلى حَدِيثٍ ضَعِيفٍ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ورَواهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وأقُولُ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صَدْرَها مَكِّيٌّ كَما تَوَسَّمَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأنَّ ذَلِكَ يَنْتَهِي إلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩] وأنَّ ما بَعْدَ ذَلِكَ بَعْضُهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ كَما تَقْتَضِيهُ مَعانِيهِ مِثْلَ حِكايَةِ أقْوالِ المُنافِقِينَ، وبَعْضُهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ مِثْلُ آيَةِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦] الآيَةَ. كَما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ آخِرُ السُّورَةِ قَوْلَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] نَزَلَ بِالمَدِينَةِ أُلْحِقَ بِهَذِهِ السُّورَةِ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ في خِلالِها أوْ في آخِرِها. قُلْتُ: وفِيها آيَةُ ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ [الحديد: ١٠] الآيَةَ، وسَواءٌ كانَ المُرادُ بِالفَتْحِ في تِلْكَ الآيَةِ فَتْحُ مَكَّةَ أوْ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ. فَإنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الفَتْحِ وبِهِ سُمِّيَتْ سُورَةُ الفَتْحِ، فَهي مُتَعَيِّنَةٌ لِأنْ تَكُونَ مَدَنِيَّةً فَلا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ في أنَّ مُعْظَمَ السُّورَةِ مَدَنِيٌّ. ورُوِيَ أنَّ نُزُولَها كانَ يَوْمَ الثُّلاثاءَ اسْتِنادًا إلى حَدِيثٍ ضَعِيفٍ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ورَواهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وقَدْ عُدَّتِ السُّورَةُ الخامِسَةَ والتِسْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ جَرْيًا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ فَقالُوا: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الزِّلْزالِ وقَبْلَ سُورَةِ القِتالِ، وإذا رُوعِيَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ البَعْثَةِ بِأرْبَعِ سِنِينَ. وما رُوِيَ مِن أنَّ سَبَبَ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَرَأ صَحِيفَةً لِأُخْتِهِ فاطِمَةَ فِيها صَدْرُ سُورَةِ الحَدِيدِ لَمْ يَسْتَقِمْ هَذا العَدُّ لِأنَّ العِبْرَةَ بِمَكانِ نُزُولِ السُّورَةِ لا نُزُولِ آخِرِها فَيُشْكِلُ مَوْضِعُها في عَدِّ نُزُولِ السُّورَةِ. صفحة ٣٥٥ وعَلى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَكُونُ ابْتِداءُ نُزُولِها آخِرَ سَنَةِ أرْبَعٍ مِنَ البَعْثَةِ فَتَكُونُ مِن أقْدَمِ السُّوَرِ نُزُولًا فَتَكُونُ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الحِجْرِ وطه وبَعْدَ غافِرٍ، فالوَجْهُ أنَّ مُعْظَمَ آياتِها نَزَلَ بَعْدَ سُورَةِ الزِّلْزالِ. وعُدَّتْ آيِها في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ ثَمانًا وعِشْرِينَ، وفي عَدِّ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ تِسْعًا وعِشْرِينَ. ووَرَدَ في فَضْلِها مَعَ غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِالتَّسْبِيحِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِالمُسَبِّحاتِ قَبْلَ أنْ يَرْقُدَ ويَقُولُ: إنَّ فِيهِنَّ آيَةً أفْضَلُ مِن ألْفِ آيَةٍ» وقالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وظَنَّ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ الآيَةَ المُشارَ إلَيْها في حَدِيثِ العِرْباضِ هي قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] لِما ورَدَ في الآثارِ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيّاها. * * * الأغْراضُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ السُّورَةُ: التَّذْكِيرُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ العَظِيمَةِ، وسِعَةِ قُدْرَتِهِ ومَلَكُوتِهِ، وعُمُومِ تَصَرُّفِهِ، ووُجُوبِ وُجُودِهِ، وسِعَةِ عِلْمِهِ، والأمْرِ بِالإيِمانِ بِوُجُودِهِ، وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ. والتَّنْبِيهُ لِما في القُرْآنِ مِنَ الهَدْيِ وسَبِيلِ النَّجاةِ، والتَّذْكِيرُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ ورَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ. والتَّحْرِيضُ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّ المالَ عَرَضٌ زائِلٌ لا يَبْقى مِنهُ لِصاحِبِهِ إلّا ثَوابُ ما أنْفَقَ مِنهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ. والتَّخَلُّصُ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن خَيْرٍ، وضِدُّ ذَلِكَ لِلْمُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ. صفحة ٣٥٦ وتَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في مَهْواةِ قَساوَةِ القَلْبِ الَّتِي وقَعَ فِيها أهْلُ الكِتابِ مِن قَبْلِهِمْ مِن إهْمالِ ما جاءَهم مِنَ الهُدى حَتّى قَسَتْ قُلُوبُهم وجَرَّ ذَلِكَ إلى الفُسُوقِ كَثِيرًا مِنهم. والتَّذْكِيرُ بِالبَعْثِ. والدَّعْوَةُ إلى قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِالحَياةِ الفانِيَةِ. والأمْرُ بِالصَّبْرِ عَلى النَّوائِبِ، والتَّنْوِيهُ بِحِكْمَةِ إرْسالِ الرُّسُلِ والكُتُبِ لِإقامَةِ أُمُورِ النّاسِ عَلى العَدْلِ العامِّ. والإيماءُ إلى فَضْلِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وتَنْظِيرُ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِرِسالَةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى أنَّ في ذُرِّيَّتِهِما مُهْتَدِينَ وفاسِقِينَ. وأنَّ اللَّهَ أتْبَعَهُما بِرُسُلٍ آخَرِينَ مِنهم عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي كانَ آخِرَ رَسُولٍ أُرْسِلَ بِشَرْعٍ قَبْلَ الإسْلامِ، وأنَّ أتْباعَهُ كانُوا عَلى سُنَّةِ مَن سَبَقَهم، مِنهم مُؤْمِنٌ ومِنهم كافِرٌ. ثُمَّ أهابَ بِالمُسْلِمِينَ أنْ يُخْلِصُوا الإيمانَ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ ووَعَدَهم بِحُسْنِ العاقِبَةِ وأنَّ اللَّهَ فَضَّلَهم عَلى الأُمَمِ لِأنَّ الفَضْلَ بِيَدِهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.

الحديد 57:1

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . افْتِتاحُ السُّورَةِ بِذِكْرِ تَسْبِيحِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ أهَمَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ إثْباتُ وصْفِ اللَّهِ بِالصِّفاتِ الجَلِيلَةِ المُقْتَضِيَةِ أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَمّا ضَلَّ في شَأْنِهِ أهْلُ الضَّلالِ مِن وصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، وأوَّلُ التَّنْزِيهِ هو نَفْيُ الشَّرِيكِ لَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَإنَّ الوَحْدانِيَّةَ هي أكْبَرُ صِفَةٍ ضَلَّ في كُنْهِها المُشْرِكُونَ والمانَوِيَّةُ ونَحْوُهم مِنأهْلِ التَّثْنِيَةِ وأصْحابِ التَّثْلِيثِ والبَراهِمَةِ، وهي الصِّفَةُ الَّتِي يُنْبِئُ عَنْها اسْمُهُ العَلَمُ أعْنِي صفحة ٣٥٧ (اللَّهَ) لِما عَلِمْتَ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ مِن أنَّ أصْلَهُ الإلَهُ، أيِ: المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ. وأتْبَعَ هَذا الِاسْمَ بِصِفاتٍ رَبّانِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى كَمالِ اللَّهِ تَعالى وتَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقْصِ كَما يَأْتِي بَيانُهُ فَكانَتْ هَذِهِ الفاتِحَةُ بَراعَةَ اسْتِهْلالٍ لِهَذِهِ السُّورَةِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ اسْمَهُ العَلَمَ بِعَشْرِ صِفاتٍ هي جامِعَةٌ لِصِفاتِ الكَمالِ وهي: العَزِيزُ، الحَكِيمُ، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، يُحْيِي، ويُمِيتُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو الأوَّلُ، والآخِرُ، والظّاهِرُ، والباطِنُ، وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وصِيغَ فِعْلُ التَّسْبِيحِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَنْزِيهَهُ تَعالى أمْرٌ مُقَرَّرٌ أمَرَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِن قَبْلُ وألْهَمَهُ النّاسَ وأوْدَعَ دَلائِلَهُ في أحْوالِ ما لا اخْتِيارَ لَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . فَفِي قَوْلِهِ ”سَبَّحَ“ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أهْمَلُوا أهَمَّ التَّسْبِيحِ وهو تَسْبِيحُهُ عَنِ الشَّرِيكِ والنِّدِّ. واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِلَّهِ“ لامُ التَّبْيِينِ. وفائِدَتُها زِيادَةَ بَيانِ ارْتِباطِ المَعْمُولِ بِعامِلِهِ لِأنَّ فِعْلَ التَّسْبِيحِ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لا يَحْتاجُ إلى التَّعْدِيَةِ بِحَرْفٍ، قالَ تَعالى ﴿فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ [الإنسان: ٢٦]، فاللّامُ هُنا نَظِيرُهُ اللّامُ في قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَكَ، ونَصَحْتُ لَكَ، وقَوْلِهِ تَعالى ”ونُقَدِّسُ لَكَ“، وقَوْلِهِمْ سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ، وأصْلُهُ: سَقْيُكَ ورَعْيُكَ. و﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعُمُّ المَوْجُوداتِ كُلِّها فَإنَّ (ما) اسْمُ مَوْصُولٍ يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم، أوْ هو خاصٌّ بِغَيْرِ العُقَلاءِ فَجَرى هُنا عَلى التَّغْلِيبِ، وكُلُّها دالٌّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الشَّرِيكِ فَمِنها دَلالَةٌ بِالقَوْلِ كَتَسْبِيحِ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، ومِنها دَلالَةٌ بِالفِعْلِ كَتَسْبِيحِ المَلائِكَةِ، ومِنها دَلالَةٌ بِشَهادَةِ الحالِ كَما تُنْبِئُ بِهِ أحْوالُ المَوْجُوداتِ مِنَ الِافْتِقارِ إلى الصّانِعِ المُنْفَرِدِ بِالتَّدْبِيرِ، فَإنْ جُعِلَ عُمُومُ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَخْصُوصًا بِمَن يَتَأتّى مِنهُمُ النُّطْقُ بِالتَّسْبِيحِ وهُمُ العُقَلاءُ كانَ إطْلاقُ التَّسْبِيحِ عَلى تَسْبِيحِهِمْ حَقِيقَةً. صفحة ٣٥٨ وإنْ حُمِلَ العُمُومُ عَلى ظاهِرِهِ لَزِمَ تَأْوِيلُ فِعْلِ ”سَبَّحَ“ بِما يَشْمَلُ الحَقِيقَةَ والمَجازَ فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. والعَزِيزُ: الَّذِي لا يُغْلَبُ، وهَذا الوَصْفُ يَنْفِي وُجُودَ الشَّرِيكِ في الإلَهِيَّةِ. و”الحَكِيمُ“ المَوْصُوفُ بِالحِكْمَةِ، وهي وضْعُ الأفْعالِ حَيْثُ يَلِيقُ بِها، وهي أيْضًا العِلْمُ الَّذِي لا يُخْطِئُ ولا يَتَخَلَّفُ ولا يَحُولُ دُونَ تَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُوماتِ حائِلٌ، وتَقَدَّما في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا الوَصْفُ يُثْبِتُ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى جارِيَةٌ عَلى تَهْيِئَةِ المَخْلُوقاتِ لِما بِهِ إصابَةُ ما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ، فَلِذَلِكَ عَزَّزَها اللَّهُ بِإرْشادِهِ بِواسِطَةِ الشَّرائِعِ.

الحديد 57:2

﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِذِكْرِ صِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ الَّتِي مُتَعَلِّقُها أحْوالُ الكائِناتِ في السَّماواتِ والأرْضِ وخاصَّةً أهْلُ الإدْراكِ مِنهم. ومَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ يُؤْذِنُ بِتَعْلِيلِ تَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَن لَهُ مُلْكُ العَوالِمِ العُلْيا والعالَمِ الدُّنْيَوِيِّ حَقِيقٌ بِأنْ يَعْرِفَ النّاسُ صِفاتِ كَمالِهِ. وأفادَ تَعْرِيفُ المُسْنَدِ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِداءِ بِمُلْكِ غَيْرِهِ في الأرْضِ إذْ هو مُلْكٌ ناقِصٌ فَإنَّ المُلُوكَ مُفْتَرِقُونَ إلى مَن يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَوادِي بِالأحْلافِ والجُنْدِ، وإلى مَن يُدَبِّرُ لَهم نِظامَ المَمْلَكَةِ مِن وُزَراءَ وقُوّادٍ، وإلى أخْذِ الجِبايَةِ والجِزْيَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ هو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ، إذا اعْتُبِرَتْ إضافَةُ ”مُلْكُ“ إلى مَجْمُوعِ ”السَّماواتِ والأرْضِ“ فَإنَّهُ لا مُلْكَ لِمالِكٍ عَلى الأرْضِ كُلِّها بَلْهَ السَّماواتُ مَعَها. وهَذا مَعْنى صِفَتِهِ تَعالى ”المَلِكُ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ صفحة ٣٥٩ فَإنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مَعْنى مُلْكِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّها مِن أحْوالِ ما عَلَيْهِما، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِما لِدَلالَتِهِما عَلى دَقِيقِ الحِكْمَةِ في التَّصَرُّفِ في السَّماءِ والأرْضِ ولِظُهُورِ أنَّ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ لا يَسْتَطِيعُ المَخْلُوقُ ادِّعاءَ أنَّ لَهُ عَمَلًا فِيهِما، ولِلتَّذْكِيرِ بِدَلِيلِ مَكانِ البَعْثِ الَّذِي جَحَدَهُ المُشْرِكُونَ، ولِلتَّعْرِيضِ بِإبْطالِ زَعْمِهِمْ إلَهِيَّةَ أصْنامِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]، ومِن هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ جاءَ وصْفُهُ تَعالى بِصِفَةِ“ المُحْيِي والمُمِيتِ " . وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الإحْياءِ والإماتَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تُفِيدُ مَفادَ التَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لِتَعْمِيمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ مِن بَيانِ جُمْلَةِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وإنَّما عُطِفَتْ بِالواوِ وكانَ حَقُّ التَّذْيِيلِ أنْ يَكُونَ مَفْصُولًا لِقَصْدِ إيثارِ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِعُمُومِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ قَصْدَ التَّذْيِيلِ، لِأنَّ التَّذْيِيلَ يَحْصُلُ بِالمَعْنى.

الحديد 57:3

﴿هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ . اسْتِئْنافٌ في سِياقِ تَبْيِينِ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ، بِأنَّ مُلْكَهُ دائِمٌ في عُمُومِ الأزْمانِ وتَصَرُّفٌ فِيهِما في كُلِّ الأحْوالِ، إذْ هو الأوَّلُ الأزَلِيُّ، وأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ مِن قَبْلِ وُجُودِ كُلِّ مُحْدَثٍ ومِن بَعْدِ فَنائِهِ إذِ اللَّهُ هو الباقِي بَعْدَ فَناءِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ يَظْهَرُ مِن دَلالَةِ الآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ فَإنَّ دَلائِلَ تَصَرُّفِهِ ظاهِرَةً لِلْمَتَبَصِّرِ بِالعَقْلِ وهو مَعْنى ”الظّاهِرُ“ كَما يَأْتِي، وأنَّ كَيْفِيّاتِ تَصَرُّفاتِهِ مَحْجُوبَةٌ عَنِ الحِسِّ وذَلِكَ مَعْنى ”الباطِنُ“ تَعالى كَما سَيَأْتِي. فَضَمِيرُ هو لَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ ولَكِنَّهُ ضَمِيرٌ يُعَبِّرُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ لِاعْتِبارِنا الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً ولَوْ جَعَلْتَهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ لَكانَتْ أوْصافُ ﴿الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ أخْبارًا عَنْ ضَمِيرِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] . صفحة ٣٦٠ وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى أرْبَعَةِ أخْبارٍ هي صِفاتٌ لِلَّهِ تَعالى. فَأمّا وصْفُ ”الأوَّلِ“ فَأصْلُ مَعْناهُ الَّذِي حَصُلَ قَبْلَ غَيْرِهِ في حالَةٍ تُبَيِّنُها إضافَةُ هَذا الوَصْفِ إلى ما يَدُلُّ عَلى الحالَةِ مِن زَمانٍ أوْ مَكانٍ، فَقَدْ يَقَعُ مَعَ وصْفٍ. (أوَّلُ) لَفْظٌ يَدُلُّ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانَ فِيها السَّبْقُ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى تِلْكَ الحالَةِ مِن سِياقِ الكَلامِ، فَوَصْفُ ”الأوَّلُ“ لا يَتَبَيَّنُ مَعْناهُ إلّا بِما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الكَلامِ ولا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى مَوْصُوفٍ آخَرَ وهو مُتَأخِّرٌ عَنِ المَوْصُوفِ بِـ (أوَّلُ) في حالَةٍ ما. فَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ومُهَلْهَلُ الشُّعَراءِ ذاكَ الأوَّلُ يُفِيدُ أنَّ مُهَلْهَلَ سابِقٌ غَيْرَهُ مِنَ الشُّعَراءِ في الشِّعْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] أيْ: أوَّلَهم في اتِّباعِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]، أيْ: أوَّلَهم كُفْرًا. وقَوْلُهُ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩]، أيْ أُولاهم في الدُّخُولِ إلى النّارِ. وأشْهَرُ مَعانِي الأوَّلِيَّةِ هو السَّبْقُ في المَوْجُودِ، أيْ في ضِدِّ العَدَمِ، ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ الأحْوالِ الَّتِي يَسْبِقُ صاحِبُها غَيْرَهُ فِيها هي وجُوداتٌ مِنَ الكَيْفِيّاتِ، فَوَصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ ”الأوَّلُ“ مَعْناهُ: أنَّهُ السّابِقُ وُجُودُهُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ وُجِدَ أوْ سَيُوجَدُ، دُونَ تَخْصِيصِ جِنْسٍ ولا نَوْعٍ ولا صِنْفٍ، ولَكِنَّهُ وصْفٌ نِسْبِيٌّ غَيْرُ ذاتِيٍّ. ولِهَذا لَمْ يُذْكَرُ لِهَذا الوَصْفِ مُتَعَلِّقٌ (بِكَسْرِ اللّامِ)، ولا ما يَدُلُّ عَلى مُتَعَلِّقٍ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ ”الأوَّلُ“ بِدُونِ تَقْيِيدٍ. ويُرادِفُ هَذا الوَصْفَ في اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ صِفَةُ ”القِدَمِ“ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَصْفَ يَسْتَلْزِمُ صِفَةَ الغِنى المُطْلَقِ، وهي عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى المُخَصَّصِ، أيْ: مُخَصَّصٌ يُخَصِّصُهُ بِالوُجُودِ بَدَلًا مِنَ العَدَمِ، لِأنَّ ”الأوَّلُ“ هُنا مَعْناهُ المَوْجُودُ لِذاتِهِ دُونَ سَبْقِ عَدَمٍ، وعَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ قِيامَ العَرْضِ بِالجَوْهَرِ. صفحة ٣٦١ ويَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ انْفِرادُهُ تَعالى بِصِفَةِ الوُجُودِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غَيْرُ اللَّهِ واجِبًا وُجُودُهُ لَما كانَ اللَّهُ مَوْصُوفًا بِالأوَّلِيَّةِ، فالمَوْجُوداتُ غَيْرُ اللَّهِ مُمْكِنَةٌ، والمُمْكِنُ لا يَتَّصِفُ بِالأوَّلِيَّةِ المُطْلَقَةِ، فَلِذَلِكَ تَثْبُتُ لَهُ الوَحْدانِيَّةُ، ثُمَّ هَذِهِ الأوَّلِيَّةُ في الوُجُودِ تَقْتَضِي أنْ تَثْبُتَ لِلَّهِ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ اقْتِضاءً عَقْلِيًّا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ البَيِّنِ بِالمَعْنى الأعَمِّ (وهو الَّذِي يَلْزَمُ مِن تَصَوُّرِ مَلْزُومِهِ وتَصَوُّرِهِ الجَزْمُ بِالمُلازَمَةِ بَيْنَهُما) . وأمّا وصْفُ ”الآخِرُ“ فَهو ضِدُّ الأوَّلِ، فَأصْلُهُ: هو المَسْبُوقُ بِمَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ مُتَحَدَّثٍ عَنْها في الكَلامِ أوْ مُشارٍ إلَيْها فِيهِ بِما يُذْكَرُ مِن مُتَعَلِّقٍ بِهِ، أوْ تَمْيِيزِهِ، عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ هو الأوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨] أيْ: أُخْراهم في الإدْراكِ في النّارِ، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ آخِرُ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ. . . إلَخْ، وقَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثّانِيَةِ وجَلَسَ في أُخْرَياتِ النّاسِ، أيِ: الجَماعاتِ الأُخْرَياتِ في الجُلُوسِ، وهو وصْفٌ نِسْبِيٌّ. ووَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ ”الآخِرُ“ بَعْدَ وصْفِهِ بِأنَّهُ ”الأوَّلُ“ مَعَ كَوْنِ الوَصْفَيْنِ مُتَضادَّيْنِ يَقْتَضِي انْفِكاكُ جِهَةِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ، فَلَمّا تَقَرَّرَ أنَّ كَوْنَهُ ”الأوَّلُ“ مُتَعَلِّقٌ بِوُجُودِ المَوْجُوداتِ اقْتَضى أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِـ ”الآخِرُ“ مُتَعَلِّقًا بِانْتِقاضِ ذَلِكَ الوُجُودِ، أيْ هو ”الآخِرُ“ بَعْدَ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ في السَّماءِ والأرْضِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ [مريم: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . فَتَقْدِيرُ المَعْنى: ”والآخِرُ“ في ذَلِكَ أيْ في اسْتِمْرارِ الوُجُودِ الَّذِي تَقَرَّرَ بِوَصْفِهِ بِأنَّهُ ”الأوَّلُ“ . ولَيْسَ في هَذا إشْعارٌ بِأنَّهُ زائِلٌ يَنْتابُهُ العَدَمُ، إذْ لا يُشْعِرُ وصْفُ ”الآخِرُ“ بِالزَّوالِ لا مُطابَقَةً ولا التِزامًا، وهَذا هو صِفَةُ البَقاءِ في اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ. فَآلَ مَعْنى ”الآخِرُ“ إلى مَعْنى الباقِي، وإنَّما أُوثِرَ وصْفُ ”الآخِرُ“ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مُقْتَضى البَلاغَةِ لِيَتِمَّ الطِّباقُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المُتَضادَّيْنِ، وقَدْ عُلِمَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ البَقاءَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِاللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُنافِي الحُدُوثَ عَلى خِلافٍ في تَعْيِينِ الحَوادِثِ الباقِيَةِ، بِخِلافِ وصْفِ القِدَمِ بِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعالى ومُتَنافٍ مَعَ الحُدُوثِ. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ دَلالَةَ قَصْرٍ مِن طَرِيقِ تَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ. صفحة ٣٦٢ فَأمّا قَصْرُ الأوَّلِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى في صِفَةِ الوُجُودِ فَظاهِرٌ، وأمّا قَصْرُ الآخِرِيَّةِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ وهو مَعْنى البَقاءِ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ البَقاءُ في العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ عَرَضَ إشْكالُ المُتَعارِضِ بِما ورَدَ مِن بَقاءِ الأرْواحِ، وحَدِيثُ ”أنَّ عَجْبَ الذَّنَبِ لا يَفْنى وأنَّ الإنْسانَ مِنهُ يُعادُ“ . ورَفْعُ هَذا الإشْكالِ أنْ يُجْعَلَ القَصْرُ ادِّعائِيًّا لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِبَقاءِ غَيْرِهِ تَعالى لِأنَّهُ بَقاءٌ غَيْرُ واجِبٍ بَلْ هو بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى. والجَمْعُ بَيْنَ وصْفَيِ ﴿الأوَّلُ والآخِرُ﴾ فِيهِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ. والظّاهِرُ الأرْجَحُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ الَّذِي هو ضِدُّ الخَفاءِ فَيَكُونُ وصْفُهُ تَعالى بِهِ مَجازًا عَقْلِيًّا، فَإنَّ إسْنادَ الظُّهُورِ في الحَقِيقَةِ هو ظُهُورُ أدِلَّةِ صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ لِأهْلِ النَّظَرِ والاسْتِدْلالِ والتَّدَبُّرِ في آياتِ العالَمِ فَيَكُونُ الوَصْفُ جامِعًا لِصِفَتِهِ النَّفْسِيَّةِ، وهي الوُجُودُ، إذْ أدِلَّةُ وُجُودِهِ بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ ولِصِفاتِهِ الأُخْرى مِمّا دَلَّ عَلَيْها فِعْلُهُ مِن قُدْرَةٍ وعِلْمٍ وحَياةٍ وإرادَةٍ، وصِفاتُ الأفْعالِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ ”هو الأوَّلُ“ عَنِ النَّقْصِ أوْ ما دَلَّ عَلَيْها تَنْزِيهُهُ عَنِ النَّقْصِ كَصِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ والقِدَمِ والبَقاءِ والغِنى المُطْلَقِ ومُخالَفَةِ الحَوادِثِ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي يُناسِبُهُ المُقابَلَةُ بِالباطِنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الظُّهُورِ، أيِ الغَلَبَةِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠]، فَمَعْنى وصْفِهِ تَعالى بِـ ”الظّاهِرُ“ أنَّهُ الغالِبُ. وهَذا لا يُناسِبُ مُقابَلَتَهُ بِـ ”الباطِنُ“ إلّا عَلى اعْتِبارِ مُحَسِّنِ الإيهامِ، وما وقَعَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» فَمَعْنى فاءِ التَّفْرِيعِ فِيهِ أنَّ ظُهُورَهُ تَعالى سَبَبٌ في انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ فَوْقَ اللَّهِ في الظُّهُورِ، أيْ في دَلالَةِ الأدِلَّةِ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَدَلالَةُ الفاءِ تَفْرِيعٌ لا تَفْسِيرٌ. و”الباطِنُ“ الخَفِيُّ يُقالُ: بَطَنَ، إذا خَفِيَ ومَصْدَرُهُ بُطُونٌ. ومَعْنى وصْفِهِ تَعالى بِباطِنٍ وصْفُ ذاتِهِ وكُنْهِهِ لِأنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ إدْراكِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ قالَ تَعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] . صفحة ٣٦٣ والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّ ظُهُورَ اللَّهِ تَعالى بِالمَعْنَيَيْنِ ظُهُورٌ لا يُدانِيهِ ظُهُورُ غَيْرِهِ، وبُطُونَهُ تَعالى لا يُشْبِهُهُ بُطُونُ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ إذْ لا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في إدْراكِ ذاتِهِ ولا في مَعْرِفَةِ تَفاصِيلِ تَصَرُّفاتِهِ. والجَمْعُ بَيْنَ وصْفِهِ بِـ ”الظّاهِرُ“ بِالمَعْنى الرّاجِحِ و”الباطِنُ“ كالجَمْعِ بَيْنَ وصَفِهِ بِـ ﴿الأوَّلُ والآخِرُ﴾ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا. وفي الجَمْعِ بَيْنَهُما مُحَسِّنُ المُطابَقَةِ. وفائِدَةُ إجْراءِ الوَصْفَيْنِ المُتَضادَّيْنِ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى لِيَتَدَبَّرَ العالِمُونَ في مَواقِعِها. واعْلَمْ أنَّ الواواتِ الثَّلاثَةَ الواقِعَةَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ مُتَّحِدَةُ المَعْنى تَقْتَضِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها عَطْفَ صِفَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ الأُولى مَعْناها الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ. والثّالِثَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ والخَفاءِ، وأمّا الوُسْطى فَعَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ومَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ اهـ. وهو تَشَبُّثٌ لا داعِيَ إلَيْهِ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقالَ: هو الأوَّلُ الآخِرُ، والظّاهِرُ الباطِنُ، بِحَذْفِ واوَيْنِ. والمَعْنى الَّذِي حاوَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْتَضِيهُ مَعانِي هاتِهِ الصِّفاتِ بِدُونِ اخْتِلافِ مَعانِي الواواتِ. * * * ﴿وهْوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ إلَخْ عُطِفَتْ صِفَةُ عِلْمِهِ عَلى صِفَةِ ذاتِهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

الحديد 57:4

﴿هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافٌ كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] الآيَةَ، فَهَذا اسْتِئْنافٌ ثانٍ مُفِيدٌ الِاسْتِدْلالَ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ لِيُقْلِعُوا عَنِ الإشْراكِ بِهِ. صفحة ٣٦٤ ويُفِيدُ أيْضًا بَيانًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢] وجُمْلَةِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢]، فَإنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى عَظِيمِ الإبْداعِ. والاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ تَمْثِيلٌ لِلْمُلْكِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢] . وهَذا مَعْنى اسْمِهِ تَعالى ”الخالِقُ“، وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ سُورَةِ الأعْرافِ. * * * ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ . اسْتِئْنافٌ لِتَقْرِيرِ عُمُومِ عِلْمِهِ تَعالى بِكُلِّ شَيْءٍ فَكانَ بَيانَ جُمْلَةِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢] وجُمْلَةِ ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ لِلَّفِّ عَلى التَّرْتِيبِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ سَبَأٍ فانْظُرْ ذَلِكَ. * * * ﴿وهْوَ مَعَكم أيْنَما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ عَطْفُ مَعْنًى خاصٍّ عَلى مَعْنًى شَمِلَهُ وغَيْرَهُ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمَعْطُوفِ. والمَعِيَّةُ تَمْثِيلٌ كِنائِيٌّ عَنِ العِلْمِ بِجَمِيعِ أحْوالِهِ. و”أيْنَما“ ظَرْفٌ مُرَكَّبٌ مِن (أيْنَ) وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ، و(ما) الزّائِدَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْمِيمِ الأمْكِنَةِ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَكْمِلَةٌ لِمَضْمُونِ ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾، وكانَ حَقُّها أنْ لا تُعْطَفَ وإنَّما عُطِفَتْ تَرْجِيحًا لِجانِبِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الخَبَرِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ.

الحديد 57:5

صفحة ٣٦٥ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . هَذا تَأْكِيدٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَرَّرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾، فَكانَ ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ في المَوْجُوداتِ القابِلَةِ لِلْحَياةِ والمَوْتِ في الدُّنْيا، وكانَ ذِكْرُهُ هُنا مَبْنِيًّا عَلَيْهِ أنَّ أُمُورَ المَوْجُوداتِ كُلِّها تَرْجِعُ إلى تَصَرُّفِهِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ لِقَصْرِ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى فَيُفِيدُ صِفَةَ الواحِدِ. * * * ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ عَطَفَ عَلى ”لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ“ عَطْفَ الخاصِّ مِن وجْهٍ عَلى العامِّ مِنهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأُمُورِ الجارِيَةِ في الدُّنْيا، وعَطْفَ المُغايِرِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأُمُورِ الَّتِي تَجْرِي يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما سَيَتَّضِحُ في تَفْسِيرِ مَعْنى الأُمُورِ. فالأُمُورُ: جَمْعُ أمْرٍ، واشْتُهِرَ في اللُّغَةِ أنَّ الأمْرَ اسْمٌ لِلشَّأْنِ والحادِثِ فَيَعُمُّ الأفْعالَ والأقْوالَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأُمُورُ هُنا: جَمِيعُ المَوْجُوداتِ لِأنَّ الأمْرَ والشَّيْءَ والمَوْجُودَ أسْماءٌ شائِعَةٌ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ: أعْراضِها وجَواهِرِها اهـ. ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ. وفي المَحْصُولِ وشَرْحِهِ في أُصُولِ الفِقْهِ، ومَن تَبِعَهُ مِن كُتُبِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ كَلِمَةَ (أمْرٌ) مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ الفِعْلِ والقَوْلِ والشَّأْنِ والشَّيْءِ. ولَمْ أرَ عَزْوَ ذَلِكَ إلى مَعْرُوفٍ ولا أتَوْا لَهُ بِمِثالٍ سالِمٍ عَنِ النَّظَرِ ولا أحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ. فَإنْ أخَذْنا بِالمَشْهُورِ في اللُّغَةِ كانَ المَعْنى: تَرْجِعُ أفْعالُ النّاسِ إلى اللَّهِ، أيْ: تَرْجِعُ في الحَشْرِ، والمُرادُ: رُجُوعُ أهْلِها لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الرُّجُوعُ بِحَقائِقِها، فَعَطْفُ قَوْلِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ تَتْمِيمٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ مُلْكُ العَوالِمِ في الدُّنْيا ولَهُ التَّصَرُّفُ في أعْمالِ العُقَلاءِ مِن أهْلِها في الآخِرَةِ. وإنْ أخَذْنا بِشِمُولِ اسْمِ الأُمُورِ لِلذَّواتِ كانَ مُفِيدًا لِإثْباتِ البَعْثِ، أيِ: صفحة ٣٦٦ الذَّواتُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا تَصِيرُ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِيها عَلى أعْمالِها. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فَمَفادُهُ مَفادُ اسْمِهِ (المُهَيْمِنُ) . وتَعْرِيفُ الجَمْعِ في ”الأُمُورُ“ مِن صِيَغِ العُمُومِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ لا لِلْقَصْرِ إذْ لا مُقْتَضى لِلْقَصْرِ الحَقِيقِيِّ ولا داعِيَ لِلْقَصْرِ الإضافِيِّ إذْ لا يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ مَن يُثْبِتُ البَعْثَ ولا مَن زَعَمُوا أنَّ النّاسَ يَصِيرُونَ في تَصَرُّفِ غَيْرِ اللَّهِ. والرُّجُوعُ: مُسْتَعارٌ لِلْكَوْنِ في مَكانٍ غَيْرِ المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ دُونَ سَبْقِ مُغادَرَةٍ عَنْ هَذا المَكانِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ أنْ يَقُولَ: وإلَيْهِ تَرْجِعُ الأُمُورُ، لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ فَتَكُونُ كالمَثَلِ صالِحَةً لِلتَّسْيِيرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ”تُرْجَعُ“ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ عَلى مَعْنى يُرْجِعُها مُرْجِعٌ وهو اللَّهُ قَسْرًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ ”تَرْجِعُ“ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، أيْ: تَرْجِعُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِها لِأنَّها مُسَخَّرَةٌ لِذَلِكَ في آجالِها.

الحديد 57:6

﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ . مُناسَبَةُ ذِكْرِهِ هَذِهِ الجُمْلَةَ أنَّ تَقْدِيرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَعاقُبَهُما مِنَ التَّصَرُّفاتِ الإلَهِيَّةِ المُشاهَدَةِ في أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ ومُلابَساتِ أحْوالِ الإنْسانِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٥] . وهُوَ أيْضًا مُناسِبٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحديد: ٥] تَذْكِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ المُتَصَرِّفَ في سَبَبِ الفَناءِ هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ هُما اللَّذانِ يُفْنِيانِ النّاسَ، قالَ الأعْشى: ألَمْ تَرَوْا إرَمًا وعادًا أفْناهُما اللَّيْلُ والنَّهارُ صفحة ٣٦٧ وحَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] فَلَمّا قالَ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحديد: ٥]، أبْطَلَ بَعْدَهُ اعْتِقادَ أهْلِ الشِّرْكِ أنَّ لِلزَّمانِ الَّذِي هو تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالدَّهْرِ تَصَرُّفًا فِيهِمْ، وهَذا مَعْنى اسْمِهِ تَعالى (المُدَبِّرُ) . * * * ﴿وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ لَمّا ذُكِرَ تَصَرُّفُ اللَّهِ في اللَّيْلِ وكانَ اللَّيْلُ وقْتَ إخْفاءِ الأشْياءِ أعْقَبَ ذِكْرَهُ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأخْفى الخَفايا وهي النَّوايا، فَإنَّها مَعَ كَوْنِها مَعانِيَ غائِبَةً عَنِ الحَواسِّ كانَتْ مَكْنُونَةً في ظُلْمَةِ باطِنِ الإنْسانِ فَلا يَطَّلِعُ عَلَيْها عالِمٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقَوْلِهِ ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] . ”ذاتِ الصُّدُورِ“: ما في خَواطِرِ النّاسِ مِنَ النَّوايا، فَ (ذاتِ) هُنا مُؤَنَّثُ (ذُو) بِمَعْنى صاحِبَةٍ. والصُّحْبَةُ: هُنا بِمَعْنى المُلازَمَةِ. ولَمّا أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ الجِنْسُ أُضِيفَ إلى (جَمْعٍ)، وتَقَدَّمَ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ. وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا المِقْدارُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا عَلى مَعانِي سِتَّ عَشْرَةَ صِفَةً مِن أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى: وهي: اللَّهُ، العَزِيزُ، الحَكِيمُ، المَلِكُ، المُحْيِي، المُمِيتُ، القَدِيرُ، الأوَّلُ، الآخِرُ، الظّاهِرُ، الباطِنُ، العَلِيمُ، الخالِقُ، البَصِيرُ، الواحِدُ، المُدَبِّرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ هو في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ فَهو يَعْنِي مَجْمُوعَ هَذِهِ الأسْماءِ. واعْلَمْ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا يُرَجِّحُ أنَّهُ مَكِّيٌّ.

الحديد 57:7

صفحة ٣٦٨ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ وقَعَ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّ أوَّلَ السُّورَةِ قَرَّرَ خُضُوعَ الكائِناتِ إلى اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ تَعالى المُتَصَرِّفُ فِيها بِالإيجادِ والإعْدامِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَهو القَدِيرُ عَلَيْها، وأنَّهُ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلى ما تُضْمِرُهُ ضَمائِرُهم وأنَّهم صائِرُونَ إلَيْهِ فَمُحاسِبُهم، فَلا جَرَمَ تَهَيَّأ المَقامُ لِإبْلاغِهِمُ التَّذْكِيرَ بِالإيمانِ بِهِ إيمانًا لا يَشُوبُهُ إشْراكٌ والإيمانِ بِرَسُولِهِ ﷺ إذْ قَدْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ بِالدَّلائِلِ الماضِيَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى صِحَّةِ ما أخْبَرَهم بِهِ مِمّا كانَ مَحَلَّ ارْتِيابِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٨] . فَذَلِكَ وجْهُ عَطْفِ ”ورَسُولِهِ“ عَلى مُتَعَلِّقِ الإيمانِ مَعَ أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ ما ذَكَرَتْ إلّا دَلائِلَ صِفاتِ اللَّهِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ . فالخِطابُ بِـ ”آمِنُوا“ لِلْمُشْرِكِينَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ حَسْبَ ما رُوِيَ في إسْلامِ عُمَرَ وهو الَّذِي يُلائِمُ اتِّصالَ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨] إلَخْ بِها. والمُرادُ بِالإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ: الإنْفاقُ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ الإيمانُ بَعْدَ حُصُولِ الإيمانِ وهو الإنْفاقُ عَلى الفَقِيرِ، وتَخْصِيصُ الإنْفاقِ بِالذِّكْرِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُنْفِقُونَ إلّا في اللَّذّاتِ، والمُفاخَرَةِ والمُقامَرَةِ، ومُعاقَرَةِ الخَمْرِ، وقَدْ وصَفَهُمُ القُرْآنُ بِذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [التكاثر: ١] إلى آخِرِ السُّورَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ( يَعْنِي الإنْفاقَ لِتَجْهِيزِ جَيْشِ العُسْرَةِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الضَّحّاكِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً ويَكُونُ قَوْلُهُ ”آمِنُوا“ أمْرًا بِالدَّوامِ عَلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِمَن في نُفُوسِهِمْ بَقِيَّةُ نِفاقٍ أوِ ارْتِيابٍ، وأنَّهم قَبَضُوا أيْدِيَهم صفحة ٣٦٩ عَنْ تَجْهِيزِ جَيْشِ العُسْرَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، فَهم إذا سَمِعُوا الخِطابَ عَلِمُوا أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ عَلى نَحْوِ ما في آياتِ سُورَةٍ بَراءَةٌ، ولَكِنْ يَظْهَرُ أنَّ سَنَةَ غَزْوَةِ تَبُوكَ لَمْ يَبْقَ عِنْدَها مِنَ المُنافِقِينَ عَدَدٌ يُعْتَدُّ بِهِ فَيُوَجَّهُ إلَيْهِ خِطابٌ كَهَذا. وجِيءَ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ ”وأنْفِقُوا مِن أمْوالِكم أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ“ لِما في صِلَةِ المَوْصُولِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى غَفْلَةِ السّامِعِينَ عَنْ كَوْنِ المالِ لِلَّهِ جَعَلَ النّاسَ كالخَلائِفِ عَنْهُ في التَّصَرُّفِ فِيهِ مُدَّةً ما، فَلَمّا أمَرَهم بِالإنْفاقِ مِنها عَلى عِبادِهِ كانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ أنْ يَمْتَثِلُوا لِذَلِكَ كَما يَمْتَثِلُ الخازِنُ أمْرَ صاحِبِ المالِ إذا أمَرَهُ بِإنْفاذِ شَيْءٍ مِنهُ إلى مَن يُعِّينُهُ. والسِّينُ والتّاءُ في ”مُسْتَخْلَفِينَ“ لِلْمُبالَغِةِ في حُصُولِ الفِعْلِ لا لِلطَّلَبِ لِاسْتِفادَةِ الطَّلَبِ مِن فِعْلِ ”جَعَلَكم“ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِتَأْكِيدِ الطَّلَبِ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ تَفْرِيعٌ وتَسَبُّبٌ عَلى الأمْرِ بِالإيمانِ والإنْفاقِ لِإفادَةِ تَعْلِيلِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وأنْفَقُوا أعْدَدْنا لَهم أجْرًا كَبِيرًا. والمَعْنى عَلى وجْهِ كَوْنِ الآيَةِ مَكِّيَّةً: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِن بَيْنِكم وأنْفَقُوا، أيْ: سَبَقُوكم بِالإيمانِ والإنْفاقِ لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ، أيْ فاغْتَنَمُوهُ وتَدارَكُوا ما فاتُوكم بِهِ. و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا وهم بَعْضُ قَوْمِكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلا المُضِيِّ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا﴾ مُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى المُضارِعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى إيقاعِ ذَلِكَ.

الحديد 57:8

﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ظاهِرُ اسْتِعْمالِ أمْثالِ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ﴾ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا صفحة ٣٧٠ فِي التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، وهو الَّذِي يُناسِبُ كَوْنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] مُسْتَعْمَلًا في الطَّلَبِ لا في الدَّوامِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ ”لا تُؤْمِنُونَ“ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الكَوْنِ المُتَعَلِّقِ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ كَما تَقُولُ: ما لَكَ قائِمًا ؟ بِمَعْنى ما تَصْنَعُ في حالِ القِيامِ. والتَّقْدِيرُ: وما لَكم كافِرِينَ بِاللَّهِ، أيْ: ما حَصَلَ لَكم في حالَةِ عَدَمِ الإيمانِ. وجُمْلَةُ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، والواوُ واوُ الحالِ لا العَطْفِ، فَهُما حالانِ مُتَداخِلانِ. والمَعْنى: ماذا يَمْنَعُكم مِنَ الإيمانِ وقَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الرَّسُولُ مِن آياتِ القُرْآنِ ما فِيهِ بَلاغٌ وحُجَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقٌّ فَلا عُذْرَ لَكم في عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ فَقَدْ جاءَتْكم بَيِّناتُ حَقِّيَّتِهِ فَتَعَيَّنَ أنَّ إصْرارَكم عَلى عَدَمِ الإيمانِ مُكابَرَةٌ وعِنادٌ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمِيثاقُ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ هو مِيثاقٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: ما يُماثِلُ المِيثاقَ مِن إيداعِ الإيمانِ بِوُجُودِ اللَّهِ وبِوَحْدانِيَّتِهِ في الفِطْرَةِ البَشَرِيَّةِ فَكَأنَّهُ مِيثاقٌ قَدْ أُخِذَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ في الأزَلِ وشَرْطِ التَّكْوِينِ فَهو نامُوسٌ فِطْرِيٌّ. وهَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. فَضَمِيرُ ”أخَذَ“ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّ النُّفُوسَ لَوْ خَلَتْ عَنِ العِنادِ وعَنِ التَّمْوِيهِ وعَنِ التَّضْلِيلِ كانَتْ مُنْساقَةً إلى إدْراكِ وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ وقَدْ جاءَهم مِن دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ ما يَكْشِفُ عَنْهم ما غَشّى عَلى إدْراكِهِمْ مِن دُعاءِ أئِمَّةِ الكُفْرِ والضَّلالِ. وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ . واسْمُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ في سِياقِ الشَّرْطِ، أيْ: فَقَدْ حَصَلَ ما يَقْتَضِي أنْ تُؤْمِنُوا مِنَ السَّبَبِ الظّاهِرِ والسَّبَبِ الخَفِيِّ المُرْتَكِزِ في الجِبِلَّةِ. صفحة ٣٧١ ويُرَجِّحُ هَذا المَعْنى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] أنَّهُ لِطَلَبِ إيجادِ الإيمانِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِها وأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أخَذَ“ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ ”مِيثاقَكم“ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو (أُخِذَ) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ ورَفْعِ (مِيثاقُكم) .

الحديد 57:9

﴿هو الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ انْتَقَلَ بِهِ الخِطابُ إلى المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ الآيَةُ يَظْهَرُ أنَّها مَبْدَأُ الآياتِ المَدَنِيَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ ويَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا عَطْفُ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] الآياتِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا. والخِطابُ هُنا وإنْ كانَ صالِحًا لِتَقْرِيرِ ما أفادَتْهُ جُمْلَةُ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٨] ولَكِنْ أُسْلُوبُ النَّظْمِ وما عُطِفَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ يَقْتَضِيانِ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا انْتِقالِيًّا هو مِن حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ، ولا تَفُوتُهُ الدَّلالَةُ عَلى تَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ لِأنَّ التَّقْرِيرَ يَحْصُلُ مِنِ انْتِسابِ المَعْنَيَيْنِ: مَعْنى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ المُوالِيَةِ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَوْقِعِها ومَعْناها وعِلَّتِها وما عُطِفَ عَلَيْها أفادَتْ بَيانًا وتَأْكِيدًا وتَعْلِيلًا وتَذْيِيلًا وتَخَلُّصًا لِغَرَضٍ جَدِيدٍ، وهي أغْراضٌ جَمَعَتْها جَمْعًا بَلَغَ حَدَّ الإعْجازِ في الإيجازِ، مَعَ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِمَعْنًى عَظِيمٍ مِنَ الِاسْتِدْلالِ والتَّذْكِيرِ والإرْشادِ والامْتِنانِ. والرَّءُوفُ: مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ في الِاتِّصالِ بِالرَّأْفَةِ وهي كَراهِيَةُ إصابَةِ الغَيْرِ بِضُرٍّ. والرَّحِيمُ: مِنَ الرَّحْمَةِ وهي مَحَبَّةُ إيصالِ الخَيْرِ إلى الغَيْرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”لَرَءُوفٌ“ بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ صفحة ٣٧٢ عَلى اللُّغَةِ المَشْهُورَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِدُونِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي لُغَةٌ ولَعَلَّها تَخْفِيفٌ، قالَ جَرِيرٌ: يَرى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حَقًّا كَفِعْلِ الوالِدِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمِ وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) واللّامِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لِأنَّ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ قَدْ حَسِبُوها إساءَةً لَهم ولِآبائِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، فَقَدْ قالُوا ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤١] . وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] إلى هُنا مَكِّيٌّ. فَإنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً فَلِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ.

الحديد 57:10

﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْناهُ المَشْهُورُ وهو الإنْفاقُ في عَتادِ الجِهادِ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ غَلَبَ في القُرْآنِ إطْلاقُهُ عَلى الجِهادِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾، لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا نُزُولُهُ مَعَ هَذا ولَوْ حُمِلَ الإنْفاقُ عَلى مَعْنى الصَّدَقاتِ لَكانَ مُقْتَضِيًا أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ الإنْفاقَ بِهَذا المَعْنى لا يُطْلَقُ إلّا عَلى الصَّدَقَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ فَلا يُلامُ المُشْرِكُونَ عَلى تَرْكِهِ. وعَلَيْهِ فالخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ أُعِيدَ الخِطابُ بِلَوْنٍ غَيْرِ الَّذِي ابْتُدِئَ بِهِ. ومِن لَطائِفِهِ أنَّهُ مُوَجَّهٌ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ ظاهِرُهم أنَّهم مُسْلِمُونَ وهم في الباطِنِ مُشْرِكُونَ فَهُمُ الَّذِينَ شَحُّوا بِالإنْفاقِ. ووَجْهُ إلْحاقِ هَذِهِ الآيَةِ وهي مَدَنِيَّةٌ بِالمَكِّيِّ مِنَ السُّورَةِ مُناسَبَةُ اسْتِيعابِ أحْوالِ المُمْسِكِينَ عَنِ الإنْفاقِ مِنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ تَعْرِيضًا بِالتَّحْذِيرِ مِن خِصالِ أهْلِ الكُفْرِ إذْ قَدْ سَبَقَها قَوْلُهُ ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . صفحة ٣٧٣ وما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في اللَّوْمِ والتَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ إنْفاقِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ. و(أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها والفِعْلُ المَنصُوبُ بِها في مَحَلِّ جَرٍّ بِاللّامِ، أوْ بِـ (في) مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: ما حَصَلَ لَكم في عَدَمِ إنْفاقِكم، أيْ: ذَلِكَ الحاصِلُ أمْرٌ مُنْكَرٌ. وعَنِ الأخْفَشِ أنَّ (أنْ) زائِدَةٌ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨] . ولَيْسَ نَصْبُها الفِعْلَ الَّذِي بَعْدَها بِمانِعٍ مِنِ اعْتِبارِها زائِدَةً لِأنَّ الحَرْفَ الزّائِدَ قَدْ يَعْمَلُ مِثْلَ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والواوُ في ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ واوُ الحالِ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ”تُنْفِقُوا“ بِاعْتِبارِ أنَّ عُمُومَ السَّماواتِ والأرْضِ يَشْمَلُ ما فِيهِما فَيَشْمَلُ المُخاطَبِينَ فَذَلِكَ العُمُومُ هو الرّابِطُ. والتَّقْدِيرُ: لِلَّهِ مِيراثُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ويَشْمَلُ مِيراثُهُ إيّاكم. والمَعْنى: إنْكارُ عَدَمِ إنْفاقِ أمْوالِهِمْ فِيما دَعاهُمُ اللَّهُ إلى الإنْفاقِ فِيهِ وهم سَيَهْلَكُونَ ويَتْرُكُونَ أمْوالَهم لِمَن قَدَّرَ اللَّهُ مَصِيرَها إلَيْهِ فَلَوْ أنْفَقُوا بَعْضَ أمْوالِهِمْ فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ لَنالُوا رِضى اللَّهِ وانْتَفَعُوا بِمالٍ هو صائِرٌ إلى مَن يَرِثُهم. وإضافَةُ مِيراثٍ إلى السَّماواتِ والأرْضِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ وهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: أهْلِها، ولَيْسَ المُرادُ مِيراثَ ذاتِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ انْقِراضِ النّاسِ فَلا يُؤَثِّرُ في المَقْصُودِ مِن حَثِّهِمْ عَلى الإنْفاقِ. * * * صفحة ٣٧٤ ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَمّا يَجُولُ في خَواطِرِ كَثِيرٍ مِنَ السّامِعِينَ مِن أنَّهم تَأخَّرُوا عَنِ الإنْفاقِ غَيْرَ ناوِينَ تَرْكَهُ ولَكِنَّهم سَيَتَدارَكُونَهُ. وأُدْمِجَ فِيهِ تَفْضِيلُ جِهادِ بَعْضِ المُجاهِدِينَ عَلى بَعْضٍ لِمُناسَبَةِ كَوْنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَشْمَلُ إنْفاقَ المُجاهِدِ عَلى نَفْسِهِ في العُدَّةِ والزّادِ وإنْفاقَهُ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ عُدَّتَهُ ولا زادَهُ، ولِأنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ مَن يَسْتَطِيعُ الجِهادَ ولا يَسْتَطِيعُ الإنْفاقَ، فَأُرِيدَ أنْ لا يُغْفِلَ ذِكْرَهُ في عِدادِ هَذِهِ الفَضِيلَةِ إذِ الإنْفاقُ فِيها وسِيلَةٌ لَها. وظاهِرُ لَفْظِ الفَتْحِ أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ فَإنَّ هَذا الجِنْسَ المُعَرَّفَ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وإنَّما كانَ المُنْفِقُونَ قَبْلَ الفَتْحِ والمُجاهِدُونَ قَبْلَهُ أعْظَمَ دَرَجَةً في إنْفاقِهِمْ وجِهادِهِمْ لِأنَّ الزَّمانَ الَّذِي قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كانَ زَمانَ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ أهْلَ الكُفْرِ كانُوا أكْثَرَ العَرَبِ فَلَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ دَخَلَتْ سائِرُ قُرَيْشٍ والعَرَبِ في الإسْلامِ فَكانَ الإنْفاقُ والجِهادُ فِيما قَبْلَ الفَتْحِ أشَقَّ عَلى نُفُوسِ المُسْلِمِينَ لِقِلَّةِ ذاتِ أيْدِيهِمْ وقِلَّةِ جَمْعِهِمْ قُبالَةَ جَمْعِ العَدُوِّ، ألا تَرى أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَثْبُتُوا أمامَ العَدُوِّ إذا كانَ عَدَدُ العَدُوِّ عَشْرَةَ أضْعافِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ في القِتالِ قالَ تَعالى ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] . وقِيلَ المُرادُ بِالفَتْحِ: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ،، والشَّعْبِيُّ،، وعامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ. ويُؤَيِّدُ ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وهو المُلائِمُ لِكَوْنِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ فَيَقْتَضِي أنَّ مَدَنِيَّها قَرِيبُ عَهْدٍ مِن مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِمَكَّةَ، وإطْلاقُ الفَتْحِ عَلى صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وارِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] . صفحة ٣٧٥ و”مَن أنْفَقَ“ عامٌّ يَشْمَلُ كُلَّ مَن أنْفَقَ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَإنَّهُ أنْفَقَ مالَهُ كُلَّهُ مِن أوَّلِ ظُهُورِ الإسْلامِ. ونَفْيُ التَّسْوِيَةِ مُرادٌ بِهِ نَفْيُها في الفَضِيلَةِ والثَّوابِ، فَإنَّ نَفْيَ التَّسْوِيَةِ في وصْفٍ يَقْتَضِي ثُبُوتَ أصْلِ ذَلِكَ الوَصْفِ لِجَمِيعِ مَن نُفِيَتْ عَنْهُمُ التَّسْوِيَةُ، فَنَفْيُ التَّسْوِيَةِ كِنايَةٌ عَنْ تَفْضِيلِ أحَدِ الجانِبَيْنِ وتَنْقِيصِ الجانِبِ الآخَرِ نَقْصًا مُتَفاوِتًا. ويُعْرَفُ الجانِبُ الفاضِلُ والجانِبُ المَفْضُولُ بِالقَرِينَةِ أوِ التَّصْرِيحِ في الكَلامِ، ولَيْسَ تَقْدِيمُ أحَدِ الجانِبَيْنِ في الذِّكْرِ بَعْدَ نَفْيِ التَّسْوِيَةِ بُمَقْتَضٍ أنَّهُ هو المُفَضَّلُ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] وقَدَّمَ هَذِهِ الآيَةَ الجانِبَ المُفَضَّلَ، وكَذا الَّذِي في قَوْلِ السَّمَوْألِ: فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ وقَدْ أكَّدَ هَذا الِاقْتِضاءَ بِقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾، أيْ: أنْفَقُوا مِن بَعْدِ الفَتْحِ وقاتَلُوا مِن بَعْدِ الفَتْحِ، فَإنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ فِيما اشْتُقَّ مِنهُ اسْمُ التَّفْضِيلِ وزِيادَةِ مَن أُخْبِرَ عَنْهُ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ في الوَصْفِ المُشْتَقِّ مِنهُ، أيْ فَكِلا الفَرِيقَيْنِ لَهُ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ. وحُذِفَ قِسْمُ مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ إيجازًا لِدَلالَةِ فِعْلِ التَّسْوِيَةِ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ. والتَّقْدِيرُ: لا يَسْتَوِي مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ ومَن أنْفَقَ بَعْدَهُ. والدَّرَجَةُ: مُسْتَعارَةٌ لِلْفَضْلِ لِأنَّ الدَّرَجَةَ تَسْتَلْزِمُ الِارْتِقاءَ، فَوَصْفُ الِارْتِقاءِ مُلاحَظٌ فِيها، ثُمَّ يُشَبَّهُ الفَضْلُ والشَّرَفُ بِالِارْتِقاءِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّرَجَةِ، فالدَّرَجَةُ مِن أسْماءِ الأجْناسِ الَّتِي لُوحِظَتْ فِيها صِفاتُ أوْصافٍ مِثْلَ اسْمِ الأسَدِ بِصِفَةِ الشَّجاعَةِ في قَوْلِ الخارِجِيِّ: أسَدٌ عَلَيَّ وفي الحُرُوبِ نَعامَةٌ وقَوْلُهُ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ احْتِراسٌ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ اسْمَ صفحة ٣٧٦ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]، أيْ: حَبِيبٌ إلَيَّ دُونَ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ المَعْصِيَةِ. وعَبَّرَ بِـ ”الحُسْنى“ لِبَيانِ أنَّ الدَّرَجَةَ هي دَرَجَةُ الحُسْنى لِيَكُونَ لِلِاحْتِراسِ مَعْنًى زائِدٌ عَلى التَّأْكِيدِ وهو ما فِيهِ مِنَ البَيانِ. والحُسْنى: لَقَبٌ قُرْآنِيٌّ إسْلامِيٌّ يَدُلُّ عَلى خَيْراتِ الآخِرَةِ، قالَ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . وقَوْلُهُ ”مِنكم“ حالٌ مِن ”مَن أنْفَقَ“ أصْلُهُ نَعْتٌ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ تَعْجِيلًا بِهَذا الوَصْفِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ دُونَ الضَّمِيرِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الإشارَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ والتَّعْظِيمِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الإخْبارِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢] إلَخْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ بِالضَّمِيرِ المَحْذُوفِ اخْتِصارًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وهُما وجْهانِ في الِاشْتِغالِ مُتَساوِيانِ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في تَفاضُلِ أهْلِ الفَضْلِ فِيما فُضِّلُوا فِيهِ، وأنَّ الفَضْلَ ثابِتٌ لِلَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ الفَتْحِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ. وبِئْسَ ما يَقُولُهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ مِن عِباراتٍ تُؤْذِنُ بِتَنْقِيصِ مَن أسْلَمُوا بَعْدَ الفَتْحِ مِن قُرَيْشٍ مِثْلِ كَلِمَةِ ”الطُّلَقاءِ“ وإنَّما ذَلِكَ مِن أجْلِ حَزازاتٍ في النُّفُوسِ قَبَلِيَّةٍ أوْ حِزْبِيَّةٍ، واللَّهُ يَقُولُ ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] . وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أسْبابَ الإنْفاقِ وأوْقاتِهِ وأعْذارِهِ، ويَعْلَمُ أحْوالَ الجِهادِ ونَوايا المُجاهِدِينَ فَيُعْطِي كُلَّ عامِلٍ عَلى نِيَّةِ عَمَلِهِ.

الحديد 57:11

صفحة ٣٧٧ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفُهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ والبَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] . وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمَعْنى: أنَّ مَثَلَ المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ مَن يُقْرِضُ اللَّهَ ومَثَلُ اللَّهِ تَعالى في جَزائِهِ كَمَثَلِ المُسْتَسْلِفِ مَعَ مَن أحْسَنَ قَرْضَهُ وأحْسَنَ في دَفْعِهِ إلَيْهِ. و(مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ كَما هو شَأْنُها إذا دَخَلَتْ عَلى اسْمِ الإشارَةِ والمَوْصُولِ و”الَّذِي يُقْرِضُ“ خَبَرُها، و(ذا) مُعْتَرِضَةٌ لْاسْتِحْضارِ حالِ المُقْتَرِضِ بِمَنزِلَةِ الشَّخْصِ الحاضِرِ القَرِيبِ. وعَنِ الفَرّاءِ: (ذا) صِلَةٌ، أيْ: زائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ ما قالَهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ (ذا) في (ماذا) مُلْغاةٌ، قالَ الفَرّاءُ: رَأيْتُها في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ”مَنذا الَّذِي“ والنُّونُ مَوْصُولَةٌ بِالذّالِ اهـ. والاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحْرِيضِ مَجازًا لِأنَّ شَأْنَ المُحَرِّضِ عَلى الفِعْلِ أنْ يَبْحَثَ عَمَّنْ يَفْعَلُهُ ويَتَطَلَّبُ تَعْيِينَهُ لِيَنُوطَهُ بِهِ أوْ يُجازِيهِ عَلَيْهِ. والقَرْضُ الحَسَنُ: هو القَرْضُ المُسْتَكْمِلُ مَحاسِنَ نَوْعِهِ مِن كَوْنِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وبَشاشَةٍ في وجْهِ المُسْتَقْرِضِ، وخُلُوٍّ عَنْ كُلِّ ما يُعَرِّضُ بِالمِنَّةِ أوْ بِتَضْيِيقِ أجَلِ القَضاءِ. والمُشَبَّهُ هُنا بِالقَرْضِ الحَسَنِ هو الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ المَنهِيُّ عَنْ تَرْكِهِ في قَوْلِهِ ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] . وقَرَأ الجُمْهُورُ فَيُضاعِفُهُ بِألِفٍ بَعْدَ الضّادِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ (فَيُضَعِّفُهُ) بِدُونِ ألِفٍ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ. والفاءُ في جُمْلَةِ ”فَيُضاعِفُهُ لَهُ“ فاءُ السَّبَبِيَّةِ لِأنَّ المُضاعَفَةَ مُسَبَّبَةٌ عَلى القَرْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ فِعْلَ ”يُضاعِفُهُ“ مَرْفُوعًا عَلى اعْتِبارِهِ مَعْطُوفًا عَلى ”يُقْرِضُ“ . والمَعْنى: التَّحْرِيضُ عَلى الإقْراضِ وتَحْصِيلُ المُضاعَفَةِ لِأنَّ الإقْراضَ سَبَبُ صفحة ٣٧٨ المُضاعَفَةِ فالعَمَلُ لِحُصُولِ الإقْراضِ كَأنَّهُ عَمَلٌ لِحُصُولِ المُضاعَفَةِ. أوْ عَلى اعْتِبارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً في التَّقْدِيرِ فَيَقَعُ الخَبَرُ الفِعْلِيُّ بَعْدَ المُبْتَدَأِ مُفِيدًا تَقْوِيَةَ الخَبَرِ وتَأْكِيدَ حُصُولِهِ، واعْتِبارِ هَذِهِ الجُمْلَةِ جَوابًا لِ (مَنِ) المَوْصُولَةِ بِإشْرابِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ وهو إشْرابٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ (كُلٌّ عَلى قِراءَتِهِ) بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. ومَعْنى ﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾: أنَّ لَهُ أنْفَسَ جِنْسِ الأُجُورِ لِأنَّ الكَرِيمَ في كُلِّ شَيْءٍ هو النَّفِيسُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ. وجُعِلَ الأجْرُ الكَرِيمُ مُقابِلَ القَرْضِ الحَسَنِ فَقُوبِلَ بِهَذا مَوْصُوفٌ وصِفَتُهُ بِمِثْلِها. والمُضاعَفَةُ: مُماثَلَةُ الأقْدارِ، فالمَعْنى: يُعْطِيهِ مِثْلَيْ قَرْضِهِ. والمُرادُ هُنا مُضاعَفَتُهُ أضْعافًا كَثِيرَةً كَما قالَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقالَ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وضَمِيرُ النَّصْبِ في يُضاعِفُهُ عائِدٌ إلى القَرْضِ الحَسَنِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ لَهُ. لِأنَّ القَرْضَ هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ السَّلَفِ المُتَعارَفِ بَيْنَ النّاسِ فَيَكُونُ تَضْعِيفُهُ مِثْلَ تَضْعِيفِ مالِ السَّلَفِ وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبا. والأجْرُ: ما زادَ عَلى قَضاءِ القَرْضِ مِن عَطِيَّةٍ يُسْدِيها المُسْتَسْلِفُ إلى مَن سَلَّفَهُ عِنْدَما يَجِدُ سَعَةً، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَيْرُكم أحْسَنُكم قَضاءً»، وقالَ تَعالى ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] . والظّاهِرُ أنَّ هَذا الأجْرَ هو المَغْفِرَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] في سُورَةِ التَّغابُنِ. وهَذا يَشْمَلُ الإنْفاقَ في الصَّدَقاتِ قالَ تَعالى ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨] صفحة ٣٧٩ وهُوَ ما فَسَّرَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ»، أيْ: زِيادَةٌ عَلى مُضاعَفَتِها مِثْلُ الحَسَناتِ كُلِّها.

الحديد 57:12

﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّ مُضاعَفَةَ الثَّوابِ وإعْطاءَ الأجْرِ يَكُونُ في يَوْمِ الجَزاءِ، تَرَجَّحَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ”يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ“ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ تَنْوِيهًا بِما يَحْصُلُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ثَوابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ومِن حِرْمانٍ لِلْمُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ، ولِذَلِكَ كَرَّرَ يَوْمَ لِيَخْتَصَّ كُلُّ فَرِيقٍ بِذِكْرِ ما هو مِن شُئُونِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وعَلى هَذا فالجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِالَّتِي قَبْلَها بِسَبَبِ هَذا التَّعَلُّقِ، عَلى أنَّهُ في نَظْمِ الكَلامِ يَصِحُّ جَعْلُهُ ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿يُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] عَلى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ لِذِكْرِ ما يَجْرِي في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الخَيْراتِ لِأهْلِها ومِنَ الشَّرِّ لِأهْلِهِ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ أجْرِ المُنْفِقِينَ فَعَقَّبَ بِبَيانِ بَعْضِ مَزايا المُؤْمِنِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي فَهي مُتَّصِلَةٌ بِالَّتِي قَبْلَها بِسَبَبِ التَّعَلُّقِ. والخِطابُ في ”تَرى“ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَكُونَ عَلى مِنوالِ المُخاطَباتِ الَّتِي قَبْلَهُ، أيْ: يَوْمُ يَرى الرّائِي، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، و”يَوْمَ“ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، ويَجُوزُ كَوْنُها فَتْحَةَ إعْرابٍ لِأنَّ المُضافَ إلى المُضارِعِ يَجُوزُ فِيهِ الوَجْهانِ. ووَجْهُ عَطْفِ ”المُؤْمِناتِ“ عَلى ”المُؤْمِنِينَ“ هُنا، وفي نَظائِرِهِ مِنَ القُرْآنِ المَدَنِيِّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ حُظُوظَ النِّساءِ في هَذا الدِّينِ مُساوِيَةٌ حُظُوظَ الرِّجالِ إلّا فِيما خُصِّصْنَ صفحة ٣٨٠ بِهِ مِن أحْكامٍ قَلِيلَةٍ لَها أدِلَّتُها الخاصَّةِ وذَلِكَ لِإبْطالِ ما عِنْدَ اليَهُودِ مِن وضْعِ النِّساءِ في حالَةِ مَلْعُوناتٍ ومَحْرُوماتٍ مِن مُعْظَمِ الطّاعاتِ. وقَدْ بَيَّنّا شَيْئًا مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والنُّورُ المَذْكُورُ هُنا نُورٌ حَقِيقِيٌّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ في مَسِيرِهِمْ مِن مَكانِ الحَشْرِ إكْرامًا لَهم وتَنْوِيهًا بِهِمْ في ذَلِكَ المَحْشَرِ. والمَعْنى: يَسْعى نُورُهم حِينَ يَسْعَوْنَ، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِأنَّ النُّورَ إنَّما يَسْعى إذا سَعى صاحِبُهُ وإلّا لانْفَصَلَ عَنْهُ وتَرَكَهُ. وإضافَةُ ”نُورٍ“ إلى ضَمِيرِهِمْ وجَعْلُ مَكانِهِ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يُبَيِّنُ أنَّهُ نُورٌ لِذَواتِهِمْ أُكْرِمُوا بِهِ. وانْظُرْ مَعْنى هَذِهِ الإضافَةِ لِضَمِيرِهِمْ، وما في قَوْلِهِ يَسْعى مِنَ الِاسْتِعارَةِ، ووَجْهَ تَخْصِيصِ النُّورِ بِالجِهَةِ الأمامِ وبِالأيْمانِ كُلَّ ذَلِكَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ. والباءُ في ”وبِأيْمانِهِمْ“ بِمَعْنى (عَنْ) واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الأيْمانِ تَشْرِيفًا لَها وهو مِنَ الِاكْتِفاءِ، أيْ: وبِجانِبَيْهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، ويَكُونُ النُّورُ المُلابِسُ لِلْيَمِينِ نُورَ كِتابِ الحَسَناتِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٧] فَإنَّ كِتابَ الحَسَناتِ هُدًى فَيَكُونُ لَفْظُ النُّورِ قَدِ اسْتُعْمِلَ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ وهو الهُدى والبَرَكَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ انْتُزِعَ حَمْلُ المُعْتَقِ لِلشَّمْعَةِ اهـ. لَعَلَّهُ يُشِيرُ إلى عادَةٍ كانَتْ مَأْلُوفَةً عِنْدَهم أنْ يَجْعَلُوا بِيَدِ العَبْدِ الَّذِي يَعْتِقُونَهُ شَمْعَةً مُشْتَعِلَةً يَحْمِلُها ساعَةَ عِتْقِهِ ولَمْ أقِفْ عَلى هَذا في كَلامِ غَيْرِهِ. والبُشْرى: اسْمُ مَصْدَرِ بَشَّرَ وهي الإخْبارُ بِخَبَرٍ يَسُرُّ المُخْبَرَ، وأطْلَقَ المَصْدَرَ عَلى المَفْعُولِ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ مِثْلُ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، أيِ: الَّذِي تُبَشَّرُونَ بِهِ صفحة ٣٨١ جَنّاتٌ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافَيْنِ تَقْدِيرُهُما: إعْلامٌ بِدُخُولِ جَنّاتٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ . وجُمْلَةُ ”بُشْراكم“ إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم، أيْ: يُقالُ مِن جانِبِ القُدْسِ، تَقُولُهُ المَلائِكَةُ، أوْ يَسْمَعُونَ كَلامًا يَخْلُقُهُ اللَّهُ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن جانِبِ القُدْسِ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ المُبَشَّرِ بِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحِكايَةِ الَّتِي حُكِيَتْ في القُرْآنِ، عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ تَدُلُّ عَلى مَجْمُوعِ مَحاسِنِ ما وقَعَتْ بِهِ البُشْرى. واسْمُ الإشارَةِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّنْبِيهِ، وضَمِيرُ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.

الحديد 57:13

﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ . ”يَوْمَ يَقُولُ“ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ١٢] بَدَلًا مُطابِقًا إذِ اليَوْمُ هو عَيْنُ اليَوْمِ المُعَرَّفِ بِقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢] . والقَوْلُ في فَتْحَةِ ”يَوْمَ“ تَقَدَّمَ في نَظَرِهِ قَرِيبًا. وعَطْفُ ”المُنافِقاتُ“ عَلى ”المُنافِقُونَ“ كَعَطْفِ المُؤْمِناتِ عَلى المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ. والَّذِينَ آمَنُوا تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ هم أصْحابُ النُّورِ وهو لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ. صفحة ٣٨٢ و”انْظُرُونا“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ مَضْمُومًا، مِن نَظَرَهُ، إذا انْتَظَرَهُ مِثْلَ نَظَرَ، إذا أبْصَرَ، إلّا أنَّ نَظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ، ونَظَرَ بِمَعْنى أبْصَرَ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (إلى) قالَ تَعالى ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ [البقرة: ٢٥٩] . الانْتِظارُ: التَّرَيُّثُ بِفِعْلٍ ما، أيْ: تَرَيَّثُوا في سَيْرِكم حَتّى نَلْحَقَ بِكم فَنَسْتَضِيءَ بِالَّنُورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيكم وبِجانِبِكم وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ لِلْمُؤْمِنِينَ الأوَّلِينَ بِالسَّيْرِ إلى الجَنَّةِ فَوْجًا، ويَجْعَلُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا بَيْنَهم في المَدِينَةِ سائِرِينَ وراءَهم كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ ”وتَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيها مُنافِقُوها“ والمَعْنى: أنَّهم يَسِيرُونَ في ظُلُماتٍ فَيَسْألُ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْتَظِرُوهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”انْظُرُونا“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وضَمِّ الظّاءِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وكَسْرِ الظّاءِ، مِن أنْظَرَهُ، إذا أمْهَلَهُ، أيْ: أمْهِلُونا حَتّى نَلْحَقَ بِكم ولا تُعَجِّلُوا السَّيْرَ فَيَنْأى نُورُكم عَنّا وهم يَحْسَبُونَ أنَّ بُعْدَهم عَنْهم مِن جَرّاءِ السُّرْعَةِ. والاقْتِباسُ حَقِيقَتُهُ: أخْذُ القَبَسِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الجَذْوَةُ مِنَ الجَمْرِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ومَجِيءُ فَعَلْتُ وافْتَعَلْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِمْ: شَوَيْتُ واشْتَوَيْتُ، وحَقَرْتُ واحْتَقَرْتُ، قُلْتَ: وكَذَلِكَ حَفَرْتُ واحْتَفَرْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ نَقْتَبِسُ هُنا حَقِيقَةً بِأنْ يَكُونُوا ظَنُّوا أنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ مَعَ المُؤْمِنِينَ نُورُ شُعْلَةٍ وحَسِبُوا أنَّهم يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَأْخُذُوا قَبَسًا مِنهُ يُلْقى ذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لِتَكُونَ خَيْبَتُهم أشَدَّ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يُسْتَعارَ الِاقْتِباسُ لِانْتِفاعِ أحَدٍ بِضَوْءِ آخَرَ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الِاقْتِباسَ في الِانْتِفاعِ بِالضَّوْءِ بِدُونِ عِلاجٍ فَمَعْنى ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ نُصِبْ مِنهُ ونَلْتَحِقْ بِهِ فَنَسْتَنِرْ بِهِ. ويَظْهَرُ مِن إسْنادِ ”قِيلَ“ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ أنَّ قائِلَهُ غَيْرُ المُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ وإنَّما هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ السّائِقِينَ لِلْمُنافِقِينَ. وتَكُونُ مَقالَةُ المَلائِكَةُ لِلْمُنافِقِينَ تَهَكُّمًا إذْ لا نُورَ وراءَهم وإنَّما أرادُوا إطْماعَهم صفحة ٣٨٣ ثُمَّ تَخْيِيبَهم بِضَرِبِ السُّورِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الخَيْبَةَ بَعْدَ الطَّمَعِ أشَدُّ حَسْرَةً. وهَذا اسْتِهْزاءٌ كانَ جَزاءً عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ واسْتِسْخارِهِمْ بِهِمْ، فَهو مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] . و”وراءَكم“: تَأْكِيدٌ لِمَعْنى ”ارْجِعُوا“ إذِ الرُّجُوعُ يَسْتَلْزِمُ الوَراءَ، وهَذا كَما يُقالُ: رَجَعَ القَهْقَرى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلِ ”التَمِسُوا نُورًا“، أيْ: في المَكانِ الَّذِي خَلْفَكم. وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى الإغْراءِ بِالتِماسِ النُّورِ هُناكَ وهو أشَدُّ في الإطْماعِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ النُّورَ يُتَناوَلُ مِن ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي صَدَرَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، وبِذَلِكَ الإيهامِ لا يَكُونُ الكَلامُ كَذِبًا لِأنَّهُ مِنَ المَعارِيضِ لا سِيَّما مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ وراءَكم تَأْكِيدًا لِمَعْنى ارْجِعُوا. وضَمِيرُ ”بَيْنَهم“ عائِدٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ. وضَرْبُ السُّورِ: وضْعُهُ، يُقالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّيِّبِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتا مُهاجَرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ وضَمَّنَ ”ضُرِبَ“ في الآيَةِ مَعْنى الحَجْزِ فَعُدِّيَ بِالباءِ، أيْ: ضُرِبَ بَيْنَهم سُورٌ لِلْحَجْزِ بِهِ بَيْنَ المُنافِقِينَ والمُؤْمِنِينَ، خَلَقَهُ اللَّهُ ساعَتَئِذٍ قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ، وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، فَحَقَّ بِذَلِكَ التَّمْثِيلُ الَّذِي مَثَّلَ اللَّهُ بِهِ حالَهم في الدُّنْيا بِقَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأنَّ الحَيْرَةَ وعَدَمَ رُؤْيَةِ المَصِيرِ عَذابٌ ألِيمٌ. ولَعَلَّ ضَرْبَ السُّورِ بَيْنَهم وجَعْلَ العَذابِ بِظاهِرِهِ والنَّعِيمِ بِباطِنِهِ قُصِدَ مِنهُ التَّمْثِيلُ لَهم بِأنَّ الفاصِلَ بَيْنَ النَّعِيمِ والعَذابِ هو الأعْمالُ في الدُّنْيا وأنَّ الأعْمالَ الَّتِي يَعْمَلُها النّاسُ في الدُّنْيا مِنها ما يُفْضِي بِعامِلِهِ إلى النَّعِيمِ ومِنها ما يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى العَذابِ فَأحَدُ طَرَفَيِ السُّورِ مِثالٌ لِأحَدِ العَمَلَيْنِ وطَرَفُهُ الآخَرُ مِثالٌ صفحة ٣٨٤ لِضِدِّهِ. و”البابُ“ واحِدٌ وهو المَوْتُ، وهو الَّذِي يَسْلُكُ بِالنّاسِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ. ولَعَلَّ جَعْلَ البابِ في سُورٍ واحِدٍ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ لِيَمُرَّ مِنهُ أفْواجُ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ مِن وُجُودِ مُنافِقِينَ بَيْنَهم بِمَرْأًى مِنَ المُنافِقِينَ المَحْبُوسِينَ وراءَ ذَلِكَ السُّورِ تَنْكِيلًا بِهِمْ وحَسْرَةً حِينَ يُشاهِدُونَ أفْواجَ المُؤْمِنِينَ يُفْتَحُ لَهُمُ البابُ الَّذِي في السُّورِ لِيَجْتازُوا مِنهُ إلى النَّعِيمِ الَّذِي بِباطِنِ السُّورِ. ورَكَّبَ القَصّاصُونَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلاتٍ مَوْضُوعَةً في فَضائِلِ بِلادِ القُدْسِ بِفِلَسْطِينَ عَزَوْها إلى كَعْبِ الأحْبارِ فَسَمَّوْا بَعْضَ أبْوابِ مَدِينَةِ القُدْسِ بابَ الرَّحْمَةِ، وسَمَّوْا مَكانًا مِنها وادِي جَهَنَّمَ، وهو خارِجُ سُورِ بِلادِ القُدْسِ، ثُمَّ رَكَّبُوا تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلَيْها وهي أوْهامٌ عَلى أوْهامٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّورَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ الحِجابِ الَّذِي ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وضَمائِرُ ”لَهُ بابٌ“ و”باطِنُهُ“ و”ظاهِرُهُ“ عائِدٌ إلى السُّورِ، والجُمْلَتانِ صِفَتانِ لِ ”سُورٍ“ . وإنَّما عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّالِثَةُ بِالواوِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصِّفَةِ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] . والباطِنُ: هو داخِلُ الشَّيْءِ، والظّاهِرُ: خارِجُهُ. فالباطِنُ: هو داخِلُ السُّورِ الحاجِزِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ وهو مَكانُ المُسْلِمِينَ. والبُطُونُ والظُّهُورُ هُنا نِسْبِيّانِ، أيْ: بِاعِتَبارِ مَكانِ المُسْلِمِينَ ومَكانِ المُنافِقِينَ، فالظّاهِرُ هو الجِهَةُ الَّتِي نَحْوَ المُنافِقِينَ، أيْ: ضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ يُشاهِدُ المُنافِقُونَ العَذابَ مِن ظاهِرِهِ الَّذِي يُواجِهُهم، وإنَّ الرَّحْمَةَ وراءَ ما يَلِيهِمْ. و”قِبَلِ“ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، الجِهَةُ المُقابِلَةُ، وقَوْلُهُ ”مِن قِبَلِهِ“ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و”العَذابُ“ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بِرُمَّتِها خَبَرٌ عَنْ ظاهِرِهِ. صفحة ٣٨٥ و(مِن) بِمَعْنى (في) كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] فَتَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ . والعَذابُ: هو حَرْقُ جَهَنَّمَ فَإنَّ جَهَنَّمَ دارُ عَذابٍ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] . وجُمْلَةُ ﴿يُنادُونَهُمْ﴾ حالٌ مِن ﴿يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ . وضَمائِرُ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى﴾ تُعْرَفُ مَراجِعُها مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ. و﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ، اسْتُعْمِلَ كِنايَةً عَنْ طَلَبِ اللَّحاقِ بِهِمْ والانْضِمامِ إلَيْهِمْ كَما كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِينَ. والمَعِيَّةُ أُطْلِقَتْ عَلى المُشارَكَةِ في أعْمالِ الإسْلامِ مِن نُطْقٍ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ وإقامَةِ عِباداتِ الإسْلامِ، تَوَهَّمُوا أنَّ المُعامَلَةَ في الآخِرَةِ تَجْرِي كَما تَجْرِي المُعامَلَةُ في الدُّنْيا عَلى حَسَبِ صُوَرِ الأعْمالِ، وما دَرَوْا أنَّ الصُّوَرَ مُكَمِّلاتٌ وأنَّ قِوامَها إخْلاصُ الإيمانِ وهَذا الجَوابُ إقْرارٌ بِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالَهم مَعَهم. ولَمّا كانَ هَذا الإقْرارُ يُوهِمُ أنَّهُ قَوْلٌ بِمُوجَبِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ أعْقَبُوا جَوابَهُمُ الإقْرارِيَ بِالِاسْتِدْراكِ الرّافِعِ لِما تَوَهَّمَهُ المُنافِقُونَ مِن أنَّ المُوافَقَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ في أعْمالِ الإسْلامِ تَكْفِي في التِحاقِهِمْ بِهِمْ في نَعِيمِ الجَنَّةِ فَبَيَّنُوا لَهم أسْبابَ التَّباعُدِ بَيْنَهم بِأنَّ باطِنَهم كانَ مُخالِفًا لِظاهِرِهِمْ. وذَكَرُوا لَهم أرْبَعَةَ أُصُولٍ هي أسْبابُ الخُسْرانِ، وهي: فِتْنَةُ أنْفُسِهِمْ، والتَّرَبُّصُ بِالمُؤْمِنِينَ، والارْتِيابُ في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ والاغْتِرارُ بِما تُمَوِّهُ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. وهَذِهِ الأرْبَعَةُ هي أُصُولُ الخِصالِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى النِّفاقِ. الأوَّلُ: فِتْنَتُهم أنْفُسَهم، أيْ: عَدَمُ قَرارِ ضَمائِرِهِمْ عَلى الإسْلامِ، فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، فَكَأنَّ الِاضْطِرابَ وعَدَمَ الِاسْتِقْرارِ خُلُقٌ لَهم فَإذا خَطَرَتْ في صفحة ٣٨٦ أنْفُسِهِمْ خَواطِرُ خَيْرٍ مِن إيمانٍ ومَحَبَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ نَقَضُوها بِخَواطِرِ الكُفْرِ والبَغْضاءِ، وهَذا مِن صُنْعِ أنْفُسِهِمْ فَإسْنادُ الفِتَنِ إلَيْهِمْ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ، وكَذَلِكَ الحالُ في أعْمالِهِمْ مِن صَلاةٍ وصَدَقَةٍ. وهَذا يَنْشَأُ عَنِ الكَذِبِ، والخِداعِ، والاسْتِهْزاءِ، والطَّعْنِ في المُسْلِمِينَ، قالَ تَعالى ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] . الثّانِي: التَّرَبُّصُ، والتَّرَبُّصُ: انْتِظارُ شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآيَةَ. ويَتَعَدّى فِعْلُهُ إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ ويَتَعَلَّقُ بِهِ ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِالباءِ. وحَذَفَ هُنا مَفْعُولَهُ ومُتَعَلِّقَهُ لِيَشْمَلَ عِدَّةَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْتَظِرُها المُنافِقُونَ في شَأْنِ المُؤْمِنِينَ وهي كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى أذى المُؤْمِنِينَ والإضْرارِ بِهِمْ فَيَتَرَبَّصُونَ هَزِيمَةَ المُسْلِمِينَ في الغَزَواتِ ونَحْوِها مِنَ الأحْداثِ، قالَ تَعالى في بَعْضِهِمْ ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] ويَتَرَبَّصُونَ انْقِسامَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ قالُوا لِفَرِيقٍ مِنَ الأنْصارِ يُنَدِّمُونَهم عَلى مَن قُتِلَ مِن قَوْمِهِمْ في بَعْضِ الغَزَواتِ ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] . الثّالِثُ: الِارْتِيابُ في الدِّينِ وهو الشَّكُّ في الِاعْتِمادِ عَلى أهْلِ الإسْلامِ أوْ عَلى الكافِرِينَ ويَنْشَأُ عَنْهُ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ قالَ تَعالى ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] ولِذَلِكَ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالآجالِ، وقالُوا لِإخْوانِهِمْ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] . الرّابِعُ: الغُرُورُ بِالأمانِيِّ، وهي جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ وهي اسْمُ التَّمَنِّي. والمُرادُ بِها ما كانُوا يُمَنُّونَ بِهِ أنْفُسَهم مِن أنَّهم عَلى الحَقِّ وأنَّ انْتِصارَ المُؤْمِنِينَ عَرَضٌ زائِلٌ، وأنَّ الحَوادِثَ تَجْرِي عَلى رَغْبَتَهِمْ وهَواهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وقَوْلُهم ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ولِذَلِكَ يَحْسَبُونَ أنَّ العاقِبَةَ لَهم ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . وقَدْ بَيَّنْتُ الخِصالَ الَّتِي تَتَوَلَّدُ عَلى النِّفاقِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَطَبِّقْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأُصُولَ الأرْبَعَةَ وألْحِقْ فُرُوعَ بَعْضِها بِبَعْضٍ. والمَقْصُودُ مِنَ الغايَةِ بِـ ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ التَّنْدِيدُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَرْعَوُوا عَنْ صفحة ٣٨٧ غَيِّهِمْ مَعَ طُولِ مُدَّةِ أعْمارِهِمْ وتَعاقُبِ السِّنِينَ عَلَيْهِمْ وهم لَمْ يَتَدَبَّرُوا في العَواقِبِ، كَما قالَ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] وإسْنادُ التَّغْيِيرِ إلى الأمانِيِّ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الأمانِيَّ والطَّمَعَ في حُصُولِها سَبَبُ غُرُورِهِمْ ومَلابِسُهُ. ومَجِيءُ أمْرِ اللَّهِ هو المَوْتُ، أيْ حَتّى يَتِمَّ عَلى تِلْكَ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ولَمْ تُقْلِعُوا عَنْها بِالإيمانِ الحَقِّ. والغايَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، ومِن حَقِّ المُؤْمِنِ أنْ يَعْتَبِرَ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَلا يُماطِلُ التَّوْبَةَ ولا يَقُولُ: غَدًا غَدًا. وجُمْلَةُ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ تَحْقِيرًا لِغُرُورِهِمْ وأمانِيِّهِمْ بِأنَّها مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ لِيَزْدادُوا حَسْرَةً حِينَئِذٍ. والغَرُورُ: بِفَتْحِ الغَيْنِ مُبالَغَةٌ في المُتَّصِفِ بِالتَّغْرِيرِ، والمُرادُ بِهِ الشَّيْطانُ، أيْ: بِإلْقائِهِ خَواطِرَ النِّفاقِ في نُفُوسِهِمْ بِتَلْوِينِهِ بِلَوْنِ الحَقِّ وإرْضاءِ دِينِ الكُفْرِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . ويَجُوزُ أنْ يُرادَ جِنْسُ الغارِّينَ، أيْ: وغَرَّكم بِاللَّهِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وقادَةُ النِّفاقِ. والتَّغْرِيرُ: إظْهارُ الضّارِّ في صُورَةِ النّافِعِ بِتَمْوِيهٍ وسَفْسَطَةٍ. والباءُ في قَوْلِهِ بِاللَّهِ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْآلَةِ المَجازِيَّةِ، أيْ: جَعَلَ الشَّيْطانُ شَأْنَ اللَّهِ سَبَبًا لِغُرُورِكم بِأنْ خَيَّلَ إلَيْكم أنَّ الحِفاظَ عَلى الكُفْرِ مُرْضِيٌّ لِلَّهِ تَعالى وأنَّ النِّفاقَ حافَظْتُمْ بِهِ عَلى دِينِكم وحافَظْتُمْ بِهِ نُفُوسَكم وكَرامَةَ قَوْمِكم واطَّلَعْتُمْ بِهِ عَلى أحْوالِ عَدُوِّكم. وهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهم قَدْ شاهَدُوا دَلائِلَهُ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ فَرَّعُوا لَهم عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥]، قَطْعًا لِطَمَعِهِمْ أنْ يَكُونُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ كَما كانُوا مَعَهم في الحَياةِ.

الحديد 57:14

﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ . ”يَوْمَ يَقُولُ“ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ١٢] بَدَلًا مُطابِقًا إذِ اليَوْمُ هو عَيْنُ اليَوْمِ المُعَرَّفِ بِقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢] . والقَوْلُ في فَتْحَةِ ”يَوْمَ“ تَقَدَّمَ في نَظَرِهِ قَرِيبًا. وعَطْفُ ”المُنافِقاتُ“ عَلى ”المُنافِقُونَ“ كَعَطْفِ المُؤْمِناتِ عَلى المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ. والَّذِينَ آمَنُوا تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ هم أصْحابُ النُّورِ وهو لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ. صفحة ٣٨٢ و”انْظُرُونا“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ مَضْمُومًا، مِن نَظَرَهُ، إذا انْتَظَرَهُ مِثْلَ نَظَرَ، إذا أبْصَرَ، إلّا أنَّ نَظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ، ونَظَرَ بِمَعْنى أبْصَرَ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (إلى) قالَ تَعالى ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ [البقرة: ٢٥٩] . الانْتِظارُ: التَّرَيُّثُ بِفِعْلٍ ما، أيْ: تَرَيَّثُوا في سَيْرِكم حَتّى نَلْحَقَ بِكم فَنَسْتَضِيءَ بِالَّنُورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيكم وبِجانِبِكم وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ لِلْمُؤْمِنِينَ الأوَّلِينَ بِالسَّيْرِ إلى الجَنَّةِ فَوْجًا، ويَجْعَلُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا بَيْنَهم في المَدِينَةِ سائِرِينَ وراءَهم كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ ”وتَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيها مُنافِقُوها“ والمَعْنى: أنَّهم يَسِيرُونَ في ظُلُماتٍ فَيَسْألُ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْتَظِرُوهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”انْظُرُونا“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وضَمِّ الظّاءِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وكَسْرِ الظّاءِ، مِن أنْظَرَهُ، إذا أمْهَلَهُ، أيْ: أمْهِلُونا حَتّى نَلْحَقَ بِكم ولا تُعَجِّلُوا السَّيْرَ فَيَنْأى نُورُكم عَنّا وهم يَحْسَبُونَ أنَّ بُعْدَهم عَنْهم مِن جَرّاءِ السُّرْعَةِ. والاقْتِباسُ حَقِيقَتُهُ: أخْذُ القَبَسِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الجَذْوَةُ مِنَ الجَمْرِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ومَجِيءُ فَعَلْتُ وافْتَعَلْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِمْ: شَوَيْتُ واشْتَوَيْتُ، وحَقَرْتُ واحْتَقَرْتُ، قُلْتَ: وكَذَلِكَ حَفَرْتُ واحْتَفَرْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ نَقْتَبِسُ هُنا حَقِيقَةً بِأنْ يَكُونُوا ظَنُّوا أنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ مَعَ المُؤْمِنِينَ نُورُ شُعْلَةٍ وحَسِبُوا أنَّهم يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَأْخُذُوا قَبَسًا مِنهُ يُلْقى ذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لِتَكُونَ خَيْبَتُهم أشَدَّ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يُسْتَعارَ الِاقْتِباسُ لِانْتِفاعِ أحَدٍ بِضَوْءِ آخَرَ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الِاقْتِباسَ في الِانْتِفاعِ بِالضَّوْءِ بِدُونِ عِلاجٍ فَمَعْنى ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ نُصِبْ مِنهُ ونَلْتَحِقْ بِهِ فَنَسْتَنِرْ بِهِ. ويَظْهَرُ مِن إسْنادِ ”قِيلَ“ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ أنَّ قائِلَهُ غَيْرُ المُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ وإنَّما هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ السّائِقِينَ لِلْمُنافِقِينَ. وتَكُونُ مَقالَةُ المَلائِكَةُ لِلْمُنافِقِينَ تَهَكُّمًا إذْ لا نُورَ وراءَهم وإنَّما أرادُوا إطْماعَهم صفحة ٣٨٣ ثُمَّ تَخْيِيبَهم بِضَرِبِ السُّورِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الخَيْبَةَ بَعْدَ الطَّمَعِ أشَدُّ حَسْرَةً. وهَذا اسْتِهْزاءٌ كانَ جَزاءً عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ واسْتِسْخارِهِمْ بِهِمْ، فَهو مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] . و”وراءَكم“: تَأْكِيدٌ لِمَعْنى ”ارْجِعُوا“ إذِ الرُّجُوعُ يَسْتَلْزِمُ الوَراءَ، وهَذا كَما يُقالُ: رَجَعَ القَهْقَرى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلِ ”التَمِسُوا نُورًا“، أيْ: في المَكانِ الَّذِي خَلْفَكم. وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى الإغْراءِ بِالتِماسِ النُّورِ هُناكَ وهو أشَدُّ في الإطْماعِ، لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ النُّورَ يُتَناوَلُ مِن ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي صَدَرَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، وبِذَلِكَ الإيهامِ لا يَكُونُ الكَلامُ كَذِبًا لِأنَّهُ مِنَ المَعارِيضِ لا سِيَّما مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ وراءَكم تَأْكِيدًا لِمَعْنى ارْجِعُوا. وضَمِيرُ ”بَيْنَهم“ عائِدٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ. وضَرْبُ السُّورِ: وضْعُهُ، يُقالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّيِّبِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتا مُهاجَرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ وضَمَّنَ ”ضُرِبَ“ في الآيَةِ مَعْنى الحَجْزِ فَعُدِّيَ بِالباءِ، أيْ: ضُرِبَ بَيْنَهم سُورٌ لِلْحَجْزِ بِهِ بَيْنَ المُنافِقِينَ والمُؤْمِنِينَ، خَلَقَهُ اللَّهُ ساعَتَئِذٍ قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ، وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، فَحَقَّ بِذَلِكَ التَّمْثِيلُ الَّذِي مَثَّلَ اللَّهُ بِهِ حالَهم في الدُّنْيا بِقَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأنَّ الحَيْرَةَ وعَدَمَ رُؤْيَةِ المَصِيرِ عَذابٌ ألِيمٌ. ولَعَلَّ ضَرْبَ السُّورِ بَيْنَهم وجَعْلَ العَذابِ بِظاهِرِهِ والنَّعِيمِ بِباطِنِهِ قُصِدَ مِنهُ التَّمْثِيلُ لَهم بِأنَّ الفاصِلَ بَيْنَ النَّعِيمِ والعَذابِ هو الأعْمالُ في الدُّنْيا وأنَّ الأعْمالَ الَّتِي يَعْمَلُها النّاسُ في الدُّنْيا مِنها ما يُفْضِي بِعامِلِهِ إلى النَّعِيمِ ومِنها ما يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى العَذابِ فَأحَدُ طَرَفَيِ السُّورِ مِثالٌ لِأحَدِ العَمَلَيْنِ وطَرَفُهُ الآخَرُ مِثالٌ صفحة ٣٨٤ لِضِدِّهِ. و”البابُ“ واحِدٌ وهو المَوْتُ، وهو الَّذِي يَسْلُكُ بِالنّاسِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ. ولَعَلَّ جَعْلَ البابِ في سُورٍ واحِدٍ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ لِيَمُرَّ مِنهُ أفْواجُ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ مِن وُجُودِ مُنافِقِينَ بَيْنَهم بِمَرْأًى مِنَ المُنافِقِينَ المَحْبُوسِينَ وراءَ ذَلِكَ السُّورِ تَنْكِيلًا بِهِمْ وحَسْرَةً حِينَ يُشاهِدُونَ أفْواجَ المُؤْمِنِينَ يُفْتَحُ لَهُمُ البابُ الَّذِي في السُّورِ لِيَجْتازُوا مِنهُ إلى النَّعِيمِ الَّذِي بِباطِنِ السُّورِ. ورَكَّبَ القَصّاصُونَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلاتٍ مَوْضُوعَةً في فَضائِلِ بِلادِ القُدْسِ بِفِلَسْطِينَ عَزَوْها إلى كَعْبِ الأحْبارِ فَسَمَّوْا بَعْضَ أبْوابِ مَدِينَةِ القُدْسِ بابَ الرَّحْمَةِ، وسَمَّوْا مَكانًا مِنها وادِي جَهَنَّمَ، وهو خارِجُ سُورِ بِلادِ القُدْسِ، ثُمَّ رَكَّبُوا تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلَيْها وهي أوْهامٌ عَلى أوْهامٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّورَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ الحِجابِ الَّذِي ذُكِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وضَمائِرُ ”لَهُ بابٌ“ و”باطِنُهُ“ و”ظاهِرُهُ“ عائِدٌ إلى السُّورِ، والجُمْلَتانِ صِفَتانِ لِ ”سُورٍ“ . وإنَّما عُطِفَتِ الجُمْلَةُ الثّالِثَةُ بِالواوِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصِّفَةِ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] . والباطِنُ: هو داخِلُ الشَّيْءِ، والظّاهِرُ: خارِجُهُ. فالباطِنُ: هو داخِلُ السُّورِ الحاجِزِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ وهو مَكانُ المُسْلِمِينَ. والبُطُونُ والظُّهُورُ هُنا نِسْبِيّانِ، أيْ: بِاعِتَبارِ مَكانِ المُسْلِمِينَ ومَكانِ المُنافِقِينَ، فالظّاهِرُ هو الجِهَةُ الَّتِي نَحْوَ المُنافِقِينَ، أيْ: ضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ يُشاهِدُ المُنافِقُونَ العَذابَ مِن ظاهِرِهِ الَّذِي يُواجِهُهم، وإنَّ الرَّحْمَةَ وراءَ ما يَلِيهِمْ. و”قِبَلِ“ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، الجِهَةُ المُقابِلَةُ، وقَوْلُهُ ”مِن قِبَلِهِ“ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و”العَذابُ“ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بِرُمَّتِها خَبَرٌ عَنْ ظاهِرِهِ. صفحة ٣٨٥ و(مِن) بِمَعْنى (في) كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] فَتَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ . والعَذابُ: هو حَرْقُ جَهَنَّمَ فَإنَّ جَهَنَّمَ دارُ عَذابٍ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] . وجُمْلَةُ ﴿يُنادُونَهُمْ﴾ حالٌ مِن ﴿يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ . وضَمائِرُ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى﴾ تُعْرَفُ مَراجِعُها مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ. و﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ، اسْتُعْمِلَ كِنايَةً عَنْ طَلَبِ اللَّحاقِ بِهِمْ والانْضِمامِ إلَيْهِمْ كَما كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا يَعْمَلُونَ أعْمالَ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِينَ. والمَعِيَّةُ أُطْلِقَتْ عَلى المُشارَكَةِ في أعْمالِ الإسْلامِ مِن نُطْقٍ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ وإقامَةِ عِباداتِ الإسْلامِ، تَوَهَّمُوا أنَّ المُعامَلَةَ في الآخِرَةِ تَجْرِي كَما تَجْرِي المُعامَلَةُ في الدُّنْيا عَلى حَسَبِ صُوَرِ الأعْمالِ، وما دَرَوْا أنَّ الصُّوَرَ مُكَمِّلاتٌ وأنَّ قِوامَها إخْلاصُ الإيمانِ وهَذا الجَوابُ إقْرارٌ بِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالَهم مَعَهم. ولَمّا كانَ هَذا الإقْرارُ يُوهِمُ أنَّهُ قَوْلٌ بِمُوجَبِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ أعْقَبُوا جَوابَهُمُ الإقْرارِيَ بِالِاسْتِدْراكِ الرّافِعِ لِما تَوَهَّمَهُ المُنافِقُونَ مِن أنَّ المُوافَقَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ في أعْمالِ الإسْلامِ تَكْفِي في التِحاقِهِمْ بِهِمْ في نَعِيمِ الجَنَّةِ فَبَيَّنُوا لَهم أسْبابَ التَّباعُدِ بَيْنَهم بِأنَّ باطِنَهم كانَ مُخالِفًا لِظاهِرِهِمْ. وذَكَرُوا لَهم أرْبَعَةَ أُصُولٍ هي أسْبابُ الخُسْرانِ، وهي: فِتْنَةُ أنْفُسِهِمْ، والتَّرَبُّصُ بِالمُؤْمِنِينَ، والارْتِيابُ في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ والاغْتِرارُ بِما تُمَوِّهُ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم. وهَذِهِ الأرْبَعَةُ هي أُصُولُ الخِصالِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى النِّفاقِ. الأوَّلُ: فِتْنَتُهم أنْفُسَهم، أيْ: عَدَمُ قَرارِ ضَمائِرِهِمْ عَلى الإسْلامِ، فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، فَكَأنَّ الِاضْطِرابَ وعَدَمَ الِاسْتِقْرارِ خُلُقٌ لَهم فَإذا خَطَرَتْ في صفحة ٣٨٦ أنْفُسِهِمْ خَواطِرُ خَيْرٍ مِن إيمانٍ ومَحَبَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ نَقَضُوها بِخَواطِرِ الكُفْرِ والبَغْضاءِ، وهَذا مِن صُنْعِ أنْفُسِهِمْ فَإسْنادُ الفِتَنِ إلَيْهِمْ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ، وكَذَلِكَ الحالُ في أعْمالِهِمْ مِن صَلاةٍ وصَدَقَةٍ. وهَذا يَنْشَأُ عَنِ الكَذِبِ، والخِداعِ، والاسْتِهْزاءِ، والطَّعْنِ في المُسْلِمِينَ، قالَ تَعالى ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] . الثّانِي: التَّرَبُّصُ، والتَّرَبُّصُ: انْتِظارُ شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآيَةَ. ويَتَعَدّى فِعْلُهُ إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ ويَتَعَلَّقُ بِهِ ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِالباءِ. وحَذَفَ هُنا مَفْعُولَهُ ومُتَعَلِّقَهُ لِيَشْمَلَ عِدَّةَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْتَظِرُها المُنافِقُونَ في شَأْنِ المُؤْمِنِينَ وهي كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى أذى المُؤْمِنِينَ والإضْرارِ بِهِمْ فَيَتَرَبَّصُونَ هَزِيمَةَ المُسْلِمِينَ في الغَزَواتِ ونَحْوِها مِنَ الأحْداثِ، قالَ تَعالى في بَعْضِهِمْ ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] ويَتَرَبَّصُونَ انْقِسامَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ قالُوا لِفَرِيقٍ مِنَ الأنْصارِ يُنَدِّمُونَهم عَلى مَن قُتِلَ مِن قَوْمِهِمْ في بَعْضِ الغَزَواتِ ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] . الثّالِثُ: الِارْتِيابُ في الدِّينِ وهو الشَّكُّ في الِاعْتِمادِ عَلى أهْلِ الإسْلامِ أوْ عَلى الكافِرِينَ ويَنْشَأُ عَنْهُ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ قالَ تَعالى ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] ولِذَلِكَ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالآجالِ، وقالُوا لِإخْوانِهِمْ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] . الرّابِعُ: الغُرُورُ بِالأمانِيِّ، وهي جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ وهي اسْمُ التَّمَنِّي. والمُرادُ بِها ما كانُوا يُمَنُّونَ بِهِ أنْفُسَهم مِن أنَّهم عَلى الحَقِّ وأنَّ انْتِصارَ المُؤْمِنِينَ عَرَضٌ زائِلٌ، وأنَّ الحَوادِثَ تَجْرِي عَلى رَغْبَتَهِمْ وهَواهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وقَوْلُهم ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ولِذَلِكَ يَحْسَبُونَ أنَّ العاقِبَةَ لَهم ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . وقَدْ بَيَّنْتُ الخِصالَ الَّتِي تَتَوَلَّدُ عَلى النِّفاقِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَطَبِّقْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأُصُولَ الأرْبَعَةَ وألْحِقْ فُرُوعَ بَعْضِها بِبَعْضٍ. والمَقْصُودُ مِنَ الغايَةِ بِـ ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ التَّنْدِيدُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَرْعَوُوا عَنْ صفحة ٣٨٧ غَيِّهِمْ مَعَ طُولِ مُدَّةِ أعْمارِهِمْ وتَعاقُبِ السِّنِينَ عَلَيْهِمْ وهم لَمْ يَتَدَبَّرُوا في العَواقِبِ، كَما قالَ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] وإسْنادُ التَّغْيِيرِ إلى الأمانِيِّ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الأمانِيَّ والطَّمَعَ في حُصُولِها سَبَبُ غُرُورِهِمْ ومَلابِسُهُ. ومَجِيءُ أمْرِ اللَّهِ هو المَوْتُ، أيْ حَتّى يَتِمَّ عَلى تِلْكَ الحالَةِ السَّيِّئَةِ ولَمْ تُقْلِعُوا عَنْها بِالإيمانِ الحَقِّ. والغايَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، ومِن حَقِّ المُؤْمِنِ أنْ يَعْتَبِرَ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَلا يُماطِلُ التَّوْبَةَ ولا يَقُولُ: غَدًا غَدًا. وجُمْلَةُ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ تَحْقِيرًا لِغُرُورِهِمْ وأمانِيِّهِمْ بِأنَّها مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ لِيَزْدادُوا حَسْرَةً حِينَئِذٍ. والغَرُورُ: بِفَتْحِ الغَيْنِ مُبالَغَةٌ في المُتَّصِفِ بِالتَّغْرِيرِ، والمُرادُ بِهِ الشَّيْطانُ، أيْ: بِإلْقائِهِ خَواطِرَ النِّفاقِ في نُفُوسِهِمْ بِتَلْوِينِهِ بِلَوْنِ الحَقِّ وإرْضاءِ دِينِ الكُفْرِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . ويَجُوزُ أنْ يُرادَ جِنْسُ الغارِّينَ، أيْ: وغَرَّكم بِاللَّهِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وقادَةُ النِّفاقِ. والتَّغْرِيرُ: إظْهارُ الضّارِّ في صُورَةِ النّافِعِ بِتَمْوِيهٍ وسَفْسَطَةٍ. والباءُ في قَوْلِهِ بِاللَّهِ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْآلَةِ المَجازِيَّةِ، أيْ: جَعَلَ الشَّيْطانُ شَأْنَ اللَّهِ سَبَبًا لِغُرُورِكم بِأنْ خَيَّلَ إلَيْكم أنَّ الحِفاظَ عَلى الكُفْرِ مُرْضِيٌّ لِلَّهِ تَعالى وأنَّ النِّفاقَ حافَظْتُمْ بِهِ عَلى دِينِكم وحافَظْتُمْ بِهِ نُفُوسَكم وكَرامَةَ قَوْمِكم واطَّلَعْتُمْ بِهِ عَلى أحْوالِ عَدُوِّكم. وهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهم قَدْ شاهَدُوا دَلائِلَهُ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ فَرَّعُوا لَهم عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥]، قَطْعًا لِطَمَعِهِمْ أنْ يَكُونُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ كَما كانُوا مَعَهم في الحَياةِ.

الحديد 57:15

صفحة ٣٨٨ ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مِن تَتِمَّةِ خِطابِ المُؤْمِنِينَ لِلْمُنافِقِينَ اسْتِمْرارًا في التَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ. وهَذا ما جَرى عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، فَمَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ بَيِّنٌ والعِلْمُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ لا تُؤْخَذَ فِدْيَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ كَفَرُوا حاصِلٌ مِمّا يَسْمَعُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأقْضِيَةِ الإلَهِيَّةِ بَيْنَ الخَلْقِ بِحَيْثُ صارَ مَعْلُومًا لِأهْلِ المَحْشَرِ، أوْ هو عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ في نُفُوسِهِمْ مِمّا عَلِمُوهُ في الدُّنْيا مِن أخْبارِ القُرْآنِ وكَلامِ النَّبِيءِ ﷺ وذَلِكَ مُوجِبُ عَطْفَ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَعْبِيرًا عَمّا عَلِمُوهُ بِأسْرِهِ وهو عَطْفٌ مُعْتَرِضٌ جَرَّتْهُ المُناسَبَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا صادِرًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ تَأْيِيسًا لَهم مِنَ الطَّمَعِ في نَوالِ حَظٍّ مِن نُورِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ الفاءُ مِن عَطْفِ التَّلْقِينِ عاطِفَةً كَلامَ أحَدٍ عَلى كَلامِ غَيْرِهِ لِأجْلِ اتِّحادِ مَكانِ المُخاطَبَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] . ويَكُونُ عَطْفُ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَمْعًا لِلْفَرِيقَيْنِ في تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ واحِدٍ لِاتِّحادِهِما في الكُفْرِ. وإقْحامُ كَلِمَةِ ”فاليَوْمَ“ لِتَذْكِيرِهِمْ بِما كانُوا يُضْمِرُونَهُ في الدُّنْيا حِينَ يُنْفِقُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ رِياءً وتَقِيَّةً. وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا يُؤْخَذُ“ بِياءِ الغائِبِ المُذَكَّرِ لِأنَّ تَأْنِيثَ ”فِدْيَةٌ“ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَدْ فَصَلَ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ بِالظَّرْفِ فَحَصَلَ مُسَوِّغانِ لِتَرْكِ اقْتِرانِ الفِعْلِ بِعَلامَةِ المُؤَنَّثِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ جَرْيًا عَلى تَأْنِيثِ الفاعِلِ في اللَّفْظِ، والقِراءَتانِ سَواءٌ. وكَنّى بِنَفْيِ أخْذِ الفِدْيَةِ عَنْ تَحَقُّقِ جَزائِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وإلّا فَإنَّهم لَمْ يَبْذُلُوا فِدْيَةً، ولا كانَ النِّفاقُ مِن أنْواعِ الفِدْيَةِ ولَكِنَّ الكَلامَ جَرى عَلى الكِنايَةِ لِما هو صفحة ٣٨٩ مَشْهُورٌ مِن أنَّ الأسِيرَ والجانِي قَدْ يَتَخَلَّصانِ مِنَ المُؤاخَذَةِ بِفِدْيَةٍ تُبْذَلُ عَنْهُما.فَعَطْفُ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قُصِدَ مِنهُ تَعْلِيلُ أنْ لا مَحِيصَ لَهم مِن عَذابِ الكُفْرِ، مِثْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيِ: الَّذِينَ أعْلَنُوا الكُفْرَ حَتّى كانَ حالَةً يُعْرَفُونَ بِها. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا هم والكافِرُونَ في صَعِيدٍ واحِدٍ عِنْدَ أبْوابِ جَهَنَّمَ، فَفِيهِ احْتِراسٌ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ الكافِرُونَ الصُّرَحاءُ مِن ضَمِيرِ ﴿لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ خاصٌّ بِالمُنافِقِينَ تَعَلُّقًا بِأقَلِ طَمَعٍ، فَلَيْسَ ذِكْرُ ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُجَرَّدَ اسْتِطْرادٍ. والمَأْوى: المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ، أيْ: يُصارُ إلَيْهِ ويُرْجَعُ، وكُنِّيَ بِهِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ والخُلُودِ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِالصَّرِيحِ بِجُمْلَةِ ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكُمْ﴾ أيْ تَرْجِعُونَ إلَيْها كَما يَرْجِعُ المُسْتَنْصِرُ إلى مَوْلاهُ لِيَنْصُرَهُ أوْ يُفادِي عَنْهُ، فاسْتُعِيرَ المَوْلى لِلْمَقَرِّ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ. ويَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُجْعَلَ المَوْلى اسْمَ مَكانِ الوَلْيِ، وهو القُرْبُ والدُّنُوُّ، أيْ: مَقَرُّكم، كَقَوْلِ لَبِيدٍ: فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أنَّهُ مَوْلى المَخافَةِ خَلْفُها وأمامُها أيْ: مَكانُ المَخافَةِ ومَقَرُّها. و”بِئْسَ المَصِيرُ“ تَذْيِيلٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ. وقَدْ يَحْصُلُ العِلْمُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما أجابُوا بِهِ أهْلَ النِّفاقِ لِأنَّهم صارُوا إلى دارِ الحَقائِقِ.

الحديد 57:16

﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ . قَدْ عُلِمَ مِن صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سَنَةَ أرْبَعٍ أوْ خَمْسٍ صفحة ٣٩٠ مِنَ البَعْثَةِ رَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبْنا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] إلّا أرْبَعُ سِنِينَ. والمَقْصُودُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا: إمّا بَعْضٌ مِنهم رُبَّما كانُوا مُقَصِّرِينَ عَنْ جُمْهُورِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَأرادَ اللَّهُ إيقاظَ قُلُوبِهِمْ بِهَذا الكَلامِ المُجْمَلِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ وأقْوالِ الرَّسُولِ ﷺ في التَّعْرِيضِ مِثْلَ قَوْلِهِ «ما بالُ أقْوامٍ يَفْعَلُونَ كَذا» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . ولَيْسَ ما قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مُقْتَضِيًا أنَّ مِثْلَهُ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَكِنَّهُ يَخْشى مِنهم حَذَرًا وحَيْطَةً. فالمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُؤْمِنُونَ حَقًّا مَن يُظْهِرُونَ الإيمانَ مِنَ المُنافِقِينَ إذْ لَمْ يَكُنْ في المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ مُنافِقُونَ ولا كانَ داعٍ إلى نِفاقِ بَعْضِهِمْ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمّا نَزَلَتْ جَعَلَ بَعْضُنا يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَقُولُ: ما أحْدَثْنا. وإمّا أنْ يَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُراقَبَةِ ذَلِكَ والحَذَرِ مِنَ التَّقْصِيرِ. والهَمْزَةُ في ”ألَمْ يَأْنِ“ لِلِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ: إنْكارُ نَفْيِ اقْتِرابِ وقْتِ فاعِلِ الفِعْلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ عَلى النَّفْيِ، وفِعْلُ ”يَأْنِ“ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو الإنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها، أيِ: الوَقْتُ قالَ تَعالى ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وقَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ ”ألَمْ يَأْنِ“ قَوْلُهم: أما آنَ لَكَ أنْ تَفْعَلَ، مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَهُ: «أما آنَ لَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ أنْ تُسْلِمَ» . وفي خَبَرِ إسْلامِ أبِي ذَرٍّ مِن أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وجَدَهُ في المَسْجِدِ الحَرامِ وأرادَ أنْ يُضِيفَهُ وقالَ لَهُ أما آنَ لِلرَّجُلِ أنْ يَعْرِفَ مَنزِلَهُ يُرِيدُ: أنْ يَعْرِفَ مَنزِلِي الَّذِي هو كَمَنزِلِهِ. وهَذا تَلَطَّفٌ في عَرْضِ الِاسْتِضافَةِ، إلّا أنَّ فِعْلَ ”يَأْنِ“ مُشْتَقٌّ مِنَ الإنى وهو فِعْلٌ مَنقُوصٌ آخِرَهُ ألِفٌ. وفِعْلُ: آنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الأيْنِ وهو الحِينُ وهو فِعْلٌ أجْوَفُ آخِرَهُ نُونٌ. صفحة ٣٩١ فَأصْلُ: أنى أنِيَ، وأصْلُ آنَ: آوِنَ وآلَ مَعْنى الكَلِمَتَيْنِ واحِدٌ. واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: ألَمْ يَأْنِ لِأجَلِ الَّذِينَ آمَنُوا الخُشُوعُ، أيْ: ألَمْ يَحِقَّ حُضُورُهُ لِأجْلِهِمْ. و”أنْ تَخْشَعَ“ فاعِلُ ”يَأْنِ“، والخُشُوعُ: الِاسْتِكانَةُ والتَّذَلُّلُ. و”ذِكْرِ اللَّهِ“ ما يُذَكِّرُهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ أوْ هو الصَّلاةُ. ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ القُرْآنُ، قالَ تَعالى ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَصْفانِ لِلْقُرْآنِ تَشْرِيفًا لَهُ بِأنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ وتَعْرِيفًا لِنَفْعِهِ بِأنَّهُ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ الحَقُّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ عَطْفُ وصْفٍ آخَرَ لِلْقُرْآنِ مِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ: إلى المَلِكِ القِرْمِ وابْنِ الهَمّامِ . . . . . . . . . . البَيْتَ واللّامُ في ”لِذِكْرِ اللَّهِ“ لامُ العِلَّةِ، أيْ: لِأجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ. ومَعْنى الخُشُوعِ لِأجْلِهِ: الخُشُوعُ المُسَبَّبُ عَلى سَماعِهِ وهو الطّاعَةُ والامْتِثالُ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”وما نَزَلْ“ بِتَخْفِيفِ الزّايِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الزّايِ عَلى أنَّ فاعِلَ ”نَزَّلَ“ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، أيِ: اللَّهُ. و”لا يَكُونُوا“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِياءِ الغائِبِ، وقَرَأهُ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ (ولا تَكُونُوا) بِتاءِ الخِطابِ. و(لا) نافِيَةٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ والفِعْلُ مَعْمُولٌ لِ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ يَأْنِ لَهم أنْ لا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ. وعَلى قِراءَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ فَتاءُ الخِطابِ الِالتِفاتُ و(لا) نافِيَةٌ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ (لا) ناهِيَةٌ والفِعْلُ مَجْزُومٌ والعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. والمَقْصُودُ التَّحْذِيرُ إلّا أنَّهم تَلَبَّسُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَأْنِ لَهُمُ الإقْلاعُ عَنْهُ. والتَّحْذِيرُ صفحة ٣٩٢ مُنْصَبٌّ إلى ما حَدَثَ لِأهْلِ الكِتابِ مِن قَسْوَةِ القُلُوبِ بَعْدَ طُولِ الأمَدِ عَلَيْهِمْ في مُزاوَلَةِ دِينِهِمْ، أيْ: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم عَلى حَدَثانِ عَهْدِهِمْ بِالدِّينِ. ولَيْسَ المَقْصُودُ عُذْرَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابِ بِطُولِ الأمَدِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ طُولَ الأمَدِ لا يَكُونُ سَبَبًا في التَّفْرِيطِ فِيما أطالَ فِيهِ الأمَدُ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ ولا قَصْدُ تَهْوِينِ حُصُولِهِ لِلَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ أنْ يَطُولَ الأمَدُ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الغَرَضُ قَبْلَ طُولِ الأمَدِ، وإنَّما المَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ التَّشْبِيهِ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ في عَدَمِ خُشُوعِ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهُ يُفِيدُ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ يَطُولَ الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ الأنْباءَ بِأنَّ مُدَّةَ المُسْلِمِينَ تَطُولُ قَرِيبًا أوْ أكْثَرَ مِن مُدَّةِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ البَعْثَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ مَوْعِظَةٌ لِلْعُصُورِ والأجْيالِ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ (لا) حَرْفَ نَهْيٍ، وتَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالغائِبِ التِفاتًا أوِ المُرادُ: أبْلِغْهم أنْ لا يَكُونُوا. وفاءُ ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ لِتَفْرِيعُ طُولِ الأمَدِ عَلى قَسْوَةِ القُلُوبِ مِن عَدَمِ الخُشُوعِ، فَهَذا التَّفْرِيعُ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾، ولَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى عاقِبَةِ ذَلِكَ التَّشْبِيهِ تَحْذِيرًا مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ. والأمَدُ: الغايَةُ مِن مَكانٍ أوْ زَمانٍ والمُرادُ بِهِ هُنا: المُدَّةُ الَّتِي أوْصَوْا بِأنْ يُحافِظُوا عَلى اتِّباعِ شَرائِعِهِمْ فِيها المُغَيّاةُ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ المُبَشَّرِ في الشَّرائِعِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] . والمَعْنى: أنَّهم نَسُوا ما أُوصُوا بِهِ فَخالَفُوا أحْكامَ شَرائِعِهِمْ ولَمْ يَخافُوا عِقابَ اللَّهِ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا، وصارَ دَيْدَنًا لَهم رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتّى ضَرِئُوا بِذَلِكَ، فَقَسَتْ قُلُوبُهم، أيْ: تَمَرَّدَتْ عَلى الِاجْتِراءِ عَلى تَغْيِيرِ أحْكامِ الدِّينِ. وجُمْلَةُ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ. والمَعْنى: أنَّ كَثِيرًا مِنهم تَجاوَزُوا ذَلِكَ الحَدَّ مِن قَسْوَةِ القُلُوبِ فَنَبَذُوا دِينَهم صفحة ٣٩٣ وبَدَّلُوا كِتابَهم وحَرَّفُوهُ وأفْسَدُوا عَقائِدَهم فَبَلَغُوا حَدَّ الكُفْرِ. فالفِسْقُ هَنا مُرادٌ بِهِ الكُفْرُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]، أيْ: غَيْرُ مُؤْمِنَيْنِ بِدَلِيلِ المُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى آخِرِهِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ”فَقَسَتْ“ وقَوْلِهِ ”فاسِقُونَ“ مُحَسِّنُ الجِناسِ. وهَذا النَّوْعُ فِيهِ مُرَكَّبٌ مِمّا يُسَمّى جِناسُ القَلْبِ وما يُسَمّى الجِناسُ النّاقِصُ وقَدِ اجْتَمَعا في هَذِهِ الآيَةِ.

الحديد 57:17

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ افْتِتاحُ الكَلامِ بِـ ”اعْلَمُوا“ ونَحْوِهِ يُؤْذِنُ بِأنَّ ما سَيُلْقى جَدِيرٌ بِتَوَجُّهِ الذِّهْنِ بِشَراشِرِهِ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، الآيَةَ في سُورَةِ الأنْفالِ. وهُوَ هُنا يُشِيرُ إلى أنَّ الكَلامَ الَّذِي بُعْدُهُ مَغْزًى عَظِيمٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ تَمْثِيلُ حالِ احْتِياجِ القُلُوبِ المُؤْمِنَةِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ بِحالِ الأرْضِ المَيِّتَةِ في الحاجَةِ إلى المَطَرِ، وحالِ الذِّكْرِ في تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ واسْتِنارَتِها بِحالِ الغَيْثِ في إحْياءِ الأرْضِ الجَدْبَةِ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، وإلّا فَإنَّ إحْياءَ اللَّهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بِما يُصِيبُها مِنَ المَطَرِ لا خَفاءَ فِيها فَلا يَقْتَضِي أنْ يَفْتَتِحَ الإخْبارَ عَنْهُ بِمِثْلِ ”اعْلَمُوا“ إلّا لِأنَّ فِيهِ دَلالَةً غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ وهي دَلالَةُ التَّمْثِيلِ، ونَظِيرُهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ وقَدْ رَآهُ لَطَمَ وجْهَ عَبْدٍ لَهُ: اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا» . فالجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إلى قَوْلِهِ ”فَقَسَتْ قُلُوبُهم“، لِما تَتَضَمَّنُهُ تِلْكَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الخُشُوعِ صفحة ٣٩٤ لِذِكْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ هَذِهِ بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مِمّا نَزَلَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، الآيَةَ. والخِطابُ في قَوْلِهِ اعْلَمُوا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إقْبالًا عَلَيْهِمْ لِلِاهْتِمامِ. وقَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾، اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُصَرَّحَةٌ ويَتَضَمَّنُ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً بِسَبَبِ تَضَمُّنِهِ تَشْبِيهَ حالِ ذِكْرِ اللَّهِ والقُرْآنِ في إصْلاحِ القُلُوبِ بِحالِ المَطَرِ في إصْلاحِهِ الأرْضَ بَعْدَ جَدْبِها. وطُوِيَ ذِكْرُ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها ورُمِزَ إلَيْها بِلازِمِها وهو إسْنادُ إحْياءِ الأرْضِ إلى اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بِسَبَبِ المَطَرِ كَما قالَ تَعالى ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها. والمَقْصُودُ الإرْشادُ إلى وسِيلَةِ الإنابَةِ إلى اللَّهِ والحَثِّ عَلى تَعَهُّدِ النَّفْسِ بِالمَوْعِظَةِ، والتَّذْكِيرُ بِالإقْبالِ عَلى القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ وتَعْلِيمِهِ وأنَّ في اللَّجَأِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ نَجاةً وفي المَفْزَعِ إلَيْهِما عِصْمَةً وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «تَرَكْتُ فِيكم ما إنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّتِي»، وقالَ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ، وكانَتْ مِنها أجادِبَ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ لِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» . وقَوْلُهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ لِأنَّ السّامِعَ قَوْلَهُ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يَتَطَلَّبُ مَعْرِفَةَ الغَرَضِ مِن هَذا الإعْلامِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾، جَوابًا عَنْ تَطَلُّبِهِ، أيْ: أعْلَمْناكم بِهَذا تَبْيِينًا لِلْآياتِ. ويُفِيدُ بِعُمُومِهِ مُفادَ التَّذْيِيلِ لِلْآياتِ السّابِقَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ مَكِيِّها ومَدَنِيِّها لِأنَّ صفحة ٣٩٥ الآيَةَ وإنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فَمَوْقِعُها بَعْدَ الآياتِ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِوَضْعِها في مَوْضِعِها هَذا، ولِأنَّ التَّعْرِيفَ في الآياتِ لِلِاسْتِغْراقِ كَما هو شَأْنُ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ. والآياتُ: الدَّلائِلُ. والمُرادُ بِها: ما يَشْمَلُ مَضْمُونَ قَوْلِهِ ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ [الحديد: ١٦] إلى قَوْلِهِ ”بَعْدَ مَوْتِها“ وهو مَحَلُّ ضَرْبِ المَثَلِ لِأنَّ التَّنْظِيرَ بِحالِ أهْلِ الكِتابِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ. وبَيانُ الآياتِ يَحْصُلُ مِن فَصاحَةِ الكَلامِ وبَلاغَتِهِ ووَفْرَةِ مَعانِيهِ وتَوْضِيحِها، وكُلُّ ذَلِكَ حاصِلٌ في هَذِهِ الآياتِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. ومِن أوْضَحِ البَيانِ التَّنْظِيرُ بِأحْوالِ المُشابِهِينَ في حالَةِ التَّحْذِيرِ أوِ التَّحْضِيضِ. و”لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ“: رَجاءٌ وتَعْلِيلٌ، أيْ: بَيَّنا لَكم لِأنَّكم حالُكم كَحالِ مَن يُرْجى فَهْمُهُ، والبَيانُ عِلَّةٌ لِفَهْمِهِ.

الحديد 57:18

﴿إنَّ المُصَدِّقِينَ والمُصَدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ . يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المَدَنِيِّ وأنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةَ المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] وأنَّ آيَةَ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦] وما بَعْدَها مُعْتَرِضٌ وقَدْ تَخَلَّلَ المَكِّيُّ والمَدَنِيُّ كُلٌّ مَعَ الآخَرِ في هَذِهِ السُّورَةِ ألا تَرى أنَّ ألْفاظَ الآيَتَيْنِ مُتَماثِلَةٌ إذْ أُرِيدَ أنْ يُعادَ ما سَبَقَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ فَيُؤْتى بِهِ في صُورَةِ الصِّلَةِ الَّتِي عُرِفَ بِها المُمْتَثِلُونَ لِذَلِكَ التَّحْرِيضِ. وعَطَفَ ”والمُصَدِّقاتِ“ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الحديد: ١٢]، ولِأنَّ الشُّحَّ يَكْثُرُ في النِّساءِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ أشْعارُ العَرَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”والمُصَدِّقِينَ“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ أصْلَهُ المُتَصَدِّقِينَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ بَعْدَ قَلْبِها صادًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما تَطَلُّبًا لِخِفَّةِ الإدْغامِ، فَقَوْلُهُ صفحة ٣٩٦ ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ مِن عَطْفِ المُرادِفِ في المَعْنى لِما في المَعْطُوفِ مِن تَشْبِيهِ فِعْلِهِمْ بِقَرْضٍ لِلَّهِ تَنْوِيهًا بِالصَّدَقاتِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الصّادِ عَلى أنَّهُ مِنَ التَّصْدِيقِ، أيِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ ﷺ، أيْ: آمَنُوا وامْتَثَلُوا أمْرَهُ فَأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُضاعَفُ لَهم بِألِفٍ بَعْدَ الضّادِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ ”يُضَعَّفُ“ بِدُونِ ألِفٍ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ. وعَطَفَ ”وأقْرَضُوا“ وهو جُمْلَةٌ عَلى ”المُصَدِّقِينَ“ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّ المُفْرَدَ في حُكْمِ الفِعْلِ حَيْثُ كانَتِ اللّامُ في مَعْنى المَوْصُولِ فَقُوَّةُ الكَلامِ: إنَّ الَّذِينَ اصَّدَّقُوا واللّائِي تَصَدَّقْنَ وأقْرَضُوا، عَلى التَّغْلِيبِ ولا فَصْلَ بِأجْنَبِيٍّ عَلى أنَّ الفَصْلَ لا يُمْنَعُ إذا لَمْ يُفْسِدِ المَعْنى. ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ تَماثُلِ الصِّلَتَيْنِ فَلَمْ يَقُلْ: إنَّ المُصَدِّقِينَ والمُقْرِضِينَ، هو تَصْوِيرُ مَعْنى كَوْنِ التَّصَدُّقِ إقْراضًا لِلَّهِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ في قَوْلِهِ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ [الحديد: ١١] الآيَةَ.

الحديد 57:19

﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ . لَمّا ذُكِرَ فَضْلُ المُتَصَدِّقِينَ وكانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا مالَ لَهُ لِيَتَصَدَّقَ مِنهُ أعْقَبَ ذِكْرَ المُتَصَدِّقِينَ بِبَيانِ فَضْلِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وهو شامِلٌ لِمَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَصَدَّقَ ومَن لا يَسْتَطِيعُ عَلى نَحْوِ التَّذْكِيرِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] . وفِي الحَدِيثِ «إنَّ قَوْمًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَما نُصَلِّي ويَصُومُونَ كَما نَصُومُ ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوالِهِمْ ولا أمْوالَ لَنا، فَقالَ: أوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكم ما تَصَدَّقُونَ بِهِ، إنَّ لَكم في كُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وأمْرٍ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةً، ونَهْيٍ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةً» . صفحة ٣٩٧ و”الَّذِينَ آمَنُوا“ يَعُمُّ كُلَّ مَن ثَبَتَ لَهُ مَضْمُونُ هَذِهِ الصِّلَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها. وفِي جَمْعِ ”ورُسُلِهِ“، تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ قالُوا: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، فاليَهُودُ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِمُوسى، وكَفَرُوا بِعِيسى وبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، والنَّصارى آمَنُوا بِاللَّهِ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والمُؤْمِنُونَ آمَنُوا بِرُسُلِ اللَّهِ كُلِّهِمْ، ولِذَلِكَ وُصِفُوا بِأنَّهُمُ الصِّدِّيقُونَ. والصِّدِّيقُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ مُبالَغَةٌ في المُصَدِّقِ مِثْلَ المَسِّيكِ لِلشَّحِيحِ، أيْ: كَثِيرُ الإمْساكِ لِمالِهِ، والأكْثَرُ أنْ يُشْتَقَّ هَذا الوَزْنُ مِنَ الثُّلاثِيِّ مِثْلَ: الضِّلِّيلُ، وقَدْ يُشْتَقُّ مِنَ المَزِيدِ، وذَلِكَ. أنَّ الصِّيَغَ القَلِيلَةَ الِاسْتِعْمالِ يَتَوَسَّعُونَ فِيها كَما تُوُسِّعَ في السَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، والحَكِيمُ بِمَعْنى المُحَكِّمِ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وُصِفُوا بِأنَّهم صِدِّيقُونَ لِأنَّهم صَدَّقُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ الحَقِّ ولَمْ تَمْنَعْهم عَنْ ذَلِكَ عَصَبِيَّةٌ ولا عِنادٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ وصْفَهُ بِالصِّدِّيقِ ووُصِفَتْ مَرْيَمُ بِالصِّدِّيقَةِ في سُورَةِ العُقُودِ. وضَمِيرُ الفَصْلِ لِلْقَصْرِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: هُمُ الصِّدِّيقُونَ لا الَّذِينَ كَذَّبُوا بَعْضَ الرُّسُلِ وهَذا إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ أهْلُ الكِتابِ صِدِّيقِينَ لِأنَّ تَصْدِيقَهم رَسُولَهم لا جَدْوى لَهُ إذْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . واسْمُ الإشارَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ اسْتَحَقُّوا ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الصِّفاتِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. * * * ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ”الصِّدِّيقُونَ“ عَطَفَ المُفْرَدَ عَلى المُفْرَدِ فَهو عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ، أيْ: وهُمُ الشُّهَداءُ. وحُكِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وجَماعَةٍ. فَقِيلَ: مَعْنى كَوْنِهِمْ شُهَداءَ: أنَّهم شُهَداءُ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ الجَزاءِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فالشَّهادَةُ تَكُونُ بِمَعْنى الخَبَرِ بِما يُثْبِتُ حَقًّا يُجازى عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ. صفحة ٣٩٨ وقِيلَ مَعْناهُ: أنَّ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَشُهَداءِ الأُمَمِ، أيْ: كَقَتْلاهم في سَبِيلِ اللَّهِ ورُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيءِ ﷺ . فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ وصْفِهِمْ بِتَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ فَإنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ ما هو نَوالُهم مِن هَذَيْنِ الفَضْلَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ”والشُّهَداءُ“ مُبْتَدَأً. وجُمْلَةُ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، ويَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ ”الصِّدِّيقُونَ“ وحُكِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ، والضَّحّاكِ فَيَكُونُ انْتِقالًا مِن وصْفِ مَزِيَّةِ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ إلى وصْفِ مَزِيَّةِ فَرِيقٍ مِنهُمُ اسْتَأْثَرُوا بِفَضِيلَةِ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠] فَإنَّهُ لَمّا نَوَّهَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ المَعْفِيِّينَ مِن قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [الحديد: ٨] إلَخْ فَأوْفاهم حَقَّهم بِقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ أقْبَلَ عَلى وعْدِ الشُّهَداءِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ تَضَمَّنَ ذِكْرَهم قَوْلُهُ ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] الآياتِ، فالشُّهَداءُ إذَنْ هُمُ المَقْتُولُونَ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والمَعْنَيانِ مِنَ الشُّهَداءِ مُمْكِنٌ الجَمْعُ بَيْنَهُما فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلى إرادَتِهِما عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. وقَدْ قَرَّرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ جَرى اسْتِعْمالُ القُرْآنِ عَلَيْهِ. وضَمِيرُ ”أجْرُهم“ و”نُورُهم“ يَعُودانِ إلى الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ أوْ إلى الشُّهَداءِ فَقَطْ عَلى اخْتِلافِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ آنِفًا في العَطْفِ. و”عِنْدَ رَبِّهِمْ“ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في المَجْرُورِ المُخْبَرِ بِهِ عَنِ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: لَهم أجْرُهم مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ رَبِّهِمْ، والعِنْدِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في العِنايَةِ والحُظْوَةِ. والظّاهِرُ في عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَذْكُورٍ في اللَّفْظِ بِمَعْناهُ المَذْكُورِ فَظاهِرُ مَعْنى ”أجْرُهم ونُورُهم“ أنَّهُ أجْرُ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، ومَعْنى إضافَةِ أجْرٍ ونُورٍ إلى ضَمِيرِهِمْ أنَّهُ أجْرٌ يُعَرَّفُ بِهِمْ ونُورٌ يُعَرَّفُ بِهِمْ. صفحة ٣٩٩ وإذْ قَدْ كانَ مُقْتَضى الإضافَةِ أنْ تُفِيدَ تَعْرِيفَ المُضافِ بِنِسْبَتِهِ إلى المُضافِ إلَيْهِ وكانَ الأجْرُ والنُّورُ غَيْرَ مَعْلُومَيْنِ لِلسّامِعِ كانَ في الكَلامِ إبْهامٌ يُكَنّى بِهِ عَنْ أجْرٍ ونُورٍ عَظِيمَيْنِ فَهو كِنايَةٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِذَلِكَ الأجْرِ وذَلِكَ النُّورِ، أيْ: أجْرٌ ونُورٌ لا يُوصَفانِ إلّا أجْرَهم ونُورَهم، أيْ أجْرًا ونُورًا لائِقَيْنِ بِمَقامٍ، مَعَ ضَمِيمَةِ ما أفادَتْهُ العِنْدِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ عِنْدَ رَبِّهِمْ مِن مَعْنى الزُّلْفى والعِنايَةِ بِهِمُ المُفِيدُ عَظِيمَ الأجْرِ والنُّورِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرا ”أجْرُهم ونُورُهم“ عائِدَيْنِ إلى لَفْظَيِ ”الصِّدِّيقُونَ“ و”الشُّهَداءُ“ أوْ إلى لَفْظِ ”الشُّهَداءُ“ خاصَّةً عَلى ما تَقَدَّمَ لَكِنْ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرَ المَعْنى الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ آنِفًا بَلْ بِمَعْنى الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ مِمَّنْ كانُوا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، قالَهُ في الكَشّافِ. ومَعْنى الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ حِينَئِذٍ مُغايِرٌ لِلْمَعْنى السّابِقِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدامِ في الضَّمِيرِ، وطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في حَمْلِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ بِتَقْدِيرِ: لَهم مِثْلُ أجْرِهِمْ ونُورِهِمْ، ولا تَأْوِيلَ في إضافَةِ الأجْرِ والنُّورِ إلى الضَّمِيرَيْنِ بِهَذا المَحْمَلِ فَإنَّ تَعْرِيفَ المُضافِ بَيِّنٌ لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النّاسِ ما وُعِدَ بِهِ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ قالَ تَعالى في شَأْنِهِمْ ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ [المائدة: ٤٤] وقالَ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] . وفائِدَةُ التَّشْبِيهِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَصْوِيرُ قُوَّةِ المُشَبَّهِ وإنْ كانَ أقْوى مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ لِأنَّ لِلْأحْوالِ السّالِفَةِ مِنَ الشُّهْرَةِ والتَّحَقُّقِ ما يُقَرِّبُ صُورَةَ المُشَبَّهِ عِنْدَ المُخاطَبِ ومِنهُ ما في لَفْظِ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِنَ التَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ ”كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ“ . * * * ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ . تَتْمِيمٌ اقْتَضاهُ ذِكْرُ أهْلِ مَراتِبِ الإيمانِ والتَّنْوِيهِ بِهِمْ، فَأتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ صفحة ٤٠٠ أضْدادِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ التَّنْوِيهَ بِهِمْ بِأنَّ إيمانَهم أنْجاهم مِنَ الجَحِيمِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ ما يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ والنَّصارى عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَهم في دَرَكاتِ الجَحِيمِ، فالمُشْرِكُونَ اسْتَحَقُّوا الجَحِيمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِ كُفْرِهِمْ، واليَهُودُ اسْتَحَقُّوهُ مِن يَوْمِ كَذَّبُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والنَّصارى اسْتَحَقَّهُ بَعْضُهم حِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ ابْنًا وبَعْضُهم مِن حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِي اسْتِحْضارِهِمْ بِتَعْرِيفِ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِذَلِكَ لِأجْلِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ . ولَمْ يُؤْتَ في خَبَرِهِمْ بِضَمِيرِ الفَصْلِ إذْ لا يُظَنُّ أنَّ غَيْرَهم أصْحابُ الجَحِيمِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِأصْحابِ مُضافٌ إلى الجَحِيمِ دَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ مُلازَمَتِهِمْ لِلْجَحِيمِ.

الحديد 57:20

﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ . أعْقَبَ التَّحْرِيضَ عَلى الصَّدَقاتِ والإنْفاقِ بِالإشارَةِ إلى دَحْضِ سَبَبِ الشُّحِّ أنَّهُ الحِرْصُ عَلى اسْتِبْقاءِ المالِ لِإنْفاقِهِ في لَذائِذِ الحَياةِ الدُّنْيا، فَضُرِبَ لَهم مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا بِحالٍ مُحَقَّرَةٍ عَلى أنَّها زائِلَةٌ تَحْقِيرًا لِحاصِلِها وتَزْهِيدًا فِيها لِأنَّ التَّعَلُّقَ بِها يَعُوقُ عَنِ الفَلاحِ قالَ تَعالى ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، وقالَ ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨] . كُلُّ ذَلِكَ في سِياقِ الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ الواجِبِ وغَيْرِهِ، وأُشِيرَ إلى أنَّها يَنْبَغِي أنْ تُتَّخَذَ الحَياةُ وسِيلَةً لِلنَّعِيمِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، ووِقايَةً مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، وما صفحة ٤٠١ عَدا ذَلِكَ مِن أحْوالِ الحَياةِ فَهو مَتاعٌ قَلِيلٌ، ولِذَلِكَ أعْقَبَ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا بِالإخْبارِ عَنِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ﴾ إلَخْ. وافْتِتاحُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى ”اعْلَمُوا“ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّاهُ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الحديد: ١٧] . و(أنَّما) المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ أُخْتُ (إنَّما) المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ في إفادَةِ الحَصْرِ، وحَصْرُ الحَياةِ الدُّنْيا في الأخْبارِ الجارِيَةِ عَلَيْها هو قْصَرُ أحْوالِ النّاسِ في الحَياةِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ السِّتَّةِ بِاعْتِبارِ غالِبِ النّاسِ، فَهو قَصْرٌ ادِّعائِيُّ بِالنَّظَرِ إلى ما تَنْصَرِفُ إلَيْهِ هِمَمُ غالِبِ النّاسِ مِن شُئُونِ الحَياةِ الدُّنْيا، والَّتِي إنْ سَلِمَ بَعْضُهم مِن بَعْضِهِا لا يَخْلُو مِن مُلابَسَةِ بَعْضٍ آخَرَ إلّا الَّذِينَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ أعْمالَهم في الحَياةِ كُلِّها لِوَجْهِ اللَّهِ، وإلّا فَإنَّ الحَياةَ قَدْ يَكُونُ فِيها أعْمالُ التُّقى والمَنافِعِ والإحْسانِ والتَّأْيِيدِ لِلْحَقِّ وتَعْلِيمِ الفَضائِلِ وتَشْرِيعِ القَوانِينِ. وقَدْ ذُكِرَ هُنا مِن شُئُونِ الحَياةِ ما هو الغالِبُ عَلى النّاسِ وما لا يَخْلُو مِن مُفارَقَةِ تَضْيِيعِ الغاياتِ الشَّرِيفَةِ أوِ اقْتِحامِ مَساوٍ ذَمِيمَةٍ، وهي أُصُولُ أحْوالِ المُجْتَمَعِ في الحَياةِ، وهي أيْضًا أصُولُ أطْوارِ آحادِ النّاسِ في تَطَوُّرِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، فَإنَّ اللَّعِبَ طَوْرُ سِنِّ الطُّفُولَةِ والصِّبا، واللَّهْوَ طَوْرُ الشَّبابِ، والزِّينَةَ طَوْرُ الفُتُوَّةِ، والتَّفاخُرَ طَوْرُ الكُهُولَةِ، والتَّكاثُرَ طَوْرُ الشَّيْخُوخَةِ. وذَكَرَ هُنا خَمْسَةَ أشْياءَ. فاللَّعِبُ: اسْمٌ لِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ يُرادُ بِهِ المِزاحُ والهَزْلُ لِتَمْضِيَةِ الوَقْتِ أوْ إزالَةِ وحْشَةِ الوَحْدَةِ، أوِ السُّكُونِ، أوِ السُّكُوتِ، أوْ لِجَلْبِ فَرَحٍ ومَسَرَّةٍ لِلنَّفْسِ، أوْ يَجْلِبُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْحَبِيبِ، أوْ يَجْلِبُ ضِدَّهُ لِلْبَغِيضِ، كَإعْمالِ الأعْضاءِ وتَحْرِيكِها دَفْعًا لِوَحْشَةِ السُّكُونِ، والهَذَيانِ المَقْصُودِ لِدَفْعِ وحْشَةِ السُّكُوتِ، ومِنهُ العَبَثُ، وكالمِزاحِ مَعَ المَرْأةِ لْاجْتِلابِ إقْبالِها ومَعَ الطِّفْلِ تَحَبُّبًا أوْ إرْضاءً لَهُ. واللَّعِبُ: هو الغالِبُ عَلى أعْمالِ الأطْفالِ والصِّبْيانِ فَطَوْرُ الطُّفُولَةِ طَوْرُ اللَّعِبِ ويَتَفاوَتُ غَيْرُهم في الإتْيانِ مِنهُ فَيَقِلُّ ويَكْثُرُ بِحَسْبِ تَفاوُتِ النّاسِ في الأطْوارِ الأُولى مِنَ الإنْسانِ وفي رَجاحَةِ العُقُولِ وضَعْفِها. والإفْراطُ فِيهِ مِن غَيْرِ أصْحابِ طَوْرِهِ يُؤْذِنُ بِخِسَّةِ العَقْلِ، ولِذَلِكَ قالَ قَوْمُ إبْراهِيمَ لَهُ ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٥] . صفحة ٤٠٢ واللَّعِبُ يَكْثُرُ في أحْوالِ النّاسِ في الدُّنْيا فَهو جُزْءٌ عَظِيمٌ مِن أحْوالِها وحَسْبُكَ أنَّهُ يَعْمُرُ مُعْظَمَ أحْوالِ الصِّبا. واللَّهْوُ: اسْمٌ لِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ يُقْصَدُ مِنهُ التِذاذُ النَّفْسِ بِهِ وصَرْفُها عَنْ ألَمٍ حاصِلٍ مِن تَعَبِ الجَسَدِ أوِ الحُزْنِ أوِ الكَمَدِ، يُقالُ: لَها عَنِ الشَّيْءِ، أيْ: تَشاغَلَ عَنْهُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ وقالَ النّابِغَةُ يَذْكُرُ حَجَّهُ: حَيّاكِ رَبِّي فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَما ويَغْلِبُ اللَّهْوُ عَلى أحْوالِ الشَّبابِ فَطَوْرُ الشَّبابِ طَوْرُهُ، ويَكْثُرُ اللَّهْوُ في أحْوالِ الدُّنْيا مِن تَطَلُّبِ اللَّذّاتِ والطَّرَبِ. والزِّينَةُ: تَحْسِينُ الذّاتِ أوِ المَكانِ بِما يَجْعَلُ وقْعَهُ عِنْدَ ناظِرِهِ مُسِرًّا لَهُ، وفي طِباعِ النّاسِ الرَّغْبَةُ في أنْ تَكُونَ مَناظِرُهم حَسَنَةً في عَيْنِ ناظِرِيهِمْ وذَلِكَ في طِباعِ النِّساءِ أشَدُّ، ورُبَّما كانَ مِن أسْبابِ شِدَّتِهِ فِيهِنَّ كَثْرَةُ إغْراءِ الرِّجالِ لَهُنَّ بِذَلِكَ. ويَكْثُرُ التَّزَيُّنُ في طَوْرِ الفُتُوَّةِ لِأنَّ الرَّجُلَ يَشْعُرُ بِابْتِداءِ زَوالِ مَحاسِنِ شَبابِهِ والمَرْأةُ الَّتِي كانَتْ غانِيَةً تُحِبُّ أنْ تَكُونَ حالِيَةً، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأجْلِ تَعَرُّضِها لِلرِّجالِ كَما يَتَوَهَّمُهُ الرِّجِالُ فِيهِنَّ غُرُورًا بِأنْفُسِهِمْ بَلْ ذَلِكَ لِتَكُونَ حَسَنَةً في النّاسِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ. ويَغْلِبُ التَّزَيُّنُ عَلى أحْوالِ الحَياةِ فَإنَّ مُعْظَمَ المَساكِنِ والمَلابِسِ يُرادُ مِنهُ الزِّينَةُ، وهي ذاتِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، ومِنَ المَعْنَوِيَّةِ ما يُسَمّى في أُصُولِ الفِقْهِ بِالتَّحْسِينِيِّ. والتَّفاخُرُ: الكَلامُ الَّذِي يَفْخَرُ بِهِ، والفَخْرُ: حَدِيثُ المَرْءِ عَنْ مَحامِدِهِ والصِّفاتِ المَحْمُودَةِ مِنها فِيهِ بِالحَقِّ أوِ الباطِلِ. وصِيغَ مِنهُ زِنَةُ الفاعِلِ لِأنَّ شَأْنَ الفَخْرِ أنْ يَقَعَ بَيْنَ جانِبَيْنِ كَما أنْبَأ بِهِ تَقْيِيدُهُ بِظَرْفِ ”بَيْنَكم“ . والنّاسُ يَتَفاخَرُونَ بِالصِّفاتِ المَحْمُودَةِ في عُصُورِهِمْ وأجْيالِهِمْ وعاداتِهِمْ، فَمِنَ صفحة ٤٠٣ الصِّفاتِ ما الفَخْرُ بِهِ غَيْرُ باطِلٍ. وهي الصِّفاتُ الَّتِي حَقائِقُها مَحْمُودَةٌ في العَقْلِ أوِ الشَّرْعِ. ومِنها ما الفَخْرُ بِهِ باطِلٌ مِنَ الصِّفاتِ والأعْمالِ الَّتِي اصْطَلَحَ قَوْمٌ عَلى التَّمَدُّحِ بِها ولَيْسَتْ حَقِيقَةً بِالمَدْحِ مِثْلَ التَّفاخُرِ بِالإغْلاءِ في ثَمَنِ الخُمُورِ وفي المَيْسِرِ والزِّنى والفَخْرِ بِقَتْلِ النُّفُوسِ والغارَةِ عَلى الأمْوالِ في غَيْرِ حَقٍّ. وأغْلَبُ التَّفاخُرِ في طَوْرِ الكُهُولَةِ واكْتِمالِ الأشُدِّ لِأنَّهُ زَمَنُ الإقْبالِ عَلى الأفْعالِ الَّتِي يُقْصَدُ مِنها الفَخْرُ. والتَّفاخُرُ كَثِيرًا في أحْوالِ النّاسِ في الدُّنْيا، ومِنهُ التَّباهِي والعَجَبُ، وعَنْهُ يَنْشَأُ الحَسَدُ. والتَّكاثُرُ: تَفاعُلٌ مِنَ الكَثْرَةِ، وصِيغَةُ التَّفاعُلِ هُنا لِلْمُبالَغِةِ في الفِعْلِ بِحَيْثُ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ مَن يُغالِبُ غَيْرَهُ في كَثْرَةِ شَيْءٍ، فَإنَّهُ يَكُونُ أحْرَصَ عَلى أنْ يَكُونَ الأكْثَرَ مِنهُ عِنْدَهُ فَكانَ المَرْءُ يَنْظُرُ في الكَثْرَةِ مِنَ الأمْرِ المَحْبُوبِ إلى امْرِئٍ آخَرَ لَهُ الكَثْرَةُ مِنهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِ طَرَفَةَ: فَلَوْ شاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنَ عاصِمٍ ∗∗∗ ولَوْ شاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ فَأصْبَحْتُ ذا مالٍ كَثِيرٍ وطافَ بِي ∗∗∗ بَنُونَ كِرامٌ سادَةٌ لِمُسَوَّدِ ثُمَّ شاعَ إطْلاقُ صِيغَةِ التَّكاثُرِ فَصارَتْ تُسْتَعْمَلُ في الحِرْصِ عَلى تَحْصِيلِ الكَثِيرِ مِن غَيْرِ مُراعاةِ مُغالَبَةِ الغَيْرِ مِمَّنْ حَصَلَ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] . و(في) مِن قَوْلِهِ ﴿فِي الأمْوالِ والأوْلادِ﴾: إمّا مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ، وإمّا هي الظَّرْفِيَّةُ المَجازِيَّةُ، فَإنْ جُعِلَتِ الأمْوالُ كالظَّرْفِ يَحْصُلُ تَكاثُرُ النّاسِ عِنْدَهُ كَمَن يَنْزِعُ في بِئْرٍ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أقامَ نِظامَ أحْوالِ النّاسِ في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى حِكْمَةِ أنْ تَكُونَ الحَياةُ وسِيلَةً لِبُلُوغِ النُّفُوسِ إلى ما هَيَّأها اللَّهُ لَهُ مِنَ العُرُوجِ إلى سُمُوِّ المَلَكِيَّةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فَكانَ نِظامُ هَذِهِ الحَياةِ عَلى أنْ تَجْرِيَ أُمُورُ النّاسِ فِيها عَلى حَسْبِ تَعالِيمِ الهُدى لِلْفَوْزِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ مِن نَعِيمِ الحَقِّ بَعْدَ المَماتِ والبَعْثِ، فَإذا النّاسُ قَدْ حَرَّفُوها عَنْ مَهْيَعِها، وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صفحة ٤٠٤ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . * * * ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَبَرٍ مِن مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي كَمَثَلِ غَيْثٍ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا، وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ ”مُتابَعَةَ الِاسْتِعْمالِ“ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ و”كَمَثَلِ“ مَعْناهُ كَحالِ، أيْ: حالُ الحَياةِ الدُّنْيا كَحالِ غَيْثٍ إلَخْ، فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ أهْلِ الدُّنْيا في أحْوالِهِمُ الغالِبَةِ عَلَيْهِمْ والمُشارِ إلى تَنْوِيعِها بِقَوْلِهِ ”لَعِبٌ ولَهْوٌ“ إلى آخِرِهِ بِهَيْئَةِ غَيْثٍ أنْبَتَ زَرْعًا فَأيْنَعَ ثُمَّ اصْفَرَّ ثُمَّ اضْمَحَلَّ وتَحَطَّمَ، أيْ: تَشْبِيهُ هَيْئَةِ هَذِهِ الأحْوالِ الغالِبَةِ عَلى النّاسِ في الحَياةِ في كَوْنِها مَحْبُوبَةً لِلنّاسِ مُزَهَّيَةً لَهم وفي سُرْعَةِ تَقَضِّيها بِهَيْئَةِ نَباتٍ جَدِيدٍ أنْبَتَهُ غَيْثٌ فاسْتَوى واكْتَمَلَ وأُعْجِبَ بِهِ مَن رَآهُ فَمَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةً فَيَبِسَ وتَحَطَّمَ. والمَقْصُودُ بِالتَّمْثِيلِ هو النَّباتُ، وإنَّما ابْتُدِئَ بِغَيْثٍ تَصْوِيغًا لِلْهَيْئَةِ مِن مَبادِئِها لِإظْهارِ مَواقِعِ الحُسْنِ فِيها لِأنَّ ذَلِكَ يَكْتَسِبُ مِنهُ المُشَبَّهُ حُسْنًا كَما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ في تَحْسِينِ أوْصافِ الماءِ الَّذِي مُزِجَتْ بِهِ الرّاحُ في قَوْلِهِ: شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحْنِيَةٍ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ تَنْفِي الرِّياحُ القَذى عَنْهُ وأفْرَطَهُ ∗∗∗ مِن صَوْبِ سارِيَةٍ بِيضٌ يَعالِيلُ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”أنَّ الكُفّارَ: الزُّرّاعُ، جَمْعُ كافِرٍ وهو الزّارِعُ لِأنَّهُ يَكْفُرُ الزَّرِيعَةَ بِتُرابِ الأرْضِ، والكَفْرُ بِفَتْحِ الكافِ السَّتْرُ، أيْ: سَتْرُ الزَّرِيعَةِ، وإنَّما أُوثِرَ هَذا الِاسْمُ هُنا وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ الفَتْحِ“ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ ”قَصْدًا هُنا لِلتَّوْرِيَةِ بِالكُفّارِ الَّذِينَ هُمُ الكافِرُونَ بِاللَّهِ لِأنَّهم أشَدُّ إعْجابًا بِمَتاعِ الدُّنْيا إذْ لا أمَلَ لَهم في شَيْءٍ بَعْدَهُ. وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الكُفّارُ جَمْعُ الكافِرِ بِاللَّهِ لِأنَّهم صفحة ٤٠٥ قَصَرُوا إعْجابَهم عَلى الأعْمالِ ذاتِ الغاياتِ الدُّنْيا دُونَ الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ، فَذِكْرُ الكُفّارِ تَلْوِيحٌ إلى أنَّ المَثَلَ مَسُوقٌ إلى جانِبِهِمْ أوَّلًا. والنَّباتُ: اسْمُ مَصْدَرِ نَبَتَ قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧]، وهو هُنا أُطْلِقَ عَلى النّابِتِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى الفاعِلِ وهو كَثِيرُ، وأصْلُهُ أنْ يُرادَ بِهِ المُبالَغَةُ، وقَدْ يَشِيعُ فَيَزُولُ قَصْدُ المُبالَغَةِ بِهِ. وقَوْلُهُ“ ثُمَّ يَهِيجُ ”تَضافَرَتْ كَلِماتُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَفْسِيرِ يَهِيجُ بِـ (يَيْبَسُ) أوْ يَجِفُّ، ولَمْ يَسْتَظْهِرُوا بِشاهِدٍ مِن كَلامِ العَرَبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن مَعانِي الهِياجِ الجَفافَ، وقَدْ قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: هاجَ البَقْلُ، إذا اصْفَرَّ وطابَ، وفي الأساسِ: مِنَ المَجازِ هاجَ البَقْلُ، إذا أخَذَ في اليُبْسِ. وهَذانِ الإمامانِ لَمْ يَجْعَلا (هاجَ) بِمَعْنى (يَبِسَ) وكَيْفَ لَفْظُ الآيَةِ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾، فالوَجْهُ أنَّ الهِياجَ: الغِلَظُ ومُقارَبَةُ اليُبْسِ، لِأنَّ مادَّةَ الهِياجِ تَدُلُّ عَلى الِاضْطِرابِ والثَّوَرانِ وسُمِّيَتِ الحَرْبُ الهَيْجاءُ، وقالَ النّابِغَةُ: أهاجَكَ مِن سُعْداكَ مَغْنى المَعاهِدِ والزَّرْعُ إذا غَلُظَ يَكُونُ لِحَرَكَتِهِ صَوْتٌ فَكَأنَّهُ هائِجٌ، أيْ: ثائِرٌ وذَلِكَ ابْتِداءُ جَفافِهِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] في سُورَةِ الفَتْحِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ“ يَهِيجُ ”بِـ (ثُمَّ) لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتَبِي لِأنَّ اصْفِرارَ النَّباتِ أعْظَمُ دَلالَةٍ عَلى التَّهَيُّؤِ لِلزَّوالِ، وهَذا هو الأهَمُّ في مَقامِ التَّزْهِيدِ في مَتاعِ الدُّنْيا. وعَطَفَ“ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ”بِالفاءِ لِأنَّ اصْفِرارَ النَّبْتِ مُقارِبٌ لِيُبْسِهِ، وعَطْفُ ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ بِـ (ثُمَّ) كَعَطْفِ“ ثُمَّ يَهِيجُ ”. والحُطامُ: بِضَمِّ الحاءِ ما حُطِّمَ، أيْ: كُسِّرَ قِطَعًا. فَضَرَبَ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا لِأطْوارِ ما فِيها مِن شَبابٍ وكُهُولَةٍ وهَرَمٍ فَفَناءٍ، ومِن جِدَّةٍ وتَبَذُّلٍ وبِلًى، ومِن إقْبالِ الأُمُورِ في زَمَنِ إقْبالِها ثُمَّ إدْبارِها بَعْدَ ذَلِكَ، بِأطْوارِ الزَّرْعِ. وكُلُّها أعْراضٌ زائِلَةٌ وآخِرُها فَناءٌ. صفحة ٤٠٦ وتَنْدَرِجُ فِيها أطْوارُ المَرْءِ في الحَياةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ“ لَعِبٌ ولَهْوٌ ”إلى“ والأوْلادِ ”كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ. وهَذا التَّمْثِيلُ مَعَ كَوْنِهِ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ مُرَكَّبَةٍ بِهَيْئَةٍ مِثْلِها هو صالِحٌ لِلتَّفْرِيقِ، ومُقابَلَةُ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِأجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، فَيُشَبِّهُ أوَّلَ أطْوارِ الحَياةِ وإقْبالِها بِالنَّباتِ عَقِبَ المَطَرِ، ويُشَبِّهُ النّاسَ المُنْتَفِعِينَ بِإقْبالِ الدُّنْيا بِناسٍ زُرّاعٍ، ويُشَبِّهُ اكْتِمالَ أحْوالِ الحَياةِ وقُوَّةَ الكُهُولَةِ بِهِياجِ الزَّرْعِ، ويُشَبِّهُ ابْتِداءَ الشَّيْخُوخَةِ ثُمَّ الهَرَمِ وابْتِداءَ ضَعْفِ عَمَلِ العامِلِ وتِجارَةِ التّاجِرِ وفِلاحَةِ الفَلّاحِ بِاصْفِرارِ الزَّرْعِ وتَهَيُّئِهِ لَلْفَناءِ، ويُشَبِّهُ زَوالَ ما كانَ لِلْمَرَءِ مِن قُوَّةٍ ومالٍ بِتَحَطُّمِ الزَّرْعِ. ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ ما كانَ مِن أحْوالِ الحَياةِ مَقْصُودًا لِوَجْهِ اللَّهِ فَإنَّهُ مِن شُئُونِ الآخِرَةِ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذا التَّمْثِيلُ إلّا ظاهِرًا. فَأعْمالُ البِرِّ ودِراسَةُ العِلْمِ ونَحْوُ ذَلِكَ لا يَعْتَرِيها نَقْصٌ ما دامَ صاحِبُها مُقْبِلًا عَلَيْها، وبَعْضُها يَزْدادُ نَماءً بِطُولِ المُدَّةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الزُّمَرِ. * * * ﴿وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ . كانَ ذِكْرُ حالِ الحَياةِ الدُّنْيا مُقْتَضِيًا ذِكْرَ مُقابَلَةٍ عَلى عادَةِ القُرْآنِ، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْذِيرِ والتَّحْرِيضِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُبَيِّنْ أصْحابَ العَذابِ وأصْحابَ المَغْفِرَةِ والرِّضْوانِ لِظُهُورِ ذَلِكَ. وكُنِيَ عَنِ النَّعِيمِ بِمَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ لِأنَّ النَّعِيمَ قِسْمانِ مادِّيٌّ ورُوحانِيٌّ، فالمَغْفِرَةُ والرِّضْوانُ أصْلُ النَّعِيمِ الرُّوحانِيِّ كَما قالَ تَعالى ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وهُما يَقْتَضِيانِ النَّعِيمَ الجُسْمانِيَّ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَمّا رُكِّبَتْ ذَواتُهم مِن أجْسامٍ وأُودِعَتْ فِيها الأرْواحُ كانَ النَّعِيمانِ مُناسِبَيْنِ لَهم تَكْثِيرًا لِلَّذّاتِ، وما لَذَّةُ الأجْسامِ إلّا صائِرَةٌ إلى الأرْواحِ لِأنَّها المُدْرِكَةُ اللَّذّاتِ، وكانَ رِضْوانُ اللَّهِ يَقْتَضِي إعْطاءَهم مُنْتَهى ما بِهِ التِذاذُهم، ومَغْفِرَتُهُ مُقْتَضِيَةٌ الصَّفْحَ عَمّا قَدْ يَعُوقُ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ. صفحة ٤٠٧ وعَطَفَ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ عَلى ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لِلْمُقابَلَةِ بَيْنَ الحالَيْنِ زِيادَةً في التَّرْغِيبِ والتَّنْفِيرِ. والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: وما أحْوالُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ. والحَصْرُ ادِّعائِيٌّ بِاعْتِبارِ غالِبِ أحْوالِ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى غالِبِ طالِبِيها، فَكَوْنُها مَتاعًا أمْرٌ مُطَّرِدٌ وكَوْنُ المَتاعِ مُضافًا إلى الغُرُورِ أمْرٌ غالِبٌ بِالنِّسْبَةِ لِما عَدا الأعْمالِ العائِدَةِ عَلى المَرْءِ بِالفَوْزِ في الآخِرَةِ. والغُرُورُ: الخَدِيعَةُ، أيْ: إظْهارُ الأمْرِ الضّارِّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْتَرِزَ العاقِلُ مِنهُ في صُورَةِ النّافِعِ الَّذِي يَرْغَبُ فِيهِ. وإضافَةُ“ مَتاعُ ”إلى“ الغُرُورِ " عَلى مَعْنى لامِ العاقِبَةِ، أيْ: مَتاعٌ صائِرٌ لِأجْلِ الغُرُورِ بِهِ، أيْ: آيِلٌ إلى أنَّهُ يَغُرُّ النّاظِرِينَ إلَيْهِ فَيُسْرِعُونَ في التَّعَلُّقِ بِهِ.

الحديد 57:21

﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ . فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢] إلى هُنا فَذَلِكَ مَسُوقُ مَساقَ التَّرْغِيبِ فِيما بِهِ تَحْصِيلُ نَعِيمِ الآخِرَةِ والتَّحْذِيرِ مِن فَواتِهِ وما يَصْرِفُ عَنْهُ مِن إيثارِ زِينَةِ الدُّنْيا، ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطُفْ، واقْتَصَرَ في الفَذْلَكَةِ عَلى الجانِبِ المَقْصُودِ تَرْغِيبُهُ دُونَ التَّعَرُّضِ إلى المُحَذَّرِ مِنهُ لِأنَّهُ المَقْصُودُ. وعَبَّرَ عَنِ العِنايَةِ والاهْتِمامِ بِفِعْلِ المُسابَقَةِ لِإلْهِابِ النُّفُوسِ بِصَرْفِ العِنايَةِ بِأقْصى ما يُمْكِنُ مِنَ الفَضائِلِ كَفِعْلِ مَن يُسابِقُ غَيْرَهُ إلى غايَةٍ فَهو يَحْرِصُ عَلى أنْ يَكُونَ المُجَلِّي، ولِأنَّ المُسابَقَةَ كِنايَةٌ عَنِ المُنافَسَةِ، أيْ: واتْرُكُوا المُقْتَصِرِينَ عَلى مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا في الأُخْرَياتِ والخَوالِفِ. صفحة ٤٠٨ وتَنْكِيرُ ”مَغْفِرَةٌ“ لِقَصْدِ تَعْظِيمِها ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهِا، وإلّا فَإنَّ المَغْفِرَةَ سَبَقَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ ﴿ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٠]، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: سابِقُوا إلى المَغْفِرَةِ، أيْ أكْثِرُوا مِن أسْبابِها ووَسائِلِها: فالمُسابَقَةُ إلى المَغْفِرَةِ هي المُسابَقَةُ في تَحْصِيلِ أسْبابِها. والعَرْضُ: مُسْتَعْمَلٌ في السِّعَةِ ولَيْسَ مُقابِلُ الطُّولِ لِظُهُورِ أنَّهُ لا طائِلَ في مَعْنى ما يُقابِلُ الطُّولِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]، وقَوْلِ العُدَيْلِ لَمّا فَرَّ مِن وعِيدِ الحَجّاجِ: ودُونَ يَدِ الحَجّاجِ مِن أنْ تَنالَنِي بِساطٌ بِأيْدِي النّاعِجاتِ عَرِيضُ وتَشْبِيهُ عَرْضِ الجَنَّةِ بِعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ، أيْ: مَجْمُوعُ عَرْضَيْهِما لِقَصْدِ تَقْرِيبِ المُشَبَّهِ بِأقْصى ما يَتَصَوَّرُهُ النّاسُ في الِاتِّساعِ، ولَيْسَ المُرادُ تَحْدِيدَ ذَلِكَ العَرْضِ ولا أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ حَتّى يُقالَ: فَماذا بَقِيَ لِمَكانِ جَهَنَّمَ. وهَذا الأمْرُ شامِلٌ لِجَمِيعِ المُسابَقاتِ إلى أفْعالِ البِرِّ المُوجِبَةِ لِلْمَغْفِرَةِ ونَعِيمِ الجَنَّةِ، وشامِلٌ لِلْمُسابَقَةِ الحَقِيقِيَّةِ مَعَ المَجازِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، وهي طَرِيقَةٌ شائِعَةٌ في القُرْآنِ إكْثارًا لِلْمَعانِي، ومِنهُ الحَدِيثُ «لَوْ يَعْلَمَ النّاسُ ما في الصَّفِّ الأوَّلِ لاسْتَبَقُوا إلَيْهِ أوِ اسْتَهَمُوا إلَيْهِ» . ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الآنَ إذْ وجْهُ الشَّبَهِ في قَوْلِهِ ﴿كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ هو السِّعَةُ لا المِقْدارُ ولا عَلى أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ المَوْجُودَةِ اليَوْمَ ولا عَدَمُهُ، وتَقَدَّمَ مِن مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ ﴿سارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] الآيَةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وظاهِرُ قَوْلِهِ ”أُعِدَّتْ“ أنَّ اللَّهَ خَلَقَها وأعَدَّها لِأنَّ ظاهِرَ اسْتِعْمالِهِ الفِعْلُ في الزَّمَنِ الماضِي إنْ حَصَلَ مَصْدَرُهُ فِيهِ، فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذا الظّاهِرِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ، وأمّا الَّذِينَ نَفَوْا ذَلِكَ فاسْتَنَدُوا إلى ظَواهِرَ أُخْرى وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. صفحة ٤٠٩ وعُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أنَّ غَيْرَهم لا حَظَّ لَهم في الجَنَّةِ لِأنَّ مَعْنى إعْدادِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ قَصْرُهُ عَلَيْهِ. وجَمْعُ الرُّسُلِ هُنا يَشْمَلُ كُلَّ أُمَّةٍ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِمُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ يَلْزَمُها أنْ تُؤْمِنَ بِرَسُولٍ أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ أُخْرى ولَمْ يَدْعُ غَيْرَها إلى الإيمانِ بِهِ. والإشارَةُ في ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ إلى المَذْكُورِ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ.

الحديد 57:22

﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ . لَمّا جَرى ذِكْرُ الجِهادِ آنِفًا بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] وقَوْلِهِ ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ هُنالِكَ، وجَرى ذِكْرُ الدُّنْيا في قَوْلِهِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا تَحْدُثُ فِيهِ المَصائِبُ مِن قَتْلٍ وقَطْعٍ وأسْرٍ في الجِهادِ، ومِن كَوارِثَ تَعْرِضُ في الحَياةِ مِن فَقْدٍ وألَمٍ واحْتِياجٍ، وجَرى مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا بِالنَّباتِ، وكانَ ذَلِكَ ما يَعْرِضُ لَهُ القَحْطُ والجَوائِحِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِتَسْلِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى ما يُصِيبُهم لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ تَخَلَّقُوا بِآدابِ الدُّنْيا مِن قَبْلُ فَرُبَّما لَحِقَهم ضُرٌّ أوْ رُزْءٌ خارِجٌ عَنْ نِطاقِ قُدْرَتِهِمْ وكَسْبِهِمْ فَأُعْلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مِمّا اقْتَضاهُ ارْتِباطُ أسْبابِ الحَوادِثِ بَعْضِها بِبَعْضٍ عَلى ما سَيَّرَها عَلَيْهِ نِظامُ جَمِيعِ الكائِناتِ في هَذا العالَمِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ كَما سَتَعْلَمُهُ، فَلَمْ يَمْلِكْهُمُ الغَمُّ والحُزْنُ، وانْتَقَلُوا عَنْ ذَلِكَ إلى الإقْبالِ عَلى ما يُهِمُّهم مِنَ الأُمُورِ ولَمْ يُلْهِمْهُمُ التَّحَرُّقُ عَلى ما فاتَ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، ولَعَلَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أصابَتْهم صفحة ٤١٠ شِدَّةٌ في إحْدى المَغازِي أوْ حَبْسُ مَطَرٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا كانَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. و(ما) نافِيَةٌ و(مِن) زائِدَةٌ في النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ قَصْدًا لِلْعُمُومِ. ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما أصابَكم أوْ ما أصابَ أحَدًا. وقَوْلُهُ ”في الأرْضِ“ إشارَةٌ إلى المَصائِبِ العامَّةِ كالقَحْطِ وفَيَضانِ السُّيُولِ ومَوَتانِ الأنْعامِ وتَلَفِ الأمْوالِ. وقَوْلُهُ ”ولا في أنْفُسِكم“ إشارَةٌ إلى المَصائِبِ اللّاحِقَةِ لِذَواتِ النّاسِ مِنَ الأمْراضِ وقَطْعِ الأعْضاءِ والأسْرِ في الحَرْبِ ومَوْتِ الأحْبابِ ومَوْتِ المَرْءِ نَفْسِهِ فَقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ مُصِيبَةً في قَوْلِهِ ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] . وتَكْرِيرُ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ عَلى المَنفِيِّ في قَوْلِهِ ”ولا في أنْفُسِكم“ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَذْكُورِ بِخُصُوصِهِ فَإنَّ المَصائِبَ الخاصَّةَ بِالنَّفْسِ أشَدُّ وقْعًا عَلى المُصابِ، فَإنَّ المَصائِبَ العامَّةَ إذا أخْطَأتْهُ فَإنَّما يَتَأثَّرُ لَها تَأثُّرًا بِالتَّعَقُّلِ لا بِالحِسِّ فَلا تَدُومُ مُلاحَظَةُ النَّفْسِ إيّاهُ. والاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ”إلّا في كِتابٍ“ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ مَنفِيَّةٍ بِـ (ما)، إذِ التَّقْدِيرُ: ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ كائِنَةٍ في حالٍ إلّا في حالِ كَوْنِها مَكْتُوبَةً في كِتابٍ، أيْ: مُثْبَتَةً فِيهِ. والكِتابُ: مَجازٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ووَجْهُ المُشابَهَةِ عَدَمُ قَبُولِ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ والتَّخَلُّفِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ ومِن ذَلِكَ عِلْمُهُ وتَقْدِيرُهُ لِأسْبابِ حُصُولِها ووَقْتِ خَلْقِها وتَرَتُّبِ آثارِها والقَصْرِ المُفادِ بِـ (إلّا) قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: إلّا في حالِ كَوْنِها في كِتابٍ دُونَ عَدَمِ سَبْقِ تَقْدِيرِها في عِلْمِ اللَّهِ رَدًّا عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] . صفحة ٤١١ وهَذا الكَلامُ يَجْمَعُ الإشارَةَ إلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ نِظامَ هَذا العالَمِ عَلى أنْ تَتَرَتَّبَ المُسَبِّباتُ عَلى أسْبابِها، وقَدَّرَ ذَلِكَ وعَلِمَهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] ونَحْوُ ذَلِكَ. والبَرْءُ: بِفَتْحِ الباءِ: الخَلْقُ ومِن أسْمائِهِ تَعالى البارِئُ، وضَمِيرُ النَّصْبِ في نَبْرَأها عائِدٌ إلى الأرْضِ أوْ إلى الأنْفُسِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الضَّلالِ مِنَ المُشْرِكِينَ وبَعْضِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ عُمُومَ العِلْمِ ويُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ البَداءَ وتَمَشِّي الحِيَلِ، ولِأجْلِ قَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ أكَّدَ الخَبَرَ بِـ (إنَّ) . والتَّعْلِيلُ بِلامِ العِلَّةِ و(كَيْ) مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الإخْبارُ الحَكِيمُ، أيْ: أعْلَمْناكم بِذَلِكَ لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم إلَخْ، أيْ: لِفائِدَةِ اسْتِكْمالِ مُدْرِكاتِكم وعُقُولِكم فَلا تَجْزَعُوا لِلْمَصائِبِ لِأنَّ مَن أيْقَنَ أنَّ ما عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مَفْقُودَةٍ يَوْمًا لا مَحالَةَ لَمْ يَتَفاقَمْ جَزَعُهُ عِنْدَ فَقْدِهِ لِأنَّهُ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى كُثَيِّرٌ في قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَها يا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ∗∗∗ إذا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ وقَوْلُهُ ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أنْ لا يَأسَوْا عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ لِأنَّ المَقْصُودَ هو قَوْلُهُ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ﴾ ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّ المَسَرّاتِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاكْتِفاءِ فَإنَّ مِنَ المَسَرّاتِ ما يَحْصُلُ لِلْمَرْءِ عَنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ وهو أوْقَعُ في المَسَرَّةِ كَمُلَ أدَبُهُ بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ. والفَرَحُ المَنفِيُّ هو الشَّدِيدُ مِنهُ البالِغُ حَدَّ البَطَرِ، كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ قارُونَ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] . وقَدْ فَسَّرَهُ التَّذْيِيلُ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ . والمَعْنى: أخْبَرْتُكم بِذَلِكَ لِتَكُونُوا حُكَماءَ بُصَراءَ فَتَعْلَمُوا أنَّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ أسْبابًا وعِلَلًا، وأنَّ لِلْعالَمِ نِظامًا مُرْتَبِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وأنَّ الآثارَ حاصِلَةٌ عَقِبَ مُؤْثِراتِها صفحة ٤١٢ لا مَحالَةَ، وأنَّ إفْضاءَها إلَيْها بَعْضُهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ ومُتَجاوِزٌ حَدَّ مُعالَجَتِهِ ومُحاوَلَتِهِ، وفِعْلُ الفَواتِ مُشْعِرٌ بِأنَّ الفائِتَ قَدْ سَعى المُفَوَّتُ عَلَيْهِ في تَحْصِيلِهِ ثُمَّ غُلِبَ عَلى نَوالِهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِكْنَتِهِ، فَإذا رَسَخَ ذَلِكَ في عِلْمِ أحَدٍ لَمْ يَحْزَنْ عَلى ما فاتَهُ مِمّا لا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ ولَمْ يَغْفُلْ عَنْ تَرَقُّبِ زَوالِ ما يَسُرُّهُ إذا كانَ مِمّا يَسُرُّهُ، ومَن لَمْ يَتَخَلَّقْ بِخُلُقِ الإسْلامِ يَتَخَبَّطْ في الجَزَعِ إذا أصابَهُ مُصابٌ ويُسْتَطارُ خُيَلاءً وتَطاوُلًا إذا نالَهُ أمْرٌ مَحْبُوبٌ فَيَخْرُجُ عَنِ الحِكْمَةِ في الحالَتَيْنِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُفَرِّحاتِ صائِرَةٌ إلى زَوالٍ وأنَّ زَوالَها مُصِيبَةٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذا مَقامُ المُؤْمِنِ مِنَ الأدَبِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ وعِنْدَ نَوالَ الرَّغِيبَةِ.وصِلَةُ المَوْصُولِ في ”بِما آتاكم“ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ نِعْمَةٌ نافِعَةٌ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَقامَ المُؤْمِنِ مِنَ الأدَبِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ وعِنْدَ انْهِيالِ الرَّغِيبَةِ، هو أنْ لا يَحْزَنَ عَلى ما فاتَ ولا يَبْطُرَ بِما نالَهُ مِن خَيْراتٍ، ولَيْسَ مَعْنى ذَلِكَ أنْ يَتْرُكَ السَّعْيَ لِنَوالِ الخَيْرِ واتِّقاءِ الشَّرِّ قائِلًا: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الأُمُورَ كُلَّها في الأزَلِ، لِأنَّ هَذا إقْدامٌ عَلى إفْسادِ ما فَطَرَ عَلَيْهِ النّاسَ وأقامَ عَلَيْهِ نِظامَ العالَمِ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلَّذِينَ قالُوا أفَلا نَتَّكِلُ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» . وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ الفَرَحِ الواقِعِ في سِياقِ تَعْلِيلِ الأخْبارِ بِأنَّ كُلَّ ما يَنالُ المَرْءَ ثابِتٌ في كِتابٍ، وفِيهِ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِنَ الفَرَحِ أنَّهُ الفَرَحُ المُفْرِطُ البالِغُ بِصاحِبِهِ إلى الِاخْتِيالِ والفَخْرِ. والمَعْنى: واللَّهُ لا يُحِبُّ أحَدًا مُخْتالًا فَخُورًا. ولا تَتَوَهَّمْ أنَّ مَوْقِعَ (كُلَّ) بَعْدَ النَّفْيِ يُفِيدُ النَّفْيَ عَنِ المَجْمُوعِ لا عَنْ كُلِّ فَرْدٍ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَقْصُدُهُ أهْلُ اللِّسانِ، ووَقَعَ لِلشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ ومُتابِعِيهِ تَوَهَّمٌ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ ونَبَّهْتُ عَلَيْهِ في تَعْلِيقِي عَلى دَلائِلِ الإعْجازِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”آتاكم“ بِمَدٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مُحَوَّلٌ عَنْ هَمْزَةٍ ثانِيَةٍ هي فاءُ الكَلِمَةِ، أيْ: ما جَعَلَهُ آتِيًا لَكم، فالهَمْزَةُ الأُولى لِلتَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ، والتَّقْدِيرُ: بِما آتاكُمُوهُ. والإتْيانُ هُنا أصْلُهُ مَجازٌ وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صفحة ٤١٣ ساوى الحَقِيقَةَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: بِما آتاكُمُوهُ، وفِيهِ إدْماجُ المِنَّةِ مَعَ المَوْعِظَةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ الخَيْراتِ مِن فَضْلِ اللَّهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى أنَّهُ مِن (أتى)، إذا حَصَلَ، فَعائِدُ المَوْصُولِ هو الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ المَرْفُوعُ بِـ (أتى)، وفي هَذِهِ القِراءَةِ مُقابَلَةُ (آتاكم) بِـ (فاتَكم) وهو مُحَسِّنُ الطِّباقِ فَفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ مُحَسِّنٌ.

الحديد 57:23

﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ . لَمّا جَرى ذِكْرُ الجِهادِ آنِفًا بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] وقَوْلِهِ ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ هُنالِكَ، وجَرى ذِكْرُ الدُّنْيا في قَوْلِهِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا تَحْدُثُ فِيهِ المَصائِبُ مِن قَتْلٍ وقَطْعٍ وأسْرٍ في الجِهادِ، ومِن كَوارِثَ تَعْرِضُ في الحَياةِ مِن فَقْدٍ وألَمٍ واحْتِياجٍ، وجَرى مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا بِالنَّباتِ، وكانَ ذَلِكَ ما يَعْرِضُ لَهُ القَحْطُ والجَوائِحِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِتَسْلِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى ما يُصِيبُهم لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ تَخَلَّقُوا بِآدابِ الدُّنْيا مِن قَبْلُ فَرُبَّما لَحِقَهم ضُرٌّ أوْ رُزْءٌ خارِجٌ عَنْ نِطاقِ قُدْرَتِهِمْ وكَسْبِهِمْ فَأُعْلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مِمّا اقْتَضاهُ ارْتِباطُ أسْبابِ الحَوادِثِ بَعْضِها بِبَعْضٍ عَلى ما سَيَّرَها عَلَيْهِ نِظامُ جَمِيعِ الكائِناتِ في هَذا العالَمِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ كَما سَتَعْلَمُهُ، فَلَمْ يَمْلِكْهُمُ الغَمُّ والحُزْنُ، وانْتَقَلُوا عَنْ ذَلِكَ إلى الإقْبالِ عَلى ما يُهِمُّهم مِنَ الأُمُورِ ولَمْ يُلْهِمْهُمُ التَّحَرُّقُ عَلى ما فاتَ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، ولَعَلَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أصابَتْهم صفحة ٤١٠ شِدَّةٌ في إحْدى المَغازِي أوْ حَبْسُ مَطَرٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا كانَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. و(ما) نافِيَةٌ و(مِن) زائِدَةٌ في النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ قَصْدًا لِلْعُمُومِ. ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما أصابَكم أوْ ما أصابَ أحَدًا. وقَوْلُهُ ”في الأرْضِ“ إشارَةٌ إلى المَصائِبِ العامَّةِ كالقَحْطِ وفَيَضانِ السُّيُولِ ومَوَتانِ الأنْعامِ وتَلَفِ الأمْوالِ. وقَوْلُهُ ”ولا في أنْفُسِكم“ إشارَةٌ إلى المَصائِبِ اللّاحِقَةِ لِذَواتِ النّاسِ مِنَ الأمْراضِ وقَطْعِ الأعْضاءِ والأسْرِ في الحَرْبِ ومَوْتِ الأحْبابِ ومَوْتِ المَرْءِ نَفْسِهِ فَقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ مُصِيبَةً في قَوْلِهِ ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] . وتَكْرِيرُ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ عَلى المَنفِيِّ في قَوْلِهِ ”ولا في أنْفُسِكم“ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَذْكُورِ بِخُصُوصِهِ فَإنَّ المَصائِبَ الخاصَّةَ بِالنَّفْسِ أشَدُّ وقْعًا عَلى المُصابِ، فَإنَّ المَصائِبَ العامَّةَ إذا أخْطَأتْهُ فَإنَّما يَتَأثَّرُ لَها تَأثُّرًا بِالتَّعَقُّلِ لا بِالحِسِّ فَلا تَدُومُ مُلاحَظَةُ النَّفْسِ إيّاهُ. والاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ”إلّا في كِتابٍ“ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ مَنفِيَّةٍ بِـ (ما)، إذِ التَّقْدِيرُ: ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ كائِنَةٍ في حالٍ إلّا في حالِ كَوْنِها مَكْتُوبَةً في كِتابٍ، أيْ: مُثْبَتَةً فِيهِ. والكِتابُ: مَجازٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ووَجْهُ المُشابَهَةِ عَدَمُ قَبُولِ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ والتَّخَلُّفِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ ومِن ذَلِكَ عِلْمُهُ وتَقْدِيرُهُ لِأسْبابِ حُصُولِها ووَقْتِ خَلْقِها وتَرَتُّبِ آثارِها والقَصْرِ المُفادِ بِـ (إلّا) قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: إلّا في حالِ كَوْنِها في كِتابٍ دُونَ عَدَمِ سَبْقِ تَقْدِيرِها في عِلْمِ اللَّهِ رَدًّا عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] . صفحة ٤١١ وهَذا الكَلامُ يَجْمَعُ الإشارَةَ إلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ نِظامَ هَذا العالَمِ عَلى أنْ تَتَرَتَّبَ المُسَبِّباتُ عَلى أسْبابِها، وقَدَّرَ ذَلِكَ وعَلِمَهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] ونَحْوُ ذَلِكَ. والبَرْءُ: بِفَتْحِ الباءِ: الخَلْقُ ومِن أسْمائِهِ تَعالى البارِئُ، وضَمِيرُ النَّصْبِ في نَبْرَأها عائِدٌ إلى الأرْضِ أوْ إلى الأنْفُسِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الضَّلالِ مِنَ المُشْرِكِينَ وبَعْضِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ عُمُومَ العِلْمِ ويُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ البَداءَ وتَمَشِّي الحِيَلِ، ولِأجْلِ قَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ أكَّدَ الخَبَرَ بِـ (إنَّ) . والتَّعْلِيلُ بِلامِ العِلَّةِ و(كَيْ) مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الإخْبارُ الحَكِيمُ، أيْ: أعْلَمْناكم بِذَلِكَ لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم إلَخْ، أيْ: لِفائِدَةِ اسْتِكْمالِ مُدْرِكاتِكم وعُقُولِكم فَلا تَجْزَعُوا لِلْمَصائِبِ لِأنَّ مَن أيْقَنَ أنَّ ما عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مَفْقُودَةٍ يَوْمًا لا مَحالَةَ لَمْ يَتَفاقَمْ جَزَعُهُ عِنْدَ فَقْدِهِ لِأنَّهُ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى كُثَيِّرٌ في قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَها يا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ∗∗∗ إذا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ وقَوْلُهُ ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أنْ لا يَأسَوْا عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ لِأنَّ المَقْصُودَ هو قَوْلُهُ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ﴾ ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّ المَسَرّاتِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاكْتِفاءِ فَإنَّ مِنَ المَسَرّاتِ ما يَحْصُلُ لِلْمَرْءِ عَنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ وهو أوْقَعُ في المَسَرَّةِ كَمُلَ أدَبُهُ بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ. والفَرَحُ المَنفِيُّ هو الشَّدِيدُ مِنهُ البالِغُ حَدَّ البَطَرِ، كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ قارُونَ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] . وقَدْ فَسَّرَهُ التَّذْيِيلُ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ . والمَعْنى: أخْبَرْتُكم بِذَلِكَ لِتَكُونُوا حُكَماءَ بُصَراءَ فَتَعْلَمُوا أنَّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ أسْبابًا وعِلَلًا، وأنَّ لِلْعالَمِ نِظامًا مُرْتَبِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وأنَّ الآثارَ حاصِلَةٌ عَقِبَ مُؤْثِراتِها صفحة ٤١٢ لا مَحالَةَ، وأنَّ إفْضاءَها إلَيْها بَعْضُهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ ومُتَجاوِزٌ حَدَّ مُعالَجَتِهِ ومُحاوَلَتِهِ، وفِعْلُ الفَواتِ مُشْعِرٌ بِأنَّ الفائِتَ قَدْ سَعى المُفَوَّتُ عَلَيْهِ في تَحْصِيلِهِ ثُمَّ غُلِبَ عَلى نَوالِهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِكْنَتِهِ، فَإذا رَسَخَ ذَلِكَ في عِلْمِ أحَدٍ لَمْ يَحْزَنْ عَلى ما فاتَهُ مِمّا لا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ ولَمْ يَغْفُلْ عَنْ تَرَقُّبِ زَوالِ ما يَسُرُّهُ إذا كانَ مِمّا يَسُرُّهُ، ومَن لَمْ يَتَخَلَّقْ بِخُلُقِ الإسْلامِ يَتَخَبَّطْ في الجَزَعِ إذا أصابَهُ مُصابٌ ويُسْتَطارُ خُيَلاءً وتَطاوُلًا إذا نالَهُ أمْرٌ مَحْبُوبٌ فَيَخْرُجُ عَنِ الحِكْمَةِ في الحالَتَيْنِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُفَرِّحاتِ صائِرَةٌ إلى زَوالٍ وأنَّ زَوالَها مُصِيبَةٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذا مَقامُ المُؤْمِنِ مِنَ الأدَبِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ وعِنْدَ نَوالَ الرَّغِيبَةِ.وصِلَةُ المَوْصُولِ في ”بِما آتاكم“ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ نِعْمَةٌ نافِعَةٌ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَقامَ المُؤْمِنِ مِنَ الأدَبِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ وعِنْدَ انْهِيالِ الرَّغِيبَةِ، هو أنْ لا يَحْزَنَ عَلى ما فاتَ ولا يَبْطُرَ بِما نالَهُ مِن خَيْراتٍ، ولَيْسَ مَعْنى ذَلِكَ أنْ يَتْرُكَ السَّعْيَ لِنَوالِ الخَيْرِ واتِّقاءِ الشَّرِّ قائِلًا: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الأُمُورَ كُلَّها في الأزَلِ، لِأنَّ هَذا إقْدامٌ عَلى إفْسادِ ما فَطَرَ عَلَيْهِ النّاسَ وأقامَ عَلَيْهِ نِظامَ العالَمِ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلَّذِينَ قالُوا أفَلا نَتَّكِلُ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» . وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ الفَرَحِ الواقِعِ في سِياقِ تَعْلِيلِ الأخْبارِ بِأنَّ كُلَّ ما يَنالُ المَرْءَ ثابِتٌ في كِتابٍ، وفِيهِ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِنَ الفَرَحِ أنَّهُ الفَرَحُ المُفْرِطُ البالِغُ بِصاحِبِهِ إلى الِاخْتِيالِ والفَخْرِ. والمَعْنى: واللَّهُ لا يُحِبُّ أحَدًا مُخْتالًا فَخُورًا. ولا تَتَوَهَّمْ أنَّ مَوْقِعَ (كُلَّ) بَعْدَ النَّفْيِ يُفِيدُ النَّفْيَ عَنِ المَجْمُوعِ لا عَنْ كُلِّ فَرْدٍ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَقْصُدُهُ أهْلُ اللِّسانِ، ووَقَعَ لِلشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ ومُتابِعِيهِ تَوَهَّمٌ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ ونَبَّهْتُ عَلَيْهِ في تَعْلِيقِي عَلى دَلائِلِ الإعْجازِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”آتاكم“ بِمَدٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مُحَوَّلٌ عَنْ هَمْزَةٍ ثانِيَةٍ هي فاءُ الكَلِمَةِ، أيْ: ما جَعَلَهُ آتِيًا لَكم، فالهَمْزَةُ الأُولى لِلتَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ، والتَّقْدِيرُ: بِما آتاكُمُوهُ. والإتْيانُ هُنا أصْلُهُ مَجازٌ وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صفحة ٤١٣ ساوى الحَقِيقَةَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: بِما آتاكُمُوهُ، وفِيهِ إدْماجُ المِنَّةِ مَعَ المَوْعِظَةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ الخَيْراتِ مِن فَضْلِ اللَّهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى أنَّهُ مِن (أتى)، إذا حَصَلَ، فَعائِدُ المَوْصُولِ هو الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ المَرْفُوعُ بِـ (أتى)، وفي هَذِهِ القِراءَةِ مُقابَلَةُ (آتاكم) بِـ (فاتَكم) وهو مُحَسِّنُ الطِّباقِ فَفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ مُحَسِّنٌ.

الحديد 57:24

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“ ابْتِداءُ كَلامٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ خُتِمَ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] فَيَكُونُ ”الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو ﴿فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم وحامِدٌ لِلْمُنْفِقِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ فَيَكُونُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَدَلًا مِن ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] . تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الأخِيرِ فَهو مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ لا نُطَوِّلُ بِها. والمُرادُ بِـ ”الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“: المُنافِقُونَ، وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّلَةِ في سُورَةِ النِّساءِ، وأمْرُهُمُ النّاسَ بِالبُخْلِ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ تَذْيِيلٌ لِأنَّ ”مَن يَتَوَلَّ“ يَعُمُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وغَيْرَهم فَإنَّ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ وفي النَّفَقاتِ الواجِبَةِ قَدْ تَوَلَّوْا عَنْ أمْرِ اللَّهِ و(مَن) شَرْطِيَّةٌ عامَّةٌ. صفحة ٤١٤ وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ قائِمَةٌ مَقامُ جَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ لِلْجَوابِ، فالتَّقْدِيرُ: ومَن يَتَوَلَّ فَلا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا ولا يَضُرُّ الفَقِيرَ لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ مالِ المُتَوَلِّينَ، ولِأنَّ لَهُ عِبادًا يُطِيعُونَ أمْرَهُ فَيَحْمَدُهم. والغَنِيُّ: المَوْصُوفُ بِالغِنى، أيْ: عَدَمُ الِاحْتِياجِ. ولَمّا لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كانَ مُفِيدًا الغِنى العامَّ. والحَمِيدُ: وصْفُ مُبالَغَةٍ، أيْ: كَثِيرُ الحَمْدِ لِلْمُنْفِقِينَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] الآيَةَ. ووَصْفُهُ بِـ ”الحَمِيدُ“ هُنا نَظِيرُ وصْفِهِ بِـ ”الشَّكُورُ“ في قَوْلِهِ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]، فَإنَّ اسْمَهُ ”الحَمِيدُ“ صالِحٌ لِمَعْنى المَحْمُودِ فَيَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وصالِحٌ لِمَعْنى كَثِيرِ الحَمْدِ، فَيَكُونُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ثَوابًا جَزِيلًا ويُثْنِي عَلى فاعِلِهِ ثَناءً جَمِيلًا فَكانَ بِذَلِكَ كَثِيرُ الحَمْدِ. وقَدْ حَمَلَهُ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ ابْنُ بَرَّجانَ الإشْبِيلِيُّ في شَرْحِهِ لِأسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى ووافَقَهُ كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وهو الحَقُّ. وقَصَرَهُ الغَزالِيُّ في المَقْصِدِ الأسْنى عَلى مَعْنى المَحْمُودِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ﴿فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ بِدُونِ ضَمِيرِ فَصْلٍ، وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ. وقَرَأهُ الباقُونَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ بِضَمِيرِ فَصْلٍ بَعْدَ اسْمِ الجَلالَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مَصاحِفِ مَكَّةَ والبَصْرَةِ والكُوفَةِ، فَهُما رِوايَتانِ مُتَواتِرَتانِ. صفحة ٤١٥ والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْقَصْرِ بِدُونِ ضَمِيرِ فَصْلٍ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ مِن طُرُقِ القَصْرِ، فالقِراءَةُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ تُفِيدُ تَأْكِيدَ القَصْرِ.

الحديد 57:25

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وعَنِ الفَتْحِ وعَنْ تَذْيِيلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]، وهو إعْذارٌ لِلْمُتَوَلِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ لِيَتَدارَكُوا صَلاحَهم بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ والتَّدَبُّرِ في هَدْيِ القُرْآنِ، وإنْذارٌ لَهم إنْ لَمْ يَرْعَوُوا ويَنْصاعُوا إلى الحُجَّةِ السّاطِعَةِ بِأنَّهُ يَكُونُ تَقْوِيمُ عِوَجِهِمْ بِالسُّيُوفِ القاطِعَةِ وهو ما صَرَّحَ لَهم بِهِ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] وقَوْلِهِ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] مُجَرَّدَ مُتارَكَةٍ فَيَطْمَئِنُّوا لِذَلِكَ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القِسْمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ راجِعٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن ذِكْرِ ما في إرْسالِ رُسُلِ اللَّهِ وكُتُبِهِ مِن إقامَةِ القِسْطِ لِلنّاسِ، ومِنَ التَّعْرِيضِ بِحَمْلِ المُعْرِضِينَ عَلى السَّيْفِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى غَلْوائِهِمْ. وجَمْعُ ”الرُّسُلِ“ هُنا لِإفادَةِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وأنَّ مُكابَرَةَ المُنافِقِينَ عَمايَةٌ عَنْ سُنَّةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ فَتَأْكِيدُ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ السّامِعِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ حالَهم في التَّعَجُّبِ مِن دَعَواهُ الرِّسالَةَ كَحالِ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا مِن قَبْلُ. وقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُ هَذا في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ [آل عمران: ١٨٣] . صفحة ٤١٦ والبَيِّناتُ: الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ هو مُرادُ اللَّهِ، والمُعْجِزاتُ داخِلَةٌ في البَيِّناتِ. وتَعْرِيفُ ”الكِتابَ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ: وأنْزَلْنا مَعَهم كُتُبًا، أيْ: مِثْلَ القُرْآنِ. وإنْزالُ الكِتابِ: تَبْلِيغٌ بِواسِطَةِ المَلَكِ مِنَ السَّماءِ، وإنْزالُ المِيزانِ: تَبْلِيغُ الأمْرِ بِالعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ. والمِيزانُ: مُسْتَعارٌ لِلْعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ في إعْطاءِ حُقُوقِهِمْ لِأنَّ مِمّا يَقْتَضِيهُ المِيزانُ وُجُودَ طَرَفَيْنِ يُرادُ مَعْرِفَةُ تَكافُئِهِما، قالَ تَعالى ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . وهَذا المِيزانُ تُبَيِّنُهُ كُتُبُ الرُّسُلِ، فَذِكْرُهُ بِخُصُوصِهِ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ لِأنَّهُ وسِيلَةُ انْتِظامِ أُمُورِ البَشَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] ولَيْسَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم وضْعَ آلاتِ الوَزْنِ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المُهِمِّ، وهو مِمّا يَشْمَلُهُ مَعْنى العَدْلِ فَلا حاجَةَ إلى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ بِقَوْلِهِ ”وأنْزَلْنا مَعَهم“ . والقِيامُ: مَجازٌ في صَلاحِ الأحْوالِ واسْتِقامَتِها لِأنَّهُ سَبَبٌ لِتَيْسِيرِ العَمَلِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ“ في أوائِلِ البَقَرَةِ. والقِسْطُ: العَدْلُ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَهو أعَمُّ مِنَ المِيزانِ المَذْكُورِ لْاخْتِصاصِهِ بِالعَدْلِ بَيْنَ مُتَنازِعَيْنِ، وأمّا القِسْطُ فَهو إجْراءُ أُمُورِ النّاسِ عَلى ما يَقْتَضِيهُ الحَقُّ فَهو عَدْلٌ عامٌّ بِحَيْثُ يَقْدِرُ صاحِبُ الحَقِّ مُنازِعًا لِمَن قَدِ احْتَوى عَلى حَقِّهِ. ولَفْظُ ”القِسْطِ“ مَأْخُوذٌ في العَرَبِيَّةِ مِن لَفْظِ قِسْطاسِ اسْمُ العَدْلِ بِلُغَةِ الرُّومِ، فَهو مِنَ المُعَرَّبِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: يَكُونُ أمْرُ النّاسِ مُلابِسًا لِلْعَدْلِ ومُماشِيًا لِلْحَقِّ، وإنْزالُ الحَدِيدِ: مُسْتَعارٌ لِخَلْقِ مَعْدَنِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، أيْ: خَلَقَ لِأجْلِكم وذَلِكَ بِإلْهامِ البَشَرِ اسْتِعْمالَهُ في السِّلاحِ مِن سُيُوفٍ ودُرُوعٍ صفحة ٤١٧ ورِماحٍ ونِبالٍ وخُوَذٍ ودَرَقٍ ومَجانٍّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحَدِيدِ خُصُوصُ السِّلاحِ المُتَّخَذِ مِنهُ مِن سُيُوفٍ وأسِنَّةٍ ونِبالٍ، فَيَكُونُ إنْزالُهُ مُسْتَعارًا لِمُجَرَّدِ إلْهامِ صُنْعِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ ضَمِيرُ ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ عائِدًا إلى الحَدِيدِ بِاعْتِبارِ إعْدادِهِ لِلْبَأْسِ فَكَأنَّ البَأْسَ مَظْرُوفٌ فِيهِ. والبَأْسُ: الضُّرُّ. والمُرادُ بَأْسُ القَتْلِ والجَرْحِ بِآلاتِ الحَدِيدِ مِن سُيُوفٍ ورِماحٍ ونِبالٍ، وبَأْسُ جُرْأةِ النّاسِ عَلى إيصالِ الضُّرِّ بِالغَيْرِ بِواسِطَةِ الواقِياتِ المُتَّخَذَةِ مِنَ الحَدِيدِ. والمَنافِعُ: مَنافِعُ الغالِبِ بِالحَدِيدِ مِن غَنائِمَ وأسْرى وفَتْحِ بِلادٍ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ”لِلنّاسِ“ بِكُلٍّ مِن ”بَأْسٌ“ ومَنافِعُ ”عَلى طَرِيقَةِ التَّنازُعِ، أيْ: فِيهِ بَأْسٌ لِناسٍ ومَنافِعُ لِآخَرِينَ فَإنَّ مَصائِبَ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوائِدُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا لَفْتُ أبْصارِ السّامِعِينَ إلى الِاعْتِبارِ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن خَلْقِ الحَدِيدِ وإلْهامِ صُنْعِهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما فِيهِ مِن نَفْعٍ وبَأْسٍ إنَّما أُرِيدَ بِهِ أنْ يُوضَعَ بَأْسُهُ حَيْثُ يُسْتَحَقُّ، ويُوضَعَ نَفْعُهُ حَيْثُ يَلِيقُ بِهِ لا لِتُجْعَلَ مَنافِعُهُ لِمَن لا يَسْتَحِقُّها مِثْلِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ والثُّوّارِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، ولِتَجْهِيزِ الجُيُوشِ لِحِمايَةِ الأوْطانِ مِن أهْلِ العُدْوانِ، ولِلِادِّخارِ في البُيُوتِ لِدَفْعِ الضّارِياتِ والعادِياتِ عَلى الحُرُمِ والأمْوالِ. وكانَ الحَكِيمُ (انْتِيثُنُوسْ) اليُونانِيُّ تِلْمِيذُ سُقْراطَ إذا رَأى امْرَأةً حالِيَّةً مُتَزَيِّنَةً في أثِينا يَذْهَبُ إلى بَيْتِ زَوْجِها ويَسْألُهُ أنْ يُرِيَهُ فَرَسَهُ وسِلاحَهُ فَإذا رَآهُما كامِلَيْنِ أذِنَ لْامْرَأتِهِ أنْ تَتَزَيَّنَ لِأنَّ زَوْجَها قادِرٌ عَلى حِمايَتِها مِن داعِرٍ يَغْتَصِبُها، وإلّا أمَرَها بِتَرْكِ الزِّينَةِ وتَرْكِ الحُلِيِّ. وهَذا مِن بابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، لا لِيُجْعَلَ بَأْسُهُ لِإخْضادِ شَوْكَةِ العَدْلِ والآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ عَلى السُّكُوتِ، فَإنَّ ذَلِكَ تَحْرِيفٌ لِما أرادَ اللَّهُ مِن وضْعِ الأشْياءِ النّافِعَةِ والقارَّةِ، قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقالَ عَلى لِسانِ أحَدِ رُسُلِهِ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] . صفحة ٤١٨ وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا المَعْنى بِالإجْمالِ قَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ أثَرَ عِلْمِ اللَّهِ بِمَن يَنْصُرُهُ، فَأطْلَقَ فِعْلَ“ لِيَعْلَمَ ”عَلى مَعْنى ظُهُورِ أثَرِ العِلْمِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ: وأقْبَلْتُ والخَطِيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها أيْ: لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ الجَبانُ والشُّجاعُ، أيْ: فَيَعْلَمُوا أنِّي شُجاعُهم. ونَصْرُ النّاسِ اللَّهَ هو نَصْرُ دِينِهِ، وأمّا اللَّهُ فَغَنِيٌّ عَنِ النَّصْرِ، وعَطَفَ“ ورُسُلَهُ ”، أيْ: مَن يَنْصُرُ القائِمِينَ بِدِينِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ نَصْرُ شَرائِعِ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَهُ ونَصْرُ وُلاةِ أُمُورِ المُسْلِمِينَ القائِمِينَ بِالحَقِّ. وأعْظَمَ رَجُلٍ نَصَرَ دِينَ اللَّهِ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِهِ ﷺ هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِتالِهِ أهْلَ الرِّدَّةِ. وقَوْلُهُ“ بِالغَيْبِ ”يَتَعَلَّقُ بِـ“ يَنْصُرُهُ "، أيْ: يَنْصُرُهُ نَصْرًا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ داعِي نَفْسِهِ دُونَ خَشْيَةِ داعٍ يَدْعُوهُ إلَيْهِ، أوْ رَقِيبٍ يَرْقُبُ صَنِيعَهُ والمَعْنى: أنَّهُ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ والدِّفاعِ عَنِ الدِّينِ بِمَحْضِ الإخْلاصِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَدِيدِ ومَعْدِنِهِ وصِناعَتِهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] في سُورَةِ الكَهْفِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ إلى آخِرِها، أيْ: لِأنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ في شُئُونِهِ القُدْسِيَّةِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ رُسُلُهُ أقْوِياءَ أعِزَّةً، وأنْ تَكُونَ كُتُبُهُ مُعَظَّمَةً مُوَقَّرَةً، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ في هَذا العالَمِ المَنُوطَةِ أحْداثُهُ بِالأسْبابِ المَجْعُولَةِ بِأنْ يَنْصُرَهُ الرُّسُلُ وأقْوامٌ مُخْلِصُونَ لِلَّهِ ويُعِينُوا عَلى نَشْرِ دِينِهِ وشَرائِعِهِ. والقَوِيُّ العَزِيزُ: مِن أسْمائِهِ تَعالى. فالقَوِيُّ: المُتَّصِفُ بِالقُوَّةِ، قالَ تَعالى ﴿ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وتَقَدَّمَ القَوِيُّ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] . والعَزِيزُ: المُتَّصِفُ بِالعِزَّةِ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلِهِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] .

الحديد 57:26

صفحة ٤١٩ ﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوءَةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥] عَطَفَ الخاصَّ عَلى العامِّ لَمّا أُرِيدَ تَفْصِيلٌ لِإجْمالِهِ تَفْصِيلًا يُسَجِّلُ بِهِ انْحِرافَ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ والضّالِّينَ مِنَ اليَهُودِ عَنْ مَناهِجِ أبَوَيْهِما: نُوحٍ وإبْراهِيمَ، قالَ تَعالى في شَأْنِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، والعَرَبُ لا يَنْسَوْنَ أنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ كَما قالَ النّابِغَةُ يَمْدَحُ النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ: فَألْفَيْتَ الأمانَةَ لَمْ تَخُنْها كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ والنُّبُوءَةُ في ذُرِّيَّتِهِما كَنُبُوءَةِ هُودٍ وصالِحٍ وتُبَّعٍ ونُبُوءَةِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ وشُعَيْبٍ ويَعْقُوبَ. والمُرادُ بِـ ”الكِتابَ“ ما كانَ بِيَدِ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أُصُولُ دِيانَتِهِمْ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ وما حَفِظُوهُ مِن وصاياهُ ووَصايا إسْماعِيلَ وإسْحاقَ. والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ الِاهْتِداءِ، ومِنَ الفاسِقِينَ: المُشْرِكُونَ مِن عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ واليَمَنِ والأوْسِ والخَزْرَجِ وهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ومِن مَدْيَنَ والحِجازِ وتِهامَةَ وهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. والمُرادُ: مَن أشْرَكُوا قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الحديد: ٢٧] .

الحديد 57:27

صفحة ٤٢٠ ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ . (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ لِأنَّ بَعْثَةَ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن سَبَقَ مِن ذُرِّيَّتِهِما أعْظَمُ مِمّا كانَ لَدى ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ قَفّى اللَّهُ بِهِمْ، إذْ أُرْسِلُوا إلى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ عادٍ وثَمُودَ وبَنِي إسْرائِيلَ وفِيهِمْ شَرِيعَةٌ عَظِيمَةٌ وهي شَرِيعَةُ التَّوْراةِ. والتَّقْفِيَةُ: إتْباعُ الرَّسُولِ بِرَسُولٍ آخَرَ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ القَفا لِأنَّهُ يَأْتِي بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ يَمْشِي عَنْ جِهَةِ قَفاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والآثارُ: جَمْعُ الأثَرِ، وهو ما يَتْرُكُهُ السّائِرُ مِن مَواقِعِ رِجْلَيْهِ في الأرْضِ، قالَ تَعالى ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] . وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ عَلى آثارِهِمْ عائِدٌ إلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ وذُرِّيَّتِهِما الَّذِينَ كانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ والكِتابُ، فَأمّا الَّذِينَ كانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ فَكَثِيرُونَ، وأمّا الَّذِينَ كانَ فِيهِمِ الكِتابُ فَمِثْلِ بَنِي إسْرائِيلَ. و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ. وأصْلُ (قَفّى عَلى أثَرِهِ) يَدُلُّ عَلى قُرْبِ ما بَيْنَ الماشِيَيْنِ، أيْ: حَضَرَ الماشِي الثّانِي قَبْلَ أنْ يَزُولَ أثَرُ الماشِي الأوَّلِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ قَوْلُهم: عَلى أثَرِهِ، بِمَعْنى: بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ أوْ مُتَّصِلًا شَأْنُهُ بِشَأْنِ سابِقِهِ، وهَذا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا كَثِيرِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ وهو تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِن ذِكْرِ الرَّسُولِ الأخِيرِ الَّذِي جاءَ قَبْلَ الإسْلامِ وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وفِي إعادَةِ الفِعْلِ ”قَفَّيْنا“ وعَدَمِ إعادَةِ ”عَلى آثارِهِمْ“ إشارَةٌ إلى بُعْدِ المُدَّةِ بَيْنَ صفحة ٤٢١ آخِرِ رُسُلِ إسْرائِيلَ وبَيْنَ عِيسى فَإنَّ آخِرَ رُسُلِ إسْرائِيلَ كانَ يُونُسُ بْنُ مَتّى أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِيسى مُرْسَلًا عَلى آثارِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ. والإنْجِيلُ: هو الوَحْيُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهَ عَلى عِيسى وكَتَبَهُ الحَوارِيُّونَ في أثْناءِ ذِكْرِ سِيرَتِهِ. والإنْجِيلُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها مُعَرَّبٌ تَقَدَّمَ بَيانُهُ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ومَعْنى جَعْلِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أنَّ تَعالِيمَ الإنْجِيلِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ عِيسى أمَرَتْهم بِالتَّخَلُّقِ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ فَعَمِلُوا بِها، أوْ أنَّ ارْتِياضَهم بِسِيرَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْسَخَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ وذَلِكَ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ أمَرَهم بِهِ ويَسَّرَهُ عَلَيْهِمْ. ذَلِكَ أنَّ عِيسى بُعِثَ لِتَهْذِيبِ نُفُوسِ اليَهُودِ واقْتِلاعِ القَسْوَةِ مِن قُلُوبِهِمُ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِها في أجْيالٍ طَوِيلَةٍ قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرَّأْفَةُ: الرَّحْمَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِدَفْعِ الأذى والضُّرِّ فَهي رَحْمَةٌ خاصَّةٌ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي قَوْلِهِ ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] في سُورَةِ النُّورِ. والرَّحْمَةُ: العَطْفُ والمُلايَنَةُ، وتَقَدَّمَتْ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ. فَعَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلى الرَّأْفَةِ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لْاسْتِيعابِ أنْواعِهِ بَعْدَ أنِ اهْتَمَّ بِبَعْضِها. والرَّهْبانِيَّةُ: اسْمٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَكُونُ الرّاهِبُ مُتَّصِفًا بِها في غالِبِ شُئُونِ دِينِهِ، فِيها ياءُ النِّسْبَةِ إلى الرّاهِبِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّ قِياسَ النَّسَبِ إلى الرّاهِبِ الرّاهِبِيَّةُ، والنُّونُ فِيها مَزِيدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في النِّسْبَةِ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِمْ: شَعْرانِيٌّ، لِكَثِيرِ الشِّعْرِ، ولِحْيانِيٌّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، ورُوحانِيٌّ، ونَصْرانِيٌّ. صفحة ٤٢٢ وجُعِلَ في الكَشّافِ النُّونُ جائِيَةً مِن وصْفِ رُهْبانٍ مِثْلِ نُونِ خَشْيانَ مِن خَشِيَ والمُبالَغَةُ هي هي، إلّا أنَّها مُبالَغَةٌ في الوَصْفِ لا في شِدَّةِ النِّسْبَةِ. والهاءُ هاءُ تَأْنِيثٍ بِتَأْوِيلِ الِاسْمِ بِالحالَةِ وجُعِلَ في الكَشّافِ الهاءُ لِلْمَرَّةِ. وأمّا اسْمُ الرّاهِبِ الَّتِي نُسِبَتْ إلَيْهِ الرَّهْبانِيَّةُ فَهو وصْفٌ عُومِلَ مُعامَلَةَ الِاسْمِ، وهو العابِدُ مِنَ النَّصْرانِيِّ المُنْقَطِعِ لِلْعِبادَةِ، وهو وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهَبِ: أيِ: الخَوْفِ لِأنَّهُ شَدِيدُ الخَوْفِ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى أوْ مُخالَفَةِ دِينِ النَّصْرانِيَّةِ. ويَلْزَمُ هَذِهِ الحالَةَ في عُرْفِ النَّصارى العُزْلَةُ عَنِ النّاسِ تَجَنُّبًا لِما يَشْغَلُ عَنِ العِبادَةِ وذَلِكَ بِسُكْنى الصَّوامِعِ والأدْيِرَةِ وتَرْكِ التَّزَوُّجِ تَجَنُّبًا لِلشَّواغِلِ، ورُبَّما أوْجَبَتْ بَعْضُ طَوائِفِ الرُّهْبانِ عَلى الرّاهِبِ تَرْكَ التَّزَوُّجِ غُلُوًّا في الدِّينِ. وجُعِلَ في الكَشّافِ: الرَّهْبانِيَّةُ مُشْتَقَّةً مِنَ الرَّهَبِ، أيِ: الخَوْفِ مِنَ الجَبابِرَةِ، أيِ: الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اليَهُودِ، وأنَّ الجَبابِرَةَ ظَهَرُوا عَلى المُؤْمِنِينَ بِعِيسى فَقاتَلُوهم ثَلاثَ مَرّاتٍ فَقُتِلُوا حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا القَلِيلُ، فَخافُوا أنْ يُفْتَنُوا في دِينِهِمْ فاخْتارُوا الرَّهْبانِيَّةَ وهي تَرَهُّبُهم في الجِبالِ فارِّينَ مِنَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ اهـ. وأوَّلُ ما ظَهَرَ اضْطِهادُ أتْباعِ المَسِيحِ في بِلادِ اليَهُودِيَّةِ، فَلَمّا تَفَرَّقَ أتْباعُ المَسِيحِ وأتْباعُهم في البُلْدانِ ناواهم أهْلُ الإشْراكِ والوَثَنِيَّةِ مِنَ الرُّومِ حَيْثُ حَلُّوا مِنَ البِلادِ التّابِعَةِ لَهم فَحَدَثَتْ فِيهِمْ أحْوالٌ مِنَ التَّقِيَّةِ هي الَّتِي دَعاها صاحِبُ الكَشّافِ بِمُقاتَلِةِ الجَبابِرَةِ. فالرّاهِبُ يَمْتَنِعُ مِنَ التَّزَوُّجِ خِيفَةَ أنْ تَشْغَلَهُ زَوْجُهُ عَنْ عِبادَتِهِ، ويَمْتَنِعُ مِن مُخالَطَةِ الأصْحابِ خَشْيَةَ أنْ يُلْهُوهُ عَنِ العِبادَةِ، ويَتْرُكُ لَذائِذِ المَآكِلِ والمَلابِسِ خَشْيَةَ أنْ يَقَعَ في اكْتِسابِ المالِ الحَرامِ، وأنَّهم أرادُوا التَّشَبُّهَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الزُّهْدِ في الدُّنْيا وتَرْكِ التَّزَوُّجِ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى ”ابْتَدَعُوها“، أيْ: أحْدَثُوها فَإنَّ الِابْتِداعَ الإتْيانُ بِالبِدْعَةِ والبِدَعِ وهو ما لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، أيْ أحْدَثُوها بَعْدَ رَسُولِهِمْ، فَإنَّ البِدْعَةَ ما كانَ مُحْدَثًا بَعْدَ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ. ونَصَبَ ”رَهْبانِيَّةً“ عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ. والتَّقْدِيرُ: وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً صفحة ٤٢٣ ”ولَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى رَأْفَةٍ ورَحْمَةٍ“ لِأنَّ هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةَ لَمْ تَكُنْ مِمّا شَرَعَ اللَّهُ لَهم فَلا يَسْتَقِيمُ كَوْنُها مَفْعُولًا لِ ”جَعَلْنا“، ولِأنَّ الرَّهْبانِيَّةَ عَمَلٌ لا يَتَعَلَّقُ بِالقُلُوبِ وفِعْلُ ”جَعَلْنا“ مُقَيَّدٌ بِـ ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ فَتَكُونُ مَفْعُولاتُهُ مُقَيَّدَةً بِذَلِكَ، إلّا أنْ يُتَأوَّلَ جَعْلُها في القُلُوبِ بِجَعْلِ حُبِّها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] . وعَلى اخْتِيارِ هَذا الإعْرابِ مَضى المُحَقِّقُونَ مِثْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، والزَّجّاجِ، والزَّمَخْشَرِيِّ، والقُرْطُبِيِّ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ”رَأْفَةٍ ورَحْمَةٍ“ . واتَّهَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا الإعْرابَ بِأنَّهُ إعْرابُ المُعْتَزِلَةِ فَقالَ: ”والمُعْتَزِلَةُ تُعْرِبُ“ رَهْبانِيَّةً ”أنَّها نَصْبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ“ ابْتَدَعُوها ”ويَذْهَبُونَ في ذَلِكَ إلى أنَّ الإنْسانَ يَخْلُقُ أفْعالَهُ فَيُعْرِبُونَ الآيَةَ عَلى هَذا“ اهـ. ولَيْسَ في هَذا الإعْرابِ حُجَّةٌ لَهم ولا في إبْطالِهِ نَفْعٌ لِمُخالَفَتِهِمْ كَما عَلِمْتَ. وإنَّما عُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ لْاشْتِراكِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ في أنَّهُ مِنَ الفَضائِلِ المُرادِ بِها رِضْوانُ اللَّهِ. ومَعْنى: وابْتَدَعُوا لِأنْفُسِهِمْ رَهْبانِيَّةً ما شَرَعْناها لَهم ولَكِنَّهُمُ ابْتَغَوْا بِها رِضْوانَ اللَّهِ فَقَبِلَها اللَّهُ مِنهم لِأنَّ سِياقَ حِكايَةِ ذَلِكَ عَنْهم يَقْتَضِي الثَّناءَ عَلَيْهِمْ في أحْوالِهِمْ. وضَمِيرُ الرَّفْعِ مِنِ ”ابْتَدَعُوها“ عائِدٌ إلى الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسى. والمَعْنى: أنَّهُمُ ابْتَدَعُوا العَمَلَ بِها فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُهُمُ اخْتَرَعَ أُسْلُوبَ الرَّهْبانِيَّةِ ولَكِنْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهم سَنَّها وتابَعَهُ بَقِيَّتُهم. و”الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ“ صادِقٌ عَلى مَن أخَذُوا بِالنَّصْرانِيَّةِ كُلِّهِمْ، وأعْظَمُ مَراتِبِهِمْ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِسِيرَتِهِ اهْتِداءً كامِلًا وانْقَطَعُوا لَها وهُمُ القائِمُونَ بِالعِبادِةِ. والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ إشْعارٌ بِأنَّ جَعْلَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ في قُلُوبِهِمْ مُتَسَبِّبٌ عَنِ اتِّباعِهِمْ سِيرَتَهُ وانْقِطاعِهِمْ إلَيْهِ. وجُمْلَةُ ”ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ“ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ”ابْتَدَعُوها“ . وقَوْلُهُ ”إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ“ صفحة ٤٢٤ احْتِراسٌ، ومَجْمُوعُ الجُمَلِ الثَّلاثِ اسْتِطْرادٌ واعْتِراضٌ. والاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ وجُمْلَةِ ”فَما رَعَوْها“ . وهُوَ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ يَشْمَلُهُ حُكْمُ العامِلِ في المُسْتَثْنى مِنهُ وإنْ لَمْ يَشْمَلْهُ لَفْظُ المُسْتَثْنى مِنهُ فَإنَّ مَعْنى كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا أنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ مَدْلُولِ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، ولَيْسَ مُنْقَطِعًا عَنْ عامِلِهِ، فالاسْتِثْناءُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ مَعْمُولًا في المَعْنى لِفِعْلِ ”كَتَبْناها“ فالمَعْنى: لَكِنْ كَتَبْنا عَلَيْهِمُ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، أيْ: أنْ يَبْتَغُوا رِضْوانَ اللَّهِ بِكُلِّ عَمَلٍ لا خُصُوصَ الرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي ابْتَدَعُوها، أيْ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهم بِها بِعَيْنِها. وقَوْلُهُ ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِتَكْلِيفِ اللَّهِ بِها ولَوْ في عُمُومِ ما يَشْمَلُها، أيْ: لَيْسَتْ مِمّا يَشْمَلُهُ الأمْرُ بِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وهم ظَنُّوا أنَّهم يُرْضُونَ اللَّهَ بِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِبَعْضِ أحْوالِ كِتابَةِ التَّكالِيفِ عَلَيْهِمْ وهي كِتابَةُ الأمْرِ بِها بِعَيْنِها فَتَكُونُ الرَّهْبانِيَّةُ مِمّا يُبْتَغى بِهِ رِضْوانُ اللَّهِ، أيْ: كَتَبُوها عَلى أنْفُسِهِمْ تَحْقِيقًا لِما فِيهِ رِضْوانُ اللَّهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «”شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» في قِصَّةِ ذَبْحِ البَقَرَةِ. وهَذا هو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ. وانْتَصَبَ“ ابْتِغاءَ ”عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ كَتَبْناها، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، أيْ: لَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها لْابْتِغاءِ رِضْوانِ اللَّهِ. وفِي الآيَةِ عَلى أظْهَرِ الِاحْتِمالَيْنِ إشارَةٌ إلى مَشْرُوعِيَّةِ تَحْقِيقِ المَناطِ وهو إثْباتُ العِلَّةِ في آحادِ جُزْئِيّاتِها وإثْباتُ القاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ في صُوَرِها. وفِيها حُجَّةٌ لِانْقِسامِ البِدْعَةِ إلى مَحْمُودَةٍ ومَذْمُومَةٍ بِحَسَبِ انْدِراجِها تَحْتَ نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَشْرُوعِيَّةِ فَتَعْتَرِيها الأحْكامُ الخَمْسَةُ كَما حَقَّقَهُالشِّهابُ القَرافِيُّ وحُذّاقُ العُلَماءِ. وأمّا الَّذِينَ حاوَلُوا حَصْرَها في الذَّمِّ فَلَمْ يَجِدُوا مَصْرِفًا. وقَدْ قالَ عُمَرُ لَمّا جُمِعَ النّاسُ عَلى قارِئٍ واحِدٍ في قِيامِ رَمَضانَ (نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ) . صفحة ٤٢٥ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُمُ ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ لِلِانْقِطاعِ عَنْ جَماعاتِ الشِّرْكِ مِنَ اليُونانِ والرُّومِ وعَنْ بَطْشِ اليَهُودِ، وظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ لِرِضْوانِ اللَّهِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] . وفي الحَدِيثِ «يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرُ مالِ المُسْلِمِ غَنَمًا يَتَتَبَّعُ بِها شَعَفَ الجِبالِ ومَواقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ»، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ التَّزَوُّجُ عارِضًا اقْتَضاهُ الِانْقِطاعُ عَنِ المُدُنِ والجَماعاتِ فَظَنَّهُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ أصْلًا مِن أصُولِ الرَّهْبانِيَّةِ. وأمّا تَرْكُ المَسِيحِ التَّزَوُّجَ فَلَعَلَّهُ لِعارِضٍ آخَرَ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ لِأجْلِهِ، ولَيْسَ تَرْكُ التَّزَوُّجِ مِن شُئُونِ النُّبُوءَةِ فَقَدْ كانَ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ أزْواجٌ قالَ تَعالى ﴿وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] . وقِيلَ: إنَّ ابْتِداعَهُمُ الرَّهْبانِيَّةَ بِأنَّهم نَذَرُوها لِلَّهِ وكانَ الِانْقِطاعُ عَنِ اللَّذائِذِ وإعْناتِ النَّفْسِ مِن وُجُوهِ التَّقَرُّبِ في بِعْضِ الشَّرائِعِ الماضِيَةِ بَقِيَتْ إلى أنْ أبْطَلَها الإسْلامُ في حَدِيثِ النُّذُرِ في المُوَطَّأِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا قائِمًا في الشَّمْسِ صامِتًا فَسَألَ عَنْهُ فَقالُوا: نَذَرَ أنْ لا يَتَكَلَّمَ ولا يَسْتَظِلَّ وأنْ يَصُومَ يَوْمَهُ فَقالَ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ولْيَسْتَظِلْ ولْيُتِمَّ، إنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» . وقَدْ مَضى في سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] ولا تَنافِي بَيْنَ القَوْلَيْنِ لِأنَّ أسْبابَ الرَّهْبانِيَّةِ قَدْ تَعَدَّدَتْ بِاخْتِلافِ الأدْيانِ. وقَدْ فُرِّعَ عَلى قَوْلِهِ“ ابْتَدَعُوها ”و ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ وما بَعْدَهُ قَوْلُهُ ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ أيْ: فَتَرَتَّبَ عَلى التِزامِهِمُ الرَّهْبانِيَّةَ أنَّهم، أيِ المُلْتَزِمِينَ لِلرَّهْبانِيَّةِ ما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ جَمِيعَهم قَصَّرُوا تَقْصِيرًا مُتَفاوِتًا، قَصَّرُوا في أداءِ حَقِّها، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ ما يَكْتُبُهُ اللَّهُ عَلى العِبادِ مِنَ التَّكالِيفِ لا يَشُقُّ عَلى النّاسِ العَمَلُ بِهِ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ، أيْ: ما حَفِظُوها حَقَّ حِفْظِها، واسْتُعِيرَ الحِفْظُ لْاسْتِيفاءِ ما تَقْتَضِيهِ ماهِيَّةُ الفِعْلِ، فالرَّهْبانِيَّةُ تَحُومُ حَوْلَ الإعْراضِ عَنِ اللَّذائِذِ الزّائِلَةِ وإلى التَّعَوُّدِ عَلى الصَّبْرِ عَلى تَرْكِ المَحْبُوباتِ لِئَلّا يَشْغَلَهُ اللَّهْوُ بِها عَنِ العِبادَةِ والنَّظَرِ في آياتِ صفحة ٤٢٦ اللَّهِ، فَإذا وقَعَ التَّقْصِيرُ في التِزامِها في بَعْضِ الأزْمانِ أوِ التَّفْرِيطُ في بَعْضِ الأنْواعِ فَقَدِ انْتَفى حَقُّ حِفْظِها. و“ حَقَّ رِعايَتِها ”مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيْ: رِعايَتَها الحَقَّ. وحَقُّ الشَّيْءِ: هو وُقُوعُهُ عَلى أكْمَلِ أحْوالِ نَوْعِهِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ. والمَعْنى: ما حَفِظُوا شُئُونَ الرَّهْبانِيَّةِ حِفْظًا كامِلًا فَمَصَبُّ النَّفْيِ هو القَيْدُ بِوَصْفِ“ حَقِّ رِعايَتِها ”. وهَذا الِانْتِفاءُ لَهُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ، والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ اللَّوْمِ عَلى تَقْصِيرِهِمْ فِيما التَزَمُوهُ أوْ نَذَرُوهُ، وذَلِكَ تَقَهْقُرٌ عَنْ مَراتِبِ الكَمالِ وإنَّما يَنْبَغِي لِلْمُتَّقِي أنْ يَكُونَ مُزْدادًا مِنَ الكَمالِ. وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «أحَبُّ الدِّينِ إلى اللَّهِ أدْوَمُهُ» . وقَوْلُهُ ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ إلى آخِرِهِ وما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ. والمُرادُ بِـ“ الَّذِينَ آمَنُوا " المُتَّصِفُونَ بِالإيمانِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى والإيمانُ بِرُسُلِهِ في كُلِّ زَمانٍ، أيْ: فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أجْرَهم، أيِ الَّذِينَ لَمْ يَخْلِطُوا مُتابَعَتَهم إيّاهُ بِما يُفْسِدُها مِثْلُ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ بُنُوَّتَهُ لِلَّهِ، ونَحْوُهم مِنَ النَّصارى الَّذِينَ أدْخَلُوا في الدِّينِ ما هو مُناقِضٌ لِقَواعِدِهِ وهم كَثِيرٌ مِنَ النَّصارى كَما قالَ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] . والمُرادُ بِالفِسْقِ: الكُفْرُ وهَذا ثَناءٌ عَلى المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ مِمَّنْ مَضَوْا مِنَ النَّصارى قَبْلَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وبُلُوغِ دَعْوَتِها إلى النَّصارى، وادِّعاؤُهم أنَّهم أتْباعُ المَسِيحِ باطِلٌ لِأنَّهم ما اتَّبَعُوهُ إلّا في الصُّورَةِ والَّذِينَ أفْسَدُوا إيمانَهم بِنَقْضِ أُصُولِهِ هُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]، أيْ: وكَثِيرٌ مِنَ الَّذِينَ التَزَمُوا دِينَهُ صفحة ٤٢٧ خارِجُونَ عَنِ الإيمانِ، فالمُرادُ بِالفِسْقِ ما يَشْمَلُ الكُفْرَ وما دُونَهُ مِثْلُ الَّذِينَ بَدَّلُوا الكِتابَ واسْتَخَفُّوا بِشَرائِعِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] .

الحديد 57:28

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . الغالِبُ في القُرْآنِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لَقَبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولَكِنْ لَمّا وقَعَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هُنا عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧]، أيْ: مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا اسْتِعْمالَهُ اللَّقَبِيَّ أعْنِي: كَوْنَهُ كالعِلْمِ بِالغَلَبَةِ عَلى مُؤْمِنِي مِلَّةِ الإسْلامِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَهُ اللُّغَوِيَّ الأعَمَّ، أعْنِي: مَن حَصَلَ مِنهُ إيمانٌ، وهو هُنا مَن آمَنَ بِعِيسى. والأظْهَرُ أنَّ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ مَقْصُودانِ لِيَأْخُذَ خُلَّصُ النَّصارى مِن هَذا الكَلامِ حَظَّهم وهو دَعْوَتُهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِيَسْتَكْمِلُوا ما سَبَقَ مِنِ اتِّباعِهِمْ عِيسى فَيَكُونُ الخُطّابُ مُوَجَّهًا إلى المَوْجُودِينَ مِمَّنْ آمَنُوا بِعِيسى، أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا خالِصًا بِشَرِيعَةِ عِيسى اتَّقُوا اللَّهَ واخْشَوْا عِقابَهُ واتْرُكُوا العَصَبِيَّةَ والحَسَدَ وسُوءَ النَّظَرِ وآمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وأمّا احْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا الإطْلاقُ اللَّقَبِيُّ فَيَأْخُذُ مِنهُ المُؤْمِنُونَ أهْلُ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ بِشارَةً بِأنَّهم لا يَقِلُّ أجْرُهم عَنْ أجْرِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم لَمّا آمَنُوا بِالرُّسُلِ السّابِقِينَ أعْطاهُمُ اللَّهُ أجْرَ مُؤْمِنِي أهْلِ مِلَلِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ”وآمِنُوا“ مُسْتَعْمَلًا في الدَّوامِ عَلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] في سُورَةِ النِّساءِ، ويَكُونُ إقْحامُ الأمْرِ بِالتَّقْوى في هَذا الِاحْتِمالِ قَصْدًا لِأنْ يَحْصُلَ في الكَلامِ أمْرٌ بِشَيْءٍ يَتَجَدَّدُ ثُمَّ يُرْدِفَ عَلَيْهِ أمْرٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المُرادَ بِهِ طَلَبُ الدَّوامِ وهَذا مِن بَدِيعِ نَظْمِ القُرْآنِ. ومَعْنى إيتاءِ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ مِلَّةِ الإسْلامِ كِفْلَيْنِ مِنَ الأجْرِ: أنَّ لَهم مِثْلَ صفحة ٤٢٨ أجْرَيْ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ. ويَشْرَحُ هَذا حَدِيثُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في صَحِيحِ البُخارِيِّ الَّذِي فِيهِ «مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ يَعْمَلُونَ لَهُ، فَعَمِلَتِ اليَهُودُ إلى نِصْفِ النَّهارِ، وعَمِلَتِ النَّصارى مِنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ عَلى قِيراطٍ، ثُمَّ عَمِلَ المُسْلِمُونَ مِنَ العَصْرِ إلى الغُرُوبِ عَلى قِيراطَيْنِ، قالَ فِيهِ: واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما»، أيِ: اسْتَكْمَلُوا مِثْلَ أجْرِ الفَرِيقَيْنِ أيْ: أخَذُوا ضِعْفَ كُلِّ فَرِيقٍ. وتَقْوى اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالأعْمالِ وبِالِاعْتِقادِ، وبِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ وقَدِ اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ لِلْمُتَأهِّلِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وقَوْلُهُ ”اتَّقُوا اللَّهَ“ أمْرٌ لَهم بِما هو وسِيلَةٌ ومُقَدِّمَةٌ لِلْمَقْصُودِ وهو الأمْرُ بِقَوْلِهِ ﴿وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ . ورَتَّبَ عَلى هَذا الأمْرِ ما هو جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وهو جُمْلَةُ ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ﴾ إلَخْ، المَجْزُومُ في جَوابِ الأمْرِ، أيْ: يُؤْتِكم جَزاءً في الآخِرَةِ وجَزاءً في الدُّنْيا، فَجَزاءُ الآخِرَةِ قَوْلُهُ ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ وقَوْلُهُ ”ويَغْفِرْ لَكم“، وجَزاءُ الدُّنْيا قَوْلُهُ ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ . والكِفْلُ: بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ: النَّصِيبُ. وأصْلُهُ: الأجْرُ المُضاعَفُ، وهو مُعَرَّبٌ مِنَ الحَبَشِيَّةِ كَما قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، أيْ: يُؤْتِكم أجْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وكُلُّ أجْرٍ مِنهُما هو ضِعْفُ الآخَرِ مُماثِلٌ لَهُ فَلِذَلِكَ ثُنِّيَ كِفْلَيْنِ كَما يُقالُ: زَوْجٌ، لِأحَدِ المُتَقارِبَيْنِ، هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨] وقَوْلِهِ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أُجُورَهم مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي، واتَّبَعَنِي، وصَدَّقَنِي فَلَهُ أجْرانِ» الحَدِيثَ. ويَتَعَلَّقُ ”مِن رَحْمَتِهِ“ بِـ ”يُؤْتِكم“، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، أيْ: ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِكم، وهَذا في جانِبِ النَّصارى مَعْناهُ لِإيمانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وإيمانِهِمْ بِعِيسى، أيْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإكْرامِهِ وإلّا فَإنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ واجِبٌ عَلَيْهِمْ صفحة ٤٢٩ كَإيمانِهِمْ بِعِيسى وهو مُتَمِّمٌ لِلْإيمانِ بِعِيسى وإنَّما ضُوعِفَ أجْرُهم لِما في النُّفُوسِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِما تَدِينُ بِهِ فَيَعْسُرُ عَلَيْها تَرْكُهُ، وأمّا في جانِبِ المُسْلِمِينَ فَهو إكْرامٌ لَهم لِئَلّا يَفُوقَهم بَعْضُ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ النَّصارى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مِن رَحْمَتِهِ“ صِفَةً لِ ”كِفْلَيْنِ“ وتَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةً، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: وهو ثَوابُ الجَنَّةِ ونَعِيمُها. وقَوْلُهُ ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ القَوْمِ الطّالِبِينَ التَّحْصِيلَ عَلى رِضى اللَّهِ تَعالى والفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الخائِفِينَ مِنَ الوُقُوعِ في ضِدِّ ذَلِكَ بِحالَةِ قَوْمٍ يَمْشُونَ في طَرِيقٍ بِلَيْلٍ يَخْشَوْنَ الخَطَأ فِيهِ فَيُعْطَوْنَ نُورًا يَتَبَصَّرُونَ بِالثَّنايا فَيَأْمَنُونَ الضَّلالَ فِيهِ. والمَعْنى: ويَجْعَلْ لَكم حالَةً كَحالَةِ نُورٍ تَمْشُونَ بِهِ، والباءُ لِلِاسْتِعانَةِ مِثْلُ كَتَبْتُ بِالقَلَمِ. والمَعْنى: ويُيَسِّرْ لَكم دَلالَةً تَهْتَدُونَ بِها إلى الحَقِّ. وجَمِيعُ أجْزاءِ هَذا التَّمْثِيلِ صالِحَةٌ لِتَكُونَ اسْتِعاراتٍ مُنْفَرِدَةً، وهَذا أبْلَغُ أحْوالِ التَّمْثِيلِ، وقَدْ عُرِفَ بِالقُرْآنِ تَشْبِيهُ الهُدى بِالنُّورِ، والضَّلالِ بِالظُّلْمَةِ، والبُرْهانِ بِالطَّرِيقِ، وإعْمالِ النَّظَرِ بِالمَشْيِ، وشاعَ ذَلِكَ بَعْدَ القُرْآنِ في كَلامِ أُدَباءِ العَرَبِيَّةِ. والمَغْفِرَةُ: جَزاءٌ عَلى امْتِثالِهِمْ ما أُمِرُوا بِهِ، أيْ: يَغْفِرْ لَكم ما فَرَطَ مِنكم مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ.

الحديد 57:29

﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ . اسْمُ أهْلُ الكِتابِ لَقَبٌ في القُرْآنِ لِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ لَمْ يَتَدَيَّنُوا بِالإسْلامِ لِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إذا أُضِيفَ إلَيْهِ (أهْلُ)، فَلا يُطْلَقُ عَلى المُسْلِمِينَ: أهْلُ الكِتابِ، وإنْ كانَ لَهم كِتابٌ، فَمَن صارَ مُسْلِمًا مِنَ صفحة ٤٣٠ اليَهُودِ والنَّصارى لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الكِتابِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، ولِذَلِكَ لَمّا وُصِفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ في القُرْآنِ وُصِفَ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، فَلَمّا كانَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم آنِفًا صارُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدِ انْسَلَخَ عَنْهم وصْفُ أهْلِ الكِتابِ، فَبَقِيَ الوَصْفُ بِذَلِكَ خاصَّةً بِاليَهُودِ والنَّصارى، فَلَمّا دَعا اللَّهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا المَسِيحَ إلى الإيمانِ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووَعَدَهم بِمُضاعَفَةِ ثَوابِ ذَلِكَ الإيمانِ، أعْلَمَهم أنَّ إيمانَهم يُبْطِلُ ما يَنْتَحِلُهُ أتْباعُ المَسِيحِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الفَضْلِ والشَّرَفِ لِأنْفُسِهِمْ بِدَوامِهِمْ عَلى مُتابَعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُغالِطُوا النّاسَ بِأنَّهم إنْ فاتَهم فَضْلُ الإسْلامِ لَمْ يَفُتْهم شَيْءٌ مِنَ الفَضْلِ بِاتِّباعِ عِيسى مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يُغَيِّرُوا دِينَهم. وقَدْ أفادَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ . قالَ الفَخْرُ: قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ ولَيْسَ لِلْمُفَسِّرِينَ كَلامٌ واضِحٌ في اتِّصالِها بِما قَبْلَها اهـ. هَلْ هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] الآيَةَ، أوْ مُتَّصِلَةُ ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧] إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨] . يُرِيدُ الواحِدِيُّ أنَّ اتِّصالَ الآيَةِ بِما قَبْلَها يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ . فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً فَيَكُونُ ما بَعْدَها مَعْلُولًا بِما قَبْلَها، وعَلَيْهِ فَحَرْفُ (لا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ زائِدًا لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْوِيَةِ. والمُعَلَّلُ هو ما يَرْجِعُ إلى فَضْلِ اللَّهِ لا مَحالَةَ وذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨] أوْ قَوْلُهُ ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧] إلى ”غَفُورٌ رَحِيمٌ“ . وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى جَعْلِ (لا) زائِدَةً. وأنَّ المَعْنى عَلى الإثْباتِ، أيْ: لِأنْ يَعْلَمَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَرَأ ”لِيَعْلَمَ“، وقَرَأ أيْضًا ”لِكَيْ يَعْلَمَ“، (( وقِراءَتُهُ تَفْسِيرٌ) . وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والأخْفَشِ، ودَرَجَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في صفحة ٤٣١ الكَشّافِ وابْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ، وهو بِناءً عَلى أنَّ (لا) قَدْ تَقَعُ زائِدَةً وهو ما أثْبَتَهُ الأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٢] وقَوْلُهُ ﴿ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقَوْلُهُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ونَحْوُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] عَلى أحَدِ تَأْوِيلاتٍ، ورُوِيَ أنَّ العَرَبَ جَعَلَتْها حَشْوًا في قَوْلِ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ أبُو عُمْرِو بْنُ العَلاءِ: أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ”نَعَمْ“ مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قائِلُهُ فِي رِوايَةٍ بِنَصْبِ (البُخْلَ)، البُخْلَ وأنَّ العَرَبَ فَسَّرُوا البَيْتَ بِمَعْنى أبى جُودُهُ البُخْلَ. والمَعْنى: عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ المُعَلَّلَ هو تَبْلِيغُ هَذا الخَبَرِ إلى أهْلِ الكِتابِ لِيَعْلَمُوا أنَّ فَضْلَ اللَّهِ أُعْطِيَ غَيْرَهم فَلا يَتَبَجَّحُوا بِأنَّهم عَلى فَضْلٍ لا يَنْقُصُ عَنْ فَضْلِ غَيْرِهِمْ إذْ كانَ لِغَيْرِهِمْ فَضْلٌ وهو المُوافِقُ لِتَفْسِيرِ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. وعِنْدِي: أنَّهُ لا يُعْطِي مَعْنًى لِأنَّ إخْبارَ القُرْآنِ بِأنَّ لِلْمُسْلِمِينَ أجْرَيْنِ لا يُصَدِّقُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ فَلا يَسْتَقِرُّ بِهِ عِلْمُهم بِأنَّهم لا فَضْلَ لَهم فَكَيْفَ يُعَلَّلُ إخْبارُ اللَّهِ بِهِ بِأنَّهُ يُزِيلُ عِلْمَ أهْلِ الكِتابِ بِفَضْلِ أنْفُسِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أنَّهم لا فَضْلَ لَهم. وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ وتَبِعَهُ جَماعَةٌ إلى أنَّ (لا) نافِيَةٌ، وقَرَّرَهُ الفَخْرُ بِأنَّ ضَمِيرَ ”يَقْدِرُونَ“ عائِدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ (أيْ: عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وأصْلُهُ أنْ لا تَقْدِرُوا) وإذا انْتَفى عِلْمُ أهْلِ الكِتابِ بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ والمُسْلِمِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ ثَبَتَ ضِدُّ ذَلِكَ في عِلْمِهِمْ أيْ: كَيْفَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ والمُسْلِمِينَ يَقْدِرُونَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، ويَكُونُ ”يَقْدِرُونَ“ مُسْتَعارًا لِمَعْنى: يَنالُونَ، وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، فَهو الَّذِي فَضَّلَهم، ويَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ الفَضْلِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ . صفحة ٤٣٢ ويَرُدُّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ما ورَدَ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ لِأنَّ عِلْمَ أهْلِ الكِتابِ لا يَحْصُلُ بِإخْبارِ القُرْآنِ لِأنَّهم يُكَذِّبُونَ بِهِ. وأنا أرى أنَّ دَعْوى زِيادَةِ (لا) لا داعِيَ إلَيْها، وأنَّ بَقاءَها عَلى أصْلِ مَعْناها وهو النَّفْيُ مُتَعَيِّنٌ، وتُجْعَلُ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: أعْطَيْناكم هَذا الفَضْلَ وحُرِمَ مِنهُ أهْلُ الكِتابِ فَبَقِيَ أهْلُ الكِتابِ في جَهْلِهِمْ وغُرُورِهِمْ بِأنَّ لَهُمُ الفَضْلَ المُسْتَمِرَّ ولا يَحْصُلُ لَهم عِلْمٌ بِانْتِفاءِ أنْ يَكُونُوا يَمْلِكُونَ فَضْلَ اللَّهِ ولا أنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى الفَضْلَ قَوْمًا آخَرِينَ وحَرَمَهم إيّاهُ فَيَنْسَوْنَ أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، ولَيْسَ أحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ بِالذّاتِ. وبِهَذا الغُرُورِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِمُ القَدِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ لامَ العاقِبَةِ أصْلُها التَّعْلِيلُ المَجازِيُّ كَما عَلِمْتَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] في سُورَةِ القَصَصِ. وقَوْلُهُ ”أهْلُ الكِتابِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صادِقًا عَلى اليَهُودِ خاصَّةً إنْ جُعِلَ التَّعْلِيلُ تَعْلِيلًا لِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صادِقًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى إنْ جُعِلَ لامُ التَّعْلِيلِ عِلَّةً لِقَوْلِهِ ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] . و(أنْ) مِن قَوْلِهِ ”أنْ لا يَقْدِرُونَ“ مُخَفَّفَةٌ مِن (أنَّ) واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ. والمَعْنى: لا تَكْتَرِثُوا بِعَدَمِ عِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ وبِأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، أيْ: لا تَكْتَرِثُوا بِجَهْلِهِمُ المُرَكَّبِ في اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الِاغْتِرارِ بِأنَّ لَهم مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِذَلِكَ وهو خُلُقُهم فَهم لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٤٣٣ وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَذْيِيلٌ يَعُمُّ الفَضْلَ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ أهْلَ الكِتابِ المُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وغَيْرَهُ مِنَ الفَضْلِ. * * * صفحة ٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ المُجادَلَةِ. سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي المَصاحِفِ وكُتُبِ السُّنَّةِ (سُورَةَ المُجادَلَةِ) بِكَسْرِ الدّالِ أوْ بِفَتْحِهِ كَما سَيَأْتِي. وتُسَمّى (سُورَةَ قَدْ سَمِعَ) وهَذا الِاسْمُ مُشْتَهِرٌ في الكَتاتِيبِ في تُونُسَ، وسُمِّيَتْ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (سُورَةَ الظِّهارِ) . ووَجْهُ تَسْمِيَتِها (سُورَةَ المُجادَلَةِ) لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِقَضِيَّةِ مُجادَلَةِ امْرَأةِ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ لَدى النَّبِيءِ ﷺ في شَأْنِ مُظاهَرَةِ زَوْجِها. ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ ولا شارِحُو كُتُبِ السُّنَّةِ ضَبْطَهُ بِكَسْرِ الدّالِ أوْ فَتْحِها. وذَكَرَ الخَفاجِيُّ في حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ عَنِ الكَشْفِ أنَّ كَسْرَ الدّالِ هو المَعْرُوفُ (ولَمْ أدْرِ ما أرادَ الخَفاجِيُّ بِالكَشْفِ الَّذِي عَزا إلَيْهِ هَذا)، فَكَشْفُ القَزْوِينِيِّ عَلى الكَشّافِ لا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ، ولا في التَّفْسِيرِ المُسَمّى الكَشْفَ والبَيانَ لِلثَّعْلَبِيِّ. فَلَعَلَّ الخَفاجِيَّ رَأى ذَلِكَ في الكَشْفِ الَّذِي يَنْقُلُ عَنْهُ الطِّيبِيُّ في مَواضِعِ تَقْرِيراتٍ لِكَلامِ الكَشّافِ وهو غَيْرُ مَعْرُوفٍ في عِدادِ شُرُوحِ الكَشّافِ، وكَسْرُ الدّالِ أظْهَرُ لِأنَّ السُّورَةَ افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الَّتِي تُجادِلُ في زَوْجِها فَحَقِيقَةٌ أنْ تُضافَ إلى صاحِبَةِ الجِدالِ، وهي الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ [المجادلة: ١] . ورَأيْتُ في نُسْخَةٍ مِن حاشِيَةِ مُحَمَّدٍ الهَمَذانِيِّ عَلى الكَشّافِ المُسَمّاةِ تَوْضِيحَ المُشْكِلاتِ، بِخَطِّ مُؤَلِّفِها جَعَلَ عَلامَةَ كَسْرَةٍ تَحْتَ دالِ المُجادِلَةِ. وأمّا فَتْحُ الدّالِ فَهو مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ﴿تُجادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١] كَما عَبَّرَ عَنْها بِالتَّحاوُرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ [المجادلة: ١] . وهَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالإجْماعِ. وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ عَطاءٍ: أنَّ العَشْرَ الأُوَلَ مِنها مَدَنِيٌّ وباقِيهِا مَكِّيٌّ. وفِيهِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. صفحة ٦ وهِيَ السُّورَةُ المِائَةُ وثَلاثٌ في عِدادِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُنافِقِينَ وقَبْلَ سُورَةِ التَّحْرِيمِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ سُورَةَ المُجادَلَةِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الأحْزابِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّاءِ تَظَّهَّرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ إبْطالِ حُكْمِ الظِّهارِ بِما في سُورَةِ المُجادَلَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ ما جَعَلَ يَقْتَضِي إبْطالَ التَّحْرِيمِ بِالمُظاهَرَةِ. وإنَّما أُبْطِلَ بِآيَةِ سُورَةِ المُجادَلَةِ. وقالَ السَّخاوِيُّ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُجادَلَةِ بَعْدَ سُورَةِ المُنافِقِينَ وقَبْلَ سُورَةِ الحُجُراتِ. وآيِها في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ إحْدى وعِشْرُونَ، وفي عَدِّ أهْلِ الشّامِ والبَصْرَةِ والكُوفَةِ اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. * * * الحُكْمُ في قَضِيَّةِ مُظاهَرَةِ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ مِن زَوْجِهِ خَوْلَةَ. وإبْطالُ ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن تَحْرِيمِ المَرْأةِ إذا ظاهَرَ مِنها زَوْجُها وأنَّ عَمَلَهم مُخالِفٌ لِما أرادَهُ اللَّهُ وأنَّهُ مِن أوْهامِهِمْ وزُورِهِمُ الَّتِي كَبَتَهُمُ اللَّهُ بِإبْطالِها. وتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ إلى ضَلالاتِ المُنافِقِينَ ومِنها مُناجاتُهم بِمَرْأى المُؤْمِنِينَ لِيُغِيضُوهم ويُحْزِنُوهم. ومِنها مُوالاتُهُمُ اليَهُودَ. وحَلِفُهم عَلى الكَذِبِ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ التَّعَرُّضُ بِآدابِ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ . وشَرَعَ التَّصَدُّقَ قَبْلَ مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ . والثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ في مُجافاتِهِمُ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ. وأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ وحِزْبَهُما هُمُ الغالِبُونَ.

المجادلة 58:1

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ بَصِيرُ﴾ . صفحة ٧ افْتُتِحَتْ آياتُ أحْكامِ الظِّهارِ بِذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِها تَنْوِيهًا بِالمَرْأةِ الَّتِي وجَّهَتْ شَكْواها إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّها لَمْ تُقَصِّرْ في طَلَبِ العَدْلِ في حَقِّها وحَقِّ بَنِيها. ولَمْ تَرْضَ بِعُنْجُهِيَّةِ زَوْجِها وابْتِدارِهِ إلى ما يَنْثُرُ عِقْدَ عائِلَتِهِ دُونَ تَبَصُّرٍ ولا رَوِيَّةٍ، وتَعْلِيمًا لِنِساءِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، ورِجالِها واجِبَ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِها. تِلْكَ هي قَضِيَّةُ المَرْأةِ خَوْلَةَ أوْ خُوَيْلَةَ مُصَغَّرًا أوْ جَمِيلَةَ بِنْتِ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أوْ بِنْتِ دُلَيْجٍ (مُصَغَّرًا) العَوْفِيَّةِ. ورُبَّما قالُوا: الخَزْرَجِيَّةُ، وهي مِن بَنِي عَوْفِ بْنِ مالِكِ بْنِ الخَزْرَجِ. مِن بُطُونِ الأنْصارِ مَعَ زَوْجِها أوْسِ بْنِ الصّامِتِ الخَزْرَجِيِّ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ. قِيلَ: إنَّ سَبَبَ حُدُوثِ هَذِهِ القَضِيَّةِ أنَّ زَوْجَها رَآها وهي تُصَلِّي وكانَتْ حَسَنَةَ الجِسْمِ، فَلَمّا سَلَّمَتْ أرادَها فَأبَتْ فَغَضِبَ وكانَ قَدْ ساءَ خُلُقُهُ فَقالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وكانَ هَذا في الجاهِلِيَّةِ تَحْرِيمًا لِلْمَرْأةِ مُؤَبَّدًا أيْ: وعَمِلَ بِهِ المُسْلِمُونَ في المَدِينَةِ بِعِلْمٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وإقْرارِهِ النّاسَ عَلَيْهِ فاسْتَقَرَّ مَشْرُوعًا فَجاءَتْ خَوْلَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ لَها: «حُرِّمْتِ عَلَيْهِ، فَقالَتْ لِلرَّسُولِ ﷺ: إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا إنْ ضَمَمْتَهم إلَيْهِ ضاعُوا وإنْ ضَمَمْتَهم إلَيَّ جاعُوا، فَقالَ ”ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ“، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا. وإنَّما هو أبُو ولَدِي وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ فَقالَ: حُرِّمْتِ عَلَيْهِ. فَقالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي ووَجْدِي. كُلَّما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ هَتَفَتْ وشَكَتْ إلى اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ» . وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ داوُدُ في كِتابِ الظِّهارِ مُجْمَلًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وأمّا تَفْصِيلُ قِصَّتِهِ فَمِن رِواياتِ أهْلِ التَّفْسِيرِ وأسْبابِ النُّزُولِ يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وقَدِ اسْتَقْصاها الطَّبَرِيُّ بِأسانِيدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأبِي العالِيَةِ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وكُلُّها مُتَّفِقَةٌ عَلى أنَّ المَرْأةَ المُجادِلَةَ هي خَوْلَةُ أوْ خُوَيْلَةُ أوْ جَمِيلَةُ، وعَلى أنَّ زَوْجَها أوْسَ بْنَ الصّامِتِ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ، وأبُو داوُدَ حَدِيثًا في الظِّهارِ في قِصَّةٍ أُخْرى مَنسُوبَةٍ إلى سَلَمَةَ بْنِ صفحة ٨ صَخْرٍ البَياضِيِّ تُشْبِهُ قِصَّةَ خَوْلَةَ أنَّهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ ظِهارًا مُوقِنًا بِرَمَضانَ ثُمَّ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَوَطِئَها واسْتَفْتى في ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى آخَرِ القِصَّةِ، إلّا أنَّهُما لَمْ يَذْكُرا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وإنَّما نَسَبُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى النَّقّاشِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِصَّةِ سَلَمَةَ ولا يُعْرَفُ هَذا لِغَيْرِهِ. وأحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ اخْتِلاطٌ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ وكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وصَرِيحُ الآيَةِ أنَّ السّائِلَةَ امْرَأةٌ، والَّذِي في حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أنَّهُ هو السّائِلُ. و(قَدْ) أصْلُهُ حَرْفُ تَحْقِيقٍ لِلْخَبَرِ، فَهو مِن حُرُوفِ تَوْكِيدِ الخَبَرِ ولَكِنَّ الخِطابَ هُنا لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو لا يُخامِرُهُ تَرَدُّدٌ في أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما قالَتْهُ المَرْأةُ الَّتِي جادَلَتْ في زَوْجِها. فَتَعَيَّنَ أنَّ حَرْفَ (قَدْ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّوَقُّعِ، أيِ الإشْعارِ بِحُصُولِ ما يَتَوَقَّعُهُ السّامِعُ. قالَ في الكَشّافِ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُجادِلَةَ كانا يَتَوَقَّعانِ أنْ يَسْمَعَ اللَّهُ لِمُجادَلَتِها وشَكْواها ويُنْزِلَ في ذَلِكَ ما يُفَرِّجُ عَنْها اهـ. ومَعْنى التَّوَقُّعُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حَرْفُ (قَدْ) في مِثْلِ هَذا يُؤَوَّلُ إلى تَنْزِيلِ الَّذِي يَتَوَقَّعُ حُصُولَ أمْرٍ لِشِدَّةِ اسْتِشْرافِهِ لَهُ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ، فَتَحْقِيقُ الخَبَرِ مِن تَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِنُكْتَةٍ كَما قالُوا في تَأْكِيدِ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] إنَّهُ جُعِلَ غَيْرُ السّائِلِ كالسّائِلِ حَيْثُ قُدِّمَ إلَيْهِ ما يُلَوِّحُ إلَيْهِ بِالخَبَرِ فَيَسْتَشْرِفُ لَهُ اسْتِشْرافَ الطّالِبِ المُتَرَدِّدِ. ولِهَذا جَزَمَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الكافِيَةِ بِأنَّ (قَدْ) لا بُدَّ فِيها مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ. ثُمَّ يُضافُ إلَيْهِ في بَعْضِ المَواضِعِ مَعانٍ أُخْرى. والسَّماعُ في قَوْلِهِ ”سَمِعَ“ مَعْناهُ الِاسْتِجابَةُ لِلْمَطْلُوبِ وقَبُولَهُ بِقَرِينَةِ دُخُولِ (قَدْ) التَّوَقُّعِيَّةِ عَلَيْهِ فَإنَّ المُتَوَقَّعَ هو اسْتِجابَةُ شَكْواها. وقَدِ اسْتُحْضِرَتِ المَرْأةُ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ تَنْوِيهًا بِمُجادَلَتِها وشَكْواها لِأنَّها دَلَّتْ عَلى تَوَكُّلِها الصّادِقِ عَلى رَحْمَةِ رَبِّها بِها وبِأبْنائِها وبِزَوْجِها. والمُجادَلَةُ: الِاحْتِجاجُ والاسْتِدْلالُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] في سُورَةِ الأنْفالِ. صفحة ٩ والاشْتِكاءُ: مُبالَغَةٌ في الشَّكْوى وهي ذِكْرُ ما آذاهُ، يُقالُ: شَكا وتَشَكّى واشْتَكى وأكْثَرُها مُبالَغَةً: اشْتَكى والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ الشِّكايَةُ لِقَصْدِ طَلَبِ إزالَةِ الضُّرِّ الَّذِي يَشْتَكِي مِنهُ بِحُكْمٍ أوْ نَصْرٍ أوْ إشارَةٍ بِحِيلَةِ خَلاصٍ. وتَعَلُّقِ فِعْلِ التَّجادُلِ بِالكَوْنِ في زَوْجِها عَلى نِيَّةِ مُضافٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ في مِثْلِ هَذا أيْ: في شَأْنِ زَوْجِها وقَضِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] وقَوْلِهِ ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ٣٧] وهو مِنَ المَسْألَةِ المُلَقَّبَةِ في أُصُولِ الفِقْهِ بِإضافَةِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ إلى الأعْيانِ في نَحْوِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . والتَّحاوُرُ تَفاعُلُ مِن حارَ إذا أجابَ، فالتَّحاوُرُ حُصُولُ الجَوابِ مِن جانِبَيْنِ فاقْتَضَتْ مُراجَعَةً بَيْنَ شَخْصَيْنِ. والسَّماعُ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ المُناسِبِ لِصِفاتِ اللَّهِ إذْ لا صارِفَ يَصْرِفُ عَنِ الحَقِيقَةِ. وكَوْنُ اللَّهِ تَعالى عالِمًا بِما جَرى مِنَ المُحاوَرَةِ مَعْلُومٌ لا يُرادُ مِنَ الإخْبارِ بِهِ إفادَةُ الحُكْمِ، فَتَعَيَّنَ صَرْفُ الخَبَرِ إلى إرادَةِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ التَّحاوُرِ والتَّنْوِيهِ بِهِ وبِعَظِيمِ مَنزِلَتِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى تَرَقُّبِ النَّبِيءِ ﷺ ما يُنْزِلُهُ عَلَيْهِ مِن وحْيٍ، وتَرَقُّبُ المَرْأةِ الرَّحْمَةَ، وإلّا فَإنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِتَحاوُرِهِما. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تُجادِلُكَ﴾ . وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ مُقارَنَةِ عِلْمِ اللَّهِ لِتَحاوُرِهِما زِيادَةً في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ ذَلِكَ التَّحاوُرِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِكُلِّ صَوْتٍ وبِكُلِّ مَرْئِيٍّ. ومِن ذَلِكَ مُحاوَرَةُ المُجادِلَةِ ووُقُوعُها عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ . وتَكْرِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَوْضِعِ إضْمارِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإثارَةِ تَعْظِيمِ مِنَّتِهِ تَعالى ودَواعِي شُكْرِهِ.

المجادلة 58:2

﴿الَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتُهم إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّاءِ ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ . صفحة ١٠ تَتَنَزَّلُ جُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ وما يُتِمُّ أحْكامَها مَنزِلَةَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ [المجادلة: ١] الآيَةَ لِأنَّ فِيها مَخْرَجًا مِمّا لَحِقَ بِالمُجادِلَةِ مِن ضُرٍّ بِظِهارِ زَوْجِها، وإبْطالًا لَهُ، ولَها أيْضًا مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِجُمْلَةِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] يُثِيرُ سُؤالًا في النَّفْسِ أنْ تَقُولَ: فَماذا نَشَأ عَنِ اسْتِجابَةِ اللَّهِ لِشَكْوى المُجادِلَةِ ؟ فَيُجابُ بِما فِيهِ المَخْرَجُ لَها مِنهُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ (يَظَّهَّرُونَ) بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ مَفْتُوحَتَيْنِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الظّاءِ عَلى أنَّ أصْلَهُ: يَتَظَهَّرُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الظّاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ يَظّاهَرُونَ بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ والألِفِ بَعْدَها عَلى أنَّ أصْلَهُ: يَتَظاهَرُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ كَما تَقَدَّمَ، وقَرَأ عاصِمٌ يُظاهِرُونَ بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ وألِفٍ وكَسْرِ الهاءِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ ظاهَرَ. ولَمْ يَأْتِ مَصْدَرُهُ إلّا عَلى وزْنِ الفِعالِ ووَزْنِ المُفاعَلَةِ. يُقالُ: صَدَرَ مِنهُ ظِهارٌ ومُظاهَرَةٌ، ولَمْ يَقُولُوا في مَصْدَرِهِ بِوَزْنِ التَّظَهُّرِ، فَقِراءَةُ نافِعٍ قَدِ اسْتُغْنِيَ فِيها عَنْ مَصْدَرِهِ بِمَصْدَرِ مُرادِفِهِ. ومَعْناهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِزَوْجِهِ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وكانَ هَذا قَوْلًا يَقُولُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ يُرِيدُونَ بِهِ تَأْبِيدَ تَحْرِيمِ نِكاحِها وبَتِّ عِصْمَتِهِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ ضِدِّ البَطْنِ لِأنَّ الَّذِي يَقُولُ لْامْرَأتِهِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يُرِيدُ ذَلِكَ أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ. كَما أنَّ أُمَّهُ حَرامٌ عَلَيْهِ، فَإسْنادُ تَرْكِيبِ التَّشْبِيهِ إلى ضَمِيرِ المَرْأةِ عَلى تَقْدِيرِ حالَةٍ مِن حالاتِها، وهي حالَةُ الِاسْتِمْتاعِ المَعْرُوفِ، سَلَكُوا في هَذا التَّحْرِيمِ مَسْلَكَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ حِينَ يَقْرَبُها زَوْجُها بِالرّاحِلَةِ، وإثْباتُ الظَّهْرِ لَها تَخَيُّلٌ لِلِاسْتِعارَةِ، ثُمَّ تَشْبِيهِ ظَهْرِ زَوْجَتِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ، أيْ: في حالَةٍ مِن أحْوالِهِ، وهي حالَةُ الِاسْتِمْتاعِ المَعْرُوفِ. وجُعِلَ المُشَبَّهُ ذاتُ الزَّوْجَةِ. والمَقْصُودُ أخَصُّ أحْوالِ الزَّوْجَةِ وهو حالُ قُرْبانِها فَآلَ إلى إضافَةِ الأحْكامِ إلى الأعْيانِ. فالتَّقْدِيرُ: قُرْبانُكِ كَقُرْبانِ ظَهْرِ أُمِّي، أيِ: اعْتِلائِها الخاصِّ. فَفي هَذِهِ الصِّيغَةِ حَذْفٌ ومَجِيءُ حُرُوفِ لَفْظِ ظَهْرٍ في صِيغَةِ ظِهارٍ أوْ مُظاهَرَةٍ يُشِيرُ إلى صِيغَةِ التَّحْرِيمِ الَّتِي هي ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“ إيماءٌ إلى تِلْكَ الصِّيغَةِ عَلى نَحْوِ صفحة ١١ ما يُسْتَعْمَلُ في النَّحْتِ ولَيْسَ هو مِنَ النَّحْتِ لِأنَّ النَّحْتَ يَشْتَمِلُ عَلى حُرُوفٍ مِن عِدَّةِ كَلِماتٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ كانَ الظِّهارُ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ يَقْتَضِي تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ. وأحْسَبُ أنَّهُ كانَ طَلاقًا عِنْدَ أهْلِ يَثْرِبَ وما حَوْلَها لِكَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمُ اليَهُودَ ولا أحْسَبُ أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ في مَكَّةَ وتِهامَةَ ونَجْدٍ وغَيْرِها ولَمْ أقِفْ عَلى ذَلِكَ في كَلامِهِمْ. وحَسْبُكَ أنْ لَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ إلّا في المَدَنِيِّ هُنا وفي سُورَةِ الأحْزابِ. والَّذِي يَلُوحُ لِي أنَّ أهْلَ يَثْرِبَ ابْتَدَعُوا هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْرِيمِ، فَإنَّهم كانُوا قَبْلَ الإسْلامِ مُمْتَزِجِينَ بِاليَهُودِ مُتَخَلِّقِينَ بِعَوائِدِهِمْ وكانَ اليَهُودُ يَمْنَعُونَ أنْ يَأْتِيَ الرَّجُلَ امْرَأتَهُ مِن جِهَةِ خَلْفِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَلِذَلِكَ جاءَ في هَذِهِ الصِّيغَةِ لَفْظُ الظَّهْرِ، فَجَمَعُوا في هَذِهِ الصِّيغَةِ تَغْلِيظًا مِنَ التَّحْرِيمِ وهي أنَّها كَأُمِّهِ، بَلْ كَظَهْرِ أُمِّهِ. فَجاءَتْ صِيغَةً شَنِيعَةً فَظِيعَةً. وأخَذُوا مِن صِيغَةِ ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“ أصْرَحَ ألْفاظِها وأخَصَّها بِغَرَضِها وهو لَفْظُ ظَهْرٍ فاشْتَقُّوا مِنهُ الفِعْلَ بِزِناتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، يَقُولُ: ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، وظَهَّرَ مِثْلَ ضاعَفَ وضَعَّفَ، ويُدْخِلُونَ عَلَيْهِما تاءَ المُطاوَعَةِ. فَيَقُولُونَ: تَظاهَرَ مِنها وتَظَهَّرَ، ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ النَّحْتِ نَحْوَ: بَسْمَلَ، وهَلَّلَ، لِعَدَمِ وُجُودِ حَرْفٍ مِنَ الكَلِماتِ المَوْجُودَةِ في الجُمْلَةِ كُلِّها. والخِطابُ في قَوْلِهِ مِنكم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذا الوَصْفِ لِلتَّعْمِيمِ بَيانًا لِمَدْلُولِ الصِّلَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ إرادَةُ مُعَيَّنٍ لِلصِّلَةِ. و(مِن) بَيانِيَّةٌ كَشَأْنِها بَعْدَ الأسْماءِ المُبْهَمَةِ فَعَلِمَ أنَّ هَذا الحُكْمَ تَشْرِيعٌ عامٌّ لِكُلِّ مُظاهِرٍ. ولَيْسَ خُصُوصِيَّةً لِخَوْلَةَ ولا لِأمْثالِها مِنَ النِّساءِ ذَواتِ الخَصاصَةِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ. وأمّا (مِن) في قَوْلِهِ مِن نِسائِهِمْ فابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يُظاهِرُونَ لِتَضَمُّنِهِ صفحة ١٢ مَعْنى البُعْدِ إذْ هو قَدْ كانَ طَلاقًا والطَّلاقُ يُبْعِدُ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ عَنِ الآخَرِ، فاجْتَلَبَ لَهُ حَرْفَ الِابْتِداءِ. كَما يُقالُ: خَرَجَ مِنَ البَلَدِ. وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ المُتَعارَفَ في صِيغَةِ الظِّهارِ أنْ تَشْتَمِلَ عَلى ما يَدُلُّ عَلى الزَّوْجَةِ والظَّهْرِ والأُمِّ دُونَ التِفاتٍ إلى ما يَرْبِطُ هَذِهِ الكَلِماتِ الثَّلاثَةِ مِن دُونِ الرَّبْطِ مِن أفْعالٍ وحُرُوفٍ نَحْوِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وأنْتِ مِنِّي مِثْلَ ظَهْرِ أُمِّي، أوْ كُونِي لِي كَظَهْرِ أُمِّي، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَأمّا إذا فُقِدَ بَعْضُ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ أوْ جَمِيعُها. نَحْوُ: وجْهُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. أوْ كَجَنْبِ أُمِّي، أوْ كَظَهْرِ جَدَّتِي، أوِ ابْنَتِي، مِن كُلِّ كَلامٍ يُفِيدُ تَشْبِيهَ الزَّوْجَةِ، أوْ إلْحاقَها بِإحْدى النِّساءِ مِن مَحارِمِهِ بِقَصْدِ تَحْرِيمِ قُرْبانِها، فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الظِّهارِ في أشْهَرِ أقْوالِ مالِكٍ وأقْوالِ أصْحابِهِ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ، ولا يَنْتَقِلُ إلى صِيغَةِ الطَّلاقِ أوِ التَّحْرِيمِ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ التَّوْسِعَةَ عَلى النّاسِ وعَدَمَ المُؤاخَذَةِ. ولَمْ يُشِرِ القُرْآنُ إلى اسْمِ الظَّهْرِ ولا إلى اسْمِ الأُمِّ إلّا مُراعاةً لِلصِّيغَةِ المُتَعارَفَةِ بَيْنَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بِحَيْثُ لا يَنْتَقِلُ الحُكْمُ مِنَ الظِّهارِ إلى صِيغَةِ الطَّلاقِ إلّا إذا تَجَرَّدَ عَنْ تِلْكَ الكَلِماتِ الثَّلاثِ تَجَرُّدًا واضِحًا. والصُّوَرُ عَدِيدَةٌ ولَيْسَتِ الإحاطَةُ بِها مُفِيدَةً، وذَلِكَ مِن مَجالِ الفَتْوى ولَيْسَ مِن مَهْيَعِ التَّفْسِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ . خَبَرٌ عَنِ ”الَّذِينَ“، أيْ: لَيْسَ أزْواجُهم أُمَّهاتٌ لَهم بِقَوْلِ أحَدِهِمْ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أيْ: لا تَصِيرُ الزَّوْجُ بِذَلِكَ أُمّا لِقائِلِ تِلْكَ المَقالَةِ. وهَذا تَمْهِيدٌ لِإبْطالِ أثَرِ صِيغَةِ الظِّهارِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، بِما يُشِيرُ إلى أنَّ الأُمُومَةَ حَقِيقِيَّةٌ ثابِتَةٌ لا تُصْنَعُ بِالقَوْلِ إذِ القَوْلُ لا يُبَدِّلُ حَقائِقَ الأشْياءِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] ولِذَلِكَ أعْقَبَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾ أيْ: فَلَيْسَتِ الزَّوْجاتُ المُظاهَرُ مِنهُنَّ بِصائِراتٍ أُمَّهاتٍ بِذَلِكَ الظِّهارِ لْانْعِدامِ حَقِيقَةِ الأُمُومَةِ مِنهُنَّ إذْ هُنَّ لَمْ يَلِدْنَ القائِلِينَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَلا يَحْرُمْنَ عَلَيْهِمْ، فالقَصْرُ في الآيَةِ حَقِيقِيٌّ، أيْ: فالتَّحْرِيمُ بِالظِّهارِ أمْرٌ باطِلٌ لا يَقْتَضِيهِ سَبَبٌ يُؤَثِّرُ إيجادَهُ. صفحة ١٣ وجُمْلَةُ ﴿إنْ أُمَّهاتُهُمْ﴾ إلَخْ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾، وهو تَعْلِيلٌ لِلْمَقْصُودِ مِن هَذا الكَلامِ. أعْنِي إبْطالَ التَّحْرِيمِ بِلَفْظِ الظِّهارِ، إذْ كَوْنُهُنَّ غَيْرَ أُمَّهاتِهِمْ ضَرُورِيٌّ لا يَحْتاجُ إلى التَّعْلِيلِ. وزِيدَ صَنِيعُهم ذَمّا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ تَوْبِيخًا لَهم عَلى صَنِيعِهِمْ، أيْ: هو مَعَ كَوْنِهِ لا يُوجِبُ تَحْرِيمَ المَرْأةِ هو قَوْلٌ مُنْكَرٌ، أيْ: قَبِيحٌ لِما فِيهِ مِن تَعْرِيضِ حُرْمَةِ الأُمِّ لِتَخَيُّلاتٍ شَنِيعَةٍ تَخْطُرُ بِمُخَيِّلَةِ السّامِعِ عِنْدَما يَسْمَعُ قَوْلَ المُظاهِرِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وهي حالَةٌ يَسْتَلْزِمُها ذِكْرُ الظَّهْرِ في قَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي. وأحْسَبُ أنَّ الفِكْرَ الَّذِي أمْلى صِيغَةَ الظِّهارِ عَلى أوَّلِ مَن نَطَقَ بِها كانَ مَلِيئًا بِالغَضَبِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلى بَذِيءِ الكَلامِ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: امْصُصْ بَظْرَ أُمِّكَ في المُشاتَمَةِ، وهو أيْضًا قَوْلٌ زُورٌ لِأنَّهُ كَذِبٌ إذْ لَمْ يُحَرِّمْها اللَّهُ. وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّاءِ تَظَّهَّرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) واللّامِ، لِلِاهْتِمامِ بِإيقاظِ النّاسِ لِشَناعَتِهِ إذْ كانُوا قَدِ اعْتادُوهُ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في كَوْنِهِ مُنْكَرًا أوْ زُورًا، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الظِّهارَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا في شَرْعٍ قَدِيمٍ ولا في شَرِيعَةِ الإسْلامِ، وأنَّهُ شَيْءٌ وضَعَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ عَدُّهُ مَعَ تَكاذِيبِ الجاهِلِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّاءِ تَظَّهَّرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْزابِ. وبَعْدَ هَذا التَّوْبِيخِ عَطَفَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما صَدَرَ مِنهم مِنَ الظِّهارِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، إذْ كانَ عُذْرُهم أنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ تابَعُوا فِيهِ أسْلافَهم وجَرى عَلى ألْسِنَتِهِمْ دُونَ تَفَكُّرٍ في مَدْلُولاتِهِ. وأمّا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَمَذْهَبُ المالِكِيَّةِ: أنَّ حُكْمَ إيقاعِهِ الحُرْمَةُ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ راشِدٍ القَفَصِيُّ في اللُّبابِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٤] أنَّ إيقاعَ الظِّهارِ مَعْصِيَةٌ، ولِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ . وبِذَلِكَ أيْضًا فَسَّرَ القُرْطُبِيُّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٤] . وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: هو حَرامٌ لا يَحِلُّ إيقاعُهُ. ودَلَّ عَلى تَحْرِيمِهِ ثَلاثَةُ أشْياءَ: أحَدُها: تَكْذِيبُ اللَّهِ تَعالى مَن فَعَلَ ذَلِكَ. الثّانِي: أنَّهُ سَمّاهُ مُنْكَرًا وزُورًا، والزُّورُ الكَذِبُ وهو مُحَرَّمٌ بِإجْماعٍ. صفحة ١٤ الثّالِثُ: إخْبارُهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ يَعْفُو عَنْهُ ويَغْفِرُ ولا يُعْفى ويُغْفَرُ إلّا عَلى المُذْنِبِينَ. وأقْوالُ فُقَهاءِ الحَنَفِيَّةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الظِّهارَ مَعْصِيَةٌ ولَمْ يَصِفْهُ أحَدٌ مِنَ المالِكِيَّةِ ولا الحَنَفِيَّةِ بِأنَّهُ كَبِيرَةٌ. ولا حُجَّةَ في وصْفِهِ في الآيَةِ بِزُورٍ، لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ كَبِيرَةً إلّا إذا أفْضى إلى مَضَرَّةٍ. وعَدَّ السُّبْكِيُّ في جَمْعِ الجَوامِعِ الظِّهارَ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ وسَلَّمَهُ المَحَلِّيُّ. والكاتِبُونَ قالُوا بِأنَّ اللَّهَ سَمّاهُ زُورًا والزُّورُ كَبِيرَةٌ، فَكَوْنُ الظِّهارِ كَبِيرَةً قَوْلُ الشّافِعِيَّةِ، وفِيهِ نَظَرٌ فَإنَّهم لَمْ يَعُدُّوا الكَذِبَ عَلى الإطْلاقِ كَبِيرَةً. وإنَّما عَدُّوا شَهادَةَ الزُّورِ كَبِيرَةً. وأعْقَبَ ”لَعَفُوٌّ“ بِقَوْلِهِ ”غَفُورٌ“ فَقَوْلُهُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ في مَعْنى: إنَّ اللَّهَ عَفا عَنْها وغَفَرَ لَهم لِأنَّهُ عَفُوٌّ غَفُورٌ، يَغْفِرُ هَذا وما هو أشَدُّ. والعَفُوٌّ: الكَثِيرُ العَفْوِ، والعَفْوُ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِالفِعْلِ أيْ: عَفْوٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: الَّذِي هو مُنْكَرٌ وزُورٌ. والغَفُورُ: الكَثِيرُ الغُفْرانِ والغُفْرانُ الصَّفْحُ عَنْ فاعِلِ فِعْلٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعاقِبَهُ عَلَيْهِ، فَذِكْرُ وصْفِ ”غَفُورٌ“ بَعْدَ وصْفِ ”عَفُوٌ“ تَتْمِيمٌ لِتَمْجِيدِ اللَّهِ إذْ لا ذَنْبَ في المُظاهَرَةِ حَيْثُ لَمْ يَسْبِقُ فِيها نَهْيٌ، ومَعَ ما فِيهِ مِن مُقابَلَةِ شَيْئَيْنِ وهُما ”مُنْكَرًا“ و”زُورًا“، بِشَيْئَيْنِ هُما عَفُوُّ غَفُورٌ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ لِمُشاكَلَةِ تَأْكِيدِ مُقابِلِهِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ . وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُظاهَرَةَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مَنهِيٌّ عَنْها وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ. وقَدْ أوْمَأ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ إلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ في هَذا الحُكْمِ التَّوْسِعَةُ عَلى النّاسِ، فَعَلِمْنا أنَّ مَقْصِدَ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ أنْ تَدُورَ أحْكامُ الظِّهارِ عَلى مِحْوَرِ التَّخْفِيفِ والتَّوْسِعَةِ، فَعَلى هَذا الِاعْتِبارِ يَجِبُ أنْ يَجْرِيَ الفُقَهاءُ فِيما يُفْتُونَ. ولِذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ تُلاحَظَ فِيهِ قاعِدَةُ الأخْذِ بِالأحْوَطِ ولا قاعِدَةُ سَدِّ صفحة ١٥ الذَّرِيعَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ نَسِيرَ وراءَ ما أضاءَ لَنا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ . وقَدْ قالَ مالِكٌ في المُدَوَّنَةِ: لا يُقَبِّلُ المُظاهِرُ ولا يُباشِرُ ولا يَنْظُرُ إلى صَدْرٍ ولا إلى شَعْرٍ وقالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى: فَمِن أصْحابِنا مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّحْرِيمِ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الكَراهِيَةِ لِئَلّا يَدْعُوهُ إلى الجِماعِ. وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وعَبْدُ المَلِكِ. قُلْتُ: وهَذا هو الوَجْهُ لِأنَّ القُرْآنَ ذَكَرَ المَسِيسَ وهو حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ في الجِماعِ. وقالَ مالِكٌ لَوْ تَظاهَرَ عَلى أرْبَعِ نِسْوَةٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ في مَجْلِسٍ واحِدٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ عِنْدَ مالِكٍ قَوْلًا واحِدًا. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِما. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إبْطالُ تَحْرِيمِ المَرْأةِ الَّتِي يُظاهِرُ مِنها زَوْجُها. وتَحْمِيقُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الظِّهارَ مُحَرِّمًا عَلى المُظاهِرِ زَوْجَهُ الَّتِي ظاهَرَ مِنها. وجَعَلَ اللَّهُ الكَفّارَةَ فِدْيَةً لِذَلِكَ وزَجْرًا لِيَكُفَّ النّاسُ عَنْ هَذا القَوْلِ. ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «مَن قالَ لِصاحِبِهِ: تَعالَ أُقامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ» أيْ مَن جَرى ذَلِكَ عَلى لِسانِهِ بَعْدَ أنْ حَرَّمَ اللَّهُ المَيْسَرَ.

المجادلة 58:3

﴿والَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] أُعِيدَ المُبْتَدَأُ فِيها لِلِاهْتِمامِ بِالحُكْمِ والتَّصْرِيحُ بِأصْحابِهِ وكانَ مُقْتَضى الكَلامِ أنْ يُقالَ: فَإنْ يَعُودُوا لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] . و”ثُمَّ“ عاطِفَةُ جُمْلَةِ يَعُودُونَ عَلى جُمْلَةِ يُظاهِرُونَ، وهي لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ تَعْرِيضًا بِالتَّخْطِئَةِ لِهم بِأنَّهم عادُوا إلى ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ بَعْدَ أنِ صفحة ١٦ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالإسْلامِ. ولِذَلِكَ عَلَّقَ بِفِعْلِ يَعُودُونَ ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ لَفْظَ الظِّهارِ. والعَوْدُ: الرُّجُوعُ إلى شَيْءٍ تَرَكَهُ وفارَقَهُ صاحِبُهُ. وأصْلُهُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي غادَرَهُ، وهو هُنا عَوْدٌ مَجازِيٌّ. ومَعْنى ﴿يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنَّهم يَعُودُونَ لِما نَطَقُوا بِهِ مِنَ الظِّهارِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُظاهِرَ لا يَكُونُ مُظاهِرًا إلّا إذا صَدَرَ مِنهُ لَفْظُ الظِّهارِ مَرَّةً ثانِيَةً بَعْدَ أُولى. وبِهَذا فَسَّرَ الفَرّاءُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِحَيْثُ يَكُونُ ما يَصْدُرُ مِنهُ مَرَّةً أُولى مَعْفُوًّا عَنْهُ. غَيْرَ أنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ في قَضِيَّةِ المُجادِلَةِ يَدْفَعُ هَذا الظّاهِرَ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِأوْسِ بْنِ الصّامِتِ: أعْتِقْ رَقَبَةً كَما سَيَأْتِي مِن حَدِيثِ أبِي داوُدَ فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّكْفِيرَ واجِبٌ عَلى المُظاهِرِ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ يَنْطِقُ فِيها بِلَفْظِ الظِّهارِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ أنَّهم يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى أزْواجِهِمْ، أيْ: لا يُحِبُّونَ الفِراقَ ويَرُومُونَ العَوْدَ إلى المُعاشَرَةِ. وهَذا تَأْوِيلٌ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الفُقَهاءُ عَدا داوُدَ الظّاهِرِيَّ، وبُكَيْرَ بْنَ الأشَجِّ، وأبا العالِيَةَ. وفي المُوَطَّأِ قالَ مالِكٌ في قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ سَمِعْتُ أنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ أنْ يُظاهِرَ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأتِهِ ثُمَّ يُجْمِعُ بَعْدَ تَظاهُرِهِ عَلى إصابَتِها وإمْساكِها فَإنْ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ وجَبَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ وإنْ طَلَّقَها ولَمْ يُجْمِعْ بَعْدَ تَظاهُرِهِ مِنها عَلى إمْساكِها فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ. وأقْوالُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، واللَّيْثِ تَحُومُ حَوْلَ هَذا المَعْنى عَلى اخْتِلافٍ في التَّعْبِيرِ لا نُطِيلُ بِهِ. وعَلَيْهِ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِعْلُ يَعُودُونَ في إرادَةِ العَوْدَةِ كَما اسْتُعْمِلَ فِعْلٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى إرادَةِ العَوْدِ والعَزْمِ عَلَيْهِ لا عَلى العَوْدِ بِالفِعْلِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَوْدًا بِالفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لْاشْتِراطِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ المَسِيسِ مَعْنًى، فانْتَظَمَ مِن هَذا مَعْنى: ثُمَّ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَعَلَيْهِمْ كَفّارَةٌ قَبْلَ أنْ يَعُودُوا إلَيْهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ، وقَوْلِهِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» . صفحة ١٧ وتِلْكَ هي قَضِيَّةُ سَبَبِ النُّزُولِ لِأنَّ المَرْأةَ ما جاءَتْ مُجادِلَةً إلّا لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّ زَوْجَها المُظاهِرَ مِنها لَمْ يُرِدْ فِراقَها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ المَرْوِيُّ في ذَلِكَ في كِتابِ أبِي داوُدَ «عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: ظاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أوْسُ بْنُ الصّامِتِ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أشْكُو إلَيْهِ ورَسُولُ اللَّهِ يُجادِلُنِي ويَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ. فَإنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ ؟ فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ. فَقالَ: يُعْتِقُ رَقَبَةً. قالَتْ: لا يَجِدُ. قالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. قالَتْ: إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ما بِهِ مِن صِيامٍ. قالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قالَتْ: ما عِنْدَهُ شَيْءٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ. فَأتى ساعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ. قالَ: قَدْ أحْسَنْتِ اذْهَبِي فَأطْعِمِي بِهِما عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وارْجِعِي إلى ابْنِ عَمِّكِ» . قالَ أبُو داوُدَ في هَذا: إنَّها كَفَّرَتْ عَنْهُ مِن غَيْرِ أنْ تَسْتَأْمِرَهُ. والمُرادُ ”بِما قالُوا“ ما قالُوا بِلَفْظِ الظِّهارِ وهو ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ المُفادِ مِن لَفْظِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لِأنَّ: أنْتِ عَلَيَّ. في مَعْنى: قُرْبانِكِ ونَحْوِهِ عَلَيَّ كَمِثْلِهِ مِن ظَهْرِ أُمِّي. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، أيْ مالًا ووَلَدًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] أيْ: قَوْلُكم حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. فَفِعْلُ القَوْلِ في هَذا وأمْثالِهِ ناصِبٌ لِمُفْرَدٍ لِوُقُوعِهِ في خِلالِ جُمْلَةٍ مَقُولَةٍ، وإيثارُ التَّعْبِيرِ عَنِ المَعْنى الَّذِي وقَعَ التَّحْرِيمُ لَهُ. فَلَفْظُ الظِّهارِ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ هَذِهِ إيجازٌ وتَنْزِيهٌ لِلْكَلامِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ. فالمَعْنى ثُمَّ يَرُومُونَ أنْ يَرْجِعُوا لِلِاسْتِمْتاعِ بِأزْواجِهِمْ بَعْدَ أنْ حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أنَّ مَن لَمْ يُرِدِ العَوْدَ إلى امْرَأتِهِ لا يَخْلُو حالَهُ: فَإمّا أنْ يُرِيدَ طَلاقَها فَلَهُ أنْ يُوَقِّعَ عَلَيْها طَلاقًا آخَرَ لِأنَّ اللَّهَ أبْطَلَ أنْ يَكُونَ الظِّهارُ طَلاقًا، وإمّا أنْ لا يُرِيدَ طَلاقًا ولا عَوْدًا. فَهَذا قَدْ صارَ مُمْتَنِعًا مِن مُعاشَرَةِ زَوْجِهِ مُضِرًّا بِها فَلَهُ حُكْمُ الإيلاءِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآيَةَ. وقَدْ كانُوا يَجْعَلُونَ الظِّهارَ إيلاءً كَما في قِصَّةِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ. ثُمَّ الزُّرَقِيِّ في كِتابِ أبِي داوُدَ قالَ: «كُنْتُ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النِّساءِ ما لا يُصِيبُ غَيْرِي فَلَمّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضانَ خِفْتُ أنْ أُصِيبَ مِنِ امْرَأتِي شَيْئًا يُتايِعُ بِي» - بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ ثُمَّ ألِفٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ، والظّاهِرُ صفحة ١٨ أنَّها مَكْسُورَةٌ - . والتَّتايُعُ الوُقُوعُ في الشَّرِّ فالباءُ في قَوْلِهِ (بِي) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ) حَتّى أُصْبِحَ، فَظاهَرْتُ مِنها حَتّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضانَ. الحَدِيثَ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِما قالُوا﴾ بِمَعْنى (إلى) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] . وأحْسَبُ أنَّ أصْلَ اللّامِ هو التَّعْلِيلُ، وهو أنَّها في مِثْلِ هَذِهِ المَواضِعِ إنْ كانَ الفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى المَجِيءِ حُمِلَتِ اللّامُ فِيهِ عَلى مَعْنى التَّعْلِيلِ وهو الأصْلُ نَحْوُ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥]، وما يَقَعُ فِيهِ حَرْفُ (إلى) مِن ذَلِكَ مَجازٌ بِتَنْزِيلِ مَن يُفْعِلُ الفِعْلَ لِأجْلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَجِيءُ الجائِي إلَيْهِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ اللّامُ فِيهِ مَعْنى المَجِيءِ مِثْلُ فِعْلِ العَوْدِ فَإنَّ تَعَلُّقَ اللّامِ بِهِ يُشِيرُ إلى إرادَةِ مَعْنًى في ذَلِكَ الفِعْلِ بِتَمَجُّزٍ أوْ تَضْمِينٍ يُناسِبُهُ حَرْفُ التَّعْلِيلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢]، أيْ: جَرْيُهُ المُسْتَمِرُّ لِقَصْدِهِ أجَلًا يَبْلُغُهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] أيْ: عاوَدُوا فِعْلَهُ ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ. وفِي الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] في سُورَةِ الزُّمَرِ أنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] في سُورَةِ لُقْمانَ أيْ: أنَّهُ لَيْسَ مِن تَعاقُبِ الحَرْفَيْنِ ولا يَسْلُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إلّا ضَيِّقُ العَطَنِ، ولَكِنَّ المَعْنَيَيْنِ أعْنِي الِاسْتِعْلاءَ والتَّخْصِيصَ كِلاهُما مُلائِمٌ لِصَحَّةِ الغَرَضِ لِأنَّ قَوْلَهُ ”إلى أجَلٍ“ مَعْناهُ يَبْلُغُهُ، وقَوْلُهُ لِأجَلٍ يُرِيدُ لِإدْراكِ أجَلٍ تَجْعَلُ الجَرْيَ مُخْتَصًّا بِالإدْراكِ اهـ. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ ثُمَّ يُرِيدُونَ العَوْدَ لِأجْلِ ما قالُوا، أيْ: لِأجْلِ رَغْبَتِهِمْ في أزْواجِهِمْ، فَيَصِيرُ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ ”يَعُودُونَ“ مُقَدَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: يَعُودُونَ لِما تَرَكُوهُ مِنَ العِصْمَةِ، ويَصِيرُ الفِعْلُ في مَعْنى: يَنْدَمُونَ عَلى الفِراقِ. وتَحْصُلُ مِن هَذا أنَّ كَفّارَةَ الظِّهارِ شُرِعَتْ إذا قَصَدَ المُظاهِرُ الِاسْتِمْرارَ عَلى مُعاشَرَةِ زَوْجِهِ، تَحِلَّةً لِما قَصَدَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وتَأْدِيبًا لَهُ عَلى هَذا القَصْدِ الفاسِدِ والقَوْلِ الشَّنِيعِ. وبِهَذا يَكُونُ مَحْمَلُ قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ عَلى أنَّهُ مِن قَبْلِ أنْ يَمَسَّ زَوْجَهُ صفحة ١٩ مَسَّ اسْتِمْتاعٍ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، كَما قالَ ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . ولِذَلِكَ جُعِلَتِ الكَفّارَةُ عِتْقَ رَقَبَةٍ لِأنَّهُ يَفْتَدِي بِتِلْكَ الرَّقَبَةِ رَقَبَةَ زَوْجِهِ. وقَدْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَوْعِظَةً بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ﴾ . واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ذَلِكم عائِدٌ إلى تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ. والوَعْظُ: التَّذْكِيرُ بِالخَيْرِ والتَّحْذِيرُ مِنَ الشَّرِّ بِتَرْغِيبٍ أوْ تَرْهِيبٍ، أيْ: فَرْضُ الكَفّارَةِ تَنْبِيهٌ لَكم لِتَتَفادَوْا مَسِيسَ المَرْأةِ الَّتِي طُلِّقَتْ أوْ تَسْتَمِرُّوا عَلى مُفارَقَتِها مَعَ الرَّغْبَةِ في العَوْدِ إلى مُعاشَرَتِها لِئَلّا تَعُودُوا إلى الظِّهارِ. ولَمْ يُسَمِّ اللَّهُ ذَلِكَ كَفّارَةً هُنا وسَمّاها النَّبِيءُ ﷺ كَفّارَةً كَما في حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وإنَّما الكَفّارَةُ مِن نَوْعِ العُقُوبَةِ في أحَدِ قَوْلَيْنِ عَنْ مالِكٍ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ. فالمُظاهِرُ مَمْنُوعٌ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِزَوْجَتِهِ المُظاهَرِ مِنها، أيْ: مَمْنُوعٌ مِن عَلائِقَ الزَّوْجِيَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْطِيلَ العِصْمَةِ ما لَمْ يُكَفِّرْ لِأنَّهُ ألْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ فَإنِ اسْتَمْتَعَ بِها قَبْلَ الكَفّارَةِ كُلِّها فَلْيَتُبْ إلى اللَّهِ ولْيَسْتَغْفِرْ وتَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ ولا تَتَعَدَّدُ الكَفّارَةُ بِسَبَبِ الِاسْتِمْتاعِ قَبْلَ التَّذْكِيرِ لِأنَّهُ سَبَبٌ واحِدٌ فَلا يَضُرُّ تَكَرُّرُ مُسَبِّبِهِ، وإنَّما جُعِلَتِ الكَفّارَةُ زَجْرًا ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وطْءُ المُظاهِرِ امْرَأتَهُ قَبْلَ الكَفّارَةِ زِنًى. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ أنَّهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ ثُمَّ وقَعَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ فَأمَرَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِكَفّارَةٍ واحِدَةٍ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ أنَّ عَلَيْهِ كَفّارَتَيْنِ. وتَفاصِيلُ أحْكامِ الظِّهارِ في صِيغَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مُفَصَّلَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ﴾، أيْ: واللَّهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَهُ مِن هَذا التَّكْفِيرِ وغَيْرِهِ.

المجادلة 58:4

﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ . رُخْصَةٌ لِمَن لَمْ يَجِدْ عِتْقَ رَقَبَةٍ أنْ يَنْتَقِلَ إلى صِيامِ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ صفحة ٢٠ رَقَبَةً يَعْتاضُ بِفَكِّها عَنْ فَكِّ عِصْمَةِ الزَّوْجَةِ نُقِلَ إلى كَفّارَةٍ فِيها مَشَقَّةُ النَّفْسِ بِالصَّبْرِ عَلى لَذَّةِ الطَّعامِ والشَّرابِ لِيَدْفَعَ ما التَزَمَهُ بِالظِّهارِ مِن مَشَقَّةِ الصَّبْرِ عَلى ابْتِعادِ حَلِيلَتِهِ فَكانَ الصَّوْمُ دَرَجَةً ثانِيَةً قَرِيبَةً مِن دَرَجَةِ تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ في المُناسَبَةِ. وأُعِيدَ قَيْدُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ المَسُّ إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ الصِّيامِ فَلا يَظُنُّ أنَّ مُجَرَّدَ شُرُوعِهِ في الصِّيامِ كافٍ في العَوْدِ إلى الِاسْتِمْتاعِ. ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾، أيْ: لِعَجْزِهِ أوْ ضَعْفِهِ رَخَّصَ اللَّهَ لَهُ أنْ يَنْتَقِلَ إلى إطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا عِوَضًا عَنِ الصِّيامِ، فالإطْعامُ دَرَجَةٌ ثالِثَةٌ يَدْفَعُ عَنْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ألَمَ الجُوعِ عِوَضًا عَمّا كانَ التَزَمَهُ عَلى نَفْسِهِ مِن مَشَقَّةِ الِابْتِعادِ عَنْ لَذّاتِهِ، وإنَّما حُدِّدَتْ بِسِتِّينَ مِسْكِينًا إلْحاقًا لِهَذا بِكَفّارَةِ فِطْرِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ عَمْدًا بِجامِعِ أنَّ كِلَيْهِما كَفّارَةٌ عَنْ صِيامٍ فَكانَتِ الكَفّارَةُ مُتَناسِبَةً مَعَ المُكَفَّرِ عَنْهُ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا مُناسِبًا. وقَدْ أُجْمِلَ مِقْدارُ الطَّعامِ في الآيَةِ اكْتِفاءً بِتَسْمِيَتِهِ إطْعامًا فَيُحْمَلُ عَلى ما يَقْصِدُهُ النّاسُ مِنَ الطَّعامِ وهو الشِّبَعُ الواحِدُ كَما هو المُتَعارَفُ في فِعْلِ طَعِمَ. فَحَمَلَهُ عُلَماؤُنا عَلى ما بِهِ شِبَعُ الجائِعِ، فَيُقَدَّرُ في كُلِّ قَوْمٍ بِحَسْبِ ما بِهِ شِبَعُ مُعْتادِ الجائِعِينَ. وعَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ رِوايَتانِ إحْداهُما أنَّهُ مُدٌّ واحِدٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيءِ ﷺ والثّانِيَةُ أنَّهُ مُدّانِ أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ المُدَّيْنِ وهو مُدٌّ بِمُدِّ هِشامِ بْنِ إسْماعِيلَ المَخْزُومِيِّ أمِيرِ المَدِينَةِ وقَدْرُهُ مُدّانِ إلّا ثُلُثَ مُدٍّ قالَ أشْهَبُ: قُلْتُ لِمالِكٍ: أيَخْتَلِفُ الشِّبَعُ عِنْدَنا وعِنْدَكم ؟ قالَ: نَعَمِ الشِّبَعُ عِنْدَنا مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيءِ ﷺ والشِّبَعُ عِنْدَكم أكْثَرُ أيْ: لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا لِأهْلِ المَدِينَةِ بِالبَرَكَةِ. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإطْعامُ في المَدِينَةِ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيءِ ﷺ مِثْلُ كَفّارَةِ الفِطْرِ في رَمَضانَ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ مالِكٌ مُقَدَّرًا بِمُدَّيْنِ أوْ بِمُدٍّ وثُلُثَيْنِ، وقالَ: لَوْ أطْعَمَ مُدًّا ونِصْفَ مُدٍّ أجْزَأهُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ تَضْعِيفَ المِقْدارِ في الإطْعامِ مُراعًى فِيهِ مَعْنى العُقُوبَةُ عَلى ما صَنَعَ، وإلّا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن نَصٍّ ولا قِياسٍ. قالَ أبُو الحَسَنِ القابِسِيُّ إنَّما أخَذَ أهْلُ المَدِينَةِ بِمُدِّ هِشامٍ في كَفّارَةِ الظِّهارِ تَغْلِيظًا عَلى المُتَظاهِرِينَ الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا فَهَذا مِمّا ثَبَتَ بِعَمَلِ أهْلِ المَدِينَةِ. صفحة ٢١ وقَدَّرَ أبُو حَنِيفَةَ الشِّبَعَ بِمُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيءِ ﷺ فَلَعَلَّهُ راعى الشِّبَعَ في مُعْظَمِ الأقْطارِ غَيْرَ المَدِينَةِ، وقَدَّرَهُ الشّافِعِيُّ بِمُدٍّ واحِدٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قِياسًا عَلى ما ثَبَتَ في السُّنَّةِ في كَفّارَةِ الإفْطارِ وكَفّارَةِ اليَمِينِ. ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ الإطْعامِ قَيْدُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ مَعَ تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ وصِيامِ الشَّهْرَيْنِ ولِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الصِّيامِ ومُجَزَّأٌ لِمِثْلِ أيّامِ الصِّيامِ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ. وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الإطْعامَ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ وُقُوعُهُ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا. ثُمَّ إنَّ وقْعَ المَسِيسِ قَبْلَ الكَفّارَةِ أوْ قَبْلَ إتْمامِها لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ آثِمٌ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أثَرٌ آخَرُ، وهَذا ما بَيَّنَهُ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الَّذِي شَكا إلى النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ وقَعَ عَلى امْرَأتِهِ بَعْدَ أنْ ظاهَرَ مِنها، فَأمَرَهُ بِأنْ لا يَعُودَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ حَتّى يُكَفِّرَ. وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ، وقالَ مُجاهِدٌ عَلَيْهِ كَفّارَتانِ. وصَرِيحُ الآيَةِ أنَّ تَتابُعَ الصِّيامِ شَرْطٌ في التَّكْفِيرِ وعَلَيْهِ فَلَوْ أفْطَرَ في خِلالِهِ دُونَ عُذْرٍ وجَبَ عَلَيْهِ إعادَتُهُ. ولا يَمَسُّ امْرَأتَهُ حَتّى يُتِمَّ الشَّهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فَإنْ مَسَّها في خِلالِ الشَّهْرَيْنِ أثِمَ ووَجَبَ عَلَيْهِ إعادَةُ الشَّهْرَيْنِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا كانَ الوَطْءُ لَيْلًا لَمْ يَبْطُلِ التَّتابُعُ لِأنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ، وهَذا هو الجارِي عَلى القِياسِ وعَلى مُقْتَضى حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ. وأمّا كَوْنُهُ آثِمًا بِالمَسِيسِ قَبْلَ تَمامِ الكَفّارَةِ فَمَسْألَةٌ أُخْرى فَمِنَ العَجَبِ قَوْلُ أبِي بَكْرِ ابْنِ العَرَبِيِّ في كَلامِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ كَلامُ مَن لَمْ يَذُقْ طَعْمَ الفِقْهِ لِأنَّ الوَطْءَ الواقِعَ في خِلالِ الصَّوْمِ لَيْسَ بِالمَحَلِّ المَأْذُونِ فِيهِ بِالكَفّارَةِ فَإنَّهُ وطْءُ تَعَدٍّ فَلا بُدَّ مِنَ الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ بِصَوْمٍ لا يَكُونُ في أثْنائِهِ وطْءٌ. اهـ. والمِسْكِينُ: الشَّدِيدُ الفَقْرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ بَراءَةٌ. والمُظاهِرُ إنْ كانَ قادِرًا عَلى بَعْضِ خِصالِ الكَفّارَةِ وأبى أنْ يُكَفِّرَ انْقَلَبَ ظِهارُهُ إيلاءً. فَإنْ لَمْ تَرْضَ المَرْأةُ بِالبَقاءِ عَلى ذَلِكَ فَلَهُ أجَلُ الإيلاءِ فَإنِ انْقَضى الأجَلُ صفحة ٢٢ طُلِّقَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ إنْ طَلَبَتِ الطَّلاقَ. وإنْ كانَ عاجِزًا عَنْ خِصالِ الكَفّارَةَ كُلِّها كانَ كالعاجِزِ عَنِ الوَطْءِ بَعْدَ وُقُوعِهِ مِنهُ فَتَبْقى العِصْمَةُ بَيْنَ المُتَظاهِرِ وامْرَأتِهِ ولا يَقْرَبُها حَتّى يُكَفِّرَ. وقَدْ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِكَفّارَةِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ مِن أمْوالِ بَيْتِ المالِ فَحَقَّ عَلى وُلاةِ الأُمُورِ أنْ يَدْفَعُوا عَنِ العاجِزِ كَفّارَةَ ظِهارِهِ، فَإنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فالظّاهِرُ أنَّ الكَفّارَةَ ساقِطَةٌ عَنْهُ، وأنَّهُ يَعُودُ إلى مَسِيسِ امْرَأتِهِ، وتَبْقى الكَفّارَةُ ذَنْبًا عَلَيْهِ في ذِمَّتِهِ لِأنَّ اللَّهَ أبْطَلَ طَلاقَ الظِّهارِ. * * * ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . الإشارَةُ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الأحْكامِ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أيْ لِتُؤْمِنُوا إيمانًا كامِلًا بِالِامْتِثالِ لِما أمَرَكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ فَلا تَشُوبُوا أعْمالَ الإيمانِ بِأعْمالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وهَذا زِيادَةٌ في تَشْنِيعِ الظِّهارِ. وتَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِن إيقاعِهِ فِيما بَعْدُ، أوْ ذَلِكَ النَّقْلُ مِن حَرَجِ الفِراقِ بِسَبَبِ قَوْلِ الظِّهارِ إلى الرُّخْصَةِ في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ وفي الخَلاصِ مِنهُ بِالكَفّارَةِ، لَتَيْسِيرِ الإيمانِ عَلَيْكم فَهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . و”لِتُؤْمِنُوا“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. ولَمّا كانَ المُشارُ إلَيْهِ هو صِيامُ شَهْرَيْنِ أوْ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عِوَضًا عَنْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ كانَ ما عُلِّلَ بِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُنْسَحِبًا عَلى الصِّيامِ والإطْعامِ، وما عُلِّلَ بِهِ الصِّيامُ والإطْعامُ مُنْسَحِبًا عَلى تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، فَأفادَ أنَّ كُلًّا مِن تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ وصِيامِ شَهْرَيْنِ وإطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُشْتَمِلٌ عَلى كِلْتا العِلَّتَيْنِ وهُما المَوْعِظَةُ والإيمانُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ. والإشارَةُ في ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وجِيءَ لَهُ بِاسْمِ إشارَةِ التَّأْنِيثِ نَظَرًا لِلْإخْبارِ عَنْهُ بِلَفْظِ ”حُدُودُ“ إذْ هو جَمْعٌ يَجُوزُ تَأْنِيثُ إشارَتِهِ كَما يَجُوزُ تَأْنِيثُ ضَمِيرِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٣ وجُمْلَةُ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَتْمِيمٌ لِجُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ وهو إبْطالُ التَّحْرِيمِ بِالظِّهارِ حُكْمُ الإسْلامِ. وأمّا ما كانُوا عَلَيْهِ فَهو مِن آثارِ الجاهِلِيَّةِ فَهو سُنَّةُ قَوْمٍ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ عَلى الكُفْرِ وما تَوَلَّدَ مِنهُ مِنَ الأباطِيلِ، فالظِّهارُ شَرْعُ الجاهِلِيَّةِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، لِأنَّهُ وضَعَهُ المُشْرِكُونَ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ.

المجادلة 58:5

﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ لَمّا جَرى ذِكْرُ الكافِرِينَ وجَرى ذِكْرُ حُدُودِ اللَّهِ وكانَ في المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ نَقَلَ الكَلامَ إلى تَهْدِيدِهِمْ وإيقاظِ المُسْلِمِينَ لِلِاحْتِرازِ مِنهم. والمُحادَّةُ: المَشاقَّةُ والمُعاداةُ، وقَدْ أُوثِرَ هَذا الفِعْلُ هُنا لِوُقُوعِ الكَلامِ عَقِبَ ذِكْرِ حُدُودِ اللَّهِ، فَإنَّ المُحادَّةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحَدِّ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَعادِيَيْنِ كَأنَّهُ في حَدٍّ مُخالِفٍ لِحَدِّ الآخَرِ، مِثْلَ ما قِيلَ أنَّ العَداوَةَ مُشْتَقَّةٌ مِن عُدْوَةِ الوادِي لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ يُشْبِهُ مَن هو مِنَ الآخَرِ في عُدْوَةٍ أُخْرى. وقِيلَ: اشْتُقَّتِ المُشاقَّةُ مِنَ الشُّقَّةِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَخالِفَيْنِ كَأنَّهُ في شُقَّةٍ غَيْرِ شُقَّةِ الآخَرِ. والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ يُحادُّونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ المُرْسَلَ بِدِينِ اللَّهِ فَمُحادَّتُهُ مُحادَّةٌ لِلَّهِ. والكَبْتُ: الخِزْيُ والإذْلالُ، وفِعْلُ كُبِتُوا مُسْتَعْمَلٌ في الوَعِيدِ أيْ سَيُكْبَتُونَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالمُضِيِّ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في خَبَرِهِ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] ولِأنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِتَنْظِيرِهِ بِما وقَعَ لِأمْثالِهِمْ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ تَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ لِأنَّ الكَلامَ لَوْ كانَ إخْبارًا عَنْ كَبْتٍ وقَعَ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُقْتَضى لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ إذْ لا يُنازِعُ أحَدٌ فِيما وقَعَ، ويَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُهُ ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ حادُّوا اللَّهَ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ الأحْزابِ. وما كانَ مِنَ المُنافِقِينَ فِيها فالمُرادُ بِصِلَةِ ”مِن قَبْلِهِمْ“ مَن كانَ مِن قَبْلِهِمْ مِن أهْلِ النِّفاقِ وهم يَعْرِفُونَهم. * * * صفحة ٢٤ ﴿وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وجُمْلَةِ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ لا عُذْرَ لَهم في مُحادَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنَّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ آياتِ القُرْآنِ بَيِّنَةً عَلى صِدْقِهِ. * * * ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أيْ لَهم بَعْدَ الكَبْتِ عَذابٌ مُهِينٌ في الآخِرَةِ. وتَعْرِيفُ الكافِرِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِيَسْتَغْرِقَ كُلَّ الكافِرِينَ. ووَصَفَ عَذابَهم بِالمُهِينِ لِمُناسَبَةِ وعِيدِهِمْ بِالكَبْتِ الَّذِي هو الذُّلُّ والإهانَةُ.

المجادلة 58:6

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَوْمَ“ ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِالكَوْنِ المُقَدَّرِ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِن ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ٥] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ”مُهِينٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ تَنْوِيهًا بِذَلِكَ اليَوْمِ وتَهْوِيلًا عَلَيْهِمْ وهَذا كَثِيرٌ في أسْماءِ الزَّمانِ الَّتِي وقَعَتْ في القُرْآنِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] . ولِذَلِكَ أُتِيَ بِلَفْظِ الشُّمُولِ وهو جَمِيعًا حالًا مِنَ الضَّمِيرِ. وقَوْلُهُ ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ تَهْدِيدٌ بِفَضْحِ نِفاقِهِمْ يَوْمَ البَعْثِ. وفِيهِ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ. صفحة ٢٥ وجُمْلَةُ ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ما عَمِلُوا. والمَقْصُودُ مِنَ الحالِ هو ما عَطَفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ”ونَسُوهُ“ لِأنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ العِبْرَةِ. وبِهِ تَكُونُ الحالَةُ مُؤَسِّسَةً لا مُؤَكِّدَةً لِعامِلِها، وهو يُنَبِّئُهم، أيْ عَلِمَهُ اللَّهُ عِلْمًا مُفَصَّلًا مِنَ الآنَ. وهم نَسُوهُ، وذَلِكَ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مُتَهاوِنُونَ بِعَظِيمِ الأمْرِ وذَلِكَ مِنَ الغُرُورِ، أيْ نَسُوهُ في الدُّنْيا بَلْهَ الآخِرَةِ، فَإذا أُنْبِئُوا بِهِ عَجِبُوا، قالَ تَعالى﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا ما لِهَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةَ إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] . وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ. والشَّهِيدُ: العالِمُ بِالأُمُورِ المُشاهَدَةِ.

المجادلة 58:7

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو تَخَلُّصٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] إلى ذِكْرِ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِ المُنافِقِينَ وأحْلافِهِمُ اليَهُودِ. فَكانَ المُنافِقُونَ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا لِيُرِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مَوَدَّةَ بَعْضِ المُنافِقِينَ لِبَعْضٍ، فَإنَّ المُنافِقِينَ بِتَناجِيهِمْ يُظْهِرُونَ أنَّهم طائِفَةٌ أمْرُها واحِدٌ وكَلِمَتُها واحِدَةٌ، وهم وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ يُحِبُّونَ أنْ تَكُونَ لَهم هَيْبَةٌ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ يَتَّقُونَ بِها بَأْسَهم إنِ اتَّهَمُوا بَعْضَهم بِالنِّفاقِ أوْ بَدَرَتْ مِن أحَدِهِمْ بادِرَةٌ تَنُمُّ بِنِفاقِهِ، فَلا يُقْدِمُ المُؤْمِنُونَ عَلى أذاهُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لَهُ بِطانَةً تُدافِعُ عَنْهُ. وكانُوا إذا مَرَّ بِهِمُ المُسْلِمُونَ نَظَرُوا إلَيْهِمْ فَحَسِبُ المارُّونَ لَعَلَّ حَدَثًا حَدَثَ مِن مُصِيبَةٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ عَلى تَوَقُّعِ حَرْبٍ مَعَ المُشْرِكِينَ في كُلِّ حِينٍ فَيَتَوَهَّمُونَ أنَّ مُناجاةَ المُتَناجِينَ حَدِيثٌ عَنْ قُرْبِ العَدُوِّ أوْ عَنْ هَزِيمَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ في السَّرايا الَّتِي يَخْرُجُونَ فِيها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ لِإشْعارِ المُنافِقِينَ بِعِلْمِ اللَّهِ بِماذا يَتَناجَوْنَ، وأنَّهُ مُطْلِعٌ رَسُولَهُ ﷺ عَلى دَخِيلَتِهِمْ لِيَكُفُّوا عَنِ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ. صفحة ٢٦ فَهَذِهِ الآيَةُ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] الآيَةَ. و”ألَمْ تَرَ“ مِنَ الرُّؤْيَةِ العِلْمِيَّةِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ لا يُرى وسَدَّ المَصْدَرُ مَسَدَّ المَفْعُولِ. والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ اللَّهَ عالِمًا. و﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَعُمُّ المُبْصِراتِ والمَسْمُوعاتِ فَهو أعَمُّ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] لِاخْتِصاصِهِ بِعِلْمِ المُشاهَداتِ لِأنَّ الغَرَضَ المُفْتَتَحَ بِهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ هو عِلْمُ المَسْمُوعاتِ. وجُمْلَةُ ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ إلى آخِرِها بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ . وقَوْلِهِ ﴿إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿إلّا هو مَعَهُمْ﴾، أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما يَتَناجَوْنَ فِيهِ فَكَأنَّهُ تَعالى نَجِيٌّ مَعَهم. و”ما“ نافِيَةٌ. و”يَكُونُ“ مُضارِعُ (كانَ) التّامَّةِ، و”مِن“ زائِدَةٌ في النَّفْيِ لِقَصْدِ العُمُومِ، و”نَجْوى“ في مَعْنى فاعِلِ ”يَكُونُ“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَكُونُ“ بِياءِ الغائِبِ لِأنَّ تَأْنِيثَ نَجْوى غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَيَجُوزُ فِيهِ جَرْيُ فِعْلِهِ عَلى أصْلِ التَّذْكِيرِ ولا سِيَّما وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ فاعِلِهِ بِحَرْفِ مِنِ الزّائِدَةِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتاءِ المُؤَنَّثِ رَعْيًا لِصُورَةِ تَأْنِيثِ لَفْظِهِ. والنَّجْوى: اسْمُ مَصْدَرِ ناجاهُ، إذا سارَّهُ. و”ثَلاثَةٍ“ مُضافٌ إلَيْهِ ”نَجْوى“ . أيْ ما يَكُونُ تَناجِي ثَلاثَةٍ مِنَ النّاسِ إلّا اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ كَرابِعٍ لَهم، ولا خَمْسَةٍ إلّا كَسادِسٍ لَهم، ولا أدْنى ولا أكْثَرَ إلّا هو كَواحِدٍ مِنهم. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ عائِدَةٌ إلى ”ثَلاثَةٍ“ وإلى ”خَمْسَةٍ“ وإلى ”ذَلِكَ“ و”أكْثَرَ“ . والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ الإنْذارُ والوَعِيدُ. وتَخْصِيصُ عَدَدَيِ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ بَعْضَ المُتَناجِينَ الَّذِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِمْ كانُوا حِلَفًا بِعْضُها مِن ثَلاثَةٍ وبَعْضُها مِن خَمْسَةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى غَيْرُ مَصْمُودٍ والعَدَدُ غَيْرُ مَقْصُودٍ. وفِي الكَشّافِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ في رَبِيعَةَ، وحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن صفحة ٢٧ ثَقِيفٍ وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيِّ حَلِيفِ بَنِي أسَدٍ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَقالَ أحَدُهم: أتَرى أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما نَقُولُ ؟ فَقالَ الآخَرُ: يَعْلَمُ بَعْضًا ولا يَعْلَمُ بَعْضًا. وقالَ الثّالِثُ: إنْ كانَ يَعْلَمُ بَعْضًا فَهو يَعْلَمُ كُلَّهُ. اهـ. ولَمْ أرَ هَذا في غَيْرِ الكَشّافِ ولا مُناسَبَةَ لِهَذا بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَإنَّ أُولَئِكَ الثَّلاثَةَ كانُوا مُسْلِمِينَ وعُدُّوا في الصَّحابَةِ وكَأنَّ هَذا تَخْلِيطٌ مِنَ الرّاوِي بَيْنَ سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] في سُورَةِ فُصِّلَتْ. كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ. ورُكِّبَتْ أسْماءُ ثَلاثَةٍ آخَرِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ لِأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فَآيَةُ النَّجْوى فَإنَّما هي في تَناجِي المُنافِقِينَ أوْ فِيهِمْ وفي اليَهُودِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ ﴿إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ ﴿إلّا هو مَعَهُمْ﴾ مُفَرَّعٌ مِن أكْوانٍ وأحْوالٍ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى ”ما يَكُونُ“ والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ اسْتِثْناءٍ في مَواضِعِ أحْوالٍ. والتَّقْدِيرُ: ما يَكُونُ في نَجْوى ثَلاثَةٍ في حالٍ مِن عِلْمِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلَيْهِمْ إلّا حالَةٌ اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ. وتَكْرِيرُ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفاتِ عَلى المَنفِيِّ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ وخاصَّةً حَيْثُ كانَ مَعَ كُلٍّ مِنَ المَعاطِيفِ اسْتِثْناءٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ولا أكْثَرَ“ بِنَصْبِ أكْثَرَ عَطْفًا عَلى لَفْظِ نَجْوى. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ نَجْوى لِأنَّهُ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرٍّ زائِدٍ. و”أيْنَما“ مُرَكَّبٌ مِن ”أيْنَ“ الَّتِي هي ظَرْفُ مَكانٍ و”ما“ الزّائِدَةُ. وأُضِيفَ أيْنَ إلى جُمْلَةِ كانُوا، أيْ في أيِّ مَكانٍ كانُوا فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] في سُورَةِ الحَدِيدِ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ لِأنَّ إنْباءَهم بِما تَكَلَّمُوا وما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا في يَوْمِ القِيامَةِ أدَلُّ عَلى سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ مِن عِلْمِهِ بِحَدِيثِهِمْ في الدُّنْيا لِأنَّ مُعْظَمَ عِلْمِ العالَمِينَ يَعْتَرِيهِ النِّسْيانُ في مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ مِنَ الطُّولِ وكَثْرَةِ تَدْبِيرِ الأُمُورِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وفِي هَذا وعِيدٌ لَهم بِأنَّ نَجْواهم إثْمٌ عَظِيمٌ فَنُهِيَ عَنْهُ ويَشْمَلُ هَذا تَحْذِيرَ مَن يُشارِكُهم. صفحة ٢٨ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ فَأغْنَتْ إنَّ غِناءَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِ بَشّارٍ: إنْ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ وإلّا فَإنَّ المُخاطَبَ لا يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ. وهَذا التَّعْرِيضُ بِالوَعِيدِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّناجِي كانَ سابِقًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والآياتِ بَعْدَها.

المجادلة 58:8

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ . إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ والآيَتانِ اللَّتانِ بَعْدَها نَزَلَتْ مَعَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ تَرْتِيبِ التِّلاوَةِ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ مُؤْذِنًا بِأنَّهُ سَبَقَ نَهْيٌ عَنِ النَّجْوى قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ نَهاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّناجِي بِحَضْرَةِ المُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَنَزَلَتْ، فَتَكُونُ الآياتُ الأرْبَعُ نَزَلَتْ لِتَوْبِيخِهِمْ وهو ما اعْتَمَدْناهُ آنِفًا. وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها بِفَتْرَةٍ كانَ المُرادُ النَّهْيُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [المجادلة: ٧] كَما تَقَدَّمَ بِأنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ النَّجْوى بَعْدَ أنْ سَمِعُوا الوَعِيدَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [المجادلة: ٧]، فالمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ هُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ. و”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ لِأنَّ عَوْدَتَهم إلى النَّجْوى بَعْدَ أنْ نُهُوا عَنْهُ أعْظَمُ مِنِ ابْتِداءِ النَّجْوى لِأنَّ ابْتِداءَها كانَ إثْمًا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ نَجْواهم مِن نَوايا سَيِّئَةٍ نَحْوَ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَأمّا عَوْدَتُهم إلى النَّجْوى بَعْدَ أنْ نُهُوا عَنْها فَقَدْ زادُوا بِهِ تَمَرُّدًا عَلى النَّبِيءِ ﷺ ومَشاقَّةً لِلْمُسْلِمِينَ. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا اقْتَضاهُ اسْتِمْرارُ المُنافِقِينَ عَلى نَجْواهم. صفحة ٢٩ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ تَعْجِيبِيٌّ مُرادٌ بِهِ تَوْبِيخُهم حِينَ يَسْمَعُونَهُ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِها بِحَرْفِ إلى. والتَّعْرِيفُ في النَّجْوى تَعْرِيفُ العَهْدِ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ مِن نَوْعٍ خاصٍّ مِنَ النَّجْوى. وهي النَّجْوى الَّتِي تُحْزِنُ الَّذِينَ آمَنُوا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ جِنْسِ النَّجْوى في أوَّلِ الأمْرِ يَعُمُّ كُلَّ نَجْوى بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، قالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى: رُوِيَ أنَّ النَّهْيَ عَنْ تَناجِي اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ دُونَ واحِدٍ أنَّهُ كانَ في بَدْءِ الإسْلامِ فَلَمّا فَشا الإسْلامُ وآمَنَ النّاسُ زالَ هَذا الحُكْمُ لِزَوالِ سَبَبِهِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ [النساء: ١١٤] الآيَةَ في سُورَةِ النِّساءِ. إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ عِبادَهُ بِأمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما الإخْلاصُ وهو أنْ يَسْتَوِيَ ظاهِرُ المَرْءِ وباطِنُهُ، والثّانِي النَّصِيحَةُ لِكِتابِ اللَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ، فالنَّجْوى خِلافُ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ وبَعْدَ هَذا فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِلْخَلْقِ مِن أمْرٍ يَخْتَصُّونَ بِهِ في أنْفُسِهِمْ ويَخُصُّ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، فَرَخَّصَ ذَلِكَ بِصَفَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والصَّدَقَةِ وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ. اهـ. وفِي المُوَطَّأِ حَدِيثٌ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «إذا كانَ ثَلاثَةٌ فَلا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ واحِدٍ» . زادَ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ «إلّا بِإذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» . واخْتَلَفَ في مَحْمَلِ هَذا النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ أوْ عَلى الكَراهَةِ، وجُمْهُورُ المالِكِيَّةِ عَلى أنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في القَبَسِ فَإنْ كانَ قَوْلُهُ مَخافَةَ أنْ يُحْزِنَهُ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدِ انْحَسَمَ التَّأْوِيلُ، وإنْ كانَ مِن قَوْلِ الرّاوِي فَهو أوْلى مِن تَأْوِيلِ غَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ قاسِمٍ: سَمِعْتُ مالِكًا يَقُولُ: لا يَتَناجى أرْبَعَةٌ دُونَ واحِدٍ. وأمّا تَناجِي جَماعَةٍ دُونَ جَماعَةٍ فَإنَّهُ أيْضًا مَكْرُوهٌ أوْ مُحَرَّمٌ. اهـ. وحَكى النَّوَوِيُّ الإجْماعَ عَلى جَوازِ تَناجِي جَماعَةٍ دُونَ جَماعَةٍ واحْتَجَّ لَهُ ابْنُ التِّينِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ فَأتَيْتُهُ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ وهو في مَلَأٍ فَسارَرْتُهُ. وحَدِيثُ عائِشَةَ في قِصَّةِ فاطِمَةَ دالٌّ عَلى الجَوازِ. صفحة ٣٠ وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَدْخُلَ عَلى المُتَناجِيَيْنِ في حالِ تَناجِيهِما. وأُلْحِقَ بِالتَّناجِي أنْ يَتَكَلَّمَ رَجُلانِ بِلُغَةٍ لا يَعْرِفُها ثالِثٌ مَعَهُما. والقَوْلُ في اسْتِعْمالِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ في مَعْناهُ المَجازِيِّ وتَعْدِيَتِهِ بِاللّامِ نَظِيرُ القَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] . وكَذَلِكَ القَوْلُ في مَوْقِعِ ”ثُمَّ“ عاطِفَةِ الجُمْلَةِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَعُودُونَ دالَّةٌ عَلى التَّجَدُّدِ، أيْ يُكَرِّرُونَ العَدَدَ بِحَيْثُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ العِصْيانَ وقِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِالنَّهْيِ، فَإنَّهم لَوْ عادُوا إلى النَّجْوى مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لاحْتَمَلَ حالُهم أنَّهم نَسُوا. ولِما نُهُوا عَنْهُ هو النَّجْوى، فَعَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِ النَّجْوى إلى المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِما بَعْدَها مِنَ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾ عَلى ما في الصِّلَةِ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى سَفَهِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَتَناجَوْنَ بِصِيغَةِ التَّفاعُلِ مِن ناجى المَزِيدِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، ورُوَيْسٌ، ويَعْقُوبُ ”ويَنْتَجُونَ“ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ مِن نَجا الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ أيْ سارَّ غَيْرَهُ، والِافْتِعالُ يَرِدُ بِمَعْنى المُفاعَلَةِ مِثْلِ اخْتَصَمُوا واقْتَتَلُوا. والإثْمُ: المَعْصِيَةُ وهو ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ تَناجِيهِمْ مِن كَلامِ الكُفْرِ وذَمِّ المُسْلِمِينَ. والعُدْوانُ بِضَمِّ العَيْنِ: الظُّلْمُ وهو ما يُدَبِّرُونَهُ مِنَ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ. ومَعْصِيَةُ الرَّسُولِ: مُخالَفَةُ ما يَأْمُرُهم بِهِ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّهُ نَهاهم عَنِ النَّجْوى وهم يَعُودُونَ لَها. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ يَتَناجَوْنَ مُلابِسِينَ الإثْمَ والعُدْوانَ ومَعْصِيَةَ الرَّسُولِ، وهَذِهِ المُلابَسَةُ مُتَفاوِتَةٌ. فَمُلابَسَةُ الإثْمِ والعُدْوانِ مُلابَسَةُ المُتَناجِي في شَأْنِهِ لِفِعْلِ المُناجِينَ. ومُلابَسَةُ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ مُلابَسَةُ المُقارَنَةِ لِلْفِعْلِ، لِأنَّ نَجْواهم بَعْدَ أنْ نَهاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ عَنْها مَعْصِيَةٌ، وفي قَوْلِهِ ﴿نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ وقَوْلِهِ ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُنافِقُونَ لا يَهُودُ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ما كانَ صفحة ٣١ يَنْهى اليَهُودَ عَنْ أحْوالِهِمْ. وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ عَلى اليَهُودِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، بَلِ الحَقُّ ما في ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. * * * ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ . بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَهم في اخْتِلاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ذَكَرَ حالَ نِيّاتِهِمُ الخَبِيثَةِ عِنْدَ الحُضُورِ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّهم يَتَتَبَّعُونَ سُوءَ نِيّاتِهِمْ مِن كَلِماتٍ يَتَبادَرُ مِنها لِلسّامِعِينَ أنَّها صالِحَةٌ، فَكانُوا إذا دَخَلُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ يَخْفِتُونَ لَفْظَ ”السَّلامُ عَلَيْكم“ لِأنَّهُ شِعارُ الإسْلامِ ولِما فِيهِ مِن مَعْنى جَمْعِ السَّلامَةِ يَعْدِلُونَ عَنْ ذَلِكَ ويَقُولُونَ: أنْعِمْ صَباحًا، وهي تَحِيَّةُ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ لِأنَّهم لا يُحِبُّونَ أنْ يَتْرُكُوا عَوائِدَ الجاهِلِيَّةِ. نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَمَعْنى ﴿بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾، بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلامِ، فَإنَّ اللَّهَ حَيّاهُ بِذَلِكَ بِخُصُوصِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] . وحَيّاهُ بِهِ في عُمُومِ الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] . وتَحِيَّةُ اللَّهِ هي التَّحِيَّةُ الكامِلَةُ. ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ورَدَ في حَدِيثِ: «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا حَيَّوُا النَّبِيءَ ﷺ قالُوا: السّامُ عَلَيْكَ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ وعَلَيْكم» . فَإنَّ ذَلِكَ وارِدٌ في قَوْمٍ مَعْرُوفٌ أنَّهم مِنَ اليَهُودِ. وما ذُكِرَ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ لا يَلِيقُ حَمْلُهُ عَلى أحْوالِ اليَهُودِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، ولَوْ حُمِلَ ضَمِيرُ جاءُوكَ عَلى اليَهُودِ لَزِمَ عَلَيْهِ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ. أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَفي أحْوالِ المُنافِقِينَ، وهَذا مِثْلُ ما كانَ بَعْضُهم يَقُولُ لِلنَّبِيءِ ﷺ راعِنا تَعَلَّمُوها مِنَ اليَهُودِ وهم يُرِيدُونَ التَّوْجِيهَ بِالرُّعُونَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] ولَمْ يُرِدْ مِنهُ نَهْيَ اليَهُودِ. ومَعْنى يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى صفحة ٣٢ ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] . وقَوْلِهِ ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، أيْ ظَنَّ بَعْضُهم بِبَعْضٍ خَيْرًا، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ”أنْفُسِهِمْ“ مَجامِعِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، أيْ قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ سَتْرًا عَلَيْهِمْ مِنَ الِافْتِضاحِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ، ولَوْلا لِلتَّحْضِيضِ، أيْ هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِسَبَبِ كَلامِنا الَّذِي نَتَناجى بِهِ مِن ذَمِّ النَّبِيءِ ﷺ ونَحْوِ ذَلِكَ، أيْ يَقُولُونَ ما مَعْناهُ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيئًا لَعَذَّبَنا اللَّهُ بِما نَقُولُهُ مِنَ السُّوءِ فِيهِ ومِنَ الذَّمِّ، وهو ما لَخَّصَهُ اللَّهُ مِن قَوْلِهِمْ بِكَلِمَةِ ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ﴾ فَإنَّ لَوْلا لِلتَّحْضِيضِ مُسْتَعْمَلَةٌ كِنايَةٌ عَنْ جَحْدِ نُبُوَّةِ النَّبِيءِ ﷺ أيْ لَوْ كانَ نَبِيئًا لَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْنا فَلَعَذَّبَنا الآنَ بِسَبَبِ قَوْلِنا لَهُ. وهَذا خاطِرٌ مِن خَواطِرِ أهْلِ الضَّلالَةِ المُتَأصِّلَةِ فِيهِمْ، وهي تَوَهُّمُهم أنَّ شَأْنَ اللَّهِ تَعالى كَشَأْنِ البَشَرِ في إسْراعِ الِانْتِقامِ والِاهْتِزازِ مِمّا لا يَرْضاهُ ومِنَ المُعانَدَةِ. وفي الحَدِيثِ «لا أحَدَ أصْبَرُ عَلى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ نِدًّا وهو يَرْزُقُهم» عَلى أنَّهم لِجُحُودِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ يَحْسَبُونَ أنَّ عِقابَ اللَّهِ تَعالى يَظْهَرُ في الدُّنْيا. وهَذا مِنَ الغُرُورِ قالَ تَعالى ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى رَدًّا عَلى كَلامِهِمْ ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾ أيْ كافِيهِمْ مِنَ العَذابِ جَهَنَّمُ فَإنَّهُ عَذابٌ. وأصْلُ ”يَصْلَوْنَها“ يَصْلَوْنَ بِها، فَضَمَّنَ مَعْنى يَذُوقُونَها أوْ يَحُسُّونَها وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْتِعْمالُ في القُرْآنِ. وقَوْلُهُ ﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الوَعِيدِ بِشَأْنِ ذَمِّ جَهَنَّمَ.

المجادلة 58:9

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ . خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ فَعامَلَهُمُ اللَّهُ بِما أظْهَرُوهُ وناداهم بِوَصْفِ الَّذِينَ آمَنُوا كَما قالَ ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] صفحة ٣٣ ومِنهُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] أيْ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ بِزَعْمِهِ، ونَبَّهَهم إلى تَدارُكِ حالِهِمْ بِالإقْلاعِ عَنْ آثارِ النِّفاقِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ التَّخْوِيفِ بِالتَّرْغِيبِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بِعَمَلِ أهْلِ الإيمانِ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ فَكانُوا في بَعْضِ أحْوالِهِمْ مُقارِبِينَ الإيمانَ بِسَبَبِ مُخالَطَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ. ولِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ لَهم مَثَلًا بِالنُّورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] . وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ تَنْبِيهًا عَلى ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْ كانُوا مُتَناجِينَ لا مَحالَةَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ بِأنْ وجَّهَ اللَّهُ الخِطابَ إلَيْهِمْ تَعْلِيمًا لَهم بِما يَحْسُنُ مِنَ التَّناجِي وما يَقْبُحُ مِنهُ بِمُناسَبَةِ ذَمِّ تَناجِي المُنافِقِينَ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِالنَّهْيِ عَنْ مِثْلِ تَناجِي المُنافِقِينَ وإنْ كانَ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، ويَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا تَتَناجَوْا﴾ بِصِيغَةِ التَّفاعُلِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وحْدَهُ (فَلا تَنْتَجُوا) بِوَزْنِ تَنْتَهُوا. والأمْرُ مِن قَوْلِهِ ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا تَناجَيْتُمْ﴾ . صفحة ٣٤ والإثْمُ والعُدْوانُ ومَعْصِيَةُ الرَّسُولِ تَقَدَّمَتْ. وأمّا البِرُّ فَهو ضِدُّ الإثْمِ والعُدْوانِ وهو يَعُمُّ أفْعالَ الخَيْرِ المَأْمُورِ بِها في الدِّينِ. والتَّقْوى: الِامْتِثالُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تَذْكِيرٌ بِيَوْمِ الجَزاءِ. فالمَعْنى: الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ فَيُجازِيكم.

المجادلة 58:10

﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيُحْزِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ . تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَأْنِيسٌ لِنُفُوسِهِمْ يُزالُ بِهِ ما يَلْحَقُهم مِنَ الحُزْنِ لِمُشاهَدَةِ نَجْوى المُنافِقِينَ لِاخْتِلافِ مَذاهِبِ نُفُوسِهِمْ إذا رَأوُا المُتَناجِينَ في عَدِيدِ الظُّنُونِ والتَّخَوُّفاتِ كَما تَقَدَّمَ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ اقْتَضَتْهُ مُناسِبَةُ النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى، عَلى أنَّها قَدْ تَكُونُ تَعْلِيلًا لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى. والتَّعْرِيفُ في النَّجْوى تَعْرِيفُ العَهْدِ لا مَحالَةَ. أيْ نَجْوى المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ . والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن إنَّما قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ قَصَرَ النَّجْوى عَلى الكَوْنِ مِنَ الشَّيْطانِ، أيْ جائِيَةٌ لِأنَّ الأغْراضَ الَّتِي يَتَناجَوْنَ فِيها مِن أكْبَرِ ما يُوَسْوِسُ الشَّيْطانُ لِأهْلِ الضَّلالَةِ بِأنْ يَفْعَلُوهُ لِيُحْزِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَتَطَرَّقُهم مِن خَواطِرِ الشَّرِّ بِالنَّجْوى، وهَذِهِ العِلَّةُ لَيْسَتْ قَيْدًا في الحَصْرِ، فَإنَّ لِلشَّيْطانِ عِلَلًا أُخْرى مِثْلَ إلْقاءِ المُتَناجِينَ في الضَّلالَةِ، والِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عَلى إلْقاءِ الفِتْنَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ الشَّيْطانِيَّةِ. وقَدْ خُصَّتْ هَذِهِ العِلَّةُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَصَبُّرُهم عَلى أذى المُنافِقِينَ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا﴾ لِيَطْمَئِنَّ المُؤْمِنُونَ بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهم مِن ضُرِّ الشَّيْطانِ. وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] . صفحة ٣٥ وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”لِيُحْزِنَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ فَيَكُونُ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ مَفْعُولًا. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمَّ الزّايِ مُضارِعُ حَزِنَ فَيَكُونُ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ فاعِلًا وهُما لُغَتانِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ. وضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ ”بِضارِّهِمْ“ عائِدٌ إلى الشَّيْطانِ. والمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ لا يَضُرُّ المُؤْمِنِينَ بِالنَّجْوى أكْثَرَ مِن أنَّهُ يُحْزِنُهم. فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] أوْ عائِدٌ إلى النَّجْوى بِتَأْوِيلِهِ بِالتَّناجِي، أيْ لَيْسَ التَّناجِي بِضارِّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ أكْثَرَهُ ناشِئٌ عَنْ إيهامِ حُصُولِ ما يَتَّقُونَهُ في الغَزَواتِ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ إلّا في حالِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَ شَيْئًا مِنَ المَضَرَّةِ مِن هَزِيمَةٍ أوْ قَتْلٍ. والمُرادُ بِالإذْنِ أمْرُ التَّكْوِينِ. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ. ووُقُوعُ شَيْئًا وهو ذِكْرُهُ في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ عُمُومَ نَفْيِ كُلِّ ضُرٍّ مِنَ الشَّيْطانِ، أيِ انْتَفى كُلُّ شَيْءٍ مِن ضُرِّ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَيَشْمَلُ ضُرَّ النَّجْوى وضُرَّ غَيْرِها، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى إلّا بِإذْنِ اللَّهِ مِن عُمُومِ ”شَيْئًا“ الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ لا ضُرًّا مُلابِسًا لِإذْنِ اللَّهِ في أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ضُرَّهُ فِيهِ، أيْ ضُرَّ وسْوَسَتِهِ. واسْتُعِيرَ الإذْنُ لِما جَعَلَهُ اللَّهُ في أصْلِ الخِلْقَةِ مِن تَأثُّرِ النُّفُوسِ بِما يُسَوِّلُ إلَيْها. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَإذا خَلّى اللَّهُ بَيْنَ الوَسْوَسَةِ وبَيْنَ العَبْدِ يَكُونُ اقْتِرابُ العَبْدِ مِنَ المَعاصِي الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ في كُلِّ حالَةٍ يَبْتَعِدُ فِيها المُؤْمِنُ عَنْ مُراقَبَةِ الأمْرِ والنَّهْيِ الشَّرْعِيَّيْنِ. وهَذا الضُّرُّ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّلْطانِ في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ الشَّيْطانِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] أيْ فَلَكَ عَلَيْهِ سُلْطانٌ. وهَذِهِ التَّصارِيفُ الإلَهِيَّةُ جارِيَةٌ عَلى وفْقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وما يَعْلَمُهُ مِن أقْوالِ عِبادِهِ وسَرائِرِهِمْ وهو يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى. صفحة ٣٦ ولِهَذا ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّهم إذا تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ تَوَكُّلًا حَقًّا بِأنِ اسْتَفْرَغُوا وُسْعَهم في التَّحَرُّزِ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ واسْتَعانُوا بِاللَّهِ عَلى تَيْسِيرِ ذَلِكَ لَهم فَإنَّ اللَّهَ يَحْفَظُهم مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ قالَ تَعالى ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُمُومُ ”شَيْئًا“ مُرادًا بِهِ الخُصُوصُ، أيْ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا مِمّا يُوهِمُهُ تَناجِي المُنافِقِينَ مِن هَزِيمَةٍ أوْ قَتْلٍ إلّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ حُصُولَ هَزِيمَةٍ أوْ قَتْلٍ. والمَعْنى: أنَّ التَّناجِيَ يُوهِمُ الَّذِينَ آمَنُوا ما لَيْسَ واقِعًا فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنْ لا يَحْزَنُوا بِالنَّجْوى لِأنَّ الأُمُورَ تَجْرِي عَلى ما قَدَّرَهُ اللَّهُ بِنَفْسِ الآمِرِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الأخْبارُ الصّادِقَةُ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ هَذا المُتَعَلِّقِ.

المجادلة 58:11

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجْلِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . فَصَلَ بَيْنَ آياتِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنَّجْوى بِهَذِهِ الآيَةِ مُراعاةً لِاتِّحادِ المَوْضُوعِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ ومَضْمُونِ الَّتِي بَعْدَها في أنَّهُما يَجْمَعُهُما غَرَضُ التَّأدُّبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ تِلْكَ المُراعاةُ أوْلى مِن مُراعاةِ اتِّحادِ سِياقِ الأحْكامِ. فَفِي هَذِهِ الآيَةِ أدَبٌ في مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها تَتَعَلَّقُ بِالأدَبِ في مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ وأخَّرَ تِلْكَ عَنْ آياتِ النَّجْوى العامَّةِ إيذانًا بِفَضْلِها دُونَ النَّجْوى الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآياتُ السّابِقَةُ، فاتِّحادُ الجِنْسِ في النَّجْوى هو مُسَوِّغُ الِانْتِقالِ مِنَ النَّوْعِ الأوَّلِ إلى النَّوْعِ الثّانِي، والإيماءُ إلى تَمَيُّزِها بِالفَضْلِ هو الَّذِي اقْتَضى الفَصْلَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بِآيَةِ أدَبِ المَجْلِسِ النَّبَوِيِّ. وأيْضًا قَدْ كانَ لِلْمُنافِقِينَ نِيَّةُ مَكْرٍ في قَضِيَّةِ المَجْلِسِ كَما كانَ لَهم نِيَّةُ مَكْرٍ في صفحة ٣٧ النَّجْوى، وهَذا مِمّا أنْشَأ مُناسَبَةَ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ عَلى النَّجْوى إلى ذِكْرِ التَّفَسُّحِ في المَجْلِسِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ. رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ «كانَ النَّبِيءُ ﷺ في الصُّفَّةِ، وكانَ في المَكانِ ضِيقٌ في يَوْمِ الجُمُعَةِ فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ فِيهِمْ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ قَدْ سَبَقُوا في المَجْلِسِ فَقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُفْسَحَ لَهم وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ: قُمْ يا فُلانُ بِعَدَدِ الواقِفِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الَّذِينَ أُقِيمُوا، وغَمَزَ المُنافِقُونَ وقالُوا: ما أُنْصِفَ هَؤُلاءِ، وقَدْ أحَبُّوا القُرْبَ مِن نَبِيئِهِمْ فَسَبَقُوا إلى مَجْلِسِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» تَطْيِيبًا لِخاطِرِ الَّذِينَ أُقِيمُوا، وتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ بِواجِبِ رَعْيِ فَضِيلَةِ أصْحابِ الفَضِيلَةِ مِنها، وواجِبِ الِاعْتِرافِ بِمَزِيَّةِ أهْلِ المَزايا، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، وقالَ ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] . والخِطابُ بِـ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ يَعُمُّ مَن حَضَرُوا المَجْلِسَ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ حادِثَةُ سَبَبِ النُّزُولِ وغَيْرَهم مِمَّنْ عَسى أنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الرَّسُولِ ﷺ . وابْتُدِئَتِ الآيَةُ بِالأمْرِ بِالتَّفَسُّحِ؛ لِأنَّ إقامَةَ الَّذِينَ أُقِيمُوا إنَّما كانَتْ لِطَلَبِ التَّفَسِيحِ فَإناطَةُ الحُكْمِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ. والتَّفَسُّحُ: التَّوَسُّعُ وهو تَفْعُّلٌ مِن فَسَحَ لَهُ بِفَتْحِ السِّينِ مُخَفَّفَةً إذا أوْجَدَ لَهُ فُسْحَةً في مَكانٍ وفَسُحَ المَكانُ مِن بابِ كَرُمَ إذا صارَ فَسِيحًا. ومادَّةُ التَّفَعُّلِ هُنا لِلتَّكَلُّفِ، أيْ يُكَلَّفُ أنْ يَجْعَلَ فُسْحَةً في المَكانِ وذَلِكَ بِمُضايَقَةٍ مَعَ الجُلّاسِ. وتَعْرِيفُ المَجْلِسِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ العَهْدِ، وهو مَجْلِسُ النَّبِيءُ ﷺ، أيْ إذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ لَكم ذَلِكَ لِأنَّ أمْرَهُ لا يَكُونُ إلّا لِمُراعاةِ حَقٍّ راجِحٍ إلى غَيْرِهِ والمَجْلِسُ مَكانُ الجُلُوسِ. وكانَ مَجْلِسُ النَّبِيءِ ﷺ بِمَسْجِدِهِ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ المَكانَ المُسَمّى بِالرَّوْضَةِ وهو ما بَيْنَ مِنبَرِ النَّبِيءِ ﷺ وبَيْتِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ المَجْلِسِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ. وقَوْلُهُ ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ صفحة ٣٨ مَجْزُومٌ في جَوابِ قَوْلِهِ فافْسَحُوا، وهو وعْدٌ بِالجَزاءِ عَلى الِامْتِثالِ لِأمْرِ التَّفَسُّحِ مِن جِنْسِ الفِعْلِ إذْ جُعِلَتْ تَوْسِعَةُ اللَّهِ عَلى المُمْتَثِلِ جَزاءً عَلى امْتِثالِهِ الَّذِي هو إفْساحُهُ لِغَيْرِهِ، فَضَمِيرُ لَكم عائِدٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِاعْتِبارِ أنَّ الَّذِينَ يَفْسَحُونَ هم مِن جُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ الحُكْمَ مَشاعٌ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَّةِ وإنَّما الجَزاءُ لِلَّذِينَ تَعَلَّقَ بِهِمُ الأمْرُ تَعَلُّقًا إلْزامِيًّا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَتَطَلَّبُ النّاسُ الإفْساحَ فِيهِ بِحَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن مَكانٍ أوْ رِزْقٍ أوْ جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ عَلى حَسَبِ النِّيّاتِ، وتَقْدِيرُهُ الجَزاءُ مَوْكُولٌ إلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى. وحُذِفَ فاعِلُ القَوْلِ لِظُهُورِهِ، أيْ إذا قالَ لَكُمُ الرَّسُولُ: تَفَسَّحُوا فافْسَحُوا، فَإنَّ اللَّهَ يُثِيبُكم عَلى ذَلِكَ. فالآيَةُ لا تَدُلُّ إلّا عَلى الأمْرِ بِالتَّفَسُّحِ إذا أمَرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ولَكِنْ يُسْتَفادُ مِنها أنَّ تَفَسُّحَ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في المَجالِسِ مَحْمُودٌ مَأْمُورٌ بِهِ وُجُوبًا أوْ نَدْبًا لِأنَّهُ مِنَ المُكارَمَةِ والإرْفاقِ. فَهو مِن مُكَمِّلاتِ واجِبِ التَّحابِّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وإنْ كانَ فِيهِ كُلْفَةٌ عَلى صاحِبِ البُقْعَةِ يُضايِقُهُ فِيها غَيْرُهُ. فَهي كُلْفَةٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ إذا قُوبِلَتْ بِمَصْلَحَةِ التَّحابِّ وفَوائِدِهِ، وذَلِكَ ما لَمْ يُفْضِ إلى شِدَّةِ مُضايِقَةٍ ومَضَرَّةٍ أوْ إلى تَفْوِيتِ مَصْلَحَةٍ مِن سَماعٍ أوْ نَحْوِهِ مِثْلِ مَجالِسِ العِلْمِ والحَدِيثِ وصُفُوفِ الصَّلاةِ. وذَلِكَ قِياسٌ عَلى مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ في أنَّهُ مَجْلِسُ خَيْرٍ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أحَبُّكم إلَيَّ ألْيَنُكم مَناكِبَ في الصَّلاةِ» . قالَ مالِكٌ ما أرى الحُكْمَ إلّا يَطَّرِدُ في مَجالِسِ العِلْمِ ونَحْوِها غابِرَ الدَّهْرِ. يُرِيدُ أنَّ هَذا الحُكْمَ وإنْ نَزَلَ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ فَهو شامِلٌ لِمَجالِسِ المُسْلِمِينَ مِن مَجالِسِ الخَيْرِ لِأنَّ هَذا أدَبٌ ومُؤاساةٌ، فَلَيْسَ فِيهِ قَرِينَةُ الخُصُوصِيَّةِ بِالمَجالِسِ النَّبَوِيَّةِ، وأرادَ مالِكٌ بِـ (نَحْوِها) كُلَّ مَجْلِسٍ فِيهِ أمْرٌ مُهِمٌّ في شُؤُونِ الدِّينِ فَمِن حَقِّ المُسْلِمِينَ أنْ يَحْرِصُوا عَلى إعانَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى حُضُورِهِ. وهَذا قِياسٌ عَلى مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ، وعِلَّتُهُ هي التَّعاوُنُ عَلى المَصالِحِ. وأفْهَمَ لَفْظُ التَّفَسُّحِ أنَّهُ تَجَنُّبٌ لِلْمُضايَقَةِ والمُراصَّةِ بِحَيْثُ يَفُوتُ المَقْصُودُ مِن حُضُورِ ذَلِكَ المَجْلِسِ أوْ يَحْصُلُ ألَمٌ لِلْجالِسِينَ. صفحة ٣٩ وقَدْ أرْخَصَ مالِكٌ في التَّخَلُّفِ عَنْ دَعْوَةِ الوَلِيمَةِ إذا كَثُرَ الزِّحامُ فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (في المَجْلِسِ) وقَرَأهُ عاصِمٌ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ﴿فِي المَجالِسِ﴾ وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ كَوْنُ اللّامِ لِلْعَهْدِ وكَوْنُها لِلْجِنْسِ وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مَجالِسَ النَّبِيءَ ﷺ كُلَّما تَكَرَّرَتْ أوْ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ مَجالِسِ المُسْلِمِينَ وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَصِحُّ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى فافْسَحُوا لِلْوُجُوبِ أوْ لِلنَّدْبِ. وقَوْلُهُ ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ الآيَةَ عَطْفٌ عَلى ﴿إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ . و﴿انْشُزُوا﴾ أمْرٌ مِن نَشَزَ إذا نَهَضَ مِن مَكانِهِ يُقالُ: نَشَزَ يَنْشُزُ مِن بابِ قَعَدَ وضَرَبَ إذا ارْتَفَعَ لِأنَّ النُّهُوضَ ارْتِفاعٌ مِنَ المَكانِ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِيهِ، ونُشُوزُ المَرْأةِ مِن زَوْجِها مَجازًا عَنْ بُعْدِها عَنْ مَضْجَعِها. والنُّشُوزُ: أخَصُّ مِنَ التَّفْسِيحِ مِن وجْهٍ فَهو مِن عَطْفِ الأخَصِّ مِن وجْهٍ عَلى الأعَمِّ مِنهُ لِلِاهْتِمامِ بِالمَعْطُوفِ لِأنَّ القِيامَ مِنَ المَجْلِسِ أقْوى مِنَ التَّفْسِيحِ مِن قُعُودٍ. فَذُكِرَ النُّشُوزُ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ وأنَّ التَّفْسِيحَ المَأْمُورَ بِهِ تَفْسِيحٌ مِن قُعُودٍ ولاسِيَّما وقَدْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ بِنُشُوزٍ، وهو المَقْصُودُ مِن نُزُولِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ النُّشُوزَ بِمُطْلَقِ القِيامِ مِن مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ سَواءٌ كانَ لِأجْلِ التَّفْسِيحِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُؤْمَرُ بِالقِيامِ لِأجْلِهِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ إذا قِيلَ انْشُزُوا إلى الخَيْرِ وإلى الصَّلاةِ فانْشُزُوا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا قِيلَ انْشُزُوا عَنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فارْتَفِعُوا فَإنَّ لِلنَّبِيءِ ﷺ حَوائِجَ، وكانُوا إذا كانُوا في بَيْتِهِ أحَبَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَبَبُ النُّزُولِ لا يُخَصِّصُ العامَّ ولا يُقَيِّدُ المُطْلَقَ. وهَذا الحُكْمُ إذا عَسُرَ التَّفْسِيحُ واشْتَدَّ الزِّحامُ والتَّراصُّ فَإنَّ لِأصْحابِ المَقاعِدِ الحَقَّ المُسْتَقِرَّ في أنْ يَسْتَمِرُّوا قاعِدِينَ لا يُقامُ أحَدٌ لِغَيْرِهِ وذَلِكَ إذا كانَ المَقُومُ لِأجْلِهِ أوْلى بِالمَكانِ مِنَ الَّذِي أُقِيمَ لَهُ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ الأوَّلِيَّةِ كَما فَعَلَ النَّبِيءُ ﷺ في إقامَةِ نَفَرٍ لِإعْطاءِ مَقاعِدِهِمْ لِلْبَدْرِيِّينَ. ومِنهُ أوْلَوِيَّةُ طَلَبَةِ العِلْمِ بِمَجالِسِ الدَّرْسِ، وأوْلَوِيَّةُ النّاسِ في مَقاعِدِ المَساجِدِ بِالسَّبْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أوْلى مِن غَيْرِهِ فَقَدْ نَهى النَّبِيءُ ﷺ عَنْ أنْ يُقِيمَ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ. صفحة ٤٠ ولِلرَّجُلِ أنْ يُرْسِلَ إلى المَسْجِدِ بِبِساطِهِ أوْ طَنْفَسَتِهِ أوْ سَجّادَتِهِ لِتُبْسَطَ لَهُ في مَكانٍ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى يَأْتِيَ فَيَجْلِسَ عَلَيْها فَإنَّ ذَلِكَ حَوْزٌ لِذَلِكَ المَكانِ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وكانَ ابْنُ سِيرِينَ يُرْسِلُ غُلامَهُ إلى المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَيَجْلِسُ لَهُ فِيهِ فَإذا جاءَ ابْنُ سِيرِينَ قامَ الغُلامُ لَهُ مِنهُ. وفِي المُوَطَّأِ عَنْ مالِكِ بْنِ أبِي عامِرٍ قالَ كُنْتُ أرى طَنْفَسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ تُطْرَحُ إلى جِدارِ المَسْجِدِ الغَرْبِيِّ فَإذا غَشِيَ الطَّنْفَسَةَ كُلَّها ظَلُّ الجِدارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَصَلّى الجُمُعَةَ. فالطَّنْفَسَةُ ونَحْوُها حَوْزُ المَكانِ لِصاحِبِ البِساطِ. فَيَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَأْمُرَ أحَدًا يُبَكِّرُ إلى المَسْجِدِ فَيَأْخُذُ مَكانًا يَقْعُدُ فِيهِ حَتّى إذا جاءَ الَّذِي أرْسَلَ تَرَكَ لَهُ البُقْعَةَ لِأنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ النِّيابَةِ في حَوْزِ الحَقِّ. وقَرَأ ابْنُ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ الشِّينِ. وهَما لُغَتانِ في مُضارِعِ نَشَزَ. وقَوْلُهُ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ جَوابُ الأمْرِ لِقَوْلِهِ ﴿فانْشُزُوا﴾ فَقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى جَزْمِ فِعْلِ يَرْفَعُ فَهو جَوابُ الأمْرِ بِهَذا. وعَدَ بِالجَزاءِ عَلى الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ الشَّرْعِيِّ فِيما فِيهِ أمْرٌ أوْ لِما يَقْتَضِي الأمْرُ مِن عِلَّةٍ يُقاسُ بِها عَلى المَأْمُورِ بِهِ أمْثالُهُ مِمّا فِيهِ عِلَّةُ الحُكْمِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى فافْسَحُوا. ولَمّا كانَ النُّشُوزُ ارْتِفاعًا عَنِ المَكانِ الَّذِي كانَ بِهِ كانَ جَزاؤُهُ مِن جِنْسِهِ. وتَنْكِيرُ دَرَجاتٍ لِلْإشارَةِ إلى أنْواعِها مِن دَرَجاتِ الدُّنْيا ودَرَجاتِ الآخِرَةِ. وضَمِيرُ مِنكم خِطابٌ لِلَّذِينَ نُودُوا بِـ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ يَرْفَعِ اللَّهُ دَرَجاتِ الَّذِينَ امْتَثَلُوا. وقَرِينَةُ هَذا التَّقْدِيرِ هي جَعْلُ الفِعْلِ جَزاءً لِلْأمْرِ فَإنَّ الجَزاءَ مُسَبَّبٌ عَمّا رُتِّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مِنكم صِفَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا. أيِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ والتَّغايُرُ بَيْنَ مَعْنى الوَصْفِ ومَعْنى المَوْصُوفِ بِتَغايُرِ المُقَدَّرِ وإنْ كانَ لَفْظُ الوَصْفِ والمَوْصُوفِ مُتَرادِفَيْنِ في الظّاهِرِ. فَآلَ الكَلامُ إلى تَقْدِيرِ: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلْأمْرِ بِالنُّشُوزِ إذا كانُوا صفحة ٤١ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ دُونَ مَن يَضُمُّهُ المَجْلِسُ مِنَ المُنافِقِينَ. فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: يَرْفَعِ اللَّهُ النّاشِزِينَ مِنكم فاسْتَحْضَرُوا بِالمَوْصُولِ بِصِلَةِ الإيمانِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ رَفْعِ الدَّرَجاتِ لِأجْلِ امْتِثالِهِمْ أمْرَ القائِلِ انْشُزُوا وهو الرَّسُولُ ﷺ إنْ كانَ لِإيمانِهِمْ وأنَّ ذَلِكَ الِامْتِثالَ مِن إيمانِهِمْ لَيْسَ لِنِفاقٍ أوْ لِصاحِبِهِ امْتِعاضٌ. وعَطَفَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنهم عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِأنَّ غِشْيانَ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ إنَّما هو لِطَلَبِ العِلْمِ مِن مَواعِظِهِ وتَعْلِيمِهِ، أيْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ، لِأنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ قَدْ يَكُونُ الأمْرُ لِأحَدٍ بِالقِيامِ مِنَ المَجْلِسِ لِأجْلِهِمْ، أيْ لِأجْلِ إجْلاسِهِمْ، وذَلِكَ رَفْعٌ لِدَرَجاتِهِمْ في الدُّنْيا، ولِأنَّهم إذا تَمَكَّنُوا مِن مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ كانَ تَمَكُّنُهم أجْمَعَ لِلْفَهْمِ وأنْفى لِلْمَلَلِ، وذَلِكَ أدْعى لِإطالَتِهِمُ الجُلُوسَ وازْدِيادِهِمُ التَّلَقِّيَ وتَوْفِيرِ مُسْتَنْبَطاتِ أفْهامِهِمْ فِيما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ العِلْمِ، فَإقامَةُ الجالِسِينَ في المَجْلِسِ لِأجْلِ إجْلاسِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن رَفْعِ دَرَجاتِهِمْ في الدُّنْيا. ولَعَلَّ البَدْرِيِّينَ الَّذِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ قِصَّتِهِمْ كانُوا مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ. ويَجُوزُ أنْ بَعْضًا مِنَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِيامِ كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ فَأُقِيمَ لِأجْلِ رُجْحانِ فَضِيلَةِ البَدْرِيِّينَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ في الوَعْدِ لِلَّذِي أُقِيمَ مِن مَكانِهِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ اسْتِئْناسٌ لَهُ بِأنَّ اللَّهَ رافِعُ دَرَجَتِهِ. هَذا تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ الَّذِي اقْتَضاهُ قُوَّةُ إيجازِهِ. وقَدْ ذَهَبَ المُفَسِّرُونَ في الإفْصاحِ عَنِ اسْتِفادَةِ المَعْنى مِن هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ مَذاهِبَ كَثِيرَةً وما سَلَكْناهُ أوْضَحُ مِنها. وانْتَصَبَ دَرَجاتٍ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ مَكانٍ يَتَعَلَّقُ بِـ ”يَرْفَعِ“ أيْ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا رَفْعًا كائِنًا في دَرَجاتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِ ”يَرْفَعُ“ لِأنَّها دَرَجاتٌ مِنَ الرَّفْعِ، أيْ مَرافِعَ. صفحة ٤٢ والدَّرَجاتُ مُسْتَعارَةٌ لِلْكَرامَةِ فَإنَّ لِمَكانِ الرَّفْعِ في الآيَةِ رَفْعًا مَجازِيًّا، وهو التَّفْضِيلُ والكَرامَةُ وجِيءَ لِلِاسْتِعارَةِ بِتَرْشِيحِها بِكَوْنِ الرَّفْعِ دَرَجاتٍ. وهَذا التَّرْشِيحُ هو أيْضًا اسْتِعارَةٌ مِثْلُ التَّرْشِيحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وهَذا أحْسَنُ التَّرْشِيحِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ مِنكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ولَعَلَّهُ يَعْنِي: نَصْبَ دَرَجاتٍ بِفِعْلٍ هو الخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: جَعَلَهم. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيِ اللَّهُ عَلِيمٌ بِأعْمالِكم ومُخْتَلِفِ نِيّاتِكم مِن الِامْتِثالِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ الحَدِيثَ.

المجادلة 58:12

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ إلى ذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ النَّجْوى وهو مِن أحْوالِها المَحْمُودَةِ. والمُناسَبَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ [المجادلة: ٩] . فَهَذِهِ الصَّدَقَةُ شَرَعَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَ سَبَبَها مُناجاةَ الرَّسُولِ ﷺ، فَذُكِرَتْ عَقِبَ آيِ النَّجْوى لِاسْتِيفاءِ أنْواعِ النَّجْوى مِن مَحْمُودٍ ومَذْمُومٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ المُتَقَدِّمُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ صَدَقَةِ المُناجاةِ. فَنُقِلَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُقاتِلٍ أقْوالٌ في سَبَبِ نُزُولِها مُتَخالِفَةٌ، ولا أحْسَبُهم يُرِيدُونَ مِنها إلّا حِكايَةَ أحْوالٍ لِلنَّجْوى كانَتْ شائِعَةً، فَلَمّا نَزَلَ حُكْمُ صَدَقَةِ النَّجْوى أقَلَّ النّاسُ مِنَ النَّجْوى. وكانَتْ عِباراتُ الأقْدَمِينَ تَجْرِي عَلى التَّسامُحِ فَيُطْلِقُونَ عَلى أمْثِلَةِ الأحْكامِ وجُزْئِيّاتِ الكُلِّيّاتِ اسْمَ أسْبابِ النُّزُولِ، كَما ذَكَرْناها في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وأمْسَكَ مُجاهِدٌ فَلَمْ يَذْكُرْ لِهَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا واقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: نُهُوا عَنْ مُناجاةِ الرَّسُولِ حَتّى يَتَصَدَّقُوا. صفحة ٤٣ والَّذِي يَظْهَرُ لِي: أنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ شَرْعَها اللَّهُ وفَرْضَها عَلى مَن يَجِدُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ قَبْلَ مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ وأسْقَطَها عَنِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَتَصَدَّقُونَ بِهِ. وجَعَلَ سَبَبَها ووَقْتَها هو وقْتَ تُوَجُّهِهِمْ إلى مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ، وكانَ المُسْلِمُونَ حَرِيصِينَ عَلى سُؤالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ كُلَّ يَوْمٍ، فَشَرَعَ اللَّهُ لَهم هَذِهِ الصَّدَقَةَ كُلَّ يَوْمٍ لِنَفْعِ الفُقَراءِ نَفْعًا يَوْمِيًّا، وكانَ الفُقَراءُ أيّامَئِذٍ كَثِيرِينَ بِالمَدِينَةِ مِنهم أهْلُ الصُّفَّةِ ومُعْظَمُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ. والأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ شُرِعَتْ بَعْدَ الزَّكاةِ فَتَكُونُ لِحِكْمَةِ إغْناءِ الفُقَراءِ يَوْمًا فَيَوْمًا لِأنَّ الزَّكاةَ تُدْفَعُ في رُؤُوسِ السِّنِينَ وفي مُعَيَّنِ الفُصُولِ فَلَعَلَّ ما يَصِلُ إلى الفُقَراءِ مِنها يَسْتَنْفِدُونَهُ قَبْلَ حُلُولِ وقْتِ الزَّكاةِ القابِلَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ صَدَقَةَ المُناجاةِ شُرِعَتْ قَبْلَ شَرْعِ الزَّكاةِ ونُسِخَتْ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وءاتُوا الزَّكاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] أنَّ الزَّكاةَ حِينَئِذٍ شَرْعٌ مُفْرَدٌ مَعْلُومٌ، ولَعَلَّ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنْ صَحَّ عَنْهُ أرادَ أنَّها نُسِخَتْ بِالِاكْتِفاءِ بِالزَّكاةِ. وقَدْ تَعَدَّدَتْ أخْبارٌ مُخْتَلِفَةُ الأسانِيدِ تَتَضَمَّنُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ يَدُمِ العَمَلُ بِها إلّا زَمَنًا قَلِيلًا، قِيلَ: إنَّهُ عَشَرَةُ أيّامٍ. وعَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: كانَ ساعَةً مِن نَهارٍ، أيْ أنَّها لَمْ يَدُمِ العَمَلُ بِها طَوِيلًا إنْ كانَ الأمْرُ مُرادًا بِهِ الوُجُوبُ وإلّا فَإنَّ نَدْبَ ذَلِكَ لَمْ يَنْقَطِعْ في حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ لِتَكُونَ نَفْسُ المُؤْمِنِ أزْكى عِنْدَ مُلاقاةِ النَّبِيءِ مِثْلَ اسْتِحْبابِ تَجْدِيدِ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ. وتَظافَرَتْ كَلِماتُ المُتَقَدِّمِينَ عَلى أنَّ حُكْمَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ قَدْ نَسَخَهُ قَوْلُهُ ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] الآيَةَ. وهَذا مُؤَذِّنٌ بِأنَّ الأمْرَ فِيها لِلْوُجُوبِ. وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ وأحْكامِ ابْنِ الفَرَسِ حِكايَةُ أقْوالٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ تَحُومُ حَوْلَ كَوْنِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ شُرِعَتْ لِصَرْفِ أصْنافٍ مِنَ النّاسِ عَنْ مُناجاةِ النَّبِيءِ ﷺ إذْ كانُوا قَدْ ألْحَفُوا في مُناجاتِهِ دُونَ داعٍ يَدْعُوهم فَلا يَنْثَلِجُ لَها صَدْرُ العالِمِ لِضَعْفِها سَنَدًا ومَعْنًى، ومُنافاتِها مَقْصِدَ الشَّرِيعَةِ. وأقْرَبُ ما رُوِيَ عَنْ خَبَرِ تَقْرِيرِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ. ما في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ «عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَلْقَمَةَ الأنْمارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ صفحة ٤٤ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ قالَ لِيَ النَّبِيءُ ﷺ ما تَرى دِينارًا ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ فَنِصْفُ دِينارٍ ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ. قالَ: فَكَمْ ؟ قُلْتُ: شَعِيرَةٌ قالَ التِّرْمِذِيُّ: أيْ وزْنُ شَعِيرَةٍ مِن ذَهَبٍ. قالَ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ فَنَزَلَتْ ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٣] الآيَةَ. قالَ فَبِيَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، إنَّما نَعْرِفُهُ مِن هَذا الوَجْهِ اهـ. قُلْتُ: عَلِيُّ بْنُ عَلْقَمَةَ الأنْمارِيُّ قالَ البُخارِيُّ: في حَدِيثِهِ نَظَرٌ، ووَثَّقَهُ ابْنُ حِبّانَ. وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: صَحَّحُوا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي. وساقَ حَدِيثًا. ومَحْمَلُ قَوْلِ عَلِيٍّ فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، أنَّهُ أرادَ التَّخْفِيفَ في مِقْدارِ الصَّدَقَةِ مِن دِينارٍ إلى زِنَةِ شَعِيرَةٍ مِن ذَهَبٍ وهي جُزْءٌ مِنَ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الدِّينارِ. وفَعْلُ ناجَيْتُمْ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى إرادَةِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . والقَرِينَةُ قَوْلُهُ ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ﴾ . والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ فَقَدِّمُوا لِلْوُجُوبِ، واخْتارَهُ الفَخْرُ ورَجَّحَهُ بِأنَّهُ الأصْلُ في صِيغَةِ الأمْرِ، وبِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيما بِفَقْدِهِ يَزُولُ الوُجُوبُ. ويُناسِبُ أنْ يَكُونَ هَذا هو قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ نُسِخَتْ بِفَرْضِ الزَّكاةِ، وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ فَرِيقٌ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ وهو يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنْ فَرَضَ الزَّكاةِ كانَ سابِقًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ شَرْعَ الزَّكاةِ أبْطَلَ كُلَّ حَقٍّ كانَ واجِبًا في المالِ. و﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ﴾ مَعْناهُ: قَبْلَ نَجْواكم بِقَلِيلٍ، وهي اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ جَرَتْ مَجْرى المِثْلِ لِلْقُرْبِ مِنَ الشَّيْءِ قُبَيْلَ الوُصُولِ إلَيْهِ. شَبَّهَتْ هَيْئَةَ قُرْبِ الشَّيْءِ مِن آخَرٍ بِهَيْئَةِ وُصُولِ الشَّخْصِ بَيْنَ يَدَيْ مَن يَرِدُ هو عَلَيْهِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. صفحة ٤٥ ويُسْتَعْمَلُ في قُرْبِ الزَّمانِ بِتَشْبِيهِ الزَّمانِ بِالمَكانِ كَما هُنا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إلى التَّقْدِيمِ المَفْهُومِ مِن ”قَدَّمُوا“ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] . وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ تَعْرِيفٌ بِحِكْمَةِ الأمْرِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ نَجْوى الرَّسُولِ ﷺ لِيَرْغَبَ فِيها الرّاغِبُونَ. و(خَيْرٌ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ، أصْلُهُ: أخْيَرُ وهو المُزاوِجُ لِقَوْلِهِ: وأطْهَرُ أيْ: ذَلِكَ أشَدُّ خَيْرِيَّةً لَكم مِن أنْ تُناجُوا الرَّسُولَ ﷺ بِدُونِ تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ، وإنْ كانَ في كُلٍّ خَيْرٌ. كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا عَلى وزْنِ (فَعْلٍ) وهو مُقابِلُ الشَّرِّ، أيْ تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ النَّجْوى فِيهِ خَيْرٌ لَكم وهو تَحْصِيلُ رِضى اللَّهِ تَعالى في حِينِ إقْبالِهِمْ عَلى رَسُولِهِ ﷺ فَيَحْصُلُ مِن الِانْتِفاعِ بِالمُناجاةِ ما لا يَحْصُلُ مِثْلُهُ بِدُونِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ. وأمّا أطْهَرُ فَهو اسْمُ تَفْضِيلٍ لا مَحالَةَ، أيْ أطْهَرُ لَكم بِمَعْنى: أشَدُّ طُهْرًا، والطُّهْرُ هُنا مَعْنَوِيٌّ، وهو طُهْرُ النَّفْسِ وزَكاؤُها لِأنَّ المُتَصَدِّقَ تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ أنْوارٌ رَبّانِيَّةٌ مِن رِضى اللَّهِ عَنْهُ فَتَكُونُ نَفْسُهُ زَكِيَّةً كَما قالَ تَعالى﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . ومِنهُ سُمِّيَتِ الصَّدَقَةُ زَكاةً. وصِفَةُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ أنَّها كانَتْ تُعْطى لِلْفَقِيرِ حِينَ يَعْمِدُ المُسْلِمُ إلى الذَّهابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِيُناجِيَهُ. وعَذَرَ اللَّهُ العاجِزِينَ عَنْ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تَتَصَدَّقُونَ بِهِ قَبْلَ النَّجْوى غَفَرَ اللَّهُ لَكُمُ المَغْفِرَةَ الَّتِي كانَتْ تَحْصُلُ لَكم لَوْ تَصَدَّقْتُمْ لِأنَّ مَن نَوى أنْ يَفْعَلَ الخَيْرَ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ كانَ لَهُ أجْرٌ عَلى نِيَّتِهِ. وأمّا اسْتِفادَةُ أنَّ غَيْرَ الواجِدِ لا حَرَجَ عَلَيْهِ في النَّجْوى بِدُونِ صَدَقَةٍ فَحاصِلَةٌ صفحة ٤٦ بِدِلالَةِ الفَحْوى لِأنَّهُ لا يَتْرُكُ مُناجاةَ الرَّسُولِ ﷺ فَإنَّ إرادَةَ مُناجاتِهِ الرَّسُولَ ﷺ لَيْسَتْ عَبَثًا بَلْ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ. وأمّا قَوْلُهُ رَحِيمٌ فَهو في مُقابَلَةِ ما فاتَ غَيْرَ الواجِدِ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ إشْعارًا بِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْفَعُهُ. واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ.

المجادلة 58:13

﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها: والمَشْهُورُ عِنْدَ جَمْعٍ مِن سَلَفِ المُفَسِّرِينَ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ عَشَرَةِ أيّامٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها. وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ القادِرِينَ عَلى تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ النَّجْوى شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأمْسَكُوا عَنْ مُناجاةِ النَّبِيءِ ﷺ فَأسْقَطَ اللَّهُ وُجُوبَ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، وقَدْ قِيلَ لَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ولَعَلَّ غَيْرَهُ لَمْ يَحْتَجْ إلى مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ واقْتَصَدَ مِمّا كانَ يُناجِيهِ لِأدْنى مُوجِبٍ. فالخِطابُ لِطائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قادِرِينَ عَلى تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ المُناجاةِ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أوْ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ. والإشْفاقُ تَوَقُّعُ حُصُولِ ما لا يَبْتَغِيهِ ومَفْعُولُ ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ هو أنْ تُقَدِّمُوا أيْ مِن أنْ تُقَدِّمُوا، أيْ أأشْفَقْتُمْ عاقِبَةَ ذَلِكَ وهو الفَقْرُ. قالَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها فَسَقَطَ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ لِمَن يُرِيدُ مُناجاةَ الرَّسُولِ ﷺ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ عَلى تَجَهُّمِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ مَعَ ما فِيها مِن فَوائِدَ لِنَفْعِ الفُقَراءِ. صفحة ٤٧ ثُمَّ تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهم رَحْمَةً بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ الآيَةَ. وقَدْ عُلِمَ مِنَ الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ أيْ بَعْضًا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ. و(إذْ) ظَرْفِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ فَحِينَ لَمْ تَفْعَلُوا فَأقِيمُوا الصَّلاةَ. وفاءُ ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. وما تَتَعَلَّقُ بِهِ إذْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: خَفَّفْنا عَنْكم وأعْفَيْناكم مِن أنْ تُقَدِّمُوا صَدَقَةً قَبْلَ مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ . وفاءُ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ عاطِفَةٌ عَلى الكَلامِ المُقَدَّرِ وحافِظُوا عَلى التَّكالِيفِ الأُخْرى وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. أيْ فَذَلِكَ لا تَسامُحَ فِيهِ قِيلَ لَهم ذَلِكَ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّهم كُلَّما ثَقُلَ عَلَيْهِمْ فِعْلُ ما كُلِّفُوا بِهِ يُعْفَوْنَ مِنهُ. وإذْ قَدْ كانَتِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ سابِقَةً عَلى الأمْرِ بِصَدَقَةِ النَّجْوى عَلى الأصَحِّ كانَ فِعْلُ ”آتَوْا“ مُسْتَعْمَلًا في طَلَبِ الدَّوامِ مِثْلُ فِعْلِ فَأقِيمُوا. واعْلَمْ أنَّهُ يَكْثُرُ وُقُوعُ الفاءِ بَعْدَ إذْ ومُتَعَلِّقِها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] في سُورَةِ الأحْقافِ. ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] في سُورَةِ الكَهْفِ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيطِ في طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

المجادلة 58:14

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَذِهِ حالَةٌ أُخْرى مِن أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ هي تُوَلِّيهِمُ اليَهُودَ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا مِن أهَلِ مِلَّتِهِمْ لِأنَّ المُنافِقِينَ مِن أهَلِ الشِّرْكِ. صفحة ٤٨ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِأنَّها عَوْدٌ إلى الغَرَضِ الَّذِي سَبَقَتْ فِيهِ آياتُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا﴾ [المجادلة: ٥] بَعْدَ أنْ فَصَلَ بِمُسْتَطْرَداتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَهُ. والقَوْمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ وقَدْ عُرِفُوا بِما يُرادِفُ هَذا الوَصْفَ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] . والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] . ووَجْهُ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ أنَّهم تَوَلَّوْا قَوْمًا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ ولَيْسُوا في دِينِهِمْ ما حَمَلَهم عَلى تَوَلِّيهِمْ إلّا اشْتِراكُ الفَرِيقَيْنِ في عَداوَةِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ ما هم يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا وهُمُ المُنافِقُونَ فَيَكُونُ جُمْلَةُ ما هم مِنكم ولا مِنهم حالًا مِنَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا، أيْ ما هم مُسْلِمُونَ ولا يَهُودٌ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى قَوْمٍ وهُمُ اليَهُودُ. فَتَكُونُ جُمْلَةُ ما هم مِنكم صِفَةَ ”قَوْمًا“، قَوْمًا لَيْسُوا مُسْلِمِينَ ولا مُشْرِكِينَ بَلْ هم يَهُودٌ. وكَذَلِكَ ضَمِيرُ ولا مِنهم يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ عَلى التَّعاكُسِ وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ واقِعٌ، ومُرادٌ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَكْثِيرًا لِلْمَعانِي مَعَ الإيجازِ فَيُفِيدُ التَّعْجِيبَ مِن حالِ المُنافِقِينَ أنْ يَتَوَلَّوْا قَوْمًا أجانِبَ عَنْهم عَلى قَوْمٍ هم أيْضًا أجانِبُ عَنْهم، عَلى أنَّهم إنْ كانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ اخْتِلافُ الدِّينِ فَإنَّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ اخْتِلافُ الدِّينِ واخْتِلافُ النَّسَبِ لِأنَّ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ عَرَبٌ ويُفِيدُ بِالِاحْتِمالِ الآخَرِ الإخْبارَ عَنِ المُنافِقِينَ بِأنَّ إسْلامَهم لَيْسَ صادِقًا، أيْ ما هم مِنكم أيُّها المُسْلِمُونَ، وهو المَقْصُودُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ولا مِنهم عَلى هَذا الِاحْتِمالِ احْتِراسًا وتَتْمِيمًا لِحِكايَةِ حالِهِمْ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ يَكُونُ ذَمُّ المُنافِقِينَ أشَدَّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حَماقَتِهِمْ إذْ جَعَلُوا لَهم أوْلِياءَ مَن لَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ فَهم لا يُوثَقُ بِوِلايَتِهِمْ وأضْمَرُوا بُغْضَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُصادِفُوا الدِّينَ الحَقَّ. ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ عُطِفَ عَلى تَوَلَّوْا وجِيءَ بِهِ مُضارِعًا لِلدِّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِهِ ولِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ في حِينِ حَلِفِهِمْ عَلى الكَذِبِ لِلتَّنَصُّلِ مِمّا فَعَلُوهُ، والكَذِبُ الخَبَرُ المُخالِفُ لِلْواقِعِ وهي الأخْبارُ الَّتِي يُخْبِرُونَ بِها عَنْ أنْفُسِهِمْ في نَفْيِ ما يَصْدُرُ مِنهم في جانِبِ المُسْلِمِينَ. صفحة ٤٩ وهم يَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في التَّعْجِيبِ لِأنَّهُ أشْنَعُ مِنَ الحَلِفِ عَلى الكَذِبِ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ في المَحْلُوفِ عَلَيْهِ. وأشارَ هَذا إلى ما كانَ يَحْلِفُهُ المُنافِقُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ إذا كُشِفَ لَهم بَعْضُ مَكائِدِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، وقَوْلُهُ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] وقَوْلُهُ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] . قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَلٍ - بِنُونٍ فَباءٍ مُوَحَّدَةٍ فَمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ - كانَ أحَدُهُما وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ يُجالِسُ النَّبِيءَ ﷺ، ويَرْفَعُ أخْبارَهُ إلى اليَهُودِ ويَسُبُّ النَّبِيءَ ﷺ فَإذا بُلِّغَ خَبَرَهُ أوْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ جاءَ فاعْتَذَرَ وأقْسَمَ إنَّهُ ما فَعَلَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإعْدادِ العَذابِ لَهم، أيْ أنَّهم عَمِلُوا فِيما مَضى أعْمالًا سَيِّئَةً مُتَطاوِلَةً مُتَكَرِّرَةً كَما يُؤْذِنُ بِها المُضارِعُ مِن قَوْلِهِ يَعْمَلُونَ. وبَيْنَ (يَعْمَلُونَ)، و(يَعْلَمُونَ) الجِناسُ المَقْلُوبُ قَلْبَ بَعْضٍ.

المجادلة 58:15

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَذِهِ حالَةٌ أُخْرى مِن أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ هي تُوَلِّيهِمُ اليَهُودَ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا مِن أهَلِ مِلَّتِهِمْ لِأنَّ المُنافِقِينَ مِن أهَلِ الشِّرْكِ. صفحة ٤٨ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِأنَّها عَوْدٌ إلى الغَرَضِ الَّذِي سَبَقَتْ فِيهِ آياتُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا﴾ [المجادلة: ٥] بَعْدَ أنْ فَصَلَ بِمُسْتَطْرَداتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَهُ. والقَوْمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ وقَدْ عُرِفُوا بِما يُرادِفُ هَذا الوَصْفَ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] . والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] . ووَجْهُ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ أنَّهم تَوَلَّوْا قَوْمًا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ ولَيْسُوا في دِينِهِمْ ما حَمَلَهم عَلى تَوَلِّيهِمْ إلّا اشْتِراكُ الفَرِيقَيْنِ في عَداوَةِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ ما هم يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا وهُمُ المُنافِقُونَ فَيَكُونُ جُمْلَةُ ما هم مِنكم ولا مِنهم حالًا مِنَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا، أيْ ما هم مُسْلِمُونَ ولا يَهُودٌ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى قَوْمٍ وهُمُ اليَهُودُ. فَتَكُونُ جُمْلَةُ ما هم مِنكم صِفَةَ ”قَوْمًا“، قَوْمًا لَيْسُوا مُسْلِمِينَ ولا مُشْرِكِينَ بَلْ هم يَهُودٌ. وكَذَلِكَ ضَمِيرُ ولا مِنهم يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ عَلى التَّعاكُسِ وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ واقِعٌ، ومُرادٌ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَكْثِيرًا لِلْمَعانِي مَعَ الإيجازِ فَيُفِيدُ التَّعْجِيبَ مِن حالِ المُنافِقِينَ أنْ يَتَوَلَّوْا قَوْمًا أجانِبَ عَنْهم عَلى قَوْمٍ هم أيْضًا أجانِبُ عَنْهم، عَلى أنَّهم إنْ كانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ اخْتِلافُ الدِّينِ فَإنَّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ اخْتِلافُ الدِّينِ واخْتِلافُ النَّسَبِ لِأنَّ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ عَرَبٌ ويُفِيدُ بِالِاحْتِمالِ الآخَرِ الإخْبارَ عَنِ المُنافِقِينَ بِأنَّ إسْلامَهم لَيْسَ صادِقًا، أيْ ما هم مِنكم أيُّها المُسْلِمُونَ، وهو المَقْصُودُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ولا مِنهم عَلى هَذا الِاحْتِمالِ احْتِراسًا وتَتْمِيمًا لِحِكايَةِ حالِهِمْ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ يَكُونُ ذَمُّ المُنافِقِينَ أشَدَّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حَماقَتِهِمْ إذْ جَعَلُوا لَهم أوْلِياءَ مَن لَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ فَهم لا يُوثَقُ بِوِلايَتِهِمْ وأضْمَرُوا بُغْضَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُصادِفُوا الدِّينَ الحَقَّ. ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ عُطِفَ عَلى تَوَلَّوْا وجِيءَ بِهِ مُضارِعًا لِلدِّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِهِ ولِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ في حِينِ حَلِفِهِمْ عَلى الكَذِبِ لِلتَّنَصُّلِ مِمّا فَعَلُوهُ، والكَذِبُ الخَبَرُ المُخالِفُ لِلْواقِعِ وهي الأخْبارُ الَّتِي يُخْبِرُونَ بِها عَنْ أنْفُسِهِمْ في نَفْيِ ما يَصْدُرُ مِنهم في جانِبِ المُسْلِمِينَ. صفحة ٤٩ وهم يَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في التَّعْجِيبِ لِأنَّهُ أشْنَعُ مِنَ الحَلِفِ عَلى الكَذِبِ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ في المَحْلُوفِ عَلَيْهِ. وأشارَ هَذا إلى ما كانَ يَحْلِفُهُ المُنافِقُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ إذا كُشِفَ لَهم بَعْضُ مَكائِدِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، وقَوْلُهُ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] وقَوْلُهُ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] . قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَلٍ - بِنُونٍ فَباءٍ مُوَحَّدَةٍ فَمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ - كانَ أحَدُهُما وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ يُجالِسُ النَّبِيءَ ﷺ، ويَرْفَعُ أخْبارَهُ إلى اليَهُودِ ويَسُبُّ النَّبِيءَ ﷺ فَإذا بُلِّغَ خَبَرَهُ أوْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ جاءَ فاعْتَذَرَ وأقْسَمَ إنَّهُ ما فَعَلَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإعْدادِ العَذابِ لَهم، أيْ أنَّهم عَمِلُوا فِيما مَضى أعْمالًا سَيِّئَةً مُتَطاوِلَةً مُتَكَرِّرَةً كَما يُؤْذِنُ بِها المُضارِعُ مِن قَوْلِهِ يَعْمَلُونَ. وبَيْنَ (يَعْمَلُونَ)، و(يَعْلَمُونَ) الجِناسُ المَقْلُوبُ قَلْبَ بَعْضٍ.

المجادلة 58:16

﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ . جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، لِأنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ أنْ يَقُولَ ما ألْجَأهم إلى الحَلِفِ عَلى الكَذِبِ، فَأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ لِقَضاءِ مَآرِبِهِمْ وزِيادَةِ مَكْرِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا لِأِنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٥] وتَكُونُ داخِلَةً في التَّعْلِيلِ. والجُنَّةُ: الوِقايَةُ والسُّتْرَةُ، مِن جَنَّ، إذا اسْتَتَرَ، أيْ وِقايَةٌ مِن شُعُورِ المُسْلِمِينَ بِهِمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِن صَدِّ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ في الإسْلامِ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ لِأنَّهم صفحة ٥٠ يَخْتَلِقُونَ أُكْذُوباتٍ يَنْسِبُونَها إلى الإسْلامِ وذَلِكَ مَعْنى التَّفْرِيعِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . و(صَدُّوا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِظُهُورِهِ، أيْ فَصَدُّوا النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيِ الإسْلامِ بِالتَّنْبِيطِ وإلْصاقِ التُّهَمِ والنَّقائِصِ بِالدِّينِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ قاصِرًا، فَصَدُّوا هم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ومَجِيءُ فِعْلِ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ماضِيًا مُفَرَّعًا عَلى ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ مَعَ أنَّ أيْمانَهم حَصَلَتْ بَعْدَ أنْ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ مُراعًى فِيهِ التَّفْرِيعُ الثّانِي وهو ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ . وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّ ما اتَّخَذُوا مِن أيْمانِهِمْ جُنَّةً سَبَبٌ مِن أسْبابِ العَذابِ يَقْتَضِي مُضاعَفَةَ العَذابِ. وقَدْ وصَفَ العَذابَ أوَّلَ مَرَّةٍ بِشَدِيدٍ وهو الَّذِي يُجازَوْنَ بِهِ عَلى تَوَلِّيهِمْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وحَلِفِهِمْ عَلى الكَذِبِ. ووَصَفَ عَذابَهم ثانِيًا بِـ (مُهِينٌ) لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى صَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وهَذا مَعْنى ”شَدِيدُ العَذابِ“ لِأجْلِ عَظِيمِ الجُرْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . فَكانَ العَذابُ مُناسِبًا لِلْمَقْصِدَيْنِ في كُفْرِهِمْ وهو عَذابٌ واحِدٌ فِيهِ الوَصْفانِ. وكَرَّرَ ذِكْرَهُ إبْلاغًا في الإنْذارِ والوَعِيدِ فَإنَّهُ مَقامُ تَكْرِيرٍ مَعَ تَحْسِينِهِ بِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ.

المجادلة 58:17

﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] فَكَما لَمْ تَقِهِمْ أيْمانُهُمُ العَذابَ لَمْ تُغْنِ عَنْهم أمْوالُهم ولا أنْصارُهم شَيْئًا يَوْمَ القِيامَةِ. وكانَ المُنافِقُونَ مِن أهْلِ الثَّراءِ بِالمَدِينَةِ، وكانَ ثَراؤُهم مِن أسْبابِ إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الإسْلامِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ سِيادَةٍ فَلَمْ يَرْضَوْا أنْ يَصِيرُوا في طَبَقَةِ عُمُومِ صفحة ٥١ النّاسِ. وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ مُهَيَّأً لِأنْ يُمَلِّكُوهُ عَلى المَدِينَةِ قُبَيْلَ إسْلامِ الأنْصارِ، فَكانُوا يَفْخَرُونَ عَلى المُسْلِمِينَ بِوَفْرَةِ الأمْوالِ وكَثْرَةِ العَشائِرِ وذَلِكَ في السَّنَةِ الأُولى مِنَ الهِجْرَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ (لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ) يُرِيدُ بِالأعَزِّ فَرِيقَهُ وبِالأذَلِّ فَرِيقَ المُسْلِمِينَ فَآذَنَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم لا تُغْنِي عَنْهم مِمّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ المَذَلَّةِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] . وإذا لَمْ تُغْنِ عَنْهم مِنَ اللَّهِ في الدُّنْيا فَإنَّها أجْدَرُ بِأنْ لا تُغْنِيَ عَنْهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ شَيْئًا، أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الإغْناءِ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّهُ يُنْصَرُ يَوْمَ القِيامَةِ لَقَدْ شَقِينا إذَنْ. فَواللَّهِ لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْفُسِنا وأوْلادِنا وأمْوالِنا إنْ كانَتْ قِيامَةٌ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وإقْحامُ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ عَلى المَنفِيِّ لِتَوْكِيدِ انْتِفاءِ الإغْناءِ. ومَعْنى (مِنَ اللَّهِ) مِن بَأْسِ اللَّهِ أوْ مِن عَذابِهِ. وحَذْفُ مِثْلِ هَذا كَثِيرٌ في الكَلامِ. وتَقْدِيرُهُ ظاهِرٌ. ويُلَقَّبُ هَذا الِاسْتِعْمالُ عِنْدَ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ بِإضافَةِ الحُكْمِ إلى الأعْيانِ عَلى إرادَةِ أشْهَرِ أحْوالِها نَحْوَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أيْ أكْلُها. وجُمْلَةُ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ إلَخْ خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ ثانٍ عَنْ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٥] . وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، أيْ لِأنَّهم أصْحابُ النّارِ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنَّهم أصْحابُ النّارِ. وصاحِبُ الشَّيْءِ مُلازِمُهُ فَلا يُفارِقُهُ. إذْ قَدْ تَقَرَّرَ في قَوْلِهِ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة: ١٥] ومِن قَوْلِهِ ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦] أنَّهم لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، فَكَيْفَ تُغْنِي عَنْهم أمْوالُهم وأوْلادُهم شَيْئًا مِن عَذابِ النّارِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أيْ ما أنْتَ تُنْقِذُهُ مِنَ النّارِ. فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا المَوْقِعِ يُنَبِّهُ عَلى صفحة ٥٢ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ صارَ جَدِيرًا بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأخْبارِ الَّتِي أخْبَرَ بِها عَنْهُ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

المجادلة 58:18

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ [المجادلة: ١٤] إلى قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ”يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا“ . كَما سَبَقَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ، أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ. وحَلِفُهم لِلَّهِ في الآخِرَةِ إشارَةٌ إلى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ كَما في صِفَةِ الحَلِفِ، وهي قَوْلُهم: إنَّهم غَيْرُ مُشْرِكِينَ، وفي كَوْنِهِ حَلِفًا عَلى الكَذِبِ، وهم يَعْلَمُونَ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ تَعالى فِتْنَةً في آيَةِ الأنْعامِ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . ومَعْنى ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ يَظُنُّونَ يَوْمَئِذٍ أنَّ حَلِفَهم يُفِيدُهم تَصْدِيقَهم عِنْدَ اللَّهِ فَيَحْسَبُونَ أنَّهم حَصَّلُوا شَيْئًا عَظِيمًا، أيْ نافِعًا. وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو شِدَّةُ التَّلَبُّسِ بِالوَصْفِ ونَحْوِهِ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وحُذِفَتْ صِفَةُ شَيْءٍ لِظُهُورِ مَعْناها مِنَ المَقامِ، أيْ عَلى شَيْءٍ نافِعٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] «. وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنِ الكُهّانِ (لَيْسُوا بِشَيْءٍ» ) . وهَذا يَقْتَضِي تَوَغُّلَهم في النِّفاقِ ومُرُونَتَهم عَلَيْهِ وأنَّهُ باقٍ في أرْواحِهِمْ بَعْدَ بَعْثِهِمْ لِأنَّ نُفُوسَهم خَرَجَتْ مِن عالَمِ الدُّنْيا مُتَخَلِّقَةً بِهِ، فَإنَّ النُّفُوسَ إنَّما تَكْتَسِبُ تَزْكِيَةً أوْ خُبْثًا في عالَمِ التَّكْلِيفِ. وحِكْمَةُ إيجادِ النُّفُوسِ في الدُّنْيا هي تَزْكِيَتُها وتَصْفِيَةُ صفحة ٥٣ أكْدارِها لِتَخْلُصَ إلى عالَمِ الخُلُودِ طاهِرَةً، فَإنْ هي سَلَكَتْ مَسْلَكَ التَّزْكِيَةِ تَخَلَّصَتْ إلى عالَمِ الخُلُودِ زَكِيَّةً ويَزِيدُها اللَّهُ زَكاءً وارْتِياضًا يَوْمَ البَعْثِ. وإنِ انْغَمَسَتْ مُدَّةَ الحَياةِ في حَمْأةِ النَّقائِصِ وصَلْصالِ الرَّذائِلِ جاءَتْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ تَشْوِيهًا لِحالِها. لِتَكُونَ مَهْزَلَةً لِأهْلِ المَحْشَرِ. وقَدْ تَبْقى في النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ خَلائِقُ لا تُنافِي الفَضِيلَةَ ولا تُناقِضُ عالَمَ الحَقِيقَةِ مِثْلُ الشَّهَواتِ المُباحَةِ ولِقاءِ الأحِبَّةِ قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] . وفي الحَدِيثِ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ أنْ يَزْرَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: أوَلَسْتَ فِيما شِئْتَ قالَ: بَلى، ولَكِنْ أُحِبُّ أنْ أزْرَعَ، فَأسْرَعَ وبَذَرَ فَيُبادِرُ الطَّرْفَ نَباتُهُ واسْتِواؤُهُ واسْتِحْصادُهُ وتَكْوِيرُهُ أمْثالَ الجِبالِ. وكانَ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَجْدُ هَذا إلّا قُرَشِيًّا أوْ أنْصارِيًّا فَإنَّهم أصْحابُ زَرْعٍ فَأمّا نَحْنُ فَلَسْنا بِأصْحابِ زَرْعٍ، فَضْحِكَ النَّبِيءُ» ﷺ - إقْرارًا لِما فَهِمَهُ الأعْرابِيُّ. وفِي حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُسْلِمٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ» . قالَ عِياضٌ في الإكْمالِ هو عامٌّ في كُلِّ حالَةٍ ماتَ عَلَيْها المَرْءُ. قالَ السُّيُوطِيُّ: يُبْعَثُ الزَّمّارُ بِمِزْمارِهِ. وشارِبُ الخَمْرِ بِقَدَحِهِ اهـ. قُلْتُ: ثُمَّ تَتَجَلّى لَهُمُ الحَقائِقُ عَلى ما هي عَلَيْهِ إذْ تَصِيرُ العُلُومُ عَلى الحَقِيقَةِ. وخَتَمَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ وهو تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِحالِ كَذِبِهِمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ [المجادلة: ١٤] . فالمُرادُ أنَّ كَذِبَهم عَلَيْكم لا يُماثِلُهُ كَذِبٌ، حَتّى قُصِرَتْ صِفَةُ الكاذِبِ عَلَيْهِمْ بِضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِكَذِبِ غَيْرِهِمْ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ تَوْكِيدًا لِمُفادِ الحَصْرِ الِادِّعائِيِّ وهو أنَّ كَذِبَ غَيْرِهِمْ كَلا كَذِبٍ في جانِبِ كَذِبِهِمْ، وبِأداةِ الِاسْتِفْتاحِ المُقْتَضِيَةِ اسْتِمالَةَ السَّمْعِ لِخَبَرِهِمْ لِتَحْقِيقِ تَمَكُّنِ صِفَةِ الكَذِبِ مِنهم حَتّى أنَّهُ يُلازِمُهم يَوْمَ البَعْثِ.

المجادلة 58:19

﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . صفحة ٥٤ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ما سِيقَ مِن وصْفِهِمْ بِانْحِصارِ صِفَةِ الكَذِبِ فِيهِمْ يُثِيرُ سُؤالَ السّامِعِ أنْ يَطْلُبَ السَّبَبَ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ إلى هَذِهِ الحالِ الفَظِيعِ فَيُجابُ بِأنَّهُ اسْتِحْواذُ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ وامْتِلاكُهُ زِمامَ أنْفُسِهِمْ يُصَرِّفُها كَيْفَ يُرِيدُ وهَلْ يَرْضى الشَّيْطانُ إلّا بِأشَدِّ الفَسادِ والغِوايَةِ. والِاسْتِحْواذُ: الِاسْتِيلاءُ والغَلَبُ، وهو اسْتِفْعالٌ مِن حاذَ حَوْذًا، إذا حاطَ شَيْئًا وصَرَّفَهُ كَيْفَ يُرِيدُ يُقالُ: حاذَ العِيرَ إذا جَمَعَها وساقَها غالِبًا لَها. فاشْتَقُّوا مِنهُ اسْتَفْعَلَ لَلَّذِي يَسْتَوْلِي بِتَدْبِيرٍ ومُعالَجَةٍ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ اسْتِحْواذٌ إلّا في اسْتِيلاءِ العاقِلِ لِأنَّهُ يَتَطَلَّبُ وسائِلَ اسْتِيلاءٍ. ومِثْلُهُ اسْتَوْلى. والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الغَلَبِ مِثْلُها في: ”اسْتَجابَ“ . والأحْوَذِيُّ: القاهِرُ لِلْأُمُورِ الصَّعْبَةِ. وقالَتْ عائِشَةُ كانَ عُمَرُ أحْوَذِيًّا نَسِيجَ وحْدِهِ. وكانَ حَقُّ اسْتَحْوَذَ أنْ يُقْلَبَ عَيْنُهُ ألِفًا لِأنَّ أصْلَها واوٌ مُتَحَرِّكَةٌ إثْرَ ساكِنٍ صَحِيحٍ وهو غَيْرُ اسْمِ تَعَجُّبٍ ولا مُضاعَفِ اللّامِ ولا مُعْتَلِّ اللّامِ فَحَقُّها أنْ تُنْقَلَ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ الصَّحِيحِ قَبْلَها فِرارًا مِن ثِقَلِ الحَرَكَةِ عَلى حَرْفِ العِلَّةِ مَعَ إمْكانِ الِاحْتِفاظِ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ بِنَقْلِها إلى الحَرْفِ قَبْلَها الخالِي مِنَ الحَرَكَةِ فَيَبْقى حَرْفُ العِلَّةِ ساكِنًا سُكُونًا مَيِّتًا إثْرَ حَرَكَةٍ فَيُقْلَبُ مَدَّةً مُجانِسَةً لِلْحَرَكَةِ الَّتِي قَبْلَها مِثْلُ يَقُومُ ويَبِينُ وأقامَ، فَحَقُّ اسْتَحْوَذَ أنْ يُقالَ فِيهِ: اسْتَحاذَ ولَكِنَّ الفَصِيحَ فِيهِ تَصْحِيحُهُ عَلى خِلافِ غالِبِ بابِهِ وهو تَصْحِيحٌ سَماعِيٌّ، ولَهُ نَظائِرُ قَلِيلَةٌ مِنها اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ، وأعْوَلَ، إذا رَفَعَ صَوْتَهُ. وأغْيَمَتِ السَّماءُ واسْتَغْيَلَ الصَّبِيُّ، إذا شَرِبَ الغَيْلَ وهو لَبَنُ الحامِلِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ التَّصْحِيحُ هو لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ مُطَّرِدَةٌ في هَذا البابِ كُلِّهِ. وحَكى المُفَسِّرُونَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ (اسْتَحاذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) . وقالَ الجَوْهَرِيُّ: تَصْحِيحُ هَذا البابِ كُلُّهُ مُطَّرِدٌ. وقالَ في التَّسْهِيلِ: يَطَّرِدُ تَصْحِيحُ هَذا البابِ في كُلِّ فِعْلٍ أُهْمِلَ ثُلاثِيُّهُ مِثْلِ اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ واسْتَتْيَسَتِ الشّاةُ إذا صارَتْ كالتَّيْسِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الِاسْتِحْواذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] في سُورَةِ النِّساءِ، فَضُمَّ هَذا إلى ذاكَ. صفحة ٥٥ والنِّسْيانُ مُرادٌ مِنهُ لازِمُهُ وهو الإضاعَةُ وتَرْكُ المَنسِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] . والذِّكْرُ يُطْلَقُ عَلى نُطْقِ اللِّسانِ بِاسْمٍ أوْ كَلامٍ ويُطْلَقُ عَلى التَّذَكُّرِ بِالعَقْلِ. وقَدْ يُخَصُّ هَذا الثّانِي بِضَمِّ الذّالِ وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِهِ وكِنايَتِهِ، أيْ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ وهو العِبادَةُ والطّاعَةُ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ أنْساهم تَوْحِيدَ اللَّهِ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ بِالعِبادَةِ. والَّذِي لا يَتَذَكَّرُ شَيْئًا لا يَتَوَجَّهُ إلى واجِباتِهِ. وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ نَتِيجَةٌ وفَذْلَكَةٌ لِقَوْلِ ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ فَإنَّ الِاسْتِحْواذَ يَقْتَضِي أنَّهُ صَيَّرَهم مِن أتْباعِهِ. واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِئَلا يَتَرَدَّدَ في أنَّهم حِزْبُ الشَّيْطانِ. وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّفَرُّعِ والتَّسَبُّبِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَإنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى حَرْفِ الِاسْتِفْتاحِ تَنْبِيهًا عَلى أهَمِّيَّةِ مَضْمُونِها وأنَّهُ مِمّا يَحِقُّ العِنايَةُ بِاسْتِحْضارِهِ في الأذْهانِ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِنَ الِانْدِماجِ فِيهِمْ، والتَّلَبُّسِ بِمِثْلِ أحْوالِهِمُ المَذْكُورَةِ آنِفًا. وزِيدَ هَذا التَّحْذِيرُ اهْتِمامًا بِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنْ) وبِصِيغَةِ القَصْرِ، إذْ لا يَتَرَدَّدُ أحَدٌ في أنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ خاسِرُونَ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ القَضايا المُسَلَّمَةِ بَيْنَ البَشَرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المُؤَكِّداتُ لِرَدِّ الإنْكارِ لِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ أنْ تَغُرَّهم حَبائِلُ الشَّيْطانِ وتَرُوقَ في أنْظارِهِمْ بَزَّةُ المُنافِقِينَ وتَخْدَعَهم أيْمانُهُمُ الكاذِبَةُ. وإظْهارُ كَلِمَةِ ﴿حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ دُونَ ضَمِيرِهِمْ لِزِيادَةِ التَّصْرِيحِ ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ صالِحَةً لِلتَّمَثُّلِ بِها مُسْتَقِلَّةً بِدِلالَتِها. وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لَلْمُبالَغَةِ في مِقْدارِ خُسْرانِهِمْ وأنَّهم لا خُسْرانَ أشَدُّ مِنهُ فَكَأنَّ كُلَّ خُسْرانٍ غَيْرِهِ عَدَمٌ فَيُدَّعى أنَّ وصْفَ الخاسِرِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ. وحِزْبُ المَرْءِ: أنْصارُهُ وجُنْدُهُ ومَن يُوالِيهِ.

المجادلة 58:20

صفحة ٥٦ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِيَ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ يُشْبِهُ مَوْقِعَ آيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] فالَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمُ المُشْرِكُونَ المُعْلِنُونَ بِالمُحادَّةِ. وأمّا المُحادُّونَ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ فَهُمُ المُسِرُّونَ لِلْمُحادَّةِ المُتَظاهِرُونَ بِالمُوالاةِ، وهُمُ المُنافِقُونَ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَيَّنَتْ شَيْئًا مِنَ الخُسْرانِ الَّذِي قَضى بِهِ عَلى حِزْبِ الشَّيْطانِ الَّذِينَ هم في مُقَدِّمَتِهِ. وبِهَذا تَكْتَسِبُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْنى بَدَلَ البَعْضِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]، لِأنَّ الخُسْرانَ يَكُونُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وخُسْرانُ الدُّنْيا أنْواعٌ أشَدُّها عَلى النّاسِ المَذَلَّةُ والهَزِيمَةُ، والمَعْنى: أنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ في الأذَلِّينَ المَغْلُوبِينَ. واسْتِحْضارُهم بِصِلَةِ ﴿الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنَّهم في الأذَلِّينَ فَأخْرَجَ الكَلامَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِإفادَةِ مَدْلُولِ الصِّلَةِ أنَّهم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ وإفادَةُ المَوْصُولِ تَعْلِيلَ الحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَهُ وهو كَوْنُهم أذَلِّينَ لِأنَّهم أعْداءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهم أعْداءُ اللَّهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَعَدُوُّهُ لا يَكُونُ عَزِيزًا. ومُفادُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ أنَّهم كائِنُونَ في زُمْرَةِ القَوْمِ المَوْصُوفِينَ بِأنَّهم أذَلُّونَ، أيْ شَدِيدُو المَذَلَّةِ لِيَتَصَوَّرَهُمُ السّامِعُ في كُلِّ جَماعَةٍ يَرى أنَّهم أذَلُّونَ، فَيَكُونُ هَذا النَّظْمُ أبْلَغَ مِن أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ هُمُ الأذَلُّونَ. واسْمُ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ بِسَبَبِ الوَصْفِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وجُمْلَةُ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ﴾ عِلَّةٌ لِجُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ أيْ لِأنَّ اللَّهَ صفحة ٥٧ أرادَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ ﷺ غالِبًا لِأعْدائِهِ وذَلِكَ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ الَّتِي لا يَغْلِبُها شَيْءٌ وقَدْ كَتَبَ لِجَمِيعِ رُسُلِهِ الغَلَبَةَ عَلى أعْدائِهِمْ، فَغَلَبَتُهم مِن غَلَبَةِ اللَّهِ إذْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالأشْياءِ عَلى وفْقِ إرادَةِ اللَّهِ لا يُغَيِّرُها شَيْءٌ، والإرادَةُ تَجْرِي عَلى وفْقِ العِلْمِ، ومَجْمُوعُ تَوارُدِ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ عَلى المَوْجُودِ هو المُسَمّى بِالقَضاءِ. وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ هُنا بِـ ”كَتَبَ اللَّهُ“ لِأنَّ الكِتابَةَ اسْتُعِيرَتْ لِمَعْنى: قَضى اللَّهُ ذَلِكَ وأرادَ وُقُوعَهُ في الوَقْتِ الَّذِي عَلِمَهُ وأرادَهُ فَهو مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا يَتَخَلَّفُ مِثْلُ الأمْرِ الَّذِي يُرادُ ضَبْطُهُ وعَدَمُ الإخْلالِ بِهِ فَإنَّهُ يُكْتَبُ لِكَيْ لا يُنْسى ولا يُنْقَصُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يُجْحَدَ التَّراضِي عَلَيْهِ. فَثَبَتَ لِرَسُولِهِ ﷺ الغَلَبَةُ لِشِمُولِ ما كَتَبَهُ اللَّهُ لِرُسُلِهِ إيّاهُ وهَذا إثْباتٌ لِغَلَبَةِ رَسُولِهِ أقْوامًا يُحادُّونَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ. فَجُمْلَةُ (﴿لَأغْلِبَنَّ﴾) مَصُوغَةٌ صِيغَةُ القَوْلِ تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ كَتَبَ إلى مَعْنى قَضى وقَدَّرَ. والمَعْنى: قَضى مَدْلُولَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، أيْ قَضى بِالغَلَبَةِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، فَكَأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَكْتُوبَةُ مِنَ اللَّهِ. والمُرادُ: الغَلَبَةُ بِالقُوَّةِ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ التَّهْدِيدِ. وأمّا الغَلَبَةُ بِالحُجَّةِ فَأمْرٌ مَعْلُومٌ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿لَأغْلِبَنَّ﴾) لِأنَّ الَّذِي يُغالِبُ الغالِبَ مَغْلُوبٌ. قالَ حَسّانُ: زَعَمَتْ سَخِينَةُ أنْ سَتَغْلِبُ رَبَّها ولْيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلّابِ

المجادلة 58:21

صفحة ٥٦ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِيَ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ يُشْبِهُ مَوْقِعَ آيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] فالَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمُ المُشْرِكُونَ المُعْلِنُونَ بِالمُحادَّةِ. وأمّا المُحادُّونَ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ فَهُمُ المُسِرُّونَ لِلْمُحادَّةِ المُتَظاهِرُونَ بِالمُوالاةِ، وهُمُ المُنافِقُونَ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَيَّنَتْ شَيْئًا مِنَ الخُسْرانِ الَّذِي قَضى بِهِ عَلى حِزْبِ الشَّيْطانِ الَّذِينَ هم في مُقَدِّمَتِهِ. وبِهَذا تَكْتَسِبُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْنى بَدَلَ البَعْضِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]، لِأنَّ الخُسْرانَ يَكُونُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وخُسْرانُ الدُّنْيا أنْواعٌ أشَدُّها عَلى النّاسِ المَذَلَّةُ والهَزِيمَةُ، والمَعْنى: أنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ في الأذَلِّينَ المَغْلُوبِينَ. واسْتِحْضارُهم بِصِلَةِ ﴿الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنَّهم في الأذَلِّينَ فَأخْرَجَ الكَلامَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِإفادَةِ مَدْلُولِ الصِّلَةِ أنَّهم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ وإفادَةُ المَوْصُولِ تَعْلِيلَ الحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَهُ وهو كَوْنُهم أذَلِّينَ لِأنَّهم أعْداءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهم أعْداءُ اللَّهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَعَدُوُّهُ لا يَكُونُ عَزِيزًا. ومُفادُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ أنَّهم كائِنُونَ في زُمْرَةِ القَوْمِ المَوْصُوفِينَ بِأنَّهم أذَلُّونَ، أيْ شَدِيدُو المَذَلَّةِ لِيَتَصَوَّرَهُمُ السّامِعُ في كُلِّ جَماعَةٍ يَرى أنَّهم أذَلُّونَ، فَيَكُونُ هَذا النَّظْمُ أبْلَغَ مِن أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ هُمُ الأذَلُّونَ. واسْمُ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ بِسَبَبِ الوَصْفِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وجُمْلَةُ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ﴾ عِلَّةٌ لِجُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ أيْ لِأنَّ اللَّهَ صفحة ٥٧ أرادَ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ ﷺ غالِبًا لِأعْدائِهِ وذَلِكَ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ الَّتِي لا يَغْلِبُها شَيْءٌ وقَدْ كَتَبَ لِجَمِيعِ رُسُلِهِ الغَلَبَةَ عَلى أعْدائِهِمْ، فَغَلَبَتُهم مِن غَلَبَةِ اللَّهِ إذْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالأشْياءِ عَلى وفْقِ إرادَةِ اللَّهِ لا يُغَيِّرُها شَيْءٌ، والإرادَةُ تَجْرِي عَلى وفْقِ العِلْمِ، ومَجْمُوعُ تَوارُدِ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ عَلى المَوْجُودِ هو المُسَمّى بِالقَضاءِ. وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ هُنا بِـ ”كَتَبَ اللَّهُ“ لِأنَّ الكِتابَةَ اسْتُعِيرَتْ لِمَعْنى: قَضى اللَّهُ ذَلِكَ وأرادَ وُقُوعَهُ في الوَقْتِ الَّذِي عَلِمَهُ وأرادَهُ فَهو مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا يَتَخَلَّفُ مِثْلُ الأمْرِ الَّذِي يُرادُ ضَبْطُهُ وعَدَمُ الإخْلالِ بِهِ فَإنَّهُ يُكْتَبُ لِكَيْ لا يُنْسى ولا يُنْقَصُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يُجْحَدَ التَّراضِي عَلَيْهِ. فَثَبَتَ لِرَسُولِهِ ﷺ الغَلَبَةُ لِشِمُولِ ما كَتَبَهُ اللَّهُ لِرُسُلِهِ إيّاهُ وهَذا إثْباتٌ لِغَلَبَةِ رَسُولِهِ أقْوامًا يُحادُّونَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ. فَجُمْلَةُ (﴿لَأغْلِبَنَّ﴾) مَصُوغَةٌ صِيغَةُ القَوْلِ تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ كَتَبَ إلى مَعْنى قَضى وقَدَّرَ. والمَعْنى: قَضى مَدْلُولَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، أيْ قَضى بِالغَلَبَةِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، فَكَأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَكْتُوبَةُ مِنَ اللَّهِ. والمُرادُ: الغَلَبَةُ بِالقُوَّةِ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ التَّهْدِيدِ. وأمّا الغَلَبَةُ بِالحُجَّةِ فَأمْرٌ مَعْلُومٌ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿لَأغْلِبَنَّ﴾) لِأنَّ الَّذِي يُغالِبُ الغالِبَ مَغْلُوبٌ. قالَ حَسّانُ: زَعَمَتْ سَخِينَةُ أنْ سَتَغْلِبُ رَبَّها ولْيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلّابِ

المجادلة 58:22

﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ . كانَ لِلْمُنافِقِينَ قَرابَةٌ بِكَثِيرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ نِفاقُهم لا يَخْفى عَلى بَعْضِهِمْ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ مِن مُوادَّةِ مَن يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ . ورُوِيَتْ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ قُوَّةَ أسانِيدَ اسْتَقْصاها القُرْطُبِيُّ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ صفحة ٥٨ ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلْآيَةِ سَبَبُ نُزُولٍ فَإنَّ ظاهِرَها أنَّها مُتَّصِلَةُ المَعْنى بِما قَبْلَها وما بَعْدَها مِن ذَمِّ المُنافِقِينَ ومُوالاتِهِمُ اليَهُودَ، فَما ذُكِرَ فِيها مِن قَصَصٍ لِسَبَبِ نُزُولِها فَإنَّما هو أمْثِلَةٌ لِمُقْتَضى حُكْمِها. وافْتِتاحُ الكَلامِ بِـ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ يُثِيرُ تَشْوِيقًا إلى مَعْرِفَةِ حالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ وما سَيُساقُ في شَأْنِهِمْ مِن حُكْمٍ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . والمَقْصُودُ مِنهُ أمْرُهُ بِإبْلاغِ المُسْلِمِينَ أنَّ مُوادَّةَ مَن يُعْلَمُ أنَّهُ مُحادُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ هي مِمّا يُنافِي الإيمانَ لِيَكُفَّ عَنْها مَن عَسى أنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِها. فالكَلامُ مِن قِبَلِ الكِنايَةِ عَنِ السَّعْيِ في نَفْيِ وِجْدانِ قَوْمٍ هَذِهِ صِفَتُهم، مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، أيْ لا تَحْضُرْ هُنا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [يونس: ١٨] أرادَ بِما لا يَكُونُ، لِأنَّ ما لا يَعْلَمُهُ اللَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وكانَتْ هَذِهِ عادَةُ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أيّامَ كانُوا بِمَكَّةَ. وقَدْ نُقِلَتْ أخْبارٌ مِن شَواهِدِ ذَلِكَ مُتَفاوِتَةُ القُوَّةِ ولَكِنْ كانَ الكُفْرُ أيّامَئِذٍ مَكْشُوفًا والعَداوَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ واضِحَةً. فَلَمّا انْتَقَلَ المُسْلِمُونَ إلى المَدِينَةِ كانَ الكُفْرُ مَسْتُورًا في المُنافِقِينَ فَكانَ التَّحَرُّزُ مِن مُوادَّتِهِمْ أجْدَرَ وأحْذَرَ. والمُوادَّةُ أصْلُها: حُصُولُ المَوَدَّةِ في جانِبَيْنِ. والنَّهْيُ هُنا إنَّما هو عَنْ مَوَدَّةِ المُؤْمِنِ الكافِرِينَ لا عَنْ مُقابَلَةِ الكافِرِ المُؤْمِنِينَ بِالمَوَدَّةِ، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ هُنا اعْتِبارًا بِأنَّ شَأْنَ الوُدِّ أنْ يَجْلِبَ وُدًّا مِنَ المَوْدُودِ لِلْوادِّ. وإمّا أنْ تَكُونَ المُفاعَلَةُ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الوُدِّ صادِقًا لِأنَّ الوادَّ الصّادِقَ يُقابِلُهُ المَوْدُودُ بِمِثْلِهِ. ويُعْرَفُ ذَلِكَ بِشَواهِدِ المُعامَلَةِ، وقَرِينَةُ الكِنايَةِ تَوْجِيهُ نَفْيِ وِجْدانِ المَوْصُوفِ بِذَلِكَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ هُنا ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، لِأنَّ المَوَدَّةَ مِن أحْوالِ القَلْبِ فَلا تُتَصَوَّرُ مَعَها التَّقِيَةُ، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] . صفحة ٥٩ وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ مُبالَغَةٌ في نِهايَةِ الأحْوالِ الَّتِي قَدْ يُقْدِمُ فِيها المَرْءُ عَلى التَّرَخُّصِ فِيما نُهِيَ عَنْهُ بِعِلَّةِ قُرْبِ القَرابَةِ. ثُمَّ إنَّ الَّذِي يُحادُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ إنْ كانَ مُتَجاهِرًا بِذَلِكَ مُعْلِنًا بِهِ، أوْ مُتَجاهِرًا بِسُوءِ مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ لِأجْلِ إسْلامِهِمْ لا لِمُوجِبِ عَداوَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، فالواجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ إظْهارُ عَداوَتِهِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] ولَمْ يُرَخَّصْ في مُعامَلَتِهِمْ بِالحُسْنى إلّا لِاتِّقاءِ شَرِّهِمْ إنْ كانَ لَهم بَأْسٌ قالَ تَعالى ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] . وأمّا مَن عَدا هَذا الصِّنْفَ فَهو الكافِرُ المُمْسِكُ شَرَّهُ عَنِ المُسْلِمِينَ، قالَ تَعالى ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] . ومِن هَذا الصِّنْفِ أهْلُ الذِّمَّةِ وقَدْ بَيَّنَ شِهابُ الدِّينِ القَرافِيِّ في الفَرْقِ التّاسِعَ عَشَرَ بَعْدَ المِائَةِ مَسائِلَ الفَرْقِ بَيْنَ البِرِّ والمَوَدَّةِ وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً بِآيَةِ ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] وأنَّ لِكُلٍّ مِنهُما حالَتَها. فَ لَوْ وصْلِيَةٌ وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى لَوِ الوَصْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ورُتِّبَتْ أصْنافُ القَرابَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّدَلِّي مِنَ الأقْوى إلى مَن دُونَهُ لِئَلا يُتَوَهَّمَ أنَّ النَّهْيَ خاصُّ بِمَن تَقْوى فِيهِ ظَنَّةُ النَّصِيحَةِ لَهُ والِائْتِمارُ بِأمْرِهِ. وعَشِيرَةُ الرَّجُلِ قَبِيلَتُهُ الَّذِينَ يَجْتَمِعُ مَعَهم في جَدٍّ غَيْرِ بَعِيدٍ وقَدْ أخَذَ العُلَماءُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ الكامِلِ لا يُوادُّونَ مَن فِيهِ مَعْنًى مِن مُحادَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ بِخَرْقِ سِياجِ شَرِيعَتِهِ عَمْدًا. والِاسْتِخْفافِ بِحُرُماتِ الإسْلامِ، وهَؤُلاءِ مِثْلُ أهْلِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ في الأعْمالِ مِن كُلِّ ما يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِهِ بِالدِّينِ ويُنْبِئُ عَنْ ضُعْفِ احْتِرامِهِ لِلدِّينِ مِثْلُ المُتَجاهِرِينَ بِالكَبائِرِ والفَواحِشِ السّاخِرِينَ صفحة ٦٠ مِنَ الزَّواجِرِ والمَواعِظِ، ومِثْلُ أهْلِ الزَّيْغِ والضَّلالِ في الِاعْتِقادِ مِمَّنْ يُؤْذَنُ حالُهم بِالإعْراضِ عَنْ أدِلَّةِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ، وإيثارُ الهَوى النَّفْسِيِّ والعَصَبِيَّةِ عَلى أدِلَّةِ الِاعْتِقادِ الإسْلامِيِّ الحَقِّ. فَعَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ تَنْزِيلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَن يَصْحَبُ سَلاطِينَ الجَوْرِ. وعَنْ مالِكٍ: لا تُجالِسِ القَدَرِيَّةَ وعادَهِمْ في اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . وقالَ فُقَهاؤُنا: يَجُوزُ أوْ يَجِبُ هُجْرانُ ذِي البِدْعَةِ الضّالَّةِ أوْ الِانْغِماسِ في الكَبائِرِ إذا لَمْ يَقْبَلِ المَوْعِظَةَ. وهَذا كُلُّهُ مِن إعْطاءِ بَعْضِ أحْكامِ المَعْنى الَّذِي فِيهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أوْ وعِيدٌ لِمَعْنًى آخَرَ فِيهِ وصْفٌ مِن نَوْعِ المَعْنى ذِي الحُكْمِ الثّابِتِ. وهَذا يَرْجِعُ إلى أنْواعٍ مِنَ الشَّبَهِ في مَسالِكِ العِلَّةِ لِلْقِياسِ فَإنَّ الأشْياءَ مُتَفاوِتَةٌ في الشَّبَهِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ أيِمَّةُ الأُصُولِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] مَعَ أنَّ مَهْيَعَ الآيَةِ المُحْتَجِّ بِها إنَّما هو الخُرُوجُ عَنِ الإسْلامِ ولَكِنَّهم رَأوُا الخُرُوجَ مَراتِبَ مُتَفاوِتَةً فَمُخالَفَةُ إجْماعِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ فِيهِ شَبَهُ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ. * * * ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ . الإشارَةُ إلى القَوْمِ المَوْصُوفِينَ بِأنَّهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الأوْصافَ السّابِقَةَ ووُقُوعُها عَقِبَ ما وُصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ مِن مُحادَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ سابِقًا وآنِفًا، وما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ أنَّهُ أعَدَّ لَهم عَذابًا شَدِيدًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ، وأنَّهم حِزْبُ الشَّيْطانِ، وأنَّهُمُ صفحة ٦١ الخاسِرُونَ، مِمّا يَسْتَشْرِفُ بَعْدَهُ السّامِعُ إلى ما سَيُخْبَرُ بِهِ عَنِ المُتَّصِفِينَ بِضِدِّ ذَلِكَ. وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ . وكِتابَةُ الإيمانِ في القُلُوبِ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وهي التَّقْدِيرُ الثّابِتُ الَّذِي لا تَتَخَلَّفُ آثارُهُ، أيْ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا الَّذِينَ زَيَّنَ اللَّهُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ فاتَّبَعُوا كَمالَهُ وسَلَكُوا شِعْبَهُ. والتَّأْكِيدُ: التَّقْوِيَةُ والنَّصْرُ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ إنَّ تَأْيِيدَ اللَّهِ إيّاهم قَدْ حَصَلَ وتَقَرَّرَ بِالإتْيانِ بِفِعْلِ المُضِيِّ لِلدِّلالَةِ عَلى الحُصُولِ وعَلى التَّحَقُّقِ والدَّوامِ فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ. والرُّوحُ هُنا: ما بِهِ كَمالُ نَوْعِ الشَّيْءِ مِن عَمَلٍ أوْ غَيْرِهِ ورُوحٌ مِنَ اللَّهِ: عِنايَتُهُ ولُطْفُهُ. ومَعانِيَ الرُّوحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، ووَعَدَهم بِأنَّهُ يُدْخِلُهم في المُسْتَقْبَلِ الجَنّاتِ خالِدِينَ فِيها. ورَضِي اللَّهُ عَنْهم حاصِلٌ مِنَ الماضِي ومُحَقَّقُ الدَّوامِ فَهو مِثْلُ الماضِي في قَوْلِهِ وأيَّدَهم، ورِضاهم عَنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ حاصِلٌ في الدُّنْيا بِثَباتِهِمْ عَلى الدِّينِ ومُعاداةِ أعْدائِهِ، وحاصِلٌ في المُسْتَقْبَلِ بِنَوالِ رِضا اللَّهِ عَنْهم ونَوالِ نَعَيْمِ الخُلُودِ. وأمّا تَحْوِيلُ التَّعْبِيرِ إلى المُضارِعِ في قَوْلِهِ ﴿ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ﴾ فَلِأنَّهُ الأصْلُ في الِاسْتِقْبالِ. وقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْ إفادَةِ التَّحْقِيقِ بِما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ كالقَوْلِ في ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ [المجادلة: ١٩] . وحَرْفُ التَّنْبِيهِ يَحْصُلُ مِنهُ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ إلى فَضْلِهِمْ. وتَنْبِيهُ مَن يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنَ المُنافِقِينَ إلى ما حَبا اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ مَن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَعَلَّ المُنافِقِينَ يَغْبِطُونَهم فَيُخْلِصُونَ الإسْلامَ. وشَتّانَ بَيْنَ الحِزْبَيْنِ. فالخُسْرانُ لِحِزْبِ الشَّيْطانِ، والفَلّاحُ لِحِزْبِ اللَّهِ تَعالى. * * * صفحة ٦٢ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَشْرِ اشْتُهِرَتْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةُ (سُورَةُ الحَشْرِ) . وبِهَذا الِاسْمِ دَعاها النَّبِيءُ ﷺ . رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاثَ مَرّاتٍ أُعَوِّذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وقَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ الحَشْرِ» الحَدِيثَ، أيِ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخِرِ السُّورَةِ. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ سُورَةُ الحَشْرِ قالَ (قُلْ بَنِي النَّضِيرِ)، أيْ سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ فابْنُ جُبَيْرٍ سَمّاها بِاسْمِها المَشْهُورِ. وابْنُ عَبّاسٍ يُسَمِّيها سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ. ولَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ تَسْمِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ إيّاها (سُورَةَ الحَشْرِ) لِأنَّ ظاهِرَ كَلامِهِ أنَّهُ يَرى تَسْمِيَتَها سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ لِقَوْلِهِ لِابْنِ جُبَيْرٍ قُلْ بَنِي النَّضِيرِ. وتَأوَّلَ ابْنُ حَجْرٍ كَلامَ ابْنَ عَبّاسٍ عَلى أنَّهُ كَرِهَ تَسْمِيَتَها بِـ (الحَشْرِ) لِئَلا يَظُنَّ أنَّ المُرادَ بِالحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. وأحْسَنُ مِن هَذا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أرادَ أنْ لَها اسْمَيْنِ، وأنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: قُلْ، لِلتَّخْيِيرِ. فَأمّا وجْهُ تَسْمِيَتِها (الحَشْرَ) فَلِوُقُوعِ لَفْظِ (الحَشْرِ) فِيها. ولِكَوْنِها ذُكِرَ صفحة ٦٣ فِيها حَشْرُ بَنِي النَّضِيرِ مِن دِيارِهِمْ أيْ مِن قَرْيَتِهِمُ المُسَمّاةِ الزُّهْرَةِ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ. فَخَرَجُوا إلى بِلادِ الشّامِ إلى أرِيحا وأذْرُعاتٍ، وبَعْضُ بُيُوتِهِمْ خَرَجُوا إلى خَيْبَرَ، وبَعْضُ بُيُوتِهِمْ خَرَجُوا إلى الحِيرَةِ. وأمّا وجْهُ تَسْمِيَتِها سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ فَلِأنَّ قِصَّةَ بَنِي النَّضِيرِ ذُكِرَتْ فِيها. وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. وهِيَ الثّامِنَةُ والتِّسْعُونَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ البَيِّنَةِ وقَبْلَ سُورَةِ النَّصْرِ. وكانَ نُزُولُها عَقِبَ إخْراجِ بَنِي النَّضِيرِ مِن بِلادِهِمْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وعَدَدُ آيِها أرْبَعٌ وعِشْرُونَ بِاتِّفاقِ العادِّينَ. * * * وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ بَنِي النَّضِيرِ ولَمْ يُعَيِّنُوا ما هو الغَرَضُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقْصِدَ مِنها حُكْمُ أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ الِانْتِصارِ عَلَيْهِمْ، كَما سَنُبَيِّنُهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الأُولى مِنها. وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ دالٌّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ، وكَوْنِ في السَّماواتِ والأرْضِ مُلْكُهُ، وأنَّهُ الغالِبُ المُدَبِّرُ. وعَلى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى ما يَسَّرَ مِن إجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ مَعَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المَنَعَةِ والحُصُونِ والعُدَّةِ. وتِلْكَ آيَةٌ مِن آياتِ تَأْيِيدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَلَبَتِهِ عَلى أعْدائِهِ. وذِكْرِ ما أجْراهُ المُسْلِمُونَ مِن إتْلافِ أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ وأحْكامِ ذَلِكَ في أمْوالِهِمْ وتَعْيِينِ مُسْتَحِقِّيهِ مِنَ المُسْلِمِينَ. وتَعْظِيمِ شَأْنِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ يَجِيئُونَ بَعْدَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وكَشْفِ دَخائِلِ المُنافِقِينَ ومَواعِيدِهِمْ لِبَنِي النَّضِيرِ أنْ يَنْصُرُوهم وكَيْفَ كَذَبُوا وعْدَهم صفحة ٦٤ وأنْحى عَلى بَنِي النَّضِيرِ والمُنافِقِينَ بِالجُبْنِ وتَفَرُّقِ الكَلِمَةِ وتَنْظِيرِ حالِ تَغْرِيرِ المُنافِقِينَ لِلْيَهُودِ بِتَغْرِيرِ الشَّيْطانِ لِلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، وتَنَصُّلِهِ مِن ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ فَكانَ عاقِبَةُ الجَمِيعِ الخُلُودَ في النّارِ. ثُمَّ خِطابُ المُؤْمِنِينَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى والحَذَرِ مِن أحْوالِ أصْحابِ النّارِ والتَّذْكِيرِ بِتَفاوُتِ حالِ الفَرِيقَيْنِ. وبَيانِ عَظَمَةِ القُرْآنِ وجَلالَتِهِ واقْتِضائِهِ خُشُوعَ أهْلِهِ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ إيماءٌ إلى حِكْمَةِ شَرائِعِ انْتِقالِ الأمْوالِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِالوُجُوهِ الَّتِي نَظَّمَها الإسْلامُ بِحَيْثُ لا تَشُقُّ عَلى أصْحابِ الأمْوالِ. والآمِرُ بِاتِّباعِ ما يَشْرَعُهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ . وخُتِمَتْ بِصِفاتٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَزَكِيَهً لِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضًا بِالكافِرِينَ.