التفسير الكبير (المنسوب إلى الطبراني) — الأنفال 8:1 – يونس 10:109
المحتويات
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:44
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:47
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:50
- الأنفال 8:51
- الأنفال 8:52
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:54
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:56
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:59
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:62
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:70
- الأنفال 8:71
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:74
- الأنفال 8:75
- التوبة 9:1
- التوبة 9:2
- التوبة 9:3
- التوبة 9:4
- التوبة 9:5
- التوبة 9:6
- التوبة 9:7
- التوبة 9:8
- التوبة 9:9
- التوبة 9:10
- التوبة 9:11
- التوبة 9:12
- التوبة 9:13
- التوبة 9:14
- التوبة 9:15
- التوبة 9:16
- التوبة 9:17
- التوبة 9:18
- التوبة 9:19
- التوبة 9:20
- التوبة 9:21
- التوبة 9:22
- التوبة 9:23
- التوبة 9:24
- التوبة 9:25
- التوبة 9:26
- التوبة 9:27
- التوبة 9:28
- التوبة 9:29
- التوبة 9:30
- التوبة 9:31
- التوبة 9:32
- التوبة 9:33
- التوبة 9:34
- التوبة 9:35
- التوبة 9:36
- التوبة 9:37
- التوبة 9:38
- التوبة 9:39
- التوبة 9:40
- التوبة 9:41
- التوبة 9:42
- التوبة 9:43
- التوبة 9:44
- التوبة 9:45
- التوبة 9:46
- التوبة 9:47
- التوبة 9:48
- التوبة 9:49
- التوبة 9:50
- التوبة 9:51
- التوبة 9:52
- التوبة 9:53
- التوبة 9:54
- التوبة 9:55
- التوبة 9:56
- التوبة 9:57
- التوبة 9:58
- التوبة 9:59
- التوبة 9:60
- التوبة 9:61
- التوبة 9:62
- التوبة 9:63
- التوبة 9:64
- التوبة 9:65
- التوبة 9:66
- التوبة 9:67
- التوبة 9:68
- التوبة 9:69
- التوبة 9:70
- التوبة 9:71
- التوبة 9:72
- التوبة 9:73
- التوبة 9:74
- التوبة 9:75
- التوبة 9:76
- التوبة 9:77
- التوبة 9:78
- التوبة 9:79
- التوبة 9:80
- التوبة 9:81
- التوبة 9:82
- التوبة 9:83
- التوبة 9:84
- التوبة 9:85
- التوبة 9:86
- التوبة 9:87
- التوبة 9:88
- التوبة 9:89
- التوبة 9:90
- التوبة 9:91
- التوبة 9:92
- التوبة 9:93
- التوبة 9:94
- التوبة 9:95
- التوبة 9:96
- التوبة 9:97
- التوبة 9:98
- التوبة 9:99
- التوبة 9:100
- التوبة 9:101
- التوبة 9:102
- التوبة 9:103
- التوبة 9:104
- التوبة 9:105
- التوبة 9:106
- التوبة 9:107
- التوبة 9:108
- التوبة 9:109
- التوبة 9:110
- التوبة 9:111
- التوبة 9:112
- التوبة 9:113
- التوبة 9:114
- التوبة 9:115
- التوبة 9:116
- التوبة 9:117
- التوبة 9:118
- التوبة 9:119
- التوبة 9:120
- التوبة 9:121
- التوبة 9:122
- التوبة 9:123
- التوبة 9:124
- التوبة 9:125
- التوبة 9:126
- التوبة 9:127
- التوبة 9:128
- التوبة 9:129
- يونس 10:1
- يونس 10:2
- يونس 10:3
- يونس 10:4
- يونس 10:5
- يونس 10:6
- يونس 10:7
- يونس 10:8
- يونس 10:9
- يونس 10:10
- يونس 10:11
- يونس 10:12
- يونس 10:13
- يونس 10:14
- يونس 10:15
- يونس 10:16
- يونس 10:17
- يونس 10:18
- يونس 10:19
- يونس 10:20
- يونس 10:21
- يونس 10:22
- يونس 10:23
- يونس 10:24
- يونس 10:25
- يونس 10:26
- يونس 10:27
- يونس 10:28
- يونس 10:29
- يونس 10:30
- يونس 10:31
- يونس 10:32
- يونس 10:33
- يونس 10:34
- يونس 10:35
- يونس 10:36
- يونس 10:37
- يونس 10:38
- يونس 10:39
- يونس 10:40
- يونس 10:41
- يونس 10:42
- يونس 10:43
- يونس 10:44
- يونس 10:45
- يونس 10:46
- يونس 10:47
- يونس 10:48
- يونس 10:49
- يونس 10:50
- يونس 10:51
- يونس 10:52
- يونس 10:53
- يونس 10:54
- يونس 10:55
- يونس 10:56
- يونس 10:57
- يونس 10:58
- يونس 10:59
- يونس 10:60
- يونس 10:61
- يونس 10:62
- يونس 10:63
- يونس 10:64
- يونس 10:65
- يونس 10:66
- يونس 10:67
- يونس 10:68
- يونس 10:69
- يونس 10:70
- يونس 10:71
- يونس 10:72
- يونس 10:73
- يونس 10:74
- يونس 10:75
- يونس 10:76
- يونس 10:77
- يونس 10:78
- يونس 10:79
- يونس 10:80
- يونس 10:81
- يونس 10:82
- يونس 10:83
- يونس 10:84
- يونس 10:85
- يونس 10:86
- يونس 10:87
- يونس 10:88
- يونس 10:89
- يونس 10:90
- يونس 10:91
- يونس 10:92
- يونس 10:93
- يونس 10:94
- يونس 10:95
- يونس 10:96
- يونس 10:97
- يونس 10:98
- يونس 10:99
- يونس 10:100
- يونس 10:101
- يونس 10:102
- يونس 10:103
- يونس 10:104
- يونس 10:105
- يونس 10:106
- يونس 10:107
- يونس 10:108
- يونس 10:109
الأنفال 8:1
{ يسألونك عن الأنفال }؛ أي عن الغنائم، { قل الأنفال }؛ الغنائم؛ { لله والرسول }؛ الإضافة للغنائم إلى الله على جهة التشريف، والإضافة إلى الرسول لأنه كان بيان حكمها وتدبيرها إليه؛ لأن الغنائم كانت كلها له كما قال صلى الله عليه وسلم في وبرة أخذها سنام بعير من الفيء:
" والله ما يحل لي من فيئكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ".
وقيل: لما سألوه عن الغنائم؛ لأنها كانت حراما على من قبلهم، كما قال عليه السلام:
" لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها "
وإنما سميت الغنائم أنفالا؛ لأن الأنفال جمع النفل، والنفل الزيادة، والأنفال مما زاده الله هذه الأمة من الحلال، والنافلة من الصلاة ما زاد على الفرض، ويقال لولد الولد: نافلة؛ لأنه زيادة على الولد.
وعن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب أصحابه يوم بدر فقال:
" من قتل قتيلا فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا "
فلما هزم الله المشركين سارع الشباب، وأقبلوا بالأسارى، وأقام الشيوخ عند الرايات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يغتاله أحد من المشركين، فوقع الاختلاف بينهم في استحقاق الغنيمة، فقال الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيامنا أفضل من ذهابهم، فلو أعطيتهم ما وعدتهم لم يبق لنا ولا لعامة أصحابك شيء. وقال الآخرون: نحن قتلنا وأسرنا. وكان ذلك مراجعة بينهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يقول شيئا، فأنزل الله هذه الآية).
ومعناها يسألونك عن الأنفال لمن هي، ويجوز أن يكون (عن) صلة في الكلام، والمعنى يسألونك الأنفال التي وعدتهم يوم بدر، قل الأنفال لله والرسول ليس لكم فيها شيء. قال عبادة بن الصامت: (لما اختلفنا في غنائم بدر وساءت أخلاقنا، نزعها الله من أيدينا وجعلها إلى رسوله وقسمها بيننا على سواء). وقيل: إن التنفيل المذكور في هذه الآية لرواية غلط وقع من الراوي؛ لأنه لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم خلف الوعد واسترجاع ما جعله لأحد منهم، والصحيح: أنهم اختلفوا في الغنائم من غير تنفيل كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم }؛ أي اتقوا معاصيه واحذروا مخالفة أمره وأمر رسوله، (وأصلحوا ذات بينكم) أي كونوا مجتمعين على ما يأمركم به الله ورسوله، { وأطيعوا الله ورسوله }؛ في الغنائم وغيرها، { إن كنتم مؤمنين } ، كما تزعمون.
الأنفال 8:2
قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }؛ معناه: إن صفتهم إذا ذكر الله عندهم فزعت قلوبهم عند الموعظة. والوجل: هو الخوف مع شدة الحزن، والمعنى ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم). قوله تعالى: { وإذا تليت عليهم ءايته }؛ أي قرئت عليهم آياته بالأمر والنهي، { زادتهم إيمنا } ، يقينا وبصيرة بالفرائض مع تصديقهم بالله { وعلى ربهم يتوكلون }؛ أي يفوضون أمورهم إلى الله لا يثقون بغيره.
ثم زاد في نعت المؤمنين فقال: { الذين يقيمون الصلاة }؛ أي يقيمونها بوضوئها وركوعها وسجودها في مواقيتها، { ومما رزقناهم }؛ أعطيناهم من الأموال، { ينفقون } ، في طاعة الله، وإنما خص الله الصلاة والزكاة؛ لعظم شأنهما وتأكيد أمرهما.
الأنفال 8:3
قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }؛ معناه: إن صفتهم إذا ذكر الله عندهم فزعت قلوبهم عند الموعظة. والوجل: هو الخوف مع شدة الحزن، والمعنى ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم). قوله تعالى: { وإذا تليت عليهم ءايته }؛ أي قرئت عليهم آياته بالأمر والنهي، { زادتهم إيمنا } ، يقينا وبصيرة بالفرائض مع تصديقهم بالله { وعلى ربهم يتوكلون }؛ أي يفوضون أمورهم إلى الله لا يثقون بغيره.
ثم زاد في نعت المؤمنين فقال: { الذين يقيمون الصلاة }؛ أي يقيمونها بوضوئها وركوعها وسجودها في مواقيتها، { ومما رزقناهم }؛ أعطيناهم من الأموال، { ينفقون } ، في طاعة الله، وإنما خص الله الصلاة والزكاة؛ لعظم شأنهما وتأكيد أمرهما.
الأنفال 8:4
قوله تعالى: { أولئك هم المؤمنون حقا }؛ أي أهل هذه الصفة الذين تقدم ذكرهم الذين استحقوا هذه الصفة صدقا، { لهم درجات عند ربهم }؛ أي لهم فضائل ومنازل في الرفعة في الآخرة على قدر أعمالهم، { ومغفرة }؛ لذنوبهم؛ { ورزق }؛ وثواب حسن، { كريم }؛ في الجنة.
الأنفال 8:5
قوله تعالى: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق }؛ وذلك
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن عير قريش أقبلت من الشام، وفيهم أبو سفيان ومخرمة بن نوفل في أربعين رجلا من قريش تجارا، فقال عليه السلام لأصحابه: " هذه عير قريش قد أقبلت، فاخرجوا إليها، فلعل الله أن ينفلكموها فتنتفعوا بها على عدوكم "
فيعدوا على نواضحهم ومعهم فارسان لا غير؛ أحدهما الزبير والآخر المقداد، فخرجوا بغير قوة ولا سلاح، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا لا يرون أنه يكون قتال.
فبلغ ذلك أبو سفيان، فأرسل من الطريق ضمضم بن عمرو الغفاري يخبر أهل مكة أن محمدا قد اعترض لعيركم فأدركوها. فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بنفر المشركين يريدون عيرهم، وقال: [يا محمد إن الله يعدك إحدى الطائفتين، إما العير وإما العسكر] فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فسروا بذلك وأعجبهم، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرف أنهم لا يخالفونه، فقالوا له: (والله لو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه) ثم أخبرهم أن في المشركين كثرة فشق على بعضهم وقالوا: ألا كنت أخبرتنا أنه يكون قتال، فنخرج سلاحنا وقوتنا، إنما خرجنا في ثيابنا نريد العير. فأنزل الله هذه الآية وهم بالروحاء.
ومعناها: امض على وجهك من الروحاء (كما أخرجك ربك من بيتك) أي من المدينة (بالحق) أي الأمر الواجب، { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون }؛ يعني كراهة الطبع للمشقة لا كراهة الحق، وقيل معناه: { يجادلونك في الحق }؛ متكرهين له كما أخرجك ربك من بيتك مع تكرهك له، ومعنى يجادلونك أي يخاصمونك بقولهم: هلا أعلمتنا القتال حتى كنا نستعد له، { بعد ما تبين }؛ أي بعد ما ظهر لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك ربك. قوله تعالى: { كأنما يساقون إلى الموت }؛ أي هم بما عليهم من شدة المشقة لقلة عددهم وعدتهم، وكثرة عدوهم كأنما يساقون إلى الموت، { وهم ينظرون }؛ إلى أسباب الموت.
الأنفال 8:6
قوله تعالى: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق }؛ وذلك
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن عير قريش أقبلت من الشام، وفيهم أبو سفيان ومخرمة بن نوفل في أربعين رجلا من قريش تجارا، فقال عليه السلام لأصحابه: " هذه عير قريش قد أقبلت، فاخرجوا إليها، فلعل الله أن ينفلكموها فتنتفعوا بها على عدوكم "
فيعدوا على نواضحهم ومعهم فارسان لا غير؛ أحدهما الزبير والآخر المقداد، فخرجوا بغير قوة ولا سلاح، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا لا يرون أنه يكون قتال.
فبلغ ذلك أبو سفيان، فأرسل من الطريق ضمضم بن عمرو الغفاري يخبر أهل مكة أن محمدا قد اعترض لعيركم فأدركوها. فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بنفر المشركين يريدون عيرهم، وقال: [يا محمد إن الله يعدك إحدى الطائفتين، إما العير وإما العسكر] فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فسروا بذلك وأعجبهم، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرف أنهم لا يخالفونه، فقالوا له: (والله لو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه) ثم أخبرهم أن في المشركين كثرة فشق على بعضهم وقالوا: ألا كنت أخبرتنا أنه يكون قتال، فنخرج سلاحنا وقوتنا، إنما خرجنا في ثيابنا نريد العير. فأنزل الله هذه الآية وهم بالروحاء.
ومعناها: امض على وجهك من الروحاء (كما أخرجك ربك من بيتك) أي من المدينة (بالحق) أي الأمر الواجب، { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون }؛ يعني كراهة الطبع للمشقة لا كراهة الحق، وقيل معناه: { يجادلونك في الحق }؛ متكرهين له كما أخرجك ربك من بيتك مع تكرهك له، ومعنى يجادلونك أي يخاصمونك بقولهم: هلا أعلمتنا القتال حتى كنا نستعد له، { بعد ما تبين }؛ أي بعد ما ظهر لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك ربك. قوله تعالى: { كأنما يساقون إلى الموت }؛ أي هم بما عليهم من شدة المشقة لقلة عددهم وعدتهم، وكثرة عدوهم كأنما يساقون إلى الموت، { وهم ينظرون }؛ إلى أسباب الموت.
الأنفال 8:7
قوله تعالى: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم }؛ إما العير وإما العسكر أنها لكم، { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم }؛ وتمنون أن تكون لكم العير دون العسكر، لأن العسكر ذات شوكة وهي السلاح، { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته }؛ أي يظهر الإسلام بوعده الذي أنزل في الفرقان، ويقال: بأمره لكم بالقتال، { ويقطع دابر الكافرين }؛ أي يظهركم على ذات الشوكة فتستأصلوهم، { ليحق الحق ويبطل الباطل }؛ بإهلاك، { ولو كره المجرمون }؛ مشركو مكة.
الأنفال 8:8
قوله تعالى: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم }؛ إما العير وإما العسكر أنها لكم، { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم }؛ وتمنون أن تكون لكم العير دون العسكر، لأن العسكر ذات شوكة وهي السلاح، { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته }؛ أي يظهر الإسلام بوعده الذي أنزل في الفرقان، ويقال: بأمره لكم بالقتال، { ويقطع دابر الكافرين }؛ أي يظهركم على ذات الشوكة فتستأصلوهم، { ليحق الحق ويبطل الباطل }؛ بإهلاك، { ولو كره المجرمون }؛ مشركو مكة.
الأنفال 8:9
قوله تعالى: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين }؛ معناه: إذ تستغيثون أيها المسلمون ربكم حين رأيتم قلة عددكم وكثرة عدوكم، فلم يكن لكم مفزع إلا الدعاء لله وطلب المعونة منه { فاستجاب لكم } أي أجابكم، والاستجابة التعطية على موافقة المسألة.
وقوله تعالى: { أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } قال ابن عباس: (كان مع كل ملك ملك فكان جملتهم ألفين). يقال: ردفت الرجل؛ إذا ركبت خلفه، وأردفته إذا أركبته خلفك. وقال عكرمة وقتادة والضحاك: (معناه: بألف من الملائكة متتابعين يتبع بعضهم بعضا)، وقد يجوز أن يقال: أردفت الرجل إذا جاء بعده، وكذلك ردفه. وأما قراءة نافع (مردفين) بفتح الدال فمعناه: أردفهم الله بالمؤمنين، ويقال: أردفته وردفته بمعنى تبعته، قال الشاعر:
إذا الجوزاء أردفت الثريا
ظننت بآل فاطمة الظنونا
أي جاءت بعدها؛ لأن الجوزاء تطلع بعد الثريا.
فنزل جبريل في خمسمائة ملك على الميمنة، ونزل ميكائيل في خمسمائة ملك على الميسرة في صورة الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض.
الأنفال 8:10
قوله تعالى: { وما جعله الله إلا بشرى }؛ أي ما جعل الله إمداد الملائكة إلا بشارة بالنصر للمؤمنين، وقيل: معناه: ما جعل الله إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بإمداد الملائكة إلا بشرى بالنصر.
وقوله تعالى: { ولتطمئن به قلوبكم }؛ أي ولتسكن قلوبكم في الحرب فلا تخافون من عدوكم. قوله تعالى: { وما النصر إلا من عند الله }؛ أي ليس النصر بقلة العدد ولا بكثرته ولا من قبل الملائكة، ولكن النصر من عند الله، { إن الله عزيز }؛ بالنقمة ممن عصى، { حكيم } ، في أفعاله.
وقد اختلفوا هل قاتلت الملائكة يوم بدر مع المؤمنين أم لا؟ قال بعضهم: لم يقاتلوا ولكن الله أيد المؤمنين ليشجع بهم قلوبهم، ويلقي بهم الرعب في قلوب الكافرين، ولو بعثهم الله بالمحاربة لكان يكفي ملك واحد، فإن جبريل أهلك بريشة واحدة سبعا من قرى قوم لوط، وأهلك بصيحة واحدة جميع بلاد ثمود. وهذا القول أقرب إلى ظاهر الآية.
وقال بعضهم: إن الملائكة قاتلت ذلك اليوم؛ لأنه روي أن أبا جهل قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الضرب الذي كنا نسمع ولا نرى شخصا؟ فقال له: (من الملائكة) فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم!
الأنفال 8:11
قوله تعالى: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }؛ قال جماعة من المفسرين:
" وذلك أنه لما أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى الكفار، سار بمن معه حتى إذا كان قريبا من بدر لقي رجلين في الطريق، فسألهما: " هل مرت بكما العير؟ " قالا: نعم مرت بنا ليلا، وكان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من المسلمين، فأخذوا الرجلين، وكان أحدهما عبد العباس بن عبد المطلب يقال له أبو رافع، والآخر عبدا لعقبة بن أبي معيط يقال له أسلم كانا يسقيان الماء، فجاؤا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلى بأبي رافع ودفع أسلم إلى أصحابه يسألونه، فقال صلى الله عليه وسلم لأبي رافع: " من خرج من أهل مكة؟ " فقال: ما بقي أحد إلا وقد خرج، فقال صلى الله عليه وسلم: " أتت مكة اليوم بأفلاذ كبدها " ثم قال: " هل رجع منهم أحد؟ " قال: نعم؛ أبي بن شريف في ثلاثمائة من بني زهرة، وكان خرج لمكان العير، فلما أقبلت العير رجع، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخنس حين خنس بقومه، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يسألون أسلم، وكان يقول لهم: خرج فلان وفلان، وأبو بكر رضي الله عنه يضربه بالعصا ويقول له: كذبت بخبر الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن صدقكم ضربتموه، وإن كذبكم تركتموه " فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عرف أمرهم ".
فساروا حتى نزلوا بدرا بجانب الوادي على غير ماء، ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء، والوادي بينهما فباتوا ليلتهم تلك، فألقى الله على المسلمين النوم فناموا، ثم استيقظوا وقد أجنبوا وليس معهم ماء، فأتاهم الشيطان فوسوس إليهم وقال: لهم تزعمون أنكم على دين الله وأنتم مجنبون تصلون على الجنابة، والمشركون على الماء.
فأمطر الله الوادي وكان ذا رمل تغيب فيه الأقدام، فاشتد الرمل وتلبدت بذلك أرضهم وأوحل أرض عدوهم، وبنى المسلمون في مكانهم حياضا واغتسلوا من الجنابة وشربوا وسقوا دوابهم وتهيأوا للقتال، فذلك قوله تعالى: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } أي واذكروا إذ يلقي الله عليكم النعاس، والنعاس: أول النوم قبل أن يثقل. وقوله تعالى: { أمنة منه } أي أمنا من الله منهم بوعد النصر أمنا حتى غشيهم النعاس في حال الاستعداد للقتال. قال ابن عباس: (النعاس عند القتال أمن من الله، وفي الصلاة من الشيطان).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو (يغشاكم) واحتجا بقوله تعالى:
يغشى طآئفة منكم
[آل عمران: 154] فجعل الفعل للنعاس.
وقرأ نافع (يغشيكم) على أن الفعل لله تعالى ليكون مطابقا لقوله: (وينزل عليكم من السماء ماء) واحتج بقوله تعالى:
كأنما أغشيت وجوههم
[يونس: 27]. وقرأ الحسن وأبو رجاء وعكرمة وأهل الكوفة وابن عامر ويعقوب (يغشيكم) بالتشديد لقوله تعالى:
فغشاها ما غشى
[النجم: 54].
قوله تعالى: { وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به }؛ يعني المطر ليطهركم به من الجنابة والحدث، { ويذهب عنكم رجز الشيطان }؛ وسوسة الشيطان التي كان وسوس إليكم بأن عدوكم قد غلب على الماء، وأنكم في مكان تسوح أقدامكم في الرمل. ويقال: أراد بالرجز الجنابة التي أصابتهم بالاحتلام، فإن الاحتلام إنما يكون من وسوسة الشيطان.
وقرأ سعيد بن المسيب (ليظهركم) بالظاء من أظهركم الله. وقرأ ابن محيصن (رجز) بضم الراء. وقرأ أبو العالية (رجس الشيطان) بالسين، والعرب تعاقب بين السين والزاي فتقول: بزق وبسق، والسراط والزراط.
قوله تعالى: { وليربط على قلوبكم }؛ أي وليشد على قلوبكم بالصبر، ويشجعكم على القتال. وقيل: معناه: وليربط على قلوبكم بالصبر والمطر. قوله تعالى: { ويثبت به الأقدام }؛ أي ويثبت بالمطر الأقدام حتى لا تسوح في الرمل. وقيل: معناه: ويثبت بالبصيرة وقوة القلب الأقدام؛ لأن الأقدام إنما تثبت في الحرب بقوة القلب.
الأنفال 8:12
قوله تعالى: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم }؛ إذ يلهم ربك الملائكة النازلين من السماء { أني معكم } بالنصر للمسلمين، { فثبتوا الذين آمنوا }؛ بالتنبيه والإخطار بالبال، ويقال: بشروهم بالنصر، وقيل: أروهم أنفسكم مددا لهم فإذا عاينوكم ثبتوا. والوحي: إلقاء المعنى الى النفس من وجه خفي.
وعن ابن عباس أنه قال: (سوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوفهم، وقدموا راياتهم فوضعوها مواضعها، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير له يدعو الله ويستغيث، فهبط جبريل عليه السلام في خمسمائة على ميمنتهم وميكائيل في خمسمائة على ميسرتهم، فكان الملك يأتي الرجل من المسلمين على صورة رجل ويقول له: دنوت من عسكر المشركين فسمعتهم يقولون: والله لإن حملوا علينا لا نثبت لهم أبدا.
وألقى الله في قلوب الكفرة الرعب بعد قيامهم للصف، فقال عتبة بن ربيعة: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش نقاتلهم. فقام إليهم بنو عفراء من الأنصار: عوذ ومعوذ ومعاذا أمهم عفراء وأبوهم الحارث، فمشوا إليهم فقالوا لهم: ارجعوا وأرسلوا إلينا أكفاءنا من بني هاشم، فخرج إليهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، قال علي: فمشيت إلى الوليد بن عتبة ومشى إلي، فضربته بالسيف أطرت يده، ثم بركت عليه فقتلته، فقام شيبة بن ربيعة إلى عبيدة بن الحارث فاختلفا بضربتين، ثم ضرب عبيدة ضربة أخرى فقطع ساق شيبة، ثم قام حمزة إلى عبيدة بن ربيعة فقال: أنا أسد الله وأسد رسوله، ثم ضربه حمزة فقتله. فقام أبو جهل في أصحابه يحرضهم ويقول: لا يهولنكم ما لقي هؤلاء، فإنهم عجلوا واستحمقوا، ثم حمل هو بنفسه، ثم حمل المسلمون كلهم على قريش فهزموهم).
قوله تعالى: { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب }؛ أي سأقذف في قلوبهم المخافة منكم. علم الله المسلمين كيف يضربونهم، فقال عز وجل: { فاضربوا فوق الأعناق }؛ معناه على الأعناق، وقال عطية والضحاك: (معناه فاضربوا الأعناق)، كقوله تعالى:
فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب
[محمد: 4]، وقال صلى الله عليه وسلم:
" إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله تعالى، إنما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق ".
وقال بعضهم { فوق } بمعنى (على)، أي فاضربوا على الأعناق، وقال عكرمة: (معناه فاضربوا الرؤوس). وقال ابن عباس: (فاضربوا الأعناق فما فوقها) يعني الرؤوس والأعناق، نظيره قوله تعالى:
فإن كن نسآء فوق اثنتين
[النساء: 11] أي اثنتين فما فوقهما، وإنما أمر الله تعالى بضرب الرقاب والأعناق؛ لأن أعلى جلدة العنق هو المقتل. قوله تعالى: { واضربوا منهم كل بنان }؛ قال عطية: (يعني كل مفصل)، وقال ابن عباس والضحاك: (يعني الأطراف).
وقال بعضهم معنى قوله تعالى: { فاضربوا فوق الأعناق } الصناديد، وقوله تعالى: { واضربوا منهم كل بنان } يعني السفلة. إلا أن الأول أصح. وقيل: معناه: واضربوا منهم كل عضو أمكنكم، وليس عليكم توقي عضو دون عضو.
وعن أبي سعيد الفاراني أنه كان يقول: (أراد الله أن لا تتلطخ سيوف المسلمين بفرث الكفار، فأمرهم أن يضربوا فوق الأعناق ويضربوا منهم كل بنان). والبنان في اللغة: هو الأصابع وغيرها من الأعضاء التي بها يكون قوام الإنسان صونا لمكانه وحياته، مأخوذ من قولهم: أبنن الرجل بالمقام إذا أقام به.
الأنفال 8:13
قوله تعالى: { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله }؛ أي ذلك الضرب والقتل بأنهم شاقوا أولياء الله ورسوله، والمشاقة أن يصير أحد العدوين في شق والآخر في شق آخر، كما أن المجادلة أن يصير أحدهما في حد غير حد الآخر. وقوله تعالى: { ومن يشاقق الله ورسوله }؛ في ومن يخالف أولياء الله، { فإن الله شديد العقاب } ، له.
وأما إظهار التضعيف في موضع الجزم في قوله { يشاقق } فهو لغة أهل الحجاز، وغيرهم يدغم أحد الحرفين في الآخر لاجتماعهما من جنس واحد، كما قال تعالى في سورة الحشر
ومن يشآق الله
[الآية: 4] بقاف واحدة.
الأنفال 8:14
وقوله تعالى: { ذلكم فذوقوه }؛ معناه: إن الذي ذكرت لكم أيها الكفار من العذاب العاجل في الدنيا فذوقوه. ثم بين جل ذكره أن القتل في الدنيا لا يصير كفارة لهم، وأن الله سيعاقبهم في الآخرة بقوله: { وأن للكافرين عذاب النار } ، وإنما قال تعالى في عذاب الدنيا { فذوقوه }؛ لأن الذوق يتناول اليسير من الشيء، وكل ما يلقى الكفار من ضرب أو قتل في الدنيا فهو قليل من العذاب يعجل لهم، ومعظم عذابهم يؤخر إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: { وأن للكافرين عذاب النار } في فتح (أن) وجهان أحدهما: لأنها في موضع الرفع تقديره ذلكم فذوقوه وذلكم أن للكافرين. والثاني: لأنها في موضع النصب؛ تقديره: ذلكم فذوقوه واعلموا أن للكافرين. وقيل: واعلموا بأن للكافرين، فلما حذف الباء نصب.
الأنفال 8:15
قوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار }؛ خطاب من الله للمسلمين حين التقوا بالعدو يوم بدر، معناه: إذا لقيتم الذين كفروا مزاحفة مستعدين لحربهم، فلا تنهزموا حتى تدبروا. والزحف في اللغة: هو الدنو قليلا قليلا، والزحف التداني، يقال: زاحفت القوم إذا ثبت لهم، فكأنه قال تعالى: إذا واقعتموهم للقتال فاثبتوا لهم. والتولية: جعل الشيء يلي غيره وهو متعد إلى مفعولين، وولى دبره إذا جعله إليه.
الأنفال 8:16
قوله تعالى: { ومن يولهم يومئذ دبره }؛ أي ومن يجعل ظهره إليهم وقت القتال، { إلا متحرفا لقتال }؛ إلا أن ينحرف ليقاتل في موضع يراه أصلح في باب المحاربة، وليطلب غرة يطمع فيها من العدو. قوله تعالى: { أو متحيزا إلى فئة }؛ أي إلا أن يقصد الانضمام إلى جماعة يمنعونه من العدو، يعني إذا كثر العدو للمؤمنين فيه يلجأون، فيحاربون العدو بعد ذلك معهم؛ كان لهم ترك القتال عند ذلك، ومن ولاهم الدبر على سبيل الانهزام من غير هذين الوجهين، { فقد بآء بغضب من الله } ، فقد احتمل غضبا من الله، { ومأواه }؛ في الآخرة { جهنم وبئس المصير } ، صار إليه.
والتحرف في اللغة: هو الزوال من جهة الاستواء، والتحيز: طلب حيز يكمن فيه.
واختلف العلماء هل الوعيد في هذه الآية مقصور على حرب بدر أم هو عام في جميع الأوقات؟ قال بعضهم: إنه خاص في حرب بدر؛ لأنه لم يكن يومئذ للمسلمين فيه سواهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا في ذلك الحرب، وكان النصر موعودا إليه يومئذ ومع حضوره، وكان لا يعد غيره فئة، وكان المنهزم عن القتال يومئذ غير متحيز إلى فئة، فأما اليوم المنهزم عن الحرب يكون متحيزا إلى فئة أعظم من المحاربين من المسلمين. وقال بعضهم: إنه عام في جميع الأوقات، ولا يجوز الانهزام عن قتال المشركين مع قوة القتال، وإلى هذا ذهب ابن عباس، وذكر محمد بن الحسن في السير الكبير (أن الجيش إذا بلغوا اثنى عشر ألفا فليس لهم أن يفروا من عدوهم وإن كثر العدو). واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر من قلة ".
الأنفال 8:17
قوله عز وجل: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم }؛ معناه: لم تقتلوهم يوم بدر بأنفسكم، ولكن الله قتلهم بالملائكة. وأضاف الله قتلهم إلى نفسه؛ لأن السبب في قتلهم كان من الله تعالى، فإنه هو الذي أيد المؤمنين بالملائكة حتى شجع قلوبهم، وأنزل المطر حتى ثبت به الأقدام، وألقى في قلوب المشركين الرعب حتى انهزموا. وقيل: كان المسلمون يقولون قتلنا فلانا وفلانا. فأراد الله تعالى أن لا يعجبوا بأنفسهم.
قوله تعالى: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }؛ معناه: روي
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: " ناولني كفا من تراب الوادي " فناوله قبضة، فاستقبل بها وجوه المشركين فرماهم وقال: " شاهت الوجوه وقبحت " فملأ الله أعينهم بها، فلم يبق فيهم أحد إلا وقد شغل بعينه، فحمل عليهم المسلمون فهزموهم "
فذلك قوله تعالى: { وما رميت إذ رميت } أعلم الله أن كفا من التراب لا يملأ عيون ذلك الجيش برمية بشر؛ لأنه تعالى تولى إيصال ذلك إلى أبصارهم من الموضع الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصاب عين كل واحد منهم قسط من ذلك التراب.
قوله تعالى: { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا }؛ أي ولينعم على المؤمنين بالنصر والغنيمة والأسارى نعمة حسنة. وقوله تعالى: { إن الله سميع عليم } ، أي سميع لدعائكم، عليم بأفعالكم وضمائركم.
الأنفال 8:18
قوله عز وجل: { ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين }؛ أي ذلكم الذي ذكرت من القتل والرمي والإبلاء الحسن، { وأن الله } أي واعلموا أن الله، وفي فتح (أن) من الوجوه مثل ما في قوله:
وأن للكافرين عذاب النار
[الأنفال: 14] وقد بيناه. وقوله تعالى: { موهن كيد الكافرين } أي مضعف كيدهم. قرأ أهل الكوفة إلا حفصا وابن يعقوب وابن عامر (موهن) بالتخفيف، (كيد) بالنصب، وقرأ الحسن والأعمش وحفص (موهن كيد) مخففا مضافا بالخبر طلبا للخفة كقوله:
مرسلوا الناقة
[القمر: 27]
كاشفو العذاب
[الدخان: 15].
الأنفال 8:19
قوله تعالى: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح }؛ هذا خطاب للكافرين، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر قبل القتال لهم: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير الدينين، اللهم أينا اقطع للرحم وأفسد للجماعة فأحنه اليوم. فاستجاب الله دعاءه على نفسه، فأتاه بالفتح فضربه إبنا عفراء عوف ومعاذ وأجهز عليه ابن مسعود.
وقال السدي والكلبي: (كان المشركون حين خرجوا إلى بدر، تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، اللهم أي الفئتين أحب إليك فانصرهم، اللهم اقض بيننا وبينهم. فأنزل الله هذه الآية، إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، فنصر محمد صلى الله عليه وسلم). وقال عكرمة: (قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه بالحق. فأنزل الله هذه الآية { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } أي إن تستحكموا فقد جاءكم الحكم، وإن تستقضوا فقد جاءكم القضاء).
وقوله تعالى: { وإن تنتهوا فهو خير لكم }؛ أي وإن تنتهوا عن الشرك والمعاصي فهو خير، { وإن تعودوا }؛ إلى القتال؛ { نعد }؛ بأن نأمر المسلمين بجهادكم وننصرهم عليكم. وقال بعضهم: هذه الآية خطاب للمؤمنين؛ أي استنصروا الله واسألوه الفتح فقد جاءكم الفتح والنصر، وإن تنتهوا عن فعلكم في الأسارى والفداء يوم بدر فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى فعلكم بالأسارى نعد إلى الإنكار عليكم، { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا }؛ أي وإن سلب عنكم النصر حتى لا تغني عنكم جماعتكم شيئا، { ولو كثرت }؛ في العدد. قوله تعالى: { وأن الله مع المؤمنين }؛ قرأ نافع وابن عامر بخفض (إن) وبفتح (أن) بمعنى ولأن الله، وقيل: عطف على قوله
وأن الله موهن كيد الكافرين
[الأنفال: 18]، وقيل: على معنى واعلموا أن الله، وقرأ الباقون (وإن الله) بالكسر على الابتداء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأن قراءة عبد الله: (وإن الله لمع المؤمنين) بالنصر والمعونة.
الأنفال 8:20
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون }؛ أي أطيعوا الله ورسوله في أمر الغنيمة وغيرها، ولا تولوا عن أمر الله، وأنتم تسمعون ما أنزل الله تعالى، وقال الحسن: (معناه وأنتم تسمعون الحجة في وجوب طاعة الله وطاعة رسوله).
وأما تخصيص المؤمنين بالأمر لهم بالطاعة وإن كانت هذه الطاعة واجبة على غير المؤمنين كوجوبها على المؤمنين، فلأحد معنيين: إما إجلالا لهم ورفعا لقدرهم فيدخل غيرهم في الخطاب على جهة التبع لهم، وإما لأنه لم يعتد بغير المؤمنين؛ لإعراضهم عما وجب عليهم.
الأنفال 8:21
قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون }؛ أي لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا على جهة القبول، وهم لا يسمعون للقبول، وإنما سمعوا به للرد والإعراض عنه، ويقال: معناه: ولا تكونوا كالذين قالوا قبلنا وهم لا يقبلون، ومنه قوله (سمع الله لمن حمده) أي قبل الله حمد من حمده. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، قال ابن جريج: (نزلت في المنافقين) وقال الحسن: (في أهل الكتاب). ويقال: في مشركي العرب.
الأنفال 8:22
قوله عز وجل: { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون }؛ معناه: أن شر الخليقة على وجه الأرض الكفار الذين لا يسمعون الهدى، ولا يتكلمون بالخير، ولا يتدبرون القرآن. وسماهم صما بكما؛ لأنهم لم ينتفعوا بما سمعوا من دلائل الله تعالى، قال الأخفش: (كل محتاج إلى غذاء فهو دابة). ومعنى الآية: إن شر ما دب على وجه الأرض من خلق الله تعالى الصم البكم عن الحق، فهم لا يسمعونه ولا يعقلونه. وقيل: صم القلوب وعميها، قال الله تعالى:
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46].
الأنفال 8:23
قوله تعالى: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم }؛ أي لو علم الله فيهم أنهم يصلحون بما نورده عليهم من الحجة بآياته لأسمعهم إياها. وقيل: لأسمعهم جواب كل ما سألوه عنه، { ولو أسمعهم لتولوا }؛ ولو بين لهم كل ما يختلج في أنفسهم لتولوا عن الهدى، { وهم معرضون } ، لمعاندتهم.
الأنفال 8:24
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم }؛ معناه: أجيبوا الله والرسول. وقيل: معنى الإجابة طلب الموافقة للداعي على وجه الطاعة. وقيل: الجمع بين الاستجابة لله وللرسول؛ أي استجيبوا لله بسرائركم وللرسول بظواهركم.
وقوله تعالى: { إذا دعاكم لما يحييكم } أي إذا دعاكم إلى العلم الذي يحييكم في أمر الدين. وقيل: معناه: إذا دعاكم إلى الجهاد الذي يحيي أمركم. وقيل: إذا دعاكم إلى ما يكون سببا للحياة الدائمة في نعيم الآخرة؛ لأنه إذا حصل الامتثال بأمر الله ورسوله، حصلت هذه الحياة الدائمة، وإن لم يحصل الامتثال أدى ذلك إلى العقاب الذي يتمنى معه الموت. قال القتيبي: (معنى قوله تعالى: { لما يحييكم } يعني الشهادة؛ لأن الله تعالى قال في الشهداء
بل أحياء عند ربهم يرزقون
[آل عمران: 169]). واللام في قوله (لما) بمعنى (إلى).
قوله تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه }؛ فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن معناه: يحول بين المرء وأمله بالموت أو غيره من الآفات، فبادروا إلى الطاعات قبل الحيلولة، ودعوا التسويف فإن الأجل يحول دون الأمل. وقال مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه لا يتركه يفهم ولا يعقل).
والثاني: أن معناه: أن الله تعالى أقرب إلى ذي القلب من قلبه، فإن الذي يحول بين الشيء وغيره أقرب إلى ذلك الشيء من غيره، كما قال تعالى:
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق: 16]، وفي هذا تحذير شديد.
والثالث أن معناه: أن الله يقلب القلوب من حال إلى حال كما جاء في الدعاء:
" يا مقلب القلوب "
وقال ابن جبير: (يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر). وقال ابن عباس والضحاك: (يحول بين المؤمن ومعصيته، ويحول بين الكافر وطاعته). وقال السدي: (يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن، ولا يستطيع أن يكفر إلا بإذنه).
قرأ الحسن: (يحول بين المر) بتشديد الراء من غير همز، وقرأ الزهري بضم الميم والهمزة وهي لغات صحيحة.
وقوله تعالى: { وأنه إليه تحشرون }؛ عطف على قوله: { أن الله يحول بين المرء وقلبه }. معناه: واعلموا أن محشركم في الآخرة إلى الله، فيجزي كل عامل بما عمل، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر.
وقيل: في آخر الآية تأويل الآية؛ أي الذي يحول بين المرء وقلبه قادر على أن يبدل خوفكم أمنا، وأمن عدوكم خوفا، فيجعل القوي ضعيفا والضعيف قويا، والعزيز ذليلا والذليل عزيزا، والشجاع جبانا، والجبان شجاعا، يفعل ما يشاء وما يريد فأجيبوا الرسول في الجهاد ولا تخافوا ضعفكم.
الأنفال 8:25
قوله عز وجل: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة }؛ نزلت في عثمان وعلي رضي الله عنهما، أخبر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالفتنة التي تكون تسببها أنها ستكون بعدك يلقاها أصحابك تصيب الظالم والمظلوم، ولا تكون بالظلمة وحدهم خاصة ولكنها عامة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه، فكان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن بسبب علي وعثمان ما لا يخفى على أحد.
قوله تعالى: { لا تصيبن } جواب الأمر بلفظ النهي، كما يقال: أنزل من الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك، معناه: أن تنزل عنها لا تطرحنك، فاذا أثبت النون الخفيفة والثقيلة كان آكد للكلام، ومنه قوله تعالى:
ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده
[النمل: 18].
والمراد بالفتنة القتل الذي ركب الناس فيه بالظلم، وكان أمر الله أمرا باتقاء ترك الإنكار على أهل المعاصي واتقاء الاختلاط بأهل المعصية، قال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب).
قوله تعالى: { واعلموا أن الله شديد العقاب }؛ تحذير شدة العقوبة لمن أهاج الفتن، قال صلى الله عليه وسلم:
" الفتنة راتعة في بلاد الله واضعة خطامها، فالويل لمن أهاجها "
، وفي بعض الأخبار:
" الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ".
الأنفال 8:26
قوله تعالى: { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض }؛ نزلت في المهاجرين خاصة؛ أي احفظوا معشر المهاجرين إذ أنتم قليلون في العدة مقهورون في أرض مكة، { تخافون أن يتخطفكم الناس }؛ أي يختلسكم ويذهب بكم أهل مكة، { فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون }؛ فآواكم إلى المدينة وأعانكم يوم بدر بالملائكة، ورزقكم الحلال من الغنائم؛ لكي تشكروا الله وتعرفوا ذلك منه فتطيعوه.
الأنفال 8:27
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون }؛ نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر،
" فإن بني قريظة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابعث لنا خليفة من خلفائك ننزل على حكمه، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا إلا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا يقولون: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان عياله وولده وأهله عندهم، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فقالوا: يا أبا لبابة أننزل على حكم سعد بن معاذ، فأشار بيده إلى حلقه؛ أي إنه الذبح فلا تفعلوا، ولم يتكلم بلسانه، فأنزل الله هذه الآية، قال أبو لبابة: (فما زالت قدماي من مكانهما حتى علمت أني خنت الله ورسوله). فذلك قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } كما فعل أبو لبابة.
فلما نزلت هذه الآية شد أبو لبابة نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال (لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب الله علي) فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله بيده، فقال أبو لبابة: (تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أتخلع من مالي) فقال صلى الله عليه وسلم: " يجزيك الثلث أن تتصدق به " ".
وقال ابن عباس: (معنى الآية: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته). { وتخونوا أماناتكم } أي ولا تخونوا أماناتكم، انتصب على الظرف؛ أي إنكم إن فعلتم ذلك فإنما خنتم أماناتكم عطفا.
ويقال: أراد بقوله: { لا تخونوا الله } الخيانة من الغنائم التي هي عطية الله، والخيانة لله فيها خيانة الرسول أيضا؛ لأنه هو القيم بقسمتها، وقوله: { وتخونوا أماناتكم } يحتمل الخيانة في الغنائم أيضا؛ لأنهم كلهم مشتركون فيها، فمن استبد بشيء منها فقد خان، ويحتمل الخيانة في أثمان بعض الناس بعضا من حقوق أنفسهم، وقال الأخفش: (قوله تعالى: { وتخونوا أماناتكم } عطفا على ما قبله من النهي، تقديره: ولا تخونوا أماناتكم).
الأنفال 8:28
قوله تعالى: { واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة }؛ معناه: أن الإنسان ربما يترك الجهاد ويخون في الأمانات لأجل الأولاد أو حرصا على المال، وقد روينا أن أبا لبابة إنما حمله على ما فعل ماله وأهله وولده الذين كانوا في بني قريظة، لأنه إنما ناصحهم لأجلهم وخان المسلمين بسببهم.
قوله تعالى: { وأن الله عنده أجر عظيم }؛ أي ثواب جسيم في الآخرة لمن لم يعص الله لأجل المال والذرية.
الأنفال 8:29
قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم }؛ أي إن تتقوا الله في الأمانات، فتمتنعوا من معاصيه بأداء فرائضه يجعل لكم نورا في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل. وقيل: يجعل لكم فتحا ونصرا، كما قال تعالى:
يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
[الأنفال: 41] أراد به يوم عز المؤمنين وخذلان الكافرين.
وقيل: معناه يجعل لكم مخرجا ونجاة في الدنيا والآخرة. وقال الضحاك: (فرقانا: أي ثباتا). قوله تعالى: { ويكفر عنكم سيئاتكم } أي يمح عنكم ذنوبكم، ويستر عليكم خطاياكم ولا يؤاخذكم بها، { والله ذو الفضل العظيم }؛ أي عظيم الفضل على عباده أسدى لهم بالنعم.
الأنفال 8:30
قوله تعالى: { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } ذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فعقب ما أنعم الله عليه من النصر والظفر يوم بدر وما كان من مكر المشركين في أمره بمكة فقال: { وإذ يمكر بك الذين كفروا } أي اذكر تلك الحالة.
قال ابن عباس: (وذلك أن رؤساء قريش اجتمعوا في دار الندوة يمكرون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتالون له، منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة؛ وأبو جهل؛ وأبو سفيان؛ والنضر بن الحارث؛ وأبو البحتري بن هشام؛ ونبيه ومنبه؛ وأبي بن خلف وربيعة بن الأسود، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ كبير عليه ثياب أطمار، فجلس بينهم فقالوا: ما لك يا شيخ دخلت في خلوتنا بغير إذننا؟! فقال: أنا رجل من أهل نجد قدمت مكة، فأراكم حسنة وجوهكم طيبة روائحكم، فأحببت أن أسمع حديثكم فأقتبس منكم خيرا فدخلت، وإن كرهتم مجلسي خرجت، وما جئتكم إلا أني سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضر معكم، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا. فقالوا: هذا رجل لا بأس عليكم منه.
فتكلموا فيما بينهم، فبدأ عمرو بن هشام فقال: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا، فتجعلوه في بيت تسدون عليه بابه؛ وتشدون عليه وثاقه؛ وتجعلون له كوة تدخلون عليه طعامه وشرابه، فيكون محبوسا عندكم إلى أن يموت. فقال إبليس: بئس ما رأيت! تعمدون إلى رجل له فيكم أهل بيت، وقد سمع به من حولكم فتحبسوه، يوشك أن يقاتلكم أهل بيته ويفسدوا عليكم جماعتكم فقالوا صدق والله الشيخ.
ثم تكلم أبو البختري فقال: أرى أن تحملوه على بعير فتشدوا وثاقه عليه، ثم تخرجوه من أرضكم حتى يموت أو يذهب حيث يشاء. فقال إبليس: بئس الرأي ما رأيت! تعمدون إلى رجل له فيكم أهل بيت، وقد سمع به من حولكم أفسد عليكم جماعتكم ومعه منكم طائفة، فتخرجونه إلى غيركم فيأتيهم فيفسد منهم أيضا جماعة بما يرون من حلاوة كلامه وطلاقة لسانه، ويجتمع عليه العرب وتستمع إلى حسن حديثه، ثم ليأتينكم بهم فيخرجوكم من دياركم ويقتل أشرافكم. فقالوا: صدق والله الشيخ.
فتكلم أبو جهل فقال: أرى أن تجتمع من كل بطن منكم رجل يأخذون السيوف، فيضربونه جميعا ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا يدري قومه من يأخذون ولا يقومون على حرب قريش كلها، وإنما إذا رأوا ذلك قبلوا الدية، فتؤدي قريش ديته واسترحنا. فقال إبليس: صدق والله الشاب، وهو أجودكم رأيا، القول قوله لا أرى غيره. فتفرقوا على ذلك.
فنزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأمره بالهجرة إلى المدينة) وكان من أمر الغار ما كان، فذلك قوله { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك } أي ليحبسوك، وهو ما قاله عمرو بن هشام.
ويقال: معنى (ليثبتوك) أي يعتدوك أو يخرجوك. قوله تعالى: { أو يقتلوك } ظاهر، وهو ما قاله أبو جهل، وقوله: { أو يخرجوك } أي من بين أظهرهم إلى غيرهم، وهو ما قاله أبو البحتري بن هشام.
قوله تعالى: { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين }؛ أي يريدون بك الشر والهلاك، { ويمكر الله } أي يريد قتلهم ببدر مجازاة لهم على فعلهم وسوء صنعهم. قوله تعالى: { والله خير الماكرين } أي أفضل الصانعين وأقوى المدبرين؛ لأنه لا يمكر إلا بحق وصواب، ومكرهم باطل وظلم.
الأنفال 8:31
قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ إلا أساطير الأولين }؛ يعني النضر بن الحارث، وذلك أنه كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة، فيسمع سجع أهلها وذكرهم أخبار العجم وغيرهم من الأمم، ويمر باليهود والنصارى فيراهم يقرأون التوراة والإنجيل، فجاء مكة فوجد محمدا يقرأ القرآن، فقال: (قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) أي أخبار الأمم الماضية وأسماؤهم. وكان النضر يقول: إن هذا الذي يحدثكم به محمد ما هو إلا مثل ما أحدثكم به من أحاديث الأولين، وكان النضر كثير الحديث عن الأمم الخالية.
الأنفال 8:32
قوله عز وجل: { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم }؛ نزلت في النضر بن الحارث أيضا، قال: لو شئت لقلت مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين في كتبهم، ثم قال: اللهم إن كان هذا الذي يقوله محمد هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، كما أمطرتها على قوم لوط، أو ائتنا ببعض ما عذبت به الأمم فيه، فنزل
سأل سآئل بعذاب واقع * للكافرين
[المعارج: 1-2] وكان النضر من بني عبد الدار.
ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذا قالوا: اللهم... وأنت بين أظهرهم بمكة، فلم يعذبهم الله حينئذ وعذبهم من بعد، فأسر النضر يوم بدر وقتل صبرا، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود. وقوله تعالى: { هو الحق من عندك } عنادا وتوكيدا وصلة في الكلام، و { الحق } نصب بخبر كان.
الأنفال 8:33
قوله تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون }؛ قال ابن عباس: (قال الحارث بن عامر بن نوفل: يا محمد، والله إنك فينا لصادق ولا نتهمك، ولكنا متى نؤمن بك غزانا العرب، فنزل { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ) أي مقيما بين أظهرهم، ولم تعذب أمة قط ونبيها بين أظهرها حتى يخرج منها. { وما كان الله معذبهم } أي وما كان الله ليسلط عليهم عدوهم { وهم يستغفرون } أي يصلون.
الأنفال 8:34
قوله تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام }؛ يعني عذاب الآخرة، وعن عبدالرحمن بن أبزي قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فنزل
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
[الأنفال: 33] فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فنزل
وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون
[الأنفال: 33] وكان من المسلمين بقية بمكة لم يهاجروا، وكانوا يستغفرون الله ويصلون، فلما خرج كفار مكة إلى حرب بدر، ونزل قوله { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام } أي يمنعون المؤمنين عنه فعذبهم الله يوم بدر).
قوله تعالى: { وما كانوا أوليآءه }؛ أي ما كان الكفار أولياء المسجد الحرام، قال الحسن: (وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله ذلك عليهم). وقيل: معناه: وما كانوا أولياء الله. وقوله تعالى: { إن أوليآؤه إلا المتقون }؛ أي ما أولياء الله، وقيل: ما أولياء المسجد الحرام إلا المتقون الشرك، { ولكن أكثرهم }؛ الكفار، { لا يعلمون } ، ذلك.
الأنفال 8:35
قوله تعالى: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية }؛ يعني: إن تقرب المشركين إلى الله كان بالصفير والتصفيق، كانوا يفعلون ذلك عند البيت مكان الدعاء والتسبيح. وقيل: كانوا يأتون بأفعال الصلاة، إلا أنهم مع ذلك يصفرون فيها ويصفقون.
والمكاء: طائر أبيض يكون في الحجاز يصفر يسمى باسم بصوته، ويقال: مكا يمكو إذا صفر. وصدى تصدية إذا صفق بيده.
وقال مقاتل: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه ورجلان عن يساره، فيصفرون كما يصفر المكاء، ويصفقون بأيديهم؛ ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءته، وكانوا يفعلون كذلك بصلاة من آمن به، فقتلهم الله يوم بدر). وذلك قوله تعالى: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }؛ ويقال: أراد بهذا أنه يقال لهم يوم القيامة: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }. وقال أبو جعفر: (سألت أبا سلمة عن قوله تعالى: { إلا مكآء وتصدية } فجمع يديه ثم نفخ فيهما صفيرا). وقال ابن عباس: (كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويدخلون أصابعهم في أفواههم فيصفرون).
الأنفال 8:36
قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون }؛ نزلت هذه الآية في المطعمين منهم يوم بدر، وكانوا ثلاثة عشر رجلا وهم: أبو جهل وأخوه الحارث؛ والنضر بن الحارث؛ وأبي بن خلف؛ وزمعة بن الأسود؛ وعتبة وشيبة، كان لكل واحد منهم نوبة يوم في الإطعام.
ومعنى الآية: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصدوا الناس عن دين الله، فيستقبح هذه الإنفاق منهم، ثم يكون إنفاقهم ندامة عليهم يوم القيامة، يهزمون ويقتلون ببدر لا تنفعهم نفقتهم.
والحسرة: مأخوذة من الكشف، يقال: حسر رأسه إذا كشفه، والحاسر: كاشف الرأس، فيكون المعنى: ثم يكشف لهم عن ذلك ما يكون حسرة عليهم. قيل: كان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر. قوله تعالى: { والذين كفروا إلى جهنم يحشرون }؛ بيان أن ذلك القتل والهزيمة لا يكفران ذنوبهم، وأنهم يحشرون في الآخرة إلى جهنم للجزاء.
الأنفال 8:37
وقوله تعالى: { ليميز الله الخبيث من الطيب }؛ أي ليميز الله نفقة المؤمنين من نفقة الكافرين، والعمل السيء من العمل الصالح. وقرئ (ليميز الله) بالتشديد، والمعنى: ليميز الله ذلك الحشر الخبيث من الطيب؛ أي الكافر من المؤمن، فينزل المحق الجنان والكافر النيران.
قوله تعالى: { ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم }؛ أي يجعل ما أنفقه المشركون في معصية الله بعضه فوق بعض، فيجعله ركاما فيكوي بذلك جباههم وجنوبهم في جهنم.
وقيل: أراد بقوله { فيركمه جميعا } طرح بعضه على بعض، كما يفعل بالمتاع الخفيف تحقيرا له. وقيل: معنى (فيركمه) أي يجمعه حتى يصير كالسحاب المركوم وهو المجتمع الكثيف فيجعله في جهنم. وقوله تعالى: { أولئك هم الخاسرون }؛ أي هم الذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة، وغشت صفقتهم وخسرت تجارتهم؛ لأنهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة.
الأنفال 8:38
قوله عز وجل: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف }؛ أي قل لأبي سفيان وأصحابه إن ينتهوا عن الشرك وقتال محمد صلى الله عليه وسلم { يغفر لهم ما قد سلف } أي ما قد مضى من ذنوبهم قبل الإسلام، { وإن يعودوا }؛ لقتال محمد، { فقد مضت سنت الأولين } ، في نصر الأنبياء والأولياء وهلاك الكفار، وإن للكفار النار في الآخرة. وأنشد بعضهم:
يستوجب العفو الفتى إذا اعترف
ثم انتهى عما أتاه واقترف
لقوله { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف }.
الأنفال 8:39
قوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة }؛ أي قاتلوا كفار مكة حتى لا يكون شرك. وقيل: حتى لا يكون كافر بغير عهد؛ لأن الفتنة إنما تكون بأن يترك الكفار بلا عهد، فإن الكافر بغير عهد يكون عزيزا في نفسه يدعو الناس إلى دينه. ويجوز أن يكون المراد بالفتنة كل ما يؤدي إلى الفساد.
وقوله تعالى: { ويكون الدين كله لله }؛ أي وتكون الطاعة كلها لله، فتجتمع الناس على دين الإسلام. وقوله تعالى: { فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير }؛ أي فإن انتهوا عن الشرك فإن الله يجازيهم جزاء البصير بأعمالهم. { وإن تولوا }؛ أي أعرضوا عن طاعة الله، { فاعلموا أن الله مولاكم }؛ أي ناصركم، { نعم المولى }؛ نعم الحافظ والولي، { ونعم النصير }؛ منصركم عليهم.
الأنفال 8:40
قوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة }؛ أي قاتلوا كفار مكة حتى لا يكون شرك. وقيل: حتى لا يكون كافر بغير عهد؛ لأن الفتنة إنما تكون بأن يترك الكفار بلا عهد، فإن الكافر بغير عهد يكون عزيزا في نفسه يدعو الناس إلى دينه. ويجوز أن يكون المراد بالفتنة كل ما يؤدي إلى الفساد.
وقوله تعالى: { ويكون الدين كله لله }؛ أي وتكون الطاعة كلها لله، فتجتمع الناس على دين الإسلام. وقوله تعالى: { فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير }؛ أي فإن انتهوا عن الشرك فإن الله يجازيهم جزاء البصير بأعمالهم. { وإن تولوا }؛ أي أعرضوا عن طاعة الله، { فاعلموا أن الله مولاكم }؛ أي ناصركم، { نعم المولى }؛ نعم الحافظ والولي، { ونعم النصير }؛ منصركم عليهم.
الأنفال 8:41
قوله تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل }؛ حتى الخيط والمخيط، قال ابن عباس: (كان خمس الغنيمة يقسم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، سهم لله ورسوله، وواحد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي فيه المحتاج والضعيف ويجعله في عدة المسلمين من السلاح ونحوه، وسهم لذوي قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وسهم ليتامى المسلمين عامة، وسهم لمساكين المسلمين، وسهم لابن السبيل. ثم قسمه أبو بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك فعل عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم).
وبهذا أخذ أبو حنيفة وأصحابه؛ قالوا: إن قوله تعالى { لله خمسه } لافتتاح الكلام باسمه تعالى على طريق التبرك، لا لأن لله نصيبا من الخمس، فإن الدنيا والآخرة كلها له سبحانه، وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط بموته؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون، وبينهم ذوي القرابات كان جعل النبي صلى الله عليه وسلم سهمه في من شاء منهم، ألا ترى أنه أعطى بني هاشم وبني المطلب، وأحرم بني نوفل وبني عبد شمس مع مساواتها بني عبد المطلب في القرب؛ لأن بني هاشم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام، وإذا بطل هذان السهمان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجعنا إلى السهام الثلاثة التي ذكرت معهما، فقسم الخمس على ثلاثة أسهم، ويدخل في استحقاقه فقراء بني هاشم دون أغنيائهم بدلا عما حرموا من الصدقات، وأربعة أخماس الغنيمة للغانمين.
واليتيم من كل جنس من الحيوان الذي ماتت أمه، إلا من بني آدم فإنه إذا مات أبوه. والمسكين الذي أسكنه الضعف عن النهوض لحاجته. وابن السبيل المنطقع عن ماله.
وقال بعضهم: يقسم الخمس الآن على أربعة أسهم، فينفرد سهم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الشافعي: (يقسم الخمس الآن على خمسة أسهم، سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف إلى الأهم فالأهم من مصالح المسلمين)، ومن أصحابه من قال: يصرف إلى الخليفة ، وسهم قرابة ذوي النبي صلى الله عليه وسلم لأغنيائهم وفقرائهم، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل.
قوله تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان }؛ معناه: اقبلوا ما أمرتم به في الغنيمة إن كنتم صدقتم بتوحيد الله، وبما أنزلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: { يوم الفرقان } أي يوم بدر فرق فيه بين الحق والباطل بنصر المؤمنين وكبت الكافرين مع ضعف المسلمين وقتلهم. وقوله تعالى: { يوم التقى الجمعان } أي يوم جمع الكافرين والمؤمنين، { والله على كل شيء قدير }؛ من نصر المؤمنين وغير ذلك.
الأنفال 8:42
قوله عز وجل: { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم }؛ أي اذكروا يا أصحاب محمد إذ كنتم بالعدوة الدنيا؛ أي شفير الوادي الذي يلي المدينة، يقال لشفير الوادي عدوة وعدوة، { وهم بالعدوة القصوى } يعني المشركين بالجانب الآخر من الوادي على شفير الأبعد من المدينة، وهو الجانب الذي يلي مكة. وقوله تعالى { والركب أسفل منكم } أي والقافلة المقبلة من الشام التي كان أبو سفيان فيها كانت أسفل منهم بثلاثة أميال كانوا نازلين أسفل الوادي.
قوله تعالى: { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد }؛ أي إن الله جمعكم مع المشركين وأصحاب العير في ليلة واحدة بمنزل واحد، ولو تواعدتم للاجتماع هناك لاختلفتم في الميعاد بالعوائق التي تعوق عن ذلك، وبأنكم لو كنتم تعلمون كثرة عدد المشركين وقلة عددكم لم تحضروا في ذلك المكان للقتال. وقوله تعالى: { ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا }؛ أي ولكن قدر الله اجتماعكم في ذلك المكان ليقضي الله أمرا كائنا لا محالة من إعزاز المسلمين وإعلائه " الإسلام ". على سائر الأديان.
قوله تعالى: { ليهلك من هلك عن بينة }؛ أي ليموت من مات منهم بعد قيام الحجة عليهم، { ويحيى من حي عن بينة }؛ ويعيش من عاش بعد قيام الحجة عليهم، { وإن الله لسميع }؛ بمقالتكم، { عليم }؛ بضمائركم، يجازيكم على قدر أعمالكم.
قرأ أهل مكة والبصرة (بالعدوة) بكسر العين، وقرأ الباقون بضمها وهما لغتان مشهورتان كالكسوة والكسوة والرشوة والرشوة، وكذلك قوله تعالى: { من حي عن بينة } قرأ نافع والبزي وخلف (حيي) بيائين مثل (حيي) على الأصل، وقرأ الباقون بياء واحدة مشددة على الإدغام، ومعنى { ليهلك من هلك عن بينة } أي ليموت من مات عن بينة رآها وعبرة عاينها، أو حجة قامت عليه، وكذلك حيوة من يحيى لوعده
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
[الإسراء: 15].
الأنفال 8:43
قوله عز وجل: { إذ يريكهم الله في منامك قليلا }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى العدو قليلا في المنام، فقص رؤياه على أصحابه، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين تصديقا لرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم)، { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم }؛ أي لجبنتم وتأخرتم عن الصف ولاختلفتم في أمر الحرب، والفشل هو ضعف مع الوجل. قوله تعالى: { ولتنازعتم في الأمر } التنازع أن يحاول كل واحد من الاثنين أن ينزع صاحبه مما هو عليه، { ولكن الله سلم }؛ أي سلمكم من ذلك، { إنه عليم بذات الصدور }؛ أي بما في قلوبكم، علم أنكم لو علمتم كثرة عدد المشركين لرغبتم عن القتال.
الأنفال 8:44
قوله: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور }؛ وذلك أن الله تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين ليتجرأ المسلمون على قتالهم، وقلل المسلمين في أعين المشركين كيلا يستعد المشركون لحربهم كل الاستعداد.
روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: (قلت لرجل بجنبي: أتراهم تسعين رجلا؟ قال: هم قريب من المائة، فلما أسرنا رجلا منهم سألناه عن عددهم، قال: كنا ألفا أو تسعمائة وخمسين).
وقوله تعالى: { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } قد تقدم تفسيره، والفائدة في إعادته أن المراد بالأول إعلاء الإسلام على سائر الأديان، وبالثاني قتل المشركين وأسرهم يوم بدر وكلاهما كان كائنا في علم الله.
الأنفال 8:45
قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون }؛ أي إذا لقيتم جماعة من الكفار فاثبتوا لقتالهم، واذكروا الله كثيرا في الحرب بالدعاء والاستغفار؛ لكي تفلحوا بالظفر على الأعداء.
الأنفال 8:46
قوله تعالى: { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا }؛ أي أطيعوا الله ورسوله في الثبات على القتال ولا تختلفوا فيما بينكم في لقاء العدو والتقدم إلى قتالهم فتجبنوا من عدوكم، { وتذهب ريحكم }؛ قال قتادة: (يعني ريح النصر) التي يبعثها الله مع من ينصره كما قال عليه السلام:
" نصرت بالصبا ".
وقيل: معناه: وتذهب دولتكم وقوتكم، وقال مجاهد: (وتذهب نصرتكم)، وقال السدي: (جرأتكم وحدتكم وجلدكم). وقوله تعالى: { واصبروا }؛ أي اصبروا على قتال المشركين ولا تولوهم الأدبار، { إن الله مع الصابرين } ، بالنصر والمعونة.
الأنفال 8:47
قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس } أي قاتلوا لوجه الله ولا تكونوا في خروجكم إلى قتال المشركين كالمشركين الذين خرجوا من ديارهم إلى قتال المسلمين بطرا وهو الطغيان في النعمة ورياء الناس، والرياء: هو إظهار الجميل مع إبطان القبيح. قوله تعالى: { ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط }؛ أي هم مع بطرهم وريائهم يمنعون الناس عن دين الله.
قال ابن عباس: (وذلك أن بعض المشركين قالوا لأبي جهل وأصحابه قبل وصولهم إلى بدر: ارجعوا إلى مكة فقد نحت العير، قالوا: لا حتى تنحر الجزور وتشرب الخمور وتغني القينات، حتى تسمع العرب بمسيرنا. فنزلوا ببدر ومعهم القينات بالدفوف ويتغنين بهجاء المسلمين، فسقاهم كأس المنايا مكان الخمور، وناحت عليهم النوائح مكان القينات، فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية والصبر في نصر دينه ومؤازرة نبيه صلى الله عليه وسلم).
الأنفال 8:48
قوله عز وجل: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم }؛ أي واذكروا إذ زين لهم الشيطان أعمالهم يوم بدر، وقال: لا غالب لكم اليوم من أحد من الناس فمنعتكم وكثرتكم وإني دافع عنكم الشر، { فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه }؛ أي لما توافقتا رجع الشيطان القهقرى على عقبيه هاربا خوفا مما رأى، { وقال }؛ للمشركين: { إني بريء منكم إني أرى ما }؛ أي الملائكة تنزل من السماء وأنتم، { لا ترون }؛ وكان يعرف الملائكة ويعرفونه.
قوله عز وجل: { إني أخاف الله }؛ أي أخافه أن يصيبني معكم بعذابه، { والله شديد العقاب }؛ لمن استحقه، قال مقاتل: (كذب عدو الله، ما كان به من خوف من الله، فإن الله قد أنظره إلى الوقت المعلوم، ولكنه خذلهم عند الشدة). ويقال: ظن إبليس أن الوقت الذي أنظره الله قد حضر.
وعن ابن عباس: (أن أهل مكة لما وجدوا العير أرادوا الرجوع، فتمثل لهم إبليس في صورة رجل يقال له: سراقة بن مالك بن جعنم من بني كنانة، فقال: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير وهم قليل، ولا غالب لكم اليوم من الناس، وإني معين لكم من بني كنانة، فلا تمرون بأحد من بني كنانة إلا سار معكم، فإنهم لا يخالفونني.
فساروا وسار إبليس معهم، ولم يخرج أحد من بني كنانة، فجعلوا يقولون: يا سراقة أين ما ضممت لنا؟ فيقول: مروني، حتى قدموا بدرا، فلما كان عند القتال رأى إبليس جبريل فنكص على عقبيه راجعا، وقال الحارث بن هشام: يا سراقة أين تذهب؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، فقال الحارث: وما ترى إلا جعاشيش أهل يثرب؟ - والجعشوش: الرجل القصير - فلما رأى الحارث إبليس ينطلق، أهوى به ليأخذه، فدفعه إبليس فرمى به، ثم نكص على عقبيه وقال: - إني - أخاف الله، والله شديد العقاب.
فلما انهزم المشركون جعلوا يقولون: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقدم عليهم فقال: بلغني أنكم تقولون أني هزمت الناس! والذي نحلف به ما بلغني ما تقولون ولا سمعت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فجعلوا يقولون له: أما أتيتنا يوم كذا وكذا؟ وهو يقول: لا؛ والذي نحلف به ما كان من ذا قليل ولا كثير. فلما أسلموا عرفوا أنه إنما كان من الشيطان).
فإن قيل: كيف يجوز أن يتمكن إبليس من أن يخلع صورة نفسه ويلبس صورة سراقة؟ ولو كان قادرا على أن يجعل نفسه صورة إنسان كان قادرا على أن يجعل غيره إنسانا؟ قيل: إذا صحت هذه الرواية، فالجواب: أن الله خلق إبليس في صورة سراقة، والله تعالى قادر على خلق إنسان في مثل صورة سراقة ابتداء، فكان قادرا على أن يصور إبليس في مثل صورة سراقة.
الأنفال 8:49
قوله عز وجل: { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم }؛ قرأ الحسن: (الذي في قلوبهم مرض هم المشركون). وقيل: هم أناس كانوا قد تكلموا بكلمة الإيمان حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة من دون علم منهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون معنى قوله: { والذين في قلوبهم مرض } أي شك، وهم الذين لا عزيمة لهم في الكفر ولا في الإسلام، ولم يكونوا أعداء النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: { غر هؤلاء دينهم } قال ابن عباس: (لما نفر المشركون من مكة إلى بدر ولم يخلفوا بمكة أحدا قد احتلم إلا خرجوا به، وأخرجوا معهم أناسا كانوا قد تكلموا بالإسلام بمكة، فلما التقوا ورأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين، ارتابوا ونافقوا وقالوا لأهل مكة: غر هؤلاء دينهم، يعنون المسلمين غرهم دينهم حين خرجوا مع قلتهم إلى قتال المشركين مع كثرتهم). فقتل هؤلاء مع المشركين يومئذ، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، كما ذكر الله بعد هذه الآية.
قوله تعالى: { ومن يتوكل على الله }؛ أي ومن يثق بالله في جميع أموره، { فإن الله عزيز }؛ بنصره على عدوه ولو كثر عدده، { حكيم } يضع الأمور مواضعها.
الأنفال 8:50
قوله تعالى: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم }؛ أي لو ترى يا محمد حين يقبض الملائكة أرواح الكفار ببدر يضربون على وجوههم بالأعمدة، وعلى أدبارهم يقولون لهم: { وذوقوا }؛ بعد السيف في الدنيا، { عذاب الحريق }؛ في الآخرة.
الأنفال 8:51
وقوله تعالى: { ذلك بما قدمت أيديكم }؛ أي ذلك العذاب الذي عاينتموه بكفركم وخيانتكم، والخيانة إذا أضيفت إلى الإنسان أكدت بذكر اليد في العادة. وقوله تعالى: { وأن الله ليس بظلم للعبيد }؛ أي اعلموا أن الله لا يعذب أحدا بجرم أحد ولا يعذب أحدا بغير ذنب. وموضع (أن) نصب بنزع الخافض عطفا على قوله { بما قدمت } تقديره: وبأن الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه السورة قال: (طوبى لجيش قائدهم رسول الله، ومبارزهم أسد الله، وجهادهم طاعة الله، ومددهم ملائكة الله، وثوابهم رضوان الله).
الأنفال 8:52
قوله تعالى: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم }؛ أي عادة هؤلاء في كفرهم، كعادة آل فرعون والذين من قبلهم، { كفروا بآيات الله } ، التي أتتهم بها الرسل، { فأخذهم }؛ فعاقبهم، { الله بذنوبهم إن الله قوي }؛ في أخذ الأعداء، { شديد العقاب }؛ لمن عصاه.
والدأب في اللغة: العادة، يقال: فلان يدأب في كذا؛ أي يداوم عليه ويتعب نفسه فيه. وآل الرجل: الذين يرجعون إليه بأوكد الأسباب، ولهذا يقال لقرابة الرجل: آل الرجل ولا يقال لأصحابه: آله. قوله تعالى: { كدأب آل فرعون } قال ابن عباس: (معناه كفعل آل فرعون)، وقال عطاء ومجاهد: (كنيتهم)، وقيل: كمثالهم، والمعنى: أن أهل بدر من المشركين فعلوا كفعل آل فرعون من الكفر والتكذيب، ففعل الله بهم كما فعل بآل فرعون من الهلاك والعذاب.
الأنفال 8:53
قوله تعالى: { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }؛ أي لم يفعل الله ذلك العقاب بهم بأن الله لم يك مزيلا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم في الدين والنعم إلى أحوال لم يجز لهم أن يغيروا إليها، كما فعل أهل مكة بعد أن أطعمهم الله من جوع وآمنهم من خوف، وأرسل إليهم رسولا منهم، وأنزل إليهم كتابا بلسانهم. ثم إنهم غيروا هذه النعم ولم يشكروها ولا عرفوها من الله، فغير الله ما بهم وأهلكهم وعاقبهم ببدر، ويدخلهم النار في الآخرة.
قال الكلبي: (يعني بالآية أهل مكة، بعث إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فغيروا نعمة الله، وتغييرها كفرها وترك شكرها)، وقال السدي: (نعمة الله يعني محمدا، أنعم الله به على قريش فكذبوه وكفروا به، فنقله الله إلى الأنصار). قوله تعالى: { وأن الله سميع عليم }؛ أي سميع لجميع المخلوقات المسموعات، عليم لمعاناتكم.
الأنفال 8:54
قوله تعالى: { كدأب آل فرعون }؛ أي عادتهم في التكذيب بآيات الله كعادة آل فرعون، { والذين من قبلهم }؛ من الأمم الماضية، { كذبوا بآيات ربهم }؛ التي جاءت بها رسلهم، { فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنآ }؛ أي وأهلكنا، { آل فرعون } بالغرق خاصة، { وكل }؛ هؤلاء، { كانوا ظالمين }؛ لأنفسهم، مستحقين العقوبة بسوء أعمالهم.
فإن قيل: لم كرر آل فرعون؟ قيل: المراد بالأول أن هؤلاء جازاهم الله بالقتل والأسر، كما جوزي أولئك بالغرق والهلاك، والمراد بالثاني: أن صنع هؤلاء في النعم التي أنعم الله عليهم كصنع آل فرعون فيما أعطاهم الله من الملك والعز في الدنيا، فلما غير كل فريق النعم غير الله سبحانه ما بهم.
الأنفال 8:55
قوله تعالى: { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا }؛ أي إن شر ما يدب على الأرض الذين جحدوا بتوحيد الله ونبوة رسله، مصرين على الكفر، { فهم لا يؤمنون }.
الأنفال 8:56
قوله تعالى: { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة } نزلت في يهود بني قريظة، عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يضروا به ولا يعينوا عليه عدوا، فنقضوا العهد وأعانوا أهل مكة بالسلاح على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم مرة أخرى، فركب كعب بن الأشرف إلى أهل مكة، وواثقهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { عاهدت منهم } أي معهم، قوله تعالى: { وهم لا يتقون }؛ أي لا يخافون الله في نقض العهد.
الأنفال 8:57
قوله تعالى: { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون }؛ معناه: فإما تصادفهم في الحرب، فافعل بهم فعلا من القتل والعقوبة والتنكيل تعرف بهم من ورائهم من أعدائك. والتشريد: التبديد والتفريق، ويقال: معنى (شرد بهم) أي أسمع بهم بلغة قريش.
وقال ابن عباس: (فشرد بهم، أي نكل بهم من وراءهم)، وقال ابن جبير: (أنذر بهم من خلفهم). وقيل: اقتلهم قتلا، وقيل: أثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن. وقال القتيبي: (سمع بهم) وقرأ ابن مسعود (فشرذ) بالذال المعجمة وهما واحد. وقال قطرب: (التشريد بالدال: التنكيل، وبالذال: التفريق). قوله تعالى: { لعلهم يذكرون } أي لكي يعتبروا فلا ينقضوا العهد الذي بينك وبينهم مخافة أن يحل بهم مثل ما حل ببني قريظة.
الأنفال 8:58
قوله تعالى: { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء }؛ أي إذا خفت من قوم بينك وبينهم عهد وخيانة في ذلك العهد من غدر بالمسلمين، أي علمت أنهم يفعلون ذلك بالمسلمين خفية من غير أن يظهر نقض العهد، فانبذ العهد إليهم على سواء منك ومنهم في العلم، ولا تبدأهم بالقتال من قبل أن تعلمهم إعلاما بينا بأنك انقضت العهد.
والمعنى: إما تعلمن يا محمد من قوم معاهدين لك نكث عهد ونقض عهد يظهر لك من آثار الغدر والخيانة كما ظهر لك من بني قريظة والنضير، فانبذ إليهم؛ أي فاطرح إليهم عهدهم على سواء؛ أي أخبرهم وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك فسخت العهد بينك وبينهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب أهبتها وتبرأ من الغدر. وقوله تعالى: { إن الله لا يحب الخائنين }؛ أي لا يرضى عمل الذين يخونون بالبدأة بالقتال من غير إعلام بنقض العهد.
الأنفال 8:59
قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون }؛ أي لا تظنن يا محمد أن من أفلت من الكفار من هذه الحرب قد سبق إلى الحياة. ويقال: لا تحسبن يا محمد أن أعداءك من الكفار المشركين ربما يقولون لك بأن لا يظفرك الله عز وجل بهم، بل الله تعالى يظهرك عليهم ويظفرك.
وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وحفص بالياء على معنى لا تظنن هؤلاء المشركين إن من مات منهم فقد فات من الله عز وجل، وأن الله لا يبعثه يوم القيامة ولا يعاقبه. وقرأ أهل الشام: (أنهم لا يعجزون) بالفتح، وتكون (لا) صلة تقديره: ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون؛ أي لا يفوتون. وقيل معناه: لأنهم، وقرأ عامة القراء بالكسر على الابتداء.
الأنفال 8:60
وقوله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة }؛ أي أعدوا للكفار ما استطعتم من آلات الحرب. وعن ابن عباس وعقبة بن عامر؛ قال:
" قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ثم قال: " ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، لهو المؤمن في الخلاء وقوته عند اللقاء "
ومات عقبة فاوصى بتسعين قوسا مع كل قوس سهامها في سبيل الله، وقال عقبة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله ليدخل الجنة الثلاثة سهم واحد، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والمهدي له، والرامي به "
وقال عليه السلام:
" كل شىء يلهوا به الرجل باطل، إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، فإنهن من الحق ".
قوله تعالى: { ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم }؛ معناه: ارتبطوا الخيل لهم ولقتالهم؛ أي أعدوا لهم ذلك لتخويف عدو الله وعدوكم { وآخرين من دونهم } أي من دون كفار العرب وأهل الكتاب { لا تعلمونهم } أي لا تعرفونهم. قال ابن عباس: (يعني كفار الجن)، قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يقرب صاحب قوس جني أبدا "
ويقال: إن الجن لا تدخل بيتا فيه قوس ولا سلاح.
قال السدي: (أراد به أهل فارس)، وقال الحسن: (هم المنافقون)، وقال الضحاك: (هم الشياطين)، ولا يمتنع أن يكون الكل مراد بالآية. قوله تعالى: { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم }؛ أي ما تنفقوا من شيء في الجهاد يوف إليكم ثوابه، { وأنتم لا تظلمون }؛ أي لا ينقص شيء من حقكم.
الأنفال 8:61
قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها }؛ معناه: فإن مالت يهود بني قريظة إلى الصلح فمل إليهم وصالحهم، فكان هذا قبل نزول براءة، ثم نسخ بقوله:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5] وبقوله:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله
[التوبة: 29].
والسلم والسلم بالخفض والنصب، وإنما قال { فاجنح لها } لأن السلم والمسالمة بمعنى واحد، فرد الكناية إلى المعنى. قوله تعالى: { وتوكل على الله }؛ أي ثق بالله تعالى إن نقضوا العهد، { إنه هو السميع }؛ بمقالتكم { العليم }؛ بما تفعلون.
الأنفال 8:62
قوله تعالى: { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله }؛ معناه: إن يرد الذين يطلبون منك الصلح أن يخدعوك بإظهار الصلح لتكف عنهم إلى أن يتقووا بغيرك، فإن الله كافيك في حربهم وقتالهم، { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين }؛ أي قواك يوم بدر بنصره وقواك بالمؤمنين، وهم الأوس والخزرج.
الأنفال 8:63
قوله تعالى: { وألف بين قلوبهم }؛ أي جمعهم على المودة في الإيمان، وقوله تعالى: { لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم }؛ أي ما قدرت على جمع قلوبهم على الألفة، { ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز }؛ في سلطانه لا يقدر أحد أن يغلبه ويمنعه عن مراده، { حكيم }؛ يضع الأمور في موضعها.
الأنفال 8:64
قوله تعالى: { يأيها النبي حسبك الله }؛ أي كافيك الله، { ومن اتبعك من المؤمنين }؛ نزلت في البيداء في غزوة بدر. وقيل: لما أسلم عمر رضي الله عنه نزل { يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين }.
وقال بعض المفسرين: موضع (من) خفض عطفا على الكاف في قوله { حسبك الله } أي وحسب من اتبعك. وقال بعضهم: موضعه رفع عطفا على اسم الله؛ أي حسبك الله ومتبوعك من المؤمنين. قيل: إن هذه الآية قوله تعالى: { يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } نزلت في البيداء في غزوة بدر قبل القتال.
الأنفال 8:65
قوله تعالى: { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال }؛ أي رغبهم في القتال، والتحريض: الترغيب في الشيء بما يدعو إليه نحو وعد الثواب على القتال والتنفيل عليه، وقوله تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا }؛ هذا وعد من الله؛ أي يقوي واحدا من المسلمين المنتصرين في الدين على عشرة من الكفار، ويقوي مائة صابرة محتسبة على ألف من الكفار.
وقوله تعالى: { بأنهم قوم لا يفقهون }؛ أي ذلك النصر من الله لكم على الكفار وخذلانهم بأنكم تفقهون أمر الله وتصدقونه فيما وعده من الثواب، والكفار لا يفقهون ذلك ولا يصدقونه.
قال ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث المؤمنين على أن يقاتل الرجل منهم العشرة من الكفار، والمائة منهم الألف من الكفار كما أمر الله، فلما أمر الله المسلمين بقتال الكفار ببدر وكان فرض القتال على المسلمين كما ذكر الله في هذه الآية، شق ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى:
قوله: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا }؛ أي الآن هون الله عليكم القتال الذي فرضه عليكم وسهل الأمر عليكم لتعرفوا فتشكروا، وعلم في الأزل أن في الواحد منكم ضعفا عن قتال العشرة، والمائة عن قتال الألف). وقيل: علم أن فيكم ضعفا في النصرة في أمر الدين.
قرأ عاصم وحمزة وخلف (ضعفا) بفتح الضاد، وقرأ الباقون بضمها أي عجزا عما فرض عليكم، ومن قرأ (ضعفا) فمعناه شيوخا وضعافا، وقرأ أبو جعفر (ضعفاء) بضم الضاد وفتح العين والمد وهمزة من غير تنوين على جمع ضعيف مثل شركاء.
قوله تعالى: { فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين }؛ أمر الله بأن الواحد يثبت للاثنين وضمن له النصر عليهما. قوله تعالى: { وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله }؛ أي بأمر الله، { والله مع الصابرين }؛ أي معين لهم، قال ابن عباس: (من فر من رجلين فقد فر، ومن فر من ثلاثة لم يفر). وهذا إذا كان للواحد المسلم من السلاح والقوة مثل ما لكل واحد من رجلين من الكافرين كان فارا، فأما إذا لم يكن، لم يثبت حكم الفرار.
الأنفال 8:66
قوله تعالى: { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال }؛ أي رغبهم في القتال، والتحريض: الترغيب في الشيء بما يدعو إليه نحو وعد الثواب على القتال والتنفيل عليه، وقوله تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا }؛ هذا وعد من الله؛ أي يقوي واحدا من المسلمين المنتصرين في الدين على عشرة من الكفار، ويقوي مائة صابرة محتسبة على ألف من الكفار.
وقوله تعالى: { بأنهم قوم لا يفقهون }؛ أي ذلك النصر من الله لكم على الكفار وخذلانهم بأنكم تفقهون أمر الله وتصدقونه فيما وعده من الثواب، والكفار لا يفقهون ذلك ولا يصدقونه.
قال ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث المؤمنين على أن يقاتل الرجل منهم العشرة من الكفار، والمائة منهم الألف من الكفار كما أمر الله، فلما أمر الله المسلمين بقتال الكفار ببدر وكان فرض القتال على المسلمين كما ذكر الله في هذه الآية، شق ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى:
قوله: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا }؛ أي الآن هون الله عليكم القتال الذي فرضه عليكم وسهل الأمر عليكم لتعرفوا فتشكروا، وعلم في الأزل أن في الواحد منكم ضعفا عن قتال العشرة، والمائة عن قتال الألف). وقيل: علم أن فيكم ضعفا في النصرة في أمر الدين.
قرأ عاصم وحمزة وخلف (ضعفا) بفتح الضاد، وقرأ الباقون بضمها أي عجزا عما فرض عليكم، ومن قرأ (ضعفا) فمعناه شيوخا وضعافا، وقرأ أبو جعفر (ضعفاء) بضم الضاد وفتح العين والمد وهمزة من غير تنوين على جمع ضعيف مثل شركاء.
قوله تعالى: { فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين }؛ أمر الله بأن الواحد يثبت للاثنين وضمن له النصر عليهما. قوله تعالى: { وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله }؛ أي بأمر الله، { والله مع الصابرين }؛ أي معين لهم، قال ابن عباس: (من فر من رجلين فقد فر، ومن فر من ثلاثة لم يفر). وهذا إذا كان للواحد المسلم من السلاح والقوة مثل ما لكل واحد من رجلين من الكافرين كان فارا، فأما إذا لم يكن، لم يثبت حكم الفرار.
الأنفال 8:67
قوله عز وجل: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } أي يكون له أسرى من المشركين فيفاديهم أو يمن عليهم، ولكن السيف حتى يمكن في الأرض لا بد من القتال، فيقتل منهم قتلا ذريعا ليرتدع من وراءهم. والإثخان في كل شيء: شدته، يقال: أثخنه المرض إذا اشتد قوته عليه، وكذلك أثخنته الجراح.
قوله تعالى: { تريدون عرض الدنيا }؛ خطاب للذين أسرعوا في أخذ الغنائم وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال، وذلك أنهم لما كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم، ومعناه: تريدون بالقتال المال، وسماه عرضا لقلة لبثه. وقوله تعالى: { والله يريد الآخرة }؛ أي يريد منكم العمل بما تستحقون به ثواب الآخرة، { والله عزيز }؛ أي منيع في سلطانه، { حكيم }؛ في أمره وقضائه، فاعملوا ما أمركم به.
الأنفال 8:68
قوله تعالى: { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم }؛ أي لولا حكم من الله سبق في إباحة الغنائم لمسكم فيما استبحتم قبل الإثخان عذاب عظيم. وقيل: لولا كتاب من الله سبق في أهل بدر أن يغفر الله لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر. وقيل: معناه: لولا حكم الله في اللوح المحفوظ وفي القرآن أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون لأصابتكم عقوبة عظيمة.
وعن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: (وذلك أنه لما قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين وأسروا سبعين، استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أمر الأسارى، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله هم قومك، فإن تقتلهم يدخلوا النار، ولكن فادهم فيكون الذي تأخذ منهم قوة للمسلمين، ولعل الله يقلب قلوبهم. وقال عمر: يا رسول الله ما أعلم قوما كانوا أشر لنبيهم منهم فاقتلهم.
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم برأي أبي بكر، ثم ضرب لهما مثلا فقال:
" " مثل أبي بكر مثل إبراهيم عليه السلام حيث قال: { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ، ومثل عمر مثل نوح عليه السلام حيث قال: { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } " ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء على الأسارى ".
فلما كان من الغد أنزل الله هذه الآية
ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض...
[الأنفال: 67] إلى آخر الآيتين،
" قال عمر: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر يبكيان، فقلت: ما يبكيكما؟! حتى الأرض إن وجدت بكاء لبكائكما بكت معكما، فقال صلى الله عليه وسلم: " إنما أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذ الفداء " ، ثم قرأ عليه السلام { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } ".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
" لما جيء بالأسارى يوم بدر قال صلى الله عليه وسلم: " ما تقولون في هؤلاء؟ " فقال أبو بكر: قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار. وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدمهم واضرب أعناقهم، ومكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان - بسبب له - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أناس: نأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: نأخذ بقول عمر، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ، ومثلك يا عمر مثل موسى قال: { ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } ، ثم قال صلى الله عليه وسلم للأسارى: " أنتم اليوم عالة فلا ينقلبن أحد إلا بفداء أو ضرب عنق " ثم قال صلى الله عليه وسلم { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } ".
قوله تعالى: { لولا كتاب من الله سبق } أي لولا حكم الله في أنه يحل لهم الفدية التي أخذوها من الأسارى. وقيل: معناه: لولا ما سبق لهذه الأمة من الرحمة إذا عملوا الخطايا ثم عرفوا بما عملوا وتابوا ورجعوا. قوله تعالى:
تريدون عرض الدنيا
[الأنفال: 67] مخاطبة لهم لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجلت أصحابه، فإن أبا بكر كان مراده إعزاز الدين وهداية الأنصار، ولأن الله قال: { لمسكم فيمآ أخذتم } ولم يقل فيما عزمتم وأسررتم.
الأنفال 8:69
قوله: { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا }؛ الفاء في أول هذه الآية للجزاء، المعنى: أحلت لكم الغنائم فكلوا. والطيب: المستلذ، ويوصف الحلال بذلك على التشبيه، فإن المستلذ لا يكون فيه كراهية في الطبع، وكذا الحلال ما لا يكون فيه كراهية في الدنيا.
وقوله تعالى: { واتقوا الله }؛ أي اخشوه ولا تفعلوا شيئا لم تؤمروا به ولم يرخص لكم، { إن الله غفور }؛ لما فرط منكم { رحيم }؛ بكم إذ لم يعذبكم فيما فعلتم قبل الرخصة.
الأنفال 8:70
قوله عز وجل: { يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم } قال ابن عباس: (وذلك
" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وضع الفداء على كل واحد من الأسارى أربعين أوقية من ذهب، وجعل على عمه العباس مائة أوقية، قال العباس: أتجعل علي مائة أوقية وعلى عدوك سهيل بن عمرو أربعين أوقية؟ قال: " نعم؛ لقطعك الرحم ولظلمك " قال: تركتني والله أسأل قريشا ما بقيت، فكيف تترك عمك يسأل الناس بكفه؟!
فقال صلى الله عليه وسلم: " وأين الذهب الذي أعطيته أم الفضل عند مخرجك؟ فقلت: إن حدث بي حدث في وجهي هذا فهو لك ولعبدالله وقثم وللفضل " قال: وما يدريك؟! قال: " أخبرني الله بذلك " فقال: أشهد أنك صادق وإني لم أعلم أنك رسول الله قط قبل اليوم، وإني دفعت إليها الذهب ولم يطلع عليه أحد إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فأسلم وأمر ابن أخيه أن يسلم "
، فأنزل الله هذه الآية).
ومعناها: يا أيها النبي قل للعباس وعقيل وغيرهم من الأسارى: إن يعلم الله في قلوبكم رغبة في الإيمان وإخلاصا في النية، يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفدية. يجوز أن يكون المعنى: يخلف عليكم في الدنيا، ويجوز أن يكون: ويجازيكم في الآخرة.
وكان العباس أحد الثلاثة عشر الذين ضمنوا طعام أهل بدر، فخرج معهم بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها الناس، ولم تبلغه نوبة الإطعام حتى أسر وأخذ وهي معه فأخذوها منه،
" فلما وضع النبي صلى الله عليه وسلم على العباس الفداء مائة أوقية قال: (يا محمد احتسب لي بالعشرين أوقية من فدائي). فأبى وقال: " أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك " ".
فلما أسلم العباس كان إذا قرأ هذه الآية قال: (صدق الله ورسوله قد أعطاني خيرا مما أخذ مني، أبدلني مكان العشرين أوقية التي أخذت مني عشرين مملوكا، كل مملوك يضرب بعشرين ألفا في التجارة، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، أنجز لي أحد الوعدين، وأنا أرجو أن ينجز لي الوعد الثاني، أنتظر المغفرة من ربي).
وعن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه أنه بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين ثمانين ألفا، فقال العباس: (أعطني من هذا المال) فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أطاق حمله، فجعل العباس يقول: (أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزها، فلا ندري ما يصنع بالأخرى). يعني { يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم }.
الأنفال 8:71
قوله تعالى: { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم } معناه: وإن يرد الذين أطلقتهم من الأسارى خيانتك بأن يعيدوا حربا لك وينصروا عدوك عليك، فقد خانوا الله من قبل بمخالفة ما أخذ عليهم من العهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عاهد الذين أطلقهم على أن لا يعينوا عليه فخانوه وخالفوا، وقوله تعالى { فأمكن منهم } أي فأمكنك منهم يوم بدر، وإن خانوك فسيمكنك منهم ثانيا، { والله عليم }؛ بكل شيء، { حكيم }؛ في كل ما يفعل.
الأنفال 8:72
قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله }؛ أي إن الذين آمنوا بتوحيد الله وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم في طاعة الله.
ثم ذكر الله الأنصار فقال: { والذين آووا }؛ النبي والمهاجرين معه أعطوهم المأوى وأنزلوهم ديارهم، { ونصروا }؛ أي أعانوهم بالسيف على الكفار، { أولئك بعضهم أوليآء بعض }؛ أي أنصار بعض في الدين والمواريث.
قوله تعالى: { والذين آمنوا ولم يهاجروا }؛ أي والذين صدقوا من أهل مكة في ديارهم ولم يهاجروا إلى المدينة، { ما لكم من ولايتهم من شيء }؛ أي ليس بينكم وبينهم ميراث، { حتى يهاجروا }؛ وإطلاق لفظ الموالاة يقتضي التوارث في الجملة، وإن كان بعض أسباب الموالاة أوكد من بعض.
قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قام الزبير بن العوام وأناس معه من المسلمين؛ قالوا: يا رسول الله كيف لا يرثنا إخواننا وهم على ديننا من أجل أنهم لم يهاجروا؟ فهل نعينهم على أمر إن استعانونا عليه؟ فأنزل الله تعالى: { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر }.
معناه: وإن قاتلهم الكفار ليردوهم عن الإسلام فانصروهم، { إلا على قوم }؛ إلا أن يقاتلوا قوما، { بينكم وبينهم ميثاق }؛ فاستنصروكم عليهم فلم تقاتلوهم معهم، بل عليهم أن يكفوا عن طلب النصرة منكم لهم عليهم؛ لأنه أمان، وأمان واحد من المسلمين يلزم كافتهم، فيجب الإصلاح بينهم على غير وجه القتال. وقوله تعالى: { والله بما تعملون بصير } ، أي بصير بأعمالكم، يجازيكم عليها.
قال ابن عباس: فمكثوا على هذا ما شاء الله إن يمكثوا، ثم نزل قوله تعالى: { والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض }؛ أي أنصار بعض في الدين، وبعضهم أولياء بعض في الميراث. يعني أن الكافر لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر، بل الكافر يرث من الكافر، والمؤمن يرث المؤمن، فصارت هذه الآية ناسخة للتي قبلها.
قوله تعالى: { إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به ولم تورثوا الأعرابي الذي لم يهاجر من المهاجر، ولم تجعلوا ولاية الكافر للكافر وولاية المؤمن للمؤمن، { تكن فتنة } أي بالميل إلى الضلالة وفساد في الدين، فإن الكفار بعضهم أولياء بعض.
الأنفال 8:73
قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله }؛ أي إن الذين آمنوا بتوحيد الله وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم في طاعة الله.
ثم ذكر الله الأنصار فقال: { والذين آووا }؛ النبي والمهاجرين معه أعطوهم المأوى وأنزلوهم ديارهم، { ونصروا }؛ أي أعانوهم بالسيف على الكفار، { أولئك بعضهم أوليآء بعض }؛ أي أنصار بعض في الدين والمواريث.
قوله تعالى: { والذين آمنوا ولم يهاجروا }؛ أي والذين صدقوا من أهل مكة في ديارهم ولم يهاجروا إلى المدينة، { ما لكم من ولايتهم من شيء }؛ أي ليس بينكم وبينهم ميراث، { حتى يهاجروا }؛ وإطلاق لفظ الموالاة يقتضي التوارث في الجملة، وإن كان بعض أسباب الموالاة أوكد من بعض.
قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قام الزبير بن العوام وأناس معه من المسلمين؛ قالوا: يا رسول الله كيف لا يرثنا إخواننا وهم على ديننا من أجل أنهم لم يهاجروا؟ فهل نعينهم على أمر إن استعانونا عليه؟ فأنزل الله تعالى: { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر }.
معناه: وإن قاتلهم الكفار ليردوهم عن الإسلام فانصروهم، { إلا على قوم }؛ إلا أن يقاتلوا قوما، { بينكم وبينهم ميثاق }؛ فاستنصروكم عليهم فلم تقاتلوهم معهم، بل عليهم أن يكفوا عن طلب النصرة منكم لهم عليهم؛ لأنه أمان، وأمان واحد من المسلمين يلزم كافتهم، فيجب الإصلاح بينهم على غير وجه القتال. وقوله تعالى: { والله بما تعملون بصير } ، أي بصير بأعمالكم، يجازيكم عليها.
قال ابن عباس: فمكثوا على هذا ما شاء الله إن يمكثوا، ثم نزل قوله تعالى: { والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض }؛ أي أنصار بعض في الدين، وبعضهم أولياء بعض في الميراث. يعني أن الكافر لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر، بل الكافر يرث من الكافر، والمؤمن يرث المؤمن، فصارت هذه الآية ناسخة للتي قبلها.
قوله تعالى: { إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به ولم تورثوا الأعرابي الذي لم يهاجر من المهاجر، ولم تجعلوا ولاية الكافر للكافر وولاية المؤمن للمؤمن، { تكن فتنة } أي بالميل إلى الضلالة وفساد في الدين، فإن الكفار بعضهم أولياء بعض.
الأنفال 8:74
قوله تعالى: { والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا }؛ أي أولئك الذين حققوا إيمانهم بالهجرة وإقامة الجهاد في سبيل الله. وقيل: معناه: أولئك الذين حقق الله إيمانهم بأن أثنى عليهم ومدحهم في كتابه. قوله تعالى: { لهم مغفرة }؛ لذنوبهم { ورزق كريم } في الجنة بأن يطعمهم طعاما يصير كالمسك رشحا ولا يستحيل في أجوافهم نجوا.
الأنفال 8:75
قوله تعالى: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } معناه: والذين آمنوا من بعد المهاجرين السابقين، وهاجروا إلى المدينة وجاهدوا معكم الكفار، فأولئك منكم في الدين والنصرة.
قوله تعالى: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض }؛ أي أن الأقارب بعضهم أولى ببعض في الميراث من غيرهم، هاجروا أو لم يهاجروا إذا كانوا مسلمين، قوله تعالى: { في كتاب الله }؛ يجوز أن يكون المراد بالكتاب القرآن، ويجوز أن يكون معناه في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يراد بالكتاب الحكم، كما قال الله تعالى:
كتب الله لأغلبن
[المجادلة: 21] أي حكم الله، وقوله تعالى: { إن الله بكل شيء عليم }؛ أي عليم بكل ما فرض من المواريث وغير ذلك.
قال قتادة: (وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة، وكان الرجل يسلم ويهاجر، وكان لا يرث أخاه)، فنسخ الله ذلك بقوله: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } وصارت الوراثة بالقرابة كما ذكر الله في سورة النساء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية ".
وعن أبي بن كعب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من قرأ سورة الأنفال والتوبة فأنا له شفيع وشهيد يوم القيامة أنه بريء من النفاق، وأعطي من الأجر بعدد كل منافق ومنافقة، ورفع له بها عشر درجات ".
التوبة 9:1
قوله عز وجل: { برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } أي هذه من الله، فيكون رفعا على الابتداء، ويجوز أن يكون (براءة) رفعا بالابتداء، وخبره: { إلى الذين عاهدتم }. والبراءة: رفع العصمة، يقال: فلان بريء من فلان، وبرىء الله من المشركين. وإنما ذكر الله تعالى هذه الآية من العهد؛ لأن المشركين كانوا ينقضون العهد قبل الأجل، ويضمرون الغدر، فأمر الله بنبذ العهد إليهم، إما بخيانة مستورة ظهرت أمارتها منهم، وإما أن يكون شرط النبي عليه السلام لنقضهم في العهد أن يقرهم ما أقرهم الله.
فأما ترك البسملة في أول هذه السورة، فقد روي أن أبي بن كعب سئل عن ذلك فقال: (لأنها نزلت في آخر ما نزل من القرآن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أول كل سورة (بسم الله الرحمن الرحيم) ولم يأمر في سورة البراءة بذلك، فضمت إلى الأنفال لشبهها بها) يعني أن أمر العهود مذكور في الأنفال، وهذه السورة نزلت بنقض العهود. سئل علي رضي الله عنه عن هذا فقال: (لأن هذه السورة نزلت في السيف، وليس للسيف أمان، وبسم الله الرحمن الرحيم من الأمان، ولأن البسملة رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت بالسيف ولا أمان فيه).
التوبة 9:2
قوله تعالى: { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر }؛ أي سيروا في الأرض على المهل وأقبلوا وأدبروا في الأرض إلى أن يمضي أربعة. وقيل: هو على الخطاب؛ أي قل لهم سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين من قتل ولا أسر ولا نهب.
ويقال: إن قوله: { فسيحوا في الأرض } بيان أن هذا السيح المذكور في أول هذه السورة إنما هو بعد أربعة أشهر، فإن عهد الكفار باق إلى آخر هذه المدة. قال الحسن: (أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينظر في عهود الكفار، فيقر من كان عهده أربعة أشهر على عهده أن يمضي، ويحط من كان له عهد أكثر من أربعة أشهر، ويرفع عهد من كان له عهد قبل أربعة أشهر فيجعله أربعة أشهر).
واختلفوا في هذه الأربعة أشهر، قال بعضهم: من عشرين ذي القعدة إلى عشرين من ربيع الأول. وروي في الخبر: أن مكة فتحت في سنة ثمان من الهجرة، وولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، واجتمع في تلك السنة في الوقوف المسلمون والمشركون.
" فلما كانت سنة تسع ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وبعث معه عشر آيات من أول براءة أو تسع آيات، وأمره أن يقرأها على أهل مكة، وينبذ إلى كل ذي عهد عهده كما وصف الله تعالى، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه منها إلى مكة، نزل جبريل عليه السلام فقال: للنبي صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغ عنك إلا رجل من أهل بيتك " فدعا عليا رضي الله عنه وأمره بالذهاب إلى مكة، وقال: " كن أنت الذي يقرأ هذه الآيات على أهل مكة، ومر أبا بكر فليصل بالناس ". فسار حتى لحق أبا بكر رضي الله عنه في الطريق، فأخبره بذلك فمضيا، وكان أبو بكر على الموسم ".
فلما كان يوم النحر واجتمع المشركون، قام علي رضي الله عنه عند جمرة العقبة وقال: (يا أيها الناس؛ إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم) فقالوا: بم ذا؟ فقرأ عليهم (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم...) إلى آخر الآيات التي نزلت.
وكان الحج في السنة التي قرأ علي رضي الله عنه فيها هذه السورة في العاشر من ذي القعدة، ثم صار الحج في السنة الثانية في ذي الحجة، وكان السبب في تقديم الحج في سنة العهد ما كان يفعله بنو كنانة في النسيء وهو التأخير. وذهب بعض المفسرين إلى أن الأربعة الأشهر المذكورة في هذه الآية هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
قوله تعالى: { واعلموا أنكم غير معجزي الله }؛ أي غير فائتين عن الله بعد الأربعة الأشهر، فإنكم إن أجلتم هذه الأشهر فلن تفوتوا الله تعالى. وقوله تعالى: { وأن الله مخزي الكافرين }؛ أي معذب الكافرين في الدنيا بالقتل في الآخرة بالنار. والإخزاء: هو الإذلال على وجهه الأدون.
التوبة 9:3
قوله تعالى: { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله }؛ أي وإعلام من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، كذا روى ابن عباس، وسمي يوم النحر يوم الحج الأكبر؛ لأنه اتفقت فيه الأعياد على قول أهل الملل. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنه يوم عرفة "
، قال قيس ابن مخرمة:
" خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة فقال: " أما بعد؛ فإن هذا يوم الحج الأكبر ".
ويروى أن عليا رضي الله عنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء إلى الجبانة، فجاءه رجل فأخذ بلجامها وسأله عن يوم الحج الأكبر، فقال: (هو يومك هذا، خل سبيله). وسئل عبدالله بن أبي أوفى عن يوم الحج الأكبر، فقال: (سبحان الله! هو يوم النحر يوم يهراق فيه الدماء ونحلق فيه الشعر ويحل فيه المحرم).
قوله تعالى: { وأذان } عطف على قوله: { برآءة }. قوله تعالى: { أن الله بريء من المشركين ورسوله } أي أن الله ورسوله بريء من المشركين، تقديره: أن الله بريء ورسوله أيضا بريء. ومن قرأ (ورسوله) بالنصب فعلى معنى وأن رسوله بريء.
قوله تعالى: { فإن تبتم فهو خير لكم }؛ أي تبتم من الشرك فهو خير لكم من الإقامة عليه. قوله تعالى: { وإن توليتم }؛ معناه: وإن أعرضتم، { فاعلموا أنكم غير معجزي }؛ فائتين عن؛ { الله }.
وقوله تعالى: { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم }؛ تكرار للوعيد، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراءة إلى مكة) فقيل لأبي هريرة: بم إذا كنتم تنادون؟ قال: (كنا ننادي: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يحجن هذا البيت بعد هذا العام مشرك ولا عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر فإن الله بريء من عهد المشركين ورسوله).
التوبة 9:4
قوله تعالى: { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم }؛ استثناء من الله تعالى من قوله:
برآءة من الله ورسوله
[التوبة: 1] وأراد بقوله: { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم } بني ضمرة وهم حي من بني كنانة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عند البيت، وكان بقي لهم من عهدهم تسعة من بعد يوم النحر من السنة التي حج فيها أبو بكر رضي الله عنه، وكانوا لم ينقضوا شيئا من عهودهم، ولم يمالوا عدوا على رسول الله عليه السلام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن - أبقى - لهم بعهدهم إلى آخر مدتهم.
قوله تعالى: { إن الله يحب المتقين }؛ أي يرضى عمل الذين يتقون نقض العهد. قرأ عطاء (ينقضوكم) بالضاد المعجمة من نقض العهد.
التوبة 9:5
قوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } إذا مضت الأشهر التي حرم الله القتال بالعهد فيها، { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم }؛ يقال أراد بذلك الأشهر الحرم المعروفة؛ وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، كأنه قال: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم في الحل أو في الحرم، وخذوهم؛ أي أأسروهم، { واحصروهم }؛ أي احبسوهم، ويقال: أراد بذلك أن يحال بينهم وبين البيت؛ أي امنعوهم دخول مكة. وقوله تعالى: { واقعدوا لهم كل مرصد }؛ أي اقعدوا القتال على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى التجارة، وهو أمر بتضييق السبيل عليهم.
قوله تعالى: { فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فخلوا سبيلهم } معناه: فإن تابوا عن الشرك، وقبلوا إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فأطلقوهم، { إن الله غفور }؛ لما سلف من شركهم، { رحيم }؛ بهم حين قبل توبتهم.
التوبة 9:6
قوله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه }؛ معناه: وإن أحد من المشركين استأمنك ليسمع دعوتك واحتجاجك بالعدل، فأمنه حتى يسمع كلام الله، فإن أراد أن يسلم فرده إلى موضع أمنه، { ذلك }؛ الأمان لهم، { بأنهم قوم لا يعلمون }؛ أمر الله تعالى.
التوبة 9:7
قوله تعالى: { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله } أي كيف يكون لهم عهد، وهم يضمرون الغدر في عهودهم عند الله وعند رسوله؛ أي لن يكون لهم عهد يجب الوفاء به، { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم }؛ في وفاء العهد فلم ينقضوه كما نقض غيرهم، { فاستقيموا لهم }؛ بوفاء أجلهم، { إن الله يحب المتقين }؛ لنقض العهد.
التوبة 9:8
قوله تعالى: { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة }؛ أي كيف يكون لهم العهد، وقال الأخفش: (معناه: كيف لا يقاتلونكم وهم إن يظهروا عليكم لا يحفظوا فيكم قرابة ولا عهدا)، وقال قتادة: (الإل: الحلف)، قال السدي: (هو العهد) ولكنه كرره لما اختلف اللفظان وإن كان معناهما واحد.
قال مجاهد: (الإل هو الله عز وجل) ومنه جبريل وميكائيل، فإن معناهما عبد الله. وأبو بكر لما سمع كلام مسيلمة قال: (هذا كلام ليس هو إل) أي لم يتكلم به الله. وقرأ عكرمة (إيلا) بالياء يعني الله عز وجل، مثل جبريل وميكائيل.
قوله تعالى: { يرضونكم بأفواههم }؛ أي يتكلمون العهد بأفواههم، { وتأبى قلوبهم }؛ إلا نقض العهد، { وأكثرهم فاسقون }. أي متمادون في الكفر.
التوبة 9:9
قوله تعالى: { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا }؛ أي اختاروا على القرآن عرضا يسيرا من الدنيا، { فصدوا عن سبيله إنهم سآء ما كانوا يعملون } فصرفوا الناس عن طاعة الله؛ فبئس العمل عملهم، وذلك أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة أطعمهم إياها أبو سفيان.
التوبة 9:10
قوله تعالى: { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة }؛ فإن قيل: لم أعاد قوله تعالى: { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة }؟ قيل: ليس هذا بإعادة؛ لأن الأول ورد في جميع الكفار الذين نقضوا العهد، والثاني إنما ورد في طائفة من اليهود الذين كانوا ينقضون العهد، فإن هذه الطائفة منهم الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا؛ فإنهم كانوا يكتمون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من المواكلة كانوا يأخذونها من سفلتهم، وكانوا يأخذون الرشاء على الحكم الباطل، ويغيرون أحكام الله التي أنزلها على أنبيائهم. وقوله تعالى: { وأولئك هم المعتدون }؛ يعني في نقض العهد.
التوبة 9:11
قوله تعالى: { فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فإخونكم في الدين }؛ أي فإن تابوا عن الكفر وقبلوا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فهم إخوانكم في دين الإسلام، { ونفصل }؛ ونأتي ب، { الأيت }؛ أية بعد آية، { لقوم يعلمون }؛ أمر الله وأحكامه.
التوبة 9:12
قوله تعالى: { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم }؛ أي نقضوا أيمانكم والحلف من بعد العهود التي عاهدتهم أن لا يقاتلوك ولا يعينوا عليك ولا على حلفائك، { وطعنوا في دينكم }؛ الإسلام وعابوه، وذلك أنهم قالوا: ليس دين محمد بشيء، { فقاتلوا أئمة الكفر }؛ أي رؤوس الكفر؛ { إنهم لا أيمان لهم }.
قال ابن عباس: (نزلت في أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وسائر رؤساء قريش الذين ينقضون العهد، وهم الذين هموا بإخراج الرسول). وقال مجاهد: (هم أهل فارس والروم).
وقوله تعالى: { إنهم لا أيمان لهم } أي لا عهود لهم؛ جمع يمين، وقال قطرب: (لا وفاء لهم بالعهد). وقرأ الحسن وعطاء وابن عامر (لا إيمان) بكسر الهمزة؛ أي لا تصديق لهم، قال عطية: (لا دين لهم) أي هم قوم كفار. وقيل: معناه: لا أمان لهم فلا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، فيكون مصدر أمنته إيمانا. قوله تعالى: { لعلهم ينتهون }؛ أي ليرجى منهم الانتهاء عن الكفر ونقض العهد.
وفي الآية بيان أن أهل العهد متى خالفوا أشياء مما عاهدوهم عليه فقد نقض العهد، وأما إذا طعن واحد منهم في الإسلام: فإن كان شرط في عهودهم أن لا يذكروا كتاب الله ولا يذكرون محمدا صلى الله عليه وسلم بما لا يجوز، ولا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يقطعوا عليه طريقا ولا يعينوا أهل الحرب بدلالة على المسلمين، فإنهم إذا فعلوا ذلك في عهودهم وطعنوا في القرآن وشتموا النبي صلى الله عليه وسلم، ففيه خلاف بين الفقهاء.
قال أصحابنا: يعذرون ولا يقتلون، واستدلوا بما روى أنس بن مالك رضي الله عنه:
" أن امرأة يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء فقيل: ألا تقتلوها؟ قال: " لا " "
ولحديث عائشة:
" أن قوما من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك! ففهمت عائشة فقالت: وعليكم السام واللعنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مهلا يا عائشة! فإن الله عز وجل يحب الرفق في الأمر كله " فقالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟! فقال: " بلى قد قلت: عليكم " ولم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فذهب مالك إلى أن من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم ".
التوبة 9:13
قوله تعالى: { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة }؛ قال ابن عباس: (ذلك أن قريشا أعانوا بني الوليد بن بكر وكانوا حلفاءهم على خزاعة؛ وخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فهزموا خزاعة، فجاء وفد خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بالقصة، وناشدوا حلفه فقال قائلهم:
يا رب إني ناشد محمدا
حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كنا والدا وكنت ولدا
ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أبدا
وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا
إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وبيتونا بالوتير هجدا
نتلوا القرآن ركعا وسجدا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" " لا نصرت إن لم أنصركم " فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله أتنصرهم على قومنا؟! قال: " لا نصرت إن لم أنصرهم " ثم أمر الناس أن يتجهزوا إلى فتح مكة، ففتحها الله تعالى على يديه ".
وأحل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ القتال لخزاعة ولم يحله لأحد غيرهم، فذلك قوله تعالى: { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } أي نقضوا عهودهم يعني قريشا، { وهموا بإخراج الرسول } من مكة حين اجتمعوا على قتله في دار الندوة { وهم بدءوكم أول مرة } أي هم الذين بدأوا بنقض العهد حين قاتلوا خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، { أتخشونهم }؛ أي تخافون أن ينالكم مكروه في قتالهم فتتركوا قتالهم، { فالله أحق أن تخشوه }؛ تخافوه في ترككم لقتالهم، { إن كنتم مؤمنين }؛ مصدقين بعقاب الله وثوابه.
التوبة 9:14
قوله تعالى: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم }؛ أي قاتلوا أهل مكة يعذبهم الله بأيديكم بالسيف، { ويخزهم }؛ أي يذلهم، { وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين }؛ يعني بني خزاعة يوم فتح مكة الذين قاتلهم بنو بكر، { ويذهب غيظ قلوبهم }؛ بني خزاعة، فشفى الله صدور بني خزاعة وأذهب غيظ قلوبهم؛ أي كربها ووجدها.
وقوله تعالى: { ويتوب الله على من يشآء }؛ استثناء كلام الله؛ أي يتوب الله على من يشاء من أهل مكة فيهديه للإسلام، { والله عليم }؛ بجميع الأشياء، { حكيم }؛ في جميع الأمور.
التوبة 9:15
قوله تعالى: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم }؛ أي قاتلوا أهل مكة يعذبهم الله بأيديكم بالسيف، { ويخزهم }؛ أي يذلهم، { وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين }؛ يعني بني خزاعة يوم فتح مكة الذين قاتلهم بنو بكر، { ويذهب غيظ قلوبهم }؛ بني خزاعة، فشفى الله صدور بني خزاعة وأذهب غيظ قلوبهم؛ أي كربها ووجدها.
وقوله تعالى: { ويتوب الله على من يشآء }؛ استثناء كلام الله؛ أي يتوب الله على من يشاء من أهل مكة فيهديه للإسلام، { والله عليم }؛ بجميع الأشياء، { حكيم }؛ في جميع الأمور.
التوبة 9:16
قوله تعالى: { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة }؛ معناه: إن ظننتم أيها المؤمنون أن تتركوا على الإقرار والتصديق فلا تؤمروا بالجهاد، قوله: { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } أي ولما ير الله جهادكم حين تجاهدون، ولما ير الله الذين لم يتخذوا منكم من الكفار بطانة يفشون إليهم سرهم وأمرهم. وكان الله تعالى قد علم أمرهم بالقتال، من يقاتل ممن لا يقاتل، ولكنه يعلم ذلك عيانا، وأراد العلم الذي يجازى عليه وهو علم المشاهدة؛ لأنه يجازيهم على عملهم لا على علمه فيهم.
والوليجة: المدخل في القوم من غيرهم؛ من ولج شيء يلج إذا دخل. والخطاب في الآية للمؤمنين حين شق على بعضهم القتال وكرهوا، فأنزل الله هذه الآية { أم حسبتم أن تتركوا } فلا تؤمروا بالجهاد وتمتحنوا به؛ ليظهر الصادق من الكاذب، والمطيع من العاصي، وقال قتادة: (معنى وليجة أي خيانة)، وقال الضحاك: (خديعة)، وقال ابن الأنباري: (الوليجة: الدخيلة)، وقال عطاء: (أولياء)، قال الحسن: (كفر ونفاق). وقيل: الوليجة: الرجل من يختص يدخله مودة دون الناس، يقال: هو وليجة وهم وليجة، للواحد والجمع. قوله تعالى: { والله خبير بما تعملون }؛ أي عالم بأعمالكم، وفي هذا تهديد للمنافقين وعظة للمخلصين.
التوبة 9:17
قوله تعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله }؛ قال ابن عباس: (لما أسر العباس يوم بدر، أقبل عليه المسلمون يعيرونه بالكفر وقطيعة الرحم وعون المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغلظ علي رضي الله عنه القول له، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوءنا ولا تذكرون محاسننا؟! فقال له علي رضي الله عنه: ألكم محاسن؟! قال: نعم؛ إن كنتم تجاهدون الأعداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك الأسير، فنحن أفضل منك أجرا. فانزل الله هذه الآية ردا على العباس). ومعناها: ما كان للمشركين أن يقوموا بعمارة المسجد، وأن المساجد لله. والعمارة على وجهين؛ تذكر ويراد بها البناء وتجديد ما انهدم منها، ويؤنث ويراد بها الزيادة، ومن ذلك العمرة ومعناها زيارة البيت، فانتظمت الآية، نهى المشركين على بناء المساجد وعن عمارتها بالطاعة، فإنهم إنما يعمرونها بعبادة الأوثان ومعصية الله.
ومن قرأ (مسجد الله) على التوحيد أراد المسجد الحرام خاصة وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ومجاهد وسعيد بن جبير وقراءة ابن عباس، وقرأ الباقون (مساجد) بالجمع، وإنما قال (مساجد) لأنه قبلة المساجد كلها. وقيل لعكرمة: لم تقرأ (مساجد) وإنما هو مسجد واحد؟ فقال: (إن الصفا والمروة من مساجد الله).
قوله تعالى: { شاهدين على أنفسهم بالكفر }؛ نصب (شاهدين) على الحال على معنى: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، وهم كانوا لا يقولون نحن كفار، ولكن كان كلامهم يدل على كفرهم، وهذا كما يقال للرجل: كلامك يشهد أنك ظالم، وهو قول الحسن، وقال السدي: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر، أن اليهودي لو قلت له: ما أنت؟ قال: يهودي، ويقول النصراني: هو نصراني، ويقول المجوسي: هو مجوسي).
وقيل: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنها مخلوقة. قوله تعالى: { أولئك حبطت أعمالهم }؛ معناه: إن الكفر أذهب ثواب أعمالهم وهي التي من جنس طاعة المسلمين. قوله تعالى: { وفي النار هم خالدون }؛ ظاهر المراد.
ثم بين الله تعالى من يكون أولى بعمارة المسجد الحرام: قوله تعالى: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين }؛ معناه: إنما يعمر مساجد الله بطاعة الله من كان في هذه الصفة، قوله: { وأقام الصلاة } يعني إقام الصلاة المفروضة { وآتى الزكاة } الواجبة في ماله، وقوله تعالى: { ولم يخش إلا الله } أي لم يخف من غير الله، ولم يرج إلا ثوابه، وكلمة عسى من الله واجبة، والفائدة في ذكرها في آخر هذه الآية ليكون الإنسان على حذر من فعل ما يحبط ثواب عمله.
التوبة 9:18
قوله تعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله }؛ قال ابن عباس: (لما أسر العباس يوم بدر، أقبل عليه المسلمون يعيرونه بالكفر وقطيعة الرحم وعون المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغلظ علي رضي الله عنه القول له، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوءنا ولا تذكرون محاسننا؟! فقال له علي رضي الله عنه: ألكم محاسن؟! قال: نعم؛ إن كنتم تجاهدون الأعداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك الأسير، فنحن أفضل منك أجرا. فانزل الله هذه الآية ردا على العباس). ومعناها: ما كان للمشركين أن يقوموا بعمارة المسجد، وأن المساجد لله. والعمارة على وجهين؛ تذكر ويراد بها البناء وتجديد ما انهدم منها، ويؤنث ويراد بها الزيادة، ومن ذلك العمرة ومعناها زيارة البيت، فانتظمت الآية، نهى المشركين على بناء المساجد وعن عمارتها بالطاعة، فإنهم إنما يعمرونها بعبادة الأوثان ومعصية الله.
ومن قرأ (مسجد الله) على التوحيد أراد المسجد الحرام خاصة وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ومجاهد وسعيد بن جبير وقراءة ابن عباس، وقرأ الباقون (مساجد) بالجمع، وإنما قال (مساجد) لأنه قبلة المساجد كلها. وقيل لعكرمة: لم تقرأ (مساجد) وإنما هو مسجد واحد؟ فقال: (إن الصفا والمروة من مساجد الله).
قوله تعالى: { شاهدين على أنفسهم بالكفر }؛ نصب (شاهدين) على الحال على معنى: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، وهم كانوا لا يقولون نحن كفار، ولكن كان كلامهم يدل على كفرهم، وهذا كما يقال للرجل: كلامك يشهد أنك ظالم، وهو قول الحسن، وقال السدي: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر، أن اليهودي لو قلت له: ما أنت؟ قال: يهودي، ويقول النصراني: هو نصراني، ويقول المجوسي: هو مجوسي).
وقيل: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنها مخلوقة. قوله تعالى: { أولئك حبطت أعمالهم }؛ معناه: إن الكفر أذهب ثواب أعمالهم وهي التي من جنس طاعة المسلمين. قوله تعالى: { وفي النار هم خالدون }؛ ظاهر المراد.
ثم بين الله تعالى من يكون أولى بعمارة المسجد الحرام: قوله تعالى: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين }؛ معناه: إنما يعمر مساجد الله بطاعة الله من كان في هذه الصفة، قوله: { وأقام الصلاة } يعني إقام الصلاة المفروضة { وآتى الزكاة } الواجبة في ماله، وقوله تعالى: { ولم يخش إلا الله } أي لم يخف من غير الله، ولم يرج إلا ثوابه، وكلمة عسى من الله واجبة، والفائدة في ذكرها في آخر هذه الآية ليكون الإنسان على حذر من فعل ما يحبط ثواب عمله.
التوبة 9:19
قوله تعالى: { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر }؛ روي عن ابن عباس أنه قال: (قال العباس: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج. فأنزل الله هذه الآية). يعني أن ذلك كان منكم في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك. وروي أن المشركين قالوا: عمارة المسجد الحرام وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد. وكانوا يفتخرون بالحرم، ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فأنزل الله هذه الآية، وأخبرهم أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السقاية لا ينفعهم عند الله من الشرك بالله.
وقال الحسن: (نزلت هذه الآية في علي والعباس وطلحة بن شيبة من بني عبد الدار، وذلك أنهم افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، بيدي مفتاحه، قال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: أنا صاحب الجهاد. فأنزل الله هذه الآية: { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام } أي أجعلتم صاحب سقاية الحاج وصاحب عمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر، { وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله }؛ وقيل: معناه: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام، جعل السقاية بمعنى الساقي، والعمارة بمعنى العامر، كقوله:
والعاقبة للتقوى
[طه: 132] أي للمتقين.
وقرأ عبدالله بن الزبير وأبي: (أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام) على جميع الساقي والعامر. قوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين }؛ أي لا يرشدهم إلى الحجة ما داموا مصرين على الكفر، ولا يرشدهم إلى الجنة والثواب.
التوبة 9:20
قوله تعالى: { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله }؛ معناه: الذين صدقوا بتوحيد الله، وهاجروا من أوطانهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاهدوا العدو في طاعة الله أعظم درجة عند الله، وهذا كقوله تعالى:
أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا
[الفرقان: 24]. قوله تعالى: { وأولئك هم الفائزون }؛ معناه: إن المهاجرين هم الظافرون بأمانهم من الخير، الناجون من النار.
التوبة 9:21
قوله تعالى: { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات }؛ أي يبشرهم ربهم في الدنيا على ألسنة الرسل نجاة من العذاب في الآخرة، ورضوان عنهم ويبشرهم بجنات، { لهم فيها نعيم مقيم }؛ دائم لا يزول عنهم. وقوله تعالى: { خالدين فيهآ أبدا }؛ أي دائمين فيها أبدا مع كون النعيم مقيما لهم، { إن الله عنده أجر عظيم }؛ أي ثواب كثير في الجنة.
التوبة 9:22
قوله تعالى: { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات }؛ أي يبشرهم ربهم في الدنيا على ألسنة الرسل نجاة من العذاب في الآخرة، ورضوان عنهم ويبشرهم بجنات، { لهم فيها نعيم مقيم }؛ دائم لا يزول عنهم. وقوله تعالى: { خالدين فيهآ أبدا }؛ أي دائمين فيها أبدا مع كون النعيم مقيما لهم، { إن الله عنده أجر عظيم }؛ أي ثواب كثير في الجنة.
التوبة 9:23
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر على الإيمان }؛ نزلت في المهاجرين، ومعناه: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم الذين بمكة أولياء، تنصرون بهم وتنصرونهم إن اختاروا الكفر على الإيمان، { ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون }؛ إنما جعل الظالمين لموالاة الكفار؛ لأن الراضي بالكفر يكون كافرا، وعن الضحاك: (لما أمر الله المؤمنين بالهجرة وكانوا قبل الفتح بمكة من آمن ولم يهاجر، لم يقبل الله إيمانه إلا بمهاجرة الآباء والأقرباء أي بمجانبتهم إذا كانوا كفارا، فقال المسلمون: يا رسول الله! إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين، انقطع آباؤنا وعشيرتنا، وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا؟ فأنزل الله هذه الآية).
وقال الكلبي: (لما أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، جعل الرجل يقول لأخيه وأبيه وامرأته وأقربائه: إنا قد أمرنا بالهجرة إلى المدينة فاخرجوا معنا إليها، فمنهم من يعجبه ذلك فينازع إليه معهم، ومنهم من يأبى أن يهاجر فيقول الرجل لهم: والله لا أنفعكم بشيء ولا أعطيكم ولا أنفق عليكم، ومنهم من تتعلق به زوجته وولده وعياله، فيقولون له: ننشدك الله أن لا تضيعنا، فيرق ويجلس ويترك الهجرة، فأنزل الله هذه الآية { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء } أي أصدقاء فتفشون إليهم سركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة والجهاد إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فيطلعهم على عورة الإسلام وأهله، ويؤثر المكث معهم على الهجرة، { فأولئك هم الظالمون } أي القاضون الواضعون الولاية في غير موضعها.
التوبة 9:24
قوله عز وجل: { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم }؛ أي قل يا محمد للذين تركوا الهجرة إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ونساؤكم وقراباتكم، { وأموال اقترفتموها }؛ اكتسبتموها بمكة وأصبتموها، { وتجارة تخشون كسادها }؛ أي عدم نفاقها إذا اشتغلتم بطاعة الله، { ومساكن ترضونهآ }؛ ومنازل تعجبكم الإقامة بها بمكة، { أحب إليكم من }؛ طاعة، { الله ورسوله }؛ بالهجرة إلى المدينة، { وجهاد في سبيله } ، وأحب إليكم من الجهاد في طاعة الله، { فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } ، أي فانتظروا حتى يأتي الله بفتح مكة، ويقال: حتى يأتي الله بعذاب عاجل أو آجل، { والله لا يهدي القوم الفاسقين }؛ أي لا يرشد الخارجين عن طاعته إلى معصيته، ولا يهديهم إلى جنته وثوابه.
التوبة 9:25
قوله تعالى: { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا }؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة بعد ما فتحها، وكان انفتاحها في بقية أيام رمضان، فمكث بها حتى دخل شوال متوجها إلى حنين، وبعث رجلا من بني سليم عينا له يقال له عبدالله بن أبي حدرد، فأتى حنينا فكان بينهم يسمع أخبارهم، فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه: أنتم اليوم أربعة آلاف رجل، فإذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، فوالله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئا إلا أفرج لكم. وكان مالك بن عوف على هوازن، وكنانة بن عبد ياليل على ثقيف، فأقبل ابن أبي حدرد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقالتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها إليهم في عشرة آلاف رجل، كذا قال الكلبي.
وقال مقاتل: (كانوا أحد عشر ألفا وخمسمائة)، وقال قتادة:
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر ألفا من المهاجرين والأنصار، وألفين من الطلقاء، فقال رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة: يا رسول الله لا نغلب اليوم من قلة، فساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته وابتلى الله المسلمين بذلك، فلما التقوا حمل العدو عليهم حملة واحد، فلم يقوموا لهم حلب الشاة أن انكشفوا وتبعهم القوم في أدبارهم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث يقود به، والعباس أخذ بالثغر، وحول رسول الله يومئذ نحو من ثلاثمائة رجل من المسلمين وانهزم سائر المسلمين عنه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار لا يأل، وكانت بغلته شهباء وهو ينادي: " يا معشر المهاجرين ويا معشر الأنصار إلي، أين أصحاب الصفة " أي أصحاب سورة البقرة.
وكان العباس ينادي: يا معشر المهاجرين، أين الذين بايعوا تحت الشجرة، يا معشر الذين آووا ونصروا، هلموا فإن هذا رسول الله. وكان العباس صيتا جهوري الصوت، يروي أنه من شدة صوته أنه أغير يوما على مكة فنادى واصبحاه، فأسقطت كل حامل سمعت صوته.
فلما صاح بالمسلمين عطفوا حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها، وقال: لبيك لبيك، وجاؤا عنقا واحدا لنصر دين الله، وأقبل المشركون ليطفؤا نور الله، فأنزل الله تعالى من السماء جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وأظهر المسلمين عليهم، وحمي الوطيس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يتطاول إلى قتالهم، ثم أخذ كفا من الحصى فرماهم به وقال: " شاهت الوجوه، انهزموا ورب الكعبة " فوالله ما زال أمرهم مدبرا وجدهم كليلا، وهرب حينئذ آمرهم مالك بن عوف ".
وقال أبي اسحاق:
" قلت للبراء: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى المسلمون معهم موليا؟ قال: لا والذي لا إله إلا هو، ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم دبرا قط، ولقد رأيته على بغلته البيضاء يركض نحو الكفار وهو يقول: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " ثم قال للعباس: " ناد يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين " فعطف المسلمون عليه مسرعين، فأنزل الله جنده ونصر عبده وهزم المشركين ونصر المسلمين ".
قال سعيد بن جبير: (أمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف ملك)، وقال الحسن ومجاهد: (كانوا ثمانية آلاف)، قال قتادة: (كانوا ستة عشر ألفا)، وقال سعيد بن جبير:
" حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: لما التقينا نحن وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يقف لنا حلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء - يعني - النبي صلى الله عليه وسلم تلقانا رجال بيض الثياب حسان الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانت اياها "
يعني الملائكة.
وروي أن الملائكة قاتلت يومئذ، في الخبر: أن رجلا من بني نضر بن معاوية قال للمؤمنين وهو في أيديهم: أين الخيل البلق؟ والرجال عليهم الثياب البيض؟ ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " تلك الملائكة ".
قال:
" فلما هرب أمير المشركين مالك بن عوف انهزم المشركون وولوا مدبرين، وانطلق المسلمون حتى أتوا أوطاسا بها عيال المشركين وأموالهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين رجلا من الأشعريين أمره عليهم يقال له أبو عامر، فسار معهم إلى أوطاس فقاتل أهلها حتى هزمهم الله وسبى المسلمون عيال المشركين، وهرب مالك ابن عوف حتى أتى إلى الطائف فتحصن بها، وأخذ ماله وأهله في من أخذ، وقتل أبو عامر رضي الله عنه. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحل فيه القتال، رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة فأحرم منها بعمرة، وقسم بها السبي والمال وغنائم حنين وأوطاس.
وتألف أناس منهم أبو سفيان بن حرب، وسهل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فأعطاهم وجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل، فقال طائفة من الأنصار: من الرجل وآثر قومه بالعجب، إن أسيافنا تقطر من دمائهم وغنائمنا ترد عليهم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم وقال: " يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني عنكم؟ " فقالوا: هو الذي بلغك، وكانوا يكذبون، فقال: " ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم أذلة فأعزكم الله بي؟ وكنتم وكنتم؟ ".
فقال سعد بن عبادة: ائذن لي أتكلم يا رسول الله؟ قال: " تكلم " قال: أما قولك " كنتم ضلالا فهداكم الله بي " بحق كنا كذلك، وأما قولك: " كنتم أذلة فأعزكم الله بي " فقد علمت العرب أنه ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منا، فقال عمر: يا سعد أتدري من تكلم؟ قال: نعم يا عمر أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديا وسلكت الناس واديا لسلكت وادي الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم " ثم قال: " يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالشاة والإبل وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم؟ " قالوا: بلى رضينا يا رسول الله، والله ما قلنا ذلك إلا محبة لله ولرسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم ". فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فقال: " أما خطيب الأنصار؛ ولو قال: كنت طريدا فآويناك، وكنت خائفا فآمناك، وكنت مخذولا فنصرناك، وكنت وكنت، لكان قد صدق " فبكت الأنصار "
، وكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن أفتتح عامة الشام.
قوله تعالى: { في مواطن كثيرة } أي لقد أعانكم الله على أعدائكم في مواضع كثيرة من قتال بدر وحرب بني قريظة والنضير وحنين وفتح مكة. قوله: { ويوم حنين } أي وأعانكم يوم حنين، وحنين: اسم واد بين مكة والطائف، وأضيف اليوم إلى حنين لوقوع الحرب يومئذ بها.
وقوله تعالى: { إذ أعجبتكم كثرتكم } إذ سرتكم، والإعجاب هو السرور والتعجب، فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا ولا دفعت عنكم سوءا. قوله تعالى: { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت }؛ أي ضاقت عليكم الأرض مع سعتها من خوف العدو، فلم تجدوا موضعا للفرار إليه. قوله تعالى: { ثم وليتم مدبرين }؛ أي أعرضتم منهزمين لا تلوون على أحد. والإدبار الذهاب إلى الخلف.
التوبة 9:26
قوله تعالى: { ثم أنزل الله سكينته على رسوله }؛ أي أنزل أمنه ورحمته على رسوله، { وعلى المؤمنين }؛ حتى عادوا فظفروا. والسكينة في اللغة اسم لما يسكن إليه القلب، وقال الحسن: (أراد بالسكينة الوقار). قوله تعالى: { وأنزل جنودا لم تروها }؛ أي أنزل من السماء ملائكة لنصركم، لم تروها بأعينكم. قوله تعالى: { وعذب الذين كفروا }؛ يعني بالقتل والأسر، { وذلك }؛ العقاب، { جزآء الكافرين }؛ في الدنيا.
التوبة 9:27
قوله تعالى: { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء }؛ أي ثم يتوب من بعد الهزيمة على منء يشاء منهم من كان أهلا لذلك، { والله غفور }؛ لما كان منهم في الشرك إذا تابوا { رحيم }؛ بهم في الإسلام.
التوبة 9:28
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا }؛ معناه: إنما المشركون قذر، وقيل: خبث. والنجس: مصدر أقيم مقام الاسم لا يثنى ولا يجمع، يقال: رجل نجس وامرأة نجس، ورجال ونساء نجس، ولا يؤنث ولا يجمع؛ فلهذا لم يقل إن المشركين أنجاس، وسمى المشرك نجسا؛ لأن شركه يجري مجرى القذر في أنه يجنب الجنب، كما تتجنب النجاسات؛ أي يجب التبرؤ من المشركين وقطع مودتهم.
والنجاسة على ضربين، نجاسة أعيان، ونجاسة الذنوب، وكان الحسن يقول: (لا تصافح المشركين، فمن صافحهم فليتوضأ)، وقال قتادة: (سماهم الله نجسا لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضؤون، فمنع من دخول المساجد؛ لأن الجنب لا يدخل المسجد).
قوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } أي لا ينبغي لهم أن يقربوه للحج والطواف بعد هذا العام، وهو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، ونادى علي رضي الله عنه فيه ببراءة، وهو سنة تسع من الهجرة، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الثاني حجة الوداع في سنة عاشر من الهجرة. قوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد الحرام } بيان أن المراد بالآية إبعاد المشركين عن المسجد الحرام، كما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي فيهم في ذلك العام: [ألا لا يطوفن بهذا البيت بعد هذا العام مشرك وعريان].
قال ابن عباس: (فقال أناس من تجار بكر بن وائل وغيرهم من المشركين بعد قراءة علي رضي الله عنه هذه الآية: ستعلمون يا أهل مكة إذا فعلتم هذا ماذا تلقون من الشدة ومن أين تأكلون، أما والله لتقطعن سبلكم، ولا نحمل إليكم شيئا. فوقع ذلك في نفس أهل مكة وشق عليهم، وألقى الشيطان في قلوب المسلمين حزنا وقال لهم: من أين تعيشون وقد نفى المشركين وقطع عنكم الميرة؟ فقال المسلمون: يا رسول الله قد كنا نصيب من تجاراتهم، فالآن ينقطع عنا الأسواق والتجارة ويذهب الذي كنا نصيبهم فيها، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } ) معناه: وإن خفتم فقرا من إبعاد المشركين، { فسوف يغنيكم الله من فضله } بغيرهم، فأخصبت تبالة وجرش وحملوا إلى مكة الطعام والإدام، وأغنى الله أهل مكة من تجار بني بكر. وروي أن أهل نجد وصنعاء من أهل اليمن أسلموا وحملوا إلى مكة الطعام في البحر والبر.
والعيلة: الفقر والصفاق، يقال: عالى الرجل يعيل عليه، قال الشاعر:
ولا يدري الفقير متى غناؤه
ولا يدري الغني متى يعيل
أي يفتقر. وفي مصحف عبدالله (وإن خفتم عائلة فسوف يغنيكم الله من فضله).
وقوله تعالى: { إن شآء }؛ استثناء، فجاء علم الله أنه سيكون لئلا تترك العباد الاستثناء في أمورهم، ولتنقطع الآمال إلى الله في طلب الغنى منه. قوله تعالى: { إن الله عليم حكيم }؛ أي عليم بخلقه وما يصلحهم، حكيم فيما حكم من أمره.
التوبة 9:29
قوله عز وجل: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله }؛ معناه: قاتلوا اليهود والنصارى الذين لا يؤمنون بآيات الله التي أنزلها على نبيه صلى الله عليه وسلم. وقيل: معنى قوله { لا يؤمنون بالله } ، أي كانوا يصفون الله سبحانه بصفة لا تليق به، لأن اليهود مثنية والنصارى مثلثة. وقوله تعالى: { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } أي لا يحرمون الخمر والخنزير ونحو ذلك مما لم يقروا بتحريمه.
وقوله تعالى: { ولا يدينون دين الحق }؛ أي لا يعتقدون دين الإسلام ولا يخضعون لله بالتوحيد، وقيل: معنى { دين الحق } أي دين الله؛ لأن الله هو الحق. قوله تعالى: { من الذين أوتوا الكتاب }؛ يعني اليهود والنصارى، { حتى يعطوا الجزية عن يد }؛ أي حتى تؤخذ الجزية من أيديهم وهم قيام إذلاء، والآخذ جالس. ويقال: أراد بالقهر، كأنه قال: عن قهر من المسلمين عليهم واعتراف منهم للمسلمين بأن أيدي المسلمين فوق أيديهم، كما يقال: اليد لفلان في هذا الأمر، ويراد به نفاذ أمره. ويحتمل أن يكون المعنى باليد إنعام المسلمين عليهم بقبول الجزية عنهم. ويقال: أراد باليد القوة على معنى أنه ليس على الفقير غير المتمول جزية.
وأما طعن المخالف كيف يجوز إقرار الكفار على كفرهم بأداء الجزية بدلا عن الإسلام؟ فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون أخذ الجزية عنهم رضى بكفرهم، وإنما الجزية عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر، وإذا جاز إمهالهم بغير الجزية للاستدعاء إلى الإيمان كان إمهالهم بالجزية أولى. قال أبو عبيد: (يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس منه أعطاه عن يد). قال ابن عباس: (هو أن يعطيها بأيديهم يمشون بها كارهين، ولا يجيئون ركبانا ولا يرسلون بها).
قوله تعالى: { وهم صاغرون }؛ أي ذليلون ومقهورون، قال عكرمة: (معنى الصغار هو أن تأخذها وأنت جالس وهو قائم)، وقال الكلبي: (هو أنه إذا أعطى الجزية صفع في قفاه)، وقيل: هو أنه لا يقبل فيها رسالة ولا وكالة.
وتؤخذ الجزية أيضا من الصابئين والسامري؛ لأن سبيلهم في أهل الكتاب سبيل لأهل البدع فينا، وتؤخذ الجزية أيضا من المجوسي؛ لأنه قد قيل إنهم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم، وعن سعيد بن المسب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس الهجر، وأخذها عمر رضي الله عنه من مجوس أهل السواد). " روي أن عمر رضي الله عنه قال: لا أدري كيف أصنع بالمجوس، فقال له عبدالرحمن ابن عوف رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحين نساءهم ولا آكلي ذبائحهم " ".
التوبة 9:30
قوله عز وجل: { وقالت اليهود عزير ابن الله }؛ الآية؛ أي قالت اليهود حين قرأ عليهم عزير التوراة عن ظهر قلب: إن الله لم يجعل التوراة في قلب أحد إلا وهو ابنه! وعن ابن عباس رضي الله عنه: (أن جماعة من اليهود منهم النعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن صيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، ولا تزعم أن عزيرا ابن الله تعالى! فأنزل الله هذه الآية).
وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب (وقالت اليهود عزير ابن الله) بالتنوين، وقرأ الباقون بغير التنوين، فمن نون قال: لأنه اسم خفيف فوجهه أن يصرف وإن كان أعجميا مثل نوح وهود ولوط، وقال أبو حاتم والمبرد: اختيار التنوين لأنه ليس بصفة والكلام ناقص، و(ابن) في موضع الخبر وليس بنعت، وإنما يحذف التنوين في النعت. ومن ترك التنوين قال لأنه اسم أعجمي. قال الزجاج: (يجوز أن يكون الخبر محذوفا تقديره: عزير ابن الله معبود، على أن يكون (ابن) نعتا للعزير).
قوله تعالى: { وقالت النصارى المسيح ابن الله }؛ هذا قول نصارى نجران، وقوله تعالى: { ذلك قولهم بأفواههم }؛ معناه: أنهم لا يتجاوزون في القول عن العبادة؛ أي المعنى إذ لا برهان لأنهم يعترفون أن الله لا يتخذ صاحبة، فكيف تزعمون أن له ولدا. قوله تعالى: { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل }؛ أي يشابهون في قول ذلك قول أهل مكة حين قال: اللات والعزى ومناة. وقيل: أراد يشابهون قول الكفار الذين يقولون الملائكة بنات الله.
قرأ عاصم (يضاهئون) بالهمز، وقرأ العامة بغير همز، يقال: ضاهيته وضاهأته بمعنى واحد، وقال قتادة والسدي: (ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالت النصارى: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله).
قوله تعالى: { يضاهئون } أي يشابهون، يقال: امرأة أضهيأ إذا شابهت الرجل في أنها لا ثدي لها ولا تحيض. قوله تعالى: { قاتلهم الله }؛ أي لعنهم الله، كذا قال ابن عباس، وقال ابن جريج: (معناه قتلهم الله)، { أنى يؤفكون }؛ أي أنى يكذبون ويصدفون عن الحق بعد قيام الدلالة عليه.
التوبة 9:31
قوله تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله }؛ اتخذ النصارى واليهود علماءهم وعبادهم أربابا؛ أي أطاعوهم في معاصي الله، فجعل الله طاعتهم عبادتهم؛ لأنهم اتبعوهم وتركوا أوامر الله ونواهيه في كتبهم، قال الضحاك: (الأحبار: العلماء) واحدهم حبر وحبر بكسر الحاء وبفتحها، والكسر أفصح، والرهبان من النصارى: أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم. وقوله تعالى: { أربابا من دون الله } أي سادة من دون الله يطيعونهم في معاصي الله. وأما تسمية العالم حبرا فلكثرة كتابته بالحبر، وقيل: لتبحيره المعاني بالبيان الحسن. وأما الراهب فهو الخاشع لله.
وقوله تعالى: { والمسيح ابن مريم }؛ أي اتخذ المسيح إلها. وقوله تعالى: { ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا }؛ أي لم يؤمروا في جميع الكتب ولا على ألسنة الرسل إلا بعبادة إله واحد، وقوله تعالى: { لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } أي تنزيها لله عن الشرك وما لا يليق به.
التوبة 9:32
قوله تعالى: { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم }؛ أي يريدون أن يرد القرآن ودلائل الإسلام بالتكذيب بألسنتهم، وقال الضحاك: (يريد اليهود والنصارى أن يهلك محمد وأصحابه ولا يعبد الله بالإسلام) { ويأبى الله إلا أن يتم نوره }؛ ويعلي دينه وكلماته ويظهر الإسلام وأهله على أهل كل دين، { ولو كره الكفرون }؛ ذلك.
التوبة 9:33
قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله }؛ أي هو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن ودين الإسلام، ليظهره على سائر الأديان بالحجة والغلبة، { ولو كره المشركون }. واختلف العلماء في قوله { ليظهره }. قال ابن عباس: (إنها عائدة على الرسول، يعني ليعمه بشرائع الدين كله فيظهره عليها حتى لا يخفى عليه شيء منها). قال آخرون: (الهاء) راجع الى دين الحق.
التوبة 9:34
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل }؛ معناه: يا أيها الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن إن كثيرا من الأحبار وهم من ولد هارون، قوله: { والرهبان } وهم أصحاب الصوامع وهم دون الأحبار في العلم، قوله تعالى: { ليأكلون أموال الناس بالباطل } أرادوا به أخذ الرشا على الحكم، وما كان لهم من الهدايا من سفلتهم على كتمان بعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، هكذا روي عن ابن عباس، وقال السدي: (الأحبار علماء اليهود، والرهبان أصحاب الصوامع من النصارى).
وأما تخصيص الأكل في الآية، فلأن معظم المقصود من التمليك الأكل، فوضع الأكل موضع الملك. قوله تعالى: { ويصدون عن سبيل الله }؛ أي يصرفون الناس عن دين الله.
قوله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم }؛ أي يجمعونها ويضعون بعضها فوق بعض؛ ولا ينفقون الكنوز في طاعة الله. وقيل: معناه: ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهب؛ لأن في بيان أحدهما حكم الآخر، كما قال تعالى:
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها
[الجمعة: 11]، والدليل على أن هذه الكناية راجعة إلى الذهب والفضة جميعا أنها لو رجعت إلى أحدهما لبقي الآخر عاريا عن الجواب، فيصير كلاما منقطعا لا معنى له، وتقدير الآية: لا ينفقون منها؛ أي لا يؤدون زكاتهما ولا يخرجون حق الله منهما، إلا أنه حذف (من) وأراد إثباتها، بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى
خذ من أموالهم صدقة
[التوبة: 103] قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" في مائتي درهم خمس دراهم، وفي عشرين مثقالا من الذهب نصف مثقال "
ولو كان الواجب إنفاق جميع المال لم يكن لهذا التقدير وجه.
وسمي الذهب ذهبا؛ لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت فضة لأنها تنفض؛ أي تفرق ولا تبقى، وحسبك باسمهن دلالة على فنائهما وأنه لا بقاء لهما.
وقوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم } أي ضع الوعيد لهم بالعذاب موضع بشارة بالنعم لغيرهم؛ وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كل مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كانت تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا).
التوبة 9:35
قوله تعالى: { يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم }؛ أي يوم يوقد على المكنوز في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم عقوبة، قال ابن عباس: (لا يوضع دينار ولا درهم على دينار ولا على درهم، ولكن توسع جلودهم لذلك فلا يمس دينار دينارا ولا درهم درهما).
قوله تعالى: { هذا ما كنزتم لأنفسكم }؛ أي يقال لهم: هذا ما جمعتم في دار الدنيا، { فذوقوا ما كنتم تكنزون } ، فذوقوا عقوبة ما كنتم تجمعون. وسئل أبو بكر الوراق: لم خصت الجباه والجنوب والظهور بالكي؟ فقال: (لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير انعصر وإذا ضمه وإياه مجلس ازور عليه وولاه ظهره).
عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لما نزلت هذه الآية قالت الصحابة: فأي المال نتخذ؟ فقال عمر: أنا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال عليه السلام: " لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وبدنا صابرا وزوجة تعينك على إيمانك " ".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فتكوى بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر تسير عليه، كلما مضى عليه آخرها رد عليه أولها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وما من صاحب بقر لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر تسير عليه، كلما مضى آخرها رد عليه أولها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضى عليه آخرها رد أولها حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ".
التوبة 9:36
قوله تعالى: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموت والأرض }؛ معناه: إن عدة الشهور التي تتعلق بها الأحكام من الحج والعمرة والزكاة والأعياد وغيرها اثنا عشر شهرا على منازل العمرة، تارة يكون الحج والصوم في الشتاء، وتارة في الصيف على اعتبار الأهلة. وقوله تعالى: { في كتاب الله } يعني اللوح المحفوظ. قوله تعالى: { يوم خلق السموت والأرض } إنما قال ذلك؛ لأن الله تعالى أجرى الشمس والقمر في السماوات يوم خلق السماوات والأرض.
قوله تعالى: { منهآ أربعة حرم }؛ واحد فرد وهو رجب وثلاثة سرد متتابعة، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، سماها حرما لعظم انتهاك حرمتها، كما خص الحرم بمثل ذلك، وكانت العرب تعظمها وتحرم القتال فيها حتى أن الرجل لو لقي قاتل أبيه أو أخيه فيها لم يهجه.
قوله تعالى: { ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم }؛ أي في أشهر الحرم بالعمل بالمعصية وترك الطاعة. وقيل: باستحلال القتل والغارة. وقيل: معناه: ولا تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا، والذنب والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن. ويقال: معناه: فلا تظلموا في الاثني عشر الشهر أنفسكم. قوله تعالى: { ذلك الدين القيم } أي ذلك الحساب المستقيم.
قوله تعالى: { وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة } ويجوز أن يكون الكافة راجعة إلى المسلمين؛ أي قاتلوا جميعا، قوله تعالى: { كما يقاتلونكم كآفة } أي كما يقاتلونكم أي جميعا. قوله تعالى: { واعلموا أن الله مع المتقين }؛ أي معهم بالنصرة.
واختلف العلماء في حرمة القتال في الأشهر الحرم، فقال بعضهم: لا يجوز القتال فيها والغارة لأن الله سماها حرما فيكون قوله تعالى: { وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة } دليلا على جواز القتال فيها على وجه الدفع.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن القتال فيها جائز، والمراد بقوله: { منهآ أربعة حرم } تعظيم انتهاك حرمتها بالظلم والفساد فيها، وتعظيم ثواب الطاعة التي يفعل فيها. قوله تعالى: { وقاتلوا المشركين كآفة } يدل على أن الله أخرج هذه الأشهر الحرم من أن تكون حرما.
وفي باب الجهاد دليلا تقديرا آخر أن أحد الجهاد داخل تحت قوله: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } وكان الله تعالى ميز الجهاد من الظلم الذي هو إقدام على النفوس والأموال، وقوله تعالى: { كآفة } منصوب على الحال.
قال قتادة وعطاء: (كان القتال كثيرا في الأشهر الحرم، ثم نسخ وأحل فيه بقوله: { وقاتلوا المشركين كآفة } يعني فيهن وفي غيرهن). وقال الزهري: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم القتال في الأشهر الحرم، مما أنزل الله من تحريم ذلك حتى نزلت براءة، وأحل قتال المشركين).
وقال سفيان الثوري لما سئل عن القتال في الأشهر الحرم، قال: (لا بأس بالقتال فيهن وفي غيرهن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن وحنييا وثقيفا بالطائف وحاصرهم في الشوال وبعض ذي القعدة، فدل على أن حرمة القتال فيها منسوخ).
التوبة 9:37
قوله تعالى: { إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما }؛ أي إنما تأخير الشهر الحرام من المحرم إلى صفر، واستباحة المحرم زيادة في الكفر يغلط ويخطىء بالنساء سائر الكفار، ومن قرأ (يضل) صفر مكان المحرم، ويحرمون المحرم عاما فلا يقاتلون فيه، ثم يقاتلون في صفر، { ليواطئوا عدة ما حرم الله }؛ أي ليوافقوا في العدد أربعة أشهر، وكانوا يقولون: هذه أربعة بمنزلة أربعة. والمواطأة الموافقة، وأصل النسيء الحاضر ومنه بيع النسيئة، ومنه أنسأ الله في أجل فلان، ومنه المنسأة وهي العصا يرجو بها ويؤخر.
قرأ قتادة ومجاهد وأبو عمرو ونافع غير ورش وعاصم وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر (النسيء) بالمد والهمزة وهو مصدر كالسعير والحريق ونحوهما، ويجوز أن يكون مفعولا مصروفا أي فعيل مثل الجريح والقتيل والصريع، تقديره: إنما الشهر المؤخر. وقرأ أبو جعفر وورش (إنما النسي) بالتشديد من غير همزة، وروى ذلك ابن كثير على معنى المنسي أي المتروك، قال الله تعالى:
نسوا الله فنسيهم
[التوبة: 67].
وقوله: { يضل به الذين كفروا } ، قرأ أهل المدينة وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر بفتح الياء وكسر الضاد لأنهم هم الضالون لقوله: { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } ، وقرأ الحسن وقتادة ومجاهد ويعقوب بضم الياء وكسر الضاد؛ أي يضل به الذين كفروا الناس المقتدين بهم، وقرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر بضم الياء وفتح الضاد، وهي قراءة ابن مسعود لقوله: { زين لهم } ، وقوله تعالى: { يحلونه عاما } أي يحلون النسيء.
وقوله تعالى: { ليواطئوا }؛ أي ليوافقوا، وقيل: ليشبهوا، { عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله }؛ أي يحلوا ما حرمه الله من الغارة والقتل في الشهر الحرام، وإنما كان يفعل هكذا بنو كنانة وربما كانوا يؤخرون رجبا ويبدلونه صفرا لتكون الشهور متوالية، وقوله تعالى: { زين لهم سوء أعمالهم }؛ أي حسن في قلوبهم قبح أعمالهم من تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، قال الحسن: (زينتها لهم أنفسهم والشياطين) { والله لا يهدي القوم الكافرين } أي لا يوفقهم مجازاة لكفرهم. وقيل: لا يهديهم إلى الجنة والثواب.
قال ابن عباس: (كان الناسئ رجلا من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وجنادة بن عوف وكان يقوم على الناس فيقول: ألا إن آلهتكم حرمت عليكم صفر العام، فيحرمون فيه الدماء والأموال ويستحلون في المحرم، فإذا كان من قابل نادى: ألا إن آلهتكم حرمت عليكم المحرم العام، فيحرمون فيه الدماء والأموال ويستحلون صفر ليفيدوا منه).
وفي بعض الروايات: أنه كان يقول قبل هذا النداء: يا أيها الناس أنا الذي أعاب ولا خاب ولا مرد لما قضيت، فيقول له المشركون: لبيك ربنا، ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا فيقول: ألا إن صفر العام حلال يريد به المحرم، وربما يقول: حرام، فيحرمون المحرم صفرا، وكان إذا قال الناسيء في المحرم: حلال، عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة وأعلوا السيوف وأغاروا على الناس، وإذا قال: حرم، حلوا الأوتار ونزعوا الأزجة وأغمدوا السيوف.
التوبة 9:38
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض }؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدنية بعد مرجعه من الطائف، ثم أمره الله بالجهاد لغزوة الروم وأمره بالخروج إلى غزوة تبوك، وذلك في زمان عسرة وشدة من الحر حين طابت ثمار أهل المدينة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى الجهاد فكانوا يتثاقلون من الخروج ويحبون الظلال والثمار، فأنزل الله هذه الآية.
ومعناها: ما لكم إذا قيل لكم اخرجوا إلى جهاد المشركين تثاقلتم إلى الأرض وتكاسلتم واطمأننتم إلى أوطانكم، { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة }؛ استفهام يعني الإنكار؛ أي آثرتم عمل الدنيا على عمل الآخرة، وآثرتم الحياة في الدنيا على الحياة في الآخرة، { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } أي ما منفعة الدنيا في الآخرة وفي ما يتمتع به أولياء الله في الجنة إلا يسير لأن الدنيا تضمحل ويفنى أهلها، والآخرة دار القرار.
التوبة 9:39
قوله تعالى: { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم }؛ أي إلا تخرجوا مع نبيكم في الجهاد يعذبكم عذاب الاستئصال، ويستبدل قوما غيركم أي أطوع لله منكم، { ولا تضروه شيئا }؛ أي ولا تنقصوا من ملكه شيئا بقعودكم عن الجهاد، { والله على كل شيء }؛ من العذاب والإبدال، { قدير }.
التوبة 9:40
قوله تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين }؛
" وذلك أن كفار مكة لما أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم أخبره جبريل بذلك وأمره بالخروج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه: " نم مكاني على الفراش " وخرج مع أبي بكر رضي الله عنه إلى غار جبل ثور - وهو جبل بأسفل مكة - ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أطراف أصابعه حتى حفيت، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه وجعل يستند به حتى أتى فم الغار، وكان الغار مقرونا بالهوام، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول الغار قال له أبو بكر رضي الله عنه: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الغار. فدخل واستبرأه وجعل يسوي الجحرة بثيابه خشية أن يخرج منها شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فبقي جحران فوضع عقبه عليهما ثم قال: إنزل يا رسول الله، فنزل فكانا في الغار ليلتهما.
فدخل الكفار على علي رضي الله عنه فقالوا له: يا علي أين محمد؟ فقال: لا أدري أين ذهب، فطلبوه من الغد واستأجروا رجلا يقال له كرز بن علقمة الجراح، فقفا لهما الأثر حتى انتهى بهم إلى جبل ثور، فقال: انتهينا إلى هنا وهذا أثره فما أدري أين أخذ يمينا أو شمالا أو صعد الجبل، فصعدوا الجبل يطلبونه، وأعمى الله عليهم مكانه فلم يهتدوا إليه.
فقام رجل منهم يبول مستقبلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بعورته، فقال أبو بكر: يا رسول الله ما أراه إلا قد أبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم " لو أبصرنا ما يستقبلنا بعورته ". وأقبل شباب قريش من كل بطن، معهم عصيهم وقسيهم حتى رأوا باب الغار، وكان صلى الله عليه وسلم مر على ثمامة وهي شجرة صغيرة ضعيفة فأمر أبا بكر أن يأخذها معه، فلما سار إلى باب الغار أمره أن يجعلها على باب الغار، وألهم الله العنكبوت فنسجت حتى سترت وجه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وبعث الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا حتى وقعتا على باب الغار بين العنكبوت وبين الشجرة، فلما رأى المشركون الشجرة والحمامة، ونسج العنكبوت علموا أن ليس في الغار أحد، وكان أبو بكر يقول: يا رسول الله قد أتينا وما أنا إلا رجل واحد، فإن قتلت أنت تهلك هذه الأمة فلا يعبد الله بعد هذا اليوم، فقال: " لا تحزن يا أبا بكر إن الله معنا ".
ثم نزل المشركون من الجبل، ولم يقدروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغار ثلاثة أيام ولياليهن، وكان عبدالله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكة، فلما أمنا طلب " القوم " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالهجرة إلى المدينة، فاستأجر رجلا يقال له عبدالله بن أريقط يهديهم الطريق إلى المدينة فخرج بهما إلى المدينة، فسمع سراقة بن مالك بن مقسم الكناني بخروجه إلى المدينة، فلبس لامته وركب فرسه يتبع آثارهم حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه، فقال: يا محمد أدع الله أن يطلق علي فرسي فأرد عنك من أرى من الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: " اللهم إن كان صادقا فأطلق فرسه " فرجع سراقة وقدم أبو بكر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتيا المدينة "
هكذا روي وفي هذا قصة طولة.
ومعنى الآية: ألا تنصروا محمدا صلى الله عليه وسلم في الخروج معه إلى تبوك فالله ينصره كما نصره إذ أخرجه الكفار من مكة وهو ثاني اثنين، أي لم يكن معهما غيرهما، وقوله تعالى { ثاني اثنين } نصب على الحال؛ أي وهو أحد اثنين. وقوله تعالى: { إذ هما في الغار }؛ أراد به غار ثور حين خرجا إليه، والغار النقب الذي يكون في الجبل، وقوله تعالى: { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا }؛ معناه: إذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لا تحزن على قتلي وذهاب الإسلام إن الله يحفظنا ويدفع شر المشركين عنا.
قوله تعالى: { فأنزل الله سكينته عليه }؛ أي أنزل طمأنينة على رسوله حتى سكن واطمأن. ويقال: أنزل سكينته على صاحبه أبي بكر رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لنا سكنا، وقوله تعالى: { وأيده بجنود لم تروها }؛ معناه: أعان محمدا صلى الله عليه وسلم وقواه يوم بدر والأحزاب وحنين بجنود لم تعاينوها وهم الملائكة.
قوله تعالى: { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى }؛ أي وجعل كلمة الشرك مغلوبة مذمومة، وجعل أهلها أذلة أسفلين، وقوله تعالى: { وكلمة الله هي العليا }؛ أي وجعل كلمة التوحيد هي الكلمة العالية الممدوحة. قوله تعالى: { والله عزيز حكيم }؛ أي منيع بالنقمة ممن عصاه وما حكم به من أمره.
التوبة 9:41
قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا }؛ أي انفروا إلى الجهاد في سبيل الله شبابا وشيوخا. وقيل: موسرين ومعسرين. وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل. وقيل: نشاطا وغير نشاط، أي خفت عليكم الحركة أو ثقلت. قوله تعالى: { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله }؛ في طاعة الله، { ذلكم }؛ الجهاد، { خير لكم }؛ من القعود عنه، { إن كنتم تعلمون }؛ أن الله صادق في وعده ووعيده.
التوبة 9:42
قوله تعالى: { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك }؛ اسم كان مضمر تقديره: لو كان المدعو إليه عرضا قريبا؛ أي غنيمة وسفرا سهلا لاتبعوك؛ أي لو علموا أنهم يصيبون مغنما لخرجوا معك، نزل هذا فيمن تخلف من غزوة تبوك من المنافقين.
قوله تعالى: { ولكن بعدت عليهم الشقة } ، أي لكن بعدت عليهم المسافة إلى الشام، { وسيحلفون بالله لو استطعنا }؛ في اعتذارهم إليكم لو كان لنا سعة في الزاد والمال، { لخرجنا معكم }؛ في غزاتكم، { يهلكون أنفسهم }؛ بالأيمان الكاذبة والقعود عن الجهاد، { والله يعلم إنهم لكاذبون }؛ أن لهم سعة في المال والزاد وإنهم لكاذبون في هذا الاعتذار، وقيل: معنى قوله: { وسفرا قاصدا } أي موضعا قريبا.
التوبة 9:43
قوله تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا }؛ أي تجاوز الله عنك يا محمد لم أذنت لهم في القعود عن الجهاد حتى يظهر لكم الذين صدقوا في الاعتذار، { وتعلم الكاذبين }؛ في عذرهم، قدم الله العفو على العتاب حتى يسكن قلبه صلى الله عليه وسلم، ثم قال بعد العفو: { لم أذنت لهم } ، ولو أن الله أخبره بالذنب قبل أن يخبره بالعفو لكان يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم من هيبته قوله: { لم أذنت لهم }.
التوبة 9:44
قوله تعالى: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم }؛ أي لا يستأذنك المؤمنون في القعود عن الجهاد، وقوله: { أن يجاهدوا } معناه: أن لا يجاهدوا، { والله عليم بالمتقين }؛ أي عالم بالمخلصين المطيعين فيميزهم عن المنافقين.
التوبة 9:45
قوله تعالى: { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر }؛ أي إنما يستأذنك في القعود عن الجهاد الذين لا يصدقون بالله وبيوم البعث، { وارتابت قلوبهم }؛ أي شكت واضطربت، { فهم في ريبهم يترددون }؛ شكهم يتخيرون. والريب: الشك مع اضطراب القلب.
التوبة 9:46
قوله تعالى: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة }؛ أي لو أراد الله لهم الخروج معك إلى العدو لاتخذوا له أهبة، { ولكن كره الله انبعاثهم }؛ أي لكن لم يرد الله خروجهم معك، لأنهم لو خرجوا لكان يقع خروجهم على وجه الإضرار بالمسلمين وذلك كفر ومعصية.
قوله تعالى: { فثبطهم }؛ أي حبسهم، يقال: ثبطه عن الأمر إذا حبسه عنه، { وقيل اقعدوا مع القاعدين }؛ أي اقعدوا مع النساء والصبيان. ويجوز أن يكون القائل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله، ويجوز أن يكون قد قال بعضهم لبعض. وقيل: قال لهم الشيطان ووسوس لهم.
ثم بين الله أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم، بل عليهم مضرة لهم، فقال تعالى: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا }؛ أي لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا شرا وفسادا. قوله تعالى: { ولأوضعوا خلالكم }؛ أي لأسرعوا فيما بينكم، { يبغونكم الفتنة }؛ أي يطلبون فساد الرأي وعيوب المسلمين، ويقال: ساروا فيكم بالنميمة، والإيضاع: الإسراع في السير، يقال: أوضع البعير إيضاعا.
قوله تعالى: { وفيكم سماعون لهم }؛ أي وفيكم قائلون منهم ما يسمعون منهم، ويقال: في عسكركم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون عنكم، { والله عليم بالظالمين }؛ يجازيهم على سوء أفعالهم.
التوبة 9:47
قوله تعالى: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة }؛ أي لو أراد الله لهم الخروج معك إلى العدو لاتخذوا له أهبة، { ولكن كره الله انبعاثهم }؛ أي لكن لم يرد الله خروجهم معك، لأنهم لو خرجوا لكان يقع خروجهم على وجه الإضرار بالمسلمين وذلك كفر ومعصية.
قوله تعالى: { فثبطهم }؛ أي حبسهم، يقال: ثبطه عن الأمر إذا حبسه عنه، { وقيل اقعدوا مع القاعدين }؛ أي اقعدوا مع النساء والصبيان. ويجوز أن يكون القائل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله، ويجوز أن يكون قد قال بعضهم لبعض. وقيل: قال لهم الشيطان ووسوس لهم.
ثم بين الله أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم، بل عليهم مضرة لهم، فقال تعالى: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا }؛ أي لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا شرا وفسادا. قوله تعالى: { ولأوضعوا خلالكم }؛ أي لأسرعوا فيما بينكم، { يبغونكم الفتنة }؛ أي يطلبون فساد الرأي وعيوب المسلمين، ويقال: ساروا فيكم بالنميمة، والإيضاع: الإسراع في السير، يقال: أوضع البعير إيضاعا.
قوله تعالى: { وفيكم سماعون لهم }؛ أي وفيكم قائلون منهم ما يسمعون منهم، ويقال: في عسكركم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون عنكم، { والله عليم بالظالمين }؛ يجازيهم على سوء أفعالهم.
التوبة 9:48
قوله تعالى: { لقد ابتغوا الفتنة من قبل }؛ أي وقد طلب هؤلاء المنافقون صد أصحابك عن الدين، وردهم إلى الكفر، وتحويل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبدالله بن أبي يوم أحد، وقوله تعالى: { وقلبوا لك الأمور }؛ أي اختالوا فيك وفي إبطال دينك بالتحويل عنك، وتشتت أمرك وكلمتك من قبل غزوة تبوك، فقلبوا لك الأمور ظهرا لبطن، { حتى جآء الحق وظهر أمر الله }؛ أي حق الإسلام، وأظهره الله على سائر الأديان، { وهم كارهون }؛ لذلك. قوله تعالى: { وظهر أمر الله }؛ أي دين الله.
التوبة 9:49
قوله تعالى: { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني }؛
" نزل في جد بن قيس من المنافقين، دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج إلى العدو وحرضه على الجهاد، فقال لجد بن قيس: " هل لك في جلاد بني الأصفر، فتتخذ منهم سراري ووصفاء " يعني الروم.
وكان الأصفر رجلا من الحبشة ملك الروم، وغلب على ناحية منها، فتزوجت الحبشة من الروم، فولدت لهم بنات أخذن من بياض الروم وسواد الحبشة، فكن صفرا لعسا لم ير مثلهن، فقال له جد بن قيس: ائذن لي يا رسول الله أن أقيم، ولا تفتني ببنات الأصفر، فقد عرف قومي عجبي بالنساء، وإني أرى المرأة تعجبني فما أملك نفسي حتى أضع يدي على المحرم، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله أعرض عنه وقال: " أذنت لك " ".
وقوله تعالى: { ولا تفتني } أي ائذن لي في التخلف ولا تفتني ببنات الأصفر، قال قتادة: (معناه ولا تؤثمني)، وقوله تعالى: { ألا في الفتنة سقطوا } أي ألا في الإثم والشرك وقعوا بنفاقهم ومخالفتهم أمرك في ترك الجهاد، { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين }؛ أي إنهم يدخلون جهنم لا محالة؛ لأن الشيء إذا كان محيطا بالإنسان فإنه لا يفوته.
روي
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سيدكم يا بني سلمة؟ " قالوا: جد بن قيس، غير أنه بخيل. قال: صلى الله عليه وسلم: " وأي داء أدوى من البخل؟! بل سيدكم الفتى أبيض الجعد بشر ابن البراء بن معرور "
فقال فيه حسان الشعر:
وقال رسول الله والحق قوله
لمن قال منا: من تعدون سيدا؟
فقلت له: جد بن قيس على الذي
ببخله فينا وإن كان أنكدا
فقال: وأي الداء أدوى من الذي
رميتم به لو على به يدا؟!
وسود بشر بن البراء لجوده
وحق لبشر بن البرا أن يسودا
إذا ما أتاه الوفد أذهب ماله
وقال: خذوه؛ إنني عائد غدا
التوبة 9:50
قوله تعالى: { إن تصبك حسنة تسؤهم }؛ أي إن تصبك يا محمد حسنة من فتح وغنيمة تسؤهم تلك الحسنة وتحزنهم يعني المنافقين، { وإن تصبك مصيبة }؛ أي قتل وهزيمة ونكبة، { يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل }؛ أي أخذنا حذرنا بالتخلف عنهم من قبل هذه المصيبة، { ويتولوا }؛ عنك، { وهم فرحون }؛ مسرورون بما أصابك من الشدة.
التوبة 9:51
قوله تعالى: { قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا هو مولانا }؛ أي قل يا محمد للمنافقين: لن يصيبنا إلا ما كتب الله علينا في اللوح المحفوظ، قال الحسن: (معناه: أنا لسنا بمهملين بل جميع ما يصيبنا من خير أو شر فهو مكتوب في اللوح المحفوظ)، ويقال: معناه: قل لن يصيبنا في عاقبة الأمر إلا ما كتب الله لنا من الفتح والنصرة على الكفار، فإن أصابتنا الهزيمة في الحال فإن أمور العبادة لا تجري إلا على تدبير قد أحكم وأبرم. قوله تعالى: { هو مولانا } أي ولينا يحفظنا وينصرنا. قوله تعالى: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون }؛ معنى التوكل على الله: تفويض الأمر إليه ثقة به.
التوبة 9:52
قوله تعالى: { قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون }؛ أي هل تنتظرون بنا إلا النصر على الكفار والظفر بهم، أو القتل على وجه الشهادة في الدنيا مع ثواب الآخرة، ونحن ننتظر بكم أحد الشرين: إما أن يصيبكم الله بعذاب الاستئصال من عنده، أو بأن ينصرنا عليكم فنقتلكم بأسيافنا، فانتظروا ما قلت كي ننتظر نحن بكم عذاب الاستئصال والنصرة عليكم.
التوبة 9:53
قوله تعالى: { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم }؛ معناه: إن أنفقتم في الجهاد طائعين من قبل أنفسكم أو مكرهين مخافة القتل لن يتقبل منكم ما أسررتم من الكفر والنفاق، وقد يذكر لفظ الأمر ويراد به الشرط الجزاء كما قال الشاعر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
لدينا ولا مقلية إن تقلت
معناه: إن أحسنت بنا أو أسأت فأنت غير ملومة.
قوله تعالى: { إنكم كنتم قوما فاسقين }؛ تعليل نفي قبول صدقتهم؛ لأن النفاق يحبط الطاعة، ويمنع من استحقاق الثواب.
التوبة 9:54
قوله تعالى: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله }؛ ما منعهم عن إيجاب الثواب لهم على نفقاتهم إلا كفرهم بالله وبرسوله، ومعنى { نفقاتهم } أي صدقاتهم. قرأ حمزة والكسائي وخلف (يقبل) بالياء لتقديم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء.
وقوله تعالى: { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى }؛ أي متثاقلون لأنهم لا يرجون بأدائها ثوابا ولا يخافون بتركها عقابا، والمعنى أنهم يصلون مراءاة الناس، { ولا ينفقون إلا وهم كارهون }؛ وكذلك ينفقون في الزكاة وغيرها لأجل التستر بالإسلام، لا لابتغاء ثواب الله. وكسالى جمع كسلان كما يقال سكارى وسكران.
التوبة 9:55
قوله تعالى: { فلا تعجبك أمولهم ولا أولدهم }؛ أي لا تعجبك يا محمد كثرة أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا }؛ وفي الآخرة، قال الحسن: (لا تسرك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليشدد عليهم في التكليف بأن يأمرهم بالإنفاق في الزكاة والغزو وما شاكل ذلك من المكاره التي تشق عليهم؛ لأنهم لا يرجون بذلك ثوابا في الآخرة، ويكونون معذبين بالإنفاق إذ كانوا ينفقونها على كره منهم). وقيل: أراد بقوله { ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا } أي ما ينالهم من المصائب في أموالهم لا تكون كفارة لذنوبهم. قوله تعالى: { وتزهق أنفسهم }؛ أي تخرج أنفسهم على الكفر. قوله تعالى: { وهم كفرون }؛ أي في حال كونهم كافرين. والزهق خروج الشيء بصعوبة وأصله الهلاك.
التوبة 9:56
قوله تعالى: { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم }؛ معناه: أن هؤلاء المنافقين يحلفون للمؤمنين أنهم على دينهم، يقول الله تعالى: { وما هم منكم } أي ليسوا على دينكم، { ولكنهم قوم يفرقون }؛ أي يخافون من المسلمين، فأظهروا الإسلام وأسروا النفاق.
التوبة 9:57
قوله تعالى: { لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون }؛ معناه: لو يجدون حرزا يلجأون إليه ويتحصنون فيه، أو غيرانا في الجبال أو سربا في الأرض، أو قوما يمكنهم الدخول فيما بينهم يحفظونهم عنكم، لصبوا إليهم وهم يجمحون؛ أي يسبقون ويسرعون إسراعا لا يرد وجوههم بشيء. يقال: فرس جموح إذا ذهب في عدوه لم يرده اللجام، قال عطاء في معنى قوله لو يجدون ملجأ: (أي مهربا)، وقال ابن كيسان: (قوما يأمنون فيهم).
قرأ عبدالرحمن بن عوف (أو مغارات) بضم الميم، وقوله تعالى: { أو مدخلا } قال الكلبي: (نفقا في الأرض كنفق اليربوع) وقيل: معناه: موضع دخول يدخلون فيه. وقرأ الحسن (مدخلا) بفتح الميم وتخفيف الدال، وقرأ أبي (مندخلا) بإثبات النون. وقوله تعالى: { لولوا إليه } قرأ الأشهب العقيلي (لوالوا إليه) بالألف من الموالات؛ أي تابعوا وسارعوا.
التوبة 9:58
قوله تعالى: { ومنهم من يلمزك في الصدقات }؛ أي من المنافقين من يعيبك في الصدقات، { فإن أعطوا منها }؛ الصدقة مقدار مرادهم، { رضوا }؛ بالقسمة، { وإن لم يعطوا منها }؛ لا يرضون بالقسمة.
نزلت هذه الآية في أبي الجواظ وغيره من اللمازين من المنافقين، كما روي
" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الصدقات فقال أبو الجواظ: ما ترون صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم، فقال صلى الله عليه وسلم: " لا أبا لك، أما كان موسى عليه السلام راعيا! أما كان داود عليه السلام راعيا! " فذهب أبو الجواظ، فقال صلى الله عليه وسلم: " احذروا هذا وأصحابه "
فأنزل الله هذه الآية.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
" كان رسول الله يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: " ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟! " فقال عمر رضي الله عنه: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وسلم: " دعه فإن له أصحابا يحتقر أحدكم صلاته مع صلاته وصومه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ".
قرأ الحسن ويعقوب (يلمزك) بضم الميم، وقرأ الأعمش (يلمزك) بضم الياء وتشديد الميم، يقال: لمزه وهمزه إذا أعابه، ورجل همزة لمزة، وقال عطاء: (معنى يلمزك أي يغتابك). قوله تعالى: { إذا هم يسخطون }؛ قرأ إياد بن لقيط (إذا هم ساخطون).
التوبة 9:59
قوله تعالى: { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله } أي لو رضوا ما رزقهم الله وما يعطيهم رسوله من العطية والصدقة، { وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله }؛ أي كافينا الله سيعطينا الله من رزقه، وسيعطينا رسوله مما يكون عنده من السعة والفضل وقالوا: { إنآ إلى الله }؛ أي فيما عنده من الثواب، { راغبون }؛ لكان خيرا لهم وأعود عليهم، إلا أنه حذف الجواب؛ لأن الحذف للجواب في مثل هذا الموضع أبلغ من الإثبات؛ لأنك إذا حذفت الجواب ذهبت فيه النفس كل مذهب.
التوبة 9:60
قوله تعالى: { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين }؛ قال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد والزهري ومجاهد: (الفقير المتعفف الذي لا يسأل الناس، والمسكين الذي يسأل). ومعنى الآية: إنما الصدقات لهؤلاء المذكورين لا للمنافقين.
قال ابن عباس: (الفقراء هم أصحاب الصفة، صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا نحو أربعمائة رجل لم يكن لهم منازل في المدينة ولا عشائر، فأووا إلى صفة مسجد رسول الله، يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إليه بالليل، فمن كان عنده فضل من المسلمين أتاهم به إذا أمسوا). قال: (والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس).
فعلى هذا المسكين أفقر من الفقير، ومن الدليل على ذلك أن الله قال:
للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله
[البقرة: 273] ثم قال:
يحسبهم الجاهل أغنيآء
[البقرة: 273]، ومعلوم أن الجاهل بحال الفقير لا يحسبه غنيا إلا وله ظاهر جميل ويده حسنة، وقال تعالى:
أو مسكينا ذا متربة
[البلد: 16]. قيل في التفسير: الذي قد لصق بالتراب وهو جائع عار ليس بينه وبين التراب شيء يقيه. وقال أبو العباس ثعلب: (حكي عن بعض أهل اللغة أنه قال: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا؛ بل مسكين. وأنشد الأعرابي:
أما الفقير التي كانت حلوبته
وفق العيال فلم يترك له سبد
فسماه فقيرا مع وجود الحلوبة). وقال محمد بن مسلمة: (الفقير الذي لا ملك له) قال: (وكل شيء محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه)، واحتج من قال: إن الفقير أفقر من المسكين بقوله تعالى:
أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر
[الكهف: 79] فأضاف السفينة إليهم، وهذا لا دلالة فيه لأنه روي أنهم كانوا فيها أجراء.
قوله تعالى: { والعاملين عليها } ، يعني السعاة الذين يجلبون الصدقة، ويتولون قبضها من أهلها، يعطون منها سواء كانوا أغنياء أم فقراء، واختلفوا في قدر ما يعطون، قال الضحاك: (يعطون الثمن من الصدقة)، وقال مجاهد: (يأكل العمال من السهم الثامن)، وقال عبدالله بن عمرو بن العاص: (يعطون على قدر عمالتهم)، وقال الأعمش: (يعطون بقدر أجور أمثالهم وإن كان أكثر من الثمن)، وقال مالك وأهل العراق: (إنما ذلك للإمام واجتهاده يعطيهم الإمام قدر ما رأى)، وعن ابن عمر: (يعطون بقدر عملهم)، وعند الشافعي: (يعطون ثمن الصدقات).
قوله تعالى: { والمؤلفة قلوبهم }؛ هم قوم كان يعطيهم النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم على الإسلام، كانوا رؤساء في كل قبيلة، منهم أبو سفيان بن حرب من بني أمية، والأقرع بن حابس، وعقبة بن حصن الفزاري وغيرهما من بني عامر بن لؤي، والحارث بن هشام المخزومي، وسهيل بن عمرو الجمحي من بني أسد، والعباس بن المرداس من بني سليم، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء المؤلفة قلوبهم إلى أبي بكر وطلبوا منه سهمهم، فأمرهم أن يكتبوا كتابا، فجاؤا بالكتاب إلى عمر رضي الله عنه ليشهد، فقال عمر: إيش هذا؟ قالوا: سهمنا، فقال عمر رضي الله عنه:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] إن الإسلام أجل أن يرسى عليه. ثم أخذ عمر كتابهم ومزقه وقال: إنما كان النبي يعطيكم يتألفكم على الإسلام، فاليوم فقد أعز الله الإسلام، فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف. فرجعوا إلى أبي بكر وقالوا: أنت الخليفة أم هو؟! فقال: هو إن شاء! فبطل سهمهم.
قوله تعالى: { وفي الرقاب }؛ معناه عند أكثر الناس في فكاك الرقاب وهم المكاتبون، وذهب مالك إلى أنهم رقاب يبتاعون من الزكاة ويعتقون، فيكون ولاؤهم لجميع المسلمين دون المعتقين، قال: (ولا يعطى المكاتب من الزكاة ولا من الكفارات شيئا).
وقد روي
" أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني عملا يدخلني الجنة؟ قال: " فك الرقبة وأعتق النسمة " قال: أوليسا سواء؟ قال: " لا؛ فك الرقبة أن تعين في عتقها "
، فاقتضى قوله تعالى { وفي الرقاب } المعوضة في العتق.
قوله تعالى: { والغارمين }؛ يعني المديونين الذين لا يكون لهم فضل نصاب على الدين؛ لأن المال وإن كان في أيديهم فهو مستحق أيديهم، وقال مجاهد والزهري: (إنما تحل الصدقة للمديونين إذا كان الدين قد لحقه بغير إسراف ولا معصية)، وقال قتادة: (الغارمون هم قوم لحقهم ديون في غير تبذير ولا فساد)، وعن مجاهد: (أن الغارم من احترق بيته، أو ذهب السيل بماله، أو أدان على عياله).
قوله تعالى: { وفي سبيل الله }؛ أراد به المجاهدين إذا انقطعوا عن أزوادهم وراحلتهم، وقال أبو يوسف: (هم الفقراء الغزاة)، وأما إذا كان الغازي غنيا اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: (لا يعطى الغازي الغني)، وقال الشافعي ومالك: (يعطى الغازي الغني) وحجتهما قوله عليه السلام:
" لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها، ورجل اشتراها بماله، ورجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى إليه جاره، وفي سبيل الله وابن السبيل ".
قوله تعالى: { وابن السبيل }؛ هو المسافر المنقطع عن ماله، سمي بذلك لملازمته السبيل، كما يقال: ابن الغني وابن الفقير، قال مجاهد والزهري: (لابن السبيل حق في الزكاة وإن كان غنيا) قال قتادة: (ابن السبيل هو الضيف).
قوله تعالى: { فريضة من الله }؛ أي فرض الله هذه الأشياء فريضة، { والله عليم }؛ بمصالح عباده، { حكيم }؛ في أفعاله. والفرض في ذكر الأصناف في هذه الآية بيان أنه لا يجوز إخراج الصدقة منهم إلى غيرهم؛ لأن الحاجة في جميع الأصناف المذكورين في هذه الآية موجودة، ولأن من عليه الزكاة إذا حمل الزكاة بنفسه إلى الإمام لم يكن لأحد من العمال في ذلك نصيب.
وقال الشافعي: (تقسم الصدقة على الأصناف الثمانية، كما هو مذكور في الآية، إلا أن يفقد صنف فيقسم على الباقين). وقيل: يقسم على أصله على سبعة أصناف؛ لأن المؤلفة قد سقطوا، قال: (ويعطى كل منهم من الثمانية ثلثه من أهل كل صنف، فإن أعطى اثنين ضمن ثلث سهم).
واختلف العلماء في المقدار الذي إذا ملكه رجل دخل في حد الغنى، وخرج من حد الفقر، قال بعضهم: إذا كان عند أهله قوت يومهم، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" " من سأل عن ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر جهنم " قيل: يا رسول الله وما ظهر الغنى؟ قال: " أن تعلم أن عند أهله ما يعيشهم ويغديهم " ".
وقال بعضهم: اذا ملك أربعين درهما أو عدلها من الذهب، واستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها من الذهب فقد سأل إلحافا "
، وكانت الأوقية يومئذ أربعين درهما.
وقال بعضهم: إذا ملك خمسين درهما أو عدلها من الذهب لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" " لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خدوش " قيل: يا رسول الله وما غناه؟ قال: " خمسون درهما، أو عدلها من الذهب " ".
والصحيح: أن من ملك مائتي درهم أو عدلها من فرض أو غيره فاضلا عن ما يحتاج إليه من مسكن وخادم وأتان وفرس، لم تحل له الصدقة لقوله عليه السلام:
" إني أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم "
فجعل الناس فريقين، ولا خلاف أن الذي يملك مائتي درهم يكون غنيا، فوجب أن لا يكون داخلا في الفقراء، ولو كان الاعتبار بالضرورة لكان الذي له غداء دون العشاء أو عشاء دون الغداء لا تحل له الصدقة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" للسائل حق وإن جاء على فرس "
والفرس في الكثير الأحوال يساوي اكثر من أربعين درهما.
التوبة 9:61
قوله تعالى: { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن الجماعة من المنافقين منهم جلاس بن سويد ومخشي بن حمير وأبو ياسر بن قيس وسماك بن يزيد وعبيد بن هلال ورفاعة بن التابوت كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون فيه ما لا يجوز، فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه الخبر، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا في ما نقول، فإن محمدا أذن سامعة. فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: ومن هؤلاء المنافقين من يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون هو صاحب أذن يصغي إلى كل أحد، ويقبل كل ما قيل له.
قوله تعالى: { قل أذن خير لكم }؛ أي قيل: هو مستمع بخير لا مستمع بشر، وقيل: معناه: هو يستمع إلى ما هو خير لكم وهو الوحي. وقرأ الحسن: (هو أذن خير لكم) كلاهما بالتنوين والضم، معناه: إن كان كما قلتم فهو خير لكم يقبل عذركم. وقرأ نافع: (قل أذن) بجزم الذال وهو لغة في الأذن. قوله تعالى: { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين }؛ أي يصدق بما أنزل عليه، والإيمان بالله لا يعمل إلا بالحق، ويؤمن للمؤمنين أي يصدق المؤمنين في ما يخبرونه.
واختلفوا في ال (لام) التي للمؤمنين، فقال بعضهم هي زائدة كما في قوله تعالى:
ردف لكم
[النمل: 72] معناه: ردفكم. قال بعضهم: إنما ذكر اللام للفرق بين التصديق والإيمان، فإنه إذا قيل: ويؤمن للمؤمنين لم يقبل غير التصديق، كما في قوله:
ومآ أنت بمؤمن لنا
[يوسف: 17] أي بمصدق، وقوله تعالى:
لن نؤمن لكم
[التوبة: 94] أي لن نصدقكم.
قوله تعالى: { ورحمة للذين آمنوا منكم }؛ قرأ الحسن والأعمش وحمزة بالخفض على معنى: أذن خير وأذن رحمة، وقرأ الباقون: (ورحمة) بالرفع يعني: هو رحمة، جعل الله النبي صلى الله عليه وسلم رحمة لهم؛ لأنهم إنما نالوا الإيمان بدعائه وهدايته. قوله تعالى: { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم }؛ وعيد من الله لهؤلاء المنافقين على مقالتهم. وقال ابن عباس: (فلما نزلت هذه الآية جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم لم يقولوا فانزل الله هذه الآية: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه... }.
التوبة 9:62
قوله تعالى: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه }؛ ولم يقل يرضوهما؛ لأنه يكره الجمع بين ذكر اسم الله وذكر اسم رسوله في كناية واحدة، كما روي
" أن رجلا قام خطيبا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال صلى الله عليه وسلم: " بئس الخطيب أنت! هلا قلت: ومن يعص الله ورسوله؟ " "
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان. ولكن قولوا ما شاء الله، ثم شاء فلان "
فكره الجمع بين الله وبين غيره في الذكر تعظيما لله. والضمير في قوله { يرضوه } إلى الواحد؛ لأن رضى الله متضمن رضى رسوله. وقوله: { إن كانوا مؤمنين }؛ إن كانوا مصدقين بقلوبهم غير منافقين كما يدعون، فطلبهم رضى الله أولى من طلبهم رضاكم.
التوبة 9:63
قوله تعالى: { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها }؛ معناه: ألم يخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من خالف الله ورسوله في الدين فيجعل نفسه في حد، والله ورسوله في حد فله نار جهنم، ودخلت (أن) مؤكدة وهي إعادة أن الأولى؛ لأنه لما طال الكلام كانت إعادتها أوكد. ومن قرأ بالكسر فهو على الاستئناف. قوله تعالى: { ذلك الخزي العظيم }؛ أي ذلك الهوان الشديد الدائم.
التوبة 9:64
قوله تعالى: { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم }؛ الكثير من المفسرين على (أن) اخبار من المنافقين أنهم يحذرون أن الله نزل عليهم سورة تخبر عن ما في قلوبهم من النفاق والشرك، فإن بعض المنافقين كانوا يعلمون نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كانوا يكفرون عند أهل الشرك عنادا وحسدا، وبعضهم كانوا عند أنفسهم شاكين غير مستبصرين، وكانوا يخافون إذا أذنبوا ذنبا أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن ما يكشف عن نفاقهم، وفي الآية ما يدل على هذا وهو قوله تعالى: { مخرج ما تحذرون } أي مظهر ما تخافون من ظهور النفاق، وعن هذا سميت هذه السورة (سورة الفاضحة)؛ لأنها فضحت المنافقين، وتسمى أيضا (الحافرة)؛ لأنها حفرت عن قلوب المنافقين.
وقوله تعالى: { قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون }؛ تهديد وإن كان لفظ الأمر، كما في قوله:
اعملوا ما شئتم
[فصلت: 40]، وذهب الزجاج إلى أن قوله: { يحذر المنافقون } لفظة إخبار ومعناه: الأمر كله، كأنه قال: ليحذر، وهذا كما قال:
والمطلقات يتربصن
[البقرة: 228].
التوبة 9:65
قوله تعالى: { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب }؛ وذلك
" أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو في مسيره راجع من غزوة تبوك، وثلاثة نفر يسيرون بين يديه، فجعل رجلان يستهزئان برسول الله ويقولون: إن محمدا قال: نزل في أصحابنا الذين يحلفوا كذا وكذا، والثالث يضحك مما يقولون ولا يتكلم بشيء.
فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما يقولون، فدعا عليه السلام عمارا وقال: " إنهم يتحدثون بكذا وكذا، ولئن سألتهم ليقولن: إنما كنا نخوض ونلعب، إنطلق إليهم واسألهم عما يتحدثون، وقل لهم: أحرقتم أحرقكم الله " ففعل ذلك عمار، فجاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذرون ويقولون: كنا نخوض ونلعب فيما يخوض فيه الركب إذا سار. "
فأنزل الله هاتين الآيتين.
وعن الحسن وقتادة: (أنهم كانوا في غزوة تبوك، فقالوا: أيطمع هذا الرجل أن يفتح له قصور الشام؟ هيهات ما أبعده عن ذلك! فأطلع نبيه على ذلك). قوله تعالى: { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون }؛ منه ألف استفهام، معناه: النية لهم على ما كانوا يفعلونه.
التوبة 9:66
قوله تعالى: { لا تعتذروا }؛ أي لا تعتذرون عن مقالتكم، { قد كفرتم بعد إيمانكم }؛ أي قد أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فإنهم قط لم يكونوا مؤمنين، ولكن كانوا منافقين.
قوله تعالى: { إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة }؛ وفيه قراءتان، هذه بالضم على ما لم يسم فاعله، والثانية: (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة) بالنصب، قال ابن عباس: (معناه: إن يعف عن الرجل الذي لم يتكلم بشيء ولكنه يضحك وهو مخشي بن حمير، يعذب الرجلان اللذان كانا يتكلمان بالهمز) { بأنهم كانوا مجرمين }؛ أي كافرين في السر، وكل معصية جرم إلا أنه أراد بالجرم هاهنا الكفر.
التوبة 9:67
قوله تعالى: { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض }؛ أي بعضهم مضاف إلى بعضهم لاجتماعهم على الشرك والاستهزاء بالمسلمين، كما يقال: أنا من فلان وفلان مني؛ أي أمرنا واحد وكلمتنا واحدة. قوله تعالى: { يأمرون بالمنكر }؛ أي بالكفر والمعاصي، { وينهون عن المعروف }؛ أي عن الإيمان والطاعة. وقوله تعالى: { ويقبضون أيديهم }؛ قال الحسن ومجاهد: (أي يمسكونها عن النفقة في الجهاد)، وقيل: عن الزكوات المفروضة، وقال قتادة: (عن الخيرات كلها).
قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم }؛ أي تركوا أمر الله وأعرضوا عنه حتى صار كالمنسي عندهم بإعراضهم عنه، فتركهم الله من رحمته حتى صاروا كالمنسيين عنده، وإن كان النسيان مما لا يجوز على الله إلا أنه قال (فنسيهم) لمزاوجة الكلام، كما في قوله تعالى:
فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه
[البقرة: 194]، قال تعالى:
وجزآء سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]، وقوله تعالى: { إن المنافقين هم الفاسقون }؛ أي هم المتمردون في الكفر والفسق وفي كل شيء، والمتمرد فيه وإن كان النفاق أعظم من الفسق.
التوبة 9:68
وقوله تعالى: { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها }؛ في الآية جمع بين المنافقين وبين الكفار في التسمية، وإن كان المنافقون هم الكفار؛ لتكون الآية دالة على أن المنافقين يلحقهم الوعيد من جهتين، من جهة الكفر والنفاق.
وجهنم من أسماء النار يقول العرب للبئر البعيدة القعر: جهنام، فيجوز أن تكون جهنم مأخوذة من هذه اللفظة لبعد قعرها. وقوله تعالى: { هي حسبهم }؛ أي كفايتهم على ذنوبهم؛ لأن فيها جزاء أعمالهم. قوله تعالى: { ولعنهم الله }؛ أي أبعدهم من الثواب والمدح في الدنيا، وعن الثواب والرحمة في الآخرة، { ولهم عذاب مقيم }؛ أي عذاب دائم.
التوبة 9:69
قوله تعالى: { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا }؛ أي وعد الله أهل زمانكم على الكفر والنفاق نار جهنم، كما وعد الذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة في البدن وأكثر أموالا وأولادا، { فاستمتعوا بخلاقهم }؛ فانتفعوا بنصيبهم وحظهم في الدنيا، ولم ينفعهم ذلك حين نزل بهم عذاب الله، فكذلك أنتم، والخلاق هو النصيب من الخير.
وقوله تعالى: { فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم }؛ أي فاستمتعتم أنتم بنصيبكم من الدنيا وخضتم فيها، { وخضتم كالذي خاضوا }؛ أي خضتم في الكفر والاستهزاء بالمؤمنين كما خاض الأولون.
وقوله تعالى: { أولئك حبطت أعمالهم }؛ أي أهل هذه الصفة حبطت أعمالهم التي عملوها على جهة البر مثل الإنفاق في وجوه الخير ومثل صلة الرحم حبطت، { في الدنيا }؛ حتى لا يستحقوا بها الإكرام والتعظيم في الدنيا، وحبطت في، { والآخرة وأولئك هم الخاسرون }؛ الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، والخسران هو ذهاب رأس المال من دون أصله.
التوبة 9:70
قوله تعالى: { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبرهيم وأصحب مدين }؛ معناه: ألم يأت المنافقين والكفار خبر من قبلهم كيف أهلكهم الله عز وجل حين تمردوا في الكفر، واستهزأوا بالمؤمنين وهم قوم نوح، أهلكهم الله بالغرق، وعاد قوم هود أهلكهم الله بالريح، وثمود أهلكهم الله بالصيحة والرجفة وهم قوم صالح، وقوم إبراهيم أهلكهم الله نمرودهم بالبعوض وسائر قومه بالهدم، وأصحاب مدين قوم شعيب أهلكهم الله بالصيحة وعذاب الظلة، ومدين بئر مدين بن إبراهيم نسبت القرية إليه.
قوله تعالى: { والمؤتفكت }؛ أي المنقلبات وهي قريات قوم لوط أهلكهم الله بالخسف، وقلب مدائنهم عليهم. ويقال: أراد بالمؤتفكات كل من انقلب أمرهم عليهم من الخير إلى الشر. يقال: الهالك انقلبت عليه الدنيا. قوله تعالى: { أتتهم رسلهم بالبينت }؛ أي بالحجج والبراهين، { فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }؛ أي لما كذبوا الرسل وكفروا بالآيات أهلكهم، ولم يكن ذلك ظلما؛ لأنهم أستحقوا ذلك بعملهم فكانوا هم الظالمين لأنفسهم.
التوبة 9:71
قوله تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض }؛ أي بعضهم أنصار بعض. قوله تعالى: { يأمرون بالمعروف }؛ أي بالتوحيد واتباع محمد صلى الله عليه وسلم وشرائعه، { وينهون عن المنكر }؛ عن ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، { ويقيمون الصلاة }؛ الخمس بشرائطها، { ويؤتون }؛ ويؤدون، { الزكاة }؛ الواجبة في أمواله، { ويطيعون الله }؛ في الفرائض، { ورسوله }؛ في السنن، { أولئك سيرحمهم الله }؛ أي ينعم عليهم في الآخرة، والرحمة هي النعمة على المحتاج.
وعن بعض أهل الإشارة: سيرحمهم في خمسة مواضع: عند الموت وسكراته، وفي القبر وظلماته، وعند قراءة الكتاب وحسراته، وعند الميزان وندامته، وعند الوقوف بين يدي الله ومسؤولاته. وقوله تعالى: { إن الله عزيز حكيم } أي غالب في ملكه وسلطانه، تجري أفعاله على ما توجبه الحكمة.
التوبة 9:72
قوله تعالى: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار }؛ أي بساتين تجري من تحت شجرها وغرفها أنهار الماء والعسل والخمر واللبن، { خالدين فيها }؛ أي مقيمين دائمين فيها. قوله تعالى: { ومساكن طيبة في جنات عدن }؛ أي مساكنها ظاهرة عامرة يطيب بها العيش، قال الحسن: (هي مساكن بناها الله من اللآلئ واليواقيت الحمر والزبرجد الأخضر).
وقوله: { في جنات عدن } أي في بساتين إقامة، قال ابن عباس: (جنات عدن في وسط الجنة، والجنات حولها محدقة بها وهي معطاة منذ خلقها الله حتى ينزلها أهلها النبيون والصديقون والشهداء والصالحون). وعن مجاهد قال: (قال عمر رضي الله عنه وهو على المنبر: هل تدرون ما جنات عدن؟ قصور في الجنة من ذهب، لكل قصر خمسمائة ألف باب، على كل باب نحو خمس وعشرين ألفا من الحور العين، لا يدخلها إلا نبي، وهنيئا لصاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق، وهنيئا لأبي بكر أو شهيد، وإني لعمر الشهادة).
قوله تعالى: { ورضوان من الله أكبر }؛ أي رضى الرب عنهم أكبر وأعظم من هذا النعيم كله لأنهم إنما نالوا ذلك كله برضوان الله عز وجل، والرضوان: إرادة الخير والثواب. قوله تعالى: { ذلك هو الفوز العظيم } أي ذلك الذي ذكرت هو الحياة الوافرة، نجوا من النار وظفروا بالجنة.
وعن الحسن في قوله تعالى: { ورضوان من الله أكبر } أي سرور في الآخرة برضوان الله عنهم يكون أكثر من سرورهم بهذا النعيم كله. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أنزل الله أهل الجنة منازلهم، قال: ألا أعطيكم ما هو أكبر من هذا كله؟ فيقولون: بلى يا رب وما أكبر من ذلك؟ يقول الله تعالى: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا ".
التوبة 9:73
قوله تعالى: { يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم }؛ أي جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان، واغلظ على الفريقين جميعا، { ومأواهم }؛ ومصيرهم في الآخرة، { جهنم وبئس المصير }؛ الموضع الذي يصيرون إليه، وقال الحسن: (معناه جاهد الكفار بالقتال، والمنافقين بالحدود، فإنهم كثيرو التعاطي للأسباب الموجبة للحدود).
التوبة 9:74
قوله تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم }؛ قال ابن عباس: (نزلت في عبدالله بن أبي والجلاس بن سويد وعامر ابن النعمان وغيرهم، كانوا خمسة عشر رجلا، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بتبوك وسماهم رجسا، فقال الجلاس: لئن كان ما يقول محمد حقا على إخواننا فنحن شر من الحمير، فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل والله إن محمدا لصادق ولأنتم شر من الحمير.
فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أخبره عامر بن قيس بما قال الجلاس، فقال الجلاس: يكذب علي يا رسول الله! فأمرهما رسول الله أن يحلفان على المنبر، فحلفا جميعا، فرفع عامر بن قيس يده إلى السماء، فقال: اللهم أنزل على نبيك وبين الصادق، فقال صلى الله عليه وسلم: " آمين " فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: يحلفان المنافقون بالله ما تكلموا بكلمة الكفر ولقد تكلموا بها وأظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام. وقيل: كفروا بقولهم ذلك بعد ما كانوا أسلموا على زعمهم.
قوله تعالى: { وهموا بما لم ينالوا }؛ أي قصدوا إلى ما لم يصلوا إلى ذلك، والهم بالشيء في اللغة: مقاربته دون الوقوع فيه، قيل: إنهم كانوا هموا بقتل الذي أنكر عليهم قولهم. وقيل: معنى الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى غزوة بني المصطلق، وقد جمعوا له ليقاتلوا، فالتقوا على مائهم فهزمهم الله وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم ورجع، فلما نزل منزلا في الطريق اختصم رجل من أصحاب عبدالله بن أبي ورجل من المخلصين غفاري يقال له جهجاه، فلطم الغفاري صاحب عبدالله بن أبي، فغضب عبدالله وقال: ما صحبنا محمدا إلا لتلطم، ثم نظر إلى أصحابه قال: لقد أمرتكم أن تكفوا طعامكم عن هذا الرجل ومن معه حتى يتفرقوا فلم يفعلوا، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال الغفاري: أتقول مثل هذا؟! والله لئن شئت لألطمنك، قال عبدالله: سمن كلبك يأكلك! فقال زيد بن أرقم وكان غلاما حديث السن: يا عدو الله وعدو رسوله، أتقول هذا؟! والله لأبلغن رسول الله ما قلت.
ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعلمه وعنده عمر رضي الله عنه، فقال عمر: يا رسول الله مر عباد بن قش فيقتله، فقال: " يا عمر إذا يحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " فبلغ عبدالله بن أبي ما قال زيد بن أرقم، فمشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أشراف الأنصار يصدقونه ويكذبون زيدا ويقولون: يخشى أن يكون زيد قد وهم، وكان أبن أبي يحلف بالله ما قال ذلك، فقال أسيد: يا رسول الله ارفق بعبدالله، فوالله لقد جاء الله تعالى بك وإن قومه ليتوجونه، فهو يرى أنك سلبته ملكا عظيما.
فساء رسول الله يومه ذلك حتى أمسى، وليلته حتى أصبح ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول ابن أبي { وهموا بما لم ينالوا } ونزل { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين }.
وقوله تعالى: { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله }؛ معناه: وما طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا أن أغناهم الله من فضله وأغناهم رسوله، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه سلم قدم إلى المدينة وكان أهلها من شدة العيش لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة استغنوا.
قوله تعالى: { فإن يتوبوا يك خيرا لهم }؛ أي إن يتوبوا من النفاق يكن خيرا لهم في الدنيا والآخرة، { وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة } وإن يعرضوا عن التوبة يعذبهم الله في الدنيا بالقتل، ويقال بإظهار حالهم في الآخرة بالنار، { وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير }؛ أي وما لهم في الأرض من حافظ يحفظهم، ولا دافع يدفع عنهم عذاب الله، قال ابن عباس: (فلما نزلت هذه الآية قال الجلاس بن سويد: يا رسول الله أسمع الله قد عرض علي التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قال لك، وأنا استغفر الله عز وجل وأتوب إليه. فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تاب وحسنت توبته).
التوبة 9:75
قوله تعالى: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون }؛ قال ابن عباس: (معناه: ومن المنافقين من عاهد الله وهو ثعلبة بن حاطب، كان له مال بالشام فأبطئ عليه، فجهد لذلك جهدا شديدا، فحلف بالله لئن آتانا من فضله يعني المال الذي له بالشام لنصدقن منه، ولنصلن الرحم ولنؤدين من حق الله، ولنكونن من المقيمين لفرائض الله، فآتاه الله المال الذي كان له بالشام، فبخل بما وعد ولم يفعل ما عاهد الله عليه).
وعن أبي أمامة الباهلي:
" أن ثعلبة بن حاطب جاء إلى رسول الله فقال له: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، فقل له: " ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أدع الله أن يرزقني مالا: فقال: " ويحك يا ثعلبة! أما ترضى أن يكون لك مثل نبي الله " فقال: يا رسول الله صلى الله عليه لو سألت الله أن يسيل على الجبال ذهبا وفضة لسالت، يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا: فوالله لئن آتاني الله مالا لأوتين كل ذي حق حقه، فقال صلى الله عليه وسلم: " اللهم ارزق ثعلبة مالا " ثلاث مرات.
فاتخذ غنما فنمت حتى ضاقت بها أزقة المدينة فتنحى بها، وكان يشهد الصلوات مع رسول الله ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت بها مرامي المدينة فتنحى بها، وكان يشهد الجمع مع رسول الله، ثم يخرج إليها، ثم نمت فترك الجمع والجماعات، فلما نزل قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم } استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقات، رجلا من الأنصار ورجلا من بني سليم، وكتب لهما الصدقة وأسنانها وأمرهما أن يأخذا من الناس، فأتيا ثعلبة، قال لهما: خذا من الناس فإذا فرغتما فمرا علي، ففعلا فقال: ما هذه إلا أخذ الجزية! فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية.
فركب عمر راحلته، ومضى إلى ثعلبة، وقال: ويحك يا ثعلبة! هلكت قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فأقبل ثعلبة يبكي ويحثوا التراب على رأسه ويقول: يا رسول الله هذه صدقتي، فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم صدقته حتى قبض، ثم أتى إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبل صدقته، ثم أتى عمر رضي الله عنه فلم يقبل صدقته، فمات في خلافة عثمان ولم يقبل منه عثمان صدقته ".
التوبة 9:76
قوله تعالى: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون }؛ قال ابن عباس: (معناه: ومن المنافقين من عاهد الله وهو ثعلبة بن حاطب، كان له مال بالشام فأبطئ عليه، فجهد لذلك جهدا شديدا، فحلف بالله لئن آتانا من فضله يعني المال الذي له بالشام لنصدقن منه، ولنصلن الرحم ولنؤدين من حق الله، ولنكونن من المقيمين لفرائض الله، فآتاه الله المال الذي كان له بالشام، فبخل بما وعد ولم يفعل ما عاهد الله عليه).
وعن أبي أمامة الباهلي:
" أن ثعلبة بن حاطب جاء إلى رسول الله فقال له: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، فقل له: " ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه " ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أدع الله أن يرزقني مالا: فقال: " ويحك يا ثعلبة! أما ترضى أن يكون لك مثل نبي الله " فقال: يا رسول الله صلى الله عليه لو سألت الله أن يسيل على الجبال ذهبا وفضة لسالت، يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا: فوالله لئن آتاني الله مالا لأوتين كل ذي حق حقه، فقال صلى الله عليه وسلم: " اللهم ارزق ثعلبة مالا " ثلاث مرات.
فاتخذ غنما فنمت حتى ضاقت بها أزقة المدينة فتنحى بها، وكان يشهد الصلوات مع رسول الله ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت بها مرامي المدينة فتنحى بها، وكان يشهد الجمع مع رسول الله، ثم يخرج إليها، ثم نمت فترك الجمع والجماعات، فلما نزل قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم } استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقات، رجلا من الأنصار ورجلا من بني سليم، وكتب لهما الصدقة وأسنانها وأمرهما أن يأخذا من الناس، فأتيا ثعلبة، قال لهما: خذا من الناس فإذا فرغتما فمرا علي، ففعلا فقال: ما هذه إلا أخذ الجزية! فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية.
فركب عمر راحلته، ومضى إلى ثعلبة، وقال: ويحك يا ثعلبة! هلكت قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فأقبل ثعلبة يبكي ويحثوا التراب على رأسه ويقول: يا رسول الله هذه صدقتي، فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم صدقته حتى قبض، ثم أتى إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبل صدقته، ثم أتى عمر رضي الله عنه فلم يقبل صدقته، فمات في خلافة عثمان ولم يقبل منه عثمان صدقته ".
التوبة 9:77
قوله تعالى: { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون }؛ أي أعقبهم ببخلهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم جزاء البخل. وقيل: معناه: فجازاهم ببخلهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله؛ أي بإخلافهم بما وعدوا من التصدق وكذبهم فيما قالوا. وقال الحسن: (معناه: أورثهم الله النفاق في قلوبهم بأن حرمهم التوبة كما حرم إبليس). قالوا: وإنما أراد الله بهذا بأن الله تعالى دلنا على أنه لا يتوب، كما دلنا حال إبليس لأنه لا يتوب؛ لأن الله سلب عنه قدرة التوبة.
قوله تعالى: { إلى يوم يلقونه } معناه على قول الحسن وقتادة: (إلى يوم يلقون الله) أي يلقون اليوم الذي لا يملك فيه الحكم والضر والنفع إلا الله، وفي هذه الآية دلالة على أن من نذر نذرا فيه قربة يجوز أن يقول: إن رزقني الله ألف درهم فعلي أن أتصدق بخمسمائة لزمه الوفاء به، وفيها دلالة جواز تعليق النذر بالشرط نحو أن يقول: إن قدم فلان فلله علي صيام وصدقة، وإن ملكت عبدا، أو هذا العبد فعلي أن أعتقه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر ".
التوبة 9:78
قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب }؛ ألم يعلم المنافقون أن الله يعلم ما يسرون من الكفر، وما يناجون فيه فيما بينهم، وأن الله عالم بكل شيء خفي على العباد، وهذا استفهام بمعنى التوبيخ.
التوبة 9:79
قوله تعالى: { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم }؛ قال ابن عباس:
" وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك يحث الناس على الصدقة، وقال: " اجمعوا صدقاتكم " فجاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أكثرت! هل تركت لأهلك شيئا؟ " قال: يا رسول الله كان لي ثمانية آلاف، فأمسكت أربعة لنفسي وعيالي وهذه أربعة آلاف لأقرضها ربي، فقال صلى الله عليه وسلم " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " فبارك له حتى بلغ ماله حين مات "
، وطلق إحدى نسائه في مرضه وصالحوها عن ربع ثمنها على ثمانين ألفا.
وبعده جاء عمر رضي الله عنه بنحو من ذلك، وجاء عثمان رضي الله عنه وصدقته، وجاء عاصم ابن عدي الأنصاري بسبعين وسق من تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر وقال: يا رسول الله ليلتي كلها أجر بالحرير حتى أصبت ثلث صاعين، أما أحدهما فأمسكته لعيالي، وأما الآخر فأقرضه ربي، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشده في الصدقة. فطعن فيهم المنافقون وقالوا: والله ما جاء هؤلاء بصدقاتهم إلا رياء وسمعة، وقالوا في أبي عقيل: إنه جاء ليذكر بنفسه ويعطى من الصدقة أكثر مما جاء به، وإن الله أغنى عن صاع أبي عقيل، فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: الذين يعيبون المطوعين من المؤمنين في الصدقات وهم المنافقون عابوا عمر وعثمان وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم.
قوله تعالى: { والذين لا يجدون إلا جهدهم } أي ويعيبون على الذين لا يجدون إلا جهدهم؛ أي طاقتهم من الصدقات، عابوا المكثر بالرياء، والمقل بالإقلال. والجهد بالضم والنصب لغتان بمعنى واحد، ويقال: الجهد بالنصب المشقة، والجهد بالضم الطاقة، وقيل: الجهد بالعمل والجهد في القوة، قرأ عطاء والأعرج (جهدهم) وهما لغتان مثل الوجد والوجد، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة أهل نجد. قوله تعالى: { فيسخرون منهم }؛ أي يستهزؤن بهم، { سخر الله منهم }؛ أي يجازيهم جزاء سخرتهم؛ { ولهم عذاب أليم } ، أي وجيع.
التوبة 9:80
قوله تعالى: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم }؛ وذلك لما نزلت هذه الآية التي قبل هذه أتى المنافقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله استغفر لنا، فكان عليه السلام يستغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير علم منه بنفاقهم، وكان إذا مات أحد منهم يسألون رسول الله الدعاء والاستغفار لميتهم، فكان يستغفر لهم على أنهم مسلمون، فأعلمه الله بأنهم منافقون، وأخبر أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفعهم، فذلك قوله: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } وهذه اللفظة لفظة الأمر، ومعناه الخبر؛ أي إن شئت استغفرت لهم، وإن شئت لا تستغفر، فإنك إن استغفرت لهم سبعين مرة لن يغفر الله.
قوله تعالى: { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله }؛ في بيان العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الفاسقين }؛ أي لا يوفقهم ولا يرشدهم إلى جنته وثوابه وكرامته، وأما تخصيص (سبعين مرة) بالذكر فهو لتأكيد نفي المغفرة بهذا؛ لأن الشيء إذا بولغ في وصفه أكد بالسبع والسبعين، وهذه كما يقول القائل: لو سألتني حاجتك سبعين مرة لم أقضها، لا يريد أنه إذا أزاد على السبعين قضى حاجته، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لو علمت أني لو زدت على السبعين لغفر لهم لزدت عليها ".
التوبة 9:81
قوله تعالى: { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله }؛ أي فرح المخلفون عن غزوة تبوك بقعودهم لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل بقعودهم عن الجهاد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ عمرو بن ميمون (خلف رسول الله) والمخلف ما يترك الإنسان خلفه، والمتخلف الذي يتأخر بنفسه، والخلاف قد يكون بمعنى المخالفة؛ وقد يكون بمعنى خلف، كما في قوله تعالى:
وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا
[الاسراء: 76]، ويقرأ خلافك على المعنيين. قوله تعالى: { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله }؛ أي كرهوا أن يقاتلوا المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموالهم وأنفسهم.
قوله تعالى: { وقالوا لا تنفروا في الحر }؛ أي قال بعضهم: لا تخرجوا فإن الحر شديد والسفر بعيد، وكانوا يدعون إلى غزوة تبوك في وقت نضج الرطب وهو أشد ما يكون من الحر. قوله تعالى: { قل نار جهنم أشد حرا }؛ أي قل لهم نار جهنم التي استحقوها بترك الخروج الى الجهاد أشد حرا من هذا الحر. قوله تعالى: { لو كانوا يفقهون }؛ أي لو كانوا يفقهون أوامر الله ووعده ووعيده.
التوبة 9:82
قوله تعالى: { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزآء بما كانوا يكسبون } أي فليضحكوا قليلا لأن ذلك لا يبقى وليبكوا كثيرا في الآخرة في النار، وهذا اللفظ أمر، ومعناه الخبر. وقيل: تقديره: فليضحكوا قليلا فيبكون كثيرا، قال أبو موسى الأشعري: (إن أهل النار ليبكون الدموع في النار حتى لو جريت السفن في دموعهم لجرت، ثم إنهم ليبكون الدم بعد الدموع).
قال ابن عباس: (إن أهل النفاق ليبكون في النار عمر الدنيا، فلا يرق لهم دمع ولا يكتحلون بنوم)، قال صلى الله عليه وسلم:
" يرسل الله البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يرى وجوههم كهيئة الأخدود "
، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ".
التوبة 9:83
قوله تعالى: { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا }؛ معناه: إن رجعك الله من تبوك، إلى طائفة من المنافقين بالمدينة فاستأذنوك للخروج معك إلى غزوة أخرى فقل: لن تخرجوا معي أبدا إلى الجهاد، ولن تقاتلوا معي عدوا، { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة }؛ أي في غزوة تبوك، { فاقعدوا مع الخالفين }؛ أي مع النساء والصبيان، هذا قول الحسن.
والخالف الذي يبقى بعد الشاخص، وقيل: هو الذي يبقى لنقص يكون فيه. وعن ابن عباس أن معنى الخالفين: (المتخلفين بغير عذر)، وقيل: إن هذا مأخوذ من قولهم خلف اللبن إذا فسد، والخالف الفاسد، وقيل الخالفون خساس الناس وأدنياؤهم، ويقال فلان خالفه أهله إذا كان دونهم، وقيل: مع الخالفين أي أهل الفساد من قولهم ينبذ خالف أي فاسد، وخلف اللبن خلوفا إذا حمض من طول وضعه في السقاء، وخلف فم الصائم إذا تغيرت رائحته. وقرأ مالك بن دينار (مع الخلفين) بغير ألف، وقال الفراء: يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفا.
التوبة 9:84
قوله تعالى: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره }؛ أي لا تصل على أحد مات من المنافقين أبدا، ولا تقم على قبر أحد منهم لتدفنه وتدعو له، { إنهم كفروا بالله ورسوله }؛ وجحدوا بالله ورسوله بقلوبهم، وماتوا على الكفر والنفاق، وقال ابن عباس:
" لما مرض عبدالله بن أبي سلول بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتيه فلما دخل عليه طلب منه أن يصلي عليه إذا مات، وأن يقوم على قبره، وأن يكفنه في قميصه الذي يلي جلده، فقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات عبدالله انطلق ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه إلى جنازة أبيه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما اسمك؟ " قال: الحباب بن عبدالله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت عبدالله بن عبدالله، إن الحباب هو الشيطان ".
ثم انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، فلما قام صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا وكذا؟! فقال: " دعني يا عمر " فعاد عمر لمقالته، فقال صلى الله عليه وسلم: " دعني يا عمر " فعاد لمقالته الثالثة فقال: " قد خيرت في ذلك، ولو علمت أني إذا استغفرت له أكثر من سبعين مرة غفر له لفعلت " وقال: " تأخر عني يا عمر " قال عمر: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزوجل { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } "
يعني بعد ما صليت على عبدالله بن أبي.
وروي
" أن عبدالله بن أبي لما حضرته الوفاة بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله أحد ثوبيه يكفن فيه، فبعث إليه بأحدهما، فقال: ما أريد إلا الذي يلي جلدك من ثيابك، فوجه إليه بذلك، فقيل له في ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن قميصي لن يغني عنك من الله شيئا، وعسى أن يسلم بسبب هذا القميص خلق كثير " "
فأسلم ألف من الخوارج! لما رأوه يطلب الاستشفاع بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس: (الله أعلم أي صلاة كانت تلك وما خادع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسانا قط)، وقال مقاتل: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن لا يصلي على عبدالله بن أبي، جاء إليه ابنه فقال: أنشدك بالله أن لا تشمت بي الأعداء، وكان ابنه مؤمنا حقا فأنزل الله هذه الآية، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أراد أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه، فقال: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا }.
قوله تعالى: { وماتوا وهم فاسقون }؛ أي ماتوا على الكفر والنفاق، فلما نزلت هذه الآية ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض،
" وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما فعل بعبدالله بن أبي، فقال: " وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه " ".
التوبة 9:85
قوله تعالى: { ولا تعجبك أمولهم وأولدهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم }؛ أي لا تعجبك كثرة أموالهم وأولادهم في الدنيا، إنما يريد الله أن يعذبهم بها، ويخرج أرواحهم بصعوبة، { وهم كفرون }؛ هذا على التقديم والتأخير في الآية على ما تقدم ذكره، فأما التأويل على نظم الآية، فمعناه: إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا بالتشديد عليهم في التكليف بالإنفاق والأمر بالجهاد.
فإن قيل: لم أعاد قوله { ولا تعجبك أمولهم وأولدهم }؟ قيل: فيه قولان: أحدهما بشدة التحذير عن الاغترار بالأموال والأولاد، والثاني: أنه أراد بالأول قوما من المنافقين، وأراد بالثاني قوما آخرين منهم، كما يقال: لا تعجبك أموال زيد وأولاده، ولا تعجبك أموال عمرو وأولاده.
التوبة 9:86
قوله تعالى: { وإذآ أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم }؛ أي إذا أنزلت من القرآن قطعة مشتملة على آيات أحاطت بها أن آمنوا بالله أي صدقوا وداوموا على الإيمان وجاهدوا الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنك في القعود عن الجهاد ذوو السعة والغنى منهم، { وقالوا ذرنا }؛ دعنا واذن لنا، { نكن مع القاعدين }؛ عن الجهاد. والطول في الحقيقة هو الفضل الذي يتمكن به من مطاولة الأعداء.
التوبة 9:87
قوله تعالى: { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف }؛ أي رضي المنافقون بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد مع النساء المتخلفات في الحي بعد غزوة أزواجهن. قوله تعالى: { وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون }؛ يعني الطبع في اللغة جعل الشيء كالطابع نحو طبع الدينار والدرهم، ويجوز أن يكون الطبع على القلب علامة يقفل الله بها قلب الكافر المعاند ليعلم من يطلع عليه من الملائكة أنه لا يجتهد في طلب الحق، فهم لا يفقهون أوامر الله ونواهيه.
التوبة 9:88
قوله تعالى: { لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم }؛ لكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه، وهم أهل اليقين من الصحابة، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم على ضد ما فعل المنافقون.
قوله تعالى: { وأولئك لهم الخيرات }؛ يجوز أن يكون معناه: أولئك لهم الحسنات المقبولات، فإن الخيرات منافع تسكن النفس إليها، ويجوز أن يكون معناه: الزوجات الحسنات في الجنة، كما قال الله فيهن
خيرات حسان
[الرحمن: 70] واحدة الخيرات خيرة، وهي الفاضلة في كل شيء، قوله تعالى: { وأولئك هم المفلحون }؛ أي الظافرون بالمراد.
التوبة 9:89
قوله تعالى: { أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار }؛ أي أعد الله لهم في الجنة بساتين تجري من تحتها وشجرها ومساكنها الأنهار. قوله تعالى: { خالدين فيها }؛ أي مقيمين دائمين فيها لا يموتون ولا يخرجون منها، { ذلك الفوز العظيم }؛ أي هو النجاة الوافرة، فازوا بالجنة ونعيمها، ونجوا من النار وجحيمها.
التوبة 9:90
قوله تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم }؛ قرأ ابن عباس والضحاك ومجاهد: (المعذرون) بالتخفيف وهم الذين اعتذروا؛ أي جاؤا بالعذر، وأمرهم رسول الله بالتخلف بعذرهم وهم من المخلفين، وقيل: المعذرون بالتخفيف المبالغون في العذر، كان صلى الله عليه وسلم يقول:
" لعن الله المعذرون "
بالتشديد يعني الذين يقبلون في التخلف بلا علة يوهمون أن لهم عذرا، ولا عذر لهم، والتعذير التقصير في الشيء مع طلب العذر.
وأما القراءة المشهورة (المعذرون) بالتشديد فمعناها ما تقدم يعني المقصرين، قال الفراء: (أصله المعتذرون، فأدغمت التاء في الذال وثقلت حركة التاء إلى العين).
قوله تعالى: { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله }؛ قرأ العامة (كذبوا) مخففا يعني المنافقين قعدت طائفة منهم من دون أن يعتذروا، وقرأ أبي والحسن: (كذبوا) بالتشديد، وقوله تعالى: { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم }؛ يجوز أن تكون الفائدة في دخول (من) بيان أن منهم من يسلم، ومنهم من يموت على كفره ونفاقه.
التوبة 9:91
قوله تعالى: { ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله }؛ أي ليس على المرضى والشيوخ الكبار، ولا على المرضى الذين لا يقدرون على الخروج إلى الجهاد، ولا على الذين لا يكون عندهم نفقة ينفقونها في الجهاد وهم الفقراء، ليس عليهم مأثم في القعود عن ذلك إذا كان قعودهم على وجه النصح لله ورسوله، وهو إن سعوا في إصلاح ذات البين وما يرجع على الجهاد، ولا يكون قعودهم للتثريب على المسلمين وإفساد شيء من أمرهم. والنصح: إخراج الغش عن العمل. قوله تعالى: { ما على المحسنين من سبيل }؛ أي ما على المطيعين الموحدين من سبيل في العقاب، { والله غفور }؛ لذنوبهم، { رحيم }؛ إذ أرخص لهم في القعود بالعذر.
التوبة 9:92
قوله تعالى: { ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم }؛ أي وليس على الذين إذا ما أتوك لتحملهم إلى الجهاد بالنفقة، { قلت لا أجد مآ أحملكم عليه }؛ فهؤلاء ليس عليهم حرج في القعود عن الجهاد، قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في سالم بن عمير وعبدالرحمن بن كعب وعمرو بن الحضرمي وعبيدالله ابن كعب وعبد بن مغفل ومعقل بن يسار وصخر بن سلمة الذي كان وقع على امرأته في رمضان، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفر، ونفر من بني مزينة من أهل الحاجة، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله قد ندبنا للخروج معك، فاحملنا لنغزوا معك، ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه، فقال لهم: [لا أجد ما أحملكم عليه] فتولوا وهم يبكون) فذلك قوله تعالى: { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون }؛ وقال الحسن: (نزلت في أبي موسى الأشعري وجماعة من الأشعريين).
التوبة 9:93
قوله تعالى: { إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنيآء } معناه: إنما السبيل في العقاب على الذين يستأذنونك في القعود عنك وهم أغنياء، { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف }؛ أي مع النساء، { وطبع الله على قلوبهم }؛ مجازاة لهم على فعلهم، { فهم لا يعلمون }؛ أوامر الله عز وجل.
التوبة 9:94
قوله: { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم }؛ أي يعتذر المنافقون إليكم إذا انصرفتم إليهم من هذه الحرب في قعودهم على الجهاد، { قل لا تعتذروا }؛ فإنه بصير بكم وهو الله تعالى، { لن نؤمن لكم }؛ لن نصدقكم، { قد نبأنا الله من أخباركم }؛ قد أخبرنا الله من أسراركم أنه ليس لكم عذر، { وسيرى الله }؛ أي يظهر، { عملكم ورسوله ثم تردون }؛ في الآخرة، { إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم }؛ ما غاب عن العباد، وما عمله العباد فيجزيكم، { بما كنتم تعملون }؛ من الخير والشر.
التوبة 9:95
قوله تعالى: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم }؛ أي سيحلف المنافقون بالله في ما يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم لتعرضوا عنهم، { فأعرضوا عنهم }؛ فلا تعاقبوهم على جهة الهوان لهم، { إنهم رجس }؛ أي هم النتن الذي يجب الاجتناب عنه فاجتنبوهم، { ومأواهم جهنم }؛ ومصيرهم جهنم، { جزآء }؛ لهم على فعلهم { بما كانوا يكسبون }.
التوبة 9:96
قوله تعالى: { يحلفون لكم لترضوا عنهم }؛ أي يحلفون لكم في الاعتذار لترضوا عنهم أنتم من دون أن يطلبوا رضى الله، { فإن ترضوا عنهم } فإن أنت رضيت يا محمد والمؤمنون بحلفهم الكاذب، { فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين }؛ أي عن الخارجين عن طاعة الله.
التوبة 9:97
قوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا }؛ أراد بالأعراب أسدا وغطفان، بين الله أنهم في كفرهم ونفاقهم أشد من منافقي أهل المدينة. وقيل: معناه: أهل البدو أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر. قوله تعالى: { وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم }؛ أي أحرى وأولى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله؛ لأنهم أبعد من سماع التنزيل وإنذار الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قيل: إن من بعد من الأمصار ونأى من حضرة العلماء كان أجهل بالأحكام والسنن ممن جالسهم ويسمع منهم، ولهذا لا إمامة لأعرابي في الصلاة.
التوبة 9:98
قوله تعالى: { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر } معناه: ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق في الجهاد يحسبه غرما، ولا يحتسب فيه الأجر ولا يرجو الثواب به، إما ينفق خوفا أو رياء، وينتظر بكم الموت والهلاك، ودوائر الزمان وصروفه، يعني أنهم ينتظرون أن ينقلب الزمان عليكم بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهور المشركين، قوله تعالى: { عليهم دآئرة السوء }؛ أي عاقبة السوء والهلاك، وإنما ينتظرون بكم ما نزل بهم، والسوء بفتح السين المصدر، وبالضم الاسم، وقوله تعالى: { والله سميع عليم }؛ ظاهر المراد.
التوبة 9:99
قوله تعالى: { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر }؛ معناه: من الأعراب من يصدق بالله واليوم الآخر في السر والعلانية، قيل: إن المراد من هذه الآية أسلم وغفار.
قوله تعالى: { ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } أي يتخذ نفقته في الجهاد تقربا إلى الله تعالى في طلب المنزلة عنده والثواب، وقوله تعالى: { وصلوات الرسول } أي يطلب بذلك دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالمغفرة وصلاح الدنيا والآخرة، كما يطلب المنزلة عند الله تعالى.
قوله تعالى: { ألا إنها قربة لهم }؛ هذه كلمة تنبيه؛ أي سيقربهم الله بهذا الإنفاق إذا فعلوه. قوله تعالى: { سيدخلهم الله في رحمته }؛ أي في حسنته وثوابه، { إن الله غفور }؛ لذنوب العباد، { رحيم }؛ لمن تاب وأطاع.
التوبة 9:100
قوله تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان }؛ أراد بالسابقين الذين سبقوا إلى الإيمان، وهم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدرا، وقال الشعبي: (هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية)، وقيل: هم الذين أنفقوا قبل الهجرة، كما قال الله تعالى:
لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل
[الحديد: 10].
وإنما مدح السابقين لأن السابق إمام للتالي، وقوله تعالى: { والأنصار } عطف على المهاجرين، وقرأ بعضهم (والأنصار) بالرفع عطفا على السابقين، وعن عمر رضي الله عنه: (والأنصار الذين اتبعوهم) بغير الواو، وسمع رجلا قرأ (والذين) بالواو فقال: من أقرأك هذه الآية؟ قال: أبي بن كعب، قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما أتاه قال له: يا أبي أقرأته هذه الآية؟ قال: نعم، قال عمر رضي لله عنه: كنت أظن أنا ارتفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدها، فقال أبي: تصديق هذه الآية أول سورة الجمعة
وآخرين منهم لما يلحقوا بهم
[الآية: 3] وأوسط سورة الحشر
والذين جآءوا من بعدهم
[الآية: 10].
وقوله تعالى: { بإحسان } والإحسان هو فعل الحسن، قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه }؛ أي رضي الله عنهم بإحسانهم، ورضوا عنه بالثواب والكرامة. قوله تعالى: { وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم }؛ في هذا الموضع بغير (من) إلا ابن كثير فانه يقرأ (من تحتها).
التوبة 9:101
قوله تعالى: { وممن حولكم من الأعراب منفقون }؛ أي ومن حول مدينتكم من الأعراب منافقون، قيل: إنهم مزينة وجهينة. وقوله تعالى: { ومن أهل المدينة }؛ أي ومن أهل مدينتكم منافقون. قوله تعالى: { مردوا على النفاق } أي أقاموا وثبتوا على النفاق، { لا تعلمهم }؛ يا محمد بأعيانهم، { نحن نعلمهم }؛ ونعلم نفاقهم، { سنعذبهم مرتين }؛ أراد العذاب الأول الفضيحة والإخراج من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر.
روي
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا يوم الجمعة، فقال: " يا فلان أخرج فإنك منافق، يا فلان أخرج فإنك منافق " فأخرجهم بأسمائهم. وكان عمر رضي الله عنه لم يشهد الجمعة لحاجة له، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ عنهم استحياء؛ لأنه لم يشهد الجمعة، وظن الناس قد انصرفوا، واختبؤا هم عن عمر رضي الله عنه وظنوا أن قد علم بأمرهم. فدخل عمر المسجد وإذا هو بالناس لم يصلوا، فقال له رجل: يا عمر قد فضح الله المنافقين ".
وقال الحسن: (أراد بالعذاب الأول السبي والقتل، وبالثاني عذاب القبر)، وقوله تعالى: { ثم يردون إلى عذاب عظيم }؛ أراد به عذاب جهنم.
التوبة 9:102
قوله تعالى: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا }؛ أي في المدينة قوم آخرون أقروا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا بعمل سيء؛ أي تخلفوا عن الغزو ثم تابوا، ويقال: خرجوا إلى الجهاد مرة وتخلفوا مرة، فجمعوا بين العمل الصالح والعمل السيء، كما يقال: خلط الدنانير والدراهم؛ أي جمعها، وخلط الماء واللبن؛ أي أحدهما بالآخر.
وقوله تعالى: { عسى الله أن يتوب عليهم }؛ أي يتجاوز عنهم، { إن الله غفور }؛ لما سلف من ذنوبهم { رحيم }؛ بهم إذ قبل توبتهم. وإنما ذكر لفظ (عسى)؛ ليكون الإنسان بين الطمع والإشفاق، فيكون أبعد من الاتكال والإهمال.
قال ابن عباس:
" نزلت هذه الآية في لبابة بن المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة ابن حذام وغيرهم، وكانوا عشرة أنفس، تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما بلغهم ما أنزل الله عن المتخلفين ندموا على صنيعهم، فربط سبعة منهم أنفسهم على سواري المسجد، وأقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يحلهم، وكانوا لا يخرجون إلا لحاجة لا بد لهم منها.
وكانوا على ذلك حتى قدم صلى الله عليه وسلم المدينة فأخبر بأمرهم، فقال: صلى الله عليه وسلم: " وأنا لا أحلهم حتى أؤمر بهم " فنزلت هذه الآية فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أن (عسى) من الله واجبة، وأمر بحلهم وانطلقوا إليه، وقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فخذها فتصدق بها عنا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أمرت فيها بشيء "
فأنزل الله تعالى:
قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها }؛ ظاهر الآية يقتضي رجوع الكناية في قوله: { خذ من أموالهم } أي المذكورين، وقيل: وهم الذين اعترفوا بذنوبهم، إلا أن كل حكم حكم الله ورسوله في شخص من عباده، فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص، إلا ما قام دليل التخصيص به.
وقيل: قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } ابتداء ذكر لجميع المسلمين لدلالة الحال على ذلك وإن لم يتقدم ذكر المسلمين كقوله تعالى:
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] يعني القرآن. ومعنى الآية: تطهرهم عن الذنوب وتزكيهم بها؛ أي تصلح أعمالهم. وقيل: معناه: تطهرهم أنت بها من دنس الذنوب.
قوله تعالى: { وصل عليهم }؛ أي استغفر لهم وادع لهم، { إن صلوتك سكن }؛ أي إن دعاءك واستغفارك طمأنينة، { لهم }؛ في أن الله يقبل توبتهم، { والله سميع }؛ بمقالتهم، { عليم }؛ بنياتهم وثوابهم.
التوبة 9:103
قوله تعالى: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا }؛ أي في المدينة قوم آخرون أقروا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا بعمل سيء؛ أي تخلفوا عن الغزو ثم تابوا، ويقال: خرجوا إلى الجهاد مرة وتخلفوا مرة، فجمعوا بين العمل الصالح والعمل السيء، كما يقال: خلط الدنانير والدراهم؛ أي جمعها، وخلط الماء واللبن؛ أي أحدهما بالآخر.
وقوله تعالى: { عسى الله أن يتوب عليهم }؛ أي يتجاوز عنهم، { إن الله غفور }؛ لما سلف من ذنوبهم { رحيم }؛ بهم إذ قبل توبتهم. وإنما ذكر لفظ (عسى)؛ ليكون الإنسان بين الطمع والإشفاق، فيكون أبعد من الاتكال والإهمال.
قال ابن عباس:
" نزلت هذه الآية في لبابة بن المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة ابن حذام وغيرهم، وكانوا عشرة أنفس، تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما بلغهم ما أنزل الله عن المتخلفين ندموا على صنيعهم، فربط سبعة منهم أنفسهم على سواري المسجد، وأقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يحلهم، وكانوا لا يخرجون إلا لحاجة لا بد لهم منها.
وكانوا على ذلك حتى قدم صلى الله عليه وسلم المدينة فأخبر بأمرهم، فقال: صلى الله عليه وسلم: " وأنا لا أحلهم حتى أؤمر بهم " فنزلت هذه الآية فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أن (عسى) من الله واجبة، وأمر بحلهم وانطلقوا إليه، وقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فخذها فتصدق بها عنا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أمرت فيها بشيء "
فأنزل الله تعالى:
قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها }؛ ظاهر الآية يقتضي رجوع الكناية في قوله: { خذ من أموالهم } أي المذكورين، وقيل: وهم الذين اعترفوا بذنوبهم، إلا أن كل حكم حكم الله ورسوله في شخص من عباده، فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص، إلا ما قام دليل التخصيص به.
وقيل: قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } ابتداء ذكر لجميع المسلمين لدلالة الحال على ذلك وإن لم يتقدم ذكر المسلمين كقوله تعالى:
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] يعني القرآن. ومعنى الآية: تطهرهم عن الذنوب وتزكيهم بها؛ أي تصلح أعمالهم. وقيل: معناه: تطهرهم أنت بها من دنس الذنوب.
قوله تعالى: { وصل عليهم }؛ أي استغفر لهم وادع لهم، { إن صلوتك سكن }؛ أي إن دعاءك واستغفارك طمأنينة، { لهم }؛ في أن الله يقبل توبتهم، { والله سميع }؛ بمقالتهم، { عليم }؛ بنياتهم وثوابهم.
التوبة 9:104
قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات }؛ استفهام بمعنى التنبيه، وقبول التوبة إيجاب الثواب عليها، وقوله تعالى { ويأخذ الصدقات } أراد به أخذ النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده؛ لأن أخذهم لا يكون إلا بأمر الله، وكأن الله هو الآخذ، { وأن الله هو التواب }؛ أي المتجاوز عن من تاب، { الرحيم }؛ عن من مات على التوبة.
التوبة 9:105
قوله تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون }؛ أي اعملوا عمل من يعلم أن الله يرى عمله ويتجاوز به، ظاهر المعنى. قوله تعالى: { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون }؛ ظاهر المعنى.
التوبة 9:106
قوله تعالى: { وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } معناه: من أهل المدينة قوم آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم بتخلفهم عن الجهاد، وإما يتجاوز عنهم بتوبتهم عن الذنوب، { والله عليم }؛ بهم { حكيم } يحكم في أمرهم ما يشاء. و(إما) في الكلام بوقوع أحد الشيئين، والله تعالى عالم بما يصير إليه أمرهم، إلا أن هؤلاء العباد خوطبوا بما يتفاهمون فيما بينهم ليكون أمرهم عندكم على هذا، أي على الخوف.
قال ابن عباس:
" نزلت هذه الآية في الثلاثة الذين خلفوا وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، وهم من الأنصار تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: أنا أفره أهل المدينة جملا فمتى ما شئت لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام حتى مضت عليهم ثلاثة أيام ثم آيس أن يلحقهم وندم على صنيعه، وأقام صاحباه معه، وندما لكن لم يفعلا ما فعله أبو لبابة وأوس ووديعة.
ففقدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية، ونهى الناس عن أن يجالسوهم أو يواكلوهم أو يشاربوهم، وأرسل إليهم أن اعتزلوا نساءكم، وأرسل إلى أهليهن، فجاءت امرأة هلال فقالت: إن هلالا شيخ كبير وإن لم آته بطعام هلك، فقال صلى الله عليه وسلم: " وإياك أن يقربك " قال كعب: فمررت على أبي قتادة فسلمت عليه ولم يرد علي السلام، وكلمته فأبى أن يكلمني، فاستعبرت وقلت: أما والله إنك لتعلم أني أحب الله ورسوله. قال: الله ورسوله أعلم. فمضى على هذا خمسون يوما، فلما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أنزل الله { هو التواب الرحيم } ".
التوبة 9:107
قوله تعالى: { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل }؛ قال ابن عباس:
" وذلك أن سبعة عشر رجلا من المنافقين من بني عمرو بن عوف قالوا فيما بينهم: تعالوا نبني مسجدا يكون متحدثنا ومجمع رأينا بأن تأتوا إلى رسول الله وتستأذنوه أن نبني مسجدا لذوي العلة والليلة المطيرة. فأذن لهم فبنوا مسجدا، وكان يؤمهم في ذلك المسجد مجمع بن الحارثة، وكان قارئا للقرآن فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: والذين اتخذوا مسجدا للضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين.
قوله تعالى: { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل } أي وانتصارا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الراهب كان حارب النبي صلى الله عليه وسلم قبل بناء هذا المسجد، ومضى إلى هرقل ملك الروم يستعين به على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا، قال: " لا تسموه الراهب " ، ودعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات كافرا بقنسرين موضع بالشام ".
قوله تعالى: { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى }؛ معناه: ليحلف المنافقون أنا لم نرد ببناء هذا المسجد إلا الخير، وهم كذبة في حلفهم لقوله تعالى: { والله يشهد إنهم لكاذبون }؛ ما بنوه للخير.
روي
" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرا أقبل إليه أبو عامر هذا المذكور فقال له: ما هذا الذي جئت به؟ قال: " الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام " قال أبو عامر: وأنا عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإنك لست عليها " قال: بلى؛ ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما فعلت ذلك، ولكن جئت بها بيضاء نقية " فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا، فقال صلى الله عليه وسلم: " آمين " فسماه أبو عامر الفاسق.
فلم يزل أبو عامر كذلك إلى أن هزمت هوازن، فخرج هاربا إلى الشام فأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجدا، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، وآت بجند من الروم وأخرج محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا.
فلما فرغوا منه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد بنينا مسجدا لذوي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتيه فتصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا لأتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه ".
فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه فسألوه إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزلت هذه الآية وأعلمه الله تعالى بخبرهم وما هموا به، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدهشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي قاتل حمزة، وقال لهم: " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه " فخرجوا سراعا، فأخذوا سعفا من النخل، وأشعلوا فيه النار وهدموه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ كناسة يلقى فيه القمامة والجيف، ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا. "
وقال عكرمة: (سأل عمر رضي الله عنه رجلا منهم: ماذا أعنت في هذا المسجد، قال: أعنت فيه بسارية، فقال عمر رضي الله عنه: أسر بها في عنقك في نار جهنم). وروي: (أن بني عمرو بن عوف بنوا مسجدا وسألوا عمر رضي الله عنه أن يصلي بهم الجماعة مجمع بن الحارثة فقال: لا؛ ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضرار، فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين لا تعجل علي، فوالله لقد صليت فيه وإني لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت معهم، وكنت غلاما وهم شيوخ لا يقرءون من القرآن شيئا، فصليت بهم ولا أعلم ما في نفوسهم، فعذره عمر رضي الله عنه وصدقه، وأمره بالصلاة في مسجد قباء). قرأ أهل المدينة والشام الذين اتخذوا بغير (واو) وكذلك هو في مصاحفهم.
التوبة 9:108
قوله تعالى: { لا تقم فيه أبدا }؛ أي لا تصل في مسجد هؤلاء المنافقين أبدا، { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه }؛ يعني مسجد قباء أسس لوجه الله منذ أول يوم بني، ويقال: هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن تصلي فيه، ولا يمتنع أن يكون المراد المسجد الذي أسس على التقوى كلا المسجدين، مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء. قوله تعالى: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا }؛ في مسجد قباء رجال يحبون أن يتطهروا. قال الحسن: (معناه يتطهرون من الذنوب بالتوبة).
والمشهور أن المراد بالتطهير في هذه الآية الاستنجاء بالماء كما روي:
" أنه لما نزلت هذه الآية وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بباب قباء وقال: " يا معشر الأنصار إن الله عزوجل قد أحسن الثناء عليكم في طهوركم، فبم تطهرون؟ " قالوا: إنا نتبع الأحجار بالماء؛ أي نستجمر بالحجر ثم نستنجي بالماء، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وسن النبي صلى الله عليه وسلم الاستنجاء بالماء "
قوله تعالى: { والله يحب المطهرين }؛ أي أثنى على المطهرين من الذنوب، والمتطهرين بالماء من الأدناس.
التوبة 9:109
قوله تعالى: { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار }؛ الألف في أول الآية ألف استفهام دخلت في الكلام للإنكار، وقوله تعالى { جرف هار } أي على طرف الهوة، وقوله { هار } ساقط، وأصله هاير، إلا أنه حذف الياء.
والجرف: ما تمر به السيول من الأودية فتسير جانبه وتنثره، ولو وقف الإنسان عليه لسقط وانهار، وشفا الشيء حرفه وهو مقصور يكتب بالألف وتثنيته شفوان.
قرأ نافع وأهل الشام بضم الهمزة والنون على غير تسمية الفاعل، وقرأ الباقون بفتحهما. قوله تعالى: { على تقوى من الله } ، قرأ ابن عمر (تقوى) منون، وقوله تعالى { جرف } قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وخلف بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتثقيل وهما لغتان، وهي البر التي لم تمطر، وقال أبو عبيد: (بنى الهوة والرمل) والشيء الرخو وما يجرفه السيل في الأودية، والهاير الساقط الذي يتداعى بعضه على إثر بعض كما يتهاوى الرمل، والشيء الرخو، وفي مصحف أبي (فانهارت به قواعده في نار جهنم). قال قتادة: (ذكر لنا أنه حفرت بقعة منها فرؤي الدخان يخرج منها)، وقال جابر بن عبدالله: (رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار).
قوله تعالى: { فانهار به في نار جهنم }؛ أي انهار الجرف بالبناء؛ أي هار به؛ أي كما أن من بنى على جانب نهر صفة ما ذكرنا انهار بناؤه في النهر، فكذلك بناء أهل النفاق مسجد الشقاق كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. وقوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين }؛ أي لا يوفقهم ولا يهديهم الى جنته وثوابه.
التوبة 9:110
قوله تعالى: { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم }؛ أي لا يزال بنيانهم مسجد الضرار حيرة مترددة في قلوبهم، ويقال شكا واضطرابا، يعني أن شكهم لا يزال وإن زيل ذلك البناء، بل يبقى ذلك في قلوبهم حتى خاب أملهم، اشتد أسفهم بأن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عامر بن قيس ووحشيا مولى مقطم بن عدي فخرباه وهدماه، ثم أمر الأنصار بإلقاء الجيف والعذرات الكناسات فيه، إذ لم يبن لله تعالى، فبقي ذلك حسرة وندامة في قلوب المنافقين حتى تقطع قلوبهم؛ أي حتى يموت على ذلك.
ويقال: معناه: لا يزالون شاكين حين يموتوا، فإذا ماتوا صاروا إلى اليقين حيث لا ينفعهم اليقين قال السدي: (معناه: لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوه ريبة في قلوبهم؛ أي حزازة وغيظا في قلوبهم؛ أي أن تصدع قلوبهم فيموتوا).
وقرأ الحسن ويعقوب أي (إن) مخففا على الغاية، يدل عليه تفسير الضحاك وقتادة، ولا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبينوا، قرأ شيبة وابن عامر وحمزة وحفص (تقطع) بفتح التاء وتشديد الطاء المعنى تتقطع، ثم حذفت إحدى التائين، وقرأ ابن كثير ومجاهد ونافع وعاصم وأبو عمر والكسائي (تقطع) بضم التاء وتشديد الطاء على غير تسمية الفاعل، وقرأ يعقوب (تقطع) بضم التاء خفيفة الطاء من القطع. وروي عن ابن كثير بفتح التاء خفيفة، (قلوبهم) نصبا أي بفعل ذلك أنت بهم.
قوله تعالى: { والله عليم حكيم }؛ أي عليم بأعمالكم، حكيم في ما حكم من هدم مسجدهم وأظهر نفاقهم.
التوبة 9:111
قوله تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة }؛ معناه: إن الله طلب المؤمنين أن يعدوا أنفسهم وأموالهم ويخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ليثيبهم الجنة على ذلك.
فإن قيل: كيف يصح شراء الجنة على ذلك وهي مملوكة لله تعالى؟ وكيف يشتري أحد ملكه يملكه؟ قيل: إنما ذكر هذا على وجه التلطف للمؤمنين في تأكيد الجزاء كما قال الله تعالى:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
[البقرة: 245] فذكر الصدقة بلفظ القرض للتحريض على ذلك والترغيب فيه، إذ القرض يوجب رد المفلس لا محالة، وكأن الله عامل عباده معاملة من هو غير مالك، وعن جعفر الصادق أنه كان يقول: (يا ابن آدم اعرف قدر نفسك، فإن الله عز وجل عرفك قدرك ولم يرض أن يكون لك ثمن غير الجنة).
قوله تعالى: { يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون }؛ فيه بيان عرض الذي لأجله اشتراهم، وهو أن يقاتلوا العدو في طاعة الله، ومعناه: فيقتلون المشركين، ويقتلهم المشركون، وعلى هذا أكثر القراء، حمزة والكسائي (فيقتلون) بالرفع، (ويقتلون) بالنصب، واختار الحسن هذه القراءة لأنه إذا قرئ هكذا كان تسليم النفس إلى الشراء أقرب، وإنما يستحق البائع تسليم الثمن إليه تسليم المبيع.
قوله تعالى: { وعدا عليه حقا }؛ نصب على المصدر؛ أي أوجب الله لهم الجنة ووعدهم وعد حق منه لهم، وإنما قال (حقا) للفصل بين الوعد الذي حجره على وجه الجزاء لهم على العمل، وبين الوعد ينجزه للتصديق على وجه التفضيل لا الجزاء لهم على العمل.
قوله تعالى: { في التوراة والإنجيل والقرآن }؛ أي أوجب الله الجنة للمؤمنين في جميع كتبه التي أنزلها الله على أنبيائه عليهم السلام، قوله تعالى: { ومن أوفى بعهده من الله }؛ أي ليس أحد أوفى من الله في وعده وشرطه، وعدكم وعدا ولا يخلف لوعده.
قوله تعالى: { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به }؛ أي ببيعكم أنفسكم من الله، فإنه لا يشري أرفع من الله سبحانه، ولا ثمن أعلى من الجنة. وقيل: إن هذا أنزل في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان تحت الشجرة، ثم صار عاما في كل من يعمل مثل عملهم.
قال محمد بن كعب:
" لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نقيبا، قال عبدالله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: " اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون عنه أنفسكم وأموالكم " قالوا: وإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: " الجنة " ، قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزل قوله تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ثم هداهم الله بقوله { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } ".
قال الحسن: (اسمعوا إلى بيعة رابحة بايع الله بها كل مؤمن، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة). قال:
" ومر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية، فقال: كلام من هذا؟ فقال: " كلام الله تعالى " وقال: بيع واثق مربح لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى العدو فاستشهد "
وأنشد الأصمعي لجعفر رضي الله عنه:
أثامن بالنفس النفيسة ربها
وليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها تشترى الجنات إن أنا بعتها
بشيء سواها إن ذلكم غبن
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها
لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن
وكان جعفر الصادق يقول: (أيا من ليست لهم عنه إنه ليس لأبدانكم بثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها). وأنشد أبو علي الكوفي:
من يشتري قبة في عدن عالية
في ظل طوبى رفيعات مبانيها
دلالها المصطفى والله بائعها
ممن أراد وجبريل مناديها
قوله تعالى: { وذلك هو الفوز العظيم }؛ أي النجاة العظيمة والثواب الوافر؛ لأنها نيل الجنة الباقية بالنفس الفانية.
التوبة 9:112
وقوله تعالى: { التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر }؛ في الآية قولان: أحدهما: أن قوله { التائبون العابدون } رفع بالابتداء، كأنه قال: التائبون العابدون... إلى آخر الآية لهم الجنة أيضا؛ أي من قعد عن الجهاد غير مؤازر ولا قاصد تركه، وهو على هذه الصفة في هذه الآية فله الجنة.
والقول الثاني: أن قوله { التائبون } يدل على المقاتلين، كأنه قال: المقاتلون التائبون العابدون، ويجوز أن يكون قوله: { التائبون } رفعا على المدح، أي هم التائبون من الشرك والذنوب، المطيعون لله { الحامدون } الذين يحمدون الله تعالى على كل حال، { السائحون } الصائمون.
كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" سياحة أمتي الصوم "
وإنما سمي الصائم سائحا تشبيها بالسائح في الأرض؛ لأن السائح ممنوع من الشهوات، فكذلك الصائم.
قال الحسن: (أراد السائحين صوامي شهر رمضان)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم:
" السائحون الصائمون "
وسئل سعيد بن جبير عن السائحين فقال: (هم الصائمون)، وقال الشاعر:
برا يصلي ليله ونهاره
يظل كثير الذكر لله سائحا
أي صائما.
وقال الحسن أيضا: (السائحون الذين يصومون عن الحلال وأمسكوا عن الحرام، وهاهنا والله أقوام رأيناهم يصومون عن الحلال، ولا يمسكون عن الحرام، والله ساخط عليهم)، وقال عطاء: (السائحون هم الغزاة والمجاهدون). وسئل عكرمة عن قوله تعالى: { السائحون } فقال: (طلبة العلم).
قوله تعالى: { الراكعون الساجدون } أي الذين يؤدون ما فرض الله عليهم من الركوع والسجود المفروضة، وقوله تعالى: { الآمرون بالمعروف } أي الآمرون بالإيمان والناهون عن الشرك. وقيل: معناه: الآمرون بكل معروف، والناهون عن كل منكر.
وإنما ذكر الناهون بالواو وبخلاف ما سبق؛ لأن النهي عن المنكر لا يكاد يذكر إلا وهو مقرون بالأمر بالمعروف، فدخل الواو ليدل على المقارنة. والمعروف: هو السنة، والمنكر: هو البدعة.
قوله تعالى: { والحافظون لحدود الله }؛ عطف على ما تقدم. وقيل: المراد بهم جميع المذكورين من أول الآية إلى هذا الموضع، وهذه الصفة من أتم ما يكون من المبالغة في وصف العباد بطاعته لله، والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره؛ لأن الله تعالى بين حدوده في الأمر والنهي وفي ما ندب إليه فرغب فيه أو خير فيه، وبين ما هو الأولى في مجرى طاعة الله تعالى، فإذا قام العبد بفرائض الله وانتهى إلى ما أراد الله منه كان من الحافظين لحدود الله، كما روي عن خلف بن أيوب: أنه أمر امرأته أن تمسك إرضاع ولده في بعض الليل وقال: قد تمت له سنتان، قيل له: لو تركتها حتى ترضعه هذه الليلة، قال: فأين قوله تعالى: { والحافظون لحدود الله }. قوله تعالى: { وبشر المؤمنين }؛ أي بشرهم بالجنة.
التوبة 9:113
قوله تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى }؛ قال ابن عباس: " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن أبويه أيهما أحدث عهدا به؟ فقيل: أمك، فقال: " هل تعلمون موضع قبرها؟ لعلي آتيه فأستغفر لها، فإن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبويه وهما مشركان " فقال المسلمون: ونحن أيضا نستغفر لآبائنا وأهلينا. فانطلق صلى الله عليه وسلم حتى أتى القبر، فإذا هو بجبريل عليه السلام عند القبر، فوضع يده في صدر النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه هذه الآية ".
قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" استأذنت ربي أن أستغفر لوالدي فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرهما فأذن لي "
ومعنى الآية: ما ينبغي وما يجوز للنبي والذين آمنوا أن يطلبوا المغفرة للمشركين، ولو دعتهم رقة القرابة إلى الاستغفار لهم: { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم }؛ أي من بعد ما ظهر أنهم أصحاب النار بأنهم ماتوا على الكفر.
التوبة 9:114
قوله تعالى: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه }؛ أي ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أبوه له أن يسلم، { فلما تبين له }؛ لإبراهيم، { أنه عدو لله }؛ بأن لم يؤمن حتى مات على الكفر، { تبرأ منه }؛ أي من أبيه ومن دينه.
ويقال: إنما هذه الموعدة إنما كانت من إبراهيم لأبيه، فإنه كان قال لأستغفرن لك ما دمت حيا، ولم يكن الله تعالى أعلم إبراهيم أنه لا يغفر للمشركين، يدل عليه قراءة الحسن (إلا من موعدة وعدها إياه).
قوله تعالى: { إن إبراهيم لأواه حليم }؛ الأواه: التواب. قال ابن مسعود (هو الدعاء)، وقال الحسن وقتادة: (هو الرحيم الرفيق)، ويقال: هو المؤمن بلغة الحبشة، إلا من قال إنه لا يجوز أن يكون في القرآن شيء غير عربي، قال: هذا موافق من العربية بلغة الحبشة. وقيل: الأواه الفقيه، وقال كعب: (هو الذي إذا ذكرت عنده النار قال: آه)، وقيل: هو المتأوه شفقا وفرقا، المتضرع نفسا ولزوما للطاعة، وأما الحليم فهو الذي لا يعجل بعقوبة الجاهل.
التوبة 9:115
قوله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن الله تعالى لما أنزل الفرائض وعمل بها الناس، ثم أنزل بعد ذلك ما نسخها وقد مات ناس وهم يعملون بالأمر الأول مثل الصلاة إلى بيت المقدس وشرب الخمر ونحو ذلك، ومات بعض المؤمنين وهم على القبلة الأولى، فذكر المؤمنون ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل هذه الآية).
ومعناها: وما كان الله ليضل عمل قوم وينزل قوما منزلة الضلال بعد إذ هداهم للإيمان حتى يبين لهم ما يتقون من المعاصي، ويقال: حتى يبين الناسخ من المنسوخ، { إن الله بكل شيء }؛ من الناسخ والمنسوخ، وبكل ما فيه مصلحة الخلق، { عليم }.
التوبة 9:116
قوله تعالى: { إن الله له ملك السموت والأرض يحيي ويميت }؛ وذلك أن الله لما أمر المسلمين بقتال المشركين كافة، وكان في المشركين ملوك لا يطمع المسلمون بهم لشوكتهم وعزهم، أخبر الله تعالى أن لله ملك السماوات والأرض، يحيي من يشاء ويميت من يشاء، { وما لكم من دون الله من ولي }؛ يواليكم، { ولا نصير }؛ ينصركم.
التوبة 9:117
قوله تعالى: { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة }؛ معناه: وقد تجاوز الله من تولى النبي صلى الله عليه وسلم إذنه للمنافقين بالتخلف، كما قال الله تعالى:
عفا الله عنك لم أذنت لهم
[التوبة: 43]، وتجاوز عن ذنوب المهاجرين والأنصار.
وقيل: أراد بذلك قوما منهم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرجوا فأدركوه في الطريق. وقوله تعالى: { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } صفة مدح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باتباعهم إياه في وقت الشدة في غزوة تبوك، وكانت بهم العسرة في النفقة والركوب والحر والخوف، وكانت الدابة الواحدة بين جماعة يتعقبون عليها، وكانت التمرة تشق بالنصف فيأكلها الرجلان كل واحد نصفها، وربما كانت جماعة يمصون تمرة واحدة، ويشربون عليها، وربما كانوا ينحرون الإبل فيشربون من ماء كروشها في الحر.
قوله تعالى: { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم }؛ أي من بعد ما كاد تميل قلوب طائفة منهم عن الخروج والجهاد، ويقال من بعد ما كادوا يرجعون عن غزوتهم من الشدة.
قوله تعالى: { ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم }؛ أي ثم خفف عنهم ما أخلفهم عن الحرب حتى كادوا يعقلون عن أنفسهم، وهذا كقوله تعالى:
إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي اليل
.. [المزمل: 20] إلى أن قال:
علم أن لن تحصوه فتاب عليكم
[المزمل: 20] أي خفف عنكم، وكقوله:
علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم
[البقرة: 187] أي خفف عنكم.
التوبة 9:118
قوله تعالى: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا }؛ أي تاب على الثلاثة، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الذين خلفوا عن قبول توبتهم، { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت }؛ منع سعتها بامتناع الناس من مكالمتهم، { وضاقت عليهم أنفسهم }؛ أي قلوبهم حين كتب قيصر إلى كعب ابن مالك: بلغني أن صاحبك قد جفاك، فالحق بنا فإن لك عندنا منزل وكرامة، فقال كعب: (من خطيئتي أن يطمع في رجل من أهل الكفر).
قوله تعالى: { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه }؛ أي علموا وأيقنوا ألا مفر من عذاب الله إلا إليه بالتوبة، وقوله تعالى: { ثم تاب عليهم }؛ أي قبل توبتهم، { ليتوبوا }؛ أي ليرجعوا عن مثل صنيعهم. ويقال: ليتوب الناس من بعدهم، { إن الله هو التواب }؛ أي المتجاوز عن ذنوب المؤمنين، { الرحيم }؛ بعباده التائبين.
التوبة 9:119
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } أي يا أيها الذين آمنوا اخشوا الله ولا تعصوه، وكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وأعمالهم في الشدة والرخاء.
التوبة 9:120
قوله تعالى: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله }؛ أي ما جاز لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد، وهذا نهي ورد بلفظ النفي، { ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه }؛ أي لا ينبغي أن يكونوا بأنفسهم آثر وأشفق عن نفس محمد صلى الله عليه وسلم، بل عليهم أن يجعلوا أنفسهم وقاية للنبي صلى الله عليه وسلم لما أوجب له من الحقوق عليهم بدعائه لهم إلى الإيمان حتى اهتدوا به ونجوا من النار.
قوله تعالى: { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله }؛ أي ذلك الزجر بأنهم في التخلف عن الجهاد، لا يصيبهم عطش ولا تعب في أبدانهم، ولا شدة مجاعة في طاعة الله، ولا يجاوزون مكانا فيظهرون فيه من سهل أو جبل مجاوزتهم ذلك المكان، فإن الإنسان يغيظه أن يطأ أرضه غيره.
قوله تعالى: { ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين }؛ أي لا يبطل ثواب من أحسن عملا من جهاد وغيره.
التوبة 9:121
قوله تعالى: { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة }؛ أي لا ينفقون في الجهاد نفقة صغرت أو كبرت، { ولا يقطعون واديا }؛ من الأودية في طلب الكفار، { إلا كتب }؛ ذلك، { لهم ليجزيهم الله أحسن }؛ من أعمالهم التي، { ما كانوا يعملون }؛ في الدنيا.
التوبة 9:122
قوله تعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة }؛ قال ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية المتقدمة وما فيها من العيوب وبيان نفاقهم، قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سرية أبدا، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالسرايا إلى الغزو، ونفر المؤمنون جميعا وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، أنزل الله تعالى في ذلك هذه الآية).
ومعناها: أنه ليس للمؤمنين أن ينفروا كافة ويخلفوا رسول الله وحده ليس عنده أحد من المسلمين يتعلم منه الحلال والحرام والشرائع والأحكام، { فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين }؛ أي فهلا خرج من كل جماعة طائفة إلى الجهاد، وتبقى طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليسمع الذين تخلفوا عند النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، إذا رجعت السرايا علموهم ما علموا فيستوون جميعا في العلم في معرفة الناسخ والمنسوخ.
قوله تعالى: { ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون }؛ أي لينذر الذين تخلفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومهم الذين نفروا إذا رجعوا إليهم من غزاتهم، ويخبروهم بما نزل بعدهم من القرآن، لكي يحذروا كلهم فلا يعملون شيئا بخلاف ما أنزل الله عز وجل.
التوبة 9:123
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة }؛ أي قاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوكم مثل بني قريظة والنضير وخيبر؛ أي ابدأوا بمن حولكم، ثم قاتلوا سائر الكفار، لأن الاشتغال بقتال من بعدهم من المشركين مع ترك قتال من قرب لا يؤمن معه هجوم من قرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم إذا خلت من المجاهدين، قوله تعالى: { وليجدوا فيكم غلظة } أي ليكن منكم قول غليظ وشدة عليهم في الوعد؛ كيلا يطمع فيكم أحد من أهل الكفر، { واعلموا أن الله مع المتقين }؛ في النصر على عدوهم.
التوبة 9:124
قوله تعالى: { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا }؛ معناه: إذا ما أنزلت سورة من القرآن، فمن المنافقين من يقول: إيكم زادته هذه السورة إيمانا؟! إنما كان بعضهم يقول لبعض على جهة الهزء. ويقال: كانوا يقولون للمستضعفين من المسلمين: أيكم زادته هذه الآية يقينا وبصيرة؟ يقول الله تعالى: { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا }؛ وهم المخلصون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم زادتهم تصديقا مع تصديقهم، { وهم يستبشرون }؛ أي يفرحون بكل ما ينزل من القرآن.
التوبة 9:125
قوله تعالى: { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم }؛ معناه: وأما الذين في قلوبهم شك ونفاق فزادتهم السورة شكا إلى شكهم وكفرا إلى كفرهم، لأنهم كلما كفروا بسورة ازدادوا كفرا، والمؤمنون كلما صدقوا بسورة ازدادوا تصديقا. قوله تعالى: { وماتوا وهم كافرون }؛ إذ هم لشكهم فيما أنزله الله من السورة إلى أن ماتوا على الكفر.
وإنما سمى الله النفاق مرضا؛ لأن الحيرة في القلب مرض في القلب، كما أن الوجع في البدن مرض في البدن.
التوبة 9:126
قوله تعالى: { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون }؛ معناه: أولا يرى المنافقون أنهم يخسرون بالدعاء إلى الجهاد في كل عام مرة أو مرتين، ويقال: يهلكون بهتك أسرارهم، ثم يظهر الله من سوء نياتهم وخبث سرائرهم. ويقال: كانوا ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين فيعاقبون، ثم لا يتوبون عن نفاقهم ولا يذكرون بما صنع الله بهم بنقضهم العهد. وقرأ حمزة ويعقوب: (أولا ترون) بالتاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
التوبة 9:127
قوله تعالى: { وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض }؛ إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين فخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم وعرض لهم في خطبته، نظر بعض المنافقين إلى بعض، { هل يراكم من أحد }؛ من المخلصين إذا هو قائم فخرج من المسجد، فإذا كان لا يراه أحد خرج من المسجد وانصرف، وإن علموا أن أحدا يراهم قاموا وثبتوا مكانهم حتى يفرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته.
قوله تعالى: { ثم انصرفوا }؛ أي انصرفوا عن الإيمان والعمل بترك ما يستمعون، ويقال: انصرفوا عن المكان الذي سمعوا فيه، { صرف الله قلوبهم }؛ باللطف الذي يحدثه للمؤمنين. قوله تعالى: { بأنهم قوم لا يفقهون }؛ أي ذلك الصرف بأنهم قوم لا يفقهون ما يريد الله بخطابه.
التوبة 9:128
قوله تعالى: { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم }؛ هذا خطاب لأهل مكة، والمعنى: لقد جاءكم رسول من أهل نسبكم ولسانكم، شريف النسب تعرفونه وتفهمون كلامه. وإنما قال ذلك؛ لأنه أقرب إلى الألفة. وقيل: إن هذا خطاب لجميع الناس، معناه: جاءكم آدمي مثلكم، وهذا أوكد للحجة عليكم؛ لأنكم تفهمون عن من هو من جنسكم.
وقرأ ابن عباس والزهري (من أنفسكم) بفتح الفاء؛ أي من أشرفكم وأفضلكم، من قولك: شيء ذو نفس، وقال: كان من أعلاكم نسبا، قوله تعالى: { عزيز عليه ما عنتم } أي شديد عليه عنتكم وإثمكم، العنت: الضيق والمشقة.
قوله تعالى: { حريص عليكم }؛ أي حريص على إيمانكم وهداكم أن تؤمنوا فتنجوا من العذاب وتفوزوا بالجنة والثواب، والحرص: شدة الطلب للشيء مع الاجتهاد فيه. قوله تعالى: { بالمؤمنين رءوف رحيم }؛ كلام مستأنف: أي وهو شديد الرحمة لجميع المؤمنين، رفيق لمن اتبعه على دينه.
التوبة 9:129
قوله تعالى: { فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم }؛ أي فإن أعرضوا عنك وعن الإيمان بك، فقل الله تعالى حسبي لا إله إلا هو؛ أي لا ناصر ولا معين غيره، { عليه توكلت } أي به ثقتي، وإليه فوضت أمري.
قوله تعالى: { رب العرش العظيم } أي خالق السرير العظيم الذي هو أعظم من السماوات والأرض، وإنما خص العرش بذلك؛ لأنه إذا كان رب العرش العظيم مع عظمته، كان رب ما دونه في العظم. وقيل: إنما خص العرش؛ تشريفا للعرش وتعظيما لشأنه. وقرئ في الشواذ (العظيم) بالرفع على نعت الرب.
يونس 10:1
{ الر }؛ قال ابن عباس: (معناه: أنا الله أرى) وعنه: (أنه من حروف الرحمن). وقيل: أنا الرب لا رب غيره. وقوله تعالى: { تلك آيات الكتاب الحكيم }؛ أي هذه آيات الكتاب، وإنما أضاف السورة إلى القرآن؛ لأنها بعض الكتاب، كما تضاف السورة لأنها بعضه.
وأما وصف القرآن بأنه حكيم؛ فلأن القرآن كالناطق بالحكمة بما فيه بين التمييز بين الحق والباطل. ويقال: معنى الحكيم المحكم بالحلال والحرام والأمر والنهي، يقال: أحكمت الشيء فهو محكم وحكيم، كما يقال: أكرمت الرجل فهو مكرم وكريم.
يونس 10:2
قوله تعالى: { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس } معناه: أعجبت قريش أن أوحينا إلى رجل مثلهم من أهل نسبهم أن خوف الناس بالعذاب، { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم }؛ وذلك أن الكفار كانوا يقولون: لم يجد الله رسولا يبعثه إلينا إلا يتيم أبي طالب. ويقال: كانوا يعجبون من البعث بعد الموت.
قوله تعالى: { قدم صدق عند ربهم } أي أعمالهم الصالحة التي قدموها لأنفسهم سلف خير عند ربهم يستوجبون بها المنزلة الرفيعة في آخرتهم عند ربهم، وعن ابن عباس أنه قال: (قدم صدق: شفاعة بينهم لهم هو إمامهم إلى الجنة وهم بالأثر).
قوله تعالى: { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين }؛ أي قال كفار مكة: إن هذا القرآن لسحر مبين، وقرأ أهل الكوفة وابن كثير (لساحر) بالألف يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم.
يونس 10:3
قوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش }؛ ولو شاء لخلقها في أقل من لحظة، ولكنه خلقها للترتيب؛ ليكون حدوث شيء بعد شيء على الترتيب أبلغ للملائكة في التفكر بها من حدوثها كلها في حالة واحدة، وقد تقدم تفسير الاستواء، ودخلت (ثم) على الاستواء وهي في المعنى داخلة على الترتيب، كأنه قال: ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش، فإن تدبير الأمور كلها ينزل من عند العرش، ولهذا ترفع الأيدي في قضاء الحوائج نحو العرش. والاستواء: الاستيلاء، ولم يزل الله سبحانه مستوليا على الأشياء كلها، إلا أن تخصيص العرش لتعظيم شأنه.
قوله تعالى: { يدبر الأمر }؛ أي يقضي القضاء إلى الملائكة من رسله ولا يشركه في تدبير أحد من خلقه. وعن عمرو بن مرة " عن عبدالرحمن بن سابط " قال:
" يدبر أمر الدنيا بأمر الله أربعة: جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل. أما جبريل فعلى الرياح والجنود، وأما ميكائيل فعلى القطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل عليهم بما يؤمرون به ".
قوله تعالى: { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } جواب قول الكفار أن الأصنام شفعاؤنا عند الله، فبين الله تعالى ما من ملك مقرب، ولا نبي مرسل يشفع لأحد إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فكيف تشفع الأصنام التي ليس لها عقل وتمييز.
قوله تعالى: { ذلكم الله ربكم }؛ أي الذي يفعل ما هو المذكور في هذه الآية من خلق السماوات والأرض وتدبير الخلق هو الله خالقكم ورازقكم، { فاعبدوه }؛ ولا تعبدوا الأصنام فإنها لا تستحق العبادة، وقوله تعالى: { أفلا تذكرون }؛ أي هل تتعظون بالقرآن.
يونس 10:4
قوله تعالى: { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا }؛ أي إلى الله سبحانه رجوعكم جميعا، وانتصب قوله: { جميعا } على الحال، وقوله { وعد الله } نصب على المصدر؛ أي وعد الله وعدا، والمعنى وعد الله البعث بعد الموت وعدا حقا كائنا لا شك فيه.
قوله تعالى: { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده }؛ أي يخلقكم في بطون أمهاتكم نطفا، ثم علقا ثم مضغة ثم عظاما، ثم يخرجكم نسما للتمام، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم ثم يبعثكم بعد الموت، وفي هذا بيان أن خلق الشيء على الترتيب حال بعد حال أدل على الترتيب من خلقه جملة واحدة في ساعة واحدة.
قوله تعالى: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط }؛ فيه بيان أن البعث للجزاء؛ لنجزيهم بالعدل لئلا ننقص من ثواب محسن، ولا نزيد على عقاب مسيء، بل يجازي كلا على قدر عمله كما قال
جزآء وفاقا
[النبأ: 26]. قوله تعالى: { والذين كفروا لهم شراب من حميم }؛ أي من ماء حار قد انتهى حره، { وعذاب أليم }؛ وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، { بما كانوا يكفرون }؛ بالكتب والرسل.
يونس 10:5
قوله تعالى: { هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب }؛ أي هو الذي جعل الشمس ضياء للعالمين بالنهار، والقمر نورا بالليل.
روي في الخبر: أن وجوههما إلى العرش وظهورهما إلى الأرض، يضيء وجوههما لأهل السماوات السبع، وظهورهما لأهل الأرضين السبع، كما قال
وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا
[نوح: 16].
قوله تعالى: { وقدره } أي قدر القمر منازل وهي ثمان وعشرون منزلة في كل شهر. وقيل معناه: { وقدره منازل } لا يجاوزها ولا يقصروها، وقيل: جعل (قدر) لهما يعدى إلى مفعولين، ويجوز أن يكون المعنى وقدرهما، إلا أنه حذف التثنية للاختصار والإيجاز، كما قال تعالى:
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة: 62].
قوله تعالى: { ما خلق الله ذلك إلا بالحق }؛ أي ما خلق الله الشمس والقمر، إلا لتعلموا الحساب وتعتبروا بهما، وتستدلوا بطلوعها وغروبها على صانعهما.
وقوله: { لتعلموا عدد السنين والحساب } أي لتعلموا بالشمس حساب السنين وحساب الشهور والليالي والأيام على ما تقدم أن القمر يقطع في الشهر ما تقطعه الشمس في السنة، ويعني بقوله: { والحساب } حساب الأشهر والأيام والساعات، وقوله تعالى: { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } رده إلى الفعل والخلق والتدبير، ولو أراد الأعيان المذكورة لقال: تلك إلا بالحق، ثم يخلقه باطلا، بل إظهار الصنعة، ودلالته على قدرته وحكمته.
قوله تعالى: { يفصل الآيات لقوم يعلمون }؛ أي نبين علامات وحدانية الله تعالى بأنه بعد آية { لقوم يعلمون } تفصيل الآيات. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص (يفصل) بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله قبله { ما خلق } فيكون متبعا له، وقرأ الباقون بالنون على التعظيم.
يونس 10:6
قوله تعالى: { إن في اختلاف اليل والنهار وما خلق الله في السموت والأرض لآيات لقوم يتقون }؛ معناه: إن في اختلاف ألوان الليل والنهار وتقلبها بذهاب الليل وجيئة النهار، وذهاب النهار وجيئة الليل، وفيما خلق الله في السماوات من الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، والأرض من الجبال والشجر والبحار والأنهار والدواب والنبات، لعلامات لقوم يتقون الله ويخشون عقوبته.
فلم يؤمنوا بهذه الآيات ولم يصدقوا، فأنزل الله عز وجل:
قوله تعالى: { إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون }؛ معناه: إن الذين لا يخشون عقاب الله، وتنعموا بالحياة الدنيا، فلا يعملون إلا بها ولا يرجون إلى ما ورائها { واطمأنوا بها } أي سكنوا إليها وآثروها على عمل الآخرة، والذين هم عن دلائل توحيدنا غافلون تاركون لها مكذبون بها.
يونس 10:7
قوله تعالى: { إن في اختلاف اليل والنهار وما خلق الله في السموت والأرض لآيات لقوم يتقون }؛ معناه: إن في اختلاف ألوان الليل والنهار وتقلبها بذهاب الليل وجيئة النهار، وذهاب النهار وجيئة الليل، وفيما خلق الله في السماوات من الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، والأرض من الجبال والشجر والبحار والأنهار والدواب والنبات، لعلامات لقوم يتقون الله ويخشون عقوبته.
فلم يؤمنوا بهذه الآيات ولم يصدقوا، فأنزل الله عز وجل:
قوله تعالى: { إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون }؛ معناه: إن الذين لا يخشون عقاب الله، وتنعموا بالحياة الدنيا، فلا يعملون إلا بها ولا يرجون إلى ما ورائها { واطمأنوا بها } أي سكنوا إليها وآثروها على عمل الآخرة، والذين هم عن دلائل توحيدنا غافلون تاركون لها مكذبون بها.
يونس 10:8
قوله تعالى: { أولئك مأواهم النار }؛ أي أهل هذه الصفة مصيرهم إلى النار، { بما كانوا يكسبون }؛ يعملون في دار الدنيا وقد يذكر الرجاء بمعنى الخوف كما قال الله
ما لكم لا ترجون لله وقارا
[نوح: 13] أي لا تخافون لله عظمة، ويجوز أن يكون المعنى: لا يرجون لقاءنا؛ أي لا يرجون جزاءنا، فجعل لقاء جزائه بمنزلة لقائه.
يونس 10:9
قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم }؛ أي إن الذين صدقوا بمحمد والقرآن وعملوا الصالحات يرشدهم ربهم على الصراط إلى الجنة بنور إيمانهم. وقيل: يرشدهم إلى منازلهم في الجنة. وقيل: يثبتهم على الإيمان.
وقوله تعالى: { تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم }؛ أي تجري الأنهار بين أيديهم وهم في الغرف يتطلعون عليها كما قال عز وجل حاكيا عن فرعون
أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي
[الزخرف: 51]. ويجوز أن يكون معناه: تجري من تحت شجرهم وبساتينهم في جنات تنعمون فيها.
يونس 10:10
قوله تعالى: { دعواهم فيها }؛ أي قولهم ودعاؤهم في الجنة: { سبحانك اللهم }؛ فإذا سمع الخدام وذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون، قال ابن جريج: (يمر الطير على الرجل من أهل الجنة فيشتهيه، فيسبح الله تعالى، فيقع بين يديه فيأكل منه ما شاء، فإذا فرغ قال: الحمد لله). ويقال معنى قوله: { دعواهم فيها } أي مفتتح كلامهم التسبيح، ومختتم كلامهم التحميد، لا أن يكون الحمد آخر كلامهم حتى لا يتكلمون بعده بشيء.
قال طلحة بن عبدالله:
" سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول: سبحان الله، فقال: " هو تنزيه لله من كل سوء " "
وسئل علي رضي الله عنه عن ذلك فقال: (كلمة رضيها الله لنفسه). وقال الحسن: (بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين قرأ هذه الآية:
" إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح، كما تلهمون أنفسكم ".
قوله تعالى: { وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين }؛ أي يحيي بعضهم بعضا بالسلام، وتحييهم الملائكة بالسلام، وتأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام، كما في قوله تعالى:
تحيتهم يوم يلقونه سلام
[الأحزاب: 44] قرأ بلال بن أبي بردة وابن محيصن (إن الحمد لله) بكسر (إن) وتشديد النون ونصب (الحمد).
يونس 10:11
قوله تعالى: { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم }؛ قيل: إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك...
[الأنفال: 32] الآية ثم صارت عامة في كل من يستعجل العقاب الذي يستحقه بالمعاصي.
معناه: ولو يعجل الله للناس الشر كما يعجل الخير إذا دعوا بالرحمة والرزق والعافية لماتوا وهلكوا. وقيل: المراد بهذه الآية دعاء الإنسان على نفسه وولده وقومه، مثل قول الرجل إذا غضب على ولده: اللهم لا تبارك فيه والعنه، وقوله لنفسه: لا رفعني الله من بينكم، والمعنى على هذا: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر كاستعجالهم الإجابة في الخير { لقضي إليهم أجلهم } أي لفرغ من عذابهم وماتوا جميعا. وقال شهر بن حوشب: (قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملكين الموكلين: لا تكتبا على عبدي في حال ضجره شيئا).
وقرأ ابن عامر ويعقوب (لقضى) بفتح القاف والضاد (أجلهم) بفتح اللام، وقرأ الأعمش (لقضينا) وقرأ العامة (لقضي) بضم القاف وكسر الضاد، ورفع قوله (أجلهم).
قوله تعالى: { فنذر الذين لا يرجون لقآءنا في طغيانهم يعمهون } أي نترك الذين لا يخافون البعث في ضلالتهم وكفرهم يتحيرون ويترددون.
يونس 10:12
قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما }؛ نزلت هذه الآية في هشام بن المغيرة المخزومي، ومعناه: إذا أصاب الإنسان الشدة والمرض دعانا لكشفه وهو مضطجع لما به من المرض أو قاعدا إذا هانت العلة، أو قائما إذا بقي أثر العلة، أو كان في شدة معيشة أو غيرها، { فلما كشفنا عنه ضره }؛ رفعنا ما كان به من الشدة استمر على الإعراض عن شكرنا ما أنعمنا عليه في كشف الضر عنه، { مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه }؛ قط؛ أي كأنه لم يمسه ضر، وكأن لم نكشف الضر عنه. قوله تعالى: { كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون }؛ في الشرك من الدعاء في الشدة، وترك الدعاء في الرخاء، فاغتروا بما زين لهم.
يونس 10:13
قوله تعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا }؛ أي ولقد أهلكنا الأمم الماضية من قبلكم حين كفروا، { وجآءتهم رسلهم بالبينات }؛ بالدلالات الواضحات، { وما كانوا ليؤمنوا }؛ فيه بيان أن الله تعالى إنما أهلكهم؛ لأنه كان المعلوم من حالهم أنه لو أبقاهم أبدا لأدبروا ولم يؤمنوا، ولو كان في بقائهم صلاح لهم ولغيرهم لأبقاهم. وقوله تعالى: { كذلك نجزي القوم المجرمين } أي هكذا نجزي القوم المشركين، نهلكهم كما أهلكنا الأولين.
يونس 10:14
قوله تعالى: { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون }؛ أي ثم أسكناكم الأرض من بعد الأولين لنجازيكم على ما تعملون من الخير والشر، ونشاهد هل تعتبرون بما صنع بالأولين أم لا؟ وهذا على التهديد؛ أي إن عاملتكم مثل معاملتهم أهلكتكم كما أهلكتهم.
وإنما قال { لننظر }؛ لأنه سبحانه يعامل العبد معاملة المختبر الذي لا يعلم الشيء حتى يكون مظاهرة في العدل، وأنه إنما يجازي العباد على أعمالهم لا على علمه فيهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون "
، قال قتادة: (وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: صدق ربنا ما جعلنا خلقا إلا لينظر إلى أعمالنا، فأدوا أعمالكم خيرا بالليل والنهار والسر والعلانية).
يونس 10:15
قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي }؛ معناه: وإذا قرئ على أهل مكة آياتنا المنزلة في القرآن، قال الذين لا يخشون عقابنا ولا يطمعون في ثوابنا ولا يقرون بالبعث: أئت يا محمد بقرآن ليس فيه عيب آلهتنا ولا ذكر في البعث والنشور.
قوله تعالى: { أن أبدله } أي قالوا أو بدل هذه بغيره، قل يا محمد { ما يكون لي أن أبدله } أي ما يجوز وما ينبغي لي أن أغيره من قبل نفسي، ما أقول أو ما أعمل إلا ما يوحى إلي من القرآن، { إني أخاف }؛ أعلم، { إن عصيت ربي }؛ فبدلت القرآن أنه يكون علي، { عذاب يوم عظيم }.
يونس 10:16
قوله تعالى: { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم }؛ أي قل يا محمد: لو شاء الله ما قرأت القرآن عليكم بأن كان لا ينزله علي، { ولا أدراكم به }؛ أي ولا أعلمكم الله به؛ أي لو شاء الله أن لا يشعركم، وفي قراءة الحسن (ولا أدراكم به) أي ولا أعلمكم به. وقوله تعالى: { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله }؛ أي ومكثت فيكم دهرا قبل إنزال القرآن، ولم أقل من هذا شيئا، فليس عليكم ذهن الإنسانية أنه ليس من تلقاء نفسي.
قوله تعالى: { أفلا تعقلون }؛ استفهام بمعن الإنكار له: أن الله خالق السماوات والأرض وهو عالم بما فيها، يعلم أن ليس فيهما إله ينفع ويضر غيره، فتخبرونه أنتم بشيء لا يعلمه، فيعلم بأخباركم، وهذا نفي للعلم، والمراد به نفي ما قالوه: من أن شفاعة الأصنام " تنفعهم ".
يونس 10:17
قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي لا أجد ممن اختلق على الله كذبا بأن جعل شريكا له أو ولدا إذا ادعى النبوة بغير حق، أو قال: أمرنا بعبادة الأصنام فنتقرب بعبادتها إليه. قوله تعالى: { أو كذب بآيته }؛ أي بأنبيائه ورسله وكتبه، وقوله تعالى: { إنه لا يفلح المجرمون }؛ أي لا يوصلهم إلى مرادهم.
يونس 10:18
قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم }؛ أي وإن أهل مكة يعبدون من دون الله الأصنام التي لا يضرهم إن تركوا عبادتها ولا ينفعهم إن عبدوها، { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله }؛ فإنه الذي أذن لنا في عبادتها وأنه يستشفعها فينا، وأرادوا بذلك شفاعة الأصنام في مصالح دنياهم؛ لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث.
قوله تعالى: { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموت ولا في الأرض }؛ هذا لا يكون أبدا. { سبحانه وتعالى عما يشركون }؛ أي تنزيها لله عن كل صفة لا تليق بذاته، وارتفع وتبرأ عما يشركون به من الأصنام والأوثان.
يونس 10:19
قوله تعالى: { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا }؛ اختلف الناس في المراد بهذه الآية، قال بعضهم: أراد بذلك أن الناس كانوا أمة واحدة في وقت آدم عليه السلام، ثم اختلفوا بأن كفر بعضهم بعضا، وأول من اختلف قابيل وهابيل. ويقال: أراد به الناس كلهم ولدوا على الفطرة، ثم اختلفوا بأن غير بعضهم الفطرة ولم يغير بعضهم، بل ثبت عليها.
وقال بعضهم: أراد بذلك أنهم كانوا أمة واحدة على عهد إبراهيم ونوح عليهما السلام كلهم كانوا كافرين، فتفرقوا بين مؤمن وكافر. ويقال: أراد بالناس هاهنا العرب، كانوا على الشرك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم اختلفوا بعده، فآمن بعضهم وكفر بعضهم. فالقول الأول أقرب إلى ظاهر الآية.
قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون }؛ لو كان لكم من الله سبق ببقاء التكليف على الناس أي وقت معلوم سواء أطاعوه أو عصوه لما علم من المصلحة لهم ولغيرهم في ذلك، لعجل لهم العذاب عند العصيان، فاضطرهم إلى معرفة الحق فيما اختلفوا فيه. وقرأ عيسى بن عمر (لقضى بينهم) بالفتح.
يونس 10:20
قوله تعالى: { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله }؛ أي يقول كفار مكة: هلا أنزل على محمد آية من ربه، يعنون الآية التي كانوا يقترحونها على سوى الآيات التي أنزل الله تعالى { فقل إنما الغيب لله } أي قل لهم يا محمد نزول الآيات لله تعالى لو علم الإصلاح في زيادة الآيات لأنزل. قوله تعالى: { فانتظروا }؛ أي فانتظروا عقاب الله بالقتل في الدنيا والنار في الآخرة، { إني معكم من المنتظرين }؛ بهلاككم بما أوعد الله تعالى.
يونس 10:21
قوله تعالى: { وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا }؛ معناه: إذا أعطينا الناس ما يسرون به من العافية والنعمة والرحمة المطر من بعد فقر وبلاء ومرض وقحط وشدة أصابتهم، إذا لهم مكر في آياتنا بالاحتيال في دفعها والتكذيب بها، كانوا لا يقولون: هو رزق الله ورحمته، و(إذا) تنوب عن جواب الشرط كما ينوب الفعل، والمعنى إذا مستهم راحة ورخاء بعد شدة وبلاء. وقيل: مطر بعد قحط إذا لهم كفر وتكذيب. قال مقاتل: (لا يقولون هذا رزق الله، وإنما يقولون: سقينا بنوء كذا) وهو قوله تعالى:
وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون
[الواقعة: 82].
قوله تعالى: { قل الله أسرع مكرا } أي أسرع جزاء على المكر وأقدر على ذلك، يسمى الجزاء باسم المجزي عليه. وقيل: معناه: قل الله أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر على الجزاء. قوله تعالى: { إن رسلنا يكتبون ما تمكرون }؛ أي الكرام الكاتبين، يكتبون ما تمكرون أنتم. قرأ الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب (ما يمكرون) بالياء.
يونس 10:22
قوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر والبحر }؛ أي هو الذي يسهل عليكم السير ويحفظكم إذا سافرتم في البر على الدواب، وفي البحر على السفن، فالسير في البحر مضاف إلى الله على الحقيقة؛ لأن سير السفينة لا يكون بجري الماء، وبالريح للسفينة.
وأما السير في البر فإضافته إلى الله تعالى على معنى تسخير المركوب، وتسييره بإمساكه بقدرة الله تعالى أيضا. قرأ ابن عامر وأبو جعفر (ينشركم)، والسير من النشر؛ أي نبثكم في البر والبحر.
قوله تعالى: { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف }؛ أي حتى إذا كنتم في السفن، وقد يكون الفلك واحدا، وقد يكون جمعا، فمن جعله واحدا فجمعه أفلاك، ومن جعله جمعا فواحد فلك، كما يقال أسد وأسد.
وقوله تعالى: { وجرين بهم } أي السفن جرين بأهلها بريح لينة ساكنة، وفرحوا بسكون ريحها وأعجبوا، قال الزجاج: (ابتداء الكلام خطاب، وبعد ذلك إخبار عن معانيه؛ لأن مخاطبة الله لعباده لا تكون إلا على لسان الرسول، وذلك بمنزلة الإخبار عن الغائب).
قوله تعالى: { وجآءهم الموج من كل مكان }؛ أي ركوبهم الموج من كل جانب. وقوله تعالى: { وظنوا أنهم أحيط بهم }؛ أي أيقنوا أنه قد دنا هلاكهم، تقول العرب لكل من وقع في الهلاك، أو بلية عظيمة: أحيط بفلان؛ أي أحاط به الهلاك.
قوله تعالى: { دعوا الله مخلصين له الدين }؛ أي دعوا الله ليكشف ذلك عنهم، مخلصين له الاعتقاد، لا يدعون عند الشدة غيره، قال الحسن: (ليس هو إخلاص الإيمان، ولكنه لعلمهم بأنه لا ينجيهم من تلك الشدة إلا الله عز وجل). قوله تعالى: { لئن أنجيتنا من هذه }؛ أي من هذه الريح الشديدة والغرق، { لنكونن من الشاكرين }؛ لك على نعمائك.
يونس 10:23
قوله تعالى: { فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق }؛ فلما أنجاهم من البحر إذا هم يتطاولون على أنبياء الله وأوليائه، ويعملون بالمعاصي والفساد، والدعاء إلى غير عبادة الله. والبغي في اللغة: الترامي إلى الفساد، يقال: بغى الجرح بغيا إذا ترامى إلى الفساد، وبغت المرأة إذا فسدت.
قوله تعالى: { يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا } أي إنما ظلمكم وتطاولكم يعود ضرره عليكم، ويرجع وباله إليكم، وقوله تعالى: { متاع الحياة الدنيا } أي هو تمتع قليل في الدنيا، ومتاع يذهب ويفنى، ويجوز أن يكون قوله: { متاع الحياة الدنيا } خبر لقوله { إنما بغيكم على أنفسكم } أي لا يتهيأ لكم إلا أن يبغي على بعض في مدة يسيرة من الدنيا مع سرعة انقضائها، { ثم إلينا مرجعكم }؛ بعد الموت، { فننبئكم بما كنتم تعملون }؛ وقرأ حفص (متاع) بالنصب على المصدر.
يونس 10:24
قوله تعالى: { إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الأرض }؛ معناه: إنما صفة حياة الناس الدنيا وهي الحياة الأولى، صفة ما أنزل الله فينبت به أنواع النبات، واختلط بعضه إلى بعض؛ لأن المطر يختلط بالنبات ويدخل في خلاله. قوله تعالى: { مما يأكل الناس والأنعام }؛ أي مما يصير إلى الناس من الحبوب والثمار، وبعضه علفا للدواب من العشب والكلإ.
قوله تعالى: { حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت }؛ أي زينها من النبات، والزخرف: حسن الشيء، وقوله { وازينت } أي تزينت بنباتها وأثمارها من الأحمر والأصفر والأخضر وسائر الألوان التي لا غاية لها في الحسن بعدها.
قوله تعالى: { وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ }؛ حسب أهلها إدراك الانتفاع بها. قوله تعالى: { أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا }؛ أي أتاها عقابنا في ليل أو نهار، إما ببرد أو بصواعق محرقة أو غيرها، ويسمى العقاب أمرا؛ لأن أفعال الله سبحانه تضاف إليها بلفظ الأمر؛ لأن ذلك أدل على سرعة السكون من غير استبطاء ولا تعب.
قوله تعالى: { كأن لم تغن بالأمس }؛ أي كأن لم يكن بذلك المكان شيء من الخضر والحسن والنبات، والمغنى: هو الموضع الذي يقام فيه ويعمر، والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس بالنزول بها، كما يقال غنينا بمكان كذا إذا نزاد به، ووجه تشبيه الحياة الدنيا بالمطر الذي ينزل فينبت به النبات، ثم يقضى فينقطع أنه كما لا يبقى من ذلك شيء من ذلك النبات، كذلك المتمسك بالدنيا أقوى ما ينتهي إليه أمر دنياه يأتيه الموت.
وقرأ ابن مسعود وتزينت، وقرأ أبو عثمان الشهدي والضحاك (وازانت) على وزن (احمارت)، وقرأ أبو رجاء والشعبي والحسن (وازينت) على مثال (افعلت) مقطوعة الألف ساكنة الزاي، قال قطرب معناه: (أتت بالزينة) كما يقال: اذكرت المرأة وأنثت إذا أتت بالذكور والإناث.
قوله تعالى: { كذلك نفصل الآيات }؛ أي كما فصلناكم، فكذلك نبين الآيات في القرآن، { لقوم يتفكرون }؛ في أمر الدنيا والآخرة، وإنما خص بذلك من يتفكر؛ لأن الغافل عن ذلك والمتغافل لا يكاد ينتفع بهذه الأمور، بل هو كالأنعام وأضل.
يونس 10:25
قوله تعالى: { والله يدعوا إلى دار السلام }؛ قال ابن عباس: (والله يدعو إلى عمل الجنة)، وقال: (الله السلام، وداره الجنة) { ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم }؛ أي يكرم من يشاء بالكرامة وبالهداية إلى دين القيم، قائم برضاء الله وهو الإسلام، ويقال: معنى دار السلام الدار التي يسلم أهلها عن الآفات والأمراض والهرم والموت، والسلام بمعنى كالرضاع والرضاعة.
يونس 10:26
قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }؛ أي للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة ولذاتها. قوله تعالى: { وزيادة } روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال حين تلا هذه الآية: (أتدرون ما الزيادة؟ قالوا: ما هي يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى).
وعلى هذا القول حذيفة وأبو موسى وصهيب وعبادة بن الصامت وكعب ابن عجرة وعامر بن سعيد والحسن وعكرمة وأبو الجوزاء والضحاك والسدي وعطاء ومقاتل، وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا دخل أهل الجنة نودوا: أن أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا لم تروه، فيقولون: وما هو؟! ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب وينظرون إليه عز وجل، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم منه ".
وقال ابن عباس: (للذين أحسنوا الحسنى؛ أي للذين شهدوا أن لا إله إلا الله الجنة)، وروى عطية: (أن الحسنى هي الواحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة التضعيف عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف).
وقيل: الحسنى النصرة، والزيادة النظر، قال الله تعالى:
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
[القيامة: 22-23]، وعن علي رضي الله عنه قال: (الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة، لها أربعة أبواب)، ويقال: الزيادة رضا الرب، كما روي أن أهل الجنة يؤتون بالتحف والكرامات ويقول لهم رسول رب العزة (إن الله تعالى يقول لكم: قد رضيت عنكم فهل رضيتم عني؟).
قوله تعالى: { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون }؛ أي لا يعلو وجوههم ولا يلحقها سواد وهو كسوف الوجه (وذلة) أي ولا هوان ولا حزن، ولا يكون نعيم الجنة كنعيم الدنيا، ولا يشوبه التنغيص ولا التنكيد. والرهق في اللغة هو الرهوق ومنه قولهم للصبي إذا قارب البلوغ: مراهق؛ أي قارب أن يبلغ الاحتلام. والقتر: غبرة فيها سواد. وقرأ الحسن (قتر) بإسكان التاء، وهما لغتان. وباقي الآية ظاهر المعنى.
يونس 10:27
قوله تعالى: { والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها }؛ معناه: والذين أبوا طاعة الله في ما أمرهم به ونهاهم عنه، يجازيهم الله بما يستحقونه على العقوبة، ولا يجازيهم بأكثر من الاستحقاق، بخلاف الطاعة فإنه تعالى قد يتفضل على المطيع بزيادة الأجر، فإنه كان يجوز أن يتصل ابتداء بتلك الزيادة، والجزاء مرفوع بإضمار، كقوله
ففدية
[البقرة: 196] أي فعليه ذلك، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء خبر { بمثلها } أي مثل، الباء فيه زائدة.
قوله تعالى: { وترهقهم ذلة }؛ أي يعلوهم كآبة وكسوف وهوان؛ لأن العقاب لا يكون عقابا بمجرد الألم، وإنما يكون عقابا بما يقارنه بإرادة الإذلال والإهانة. قوله تعالى: { ما لهم من الله من عاصم }؛ أي ما لهم من حافظ يدفع عنهم عقاب الله. وقوله تعالى: { من عاصم } من هاهنا صلة.
وقوله: { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما }؛ أي كأنما ألبست وجوهم قطعا من الليل، أكثر القراءة على فتح الطاء وهو جمع قطعة، ويكون { مظلما } على هذه القراءة نصبا على الحال، والقطع دون النعت كأنه أراد قطعا من الليل المظلم، فلما حذف الألف واللام نصب على القطع. ويجوز أن يكون حالا؛ أي قطعا من الليل في حال الظلمة.
وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب (قطعا) ساكنة الطاء؛ أي بعضا كقوله تعالى:
بقطع من اليل
[الحجر: 65] ويكون { مظلما } نعتا للقطع، وقوله تعالى: { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }؛ ظاهر المعنى.
قال ابن عباس رضي الله عنه: (نزلت هذه الآية في أهل الشرك). وقوله: { جزآء سيئة بمثلها } أي قصاص الشرك بالله النار، ليس في النار زيادة على جزاء المثل، إذ لا ذنب أعظم من الشرك، ولا عقاب أشد من النار، كما قال تعالى:
جزآء وفاقا
[النبأ: 26]. وقال صلى الله عليه وسلم:
" أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم إلى يوم القيامة، وإن لونها أشد سوادا من القبر في عينين خضراوين، وأهلها سود، فكذلك طعامها وشرابها، والذي نفس محمد بيده، لو اطلع رجل من أهلها على الأرض لاسودت بها الأرض من شدة سواده ".
يونس 10:28
قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا }؛ أي يوم نجمعهم جميعا من قبورهم إلى المحشر للفصل بينهم. ونحشر في اللغة: جمع الحيوان من كل مكان. قوله تعالى: { ثم نقول للذين أشركوا }؛ أي نقول للذين أشركوا في عبادتهم مع الله غيره، وأشركوا في أموالهم كما أخبر الله عنهم بقوله
هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا
[الأنعام: 136].
وقوله تعالى: { مكانكم أنتم وشركآؤكم }؛ أي يقال لهم: قفوا أنتم وآلهتكم، وهذه كلمة تهديد، كما يقال للغير: مكانك؛ أي الزم مكانك حتى تنتظر ماذا حل بك بسوء صنيعك، وحتى نفصل بينك وبين خصمك.
قوله تعالى: { فزيلنا بينهم }؛ أي ففرقنا بين الكفار وبين آلهتهم في القول بالاختلاف الذي يكون بينهم، وليس هذا من الإزالة ولكنه من قولك: أزلت الشيء عن مكانه أزله أزيلا، والترسل الكثيرة من هذا الباب، والمزايلة المفارقة.
قوله تعالى: { وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون }؛ معناه: إن الله يسأل الأصنام التي عبدوها: هل أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيقولون للذين كانوا يعبدونها ردا عليهم: { ما كنتم إيانا تعبدون } بأمرنا ولم نعلم بعبادتكم، ولم يكن فينا روح فنفعل بعبادتكم، فيقول الكفار: بلى قد عبدناكم، وأمرتمونا فأطعناكم، فتقول الأصنام، كما قال تعالى: { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم }؛ أي كفى بالله فاصلا للحكم بيننا وبينكم، { إن كنا عن عبادتكم لغافلين }؛ لا نعلم شيئا من ذلك. والفائدة في اختصار الأصنام أن يظهر الله للمشركين ضعف معبودهم، وليزيدهم ذلك حسرة على عبادتهم.
يونس 10:29
قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا }؛ أي يوم نجمعهم جميعا من قبورهم إلى المحشر للفصل بينهم. ونحشر في اللغة: جمع الحيوان من كل مكان. قوله تعالى: { ثم نقول للذين أشركوا }؛ أي نقول للذين أشركوا في عبادتهم مع الله غيره، وأشركوا في أموالهم كما أخبر الله عنهم بقوله
هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا
[الأنعام: 136].
وقوله تعالى: { مكانكم أنتم وشركآؤكم }؛ أي يقال لهم: قفوا أنتم وآلهتكم، وهذه كلمة تهديد، كما يقال للغير: مكانك؛ أي الزم مكانك حتى تنتظر ماذا حل بك بسوء صنيعك، وحتى نفصل بينك وبين خصمك.
قوله تعالى: { فزيلنا بينهم }؛ أي ففرقنا بين الكفار وبين آلهتهم في القول بالاختلاف الذي يكون بينهم، وليس هذا من الإزالة ولكنه من قولك: أزلت الشيء عن مكانه أزله أزيلا، والترسل الكثيرة من هذا الباب، والمزايلة المفارقة.
قوله تعالى: { وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون }؛ معناه: إن الله يسأل الأصنام التي عبدوها: هل أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيقولون للذين كانوا يعبدونها ردا عليهم: { ما كنتم إيانا تعبدون } بأمرنا ولم نعلم بعبادتكم، ولم يكن فينا روح فنفعل بعبادتكم، فيقول الكفار: بلى قد عبدناكم، وأمرتمونا فأطعناكم، فتقول الأصنام، كما قال تعالى: { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم }؛ أي كفى بالله فاصلا للحكم بيننا وبينكم، { إن كنا عن عبادتكم لغافلين }؛ لا نعلم شيئا من ذلك. والفائدة في اختصار الأصنام أن يظهر الله للمشركين ضعف معبودهم، وليزيدهم ذلك حسرة على عبادتهم.
يونس 10:30
قوله تعالى: { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت }؛ من قرأ (يبلو) بالياء فالمعنى فنخبر كل نفس ما قدمت من خير أو شر، ومن قرأ (تبلو) بالتاء فالمعنى تقرأ كل " نفس " كتاب عملها. ويجوز أن يكون معناه: تتبع كل نفس جزاء عملها، و { هنالك } من الظروف، أصله هناك، واللام زائدة والكاف للمخاطبة، وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف.
وقوله تعالى: { وردوا إلى الله مولاهم الحق }؛ أي ردوا إلى جزاء الله وإلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه أحد إلا الله، والحق هو الذي يكون معنى اللفظ حاصلا فيه على الحقيقة، والله تعالى حق لأن الإلهية حاصلة له على الحقيقة؛ لاقتداره على جميع الأشياء. قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون }؛ وبطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب بالأصنام أنها آلهة وأنها تشفع عند الله.
يونس 10:31
قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السمآء }؛ أي قل لكفار مكة: من يرزقكم من السماء المطر؛ ومن { والأرض }؛ النبات والثمار، { أمن يملك } يقدر على أن يخلق لكم، { السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت }؛ أي من يخرج الحي من النطفة، { ويخرج الميت من الحي }؛ أي من يخرج النطفة من الحي، والفرخ من البيضة، والبيضة من الفرخ، والسنبلة من الحبة، والحبة من السنبلة، { ومن يدبر الأمر }؛ أمر العباد على وجه الحكمة، { فسيقولون الله }؛ فيعرفون بالله تعالى هو الذي يفعل هذه الأشياء، وأن الأصنام لا تقدر على شيء من هذا، { فقل أفلا تتقون }؛ فقل لهم يا محمد: أفلا تخافون من عقاب الله، ولم تعبدون الأصنام.
يونس 10:32
قوله تعالى: { فذلكم الله ربكم الحق }؛ الذي يرزقكم من السماء والأرض، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويدبر الأمر، وهو ربكم الحق دون الأصنام الباطلة. قوله تعالى: { فماذا بعد الحق إلا الضلال }؛ أي فما يردكم عن عبادة الله وهو الحق إلى عبادة الأصنام الباطلة إلا الضلال، ومن أين { فأنى تصرفون }؛ عن الإيمان بالله وإخلاص الطاعة له بعد المعرفة.
يونس 10:33
قوله تعالى: { كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون } أي كما وجبت كلمة العذاب فيهم، وجب على كل من تمرد بالكفر، وقوله: { أنهم لا يؤمنون } يجري مجرى التعليل، كأنه قال بإصرارهم على الكفر؛ لأنه كلما كان تمردهم أكثر، كانوا في الكفر أشد ضلالة، وإلا فقد آمن كثير من الكفار، وقال ابن عباس: (وجبت كلمة العذاب عليهم وهم في صلب آدم عليه السلام).
يونس 10:34
قوله تعالى: { قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده }؛ أي قل لهم يا محمد: هل من شركائكم الذين أشركتم مع الله في العبادة من ينشئ الخلق من النطفة بعد أن لم يكن، ويجعل فيه الروح؟ قوله تعالى: { ثم يعيده } فيه اختصار؛ لأن الإعادة رد الشيء إلى الحالة الأولى، ولا يكون ذلك إلا بعد فناء، فيكون تقدير الآية: من يبدأ الخلق من النطفة، ثم يفنيه، ثم يعيده في الآخرة. { قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون }؛ أي من أين تصرفون عن الإيمان بالله وإخلاص الطاعة له.
يونس 10:35
قوله تعالى: { قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق }؛ أي قل هل من آلهتكم من يهتدي إلى الرشد، وما فيه صلاح لهم، { قل الله يهدي للحق }؛ أي الرشاد وما فيه صلاح الإنسان، يقال: هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد.
وقوله تعالى: { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى } معناه: أفمن يدعو إلى عمل الحق أحق أن يطاع ويعمل بأمره، أمن لا يهتدي طريقا إلا أن يحمل فيذهب به حيث يراد، يعني الأصنام، كأنه قال: إن " الأصنام " التي يعبدونها من دون الله لا تهتدي بأنفسها إلا أن يهدى بها عند غيرها.
واختلف القراء في قوله: { أمن لا يهدي } ، وأجودها قراءتان: (يهدي) فتح الهاء، و(يهدي) بكسر الهاء، والأصل في ذلك يهتدي أدغمت التاء في الدال، وطرح فتحها على الهاء، وكسرت الهاء لالتقاء الساكنين.
قوله تعالى: { فما لكم كيف تحكمون }؛ معناه: أي شيء لكم في عبادة الأوثان؟ فيكف تقضون لأنفسكم، فتعبدون من لا يستحق العبادة؟
يونس 10:36
قوله تعالى: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا }؛ أي ما يعبد أكثرهم الأصنام إلا تقليدا لآبائهم وقبائلهم بظن يظنونه في غير يقين، يعني أن رؤساءهم قالت لهم: إن الأصنام تشفع لهم عند الله، وأما السفلة فلا يعلمون إلا ما قالت رؤساؤهم.
وقوله تعالى: { إن الظن لا يغني من الحق شيئا }؛ أي إن الظن في موضع يمكن الوقوف فيه على العلم لا يغني عن الحق شيئا؛ لأنه لا يكون ذلك بمنزلة من عرف شيئا باليقين ثم ترك ما عرف بالظن، فإن علمه بالظن لا يغني عن عمل الحق شيئا، وعبادة الصنم بالظن لا تغني من عذاب الله شيئا. قوله تعالى: { إن الله عليم بما يفعلون }؛ وعيد لهم على كفرهم.
يونس 10:37
قوله تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله }؛ هذا جواب عن دعواهم على النبي صلى الله عليه وسلم الافتراء على الله وقولهم: إئت بقرآن غير هذا أو بدله، معناه: إن القرآن كلام الله في أعلا طبقات البلاغة بحسن النظام، فليس هذا مما يقدر أحد أن يفتريه على الله، { ولكن تصديق }؛ الكتب المنزلة، { الذي بين يديه } ، من التوراة والإنجيل والزبور؛ لمجيئه شاهدا لها بالصدق، وبكونه مصادقا بما تضمنته تلك الكتب من البشارة.
ويجوز أن يكون معنى التصديق لما { بين يديه } أي التصديق بما بين يدي القرآن من البعث والنشور والحساب. قوله تعالى: { وتفصيل الكتاب }؛ معناه: وتبيين المعاني المختلفة من الحلال والحرام والأمر والنهي، { لا ريب فيه }؛ أي لا شك فيه أنه حق، { من رب العالمين }.
يونس 10:38
قوله تعالى: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله }؛ معناه: بل يقولون: إن محمدا اختلق هذا القرآن من تلقاء نفسه! قل يا محمد: إن كان هو اختلقه فأتوا بسورة من مثل " سور " القرآن، فإنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم وتعلم اللغة منهم، فإذا لم يأتوا مع حرصهم على تكذيبه وإبطال أمره، دل أن مثله غير مقدور للبشر. ومعنى الآية: فلو قدر هو على افتراء القرآن لقدرتم أنتم على الإتيان بسورة مثله.
قوله تعالى: { وادعوا من استطعتم من دون الله }؛ أي استعينوا على الإتيان بسورة مثل القرآن بكل من قدرتم عليه، { إن كنتم صادقين }؛ أن محمدا اختلقه من تلقاء نفسه، فإن العادة لم تجر بأن يستبد إنسان بالافتراء على كلام لا يقدر أحد أن يأتي بمثله.
فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فلم يجيبوا، فأنزل الله:
قوله تعالى: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه }؛ أي بل كذبوا بما لم يدركوا من كيفية ترتيبه ونظمه، وما فيه من الجنة والنار والبعث والقيامة والثواب والعقاب، { ولما يأتهم تأويله }؛ أي ولم يأتهم بعد حقيقة ما وعدوا في الكتاب مما يؤول إليه أمرهم من العقوبة والعذاب على التكذيب.
قوله تعالى: { كذلك كذب الذين من قبلهم }؛ أنبياءهم من البعث، { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين }؛ يعني أن عاقبتهم العذاب والهلاك بتكذيبهم، كذلك يكون عاقبة هؤلاء.
يونس 10:39
قوله تعالى: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله }؛ معناه: بل يقولون: إن محمدا اختلق هذا القرآن من تلقاء نفسه! قل يا محمد: إن كان هو اختلقه فأتوا بسورة من مثل " سور " القرآن، فإنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم وتعلم اللغة منهم، فإذا لم يأتوا مع حرصهم على تكذيبه وإبطال أمره، دل أن مثله غير مقدور للبشر. ومعنى الآية: فلو قدر هو على افتراء القرآن لقدرتم أنتم على الإتيان بسورة مثله.
قوله تعالى: { وادعوا من استطعتم من دون الله }؛ أي استعينوا على الإتيان بسورة مثل القرآن بكل من قدرتم عليه، { إن كنتم صادقين }؛ أن محمدا اختلقه من تلقاء نفسه، فإن العادة لم تجر بأن يستبد إنسان بالافتراء على كلام لا يقدر أحد أن يأتي بمثله.
فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فلم يجيبوا، فأنزل الله:
قوله تعالى: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه }؛ أي بل كذبوا بما لم يدركوا من كيفية ترتيبه ونظمه، وما فيه من الجنة والنار والبعث والقيامة والثواب والعقاب، { ولما يأتهم تأويله }؛ أي ولم يأتهم بعد حقيقة ما وعدوا في الكتاب مما يؤول إليه أمرهم من العقوبة والعذاب على التكذيب.
قوله تعالى: { كذلك كذب الذين من قبلهم }؛ أنبياءهم من البعث، { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين }؛ يعني أن عاقبتهم العذاب والهلاك بتكذيبهم، كذلك يكون عاقبة هؤلاء.
يونس 10:40
قوله تعالى: { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به }؛ قال ابن عباس: (يعني ومن اليهود من يؤمن بالقرآن في المستقبل، ومنهم من يصر على كفره فلا يؤمن به)، { وربك أعلم بالمفسدين }؛ باليهود من يؤمن ومن لا يؤمن، وقال مقاتل: (نزلت في أهل مكة). وقيل: في الآية إشارة إلى أنه لولا أن الله تعالى علم أن منهم من سيؤمن في المستقبل لأهلكهم جميعا في الحال.
يونس 10:41
قوله تعالى: { وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم }؛ أي إن كذبك قومك في ما أتيتهم به فقل: لي جزاء عملي، ولكم جزاء أعمالكم، { أنتم بريئون ممآ أعمل }؛ من جزاء عملي، { وأنا بريء مما تعملون }؛ من جزاء أعمالكم، وكان هذا القول مع النبي صلى الله عليه وسلم على جهة حسن العشرة معهم لا لأنه كان شاكا في جزاء عمله وجزاء عملهم، وقال الكلبي ومقاتل: (هذه الآية منسوخة بآية الجهاد).
يونس 10:42
قوله تعالى: { ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون }؛ قال ابن عباس: (نزلت في يهود المدينة، كانوا يبلغون مكة فيأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسألونه ويستمعون قراءته فيعجبهم ذلك ويشتهونه؛ ثم تغلب عليهم الشقاوة فلا يؤمنون به). والمعنى: ومنهم من يستمع إليك وهو في المعنى كأنه متفكر في ما تقول وهو غير متفكر فيه.
يونس 10:43
قوله تعالى: { ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون }؛ نظر من هو في الظاهر مستمع إلى كلامك، وطالب الانتفاع به، وليس في الحقيقة كذلك، قوله:
أفأنت تسمع الصم
[يونس: 42] أي كما لا يقدر أن يسمع كلامك الصم، فكذلك لا يقدر على أن ينتفع من كلامك غير طالب الانتفاع به، وكما أنك لا تقدر على أن تبصر العمي، فكذلك لا تقدر على أن تنفع بما يأتي من الأدلة من ينظر ولا يطلب الانتفاع بها. وفي الآية ما يدل على تفضيل السمع على البصر؛ لأنه تعالى ذكر مع الصم فقدان العقل، ولم يذكر مع العمى إلا فقدان البصر.
يونس 10:44
قوله تعالى: { إن الله لا يظلم الناس شيئا }؛ أي لا ينقص من حسناتهم، ولا يزيد في سيئاتهم ما يمنعهم الانتفاع بكلامه وأدلته، { ولكن الناس أنفسهم يظلمون }؛ بأن لا يطلبوا الانتفاع به ويعرضوا عن التفكر فيه، أخبر الله في هذه الآية أن تقدير الشقاوة عليهم لم يكن ظلما منه؛ لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء، وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الفعل منسوب إليهم وإن كان القضاء من الله عز وجل.
يونس 10:45
قوله تعالى: { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم }؛ أي ويوم يجمعهم في الموقف كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من النهار، وفي هذا بيان أن المكث في الدنيا وإن طال، كان في جنب الآخرة بمنزلة ساعة من النهار. قوله تعالى: { يتعارفون بينهم } أي يعرف بعضهم بعضا، ويكون في معرفة بعضهم لبعض حسرة على من ضل بقيام الحجة عليهم.
وقال ابن عباس: (وذلك حين يخرجون من قبورهم ثم تنقطع المعرفة)، وقيل: معناه: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة من نهارهم، وقال الضحاك: (قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم، فصار كالساعة من النهار لهول ما استقبلوا من آخر البعث والقيامة، يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضا، يقول كل كافر لآخر: أنت أضللتني يوم كذا، وأنت أورثتني دخول النار بما علمتني وزينته لي). قوله تعالى: { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله }؛ أي غبن الذين كذبوا بالبعث بعد الموت بذهاب الدنيا والآخرة عنهم، { وما كانوا مهتدين }.
يونس 10:46
قوله تعالى: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم }؛ في الآية وعد من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن ينتقم له منهم، منه في حياته أو بعد مماته، قال المفسرون: كانت وقعة بدر مما أراه الله في حال حياته مما أوعد المشركين من العذاب { أو نتوفينك } قبل أن نريك، { فإلينا مرجعهم } بعد الموت فيجزيهم بأعمالهم.
قال الزجاج: (أعلم الله أنه إن لم ينتقم منهم في العاجل انتقم منهم في الآجل). وقوله تعالى: { فإلينا مرجعهم } أي لا يفوتوننا ولا يعجزوننا. وعن ابن عباس قال:
" نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: إن ربي أمرني أن لا أفارقك اليوم حتى ترضى، فهل رضيت؟ قال: " نعم؛ أراني بعض ما أوعدهم فله الحمد على ذلك " "
وقوله تعالى: { ثم الله شهيد على ما يفعلون }؛ من محاربتك وتكذيبك.
يونس 10:47
قوله تعالى: { ولكل أمة رسول }؛ أي لكل أمة من الأمم رسول يدعوهم إلى ما أمرهم الله به ونهاهم عنه، ويبشرهم بالجنة ويخوفهم بالنار، { فإذا جآء رسولهم } يوم القيامة شاهد عليهم بأعمالهم { قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون }؛ بالعدل فيوفى كل إنسان جزاء عمله لا ينقص من ثواب محسن، ولا يزاد على عقاب مسيء.
كما روي في الخبر:
" أن الله تعالى يقول للأمم المكذبة يوم القيامة: ألم يأتكم رسلي بكتابي فيه حلالي وحرامي؟ فيقولون: ما أتانا رسول ولا كتاب! ثم يؤتى بالرسول الذي أرسل إليهم فيقول: بل يا رب قد أبلغتهم كتابك ورسالتك. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول الملائكة: نحن نشهد قد أبلغهم رسالتك وكتابك، فيقولون: يا ربنا هؤلاء خلقك يشهدون لك بما شئت! فيختم الله على ألسنتهم ويأذن لجوارحهم في الكلام، فيشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ".
يونس 10:48
قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }؛ أي يقول الكفار: وقت لنا وقتا بمجيء هذا الوعد الذي وعدتنا به من العذاب إن كنت من الصادقين أن العذاب ينزل بنا.
يونس 10:49
قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شآء الله }؛ أي قل يا محمد: لا أقدر لنفسي على دفع ضر وجر نفع إلا ما شاء الله أن يقدر لي عليه، فكيف أقدر لكم. { لكل أمة أجل }؛ أي وقت مضروب، { إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون }؛ بعد الأجل ولا يتقدمون.
يونس 10:50
قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون }؛ أي قل لهم يا محمد: إن أتاكم عذاب الله ليلا أو نهارا ما الذي يستعجل من العذاب المشركون، أي كيف يصنعون وكيف يقبل منكم إيمانكم وهو إيمان الإنجاء إذا نزل بهم العذاب.
يونس 10:51
قوله تعالى: { أثم إذا ما وقع آمنتم به }؛ الألف في أول هذه الآية ألف استفهام، ذكرت على جهة الإنكار، والمعنى إذا نزل عليكم العذاب آمنتم به؟ قالوا: نعم، قل لهم يا محمد: { الآن }؛ تؤمنون { وقد كنتم به تستعجلون }؛ وهو العذاب الدائم الذي لا ينقطع، { ثم قيل }؛ أي يقولون، { للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون }؛ أي تعملون في الدنيا.
يونس 10:52
قوله تعالى: { أثم إذا ما وقع آمنتم به }؛ الألف في أول هذه الآية ألف استفهام، ذكرت على جهة الإنكار، والمعنى إذا نزل عليكم العذاب آمنتم به؟ قالوا: نعم، قل لهم يا محمد: { الآن }؛ تؤمنون { وقد كنتم به تستعجلون }؛ وهو العذاب الدائم الذي لا ينقطع، { ثم قيل }؛ أي يقولون، { للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون }؛ أي تعملون في الدنيا.
يونس 10:53
قوله تعالى: { ويستنبئونك أحق هو }؛ ويستخبرونك يا محمد: أحق ما تعدنا من العذاب والبعث بعد الموت؟ { قل }؛ نعم وأحلف عليه { إي وربي إنه لحق }؛ إنه صدق وكائن، { ومآ أنتم بمعجزين }؛ الله عن إحلال العذاب بكم، ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى { أحق } هو دين الإسلام؟ قال الزجاج: (معنى قوله: (أي وربي): نعم إنه لحق؛ أي إن العذاب نازل بكم).
يونس 10:54
قوله تعالى: { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب }؛ أي لو أن كل إنسان ظالم كان له ما في الأرض جميعا لافتدى به من عذاب الله، ثم لا ينفعه ذلك ولا يقبل منه. قوله تعالى: { وأسروا الندامة } أي أسر القادة الندامة عن الأتباع حين رأوا العذاب، والمعنى: أخفى الرؤساء في الكفر الندامة عن الذين أضلوهم وستروها عنهم، هذا قول عامة المفسرين.
وقال أبو عبيد: (الإسرار من الأضداد، يقال: أسررت الشيء إذا أخفيته، وأسررته إذا أعلنته) قال: (من الإعلان قوله تعالى: { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي أظهروها). قيل: معناه: وأخلصوا الندامة، والإسرار الإخلاص. قوله تعالى: { وقضي بينهم بالقسط }؛ أي قضي بين الخلائق كلهم بالعدل، { وهم لا يظلمون }؛ بأن لا يزاد على عذاب المسيء على قدره المستحق.
يونس 10:55
قوله تعالى: { ألا إن لله ما في السماوات والأرض }؛ لا يقدر أحد على منعه من إحلال العقاب بمملوكه، { ألا إن وعد الله حق }؛ بإحلال العقاب بالمجرمين، { ولكن أكثرهم لا يعلمون * هو يحيي ويميت وإليه ترجعون }.
يونس 10:56
قوله تعالى: { ألا إن لله ما في السماوات والأرض }؛ لا يقدر أحد على منعه من إحلال العقاب بمملوكه، { ألا إن وعد الله حق }؛ بإحلال العقاب بالمجرمين، { ولكن أكثرهم لا يعلمون * هو يحيي ويميت وإليه ترجعون }.
يونس 10:57
قوله تعالى: { يأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما في الصدور }؛ يعني قريشا، والموعظة القرآن، والمواعظة التي تدعو إلى الصلاح، { وشفآء لما في الصدور } أي دواء لذوي الجهل، والقرآن مزيل للجهل وكاشف لعماء القلوب، { وهدى }؛ وبيان من الضلالة، { ورحمة للمؤمنين }؛ أي ونعمة من الله لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعنى الموعظة الإيابة بما يدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة. ومعنى الشفاء ما يجده من يستدل إعجاز القرآن من الروح بزوال الشرك والتشبيه، وهو شرح الصدر الذي ذكره الله بقوله:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]. ومعنى (الهدى) بيان الشرائع من الحلال والحرام والفرض والندب والإيابة. وأما الرحمة فهي الإنعام على المحتاج بدليل أن ملكا لو أهدى إلى ملك لم يكن له منه رحمة عليه، وأما تخصيص المؤمنين بالرحمة؛ فلأنهم هم الذين ينتفعون بنعم الدين.
يونس 10:58
قوله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا }؛ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: (فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن) وهذا قول عامة المفسرين. وعن أبي سعيد الخدري قال في معنى هذه الآية: (فضل الله القرآن، ورحمته جعلكم من أهله) والمعنى: قل يا محمد لأصحابك: بالقرآن الذي أكرمك الله به والإسلام الذي وفقكم له فافرحوا، { هو خير مما يجمعون } يجمع اليهود والمشركون من الأموال.
وقرأ بعضهم (فلتفرحوا) و(تجمعون) كلاهما بالتاء المخاطبة. وعن محمد بن كعب القرظي قال: (إذا عملت عملا رجاء ثواب الله فافرح، فإنه خير لك مما يجمع أهل الدنيا).
يونس 10:59
قوله تعالى: { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق }؛ أي قل يا محمد لأهل مكة: أرأيتم ما أنزل الله لكم في الكتاب من رزق جعله لكم حلالا طيبا من الأنعام والحرث، { فجعلتم منه حراما وحلالا }؛ أي جعلتم البحائر والسوائب حلالا للرجال منفعة، وحراما على النساء، وجعلتم لآلهتكم من الحرث نصيبا فحرمتموه على النساء، وأحللتموه للرجال، والله سبحانه لم يحرم شيئا من ذلك، { قل }؛ لهم يا محمد: { ءآلله أذن لكم }؛ أمركم بتحريمه، { أم على الله تفترون }؛ تختلقون الكذب، يعني: بينوا الحجة في ذلك، وإلا فأنتم تفترون على ربكم.
ثم أوعدهم على الكذب فقال: { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة }؛ أي ما ظن الذين يكذبون على الله في التحليل والتحريم ماذا يفعل بهم يوم القيامة، أتظنون أن الله لا يعاقبهم على افترائهم عليه؟ قوله تعالى: { إن الله لذو فضل على الناس }؛ أي لذو من عليهم بتأخير العذاب عنهم، { ولكن أكثرهم لا يشكرون }؛ نعم الله.
يونس 10:60
قوله تعالى: { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق }؛ أي قل يا محمد لأهل مكة: أرأيتم ما أنزل الله لكم في الكتاب من رزق جعله لكم حلالا طيبا من الأنعام والحرث، { فجعلتم منه حراما وحلالا }؛ أي جعلتم البحائر والسوائب حلالا للرجال منفعة، وحراما على النساء، وجعلتم لآلهتكم من الحرث نصيبا فحرمتموه على النساء، وأحللتموه للرجال، والله سبحانه لم يحرم شيئا من ذلك، { قل }؛ لهم يا محمد: { ءآلله أذن لكم }؛ أمركم بتحريمه، { أم على الله تفترون }؛ تختلقون الكذب، يعني: بينوا الحجة في ذلك، وإلا فأنتم تفترون على ربكم.
ثم أوعدهم على الكذب فقال: { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة }؛ أي ما ظن الذين يكذبون على الله في التحليل والتحريم ماذا يفعل بهم يوم القيامة، أتظنون أن الله لا يعاقبهم على افترائهم عليه؟ قوله تعالى: { إن الله لذو فضل على الناس }؛ أي لذو من عليهم بتأخير العذاب عنهم، { ولكن أكثرهم لا يشكرون }؛ نعم الله.
يونس 10:61
قوله تعالى: { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه }؛ أي وما تكون في أمر من الأمور، وقال الحسن: (من شأن الدنيا وحوائجك فيها، وما تتلوا منه، أي من الله نازل منه من قرآن يوحى إليك من سورة أو آية تقرأ على أمتك).
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته داخلون فيه؛ لأن خطاب الرئيس خطاب له ولأتباعه، يدل على ذلك قوله: { ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا } أي ما تعملون أنتم جميعا يا بني آدم عامة ويا أمة محمد من خير أو شر، إلا كنا على أمركم وتلاوتكم وعملكم شهودا إذ تدخلون فيه. قال الفراء: (معناه يقول: الله تعالى شاهد على كل شيء) والمعنى ألا يعلمه فيجازيكم به. والإفاضة الدخول في العمل، وقال ابن الأنباري: (إذ تندفعون فيه) وقال ابن عباس: (إذ تأخذون فيه).
قوله تعالى: { وما يعزب عن ربك }؛ أي ما يغيب وما يبعد، { من مثقال ذرة } ، من وزن نملة حميراء صغيرة من أعمال العباد، { في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك } ولا أخف من الوزن من الذرة، { ولا أكبر } ، ولا أثقل منه، { إلا في كتاب مبين } ، إلا وهو مع علم الله تعالى ومكتوب في اللوح المحفوظ. والعزوب البعد والذهاب، ويعزب بضم الزاي وكسرها لغتان. قوله تعالى: { مثقال ذرة } أي وزن ذرة، ومثقال الشيء ما وازنه.
قال الفراء: (من نصب قوله تعالى: { أصغر } و { أكبر } فإنما أراد الخفض يتبعهما المثقال والذرة، إلا أنهما لا ينصرفان؛ لأنهما على وزن أفعل اتباع معنى المثقال؛ لأنك لو لقيت من المثقال من كان رفعا وهو كقوله: ما أتاني من أحد عاقل وعاقل، وكذلك: ما لكم من إله غيره وغيره).
وقيل: رفع على الابتداء، وخبره { إلا في كتاب } فمن قرأ (ولا أصغر ولا أكبر) بالنصب فالمعنى: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. ومن رفع المعنى: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة، ولا أصغر ولا أكبر.
يونس 10:62
قوله تعالى: { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } معناه: ألا إن أولياء الله تولاهم الله بحفظه وحياطته، لا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما اختلفوا في الدنيا، وقوله تعالى: { الذين آمنوا وكانوا يتقون }؛ تفسير أولياء الله؛ أي الذين يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ويتقون الشرك والفواحش، وعن رسول لله صلى الله عليه وسلم:
" أنه سئل عن أولياء الله فقال: " هم المتحابون في الله " "
، وعنه صلى الله عليه وسلم قال:
" هم الذين إذا رؤوا ذكر الله "
يعني إذا رآهم العامة ذكر من أجل سيماهم في وجوههم.
وسئل عيسى عليه السلام عنهم فقال: (هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، ونظروا إلى آجلها حين نظر الناس إلى عاجلها، فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله ويحبون ذكره).
يونس 10:63
قوله تعالى: { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } معناه: ألا إن أولياء الله تولاهم الله بحفظه وحياطته، لا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما اختلفوا في الدنيا، وقوله تعالى: { الذين آمنوا وكانوا يتقون }؛ تفسير أولياء الله؛ أي الذين يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ويتقون الشرك والفواحش، وعن رسول لله صلى الله عليه وسلم:
" أنه سئل عن أولياء الله فقال: " هم المتحابون في الله " "
، وعنه صلى الله عليه وسلم قال:
" هم الذين إذا رؤوا ذكر الله "
يعني إذا رآهم العامة ذكر من أجل سيماهم في وجوههم.
وسئل عيسى عليه السلام عنهم فقال: (هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، ونظروا إلى آجلها حين نظر الناس إلى عاجلها، فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله ويحبون ذكره).
يونس 10:64
قوله: { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة }؛ معناه: لهم البشرى في الحياة بالقرآن، وفي الآخرة بالجنة. ويقال: أراد بالبشرى في الدنيا بشارة الملائكة
ألا تخافوا ولا تحزنوا...
[فصلت: 30] الآية.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" " لم يبق من النبوة بعدي إلا المبشرات " قيل: وما المبشرات؟ قال عليه السلام: " الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح لنفسه " وقرأ له: " وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، فمن أري ذلك فليخبر بها " ".
قوله تعالى: { لا تبديل لكلمات الله }؛ أي لا خلف في وعد الله، وقوله تعالى: { ذلك هو الفوز العظيم }؛ أي ذلكم الذي وعدكم الله هو الثواب الوافر والنجاة الوافرة.
يونس 10:65
قوله تعالى: { ولا يحزنك قولهم }؛ أي لا يحزنك يا محمد تكذيبهم إياك وتهديدهم لك بالقتل، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على كفرهم وتكذيبهم ونسبتهم له إلى الافتراء على ربه، وقوله تعالى: { إن العزة لله جميعا }؛ استئناف كلام، ولذلك كسرت (إن)، والمعنى: فإن القوة لله جميعا يمنعهم عنك بعزته، ولا يتعذر أحد الا بإذنه وهو ناصرك وناصر دينك، و { هو السميع }؛ لمقالة الكفار { العليم }؛ بضمائرهم. ولا يجوز أن يقرأ (أن العزة) بالنصب لاستحالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحزنه قول الكفار بأن العزة لله جميعا.
يونس 10:66
قوله تعالى: { ألا إن لله من في السموت ومن في الأرض }؛ أي له من فيهما من الخلق على من لا يعقل. قوله تعالى: { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء }؛ أي ما يتبعون شركاء على الحقيقة والمعرفة، { إن يتبعون إلا الظن }؛ أي ما يدعونهم إلا بالظن بتقليد آبائهم وقول بعضهم:
ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى
[الزمر: 3] ويظنون أنها تشفع لهم يوم القيامة. قوله تعالى: { وإن هم إلا يخرصون }؛ أي ما هم إلا يكذبون في قولهم إنها تشفع لهم عند الله.
يونس 10:67
قوله: { هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا }؛ أي هو الذي جعل لكم الليل لتناموا فيه وتستريحوا عما لحقكم من النصب بالنهار، وخلق النهار مضيئا للذهاب والمجيء وطلب المعيشة، وسماه مبصرا؛ لأنه يبصر فيه كما قال رؤبة: (قد نام ليلي، وتجلى همي). قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات }؛ أي في ذلك للدلالات، { لقوم يسمعون }؛ دلائل الله، ويتفكرون فيها.
يونس 10:68
قوله تعالى: { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه }؛ أي قال الكفار: اتخذ الله ولدا، فإن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، سبحانه وتعالى؛ أي تنزيها له عن الولد، والشريك، { هو الغني } ، هو غني عن اتخاذ الولد.
قوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض }؛ معناه: إن من كان له ملك السماوات والأرض وما بينهما، فما حاجته الى اتخاذ الولد؟! وإنما يتخذ الولد ذو الضعف ليتقوى به، ويستعين به على بعض أموره، وذو الوحشة ليستأنس به، ومن يخاف الموت على نفسه، فيتخذ الولد ليخلفه في أملاكه بعد موته، والله تعالى لا يجوز عليه السرور ولا المنافع والمصارف، ولا يلحقه الموت، فهو غني عن اتخاذ الولد.
ثم طالب الكفار بالحجة والبرهان، فقال عز وجل: { إن عندكم من سلطان بهذآ }؛ أي ما عندكم من حجة وبرهان على هذا القول، ثم أنكر عليهم ذلك تبكيتا لهم فقال تعالى: { أتقولون على الله ما لا تعلمون }؛ وهذا على حجة الإنكار والرد عليهم؛ أي لم تقولون على الله ما لا علم لكم به ولا حجة لكم عليه.
يونس 10:69
قوله تعالى: { قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } أي قل يا محمد إن الذين يختلقون كذبا؛ يكذبون به على الله تعالى لا يفلحون في الدنيا بالحجة ولا بالآخرة في الثواب، ولا يسعدون في العاقبة وإن اغتروا بطول السلامة. قوله تعالى: { متاع في الدنيا }؛ رفع على معنى ذلك متاع في الدنيا يتمتعون به قليلا ثم ينقضي. وقيل: لهم متاع في الدنيا يتمتعون به أياما يسيرة، { ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد }؛ الغليظ الذي لا ينقطع، { بما كانوا يكفرون } ، أي بكفرهم بالله ورسوله.
يونس 10:70
قوله تعالى: { قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } أي قل يا محمد إن الذين يختلقون كذبا؛ يكذبون به على الله تعالى لا يفلحون في الدنيا بالحجة ولا بالآخرة في الثواب، ولا يسعدون في العاقبة وإن اغتروا بطول السلامة. قوله تعالى: { متاع في الدنيا }؛ رفع على معنى ذلك متاع في الدنيا يتمتعون به قليلا ثم ينقضي. وقيل: لهم متاع في الدنيا يتمتعون به أياما يسيرة، { ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد }؛ الغليظ الذي لا ينقطع، { بما كانوا يكفرون } ، أي بكفرهم بالله ورسوله.
يونس 10:71
قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ نوح }؛ أي إقرأ عليهم خبر نوح، { إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر عليكم }؛ ثقل عليكم وعظم، { مقامي }؛ ومكثي فيكم، { وتذكيري }؛ وعظتي لكم { بآيات الله فعلى الله توكلت }؛ به وثقت وإليه فوضت أمري، وذلك حين قالوا له:
لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين
[الشعراء: 116].
قوله تعالى: { فأجمعوا أمركم وشركآءكم }؛ أي اعزموا على أمركم مع شركائكم. وقيل: معناه: فاعزموا على أمركم، وادعوا لآلهتكم واستعينوا بهم، وأجمعوا على أمر واحد. ومن قرأ (فاجمعوا) بنصب الميم فهو من الجمع.
قوله تعالى: { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة }؛ أي يكن أمركم عليكم ظاهرا منكشفا لا يستره شيء. والغمة مأخوذة من الغمامة، ويقال الغمة الغم؛ أي لا يكون أمركم غما عليكم وفرجوا عن أنفسكم، { ثم اقضوا إلي ولا تنظرون }؛ أي امضوا بما تقصدون من القتل ولا تمهلون.
قال الزجاج: (الواو في قوله { وشركآءكم } بمعنى مع) والمعنى فاجمعوا أمركم مع شركائكم ثم لا يكون أمركم عليكم مبهما، يعني ليكن أمركم ظاهرا منكشفا لا تسترون معاداتي، ثم امضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به. معنى قضاء الشيء امضاؤه والفراغ منه، وهذا أحد معجزات نوح عليه السلام؛ لأنه كان وحيدا، وقد قرعهم بالعجز عن الوصول اليه وإلى قتله، فلم يقدروا عليه بسوء.
يونس 10:72
قوله تعالى: { فإن توليتم فما سألتكم من أجر }؛ معناه: فإن أعرضتم عن الإيمان بما جئتكم به لم يضرني إعراضكم، فإني لا أطلب منكم أجرا ولا أدعوكم إلى الإيمان لمطمع مني في مالكم، وما دعاني فيما أدعوكم عليه إلا الإيمان بالله، { إن أجري إلا على الله وأمرت }؛ أي وقد أمرني، { أن أكون من }؛ أي مع؛ { المسلمين }؛ على دينهم.
يونس 10:73
قوله تعالى: { فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك }؛ أي فنجيناه ومن معه من المؤمنين من الغرق في السفينة، { وجعلناهم خلائف }؛ أي جعل الله الذين نجوا مع نوح عليه السلام من الغرق خلفا ومكانا في الأرض من قوم أهلكوا بالتكذيب كما قال تعالى:
وجعلنا ذريته هم الباقين
[الصافات: 77] وذلك أن الناس كانوا من ذريته بعد الغرق، وهلك أهل الأرض جميعا بتكذيبهم لنوح.
قوله تعالى: { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا }؛ أي بدلالتها حسا، { فانظر }؛ يا محمد، { كيف كان عاقبة المنذرين }؛ أي كيف صار آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا، وهذا تهديد لقوم النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيبه حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذاهم كما صبر نوح عليه السلام على أذى الكفار مع قلة من معه من المؤمنين.
يونس 10:74
قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم }؛ أي ثم بعثنا من بعد نوح رسلا مثل هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم إلى قومهم، { فجآءوهم بالبينت }؛ بالحجج والبراهين، { فما كانوا ليؤمنوا }؛ ليصدقوا، { بما كذبوا به }؛ في الابتداء، والمعنى: فما كان الذين بعث إليهم الرسل ليؤمنوا بما كذبوا، { من قبل }؛ يعني قوم نوح عليه السلام؛ أي لم يصدقوا به، كما كذب قوم نوح، وكانوا مثلهم في الكفر والعنف، قوله: { كذلك نطبع على قلوب المعتدين }؛ قال ابن عباس: (يريد الله تعالى طبع على قلوبهم فأعماها فلا يبصرون سبيل الهدى). وما بعدها من الآيات:
ظاهر التفسير: { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملإيه بآيتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين * قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون }.
يونس 10:75
قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم }؛ أي ثم بعثنا من بعد نوح رسلا مثل هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم إلى قومهم، { فجآءوهم بالبينت }؛ بالحجج والبراهين، { فما كانوا ليؤمنوا }؛ ليصدقوا، { بما كذبوا به }؛ في الابتداء، والمعنى: فما كان الذين بعث إليهم الرسل ليؤمنوا بما كذبوا، { من قبل }؛ يعني قوم نوح عليه السلام؛ أي لم يصدقوا به، كما كذب قوم نوح، وكانوا مثلهم في الكفر والعنف، قوله: { كذلك نطبع على قلوب المعتدين }؛ قال ابن عباس: (يريد الله تعالى طبع على قلوبهم فأعماها فلا يبصرون سبيل الهدى). وما بعدها من الآيات:
ظاهر التفسير: { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملإيه بآيتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين * قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون }.
يونس 10:76
قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم }؛ أي ثم بعثنا من بعد نوح رسلا مثل هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم إلى قومهم، { فجآءوهم بالبينت }؛ بالحجج والبراهين، { فما كانوا ليؤمنوا }؛ ليصدقوا، { بما كذبوا به }؛ في الابتداء، والمعنى: فما كان الذين بعث إليهم الرسل ليؤمنوا بما كذبوا، { من قبل }؛ يعني قوم نوح عليه السلام؛ أي لم يصدقوا به، كما كذب قوم نوح، وكانوا مثلهم في الكفر والعنف، قوله: { كذلك نطبع على قلوب المعتدين }؛ قال ابن عباس: (يريد الله تعالى طبع على قلوبهم فأعماها فلا يبصرون سبيل الهدى). وما بعدها من الآيات:
ظاهر التفسير: { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملإيه بآيتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين * قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون }.
يونس 10:77
قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم }؛ أي ثم بعثنا من بعد نوح رسلا مثل هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم إلى قومهم، { فجآءوهم بالبينت }؛ بالحجج والبراهين، { فما كانوا ليؤمنوا }؛ ليصدقوا، { بما كذبوا به }؛ في الابتداء، والمعنى: فما كان الذين بعث إليهم الرسل ليؤمنوا بما كذبوا، { من قبل }؛ يعني قوم نوح عليه السلام؛ أي لم يصدقوا به، كما كذب قوم نوح، وكانوا مثلهم في الكفر والعنف، قوله: { كذلك نطبع على قلوب المعتدين }؛ قال ابن عباس: (يريد الله تعالى طبع على قلوبهم فأعماها فلا يبصرون سبيل الهدى). وما بعدها من الآيات:
ظاهر التفسير: { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملإيه بآيتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين * قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون }.
يونس 10:78
قوله تعالى: { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا }؛ أي قالوا لموسى عليه السلام: أجئتنا لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا، واللفت هو الصرف. قوله تعالى: { وتكون لكما الكبريآء في الأرض }؛ أي ويكون لك ولهارون السلطان والملك والشرف في أرض مصر، { وما نحن لكما بمؤمنين }؛ أي بمصدقين. وإنما سمى الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، والكبرياء استحقاق صفة الكبر في أعلى المراتب، فلهذا لا يجوز أن يوصف به أحد غير الله.
يونس 10:79
قوله تعالى: { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم }؛ أي بكل حاذق بالسحر، { فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون } قال هذا لهم على وجه التعجيز لهم، إنكم لا تقدرون على إبطال أمري، فيكون هذا أمر تعجيز كقوله تعالى:
فأتوا بسورة من مثله
[البقرة: 23] ولا يجوز أن يكون هذا أمرا بالسحر، إذ عمل السحر كفر، والأنبياء عليهم السلام لا يأمرون به.
يونس 10:80
قوله تعالى: { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم }؛ أي بكل حاذق بالسحر، { فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون } قال هذا لهم على وجه التعجيز لهم، إنكم لا تقدرون على إبطال أمري، فيكون هذا أمر تعجيز كقوله تعالى:
فأتوا بسورة من مثله
[البقرة: 23] ولا يجوز أن يكون هذا أمرا بالسحر، إذ عمل السحر كفر، والأنبياء عليهم السلام لا يأمرون به.
يونس 10:81
قوله تعالى: { فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر }؛ معناه: فلما ألقت السحرة ما جاؤا به، قال لهم موسى: الذي جئتم به السحر والخداع؛ أي الذي جئتم به سحر. ووقف بعض القراء على { ما جئتم } ثم قال: { السحر } على معنى: أي شيء جئتم به أهو السحر؟ على جهة التوبيخ لهم. قوله تعالى: { إن الله سيبطله }؛ أي يبطل عمل السحرة حتى يظهر الحق من الباطل، { إن الله لا يصلح عمل المفسدين }؛ أي لا يرضى عمل الساحرين.
يونس 10:82
قوله تعالى: { ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون }؛ أي ينصر دينه الحق بالوعد الذي وعده لموسى كما قال تعالى:
سنشد عضدك بأخيك
[القصص: 35] الى آخر الآية. ويجوز أن يكون معنى الكلمات: ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ.
يونس 10:83
قوله تعالى: { فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم }؛ أي ما صدق بموسى وبما جاء به إلا ذريته من قوم فرعون، وهم قوم كان آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرئيل، فآمنوا بموسى واتبعوا أمهاتهم وأخوالهم، ولم يسلم آباؤهم الذي كان موسى عليه السلام مبعوثا اليهم.
وقال الحسن: (أراد بقوله تعالى (إلا ذرية من قوم موسى) كان فرعون أجبرهم على تعلم السحر وجعلهم من أصحاب نفسه، فلما أسلمت السحرة وآمنوا بموسى اتبعهم هؤلاء الذرية في الإيمان). وكان يقول: (لم يؤمن من القبط أحد إلا المؤمن الذي يكتم إيمانه من فرعون وقومه).
قوله: { على خوف من فرعون وملئهم } معناه على القول الأول: آمنت به ذريته على خوف من فرعون وآبائهم وقومهم. وعلى القول الثاني: على خوف من فرعون وأشرافهم ورؤسائهم أن يعلم الأشراف أمرهم فيخبروا فرعون فيقتلهم ويعذبهم أو يصرفهم عن دينهم. وقال الزجاج: (إنما قال: { فرعون وملئهم } لأن فرعون ذا أصحاب يأتمرون به).
قوله تعالى: { وإن فرعون لعال في الأرض }؛ أي لمستكبر في أرض مصر، { وإنه لمن المسرفين }؛ في الكفر والمعاصي، والإسراف: هو التجاوز عن الحد في كل شيء. وعن محمد بن المنكدر قال: (عاش فرعون ثلاثمائة واثنين وعشرين سنة لم ير مكروها، ودعا موسى عليه السلام ثلاثين سنة).
يونس 10:84
قوله تعالى: { وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا }؛ أي قال موسى لبني إسرائيل: يا قومي إن كنتم صدقتم بالله كما تقولون فأسندوا أموركم إليه؛ { إن كنتم مسلمين } ، إن كنتم مخلصين مستسلمين لأوامره، وذلك حين قالوا لموسى:
أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا
[الأعراف: 129]. وقيل: إن موسى خاطب بالخطاب المذكور في هذه الآية الذرية التي آمنت على خوف من فرعون وملئهم.
يونس 10:85
قوله تعالى: { فقالوا على الله توكلنا }؛ أي قال موسى أسندنا أمورنا إلى الله ووثقنا به، { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين }؛ أي لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق، فيكون ذلك فتنة لهم ولغيرهم. ويقال: يعني لا يمكنهم أن ينزلوا بنا أمرا لا نطيق الصبر عليه فننصرف به عن الدين. قوله تعالى: { ونجنا برحمتك من القوم الكافرين }؛ أي خلصنا بطاعتك من استعبادهم إيانا، فاستجاب الله دعاءهم كما ذكر من بعد.
يونس 10:86
قوله تعالى: { فقالوا على الله توكلنا }؛ أي قال موسى أسندنا أمورنا إلى الله ووثقنا به، { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين }؛ أي لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق، فيكون ذلك فتنة لهم ولغيرهم. ويقال: يعني لا يمكنهم أن ينزلوا بنا أمرا لا نطيق الصبر عليه فننصرف به عن الدين. قوله تعالى: { ونجنا برحمتك من القوم الكافرين }؛ أي خلصنا بطاعتك من استعبادهم إيانا، فاستجاب الله دعاءهم كما ذكر من بعد.
يونس 10:87
قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا }؛ وذلك أن فرعون لما أتاه موسى بالرسالة أمر بمساجد بني إسرائيل فكسرت كلها وخربت، ومنعوهم من الصلاة علانية، فأنزل الله هذه الآية، وأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفا من فرعون. والمعنى: وأوحينا إليهما أن اتخذا لقومكما بمصر بيوتا، يقال: بوأه إذا عد لغيره بيتا، وتبوأ إذا اتخذ لنفسه بيتا.
قوله تعالى: { واجعلوا بيوتكم قبلة }؛ أي اجعلوها مصلى، { وأقيموا الصلاة } ، فصلوا فيها مستترين من فرعون وقومه. وقيل: معناه: واجعلوا بيوتكم مساجد. وقال الحسن: (واجعلوا بيوتكم نحو القبلة وجبال الكعبة) قال: (وكانت الكعبة قبلة موسى ومن معه من المؤمنين).
وقيل: إنما لم يذكر الله الزكاة في هذه الآية؛ لأن فرعون قد استعبدهم وأخذ أموالهم فلم يكن لهم ما يجب الزكاة فيه. قوله: { وبشر المؤمنين }؛ أي وبشرهم بالثواب في الآخرة، وبالنصر في الدنيا آجلا وعاجلا.
يونس 10:88
قوله تعالى: { وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا }؛ أي قال موسى: إنك أعطيت فرعون وملأه زينة؛ أي زهرة من المركب والحلي والثياب، وأموالا كثيرة من الدراهم والدنانير والعروض. قوله: { ربنا ليضلوا عن سبيلك }؛ أي ربنا أعطيتهم الزينة والأموال ليكون عاقبة أمرهم أن يضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا، وهذه اللام لام العاقبة كما في قوله:
فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا
[القصص: 8].
قوله: { ربنا اطمس على أموالهم }؛ معنى الطمس على الأموال تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها، وحقيقة الطمس ذهاب الشيء عن صورته بمحق الأثر. قال مجاهد وقتادة: (فغير الله أموال فرعون حتى صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة أنصافا وأثلاثا وأرباعا، وكذلك سائر أموالهم حتى السكر والفواكه). قال قتادة: (بلغنا أن حروثا لهم صارت حجارة). وقال عطاء: (لم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه، فلم ينتفع به أحد).
قوله: { واشدد على قلوبهم }؛ معناه: واربط على قلوبهم بالصبر حتى لا يتحولوا عن بلادهم إلى بلاد الخصب فيبقون في هذه العقوبة أبدا. وقيل: معناه: امنعهم عن الإيمان بك، والمعنى اطبع عليها حتى لا تلين ولا تشرح الايمان. قوله: { فلا يؤمنوا }؛ قال الزجاج والفراء: (هذا دعاء عليهم أيضا)، والتأويل فلا آمنوا، { حتى يروا العذاب الأليم }؛ يعني الغرق.
يونس 10:89
قوله تعالى: { قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما }؛ أي قال الله تعالى لموسى وهارون: قد أجبت دعوتكما، وذلك أن موسى كان يدعو بالدعاء المذكور في الآية، وكان هارون يؤمن على دعائه، فسماها الله داعين، قوله { فاستقيما } أي فاستقيما في دعاء الناس إلى الإيمان، { ولا تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون } لأن سبيلهم كان الغي والضلال، وخفف ابن عباس (تتبعان) من تبع يتبع، والنون الشديدة إنما دخلت مؤكدة للنهي.
يونس 10:90
قوله: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر }؛ يعني بحر القلزم وهو بقرب نيل مصر، جعله الله لهم يبسا حتى جاوزوه، { فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا }؛ ليبغوا عليهم، { وعدوا }؛ ويظلموهم. قوله: { حتى إذآ أدركه الغرق }؛ حتى إذا ألجم فرعون الغرق من إيمان الإنجاء فلم ينفعه ذلك، فلما، { قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين }؛ قال له جبريل: { آلآن }؛ أي تؤمن عند الغرق، { وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين }؛ بالكفر والمعاصي في وقت المهلة.
روي عن ابن عباس:
" أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو رأيتني وفرعون يدعو بكلمة الإخلاص وأنا أدسه في الماء والطين لشدة غضبي عليه مخافة أن يتوب فيتوب الله عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا جبريل وما شدة غضبك؟ " قال: يا محمد لقوله أنا ربكم الأعلى وهي كلمته الأخيرة، وإنما قالها حين انتهى إلى البحر، وكلمته الأولى: ما علمت لكم من إله غيري، وكان بين الأولى والأخرى أربعين سنة ".
وهذه الرواية صحيحة إلا قوله: (مخافة أن يتوب فيتوب الله عليه) لأنه لا يخلوا إما أن يكون التكليف ثابتا في ذلك الوقت أو غير ثابت، فإن كان ثابتا لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة، ولو منعه من التكلم باللسان لكانت ندامة فرعون بالقلب كافية في توبته؛ لأن الأخرس إذا تاب بالندم بقلبه وعزم على ترك المعاودة إلى القبيح كانت توبته صحيحة.
وإن لم يكن التكليف ثابتا في ذلك الوقت لم يكن للمنع عن التوبة معنى بوجه من الوجوه، وإنما لا يقبل الإيمان في وقت الإلجاء؛ لأن الذي يؤمن في تلك الحالة يعلم أنه لو حاول خلاف ما يؤمر به حيل بينه وبينه، فلا يكون مثابا بإعلاء ذلك الإيمان معرفته من طريق الضرورة دون الاجتهاد.
يونس 10:91
قوله: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر }؛ يعني بحر القلزم وهو بقرب نيل مصر، جعله الله لهم يبسا حتى جاوزوه، { فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا }؛ ليبغوا عليهم، { وعدوا }؛ ويظلموهم. قوله: { حتى إذآ أدركه الغرق }؛ حتى إذا ألجم فرعون الغرق من إيمان الإنجاء فلم ينفعه ذلك، فلما، { قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين }؛ قال له جبريل: { آلآن }؛ أي تؤمن عند الغرق، { وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين }؛ بالكفر والمعاصي في وقت المهلة.
روي عن ابن عباس:
" أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو رأيتني وفرعون يدعو بكلمة الإخلاص وأنا أدسه في الماء والطين لشدة غضبي عليه مخافة أن يتوب فيتوب الله عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا جبريل وما شدة غضبك؟ " قال: يا محمد لقوله أنا ربكم الأعلى وهي كلمته الأخيرة، وإنما قالها حين انتهى إلى البحر، وكلمته الأولى: ما علمت لكم من إله غيري، وكان بين الأولى والأخرى أربعين سنة ".
وهذه الرواية صحيحة إلا قوله: (مخافة أن يتوب فيتوب الله عليه) لأنه لا يخلوا إما أن يكون التكليف ثابتا في ذلك الوقت أو غير ثابت، فإن كان ثابتا لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة، ولو منعه من التكلم باللسان لكانت ندامة فرعون بالقلب كافية في توبته؛ لأن الأخرس إذا تاب بالندم بقلبه وعزم على ترك المعاودة إلى القبيح كانت توبته صحيحة.
وإن لم يكن التكليف ثابتا في ذلك الوقت لم يكن للمنع عن التوبة معنى بوجه من الوجوه، وإنما لا يقبل الإيمان في وقت الإلجاء؛ لأن الذي يؤمن في تلك الحالة يعلم أنه لو حاول خلاف ما يؤمر به حيل بينه وبينه، فلا يكون مثابا بإعلاء ذلك الإيمان معرفته من طريق الضرورة دون الاجتهاد.
يونس 10:92
قوله: { فاليوم ننجيك ببدنك }؛ أي فاليوم نلقيك على نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع؛ أي ببدنك أي بدرعك، قال ابن عباس: (كان فرعون قصيرا طوله ستة أشبار، وكانت لحيته قريبا من قامته، وكانت له درع سلاسلها من ذهب يعرفها جميع بني إسرائيل، فسألت موسى بنو إسرائيل فدعا الله فأخرجه ببدنه حتى واراه، وعرفوا الدرع فطابت أنفسهم بتلك).
ويقال: كان في بني إسرائيل من لا يصدق بهلاك فرعون، ولذلك سأل موسى عليه السلام أن يلقيه الله على نجوة من الأرض ببدنه؛ أي وحده دون قومه. وقيل: معناه: ننجيك من الماء ببدنك دون روحك، فأما روحك فتعذب على كل حال. قوله: { لتكون لمن خلفك آية }؛ أي لمن بعدك من الكفار آية في النكال، لئلا تقول لأحد بعدك مثل مقالتك، وتعرفوا أنك لو كنت إلها ما غرقت. قوله: { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون }؛ يعني لغافلون عن التفكر في دلائلنا.
يونس 10:93
قوله تعالى: { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق }؛ أي ولقد أنزلنا بني إسرائيل في موضع خصب وأمن، وهي أرض مصر ما بين أردن وفلسطين، ويقال: هي الأرض المقدسة التي ورثوها من أبيهم إبراهيم عليه السلام، وسماها منزل صدق؛ لأن فضلها على سائر المنازل كفضل الصدق على الكذب. وقيل: هم بنو قريظة والنضير أنزلناهم مبوأ صدق بين المدينة والشام من أرض يثرب، { ورزقناهم من الطيبات }؛ أي من النخل وما فيها من الرطب والتمر.
قوله: { فما اختلفوا حتى جآءهم العلم }؛ معناه أنهم لم يزالوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبا عندهم في التوارة والإنجيل لم يختلفوا في ذلك، بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم.
ومعنى الآية: ما اختلفوا في تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وإنه نبي حتى جاءهم العلم، قال ابن عباس: (يريد القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم)، وقال الفراء: (العلم محمد صلى الله عليه وسلم) لأنه كان معلوما عندهم بنعته، وذلك أن لما جاءهم اختلفوا فيه وفي تصديقه فكفر به أكثرهم).
قوله: { إن ربك }؛ يا محمد، { يقضي بينهم يوم القيامة } ، بتمييز المحق من المبطل، ويجازي كلا منهم بما يستحقه، { فيما كانوا فيه يختلفون } فيدخل المصدقين بك الجنة، ويدخل المكذبين النار.
يونس 10:94
قوله: { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جآءك الحق من ربك }؛ قال أكثر أهل العلم: هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من الشكاك، ومثل ذلك قوله تعالى:
يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين
[الأحزاب: 1] الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره بدليل قوله:
إن الله كان بما تعملون خبيرا
[النساء: 94]، ولم يقل بما تعمل، قال الزجاج: (إن الله يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الخطاب شامل للخلق، فالمعنى: فإن كنتم في شك فاسألوا).
وقال ابن عباس: (لم يرد به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يشك في الله ولا في ما أوحى إليه، لكن أراد من آمن به وصدقه في أمرهم أن يسألوا لئلا ينافقوا كما شك المنافقون). وعن ابن عباس أنه قال: (وذلك أن كفار قريش قالوا: إن هذا القرآن الذي يجيء إلى محمد ما يلقيه الشياطين إليه! فأنزل الله هذه الآية).
وأراد بالذين يقرؤون الكتاب مؤمني أهل الكتاب عبدالله بن سلام وأصحابه، فإنهم يستخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا أسأل أحدا ولا أشك فيه بل أشهد أنه الحق "
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله تعالى وأشد يقينا من أن يسألهم، وإنما التقدير: فإن كنت في شك أيها السامع مما أنزلنا على نبيك. ومن عادة العرب أنهم يخاطبون الرجل بشيء يريدون به غيره كما قالوا: إياك أعني واسمعي يا جارة.
وكانت الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مراتب: مؤمن؛ وكافر؛ وشاك، فخاطب الله بهذه الآية الشاك أمره بسؤال الذين يقرءون الكتاب من قبله عن النبي صلى الله عليه وسلم المبشر به حتى إذا وافقت صفته في الكتاب المنزل له قبل القرآن صفة النبي صلى الله عليه وسلم على الشاك هو المبشر به.
قوله: { فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين }؛ الشاكين في الحق، وما في الآية ظاهر المعنى.
يونس 10:95
قوله: { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جآءك الحق من ربك }؛ قال أكثر أهل العلم: هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من الشكاك، ومثل ذلك قوله تعالى:
يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين
[الأحزاب: 1] الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره بدليل قوله:
إن الله كان بما تعملون خبيرا
[النساء: 94]، ولم يقل بما تعمل، قال الزجاج: (إن الله يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الخطاب شامل للخلق، فالمعنى: فإن كنتم في شك فاسألوا).
وقال ابن عباس: (لم يرد به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يشك في الله ولا في ما أوحى إليه، لكن أراد من آمن به وصدقه في أمرهم أن يسألوا لئلا ينافقوا كما شك المنافقون). وعن ابن عباس أنه قال: (وذلك أن كفار قريش قالوا: إن هذا القرآن الذي يجيء إلى محمد ما يلقيه الشياطين إليه! فأنزل الله هذه الآية).
وأراد بالذين يقرؤون الكتاب مؤمني أهل الكتاب عبدالله بن سلام وأصحابه، فإنهم يستخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا أسأل أحدا ولا أشك فيه بل أشهد أنه الحق "
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله تعالى وأشد يقينا من أن يسألهم، وإنما التقدير: فإن كنت في شك أيها السامع مما أنزلنا على نبيك. ومن عادة العرب أنهم يخاطبون الرجل بشيء يريدون به غيره كما قالوا: إياك أعني واسمعي يا جارة.
وكانت الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مراتب: مؤمن؛ وكافر؛ وشاك، فخاطب الله بهذه الآية الشاك أمره بسؤال الذين يقرءون الكتاب من قبله عن النبي صلى الله عليه وسلم المبشر به حتى إذا وافقت صفته في الكتاب المنزل له قبل القرآن صفة النبي صلى الله عليه وسلم على الشاك هو المبشر به.
قوله: { فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين }؛ الشاكين في الحق، وما في الآية ظاهر المعنى.
يونس 10:96
قوله تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون } معناه: إن الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون، { ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم }؛ فيصيرون ملجئين إلى الإيمان، فلم يقبل منهم الإيمان حينئذ.
قوله: { فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها }؛ أي هلا كانت قرية آمنت عند نزول العذاب فنفعها إيمانها وقبل منهم، { إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي }؛ لما آمنوا وعلم الله منهم الصدق صرف عنهم عذاب الهون، { في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين }؛ آجالهم المضروبة لهم.
وعن ابن عباس: (معنى قوله { فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس } والمعنى: لم أفعل هذا بأمة قط إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم، فتكون (لولا) معناها النفي. وقال قتادة: (لم يكن هذا معروفا لأمة من الأمم كفرت، ثم آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم إلا قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم).
قوله تعالى: { ومتعناهم إلى حين } آجالهم، وذلك: أن يونس عليه السلام. بعثه الله إلى قومه، فدعاهم إلى طاعة الله وترك الكفر فأبوا، قال: رب فدعوتهم فأبوا، فأوحى الله إليه: أن ادعوهم فإن أجابوك، وإلا فأعلمهم بأن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام. فدعاهم فلم يجيبوا، فأخبرهم بالعذاب وخرج من بينهم، فقالوا: ما جربنا عليه كذبا مذ كان، فاحتالوا لأنفسكم.
فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسوادا من السماء كهيئة النار والدخان، فجعلوا يطلبون يونس فلم يجدوا، فلما يئسوا من يونس وجعل يحط السواد والحمرة، فقال قائل منهم: فإن لم تجدوا يونس فإنكم تجدوا رب يونس، فادعوه وتضرعوا إليه.
فخرجوا إلى الصحراء، وأخرجو النساء والصبيان والبهائم، وعجوا إلى الله مؤمنين به، وارتفعت الأصوات، وقربت منهم الحمرة والدخان حتى غشي السواد سطوحهم وبلغهم حر النار، فلما علم الله منهم صدق التوبة رفع عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم.
يونس 10:97
قوله تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون } معناه: إن الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون، { ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم }؛ فيصيرون ملجئين إلى الإيمان، فلم يقبل منهم الإيمان حينئذ.
قوله: { فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها }؛ أي هلا كانت قرية آمنت عند نزول العذاب فنفعها إيمانها وقبل منهم، { إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي }؛ لما آمنوا وعلم الله منهم الصدق صرف عنهم عذاب الهون، { في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين }؛ آجالهم المضروبة لهم.
وعن ابن عباس: (معنى قوله { فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس } والمعنى: لم أفعل هذا بأمة قط إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم، فتكون (لولا) معناها النفي. وقال قتادة: (لم يكن هذا معروفا لأمة من الأمم كفرت، ثم آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم إلا قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم).
قوله تعالى: { ومتعناهم إلى حين } آجالهم، وذلك: أن يونس عليه السلام. بعثه الله إلى قومه، فدعاهم إلى طاعة الله وترك الكفر فأبوا، قال: رب فدعوتهم فأبوا، فأوحى الله إليه: أن ادعوهم فإن أجابوك، وإلا فأعلمهم بأن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام. فدعاهم فلم يجيبوا، فأخبرهم بالعذاب وخرج من بينهم، فقالوا: ما جربنا عليه كذبا مذ كان، فاحتالوا لأنفسكم.
فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسوادا من السماء كهيئة النار والدخان، فجعلوا يطلبون يونس فلم يجدوا، فلما يئسوا من يونس وجعل يحط السواد والحمرة، فقال قائل منهم: فإن لم تجدوا يونس فإنكم تجدوا رب يونس، فادعوه وتضرعوا إليه.
فخرجوا إلى الصحراء، وأخرجو النساء والصبيان والبهائم، وعجوا إلى الله مؤمنين به، وارتفعت الأصوات، وقربت منهم الحمرة والدخان حتى غشي السواد سطوحهم وبلغهم حر النار، فلما علم الله منهم صدق التوبة رفع عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم.
يونس 10:98
قوله تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون } معناه: إن الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون، { ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم }؛ فيصيرون ملجئين إلى الإيمان، فلم يقبل منهم الإيمان حينئذ.
قوله: { فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها }؛ أي هلا كانت قرية آمنت عند نزول العذاب فنفعها إيمانها وقبل منهم، { إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي }؛ لما آمنوا وعلم الله منهم الصدق صرف عنهم عذاب الهون، { في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين }؛ آجالهم المضروبة لهم.
وعن ابن عباس: (معنى قوله { فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس } والمعنى: لم أفعل هذا بأمة قط إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم، فتكون (لولا) معناها النفي. وقال قتادة: (لم يكن هذا معروفا لأمة من الأمم كفرت، ثم آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم إلا قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم).
قوله تعالى: { ومتعناهم إلى حين } آجالهم، وذلك: أن يونس عليه السلام. بعثه الله إلى قومه، فدعاهم إلى طاعة الله وترك الكفر فأبوا، قال: رب فدعوتهم فأبوا، فأوحى الله إليه: أن ادعوهم فإن أجابوك، وإلا فأعلمهم بأن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام. فدعاهم فلم يجيبوا، فأخبرهم بالعذاب وخرج من بينهم، فقالوا: ما جربنا عليه كذبا مذ كان، فاحتالوا لأنفسكم.
فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسوادا من السماء كهيئة النار والدخان، فجعلوا يطلبون يونس فلم يجدوا، فلما يئسوا من يونس وجعل يحط السواد والحمرة، فقال قائل منهم: فإن لم تجدوا يونس فإنكم تجدوا رب يونس، فادعوه وتضرعوا إليه.
فخرجوا إلى الصحراء، وأخرجو النساء والصبيان والبهائم، وعجوا إلى الله مؤمنين به، وارتفعت الأصوات، وقربت منهم الحمرة والدخان حتى غشي السواد سطوحهم وبلغهم حر النار، فلما علم الله منهم صدق التوبة رفع عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم.
يونس 10:99
قوله: { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا }؛ أي لو شاء ربك يا محمد لآمن أهل الأرض كلهم. وقيل: معناه: لو شاء ربك لأن يجبر الناس على الإيمان لآمن من في الأرض كلهم جميعا، كما آمن قوم يونس.
قوله تعالى: { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين }؛ معناه: أفأنت تريد إكراه الناس على الإيمان إن لم يرد الله إكراههم عليه مع أنه قادر على إكراههم عليه، فلا ينبغي لك أن تريد هذا، وأنت غير قادر على إكراههم عليه. وقيل في سبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن يسلم عمه أبو طالب وقومه، فأعلمه الله بهذه الآية أن إسلامهم ليس بيده.
يونس 10:100
قوله: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله }؛ أي بتوفيقه، ويقال: إلا بأمره وقد أمر الله الكل بالإيمان، وقيل: معناه: إلا بتمكين الله. قوله تعالى: { ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون }؛ قال ابن عباس: (السخط)، قال أبو الحسن: (العذاب على الذين لا يعقلون) أي على الذين لا ينتفعون بعقولهم، وقال الحسن: (يحكم عليهم بالكفر ويدمهم عليه).
يونس 10:101
قوله: { قل انظروا ماذا في السموت والأرض }؛ أي قل لهم يا محمد تفكروا فيما في السماوات والأرض من الآيات والدلالات نحو مسير الشمس والقمر والنجوم في مجاريها في أوقات معلومة على الدوام، ووقوف السماء بغير عمد ولا علاقة، وخروج النتاج من الأمهات، وانظروا إلى الجبال والشجر وغير ذلك، وكل هذا يقتضي مدبر الأمر يشبه الأشياء ولا تشبهه، { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون }. ثم قال حين لم يتفكروا:
قوله تعالى: { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } معناه: ما تنفع الآيات، ولا تدفع عمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن، فهل ينظرون إلا أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم قبلهم من العذاب، يقال: أيام فلان؛ ويراد به أيام دولته ومحنته. قوله تعالى: { قل فانتظروا }؛ أي انتظروا حلول العذاب الذي أوعدكم به { إني معكم من المنتظرين } ، لذلك.
يونس 10:102
قوله: { قل انظروا ماذا في السموت والأرض }؛ أي قل لهم يا محمد تفكروا فيما في السماوات والأرض من الآيات والدلالات نحو مسير الشمس والقمر والنجوم في مجاريها في أوقات معلومة على الدوام، ووقوف السماء بغير عمد ولا علاقة، وخروج النتاج من الأمهات، وانظروا إلى الجبال والشجر وغير ذلك، وكل هذا يقتضي مدبر الأمر يشبه الأشياء ولا تشبهه، { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون }. ثم قال حين لم يتفكروا:
قوله تعالى: { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } معناه: ما تنفع الآيات، ولا تدفع عمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن، فهل ينظرون إلا أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم قبلهم من العذاب، يقال: أيام فلان؛ ويراد به أيام دولته ومحنته. قوله تعالى: { قل فانتظروا }؛ أي انتظروا حلول العذاب الذي أوعدكم به { إني معكم من المنتظرين } ، لذلك.
يونس 10:103
قوله تعالى: { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا }؛ معناه: ثم ننجي رسلنا والمؤمنين من العذاب الذي يحل بالكفار. قوله تعالى: { كذلك حقا علينا ننج المؤمنين }؛ أي كما ننجي الرسل من العذاب كان علينا أن ننجي المؤمنين كلهم من العذاب الذي ينزل بالكفار.
يونس 10:104
قوله تعالى: { قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله }؛ أي قل لهم: يا أهل مكة إن كنتم في شك من ديني الذي أتيتكم به، فأنا مستيقن فلا أشك في بطلان دينكم، فلا أعبد الذي تعبدون من دون الله بشككم في ديني، { ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم }؛ أي يميتكم ويعيدكم، ولا أعبد الذي لا يقدر على الضر والنفع والإحياء والإماتة، { وأمرت أن أكون من المؤمنين }.
يونس 10:105
قوله تعالى: { وأن أقم وجهك للدين حنيفا }؛ أي وأمرت أن أخلص ديني وعملي لله، والمراد بإقامة الوجه الإقبال على ما أمر به من أمور الدين، { ولا تكونن من المشركين }. وقيل: أراد بذلك إقامة الصلاة. والحنيف: هو المستقيم في الدين. وقيل: هو العادل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق.
يونس 10:106
قوله تعالى: { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك }؛ أي ما لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن تركت عبادته، { فإن فعلت } ، فإن دعوت غير الله إلها، { فإنك إذا من الظالمين }؛ الضارين لنفسك.
يونس 10:107
قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو }؛ معناه: إن يرد الله بك ضرا فلا يقدر أحد على دفع ذلك الضرر إلا هو، { وإن يردك بخير }؛ بنعمة وأمر تسر به، { فلا رآد لفضله }؛ مانع لعطيته. قوله تعالى: { يصيب به من يشآء }؛ أي يختص بالفضل من يشاء، { من عباده } على ما توجه الحكمة على ما يستحقون بأعمالهم، { وهو الغفور }؛ لذنوب العباد، { الرحيم }؛ بمن مات على التوبة.
يونس 10:108
قوله تعالى: { قل يأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم }؛ أي قل يا محمد للناس كلهم: قد جاءكم الحق من ربكم؛ أي الكتاب والرسول، { فمن اهتدى }؛ بالكتاب والرسول، { فإنما يهتدي لنفسه }؛ أي يرجع نفع هدايته إليه، { ومن ضل فإنما يضل عليها }؛ فإنما يكون وبال ضلاله على نفسه، { ومآ أنا عليكم بوكيل }؛ أي لست بحفيظ عليكم، أدفع عنك الضر، وأطلب إليكم النفع شئتم أو أبيتم.
يونس 10:109
قوله تعالى: { واتبع ما يوحى إليك }؛ أي اتبع يا محمد ما تؤمر به في القرآن، { واصبر }؛ على أذاهم، { حتى يحكم الله }؛ يقضي الله بينك وبينهم، { وهو خير الحاكمين }؛ أعدل القاضين؛ لأن الحاكم لا يكون إلا بالصلاح والسداد، وكان حكمه أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم.