التفسير الكبير (المنسوب إلى الطبراني) — البقرة 2:210 – آل عمران 3:120
المحتويات
- البقرة 2:210
- البقرة 2:211
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:218
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
البقرة 2:210
قوله عز وجل: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر }؛ افترق الناس في تفسير هذه الآية على أربعة أقوال؛ فرقة منهم يتأولونها على ظاهرها ويصفون الله بالإيتاء الذي هو زوال من مكان إلى مكان. وهذا القول غير مرض تعالى الله عنه. وفرقة يفسرون الإتيان تفسيرا مجملا لا يعدون ظاهر اللفظ، يقولون: يأتي كيف شاء بلا كيف. وهذا غير مرض أيضا.
وأما الفرقتان الأخريان من أهل السنة والجماعة؛ فإحداهما لا يفسرون هذه الآية ويقولون: نؤمن بظاهرها ونسكت عن الخوض في معناها؛ لما فيه من الاشتباه والتشبيه. وقال الكلبي: (هذا من المكتوم الذي لا يفسر). وقال ابن عباس: (نؤمن بها ولا نفسرها كما قال تعالى في المتشابهات:
وما يعلم تأويله إلا الله
[آل عمران: 7]).
وأما الفرقة الرابعة فيفسرونها ويردون مثل هذه المتشابهات إلى الآيات المحكمات ويقولون: معناها ما ينظر الكفار بعد قيام الحجة عليهم، إلا أن يأتيهم أمر الله وهو الحساب، أو أن يأتيهم عذاب الله؛ لأن الإتيان لفظ مشتبه يحتمل حقيقة الإتيان ويحتمل إتيان الأمر، وقد قامت الدلالة على أن الله تعالى لا يجوز عليه الإتيان والمجيء والانتقال والمزاولة؛ لأن ذلك من صفات الأجسام والمحدثين، والله تعالى منزه عن ذلك، قال علي رضي الله عنه: (من زعم أن الله في شيء أو من شيء أو على شيء فقد ألحد؛ لأنه لو كان من شيء لكان محدثا؛ ولو كان في شيء لكان محصورا؛ ولو كان على شيء لكان محمولا). وإذا كان لفظ الإتيان مشتبها وجب رده إلى المحكم نحو قوله تعالى في سورة النحل:
هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك
[النحل: 33].
وقال بعضهم: معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام وبالملائكة أو مع الملائكة، فتكون في معنى الباء، فعلى هذا التأويل زال الإشكال وسهل الأمر. وأما ذكر الظلة في الآية، فإن الهول إذا بدا من الظلة المظلمة من الحساب كان أعظم وأشد، يدل قوله تعالى في قصة شعيب:
فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم
[الشعراء: 189].
وأما قوله: { والملائكة } قرأ أبو جعفر بخفض (الملائكة) عطفا على الغمام؛ أي (والظلل) من الملائكة؛ أي جماعة من الملائكة. قوله { والملائكة } وسماهم الله ظللا؛ لأن الملائكة لا تسير بالأقدام ولكنها تطير بالأجنحة كما تطير الطير. ومن قرأ: (والملائكة) بالرفع؛ وهي قراءة الجمهور والإجماع فتقديره: وتأتيهم الملائكة في ظلل، يدل عليه قراءة أبي وعبدالله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام). والغمام: هو السحاب الرقيق الأبيض، سمي بذلك لأنه يغم؛ أي يستر.
قوله تعالى: { وقضي الأمر } أي المعنى: الحكم بإنزال الفريقين منازلهم من الجنة والنار. قوله تعالى: { وإلى الله ترجع الأمور }؛ أي عواقب الأمور ومصير الخلائق إلى الله تعالى، ومن قرأ (ترجع) برفع التاء فعلى ما لم يسم فاعله، ومن قرأ بنصب التاء فمعناه: وإلى الله تصير الأمور. ومن قرأ بالياء؛ فلأن تأنيث الأمور غير حقيقي.
البقرة 2:211
قوله عز وجل: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة }؛ أي سل يا محمد يهود أهل المدينة كم أعطيناهم؛ أي أعطينا أسلافهم وإمامهم من علامة واضحة مثل العصا، واليد البيضاء؛ وفلق البحر؛ وتظليل الغمام؛ وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما كان في وقت موسى عليه السلام من المعجزات، كما آتيتك من المعجزات فلم يؤمن أولئك كما لم يؤمن هؤلاء الكفار.
وهذا السؤال سؤال تقريع وإنكار للكفار وتقرير لقلب النبي صلى الله عليه وسلم لا سؤال استفهام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى السؤال. والمعنى: كما أن هؤلاء لم يؤمنوا بالآيات البينات التي أعطيتها فلا تغتمن. و { سل بني إسرائيل } أي أنظرها في آيات بني إسرائيل كم أعطيناهم من علامات واضحات في زمن موسى عليه السلام.
قوله عز وجل: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب }؛ أي من يغير حجة الله الدالة على أمر نبيه صلى الله عليه وسلم من بعد ما جاءته حجة الله بأن يجحدها أو يصرفها عن وجهها، { فإن الله شديد العقاب } أي شديد التعذيب لمن استحقه، وسمى الله تعالى الحج نعمة؛ لأنها من أعظم النعم على الناس في أمر الدين.
البقرة 2:212
قوله عز وجل: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة }؛ نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه، كانوا يتنعمون بما بسط الله لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد، ويسخرون من المؤمنين الذين يرفضون الدنيا ويقبلون على الطاعة والعبادة، ويقولون: لو كان محمد نبيا لاتبعه أشرافنا، والله ما يتبعه إلا الفقراء مثل ابن مسعود وعمار وصهيب وسالم وأبي عبيدة بن الجراح وبلال وخباب وعامر بن فهيرة وغيرهم، هكذا قال الكلبي.
وقال مقاتل: (نزلت في المنافقين: عبدالله بن أبي وأصحابه)، كانوا يتنعمون في الدنيا بما بسط الله لهم فيها من الخير، ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد صلى الله عليه وسلم أنه يغلب بهم! وكانوا يعيرونهم بقلة ذات أيديهم. وقال عطاء: (نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم من بني قريظة والنضير، سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله تعالى أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال أسهل شيء وأيسره).
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره وقلة ذات يده، شهره الله تعالى يوم القيامة ثم يفضحه، ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله تعالى على تل من نار حتى يخرج مما قال فيه، وإن المؤمن عند الله أعظم من ملك مقرب، وليس شيء أحب إلى الله تعالى من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة، وإن المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده "
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (لا تحقرن أحدا من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير). وقال يحيى بن معاذ: (بئس القوم قوم إذا استغنى المؤمن بينهم حسدوه، وإذا افتقر بينهم استذلوه).
قوله عز وجل: { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } أي فوقهم في الدرجة، يعني الذين اتقوا الشرك والفواحش والكبائر فوق الكفار يوم القيامة، في الجنة يكون المؤمنون في عليين والكفار في الجحيم.
قوله عز وجل: { والله يرزق من يشآء بغير حساب }؛ قال ابن عباس: (يعني كثيرا بغير مقدار؛ أي يرزق رزقا كثيرا لا يعرف حسابه). وقال الضحاك: (يعني بغير تبعة، يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة).
وقيل: معناه: أن الله تعالى لا يحاسب على ما يرزق؛ لأنه لا شريك له فيمانعه ولا قسيم فينازعه، ولا يقال له: لم أعطيت هذا وحرمت هذا، ولا لم أعطيت هذا أكثر من هذا؛ لأنه عز وجل لا يسأل عما يفعل. وقيل: معناه: يعطي من غير أن يخاف نفاذ خزائنه، فلا يحتاج إلى حساب ما يخرج منها؛ إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ليعلم قدر العطاء لئلا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به؛ فهو لا يحتاج إلى الحساب لأنه عالم غني لا يخاف نفاذ خزائنه؛ لأنها بين الكاف والنون.
وقيل: معناه: { والله يرزق من يشآء } من الكفار وغيرهم { بغير حساب } أي بغير مقدار لا يعرف حسابه.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يقول الله عز وجل: لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حرير ولصبيت الدنيا عليه صبا "
ومصداق ذلك قوله تعالى:
ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون
[الزخرف: 33]. وقال صلى الله عليه وسلم:
" لو أن الدنيا عند الله تزن جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ".
وعن قطرب: في قوله تعالى: { والله يرزق من يشآء بغير حساب }: (أي أن الله يعطي العدد المتناهي لا من عدد أكثر منه كما يفعله العباد، ولكن يعطي المتناهي من غير المتناهي). فإن قيل: أليس الله تعالى قال في آية أخرى:
جزآء من ربك عطآء حسابا
[النبأ: 36] فكيف قال في هذه الآية { بغير حساب }؟ قيل: العطاء من جهة الله عز وجل على ضربين؛ أحدهما: ثواب، والآخر: تفضل، فما كان ثوابا كان له حساب؛ لأنه يكون على قدر الاستحقاق بالعمل.
وأما التفضل فلا يكون له حساب كما قال تعالى:
ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله
[فاطر: 30]. والمراد بقوله:
عطآء حسابا
[النبأ: 36] الثواب دون التفضل، والمراد بقوله: { يرزق من يشآء بغير حساب } التفضل، فإن قيل: كيف قال: بغير حساب؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" حلالها حساب وحرامها عذاب ".
قيل: روي عن عائشة رضي الله عنها في معنى الحساب في المؤمنين: العرض، [ومن نوقش الحساب عذب].
فإن قيل: من الذي زين للذين كفروا الحياة الدنيا؟ قيل: ذهب بعض المفسرين إلى أن الذي زينها لهم إبليس كما قال الله تعالى في آية أخرى:
وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم
[الأنفال: 48]. وعن الحسن أنه قال: (زينها والله لهم الشيطان، فلا أحد أذم للدنيا ممن خلقها قال الله تعالى:
قل متاع الدنيا قليل
[النساء: 77] وقال تعالى:
وما الحيوة الدنيآ إلا متع الغرور
[الحديد: 20]).
وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى هو الذي زينها لهم؛ إذ خلق فيها الأشياء المعجبة وركب الشهوات في قلوب العباد؛ فنظر الذين كفروا إلى الدنيا بأكثر من مقدارها؛ فاغتروا بذلك كما قال تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]. قالوا: إنما فعل الله ذلك؛ لأن التكليف لا يتم إلا مع الشهوة، فإن الإنسان لا يجوز أن يكلف إلا بأن يدعى إلى ما تنفر عنه نفسه أو يزجر عما تتوق إليه نفسه، وهو معنى قوله عليه السلام:
" حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ".
وقرأ مجاهد وحميد: (زين للذين كفروا) بفتح الزاء، على معنى زينها الله عز وجل لهم.
البقرة 2:213
قوله عز وجل: { كان الناس أمة وحدة }؛ قال ابن عباس: (معناه: كان الناس أهل ملة واحدة: كفارا كلهم في ابتداء عهد نوح عليه السلام وكذلك في عهد إبراهيم) يعني أن أمم الأنبياء عليهم السلام الذين بعث إليهم الأنبياء كانت كفارا كما كانت هذه الأمة. وجائز أن يقال: كانت أمة واحدة على الكفر وإن كان فيهم مسلمون؛ إذا كان المسلمون قليلين مقهورين في البقية؛ لانصراف اسم الأمة على الأعم الأكثر. وقال قتادة والضحاك: { كان الناس أمة وحدة } أي كانوا مؤمنين في زمن آدم عليه السلام وبعد وفاته إلى مبعث نوح عليه السلام، وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى. قم اختلفوا في زمن نوح عليه السلام فبعث الله إليهم نوحا وكان أول نبي بعث، ثم بعث بعده النبيون. وقال الكلبي: (هم أهل سفينة نوح، كانوا كلهم مؤمنين، ثم اختلفوا بعد وفاة نوح، فبعث الله إليهم نبيه هود عليه السلام).
قوله عز وجل: { فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين }؛ أي مبشرين لمن أطاع الله تعالى بالجنة، ومنذرين بالنار والسخط لمن عصاه. قوله تعالى: { وأنزل معهم الكتب بالحق }؛ أي وأنزل عليهم الكتاب؛ إذ الأنبياء صلوات الله عليهم لم يكونوا منذرين حتى ينزل الكتاب معهم، وقوله: { بالحق } أي بالعدل.
وقوله: { ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه }؛ أي ليقضي الكتاب بينهم بالحكمة، وأضاف الحكم إلى الكتاب وإن كان الله تعالى هو الذي يحكم على جهة التفخيم لأمر الكتاب. وقوله: { فيما اختلفوا فيه } أي من أمر الدين.
قوله تعالى: { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم البينت بغيا بينهم }؛ أي ولم يختلف في أمر الدين وبعث النبيين إلا الذين أعطوا الكتاب من بعد ما جاءتهم الدلالات الواضحات من الله. وقوله: { بغيا بينهم } نصب على أنه مفعول له؛ أي لم يختلفوا إلا للبغي والحسد والتفرق؛ وذلك أن أهل الكتاب كانوا علموا حقيقة أمر النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم قبل مبعثه، فلما بعثه الله كفروا به إلا قليلا منهم.
قوله عز وجل: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه }؛ أي فأرشد الله المؤمنين { لما اختلفوا فيه من الحق } الذي اختلف فيه أهل الزيغ، { بإذنه } أي بتوفيقه وقضائه وعلمه. قوله تعالى: { والله يهدي من يشآء إلى صرط مستقيم }؛ أي والله يوفق لمعرفته من يشاء ممن كان أهلا لذلك إلى طريق واضح يرضاه الله تعالى.
والأمة في اللغة على وجوه؛ منها الجماعة كقوله تعالى:
وجد عليه أمة من الناس يسقون
[القصص: 23] وقوله:
أمم قد خلت من قبلكم
[الأعراف: 38] أي جماعات وقرون. ومنها الدين والملة كقوله تعالى:
إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة
[الزخرف: 22]. ومنها الحين والزمان كقوله تعالى:
وادكر بعد أمة
[يوسف: 45]. ومنها الرجل القدوة للناس في الخير قال الله تعالى:
إن إبراهيم كان أمة
[النحل: 120] ويسمى الإمام أمة أيضا؛ لأنه يجمع خصال الخير.
ومنها الرجل المنفرد بدين على حدة لا يشركه فيه غيره قال صلى الله عليه وسلم:
" يبعث زيد ابن عمرو بن نفيل أمة واحدة "
وكان قد أسلم قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن بمكة يومئذ مؤمن غيره، ثم تابعه بعد ذلك ورقة بن نوفل، وعاش ورقة إلى وقت خروج النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها القامة؛ يقال: فلان حسن الأمة؛ أي القامة. والإمة بالكسر النعمة؛ يقال: فلان ذو إمة؛ أي ذو نعمة.
وأما الكتب المنزلة قبل القرآن فقد روي أن الله أنزل على شيث خمسين صحيفة وكان يعمل بها هو ومن معه ومن بعده إلى زمن إدريس، ثم أنزل الله على إدريس عليه السلام ثلاثين صحيفة فكان يعمل بها إلى زمن إبراهيم، ثم أنزل على إبراهيم عشر صحائف، فكان يعمل بها إلى زمن موسى، ثم أنزل على موسى عليه السلام عشر صحائف قبل التوراة، فكان يعمل بها إلى زمن موسى ومن معه إلى غرق فرعون، ثم أنزل الله التوراة، فكان يعمل بها إلى زمن داود، ثم أنزل الله تعالى الزبور على داود، فكان يعمل بها إلى زمن عيسى عليه السلام، ثم أنزل الله الإنجيل فكان يعمل بها إلى بعث محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أنزل الله الفرقان ناسخا لما قبله من الكتب.
البقرة 2:214
قوله عز وجل: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء }؛ أي أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم تصبكم صفة الذين محنوا من قبلكم؛ أي ولم تبتلوا كما ابتلي الذين من قبلكم، { مستهم البأسآء } أي الشدة وهي القتل، { والضرآء } والبلاء والفقر والمرض. وقيل: البأساء: نقيض النعماء، والضراء: نقيض السراء.
قوله تعالى: { وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله }؛ أي حركوا وخوفوا { حتى يقول الرسول والذين آمنوا } أي جاهدوا حتى قال كل رسول بعث إلى أمته: متى فتح الله؟ يقول الله تعالى: { ألا إن نصر الله قريب }؛ يعني ألا إن نصر الله لك ولأمتك يا محمد قريب عاجل كما نصرت الرسل قبلك، والمثل قد يذكر بمعنى الصفة كما قال الله تعالى:
مثل الجنة
[الرعد: 35] أي صفة الجنة، ذهب السدي إلى أن هذه الآية نزلت بالمدينة يوم الخندق حين اشتدت مخافة المؤمنين من العدو.
ووجه إيصال هذه الآية بما قبلها: أن الله تعالى قال فيما تقدم:
يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة
[البقرة: 208] ثم قال:
فهدى الله الذين آمنوا
[البقرة: 213]. وكان المسلمون اتكلوا على مجرد اهتدائهم، فبين الله في هذه الآية أنه لا يجوز الاتكال على مجرد الإيمان من غير مكابدة ما قاساه السلف من المؤمنين كما قال تعالى:
أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون
[العنكبوت: 2].
وأما القراءة في قوله تعالى: { حتى يقول الرسول } من نصب فعلى الأصل؛ لأن { حتى } تنصب الفعل. ومن قرأ بالرفع أدخل (حتى) على جملة ما بعده لا على الفعل خاصة؛ كأنه قال: حتى الرسول يقول، فلا يظهر عمل (حتى). قال الشاعر:
فيا عجبا حتى كليب تسبني
كان أباها نهشل أو مجاشع
البقرة 2:215
قوله عز وجل: { يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل }؛ الآية قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية جوابا عن سؤال عمرو بن الجموح الأنصاري لما حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة ورغب فيها الناس، وذلك قبل نزول الفرائض؛ قال عمرو: يا رسول الله، بماذا نتصدق؟ وعلى من يتصدق؟ فأنزل الله هذه الآية). ومعناه يسألونك أي شيء يتصدقون به، فقل لهم: ما تصدقتم به من مال: فعلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل؛ والضيف النازل بكم.
قوله تعالى: { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم }؛ أي وما تفعلوه من خير من وجوه البر فإن الله به عليم يحصيه ويجازيكم عليه، لا يضيع عنده عمل عامل، فإن قيل: كيف يطابق في هذه الآية جواب هذا السؤال؛ لأن السؤال إنما وقع على المنفق، والجواب إنما وقع على المنفق عليه؟ قيل: إن الجواب مطابق لهذا السؤال؛ لأن قوله: و { مآ أنفقتم من خير } يتناول القليل والكثير لشمول اسم الخير، فكأن الجواب صدر عن القليل والكثير مع بيان من تصرف إليه النفقة؛ لأن المسؤول إذا كان حكيما يعلم ما يحتاج إليه السائل؛ أجاب عن كل ما يحتاج إليه، كما
" روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ماء البحر؛ فقال: " هو الطهور ماؤه؛ الحل ميتته "
وإنما قال ذلك لأنه علم أنهم لما جهلوا حكم ماء البحر، فإنهم أشد جهلا بحكم ما فيه من المأكول، كذلك هؤلاء لما جهلوا المنفق كان جهلهم بالمنفق عليهم أكثر؛ فلهذا ذكر الله المنفق عليهم مع ذكر المنفق.
واختلفوا في هذه النفقة المذكورة؛ هل هي واجبة أم لا؟ قال الحسن: (المراد بها التطوع على من لا يجوز وضع الزكاة فيه كالوالدين والمولودين؛ ووضع الزكاة فيمن يجوز وضعها فيهم). وقال السدي: (هذه الآية منسوخة بآية الزكاة). والصحيح أنها ثابتة الحكم عامة في الفرض والتطوع؛ لأن الآية متى أمكن استعمالها لم يجز الحكم بنسخها، ويحتمل أن يكون المراد بها النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا محتاجين.
البقرة 2:216
قوله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم }؛ قال ابن ".... ": (لما كتب الله الجهاد على المسلمين شق ذلك عليهم، وكرهته نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأحب الله تعالى أن يطيب نفوسهم بهذه الآية).
وقيل في وجه اتصالها بما قبلها: أن ما قبلها ذكر التعبد بالنفقة التي تشق على البدن، وفي هذه الآية ذكر ما لا شيء في التعبد أشق منه وهو القتال. ومعنى الآية: فرض عليكم القتال وهو شاق عليكم، وأراد بالكراهة كراهة الطبع لا عدم الرضا بالأمر، وهذا كما يكره الإنسان الصوم بالصيف من جهة الطبع، وهو مع ذلك يحبه ويرضاه من حيث إن الله أمره به.
قوله تعالى: { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم }؛ أي لعلكم تكرهون الجهاد وهو خير لكم لما فيه من النصر لدين الله تعالى على أعداء الله؛ والفوز بالغنيمة مع عظم المثوبة، وإدراك محل الشهداء { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } أي لعلكم تحبون القعود عن الجهاد وهو شر لكم، تحرمون الفتح والغنيمة والشهادة، ويتسلط عليكم العدو.
قوله تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون }؛ أي يعلم ما فيه مصلحتكم وما هو خير في عاقبة أموركم وأنتم لا تعلمون ذلك، فبادروا إلى ما أمرتم به إذ ليس كل ما تشتهون خيرا، ولا كل ما تحذرون شرا.
وفي هذه الآية دلالة على فرض القتال كما قال تعالى:
كتب عليكم الصيام
[البقرة: 183] وأراد به فرض الصيام. ثم لا يخلو القتال المذكور في هذه الآية من أن يرجع إلى معهود قد عرفه المخاطبون وهو قوله تعالى:
وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم
[البقرة: 190] وقوله:
ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه
[البقرة: 191].
وتكون هذه الآية تأكيدا لذلك القتل المعهود الذي علم حكمه، فيكون القتال في هذه الآية راجعا إلى جنس القتال، فتكون هذه الآية مجملة مفتقرة إلى البيان؛ لأن من المعلوم أن الله تعالى لم يأمر بالقتال الناس كلهم، فلا يصح اعتقاد العموم فيه، فكان بيان هذا المجمل بقوله تعالى:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر
[التوبة: 29] وقوله:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5].
البقرة 2:217
قوله عز وجل: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله }؛ قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن عمته عبدالله بن جحش قبل قتال بدر، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين وهو أميرهم، كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، وقال له: " إذ نزلت منزلتين، فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثم امض لما أمرتك به، ولا تكره أحدا من أصحابك على السير معك ".
فسار عبدالله حتى بلغ منزلتين، ثم فتح الكتاب فإذا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فسر على بركة الله بمن اتبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة، فترصد بها عير قريش، لعلك تأتينا منهم بخبر. والسلام. ". فقال عبدالله: سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق القوم معه حتى وصلوا بطن نخلة بين مكة والطائف فنزلوا هناك.
فبينا هم كذلك إذ مر بهم عمرو بن الحضرمي في عير لقريش في أول يوم من رجب، والمؤمنون يظنون أنها آخر يوم من جمادى الأخرى، فأمر عبدالله أن يحلقوا رأس عكاشة ليشرف على المشركين، فيظنوا أنهم عمار فيأمنوا. ففعل ذلك وأمنه المشركون، وقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم منهم.
ورمى واقد بن عبدالله عمرو بن الحضرمي فقتله واستأسر بعض المشركين، وهرب بعضهم إلى مكة، واستاق المسلمون العير، فعيرهم المشركون بذلك وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام، شهرا يأمن فيه الخائف ويطلق فيه الأسير. ووقف النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الغنيمة "
، فأنزل الله تعالى هذه الآية). ويقال: لما أمر الله المسلمين بالقتال، ظنوا عموم الأمر في جميع الشهور، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرفوا، فنزلت هذه الآية. والقول الأول أقرب إلى ظاهر القرآن.
ومعنى الآية: { يسألونك } عن قتال في { الشهر الحرام } لأن قوله: { قتال فيه } بدل الاشتمال عن الشهر الحرام، وقوله تعالى: { قل قتال فيه كبير } أي القتال في الشهر الحرام عظيم الذنب عند الله تعالى، ثم استأنف الكلام فقال: { وصد عن سبيل الله } أي منع الناس عن الكعبة أن يأتوها ويطوفوا بها { وكفر به } أي وكفر بالله تعالى، ويقال: بالحج، أو كفر بالمسجد الحرام.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وكفر بالله وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام، أي الكفار مع هذا الإحرام أولى بالعنت ممن قتل مشركا في الشهر الحرام كما قال تعالى: { والفتنة أكبر من القتل }؛ أي الشرك بالله أعظم عقوبة وإثما من القتال.
ومعنى كفرهم بالمسجد الحرام: أن الله جعل المسجد الحرام للمؤمنين ولعبادتهم إياه فيه، فلما جعله الكفار لأوثانهم ومنعوا المسلمين منه، كان ذلك كفرا منهم بالمسجد الحرام.
قوله عز وجل: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا }؛ معناه: لا يزال أهل مكة يقاتلونكم أيها المسلمون حتى يصرفونكم عن دينكم الإسلام إلى دينهم الكفر إن قدروا على ذلك، ثم حذر الله المؤمنين ليثبتوا على الإسلام فقال عز وجل: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }؛ أي من يرجع منكم عن دين الإسلام فيمت على كفره، { فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } أي التي عملوها للآخرة؛ أي لا يبقى لعمل من أعمالكم ثواب يجازون به في الدارين، الآية: { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } مقيمون دائمون.
والصد والصرف والمنع، يقال: صد يصد صدا؛ إذا صرف غيره عن الشيء، وصد يصد صدودا؛ إذا أعرض بنفسه. ومن قرأ (يرتدد) بدالين فهو لغة أهل الحجاز، أظهروا التضعيف حذرا من التقاء الساكنين، ومن قرأ (يرتد) بالتشديد فهو لغة بني تميم أدغموا الحرفين من جنس واحد وحركوه إلى الفتحة. وقوله: { فيمت } جزم بالعطف على (يرتد) ولو كان جوابا لكان رفعا. وأكثر الأمة على أن النهي عن القتال في الشهر الحرام منسوخ؛ نسخته سورة براءة، وهو قوله تعالى:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر
[التوبة: 29]؛ لأنها نزلت بعد حظر القتال في الشهر.
فإن قيل: إذا كان نفس الارتداد يحبط العمل حتى يبطل حجة الذي أداه، فأين فائدة قوله: { فيمت وهو كافر }؟ قيل: إنما ذكر الله تعالى في هذه الآية أمر الآخرة لا أمرا يرجع إلى إحباط عمله في الماضي؛ إذ المعلوم من حال المرتد أنه إذا عاد إلى الإسلام والتوبة والعمل الصالح ومات على ذلك لا يعاقب في الآخرة، فلما جمع الله في هذه الآية بين إحباط عمله فيما يتصل بالدنيا والآخرة حتى يزول ثوابه إلى العقاب الدائم، كذلك شرط موته على الكفر.
روي في التفسير: أنه لما نزلت هذه الآية قام عبدالله بن جحش وأصحابه؛ فقالوا: يا رسول الله، أنطمع من ربنا أن تكون لنا هذه غزوة في الجهاد، فنزل قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم }؛ معناه أن الذين صدقوا وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا في محاربة المشركين في طاعة الله تعالى أهل هذه الصفة، يعطون مغفرة الله تعالى وجنته، { والله غفور } لما كان منهم من القتال والأسر وأخذ الغنيمة في الشهر الحرام، { رحيم } بهم حين رفع إثم ذلك عنهم.
والمهاجرة: مفاعلة من الهجر، وفي هذا الموضع هجران الموطن والعشيرة في رضا الله تعالى، والهجر نقيض الوصل، وأطلق اللفظ في هذه الآية على المفاعلة، ويزاد ما ذكرناه؛ ونظيره المساعدة: وهي ضم الرجل ساعده إلى ساعد أخيه بالتقوية والمعونة. وأما المجاهدة: فهي بذل الرجل الجهد من نفسه مع إخوانه، ويجوز أن يراد بذلك أن يبذل الجهد في قتال عدوه، وقد فعل العدو مثل فعله، فيصير مفاعلة.
وإنما قال الله تعالى: { أولئك يرجون رحمت الله } لأن أحدا لا يعلم أنه صابر إلى أن يبلغ في الطاعة كل مبلغ؛ إلا بخبر الله تعالى أو بخبر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يدري لعله قصر في شيء من الواجبات، وما يدري ما الذي يكون منه وما بينه وبين موته، ولا يعلم أحد من المسلمين بما يختم له، ختم الله لنا بالسعادة والشهادة.
البقرة 2:218
قوله عز وجل: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله }؛ قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن عمته عبدالله بن جحش قبل قتال بدر، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين وهو أميرهم، كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، وقال له: " إذ نزلت منزلتين، فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثم امض لما أمرتك به، ولا تكره أحدا من أصحابك على السير معك ".
فسار عبدالله حتى بلغ منزلتين، ثم فتح الكتاب فإذا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فسر على بركة الله بمن اتبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة، فترصد بها عير قريش، لعلك تأتينا منهم بخبر. والسلام. ". فقال عبدالله: سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق القوم معه حتى وصلوا بطن نخلة بين مكة والطائف فنزلوا هناك.
فبينا هم كذلك إذ مر بهم عمرو بن الحضرمي في عير لقريش في أول يوم من رجب، والمؤمنون يظنون أنها آخر يوم من جمادى الأخرى، فأمر عبدالله أن يحلقوا رأس عكاشة ليشرف على المشركين، فيظنوا أنهم عمار فيأمنوا. ففعل ذلك وأمنه المشركون، وقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم منهم.
ورمى واقد بن عبدالله عمرو بن الحضرمي فقتله واستأسر بعض المشركين، وهرب بعضهم إلى مكة، واستاق المسلمون العير، فعيرهم المشركون بذلك وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام، شهرا يأمن فيه الخائف ويطلق فيه الأسير. ووقف النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الغنيمة "
، فأنزل الله تعالى هذه الآية). ويقال: لما أمر الله المسلمين بالقتال، ظنوا عموم الأمر في جميع الشهور، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرفوا، فنزلت هذه الآية. والقول الأول أقرب إلى ظاهر القرآن.
ومعنى الآية: { يسألونك } عن قتال في { الشهر الحرام } لأن قوله: { قتال فيه } بدل الاشتمال عن الشهر الحرام، وقوله تعالى: { قل قتال فيه كبير } أي القتال في الشهر الحرام عظيم الذنب عند الله تعالى، ثم استأنف الكلام فقال: { وصد عن سبيل الله } أي منع الناس عن الكعبة أن يأتوها ويطوفوا بها { وكفر به } أي وكفر بالله تعالى، ويقال: بالحج، أو كفر بالمسجد الحرام.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وكفر بالله وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام، أي الكفار مع هذا الإحرام أولى بالعنت ممن قتل مشركا في الشهر الحرام كما قال تعالى: { والفتنة أكبر من القتل }؛ أي الشرك بالله أعظم عقوبة وإثما من القتال.
ومعنى كفرهم بالمسجد الحرام: أن الله جعل المسجد الحرام للمؤمنين ولعبادتهم إياه فيه، فلما جعله الكفار لأوثانهم ومنعوا المسلمين منه، كان ذلك كفرا منهم بالمسجد الحرام.
قوله عز وجل: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا }؛ معناه: لا يزال أهل مكة يقاتلونكم أيها المسلمون حتى يصرفونكم عن دينكم الإسلام إلى دينهم الكفر إن قدروا على ذلك، ثم حذر الله المؤمنين ليثبتوا على الإسلام فقال عز وجل: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }؛ أي من يرجع منكم عن دين الإسلام فيمت على كفره، { فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } أي التي عملوها للآخرة؛ أي لا يبقى لعمل من أعمالكم ثواب يجازون به في الدارين، الآية: { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } مقيمون دائمون.
والصد والصرف والمنع، يقال: صد يصد صدا؛ إذا صرف غيره عن الشيء، وصد يصد صدودا؛ إذا أعرض بنفسه. ومن قرأ (يرتدد) بدالين فهو لغة أهل الحجاز، أظهروا التضعيف حذرا من التقاء الساكنين، ومن قرأ (يرتد) بالتشديد فهو لغة بني تميم أدغموا الحرفين من جنس واحد وحركوه إلى الفتحة. وقوله: { فيمت } جزم بالعطف على (يرتد) ولو كان جوابا لكان رفعا. وأكثر الأمة على أن النهي عن القتال في الشهر الحرام منسوخ؛ نسخته سورة براءة، وهو قوله تعالى:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر
[التوبة: 29]؛ لأنها نزلت بعد حظر القتال في الشهر.
فإن قيل: إذا كان نفس الارتداد يحبط العمل حتى يبطل حجة الذي أداه، فأين فائدة قوله: { فيمت وهو كافر }؟ قيل: إنما ذكر الله تعالى في هذه الآية أمر الآخرة لا أمرا يرجع إلى إحباط عمله في الماضي؛ إذ المعلوم من حال المرتد أنه إذا عاد إلى الإسلام والتوبة والعمل الصالح ومات على ذلك لا يعاقب في الآخرة، فلما جمع الله في هذه الآية بين إحباط عمله فيما يتصل بالدنيا والآخرة حتى يزول ثوابه إلى العقاب الدائم، كذلك شرط موته على الكفر.
روي في التفسير: أنه لما نزلت هذه الآية قام عبدالله بن جحش وأصحابه؛ فقالوا: يا رسول الله، أنطمع من ربنا أن تكون لنا هذه غزوة في الجهاد، فنزل قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم }؛ معناه أن الذين صدقوا وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا في محاربة المشركين في طاعة الله تعالى أهل هذه الصفة، يعطون مغفرة الله تعالى وجنته، { والله غفور } لما كان منهم من القتال والأسر وأخذ الغنيمة في الشهر الحرام، { رحيم } بهم حين رفع إثم ذلك عنهم.
والمهاجرة: مفاعلة من الهجر، وفي هذا الموضع هجران الموطن والعشيرة في رضا الله تعالى، والهجر نقيض الوصل، وأطلق اللفظ في هذه الآية على المفاعلة، ويزاد ما ذكرناه؛ ونظيره المساعدة: وهي ضم الرجل ساعده إلى ساعد أخيه بالتقوية والمعونة. وأما المجاهدة: فهي بذل الرجل الجهد من نفسه مع إخوانه، ويجوز أن يراد بذلك أن يبذل الجهد في قتال عدوه، وقد فعل العدو مثل فعله، فيصير مفاعلة.
وإنما قال الله تعالى: { أولئك يرجون رحمت الله } لأن أحدا لا يعلم أنه صابر إلى أن يبلغ في الطاعة كل مبلغ؛ إلا بخبر الله تعالى أو بخبر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يدري لعله قصر في شيء من الواجبات، وما يدري ما الذي يكون منه وما بينه وبين موته، ولا يعلم أحد من المسلمين بما يختم له، ختم الله لنا بالسعادة والشهادة.
البقرة 2:219
قوله عز وجل: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما }؛ قال ابن عباس: (كان المسلمون يشربون الخمر في بدو الإسلام، وهي لهم حلال، وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي في اليوم والليلة وقت الصلاة: ألا من كان سكرانا فلا يحضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة؛ تعظيما للجماعة وتوقيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عمر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: بين لنا أمر الخمر، فإنها مهلكة للمال مذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية { يسألونك عن الخمر والميسر }.
وأما الميسر فقد كان جماعة من العرب يجتمعون فيشترون جزورا؛ ثم يجعلون لكل واحد منهم سهما، ثم يقترعون عليها، فمن خرج سهمه برئ من ثمنها وأخذ نصيبه من الجزور وبقي آخرهم عليه ثمن الجزور كله ولا يذوق من لحمها شيئا، فتقتسم أصحابه نصيبه، وربما كانوا يتصدقون بذلك على الفقراء، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية.
والميسر: هو القمار، ويقال للقمار: ميسر، والمقامر الياسر، وقال مقاتل: (سمي ميسرا لأنهم كانوا يقولون: يسروا لنا ثمن الجزور)؛ وذلك أن أهل الثروة من العرب كانوا يشربون جزورا فينحرونها، ويجزئونها أجزاء، قال ابن عمر: (عشرة أجزاء) وقال الأصمعي: (ثمانية وعشرين جزءا) ثم يسهمون عليها بعشرة أقداح ويقال لها الأزلام والأقلام، سبعة منها لها أنصب؛ وهي القذولة نصيب واحد، والتوأم له نصيبان، والرقيب وله ثلاثة، والجليس وله أربعة، والنامس وله خمسة، والمسيل وله ستة، والمعلي وله سبعة. وثلاثة منها لا أنصب لها، وهي المسح والسفيح والوغد، ثم يجعلون القداح في خريطة سميت الربابة، قال أبو ذؤيب:
وكأنهن ربابة وكأنه
يسر يفيض على القداح ويصدع
ويضعون الربابة على يد واحد عدل عندهم ويسمى المجيل والمفيض، ثم يجيلها ويخرج منها قدحا باسم واحد منهم، فأيهم خرج سهمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج، فإن كان خرج له سهم من هذه الثلاثة التي لا أنصب لها، اختلفوا فيه؛ قال بعضهم: كان لا يأخذ شيئا ويغرم ثمن الجزور كله، وقال بعضهم: لا يأخذ شيئا ولا يغرم، ويكون ذلك القدح لغوا فيعاد سهم ثانيا، فهؤلاء الياسرون، ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئا، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل منهم ويسمونه البرم.
فهذا أصل القمار التي كانت العرب تفعله، وإنما عنى الله تعالى بالميسر في هذه الآية أنواع القمار كلها، وقال طاووس ومجاهد وعطاء: (كل شيء فيه قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان الصغار بالجوز والكعاب).
وعن علي رضي الله عنه قال: (النرد والشطرنج من الميسر). قال القاسم: (كل شيء ألهاك عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر).
قال ابن عباس: (فلما نزلت هذه الآية ترك بعض الناس الخمر، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير. ولم يتركها بعضهم وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها. وكانوا على ذلك حتى أصاب رجل من الصحابة خمرا فأنشا منها، فحضرت الصلاة فقام يصلي المغرب، فقرأ
قل يأيها الكافرون
[الكافرون: 1] على غير وجهها، قال: أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد. فنزل قوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون
[النساء: 43]). وكانوا يشربونها قبل الصلاة؛ وكانوا يتناشدون الأشعار في شربها ويفتخرون، فقال عمر: (اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر، فنزل قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه
[المائدة: 90] إلى قوله:
فهل أنتم منتهون
[المائدة: 91]؛ فقال عمر: انتهينا يا رب) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإراقة الخمر حتى أمر بكسر الدنان تغليظا وتشديدا.
ومعنى الآية: يسألونك يا محمد عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم عظيم؛ لأن الخمر يوقع العداوة والبغضاء ويحول بين الإنسان وبين عقله الذي يعرف به ما يجب عليه لخالقه. والقمار يورث العداوة أيضا؛ فإن المقمور إذا رأى غيره قد فاز بماله من غير منفعة رجعت إليه؛ بغضه وعاداه. وقيل: معنى قوله تعالى: { قل فيهمآ إثم كبير } أي وزر عظيم من المشاتمة والمخاصمة وقول الفحش والزور وزوال العقل، والمنع من الصلاة، واستحلال مال الغير بغير حق.
وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما: (قل فيهما إثم كثير) بالثاء؛ وقرأ الباقون بالباء؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } ولقوله تعالى:
إنه كان حوبا كبيرا
[النساء: 2]
قوله عز وجل: { ومنفع للناس } فالمنفعة في الخمر اللذة في شربها والتجارة فيها قبل التحريم. والمنفعة في الميسر: مصير الشيء الذي يصيبه من المال في القمار بلا كد ولا تعب.
قوله تعالى: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } قال المفسرون: إثم الخمر: هو أنه يشرب ويسكر ويؤذي الناس، وإثم الميسر: هو أن يقامر فيمنع الحق ويظلم. وقال الربيع: (المنافع قبل التحريم؛ والإثم بعد التحريم).
قوله عز وجل: { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو }؛ معناه: يسألونك أي شيء يتصدقون به؟ قل الفضل وما يسهل عليك إنفاقه؛ وهذا نزل جوابا عن قول عمرو بن الجموح: بماذا ننفق؟ وفي الآية المتقدمة جواب عن قوله: لمن نتصدق؟.
واختلفوا في معنى قوله تعالى: { قل العفو }؛ فقال ابن عمر وقتادة وعطاء والسدي: (هو ما فضله من المال عن العيال). وهو رواية عن ابن عباس. وقال الحسن: (هو أن لا يفنى مالك في النفقة، ثم تقعد تسأل الناس).
وقال مجاهد: (هو ما كان عن ظهر غنى). وقال الضحاك: (هو قدر الطاقة). وقال الربيع: (هو العفو، هو الطيب؛ كأنه قال: أفضل مالك وأطيبه).
وأصل العفو في اللغة: الزيادة والكثرة. قال الله تعالى:
حتى عفوا
[الأعراف: 95] أي كثروا. وقال صلى الله عليه وسلم:
" أعفوا اللحى "
والعفو أيضا: ما تأخذه وتعطيه سهلا بلا تكلف من قولهم: خذ ما أعفاك؛ أي ما أتاك سهلا من غير إكراه.
ونظيره هذه الآية من الأخبار ما روي:
" أن رجلا قال: يا رسول الله، عندي دينار، قال: " أنفقه على نفسك " قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على أهلك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على ولدك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على والديك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على فرسك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على قرابتك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنت أبصر به " ".
وعن جابر قال:
" أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه صدقة فوالله ما أصبحت أملك غيرها، فأعرض عنه. فأتى من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من ركنه الأيسر، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فقال: مغضبا: " هاتها " فأخذها منه فحذفه بها لو أصابه لشجه أو عقره، ثم قال: " يجيء أحدكم بماله كله ليتصدق به ويجلس يتكفف الناس، أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وليبدأ أحدكم بمن يعول " ".
قال الكلبي: (كان الرجل بعد نزول هذه الآية إن كان من أهل الزرع والنخيل؛ نظر إلى ما يكفيه وعياله سنة؛ ويتصدق بما فضل. وإن كان من أهل التجارة أمسك رأس ماله ومن الربح ما يتقوت به ويحتاج إليه؛ ويتصدق بما فضل. وإن كان ممن يعمل بيده؛ أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك ويتصدق بسائره. وكانوا على ذلك إلى أن فرضت الزكاة مقدرة معلومة).
واختلفوا في قراءة قوله: { قل العفو } فقرأ الحسن وقتادة وأبو عمرو: (قل العفو) رفعا على معنى الذي ينفقونه هو العفو، أو على معنى قل هو العفو. ودليله قوله تعالى:
وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين
[النحل: 24]. وقرأ الباقون (العفو) بالنصب على معنى: قل أنفقوا العفو، ودليله قوله تعالى:
وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا
[النحل: 30].
قوله عز وجل: { كذلك يبين الله لكم الآيت لعلكم تتفكرون } أي مثل هذا البيان يبين الله لكم أوامره ونواهيه ودلائله في الدين { لعلكم تتفكرون في الدنيا } أنها دار فناء وبلاء لا يبقى إلا العمل الصالح، (و) في أمر (الآخرة) فإنها دار جزاء وبقاء لا ينفع فيها إلا سابق تقوى الله عز وجل.
وقال المفضل: { كذلك يبين الله لكم الآيت } في أمر النفقة { لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معايش الدنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى. وقال بعضهم: معناه يبين لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها، فتزهدوا فيها؛ وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها؛ وهذا القول قريب من الأول.
قال الزجاج: (إنما قال: { كذلك يبين الله } وهو يخاطب الجماعة؛ وكان ينبغي أن يقول: كذلكم؛ لأن الجماعة معناها القبيل، كأنه قال: كذلك أيها القبيل). ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن خطابه مشتمل على خطاب أمته كما قال تعالى:
يأيها النبي إذا طلقتم النسآء
[الطلاق: 1]. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" تفكر ساعة خير من عبادة سنة ".
البقرة 2:220
قوله عز وجل: { في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح }؛ قال ابن عباس: (لما نزل في أمر اليتامى
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن
[الأنعام: 152] وقوله تعالى:
إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا
[النساء: 10] أشفق المسلمون من مخالطتهم؛ وكان كل من في حجره يتيم يجعل لليتيم بيتا وطعاما وخادما على حدة؛ وكانوا لا يخالطون اليتامى في شيء، فشق ذلك عليهم، فجاء عبدالله بن رواحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله تعالى أنزل في أمر اليتامى مما أنزل من الشدة، أفيصلح لنا يا رسول الله أن نخالطهم نستعير منهم الخادم والدابة ونشرب من لبن شاتهم؟ فأنزل الله هذه الآية). { ويسألونك عن اليتامى } أي عن مخالطة اليتامى، { قل إصلاح } لأموالهم خير الأشياء إذ هو خير من الإنفاق.
قوله تعالى: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } أي وإن تشاركوهم وتخلطوا أموالهم بأموالكم في نفقاتكم ومطاعمكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما يصيبون من أموالكم، فهم إخوانكم في الدين.
وقرأ طاووس: (قل إصلاح لهم خير) بمعنى الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض منهم خير وأعظم أجرا. وقرأ أبو مخلد: (فإخوانكم) بالنصب؛ أي تخالطوا إخوانكم. قوله تعالى: { والله يعلم المفسد من المصلح } أي يعلم من كان غرضه بالمخالطة إصلاح أمر اليتامى، ومن يكون غرضه إفساد أمرهم.
قوله عز وجل: { ولو شآء الله لأعنتكم }؛ أي لأثمكم في مخالطتهم وضيق عليكم. والعنت: الإثم؛ ويسمى الفجور عنتا؛ لما فيه من الإثم. وأصل العنت: الشدة والمشقة؛ يقال: عقبة عنوت؛ أي شاقة كئود. وقال أبو عبيدة: (معناه: ولو شاء الله لأهلككم). قوله عز وجل: { إن الله عزيز حكيم }؛ أي منيع غالب لا يمانع فيما يفعل من المساهل والمشاق، ذو حكمة فيما أمركم به في أمر اليتامى وغير ذلك.
واسم اليتيم إذا أطلق انصرف إلى الصغير الذي لا أب له. والعرب تسمى المنفرد يتيما؛ يقولون: الدرة اليتيمة؛ يريدون بذلك أنها منفردة لا نظير لها.
وفي الآية ضروب من الأحكام: منها قوله تعالى: { قل إصلاح لهم خير } يدل على جواز خلط الوصي ماله بمال اليتيم في مقدار ما يغلب على ظنه أن اليتيم يأكل قدر طعام نفسه بغالب الظن. ويدل على جواز التصرف في ماله بالبيع والشراء؛ وجواز دفعه مضاربة إذا كان ذلك صلاحا. ويدل على أن لولي اليتيم أن يعاقد نفسه في ماله إذا كان فيه خير ظاهر لليتيم على ما قاله أبو حنيفة رحمه الله. ويدل على أن للوصي أيضا أن يؤجر اليتيم ممن يعلمه الصناعات والتجارات، أو يستأجر من يعلمه ما له فيه صلاح من أمر الدين والأدب؛ لأن كل ذلك من الصلاح.
وقوله تعالى: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } فيه دليل على أن للولي أن يزوج اليتيم ابنته، أو يزوج اليتيمة ابنه، أو يتزوج اليتيمة لنفسه، فيكون قد خلط اليتيم بنفسه وعياله واختلط أيضا به. يقال: فلان خليط فلان؛ إذا كان شريكا له في المال. ويقال: قد اختلط فلان بفلان؛ إذا صاهره. ولا يكون التزويج إلا للولي الذي يكون ذا نسب من اليتيم؛ لأن الوصاية لا تستحق بها الولاية في النكاح.
البقرة 2:221
قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن }؛ قال عبدالله بن عباس: (نزلت هذه الآية في مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان شجاعا فورا، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا؛ فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها: عناق، وكانت خليلته في الجاهلية؛ فأتته وقالت له: يا مرثد، ألا تخلو بي؟ فقال: ويحك يا عناق! إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك. فقالت: هل لك أن تتزوج بي، فقال: نعم، لكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره ثم أتزوجك. فقالت: أنت تتبرم، ثم استعانت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلوا سبيله. فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها، فقال: يا رسول الله، أيحل لي أن أتزوجها؟ فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: ولا تتزوجوا المشركات حتى يصدقن بتوحيد الله.
قال المفضل: (أصل النكاح الوطء، ثم كثر ذلك حتى قيل لعقد التزويج: النكاح). فحرم الله نكاح المشركات عقدا ووطءا، ثم استثنى الحرائر الكتابيات، فقال تعالى:
والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم
[المائدة: 5].
قوله عز وجل: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم }؛ أي نكاح أمة مؤمنة خير من نكاح حرة مشركة ولو أعجبتكم الحرة المشركة بحسنها وجمالها ومالها. نزلت في أمة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان يقال لها خنساء، فقال لها حذيفة: يا خنساء، قد ذكرت في الملإ الأعلى مع سوادك ورمامتك، وأنزل الله ذلك في كتابه، فأعتقها حذيفة وتزوجها.
وقال السدي: "
" نزلت في أمة سوداء لعبدالله بن رواحة، كان قد غضب عليها عبدالله فلطمها، ثم فزع وأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، وقال صلى الله عليه وسلم: " وما هي يا عبدالله؟ " فقال: هي تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وتصوم رمضان، وتحسن الوضوء فتصلي، فقال: " هذه مؤمنة " ، وقال عبدالله بن رواحة: والذي بعثك بالحق نبيا لأعتقها ولأتزوجها؛ ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة؛ وقد عرضوا عليه حرة مشركة وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رجاء إسلامهن، فأنزل الله هذه الآية ".
قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا }؛ أي لا تزوجوا المشركين مسلمة حتى يصدقوا بالله، { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم }؛ أي ولو أعجبكم الحر المشرك بماله وحسن حاله.
قوله تعالى: { أولئك يدعون إلى النار }؛ يعني المشركين والمشركات يدعون إلى عمل أهل النار. قوله تعالى: { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه }؛ أي والله يدعو إلى أسباب الوصول إلى الجنة والمغفرة ومخالطة المؤمنين وغير ذلك، { بإذنه } أي بأمره وعلمه الذي علم أنه به وصولكم إليهما.
قوله عز وجل: { ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون }؛ أي يبين أمره ونهيه في التزويج وغيره للناس لعلهم يتعظون ويرغبون في أهل الديانة والأمانة. واعلم: أن الظاهر أن اسم المشركات يتناول الوثنيات، وقال الله تعالى:
ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين
[البقرة: 105] ففرق بينهما في اللفظ. وظاهر العطف يقتضي أن المعطوف غير المعطوف عليه؛ فعلى هذا لا يكون تزويج المسلمين بالكتابيات داخلا في هذه الآية، لكن استفيد جوازه لهم بقوله تعالى في سورة المائدة:
والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم
[المائدة: 5].
وعن ابن عباس والحسن ومجاهد: (أن هذه الآية عامة في جميع الكافرات؛ الكتابيات منهم وغير الكتابيات، ثم نسخت منها الكتابيات بآية المائدة). وعن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية، قال: (إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم شيئا من الشرك أكبر من أن تقول: ربها عيسى عليه السلام، أو عبد من عباد الله، والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم عدل في الإثم والجرم والإشراك بالله).
فإن قيل: في هذه الآية نهي عن نكاح المشركات بسبب وهو دعاء أهل الشرك إلى النار، وهذه العلة تعم الكتابيات وغيرهن، فكيف أبيح للمسلمين نكاح الكتابيات والعلة قائمة؟ قيل: يحتمل أن يكون قوله: { أولئك يدعون إلى النار } راجعا إلى قوله: { ولا تنكحوا المشركين } لا إلى قوله: { ولا تنكحوا المشركات }؛ لأن أولئك كناية عن الرجال دون النساء. ولا يجوز تزويج المسلمة من مشرك ولا كتابي.
البقرة 2:222
قوله عز وجل: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له: أبو الدحداحة، أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف نصنع بالنساء إذا حضن؛ هل نقربهن أو لا؟ فنزلت هذه الآية). فلما نزلت هذه الآية عمد المسلمون إلى النساء الحيض فأخرجوهن من البيوت كما كانت الأعاجم تفعل بنسائهم إذا حضن، وإذا فرغن واغتسلن ردوهن إلى البيوت، فقدم ناس من الأعراب المدينة، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عزل النساء عنهم، وقالوا: يا رسول الله، إن البرد شديد والثياب قليلة وقد عزلنا النساء، فإن آثرناهن بالثياب هلك أهل البيت بردا، وإذا آثرنا أهل البيت هلك النساء الحيض، وليس كلنا يجد وسعة فيوسع عليهم جميعا، فقال صلى الله عليه وسلم:
" إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم تؤمروا أن تخرجوهن من البيوت "
وقرأ عليهم الآية.
وقال بعضهم: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة، لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت، ولم يجالسوها على فراش كفعل اليهود والمجوس، فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: يا رسول الله، كيف نصنع بالحيض؟ فأنزل الله هذه الآية.
ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها آية أخرى فيما تقدم " من " حديث نكاح من تحرم ومن تحل، فبين الله بعده حال التحليل والتحريم بهذه الآية.
وقال ابن عباس: (ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما سألوه إلا عن ثلاثة عشر مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن:
يسألونك عن الشهر الحرام
[البقرة: 217]
يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم
[البقرة: 215]
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]
يسألونك عن الأهلة
[البقرة: 189]
يسألونك عن الخمر والميسر
[البقرة: 219]
ويسألونك عن اليتامى
[البقرة: 220] { ويسألونك عن المحيض } [البقرة: 222]
يسألونك عن الساعة أيان مرسها
[الأعراف: 187]
وإذا سألك عبادي عني
[البقرة: 186]
يسألونك عن الأنفال
[الأنفال: 1]
ويسألونك عن الروح
[الإسراء: 85]
ويسألونك عن ذي القرنين
[الكهف: 83]
ويسألونك عن الجبال
[طه: 105]).
ومعنى الآية: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } أي الدم مستقذر نجس، وقال الكلبي: (الأذى ما يعم ويكره من كل شيء).
قوله تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض }؛ أي اعتزلوا مجامعتهن وهن حيض، { ولا تقربوهن حتى يطهرن }؛ أي ولا تجامعوهن حتى ينقطع عنهن الدم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من وطئ امرأته وهي حائض فقضي بينهما ولد فأصابه جذام فلا يلومن إلا نفسه؛ ومن احتجم يوم السبت أو الأربعاء فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه ".
فوطئ النساء الحيض حرام بنص القرآن، فإن وطأها زوجها أثم ولزمته الكفارة، روي عن ابن عباس:
" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل جامع امرأته وهي حائض؛ قال: " إن كان دما غليظا فليتصدق بدينار؛ فإن كان صفرة فنصف دينار "
ولا بأس باستخدام الحائض وبمباشرة بدنها إذا كانت متزرة، والاستمتاع بما فوق الإزار.
قال مسروق: قلت لعائشة رضي الله عنها: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: (كل شيء إلا الجماع).
" وروي أن عائشة رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعة في ثوب واحد، وأنها وثبت وثبة شديدة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما لك؟ لعلك نفست " يعني حضت؛ قالت: نعم، قال: " شدي عليك إزارك وعودي إلى مضجعك " ".
" عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بينما أنا مضطجعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة إذ حضت، فانسللت منها وأخذت ثياب حيضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنفست؟ " قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة ".
وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: [كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ونحن جنبان؛ وكنت أغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد وأنا حائض؛ وكان يأمرني إذ كنت حائضا أن أتزر ثم يباشرني].
وسئلت عائشة رضي الله عنها: هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قالت: (نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني فآكل معه وأنا عارك؛ وكان يأخذ العرق فيضعه على فيه؛ وأغترف به ثم أضعه، فيأخذه ويشرب منه ويضع فمه حيث وضعت من المعدن، ويدعو بالشراب فيشرب ثم آخذ القدح فأشرب منه، ثم أضعه فيأخذه فيشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح).
فدلت هذه الآية أن المراد الاعتزال من الحيض جماعهن، وذلك أن اليهود والمجوس كانوا يجتنبون الحيض في كل شيء؛ وكانت النصارى يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، فأمر الله تعالى بالاقتصاد بين هذين الآمرين (وخير الأمور أوسطها). قال أنس رضي الله عنه:
" لما أنزل الله تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افعلوا كل شيء إلا الجماع " فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ".
قوله تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } قرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: (يطهرن) بالتشديد؛ أي يغتسلن؛ يدل عليه قراءة عبدالله (حتى يتطهرن) بالتاء على الأصل. وقرأ الباقون (يطهرن) مخففا؛ أي حتى يطهرن من حيضهن وينقطع الدم.
واختلف الفقهاء في الحائض متى يحل وطؤها؛ فقال أبو حنيفة وصاحباه: (إذا طهرت لعشرة أيام جاز وطؤها دون الغسل؛ وإن طهرت لأقل من عشرة أيام لم يجز وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل).
وقال مجاهد وطاووس وعطاء: (إذا انقطع دمها وغسلت فرجها وتوضأت جاز وطؤها). وقال الشافعي: (لا يحل وطؤها إلا بشرطين: انقطاع الدم والاغتسال). فمن قرأ (يطهرن) بالتشديد كان حجة للشافعي ومن تابعه؛ ومن خفف كان حجة للمبيحين وطأها قبل الغسل.
قوله تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله }؛ أي فإذا اغتسلن فجامعوهن من حيث أمركم الله تنحية في الحيض وهو الفرج، قاله ابن عباس وقتادة والربيع. وقيل: معناه: فأتوهن من قبل النكاح والجهات التي يحل فيها أن يقرب المرأة في الشريعة. وقال مجاهد: (كانوا على استخارة إيتائهن في الأدبار في أيام الحيض؛ فأنزل الله هذه الآية وحرم بها ما كانوا يفعلونه)؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إتيان النساء في أعجازهن حرام "
وقال ابن كيسان: (معناه لا يأتونهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات؛ وإيتاؤهن وغشيانهن لكم حلال).
قوله عز وجل: { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين }؛ قال عطاء ومقاتل والكلبي: (معناه: إن الله يرضى عمل التوابين من الذنوب ومن إتيان النساء في وقت الحيض، ويحب المتطهرين بالماء عن الأحداث والحيض والنجاسات والجنابات). وقال مجاهد: (معناه: { إن الله يحب التوابين } عن الذنوب و { المتطهرين } عن أدبار النساء أن يأتوها)، وقال: (من أتى امرأة في دبرها فليس من المتطهرين).
وقال بعضهم: معناه: { التوابين } من الذنوب و { المتطهرين } من الشرك. وقال سعيد بن جبير: { التوابين } من الشرك، و { المتطهرين } من الذنوب). وعن عبدالرحيم: (معناه: { إن الله يحب التوابين } من الكبائر، و { المتطهرين } من الصغائر). وقيل: { التوابين } من الأفعال، و { المتطهرين } من الأقوال. وقيل: { التوابين } من الأقوال والأفعال، و { المتطهرين } من القعود والإضمار. وقيل: { التوابين } من الآثام، و { المتطهرين } من الإجرام. وقيل: { التوابين } من الذنوب، و { المتطهرين } من العيوب.
والتواب: هو الذي كلما أذنب تاب. والمحيض: مصدر يقال: حاضت المرأة حيضا ومحيضا ومحاضا؛ كل ذلك مصدر.
البقرة 2:223
قوله عز وجل: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم }؛ قال ابن عباس: (كانت اليهود يقولون: إنا لنجد في التوراة أن كل إتيان يؤتى النساء غير مستلقيات فإنه دنس عند الله؛ ومنه يكون الحول والخبل في الولد. فأكذبهم الله تعالى بهذه الآية).
وعن جابر بن عبدالله قال:
" كانت اليهود يقولون: من جامع امرأته ضحية من قفاها في قبلها كان ولدها أحولا!؟ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: " كذبت اليهود "
فأنزل الله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم }.
وقال الحسن وقتادة ومقاتل والكلبي: (تذاكر المهاجرون والأنصار واليهود إتيان النساء؛ فقال المهاجرون: إنا نأتيهن باركات وقائمات ومستلقيات ومن بين أيديهن ومن خلفهن بعد أن يكون المأتى واحدا وهو الفرج. فقال اليهود: وما أنتم إلا كالبهائم؛ لكنا نأتيهم على هيئة واحدة، وإنا لنجد في التوراة أن كل إتيان يؤتى النساء غير مستلقيات فإنه دنس عند الله، ومنه يكون الحول والخبل. فذكر ذلك المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في جاهليتنا وبعدما أسلمنا نأتي النساء كيف شئنا؛ وإن اليهود عابت ذلك علينا؛ وزعمت أنا كذا وكذا؟ فأكذب الله تعالى اليهود؛ ورخص للمسلمين في ذلك فقال: { نسآؤكم حرث لكم }.
وعن ابن عباس قال: (كان هذا الحي من الأنصار مع هذا الحي من اليهود وهم أهل الكتاب؛ فكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم؛ وكانوا يقتدون بكثير من فعلهم؛ وكان من شأن اليهود أن لا يأتوا النساء إلا على حرف واحد، وذلك أشد ما يكون على المرأة. وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا ذلك من فعلهم. وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات؛ فلما قدم المهاجرون إلى المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها كذلك، فأنكرت عليه! وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فإن شئت فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شري أمرهما. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } مقبلات ومدبرات ومستلقيات). والمعنى: { نسآؤكم حرث لكم } أي مزدرع لكم للولد.
وقال الزجاج: (معناه: نساؤكم ذوات حرث لكم؛ فبين كيف يحرثون للولد واللذة) أي { فأتوا حرثكم } كيف { شئتم } وحيث شئتم ومتى شئتم بعد أن يكون في موضع واحد وهو الفرج. قال أبو عبيد: (سميت المرأة حرثا على وجه الكناية؛ فإنها للولد كالأرض للزرع). وفي الآية دليل على تحريم الوطئ في الدبر؛ لأنه موضع الفرث لا موضع الحرث؛ وإنما قال الله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } وهذا من لطف كنايات القرآن.
وقال أهل المعاني: معنى الآية: نساؤكم كحرث لكم، كقوله تعالى:
حتى إذا جعله نارا
[الكهف: 96] أي كنار؛ والعرب تسمي النساء حرثا؛ قال الشاعر:
إذا أكل الجراد حروث قوم
فحرثي همه أكل الجراد
يريد امرأتي.
وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب:
حبذا من هبة الل
ه البنات الصالحات
هن النسل والزر
وع وهن الشجرات
يجعل الله لنا في
ما يشاء البركات
إنما الأرحام أرض
ون لنا محرثات
فعلينا الزرع فيها
وعلى الله النبات
قوله تعالى: { أنى شئتم } أي كيف شئتم. وقال سعيد بن المسيب: (هذا في العزل، أي إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا). ودليل هذا ما روي عن عبدالله أنه قال: (تستأمر الحرة في العزل؛ ولا تستأمر الأمة).
وقد وهم بعض الناس في تأويل هذه الآية وتعلق بظاهرها وجوز إتيان المرأة في دبرها؛ وهذا لا يصح؛ لأن قوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } يقتضي إباحة إتيان المرأة في قبلها؛ والقول بجواز إتيان المرأة في دبرها باطل. والصحيح: أنه حرام؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ملعون من أتى المرأة في دبرها ".
وعن عبدالله بن الحسن عن أبيه: أنه لقي سالم بن عبدالله؛ فقال له: ما حديث يحدث به نافع عن ابن عمر؟ قال: وما هو؟ قال: زعم أن عبدالله بن عمر لم ير بأسا بإتيان النساء من أدبارهن! قال: كذب العبد وأخطأ، وإنما قال عبدالله: (يؤتون في فروجهن من أدبارهن).
والدليل على تحريم الوطئ في الدبر في قوله صلى الله عليه وسلم:
" ولا تأتوا النساء في أدبارهن "
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا ينظر الله تعالى إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها "
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ملعون من أتى المرأة في دبرها "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من أتى حائضا أو امرأة في دبرها؛ أو أتى كاهنا فصدقه فيما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ".
قوله عز وجل: { وقدموا لأنفسكم }؛ أي قدموا من العمل الصالح لآخرتكم. وقيل: معناه: سموا الله تعالى عند الجماع، كما روي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليقل: بسم الله، اللهم جنبني الشيطان؛ وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان ".
وقيل: معنى: { وقدموا لأنفسكم }؛ النية الصالحة عند ذلك؛ وهو أن ينوي: ربما قضى الله ولدا يعبده.
وقيل: معناه: { وقدموا لأنفسكم } هو التزويج بالعفائف ليكون الولد صالحا طاهرا.
وقيل: هو تقديم الأفراط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" " من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحلم - الحنث - لم تمسه النار إلا تحلة القسم " فقالوا: يا رسول الله، واثنان. قال: " واثنان " ، فظننا أنه لو قيل له وواحد، قال: وواحد ".
وقال السدي والكلبي: (يعني العمل الصالح) دليله سياق الآية: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه }؛ قوله تعالى: { واتقوا الله } أي اخشوه ولا تقربوهن في حال الحيض ولا على وجه لا يحل، { واعلموا أنكم ملاقوه } يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم. قوله تعالى: { وبشر المؤمنين }؛ أي المصدقين بالبعث والثواب بالجنة.
البقرة 2:224
قوله عز وجل: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس }؛ نزلت هذه الآية في عبدالله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه حلف ألا يدخل على ختنه بشير بن النعمان الأنصاري ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه؛ وجعل يقول: حلفت بالله أن أفعل ولا يحل لي إلا أن أبر في يميني؛ فنزلت هذه الآية؛ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليه الآية، وقال:
" من حلف على يمين فرأى أن غيرها خير منها؛ فليأت الذي هو خير؛ وليكفر عن يمينه، افعلوا الخير ودعوا الشر "
وكفر ابن رواحة عن يمينه ورجع إلى الذي هو خير.
ومعنى الآية: { ولا تجعلوا الله } علة { لأيمانكم } أي لا تجعلوا اليمين بالله مانعة لكم من البر والتقوى؛ وهو أن يجعل الرجل اليمين معترضا بينه وبين ما هو مندوب إليه أو مأمور به من البر والتقوى والإصلاح؛ يفعل ذلك للامتناع من الخير؛ لأن المعترض بين الشيئين يمنع وصول أحدهما إلى الآخر. ومعنى { أن تبروا وتتقوا } أي لا تبروا ولا تتقوا القطيعة، ولا تصلحوا بين المتشاجرين كما قال امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أراد بذلك: لا أبرح؛ وكان أبو العباس ينكر إضمار حرف النفي في هذه الآية ويقول: (هذا إنما يكون في تصريح اليمين) كقولك: والله أقوم؛ بمعنى والله لا أقوم. وأما في مثل هذا الموضع، فلا يجوز حذف حرف النفي. قال: (والصواب أن معناه: لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم كراهة أن تبروا). فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ ونظير هذا قوله تعالى:
ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين
[النور: 22].
وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } أي لا تعترضوا باليمين بالله تعالى في كل حق وباطل؛ وهو نهي عن كثرة الحلف، لما في ذلك من الجرأة على الله عز وجل والابتذال لاسمه في كل حق وباطل. يقال: هذه عرضة لك؛ أي عدة لك تبتذلها فيما تشاء. ومعنى { أن تبروا } على هذا الإثبات؛ أي لا تحلفوا في كل شيء لأن تبروا إذا حلفتم وتتقوا المآثم فيها.
ويجوز أن يكون قوله تعالى: { أن تبروا } مبتدأ، وخبره محذوف تقديره، أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس؛ أي أولى. فعلى هذا يكون موضع { أن تبروا } رفعا. وعلى التأويل الأول يكون نصبا؛ لأن معناه: لأن تبروا، موضعه نصب بنزع الخافض.
وقال مقاتل: (نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حلف لا يصل ابنه عبدالرحمن حتى يسلم). وقال ابن جريج: (نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حلف لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك).
قال المفسرون: هذا في الرجل يحلف بالله أن لا يصل رحمه، ولا يكلم قرابته، ولا يتصدق، ولا يصنع خيرا، ولا يصلح بين اثنين. فأمره الله تعالى أن يحنث في يمينه ويفعل ذلك الخير ويكفر عن يمينه. قوله تعالى: { والله سميع عليم }؛ أي سميع لأيمانكم عليم بما تقصدون باليمين عند الحلف.
البقرة 2:225
قوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم }؛ اختلف العلماء في لغو اليمين المذكور في هذه الآية؛ فقال قوم: هو ما يسبق به اللسان على سرعة وعجلة ليصل به كلامه من غير عقد ولا قصد؛ مثل قول الإنسان: لا والله؛ بلى والله؛ ونحو ذلك. فهذا لا كفارة فيه ولا إثم عليه، وعلى هذا القول عائشة رضي الله عنها والشعبي وعكرمة ومجاهد.
وقال أخرون: لغو اليمين هو أن يحلف الإنسان على شيء يرى أنه صادق فيه، ثم تبين له خلاف ذلك؛ فهو خطأ منه غير عمد، فلا إثم عليه ولا كفارة؛ وعلى هذا القول ابن عباس والزهري والحسن وإبراهيم النخعي وقتادة والربيع وزرارة بن أوفى ومحكول والسدي. وقال علي رضي الله عنه وطاووس: (اللغو اليمين في حالة الغضب والضجر من غير عقد ولا عزم)، ومثله مروي عن ابن عباس. يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا يمين في غضب ".
وقال بعضهم: هو اليمين في المعصية، لا يؤاخذه الله بالحنث في يمينه ويكفر، وبه قال سعيد بن جبير. وقال غيره: ليس عليه في ذلك كفارة. وقال مسروق في الرجل يحلف على المعصية: (كفارته أن يتوب عنها، وكل يمين لا يحل له أن يفي بها فليس فيها كفارة؛ ولو أمره بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله). يدل عليه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية فلا يمين له ".
وعن إبراهيم النخعي قال: (لغو اليمين أن يصل الرجل كلامه بالحلف، كقوله: والله ليأكلن؛ والله ليشربن؛ ونحوها، لا يقصد بذلك اليمين ولا يريد به حلفا، فليس عليه فيه كفارة). يدل عليه ما
" روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم ينتضلون ومعهم رجل من أصحابه؛ فرمى رجل من القوم فقال: والله أصبت؛ والله أخطأت. فقال الرجل الذي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة " ".
وقالت عائشة: (أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب). وقال زيد بن أسلم: (هو دعاء الحالف لنفسه، كقوله: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا).
قوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أي بما تعمدتم الكذب؛ وهو أن يحلف على شيء يعلم أنه ليس كذلك. والمعنى: { ولكن يؤاخذكم } بما عزمتم وقصدتم وتعمدتم؛ لأن كسب القلب العقد والنية. قوله تعالى: { والله غفور حليم }؛ أي { غفور } لمن تاب من اليمين الغموس، { حليم } عن الحالف إذ لم يعجل عليه بالعقوبة. وقيل: معناه: { والله غفور } لمن حنث وكفر عن يمينه، { حليم } حين رخص لكم في الحنث ولم يعاقبكم على اليمين على ترك البر.
واللغو في اللغة: الكلام الساقط الذي لا فائدة فيه ولا حكم له، يقال: ألغيت الشيء إذا طرحته. وقد يذكر اللغو ويراد به الكلام الفاحش القبيح، قال الله تعالى:
وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه
[القصص: 55] وقال تعالى:
وإذا مروا باللغو مروا كراما
[الفرقان: 72].
البقرة 2:226
قوله عز وجل: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فآءو فإن الله غفور رحيم }؛ قال ابن عباس: (إن العرب في الجاهلية كان الرجل منهم يكره امرأته ويكره أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يطأها أبدا ولا يخلي سبيلها إضرارا؛ فتبقى معلقة لا ذات زوج ولا مطلقة، حتى يموت أحدهما. فأبطل الله ذلك من فعلهم، وجعل الأجل في هذا بعد هذا القول أربعة أشهر إذا تمت هذه المدة ولم يفئ إليها بانت بتطليقة).
وفي قراءة عبدالله: (للذين آلو من نسائهم) على لفظ الماضي؛ والإيلاء: الحلف؛ يقال: آلى يؤلي إيلاء؛ والاسم الألية، قال الشاعر:
علي الله وصيام شهر
أمسك طائعا إلا يكفي
وجمع الألية الألايا قال الشاعر:
قليل الألايا حافظ ليمينه
إذا نذرت منه الإلية برت
والإيلاء في الشرع: هو الحلف على ترك الجماع الذي يكسب الطلاق بمضي المدة. ومعنى الآية: للذين يحلفون من نسائهم لا يقربوهن أربعة أشهر. والتربص: التوقف. وقال بعضهم: التربص: التصبر.
قوله: { فإن فآءو فإن الله غفور رحيم } فإن رجعوا عما حلفوا عليه؛ فقرب الرجل امرأته أو كان عاجزا عن الوطء ففاء بلسانه، { فإن الله غفور رحيم } لذنب الإضرار بالامتناع عن الجماع، { رحيم } بهم إذ رخص لهم القربان بالكفارة. وفي قراءة ابن مسعود. (فإن فاءوا فيهن).
واختلف العلماء فيما يكون موليا على وجوه؛ ما روي عن علي وابن عباس والحسن رضي الله عنهم: (أن الإيلاء هو الامتناع من الجماع على جهة الغضب؛ والإصرار بتأكيد اليمين حتى لو كان له ولد رضيع يخشى أن يقرب أمه أن تحبل فيضر ذلك بالولد، فحلف أن لا يقربها لم يكن موليا).
وقال النخعي وابن سيرين والشعبي: (هو اليمين على أن لا يجامعها، سواء كان في الغضب أو في الرضا). وبهذا القول قال علماؤنا رحمهم الله تعالى حتى قال أبو يوسف وأبو حنيفة ومحمد: (كل يمين في زوجة منعت جماع أربعة أشهر من غير حنث يلزمه تعيين إيلاء؛ وفي أخرى فهو إيلاء).
والقول الثالث: ما روي عن سعيد بن المسيب: (أن الإيلاء هو اليمين في الجماع وغير ذلك من الضرر حتى لو حلف لا يكلمها كان موليا).
والقول الرابع: قول عبدالله بن عمر: (أنه إذا هجرها فهو إيلاء)، ولم يذكر الحلف.
والتربص: انتظار الشيء خيرا أو شرا يحل بك أو به؛ ولذلك سمي المحتكر متربصا لانتظاره غلاء السعر، قال الشاعر:
تربص بها ريب المنون لعلها
تطلق يوما أو يموت حليلها
البقرة 2:227
قوله عز وجل: { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم }؛ أي وإن حققوا الطلاق بالإقامة على حكم اليمين إلى تمام أربعة أشهر؛ { فإن الله سميع } لإيلائهم؛ { عليم } بهم وبنياتهم. والعزم في اللغة: هو العقد على فعل في المستقبل؛ يقال: عزم على كذا؛ إذا عقد قلبه عليه. والعزم الشرعي المذكور في هذه الآية على ثلاثة أوجه: قال ابن عباس: (عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة أشهر قبل أن يفيء من غير عذر)، وهو قول ابن مسعود وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان رضي الله عنهم؛ قالوا: (إنها تبين بعد هذه المدة بتطليقة)، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
وعن علي وابن عمر وأبي الدرداء رضي الله عنهم مثل القول الأول. وروي عنهم أيضا: (أنه يوقف بعد مضي المدة، فإما أن يفيء وإما أن يطلق) وهذا قول عائشة وآخرين. وبه قال مالك والشافعي؛ فإن امتنع عنهما؛ فللشافعي قولان؛ أحدهما: يحبسه الحاكم ولا يجبره على أحد الأمرين. والثاني: يطلق عليه الحاكم.
وقال ابن جبير وسالم والزهري وعطاء وطاووس: (إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة رجعية). فإن قيل: قوله تعالى: { فإن الله سميع عليم } يقتضي أن عزيمة الطلاق مسموعة ولا يكون كذلك إلا بقول من الزوج بعد الإيلاء؟ قلنا: هذا القول لا يصح؛ لأن الله تعالى لم يزل سميعا ولا مسموع وقد قال تعالى:
وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم
[البقرة: 244] وليس هناك قول.
البقرة 2:228
قوله عز وجل: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر }؛ وقال ابن عباس: (كان أهل الجاهلية يطلق الرجل امرأته، فإن كانت حبلى كان أحق برجعتها وإلا كانت أحق بنفسها، فكانت المرأة إذا أحبت الرجل قالت أنا حبلى، وليست حبلى ليراجعها. وإذا كرهته وهي حبلى قالت: لست حبلى؛ لكي لا يقدر على مراجعتها. فجعل الله عدة المطلقات ثلاثة قروء، ونهى النساء عن كتمان ما في أرحامهن من الحيض والحبل).
ومعنى الآية: { والمطلقات } ينتظرن { بأنفسهن } ماذا يصنع بهن أزواجهن من المراجعة وترك المراجعة. وقد اختلف السلف في القرء المذكور؛ قال أبو بكر وعمر وعثمان وابن عباس وابن مسعود وأبو موسى الأشعري: (هو الحيض)، وقالوا: (إن الزوج أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه. وقال ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة: (الأقراء هي الأطهار)، (وإذا دخلت في الحيضة الثالثة، فلا سبيل له عليها)، وبه قال مالك والشافعي.
وإنما اختلف السلف في هذه المسألة؛ لأن القرء في اللغة عبارة عن الحيض وعن الطهر؛ وهو من أسماء الأضداد، قال أبو عبيدة: (هو خروج من شيء إلى شيء؛ يقال: قرأ النجم إذا طلع؛ وقرأ النجم إذا غاب). والمرأة تخرج من الطهر إلى الحيض، ومن الحيض إلى الطهر. قال الشاعر:
يا رب ذي ضغن علي فارض
له قروء كقروء الحائض
وأراد بذلك الحيض؛ يعني: أن عداوته تهيج في أوقات معلومة كما أن المرأة تحيض في أوقات معلومة. وقال آخر:
أفي كل عام أنت جاشم غزوة
تشد لأقصاها عزيم عزائكا
ومورثة عزا وفي الحي رفعة
لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وأراد بالقرء في هذا البيت الطهر؛ لأنه خرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فأضاع أقراءهن؛ أي أطهارهن.
فلما اختلف السلف واختلفت اللغة في هذا الاسم لم يجب حمله على الأمرين جميعا، ووجب حمله على حقيقته دون مجازه. واسم القرء حقيقة في الحيض؛ مجاز في الطهر؛ لأن كل طهر لا يسمى قرءا وإنما الطهر الذي يكون بين الحيضتين، فسمي بهذا الاسم لمجاوزته الحيض. فلو كان هذا الاسم حقيقة في الطهر لكان لا ينتفي عنه بحال؛ لأن الأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال؛ ووجدنا هذا الاسم ينتفي عن طهر الآيسة والصغيرة، فكان حمله على الحيض أولى من حمله على غيره.
فإذا اختلفت الأمة في ذلك كان المرجع إلى لغة النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها "
وأراد بالأقراء الحيض بالإجماع، واتفق الصحابة أن عدة أم الولد بالحيض وكذلك الاستبراء.
وذهب الزجاج إلى أن القرء الجمع من قولهم: قرأت القرآن؛ أي لفظت به مجموعا. ويقال: قريت الماء في الحوض. ويسمى الحوض مقراة. قال: (وإنما يجتمع الدم في البدن في الطهر فهو القرء) غير أن الأمر لا يظهر في الحقيقة؛ لأن هذا من علم ما في الأرحام، وقد خص الله تعالى نفسه بعلم ما في الأرحام، ولا يمتنع أن يجتمع الدم في حالة الحيض قطرة أو قطرتين كالعبرة ونحوها؛ إذ لو اجتمع جملة لدر درورا لا ينقطع كالبول وسائر المائعات المجتمعة.
والمطلقة قبل الدخول مخصوصة من هذه الآية بآية أخرى وهو قوله تعالى:
إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها
[الأحزاب: 49]. وكذلك الحامل مخصوصة بآية أخرى.
وروي أن رجلا من أشجع قال: يا رسول الله، طلقت امرأتي وهي حامل وقد ذهبت وأنا أخاف أن تنطلق فتتزوج من بعدي فيكون ولدي له، فأنزل الله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } إلى آخر الآية. فردت امرأة الأشجعي إلى الأشجعي، فقام معاذ بن جبل فقال: يا رسول الله، أرأيت الكبيرة التي يئست من الحيض ما عدتها؟ فنزل:
واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر
[الطلاق: 4] فقال آخر: يا رسول الله، أرأيت الصغيرة التي لم تبلغ الحلم؛ ما عدتها؟ فأنزل
واللائي لم يحضن
[الطلاق: 4]. فقام آخر فقال: يا رسول الله، والحوامل ما عدتهن؟ فنزل:
وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن
[الطلاق: 4].
قوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } تخويفا من الله تعالى للمعتدات كي لا { يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } من الحبل فيخبرن بانقضاء العدة ثم يتزوجن فيلزمن الولد غير أبيه؛ ولا يكتمن الحيض فيمتنعن عن الإخبار بانقضاء العدة ليستوجبن النفقة على أزواجهن. وفي هذه الآية دليل على أن قول المرأة يقبل على أمر رحمها حتى لو قالت: حضت؛ حرم على الزوج وطؤها؛ وإذا قالت: طهرت؛ حل له وطؤها؛ إذ لو لم يجب قبول قولها لم يكن لنهيها عن الكتمان معنى ولا فائدة؛ ولهذا إذا قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق؛ فقالت: حضت؛ طلقت، وكان قولها كالبينة في حق نفسها؛ لأنا قبلنا قولها فيما يخصها من انقضاء عدتها وإباحة وطئها وحظره.
وفرقوا بين هذا وبين سائر الشروط نحو قوله: إذا دخلت الدار أو كلمت زيدا؛ فقالوا: لا يقبل قولها فيه إلا ببينة. فأما إذا علق عتق عبده بحيضة زوجته؛ فقالت: حضت؛ لم تصدق؛ لأن ذلك حكم في غيرها لا يخصها ولا يتعلق بها؛ فهو كغيره من الشروط ولا تصدق.
قوله عز وجل: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا }؛ أي أزواجهن أحق بمراجعتهن في الأجل الذي أمرن أن يتربصن فيه؛ إن أرادوا بمراجعتهن حسن الصحبة والمعاشرة دون الإضرار والعدوان.
قوله عز وجل: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }؛ أي لهن على أزواجهن من الحق والحرمة وحسن المعاشرة مثل ما للزوج عليهن من الحقوق بالمعروف. واسم المعروف عام في كل ما يعرف من إقامة الحق، يسمى بذلك لأن كل واحد يعرف بأنه حق.
قوله تعالى: { وللرجال عليهن درجة }؛ أي لهم زيادة فيما للنساء عليهم وهو الفضل بنفقتهن وقيامهم بما يصلحهن. والفضل في العقل والميراث أن يكون الرجل مسلطا على تأديب المرأة إذا نشزت. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لو أذنت لبشر أن يسجد لبشر ولو صح ذلك؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه لشحب بالقيح والصديد ثم لحسته ما أدت حقه ".
قوله عز وجل: { والله عزيز حكيم }؛ أي ملك غالب يحكم ما أراد ويمتحن بما أحب فينتقم ممن عصاه، وهو ذو حكمة فيما يأمر من أمر الدين والدنيا؛ لا يأمر شيئا إلا لحكمة.
البقرة 2:229
قوله عز وجل: { الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن }؛ قال عروة بن الزبير وقتادة في معنى هذه الآية: (إن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان؛ فإنه بعد الطلقة الثالثة لا يملك الرجعة). وفي الآية ما يدل على هذا؛ لأن الله عقبه بقوله: { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن }. وعن ابن عباس ومجاهد: (أن المراد بالآية بيان طلاق السنة).
وقوله: { الطلق مرتان } لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر والندب، وفي لفظ المرتين دليل على أن التفريق سنة؛ لأن من طلق اثنتين معا لا يقال طلقها مرتين، وليس في هذه الآية كيفية سنة التفريق. وقد فسره الله تعالى بقوله:
إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن
[الطلاق: 1] وأراد بذلك تفريق الطلاق على إظهار العدة؛ ألا ترى أنه تعالى خاطب الرجال إحصاء العدة، وذكر الرجعة في سياق الآية بقوله:
لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا
[الطلاق: 1] وعلى هذا قال صلى الله عليه وسلم لابن عمر حين طلق امرأته في حال الحيض:
" ما هكذا أمرك ربك؛ إنما أمرك أن تستقبل الطهر استقبالا، فطلقها لكل قرء تطليقة؛ فإنها العدة التي أمر الله أن يطلق فيها النساء ".
قوله تعالى: { فإمساك بمعروف } أي عليكم إمساكهن بحسن الصحبة والمعاشرة إذا أردتم الرجعة، { أو تسريح بإحسن } أي يتركوهن حتى ينقضي تمام الطهر ويكن أملك لأنفسهن. والإحسان: أن يوفي الزوج حقها في المهر ونفقة العدة؛ وأن لا يطول العدة عليها.
" وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية؛ فقيل له: أين التطليقة الثالثة؟ فقال: " في قوله: { أو تسريح بإحسن } " ".
قوله عز وجل: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله }؛ قال ابن عباس:
" نزلت في جميلة بنت عبدالله بن أبي ابن سلول وفي زوجها ثابت بن قيس، كانت تبغضه بغضا شديدا لا تقدر على النظر إليه، وكان يحبها حبا شديدا لا يقدر على أن يصبر عنها؛ وكان بينهما كلام، فأتت أباها فشكت عليه وقالت: إنه يضربني ويسيء إلي! فقال لها: ارجعي إلى زوجك، فأتته الثانية وبها أثر الضرب، فشكت إليه فقال لها: ارجعي إلى زوجك. فلما رأت أنه لا يشكيها ولا ينظر في أمرها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليه وأرته أثر الضرب بها، فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا هو، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت وقال: " يا ثابت، ما لك ولأهلك؟ " قال: والذي بعثك بالحق نبيا؛ ما على الأرض شيء أحب إلي منها غيرك، لكنها لا تطيعني، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " ما تقولين؟ " فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: ما كنت أحدثك اليوم حديثا ينزل عليك خلافه غدا، هو من أكرم الناس لزوجته لا أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكني أبغضه لا أنا ولا هو. فقال ثابت: قد أعطيتها حديقة لي، قل لها فلتردها علي وأنا أخلي سبيلها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتردين عليه حديقته وتملكين أمرك؟ " قالت: نعم، وزيادة. فأنزل الله قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما الزيادة فلا " ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها، ففعل "
وكان ذلك أول خلع في الإسلام).
ومعنى الآية: { ولا يحل لكم أن تأخذوا } شيئا مما أعطيتموهن من مهر ولا غيره، { إلا أن يخافآ }. قال أبو عبيد: (معناه: معلما ومؤقتا حقيقته؛ أي إلا أن يكون الأغلب عليها على ما ظهر منهما من أسباب التباعد الخوف من أن لا { يقيما حدود الله } وهو ما فرض الله تعالى للزوج).
ومن قرأ (يخافا) على فعل ما لم يسم فاعله، كان المعنى إلا أن يخافا عليهما أن لا يقيما حدود الله، وهو ما فرض الله تعالى للزوج على المرأة، والمرأة على الزوج، وقد يذكر الخوف في معنى العلم كما قال أبو محجن الثقفي:
إذا مت فادفني إلى أصل كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
وأما قوله عز وجل: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله }؛ أي علمتم بغالب ظنكم أن لا يكون بينهما صلاح ولا مقام على النكاح. { فلا جناح عليهما فيما افتدت به }؛ أي لا حرج عليهما في الأخذ والإعطاء. ويقال: معناه: لا حرج على الزوج أن يأخذ ما افتدت به المرأة نفسها مما أعطاها الزوج. قال الفراء: (هذا كقوله:
يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان
[الرحمن: 22] وإنما يخرج ذلك من أحدهما؛ كذلك في هذه الآية أراد بقوله تعالى: { فلا جناح عليهما } نفي الحرج عن الزوج في الأخذ: فأما المرأة فهي مفتدية باختيارها ورضاها).
وإنما يباح للزوج أن يخلعها إذا كان النشوز من قبل المرأة؛ وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (لو اختلعت بكل شيء لها لأخذته).
وروي أن امرأة نشزت فرفعت إلى عمر رضي الله عنه فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعا بها فقال رضي الله عنه: (كيف وجدت مبيتك؟) فقالت: ما بت ليالي منذ كنت عنده أقر لعيني منهن. فقال عمر رضي الله عنه لزوجها: (اخلعها، ولو بقرطها).
قوله تعالى: { تلك حدود الله فلا تعتدوها }؛ الآية؛ أي هذه الآيات المنزلة من الأوامر والنواهي فرائض الله وأحكامه { فلا تعتدوها } أي فلا تتجاوزوها، { ومن يتعد حدود الله }؛ أي من يتجاوز أحكام الله ويترك ما أمر الله به أو يعمل بما نهاه، { فأولئك هم الظلمون }؛ الضارون لأنفسهم بمعصيتهم. وإذا كان النشوز من قبل الزوج، فلا يحل له أخذه شيئا منها ديانة؛ لقوله تعالى:
وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا
[النساء: 20].
واختلف السلف رضي الله عنهم في الخلع؛ هل هو طلاق أو فسخ؛ فذهب بعضهم إلى أنه فسخ؛ وهي رواية عن ابن عباس، واستدلوا بظاهر هذه الآية؛ فقالوا: إن الله ذكر الطلاق الثالث بعد هذا بقوله: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره }؛ فلو كان الخلع طلاقا لجعل الطلاق أكثر من ثلاث.
وأكثر فقهاء الأمصار قالوا: الخلع طلاق؛ وهو " رواية عن " عمر وعثمان وابن مسعود والحسن وإبراهيم النخعي وغيرهم. وليس في ظاهر الآية أن الخلع فسخ؛ لأن قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا } حكم مبتدأ؛ إذ (الواو) للاستئناف؛ إلا أن يقوم دليل الجمع، فكأن الله تعالى ذكر في أول هذه الآية حكم الطلاق بغير بدل وخير الزوج بين أن يراجعها في العدة أو يتركها حتى تنقضي عدتها، ثم استأنف بيان حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع، وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيها، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد هذه الآية. وهذا مما يستدل به على أن المختلعة يلحقها الطلاق؛ لأن عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما وصفناه؛ فحصلت التطليقة الثالثة بعد الخلع. شرط في إباحتها للأول؛ إلا ما روي عن سعيد بن المسيب رواية شاذة: أنه لم يجعله شرطا؛ ولم يتابعه أحد على ذلك.
وإنما جعل دخول الزوج الثاني بها شرطا لمفهوم الآية وورود السنة أما مفهوم الآية؛ فلأن الله تعالى قال: { حتى تنكح زوجا غيره } والنكاح هو الوطء في الحقيقة، وذكر الزوج يفيد العقد لاستحالة أن يكون زوجا من غير عقد، فكأن قوله { حتى تنكح زوجا } كناية مفهمة مغنية عن التصريح.
وأما السنة: فما
" روي أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها عبدالرحمن ابن الزبير، فجاءت إلى رسول الله تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال صلى الله عليه وسلم: " هل جامعك عبدالرحمن؟ " فقالت: ما الذي معه إلا كهدبة ثوبي هذا. فقال صلى الله عليه وسلم: " أفتريدين أن ترجعي إلى زوجك الأول؟ " قالت: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: " لا؛ حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " فندمت على مقالتها، فقالت: يا رسول الله قد طاف بي، فقال: " لا أصدقك الآن " ".
قوله عز وجل: { فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ } حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع، وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيها، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد هذه الآية. وهذا مما يستدل به على المختلعة يلحقها الطلاق؛ لأن عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما وصفناه؛ فحصلت التطليقة الثالثة بعد الخلع؛ أي فإن طلقها الزوج الثاني بعدما دخل بها، فلا حرج على المرأة والزوج الأول أن يتراجعا؛ بأن يتزوجها مرة أخرى بعد انقضاء العدة.
قوله تعالى: { إن ظنآ أن يقيما حدود الله } أي إن علما بغالب ظنهما أنهما يقيمان حدود الله فيما بينهما؛ لأنهما قد افترقا؛ ورأى الزوج وحدته ورأت المرأة غربتها ووحشتها.
والحكمة في شرط دخول الزوج الثاني بها: أن الطلاق لما كان من أبغض المباحات إلى الله تعالى على ما ورد به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن من أبغض المباحات إلى الله تعالى الطلاق "
شرط الله في حرمة الطلقة الثالثة ما يكبر على الأزواج من غشيان غير تلك المرأة؛ حتى لا يعجلوا بالطلاق عند الغضب ولا يطلقوا إلا على وجه السنة.
قوله عز وجل: { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون }؛ أي هذه الآية التي ذكرت أحكام الله وفرائضه يبينها في القرآن لقوم يعلمون أوامر الله تعالى؛ وإن ما يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق. وتخصيص العلماء في هذه الآية؛ لأنهم هم الذين يحفظون أوامر الله وأحكامه وينتفعون بالآيات. وقيل: خصهم الله بالذكر على جهة النباهة لهم كما خص جبريل وميكائيل من بين الملائكة على جهة النباهة لهما.
البقرة 2:230
قوله عز وجل: { الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن }؛ قال عروة بن الزبير وقتادة في معنى هذه الآية: (إن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان؛ فإنه بعد الطلقة الثالثة لا يملك الرجعة). وفي الآية ما يدل على هذا؛ لأن الله عقبه بقوله: { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن }. وعن ابن عباس ومجاهد: (أن المراد بالآية بيان طلاق السنة).
وقوله: { الطلق مرتان } لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر والندب، وفي لفظ المرتين دليل على أن التفريق سنة؛ لأن من طلق اثنتين معا لا يقال طلقها مرتين، وليس في هذه الآية كيفية سنة التفريق. وقد فسره الله تعالى بقوله:
إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن
[الطلاق: 1] وأراد بذلك تفريق الطلاق على إظهار العدة؛ ألا ترى أنه تعالى خاطب الرجال إحصاء العدة، وذكر الرجعة في سياق الآية بقوله:
لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا
[الطلاق: 1] وعلى هذا قال صلى الله عليه وسلم لابن عمر حين طلق امرأته في حال الحيض:
" ما هكذا أمرك ربك؛ إنما أمرك أن تستقبل الطهر استقبالا، فطلقها لكل قرء تطليقة؛ فإنها العدة التي أمر الله أن يطلق فيها النساء ".
قوله تعالى: { فإمساك بمعروف } أي عليكم إمساكهن بحسن الصحبة والمعاشرة إذا أردتم الرجعة، { أو تسريح بإحسن } أي يتركوهن حتى ينقضي تمام الطهر ويكن أملك لأنفسهن. والإحسان: أن يوفي الزوج حقها في المهر ونفقة العدة؛ وأن لا يطول العدة عليها.
" وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية؛ فقيل له: أين التطليقة الثالثة؟ فقال: " في قوله: { أو تسريح بإحسن } " ".
قوله عز وجل: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله }؛ قال ابن عباس:
" نزلت في جميلة بنت عبدالله بن أبي ابن سلول وفي زوجها ثابت بن قيس، كانت تبغضه بغضا شديدا لا تقدر على النظر إليه، وكان يحبها حبا شديدا لا يقدر على أن يصبر عنها؛ وكان بينهما كلام، فأتت أباها فشكت عليه وقالت: إنه يضربني ويسيء إلي! فقال لها: ارجعي إلى زوجك، فأتته الثانية وبها أثر الضرب، فشكت إليه فقال لها: ارجعي إلى زوجك. فلما رأت أنه لا يشكيها ولا ينظر في أمرها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليه وأرته أثر الضرب بها، فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا هو، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت وقال: " يا ثابت، ما لك ولأهلك؟ " قال: والذي بعثك بالحق نبيا؛ ما على الأرض شيء أحب إلي منها غيرك، لكنها لا تطيعني، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " ما تقولين؟ " فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: ما كنت أحدثك اليوم حديثا ينزل عليك خلافه غدا، هو من أكرم الناس لزوجته لا أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكني أبغضه لا أنا ولا هو. فقال ثابت: قد أعطيتها حديقة لي، قل لها فلتردها علي وأنا أخلي سبيلها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتردين عليه حديقته وتملكين أمرك؟ " قالت: نعم، وزيادة. فأنزل الله قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما الزيادة فلا " ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها، ففعل "
وكان ذلك أول خلع في الإسلام).
ومعنى الآية: { ولا يحل لكم أن تأخذوا } شيئا مما أعطيتموهن من مهر ولا غيره، { إلا أن يخافآ }. قال أبو عبيد: (معناه: معلما ومؤقتا حقيقته؛ أي إلا أن يكون الأغلب عليها على ما ظهر منهما من أسباب التباعد الخوف من أن لا { يقيما حدود الله } وهو ما فرض الله تعالى للزوج).
ومن قرأ (يخافا) على فعل ما لم يسم فاعله، كان المعنى إلا أن يخافا عليهما أن لا يقيما حدود الله، وهو ما فرض الله تعالى للزوج على المرأة، والمرأة على الزوج، وقد يذكر الخوف في معنى العلم كما قال أبو محجن الثقفي:
إذا مت فادفني إلى أصل كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
وأما قوله عز وجل: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله }؛ أي علمتم بغالب ظنكم أن لا يكون بينهما صلاح ولا مقام على النكاح. { فلا جناح عليهما فيما افتدت به }؛ أي لا حرج عليهما في الأخذ والإعطاء. ويقال: معناه: لا حرج على الزوج أن يأخذ ما افتدت به المرأة نفسها مما أعطاها الزوج. قال الفراء: (هذا كقوله:
يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان
[الرحمن: 22] وإنما يخرج ذلك من أحدهما؛ كذلك في هذه الآية أراد بقوله تعالى: { فلا جناح عليهما } نفي الحرج عن الزوج في الأخذ: فأما المرأة فهي مفتدية باختيارها ورضاها).
وإنما يباح للزوج أن يخلعها إذا كان النشوز من قبل المرأة؛ وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (لو اختلعت بكل شيء لها لأخذته).
وروي أن امرأة نشزت فرفعت إلى عمر رضي الله عنه فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعا بها فقال رضي الله عنه: (كيف وجدت مبيتك؟) فقالت: ما بت ليالي منذ كنت عنده أقر لعيني منهن. فقال عمر رضي الله عنه لزوجها: (اخلعها، ولو بقرطها).
قوله تعالى: { تلك حدود الله فلا تعتدوها }؛ الآية؛ أي هذه الآيات المنزلة من الأوامر والنواهي فرائض الله وأحكامه { فلا تعتدوها } أي فلا تتجاوزوها، { ومن يتعد حدود الله }؛ أي من يتجاوز أحكام الله ويترك ما أمر الله به أو يعمل بما نهاه، { فأولئك هم الظلمون }؛ الضارون لأنفسهم بمعصيتهم. وإذا كان النشوز من قبل الزوج، فلا يحل له أخذه شيئا منها ديانة؛ لقوله تعالى:
وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا
[النساء: 20].
واختلف السلف رضي الله عنهم في الخلع؛ هل هو طلاق أو فسخ؛ فذهب بعضهم إلى أنه فسخ؛ وهي رواية عن ابن عباس، واستدلوا بظاهر هذه الآية؛ فقالوا: إن الله ذكر الطلاق الثالث بعد هذا بقوله: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره }؛ فلو كان الخلع طلاقا لجعل الطلاق أكثر من ثلاث.
وأكثر فقهاء الأمصار قالوا: الخلع طلاق؛ وهو " رواية عن " عمر وعثمان وابن مسعود والحسن وإبراهيم النخعي وغيرهم. وليس في ظاهر الآية أن الخلع فسخ؛ لأن قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا } حكم مبتدأ؛ إذ (الواو) للاستئناف؛ إلا أن يقوم دليل الجمع، فكأن الله تعالى ذكر في أول هذه الآية حكم الطلاق بغير بدل وخير الزوج بين أن يراجعها في العدة أو يتركها حتى تنقضي عدتها، ثم استأنف بيان حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع، وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيها، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد هذه الآية. وهذا مما يستدل به على أن المختلعة يلحقها الطلاق؛ لأن عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما وصفناه؛ فحصلت التطليقة الثالثة بعد الخلع. شرط في إباحتها للأول؛ إلا ما روي عن سعيد بن المسيب رواية شاذة: أنه لم يجعله شرطا؛ ولم يتابعه أحد على ذلك.
وإنما جعل دخول الزوج الثاني بها شرطا لمفهوم الآية وورود السنة أما مفهوم الآية؛ فلأن الله تعالى قال: { حتى تنكح زوجا غيره } والنكاح هو الوطء في الحقيقة، وذكر الزوج يفيد العقد لاستحالة أن يكون زوجا من غير عقد، فكأن قوله { حتى تنكح زوجا } كناية مفهمة مغنية عن التصريح.
وأما السنة: فما
" روي أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها عبدالرحمن ابن الزبير، فجاءت إلى رسول الله تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال صلى الله عليه وسلم: " هل جامعك عبدالرحمن؟ " فقالت: ما الذي معه إلا كهدبة ثوبي هذا. فقال صلى الله عليه وسلم: " أفتريدين أن ترجعي إلى زوجك الأول؟ " قالت: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: " لا؛ حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " فندمت على مقالتها، فقالت: يا رسول الله قد طاف بي، فقال: " لا أصدقك الآن " ".
قوله عز وجل: { فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ } حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع، وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيها، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد هذه الآية. وهذا مما يستدل به على المختلعة يلحقها الطلاق؛ لأن عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما وصفناه؛ فحصلت التطليقة الثالثة بعد الخلع؛ أي فإن طلقها الزوج الثاني بعدما دخل بها، فلا حرج على المرأة والزوج الأول أن يتراجعا؛ بأن يتزوجها مرة أخرى بعد انقضاء العدة.
قوله تعالى: { إن ظنآ أن يقيما حدود الله } أي إن علما بغالب ظنهما أنهما يقيمان حدود الله فيما بينهما؛ لأنهما قد افترقا؛ ورأى الزوج وحدته ورأت المرأة غربتها ووحشتها.
والحكمة في شرط دخول الزوج الثاني بها: أن الطلاق لما كان من أبغض المباحات إلى الله تعالى على ما ورد به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن من أبغض المباحات إلى الله تعالى الطلاق "
شرط الله في حرمة الطلقة الثالثة ما يكبر على الأزواج من غشيان غير تلك المرأة؛ حتى لا يعجلوا بالطلاق عند الغضب ولا يطلقوا إلا على وجه السنة.
قوله عز وجل: { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون }؛ أي هذه الآية التي ذكرت أحكام الله وفرائضه يبينها في القرآن لقوم يعلمون أوامر الله تعالى؛ وإن ما يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق. وتخصيص العلماء في هذه الآية؛ لأنهم هم الذين يحفظون أوامر الله وأحكامه وينتفعون بالآيات. وقيل: خصهم الله بالذكر على جهة النباهة لهم كما خص جبريل وميكائيل من بين الملائكة على جهة النباهة لهما.
البقرة 2:231
قوله عز وجل: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا }؛ نزلت في ثابت بن يسار الأنصاري؛ طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة؛ وكادت تبين منه راجعها، ثم طلقها ففعل بها مثل ذلك، حتى مضت لها سبعة أشهر مضارا لها بذلك. وكان الرجل إذا أراد ان يضار امرأته طلقها ثم تركها حتى تحيض الثالثة، ثم راجعها، ثم طلقها فتطول عليها العدة، فهذا هو الضرار؛ فأنزل الله هذه الآية.
ومعنى الآية: { وإذا طلقتم النسآء } تطليقة أو تطليقتين { فبلغن أجلهن } أي قاربن وقت انقضاء العدة { فأمسكوهن بمعروف } أي احبسوهن بالرجعة على أحسن الصحبة، لا على تطويل العدة، { أو سرحوهن بمعروف } أي اتركوهن بمعروف حتى ينقضي تمام أجلهن، { ولا تمسكوهن ضرارا } أي لا تحبسوهن في العدة إضرارا { لتعتدوا } عليهن؛ أي تظلموهن.
قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه }؛ أي من يفعل ذلك الاعتداء فقد عرض نفسه لعذاب الله بإتيان ما نهى الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ملعون من ضار مسلما أو ماكره ".
قوله عز وجل: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا }؛ أي لا تتركوا ما حد الله لكم من أمر الطلاق وغيره فتكونوا مقصرين لاعبين. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كان الرجل يطلق امرأته أو يعتق عبده ثم يقول: إنما كنت لاعبا، فيرجع في العتق والنكاح؛ فأنزل الله هذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم:
" من طلق لاعبا أو أعتق لاعبا فقد جاز عليه "
أي نفذ عليه.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ثلاث جدهن وهزلهن جد: الطلاق، والعتاق، والنكاح "
وفي بعض الروايات:
" الطلاق، والنكاح، والرجعة "
وروي في الخبر:
" خمس جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والعتاق، والرجعة، والنكاح، والنذر ".
وعن أبي موسى الأشعري قال:
" غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأشعريين، فأتيته فقلت: يا رسول الله، غضبت على الأشعريين؟ قال: " يقول أحدكم لامرأته: قد طلقتك، ثم يقول: قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل طهرها "
وقال الكلبي: (معنى { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } أي أمسكوا بمعروف أو سرحوا بإحسان).
قوله عز وجل: { واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به }؛ أي احفظوا منة الله عليكم في أمر الدين. وقيل: { واذكروا نعمت الله عليكم } بالإيمان، { ومآ أنزل عليكم من الكتاب } يعني القرآن، { والحكمة } يعني مواعظ القرآن والحدود والأحكام. وقيل: الحكمة هي فقه الحلال والحرام. وقوله: { يعظكم به } أي ينهاكم عن الإضرار وسائر المعاصي.
قوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم }؛ أي اخشوه فيما أمركم به ونهاكم عنه، { واعلموا أن الله بكل شيء } من أعمالكم من العدل والجور، { عليم } أي عالم يجزيكم على الخير والشر.
ومن الناس من يحتج بقوله:
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن
[البقرة: 229] في إيجاب الفرقة بين المعسر العاجز عن النفقة وبين امرأته؛ لأن الله خيرهم بين أحد شيئين؛ فإذا عجز عن أحدهما تعين عليه الثاني. قلت: هذا الاحتجاج بعيد من الآية؛ لأن العاجز عن نفقة المرأة ممسك بالمعروف إذ لم يكلف الإنفاق في هذه الحالة، قال الله تعالى:
ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها
[الطلاق: 7] وغير جائز أن يقال للمعسر: غير ممسك بالمعروف؛ إذ ترك الإمساك بالمعروف ذم؛ والعاجز غير مذموم.
البقرة 2:232
قوله عز وجل: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف }؛ قال الحسن وقتادة: (نزلت هذه الآية في معقل بن يسار، كانت أخته جميل تحت أبي البداح طلقها تطليقة واحدة ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم على طلاقه إياها؛ فخطبها فرضيت المرأة بذلك وأحبت أن تراجعه، وأبى أخوها معقل وقال لها: إني اخترته على أشراف قومي فطلقك، ثم تريدين أن تراجعيه؟! وجهي من وجهك حرام أبدا لأن تزوجتيه. فأنزل الله هذه الآية ينهى معقلا عما صنع).
وروي أن أبا البداح لما طلقها وتركها حتى انقضت عدتها جاء يخطبها وأراد مراجعتها، وكانت المرأة تحب مراجعته، قال له أخوها: أفرشتك كريمتي وآثرتك على قومي فطلقتها ولم تراجعها حتى انقضت عدتها، وجئت تخطبها؟! والله لا أنكحها أبدا. فأنزل هذه الآية.
ومعناها: { وإذا طلقتم النسآء } واحدة أو اثنتين، { فبلغن أجلهن } يعني انقضت عدتهن، وأراد ببلوغ الأجل في هذه الآية حقيقة البلوغ بانقضاء العدة، { فلا تعضلوهن } أي لا تمنعوهن { أن ينكحن أزواجهن } يعني الذين كانوا أزواجا لهن من قبل.
وقوله تعالى: { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } أي إذا تراضوا بنكاح جديد ومهر وشهود؛ وما لا يكون مستنكرا في عقل ولا عادة ولا خلق.
قوله عز وجل: { ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر }؛ أي ذلك الذي ذكر من النهي عن العضل { يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله } ويؤمن بالبعث. قوله تعالى: { ذلكم أزكى لكم وأطهر }؛ أي أن لا تمنعوها خير لكم وأفضل وأدخل في التزكية من المنع لهن، وأطهر من الذنب وأبعد من الريبة؛ لأنه إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوزا ذلك إلى غير ما أحل الله لهما.
وقوله تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون }؛ أي { والله يعلم } حب كل منهما لصاحبه، { وأنتم لا تعلمون } ذلك. { والله يعلم } ما لكم فيه الصلاح في العاجل والآجل، ويعلم ما يزكيكم مما يرديكم { وأنتم لا تعلمون } ذلك.
فلما نزلت هذه الآية دعا النبي صلى الله عليه وسلم معقلا فقرأ عليه الآية وقال:
" " إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تمنع أختك من أبي البداح " فقال: إني أؤمن بالله واليوم الآخر وأشهدك أني قد أنكحته "
وكفر عن يمينه.
والعضل في اللغة له معنيان؛ أحدهما: المنع؛ يقال: عضل الرجل المرأة يعضلها ويعضلها إذا منعها من الأزواج ظلما. وأعضل الداء الأطباء إذا أعياهم عن معالجته، ويقال: داء عضال؛ ومسألة معضلة. والآخر: التضييق؛ يقال: عضل القضاء بالجيش إذا ضاق بهم، وعضلت المرأة بولدها إذا عسر خروجه.
وفي الآية دليل على جواز نكاح المرأة على نفسها إذا عقدت بغير ولي؛ لأن الله تعالى أضاف العقد إليها ونهى الولي عن عضلها إذا تراضى الزوجان بالمعروف. ويدل على ذلك قوله:
فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ
[البقرة: 230]. وقوله:
فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف
[البقرة: 234].
البقرة 2:233
قوله عز وجل: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة }؛ أي والمطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن المطلقين ولدنهم قبل الطلاق أو بعده؛ وقوله: { يرضعن أولادهن } لفظه لفظ الخبر ومعناه: الأمر، كأنه قال: لترضع الوالدات أولادهن، كما قال تعالى:
والمطلقات يتربصن بأنفسهن
[البقرة: 228] يدل على ذلك أنه لو كان قوله: { يرضعن } خبرا لما وجد مخبره على خلاف ما أخبر الله به؛ فلما كان من الوالدات من لا ترضع؛ علم أنه لم يرد به الخبر؛ فكان هذا محمولا في حال قيام النكاح على الأوامر الواجبة من طريق الدين لا من جهة الحكم؛ فإنها إذا امتنعت من الإرضاع لم يكن للزوج أن يجبرها على ذلك من حيث الحكم، وإن أرضعت لم تستحق نفقة الرضاع مع بقاء الزوجية، ولا يجتمع لها نفقتان.
وفي الآية إثبات حق الرضاع للأم، وبيان مدة الرضاع للمستحق على الولد، فإن الولد لو امتنع من الإرضاع في الحولين أجبر عليه كما قال تعالى في آية المطلقات:
فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن
[الطلاق: 6] وقال:
وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى
[الطلاق: 6].
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: { حولين كاملين } والحولان لا يكونان إلا كاملين؟ قيل: لإزالة الإبهام؛ فإن الإنسان قد يقول: أقمت عند فلان سنتين؛ إذا كان قريبا من سنتين، وسرت شهرا؛ إذا كان قريبا من شهر، فبين الله تعالى أنهما حولان كاملان: أربعة وعشرون شهرا من يوم يولد إلى أن يفطم.
وقوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } أي لمن أراد من الآباء أن يتم الرضاعة المفروضة عليه؛ أي هذا منتهى الرضاعة وليس فيما دون ذلك وقت محدود، وإنما هو على مقدار إصلاح الصبي وما يعيش به.
قرأ أبو رجاء: (الرضاعة) بكسر الراء؛ قال الخليل: (وهما لغتان مثل الوكالة والوكالة؛ والدلالة والدلالة). وقرأ مجاهد: (لمن أراد أن يتم الرضعة) وهي فعلة كالمرة الواحدة، وقرأ عكرمة: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) على الفاعل. وقرأ ابن عباس: (لمن أراد أن يكمل الرضاعة).
قوله عز وجل: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها }؛ معناه: وعلى الأب نفقتهن وكسوتهن كما يعرف أنه العدل، يكون ذلك أجرة لهن على الرضاع إذا كان إرضاع الولد بعد الفراق.
وقوله تعالى: { لا تكلف نفس إلا وسعها } أي لا يجبر الأب على النفقة والكسوة إلا مقدار طاقته، والتكليف هو الإلزام، قال الضحاك: (هذا في المطلقات دون المزوجات؛ لأن الله تعالى قابل هذه النفقة بالإرضاع، ونفقة الزوجة لا تجب بالإرضاع وإنما تجب بسبب الزوجية).
قوله عز وجل: { لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده }؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وسلام برفع الراء مشددة على الخبر منسوقا على قوله: { لا تكلف نفس } وأصله: (لا تضارر) فأدغمت الراء في الراء.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: (لا تضار) مشددة منصوبة على النهي. وأصله (لا تضارر) فأدغمت الراء في الراء وحركت إلى أخف الحركات وهو النصب؛ ويدل عليه قراءة عمر: (لا تضارر) على إظهار التضعيف.
ومعنى الآية: { لا تضآر والدة بولدها } فينزع منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه؛ وألفها الطفل؛ { ولا مولود له بولده } أي لا تلقيه هي إلى أبيه بعد أن عرفها الولد لتضارر الأب بذلك. وقيل: معناه: { لا تضآر والدة بولدها } فتكره على إرضاعه إذا قبل من غيرها وكرهت هي رضاعه؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها. { ولا مولود له بولده } فيحمل على أن يعطي الأم إذا لم يرضع إلا منها أكثر مما يجب لها عليه. وهذان القولان على مذهب الفعل المجهول على معنى أنه يفعل ذلك بهما، والوالدة والمولود له مفعولان.
وأصل الكلمة (تضارر) بفتح الراء الأولى؛ ويحتمل أن يكون الفعل لهما ويكون على مذهب من قد سمي فاعله، والمعنى: لا تضارر والدة بولدها فتأبى أن ترضع ولدها لشفق على أبيه. { ولا مولود له بولده } أي ولا يضار الأب أم الصبي فيمنعها من إرضاعه وينزعه منها؛ وهذا المذهب أصله (لا يضارر) بكسر الراء الأولى.
وجعل الزجاج قوله: (لا تضار) بالنصب نهيا للوالدة عن الإضرار بالولد. وقوله: { ولا مولود له بولده } نهيا للوالد عن الإضرار بولده. ومعنى ذلك: لا تترك الوالدة إرضاع ولدها غيضا على أبيه فتضر بالولد؛ لأن الوالدة أشفق بولدها من الأجنبية، ولا يأخذ الأب الولد من أمه قصدا إلى الإضرار بها فيضر بولده، ولا يمنعها الأجرة فيضر بولده.
قوله عز وجل: { وعلى الوارث مثل ذلك }؛ يعني على وارث الولد إذا لم يكن له أب مثل ما على الأب من النفقة والكسوة وترك الإضرار. قال عمر والحسن: (إنه على العصبات دون أصحاب الفرائض). وقال قتادة: (إنه على الوارث من العصبات وأصحاب الفرائض جميعا؛ على كل واحد منهم بمقدار نصيبه من الميراث) إلا أنه لم يشرط أن يكون الوارث ذا رحم محرم من الولد، وقد شرط أصحابنا ذلك.
قوله عز وجل: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما }؛ أي إن أراد الأبوان فطام الولد من اللبن دون الحولين بتراضيهما وبتشاورهما؛ فلا إثم عليهما في ذلك. وعن ابن عباس: (فطام الولد من اللبن دون حولين بتراضيهما وبمشاورتهما فلا إثم عليهما في ذلك). وعن ابن عباس: (معناه: إن أرادا فصالا قبل الحولين أو بعدهما بتراضيهما فلا جناح عليهما؛ فإن تشاقا رجعا إلى الحولين).
وإنما سمي الفطام فصالا؛ لانفصال المولود من الاغتذاء بثدي أمه إلى غير ذلك من الأقوات.
وأصل الفصل: القطع والتفريق.
قوله عز وجل: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف }؛ أي { وإن أردتم } يعني الآباء والأمهات { أن تسترضعوا أولادكم } غير الوالدة، فلا إثم عليكم، { إذا سلمتم } من الأجرة ما تراضيتم به. ولهذا قالوا: إن الأم إذا لم تختر أن ترضع الولد بعد الطلاق، واختارت أن يكون الولد عندها، أمر الزوج أن يستأجر ظئرا لترضعه في بيت أم الرضيع.
قوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير }؛ أي (اتقوا الله) في الضرار ومخالفة أمر الله، { واعلموا أن الله بما تعملون } من العدل والجور في أولادكم ونسائكم { بصير } عالم يجزيكم به.
وأما تأويل ذكر الحولين في مدة الرضاع، فأما أكثر مدته على قول أبي حنيفة؛ فعلى بيان مقدار استحقاق نفقة الرضاع وثبوت حكم الحرمة: فثلاثون شهرا على مذهبه. وعن ابن عباس أنه كان يقول في قوله:
وحمله وفصله ثلثون شهرا
[الأحقاف: 15] (بيان أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع؛ لأن الله تعالى قال في آية أخرى:
وفصاله في عامين
[لقمان: 14]). وكان يقول: (إذا كان الحمل لستة أشهر كان مدة الرضاع سنتين؛ وإذا كان الحمل تسعة أشهر كان الرضاع سنة وتسعة أشهر). وعلى هذا مهما زاد في الحمل شهرا نقص بإزائه من الرضاع؛ وهذا يقتضي أن الحمل إذا بلغ سنتين؛ أن المرأة لا ترضع ولدها إلا ستة أشهر. فكان أبو حنيفة يحمل قوله:
وحمله وفصله ثلثون شهرا
[الأحقاف: 15] على ذكر الحمل على الأيدي مع بيان مدة أكثر الرضاع.
البقرة 2:234
قوله عز وجل: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا }؛ معناه: إن الذين يموتون منكم ويتركون نساءهم من بعدهم؛ ينتظرون في عدتهن؛ معنى (أربعة أشهر وعشرا) لا يتزوجن ولا يتزين في هذه المدة.
وقوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن }؛ أي إذا انقضت عدتهن؛ { فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف }؛ أي لا حرج عليكم في تركهن بعد انقضاء المدة ليتزين زينة لا ينكر مثلها، ويتزوجن من الأكفاء ويفعلن كل معروف. قوله تعالى: { والله بما تعملون خبير }؛ أي بما تعملون من الخير والشر عالم يجزيكم به.
فإن قيل: (الذين) اسم موصول و(يتوفون) (ويذرون) من صلته، وجملته مبتدأ؛ و(يتربصن) فعل الأزواج لا فعل (الذين) ولا فيه ضمير عائد إلى (الذين)؛ فيبقى المبتدأ بلا خبر، والمبتدأ لا يخلو من خبر اسما كان أو فعلا؛ وليس من ذلك ها هنا شيء؟ قيل: قال أبو العباس السراج: (في الآية ضمير تقديره: أزواجهم يتربصن) لأن الفعل يدل على الفاعل. وقال الأخفش: (تقديره: يتربصن من بعدهم أربعة أشهر) حتى يكون الضمير عائدا إلى (الذين). وذكر الزجاج: أن النون في قوله (يتربصن) قائم مقام الأزواج كناية عنها لا محالة فصار كالتصريح، وهذا كما يقال: الذي يموت ويخلف ابنتين ترثان الثلثين؛ معناه يرث ابنتاه الثلثين.
قوله تعالى: { وعشرا } ظاهر لفظ العشر يتناول الليالي؛ ألا ترى أنه يقال للأيام: عشرة أيام؛ وإنما غلب لفظ التأنيث في الآية فقيل: (عشرا)؛ لأن العرب تقدم الليل على النهار ويعدون أول كل شهر من الليلة؛ ألا تراهم يصلون التراويح إذا رأوا الهلال ويدعونها إذا رأوا هلال شوال. ومن عادتهم أنهم إذا ذكروا أحد العددين على سبيل الجمع أرادوا مثله العدد الآخر؛ كما قال تعالى في قصة زكريا عليه السلام:
قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا
[آل عمران: 41] وقال في موضع آخر:
ثلاث ليال سويا
[مريم: 10] والقصة واحدة، فعبر تارة بالأيام عن الليالي، وتارة بالليالي عن الأيام.
ويقال: الحكمة في تقدير عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر ما روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: [يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في عشرة أيام، فيكتب أجله ورزقه وأنه شقي أو سعيد]. فيجوز أن الله قدر هذه في عدة الوفاة؛ ليظهر أنها حامل أو حائل.
واختلفوا في عدة الحامل؛ فقال عمر وابن مسعود وعبدالله بن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم: (أن الحامل تخرج من هذه العدة إذا وضعت. وإن كان زوجها على السرير) حتى قال ابن مسعود: (من شاء باهلته، إن قوله تعالى:
وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن
[الطلاق: 4] نزل بعد قوله: { أربعة أشهر وعشرا } ). وقال علي رضي الله عنه: (عدة الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي بأبعد الأجلين).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
" قلت يا رسول الله { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } في المطلقة أو المتوفى عنها زوجها؟ قال صلى الله عليه وسلم: " فيهما جميعا " ".
" وروي أن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها بعد زوجها بأيام؛ فأرادت أن تتزوج، فمر بها أبو السنابل فقال: أتريدين أن تتزوجي؟ قالت: نعم، قال: كلا، إنه آخر الأجلين، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له، فقال صلى الله عليه وسلم: " كذب أبو السنابل، إذا أتاك من يريد ذلك فأعلميني "
وجميع أهل التفسير على أن هذه الآية ناسخة لقوله:
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج
[البقرة: 240] وإن كانت هذه الآية متقدمة على تلك الآية في التلاوة.
وأجمع الفقهاء إلا أبا بكر الأصم أن { أربعة أشهر وعشرا } عدة الحرة دون الأمة؛ وأن عدة الأمة تنقضي بشهرين وخمسة أيام. وكان أبو بكر الأصم يقول: (إن عدتهما جميعا تنقضي بأربعة أشهر وعشرا؛ فإن ولد الأمة إنما ينفخ فيه الروح في الوقت الذي ينفخ فيه الروح في ولد الحرة). والجواب عن هذا أن يقال: إن خبر عبدالله بن مسعود رضي الله عنه من أخبار الآحاد لا يوجب حقيقة العلم. ولما أجمعوا على أن الرق ينصف عدد الأقراء وعدة الشهور في الآيسة والصغيرة؛ وجب أن ينصف عدة الوفاة.
البقرة 2:235
قوله عز وجل: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم في أنفسكم }؛ الآية، قال ابن عباس: (التعريض: هو أن يقول الرجل للمعتدة: إني أريد النكاح وأحب المرأة من صفتها كذا وكذا؛ فيصفها بالصفة التي هي عليها حتى تعلم رغبته فيها). وقيل: هو أن يقول لها: إنك لتعجبينني وأرجو أن يجمع الله بيني وبينك، أو يقول: يا ليت لي مثلك وإن قضى الله أمرا كان.
ومعنى الآية: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } اللواتي هن في عدة موت أو طلاق بائن أو ثلاث، قوله عز وجل: { أو أكننتم في أنفسكم } معناه: أو أضمرتم في قلوبكم العزم على النكاح.
قوله تعالى: { علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا }؛ أي { علم الله أنكم ستذكرونهن } في العدة لرغبتكم فيهن وخوفكم لسبق غيركم إليهن، { ولكن لا تواعدوهن سرا } أي لا يواعدها الخاطب في السر ولا يواثقها؛ أي أن لا يتزوج غيرها. وقيل: لا يواعدها في السر تصريحا. وقيل: المراد بالسر الجماع؛ لأنه لا يكون إلا في السر، كأنه يقول: لا يتعب الخاطب نفسه لها لرغبتها في نفسه.
قوله عز وجل: { إلا أن تقولوا قولا معروفا }؛ أي إلا أن يعرضوا بالخطبة كناية من غير إفصاح. قوله عز وجل: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله }؛ أي لا تعزموا على عقد النكاح، حذف (على) للتخفيف كما يقال: ضربت فلانا ظهره وبطنه؛ أي على ظهره وعلى بطنه. ومعنى: { حتى يبلغ الكتاب أجله } أي حتى يبلغ فرض المطلقات أجله؛ أي حتى تنقضي العدة؛ فإن العدة فرض القرآن.
قوله تعالى: { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه }؛ أي يعلم ما في قلوبكم من الوفاء وغير ذلك فاحذروا أن تخالفوه فيما أمركم ونهاكم. قوله تعالى: { واعلموا أن الله غفور حليم }؛ أي { غفور } لمخالفتكم إن تبتم، { حليم } حين لم يعجل عليكم بالعقوبة.
والتعريض في اللغة: هو الإيماء والتلويح والدلالة على الشيء من غير كشف ولا تبيين، نحو أن يقول الرجل لغيره: ما أقبح البخل! يعرضه لذلك، والخطبة بكسر الخاء: هي الكلام الذي يستدعي به إلى النكاح. والخطبة بالضم: هو الكلام المؤلف إما بموعظة أو دعاء إلى شيء.
والكناية: هي الدلالة على الشيء مع العدول عن الاسم عن الاسم الأخص إلى لفظ آخر يدل عليه، نحو أن يكني عن زيد فيقول لغيره: ما أبخل صديقك، وما أبخل الذي كنا عنده. والإكنان: هو الستر، يقال في كل شيء سترته أكننته؛ وفيما يصونه كنية. قال الله تعالى:
كأنهن بيض مكنون
[الصافات: 49] أي مصون.
البقرة 2:236
قوله عز وجل: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره }؛ أي لا حرج عليكم إن طلقتم النساء ما لم تجامعوهن أو تسموا لهن مهرا؛ { ومتعوهن } أي متعوا اللاتي طلقتموهن قبل المسيس. والفرض على الغني بمقدار غناه، وعلى الفقير بمقدار طاقته.
قوله تعالى: { متاعا بالمعروف حقا على المحسنين }؛ أي ما تعرفون أنه القصد وقدر الإمكان { حقا على المحسنين } أي واجبا على المؤمنين. وانتصب { متاعا } على المصدر من قوله تعالى: { ومتعوهن }. ونصب { حقا } على الحال من قوله { بالمعروف حقا } تقديره: عرف حقا. ويجوز أن يكون: نصبا على معنى: حق ذلك عليهم حقا.
وفي الآية دلالة جواز النكاح بغير تسمية المهر؛ لأن الله تعالى حكم بصحة الطلاق مع عدم التسمية، والطلاق لا يصح إلا في نكاح صحيح. ومعنى { أو تفرضوا لهن فريضة } أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة. وقد تكون (أو) بمعنى الواو كقوله:
ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا
[الإنسان: 24] وكذلك قوله:
وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من الغآئط
[النساء: 43]؛ المعنى: وجاء أحد منكم من الغائط.
وأعلى المتعة: خادم وثياب وورق، وأدناها: خمار ودرع وملحفة. ولا يجاوز بالمتعة نصف المثل بغير رضا الزوج. وقد اختلف السلف في أن هذه المتعة هل يجبر الزوج عليها أم لا؟ قال شريح: (إن القاضي يأمر الزوج بها من غير أن يجبره عليها). وكان شريح يقول للزوج: (إن كنت من المتقين أو من المحسنين فمتعها).
وأما عندنا فإن القاضي يجبر الزوج على المتعة للمرأة التي طلقها قبل المسيس والفرض؛ لأن الله تعالى قال: { حقا } وليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قولهم: (حقا عليه). وفي قوله: { على المحسنين } بيان أنها من شروط الإسلام؛ وعلى كل أحد أن يكون محسنا كما قال تعالى:
هدى للمتقين
[البقرة: 2] وهو هدى للناس كلهم. وقيل: إنما خص المحسنين بالذكر تشريفا لهم؛ لأنه لا يجب على غيرهم، فوصف المؤمنين بالإحسان؛ لأن الإحسان أكثر أخلاقهم.
البقرة 2:237
قوله تعالى: { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون }؛ معناه: { وإن طلقتموهن من قبل } أن تجامعوهن وقد سميتم لهن مهرا، فعليكم نصف ما سميتم من المهر، إلا أن يتركن ما وجب لهن من الصداق، بأن تقول إحداهن: ما مسني ولا قربني فأدع له المهر.
قوله: { أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح }؛ ذهب أكثر المفسرين إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج؛ وعفوه أن يترك لها جميع الصداق ولا يرجع عليها بشيء منه إذا كان قد أعطاؤها مهرها؛ وإن لم يكن أعطاها فعفوه أن يتفضل عليها بأن يتم لها جميع مهرها. وقد يكون الصداق عبدا بعينه أو عرضا بعينه لا يمكن تمليكه بالإسقاط والإبراء من واحد من الجانبين، فيكون معنى العفو في ذلك الفضل؛ وفي الآية ما يدل على ذلك وهو قوله: { ولا تنسوا الفضل بينكم }. وإنما ندب الزوج إلى تتميم الصداق؛ لأنه إذا تزوجها ثم طلقها فقد فعل ما يشينها، فكان الأفضل أن يعطيها مهرها.
وذهب بعضهم إلى أن { الذي بيده عقدة النكاح } هو ولي المرأة حتى قال مالك لأبي البكر: أن يسقط نصف الصداق عن الزوج بعد الطلاق قبل الدخول. والصحيح: هو الأول؛ لأن قوله { عقدة النكاح } يقتضي عقدة موجودة، والزوج هو الذي يملك استدامة النكاح وحله، وهو الذي يملك العقد على نفسه من غير ولي يحتاج إليه. وتكون عقدة النكاح على الحقيقة بيد الزوج. وأما ولي المرأة فلا يملك العقد عليها إلا برضاها، ولا يملك إسقاط سائر حقوقها.
قوله عز وجل: { وأن تعفوا أقرب للتقوى }؛ ندب الله كل فريق من الزوج والمرأة إلى العفو، كأنه قال: أيهما عفا عن صاحبه فقد أخذ بالفضل. وقوله تعالى: { أقرب للتقوى } أي أقرب إلى أن يتقي أحدهما ظلم صاحبه، فإن من ترك حقه كان أقرب إلى أن لا يظلم غيره بطلب ما ليس له، ومن بذل النفل كان أقرب إلى بذل الفرض.
قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم }؛ أي لا تتركوا الإحسان والإنسانية فيما بينكم، { إن الله بما تعملون بصير }؛ أي بما تعملون من الفضل والإحسان بصير عالم يجزيكم به. ونسيان الفضل هو الاستقصاء في استيفاء الحق على الكمال حتى لا يترك شيئا من حقه على صاحبه. فظاهر هذه الآية يقتضي أن الزوج إذا كان سمى لها مهرا بعد عقد النكاح ثم طلقها ينتصف؛ وإليه ذهب مالك والشافعي؛ وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع إلى قول أبي حنيفة ومحمد. فكأن المراد بهذه الآية على قولهم: أن يكون الفرض في نفس العقد؛ لأن التسمية بعد تمام عقد النكاح تقدير لمهر المثل أو بدل عنه، فيسقط بالطلاق قبل الدخول؛ فتجب المتعة.
وقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المراد بقوله تعالى: { من قبل أن تمسوهن } نفس المسيس أو ما يقوم مقامه، فإنه إذا خلا بها خلوة صحيحة نحو أن لا يكون أحدهما محرما ولا مريضا ولا صائما صوم فرض، ولا تكون المرأة حائضا ولا رتقاء، ثم طلقها؛ وجب لها المهر كله وإن لم يدخل بها كما روي زرارة بن أوفى أنه قال: (أجمع الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق على امرأته بابا وأرخى سترا ثم طلقها؛ وجب لها الصداق كاملا، وعليها العدة). وفرق عمر رضي الله عنه بين العنين وامرأته وأوجب عليه المهر، وقال: (ما ذنبهن إذا جاء العجز من قبلكم).
البقرة 2:238
قوله عز وجل: { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى }؛ أي واظبوا وداوموا على الصلوات المفروضة في مواقيتها وشروطها.
قوله تعالى: { والصلوة الوسطى } اختلفوا فيها؛ فعن علي وابن عباس وأبي هريرة وعبدالله والحسن والنخعي وقتادة وأبي أيوب والضحاك والكلبي ومقاتل: (إنها صلاة العصر) يدل عليه ما روى سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" الصلاة الوسطى هي العصر "
وفي بعض الأخبار: هي التي فرط فيها سليمان.
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة رضي الله عنها: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) { وقوموا لله قنتين }؛ وهكذا كان يقرؤها أبي بن كعب. وعن أبي يونس رضي الله عنه مولى عائشة رضي الله عنها؛ قال: أمرتني عائشة رضي الله عنها أن أكتب لها مصحفا، فقالت: إذا بلغت { حافظوا على الصلوت } فآذني، فلما بلغت أعلمتها فأملت علي: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر).
وروى نافع عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغت ( { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى } فأخبرني، حتى أخبرك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما بلغ إلى ذلك وأخبرها، فقالت له: اكتب، فإني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر ".
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق:
" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبطونهم نارا "
وقال علي رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا "
ثم صلاها بين العشائين
" وروي أن رجلا قال في مجلس عمر بن عبدالعزيز بن مروان: أرسلني أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأنا غلام صغير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ بإصبعي الصغيرة وقال: " هذه الفجر " وقبض التي تليها وقال: " هذه الظهر " ، ثم قبض الإبهام وقال: " هذه المغرب " ثم قبض التي تليها وقال: " هذه العشاء " ثم قال: " أي أصابعك بقي؟ " قلت: الوسطى، وقال: " وأي صلاة بقيت؟ " قلت: العصر، قال: " هي العصر " ".
قالوا: وإما كانت العصر هي الوسطى؛ لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار؛ وإنما خصها بالذكر لأنها تقع في وقت اشتغال الناس بأمور البيت، فخصها بالذكر للحث عليها. روى بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" بكروا بالعصر يوم الغيم، فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله "
وروى نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ".
وقال قبيصة بن دويب: (هي صلاة المغرب؛ لأنها أوسط صلاة وجبت على الناس). وقيل: لأنها وسط في عدد الركعات؛ لأنها بين الثنتين والأربع ولا تقصر في السفر، وهي وتر النهار. وإنما خصها بالذكر لأنها أول صلاة الليل الذي يرغب الناس عن الصلاة فيه.
روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم، فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلوات النهار، فمن صلاها وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة، ومن صلى أربع ركعات غفر الله له ذنب عشرين سنة "
أو قال
" أربعين سنة ".
وحكى الشيخ الإمام أبو الطيب السهل بن محمد بن سليمان: (أنها صلاة العشاء؛ لأنها بين صلاتين لا تقصران). روى أبو عمر عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر مع جماعة كان كقيام ليلة ".
وقال جابر بن عبدالله: (هي صلاة الفجر؛ لأنها تقع بين الظلام والضياء). وقال زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وأسامة وعائشة رضي الله عنهم: (إنها صلاة الظهر) لأنها تقع في وسط النهار. وإنما خصها بالذكر؛ لأنها أول صلاة فرضت على الناس.
روى زيد بن ثابت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان من الناس، يكونون في قائلتهم وتجارتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم "
فنزل قوله تعالى: { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى }.
وقال علي رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا زالت الشمس سبح كل شيء لربنا، فأمر الله بالصلاة في تلك الساعة "
وهي الساعة التي تفتح فبها أبواب السماء، فلا تغلق حتى تصلى الظهر، ويستجاب فيها الدعاء؛ ولأنها أول صلاة توجه النبي صلى الله عليه وسلم فيها وأصحابه إلى الكعبة، وهي التي ترفع جميع الصلوات والجماعات لأجلها يوم الجمعة.
وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها بعينها. وسئل الربيع ابن خيثم عن الصلاة الوسطى، فقال للسائل: (إذا أنت علمتها أكنت محافظا عليها ومضيعا سائرهن؟) قال: لا، قال: (فإنك إذا حافظت عليهن فقد حافظت عليها). وبه يقول أبو بكر الوراق؛ قال: (لو شاء الله تعالى لعينها، ولكنه سبحانه أراد تنبيه الخلق على أداء جميع الصلوات، فأخفاها الله تعالى في جملة الصلوات ليحافظوا على جميعها رجاء الوسطى كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء، وأخفى ساعة الإجابة في ساعات الجمعة؛ حكمة منه في فعله، ورحمة لخلقه).
قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } أي طائعين؛ وبه قال الشعبي وعطاء والحسن وابن جبير وقتادة وطاووس وعطية؛ وهو رواية عكرمة عن ابن عباس. قال الضحاك ومقاتل والكلبي: (لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين؛ وقوموا أنتم في صلاتكم مطيعين). ودليل هذا التأويل ما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" كل قنوت في القرآن فهو الطاعة ".
وقال عبدالله بن مسعود: (معناه: وقوموا لله ساكتين). كما روي عن زيد بن أرقم قال: [كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكلم أحدنا من هو إلى جانبه؛ ويدخل الرجل فيسلم ويردون عليه السلام؛ ويسألهم كم صليتم؟ فيردون عليه كم صلوا؛ ويجيء خادم الرجل وهو في الصلاة فيكلمه بحاجته كفعل أهل الكتاب. وكنا كذلك إلى أن نزل قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام]. قال مجاهد: (معناه: { وقوموا لله قنتين } خاشعين، فنهوا عن العبث والالتفات في الصلاة).
وقيل: معناه مطيلين القيام كما في قوله تعالى:
يمريم اقنتي لربك
[آل عمران: 43]. ويدل عليه أيضا حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصلوات أفضل؟ قال:
" طول القنوت "
وقيل: معناه: وقوموا لله مصلين. دليله قوله تعالى:
أمن هو قانت آنآء اليل
[الزمر: 9] أي مصل. وقال صلى الله عليه وسلم:
" مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم "
أي المصلي الصائم. وقال ابن عباس: (وقوموا لله داعين). والقنوت: هو الدعاء في الصلاة.
البقرة 2:239
قوله عز وجل: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا }؛ أي إذا خفتم من العدو ولم يمكنكم أن تقوموا قانتين موفين حق الصلاة؛ فصلوا قياما على أرجلكم؛ وحيثما توجهتم بالإيماء إذا يمكنكم استقبال القبلة وإقامة الركوع والسجود. { أو ركبانا } على دوابكم إذا لم يمكنكم استقبال القبلة وإقامة الركوع والسجود؛ ولم تستطيعوا النزول فصلوا ركبانا حيثما توجهت بكم لا عذر لكم في ترك الصلاة حالة الخوف.
وانتصب (رجالا) على الحال. وكان الحسن يقول: (فرجالا) أي قائمين ماشين.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنهم لا يصلون وهم يقاتلون أو يمشون؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنه فاته يوم الخندق ثلاث صلوات، فقضاهن على الترتيب "
فلولا أن الاشتغال بالقتال يفسدها لما ترك الإيماء بها حال القيام.
قوله عز وجل: { فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون }؛ أي إذا أمنتم من الخوف فصلوا لله تعالى كما أمركم قانتين مؤدين حقوق الصلاة وشرائطها. قوله: { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } معناه: ما لم تكونوا تعلمونه قبل التعليم.
البقرة 2:240
قوله عز وجل: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية قبل نزول آية المواريث وقبل استقرار العدة). وكانت المرأة في ابتداء الإسلام إذا احتضر زوجها أوصى لها في ماله بنفقة سنة من طعامها وشرابها وكسوتها وسكناها، وكان ذلك حظها من الميراث من مال زوجها، وإن كانت من أهل المدر سكنت بيت زوجها حتى تبني بيتا، وإن كانت من أهل الوبر سكنت بيت زوجها حتى تغزل بيتا فتتحول إليه. فإن خرجت من بيت زوجها أو تزوجت فلا نفقة لها ولا سكنى.
ثم نسخت الوصية بآية المواريث وبقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا وصية لوارث "
ونسخ حكم الحول باعتبار أربعة أشهر وعشرا عدة الوفاة بقوله:
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا
[البقرة: 234].
ومعنى الآية: { والذين يتوفون منكم ويذرون } نساء؛ أي يتركون نساء من بعدهم؛ فعليهم { وصية لأزواجهم }. ويقال: كتب عليهم وصية؛ وكانت هذه الوصية واجبة من الله تعالى لنسائهم أوصى الميت أو لم يوص كما قال تعالى في آية المواريث:
وصية من الله
[النساء: 12].
قرأ الحسن وأبو عمرو وابن عامر والأصم والأعمش وحمزة وحفص: (وصية) بالنصب على معنى: فلتوصوا وصية. وقرأ الباقون بالرفع على معنى: لأزواجهن وصية، أو كتب عليهم وصية.
وقوله: { متاعا } نصب على المصدر؛ أي متعوهن متاعا، وقيل: جعل الله ذلك لهم متاعا؛ وقيل: نصب على الحال. وقوله: { إلى الحول } أي متعوهن بالنفقة والسكنى والكسوة وما يحتاج إليه حولا كاملا. قوله تعالى: { غير إخراج } أي لا تخرجوهن من بيوت أزواجهن.
وإنما انتصب { غير } لأنه صفة للمتاع، وقيل: على الحال، وقيل: بنزع الخافض؛ أي من غير إخراج، وقيل: على معنى: لا إخراجا، كما يقال: أتيتك غير رغبة إليك.
قوله عز وجل: { فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف }؛ أي فإن خرجن من قبل أنفسهن قبل مضي الحول غير إخراج الورثة { فلا جناح عليكم } يا أولياء الميت { في ما فعلن في أنفسهن } من النشوز والتزين والتزوج بالمعروف إذا لم تكن المرأة حبلى من الميت. وقيل: معناه: { فإن خرجن } بعد انقضاء عدتهن، { فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن }.
وفي معنى رفع الجناح عن الرجال بفعل النساء وجهان؛ أحدهما: لا جناح عليكم في قطع النفقة إذا خرجن قبل تمام الحول. والثاني: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مقامها حولا في بيت زوجها غير واجب عليها؛ خيرها الله تعالى في ذلك إلى أن نسخت بأربعة أشهر وعشر؛ لأن ذلك لو كان واجبا عليها لكان واجبا على أولياء الزوج منعها من ذلك.
وقوله تعالى: { غير إخراج } يتضمن معنيين؛ أحدهما: وجوب السكنى في مال الزوج؛ وقد نسخ ذلك. والثاني: حظر الخروج والإخراج؛ وهو لزوم اللبث في البيت إلى انقضاء عدتها أربعة أشهر وعشرا؛ وذلك باق لم ينسخ، ولا يجوز لها أن تبيت بالليالي في غير منزلها، ولا يجوز لها أن تتزين؛ لأن
" امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها؛ أفتكحلها؟ فرخص لها ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كانت إحداكن تجلس في أحلاس بيتها حولا لا تخرج حتى إذا مر بها كلب خرجت ورمته ببعرة، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " ".
عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمسته ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا "
وعن ابن مسعود رضي الله عنه:
" أن نسوة قتلى أحد شكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحشة؛ فأمرهم أن يتزاورن بالنهار ولا يبتن بالليل إلا في منازلهن ".
قوله تعالى: { والله عزيز حكيم }؛ أي قادر على النقمة ممن خالف أمره وحكمه فيما حكم على الأزواج.
البقرة 2:241
قوله عز وجل: { وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين }؛ قال سعيد بن جبير وأبو العالية والزهري: (المراد بالمتاع في هذه الآية: المتعة؛ وهي واجبة لكل مطلقة). وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن المتعة تجب للمطلقات كلهن من طريق الديانة بحكم هذه الآية؛ ولكن لا يجبر الزوج على المتعة إلا لمطلقة لم يدخل بها ولم يفرض لها مهرا للآية المتقدمة. وقال بعضهم: أراد بالمتاع في هذه الآية نفقة عدة الطلاق؛ لأن الله تعالى عطفه على قوله:
متاعا إلى الحول
[البقرة: 240] والمراد هناك النفقة والسكنى.
البقرة 2:242
قوله عز وجل: { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون }؛ أي مثل هذا البيان { يبين الله لكم } دلائله في المستقبل كما بين في الماضي من أمور دينكم ودنياكم؛ لكي تفهموا ما أمرتم به. ويقال: لكي تكمل عقولكم؛ فإن العقل الغريزي إنما يكمل بالعقل المكتسب، وحقيقة العاقل أن يعمل ما افترض عليه، وحقيقة العمل استعمال الأشياء المستقيمة.
البقرة 2:243
قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر بالخروج إلى قتال عدوهم؛ فخرجوا للقتال ثم جبنوا وكرهوا القتال، فقالوا لملكهم: إن الأرض التي تريدها فيها الوباء فلا تأتها حتى ينقطع عنها الوباء، فقال لهم الله: موتوا).
واختلفوا في عددهم؛ فقال مقاتل والكلبي: (كانوا ثمانية آلاف). وقال أبو روق: (عشرة آلاف). وقال أبو مالك: (ثلاثون ألفا). وقال السدي: (بضعة وثلاثون ألفا). وقال ابن جريج: (أربعون ألفا) وقال عطاء بن أبي رباح: (تسعون ألفا). وقال الضحاك: (كانوا عددا كثيرا). فقوله تعالى: { ألوف } دليل على كثرتهم؛ إذ لو كانوا كما قال مقاتل والكلبي لقال: وهم آلاف؛ لأن من عشرة آلاف إلى ما دونها يقال فيها: آلاف، ولا يقال فيها: ألوف؛ لأن الألوف جمع الكثير. والآلاف جمع القليل.
فمكثوا موتى ثمانية أيام حتى انتفخوا وبلغ بني إسرائيل موت أصحابهم، فخرجوا إليهم ليدفنوهم، فعجزوا عنهم من كثرتهم، فحظروا عليهم الحظائر، ثم أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام، فبقي فيهم من ريح النتن التي كانت فيهم بعد الموت حتى بقي في أولادهم إلى اليوم.
وقال السدي: (وقع الطاعون في بني إسرائيل، فخرج قوم منهم هاربين من ديارهم حتى انتهوا إلى مكان فماتوا وتفرقت عظامهم وتقطعت أوصالهم، فأتى عليهم مدة وقد بليت أجسادهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام؛ لأنه كان بعد موسى يوشع بن نون، ثم كالب بن يوفنا، ثم حزقيل. وكان يقال له: ابن العجوز، وذلك أن أمه كانت عجوزا فسألت الله تعالى الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها؛ فلذلك سمي ابن العجوز).
وقال الحسن ومقاتل: (هو ذو الكفل، وإنما سمي حزقيل ذا الكفل؛ لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل، فقال لهم: اذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعا، فلما جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين، فقال لهم: ذهبوا ولم أدر أين هم. وحفظ الله ذا الكفل من اليهود. فلما مر حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم وجعل يفكر فيهم متعجبا، فقال: الحمد لله القادر على أن يحيي هذه الأجساد، فأوحى الله إليه: يا حزقيل، أتريد أن أريك كيف أحيي الموتى؟ قال نعم، فقال: له: نادهم، فنادى: أيها العظام، ثم قال: ألا أيتها الأجساد البالية، إن الله يأمركن أن تكتسين لحما، فجعل اللحم يجري عليهن حتى صرن أجسادا من اللحوم، ثم قال: ألا أيتها الأجساد البالية الخاوية، إن الله يأمركن أن تقمن بإذن الله، فقاموا.
فرجعوا إلى بلادهم وأقاموا وتوالدوا، وكان أحدهم إذا اكتسى ثوبا صار عليه كفنا يكون فيه ريح الموت).
وقال وهب: (أصابهم بلاء وشدة من الزمان، فشكوا ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه. فأوحى الله تعالى إلى حزقيل: إن قومك قد صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم لو ماتوا استراحوا، وأي راحة في الموت؛ أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت! فانطلق إلى موضع كذا، فإن فيه أمواتا، فقال الله تعالى: (يا حزقيل، نادهم. وكانت أجسادهم وعظامهم قد تفرقت؛ فرقتها الطير والسباع) فنادى حزقيل بالنداء الذي ذكرناه.
ومعنى الآية: ألم يعلم الذين، وقيل معناه: ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والمراد بالرؤية رؤية القلب لا رؤية العين. وقوله تعالى: { حذر الموت } أي خرجوا هاربين حذر الموت، وانتصب على أنه مفعول له. وظاهر هذا يقتضي أن خروجهم كان على جهة الفرار من الوباء على ما فسره السدي.
وقيل في معنى: { ألوف } أي مؤتلفوا القلوب لم يخرجوا من تباغض، ومعنى { فقال لهم الله موتوا } أي أماتهم، وقيل: أماتهم الله بشيء يسمعوه، وسمعت الملائكة.
قوله عز وجل: { إن الله لذو فضل على الناس }؛ أي متفضل على جميع الناس كما تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد الموت وأراهم البصيرة لا غاية بعدها، { ولكن أكثر الناس لا يشكرون }؛ رب النعم. وفي الآية دلالة على أن الموت لا ينفع الهرب منه كما قال تعالى:
أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة
[النساء: 78] وقال تعالى:
قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل
[الأحزاب: 16]. وإذا كان الآجال مؤقتة محصورة لا يقع فيها تقديم وتأخير كما قدر الله تعالى؛ لم ينفع الفرار من الطاعون وغير ذلك.
وقد روي: أن عمر رضي الله عنه أراد أن يدخل الشام وبها طاعون، فاستشار أصحابه بذلك، فأشار إليه بعض المهاجرين بالرجوع، فعزم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين، أتفر من قدر الله تعالى؟!) فقال عمر رضي الله عنه: (لو كان غيرك يقولها يا أبا عبيدة! نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان؛ إحداهما خصبة والأخرى جدبة، ألست إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله). فجاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال: (عندي في هذا علم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" إذا وقع هذا الرجز في أرض فلا تدخلوها عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا عنها "
فحمد الله تعالى عمر رضي الله عنه ورجع.
فإن قيل: إذا كانت الآجال مقدرة لا تتقدم ولا تتأخر، فما وجه النهي منه صلى الله عليه وسلم عن دخول أرض بها طاعون؟ وأي فرق بين دخولها وبين إبقائه فيها؟ قيل: وجه النهي عن الدخول أنه إذا دخلها وبها طاعون فجائز أن يدركه أجل بها فيقول قائل: لو لم يدخلها ما مات، كما قال:
يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم
[آل عمران: 156] فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل أرضا فيها طاعون لما يخشى أن يموت فيها أحد بأجله، فيقول الجهال: لو لم يدخلها لم يمت.
البقرة 2:244
قوله عز وجل: { وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } قال أكثر المفسرين: هذا خطاب لهذه الأمة، معناه: قاتلوا في طاعة الله تعالى ولا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء الذين سمعتم خبرهم، فلا ينفعكم الهرب واعلموا أن الله سميع لما يقوله المنافق بعلمه: الهرب من القتال، عليم بما يضره. وقال بعضهم: هذه الآية خطاب للذين جبنوا، وهي متصلة بقوله تعالى:
فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم
[البقرة: 243] وقال لهم: { وقتلوا في سبيل الله }.
البقرة 2:245
قوله عز وجل: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له أضعافا كثيرة }؛ قال: (سبعين):
" لما أنزل الله قوله عز وجل: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } قال صلى الله عليه وسلم: " رب زد أمتي " فنزل { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } فقال: " رب زد أمتي " فنزل { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ".
وفي الآية استدعاء إلى الانفاق والبر في سبيل الله بألطف الكلام وأبلغه، وسماه الله قرضا تأكيدا لاستحقاق الجزاء؛ لأنه لا يكون قرضا إلا والعوض مستحق فيه. ومعنى الآية: من ذا الذي يتصدق بصدقة طيبة من نفس طيبة لا يمن بها على السائل ولا يؤذيه، قال الحسن: (هو النفقة في أبواب البر من النفل). وقال ابن زيد: (هو الإنفاق في الجهاد في سبيل الله). وقال الواقدي: (قرضا حسنا) يكون المال من الحلال. وقال سهل بن عبدالله: (هو أن لا يعتقد بقرضه عوضا).
وقوله تعالى: { فيضعفه له أضعافا كثيرة } قرأ عاصم وأبو حاتم (فيضاعفه) بالنصب، وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد والنصب بغير ألف، وقرأ ابن كثير وشيبة بالتشديد والرفع، وقرأ الآخرون بالألف والتخفيف ورفع الفاء. فمن رفعه عطفه على (يقرض)، ومن نصب جعله جواب الاستفهام بالفاء. والتشديد والتخفيف لغتان، ودليل التشديد قوله تعالى: { أضعافا كثيرة } لأن التشديد للتكثير.
قال الحسن والسدي: (هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله). قال أبو زيد: (معنى قوله تعالى: { فيضعفه له أضعافا كثيرة } أي يعطيه سبعمائة أمثاله). كما قال تعالى في آية أخرى:
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة
[البقرة: 261]. وعن أبي عثمان النهدي قال: أدخل أبو هريرة إصبعيه في أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" يضاعف الله للمؤمن حسنة إلى ألفي ألف حسنة ".
قوله عز وجل: { والله يقبض ويبسط }؛ أي يقتر ويوسع على من يشاء من خلقه، ومنه قوله تعالى:
ويقبضون أيديهم
[التوبة: 67] أي يمسكوها عن النفقة في سبيل الله، وقوله:
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
[الشورى: 27]. وقيل: معناه: يقبض الصدقات ويبسط، والله يسلب النعمة من قوم ويبسطها على قوم. وقيل: معناه: يقبض الصدقات ويبسط عليها الجزاء عاجلا وآجلا. وقيل: القبض والبسط الإحياء والإماتة، فمن أماته الله فقد قبضه، ومن مد له في عمره فقد بسط له.
قوله عز وجل: { وإليه ترجعون }؛ أي ترجعون في الآخرة فيجزيكم بما قدمتم، وقد جهلت اليهود معنى هذه الآية أو تجاهلت حتى قالت: إن الله يستقرض منا فهو فقير ونحن أغنياء كما قال تعالى: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء
[آل عمران: 181] وعرف المسلمون معنى الآية ووثقوا بثواب الله ووعده.
قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية
" جاء أبو الدحداحة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أرى ربنا يستقرض مما أعطانا لأنفسنا، وإن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فلي مثلاها في الجنة. قال: " نعم ". وأم الدحداحة معي؟ قال: " نعم " قال: والصبية معي؟ قال: " نعم " فتصدق بأفضل حديقتيه وهي تسمى الحبيبة، فلما رجع إلى أهله وجد أم الدحداحة والصبية في الحديقة التي تصدق بها، فقام على بابها وتحرج أن يدخلها، ثم نادى: يا أم الدحداحة؛ يا أم الدحداحة، قالت: لبيك، قال: قد جعلت حديقتي هذه صدقة واشترطت مثليها في الجنة وأم الدحداحة معي والصبية معي، قالت: بارك الله لك فيما اشتريت. ثم خرجوا منها ودفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى قد قبل منك، فأعطه اليتيمين اللذين في حجرك ". وقال: صلى الله عليه وسلم: " كم من نخل مدل عروقها في الجنة لأبي الدحداحة " ".
وعن أبي زيد بن أسلم قال:
" لما نزل قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } الآية، قال أبو الدحداح: فداك أبي وأمي يا رسول الله، إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض؟! قال: " نعم " ، يريد أن يدخلكم " الجنة " ، قال: فإني إن أقرضت ربي يضمن لي الجنة، قال: " نعم، من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة " ، قال: وزوجتي أم الدحداح معي؟ قال: " نعم " قال: وبنتي الدحداحة؟ قال: " نعم ". قال: والصبية معي؟ قال: " نعم ". قال: ناولني يدك، فناوله النبي صلى الله عليه وسلم يده المباركة، فقال: يا رسول الله، إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله ما أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا لله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعل إحداهما قرضا لله عز وجل، والأخرى لك ولعيالك " قال: إشهد يا رسول الله أني قد جعلت أحسنهما لله عز وجل، وهو حائط فيه ستمائة نخلة، قال: " إذن يجزيك به الله في الجنة ". قال: فانطلق أبو الدحداح حتى أتى أم الدحداح وهي مع أولادها في الحديقة تدور تحت النخلة فأنشأ يقول:
* هداك ربي سبل الرشاد * إلى سبيل الخير والسداد *
* بيني من الحائط بالوداد * فقد مضى قرضا إلى التناد *
* أقرضته الله على اعتمادي * بالطوع لا من ولا نكاد *
* إلا رجاء الضعف في المعاد * فارتحلي بالنفس والأولاد *
* والبر لا شك فخير زاد * قدمه المرء إلى المعاد *
قالت أم الدحداح: ربح بيعك، بارك الله لك فيما اشتريت. فأجابته أم الدحداح وأنشأت تقول:
* بشرك الله بخير وفرح * مثلك أدى ما لديه ونصح *
* إن لك الحظ إذ الحظ وضح * قد متع الله عيالي ومنح *
* بالعجوة السوداء والزهو البلح * والعبد يسعى وله ما قد كدح *
* طول الليالي وعليه ما اجترح *
ثم أقبلت أم الدحداح على أولادها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم وتطرح ما في ثيابهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال صلى الله عليه وسلم: " كم من عذق رداح ودار فياح في الجنة لأبي الدحداح " ".
قال أهل المعاني: في الآية اختصار وإضمار؛ تقديره: من ذا الذي يقرض عباد الله قرضا حسنا، وجاء في الحديث:
" إن الله تعالى يقول لعبده يوم القيامة: استطعمتك فلم تطعمني، واستسقيتك فلم تسقني، واستكسيتك فلم تكسني. فيقول العبد: وكيف ذلك يا سيدي! فيقول ربك: عبدي فلان الجائع وفلان العاري فلم يعد عليهم من فضلك، فلأمنعك اليوم فضلي كما منعتهم من فضلك ".
وقال يحيى بن معاذ: (عجبت لمن يبقي له مالا ورب العرش يستقرضه). وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" رأيت على باب الجنة مكتوبا: القرض بثمانية عشر، والصدقة عشرة. فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أكثر جزاء. قال: لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا محتاجا وربما وقعت الصدقة في غير أهلها "
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أقرض أخاه المسلم، فله بكل درهم وزن ثبير وطور سيناء حسنات "
وهما جبلان.
البقرة 2:246
وقوله عز وجل: { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله }؛ أي ألم تعلم يا محمد بالملإ من بني إسرائيل. والملأ من القوم: أشرافهم ووجوههم يجتمعون للمشاورة. وجمعه الأملاء؛ واشتقاقه من ملأت الشيء؛ لا واحد له من لفظه كالإبل والخيل والجيش والقوم والرهط.
قوله تعالى: { من بعد موسى } أي من بعد وفاة موسى، وقوله: { إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا } اختلفوا فيه من هو؟ قال قتادة: (هو يوشع بن نون بن افراتيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام). وقال السدي: (هو شمعون). وقد كان بعد يوشع، وإنما سمي سمعون لأن أمه دعت الله عز وجل أن يرزقها غلاما فاستجاب الله دعاءها، فولدت غلاما فسمته سمعون، وقالت: قد سمع الله دعائي، فلأجل ذلك سمته سمعون. والسين في لغة العبرانية شين، فهو بالعبرانية شمعون وبالعربية سمعون. وقال الكلبي ومقاتل وسائر المفسرين: (هو إشمويل بن هلقانا، وبالعربية يقال له: إسماعيل بن بالي وهو من نسل هارون عليه السلام).
وقال الكلبي: (وسبب مسألتهم إياه: أنه لما مات موسى عليه السلام خلف بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله، ثم خلف فيهم حزقيل كذلك حتى قبضه الله، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث فنسوا عهد الله تعالى حتى عبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم إلياس عليه السلام نبيا فجعل يدعوهم إلى الله، ثم خلف بعد إلياس عليهم اليسع وكان فيهم ما شاء الله ثم قبضه الله؛ فعظمت فيهم الأحداث وكثرت فيهم الخطايا وظهر لهم عدو يقال له: البلساياء وهم قوم جالوت، وكانوا يسكنون ساحل الروم بين مصر وفلسطين؛ وهم العمالقة. فظهروا على بني إسرائيل وغلبوهم على كثير من أراضيهم وسبوا كثيرا من ذراريهم، فضربوا عليهم الجزية ولقوا منهم بلاء شديدا. ولم يكن لهم نبي يدبر أمرهم، فكانوا يسألون الله تعالى أن يبعث لهم نبيا يقاتلون معه. وكان سبط النبوة قد هلكوا ولم يبق منهم إلا امرأة حبلى، فأخذوها وحبسوها في بيت خشية أن تلد أنثى فتبدلها بغلام، لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما، فولدت غلاما فسمته اشمويل أي إسماعيل. وكبر الغلام فتعلم التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ منهم. فلما بلغ أن يبعثه الله نبيا أتى جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ، فدعاه: يا اشمويل، إذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك فيهم. فلما أتاهم كذبوه وقالوا: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله).
وإنما سألوا الملك لأنهم علموا أن كلمتهم لا تتفق وأمورهم لا تنتظم، ولا يحصل منهم الاجتماع على القتال إلا بملك يحملهم على ذلك ويجمع شملهم، فكان الملك هو الذي يجمع أمرهم والنبي يشير عليه ويرشده ويأتيه من ربه بالخبر.
فلما قالوا لاشمويل: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، قال لهم: لعلكم إذا بعث الله لكم ملكا وفرض عليكم القتال تجبنوا عن القتال فلا تقاتلوا!!
وإنما قال ذلك متعرفا ما عندهم من الحد وذلك قوله تعالى: { قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا }؛ ومعناه: قال لهم نبيهم عسى ربكم إن فرض عليكم القتال مع ذلك الملك أن لا تفوا بما تقولون ولا تقاتلون معه، و { قالوا وما لنآ ألا نقاتل }؛ " قالوا: وأي شيء لنا " في ترك القتال في سبيل الله، وقيل معناه: وليس لنا أن نمتنع عن قتال عدونا في طلب مرضاة الله، { وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } أي وقد أخلونا من منازلنا وسبوا ذرارينا.
ومعنى الإخراج من الأبناء: أنه لما كان الإخراج من الديار يؤدي إلى مفارقة الأبناء قالوا: أخرجنا من ديارنا وأبنائنا. ويجوز أن يكون على وجه الاتباع كما يقال: متقلد سيفا ورمحا.
فإن قيل: ما وجه دخول (أن) في قوله { ألا نقاتل } والعرب ما تقول: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما يقولون: ما لك لا تفعل؟ قيل: دخول (أن) وجد فيها لغتان فصيحتان. فدليل إثباتها قوله تعالى:
قال ما منعك ألا تسجد
[الأعراف: 12] و
ما لك ألا تكون مع الساجدين
[الحجر: 32]. ودليل حذفها قوله تعالى:
وما لكم لا تؤمنون بالله
[الحديد: 8].
واختلفوا في قراءة قوله تعالى: { ابعث لنا ملكا نقاتل } قرأ بعضهم (نقاتل) بالرفع على معنى فإنا نقاتل، وأكثرهم على (نقاتل) بالجزم على جواب الأمر. وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي: (يقاتل) بالياء والجزم؛ جعل الفعل للملك، كذلك قوله تعالى: { وقد أخرجنا من ديارنا } قرأ عمر (وقد أخرجنا) بفتح الهمزة والجيم؛ يعني العدو:
وقوله عز وجل: { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم }؛ فيه حذف؛ معناه: فبعث الله لهم ملكا وكتب عليهم القتال؛ { فلما كتب عليهم القتال }؛ أي لما فرض عليهم أعرضوا عنه وضيعوا أمر الله عز وجل إلا قليلا منهم، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا؛ هم الذين عبروا النهر، وسنذكرهم إن شاء الله في موضعهم.
قوله تعالى: { والله عليم بالظالمين }؛ أي عالم بالذين ظلموا أنفسهم بالمعصية وبعقوبتهم، وفي هذا تهديد لمن ولى عن القتال.
واختلفوا في قراءة (عسيتم) فقرأ نافع وطلحة والحسن: (عسيتم) بكسر السين في كل القرآن؛ وهي لغة. وقرأ الباقون بالفتح؛ وهي اللغة الفصيحة.
البقرة 2:247
قوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال }؛ وكان السبب فيه على ما ذكره المفسرون: أن اشمويل عليه السلام سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا، فأتي بعصا وقرن فيه دهن، وقالوا له: إن صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه العصا، وقيل له: انظر إلى هذا القرن الذي فيه الدهن، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن في القرن؛ فهو ملك بني إسرائيل فادهن به رأسه وملكه على بني إسرائيل. فقاسوا أنفسهم بالعصا؛ فلم يكن أحد منهم مثلها.
قال وهب: (وكان طالوت رجلا ديانا). وقال عكرمة والسدي: (كان يسقي على حمار له من النيل، فضل حماره؛ فخرج في طلبه). وقال بعضهم: ضلت حمولات لأبيه، فأرسله أبوه مع غلام له يطلبانها، فمرا ببيت اشمويل، فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن الحمولات ليرشدنا ويدعو لنا بخير. فقال طالوت: نفعل ذلك، فدخلا عليه، فبينما هما عنده إذ نش الدهن الذي في القرن فقام أشمويل وقاس طالوت بالعصا فكان على طوله، فقال لطالوت: قرب رأسك، فقربه، فدهنه بذلك الدهن، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم. فقال طالوت: أوما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل؟ قال: بلى، قال: فبأي آية أكون أهلا لذلك؟ قال: بآية أنك ترجع إلى أبيك، وقد وجد أبوك حمولاته، فرجع فكان كذلك.
ثم قال أشمويل لبني إسرائيل: (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا فقالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه). وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان؛ سبط نبوة وسبط مملكة. وكان سبط النبوة لاوي بن يعقوب ومنه موسى وهارون، وسبط المملكة سبط يهودا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان، ولم يكن طالوت من هؤلاء ولا من هؤلاء، وإنما هو من سبط بنيامين بن يعقوب، فمن أين يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه. ومع ذلك هو فقير لم يؤت سعة من المال ينفقه علينا كما يفعله الملوك.
{ قال } ، أشمويل: { إن الله اصطفاه عليكم }؛ أي اختاره عليكم للملك، { وزاده بسطة في العلم والجسم }؛ أي فضله عليكم بالعلم؛ وذلك أنه كان أعلمهم في وقته، فرفعه الله تعالى بعلمه. وقيل: كان عالما بأمر الحرب، وكان طويلا جسيما وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه. وإنما سمي طالوت لطوله وقوته، فأعلمهم الله تعالى أن العلم هو الذي يجب أن يقع به الاختيار، وأن الزيادة في الجسم مما يهيب به العدو.
وقوله تعالى: { والله يؤتي ملكه من يشآء }؛ أي يعطي ملكه من يشاء، وهو جل وعز لا يشاء إلا الحكمة والعدل، فلا تنكروا ملك طالوت مع كونه من غير أهل الملك، وأن الملك ليس بالوراثة وإنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء.
قوله تعالى: { والله واسع عليم }؛ أي يوسع على من يشاء ويعلم أين ينبغي أن يكون الملك والسعة، وإنما قال: { واسع } بمعنى موسع، كما يقال: أليم بمعنى مؤلم. وقيل: معناه واسع الفضل، إلا أنه حذف الفضل كما يقال: فلان كبير؛ أي كبير القدر. وأما طالوت وجالوت وداود، فاجتمع فيهم العجمة والتعريف؛ فلذلك لم ينصرف، فلو سميت رجلا باسم جاموس لا ينصرف وإن كان أعجميا؛ لأنه قد تمكن في العربية؛ لأنك تدخل عليها الألف واللام فتقول: الجاموس.
البقرة 2:248
قوله عز وجل: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة }؛ قال ابن عباس: (هذا جواب عن قولهم لنبيهم: والله ما نصدقك أن الله بعثه علينا، ولكنك أنت بعثته علينا ملكا مضارة لنا حين سألناك ملكا، وإلا فآتنا بآية أن الله قد بعثه علينا. فقال لهم: { إن آية ملكه } أي الدلالة على كون طالوت ملكا، أن يأتيكم التابوت الذي أخذه منكم عدوكم. وكان ذلك التابوت من عود الشمار الذي يتخذ منه الأمشاط المرصعة بالذهب عليه صفائح الذهب، وكانت السكينة في التابوت؛ وهي شبه دابة رأسها كرأس الهرة ولها ذنب كذنبها له رأسان، ووجه كوجه الإنسان ولها جناحان من زبرجد وياقوت، وكان فيها روح تكلمهم بالبيان فيما اختلفوا فيه، وكان لعينيها شعاع إذا نظرت إلى إنسان ذعر).
قال ابن عباس: (كانت بنو إسرائيل إذا حضر القتال قدموا التابوت بين أيديهم إلى العدو، فإذا أتت السكينة في التابوت وسمع من التابوت أنينها أقرب نحو العدو وهم يمضون معه أينما مضى، فإذا استقر ثبتوا خلفه، وكانت السكينة إذا صرخت في التابوت بصراخ هرة أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح، فلما عصت بنو إسرائيل الأنبياء صلوات الله عليهم، سلط الله عليهم عدوهم فقاتلهم وغلبهم على التابوت، ومضوا به إلى قرية من قرى فلسطين، وجعلوه في بيت صنم لهم، وجعلوا التابوت تحت الصنم، فأصبحوا من الغد والصنم تحته، وأصنامهم كلها أصبحت مكسرة، فأخرجوا التابوت من بيت الصنم، ووضعوه في ناحية من مدينتهم، فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بنو إسرائيل لا يقوم له شيء، فأخرجوا التابوت إلى قرية أخرى، فبعث الله على أهل تلك القرية بلاء حتى كان الرجل منهم يبيت سالما ويصبح ميتا قد أكل ما في جوفه، فأخرجوه منها إلى الصحراء ودفنوه في مخراة لهم، فكان كل من تغوط هنالك منهم أخذه الباسور والقولنج، فتحيروا! فقالت لهم امرأة من بني إسرائيل كانت عندهم قد سبوها: اعلموا أنكم لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام التابوت فيكم فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجل بإشارة تلك المرأة فحملوا عليها التابوت، ثم علقوها على ثورين ثم ضربوا جنوبها فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله أربعة من الملائكة يسوقون الثورين، فلم يمر التابوت بشيء من الأرض إلا كان مقدسا، فأقبلا حتى وقعا على أرض بني إسرائيل فوضعوا التابوت في أرض بني إسرائيل، فلما رأى بنو إسرائيل التابوت كبروا وحمدوا الله وأطاعوا طالوت وأقروا بملكه، فذلك قوله: { تحمله الملائكة } أي تسوقه).
وقال ابن عباس: (جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته الملائكة عند طالوت).
وقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش: (يحمله) بالياء. وعن علي رضي الله عنه: (أن السكينة كان ريحا هفافة لها وجه كوجه الإنسان).
وقوله تعالى: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } يعني أنه كان في التابوت أيضا رضاض الألواح لموسى وعصاه من آس وعمامة هارون وقفيزة من المن وهو الترنجبين الذي كان لبني إسرائيل في طست من ذهب. وقوله تعالى: { تحمله الملائكة } أي تسوقه الملائكة. وقال بعضهم: أرسل الله ريحا انتزعت التابوت من أيدي الكفار، ثم حملته الملائكة فألقته بين يدي طالوت.
قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم }؛ أي إن في رجوع التابوت إليكم لعلامة أن الله ملك عليكم طالوت، { إن كنتم مؤمنين }؛ أي مصدقين بذلك.
البقرة 2:249
قوله عز وجل: { فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر }؛ الآية، أي فلما خرج طالوت من البلد { بالجنود } يعني خرج بهم من بيت المقدس وهم سبعون ألف مقاتل؛ وقيل: ثمانون ألفا، ولم يختلف عنه إلا كبير لهرمه أو مريض لسقمه أو ضرير لضرره أو معذور لعذره. وذلك أنهم لما رأوا التابوت قالوا: قد أتانا التابوت وهو النصر لا شك فيه، فسارعوا إلى الجهاد، فخرج معه خلق كثير؛ فقال: لا حاجة لي في كل ما أرى، ولا أبتغي إلا كل شاب نشيط فارع، ولا يخرج معي صاحب تجارة ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوج امرأة لم يبن بها؛ لأنهم يكونون مشغولين. فاجتمع إليه ثمانون ألفا من شرطه. فخرج بهم في حر شديد، فأصابهم العطش؛ فسألوا الماء؛ فقال لهم طالوت: { إن الله مبتليكم بنهر } أي مختبركم بنهر جار؛ وهو نهر الأردن وفلسطين؛ ليرى طاعتكم وهو أعلم؛ { فمن شرب منه فليس مني }؛ أي فليس من أهل ديني وطاعتي، وليس معي على عدوي، { ومن لم يطعمه }؛ أي ومن لم يشربه، { فإنه مني }؛ ومعي على عدوي، وقد يطلق لفظ الطعم على الشرب، قال الله تعالى:
ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا
[المائدة: 93].
قوله تعالى: { إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه }؛ قرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وابن كثير وشيبة ونافع وأبو عمرو وأيوب: (غرفة) بفتح الغين، وقرأ الباقون بضمها؛ وهي قراءة عثمان، وهما لغتان. قال الكسائي: (الغرفة بالضم: الذي يجعل في الكف من الماء إذا غرف. والغرفة بالفتح الاغتراف، فالضم اسم والفتح مصدر). وقال أبو حاتم: (الغرفة بالضم: ملئ الكف وملئ المغرفة، وبالفتح الواحدة من القليل والكثير). قال الكلبي ومقاتل: (كانت الغرفة ليشرب منها الرجل وخادمه ودابته).
قيل: ابتلاهم الله بذلك النهر ليميز الصادق من الكاذب، وكان أشمويل هو الذي أخبر طالوت بذلك؛ لأن الله تعالى:
فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول
[الجن: 26-27] فلا يجوز هذا القول إلا من نبي. قوله تعالى: { فشربوا منه } { إلا قليلا منهم }؛ نصب { قليلا } على الاستثناء. قرأ ابن مسعود: (إلا قليل) بالرفع، كقول الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه
لعمرو أبيك إلا الفرقدان
ومعنى الآية: أنه لما عرض لهم النهر وقد اشتد بهم العطش؛ وقعوا فيه فشربوا كلهم أكثر من غرفة إلا قليلا منهم؛ وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كعدة أهل بدر، قال صلى الله عليه وسلم يوم بدر لأصحابه:
" أنتم على عدد أصحاب طالوت ".
قالوا: فمن اغترف غرفة قوي وصح إيمانه وعبر النهر سالما لكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وخادمه ودوابه.
وأما الذين أخذوا أكثر من ذلك وخالفوا اسودت شفاههم واشتدت عطشتهم فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو ولم يشهدوا الفتح.
قوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه }؛ يعني لما جاوز طالوت النهر هو والذين صدقوه وهم القليل الذين لم يشربوا إلا مقدار الغرفة، { قالوا }؛ أي قال الذين شربوا وخالفوا أمر الله وكانوا أهل شرك ونفاق: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }؛ وانصرفوا عن طالوت ولم يشهدوا قتال جالوت. قال بعض المفسرين: إن القوم كلهم جاوزوا النهر، ثم إن الذين خالفوا في الشرب من النهر اعتزلوا من المطيعين و { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }.
قوله تعالى: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله }؛ معناه: قال الذين يوقنون ويعلمون أنهم ملاقو الله؛ وهم القليل الذين ثبتوا مع طالوت، { كم من فئة قليلة } أي كم من فرقة قليلة قهرت فرقة عدتها كثيرة بأمر الله ونصرته، وكانت فئة جالوت مائة ألف. والفئة جمع لا واحد له من لفظه.
قوله تعالى: { والله مع الصابرين }؛ أي معهم بالنصر والمعونة.
البقرة 2:250
قوله تعالى: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا }؛ معناها: لما خرجوا واصطفوا لمحاربة جالوت وجنوده، قالوا: ربنا أصبب علينا الصبر صبا، { وثبت أقدامنا }؛ في أماكنها في الحرب بتقوية قلوبنا، { وانصرنا على القوم الكافرين }؛ أي أعنا على قوم جالوت بإلقاء الرعب في قلوبهم، { فهزموهم بإذن الله }؛ في هذا الحال؛ لأن ذكر الهزيمة بعد سؤال النصر يدل على إجابة الدعاء، كأن الله تعالى قال: فاستجاب الله دعاءهم فهزموهم.
قوله تعالى: { وقتل داود جالوت }؛ قال المفسرون: لما عبر طالوت ومن معه النهر، كان من جملة من عبر معهم أبو داود عليه السلام واسمه إيشا في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغرهم، ثم إن جالوت أرسل إلى طالوت: أن أرسل إلي من يقابلني، فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته في ملككم. فشق ذلك على طالوت ونادى في عسكره: من قتل منك جالوت زوجته ابنتي وأعطيته نصف مملكتي، فلم يجب أحد منهم وهاب الناس جالوت، فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله، فدعا الله تعالى، فأتى بقرن فيه دهن فقيل له: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم، فلم يوافق ذلك منهم أحد، فأوحى الله إلى نبيهم أن في أولاد إيشا من يقتل جالوت، فدعا طالوت إيشا وقال له: اعرض علي أولادك، فأخرج له اثنا عشر رجلا أمثال الاسطوانات، وفيهم رجل فارع عليهم، فجعل يعرضهم على القرن، فلم ير شيئا، فلم يزل يردد القرن على ذلك الجسيم حتى أوحى إليه أنا لا نأخذ الرجال على قدر صورهم، بل على إصلاح قلوبهم، فقل لإيشا: هل لك ولد غيرهم؟ فقال: لا، فقال: رب إنه زعم أنه لا ولد له غيرهم، فقال: كذب. فقال له: إن ربك كذبك، فقال: صدق الله، إن لي ابنا صغيرا يقال له داود استحيت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته، فجعلته في الغنم يرعى وهو في شعب كذا، وكان داود عليه السلام قصيرا مشقا أزرقا، فخرج طالوت في طلبه، فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها الغنم، فوجده يحمل شاتين يجوز بهما السيل ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم. فدعاه فوضع القرن على رأسه؛ ففاض، قال: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك بابنتي وأعطيك نصف مملكتي، قال: نعم، قال له: فهل جربت نفسك في شيء، قال: نعم؛ وقع الذئب في غنمي فضربته ثم أخذت برأسه وجسده وقطعت رأسه من جسده، فقال له طالوت: إن الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غيره، قال: نعم؛ دخل الأسد في غنمي؛ فضربته وأخذت بلحييه فشققتهما.
فمضى به طالوت إلى عسكره، فمر داود بثلاثة أحجار فقلن له: خذنا معك ففينا ميتة جالوت، فأخذهن ثم مضى. فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة، انتدب إليه داود، فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا، فقال داود: إني لم أتعود القتال بهذا، ولكني أقاتله بالمقلاعة كما أريد، فأخذ داود المقلاعة ومضى نحو جالوت.
وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم، وكان له بيضة هي ثلاثمائة رطل من حديد، فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه الرعب، وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام، قال: برزت إلي بالمقلاعة والحجر لتقتلني كما تقتل الكلب، قال: نعم، لأنك شر من الكلب. قال جالوت: لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطيور السماء. فقال داود: بل يقسم الله لحمك، ثم قال داود: باسم إله إبراهيم، وأخرج حجرا ووضعه في مقلاعته، ثم أخرج الحجر الثاني وقال: باسم إله إسحق؛ ووضعه في مقلاعته، ثم أخرج الحجر الثالث، وقال: باسم إله يعقوب؛ ووضعه في مقلاعته، فصارت كلها حجرا واحدا ودور المقلاع ورمى به، فأصاب الحجر أنف البيضة وخلط دماغه وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلا، وهزم الله الجيش وخر جالوت قتيلا.
فأخذه داود وجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ثم قال له: أنجزني ما وعدتني وأعطني امرأتي، فقال له طالوت: أتريد ابنة الملك بغير صداق، قال: ما شرطت علي صداقا، وليس لي شيء. فزوجه ابنته، وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه فقال له وزير: إن دفعت إليه ذلك نازعك في الملك وأفسد عليك ملكك، فامتنع طالوت من ذلك وقصد قتله، فهرب داود عليه السلام فندم طالوت فخرج في طلبه حتى أتى على امرأة من قدماء بني إسرائيل وهو يبكي على داود، فضرب بابها؛ فقالت: من هذا؟ قال: أنا طالوت، قالت: أنت أشقى الناس؛ طردت داود وقد قتل جالوت وهزم جنوده، قال: إنما أتيتك لأسألك ما توبتي؟ قالت: توبتك أن تأتي مدينة كذا وتقاتل أهلها، فإن فتحتها فهي توبتك، وإن قتلت فهي عقوبتك.
فانطلق طالوت إلى تلك المدينة فقاتل أهلها حتى قتل. فاجمع بنو إسرائيل فملكوا داود عليه السلام من بعده. فذلك قوله تعالى: { وآتاه الله الملك والحكمة }؛ أي جمع له بين الملك والنبوة. والحكمة هي النبوة، ولم يجتمع كلاهما لأحد إلا لداود وسليمان عليهم السلام. قوله عز وجل: { وعلمه مما يشآء }؛ أي علمه الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من العلوم، { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }؛ أي ولولا دفع الله بأس المشركين بالغزاة والمجاهدين كما دفع بداود شر جالوت لفسدت الأرض بأهلها لغلبة الكفار. وقيل: معناه: لولا الأنبياء صلوات الله عليهم الداعون إلى سبيله الناهون عن الفساد؛ لفسدت أحوال الناس.
روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" يقول الله تعالى: لولا رجال ركع؛ وصبيان رضع وبهائم رتع؛ لصب عليكم العذاب صبا "
وقال الحسن: (يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن، ولولا السلاطين والأمراء المسلطون على العيارين والدعارة لخرجوا على أهل الصلاح فاستولوا عليهم).
قوله تعالى: { ولولا دفع الله } من قرأ (دفاع) فهو من قولهم: دافع مدافعة ودفاعا؛ والدفع: الصرف. { ولكن الله ذو فضل على العالمين }؛ ذو من عليهم يدفع المفسدين عن المصلحين.
البقرة 2:251
قوله تعالى: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا }؛ معناها: لما خرجوا واصطفوا لمحاربة جالوت وجنوده، قالوا: ربنا أصبب علينا الصبر صبا، { وثبت أقدامنا }؛ في أماكنها في الحرب بتقوية قلوبنا، { وانصرنا على القوم الكافرين }؛ أي أعنا على قوم جالوت بإلقاء الرعب في قلوبهم، { فهزموهم بإذن الله }؛ في هذا الحال؛ لأن ذكر الهزيمة بعد سؤال النصر يدل على إجابة الدعاء، كأن الله تعالى قال: فاستجاب الله دعاءهم فهزموهم.
قوله تعالى: { وقتل داود جالوت }؛ قال المفسرون: لما عبر طالوت ومن معه النهر، كان من جملة من عبر معهم أبو داود عليه السلام واسمه إيشا في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغرهم، ثم إن جالوت أرسل إلى طالوت: أن أرسل إلي من يقابلني، فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته في ملككم. فشق ذلك على طالوت ونادى في عسكره: من قتل منك جالوت زوجته ابنتي وأعطيته نصف مملكتي، فلم يجب أحد منهم وهاب الناس جالوت، فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله، فدعا الله تعالى، فأتى بقرن فيه دهن فقيل له: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم، فلم يوافق ذلك منهم أحد، فأوحى الله إلى نبيهم أن في أولاد إيشا من يقتل جالوت، فدعا طالوت إيشا وقال له: اعرض علي أولادك، فأخرج له اثنا عشر رجلا أمثال الاسطوانات، وفيهم رجل فارع عليهم، فجعل يعرضهم على القرن، فلم ير شيئا، فلم يزل يردد القرن على ذلك الجسيم حتى أوحى إليه أنا لا نأخذ الرجال على قدر صورهم، بل على إصلاح قلوبهم، فقل لإيشا: هل لك ولد غيرهم؟ فقال: لا، فقال: رب إنه زعم أنه لا ولد له غيرهم، فقال: كذب. فقال له: إن ربك كذبك، فقال: صدق الله، إن لي ابنا صغيرا يقال له داود استحيت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته، فجعلته في الغنم يرعى وهو في شعب كذا، وكان داود عليه السلام قصيرا مشقا أزرقا، فخرج طالوت في طلبه، فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها الغنم، فوجده يحمل شاتين يجوز بهما السيل ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم. فدعاه فوضع القرن على رأسه؛ ففاض، قال: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك بابنتي وأعطيك نصف مملكتي، قال: نعم، قال له: فهل جربت نفسك في شيء، قال: نعم؛ وقع الذئب في غنمي فضربته ثم أخذت برأسه وجسده وقطعت رأسه من جسده، فقال له طالوت: إن الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غيره، قال: نعم؛ دخل الأسد في غنمي؛ فضربته وأخذت بلحييه فشققتهما.
فمضى به طالوت إلى عسكره، فمر داود بثلاثة أحجار فقلن له: خذنا معك ففينا ميتة جالوت، فأخذهن ثم مضى. فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة، انتدب إليه داود، فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا، فقال داود: إني لم أتعود القتال بهذا، ولكني أقاتله بالمقلاعة كما أريد، فأخذ داود المقلاعة ومضى نحو جالوت.
وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم، وكان له بيضة هي ثلاثمائة رطل من حديد، فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه الرعب، وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام، قال: برزت إلي بالمقلاعة والحجر لتقتلني كما تقتل الكلب، قال: نعم، لأنك شر من الكلب. قال جالوت: لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطيور السماء. فقال داود: بل يقسم الله لحمك، ثم قال داود: باسم إله إبراهيم، وأخرج حجرا ووضعه في مقلاعته، ثم أخرج الحجر الثاني وقال: باسم إله إسحق؛ ووضعه في مقلاعته، ثم أخرج الحجر الثالث، وقال: باسم إله يعقوب؛ ووضعه في مقلاعته، فصارت كلها حجرا واحدا ودور المقلاع ورمى به، فأصاب الحجر أنف البيضة وخلط دماغه وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلا، وهزم الله الجيش وخر جالوت قتيلا.
فأخذه داود وجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ثم قال له: أنجزني ما وعدتني وأعطني امرأتي، فقال له طالوت: أتريد ابنة الملك بغير صداق، قال: ما شرطت علي صداقا، وليس لي شيء. فزوجه ابنته، وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه فقال له وزير: إن دفعت إليه ذلك نازعك في الملك وأفسد عليك ملكك، فامتنع طالوت من ذلك وقصد قتله، فهرب داود عليه السلام فندم طالوت فخرج في طلبه حتى أتى على امرأة من قدماء بني إسرائيل وهو يبكي على داود، فضرب بابها؛ فقالت: من هذا؟ قال: أنا طالوت، قالت: أنت أشقى الناس؛ طردت داود وقد قتل جالوت وهزم جنوده، قال: إنما أتيتك لأسألك ما توبتي؟ قالت: توبتك أن تأتي مدينة كذا وتقاتل أهلها، فإن فتحتها فهي توبتك، وإن قتلت فهي عقوبتك.
فانطلق طالوت إلى تلك المدينة فقاتل أهلها حتى قتل. فاجمع بنو إسرائيل فملكوا داود عليه السلام من بعده. فذلك قوله تعالى: { وآتاه الله الملك والحكمة }؛ أي جمع له بين الملك والنبوة. والحكمة هي النبوة، ولم يجتمع كلاهما لأحد إلا لداود وسليمان عليهم السلام. قوله عز وجل: { وعلمه مما يشآء }؛ أي علمه الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من العلوم، { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }؛ أي ولولا دفع الله بأس المشركين بالغزاة والمجاهدين كما دفع بداود شر جالوت لفسدت الأرض بأهلها لغلبة الكفار. وقيل: معناه: لولا الأنبياء صلوات الله عليهم الداعون إلى سبيله الناهون عن الفساد؛ لفسدت أحوال الناس.
روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" يقول الله تعالى: لولا رجال ركع؛ وصبيان رضع وبهائم رتع؛ لصب عليكم العذاب صبا "
وقال الحسن: (يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن، ولولا السلاطين والأمراء المسلطون على العيارين والدعارة لخرجوا على أهل الصلاح فاستولوا عليهم).
قوله تعالى: { ولولا دفع الله } من قرأ (دفاع) فهو من قولهم: دافع مدافعة ودفاعا؛ والدفع: الصرف. { ولكن الله ذو فضل على العالمين }؛ ذو من عليهم يدفع المفسدين عن المصلحين.
البقرة 2:252
قوله عز وجل: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق }؛ أي القرآن بما فيه من الأخبار الماضية آيات الله بتنزيل جبريل عليه السلام بها عليك لبيان الحق من الباطل، { وإنك لمن المرسلين }؛ لأنك أخبرت بهذه الآيات مع أنك لم تشاهدها ولم تخالط أهلها. وقيل في معنى هذه الآيات: إماتة الله الألوف دفعة واحدة وإحياؤهم دفعة واحدة وإعطاؤه الملك طالوت وهو من أهل الحمول الذي لا ينقاد له الناس، ونصر أصحاب طالوت مع قلة عددهم وضعفهم على جالوت وأصحابه مع شوكتهم وكثرتهم دلاله على قدرته وعلى نبوة أنبيائه صلوات الله عليهم. وقوله تعالى: { وإنك لمن المرسلين } لأنك قد أعطيت من الآيات مثل ما أعطي الأنبياء صلوات الله عليهم وزيادة.
البقرة 2:253
قوله عز وجل: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات }؛ معناه: إن الذي نزلنا عليك خبرهم في القرآن هم الرسل لم يكونوا في الفضل متساوين، ولكن { فضلنا بعضهم على بعض } في الدنيا والعقبى. ثم فسر فضيلة كل واحد منهم فقال: { منهم من كلم الله } وهو موسى عليه السلام كلمه الله من غير سفير، { ورفع بعضهم } فوق بعض { درجات }؛ أي اتخذ الله إبراهيم خليلا، وسخر لسليمان الريح والجن والشياطين وعلمه منطق الطير. وقال مجاهد: (وأراد بهذه الآية فضيلة محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء صلوات الله عليهم كما قال تعالى:
ورفعنا لك ذكرك
[الشرح: 4]. وقيل: هو إدريس كما قال تعالى:
ورفعناه مكانا عليا
[مريم: 57].
قوله تعالى: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس }؛ أي أعطيناه الدلالات على إثبات نبوته من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإنباء بما غاب عنه، { وأيدناه بروح القدس } أي قويناه وأعناه بجبريل الطاهر حين أرادوا قتله حتى رفعه الله إلى السماء. وقال الحسن: (الروح جبريل، والقدس هو الله تعالى؛ فيصير تقدير الآية: وقويناه بروح الله تعالى). وعن ابن عباس أنه قال: (القدس اسم الله الأعظم الذي كان به عيسى عليه السلام يحيي الموتى).
قوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر }؛ أي لو شاء الله لم يقتتل الذين من بعد الرسل من بعد ما وضحت لهم الحجج والدلائل كما قال تعالى:
ولو شآء الله لجمعهم على الهدى
[الأنعام: 35]. وقيل: معناه: ولو شاء الله لأنزل آية تضطرهم إلى الإيمان وتمنعهم عن الكفر كما قال تعالى:
إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 4].
وقوله تعالى: { ولكن اختلفوا } أي شاء اختلافهم فاختلفوا. ويقال: لم يلجئهم إلى الإيمان؛ لأن التكليف لا يحسن مع الضرورة، والجزاء لا يحسن إلا مع التلجئة. قوله تعالى: { ومنهم من كفر } أي بالكتب والرسل.
قوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد }؛ أي ولو شاء الله لم يقتتلوا مع اختلافهم بأن يأمر المؤمنين بالكف عن القتال، وبأن يلجئهم جميعا إلى ترك القتال، { ولكن الله يفعل ما يريد } من تقدير الاتفاق والاختلاف وغير ذلك من ما توجبه الحكمة.
البقرة 2:254
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقنكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة }؛ حث على الانفاق في الجهاد في سبيل الله. وقيل: هو الأمر بالزكاة المفروضة. وقوله تعالى: { من قبل أن يأتي يوم } يعني يوم القيامة { لا بيع فيه } أي ليس فيه فداء { ولا خلة } أي ليس فيه خلة لغير المؤمنين. وأما المؤمنون فتكون لهم خلة كما قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. قوله تعالى: { ولا شفاعة } أي لغير المؤمنين، وأما المؤمنون فيشفع بعضهم لبعض ويشفع لهم الأنبياء والرسل عليهم السلام.
قوله تعالى: { والكفرون هم الظلمون }؛ أي هم الذين ظلموا أنفسهم حتى لا خلة لهم ولا شفاعة. وكان عطاء يقول: (الحمد لله الذي لم يقل: والظالمون هم الكافرون؛ لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرا).
البقرة 2:255
قوله عز وجل: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }؛ ذكر وحدانية الله تعالى وصفته؛ ليعلم أن من كان بهذه الصفة لا يخفى عليه كفر من كفر ومعصية من عصى؛ فيجازي كل عابد على ما عمل. فأول هذه الآية نفي معبود الكفار وإثبات معبود المؤمنين؛ وإثبات الشيء مع نفي غيره أبلغ في الإثبات، كأنه قال: { الله لا إله إلا هو } دون غيره، وهو المعبود لا معبود للخلق سواه.
ومعنى { الحي القيوم } الدائم الذي لا يموت موصوف بالبقاء على الأبد، وبه حيى كل حي. وأما القيوم فهو القائم بتدبير الخلق في شأنهم وأرزاقهم وأعمالهم وآجالهم ومجازاتهم على عملهم، وقيل: معنى القيوم العالم بالأمور من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب؛ أي يحسنه ويعلم ما فيه. وقيل: معنى { الحي القيوم } الدائم الذي لا يزول.
قوله عز وجل: { لا تأخذه سنة ولا نوم }؛ أي لا يأخذه نعاس ولا نوم. والنعاس: اسم لأول ما يدخل في الرأس من النوم قبل وصوله إلى القلب. والنوم هو الذي يصل إلى القلب فيستثقل. ومعنى الآية: لا يغفل عن تدبير الخلق، فإن قيل: ما معنى نفي النوم بعد نفي النعاس؟ قلنا: مثل هذا اللفظ إنما يكون لنفي قليل النوم وكثيره، ونظيره قول العرب: فلان لا يملك قليلا ولا كثيرا.
قوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض }؛ أي هو مالك السموات والأرض وما فيهما، كلهم عبيده وإماؤه وتحت قبضته وقدرته.
قوله تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه }؛ هذا جواب عن قول المشركين في أصنامهم:
هؤلاء شفعاؤنا عند الله
[يونس: 18] و
ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى
[الزمر: 3]؛ أي لا يشفع أحد لأحد عند الله إلا بأمره ورضائه، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض بالدعاء، وكما يشفع الأنبياء للمؤمنين.
قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }؛ أي { يعلم ما بين أيديهم } من أمر الآخرة، { وما خلفهم } من أمر الدنيا. قال مجاهد: على العكس من هذا. وقيل: يعلم الغيب الذي تقدمهم والذي يكون بعدهم.
قوله تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء }؛ أي لا يعلمون الغيب لا مما تقدمهم ولا مما يكون بعدهم إلا بما شاء الله أن يعلموه، وهو ما أنبأ به الأنبياء صلوات الله عليهم.
قوله تعالى: { وسع كرسيه السموت والأرض }؛ قال ابن عباس: (كرسيه: علمه)، فلا يخفى عليه شيء مما في السماوات والأرض. وقيل: وسعت قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض. وقال الحسن: (الكرسي: هو العرش)، ويقال: هو سرير دون العرش، ويقال: هو مكان خلق الله فيه السموات والأرض. وقال عطاء والكلبي ومقاتل: (السماوات السبع والأرضون السبع تحت الكرسي في الصغر كحلقة في فلاة)
وقال الكلبي: (يحمل العرش أربعة أملاك، لكل ملك أربعة أوجه؛ وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه أسد، ووجه نسر.
أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرضين بمسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء).
قوله عز وجل: { ولا يؤوده حفظهما }؛ أي لا يثقله ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض، وقوله تعالى: { وهو العلي العظيم }؛ أي العلي عن الأشباه والأمثال وصفات المحدثين، عظيم الشأن والسلطان والبرهان.
روى محمد بن الحنفية قال: (لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في دار الدنيا؛ وخر كل ملك في الدنيا على وجهه؛ وسقطت التيجان عن رؤوسهم، وهربت الشياطين وضرب بعضهم على بعض حتى اجتمعوا إلى إبليس فأخبروه بذلك، فأمرهم أن يبحثوا؛ فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي نزلت).
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة؛ أعطاه الله قلوب الشاكرين وأعمال الصديقين وثواب النبيين، وبسط على يمينه بالرحمة، ولم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت فيدخلها، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه أمنه الله وجاره وجار جاره والدويرات حوله ".
البقرة 2:256
قوله عز وجل: { لا إكراه في الدين }؛ الآية، اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال؛ قال السدي والضحاك: (إن هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين، كما قال تعالى:
ادفع بالتي هي أحسن
[فصلت: 34]، وكان القتال غير مباح في أول الإسلام إلى أن قامت عليهم الحجة الصحيحة بصحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما عاندوا بعد البيان أمر الله المسلمين بقتالهم لقوله تعالى:
فاقتلوا المشركين
[التوبة: 5] وغير ذلك من آيات القتال).
وقال الحسن وقتادة: (إن هذه الآية خاصة في أهل الكتاب أن لا يكرهوا على الإسلام بعد أن يؤدوا الجزية، وأما مشركو العرب فلا يقرون بالجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف).
والقول الثالث: أن معناه: من دخل في الإسلام بمحاربة المسلمين ثم رضي بعد الحرب فليس بمكره؛ أي لا يقولوا لهم: إنما أسلمتم كرها؛ فلا إسلام لكم. ومعنى الآية: { لا إكراه } في الإسلام؛ أي لا تكرهوا على الإسلام، { قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله }؛ أي قد وضح الطريق المستقيم من الطريق الذي ليس بمستقيم بما أعطاه الله أنبيائه من المعجزات، فلا تكرهوا على { الدين }. ودخول الألف واللام في (الدين) لتعريف المعهود.
قوله تعالى: { فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها }؛ أي فمن يكفر بما أمر الله أن يكفر به، ويصدق بالله وبما أمر به، فقد عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا تحله حجة من الحجج لا انقطاع لها بالشبهة والشكوك. قوله تعالى: { والله سميع عليم }؛ أي سميع لما يعقده الإنسان في أمر الدين، عالم بنيته في ذلك.
والغي: نقيض الرشد. والطاغوت: مأخوذ من الطغيان، والطاغوت اسم للأصنام والشياطين وكل ما يعبد من دون الله تعالى.
البقرة 2:257
قوله عز وجل: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور }؛ معناه: الله ولي المؤمنين في نصرهم وإظهارهم وهدايتهم في إقامة الحجة في دينهم، ومتولي خزانتهم على حسن عملهم، يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الهدى.
وقوله تعالى: { والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }؛ معناه: والذين جحدوا توحيد الله أولياؤهم الذين يتولونهم الطاغوت.
ومعنى: { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ، ولم يكن لهم نور؛ قيل: أراد به اليهود والنصارى الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام؛ خرجوا من التوحيد الذي كانوا فيه إلى الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.
البقرة 2:258
وقوله عز وجل: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك }؛ أي ألم تعلم يا محمد بالذي جادل إبراهيم في ربه؛ أي هل رأيت كالذي { حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك } أي بأن أعطاه الله الملك وأعجب بملكه وسلطانه وهو نمرود بن كنعان أول من تجبر في الأرض بادعاء الربوبية فخاصم إبراهيم في توحيده. وقيل: إن الهاء في قوله { آتاه } راجعة إلى إبراهيم عليه السلام، و { الملك } هو النبوة ووجوب طاعته على الناس.
قوله تعالى: { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت }؛ وذلك أن نمرود قال لإبراهيم: من ربك؟ قال: { إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } عند انقضاء الأجل. ف { قال }؛ نمرود: { أنا أحيي وأميت } قال إبراهيم: ائتني ببيان ذلك؟ فأتى برجلين من سجنه وجب عليهما القتل؛ فقتل أحدهما وترك الآخر. فقال: هذا قد أحييته، وهذا قد أمته. { قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر }؛ أي تحير وانقطع بما ظهر عليه من الحجة، { والله لا يهدي القوم الظالمين }؛ أي لا يرشد المشركين إلى دينه وحجته.
فإن قيل: لم لم يثبت إبراهيم على الحجة الأولى؛ والانتقال من الحجة إلى حجة أخرى في المناظرة غير محمود؟ قيل: عنه أجوبة:
أحدها: أن إبراهيم كان داعيا ولم يكن مناظرا، فمى كان يراه أقرب إلى الهداية أخذ به.
والثاني: أنه روي أنه قال لنمرود: إنك أمت الحي ولم تحيي الميت، والانتقال بعد الإلزام محمود.
والثالث: أن نمرود كان عالما أن ما ذكره ليس بمعارضة وكان من حوله من أصحابه يوقنون بكذبه في قوله: { أنا أحيي وأميت } لكن أراد التمويه على أغمار قومه كما قال فرعون للسحرة حين آمنوا: أن هذا المكر مكرتموه في المدينة، كذلك فعل نمرود بقوله: { أنا أحيي وأميت }. فترك إبراهيم إطالة الكلام، وعدل إلى حجة مسكتة لا يمكنه التمويه فيها.
فإن قيل: فهلا قال نمرود لإبراهيم: إن مجيء الشمس هو العادة؟ فقل لربك حتى يأتي بها من المغرب! قيل: علم لما رأى من المعجزات التي ظهرت أنه لو سأله ذلك لأتى به. فكان يزداد فضيحة عند الناس. وقيل: خذله عن هذا القول، فلم يوفق للسؤال.
قوله تعالى: { فبهت الذي كفر } البهت في اللغة: هي مواجهة الرجل بالكذب عليه؛ يقال: بهت يبهت بهتانا، وباهت يباهت مباهتة. وفي الحديث:
" إن اليهود قوم بهت "
أي كذبة. والبهت الحيرة عند انقطاع الحجة أيضا. وفيه لغات: بهت وبهت وبهت، وأجودها بهت بضم الباء.
البقرة 2:259
قوله عز وجل: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها }؛ عطف هذه الآية على معنى الكلام الأول لا على اللفظ، كأنه قال: أرأيت كالذي
حآج إبراهيم في ربه
[البقررة: 258] { أو كالذي مر على قرية }.
قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في عزير بن شريحيا، وكان من علماء بني إسرائيل، سباه بختنصر من بيت المقدس إلى أرض بابل حين سلطه الله عليه فخرب بيت المقدس، فخرج عزير في أرض بابل ذات يوم على حمار، فمر بدير هرقل على شاطئ دجلة، فطاف بالقرية فلم ير بها ساكنا وعامة شجرها حامل، فجعل يتعجب من خراب القرية وموت أهلها وكثرة حملها وهي ساقطة على سقوفها. وذلك أن السقف يقع قبل الحيطان، ثم تقع الحيطان عليه، فأخذ شيئا من التين والعنب، وعصر العنب فشرب منه، ثم جعل فضل التين في سلة وفضل العنب في الأخرى وفضل العصير في الزق، ثم نظر إلى القرية ف { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها }؛ أي كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها وموت أهلها!؟
لم يكن هذا القول منه إنكارا للبعث، لكن أحب أن يرى كيف يحيي الله الموتى فيزداد بصيرة في إيمانه، فنام في ذلك الدير؛ { فأماته الله } في منامه؛ { مئة عام }؛ وأعمى عنه السباع والطير، ثم أحياه فنودي: يا عزير: { كم لبثت }؟ وكان أميت في صدر النهار، { ثم بعثه }؛ بعد مائة سنة في آخر النهار، فظن أن مقدار لبثه يوم، { قال كم لبثت }؟ ف { قال لبثت يوما } ، فلما نظر إلى الشمس قد بقي منها شيء، فقال: { أو بعض يوم }؛ فنودي؟. { قال بل لبثت مئة عام }؛ ميتا، { فانظر إلى طعامك } ، من التين والعنب، { وشرابك } ، العصير، { لم يتسنه }؛ أي لم يتغير طعمها بعد مائة عام ولم تغيرها السنون؛ فنظر فإذا بالعنب والتين كما شاهده وبالعصير طريا.
ثم قيل له: { وانظر إلى حمارك }؛ فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح قد تفرقت أوصاله، فسمع صوتا: (أيتها العظام البالية إني جاعل فيكن روحا فاجتمعن) فارتهشت العظام وسعى بعضها إلى بعض، قال: فرأيت الصلب يسعى كل فقرة منها إلى صاحبتها، ثم رأيت الوركين يسعيان إلى مكانهما؛ والساقين إلى مكانهما؛ والعطفين إلى مكانهما، ثم رأيت كل الأضلاع يسعى كل واحد منهم إلى فقرته، ثم رأيت الكعبين سعيا إلى مكانهما؛ والذراعين إلى مكانهما، ثم رأيت العنق يسعى كل فقرة منه إلى صاحبتها، ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم رأيت العصب والعروق واللحم ألقي عليه، ثم بسط عليه الجلد، ثم دري عليه الشعر، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق. فخر عزير ساجدا لله تعالى؛ وقال عند ذلك: { أعلم أن الله على كل شيء قدير }.
قال ذلك حين تبين له من كمال القدرة البلاء في حماره؛ والموت في نفسه؛ والبقاء في العنب والعصير اللذين هما من أسرع الأشياء فسادا أو تغيرا، ثم مشاهدة البعث بعد الموت.
قال ابن عباس: (وبعث وهو شاب ابن أربعين سنة على السن الذي أميت عليها، وكان ابنه في ذلك الوقت ابن عشرين سنة، فصار لابنه مائة وعشرون سنة، ولعزير أربعين سنة على السن التي أميت عليها، فذلك قوله تعالى: { ولنجعلك آية للناس }؛ ثم إنه رجع إلى بني إسرائيل وهو يقرأ التوراة كلها عن ظهر قلبه، فأملاها عليهم لم يخرم منها حرفا واحدا، وكانت التوراة قد ذهبت عنهم، فجاءهم رجل من بني إسرائيل فانتسب لهم فعرفوه، قال: أخبرني جدي أنه قال: دفنت التوراة يوم سبينا في خابئة كرمي، فأروه كرم جده فأخرج التوراة فعارضوها بما أملاها عزير فما اختلافا في حرف واحد، فتعجبوا من كثرة علمه وحداثة سنه، فقال بعضهم: عزير ابن الله).
وقال الحسن وقتادة والربيع: (إن القرية المذكورة في هذه الآية هي بيت المقدس بعدما خربه بختنصر). وكان وهب بن منبه يقول: (كان المار بهذه القرية أرميا النبي عليه السلام).
وقيل: معنى { خاوية } أي خالية لا أنيس فيها، يقال: خوت الدار إذا خلت، وخوي البطن إذا جاع. وسمي السقف عرشا لارتفاعه عن أرضه، ويسمى السرير عرشا لارتفاعه عن الأرض.
قوله تعالى: { وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } ، { ننشزها } من قرأ بالراء المهملة فمعناه يحيها من النشر؛ يقال: أنشره الله إذا أحياه، ومنه قوله تعالى:
ثم إذا شآء أنشره
[عبس: 22]. ومن قرأ (ننشزها) بالزاء المعجمة فمعناه يرفعها ويعلي بعضها على بعض من النشز وهو المكان المرتفع، ومنه نشوز المرأة على زوجها: ترفعها عن طاعته.
قوله تعالى: { فلما تبين له قال أعلم أن الله }؛ من قرأ (أعلم) بقطع الألف؛ أي قال عزير: علمت مشاهدة ما كنت أعلمه غيبا. ومن قرأ (أعلم) بالوصل فمعناه قال لنفسه: { أعلم أن الله } { على كل شيء قدير }.
البقرة 2:260
قوله عز وجل: { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي }؛ تقدير الآية: ألم تر إذ قال إبراهيم؛ ويقال: واذكر إذ قال إبراهيم. قال ابن عباس: ((سبب هذه القصة: أن إبراهيم عليه السلام مر بجيفة على ساحل البحر، تنقض عليها طيور السماء فتأخذ منها بأفواهها فتأكله، ويسقط من أفواهها في البحر فيأكل منه الحيتان، وتجيء السباع فتأخذ منه عضوا. فوقف متعجبا!! وقال: { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن } أي أولم تصدق بأني أحيي الموتى؟ { قال بلى } عرفت، ولكن أحببت أن أعلم كيف تحيي هذه النفس التي أرى بعضها في بطون السباع؛ وبعضها في بطون الحيتان؛ وبعضها في حواصل الطير. فذلك قوله تعالى: { ولكن ليطمئن قلبي } ). وقيل: معنى { ولكن ليطمئن قلبي } أي ليسكن قلبي أنك أعطيتني ما سألتك. وقيل: إنك اتخذتني خليلا.
{ قال }؛ الله تعالى: { فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا }؛ وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما مر بالجيفة وقد توزعتها الطيور والسباع والحيتان، تعجب وقال: يا رب قد علمت بأنك تجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وبطون الحيتان، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فأزداد يقينا؟ قال الله تعالى له: { أولم تؤمن قال بلى } يا رب آمنت وليس الخبر كالمعاينة والمشاهدة.
وقال ابن زيد: (مر إبراهيم عليه السلام بحوت ميت نصفه في البحر ونصفه في البر، فما كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله، فقال إبليس لعنة الله عليه: يا إبراهيم، متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟! فقال: { رب أرني كيف تحيي الموتى * قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } بذهاب وسوسة الشيطان ويصير الشيطان خاسئا صاغرا).
وروي أن نمرود قال لإبراهيم: أنت تزعم أن ربك يحيي الموتى وتدعوني إلى عبادته، فقل له يحيي الموتى إن كان قادرا، وإلا أقتلك. فقال إبراهيم: { رب أرني كيف تحي الموتى * قال أولم تؤمن } بأني أحييهم، ف { قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } بقوة حجتي ونجاتي من القتل، فإن عدو الله توعدني بالقتل إن لم تحيي له ميتا.
وقال ابن عباس وابن جبير والسدي: (لما اتخذ الله إبراهيم خليلا، سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له، فأتى إلى إبراهيم وقال: يا إبراهيم، جئت أبشرك بأن الله اتخذك خليلا، فحمد الله تعالى؛ وقال: ما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك. ثم انطلق ملك الموت، فقال إبراهيم: { رب أرني كيف تحيي الموتى * قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } أي ليعلم أنك تجيبني إذا دعوتك.
وتعطيني إذا سألتك وإنك اتخذتني خليلا).
روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يرحم الله إبراهيم عليه السلام نحن أحق بالشك منه "
يعني إنما شك إبراهيم أيجيبه ربه إلى ما سأل أم لا؟
قوله تعالى: { فخذ أربعة من الطير } مختلفة أجناسها وطباعها ليكون أبلغ في القدرة، وخص الطير من سائر الحيوان لخاصية الطيران. واختلفوا في تلك الأربعة من الطيور؛ فقال ابن عباس: (أخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا). وقال مجاهد وابن جريج: (أخذ غرابا وديكا وطاووسا وحمامة). وعن أبي هريرة: (أنه أخذ الطاووس والديك والغرنوق والحمامة). وقال عطاء: (أخذ قطاة خضرا وغرابا أسودا وحمامة بيضاء وديكا أحمر).
قوله تعالى: { فصرهن إليك } قرأ علي رضي الله عنه وأبو الأسود والحسن وعكرمة والأعرج وشيبة ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم والكسائي وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: (فصرهن) بضم الصاد، معناه: أملهن إليك. يقال: صرت الشيء أصوره؛ أي أملته. ويقال: رجل أصور إذا كان مائل العنق. ويقال: إني إليكم لأصور؛ أي لمائل مشتاق، وامرأة صوراء أي مشتاقة مائلة. قال الشاعر:
الله يعلم أنا في تلفتنا
يوم الفراق إلى جيراننا صور
وقال عطاء والمورج وعطية: (معنى { فصرهن } أي اجمعهن واضممهن إليك). يقال: صار يصور صورا إذا جمع. قال أبو عبيد وابن الأنباري: (معنى { فصرهن } أي قطعهن ومزقهن، يقال: صار يصير صيرا إذا قطع؛ وانصار الشيء ينصار انصيارا إذا انقطع). وأنشد بعضهم بيتا في اللغز:
وغلام رأيته صار كلبا
ثم في ساعتين صار غزالا
أي قطع.
وقرأ علقمة وسعيد بن جبير وقتادة ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف: (فصرهن) بكسر الصاد، معناه قطعهن. قال أبو العباس السراج: (هما لغتان للعرب). وعن ابن عباس روايتان؛ إحداهما: (فصرهن) مفتوحة الصاد مشددة الراء مكسورة من التصرية وهي الجمع ومنه المصراة. والأخرى: (فصرهن) بضم الصاد وفتح الراء والتشديد من الصر وهي في معنى الجمع.
فمن تأوله على القطع والتمزيق ففيه تقديم وتأخير، تقديره: فخذ أربعة من الطير إليك، فصرهن. ومن تأوله على الضم والإمالة؛ ففيه إضمار معناه: فصرهن إليك ثم قطعهن، فحذفه واكتفى بقوله: { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } لأنه يدل عليه، وهذا كما قال: خذ هذا الثوب واجعل منه على كل رمح علما.
قوله تعالى: { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } لفظه عام ومعناه خاص؛ لأن { أربعة من الطير } لا تبلغ الجبال كلها، ولا كان إبراهيم يصل إلى ذلك، وهذا كقوله تعالى:
وأوتيت من كل شيء
[النمل: 23] وقوله:
تدمر كل شيء
[الأحقاف: 25]. وقوله: { جزءا } قرئ برفع الزاء مثقل بالهمزة مخففا وهي لغات.
وقال المفسرون: أمر الله إبراهيم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض، ففعل إبراهيم ذلك، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال.
واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، فقال ابن عباس وقتادة والربيع: (أمر أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ثم يعمد إلى أربعة أجبل، فيجعل على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يدعوهن: تعالين بإذن الله). وهذا مثل ضربه الله لإبراهيم وأراه إياه، يقول: كما بعثت الطيور من هذه الجبال الأربعة يبعث الناس يوم القيامة من بقاع الأرض ونواحيها.
وقال ابن جريج والسدي: (جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبال، وأمسك رؤوسهن عنده ثم دعاهن: تعالين بإذن الله، فجعل الريش كل ريشة تطير إلى الأخرى، وكل قطرة من الدم تطير إلى الأخرى، وكل عظم يطير إلى الآخر، وكل قطعة تطير إلى الأخرى، وإبراهيم ينظر حتى التقت كل جثة بعضها إلى بعض حتى سواهن الله تعالى. ثم جئن يسعين على أرجلهن بغير رؤوس، فعلق عليهن إبراهيم رؤوسهن).
واختلفوا في معنى السعي؛ قال بعضهم: هو الإسراع في المشي. وقال بعضهم: مشيا على أرجلهن. والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبلغ في الحجة وأبعد من الشبهة؛ لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطيور، أو أن أرجلها غير سليمة.
قال أبو الحسن الأقطع: (صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لكل آية ظهر وبطن "
فظاهر هذه الآية ما ذكره المفسرون، وباطنها أن إبراهيم أمر بذبح أربعة أشياء في نفسه بسكين اليأس كما ذبح في الظاهر الأربعة الطيور بسكين الحديد، فالنسر مثل لطول العمر والأمل؛ والطاووس زينة الدنيا وبهجتها، والغراب الحرص؛ والديك الشهوة).
قوله تعالى: { واعلم أن الله عزيز حكيم }؛ أي غالب على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريد؛ { حكيم } فيما يريد لا يفعل إلا ما فيه حكمة، قال بعضهم: كانت هذه القصة قبل أن يولد لإبراهيم ولد؛ وقبل أن تنزل عليه الصحف، وكان يومئذ ابن خمس وتسعين سنة.
البقرة 2:261
قوله عز وجل: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة }؛ وجه اتصال هذه الآية بما قبلها آية أخرى فيما تقدم ذكر النفقة في الجهاد بقوله تعالى:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
[البقرة: 245]، ثم ذكر ما كان من مسألة قوم أشمويل من الله أن يبعث له ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكانت الغلبة لهم مع قلة عددهم، ثم عقبه الله تعالى بذكر أمور تدل على واحدانيته، فبين أن الكفر بعد هذه الآيات أعظم وأشنع، فمن كفر بعد هذا فقاتلوه وأنفقوا في القتال، فإن النفقة في القتال تكون بسبعمائة.
وعن ابن عباس: (نزلت هذه الآية والتي بعدها في شأن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهما. أما عثمان فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال: علي جهاز من لا جهاز له، وأشتري بئر رومة وأجعلها سبيلا للمسلمين. وأما عبدالرحمن فكان له ثمانية آلاف، فجاء بأربعة آلاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ثمانية آلاف؛ أمسكت نصفها لنفسي ولعيالي؛ وأقرضت نصفها لربي وهي هذه. فقال صلى الله عليه وسلم:
" بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت "
وأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضت منه).
ومعنى الآية: صفة { الذين ينفقون أموالهم في } طاعة الله كصفة { حبة } ألقيت في الأرض وأخرجت { سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة } أي كما تكون الحبة واحدة والمكتسب منها سبعمائة، فكذلك النفقة تكون واحدة والمكتسب بها سبعمائة ضعف.
قوله تعالى: { والله يضاعف لمن يشآء }؛ أي كما يضاعف الله في زرع الزراع الحادث من البذر الجيد في الأرض العامرة، كذلك يضاعف للمرء الصالح ثواب صدقته بالمال الطيب إذا وضعه في موضعه. يضاعف لمن يشاء من السبع إلى السبعين إلى سبعمائة إلى مائة ألف إلى ما شاء الله من الأضعاف مما لا يعلمه إلا هو.
قوله تعالى: { والله واسع عليم }؛ أي غني بتلك الأضعاف { عليم } بمن ينفق. وقيل: معناه: { والله واسع } الفضل، جواد لا ينقصه ما يتفضل به من السعة والمضاعفة؛ { عليم } بمن يستحق الزيادة.
والفائدة في تخصيص السبع في الآية ما قالوا: إن السبع أشرف الأعداد كما روي عن ابن عباس أنه قال: (كادت الأشياء تكون كلها سبعا؛ فإن السماوات سبع؛ والأرضون سبع؛ والكواكب السيارة سبع؛ والبحار سبعة؛ وأيام الأسبوع سبعة؛ وسجود العبد على سبعة أعضاء).
وأجمع أهل التفسير إلا السدي: أن العدة المضاعفة بسبعمائة مختصة بالإنفاق في الجهاد؛ وأما غير ذلك من الطاعات؛ فالحسنة بعشر أمثالها كما قال الله تعالى:
من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها
[الأنعام: 160].
البقرة 2:262
قوله عز وجل: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى }؛ نزلت في شأن النفقة التي يستحق بها الثواب المضاعف؛ معناه: { الذين ينفقون أموالهم في } طاعة الله { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا } على السائل نحو أن يقول للسائل إذا وقع بينه وبينه خصومة: أعطيتك كذا، وأحسنت إليك، وما أشبهه مما يبغض على السائل. وأصله من القطع؛ يقال: مننت الشيء إذا قطعته؛ ومنه قوله تعالى:
فلهم أجر غير ممنون
[التين: 6] أي غير مقطوع، ويقال: جبل منين؛ أي مقطوع. وقيل: أصل المنة النعمة، يقال: من (يمن) إذا أعطى وأنعم، قال الله تعالى:
هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك
[ص: 39] أي أعط أو أمسك.
وقال الكلبي: (نزلت هذه الآية في عثمان وعبدالرحمن بن عوف، أما عثمان رضي الله عنه فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحمالها).
" وروي أن عثمان جاء بألف مثقال في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يدخل يده فيها ويقلبها ويقول: " ما يضر عثمان ماذا عمل بعد اليوم ". وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان ويقول: " يا رب، عثمان رضيت عنه فارض عنه " فما زال يدعو رافعا يديه حتى طلع الفجر "
، فأنزل الله هذه الآية. وأما عبدالرحمن بن عوف فقد ذكرنا صدقته.
قوله تعالى: { ولا أذى } أي لا يؤذي السائل؛ لا يعيره ولا يزجره؛ نحو أن يقول: أنت أبدا في فقر وما أبلانا بك، وأراحنا الله منك، وأعطيناك فما شكرت، وما أشبه ذلك. قال صلى الله عليه وسلم:
" المان بما يعطي لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم "
فحظر الله المن بالصنيعة على عباده واختص به صفة لنفسه؛ لأنه من العبد تعيير وتكدير؛ ومن الله تعالى إفضال وتذكير. قال بعضهم:
أفسدت بالمن ما قدمت من حسن
ليس الكريم إذا أعطى بمنان
قوله تعالى: { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }؛ أي { لا خوف عليهم } فيما يستقبلهم من أهوال يوم القيامة، { ولا هم يحزنون } على ما خلفوا في الدنيا.
البقرة 2:263
قوله تعالى: { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى }؛ أي كلام حسن ورد جميل على السائل ولطف به ودعاء له بالسعة؛ وتجاوز عن مظلمة؛ وعدة حسنة { خير } عند الله { من صدقة يتبعهآ أذى } لأن الصدقة إذا أتبعها الآذى ذهب المال والثواب جميعا. وقال الضحاك: (معنى الآية: قول في إصلاح ذات البين).
قوله: { ومغفرة }؛ قال ابن جرير: (ومعنى { ومغفرة } أي ستر منه عليه لما علم من خلته وفاقته). وقيل: يتجاوز عن السائل إذا استطال عليه عند رده؛ علم الله أن الفقير إذا رد بغير شيء شق عليه ذلك، فربما دعاه ذلك إلى بذاءة اللسان وإظهار الشكوى، وعلم ما يلحق المانع منه فحثه على العفو والصفح.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها، ثم ردوها عليه بوقار ولين وببذل يسير أو رد جميل، فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظر كيف صنعكم فيما خولكم الله من النعم ".
قوله عز وجل: { والله غني حليم }؛ أي { غني } عن صدقات العباد، { حليم } إذا لم يعجل بالعقوبة على الذي " من " بصدقته. روى بشر بن الحارث؛ قال: رأيت عليا رضي الله عنه في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تقول شيئا لعل الله ينفع به؟ فقال لي: ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله عز وجل، وأحسن منه صبر الفقراء عن الأغنياء ثقة بالله عز وجل.
البقرة 2:264
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر }؛ أي تبطلوا صدقاتكم بذلك كإبطال من ينفق ماله مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقال: إنه سخي كريم صالح، يعني بذلك المنافق الذي ينفق ماله لا رغبة في الثواب ولا رهبة من العقاب، بل خوفا من الناس ورياء لهم أنه مؤمن. { فمثله }؛ أي مثل نفقة هذا المنافق المرائي؛ { كمثل صفوان }؛ أي كحجر أملس؛ { عليه تراب فأصابه وابل }؛ أي مطر كثير شديد الوقع فذهب بالتراب الذي كان " على " الحجر، وبقي الحجر يابسا لا شيء عليه.
قوله تعالى: { فتركه صلدا }؛ أي حجرا صلبا أملسا لا يبقى عليه شيء، وهو من الأرض ما لا ينبت، ومن الرؤوس ما لا شعر عليه. قال رؤبة:
...........................
براق أصلاد الجبين الأجله
وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن بصدقته ويؤذي؛ يعني أن الناس يرون أن لهؤلاء أعمالا كما ترى التراب على هذا الصفوان، وإذا كان يوم القيامة اضمحل وبطل؛ لأنه لم يكن لله كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، { فتركه صلدا } لا شيء عليه.
قوله تعالى: { لا يقدرون على شيء مما كسبوا }؛ أي لا يقدر المان بنفقته والمؤذي والمنافق على ثواب شيء مما أنفقوا، كما لا يقدر أحد من الخلق على التراب الذي كان على الحجر الأملس بعدما أذهبه المطر الشديد.
قوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الكافرين }؛ أي لا يهديهم حتى يخلصوا أعمالهم. وقيل: لا يهديهم بالمثوبة لهم كما يهدي المؤمنين.
وأصل الوابل من الوبيل وهو الشديد كما قال تعالى:
أخذا وبيلا
[المزمل: 16]. ويقال: وبلت السماء تبل؛ إذا اشتد مطرها. والصلد: الحجر الأملس الصلب، ويسمى البخيل صلدا تشبيها له بالحجر في أنه لا يخرج منه شيء. ويقال للأرض التي لا تنبت شيئا: صلدا، وصلد الزند صلودا إذ لم يور نارا.
وفي الآية دلالة على أن الصدقة وسائر القرب إذا لم تكن خالصة لله تعالى لا يتعلق بها الثواب، ويكون فاعلها كمن لا يفعل؛ ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز الاسئتجار على الحج وسائر الأفعال التي من شرطها أن تفعل على وجه القربة؛ لأن أخذ الأجرة عليها يخرجها من أن تكون قربة.
ثم ضرب جل ذكره لنفقة المخلصين المثيبين مثلا آخر أعلى من المثل الأول فقال: { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين }؛ أي صفة الذين ينفقون أموالهم لطلب رضا الله تصديقا وحقيقة. قال الشعبي والكلبي والضحاك: { يعني تصديقا من أنفسهم، يخرجون الزكاة طيبة بها نفوسهم).
وقال السدي وأبو صالح وأبو روق: (معناه ويقينا من أنفسهم؛ أي على يقين بإخلاف الله عليهم). وقال قتادة: (معناه: واحتسابا، وقيل: ثقة بالله). وقال مجاهد: (معناه: يتثبتون). قال الحسن: (كان الرجل إذا هم بصدقة ثبت؛ فإن كان لله أمضاه، وإن خالطه شك أمسك). وقال ابن كيسان: (معناه: إخلاصا وتوطنا لأنفسهم على طاعة الله). وقال سعيد بن جبير: (وتحقيقا في دينهم).
قوله: { كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين } أي كصفة بستان بمكان مرتفع أصابها مطر كثير شديد، فآتت ثمرتها ضعفين في الحمل. قال عطاء: (حملت في سنة ما يحمل غيرها في سنتين). وقال عكرمة: (حملت في السنة مرتين). قال الفراء: (إذا كان في البستان نخل فهو جنة، وإذا كان فيه كرم فهو فردوس).
وقرأ مجاهد: (كمثل حبة) بالحاء والباء، وقرأ السلمي والعطاردي والحسن وعاصم وابن عامر: (بربوة) بفتح الراء هنا وفي سورة المؤمنين وهي لغة بني تميم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: (بربوة) بضم الراء فيهما، واختاره أبو عبيدة لأنها أكثر اللغات وأشهرها. وقرأ ابن عباس وأبو إسحاق: (بربوة) بكسر الراء. وقرأ أشهب العقيلي: (برباوة) بالألف وكسر الراء. وهن جميعا للمكان المرتفع المستوي، والمطر على الروابي أشد ونبتها أحسن، وإنما سميت ربوة لأنها ربت وعلت فغلظت، من قوله ربى الشيء يربو إذا عظم.
قوله تعالى: { أكلها }. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف، وقرأ الباقون بضم الكاف. والأكل هو الثمر وهو اسم لما يؤكل.
قوله تعالى: { فإن لم يصبها وابل فطل }؛ أي فطل، والطل أضعف المطر مثل الرذاذ وهو المطر الدائم الصغار القطر لا يكاد يسيل منه الميازيب، كذلك المنفق لوجه الله إن كانت نفقته كثيرة فثوابها كثير؛ وإن كانت قليلة شيئا بعد شيء فبعددها.
وقال السدي: (الطل هو الندى). وروي عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: { فإن لم يصبها وابل فطل } قال: (هي أرض مصر إن لم يصبها مطر زكت أي أنبتت، وإن أصابها مطر أضعفت أي آتت ضعف ذلك). وهذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن المخلص، يقول: كما أن هذه الجنة تصلح في كل حال ولا تخلف ولا تخيب صاحبها، سواء أقل المطر أم كثر، كذلك يضاعف الله ثواب صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي؛ سواء أقلت صدقته أو كثرت ولا يخيب بحاله، { والله بما تعملون بصير }؛ أي بصير بما يعملونه من الرياء والإخلاص؛ يجزيكم على قدر نياتكم.
البقرة 2:265
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر }؛ أي تبطلوا صدقاتكم بذلك كإبطال من ينفق ماله مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقال: إنه سخي كريم صالح، يعني بذلك المنافق الذي ينفق ماله لا رغبة في الثواب ولا رهبة من العقاب، بل خوفا من الناس ورياء لهم أنه مؤمن. { فمثله }؛ أي مثل نفقة هذا المنافق المرائي؛ { كمثل صفوان }؛ أي كحجر أملس؛ { عليه تراب فأصابه وابل }؛ أي مطر كثير شديد الوقع فذهب بالتراب الذي كان " على " الحجر، وبقي الحجر يابسا لا شيء عليه.
قوله تعالى: { فتركه صلدا }؛ أي حجرا صلبا أملسا لا يبقى عليه شيء، وهو من الأرض ما لا ينبت، ومن الرؤوس ما لا شعر عليه. قال رؤبة:
...........................
براق أصلاد الجبين الأجله
وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن بصدقته ويؤذي؛ يعني أن الناس يرون أن لهؤلاء أعمالا كما ترى التراب على هذا الصفوان، وإذا كان يوم القيامة اضمحل وبطل؛ لأنه لم يكن لله كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، { فتركه صلدا } لا شيء عليه.
قوله تعالى: { لا يقدرون على شيء مما كسبوا }؛ أي لا يقدر المان بنفقته والمؤذي والمنافق على ثواب شيء مما أنفقوا، كما لا يقدر أحد من الخلق على التراب الذي كان على الحجر الأملس بعدما أذهبه المطر الشديد.
قوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الكافرين }؛ أي لا يهديهم حتى يخلصوا أعمالهم. وقيل: لا يهديهم بالمثوبة لهم كما يهدي المؤمنين.
وأصل الوابل من الوبيل وهو الشديد كما قال تعالى:
أخذا وبيلا
[المزمل: 16]. ويقال: وبلت السماء تبل؛ إذا اشتد مطرها. والصلد: الحجر الأملس الصلب، ويسمى البخيل صلدا تشبيها له بالحجر في أنه لا يخرج منه شيء. ويقال للأرض التي لا تنبت شيئا: صلدا، وصلد الزند صلودا إذ لم يور نارا.
وفي الآية دلالة على أن الصدقة وسائر القرب إذا لم تكن خالصة لله تعالى لا يتعلق بها الثواب، ويكون فاعلها كمن لا يفعل؛ ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز الاسئتجار على الحج وسائر الأفعال التي من شرطها أن تفعل على وجه القربة؛ لأن أخذ الأجرة عليها يخرجها من أن تكون قربة.
ثم ضرب جل ذكره لنفقة المخلصين المثيبين مثلا آخر أعلى من المثل الأول فقال: { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين }؛ أي صفة الذين ينفقون أموالهم لطلب رضا الله تصديقا وحقيقة. قال الشعبي والكلبي والضحاك: { يعني تصديقا من أنفسهم، يخرجون الزكاة طيبة بها نفوسهم).
وقال السدي وأبو صالح وأبو روق: (معناه ويقينا من أنفسهم؛ أي على يقين بإخلاف الله عليهم). وقال قتادة: (معناه: واحتسابا، وقيل: ثقة بالله). وقال مجاهد: (معناه: يتثبتون). قال الحسن: (كان الرجل إذا هم بصدقة ثبت؛ فإن كان لله أمضاه، وإن خالطه شك أمسك). وقال ابن كيسان: (معناه: إخلاصا وتوطنا لأنفسهم على طاعة الله). وقال سعيد بن جبير: (وتحقيقا في دينهم).
قوله: { كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين } أي كصفة بستان بمكان مرتفع أصابها مطر كثير شديد، فآتت ثمرتها ضعفين في الحمل. قال عطاء: (حملت في سنة ما يحمل غيرها في سنتين). وقال عكرمة: (حملت في السنة مرتين). قال الفراء: (إذا كان في البستان نخل فهو جنة، وإذا كان فيه كرم فهو فردوس).
وقرأ مجاهد: (كمثل حبة) بالحاء والباء، وقرأ السلمي والعطاردي والحسن وعاصم وابن عامر: (بربوة) بفتح الراء هنا وفي سورة المؤمنين وهي لغة بني تميم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: (بربوة) بضم الراء فيهما، واختاره أبو عبيدة لأنها أكثر اللغات وأشهرها. وقرأ ابن عباس وأبو إسحاق: (بربوة) بكسر الراء. وقرأ أشهب العقيلي: (برباوة) بالألف وكسر الراء. وهن جميعا للمكان المرتفع المستوي، والمطر على الروابي أشد ونبتها أحسن، وإنما سميت ربوة لأنها ربت وعلت فغلظت، من قوله ربى الشيء يربو إذا عظم.
قوله تعالى: { أكلها }. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف، وقرأ الباقون بضم الكاف. والأكل هو الثمر وهو اسم لما يؤكل.
قوله تعالى: { فإن لم يصبها وابل فطل }؛ أي فطل، والطل أضعف المطر مثل الرذاذ وهو المطر الدائم الصغار القطر لا يكاد يسيل منه الميازيب، كذلك المنفق لوجه الله إن كانت نفقته كثيرة فثوابها كثير؛ وإن كانت قليلة شيئا بعد شيء فبعددها.
وقال السدي: (الطل هو الندى). وروي عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: { فإن لم يصبها وابل فطل } قال: (هي أرض مصر إن لم يصبها مطر زكت أي أنبتت، وإن أصابها مطر أضعفت أي آتت ضعف ذلك). وهذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن المخلص، يقول: كما أن هذه الجنة تصلح في كل حال ولا تخلف ولا تخيب صاحبها، سواء أقل المطر أم كثر، كذلك يضاعف الله ثواب صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي؛ سواء أقلت صدقته أو كثرت ولا يخيب بحاله، { والله بما تعملون بصير }؛ أي بصير بما يعملونه من الرياء والإخلاص؛ يجزيكم على قدر نياتكم.
البقرة 2:266
قوله عز وجل: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفآء }؛ الآية؛ هذا استفهام في الظاهر يقتضي في الحقيقة تقديرا: أي لا يود أحدكم كقوله تعالى:
أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا
[الحجرات: 12]. ومعنى الآية: يتمنى أحدكم أن يكون له بستان من نخيل وكرم؛ تجري من تحت شجرها ومساكنها وغرفها الأنهار، له في الجنة من ألوان الثمار كلها، وأصابه الهرم والضعف وله أولاد ضعاف عجزة عن الحيلة، { فأصابهآ إعصار } ، يعني تلك الجنة. والإعصار: ريح عاصف تهب به من الأرض بالشدة كالعمود إلى نحو السماء، وتسميها العرب الزوبعة، وسميت إعصارا لأنها تعلو كثوب عصر.
قوله تعالى: { فيه نار فاحترقت }؛ أي الجنة. وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي، تقول عمل هذا المرائي في حسنه كحسن الجنة ينتفع بها كما ينتفع صاحب الجنة، فإذا كبر وضعف فصار له أولاد صغار ضعاف، أصاب جنته إعصار فيه نار، فاحترقت عندما هو أحوج إليها وضعف عن إصلاحها لكبره وضعف أولاده عن أصلاحها لصغرهم؛ وعجزه وعجزهم من أن يغرسوا مثلها، لا يرد عليه شبابه وقوته ليغرس، فيحزن ويغتم ويهلك أسفا وتحسرا على ذلك، فلا هو يجد شيئا يعيشه ولا مع أولاده شيء يعودون به عليه، فبقي هو وأولاده فقراء عجزة متحيرين لا يقدرون على حيلة، فكذلك يبطل الله صدقة هذا المرائي والمنافق والمان بصدقته؛ حيث لا يسمع مستغيث لهما ولا توبة ولا إقالة، يحرم أجرها عند أفقر ما يكون إليها، ويرى في القيامة أعماله هباء منثورا، ولا يؤذن له في الرجوع إلى الدنيا ليتصدق وليكون من الصالحين.
قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } أي كهذا البيان الذي بين الله لكم فيما تقدم؛ ويبين لكم الدلالات والعلامات لكي تتفكروا فتعتبروا.
فإن قيل: قوله تعالى: { أيود أحدكم } فعل مستقبل، وقوله: { وأصابه الكبر } فعل ماض، فكيف عطف الماضي على المستقبل؟ والجواب من وجهين:
أحدهما: أن (قد) ها هنا مقدرة؛ المعنى وقد أصابه الكبر، فيكون للحال كما قال في آية أخرى:
وإن كان قميصه قد
[يوسف: 27] أي قد قد.
والثاني: أن (يود) يقتضي أن يكون في خبره (لو) كما في قوله:
يود أحدهم لو يعمر
[البقرة: 96] وقوله:
ودوا لو تكفرون
[النساء: 89] ويقتضي أن يكون في أخبره (إن) كما في هذه الآية و(لو) للماضي، و(أن) للمستقبل. ثم قد تستعمل (لو) مكان (إن)؛ و(إن) مكان (لو) يقام أحدهما مقام الآخر، ويقول الإنسان: أنا أتمنى لو كان لي ولد، ويقول: أتمنى إن كان لي ولد. وإذا كان معنى التمني قد يقع على الماضي صح عطف الماضي عليه.
البقرة 2:267
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض }؛ أي أنفقوا من خيار ما كسبتم، وخياره نظيره قوله تعالى:
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون
[آل عمران: 92]. وقال ابن مسعود ومجاهد: (من حلال ما كسبتم من الأموال) دليله:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51] وقال عليه السلام:
" إن الله طيب لا يحب إلا الطيب، لا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدق به فيقبل منه؛ ولا ينفق فيبارك له فيه، ولا يتركه خلفه إلا كان زاده إلى النار، وإن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، وإن الخبيث لا يمحو الخبيث ".
وقوله تعالى: { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } أي من أعشار الحبوب والثمار.
قوله تعالى: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه }؛ أي لا تعمدوا إلى الرديء من أموالكم منه تتصدقون، ولستم بقابضيه وقابليه { إلا أن تغمضوا فيه } ، يقول: لو كان لبعضكم على بعض حق فجاء بدون حقه، لم يأخذ منه إلا أن يتغامض له عن بعض حقه ويتسامح عن عيب فيه، فكيف تعطونه في الصدقة.
وقد روي في سبب نزول هذه الآية
" أن النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على الصدقة وقال: " إن لله في أموالكم حقا ". فكان يأتي أهل الصدقة بصدقاتهم فيضعونها في المسجد، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فجاء رجل ذات يوم بعدما تفرق عامة أهل المسجد بعذق من حشف فوضعه في الصدقة، فلما أبصره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بئس ما صنع صاحب الحشف " فأمر به فعلق، فجعل كل من يراه يقول: بئس ما صنع صاحب الحشف "
، فأنزل الله هذه الآية.
وقال بعضهم: معنى: { ولا تيمموا الخبيث } أي لا تتصدقوا بالحرام. فيكون معنى { إلا أن تغمضوا فيه } على هذا التأويل: إلا أن تترخصوا في تناوله إن كان حراما. والإغماض: ترك النظر، يقال في المثل: أغمض في هذا وغمض؛ أي لا تستقص وكن كأنك لم تبصر.
قوله تعالى: { واعلموا أن الله غني حميد }؛ أي { غني } عن صدقاتكم محمود في أفعاله، ولم يأمركم بالصدقة عن عوض ولكن بلاكم بما أمركم، فهو مستحق للحمد على ذلك وعلى جميع أمره.
وفي الآية إباحة الكسب وإخبار أن فيه ما هو طيب، قال صلى الله عليه وسلم:
" والخير عشرة أجزاء أفضلها التجارة إذا أخذ الحق وأعطى الحق "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" تسعة أعشار الرزق في التجارة، ولا يفتقر من التجار إلا تاجر حلاف "
" سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي كسب الرزق أفضل؟ قال: " عمل الرجل بيديه، وكل بيع مبرور "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" يا معشر التجار، إن هذا البيع يحضره اللغو والكذب، فشوبوه بالصدقة ".
البقرة 2:268
قوله عز وجل: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء }؛ أي الشيطان يعدكم بالفقر فحذف الباء كقول الشاعر:
أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به
فقد تركت ذا مال وذا نشب
ويقال: وعدته خيرا؛ ووعدته شرا، وقال الله تعالى في الخير:
وعدكم الله مغانم كثيرة
[الفتح: 20] وقال في الشر:
النار وعدها الله الذين كفروا
[الحج: 72] وإذا لم تذكر الخير والشر؛ قلت في الخير: وعدته؛ وفي الشر: أوعدته. قال الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدته
لمخلف ميعادي ومنجز موعدي
ومعنى: { يعدكم الفقر } أي يخوفكم الفقر بالنفقة في وجوه البر وإنفاق الجيد من المال، وقوله تعالى: { ويأمركم بالفحشآء } أي بالبخل ومنع الزكاة، وزعم الكلبي أن كل فحشاء في القرآن فهو زنا إلا في هذه الآية، وإنما سمي منع الزكاة فحشاء؛ لأن العرب تسمي البخيل فاحشا؛ والبخل فحشاء. والفقر: سوء الحال وقلة ذات اليد، وفيه لغتان: الفقر والفقر، كالضعف والضعف.
قوله تعالى: { والله يعدكم مغفرة منه وفضلا }؛ أي { مغفرة } لذنوبكم بالإنفاق من خيار الأموال، { وفضلا } أي خلفا في الدنيا والآخرة، { والله واسع عليم }؛ يوسع الرزق والخلف والمثوبة، ويعلم حيث ينبغي أن تكون السعة، قال ابن عباس وابن مسعود: (ثنتان من الله وثنتان من الشيطان؛ فمن الله المغفرة والفضل، ومن الشيطان الفقر والفحشاء). ووعد الشيطان وساوس وتخيل؛ أي يخيل إليك أنك إن أمسكت مالك استغنيت، وإن تصدقت به افتقرت.
البقرة 2:269
قوله تعالى: { يؤتي الحكمة من يشآء }؛ اختلفوا في تفسير الحكمة؛ قال ابن مسعود: (هي القرآن). وقال ابن عباس وقتادة: (علم ناسخ القرآن ومنسوخه؛ ومحكمه ومتشابهه؛ ومقدمه ومؤخره؛ وحلاله وحرامه؛ وأمثاله؛ وغيره). وقال السدي: (هي النبوة). وقال أبو العالية: (هي الفقه). وقال مجاهد وإبراهيم: (هي الإصابة والفهم). وقال الربيع: (هي خشية الله تعالى). وقال سهل بن عبدالله: (هي السنة). وقيل: هي سرعة الجواب مع إصابة الصواب، والله أعلم.
وقوله تعالى: { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا }؛ أي من يعط العلم فقد أعطي خيرا كثيرا يصل به إلى رحمة الله تعالى. قال بعض الحكماء: سمى الله العلم خيرا كثيرا، والدنيا متاعا قليلا، فينبغي لمن أوتي العلم أن يعرف قدر نفسه ولا يتواضع لأصحاب الدنيا لدنياهم. وقال الحسن: (ومن يؤت الحكمة؛ يعني الورع في دين الله).
قرأ الربيع: (تؤتي الحكمة ومن يؤت الحكمة) بالتاء، وقرأ يعقوب: (ومن يؤت الحكمة) بكسر التاء، أراد ومن يؤته الله؛ فحذف الهاء.
قوله تعالى: { وما يذكر إلا أولوا الألباب }؛ وما يتعظ إلا ذوو العقول؛ واللب من العقل ما صفي عن دواعي الهوى، وسمي العقل لبا لأنه أنفس ما في الإنسان كما أن لب الثمرة أنفس ما فيها.
البقرة 2:270
قوله عز وجل: { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه }؛ أي ما تصدقتم به من صدقة أو أوجبتموه على أنفسكم من فعل بر مثل صلاة أو صدقة أو صوم، فإن الله لا يخفى عليه ذلك ويقبله ويجازي عليه.
ويقال: معنى { فإن الله يعلمه } أي يحفظه، وإنما قال: { يعلمه } ولم يقل يعلمها؛ لأنه رده إلى الآخر منهما كقوله تعالى:
ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا
[النساء: 112]. وإن شئت حملته على (ما) التي قبله كقوله تعالى:
ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به
[البقرة: 231] ولم يقل: بهما.
قوله تعالى: { وما للظالمين من أنصار }؛ أي وما للواضعين النفقة والنذر في غير موضعهما بالرياء والمعصية ونحوهما (من) أعوان يدفعون عنهم العذاب. والأنصار: جمع نصير مثل جنيب وأجناب وشريف وأشراف.
البقرة 2:271
قوله عز وجل: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي }؛ وذلك أنهم قالوا: يا رسول الله، من أفضل؛ صدقة السر أو صدقة العلانية؟ فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: إن تظهروا الصدقات وتعلنوها؛ فنعما الشيء صدقة العلانية.
وأصل { فنعما هي }: فنعما ما هي؛ فوصلت وأدغمت. وكان الحسن يقرأ: (فنعما ما هي) مفصولة عن الأصل؛ أي نعمت الخصلة. و(ما) في موضع الرفع و(هي) في محل النصب كما يقول: نعما الرجل رجلا، فإذا عرفت رفعت وقلت: نعم الرجل زيد.
وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة وعاصم وأبو عمرو بكسر النون وجزم العين، ومثله في سورة النساء، واختاره أبو عبيدة وذلك أنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعمرو بن العاص:
" نعم المال الصالح للرجل الصالح ".
وقرأ ابن عامر ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون وكسر العين. وقرأ طلحة وابن كثير وورش وحفص ويعقوب وأيوب بكسر النون والعين. وهي لغات صحيحة.
قوله عز وجل: { وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم }؛ أي وإن تسروها وتعطوها الفقراء سرا فهو خير لكم وأفضل من العلانية، وكلاهما مقبول منكم إذا كانت النية صادقة، ولكن صدقة السر أفضل، قال صلى الله عليه وسلم:
" صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين بابا من البلاء ".
وقال صلى الله عليه وسلم:
" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمسجد، ورجلان تحابا في الله؛ فاجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال؛ فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ".
قال أهل المعاني: هذه الآية في صدقة التطوع، ولإجماع العلماء أن الزكاة المفروضة إعلانها أفضل كالصلاة المفروضة في الجماعة أفضل من إفرادها، وكذلك سائر الفرائض؛ لمعنيين؛ أحدهما: ليقتدي به الناس، والثاني: لزوال التهمة؛ لئلا يسيء به الناس الظن، ولا رياء في الفرض.
وأما النوافل والفضائل فإخفاؤها أفضل لبعدها عن الرياء، يدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي جعفر في قوله تعالى: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } قال: (يعني الزكاة المفروضة وقوله تعالى: { وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء } يعني التطوع). وعن ابن عباس أنه قال: (جعل الله صدقة التطوع في السر تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وصدقة الفريضة تفضل علانيتها سرها بخمس وعشرين ضعفا). وقال صلى الله عليه وسلم:
" المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة، والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة "
وذهب الحسن وقتادة إلى أن الإخفاء في كل صدقة أفضل؛ مفروضة كانت أم تطوعا.
قوله عز وجل: { ويكفر عنكم من سيئاتكم }؛ قرأ ابن عباس وعكرمة: (وتكفر) بالتاء؛ يعني الصدقات. وقرأ الحسن وابن عامر وحفص: (ويكفر) بالياء والرفع على معنى ويكفر الله. وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو بالنون ورفع الراء على الاستئناف؛ أي ونحن نكفر. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع والأعمش وحمزة والكسائي بالنون والجزم عطفا على موضع الفاء التي في قوله: { فهو خير لكم } لأن موضعها جزم بالجزاء.
وقوله تعالى: { من سيئاتكم } أدخل (من) للتبعيض؛ ليكون العباد فيها على وجل فلا يتكلوا. وقال نحاة البصرة: معناه الإسقاط؛ ويكفر عنكم سيئاتكم.
قوله عز وجل: { والله بما تعملون خبير }؛ أي بما تعملون من الصدقة عالم يجزيكم به.
البقرة 2:272
قوله عز وجل: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء }؛ قال ابن عباس والكلبي: (اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء، وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فجاءتها أمها قتيلة وجدها أبو قحافة يسألونها الصلة والعطية، فقالت: لا أعطيكم شيئا حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنكم لستم على دين؛ فاستأذنته في ذلك، فنزلت هذه الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق عليهما). وقال محمد بن الحنفية: (كان يكبر على المسلمين التصدق على اليهود والنصارى، فأمروا بذلك في غير فريضة).
ومعنى الآية: ليس عليك يا محمد تحصيل الهدى لهم بأن تمنعهم من الصدقة لتحملهم على الإيمان، ولكن الله يثبت ويرشد ويوفق للخير من يشاء. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا من أهل الذمة يسأل على أبواب المسلمين، فقال: (ما أنصفناك؛ أخذنا منك الجزية وأنت شاب؛ ثم ضيعناك اليوم) فأمر أن يجزي عليه قوته من بيت المال.
قوله تعالى: { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم }؛ أي ما تنفقوا من مال على بر أو فاجر فلأنفسكم ثوابه ونفعه عائد إليكم، { وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله }؛ أي علم الله أنكم لا تريدون بنفقتكم إلا طلب مرضاة الله وإن كان المتصدق عليه كافرا.
قوله تعالى: { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } أي ما تتصدقوا به من مال يوف إليكم ثوابه في الآخرة، { وأنتم لا تظلمون } أي لا تنقصون شيئا من ثواب أعمالكم وصدقاتكم.
وظاهر الآية يقتضي جواز دفع الصدقات إلى الكفار إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة؛ فقال:
" أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم ".
البقرة 2:273
قوله عز وجل: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف }؛ قيل: معناه: ما أنفقتم من نفقة للفقراء، وقيل: معناه: عليكم بالنفقة للفقراء الذين حبسوا في طاعة الله؛ أي أحصرهم فرض الجهاد فمنعهم من التصرف والسير لطلب المعاش، وهؤلاء أصحاب الصفة حبسوا أنفسهم لطلب العلم؛ وفضل الجمعة؛ وخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نحوا من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن ولا عشائر؛ كانوا معتكفين في المسجد في صفته؛ قالوا: نخرج في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، فحث الله على الصدقة عليهم، فكان الرجل إذا بقي عنده فضل أتاهم به.
وقوله تعالى: { لا يستطيعون ضربا في الأرض } الضرب في اللغة: السير، يعني لا يستطيعون سيرا في الأرض للتجارة وطلب المعيشة، ونظيره قوله تعالى:
وإذا ضربتم في الأرض
[النساء: 101] وقوله تعالى:
وآخرون يضربون في الأرض
[المزمل: 20]. وقال الشاعر:
لحفظ المال أيسر من فنائه
وضرب في البلاد بغير زاد
وقال ابن زيد: (من كثرة ما جاهدوا لا يستطيعون ضربا في الأرض، فصارت الأرض كلها حربا عليهم؛ لا يتوجهون فيها جهة إلا ولهم فيها عدو). وكان السدي يقول: (معنى { أحصروا } أي منعهم الكفار بالخوف منهم؛ فلا يستطيعون تفرقا في الأرض لمنع الكفار إياهم عن ذلك). وقيل: هذا لا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لقال: حصروا، بغير ألف.
وقال سعيد بن جبير: (هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فصاروا زمنا وأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض). فاختار الكسائي هذا القول لأنه يقال: أحصروا من المرض والزمانة عن الضرب في الأرض، ولو أراد الحبس قال: حصروا، وإنما الإحصار من الخوف أو المرض، والحصر: الحبس في غيرهما.
قوله تعالى: { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وابن عامر والأعمش وعاصم وحمزة: (يحسبهم) بفتح السين في جميع القرآن، والباقون بالكسر.
ومعنى الآية: يظنهم الجاهل بأمرهم وشأنهم أغنياء من التعفف عن السؤال؛ لتجملهم باللباس وكفهم عن المسألة. والتعفف يذكر ويراد به ترك المسألة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من استغنى أغناه الله تعالى، ومن استعف أعفه الله ".
قوله تعالى: { تعرفهم بسيماهم }؛ أي تعرفهم أنت يا محمد بعلامة فقرهم ورثاثة حالهم. وقيل: بتخشعهم وتواضعهم. وقيل: بصفرة ألوانهم من الجوع وقيام الليل وصيام النهار. وقيل: بفرحهم واستقامة حالهم عند توارد البلاء عليهم.
قوله تعالى: { لا يسألون الناس إلحافا }؛ قال عطاء: (إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء، وإن كان عنده عشاء لا يسأل غداء). وقال أهل المعاني: { لا يسألون الناس إلحافا } ولا غير إلحاف؛ أي ليس لهم سؤال فيكون إلحافا، والإلحاف: الإلحاح، دليل هذا القول قوله تعالى: { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } أي من القناعة، ولو كانوا يسألون لكان يعرفهم بالسؤال لا بالسيماء.
وإنما يسمى الملح في السؤال ملحفا؛ لأنه يلصق بالمسؤول ويشتمل على وجود الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويكره البؤس والتباؤس، ويحب الحليم المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" " من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة كدوحا أو خموشا أو خدوشا في وجهه " قيل: وما غناؤه؟ قال: " خمسون درهما " ".
قوله تعالى: { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم }؛ أي ما يتصدقوا به من مال، { فإن الله به عليم } يجزيكم به.
البقرة 2:274
قوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }؛ قال ابن عباس ومقاتل: (نزلت هذه الآية في علي رضي الله عنه؛ كانت له أربعة دراهم لم يملك غيرها؛ فتصدق بدرهم ليلا؛ وبدرهم نهارا؛ وبدرهم سرا؛ وبدرهم علانية، فنزلت هذه الآية).
وعن ابن عباس قال: (لما نزل قوله تعالى:
للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله
[البقرة: 273] بعث عبدالرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصفة حتى أغناهم؛ وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في جوف الليل بوسق من التمر - والوسق ستون صاعا فكان أحب الصدقتين إلى الله تعالى صدقة علي رضي الله عنه ونزل فيها قوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } أراد بالليل سرا صدقة علي رضي الله عنه وبالنهار علانية صدقة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه).
وروي أيضا عن ابن عباس في هذه الآية { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار }: يعني في علف الخيل المرتبطة في سبيل الله. وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين تلا هذه الآية؛ فإذا مر بفرس أعجف سكت.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من ارتبط فرسا في سبيل الله وأنفق عليه احتسابا؛ كان شبعه وجوعه وريه وظمؤه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" المنفق في سبيل الله على فرسه كالباسط كفيه بالصرة ".
قوله تعالى: { فلهم أجرهم عند ربهم } قال الأخفش وقطرب: (جعل الخبر بالفاء؛ لأنه في معنى (من)، وجواب (من) بالفاء؛ كأنه قال: من أنفق كذا فله أجره عند ربه). وقوله تعالى: { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } قد تقدم تفسيره.
البقرة 2:275
قوله تعالى: { الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس }؛ معناه: { الذين يأكلون الربوا } في الدنيا { لا يقومون } في الآخرة من قبورهم لعظم بطونهم، { إلا كما يقوم } في الدنيا الذي يضربه ويصيبه { الشيطان من المس } أي من الجنون. روي أنهم يبعثون يوم القيامة وقد انتفخت بطونهم كلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم وهم كالمجانين. قال الحسن: (هذه علامة أكل الربا؛ يعرفون بها يوم القيامة).
قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا }؛ ومعناه: كان الرجل إذا حل ماله بعد الأجل طلبه؛ فيقول المطلوب: زدني في الأجل وأزيدك في مالك. فيفعلان ذلك؛ فإذا قيل لهم: إن هذا ربا؛ قالوا: هما سواء؛ والزيادة في آخر البيع بعد الأجل كالزيادة في أول البيع إذا بعت بالنسيئة سواء. وليس الأمر كما توهموا؛ لأن الزيادة في الثمن في آخر البيع لأجل الإبعاد في الأجل بعدما صار الثمن دينا في الذمة يكون عوضا عن الأجل؛ والاعتياض عن الأجل باطل، وأما الزيادة في الثمن في أصل العقد فتكون مقابلة للبيع، ويجوز بيع المبيع بثمن قليل وثمن كثير.
قوله تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربوا }؛ أي أحل الزيادة في أول البيع وحرم الزيادة في آخره؛ قوله تعالى: { فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله }؛ أي فمن جاءه زجر من ربه ونهي عن الربا فانتهى فله ما مضى من أكله الربا قبل النهي؛ أي لا إثم عليه في ذلك، وأمره فيما بقي من عمره إلى الله؛ إن شاء عصمه وإن شاء لم يعصمه. وقيل: معناه: { فله ما سلف } أي له ما أخذ من الربا قبل التحريم، { وأمره إلى الله } في المستأنف في العفو والتجاوز.
وإنما لم يقل: فمن جاءته موعظة من ربه؛ لأن تأنيث الموعظة ليس بحقيقي، فيجوز تذكيره ويجوز أن ينصرف إلى المعنى، كأنه قال: فمن جاءه وعظ ونهي من ربه عن الربا.
قوله تعالى: { ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } أي من عاد إلى أكل الربا { فأولئك أصحاب النار هم فيها } دائمون إلى ما شاء الله. وقيل: معناه: من عاد بعد النهي إلى قوله إنما البيع مثل الربا؛ فأولئك أهل النار هم فيها مقيمون؛ لأن مستحل الربا كافر لإنكاره آية من كتاب الله تعالى.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" سيأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، وإن لم يأكله أصابه من غباره "
وعن عبدالله بن مسعود قال: (آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده إذا علموا به؛ ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة). وقال صلى الله عليه وسلم:
" الربا بضع وسبعون بابا؛ أدناها كإتيان الرجل أمه ".
والخبط في اللغة هو الضرب على غير استواء؛ يقال: خبط البعير إذا ضرب بيده. والمس: الجنون، يقال: رجل ممسوس؛ أي مجنون.
البقرة 2:276
قوله عز وجل: { يمحق الله الربوا ويربي الصدقت }؛ معناه: يهلك الله الربا ويذهب ببركته. والمحق: نقصان الشيء حالا بعد حال، ويقال: إن الربا ينقص حالا بعد حال إلى أن يتلف كله. قوله: { ويربي الصدقت } أي يقبلها ويعطي خلفها في الدنيا، ويضاعف ثوابه في الآخرة واحدة إلى عشر إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيبة، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره وفصيله حتى أن اللقمة تصير مثل أحد ".
قوله تعالى: { والله لا يحب كل كفار أثيم }؛ أي يبغض كل جاحد تحريم الربا؛ فاجر عاص بأكله واستحلاله. وإنما قال: { كفار } ولم يقل: كافر؛ ليبين أن مستحل الربا مع كونه كافرا كفار للنعمة. والأثيم: المادي في الإثم، والآثم: الفاعل للإثم.
البقرة 2:277
قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }؛ معناه: { إن الذين آمنوا } بالله وكتبه ورسله وتحريم الربا { وعملوا الصلحت } فيما بينهم وبين ربهم، وأتموا الصلوات الخمس، وأعطوا الزكاة المفروضة من أموالهم، فلهم جزاؤهم وثوابهم في الآخرة { عند ربهم ولا خوف عليهم } إذا ذبح الموت { ولا هم يحزنون } إذا أطبقت النار على أهلها.
البقرة 2:278
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في نفر من ثقيف ابن مسعود وحبيب وربيعة وعبد ياليل بني عمرو بن عمير الثقفي، كانت لهم ديون على بني المغيرة؛ وكان بنو المغيرة يربوهم، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة وضع الربا كله، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم من الناس يأخذونه، وما كان عليهم من ربا الناس فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم، فقال صلى الله عليه وسلم:
" أكتب في آخر كتابهم: أن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم "
فلما حل الأجل طلبت ثقيف من بني المغيرة رباهم؛ فقالت بنو المغيرة: ما بالنا نكون أشقى الناس؛ وضع الربا عن الناس كلهم ويؤخذ منا خاصة! فقالت لهم ثقيف: إنا صالحنا على ذلك، فاختصموا إلى أمين مكة وهو عتاب بن أسيد، فلم يدر ماذا يقضي بينهم، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأنزل الله هذه الآية خطابا لثقيف).
ومعناها: { يأيها الذين آمنوا اتقوا } اخشوا الله واتركوا { ما بقي من الربوا } فإنه لم يبق غير رباكم { إن كنتم مؤمنين } أي مصدقين بتحريم الربا فهذا حكمه.
البقرة 2:279
قوله عز وجل: { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله }؛ أي إن لم تقبلوا أمر الله ولم تقروا بتحريم الربا ولم تتركوه، فاعلموا أنكم كفار يحاربكم الله ورسوله؛ أي يعذبكم الله في الآخرة بالنار؛ ويعذبكم رسوله في الدنيا بالسيف. والإذن: الإعلام، ومن قرأ (فأذنوا) أي فأعلموا أصحابكم المتمسكين بمثل ما أنتم عليه: أن من عامل بالربا مستحلا له حاربهم الله ورسوله.
وقيل: معنى الآية: فإن لم تتركوا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر بتركه { فأذنوا بحرب من الله ورسوله }.
ومثل هذا اللفظ لا يوجب الإكفار؛ لأن لفظ محاربة الله ورسوله يطلق على ما دون الكفر كما في آية قطاع الطريق. وهذا الحكم في آية الربا إنما هو مستقيم إذا اجتمع أهل بلدة لهم منعة وقوة على المعاملة بالربا وكانوا محرمين له، فإن الإمام يستتيبهم؛ فإن تابوا وإلا قاتلهم. وأما إذا عامل واحد أو جماعة قليل عددهم معاملة الربا، فإن الإمام يستتيبهم؛ فإن تابوا وإلا زجرهم وحبسهم إلى أن يظهروا توبتهم. وقد روي عن ابن عباس وقتادة والربيع فيمن أربا: (أن الإمام يستتيبه، فإن تاب وإلا قتله). فهذا محمول على أن يفعله مستحلا له؛ لأنه على خلاف بين العلماء أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه.
قوله تعالى: { وإن تبتم فلكم رؤوس أمولكم لا تظلمون ولا تظلمون }؛ أي فإن رجعتم عن استحلال الربا وأقررتم بتحريمه. ويقال: إن تبتم عن معاملة الربا { فلكم رؤوس أمولكم } التي أسلفتموها بني المغيرة، { لا تظلمون } بطلب الزيادة على رأس المال، { ولا تظلمون } بحبس رأس المال عنكم.
قال ابن عباس: (فلما نزلت هاتان الآيتان، كتب بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فقرأهما على ثقيف فقالوا: بلى، نتوب إلى الله فإنه لإيذان لنا بحرب الله ورسوله، ثم طلبوا رؤوس أموالهم من بني المغيرة، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسر وأخرونا إلى أن تدرك الثمار، فأبوا أن يؤخروهم، فنزل قوله عز وجل: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة }؛ أي إن كان المطلوب ذا ضيق وشدة؛ فتأخيره إلى سعة ويسار.
وروي عن ابن عباس وشريح وإبراهيم: (أن الإنظار إنما يجب في الدين، يعني دين الربا خاصة). وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون. وعن أبي هريرة والحسن والضحاك: (أن ذلك واجب في كل دين) وهذا هو الأصح؛ لأن نزول الآية في رأس مال الربا لا يمنع اعتبار سائر الديون بها بالاستدلال والقياس.
وذهب بعض النحويين: إلى أن الرفع في قوله { ذو عسرة } دليل على أنه ابتداء على معنى: وإن وقع ذو عسرة، أو وجد ذو عسرة، ولو كان مختصا هذا بالربا لقال: وإن كان ذا عسرة، بالنصب.
ويحتمل أن يكون تقدير الرفع { وإن كان ذو عسرة } غريما لكم.
ومن قرأ (ميسرة) بضم السين، فهي لغة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظل عرشه يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من أحب أن تستجاب دعوته وتنكشف كربته؛ فلييسر على المعسر "
وعن أبي بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة ".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أدان دينا وهو ينوي أن لا يؤديه فهو سارق "
وعن أبي قتادة:
" أن رجلا أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه؛ فقال: " هل عليه دين؟ " قالوا: نعم، فتأخر وقال: " صلوا على صاحبكم ". قال أبو قتادة: أنا أكفل به، فقال صلى الله عليه وسلم: " بالوفاء؟ " قال: بالوفاء، فصلى عليه وكان عليه ثمانية عشر درهما أو تسعة عشر درهما ".
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما من خطيئة أعظم عند الله عز وجل بعد الكبائر من أن يموت الرجل وعليه أموال الناس دينا في عنقه، لا يوجد لها قضاء ".
قوله عز وجل: { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون }؛ أي وإن تصدقوا من رأس المال فهو أفضل { إن كنتم تعلمون } ثواب من أنظر معسرا أو وضع عنه.
البقرة 2:280
قوله عز وجل: { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله }؛ أي إن لم تقبلوا أمر الله ولم تقروا بتحريم الربا ولم تتركوه، فاعلموا أنكم كفار يحاربكم الله ورسوله؛ أي يعذبكم الله في الآخرة بالنار؛ ويعذبكم رسوله في الدنيا بالسيف. والإذن: الإعلام، ومن قرأ (فأذنوا) أي فأعلموا أصحابكم المتمسكين بمثل ما أنتم عليه: أن من عامل بالربا مستحلا له حاربهم الله ورسوله.
وقيل: معنى الآية: فإن لم تتركوا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر بتركه { فأذنوا بحرب من الله ورسوله }.
ومثل هذا اللفظ لا يوجب الإكفار؛ لأن لفظ محاربة الله ورسوله يطلق على ما دون الكفر كما في آية قطاع الطريق. وهذا الحكم في آية الربا إنما هو مستقيم إذا اجتمع أهل بلدة لهم منعة وقوة على المعاملة بالربا وكانوا محرمين له، فإن الإمام يستتيبهم؛ فإن تابوا وإلا قاتلهم. وأما إذا عامل واحد أو جماعة قليل عددهم معاملة الربا، فإن الإمام يستتيبهم؛ فإن تابوا وإلا زجرهم وحبسهم إلى أن يظهروا توبتهم. وقد روي عن ابن عباس وقتادة والربيع فيمن أربا: (أن الإمام يستتيبه، فإن تاب وإلا قتله). فهذا محمول على أن يفعله مستحلا له؛ لأنه على خلاف بين العلماء أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه.
قوله تعالى: { وإن تبتم فلكم رؤوس أمولكم لا تظلمون ولا تظلمون }؛ أي فإن رجعتم عن استحلال الربا وأقررتم بتحريمه. ويقال: إن تبتم عن معاملة الربا { فلكم رؤوس أمولكم } التي أسلفتموها بني المغيرة، { لا تظلمون } بطلب الزيادة على رأس المال، { ولا تظلمون } بحبس رأس المال عنكم.
قال ابن عباس: (فلما نزلت هاتان الآيتان، كتب بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فقرأهما على ثقيف فقالوا: بلى، نتوب إلى الله فإنه لإيذان لنا بحرب الله ورسوله، ثم طلبوا رؤوس أموالهم من بني المغيرة، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسر وأخرونا إلى أن تدرك الثمار، فأبوا أن يؤخروهم، فنزل قوله عز وجل: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة }؛ أي إن كان المطلوب ذا ضيق وشدة؛ فتأخيره إلى سعة ويسار.
وروي عن ابن عباس وشريح وإبراهيم: (أن الإنظار إنما يجب في الدين، يعني دين الربا خاصة). وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون. وعن أبي هريرة والحسن والضحاك: (أن ذلك واجب في كل دين) وهذا هو الأصح؛ لأن نزول الآية في رأس مال الربا لا يمنع اعتبار سائر الديون بها بالاستدلال والقياس.
وذهب بعض النحويين: إلى أن الرفع في قوله { ذو عسرة } دليل على أنه ابتداء على معنى: وإن وقع ذو عسرة، أو وجد ذو عسرة، ولو كان مختصا هذا بالربا لقال: وإن كان ذا عسرة، بالنصب.
ويحتمل أن يكون تقدير الرفع { وإن كان ذو عسرة } غريما لكم.
ومن قرأ (ميسرة) بضم السين، فهي لغة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظل عرشه يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من أحب أن تستجاب دعوته وتنكشف كربته؛ فلييسر على المعسر "
وعن أبي بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة ".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أدان دينا وهو ينوي أن لا يؤديه فهو سارق "
وعن أبي قتادة:
" أن رجلا أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه؛ فقال: " هل عليه دين؟ " قالوا: نعم، فتأخر وقال: " صلوا على صاحبكم ". قال أبو قتادة: أنا أكفل به، فقال صلى الله عليه وسلم: " بالوفاء؟ " قال: بالوفاء، فصلى عليه وكان عليه ثمانية عشر درهما أو تسعة عشر درهما ".
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما من خطيئة أعظم عند الله عز وجل بعد الكبائر من أن يموت الرجل وعليه أموال الناس دينا في عنقه، لا يوجد لها قضاء ".
قوله عز وجل: { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون }؛ أي وإن تصدقوا من رأس المال فهو أفضل { إن كنتم تعلمون } ثواب من أنظر معسرا أو وضع عنه.
البقرة 2:281
قوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله }؛ هذا تحذير من الله عز وجل أن يوافي العباد ذلك اليوم على غرة وغفلة وتقصير في أوامر الله ومخالفته فيما أحل الله وحرم، يقول: اخشوا عذاب يوم ترجعون فيه إلى جزاء الله.
قوله تعالى: { ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون }؛ أي توفى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، { وهم لا يظلمون } أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد في سيئاتهم.
قرأ أبو عمرو ويعقوب: (ترجعون) بفتح التاء، واعتبره بقراءة أبي (واتقوا يوما تصيرون فيه إلى الله). وقرأ الباقون (ترجعون) بضم التاء، اعتبارا بقراءة عبدالله: (واتقوا يوما تردون فيه إلى الله).
قال ابن عباس: (هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لما حج البيت نزل عليه جبريل عليه السلام وهو واقف بعرفة بقوله تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم
[المائدة: 3] الآية، ثم نزل بعد ذلك هذه الآية { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله }. قال: يا رسول الله، ضعها على رأس ثمانين ومائتي آية من سورة البقرة، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية بتسعة أيام).
قال المفسرون:
" لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنك ميت وإنهم ميتون } قال: " يا ليتني أعلم متى ذلك " فأنزل الله هذه الآية { إذا جآء نصر الله والفتح } ، قال: " أما إن نفسي نعيت إلي " ثم بكى بكاء شديدا، فقيل له: يا رسول الله، أتبكي من الموت وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: " وأين خوف المطلع، وأين ضيق القبر وظلمة اللحد، وأين القيامة والأهوال "
فعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية عاما؛ ثم نزل قوله:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128] فعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية عامها بستة أشهر.
ثم لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجة الوداع نزل عليه في الطريق
يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة
[النساء: 176] إلى آخرها، ثم نزل بعدها وهو واقف بعرفة
أكملت لكم دينكم
[المائدة: 3] الآية، فعاش بعدها إحدى وثمانين ليلة، ثم نزل بعدها آيات الربا. ثم نزل بعد ذلك { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } وهي آخر آية نزلت، فعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها إحدى وعشرين ليلة، قال ابن جريج: (تسع ليال). وقال ابن جبير ومقاتل: (سبع ليال). ثم مات يوم الاثنين لليلتين مضت من شهر ربيع الأول حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة.
البقرة 2:282
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه }؛ قال ابن عباس: (لما حرم الربا أباح السلم) وظاهر الآية على كل دين من سلم وغيره. ومعنى الآية: { يأيها الذين آمنوا إذا } تبايعتم بالنسيئة إلى وقت معلوم فاكتبوا الدين بأجله وأشهدوا عليه كيلا تحدث نفس أحدكم بالطمع في حق صاحبه، ولا يقع شك في مقداره، ولا جحود ولا نسيان. والدين: ما كان مؤجلا، والعين: ما كان حاضرا.
واختلفوا في هذه الكتابة أنها فرض أو ندب؟ فذهب أبو سعيد الخدري والحسن والشعبي: (أن الكتابة والإشهاد على الديون الآجلة كانا واجبين بهذه الآية، ثم نسخا بقوله تعالى:
فإن أمن بعضكم بعضا
[البقرة: 283]. وقال ابن عباس: (لا والله، إن آية الدين محكمة ما فيها نسخ). وهو قول الربيع وكعب، وهذا هو الأصح؛ لأن الأمر بالكتابة والإشهاد إنما ورد مقرونا بقوله:
فإن أمن بعضكم بعضا
[البقرة: 283]، ويستحيل ورود الناسخ والمنسوخ معا في شيء واحد، فكأن المراد بالأمر الندب.
والفائدة في قوله: { إلى أجل مسمى } بيان إعلام وجوب الأجل؛ فإن جهالة الأجل في المباعات تفسدها. وقال بعضهم: إن الكتابة فرض واجب.
وقال ابن جريج: (من أدان دينا فليكتب، ومن باع فليشهد). يدل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كان له دين فلم يشهد، ورجل أعطى سفيها مالا وقد قال تعالى: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم } ، ورجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ".
وقال قوم: هو مستحب؛ وإن كتب فحسن وإن ترك فلا بأس، كقوله تعالى:
وإذا حللتم فاصطادوا
[المائدة: 2] وقوله تعالى:
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا
[الجمعة: 10].
قوله تعالى: { وليكتب بينكم كاتب بالعدل }؛ قرأ الحسن: (وليكتب) بكسر اللام وهذه لام الأمر، وهي إذا كانت مفردة " سكنت " طلبا للخفة، ومنهم من يكسرها فليس فيها إلا الحركة، وإذا كان قبلها (واو) أو (فاء) أو (ثم) فأكثر العرب على تسكينها طلبا للخفة. ومنهم من يكسرها على الأصل.
ومعنى هذه الآية: وليكتب كاتب بين البائع والمشتري؛ والطالب والمطلوب بالحق والإنصاف، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه، ولا يقدم الأجل ولا يؤخره.
قوله تعالى: { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله }؛ أي لا يمتنع أن يكتب كما ألهمه الله شكرا لما أنعم عليه حيث علمه الكتابة وأحوج غيره إليه؛ { فليكتب }.
واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب؛ والشهادة على الشاهد؛ فقال مجاهد والربيع: (واجب على الكاتب أن يكتب). وقال الحسن: (ذلك في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره، فيضر بصاحب الدين إن امتنع، فإن الكتابة حينئذ عليه فريضة.
وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره). وقال الضحاك: (هذا " كان " واجبا، فنسخه قوله تعالى: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد }. وقال السدي: (هو واجب عليه في حال فراغه). وقال الشعبي: (هو واجب على الكفاية كالجهاد). والصحيح: أن الكتابة غير واجبة في الأصل على المتداينين، فإذا لم تكن واجبة عليهم؛ فكيف تكون واجبة على الأجنبي الذي لا حكم له في هذا العقد ولا سبب؟!
قوله تعالى: { وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا }؛ يعني المديون المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه ويملي على الكاتب. والإملال والإملاء: بمعنى واحد؛ وهما لغتان فصيحتان جاء بهما القرآن. ثم خوفه الله تعالى فقال: { وليتق الله ربه } أي وليخش الله ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئا.
قوله عز وجل: { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل }؛ أي فإن كان المطلوب الذي عليه المال سفيها أو ضعيفا؛ أي خفيف العقل جاهلا بالإملاء؛ لا يميز تمييزا صحيحا، قاله مجاهد. وقال السدي: (يعني عاجزا لا يستطيع أن يمل لعجمة أو زمانة). وقوله تعالى: { ضعيفا } أي ضعيفا في العقل مثل الصبي والمرأة أو شيخا كبير السن. وقوله تعالى: { أو لا يستطيع أن يمل هو } يعني لمرض أو خرس أو حبس لا يمكنه حضور الكتاب أو يجهل ما له وعليه. قوله: { فليملل وليه بالعدل } أي وليه الذي يقوم بأمره.
وقوله تعالى: { بالعدل } أي بالحق. وقال ابن عباس والربيع ومقاتل: (فليملل ولي الحق) وهو صاحب الدين؛ لأنه أعلم بدينه يمل بالعدل والصدق والحق والإنصاف.
قوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } يعني أشهدوا على الحق شهيدين من الأحرار البالغين دون الكفار والعبيد والصبيان، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأكثر الفقهاء. وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد، وأجاز بعضهم شهادتهم في الشيء التافه.
قوله تعالى: { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان }؛ الآية، أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين فليكن رجل وامرأتان. قوله: { ممن ترضون من الشهدآء }؛ أي ممن ترضون عدالته وأمانته. والمرضي: من يجتمع فيه ثلاثة أشياء:
أحدها: العدالة، وأصلها الإيمان واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق الله من الواجبات والمسنونات وصدق " الحديث " وأداء الأمانة.
والثاني: نفي التهمة؛ نحو أن لا يكون المشهود له ولدا ولا والدا ولا زوجة ولا زوجا، فإن شهادة هؤلاء غير مقبولة لما ذكرنا، وإن كانوا عدولا مرضيين.
الثالث: التيقظ وقلة الغفلة وأن لا يكون كثير الغلط.
قال النخعي: (الرجل العدل: هو من لم يظهر فيه ريبة. وقال الشعبي: (هو من لا يطعن عليه في بطن ولا فرج). وقال الحسن: (هو من لم يعلم له خيانة).
وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة؛ ولا مجلود؛ ولا ذي حقد على أخيه؛ ولا من جرت عليه شهادة زور؛ ولا الخادم مع أهل البيت "
وعن ابن عباس قال:
" سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة؟ فقال: " أترى هذه الشمس؟ " فقال: نعم، قال: " على مثلها فاشهد أو دع " ".
قوله تعالى: { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى }؛ معناه: أن تذكر الذاكرة الناسية إن نسيت، ومعنى تضل: تنسى، كقوله تعالى:
قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين
[الشعراء: 20]. وقوله تعالى: { فتذكر } معطوف على { تضل }. وقرأ الأعمش: (إن تضل) بكسر الهمزة (فتذكر) بالرفع. ومعناه: الخبر أو الابتداء. وموضع { تضل } جزم بالجزاء، إلا أنه لا تبين فيه للتضعيف، (فتذكر) رفعا؛ لأن ما بعد (فاء) الخبر مبتدأ. وقيل في تفسير الآية: إن امتنعت إحدى المرأتين عن أداء الشهادة تعظها الأخرى حتى تشهد.
ومن قرأ (فتذكر) بالتخفيف فالإذكار والتذكير بمعنى واحد. وقيل في معنى التحقيق: تجعلها ذكرا؛ أي يقومان مقام رجل. قرأ زيد بن أسلم: (فتذاكر إحداهما الأخرى) من المذاكرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (فتذكر) بالتخفيف. وقرأ الباقون (فتذكر) بالتشديد.
قوله تعالى: { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا }؛ أي لا يمتنعوا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة عند الحكام، وهذا قول مجاهد وعطاء وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي. وقال بعضهم: هذا في تحمل الشهادة؛ وهو أمر إيجاب أيضا.
قال قتادة: (كان الرجل يطوف في الحي العظيم فيه القوم؛ فيدعوهم إلى الشهادة؛ فلا يتبعه أحد منهم؛ فأنزل الله هذه الآية).
وقال الشعبي: (هو مخير في تحمل الشهادة إذا وجد غيره، فإذا لم يوجد غيره وجب عليه التحمل). وقال بعضهم: هذا أمر ندب؛ وهو مخير في جميع الأحوال، وهو قول عطاء. وقال المغيرة: (قلت لإبراهيم: إني أدعى إلى الشهادة؛ وإني أخاف أن أنسى، قال: فلا تحمل إن شئت). وقال الحسن: (هذه الآية في التحمل والإقامة إذا كان فارغا).
قوله تعالى: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله }؛ أي لا تملوا أن تكتبوا الحق قليلا كان أو كثيرا إلى محله، يقال: سأمت أسأم سئامة؛ إذا مللت، قال زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وقال لبيد:
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
و (أن) في موضع نصب من وجهين؛ إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا؛ وأوقعت السئامة عليه؛ تقديره: ولا تسأموا كتابته. وإن شئت نصبه بنزع الخافض، و(الهاء) راجعة إلى الحق؛ أي ولا تسأموا من أن تكتبوه.
وقرأ السلمي: (ولا يسأموا) بالياء، وقوله تعالى: { صغيرا أو كبيرا } انتصب من وجهين؛ أحدهما: على الحال من الهاء.
والثاني: أن يجعله خبرا ل (كان) المحذوفة؛ تقديره: صغيرا كان الحق أو كبيرا.
قوله عز وجل: { ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهدة وأدنى ألا ترتابوا } أي الكتاب أعدل عند الله وأحصى للأجل وأحفظ للشهادة وأقرب أن لا يشكوا في مقدار الحق ومقدار الأجل. وفي هذا دليل أنه لا يجوز إقامة الشهادة إلا مع زوال الريب، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع ".
قوله تعالى: { إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم }؛ قرأ عاصم (تجارة) بالنصب على خبر كان. وأضمر اسمها؛ تقديره: إلا أن تكون المداينة تجارة أو المبايعة تجارة. وقرأ الباقون بالرفع لوجهين؛ أحدهما: أن يكون الكون بمعنى الوقوع؛ تقديره: إلا أن تكون تجارة؛ فحينئذ لا خبر له، والثاني: أن تجعل تجارة اسم يكون، والخبر (تديرونها)؛ تقديره: إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم.
ومعنى الآية: إلا أن تقع تجارة حالة يدا بيد، { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها }؛ في ترك الكتابة في تلك التجارة؛ لأنه ليس فيه أجل ولا نسيئة، وهذا توسعة من الله للعباد كيلا يضيق عليهم أمر بيعاتهم في المأكول والمشروب والأشياء التي تمس حاجتهم إليها في أكثر الأوقات. ويشق عليهم كتابة جميعها.
قوله تعالى: { وأشهدوا إذا تبايعتم }؛ أي أشهدوا على حقوقكم إذا بعتم واشتريتم، وهذا محمول على البياعات النفيسة، فأما القدر اليسير الذي ليس في العادة التوثيق بالإشهاد فيه نحو شراء الخبز والبقل وما جرى مجراه؛ فغير داخل في هذا الخطاب.
قال الضحاك: (قوله: { وأشهدوا إذا تبايعتم } هذا الإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره؛ ونقده ونسيئته ولو كان على تافه). وقال آخرون: هو أمر ندب؛ إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد.
قوله تعالى: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد }؛ يحتمل وجهين؛ أحدهما: لا يضار الكاتب ولا الشاهد الطالب والمطلوب؛ يعني لا يكتب الكاتب إلا بالحق، ولا يشهد الشاهد إلا بالحق. تقديره: لا يضارر على النهي. والثاني: على اسم ما لم يسم فاعله؛ أي لا يدعى الكاتب وهو مشغول لا يمكنه ترك شغله إلا بضرر يدخل عليه، وكذلك لا يدعى الشاهد ومجيئه يضر به.
قوله تعالى: { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم }؛ أي لا تقصدوا المضارة بعد نهي الله تعالى عنها، فإنه إثم وخروج من أمر الله. وقوله تعالى: { واتقوا الله ويعلمكم الله }؛ أي { واتقوا الله } في الضرار ولا تعصوه فيما أمركم به، { ويعلمكم الله } ما به قوام دينكم ودنياكم، { والله بكل شيء }؛ من أعمالكم، { عليم }؛ يعلم ما تعملون في الكتابة والشهادة.
البقرة 2:283
قوله تعالى: { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة } الآية، معناه: إذا كنتم مسافرين { ولم تجدوا كاتبا } يكتب الوثيقة بالحق، (ف) الوثيقة (رهان) يقبضها الذي له الحق.
قرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد: (كتابا) يعني الصحيفة والدواة؛ قالوا: لأنه ربما يجد الكاتب ولا يجد المراد والصحيفة والدواة. وقرأ الضحاك: (كتابا) على جمع الكاتب. وقرأ الباقون: (كاتبا) وهو المختار لموافقة المصحف.
وقوله تعالى: { فرهن مقبوضة } قرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: (فرهن). وقرأ عكرمة وعبدالوارث: (فرهن) بإسكان الهاء. وقرأ الباقون: (فرهان) وهو جمع رهن مثل نعل ونعال؛ وجبل وجبال. والرهن: جمع رهان وهو جمع الجمع، قاله الفراء والكسائي. وقال أبو عبيد: (هو جمع رهن، مثل سقف وسفف).
قوله تعالى: { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه }؛ أي إن كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لثقته وحسن ظنه؛ { فليؤد الذي اؤتمن أمانته } أي فليؤد المطلوب أمانته بأن لا يبخس ولا يجحد.
قوله تعالى: { ولا تكتموا الشهدة }؛ أي لا تكتموها عند الحكام ولا تمتنعوا عن أدائها، { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه }؛ أي فاجر سريرته، وأضاف الإثم إلى القلب وإن كان الآثم هو الكاتم؛ لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب؛ وهذا أبلغ في الوعيد وأحسن في البيان؛ لأن كاتم الشهادة يلحقه الإثم من وجهين؛ أحدهما: العزم على أن لا يؤدي. والثاني: ترك أدائها باللسان.
قوله تعالى: { والله بما تعملون عليم }؛ أي عليم بما تعملون به من كتمان الشهادة وإقامتها؛ وأداء الأمانة والخيانة فيها؛ عالم لا يخفى عليه شيء مما تفعلون.
ولا خلاف بين العلماء في جواز الرهن في الحضر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم
" اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه "
والفائدة في ذكر السفر في الآية: أن الأغلب من حال السفر عدم الشهود والكتاب؛ فخص الرهن بحال السفر. وعن مجاهد: (أنه كان يكره الرهن في الحضر).
البقرة 2:284
قوله عز وجل: { لله ما في السموت وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله }؛ اختلف المفسرون في هذه الآية؛ فقال قوم: هي خاصة؛ واختلفوا في خصوصها، فقال بعضهم: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها. يعني { وإن تبدوا ما في أنفسكم } أيها الشهود من كتمان الشهادة أو تخفوا الكتمان { يحاسبكم به الله }. وهذا قول الشعبي وعكرمة، ورواية مجاهد عن ابن عباس، يدل عليه قوله تعالى فيما قبلها:
ولا تكتموا الشهدة
[البقرة: 283] الآية.
وذهب بعضهم إلى أنها عامة في الشهادة وفي غيرها، ثم اختلفوا في وجه عمومها؛ فقال بعضهم: هي منسوخة.
" وروي أنه لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبدالرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله، ما نزل علينا آية أشد من هذه؛ إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه - يعني يحدث نفسه بأمر من المعصية ثم لا يعمل بها - وإنا لمؤاخذون بما تحدث به نفوسنا إذا هلكنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " هكذا نزلت " ، فقالوا: كلفنا من العمل ما لا نطيق، فقال صلى الله عليه وسلم: " أفتقولون كما قالت اليهود: سمعنا وعصينا؟! " فقالوا: بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله. واشتد عليهم ذلك؛ فمكثوا حولا، فأنزل الله عز وجل: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } فنسخت ما قبلها. فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلموا به "
وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة برواية ابن جبير وعطاء وابن سيرين وقتادة والكلبي وشيبان.
وقال بعضهم: لا يجوز أن تكون هذه الآية منسوخة؛ لأنها خبر من عند الله؛ والخبر لا يحتمل النسخ؛ لأنه خلف؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لكن المراد بالآية إظهار العمل وإخفاؤه. وقال الربيع: (هذه الآية محكمة لم ينسخها شيء، فإن الله تعالى يعرف عبده يوم القيامة، يقول: إنك أخفيت في صدرك كذا وكذا، يحاسبه على ما أسر وأعلن من حركة في جوارحه وهمه في قلبه، فهكذا يصنع بكل عباده، ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء).
وقيل: لا يؤاخذ المؤمن بما حاسبه من ذلك، فمعناه: وإن تظهروا ما في أنفسكم من المعاصي أو تضمروا إرادتها في أنفسكم فتخفوها { يحاسبكم به الله } أي يخبركم بها ويحاسبكم عليها، ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وهذا قول الحسن والربيع ورواية الضحاك عن ابن عباس، يدل عليه قوله تعالى:
ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36].
وقال آخرون: معنى الآية: أن الله يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم وأخفوا ويعاقبهم عليه؛ غير أن معاقبته إياهم على ما أخفوا مما لم يعملوا بها بما يحدث في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها ويألمون بها؛ مثل الحمى وغير ذلك حتى الشوكة يشاكها والشيء يضيع فيفقده ويراع عليه، ثم يجده. وهذا قول عائشة رضي الله عنها.
وقال بعضهم: معناه: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } من الأعمال الظاهرة، { أو تخفوه } من الأحوال الباطنة، { يحاسبكم به الله } العائد على أفعال العارف على أحواله.
وقال بعضهم: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يوم تبلى السرائر وتحرج الضمائر، وإن كتابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم، وأنا المطلع على سرائركم مما لم يعلموه ولا يكتبوه، فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم؛ لتعلموا أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة من أعمالكم، ثم أغفر لمن شئت وأعذب من شئت. فأما المؤمنون فيخبرهم بذلك كله ويغفر لهم، ولا يؤاخذهم بذلك إظهارا لفضله. وأما الكافرون فيخبرهم ويعاقبهم عليها إظهارا لعدله. فمعنى الآية: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } فتعملوا به، { أو تخفوه } مما أضمرتم وأسررتم ونويتم. { يحاسبكم به الله } ويعرفكم إياه ويغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين، يدل عليه قوله تعالى: { يحاسبكم به الله } ولم يقل: يؤاخذكم به الله. والمحاسبة غير المعاقبة فالحساب ثابت، والعقاب ساقط. وقال الحسن ابن مسلم: (يحاسب الله المؤمن بالمنة والفضل؛ والكافر بالحجة والعدل).
وقيل في تأويل الآية: أنها وردت فيما يؤاخذ به العبد فيما بينه وبين الله تعالى، وتأويل قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلموا به "
إنما ورد فيما يلزم العبد من أحكام الدنيا، فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا بيعه ولا هبته بالنية ما لم يتكلم.
ومن نظائر هذه الآية:
ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم
[البقرة: 225] وقوله تعالى:
إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم
[النور: 19]. ويدل على ذلك أن من أحب ما يبغضه الله، أو أبغض ما يحبه الله كان معاقبا على ذلك وإن لم يعمل إلا بقلبه.
وقال بعضهم: إن الإخفاء في هذه الآية أن يضمر على السوء ويهم به، ثم لا يصل إليه ولا يتمكن منه. وهذا القول حسن جدا اختاره جماعة من المفسرين.
قوله تعالى: { فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء }؛ رفعهما أبو جعفر وابن عامر والحسن وعاصم ويعقوب على الابتداء؛ أي فهو يغفر. ونصبهما ابن عباس على الصرف. وجزمهما الباقون عطفا على { يحاسبكم }. قوله تعالى: { والله على كل شيء قدير }؛ يعني من المغفرة والعقوبة.
البقرة 2:285
قوله عز وجل: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله }؛ الآية، لما سبق في السورة ذكر أحكام كثيرة أثنى الله على من آمن بها وقبلها، وقال عز من قائل: { ءامن الرسول } بجميع الأحكام التي أنزلها الله تعالى، وكذلك المؤمنون كلهم آمنوا بالله، وقوله تعالى: { وملائكته }؛ إنما أتى بالملائكة لأن حيا من خزاعة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فقال صلى الله عليه وسلم:
" والمؤمنون يقولون: إن الملائكة عباد الله ".
قوله: { وكتبه }؛ قرأ ابن عباس وعكرمة والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (وكتابه) بالألف. وقرأ الباقون (وكتبه) بالجمع، وهو ظاهر كقوله { وملائكته ورسله }. وللتوحيد وجهان؛ أحدهما: أنهم أرادوا القرآن خاصة، والثاني: أنهم أرادوا جميع الكتب؛ كقول العرب: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الدراهم والدنانير. يدل عليه قوله تعالى:
فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتب
[البقرة: 213].
وقوله تعالى: { ورسله }؛ قرأ الحسن: (ورسله) بسكون السين لكثرة الحركات؛ { لا نفرق بين أحد من رسله }؛ أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض. وفي مصحف عبدالله: (لا يفرقون بين أحد من رسله). وقرأ جرير بن عبدالله وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ويعقوب: (لا يفرق) بالياء، بمعنى لا يفرق الكل، ويجوز أن يكون خبرا عن الرسول. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القول؛ تقديره: قالوا لا نفرق، كقوله تعالى:
والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم
[الرعد: 23-24]؛ أي يقولون: سلام عليكم.
قوله عز وجل: { وقالوا سمعنا وأطعنا }؛ أي سمعنا قولك وأطعنا أمرك. وقيل: معنى { وأطعنا } قبلنا ما سمعنا؛ بخلاف ما قالت اليهود. وقوله تعالى: { غفرانك ربنا وإليك المصير }؛ أي اغفر غفرانك يا ربنا. وقيل: معناه: نسألك غفرانك. والأول مصدر، والثاني مفعول. وقوله تعالى: { وإليك المصير } أي نحن مقرون بالبعث. ومعنى قوله: { وإليك } أي إلى جزائك؛ وهذا كما قال عز وجل حكاية عن إبراهيم عليه السلام:
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99] أي إلى حيث أمر ربي.
قوله عز وجل: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }؛ قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: (إلا وسعها) بفتح الواو وكسر السين على الفعل؛ يريد إلا وسعها أمره.
ومعنى الآية: { لا يكلف الله نفسا } فرضا من فروضها من صوم أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك من حديث النفس؛ إلا مقدار طاقتها كما قال صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين:
" صل قائما؛ فإن لم تستطع فقاعدا؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك تومئ إيماء ".
قال قوم: لو كلف الله العباد فوق وسعهم لكان ذلك له؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، ولكنه أخبر أنه لا يفعله.
قوله تعالى: { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } يعني النفس لها جزاء ما عملت من الخير والعمل الصالح؛ أي لها أجره وثوابه؛ وعليها وزر ما اكتسبت من المعصية والعمل السيء لا يؤاخذ أحد بذنب أحد؛ ولا تزر وازرة وزر أخرى.
والفرق بين الكسب والاكتساب: أن الكسب فعل الإنسان لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يفعله لنفسه خاصة. وقيل: لا فرق بينهما في اللغة. فعلى القول الأول وصف المسيء بالاكتساب؛ لأن وزره لا يعدوه؛ ومعصيته لا تضر غيره، ووصف المحسن بالكسب؛ لأن غيره يشاركه في ثوابه بالهداية والشفاعة.
قوله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا }؛ أي لا تعاقبنا إن نسينا طاعتك أو أخطأنا في أمرك. وقال الكلبي: (إن جهلنا أو تعمدنا)، فذهب إلى الخطأ الذي هو ضد الصواب لا ضد القصد. يقال: خطأ إذا تعمد؛ وأخطأ إذا سهى، وقد يقال: أخطأ إذا تعمد. وقيل: معنى الآية: إن تركنا أمرا أو اكتسبنا خطيئة.
والنسيان بمعنى الترك معروف في الكلام كما في قوله تعالى:
نسوا الله فنسيهم
[التوبة: 67] أي تركوا ذكر الله وأمره فتركهم في العذاب. والمراد بالمؤاخذة والنسيان سقوط الإثم في الآخرة. فأما في حكم الدنيا فلا يرتفع التكليف منه إذا ذكره بعد النسيان كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "
وكذلك الخطأ مرفوع الإثم في الآخرة وهو تأويل الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
فأما في أحكام الدنيا فيتعلق به الحكم؛ لأن الله نص على لزوم قتل الخطأ في إيجاب الدية والكفارة.
قال الكلبي: (كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطأوا عجلت لهم العقوبة، فيحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الدية، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم). وقال ابن زيد: (قوله تعالى: { إن نسينآ } شيئا مما افترضته علينا، { أو أخطأنا } شيئا مما حرمته علينا).
قوله عز وجل: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا }؛ أي لا تحمل علينا ثقلا؛ ويقال: عهدا؛ كما حملته على بني إسرائيل بجرم منهم أمرتهم بقتل بعضهم بعضا؛ وحرمت عليهم الطيبات بظلمهم، وكما كانوا مأمورين بأداء ربع أموالهم في الزكاة ونحو ذلك من الأمور التي كانت تثقل عليهم. ومنه قوله تعالى:
وأخذتم على ذلكم إصري
[آل عمران: 81] أي عهدي.
قوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به }؛ أي لا تحملنا ما يشق علينا من الأعمال، وهذا كما يقال: لا أطيق كلام فلان، ولا أطيق هذا الأمر؛ أي لا أحمله إلا بمشقة.
هذا هو معنى الآية؛ لأن الله تعالى لا يكلف أحدا شيئا لا يكون ذلك في قدرته. وقيل: معناه: { ما لا طاقة لنا به } من العذاب، وقيل: هو حديث النفس والوسوسة. وعن مكحول أنه (الغلمة). وعن بعضهم أنه كان يقول: اللهم أعذني وإخوتي من شر الغلمة، فإنها ربما جرت إلى جهنم. وقال ابن عبدالوهاب: (يعني العشق). وعن إبراهيم في قوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به }: قال يعقوب: (يعني الحب).
وقال بعضهم: حضرت ذا النون المصري في مجلس له، فتكلم ذلك اليوم في محبة الله عز وجل، فمات أحد عشر نفسا في المجلس؛ فصاح رجل من المريدين فقال: ذكرت محبة الله، فاذكر محبة المخلوقين. فتأوه ذو النون تأوها شديدا وشق قميصه نصفين، وقال: آه.. علقت رهونهم؛ واستعبرت عيونهم؛ وخالفوا السهاد؛ وفارقوا الرقاد؛ فليلهم طويل؛ ونومهم قليل؛ أحزانهم لا تتغير؛ وهمومهم لا تفقد؛ باكية عيونهم؛ قريحة جفونهم.
وقال يحيى بن معاذ: (لو كانت العقوبة بيدي يوم القيامة لما عذبت العشاق؛ لأن ذنوبهم اضطرار لا اختيار). وقال بعضهم: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } يعني شماتة الأعداء؛ قال الشاعر:
كل المصائب قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الحساد
إن المصائب تنقضي أيامها
وشماتة الحساد بالمرصاد
وقيل: هو الفرقة والقطيعة، نعوذ بالله العظيم منهما، يقال: قطع الأوصال أيسر من قطع الوصال.
قوله عز وجل: { واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ }؛ أي تجاوز عن تقصيرنا وذنوبنا ولا تفضحنا { وارحمنآ }؛ فإننا لا ننال العمل بطاعتك إلا بمعونتك، ولا نترك المعصية إلا برحمتك. وقيل: معنى: { واعف عنا } أي اترك عنا العقوبة، ومعنى العفو: الترك. وقوله تعالى: { واغفر لنا } أي استر لنا ذنوبنا وعيوبنا، { وارحمنآ } أي أنعم علينا بالجنة والثواب، وقيل: معنى الآية: { واعف عنا } من المسخ { واغفر لنا } من الخسف { وارحمنآ } من الغرق؛ أي لا تفعل بنا ما فعلت ببعض من تقدمنا من الأمم. وقيل: معناه: { واعف عنا } الصغائر { واغفر لنا } الكبائر { وارحمنآ } بتثقيل الميزان. وقيل: معناه: { واعف عنا } في سكرات الموت { واغفر لنا } في ظلمة القبور { وارحمنآ } في أهوال القيامة.
قوله تعالى: { أنت مولنا فانصرنا على القوم الكافرين }؛ أنت ولينا وناصرنا ومتولي أمورنا، { فانصرنا على القوم الكافرين } أي أعنا عليهم في إقامة الحجة وإظهار الدين كما وعدتنا.
روي عن عبدالله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم
" لما قرأ { غفرانك ربنا وإليك المصير } قال قد غفرت لكم، فلما قرأ: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } قال: لا أؤاخذكم، فلما قرأ { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } ، قال: لا أحمل عليكم، فلما قرأ { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال: لا أحملكم، فلما قرأ { واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت مولنا فانصرنا على القوم الكافرين }. قال: قد عفوت عنكم؛ وغفرت لكم؛ ورحمتكم؛ ونصرتكم على القوم الكافرين ".
وكان معاذ بن جبل إذا ختم هذه السورة، قال: (آمين).
وعن الحسن والضحاك ومجاهد وجماعة من المفسرين: أن قوله تعالى: { ءامن الرسول... } إلى آخر السورة كان في قصة المعراج؛ قالوا:
" لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى قال له جبريل: إني لم أجاوز هذا المكان، ولم يؤمر أحد بالمجاوزة غيرك، فامض أنت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فمضيت حتى انتهيت إلى ما أراد الله تعالى " فأشار جبريل عليه السلام أن سلم على ربك، فقلت: " التحيات لله والصلوات والطيبات " فقال الله عز وجل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأحببت أن يكون لأمتي حظ في السلام، فقلت: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " فقال جبريل وأهل السماوات كلهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقال الله تعالى: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه }. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرك أمته في الكرامة والفضيلة؛ فقال صلى الله عليه وسلم: { والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } الآية، قال الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } الآية، فقال جبريل عليه السلام عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: سل تعط، فقال صلى الله عليه وسلم: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } إلى آخر السورة. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوحى الله إليه بهذه الآيات ليعلم أمته بذلك أو يعلمهم كيف يدعون الله تعالى " ".
وقد تقدم فضل السورة والله الموفق.
البقرة 2:286
قوله عز وجل: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله }؛ الآية، لما سبق في السورة ذكر أحكام كثيرة أثنى الله على من آمن بها وقبلها، وقال عز من قائل: { ءامن الرسول } بجميع الأحكام التي أنزلها الله تعالى، وكذلك المؤمنون كلهم آمنوا بالله، وقوله تعالى: { وملائكته }؛ إنما أتى بالملائكة لأن حيا من خزاعة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فقال صلى الله عليه وسلم:
" والمؤمنون يقولون: إن الملائكة عباد الله ".
قوله: { وكتبه }؛ قرأ ابن عباس وعكرمة والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (وكتابه) بالألف. وقرأ الباقون (وكتبه) بالجمع، وهو ظاهر كقوله { وملائكته ورسله }. وللتوحيد وجهان؛ أحدهما: أنهم أرادوا القرآن خاصة، والثاني: أنهم أرادوا جميع الكتب؛ كقول العرب: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الدراهم والدنانير. يدل عليه قوله تعالى:
فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتب
[البقرة: 213].
وقوله تعالى: { ورسله }؛ قرأ الحسن: (ورسله) بسكون السين لكثرة الحركات؛ { لا نفرق بين أحد من رسله }؛ أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض. وفي مصحف عبدالله: (لا يفرقون بين أحد من رسله). وقرأ جرير بن عبدالله وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ويعقوب: (لا يفرق) بالياء، بمعنى لا يفرق الكل، ويجوز أن يكون خبرا عن الرسول. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القول؛ تقديره: قالوا لا نفرق، كقوله تعالى:
والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم
[الرعد: 23-24]؛ أي يقولون: سلام عليكم.
قوله عز وجل: { وقالوا سمعنا وأطعنا }؛ أي سمعنا قولك وأطعنا أمرك. وقيل: معنى { وأطعنا } قبلنا ما سمعنا؛ بخلاف ما قالت اليهود. وقوله تعالى: { غفرانك ربنا وإليك المصير }؛ أي اغفر غفرانك يا ربنا. وقيل: معناه: نسألك غفرانك. والأول مصدر، والثاني مفعول. وقوله تعالى: { وإليك المصير } أي نحن مقرون بالبعث. ومعنى قوله: { وإليك } أي إلى جزائك؛ وهذا كما قال عز وجل حكاية عن إبراهيم عليه السلام:
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99] أي إلى حيث أمر ربي.
قوله عز وجل: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }؛ قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: (إلا وسعها) بفتح الواو وكسر السين على الفعل؛ يريد إلا وسعها أمره.
ومعنى الآية: { لا يكلف الله نفسا } فرضا من فروضها من صوم أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك من حديث النفس؛ إلا مقدار طاقتها كما قال صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين:
" صل قائما؛ فإن لم تستطع فقاعدا؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك تومئ إيماء ".
قال قوم: لو كلف الله العباد فوق وسعهم لكان ذلك له؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، ولكنه أخبر أنه لا يفعله.
قوله تعالى: { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } يعني النفس لها جزاء ما عملت من الخير والعمل الصالح؛ أي لها أجره وثوابه؛ وعليها وزر ما اكتسبت من المعصية والعمل السيء لا يؤاخذ أحد بذنب أحد؛ ولا تزر وازرة وزر أخرى.
والفرق بين الكسب والاكتساب: أن الكسب فعل الإنسان لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يفعله لنفسه خاصة. وقيل: لا فرق بينهما في اللغة. فعلى القول الأول وصف المسيء بالاكتساب؛ لأن وزره لا يعدوه؛ ومعصيته لا تضر غيره، ووصف المحسن بالكسب؛ لأن غيره يشاركه في ثوابه بالهداية والشفاعة.
قوله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا }؛ أي لا تعاقبنا إن نسينا طاعتك أو أخطأنا في أمرك. وقال الكلبي: (إن جهلنا أو تعمدنا)، فذهب إلى الخطأ الذي هو ضد الصواب لا ضد القصد. يقال: خطأ إذا تعمد؛ وأخطأ إذا سهى، وقد يقال: أخطأ إذا تعمد. وقيل: معنى الآية: إن تركنا أمرا أو اكتسبنا خطيئة.
والنسيان بمعنى الترك معروف في الكلام كما في قوله تعالى:
نسوا الله فنسيهم
[التوبة: 67] أي تركوا ذكر الله وأمره فتركهم في العذاب. والمراد بالمؤاخذة والنسيان سقوط الإثم في الآخرة. فأما في حكم الدنيا فلا يرتفع التكليف منه إذا ذكره بعد النسيان كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "
وكذلك الخطأ مرفوع الإثم في الآخرة وهو تأويل الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
فأما في أحكام الدنيا فيتعلق به الحكم؛ لأن الله نص على لزوم قتل الخطأ في إيجاب الدية والكفارة.
قال الكلبي: (كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطأوا عجلت لهم العقوبة، فيحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الدية، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم). وقال ابن زيد: (قوله تعالى: { إن نسينآ } شيئا مما افترضته علينا، { أو أخطأنا } شيئا مما حرمته علينا).
قوله عز وجل: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا }؛ أي لا تحمل علينا ثقلا؛ ويقال: عهدا؛ كما حملته على بني إسرائيل بجرم منهم أمرتهم بقتل بعضهم بعضا؛ وحرمت عليهم الطيبات بظلمهم، وكما كانوا مأمورين بأداء ربع أموالهم في الزكاة ونحو ذلك من الأمور التي كانت تثقل عليهم. ومنه قوله تعالى:
وأخذتم على ذلكم إصري
[آل عمران: 81] أي عهدي.
قوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به }؛ أي لا تحملنا ما يشق علينا من الأعمال، وهذا كما يقال: لا أطيق كلام فلان، ولا أطيق هذا الأمر؛ أي لا أحمله إلا بمشقة.
هذا هو معنى الآية؛ لأن الله تعالى لا يكلف أحدا شيئا لا يكون ذلك في قدرته. وقيل: معناه: { ما لا طاقة لنا به } من العذاب، وقيل: هو حديث النفس والوسوسة. وعن مكحول أنه (الغلمة). وعن بعضهم أنه كان يقول: اللهم أعذني وإخوتي من شر الغلمة، فإنها ربما جرت إلى جهنم. وقال ابن عبدالوهاب: (يعني العشق). وعن إبراهيم في قوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به }: قال يعقوب: (يعني الحب).
وقال بعضهم: حضرت ذا النون المصري في مجلس له، فتكلم ذلك اليوم في محبة الله عز وجل، فمات أحد عشر نفسا في المجلس؛ فصاح رجل من المريدين فقال: ذكرت محبة الله، فاذكر محبة المخلوقين. فتأوه ذو النون تأوها شديدا وشق قميصه نصفين، وقال: آه.. علقت رهونهم؛ واستعبرت عيونهم؛ وخالفوا السهاد؛ وفارقوا الرقاد؛ فليلهم طويل؛ ونومهم قليل؛ أحزانهم لا تتغير؛ وهمومهم لا تفقد؛ باكية عيونهم؛ قريحة جفونهم.
وقال يحيى بن معاذ: (لو كانت العقوبة بيدي يوم القيامة لما عذبت العشاق؛ لأن ذنوبهم اضطرار لا اختيار). وقال بعضهم: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } يعني شماتة الأعداء؛ قال الشاعر:
كل المصائب قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الحساد
إن المصائب تنقضي أيامها
وشماتة الحساد بالمرصاد
وقيل: هو الفرقة والقطيعة، نعوذ بالله العظيم منهما، يقال: قطع الأوصال أيسر من قطع الوصال.
قوله عز وجل: { واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ }؛ أي تجاوز عن تقصيرنا وذنوبنا ولا تفضحنا { وارحمنآ }؛ فإننا لا ننال العمل بطاعتك إلا بمعونتك، ولا نترك المعصية إلا برحمتك. وقيل: معنى: { واعف عنا } أي اترك عنا العقوبة، ومعنى العفو: الترك. وقوله تعالى: { واغفر لنا } أي استر لنا ذنوبنا وعيوبنا، { وارحمنآ } أي أنعم علينا بالجنة والثواب، وقيل: معنى الآية: { واعف عنا } من المسخ { واغفر لنا } من الخسف { وارحمنآ } من الغرق؛ أي لا تفعل بنا ما فعلت ببعض من تقدمنا من الأمم. وقيل: معناه: { واعف عنا } الصغائر { واغفر لنا } الكبائر { وارحمنآ } بتثقيل الميزان. وقيل: معناه: { واعف عنا } في سكرات الموت { واغفر لنا } في ظلمة القبور { وارحمنآ } في أهوال القيامة.
قوله تعالى: { أنت مولنا فانصرنا على القوم الكافرين }؛ أنت ولينا وناصرنا ومتولي أمورنا، { فانصرنا على القوم الكافرين } أي أعنا عليهم في إقامة الحجة وإظهار الدين كما وعدتنا.
روي عن عبدالله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم
" لما قرأ { غفرانك ربنا وإليك المصير } قال قد غفرت لكم، فلما قرأ: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } قال: لا أؤاخذكم، فلما قرأ { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } ، قال: لا أحمل عليكم، فلما قرأ { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال: لا أحملكم، فلما قرأ { واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت مولنا فانصرنا على القوم الكافرين }. قال: قد عفوت عنكم؛ وغفرت لكم؛ ورحمتكم؛ ونصرتكم على القوم الكافرين ".
وكان معاذ بن جبل إذا ختم هذه السورة، قال: (آمين).
وعن الحسن والضحاك ومجاهد وجماعة من المفسرين: أن قوله تعالى: { ءامن الرسول... } إلى آخر السورة كان في قصة المعراج؛ قالوا:
" لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى قال له جبريل: إني لم أجاوز هذا المكان، ولم يؤمر أحد بالمجاوزة غيرك، فامض أنت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فمضيت حتى انتهيت إلى ما أراد الله تعالى " فأشار جبريل عليه السلام أن سلم على ربك، فقلت: " التحيات لله والصلوات والطيبات " فقال الله عز وجل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأحببت أن يكون لأمتي حظ في السلام، فقلت: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " فقال جبريل وأهل السماوات كلهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقال الله تعالى: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه }. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرك أمته في الكرامة والفضيلة؛ فقال صلى الله عليه وسلم: { والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } الآية، قال الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } الآية، فقال جبريل عليه السلام عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: سل تعط، فقال صلى الله عليه وسلم: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } إلى آخر السورة. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوحى الله إليه بهذه الآيات ليعلم أمته بذلك أو يعلمهم كيف يدعون الله تعالى " ".
وقد تقدم فضل السورة والله الموفق.
آل عمران 3:1
قال ابن عباس معناه: (أنا الله أعلم)، ويقال: هو قسم أقسم الله بأنه واحد لا شريك له ولا معبود للخلق سواه، وقد تقدم تفسير الحروف المقطعة في أول سورة البقرة.
قال أنس رضي الله عنه:
" نزلت هذه الآية في وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة يؤول أمرهم إليهم: العاقب أمير الجيش وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح، والثاني: اسمه الأيهم صاحب رحلهم، وأبو حارثة بن علقمة إمامهم وصاحب مدارسهم، وكان قد درس كتبهم حتى حسن علمه فيهم في دينهم.
فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده وقت صلاة العصر وعليهم ثياب الحبرات؛ جبب وأردية، فقاموا وأقبلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجهوا إلى ناحية المشرق، فقال صلى الله عليه وسلم للعاقب والأيهم: " أسلما ". فقالا: قد أسلمنا قبلك، فقال: " كذبتما، يمنعكما عن الإسلام دعواكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير " قالا: فإن لم يكن ولدا لله فمن أبوه؟ وخاصموه جميعا في عيسى عليه السلام، فقال صلى الله عليه وسلم: " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولدا إلا وهو يشبه أباه؟ " قالوا: بلى، قال: " ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ " قالوا: بلى، قال: " ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ " قالوا: بلى، قال: " فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ " قالوا: لا، قال: " ألستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ " قالوا: بلى، قال: " فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا غير ما علمه الله؟ " قالوا: لا، قال: " فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، ألستم تعلمون ذلك؟ " قالوا: بلى، قال: " ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل الناس المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة، ثم غذي كما يغذى الصبي، فكان يطعم ويشرب ويحدث؟ " قالوا: بلى، قال: " فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ " فسكتوا. "
فأنزل الله عز وجل فيهم أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية فيها).
فقال الله عز وجل: { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } الحي: هو الدائم الذي لا ند له، الذي لا يموت ولا يزول، والقيوم: القائم على كل نفس بما كسبت.
وأكثر القراء على فتح الميم من (الم) وللفتح وجهان؛ أحدهما: أنه لما كانت الميم بعد ياء ساكنة استثقلوا فيها السكون فحركوها إلى الفتح؛ لأن ذلك أخف نحو: أين وكيف. والثاني: أنه ألقي عليها فتحة الهمزة من ألف (الله) وهذا جائز في الهجاء وإن كان لا يجوز مثله في الكلام الموصول من حيث إن حروف الهجاء مبنية على الوقف، ومن قرأ بتسكين الميم فعلى أصل حروف الهجاء أنها مبنية على الوقوف والسكون.
آل عمران 3:2
قال ابن عباس معناه: (أنا الله أعلم)، ويقال: هو قسم أقسم الله بأنه واحد لا شريك له ولا معبود للخلق سواه، وقد تقدم تفسير الحروف المقطعة في أول سورة البقرة.
قال أنس رضي الله عنه:
" نزلت هذه الآية في وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة يؤول أمرهم إليهم: العاقب أمير الجيش وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح، والثاني: اسمه الأيهم صاحب رحلهم، وأبو حارثة بن علقمة إمامهم وصاحب مدارسهم، وكان قد درس كتبهم حتى حسن علمه فيهم في دينهم.
فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده وقت صلاة العصر وعليهم ثياب الحبرات؛ جبب وأردية، فقاموا وأقبلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجهوا إلى ناحية المشرق، فقال صلى الله عليه وسلم للعاقب والأيهم: " أسلما ". فقالا: قد أسلمنا قبلك، فقال: " كذبتما، يمنعكما عن الإسلام دعواكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير " قالا: فإن لم يكن ولدا لله فمن أبوه؟ وخاصموه جميعا في عيسى عليه السلام، فقال صلى الله عليه وسلم: " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولدا إلا وهو يشبه أباه؟ " قالوا: بلى، قال: " ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ " قالوا: بلى، قال: " ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ " قالوا: بلى، قال: " فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ " قالوا: لا، قال: " ألستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ " قالوا: بلى، قال: " فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا غير ما علمه الله؟ " قالوا: لا، قال: " فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، ألستم تعلمون ذلك؟ " قالوا: بلى، قال: " ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل الناس المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة، ثم غذي كما يغذى الصبي، فكان يطعم ويشرب ويحدث؟ " قالوا: بلى، قال: " فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ " فسكتوا. "
فأنزل الله عز وجل فيهم أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية فيها).
فقال الله عز وجل: { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } الحي: هو الدائم الذي لا ند له، الذي لا يموت ولا يزول، والقيوم: القائم على كل نفس بما كسبت.
وأكثر القراء على فتح الميم من (الم) وللفتح وجهان؛ أحدهما: أنه لما كانت الميم بعد ياء ساكنة استثقلوا فيها السكون فحركوها إلى الفتح؛ لأن ذلك أخف نحو: أين وكيف. والثاني: أنه ألقي عليها فتحة الهمزة من ألف (الله) وهذا جائز في الهجاء وإن كان لا يجوز مثله في الكلام الموصول من حيث إن حروف الهجاء مبنية على الوقف، ومن قرأ بتسكين الميم فعلى أصل حروف الهجاء أنها مبنية على الوقوف والسكون.
آل عمران 3:3
قوله عز وجل: { نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } ، قرأ ابراهيم بن أبي عبلة: (نزل عليك الكتاب) بتخفيف الزاي، وقرأ الباقون بالتشديد، ونصب الياء لأن القرآن كان ينزل منجما شيئا بعد شيء، والتنزيل مرة بعد مرة. قال الله تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل }؛ لأنهما نزلتا دفعة واحدة. ومعنى الآية: نزل عليك يا محمد القرآن بالصدق لإقامة أمر الحق.
قوله تعالى: { مصدقا لما بين يديه }؛ أي موافقا لما تقدمه من التوراة والانجيل وسائر كتب الله تعالى في الدعاء إلى توحيد الله، وبيان أقاصيص الأنبياء والأمر بالعدل والإحسان وسائر ما لا يجري فيه النسخ وبعض الشرائع. وانتصب { مصدقا } على الحال من الكتاب.
قوله تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل } أي أنزل التوراة جملة على موسى، والإنجيل جملة على عيسى { من قبل } القرآن، { هدى للناس }؛ أي بيانا ونورا وضياء لمن تبعه. وموضع { هدى } نصب على الحال.
قوله تعالى: { وأنزل الفرقان }؛ يعني القرآن، وأما ذكره لبيان أنه يفرق بين الحق والباطل، ومتى اختلف فوائد الصفات على موصوف واحد لم يكن ذكر الصفة الثانية تكرارا، بل تكون الثانية في حكم المبتدلات لكل صفة فائدة ليست للأخرى، والصفة الأولى تفيد أن من شأنه أن يكتب، والصفة الثانية تفيد أن من شأنه أن يفرق بين الحق والباطل. وقيل: إن كل كتاب لله فهو فرقان.
قوله عز وجل: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } ، معناه: إن في كتب الله ما يدل على صدق قولك؛ فمن جحد بآيات الله وهي العلامات الهادية إليه الدالة على توحيده فأولئك لهم عذاب شديد، { والله عزيز ذو انتقام } أي ذو نقمة ينتقم ممن عصاه.
ثم حذرهم عن التلبس والاستتار عن المعصية، فقال: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } ، أي لا يخفى عليه قول الكفار وعملهم، يحصي كل ما يعملونه فيجازيهم عليه في الآخرة.
وفائدة تخصيص الأرض والسماء وإن كان الله لا يخفى عليه شيء بوجه من الوجوه: أن ذكر الأرض والسماء أكبر في النفس وأهول في الصدر، فذكره على وجه الأهوال، إذ كان الغرض به التحذير.
آل عمران 3:4
قوله عز وجل: { نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } ، قرأ ابراهيم بن أبي عبلة: (نزل عليك الكتاب) بتخفيف الزاي، وقرأ الباقون بالتشديد، ونصب الياء لأن القرآن كان ينزل منجما شيئا بعد شيء، والتنزيل مرة بعد مرة. قال الله تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل }؛ لأنهما نزلتا دفعة واحدة. ومعنى الآية: نزل عليك يا محمد القرآن بالصدق لإقامة أمر الحق.
قوله تعالى: { مصدقا لما بين يديه }؛ أي موافقا لما تقدمه من التوراة والانجيل وسائر كتب الله تعالى في الدعاء إلى توحيد الله، وبيان أقاصيص الأنبياء والأمر بالعدل والإحسان وسائر ما لا يجري فيه النسخ وبعض الشرائع. وانتصب { مصدقا } على الحال من الكتاب.
قوله تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل } أي أنزل التوراة جملة على موسى، والإنجيل جملة على عيسى { من قبل } القرآن، { هدى للناس }؛ أي بيانا ونورا وضياء لمن تبعه. وموضع { هدى } نصب على الحال.
قوله تعالى: { وأنزل الفرقان }؛ يعني القرآن، وأما ذكره لبيان أنه يفرق بين الحق والباطل، ومتى اختلف فوائد الصفات على موصوف واحد لم يكن ذكر الصفة الثانية تكرارا، بل تكون الثانية في حكم المبتدلات لكل صفة فائدة ليست للأخرى، والصفة الأولى تفيد أن من شأنه أن يكتب، والصفة الثانية تفيد أن من شأنه أن يفرق بين الحق والباطل. وقيل: إن كل كتاب لله فهو فرقان.
قوله عز وجل: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } ، معناه: إن في كتب الله ما يدل على صدق قولك؛ فمن جحد بآيات الله وهي العلامات الهادية إليه الدالة على توحيده فأولئك لهم عذاب شديد، { والله عزيز ذو انتقام } أي ذو نقمة ينتقم ممن عصاه.
ثم حذرهم عن التلبس والاستتار عن المعصية، فقال: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } ، أي لا يخفى عليه قول الكفار وعملهم، يحصي كل ما يعملونه فيجازيهم عليه في الآخرة.
وفائدة تخصيص الأرض والسماء وإن كان الله لا يخفى عليه شيء بوجه من الوجوه: أن ذكر الأرض والسماء أكبر في النفس وأهول في الصدر، فذكره على وجه الأهوال، إذ كان الغرض به التحذير.
آل عمران 3:5
قوله عز وجل: { نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } ، قرأ ابراهيم بن أبي عبلة: (نزل عليك الكتاب) بتخفيف الزاي، وقرأ الباقون بالتشديد، ونصب الياء لأن القرآن كان ينزل منجما شيئا بعد شيء، والتنزيل مرة بعد مرة. قال الله تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل }؛ لأنهما نزلتا دفعة واحدة. ومعنى الآية: نزل عليك يا محمد القرآن بالصدق لإقامة أمر الحق.
قوله تعالى: { مصدقا لما بين يديه }؛ أي موافقا لما تقدمه من التوراة والانجيل وسائر كتب الله تعالى في الدعاء إلى توحيد الله، وبيان أقاصيص الأنبياء والأمر بالعدل والإحسان وسائر ما لا يجري فيه النسخ وبعض الشرائع. وانتصب { مصدقا } على الحال من الكتاب.
قوله تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل } أي أنزل التوراة جملة على موسى، والإنجيل جملة على عيسى { من قبل } القرآن، { هدى للناس }؛ أي بيانا ونورا وضياء لمن تبعه. وموضع { هدى } نصب على الحال.
قوله تعالى: { وأنزل الفرقان }؛ يعني القرآن، وأما ذكره لبيان أنه يفرق بين الحق والباطل، ومتى اختلف فوائد الصفات على موصوف واحد لم يكن ذكر الصفة الثانية تكرارا، بل تكون الثانية في حكم المبتدلات لكل صفة فائدة ليست للأخرى، والصفة الأولى تفيد أن من شأنه أن يكتب، والصفة الثانية تفيد أن من شأنه أن يفرق بين الحق والباطل. وقيل: إن كل كتاب لله فهو فرقان.
قوله عز وجل: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } ، معناه: إن في كتب الله ما يدل على صدق قولك؛ فمن جحد بآيات الله وهي العلامات الهادية إليه الدالة على توحيده فأولئك لهم عذاب شديد، { والله عزيز ذو انتقام } أي ذو نقمة ينتقم ممن عصاه.
ثم حذرهم عن التلبس والاستتار عن المعصية، فقال: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } ، أي لا يخفى عليه قول الكفار وعملهم، يحصي كل ما يعملونه فيجازيهم عليه في الآخرة.
وفائدة تخصيص الأرض والسماء وإن كان الله لا يخفى عليه شيء بوجه من الوجوه: أن ذكر الأرض والسماء أكبر في النفس وأهول في الصدر، فذكره على وجه الأهوال، إذ كان الغرض به التحذير.
آل عمران 3:6
قوله تعالى: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء }؛ أي خلقكم في أرحام الأمهات كيف يشاء من لون وطول وقصر وعظم وصغر وذكورة وأنوثة وحسن وقبح وسعيد أو شقي.
قوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم }؛ أي لا مصور ولا خالق إلا هو. ومعنى العزيز: المنيع في سلطانه، لا يغالب ولا يمانع، ومعنى الحكيم: المحكم في تدبيره وقضائه في عباده، وأفعال الله كلها شاهدة بأنه الواحد القديم العالم القادر.
آل عمران 3:7
قوله عز وجل: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } ، قال ابن عباس: (معناه: هو الذي أنزل عليك القرآن منه آيات واضحات مبينات للحلال والحرام هن أصل الكتاب الذي أنزل عليك يعمل عليه في الأحكام، وهن أم في التوراة والإنجيل والزبور وكل كتاب) نحو قوله تعالى:
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم
[الأنعام: 151].
وقوله تعالى: { وأخر متشابهات } أي ومنه آيات أخر اشتبهت على اليهود مثل { الم } و { المص }. وقيل: يشبه بعضها بعضا.
واختلفوا في المحكم والمتشابه، فقال قتادة والربيع والضحاك والسدي: (المحكم هو الناسخ الذي يعمل به، والمتشابه هو المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به). وعن ابن عباس قال: (محكمات القرآن: ناسخه، وحلاله؛ وحرامه، وحدوده؛ وفرائضه؛ وأوامره، والمتشابهات: منسوخه، ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه). وقال مجاهد وعكرمة: (المحكم: ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك متشابه)، وقال بعضهم: المحكم هو الذي لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل وجوها.
وقال ابن زيد: (المحكم ما ذكره الله من قصص الأنبياء مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام، والمتشابه هو ما اختلف فيه الألفاظ من قصصهم عند التكرار كما في موضع من قصة نوح
قلنا احمل
[هود: 40] وفي موضع آخر
فاسلك
[المؤمنون: 27]، وقال تعالى في العصا:
فإذا هي حية تسعى
[طه: 20]، وفي موضع آخر
فإذا هي ثعبان مبين
[الأعراف: 107]، وقوله تعالى:
فبأي آلاء ربكما تكذبان
[الرحمن: 13] ونحو
ويل يومئذ للمكذبين
[المرسلات: 15] ونحو ذلك).
وقال بعضهم: المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معانيه، والمتشابه ما ليس لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، نحو: خروج الدجال؛ ونزول عيسى؛ وطلوع الشمس من مغربها؛ وقيام الساعة؛ وفناء الدنيا ونحوها.
وقال ابن كيسان: (المحكمات حججها واضحة؛ ودلائلها واضحة؛ لا حاجة لمن سمعها إلى طلب معناها، والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا تعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل).
وقال بعضهم: المحكم ما اجتمع على تأويله، والمتشابه ما ليس فيه بيان قاطع.
وقال محمد بن الفضل: (هو سورة الإخلاص لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط، والمتشابه نحو قوله
الرحمن على العرش استوى
[طه: 5] ونحو قوله
خلقت بيدي
[ص: 75]، ونحو ذلك مما يحتاج إلى تأويلها في الإبانة عنها).
ويقال: المحكم: نحو قوله تعالى:
ولقد خلقنا السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام
[ق: 38] والمتشابه: نحو قوله:
خلق الأرض في يومين
[فصلت: 9] ثم قال
وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام
[فصلت: 10] ثم قال:
فقضهن سبع سموت في يومين
[فصلت: 12] فظن من لا معرفة له أن العدد ثمانية أيام ولم يعلم أن اليومين الأولين داخلان في الأربعة التي ذكرها الله من بعد.
وقال الزجاج: (المحكم ما اعترف به أهل الشرك مما أخبر الله به من إنشاء الخلق؛ وجعله من الماء كل شيء حي؛ وما خلق الله من الثمار وسخر لهم من الفلك والرياح. والمتشابه: ما تشابه عليهم من أمر البعث). وقد سمى الله جملة القرآن محكما؛ فقال:
كتاب أحكمت آياته
[هود: 1] فوصفه بالإحكام، وسماه كله متشابها في آية أخرى، فقال:
الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها
[الزمر: 23] أي يشبه بعضه بعضا في الحسن والتصديق.
قوله عز وجل: { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله }؛ معناه: { فأما الذين في قلوبهم } ميل عن الحق والهدى وهم اليهود فيتبعون ما اشتبه عليهم من أمر الحروف المقطعة، يحسبون ذلك بحساب الجمل { ابتغاء الفتنة }؛ أي طلب الكفر والشرك، { وابتغاء تأويله } في طلب تفسير منتهى ما كتب الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من المدة ليرجع الملك إلى اليهود، { وما يعلم } تفسير ما كتب الله لهذه الأمة { إلا الله }.
وقال الربيع: (
" إن هذه الآية نزلت في وفد نصارى نجران لما حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح؛ فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه؟ قال: " بلى " قالوا: حسنا "
، فأنزل الله هذه الآية).
وقال ابن جريج: (الذين في قلوبهم زيغ؛ أي شك وهم المنافقون). وقال الحسن: (هم الخوارج)، وقال بعضهم: جميع المبتدعة، أعاذنا الله من البدعة.
ومعنى الآية: أن النصارى صرفوا كلمة الله إلى ما يقولون من قدم عيسى مع الله عز وجل، وصرفوا قوله
وروح منه
[النساء: 171] إلى أنه جزء منه كروح الإنسان، وإنما أراد الله تعالى بقوله
وكلمته
[النساء: 171] أن الله تعالى إنما صيره بكلمة منه وهي قوله
كن
[البقرة: 117] فكان، وسماه روحه لأنه خلقه من غير أب، بل أمر جبريل فنفخ في جيب مريم عليها السلام؛ فهو روح من الله أضافه إلى نفسه تشريفا له، كبيت الله وأرض الله.
وقيل: سماه روحا؛ لأنه كان يحيي الموتى، كما سمى القرآن روحا من حيث إن فيه حياة الناس في أمر دينهم، قال الله تعالى
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا
[الشورى: 52] فصرف أهل الزيغ قوله تعالى
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
[النساء: 171] إلى مذاهبهم الفاسدة طلب الكفر والضلال، ولم يردوا هذا اللفظ الذي اشتبه عليهم وشبهوه على أنفسهم إلى الآية المحكمة؛ وهو قوله عز وجل:
إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب
[آل عمران: 59] فعلى هذا يكون: { وما يعلم تأويله إلا الله } أي ما يعلم تأويل جميع المتشابه حتى يستوعب علم المتشابهات إلا الله.
واختلف أهل العلم في معنى هذه الآية، فقال قوم (الواو) في قوله تعالى: { والراسخون في العلم } ، واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم، وهم مع علمهم: { يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب }؛ والمعنى والثابتون في العلم يعلمون تأويل ما نصب الله لهم الدلالة عليه إلى المتشابه وبعلمهم يقولون: ربنا آمنا به، فروي عن أبن عباس: { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } يعلمونه قائلين: آمنا به).
ومنهم من جعل تمام الكلام عند قوله { إلا الله }. وفي قراءة ابن مسعود آمنا (يقول الراسخون في العلم آمنا به) وهو مروي أيضا عن ابن عباس.
ولا يبعد أن يكون للقرآن تأويل ليستأثر الله بعلمه دون خلقه؛ لأنا لا نعلم مراد الله وحكمته في جميع أوامره ونواهيه؛ غير أنه ألزمنا العمل بما أنزله ولم يطالبنا بما لا سبيل لنا إلى معرفته، ولم يخف عنا علم ما غاب عنا، مثل قيام الساعة وغير ذلك إلا لما فيه من المصلحة لنا وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا، وما علمناه فلم يعلمناه إلا لمصلحتنا ونفعنا فنعرف بصحة جميع ما أنزل الله؛ والتصديق بذلك كله ما علمنا منه وما لم نعلم.
وكان ابن عباس يقول: (أنا من الراسخين في العلم). وقرأ مجاهد هذه الآية؛ فقال: (أنا ممن يعلم تأويله). وروى عكرمة عن ابن عباس؛ قال: (كل القرآن أعلم تأويله إلا أربعا (غسلين) و (حنانا) و (الأواه) و (الرقيم)). وهذا إنما قاله ابن عباس في وقت ثم علمها بعد ذلك وفسرها.
وممن اختار تمام الكلام عند قوله { إلا الله } واستئناف الكلام بقوله { والراسخون }: عائشة وعروة بن الزبير ورواية طاووس عن ابن عباس كذلك أيضا؛ واختاره الكسائي والفراء ومحمد بن جرير؛ وقالوا: (إن الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به). والآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بمدة أجل هذه الأمة؛ ووقت قيام الساعة وفناء الدنيا؛ ووقت طلوع الشمس من مغربها؛ ونزول عيسى؛ وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج؛ وعلم الروح ونحوها مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه.
قوله تعالى: { وأخر متشابهات } أخر جمع أخرى، ولم ينصرف لأنه معدول عن أخر مثل عمر وزفر، وقوله تعالى: { والراسخون في العلم } قال بعضهم: هم علماء أهل الكتاب الذين آمنوا منهم؛ مثل عبدالله بن سلام وأصحابه، ودليله قوله تعالى
لكن الراسخون في العلم منهم
[النساء: 162] يعني الدارسين علم التوراة. وعن أبي أمامة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الراسخون في العلم؟ فقال:
" من بر في يمينه؛ وصدق لسانه؛ واستقام قلبه؛ وعف بطنه وفرجه؛ فذلك الراسخ في العلم ".
وسئل أنس بن مالك عن تفسير الراسخين في العلم من هم؟ فقال: (الراسخ: هو العالم العامل بما علم المتبع).
وقيل الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحتقرون من دونهم.
وقال بعضهم: الراسخ في العلم من وجد في عمله أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه.
آل عمران 3:8
قوله عز وجل: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا }؛ أي ويقول الراسخون في العلم ربنا لا تمل قلوبنا عن الحق والهدى كما أزغت قلوب اليهود والنصارى، { بعد إذ هديتنا } أي لا تزغ قلوبنا بعد إذ أرشدتنا ونصرتنا ووفقتنا لدينك الحق، وقوله: { وهب لنا من لدنك رحمة }؛ أي أعطنا من عندك نعمة، وقيل: لطفا يثبت قلوبنا على الهدى. واسم الرحمة يقع على كل خير ونعمة، وقيل معناه: وهب لنا من لدنك توفيقا وتثبيتا على الإيمان والهدى. وقال الضحاك: (معناه: وهب لنا تجاوزا ومغفرة). وقيل: هب لنا لزوم خدمتك على شرط السنة.
وقوله تعالى: { إنك أنت الوهاب }؛ أي أنت المعطي والوهاب الذي من عادته الإعطاء والهبة، وإنما سمي القلب قلبا لتقلبه، وإنما مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن قلب ابن آدم مثل العصفور يتقلب في اليوم سبع مرات "
آل عمران 3:9
قوله عز وجل: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه }؛ أي يقولون ربنا إنك محيي الناس بأجمعهم بعد الموت جزاء؛ (ل) جزاء { يوم لا ريب فيه } أي لا شك فيه يعني يوم القيامة.
قوله عز وجل: { إن الله لا يخلف الميعاد }؛ أي لا يخلف الله ما وعد من البعث والحساب والميزان والجنة والنار.
آل عمران 3:10
قوله عز وجل: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا }؛ أراد بالذين كفروا اليهود الذين تقدم ذكرهم. وقيل: أراد بهم نصارى نجران، ويقال: عامة الكفار، ومعنى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } أي لا يدفع عنهم كثرة أموالهم وأولادهم شيئا من عذاب الله في الدنيا والآخرة؛ لأنه لا يقبل منهم فداء ولا شفاعة. ويسمى المال غنى لأنه يدفع عن مالكه الفقر والنوائب، فأخبر الله أن أموال هؤلاء الكفار وأولادهم لا تقيهم من العذاب.
قرأ السلمي: (لن يغني عنهم) بالياء لتقدم الفعل ودخول الحائل بين الاسم والفعل، وقرأ الحسن (لن تغني) بالتاء وسكون الياء.
قوله تعالى: { وأولئك هم وقود النار }؛ أي حطب النار، والوقود بنصب الواو ما يوقد به النار، وفي هذا بيان أن أهل النار يحترقون في النار احتراق الحطب لا كما يحترق الإنسان بنار الدنيا، فإن نار الدنيا تسيل الصديد من الإنسان ولا تأخذه كما تأخذ الحطب، ومن قرأ (وقود) بضم الواو فهو مصدر وقدت النار وقودا، كما يقال ورد ورودا؛ فيكون المعنى: أولئك هم وقود النار.
آل عمران 3:11
قوله عز وجل: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم }؛ الآية؛ المعنى أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون وكفار الأمم الخالية أخذناهم وعاقبناهم فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم. وقيل: معناه عادة هؤلاء الكفار في الكفر والتكذيب بالحق كعادة آل فرعون وعادة الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود؛ { كذبوا } بكتبنا ورسلنا فعاقبهم الله بكفرهم وشركهم، { والله شديد العقاب } إذا عاقب، فعقابه شديد على الدوام، والتأبيد لا كعقوبة أهل الدنيا.
والدأب في اللغة: العادة، كذا قال النضر بن شميل والمبرد، فيكون معناه: كعادة آل فرعون. وقال الزجاج: (الدأب: الاجتهاد؛ أي كاجتهاد آل فرعون في كفرهم وتطايرهم على الباطل، يقال: دأب في كذا يدأب دأبا إذا أدام العمل فيه، ثم نقل معناه إلى الشأن والحال والعادة).
وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: (معناه: كفعل آل فرعون وصنعهم في الكفر والتكذيب) يقول: كفرت اليهود بمحمد ككفر آل فرعون والذين من قبلهم. وقال الربيع والكسائي: (معناه: كشبه آل فرعون). وقال سيبويه: (الكاف في { كدأب } في موضع رفع، فخبر المبتدأ تقديره: دأبهم كدأب آل فرعون).
آل عمران 3:12
قوله عز وجل: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } ، أي قل يا محمد للذين كفروا ستهزمون وتقتلون وتحشرون بعد الموت إلى جهنم وبئس الفراش. قرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف بالياء فيهما، والباقون بالتاء، فمن قرأهما بالياء فعلى الإخبار عنهم أنهم يغلبون ويحشرون، ومن قرأها بالتاء فعلى الخطاب؛ أي قل لهم إنكم ستغلبون وتحشرون.
واختلف المفسرون في هؤلاء الكفار؛ فقال مقاتل: هم كفار مكة، ومعناه: قل لكفار مكة ستغلبون يوم بدر وتحشرون إلى جهنم في الآخرة، فلما نزلت هذه " الآية " قال النبي صلى الله عليه وسلم للكفار يوم بدر
" إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم "
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: (إن المراد بهم يهود المدينة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هزم الكفار يوم بدر، قالت اليهود: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في التوراة بنعته وصفته، وإنه لا ترد له راية، وأرادوا تصديقه واتباعه؛ فقال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له أخرى، فلما كان يوم أحد وغلب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما هو به، فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أبي سفيان بمكة ووافقوهم على أن تكون كلمتهم واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة، فأنزل الله هذه الآية).
وعن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: (لما أهلك الله قريشا يوم بدر، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود بسوق بني قينقاع، فدعاهم إلى الإسلام وحذرهم مثلما نزل بقريش من الانتقام، فأبوا وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الذين لم يعرفوا القتال ولم يمارسوه، لئن حاربتنا لنقتلن رجالا، وتعرف البأس والشدة، فأنزل الله هذه الآية). قوله تعالى: { إلى جهنم } اشتقاق جهنم من الجهنام وهي البئر البعيدة القعر.
آل عمران 3:13
قوله عز وجل: { قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين }؛ أي قد كان لكم أيها اليهود عبرة، ويقال: أيها الكفار على صدق ما أقول لكم في فرقتين التقتا يوم بدر؛ فرقة تقاتل في سبيل الله؛ أي في طاعة الله وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار، وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين علي رضي الله عنه، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان جملة الإبل التي في جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرا، والخيل فرسين؛ فرس المقداد وفرس مرثد بن أبي مرثد، وقيل: فرس علي، وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف، وجميع من استشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.
قوله تعالى: { وأخرى كافرة } أي فرقة أخرى كافرة؛ وهم كفار مكة سبعمائة وخمسون رجلا مقاتلين، ورئيسهم يومئذ عتبة بن ربيعة، وكانت خيلهم مائة فرس، وكانت حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: { يرونهم مثليهم رأي العين } من قرأ بالياء؛ فالمعنى ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثليهم ظاهر العين؛ أي ظن المسلمون أن المشركين ستمائة ونيف، وإنهم يغلبوا المشركين كما وعدهم الله بقوله:
فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين
[الأنفال: 66] قلل الله المسلمين في أعين المشركين، والمشركين في أعين المسلمين حتى اقتتل الفريقان كما قال الله تعالى:
وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم
[الأنفال: 44] ثم قذف الله الرعب في قلوب الكفرة حتى انهزموا بكف من تراب أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرماه في وجوههم وقال: [شاهت الوجوه].
ومن قرأ (ترونهم) بالتاء فهو خطاب لليهود، يعني يرون كفار مكة قريشا والمؤمنين رأي العين، فإن قيل لم قال { قد كان لكم آية } ولم يقل قد كانت والآية مؤنثة؟ قيل: لأنه ردها إلى البيان، أي قد كان بيان، فذهب إلى المعنى وترك اللفظ.
قوله تعالى: { يرونهم مثليهم رأي العين } قرأ أبو رجاء والحسن وشيبة ونافع ويعقوب بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.
وقوله تعالى: { والله يؤيد بنصره من يشآء }؛ أي يقوي ويشدد بقوته من يشاء. وقوله تعالى: { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار }؛ أي في غلبة المؤمنين للمشركين مع قلة المؤمنين وشوكة المشركين، { لعبرة } لذوي الأبصار في الدين؛ أي لذوي بصارة القلوب، ويجوز أن يكون معناه: لعبرة لمن أبصر الجيش الجمعين بعينه يومئذ، وفي قوله تعالى: { فئة } قراءتان، من قرأها بالرفع فعلى معنى: إحداهما فئة تقاتل، ومن قرأها بالخفض فعلى البدل من فئتين، كما قال الشاعر:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة
ورجل رماها الدهر بالحدثان
آل عمران 3:14
قوله عز وجل: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث }؛ بين الله بهذه الآية إن ما بسط للمشركين من زهرة الدنيا وزينتها هو الذي يمنعهم من تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يدعوهم إليه.
والمعنى: حسن للناس حب اللذات والشهوات والمشتهيات من النساء والبنين، بدأ بالنساء لأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الإفتتان ويحملن الرجال على قطع الأرحام والآباء والأمهات وجمع المال من الحلال والحرام. وقوله تعالى: { والبنين } قال صلى الله عليه وسلم:
" هم ثمرة القلوب وقرة الأعين؛ وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة "
قوله تعالى: { والقناطير المقنطرة } من القناطير، جمع قنطار، واختلفوا فيه، فقال الربيع: (القنطار هو المال الكثير بعضه على بعض). وقال ابن كيسان: (هو المال العظيم). وعن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" القنطار اثنا عشر ألف أوقية "
، وعن أنس:
" أن القنطار ألف مثقال "
وعن معاذ:
" ألف ومائتا أوقية "
وعن أنس أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ألفا مثقال "
وعن عكرمة:
" مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم "
وقيل القنطار: ما بين السماء والأرض من المال، وقيل: ملء مسك ثور ذهبا وفضة، وقال ابن المسيب وقتادة: (ثمانون ألفا). وعن مجاهد: (سبعون ألفا). وعن الحسن أنه قال: (القنطار مثل دية أحدكم). وحاصله أن القنطار: هو المال الكثير.
وقوله تعالى: { المقنطرة }؛ قال قتادة: (أي المنضدة بعضها على بعض). وقال بعضهم: المقنطرة: المدفونة. وقال السدي: (المضروبة المنقوشة). قوله تعالى: { من الذهب والفضة } سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق.
قوله تعالى: { والخيل المسومة } الخيل جمع لا واحد له من لفظه، واحده فرس، والمسومة هي الرواتع من السوم وهو الرعي، قال الله:
شجر فيه تسيمون
[النحل: 10] أو تكون من السيما؛ وهي العلامة من الأوضاح والغرة التي تكون في الخيل. وقال السدي: (المسومة: هي الواقفة). وقال مجاهد: (الحسان) وقال الأخفش: (هي المعلمة). وقال ابن كيسان: (البلق).
روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لما أراد الله أن يخلق الخيل قال للريح الجنوب: إني خالق منك خلقا فأجعله عزا لأوليائي؛ ومذلة لأعدائي؛ وجمالا لأهل طاعتي، ثم خلق منها فرسا وقال له: خلقتك وجعلت الخير معقودا بناصيتك؛ والغنائم مجموعة على ظهرك؛ وعطفت عليك صاحبك؛ وجعلتك تطير بلا جناح؛ وأنت للطلب وأنت للهرب، وسأجعل على ظهرك رجالا يسبحونني ويحمدونني ويهللونني ويكبرونني "
وقيل: خلق الله خيلا تلقى أعناقها كأعناق البخت، فلما أرسلها إلى الأرض واستوت أقدامها صهل فرس منها فقيل له: بوركت من دابة، أذل بصهيلك المشركين، أذل به أعناقهم واملأ به آذانهم، وأرعب به قلوبهم، فاختار الفرس، فقيل له: اخترت عزك وعز ولدك، ما خلقت خلقا أعز إلي منك ومنه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة "
، وعن أنس قال:
" لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل "
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند كل فجر بدعوة فيقول: اللهم من خولتني من بني آدم وجعلتني له، فاجعلني أحب أهله وماله إليه "
، وقال صلى الله عليه وسلم:
" ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها، وعليكم بكل كميت أغر محجل أو أدهم أغر محجل "
وعن أبي هريرة:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل "
وهو أن يكون له ثلاث قوائم محجلة وأخرى مطلقة، أو يكون الثلاث مطلقة والرابعة محجلة، ولا يكون الشكال إلا في الرجل دون اليد.
وقال صلى الله عليه وسلم:
" الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" الخيل ثلاثة: فرس للرحمن؛ وفرس للإنسان؛ وفرس للشيطان، فالذي للرحمن ما اتخذ في سبيل الله وقوتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإنسان فما استبطن وتحمل عليه، وأما فرس الشيطان فما روهن عليه أو قومر عليه "
قوله تعالى: { والأنعام والحرث } الأنعام جمع النعم، وأشهر النعم أكثر ما يستعمل في الإبل، وقد يقع على سائر المواشي من البقر والغنم والإبل، وقوله تعالى: { والحرث } بمعنى الزرع.
قوله تعالى: { ذلك متاع الحياة الدنيا }؛ أي هذا الذي ذكرت متاع الحياة الدنيا، أي شيء يستمتع به في الدنيا ثم يزول ويفنى. قوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } ، أي حسن المرجع والمنقلب للمؤمنين وهو الجنة الباقية، ثم بين الله إنما أعد الله للمؤمنين في الآخرة خير من هبة الدنيا.
آل عمران 3:15
وقال عز وجل: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها }؛ أي { قل } يا محمد: أخبركم بخير من الذي زين للناس في الدنيا للذين اتقوا الشرك والكبائر والفواحش؛ فلا يشتغلون بالزينة عن طاعة الله، لهم عند ربهم جنات؛ أي بساتين تجري من تحت شجرها ومساكنها أنهار الماء والعسل والخمر واللبن، { خالدين فيها } أي مقيمين دائمين؛ أي ليست تلك المياه كمياه الدنيا تجري أحيانا وتنقطع أحيانا، بل تكون جارية أبدا.
قوله تعالى: { وأزواج مطهرة }؛ أي ولهم نساء مهذبات في الخلق والخلق. قوله تعالى: { ورضوان من الله }؛ أي لهم مع ذلك رضا الله عنهم وهو من أعظم النعم، قال الله تعالى:
ورضوان من الله أكبر
[التوبة: 72]، قوله تعالى: { والله بصير بالعباد }؛ أي عالم بأعمالهم وثوابهم.
واختلفوا في منتهى الاستفهام في قوله تعالى: { أؤنبئكم }؛ قال بعضهم: منتهاه عند قوله: { بخير من ذلكم } وقوله تعالى: { للذين اتقوا } استئناف الكلام، وقال بعضهم: منتهاه: { عند ربهم } وقوله تعالى: { جنات } استئناف كلام.
قرأ أبو بكر عن عاصم: (ورضوان) بضم الراء في جميع القرآن وهي لغة قيس وعيلان وتميم؛ وهما لغتان كالعدوان والطمعان والطعنان، وقرأ عامة القراء (ورضوان) بكسر الراء.
آل عمران 3:16
قوله تعالى: { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } ، { الذين } في موضع خفض ردا على قوله { للذين اتقوا } أي للمتقين { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا } وصدقنا بالله وبالرسول فاغفر لنا خطايانا، وادفع عنا عذاب النار، ويجوز أن يكون موضع { الذين } رفعا على معنى هم { الذين يقولون ربنآ } كقوله تعالى:
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
[التوبة: 111] ثم قال في صفتهم مبتدئا:
التائبون العابدون
[التوبة: 112].
آل عمران 3:17
قوله تعالى: { الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار }؛ { الصابرين } في موضع خفض بدل من { الذين يقولون }. وذهب بعضهم إلى { الصابرين } نصب بالمدح. ومعنى الآية: { الصابرين } على طاعة الله وعلى الشدائد والمصائب وعلى ارتكاب النهي وعلى البأساء والضراء، { والصادقين } في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم، فإن الصدق قد يقع في القول كما يقع في الفعل، يقال: صدق فلان في القتال، وصدق في الجملة أي حقق. قال قتادة في تفسير الصادقين: (هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم في السر والعلانية). { والقانتين } أي القائمين بعبادة الله المطيعين، { والمنفقين } يعني في طاعة الله.
وقوله: { والمستغفرين بالأسحار } قال قتادة: (أراد به المصلين بالأسحار) قال أنس بن مالك: (أراد به السائلين المغفرة بالأسحار)، وقال الحسن: (انتهت صلاتهم إلى وقت السحر؛ ثم كان بعدها الاستغفار)، وعن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: (سمعت صوتا في ناحية المسجد سحرا يقول: إلهي دعوتني فأجبتك؛ وأمرتني فأطعتك؛ وهذا سحر فاغفر لي. فنظرت فإذا هو عبدالله بن مسعود رضي الله عنه). روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ثلاثة أصوات يحبهم الله: أصوات الديك، وصوت الذي يقرأ القرآن، وصوت المستغفرين بالأسحار "
وروي أن داود رضي الله عنه سأل جبريل: أي الليل أفضل؟ فقال: لا أدري إلا أن العرش يهتز في وقت السحر. وقال سفيان الثوري: (إن لله ريحا يقال لها الصبحة تهب وقت السحر؛ تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار)، وقال: (بلغنا أنه إذا كان أول الليل نادى مناد: إلا ليقم العابدون، فيقومون فيصلون ما شاء الله، ثم ينادي مناد في شطر الليل: ألا ليقم القانتون، فيقومون كذلك فيصلون، فإذا كان السحر نادى مناد: أين المستغفرون؟ فيستغفر أولئك؛ فإذا طلع الفجر نادى مناد: ألا ليقم الغافلون؛ فيقومون من فراشهم كالموتى إذا نشروا من قبورهم). وقال لقمان لابنه: (يا بني لا يكونن الديك أكيس منك؛ ينادي بالأسحار وأنت نائم). والسحر: هو الوقت الذي قبل طلوع الفجر.
آل عمران 3:18
قوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة }؛ روى أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من قرأ شهد الله أنه لا إله إلا هو عند منامه خلق الله تعالى منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة "
وعن سعيد بن جبير قال: (كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما؛ لكل حي من أحياء العرب صنم أو صنمان، فلما نزلت هذه الآية أصبحت تلك الأصنام كلها وقد خرت سجدا).
وعن ابن مسعود أنه قال: [من قرأ { شهد الله أنه لا إله إلا هو } إلى قوله: { إن الدين عند الله الاسلام } وقال: أنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي وديعة عنده؛ يجاء صاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى: عبدي عهد لي وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة].
ومعنى الآية: قال محمد بن السائب الكلبي:
" لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار اليهود من الشام، فقال أحدهما لصاحبه حين أبصر المدينة: ما أشبه هذه المدينة بمدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: " نعم ". قالا: أنت أحمد؟ قال: " أنا محمد وأحمد ". قالا: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك، قال: " اسألوا ". قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله تعالى؟ فأنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو } إلى آخرها، فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله صلى الله عليه وسلم "
قرأ أبو نهيك وأبو الشعث (شهد الله) بالمد والرفع على معنى: هم شهد الله الذين تقدم ذكرهم. وقرأ المهلب: (شهد الله) بالمد والنصب على المد. والآخرون (شهد الله) على الفعل أي قضاء الله، ويقال: أخبر الله. وقال مجاهد: (حكم الله). قرأ ابن السمؤل: (شهد الله أنه لا إله إلا هو). وقرأ ابن عباس: (إنه لا إله إلا الله) بكسر الألف جعله خبرا مستأنفا، وقال بعضهم بكسره لأن الشهادة قول وما بعد القول مكسور على الحكاية، تقديره: قال الله إنه لا إله إلا الله. قال المفضل: (معنى الشهادة { شهد الله }: الإخبار والإعلام، ومعنى الملائكة والمؤمنين بالإقرار؛ كقوله
شهدنا على أنفسنا
[الأنعام: 130] أي أقررنا).
قوله تعالى: { وأولوا العلم }؛ معناه الأنبياء، وقيل: المهاجرون والأنصار، وقيل: علماء المؤمنين أهل الكتاب: عبدالله بن سلام وأصحابه، وقال الكلبي والسدي: (علماء المؤمنين كلهم، فقرن الله شهادة العلماء بشهادته، لأن العلم صفة الله تعالى العليا ونعمته العظمى، والعلماء أعلام الإسلام والسابقون إلى دار السلام وشرح الأمكنة وحجج الأزمنة].
وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ساعة من عالم يتكئ على فراشه، وينظر في علمه خير من عبادة العابدين سبعين عاما "
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" تعلموا العلم، فإن تعليمه لله خشية، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة والنار، وهو الأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء. يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة، يقتدى بهم وتقص آثارهم ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتهم تستغفر لهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع الأرض وأنعامها، والسماء ونجومها، ألا وإن العلم حياة القلوب عن العماء، ونور الأبصار من الظلمات، يبلغ بالعبد منازل الأحرار ومجالس الملوك، والفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبه يوصل الأرحام، يلهمه الله السعدى، ويحرمه الأشقياء "
قوله تعالى: { قآئما بالقسط }؛ أي بالعدل، ونصب { قآئما } على الحال من شهد، وقيل: من قوله { لا إله إلا هو } ، ويجوز وقوع الحال المؤكد على الاسم في غير الإشارة، يقول: إنه زيد معروفا؛ وهو الحق مصدقا.
فإن قيل: الحال وصف هيئة الفاعل وذلك مما يقبل تغيير؛ فهل يجوز من الله أن يزول عنه قيامه بالقسط؟ قيل: هذا على مذهب الكوفيين لا يلزم؛ لأنهم يسمونه على لفظ القطع، يعنون بالقطع: قطع المعرفة إلى لفظ النكرة، مثل قوله:
الدين واصبا
[النحل: 52] كان أصله الواصب، وهذا كان أصله القائم، فلما قطعت الألف واللام نصب.
وأما عند البصريين فالحال حلال من باب حل في الشيء وصار فيه حال يأتي بعد الفعل يجوز عليه التغيير، وحال يأتي بعد الاسم لا يجوز عليه التغيير، وهذا من ذلك، وكذلك قوله:
وهذا بعلي شيخا
[هود: 72].
قوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } ، قال جعفر الصادق: (إنما كرر الشهادة لأن الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم) أي قولوا { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } العزيز: الغالب المنيع، والحكيم: ذو الحكمة في أمره وسلطانه، وقوله: { قآئما بالقسط } أي قائم بالتدبير؛ أي يجري أفعاله على الاستقامة.
آل عمران 3:19
قوله تعالى: { إن الدين عند الله الإسلام }؛ معنى الدين المرتضى؛ نظيره
ورضيت لكم الإسلم دينا
[المائدة: 3]، والإسلام: هو الدخول في السلم والانقياد والطاعة. وعن قتادة: (هو شهادة أن لا إله إلا الله؛ والإقرار بما جاء من عند الله؛ وهو دين الله الذي شرع لنفسه؛ وبعث به رسله؛ ودل عليه أولياءه؛ ولا يقبل غيره).
وقرأ الكسائي: (الدين عند الله) بالفتح على معنى: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهد أن الدين عند الله الإسلام.
قوله تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم }؛ أي لم تقر اليهود والنصارى للإسلام ولم يتسموا باليهودية والنصرانية { إلا من بعد ما جآءهم العلم } في كتابهم حسدا بينهم.
روي: أن اليهود كانوا يسمون مسلمين؛ فلما بعث عيسى عليه السلام وسمى أصحابه مسلمين حسدت اليهود مشاركتهم في الاسم فسموا أنفسهم يهودا؛ فكانوا يسمون مسلمين ويهودا، فغيرت النصارى اسمهم وسموا أنفسهم نصارى. والبغي: هو طلب الاستعلاء بغير حق.
وقال بعضهم: معنى الآية: ما اختلف الذين أوتوا الكتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما جاءهم بيان نعته وصفته في كتبهم.
قوله تعالى: { ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب }؛ أي من يجحد بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فإن الله سريع المجازاة، سريع التعريف للعامل عمله لا يحتاج إلى إثبات وتذكير.
آل عمران 3:20
قوله تعالى: { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن }؛ أي فإن خاصموك يا محمد في الدين؛ فقل: انقدت لله وحده بلساني وجميع جوارحي، وإنما خص الوجه لأنه أكرم جوارح الإنسان وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشي فقد خضع له سائر جوارحه التي دون الوجه. قال الفراء: (معناه: أخلصت عملي لله، والوجه العمل).
قوله تعالى: { ومن اتبعن } في موضع رفع عطفا على إني أسلمت؛ أي أسلمت ومن اتبعني أسلم أيضا كما أسلمت، والأصل إثبات الياء في (تبعني) لكن حذفت للتخفيف.
قوله تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتب والأميين أأسلمتم }؛ الذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى؛ والأميون مشركو العرب؛ أي قل لهم أخلصتم كما أخلصنا، { فإن أسلموا } اخلصوا؛ { فقد اهتدوا }؛ من الضلال؛ { وإن تولوا }؛ عن الإسلام وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالت اليهود عزيز ابن الله؛ { فإنما عليك البلغ }؛ بالرسالة. قوله تعالى: { والله بصير بالعباد }؛ أي عالم بمن يؤمن ومن لا يؤمن، لا يفوته شيء من أعمالهم التي يجازيهم بها.
قال الكلبي:
" لما نزلت هذه الآية ذكر ذلك لهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال أهل الكتاب: أسلمنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود: " تشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله؟ " قالوا: معاذ الله؛ ولكنه ابن الله. فذلك قوله تعالى: { وإن تولوا فإنما عليك البلغ } "
{ والله بصير بالعباد } أي عليم بصير بمن يؤمن وبمن لا يؤمن؛ وبأهل الثواب وبأهل العقاب.
فإن قيل: قوله: { ومن اتبعن } عطف على المضمر في قوله: { أسلمت } والعرب لا تعطف الظاهر على المضمر؟ قيل: إنما لا تعطف إذا لم يكن بين الكلامين فاصل، أما إذا كان بينهما فاصل جاز.
قوله { أسلمت } لفظه استفهام ومعناه أمر؛ أي أسلموا كقوله تعالى:
فهل أنتم منتهون
[المائدة: 91] أي انتهوا.
آل عمران 3:21
قوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم }؛ معناه: إن الذين يجحدون بآيات الله وهم اليهود والنصارى. { ويقتلون النبيين بغير حق } قرأ الحسن (ويقتلون) بالتشديد فهما على التكثير، وقرأ حمزة (ويقاتلون الذين يأمرون).
وفي إضافتهم قتل الأنبياء هؤلاء الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قولان؛ أحدهما: رضاهم بقتل من سلف منهم النبيين نحو قتلهم زكريا ويحيى، والثاني: أن هؤلاء قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وهموا بقتله كما قال الله تعالى:
وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك
[الأنفال: 30]، وقرأ بعضهم: (يقاتلون النبيين بغير حق).
وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال:
" قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: " رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر " ثم قرأ هذه الآية؛ ثم قال: " يا أبا عبيدة؛ قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني اسرائيل؛ فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوهم جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم " فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل فيهم الآية ".
قوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم } أي أخبرهم بعذاب وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم.
آل عمران 3:22
قوله تعالى: { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } ، أي أهل هذه الصفة بطلت حسناتهم فلا يستحقون الثناء عليها في الدنيا، ولا يستحقون الثواب عليها في الآخرة؛ { وما لهم من ناصرين }؛ أي من ناصر يمنعونهم من العذاب إذا نزل بهم.
آل عمران 3:23
قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون }. قال الكلبي:
" وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر من اليهود فجرا وكان في كتابهم الرجم؛ فكرهوا رجمهما لشرفهما ورجوا أن يكون لهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصة في أمرهما في الرجم فيأخذوا به. فرفع أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم عليهما بالرجم، فقال بعضهم: جرت علينا يا محمد! فقال صلى الله عليه وسلم: " بيني وبينكم التوراة، فمن أعرفكم بها " قالوا: ابن صوريا، فأرسلوا إليه، فلما قدم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت ابن صوريا؟ " قال: نعم، قال: " أنت أعلم اليهود؟ " قال: كذلك يزعمون. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من التوراة فيه آية الرجم - دله على ذلك ابن سلام - فقال لابن صوريا: إقرأ؛ فلما أتى على آية الرجم فوضع كفه عليها؛ ثم قام ابن سلام وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قد جاوزها ووضع كفه عليها، ثم قام ابن سلام فرفع كفه عنها، وقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة؛ فيسأل عن البينة، فإن كانوا عدولا رجم، وإن كانت المرأة حبلى يتربص بها حتى تضع ما في بطنها). فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما فرجما، فغضبت اليهود لذلك غضبا شديدا ورجعوا كفارا "
فذلك قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } معناه: ألم تعلم يا محمد بالذين أعطوا حظا من التوراة.
وقوله: { يدعون إلى كتاب الله } قال ابن عباس: (هو التوراة دعي إليها اليهود فأبوا لعلمهم بلزوم الحجة، وأن فيه البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم). وقال الحسن وقتادة: (أراد به القرآن، فإنهم دعوا إلى القرآن لموافقته التوراة في أصول الديانة). وعن الضحاك في هذه الآية: (أن الله تعالى جعل القرآن حكما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فحكم القرآن على اليهود والنصارى بأنهم على غير الهدى فأعرضوا). وقال قتادة: (هم اليهود دعوا إلى حكم القرآن واتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ فأعرضوا وهم يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم).
قوله تعالى: { ثم يتولى فريق منهم } أي يعرض؛ جمع كثر منهم من الداعي وهم معرضون عن العمل بالمدعو إليه، وقيل: معناه: ثم يتولى فريق منهم بعد علمهم أنها في التوراة، وإنما ذكر الإعراض بعد التولي؛ لأن الإنسان قد يعرض عن الداعي ويتأمل ما دعاه إليه فينكر أنه حق أو باطل، وهم لم يتأملوا ولم يتفكروا فيما دعوا إليه.
آل عمران 3:24
قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات }؛ أي { ذلك } الإعراض والكذب { بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } يعنون الأربعين يوما التي عبد آباؤهم فيها العجل. قوله تعالى: { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون }؛ أي غرهم افتراؤهم على الله أنه لا يعذبهم إلا أياما معدودات، ويقال: غرهم افتراؤهم أنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه.
آل عمران 3:25
قوله تعالى: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه }؛ أي كيف يحتالون وكيف يصنعون إذا جمعناهم بعد الموت لجزاء يوم لا شك فيه. قوله تعالى: { ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون }؛ أي أعطيت كل نفس برة وفاجرة جزاء ما عملت من خير أو شر تاما وافيا، { وهم لا يظلمون } أي لا ينقصون من حسنة ولا يزادون على سيئة. قال الضحاك عن ابن عباس: (أول راية ترفع لأهل الموقف ذلك اليوم من رايات الكفار راية اليهود؛ فيفضحهم على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار).
آل عمران 3:26
قوله تعالى: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء }. قال علي رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لما أراد الله تعالى أن ينزل الفاتحة؛ وآية الكرسي؛ وشهد الله؛ وقل اللهم مالك الملك، تعلقن بالعرش وقلن: تهبطنا دار الذنوب وإلى من يعصيك؟! فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي؛ ما من عبد قرأكن في دبر كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حضرة العرش على ما كان منه، وإلا نظرت إليه كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له كل يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة، وأعذته من كل عدو ونصرته عليه، ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت "
ومعنى الآية: قال ابن عباس: (لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم، هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى أطمع نفسه في ملك فارس والروم).
ويقال في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: إن اليهود قالوا: لا نتبعك؛ فإن النبوة والملك لم يزل في أسلافنا بني إسرائيل، فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: قل يا محمد: يا الله يا مالك الملك.
وإنما زيدت الميم لأنها بدل عن (يا) التي هي حرف النداء، ألا ترى أنه لا يجوز في الإخبار إدخال الميم؛ لا يقال: غفر اللهم لي كما يقال في النداء اللهم اغفر ((لي))؛ ولهذا لا يجوز الجمع بين ((ما كان)) الميم في آخره والنداء في أوله، لأنه لا يجوز الجمع بين العوض والمعوض، وإنما شددت الميم لأنها عوض عن حرفين، فإن النداء حرفان، وهذا اختيار سيبويه. وقال الفراء: (معنى قول القائل: اللهم يا الله أم بخير؛ أي أقصد. طرحت حركة الهمزة على الهاء).
قوله تعالى: { مالك الملك } أي مالك كل ملك، هذه صفة لا يستحقها أحد غير الله، وقيل: معناه: مالك أمر الدنيا والآخرة. وقال مجاهد: (أراد بالملك هنا النبوة)، وقيل: إن هذا لا يصلح لأنه قال: { وتنزع الملك } والله تعالى لا ينزع النبوة من أحد؛ لأنه لا يريد لأداء الرسالة إلا من يعلم أنه يؤدي الرسالة على الوجه، وأنه لا يغير ولا يبدل، لأنه عالم بعواقب الأمور.
ومعنى: { تؤتي الملك من تشآء } أي تعطي الملك من تشاء أن تعطيه. وقال الكلبي: { تؤتي الملك من تشاء } يعني محمدا وأصحابه، { وتنزع الملك ممن تشاء } أي من أبي جهل وأصحابه). وقيل معناه: { تؤتي الملك من تشاء } يعني العرب، { وتنزع الملك ممن تشاء } يعني الروم والعجم وسائر الأمم.
وقال بعضهم: { تؤتي الملك } أي العافية، قال صلى الله عليه وسلم:
" من أصبح آمنا في سربه؛ معافى في بدنه؛ عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها "
وقيل: هو القناعة. وقال ابن المبارك: (دخلت على سفيان الثوري بمكة فوجدته مريضا شارب الدواء وبه غم شديد، فسلمت عليه وقلت: ما لك يا أبا عبدالله؟ فقال: أنا مريض شارب الدواء وبي غم شديد، فقلت: أعندك بصلة؟ فقال: نعم، فقلت: ائتني بها، فكسرتها ثم قلت له: شمها؛ فشمها فعطس عند ذلك، فقال: الحمد لله رب العالمين، فسكن ما به، فقال: يا ابن المبارك؛ أنت فقيه وطبيب! فقلت: مجرب يا أبا عبدالله. قال: فلما رأيته سكن ما به وطابت نفسه، قلت: إني أريد ((أن)) أسألك حديثا، قال: سل ما شئت، قلت: أخبرني من الناس؟ قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، وقلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء، قلت: فمن السفلة؟ قال: الظلمة. ثم ودعته فخرجت).
وقيل: معنى: { تؤتي الملك من تشآء } يعني ملك المعرفة كما أوتي سحرة فرعون، { وتنزع الملك ممن تشآء } كما نزع من إبليس وبلعام. وقيل: معنى الملك: الجنة كما أوتي المؤمنون. قال الله تعالى:
وملكا كبيرا
[الإنسان: 20]. { وتنزع الملك ممن تشآء } كما نزع من الكفار. وقيل: أراد بالملك توفيق الإيمان والطاعة. وقيل: هو قيام الليل. وقال الشلبي: (هو الاستغناء من المكون عن الكونين).
قوله تعالى: { تعز من تشآء وتذل من تشآء } قال عطاء: { تعز من تشاء } يعني المهاجرين والأنصار، { وتذل من تشآء } يعني فارس والروم. وقيل: { تعز من تشاء } محمدا وأصحابه حتى دخلوا مكة بعشرة آلاف ظاهرين عليها { وتذل من تشآء } أبا جهل وأصحابه حتى جزت رؤوسهم وألقوا في القليب.
وقيل: { تعز من تشآء } بالإيمان والمعرفة، { وتذل من تشآء } بالكفر والنكدة، وقيل: { تعز من تشاء } بالطاعة، { وتذل من تشاء } بالمعصية، وقيل: { تعز من تشاء } بالتوفيق والمعرفة، { وتذل من تشاء } بالحرمان والخذلان، وقيل: { تعز من تشاء } بالتمليك والتشديد، { وتذل من تشاء } بسلب الملك وتسليط العدو عليه، وقيل: { تعز من تشاء } بقهر النفس ومخالفة الهوى، { وتذل من تشاء } من أتباع الهوى، وقيل: { تعز من تشاء } بأن يقهر الشيطان، { وتذل من تشاء } بأن يقهره الشيطان، وقيل: { تعز من تشاء } بالطاعة والرضا، { وتذل من تشاء } بالحرص والطمع.
قال بعضهم: الحر عبد ما طمع، والعبد حر ما قنع. وقال الشافعي رحمه الله:
ألا يا نفس إن ترضي بفوت
فأنت عزيزة أبدا غنيه
وقال آخر:
أفاد مني القناعة كل عز
وهل عز أعز من القناعه
فصيرها لنفسك رأس مال
وصير بعدها التقوى بضاعه
وقال بعضهم: معناه: { تعز من تشاء } بالاخلاص، { وتذل من تشاء } بالرياء، وقيل: { تعز من تشاء } بالجنة والرؤية، { وتذل من تشاء } بالنار والحجاب.
وقوله تعالى: { بيدك الخير إنك على كل شيء قدير }؛ أي بيدك الخير والشر، فاكتفى بذكر الخير لأنه الأفضل ولأنه إنما قال ذلك على وجه الرغبة، والرغبة إنما تقع في الخير لا في الشر، وفي ذكر أحد الأمرين دليل على الآخر كما قال تعالى:
سرابيل تقيكم الحر
[النحل: 81] ولم يذكر البرد؛ والمعنى تقيكم الحر والبرد، وقيل: معنى الآية: { بيدك الخير } أي النصر والفتح والفيء والغنيمة وغير ذلك من خير الدنيا والآخرة. قوله تعالى: { إنك على كل شيء قدير } أي من الإعطاء والنزع والعز والذل.
آل عمران 3:27
قوله تعالى: { تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل } ، أي يدخل من الليل في النهار حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون، وأقصره تسع ساعات، ويدخل النهار في الليل حتى يصير الليل خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون، وأقصره تسع ساعات، فما نقص من أجزاء أحدهما دخل في الآخر، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال بعضهم: معناه: تذهب بالليل وتجيء بالنهار، وتذهب بالنهار وتجيء بالليل.
قوله تعالى: { وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } ، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك وابن جبير والسدي: (معناه: تخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة، وتخرج النطفة من الحيوان وهي حي، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة). وقال بعضهم: يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة، وتخرج السنبلة من الحبة، والحبة من السنبلة.
وقال الحسن: (معناه: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والعالم من الجاهل؛ والجاهل من العالم). دليله قوله تعالى:
أو من كان ميتا فأحيينه
[الانعام: 122] الآية.
وحكاية عن الزهري:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه فإذا هو بامرأة حسنة الهيئة، فقال: " من هذه؟ " قالت: إحدى خالاتك، قال: " أي خالاتي هذه؟ " قالت: هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال صلى الله عليه وسلم: " سبحان الذي يخرج الحي من الميت " ، وكانت امرأة صالحة، وكان مات أبوها كافرا ".
قال أهل الإشارة: معناه: يخرج الحكمة من قلب الفاجر حتى لا تسكن فيه، والمسقطة من قلب العارف. قوله تعالى: { وترزق من تشآء بغير حساب } أي بغير تقدير، وقد تقدم تفسير ذلك.
آل عمران 3:28
قوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في عبدالله بن أبي وأصحابه المنافقين؛ كانوا مع إظهارهم الإيمان يتولون اليهود ويأتيهم بأخبار المؤمنين، ويرجون أن يكون لهم الظفر على المؤمنين؛ فأنزل هذه الآية ينهى المؤمنين عن مثل فعلهم، وينهى المنافقين أيضا؛ أي إن كنتم مؤمنين، فلا تتخذ الكفار أولياء من دون المؤمنين).
وقال الضحاك عن ابن عباس: (نزلت في عبادة بن الصامت؛ وكان بدريا نقيبا؛ وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج رسول الله يوم الأحزاب؛ قال عبادة: يا رسول الله؛ إن معي خمسمائة رجل من اليهود؛ وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل هذه الآية).
قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء }؛ أي من يواليهم في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين، فليس من الله في شيء. قال السدي: (فليس من الولاية في شيء، فقد برئ الله منهم). كما قال الله تعالى في آية أخرى:
ومن يتولهم منكم فإنه منهم
[المائدة: 51] معنى أن ولي الكافر راض بكفره، والرضى بالكفر كفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنا برئ من كل مسلم مع مشرك "
قوله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقة }؛ أي إلا أن يحصر المؤمن في أيدي الكفار يخاف على نفسه فيداهنهم فيرضيهم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان فهو مرخص له في ذلك، كما روي: أن مسيلمة الكذاب لعنه الله أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، وقال للآخر: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم، فأعاد عليه السؤال ثلاثا، فأجاب في كل مرة هذا الجواب، فضرب مسيلمة عنقه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
" أما المقتول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه "
فمعنى الآية: إلا أن تخافوا منهم مخافة. قرأ الحسن والضحاك ومجاهد: (تقية). وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة. وقرأ الباقون بالتفخم، فكل ذلك لغات فيها، ومعناه واحد.
قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه }؛ أي يخوفكم عقوبته وبطشه على موالاة الكفار وارتكاب المنهي عنه. وقال الزجاج: (معناه: ويحذركم الله إياه). وخاطب الله العباد على قدر عملهم وعقلهم، ومعنى قوله تعالى:
تعلم ما في نفسي
[المائدة: 116] أي تعلم حقيقة ما عندي ولا أعلم حقيقة ما عندك. قوله تعالى: { وإلى الله المصير } ، زيادة في الإبعاد وتذكير بالمعاد؛ أي إن فعلتم ما نهيتكم عنه فمرجعكم إلي.
آل عمران 3:29
قوله تعالى: { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله }؛ أي قل إن تسروا ما في قلوبكم من التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم والعداوة للمؤمنين والمودة للكافرين أو تظهروه بالشتم والطعن والحرب يعلمه الله فيجازيكم عليه، وإنما ذكر الصدر مكان القلب؛ لأنه مشتمل على القلب.
قوله تعالى: { ويعلم ما في السموت وما في الأرض }؛ أي لا يخفى عليه شيء من عمل أهل السموات وأهل الأرض، فلا يغرنكم الإخفاء، فإن الإخفاء والإبداء عنده سواء. قوله تعالى: { والله على كل شيء قدير }؛ أي على جزاء عمل السر والعلانية قادر.
آل عمران 3:30
قوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا }؛ نصب { يوم } بنزع الخافض لأن أول هذه الآية منصرف إلى قوله: { ويحذركم الله نفسه } في: { يوم تجد } ، وقيل: بإضمار فعل؛ أي اذكروا { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } أي حاضرا مكتوبا في ديوانهم لا يقصر فيه. وقرأ عبيدة بن عمر (محضرا) بكسر الضاد، ويعني عمله يحضره الجنة.
قوله تعالى: { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا }؛ أي والذي عملت من سوء يتمنى أن يكون بينه وبين ذلك أجل طويل بعد ما بين المشرق والمغرب، ليته لم يعمل، جعل بعضهم (ما) جزاء في موضع النصب واعمل فيه الوجود أي وتجد عملها، وجعل بعضهم جزاء مستأنفا.
قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد }؛ أي رحيم بالمؤمنين خاصة؛ هكذا قال ابن عباس، وقيل: إن أول هذه الآية عدل، وأوسطها تهديد وتخويف، وآخرها رأفة ورحمة.
آل عمران 3:31
قوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }؛ لما نزلت الآيات المتقدمة قالت اليهود: نحن أبناء الله واحباؤه، وإنما يقول الله مثل هذه الآيات في أعدائه، وأرادوا بقوله أحباؤه: نحبه ويحبنا؛ فأنزل الله هذه الآية.
والمحبة: في الحقيقة هي الإرادة، وهو أن تريد نفع غيرك فيبلغ مراده في نفعك إياه، وأما العشق: وهو إفراط المحبة في هذا المعنى. وأما محبة الطعام والملاذ؛ فهو شهوة وتوقان النفس. وأما محبة العباد لله تعالى، فالله يستحيل عليه المنافع، فلا يصح أن يراد بمحبه هذه الطريقة لكي يراد بها إعظامه وإجلاله وطاعته ومحبة رسله وأوليائه، ومحبة الله إياهم إثابته إياهم على طاعتهم؛ وإنعامه عليهم؛ وثناؤه عليهم؛ ومغفرته لهم.
ومعنى الآية: إن كنتم تحبون طاعة الله والرضا بشرائعه فاتبعوني على ديني يزدكم الله حبا، { ويغفر لكم ذنوبكم }؛ في اليهودية؛ { والله غفور رحيم }.
وروى الضحاك عن ابن عباس وقال:
" وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها، فقال صلى الله عليه وسلم: " يا معشر قريش؛ والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم " وقالت قريش: إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى؛ فأنزل الله هذه الآية "
).أي قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسول الله إليكم، وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. فلما نزلت هذه الآية عرضها عليهم فلم يقبلوا.
وقيل: لما نزلت هذه الآية عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهودي، فقال عبدالله بن أبي سلول: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى عليه السلام؛ فأنزل الله تعالى قوله عز وجل: { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }؛ أي فإن لم يفعلوا ما تدعوهم إليه من إتباعك وطاعة أمرك فإن الله تعالى لا يحب الكافرين؛ أي لا يغفر لهم ولا يثني عليهم.
فلما نزلت هذه الآية قالت اليهود: نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ونحن على دينهم، فأنزل الله قوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين }؛ معناه: أن الله اصطفاهم بالإسلام، وإن آدم كما لم ينفع أولاده المشركين كذلك سائر الأنبياء عليهم السلام لا ينفعونهم. وصفوة الله: هم الذين لا دنس فيهم بوجه من الوجوه؛ لا في اعتقاد ولا في الفعل، والاصطفاء: هو الاختيار، والصفوة: هو الخالص من كل شيء، فمعناه: { اصطفى ءادم } أي اختاره واستخلصه.
واختلفوا في آل عمران في هذه الآية؛ قيل: أراد بهم موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: أراد مريم عليها السلام.
آل عمران 3:32
قوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }؛ لما نزلت الآيات المتقدمة قالت اليهود: نحن أبناء الله واحباؤه، وإنما يقول الله مثل هذه الآيات في أعدائه، وأرادوا بقوله أحباؤه: نحبه ويحبنا؛ فأنزل الله هذه الآية.
والمحبة: في الحقيقة هي الإرادة، وهو أن تريد نفع غيرك فيبلغ مراده في نفعك إياه، وأما العشق: وهو إفراط المحبة في هذا المعنى. وأما محبة الطعام والملاذ؛ فهو شهوة وتوقان النفس. وأما محبة العباد لله تعالى، فالله يستحيل عليه المنافع، فلا يصح أن يراد بمحبه هذه الطريقة لكي يراد بها إعظامه وإجلاله وطاعته ومحبة رسله وأوليائه، ومحبة الله إياهم إثابته إياهم على طاعتهم؛ وإنعامه عليهم؛ وثناؤه عليهم؛ ومغفرته لهم.
ومعنى الآية: إن كنتم تحبون طاعة الله والرضا بشرائعه فاتبعوني على ديني يزدكم الله حبا، { ويغفر لكم ذنوبكم }؛ في اليهودية؛ { والله غفور رحيم }.
وروى الضحاك عن ابن عباس وقال:
" وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها، فقال صلى الله عليه وسلم: " يا معشر قريش؛ والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم " وقالت قريش: إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى؛ فأنزل الله هذه الآية "
).أي قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسول الله إليكم، وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. فلما نزلت هذه الآية عرضها عليهم فلم يقبلوا.
وقيل: لما نزلت هذه الآية عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهودي، فقال عبدالله بن أبي سلول: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى عليه السلام؛ فأنزل الله تعالى قوله عز وجل: { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }؛ أي فإن لم يفعلوا ما تدعوهم إليه من إتباعك وطاعة أمرك فإن الله تعالى لا يحب الكافرين؛ أي لا يغفر لهم ولا يثني عليهم.
فلما نزلت هذه الآية قالت اليهود: نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ونحن على دينهم، فأنزل الله قوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين }؛ معناه: أن الله اصطفاهم بالإسلام، وإن آدم كما لم ينفع أولاده المشركين كذلك سائر الأنبياء عليهم السلام لا ينفعونهم. وصفوة الله: هم الذين لا دنس فيهم بوجه من الوجوه؛ لا في اعتقاد ولا في الفعل، والاصطفاء: هو الاختيار، والصفوة: هو الخالص من كل شيء، فمعناه: { اصطفى ءادم } أي اختاره واستخلصه.
واختلفوا في آل عمران في هذه الآية؛ قيل: أراد بهم موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: أراد مريم عليها السلام.
آل عمران 3:33
قوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }؛ لما نزلت الآيات المتقدمة قالت اليهود: نحن أبناء الله واحباؤه، وإنما يقول الله مثل هذه الآيات في أعدائه، وأرادوا بقوله أحباؤه: نحبه ويحبنا؛ فأنزل الله هذه الآية.
والمحبة: في الحقيقة هي الإرادة، وهو أن تريد نفع غيرك فيبلغ مراده في نفعك إياه، وأما العشق: وهو إفراط المحبة في هذا المعنى. وأما محبة الطعام والملاذ؛ فهو شهوة وتوقان النفس. وأما محبة العباد لله تعالى، فالله يستحيل عليه المنافع، فلا يصح أن يراد بمحبه هذه الطريقة لكي يراد بها إعظامه وإجلاله وطاعته ومحبة رسله وأوليائه، ومحبة الله إياهم إثابته إياهم على طاعتهم؛ وإنعامه عليهم؛ وثناؤه عليهم؛ ومغفرته لهم.
ومعنى الآية: إن كنتم تحبون طاعة الله والرضا بشرائعه فاتبعوني على ديني يزدكم الله حبا، { ويغفر لكم ذنوبكم }؛ في اليهودية؛ { والله غفور رحيم }.
وروى الضحاك عن ابن عباس وقال:
" وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها، فقال صلى الله عليه وسلم: " يا معشر قريش؛ والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم " وقالت قريش: إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى؛ فأنزل الله هذه الآية "
).أي قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسول الله إليكم، وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. فلما نزلت هذه الآية عرضها عليهم فلم يقبلوا.
وقيل: لما نزلت هذه الآية عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهودي، فقال عبدالله بن أبي سلول: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى عليه السلام؛ فأنزل الله تعالى قوله عز وجل: { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }؛ أي فإن لم يفعلوا ما تدعوهم إليه من إتباعك وطاعة أمرك فإن الله تعالى لا يحب الكافرين؛ أي لا يغفر لهم ولا يثني عليهم.
فلما نزلت هذه الآية قالت اليهود: نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ونحن على دينهم، فأنزل الله قوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين }؛ معناه: أن الله اصطفاهم بالإسلام، وإن آدم كما لم ينفع أولاده المشركين كذلك سائر الأنبياء عليهم السلام لا ينفعونهم. وصفوة الله: هم الذين لا دنس فيهم بوجه من الوجوه؛ لا في اعتقاد ولا في الفعل، والاصطفاء: هو الاختيار، والصفوة: هو الخالص من كل شيء، فمعناه: { اصطفى ءادم } أي اختاره واستخلصه.
واختلفوا في آل عمران في هذه الآية؛ قيل: أراد بهم موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: أراد مريم عليها السلام.
آل عمران 3:34
قوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض }؛ إنتصب على البدل، وقيل: على التكرار، واصطفى ذرية بعضها من بعض، وقيل: على الحال؛ أي اصطفاهم حال كون بعضهم من بعض، { والله سميع عليم }؛ أي سميع لقولهم؛ عليم بهم وبمجازاتهم.
آل عمران 3:35
قوله تعالى: { إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم }؛ قال أبو عبيد: ((إذ) زائدة في الكلام وكذلك في سائر الآي). وقال جماعة من النحويين: معناه: واذكر إذ قالت، وكان اسم امرأة عمران (حنة) وهي أم مريم، وكان لها إبنان احداهما انشاع؛ وعمران بن ماثان؛ بينه وبين عمران أبي موسى عليه السلام ألف وثمانمائة سنة.
قوله تعالى: { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } أي أوجبت لك على نفسي أن أجعله عتيقا لخدمة بيت المقدس، وكانوا يحررون أولادهم أي يعتقونها عن أسباب الدنيا، يجعلون الولد خالصا لله، لا يستعملونها في منافعهم، ولم يكونوا يحررون إلا الذكران، وكان المحررون سكان بيت الله يتعهدونه ويكسونه، فإذا بلغوا خيروا؛ فإن أحبوا أقاموا في البيت، وإن أحبوا ذهبوا. و { محررا } نصب على الحال.
قوله تعالى: { فتقبل مني } أي تقبل مني نذري { إنك أنت السميع } لدعائي، { العليم } بنيتي وإخلاصي.
آل عمران 3:36
قوله عز وجل: { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ أنثى }؛ وذلك أنها كانت تظن وقت النذر أن ما في بطنها ذكرا؛ فلما ولدت أنثى توهمت أن لا تقبل منها؛ ف { قالت رب إني وضعتهآ أنثى } ، وكان هذا القول منها على وجه الاعتذار؛ لأن سعي الأنثى أضعف وعقلها أنقص، { والله أعلم بما وضعت } ، وكانوا لا يحررون النساء لخدمة البيت لما يلحقهن من الحيض والنفاس.
قوله عز وجل: { وليس الذكر كالأنثى }؛ هو من قول المرأة؛ معناه: ليس الذكر كالأنثى في خدمة البيت؛ لأن الأنثى عورة فلا تصلح لما يصلح له الذكر.
قوله تعالى: { وإني سميتها مريم }؛ أي خادم الرب بلغتهم.
قوله تعالى: { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم }؛ أي إني أمنعها وولدها بك إن كان لها ولد من الشيطان الرجيم. الرجيم: المرجوم وهو المطرود من رحمة الله تعالى. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ما من مولود إلا وللشيطان طعنة في جنبه حين يولد فيستهل صارخا من الشيطان الرجيم، إلا مريم وابنها عليه السلام، إقرؤا إن شئتم: وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم "
قرأ علي والنخعي وابن عامر: (وضعت) بضم التاء.
آل عمران 3:37
قوله عز وجل: { فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا }؛ أي استجاب الله دعاء (حنة)، وقبل نذرها، وجعل مريم صوامة وقوامة، رباها الله تربية حسنة. قوله تعالى: { وكفلها زكريا }؛ أي ضمها للقيام بأمرها، قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بإصبعيه "
وكان عمران قد مات و(حنة) حاملة بمريم. قرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وشيبة ونافع وعاصم وأبو بكر وابن عامر: (وكفلها زكريا) مخففا، وزكريا في موضع رفع؛ أي ضمها إلى نفسه، وتصديق هذه القراءة قوله تعالى:
أيهم يكفل مريم
[آل عمران: 44]. وروي عن ابن كثير: (وكفلها زكريا) بكسر الفاء؛ أي ضمها، وقرأ الباقون: (وكفلها) بالتشديد وزكريا بالنصب؛ أي ضمها الله زكريا فضمها إليه بالقرعة، وفي مصحف أبي: (وأكفلها) بالألف.
وكان زكريا وعمران تزوجا أختين؛ فكانت إشياع بنت فاقود أخت حنة عند زكريا، وكانت حنة بنت فاقود أم مريم عند عمران.
قال المفسرون: فلما وضعت حنة مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون عليه السلام وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة؛ فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم، فقال لهم زكريا عليه السلام: أنا أحق بها لأن خالتها عندي، فقالت له الأحبار: لا تفعل؛ فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها، ولكنا نقرع عليها فتكون عند من خرج سهمه.
قوله عز وجل: { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب * هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعآء }؛ أي عندما رأى زكريا أمر الله في مريم طمع أن الذي يأتي مريم بالفاكهة في الشتاء يصلح له عقر زوجته، فدعا عند ذلك وقال: { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } أي ولدا صالحا، والذرية تكون واحدا وجمعا؛ ذكرا أو أنثى، وهو ها هنا واحد، ويدل عليه قوله:
فهب لي من لدنك وليا
[مريم: 5] ولم يقل أولياء، وإنما أتت { طيبة } لأنه على لفظ ذرية كما قال الشاعر:
أبوك خليفة ولدته أخرى
وأنت خليفة ذاك الكمال
فأنث (ولدته) لتأنيث الخليفة.
قوله تعالى: { إنك سميع الدعآء } أي سامع الدعاء ومجيبه، وقولهم: (سمع الله لمن حمده) أي أجاب، وأنشد:
دعوت الله حتى خفت أن لا
يكون الله يسمع ما أقول
آل عمران 3:38
قوله عز وجل: { فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا }؛ أي استجاب الله دعاء (حنة)، وقبل نذرها، وجعل مريم صوامة وقوامة، رباها الله تربية حسنة. قوله تعالى: { وكفلها زكريا }؛ أي ضمها للقيام بأمرها، قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بإصبعيه "
وكان عمران قد مات و(حنة) حاملة بمريم. قرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وشيبة ونافع وعاصم وأبو بكر وابن عامر: (وكفلها زكريا) مخففا، وزكريا في موضع رفع؛ أي ضمها إلى نفسه، وتصديق هذه القراءة قوله تعالى:
أيهم يكفل مريم
[آل عمران: 44]. وروي عن ابن كثير: (وكفلها زكريا) بكسر الفاء؛ أي ضمها، وقرأ الباقون: (وكفلها) بالتشديد وزكريا بالنصب؛ أي ضمها الله زكريا فضمها إليه بالقرعة، وفي مصحف أبي: (وأكفلها) بالألف.
وكان زكريا وعمران تزوجا أختين؛ فكانت إشياع بنت فاقود أخت حنة عند زكريا، وكانت حنة بنت فاقود أم مريم عند عمران.
قال المفسرون: فلما وضعت حنة مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون عليه السلام وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة؛ فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم، فقال لهم زكريا عليه السلام: أنا أحق بها لأن خالتها عندي، فقالت له الأحبار: لا تفعل؛ فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها، ولكنا نقرع عليها فتكون عند من خرج سهمه.
قوله عز وجل: { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب * هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعآء }؛ أي عندما رأى زكريا أمر الله في مريم طمع أن الذي يأتي مريم بالفاكهة في الشتاء يصلح له عقر زوجته، فدعا عند ذلك وقال: { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } أي ولدا صالحا، والذرية تكون واحدا وجمعا؛ ذكرا أو أنثى، وهو ها هنا واحد، ويدل عليه قوله:
فهب لي من لدنك وليا
[مريم: 5] ولم يقل أولياء، وإنما أتت { طيبة } لأنه على لفظ ذرية كما قال الشاعر:
أبوك خليفة ولدته أخرى
وأنت خليفة ذاك الكمال
فأنث (ولدته) لتأنيث الخليفة.
قوله تعالى: { إنك سميع الدعآء } أي سامع الدعاء ومجيبه، وقولهم: (سمع الله لمن حمده) أي أجاب، وأنشد:
دعوت الله حتى خفت أن لا
يكون الله يسمع ما أقول
آل عمران 3:39
قوله عز وجل: { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى }؛ قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف وقتادة: (فناداه)، وقرأ الباقون: (فنادته)، وإذا تقدم الفعل فأنت فيه بالخيار؛ إن شئت أنثت؛ وإن شئت ذكرت.
ومعنى الآية: فناداه جبريل عليه السلام وهو قائم يصلي في المسجد بأن الله يبشرك بولد اسمه يحيى. والمراد بالملائكة هنا جبريل وحده؛ ونظيره قوله تعالى:
وإذ قالت الملائكة يمريم
[آل عمران: 42] يعني جبريل وحده، وقوله:
ينزل الملائكة بالروح
[النحل: 2] يعني جبريل وحده، { بالروح } أي بالوحي، يدل عليه قراءة ابن مسعود: (فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب).
وقوله تعالى: { أن الله يبشرك } قرأ ابن عامر والأعمش وحمزة: (إن الله) بكسر الألف على إضمار القول؛ تقديره: فنادته الملائكة فقالت: إن الله، لأن النداء قول، وقرأ الباقون بالفتح بوقوع النداء عليه كأنه قال: فنادته الملائكة بأن الله. قوله تعالى: { يبشرك } قرأ حمزة والكسائي (يبشرك) بفتح الياء وجزم الباء وضم الشين، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الباء وتشديد الشين وكسرها.
قوله تعالى: { مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا }؛ انتصب على الحال في قوله: { بكلمة من الله } يعني عيسى عليه السلام؛ أن يحيى مصدقا بعيسى، وكان يحيى أول من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة الله وروحه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، وقيل: بستة أشهر.
واختلفوا في تسمية يحيى بهذا الاسم؛ فقال ابن عباس: (لأن الله تعالى حيى به عقر أمه). وقال قتادة: (لأن الله أحيا قلبه بالإيمان). وقيل: بالنبوة.
وقيل: إن الله تعالى أحيى قلبه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية. قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من أحد يلقى الله عز وجل إلا وقد هم بخطية أو عملها إلا يحيى بن زكريا فإنه لم يهم بها ولم يعملها "
وقال بعضهم: سمي بذلك لأنه استشهد، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. قال صلى الله عليه وسلم:
" من هوان الدنيا على الله عز وجل أن عيسى قتلته امرأة، وقتل يحيى قبل رفع عيسى عليه السلام "
قوله تعالى: { بكلمة من الله } إنما سمي عيسى كلمة؛ لأن الله تعالى قال له كن من غير أب فكان، فوقع عليه اسم الكلمة. قوله تعالى: { وسيدا } السيد في اللغة وفي الحقيقة: من تلزم طاعته ويجب على الناس الاقتداء والقفا به في العلم والحلم والعبادة. وقال الضحاك: (السيد: الحسن الخلق). وقال ابن جبير: (السيد: الذي يطيع ربه عز وجل). وقال ابن المسيب: (السيد: الفقيه العالم). وقال سفيان: (هو الذي لا يحسد)، وقال عكرمة: (هو الذي لا يغضب)، وقال ذو النون: (الحسود لا يسود)، وقال الخليل: (سيدا أي مطاعا)، وقيل: السيد: القانع بما قسم الله، وقيل: هو الراضي بقضاء الله، وقيل: المتوكل على الله.
وقال أبو يزيد البسطامي: السيد هو الذي قد عظمت همته؛ ونبل قدره أن يحدث نفسه بدار الدنيا، وقيل: هو السخي.
" قال صلى الله عليه وسلم: " من سيدكم يا بني سلمة؟ " قالوا: جد بن قيس إلا أنه بخيل: قال: " وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح ".
قوله تعالى: { وحصورا } الحصور: هو الذي لا يأتي النساء، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء والسدي والحسن؛ يعني أنه يحصر نفسه عن الشهوات. وقال ابن المسيب والضحاك: (هو العنين الذي ما له ذكر قوي)، ودليل هذا التأويل ما روى أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" " كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا؛ فإنه كان سيدا وحصورا؛ { ونبيا من الصالحين } ". ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: " كان ذكره مثل هذه القذاة " ".
وقال المبرد: الحصور: هو الذي لا يدخل في اللعب والعبث والأباطيل، وقد يسمى كاتم السر حصورا، والذي لا يدخل مع الناس في الميسر حصورا لامتناعه من ذلك، وأصله من الحصير وهو الجسد؛ يقال: حصرت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحصر في قرانه إذا امتنع من اللقواة فلم يقدر عليها، ومنه إحصار العدو، قال الله تعالى:
وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا
[الإسراء: 8] أي محبسا. ويسمى الحصير حصيرا لأنه أدخل بعضه في بعض بالنسج وحبس بعضه على بعض. وأولى ما قيل في تفسير قوله تعالى: { وحصورا }: هو الذي لا يأتي النساء، يحبس نفسه عن ذلك اختيارا، فهذا التأويل أولى من تأويل بعضهم أنه لا شهوة له؛ لما في هذا من إضافة عيب العنة إليه.
آل عمران 3:40
قوله عز وجل: { قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء }؛ معناه: قال زكريا لجبريل حين سمع البشارة يا سيدي كيف يكون لي غلام وقد أدركني الهرم وامرأتي ذات عقر لا تلد، قال له جبريل مثل ذلك (يفعل الله ما يشاء)؛ أي الذي شاءه. وقال بعضهم: أراد زكريا بالرب الله عز وجل؛ أي قال يا رب كيف يكون لي غلام.
قال الكلبي: (كان زكريا يوم بشر بالولد ابن تسعين سنة). وقيل: ابن تسع وتسعين سنة. وروى الضحاك عن ابن عباس: (أنه كان ابن مائة وعشرين سنة). وكانت امرأته بنت ثماني وتسعين سنة، فذلك قوله تعالى حاكيا عنه: { وامرأتي عاقر } أي عقيم لا تلد.
يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف يعقر عقرا، ويقال: تكلم فلان حتى عقر بكسر القاف؛ إذا بقي لا يقدر على الكلام، وإنما حذف (الهاء) من عاقر لاختصاص الآيات بهذه الصفة كما يقال امرأة مرضع.
وقوله تعالى حاكيا عن زكريا: { وقد بلغني الكبر } هذا المقلوب؛ أي وقد بلغت الكبر وشخت، فإن قيل: هل يجوز أن يقول الإنسان بلغنا البلد كما يقول بلغت البلد؟ قيل: لا يجوز ذلك بخلاف قوله: { بلغني الكبر } بمعنى بلغت الكبر، والفرق بينهما أن الكبر طالب للإنسان لإتيانه عليه بحدوثه فيه، والإنسان كالطالب للكبر لبلوغه إياه بمرور السنين والأعوام عليه، وأما البلد فلا يكون طالبا للإنسان، كما يكون الإنسان طالبا للبلد.
فإن قيل: كيف قال زكريا { أنى يكون لي غلام } فاستبعد أن يعطيه الله ولدا على كبر السن من امرأة عاقر بعدما بشرته الملائكة بذلك؟ قيل: لم يكن هذا القول منه على جهة الاستبعاد ولكن من شأن من بشر بما يتمناه أن يحمله فرط سروره به على الزيادة في الاستكشاف والاستثبات، كما يقول الإنسان إذا رأى شيئا من الأمور العظيمة: كيف كان هذا؟! على جهة الاستعظام لقدرة الله تعالى لا لشك في القدرة.
وقيل: معناه: على أي حال يكون الولد أيردني الله وامرأتي إلى حال الشباب، أم على هذه الحالة؟! وقيل: معناه: أيرزقني الله الولد من امرأتي هذه أو من امرأة غيرها شابة؟ فقيل له { كذلك الله يفعل ما يشآء }؛ أي كإثمار السعفة اليابسة؛ يفعل الله ما يشاء.
آل عمران 3:41
قوله تعالى: { قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا }؛ أي قال زكريا يا رب اجعل لي علامة إذا حملت امرأتي عرفت ذلك منها، أراد بهذا القول تعجيل السرور قبل ظهور الولد بالولادة. قال: علامة ذلك أن لا تطيق الكلام مع أحد من الناس منذ ثلاثة أيام من غير خرس { إلا رمزا } أي الا إشارة بالعينين والحاجبين واليدين، وقيل: الرمز: تحريك الشفتين باللفظ من غير إبانة صوت، فذلك علامة حبل امرأتك.
قوله تعالى: { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار }؛ أي اذكر ربك كثيرا في هذه الأيام الثلاثة؛ { وسبح بالعشي والإبكار } أي صل غدوا وعشيا كما كنت تصلي من قبل، يقال: فرغت من سبحتي؛ أي من صلاتي، وسميت الصلوات سبحا لما فيها من التوحيد والتحميد والتنزيه من كل سوء. وقيل: أراد بالتسبيح التسبيح المعروف فيما بين الناس، وقرأ الأخفش (رمزا) بفتح الميم مصدرا مثل طلبا.
آل عمران 3:42
قوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } ، معطوف على { إذ قالت امرأت عمران } ، والمراد بالملائكة جبريل عليه السلام على ما تقدم. ومعنى { إن الله اصطفك } أي اختارك لطاعته وعبادته، { وطهرك } من الكفر بالإيمان والطاعات، كما قال:
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا
[الأحزاب: 33] أراد طهارة الإيمان والطاعات، وقيل: معناه: وطهرك من الأدناس كلها؛ من الحيض والنفاس وغير ذلك.
وقوله تعالى: { واصطفك على نسآء العلمين } أي اختارك على أهل زمانك بولادة عيسى من غير أب. وقيل: معنى الآية: وطهرك من مسيس الرجل.
فإن قيل: كيف يجوز ظهور الملائكة لمريم وذلك معجزة لا يجوز ظهورها على غير نبي، ومريم لم تكن نبيا؟ قيل: لأنها وإن لم تكن نبيا؛ فإن ذلك كان في وقت زكريا عليه السلام، ويجوز ظهور المعجزات في زمن الأنبياء عليهم السلام لغيرهم، ويكون ذلك معجزة له. وقيل: كان ذلك إلهاما لنبوة عيسى، كما كانت الشهب وتظليل الغمام وكلام الذئب إلهاما لنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.
آل عمران 3:43
قوله عز وجل: { يمريم اقنتي لربك واسجدي }؛ أي اخلصي لعبادة ربك، وقيل: أديمي الطاعة لذلك، وقيل: أطيلي القيام في الصلاة. وقيل: معنى قوله تعالى: { واركعي مع الراكعين }؛ أي صلي مع الجماعة في بيت المقدس؛ لأنها كانت تخدم المسجد.
وفي الآية دليل على أن الواو لا توجب الترتيب؛ لأن الركوع مقدم على السجود في المعنى؛ وقد تقدم السجود في هذه الآية في اللغة.
آل عمران 3:44
قوله عز وجل: { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون }؛ أي ذلك ما قصصناه عليك يا محمد من أمر زكريا ويحيى ومريم وعيسى من أخبار ما غاب عنك نرسل جبريل به، وما كنت عندهم يا محمد إذ يطرحون أقلامهم في نهر أيهم يضم مريم للقيام بأمرها وما كنت عندهم إذ يختصمون في أمرها للتربية.
آل عمران 3:45
قوله عز وجل: { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم }؛ أي إعلم واذكر { إذ قالت الملائكة } يعني جبريل { يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } يعني عيسى عليه السلام سماه كلمة؛ لأنه كان بكلمة من الله ألقاها إلى مريم؛ ولم يكن بوالد. قوله تعالى: { اسمه المسيح } إنما ذكر بلفظ التذكير؛ لأن معنى الكلمة الولد فلذلك لم يقل اسمها.
واختلفوا في تسميته مسيحا، قال ابن عباس: (المسيح: الممسوح بالبركة) فالمسيح فعيل بمعنى مفعول، وقال بعضهم: سمي مسيحا بمعنى الماسح، كان يمسح على ذوي العلل فيبرؤن. وقيل: إنه كان يمسح الأرض مسحا ولا يطوفها؛ أي يسيح فيها، وقيل: إنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. وقيل: مسحه جبريل بجناحيه من الشيطان حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل.
وقال الكلبي: (المسيح: الملك الذي لا حاجة له إلى أحد من المخلوقين). روي عن ابن عباس أنه عليه السلام كان يقول:
" الشمس ضياء والقمر سراج "
وإنه كان يقول:
" الشمس سراجي والقمر ضيائي "
، ويقول:
" البرية طعامي، أبيت حيث يدركني الليل، ليس لي ولد يموت ولا دار تخرب ولا مال يسرق، أصبح ولا غداء لي، وأمسي ولا عشاء لي، وأنا من أغنى الناس "
قوله تعالى: { وجيها في الدنيا والآخرة }؛ أي ذا قدر ومنزلة في الدنيا عند أهلها، وفي الآخرة عند ربه، والوجيه الذي لا يرد قوله، ولا مسألته. قوله تعالى: { ومن المقربين } ، أي من المقربين إلى ثواب الله في جنة عدن وهي الدرجة العليا، والتقرب إلى الله تقرب إلى ثوابه.
آل عمران 3:46
قوله تعالى: { ويكلم الناس في المهد }؛ أي في مضجع الرضاع. قال مجاهد: (قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني إنسان؛ يسبح في بطني وأنا أسمع).
قوله تعالى: { وكهلا }؛ أي يكلم الناس بعدما دخل في السن؛ يعني قبل أن يرفع إلى السماء. وقال الحسن: (وكهلا أي بعد نزوله من السماء). قوله تعالى: { ومن الصالحين }؛ أي ومن المرسلين.
وقال الكلبي: (أراد بالمهد: الحجر). روي أنهم لما قالوا لها:
يمريم لقد جئت شيئا فريا
[مريم: 27] كلمهم وهو في حجرها فقال:
إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت
[مريم: 30-31] ، وكان يومئذ ابن أربعين يوما.
فإن قيل: الكلام في حال كونه في المهد يعجب الناس منه، وأما الكلام في الكهولة فليس بعجب، فكيف ذكره الله؟ قيل: في ذلك الكلام وفي الكهولة بشارة لمريم في أن عيسى يعيش إلى وقت الكهولة.
وقيل: تكلم في المهد ببراءة أمه مما رماها به اليهود، وتكلم بالكهولة بإبطال ما ادعاه النصارى من كونه إلها؛ لأنه كان طفلا ثم صار كهلا، ومن يكون بهذه الصفة لا يكون إلها.
والكهل في اللغة: من جاوز حد الشباب ولم يبلغ حد الشيخوخة، يقال: اكتهل النبات إذا قوي واشتد. وقيل: الكهل: هو الذي يكون ابن أربع وثلاثين سنة.
آل عمران 3:47
وقوله عز وجل: { قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر }؛ أي ولم يصبني رجل بالنكاح ولا بالسفاح، وكان هذا القول منها على جهة الاستعظام لقدرة الله تعالى، لا على وجه الاستبعاد كما تقدم ذكره.
قال الله تعالى: { قال كذلك الله يخلق ما يشآء }؛ أي يكون لك ولد من غير بشر. قوله تعالى: { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون }؛ أي إذا أراد أن يخلق ما يشاء وحكم بتكوين شيء فإنما يقول له كن فيكون كما أراده الله تعالى. وهذا إخبار عن سرعة كون مراد الله عز وجل؛ لأنه لا يكون في وهم العباد شيء أسرع من كن، وإنما ذكره بلفظ الأمر لأنه أدل على القدرة، ونصب بعض القراء فيكون على جواب الأمر بالألف، ورفعه الباقون على إضمار هو يكون.
آل عمران 3:48
قوله تعالى: { ويعلمه الكتب والحكمة }؛ قرأ نافع ومجاهد والحسن وعاصم بالياء؛ كقوله تعالى:
كذلك الله يخلق ما يشآء
[آل عمران: 47]. وقال المبرد: ردوه على قوله { إن الله يبشرك }. وقرأ الباقون بالنون على التعظيم، وردوه على قوله: { نوحيه إليك }.
قوله تعالى: { ويعلمه الكتب والحكمة }؛ أي الخط، وقيل الزبور وغيره من الكتب سوى التوراة والإنجيل. وقوله تعالى: { والحكمة } أي الفقه؛ وهو فهم المعاني.
قوله تعالى: { والتوراة والإنجيل }؛ قيل: علمه الله تعالى التوراة في بطن أمه، والإنجيل بعد خروجه.
آل عمران 3:49
قوله تعالى: { ورسولا إلى بني إسرائيل }؛ أي ويجعله بعد ثلاثين سنة رسولا إلى بني إسرائيل؛ { أني قد جئتكم بآية }؛ بعلامة؛ { من ربكم }؛ لنبوتي، وقيل: { ورسولا } عطفا على { وجيها }. وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف عليه السلام وآخرهم عيسى عليه السلام.
قوله تعالى: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه }؛ قرأ نافع (إني) بالكسر على الاستئناف وإضمار القول، وقرأ الباقون بالفتح.
ومعنى الآية: أني أقدر لكم من الطين صورة كهيئة الطير فأنفخ في الطين كنفخ النائم فيصير طيرا يطير بين السماء والأرض بأمر الله عز وجل، ويقرأ (طائرا) إلا أن هذا أحسن؛ لأن الطائر يراد به الحال. قرأ الزهري وأبو جعفر (كهية الطير) بالتشديد، وقرأ الآخرون بالهمز. والهيئة: الصورة المهيئة من قولهم: هيأت الشيء إذا أصلحته. وقرأ أبو جعفر: (كهيئة الطائر) بالألف.
قوله تعالى: { فيكون طيرا بإذن الله }؛ قرأ عامة القراء (طيرا) على الجمع لأنه يخلق طيرا كثيرة، وقرأ أهل المدينة (طائرا) بالألف على الواحد ذهبوا إلى نوع واحد من الطير لأنه لم يخلق إلا الخفاش، وإنما خص الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ليكون أبلغ في القدرة لأن لها ثديا وأسنانا؛ وهي تحيض وتطهر، قال وهب: (وهي تطير ما دام الناس ينظرون إليها، فإذا غابت عن أعينهم سقطت، ولأنها تطير بغير ريش وتلد ولا تبيض).
وروي أنهم ما قالوا لعيسى أخلق لنا خفاشا إلا متعنتين له؛ لأجل مخالفته الطيور بهذه الأخبار التي ذكرناها. فلما قالوا له أخلق لنا خفاشا؛ أخذ طينا ونفخ فيه فإذا هو خفاش يطير بين السماء والأرض، فقالوا: هذا سحر؛ فقال: أنا؛ { وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله }؛ فقالوا: إن إبراء الأكمه والأبرص يفعله أطباؤنا، فذهبوا إلى جالينوس فأخبروه بذلك، فقال: إن الذي ولد أعمى لا يبصر بالعلاج، والأبرص الذي لو غرزت إبرة لا يخرج منه الدم لا يبرأ بالعلاج، وإن كان يحيي الموتى فهو نبي. فجاؤا بأكمه وأبرص فمسح عليهما فبرءا، فقالوا: هذا سحر؛ فإن كنت صادقا فأحيي الموتى، فأحيا أربعة من الموتى: العازر وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى: أن أخاك العازر مات فأتاه، وكان بينهما مسيرة ثلاثة أيام، فأتى هو وأصحابه فوجدوه قد دفن منذ ثلاثة أيام؛ فقام على قبره وقال: اللهم رب السماوات السبع والأرضين السبع أحيي العازر من قبره وودكه يقطر، فخرج وبقي مدة طويلة وولد له. وأحيا ابن العجوز، مر به وهو على سرير يحمل على أعناق الرجال إلى المقابر، ودعا الله تعالى أن يجيبه، فجلس على سريره وأنزل عن أعناق القوم، ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله فبقي مدة وولد له.
وأحيا ابنة العاشر بعد موتها بثلاثة ليال، فعاشت مدة وولدت.
فقالوا له: إنك تحيي من كان قريبا موته ولعلهم لم يموتوا فأحيي لنا سام بن نوح، فقال: دلوني على قبره فدلوه، فدعا الله تعالى أن يحييه فخرج من قبره، فقال له عيسى عليه السلام: من أنت؟ قال: سام بن نوح، قال: ومن أنا؟ قال: عيسى روح الله وكلمته، قال: كيف شبت يا سام ولم يكن في زمانكم شيب، قال: سمعت صوتا يقول أجب روح الله فظننت أن القيامة قد قامت فشاب رأسي من هول ذلك، وكان سام قد عاش خمسمائة سنة، ومات وهو شاب، فقال له عيسى عليه السلام: يا سام أتحب أن أسأل الله حتى تعيش معنا؟ قال: لا، قال: لم لا؟ قال: لأن مرارة الموت لم تذهب من قلبي إلى الآن. وكان له من يوم مات أكثر من أربعة آلاف سنة ثم مات مكانه.
فآمن بعيسى بعضهم وكذبه بعضهم، وقالوا: هذا سحر، فأخبرنا بأكلنا وادخارنا، فكان يقول: أنت يا فلان أكلت كذا وادخرت كذا، وأنت يا فلان أكلت كذا وادخرت كذا. فذلك قوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم }؛ أي بما تأكلونه وما تدفعوه في بيوتكم حتى تأكلوه.
قوله تعالى: { وأبرىء الأكمه } اختلفوا في الأكمه، قال مجاهد والضحاك: (هو الذي يبصر بالنهار دون الليل)، وقال ابن عباس وقتادة: (هو الذي ولد أعمى ولم يبصر شيء قط). وقال الحسن والسدي: (هو الأعمى المعروف). (والأبرص): هو الذي به وضح. وقال وهب: (ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان). قال الكلبي: (كان عيسى يحيي الموتى ب (يا حي يا قيوم)).
قوله تعالى: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون } أي أخبركم بما تأكلون غدوة وعشيا وما تدفعون من الغداء إلى العشاء، ومن العشاء إلى الغداء. وقرأ مجاهد (وما تذخرون) بذال معجمة ساكنة وفتح الخاء.
قال السدي: (كان عيسى إذا كان في الصبيان مع المعلم يحدث الصيبان بما يصنع آباؤهم ويقول للصبي: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا وهم يأكلون الساعة كذا، فينطلق الصبي إلى أهله وهو يبكي ويطلب منهم ذلك الشيء حتى يعطوه إياه، فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى، فحبسوا أولادهم عنه وقالوا لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا له: ليسوا هنا، قال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير، فقال عيسى: كذلك يكونون إن شاء الله، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير بأجمعهم، فهموا بعيسى أن يقتلوه، فلما خافت عليه أمه حملته على حمار لها وخرجت به هاربة إلى مفازة).
قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين }؛ أي إن ما قلت لكم علامة لكم في نبوتي إن كنتم مصدقين بالله عز وجل.
آل عمران 3:50
قوله تعالى: { ومصدقا لما بين يدي من التوراة }؛ معناه: وجئتكم { مصدقا لما بين يدي من التوراة } أي أتيت بالتوراة وأحكامها وصدقتها، وقيل: يعني بالتصديق أن في التوراة البشارة بي، فإذا خرجت فقد صدقت ذلك، ولا يجوز أن يكون { ومصدقا } عطفا على { ورسولا } لأنه لو كان ذلك لقال ومصدقا لما بين يديه.
قوله عز وجل: { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم }؛ لأنه كان في التوراة أشياء محرمة حلل عيسى بعضها وهو العمل في يوم السبت؛ وشحوم البقر والغنم وسائر ما حرم عليهم بظلمهم. وقيل: معناها: ولأحل لكم كل الذي حرم عليكم أحباركم لا ما حرم أنبياؤكم، ويكون البعض بمعنى الكل، واستدل صاحب هذا القول بقول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها
أو يعتلق بعض النفوس حمامها
قيل: معناه: كل النفوس. وقال الزجاج: (لا يجوز أن يكون البعض عبارة عن الكل؛ لأن بعض الشيء جزء منه). قال: (ومعنى قول لبيد: أو ما يعتلق نفسي حمامها؛ لأن نفسه بعض النفوس). وقرأ النخعي: (ولا حل لكم بعض الذي حرم عليكم) أي صار حراما.
قوله عز وجل: { وجئتكم بآية من ربكم }؛ أي أحل لكم شيئا مما حرم عليكم من غير برهان، بل أتيتكم بعلامة نبوتي. قوله تعالى: { فاتقوا الله وأطيعون }؛ أي اتقوا الله فيما أمركم ونهاكم وأطيعون فيما أبينه لكم؛ { إن الله ربي وربكم فاعبدوه }؛ أي قال لهم عيسى إن الله خالقي وخالقكم فوحدوه؛ { هذا صراط مستقيم }؛ أي هذا الذي أدعوكم إليه طريقي في الدين فلا عوج له، من سلكه أداه إلى الحق.
آل عمران 3:51
قوله تعالى: { ومصدقا لما بين يدي من التوراة }؛ معناه: وجئتكم { مصدقا لما بين يدي من التوراة } أي أتيت بالتوراة وأحكامها وصدقتها، وقيل: يعني بالتصديق أن في التوراة البشارة بي، فإذا خرجت فقد صدقت ذلك، ولا يجوز أن يكون { ومصدقا } عطفا على { ورسولا } لأنه لو كان ذلك لقال ومصدقا لما بين يديه.
قوله عز وجل: { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم }؛ لأنه كان في التوراة أشياء محرمة حلل عيسى بعضها وهو العمل في يوم السبت؛ وشحوم البقر والغنم وسائر ما حرم عليهم بظلمهم. وقيل: معناها: ولأحل لكم كل الذي حرم عليكم أحباركم لا ما حرم أنبياؤكم، ويكون البعض بمعنى الكل، واستدل صاحب هذا القول بقول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها
أو يعتلق بعض النفوس حمامها
قيل: معناه: كل النفوس. وقال الزجاج: (لا يجوز أن يكون البعض عبارة عن الكل؛ لأن بعض الشيء جزء منه). قال: (ومعنى قول لبيد: أو ما يعتلق نفسي حمامها؛ لأن نفسه بعض النفوس). وقرأ النخعي: (ولا حل لكم بعض الذي حرم عليكم) أي صار حراما.
قوله عز وجل: { وجئتكم بآية من ربكم }؛ أي أحل لكم شيئا مما حرم عليكم من غير برهان، بل أتيتكم بعلامة نبوتي. قوله تعالى: { فاتقوا الله وأطيعون }؛ أي اتقوا الله فيما أمركم ونهاكم وأطيعون فيما أبينه لكم؛ { إن الله ربي وربكم فاعبدوه }؛ أي قال لهم عيسى إن الله خالقي وخالقكم فوحدوه؛ { هذا صراط مستقيم }؛ أي هذا الذي أدعوكم إليه طريقي في الدين فلا عوج له، من سلكه أداه إلى الحق.
آل عمران 3:52
قوله عز وجل: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر }؛ أي لما وجد عيسى، وقيل: لما علم منهم الكفر والقصد إلى قتله؛ { قال من أنصاري إلى الله }؛ أي من أعواني مع الله، وقيل: معناه: من أنصاري إلى سبيل الله، وقيل: من أنصاري لله، { قال الحواريون نحن أنصار الله }؛ أي قال المخلصون في النصرة والتصديق: نحن أعوان دين الله معك؛ { آمنا بالله }؛ أي صدقنا بتوحيد الله؛ { واشهد }؛ يا عيسى؛ { بأنا مسلمون }؛ والإحساس هو العلم من خلجاتهم. واختلف المفسرون في الحواريين، قال بعضهم: هم المخلصون الخواص كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي "
أي هو من أمتي، وكان الحواريون لعيسى اثنى عشر رجلا من أصحابه، مكان العشرة من النبي صلى الله عليه وسلم، سموا الحواريين من الحور وهو الخلوص. يقال: عين حوراء إذا اشتد بياض بياضها وقلص؛ واشتد سواد سوادها وخلص، ومنه وفيه يقال: دقيق حواري للذي لم يبق منه إلا لبابه. وقال بعضهم: سموا حواريين من الحوار وهو البياض، إلا أنهم اختلفوا في بياضهم. قيل: كانوا قصارين يبيضون الثياب فمر بهم عيسى عليه السلام فقال: ألا أدلكم على تطهير أنفع من هذا؟ قالوا: نعم، قال: تعالوا حتى نطهر أنفسنا من الذنوب، فبايعوه على ذلك. وقيل: كانوا بيض الثياب، وقيل: كانوا بيض القلوب من الفساد.
وقال بعضهم: كانوا صيادين، قال لهم عيسى عليه السلام: ألا أدلكم على اصطياد أنفع من هذا؟ قالوا: بلى، قال: تعالوا حتى نصطاد أنفسنا من شرك إبليس؛ فبايعوه.
كأنهم ذهبوا في هذا إلى اشتقاقه من الحور الذي هو الرجوع، ومنه سمي المحور لأنه راجع إلى المكان الذي زال منه، وقيل: لأنه بدورانه ينصقل حتى يبيض. والمحور عود الخباز، وقيل: المحور الذي تدور عليه البكرة، وربما كان من حديد.
وأما ما روي في الحديث:
" نعوذ بالله من الحور بعد الكور "
فمعناه: من الرجوع والخروج من الجماعة بعد أن كنا فيها، يقال، كار عمامته إذا لفها على رأسه؛ وحارها: إذا نقضها.
قال مصعب: (لما اتبع الحواريون عيسى عليه السلام وهم اثنا عشر رجلا، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا، فيضرب بيده الأرض سهلا كان أو جبلا، فيخرج لكل إنسان رغيفين فيأكلهما. فإذا عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا، فيضرب بيده الأرض فيخرج الماء فيشربون، قالوا: يا روح الله؛ من أفضل منا إذا شئنا أطعمنا وإن شئنا أسقينا، وآمنا بك واتبعناك؟ قال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه، قال: فصاروا يغسلون الثياب بالكري).
وقال ابن المبارك: (سموا حواريين لأنه كان يرى بين أعينهم أثر العبادة ونورها وحسنها). قال النضر بن شميل: (الحواري خاصة الرجل الذي يستعين به فيما ينوبه). وعن قتادة قال: (الحواري: الوزير).
آل عمران 3:53
قوله تعالى: { ربنآ آمنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشهدين }؛ أي قالوا: ربنا آمنا بما أنزلت في كتابك؛ يعني: الإنجيل على عيسى، واتبعنا عيسى { فاكتبنا مع الشهدين } أي مع المصدقين لأنبيائك الذين يشهدون بصدق الأنبياء من قبلنا، وقال عطاء: (معناه: فاكتبنا مع النبيين). وقال ابن عباس: (معناه: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته).
آل عمران 3:54
قوله عز وجل: { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين }؛ يعني مكر الكفار الذين لم يؤمنوا بقصدهم قتل عيسى عليه السلام، والمكر: هو الاحتيال في تدبير الشر. وقوله: { ومكر الله } أي جازاهم الله على ما تقدم أن الجزاء على المكر يسمى مكرا، كما في الاعتداء والسيئة والاستهزاء.
قوله تعالى: { والله خير الماكرين } أي هو أفضل الصانعين حين يجازي الكفار على صنعهم؛ وخلص الممكور به؛ وذلك أن عيسى عليه السلام بعد إخراج قومه إياه وأمه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين، ودعاهم إلى الإسلام فهموا بقتله وتواطأوا عليه، وذلك مكرهم، فلما أجمعوا على قتله هرب منهم إلى بيت فدخله فرفعه جبريل من الكوة إلى السماء. فقال ملك اليهود واسمه يهودا، لرجل خبيث منهم يقال له طيطانوس: أدخل عليه البيت، فدخل فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام، فلما لم يجد عيسى خرج؛ فرأوه على شبه عيسى فظنوا أنه عيسى؛ فقتلوه وصلبوه، ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ فوقع بينهم قتال، فقتل بعضهم بعضا.
وقال وهب: (لما طرقوا عيسى في بعض الليل ونصبوا له خشبة ليقتلوه؛ أظلمت عليهم الأرض فصلبوا رجلا منهم يقال له يهودا ظنوا أنه عيسى عليه السلام، وهو الذي دلهم عليه، وذلك أن عيسى جمع الحواريين في تلك الليلة ثم قال: ليمكرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك، ويبيعني بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه؛ فأتى أحد الحواريين وقال لليهود: ما تجعلون لمن يدلكم على عيسى؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم عليه، فلما دخلوا البيت ورفع عيسى، ألقى الله شبه عيسى على الذي دلهم عليه؛ فقتلوه وصلبوه، فروي أنه لما أخذوه ليقتلوه قال لهم: أنا الذي دللتكم عليه, فلم يقبلوا منه ولم يلتفتوا إليه وصلبوه وهم يظنونه عيسى).
قال أهل التواريخ: (حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت عيسى لمضي خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على أرض بابل، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين).
والمكر: هو السعي بالفساد في ستر ومناجاة، وأصله من قول العرب: مكر الليل وأمكر؛ إذا أظلم. والمكر من المخلوقين: الخب والخديعة والغيلة، وهو من الله استدراجه العباد، قال الله تعالى:
سنستدرجهم من حيث لا يعلمون
[الأعراف: 182] قال ابن عباس: (كلما أحدثوا خطيئة تجددت لهم نعمة). وقال الزجاج: (مكر الله مجازاتهم على مكرهم، فسمي الجزاء باسم الابتداء كقوله تعالى:
الله يستهزىء بهم
[البقرة: 15] وقوله:
وهو خادعهم
[النساء: 142]). وقال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وسأل رجل جنيدا: كيف رضي الله المكر لنفسه وقد عاب به غيره؟ قال: لا أدري، ولكن أنشدني:
فديتك قد جبلت على هواك
فنفسي لا ينازعني سواكا
أحبك لا ببعض، بل بكل
وإن لم يبق حبك لي حراكا
ويقبح من سؤاك الفعل عندي
وتفعله فيحسن منك ذاكا
فقال الرجل: أسألك عن آية في كتاب الله تعالى وتجيبني بشعر فلان؟! فقال: ويحك! قد أجبتك إن كنت تعقل، ومكر الله بهم خاصة في هذه الآية إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام.
آل عمران 3:55
قوله عز وجل: { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة }؛ أول هذه الآية متصل بقوله: { خير الماكرين }. وقيل: معناه: واذكروا { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي }. قال الضحاك: (كسا الله عيسى الريش وألبسه النور؛ وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار في الملائكة).
واختلف المفسرون في معنى التوفي في هذه الآية؛ فقال الحسن والكلبي والضحاك وابن جريج: (معناه: إني قابضك ورافعك من الدنيا من غير موت). فعلى هذا القول للتوفي ثلاث تأويلات: أحدها: إني رافعك إلي وافيا لن ينالوا منك شيئا؛ من قولهم: توفيت كذا واستوفيته؛ إذا أخدته تاما، والأخذ معناه: إني مسلمك؛ من قولهم: توفيت كذا إذا سلمته. وقال الحسن: (معناه: إني منيمك ورافعك إلي من نومك). يدل عليه قوله تعالى:
وهو الذي يتوفكم باليل
[الأنعام: 60] أي ينيمكم؛ لأن النوم أخو الموت.
وروي عن ابن عباس أن معنى الآية: (إني مميتك) يدل عليه قوله تعالى:
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم
[السجدة: 11] وله على هذا القول تأويلان؛ أحدها: قال وهب بن منبه: (توفاه الله ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه إليه). والآخر: قال الضحاك: (إن في الكلام تقديما وتأخيرا؛ معناه: إني رافعك ومطهرك من الذين كفروا؛ ومتوفيك بعد إنزالك من السماء) قال الشاعر:
ألا يا نخلة من ذات عرق
عليك ورحمة الله السلام
أي عليك السلام ورحمة الله.
قال صلى الله عليه وسلم:
" أنا أولى الناس بعيسى عليه السلام؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل على أمتي وخليفتي فيهم. فإذا رأيتموه فاعرفوه؛ وإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها، ويهلك الله في زمانه الدجال، ويقع أمنه في الأرض حتى ترتعي الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، ويلبث في الأرض أربعين سنة "
وفي رواية كعب:
" أربعة وعشرين سنة، ثم يتزوج ويولد له ثم يموت، ويصلي عليه المسلمون ويدفنوه في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ".
وقيل للحسن بن الفضل: هل تجد نزول عيسى من السماء في القرآن؟ قال: (نعم؛ قوله تعالى:
ويكلم الناس في المهد وكهلا
[آل عمران: 46] وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنما رفع وهو شاب، وإنما معناه وكهلا بعد نزوله من السماء).
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كيف تهلك أمة أنا في أولها؛ وعيسى في آخرها؛ والمهدي من أهل بيتي في وسطها؟! "
وقال ابن عمر:
" رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم في الطواف، فقيل له في ذلك؛ فقال: " استقبلني عيسى في الطواف ومعه ملكان " ".
وقوله عز وجل: { ومطهرك من الذين كفروا } أي مخرجك من بين أظهرهم ومنجيك منهم، فإنهم كانوا أرجاسا. وكان تطهير عيسى منهم إزالتهم عنه برفعه، فإن التطهر إزالة الأنجاس عن الثوب والبدن. قوله عز وجل: { ورافعك إلي } أي إلى السماء، وقيل: إلى كرامتي كما قال إبراهيم عليه السلام: (إني ذاهب إلى ربي) أي حيث أمرني ربي.
قوله عز وجل: { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } معناه: جاعل الذين آمنوا بك فوق الذين كذبوا بك؛ أي فوقهم في العز والغلبة؛ لا ترى يهوديا حيث كان إلا أذل من النصراني. قالوا: وهذا يدل على أنه لا يكون لليهود ملك كما هو للنصارى.
وقيل: أراد بقوله { فوق الذين كفروا } فوقهم بالحجة والبرهان، قال ابن عباس والربيع وقتادة والشعبي ومقاتل والكلبي: (المراد بالذين اتبعوا عيسى أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين صدقوه فيما قال؛ فوالله ما تبعه من ادعاه ربا؛ تعالى الله عز وجل وتقدس أن يكون له ولد). قال الضحاك: (يعني الحواريين).
قوله تعالى: { ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون }؛ أي مرجع الكفار والمؤمنين إلي؛ { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين وأمر عيسى عليه السلام.
آل عمران 3:56
قوله تعالى: { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة }؛ أي أعاقبهم عقوبة شديدة في الدنيا بالقتل والسبي والجزية، وفي الآخرة بالنار، { وما لهم من ناصرين }؛ أي مانعين يمنعونهم من عذاب الله.
آل عمران 3:57
قوله عز وجل: { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم }؛ قرأ الحسن وحفص (فيوفيهم أجورهم) بالياء، ومعناه: الذين صدقوا وعملوا الصالحات نكمل لهم ثواب أعمالهم بالطاعة؛ { والله لا يحب الظالمين }؛ أي لا يرحمهم ولا يغفر لهم.
آل عمران 3:58
قوله عز وجل: { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم }؛ أي ما جرى من القصص ننزل به عليك يا محمد فيتلوه عليك جبريل بأمرنا. وإنما أضاف التلاوة إلى نفسه؛ لأنه حصل بأمره، { والذكر الحكيم } أي ومن القرآن ومن الحكمة بالتأليف والنظم، وسماه حكيما لأنه بما فيه من الحكمة كأنه ينطق بالحكمة. ويقال: معنى الحكيم المحكم وهو فعيل بمعنى مفعول.
آل عمران 3:59
قوله عز وجل: { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }؛ قال ابن عباس:
" وذلك أن وفد نصارى نجران: أسيد والعاقب وغيرهم من علمائهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " أسلموا " فقالوا: أسلمنا قبلك، فقال صلى الله عليه وسلم: " يمنعكم من الإسلام ثلاث: أكلكم الخنزير؛ وعبادتكم الصليب، وقولكم لله عز وجل ولد " فقالوا له: ما لك تشتم صاحبنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: " وما أقول؟ " قالوا: تقول إنه عبد الله، قال: " أجل؛ هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول " فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟! "
فأنزل الله عز وجل: { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب } أي صفة خلق عيسى بلا أب كصفة خلق آدم، خلقه من تراب من غير أب ولا أم ثم قال لآدم: كن؛ فكان. وأراد الله تعالى بهذه الآية أن كون الولد من غير أب ليس بأعجب من كون الإنسان لغير أب وأم، وقد خلق الله آدم من غير أب وأم.
وفي هذه الآية دلالة على صحة القياس؛ لأنه لو لم يصح القياس لم يكن الله يجيب به، وفيها دليل على جواز قياس الشيء بالشيء من وجه دون وجه؛ لأن الله عز وجل إنما شبه عيسى بآدم في كونه من غير أب؛ لا في كونه من غير أم؛ ولا في خلقه من التراب.
فإن قيل: هلا قال الله تعالى: (كن فكان) فإن آدم قد انقضى كونه وقد أخبر عنه بالمستقبل؟ قيل: إن الفعل الماضي منقطع والمضارع متصل؛ وذلك يقال: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل كذا فكان فعل كن لأنه لا يقتضي التكرار، وما روي أنه كان يفعل كذا فإنه على التكرار دون الانقطاع. ثم فعل الله يبنى على المهلة ويحدث على التدريج، ألا ترى أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكذلك بدت الحياة في آدم على التدريج، وكذلك أمر عيسى على التدريج كان يبدأ شيئا فشيئا؛ فأخبر الله عز وجل عن ذلك بفعل دائم.
آل عمران 3:60
قوله عز وجل: { الحق من ربك فلا تكن من الممترين }؛ قال الفراء: (رفع بخبر ابتداء محذوف تقديره: هو الحق أو هذا الحق). وقيل: تقديره: هذا الذي أنبأتك به هو الحق والصدق في أمر عيسى، { فلا تكن من الممترين } أي من الشاكين؛ فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا في أمر عيسى عليه السلام قط، وهذا كما قال تعالى:
يأيها النبي إذا طلقتم النسآء
[الطلاق: 1]. وقال بعضهم: معناه: لا تكن أيها السامع لهذا النبأ من الشاكين.
آل عمران 3:61
قوله عز وجل: { فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم }؛ أي فمن خاصمك وجادلك يا محمد في أمر عيسى من بعد ما جاءك من البيان بأنه عبد الله ورسوله، ولم يكن ابن الله ولا شريكه؛ { فقل تعالوا }؛ يا معشر النصارى؛ { ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم }؛ لنخرج إلى فضاء من الأرض؛ { ثم نبتهل }؛ أي نلتعن، والبهلة: اللعنة؛ يقال: بهله الله؛ أي لعنه الله وباعده. ويقال: معنى { نبتهل }: نجتهد ونتضرع في الدعاء على الكاذب. ثم فسر الابتهال فقال تعالى: { فنجعل لعنت الله على الكاذبين }؛ أي نقول: لعنة الله على الكاذبين في أمر عيسى.
قرأ الحسن وأبو واقد وأبو السمال العدوي: (تعالوا) بضم اللام. وقرأ الباقون: (تعالوا) بفتح اللام، والأصل فيه: تعاليوا؛ لأنه تفاعلوا من العلو، فاستثقلت الضمة على الياء فسكنت ثم حذفت وبقيت اللام على فتحها، ومن ضم فقد نقل حركة الياء المحذوفة إلى اللام. قال الفراء: (معنى تعال: ارتفع).
فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على نصارى نجران وقال لهم:
" " إن الله أمرني أن أباهلكم إن لم تقبلوا " قالوا له: يا أبا القاسم؛ بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فنعلمك، فرجعوا وخلا بعضهم ببعض، وقال السيد للعاقب: قد والله علمت أن الرجل نبي مرسل، ولئن لاعنتموه يا معشر النصارى ليستأصلنكم، وما لاعن نبي قوما قط فعاش كثيرهم ولا ثبت صغيرهم، وإن أنتم أبيتم إلا دينكم فواعدوه وارجعوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغدو وقد خرج بنفر من أهله محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن؛ وفاطمة تمشي على إثرهم وعلي بعدها وهو يقول لهم: " إذا أنا دعوت فأمنوا ". فقال واحد من النصارى: والله إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على الأرض نصراني إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم؛ قد رأينا أن لا نلاعنك ونتركك على دينك ونثبت على ديننا، فقال صلى الله عليه وسلم: " فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم ". فأبوا؛ فقال: " إني أنابذكم " فقالوا: ما لنا بحرب العرب من طاقة، ولكنا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا؛ على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة؛ ألف في صفر وألف في رجب. فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال لهم: " وإن كان كيد باليمن أعنتمونا بثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليكم ".
وكتب لهم كتاب الأمان والصلح: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد رسول الله لنجران في كل صفراء وبيضاء وسوداء أو رقيق فاضلا عنهم؛ ترك ذلك كله على ألفي حلة، في كل صفر ألف حلة، وفي كل رجب ألف حلة يمن كل حلة وقية، وما زادت الحلل على الأواق فبحسابها، وما نقص من درع وخيل أو ركاب فبحسابه. وعليهم عارية ثلاثون درعا وثلاثون فرسا وثلاثون بعيرا إن كان كيدا باليمن، ولنجران وحاشيتها جوار الله تعالى وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم ومالهم. وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير لا يغير ما كانوا عليه، ولا يغير أسقف من أسقفه، ولا راهب من رهبانيته، ولا يحشرون من بلادهم، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم حبش. وما سأل منهم حقا فله النصف غير ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل الربا من ذي قبل فذمتي منه برية، لا يؤخذ منهم رجل يطلب آخر، لهم جوار الله وذمة رسوله أبدا حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيها عليهم غير مثقلين بظلم ".
شهد الشهود أبو سليمان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف وغيرهم. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم معاذ بن جبل ليقضي بالحق فيما بينهم، ورجعوا إلى بلادهم. فقال صلى الله عليه وسلم: " لو باهلوني لاضطرم الوادي عليهم نارا، ولم ير نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة "
وفي بعض الروايات أنه قال:
" لو التعنوا لهلكوا كلهم حتى العصافير في سقوفهم "
وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" والذي نفسي بيده، إن العذاب يدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير؛ ولاضطرم الوادي عليهم نارا؛ ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير والشجر، وما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا "
فدل هذا الخبر على أن امتناعهم عن المباهلة لم يكن إلا لعلمهم أن الحق مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يعلموا ذلك لباهلوه.
آل عمران 3:62
قوله عز وجل: { إن هذا لهو القصص الحق }؛ أي هذا الذي أوحينا إليك من الحجج والآيات لهو الخبر الحق بأن عيسى لم يكن إلها ولا ولد الله ولا شريكه. والقصص: هو الخبر الذي يتلوا بعضه بعضا. قوله تعالى: { وما من إله إلا الله }؛ أي ما إله إلا الله واحد بلا ولد ولا شريك. ودخول (من) في قوله { وما من إله إلا الله } لتوكيد النفي في جميع ما ادعاه المشركون أنهم آلهة.
قوله تعالى: { وإن الله لهو العزيز الحكيم }؛ أي العزيز بالنقمة لمن لا يؤمن به، ذو الحكمة في خلق عيسى عليه السلام من غير أب؛ وفي أمره ألا تعبدوا إلا الله تعالى.
آل عمران 3:63
قوله تعالى: { فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين }؛ أي إن أعرضوا عما أتيت به من البيان؛ فإن الله عالم بالمفسدين الذين يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى عبادة غير الله يجازيهم على ذلك.
ثم دعاهم الله إلى التوحيد فقال عز وجل: { قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا }؛ أي قل لهم يا محمد: يا أهل الكتاب هلموا إلى كلمة عدل بيننا وبينكم.
وفي { سوآء } ثلاث لغات: سواء وسوى وسوا، ولا يمد فيها إلا المفتوح، قال الله تعالى:
مكانا سوى
[طه: 58]. ثم فسر الكلمة فقال تعالى: { ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به } أحدا من المخلوقين، وموضع (أن) رفع على إضمار (هي). وقيل: موضعها نصب بنزع الخافض، وقيل: موضعها خفض بدلا من الكلمة؛ أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله.
قوله تعالى: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله }؛ أي نرجع إلى معبودنا وهو الله عز وجل لا شريك له؛ وأن عيسى بشر كما أننا بشر فلا تتخذوه ربا، وسمى الله هذه الثلاثة الألفاظ كلمة لأن معناها: نرجع إلى واحد، وهي كلمة العدل: لا إله إلا الله.
قال بعض المفسرين: ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله كما فعلت اليهود والنصارى؛ فإنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ أي أطاعوهم في معصية الله. قال عكرمة: (هو سجود بعضهم لبعض)، وقيل: معناه: لا نطيع أحدا في المعاصي، وفي الخبر:
" من أطاع مخلوقا في معصية الله فكأنما سجد سجدة لغير الله "
قوله تعالى: { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون }؛ أي فإن أبوا التوحيد فقولوا اشهدوا بأنا مقرون بالتوحيد مسلمون لما أتانا به الأنبياء صلوات الله عليهم من الله تعالى.
آل عمران 3:64
قوله تعالى: { فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين }؛ أي إن أعرضوا عما أتيت به من البيان؛ فإن الله عالم بالمفسدين الذين يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى عبادة غير الله يجازيهم على ذلك.
ثم دعاهم الله إلى التوحيد فقال عز وجل: { قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا }؛ أي قل لهم يا محمد: يا أهل الكتاب هلموا إلى كلمة عدل بيننا وبينكم.
وفي { سوآء } ثلاث لغات: سواء وسوى وسوا، ولا يمد فيها إلا المفتوح، قال الله تعالى:
مكانا سوى
[طه: 58]. ثم فسر الكلمة فقال تعالى: { ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به } أحدا من المخلوقين، وموضع (أن) رفع على إضمار (هي). وقيل: موضعها نصب بنزع الخافض، وقيل: موضعها خفض بدلا من الكلمة؛ أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله.
قوله تعالى: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله }؛ أي نرجع إلى معبودنا وهو الله عز وجل لا شريك له؛ وأن عيسى بشر كما أننا بشر فلا تتخذوه ربا، وسمى الله هذه الثلاثة الألفاظ كلمة لأن معناها: نرجع إلى واحد، وهي كلمة العدل: لا إله إلا الله.
قال بعض المفسرين: ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله كما فعلت اليهود والنصارى؛ فإنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ أي أطاعوهم في معصية الله. قال عكرمة: (هو سجود بعضهم لبعض)، وقيل: معناه: لا نطيع أحدا في المعاصي، وفي الخبر:
" من أطاع مخلوقا في معصية الله فكأنما سجد سجدة لغير الله "
قوله تعالى: { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون }؛ أي فإن أبوا التوحيد فقولوا اشهدوا بأنا مقرون بالتوحيد مسلمون لما أتانا به الأنبياء صلوات الله عليهم من الله تعالى.
آل عمران 3:65
قوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } ، قال الكلبي: (وذلك أن اليهود والنصارى اجتمعوا في بيت مدرسة اليهود، وكل فريق يقول: إن إبراهيم منا وعلى ديننا، فأتاهم رسول الله عليه السلام فقالوا: اقض بيننا أينا أولى بإبراهيم ودينه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" كل الفريقين منكم بريء من إبراهيم ودينه، إن إبراهيم كان حنيفا مسلما وأنا على دينه، فاتبعوا دينه الإسلام "
فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: يا أيها اليهود والنصارى لم تتخاصموا في ابراهيم ودينه { ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } { أفلا تعقلون } ، أي أفليس لكم ذهن الإنسانية فتعلموا أن اليهودية ملة محرفة عن شريعة موسى عليه السلام، وأن اليهود سموا بهذا الاسم لأنهم من ولد يهودا، والنصرانية ملة محرفة عن شريعة عيسى عليه السلام، سموا نصارى لأنهم من قرية بالشام يقال لها: ناصرة. ويقال: معناه: أفلا تعقلون وتنظرون أنه ليس في التوراة والانجيل أن إبراهيم عليه السلام كان يهوديا أو نصرانيا.
قوله تعالى: { ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } أي من بعد مهلك إبراهيم عليه السلام بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة. أفلا تعقلون دحوض حجتكم وبطلان قولكم.
آل عمران 3:66
قوله عز وجل: { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } ، معناه: وأنتم يا هؤلاء يا معشر اليهود والنصارى حاججتم فيما لكم به علم من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفته في كتابكم، فلم تخاصمون فيما ليس لكم به علم وهو أمر إبراهيم عليه السلام، { والله يعلم } ، دين إبراهيم وشأنه، { وأنتم لا تعلمون }.
و (الهاء) في { هأنتم } تنبيه، و { أنتم } اسم للمخاطبين، و { هؤلاء } إشارة إليهم، كأنه يقول: انتبهوا أنتم الذين حاججتم. قرأ أهل المدينة والبصرة بغير همز ولا مد إلا بقدر خروج الألف الساكنة، وقرأ أهل مكة مهموز مقصور على وزن هعيتم، وقرأ أهل الكوفة وابن عامر بالمد والهمز، وقرأ الباقون بالمد دون الهمز.
آل عمران 3:67
قوله عز وجل: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا }؛ هذا تكذيب من الله للفريقين في قولهم: إن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا. وقوله تعالى: { ولكن كان حنيفا مسلما }؛ أي مائلا عن اليهودية والنصرانية مخلصا مستسلما لأمر الله عز وجل؛ { وما كان من المشركين }؛ على دينهم.
والحنيف: هو المائل عن كل دين سوى الإسلام، يشبه بالأحنف الذي تكون صدور قدميه مائلة عن جهة الخلقة. وقيل: الحنيف: الذي يوحد الله ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة، وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله تعالى، وأهله أكرم الخلق على الله.
آل عمران 3:68
قوله عز وجل: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا }؛ قال ابن عباس والكلبي: (وذلك أن رؤساء اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد علمت يا محمد أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنه كان يهوديا، وما بك إلا الحسد لنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية). ومعناها: إن أحق الناس بموالاة إبراهيم للذين اتبعوه في دينه في زمانه، ولم يغيروا ولم يبدلوا، { وهذا النبي } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { والذين آمنوا } يعني أصحابه الذي اتبعوه. قوله عز وجل: { والله ولي المؤمنين }؛ أي في النصر والمعرفة.
آل عمران 3:69
قوله عز وجل: { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم }؛ يعني كعب بن الأشرف وأصحابه دعوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ وحذيفة وعمار بن ياسر الى دينهم اليهودية، وقد مضت قضيتهم في سورة البقرة. ومعناه: تمنت جماعة من أهل الكتاب أن يهلكوكم بإدخالكم في الضلال، { وما يضلون إلا أنفسهم }؛ أي وما يرجع وبال إضلالهم إلا على أنفسهم، { وما يشعرون }؛ وما يعلمون أن وبال ذلك يعود عليهم، وقيل: ما يعلمون أن الله يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على فعلهم.
آل عمران 3:70
قوله عز وجل: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون }؛ أي لم تجحدون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأنتم تعلمون في كتابكم أنه نبي مرسل، يعني أن نعته مذكور في التوراة والإنجيل. والأصل في { لم تكفرون }: لما تكفرون؛ أي لأي شيء تكفرون، حذفت الألف للتخفيف وفتحت الميم دليلا على سقوط الألف، وعلى هذا
لم تقولون
[الصف: 2] و
فبم تبشرون
[الحجر: 54] و
عم يتسآءلون
[النبأ: 1].
آل عمران 3:71
قوله عز وجل: { يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون }؛ معناه: لم تخلطون الإسلام باليهودية والنصرانية، وقيل: إنهم أقروا ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضه، وقيل: معناه: لم تغطون الحق بباطلكم، وتغطيتهم الحق بالباطل تحريفهم للتوارة والإنجيل وتأويلهم على غير وجهه.
وقوله تعالى: { وتكتمون الحق } يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم كتموها وهم يعلمون أنه رسول الله ودينه حق.
قرأ أبو مخلد (تلبسون) بالتشديد، وقرأ عبيد بن عمر: (لم تلبسوا) بغير نون ولا وجه له.
آل عمران 3:72
قوله عز وجل: { وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره }؛ قال مجاهد ومقاتل والكلبي: (هذا في شأن القبلة لما صرفت القبلة إلى الكعبة، شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد في شأن الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار، وارجعوا إلى قبلتكم صخرة بيت المقدس). { لعلهم يرجعون }؛ أي لعلهم يقولون هؤلاء أصحاب كتاب، وهم أعلم منا، فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مكر هؤلاء القوم وأطلعه على سرهم.
وقال بعضهم: إن علماء اليهود قالوا فيما بينهم: كنا نخبر أصحابنا بأشياء قد أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، فإن نحن كفرنا بها كلها اتهمنا أصحابنا، ولكن نؤمن ببعض ونكفر ببعض لنوهمهم أنا نصدقه فيما نصدقه، ونريهم أنا نكذبه فيما ليس عندنا. ويقال: إنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، فقالوا: أنت الذي أخبرنا في التوراة إنك مبعوث، ولكن أنظرنا إلى العشي لننظر في أمرنا.
فلما كان العشي أتوا الأنصار فقالوا لهم: كنا أعلمناكم أن محمدا هو النبي الذي هو مكتوب في التوراة، إلا أنا نظرنا في التوراة فإذا هو من ولد هارون عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل بن إبراهيم، فليس هو النبي الذي هو عندنا. وإنما فعلوا ذلك لعل من آمن به منهم يرجع، لأن هذا يكون أقرب عندهم إلى تشكيك المسلمين.
ووجه الشيء أوله، يقال لأول الثوب وجه الثوب، ويسمى أول النهار وجهه لأنه أحسنه.
آل عمران 3:73
قوله عز وجل: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم }؛ حكاية قول كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا لليهود: لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية، وصلى إلى قبلتكم نحو بيت المقدس.
قوله تعالى: { قل إن الهدى هدى الله }؛ قال بعضهم: هذا كلام معترض بين كلامي اليهود، ويجوز دخول العارض بين الكلامين اذا احتيج إليه كما دخل على قوله تعالى:
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
[الكهف: 30] ثم عاد إلى أول الكلام فقال تعالى:
أولئك لهم جنات عدن
[الكهف: 31] كذا قوله تعالى: { قل إن الهدى هدى الله } عارض ثم عاد إلى كلام اليهود، فقال تعالى: { أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم }؛ أي قالوا لا تصدقوا أن يعطى أحد من الكتاب والعلم مثل ما أعطيتم؛ { أو يحآجوكم عند ربكم }؛ أي يحاجكم أحد، { قل }؛ لهم يا محمد إن الهدى هدى الله و؛ { إن الفضل بيد الله }؛ فلا تنكروا أن يؤته غيركم.
وقال بعضهم: ليس في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: قالت اليهود: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، قل يا محمد إن الهدى هدى الله؛ فلا تجحدوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجكم أحد عند ربكم، (قل): إن الفضل بيد الله، { يؤتيه من يشآء }؛ أي النبوة والكتاب والهدى بقدرة الله تعالى يعطيه من يشاء، { والله واسع عليم }؛ أي واسع الفضل والقدرة، عليم بمن هو من أهل الفضل.
وقيل معنى الآية: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أي ملتكم، ولا تؤمنوا إلا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة؛ والكتاب والحجة؛ والمن والسلوى؛ وفلق البحر وغيرها من الكرامات، ولا تؤمنوا إلا أن يجادلوكم عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، وهذا قول مجاهد.
وقال ابن جريج: (معناه: أن اليهود قالت لسفلتهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فأي فضل يكون لكم عليهم حيث عملوا ما عملتم، وحينئذ يحاجوكم عند ربكم فيقولون: عرفتم أن ديننا حق؛ فلا تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما علمتم فلا يحاجوكم عند ربكم). ويجوز أن تكون (إلا) على هذا القول مضمرة لقوله تعالى:
يبين الله لكم أن تضلوا
[النساء: 176] ويكون تقديره: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم؛ لئلا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لئلا يحاجوكم به عند ربكم.
وقرأ الحسن والأعمش (إن يؤتى) بكسر الألف، وجه هذه القراءة: أن هذا من قول الله عز وجل بلا اعتراض، وأن يكون كلام اليهود منتهيا عند قوله { إلا لمن تبع دينكم }. ومعنى الآية: قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد أو يحاجوكم؛ يعني: إلا أن يحاجوكم أي يجادلوكم اليهود بالباطل فيقولوا نحن أفضل منكم.
وقوله تعالى: { عند ربكم } أي عند فعل ربكم ذلك، وتكون (أن) على هذا القول بمعنى الجحد والنفي؛ أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والحجة حتى يجادلوكم عند ربكم. قرأ ابن كثير: (أأن يؤتى أحد) بالمد، وحينئذ في الكلام اختصار تقديره: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب تحسدونهم ولا تؤمنون به، وهذا قول قتادة والربيع؛ قالا: (هذا من قول الله عز وجل: قل يا محمد إن الهدى هدى الله؛ لما أنزل كتابا مثل كتابكم ونبيا مثل نبيكم حسدتموه وكفرتم به).
ويحتمل أن يكون تمام الخبر عن اليهود عند قوله تعالى:
لعلهم يرجعون
[آل عمران: 72]، فيكون قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } إلى آخر الآية من كلام الله عز وجل، وذلك أن الله تعالى قال مثبتا لقلوب المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبس اليهود في دينكم، ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا لمن تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم، أو يقدرون عليه، فإن الهدى هدى الله، وإن عند تلبس اليهود عليهم لئلا يزلوا أو يرتابوا، يدل عليه قول الضحاك: (إن اليهود قالوا: إنا نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا). بين الله أنهم هم المدحضون المغلوبون، وأن المؤمنين هم الغالبون. وقال أهل الإشارة في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم، فإن من لم يوافقكم لا يرافقكم.
آل عمران 3:74
قوله تعالى: { يختص برحمته من يشآء }؛ أي يختص بدينه الإسلام من يشاء، وقيل: يختص بالنبوة من يشاء؛ { والله ذو الفضل العظيم } ، على من اختصه بالإسلام والنبوة.
آل عمران 3:75
قوله عز وجل: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما }؛ في الآية دليل وبيان أن أهل الكتاب فيهم أمانة وفيهم خيانة، فمنهم من إن تأمنه تبايعه بملء مشك ثور تؤده ذهبا، يؤده إليك بلا عناء ولا تعب، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا بعد عناء وتعب. وقال الضحاك: (هو فنحاص بن عازوراء اليهودي؛ أودعه رجل دينارا فخانه). والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل.
وقال الضحاك عن ابن عباس: (معنى الآية: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك؛ وهو عبد الله بن سلام؛ أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه؛ فمدحه الله تعالى، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك؛ وهو فنحاص ابن عازوراء اليهودي؛ أودعه رجل من قريش دينارا فخانه). وفي بعض التفاسير: أن الذي يؤدي الأمانة في هذه الآية هم النصارى؛ والذين لا يؤدونها هم اليهود.
قرأ الأشهب العقيلي (تيمنه بقنطار) بكسر التاء وهي لغة بكر وتميم، وفي حرف ابن مسعود: (ما لك لا تيمنا)، وقراءة العامة (تأمنه) بالألف.
وقوله تعالى { يؤده } فيه خمس قراءات، فقرأها كلها أبو عمرو وعاصم والأعمش وحمزة ساكنة الهاء، وقرأ أبو جعفر ويعقوب مختلسة مكسورة مشبعة، وقرأ سلام مضمومة مختلسة، وقرأ الزهري مضمومة مشبعة، وقرأ الآخرون مكسورة مشبعة.
قوله تعالى: { إلا ما دمت عليه قآئما } قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وطلحة بكسر الدال، ومعنى الآية: { إلا ما دمت عليه قآئما } أي ملحا، كذا قال ابن عباس، وقال مجاهد: { إلا ما دمت عليه قآئما } ملازما. وقال ابن جبير: (مرابطا). وقال الضحاك: (مواظبا). وقال قتادة: (معناه: إلا ما دمت عليه قائما: بقبضه). وقال السدي: (قائما على رأسه، فإن سألته إياه حين دفعته إليه رده عليك، وإن أخرته أنكر). وذهب به ذلك إلى الاستحلال والخيانة، { ذلك بأنهم قالوا }؛ أي فإنهم قالوا: { ليس علينا في الأميين سبيل }؛ أي وقال العرب نظيره قوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
[الجمعة: 2]. والسبيل هو الإثم والحرج؛ دليله قوله تعالى:
ما على المحسنين من سبيل
[التوبة: 91] وذلك أن اليهود قالوا: لا حرج علينا في حبس أموال العرب قد أحلها الله لنا؛ لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم.
وقال الكلبي: (قالت اليهود: إن الأموال كلها لنا؛ وما كان في أيدي العرب منها فهو لنا، وإنما ظلمونا وغصبونا عليها ولا سبيل علينا في أخذنا إياها منهم). فأكذبهم الله بقوله: { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون }؛ فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة؛ فإنها مؤداة إلى البر والفاجر "
قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } أي ذلك الاستحلال والخيانة منهم بقولهم: ليس علينا في مال العرب والذين لا كتاب لهم حجة ولا مأثم. وقوله تعالى: { ويقولون على الله الكذب } أي يقولون لم يجعل لهم علينا في كتابنا حرمة كحرمتنا، { وهم يعلمون } أن الله تعالى قد أنزل عليهم في كتابهم الوفاء وأداء الأمانة لمن ائتمنهم وخالطهم.
آل عمران 3:76
قوله عز وجل: { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين }؛ أي ليس الأمر كما يزعمون، لكن من أتم عهد الله الذي عاهده الله تعالى في التوراة واتقى ظلم الناس في ترك الوفاء ونقض العهد، فإن الله يحب المتقين لنقض العهد وترك الوفاء. قال صلى الله عليه وسلم:
" ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام: من إذا حدث كذب، وإذا أوعد أخلف، وإذا ائتمن خان "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من ائتمن على أمانة فأداها ولو شاء لم يؤدها؛ زوجه الله من الحور العين ما شاء "
آل عمران 3:77
قوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية فيما كان بين امرئ القيس وعبدان بن الأشوع من الخصومة في أرض غلبه عليها امرؤ القيس؛ فاستحلفه عبدان فهم بالحلف؛ فنزلت هذه الآية فامتنع أن يحلف، وأقر لعبدان بحقه ودفعه إليه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لك عليها الجنة "
). وقيل: نزلت هذه الآية في اليهود لكتمانهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى الآية: إن الذين يجتازون على عهدي الذي عهدت به في الدنيا، أولئك لا نصيب لهم في الآخرة؛ { ولا يكلمهم الله }؛ بكلام خير ولا رحمة، وقيل: لا يسمعهم كلامه كما يكلم أولياءه بغير سفير.
قوله تعالى: { ولا ينظر إليهم يوم القيامة }؛ أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يقول لهم خيرا؛ { ولا يزكيهم }؛ أي لا يثني عليهم خيرا؛ { ولهم عذاب أليم } ، في أنها هذه الأحوال { عذاب أليم } أي موجع. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" " من اقتطع شيئا من مال مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة " قال رجل: ولو كان شيئا يسيرا؟ قال: " ولو كان قضيبا من أراك " "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس ".
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم واليمين الفاجرة، فإنها تدع الديار بلاقع "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" اليمين الفاجرة تسقم الرحم "
، وهي
" منفقة للسلعة ممحقة للكسب "
آل عمران 3:78
قوله عز وجل: { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله }؛ روي: أن جماعة من اليهود أولي فاقة وفقر قدموا المدينة من الشام ليسلموا، فلقيهم كعب بن الأشرف فقال لهم: أتعلمون أن محمدا نبي؟ قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا، قالوا: فإنه يشهد أنه عبد الله ورسوله، فقال كعب بن الأشرف: لقد منعكم الله خيرا كثيرا، كنت أريد أن أمير لكم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله، فقالوا: رويدك حتى نلقاه، فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ونعتا سوى نعته، ثم انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه وسألوه، ثم رجعوا إلى كعب فقالوا: كنا نرى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا؛ وجدنا نعته مخالفا للذي عندنا؛ وأخرجوا الذي كتبوه فنظر إليه كعب ففرح وأخذ إقرارهم وخطوطهم ثم بعث إلى كل واحد منهم ثمانية قمص من الكرباس وخمسة آصع من الشعير، فنزلت الآية.
ومعناها: وإن من أهل الكتاب طائفة يحرفون الكتاب ثم يقرأون ما حرفوه ليظن المسلمون أن ذلك من التوراة؛ وما هو منها، ويقولون هو من عند الله نزل وما هو من عند الله نزل؛ { ويقولون على الله الكذب }؛ بادعائهم أن ذلك المحرف من التوراة؛ { وهم يعلمون }؛ أنهم يكذبون، ولي اللسان هو العدول عن الصدق والصواب.
آل عمران 3:79
وقوله عز وجل: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله }؛ وذلك أنه لما كثرت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الإسلام وقامت عليهم الحجج؛ قالوا: إن هذا الرجل يريد أن نتبعه ونعبده كما كان عيسى من قومه حتى عبدوه، فكذا كلم الله عز وجل بهذه الآية، ومعناها: ما كان بشر من الأنبياء مثل عيسى وعزير وغيرهم أن يعطيه الله الكتاب وعلم الحلال والحرام والنبوة؛ { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } أي لا يجمع لأحد النبوة والقول للناس: كونوا عبادا لي، وليس هذا على وجه النهي، ولكنه على وجه التنزيه لله عز وجل؛ لأنه لا يختار نبيا يقول مثل هذا القول للناس. ويجوز أن يكون هذا على وجه تعظيم الأنبياء صلوات الله عليهم.
وقال الضحاك ومقاتل: (معناه: { ما كان لبشر } يعني عيسى عليه السلام { أن يؤتيه الله الكتاب } يعني الإنجيل؛ نزلت في نصارى نجران). وقال ابن عباس وعطاء: ( { ما كان لبشر } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { أن يؤتيه الله الكتب } يعني القرآن. وذلك أن أبا رافع القرظي من اليهود، والريس من نصارى نجران، قالوا: يا محمد؛ نريد أن نصيرك ونتخذك ربا؟! فقال صلى الله عليه وسلم:
" معاذ الله أن يعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني الله عز وجل ولا بذلك أمرني "
فأنزل الله هذه الآية). والبشر جمع بني آدم لا واحد له من لفظه، كالقوم والجيش، ويوضع موضع الواحد والجمع.
قوله تعالى { والحكم } يعني الفهم والعلم، وقيل: الأحكام. قوله عز وجل: { ولكن كونوا ربنيين بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون } ، أي ولكن يقول: { كونوا ربنيين } أي علماء عاملين، وقيل: فقهاء معلمين. قفال مرة بن شرحبيل: (كان علقمة من الربانيين يعلمون الناس القرآن). وعن سعيد بن جبير: (معناه: حكماء أتقياء). وقيل: متعبدين مخلصين. وقيل: علماء نصحاء لله عز وجل في خلقه.
وقيل: (الرباني: هو العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي؛ والعارف بأنباء الأمة وما كان وما يكون). وقال علي كرم الله وجهه: (هو الذي يرب علمه بعمله) أي يصلح علمه بعمله وعمله بعلمه. وقال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس: (مات رباني هذه الأمة).
قوله تعالى: { بما كنتم تعلمون الكتب } معناه: بما أنتم تعلمون كقوله:
وكانت امرأتي عاقرا
[مريم: 5] أي وامرأتي عاقر. وقوله:
من كان في المهد
[مريم: 29] أي من هو في المهد صبيا. وقوله تعالى: { تعلمون الكتب } ، قرأ السلمي والنخعي وابن جبير والضحاك وابن عامر والكوفيون: (بما كنتم تعلمون) بالتشديد من التعليم، وقرأ الباقون بالتخفيف: من العلم.
قال أبو عمرو: (وتصديق هذه القراءة: (وبما كنتم تدرسون) ولم يقل: تدرسون). وقرأ الحسن: (بما كنتم تعلمون) بفتح التاء والعين وتشديد اللام؛ على معنى: تتعلمون. وقرأ أبو حيوة: (تدرسون) بالتشديد، وقرأ الباقون (تدرسون): من الدرس.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما من مؤمن ذكر ولا أنثى ولا مملوك إلا ولله عز وجل عليه حق أن يتعلم من القرآن ويتفقه فيه "
ثم تلا هذه الآية: { ولكن كونوا ربنيين بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون }. وإنما قيل للفقهاء: ربانيين؛ لأنهم يربون بالعلم؛ أي يقومون به. وزيدت الألف والنون للمبالغة، كما يقال رجل كثير اللحية: لحياني، والذي جمعه جماني. وعن ثعلب أنه قال: (يقال: رجل ربي ورباني؛ أي عالم عامل معلم).
آل عمران 3:80
قوله تعالى: { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } ، قرأ الحسن وعاصم وحمزة وابن عامر: (ولا يأمركم) بنصب الراء عطفا على (ثم يقول) مردود على البشر، وقرأ الباقون بالرفع والاستئناف والانقطاع من الكلام الأول. واختلفوا فيه على هذه القراءة. فقال الزجاج: (معناه: ولا يأمركم الله). وقال ابن جريج وجماعة: (ولا يأمركم محمد صلى الله عليه وسلم)، وقيل: ولا يأمركم البشر أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا كفعل قريش وخزاعة؛ حيث قالوا: الملائكة بنات الله. واليهود والنصارى حيث قالوا: عزير والمسيح ابن الله.
قوله تعالى: { أيأمركم بالكفر } استفهام بمعنى الإنكار؛ أي الله عز وجل بعث النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو الناس إلى الإسلام؛ فكيف يدعو إلى الكفر بعد أن كانت فطرتكم على الإسلام؟. ويقال: إن كنتم مقرين بالتوحيد.
آل عمران 3:81
قوله عز وجل: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه }؛ قرأ سعيد بن جبير (لما) بتشديد الميم، وقرأ حمزة (لما) بكسر اللام والتخفيف، وقرأ الباقون بالفتح والتخفيف. فمن فتح وخفف فهي لام الابتداء أدخلت على (ما)، كقول القائل: لزيد أفضل من عمرو، و (ما آتيتكم) اسم، والذي بعده صلة. وجوابه: { لتؤمنن به } ، وإن شئت جعلت خبر (ما) من كتاب، وتكون (من) زائدة معناه: لما آتيتكم كتابا وحكمة. ثم ابتدأ فقال: { ثم جآءكم رسول } أي ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، اللام لام القسم؛ تقديره: والله لتؤمنن به، فوكده في أول الكلام بلام التوكيد وفي أجزاء الكلام بلام القسم كأنه استحلفهم: والله لتؤمنن به. وأخذ الميثاق في معنى التحليف؛ لأن الحلف وثيقة، وموضع (ما) في قوله (لما) نصب بقوله (آتيتكم)، كأنه قال: للذي اتيتكموه من كتاب. وقال الزجاج: (هذه لام التخفيف دخلت على (ما) للجزاء؛ ومعناه: لهما آتيتكم). ودخول اللام في الشرط والجواب للتوكيد كما في قوله تعالى:
ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك
[الإسراء: 86] وكما يقول: لئن جئتني لأكرمتك.
ومن قرأ (لما) بالكسر والتخفيف فهي لام الإضافة دخلت على (ما) التي هي بمعنى الذي؛ ومعناه: للذي أتيتكم؛ يعني: الذي أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي آتيناهم من كتاب وحكمة؛ ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم.
قوله تعالى: (لمآ آتيناكم من كتاب): قرأ نافع بالألف والنون على التعظيم؛ لأن عظم الشأن قد يعبر عن نفسه بلفظ الجمع. وقرأ الآخرون (آتيتكم). واختلف المفسرون في المعني بهذه الآية، فقال قوم: إنما أخذ الميثاق على الأنبياء عليهم السلام: أن يصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، فذلك معنى النصرة بالتصديق، وهذا قول ابن جبير وطاووس وقتادة والحسن والسدي، يدل عليه ظاهر الآية. قال علي رضي الله عنه: (لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد من محمد وأمته، وأخذ العهد على قومه ليؤمنن به؛ ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه).
وقال بعضهم: إنما أخذ الميثاق على أهل الكتاب؛ وهو قول مجاهد والربيع قالوا: (ألا ترى إلى قوله: { ثم جآءكم رسول مصدق } إنما كان محمد مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين). وقال بعضهم: إنما أخذ العهد على النبيين وأممهم؛ واكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم؛ لأن أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على الأتباع، وهذا قول ابن عباس وهو أولى بالصواب.
قوله عز وجل: { قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري }؛ أي قال الله تعالى لأنبيائه: أقررتم بما أمرتكم به على ما قلت لكم وقبلتم على ذلكم عهدي.
ومعنى { أخذتم } أي قبلتم؛ نظيره قوله تعالى:
إن أوتيتم هذا فخذوه
[المائدة: 41] أي فاقبلوه، وقوله:
ولا يؤخذ منها عدل
[البقرة: 48] أي لا يقبل، وقوله:
ويأخذ الصدقات
[التوبة: 104] أي يقبلها.
والإصر في اللغة: الثقل؛ لكن يراد به العهد لما فيه من الثقل. وقال بعضهم: لفظ الأخذ يحتمل وجهين؛ أحدهما: قبلتم على ذلكم عهدي، والثاني: أخذتم العهد على ذلكم بذلك على أممكم.
قوله تعالى: { قالوا أقررنا }؛ أي قالت الأنبياء صلوات الله عليهم: أقررنا بالعهد، { قال } الله؛ تعالى؛ { فاشهدوا }؛ أي يشهد بعضكم على بعض بذلك، واشهدوا على أتباعكم. وقيل: معنى { فاشهدوا } أي بينوا لمن يكون بعدكم؛ لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي، ثم قال تعالى: { وأنا معكم من الشاهدين }؛ أي أنا من الشاهدين عليكم وعلى أممكم. وقيل: معنى: { فاشهدوا } أي قال للملائكة: فاشهدوا على إقرارهم.
وشهادة الله للنبيين تبينة أمر نبوتهم بالمعجزات، { فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }.
آل عمران 3:82
قوله عز وجل: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه }؛ قرأ سعيد بن جبير (لما) بتشديد الميم، وقرأ حمزة (لما) بكسر اللام والتخفيف، وقرأ الباقون بالفتح والتخفيف. فمن فتح وخفف فهي لام الابتداء أدخلت على (ما)، كقول القائل: لزيد أفضل من عمرو، و (ما آتيتكم) اسم، والذي بعده صلة. وجوابه: { لتؤمنن به } ، وإن شئت جعلت خبر (ما) من كتاب، وتكون (من) زائدة معناه: لما آتيتكم كتابا وحكمة. ثم ابتدأ فقال: { ثم جآءكم رسول } أي ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، اللام لام القسم؛ تقديره: والله لتؤمنن به، فوكده في أول الكلام بلام التوكيد وفي أجزاء الكلام بلام القسم كأنه استحلفهم: والله لتؤمنن به. وأخذ الميثاق في معنى التحليف؛ لأن الحلف وثيقة، وموضع (ما) في قوله (لما) نصب بقوله (آتيتكم)، كأنه قال: للذي اتيتكموه من كتاب. وقال الزجاج: (هذه لام التخفيف دخلت على (ما) للجزاء؛ ومعناه: لهما آتيتكم). ودخول اللام في الشرط والجواب للتوكيد كما في قوله تعالى:
ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك
[الإسراء: 86] وكما يقول: لئن جئتني لأكرمتك.
ومن قرأ (لما) بالكسر والتخفيف فهي لام الإضافة دخلت على (ما) التي هي بمعنى الذي؛ ومعناه: للذي أتيتكم؛ يعني: الذي أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي آتيناهم من كتاب وحكمة؛ ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم.
قوله تعالى: (لمآ آتيناكم من كتاب): قرأ نافع بالألف والنون على التعظيم؛ لأن عظم الشأن قد يعبر عن نفسه بلفظ الجمع. وقرأ الآخرون (آتيتكم). واختلف المفسرون في المعني بهذه الآية، فقال قوم: إنما أخذ الميثاق على الأنبياء عليهم السلام: أن يصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، فذلك معنى النصرة بالتصديق، وهذا قول ابن جبير وطاووس وقتادة والحسن والسدي، يدل عليه ظاهر الآية. قال علي رضي الله عنه: (لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد من محمد وأمته، وأخذ العهد على قومه ليؤمنن به؛ ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه).
وقال بعضهم: إنما أخذ الميثاق على أهل الكتاب؛ وهو قول مجاهد والربيع قالوا: (ألا ترى إلى قوله: { ثم جآءكم رسول مصدق } إنما كان محمد مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين). وقال بعضهم: إنما أخذ العهد على النبيين وأممهم؛ واكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم؛ لأن أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على الأتباع، وهذا قول ابن عباس وهو أولى بالصواب.
قوله عز وجل: { قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري }؛ أي قال الله تعالى لأنبيائه: أقررتم بما أمرتكم به على ما قلت لكم وقبلتم على ذلكم عهدي.
ومعنى { أخذتم } أي قبلتم؛ نظيره قوله تعالى:
إن أوتيتم هذا فخذوه
[المائدة: 41] أي فاقبلوه، وقوله:
ولا يؤخذ منها عدل
[البقرة: 48] أي لا يقبل، وقوله:
ويأخذ الصدقات
[التوبة: 104] أي يقبلها.
والإصر في اللغة: الثقل؛ لكن يراد به العهد لما فيه من الثقل. وقال بعضهم: لفظ الأخذ يحتمل وجهين؛ أحدهما: قبلتم على ذلكم عهدي، والثاني: أخذتم العهد على ذلكم بذلك على أممكم.
قوله تعالى: { قالوا أقررنا }؛ أي قالت الأنبياء صلوات الله عليهم: أقررنا بالعهد، { قال } الله؛ تعالى؛ { فاشهدوا }؛ أي يشهد بعضكم على بعض بذلك، واشهدوا على أتباعكم. وقيل: معنى { فاشهدوا } أي بينوا لمن يكون بعدكم؛ لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي، ثم قال تعالى: { وأنا معكم من الشاهدين }؛ أي أنا من الشاهدين عليكم وعلى أممكم. وقيل: معنى: { فاشهدوا } أي قال للملائكة: فاشهدوا على إقرارهم.
وشهادة الله للنبيين تبينة أمر نبوتهم بالمعجزات، { فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }.
آل عمران 3:83
قوله عز وجل: { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون }؛ قرأ أبو عمرو: (يبغون) بالياء، و (ترجعون) بالتاء، قال: (لأن الثاني أعم، والأول خاص، ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى). وقرأ الحسن ويعقوب وسلام وحفص: (يبغون) بالياء، و (يرجعون) بالياء أيضا. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب.
ومعنى الآية: أبعد هذه الوثائق الجارية بينهم وبين الله في أمر النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون دينا سوى ما عهده الله إليهم. قال الكلبي: (وذلك أنه لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حين اختلفوا في دين إبراهيم عليه؛ كل فرقة قد زعمت أنها أولى بدينه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم "
فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية).
قوله تعالى: { وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها } أي له أخلص وخضع. قال الكلبي: (أما أهل السماوات ومن ولد في الإسلام من أهل الأرض أسلموا طائعين، ومن أبى قوتل حتى يدخل في الإسلام كرها؛ يجاء بهم أسارى في السلاسل ويكرهون على الإسلام). وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل "
قوله تعالى: { وإليه يرجعون } أي إلى جزائه ترجعون في الآخرة، فبادروا إلى دينه ولا تطلبوا غير ذلك، وقيل معنى: { وله أسلم من في السموت والأرض } أي أقروا له بالألوهية كما قال الله تعالى:
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله
[الزخرف: 87]. وقال الزجاج: (معناه: أن كلهم خضعوا لله من جهة ما فطرهم الله عليه). قال الضحاك: (هذا حين أخذ منه الميثاق وأقر به).
وقال الكلبي: (معناه: الذي أسلم طوعا أي الذي ولد في الإسلام، وبالذي أسلم كرها يعني الذي أجبر على الإسلام، فيؤتى بهم في السلاسل فيكرهون على الإسلام). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل الملائكة أطاعوا في السماء؛ والأنصار في الأرض "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" ولا تسبوا أصحابي فإنهم أسلموا من خوف الله، وأسلم الناس من خوف سيوفهم "
وقال الحسن: (الطوع: لأهل السماوات خاصة، وأهل الأرض منهم من أسلم طوعا؛ ومنهم من أسلم كرها).
وقرأ الأعمش: (كرها) بضم الكاف. وأما انتصاب (طوعا) و (كرها) فلأنهما مصدران وضعا موضع الحال كما يقال: جئت ركضا وعدوا؛ أي راكضا وماشيا بسرعة؛ كأنه قال: وله أسلم من في السماوات والأرض طائعين وكارهين. وعن ابن عباس أنه قال: (إذا استضعنت دابة أحدكم أو كانت شموسا فليقرأ في أذنها هذه الآية: { أفغير دين الله يبغون } إلى آخرها).
آل عمران 3:84
قوله عز وجل: { قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم }؛ الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمر له أن يقول عن نفسه وعن أمته { آمنا بالله }. قوله عز وجل: { لا نفرق بين أحد منهم }؛ أي من الرسل، لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود، بل نؤمن بهم جميعا. قوله عز وجل: { ونحن له مسلمون }؛ أي مخلصون لله في التوحيد والطاعة.
آل عمران 3:85
قوله عز وجل: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } الآية، قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية إلى قوله:
لن تنالوا البر
[آل عمران: 92] في عشرة رهط ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم طعمة بن أبيرق ووحوح بن الأسلت والحارث بن سويد وغيرهم، وندم الحارث وأرسل إلى أخيه الحلاس ابن سويد المسلم: أني قد ندمت على ما صنعت، فسل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من توبة وإلا أذهب في الأرض. فأنزل الله هذه الآيات).
ومعناها: من يطلب دينا غير دين الإسلام فلن يقبل منه ما أقام عليه؛ أي لن يثاب ولن يثنى عليه. ويقال: هذه الآية نزلت في المرتدين. وقوله تعالى: { وهو في الآخرة من الخاسرين }؛ أي من المغبونين حيث ترك منزله في الجنة، واختار منزله في النار.
آل عمران 3:86
قوله تعالى: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم }؛ أي كيف يهديهم وقد كفروا بعد إذ آمنوا؛ و؛ بعد أن؛ { وشهدوا أن الرسول حق } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم؛ { وجآءهم البينات }؛ أي دلالات صدقه ونبوته، فكيف يستحقون هداية الله تعالى. قوله تعالى: { وشهدوا أن الرسول حق } عطف على قوله { إيمانهم } دون قوله { كفروا } ، وقد يعطف الفعل على المصدر، كما يقال: أعجبني ضرب زيد وإن غضب، وتقدير الآية: بعد أن آمنوا وبعد أن شهدوا أن الرسول حق.
قوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين }؛ أي لا يرشد المشركين ومن لم يكن أهلا لذلك، فإن ظاهر الآية يقتضي أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه الله، وأن الظالمين لا يهديهم الله. وكثير من المرتدين أسلموا ومن الظالمين تابوا. وقيل: معناه: لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم، فإذا جاهدوا وقصدوا الرجوع إلى الحق وفقهم الله كما قال تعالى:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]. وقيل: معنى الآية: كيف يرحمهم الله وينجيهم من العقوبة.
آل عمران 3:87
قوله تعالى: { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله }؛ أي أهل هذه الصفة { جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } أي عذابه، واللعنة من الله الإبعاد، وأما لعنة الملائكة والناس فدعاؤهم على الكفار بأن يبعدهم الله من رحمته. فإن قيل: كيف قال الله: { والملائكة والناس أجمعين } ومن الناس من يوالي الكافر ويوافقه ولا يلعنه؟ قيل: إنهم في الآخرة يلعن بعضهم بعضا. وقوله تعالى: { خالدين فيها }؛ أي مقيمين في اللعنة، وقيل: في العذاب؛ { لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون }؛ حين ينزل بهم.
آل عمران 3:88
قوله تعالى: { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله }؛ أي أهل هذه الصفة { جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } أي عذابه، واللعنة من الله الإبعاد، وأما لعنة الملائكة والناس فدعاؤهم على الكفار بأن يبعدهم الله من رحمته. فإن قيل: كيف قال الله: { والملائكة والناس أجمعين } ومن الناس من يوالي الكافر ويوافقه ولا يلعنه؟ قيل: إنهم في الآخرة يلعن بعضهم بعضا. وقوله تعالى: { خالدين فيها }؛ أي مقيمين في اللعنة، وقيل: في العذاب؛ { لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون }؛ حين ينزل بهم.
آل عمران 3:89
قوله تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا }؛ استثناء من قول الله عز وجل { أن عليهم لعنة الله }؛ ومعناه: { إلا الذين تابوا من } الكفر والشرك بعد ارتدادهم؛ { وأصلحوا } أي لم يكتفوا بمجرد الإيمان. ويقال: أصلحوا أعمالهم بالتوبة، وقيل: أصلحوا ما أفسدوه من الناس ممن تبعهم، { فإن الله غفور رحيم }؛ أي يتجاوز عنهم، رحيم بهم بعد التوبة.
قال ابن عباس: (لما نزلت قال للحارث بن سويد: [الرخصة في التوبة] أرسل أخوه الجلاس إليه: أن الله عز وجل قد فرض عليكم التوبة؛ فارجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه. فرجع وتاب، وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك أصحابه الذين بمكة؛ فقالوا: نتربص بمحمد ريب المنون؛ فإن بدا لنا الرجعة إليه ذهبنا كما ذهب الحارث فيقبل توبتنا) فأنزل الله تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم }؛ إن الذين كفروا بالله وبالرسول بعد تصديقهم ثم ازدادوا كفرا بقولهم: نقيم بمكة ما بدا لنا، لن تقبل توبتهم، { وأولئك هم الضآلون }؛ أي عن الإسلام.
وفي هذه الآية دليل على أن هؤلاء لم يكونوا محققين؛ لأنه قال: { وأولئك هم الضآلون }. وكانت هذه الآية خاصة في قوم علم الله أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، ومات طعمة كافرا، ولو كانوا يحققون التوبة قبل المعاينة لقبلت توبتهم. ويجوز أن يكون بمعنى: { لن تقبل توبتهم } أي التوبة التي يتوبونها عند الموت. قوله عز وجل: { ثم ازدادوا كفرا }. قال الحسن وقتادة وعطاء: (نزلت هذه الآية في اليهود الذين كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم؛ ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن).
آل عمران 3:90
قوله تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا }؛ استثناء من قول الله عز وجل { أن عليهم لعنة الله }؛ ومعناه: { إلا الذين تابوا من } الكفر والشرك بعد ارتدادهم؛ { وأصلحوا } أي لم يكتفوا بمجرد الإيمان. ويقال: أصلحوا أعمالهم بالتوبة، وقيل: أصلحوا ما أفسدوه من الناس ممن تبعهم، { فإن الله غفور رحيم }؛ أي يتجاوز عنهم، رحيم بهم بعد التوبة.
قال ابن عباس: (لما نزلت قال للحارث بن سويد: [الرخصة في التوبة] أرسل أخوه الجلاس إليه: أن الله عز وجل قد فرض عليكم التوبة؛ فارجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه. فرجع وتاب، وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك أصحابه الذين بمكة؛ فقالوا: نتربص بمحمد ريب المنون؛ فإن بدا لنا الرجعة إليه ذهبنا كما ذهب الحارث فيقبل توبتنا) فأنزل الله تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم }؛ إن الذين كفروا بالله وبالرسول بعد تصديقهم ثم ازدادوا كفرا بقولهم: نقيم بمكة ما بدا لنا، لن تقبل توبتهم، { وأولئك هم الضآلون }؛ أي عن الإسلام.
وفي هذه الآية دليل على أن هؤلاء لم يكونوا محققين؛ لأنه قال: { وأولئك هم الضآلون }. وكانت هذه الآية خاصة في قوم علم الله أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، ومات طعمة كافرا، ولو كانوا يحققون التوبة قبل المعاينة لقبلت توبتهم. ويجوز أن يكون بمعنى: { لن تقبل توبتهم } أي التوبة التي يتوبونها عند الموت. قوله عز وجل: { ثم ازدادوا كفرا }. قال الحسن وقتادة وعطاء: (نزلت هذه الآية في اليهود الذين كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم؛ ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن).
آل عمران 3:91
وقوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به }؛ أي إن الذين كفروا وماتوا على كفرهم لو كان لأحدهم في الآخرة ملء الأرض ذهبا فافتدى به لن يقبل منه، كما روي: أنه يقال للكافر يوم القيامة: لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به من العذاب؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت ما هو أيسر عليك من هذا فلم تفعل؟
وقوله تعالى: { ذهبا } نصب على التفسير في قول الفراء، ومعنى التفسير: أن يكون الكلام تاما وهو مبهم كقوله: عندي عشرون فالعدد معلوم والمعدود مبهم، فإذا قلت: عشرون درهما؛ فسرت العدد؛ ولذلك إذا قلت: هو أحسن الناس؛ فقد أخبرت عن حسنه ولم تبين في أي شيء. فاذا قلت: وجها أو فعلا؛ فقد بينته ونصبت على التفسير، وإنما نصبته لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلما خلا من هذين نصب؛ لأن النصب أخف الحركات؛ فجعل لكل ما لا عامل له.
وقال الكسائي: (نصب على إضمار (من ذهب) كقوله تعالى:
أو عدل ذلك صياما
[المائدة: 95] أي من صيام). وقد يقال: نصب على التمييز ثلاثة أشياء: تمييز جملة مبهمة كما في قوله:
أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا
[الكهف: 34]، وتمييز عدد مبهم كقولك: عشرون درهما، وتمييز مقدار مبهم كما يقال: عندي ملء زق عسلا.
وأما دخول الواو في قوله: { ولو افتدى به }؛ فقال بعضهم: هي زائدة. وقال الزجاج: (ليست بزائدة؛ وإنما هي لتعميم النفي لوجوه القبول، ولو لم تكن واوا لأوهم الكلام؛ لأن ذلك لا يقبل في الإفتداء، ويقبل على غير وجه الإفتداء).
قوله تعالى: { أولئك لهم عذاب أليم }؛ أي أهل هذه الصفة لهم عذاب وجيع في الآخرة، { وما لهم من ناصرين }؛ أي من مانع يمنعهم من العذاب.
آل عمران 3:92
قوله تعالى: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }؛ قال ابن عباس: (معناه: لن تنالوا الجنة)، وقال عطاء: (لن تنالوا الطاعة). وقال أبو روق: (معناه: لن تنالوا الخير)، وقال مقاتل: (لن تنالوا التقوى)، وقال الحسن: (لن تكونوا أبرارا حتى تتصدقوا مما تحبون من الأموال؛ أي من كرائم أموالكم وأحبها إليكم، طيبة بها أنفسكم؛ صغيرة في أعينكم)، وقال مجاهد والكلبي: (هذه الآية منسوخة؛ نسختها الزكاة). وروى الضحاك عن ابن عباس: (أراد بهذه الآية: حتى تخرجوا زكاة أموالكم)، وقال عطاء: (معناه: لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء تأملون الغنى وتخشون الفقر). ويقال: معناه: لن تبلغوا حقيقة التوكل والتقوى حتى تخرجوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم.
وذهب أكثر المفسرين إلى أن المقصود من هذه الآية: الحث على صدقة النفل والفرض بأبلغ وجوه القرب؛ لأن قوله: { مما تحبون } يدل على المبالغة فيه. روي عن عبدالله بن عمر: أنه اشترى جارية كان يهواها، فلما ملكها أعتقها ولم يصب منها، فقيل له في ذلك، فقال: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }. وعن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يشتري أعدال السكر فيتصدق بها، فقيل له: هلا تصدقت بثمنه؟ فقال: (لا، لأن السكر أحب إلي؛ فأردت أن أنفق مما أحب).
وروي: أن سائلا وقف على باب الربيع بن خيثم؛ فقال: أطعموه سكرا، فقيل له: ما يصنع بالسكر؟ هلا تطعمه خبزا أنفع له؟ قال: ويحكم! أطعموه سكرا فإن الربيع يحب السكر. ووقف سائل على باب الربيع في ليلة باردة؛ فخرج إليه فرآه كأنه مقرور، فقال: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، فنزع برنسا فأعطاه إياه.
قوله عز وجل: { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم }؛ أي ما تتصدقوا من صدقة فإن الله بها ويزيادتكم عليم يجزيكم على ذلك في الآخرة.
آل عمران 3:93
قوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة }؛ قال ابن عباس: (معناه: كل الطعام الحلال اليوم وهو ما سوى الميتة والدم ولحم الخنزير كان حلا لبني يعقوب عليه السلام، من قبل أن تنزل التوراة على موسى عليه السلام؛ إلا الطعام الذي حرمه يعقوب على نفسه؛ وهو لحم الإبل وألبانها).
وذلك أن يعقوب عليه السلام كان يمشي إلى بيت المقدس فلقيه ملك من الملائكة وهو خلف الأثقال، فظن يعقوب أنه لص؛ فعالجه ليصارعه فكان كذلك حتى أضاء الفجر، فضمر الملك فخذ يعقوب فهاج به عرق النسا، فصعد الملك إلى السماء، وجاء يعقوب يعرج حتى لحق الأثقال؛ فكان يبيت الليل ساهرا من وجعه وينصب نهاره، فأقسم لئن شفاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب على نفسه؛ فشفاه الله من ذلك، فحرم أحب الطعام والشراب إليه، وكان ذلك لحوم الإبل وألبانها، ثم استن ولده سبيله. فذلك قوله: { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة }.
فلما نزلت هذه الآية؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود:
" ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ " قالوا: كل شيء حرمناه اليوم على أنفسنا؛ فإنه كان محرما على نوح عليه السلام فهلم جرا حتى انتهى إلينا، وأنت يا محمد وأصحابك تستحلونه، وادعوا أن ذلك مسطور في التوراة ".
وقال الكلبي: (كان هذا حين قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" " أنا على ملة إبراهيم عليه السلام " قال اليهود: كيف وأنت تأكل الإبل وألبانها؟! فقال صلى الله عليه وسلم: " كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله ". قالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه؛ فإنه كان حراما على إبراهيم ونوح، وهلم جرا حتى انتهى إلينا. "
فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيبا لهم: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه }
. قوله تعالى: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } ، وذلك أن اليهود قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" " ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ " قالوا: كل شيء نحرمه اليوم على أنفسنا. قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } "
أي فاقرأوها؛ هل تجدون فيها تحريم كل ذي ناب وظفر وتحريم شحوم البقر والغنم وغير ذلك مما حرم الله عليكم من الطيبات بعد نزول التوراة بظلمكم وبغيكم، كما قال تعالى:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم
[النساء: 160].
فأبوا أن يأتوا بالتوراة خوفا من الفضيحة لعلمهم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى قوله تعالى: { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون }؛ أي من اختلق على الله الكذب بأن ينزل عليه ما لم ينزله في كتاب من بعد ذلك، يقال من بعد قيام الحجة عليه: فأولئك هم الظالمون لأنفسهم.
قوله عز وجل: { قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا }؛ أي قل لهم يا محمد صدق الله في أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، { فاتبعوا ملة إبراهيم } في استباحة لحوم الإبل وألبانها وافعلوا ما كان يفعله من الصلاة إلى الكعبة وحج البيت، { وما كان من المشركين }؛ أي لم يكن إبراهيم على دين المشركين، ولم يفعل كما كان يفعله اليهود في ادعائهم أن عزيرا ابن الله؛ ولا كما يقول النصارى إن المسيح ابن الله. وهذه الآيات حجة على اليهود في إنكارهم نسخ الشريعة.
آل عمران 3:94
قوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة }؛ قال ابن عباس: (معناه: كل الطعام الحلال اليوم وهو ما سوى الميتة والدم ولحم الخنزير كان حلا لبني يعقوب عليه السلام، من قبل أن تنزل التوراة على موسى عليه السلام؛ إلا الطعام الذي حرمه يعقوب على نفسه؛ وهو لحم الإبل وألبانها).
وذلك أن يعقوب عليه السلام كان يمشي إلى بيت المقدس فلقيه ملك من الملائكة وهو خلف الأثقال، فظن يعقوب أنه لص؛ فعالجه ليصارعه فكان كذلك حتى أضاء الفجر، فضمر الملك فخذ يعقوب فهاج به عرق النسا، فصعد الملك إلى السماء، وجاء يعقوب يعرج حتى لحق الأثقال؛ فكان يبيت الليل ساهرا من وجعه وينصب نهاره، فأقسم لئن شفاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب على نفسه؛ فشفاه الله من ذلك، فحرم أحب الطعام والشراب إليه، وكان ذلك لحوم الإبل وألبانها، ثم استن ولده سبيله. فذلك قوله: { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة }.
فلما نزلت هذه الآية؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود:
" ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ " قالوا: كل شيء حرمناه اليوم على أنفسنا؛ فإنه كان محرما على نوح عليه السلام فهلم جرا حتى انتهى إلينا، وأنت يا محمد وأصحابك تستحلونه، وادعوا أن ذلك مسطور في التوراة ".
وقال الكلبي: (كان هذا حين قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" " أنا على ملة إبراهيم عليه السلام " قال اليهود: كيف وأنت تأكل الإبل وألبانها؟! فقال صلى الله عليه وسلم: " كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله ". قالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه؛ فإنه كان حراما على إبراهيم ونوح، وهلم جرا حتى انتهى إلينا. "
فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيبا لهم: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه }
. قوله تعالى: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } ، وذلك أن اليهود قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" " ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ " قالوا: كل شيء نحرمه اليوم على أنفسنا. قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } "
أي فاقرأوها؛ هل تجدون فيها تحريم كل ذي ناب وظفر وتحريم شحوم البقر والغنم وغير ذلك مما حرم الله عليكم من الطيبات بعد نزول التوراة بظلمكم وبغيكم، كما قال تعالى:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم
[النساء: 160].
فأبوا أن يأتوا بالتوراة خوفا من الفضيحة لعلمهم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى قوله تعالى: { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون }؛ أي من اختلق على الله الكذب بأن ينزل عليه ما لم ينزله في كتاب من بعد ذلك، يقال من بعد قيام الحجة عليه: فأولئك هم الظالمون لأنفسهم.
قوله عز وجل: { قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا }؛ أي قل لهم يا محمد صدق الله في أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، { فاتبعوا ملة إبراهيم } في استباحة لحوم الإبل وألبانها وافعلوا ما كان يفعله من الصلاة إلى الكعبة وحج البيت، { وما كان من المشركين }؛ أي لم يكن إبراهيم على دين المشركين، ولم يفعل كما كان يفعله اليهود في ادعائهم أن عزيرا ابن الله؛ ولا كما يقول النصارى إن المسيح ابن الله. وهذه الآيات حجة على اليهود في إنكارهم نسخ الشريعة.
آل عمران 3:95
قوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة }؛ قال ابن عباس: (معناه: كل الطعام الحلال اليوم وهو ما سوى الميتة والدم ولحم الخنزير كان حلا لبني يعقوب عليه السلام، من قبل أن تنزل التوراة على موسى عليه السلام؛ إلا الطعام الذي حرمه يعقوب على نفسه؛ وهو لحم الإبل وألبانها).
وذلك أن يعقوب عليه السلام كان يمشي إلى بيت المقدس فلقيه ملك من الملائكة وهو خلف الأثقال، فظن يعقوب أنه لص؛ فعالجه ليصارعه فكان كذلك حتى أضاء الفجر، فضمر الملك فخذ يعقوب فهاج به عرق النسا، فصعد الملك إلى السماء، وجاء يعقوب يعرج حتى لحق الأثقال؛ فكان يبيت الليل ساهرا من وجعه وينصب نهاره، فأقسم لئن شفاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب على نفسه؛ فشفاه الله من ذلك، فحرم أحب الطعام والشراب إليه، وكان ذلك لحوم الإبل وألبانها، ثم استن ولده سبيله. فذلك قوله: { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة }.
فلما نزلت هذه الآية؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود:
" ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ " قالوا: كل شيء حرمناه اليوم على أنفسنا؛ فإنه كان محرما على نوح عليه السلام فهلم جرا حتى انتهى إلينا، وأنت يا محمد وأصحابك تستحلونه، وادعوا أن ذلك مسطور في التوراة ".
وقال الكلبي: (كان هذا حين قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" " أنا على ملة إبراهيم عليه السلام " قال اليهود: كيف وأنت تأكل الإبل وألبانها؟! فقال صلى الله عليه وسلم: " كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله ". قالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه؛ فإنه كان حراما على إبراهيم ونوح، وهلم جرا حتى انتهى إلينا. "
فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيبا لهم: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه }
. قوله تعالى: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } ، وذلك أن اليهود قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" " ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ " قالوا: كل شيء نحرمه اليوم على أنفسنا. قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } "
أي فاقرأوها؛ هل تجدون فيها تحريم كل ذي ناب وظفر وتحريم شحوم البقر والغنم وغير ذلك مما حرم الله عليكم من الطيبات بعد نزول التوراة بظلمكم وبغيكم، كما قال تعالى:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم
[النساء: 160].
فأبوا أن يأتوا بالتوراة خوفا من الفضيحة لعلمهم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى قوله تعالى: { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون }؛ أي من اختلق على الله الكذب بأن ينزل عليه ما لم ينزله في كتاب من بعد ذلك، يقال من بعد قيام الحجة عليه: فأولئك هم الظالمون لأنفسهم.
قوله عز وجل: { قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا }؛ أي قل لهم يا محمد صدق الله في أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، { فاتبعوا ملة إبراهيم } في استباحة لحوم الإبل وألبانها وافعلوا ما كان يفعله من الصلاة إلى الكعبة وحج البيت، { وما كان من المشركين }؛ أي لم يكن إبراهيم على دين المشركين، ولم يفعل كما كان يفعله اليهود في ادعائهم أن عزيرا ابن الله؛ ولا كما يقول النصارى إن المسيح ابن الله. وهذه الآيات حجة على اليهود في إنكارهم نسخ الشريعة.
آل عمران 3:96
قوله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين }؛ قال مجاهد: (تفاخر المسلمون واليهود؛ فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنها مهاجر الأنبياء وهي الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله هذه الآية: { إن أول بيت وضع للناس }. وقرأ ابن السميقع: (وضع) بفتح الواو والضاد بمعنى وضعه الله. { للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين }
فيه ءايت بينت مقام إبرهيم
[آل عمران: 97]؛ وليس ذلك بيت المقدس، وكتب على الناس حج البيت وليس ذلك بيت المقدس.
واختلفوا في قوله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس }؛ قال بعضهم: هو أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الله السماوات والأرض، خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام، وكان ربوة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته، وهذا قول ابن عمر ومجاهد وقتادة والسدي. وقيل: معناه: أول بيت بناه آدم في الأرض، قاله ابن عباس. وقال الضحاك: (معناه: أول بيت وضع فيه البركة واختير من الفردوس الأعلى).
وقيل: هو أول بيت جعل قبلة للمسلمين. وعن أبي ذر قال:
" سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع للناس، فقال: " المسجد الحرام؛ ثم بيت المقدس " فقيل له: كم بينهما؟ قال: " أربعون عاما " ".
وقال الحسن: (معناه: إن أول بيت وضع لعبادة الناس على وجه الأرض الكعبة؛ بناها إبراهيم عليه السلام كما قال تعالى:
وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت
[الحج: 26]. وأما بناء بيت المقدس فقد كان بعد الكعبة بدهر طويل؛ بناه سليمان بن داود عليهما السلام).
قال الكلبي: (كان آدم عليه السلام حين أخرج من الجنة بنى الكعبة فطاف بها، فلما كان في زمن طوفان نوح عليه السلام رفعها الله إلى السماء السادسة بحيال موضع الكعبة؛ وهي البيت المعمور يقال له الضراح؛ يدخله كل يوم سبعون ألف ملك). وروي أن الله تعالى أنزل الكعبة من السماء وهي من ياقوتة حمراء، وكانت الملائكة تحجها قبل آدم عليه السلام، فلما كثرت الخطايا رفعها الله تعالى.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الكعبة كانت خشعة على وجه الماء فدحيت الأرض من تحتها "
والخشعة: مثل الصبرة متواضعة.
قوله تعالى: { ببكة } ، قال الضحاك: (هي مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم فتقول: ضربة لازب، وضربة لازم). وقال ابن شهاب: (بكة المسجد والبيت، ومكة الحرم كله) ومثله قال الزهري. وسمي المسجد بكة؛ لأن البك هو الرحمة، في اللغة يقال: بكه إذا رحمه. وسمي المسجد بكا لأن الناس يتباكون فيه؛ أي يزدحمون للطواف. وقال أبو عبيد: (بكة اسم لبطن مكة، ومكة لما بقي).
وقال عبدالله بن الزبير: (سميت البلد بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة؛ ما قصدها جبار إلا قصمه الله كأصحاب الفيل وغيرهم). وسميت مكة لاجتذابها الناس من كل أفق. يقال امتك الفصيل في ضرع الناقة اذا استقصى فلم يدع شيئا منه.
قال ابن عباس رضي الله عنه: (ما أعلم على وجه الأرض بلدة الحسنة فيها بمائة ألف إلا مكة، ولا درهما يتصدق به يكتب لديه ألف درهم إلا بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة فيها شراب الأبرار ومصلى الأخيار إلا مكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة إذا دعا الرجل فيها بدعاء أمن الملائكة على دعائه إلا مكة, ولا أعلم على وجه الأرض بلدة يموت فيها الميت فيكون تكفيرا لخطاياه إلا مكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة صدر إليها جميع النبيين والمرسلين إلا مكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ينزل فيها كل يوم من روح الجنة ورائحتها ما ينزل إلا بمكة، والركعة الواحدة فيها بمائة ألف ركعة).
قوله تعالى: { مباركا } نصب على الحال؛ أي الذي استقر بمكة، والبركة بثوب الخير ونموه. وقوله تعالى: { وهدى للعالمين } أي قبلة للمؤمنين. وقيل: بيان ودلالة للعالمين على الله بإهلاك من قصده من الجبابرة، وباستئناس الطير فيه بالناس، وبأن لا يعلوه طائر إعظاما له، وبإمحاق ما يرمى فيه من الجمار في كل سنة، فلولا أن ما يقبل منها يرفع كما قال ابن عباس، وإلا كان قد اجتمع هناك من الحجارة مثل الجبال. ويجوز أن يكون المراد بالهدى أنه طريق الجنة.
آل عمران 3:97
قوله عز وجل: { فيه ءايت بينت مقام إبرهيم }؛ أي فيه علامات واضحات، وهن ما تقدم ذكره ومقام إبراهيم أيضا، والآية في مقام إبراهيم: أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله تعالى صار الحجر كالطين حتى غاصت قدماه فيه ثم عاد حجرا صلدا ليكون ذلك دلالة على صدق نبوته عليه السلام. قرأ ابن عباس: (فيه آية بينة) على الواحد وأراد مقام إبراهيم وحده. وقرأ الباقون بالجمع أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها.
قوله تعالى: { ومن دخله كان آمنا }؛ قال الحسن: (عطف الله قلوب العرب في الجاهلية على أن كل من لاذ بالحرم وإن كان جانيا لا يهاج فيه، وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال:
رب اجعل هذا بلدا آمنا
[البقرة: 126] وكان في الجاهلية من دخله أمن من القتل؛ ولم يزده الإسلام إلا شدة. وقيل: إن أول من لاذ بالحرم: الحيتان الصغار من الكبار في الطوفان، وقيل: من دخله عام عمرة القضاء مع النبي صلى الله عليه وسلم كان آمنا، بيانه: قوله تعالى:
لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين
[الفتح: 27].
قال أهل المعاني: صورة الآية خبر؛ ومعناها: أمر؛ تقديرها: ومن دخله فأمنوه، لقوله:
فلا رفث ولا فسوق ولا جدال
[البقرة: 197] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. وقيل: معناه: من دخله لقضاء النسك معظما لله عارفا بحقوقه متقربا إلى الله تعالى كان آمنا يوم القيامة. وقال الضحاك: (معناه: من حجه فدخله كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك). وقال جعفر الصادق: (من دخله على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمنا من عذابه).
قال أبو النجم القرشي: كنت أطوف بالبيت؛ فقلت: (يا سيدي قد قلت: (ومن دخله كان آمنا) من أي شيء؟ فسمعت قائلا من ورائي يقول: آمنا من النار؛ فالتفت فلم أر شيئا). يدل على هذا ما روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينتشران في الجنة "
وهما مقبرتا مكة والمدينة. وقال صلى الله عليه وسلم:
" من صبر على حر مكة ولو ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام؛ وتقربت منه الجنة مسيرة مائة عام "
وقال وهب بن منبه: (مكتوب في التوراة: أن الله عز وجل بعث سبعمائة ألف من الملائكة المقربين إلى البيت، بيد كل واحد منهم سلسلة من ذهب، فيقول لهم: اذهبوا إلى البيت الحرام، قرموه بهذه السلاسل ثم قودوه إلى المحشر؛ فيأتون به بسبعمائة سلسلة من ذهب؛ ثم يقودونه وملك ينادي: يا كعبة الله سيري، فتقول: لست سائرة حتى أعطى سؤلي، فينادي ملك من جو السماء سلي، فتقول: يا رب شفعني في جيرتي الذين دفنوا حولي من المؤمنين، فيقول الله: قد أعطيتك سؤلك، فيحشر موتى مكة من قبورهم بيض الوجوه كلهم محرمون؛ فيجتمعون حول الكعبة ثم يلبون، ثم تقول الملائكة: سيري يا كعبة الله؛ فتقول: لست سائرة حتى أعطى سؤلي، فينادي ملك من جو السماء: سلي، فتقول: يا رب؛ عبادك المذنبين الذين وفدوا إلي من كل فج عميق شعثا غبرا؛ قد تركوا الأهلين والأولاد والأحباب، وخرجوا شوقا زائرين مسلمين طائعين حتى قضوا مناسكهم كما أمرتهم، فأسألك أن تؤمنهم من الفزع الأكبر وشفعني فيهم وتجمعهم حولي، فينادي مناد: إن منهم من ارتكب الذنوب بعدك وأصر على الكبائر حتى وجبت له النار، فتقول الكعبة: إنما أسألك الشفاعة لأهل الذنوب العظام، فيقول الله تعالى: قد شفعتك فيهم وأعطيتك سؤلك.
ثم ينادي مناد: ألا من زار الكعبة، فيعزل من بين الناس فيعتزلون؛ فيجمعهم الله حول البيت الحرام بيض الوجوه آمنين من النار، يطوفون ويلبون. ثم ينادي ملك من جو السماء يا كعبة الله سيري، فتقول الكعبة: لبيك لبيك؛ والخير في يديك؛ لبيك لا شريك لك لبيك؛ إن الحمد والنعمة لك والملك؛ لا شريك لك. ثم يشيعونها إلى المحشر).
قوله عز وجل: { ولله على الناس حج البيت }؛ قال عكرمة: (لما نزل قوله تعالى:
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه
[آل عمران: 85] قالت اليهود: نحن مسلمون؛ فأمروا أن يحجوا إن كانوا مسلمين). واللام في قوله (لله) لام الإيجاب والإلزام؛ أي لله فرض واجب على الناس حج البيت.
قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وحفص: (حج البيت) بكسر الحاء هذا الحرف وحده خاصة. وقرأ ابن أبي إسحاق جميع ما في القرآن بالكسر، وهي لغة نجد. وقرأ الباقون بالفتح في كل القرآن، وهي لغة أهل الحجاز، وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد. وقال بعضهم هو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم.
قوله عز وجل: { من استطاع إليه سبيلا }؛ بدل من الناس، وهو بدل البعض من الكل، قال عبدالله بن عمر: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستطاعة في هذه الآية فقال:
" السبيل إلى البيت: الزاد والراحلة "
ومثله عن ابن مسعود وابن عباس وعائشة وجابر بن عبدالله وأنس بن مالك.
قوله تعالى: { ومن كفر فإن الله غني عن العلمين }؛ معناه: من أنكر فريضة الحج فلم ير واجبا فإن الله غني عن من حج وعن من لم يحج؛ أي لم يتعبد الناس بالعبادات لحاجته إليها، وإنما تعبدهم به لعلمه بمصالحهم فيها. وقد روي: أنه لما نزل فرض الحج؛ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين اليهود والنصارى ومشركي العرب، فقال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا "
فلم يقبله إلا المسلمون فأنزل الله تعالى: { ومن كفر فإن الله غني عن العلمين }.
وأما ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من أدرك حجة الإسلام فلم يحج، ولم يمنعه حاجة ظاهرة؛ ولا إمام جائر ظالم؛ ولا سجن حابس حتى يموت على ذلك؛ فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا "
ولا يجوز الحكم بكفره بأخبار الآحاد، وتأويل الخبر: أنه لم ير الحج فرضا عليه وقد وجد الاستطاعة. وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" معنى ومن كفر؛ أي ومن كفر بالله واليوم الآخر "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من مات ولم يحج لم يقبل الله له يوم القيامة عملا "
آل عمران 3:98
قوله عز وجل: { قل يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون }؛ أي قل يا محمد لليهود والنصارى: لم تكفرون بالحج ومحمد والقرآن والله عالم بما تعملون، وإنما قال في هذا الموضع: { قل يأهل الكتاب } ، وقال من قبل:
يأهل الكتاب
[آل عمران: 65] أنه تعالى خاطبهم أولا على جهة التلطف في استدعائهم إلى الإيمان ثم أعرض عن خطابهم إذلالا وإهانة لهم، وأمر غيره بمخاطبتهم.
آل عمران 3:99
قوله عز وجل: { قل يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهدآء }؛ نزلت يوم بدر في اليهود كانوا يدعون عمارا وأصحابه رضي الله عنهم إلى اليهودية، وكانوا يسعون في إحياء الضغائن التي كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية وكانت قد ماتت في الإسلام. ومعنى الآية: قل يا محمد: لم تصرفون من آمن عن دين الله وعن الطريق التي هي الموصلة إلى رضا الله من الإسلام والحج وغير ذلك، { تبغونها عوجا } أي تطلبون لها ميلا. قال أبو عبيد: (العوج بالكسر في الدين والقول والعمل، والعوج بالفتح في الجدار والحائط والعصا).
قوله تعالى: { وأنتم شهدآء } أي وأنتم شهداء تقديم البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم في كتبكم، وقيل: معناه: وأنتم عقلاء كما في قوله تعالى:
أو ألقى السمع وهو شهيد
[ق: 37]. قوله تعالى: { وما الله بغافل عما تعملون }؛ تهديد لهم على الكفر أي لا يخفى على الله شيء مما تعملون من الجحد والكتمان.
آل عمران 3:100
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين }؛ قال زيد بن أسلم: (أن شاس بن قيس اليهودي وكان شيخا كبيرا عظيم الكفر؛ شديد الطعن على المسلمين؛ شديد الحسد لهم؛ مر على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، فقال: والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابا من اليهود كان معهم؛ فقال: اعمد إليهم واجلس إليهم؛ ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله؛ وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار؛ وما كان يعلن - بالعين المهملة - يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج؛ ففعل. فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحي؛ أحدهما من الأوس والآخر من الخزرج، وتقولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها جذعة الآن، وغضب الفريقان جميعا وقالا: موعدكم الحرة، فخرجوا إليها بالسلاح، وانضمت الأوس إلى الأوس، والخزرج إلى الخزرج، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فخرج بمن معه من المهاجرين إليهم فقال:
" يا معشر المسلمين أتدعون إلى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم "
فعلموا أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، وألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وتعانق بعضهم بعضا، ثم رجعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين. فأنزل الله هذه الآية).
ومعناها: { يأيها الذين آمنوا } يعني الأوس والخزرج، { إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } يعني شاسا وأصحابه؛ إن تطيعوهم في إحياء الضغائن التي كانت بينكم بالعصبية وجهالة وحمية الجاهلية يردوكم الى الشرك والكفر بعد تصديقكم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. قال جابر بن عبدالله: (ما كان من طالع أكرم إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فما رأيت يوما قط أقبح أولا ولا أحسن آخرا من ذلك اليوم).
آل عمران 3:101
قوله عز وجل: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله }؛ هذا على طريق التعجب والاستبعاد أن يقع منهم الكفر مع معرفتهم بدلالات الله؛ أي كيف تكفرون وأنتم يتلى عليكم القرآن ومعكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لكم الآيات؟! قوله تعالى: { ومن يعتصم بالله }؛ أي يستمسك بدينه وطاعته ويمتنع به من غيره؛ { فقد هدي إلى صراط }؛ أي أرشد إلى طريق؛ { مستقيم }؛ قائم يرضاه الله وهو الإسلام، والعصمة: المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصم، قال الفرزدق:
أنا ابن العاصمين بني تميم
إذا ما أعظم الحدثان نابا
آل عمران 3:102
قال عز وجل: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }؛ معناه: يا أيها الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن أطيعوا الله حق طاعته، واثبتوا على الإسلام حتى لا يدرككم الموت إلا وأنتم مسلمون. قال الكلبي: (حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر). وقال ابن عباس: (هو أن لا يعصى طرفة عين). وقال مجاهد: (معناه: جاهدوا في الله حق جهاده؛ ولا يأخذكم في الله لومة لائم؛ وقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وأبنائكم).
فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من يقوى على تقوى الله حق تقاته، وشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى:
فاتقوا الله ما استطعتم
[التغابن: 16].
فصار ابتداء هذه الآية منسوخا به، وإلى هذا ذهب قتادة ومقاتل وجماعة من المفسرين. قال قتادة: (وليس في آل عمران من المنسوخ إلا هذه الآية). وقال بعضهم: لا يجوز أن يكلف الله عباده ما لا يطيقون، وليست هذه الآية منسوخة، وإنما معناه: اتقوا الله فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه؛ وهو ما فسره الله تعالى في كتابه في مواضع شتى.
قوله تعالى: { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي مؤمنون، وقيل: مخلصون مفوضون أمركم إلى الله تعالى. وقال الفضيل: (محسنون الظن بالله). وعن أنس رضي الله عنه قال: (لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه).
آل عمران 3:103
قوله عز وجل: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } الآية. قال مقاتل: (كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال؛ حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأصلح بينهم، فافتخر بعد ذلك رجلان: ثعلبة بن غنم الأوسي؛ وسعد بن زرارة الخزرجي، فقال الأوسي: منا خزيمة ذو الشهادتين؛ ومنا حنظلة غسلته الملائكة؛ ومنا عاصم بن ثابت حمى الدين؛ ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز العرش لموته ورضي بحكمه في بني قريظة. وقال الخزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب؛ ومعاذ بن جبل؛ وزيد بن ثابت؛ وأبو زيد سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم. فجرى الحديث بينهم؛ فغضبوا، فقال الخزرج: أما والله لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي صلى الله عليه وسلم لقتلنا سادتكم واستعبدنا أبناءكم ونكحنا نساءكم بغير مهر، فقال الأوس: قد كان والله الإسلام متأخرا كثيرا، فهلا فعلتم ذلك حين ضربناكم حتى أدخلناكم البيوت، وتكاثرا وتشاتما ثم تبادءا واقتتلا حتى اجتمع الأوس والخزرج ومعهم السلاح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم في أناس من المهاجرين وقد نهض بعضهم إلى بعض. قال جابر: فما كان طالع يومئذ أكرم علينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ إلينا فكففنا فوقف بيننا، فقرأ:
يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا
[آل عمران: 102-103] إلى قوله تعالى:
وأولئك لهم عذاب عظيم
[آل عمران: 105] فألقى الفريقان السلاح وأطفأوا الحرب، فلم يكن في الأرض شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية، ومشى بعضهم إلى بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعانق بعضهم بعضا يبكون، فما رأيت باكيا أكثر من يومئذ).
قوله تعالى: { بحبل الله } أي تمسكوا بدين الله، وقيل: بالجماعة. وقال مجاهد وعطاء: (بعهد الله). وقال قتادة والسدي والضحاك: (معناه: واعتصموا بالقرآن). وقال علي رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كتاب الله هو الحبل المتين؛ والذكر الحكيم؛ وهو الصراط المستقيم "
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا القرآن هو حبل الله المتين؛ وهو النور المبين؛ والشفاء النافع؛ وعصمة من تمسك به؛ ونجاة من تبعه "
وقال مقاتل: (معنى الآية: واعتصموا بأمر الله وطاعته). وقال أبو العالية: (بإخلاص التوحيد لله). وقال ابن زيد: (بالإسلام).
قوله تعالى: { ولا تفرقوا } أي تناصروا في دين الله ولا تتفرقوا فيه كما تفرقت اليهود والنصارى.
قال صلى الله عليه وسلم:
" " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، فإن أمتي ستتفرق على اثنين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة " فقيل: يا رسول الله؛ وما هذه الفرقة الواحدة؟ فقبض يده وقال: " الجماعة " ثم قرأ: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تعالى رضي لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا؛ واسمعوا وأطيعوا لمن ولاه الله أمركم. وكره لكم قيل وقال؛ وإضاعة المال؛ وكثرة السؤال ".
قوله تعالى: { واذكروا نعمت الله عليكم } أي احفظوا منة الله عليكم إذ كنتم أعداء في الجاهلية، يقتل بعضكم بعضا، فجمع الله بين قلوبكم بالإسلام المحرم للأنفس والأموال إلا بحقها، فصرتم بنعمة الله إخوانا في الدين.
قال محمد بن اسحاق: (كان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بينهم عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أن سمير بن زيد أحد بني عمرو بن عوف قتل خليطا لمالك بن العجلان الخزرجي يقال له حاطب بن الحرث؛ فوقع الحرب بين القبيلتين؛ فتطاولت بينهم تلك العداوة مائة وعشرون سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب مثل ما كان بينهم. واتصلت تلك العداوة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث وظهر بمكة آمن به الأوس والخزرج وهم بالمدينة، فلما هاجر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقعت الألفة بينهم وزالت العداوة من قلوبهم وقد كادوا يتفانون، وقد كان سبب ألفتهم ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالموسم وهو بمكة يعرض نفسه على قبائل العرب، فبينما هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا؛ وهم ستة نفر: أسعد بن زرارة؛ وعوف بن عفراء؛ ورافع بن مالك؛ وقطبة بن عامر؛ وعقبة بن عامر؛ وجابر بن عبدالله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أنتم؟ " فقالوا: نفر من الخزرج، فقال: " أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ " قالوا: بلى؛ فجلسوا؛ فدعاهم إلى الله عز وجل فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان معهم بالمدينة يهود أهل كتاب ذكروا لهم أن نبيا مبعوثا قد دنا زمانه، فلما كلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله عز وجل، قال بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي ذكره اليهود؛ فلا يسبقنكم إليه أحد، فأجابوه وصدقوه وأسلموا؛ وقالوا: يا رسول الله؛ إن معنا قوما بينهم من العدواة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمع كلمتهم بك؛ فأقدم إليهم وادعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم وقد أسلموا، فلما وصلوا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم؛ فلم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حتى إذا كان العام المقبل وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الموسم منهم اثنا عشر رجلا: أسعد بن زرارة؛ وعوف ومعاذ ابنا عفراء، وعقبة بن عامر؛ وقطبة بن عامر؛ ورافع بن مالك؛ وذكوان بن عبد قيس؛ وعبادة بن الصامت؛ ويزيد بن ثعلبة؛ والعباس بن عبادة، فهؤلاء الخزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم ابن ساعدة من الأوس. فاجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة الأولى؛ فبايعوه على أن لا يشركوا بالله شيئا، " قال: " فإن وفيتم فلكم الجنة. وكان ذلك قبل أن يفرض الجهاد، فلما رجعوا إلى المدينة بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ابن هاشم، وأمره أن يقرءهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين.
فكان مصعب يسمى في المدينة (المقرئ) وكان نزوله في بيت أسعد بن زرارة، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق بنا إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا فسفها ضعفاءنا وأخرجوهم؛ فإن أسعد ابن خالتي ولولا ذلك لكفيتك، وكان سعد وأسيد بن حضير سيدا قومهما من بني عبد الأشهل وكلاهما مشركان.
فأخذ أسيد بن حضير حربته وأقبل إلى أسعد ومصعب وهما جالسان في حائط، فلما رأى أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. فلما وقف عليهما أسيد شتمهما وقال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كان لكما في السلامة حاجة، قال مصعب: إجلس واسمع؛ فإن رضيت أمرا قبلته؛ وإن كرهته كففنا عنك ما تكرهه، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس عندهما فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، ثم قال: ما أحسن هذا وأجله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا: اغتسل وطهر ثوبك ثم اشهد شهادة الحق (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ثم تصلي ركعتين. فقام واغتسل وطهر ثوبه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم ركع ركعتين.
ثم قال: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف أحد من قومه - يعني سعد بن معاذ - وسأرسله إليكما، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا؛ قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم، فلما وصل إلى عندهم، قال له سعد: ما فعلت؟! قال: كلمت الرجلين؛ فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا: نفعل، وحدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه لما عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك.
فقام سعد مغضبا مبادرا للذي ذكره فأخذ الحربة منه ثم قال: والله ما رأيتك أغنيت شيئا؛ ومضى إليهما؛ فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا ما فعل ذلك إلا ليستمع منهما، فوقف عليهما متبسما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة؛ لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في ديارنا بما نكره، فقال له مصعب: أقعد واسمع؛ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عدلنا عنك ما تكرهه، فركز حربته وجلس؛ فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به، ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالوا: تغتسل؛ وتطهر ثوبك؛ وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ وتصلي ركعتين، فقام واغتسل وغسل ثوبه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلى ركعتين.
ثم أخذ حربته ومضى إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير الأوسي، فلما وقف عليهم؛ قال: يا بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فما أمسى في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعون الناس إلى الإسلام، فلم يبق دار من الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون.
ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا من حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق؛ وهي بيعة العقبة الثانية، قال كعب بن مالك: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبدالله بن عمرو ابن حرام أبو جابر أخبرناه؛ وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا إيماننا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر؛ إنك سيد من ساداتنا وإنا نرغب لك فيما نرغب لأنفسنا، ودعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد معنا العقبة وكان نقيا، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين؛ حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب من نساء بني النجار؛ وأسماء بنت عمرو بن عدي من نساء بني سلمة، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس وهو يومئذ مشرك إلا أنه أحب أن يحضر مع ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول من تكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي الأوس والخزرج باسم الخزرج - إعلموا أن محمدا منا حيث قد علمتم؛ هو في عز من قومه ومنعة في بلده؛ وأراه قد أبى إلا اللحوق بكم والانقطاع إليكم، فلما كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه؛ فإنكم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم؟ فمن الآن فدعوه؛ فإنه في عز ورفعة ومنعة.
قال: فقلنا: سمعنا قولك، فتكلم يا رسول الله؛ وخذ لنفسك وربك ما شئت، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلى القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام، وقال:
" " أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون أنفسكم ونساءكم وأبناءكم ". قال: فأخذ البراء بن معرور بيده؛ ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا نمنعك مما نمنع أبناءنا، بايعنا يا رسول الله؛ فنحن أهل الحرب ونحن أهل الحلقة ورثناها صاغرا عن كابر. ثم قال أبو الهيثم بن التبهان: يا رسول الله؛ إن بيننا وبين الناس عهودا ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " بل الدم الدم؛ والهدم الهدم، وأنتم منا وأنا منكم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم ".
ثم قال: " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلا على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين بعيسى عليه السلام ". فأخرجوا إثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج؛ وثلاثة من الأوس، فلما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عباس بن عبادة الأنصاري: يا معشر الخزرج؛ هل تدرون على ما تبايعون؛ إنما تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا انتهكت أموالكم بالأخذ، وأشرافكم بالقتل أسلمتموه؟! فمن الآن؛ فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعاكم إليه على نهيكة الأموال وقتل الأشراف، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: " لكم الجنة ". قالوا: أبسط يدك؛ فبسط يده، فبايعوه.
فأول من ضرب على يده: البراء بن معرور؛ ثم بايع القوم واحدا واحدا، قال: فلما بايعنا صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته أحياء كثيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: " هذا عدو الله شيطان العقبة " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمضوا إلى رحالكم ". فقال العباس بن عبادة: والذي بعثك بالحق نبيا؛ لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: " لم أؤمر بذلك، إرجعوا إلى رحالكم ".
قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فبتنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش، فقالوا لنا: يا معشر الخزرج؛ بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا لتستخرجوا ابن أخينا من بين أظهرنا وبايعتموه على حربنا، وإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان هذا شيء وما علمنا، وصدقوا لأنهم لم يعلموا على بيعتنا، فجعل بعضنا ينظر إلى بعض.
ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدوا العقد، فلما قدموا أظهروا الإسلام بها، وبلغ ذلك قريشا، فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " إن الله قد جعل لكم إخوانا ومنزلا ودارا تأمنون فيها "
فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار، فأول من هاجر إلى المدينة: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي؛ ثم عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة؛ ثم عبدالله بن جحش؛ ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إرسالا إلى المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينظر أن يؤذن له في الهجرة إلى أن أذن له.
فقدم المدينة؛ فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم برسوله، ورفع عنهم العداوة القديمة، وألف بينهم). وذلك قوله عز وجل: { ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم } أي بالإسلام { فأصبحتم بنعمته إخوانا } أي فصرتم، ونظيره:
فأصبح من الخاسرين
[المائدة: 30]
فأصبح من النادمين
[المائدة: 31]
إن أصبح مآؤكم غورا
[الملك: 30].
وقوله تعالى: { بنعمته } أي بدين الإسلام، وقوله تعالى: { إخوانا } أي في الدين والولاية، نظيره قوله تعالى:
إنما المؤمنون إخوة
[الحجرات: 10]، قال صلى الله عليه وسلم:
" لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تنابزوا ولا تناجشوا؛ وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ها هنا - وأشار بيده إلى صدره - حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم "
قوله عز وجل: { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها }؛ أي كنتم في الجاهلية على طرف هوة من النار؛ أي كنتم أشرفتم على النار؛ وكدتم تقعون فيها، أو أدرككم الموت على الكفر؛ فأنقذكم الله منها؛ أي خلصكم من النار والحفرة بالنبي صلى الله عليه وسلم والإيمان. قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون }؛ التي مثل هذا البيان الذي تلي عليكم يبين الله لكم الدلالات والحجج في الأوامر والنواهي لكي تهتدوا من الضلالة، وتكونوا على رجاء الهداية.
آل عمران 3:104
قوله عز وجل: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف }؛ أي ليكن منكم جماعة يدعون إلى الصلح والإحسان، ويأمرون بالتوحيد واتباع محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الطاعات الواجبة؛ { وينهون عن المنكر }؛ والشرك وسائر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، { وأولئك هم المفلحون } ، أي الناجون من السخط والعذاب، وإنما قال: { ولتكن منكم } ولم يقل: وليكن منكم جميعكم؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ويجوز أن يكون المراد بالأمة العلماء في هذه الآية الذين يحسنون ما يدعون إليه.
وذهب بعض المفسرين الى أن المعنى: ولتكونوا كلكم، لكن (من) هنا دخلت للتوكيد وتخصيص المخاطبين من سائر الأجناس كما في قوله تعالى:
فاجتنبوا الرجس من الأوثان
[الحج: 30] أي فاجتنبوا الأوثان فإنها رجس؛ لا أن المراد: فاجتنبوا بعض الأوثان دون بعض، واللام في { ولتكن } لام الأمر.
وقوله: { يدعون إلى الخير } أي إلى الإسلام، ثم النهي عن المنكر على مراتب؛ أولها: الوعظ والتخويف، فإن زال بذلك لم يجز للناهي أن يتعدى عنه إلى غيره ما فوقه، ثم بالإيذاء والنعال، ثم بالسوط، ثم بالسلاح والقتال؛ لأن المقصود زوال المنكر.
فأما إذا كان الناهي عن المنكر خائفا على نفسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم:
" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه؛ وخليفة رسوله؛ وخليفة كتابه "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" أؤمروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله "
وقال علي رضي الله عنه: (أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنأن الفاسقين). وقال أبو الدرداء: (لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر؛ وإلا ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم، ويدعو أخياركم فلا يستجاب لهم؛ يستنصرون فلا ينصرون؛ ويستغفرون فلا يغفر لكم). وقال حذيفة: (يأتي على الناس زمان لأن يكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر)، وقال الثوري: (إذا كان الرجل محبوبا في جيرانه محمودا عند إخوانه، فاعلم أنه مداهن).
آل عمران 3:105
قوله عز وجل: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جآءهم البينات }؛ أي ولا تكونوا كاليهود والنصارى الذين اختلفوا فيما بينهم وصاروا فرقا وشيعا، { من بعد ما جآءهم البينات } الكتاب في أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ { وأولئك لهم عذاب عظيم }؛ على تفريقهم واختلافهم. قال بعضهم: لا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا، قال: وهم المبتدعة من هذه الأمة.
ثم بين الله تعالى وقت العذاب العظيم الذي يصيبهم؛ فقال تعالى: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه }؛ معناه: { وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } وهو يوم القيامة، وانتصب على الظرف أي في يوم. قرأ يحيى بن وثاب: (تبيض) (وتسود) بكسر التاء على لغة تميم. وقرأ الزهري (تبياض) و (تسواد).
ومعنى الآية: تبيض وجوه المخلصين لله بالتوحيد؛ أي تشرق فتصير كالثلج بياضا والشمس ضياء، وتسود وجوه الكفار والمنافقين من الحزن حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. وعن ابن عباس قال: (معناه: يوم تبيض وجوه أهل العلم والسنة، وتسود وجوه أهل البدعة). وقال بعضهم: البياض من الوجوه إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وبثواب الله، واسودادها لحزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعقاب ربها.
قوله عز وجل: { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }؛ جوابه محذوف؛ أي يقال لهم: { أكفرتم بعد إيمانكم } قيل: هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، فذلك قوله تعالى: { أكفرتم بعد إيمانكم }. وقيل: هم من كفر بالله يوم الميثاق حين أخرجوا من صلب آدم عليه السلام. وقيل: هم الخوارج وأهل البدع كلها، وقيل: هم أهل الردة.
آل عمران 3:106
قوله عز وجل: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جآءهم البينات }؛ أي ولا تكونوا كاليهود والنصارى الذين اختلفوا فيما بينهم وصاروا فرقا وشيعا، { من بعد ما جآءهم البينات } الكتاب في أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ { وأولئك لهم عذاب عظيم }؛ على تفريقهم واختلافهم. قال بعضهم: لا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا، قال: وهم المبتدعة من هذه الأمة.
ثم بين الله تعالى وقت العذاب العظيم الذي يصيبهم؛ فقال تعالى: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه }؛ معناه: { وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } وهو يوم القيامة، وانتصب على الظرف أي في يوم. قرأ يحيى بن وثاب: (تبيض) (وتسود) بكسر التاء على لغة تميم. وقرأ الزهري (تبياض) و (تسواد).
ومعنى الآية: تبيض وجوه المخلصين لله بالتوحيد؛ أي تشرق فتصير كالثلج بياضا والشمس ضياء، وتسود وجوه الكفار والمنافقين من الحزن حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. وعن ابن عباس قال: (معناه: يوم تبيض وجوه أهل العلم والسنة، وتسود وجوه أهل البدعة). وقال بعضهم: البياض من الوجوه إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وبثواب الله، واسودادها لحزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعقاب ربها.
قوله عز وجل: { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }؛ جوابه محذوف؛ أي يقال لهم: { أكفرتم بعد إيمانكم } قيل: هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، فذلك قوله تعالى: { أكفرتم بعد إيمانكم }. وقيل: هم من كفر بالله يوم الميثاق حين أخرجوا من صلب آدم عليه السلام. وقيل: هم الخوارج وأهل البدع كلها، وقيل: هم أهل الردة.
آل عمران 3:107
قوله عز وجل: { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون }؛ وهم المؤمنون الذين ابيضت وجوههم في الآخرة في جنة الله تعالى، صاروا إليها برحمته هم فيها مقيمون دائمون. وفي الآية بيان أن الجنة لا تنال إلا برحمة الله وإن اجتهد المجتهد في طاعته.
آل عمران 3:108
قوله عز وجل: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق }؛ أي هذه حجج الله ينزل بها جبريل عليه السلام فيقرأها عليك بالصدق؛ { وما الله يريد ظلما للعالمين }؛ أي للجن والإنس.
آل عمران 3:109
قوله عز وجل: { ولله ما في السموت وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور }؛ معناه: جميع ما في السماوات والأرض من الخلق عبيد الله ومخلوقه فلا يريد ظلمهم، فإن من بلغ غناه هذا المبلغ لا يحتاج إلى الظلم. قوله تعالى: { وإلى الله ترجع الأمور } أي عواقب الأمور في الآخرة.
آل عمران 3:110
قوله عز وجل: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }؛ خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعم سائر أمته. قال الحسن: (نحن آخر الأمم وأكرمها على الله). وقيل معنى { كنتم خير أمة } أي كنتم في اللوح المحفوظ، وقيل: كنتم مذ كنتم، وقيل: الكاف زائدة؛ أي أنتم خير أمة. قوله تعالى: { تأمرون بالمعروف } أي بالتوحيد واتباع الشريعة، { وتنهون عن المنكر } أي عن الشرك والظلم.
وقوله تعالى: { وتؤمنون بالله } أي توحدون الله تعالى بالإيمان بالله وتصديق رسله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يوحد الله تعالى، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم }؛ أي لو صدق اليهود والنصارى مع إيمانهم بالله تعالى إيمانهم بنبيه صلى الله عليه وسلم لكان خيرا لهم من الإقامة على دينهم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" أنتم تتمون على سبعين أمة؛ أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة "
وقال صلى الله عليه وسلم:
إن الجنة محرمة على الأمم حتى تدخلها أمتي
وقال صلى الله عليه وسلم:
" أمتي أمة مرحومة؛ إذا كان يوم القيامة أعطي كل رجل من هذه الأمة رجلا من الكفار؛ فيقال له: هذا فداؤك من النار "
وقيل لعيسى عليه السلام: يا روح الله؛ هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: نعم؛ أمة أحمد صلى الله عليه وسلم علماء حكماء حلماء؛ أبرار أتقياء كأنهم من العفة أنبياء؛ يرضون من الله باليسير من الرزق؛ ويرضى الله تعالى منهم باليسير من العمل؛ يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله عز وجل: { منهم المؤمنون }؛ يعني أهل الكتاب منهم المؤمنون عبدالله بن سلام وأصحابه، وسائر من أسلم من أهل الكتاب. { وأكثرهم الفاسقون }؛ أي الكافرون الخارجون عن أمر الله، وهم الذين لم يسلموا منهم.
آل عمران 3:111
قوله عز وجل: { لن يضروكم إلا أذى }؛ أي لن يصلوا إلى ضرركم أيها المسلمون إلا أن يؤذوكم باللسان بقولهم: عزير ابن الله؛ والمسيح ابن الله؛ وثالث ثلاثة؛ والبهت والتحريف. وقال مقاتل: (إن رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف؛ وأبو رافع، وأبو ياسر؛ وابن صوريا وغيرهم عمدوا إلى مؤمنيهم كعبدالله ابن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله عز وجل { لن يضروكم إلا أذى } أي باللسان؛ يعني وعيدا وطعنا بألسنتهم ودعاء إلى الضلالة وكلمة كفر تسمعونها منهم فتتأذون بها).
قوله تعالى: { وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون }؛ أي يعطوكم الأدبار منهزمين؛ يعني لا يمنعكم أحد من سبيكم إياهم وقتلكم نفوسهم، وقوله تعالى: { ثم لا ينصرون } جواب الشرط، إلا أنه استئناف لأجل رأس الآي؛ لأنها على النون كقوله تعالى:
ولا يؤذن لهم فيعتذرون
[المرسلات: 36] وتقديره: ثم هم لا ينصرون، وقال في موضع آخر:
لا يقضى عليهم فيموتوا
[فاطر: 36] إذ لم يكن رأس آية. قال الشاعر:
ألم تسأل الربع القديم فينطق
........................
أي فهو ينطق.
آل عمران 3:112
قوله عز وجل: { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس }؛ معناه: جعلت عليهم مذلة القتل والسبي أينما وجدوا أخذوا. قوله تعالى: { إلا بحبل من الله } أي إلا أن يعتصموا بعهد الله وهو الإسلام. وقوله: { وحبل من الناس } أي عهد وأمان وعقد ذمة المسلمين عليهم؛ يؤدون إليهم الخراج ليؤمنوهم. وفي الآية اختصار؛ تقديره: إلا أن يعتصموا بحبل من الله.
قوله تعالى: { وبآءوا بغضب من الله }؛ أي انصرفوا بغضب؛ أي استوجبوه من الله عز وجل. قوله تعالى: { وضربت عليهم المسكنة }؛ أي جعل عليهم زي الفقر والبؤس حتى صاروا من الذلة إلى ما لا يبلغه أهل ملة بعد أن كانوا ذوي عز ويسار ومنعة، فترى الرجل منهم عليه البؤس والمسكنة وأنه لغني، ولم يبق لليهود منعة في موضع من المواضع.
قوله تعالى: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }؛ أي ذلك الذل والغضب عليهم من الله بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ورضاهم بقتل الأنبياء بغير حق وعصيانهم ومجاوزاتهم الحد.
آل عمران 3:113
قوله عز وجل: { ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون }؛ قال ابن عباس ومقاتل: (لما أسلم عبدالله ابن سلام؛ وثعلبة بن سعية؛ وأسيد بن سعية؛ وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود؛ قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا، لو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم، ثم قالوا لهم: قد خسرتم حين استبدلتم دينكم بدين غيره. فأنزل الله هذه الآية).
وقيل: لما ذكر الله في الآيات المتقدمة من آمن من أهل الكتاب، ومن لم يؤمن. قال عز وجل: { ليسوا سوآء } أي ليس الفريقان سواء، وهذا وقف تام، ثم استأنف قوله تعالى: { من أهل الكتاب أمة قآئمة } أي عادلة مستقيمة مهتدية. وقال الأخفش: (ذو أمة قائمة؛ أي ذي طريقة قائمة)، قال: (والأمة الطريقة).
ومعنى قوله: { يتلون آيات الله آنآء الليل } يعني يقرأون القرآن في ساعات الليل، { وهم يسجدون } أي وهم يصلون؛ لأن القرآن لا يكون في السجود، نظيره قوله تعالى:
وله يسجدون
[الأعراف: 206] أي يصلون، وقوله تعالى:
وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن
[الفرقان: 60] أي صلوا. وإنما ذكرت الصلوات باسم السجود، لأن السجود نهاية ما فيها من التواضع. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (أراد به صلاة العتمة). وقيل: أراد به ما بين المغرب والعشاء. واختلف النحاة في واحد الأنا؛ قال بعضهم: أناء مثل معاء وأمعاء. وقال بعضهم: إني مثل نحى وأنحى.
وقال بعض المفسرين: في الآية اختصار وحذف؛ تقديره: من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة، وترك الأخرى اكتفاء بذكر أحد الفريقين؛ قالوا: وهذا فعل مجموع مقدم كقولهم: أكلوني البراغيث، وذهبوا أصحابك. وقال آخرون: تمام الكلام عند قوله { ليسوا سواء } يعني المؤمنين والفاسقين؛ لأن ذكر الفريقين قد جرى في قوله:
منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون
[آل عمران: 110]. ثم وصف الفاسقين فقال:
لن يضروكم إلا أذى
[آل عمران: 111]، ووصف المؤمنين فقال { أمة قآئمة } الآية.
آل عمران 3:114
قوله عز وجل: { يؤمنون بالله واليوم الآخر }؛ قال ابن عباس: (لما أسلم عبدالله بن سلام ومن معه؛ قالت اليهود: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا، فأنزل الله هذه الآية، إلا أنها وإن نزلت فيهم فمن حق كل مسلم أن يكون على هذه الصفة). ومعنى الآية: يصدقون بالله وبالبعث بعد الموت. { ويأمرون بالمعروف }؛ أي باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، { وينهون عن المنكر }؛ أي عن اتباع الجبت والطاغوت ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: { ويسارعون في الخيرات }؛ أي يبادرون إلى الطاعات والأعمال الصالحة، { وأولئك من الصالحين }؛ أي من المؤمنين المخلصين وهم أبو بكر وعمر وسائر الصحابة.
آل عمران 3:115
قوله عز وجل: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه }؛ أي فلن تجحدوه، يعني تجزون به وتثابون عليه. قرأ الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وحفص وخلف: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } بالياء فيهما إخبارا عن الأمة القائمة. وقيل: راجع إلى قوله { الصالحين }. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب كقوله
كنتم خير أمة
[آل عمران: 110]. قوله تعالى: { والله عليم بالمتقين }؛ أي عالم بأعمالهم وثواب أعمالهم.
آل عمران 3:116
قوله عز وجل: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا }؛ معناه: إن الذين جحدوا بمحمد والقرآن لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }؛ أي مقيمون دائمون.
آل عمران 3:117
قوله عز وجل: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته }؛ معناه: مثل ما ينفق اليهود في اليهودية على رؤسائهم وعلمائهم، وما ينفق أهل الأوثان على أصنامهم في تظاهرهم على النبي صلى الله عليه وسلم وإهلاكهم مال أنفسهم { كمثل ريح فيها } برد شديد. ويقال: الصر: صوت لهب النار التي تحرق الزرع، وقيل: الصر: ريح فيها صوت ونار.
قوله تعالى: { أصابت حرث قوم } أي زرع قوم ظلموا { أنفسهم } بالكفر والمعصية. ومنع حق الله عليهم { فأهلكته } أي أحرقته الريح فلم ينتفعوا منه بشيء في الدنيا، كذلك من ينفق في غير طاعة الله لا ينتفع بنفقته في الآخرة، كما لا ينتفع صاحب هذا الزرع من زرعه في الدنيا. قوله تعالى: { وما ظلمهم الله }؛ بإهلاك زرعهم؛ { ولكن أنفسهم يظلمون }؛ بمنع حق الله فيه وكفرهم ومعصيتهم.
آل عمران 3:118
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا }؛ نزلت الآية في الأنصار؛ كانوا قد ظاهروا اليهود حتى صار كأن بينهم نسبا، وكانوا يواصلونهم ويعاطفونهم حتى كان الرجل من الأنصار يتزوج فيهم فيختارهم على قومه، فلما جاء الله بمحمد صلى الله عليه وسلم والإسلام وآمن الأنصار بغضهم اليهود، وكان الأنصار يخالطونهم ويشاورونهم، كما كانوا يفعلون قبل الإسلام للرضاعة والمصاهرة التي كانت بينهم، فنهى الله الأنصار بهذه الآية وما بعدها.
ومعناها: لا تتخذوا دخلا من غيركم يعني اليهود. وبطانة الرجل: خاصته وأهل سره الذين يستبطنون أمره، سموا بذلك على جهة التشبه ببطانة الثوب التي تلي جلد الإنسان. وحرف { من } في قوله: { من دونكم } للتبيين؛ أي لا تتخذوا الذين هم أسافل وأراذل بطانة. قوله تعالى: { لا يألونكم خبالا } أي لا يبقون غاية، ولا يتركون الجهد في إلقائكم في الفساد، يقال: ما ألوت في الحاجة جهدا؛ أي ما قصرت، ونصب { خبالا } على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين، وإن شئت على المصدر، وإن شئت بنزع الخافض؛ أي بالخبال. والخبال: الفساد، ومثله الخبل أيضا؛ يقال: رجل خبل الرأي؛ فاسد الرأي؛ والانخبال: أي الجنون. وقال مجاهد: (نزلت في قوم مؤمنين كانوا يصافحون المنافقين ويخالطوهم؛ فنهاهم الله عز وجل عن ذلك).
قوله عز وجل: { ودوا ما عنتم }؛ أي تمنوا إثمكم وضركم وهلاككم، والعنت في اللغة: المشقة، يقال: أكمة عنوت؛ أي طويلة شاقة المسلك. وقرأ عبدالله: (قد بدأ البغضاء من أفواههم) بالتذكير؛ لتقدم الفعل؛ ولأن معنى البغضاء: البغض. قوله تعالى: { قد بدت البغضآء من أفواههم }؛ أي قد ظهرت العداوة من ألسنتهم بالشتم والطعن، { وما تخفي صدورهم أكبر }؛ أي وما يضمرون في قلوبهم من القتل لو ظفروا بكم أعظم مما أظهروا لكم. قوله تعالى: { قد بينا لكم الآيات }؛ أي أخبرناكم بما أخفوا وأبدوا بالدلالات والعلامات، { إن كنتم تعقلون }؛ العدو من الولي.
آل عمران 3:119
قوله تعالى: { هآأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم }؛ أي أنتم يا هؤلاء المؤمنين تحبون اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من المصاهرة والرضاع والقرابة والجوار، { ولا يحبونكم } لما بينكم وبينهم من مخالفة الدين، هذا قول أكثر المفسرين. وقال بعضهم: معناه: تحبونهم؛ أي تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء، ولا يحبونكم لأنهم يدعونكم إلى الكفر وهو الهلاك. قوله تعالى: { وتؤمنون بالكتاب كله }؛ أي تؤمنون بالتوراة والانجيل وسائر كتب الله، ولا يؤمنون هم بذلك كله، يعني لا يؤمنون بكتابكم.
قوله تعالى: { وإذا لقوكم قالوا آمنا }؛ يعني منافقي أهل الكتاب، إذا لقوهم قالوا آمنا بمحمد أنه رسول صادق فيما يقول، { وإذا خلوا }؛ فيما بينهم؛ { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ }؛ أي أطراف الأصابع من الحنق عليكم لما يرون من ائتلافكم وإصلاح ذات بينكم، وهذا مثل ضربه الله لشدة عداوة اليهود للمؤمنين. وواحد الأنامل: أنملة بفتح الميم وضمها. قوله تعالى { قل موتوا بغيظكم }؛ ليس على طريق الإيجاب؛ لأنه لو كان على طريق الإيجاب لماتوا كلهم من ساعتهم، لكن معناه: تموتون بغيظكم ولا تبلغون أمانيكم من قهر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قوله تعالى: { إن الله عليم بذات الصدور }؛ أي عالم بما في القلوب من البغض والعداوة وغير ذلك. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لا تستضيئوا بنار المشركين "
أي لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم.
آل عمران 3:120
قوله تعالى: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها }؛ قرأ السلمي: بالياء، ومعنى الآية: إن تصبكم أيها المؤمنون حسنة بظهوركم على عدوكم وغلبتكم لهم أو الغنيمة والخصب تسؤهم تلك الحسنة؛ أي تحزنهم؛ يعني اليهود، وإن تصبكم محنة من جهة أعدائكم ونكبة أو جدب يعجبوا بها.
قوله تعالى: { وإن تصبروا وتتقوا }؛ أي وإن تصبروا على أذى اليهود والمنافقين وتتقوا معصية الله وتخافوا ربكم، { لا يضركم كيدهم شيئا }؛ أي لا يضركم احتيالهم لإيقاعكم في الهلاك، { إن الله بما يعملون محيط }؛ أي أحاط علمه وقدرته بأعمالكم وبأعمالهم.
قرأ أبو عمرو وابن كثير: (لا يضركم) بكسر الضاد والتخفيف، وهو جزم على جواب الجزاء. وقرأ الضحاك: (لا يضركم) بالضم وجزم الراء؛ من ضار يضار يضور. وذكر القراء عن الكسائي: أنه سمع بعض أهل العالية يقول: لا ينفعني ولا يضورني. وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء: من ضر يضر ضرا. وفي رفع { يضركم } وجهان؛ أحدهما: أنه أراد الجزم؛ وأصله (يضرركم) فأدغمت الراء في الراء، ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد، وضمت الراء الأخيرة اتباعا لأقرب الحركات إليها وهي الضاد طلبا للمشاكلة، والوجه الثاني: أن (لا) بمعنى (ليس)، ويضمر الفاء فيه؛ تقديره: وإن تصبروا فليس يضركم، والضير والضر والضرر بمعنى واحد؛ قال الله تعالى:
قالوا لا ضير
[الشعراء: 50] وقال:
وإذا مسكم الضر
[الاسراء: 67]. وقوله تعالى (إن الله بما تعملون محيط) أي عالم. قرأ الحسن والأعمش بالتاء. وقرأ الباقون بالياء.