Lafzullah

تأويلات أهل السنة — يونس 10:1 – هود 11:106

المؤلف / المصدر: أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) — تحقيق: مجدي محمد باسلوم · دار الكتب العلمية، بيروت 1426 · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-468)

المحتويات
  1. يونس 10:1
  2. يونس 10:2
  3. يونس 10:3
  4. يونس 10:4
  5. يونس 10:5
  6. يونس 10:6
  7. يونس 10:7
  8. يونس 10:8
  9. يونس 10:9
  10. يونس 10:10
  11. يونس 10:11
  12. يونس 10:12
  13. يونس 10:13
  14. يونس 10:14
  15. يونس 10:15
  16. يونس 10:16
  17. يونس 10:17
  18. يونس 10:18
  19. يونس 10:19
  20. يونس 10:20
  21. يونس 10:21
  22. يونس 10:22
  23. يونس 10:23
  24. يونس 10:24
  25. يونس 10:25
  26. يونس 10:26
  27. يونس 10:27
  28. يونس 10:28
  29. يونس 10:29
  30. يونس 10:30
  31. يونس 10:31
  32. يونس 10:32
  33. يونس 10:33
  34. يونس 10:34
  35. يونس 10:35
  36. يونس 10:36
  37. يونس 10:37
  38. يونس 10:38
  39. يونس 10:39
  40. يونس 10:40
  41. يونس 10:41
  42. يونس 10:42
  43. يونس 10:43
  44. يونس 10:44
  45. يونس 10:45
  46. يونس 10:46
  47. يونس 10:47
  48. يونس 10:48
  49. يونس 10:49
  50. يونس 10:50
  51. يونس 10:51
  52. يونس 10:52
  53. يونس 10:53
  54. يونس 10:54
  55. يونس 10:55
  56. يونس 10:56
  57. يونس 10:57
  58. يونس 10:58
  59. يونس 10:59
  60. يونس 10:60
  61. يونس 10:61
  62. يونس 10:62
  63. يونس 10:63
  64. يونس 10:64
  65. يونس 10:65
  66. يونس 10:66
  67. يونس 10:67
  68. يونس 10:68
  69. يونس 10:69
  70. يونس 10:70
  71. يونس 10:71
  72. يونس 10:72
  73. يونس 10:73
  74. يونس 10:74
  75. يونس 10:75
  76. يونس 10:76
  77. يونس 10:77
  78. يونس 10:78
  79. يونس 10:79
  80. يونس 10:81
  81. يونس 10:82
  82. يونس 10:83
  83. يونس 10:84
  84. يونس 10:85
  85. يونس 10:86
  86. يونس 10:87
  87. يونس 10:88
  88. يونس 10:89
  89. يونس 10:90
  90. يونس 10:91
  91. يونس 10:92
  92. يونس 10:93
  93. يونس 10:94
  94. يونس 10:95
  95. يونس 10:96
  96. يونس 10:97
  97. يونس 10:98
  98. يونس 10:99
  99. يونس 10:100
  100. يونس 10:101
  101. يونس 10:102
  102. يونس 10:103
  103. يونس 10:104
  104. يونس 10:105
  105. يونس 10:106
  106. يونس 10:107
  107. يونس 10:108
  108. يونس 10:109
  109. هود 11:1
  110. هود 11:2
  111. هود 11:3
  112. هود 11:4
  113. هود 11:5
  114. هود 11:6
  115. هود 11:7
  116. هود 11:8
  117. هود 11:9
  118. هود 11:10
  119. هود 11:11
  120. هود 11:12
  121. هود 11:13
  122. هود 11:14
  123. هود 11:15
  124. هود 11:16
  125. هود 11:17
  126. هود 11:18
  127. هود 11:19
  128. هود 11:20
  129. هود 11:21
  130. هود 11:22
  131. هود 11:23
  132. هود 11:24
  133. هود 11:25
  134. هود 11:26
  135. هود 11:27
  136. هود 11:28
  137. هود 11:29
  138. هود 11:30
  139. هود 11:31
  140. هود 11:32
  141. هود 11:33
  142. هود 11:34
  143. هود 11:35
  144. هود 11:36
  145. هود 11:37
  146. هود 11:38
  147. هود 11:39
  148. هود 11:40
  149. هود 11:41
  150. هود 11:42
  151. هود 11:43
  152. هود 11:44
  153. هود 11:45
  154. هود 11:46
  155. هود 11:47
  156. هود 11:48
  157. هود 11:49
  158. هود 11:50
  159. هود 11:51
  160. هود 11:52
  161. هود 11:53
  162. هود 11:54
  163. هود 11:55
  164. هود 11:56
  165. هود 11:57
  166. هود 11:58
  167. هود 11:59
  168. هود 11:60
  169. هود 11:61
  170. هود 11:62
  171. هود 11:63
  172. هود 11:64
  173. هود 11:65
  174. هود 11:66
  175. هود 11:67
  176. هود 11:68
  177. هود 11:69
  178. هود 11:70
  179. هود 11:71
  180. هود 11:72
  181. هود 11:73
  182. هود 11:74
  183. هود 11:75
  184. هود 11:76
  185. هود 11:77
  186. هود 11:78
  187. هود 11:79
  188. هود 11:80
  189. هود 11:81
  190. هود 11:82
  191. هود 11:83
  192. هود 11:84
  193. هود 11:85
  194. هود 11:86
  195. هود 11:87
  196. هود 11:88
  197. هود 11:89
  198. هود 11:90
  199. هود 11:91
  200. هود 11:92
  201. هود 11:93
  202. هود 11:94
  203. هود 11:95
  204. هود 11:96
  205. هود 11:97
  206. هود 11:98
  207. هود 11:99
  208. هود 11:100
  209. هود 11:101
  210. هود 11:102
  211. هود 11:103
  212. هود 11:104
  213. هود 11:105
  214. هود 11:106

يونس 10:1

سُورَةُ يُونُسَ عليه السلام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ السورة التي فيها ذكر يُونُسَ عليه السلام قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ): قد ذكرنا الوجه في الحروف المقطعات في صدر الكتاب. وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: الحكيم هو اللَّه، كأنه قال: ذلك الكتاب آيات اللَّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحكيم هو صفة القرآن. والكتاب يحتمل وجهين: يحتمل أنه سماه حكيمًا فعيلا بمعنى أنه محكم، وجائز تسمية المفعول باسم الفعيل؛ نحو: قتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح ونحو ذلك، فيه الحلال والحرام، والأمر والنهي، أو محكم متقن مبرأ من الباطل والكذب والاختلاف، وهو ما وصفه تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ...) الآية. والثاني: حكيمًا لما أن من تأمل فيه ونظر وفهم ما أودع فيه وأدرج، صار حكيمًا وهو ما وصفه وسماه مجيدًا، أي: من تأمله ونظر فيه صار مجيدًا شريفًا. والحكيم هو المصيب في الحقيقة إن كان صفة القرآن أو صفة اللَّه، فإن كان صفة لله، فهو حكيم واضع كل شيء موضعه، رإن كان صفة للقرآن فهو كذلك أيضًا واضع كل شيء موضعه. وقوله: (آيَاتُ): يحتمل آيات الكتاب المعروف، ويحتمل الحجج والبراهين، أي: حجج الكتاب وبراهينه أو أعلامه، وقد تقدم ذكر الآيات في غير موضع، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) يحتمل وجهين: يحتمل أي قد عجبوا أن أوحينا إلى رجل منهم. ويحتمل: أيعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم على الاستئناف، كانوا يعجبون من ثلاث: من إنزال القرآن على رجل منهم يعجز الخلائق عن إتيان مثله، ويعجبون من الوحي إلى رجل منهم وإرساله رسولا من بين الكل أو من البشر؛ كقوله: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)؛ وكقوله: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا...)، وكانوا يعجبون من البعث؛ كقولهم: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا...) الآية. ثم يحتمل قوله: (إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) أي: من البشر، أي: لا تعجبوا أن أوحينا إلى رجل من البشر؛ فإن الإيحاء إلى من هو من البشر أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر، وأقرب إلى الرأفة والرحمة؛ لأن البشر يعرفون خروج ما هو خارج عن طوق البشر ووسعهم، ولا يعرفون ذلك من غير جوهرهم وغير جنسهم، ويألف كل جنس بجنسه وكل جوهر بجوهره، ولا يألف غير جوهره ولا غير جنسه، فإذا كان ما وصفنا كان بعث الرسول من جنس المبعوث إليهم وجوهرهم أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر، وأقرب إلى الرأفة والرحمة. ويحتمل قوله: (أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) أي: من الأميين، أي: لا يعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم، أي: أمي فإن ذلك أبلغ في التعريف والحجاج؛ لأنه بعث أميًّا لم يعرفوه بدراسة الكتب المتقدمة أو تلاوة شيء منها، ولا عرفوه اختلف إلى أحد منهم في تعليم كتبهم، ولا عرف أنه كتب شيئًا ولا خط خطًّا قط، ثم أخبر عما في كتبهم على موافقة ما فيها، وكانت كتبهم بغير لسانه؛ دل أنه إنما عرف ذلك باللَّه تعالى؛ فذلك أبلغ في إثبات الرسالة والحجاج، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -، (أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: الإنذار يكون في كل مكروه مرهوب، والبشارة في كل محبوب مرغوب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ) يعني: الكفار بالنار. (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ثم اختلفوا في قوله: (قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ): قَالَ بَعْضُهُمْ: إن لهم الجنة عند ربهم. وقيل: إن لهم الأعمال الصالحة يقدمون عليها. وقيل: قدم صدق: مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يشفع لهم عند ربهم. وقيل: إن لهم الجنة عند ربهم. وقيل: إن لهم ثواب أعمالهم الصالحة التي قدموها بين أيديهم (قَدَمَ صِدْقٍ)، أي، سلف خير أو سلف وعْد وعِد لهم بذلك وكأن أصله من القدم. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: يقال في الكلام: لفلان عندي قدم صدق ويد صدق، أي: نعمة قد أسلفها إليَّ. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قدم صدق: يعني عملا صالحًا قدموه. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سبق لهم السعادة في الذكر الأول. من قال: قدم صدق هو الشفاعة، فالقدم كناية عن الشفاعة والصدق، أي واقعة. ومن قال: وعدوا ثواب أعمالهم أي تقدم لهم وعد حق وصدق. ويحتمل (قَدَمَ صِدْقٍ) أي: ثبتت قدمهم لا تزل، على ما وصف من ثبوت قدم المؤمنين والقرار فيه، وتزل قدم الكافرين؛ كقوله: (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ): ومن قرأ (لَسِحْرٌ) عنى هذا القرآن. ومن قرأ (لَسَاحِرٌ) بالألف عنى به النبي. ثم السحر هو الذي يتراءى في الظاهر أنه حق وهو في الحقيقة باطل لا شيء، ثم هو يأخذ الأبصار ويأخذ العقول. فأما الذي يأخذ الأبصار فهو ما يتراءى الشيء على غير ما هو في الحقيقة، والذي

يونس 10:2

وقوله تعالى :( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) يحتمل /٢٢٥-ب/ وجهين ؛ يحتمل أي قد عجبوا ( أن أوحينا إلى رجل منهم ) ويحتمل أيعجبون ( أن أوحينا إلى رجل منهم ) على الاستئناف. كانوا يعجبون من ثلاث : من إنزال القرآن على رجل منهم بعجز الخلائق عن إتيان مثله، ويعجبون من الوحي إلى رجل منهم، ومن[ في الأصل وم : و ] إرساله رسولا من بين الكل أو من البشر كقوله ( أبعث الله بشرا رسولا )[الإسراء: ٩٤] وكقوله :( أأنزل عليه الذكر من بيننا )[ص: ٨] وكانوا يعجبون من البعث كقوله :( أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون )الآية[الصافات: ١٦]. ثم يحتمل قوله :( إلى رجل منهم ) أي من البشر ؛ أي لا يعجبون أن أوحينا إلى رجل من البشر ؛ فإن الإيحاء إلى من هو من البشر أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر وأقرب إلى الرأفة والرحمة ؛ لأن البشر يعرفون خروج ما هو خارج عن طوق البشر ووسعهم، ولا يعرفون ذلك من غير جوهرهم وغير جنسهم، ويألف كل جنس جنسه[ في الأصل وم : بجنسه ]. وكل جوهر جوهره[ في الأصل وم : بجوهره ]، ولا يألف غير جوهره ولا غير جنسه. فإذا كان ما وصفنا كان بعث الرسول من جنس المبعوث [ إليهم ][ ساقطة من الأصل وم ] وجوهرهم أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر وأقرب إلى الرأفة والرحمة. ويحتمل قوله :( أن أوحينا إلى رجل منهم ) أي من الأميين ؛ أي لا يعجبوا ( أن أوحينا إلى رجل منهم ) أي أمي فإن ذلك أبلغ في التعريف والحجاج لأنه بعث أميا، لم يعرفوه بدراسة الكتب المتقدمة أو تلاوة شيء منها، ولا عرفوه اختلف إلى أحد منهم تعلم[ في الأصل وم : في تعليم ] كتبهم، ولا عرف أنه كتب شيئا، أو خط خطا قط. ثم أخبر عما [ في ][ ساقطة من الأصل وم ] كتبهم على موافقة ما فيها، وكانت كتبهم بغير لسانه. دل [ هذا ][ ساقطة من الأصل وم ] أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى فذلك أبلغ على إثبات الرسالة والحجاج، والله أعلم. وقوله تعالى :( أن أنذر الناس ) قال بعضهم : الإنذار يكون في كل مكروه مرهوب، والبشارة في كل محبوب مرغوب. وقال بعضهم :( أن أنذر الناس ) يعني الكفار بالنار ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ). اختلفوا في قوله :( أن لهم قدم صدق عند ربهم ). قال بعضهم : إن لهم الجنة عند ربهم. وقيل : إن لهم الأعمال الصالحة، يقدمون عليها. وقيل :( عند ربهم ) محمد ﷺ يشفع لهم عند ربهم. وقيل : إن لهم الأعمال الصالحة، قدموها بين أيديهم. [ وقيل ][ ساقطة في الأصل وم ] ( عند ربهم ) أي سلف خير أو سلف وعد، وعد لهم بذلك، وكل[ في الأصل وم : وكان ] أصله من القدم. قال أبو عوسجة : يقال في الكلام : لفلان عندي قدم صدق ويد صدق ؛ أي نعمة قد أسلفها إلي. وقال القتبي :( عند ربهم ) يعني عملا صالحا قدموه. وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول ؛ فمن [ في الأصل وم : من ] قال :( عند ربهم ) هو الشفاعة، فالقدم كناية عن الشفاعة أي واقعة، ومن قال : وعد ثواب أعمالهم ؛ فقد[ في الأصل وم : أي ] تقدم لهم وعد حق وصدق. ويحتمل ( عند ربهم ) أي ثبتت قدمهم، لا تزل على ما وصف من ثبوت قدم المؤمنين وقرارها[ في الأصل وم : و القرار ]، ونزل قدم الكافرين كقوله :( فنزل قدم بعد ثبوتها )[النحل: ٩٤]. وقوله تعالى :( قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) ومن قرأ لسِحر[ انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٥٨ ] عنى هذا القرآن، ومن قرأ ( لساحر ) بالألف عنى به النبي. ثم السحر هو الذي يتراءى في الظاهر أنه حق، وهو في الحقيقة باطل، ثم هو يأخذ الأبصار، ويأخذ العقول. فأما الذي يأخذ الأبصار فهو[ الفاء ساقطة من الأصل وم ] ما يتراءى الشيء على غير ما هو في الحقيقة، والذي يأخذ العقول هو أن يذهب بعقله، فيصير مجنونا كقول[ في الأصل وم : وقال ] فرعون لموسى :( إني لأظنك يا موسى مسحورا )[الإسراء: ١٠١] أي مجنونا. لكن هؤلاء لم يريدوا بقوله :( لساحر مبين ) السحر الذي يأخذ [ العقول، ولكن أرادوا السحر الذي لا يأخذ ][ من م، ساقطة من الأصل ] الأبصار. يقولون[ في الأصل وم : يقول ] : إنه وإن كان أخذ الأبصار في الظاهر فهو لا شيء في الحقيقة، ولكن في قولهم :( إن هذا لساحر مبين ) دليل أنهم عجزوا عن رده، وعرفوا أنه حق، ولكنهم أرادوا التمويه على الناس كقول فرعون لسحرته حين[ من م، ساقطة من الأصل ] آمنوا برب موسى :( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر )[طه: ٧١] أراد أن يموه على الناس، والله أعلم.

يونس 10:3

يأخذ العقول هو أن يذهب بعقله فيصير مجنونا. وقال فرعون لموسى: (إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا) أي: مجنونًا، لكن هَؤُلَاءِ لم يريدوا بقولهم: (لَسَاحِرٌ مُبِينٌ): السحر الذي يأخذ العقول، ولكن أرادوا السحر الذي يأخذ الأبصار؛ يقولون: إنه وإن كان أخذ الأبصار في الظاهر فهو لا شيء في الحقيقة، ولكن في قولهم: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) دليل أنهم عجزوا عن رده، وعرفوا أنه حق، ولكن هم أرادوا التمويه على الناس؛ كقول فرعون لسحرته حين آمنوا برب موسى: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أراد أن يموه على الناس؛ واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) إن القوم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، ويتخذون الأحبار والرهبان أربابا من دون اللَّه؛ يقول: إن ربكم اللَّه الذي يستحق العبادة والألوهية هو الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض لا الذي تعبدونه.

يونس 10:4

وقوله: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى): قد تقدم ذكره في صدر الكتاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ): وهو -أيضًا- على الأول: إن الذي يستحق صرف العبادة إليه وتوجيه الشكر إليه هو الذي يدبر الأمر في مصالح الخلق في جر المنافع إليهم ودفع المضار عنهم، لا الذين لا يملكون المنافع إلى أنفسهم أو دفع المضار عنهم، فضلا عن أن يملكوا أجرها إلى من يعبدهم أو دفع المضار عنهم. وقال بعض أهل التأويل: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) أي يقضيه، والتدبير والقضاء واحد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يُدَبِّرُ): يقدر، وهو ما ذكرنا التدبير والتقدير سواء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ): الشفيع هو ذو المنزلة والقدر عند الذي يشفع إليه، لا أحد في الشاهد يشفع لآخر إلى آخر إلا بعد أن يكون الشفيع عند الذي يشفع إليه ذا منزلة وقدر، فإذا كان كذلك فمع ذلك أيضًا يشفع إلا من بعد ما أذن له بالشفاعة لمن جاء بالتوحيد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) يقول: ذلكم الذي يستحق العبادة هو ربكم، الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض ودبر أموركم، فاعبدوه ولا تعبدوا الذي لا يملك شيئًا من ذلك. (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ): أنه هو المستحق للعبادة، وهو المستوجب للشكر، لا الذين تعبدون أنتم. أو أن يقول: أفلا تذكرون أن الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض هو ربكم، وهو مدبر أمور الخلائق في مصالحهم ما يرجع إلى مصالحهم في دنياهم ودينهم، لا الذي يعبدون من دون اللَّه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) إليه مرجع الخلائق كلهم في جميع الأوقات، لكنه خص ذلك اليوم بالمرجع إليه لما أن الخلائق كلهم يعلمون يومئذ أنهم راجعون إليه؛ وكذلك قوله: (وَبَرَزُوا لِلََّهِ جَمِيعًا)، هم بارزون له في الدنيا والآخرة، لكنهم يومئذ يعرفون ويقرون بالبروز له. وكذلك: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)، الملك لله في الدنيا والآخرة وفي الأوقات جميعا، لكنه خص ذلك اليوم لما لا يازع في الملك في ذلك اليوم، ويقرون بالملك له في ذلك اليوم، وفي الدنيا من قد نازع في ملكه. هذا - واللَّه أعلم - وجه التخصيص لذلك اليوم بالملك، وإن كان الملك في الدارين جميعًا فعلى ذلك المرجع، أو سمى البعث رجوعا إليه؛ لما المقصود من إنشائه البعث، فسماه بذلك لما ذكرنا؛ لأنه لو لم يكن المقصود من إنشائه إياهم سوى الإنشاء والإفناء، كان خلقه اياهم عبثًا وباطلا؛ كقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا). يحتمل (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا): البعث الذي ذكر أنه يبدأ الخلق ثم يعيده. ويحتمل (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) من الثواب والعقاب في الآخرة؛ الثواب للمحسن منهم والعقاب للمسيء. وقوله: (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) أي: عرفتم أنه هو الذي يراكم والخلق جميعًا، فكذلك هو يعيدكم بعد إفنائكم؛ إذ بدء الشيء على غير مثال أشد عندكم من إعادته على مثال؛ كقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْ) أي: إعادة الشيء أهون عندكم من بدئه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ). قيل: بالعدل، لكن ما يجزيهم، إنما يجزيهم إفضالًا وإحسانا لا استيجابًا واستحقاقًا. ثم يحتمل قوله: (بِالْقِسْطِ) وجوهًا: أحدها: أنه يجزي المحسنين جزاء الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، ويفصل بين العدو والولي في الآخرة في الجزاء، ويجعل للولي علامة وأثرًا يعرف بهما من العدو؛ إذ لم يفصل في الدنيا بين الأولياء والأعداء في الرزق وما يساق إليهم من النعيم، ولا يجعل علامة يعرف بها الولي من العدو وجعل في الآخرة ذلك حتى يعرف هذا من هذا، فهذا العدل الذي ذكرنا يشبه أن يكون هو ذلك. ويحتمل (بِالْقِسْطِ) الوزن، أي: يجزيهم بالوزن على تعديل النوع بالنوع لا على القدر، أي: يجزي بالحسنة قدرا لا يزيد على ذلك، ولكن يجزي للخير خيرًا وللحسنة حسنة وللسيئة سيئة. ويحتمل قوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ)، بالعدل، أي: يجزي الذين عملوا بالعدل لم يجوروا فيه ولا جاوزوا الحد الذي حد لهم، ولكن عملوا بالعدل فيه، ويشبه أن يكون على تقديم العدل ليجزي الذين آمنوا بالعدل، أي: لا يعذبهم في النار إذا آمنوا، ثم الذين عملوا الصالحات يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، واللَّه أعلم بالصواب ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ) أي: يجزيهم في الآخرة بما أقسطوا في الدنيا وعدلوا، فيكون القسط على هذا التأويل نعتًا لهم. وإن كان ما ذكر من القسط راجعًا إلى اللَّه ووصفًا له فهو يخرج على وجوه: أحدها: يجزي فريقًا من المؤمنين بالعدل، يجزي لإحسانهم جزاء الإحسان، ولإساءتهم جزاء الإساءة؛ فيكون جزاء بالعدل، ويجزي فريقًا آخر منهم بالفضل والإحسان: يجزي بحسناتهم جزاء الحسنة، ويكفر عن سيئاتهم؛ وهو كقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) الآية، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...) الآية. والثاني: يجزيهم بالفضل؛ إذ العدل هو وضع الشيء موضعه، أي: يضع الفضل في أهله لا يضعه في غير أهله، ووضع الفضل في أهل الإيمان عدل، إذ هم أهل له - والله أعلم - وهو كقوله: (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ). والثالث: العدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل لا العدل الذي هو ضد الجور؛ كقوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) الآية، لا يحتمل أن يقول: لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء في العدل الذي هو ضد الجور؛ لأن في مثل هذا يستطيعون أن يعدلوا بينهم؛ فعلى ذلك قوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بالعدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل؛ إذ للفضل درجات، وأصله

يونس 10:5

أن جزاء الآخرة كله إفضال وإحسان وإنعام لا استحقاق واستيجاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ). قيل: الحميم: هو الشراب الذي انتهى حره غايته. وقوله - عزَّ وجلَّ -: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) ذكر في الشمس الضياء وفي القمر النور فهو - واللَّه أعلم - لأن الليل مظلم يظهر نور القمر فيه ويغلب على ظلمة الليل ويقهرها، وأما النهار فهو مبصر على ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) جعل فيه النور، فلو جعل الشمس في النور خاصة، لكان لا يظهر نور الشمس ولا غلب نورها على نور النهار، ويغلبه ويقهره ليظهر المنافع التي جعل فيها ولو كان نورًا مثله لم يظهر نور هذا من هذا ولم يوصل إلى المنافع التي جعلت فيها للخلق، وهو ما ذكر أنه مد الظل، وأخبر أنه لو شاء لجعله ساكنًا ولو كان ساكنًا ممتدًّا على ما جعل بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ)، لكان لا يعرف الظل، ثم أخبر أنه جعل الشمس دليلا عليه ليعرف بها الظل، فتنسخ الشمس ذلك الظل الممدود شيئًا بعد شيء، فصارت الشمس بها يعرف الظل وبها يظهر فضل ذلك الضياء الذي في الشمس كان به يعرف نورها من نور النهار وبه يوصل إلى منافع الشمس، ولو كان نورًا لكان لا يعرف ولا يظهر؛ إذ لا يغلب أحدهما صاحبه - واللَّه أعلم - ولا يعرف آية الشمس من آية النهار، ثم جعل آية الشمس غالبة على جميع الآيات حتى لا تبصر النجوم بالنهار أصلا والقمر وإن كان نوره يرى بجلاء، فإن نور الشمس قد يغلبه ويقهره حتى لا يظهر أبدًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ). يشبه أن يكون التقدير الذي ذكر لهما جميعًا ويعرف الحساب وعدد السنين لهما جميعًا، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (وقدرهما منازل)، وجائز أن يكون جعل الشمس بالذي يعرف بها أوقات الصلوات والأزمنة من الشتاء والصيف لا يعرف ذلك بالقمر، وجعل في القمر معرفة الشهور والسنين، وفي الشمس معرفة أوقات الصلوات

يونس 10:6

والأزمنة، لا يعرف بها الشهور والسنون إلا بعد جهد؛ وبالقمر لا تعرف أوقات الصلوات والأزمنة، جعل اللَّه تعالى في الشمس منفعتين: منفعة التقلب ومعرفة الأزمنة، ومعرفة نضج الأشياء وينعها، وفي القمر منفعتين أيضًا: أحدهما: معرفة حساب الأيام والشهور والسنين، ومعرفة نضج الإنزال والأشياء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) ليس أن يعرف هذا بهما ولا يعرف غيره، بل يعرف ما ذكر وأشياء كثيرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ). قال أبو بكر الأصم والكيساني: (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ)، أي: ما خلق اللَّه ذلك إلا وقد جعل فيه دلالة معرفته. وقال قائلون: (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ)، أي: ما خلق اللَّه ذلك إلا وقد جعل فيه دلالة معرفة الشهادة له على الخلق، وهي شهادة الوحدانية والألوهية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما خلق اللَّه ذلك إلا بالأمر الكائن لا محالة وهو البعث. ويحتمل قوله: (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي: بالحكمة، لم يخلق ذلك عبثًا باطلا؛ وهو كقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، ولكن بحكمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). قيل: نبين أو نصرفها لقوم ينتفعون بعلمهم، إنما ذكر الآيات فيما ذكر لقوم يعقلون ولقوم يتفكرون ولقوم يفقهون الآيات التي ينتفعون بها ويعقلون الشيء، إنما يكون للشيء الذي ينتفع به لا للذي لا ينتفع به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إن في اختلاف الليل والنهار آية البعث ودلالة تدبير صانعهما، أما دلالة البعث فهي أن كل واحد منهما إذا جاء ذهب الآخر وفني حتى لا يبقى له الأثر، ثم يتجددان ويحدثان على ذلك أمرهما، ويتلف كل واحد منهما صاحبه حتى لا يبقى له الأثر، فمن قدر على ما ذكرنا قدر على بعثهم وإنشائهم بعد الموت بعدما صاروا ترابًا، وأما دلالة التدبير فهو جريانهما وسيرهما على سنن واحد وتقدير واحد من غير تغيير يقع فيهما أو تفاوت أو

يونس 10:7

نقصان يقع فيهما أو زيادة وإن كان أحدهما يدخل في الآخر، دل على ما ذكرنا أنهما يجريان ويختلفان على شيء واحد وجريان واحد؛ أن فيهما تدبيرًا غير ذاتي وعلمًا أزليا وأنه واحد؛ إذ لو كان التدبير فيهما لعدد لكانا مختلفين ولا يجريان على قدر واحد من غير تفاوت فيهما أو نقصان أو زيادة، دل أنه واحد، وباللَّه التوفيق. وفي ذلك دلالة وحدانية منشئهما وخالقهما؛ لأنه أنشأهما وبينهما من البعد ما بينهما من البعد، وجعل منافع أحدهما متصلة بمنافع الآخر على بعد ما بينهما، دل أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد منع كل منهم فعله عن الوصول بالآخر على ما هو فعل ملوك الأرض. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ). مخالفة اللَّه ويتقون جميع الشرور والمساوي. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا). قال قائلون: (لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) من الرجاء، أي: لا يرجون ما وعد للخلق من الثواب، ولا يرغبون فيما يرجى ويطمع من الرغائب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) أي: لا يخافون لقاءنا، فما من خوف إلا وفيه رجاء، وما من رجاء إلا وفيه خوف؛ لأن الخوف الذي لا رجاء فيه هو يأس، والرجاء الذي لا خوف فيه أمنٌ، لكن الغالب في الحسنات والخيرات الرجاء وفيه خوف، والغالب في السيئات والشرور الخوف وفيه أدنى الرجاء، وهو ما ذكرنا في الشكر والصبر أنهما واحد؛ لأن الصبر هو كف النفس عن الشهوات واللذات، والشكر هو استعمالها في الخيرات، فإذا كفها عن الشهوات استعملها في الخيرات؛ لذلك قلنا: إنهما في الحقيقة واحد؛ ولأن الشكر هو القبول وكذلك الصبر أيضا، غير أن الشكر في قبول النعم والصبر في قبول البلايا والمصائب - واللَّه أعلم - يصير كأنه قال: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا).

يونس 10:8

أي: اختاروا المقام فيما عملوا لها كأنهم يقيمون فيها أبدا. (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) من ردهم الآيات وكفرهم بها. وقوله: (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) يحتمل وجهين: أحدهما: سروا بها وآثروا ثواب محاسن الدنيا على ثواب الآخرة. والثاني: رضاهم بالدنيا والطمأنينة فيها منعهم عن التفكير والنظر في أمر الآخرة. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ). يحتمل وجوهًا: يحتمل: يهديهم ربهم بإيمانهم في الدنيا طريق الجنة في الآخرة، وهو يعني ما ذكر في القصة أن المؤمن إذا أخرج من القبر يصور له عمله في صورة حسنة. والثاني: يهديهم ربهم بإيمانهم، أي: يهديهم ربهم بإيمانهم، فيصيرون مهتدين بهدايته إياهم ويشبه يهديهم ربهم بإيمانهم أي يدعوهم إلى الخيرات في الدنيا بإيمانهم، واللَّه أعلم. فهذا على المعتزلة؛ لأنهم يمتنعون عن تسمية صاحب الكبيرة مؤمنًا ومعه إيمان، فيلزمهم أن يمتنعوا عما وعد له وإن كان معه إيمان، فإذا ذكر له الوعد مع هذا ألزمهم أن يسموه مؤمنًا لما معه من الإيمان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -؛ (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ). يقول أهل التأويل: من تحت أهل الجنة، وقد ذكرنا هذا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠) قال قائلون: قوله: (دَعْوَاهُمْ) دعوى الإيمان؛ أي: يدعون في الآخرة من الإيمان والتوحيد لله والتنزيه له كما ادعوا في الدنيا وحدانية اللَّه ونزهوه. وقوله: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ). هو حرف تنزيه وتبرئة الرب عن الأشباه وجميع الآفات التي وصفته المشبهة الملحدة بها، فهذا يدل أن ما خرج مخرج الدعوى فإنه لا يختلف باختلاف الدور. وقال عامة أهل التأويل: هو من الدعاء لا من الدعوى، يقولون: إنهم إذا اشتهوا طعامًا أو شرابًا وتمنوا شيئًا فيدعونه بقوله: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) وفيؤتون ما تمنوا واشتهوا؛ لما ذكر أنه لا تنقطع اللذات في الجنة، ولو كان ما يقولون لكان فيه انقطاع اللذات والشهوات، إلا أن يقال: إنهم يلهمون شهوات وأماني فيشتهون، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ)، (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)، ولا نعلم ما أراد به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) ويخرج على وجوه: أحدها: يخبر أنه ليس على أهل الجنة من العبادات شيء سوى التوحيد وهو كلمة التوحيد. والثاني: يقولون ذلك لعظيم ما رأوا من النعيم وعجيب ما عاينوا. والثالث: شكرًا لما أعطاهم من ألوان النعيم والأطعمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ). قال أهل التأويل: إن الملائكة يأتون بما اشتهوا ويسلمون عليهم ويردون السلام على الملائكة؛ فذلك قوله: (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ)، فإذا طعموا وفرغوا قالوا عند ذلك: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وهو قول ابن عَبَّاسٍ وغيره من أهل التأويل، ويشبه أن يكون قوله: (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) والسلام الذي لا عيب فيه ولا مطعن، أي كلام بعضهم لبعض منزه منقى من جميع العيوب والمطاعن؛ كقوله: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) الآية، وقوله: (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا)، ونحوه. وقوله: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). قال أهل التأويل: يقولون على أثر فراغهم من الطعام والشراب ذلك. وقال الحسنِ: إن اللَّه رضي عن عباده بالشكر لما أنعم عليهم في الدنيا والآخرة بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ويشبه أن يكون قوله: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ) أي دعواهم فِي الآخرة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، كما كان دعواهم في الدنيا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

يونس 10:9

وقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) يحتمل وجوها : [ أحدهما ][ ساقطة من الأصل وم ] : يحتمل ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) في الدنيا طريق الجنة في الآخرة، وهو معنى ما ذكر في القصة : أن المؤمن إذا خرج من القبر يصور له عمله في صورة حسنة. والثاني :( يهديهم ربهم بإيمانهم ) فيصيرون مهتدين[ في الأصل وم : مهتدون ] بهدايته إياهم. والثالث :[ في الأصل وم : و ] يشبه ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) يدعوهم إلى الخيرات في الدنيا بإيمانهم، والله أعلم. فهذا على المعتزلة لأنهم يمتنعون عن تسمية صاحب الكبيرة مؤمنا، ومعه إيمان، فيلزمهم أن يمتنعوا عما وعد له، وإن كان معه إيمان، فإن ذكر له الوعد مع هذا لزمهم أن يسموه مؤمنا معه من الإيمان. وقوله تعالى :( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) يقول أهل التأويل : من تحت أهل الجنة، وقد ذكرنا هذا.

يونس 10:10

وقوله تعالى :( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ) قال قائلون : قوله :( دعواهم ) دعوى الإيمان أي يدعون في الآخرة [ دعوى الإيمان إلى التوحيد لله و التنزيه ][ في الأصل : التوحيد لله والتنزيل، وفي م : والتوحيد والتنزيه ] له كما دعوا[ في الأصل وم : ادعوا ] بقول :( سبحانك اللهم ) فيؤتون ما تمنوا، واشتهوا. ولكن ذكر ألا تنقطع اللذات في الجنة، ولو كان ما يقولون لكان فيه انقطاع اللذات والشهوات إلا أن يقال إنهم يلهمون شهوات وأماني، فيشتهون : قال[ في الأصل وم : وقال ] الله عز وجل :( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم )[فصلت: ٣١] [ وقال ][ ساقطة من الأصل وم ] :( وفاكهة مما يتخيرون )( ولحم طير مما يشتهون )[الواقعة: ٢١-٢١] ولا نعلم ما أرادبه. وقوله تعالى :( سبحانك اللهم ) يخرج على وجوه : أحدها : يخبر أنه ليس على أهل الجنة من العبادات شيء سوى التوحيد. والثاني : يقولون ذلك لعظيم ما رأوا من النعيم وعجيب ما عاينوا. والثالث : شكرا لما أعطاهم من ألوان النعيم والأطعمة. وقوله تعالى :( وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ) قال أهل التأويل : إن الملائكة يأتون من ألوان النعيم بما اشتهوا، ويسلمون عليهم، ويردون السلام على الملائكة. فذلك قوله ( وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ) فإذا طعموا، وفرغوا، قالوا عند ذلك :( أَن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وهو قول ابن عباس وغيره من أهل التأويل. ويشبه أن يكون قوله :( وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ) الكلام[ في الأصل وم : والكلام ] الذي لا عيب فيه، ولا مطعن ؛ أي كلام بعضهم لبعض منزه منفي عن جميع العيوب والمطاعن كقوله :( لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما )الآية [مريم: ٦٢] وقوله ( إلا قيل سلاما سلاما )[الواقعة: ٢٦] ونحوه. وقوله تعالى :( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال أهل التأويل : يقولون على إثر فراغهم من الطعام والشراب ذلك. وقال الحسن : إن الله رضي من عباده بالشكر لما أنعم عليهم في الدنيا والآخرة ب :( الحمد لله رب العالمين ) ويشبه أن يكون قوله :( آخر دعواهم ) أي دعواهم في الآخرة ( الحمد لله رب العالمين ) كما كان دعواهم في الدنيا ( الحمد لله رب العالمين ).

يونس 10:11

وقوله تعالى :( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) كأن الآية على الإضمار، كأنه قال ( ولو يعجل الله للناس الشر ) إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه ( لقضي إليهم أجلهم ) لأنه ليس يذكر في ظاهر الآية استعجالهم الشر، إنما يذكر [ تعجيله الخير ولكن ][ في الأصل : تعجيل ولكن، في وم : تعجليه ولكن ما ] فيه ما ذكرنا من الإضمار إضمار الاستعجال، وهو ما ذكرنا في غير آية[ في الأصل وم : آي ] من القرآن استعجالهم العذاب كقوله :( أتى أمر الله فلا تستعجلوه )[النحل: ١] وقوله :( وأمطرنا عليها حجارة ) الآية[هود: ٨٢] ونحو[ في الأصل : ونحوه ] ذلك. كانوا يستعجلون العذاب استعجال تضرع، فيقول : لو عجل لهم العذاب إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه ( لقضي إليهم أجلهم ) يقول : لهلكوا، أو فنوا. هذا التأويل في أهل الكفر خاصة عند استعجالهم العذاب استعجال تضرع وسؤال. ويشبه أن يكون هذا في جملة الخلق على غير تصريح السؤال، ولكن عند ارتكابهم الشر يقول :( ولو يعجل الله للناس الشر ) باكتسابهم الشر وبارتكابهم إياه وقت اكتسابهم [ كما يعجل لهم الخير وقت اكتسابهم الخير ][ ساقطة من م ] ( لقضي إليهم أجلهم ) لهم جزاء شرهم وقت اكتسابهم الشر كما يعجل لهم جزاء خيرهم ؛ لكان ما يستوجبون بارتكابهم الشر وقت فعلهم إياه ( لقضي إليهم أجلهم ) لكنه لم يجعل لهم ذلك، وأخره إلى المدة التي جعل لآجالهم. ويمكن وجه آخر، وهو ما يدعو بعضهم على بعض باللعن والخزي، ويقول الرجل عند شدة الغضب : اللهم العن فلانا، اللهم اخزه ونحو ذلك من الدعوات. يقول : لو عجل لهم هذا كما يعجل لهم عند دعاء بعضهم بالرحمة والسعة ( لقضي إليهم أجلهم ) يكون هذا على وجوه ثلاثة : أحدها : استعجال سؤال وتضرع [ وهو ][ ساقطة من الأصل وم ] الذي ذكرنا. والثاني : بأفعالهم وارتكابهم الشر [ وقت ][ ساقطة من م ] ارتكابهم. والثالث : في الأسباب التي بها يرتكبون، ويفعلون. وقوله تعالى :( لقضي إليهم أجلهم ) يحتمل : لا يقدم، ولا يؤخر، وهو ما ذكر ( لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون[ الأعراف : ٣٤و. . ]. وقوله تعالى :( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ) هو ما ذكرنا أن من حكمته ألا يعاب أحدا من الكفرة في الكفر بصنعه الذي صنع، ويقد يعجل لهم جزاء خيراتهم في الدنيا لما ساق إليهم من أنواع النعم. ولكن من حكمته أن يؤخر عقوبتهم إلى يوم القيامة. فذلك تأويله[ من م، في الأصل : تأويل ]، والله أعلم.

يونس 10:12

قوله تعالى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ). كأن الآية على الإخبار كأنه قال: ولو يعجل اللَّه للناس الشر إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي إليهم أجلهم، لأنه ليس يذكر في ظاهر الآية استعجالهم الشر إنما يذكر تعجيله، ولكن فيه ما ذكر من الإضمار إضمار الاستعجال، ومنه ما ذكر في غير آية من القرآن استعجالهم العذاب؛ كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) الآية. وقولهم: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً) الآية، ونحو ذلك، كانوا يستعجلون العذاب استعجال تضرع، فيقول: لو عجل لهم العذاب إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي أجلهم، يقول: لهلكوا أو فنوا، هذا التأويل في أهل الكفر خاصة عند استعجالهم العذاب استعجال تضرع وسؤال، ويشبه أن يكون هذا في جملة الخلق على غير تصريح سؤال، ولكن عند ارتكابهم الشر بقوله: لو يعجل اللَّه للناس الشر باكتسابهم الشر وبارتكابهم إياه وقت اكتسابهم، كما يعجل لهم الخير، وقت اكتسابهم الخير - لقضي إليهم أجلهم، أي: لو عجل لهم جزاء شرهم وقت اكتسابهم الشر، كما يعجل لهم جزاء خيرهم، لكان ما ذكر ما يستوجبون بارتكابهم الشر وقت فعلهم إياه لقضي إليهم أجلهم، لكنه لم يعجل لهم ذلك وأخره إلى المدة التي جعل لآجالهم. ويمكن وجه آخر: وهو ما يدعو بعضهم على بعض باللعن والخزي، يقول الرجل عند شدة الغضب: اللهم العن فلانا، اللهم أخزه، ونحو ذلك من الدعوات، يقول: لو عجل لهم هذا كما يعجل لهم عند دعاء بعضهم لبعض بالرحمة والسعة - لقضي إليهم أجلهم؛ لهلكوا وفنوا، ويكون ذلك انقضاء أجلهم، ويكون ذلك على وجوه ثلاثة. أحدها: استعجال سؤال وتضرع، الذي ذكرنا. والثاني: بأفعالهم وارتكابهم الشر وقت ارتكابهم. والثالث: الأسباب التي بها يرتكبون ويفعلون. وقوله: (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) يحتمل: لقضي أجلهم قبل المدة التي جعل لهم. والثاني: لقضي أجلهم؛ أي: يجعل أجلهم ذلك، ففيه دلالة ألا يهلك أحد قبل أجله ولا يقدم ولا يؤخر، فهو ما ذكر: (لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ). هو ما ذكرنا أن من حكمه ألا يعاقب. أحدًا من الكفرة في الدنيا بصنيعه الذي صنع، وقد يعجل لهم جزاء خيراتهم في الدنيا؛ كما ساق إليهم من أنواع النعم، ولكن من حكمه أن يؤخر عقوبتهم إلى يوم القيامة؛ فذلك تأويله، واللَّه أعلم. (فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي: نتركهم يترددون في أعمالهم، وجرمهم إلى الوقت الذي وعد لهم العذاب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) قال بعض أهل التأويل: إن جميع ما ذُكر في القرآن الإنسان فالمراد منه الكافر؛ من ذلك قوله: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) وقوله: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، ونحوه، لكن هذا لا نعلم أنه أراد به الكافر، فلئن كان ما ذكروا فإن أهل الإيمان يدخلون في هذا الخطاب، إذا كان منهم ما يكون من الكفرة؛ لأن من أهل الإيمان من يقبل على الدعاء والتضرع إلى اللَّه عند مس الحاجة والشدة، فإذا انجلى ذلك وانكشف عنه ترك ذلك الدعاء الذي كان دعا، وذلك التضرع الذي كان يتضرع إليه، فدخل في ذلك.

يونس 10:13

ثم قوله: (دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا): ليس على إرادة حقيقة الجنب والقعود والقيام، ولكن على الدعاء في كل حال، أي: يدعونه في كل حال؛ لما عرفوا أن الذين كانوا يعبدون من دون اللَّه لا يملكون دفع ما حل بهم من الشدائد والمضار - أقبلوا على اللَّه بالتضرع والدعاء إليه في كشف ذلك عنهم. ثم أخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعودهم إلى الحال التي كانوا من قبل فقال: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ): يقول - واللَّه أعلم -: مر كأن لم يدعنا قد نسينا في الرخاء كأن لم يعرفنا واستمر على ترك الدعاء في الرخاء، وقوله: (كَذَلِكَ) عرفنا ما كانوا يعملون والإسراف هو العدوان، والتعدي عن الحد الذي جعل له وهو وضع الأموال والأنفس في الموضع الذي لا ينتفعون بها في عبادة الأصنام وغيرها، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا): فَإِنْ قِيلَ: قد أهلك من قد ظلم ومن لم يظلم، فما يعلم من أهلك من الظلمة أنه إنما أهلكهم لظلمهم، أو أهلك لصلاح من لم يظلم. قيل: إنه أهلك الظلمة إهلاك استئصال وعقوبة، وأهلك من لم يظلم لا إهلاك عقوبة واستئصال، إنما هو إهلاك بآجالهم التي جعل لهم. ويحتمل قوله: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): إنما أهلك أُولَئِكَ بسؤالهم الذي سألوا سؤال تعنت رسلهم الآيات، فإذا جاءوا بتلك الآيات كذبوها، فأهلكوا عند ذلك، فأنتم يا أهل مكة إذا سألتم رسولكم الآية ثم

يونس 10:14

كذبتموها، يعذبكم كما عذب أُولَئِكَ؛ إذ من حكمه الإهلاك على أثر السؤال، كأنه ينهى أهل مكة عن سؤال الآيات، فإن على إثره الإهلاك إذا لم يقبلوها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) يحتمل البينات التي تبين ما يؤتى وما يتقى، وقد ذكرناها في غير موضع. (وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا): يخبر رسوله أنهم وإن سألوك الآيات فإذا جئت بها فإنهم لا يؤمنون، يعني: أهل مكة. (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ): كل مجرم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) يحتمل قوله: (خَلَائِفَ) أي: جعل أنفسكم خلف أنفس أُولَئِكَ الذين لم يهلكهم، يخرج هذا مخرج تذكير النعمة والامتنان والرحمة، يذكرهم أنه لو شاء أهلك الكل، فلا يكون هَؤُلَاءِ خلف أُولَئِكَ، ولكن بفضله ورحمته أبقاكم. ويحتمل قوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ) أُولَئِكَ في المحنة والعبادة أي: جعل عليكم من المحنة والعبادة كما كان على آبائكم من المحنة والعبادة. ويشبه أن يكون قوله جعلناكم خلائف، الذين لم يظلموا، فكيف لا تتبعونهم؛ لأن الذين ظلموا قد أهلكتهم، فأنتم خلائف أُولَئِكَ الذين لم يظلموا ولم يكذبوا الرسل، فكيف لا تتبعونهم كأنهم ادعوا أن آباءهم كانوا على ما هم عليه، وأنهم على مذاهب آبائهم، يقول: جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم، أي: لست أنا بأول رسول أرسلت إليكم، بل لم يزل اللَّه يرسل رسلا في الأمم، فكان فيهم لهم أتباع يتبعون رسلهم إلى ما يدعونهم إليه ويجيبونهم، فاتبعوني أنتم يا أهل مكة فيما دعيتم إليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ): لم يزل اللَّه تعالى عالمًا بما كان ويكون منهم من المعصية والطاعة، ولكن ليعلمهم عصاة ومطيعين؛ لأن المعصية إنما تكون بعد ما يكون النهي والطاعة إنما تكون بالأمر فيبتليكم فيعلمكم عصاة كما علم أنه يكون منكم معصية ويعلمكم مطيعين كما علم أنه يكون منكم الطاعة، وقد ذكرنا أمثال هذا فيما تقدم، واللَّه أعلم.

يونس 10:15

قوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ): البينات قد ذكرنا في غير موضع، والبينات هي التي تبين أنها آيات نزلت من عند اللَّه لم يخترعها أحد من الخلق. وقد ذكرنا قوله -أيضًا-: (قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ): يشبه أن يكون قولهم (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) ألا ترى أنه قال: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي)، إنما أجابهم في التبديل؛ دل أن السؤال كان سؤال تبديل، ولكن كانوا يسألون سؤال استهزاء وتكذيب. ثم اختلف أهل التأويل في التبديل الذي سألوا. قَالَ بَعْضُهُمْ: سألوا أن يبدل ويجعل مكان آية العذاب آية الرحمة أو يبدل أحكامه. ويحتمل قوله: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا) أي: بدل أحكامه واترك رسمه. ويحتمل ما ذكرنا أنهم سألوا أن يتلو مكان آية العذاب آية الرحمة، ومكان ما فيه سبُّ آلهتهم مدحها ونحو ذلك، واللَّه أعلم.

يونس 10:16

ونحن لا نعلم ما أراد بالتبديل تبديل الأحكام أو تبديل الرسم والنظم، إنما نعلم ذلك بالسماع. ثم أخبر أنه لا يقول ولا يتبع إلا ما يوحى إليه ويؤمر به بقوله: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) إن تركت تبليغ ما أمرت بالتبليغ إليكم، وهكذا كل من عرف ربه خافه إن عصاه وخالف أمره ونهيه، ومن لم يعرف ربه لم يخفه إن عصاه وخالف. وقوله: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ): سؤالهم سؤال تعنت واسحهزاء؛ لأنه لا منفعة لهم لو أتى بغيره وبدله سوى ما في هذا ولو جاز لهم هذا السؤال جاز ذلك في كل ما أتى به واحدًا بعد واحد، فذلك مما لا ينقطع أبدًا ولا غاية ولا نهاية فهو سؤال تعنت واستهزاء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) هو صلة ما تقدم من قوله حيث قالوا: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) قد ذكرنا أن هذا يحتمل وجهين: يحتمل أنهم سألوه أن يبدل أحكامه على ترك رسمه ونظمه. ويحتمل قوله: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) أي: ارفع رسمه ونظمه وأحكامه، كأنهم ادعوا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اختراع هذا القرآن من نفسه واختلاقه من عنده، فقال: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ) تأويله - واللَّه أعلم -: لو شاء اللَّه ألا يظهر دينه فيكم ولا ألزمكم حجته، ولا بعثني إليكم رسولا، (مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ) (وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ) أي: ولا أعلمكم به. ويحتمل قوله: (وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ): ولا أعلمكم ما فيه من الأحكام، أو يقول: لو شاء اللَّه لم يوح إلي، ولا أمرني بتبليغ ما أوحي إلي إليكم، ولا بالدعاء إلى ما أمرني أن أدعوكم إليه. وفي قوله: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ) دلالة أن اللَّه إن شاء شيئًا كان وما لم يشأ لم يكن لأنه أخبر أنه لو شاء ما تلوته عليكم، فلو لم يشأ أن يتلوه ما تلاه؛ دل أن ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، وذلك يرد على المعتزلة قولهم: شاء اللَّه أن يؤمن الخلائق كلهم لكنهم لم يؤمنوا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي: فقد لبثت فيكم عمرا من قبله فلم أدع ما أدعي للحال، ولا تلوت ما أتلو، أفلا تعقلون أني لم أخترع هذا من نفسي، ولكن وحي أوحي إليَّ؟! إذ لو كان اختراعًا مني لكان ذلك مني فيما مضى من الوقت وكنت [لابثًا] فيكم، فإذ لم يكن مني ذلك أفلا تعقلون أني لم أخترع من نفسي؟!. يحتمل هذا الكلام وجوهًا: أحدها: أنهم لما ادعوا عليه الاختراع من عنده قال: إني قد لبثت فيكم من قبله، أي: من قبل أن يوحى هذا إليَّ، فلم تروني خططت بيميني، ولا اختلفت إلى أحد في التعلم والدراسة، فكيف أخترع من عندي؛ إذ التأليف لا يلتئم ولا يتم إلا بأسباب تتقدم؟! والثاني: فقد لبثت عمرا سنين لم تعرفوني ولا رأيتموني كذبت قط، فكيف أفتري على اللَّه تعالى وأخترع القرآن من عند نفسي؟! ألا ترى أنه قال على إثر هذه: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ

يونس 10:17

افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أي: لا أحد أظلم ممن افترى على اللَّه كذبًا. والثالث: يحتمل قوله: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ) فلم أسمع أحدًا ادعى البعث، ولا أقام حجة عليه، وأنا قد ادعيت البعث وأقمت على ذلك حجة، أفلا تعقلون هذا أني لم أخترع من عند نفسي؟! وقوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) يشبه أن هذا صلة قوله: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) أي كيف تطلبون مني إتيان غيره وتبديل أحكامه وقد تعرفون قبح الكذب وفحشه فكيف تسألونني الافتراء على اللَّه وتكذيب آياته؟ ويحتمل أن يكون صلة ما ادعوا عليه أنه افتراه من عند نفسه؛ يقول: إنكم لم تأخذوني بكذب قط، وقد لبثت فيكم عمرا فكيف تنسبوني إلى الكذب على اللَّه، وقد عرفتم قبح الكذب على اللَّه وفحشه؟! ويحتمل على الابتداء ثم قد ذكرنا أن قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) استفهام، فجوابه ما قاله أهل التأويل: لا أحد أبين ظلما ولا أفحش ممن افترى على الله كذبًا؛ لا أن تفسيره ما قالوه، وقد ذكرنا هذا في غير موضع. (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ): الافتراء على اللَّه تكذيب بآياته، وتكذيب آياته افتراء على اللَّه. * * * قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ) يحتمل وجهين: ما لا يضرهم لو تركوا عبادته ولا ينفعهم إن عبدوه. والثاني: (مَا لَا يَضُرُّهُمْ) أي: ما لا يملكون الضرر بهم، (وَلَا يَنْفَعُهُمْ) أي: ولا يملكون جر النفع إليهم يسفههم في عبادتهم من لا يملك بهم دفع الضرر، ولا يملك جر النفع، وتركهم عبادة من به يكون جميع منافعهم وعذابهم، ومنه يكون كل خوف وضرّ، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ): يحتمل هذا القول منهم تقليدا لآبائهم؛ كقولهم: (وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)، ظنوا أن آباءهم لما تركوا وما هم عليه لم يعذبوا - أنهم على الحق، وأن اللَّه قد رضي بذلك، أو قالوا ذلك لما لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة اللَّه والقيام بخدمته، وقد يكون مثل هذا في ملوك الأرض أن كل أحد لا يرى نفسه يصلح لخدمة الملك، فيخدم من دونه المتصلين به رجاء أن يكون من خدمه شفيعا له عند الملك؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ طمعوا أن عبادتهم هَؤُلَاءِ تقربهم إلى اللَّه زلفى، ويكونون لهم شفعاء عند اللَّه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) يقول: أتنبئون اللَّه أي أتخبرون اللَّه بما لا يعلم، أي: تعلمون أنه عالم، أي: أتعلمون من تَعْلمون أنه يعلم ما ذكر وأنتم لا تعلمون ذلك، وقد تعلمون أنه لو كان كذلك لكان هو أعلم به منكم. والثاني: أن تقولوا ما لا يعلم، أي: يعلم أنه ليس كما تقولون كقول الناس: ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لا يكون، أي: ما شاء ألا يكون لا يكون. وقوله: [(سُبْحَانَهُ)]: كلمة جعلت لإجلال اللَّه عما يحتمله غيره من الأشكال والأضداد، ومن العيوب والآفات، وهو في هذا الموضع يتوجه إلى وجهين إذ كانوا يعبدون ما ذكر ويقولون: هم شفعاؤنا عند اللَّه، فيقول: سبحانه أن يجعل لأمثال أُولَئِكَ

يونس 10:18

وقوله تعالى :( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ) يحتمل وجهين : [ أحدهما ][ ساقطة من الأصل ] :( ما لا يضرهم ) لو تركوا عبادته ( ولا ينفعهم ) إن عبدوه. والثاني :( ما لا يضرهم ) ما يملكون الضرر بهم ( ولا ينفعهم ) أي ولا يملكون جر النفع إليهم. يسفههم في عبادتهم من لا يملك دفع الضر عنهم[ في الأصل : بهم مدرجة قبل دفع ]، ولا يملك جر النفع [ إليهم ][ ساقطة من الأصل وم ] وتركهم عبادة من به يكون جميع منافعهم وغذائهم، ومنه يكون كل خوف وضر، والله أعلم. وقوله تعالى :( وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ) يحتمل هذا القول منهم تقليدا[ من م، في الأصل : تقليد ] لآبائهم كقولهم :( وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها )[الأعراف: ٢٨] ظنوا أن آباءهم لما [ لم يتركوا ][ في الأصل وم : تركوا ] ما هم عليه لم يعذبوا، وأنه على الحق، وأن الله قد رضي بذلك، أو قالوال ذلك لما [ لم ][ من م، ساقطة من الأصل ] يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله والقيام بخدمته، وقد يكون مثل هذا في ملوك الأرض ؛ إذ كل أحد لا [ يرى ][ من م، ساقطة من الأصل ] نفسه، يصلح لخدمة الملك، فيخدم من دونه المتصلين به، وجاء أن يكون من خدمة شفيعا له عند الملك. فعلى ذلك هؤلاء ظنوا[ في الأصل : طعموا، في م : طمعوا ] أن عبادتهم هؤلاء تقربهم ( إلى الله زلفى )[الزمر: ٣] ويكونون[ في الأصل وم : ويكونوا ]، لهم شفعاء ( عند الله ) عند الله والله أعلم. وقوله تعالى :( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ ) [ فيه وجهان : أحدهما ][ ساقطة من الأصل وم ] : يقول :( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ ) أي تعلمون أنه عالم ؛ أي أتعلمون أنه يعلم ما ذكر، وأنتم لا تعلمون ذلك، وقد تعلمون أنه لو كان كذلك لكان هو أعلم به منكم. والثاني : أن تقولوا ما لا يعلم أنه ليس كما تقولون كقول الناس : ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون ؛ أي وما يشاء ألا يكون لا يكون. وقوله تعالى :( سبحانه ) كلمة جعلت لإجلال الله عما لا يحتمله غيره[ الهاء ساقطة من الأصل وم ] من الأشكال والأضداد ومن العيوب والآفات، وهو في هذا الموضع يتوجه إلى وجهين : أحدهما : إذا كانوا يعبدون ما ذكر ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ) فيقول ( سبحانه ) أن يجعل لأمثال أولئك شفاعة عنده ؛ إذ الشفيع أنه يكون من له منزلة وقدر عند من يشفع له، والمنزلة تكون للعبد بما يتبعه. [ أما ][ ساقطة من الأصل وم ] هم فيقومون بتوفير ما يحتمل وسعهم من العبادة. فأما من لا يحتمل التعبد فهو بعيد عما ذكر ( سبحانه ) أن يجعل الشفاعة لمن ذكر دون الأنبياء والرسل، وهم قد أخبروا أنها لا تملك ضررا ولا نفعا، وفي الشفاعة ذلك. والثاني : أن يكون عما أشركوا في العبادة، فسبحانه عن أن يكون معه معبود، أو يأذن لأحد بعبادة غيره، والله أعلم.

يونس 10:19

شفاعة عنده؛ إذ الشفيع يكون من له منزلة وقدر عند من يشفع له، والمنزلة تكون للعبيد بما يتعبدهم، فيقومون بتوفير ما يحتمل وسعهم من العبادة، فأما من لا يحتمل التعبد فهو بعيد عما ذكر يعني سبحانه أن يجعل الشفاعة لمن ذكر دون الأنبياء والرسل، وهم قد أخبروا أنها لا تملك ضرا ولا نفعًا، وفي الشفاعة ذلك. والثاني: أن يكون عما أشركوا في العبادة، فسبحانه عن أن يكون معه معبود أو يأذن لأحد بعبادة غيره، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: أهل مكة كانوا كلهم أهل شرك عبَّاد الأصنام والأوثان، لم يكن فيهم اليهودية ولا النصرانية ولا شيء من اختلاف المذاهب، فلما بعث مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اختلفوا: فمنهم من آمن به وصدقه وأخلص دينه لله، ومنهم من عاند وكابر في تكذيبه بعد أن عرف أنه رسول اللَّه ومنهم من شك فيه، ومنهم من لم ينظر في أمره قط ولا تفكر فيه؛ فصاروا أربع فرق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً)، بالفطرة، أي: كانوا جميعًا على الفطرة، وفي فطرة كل أحد الشهادة على وحدانية اللَّه تعالى وألوهيته؛ كقوله: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)، وقوله: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، في خلقة كل أحد الشهادة لله بالوحدانية له والألوهية فاختلفوا: فمنهم من كان على تلك الفطرة، ومنهم من كذب واختار الكفر، وهو ما روي: " كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه وينصرانه ". أخبر أنهم على الفطرة لو تركوا على ذلك، لكنَّ أبويه يمنعانه عن الكون عليها. وقيل: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: كان الخلائق جملة أمم؛ كقوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)، كأنه يعاتب هذه الأمة يقول: إن الأمم مع اختلاف جواهرها وأجناسها كانوا خاضعين لله مخلصين له،

يونس 10:20

فأنتم أيها الناس أمة من تلك الأمم، فكيف اختلفتم وأشركتم غيره في ألوهيته وربوبيته، مع ما ركب فيكم من العقول والتمييز بين ما هو حكمة وما هو سفه، وقد فضلكم على غيرها من الأمم في خلق ما خلق في السماوات وما في الأرض لكم، وسخر لكم ذلك كله ما لم يفعل ذلك بغيرنا من الأمم؟! ومنهم من قال من أهل التأويل في قوله: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً): زمن نوح: نوح ومن دخل معه في السفينة كانوا على دين واحد، فاختلفوا بعدما خرجوا. ومنهم من قال: آدم فاختلف أولاده. ومنهم من قال: زمن إبراهيم. لكنا لا نشهد كيف كان الأمر، فلا نعلم إلا بخبر عن اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) قيل: لولا أن من حكمه ألا يعذب هذه الأمة عند تكذيبهم الآيات إذا سألوها وإلا لأهلكها كما أهلك الأمم الخالية بتكذيبهم الآيات عند السؤال، ولكن أخر تعذيب هذه الأمة إلى يوم القيامة. والثاني: سبقت من ربك ألا يستأصل هذه الأمة عند تكذيبهم الرسل والعناد لهم أحد التأويلين في ترك استئصالهم، والآخر في تأخير العذإب عنهم إلى وقت. وقوله: (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) ببيان يضطرهم إلى القبول. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) جوابه - واللَّه أعلم - ما ذكر: لولا كلمة سبقت من ربك ألا يعذب هذه الأمة بتكذيبهم الآيات عند سؤالها، وإلا لعذبتم أنتم كما عذبت الأمم الخالية بتكذيبهم الآيات عند السؤال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ): أي: إنكم تعلمون أن علم الغيب لله، وقد أنزل من الآيات ما يبين ويدل على رسالتي.

يونس 10:21

وقوله: (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) قيل: انتظروا هلاكي إني منتظر هلاككم؛ لأنهم كانوا يوعدونه الهلاك. وقيل: انتظروا مواعيد الشيطان إني منتظر مواعيد اللَّه، وهو حرف وعيد، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا): قال أهل التأويل: (أَذَقْنَا النَّاسَ) يعني: أهل مكة إذا أصابهم سعة وفرح ونجاة مما يخافون عادوا إلى ما كانوا من التكذيب وعبادة الأصنام، ولكن أهل مكة وغيرهم أنهم إذا أيسوا عما يعبدون من الأصنام والأوثان، فزعوا إلى اللَّه ويخلصون له الدِّين؛ كقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) الآية، وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا...) الآية، وقوله: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ...) الآية، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها، كانت عادتهم الفزع إلى اللَّه عند إصابتهم الشدائد والبلايا؛ لعلمهم أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لا يدفعون عنهم ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا): المكر في الآيات تكذيبها وردها، فيشبه أن تكون الآية هاهنا محمدا، كان هو من أول أمره إلى آخره آية، فمكروا به لما هموا بقتله غير مرة؛ كقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا...) الآية، ويحتمل سائر الآيات والحجج مكروا فيها، أي: كذبوها وردوها. (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا): المكر الأخذ من غير أن يعلم هو به، يقول: اللَّه أسرع أخذا يأخذكم وأنتم لا تعلمون به، ولا تقدرون أن تأخذوا رسول اللَّه وتمكروا به إلا وهو يعلم بذلك، فهو أسرع أخذا منكم. (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ): فهم الحفظة.

يونس 10:22

ويحتمل قوله: (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) أي: أسرع لجزاء المكر منكم، أو أسرع أخذًا من حيث لا تعلمون أنتم. وقال بعض أهل اللغة: المكر بالآيات هو الرد والجحود لها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: استهزاء بها؛ فهو واحد، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) اختلف فيه: قال: بعضهم: قوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ) أي: هو الذي سخر لكم ما به تسيرون في البر والبحر، وهو الدواب والسفن التي يقطع بها البراري والبحار، وهو كقوله: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣). وقيل: قوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي: سخر لكم البر والبحر وهما مكانا الخوف والهلاك، أي: حفظكم فيهما حتى قضيتم فيهما حوائجكم، وليس في وسع الخلق حفظ البراري والبحار عما فيهما من الأهوال، فتولى اللَّه بفضله حفظ السائرين فيهما، حتى قضوا فيهما حوائجهم؛ وهو كقوله: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا...) إلى آخر ما ذكر من أنواع المنافع، فلولا أن اللَّه سخر لهم ذلك وحفظهم فيه، وإلا لم يكن في وسعهم القيام بذلك وحفظ أنفسهم فيه من الأهوال التي فيه، يذكرهم نعمه ومننه التي أنعمها عليهم ليوجهوا شكر نعمه إليه. ثم قوله: (يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) يحتمل يخلق وينشئ سيركم في البر والبحر؛ وهو كقوله: (وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ...) الآية، والتقدير هو التخليق والمقدر المخلوق، ففيه دلالة خلق أفعال الخلق؛ لأن السير هو فعل الخلق أضافه إلى نفسه؛ دل أنه منشئ فعلهم، واللَّه أعلم. ويشبه أن يكون قوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) لم يرد به البر والبحر نفسه، ولكنه أراد تذكير نعمه عليهم في كل حال وكل وقت ليشكروا له في كل حال؛ وهو كقوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، لم يرد به البر والبحر أنفسهما، ولكن أراد المكان الذي فيه المياه والمكان الذي لا مياه فيه، أي: ظهر الفساد في الأماكن كلها؛ فعلى ذلك الأول يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم في الأماكن كلها والأحوال جميعًا، واللَّه أعلم.

يونس 10:23

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) أي: ركبتم الفلك، (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) أي: تجري بهم السفن بريح طيبة. يخبر أن السفن ليست تجري في البحار بجريان الماء؛ لأن ماءها راكد في الظاهر، ولكن الريح هي التي تجريها وتسيرها؛ وكذلك الأمواج التي تكون فيها ليست لشدة جريان الماء، ولكن الريح هي التي تهيج الأمواج وتزعجها لا بنفس الماء (وَفَرِحُوا بِهَا) وقيل: فرحوا بها: سروا بها. ويحتمل فرحوا بها، أي: بطروا بها وأشروا. وقوله: (جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ)، أخبر أن من الريح ما هي طيبة تجري بها السفن، ومنها ما هي عاصفة قاصفة تكسر وتفرق السفن وتهلك أهلها؛ ليعلم أن الأشياء تصلح تارة وتفسد تارة لا لأنفسها، ولكن لحفظ الحدود فيها، وكذلك النار تحرق مرة وتفسد ومرة تصلح وذلك لحفظ الحدود فيها، وكذلك الماء مرة يصلح ومرة يفسد، وذلك إذا حفظ فيه الحد أصلح، وإن لم يحفظ أفسده، وإلا لا يحتمل الشيء الواحد لنفسه يصلح مرة ويفسد لّارة، ولكن لحفظ الحدود فيه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) قيل: أيقنوا أنهم مهلكون، ولكن الإيقان بالشيء الذي يصيب به في حادث الأوقات إنما يكون بالخبر لأنه لا يدري لعل اللَّه يصرف ذلك عنهم، فلا يقع به الإيقان، ولكن جعل غالب الظن فيه في كثير من الأشياء كالإيقان به ألا ترى أن اللَّه أباح الميتة في حال الضرورة لغالب الظن؛ إذ قد يجوز ألا يهلك بذلك، وكذلك ما أبيح للمكره بالقتل أن يجري كلمة الكفر على لسانه لغالب الظن، وإلا ليس يعلم بالإحاطة أنه يقتله لا محالة، لكن جعل لغالب الظن في بعض المواضع حكم اليقين والإحاطة فعلى ذلك قولهم أيقنوا أنهم أحيط بهم لغالب الظن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أنهم لما أيسوا عن الأصنام التي عبدوها في دفع ما حل بهم عنهم، فزعوا إلى اللَّه، وأخلصوا الدعاء له، وقالوا: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، ثم أخبر عن سفههم بعودهم إلى ما كانوا من قبل، (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) وهكذا كانت عادتهم كانوا يفزعون إلى اللَّه عند خوف الهلاك والإياس عن آلهتهم التي عبدوها، ويخلصون الدعاء له، فإذا كشف ذلك الكرب عنهم ودفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل. والبغي في الأرض هو الفساد فيها،

يونس 10:24

وقوله: (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ويحتمل قوله: (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: بعضكم على بعض. ويحتمل: (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: حاصل بغيكم يرجع على أنفسكم. والبغي هو الظلم؛ فإن كان التأويل: من أنفسكم بعضكم على بعض؛ فيكون الوعيد في قوله: (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ) وقوله: (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ما قد ذكرنا، وهو حرف وعيد، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) الآية. قيل: في ضرب مثل الحياة الدنيا بالزرع الذي ذكر وجوه. قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وفي سرعة فنائها وانقطاعها ووجوب زوالها مثل ذلك الزرع الذي ذكر في سرعة هلاكه وانقطاعه وزواله عن صاحبه. أو أن يقال: إنما مثل الحياة الدنيا فيما يسر به ويبتهج مثل صاحب الزرع الذي ذكر، فيما سر به وابتهج، ثم كان ما ذكر: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما مثل الحياة الدنيا للحياة الدنيا فيما ينفقون فيها، مثل صاحب الزرع الذي ذكر ينفق عنيه لما يأمل من المنافع ويطمع منه ثم كان ما ذكر ولو علم في الابتداء أن أمر زرعه يئول ويصير إلى ما صار لكان لا ينفق؛ فعلى ذلك صاحب الحياة الدنيا لو علم أن عاقبة أمر نفقته تصير حسرة عليه وندامة ما أنفق، كما أن صاحب الزرع الذي ذكر وبلغ المبلغ الذي ذكر لو علم أن عاقبته كما كان ما أنفق عليه، أو لو علم أنه لا ينتفع به ما أنفق تلك النفقة، أي: لو علم أن سروره وابتهاجه به لا يبقى ولا يدوم إلى آخره ما تكلف ذلك، أو لو علم أنها تزول عنه وتنقطع عن تلك السرعة ما أنفق ذلك وما تكلف الذي تكلف. ويحتمل ضرب مثل الحياة الدنيا بما ذكر من النبات وجهين: أحدهما: يخبر عن سرعة زوالها وانقطاعها كالنبات الذي ذكر أنه يتسارع إلى الزوال والانقطاع لما يصيبه من الآفة فعلى ذلك الدنيا. والثاني يخبر عن تغيرها وانقلاب أمرها كالنبات، الذي يتغير في أدنى مدة ووقت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) قيل: حسنها، وازينت وحسنت فأنبتت من ألوان النبات. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: زخرفها: زينتها من النبت، (حَصِيدًا) أي: محصودا كما يحصد الحصاد، والحصاد: الزرع، (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) أي: لم تعش، والمغاني هي، المواضع التي يعيش فيها الناس، قال: وواحد المغاني مغنى. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: وأصل الزخرف الذهب؛ يقال للنقش والذهبة وكل شيء زين: زخرف، وقال: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) والمغاني: المنازل واحدها مغنى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) أي: لم تنعم. وقيل: لم تعمر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من الغِنَى، أي: كأن لم تكن غنيا بالأمس، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) أي: ظن أهل الدنيا فيما ينفقون أنهم قادرون على تلك النفقة، كما ظن صاحب الزرع أنه قادر على ذلك الزرع. وقوله: (أَتَاهَا أَمْرُنَا) قيل: عذابنا سمي أمرًا؛ لأنه بأمره أتاه، وفيه أنه لم يأته عن غفلة وسهو، ولكن عن علم وأمر؛ عظة لهم وتنبيهًا؛ ألا ترى أنه قال: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) كأن الآيات في هذا الموضع المواعظ، أي: فيما ذكر من ضرب مثل الحياة الدنيا بالنبات والزرع الذي ذكر عظة وتنبيه لمن تفكر فيه، واللَّه أعلم.

يونس 10:25

قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) اختلف فيه؛ قيل: الجنة، والسلام: اللَّه أضافها إلى نفسه؛ كقوله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، فأضاف الجنة إلى السلام إن كان دار السلام هي الجنة، فهو - واللَّه أعلم - لأن المساجد هي أمكنة يقام فيها القرب، والجنة هي مكان اللذة وقضاء الشهوة، فأضافها إلى السلام لما يسلم أهلها عن جميع الآفات، والمساجد خصت بالإضافة إلى اللَّه تعالى؛ لأنها أمكنة يقام فيها القرب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: دار السلام: الإسلام. ثم يحتمل كل واحد من التأويلين وجهين بما سمى الإسلام دار السلام والجنة، كذلك سمى الإسلام دار السلام؛ لأنه يأمن ويسلم كل من دخل فيه عن جميع الأهوال والآفات التي تكون. والثاني: سمى الإسلام دار السلام، أضافه إلى نفسه؛ كقوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ...) الآية، أخبر أنه على نور من ربه؛ فعلى ذلك إضافة الإسلام إليه. ومن قال: دار السلام الجنة سمى دار السلام؛ لأن كل من دخل الجنة سلم وأمن عن الأهوال كلها والآفات جميعًا. والثاني: دار: الجنة، والسلام: اللَّه أضاف إليه؛ لأنها دار أوليائه، وقد تضاف إلى اللَّه على إرادة أوليائه، واللَّه أعلم.

يونس 10:26

وروى في بعض الأخبار عن أبي قلابة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " قيل لي لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني، ثم قيل لي: سيد بنى دارًا وجعل مأدبة وأرسل داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد فاللَّه السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ". إن ثبت هذا الخبر ففيه أن الدار الإسلام على ما قاله بعض أهل التأويل وفي خبر آخر عن جابر بن عبد اللَّه قال: " خرج علينا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يومًا فقال: رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي، قال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، قال: اسمع سمعت أذنك، وأعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا ثم بنى فيها بنيانًا فأتمه، ثم جعل فيها المأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فاللَّه الملك والدار الإسلام والبيت الجنة، وأنت يا مُحَمَّد الرسول، ومن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها ". هذا يدل -أيضًا- إن ثبت أن الدار التي ذكر في الآية هو الإسلام، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ...) الآية: ذكر الاستثناء في الهداية، ولم يذكر في الدعاء؛ ليعلم أن لا كل من يدعو إلى دار السلام يهديه، وإنما يهدي به من يعلم منه أنه يختار الهدى وذلك على القدرية. ثم الهدى على وجوه ثلاثة. أحدها: الدعاء كقوله: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). والثاني: هو البيان كقوله: (هُدًى وَرَحْمَةً) يعني القرآن. والثالث: التوفيق والعصمة إذا وفق اهتدى، والهدى هاهنا التوفيق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: للذين أحسنوا في الدنيا لهم الحسنى في الآخرة جزاء ذلك الإحسان وهي الجنة، سمى الجنة الحسنى؛ لأنها جزاء الإحسان، كما سمى النار السوءى؛ كقوله: (أَسَاءُوا السُّوأَى) لأنها جزاء السوء؛ كقوله: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)، (وَزِيَادَةٌ) قيل: المحبة في قلوب العباد يحبه كل محسن، وهيبة له في قلوب الناس يهابه كل أحد على غير سلطان له ولا يد. وقال قائلون: قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) أي: مثل تلك الحسنة وزيادة التضعيف، حتى تكون عشرا وسبعمائة وما شاء اللَّه، يدل على ذلك قوله: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا). وقال قائلون: قوله: (وَزِيَادَةٌ) الرؤية: رؤية الرب والنظر؛ كقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣). وقال قائلون: الزيادة قبول حسناته مع ما فيها من الخلط بالسيئات، يقبل حسناته بفضله. وإن كانت تشوبها السيئات ورضاه عنه، وذلك طريقه الفضل والإحسان؛ إذ قد سبق من اللَّه تعالى إليه من النعم ما لا يقدر القيام على وفاء نعمة منها طول عمره.

يونس 10:27

وعن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب ". فلا ندري ما الزيادة التي ذكرها عَزَّ وَجَلَّ في الآية إلا بالخبر عن اللَّه. وقال قائلون: الحسنى ما تقدره العقول وتدركها وتصورها الأوهام، وأما الزيادة فهي التي لا تقدرها العقول ولا تدركها ولا تصورها الأوهام؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ) قيل: لا يغشى وجوههم الغبار والريح على ما وصف وجوه أهل النار، وهو قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١). ولكن على ما وصف وجوه أهل الجنة بقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)، وذلك - واللَّه أعلم - آثار إحسانهم التي أحسنوا في الدنيا، ولما لم يروا النعم التي كانت لهم من سواه ولم يصرفوا شكرها إلى غيره، والغبرة والقترة التي ذكر لأهل النار هي آثار السيئات التي عملوها في الدنيا من عبادتهم دون الله وصرفهم شكر النعم إلى غيره ونحو ذلك من صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، واللَّه أعلم. (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) وقوله: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا): جزاء سيئة مما يوجبه الحكمة أن يجزى بمثلها، وأما جزاء الإحسان والخير طريق وجوبه الإفضال والإحسان ليس طريق وجوبه الحكمة، إذ سبق من اللَّه، إلى كل أحد من النعم ما ليس في وسعه القيام بمكافأة واحدة منها عمره وإن طال واجتهد كل جهده، فضلا أن يستوجب قبله جزاء ما كان منه من الخيرات. وقوله: (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ): هو ما ذكرنا من آثار السيئات التي عملوها في الدنيا ذلا وهوانًا لهم (مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ)، وذلك أنهم - واللَّه أعلم - كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن يكونوا لهم شفعاء عند اللَّه، فأخبر أن ليس لهم من عذاب اللَّه مانع يمنع ذلك عنهم؛ كقولهم: (هؤُلَآءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّه). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ) قيل: ألبست وأغطيت قطعًا مثقلا ومخففا قطعا، قيل: القطع بالتثقيل هو جمع القطعة، والقطع بالتخفيف جزء من الليل، يقال: سرنا بقطع من الليل، أي: بجزء من الليل، وقوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) أي: بجزء منه، واللَّه أعلم. ثم شبه وجوههم بظلمة الليل، ولم يشبه بسواد الوجوه على ما يكون من سواد الوجوه في الدنيا؛ فذلك - واللَّه أعلم - أن سواد الوجوه على ما يكون في الدنيا لا يبلغ من القبح غايته؛ إذ قد يرغب من كان جنسه ونوعه في ذلك ويحسن ذلك عنده، فإذا كانت الرغبة قد تقع لبعضهم في بعض لم يبلغ في القبح نهايته، وأما ظلمة الليل: فإن الطباع تنفر عنها، ولا تقع الرغبة فيها بحال؛ لذلك شبه وجوه أهل النار بها، واللَّه أعلم.

يونس 10:28

(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) قال أهل التأويل: يعني العابد والمعبود الذين عبدوا دونه، ولكن نحشر الخلائق جميعًا. (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ) هذا الحرف هو حرف وعيد؛ يقال: مكانك أنت، كذا وإن كان هذا الحرف يجوز أن يستعمل في الكرامات وبر بعضهم بعضا، ولكن إنما يعرف ذا من ذا بالمقدمات، فما تقدم هاهنا يدل أنه لم يرد به الكرامة، ولكن أراد به الوعيد، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ) قيل: فرقنا بينهم وميزنا بينهم، أي: بين العابد والمعبود. ثم يحتمل التفريق بينهم وجوهًا: أحدها: فرقنا بينهم في الحساب مما عمل ومما صحب. والثاني: يحتمل فرقنا بينهم لما طمعوا بعبادتهم إياها والشفاعة أن يكونوا لهم شفعاء عند اللَّه، ففرق بينهم في الشفاعة. ويحتمل فرقنا بينهم فيما ضل عنهم ما كانوا يفترون، فصار ما عبدوا ترابا وهم في النار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ): يحتمل قوله: شركاؤهم: سماهم شركاء وإن لم يكونوا أشركاء في الحقيقة، لما عندهم أنهم شركاء؛ كما سمى الأصنام آلهة لما عندهم أنها آلهة. والثاني: (شُرَكَاؤُهُمْ) لما أشركوها في العبادة فهم شركاؤهم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ): ينطق اللَّه تعالى يوم القيامة هذه الأصنام، وإن لم يكن في خلقتها النطق في الدنيا؛ كقوله: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) وقوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...) الآية، أنطقهم ليشهدوا عليهم. وقوله: (مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ): يحتمل الملائكة أن يكونوا هم الذين أنكروا؛ لأن منهم من يعبد الملائكة، أنكروا أن يكونوا يعبدونهم؛ لأن العبادة لآخر إنما تكون عبادة إذا كان من المعبود أمر بها، وكانت عبادتهم الأصنام عبادة للشيطان لأنه هو الآمر لهم بالعبادة

يونس 10:29

للأصنام؛ كقوله: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ)، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنه لما كان الآمر لهم بالعبادة للأصنام صار كأنهم عبدوه، وإن لم يقصدوه بها ويحتمل ما ذكر من الإنكار من الأصنام. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) أي: كفى اللَّه القاضي والحاكم بيننا وبينكم أنا لم نأمركم بعبادتنا، وهو العالم بأنا كنا بعبادتكم إيانا غافلين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) قيل: عند ذلك، وقيل: يومئذ أي يوم القيامة. وقوله: (تَبْلُو) أو (تَتْلُو) بالباء والتاء، قيل: تقرأ في الصحف: " ما كتب من أعمالهم " وتبلو بالباء من الابتلاء، يقال: بلوته وابتليته واحد، وخبرته واختبرته أيضًا، وقيل: (تَبْلُو) تجد وتعلم كل نفس ما قدمت من الأعمال وقيل: تجزى كل نفس بما عملت. وقيل: (تَتْلُو) بالتاء أيضا: تتبع، كل نفس ما قدمت من الأعمال، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) قيل: ملكهم الحق لأن غيره من الآلهة التي عبدوها قد بطل عنهم وضل في الآخرة.

يونس 10:30

وقوله تعالى :( هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ) قيل : عند ذلك، وقيل : يومئذ ؛ أي يوم القيامة. وقوله يبلو بالياء، و( تبلو ) بالتاء[ انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٧٢ ] ؛ وقيل : تقرأ في الصحف ما كتب من أعمالهم، ( تبلوا ) بالتاء من الابتلاء ؛ يقال : بلوته، وابتليته واحد، وخبرته، واختبرته أيضا. وقيل : تبلو تجد، وتعلم كل نفس ما قدمت من الأعمال، والله أعلم. وقوله تعالى :( وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ ) قيل : ملكهم الحق لأن غيره من الآلهة التي عبدوها قد بطل عنهم، وضل في الآخرة. ويحتمل ( وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ ) أ ] حق ما تجد كل نفس ما قدمت من أعمالها، أو حق أن تقرأ كل نفس ما عملت ( وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) من العبادة للأصنام وقول الكفر [ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) يحتمل وجهين : أحدهما[ في الأصل وم : أعني ] : ردوا إلى ما أعد لهم مولاهم الحق. والثاني : ردوا إلى أمر مولاهم الحق لا إلى أمر الأصنام التي كانوا يعبدونها.

يونس 10:31

ويحتمل: (وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) أي: حق ما تجد كل نفس ما قدمت من أعمالها، أو حق أن تقرأ كل نفس ما عملت وضل عنهم ما كانوا يفترون من العبادة للأصنام وقول الكفر، وقوله: (وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) يحتمل وجهين؛ أي: ردوا إلى ما أعدّ لهم مولاهم الحق، والثاني أي: ردوا إلى أمر مولاهم الحق، لا إلى أمر الأصنام التي كانوا يعبدونها. * * * قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ...) الآية: يحاجهم يعني: أهل مكة في التوحيد والربوبية وكأن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة في التوحيد، لأنها مكية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) يحتمل وجهين؛ أي: من ينزل لكم الرزق من السماء، ومن يستخرج لكم الرزق من الأرض. والثاني: من يرزقكم من السماء والأرض أي ومن يدبر الرزق في السماء، ومن يدبر الرزق في الأرض، لا أحد يملك استنزال الرزق من السماء، واستخراج الرزق من الأرض؛ وكذلك لا أحد يملك تدبيره في السماء والأرض سواه، ولا أحد يملك إنشاء السمع والبصر، ولا أحد أيضًا يملك إخراج الحي من الميت ولا إخراج الميت من الحي ولا تدبير الأمر، لا يعرفون حقيقة ماهية السمع والبصر ولا كيفيتهما، فكيف يملكون إنشاء السمع والبصر ونصبهما، ولا يملك أحد سواه إصلاح ما ذكر إذا فسد ذلك، فأقروا له أنه لا يملك أحد سوى اللَّه ذلك، وهو قولهم: (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) يقول. واللَّه أعلم -: إذا عرفتم

يونس 10:32

وأقررتم أنه لا يملك ما ذكر سواه وعرفتم أن له السلطان والقدرة على ذلك أفلا تتقون، بوائقه ونقمته، أو يقول: أفلا تتقون عبادة غيره دونه، وإشراك غيره في ألوهيته وربوبيته، أو يقول: أفلا تتقون صرف شكره إلى غيره وقد أقررتم أنه هو المنعم عليكم بهذه النعم لا من تعبدون دونه. أو يقول - واللَّه أعلم -: إذا عرفتم ذلك أفلا تتقون مخالفته وعصيانه، فإذا أقروا أن الذي يملك تدبير ما بين السماء والأرض هو الذي له السماوات والأرض عرفوا الذي يستحق العبادة والقيام بشكره، فإذا ضيعوا ذلك جمعهم على اسم الضلال؛ فذلك قوله: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ). وقوله تعالى: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ... (٣٢) أي: ذلكم الذي ذكر ربكم بالحجج والبراهين، فماذا بعد الحق الذي هو حق بالحجج والبراهين إلا الضلال؟! لأن ما لا حجج له ولا براهين فهو ضلال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ): عن عبادته إلى عبادة غيره، أو فأنى تصرفون عن شكر المنعم، إلى شكر غير المنعم. أو يقول: فأنى تعدلون من لا يملك ما ذكر بمن يملك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) حقت: وجبت، وقيل: كذلك حقت كلمة ربك على الذين ختموا بالفسق أنهم لا يؤمنون، أي: لا ينتفعون بإيمانهم بعد ذلك. وقوله: (كَلِمَتُ رَبِّكَ) تحتمل وجهين: تحتمل كلمة ربك مواعيد ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون فإن كان على هذا فهو في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون. ويحتمل كلمة ربك، حجج ربك وبراهينه على الذين فسقوا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قال عامة أهل التأويل: ثم يعيده: البعث بعد الموت، أي: لا أحد من شركائكم الذين تعبدون يملك

يونس 10:33

وقوله تعالى :( كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) حقت وجبت، وقيل :( كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا ) ختموا بالفسق ( أنهم لا يؤمنون ) أي لا ينتفعون بإيمانهم بعد ذلك. وقوله تعالى :( كلمة ربك ) يحتمل وجهين ؛ يحتمل ( كلمة ربك ) حجج/٢٢٩-ب/ ربك، ويحتمل[ في الأصل وم : و ] براهينه على الذين فسقوا.

يونس 10:34

وقوله تعالى :( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) قال عامة أهل التأويل :( ثم يعيده ) البعث بعد الموت ؛ أي لا أحد من شركائكم الذين تعبدون يملك بدء الخلق ولا بعثه. وقال بعضهم قوله ( ثم يعيده ) لا يحتمل البعث لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث، فلا يحتمل الاحتجاج عليهم بذلك. ولكن قوله :( ثم يعيده ) ما سوى البشر لأنهم كانوا إنما ينكرون إعادة البشر. فأما إعادة غيره من الأشياء [ فلا ينكرونها ][ في الأصل وم : ينكرونه ] نحو إعادة الليل والنهار وإعادة الأنزال والنبات ونحو الأشياء التي يشاهدونها ؛ أي ( ثم يعيده ) مثله : الليل ليلا مثله والنهار نهارا مثله ؛ وكذلك الخلائق تفنى، ثم [ يعيدها مثلها ][ في الأصل وم : يعيد مثله ] فإذا ثبت في غير البشر ثبت في البشر. ويحتمل الأمرين جميعا عندنا البعث وأشياء مثله لأنه تعليم لهم. ألا ترى أنه قال الله تعالى :( يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ ) ؟ قيل : تكذبون بتوحيد الله، وقد عرفتم أنه هو بدأ الخلق، ثم يعيده، لا أحد يملك ذلك. ألا ترى أنه احتج عليهم بما[ الباء ساقطة من الأصل وم ] يلزمهم ذلك بقوله :( كيف تكفرون بالله ) الآية ؟ [البقرة: ٢٨].

يونس 10:35

بدء الخلق ولا بعثه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) لا يحتمل البعث؛ لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث، فلا يحتمل الاحتجاج عليهم بذلك، ولكن قوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) ما سوى البشر؛ لأنهم إنما ينكرون إعادة البشر، فأما إعادة غيره من الأشياء لا ينكرونه؛ نحو إعادة اللمل والنهار، وإعادة الإنزال والنبات، ونحو الأشياء التي يشاهدونها، أي: ثم يعيد مثله: الليل ليلا مثله، والنهار نهارا مثله؛ وكذلك الخلائق تفنى ثم يعيد مثله، فإذا ثبت في غير البشر ثبت في البشر. ويحتمل الأمرين جميعًا عندنا البعث وأشياء مثله؛ لأنه تعليم منه لهم، ألا ترى أنه قال: (قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) قيل: تكذبون بتوحيد اللَّه، وقد عرفتم أنه هو بدأ الخلق ثم هو يعيده، لا أحد يملك ذلك، ألا ترى أنه احتج عليهم ما يلزمهم ذلك بقوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) يحتمل قوله: (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) يدعو إلى الحق فإذا كان هَؤُلَاءِ الأصنام التي تعبدونها لا يملكون الدعاء إلى شيء، فلا يملكون الضر والنفع، ومغ الخلائق من لا يملك النفع والضر، ويملك الدعاء إلى خير أو إلى نفع، فهَؤُلَاءِ دون الخلائق جميعًا؛ إذ لا يملكون الدعاء، فكيف يملكون الضر والنفع، ؟! يبين عَزَّ وَجَلَّ سفههم بعبادتهم هَؤُلَاءِ الأصنام؛ لعلمهم أنهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا. ويحتمل قوله: (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) أي: يبين ويقيم الدلائل والبراهين على عدم استحقاق العبادة لهم، فإذا لم يملكوا الدعاء إلى العبادة لهم، فكيف يملكون نصب

يونس 10:36

الدلائل والحجج على استحقاق العبادة؟! (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ): أخبر أن اللَّه هو الذي يهدي للحق. ثم يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا: هو يملك الدعاء إلى الحق ويقيموا الدلائل والحجج على ما دعا إليه، وهو يستحق العبادة له والربوبية. (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ): الذي يبين البراهين والحجج، (أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي) أي: لا يبين، (إِلَّا أَنْ يُهْدَى)، فَإِنْ قِيلَ: ما معنى الاستثناء وهو وإن هدي لا يهتدي؟ قيل: يشبه أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: (مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)، ينطقهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يوم القيامة، فيشهدون عليهم أنهم لم يأمروهم بالعبادة لهم ولا دعوهم لإشراكهم في العبادة، فيكون قوله: (إِلَّا أَنْ يُهْدَى) لما أن يجعلهم اللَّه بحيث يهتدون إذا هدوا ويجيبون إذا دعوا. (فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ): بالجور وصرف العبادة والشكر إلى من لا يملك ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى) قَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَّا أَنْ يُهْدَى) لا يحتمل الصنم والوثن الاهتداء وإن هدي، ولكن المراد منه الإنسان. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَّا أَنْ يُهْدَى) إلا أن يحمل الصنم ويوضع، فأما أن يهتدي هو بنفسه فلا، لكن يحتمل ما ذكرنا أنه إذا صيره بحيث يتكلم ومن جنس ما ينطق وأذن له في النطق احتمل الإجابة والاهتداء، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا في الأئمة والرؤساء منهم حيث عبدوا الأصنام والأوثان وقالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقالوا: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، ونحو ذلك من القول؛ يقول: ما يتبع أكثرهم في عبادتهم الأصنام بأنهم يكونون لهم شفعاء عند اللَّه إلا ظنا ظنوه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا في الأتباع والعوام ليس في الأئمة؛ ذلك أن الأئمة قد عرفوا البراهين والحجج التي قامت عليهم والآيات التي جاء بها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لكن ما قالوا: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، (مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى)، (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ)، ونحو ذلك من الكلام، أرادوا أن يلبسوا على العوام ويشبهوا عليهم، فاتبع العوام الأئمة فيما قالوا وأنه كذا وصدقوهم؛ يقول: وما يتبع

يونس 10:37

أكثرهم الأئمة في ذلك إلا ظنًّا ظنوا. ويشبه أن يكون قوله: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ) يعني: أهل مكة أي ما يتبع أكثر أهل مكة، الأوائل والأسلاف في عبادة الأصنام والأوثان. (إِلَّا ظَنًّا) لأنهم عبدوا الأصنام ويقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ...) الآية، وآباؤنا كذلك يفعلون، ثم أخبر أن الظن لا يغني من الحق شيئًا، أي: الظن لا يدرك به الحق إنما يدرك الحق باليقين، (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) وهو حرف وعيد ليكونوا أبدا على حذر. * * * قوله تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هو صلة قوله: (قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)، فيقول: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ)؛ كقوله: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ)، أي ما أتبع إلا ما يوحى إليَّ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن كفار قريش قالوا: إن محمدًا افترى هذا القرآن من عند نفسه ويقوله من نفسه، فقال: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ) أن يضاف إلى غيره أو يختلق. (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت من قبل، ولو كان مُحَمَّد هو الذي افتراه واختلقه من عند نفسه لكان خرج هو وسائر الكتب المتقدمة مختلفا، إذ لم يعرف مُحَمَّد سائر الكتب المتقدمة إذ كانت بغير لسانه، ولم يكن له اختلاف إلى من يعرفها ليتعلم، ثم خرج هو أعني القرآن مصدقا وموافقا لتلك الكتب؛ دل أنه من عند اللَّه جاء؛ كقوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ) يخرج على وجهين:

يونس 10:38

أحدهما: ما كان هذا القرآن بالذي يحتمل الافتراء من دون اللَّه؛ لخروجه عن طوق البشر ووسعهم، فذلك بالذي يحيله كونه مفترى بجوهره. والثاني: لما أودع فيه من الحكمة والصدق يدل على كونه من عند اللَّه؛ إذ كلام غيره يحتمل السفه والكذب ويحتمل الاختلاف. (وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ) قيل فيه بيان الكتب التي نزلت قبله، وتمامه أن هذا وإن كان في اللفظ مختلفا فهو في الحكمة والصدق مبين موافق للأول. وقيل: (وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ) أي: تفصيل ما كتب لهم وما عليهم. أو أن يقال؟ إلى اللَّه تفصيل الكتب ليس إلى غير (لَا رَيْبَ فِيهِ) أنه من عند رب العالمين. أو يقول: مفصل من اللوح المحعوظ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) يقول: إن كان مُحَمَّد افتراه من عند نفسه، فأتوا أنتم بمثله؛ إذ لسانه ولسانكم واحد، فأنتم قد عرفتم بالفرية والكذب، ومُحَمَّد لم يعرف به قط، ولا أخذ عليه بكذب قط، فأنتم أولى أن تأتوا بسورة مثله. (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: ادعوا بآلهتكم التي تعبدونها؛ ليعينوكم على إتيان مثله. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) أي: بمن لسانه مثل لسانكم؛ ليعينوكم على ذلك. أو يقول: استعينوا بدراسة الكتب؛ ليعينوكم على مثله إن كنتم صادقين أن محمدًا افتراه من نفسه؛ فدل ترك اشتغالهم بذلك على أنهم قد عرفوا أنه ليس بمفترى، وأنه سماوي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) قَالَ بَعْضُهُمْ: ما لم يحفظوا نظمه، ولا لفظه، ولا نظروا فيه، ولا تدبروا؛ ليعلموا معناه، بل كذبوه بالبديهة، والشيء إنما يعرف كذبه وصدقه بالنظر فيه والتفكر والتدبر، لا بالبديهة، فذلك - واللَّه أعلم - تأويل قوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ). الثاني: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) كذبوا على علم منهم أنهم كذبة فيما يقولون، ويتقولون: إنه مفترى ليس بمنزل (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)، أي: ولما يأتهم العلم بتأويله، أي: بتأويل القرآن.

يونس 10:39

وقوله تعالى :( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) قال بعضهم : ما لم يحفظوا نظمه ولا لفظه، ولا نظروا فيه، ولا تدبروا ليعلموا ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) بالبديهة. والشيء/٢٣٠-أ/ إنما يعرف كذبه وصدقه بالنظر فيه والتفكر والتدبر لا بالبديهة. فذلك، والله أعلم، تأويل قوله ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) كذبوا على علم منهم أنهم كذبة في ما يقولون، وينقلون أنه مفترى ليس بمنزل ( ولما يأتيهم تأويله ) أي ولما يأتهم العلم بتأويله أي بتأويل القرآن. ومعناه، والله أعلم، أنهم كذبوه من غير أن حفظوا نظمه، ووعوا لفظه، ولا أتاهم العلم بعاقبته وآخره. قيل : التأويل هو رد كل شيء إلى أولية الأمر. وقالت الحكماء : التأويل آخر كل فعل : هو قصد في أوله، وقصد كل شيء في أوله هو آخره في فعل أو نحوه. وقال بعضهم :( ولما يأتهم تأويله ) ما[ أدرج قبلها في الأصل وم : قال ] وعد الله أن يكون قبل أن يكون، وقال ابن عباس رضي الله عنه : تأويل القرآن بما يكون منه في الدنيا وبما يكون منه يوم القيامة، وهو العذاب الذي وعد. وقال بعضهم :( تأويله ) ثوابه، وقيل : عاقبته. وقال الواقدي : لم يأتهم عاقبة بيان ما وعد الله في القرآن في الآخرة من الوعيد. وأصل التأويل هو النظر إلى ما تؤول عاقبة الأمر. وقوله تعالى :( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) [ يحتمل وجهين : أحدهما ][ ساقطة من الأصل و م ] : أي كذلك كذب الأمم السابقة رسلهم كما كذب كفار مكة رسولهم ؛ أي لست أنت بأول مكذب، بل كذب من كان قبلك من إخوانك ليكون له التسلي عما هو فيه من تكذيبهم إياه وردهم عليه أنه ينزل بهم ما نزل بأولئك، إن هم أقاموا على ما هم عليه. والثاني : أن يكون الخطاب، وإن كان خارجا لرسول الله صلى الله عليه و سلم فهو راجع إلى قومه، يأمر بالنظر في ما نزل بالأمم السالفة، وأن يتأملوا أحوالهم ليكون ذلك سببا لزجرهم عما هم فيه. وقوله تعالى :( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) بالتكذيب ؛ أي كيف يعاقبون، ويُعَذَّبون ؟ والله أعلم.

يونس 10:40

ومعناه - واللَّه أعلم -: أنهم كذبوه من غير أن حفظوا نظمه، ووعوا لفظه، ولا أتاهم العلم بعاقبته وآخره. وقيل: التأويل: هو رد كل شيء إلى أولية الأمر. وقالت الحكماء: التأويل: آخر كل فعل هو قصد في أوله وقصد كل شيء في أوله هو آخر في فعله، أو نحوه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) قال: ما وعد اللَّه أن يكون قبل أن يكون. وقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تأويل القرآن بما يكون منه في الدنيا، وبما يكون منه يوم القيامة، وهو العذأب الذي وعد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (تَأْوِيلُهُ): ثوابه. وقيل: عاقبته. وقال الواقدي: لم يأتهم عاقبة بيان ما وعد اللَّه في القرآن في الآخرة من الوعيد. وأصل التأويل: هو النظر إلى ما تئول عاقبة الأمر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، أي: كذلك كذب الأمم السالفة رسلهم، كما كذب كفار مكة رسولهم، أي: لست أنت بأول مكذب، بل كذب من كان قبلك من إخوانك؛ ليكون له التسلي عما هو فيه من تكذيبهم إياه، وردهم عليه أنه ينزل بهم ما نزل بأُولَئِكَ إن هم أقاموا على ما هم عليه. والثاني: أن يكون الخطاب وإن كان خارجًا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فهو راجع إلى قومه يأمرهم بالنظر فيما نزل بالأمم السالفة، وأن يتأملوا أحوالهم؛ ليكون ذلك سببا لزجرهم عما هم فيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) بالتكذيب، أي: كيف يعاقبون ويعذبون، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) قيل: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا، منهم من قد آمن به، ومنهم من لا يؤمن به، أي: من لم يؤمن به. ويحتمل على الوعيد فيما يستقبل، أي: منهم: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا: منهم من قد آمن، ومنهم من لم يؤمن به. قَالَ بَعْضُهُمْ: هي في اليهود، ليست في أهل مكة، وظاهره أن يكون في كفار مكة،

يونس 10:41

وعلى ذلك قول عامة أهل التأويل، كأن هذا يخرج على البشارة: أن منهم من يؤمن به؛ لئلا يقطع ويمنع دعاءهم، وأخبر أن منهم من لا يؤمن به، يؤيسه حتى لا يشتد حزنه على كفرهم. وجائز أن يكون هذا: أي: منهم من، قد يولد من بعد، ويؤمن به، ومنهم من يولد فلا يؤمن. وقوله: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) يشبه أن يكون معناه: أي: على علم بما يكون منهم من الفساد خلقهم وأنشأهم، وليس عن غفلة وجهل بالفساد، ولكن عن علم بذلك؛ لما لا يضره فساد مفسد، ولا ينفعه صلاح من يصلح، إنما عليهم ضرر فسادهم، ولهم منفعة صلاحهم. ويحتمل أن يكون على الوعيد، أي: عالم بفسادهم، فيجزيهم جزاء فسادهم، والله أعلم. وقوله: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) تأويله - واللَّه أعلم - أي: إن كذبت فيما أخبرتكم: أنه جاء من عند اللَّه، فـ (لِي عَمَلِي)، أي: جزاء عملي فيما أبلغكم، أي: فعليَّ وزر عملي، (وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ)، أي: فعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن اللَّه، وهو كقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) أي: علي جرم ما افتريت إن افتريت، وعليكم جرم ما رددتم عليَّ فيما بلغتكم عن اللَّه. ويحتمل: ما قاله أهل التأويل: (لِي عَمَلِي) أي: لي ديني (وَلَكُم عَمَلُكُم) أي: لكم دينكم. (أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ). تأويله - واللَّه أعلم - أي: أنا لا أؤاخذ بما دنتم أنتم، ولا أنتم تؤاخذون بما دنت أنا وعملت، وهو كقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ...) الآية، وقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...) الآية، وقوله: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ...) الآية، وكقوله: (لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) أخبر أن منهم من يستمع إليه، يعني:

يونس 10:42

وقوله تعالى :( ومنهم من يستمعون إليك ) أخبر أن منهم من يستمع إليه ؛ يعني إلى رسول الله تعالى وإلى ما يتلو من القرآن، لكنه يخبر أنه لا كل مستمع إلى شيء ينتفع بما يستمع، أو يعقل ما يستمع، ويفهم. إنما ينتفع بالاستماع إليه، ويعقل قدر المقصود والحاجة إليه. ومنهم من كانوا يستمعون لمعان : مرة يستمعون بقبول القول لهم والمنزلة، ومنهم من كان يستمع إليه ليسمع غيره كقوله :( سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين )[المائدة: ٤١] ومنهم من كان يسمعه، ويطيعه في ذلك، فإذا خرج من عنده غيره، وبدله، كقوله :( وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ )[النساء: ٨١] ومنهم من كان يستمع إليه استهزاء منه وطلب الطعن فيه والعيب ؛ كانوا مختلفين في الاستماع. ثم نفى عنهم السمع والعقل والبصر لوجهين : أحدهما : ما ذكرنا أنهم لما لم ينتفعوا بأسماعهم وعقولهم وأبصارهم، وبهذه[ في م : وهذه ] الحواس انتفاع، كمن[ الكاف ساقطة من الأصل وم ] ليست له. هذه الحواس إنما جعلت لينتفع بها لا لتترك سدى، لا ينتفع بها. والثاني : كان العقل والسمع والبصر، وهذه يكون منها مكتسب[ في الأصل وم : مكتسبا ] ومنها ما يكون غريزة. فهم تركوا اكتساب ذلك. ويحتمل نفي هذي الحواس لهذين الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم. ثم نفى عمن لا يستمع العقل حين[ في الأصل وم : حيث ] قال :( لا يعقلون ).

يونس 10:43

إلى رسول اللَّه، وإلى ما يتلو من القرآن، لكنه لا يؤمن، أخبر أنه لا كل مستمع إلى شيء ينتفع بما يستمع أو يعقل ما يستمع ويفهم، إنما ينتفع بالاستماع ويعقل على قدر المقصود والحاجة إليه. ومنهم من كانوا ينهون من يستمعون لقبول القول منهم. ومنهم من كان يستمع إليه؛ ليسمع غيره، كقوله: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ). ومنهم من كان يسمعه، ويطيعه في ذلك، فإذا خرج من عنده غيره وبدله كقوله: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي). ومنهم من كان يستمع إليه؛ استهزاء منه، وطلب الطعن فيه والعيب، كانوا مختلفين في الاستماع، ثم نفى عنهم السمع والعقل والبصر؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنهم لما لم ينتفعوا بأسماعهم وعقولهم وأبصارهم وهذه الحواس انتفاع من ليست له هذه الحواس، نفى عنهم ذلك؛ إذ هذه الحواس إنما جعلت، لينتفع بها لا لتترك سدى لا ينتفع بها. والثاني: كان العقل والسمع والبصر، وهذه يكون منها مكتسب بالاكتساب، ومنها ما يكون غريزة، فهم تركوا اكتساب الفعل الذي جعل مكتسبًا فنفى عنهم؛ لما تركوا اكتساب ذلك. ويحتمل نفي هذه الحواس لهذين الوجهين اللذين ذكرتهما، واللَّه أعلم. ثم نفى عمن لا يستمع العقل، حيث قال: (لَا يَعْقِلُونَ)، ونفى عنهم الاهتداء والإبصار بترك النظر، فقال: (أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) لأن بالبصر يوصل إلى اهتداء الطرق والسلوك فيها، ألا ترى أن البهائم قد تبصر الطرق، وتسلك بها، وتتقي بها المهالك، ولا تعقل، لما ليس لها العقل، فلا تعقل لما يسمع القلب بعقل، وبظاهر البصر تبصر الأشياء.

يونس 10:44

قوله تعالى: [(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)] وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يخبر أن ما حل بأُولَئِكَ من عذاب استئصال، إنما حل بظلمهم، لا بظلم من اللَّه تعالى وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) لم يلبسوا إلا ساعة من النهار، قال: في قبورهم يتعارفون بينهم إذا خرجوا من قبورهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ من أهل التأويل: (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ): في الدنيا، وأصله كأنهم استقلوا طول مقامهم في الدنيا وما أنعموا فيها؛ لما عاينوا من أهوال ذلك اليوم وشدائده، أو استقلوا لبثهم في الدنيا، ومقامهم؛ لطول مقامهم في الآخرة في العذاب. وفيه وجه ثان: وهو أنه يذكر من شدة سفههم وغاية جهلهم أن ما يعدهم من الحشر والعذاب الأبد كأنهم لا يلبثون فيها إلا ساعة من النهار، حتى لا يبالوا ما يلحقهم من ذلك وما يستوجبون عليه من العذاب باكتسابهبم من تلك الأسباب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) أي: يعرف بعضهم بعضا على قدر ما يلعن بعضهم بعضا؛ كقوله: (وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا). وعلى قدر ما يتبرأ بعضهم من بعض ثم يفرق بينهم كقوله: (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ) أي: فرقنا بينهم.

يونس 10:45

وقوله تعالى :( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ ) قال [ بعضهم ][ ساقطة من الأصل وم ] في قبورهم ( يتعارفون بينهم ) إذا خرجوا من قبورهم. وقال بعضهم من أهل التأويل ( كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ ) في الدنيا. وأصله : كأنهم استقلوا طول مقامهم في الدنيا وما أنعموا فيها لما عاينوا من أهوال ذلك اليوم وشدائده ؛ واستقلوا لبثهم في الدنيا ومقامهم في الآخرة والعذاب. وفيه وجه ثان، وهو أن يُذكر من شدة سفههم وغاية جهلهم أن ما بعدهم من الحشر والعذاب الأبد كأنهم لا يلبثون فيها إلا ساعة من نهار حتى لا ينالوا[ في الأصل وم : ينالون ] ما يلحقهم من ذلك ما يستوجبون عليه من العذاب باكتسابهم تلك الأسباب. وقوله تعالى :( يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) أي يعرف بعضهم بعضا على قدر ما يتبرأ بعضهم من بعض، ثم يفرق بينهم كقوله :( فزيلنا بينهم )[يونس: ٢٨] أي فرقنا بينهم. وقوله تعالى :( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ) أي خسروا بما وعدوا في الآخرة من النعم الدائمة بترك اكتسابهم إياها إذ قد أعطوا ما يكتسبون به نعم الآخرة، فاكتسبوا ما به خسروا ذلك. فهو كقوله :( فما أصبرهم على النار )[البقرة: ١٧٥] على اكتساب ما به يستوجبون النار.

يونس 10:46

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) أي: خسروا بما وعدوا في الآخرة من النعم الدائمة بترك اكتسابهم إياها؛ إذ قد أعطوا ما يكتسبون به نعم الآخرة، فاكتسبوا ما به خسروا ذلك؛ فهو كقوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) أي: ما أصبرهم على اكتساب ما به يستوجبون النار. والثاني: قد، خسروا [.... ]. * * * قوله تعالى: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ): " إما " حرف شك، وكذلك حرف ولكن يكون تأويله - واللَّه أعلم - على حذف إما وإضمار حرف " إن " كأنه يقول: إن أريناك إنما نرينك بعض ما نعدهم لا كل ما نعدهم، أو نتوفينك ولا نرينك شيئا. أو أن يكون قوله: إن نرينك بعض ما نعدهم أي: لقد نريك بعض ما نعدهم؛ وهو كقوله: (إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا)، فعلى هذا التأويل يريه بعض ما لعدهم، ولا يريه كل ما وعدهم. وعلى التأويل الأول إن أراه إنما يريه بعض ذلك ولا يريه شيئًا. فَإِنْ قِيلَ: حرف " إما " حرف شك وكذلك حرف أو كيف يستقيم إضافته إلى اللَّه، وهو عالم بما كان ويكون وإنما يستقيم إضافته إلى من يجهل العواقب؟!

يونس 10:47

قيل: جميع حروف الشك الذي أضيف إلى اللَّه هو على اليقين والوجوب نحو حرف " عسى " و " لعل " ونحو ذلك، فعلى ذلك حرف " إما " أَو، " أَو " فهو لم يزل عالما بما كان ويكون في أوقاته. وأما حرف الاستفهام والشك يخرج على مخرج الإيجاب والإلزام على ما ذكرنا في حرف التشبيه، أو أن يكون رسول اللَّه وعد لهم أن يريهم شيئًا، فقال عند ذلك: [(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)] لا نرينك شيئًا يقول: ليس إليك ما وعدتهم، إنما ذلك إلينا؛ كقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ): هذا يحتمل ثم الله شهيد لك يوم القيامة على ما فعلوا من التكذيب بالآيات وردها؛ وهو كقوله: (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ...) الآية. ويحتمل أنه عالم بما يفعلون لا يغيب عنه شيء وهو وعيد؛ كقوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيُرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، ونحوه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) أي: لكل أمة فيما خلا رسول اللَّه بعث إليهم لست أنا أول رسول بعثت إليكم؛ كقوله تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ). (فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) يحتمل هذا وجهين: يحتمل فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط؛ أي: يقضى بين الرسل وبين الأمم بالعدل بما كان من الرسل من تبليغ الرسالة إليهم والدعاء إلى دين اللَّه، ومن الأمم من التكذيب للرسل والرد للآيات، قضي بينهم بالعدل وهم لا يظلمون لا يزاد على ما كان ولا ينقص. ويحتمل قوله: (قُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: يهلك المكذبون منهم وينجي الرسل ومن صدقهم، كقوله تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا...) الآية، ويجوز أن يقضي بين المعرضين وبين المجيبين والمطيعين يوم القيامة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) وذلك أنه لما أوعدهم العذاب حين قال: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) قالوا: متى هذا العذاب الذي توعدنا هذا يا مُحَمَّد إن كنت صادقًا بأن العذاب نازل بنا في الدنيا، وهو

يونس 10:48

وقوله تعالى :( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) وذلك أنهم لما أوعدهم العذاب قال :( وإما نرينك بعض الذي نعدهم ) من العذاب فقالوا :( مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ) الذي توعدنا يا محمد إن كنت صادقا بأن العذاب نازل بنا في الدنيا، وهو على التأويل الثاني الذي ذكرنا : لقد نريك بعض ما وعدتهم.

يونس 10:49

على التأويل الثاني الذي ذكرنا لقد نرينك بعض ما وعدناهم. فقال: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) ولا أملك أيضا جز منفعة إليها يقول: لا أقدر على أن أدفع عن نفسي سوءا حين ينزل بي، ولا أملك على أن أسوق إليها خيرا ألبتَّة، فإذا لم أملك هذا كيف أملك إنزال العذاب عليكم إنما ذلك إلى اللَّه هو المالك عليه والقادر على ذلك، لا يملك أحد ذلك سواه؛ وذلك كقوله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) أي: إذا جاء أجلهم لا يقدرون على تأخيره ولا يستقدمون، أي: لا يقدرون على تقديمه، ليس على أنهم لا يطلبون تأخيره ولا تقديمه فيسألون ذلك، ولكن لا يؤخر إذا جاء ولا يقدم قبل أجله. وفيه دلالة ألا يهلك أحد قبل انقضاء أجله، فهو رد على المعتزلة حيث قالوا: من قتل آخر فإنما قتله قبل أجله، واللَّه يقول: (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) وهم يقولون: يستقدمون، واللَّه الموفق. * * * قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) يقول - والله أعلم -: أي منفعة لكم إن أتاكم عذابه؟! لا منفعة لكم في ذلك بل فيه ضرر لكم، فاستعجال ما لا منفعة فيه سفه وجهل، يسفههم في سؤالهم العذاب، ويخبر في قوله: (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) أن عذاب اللَّه إذا نزل وجاء وقته لا يملك أحد تقديمه ولا تأخيره، ولا يملك أحد استقدامه ولا استئخاره بالقدر والمنزلة،

يونس 10:50

وقوله تعالى :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ) يقول، والله أعلم : أي[ في الأصل وم : أية ] منفعة لكم إن أتاكم عذابه ؟ لا منفعة لكم في ذلك، بل فيه ضرر لكم. فاستعجال ما لا منفعة فيه سفه وجهل، يسفههم في سؤالهم العذاب، ويخبر في قوله ( فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) أن عذاب الله إذا نزل، وجاء وقته، لا يملك أحد تقديمه ولا تأخيره، ولا يحتمل استقدامه ولا استئخاره بالقدر والمنزلة كما لا يحتمل ذلك في الدنيا التقديم والتأخير بالشفاعة والفداء. ويذكر عجزه في إنزال العذاب عليهم في قوله :( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً ).

يونس 10:51

كما يحتمل ذلك في الدنيا التقديم والتأخير بالشفاعة والفداء ويذكر عجزه في إنزال العذاب عليهم في قوله: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) قيل: أي العذاب إذا نزل بكم آمنتم به الآن؟! يخبر عنه أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون. ثم يحتمل قوله: (آمَنتُم بِهِ) أي: باللَّه وبرسوله؛ كقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ)، ثم أخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب؛ وهو كقوله: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)، وقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ). ويحتمل قوله: (آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ) أي: بالعذاب؛ لأنهم يكذبون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يوعدهم العذاب، وهم يستعجلون به استهزاء وتكذيبا، فإذا نزل بهم آمنوا أي صدقوا بذلك العذاب، يقول: (آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) استهزاء وتكذيبا أنه غير نازل بكم ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) قيل: أشركوا في ألوهيته وربوبيته وعبادته غيره. (ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ) لأنهم يخلدون فيه، يقال ذلك بعدما أدخلوا النار. (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) أي: لا تجزون إلا بما كنتم كسبتم في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) أي: يستخبرونك. (أَحَقٌّ هُوَ) يحتمل هذا وجوهًا. يحتمل قوله: (أَحَقٌّ هُوَ) العذاب الذي كان يوعدهم أنه ينزل بهم، على ما قاله عامة أهل التأويل. ثم قال: (قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي: قل: نعم وربي إنه لحق إنه نازل بكم. (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي: بفائتين عنه ولا سابقين له. ويحتمل قوله: (أَحَقٌّ هُوَ) ما يدعوهم إليه من التوحيد؛ كقولهم لإبراهيم: (أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ...) الآية؛ فعلى ذلك قولهم: (أَحَقٌّ هُوَ) ثم، أخبر أنه لحق بمَوله: (قُلْ إِي

يونس 10:52

وقوله تعالى :( ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) قيل : أشركوا في ألوهيته وربوبيته وعبادته غيره ( ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ ) لأنهم يخلدون فيه ؛ يقال ذلك بعدما أدخلوا النار ( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) أي لا تجزون إلا بما كسبتم في الدنيا.

يونس 10:53

وقوله تعالى :( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ) أي يستخبرونك ( أحق هو ) يحتمل هذا وجوها : يحتمل قوله :( أحق هو ) العذاب الذي كان يوعدهم أنه ينزل بهم على ما قاله أهل التأويل، ثم قال :( قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ) أي قل نعم وربي إنه لحق أنه نازل بكم ( وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) أي بفائتين عنه ولا سابقين عنه. ويحتمل قوله :( أحق هو ) ما يدعوهم إليه من التوحيد كقولهم لإبراهيم :( أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ) ( قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن )الآية[ الأنبياء : ٥٥و٥٦ ] فعلى ذلك قولهم ( أحق هو ) ثم أخبر ( إنه لحق ) بقوله :( إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) غائبين فائتين عنه. ويحتمل الآيات أو محمدا أو القرآن ( أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي ) قل نعم إنه لحق كقوله :( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزؤا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين )[البقرة: ٦٧]. أخبر أنما يأمرهم به ويدعوهم به [ إليه ][ من م ساقطة من الأصل ] ليس هو هزؤا ولا لعبا، ولكن حق أمر من الله تعالى. فعلى ذلك قوله :( أحق هو ). وقوله تعالى :( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ) هذا الحرف يحتمل أن يكون من الشاكين منهم في ذلك ؛ طلبوا منهم أنه [ أحق ذلك أم ][ في الأصل وم : حق ذلك أو ] لا ؟ ومن المعاندين به كقوله :( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها )[الشورى: ١٨]. كانوا فرقا ثلاثة : فرقة قد آمنوا به، وفرقة قد شكوا فيه، وفرقة قد كذبوه.

يونس 10:54

وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي: غائبين فائتين عنه. ويحتمل الآيات أو مُحَمَّد أو القرآن أحق هو؟ قل: إي وربي، قل: نعم إنه لحق؛ كقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أخبر أن ما يأمرهم به ويدعوهم إليه ليس هو هزوا ولا لعبا، ولكنه حق أمر من اللَّه تعالى؛ فعلى ذلك قوله: (أَحَقٌّ هُوَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ): هذا الحرف يحتمل أن يكون من الشاكين منهم في ذلك طلبوا منه أنه حق ذلك أو لا، ومن المعاندين استعجال العذاب الذي كان يوعدهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - استهزاء به وتكذيبًا له، ومن المتبعين له والمطيعين التصديق له والإيمان به؛ كقوله: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا) كانوا فرقًا ثلاثة: فرقة قد آمنوا به، وفرقة قد شكوا فيه، وفرقة قد كذبوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) يخبر عنهم أنهم يفدون ويبذلون جميع ما في الأرض لو قدروا عليه عند نزول العذاب بهم لشدة العذاب، وإن كان الذي منعهم عن الإيمان هو حبهم الدنيا وبخلهم عليها وما فيها بقوله: (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ): الندامة لا تكون إلا سرا بالقلب، فكأنه قال: حققوا الندامة في قلوبهم على ما كان منهم من التكذيب بالآيات والعناد في ردها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ) أي: أظهروا الندامة وهو مما يستعمل في الإظهار والإخفاء؛ كقوله: شعب: جمع، وشعب: فرق ونحوه، وبعد فإنه إذا أسر

يونس 10:55

في نفسه لابد من أن يضع ذلك في آخر ويخبره بذلك، فذلك منه إظهار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) يحتمل قوله: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) ما توجبه الحكمة؛ لأن الحكمة توجب تعذيب كل كافر نعمة، وكل قائل في الله ما لا يليق به، أو أن يكون تفسير قوله: (بِالْقِسْطِ) ما ذكر، وهم لا يظلمون. ويحتمل قوله: (بِالْقِسْطِ) وما ذكر: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ...) الآية والقسط: هو العدل، وهم يومئذ عرفوا أنه كان يقضي بالعدل في الدنيا والآخرة، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: إن ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه وملكه، لا لمن تعبدون دونه من الأصنام والأوثان، فمن عند من يملك الدنيا والآخرة اطلبوا ذلك منه؛ لا من عند من لا يملك يبين سفههم في طلبهم الدنيا من عند من يعلمون أنه لا يملك ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ): في كل وعد ووعيد أنه كائن لا محالة عذابا أو رحمة. (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أي: لا ينتفعون بعلمهم، فنفى عنهم العلم وإن علموا؛ لما لم ينتفعوا به. ويحتمل قوله: (لَا يَعْلَمُونَ) أي: لم يكتسبوا سبب العلم، وهو التأويل والنظر في آياته وحججه. ويحتمل نفي العلم عنهم لما أعطوا أسباب العلم، فلم يعلموا، فإن كان على هذا فيكونون معذورين، وإن كان على الوجهين الأولين فلا عذر لهم في ذلك.

يونس 10:56

وفي قوله: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) دلالة إثبات البعث من وجهين: أحدهما: فيما يذكر من قدرته من خلق السماوات والأرض وما بينهما بغلظهما وكثافتهما وشدتهما وعظم خلقتهما، وأن تلك القدرة خارجة عن وسع البشر وتوهمهم، فمن قدر على ذلك فهو قادر على إحياء الخلق بعد فنائهم. والثاني: يخبر عن حكمته من تعليق منافع الأرض بالسماء على بعد ما بينهما، والإفضال على الخلق بأنواع النعم التي تكبر الإحصاء، وأن كل شيء منها قد وضع مواضعها، فلا يحتمل من هذا وصفه في الحكمة يخلق شيئا عبثًا باطلا ولو كانوا للفناء لا حياة بعده كان يكون خارجًا عن الحكمة، فظهر أنه خلقهم لأمر أراد بهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) أي: تعلمون أنه هو أحيا الأحياء، وهو الأموات أيضًا وهو كقوله: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فإذا عرفتم أنه هو يحيي الأحياء وهو يميت الأموات لا غير، فاعلموا أنه هو يبعثكم وإليه ترجعون؛ ألزمهم الحجة أولًا بالكائن، ثم أخبرهم عما يكون بالحجة التي ذكر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) وهو هذا القرآن قَالَ بَعْضُهُمْ: الموعظة: النهي كقوله: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا)، قيل: ينهاكم أن تعودوا لمثله أبدا. وقال آخرون: الموعظة هي التي تدعوا إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب وقَالَ بَعْضُهُمْ العظة هي التي تلين كل قلب قاس وتجلي كل قلب مظلم وفي القرآن جميع ما ذكرنا فيه النهي، وفيه الدعاء إلى كل مرغوب، والزجر عن كل مرهوب، وهو يلين القلوب القاسية ويجلي القلوب المظلمة إذا تأملوا فيه، ونظروا، وتفكروا تفكر المستشهد وطالب الحق. وقيل: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة، وتجلي الصدور

يونس 10:57

وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) وهو هذا القرآن. قال بعضهم : الموعظة النهي كقوله ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا )[النور: ١٧] قيل : نهاكم أن تعودوا لمثله. وقال آخرون : الموعظة هي التي تدعو إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب. وقال بعضهم العظة هي التي تلين كل قلب قاس، وتجلي كل قاتم[ في الأصل وم : قاس ] مظلم. وفي القرآن جميع ما ذكر ؛ فيه النهي وفيه الدعاء إلى كل مرغوب والزجر عن كل مرهوب وهو يلين القلوب القاسية [ ويدمع العيون اليابسة ][ من م، ساقطة من الأصل ] ويجلي الصدور المظلمة [ إذا تأملوا فيه، ونظروا وتفكروا[ في الأصل و ] تفكير المسترشد وطالب الحق. وقيل : الموعظة هي التي [ تلين ][ ساقطة من الأصل ] القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة وتجلي الصدور المظلمة ][ ساقطة من م ]. وقوله تعالى :( وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ) إن للدين آفات وأدواء تضر به، وتتلفه كما لهذه الأبدان آفات وأمراض، تعمل في إتلافها وإهلاكها. ثم جعلت لآفات الأبدان وأمراضها أدوية، تشفى بها الأبدان المؤوفة المريضة. فعلى ذلك جعل هذا القرآن لهذا الدين دواء يداوى به، فيذهب بآفات الدين وأمراضه كما تعمل الأدوية في دفع آفات الأبدان وأمراضها. لذلك سماه موعظة وشفاء لما في الصدور والله أعلم. وقوله تعالى :( وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ) قيل هدى من الضلالة ورحمة من عذابه أو يقول :( وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ) ( وهدى ) أي يدعو إلى كل خير، ويهدي إليه ( ورحمة ) لمن تبعه هو ( ورحمة ) لمن اتبعه، وتمسك به، وعمى وضلالا لمن خالفه وترك أتباعه، وهو ما ذكر ( وهو عليهم عمى )[فصلت: ٤٤] وقال :( فزادتهم إيمانا )[التوبة: ١٢٤] أي زادت المؤمنين إيمانا إلى إيمانهم، وقال[ في الأصل وم : و ] ( فزادتهم رجسا ) أي زادا الكافرين رجسا ( إلى رجسهم )[التوبة: ١٢٥] والله أعلم.

يونس 10:58

المظلمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ): إن للدِّين آفات وداء تضر به وتتلفه كما لهذه الأبدان آفات وأمراض تعمل في إتلافها وإهلاكها، ثم جعلت لآفات الأبدان وأمراضها أدوية يشفى بها الأبدان المؤرقة المريضة؛ فعلى ذلك جعل هذا القرآن شفاء لهذا الدِّين ودواء يداوى به، فيذهب بآفات الدِّين وأمراضه؛ كما تعمل الأدوية في دفع آفات الأبدان وأمراضها؛ لذلك سماه موعظة وشفاء لما في الصدور، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) قيل: هدى من الضلالة، ورحمة من عذابه. أو يقول: (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) هدى أي: يدعوا إلى كل خير ويهدي إليه، ورحمة: لمن اتبعه، هو هدى ورحمة لمن اتبعه وتمسك به، وعمى وضلال لمن خالفه وترك اتباعه وهو ما ذكر (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى)، وقال: (فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، أي: زاد للمؤمنين إيمانًا إلى إيمانهم، و (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا) أي: زاد للكافرين رجسًا إلى رجسهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: فضل اللَّه ورحمته القرآن. وقال قائلون: فضل اللَّه القرآن، ورحمته الإيمان، وفيه أنه بإنزال القرآن متفضل إذ له ألا ينزل، وفيه أن أهل الفترة يؤاخذون في حال فترتهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) أي: فرحكم بما ذكر هو خير مما تجمعون من الدنيا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ): إنما خاطب المؤمنين بقول: قل للمؤمنين بفضل اللَّه: الإسلام، وبرحمته: يعني القرآن فبذلك يعني فبهذا الفضل والرحمة فليفرحوا يعني المؤمنين، هو خير مما يجمعون يعني مما يجمع الكفار من الأموال من الذهب والفضة وغيره.

يونس 10:59

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) يحتمل (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ)، أضاف إنزاله إلى السماء، وإن كانت الأرزاق إنما تخرج من الأرض لما كانت أسبابها متعلقة بالسماء، يكون نضج الأنزال وينع الأعناب وإصلاح الأشياء كلها أعني أسباب الأرزاق من نحو المطر الذي به تنبت الأرض النبات وبه يخرج جميع أنواع الخارج مما يكون فيه غذاء البشر والدواب، ومن نحو الشمس التي ينضج بها الأنزال وبها تينع الأعناب وجميع الفواكه ونحوه أضاف ذلك إلى السماء لما ذكرنا. وكذلك قوله: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) أي: أسباب ذلك في السماء؛ لا أن عين ذلك في السماء. ويحتمل قوله: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ) أي: ما خلق اللَّه لكم؛ وكذلك جميع ما يضاف إلى اللَّه إنما يضاف إليه بحق الخلق أي خلقه منزلا؛ كقوله: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)، ونحو ذلك، أي: خلق لكم مما ذكر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة وما ذكر في سورة الأنعام والمائدة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما حرموا الآلهة التي كانوا عبدوها، أي: جعلوها للأصنام وهو ما ذكر في الأنعام، وهو قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا...) الآية. نحو ما ذكرنا في الآية، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) أي: اللَّه أذن لكم في تحريم ما حرمتم وتحليل ما أحللتم أم على اللَّه تفترون: بل على اللَّه تفترون، وذلك أن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة وهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل والكتب، وإنما يوصل إلى معرفة المحرم والمحلل بالرسل والكتب والخبر عن اللَّه، وهم لم يكونوا

يونس 10:60

مؤمنين بواحد مما ذكرنا، فكيف جعلتم منه حرامًا وحلالا وأنتم لا تؤمنون بما به يعرف الحلال من الحرام، فكيف حرمتم ما أحل لكم أو أحللتم ما حرم عليكم؟! يخبر عن سفههم وعنادهم وافترائهم على اللَّه، فإذا اجترءوا أن يفتروا على اللَّه فعلى غيره أجرأ، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) فإن قيل كيف أوعدوا بيوم القيامة وهم كانوا لا يؤمنون بالبعث؟! قيل: قد ألزمهم الحجة بكون البعث بما أظهر من كذبهم وافترائهم على اللَّه في التحريم والتحليل، فذلك يظهر كذبهم بتكذيبهم البعث. وبعد فإنه قد يوعد المرء بما لا يتيقن به ويتخوف عليه ويحذر وإن لم يحط علمه به، فكذلك هذا. وبعد فإنه قد جعل في عقولهم ما يلزمهم الإيمان بالبعث والجزاء للأعمال؛ إذ ليس من الحكمة خلق الخلق للفناء خاصة. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن يقول: وما ظن الذين يفترون على اللَّه الكذب لو خرج الأمر حقا، وكان صدقًا على ما أخبر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقاله من البعث والجزاء لما اكتسبو!؟! وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ): هو ذو فضل على جميع الناس من جهة ما ساق إلى الكل من الرزق كافرهم ومؤمنهم وأنواع النعم، وما أخر عنهم العذاب إلى وقت، أو لما بعث إليهم الرسل والكتب من غير أن كان منهم إلى اللَّه سابقة صنع يستوجبون به ذلك ومنه خصوص فضل على المؤمنين ليس ذلك على الكافرين، ولكن أكثرهم لا يشكرون لفضله وما أنعم عليهم. * * * قوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ من أهل التأويل: في شأن: في أمرك وحالاتك وما تتلو منه من قرآن تبلغهم به الرسالة وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ) أي: في عبادة. (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ): تبلغهم به الرسالة. قوله تعالى: (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا): يخاطب نبيه تنبيهًا منه وإيقاطا والمراد منه هو وغيره، ألا ترى أنه قال: (وَلَا تَعْمَلُونَ) ومن عمل عمهم جميعًا في ذلك، يخبر أنكم في كل أمر يكون بينكم وبين ربكم، وفي كل أمر بينكم وبين الناس - فلله لكم وعليكم شهود، أو كل عمل تعملون لكم وعليكم شهود ينبههم ويوقظهم ليكونوا على حذر أبدًا منتبهين متيقظين (إذ تُفِيضُونَ فِيه) قَالَ بَعْضُهُمْ: (تُفِيضُونَ فِيه) تأخذون فيه وتخوضون فيه. وقيل: تقولون فيه، وقيل: يكثرون فيه؛ وكله واحد. ثم يحتمل قوله: (فِيه) في الحق، ويحتمل في الدِّين، ويحتمل في القرآن، ويحتمل في رسول اللَّه؛ يقول: أنا شاهد فيما تخوضون وفيما تقولون في رسول اللَّه، أو في دينه، أو فيما يتلو عليكم. (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ): لا يعزب، أي: لا يغيب، عن ربك من مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء فيما لا أمر فيه ولا نهي ولا كلفة، فالذي فيه السؤال والأمر والنهي والكلفة أحرى وأولى ألا يغيب عنه شيء.

يونس 10:61

وقوله تعالى :( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ) قال بعضهم من أهل التأويل :( في شأن ) : في أمرك وحالاتك ( وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ ) تبلغهم الرسالة. وقال بعضهم : قوله :( وما تكون في شأن ) أي في عبادة ( وما تتلوا منه من قرآن ) تبلغهم به الرسالة ( ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا ) يخاطب نبيه تنبيها منه وإيقاظا. والمراد منه هو وغيره. ألا ترى أنه قال :( ولا تعملون ومن عمل ) أعمالكم[ في الأصل وم : عملهم ] جميعا ؟ في ذلك يخبر أنكم في كل أمر يكون بينكم وبين ربكم، وفي كل أمر بينكم وبين الناس فالله لكم وعليكم شهودا، وكل عمل تعملون لكم وعليكم ( إلا كنا عليكم شهودا ) ينبههم، ويوقظهم ليكونوا على حذر أبدا منتبهين. وقيل : تكثرون ( فيه ) وكله واحد. ثم يحتمل ( فيه ) في الحق، ويحتمل في الدين، ويحتمل في القرآن، ويحتمل في رسول الله. يقول : أنا شاهد في ما تخوضون وفي ما تقولون في رسول الله أو في دينه أو في ما يتلو عليكم ( وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ) لا يعزب عن ربك من مثقال ذرة [ في الأرض ][ ساقطة من الأصل وم ] ولا في السماء في لا أمر فيه ولا نهي ولا كلمة فالذي فيه السؤال والأمر والنهي والكلفة أحرى وأولى ألا[ من م، في الأصل : لا ] يغيب عنه شيء. وقوله تعالى :( وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ) هو تحذير وتخويف بتمثيل، لا وعيد بتقرير وتصريح ؛ لأن الوعيد على وجهين : أحدهما على التمثيل[ في الأصل وم : التمثال ] والآخر على التقرير في عينيه والتصريح[ في الأصل وم : وتصريح ]. وقوله تعالى :( إلا في كتاب مبين ) قيل : ما قل[ من م، في الأصل وم : لكان ]، وما كثر ( إلا في كتاب ) أي إلا في اللوح المحفوظ ( مبين ) ويحتمل :( إلا في كتاب مبين ) أي في الكتب المنزلة من السماء، والله أعلم. وقال أبو بكر الأصم في قوله ( إذ تفيضون فيه ) أي تنتشرون فيه، وتأويله :( ولا تعملون من ) تنتشرون فيه ( إلا كنا عليكم شهودا ).

يونس 10:62

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ) هو تحذير وتخويف بتمثيل لا وعيد بتقرير وتصريح؛ لأن الوعيد على وجهين: أحدهما: على التمثيل، والآخر على التقرير في عينه وتصريح. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) قيل: ما قل وما كثر إلا في كتاب، أي: إلا في اللوح المحفوظ مبين، ويحتمل إلا في كتاب مبين، أي: في الكتب المنزلة من السماء واللَّه أعلم. وقال أبو بكر الأصم في قوله: (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ): أي تنتشرون، وتأويله ولا تعملون من عمل تنتشرون فيه إلا كنا عليكم شهودًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) قالت المعتزلة: دلت الآية على أن أصحاب الكبائر ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لكانوا أولياء اللَّه، وإذا كانوا أولياء اللَّه لكان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا كان لا شك أن على أصحاب الكبائر خوف وحزن أدل أنهم ليسوا بمؤمنين ولا لهم ولاية الإيمان لكن التأويل عندنا - واللَّه أعلم -: ، (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)

يونس 10:63

[ وقوله تعالى :( الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) ][ ساقطة من الأصل وم ] قال بعضهم : أولياء الله هم أهل التوحيد، لكن تلك البشارة وذلك الوعد لأهل[ في الأصل وم : كاهل ] التوحيد في الاعتقاد والوفاء جميعا لا لأهل الاعتقاد خاصة.

يونس 10:64

على ما يكون لأهل الدنيا في الدنيا من الخوف والحزن، إنما خوفهم وحزنهم لعاقبتهم، ويشبه ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الجنة، وهكذا يكون إذا دخلوا الجنة يأمنون عن جميع ما ينقصهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَوليَآءَ اللَّهِ) هم أهل التوحيد، لكن تلك البشارة وذلك الوعد لأهل التوحيد في الاعتقاد والوفاء جميعًا، لا لأهل الاعتقاد خاصة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الرؤيا الصالحة؛ وعلى ذلك رويت الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه سئل عن هذه الآية ففسر بالرؤيا الصالحة، فإن ثبت فهو الحق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تحتمل الرؤيا الصالحة؛ لأنه نسق البشرى في الآخرة على البشرى في الحياة الدنيا، ولا شك أنه لا يكون في الآخرة الرؤيا الصالحة، ولكن إن ثبت ما ذكرنا من الخبر؛ فهو ذلك. ويشبه أن يكون البشارة التي ذكر هاهنا؛ نحو قوله: (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ...) الآية، وقوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، وقوله: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وأمثال ذلك. وقال بعض أهل التأويل: لهم البشرى في الحياة الدنيا تبشرهم الملائكة عند الموت وفي الآخرة الجنة. واللَّه أعلم.

يونس 10:65

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ): يحتمل لا تبديل لكلمات اللَّه من وعده ووعيده، وذلك مما لا تبديل له ولا تحويل. ويحتمل (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) القرآن لا تبديل لما فيه من الوعد والوعيد وغيره. ويحتمل لا تبديل لما مضى من سنته في الأولين والآخرين من الهلاك والاستئصال بتكذيبهم الرسل والآيات؛ كقوله: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) وقوله: (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ). ويحتمل قوله: (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) أي: لا تبديل للبشرى التي ذكر لهَؤُلَاءِ الذين تقدم ذكرهم. ويحتمل لا تبديل لحجج اللَّه وبراهينه، أو لا تبديل لوعيد اللَّه ووعده ونحوه، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي: تلك البشرى هي الفوز العظيم، أو ذلك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هو الفوز العظيم؛ إذ لا خوف بعده. وقَالَ بَعْضُهُمْ من أهل التأويل: لا خوف عليهم من النار، ولا هم يحزنون أن يخرجوا من الجنة أبدًا، والوجه فيه ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) يحتمل قولهم: ما قالوا في اللَّه بما لا يليق به من الولد والشريك؛ يقول: لا يحزنك ذلك (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا). ويحتمل قوله: (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) الذي قالوا في القرآن إنه سحر وإنه مفترى، أو قالوا في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: إنه ساحر وإنه يفتري على اللَّه كذبا. ويشبه أن يكون قوله: (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) مكرهم الذي مكروا به، وكيدهم الذي كادوه، يؤيد ذلك قوله: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ

يونس 10:66

جَمِيعًا) أي: إن العزة في المكر والكيد لله؛ وهو كقوله: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) أي: مكره ينقض مكرهم ويمنعه، وكيده يفسخ كيدهم؛ فعلى ذلك قوله: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) أي: ينقض جميع ما يمكرون بك ويكيدونك. و (الْعِزَّةَ) القوة؛ يقول: إن القوة لله ينصرك على أعدائك ويدفع عنك كيدهم ومكرهم الذي هموا بك. (هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): لقولهم الذي قالوه العليم بمصالحهم، أو السميع المجيب للدعاء العليم بما يكون منهم. * * * قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) أي: تعلمون أن من في السماوات ومن في الأرض كلهم عبيده وإماؤه، فكيف قلتم: إن فلانا ولده وإن له شريكًا، ولا أحد منكم يتخذ من عبيده وإمائه ولدا ولا شريكًا؛ كقوله: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ...) الآية؛ فعلى ذلك هذا. أو كيف يحتمل أن يتخذ ولدًا وله ملك ما في السماوات والأرض، وإنما يتخذ في الشاهد الولد لإحدى خصال ثلاث: إما للاستنصار على غيره، وإما لحاجة تمسه، وإمّا لوحشة أصابته، فهو غني له ملك السماوات والأرض لا حاجة تمسّه، فكيف نسبتم الولد إليه والشريك وما قالوا فيه مما لا يليق به؟! وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. أو يخبر عن غناه عما يأمرهم وينهاهم ويتعبدهم، أي: ليس يأمر وينهى ويخعبد بأنواع العبادات ويمتحنهم بأنواع المحن لحاجة له أو لمنفعة له في ذلك، ولكن لمنفعة لهم في ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ) أي: ما يتبعون فيما يدعون من دون اللَّه من الشركاء بالحجج والبراهين أو اليقين بكتاب، أو رسول، إنما يتبعون بالظن والحذر. قوله تعالى: (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي: ما هم إلا يكذبون فيما يتبعون بدعائهم دون اللَّه؛ لأنهم كانوا أهل شرك لم يكونوا أهل كتاب ولا آمنوا برسول، فهم قد عرفوا أنهم مفترون كاذبون

يونس 10:67

في اتباعهم دون اللَّه؛ إذ سبيل معرفة ذلك الكتاب أو الرسول ولم يكن لهم واحد من ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) يبصر فيه، وقال في آية أخرى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ)، يعني: في الليل (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) يعني: في النهار، فهو في موضع الامتنان وتذكير النعم، ليتأدى بذلك شكر ما أنعم عليه. وفيه أن الليل والنهار يجريان على التدبير والتقدير؛ لأنهما لو كانا يجريان على غير تدبير ولا تقدير لكانا لا يجريان على تقدير واحد ولا سنن واحد، ولكن يدخل فيهما الزيادة والنقصان ولا يجريان على تقدير واحد، وإن كان يدخل بعضه في بعض، فدل جريانهما على تقدير واحد أنهما يجريان على تدبير آخر فيهما؛ إذ لو كان على غير تدبير يجريان على الجزاف على الزيادة والنقصان وعلى القلة والكثرة. وفيه أيضًا أن مدبرهما واحد؛ لأنه لو كان مدبرهما عددا لكان إذا غلب أحدهما الآخر دام غلبته، ولا يصير الغالب مغلوبًا والمغلوب غالبًا، فإذا صار ذلك ما ذكرنا دل أن مدبرهما واحد لا عدد. وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ لأن كل واحد منهما إذا جاء أتلف صاحبه تلفا حتى لا يبقى له أثر ولا شيء منه، ثم يكون مثله حتى لا يختلف الذاهب والحادث ولا الأول من الثاني، فدل أن الذي قدر على إنشاء ليل قد ذهب أثره وأصله لقادر على البعث، ومن قدر على إحداث نهار وقد فني وهلك لقادر على إحداث ما ذكرنا من الموت. وفيه أن الشيء إذا كان وجوبه لشيئين لم يجب إذا عدم أحدهما؛ لأنه قال: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) وإنَّمَا يبصر بنور البصر ونور النهار جميعًا؛ لأنه إذا فات أحد النورين لم يبصر شيء من النور نور البصر أو نور النهار، دل أن الحكم إذا وجب بشرطين لا يوجد إلا باجتماعهما جميعًا، والميل يستر وجوه الأشياء لا أنه لا يرى نفسه، والنهار يكشف وجوه الأشياء، وفي لليل فيما يستر وجوه الأشياء دلالة أن الحكم إذا كان وجوبه بشرطين يجوز منعه بعلة واحدة؛ لأنه يستر نور النهار ونور البصر جميعًا.

يونس 10:68

وفي قوله: (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) وجوه من الدلالة: أحدها: ما ذكرنا من تذكير النعم يدعوهم به إلى الشكران وينهاهم عن الكفران، وفيه تذكير القدرة له حيث أنشأ هذا وأحدثه وأتلف الآخر، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء، وفيه دليل السلطان حيث يأخذهم الليل ويستر عليهم الأشياء شاءوا أو أبوا؛ وكذلك النهار يأتيهم حتى يكشف وجوه الأشياء ويجلي شاءوا أو أبوا، وفيه دليل التدبير والعلم لما ذكرنا من اتساق جريانهما على سنن واحد ومجرى واحد. وفيه دلالة وحدانية منشئهما بين هاهنا فيما جعل الليل حيث قال: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أخبر أنه جعل الليل للسكون والراحة، فدل ذكر السكون في الليل على أنه جعل النهار للسعي وطلب العيش، ألا ترى أنه قال في النهار: (مُبْصِرًا) أي: يبصرون فيه ما يتعيشون، وهو ما ذكر في آية أخرى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ): ولم يقل: يبصرون فظاهر ما سبق من الذكر يجب أن يقال: لقوم يبصرون؛ لأنه قال: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، لكن يحتمل قوله: (يَسْمَعُونَ) أي: يعقلون؛ كقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ). ويحتمل قوله: (يَسْمَعُونَ) أما ذكر من الآيات من أول السورة إلى هذه المواضع آيات لقوم يسمعون: ينتفعون بسماعهم أو يسمعون، أي: يجيبون كقوله: سمع اللَّه لمن حمده: أي: أجاب اللَّه. * * * قوله تعالى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ). قَالَ بَعْضُهُمْ: أرادوا بقولهم: اتخذ اللَّه ولدا حقيقة الولد؛ كقوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ) [....]. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ...) كذا، (وَقَالَتِ النَّصَارَى...) كذا فنزه - عَزَّ وَجَلَّ - نفسه عما قالوا بقوله: (سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ) أنه لم يلد أحدًا ولا ولد هو من أحد؛ ولهذا قال: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)؛ إذ في الشاهد لا يخلو إما أن يكون ولد من آخر أو والد، والخلق كله لا يخلو من هذا، فأخبر أنه لم يلد هو أحد ولا ولد من أحد. وقوله: (سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تأويله - واللَّه أعلم - أن في الشاهد من اتخذ ولدا إنما يتخذ لأحد وجوه ثلاثة: إما لحاجة تمسه، أو لشهوة تغلبه، أو لما يستنصر به على آخر ممن يخافه، فإذا كان له ملك السماوات والأرض وملك ما فيهما كلهم عبيده وإماؤه، فلا حاجة تقع له إلى الولد؛ إذ هو الغني وله ملك ما فيِ السماوات والأرض ومن هذا وصفه فلا يحتاج إلى الولد، ولأنه لا أحد في الشاهد يحتمل طبعه اتخاذ الولد من عبيده وإمائه، فإذا كان لله سبحانه الخلائق كلهم عبيده وإماؤه كيف احتمل اتخاذ الولد منهم لو جاز وقد بينا إحالة ذلك وفساده. ولأن الولد يكون من شكل الوالد ومن جنسه كالشريك يكون من شكل الشريك ومن جنسه فكان في نفي الشريك نفي الولد؛ لأن معناهما واحد وكل ذي شكل له ضد ومن له ضد أو شكل فإنه لا ربوبية له ولا ألوهية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قولهم: اتخذ اللَّه ولدا، لم يريدوا حقيقة الولد، ولكن أرادوا منزلة الولد وكرامته، فهو -أيضًا- منفي عنه؛ لأن من لا يحتمل الحقيقة - أعني: حقيقة

يونس 10:69

الولد - امتنع عن منزلته وكرامته؛ لأن الحقيقة انتفت لعيب يدخل فيه، فإذا ثبت له منزلة تلك الحقيقة والكرامة دخل فيه عيب الحقيقة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا)] قيل ما عندكم من حجة على ما تقولون إن له ولدا؛ لأنهم كانوا أهل تقليد لآبائهم وأسلافهم، وكانوا لا يؤمنون بالرسل والكتب والحجج، وإنما يستفاد ذلك من جهة الرسالة والكتب وهم كانوا ينكرون ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أي: تقولون على اللَّه أنه اتخذ ما تعلمون أنه لم يتخذ (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) هو ما ذكرنا أنهم علموا أنه لم يتخذ ولدًا، لكن قالوا ذلك افتراء على اللَّه (لَا يُفْلِحُونَ) في الآخرة؛ لما طمعوا في الدنيا بعبادتهم دون اللَّه الأصنام بقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). وقوله: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ)، لا يفلحون، أي: لا يظفرون بما طمعوا في الآخرة (مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) أي ذلك لهم متاع في الدنيا، ليس لهم متاع في الآخرة. (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ): يخاطب رسوله بذلك لم يخاطبهم إلينا مرجعكم، فهو - والله أعلم - لما اشتد على رسول اللَّه ما افتروا به على اللَّه يقول: إلينا مرجعهم فنجزيهم جزاء افترائهم. والثاني: يقول: إلينا مرجعهم فنذيقهم العذاب الشديد، لا ما طمعوا من الشفاعة عندنا والزلفى، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ) أي: خبره وحديثه، (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: إن كان كبر عليكم طول مقامي ومكثي فيكم ودعائي إياكم إلى عبادة اللَّه، والطاعة له، وتذكيري إياكم بآياته. قَالَ بَعْضُهُمْ: وتذكيري بعذا به بترككم إجابتي ودعائي. ويحتمل قوله: (إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي) بما ادعى من الرسالة، (وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ) أي بحجج اللَّه على ما ادعيت من الرسالة. وفي قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ) وجوه: أحدها: اتل منابذة نوح قومه وما أرادوا به من الكيد والمكر به. والثاني: اذكر عواقب قوم نوح، وما حل بهم من سوء معاملتهم رسولهم. والثالث: اذكر لهولاء عواقب متبعي قومه ومخالفيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -؛ (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ثم كيدوني، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، أي: اجعلوا ما تسرون من الكيد والمكر بي ظاهرًا غير ملتبس ولا مشبه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) أي: أعدوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ وكذلك روي في حرف أبي: (فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم). (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ) أي: اقضوا ما أنتم قاضون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً) أي؛ لا يكبر عليكم أمركم. وقال الكسائي: هو من التغطية واللبس، أي: لا تغطوه ولا تلبسوه، اجعلوا كلمتكم ظاهرة واحدة. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " لا يكن أمركم اغتماما عليكم "، أي: فرجوا عن أنفسكم؛ كقوله: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ) أي: اعملوا بي ما تريدون ولا تنظرون؛ وهو كقوله: (فَاقضِ مَا أَنتَ قَاضٍ). وقال الكسائي: هو من الإنهاء والإبلاع؛ وهو كقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ...) الآية، (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ) أي: أنهينا إليه وأبلغنا إليه. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: إن شئت جعلتها ظلمة فلا يبصرون أمرهم يعني غمَّة، وإن شئت جعلتها شكا واشتقاق الغمة، من غم يغم غما أي غطى يغطي، تقول: غممت رأسه أي غطيته، (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) أي: افعلوا بي ما أردتم وفي قول نوح لقومه: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ...) إلى قوله: (وَلَا تُنْظِرُونِ)، وقول هود: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ) وقول رسول اللَّه: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ) دلالة إثبات رسالتهم؛ لأنهم قالوا ذلك لقومهم وهم بين أظهرهم، ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك اعتمادًا على اللَّه واتكالا بمعونته ونصرته إياهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) أي: فافرغوا إليَّ يقال " قضى " فرغ، وهو قول أبي بكر الأصم.

يونس 10:70

[ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ) أي ذلك لهم متاع في الدنيا، ليس لهم متاع في الآخرة ( ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ) [ يحتمل وجهين : أحدهما :][ ساقطة من الأصل وم ] يخاطب رسوله بذلك، لم يخاطبهم : إلينا مرجعكم فهو، والله أعلم، لما اشتد على رسول الله ما افتروا به على الله يقول :( ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ) فنجزيهم جزاء فريتهم. والثاني : يقول ( ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ ) لا ما طمعوا من الشفاعة عندنا والزلفى، والله أعلم.

يونس 10:71

وقوله تعالى :( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ) أي خبره وحديثه ( إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ ) قال بعضهم : إن كان كبر عليكم طول مقامي ومكثي فيكم ودعائي إياكم إلى عبادة الله وإطاعتكم[ في الأصل وم : وإطاعته ] له وتذكيري إياكم بآياته. وقال بعضهم ( وتذكيري ) بعذابه بترككم إجابتي ودعائي. ويحتمل قوله :( إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي ) بما أدعو[ في الأصل وم : أدعي ] من الرسالة ( وتذكيري بآيات الله ) أي بحجج الله على ما أدعو[ في الأصل وم : أدعيت ] من الرسالة. وقوله[ الواو ساقطة من الأصل ] تعالى :( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ) فيه وجوه : أحدها : أتل منابزة نوح قومه وما أرادوا به من الكيد والمكر به. والثاني : اذكر عواقب قوم نوح وما حل بهم من سوء معاملتهم رسولهم. والثالث : اذكر لهم عواقب[ أدرج قبلها في الأصل وم : لا ] متبعي قومه ومخالفيه[ في الأصل وم : ومخالفة ]. وقوله تعالى :( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ) قال بعضهم : أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ثم كيدوني ( ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ) أي اجعلوا ما تريدون من الكيد والمكر في ظاهرا غير ملتبس ولا مشتبه. وقال بعضهم :( فأجمعوا أمركم ) أي أعدوا أمركم، وادعوا شركاءكم. وكذلك روي في حرف أبي [ بن كعب ][ ساقطة من الأصل وم ] ( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ) وادعوا شركاءكم ( ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) أي اقضوا ما أنتم قاضون. وقال بعضهم : قوله ( ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ) أي لا يكبر عليكم أمركم. قال الكسائي : هو من التغطية واللبس ؛ أي لا تغطوه ولا تلبسوه، اجعلوا كلمتكم ظاهرة واحدة. وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : لا يكن أمركم اغتماما عليكم، أي فرجوا عن أنفسكم كقوله :( من كان يظن أن لن ينصره الله )الآية[الحج: ١٥]. وقوله تعالى :( ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) أي اعملوا بي ما تريدون، ولا تنظروني، وهو كقوله :( فاقض ما أنت قاض )[طه: ٧٢] وقال الكسائي : هو الإنهاء والإبلاغ، وهو كقوله :( وقضينا إلى بني إسرائيل )الآية[الإسراء: ٤] [ وقوله ][ ساقطة من الأصل وم ] :( وقضينا إليه )[الحجر: ٦٦] [ أي أنهينا إليه ][ من م، ساقطة من الأصل ] وأبلغنا إليه. وقال أبو عوسجة : إن شئت جعلتها ظلمة فلا يبصرون أمرهم ؛ يعني غمة، وإن شئت جعلتها شك، واشتقاق الغمة من غم يغم غما أي غطى يغطي، تقول : غممت رأسه أي غطيته ( ثم اقضوا إلي ) أي افعلوا بي ما أردتم. وفي قول نوح لقومه ( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ) إلى قوله ( ولا تنظرون ) وقول هود :( فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون )[هود: ٥٥] وقول رسول الله :( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون )[الأعراف: ١٩٥] دلالة إثبات رسالتهم لأنهم قالوا ذلك لقومهم، وهم بين أظهرهم ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان. دل أنهم إنما قالوا ذلك اعتمادا على الله واتكالا [ على ][ في الأصل وم : بمعونته ] ونصرته إياهم. وقال بعضهم في قوله :( ثم اقضوا إلي ) أي فافرغوا إلي، أن يقال : قضى فرغ، وهو قول أبي بكر في الأصم. [ وقال بعضهم ][ في الأصل وم : وبعضهم ] ( ثم اقضوا إلي ) كقوله :( فراغ إلى أهله )[الذاريات: ٢٦] وقوله[ في الأصل وم : و ] :( فراغ إلى آلهتهم )[الصافات: ٩١] ونحوه.

يونس 10:72

وقَالَ بَعْضُهُمْ: ثم اقضوا إلي أي امضوا إلي كقوله: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ)، و (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ)، ونحوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) التولي اسم لأمرين: اسم للإعراض والإدبار؛ كقوله: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ)، واسم للإقبال والقبول أيضًا؛ كقوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا...) الآية، ونحوه، فهاهنا يحتمل الأمرين جميعًا، أي: فإن توليتم أي أقبلتم وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه، (فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) أي: ما أجري إلا على اللَّه. وإن كان في الإعراض فكأنه يقول: كيف أعرضتم عن قبوله، ولم أسألكم على ذلك أجرًا فيكون لكم عذر في الإعراض والرد؟! كقوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا) الآية، أي: لم أسألكم على ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه غرما حتى يثقل عليكم ذلك الغرم، فيمنعكم ثقل الغرم عن الإجابة، ففي هذه الآية وغيرها دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه لو جاز أخذ الأجر على ذلك لكان لهم عذر ألا يبذلوا ذلك ولا يتعلموا شيئًا من ذلك، وفي ذلك هدم شرائع اللَّه وإسقاطها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي: مسلمًا نفسي إلى اللَّه، أي: سالمًا، لا أجعل لأحد سواه فيها حقا ولا حظا، أو أمرت أن أكون من المخلصين لله، والخاضعين له؛ هو يحتمل ذلك كله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) يعني: نوحًا كذبه قومه فيما ادعى من الرسالة، أو ما آتاهم من الآيات، أو ما أوعدهم من العذاب بتكذيبهم إياه. (فَنَجَّيْنَاهُ) يعني نوحًا، (وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) أي: من ركب معه الفلك من المؤمنين. (وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ) يحتمل خلائف خلفاء في الأرض وسكانًا يخلف بعضهم بعضا، ويحتمل جعلناهم خلائف أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب. (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): يحتمل الآيات الحجج والبراهين التي أقامها على ما ادعى من الرسالة. ويحتمل قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما وعد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ): كان أنذر الفريقين جميعًا

يونس 10:73

وقوله تعالى :( فَكَذَّبُوهُ ) يعني نوحا، كذبه قومه في ما ادعى من الرسالة أو ما آتاهم من الآيات أو ما وعدهم من العذاب بتكذيبه إياه ( فنجيناه ) يعني نوحا ( ومن معه في الفلك ) أي من ركب معه الفلك من المؤمنين ( وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ ) أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب. [ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) تحتمل الآيات الحجج والبراهين التي أقامها على[ في الأصل وم : من ] ما ادعوا على الرسالة. ويحتمل قوله :( كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما وعد. وقوله تعالى :( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ) كان إنذار الفريقين جميعا المؤمن والكافر[ أدرج بعدها في الأصل وم : جميعا ] كقوله :( إنما تنذر من اتبع الذكر )[يس: ١١] فإذا كان ما ذكرنا فيكون تأويله : فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ من أجاب ومن لم يجب ؟ عاقبة من أجاب الثواب وعاقبة من لم يجب العذاب. ويحتمل ( المنذرين ) الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا ؛ أي انظر كيف كانت عاقبتهم بالهلاك والاستئصال، ويكون تأويل قوله :( إنما تنذر من اتبع الذكر )[يس: ١١] أي إنما يقبل الإنذار من اتبع الذكر، أي إنما ينتفع بالإنذار من اتبع الذكر. وأما من لم يتبع الذكر فلم[ الفاء ساقطة من الأصل وم ] ينتفع، والله أعلم.

يونس 10:74

المؤمن والكافر جميعًا؛ كقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ)، فإذا كان ما ذكرنا فيكون تأويله: فانظر كيف كان عاقبة من أجاب ومن لم يجب: عاقبة من أجاب الثواب، وعاقبة من لم يجب العذاب. ويحتمل المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، أي: انظر كيف كان عاقبتهم بالهلاك والاستئصال، ويكون تأويل قوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ)، أي: إنما يقبل الإنذار من اثبع الذكر، أو إنما ينتفع بالإنذار من اتبع الذكر، أو أما من لم يتبع الذكر لم ينتفع، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم، أي: بعثنا إلى كل قوم رسولا، لا أنه بعث الرسل جملة إلى قومهم، ولكن واحدًا على أئر واحد. (فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): يحتمل البينات الحجج والبراهين التي أقاموها على ما ادعوا من الرسالة والنبوة. ويحتمل البينات بيان ما عليهم أن يأتوا ويتقوا. ويحتمل البينات بما أخبروهم وأنبئوا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: ما كان كفار مكة ليؤمنوا وليصدقوا بالآيات والبيانات كما لبم يصدق به أوائلهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) أي: قبل بعث الرسل، ففيه دلالة أن أهل الفترة يؤاخذون بالتكذيب في حال الفترة. ويحتمل قوله: (بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل إتيان البينات، أي: ما كانوا ليؤمنوا بعدما جاءوا بالبينات بما كذبوا به من قبل مجيء البينات. (كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) أي: هكذا نطبع على قلوب أهل مكة كما طبعنا على قلوب أوائلهم؛ إذ علم أنهم لا يقبلون الآيات ولا يؤمنون بها، والاعتداء هو الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) هو يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كانوا ليؤمنوا بالبينات إذا جاءتهم البينات على السؤال، وهكذا عادتهم أنهم لا يؤمنون بالآيات إذا أتتهم على السؤال. والثاني: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا على علم منهم أنها آيات وأنه رسول؛ واللَّه أعلم.

يونس 10:75

قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) وقوله: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد من ذكرنا من الرسل. (مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ): بعثهما إلى الملأ وغير الملأ. (بِآيَاتِنَا): يحتمل الوجوه التي ذكرنا. (فَاسْتَكْبَرُوا): هذا يدل أنهم قد عرفوا أن ما جاءهم الرسول من الآيات أنها آيات، لكنهم عاندوا وكابروا ولم يخضعوا في قبولها وكانوا قومًا مجرمين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا) أي: الحجج والآيات من عندنا، (قَالُوا إنَّ هَذَا) يعنون الحجج والبراهين التي جاء بها موسى، (لَسِحْرٌ مُبِينٌ) يسمون الحجج والبراهين سحرًا لما أن السحر عندهم باطل، لذلك قالوا للحجج إنها سحر، وذلك تمويه منهم يموهون على الناس لئلا يظهر الحق عندهم فيتبعونه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحق هو الإسلام والدِّين؛ كقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) يعنون الحجج والآيات التي جاءهم بها للدِّين لأنه جاءهم بالدِّين، وجاءهم أيضًا بحجج الدِّين وآياته، قالوا: الحجج: الدِّين، والإسلام: سحر، ففي التأويلين جميعًا سموا الحجج سحرًا. وقوله: (جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا) أي: بأمرنا، وكذلك قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) أي: الإسلام هو الدِّين الذي أمر اللَّه به، لا أنه يفهم

يونس 10:76

وقوله تعالى :( فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ) قال بعضهم : قوله :( فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا ) أي الحجج والآيات ( من عندنا قالوا إن هذا ) يعنون الحجج والبراهين التي [ جاءهم بها ][ في الأصل وم : جاء بهم ] موسى ( لسحر مبين ) يسمون الحجج والبراهين سحر لما أن السحر عندهم باطل، لذلك قالوا [ عن الحجج ][ في الأصل وم : للحجج ] : إنها سحر، وذلك تمويه منهم، يموهون على الناس لئلا يظهر عندهم، فيتبعوه[ في الأصل وم : فيتبعونه ]. وقال بعضهم : الحق هو الإسلام والدين كقوله :( إن الدين عند الله الإسلام )[آل عمران: ١٩] ( قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ) يعنون الحجج والآيات التي [ جاءهم بها للدين لأنه جاء بالدين ][ في م : جاء بها للدين ] وجاءهم أيضا بحجج الدين وآياته، قالوا [ عن حجج ][ في الأصل وم : لحجج ] الدين والإسلام :[ إنها سحر ][ في الأصل وم : سحرا ]. ففي التأويلين جميعا سموا الحجج سحرا. وقوله تعالى :( فلما جاءهم الحق من عندنا ) أي بأمرنا، وكذلك قوله :( إن الدين عن الله الإسلام )[آل عمران: ١٩] أي الإسلام هو الدين الذي أمر الله به لا أنه يفهم للعند مكان، [ ينتقل من مكان ][ من م، ساقطة من الأصل ] إلى مكان. ولكن معنى العند معنى الأمر. وعلى هذا يخرج قوله :( إن الذين عند ربك ) يعين الملائكة ( لا يستكبرون عن عبادته )[الأعراف: ٢٠٦] أي إن الذين بأمر ربك يعبدونه، ويستكبرون عن عبادته لما أنه لم يفهم من مجيء الحق من عنده مكان. فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من قوله :( إن الذين عند ربك )[الأعراف: ٢٠٦] المكان [ أو قرب ][ في الأصل وم : يغلب ] المكان منه. ولكن التأويل ما ذكرنا أن المفهوم من عند الله أمره، والله أعلم.

يونس 10:77

للـ (عند) مكان ينتقل من مكان إلى مكان، ولكن معنى الـ (عند) معنى الأمر، وعلى هذا يخرج قوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) يعني الملائكة (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) أي: إن الذين بأمر ربك يعبدونه لا يستكبرون عن عبادته لما أنه لم يفهم من مجيء الحق من عنده مكان، فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) المكان أو قرب المكان منه، ولكن التأويل ما ذكرنا أن المفهوم من عند الله أمره، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) والحق ما ذكرنا. (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ): الإفلاح هو الظفر بالحاجة، يقول: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) أي: لا يظفر الساحر بالحاجة ولا يغلب؛ لأن السحر باطل ولا يغلب الباطل الحق، بل الحق هو الغالب. والسحر هو المغلوب على ما غلب الحق الذي جاء به موسى السحر الذي جاء سحرة فرعون. أو يقول: لا يفلح الساحرون في الآخرة بسحرهم في الدنيا. ويحتمل قوله: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) بسحرهم في حال سحرهم؛ كقوله: (لَا يُفلِحُ الظَّالِمُونَ)، و (لَا يُفلِحُ الْكَافِرُونَ) أي: لا يفلحون بظلمهم في حال ظلمهم، وأما إذا تركوا الظلم فقد أفلحوا، فعلى ذلك السحرة إذا تركوا السحر فقد أفلحوا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) قيل: لتصرفنا وتصدنا. قَالَ الْقُتَبِيُّ: لفت فلانا عن كذا إذا صرفته، والالتفات منه وهو الانصراف. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (لِتَلْفِتَنَا) أي: تردنا وتصرفنا على ما ذكر الْقُتَبِيّ، قال: يقال: لفته يلفته لفتا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا): من عبادة الأصنام والأوثان. ويحتمل ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون والطاعة له. (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ) قال عامة أهل التأويل: الكبرياء الملك والسلطان

يونس 10:78

وقوله تعالى :( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ) قيل : لتصرفنا، وتصدنا. قال القتبي : لفت فلانا عن كذا إذا صرفته، والالتفات منه، وهو الانصراف. وقال أو عوسجة :( لتلفتنا ) لتردنا، وتصرفنا على ما قال قتيبة : يقال : لفته تلفته لفتا. وقوله تعالى :( عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) من عبادة الأصنام والأوثان. ويحتمل ( عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) من عبادة فرعون والطاعة له ( وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ ) قال أهل التأويل : الكبرياء الملك والسلطان والشرف، أي الملك الذي كان لفرعون والسلطان يكون لكما باتباع الناس لكما لأن كل متبوع مطاع معظم مشرف. ويحتمل قوله :( وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ ) أي الألوهية التي [ كان يدعيها ][ في الأصل وم : كانت يدعي ] فرعون لنفسه لكما لأن عندهم أن كل من أطيع، واتبع، فقد عبد، ونصب إلها ( وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) أي بمصدقين في ما تدعواننا[ في الأصل : تدعون، في م : تدعوننا ] من الرسالة.

يونس 10:79

والشرف، أي: الملك الذي كان لفرعون والسلطان يكون لكما باتباع الناس لكما؛ لأن كل متبوع مطاع معظم مشرف ويحتمل (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ) أي: الألوهية التي كان يدعى فرعون لنفسه لكما، لأن عندهم أن كل من أطيع واتبع فقد عبد ونصب إلها. (وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) أي: بمصدقين فيما تدعوننا إليه أو ما تدعون من الرسالة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) هذا من فرعون ينقض ما ادعى من الألوهية؛ حيث أظهر الحاجة إلى غيره ولا يجوز أن يكون المحتاج إلهًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) أي: سيبطل عمل السحر الذي قصدوا به، أيْ يجعله مغلوبًا؛ كقوله: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) أي: لا يغلب الساحرون ولا يظفرون بالحاجة. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) أي؛ لا يصلح ما أفسدوا من أعمالهم فيجعلهم صالحين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ): هو ما ذكرنا، أي: لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو لا يجعل أعمالهم الفاسدة صالحة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا يصلِحُ) أي: لا يرضى بعمل المفسدين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) ذكر أن يحق الحق والحق حق وإن لم يحق الحق، وكذلك ذكر في الباطل ليبطل الباطل والباطل باطل وإن لم يبطل، ولكن يحتمل قوله: (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ) ويبطل الباطل، أي: ليجعل الحق في الابتداء حقا فيصير حقا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلا، فيكون باطلا أي: بإبطاله الباطل يكون باطلا وبتحقيقه الحق يكون حقا وهو ما يقال: هداه فاهتدى، وأضله فضل، أي: بهدايته اهتدى وبضلاله ضل؛ فعلى ذلك بإبطاله الباطل بطل وبتحقيقه الحق حق، واللَّه أعلم. وقوله: (بِكَلِمَاتِهِ) يحتمل وجوهًا:

يونس 10:81

( فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) أي سيبطل عمل السحر الذي قصدوا به ؛ أي يجعله[ في الأصل وم : يجعلوه ] مغلوبا كقوله :( لا يفلح الساحرون )[يونس: ٧٧] ولا يظفرون بالحاجة ( إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) هو ما ذكرنا، أي لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو لا يجعل أعمالهم الفاسدة صالحة. وقال بعضهم ( لا يصلح ) أي لا يرضى بعمل المفسدين.

يونس 10:82

وقوله تعالى :( وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) ذكر أنه[ في الأصل وم : أن ] يحق الحق، والحق حق، وإن لم يحق الحق، وذكر ذلك في الباطل ليبطل الباطل، والباطل باطل، وإن لم يبطل، ولكن يحتمل قوله ( ليحق الحق ويبطل الباطل )[الأنفال: ٨] [ أي ليجعل الحق ][ من م، ساقطة من الأصل ] في الابتداء حقا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلا، فيكون باطلا بإبطاله الباطل[ أدرج بعدها في الأصل وم : يكون باطلا ]. وبتحقيقه الحق يكون حقا، ويقال[ في الأصل وم : وهو يقال ] : هداه، فاهتدى، وأضله، فضل ؛ أي بهدايته اهتدى، وبإضلاله ضل. فعلى ذلك بإبطاله الباطل بطل، وبتحقيقه الحق حق، والله أعلم. وقوله تعالى :( بكلمته ) يحتمل[ أدرج قبلها في الأصل وم : يحتمل وجوها ] ( وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) ما وعد موسى قومه من العذاب وما وعد من النعمة لهم كقوله :( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ )[المائدة: ٢٠].

يونس 10:83

يحتمل يحق الحق بكلماته أي: برسله؛ إذ بالرسل يظهر الحق وبهم يظهر بطلان الباطل وهم حجج اللَّه في الأرض وبالحجج يظهر الحق، وكذلك الباطل. ويحتمل ما ذكر أهل التأويل بكلماته: آياته التي أنزل عليه، بها ظهر حقيقة ما أتى به موسى وبها ظهر بطلان ما أتى به السحرة من السحر. ويحتمل كلماته، ما وعد موسى قومه من العذاب الذي وعد من الظفر بأعدائهم والنصر عليهم وغير ذلك ما وعد من النعمة لهم؛ كقوله: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) يحتمل قوله: (مِن قَومِهِ) من قوم موسى لما قيل: إن موسى كان من أولاد إسرائيل، فهم من ذريته من هذا الوجه، يقال: أهل بيت فلان وإن لم يكن البيت له. ويحتمل قوله: (إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) من قوم فرعون فهو نسب إليه لما ذكرنا. وقال أهل التأويل: أراد بالذرية القليل منهم، أي: ما آمن منهم إلا القليل، ولكن لا ندري ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ). يحتمل: ما آمن من آمن من قومه إلا على خوف من فرعون وملئه أي: آمنوا، أي: وإن خافوا من فرعون وملئه. ويحتمل ما ترك من قومه الإيمان بموسى من ترك إلا على خوف من فرعون أن يفتنهم أي: يقتلهم ويعذبهم، ففيه دلالة أن الخوف لا يعذر المرء في ترك الإيمان حقيقة، وإن كان يعذر في ترك إظهاره؛ لأن الإيمان هو التصديق والتصديق يكون بالقلب ولا أحد من الخلائق يطلع على ذلك؛ لذلك لم يعذر في ترك إتيانه لأنه يقدر على إسراره، ألا ترى إلى قوله: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)، كان مؤمنًا فيما بينه وبين ربه وإن لم يظهر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ) وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) أي: قهر وغلب على أهل الأرض وإنه لمن المسرفين.

يونس 10:84

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد في الحقيقة؛ لأنه بدأ بالإيمان بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ) وختم بالإسلام بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) دل أنهما واحد هو اعتقاد ترك نضييع كل حق، والإسلام اعتقاد تسليم كل حق وترك تضييعه، واللَّه أعلم. والإسلام هو جعل كلية الأشياء لله سالمة، والإيمان هو التصديق بكلية الأشياء فيما فيها من الشهادة لله بالربوبية له والألوهية. وقوله: (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يكون قال ذلك لما خافوا مواعيد فرعون وعقوباته؛ كقوله للسحرة لما آمنوا: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ...) الآية، فقال عند ذلك: (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا) في دفع ذلك عنكم، فقالوا: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) قوله: (لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) يحتمل ما قاله على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم ما قيل أي: يقتلهم ويعذبهم، واللَّه أعلم. هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي لا تجعل لهم علينا الظفر والنصر، فيظنون أنهم على هدى وعلى حق ونحن على ضلال وباطل. والثاني: لا تجعلنا تحت أيدي الظلمة فيعذبونا؛ فيكون ذلك فتنة لنا ومحنة على ما فعل فرعون بالسحرة لما آمنوا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) فيه أن قوله: الظالمين والكافرين واحد، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً...) الآية يحتمل وجهين: أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أحدهما: يحتمل قوله: (أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا) أي: اتخذا لقومكما مساجد يصلون فيها، (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أي: اجعلوا في بيوتكم التي اتخذتم مساجد قبلة؛ فيكون في قوله: ، (أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا) الأمر باتخاذ المساجد، ويكون في قوله: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) الأمر باتخاذ القبلة في المساجد التي أمر ببنيانها. والثاني: قوله: (أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا)، أي: اتخذا لقومكما بمصر مساجد على ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أي: اجعلوا في بيوتكم التي بنيتم لأنفسكم قبلة تحّوجهون إليها، ويكون فيه دلالة أن نصب الجماعة واتخاذ المساجد والقبلة مثوارثة مسنونه ليست ببديعة لنا وفي شريعتنا خاصة، ويؤيد ما ذكرنا أن فيه الأمر باتخاذ المساجد. وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) دل الأمر بإقامة الصلاة على أن الأمر ببناء البيوت أمر باتخاذ المساجد واتخاذ القبلة. فَإِنْ قِيلَ: هذا في الظاهر أمر باتخاذ المساجد، والآية التي ذكر فيها اتخاذ المساجد تخرج مخرج الإباحة لنا، وهو قوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) هو في الظاهر إباحة. قيل: هو أمر في الحقيقة، وإن كان في الظاهر إباحة، ألا ترى أنه قال: (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا...) الآية، ولا شك أن ذكر اسمه والتسبيح له أمر؛ فدل أنه ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وأما أهل التأويل فإنهم قالوا: إنهم كانوا يخافون فرعون وملأه، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرا خوفًا من فرعون، هذا يحتمل إذا كان قبل هلاك فرعون وقبل أن يستولوا على مصر، وإذا كان بعد هلاكه وبعدما استولوا وملكوا على مصر وأهله فالأمر فيه ما ذكرنا؛ أمر باتخاذ المساجد ونصب الجماعات فيها وإقامة الصلاة فيها.

يونس 10:85

[ وقوله تعالى :( فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ][ ساقطة من الأصل وم ] هذا يخرج على وجهين : أحدهما : أي لا تجعل له علينا الظفر والنصر فيظنوا[ في الأصل وم : فيظنون ] أنهم على هدى وعلى حق[ في الأصل وم : خوف ]، ونحن على ضلال وباطل. والثاني : لا تجعلنا تحت أيدي الظلمة فيعذبونا، فيكون ذلك فتنة لنا ومحنة على ما فعل فرعون بالسحرة لما آمنوا.

يونس 10:86

وقوله تعالى :( وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) [ أي ( الظالمين ) وهما ][ في الأصل وم : فيه قوله ( الظالمين ) و( الكافرين ) ] واحد، والله أعلم.

يونس 10:87

وقوله تعالى :( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) الآية يحتمل وجهين : أحدهما : يحتمل قوله :( تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ) أي اتخذا لقومكما مساجد تصلون فيها ( واجعلوا بيوتكم ) أي اجعلوا في بيوتكم التي [ اتخذتموها مساجد ( قبلة ) فيكون قوله ][ في الأصل وم : اتخذتم المساجد قبلة ] :( تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ) [ الأمر باتخاذ المساجد، ويكون في قوله ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) الأمر باتخاذ القبلة في المساجد التي أمر ببنائها. والثاني :[ يحتمل ][ ساقطة من الأصل ] قوله :( تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ) ][ ساقطة من م ] أي اتخذا لقومكما بمصر مساجد على ما ذكرنا. وقوله تعالى :( واجعلوا بيوتكم قبلة ) أي اجعلوا بيوتكم التي بنيتم لأنفسكم قبلة تتوجهون إليها. ويكون فيه دلالة أن نصب الجماعة واتخاذ المساجد والقبلة متوارثة ليست ببديعة لنا وفي شريعتنا خاصة، ويؤيد ما ذكرنا أن فيه الأمر باتخاذ المساجد. وقوله تعالى :( وأقيموا الصلاة ) دل الأمر بإقامة الصلاة على أن الأمر بتبوئة البيوت أمر باتخاذ المساجد، والآية التي ذكر فيها اتخاذ المساجد تخرج مخرج الإباحة لنا، وهو قوله :( في بيوت أذن الله أن ترفع )[النور: ٣٦] هو في الظاهر إباحة، وقيل[ في الأصل وم : قيل ] : هو أمر في الحقيقة، وإن كان في الظاهر إباحة. ألا ترى أنه قال :( ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ) الآية ؟ [النور: ٣٦] ولا شك أن ذكر اسمه والتسبيح له أمر فيه، دل أنه ما ذكرنا، والله أعلم. وأما أهل التأويل فإنهم قالوا : إنهم كانوا يخافون وملأه، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرا خوفا من فرعون، هذا يحتمل إذا كان قبل هلاك فرعون وقبل أن يستولوا على مصر. وإذا كان بعد هلاكه وبعد ما استولوا، وملكوا، على مصر وأهله فالأمر فيه ما ذكرنا أمر باتخاذ المساجد ونصب الجماعات فيه وإقامة الصلاة فيها. وقال بعضهم من أهل التأويل : وجهوا بيوتكم ومساجدكم نحو القبلة. لكن هذا بعيد لأنه لا يكون بيتا إلا وتكون جهة من جهاته إلى القبلة، فلا معنى له، والوجه فيه ما ذكرنا. ويحتمل الأمر بتبوئة البيوت لقومهما بمصر وجعل البيوت قبلة وجهين : أحدهما : الأمر بالانفصال من فرعون وقومه حتى إذا أرادوا الخروج من عندهم قدروا على ذلك، ولا يكون المرور عليهم. وكان ذلك الانفصال ؛ إنما كان من جهة القبلة. والثاني : ما ذكر [ أنهم ][ ساقطة من الأصل وم ] أرادوا أن يعتزلهم حتى يتهيا لهم الصلاة فيها، وكانت[ في الأصل وم : كان ] لا تتهيأ لهم في بيوت فرعون. وقوله تعالى :( وبشر المؤمنين ) يحتمل البشارة في الآخرة [ بالجنة ][ من م، ساقطة من الأصل ] وأنواع النعم، ويحتمل أن يبشرهم بالملك في الدنيا والظفر على فرعون وأنواع النعم بعد ما أصابتهم[ في الأصل وم : أصابوا ] الشدائد من فرعون كقوله :( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ )[المائدة: ٢٠]. وقال أبو عوسجة : قوله :( أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا ) تُهيئا من التهيئة ؛ أي هيئا لهم موضعا كقوله :( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ )[يونس: ٩٣] أي هيأنا لهم مهيأ صدق.

يونس 10:88

وقَالَ بَعْضُهُمْ من أهل التأويل: وجهوا بيوتكم ومساجدكم نحو القبلة لكن هذا بعيد؛ لأنه لا يكون بيتًا إلا ويكون جهة من جهاته إلى القبلة، فلا معنى له. والوجه فيه ما ذكرنا. ويحتمل الأمر ببناء البيوت لقومهما بمصر وجعل البيوت قبلة وجهين: أحدهما: الأمر بالانفصال من فرعون وقومه حتى إذا أرادوا الخروج من عندهم قدروا على ذلك ولا يكون المرور عليهم وكان ذلك الانفصال إنما كان من جهة القبلة. والثاني: ما ذكرنا أرادوا أن يعتزلوهم حتى يتهيأ لهم الصلاة فيها، وكان لا يتهيأ لهم في بيوت فرعون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) يحتمل البشارة في الآخرة بالجنة وأنواع النعيم ويحتمل أن يبشرهم بالملك في الدنيا والظفر على فرعون وأنواع النعم، بعدما أصابوا الشدائد من فرعون؛ كقوله: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ). وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا) تهيآ من هيأ، أي: هيئا لهم موضعًا؛ كقوله: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) أي: هيأنا لهم مهيأ صدق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) ويحتمل قوله (زِينَةً): من أنواع ما آتاهم من الأنزال والنبات؛ كقوله: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ)، ونحوه. ويحتمل الزينة التي كانوا يتزينون بها من المركب والملبس، وما يتحلون بها من أنواع الحلي وأموال كثيرة سوى ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ): قالت المعتزلة تأويل قوله: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) أي: آتاهم لئلا يضلوا الناس عن سبيله، ولكن أضلوهم عن سبيله وقالوا هذا كما يقال ألم أقل كذا لأجل كذا، ولكن فعلت ونحوه من الكلام، ولكن عندنا هو ما ذكر: آتاهم الأموال وما ذكر ليضلوا عن سبيله؛ لأنه إذا علم منهم أنهم يضلون الناس عن سبيله آتاهم ما آتاهم ليضلوا وهو كما ذكرنا في قوله: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)؛ وقوله: (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ...) الآية، وأمثاله فكذا هذا واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أي: اطمس على أموالهم، واجعل في قلوبهم قساوة وغلظة تنفر الأتباع ومن

يونس 10:89

يقلدهم عن اتباعهم وتقليدهم، فيكون ذلك أهون علينا في استنقاذ الأتباع منهم وأدعى لهم إلى الإيمان أعني الأتباع ومن يقلدهم، ويكون ذلك سببًا لإبعادهم عن اتباعهم وتقليدهم إياهم؛ هذا وجه. والثاني: قوله: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: اجعل ذلك آية تضطرهم إلى الإيمان، فإنهم لم يؤمنوا بالآيات التي أرسلتها عليهم من الطوفان والجراد وما ذكر من البلايا، فيكون قوله: (فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) هذا من طمس الأموال وقساوة القلوب وشدتها، واللَّه أعلم. وقال بعض أهل التأويل: واشدد على قلوبهم واطبعها فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وهو الغرق فعند ذلك يؤمنون، وأما بهذه الآيات فلا. هذا يحتمل إذا كان اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أخبر موسى أنهم لا يؤمنون فيسع له هذا الدعاء، وأما قبل أن يخبره بذلك فلا يسع له أن يدعو بهذا، وهو إنما أرسله إليهم ليدعوهم إلى الإيمان والطمس. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: هو الذهاب بها، أي: اذهب بها. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله: (رَبَّنَا اطْمِسْ) أي: أهلكها، وهو من قولك: طمس الطريق إذا عفا ودرس. وقال غيره: الطمس هو المسخ؛ كقوله: (لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) أي: مسخناهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الطمس هو التغيير عن جوهرها، دعا موسى بهذا الدعاء بالأمر لما أيس من إيمانهم؛ وهو كقول نوح: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ) الآية، عند الإياس منهم فعلى ذلك موسى، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن موسى كان يدعو وهارون يؤمن على دعائه، فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) سمى كليهما

يونس 10:90

دعاء، ولهذا قال مُحَمَّد بن الحسن - رحمه اللَّه - في بعض كتبه: إن الإمام يدعو في القنوت في الوتر والقوم يؤمنون. وقوله تعالى: (فَاسْتَقِيمَا) على الرسالة وما أمرتكما به، (وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)؛ وهو كقوله لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)؛ وكقوله: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، ونحوه، وإن كان العلم محيطا أن الأنبياء - صلوات اللَّه عليهم - لا يتبعون سبيل أُولَئِكَ ولا يتبعون أهواءهم لما عصمهم - عَزَّ وَجَلَّ - ولكن ذكر هذا - واللَّه أعلم - ليعلم أن العصمة لا تزيل النهي والأمر بل تزيد حظرًا ونهيا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ): هذا ظاهر. وفي قوله: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ) دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أضاف إلى نفسه أنه جاوز بهم، وبنو إسرائيل هم الذين تجاوزوا، دل ذلك أنه خالق فعلهم. وأما قوله: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ) أي: حتى إذا غرق؛ لأنه ذكر في بعض القصة أن فرعون لما انتهى إلى ساحل البحر، فرأى البحر منفرجا طرقًا، فقال: إنما انفرج البحر لي، فلما دخل غرق فعند ذلك قال غريقا: (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ثم إيمانه لم يقبل في ذلك الوقت لوجهين: أحدهما: لما يحتمل أن يكون إيمانه عند رؤية البأس وخوف الهلاك، فهو إيمان دفع البأس لا إيمان حقيقة، وهو على ما أخبر عن إيمان الكفرة في الآخرة لما عاينوا العذاب؛

يونس 10:91

[ وقوله تعالى :( أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ) ][ ساقطة من الأصل وم ].

يونس 10:92

كقولهم: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ)؛ وكقوله تعالى: (رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)، وكقولهم: (نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، وأمثاله (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)؛ فما عاينوا هم من العذاب أكبر وأشد مما عاين فرعون، ثم أخبر أنهم لو ردوا لعادوا إلى ما كانوا يعملون لكنهم قالوا ذلك قول دفع، فعلى ذلك إيمان فرعون إيمان دفع البأس عن نفسه لا إيمان حقيقة واختيار. والثاني: أن الإيمان والإسلام هو تسليم النفس إلى اللَّه، فإذا آمن في وقت خرجت نفسه من يده لم يصر مسلمًا نفسه إلى اللَّه؛ إذ نفسه ليست في يده ولذلك لم يقبل الإيمان في ذلك الوقت وقت الإشراف على الهلاك. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن الإيمان باللَّه لا يكون إلا بالاستدلال بالشاهد على الغائب، ولا يمكن الاستدلال بالشاهد على الغائب في ذلك الوقت؛ إذ لا يكون ذلك إلا بالنظر والتفكر وفي ذلك الوقت لا يمكن النظر والتفكر؛ لذلك لم يكن إيمان حقيقة، واللَّه أعلم. وأما قوله: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) قيل فيه بوجوه: قيل: قوله: (نُنَجِّيكَ) من النجوة، أي: نلقيك على النجوة وهو مكان الارتفاع والإشراف؛ ليراه كل أحد أنه هلك ليظهر لهم أنه لم يكن إلها على ما ادعى لعنه اللَّه، وأما سائر أبدان قومه لم تلق على النجوة ولكن بقيت في البحر. والثاني: قيل: (نُنَجِّيكَ) أي: نخرجك من البحر ولا نتركك فيه لتكون لمن خلفك آية. والثالث: ننجيك ببدنك ولا نتبع بدنك روحك؛ لأنه ذكر في القصة أنهم لما غرقوا هم وأغرق، أخذ إلى النار؛ كقوله: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا) أخبر أنه لم يهو جسده بروحه إلى النار، ولكن أخرج بدنه وهوت روحه إلى النار مع سائر قومه - واللَّه أعلم - ليرى جسده ويظهر كذبه ولا يشتبه أمره عليهم.

يونس 10:93

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) يحتمل وجهين: يحتمل ليكون هلاكك آية، فلا يدعى أحد الربوبية والألوهية مثل ما ادعى هو، أو يقول: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) أي: من شاهدك كذلك غريقًا ملقى كان آية له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ): قال بعض أهل التأويل: يعني أهل مكة عن آياتنا لغافلون عن هلاك فرعون وقومه لما قالوا: (مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى)، و (مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ)، يقول: هم غافلون عما أصاب أُولَئِكَ؛ إذ مثل هذا لا يفترى، أعني: هذه القصص. ويحتمل (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)، أي: كثير منهم كانوا غافلين عما أصابهم، والغفلة تكون على وجهين: أحدهما: غفلة إعراض وعناد بعد العلم به ومعرفة أن ذلك حق. والثاني: يغفل بترك النظر والتفكر؛ فكلا الوجهين مذموم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) قال عامة أهل التأويل: بوأنا أنزلنا بني إسرائيل منزل صدق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بَوَّأْنَا): هيئنا لبنى إسرائيل، (مُبَوَّأَ صِدْقٍ): مهيأ صدق حسنا؛ كقوله: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ...) الآية، أي: ثهيئ للمؤمنين. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) أي: مكناهم تمكين صدق؛ وهو كقوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥). وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ...) الآية، يحتمل ما ذكر من التبوئة التمكين الذي ذكر في هذه الآية وقوله (مُبَوَّأَ صِدْقٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: منزل صدق، أي: كريم وقال: منزل صدق أي حسن. ويحتمل وجهين آخرين: أحدهما: أنه وعد لهم أن يمكن لهم في الأرض فأنجز ذلك الوعد، فهو مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي تمكين صدق، حيث أنجز ذلك الوعد وصدق الوعد ما ذكر (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) الآية. والثاني: (مُبَوَّأَ صِدْقٍ) أي: مُبَوَّأَ أهل صِدْقٍ لأن الشام كان لم يزل منزل أهل صِدْقٍ،

يونس 10:94

وعلى هذا يخرج قوله: (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ...) الآية. أي: أخرجني مخرج أهل صدق وأدخلني مدخل أهل صدق، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) قال أهل التأويل: يعني المن والسلوى، ولكن الطيبات هي التي طابت بها الأنفس مما حل بالشرع مما لا تبعة على أربابها مما لم يعص فيها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي: فما اختلفوا في الدِّين إلا من بعد ما جاءهم العلم أنه حق. وقيل: فما اختلفوا في مُحَمَّد في أنه رسول اللَّه إلا من بعد ما جاءهم العلم أنه رسول اللَّه وقيل: فما اختلفوا في القرآن والأديان التي أنزلها على رسوله إلا من بعد ما جاءهم العلم، أنه منزل من عند اللَّه. ويحتمل قوله: (فَمَا اخْتَلَفُوا) في موسى أنه رسول اللَّه إلا من بعد ما جاءهم العلم أنه رسول اللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ...) الآية: ظاهرة من الوجوه التي ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ) يحتمل وجهين: أحدهما: الجزاء والثواب، والثاني: في تبيين المحق من المبطل. * * * قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ): اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: الخطاب به لرسول اللَّه والمراد منه غيره. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الخطاب به المراد به جميعًا غيره. وقَالَ بَعْضُهُمْ، الخطاب به والمراد به رسول اللَّه ما كنت في شك مما أخبرتهم وأنبأتهم، فمن قال: الخطاب لرسول اللَّه والمراد به غيره، وهو ما ظهر في الناس أنهم يخاطبون من هو أعظم منزلة عندهم وقَدْرًا ويريدون به غيره، وإلا لا يحتمل أن يكون رسول اللَّه يشك فيما أنزل إليه قط أو يرتاب؛ كقوله: (إِمَّا يَبلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا...) الآية، ومعلوم أنه في وقت ما خوطب به لم يكن أبواه أحياء دل أنه أراد به غيره؛ فعلى ذلك الأول. ومن قال: الخطاب والمراد به من غير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: إن الوفود من الكفرة كانوا يتقدمون رسول اللَّه فيسألونه شيئًا فشيئًا فيخاطب الذي يتقدم، وكان يحضره الوحدان والجماعة يقول: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ). وقوله: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) على هذا التأويل هو منزل إليه؛ إذ كل منزل على رسول الله منزل عليه وإليه وإلى كل أحد كقوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أمرهم باتباع ما أنزل إليهم دل أن كل منزل على رسول اللَّه منزل عليهم. ومن قال: الخطاب والمراد به رسول اللَّه قال لما لا يحتمل أن يكون رسول اللَّه يشك في شيء مما أنزل إليه، ولكنه يريد به التقرير عنده لقول الكفار إن الذي يلقي على محمد شيطان فيريد به التقرير عنده، أو يخاطب به كل شاك؛ كقوله: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي)، هو يخاطب إنسانًا واحدًا، ولكن المراد به كل إنسان مغرور وكل كافر، وذلك جائز في القرآن كثير أن يخاطب به كلا في نفسه. ومن قال: خاطب به رسوله وأراد هو -أيضًا- وهو كان في الابتداء على غير يقين أنه يوحى إليه أو لا؛ كقوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ)، وقوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ)، فقال: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ) الأنباء التي أخبرتهم وأنبأتهم وادعيت أنها أوحيت إليك ليخبروك على ما أخبرتهم. وقوله: (فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: فاسأل الذين يقرءون الكتاب يعني من آمن منهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: سل أهل الكتاب منهم يخبرونك؛ لأنه مكتوب عندهم؛ كقوله: قوله تعالى: (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) قيل: الحق القرآن جاء من ربك، وقيل: جاء البيان أنه من عند اللَّه.

يونس 10:95

وقوله: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ): الشاكين. (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) هو ما ذكرنا أنه يريد بالخطاب غيره، وإلا لا يحتمل أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يكون من الشاكين، أو يكون من الذين يكذبون بآيات اللَّه، أو يكون من الخاسرين. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ). قوله: (حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) هو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، هذا يكون في الختم من يختم به يعني بالكفر فقد حقت كلمهّ ربك لأملأن جهنم، أو (حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) ما ذكر في آية أخرى: (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ...) الآية، أو كلمة ربك ما ذكر: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) أي: علم ربك بأحوالهم، أي: من كان علمه أنه لا يؤمن فلا يؤمن وقت اختياره الكفر؛ كقوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي: من يضلل اللَّه فلا هادي له، وقت اختيارهم الكفر؛ وكذلك قوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، وقت اختيارهم الظلم ونحو ذلك، فالتأويل الأول يرجع إلى الختم به، والثاني: إلى وقت من ثبت عليه علم ربه أنه لا يؤمن إلى وقت أنه لا يؤمن في ذلك الوقت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧) قيل: في الدنيا إيمان دفع العذاب ويحتمل في الدنيا، وقد ذكرنا هذا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) أي: لم تكن القرى آمنت عند معاينة البأس إيمانا نفعها إلا إيمان قوم يونس، فإنهم آمنوا إيمان حقيقة وعلم اللَّه صدقهم من إيمانهم فنفعهم إيمانهم، هذا يخرج

يونس 10:96

وقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ) قوله :( حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ ربك ) هو قوله عز وجل ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين )[ هود : ١١٩و. . ] هذا يكون في الختم : من يختم به يعني بالكفر، فقد حقت [ عليه ][ ساقطة من الأصل وم ] كلمة ربك ( لأملأن جهنم ) أو ( حقت عليهم كلمة ربك ) ما ذكر في آية أخرى ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب )الآية[الأعراف: ٣٧] وكلمة ربك ما ذكر ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة )[الأنعام: ١١١]. قوله تعالى :( حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ ربك ) أي علم ربك بأحوالهم، أي من كان علمه أنه لا يؤمن وقت اختياره الكفر كقوله :( من يضلل الله فلا هادي له )[الأعراف: ١٨٦] وقت اختياره الكفر، وكذلك قوله :( والله لا يهدي القوم الظالمين )[البقرة: ٢٥٨] وقت اختياره الظلم ونحو ذلك. فالتأويل الأول : يرجع إلى الختم به والثاني : إلى وقت من يثبت عليه علم ربه أنه لا يؤمن في ذلك الوقت.

يونس 10:97

وقوله تعالى :( وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ) قيل : في الدنيا إيمان دفع العذاب ويحتمل في الآخرة[ في الأصل وم : الدنيا ] وقد ذكرنا هذا.

يونس 10:98

وقوله تعالى :( فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ ) الآية ؛ أي لم تكن الآية آمنت عند معاينة البأس [ ولم يكن ][ ساقطة من الأصل وم ] إيمانها نفعها، إلا إيمان قوم يونس فإنهم آمنوا إيمان حقيقة، وعلم الله صدقهم في [ في الأصل وم : من ] إيمانهم، فنفعهم إيمانهم هذا يخرج على وجوه : أحدها : أن سائر القرى كان إيمانها عند إقبال العذاب إليهم ووقوعه عليهم، فلم ينفعهم إيمانهم إلا قوم يونس فإن إيمانهم إنما كان [ بتخويف العذاب، فنفعهم ][ في الأصل وم : لتخويف العذاب فينفعهم ]. والثاني : يحتمل أن يكون قوم يونس كان نزول العذاب بهم على التخيير والتمكين : إن قبلوا الإيمان، وآمنوا، دفعوا عنهم وإن لم يقبلوا أنزل بهم. والثالث : كان[ أدرج قبلها في م : إنما ] إيمان سائر القرى بعد [ ما ][ من م، ساقطة من الأصل ] عاينوا مقامهم في النار، فكان[ في الأصل وم : فيكون ] إيمانهم إيمان اضطرار وقوم يونس آمنوا قبل أن يعاينوا ذلك. ويشبه أن يكون قوله :( فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ) بعد وقوع العذاب والبأس ( فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ) فإنهم آمنوا [ قبل أن يعاينوا ][ في الأصل وم : إذ عاينوا ] العذاب قبل أن يقع بهم، وإيمان فرعون وقومه إنما كان بعدما عرفوا وبعدما خرجت أنفسهم من أيديهم فلم يقبل. وإيمان قوم يونس [ قبل ][ من م، ساقطة من الأصل ] أن يقع العذاب بهم وأنفسهم في أيديهم بعد فقبل، وهو ما ذكر عز وجل ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم )الآية[الأعراف: ١٧١] آمنوا عندما عاينوا قبل أن يقع بهم [ العذاب ][ ساقطة من الأصل وم ] وسائر الأمم الخالية كان منهم الإيمان بعد وقوع العذاب بهم من نحو عاد وثمود وأمثالهم. وأصله ما ذكرنا آنفا. وقوله تعالى :( لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قوله ( كشفنا عنهم ) الوعد بحلول العذاب بهم، وعذاب الخزي هو العذاب الفاضح، وإلا الخزي هو العذاب.

يونس 10:99

على وجوه: أحدها: أن سائر القرى كان إيمانها عند إقبال العذاب إليهم ووقوعه عليهم، فلم ينفعهم إيمانهم، إلا قوم يونس، فإن إيمانهم إنما كان لتخويف العذاب فينفعهم. والثاني: يحتمل أن يكون قوم يونس، كان نزول العذاب بهم على التخيير والتمكين إن قبلوا الإيمان أمنوا دفع العذاب عنهم، وإن لم يقبلوا نزل بهم. والثالث: إنما كان إيمان سائر القرى بعدما عاينوا مقامهم في النار فآمنوا، فيكون إيمانهم إيمان اضطرار، وقوم يونس آمنوا قبل أن يعاينوا ذلك، ويشبه أن يكون قوله: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ) بعد وقوع العذاب والبأس، (فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) وفإنهم آمنوا إذ عاينوا العذاب قبل أن يقع بهم، وإيمان فرعون وقومه إنما كان بعدما غرقوا وبعدما خرجت أنفسهم من أيديهم فلم يقبل، وإيمان قوم يونس كان قبل أن يقع العذاب بهم وأنفسهم في أيديهم بعد فقبل، وهو ما ذكر عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ...) الآية، آمنوا بعدما عاينوا قبل أن يقع بهم وسائر الأمم الخالية كان منهم الإيمان بعد وقوع العذاب بهم من نحو عاد وثمود وأمثاله، وأصله ما ذكرنا آنفًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). قوله: (كَشَفْنَا عَنْهُمْ): بحلول العذاب بهم، (عَذَابَ الْخِزْيِ): هو العذاب الفاضح وإلا الخزي هو العذاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) قالت المعتزلة: قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ) مشيئة القهر والقسر، لو شاء لأجبرهم وقهرهم جميعًا فيؤمنوا وإلا فقد شاء أن يؤمنوا مشيئة الاختيار لكنهم لم يؤمنوا، واستدلوا على ذلك بقوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). فيقال لهم: إن مشيئة الاختيار هي الظاهرة عندكم ومشيئة الجبر والقهر غائبة، فإذا وجد منه مشيئة الاختيار فلم يؤمنوا ولم تنفذ مشيئته فيهم كيف يصدق هو في الإخبار عن المشيئة التي هي غائبة أنها لو كانت لآمنوا هذا فاسد على قولهم. وبعد فإن المشيئة لو كانت مشيئة القهر لكانوا مؤمنين بتلك المشيئة وهي خلقة؛ لأن كل كافر مؤمن بخلقته؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانية اللَّه، فإذا كانوا مؤمنين بالخلقة ثم ذكر أنه لو شاء لآمنوا دل أنه لم يرد به مشيئة القهر ولكنه أراد مشيئة الاختيار، وتأويله عندنا هو أن عند اللَّه تعالى لطف لو أعطاهم كلهم لآمنوا جميعًا، لكنه إذ علم أنهم لا يؤمنون لم يعطهم وهو التوفيق والعصمة، لكنه إذ علم منهم أنهم لا يؤمنون شاء ألا يؤمنوا، ثم لا يحتمل أن يتحقق الإيمان بالجبر والقهر؛ لأنه عمل القلب والجبر والإكراه مما لا يعمل على القلب، فهو وإن تكلم بكلام الإيمان فلا يكون مؤمنا حتى يؤمن بالقلب، فيكون التأويل على قولهم: ولو شاء ربك فلا يؤمنوا، فهذا متناقض فاسد. وبعد فإن الإيمان لا يكون في حال الإكراه والإجبار؛ لأن الإكراه يزيل الفعل عن المكره كان لا فعل له في الحكم. وقوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) فَإِنْ قِيلَ: أليس قال اللَّه - عز وجل -: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) أي: حتى يسلموا وذلك إكراه، وقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " فذلك إكراه، فكيف يجمع بين الآيتين؟! قيل لوجهين: أحدهما: ما ذكر أن هذه السورة مكية، وقوله: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)، مدنية، فيحتمل قوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أي: لا تكرههم ثم أمر بالقتال بالمدينة والحرب والإكراه عليه. والثاني: يجوز أن يجمع بين الآيتين، وهو أن يكون قوله: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) أي: تقاتلونهم حتى يقولوا قول إسلام ويتكلموا بكلام الإيمان، دليله ما روي: " حتى يقولوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "، والقول: بلا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ على غير حقيقة ذلك في القلب ليس بإيمان، وفي هذه الآية حتى يكونوا مؤمنين وبالإكراه لا يكونون مؤمنين

يونس 10:100

حقيقة؛ لأنه عمل القلب والإكراه مما لا يعمل عليه، واللَّه أعلم. وتأويل قوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) أي: لا تملك أن تكرههم، وكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لشدة حرصه ورغبتة في إيمانهم كاد أن يكرههم على الإيمان إشفاقًا عليهم؛ كقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قيل: بمشيئة الله. وقيل: بعلم اللَّه، وقيل: بأمر اللَّه وبإرادته وهو ما ذكرنا لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله وإرإدته في ذلك، ولا يحتمل قوله: (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) سوى المشيئة والإرادة؛ لأنه كم من مأمور بالإيمان لم يؤمن، فلم يحتمل الأمر ولا يحتمل الإباحة لأنه لا يباح ترك الإيمان في حال وأصله ما ذكرنا؛ أنه لا يحتمل أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجز فيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) قيل: الإثم على الذين لا يعقلون، وقيل: ويجعل العذاب على الذين لا يعقلون، أي: لا يستعملون عقولهم حتى يعقلوا، أو على الذين لا ينتفعون بعقولهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا) أي: لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها عند نزول العذاب إلا قوم يونس. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فهلا كانت آمنت إذا رأت بأسنا، فكانت مثل قوم يونس، فإنهم آمنوا حين رأوا العذاب، وأصله ما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يكون اللَّه تعالى يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له يسألهم ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجزه فيه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) قيل: وما كان لنفس في علم اللَّه أنها لا تؤمن فتؤمن، أي: لا تؤمن نفس في علم اللَّه أنها لا تؤمن إنما يؤمن

يونس 10:101

من في علم اللَّه أنه يؤمن، وأما من في علم اللَّه أنه لا يؤمن فلا يؤمن. وقيل: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ) أي: لا تؤمن نفس إلا بمشيئة اللَّه، أي: إذا آمنت إنما تؤمن بمشيئة اللَّه ما يفعل إنما يفعل بمشيئة اللَّه؛ كقوله: (رَمَا لتَثَآءُونَ إِلَّا أَن يشًآءَ اللَّهُ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ) أي: بأمر اللَّه، فمعناه إذا آمنت إنما تؤمن بأمره لا تؤمن بغير أمره فالأول أقرب، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) أي: يجعل جزاء الرجس، أي: جزاء الكفر على الذين لا يعقلون، أي: الذين لا ينتفعون بعقولهم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) تأويله - واللَّه أعلم - أي: انظروا إلى آثار نعمه وإحسانه التي في السماوات والأرض لكي تشكروه أو يقول: انظروا إلى آثار ربوبيته وألوهيته في السماوات والأرض، فتوحدوه وتؤمنوا به أو يقول: انظروا إلى آثار سلطانه وقدرته فتخافوا نقمته وعقابه، أو انظروا إلى أجناس الخلق واتساقه على تقدير واحد ليدلكم على وحدانيته ونحو ذلك، ليس شيء في السماوات والأرض يقع عليه البصر إلا وفيه دلالة الربوبية حتى طرفة العين ولحظهَ البصر. وقوله: (وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) يحتمل وجوهًا: يحتمل وما تغني الآيات والنذر عن قوم، همتهم المكابرة والمعاندة، إنما تغني الآيات من همته القبول والانقياد، وأما من همته المكابرة والعناد فلا تغني؛ وهو كقوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى...) الآية. ويحتمل وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون في الدنيا، إنما تنفع وتغني لقوم يؤمنون، فأما من لا يؤمن فلا تغني. والثالث: (وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ) يحتمل الرسل، ويحتمل المواعيد التي أوعدوا والأحوال التي تغيرت على أوائلهم، واللَّه أعلم.

يونس 10:102

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) أي: فهل ينتظرون بي يومًا من الهلاك إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟! أي: إلا مثل ما انتظر الذين خلوا من قبلهم برسلهم من الهلاك، فهو يخرج على التوبيخ لانتظارهم هلاك الرسل وذهاب أمرهم. ويحتمل وجهًا آخر: فهل ينتظرون من نزول العذاب بهم إلا مثل ما انتظر أُولَئِكَ من نزول العذاب بهم؟! إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل. ويحتمل قوله: فهل ينتظرون من تأخيرهم الإيمان إلى وقت نزول العذاب بهم إلا مثل ما أخر الذين خلوا من قبلهم الإيمان إلى وقت نزول العذاب بهم، فهذا يخرج على الإياس من إيمانهم، أي لا يؤمنون إلى ذلك الوقت الذي لا ينفعهم إيمانهم. والوجه الأول على التوبيخ والتعيير. وقوله: (قُلْ فَانْتَظِرُوا) وبي ذلك (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قوله: (نُنَجِّي) أي: أنجينا الرسل والذين آمنوا؛ لأنه لم يكن بعده رسول، وتأويله - واللَّه أعلم - أنه وعده أن ينجي الرسل والذين آمنوا كذلك حقا علينا أن ينجز ما وعدنا أن ينجي الرسل والذين آمنوا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي). قوله: (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي): الذي أدين به، أو إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه. (فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: إذا شككتم في ديني الذي أدعوكم إليه كنتم

يونس 10:103

وقوله تعالى :( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ) قوله :( ننجي ) أي أنجينا الرسل ( والذين آمنوا ) لأنه لم يكن بعده رسول، وتأويله، والله أعلم [ أنه وعد[ في وم : وعده ] أن ينجي الرسل والذين آمنوا ( حقا علينا ) أن ننجز ما وعدنا أن ننجي الرسل، والله أعلم ][ من م، ساقطة من الأصل ].

يونس 10:104

وقوله تعالى :( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ) [ قوله ( إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ) الذي أدين به، أو ( إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ) ][ من م، ساقطة من الأصل ] الذي أدعوكم إليه ( فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) إذا شككتم في ديني الذي أدعوكم إليه كنتم شاكين في دينكم الذي أنتم عليه. [ فتركتم ديني الذي أنا عليه بالشك ودعاؤهم إلى دينهم ][ من م : فتركتم ديني الذي أنتم عليه، ساقطة من الأصل ] بالشك [ يظهر[ في الأصل : يذكر ] سفههم بتركهم إجابته بالشك ][ ساقطة من م ] ودعائهم إياه بالشك [ لأن الشك ][ ساقطة من الأصل وم ] يوجب الوقف في الأشياء، ولا يوجب الدعاء إليه وبطلان غيره[ أدرج بعدها في الأصل وم : لا شك ]. هذا، والله أعلم، محتمل، وهو يخرج على وجهين أيضا : أحدهما على الإضمار، والآخر على المنابذة. والإضمار ما ذكرنا ( إن كنتم في شك من ديني ) الذي أدين به [ وأدعوكم إليه، فأنا لا أشك فيه. هذا وجه الإضمار. ووجه المنابذة يقول :( إن كنتم في شك ) مما أعبد، وأدين به ][ ساقطة من م ] فلا تعبدون ذلك، ولا تدينون به، فأنا لا أعبد ما تعبدون، ولا أدين بما تدينون، وهو كقوله :( لكم دينكم ولي دين )[الكافرون: ٦]. وقوله تعالى :( وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) والتوفي هو النهاية والغاية في الإضرار، وما تعبدون من الأصنام دونه لا يملكون [ المنفعة ][ ساقطة من الأصل وم ] ولا الإضرار لكم إن لم عبدوها، يظهر[ في الأصل وم : يذكر ] سفههم، ويلزمهم الحجة ؛ [ وهي أن ][ في م : أن، ساقطة من الأصل ] الذي يتوفاكم هو المستحق للعبادة، لا الأصنام التي تعبدونها. وقوله تعالى :( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) يشبه أن يكون قوله :( من المؤمنين ) من المرسلين كقوله :( وإن إلياس لمن المرسلين )[الصافات: ١٢٣] وقوله[ الواو ساقطة من الأصل وم ] ( إنه من عبادنا المؤمنين )[ الصافات : ٨١و. . ] فعلى ذلك هذا. ويحتمل الإيمان نفسه على ما نهى أن يكون من المشركين والشاكين. فعلى ذلك أمر أن يكون من المؤمنين المخلصين له المسلمين أنفسهم، والله أعلم.

يونس 10:105

شاكين في دينكم الذي أنتم عليه، فتركتم ديني الذي أنا عليه بالشك، ثم تدعونني إلى دينكم الذي أنتم عليه بالشك، يذكر سفههم بتركهم إجابتهم بالشك ودعائهم إياه بالشك إلى دينهم لأن الشك، يوجب الوقف في الأشياء، ولا يوجب الدعاء إليه إنما يوجب الدعاء إليه بطلان غيره لا الشك، هذا - واللَّه أعلم - محتمل وهو يخرج على وجهين أيضًا: أحدهما: على الإضمار، والآخر على المنابذة، والإضيار ما ذكرنا: إن كنتم في شك من ديني الذي أدين به وأدعوكم إليه فإني لا أشك فيه، هذا وجه الإضمار، ووجه المنابذة: يقول إن كنتم في شك مما أعبد وأدين به، فلا تعبدون ذلك ولا تدينون به، فأنا لا أعبد ما تعبدون ولا أدين ما تدينون؛ وهو كقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ): والتوفي هو النهاية والغاية، في الإضرار، وما تعبدون من الأصنام دونه لا يملكون توفيكم ولا الإضرار بكم إن لم تعبدوها، يذكر سفههم ويلزمهم الحجة أن الذي يتوفاهم هو المستحق للعبادة لا الأصنام التي تعبدونها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ): يشبه أن يكون قوله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) من المرسلين؛ كقوله: (إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)، وقال: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)، فعلى ذلك هذا. ويحتمل الإيمان نفسه على ما نهي أن يكون من المشركين أو الشاكين؛ فعلى ذلك أمر أن يكون من المؤمنين المخلصين له المسلمين أنفسهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) أي: أمرت أن أقيم نفسي لله خالصة سالمة لا أشرك فيها غيره ولا أجعل لسواه فيها نصيبًا، أو أن يقول: إني أمرت أن أقيم نفسي على ما عليها شهادة خلقتها؛ إذ خلقة كل نفس تشهد على وحدانية الله وألوهيته، أو يقول: أقم وجه أمرك لما تدين به وتقيم عليه. (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ): هذا ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ... (١٠٦) إن أطعته وأجبته، (وَلَا يَضُرُّكَ): إن تركت إجابته وطاعته.

يونس 10:106

وقوله تعالى :( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ ) إن أطعته، ولا يضرك إن تركت إجابته وطاعته. وقوله :( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يحتمل لا تعبد من دون الله ما لا يملك جر المنفعة ويحتمل الدعاء نفسه ؛ أي لا تسم من دون الله إلها. وقوله تعالى :( فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ ) ذكر ههنا الظلم إن فعل ما ذكر، والمراد منه الشرك. وذكر في قصة آدم وحواء ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين )[ البقرة : ٣٥و. . ]. وقد قربا ولم يكونا مشركين إنما كانا عاصيين[ في الأصل وم : عصاة ] ليعلم أن ليس في الموافقة في الأسماء موافقة في الحقائق والمعاني إنما تكون الموافقة في الحقائق في موافقة /٢٣٥-ب/ الأسباب. لذلك كان ما ذكر[ في الأصل وم : ذكروا ] والله أعلم.

يونس 10:107

وقوله: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يحتمل لا تعبد من دون اللَّه ما لا يملك جر المنفعة. ويحتمل الدعاء نفسه، أي: لا تدعوا من دون اللَّه إلهًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ): ذكر هاهنا الظلم إن فعل ما ذكر والمراد منه الشرك، وذكر في قصة آدم وحواء: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، وقد قرباها ولم يكونا مشركين إنما كانا عصاة؛ ليعلم أن ليس في الموافقة في الأسماء موافقة في الحقائق والمعاني إنما يكون الموافقة في الحقائق في موافقة الأسباب؛ لذلك كان ما ذكروا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧): فيه الرجاء والطمع إلى من دونه؛ إذ أخبر أنه لا يوجد ذلك من عند غيره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ): أخبر أنه إن أراد خيرًا وفضلا فلا راد لذلك الفضل، والخير، والإيمان من أعظم الخيرات وأفضلها، فإذا أراده لإنسان، كان لا يملك أحد دفع ما أراد ولا رده؛ دل أنه إذا أراد الإيمان لأحد كان مؤمنا، فهو ينقض على المعتزلة حيث قالوا: إنه أراد الإيمان للخلق كلهم. لكنهم لم يؤمنوا؛ إذ أخبر أنه إذا اراد به خيرًا فلا راد لذلك الفضل، وهم يقولون: بل يملك العبد رد ما أراد له ودفعه، وباللَّه العصمة. وفيه أن ليس على اللَّه فعل لهم - أعني فعل الخير - لأنه سماه فضلا، والفضل هو فعل ما ليسر عليه، وهو المفهوم في الناس أن ما عليهم من الفعل لا يسمونه فضلا إنما يسمون الفضل ما ليس عليه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ): يصيب به من يشاء من الفضل والخير أو من الشر، وفيه دلالة تخصيص بعض على بعض حيث قال: (يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ). (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ): لا يعجل بالعفوبة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) قيل: الحق مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقيل: الحق: القرآن الذي أنزل عليه، وأمكن أن يكون الحق هو الدِّين الذي كان

يونس 10:108

وقوله تعالى :( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ) قيل : الحق محمد ﷺ وقيل : الحق والقرآن الذي أنزل عليه. وأمكن أن يكون الحق هو الذي كان[ في الأصل وم : كانوا ] يدعوهم رسول الله إليه لأنه قال :( يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني )[ الآية : ١٠٤ ] فيشبه أن يكون الحق هو الدين [ حين ][ ساقطة من الأصل وم ] شكوا فيه ؛ أي قد جاءهم ما يزيل عنكم ذلك الشك، إن لم تكابروا، لما أقام عليهم الحجج والبراهين. ويحتمل الحق محمدا ﷺ على ما ذكر بعض أهل التأويل : كان رسول الله ﷺ [ من أول نشوئه إلى آخر عمره ][ في الأصل وم : في أول نشوئه إلى آخره ] ويحتمل الحق [ القرآن ][ ساقطة من الأصل وم ] على ما ذكره بعضهم، وهو ما ذكر :( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )[فصلت: ٤٢] سماه بأسماء مختلفة ؛ سماه حقا، وسماه نورا وشفاء ورحمة وهدى ونحوه. وفيه كل ما ذكر ؛ من تأمله، وتفكر فيه، تمسك[ في الأصل وم : وتمسك ] به. وقوله تعالى :( فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) أي من اهتدى فإنما منفعة اهتدائه له في الدنيا والآخرة، ومن ضل فإنما يرجع ضرر ضلالته إليه ضلالة عليه ؛ أي يأمر، وينهى، لا[ من م، في الأصل : ليس يأمر وينهى ] لمنفعة تحصل له أو لحاجة نفسه، إنما يأمر، وينهى لمنفعة الخلق ولحاجتهم. وقوله تعالى :( وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) أي بمسلط. قال بعض أهل التأويل : هو منسوخ ؛ نسخته آية القتال. لكنه لا يحتمل، وإن كان مأمورا بالقتال فهو ليس بوكيل ولا مسلط على حفظ أعمالهم. إنما عليه التبليغ كقوله :( فإنما عليك البلاغ )[آل عمران: ٢٠] وكقوله ( فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم )[النور: ٥٤] وكقوله :( ما عليك من حسابهم من شيء )الآية :[الأنعام: ٥٢].

يونس 10:109

يدعوهم رسول اللَّه إليه؛ لأنه قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي)، فيشبه أن يكون الحق هو الدِّين الذي شكوا فيه، أي: قد جاءكم ما يزيل عنكم ذلك الشك إن لم تكابروا لما أقام عليهم الحجج والبراهين. ويحتمل الحق محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على ما ذكره بعض أهل التأويل وكان رسول اللَّه في أول نشوئه إلى آخره آية. ويحتمل الحق القرآن على ما ذكره بعضهم وهو ما ذكر. (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) سماه بأسماء مختلفة سماه حقًّا وسماه نورا وشفاء ورحمة وهدى ونحوه، وفيه كل ما ذكر من تأمله وتفكر فيه وتمسك به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) أي: من اهتدى فإنما منفعة اهتدائه له في الدنيا والآخرة، ومن ضل فإنما يرجع ضرر ضلالته إليه وخيانته عليه، أي: ما يأمر وينهى ليس يأمر وينهى لمنفعة تحصل له أو لحاجة نفسه إنما يأمر وينهى لمنفعة الخلق ولحاجتهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) أي: بمسلط. قال بعض أهل التأويل: هو منسوخ، نسخته آية القتال، لكنه لا يحتمل لأنه وإن كان مأمورا بالقتال فهو ليس بوكيل ولا بمسلط على حفظ أعمالهم، إنما عليه التبليغ؛ كقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) وكقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)؛ وكقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩) يحتمل القرآن وغيره من الوحي غير القرآن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ) أي: اصبر على أذاهم لأنهم كانوا يؤذونه ويقولون فيه بما لا يليق به، يقول: اصبر على أذاهم ولا تعجل عليهم بالعقوبة حتى يحكم اللَّه عليهم بالعقوبة وقت عقوبته وهو خير الحاكمين، أو اصبر على تكذيبهم إياك حتى يحكم اللَّه بينك وبين مكذبيك وهو خير الحاكمين، أو اصبر على تبيلغ الرسالة والقيام لما أمرت به، واللَّه أعلم. * * *

هود 11:1

سُورَةُ هُودٍ - عليه السلام - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ): قال الحسن: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) بالأمر والنهي، (ثُمَّ فُصِّلَتْ) بالوعد والوعيد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) بالوعد والوعيد، (ثُمَّ فُصِّلَتْ) بالأمر والنهي. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) حتى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يملك أحد التبديل، (ثُمَّ فُصِّلَتْ) بينت ما يؤتى وما يتقى، أو بينت ما لهم وما عليهم وما لله عليهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) فلم تنسخ، (ثُمَّ فُصِّلَتْ) بالحلال والحرام. وقيل: (فُصِّلَتْ) أي: فرقت في الإنزال أنزل شيء بعد شيء على قدر النوازل والأسباب فلم ينزل جملة؛ لأنه لو أنزل جملة لاحتاجوا إلى أن يعرفوا الكل بسببه وشأنه وخصوصه وعمومه، فإذا أنزل متفرقًا في أوقات مختلفة على النوازل والأسباب عرفوا ذلك على غير إعلام ولا بيان، والتفصيل هو اسم التفريق واسم التبيين، وذلك يحتمل المعنيين جميعًا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ): أي: أحكمت حتى لا يرد عليها النقض

هود 11:2

والانتقاض، أو أحكمت حتى لا يملك أحد التبديل والتغيير، أو أحكمت عن أن يقع فيها الاختلاف. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أحكمت آياته بالفرائض، وفصّلت بالثواب والعقاب. ثم (الآيات) تحتمل وجوهًا: أحدها: العبر. والثاني: الحجج. والثالث: العلامة. ثم الآية كل كلمة في القرآن تمت فهي عبرة أو حجة، أو علامة لا تخلو عن أحد هذه الوجوه الثلاثة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ): من عند حكيم عليم جاءت هذه الآيات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) أي: من اللَّه ينذر من ينذر ومن عنده يبشر من يبشر؛ يبشر من اتبع وينذر من خالف. وقوله: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) في شهادة خلقتكم هو المستحق للعبادة ويحتمل (أَلَّا تَعْبُدُوا) ألا توحدوا إلا الذي في شهادة خلقتكم وحدانيته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إن كانت الآية في الكفار فيكون قوله: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) أي: أسلموا ثم توبوا إليه، أي: ارجعوا إليه عن كل معصية وكل مأثم تأتونها، وإن كان في المسلمين فهو ظاهر، فيكون قوله: استغفروا وتوبوا واحدا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا) أي: يمتعكم في الدنيا متاعًا تستحسنون في الآخرة ذلك التمتع، وأمّا الكفار فإنهم لا يستحسنون في الآخرة ما متعوا في الدنيا؛ لأن تمتعهم في الدنيا للدنيا، والمؤمن ما يتمتع في الدنيا يتمتع لأمر الآخرة والتزود لها،

هود 11:3

وقوله تعالى :( وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) إن كان الآية في الكفار فيكون قوله :( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) أي أسلموا ( ثم توبوا إليه ) أي ارجعوا إليه عن كل معصية وكل مأثم تأثمونه[ في الأصل وم : تأتونها ]. وإن كان في المسلمين فهو ظاهر ويكون قوله :( استغفروا ) وقوله[ في الأصل وم : و ] توبوا واحدا. وقوله تعالى :( يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً ) أي يمتعكم في الدنيا متاعا تستحسنون في الآخرة ذلك التمتع. وأما الكفار فإنهم لا يستحسنون في الآخرة ما متعوا في الدنيا لأن تمتعهم في الدنيا [ للدنيا، والمؤمن ما يتمتع به في الدنيا إنما يتمتع به ][ ساقطة من الأصل وم ] لأمر الآخرة والتزود لها، والله أعلم. وقوله تعالى :( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) يحتمل قوله :( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل ) في الدنيا جزاء فضله في الآخرة. ويحتمل ( ويؤتي ) بمعنى أتى، أي ما أتى كل ذي فضل في الدنيا إنما أتاه بفضله. ويحتمل[ في الأصل وم : و ] قوله :( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ ) أي ( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ ) في دينه في الدنيا ( فضله ) في الآخرة، أو يقول :( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ ) في الدنيا والآخرة ( فضله ) لأن أهل الفضل في الدنيا هم أهل الفضل في الآخرة. [ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( وإن تولوا ) ولم يسلموا ( فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) الآية ظاهرة. وقال في مواضع[ في الأصل وم : موضع ] أخر :( عظيم )[ الأعراف : ٥٩ والشعراء : ١٣٥ والأحقاف : ٢١ ] هذا لما يكبر على الخلق، ويعظم ذلك اليوم. قال بعض أهل الفقه في قوله :( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ) دلالة تأخير البيان لأنه قال :( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ) وحرف ثم /٢٣٦-أ/ من حروف الترتيب، فيه[ في الأصل وم : ففيه ] جواز تأخير البيان، والله أعلم.

هود 11:4

واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ): يحتمل قوله: (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ) في الدنيا جزاء فضله في الآخرة. ويحتمل (وَيُؤْتِ) بمعنى أتى، أي: ما أتى كل ذي فضل في الدنيا إنما أتاه بفضله. وقوله: (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) أي: ويؤت كل ذي فضل في دينه في الدنيا فضله في الآخرة، أو يقول: يؤت كل ذي فضل في الدنيا والآخرة فضله؛ لأن أهل الفضل في الدنيا هم أهل الفضل في الآخرة. (وَإِنْ تَوَلَّوْا): ولم يسلموا، (فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) الآية ظاهرة. وقَالَ بَعْضُهُمْ في موضع آخر، وهذا لما يكبر على الخلق ويعظم ذلك اليوم. وقال بعض أهل الفقه: في قوله: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) دلالة تأخير البيان؛ لأنه قال: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ)، وحرف ثم من حروف الترتيب، ففيه جواز تأخير البيان، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أي: إلى ما أعد لكم مرجعكم من وعد ووعيد. (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: وهو على كل ما أوعد ووعد، قدير. * * * قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ): عن عبد اللَّه بن شداد قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي تغشى بثوبه وحنى صدره. وقال قتادة: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب اللَّه وذكره. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت الآية في رجل يقال له: الأخنس بن شريق الثقفي، كان يجالس النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويظهر له أمرا حسنا، وكان حسن المنظر حسن الحديث، وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعجبه حديثه ويقر به مجلسه، وكان يضمر خلاف ما يظهر، فأنزل اللَّه: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) يقول: يكتمون ما في صدورهم ويستترون؛ وهو قول ابن عَبَّاسٍ. وأصل تثنية الصدور هو أن يضم أحد طرفي الصدر إلى الطرف الآخر ليكون ما أضمروا أستر وأخفى. ويشبه ما ذكر من ثني الصدور أن يكون كناية عن ضيق الصدور؛ كقوله: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا)، أو عبارة عن الكبر؛ كقوله: (ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...) الآية، وكان أصله الميل إلى غيره، وهو ما قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) أي: يميلون إلى غيره؛ وكذلك قوله: (ثَانِيَ عِطْفِهِ). وقوله: (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: من اللَّه، وقَالَ بَعْضُهُمْ: منه أي من رسول اللَّه، لكن إن كانت الآية في المنافقين على ما ذكره بعض أهل التأويل، فهو الاستسرار والاستتار من رسول اللَّه؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة ويضمرون الخلاف له والعداوة، وإن كانت الآية في المشركين فهو على الاستسرار والاستتار من اللَّه؛ لأنهم لا يبالون الخلاف لرسول اللَّه وإظهار العداوة له، وعندهم أن اللَّه لا يطلع على ما يسرون ويضمرون في قلوبهم، فأخبر أنه يعلم ما أسروا وما أعلنوا، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنهم كانوا يسرون ذلك عنه ويضمرونه، فأخبرهم بذلك ليعلم إنما علم ذلك بالله تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ) أي: يستترون بها. قال الحسن: (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ) في ظلمة الليل وفي أجواف بيوتهم يعلم تلك الساعة ما يسرون

هود 11:5

وقوله تعالى :( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ) عند عبد الله بن شداد [ أنه قال ][ ساقطة من الأصل وم ] : كان أحدهم إذا مر بالنبي تغشى بثوبه، وحنى صدره، وقال قتادة : كانوا يحنون صدورهم لكي لا يسمعوا كتاب الله وذكره. قال بعضهم : نزلت الآية في رجل يقال له : الأخنس بن شريق الثقفي ؛ كان يجالس النبي ويظهر له أمرا حسنا، وكان حسن المنظر حسن الحديث، وكان النبي، ﷺ، يعجبه حديثه، [ ويقربه في ][ في الأصل وم : ويقرأ به ] مجلسه، وكان يضمر خلاف ما يظهر فأنزل الله :( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ) يقول : يكتمون ما في صدورهم ويسترون، وهو قول ابن عباس. وأصل ثنية الصدر هو أن يضم أحد طرفي الصدر إلى الآخر ليكون ما أضمر أسر وأخفى. ويشبه ما ذكر من ثني الصدور أن يكون كناية عن ضيق الصدور كقوله :( ومن يرد الله أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا )[الأنعام: ١٢٥] أو كناية[ في الأصل وم : عبارة ] عن الكبر كقوله :( ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله )الآية[الحج: ٩]. وكأن أصله الميل إلى غيره، وهو ما قال أبو عوسجة :( يثنون صدروهم ) أي يميلون إلى غيره، وكذلك قوله ( ثاني عطفه ). وقوله تعالى :( ليستخفوا منه ) قال بعضهم : من الله وقال بعضهم :( منه ) أي من رسول الله. لكن إن كانت الآية في المنافقين على ما ذكره بعض أهل التأويل فهو الاستسرار والاستتار من رسول الله لأنهم كانوا يظهرون الموافقة ويضمرون له العداوة، وإن كانت الآية في المشركين فهو الاستسرار والاستتار من الله لأنهم لا يبالون الخلاف لرسول الله وإظهار العداوة، وعندهم أن الله لا يطلع [ على ][ ساقطة من الأصل وم ] ما يسرون، ويضمرون في قلوبهم، فأخبر أنه يعلم ما أسروا، وما أعلنوا. وفيه[ في الأصل وم ] دلالة إثبات رسالة محمد ﷺ لأنهم كانوا يسرون كذلك ويضمرون، فأخبرهم بذلك بالله تعالى. وقوله تعالى :( أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ) أي يستترون بها. قال الحسن ( حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ) في ظلمة الليل في أجواف بيوتهم يعلم في تلك الساعة ما يسرون وما يعلنون. وأصله أنهم يعلمون أن الله هو الذي أنشأ هذه الصدور والقلوب، والثياب هم الذين نسجوها واكتسبوها، ثم لا يملكون الاستتار بما كسبوا هم، فلأن يملكوا[ في الأصل وم : يملكون ] الاستتار بما تولى هو إنشاءه أحق. وقوله تعالى :( أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ) :( ألا ) إنما هو تأكيد الكلام وهو قول أبي عبيدة وغيره. وقوله تعالى :( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) قال أهل التأويل عليم [ بما في ][ في الأصل وم : بذات ] الصدور لكنه يشبه أن [ يكون ][ ساقطة من الأصل وم ] قوله :( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) كناية[ في الأصل وم : عبارة ] عن صدور لها تدبير وتمييز، [ وهي صدور ][ في الأصل وم : وهو ] البشر.

هود 11:6

وما يعلنون، وأصله أنهم يعلمون أن اللَّه هو الذي أنشأ هذه الصدور والقلوب، والثياب هم الذين نسجوها واكتسبوها، ثم لا يملكون الاستتار بما كسبوا هم [فلئلا] يملكوا الاستتار، بما تولى هو إنشاءه أحق. وقوله: (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ) ألا إنما هو تأكيد الكلام، وهو قول أبي عبيدة وغيره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): قال أهل التأويل عليم بما في الصدور ولكن يشبه أن قوله: (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) عبارة عن صدور لها تدبير وتمييز وهو البشر. * * * قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا): قَالَ بَعْضُهُمْ: عنى بالدابة الممتحن به وهو البشر، وأما غيره من الدواب فقد سخرها للمتحن به. وقال قائلون: أراد كل دابة تدب على وجه الأرض من الممتحن به وغيره وتمامه: ما من دابة في الأرض، جعل قوامها وحياتها بالرزق إلا على اللَّه إنشاء ذلك الرزق لها، ثم من الرزق ما جعله بسبب، ومنه ما جعله بغير سبب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا): اختلف فيه أيضًا: قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (عَلَى اللَّهِ رِزقُهَا)، أي: على اللَّه إنشاء رزقها وخلقه لها الذي به قوامها وحياتها؛ وهو كقوله: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) أي: ينشئ ويخلق رزقنا بسبب من السماء من المطر وغيره؛ فعلى ذلك قوله: (عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) أي: على الله إنشاء رزقها وخلقه لها. وقيل: (عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) أي: على اللَّه أن يبلغ إليها رزقها وما قدر لها وما به معاشها كقوله: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا...) الآية. عليه تبليغ رزقها وما به معاشها. ثم قوله: (عَلَى اللَّهِ رِزقُهَا): قَالَ بَعْضُهُمْ: ما جاءها من الرزق إنما جاءها من اللَّه لم يأتها من غيره وعلى اللَّه بمعنى من اللَّه وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: (إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) أي: من الناس؛ وهو قول مجاهد. ويحتمل قوله: (عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) أي: على اللَّه وفاء ما وعد، وقد كان وعد أن يرزقها، فعليه وفاء وعده وإنجازه. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أنه علم لما خلقها علم أنه يبقيها إلى وقت عليه تبليغ ما به تعيش إلى ذلك الوقت والأجل الذي خلقها ليبقيها إلى ذلك؛ وبعضه قريب من بعض. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا): اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: مستقرها بالليل، ومستودعها بالنهار في معاشها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المستقر: الصلب، والمستودع: الرحم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المستقر: المتقلب في الدنيا، والمستودع: مثواها في الآخرة؛ كقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) في الدنيا وتحرككم في معاشكم (وَمَثْوَاكُمْ) أي: قراركم ومقامكم في الآخرة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: مستقرها في الدنيا، ومستودعها في القبر. ويشبه أن يكون هذا إخبارًا عن العلم بها في كل حال في حال سكونها وفي حال حركتها؛ لأنها لا تخلو إما أن تكون ساكنة أو متحركة، أي: يعلم عنها كل حالها ويشبه أن يكون صلة ما تقدم وهو قوله: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ...) الآية. يخبر أنه إذا لم يخف عليه كون كل دابة في بطن الأرض، وما تغيض به الأرحام وما استودع في الأصلاب، كيف يخفى عليه أعمالهم التي عليها العقاب ولكم بها الثواب وفيها الأمر والنهي؟! واللَّه أعلم.

هود 11:7

و (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) أي: مبين في كتابه. قيل: في اللوح المحفوظ، ويحتمل القرآن وغيره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وقال في موضع آخر: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، وقال في موضع آخر: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ)، وقال: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ)، وقال: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ). يجوز أن يكون جعل للأرض يومين: يومًا لوجودها ويومًا لعدمها، وكذلك السماء جعل يومًا لوجودها ويومًا لعدمها؛ كقوله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ...) الآية. وكقوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ)، (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ). وكذلك ما بينهما جعل يومًا لوجوده ويومًا لعدمه، فيكون يوم السابع يوم البعث يكون لكل من ذلك يومان: يوم لوجوده، ويوم لعدمه، وقد ذكرنا شيئًا في ذلك مما احتمل وسعنا في سورة الأعراف. وفي هذه الآية دلالة أن السماوات والأرض دخلتا تحت الأوقات بقوله: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، إذ الأيام عند الناس إنما هي مضي الأوقات، فإذا دخلتا تحت الأوقات ليستا بأزليتين - على ما يقول بعض الملحدة إنهما أزليتانِ - كانا كذلك، واللَّه أعلم، وجائز أن يكون اليوم السابع هو اليوم الذي أنشأ الممتحن فيه، فهو المقصود في خلق ما ذكر من الأشياء، أعني من البشر، وقوله: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) إن كان العرش اسم الملك والسلطان على ما قال بعض أهل التأويل، فتأويله - واللَّه أعلم - كان أظهر ملكه عن الماء " على " بمعنى " عن "

هود 11:8

وذلك جائز في اللغة؛ لأن بالماء ظهور كل شيء وبدأه؛ كقوله: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وإن كان العرش اسم السرير والكرسي على ما قاله بعض الناس، فهو عرش الملك وسريره خلقه ليكرم به أولياءه؛ ليمتحن ملائكته بحمله والخدمة له على ما يكون لملوك الأرض سرير يستخدمون خدمهم في ذلك، وهو خلق من خلائقه أضافه إليه كما تضاف الأشياء إلى اللَّه، لكنه يضاف الأشياء إليه مرة بالإجمال مرة جملة ومرة بالإشارة والإفراد، لكن ما أضاف إليه بالإشارة فهو على تعظيم ذلك الشيء، وما أضيف إليه من الأشياء بالإجمال والإرسال فهو على ذكر عظمته وكبريائه، كقوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، ونحوه فيه ذكر سلطانه وعظمته، وقوله: بيت اللَّه (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) ونحوه، وهو يخرج على ذكر تعظيم البيت والمساجد، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أي: خلق السماوات والأرض وما فيهما للممتحن لم يخلق هذه الأشياء لأنفسها إنما خلقها للممتحن فيهما؛ كقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)؛ لأن خلقها لأنفسها عبث؛ لأنها مخلوقة للفناء خاصة، فكل مخلوق للفناء خاصة فهو عبث؛ لذلك كان ما ذكر والله أعلم. وقوله تعالى: (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ). وقوله: (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ): هذا القول نفسه: (إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ) ليس يقولون هذا سحر، ولكن إذا أخبرهم أنهم مبعوثون من بعد الموت، وأقام الحجج والبراهين على البعث فحينئذ قالوا لحجج البعث وبراهينه: ما هذا إلاسحر. ويحتمل وجها: وهو أن يذكر سفههم أنهم اعتادوا نسبة كل شيء إلى السحر، حتى الأشياء التي لا تحتمل السحر وهو الإخبار؛ لأن السحر إنما يكون في تقليب الأشياء، وأما فيما يخبر عن شيء يكون فلا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨) قيل: إلى وقت

هود 11:9

معلوم وهو البعث، ذكر (أُمَّةٍ) - واللَّه أعلم - لأنه وقت أبه ينقضي، آجال الأمم جميعًا. قوله تعالى: (لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ) أي: كانوا يقولون: ما يحبس عنا العذاب الذي يعدنا لم تزل عادتهم استعجال العذاب استهزاء بهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ): ذلك العذاب؛ إذا جاء لا يملك أحد صرفه عنهم؛ كقوله: (مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)، وقوله: (وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ)، ونحوه. وقوله: (وَحَاقَ بِهِم): قيل: نزل بهم، وقيل: لحق بهم ما كانوا به يستهزئون جزاء استهزائهم بالرسول والكتاب. وقوله: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) أي: لا يصرف عنهم بشفاعة من طمعوا بشفاعته؛ كقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا). أي: لا يكون ردا على ما طمعوا ورجوا لعبادتهم. وقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)، ونحو ذلك؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم. * * * قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً) قيل: سعة في المال ونعمة. (ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ) إياسه ذهاب ذلك المال عنه ونزعه منه عن العود ذلك إليه ويقنطه، والإياس قد يكون كفرا؛ كقوله: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ

هود 11:10

الْكَافِرُونَ). ويحتمل قوله: (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) في حال ذهاب النعمة، والكَفُور في حال النعمة والسعة، كفور لما رأى نزع ذلك المال والسعة منه جورا وظلمًا فهو كفور. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ) يعني الكافر، (مِنَّا رَحْمَةً) يقول: نعمة العافية وسعة في المال وما يسر به، (ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ) يعني الرحمة (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ) ويعني قنوط آيس وأقنطه من رحمة اللَّه؛ وهو كقوله: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ). (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) الفرح هو الرضا؛ كقوله: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: رضوا بها. وقيل الفرح: البطر يبطر في حال السعة والرخاء؛ كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) والفرح فد يبلغ كفرا، ويكون الفرح سرورا ولا يكون كفرا. فخور: يفتخر على الفقراء بالمال الذي أعطي، أو يفتخر على الأنبياء والرسل بالتكذيب، وكذلك كان عادة رؤسائهم أنهم كانوا ذوي مال وسعة، فلا بد يرون الرسالة تكون فيمن دونهم في المال والسعة؛ كقولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)؛ وكقولهم: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا)، ونحوه. ويحتمل قوله: (لَيَئُوسٌ) في حال الشدة، كفور لله في نعمه في الرخاء وأصل ذلك، أنهم كانوا لا ينظرون في النعم إلى من أنعم عليهم، إنما ينظرون إلى أعين النعم وأنفسها؛ لذلك حملهم نزع ما أعطوا منهم على الإياس والقنوط، وإعطاؤها إياهم على الكفران والفرح والفخر، ولو نظروا في تلك النعم إلى المنعم لم يقع لهم إياس عند النزع، ولا الكفران والفرح عند النيل، بل يصبرون عند النزع من أيديهم ويشكرون للمنعم عليهم في حال النيل. ثم استثنى فقال: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (١١) قال بعض أهل التأويل: إلا الذين صبروا على البلايا والشدائد وعملوا الصالحات يعني: الطاعات ويشبه أن يكون

هود 11:11

ثم استثنى، فقال :( إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) قال بعض أهل التأويل :( إلا الذين صبروا ) أي آمنوا على ما ذكر في غير واحدة[ في الأصل وم : واحد ] من الآيات [ كقوله ][ ساقطة من الأصل وم ] :( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات )[الشعراء: ٢٢٧] وكقوله[ الواو ساقطة من الأصل وم ] :( إن الإنسان لفي خسر ) ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات )[ العصر : ٢و٣ ] يكون قوله :( إلا الذين صبروا ) عن المعاصي، فلم يرتكبوها ( وعملوا الصالحات ) أي الطاعات، والإيمان نفسه هو اعتقاد الانتهاء عن المعاصي كلها واتقاء[ في الأصل وم : والاتقاء عن ] جميع ما يدخل نقصا [ في الطاعات ][ في الأصل وم : فيها ] وإتيان الطاعات جميعا. وهكذا يعتقد كل مؤمن أن يتقي، وينتقي [ عن ][ ساقطة من الأصل وم ] كل معصية، ويأتي بكل طاعة، ويعمل بها. هذا اعتقاد كل مؤمن، وحقيقة وفاء[ في الأصل وم : الوفاء ] ذلك كله. وقوله تعالى :( أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) يشبه أن يكون قوله :( لهم مغفرة ) لما ارتكبوا من الصغار من الذنوب، وانتهوا عن الكبائر منها ( وأجر كبير ) على ما أتوا، وعملوا من الكبائر من الطاعات. ويحتمل قوله :( لهم مغفرة ) الستر في الدنيا ؛ ستر عليهم تلك الذنوب في الدنيا، فلم يطلع عليها الخلق، ( وأجر كبير ) بما أظهر منهم ما كان من الطاعات والخيرات حتى نظر الناس إليهم بعين التعظيم[ في الأصل وم : عظيم ] بما ظهر منهم من الخيرات، [ وأخفى عليهم ما ][ في الأصل وم : وخفي عليهم بما ] ارتكبوا من المعاصي. وهذا التأويل يكون في الدنيا، والأول في الآخرة.

هود 11:12

قوله: ، (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) أي: آمنوا على ما ذكر في غير واحد من الآيات: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)؛ كقوله: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ويكون قوله: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) وعن المعاصي فلم يرتكبوها، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: الطاعات والإيمان نفسه هو اعتقاد الانتهاء عن المعاصي كلها، والاتقاء عن جميع ما يدخل نقصًا فيها وإتيان الطاعات جميعًا، وهكذا يعتقد كل مؤمن أن يتقي وينتهي كل معصية، ويأتي بكل طاعة ويعمل بها، هذا اعتقاد كل مؤمن وحقيقة الوفاء بذلك كله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ): يشبه أن يكون قوله: (لَهُم مغْفِرَة) لما ارتكبوا على الصغائر من الذنوب، وانتهوا عن الكبائر منها، (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) على ما أتوا وعملوا من الكبائر من الطاعات. ويحتمل قوله (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) الستر في الدنيا ستر عليهم تلك الذنوب في الدنيا فلم يطلع عليها الخلق (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) بما أظهر منهم ما كان من الطاعات والخيرات حتى نظر الناس إليهم بعين تعظيم بما ظهر منهم من الخيرات وخفي عليهم ما ارتكبوا من المعاصي. هذا التأويل يكون في الدنيا، والأول في الآخرة. * * * قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) وقوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)، وإن كان معلومًا أنه لا يترك؛ كقوله: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، وأمثاله، نهاه وإن كان معلومًا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا يفعل ذلك، وإنما احتمل النهي كما يقول الرجل لآخر لعلك تريد أن تفعل كذا فهو نهاه عن ذلك. والثاني: يقال عند القرب إلى الفعل والدنو منه؛ كقوله: (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)، يقال: حرف " كاد " عند الميل إليه والقرب منه طمعا منه في إيمانهم، وذلك فيما يحل له الترك، وذلك ما قيل من نحو سب آلهتهم وذكر العيب فيها، ويحل له ترك سب آلهتهم وشتمها. وكذلك يخرج قوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) على هذين الوجهين، على المنع ألا يحمل على نفسه إشفاقًا على أنفسهم ألا يؤمنوا ما يوجب تلفه. والثاني: على التخفيف؛ كقوله: (وَلَا تَحزَن عَليهِم...) الآية، وقوله: (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي)، هو على التخفيف ليس على النهي. وفي قوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ...) الآية وجه آخر: وهو نهي يخرج مخرج البشارة له بما، كان يخاف من ضيق صدره واشتغال قلبه عند سوء معاملتهم إياه، فيقع له فيه تأخير في إبلاغ ما أمر بتبليغه فأمنه اللَّه عن ذلك وعصمه. والوجه الثاني: في النهي عن ذلك هو ما يقع له فيه الرجاء، وذلك أن الأخيار إذا ابتلوا بالأشرار قد يؤذن لهم بمفارقتهم وترك الأمر فيهم، فلعله كان يقع له في مثله الرجاء أنه قد يؤذن له، في حال من الأحوال بتأخير التبليغ، فأيئسه عن ذلك وكلفه بتبليغ ما أمر له في جميع أحواله و (بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) يحتمل ما ذكر أهل التأويل من سب آلهتهم وعيبها وما تدعو إليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ): يضيق صدره بما يقولون له استهزاء، وكذلك الحق أن كل من استهزئ به أن يضيق صدره لما لا يقدر على إتيان ما طلبوا منه من الكنز وإنزال الملك، وقد وعدوا أن يؤمنوا لو فعل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ): لأن للكنز والملك محلا في قلوب أُولَئِكَ وقدرا فقالوا: لولا أنزل عليه كنز فيعظموه فيصدق على ما يدعي، وكذلك الملك له محل عظيم عندهم إذا كان معه عظموه وصدقوه. وقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ) أثر قولهم: لولا أنزل عليه كنز، أو جاء معه ملك أي: إنما أنت نذير ليس عليك إتيان ما سألوا، إنما ذلك تحكم منهم على اللَّه تعالى وأماني، فعليك إبلاغ ما أنزل إليك؛ كقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ). (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أي: حفيظ لكل ما يقولون فيك ويتفوهون به، أو هو الوكيل والحفيظ لا أنت؛ كقوله: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)، وقوله: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)، ونحوه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) أي: قالوا: إنه افتراه، أي: مُحَمَّد افترى هذا القرآن من عند نفسه. (قُلْ): يا مُحَمَّد إن كان افتريته على ما تقولون، (فَأْتُوا): أنتم، (بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ): لأنكم أقدر على الافتراء من مُحَمَّد؛ لأنكم قد عودتم أنفسكم الكذب والافتراء، ومُحَمَّد لم تأخذوه بكذب قط ولا ظهر منه افتراء، فمن عود نفسه الافتراء والكذب أقدر عليه ممن لم يعرف به قط، فأتوا بعشر سور مثله وادعوا أيضًا شهداءكم من الجن والإنس ممن استطعتم من دون اللَّه يعينوكم على إتيان مثله، (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وإنه افتراه من عنده. أو يقول: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) أي أن محمدا قد جاء بسور فيها أنباء ما أسررتم وأخفيتم مما لا سبيل إلى معرفة ذلك والاطلاع عليه إلا من جهة الوحي من السماء وإطلاع اللَّه إياه، فأتوا أنتم بسورة مفتراة فيها أنباء ما أضمر هو وأسر، وتطلعون أنتم على سرائره كما اطلع هو على سرائركم، وادعوا من استطعتم ممن تعبدون من دون اللَّه من الآلهة، إن كنتم صادقين أنه افتراه. أو يقول: إن لسانكم مثل لسان مُحَمَّد، فإن قدر هو على الافتراء افترى مثله من عنده، فتقدرون أنتم على افتراء مثله: فأتوا به، وادعوا أيضًا من لسانه مثل لسانكم حتى يعينوكم على ذلك، إن كنتم صادقين أنه افتراه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)، وقال في موضع آخر: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: بعشر نزل قبل ولم تقدروا على مثله، وقوله: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) دعوا أولا أن يأتوا بعشر سور، فلما عجزوا عن ذلك عند ذلك قيل لهم: (فَأْتُوا

هود 11:13

وقوله تعالى :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) أي قالوا : إنه افتراه، أي محمد افترى هذا القرآن من عند نفسه ( قل ) يا محمد إن [ كنت افتريته ][ في الأصل وم : كان افتراه ] على ما تقولون ( فاتوا ) أنتم ( بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) لأنكم أقدر على الافتراء من محمد لأنكم قد عودتم أنفسكم التكذيب والافتراء، ومحمد لم تأخذوه بكذب قط، ولا أظهر منه افتراء. فمن عود نفسه الافتراء والكذب أقدر عليه ممن لم يعرف [ ذلك ][ ساقطة من الأصل وم ] قط. ( فأتوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ و ادعوا ) أيضا شهداءكم من الجن والإنس ( من استطعتم من دون الله ) يعينوكم[ في الأصل وم : يعينوكم ] على إتيان مثله ( إن كنتم صادقين ) أنه افتراء من عنده. أو يقول :( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) أي إن محمد قد جاء بسور فيها[ في الأصل وم : فيه ] أنباء ما أسررتم، وأخفيتم ما لا سبيل إلى معرفة ذلك والاطلاع عليه إلا من جهة الوحي من السماء وإطلاع الله إياه ( فأتوا ) أنتم ( بعشر سور مثله مفتريات ) فيها أنباء ما أضمر هو، وأسر واطلعتم[ في الأصل وم : وتطلعون ] أنتم على سرائره [ كما ][ ساقطة من الأصل وم ] اطلع هو على سرائركم ( وادعوا من استطعتم ) من تعبدون ( من دون الله ) من آلهة ( إن كنتم صادقين ) أنه افتراء. أو يقول : إن لسانكم مثل لسان محمد، فإن قدر هو على الافتراء افتراء مثله من عنده، وتقدرون أنتم على الافتراء مثله، فأتوا به، وادعوا أيضا من لسانه مثل لسانكم حتى يعينونكم على ذلك ( إن كنتم صادقين ) أنه افتراء، والله أعلم. وقوله تعالى :( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) وقوله[ في الأصل وم : وقال ] تعالى في موضع آخر ( فأتوا بسورة من مثله )[البقرة: ٢٣] قال بعضهم [ قوله ][ ساقطة من الأصل وم ] ( بعشر سور ) نزل قبل [ قوله :( فاتوا بسورة من مثله ) ولم يقدروا على مثله ][ في الأصل وم : ولم يقدروا على مثله، وقوله ( فاتوا بسورة من مثله ) ] ؛ دعوا أولا أن يأتوا بعشر سور، فلما عجزوا عن ذلك عند ذلك قال[ في الأصل وم : قيل ] لهم :( فأتوا بسورة من مثله ). وقوله تعالى :( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) [ إن قيل : كيف ذكر ( فاتوا بعشر سور مثله مفتريات ) ][ ساقطة من م ] ؟ قيل : معناه : إن كان هذا مما يحتمل الافتراء على ما تزعمون فأتوا بمثله أنتم لأنكم أقدر على الافتراء من محمد، فإن لم تقدروا [ لم يقدر ][ من م، ساقطة من الأصل ] أحد على ذلك.

هود 11:14

بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ). وقوله: (بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) فَإِنْ قِيلَ: كيف ذكر: فأتوا بسور مفتريات؟ قيل: معناه إن كان هذا مما يحتمل الافتراء على ما تزعمون، فأتوا بمثله أنتم لأنكم أقدر على الافتراء من مُحَمَّد، فإن لم تقدروا لم يقدر أحد على ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) أي: فإن لم تقدروا أنتم ولم يجيبوكم أُولَئِكَ على الإعانة على إتيان مثله، فاعلموا أنه إنما أنزل بعلم اللَّه وبأمره أتاه ومن عنده نزل، ليس بمفترى على ما تزعمون، وأن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لا ألوهية لمن تعبدون دونه من الأصنام والأوثان. والثاني: فإن لم يستجيبوا لكم يا أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولم يقدروا على مثله، فاعلموا أنتم أنه إنما أنزل بعلم اللَّه ومن عنده نزل على التنبيه والتذكير لهم، وإن كانوا علموا أنه من عنده نزل؛ كقوله: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ)، على التنبيه والتذكير ليس على أنه لا يعلم فعلى ذلك الأول. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): خاضعون له مخلصون، وعلى التأويل الأول على حقيقة الإسلام، والإيمان، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...) الآية اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم اللَّه في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما

هود 11:15

وقوله تعالى :( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ) الآية [ اختلف فيه : قال بعضهم : الآية ][ من م، ساقطة من الأصل ] في أهل الإيمان الذين[ في الأصل وم : الذي ] عملوا الصالحات مراءاة للخلق، يقول ( نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فيها ) [ من الذكر فيها ][ من م، ساقطة من الأصل ] والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباحات [ وغيرها آتاهم ][ في الأصل وم : وغيره آتاه ] الله في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها، وأبطل ما كانوا يعملون لأنهم عملوا لغير الله، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك. وإلى هذا يذهب ابن عباس. وروي في بعض الأخبار «أن نبي الله ﷺ سئل : ما بال العبد المعروف بالخير يشد عليه عند الموت، والرجل المعروف بالشر يهون عليه الموت ؟ فقال : المؤمن تكون له ذنوب، فيجازى بها عند موته، فيقضي إلى الله في الآخرة، ولا ذنب عليه، والكافر يكون له حسنات، فيجازى عند الموت ؛ يخفف عنه كرب الموت، ثم يقضي إلى الآخرة، وليست له حسنة »[ بنحوه السيوطي في الدر المنثور ج٤/٤٠٨و٤٠٩ ] أو كلام نحوه. وقال بعضهم : الآية في أهل الكفر ؛ يعملون أعمالا في الظاهر صالحة نحو التصدق على الفقراء وعمارات الطرق واتخاذ القناطر والرباطات[ من م، في الأصل : الربات ]، هي في الظاهر صالحة، يقول :( نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ ) نوف لهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا : لا ننقص منها شيئا، فهو ما وسع عليهم الدنيا. وجائز أن يكون قوله :( نوف إليهم ) أي نرد[ من م، في الأصل : يرد ] إليهم أعمالهم التي عملوها، فلا نقبلها[ في الأصل وم : يقبلوها ]، ويكون إيفاء أعمالهم الرد. وقوله تعالى :( وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ) أي لا ينقصون ما قدر لهم من الرزق إلى انقضاء مدتهم وآجالهم بشركهم بالله.

هود 11:16

كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير اللَّه، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عَبَّاسٍ. وروي في بعض الأخبار أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل: ما بال العبد المعروف بالخير يشدد عليه عند الموت، والرجل المعروف بالشر يهون عليه الموت؟! فقال: " المؤمن تكون له ذنوب فيجازى بها عند موته، فيفضي إلى اللَّه في الآخرة ولا ذنب عليه، والكافر يكون له الحسنات فيجازى بها عند الموت يخفف عنه بها كرب الموت، ثم يفضي إلى الآخرة وليست له حسنة " أو كلام نحوه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الآية في أهل الكفر يعملون أعمالا هي في الظاهر صالحة؛ نحو: التصدق على الفقراء وعمارات الطرق واتخاذ القناطر والرباطات هي في الظاهر صالحة، يقول: نوف لهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا لا ننقص منها شيثًا فهو ما وسع عليهم الدنيا. وجائِز أن يكون قوله: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ) أي: نرد إليهم أعمالهم التي عملوها فلا نقبلها ويكون إيفاء أعمالهم الرد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) أي: لا ينقصون ما قدر لهم من الرزق إلى انقضاء مدتهم وآجالهم بشركهم باللَّه. وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) على هذا التأويل أظاهر ليس لأهل الكفر في الآخرة إلا النار، وعلى التأويل الذي قال: إنها في أهل الإيمان، أي: لا يستوجبون بتلك الأعمال التي عملوها مراءاة إلا النار؛ لأنه إذا راءى فيها لم يخلصها لله وضيع أمره، وكل من ضيع أمر اللَّه وفريضته يستوجب التعذيب عليه وله العفو، وليس في الآية أنه لا محالة يعذبهم بعملهم المراءاة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) فيه دلالة نقض قول الجهمية والمعتزلة بنفيهم العلم عن اللَّه، وفي الآية إئبات العلم له بقوله: (أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وقوله: (أَفَمَن) حرف يقتضي الجواب لكن الجواب له لم يخرج في الظاهر؛ لأن أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) جوابه أن يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن ليس على بينة من ربه كما قال في آية أخرى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ)؛ وكقوله: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)، لا يعلم، فعلى ذلك جواب قوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) كمن لا يكون على بينة من ربه، لكن الجواب عندنا يكون على وجوه: مرة يكون بالتصريح وهو ما ذكرنا، ومرة بالإشارة، ومرة بالكناية على غير تصريح. ثم منهم من يجعل جوابه ما تقدم وهو قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...) الآية، يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، أي: لا يكون كذلك، ومنهم من يجعل جوابه فيما تأخر وهو قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ) كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يكفر به الأحزاب، أي: لا يكون كذلك وقالوا: يجوز تقديم الجواب وتأخيره، كقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)، لم يخرج لهذا أيضًا جواب التصريح. ثم اختلفوا في جوابه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: جوابه فيما تأخر في قوله (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، وصف الذين لا يعلمون، فكأنه يقول: أفمن يعلم كمن لا يعلم. ومنهم من يجعل جوابه في قوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) يقول: من جعل لله أندادًا وضل عن سبيله وصار من أصحاب النار، كمن هو قانت آناء الليل ساجذا وقائمًا أي: ليسا بسواء. وقال مقاتل: ليس الذي على بيان من ربه كالذي موعده النار، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون على طرح الألف: (فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى...) الآية يقول: فمن كان على بيان من ربه أُولَئِكَ يؤمنون به. ثم قوله: (بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ): قَالَ بَعْضُهُمْ: دين من ربه، أي: من كان على دين من اللَّه ويتلوه شاهد منه أي: يتلو لما هو عليه من الدِّين شاهد منه، كمن كان على دين الشيطان ولا شاهد له عليه؟! وقَالَ بَعْضُهُمْ قوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ)، أي: على برهان من ربه وحجج ويتلوه شاهد منه على ذلك، كمن لا على برهان من ربه ولا حجج ولا شاهد له على ذلك؟! ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) جبريل أو ملك غيره يتلو عليه القرآن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يتلوه شاهد منه: لسانه. وقَالَ بَعْضُهُمْ (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) وهو القرآن ونحوه. ثم قوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ): يحتمل أصحاب عيسى الذين آمنوا به. (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى) أصحاب التوراة الذين آمنوا. (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي: هَؤُلَاءِ الذين آمنوا بهَؤُلَاءِ هم الذين يؤمنون بمُحَمَّد - عليه أفضل الصلوات - وبما جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً): قيل فيه بوجوه: قيل: ومن قبل القرآن كتاب موسى جاء جبريل إلى موسى، كما جاء بهذا القرآن إماما يقتدى به ورحمة من العذاب لهم. ويحتمل قوله: (وَمِنْ قَبْلِهِ) يعني قبل القرآن كتاب موسى التوراة إماما فيها أنباء هذا القرآن، وأنباء مُحَمَّد أنه رسول؛ كقوله: (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) وقوله: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)، وأمثاله. ويحتمل قوله: (إِمَامًا وَرَحْمَةً) أما روي، عن ابن عَبَّاسٍ قال: إمامًا ورحمة: كان كتاب موسى وهو التوراة إماما يقتدى به، وكان رحمة، أُولَئِكَ يؤمنون به قال: أصحاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذين آمنوا به من أهل الكتاب وغيرهم. ويحتمل قوله: (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي: مؤمني أهل التوراة يؤمنون بالقرآن ويقتدون به؛ كما آمنوا بالتوراة واقتدوا بها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) أي: بالقرآن (مِنَ الْأَحْزَابِ) الأحزاب: الفرق والأصناف. يحتمل من يكفر به أي: بالقرآن من الفرق. ويحتمل يكفر به أي: بمُحَمَّد. ويحتمل الدِّين الذي هو عليه ويدعوهم إليه.

هود 11:17

وقوله تعالى :( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) قوله :( أفمن ) حرف يقتضي الجواب له، [ وهو لم ][ في م : لم، ساقطة من الأصل ] يخرج في الظاهر لأن جوابه أن يقول :( أفمن كان على بينة من ربه ) كمن ليس على بينة من ربه كما قال في آية أخرى :( أفمن يخلق كمن لا يخلق )[النحل: ١٧] وكقوله :( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى )[الرعد: ١٩] لا يعلم. فعلى ذلك جواب قوله :( أفمن كان على بينة ) كمن لا يكون على بينة من ربه. لكن الجواب عندنا يكون على وجوه : مرة يكون بالتصريح، وهو ما ذكرنا، ومرة بالإشارة، ومرة بالكناية على غير تصريح. ثم منهم من يجعل جوابه ما تقدم، وهو قوله :( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ) الآية أي لا يكون كذلك. ومنهم من يجعل جوابه في ما تأخر، وهو قوله :( ومن يكفر به من الأحزاب ) كأنه يقول :( أفمن كان على بينة من ربه ) كمن يكفر به من الأحزاب ؛ أي لا يكون كذلك. وقالوا : يجوز تقديم الجواب وتأخيره كقوله :( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه )[الزمر: ٩] لم يخرج لهذا جواب بالتصريح. ثم اختلفوا في جوابه في ما تأخر في قوله :/٢٣٧-ب/ ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ( أمن هو قانت آناء الليل )[الزمر: ٩] وصف الذين يعلمون، فكأنه يقول : أفمن يعلم كمن لا يعلم. ومنهم من يجعل جوابه في قوله :( وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ )[الزمر: ٨] يقول : أمن[ في الأصل وم : من ] جعل لله أندادا، وأضل عن سبيله، وصار من أصحاب النار كمن هو قانت ؟ أي ليسا بسواء. وقال مقاتل : ليس الذي على بيان من ربه كالذي موعده النار، والله أعلم. وجائز أن يكون على طرح الألف : فمن ( كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى ) الآية ؛ يقول : فمن كان على بيان من ربه أولئك يؤمنون به. وقوله تعالى :( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) قال بعضهم : كان على دين من ربه، أي من كان على دين من[ ساقطة من م ] الله، ( ويتلوه شاهد منه ) يتلو لما هو عليه من الدين شاهد منه كمن كان على دين الشيطان، ولا شاهد له عليه. وقال بعضهم : قوله :( أفمن كان على بينة من ربه ) أي على برهان من ربه وحجج ( ويتلوه شاهد منه ) على ذلك كمن لا على برهان من ربه ولا حجج وشاهد له على ذلك ؟ ثم قال بعضهم : قوله :( ويتلوه شاهد منه ) جبريل أو ملك غيره، يتلو عليه القرآن. وقال بعضهم :( ويتلوه شاهد منه ) هو القرآن ونحوه. ثم قوله :( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) يحتمل أصحاب عيسى الذين آمنوا به ( ومن قبله كتاب موسى ) أصحاب التوراة الذين آمنوا به ( أولئك يؤمنون به ) أي هؤلاء الذين آمنوا بهؤلاء هم الذين يؤمنون بمحمد عليه [ أفضل الصلاة والسلام ][ في الأصل : الصلاة والسلام، في م : أفضل الصلاة ] وبما جاء محمد ﷺ. وقوله تعالى :( ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ) قيل فيه بوجوه : قيل :( ومن قبله ) من قبل القرآن ( كتاب موسى ) جاء به جبريل إلى موسى كما جاء بهذا القرآن ( إماما ) يقتدى به ( ورحمة ) من العذاب لهم. ويحتمل قوله :( ومن قبله كتاب موسى ) التوراة ( إماما ) فيها أنباء هذا القرآن وأنباء محمد أنه رسول الله كقوله :( الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل )[الأعراف: ١٥٧] وقوله :( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم )[البقرة: ١٤٦] وأمثالهما[ في الأصل وم : وأمثاله ]. ويحتمل قوله :( إماما ورحمة ) [ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :( إماما ورحمة ) ][ في الأصل وم : وعن ابن عباس رضي الله عنه قال إماما ورحمة، ساقطة من م ] : كان كتاب موسى، وهو التوراة، إماما يقتدى به، وكان رحمة أولئك [ الذين ][ ساقطة من الأصل وم ] يؤمنون به. قال : أصحاب محمد ﷺ الذين آمنوا به من أهل الكتاب وغيرهم. ويحتمل قوله :( أولئك يؤمنون به ) أي مؤمنو[ في الأصل وم : مؤمني ] أهل التوراة يؤمنون بالقرآن، ويقتدون به كما آمنوا بالتوراة واقتدوا بها. وقوله تعالى :( ومن يكفر به ) أي بالقرآن ( من الأحزاب ) الأحزاب : الفرق والأصناف. يحتمل ( ومن يكفر به ) أي بالقرآن من الفرق، ويحتمل ( ومن يكفر به ) أي بمحمد، ويحتمل الدين الذي هو عليه، ويدعوهم إليه ( فالنار موعده ) إن مات على ذلك. وأما إذا أسلم، ومات على الإسلام، فلا تكون النار موعده. وقوله تعالى :( فلا تك في مرية منه ) يحتمل الوجوه[ أدرج قبل هذه الكلمة في الأصل وم : في قوله ] الثلاثة التي[ في الأصل وم : الذي ] ذكرنا من الدين والقرآن والنبي [ ويحتمل الخطاب نفسه، ويحتمل ][ في الأصل وم : يحتمل هو نفسه ويحتمل الخطاب ] غيره لما ذكرنا في قوله ( فلا تكن من الممترين )[ البقرة : ١٤٧و. . ] [ وقوله ][ ساقطة من الأصل وم ] :( ولا تكونن من المشركين )[ الأنعام : ١٤و. . . ] [ وقوله ][ ساقطة من الأصل وم ] :( فلا تكونن من الجاهلين )[الأنعام: ٣٥] وأمثالها[ في الأصل وم : وأمثاله ]. فكذلك هذا وقد ذكرنا أن العصمة لا تزيل النهي والأمر، بل تزيدهما، لأن بالعصمة تظهر موافقة الأمر ومخالفة النهي والمحظور. وقوله تعالى :( إنه الحق من ربك ) يحتمل الدين الذي [ هو ][ ساقطة من الأصل وم ] عليه، ويدعوهم إليه، ويحتمل هو نفسه الحق من ربه[ من م، في الأصل : ربك ] ( ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ).

هود 11:18

(فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ): إن مات على ذلك، وأمَّا إذا أسلم ومات على الإسلام، فلا تكون النار موعده. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ): يحتمل في قوله الوجوه الثلاثة التي ذكرنا من الدِّين والقرآن والنبي، يحتمل هو نفسه، ويحتمل الخطاب غيره لما ذكرنا في قوله: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، وأمثاله؛ فكذلك هذا، وقد ذكرنا أن العصمة لا تزيل النهي والأمر بل تزيدهما؛ لأن بالعصمة يظهر موافقة الأمر ومخالفة النهي والمحظور. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ): يحتمل القرآن، ويحتمل الدِّين الذي عليه ويدعوهم إليه، ويحتمل هو نفسه الحق من ربه، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ). * * * قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) هو ما ذكرنا أن لا أحد أظلم على نفسه ممن أخذ نفسه من معبوده وشغلها في عبادة من لا يملك له نفعًا إن عبده ولا ضر إن ترك عبادته، أو يقول: لا أحد أظلم على نفسه ممن ألقى نفسه الطاهرة في عذاب اللَّه ونقمته أبدًا بافترائه على اللَّه، وباللَّه العصمة والقوة. وفي التأويل لا أحد أظلم على نفسه ممن افترى على اللَّه كذبًا، وفي المعنى لا أحد أفحش ظلمًا ممن افترى على اللَّه كذبًا بعد معرفته أن جميع ما له من اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ) أي: أُولَئِكَ الذين تعرض أعمالهم على أنفسهم عند ربهم، فإن وافقت أعمالهم ما في شهادة خلقتهم أدخلوا الجنة، وإن خالفت أعمالهم شهادة خلقتهم أدخلوا النار، تعرض أعمالهم على أنفسهم عند ربهم؛ لأن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عالم بما كان منهم من الأعمال والأقوال على ربهم، أي: عند ربهم؛ كقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ) أي: عند ربهم، وتأويله ما ذكرنا يعرضون على ربهم لأنفسهم؛ لأنهم إنما يؤمرون وينهون ويمتحنون لأنفسهم ولمنفعة أنفسهم فيكون عرضهم لهم، أو أن يكون قوله: (أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ) على ما وعدهم ربهم في الدنيا، أو يقول: أُولَئِكَ يعرضون لأنفسهم على ربهم من غير غيبة كانت منه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ): اختلف فيه: قيل: الأشهاد: الرسل والأنبياء. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأشهاد: الملائكة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأشهاد: المؤمنون. فمن قال: هم الأنبياء والمؤمنون؛ فهو كقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)؛ وكقوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، ومن قال: هم الملائكة؛ كقوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وقوله: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢). ونحوه. ومعناه - واللَّه أعلم - أنه: تعرض أعمالهم وأقوالهم على أنفسهم فإن أقروا بها بعثوا إلى النار، وإن أنكروا يشهد عليهم ما ذكر من الشهداء فإن أنكروا يقال له: (اقْرَأْ كِتَابَكَ...) الآية، فإن أنكروا ذلك فعند ذلك تشهد عليهم جوارحهم؛ كقوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...) الآية. ويحتمل أن يكون الملائكة نادوا في ملأ الخلق قبل أن يدخلوا النار: هَؤُلَاءِ الذين كذبوا على ربهم. ويحتمل ما ذكر من شهادة الذين كانو موكلين بكتابة أعمالهم وأقوالهم يخبرون عما

هود 11:19

كتبوا في الكتب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ): اللعنة: قَالَ بَعْضُهُمْ: هي الطرد عن جميع المنافع والإبعاد عن رحمة اللَّه في الدنيا عن دينه وفي الآخرة عن ثوابه. وقال بعضهم: اللعنة هي العذاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) يصدون يحتمل وجهين: يحتمل أن أعرضوا هم بأنفسهم عن دين اللَّه. ويحتمل صرفوا الناس عن دين اللَّه، لكنه يتبين ذلك بالمصدر أنه أراد ذا أو ذا، يقال في الإعراض بنفسه: صد يصد صدودا؛ كقوله: (يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) ويقال في صرف غيره: صد يصد صدا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: هم بغاة على دين اللَّه بالجور. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يبغون من النساء الميل عن دين اللَّه إلى دينهم، فذلك هو بغي العوج، كل سبيل غير سبيل اللَّه فهو عوج وبغي، كأنه يقول: يبغون سبيلا غير سبيل اللَّه. (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ): في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أي: أُولَئِكَ لم يكونوا معجزي اللَّه في الدنيا من أن يعذبهم وينتقم منهم إن شاء. والثاني: أُولَئِكَ لم يكونوا سابقي اللَّه في الآخرة في دفع العذاب عن أنفسهم. وجائز أن يكون الآية في الأئمة منهم والجبابرة يخبر أنهم غير معجزي اللَّه فيما يريد منهم من التعذيب لهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) هم حسبوا أن أُولَئِكَ الذين عبدوهم من دون اللَّه يكونون لهم أولياء؛ لأنهم يقولون: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ) و (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) كانوا يطمعون في شفاعة الأصنام التي كانوا يعبدونها، أو الذين اتبعوهم يكونون لهم أولياء فأخبر أن ليس لهم أولياء على ما ظنوا وحسبوا، بل يكونون لهم أعداء؛ كقوله: (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً...) الآية، وأمثاله كثير؛ وكقوله: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)؛ وكقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)، أي: لم يكن لهم ما طمعوا، وقوله: (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)، صاروا لهم أعداء على ما ذكر. ويحتمل (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) أي: لا ينفعهم ولاية من اتخذوا أولياء؛ كقوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)، ونحوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ): هذا يدل على أن قوله: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وفي الأئمة الذين صرفوا الناس عن دين اللَّه؛ لأنه أخبر أنه يضاعف لهم العذاب. وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لما ضلوا هم بأنفسهم، والآخر: لما صرفوا الناس عن دين اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ): قالت المعتزلة فيه بوجهين: أحدهما: أنهم كانوا يسمعون ويبصرون، لكنه قال لا يستطيعون السمع ولا يبصرون استثقالا منهم لذلك، وهو كما يقول الرجل: ما أستطيع أن أنظر إلى فلان ولا أسمع كلامه، وهو ناظر إليه سامع كلامه، لكنه يقول ذلك لاستثقاله النظر إليه وسماع كلامه؛ فعلى ذلك الأول كانوا يسمعون ويبصرون، لكنهم كانوا يستثقلون السمع والنظر إليهم فنفى عنهم ذلك. والثاني: كانوا لا يستطيعون السمع، أي: كانوا كأنهم لا يستطيعون السمع ولا النظر، وهو ما أخبر أنهم صم بكم عمي، كانوا يتصامون ويتعامون الحق. وأمَّا عندنا: الجواب للتأويل الأول أنهم كانوا لا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون السماع سمع الرحمة والنظر إليه بعين الرحمة والقبول، فهم من ذلك الوجه كانوا لا يستطيعون. والثاني: يحتمل سمع القلب وبصر القلب، وهم كانوا لا يستطيعون السمع سمع القلب وبصر القلب؛ كقوله: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) وهذه الاستطاعة عندنا هي استطاعة الفعل لا استطاعة الأحوال؛ إذ جوارحهم كانت سليمة صحيحة؛ فدل أنها الاستطاعة التي بها يكون الفعل لما ذكرنا. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (يضاعف لهم العذاب بما كانوا

هود 11:20

وقوله تعالى :( أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ ) [ يحتمل وجهين : أحدهما ][ في الأصل وم : أي ] : أولئك لم يكونوا معجزي الله في الدنيا في أن يغلبهم، وينتقم منهم، إن شاء. والثاني : أولئك لم يكونوا سابقي الله في الآخرة في دفع العذاب عن أنفسهم. وجائز أن تكون الآية في الأئمة منهم والجبابرة ؛ يخبر أنهم غير معجزي الله في ما يريد منهم من التعذيب لهم. وقوله تعالى :( وما كان من دون الله من أولياء ) هم حسبوا أن أولئك الذي عبدوا دون الله يكونون لهم أولياء لأنهم /٢٣٨-أ/ يقولون :( هؤلاء شفعاؤنا عند الله )[يونس: ١٨]، ويقولون[ في الأصل وم : و ] :( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )[الزمر: ٣] كانوا يطمعون في شفاعة الأصنام التي يعبدونها، والذين اتبعوهم يكونون لهم أولياء، فأخبر أن ليس لهم أولياء على [ ما ][ من م، ساقطة من الأصل ] ظنوا، وحسبوا، بل يكونون لهم أعداء كقوله :( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء )الآية[الأحقاف: ٦] وأمثاله كثير كقوله[ في الأصل وم : وكقوله ] :( ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا )[العنكبوت: ٢٥] وكقوله :( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا )[مريم: ٨١] أي لم يكن لهم ما طمعوا، وكقوله[ في الأصل وم : وقوله ] :( كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا )[مريم: ٨٢] صاروا لهم أعداء على ما ذكر. ويحتمل ( وما كان لهم من دون الله من أولياء ) أي ما لا ينفعهم ولاية من اتخذوا أولياء كقوله :( فمما تنفعهم شفاعة الشافعين )[المدثر: ٤٨] ونحوه. وقوله تعالى :( يضاعف لهم العذاب ) يدل على أن قوله :( الذين يصدون عن سبيل الله )[هود: ١٩] في الأئمة الذين صرفوا الناس عن دين الله لأنه أخبر أنه ( يضاعف لهم العذاب ) وهو يحتمل وجهين : أحدهما : لما ضلوهم بأنفسهم، والآخر لما صرفوا الناس عن دين الله. وقوله تعالى :( مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ) قال المعتزلة : فيه وجهان[ في الأصل وم : وجهين ] : أحدهما : أنهم كانوا يسمعون، ويبصرون، لكنهم قالوا : لا يستطيعون السمع، ولا يبصرون استثقالا منهم لذلك، وهو كما يقول [ القائل ][ ساقطة من الأصل وم ] : ما أستطيع أن أنظر إلى فلان، ولا أسمع كلامه، وهو ناظر إليه، سامع كلامه. فعلى ذلك الأول ؛ كانوا يسمعون، ويبصرون، لكنهم كانوا يستثقلون السمع والنظر إليهم [ فنفى عنهم ][ في الأصل وم : فنفاهم ] ذلك. والثاني : كانوا لا يستطيعون السمع ؛ أي كانوا كأنهم لا يستطيعون السمع، ولا النظر، وهو ما أخبر ( صم بكم عمي )[ البقرة : ١٨و١٧١ ] كانوا يتصامون [ ويتعامون عن ][ ي م : ويتعامون، ساقطة من الأصل ] الحق. وأما عندنا فالجواب[ في الأصل وم : الجواب ] للتأويل : الأول : أنهم لا يستطيعون السمع وكانوا يبصرون. السماع سماع الرحمة، والنظر إليه بعين الرحمة والقبول. فهم من ذلك الوجه كانوا لا يستطيعون. والثاني : يحتمل سمع القلب وبصر القلب، وهم كانوا لا يستطيعون السمع سمع القلب وبصر القلب كقوله :( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )[الحج: ٤٦]. وهذه الاستطاعة عندنا هي استطاعة الفعل لا استطاعة الأحوال ؛ إذ جوارحهم كانت سليمة صحيحة. فدل أنها الاستطاعة التي يكون بها الفعل لما ذكرنا. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه ( يضاعف لهم العذاب ) بما كانوا يستطيعون السمع. ثم سئل الحسن عن ذلك، فقال : هو قول الله :( الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا )[الكهف: ١٠١] إذا سمعوا الوحي تقنعوا في ثيابهم، فلم يستطيعوا احتمال ذلك. وفي حرف حفصة : وما كانوا يستطيعون السمع بالواو. وأما في حرف ابن مسعود فظاهر[ الفاء ساقطة من الأصل وم ] تأويله :( يضاعف لهم العذاب ) بما كانوا يستطيعون السمع، فلم يسمعوا عنادا وإبطالا. وأصله : ما كانوا يستطيعون السمع المكتسب والبصر المكتسب عندنا. وما ذكر من السمع والبصر هو السمع المكتسب والبصر المكتسب لأن سمع الآخرة وحياتها مكتسبان[ من م، في الأصل : مكتسبة ]، وحياة الدنيا والسمع والبصر [ فيها ][ ساقطة من الأصل وم ] مخلوقة.

هود 11:21

يستطيعون السمع)، ثم سئل الحسن عن ذلك؟ فقال: هو قول اللَّه: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا)، إذا سمعوا الوحي تقنعوا في ثيابهم، فلم يستطيعوا احتمال ذلك. وفي حرف حفصة: (وَمَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) بالواو. وأما في حرف ابن مسعود ظاهر تأويله أي: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع، فلم يسمعوا عنادا وإبطاء، وأصله ما كانوا يستطيعون السمع المكتسب والبصر المكتسب عندنا، ما ذكر من السمع والبصر هو السمع المكتسب والبصر المكتسب والحياة المكتسبة؛ لأن سمع الآخرة وحياتها مكتسبان، وحياة الدنيا والسمع والبصر مخلوقة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) أما في الدنيا عبادتهم غير معبودهم الذي كان منه جميع النعم والمنافع، وما لحقهم بذلك من الذل والصغار، وأما في الآخرة فالعذاب والهوان الدائم بدلا عن النعم الدائمة. (وَضَلَّ عَنْهُمْ) أي: بطل عنهم، (مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ): (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ) و (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا...) الآية. وأمثاله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) قال أَبُو عَوْسَجَةَ: لا جرم واجب من الكلام، أي: الحق أنهم في الآخرة هم الأخسرون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا جرم أي: نعم إنهم في الآخرة هم الأخسرون. وقال الفراء: قوله: (لَا جَرَمَ) أي: لا بد، لكن الناس أكثروا استعماله فصار في معارفهم حقا، ولا بد في الحقيقة حقا؛ لأنه إذا كان لا بد فهو حق.

هود 11:22

وقوله تعالى :( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ ) قال أبو عوسجة ( لا جرم ) واجب من الكلام، أي الحق ( أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ ) وقال بعضهم :( لا جرم ) أي نعم ( أنهم في الآخرة هم الأخسرون ). وقال أبو الفراء : قوله :( لا جرم ) أي لا بد، ولكن الناس أكثروا استعماله، فصار في متعارفهم حق، ولا بد [ أن ][ ساقطة من الأصل وم ] في الحقيقة حقا ؛ لأنه إذا كان لا بد فهو حق.

هود 11:23

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) تأويله - واللَّه أعلم - أن الذين آمنوا باللَّه وبجميع ما أنزل على رسوله، وعملوا الصالحات ولزموا ذلك حتى صاروا إلى اللَّه أُولَئِكَ أصحاب الجنة؛ وهو كقوله: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) أي: من تاب من الشرك وآمن باللَّه وعمل صالحًا ثم اهتدى أي: ثم لزم ذلك حتى صار إلى اللَّه هكذا؛ فعلى ذلك قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ) لزموا ذلك كله حتى صاروا إلى اللَّه. ويحتمل قوله: (ثُمَّ اهْتَدَى) سنن الذين أُولَئِكَ كذا. وقوله: (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: الإخبات التخشع والتواضع، أي: تخشعوا وتواضعوا فرقًا من ربهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أخبتوا أي: اطمأنوا على ذلك أُولَئِكَ كذا. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أخبتوا قال: خافوا من ربهم. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: أخبتوا أي: تواضعوا لربهم، وقال: الإخبات التواضع والوقار. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الإخبات التوبة والمخبت التائب. وقال غيرهم: الإخبات الإنابة، أخبتوا أي: أنابوا إلى اللَّه؛ وبعضه قريب من بعض. ومن قال: الإخبات هو التواضع والخشوع فمعناه - واللَّه أعلم - أي: تواضعوا وخشعوا بالإجابة إلى ما دعاهم إليه ربهم وندبهم إليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤) أي: الصنفين اللذين سبق وصفهما، وهو قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...) الآية، فهو وصف الكافر، والفريق الآخر قوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ)، إلى آخر ما ذكر وفيه وصف المؤمن. أو يكون وصف الكافر ما ذكر: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ...) إلى قوله: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) هو وصف أحد الفريقين وهم الكفار، والفريق الآخر ما ذكر: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ) هذا - واللَّه أعلم - الفريقين اللذين ضرب مثلهما بالأعمى والأصم والبصير والسميع. ثم وجه ضرب مثل الكافر بالأعمى والأصم، والمؤمن بالبصير والسميع، فهو - والله أعلم - أن الكافر أعمى القلب وأصم السمع، لم يبصر ما غاب عنه من الموعود، ولا يسمع ما غاب عنه من الموعود، وإنما أبصر ظواهر الأمر؛ وكذلك إنما سمع ظواهر من الأمور وبواديها، لم ينظر إلى الغائب من الموعود ولا سمع ذلك، وهو لم يخلق لمعرفة ذلك الظاهر خاصة، وإنما خلق لما وعد وأوعد في الغائب. والمؤمن أبصر ذلك الغائب وسمع ما غاب من الموعود، فيقول كما لم يستو عندكم في الظاهر البصير والأعمى والسميع والأصم لم يستو من كان أعمى القلب بمن كان بصير القلب بذلك، ولم يستو أيضًا من به صمم القلب بمن كان سميعًا بذلك. (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ): أنهما لا يستويان، أو يقول: (أفَلَا تَذَكَّرُونَ) أي: أفلا تتعظون بما نزل من القرآن وتنتهون عما تنهون، واللَّه أعلم. وفي قوله: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) وجوه من الأسئلة: أحدها: أن يقال: كيف احتج عليهم وهو ما ذكر أنهم عميان وصم أو كالعميان والصم، ولا يكلف الأعمى الإبصار والنظر ولا الأصم السماع؟! والثاني: يقولون: إنا بصراء سمعاء، ليس بنا صمم ولا عمى، بل أنتم العميان والصم. والثالث: كيف ذكر المثل لهم، وهم لا يتفكرون ولا ينظرون في المثل ولا يلتفتون إليه؟! أما جواب الأول: فإنه احتج عليهم؛ لأنهم تركوا اكتساب بصر الآخرة وسمع سماع الآخرة، فنفى عنهم السمع والبصر والحياة؛ لأنه ببصر المخلوق يكتسب بصرا في الدِّين وسمعا في أمر الدِّين وحياة الدِّين، فيصير بذلك مكتسب الحياة الدائمة والبصر الدائم والسمع الدائم، فيكونون في الآخرة بصراء سمعاء أحياء؛ كقوله: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ). والثاني: نفى عنهم هذه الحواس؛ لأنهم لم ينتفعوا بها؛ لأن هذه الحواس إنما أنشئت لهم وخلقت لينتفعوا بها، وهو المقصود بإنشائها، فإذا تركوا الانتفاع بها فكأنها ليست لهم. وأما جواب ما قالوا: إنا بصراء وسمعاء، وأنتم العميان والصم، فيقال لهم: إن أهل الإسلام إذا سمعوا ذلك قد اشتغلوا بالتفكر فما فرغ سماعهم من الآيات والنظر فيها، وأنتم لا بل تعاموا عنها وتصاموا، فدل تفكرهم ونظرهم فيها على أنهم بصراء وسمعاء وأحياء، وأنتم يا أهل الكفر العميان والصم والأموات. والثاني: أن هذه الآيات إنما نزلت في محاجة أهل مكة، وهم قد علموا أن آباءهم لم يكونوا حكماء ولا علماء، فلم يكونوا ما ذكر بصراء ولا أحياء ولا سمعاء، فصاروا صفًا عميانًا أمواتا؛ ولأن أحد الفريقين لا محالة ما ذكر نحن، أوهم ثم قد استووا في هذه الدنيا وفي العقل والحكمة التفريق بينهما؛ فدل أنهم بما ذكر أولى. وأما جواب ذكر المثل لهم على علم منهم أنهم لا يقبلون المثل ولا ينظرون بأنه إنما ذكر لأهل الإسلام؛ ولأن ذكر المثل به ربما يبعثهم على النظر فيه والتفكر. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)

هود 11:24

وقوله تعالى :( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ) أي الصنفين[ من م، في الأصل : صنفين ] اللذين سبق وصفهما، وهو قوله ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها )[ الآية : ١٥ ] فهو وصف الكافر والفريق الآخر قوله :( أفمن كان على بينة من ربه ) إلى آخر ما ذكر [ الآية : ١٧ ] وفيه وصف المؤمن. أو يكون وصف الكافر ما ذكر ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ ) إلى قوله :( وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ )[ الآيات : ١٨-٢١ ] هو وصف أحد الفريقين، وهم الكفار. والفريق الآخر ما ذكر :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ )[ الآية : ٢٣ ]. هذا، والله أعلم، [ وصف ][ ساقطة من الأصل وم ] الفريقين اللذين ضرب مثلهما بالأعمى والبصير والسميع [ والأصم ][ ساقطة من الأصل وم ]. ثم وجه ضرب مثل الكافر بالأعمى والأصم، والمؤمن بالبصير والسميع. فهو، والله أعلم، أن الكافر أعمى القلب وأصم السمع، لم يبصر ما غاب عنه من الموعود، ولا يسمع ما غاب عنه من الموعود، وإنما أبصر ظواهر الأمر، وكذلك إنما سمع ظواهر من الأمور وباديها، لم ينظر إلى الغائب [ من الموعود، ولا يسمع ذلك، وهو لم يخلق لمعرفة ذلك الظاهر خاصة، وإنما خلق لما وعد ][ في م : وعدوا ] في الغائب. والمؤمن أبصر ذلك الغائب ][ من م، ساقطة من الأصل ] وسمع ما غاب من الموعود، فيقول : كما يستوي[ في الأصل وم : يسبق ] عندكم في الظاهر البصير والأعمى والسميع والأصم، لم يسو[ في الأصل وم : يستو ] من كان عمي القلب بمن[ في الأصل وم : بما ] كان بصير القلب بذلك، ولم يسو[ في الأصل وم : يستو ] أيضا من به صمم القلب بمن كان سميعا بذلك ( أفلا تذكرون ) أنهما لم يستويا[ في الأصل وم : يستويان ]. أو يقول :( أفلا تذكرون ) أي أفلا تتعظون بما نزل من القرآن [ وتنتهون عما تنهون ][ في الأصل وم : وتنهون عما تنتهون ] ؟ والله أعلم. وفي قوله :( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) وجوه من الأسئلة : أحدها : أن يقال : كيف احتج عليهم، [ وهم على ][ في الأصل وم : وهو ] ما ذكر أنهم عميان وصم أو كالعميان والصم، ولا يكلف الأعمى الإبصار والنظر ولا الأصم السماع ؟ والثاني :[ كيف ][ ساقطة من الأصل وم ] يقولون إنا بصراء وسمعاء، ليس بنا صمم ولا عمى، بل أنتم العميان والصم ؟ /٢٣٨-ب/. والثالث : كيف ذكر المثل لهم، وهم لا يتفكرون، ولا ينظرون في المثل ولا يلتفتون إليه ؟ أما جواب الأول بأنه احتج عليهم لأنهم تركوا اكتساب بصر الآخرة[ من م، فالأصل : الآخر ] وسماع سمع الآخرة، فنفى عنهم السمع و البصر والحياة [ فهو ][ ساقطة من الأصل وم ] لأنه يبصر المخلوق فيكتسب بصرا في الدين وسمعا في أمر الدين وحياة الدين [ فصير بذلك ][ في الأصل : مكتسب، في م : فيصير بذلك مكتسب ] مكتسبا الحياة الدائمة والبصر الدائم والسمع الدائم، فيكونون في الآخرة بصراء سمعاء أحياء كقوله :( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم )[الأنفال: ٢٤]. نفى منهم هذه الحواس لأنهم لم ينتفعوا بها لأن هذه الحواس إنما أنشئت لهم، وخلقت، لينتفعوا بها وهو المقصود بإنشائها. فإذا تركوا الانتفاع بها [ صارت ][ ساقطة من الأصل وم ] كأنها ليست لهم. وأما جواب [ الثاني وهو ][ ساقطة من الأصل وم ] ما قالوا : إنا بصراء وسمعاء، وأنتم العميان والصم، [ ففيه وجهان : أحدهما يقال ][ في الأصل وم : فيقال ] لهم إن أهل الإسلام إذا سمعوا ذلك فقد[ الفاء ساقطة من الأصل وم ] اشتغلوا بالتفكر في ما قرع أسماعهم من الآيات والنظر فيها، وأنتم [ لا، بل تعاميتم عنها، وتصاممتم. ودل ][ في الأصل : تعاموا عنها وتصاموا فدل، في م : لا بل تعاموا عنها وتصاموا فذل ] تفكيرهم ونظرهم فيها على أنهم بصراء وسمعاء وأحياء، وأنتم يا أهل الكفر العميان والصم والأموات. والثاني : أن هذه الآيات إنما نزلت في محاجة أهل الكتاب، وهم قد علموا أن آباءهم لم يكونوا حكماء ولا [ علماء، ولم ][ في الأصل وم : عالما فلم ] يكونوا ما ذكر بصراء ولا أحياء ولا سمعاء، فصاروا صما عميانا أمواتا. ولأن أحد الفريقين لا محالة ما ذكر، نحن أو هم، ثم قد استووا في هذه الدنيا وفي العقل والحكمة التفريق بينهما، دل[ في الأصل وم : فدل ] أنهم بما ذكر أولى. وأما جواب ذكر المثل لهم على علم منهم أنهم لا يقبلون المثل، ولا ينظرون [ فيه، فهو لأنه ][ في الأصل وم : بأنه ] ذكر لأهل الإسلام ولأن ذكر المثل أنهم ربما يبعثهم على النظر فيه والتفكر.

هود 11:25

وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ... (٢٥) أخبر أنه أرسله إلى قومه، ولم يفهم منه الإرسال من مكان إلى مكان؛ وكذلك قوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ولم يكن مجيئه من مكان إلى مكان، فهذا يدل أنه لا يفهم من ذكر المجيء الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك الإرسال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: نذير لمن عصى بالنار وبعقابه بين الإنذار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) أي: لا تجعلوا عبادتكم إلا لمعبود هو معبود بشهادة خلقتكم؛ لأن خلقتهم تشهد على أنه هو المستحق للعبادة، لا من تعبدون من الأصنام والأوثان. ويحتمل قوله: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) أي: وحدوا اللَّه ولا تصرفوا الألوهية إلى غيره، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ): أضاف الألم إلى اليوم واليوم ليس بمؤلم ولكنه - واللَّه أعلم - أضاف إليه؛ لما فيه يؤلم، وهو كقوله: (اللَّيْلَ سَكَنًا)، والليل لا يسكن ولا يوصف به، لكنه يسكن، فيه، وكذلك قال: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، والنهار لا يبصر، لكنه يبصر فيه؛ فعلى ذلك قوله: (يَوْمٍ أَلِيمٍ) لما فيه يكون العذاب الأليم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ) أي: الخوف في غيره لا يكون في الحقيقة خوفًا؛ وكذلك الرجاء في غيره لا يكون في الحقيقة رجاء، وفي نفسه يكون في الحقيقة خوفًا ورجاء؛ لما يلحقه ضرر في نفسه أن جعل به ذلك لغيره، ويلحقه نفع فيكون الخوف في نفسه حقيقة خوف والرجاء حقيقة رجاء، وأما في غيره لما لا يلحقه ضرر وإن حل ذلك لغيره، ولا ينال من النفع في الرجاء إن نال ذلك الغير، لكنه يخرج على وجهين:

هود 11:26

وقوله تعالى :( أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ ) أي لا تجعلوا عبادتكم إلا لمعبود، وهو معبود بشهادة خلقتكم [ التي ][ ساقطة من الأصل وم ] تشهد على أنه هو المستحق للعبادة لا ما تعبدون من الأصنام والأوثان. ويحتمل قوله :( أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ ) تعالى أي وحدوا الله ولا تصرفوا الألوهية إلى غيره، والله أعلم. وقوله تعالى :( إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) أضاف الألم إلى اليوم واليوم ليس بمؤلم، لكنه، والله أعلم [ أضافه إليه لما فيه ما يؤلم كقوله :][ في الأصل وم : أضاف إليه لما فيه يؤلم وكقوله ] ( وجعل الليل سكنا )[الأنعام: ٩٦] والليل لا يسكن، ولا يوصف [ بالسكون ][ ساقطة من الأصل وم ] لكنه يسكن فيه، وكذلك قوله[ في الأصل وم : قال ] ( والنهار مبصرا )[يونس: ٦٧] والنهار لا يبصر لكنه يبصر فيه. فعلى ذلك :( عذاب يوم أليم ) لما فيه يكون العذاب الأليم. وقوله تعالى :( إني أخاف عليكم ) أي الخوف في غيره لا يكون في الحقيقة خوفا، وكذلك الرجاء في غيره لا يكون في الحقيقة رجاء، وفي نفسه يكون في الحقيقة خوفا ورجاء لما يلحقه ضرر في نفسه إن [ حل به ذلك لا بغيره، ولا ][ في الأصل وم : جعل به ذلك لغيره و ] يلحقه نفع، فيكون الخوف في نفسه حقيقة خوف، والرجاء حقيقة رجاء. وأما في غيره [ فلا ][ ساقطة من الأصل وم ] لما لا يلحقه ضرر، و إن حل ذلك [ بغيره فلا ] في الأصل وم : لغيره لا ] ينال من النفع في الرجاء إن نال ذلك الغير. لكنه يخرج على وجهين : أحدهما : على العلم أي إني أعلم أنه ينزل بكم العذاب نحو قوله :( وإن خفتم شقاق بينهما )[النساء: ٣٥] أي علمتم وقوله :( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله )[البقرة: ٢٢٩] أي فإن علمتم أن يضيعا حدود الله. والثاني : يخاف عليكم إشفاقا منه لأن الخلق جبلوا على أن يتألم [ بعض ][ ساقطة من الأصل وم ] بما يحل بغير حتى لا يكون في وسع بعض أن يروا ذلك في غيرهم[ في الأصل وم : غيره ]. على هذين الوجهين يخرج الخوف على الغير[ في الأصل وم : غيره ] وفي الخوف رجاء فهو إياس، وقال الله عز وجل ( لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون )[يوسف: ٨٧] والرجاء إذا لم يكن فيه خوف فهو أمن، وقال [ الله عز وجل ][ ساقطة من الأصل وم ] :( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون )[الأعراف: ٩٩].

هود 11:27

أحدهما: على العلم، أي: إني أعلم أنه ينزل بكم العذاب؛ نحو قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا)، أي: علمتم. وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ)، أي: فإن علمتم أن يضيعا حدود اللَّه. والثاني: يخاف عليهم إشفاقا منه؛ لأن الخلق جبلوا على أن يتألم بما يحل بغير حتى لا يكون في وسع بعض أن يروا ذلك في غيره. على هذين الوجهين يخرج الخوف على غيره، وفي الخوف رجاء وفي الرجاء خوف؛ لأن الخوف إذا لم يكن فيه رجاء فهو إياس، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، والرجاء إذا لم يكن فيه خوف فهو أمن قال: (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا...) كذا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قيل: أشراف قومه وأئمتهم. (مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا): وكذلك قال عامة القوم لرسلهم الذين بعثوا إليهم: (مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) أي: كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون - واللَّه أعلم -: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من عند أحد في الظاهر، والرسول هو الذي يأتي من عند غير، ويكون للرسول خصوصية عند المرسل، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، فكيف بعثتم إلينا رسلا دون أن نبعث نحن إليكم رسلا؛ إذ أنتم ونحن في الخلقة سواء وفي الأمور الظاهرة سواء؟! أو نحوه من الكلام، احتجوا على رسلهم في رد الرسالة؛ وكذلك كان عادة الكفرة يقولون للرسل إذا لزمتهم الحجة وأقيم عليهم نسبوها إلى السحر، ونسبوا الرسل أنهم بشر مثلهم. نجواب هذا كله ما ذكر: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، وما قال لهم نوح: (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) أي: آتاني رحمة من عنده، وجعل لي بينة وبرهانا على ما آتاني رحمة من عنده بمثل هذا يحتج عليهم. ويقال أيضًا: إنكم لا تنكرون فضل اللَّه وتخصيص بعض على بعض بما جعلكم أئمة ورؤساء بأمور الدنيا على غيرهم، فكيف تنكرون فضل اللَّه وتخصيص بعض على بعض بفضل الدِّين والرسالة؟!.

هود 11:28

وقوله: (مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ): احتجوا أيضًا في رد الرسالة يقولون: إن الأراذل هم أتباع لكل من دعاهم وأهل طاعة لكل متبوع، فليس في اتباع الأراذل إياك والضعفاء دلالة ثبوت رسالتك؛ إذ هم يتبعون بلا دليل ولا حجة وهم فروع وأتباع لغير، ولم يتبعك أحد من الأصول. لكن يقال: إن هَؤُلَاءِ الأراذل لما اتبعوا الرسول ولم يتبعوا الأئمة والرؤساء الذين معهم الأموال والدنيا، ولم يكن في أيدي الرسل ذلك، ثم تركوا اتباع أُولَئِكَ وفي أيديهم ما يدعوهم إليه واتبعوا الرسل دل أنهم إنما اتبعوا الرسل بالحجج والبراهين التي أقاموها عليهم أو نحوه. والأراذل: قيل: هم السفهاء والضعفاء. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: أراذلنا: شرارنا. و (بَادِيَ الرَّأْيِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: ظاهر الرأي؛، من قولك: بدا لي ما كان خفيا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بادي الرأي: خفيف الرأي لا يعرفون حقائق الأمور، إنما يعرفون ظواهرها، كأنهم يقولون: إنما اتبعك من كان خفيف الرأي وباديه، لم يتبعك من يعرف حقائق الأمور والأصول. وقد قرئ: (بَادِيَ الرَّأْيِ) بالهمز، وقد قرئ بغير همز. ومن قرأ بالهمز فهو من الابتداء، أي: في أول الرأي وابتدائه لا ينظر في عواقب الأمور. ومن قرأ بغير همز فهو من الظهور، أي: ظاهر الرأي على غير تفكر ونظر فيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ...) الآية: يحتمل هذا أي: فضلا في الخلقة، أو في ملك أو مال ولا في شيء، لكن جواب هذا ما سبق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ): هكذا كانت عادة الكفرة، يردون دلالات الرسل والحجج بالظن لم يردوا لحقيقة ظهرت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) أي: على بيان من

هود 11:29

ربي، أو على حجة من ربي وبرهان فيما آتاني من رحمته. والرحمة تحتمل النبوة لأنهم كانوا ينكرون رسالته لما أنه بشر مثلهم، فكيف خص هو بها دونهم وهو مثلهم؟! فيقول: (وَآتَانِي رَحْمَةً) أي: النبوة، وآتاني -أيضًا- على ذلك بينة وحجة. وتحتمل الرحمة الدِّين الذي كان يدعوهم إليه واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ): قرئ بالتخفيف والتشديد، أي: لبست، أو التبس عليكم حيث أعرضتم عنه. ومن قرأ، بالتشديد: (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) يرجع إلى الأقباع والسفلة، أي: عميت عليهم القادة والرؤساء منهم ولبست. (فَعَمِيَتْ) بالتخفيف أي: التبس، وعمي على القادة والرؤساء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا) أي: أنوجبها عليكم، وهي التي ذكر أنه آتاها إياه أو البينة التي ذكر أيضًا أو الدِّين الذي كان يدعوهم إليه، أي: لا نوجبها عليكم ولا نلزمها، وأنتم لها كارهون بلا حجة ولا برهان. (وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) أي: لا نلزمها لكم بلا حجة شئتم أو أبيتم ولكن بحجة. وفيه أن الدِّين لا يقبل بالإكراه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) على تبليغ الرسالة إليكم، أو على إقامة الحجة غلى ما أدعي من الرسالة، أو على الدِّين الذي يدعوهم إليه، أي: لا أسألكم على ذلك أجرا، فلماذا تعرضون عما أدعوكم إليه وأقيمه عليكم ليكون لكم الاحتجاج أو الاعتذار؟! وكذلك يخرج قوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) أي: لا تسألهم أجرا على ما تبلغه إليهم ويدعوهم إليه، فيمنعهم ثقل ذلك الغرم إجابتكم إياه، فعلى ذلك الأول ذكر هذا؛ لأن ما يلحق الإنسان من الضرر إنما يمنعه عن الإذعان بالحق للخلق والإقبال إليه والقيام بوفائه، أو يمنع ذلك لما لا يتبين له الحق لئلا يكون لهم الاحتجاج والاعتلال عند اللَّه وإن لم يكن لهم حجة؛ وكقوله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ليس على أنه إذا سألهم على ذلك أجرا يكون لهم عذر في رد ذلك وترك الإجابة له؛ إذ لله أن يكلفهم الإجابة والطاعة له بالمال وبغير المال.

هود 11:30

والثاني: بقوله: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم إياه مالاً، مع حاجتي وقلة مالي، فيقع عندكم أني أدعوكم إليه رغبة فيما في أيديكم من الأموال أو لمنفعة نفسي بل إنما أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه لمنفعة أنفسكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) أي: ما أجري إلا على اللَّه في ذلك ليس عليكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا): فيه دلالة أنهم كأنهم كانوا سألوا رسولهم أن يتخذ لهم مجلسا على حدة، ويفرد لهم ذلك دون الأراذل والضعفاء الذين اتبعوه ويطرد الضعفاء؛ وهو كقوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ...) الآية. وقال أهل التأويل: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ما أنا بالذي لا يقبل الإيمان من الأراذل والضعفاء عندكم؛ لقولهم حيث قالوا: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ)، لأنهم يقولون: اتبعوك الأراذل ظاهرًا، وأما في الباطن فليسوا على ذلك؛ ولذلك قال: (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ)، يعني: ما في قلوب السفلة فيقول: ما أنا بطارد الذين آمنوا ظاهرًا اللَّه أعلم بما في قلوبهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) يحتمل وجهين؛ أي: ملاقو ربهم فيشكون مني إليه في رد إيمانهم، ويخاصمونني في ذلك ويطالبونني في طردي إياهم. والثاني: أنهم ملاقو ربهم بإيمانهم ظاهرًا كان إيمانهم أو باطنًا أي في أي حال هم يلاقون، ربهم فيجزيهم بما هم عليه؛ كقوله: (إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) يحتمل تجهلون ما أدعوكم إليه أو تجهلون في قولكم: إنهم إنما آمنوا واتبعوا في ظاهر الحال، وأما في السر فلا، أو تجهلون ما يلحقني في طردهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) أي: من يمنعني من عذاب اللَّه، (إِنْ طَرَدْتُهُمْ): على ما تدعونني إليه، أو من يمنعني من عذاب اللَّه إن لم أقبل منهم الإيمان.

هود 11:31

(أَفَلَا تَذَكَّرُونَ): أنه لا يسع لي ما تدعونني إليه من طرد هَؤُلَاءِ أو رد إيمانهم، أو أفلا تذكرون فتؤمنون. وما روي في حرف أبي بن كعب: (أنلزمكموها شطر أنفسنا) فمعناه أنلزمكموها نحن أنفسنا وأنتم قوم معاندون. وفي حرف ابن عَبَّاسٍ: (أنلزمكموها من شطر أنفسنا) أي: من تلقاء أنفسنا، أي: لا نقدر أن نلزمكم ذلك من تلقاء أنفسنا وأنتم كارهون لذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) يخرج على وجوه: أحدها: يقول: ليس عندي خزائن اللَّه والسعة، فأبذل لكم لتؤمنوا رغبة في المال والسعة. والثاني: يقول: ليس عندي سعة، فيقع عندكم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه افتعالا رغبة في المال على ما يفعل المفتعلون للرغبة في المال، ولكن لتعلموا أني مكلف في ذلك. والثالث: يحتمل ما ذكرنا من أسئلة كانت منهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ): هذا القول منه لهم يحتمل الوجهين: أحدهما: أنه قال ذلك لهم على أثر أمور وأسئلة كانت منهم من نحو قولهم (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ)، وقولهم لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ)، وقولهم: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ)، وأمثال ما كان منهم، فيقول لهم: ليس ذلك عندي وبيدي، إنما ذلك عند اللَّه وبيده. (وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) يحتمل أن يكونوا سألوه أن يخبرهم عن أمور تستقبلهم قبل أن تستقبلهم، إن كان شرا فيعدوا له في دفعه، وإن كان منافع فيستقبلوا لها ويتهيئوا، فيقول لهم: ذا غيب وأنا لا أعلم الغيب إنما العلم في ذلك إلى اللَّه، ولا أقول: إني ملك أعلم أخبار السماء والأمور التي فيها، إنما أنا بشر مثلكم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ) أي: مفاتيح اللَّه في الرزق، فهذا كأنهم سألوه السعة فيتبعونه، فيقول: ليس عندي ذلك. ويحتمل أن يكون قال لهم الرسول هذا لدفع الشبهة عنهم، وذلك أن من الكفار من اتخذ الرسول إلها فعبدوه بعدما عاينوا أنه من البشر، ومنهم من قال: إنه ابن اللَّه. ومنهم من قال: إنه ملك، وكانوا يعبدون الملائكة وكانوا يخبرونهم عن أشياء غابت عنهم، فظنوا أنه إنما علم ذلك لأنه إله، فيقول لهم ذلك ليدفع عنهم تلك الشبهة ويتبرأ من ذلك؛ ولذلك قال عيسى: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا) هو - عليه السلام - كان يعلم في نفسه أنه عبد اللَّه، ولكن يقول لهم لئلا ينسبوه إلى الألوهية والربوبية على ما نسبوا إليه، فأقر بالعبودية له، واللَّه أعلم بذلك. وقال بعض أهل التأويل: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ)، أي: مفاتيح اللَّه بأنه يهدي السفلة دونكم، (وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أي: لا أقول: إن عندي علم ذلك أن اللَّه يهديهم وهم مؤمنون في السر؛ وذلك كقوله: (وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). وقوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ): من الصدق. (وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) أي: إنما أنا بشر لقولهم: (مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا...) إلى آخر الآية. ثم قال: (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) قيل: الذين حقرتموهم يعني السفلة والأتباع. وقال ابن عَبَّاسٍ: (الذين لم تأخذهم أعينكم لن يؤتيهم اللَّه خيرا) يعني إيمانًا اللَّه أعلم بما في أنفسهم من الصدق، إني إذا لمن الظالمين لهم إن لم أقبل منهم الإيمان، أو طردتهم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)

هود 11:32

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا؍ (٣٢) قالوا ذلك لأنه قد كان طال عمره وهو بين أظهرهم ويدعوهم إلى الإيمان، فأكثر حجاجه ومجادلته إياهم.؍ فقالوا: (فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) وكان يعدهم العذاب إن لم يجيبوه؛ كقوله: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، وما كان وعد لهم في غير آية من القرآن إن لم يجيبوه فقالوا: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) من العذاب، فقال: (إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ... (٣٣) أي: ليس لي إتيان ذلك إنما ذلك إلى اللَّه، إن شاء عجل وإن شاء أخر إلى ما بعد الموت؛ وهو كقول رسول اللَّه لقومه: (لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي: لا تعجزون اللَّه عن تعذيبكم فتفوتون عنه، وقيل: وما أنتم بسابقي اللَّه بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها؛ وهو واحد، والله أعلم. وقوله: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) تأويله - واللَّه أعلم - لا ينفعكم دعائي إلى ما به نجاتكم إن كان اللَّه يريد أن يغويكم ثم اختلف في وقت ذلك: قَالَ بَعْضُهُمْ: لا ينفعكم نصحي عند إقبال العذاب عليكم؛ إن كان في حكم اللَّه ألا تكونوا من الغاوين في ذلك الوقت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي) (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)، أي: لا ينفعكم نصحي إن كان اللَّه يريد أن يعذبكم في نار جهنم ويقول الغي العذاب؛ كقوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، أي: عذاب جهنم ونحوه من الكلام. وأما عندنا فهو على ما أخبر: إن كان اللَّه يريد إغواء قوم أبدا فهم في الغواية أبدًا، وأصله أن اللَّه أراد غواية من في علمه أنه يختار الغواية وأراد ضلال كل من في علمه أنه يختار الضلال؛ لأن من في علمه أنه يختار الغواية، والضلال اختار عداوته، ولا يجوز

هود 11:33

فقال :( وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) أي ليس لي إتيان ذلك، إنما ذلك على الله، ؛ إن شاء عجل، وإن شاء أخر إلى ما بعد الموت ؛ وهو كقول رسول الله لقومه :( لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم )[الأنعام: ٥٨]. وقوله تعالى :( وما أنتم بمعجزين ) أي لا تعجزون الله عن تعذيبكم، فتفوتون عنه. وقيل : وما أنتم بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى [ لا ][ ساقطة من الأصل وم ] يجزيكم بها، وهو واحد، والله أعلم.

هود 11:34

وقوله تعالى :( وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) تأويله، والله أعلم، لا ينفعكم دعائي إلى ما به نجاتكم ( إن كان الله يريد أن يغويكم ) أي لا ينفعكم نصحي لكم إن كان الله [ يريد ][ ساقطة من الأصل وم ] أن يعذبكم في نار جهنم. ويكون[ في الأصل وم : ويقول ] الغي العذاب كقوله :( فسوف يلقون غيا )[مريم: ٥٩] أي عذاب جهنم ونحوه من الكلام. وأما عندنا فهو ما أخبر : إن كان الله يريد إغواء قوم أبدا فهم في الغواية. وأصله أن الله [ إن ][ ساقطة من الأصل وم ] أراد غواية من في علمه أنه يختار الغواية والضلال اختار عداوته. ولا يجوز أن يريد هو هداية من يعلم أنه يختار عداوته لأن ذلك يكون من الضعف أن يختار المرء ولاية من يختار عداوته. فدل أنه لم يرد الهداية لمن علم منه اختيار الغواية والضلال. ثم إضافة الإغواء والإزاغة والإضلال إلى الله تخرج على وجهين : أحدهما : أنه ينشئ ذلك الفعل منهم غيا وزيغا وضلالا لأن فعلهم فعل غواية وزيغ. والثاني : أنه خذلهم، ولم يوفقهم، ولم يرشدهم، ولم يعصهم، ولا سددهم. فمن ذلك الوجه ليس فعله فعل الذم عليه حتى يتحرج بالإضافة إلى الخلق، ومن الإضافة إلى الخلق يكون على الذم لأن فعلهم نفسه فعل الغواية والضلال، فاستوجبوا الذم على ذلك. والإغواء من الخلق هو الدعاء إلى ذلك أو الأمر به، فهو مذموم، يذمون على ذلك، وليس على [ الله ][ ساقطة من الأصل وم ] ذلك، وليس من الله من هذا الوجه. ولكن على الذين ذكرناهما. وفي قوله :( وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) دلالة تعليق الشرط على الشرط.

هود 11:35

أن يريد هو هداية من يعلم أنه يختار عداوته؛ لأن ذلك يكون من الضعف أن يختار المرء ولاية من يختار هو عداوته، فدل أنه لم يرد الهداية لمن علم منه اختيار الغواية والضلال. ثم إضافة الإغواء والإزاغة والإضلال إلى اللَّه يخرج على وجهين: أحدهما: أنه ينشئ ذلك الفعل منهم غيا وزيغًا وضلالا لا بد؛ لأن فعلهم فعل غواية وزيغ. والثاني: أنه خذلهم ولم يوفقهم ولم يرشدهم ولم يعصمهم ولا سددهم، فمن ذلك الوجه ليس فعله فعل الذم عليه حتى يتحرج بالإضافة إليه، ومن الإضافة إلى الخلق يكون على الذم؛ لأن فعلهم نفسه فعل غواية وضلال، فاستوجبوا الذم عليه بذلك، والإغواء من الخلق هو الدعاء إلى ذلك أو الأمر به، فهو مذموم يذمون على ذلك وليس من اللَّه تعالى من هذا الوجه، ولكن على الوجهين اللذين ذكرناهما. وفي قوله: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) دلالة تعليق الشرط على الشرط. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) أي: بل يقولون. إنه افتراه من عند نفسه قل: (إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ): اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: قال قوم نوح لنوح - عليه السلام -: إنه افترى على اللَّه أنه رسول إليهم من اللَّه على ما سبق من دعائه قومه إلى دين اللَّه، فقالوا له: إنه افتراه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو قول قوم مُحَمَّد قالوا: افترى مُحَمَّد هذا القرآن من نفسه ليس هو من اللَّه على ما يزعم، وهو ما قال في صدر السورة، وهو قوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) إلى آخر ما ذكر، فعلى ذلك هذا هو قولهم لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إنه افترى هذا القرآن الذي يقول هو من اللَّه من نفسه فقال: (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) أي: إن افتريته فعليَّ جرمُ افترائي وجزاؤه. (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) معناه - واللَّه أعلم - أي: لا تؤاخذون أنتم بجرم افترائي إن افتريته، وأنا لا أؤاخذ بإجرامكم؛ كقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) وكقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، فعلى ذلك إجرامي، وأمكن أن يكون هذا القول لهم لما أيس من إيمانهم؛ كقوله: (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا

هود 11:36

وَبَيْنَكُمُ)، لما أيس عن إيمانهم، وانقطع طمعه ورجاؤه عن إسلامهم، قال لهم ذلك أن لا محاجة بيننا وبينكم بعد هذا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) وقال بعضهم: إن نوحًا عليه السلام لم يدع على قومه بالهلاك ما دام يرجو ويطمع من قومه الإيمان، فإذا أيس وانقطع رجاؤه وطمعه فحينئذٍ دعا عليهم بالهلاك؛ كقوله: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)، أي أحدًا، (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ...) الآية، وعرف الإياس عن إيمانهم بقوله: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ...) الآية؛ وكذلك سائر الأنبياء والرسل لم يؤذن لهم بالدعاء على قومهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم، ما داموا يرجون ويطمعون منهم الإيمان والإجابة لهم، فإذا أيسوا وانقطع رجاؤهم وطمعهم عن ذلك، فعند ذلك أذن لهم بالدعاء عليهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم أوعلى ذلك عوتب يونس بالخروج من بين أظهرهم قبل أن يؤذن له بالخروج من بينهم. وفي قوله: (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) دلالة أن للإيمان حكم التجدد والابتداء في كل وقت وفي كل حال؛ لأنه أخبر أن الذي قد آمن قد يؤمن في حادث الوقت؛ وعلى ذلك يخرج الزيادات التي ذكرت في الإيمان فزادتهم إيمانا ونحوه، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) قيل: لا تحزن بما كانوا يفعلون، فهو يحتمل وجهين:

هود 11:37

أحدهما: لا تحزن بكفرهم باللَّه وتكذيبهم إياك، ليس على النهي عن الحزن في ذلك، بل على دفع الحزن عنه والتسلي به؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا يحزنون بكفر قومهم باللَّه وجعلهم أنفسهم أعداء له؛ كقوله لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ...) الآية، وقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، وأمثاله، كان الأنبياء - عليهم السلام - أشد الناس حزنا بكفر قومهم باللَّه وتكذيبهم آياته وأشدهم رغبة في إيمانهم، وكان حزنهم لم يكن على هلاكهم ألا ترى أن نوحا دعا عليهم بالهلاك وكذلك سائر الأنبياء - عليهم السلام - دل أن حزنهم كان لمكان كفرهم باللَّه وتكذيبهم آياته، لا لمكان هلاكهم إشفاقًا على أنفسهم. والثاني: قوله: (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) يحتمل أنهم كانوا هموا قتله والمكر به، فقال: لا تحزن بما كانوا يسعون في هلاكك فإني كافيهم قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (فَلَا تَبْتَئِسْ) هو من الحزن، يقال: ابتأس يبتئس ابتئاسًا. قال الكسائي -أيضًا- لا تبتئس أي: لا تحزن هو من البأس، يقال: لا تبتئس بهذا الأمر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) قال بعض أهل التأويل: (بِأَعْيُنِنَا) بأمرنا ووحينا، وقَالَ بَعْضُهُمْ: بمنظرنا ومرآنا، ولكن عندنا يحتمل وجهين، أحدهصا: قوله: (بِأَعْيُنِنَا) أي: بحفظنا ورعايتنا، يقال: عين اللَّه عليك أي حفظه عليك، ثم لا يفهم من قوله: (بِأَعْيُنِنَا) نفس العين على ما لا يفهم من قوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)، و (كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)، ولكن ذكر الأيدي لما في الشاهد إنما يقدم باليد ويكتسب باليد؛ فعلى ذلك ذكر العين لما بالعين يحفظ في الشاهد. والثاني: قوله: (بِأَعْيُنِنَا) أي: بإعلامنا إياك؛ لأنه لولا تعليم اللَّه إياه اتخاذ السفينة

هود 11:38

ونجرها لم يكن ليعرف أن كيف يتخذ وكيف ينجر، إنما عرف ذلك بتعليم اللَّه إياه، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ): هذا يحتمل وجهين. يحتمل أي: لا تشفع إلي في نجاة الذين ظلموا فإنهم مغرقون في حكم اللَّه. والثاني: لا تخاطبني في هداية الذين هم في حكم اللَّه أنهم يموتون ظلمة، أي: لا تسألني إيمان من في علم اللَّه أنه لا يؤمن، وفيه نهي السؤال عما في علم اللَّه أنه لا يكون؛ لأنه إذا أخبر أنه لا يكون أو لا يفعل فإذا سأله كان يسأله أن يكذب خبره الذي أخبر أنه لا يكون، وفيه أنه إذا أراد اللَّه إيمان أحد آمن، ومن لم يرد إيمانه لم يؤمن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) الملأ هم الأشراف والرؤساء من قومه. (سَخِرُوا مِنْهُ): هم الذين سخروا منه، قَالَ بَعْضُهُمْ: سخريتهم منه أن قالوا: صار نجارا بعدما ادعى لنفسه الرسالة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: سخريتهم منه لما رأوه يتخذ الفلك، ولم يكن هنالك بحر ولا واد ولا مياه جارية، إنما هي آبار لهم فقالوا: يتخذوا السفينة ليسيرها في البراري والمفاوز ونحوه من الكلام. رقال: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) وقالوا: سخريته منهم أنه إذا ركبوا الفلك رأوهم يغرقون، قالوا: كنت على حق وعلى هدى ونحوه من الكلام، لكن هذا لا نعلمه ولا حاجة لنا إلى معرفة سخريتهم أن كيف كانت سوى أن فيه سخروا منه. ويحتمل قوله: (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) أي: نجزيهم جزاء سخريتهم. وقوله: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) هو وعيد، أي: سوف تعلمون أن حاصل سخريتكم رجع إليكم؛ كقوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ...) الآية، أي: سوف تعلمون إذا نجونا نحن، وغرقتم أنتم من (يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) أي: عذاب يفضحه ويهلكه وهو

هود 11:39

وقوله تعالى :( فسوف تعلمون ) هو وعيد ؛ أي سوف تعلمون أن حاصل سخريتكم رجع إليكم كقوله :( وما يخدعون إلا أنفسهم )الآية[البقرة: ٩] أي سوف تعلمون إذا نجونا نحن، وغرقتم أنتم ( من يأتيه عذاب يخزيه ) أي عذاب يفضحه ويهلكه، وهو الغرق ( ويحل عليه عذاب مقيم ) أي عذاب يدوم. وقال بعضهم :( عذاب مقيم ) هو عذاب الآخرة كقوله :( أغرقوا فأدخلوا نارا )[نوح: ٢٥]. وأما قول أهل التأويل : إن سفينة نوح كان طولها كذا، وعرضها كذا، فليس لنا بذلك علم، ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك. فإن صح ذلك فهو ما قالوا، وقولهم : كان لها ثلاثة أبواب وثلاثة أطباق. فذلك أيضا لا نعرفه، ولا قوة إلا بالله.

هود 11:40

الغرق. (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) أي: عذاب يدوم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عَذَابٌ مُقِيمٌ) هو عذاب الآخرة؛ كقوله: (أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا). وأما قول أهل التأويل إن سفينة نوح كان طولها كذا وعرضها كذا، فليس لنا بذلك علم ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك، فإن صح ذلك فهو ما قالوا وقولهم كان لها ثلاثة أبواب وثلاثة أطباق، فذلك أيضًا لا نعرفه، ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ). قوله: (جَاءَ أَمْرُنَا) أي: جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه؛ كقولهم: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)؛ وكذلك كانت عادة الأمم السالفة استعجال العذاب من رسلهم، وسمي العذاب أمر اللَّه؛ لما لا صنع لأحد فيه، وكذلك المرض سمي أمر اللَّه؛ لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه، وسمى الصلاة أمر اللَّه؛ لما بأمره يصلي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَارَ التَّنُّورُ): قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَفَارَ التَّنُّورُ) يقال: فار الماء أي خرج يفور فورًا، أي: غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله: (وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ...)، قالوا: فار أي: خرج وظهر. والتنور: اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: التنور هو وجه الأرض، قالوا: إذا رأيت الماء خرج ونبع وظهر على وجه الأرض فاركب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: التنور هو التنور الخابزة التي يخبز فيها، قالوا: إذا رأيت الماء نبع من تنورك فاركب، قالوا: كان الماء ينزل من السماء وينبع من الأرض؛ كقوله: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا)، لكن جعل علامة وقت ركوبه السفينة هو خروج الماء من الأرض ونبعه منها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ): يحتمل هذا وجهين: يحتمل إن كنا قلنا له إذا فار التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين. ويحتمل: إن قلنا له وقت فور الماء من التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين. ويحتمل وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ): الزوج هو اسم فرد لذي شفع ليس هو اسم افمفع حتى يقال عند الاجتماع ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه اسم فرد لذي شفع كان الإناث صنفا وزوجا والذكور صنفًا وزوجا، فيكون الذكر والأنثى زوجين، واللَّه أعلم. وقوله: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي: من ذكر وأنثى ثم يحتمل زوجين من ذوي الأرواح التي تكون لهم النسل؛ لئلا ينقطع نسلهم. ويحتمل ذوي الأرواح وغيره، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ): قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَأَهْلَكَ) أراد أهله والذين آمنوا معه، يقول: احمل فيها من كل زوجين اثنين، واحمل أهلك أيضًا إلا من قد سبق عليه القول، أي: إلا من كان في علم اللَّه أنه لا يؤمن، أو إلا من كان في علم اللَّه أنه يهلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَأَهْلَكَ) أراد أهله خاصة، ثم استثنى من سبق عليه القول، وهو ابنه وزوجته وهما من أهله، ألا ترى أنه ذكر من بعد من آمن معه وهو قوله: (وَمَن آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ) أي: احمل أهلك الذين آمنوا معك إلا من سبق عليه القول من أهلك وغيره أنه في الهالكين. أو يقول: إلا من سبق عليه القول أنه لا يؤمن، فهذا يدل أن في أهله من كان ظالمًا كافرا حيث استثني من أهله، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ): يذكر هذا - واللَّه أعلم - تذكيرًا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ لأن نوحًا مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين اللَّه ومواعظه لم يؤمن من قومه إلا القليل منهم؛ ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مع

هود 11:41

قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه، وفيه دلالة رد قول من يقول: إن المواعظ إنما تنفع، الموعوظ على قدر استعمال الواعظ، وليس هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها؛ لأن نوحًا - عليه السلام - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء، ثم لم يؤمن من قومه إلا القليل؛ دل أنه ليس لما فهموا، ولكن لما ذكرنا. وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب، فأخذه إبليس فلم يعطه إلا أن أعطى له الشركة، فذلك شيء لا علم لنا به، فإن ثبت ذلك فيكون فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب، إنما يكون له فيما يخرج من العنب، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في غيره، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) يحتمل قوله: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا) أنه لما قال لهم نوح: اركبوا فيها قولوا (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)، وهو كقول الناس باسم اللَّه من أوله على ما يقال، ويذكر اسم اللَّه في افتتاح كل أمر وكل عمل من ركوب ونزول وغيره. ويحتمل قوله: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) أي: باللَّه مجراها ومرساها، أي: به تجري وبه ترسو، وأنه ليس كسائر السفن التي بأهلها تجري وبهم تقف، وهم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقوفها، وأما سفينة نوح كانت جريتها باللَّه وبه رسوها لا صنع لهم في ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ): هو ظاهر لمن آمن به وصدق رسوله ينجيه من الغرق والهلاك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) هذا يدل على ما ذكرنا أنها كانت باللَّه تجري وبه ترسو؛ حيث لم يخافوا الغرق مع ما كان من الأمواج، وأما سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها، لما كانوا هم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقفها، واللَّه أعلم. وقوله: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ): هذا يدل على أنها كانت آية؛ لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها، فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير آية لهم.

هود 11:42

وقوله تعالى :( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ) هذا يدل على ما ذكرنا أنها كانت بالله تجري، وبه ترسو، حين[ في الأصل وم : حيث ] لم يخافوا الغرق [ مع ][ ساقطة من الأصل وم ] ما كان من ألأمواج. وأما سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها لما كانوا هم الذين يتولون، ويتكلفون إجراءها ووقوفها، والله أعلم. وقوله تعالى :( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ) هذا يدل على أنها كانت آية لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها. فإذا أخبر أنها تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير آية لهم. وقوله تعالى :( و َنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ) يحتمل قوله :( وكان في معزل ) أي بمعزل من نوح، أو كان بمعزل من السفينة، أو ما كان. وقوله تعالى :( يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ) يحتمل ( ولا تكن مع الكافرين ) فتغرق[ في الأصل وم : لتغرق ]، أو ( ولا تكن مع الكافرين ) لنعم الله.

هود 11:43

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ). يحتمل قوله: (وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ) أي: بمعزل من نوح، أو كان بمعزل من السفينة، أو ما كان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) يحتمل لاتكن مع الكافرين: لتغرق، أو لا تكن مع الكافرين لنعم اللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) أي: سأنضم إلى جبل، (يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ): ظن المسكين أن هذا الماء كغيره من المياه التي يسلم منها بالالتجاء إلى الجبال، فأخبر عليه السلام أنه (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي: من عذاب اللَّه، سمى عذابه أمر اللَّه لما ذكرنا أمر اللَّه أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج لقوله: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ...) الآية، وهو كما يسمى البعث لقاء اللَّه لأنه هو النهاية في الاحتجاج، على من ينكر البعث؛ فعلى ذلك سمى عذابه أمر اللَّه وهو أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج على من ينكر العذاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) بهدايته إياه، أو إلا من سبقت له الرحمة من اللَّه بالهداية له والنجاة. وقوله: (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ): يحتمل قوله: (بَيْنَهُمَا) بين ابنه وبين نوح، ويحتمل بينه وبين السفينة. (فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) وقوله: (فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ): يحتمل صار من المغرقين، ويحتمل كان في علم اللَّه أنه يغرق، وهذا يدل على أن قوله في إبليس: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، أنه يخرج على وجهين: أحدهما: أنه كان في علم اللَّه أنه يكفر، أو صار من الكافرين كما ذكر، وكان من المغرقين إذ لم يكن من المغرقين في الأزل. * * * قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ

هود 11:44

وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) وقوله: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي... (٤٤) قَالَ بَعْضُهُمْ: عاد كل ماء إلى من حيث خرج: ما أرسل من السماء عاد إليها، وما خرج من الأرض غاض في الأرض وغار فيها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا ولكن أمسك السماء من إرساله، وأمسك الأرض من نبعه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) ليس على القول لهم، ولكن اللَّه أمسكهما من إرساله ونبعه. ويحتمل على القول منه لهم باللطف جعل فيهم ما يفهم هذا. (وَغِيضَ الْمَاءُ) أي: غار الماء في الأرض. (وَقُضِيَ الْأَمْرُ): بهلاك قوم نوح ويحتمل على التكوين على ما ذكر (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) أي: استقرت على الجودي وهو جبل (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي هلاكا ويحتمل بعدا للقوم الظالمين من رحمة اللَّه. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: مرساها أي تقف. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ): يمنعني من الماء، وقال: (لَا عَاصِمَ اليومَ مِن أَمْرِ اللَّهِ) قَالَ الْقُتَبِيُّ: لا معصوم اليوم من عذاب اللَّه؛ كقوله: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ)

هود 11:45

أي: مدفوق، وأصله لا عاصم أي: لا شيء يمنع اليوم من نزول عذاب الله عليهم ولا دافع لهم منه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ... (٤٥) الآية، فقال: (يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ). هذا - واللَّه أعلم - كان عند نوح أن ابنه كان على دينه لما لعله كان يظهر الموافقة له، وإلا لا يحتمل أن يقول: إن ابني من أهلي ويسأله نجاته، وقد سبق منه النهي في سؤال مثله حيث قال: (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) ولا يحتمل أن يكون يعلم أنه على غير دينه، ثم يسأل له النجاة بعدما نهاه عن المخاطبة في الذين ظلموا، فقال: إنه ليس من أهلك في الباطن والسر، والإخرج هذا القول مخرج تكذيب رسوله، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه كان في الظاهر عنده أنه على دينه لما كان يظهر له الموافقة، وكان لا يعرف ما يضمره فسأله على الظاهر الذي عنده؛ وكذلك أهل النفاق كانوا يظهرون الموافقة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه ويضمرون الخلاف له، وكانوا لا يعرفون نفاقهم إلا بعد إطلاع الله إياه؛ فعلى ذلك نوح كان لا يعرف ما كان يضمر هو لذلك خرج سؤاله فقال: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ (٤٦) الذي وعدت النجاة لهم، أو ليس من أهلك؛ لأنه لم يؤمن بي ولم يصدقك فيما أخبرت أنه عمل غير صالح. روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقرأ: (عَمِلَ غَيرَ صالِحٍ) بغير تنوين. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قرأه: (عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) بالتنوين. فمن قرأ بالنصب: (عَمِلَ غيرَ صَالِحٍ) أي: أن ابنك عمل غير صالح، ومن قرأه: (عَمَلٌ) يكون معناه - واللَّه أعلم - أن سؤالك عمل غير صالح وكلا القراءتين يجوز أن يصرف إلى ابنه، أي: أنه عمل غير صالح وهو عمل الكفر، (عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) أي: الذي كان عليه عمل غير صالح، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) ثم قال: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ): هذا في الظاهر يخرج على التكذيب له، لكن الوجه فيه أنه من أهلك على ما عندك، وليس هو من أهلك فيما بشرتك من نجاة أهلك. وقوله: (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ): يحتمل وجهين: يحتمل وأن وعدك بإغراق الظلمة حق. والثاني: وإن وعدك بنجاة المؤمنين حق وأنت أحكم الحاكمين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ): يحتمل هذا نهيا عن سؤال ما لم يؤذن له من بعد؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يسألون شيئًا إلا بعد الإذن لهم في السؤال، وإن كان يسع لهم السؤال، أو أن يكون عتابًا لما سبق، والأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون في أشياء يحل لهم ذلك؛ نحو قوله لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا)، وقد كان له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الأمر بالقعود والنهي عن الخروج بقوله: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا)، ونحوه.

هود 11:46

فقال :( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ). هذا، والله أعلم كان عند نوح أن ابنه كان على دينه لما لعله كان يظهر الموافقة له، وإلا لا يحتمل أن يقول ( إن ابني من أهلي ) ويسأله نجاته، وقد سبق منه النهي في سؤال مثله [ حين قال ][ في الأصل وم : حيث ] ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون )[هود: ٣٧]. ولا يحتمل أن يكون يعلم أنه على غير دينه، ثم يسأل له النجاة بعد ما نهاه عن المخاطبة في الذين ظلموا، فقال :( إنه ليس من أهلك ) في الباطن والسر، وإلا خرج هذا القول مخرج تكذيب رسوله. لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه كان في الظاهر عنده أنه على دينه لما كان يظهر له الموافقة، وكان لا يعرف ما يضمره، فسأله على الظاهر الذي عنده أنه على دينه لما كان يظهر له الموافقة، وكان لا يعرف ما يضمره، فسأله على الظاهر الذي عنده. وكذلك أهل النفاق كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله[ أدرج قبلها في الأصل وم العبارة التالية : وكان لا يعرف ما يضمر فسأله على الظاهر الذي عنده وكذلك أهل النفاق يظهرون ] ﷺ وأصحابه، ويضمرون [ الخلاف لهم ][ في الأصل : الخلافة له، في م : الخلاف له ]، وكانوا لا يعرفون نفاقهم إلا بعد إطلاع الله إياه. فعلى ذلك نوح كان [ لا ][ من م، ساقطة من الأصل ] يعرف ما يضمر ؛ لذلك خرج سؤاله، فقال :( إنه ليس من أهلك ) الذين[ في الأصل وم : الذي ] وعد النجاة لهم، أو ( إنه ليس من أهلك ) لأنه لم يؤمن بي، ولم يصدقك في ما أخبرت ( إنه عمل غير صالح )، روي عن رسول الله ﷺ أنه كان يقرأ : عمل غير صالح بغير تنوين[ انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/١١٤ ]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ [ ( عمل غير صالح ) بالتنوين. فمن قرأ بالنصب عمل ][ من م، في الأصل : بالنصب على ] غير صالح أي إن ابنك عمل غير صالح. ومن قرأ : عملٌ فمعناه[ في الأصل وم : يكون معناه ]، والله أعلم، أن سؤالك عمل غير صالحٍ بالتنوين. وكل [ من ][ ساقطة من الأصل وم ] القراءتين يجوز أن يصرف إلى ابنه أي أنه عمل غير صالح، وهو عمل الكفر، وعمل غير صالح أي الذي كانوا عليه عمل غير صالح، والله أعلم. وقوله تعالى :( إن ابني من أهلي ) ثم قوله[ في الأصل وم : قال ] :( إنه ليس من أهلك ) هذا في الظاهر يخرج على التكذيب له لكن الوجه فيه أنه من أهلك على ما عندك، وليس من أهلك في ما بشرتك من نجاة أهلك. وقوله تعالى :( وإن وعدك الحق ) يحتمل [ وجهين : أحدهما ][ ساقطة من م ] : وإن وعدك بإغراق الظلمة حق. والثاني ][ من م، ساقطة من الأصل ] : وإن وعدك بنجاة المؤمنين حق ( وأنت أحكم الحاكمين ). وقوله تعالى :( فلا تسألن ما ليس لك به علم ) يحتمل هذا نهيا عن سؤال مما لم يؤذن له من بعد، لأن الأنبياء عليهم السلام كانوا لا يسألون شيئا إلا بعد الإذن لهم في السؤال، وإن كان يسع لهم السؤال، أو أن يكون عتابا لما سبق، والأنبياء عليهم السلام كانوا يعاتبون في أشياء تحل بهم. ذلك نحو قوله لرسول الله :( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا )[التوبة: ٤٣] وقد كان منه الأمر بالقعود والنهي عن الخروج بقوله :( فقل لن تخرجوا معي أبدا )[التوبة: ٨٣] ونحوه. وقوله تعالى :( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) هو كما نهى رسول الله ( فلا تكونن من الجاهلين )[الأنعام: ٣٥] وأمثاله، وإن كان معلوما أنه لا يكون من الجاهلين، وهو ما ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء، بل النهي يظهر العصمة.

هود 11:47

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ): هو كما نهى رسول اللَّه: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) وأمثاله، وإن كان معلوما أنه لا يكون من الجاهلين، وهو ما ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء، بل بالنهي تظهر العصمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) إني أعوذ بك أن أعود إلى سؤال لا أعلم بالإذن في السؤال هذا يحتمل. وقوله: (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) أي: إن لم ترحمني بالعصمة من العود إلى مثله أكن من الخاسرين، هذا يشبه أن يكون. ويحتمل أن يكون ذكر هذا لما لا يستوجبون المغفرة والرحمة إلا برحمة اللَّه وفضله، على ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة اللَّه "، قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: " ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته ". وقوله تعالى: (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ): هو طلب المغفرة بالكناية، وهو أبلغ وأكبر من قوله: اللهم اغفر لي؛ لأن في قوله: (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي) قطع رجاء المغفرة من غيره، وإخبار ألَّا يملك أحد ذلك، وليس في قوله: اغفر لي قطع كون ذلك من غيره؛ لذلك كان ذلك أبلغ من هذا، وكذلك سؤال آدم وحواء المغفرة حيث قالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا...) الآية، هو سؤال بالكناية فهو أبلغ في السؤال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: أنزل من الجودي إلى قرار الأرض، وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (اهْبِطْ) أي: انزل وأقم على المقام والمكث في المكان، ليس على الهبوط من مكان مرتفع إلى مكان منحدر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ): السلام هو أن يسلم عن الشرور والآفات، والبركة هي نيل كل خير وبر على غير تبعة، ثم هما في التحصيل واحد؛ لأنه إذا سلم عن كل شر وآفة نال كل خير وبر، وإذا نال كل خير سلم عن كل شر وآفة، هما في الحقيقة واحد لكنهما في العبارة مختلف، وهو كالبر والتقوى من العبد: البر هو كسب كل خير، والتقوى هو اتقاء كل شر ومعصية، هما في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا اتقى كل شر ومعصية عمل كل خير وبر، واذا كسب كل خير وبر اتقى كل معصية وشر؛ وعلى ذلك يخرج الشكر والصبر: الصبر هو كف النفس عن كل مأثم، والشكر هو استعمال النفس في كل طاعة، هما أيضًا في العبارة مختلفان وفي الحقيقهَ واحد؛ لأنه إذا كف نفسه من كل مأثم استعملها في الطاعة، وإذا استعملها في الطاعة كفَّها عن كل مأثم ومعصية؛ وعلى ذلك يخرج الإسلام والإيمان: الإسلام هو تسليم النفس لله خالصة سالمة لا يجعل لغيره فيها حقا، والإيمان هو أن يصدق اللَّه بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وهما في الحقيقة واحد وفي العبارة مختلفان؛ لأنه إذا جعل نفسه وكل شيء سالما ألله تعالى، أقر بالربوبية له في نفسه وفي كل شيء، واذا صدقه وأقر له بالربوبية في نفسه وفي كل شيء جعلها لله، وكل شيء له. هذه أشياء في العبارة مختلفة وفي التحصيل واحد. ثم قوله: (اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا): جائز أن يكون جواب قوله: (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي) آمنه عما خاف وطلب منه المغفرة والرحمة. والثاني: السلام له منه هو الثناء الحسن؛ كقوله: (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ): يحتمل أن يكون جواب قوله: (أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا)، والبركة هي اسم كل خير لا انقطاع له، أو اسم كل شيء لا تبعة له عليه فيه. ثم قوله: (بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ)، على قول بعض أهل التأويل: ذلك السلام، وتلك البركات في الدنيا: السلام لما سلموا من الغرق والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع. وعلى قول بعضهم: السلام والبركات جميعًا في الآخرة. ثم جعل عَزَّ وَجَلَّ المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها، وجعل منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، وبقوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ثم قال: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أشرك المؤمن والكافر في زينة الدنيا، ثم جعل للمؤمنين خالصة يوم القيامة، فذلك قوله: (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ

هود 11:48

وقوله تعالى :( قيل يا نوح اهبط ) قال بعضهم : أي انزل من الجودي إلى مكان قرار الأرض. وقال بعضهم : قوله :( اهبط ) أي انزل، وأقم على المقام، وامكث في المكان، ليس على الهبوط من مكان مرتفع إلى مكان منحدر. وقوله تعالى :( اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ ) السلامة [ هي أن يسلم من ][ في الأصل وم : هو أن يسلم عن ] الشرور والآفات، و البركة هي نيل كل خير وبر على غير تبعة. ثم هما في التحصيل واحد ؛ لأنه إذا سلم [ المرء من ][ في الأصل وم : عن ] كل شر وآفة نال كل خير وبر، وإذا نال كل خير سلم من[ في الأصل وم : عن ] كل شر. هما في الحقيقة واحد، لكنهما في العبارة [ مختلفان، وهما ][ في الأصل وم : مختلف، وهو ] كالبر والتقوى من العبد : البر هو كسب كل خير، والتقوى هو اتقاء كل شر ومعصية، هما في العبارة مختلفان، وفي الحقيقة واحد ؛ لأنه إذا اتقى كل شر عمل كل خير وبر، وإذا كسب كل خير وبر اتقى كل معصية وشر. وعلى ذلك يخرج الشكر والصبر ؛ [ فالصبر ][ في م : الصبر، ساقطة من الأصل ] هو كف النفس عن كل مأثم، /٢٤١-أ/ والشكر هو استعمال النفس في كل طاعة. هما أيضا في العبارة مختلفان، وفي الحقيقة واحد لأنه إذا كف نفسه عن كل مأثم، واستعملها في الطاعة كفها عن كل مأثم ومعصية. وعلى ذلك يخرج الإسلام والإيمان : الإسلام [ هو تسليم ][ في الأصل : هو التسليم، في م : تسليم ] النفس لله خالصة سالمة، لا تجعل لغيره فيها حقا، والإيمان هو أن يصدق الله بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وهما في الحقيقة واحد، وفي العبارة مختلفان ؛ لأنه إذا جعل نفسه وكل شيء سالما لله أقر بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وإذا صدقه، وأقر له بالربوبية في نفسه، [ وجعل نفسه وكل شيء لله فقد آمن ][ في الأصل وم : وكل شيء جعلها لله وكل شيء له ]. هذه الأشياء في العبارة مختلفة وفي التحصيل واحد. ثم قوله تعالى :( اهبط بسلام منا ) [ يحتمل وجهين : أحدهما ][ في الأصل وم : و ] : جائز أن يكون جواب قوله ( وإلا تغفر لي وترحمني ) أمنه مما [ في الأصل وم : عما ] خاف، وطلب منه المغفرة والرحمة. والثاني : السلام[ في الأصل وم : السلامة ] منه هو الثناء الحسن كقوله ( سلام على نوح في العالمين )[الصافات: ٧٩]. وقوله تعالى :( وبركات عليك ) يحتمل أن يكون جواب قوله :( أنزلني منزلا مباركا )[المؤمنون: ٢٩] والبركة هو اسم كل خير لا انقطاع له، أو اسم كل شيء لا تبعة له عليه فيه. ثم قوله :( بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ) على قول بعض أهل التأويل : ذلك السلام[ في الأصل وم : الإسلام ] لما سلموا من الغرق، والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع. وعلى قول بعضهم : السلام والبركات جميعا في الآخرة. ثم جعل عز وجل المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها، وجعل منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله :( العاقبة للمتقين )[ الأعراف : ١٢٨ وهود : ٤٩ والقصص : ٨٣ ] وبقوله :( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل[ أدرج قبلها في الأصل وم : ثم قال ] هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة )[الأعراف: ٣٢] أشرك المؤمن والكافر في زينة الدنيا، ثم جعلها للمؤمنين خالصة يوم القيامة. فذلك قوله :( وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أخبر أنه يمتعهم، ثم يصيبهم عذاب أليم، ويمتع المؤمن أيضا في هذه الدنيا بأنواع المنافع. ثم أخبر أن ( العاقبة للمتقين ) ثم جعل العاقبة بإزاء ما جعل لهم عذابا أليما ؛ أعني الكفرة، والله أعلم. وقوله تعالى :( وعلى أمم ممن معك ) ولم يكن مع نوح أمم يومئذ، إنما كان[ في الأصل وم : كانوا ] معه نفر، ولكنه أراد، والله أعلم، الأمم التي كانوا من بعده. كأنه قال : وعلى أمم يكونون من بعدك. فهذا يدل أن دين الأنبياء والرسل عليهم السلام [ دين واحد ][ في الأصل وم : عما ] وإن اختلف شرائعهم لأن تلك الأمم لم يكونوا بأنفسهم مع نوح، ولا كانوا معه في العبادات التي كان فيها نوح. دل أنهم كانوا جميعا على دينه، وهو واحد، وعلى ذلك يخرج دعاؤه ( رب اغفر لي ولوالدي )الآية[نوح: ٢٨] دعاه بالمغفرة له ولكل مؤمن ومؤمنة، يكون من بعده، وكذلك يلحق كل[ أدرج قبلها في الأصل وم : على ] كافر دعاؤه ( ولا تزد الظالمين إلا تبارا )[نوح: ٢٨].

هود 11:49

يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أخبر أنه يمتعهم ثم يصيبهم عذاب أليم، ويمتع المؤمن أيضًا في هذه الدنيا بأنواع المنافع، ثم أخبر أن العاقبة للمتقين ثم جعل العاقبة للمتقين بإزاء ما جعل لهم عذابا أليما أعني الكفرة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ): ولم يكن مع نوح أمم يومئذ، إنما كانوا معه نفرًا، لكنه أراد - واللَّه أعلم - الأمم التي كانوا من بعده كأنه قال: وعلى أمم يكونون من بعدك، فهذا يدل أن دين الأنبياء والرسل جميعًا دين واحد، وإن اختلفت شرائعهم؛ لأن تلك الأمم لم يكونوا بأنفسهم مع نوح، ولا كانوا معه في العبادات التي كان فيها نوح؛ دل أنهم كانوا جميعًا على دينه وهو واحد، وعلى ذلك يخرج دعاؤه: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ... الآية، دعاء بالمغفرة له لكل مؤمن ومؤمنة يكون من بعده؛ وكذلك يحق على كل كافر دعاؤه: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) يحتمل قوله: (تِلْكَ) أي: قصة نوح من أنباء الغيب غابت عنك لم تشهدها، ولم تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، إن كان المراد من قوله: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ) قصة نوح خاصة وأنباؤه، كان يجيء أن يقول: هذه من أنباء الغيب نوحيها إليك، لكنه كأنه على الإضمار، أي: هذه الأنباء تلك الأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإن كان المراد هذه وغيرها من الأنباء يصير كأنه قال: هذه من تلك الأنباء. ويحتمل قوله: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ) القصص كلها قصة نوح وغيره من الأنبياء من أنباء الغيب، غاب عنك لم تشهدها ولا تعلمها أنت ولا قومك، خص قومه لأن غيره من الأقوام قد كانوا عرفوا تلك الأنباء فيخبرونهم فيعرفون به صدق رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وفيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنه أخبرهم على ما أخبر أُولَئِكَ الذين عرقوا تلك الأنباء بكتبهم؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك أباللَّه تعالى إذ تلك، الأنباء كانت بغير لسانه، ولم يعرف أنه اختلف إلى أحد منهم؛ دل أنه إنما عرف ذلك باللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ) يحتمل قوله: (فَاصْبِرْ) على تكذييهم إياك، وعلى أذاهم أو اصبر على ما أمرت ونهيت، واصبر على ما صبر إخوانك من قبل؛ كقوله: (كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)، ونحوه.

هود 11:50

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) يشبه أن يكون قوله: (لِلْمُتَّقِينَ) الذين اتقوا الشرك وأمكن الذين اتقوا الشرك والمعاصي كلها، والأشبه أن يكون المراد منه اتقاء الشرك؛ لأنه ذكر بإزاء قوله: (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) فهو في العقد أشبه. وقال بعض أهل التأويل في قوله: (اهْبِطْ بِسَلَامٍ) من السفينة بسلام منا، فسلمه الله ومن معه من المؤمنين من الغرق، (وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) يعني بالبركة أنهم توالدوا وكثروا بعدما خرجوا من السفينة. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله: (وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) ممن سبق له في علم اللَّه البركات والسعادة من النبيين وغيرهم. * * * قوله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا): هذا واللَّه أعلم صلة قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) فيقول: ولقد أرسلنا هودًا إلى عاد أخاهم. ثم يحتمل قوله: (أَخَاهُمْ) الأخوة تكون على وجوه: أخوة جنس يقال: هذا أخو هذا نحو مصراعي الباب، يقال لأحدهما: هذا أخو هذا ونحو أحد زوجي الخف وأمثاله. وأخوة النسب. وأخوة الدِّين؛ كقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، فهو لم يكن أخا لهم في الدِّين، فهو يحتمل أنه أخوهم في الجنس وفي النسب؛ لأن الناس كلهم ينسبون إلى آدم فيقال: بنو آدم مع بعد ما بينه وبينهم؛ فعلى ذلك يكون بعضهم لبعض

هود 11:51

إخوة مع بعد النسب الذي بينهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ): يُعبَد أي: الذين تعبدون ليسوا بآلهة يستحقون العبادة إنما الإله الذي يستحق العبادة، اللَّه الذي خلقكم وخلق لكم الأشياء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) أي: ما أنتم إلا مفترون، لا يحتمل أن يكون هو قال لهم هذا في أول ما دعاهم إلى التوحيد، وفي أول ما ردوا إجابته وكذبوه؛ لأنهم أمروا بلين القول لهم وتذكير النعمة عليهم؛ كقوله لموسى وهارون حيث بعثهما إلى فرعون بقوله: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) الآية، ولكن كأنه قال لهم ذلك بعد ما سبق منه إليهم دعاء غير مرة، وأقام عليهم الحجة والبراهين فردوها، فعند ذلك قال لهم هذا حيث قالوا: (يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ): يحتمل في تسميتهم الأصنام التي عبدوها آلهة، يقول: إن أنتم إلا مفترون في ذلك. ويحتمل أنه سماهم مفترين فيما قالوا اللَّه أمرهم بذلك، يقول: أنتم مفترون فيما ادعيتم الأمر بذلك، أو مفترون في إنكارهم البعث والرسالة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) هذا قد ذكر في غير موضع يقول لهم - واللَّه أعلم -: إني لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا يمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عن الإجابة، فما الذي يمنعكم عن الإجابة لي ويحملكم على الرد بل أدعوكم إلى ما ترغبون فيه، فكيف يمنعكم عن الإجابة والنظر فيما أدعوبهم إليه؟! (أَفَلَا تَعقِلُونَ): أني رسول إليكم بآيات وحجج جئت بها، أو: أفلا تعقلون أنها آيات وحجج ونحوه، أو يقول: أفلا تعقلون أن اللَّه واحد وأنه رب كل شيء وخالق كل شيء ومنشئه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) يحتمل أن يكون قوله

هود 11:52

وقوله تعالى :( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) يحتمل أن يكون قوله :( استغفروا ربكم ) [ وقوله ][ ساقطة من الأصل وم ] ( ثم تولوا إليه ) واحد، ويحتمل على التقديم والتأخير : توبوا إليه، ثم استغفروا ما كان منكم من المساوئ : أي أقبلوا إلى طاعة الله، واندموا على أفعالكم. وقوله تعالى :( استغفروا ربكم ) معلوم أن هودا لم يرد بقوله :( استغفروا ربكم ) أن يقولوا : نستغفر الله، ولكن أمرهم أن يطلبوا السبب الذي يوجب لهم المغفرة، ويحق، وهو التوحيد. كأنه قال : وحدوا ربكم، وآمنوا به، ثم توبوا إليه، أو يقول : اطلبوا المغفرة بالانتهاء عن الكفر كقوله تعالى :( إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف )[الأنفال: ٣٨]. وقوله تعالى :( يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ) قال بعض أهل التأويل : إنه كان قد انقطع عنهم المطر، وانقطع نسلهم، فأخبر أنكم إن تبتم إلى الله، واستغفرتم ربكم ( يرسل عليكم السماء مدرارا ) الآية حتى تتناسلوا، وتتوالدوا. ويحتمل قوله :( يرسل السماء عليكم مدرارا ) أي يزدكم قوة [ في ][ ساقطة من الأصل وم ] أفعالكم إلى قوة أبدانكم لأنهم كانوا أهل قوة وأهل بطش بقولهم :( وقالوا من أشد منا قوة )[فصلت: ١٥]. ويحتمل على الابتداء :( يرسل السماء عليكم مدرارا ) يزدكم قوة إلى قوتكم. فقوله تعالى :( ولا تتولوا ) عما أدعوكم إليه، فتكونوا ( مجرمين ) المجرم : قال أبو بكر : هو الوثاب في الإثم، وقيل : هو المكتسب.

هود 11:53

استغفروا ربكم ثم توبوا إليه واحدا. ويحتمل على التقديم والتأخير توبوا إليه ثم استغفروا ما كان منكم من المساوي، أي: أقبلوا إلى طاعة اللَّه واندموا على أفعالكم. وقوله: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ): معلوم أن هودا لم يرد بقوله: (اسْتَغْفِرُوا) أن يقولوا: نستغفر اللَّه، ولكن أمرهم أن يطلبوا السبب الذي به تجب لهم المغفرة وتحق وهو التوحيد، كأنه قال: وحدوا ربكم فآمنوا به ثم توبوا إليه، أو يقول: اطلبوا المغفرة بالانتهاء عن الكفر؛ كقوله تعالى: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ): قال بعض أهل التأويل: إنه قد كان انقطع عنهم المطر وانقطع نسلهم، فأخبر أنكم إن تبتم إلى اللَّه، واستغفرتم ربكم (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا...) الآية حتى تناسلوا وتتوالدوا. ويحتمل قوله: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً) أي: يزدكم قوة أفعالكم إلى قوة أبدانكم؛ لأنهم كانوا أهل قوة وأهل بطش بقولهم قالوا: من أشد منا قوة. ويحتمل على الابتداء: يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم. فقوله: (وَلَا تَتَوَلَّوْا) عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا (مُجْرِمِينَ) ولا تتولوا عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا مجرمين. المجرم قال أبو بكر: هو الوثاب في الإثم، وقيل: هو المكتسب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) على ما تدعونا إليه، أو على ما تدعي من الرسالة، فعند ذلك قال لهم هود: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ). (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا) أي: ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا عن قولك، أي: بقولك، كان لا يدعوهم هود إلى ترك عبادة آلهتهم بقوله خاصة، ولكن قد دعاهم وأقام على فساد ذلك الحجج والبراهين، لكنهم قالوا متعنتين مكابرين: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) فيما تدعونا إلمه، وتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) قيل: هو كان يسب آلهتهم ويذكرهم بالعيب فيقولون: إن يعترك من بعض آلهتنا سوء أو يصيبوك بجنون وخبل، فلا عجب أن يصيبك منها فاجتنبها سالما، فذلك يخرج منهم مخرج الامتنان،

هود 11:54

وقوله تعالى :( إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ) قيل : هو كان يسب آلهتهم، ويذكرهم بالعيب، فيقولون : إنه يعتريك من [ ذكر بعض آلهتنا سوء، أو تصيبك ][ في الأصل وم : بعض آلهتنا بسوء أو يصيبوك ] بجنون أو خبل، فلا نحب أن يصيبك منها [ شيء ][ ساقطة من الأصل وم ]، فاجتنبها سالما. فذلك يخرج منهم مخرج الامتنان ؛ أي إنما ننهاك عن سب آلهتنا وذكر العيب فيها إشفاقا عليك لئلا يصيبك شيء منها. وقال ابن عباس رضي الله عنه قالوا : شتمت آلهتنا، فخبلتك، وأصابتك بالجنون ؛ فتأويله، والله أعلم : أنك إنما تدعونا إليه، وتدعي ما تدعي لما أصابتك آلهتنا بسوء، واعترتك بجنون ؛ كانوا يخوفونه أن تصيبه[ في الأصل وم : تصيب ] آلهتهم بسوء بترك عبادتها على ما كانوا يرجون، ويطمعون بعبادتهم إياها وشفاعتها[ في الأصل وم : شفاعتهم ] لهم. [ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) به، وتعبدونه من الآلهة.

هود 11:55

أي: إنا إنما ننهاك عن سب آلهتنا وذكر العيب فيها إشفاقًا عليك لئلا يصيبك شيء منها. وقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قالوا: " شتمت آلهتنا فخبلتك وأصابتك بالجنون، فتأويله - واللَّه أعلم - أنك إنما تدعونا إلى ما تدعونا إليه وتدعي ما تدعي لما أصابتك آلهتنا بسوء واعترتك بجنون، كانوا يخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء بتركه عبادتها، على ما كانوا يرجون وليطمعون بعبادتهم إياها شفاعتها لهم؛ قال: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) به وتعبدونه من الآلهة، واشهدوا أنتم أيضًا بأني بريء من ذلك، (فَكِيدُونِي جَمِيعًا... (٥٥) أنتم وآلهتكم فيما تدعونني من الهلاك أو السوء، (ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ) أي: ثم لا تمهلون في ذلك. ويحتمل قوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا) أنتم وآلهتكم؛ يقول: اعملوا أنتم وآلهتكم جميعًا التي تزعمون أنها خبلتني وأجنتني، (ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ). أي: لا تمهلون، وهذا من أشد آيات النبوة؛ لأنه يقول لهم وهو بين أظهرهم وحيدًا، فلولا أنه يقول ذلك لهم بقوة من الله والاعتماد له عليه والانتصار به، والا ما اجترأ أحد أن يقول مثل هذا بين أعدائه علم أنه قال ذلك باللَّه تعالى؛ وكذلك قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ...) الآية، وقول نوح: (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ...) الآية وقول شعيب: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ...) الآية. وأمثاله، قالوا ذلك بين أظهر الاعداء ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك باللَّه وذلك من آيات النبوة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) أي: فوضت أمري إلى اللَّه، أو وكلت في جميع عملي إليه، أو وثقت به واعتمدت عليه فيما توعدونني من الهلاك، أو توكلت عليه في دفع ما أوعدتموني ربي وربكم، أي: كيف توعدونني بآلهتكم التي تعبدون، ولا تخافون الذي تعلمون أنه هو ربي وربكم؟! وهو كما قال إبراهيم: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا): يميتها متى شاء.

هود 11:56

وقوله تعالى :( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ ) أي فوضت أمري إليه، أو [ وكلته جميع أعمالي ][ في الأصل وم : في جميع عملي إليه ]، أو وثقت به، واعتمدت عليه، فيما توعدونني من الهلاك، أو توكلت عليه في دفع ما أوعدتموني ( ربي وربكم ) أي كيف توعدونني بآلهتكم التي تعبدون ؟ ( ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ) الآية [الأنعام: ٨١]. وقوله تعالى :( مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ) يميتها متى شاء. وقوله :( آخذ بناصيتها ) أي في ملكه وسلطانه، يقال : فلا آخذ بحلقوم فلان، وفلان بقبضة فلان، ليس أنه في قبضته بنفسه، وآخذ بحلقوم فلان، ولكن يراد أنه في سلطانه وفي ملكه وفي قبضته ( إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي على الذي أمرني ربي، ودعاني إليه. أو يكون قوله :( إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي إن الذي أمرني ربي، ودعاني إليه، هو صراط مستقيم كقوله :( إن ربي لبالمرصاد )[الفجر: ١٤]. وقال أبو عوسجة : الاعتراء هو الأخذ ؛ يقال : اعترته الحمى، أي أخذته، وقال القتبي : الاعتراء الإصابة ؛ يقول :( إلا اعترته ) إلا أصابك، يقال : اعتريت أصبت، وهو ما ذكرنا.

هود 11:57

وقوله: (آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) أي: في ملكه وسلطانه، يقال: فلان آخذ بحلقوم فلان، وفلان في قبضة فلان ليس أنه في قبضته بنفسه أو آخذ بحلقوم فلان، ولكن يراد أنه في سلطانه وفي ملكه وفي قبضته. (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: على الذي أمرني ربي ودعاني إليه، أو يكون قوله: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: أن الذي أمرني ربي ودعاني إليه هو صراط مستقيم؛ كقوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ). وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الاعتراء هو الأخذ، يقال: اعترته الحمى أي أخذته. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الاعتراء هو الإصابة، بقول: إلا اعتراك: أصابك، يقال: أعتريت: أصبت، وهو ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) يحتمل على الإضمار أي: فإن تولوا عن إجابتك وطاعتك فقل قد أبلغتكم رسالات ربي؛ لأن قوله: (تَوَلَّوْا) إنما هو خبر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَبْلَغْتُكُمْ): خطاب، وأمكن أن يكونا جميعًا على الخطاب، يقول: فإن توليتم عن إجابتي فيما أدعوكم إليه، فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم وليس على إلا تبليغ الرسالة إليكم؛ كقوله: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ)؛ وكقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)، يقول: إنما عليَّ إبلاع الرسالة إليكم، ليس على جرم توليكم عن إجابتي؛ كقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ونحوه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ) فيه وجهان: أحدهما: يخبر عن هلاكهم؛ لأنه أخبر أنه يستخلف قومًا غيرهم؛ لأنه ما لم يهلك هَؤُلَاءِ لا يكون غيرهم خلفهم: لأنهم كانوا يقولون: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، يقول - واللَّه أعلم -: إن قوة أبدانكم وبطشكم لا تعجز اللَّه عن إهلاككم، وفيه أن عادًا ليسوا هم النهاية في العالم، بل يكون بعدهم قوم غيرهم، واللَّه أعلم.

هود 11:58

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا) أي: لا تضرونه بتوليكم عن إجابتي وردكم رسالة اللَّه إليكم، ليس كملوك الأرض إذا تولى عنهم خدمهم وحشمهم ضرهم ذلك. والثاني: لا تضرونه كما يضر ملوك الأرض بالقتال والحرب بعضهم بعضا. والثالث: لا تضرونه لأنه لا منفعة له فيما يدعوكم حتى يضره ضد ذلك؛ إذ ليس يدعوكم إلى ما يدعو لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، إنما يأمركم ويدعوكم لحاجة أنفسكم والمنفعة. لكم. ويحتمل أن يكون لا تضرونه شيئًا جواب قوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا...) الآية. (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) ألا يخفى عليه شيء وإن لطف، فكيف يخفى عليه أعمالكم وأموالكم مع ظهورها وبدوها. أو يقول: إن ربي على كل شيء حفيظ: فيجزيه عليه، ولا يذهب عنه شيء، أي: لا يفوته، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) قوله: (جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا) أمر تكوين لا أمر يقتضي الساعة؛ كقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)؛ فعلى ذلك هذا هو أمر تكوين وقد ذكرناه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا): هذا يدل أن من نجا إنما نجا برحمة منه لا بعمله؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة اللَّه، قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته "، لا على ما يقوله المعتزلة: إن من نجا إنما ينجو بعمله لا برحمته. ثم يحتمل قوله: (بِرَحْمَةٍ مِنَّا) وجوهًا؛ تحتمل الرحمة هاهنا هودا، أي: رحمهم به حيث بعث إليهم رسولا فنجا من اتبعه، فإن كان هذا ففيه أن أهل الفترة معاقبون في حال فترتهم؛ لأنه أخبر أن من نجا إنما نجا بهود، فدل أنهم معاقبون قبل بعث الرسل إليهم. ويحتمل قوله: (بِرَحْمَةٍ مِنَّا) أي: بتوفيق منا إياهم نجا من نجا منهم. والثالث: (وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: نجيناهم من العذاب الذي أهلك هَؤُلَاءِ. ويحتمل أن يكون على الوعد أي: ينجيهم في الآخرة من عذاب غليظ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) أي: وتلك أهل قرية عاد جحدوا بآيات ربهم

هود 11:59

وقوله تعالى :( وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا ) أي وتلك أهل قرية عاد ( جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ) والكفر[ في الأصل وم : بالكفر ] بالآيات كفر بجميع الرسل، والكفر بواحد من الرسل كفر بالرسل جميعا، وبالله التوفيق ؛ لأن كل واحد من الرسل، يدعو إلى الإيمان بالله وبجميع الرسل. فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الرسل والآيات، والكفر بواحدة[ في الأصل وم : بواحد ] منها كفر بالله وبجميع الرسل. وإنما كان الكفر بالآيات كفرا بالله لأن الله إنما يعرف من جهة الآيات، والكفر بالآيات كفر به. وقوله تعالى :( واتبعوا أمر كل جبار عنيد ) قيل : أخبر أنهم اتبعوا أمر الجبابرة، وأطاعوهم، وتركوا اتباع الرسل، وطاعتهم. قيل :[ الجبار ][ ساقطة من الأصل وم ] هو المتجبر الذي يتجبر على الرسل، ويتكبر عليهم ؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يتجبرون على الرسل، ويتكبرون. والأتباع اتبعوا الرؤساء في عملهم. قال أبو عوسجة : الجبار هو المتجبر، والعنيد هو المعاند المخالف، وقال القتبي : العنود والعنيد والمعاند المعارض لك بالخلاف عليك، وقال أبو عبيدة : العنيد والمعاند هو الجبار.

هود 11:60

وعصوا رسلهم، الكفر بالآيات كفر بجميع الرسل، والكفر بواحد من الرسل كفر بالرسل جميعًا وباللَّه؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو إلى الإيمان باللَّه وبجميع الرسل، فالإيمان بواحد منهم إيمان باللَّه وبجميع الرسل والآيات، والكفر بواحد منها كفر باللَّه وبجميع الرسل، وإنما كان الكفر بالآيات كفرا باللَّه؛ لأن اللَّه إنما يعرف من جهة الآيات والكفر بالآيات كفر به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) قيل: أخبر أنهم اتبعوا أمر الجبابرة وأطاعوهم، وتركوا اتباع الرسل وطاعتهم. قيل: الجبار هو المتجبر الذي يتجبر على الرسل ويتكبر عليهم؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يتجبرون على الرسل ويتكبرون، ثم الأتباع اتبعوا الرؤساء في عملهم. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الجبار هو المتجبر، والعنيد هو المعاند المخالف. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: العنود والعنيد والمعاند المعارض لك بالخلاف عليك. وقال أبو عبيدة: العنيد والعنود والمعاند هو الجائر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) قَالَ بَعْضُهُمْ: اللعن هو العذاب، أي: أتبعوا في الدنيا وفي الآخرة بالعذاب؛ كقوله: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، أي: عذاب اللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُتْبِعُوا) أي: ألحقوا، وقيل: إن اللعن هو الطرد، طردوا عن رحمة اللَّه حتى لا ينالوها لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا أن عادًا كفروا ربهم (أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ)، أي: أَلَا بُعْدًا لهم من رحمة اللَّه. * * * قوله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ

هود 11:61

فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا... (٦١) هو ما ذكرنا، أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا. وقوله: (أَخَاهُمْ): فد ذكرنا أيضًا أن الأخوة تتجه إلى وجوه ثلاثة: أخوة في الدِّين، وأخوة في الجنس، وأخوة في النسب أفهو لا يحتمل أن يكون أخاهم في الدِّين، لكنه يحتمل أن يكون أخاهم من الوجهين الآخرين في الجنس والنسب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ): إن الرسل صلوات اللَّه عليهم جميعًا أول ما دعوا قومهم إنما دعوا إلى توحيد اللَّه وجعل العبادة له؛ لأن غيره من العبادات إنما يقوم بالتوحيد، فكان أول ما دعاهم قومهم إليه لم يزل عادة الرسل وعملهم الدعاء إلى توحهيد اللَّه والعبادة له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ): وقال بعض أهل التأويل: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) يقول: هو خلقكم من آدم وخلق آدم من الأرض، لكنه أضاف خلق الخلائق إليها؛ كما أضاف في قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ...) الآية أخبر أنه خلقنا من نفسه، أي: آدم، وإن لم تكن أنفسنا منه؛ فعلى ذلك إضافته إيانا بالخلق من الأرض، وإن لم يخلق أنفسنا منها، أي: خلق أصلنا وأنشأه من الأرض، فأضاف إنشاءنا إلى ما أنشأ أصلنا. ويشبه أن يكون قوله: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) أي: جعل نشأة الخلائق كلهم ونماءهم

هود 11:62

وحياتهم ومعاشهم بالخارج من الأرض؛ إذ به نشوءهم ونماؤهم وحياتهم وقوامهم منها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا): قَالَ بَعْضُهُمْ: أسكنكم فيها، وقال بعضهم: استخلفكم فيها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)، أي: جعلكم عمار الأرض تعمرونها لمعادكم ومعاشكم، جعل عمارة هذه الأرض إلى الخلق هم الذين يقومون بعمارتها وبنائها وأنواع الانتفاع بها، ويرجع كله إلى واحد. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ) أي: جعل عمركم طويلا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ): هذا قد ذكرنا فيما تقدم في قصة نوح، أي: كونوا بحال يغفر لكم؛ وهو كقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، كأنه قال: فإن انتهوا عن الكفر يغفر لهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ): لحفظ الخلائق أو قريب لمن أنعم عليهم وأمثاله، أو قريب إلى كل من يفزع إليه، مجيب لدعاء كل داع استجاب له؛ كقوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي...) الآية؛ وكقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: قولهم: (قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا) كنت ترحم الضعفاء وتعود المرضي ونحو ذلك من الكلام، فالساعة صرت على خلاف ذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا) كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل هذا الذي تدعونا إليه، فالساعة صرت تشتم آلهتنا وتذكرها بعيب، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا، أي: ما كنا نعرف أن آباءنا عندك سفهاء من قبل هذا، فالساعة تسفه أحلامهم في عبادتهم الأصنام. (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) قالوا هذا؛ احتجاجًا لهم عليه فيما دعاهم إلى توحيد اللَّه وعبادتهم إياه، فقالوا: إنا على يقين أن آباءنا قد عبدوا هذه الآلهة من غير شك فما تدعونا إليه مريب، أي: يريبنا أمرك ودعاؤك لنا إلى هذا الدِّين.

هود 11:63

قد قيل هذا، ولكنا لا نعلم ما كانوا يرجون فيه، وأما المعنى الذي قالوا له قد كنت فينا مرجوا سوى أنا نعلم أنه كان مرجوا فيهم بالعقل والدِّين والعلم والبصيرة ونحوه، فكان مرجوا فيهم بالأشياء التي ذكرنا. هذا نعلمه ولا نعلم ما عنى أُولَئِكَ بقولهم: (قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا)، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) أي: إن كنت على حجة وبرهان وبيان من ربي فيما أدعوكم إلى توحيد اللَّه وصرف العبادة إليه. والثاني: قوله: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي: قد كنت على بينة من ربي (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) يحتمل قوله: رحمة أي: آتاني هدى ونبوة من عنده. (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ) أي: من يمنعني من عذاب اللَّه إن عصيته ورجعت إلى دينكم، أي: لا أحد ينصرني إن أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه، أي: لا أحد ينصرني دون اللَّه لو أجبتكم وأطعتكم فيما دعوتموني إليه. ثم الذي دعوه إليه يحتمل ترك تبليغ الرسالة إليهم، أو دعوه إلى عبادة الأصنام التي عبدوها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ): قيل فيه بوجوه: قيل: فما تزيدونني بمجادلتكم إياي فيما تجادلونني إلا خسرانًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فما تزدادون بمعصيتكم إياي إلا خسرانًا لأنفسكم. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: غير تخسير، أي: غير نقصان. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: غير تخسير هو من الخسران، يقال: خسرته أي: ألزمته الخسران. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة اللَّه لكم آية على صدق صالح فيما ادعى من الرسالة، أو هذه ناقة اللَّه لكم فذروها تأكل في أرض اللَّه، قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة اللَّه لكم آية، أي: لكم آية التي سألتموها من الرسالة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَاقَةُ اللَّهِ): أضاف إليه لخصوصية كانت فيها نحن لا نعرف ذلك، ليست تلك الخصوصية في غيرها من النوق؛ لما جعلها آية لرسالته ونبوته

هود 11:64

وقوله تعالى :( وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ) قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال :( هذه ناقة الله لكم آية ) أي لكم الآية[ في الأصل وم : آية ] التي سألتموها من الرسالة. وقوله تعالى :( هَذِهِ نَاقَةُ ) أضافها[ في الأصل وم : أضاف ] إليه لخصوصية كانت فيها، /٢٤٢-ب/ نحن لا نعرفها[ في الأصل وم : نعرف ذلك ]. ليست تلك الخصوصية في غيرها من النوق لما جعلها آية لرسالته ونبوته خارجة عما عاينوا من النوق، وشاهدوها. وهكذا كانت آيات الرسل ؛ كانت خارجة عن وسع البشر. وطوقهم ليعلم أنها سماوية. ثم لا نعرف [ لها خصوصية سوى ][ في الأصل وم : أنه خصوصية كانت لها ] عظم جسمها وغلظ بدنها حين[ في الأصل وم : حيث ] قسم الشرب بينهم وبينها حتى جعل يوما لها ويوما لهم بقوله :( لها شرب ولكم شرب يوم معلوم )[الشعراء: ١٥٥] ولم يقسم مراعيها بينهم وبينها بقوله ( فذروها تأكل من أرض الله ). وأما ما قاله بعض الناس أنها خرجت من صخرة وكذا وأنها كانت تحلب كل يوم كذا، وأشياء أخرى ذكروها، فإنا لا نعرف ذلك، ولا نقطع القول فيه : إنه كان كذلك سوى أنا نعرف أن لها خصوصية[ أدرج قبلها في الأصل وم : كانت ]، ليست تلك الخصوصية لغيرها من النوق. ولو كانت لنا حاجة[ أدرجت في الأصل وم بعد : الخصوصية ] إلى تلك الخصوصية لبينها لنا. وأصله ما ذكرنا أنه إذا أضيفت[ في الأصل وم : أضيف ] جزئية الأشياء إلى الله فهي[ في الأصل وم : فهو ] على تعظيم تلك الجزئيات المضافة إليه، وإذا [ أضيفت كلية الأشياء إليه ][ في الأصل وم : أضيف إلى كلية الأشياء ] فهي على إرادة التعظيم لله والتبجيل له نحو قوله :( له ملك السموات والأرض )[ البقرة : ١٠٧و. . ][ أدرج بعد هذا القول في الأصل وم : وله كل شيء ونحوه ]. وقوله تعالى :( ولا تمسوها بسوء ) نهاهم [ أن يمسوها ][ في الأصل وم : يمسوا ] بسوء، ولم يبين ما ذلك السوء، فيحتمل أن يكون ذلك [ شيئا عرفوه، ونهاهم عنه ][ في الأصل وم : شيء عرفوا هم ونهاهم عن ذلك ]. وقال بعض أهل التأويل :( ولا تمسوها بسوء ) أي لا تعقروها ( فيأخذكم عذاب قريب ) كان[ أدرج قبلها في الأصل وم : لما ] ذلك على إثر عقرهم الناقة بثلاثة أيام حين[ في الأصل وم : حيث ] قال :( فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ )[ الآية : ٦٥ ] وما ذكر أيضا أن وجوههم اصفرت في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، ثم نزل بهم العذاب في اليوم الرابع، فذلك أيضا مما لا نعرفه. وقوله تعالى :( عذاب قريب ) قيل : سريعا ؛ لا تمهلوا حتى تعذبوا.

هود 11:65

خارجة عما عاينوا من النوق وشاهدوها، وهكذا كانت آيات الرسل كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلم أنها سماوية. ثم لا نعرف أية خصوصية كانت لها عظم جسمها وغلظ بدنها، حيث قسم الشرب بينهم وبينها حتى جعل يوما لها ويومًا لهم بقوله: (لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) ولم يقسم مراعيها بينها وبينهم بقوله: (فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ)، وأما ما قاله بعض الناس: إنها خرجت من صخرة كذا، وأنها كانت تحلب كل يوم كذا وأشياء أخر ذكروها، فإنا لا نعرف ذلك ولا نقطع القول فيه أنه كان كذلك، سوى أنا نعرف أن لها كانت خصوصية ليست تلك الخصوصية لغيرها من النوق، ولو كانت لنا إلى تلك الخصوصية حاجة لبينتها لنا، وأصله ما ذكرنا أنه إذا أضيف جزئية الأشياء إلى الله تعالى فهو على تعظيم تلك الجزئيات المضافة إليه، وإذا أضيف إليه كلية الأشياء فهو على إرادة التعظيم لله والتبجيل له؛ نحو قوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ)، ونحوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ) نهاهم أن يمسوها بسوء، ولم يبين ما ذلك السوء، فيحتمل أن يكون ذلك شيء عرفوا هم ونهاهم عن ذلك. وقال بعض أهل التأويل: (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ) أي: لا تعقروها فيأخذكم عذاب قريب، لما كان ذلك على أثر عقرهم الناقة بثلاثة أيام حيث قال: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) وما ذكر أيضًا أن وجوههم اصفرت في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، ثم نزل بهم العذاب في اليوم الرابع، فذلك أيضا مما لا نعرفه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَذَابٌ قَرِيبٌ) قيل: سريغا لا تمهلون حتى تعذبوا. وقوله: (ذَلِكَ وَعْدٌ) من اللَّه (غَيْرُ مَكْذُوبٍ): ليس فيه كذب، وكان عذابهم إنما نزل على أثر سؤال الآية، سألوا ذلك فلما أن جاءهم بها كذبوها، فنزل بهم العذاب، وهكذا السنة في الأمم السالفة أنهم إذا سألوا الآية فجاءتهم فلم يؤمنوا بها نزل بهم العذاب، وهو قوله: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا...) الآية، واللَّه أعلم.

هود 11:66

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) أي: جاء ما أمر به كما يقال: جاء وعد ربنا، أي: جاء موعود ربنا؛ لأن وعده وأمره لا يجيء، ولكن جاء ما أمر به ووعد به وهو العذاب، أو نقول: جاء أي أتى وقت وقوع ما أمر به ووعد، وهو العذاب الذي وعد وأمر به، واللَّه أعلم. (نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا): بنعمة منا أو بفضل منا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) قيل: الخزي هو العذاب الذي يفضحهم، وقيل: كل عذاب فهو خزي، أي: نجاهم من خزي ذلك اليوم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) قيل: القوي: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز هو الذي يذل من دونه، وقيل: القوي هو المنتقم المنتصر لأوليائه من أعدائه، والعزيز: هو المنيع في ملكه وسلطانه الذي لا يعجزه شيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) قيل: عذابهم كان صيحة صاح بهم جبريل، وقيل: الصيحة الصاعقة وكل عذاب فهو صيحة، لكن لا ندري كيف كان، أو أن يكون عذابهم قدر صيحة لسرعة وقوعه بهم، أو يسمى ذلك العذاب صيحة لما رأوه ما يصيحون فيما بينهم أو ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ): قال هاهنا: ديارهم، وقال في سُورَةِ الأعراف: دارهم، والقصة واحدة. قَالَ بَعْضُهُمْ: دارهم قراهم، وديارهم منازلهم، ولكن هو واحد أصبحوا جاثمين في دارهم ومنازلهم سواءٌ. وقوله: (جَاثِمِينَ) قيل: خامدين موتى وأصل قوله: (جَاثِمِينَ) أي: منكبين على وجوههم، يقال: جثم الطائر إذا انكب على وجهه مخافة الصيد، وقد ذكرناه فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨) قيل: كان لم يعيشوا فيها، وقيل: كان لم يسكنوا فيها، وقيل: كأن لم يعمروا فيها، وأصله أنهم صاروا كان لم يكونوا فيها لما لا يذكرون يعد هلاكهم، فصاروا من حيث لا يذكرون كان لم يكونوا، وأما الأخيار والأبرار فإنهم وأن ماتت أبدانهم وصارت كان لم تكن ففي الذكر كأنهم أحياء حيث يذكرون بعد موتهم.

هود 11:67

وقوله تعالى :( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) قيل : عذابهم كان صيحة ؛ صاح بهم جبريل، وقيل : الصيحة الصاعقة ؛ وكل عذاب فهو صيحة. لكن لا ندري كيف كان ؟ أو أن يكون عذابهم قدر صيحة لسرعة وقوعه بهم، أو ما يسمي ذلك العذاب صيحة [ بما رأوا ][ في الأصل وم : لما رأوه ] ما يصيحون في ما بينهم، أو ما ذكرنا. وقوله تعالى :( فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) قال ههنا ( ديارهم جاثمين ) وقال في سورة الأعراف ( دارهم جاثمين )[ الآيتين : ٧٨و٩١ والعنكبوت : ٣٧ ] والقصة واحدة. قال بعضهم : دارهم قرارهم، وديارهم منازلهم. ولكن هو واحد، أصبحوا جاثمين في دارهم ومنازلهم، سواء. وقوله تعالى :( جاثمين ) قيل : جامدين موتى. وأصل قوله :( جاثمين ) أي منكبين على وجوههم ؛ يقال : جثم الطائر إذا انكب على وجهه مخافة الصيد. وقد ذكرنا في ما تقدم.

هود 11:68

وقوله تعالى :( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) قيل : كأن لم يعيشوا فيها، وقيل : كأن لم يعمروا فيها. وأصله : أنهم صاروا كأن لم يكونوا فيها لما لا يذكرون بعد هلاكهم، فصاروا من [ حين كانوا ][ في الأصل وم : حيث كان ] لم يكونوا. وأما الأخيار والأبرار فإنهم وإن ماتت أبدانهم، وصارت كأن لم تكن، ففي الذكر كأنهم أحياء حين[ في الأصل وم : حيث ] تذكر بعد موتهم. وقوله تعالى :( أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ) قيل : كفروا نعمة ربهم، أو كفروا بآيات ربهم. فذلك كله كفر بالله. وقوله تعالى :( ألا بعدا لثمود ) أي ( ألا بعدا لثمود ) من رحمة الله.

هود 11:69

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ) قيل: كفروا نعمة ربهم، أو كفروا بآيات ربهم، فذلك كله كفر باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) أي: ألا بعدًا لثمود من رحمة اللَّه. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى): اختلفوا في هذه البشارة؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: جاءوا هم ببشارة إسحاق والحافد. وهو قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: جاءوا ببشارة إهلاك قوم لوط وإنجاء لوط وأهله، قيل: لأن لوطا كان ابن أخي إبراهيم، وكان لوط فزع إلى اللَّه بسوء عمل قومه وصنيعهم ودعا بالنجاة منهم، وهو قوله: (إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ...) الآية، حتى ذكر في بعض القصة أن سارة قالت لإبراهيم: ضم ابن أخيك إلى نفسك فإن قومه يعذبون، كأنها عرفت أنه لا يتركهم على ما هم عليه بسوء عملهم. قالوا: جاءوا بالبشارتين جميعًا: ببشارة الولد والحافد، وبشارة هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله؛ إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ): هذا يدل أن السلام هو سنة الأنبياء والرسل والملائكة في الدنيا والآخرة، ولم تخص هذه الأمة به بل كان سنة الرسل الماضية والأمم السالفة وكذلك هو تحية أهل الجنة لقوله: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ)، ونحوه، هذا يدل على ما ذكرنا. ثم انتصاب قوله: (سَلَامًا) وارتفاع الثاني؛ لأن الأول انتصب لوقوع القول عليه كقولك: قال قولا، والثاني حكاية لقولهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ). وقوله: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ) أي: ما لبث عندهم حتى اشتغل بتقديم شيء إليهم، وإلا قد يكون في ذبح العجل وشويه لبث إلا أن يكون العجل مشويًّا، فإن لم يكن مشويّا فتأويله ما ذكرنا أن لم يلبث عندهم في المؤانسة والحديث معهم على ما يفعل مع الأضياف حتى جاء بما ذكر، وفيه ما ذكرنا من الأدب، وفيه دلالة فيمن نزل به ضيف ألا يشتغل بالسؤال عن أحوال ضيفه من أين وإلى أين؟ وما حاجتهم؟ ولكن يشتغل بقراهم وإزاحة حاجتهم؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - إنما اشتغل بقراهم، لم يشتغل بالسؤال عن أحوالهم، ولكن اشتغل بما ذكرنا فجاء بعجل حنيذ، وهذا هو الأدب في الضيف، ألا ترى أنه لو كان سأل عن أحوالهم، فعرف أنهم من الملائكة لكان لا يشتغل بما ذكر؛ إذ عرف أنهم من الملائكة والملائكة لا يتناولون شيئًا من الطعام. وقوله: (بِعِجْلٍ حَنِيذٍ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: الحنيذ: السمين، وهو ما ذكر في موضع آخر: (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحنيذ هو المشوي الذي خد في الأرض خدًّا، فحمي فشوي بالحجر المحمي. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحنيذ هو المشوي الذي يسيل منه الماء. وقال ابن عَبَّاسٍ: الحنيذ: النضيج.

هود 11:70

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) قَالَ بَعْضُهُمْ: نكرهم وأنكرهم واستنكرهم: واحد، وهو من الإنكار، أي: لم يعرفهم؛ ظن أنهم لصوص؛ لأن اللصوص من عادتهم أنهم كانوا إذا أرادوا السرقة من قوم لم يتناولوا من طعامهم، ولم يأكلوا شيئًا عندهم. وقيل: نكرهم أنهم برمن البشر. (وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً). قيل: أضمر منهم خوفًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: خاف لما ظن أنهم سراق ولصوص؛ حيث لم يتناولوا شيئًا مما قدم إليهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: خيفة، أي: وحشة: أي: أضمر وحشة، حيث لم يتناولوا شيئًا مما قرب إليهم؛ فحينئذ علم أنهم ليسوا من البشر؛ لأن منزل إبراهيم كان ينأى من البلد، ولم ينزل أحد من البشر إلا وقد احتاج إلى الطعام، فلما لم يتناولوا علم أنهم ليسوا من البشر، فما جاءوا إلا لأمر عظيم: لتعذيب قوم وهلاكهم؛ فخاف لذلك؛ فقالوا: (لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) وقال في موضع آخر: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً...) الآية. وقال في موضع آخر: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ). وقال في موضع آحْر: (لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ)، وقال: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) يذكر هاهنا أن قولهم: (إِنَّا أُرْسِلْنَا) على أثر سؤال، وفيما نحن فيه لا كذلك؛ فالمعنى فيه - واللَّه أعلم - أن ذلك كان على أثر سؤال إبراهيم بقوله: (فَمَا خَطْبُكُمْ)، لكنه جمع ذلك فيما نحن فيه بالحكاية عن قولهم، وإن كان مفصولا عنه، وخرجت الحكاية في موضع آخر على ما كان في الحقيقة، وذلك مستقيم في كلام العرب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَ بَعْضُهُمْ: قائمة على رءوس الأضياف؛ لأنها كانت عجوز، ولا بأس لعجوز ذلك؛ ألا ترى إلى قول اللَّه - تعالى - (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ...) الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (قَائِمَةٌ) من وراء الباب، لكن لسنا ندري أي ذلك كان؟ وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَضَحِكَتْ). قَالَ بَعْضُهُمْ: ضحكت، تعجبًا من خوف إبراهيم أنهم لصوص، وهم كانوا ثلاثة أو أربعة، دون عشرة، وكان خدم إبراهيم - عليه السلام - يبلغ عددهم ثلاثمائة، على ما ذكر في القصة ضحكت تعجبًا؛ إذ كيف يخاف من نفر عددهم دون عشرة، وعنده من الخدم ما يبلغ عددهم ما ذكرنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ضحكت؛ تعجبا مما بشروها بالولد، وقد بلغ سنها ما بلغ من الكبر وهو كذلك، وقالت: أحق أن ألد وقد بلغت من السن كذا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ضحكت أي: حاضت، من قولهم: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وهو قول ابن عَبَّاسٍ وعكرمة. وقال الفراء: (فَضَحِكَتْ): حاضت غيرُ مسموع ولا معروف فعلى تأويل من قال: إنها ضحكت تعجبًا مما بشرت بالولد فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال فبشرناها بإسحاق ومن وراء أسحاق يعقوب فضحكت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ضحكت سرورًا بالأمن منهم؛ لأنهما خافا منهم. وقوله: (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ). ظاهر هذا أنها بشرت بإسحاق، ومن وراء أولاد إسحاق أولاد يعقوب، ولكن لم يكن يعقوب ولد من إبراهيم؛ إنما ولد من إسحاق، وهو: حافد إبراهيم أبي إسحاق فتأويله من وراء إسحاق حافد؛ فإنما البشارة بالولد وبالحافد، وهو كقوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً). وقال في هذه السورة: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ)، وقال في موضع آخر: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ).

هود 11:71

وقوله تعالى :( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ) قال بعضهم :( قائمة ) على رؤوس الأضياف لأنها كانت عجوزا، ولا بأس لعجوز ذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى :( والقواعد من النساء ) ؟ الآية [النور: ٦٠]. وقال بعضهم :( قائمة ) من وراء الباب. لكن لسنا ندري أي ذلك كان ؟ وقوله تعالى :( فضحكت ) قال بعضهم : ضحكت تعجبا من خوف إبراهيم أنهم لصوص، وهم كانوا ثلاثة أو أربعة دون عشرة، وكان خدم إبراهيم عليه السلام يبلغ عدده ثلاثمائة على ما ذكر في القصة : ضحت تعجبا أنه كيف يخاف من نفر، عددهم دون عشرة، وعنده من الخدم ما يبلغ عددهم ما ذكرنا ؟ وقال بعضهم : ضحكت أي حاضت من قولهم ؛ ضحكت الأرنب إذا حاضت، وهو قول ابن عباس وعكرمة. وقال الفراء : ضحكت : حاضت غير مسموع ولا معروف. فعلى تأويل من قال : إنها ضحكت تعجبا مما بشرت بالولد فهو على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت. وقال بعضهم : ضحكت سرورا بالأمر منهم، وهو قوله تعالى :( ومن وراء إسحاق يعقوب ) فضحكت. وقال بعضهم ؛ ضحكت : ظاهر هذا أنها بشرت بإسحاق ومن وراء إسحاق بأولاد[ في الأصل وم : بولاد ] يعقوب، ولكن لم يكن يعقوب ولد من إبراهيم، إنما ولد من إسحاق، وهو حافد إبراهيم، ابن إسحاق. فتأويله : من وراء إسحاق حافد، فإنما البشارة بالولد وبالحافد. وهو كقوله :( ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة )[الأنبياء: ٧٢] وقال في هذه السورة ( وامرأته قائمة فضحكت ) وقال في موضع آخر ( فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها )[ الداريات : ٢٩ ]. فإن كان على ما قالوا أنها كانت قائمة وراء الباب فيكون إقبالها خروجها إلى القوم. وإن كان قيامها على رؤوسهم فيكون معنى الإقبال في ضرب وجهها وصكها، لكن ذلك [ ليس ][ ساقطة من الأصل وم ] من القدوم، لكنه على الإقبال بفعل ما أخرعها من صك وجهها، والله أعلم.

هود 11:72

فإن كان على ما قالوا إنها كانت قائمة وراء الباب؛ فيكون إقبالها خروجها إلى القوم، وإن كان قيامها على رءوسهم؛ فيكون معنى الإقبال هو الإقبال في ضرب وجهها وصكها، لكن ذلك من القدوم، لكنه على الإقبال بفعل ما أخبر عنها من صك وجهها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) وقال في موضع آخر: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) وقال هاهنا: (يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ). هي لم تتعجب من قدرة اللَّه أنه قادر على أن يهب الولد في كل وقت؛ ولكنها تعجبت لما رأت العادة في النساء والرجال أنهم إذا بلغوا المبلغ الذي كانوا هم لم يلدوا؛ فتعجبها أنها تلد في الحال التي هي عليها، أو يُردَّان إلى حال الشباب؛ فعند ذلك يولد لهما، وكلاهما عجيب بحيث الخروج على خلاف العادة، لا بحيث قدرة الرب، وهو كما ذكرنا من قول زكريا: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) وفي موضع آخر: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)، وقوله: أنى يكون لي غلام في الحال التي أنا عليها أو يردُّ لي شبابي، فعلى ذلك قولها (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) قال أهل التأويل: أتعجبين من قدرة اللَّه هذا؟ لكنه يحتمل وجهين: أحدهما أي: لا تعجبي من أمر اللَّه هذا وكثيرا مما رأيت أمثال ذلك في أهل بيتك. والثاني [..... ] وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ). يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (قَالُوا سَلَامًا)؛ لأنه معلوم أنهم لم يقولوا سلامًا حسب، لم يزيدوا على هذا؛ بل زادوا؛ فكأنهم قالوا: سلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، أو قالوا: سلام اللَّه ورحمته وبركاته عليكم. (أَهْلَ الْبَيْتِ). بالنصب؛ كأنه قال يا أهل البيت، كقوله - عليه السلام - حيث قال: " تركت بعدي

هود 11:73

قوله تعالى :( قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) قال أهل التأويل : أتعجبين من قدر الله على [ على ][ ساقطة من الأصل م ] هذا. وقوله تعالى :( رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ ) يشبه أن يكون هذا صلة قوله :( قالوا سلاما ) لأنه معلوم أنهم لم يقولوا سلاما حسب، لم يزيدوا على هذا، بل زادوا. فكأنهم قالوا سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو قالوا : سلام الله ورحمته وبركاته عليكم أهل البيت بالنصب، [ كأنهم قالوا :][ في الأصل وم : كأنه قال ] يا أهل البيت كقوله ﷺ حين[ في الأصل وم : حيث ] قال :«تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي »[ الترميذي٣٧٨٦ ] أي يا أهل بيتي. [ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) يحتمل ( حميد ) الذي يقبل اليسير من المعروف، ويعطي الجزيل كالشكور، و المجيد من المجد والشرف. وقيل الحميد المحمود، والمجيد الماجد، وهو الكريم، والله أعلم.

هود 11:74

الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي: أهل بيتي "، أي: يا أهل بيتى. (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). يحتمل حميد الذي يقبل اليسير من المعروف ويعطي الجزيل كالشكور، والمجيد: من المجد والشرف. وقيل: الحميد: المحمود، والمجيد: الماجد وهو الكريم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) قيل: الروع هو الفرق والفزع الذي دخل فيه بمجيء الملائكة. (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى). في الولد والحافد، وفي نجاة لوط وأهله، وهو ما ذكرنا في قوله: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ). قال بعض أهل التأويل: مجادلته إياهم في قوم لوط ما ذكر في القصة أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم من المؤمنين كذا تعذبونهم؟ قالوا: لا ونحوه من الكلام فإن ثبت هذا، وإلا لا نعلم ما مجادلته إياهم وأمكن أن تكون مجادلته إياهم في دفع العذاب عنهم أو تأخيره دليله قوله: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) ويحتمل مجادلته إياهم في استبقاء قوم لوط؛ شفقة عليهم ورحمة، لعلهم يؤمنون ويقبلون ما يدعون إليه؛ لئلا ينزل بهم العذاب: ما أوعدوا يتشفع إليهم ليسألوا ربهم أدق يبقيهم واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) قيل: الحليم هو الذي لا يكافئ من ظلمه ولا يجازيه به، أو يحلم عن سفه كل سفيه (أَوَّاهٌ)، قيل: الأواه: الموقن، بلغة الحبش، وقيل: الأواه: المتأوه، وهو الدعاء وكثير الدعاء، وقيل: الأواه: المتقي الذي لا يفتر لسانه عن ذكره، وقيل: الأواه: الحزين فيما بينه وبين ربِّه. في هذه الأحرف الثلاثة جميع أنواع الخير والطاعة ما كان فيما بينه

هود 11:75

وقوله تعالى :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ) قيل : الحليم هو الذي لا يكافئ من ظلمه، ولا يجازيه به، أو يحلم عن سفه كل سفيه. والأواه[ في الأصل وم : وأواه ] المقين بلغة الحبش، وقيل : الأواه المتأوه وهو الدعّاء وكثير الدعاء وقيل الأواه : المتقي الذي لا يفتر لسانه عن ذكره. وقيل الأواه الحزين في ما بينه وبين ربه. جمع في هذه الأحرف الثلاثة : جميع أنواع الخير والطاعة ما كان بينه وبين الخلق حين[ في الأصل وم : حيث ] ذكر أنه حليم وأنه أواه وأنه منيب. والمنيب : قيل المخلص لله، وقيل : هو المقبل إلى الله بقلبه وبدنه وقد ذكرنا هذا في سورة التوبة[ في تفسير الآية ١١٤منها ].

هود 11:76

وبين ربه، وما كان بينه وبين الخلق، حيث ذكر أنه حليم وأنه أواه، وأنه منيب، والمنيب، قيل: المخلص لله وقيل: هو المقبل إلى اللَّه بقلبه وبدنه، وقد ذكرنا هذا في سورة التوبة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) يعني: عن المجادلة التي كان يجادلهم (إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) أي: جاء ما أمر به ربك، وجاء موعودهم، وأنهم (آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) أي: غير مدفوع لا يحتمل الرد بالشفاعة. ويحتمل قوله: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) عن المجادلة التي، ذكر أنه قد جاء أمر ربك بالانصراف والرجوع عنك. ويحتمل: جاء أمر ربك من إنزال العذاب بهم. * * * قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ): قوله (سِيءَ بِهِمْ) قيل: أي: ساءه مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) أي: لم يدر كيف يصنع بهم، وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه. والذرع: قيل: هو المقدرة والقوة، أي: ضاق مقدرته وقوته (وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) قيل: فظيع شديد؛ لأنه يوم يهتك فيه الأستار، ويفضح الرجال. وفيه دليل جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: يوم عصيب فظيع، فبعد لم يظهر له شدته لكنه قاله اجتهادًا، واللَّه أعلم.

هود 11:77

وقوله تعالى :( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ) قوله :( سيء بهم ) قيل : أي ساء مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم ( وضاق بهم ذرعا ) أي لم يدر كيف يصنع بهم ؟ وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه ؟ والذرع هو المقدرة والقوة ؛ أي ضاقت[ في الأصل وم : ضاق ] مقدرته وقوته ( وقال هذا يوم عصيب ) قيل فضيع شديد لأنه يوم يهتك الأستار، ويفضح الرجال. وفيه دليل جواز الاجتهاد لأنه قال :( يوم عصيب ) فبعد لم تظهر شدته، لكنه قال : اجتهادا، والله أعلم. ثم قوله تعالى :( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ) بسوء صنيع قومه بأضيافه. الحرفان جميعا ينصرفان[ في الأصل وم : ينصرف ] إلى لوط لمكان قوله ولمكان[ في الأصل وم : ولمكان ] أضيافه ؛ أو يكون أحد الحرفين لمكان ضيفه والآخر لمكان قومه[ في الأصل وم : ضيفه ] وما ينزل بقومه، والله أعلم.

هود 11:78

ثم قوله: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) يحتمل: أن يكون قوله: (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) لما جاءته الرسل بإهلاك قومه ساءه ذلك، وضاق به ذرعًا كذلك أيضًا. ويحتمل قوله: (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا)، بسوء صنيع قومه بأضيافه، الحرفان جميعًا ينصرفان إلى لوط لمكان قومه، أو لمكان أضيافه، أو يكون أحد الحرفين لمكان ضيفه، والآخر لمكان ما ينزل بقومه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: يسرعون إليه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) أي: يهرولون إِلَيْهِ، وهو سير بين السعي وبين المشي بين بينين. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله، (يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) أي: يروعون إليه، من الروع، أي: فزعين إليه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: (وَمِنْ قَبْلُ) أي: من قبل أن يبعث لوط رسولا إليهم كانوا يعملون السيئات. ويحتمل قوله: (وَمِنْ قَبْلُ) أي: من قبل نزول الأضياف بلوط كانوا يعملون السيئات، والسيئات تحتمل الشرك وغيره من الفواحش التي كانوا يرتكبونها، واللَّه أعلم. وقوله: (قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) اختلف في قوله: (بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أراد بنات قومه؛ لأن الرسل هم كالآباء لأولاد قومهم ينسبون إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ). وفي حرف ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (وهو أب لهم كما أزواجه أمهاتهم والنبي أب لهم)؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي) أراد بنات قومه فنسبهن إلى نفسه؛ لما ذكرنا أنه كالأب لهم. ثم يحتمل معنى جعل النبي لأولاد قومه كالأب، وأزواجه كالأم وجهين: أحدهما: نسبوا إليه للشفقة، فهو أشفق بهم من الأب والأم. أو: لحق التربية وتعليم الدِّين كالأب لهم؛ فهو أولى بهم من أنفسهم لهذين الوجهين. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أراد بنات نفسه. ثم اختلف فيه. قَالَ بَعْضُهُمْ: كان ذلك منه تعريضا لهم للنكاح؛ يقول: هَؤُلَاءِ بناتي هن أطهر لكم نكاحًا إن كنتم قابلين للإيمان. ومنهم من قال: هو تعريض منه لما هو زنا عندهم، لا أنه عرض ذلك عند نفسه، وهذا كما يقولون بأن من أكره على أن يشتم محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فلا بأس بأن يشتم ويقصد بشتمه محمدًا آخر يحل له شتمه، وإن كان عند المكره أنه يشتم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعد أن جعل الشاتم في قلبه غيره، وكذلك إذا أكره على أن يشتم الإله، فيقصد بالشتم شتم آلهتهم، وإن كان عندهم أنه إنما يشتم إلهه الذي يعبده؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: (هُنَّ أَطْهَرُ لَكم) تعريض زنا عندهم، وإن كان عنده أنه ليس لذلك يقصد. وقال قائلون: قال هذا ليريهم قبح الفعل الذي كانوا يقصدون بأضيافه؛ لأن الزنا كان عندهم محرما فعرض عليهم بناته؛ ليعرفوا قبح ذلك الفعل؛ حيث احتمل فعله في بناته ولم يحتمل في أضيافه؛ ليمتنعوا عن ذلك. أو يحتمل أن يكون قال ذلك وإن كان كلاهما لا يحلان، لكن أحدهما أيسر وأهون، ويجوز الجمع بين شرين؛ فيقال: هذا أطهر لكم وأحل من هذا، وهذا أيسر من هذا وأهون، وإن كان كلاهما شرين، فالزنا وإن كان حرامًا فذلك مما يحل بالنكاح، وأدبار الرجال لا تحل بحال. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم كانوا يخطبون بناته، وكان أبى أن يزوجهن منهم؛ لما لم يكونوا

هود 11:79

كفؤًا لهن، ثم عرض عليهم في ذلك الوقت؛ ليعلموا قبح ذلك الفعل الذي قصدوا بأضيافه، أو كلام نحو هذا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) وقال في موضع آخر: (فَلَا تَفْضَحُونِ)، ليعلم أن الإخزاء هو الفضيحة؛ هذا يدل أن الخزي هو الذي يفضح من نزل به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هم أن يزوج بعض بناته من يصدر لرأيه فيمنعهم عنهم؛ كأنه يقول: أليس منكم من يرشد ويصدر لرأيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) أي: أليس منكم رجل يقبل الموعظة، ويرشدكم، ويعظكم، أو يقول: أليس منكم رجل رشيد على النفي فيمنعهم عما يريدون ويقصدون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) على التأويلين اللذين ذكرناهما يكون: الحق: حق النكاح، أو حق الاستمتاع، وفي بعض التأويلات من حق: من حاجة، وبذلك يقول عامة أهل التأويل: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) أي: من حاجة (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) يعنون: الأضياف (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) أي: قوة في نفسي (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) قيل: عشيرته. والركن الشديد عند العرب: العشيرة؛ يقول: لو أن لي بكم قوة في نفسي أو عشيرة يعينوني لقاتلتكم؛ فيه دلالة أن من رأى آخر على فاحشة فله أن يقاتله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) تأويله - واللَّه أعلم -: أنك تعلم أن ليس لنا في بناتك من حق كما ليس لنا في أضيافك من حق فكيف تمنعنا عنهم وتعرض علينا بناتك، فهن فيما ليس لنا فيهن حق كأُولَئِكَ، واللَّه أعلم. (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) قيل: قالوا ذلك للوط: لن يصلوا إليك؛ لما طمسوا أعينهم، وهو كقوله: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُر). وقال قائلون قالوا ذلك للوط لما أوعدوا للوط، حين طمست أعينهم أن ضيفك سحروا أبصارنا، فستعلم غدًا ما تلقى أنت وأهلك، فقالوا عند ذلك: لن يصلوا إليك بسوء غدًا بأنهم يهلكون. ودل قوله: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) على أنهم قد هموا للوط وأوعدوه حتى قال ما قال؛ ألا ترى أن الملائكة قالوا له: إنهم لن يصلوا إليك، فهذا على ما ذكرنا.

هود 11:80

[ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ) أي قوة في النفس ( أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) قيل : عشيرته، والركن الشديد عند العرب العشيرة ؛ يقول :( لو أن لي بكم قوة ) في نفسي وعشيرتي[ في الأصل وم : عشيرة ] يعينوني لقاتلتكم. فيه دلالة أن من رأى[ من ][ ساقطة من الأصل و ] آخر فاحشة فله أن يقاتله. وقوله تعالى :( ما لنا في بناتك من حق ) تأويله، والله أعلم : إنك تعلم أن ليس لنا في بناتك من حق كما ليس في أضيافك حق، فكيف [ تمنعنا عنهم ][ من م، في الأصل : تمنعها ] وتعرض علينا بناتك ؟ فهن في ما ليس لنا فيهن حق كأولئك والله أعلم.

هود 11:81

[ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ) قيل : قالوا ذلك للوط :( لن يصلوا إليك ) لما طمست أعينهم، وهو كقوله :( ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذقوا عذابي ونذر )[القمر: ٣٧] وقال قائلون : قالوا ذلك للوط حين طمست أعينهم : إن ضيفك سحروا أبصارنا فستعلم غدا ما تلقى أنت وأهلك، فقالوا عند ذلك :( لن يصلوا إليك ) بسوء غدا بأنهم يهلكون. ودل قوله :( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) على أنهم قد هموا بلوط، وأوعدوه، حتى قال ما قال. ألا ترى أن الملائكة قالوا له : إنهم ( لن يصلوا إليك ) فهذا ما ذكرنا. وقوله تعالى :( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ ) قيل : قطع من الليل آخره، وهو وقت السحر، وقيل هو ثلث الليل أو ربعه من آخره، وهو واحد والله أعلم. وقوله تعالى :( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ ) قيل : لا يتخلف أحد منكم إلا امرأتك، فإنها تتخلف ويصيبها ما أصاب أولئك. وقال بعضهم :( ولا يلتفت ) من الالتفات والنظر ؛ قيل : لا يترك أحد متابعتك إلا امرأتك فإنها لا تتبعك فيصيبها ما أصاب أولئك. وقوله تعالى :( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ ) يحتمل النهي عن الالتفات ؛ كأنه يقول : لا يلتفت أحد. ويحتمل الخبر كأنه يقول : لا يلتفت منكم أحد إلا من ذكر /٢٤٤-أ/ ؛ وهي[ في الأصل وم : وهو ] زوجته، فذلك علامة لخلافها له. وقوله تعالى :( إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ ) [ فقال لوط ][ في الأصل وم : فقالوا ] :( أليس الصبح بقريب ) كأن لوط استبطأ الصبح لعذابهم فقال[ في الأصل وم : فقالوا ] ( أليس الصبح بقريب ) هذا من لوط لا يحتمل أن يكون قال ذلك وهو بين أظهرهم ويعلم أن قراه ستقلب أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها. ولكن قال، والله أعلم، بعدما أخرجوه وأهله من بين أظهرهم. فعند ذلك قال ما قال، واستبطأ وقت نزول العذاب بهم، والله أعلم.

هود 11:82

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) قيل: قطع من الليل: آخره وهو وقت السحر. وقيل: هو ثلث الليل، أو ربعه من آخره، وهو واحد، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ): (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ) قيل: لا يتخلف أحد منكم إلا أمرأتك؛ فإنها تتخلف، ويصيبها ما أصاب أُولَئِكَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَا يَلْتَفِتْ) من الالتفات والنظر. وقيل: لا يترك أحد منكم متابعتك إلا امرأتك؛ فإنها لا تتبعك، فيصيبها ما أصاب أُولَئِكَ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ) يحتمل النهي عن الالتفات، كأنه يقول: لا يلتفت أحد. ويحتمل الخبر كأنه يقول: لا يلتفت منكم أحد إلا من ذكر، وهو زوجته، فذلك علامة لخلافها له. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ)، فقالوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ): كأن لوطًا استبطأ الصبح لعذابهم، فقالوا: أليس الصبح بقريب، هذا من لوط لا يحتمل أن يكون قال ذلك وهو بين أظهرهم، ويعلم أن قراه يقلب أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، ولكن قال ذلك - واللَّه أعلم - بعدما أخرجوه وأهله من بين أظهرهم، فعند ذلك قال ما قال، واستبطأ وقت نزول العذاب بهم؛ واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) يحتمل: جاء الأمر بالمراد بأمرنا. أو أمره هو جعله عاليها سافلها. ثم قال أهل التأويل قوله: (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) أدخل جبريل جناحه تحت قريات لوط، فرفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل ما هو أعلاها أسفلها، فهوت إلى الأرض؛ فذلك قوله: (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى) قيل: أهوى بها، جبريل من السماء إلى الأرض.

هود 11:83

وأمكن أن يكون إذا أهلكهم جعلهم تحت الأرض؛ فذلك جعل أعلاها أسفلها، لكن أهل التأويل حملوه على ما ذكرنا، وأجمعوا على ذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قلبت القرى، وجعل أعلاها أسفلها، على ما ذكر، وأرسل الحجارة على من كان غائبا عنها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ). قَالَ بَعْضُهُمْ: أمطر الحجارة عليها، ثم قلبها جبريل. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أمطر عليها الحجارة بعدما قلبها جبريل، فسواها، وكل واحد منهم كان غائبا عن بلده جاءت حجار مكتوب عليها اسمه [فقتلته] حيث كان، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ سِجِّيلٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: السجيل: هو اسم المكان الذي منه رفع الحجر الذي أمطر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو طين مطبوخ كالآجر. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: [سَنْك وكِلْ] (١) (مَنْضُودٍ) نضد الحجر بالطين وألصق بعضه ببعض. (مُسَوَّمَةً (٨٣) معلمة، مخططة، سود الحمرة. (١) في الكتاب المطبوع هكذا [سَنْك وجيل]، والتصويب من زاد المسير لابن الجوزي، ونصه (أنها بالفارسية سَنْك وكِلْ، السنك: الحجر، والكل: الطين). اهـ واللَّه أعلم. (مصحح النسخة الإلكترونية). وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مُسَوَّمَةً)، أي: مكتوب عليها اسم صاحبها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ). قَالَ بَعْضُهُمْ: ما هي من ظلمة قوم لوط ببعيد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما هي من ظالمي أهل أمكة، وحواليهم ببعيد، أي: عذاب الله ليس ببعيد، فهو، يعذبهم إن شاء. ويحتمل قوله: (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) أي: تلك القرى والأمكنة التي أهلك أهلها ليست ببعيدة من مشركي أهل مكة، وهو ما ذكر: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ) الآية، وفيه تذكير منته على هذه الأمة، حيث لم يجعل عذابهم عذاب استئصال بحيث لا يملكون العود عنه والرجوع، ولكن جعل عذابهم الجهاد، حتى لو أرادوا الرجوع عنه ملكوا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)

هود 11:84

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِلَى مَدْيَنَ... (٨٤) أي: إلى مدين أرسلنا، (أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) هذا قد ذكرنا فيما تقدم: أن كل نبي أول ما دعا قومه إنما دعا إلى توحيد اللَّه، وجعل العبادة له. وفي قوله: (أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) وما ذكر في غيره من الأخوة دلالة على أن الرسل من قبل كانوا يبعثون من جنس قومهم لا من الملائكة حيث قال: (أَخَاهُمْ شُعَيْبًا)، ومعلوم أنهم لم يكونوا إخوة لهم في الدِّين، وفيه أن المؤاخاة لا توجب فضيلة المؤاخى له؛ لأنه ذكر أن الرسل، إخوة أُولَئِكَ الأقوام، ومنهم كفرة، وذلك يرد قول الروافض في تفضيل علي على أبي بكر بالمؤاخاة التي كانت بين رسول اللَّه وبين علي؛ والخلة توجب الفضيلة، وقد جاء عنه عليه السلام أنه قال: " لو اتخذت سوى ربي خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ)، ذكر أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، ولا يوفون الناس حقوقهم، فنهاهم عن ذلك، فهو - واللَّه أعلم - لوجهين: أحدهما: أنهم إنما نهوا عن ذلك؛ لحق الربا؛ لأن النقصان إذا كان برضا من صاحبه يجوز؛ فدل أنه إنما نهاهم بحق الربا، وفيهما يجري الربا.

هود 11:85

والثاني: فيه أن أهبة، المشتري للبائع، وتقلبه أفيه، قبل قبضه على قيام البيع فيما بينهما غير جائز؛ واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) قيل: في سعة من المال. وقيل: في رخص من السعر، وإنما يحمل المرء على النقصان والظلم على آخر - عز الشيء وضيق الحال، فكيف تنقصون أنتم في حال السعة ورخص السعر. أو يقول: (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) في غير هذا، فلا تظلموا الناس في هذا، ولا تمنعوا حقوقهم، (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ)، أي: يوم يحيط بهم العذاب إن كانت الإحاطة مضافة إلى اليوم فهو محيط بالكل، وإن كانت الإحاطة مضافة إلى العذاب، فهو محيط بالكفرة خاصة، وهو - واللَّه أعلم - أنه ما من جارحة من ظاهرة وباطنة إلا وقد يصيبها العذاب، ويحيط بها، ليس كعذاب الدنيا يأخذ جزءًا دون جزء، بل يحيط به، والنهي بتخصيص نقصان الكيل والميزان لا يدل على أن لم يكن فيهم من المآثم والإجرام سوى ذلك، لكنه خص هذا؛ لما كان الظاهر فيهم نقصان الكيل والوزن، فذكر ذلك، وهو ما خص قوم لوط بقوله: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) و (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ...) الآية. ذكر هذا وخصهم، ليس على أنهم لم يكونوا يأتون من الفواحش غيرها، لكن خص هذا؛ لأن الظاهر فيهم هذا؛ فعلى ذلك نقصان الكيل والميزان في قوم شعيب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) خص المكيال والميزان. واللَّه أعلم - لما كانوا يطففون المكيال وينقصون الميزان؛ رغبة فيهما، وفيهما يجري الربا، كما ذكرنا.

هود 11:86

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)، فيه دلالة أن المشتري يملك المبيع قبل أن يقبضه؛ لأنه قال: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) أضاف إلى الناس أشياءهم، فلو كان لا يملك، لم يكن أشياء الناس، إنما كان أشياء البائع، فإنما نقص ماله. وقوله: (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، وهو ما ذكر في موضع آخر: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: ما أبقى اللَّه لكم من ثوابه في الآخرة خير لكم إن آمنتم به، وأطعتموه مما تجمعون من الأموال. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: ما جعل اللَّه لكم مما يحل خير لكم مما يحرم عليكم من نقصان الكيل والوزن، (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بالحلال أو بالآخرة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: طاعة اللَّه - وهو ما يأمركم به، ويدعوكم إليه - خير لكم مما تفعلون. وقال الحسن: رزق اللَّه خير لكم من بخسكم الناس حقوقهم، لكن هذا يرجع إلى ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) يحتمل: ما أنا عليكم بحفيظ، أي: لست أشهد بياعاتكم وأشريتكم حتى أعلم ببخسكم الناس المكيال والميزان، لكن إنما أعرف ذلك باللَّه، وفيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. والثاني: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أي: بمسلط عليكم، إنما أبلغ إليكم، كقوله: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ).

هود 11:87

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قال بعض أهل التأويل: صلاتك، أي: قراءتك تأمرك هذا. وقال ابن عَبَّاسٍ: قالوا ذلك له؛ لأن شعيبًا كان يكثر الصلاة، كأنه يخرج على الإضمار يقولون: أصلواتك تأمرك بأن تأمرنا بترك عبادة ما عبد آباؤنا. وقوله: (أَصَلَواتُكَ) يحتمل أنها كانت صلوات، معروفة يفعلها، فيقولون: أصلواتك التي تفعلها تأمرك أن نترك كذا، أم صلاة واحدة تكثرها، فقالوا: (أَصَلَاتُكَ)، وخصوا الصلاة من بين غيرها من الطاعات؛ لما لعلها كانت من أظهر طاعاته عندهم، فقالوا له هذا. ثم يحتمل وجهين: أحدهما: كأنهم، قالوا: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ...) كذا على التسفيه له والتجهيل، كمن يوبخ آخر ويسفهه، فيقول له: أعلمك يأمرك بذلك، أو إيمانك يأمرك بهذا، كقوله: (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ)، ونحوه من الكلام يخرج على التسفيه له أو التجهيل. والثاني: يقال ذلك على الإنكار، يقول الرجل لآخر: إيمانك يأمرك بذلك، أو علمك يأمرك بهذا، أي: لا يأمرك بذلك، فعلى ذلك يحتمل قول هَؤُلَاءِ: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) أي: لا تأمرك بذلك، هذا إذا كانت الصلاة التي ذكروها مرضية عندهم، فإن لم تكن مرضية، فالتأويل هو الأول. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)، الآية، حبب إليهم تقليد آبائهم في عبادة الأصنام واتباعهم إياهم والأموال التي كانت لهم، أفمنعهم هذا، عن النظر في الحجج والآيات؛ لما حبب إليهم ذلك، وهكذا جميع الكفرة إنما منعهم عن النظر في آيات اللَّه والتأمل في حججه أحد هذه الوجوه التي ذكرنا: حب اللذات، ودوام الرياسات، والميل إلى الشهوات، ظنوا أنهم لو اتبعوا رسل اللَّه وأجابوهم إلى ما دعوهم إليه - لذهب عنهم ذلك. ثم قوله: (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) يحتمل: قضاء جميع الشهوات. ويحتمل: ما ذكر من نقصان المكيال والميزان، يقولون: أموالنا لنا ليس لأحد فيها حق، نفعل فيها مانشاء. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ): الألف صلة " وأن نفعل في أموالنا ما نشاء ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) قَالَ بَعْضُهُمْ من أهل التأويل: قالوا ذلك له؛ استهزاء به وسخرية، كنوا بالحليم عن السفيه، وبالرشيد عن الضال، أي: أنت السفيه الضال؛ حيث سفهت آباءنا في عبادتهم الأصنام، الضال، حيث تركت ملتهم ومذهبهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: على النفي والإنكار، أي: ما أنت الحليم الرشيد.

هود 11:88

ويشبه أن يكون على حقيقة الوصف له بالحلم والرشد؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذبا قط، ولا رأوه على خلاف ولا على سفَاهة قط؛ فقالوا: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)، أي: كنت هكذا؛ فكيف تركت ذلك، وهو ما قال قوم صالح لصالح حيث قالوا: (قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) أي: على علم وبيان وحجج وبرهان من ربي، على ما ذكرنا فيما تقدم، أي: تعلمون أني كنت على بيان من ربى وحجج، (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا): يحتمل هذا منه مكان ما قال أُولَئِكَ الأنبياء: (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) أي: قال شعيب: (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا)، الدِّين والهدى، والنبوة على ما ذكر وأمكن أن يكون الرزق الحسن هو الأموال الحلال الطيبة التي لا تبعة عليه فيها فقال ذلك؛ وما رزق أُولَئِكَ عليهم تبعة في ذلك؛ لأنهم اكتسبوها من وجه لا يحل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) من الناس من يقول: قال لهم ذلك بإزاء ما قالوا فيما ذكر في الأعراف: (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) يقول: أدعوكم إلى الإيمان باللَّه والتوحيد له، وأنهاكم عن الكفر به، ثم أرتكب ما أنهاكم عنه، وأترك ما أدعوكم إليه؟! وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأرتكبه، وهو واحد (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أي: ما أريد إلا الإصلاح لكم ما استطعت، وفيه دلالة على أن الاستطاعة تكون مع الفعل لا غير، أما أن يكون أراد: استطاعة الإرادة أو استطاعة الفعل، فكيفما كان، فقد أخبر أنه يريد لهم من الصلاح ما استطاع، ففيه ما ذكرنا، وهو ينقض على المعتزلة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الاستطاعة تتقدم على الفعل، وهي لا

هود 11:89

تبقى وقتين؛ فيصير على قولهم إرادة الصلاح لهم في غير زمن الاستطاعة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: التوفيق: هو صفة كل مطيع، والخذلان: هو صفة كل عاص. وقَالَ بَعْضُهُمْ: التوفيق: هو ما يوفق بين فعله وقوله في الطاعة، والخذلان ما يفرق بين قوله وفعله في المعصية. وقال الحسين النجار: التوفيق: هو قدرة كل خير وطاعة، والخذلان: هو قدرة كل شر ومعصية. وعندنا: التوفيق: هو أن يوفق بين عمل الخير والاستطاعة، والخذلان: هو أن يفرق بين عمل الخير والاستطاعة. أو أن نقول: هو أن يوفق بين عمل الشر والاستطاعة، وهما واحد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أي: عليه اعتمدت في جميع أمري، وإليه توكلت، (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)، أي: أرجع. أو يقول: إليه أقبل بالطاعة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ؍ (٨٩) بالغرق، (أَوْ قَوْمَ هُودٍ) بالريح الصرصر، (أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ) بالصيحة على ما ذكر.؍ قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) أي: لا يحكملنكم (شِقَاقِي) قيل: خلافي أن يصيبكم مثل ما أصاب أُولَئِكَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ قوله: (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) أي: لا يؤثمنكم (شِقَاقِي) أي: عداوتي أن يصيبكم مثل ما أصاب أُولَئِكَ. وقيل: (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) أي: لا يكسبنكم عداوتي. وقال الحسن: (شِقَاقِي): ضراري.

هود 11:90

لكن كله يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إذا ثبت العداوة، ثبت المخالفة والبغض والضرر، فكل ما ذكروا فهو واحد. وأصل الجرم: الإثم والذنب. ثم يخرج إنذاره إياهم بمن هلك من الأمم على وجهين: أحدهما: أن قوم شعيب قوم لا يؤمنون بالبعث وبالقيامة، فأنذرهم بمن هلك من الأمم السالفة؛ لأنه لو كان ينذرهم بالبعث، لكان لا ينجح فيهم؛ لأنهم لا يؤمنون به. والثاني: أنذرهم بأُولَئِكَ؛ لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان، ويتبعونهم، فيقول: إنكم تقلدون آباءكم وتتبعونهم في عبادة الأوثان فاتبعوهم -أيضًا- فيما بلغوا إليكم من هلاك أُولَئِكَ بعبادتهم الأوثان، وتكذيبهم الرسل، فإذا قلدتموهم في العبادة فهلا تقلدونهم وتتبعونهم فيما أصابهم بم أصابهم؟ أو يقول لهم: إنكم تقلدون آباءكم الذين عبدوا الأوثان وقد هلكوا، فهلا تقلدون من لم يعبد منهم ونجا وقد أعرفتم أن من هلك منهم بم هلك؟ ومن نجا منهم بم نجا؟ واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) أي: إن نسيتم من مضى منهم، فلا تنسوا ما نزل بقوم لوط، وليسوا هم ببعيد منكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) أي: اطلبوا من ربكم المغفرة؛ أي: اطلبوا السبب الذي يقع لكم المغفرة من ربكم، وهو التوحيد (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي: ارجعوا إليه، ولا تعودوا إلى ما كنتم من قبل.

هود 11:91

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي: ارجعوا إليه رجوعًا حتى لا تعودوا إلى مثل صنيكعم أبدًا (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ) يرحم من تاب إليه، واللَّه يرحمه (وَدُودٌ) يحتمل وجهين: أحدهما: ودود: أي: حق أن يودّ؛ إذ منه كل شيء وكل إحسان، والناس جبلوا على حب من أحسن إليهم. والثاني: ودود لمن توسل إليه وتقرب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قوله: (مَا نَفْقَهُ) يحتمل: ما نفهم وما نعقل كثيرًا مما تقول؛ كأنهم يقولون ذلك على الاستهزاء والهزء به؛ كأنهم نسبوه إلى الجنون؛ يقولون: لا نفهم ما تقول؛ لأن كلامك كلام مجانين. وهذه هي عادة القوم؛ كانوا ينسبون الرسل إلى الجنون. ويحتمل: ما نفقه: ما نقبل كثيرًا مما تقول، فإن كان على الفهم فهو كقوله: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، وهم كانوا في يقين: فريق كانوا يقولون: قلوبنا أوعية للعلم؛ كقولهم: (قُلُوُبنَا غُلْفٌ) فإن كان ما تقول حقًّا نفهم ونعقل كما نعقل غيره، وفريق قالوا: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) كانوا يعقلون أنهم لا يفهمون ولا يفقهون؛ لأن قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر، والفريق الأول يقولون: إن قلوبنا أوعية للعلم، فلو كان حقًا لعقلناه كما عقلنا غيره، فهَؤُلَاءِ كانوا يصرفون العيب إلى الرسول، وأُولَئِكَ إلى أنفسهم، فعلى ذلك قوم شعيب يحتمل أن يكون قولهم كذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا) يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أي: إنك لست من كبرائنا وأجلتنا، إنما أنت من أوساطنا، وعلى ذلك الأنبياء إنما بعثوا من أوساط الناس، لا من كبرائهم في أمر الدنيا، فالقوي والعزيز عند أُولَئِكَ القوم من عنده الدنيا والمال، وأما من لم يكن عنده المال فهو عندهم ضعيف ذليل؛ لأنهم لا يعرفون الدِّين، ولا يؤمنون بالآخرة، لذلك قالوا ما قالوا.

هود 11:92

والثاني: لست أنت بذي قوة وبطش في نفسك، وقد ذكر أنه كان ضعيفًا في بصره ونفسه. ويحتمل وصفهم بالضعف لهذين الوجهين، واللَّه اعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا رَهْطُكَ) أي: قبيلتك. وقيل: عشيرتك (لَرَجَمْنَاكَ) الرجم: يحتمل: القتل، ويحتمل: اللعن والشتم. ثم يحتمل قوله: (وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) وجهين: أحدهما: (وَلَوْلَا رَهْطُكَ) أي: لولا حرمة رهطك وإلا لرجمناك؛ كأنهم كانوا يحترمونه لموافقة رهطه إياهم في العبادة أعني عبادة الأوثان، وعلى ما هم عليه. والثاني: لولا رهطك لرجمناك خوفًا منهم لما ذكر أنه كان كثير العشيرة، والقبيلة؛ كانوا يخافون عشيرته فلم يؤذوه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) أي: ما أنت من أجلتنا وكبرائنا، إنما أنت من أوساطنا أو (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) أي: ما أنت من أجلتنا؛ لأن العزيز عندهم من كان عنده المال والدنيا، لا يعرفون العزُ في غير ذلك، ولم يكن عند شعيب الدنيا لذلك نسبوه إلى ما ذكر: أو أنت ذليل عندنا، لست بعزيز، فيكون صلة قوله: (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا) والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) هذا يخرج على وجهين: يحتمل يا قوم، أرهطي أعظم حقًّا عليكم من اللَّه وأكثر حرمة حتى تركتم ما أوعدتمونى من النقمهَ لحقهم وحرمتهم؟! والثاني: قوله: (يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ) أي: رهطي أشد خوفًا عليكم وأكثر نكاية من اللَّه؛ لأنا قلنا في قوله: (وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) أنه يخرج على وجهين: أحدهما: الاحترام لرهطه لموافقتهم إياهم في جميع ما هم عليه، والمساعدة لهم. والثاني: على الخوف والنكاية لقوتهم، وكثرتهم، وفضل بطشهم تركوا ما وعدوا له خوفًا من رهطه، فقال: خوفكم من رهطي أشد وأكثر عليكم من الخوف من اللَّه، وقد بلغكم من نكاية اللَّه ونقمته فيما حل بالأمم الماضية.

هود 11:93

أو حرمة رهطي عندكم وحقهم أعظم من حق اللَّه وحرمته، وقد تعلمون إحسانه إليكم وانعامه عليكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أي: حملتموه على ظهركم وحملهم إياه على ظهرهم إسخاطهم إياه، قال: تقول: العرب: فلان حمل الناس على ظهره: أي: أسخطهم على نفسه. ولكن لا ندري أيقال هذا أم لا. فَإِنْ قِيلَ هذا فهو يحتمل ما قال، وهو قول أبي بكر الأصم. وقال غيره من أهل التأويل: قوله: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أي: نبذتم اللَّه وراء ظهركم، أي: نبذتم حق اللَّه وأمره وكتابه الذي أنزله إليكم وراء ظهركم، لا تعملون به، ولا تكترثون إليه، هو كالمنبوذ وراء ظهركم؛ هذا على التمثيل أي: جعلوا أمر الله ودينه الذي دعوا إليه كالمنبوذ وراء ظهرهم، لا يعملون به ولا ينظرون إليه، ولا يكترثون وهو ما ذكر في قوله: (نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ)، وقوله: (انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) على التمثيل، أي: الذي أنتم عليه في القبح كالانقلاب على الأعقاب (إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) هذا يخرج على وجهين -أيضًا-: أي: إن ربي بما تعملون من الأعمال الخبيثة محيط فيجزيكم بها، أو يقول: إن ربي بما تعملون من الكيد برسول اللَّه والمكر به محيط فينصره عليكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن كونوا على دينكم الذي أنتم عليه، وأنا أكون على ديني؛ كقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، لأن قوم شعيب قالوا لشعيب: (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) فقال لهم هذا عند ذلك، وهذا إنما يقال عند الإياس عن إيمانهم، كقوله: (لَا حُجَّةَ بَينَنَا وبَينَكُم)، وأمثاله. والثاني: قوله: (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) أي اعملوا في كيدي، والمكر في هلاكي، إني عامل ذلك بكم، وهو كما قال غيره من الرسل: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ) وقوله: (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)، ونحوه.

هود 11:94

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) في العاقبة وعيد من يأتيه عذاب يخزيه، أو سوف تعلمون في العاقبة من يأتيه منا عذاب يخزيه نحن أو أنتم ومن هو كاذب، وتعلمون -أيضًا- في العاقبة من الكاذب منا فحن أو أنتم؛ لأن كل واحد من الفريقين يدعي على الفريق الآخر الكذب والافتراء على اللَّه، فيقول: سوف تعلمون في العاقبة من الكاذب منَّا والمفتري على اللَّه، والصادق عليه (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أي: ارتقبوا هلاكي، وأنا أرتقب هلاككم، أو ارتقبوا لمن العاقبة منا لنا أو لكم إني معكم رقيب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا... (٩٤) هذا قد ذكرناه فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) قيل: الصيحة صيحة جبريل؛ أي: هلكوا بصيحته. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصيحة: اسم كل عذاب، وكذلك الرجفة؛ سمي العذاب بأسماء مختلفة: مرة صاعقة، ومرة صيحة، ومرة رجفة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) هذا -أيضًا- قد ذكرناه فيما تقدم. قال بعض أهل التأويل: قوله: (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ) في الهلاك (كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ): كما أهلكت ثمود؛ لأن كل واحد منهما هلك بالصيحة فمن ثم اختص ذكر ثمود من بين الأمم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لم يعذب بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح؛ فأمَّا قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب من فوقهم. قال: فنشأت لهم سحابة فيها عذابهم، فلم يعلموا كهيئة الظلة فيها ريح، فلما رأوها أتوها يستظلون تحتها من حر الشمس، فسالَ عليهم العذاب من فوقهم، فذلك قوله: (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ). وقوله: (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) من رحمته. ويحتمل الهلاك الذي ذكرناه، واللَّه أعلم.

هود 11:95

وقوله تعالى :( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) هذا أيضا قد ذكرنا في ما تقدم. قال بعض أهل التأويل : قوله ( أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ ) في الهلاك ( كما بعدت ثمود ) كما أهلكت ثمود لأن كل واحد منهما أهلك بالصيحة فمن تم اختص ذكر ثمود من بين الأمم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما [ أنه قال ][ ساقطة من الأصل وم ] لم يعذب بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح. فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم وقوم شعيب من فوقهم، قال : فنشأت لهم سحابة فيها عذابهم، فلم يعلموا كهيئة الظلة فيها ريح. فلما رأوها أتوها يستظلون تحتها من حر الشمس فسال عليهم العذاب من فوقهم. فذلك قوله :( أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ ) من رحمة الله ( كما بعدت ثمود ) من رحمته ويحتمل الهلاك الذي ذكرنا، والله أعلم.

هود 11:96

قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) وهي الحجج. يحتمل قوله: (بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) واحد، على التكرار، فإن كانت الآيات هي الأوامر والنواهي، وما يؤتى وما يتقى فقوله: (وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) هي الحجج والبراهين على ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) قد ذكرنا أن الملأ هو اسم لشيئين: اسم الجماعة، واسم الأجلة والأشراف، وهو كان مبعوثا إلى الأشراف من قومه، وإلى الجماعة جميعًا؛ خص بعثه إلى فرعون وقومه وإن كان مبعوثا إلى الكل؛ لما العرف في الملوك أنهم إنما يخاطبون الكبراء منهم والأشراف، وإن كان المقصود من الخطاب، الكل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هو ما ذكر في حم المؤمن حيث قال لهم: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) فأطاعوا فرعون في قوله؛ يقول اللَّه: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أي: يهدي، أو يقول: ما الأمر الذي عليه فرعون برشيد؛ بل هو ضلال. ولكن عندنا أنهم أطاعوا فرعون في جميع أمره ونهيه في عبادة الأصنام وغيره، وهو ما ذكر: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أي: ليس بهدى؛ بل كان أمره ضلالا؛ حيث كان هو ضالا مضلا.

هود 11:97

وقوله تعالى :( إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) قد ذكرنا أن الملأ هو اسم الجماعة واسم الأجلة والأشراف. وهو كان مبعوثا إلى الأشراف من قومه وإلى الجماعة جميعا ؛ خص بعثه إلى فرعون وملئه، وإن كان مبعوثا إلى الكل /٢٤٥-ب/ لما العرف في الملوك أنهم إنما يخاطبون الكبراء منهم والأشراف، وإن كان المقصود من الخطاب الكل. وقوله تعالى :( فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) قال بعضهم : هو ما ذكر في حم المؤمن حين[ في الأصل وم : حيث ] قال :( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد )[ الآية : ٢٩ ] فأطاعوا فرعون في قوله. يقول الله :( وما أمر فرعون برشيد ) أي بهدي. أو يقول : ما الأمر الذي عليه فرعون برشيد، بل هو ضلال. ولكن عندنا أنهم أطاعوا فرعون في جميع أمره ونهيه في عبادة الأصنام وغيره، وهو ما ذكرنا ( فاستخف قومه فأطاعوه )[الزخرف: ٥٤] وقوله تعالى :( وما أمر فرعون برشيد ) أي ليس بهدى، بل كان أمره [ ضلالا ؛ إذ ][ في الأصل : ضلال حيث، في م : ضلالا حيث ] كان هو ضالا مضلا.

هود 11:98

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: صار قدامهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يقدم أي: يقود قومه إلى النار حتى يوردهم النار. ويحتمل قوله: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) أي: يكون إمامًا لهم يوم القيامة يتبعون أثره، كما كان إمامهم في الدنيا فاتبعوه؛ كقوله: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)، وكقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، أخبر أنهم يكونون أئمة لهم في الآخرة. ويشبه أن يكون قوله: (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) أي: دعاهم في الدنيا، وأمرهم بأمور توردهم النار تلك الأعمال كقوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)، أي: ما أصبرهم على عمل أهل النار. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يتبعونه حتى يدخلهم النار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: بئس المدخل المدخول، والورد هو الدخول، والمورود المدخول؛ سمي الجزاء باسم سببه. قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: جميع ما ذكر في القرآن من الورود فهو دخول منهم، قوله: (وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) وقوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)، وقوله: (أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا)، فقال: واللَّه ليردنها كل بر وفاجر (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا). وقوله: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) يحتمل: اللعنة في الدنيا: العذاب الذي نزل بهم. ويحتمل لعن الخلائق يلعنهم من ذكرهم. وفي الآخرة يحتمل الوجهين جميعًا. يحتمل: يعذبون في الآخرة -أيضًا- كما عذبوا في الدنيا. ويحتمل: لعن الخلائق -أيضًا- من رآهم لعنهم، واللعن هو الطرد في اللغة: طردوا عن رحمة اللَّه ولم يرحموا في عذاب الدنيا، ولا يرحمون في عذاب الآخرة.

هود 11:99

وقوله تعالى :( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) تحتمل اللعنة في الدنيا العذاب الذي نزل بهم وتحتمل لعن الخلائق أيضا من رآهم يلعنهم ومن ذكرهم، وفي الآخرة يحتمل الوجهين جيمعا ؛ يحتمل يعذبون في الآخرة أيضا كما عذبوا في الدنيا ويحتمل لعن الخلائق أيضا : من رآهم [ يلعنهم ][ من م، ساقطة من الأصل ]. واللعن هو الطرد في اللغة ؛ طردوا من رحمة الله ولم يرحموا في عذاب الدنيا ولا يرحمون في عذاب الآخرة. وقوله تعالى :( بئس الرفد المرفود ) عن ابن عباس [ رضي الله عنه قال :][ ساقطة من الأصل وم ] ( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يقول لعنة الدنيا والآخرة. قال قتادة ترادفت عليهم لعنتان من الله لعنة الدنيا ولعنة الآخرة، ولكن [ على ][ من م، ساقطة من الأصل ] زعمهم بحيث أن يقال : الرفد من الترادف، وقال بعضهم : الرفد العون وهو قول القتبي. وقال القتبي : الرفد العطية والمرفود المعطى ؛ يقال : رفدته إذا أعطيته، وأعنته كما يقال بئس العطاء المعطى. ولذلك قال أبو عوسجة : بئس ما أعطوا، وأعينوا، وبئس المعطى، والله أعلم.

هود 11:100

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) عن ابن عَبَّاسٍ: (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) يقول: لعنة الدنيا والآخرة. وقال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من اللَّه: لعنة الدنيا، ولعنة الآخرة، ولكن على زعمهم يجيء أن يقال: الردف من الترادف. وقَالَ بَعْضُهُمْ؛ الردف العون، وهو قول الْقُتَبِيّ. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الرفد: العطية، والمرفود: المعطى؛ يقال: رفدته: إذا أعطيته وأعنته، كما يقال: بئس العطاء المعطى، وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ: بئس ما أعطوا وأعينوا، وبئس المعطى، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) قوله: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى): ذلك ما سبق من ذكر القرى والقرون في هذه السورة من أنباء الغيب نقصه عليك؛ ألتفهم رسالتك بها، ولتكون آية لنبوتك؛ لأنك لم تشاهدها، ولا اختلفت إلى أحد منهم فتعلمت منهم، ولا كانت الكتب بلسانك فيقولون: نظرت فيها فأخذت ذلك منها، ثم أنبأت على ما كان وقصصت عليهم؛ ليعلم أنك إنما عرفت باللَّه، فتكون آية لرسالتك.

هود 11:101

وقوله: (مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) قال بعض أهل التأويل (مِنْهَا قَائِمٌ): ترى مكانها وتنظر إليها، ومنها حصيد لا ترى له أثرًا ولا مكانًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قائم: أي: خاوية على عروشها، وحصيد: مستأصلة. وعن الحسن قال: منها قائم وما حصد اللَّه أكثر، أي: وما أهلك اللَّه من القرى أكثر. وأصله عندنا: منها قائم؛ نحو قرى عاد وثمود ومدين، أهلك أهلها وبقيت القرى لأهل الإسلام؛ لأنه يقول في قرى عاد: (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) الآية، ومنها حصيد: ما أهلك أهلها والقرى جميعًا نحو قوم نوح؛ أهلكوا ببنيانهم، ونحو قريات قوم لوط أهلكت بأهلها أيضًا حتى لم يبق لا الأهل ولا البنيان، فذلك - واللَّه أعلم - تأويل قوله: (مِنْهَا قَائِمٌ) هلك أهلها وبقي البنيان، ومنها حصيد: هو ما أهلك البنيان بأهله، حتى لم يبق لها أثر، وفيه وجوه ثلاثة: أحدها: آية لرسالته؛ لما ذكرناه وعبرة لأهل التقوى، وهو ما ذكر في آخره: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ) أي: عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، وزجرًا لأهل الشرك والكفر؛ لأنهم يذكرون ما نزل بأُولَئِكَ فينزجرون عن صنيعهم فيه. هذه الوجوه التي ذكرناها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) قوله: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ) فيه وجهان: أي: لم نظلمهم؛ لأنهم وبنيانهم ملك لله - تعالى - وكل ذي ملك له أن يهلك ملكه، ولا يوصف بالظلم من أتلف ملكه، وهم ظلموا أنفسهم إذ أنفسهم ليست لهم في الحقيقة وكذلك بنيانهم، ومن أتلف ملك غيره فهو ظالم. والثاني: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ يقول: وما ظلمناهم بالعذاب؛ إذ هم يستوجبون ذلك بما ارتكبوا، فلم نضع العذاب في غير موضعه؛ بل هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ حيث صرفوها إلى غير مالكها وعبدوا غيره، فهو ظلم؛ هذا التأويل في أنفسهم، وأما البنيان فهو، أنه إنما جعله لهم، فإذا هلكوا هم أهلك ما جعل لهم، إنما أبقي لهم ما داموا، فأما إذا بادوا هم فلا معنى لإبقاء البنيان. وما ذكر من ظلمهم أنفسهم يحتمل وجوهًا: أحدها: ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير اللَّه. والثاني: ظلموا أنفسهم بصرفهم الناس وصدهم عن سبيل اللَّه وعن عبادة اللَّه وتوحيده إلى عبادة غير اللَّه. والثالث: ظلموا أنفسهم بسؤالهم العذاب. وقوله: (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) في هذا وجهان: أحدهما: ما أغنت عنهم عبادة آلهتهم التي عبدوها من دون اللَّه لما جاء أمر ربّك؛ أي: عذاب ربك؛ كقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ...) الآية، يخبر أن عبادتهم الأصنام لا تنفعهم المنفعة التي طمعوا. والثاني: فما أغنت عنهم أنفس آلهتهم في دفع العذاب عنهم في أحوج حال إليها؛ لعجزهم في أنفسهم وضعفهم؛ كقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ) فإذا لم يملكوا ذلك في وقت الحاجة إليهم فكيف يملكونه في غيره من الحال، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) يحتمل: ما زاد عبادتهم إياها غير تتبيب، أو ما زاد آلهتهم التي عبدوها غير تتبيب. والتتبيب: قال عامة أهل التأويل: هو التخسير. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: غير تتبيب: غير فساد، والتتبيب: الفساد. وكذلك قال في قوله: (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) أي: فساد. وقال غيره: إلا في خسار وقال غيره: غير تخسير. وكذلك قالوا في قوله: (تَبتْ)، أي: خسرت. وقال أبو عبيدة: غير تتبيب: غير تدبير وإهلاك. وكذلك قالوا في قوله: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) وكذلك قالوا في قول الناس: تبًّا لك.

هود 11:102

وقَالَ بَعْضُهُمْ: غير تتبيب غير شر، والتتبيب: الشر، والتبّ: الشر والخسران، وهما واحد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) أي: هكذا يأخذ كفار هذه الأمة كما أخذ أُولَئِكَ، أي: كما عذبنا الأمم الخالية وهي ظالمة مشركة كافرة، كذلك نعذب هذه الأمة لكن أخر عن هذه الأمة، وفيه رحمة (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)، أي: أن أخذه بالعذاب أليم شديد، الأخذ نفسه يوصف بالشدة، ولكن لا يوصف بالألم، والعذاب يوصف بالألم، لكن لما وصف بالألم والشدة دل أن الأخذ أخذ بعذاب، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) هو ما ذكرناه: فيه عبرة لأهل التقوى ولمن خاف عذاب الآخرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) خصّ الناس بالذكر وإن كان الجمع لهم ولغيرهم؛ لأن الآية التي ذكر تكون لهم آية، أو لما هم المقصودون بالجمع بذلك اليوم - واللَّه أعلم - قيل: يجمع فيه الأولون والآخرون (وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ). قَالَ بَعْضُهُمْ: يشهده أهل السماء وأهل الأرض للعرض والحساب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) أي: ما نؤخر العذاب عن هذه الأمة إلا لأجل معدود، وذكر هذا - واللَّه أعلم - جواب ما استعجلوه من العذاب بقولهم: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ونحوه، فقال: وما نؤخر العذاب عنهم إلا لأجل معدود، إلا لوقت موقوت؛ أي: إلا لأجل معدود عند اللَّه، ولو كان ما ذكر ابن عَبَّاسٍ أنه سبعة آلاف فيكون معدودًا عند الناس، ويكون وقت القيامة معلومًا على قوله، وقد أخبر اللَّه: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) أي: لا تكلم نفس بالشفاعة لأحد إلا بإذنه؛ كقوله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)، أو لا تكلم نفس لأهوال ذلك اليوم ولفزعه؛ كقوله: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ

هود 11:103

وقوله تعالى :( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ) هو ما ذكرنا، فيه عبرة لأهل التقوى ولمن خاف عذاب الآخرة. وقوله تعالى :( ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ) خص الناس بالذكر، وإن كان الجمع لهم ولغيرهم ؛ لأن الآية التي ذكر تكون لهم آية أو لما هم المقصودون بالجمع وبذلك اليوم، والله أعلم. قيل : يجمع فيه الأولون والآخرون ( وذلك يوم مشهود ) وقال بعضهم : يشهده أهل السماء و أهل الأرض للعرض والحساب، والله أعلم.

هود 11:104

وقوله تعالى :( وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ ) أي ما نؤخرهم العذاب من هذه ( إلا لأجل معدود ) وذكر هذا، والله أعلم، جواب ما استعجلوه بقولهم :( فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم )[الأنفال: ٣٢] ونحوه. فقال : وما نؤخر العذاب عنهم إلا لأجل معدود، إلا لوقت موقوف، أي لأجل معدود عند الله. ولو كان ما ذكر ابن عباس أنه سبعة آلاف، فيكون معدودا عند الناس، ويكون وقت القيامة معلوما على قوله، وقد أخبر :( لا يجليها لوقتها إلا هو )[الأعراف: ١٨٧] والله أعلم.

هود 11:105

وقوله تعالى :( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) أي لا تكلم نفس بالشفاعة لأحد إلا بإذنه كقوله :( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى )[الأنبياء: ٢٨] لا تكلم نفس لأهوال ذلك اليوم ولفزعه كقوله :( مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء )[إبراهيم: ٤٣] وكقوله[ الواو ساقطة من الأصل وم ] :( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا )[ عم : ٣٨ ]، أو ( لا تكلم نفس ) من الأجلة والعظماء لأحد من دونهم بالشفاعة ( إلا بإذنه ) وهو ما ذكرنا، والله أعلم. وقوله تعالى :( فمنهم شقي وسعيد ) فمنهم شقي بأعماله[ في الأصل وم : بأعمال ] الخبيثة التي إذا اختارها، وعملها، أدخله النار، ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات التي إذا اختارها، وعملها، أخلته الجنة. وكل عمل يعمل، فيدخله الجنة، فهو سعيد. وكل عمل يعمل، فيدخله النار، فهو شقي به. روي في ذلك خبر عن رسول الله ﷺ «روي عن عمر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية :( فمنهم شقي وسعيد ) [ أنه قال ][ ساقطة من الأصل وم ] : سألت النبي ﷺ فقلت يا نبي الله فعلام[ في الأصل وم : فعلى من ] نعمل ؟ على شيء قد فرغ منه أو شيء لم يفرغ مه ؟ قال : بل على شيء قد فرغ منه، وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له »[ مسلم٢٦٤٩ ] فإن ثبت فهو يدل لما ذكرنا، والله أعلم.

هود 11:106

هَوَاءٌ) وكقوله: (لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) أو لا تكلم نفس من الأجلة والعظماء لأحد من دونهم بالشفاعة إلا بإذنه، وهو ما ذكرناه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ): فمنهم شقي بأعماله الخبيثة التي إذا اختارها وعملها أدخلته النار، ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات التي إذا اختارها وعملها أدخلته الجنة، وكل عمل يعمله فيدخله الجنة فهو سعيد به، وكل عمل يعمله فيدخله النار فهو شقي به. روي في ذلك خبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزلت هذه الآية: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقلت: يا نبي اللَّه، فعلام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه أو شيء لم يفرغ منه؟ قال: " بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له " فإن ثبت هذا فهو يدل لما ذكرناه، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ... (١٠٦) لما ذكرناه (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قال بعضهم: الزفير هو كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، وأمَّا الشهيق فهو كشهيق الحمار في الحلق، فهو آخر ما يفرغ من نهيقه، فهو شهيق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الزفير هو ما لا يفهم منه شيء إنما هو كالأنين والجزع من شيء يصيبه لا يتبين منه؛ كقوله: (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)، والشهيق هو ما يرتفع منه الصوت يسمى شهيقًا. ويحتمل ما ذكر من الزفير والشهيق أنهم يصيرون بعد كثرة دعائهم وندائهم حتى يكون منهم الزفير والشهيق لا يفهم؛ كصوت الدواب إذا أصابها ألم.