تأويلات أهل السنة — الرعد 13:1 – الحجر 15:99
المحتويات
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:20
- الرعد 13:21
- الرعد 13:22
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:30
- الرعد 13:31
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:34
- الرعد 13:35
- الرعد 13:36
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:8
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:14
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:20
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:33
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:39
- إبراهيم 14:40
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:42
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:44
- إبراهيم 14:45
- إبراهيم 14:46
- إبراهيم 14:47
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:49
- إبراهيم 14:50
- إبراهيم 14:51
- إبراهيم 14:52
- الحجر 15:1
- الحجر 15:2
- الحجر 15:3
- الحجر 15:4
- الحجر 15:5
- الحجر 15:6
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:10
- الحجر 15:11
- الحجر 15:12
- الحجر 15:13
- الحجر 15:14
- الحجر 15:15
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:18
- الحجر 15:19
- الحجر 15:20
- الحجر 15:21
- الحجر 15:22
- الحجر 15:23
- الحجر 15:24
- الحجر 15:25
- الحجر 15:26
- الحجر 15:27
- الحجر 15:28
- الحجر 15:29
- الحجر 15:30
- الحجر 15:31
- الحجر 15:32
- الحجر 15:33
- الحجر 15:34
- الحجر 15:35
- الحجر 15:36
- الحجر 15:37
- الحجر 15:38
- الحجر 15:39
- الحجر 15:40
- الحجر 15:41
- الحجر 15:42
- الحجر 15:43
- الحجر 15:44
- الحجر 15:45
- الحجر 15:46
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:50
- الحجر 15:51
- الحجر 15:52
- الحجر 15:53
- الحجر 15:54
- الحجر 15:55
- الحجر 15:56
- الحجر 15:57
- الحجر 15:58
- الحجر 15:59
- الحجر 15:60
- الحجر 15:61
- الحجر 15:62
- الحجر 15:63
- الحجر 15:64
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:67
- الحجر 15:68
- الحجر 15:69
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:77
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:80
- الحجر 15:81
- الحجر 15:82
- الحجر 15:83
- الحجر 15:84
- الحجر 15:85
- الحجر 15:86
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:90
- الحجر 15:91
- الحجر 15:92
- الحجر 15:93
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:96
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
الرعد 13:1
سُورَةُ الرَّعْدِ
ذكر أنها مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ).
يحتمل أن يكون قوله: (المر) كناية عن الأحرف المقطعة المعجمة؛ فيكون قوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) تفسير (المر).
هذا هو الظاهر: أن يقال في كل الحروف المعجمة والمقطعة: أن يكون ما ذكر من بعدها على أثرها كان تفسيرًا لها.
والثاني: يشبه أن يكون قوله: (المر) كناية عن الحجج والبراهين وسائر الكتب؛ كأنه قال: تلك الحجج والبراهين وسائر الكتب - جعلناها آيات القرآن وحججه، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم.
ثم اختلف في قوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) هو القرآن الذي أنزل.
قَالَ بَعْضُهُمْ: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ): التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة، وقوله: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) هو الحق: القرآن الذي أنزل على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) هو القرآن والذي أنزل إليك من ربك -أيضًا- هو القرآن، لكنه أخبر أنه منزل من ربك الحق.
وقوله: (الْحَقُّ) يحتمل: هو الحق؛ أي: منزل من اللَّه؛ ليس كما قال أُولَئِكَ إنه ليس من اللَّه؛ إنما يقوله مُحَمَّد من تلقاء نفسه.
ويحتمل: (الْحَقُّ) أي: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) أنه من اللَّه، أو أكثر الناس لا يؤمنون أنه آيات اللَّه وحججه واللَّه أعلم.
الرعد 13:2
وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ).
قوله: (رَفَعَ) أي: أنشأها مرفوعة؛ لا أنها كانت موضوعة فرفعها؛ ولكن جعلها في الابتداء مرفوعة، وكذلك قوله: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ)، (مَدَّ الْأَرْضَ)، (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا)، ونحو ذلك؛ أي: أنشأها مرفوعة ممدودة؛ لا أنها كانت مرفوعها فوضعها، أو كانت منقبضة فبسطها؛ ولكن أنشأها كذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: هي بعمد لكن لا ترونها؛ أي: ترونها بغير عمد وهي بعمد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هي بغير عمد على ما أخبر؛ ولكن اللطف والأعجوبة بما يمسكها بعمد لا ترى؛ كاللطف والأعجوبة فيما يمسكها بغير عمد؛ لأن في الشاهد لم يعرف؛ ولا قدر على رفع سقف فيه سعة وبعد بغير عمد لا ترى، لكن ما يرفع إنما يرفع بعمد، ترى؛ فاللطف في هذا كاللطف في الآخر.
وفيه دلالة قدرته على البعث؛ لأنه ذكر هذا ثم قال: (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) أي: من: قدر على رفع السماء - مع سعتها وبُعدها - بلا عمد؛ لقادر على إعادة الخلق؛ وبعثهم؛ وإحيائهم بعد الموت، بل رفع السماء مع سعتها وبعدها، بلا عمد، أكبر من إعادة الشيء بعد فنائه؛ إذ في الشاهد من قد يقدر على إعادة أشياء بعد فنائها؛ ولا يقدر على رفع سقف؛ ذي سعة وبعد؛ بغير عمد. من ذا الوجه أمكن أن يحتج. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ).
لما لم يفهم من قوله: (سميعٌ عَلِيمٌ)، مدبر المكان؛ وإن كان في الشاهد يفهم منه المكان؛ إذا أضيف إلى المخلوق - لم يجز أن يفهم من استوائه أما يفهم من استواء الخلق.
وبعد فإن في الشاهد؛ إذا قيل: فلان استولى أمر بلدة كذا؛ أو استوى أمره؛ لم يفهم منه المكان، بل فهم منه نفاذ الأمر والسلطان والمشيئة؛ فعلى ذلك لم يجز أن يفهم من اللَّه إذا أضيف إليه المكان.
وأصله: ما ذكرنا فيما تقدم أنه أخبر أنه ليس كمثله شيء؛ فهو في كل شيء؛ وكل وجه؛ لا يشبه الخلق؛ إذ الخلق - في الشاهد - لا يشبه بعضه بعضا من جميع الجهات؛ إنما يشبه بعضهم بعضا بجهة، ثم صاروا جميعًا أشكالا وأشباهًا؛ بتلك الجهة التي وقعت بينهم تشابه؛ فإذًا اللَّه سبحانه وتعالى لما أخبر أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، دل أنه إنما نفى عنه الجهات التي يقع بها التشابه والمثل؛ فهو يخالف الخلق من جميع الوجوه.
وهذه مسألة مذكورة فيما تقدم: اختُلف في العرش: قَالَ بَعْضُهُمْ: العرش: هو الممتحنون بهم، استوى تدبير إنشاء غيرهم من العالم؛ لأنهم هم المقصودون في إنشاء ذلك كله.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: العرش: البعث به؛ استوى وتم تدبير إنشاء الخلائق؛ ما لولا البعث يكون إنشاؤهم عبثا باطلا؛ كقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) جعل عدم الرجوع إليه إنشاء الخلق عبثًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: العرش: هو الملك؛ وبه تم ما ذكر، وقيل: هو سرير الملك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) على ما في العقل أنه عن تدبير مدبر خرج؛ وعن علم وحكمة وضع؛ ليس على الجزاف بلا تدبير ولا علم.
الرعد 13:3
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ) يحتمل: يبين الحجج والبراهين.
ويحتمل: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ) أي: آيات القرآن أنزلها بالتفاريق؛ لا مجموعة.
(لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ).
هو ما ذكرنا أن فيما ذكر من الآيات والتدبير؛ ورفع السماء بلا عمد؛ دلالة البعث والإحياء بعد الموت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ) هو كما ذكرنا في قوله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) ومصير هم وبروزهم؛ وأمثاله. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ... (٣) وقال في آية أخرى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، وقال في موضع آخر: (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)، وكله واحد، وقال: (الْأَرْضَ فِرَاشًا)، و (مِهَادًا).
يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم.
(مَدَّ الْأَرْضَ) أي: بسطها وجعل فيها رواسي؛ ذكر أنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها وتضطرب؛ كما تكفو السفينة؛ فأرساها بالجبال الثقال؛ فاستقرت وثبتت.
وذُكر أنها مدت وبسطت على الهواء؛ ثم أثبتها بما ذكر من الجبال، ولكن لو كان أنها ما ذكر؛ لكان يجيء ألا يكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ لأن الأرض والجبال من طبعها التسفل والانحدار في الماء والهواء؛ وكلما زيد من ذلك النوع كان في التسفل والانحدار أكثر وأزيد، فلا يكون بها الثبات والاستقرار؛ بل إنما يكون الثبات والاستقرار بشيء من طبعه العلو والارتفاع؛ فيمنع ذلك الشيء الذي من طبعه العلو عن التسفل والانحدار؛ إلا أن يقال: إنها كانت لا تتسفل ولا تتسرب؛ ولكن تضطرب وتميد بأهلها؛ على ما ذكره - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ)، فإن كان على هذا؛ فيكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ ومنعها عن الاضطراب والميلان.
أو ذكر هذا ليعلم لطفه وقدرته؛ حيث أمسكها بشيء من طبعه التسفل والانحدار، وهي في نفسها كذلك؛ ليعلم قدرة اللَّه ولطفه في كل شيء. واللَّه أعلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَدَّ الْأَرْضَ).
أي: أنشأها ممدودة؛ لا أنها كانت مجموعة في مكان فبسطها؛ على ماذكر من رفع السماء ونحوه.
(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنهَارًا).
جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - الأشياء أكثرها بأسباب؛ تعليمًا منه الخلق؛ ليكون ذلك عليهم أهون، وإن كان جعل الأشياء عليه بأسباب وبغير أسباب سواء؛ إذ هو قادر بذاته، يذكر هذا: إما بحق النعم التي أنعمها عليهم؛ من مد الأرض وبسطها؛ وإثباتها بالرواسي التي ذكر؛ وجعل الأنهار فيها ليصلوا إلى الانتفاع بها؛ ليتأدى بذلك شكره، أو يذكر بحق الإخبار عن قدرته وسلطانه؛ لأنه جعل الأرض بحيث لا يدخل فيها شيء؛ فأخبر أنه أدخل فيها الجبال مع كثافتها وعظمتها ليعرفوا قدرته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْهَارًا) أي: وجعل فيها أنهارًا؛ أخبر أنه مد الأرض وبسطها؛ وجعلها مستقرة ثابتة؛ ليستقروا عليها، ثم أخبر أنه جعل فيها أنهارًا؛ لينتفعوا بها من جميع أنواع المنافع، ثم أخبر أنه جعل فيها من كل الثمرات زوجين.
قال بعض أهل التأويل: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي: لونين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذو طعمين؛ لكن يكون منها ألوان أكثر من لونين: أحمر، وأبيض، وأسود، وأصفر، ونحوه، وكذلك الطعم: يكون حامضا وحلوًا ومرّا ومزًّا، إلا أن يقال: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ): الطيب والخبيث؛ فلا يكون ثالث؛ وأما اللون؛ فإنه يكون ذا ألوان وذا طعوم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ الذكر والأنثى؛ فهذا يصح إذا أراد به الشجر؛ فمنه ما يثمر ومنه ما لا يثمر؛ فالذي يثمر: هو أنثى، والذي لا يثمر: هو ذكر. وأما على غير هذا فإنه لا يصح.
وأصل الزوجين: هو اسم أشكال وأمثال واسم أضداد؛ ففيه دليل نفي ذلك كله عن
الرعد 13:4
اللَّه، وأصل الزوج: هو من له المقابل من الأشكال والأضداد؛ أخبر أنه جعل الخلق كله ذا أشكال وأضداد؛ من نحو الليل والنهار؛ والذكر والأنثى؛ فهو في حق المنافع كشيء واحد في حق أنفسهم؛ كالأشياء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ).
أي: يذهب ظلمة الليل بضوء النهار؛ وضوء النهار بظلمة الليل، أو يلبس أحدهما الآخر، أو يغطي الليل ما هو بالنهار بادٍ ظاهر للخلق، وبالنهار ما هو مستور خفي على الخلق واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
فيما ذُكِر؛ دلالة البعث والإحياء، ودلالة التدبير والعلم والحكمة، ودلالة الوحدانية.
(لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في آياته وحججه لا لقوم يعاندون آياته ويكابرونها.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
ذكر أن الآيات تكون آيات لهم؛ بالتفكر والنظر فيها؛ واللَّه أعلم؛ لا أن تصير آيات مجانًا بالبديهة.
أو يقول: إن منفعة الآيات تكون لمن تفكر فيها؛ لا لمن ترك التفكر والنظر. والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)
دل قوله: (قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ) أن التجاور إنما يذكر ويثبت إذا كانت الأرض قطعًا، وأما إذا كانت الأرض، أرضًا واحدة؛ فإنه لا يقال فيها التجاور؛ فهذا يبطل قول من يقول: إن التجاور إنما يذكر فيما فيه الشركة؛ فتجب الشفعة فيما فيه الشركة؛ وأما في غيره فلا تجب وأمَّا عندنا: هو ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: أنه إنما أثبت التجاور في الأرض التي صارت قطعًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ).
القطع المتجاورات: هي الأرضون الضواحي التي تصلح للزرع.
(وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ) أي: جنات متجاورات أيضًا، والجنات هي البساتين المحفوفة بالأشجار؛ فيها ألوان الثمار.
(وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ). قيل: (صِنْوَانٌ) وهو النخلتان في أصل واحد، (وَغَيْرُ صِنْوَانٍ): النخل المتفرق وقيل: الصنوان: ما كان أصله واحدًا؛ وهو متفرق، (وَغَيْرُ صِنْوَانٍ) والتي تنبت وحدها: وقيل: (صِنْوَانٌ): هي النخلة تخرج؛ فإذا خرجت انشعبت لعد خروج الأصل؛ فهو الصنوان، ولهذا قيل: " عَئُم الرجل صنو أبيه ".
(يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ).
أي: يسقى ما ذكر؛ من الزروع والنخيل والثمار والجنان بماء واحد.
(وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ).
يذكر هذا - واللَّه أعلم - أن جوهر الأرض كلها واحد؛ وهي قطع متجاورة؛ بعضها ببعض، ثم هي مختلفة في حق الثمار والفواكه، وكذلك الأشجار والنخيل؛ كلها من جوهر واحد من جنس واحد، والأرض في جوهرها واحد وتسقى كلها بماء واحد؛ ثم يخرج مختلفًا في ألوانها وطعومها وطيبها وخبيثها ومناظرها؛ ليعلم أنها لم تكن بنفسها؛ ولا بالأسباب التي جعل لها؛ ولكن بلطف واحدٍ مدبِّرٍ عليم حكيم؛ لأنها لو كانت بأنفسها وطباعها أو بالأسباب، لكانت كلها واحدة متفقة في طيبها وخبيثها وألوانها وطعومها؛ فلما لم يكن ما ذكرنا على لون واحد ولا طعم واحد ولا منظر واحد؛ دل أنه كان بتدبير مدبر واحد؛ عليم لطيف.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ).
قيل: في الحمل؛ بعضها أكثر حملا من بعض، وبعضها يحمل؛ وبعضها لا، ولكن ما ذكرنا في الطيب والخبيث والطعم واللون والمنظر - مفضل بعضه على بعض.
وأصله: أن الأرض واحدة متجاورة؛ متصلة بعضها ببعض، والماء واحد أيضًا؛ ثم خرجت الثمار والفواكه والزروع والأعناب مختلفة متفرقة؛ ليعلم أن ذلك ليس هو عمل الأرض؛ ولا عمل الماء، ولا عمل الأسباب والطباع؛ ولكن باللطف من اللَّه؛ لأنه لو
الرعد 13:5
كان بالماء أو الأرض؛ أو بالأسباب أو الطباع؛ لكانت متفقة مستوية.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) لما ذكرنا من وحدانيته؛ وتدبيره؛ وعلمه؛ وحكمته.
(لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لقوم همتهم العقل والفهم؛ والنظر والتفكر في الآيات، لا لقوم همتهم العناد والمكابرة، أو لقوم ينتفعون بعقلهم وعلمهم.
وقال الحسن: هذا مثل ضربه اللَّه لقلوب بني آدم كانت الأرض في الأصل طينة واحدة؛ فسطحها الرحمن ثم بطحها؛ فصارت الأرض قطعًا متجاورات؛ فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها؛ وتخرج نباتها ويحيا مواتها، وتخرج هذه سبختها وملحها؛ وخبثها؛ وكلتاهما تسقى بماء واحد؛ فلو كان الماء مالحًا؛ قيل: استسبخت هذه من قبل الماء كذلك الناس: خلقوا من آدم - عليه السلام - فينزل عليهم من السماء تذكرة واحدة؛ فترق قلوب؛ فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب؛ فتسهو وتلهو وتجفو؛ أو كلام نحوه.
ثم قال الحسن: واللَّه؛ ما جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان؛ ثم تلا قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)
قال الحسن: إن تعجب - يا مُحَمَّد - من تكذيبهم إياك في الرسالة؛ فعجب قولهم؛ حيث قالوا: (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: وإن تعجب - يا مُحَمَّد - مما أوحينا إليك من القرآن؛ كقوله - في الصافات - (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ).
(فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) أي: أعجب أيضًا قولُهم، يقول: لكن قولهم أعجب عندك؛ حين قالوا: (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) تكذيبًا للبعث.
وأصله - واللَّه أعلم -: يقول: إنك إن عجبت، من قولهم في تكذيبهم إياك في الرسالة؛ ولم أتكن، رسولا من قبل؛ فقولهم وإنكارهم قدرة اللَّه على البعث والإحياء
الرعد 13:6
بعد الموت أعجب؛ إذ قد رأوا وشاهدوا من قدرة اللَّه وآياته؛ ما لو تفكروا وتأملوا ولم يعاندوا، عرفوا أنه قادر على ذلك كله؛ فوصفهم اللَّه تعالى بالعجز؛ وأنه لا يقدر على البعث والإحياء بعد الهلاك - أعجب من تكذيبهم إياك في الرسالة، ولم يكن سبق منك إليهم ما يوجب رسالتك وتصديقك، وقد سبق من اللَّه إليهم - ما يعرفهم قدرته على ذلك؛ وعلى أكثر منه.
وأصله - واللَّه أعلم - وإن تعجب لإنكارهم رسالتك وتكذيبهم إياك؛ ولم يكن منك إليهم حقيقة الهداية والنعم والآيات والحجج، وإنما كان منك البيان والدعاء؛ فأعجب: قولهم في إنكارهم قدرة اللَّه على البعث؛ وقولهم في اللَّه سبحانه ما قالوا فيه؛ بعد معرفتهم حقيقة ذلك كله؛ باللَّه إليهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ).
يشبه أن يكونوا لما كفروا بالبعث؛ كان كفرهم بالبعث كفرًا بالله؛ لأنهم عرفوه عاجزا، حيث قالوا: لا يقدر على بعث الخلق، ومن عرف ربه عاجزًا - فهو لم يعرف الرب الحقيقة؛ والإله الحقيقة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: صار الكفر في أعناقهم أغلالا؛ حيث أنكروا الرسالة في البشر، ثم جعلوا الأصنام والأوثان معبودهم؛ يعكفون عليها ويخضعون؛ فذلك هو الأغلال في أعناقهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
في الآخرة كقوله: (خُذُوُه فَغُلُّوُه...)، (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
* * *
قوله تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ).
الاستفعال يكون على وجهين: يكون طلب الفعل ويكون الفعل نفسه؛ كقوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، قيل: أجيب لكم، وقوله تعالى: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) أي: ليجيبوا لي، وقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ) فإن كان على طلب الفعل؛ فهو ما سألوا رسول اللَّه العذاب، كقوله: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ)، وكقوله: (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ)، وقولهم: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ..) الآية، فبدءوا بسؤالهم الهلاك قبل سؤالهم، تأخير العذاب وإمهاله، وتأخير العذاب عندهم وإمهاله، من الحسنة؛ فاستعجلوا بهذا قبل هذا.
وإن كان الفعل نفسه.
فقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ) أي: عجلوك - يا مُحَمَّد - بالسيئة إليك، قبل أن تكون منهم إليك حسنة؛ حيث كذبوك في الرسالة، وآذوك في نفسك، ولم يكن منهم إليك إحسان من قبل واللَّه أعلم بذلك.
وقيل: (بِالسَّيِّئَةِ): العذاب؛ على ما ذكرنا.
(قَبْلَ الْحَسَنَةِ).
أي: قبل العفو، وسؤالهم السيئة والعذاب بجهل منهم أنه رسول وأنه صادق؛ لأنهم لو علموا أنه رسول، وأنه صادق، فيما يخبر ويوعد من العذاب، كانوا لا يسألون؛ لأنهم يعلمون أن اللَّه يقدر على أن ينزل عليهم العذاب، لكن سألوا ذلك؛ بجهلهم بأنه رسول سؤال استهزاء وسخرية.
فإن كان على هذا سؤالهم - كان فيه دلالة أن العقوبة والعذاب؛ قد يلزم من جهل الأمر؛ إذا كان بسبيل العلم به والنظر والتفكر فيه، وهَؤُلَاءِ جهلوا أنه رسول اللَّه؛ لتركهم النظر والتفكر. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: العقوبات؛ أي: قد كان في الأمم الخالية العقوبات؛ بسؤالهم العذاب
الرعد 13:7
والمعاندة في الآيات إذا جاءت؛ كأنه - واللَّه أعلم - يصبر رسوله على سفه قومه؛ لسؤالهم العذاب والآيات ثم المعاندة فيها، يقول: كان في الأمم الماضية من سؤال العذاب والآيات ثم المعاندة من بعد نزولها؛ فنزلت لهم العقوبات؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المثلات: الأمثال والأشباه. وكذلك ذكر في حرف حفصة (وقد خلت من قبلهم الأمثال) وتأويله - واللَّه أعلم - أي: (وقد خلت من قبلهم الأمثال)؛ ما لو اعتبروا بها كان مثلا لهم، ولكن لا يعتبرون؛ فيمنعهم عن أمثال ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَذُو مَغْفِرَةٍ) أي: لذو ستر على ظلمهم؛ وتأخير العذاب إلى وقت؛ كقوله: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ)، وقوله: (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لذو مغفرة للناس على ظلمهم إذا تابوا، وماتوا عليها، أو يكون قوله (لَذُو مَغْفِرَةٍ) للمؤمنين على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب، لمن لم يتب، ومات على الظلم والشرك. وقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) للكفار؛ وعلى التأويل الأول: وإِن ربك لشديد العقاب؛ إذا عاقب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ... (٧) وقال في موضع آخر: (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ)، وقال في آية أخرى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) إلى آخر ما ذكر؛ فيحتمل سؤالهم الآية قوله تعالى: (كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ)، عين تلك الآيات التي أتت بها الرسل الأولون، وليس عليه أن يأتي بعين تلك الآية؛ إنما عليه أن يأتي بآية تخرج عن عرفهم وطباعهم، والرسل جميعًا لم يأتوا بآية واحدة؛ إنما جاءوا بآيات مختلفات، كل جاء بآية سوى ما جاء بها الآخر؛ فقال له: ليس عليك ذلك إنما أنت منذر. أو سألوا آيات سؤال الاعتناد لدى هلاكهم، أعلى ما فعل الأولون؛ فقال: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ) قد عفا هذه الأمة إحضار آيات وإنزالها لدى هلاكهم، وإن كانوا هم في سؤالهم الآيات معاندين؛ لأنهم قد جاءهم من الآيات؛ على إثبات رسالته وإظهارها؛ ما كفتهم، لكنهم يعاندون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ): لا تملك إتيان الآيات، (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ)، وقال: (لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ) الآية. أو يقول: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ): ليس إليك إنشاء الآيات واختراعها؛ (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ).
أي: داع يدعو إلى توحيد اللَّه ودينه؛ كقوله: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ).
وقوله: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) يحتمل: لكل وقت هاد.
ثم اختلفوا أنه: مَنْ ذلك الداعي؟
قَالَ بَعْضُهُمْ: اللَّه، وقَالَ بَعْضُهُمْ: نبي من الأنبياء، وقَالَ بَعْضُهُمْ: داع؛ دليل سوى النبي.
وقالت الباطنية: هو إمام يكون معصومًا مثل النبي لئلا يزيغ عن الحق؛ ولكن عندنا معصومًا أو لم يكن معصومًا، فإن في القرآن ما يمنع عن الزيغ؛ ويعرف ذلك منه إذا زاغ؛ وضل عن الحق.
الرعد 13:8
(وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) أي: داع وهو كما قال: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ).
قوله تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى).
قيل: يعلم أنها حملت ذكرًا أو أنثى مستويًا أو غير مستوٍ مؤفًّا؛ يخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن علمه وقدرته أنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، فَإِنْ قِيلَ: هذا دعوى: ما الذي يعلمنا أنه يعلم ذلك؟ قيل: اتساق تدبيره ولطفه يدل على علم ذلك فيه؛ حيث رباه فيه وأنشأه مستويًا غير مؤفِّ سليما عن الآفات، ونماء الجوارح كلها على الاستواء؛ لا يكون بعضها أكبر وأعظم وبعضها أنقص وبعضها أتم؛ نحو العينين؛ تراهما مستويتين؛ لا زيادة في إحداهما دون الأخرى؛ بل تنموان على الاستواء، وكذلك اليدان والرجلان والأذنان؛ وأمثاله؛ فدل ذلك على العلم له به والتدبير.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ).
أي: يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد.
قال عامة أهل التأويل: (وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ): ما تنقص عن التسعة الأشهر، (وَمَا تَزْدَادُ): على التسعة الأشهر، فكان الحسن يقول: غيضوضة الرحم: أن تضع لستة أشهر أو لسبعة أشهر أو ثمانية، وأما الزيادة: فما زاد على تسعة أشهر.
وفي حرف أُبي: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُل أُنْثَى وَمَا تَضَعُ) ولكن يحتمل قوله: (وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) وجهين:
أحدهما: (وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ) أي: ما لا تحمل شيئًا؛ وهي التي تكون عقيمًا لا تلد، والغيضوضة تكون ذهاب الشيء، قال اللَّه - تعالى -: (وَغِيضَ الْمَاءُ)،
الرعد 13:9
أي: ذهب.
(وَمَا تَزْدَادُ) أي: ما تحمل وما تغيض الأرحام، فتلد بدون الوقت الذي تلد النساء، وما تزداد على الوقت الذي تلد النساء.
أو (وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) في زيادة عدد الأولاد ونقصانهم؛ ما تحمل واحدًا أو أكثر من واحد، أو يكون في زيادة قدر نفس الولد ونقصانه؛ لأن من الولد ما يصيبه في البطن آفة؛ فلا يزال يزداد له نقصان في البطن، ومنه ما ينمو ويزداد؛ وأمثاله. واللَّه أعلم.
(وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) مقدَّر بالتقدير؛ ليس على الجزاف؛ على ما يكون عند الخلق، ولكنه بتقدير وتدبير.
(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يغيب عنه شيء، ولكن هو عالم بالذي يغيب عن الخلق ويشهده الخلق؛ أي: ما يغيب عنهم وما يشهدونه عنده بمحل واحد في العلم به.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عَالِمُ الْغَيْبِ): ما غاب بنفسه، وما شهد بنفسه؛ فالغائب بنفسه: هو ما لم يوجد بعد؛ ولم يكن، والشهادة: ما قد وجد وكان، يعلم ما لم يوجد بعد أنه يوجد أو لا يوجد، وإذا وجد، كيف يوجد؟ ومتى يوجد؟ وفي أي: وقت يوجد؟ وما جد وشهد؛ يعلمه شاهدًا موجودًا.
على هذين الوجهين يجوز أن تخرج الآية؛ واللَّه أعلم؛ ويعلم ما غاب عنهم مما شهدوا من نحو قوة الطعام في الطعام، والقوة التي في الماء، وماهية البصر والسمع، والعقل والروح، وكيفيتها، وهذا كله مما غاب عن الخلق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ).
المتعال، عن جميع ما يحتمله الخلق؛ يقال: هذا عظيم القوم؛ وكبيرهم، وهذا واحد زمانه؛ لا يعنون عظيم النفس وكبيره أو توحده من حيث العدد؛ ولكن من حيث نفاذ الأمر له والمشيئة فيهم؛ والعزة والسلطان، وذلة الخلق له والخضوع؛ فعلى ذلك لا يفهم مما وصف هو به؛ ما يفهم من الخلق من عظم الجسم وكبر النفس، وعلى ذلك ما وصف هو بأسماء - لا يحتمل ذلك في الخلق، يقال: أول وآخر، وظاهر وباطن، وعظيم ولطيف؛ ليعلم أنه ليس يفهم مما أضيف إليه؛ ووصف هو به؛ ما يفهم مما يضاف إلى الخلق؛ إذ من قيل في الشاهد: إنه عظيم - لم يقل إنه لطيف، ومن قيل: إنه أول - لم يقل
الرعد 13:10
له: آخر، وكذلك الظاهر والباطن؛ إذا وصف بأحدهما انتفى عنه الآخر، وذلك مما وصف به اوخائب وأضيف إليه، ليعلم أنه لا يفهم بما يوصف هو به؛ ويضاف إليه ما يفهم؛ مما وصف به الخلق وأضيف إليهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ... (١٠) في نفسه في حال انفراده (وَمَن جَهَرَ بِهِ) لغيره (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ) وفي ظلمة الليل (وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).
قيل: ظاهر بالنهار، وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ): من يكون في السرب وهو الغار بالنهار، وقَالَ بَعْضُهُمْ: من هو مستخف بالليل: أي: ساكن بالليل في مقره، وسارب بالنهار: أي: متصرف متقلب بالنهار في حوائجه.
ذكر هذا صلة ما تقدم؛ وهو قوله: (يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ) ويعلم -أيضًا- ما تزداد، وما ذكر أن عالم الغيب والشهادة، يقول -أيضًا-: يعلم من أسر القول، ومن جهر به، ومن كان مستخفيًا بالليل أو ساربًا بالنهار، أي: يعلم كل شيء؛ لا يخفى عليه شيء: من عمل سرا من الخلق؛ أو عمل بظاهر منهم.
يذكر هذا - واللَّه أعلم - ليكونوا على حذر من المعاصي؛ لأن من علم أن عليه رقيبًا حفيظًا يكون أحذر وأخوف؛ ممن يعلم أن ليس عليه ذلك.
وقال مقاتل: سواء منكم؛ عند اللَّه؛ من أسر القول ومن جهر به، وسواء منكم من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار؛ أي: من هو مستخف بالمعصية في ظلمة الليل، أو هو منتشر بتلك المعصية بالنهار؛ معلن بها؛ فعلم ذلك كله عند اللَّه؛ سواء.
في ذلك تذكير أمرين:
أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من أول حالهم إلى آخر ما ينتهون إليه يستأدي بذلك شكره؛ ليستديموا بذلك تلك النعم أبدًا ما كانوا.
والثاني: يذكرهم علمه بجميع أحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبدًا على حذر من معاصيه، والخلاف له.
أما علمه هو ما ذكر اللَّه: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى...) إلى قوله: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ...) الآية.
الرعد 13:11
وأما نعمه فهو ما ذكر.
(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)
وقوله: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هم الأمراء، والشرط الذي يحفظونه في ظواهر من أمره؛ يخبر أنه محفوظ عليه الخفيات من أمره؛ حيث قال: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ...) الآية؛ حيث أخبر أنه يعلم ذلك ومحفوظ عليه الظواهر من أمره.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ): الملائكة الذين يحفظونه، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " يجتمعون فيكم عند صلاة العصر وصلاة الصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه "، مثل قوله: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ)، قال: الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه؛ الذي عن يمينه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) يحتمل قوله: (لَهُ)، أي: لله معقبات يحفظونه، ويحتمل: (لَهُ) من كل ذكر وأنثى؛ يكون مثله قوله: (يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى).
وقوله: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) يحتمل قوله: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، أي: يحفظون نفسه من البلايا والنكبات التي تنزل على بني آدم؛ فإن كان في حفظ نفسه فقوله من أمر اللَّه؛ أي: من عذاب اللَّه وبلاياه؛ كقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا)، وهو عذابنا.
ويحتمل قوله: يحفظون أعماله؛ بأمر اللَّه، ثم يحتمل قوله: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) وجوهًا: يحتمل: من بين يديه: الخيرات التي يعملها، ومن خلفه: الشرور والسيئات، ويحتمل قوله: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ): ما قذم من الأعمال، (وَمِنْ خَلْفِهِ): ما بقي وأخر؛ كقوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)، ويحتمل (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ): ما مضى من الوقت، (وَمِنْ خَلْفِهِ): ما بقي. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
الرعد 13:12
يشبه أن يكون هذه النعمة؛ نعمة الدِّين من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو القرآن، أو ما كان في أمر الدِّين؛ لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير يكون منهم؛ كقوله: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)؛ وكقوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم).
ويحتمل أن يكون ذلك في النعمة الدنياوية؛ من الصحة والسلامة والمال، لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير ذلك من أنفسهم.
فَإِنْ قِيلَ: إن الأنبياء قد كانوا بلوا بشدائد وبلايا؛ ولا يحتمل أن يكون ذلك منهم البداية في التغيير.
قيل: أبدلت لهم مكان تلك النعمة خيرًا منها فليس ذلك بتغيير؛ ولكن لما ذكرنا أنه أبدلت لهم مكان النعمة نعمة هي خير منها.
ثم ما كان من النعم؛ والأفضال من الطاعات لها حق التجدد والحدوث؛ يكون التغيير عليهم حالة اختيارهم؛ وتغييرهم على أنفسهم، وأما الأفعال التي لها حق البقاء؛ يكون التغيير من اللَّه من بعد؛ وهو من نحو السلامة والصحة والسعة، والذي له حق التجدد والحدوث الطاعات [والمعاصي].
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ).
الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إنه لا يريد إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين، وقد أخبر أنه إذا أراد بهم سوءًا؛ (فَلَا مَرَدَّ لَهُ...) الآية.
دل هذا أنه قد يريد بهم السوء إذا غيروا هم ما أنعم اللَّه عليهم، أراد أن يغير عليهم والمعتزلة يقولون يملك الخلق دفع سوء إرادة اللَّه بهم، وإذا أراد الخير يملكون رد ذلك، واللَّه يقول: (فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ)، ولا مردّ لسوئه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ).
أي: ليس لهم في دفع العذاب الذي أراد بهم ولي يدفع عنهم أو نصير ينصرهم؛ كقوله (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ).
* * *
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا).
الرعد 13:13
أي: مخوفًا ومطمعًا أو ما تخافون وتطمعون.
وقال أهل التأويل: خوفًا للمسافر وطمعًا للمقيم.
وقيل: خوفًا لأهل البنيان؛ وطمعًا لأهل الأنزال.
وعندنا يطمعون ويخافون قوم واحد؛ يطمعون نفعه في وقت المنفعة، ويخافون ضرره في غير وقت النفع، أو يطمعون نفعه ويخافون ضرره، أو يطمعون مضيه؛ ويخافون نزوله والضرر به في غير وقت النفع؛ ونحوه.
ويحتمل وجهًا آخر في قوله: (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) أي: يريكم خوفًا موعودًا وطمعًا موعودًا؛ لأن البرق نور ونار، فالنور يطمع النور الموعود في الجنة، والنار تخوف النار الموعودة في الآخرة؛ لأن فيها نارًا؛ ألا ترى أنه إذا اشتد خيف على من أصابه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ).
قيل: أي: يرفع السحاب الثقال الذي فيه المطر والماء. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ)، يقال: نشأت السماء؛ إذا ارتفع الغيم فيها، ويسمى الغيم نشأ، وقوله إنشاء؛ أي: أخذ فيه، ويقال: أنشأ اللَّه الخلق أي: خلقهم، نشأ: ارتفع، وأنشأ: رفع، وهو من هذا. واللَّه أعلم.
(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)
اختلف في الرعد والبرق: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو اسم ملك من الملائكة موكل بالسحاب؛ صوته تسبيحه.
وعلى ذلك رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أقبلت يهود إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فقالوا: يا أبا القاسم: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: " ملك من الملائكة موكَّل بالسحاب؛ معه مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء اللَّه "؛ فقالوا: ما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: " زجرة السحاب إذا زجره؛ حتى ينتهي إلى حيث أمر "، قالوا: صدقت. فإن ثبت هذا؛ فهو هو.
وعن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل عن البرق والرعد؟ فقال: الرعد: الملك، والبرق: ضربة السحاب بمخراق من حديد.
وقيل: الرعد: ملك على ما ذكرنا، يزجر السحاب بالتسبيح ويسوقه؛ فإذا شذَّت سحابة ضمها، وإذا اشتد غضبه صار من فيه النار؛ فهي الصواعق.
وقيل: هي الريح تسوق السحاب؛ فإذا تراكمت السحاب؛ فلم تجد منفذًا صوتت؛ فذلك صوتها.
وقال بعض الفلاسفة: الرعد اصطكاك الأجرام؛ فيحدث هذا الصوت؛ بمنزلة الحجر يحك الحجر. وقَالَ بَعْضُهُمْ من الفلاسفة: إنما هي ريح تختنق تحت السحاب فتصدعه فذلك الصوت منه.
أي: شيء كان الرعد: الملك، أو الريح، أو ما كان فالتسبيح يحتمل من كل شيء، على ما أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - التسبيح من كل شيء؛ حيث قال: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)، فيحتمل تسبيح الخلقة؛ جعل في خلقه كل شيء حصانة وبراءة منشئه من كل ما وصفه الملحدون، ودلالة ألوهيته وربوبيته.
ويحتمل تسبيحه: قول جعل في سرية كل شيء تسبيحه وتنزيهه ما لا يفهمه الخلق.
وعن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، والبرق صوته الذي يزجي به السحاب. قيل: أمثال هذا كثير، واللَّه أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ سوى أنه هول هائل يهول الخلق، ويذكرهم سلطانه وعظمته، ولولا أنهم اعتادوا ذلك؛ وإلا لم تقم أنفسهم لسماع ذلك.
وقوله: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) أي: يذكرهم سلطانه وعظمته يكون ذلك تسبيحه، وما ذكروا من سلطانه وعظمته، (وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) أي: تسبيح الملائكة من خوفه، الرعد يسبح ويذكر الخلق عظمة اللَّه وسلطانه، فذلك الثناء عليه والملائكة يسبحونه فيما بينهم وبين ربهم، فلم يذكر فيهم التسبيح بحمده، وذكر في الرعد والملائكة من خيفته، أي: من خوفه، ثم الخوف يخرج على وجهين:
أحدهما: خوفًا من عقوبته؛ لأنه قد جاء فيهم الوعيد إذا زلوا كقوله: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...) الآية.
والثاني: خوف رهبة وهيبة لا خوف عقوبة؛ لأن اللَّه تعالى وصفهم بالطاعة له والاستسلام، كقوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وقوله: (وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ...) الآية، ونحو ذلك.
ثم خوف الهيبة لا يزول في الآخرة، وخوف العقوبة يزول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ) قيل: الصعقة: الصيحة التي فيها موت البعض، ويذهب عقل البعض، كقوله: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ). وقيل: هي اسم العذاب وقد ذكرنا فيما تقدم ذكره في بعض الأخبار أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فسأله عن شيء من أمر الرب فجاءت صاعقة فأحرقته فنزل (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ) أي: في توحيد اللَّه؛ لأن أهل الكفر كلهم كانت مجادلتهم في توحيد اللَّه وألوهيته وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: شديد الانتقام والعقوبة وقيل: شديد القوة وقيل: شديد الأخذ.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) من الكيد والمكر، وأصل المحال الحيلة، لكن سمي باسم الأول؛ لأنه جزاء الحيلة، فيكون كتسمية جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء
الرعد 13:14
اعتداء، والمكر هو ما ذكرنا أنه الأخذ من حيث الأمن، من حيث لا يشعرون به.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: المحال عندي من المكر.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: المعقبات الحفظة الذين يحفظونه بأمر اللَّه، ويقال عقبته أي: حفظته، وأما قوله (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)، أي: لا رادّ لحكمه قال ويقال في غير هذا أعقب فلان فلانًا، أي: ذهب هو وجاء هو، ويقال: عقبت أي: رجعت، ومأخذهما من العقب، ويقال: رجع على عقبيه، أي: من حيث جاء.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: معقبات: ملائكة يعقب بعضها بعضا في الليل والنهار إذا مضى فريق خلف بعده فريق آخر يحفظونه من أمر اللَّه، أي: بأمر اللَّه.
وقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) أي: ولي، مثل قادر وقدير، وحافظ وحفيظ وذلك جائز في اللغة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) يحتمل وجهين:
يحتمل أي: له عبادة الحق، وليس لمن دونه عبادة الحق، أي: هو المستحق للعبادة ليس ممن يعبد دونه بالذي يستحق العبادة وعبادة الحق له، ليس لمن دونه.
والثاني: له دعوة الحق؛ أي: له إجابة دعوة الحق ليس يملك من دونه إجابة من دعا بالحق.
فعلى التأويل الأول الدعوة: العبادة، وعلى الثاني الدعوة: الإجابة، أي: له إجابة دعوة من دعا بالحق واللَّه أعلم هو يملك إجابة دعوة الخلق، فأما من عبد دونه ودعي دونه لا يملك ذلك، يدل على ذلك قوله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) أي: والذين يدعون من دونه لا يملكون الإجابة، أو لا يملكون ما يأملون من عبادتهم الأصنام فيكون مثله ما ذكر (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) وهو ضرب مثل من يدعو من دون اللَّه كباسط كفيه إلى الماء هو - واللَّه أعلم - ليس من يدعو من دون الله إلا كباسط كفيه إلى الماء فيدعو الماء، فكما لا يجيبه الماء وإن دعاه فعلى ذلك من يدعو الأصنام لا يملكون إجابته، واللَّه أعلم بذلك، أو أن يكون وجه ضرب هذا المثل أن من عبد دون اللَّه أو دعا من دونه ليس إلا كباسط كفيه إلى الماء وهو على بعد من
الرعد 13:15
الماء، فكما لا يصل هو إلى الماء، لا يصل من عبد دون اللَّه إلى ما يأمل ويطمع، أو يحتمل من وجه آخر، وهو أن الماء يغترف إذا قبض الكف، ولا سبيل إلى الاغتراف إذا بسطت، فعلى ذلك من عبد دون اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) أي: دعاؤهم وعبادتهم لا يعقب ْلهم إلا الخسار في الآخرة حاصله: يضل ذلك كله عنهم لا يصلون إلى ما يأملون بالدعاء والعبادة، كقوله: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥) يحتمل قوله: (يسجُدُ) على حقيقة السجود يسجد له المؤمن والكافر جميعًا أما المؤمن فإنه يسجد له بالاختيار والطوع.
ويحتمل ما ذكر من السجود وجوهًا:
أحدها: حقيقة السجود فإن كان هذا فهو في الممتحنين خاصة.
والثاني: سجود الخلقة فإن كان على هذا فهو في جميع الخلائق جعل اللَّه في خلقة كل شيء دلالة وحدانيته وآية ألوهيته وربوبيته.
والثالث: سجود الأحوال، فهو في المؤمن والكافر جميعًا أما المؤمن فهو يسجد له في كل حال وأما الكافر فإنه يسجد له ويخضع في حال الشدة والضيق ولا يسجد له في حال السعة والرخاء ويشبه أن يكون الكافر يكون سجوده لله اختيارا وطوعا حيث قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) إنهم؛ وإن عبدوا الأصنام؛ فيرون السجود والعبادة لله، لكنه لم يقبل ذلك منهم؛ لإشراكهم غيره في ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
أي: يسجد ظلالهم بالغدو والآصال، ينتقل ظل كل أحد بانتقال نفسه؛ ينتقل حيث تنتقل نفسه؛ فذكر الغدو والآصال؛ لأنه بالغدو والعشي يظهر الظل.
ويحتمل السجود: أنه يسجد له؛ أي: يخضع له من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا؛ فإن كان على الخضوع؛ فهو في الخلائق كلهم؛ في البشر وغير البشر؛ وذي الروح وغير ذي الروح.
(وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) أي: ظلالهم تخضع له أيضًا بالغدو والآصال.
الرعد 13:16
ويحتمل: أن يكون المراد من السجود سجود الخلقة: فيسجد له خلقة كل أحد. فإن قيل: ما معنى الغدو والآصال؟ قيل: يحتمل: أبدًا دائمًا: ليس على مراد الوقت؛ ولكن على الأوقات كلها.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ).
أمره أن يسألهم: من رب السماوات والأرض؟ ثم أمره أن يجيب هو لهم؛ فيقول الله وهو في الظاهر دعوى، أكثر ما في هذه الآية دعوى، وبعضه حجاج، وهو قوله: (لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا)، وقوله: (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) لأنهم يقرون بهذا؛ لا يخلقون كخلقه؛ ولا يملكون دفع الضر؛ ولا جَرّ النفع.
وقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
(قُلْ) إنما أمره أن يسألهم من رب السماوات والأرض، ولم يقل من ربكم فإنما أمره أن يسألهم ما لا يتجاسرون أن يقولوا الأصنام التي يعبدونها هي أرباب السماوات والأرض فلا بد أن يقروا اللَّه رب السماوات والأرض، فإذا أقروا بهذا أنه رب السماوات والأرض قد دخل ما في السماوات والأرض في ربوبيته، إذ السموات والأرض، إنما خلقهما لأهلهما؛ فإذا كان ربَّ السماوات والأرض - كان ربَّ ما فيهما.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ) أمره أن يسألهم ثم يسبقهم بالإجابة؛ لأنه هو السابق بكل خير، وهم يجيبون له أنه رب السماوات والأرض.
دليله: حرف أبي وابن مسعود وحفصة؛ حيث قرءوا (من رب السماوات والأرض قالوا الله) يدل إنه أمره أن يسبقهم بالإجابة، كما كان هو السابق على كل خير.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ).
يقول - واللَّه أعلم - إذا أقررتم أن رب السماوات والأرض هو اللَّه؛ وهو الإله؛ فكيف اتخذتم من دونه هذه الأصنام آلهة أربابًا وعبدتموها أو كيف جعلتم من ليس هو رب السماوات والأرض - أولى ممن أقررتم بالعبادة له أنه ربهما؟ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا) إذ لا يملكون نفعًا لأنفسهم، ولا دفع الضر عنها؛ فكيف يملكون نفع غيره أو دفع ضر عن غيره؟ فعرفهم أنهم لا يملكون ذلك؛ وأن اللَّه هو المالك؛ فكيف تركتم عبادة من يملك ذلك؛ وعبدتم من لا يملك؟.
فيخرج تأويله على وجهين:
أحدهما: يقول: لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرا، فكيف اتخذتم دون اللَّه آلهة؟.
والثاني: لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا مع وجود الحاجة فيها؛ فكيف تعبدون على رجاء النفع لكم بقولكم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ).
وقوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ).
أي: تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها أنها عمي لا تبصر شيئًا؛ واللَّه هو البصير؛ فكيف تركتم عبادة من يبصر؛ وعبدتم من لا يبصر؟ هل يستوي ذلك؟ أي: لا يستوي.
أو يقول لهم: إنكم بعبادتكم الأصنام طمعتم شفاعتهم عند اللَّه؛ وهم عمي وأنتم بصراء؛ فهل رأيتم أعمى يقود بصيرا في الشاهد؟ أو هل رأيتم من لا يبصر يكون دليلا لبصير؟ فإذا لم تروا ذلك؛ فكيف طمعتم من الأصنام ذلك.
وقال أهل التأويل: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ): الأعمى: الكافر، والبصير: المؤمن.
(أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ).
الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان. ووجه قولهم؛ حيث شبهوا الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور؛ لأن الظلمة تحجب وتستركل شيء، والنور يرفع ذلك الحجاب وذلك الستر؛ فالإيمان له دلائل وحجج؛ ترفع تلك الحجب والستر؛ فينور له كل شيء. والكفر ليى له حجج ودلائل ترفع ذلك؛ فهو ظلمة لم يضئ له شيئًا، والإيمان نور؛ حيث أضاء له، ونور كل شيء له بالدلائل والحجج التي ذكرنا. فصار الكافر كالأعمى لا يبصر شيئًا؛
الرعد 13:17
لأنه في الظلمة، والمؤمن كالبصير؛ لأن معه الدلائل والحجج.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ).
أي: بل جعلوا لله شركاء في العبادة؛ بعد ما علموا أنهم لا يملكون لهم نفعًا إن عبدوها ولا ضرًّا إن تركوا العبادة لها.
وقوله: (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ).
أي: خلق هَؤُلَاءِ الأصنام؛ التي عبدوها وأشركوها في ألوهيته؛ كخلق اللَّه؛ فتشابه عليهم خلقه من خلق الأصنام؛ أي: عرفوا أنها لم تخلق شيئًا كما خلق اللَّه؛ فكيف أشركوا هذه الأصنام في عبادة اللَّه وألوهيته؛ وهم كأنهم قد أقروا أن اللَّه هو خالق كل شيء.
وهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن اللَّه لم يخلق أفعال العباد ولا يقدر على خلقها؛ فإذا كان اللَّه لم يخلقها؛ فهم خلقوها - على زعمهم - فيكون موضع تشابه الخلق عليهم - على قولهم - فيدل على بطلان قولهم وفساد مذهبهم. والله الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) في السماوات والأرض (وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
أي: كل شيء دونه تحت قدرته وقهره وسلطانه، والأصنام التي تعبدونها مقهورة مغلوبة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا... (١٧)، إلى آخر ما ذكر من الأمثال؛ إلى قوله (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ).
قال بعض أهل التأويل: هذا مثل ضربه اللَّه لليقين والشك؛ فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها: فأما الشك فلا ينفع منه عمل، وأما اليقين فينفع اللَّه به أهله، وهو قوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أوهو الشك، (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبيثه في النار؛ كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك؛ وهو قول ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقال قتادة: قوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) الصغير بصغره والكبير بكبره.
(فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) يقول: رابيا (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) والجفاء: ما يتعلق بالشجر من الزبد، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض؛ فضرب المثل للحق والباطل.
يقول - واللَّه أعلم - كما اضمحل هذا الزبد؛ الذي ظهر فوق الماء؛ فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله؛ كما اضمحل هذا الزبد؛ وكما مكث هذا الماء في الأرض، وقر قرارها فأمرعت ورجيت بركته كذلك، وأخرجت له نباتها؛ كذلك يبقى الحق لأهله؛ كما بقي هذا الماء في الأرض.
(وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ) يقول: يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار؛ وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله.
(أَوْ مَتَاعٍ) يعني هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به؛ وفيه منافع، يقول: كما بقي خالص هذا الحديد وهذا الصفر؛ حين أدخل النار وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.
وقال الكلبي: قوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) وهو القرآن؛ فاحتمله القلوب بأهوائها؛ ذو اليقين على قدر يقينه، وذو الشك على قدر شكه؛ فاحتملت الأهواء باطلا كثيرًا وجفاء: فالماء هو الحق، والأودية هي القلوب، والسيل الأهواء، والزبد الباطل، والحق المتاع والحلية.
قال: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) فالزبد وخبث الحديد وخبث المتاع: هو الباطل " من أصاب من هذا شيئًا لم ينتفع به، فكذلك الباطل يوم القيامة لا ينتفع بباطله. وأمَّا الحلية والماء والمتاع: فهو الحق؛ من أصاب شيئًا منه انتفع به، وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينتفع بالحق. أما الحلية: فالذهب والفضة، وأما المتاع: فالصفر والحديد والرصاص والنحاس، ونحوه، ليس شيء من هذا ينتفع به حتى يدخل النار؛ فيميز صفوه من خبثه.
وقال الحسين بن واقد: وهو قول مقاتل؛ ضرب اللَّه مثل الكفر والإيمان؛ ومثل الحق والباطل، فقال: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، سالَ الوادي الكبير على قدر كبره؛ والصغير على قدر صغره؛ فاحتمل السيل زبدًا رابيًا أي: عاليًا، ثم قال: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ)؛ الذهب والفضة، ثم قال: (أَوْ مَتَاعٍ) الشَّبَهُ والحديد والصفر والرصاص، (زَبَدٌ مِثْلُهُ): أي: للسيل زبد مثله لا ينتفع به؛ أوالماء ينتفع به، وللحلي والمتاع أيضًا زبد مثل زبد السيل؛ إذا أدخل النار؛ وهو خبثه لا ينتفع به والحلى والمتاع ما خلص منهما ينتفع به فمثل الأودية مثل القلوب ومثل السيل مثل الأهواء ومثل الماء والحلي والمتاع الذي ينتفع به مثل الحق، ومثل زبد الماء وخبث الحلي والمتاع الذي لا ينتفع به مثل، الباطل فكما ينتفع بالماء وما خلص من الحلي والمتاع الذي ينتفع به أهله في الدنيا؛ فكذلك الحق ينفع أهله في الآخرة؛ وكما لا ينفع الزبد؛ وخبث الحلي؛ وخبث المتاع أهله في الدنيا؛ فكذلك الباطل لا ينفع أهله في الآخرة (كَذَلِكَ) أي: هكذا يضرب اللَّه الأمثال، أي: يبين اللَّه ما ذكر من مثل الحق والباطل، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) قال: يعني يابسًا؛ فلا ينتفع به، (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ) من الماء؛ (فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) فيسقون ويزرعون عليه وينتفعون به.
فهذه ثلاثة أمثال ضربها اللَّه في مثل واحد؛ يقول: هكذا يبين اللَّه الأمثال والأشباه (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى) أي: أجابوا (لِرَبِّهِمُ) في الدنيا؛ بالإيمان والتوحيد (الْحُسْنَى) لهم؛ وهي الجنة في الآخرة.
ضرب اللَّه مثل الإيمان والحق؛ ووصفهما بالثبات والقرار والطيب؛ بالأرض الطيبة مرة؛ وشجرة طيبة ثانيًا، وضرب مثل الكفر والباطل؛ بالأرض الخبيثة؛ والشجرة الخبيثة، ووصفهما بالخبث والذهاب؛ فقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ...)، وقال: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)، وقال: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ...) الآية، وضرب مثل المؤمن مرة بالبصير والسميع، ومثل الكافر بالأعمى والأصم؛ فقال: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا)، وضرب مثل الكفر؛ مرة بالظلمات؛ ومرة بالرماد والموت، ومثل الإيمان بالنور والضياء والحياة؛ ونحوه.
فهذه الأمثال التي ضرب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - تخرج كلها مخرج الدعوى في الظاهر؛ إذ ليس فيها بيان الحق منها؛ وبيان المحق من غير المحق؛ سوى أن فيها: هل يستوي ذا مع ذا؛ لا يستوي على ما ذكر، وهل يستوي الطيب والخبيث؛ أو البصير والسميع أو الأصم والأعمى؛ أو الميت أو لحي؛ أو الظلمات والنور؛ وأمثاله، هذا كله غير مستو. وكل أهل الأديان وإن - اختلفت مذاهبهم - يقول كل: أنا الذي عليه هو الحق؛ والباطل هو الذي عليه غيري، وينفي كلٌّ عن نفسه العمى والصمم؛ وكونه في ظلمة؛ ويدعي كونه في النور؛ ونحوه. فليس في نفس الأمثال التي ضربت بيان الحق من الباطل والمحق من غيره؛ فذلك يعرف بغيرها بالدلائل والحجج والبراهين؛ وهو ما ذكر (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ...) الآية، فبالدلائل والحجج والبراهين يعرف الحق من الباطل والمحق من غير المحق؛ فللإيمان والحق دلائل وحجج يعرف ذوو العقول - بالعقول - حسنه وطيبه، وما يعقب من ثمرته، ويبين قبح الكفر والباطل لذوي العقول بالعقول، واستخباثهم الباطل؛ وما يعقبه لأهله من الخبث والقبح والشر.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (زَبَدًا رَابِيًا) أي: عاليًا على الماء (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ) أي: حلي أو متاع آنية يعني من فِلز الأرض وجواهرها؛ مثل الرصاص والحديد؛ ونحوه، والذهب والفضة؛ حيث تعلوها - إذا أذيبت - مثل زبد الماء. والجُفاء ما رمي به الوادي إلى جنباته؛ يقال: أجفأت القدر بِزَبدها: إذا ألقت زبدها عنها.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (رَابِيًا): أي: مرتفعًا فوق ظهر الماء؛ وهو واحد، ويقال: زبد الماء: إذا صار له زبد (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ) هو من الحلي؛ من الذهب والفضة؛ مما يتحلى به؛ (فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي: باطلا لا ينتفع به، وأما الجفاء: فهو إظهار التهاون بالإنسان؛ وقلة الاكتراث له؛ والاستخفاف به. وقال: الجفاء هو الغثاء، ويقال: قد أجفأ الوادي: إذا علاه ذلك ثم جرى به الماء.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: والغثاء - عندي -: ما حمله السيل؛ من العيدان والبعر؛ وما يشبه ذلك.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله: (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى)، أي: يبسًا.
قال أبو عبيد: الجفاء الجمود، ويذهب إلى أن الزبد يجمد ويجتمع على الماء، ثم
الرعد 13:18
يذهب بمائها.
وقال الفراء يذهب جُفاء: أي: يذهب سريعًا كما جاء.
وقال الشيخ - رحمه اللَّه -: ويشبه أن يكون المثل الذي ضرب بالماء هو للدِّين وهو أن الدِّين الحق الذي أنزل من السماء واحد؛ لكن الناس اتخذوا أديانًا متفرقة، ومذاهب مختلفة؛ كقوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ)، فالدِّين الذي أمر بسلوكه واتباعه واحد؛ وهو كالماء الذي أنزل من السماء واحد صاف؛ وهو الأصل؛ فحذف منه أشياء لا يعبأ به ولا يكترث؛ فعلى ذلك السبل. أو أن يكون وجه ضرب مثله بالماء؛ وهو أن الماء إذا أنزل من السماء أنزل طيبًا عذبًا، لكن اختلف ألوانه وطعومه باختلاف جواهر الأرض؛ بعضه خرج مالحًا أجاجًا، وبعضه مرًّا لا ينتفع به؛ وبعضه عذب، وذلك على اختلاف جواهر الأرض، وإلا كان المنزّل من السماء كله عذب طيب؛ فالذي ينتفع به واحد؛ وهو العذب. فعلى ذلك الدِّين الذي ينتفع به - واحد؛ والبواقي لا ينتفع بها كالمياه المرة والمالحة، أو يكون غير هذا؛ ونحن لا نعرفه واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى) أي: أجابوا ربهم فيما دعاهم إليه، وإنما دعاهم إلى السبب الذي يوجب لهم دار السلام وهي الجنة بقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، دعاهم إلى دار السلام ومكن لهم من الإجابة له والرد، فمن أجابه فيما دعاه كان له دار السلام، والحسنى الذي ذكر،
الرعد 13:19
ومن رد دعاءه كان له النار ودار الهوان؛ فأيهما اختار، فله الموعود الذي وعد؛ إن اختار إجابته إلى ما دعاه؛ فله النعيم الدائم الذي وعد ودار السلام؛ وإن اختار الرد وترك الإجابة، فله ما وعد من العذاب الدائم والهوان.
والأمثال التي ذكر أنها (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى) هو هكذا للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وكذلك ما ذكر من القرآن أنه هدى ورحمة للمؤمنين، وأمَّا على أهل الكفر؛ فهو عمى وضلال. وكذلك قوله: (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ)، وأمّا قلوب الكفرة فما ذكر: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ)، و (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)، وأمثاله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ).
أي: ضِعْفه معه؛ لافتدوا به، يذكر هذا - واللَّه أعلم - أن الذي كان يمنعهم عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه - رغبتهم في هذه الدنيا؛ وميلهم إليها؛ يتمنون - لما يحل فيهم من العذاب والشدائد - أن يكون لهم ما في الأرض جميعًا أن يفتدوا به.
(أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ).
أي: يحاسبون حسابًا يسوءهم؛ لأن حسناتهم التي عملوها وطمعوا الانتفاع بها - لم تنفعهم بل صارت كالسراب الذي ذكر: (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) ولم يتجاوز عن سيئاتهم (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي: الذي يأوون إليه؛ هو جهنم وبئس المهاد؛ لما يسوءهم ذلك واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) أي: من يعلم الحق حقًّا كمن هو يعمى عنه ولا يعلم؟ أو من يعلم الحق أنه حق؛ كمن يعلمه باطلًا؟ ليسا بسواء؛ كقوله: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).
أي، إنما يتذكر - بالتذكير أولو الألباب وذوو العقول؛ الذين ينتفعون بعقولهم ولُبّهم.
ثم بين من هم فقال: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)
يحتمل عهد اللَّه عهد خلقه؛ يوفون بما في خلقتهم من العهد؛ إذ في خلقة كل أحد - دلالة وحدانيته، وشهادة ألوهيته؛ فوفوا ذلك العهد.
الرعد 13:20
ثم بين من هم فقال :( الذين يوفون بعهد الله ) يحتمل [ عهد الله ][ ساقطة من الأصل وم ] عهد خلقه ( يوفون ) ما في خلقهم ؛ إذ في خلقة كل أحد دلالة وحدانية وشهادة ألوهية، فوفوا ذلك العهد.
ويحتمل عهد الله ما جرى على ألسن الرسل، وقد ذكرنا هذا في ما تقدم، وهو ما ذكر في آية أخرى :( وإذا أخذ الله ميثاق النبيين )[آل عمران: ٨١] ( وإذا أخذ الله ميثاق الذين أتو الكتاب )[آل عمران: ١٨٧] ( ولا ينقضون الميثاق )[الرعد: ٢٠] العهد والميثاق واحد، وسمى العهد ميثاقا لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن الاشتغال بغيره، والله أعلم.
الرعد 13:21
ويحتمل: عهد اللَّه ما جرى على ألسن الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ...) الآية، (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) الآية. (وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ).
العهد والميثاق واحد، وسمى العهد ميثاقا؛ لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن الاشتغال بغيره. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)
الصلات التي أمر اللَّه بها
أن توصل على جهات ومراتب: أما ما بينه وبين المؤمنين: ألَّا يحب لهم إلا ما يحب ولا يصحبهم إلا بما يحب هو أن يصحب، وأما فيما بينه وبين محارمه: أن يؤوي ويحفظ الحقوق التي جعل اللَّه لبعضهم على بعض؛ ولا يضيعها. وأما فيما بينه وبين الرسل: فهو أن من حقهم أن يوصل الإيمان بالنبيين جميعًا؛ والكتب كلها.
هذا واللَّه أعلم الصلة التي أمر اللَّه أن يوصل بها.
(وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) إما في التقصير فيما أمر أن يوصل، وإما بالتفريط في ذلك، وترك الصلة.
(وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)
أي: شدة الحساب؛ حين لم تنفعهم حسناتهم؛ ولا يتجاوز عن شيء من سيئاتهم؛ فذلك يسوءهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا... (٢٢) قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبر: هو كف النفس وحبسها عما تهواه؛ على ما تكره ويثقل عليها.
ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجذع في المصائب، وعلى أداء ما افترض اللَّه عليهم وأمرهم بها، أو كفوا أنفسهم وحبسوها عن المعاصي، يكون الصبر على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا. واللَّه أعلم. وقوله: (ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) يحتمل وجهين. يحتمل: ابتغاء رضوان اللَّه.
ويحتمل: ابتغاء وجه يكون لهم عند اللَّه، وهو المنزلة والرفعة، ولذلك سمي الرفيع وذو المنزلة: وجيهًا كقوله: (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، أي: ذو منزلة ورفعة في الدنيا والآخرة. وعلى ذلك يخرج قوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، أي: ثَمَّ الجهة التي أمر اللَّه أن يتوجه إليها، فعلى ذلك هذا (صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) أي: ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم؛ أو ابتغاء رضوان اللَّه ومرضاته واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ).
أي: داموا على إقامتها؛ ليس أنهم أقاموا مرة ثم تركوها؛ ولكن داموا على إقامتها، وعلى ذلك قوله: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، أي: دوموا على إقامتها. ويحتمل قوله: (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) أي: جعلوها قائمة أبدًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً).
يحتمل كل نفقة: الصدقة والزكاة وما ينفق على عياله وولده، (سِرًّا وَعَلَانِيَةً) أي: ينفق في كل وقت؛ سرا من الناس وعلانية منهم أي: ينفق على جهل من الناس؛ وعلى علم منهم؛ ينفقون على كل حال؛ لا يمنعهم علم الناس بذلك عن الإنفاق، بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ).
أي: يدفعون بالحسنة السيئة، ثم يحتمل وجهين:
أحدهما: يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم؛ كقوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ...) الآية. والثاني: يدرءون الإساءة التي كانت لهم إليهم بالخير إليهم والمعروف، ولا يكافئون بالسيئ السيئ؛ وبالشر الشر؛ ولكن يدفعون بالخير.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) أي: إذا سُفه عليهم حلموا،
الرعد 13:22
وقوله تعالى :( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ) قد ذكرنا في ما تقدم أن الصبر هو كف النفس وحبسها عما تهواه على ما تكره، ويثقل عليها.
ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجزع وعلى أداء ما افترض الله عليهم، وأمرهم بها، أو كفر أنفسهم، وحبسوها عن المعاصي. فيكون الصبر على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :( ابتغاء وجه ربهم ) يحتمل وجهين : يحتمل ابتغاء رضوان الله، ويحتمل ابتغاء وجه يكون لهم عند الله وهو المنزلة [ والرفعة، ولذلك سمى الرفيع في المنزلة وجيها كقوله :][ في الأصل وم : وجيها كقوله. في م : ولذلك سمى الرفيع وذو منزلة وجيها ] ( إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ )[آل عمران: ٤٥] أي ذا[ في الأصل وم : ذو ] منزلة ورفعة في الدنيا والآخرة.
وعلى ذلك يخرج قوله :( فأينما تولوا فتم وجه الله )[البقرة: ١١٥] أي ثم الجهة التي أمر الله أن يتوجه إليها فعلى ذلك هذا ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) أي ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم وابتغاء رضوان الله ومرضاته، والله أعلم.
وقوله تعالى :( وأقاموا الصلاة ) أي داوموا على إقامتها، ليس أنهم أقاموها[ في الأصل وم : أقاموا ] مرة، ثم تركوها، ولكن داوموا على إقامتها. وعلى ذلك قوله :( وأقيموا الصلاة )[ البقرة : ٤٣و. . ] أي داوموا على إقامتها.
ويحتمل قوله :( وأقاموا الصلاة ) أي جعلوها قائمة أبدا.
وقوله تعالى :( وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً ) يحتمل كل نفقة : الصدقة والزكاة وما ينفق [ المرء ][ ساقطة من الأصل وم ] على عياله وولده سرا وعلانية، أي ينفق في كل وقت سرا من الناس وعلانية منهم، أي ينفق على جهل من الناس وعلى علم منهم ؛ ينفقون على كل حال، لا يمنعهم على الناس بذلك عن الإنفاق بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم.
وقوله تعالى :( وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) أي يدفعون بالحسنة السيئة ثم يحتمل وجهين :
أحدهما : أي يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم كقوله :( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )الآية[فصلت: ٣٤].
والثاني :( ويدرءون ) الإساءة التي كانت لهم بالخير إليهم بالمعروف، ولا يكافئون السيء بالسيء، والشر بالشر، ولكن يدفعونه بالخير.
وقال بعضهم في قوله :( ويدرءون بالحسنة السيئة ) أي إذا سفه عليهم حلموا، والسفه السيئة والحلم حسنة.
[ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( أولئك هم عقبى الدار ) [ يحتمل وجهين :
أحدهما ][ ساقطة من الأصل وم ] : عقبى أولئك الذين صبروا على ما ذكر من وفاء العهد والصلة التي أمروا بها أن يصلوا والصبر على أداء ما أمر به، وافترض عليهم[ في الأصل وم : وجوها أحدها ] والانتهاء عما نهى عنه : الدار الذي دعاهم إليها بقوله :( والله يدعوا إلى دار السلام )[يونس: ٢٥].
والثاني :( أولئك لهم عقبى الدار ) أي عقبى حسناتهم دار الجنة ( أولئك لهم عقبى الدار ) الجنة. أو عاقبتهم دار الجنة.
الرعد 13:23
والسفه سيئة؛ والحلم حسنة.
(أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ).
أي: عقبى أُولَئِكَ الذين صبروا؛ على ما ذكر؛ من وفاء العهد والصلة التي أمروا بها أن يصلوا؛ والصبر على أداء ما أمر به وافترض عليهم؛ والانتهاء عما نهى عنه - الدار التي دعاهم إليها بقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ).
والثاني: (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) أي: عقبى حسناتهم دار الجنة، وأُولَئِكَ لهم عقبى هذه الدار الجنة، أو عاقبتهم دار الجنة.
ثم نَعَتَ تلك الدار؛ فقال: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)
عدن: قال أهل التأويل: عدن: هو بطان الجنة؛ وهو وسطها، وقَالَ بَعْضُهُمْ: عدن هو الإقامة؛ أي: جنات يقيمون فيها؛ يقال: عدن: أي: أقام.
وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ).
فَإِنْ قِيلَ: كيف خص بالذكر الآباء والأزواج والذرية؛ وهم قد دخلوا في قوله: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) وفي قوله: (يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) فما معنى تخصيصهم بالذكر؟
هذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: أنهم أسلموا؛ فاخترموا؛ أي: ماتوا كما أسلموا؛ ولم يكن لهم مما ذكر من الخيرات والحسنات؛ فأخبر أن هَؤُلَاءِ يدخلونها -أيضًا- ويلحقون بأُولَئِكَ.
والثاني: لم يبلغوا الدرجة التي بلغ أُولَئِكَ؛ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه يبلغهم درجة أُولَئِكَ ويلحقهم به؛ كقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...) الآية يضم بعضهم إلى بعض في الآخرة كما كانوا في الدنيا، يضم كل ذي قرين في الدنيا قرينه إليه في الآخرة.
وفي قوله: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ) وما ذكر دلالة أن صلاح غيره وإن قرب منه لا ينفعه؛
الرعد 13:24
حتى يكون في نفسه صلاح، حيث قال: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ...) إلى آخر ما ذكر؛ وهو ما قال لنوح: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، دل هذا أن صلاح والده أو قريبه لا يجدي له نفعًا في الآخرة واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ).
هذا يحتمل أن يكون لمقامهم ومنازلهم أبواب؛ فيدخل عليهم من كل باب ملك.
والثاني: يحتمل أن يكون يأتي كل ملك بتحفة غير التحفة التي أتى بها الآخر على اختلاف خيراتهم وقدر أعمالهم.
(مِنْ كُلِّ بَابٍ) أي: من كل نوع من التحف. وفيه وجهان:
أحدهما: أن الملائكة يكونون خدم أهل الجنة، وفي ذلك تفضيل البشر عليهم.
أو أن يكون على حق المصاحبة؛ لما أحبوا هم أهل الخير من البشر في الدنيا؛ لخيرهم؛ فجعل اللَّه بينهم الرفقة، والصحبة في الآحرة واللَّه أعلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) كقوله: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) هو ما ذكرنا في قوله أُولَئِكَ لهم عقبى الدار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) والعهد قد ذكرناه في غير موضع، وكذلك النقض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ).
كل حرف من هذه الحروف يقتضي معنى الحرف الآخر؛ إذا نقضوا العهد، والميثاق: قد قطعوا ما أمر اللَّه به أن يوصل؛ وسعوا في الأرض بالفساد، وإذا قطعوا ما أمر اللَّه به أن يوصل: نقضوا العهد؛ وسعوا في الأرض بالفساد؛ إلا أن يقال: إن نقض العهد يكون بالاعتقاد؛ وذلك يكون بينهم وبين ربهم، وكذلك قطع ما أمر اللَّه به أن يوصل إذا كان الأمر الذي أمر به صلة الإيمان بالنبيين والكتب جميعًا؛ فإن كان صلة الأرحام؛ فهو فعل؛ والسعي في الأرض بالفساد فعل أيضا؛ من زنا أو سرقة أو قطع الطريق، وغير ذلك من المعاصي ما كان، فهو الإفساد في الأرض واللَّه أعلم. والإفساد في الأرض يحتمل:
الرعد 13:25
وقوله تعالى :( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) العهد قد ذكرنا في غير موضع، وكذلك النقض.
وقوله تعالى :( وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ) كل حرف من هذه الحروف يقتضي معنى الحرف الآخر : إذا نقضوا العهد والميثاق فقد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وسعوا في الأرض بالفساد، وإذا قطعوا ما أمر الله به أن يوصل نقضوا العهد، وسعوا في الأصل بالفساد إلا أن يقال : إن نقض العهد يكون بالاعتقاد وذلك يكون منهم وبين نسائهم، وكذلك قطع ما أمر به أمر صلة الإيمان بالنبيين والكتب جميعا.
فإن كان صلة الأرحام فهو فعل، والسعي في الأرض فعل أيضا من زنى أو سرقة وقطع الطريق وغير ذلك من المعاصي.
وقوله تعالى :( وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) ما ذكرنا من وصل الإيمان ببعض الرسل [ وبكل الرسل وبجميع ][ في الأصل وم : مالكل وجميع ] الكتب، ويحتمل صلة الأرحام التي فرض عليهم [ صلتها، فقطعوها ][ في الأصل وم : صلتهم قطعوا ذلك ] وأمرهم أن يصلوا أعمالهم بما اعتقدوا.
وقوله تعالى :( أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) اللعنة هي الطرد في اللغة والإبعاد كأنهم طردوا، وأبعدوا عن رحمة الله في الآخرة، أو طردوا، وأبعدوا من هداية الله وإرشاده في الدنيا ( ولهم سوء الدار ) قد ذكرنا أنهم دعوا إلى دار، وحذروا عن دار ؛ دعوا إلى دار الإسلام، فإن أجابوا فلهم الحسنى على ما ذكر، وحذروا /٢٦٤-أ/ عن دار الهوان، فلم يحذروا[ في الأصل وم : يحذر ] دار السوء والهوان، وسماها[ في الأصل وم : أو سماها ] سوء الدار لما يسوء مقامهم فيها، أو ذكر لأهل النار سوء الدار مقابل ما ذكر لأهل الجنة حسن المآب وحسن الثواب والحسنى.
الرعد 13:26
منعهم الناس من الإيمان به وتصديقه أو غيره من المعاصي، أو قطع الطريق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) يحتمل ما أمر اللَّه به أن يوصل: ما ذكرنا من وصل الإيمان ببعض الرسل بالكل وبجميع الكتب، ويحتمل: صلة الأرحام التي فرض عليهم صلتهم؛ قطعوا ذلك.
أو أمرهم أن يصلوا أعمالهم بما اعتقدوا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).
اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والإبعاد؛ كأنهم طردوا وأبعدوا عن رحمة اللَّه في الآخرة، أو طردوا وأبعدوا من هداية اللَّه وإرشاده في الدنيا.
(وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).
قد ذكرنا أنهم دعوا إلى دار؛ وحذروا عن دار: دعوا إلى دار السلام؛ فإن أجابوا فلهم الحسنى؛ على ما ذكر، وحذروا عن دار الهوان؛ فإن لم يحذروا فلهم دار السوء والهوان.
أو سماها سوء الدار؛ لما يسوء مقامهم فيها، أو ذكر لأهل النار سوء الدار مقابل ما ذكر لأهل الجنة: حسن المآب وحسن الثواب والحسنى.
* * *
قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ).
يرغبهم فيما عنده ويؤيسهم عما في أيدي الخلق، ويقطع رجاءهم عن ذلك؛ لأن الذي كان يمنعهم عن الإيمان به، ويحملهم على تكذيب الرسل؛ وترك الإجابة - هذه الأموال التي كانت في أيدي أُولَئِكَ، وبها رأوا دوام الرياسة والعز والشرف لهم في هذه الدنيا؛ فقال: هو الباسط لذلك؛ والقاتر لا أُولَئِكَ، هو يوسع على من يشاء، ويقتر على من يشاء؛ ليس ذلك إلى الخلق، وذكر أنه يبسط الرزق لمن يشاء من أوليائه وأعدائه، ويقتر على من يشاء من أعدائه وأوليائه، ليعلموا أن التوسيع في الدنيا والبسط لا يدل على الولاية، ولا التقتير والتضييق على العداوة، ليس كما يكون في الشاهد؛ يوسع على الأولياء ويبسط، ويضيق على الأعداء؛ لأن التوسيع في الدنيا والتضييق بحق المحنة وفي الآخرة، بحق الجزاء، [ويستوي] في المحنة الولي والعدو، ويجمع بينهما في المحنة؛ ويفرق بينهما في الجزاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
يحتمل قوله: (وَفَرِحُوا) صلة ما تقدم؛ وهو قوله: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ...) إلى قوله: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ)، ويفرحون بالحياة الدنيا.
ثم الفرح يحتمل وجوهًا:
يحتمل: فرحوا بالحياة الدنيا؛ أي: رضوا بها؛ كقوله: (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) أي: فرحوا، سرورًا بها.
فَإِنْ قِيلَ: إن المؤمن قد يسر بالحياة الدنيا؟
قيل: يُسَرُّ ولكن لا يُلْهيه سروره بها؛ ولا يغفل عن الآخرة، وأما الكافر: فإنه لشدة سروره بها وفرحه عليها؛ يلهي عن الآخرة؛ وعن جميع الطاعات. وهكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بالمرء السرور بالشيء؛ فإنه يلهي عن غيره ويغفل عنه.
أو يكون قوله: (وَفَرِحُوا) أي: أشروا وبطروا؛ كقوله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)، وهو الأشر والبطر. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ).
تأويله - واللَّه أعلم - أي: ما الحياة الدنيا - مع طول تمتعهم بها بتمتع الآخرة - إلا كمتاع ساعة أو كمتاع شيء يسير؛ وهو كقوله: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) وكقوله: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)، يظنون - مع طول
الرعد 13:27
ما متعوا في هذه الدنيا - عند متاع الآخرة كأنهم ما متعوا بها إلا ساعة؛ فعلى ذلك قوله: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ)، وهو ما ذكر في موضع آخر: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)، عند متاع الآخرة؛ لأن متاع الآخرة ونعيمها دائم متصل غير منقطع؛ لا يشوبه آفة ولا حزن ولا خوف، ومتاع الدنيا منقطع غير متصل؛ مشوب بالآفات والأحزان؛ لذلك كان قليلا عند متاع الآخرة ونعيمها.
وقال بعض أهل التأويل: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) أي: إلا لهو وباطل لكن الوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)
يحتمل سؤالهم الآية أنفس الآيات التي أتت بها الرسل من قبل قومهم، أو سألوا آيات سموها، كقوله: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا...) الآية، (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ...)، إلى آخر ما ذكر من الآيات، سألوها منه، أو سألوه آيات تضطرهم وتقهرهم على الإيمان؛ كقوله: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ).
وفيه دلالة أنه لو شاء لأنزل عليهم آيات؛ لآمنوا كلهم بها، واهتدوا، وعنده أشياء لو أعطاهم لكان ذلك سبب اهتدائهم وتوحيدهم؛ وكذلك لو أعطى أشياء لكان ذلك سبب كفرهم جميعًا؛ كقوله: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ...) الآية، لكنه لا ينزل الآية على شهواتهم وأمانيهم، ولكن ينزل أشياء؛ تكون عند النظر والتأمل حجة؛ فمن تأمل فيها وتفكر لاهتدى وآمن بالاختيار، ومن أعرض عنها ولم يتفكر ضل وزاغ بالاختيار.
ويحتمل قوله: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً) أي: إن نشأ إيمانهم واهتداءهم ننزل عليهم آية، وذلك تأويل قوله على أثر سؤالهم الآية.
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ).
أي: ينزل من الآيات ما يهتدي بها المنيب إليها والمقبل، ويضل المعرض عنها؛
الرعد 13:28
والصادر بالاختيار، ويكون اهتداؤهم باختيارهم؛ أوضلالهم باختيارهم؛ لا بالاضطرار والقهر؛ ألا ترى أنه قال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) وهو القرآن الذي أنزله على رسوله؛ فهو وصف المقبل المنيب إلى ذكر اللَّه؛ يسكن وتطمئن قلوبهم بالتأمل والتفكر فيها وأصله أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: شاء اهتداء من علم أنه يختار الاهتداء والإيمان، وشاء ضلال من علم أنه يختار فعل الضلال والزيغ، يشاء ألكل؛ لما علم منه أنه يختار ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) وتسكن إليه.
وقال بعض أهل التأويل: هو في الحلف في الخصومات؛ ألا في الحلف باللَّه؛ أتطمئن وتسكن، قلوب الذين آمنوا لا تطمئن بالحلف بغير اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ألا بالقرآن؛ وبما في القرآن من الثواب، تسكن وتطمئن قلوب الذين آمنوا. ويشبه أن يكون قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) أي: تفرح وتستبشر قلوب الذين آمنوا بذكر اللَّه ألا بذكر اللَّه تستبشر وتفرح قلوب الذين آمنوا؛ لأنه ذكر في الكفرة الفرح بالحياة الدنيا؛ وهو قوله: (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا)، وذكر في المؤمنين الاستبشار والفرح بذكر اللَّه، وفي أُولَئِكَ ذكر أن قلوبهم تشمئز بذكر الرحمن وتستبشر بذكر من دونه؛ وهو قوله: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) أخبر اللَّه تعالى أن قلوب المؤمنين تستبشر وتفرح بذكر اللَّه، وقلوب أُولَئِكَ تستبشر وتفرح بذكر من دونه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ... (٢٨) يخرج على وجهين:
أحدهما: تطمئن قلوبهم بذكر اللَّه لهم، وذكر اللَّه لهم التوفيق والتسديد والعصمة، ونحوه.
والثاني: تطمئن قلوبهم بذكرهم اللَّه، وذكرهم اللَّه: إحسانه ونعمه وعظمته وجلاله، ونحوه.
الرعد 13:29
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)
طوبى، قيل: خير لهم وغبطة، وقيل: حسنى لهم ونعمى لهم، وقيل: يقال: طوبى لك؛ إن أصبت خيرًا، وقيل: هو اسم الجنة بلسان الحبشة. وقيل: بالهندية، وقيل: اسم شجرة في الجنة أصلها في دار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ وأغصانها في دار أمته، فإن كان هذا، وهو اسم شجرة؛ فذلك لا يستقيم إلا على تقدمة كان أهل الكتاب؛ ادعوها لأنفسهم؛ فأخبر أنها للذين آمنوا لا لهم كقولهم: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ)، ادعوا الجنة لأنفسهم؛ فأخبر أنها ليست لهم؛ ولكن للذي أسلم وأخلص وجهه لله؛ فعلى ذلك يشبه أن يكونوا ادعوا طوبى لأنفسهم فأخبر أنها ليست لهم، ولكن للذين آمنوا.
وإن كان في مشركي العرب؛ فهم ينكرون البعث والجنة والنار، فيشبه أن يكونوا قالوا: إن كان بعث على ما تقولون وجنة وطوبى؛ فهي لنا؛ كقوله: (لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا). وقَالَ بَعْضُهُمْ: (طُوبَى): كلمة مدح اللَّه ثوابهم، وغبطهم بها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (طُوبَى): كرامة أعد اللَّه لأوليائه، وهي مذكورة في الكتب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)
أي: كما أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) وقال كل واحد من الرسل: (رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ...) الآية أي: كل رسول كان أرسل قبلك كان أمر أن يقول ما ذكر؛ كذلك أرسلناك إلى قومك رسولا، وإن كانوا يكفرون بالرحمن؛ فقل أنت ما قال أُولَئِكَ الرسل: (رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ...) الآية، لم تخل أمة عن رسول؛ كقوله: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ).
(لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، يقول: أرسلناك لتتلو أنباء الرسل والأمم الذين كانوا من قبلك عليهم؛ ليكون آية لرسالتك؛ ليعلموا أنك إنما علمت تلك الأنباء بالله تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ).
يقول - واللَّه أعلم - هم يكفرون بالرحمن؛ وفي كل الخلائق آية توحيد الرحمن وألوهيته؛ ولا في كل الخلائق آية لرسالتك، وهم مع ذلك كله يكفرون بالرحمن؛ فعلى ذلك يكفرون بآيات رسالتك.
وقال أبو بكر الأصم: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) هو صلة قوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، وكانوا هم أهل التعبد من الكبراء؛ فقال: لو جئتهم بقرآن سيرت به الجبال؛ أو قطعت به الأرض؛ أو كلم به الموتى، يقول: لو جئت بذلك كله كان أمرهم التكذيب والعناد؛ وهو كقوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ...) الآية وقوله: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ...) الآية، يخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن عنادهم أنهم لا يؤمنون بالآية - وإن عظمت - إلا أن يشاء اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) كقوله: (مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أي: الأمر لله؛ من شاء أن يؤمن فيؤمن، ومن شاء ألا يؤمن فلا يؤمن ألبتَّة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) أي: يكفرون باسم الرحمن؛ لأنهم قالوا: إن محمدًا كان يدعونا إلى عبادة اللَّه وتوحيده فالساعة يدعونا إلى عبادة الرحمن وألوهيته؛ فذلك عبادة اثنين؛ فقال: (قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ) أي: دعائي إلى عبادة الرحمن وألوهيته وهو دعائي إلى عبادة اللَّه، وهو واحد ليس هو باثنين ولا عدد؛ كقوله:
الرعد 13:30
وقوله تعالى :( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ ) أي كما أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا ( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ) أي كل رسول كان أرسل قبلك، كان أمر أن يقول ما ذكر، كذلك أرسلناك إلى قومك رسولا وإن كانوا يكفرون بالرحمن، فقل أنت ما قال أولئك الرسل ( رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ) الآية.
لم تخل أمة عن رسول كقوله :( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير )[فاطر: ٢٤].
[ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) يشبه أن يكون هذا صلة قوله :( لولا أنزل عليه آية من ربه )[يونس: ٢٠] يقول : أرسلناك لتتلو أنباء الرسل والأمم الذين كانوا من قبلك عليهم لتكون آية لرسالتك، ليعلموا أنك إنما علمت تلك الأنباء بالله تعالى.
وقوله تعالى :( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) يقول، والله أعلم، هم يكفرون بالرحمن، وفي كل من الخلائق آيات توحيد الله وألوهيته، ولا في كل الخلائق آية لرسالتك، وهم مع هذا كله يكفرون بالرحمن. فعلى ذلك يكفرون بآيات رسالتك.
وقال أبو بكر الأصم :( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) هو صلة قوله :( لولا أنزل عليه آية من ربه )[الرعد: ٢٧] وكانوا أهل التعنت[ في الأصل و م : التعهد ] من الكبر فقال : لو جئتهم بقرآن ( سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى )[ الآية : ٣١ ].
يقول : لو جئت بذلك كله كان أمرهم بالتكذيب والعناد. وهو كقوله :( ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله )الآية[الأنعام: ١١١] وقوله :( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء )الآية[الحجر: ١٤] يخبر عز و جل عن عنادهم أنهم لا يؤمنون بالآية، وإن عظمت، إلا أن يشاء الله.
وقوله تعالى :( لله الأمر جميعا ) كقوله :( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة )[الأنعام: ١١١] أي الأمر لله من شاء أن يؤمن يؤمن، ومن شاء أن لا يؤمن فلا يؤمن البتة.
وقال بعضهم : قوله :( وهم يكفرون بالرحمن ) أي يكفرون باسم الرحمن لأنهم قالوا : إن محمدا كان يدعونا إلى عبادة الله وتوحيده، فالساعة يدعونا إلى عبادة الرحمن وألوهيته، فذلك عبادة اثنين، فقال :( قل هو ربي لا إله إلا هو ) أي دعائي إلى عبادة الرحمن وألوهيته، هو دعائي إلى عبادة الله، وهو واحد، ليس باثنين ولا عدد، كقوله :( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن )[الإسراء: ١١٠] أي عدد الأسماء لا يوجب عدد [ الذوات بل ][ في الأصل وم : الذات أو ] يكون لشيء واحد في الشاهد [ له ][ ساقطة من الأصل وم ] أسماء مختلفة. فاختلاف الأسماء لا يوجب اختلاف الذات فعلى ذلك في الله.
وقال بعضهم : الرحمن اسم من أسماء الله في الكتب الأول، قالوا : كتبها رسول الله، أبوا أن يقروا به ( قالوا وما الرحمن )[الفرقان: ٦٠] إنا لا نعرفه، فنزل ( وهم يكفرون بالرحمن ) والله أعلم.
الرعد 13:31
(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) أي: عدد الأسماء لا يوجب عدد الذات؛ إذ يكون لشيء واحد في الشاهد أسماء مختلفة؛ فاختلاف الأسماء لا يوجب اختلاف الذات؛ فعلى ذلك في اللَّه تعالى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الرَّحْمَن) اسم من أسماء اللَّه في الكتب الأول، قالوا: كتبها رسول اللَّه؛ أبوا أن يقرءوا به، قالوا: وما الرحمن، إنا لا نعرفه؛ فنزل: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ). واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) إلى آخر ما ذكر.
قال بعض أهل التأويل: تأويله: لو أن قرآنا ما، غير قرآنك؛ سيرت به الجبال؛ من أماكنها؛ أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، لفعلناه بقرآنك أيضًا، ذلك ولكن لم نفعل بكتاب من الكتب التي أنزلتها على الرسل الذين من قبلك، ولكن شيء أعطيته أنبيائي ورسلي.
(بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا).
يقول: بل جميع ذلك الأمر كان من اللَّه؛ وليس من قبل القرآن؛ أي: لو فعل بالقرآن ذلك كان جميع ذلك من اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) إن شاء فعل ما سألتم، وإن شاء لم يفعل ويشبه أن يكون غير هذا أقرب؛ أن يكون صلة ما تقدم من سؤالهم الآيات؛ وهو قوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، فيقول: لو أن قرآنك الذي تقرؤه عليهم: لو سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لما آمنوا بك؛ ولما صدقوك على رسالتك على ما لا يؤمنون بالرحمن، وكل الخلائق له آية لوحدانيته وألوهيته، يخبر عن شدة تعنتهم وتمردهم في تكذيبهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ليعلم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن سؤالهم الآية سؤال تعنت وتمرد؛ ليس سؤال استرشاد واستهداء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ).
أي: لو أن قرآنا ما عمل ما ذكر لكان هذا القرآن؛ تعظيمًا لهذا القرآن.
والتأويل الذي ذكرنا قبل هذا كأنه أقرب. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو صلة ما تقدم؛ من قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ...) الآية، يقول - واللَّه أعلم -: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمان من كان على ما وصف اللَّه، وتمام هذا كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات، ليؤمنوا؛ لما سألوا هم آيات من رسول اللَّه؛ فيقول: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) عن إيمان هَؤُلَاءِ؛ وهو كما قال: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا)، كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات ليؤمنوا؛ فقال: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ) يَا أَيُّهَا المؤمنون (أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) أي: يؤمنون على طرح (لا) على هذا التأويل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا): أفلم يتبين للذين آمنوا أنهم لا يؤمنون؛ لكثرة ما رأوا منهم من العناد والمكابرة.
فسروا الإياس بالعلم والأيس؛ لأن الإياس إذا غلب يعمل عمل العلم؛ كالخوف والظن ونحوه جعلوه يقينًا، وعلمًا للغلبة؛ لأنه إذا غلب يعمل عمل اليقين والعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ): أي: أفلم يعلم الذين آمنوا أن اللَّه يفعل ذلك، لو شاء لهدى الناس جميعًا. وقوله: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) قالت عائشة - رضي اللَّه عنها -: قوله: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ) خطأ من الكاتب، إنما هو (أَفَلَمْ يَتبين للَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ) (١) فمعناه: أي: قد تبين للذين آمنوا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ) أي: أفلم يعلم الذين آمنوا، أي: قد علم الذين آمنوا، لو شاء اللَّه إيمان الناس واهتداءهم لآمنوا واهتدوا.
وقال صاحب هذا التأويل: إن هذا جائز في اللغة: ييئس: يعلم، وذكر أنها لغة " نخع " وغيرها. واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ قوله: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) مقطوع من قوله (أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ...) الآية، وهو موصول بما تقدم من قوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) ثم قال جوابًا لما قالوا؛ كأنه قال: لو يشاء اللَّه لهدى الناس جميعًا ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، أي: علم منه أنه يختار الضلال، ويؤثره؛ يشاء ذلك له، ومن علم منه أنه يختار الهدى يشاء ذلك له، ويكون قوله: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) مقطوع لا جواب له، كأنه قال: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمانهم لكثرة ما رأوا منهم من العناد والتعنت بعد رؤيتهم الآيات والحجج، كأن أهل الإيمان والإسلام سألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الآيات التي سألوا هم؛ رغبة في إسلامهم؛ وإشفاقًا عليهم؛ فيقول - واللَّه أعلم -: ألم يأن للذين آمنوا الإياس من إيمانهم؛ أي: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من إيمانهم؛ كقوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ...) الآية، فعلى ذلك هذا يقول: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من إيمانهم، ولو شاء اللَّه لهدى الناس جميعًا؛ وقوله: (أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) صلته قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) (أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ
(١) تقدم رد ذلك القول الموضوع من المفسِّر - رحمه اللَّه - في سورة النساء.
الرعد 13:32
لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) كقوله: (مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: الذين حاربوا رسول اللَّه.
(تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ).
القارعة: هي ما يقرع القلوب ويكسرها، ثم قرعهم يكون بعذاب، وقتل، وغيره؛ من الهزيمة ونحوه وبسبي ذراريهم [وبغنم] المسلمين أموالهم.
(أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أو تكون القارعة بجيرانهم الذين قرب منكم دارهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تزال سرية من سرايا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تحل ببعضهم؛ أو ينزل هو قريبًا منهم؛ حتى يأتي وعد اللَّه، وعد اللَّه يكون بوجهين:
أحدهما: أن يظفره بهم جميعًا، وأن يورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم.
والثاني: يكون وعد اللَّه فتح مكة؛ كقوله: (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا...).
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) ما وعد رسوله؛ من الفتح والنصر وغيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ).
يحتمل ما ذكر؛ من إصابة القارعة؛ الجوع والشدائد التي أصابتهم، ويحتمل القتال والحرب؛ التي كانت بينهم وبينهم.
وقوله: (أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ) نزول السرايا بقرب من دارهم.
(حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) يحتمل فتح مكة، أي: تحل قريبًا من دارهم حتى يأتي ما وعد اللَّه؛ من فتح مكة عليك، أو أن يكون وعد اللَّه هو البعث واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)
يقول: ولقد استهزأ برسل من قبلك قومُهم؛ كما استهزأ بك قومُك، يُعَزِّي نبيهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليصبر على تكذيبهم.
الرعد 13:33
وقال أبو بكر الأصم: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) من تقدم من الرسل سألهم قومهم الآيات والعذاب بالهزء، ثم بين بهذا أن ما سألوه من الآية أرادوا الهزء، وهو صلة ما تقدم من قوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) يقول: أمهلتهم في كفرهم وهزئهم.
هذا يدل أن تأخر العذاب عنهم لا يؤمنهم.
وقوله: (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) يقول: أحللت بهم جزاء ما كانوا يهزءون منه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: فكيف كان عقاب اللَّه؟ أي: شديد عقابه؛ وهو كقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا...) الآية، وقيل: كيف رأيت عذابي لهم أي: أليس وجدوه شديدًا.
والثالث: (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ): أي: أليس ما أوعدهم الرسل من العذاب كان حقًا وصدقًا.
* * *
قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ).
قال أبو بكر الأصم: يقول: من الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت اللَّه أم شركاؤكم فالقائم هو المدبر الحافظ بكل ما فيه الخلق ويشبه أن يكون تأويله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ) أي: حافظ وعالم على كل نفس بما كسبت؛ أو بالرزق لهم والدفع عنهم، كمن هو أعمى عن ذلك، ليسا بسواء كقوله: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ...) الآية.
أو يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ كمن هو غير قائم عليه؟ ليسا بسواء.
وقال مقاتل: أفمن هو قائم على رزقهم وطعامهم.
ثم قال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ).
أي: وصفوا لله شركاء وعبدوها؛ واللَّه أحق أن يعبد من غيره. يقول اللَّه: أنا القائم على كل نفس؛ أرزقهم وأطعمهم؛ أفأكون أنا وشركائي الذين لا يفعلون ذلك سواء؟!!
والوجه فيه ما وصفنا: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، أي: يرزق ويبصر ويعلم ما تعمل وتكسب ويحفظ، عن أنواع البلايا؛ كمن هو أعمى جاهل عاجز عن ذلك كله؟ أي: ليس هذا كذلك. ويسفههم في إشراكهم الأصنام التي عبدوها في الألوهية والعبادة، وهي بالوصف الذي ذكر؛ كمن هو أعمى عاجز عن ذلك؟ أي: ليسا بسواء.
وقوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) يحتمل قائم على كل نفس بما كسبت؛ فيما قدر لها وقواها أو في الجزاء يجزي على ما تكسب.
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) في العبادة؛ أو في تسميتهم آلهة، لا يعلمون ما كسب لها، ولا يملكون جزاء ما كسبوا لها أيضًا.
يبين سفههم في - جعلهم هذه الأصنام والأوثان شركاء لله في العبادة؛ وتسميتهم آلهة؛ مع علمهم أنهم لا يقدرون ولا يملكون شيئًا من ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ سَمُّوهُمْ).
قال بعض أهل التأويل: قوله: (قُلْ سَمُّوهُمْ) بذلك الاسم؛ ولو سموهم، سموهم بكذب وباطل وزور.
وعندنا قوله: (قُلْ سَمُّوهُمْ) أي: لو سميتموها آلهة واتخذتموها معبودًا؛ فسموهم أيضًا بأسماء سميتم اللَّه؛ من نحو: الخالق والرازق والرحمن والرحيم؛ ونحوه.
يقول - واللَّه أعلم - إذ سميتم هذه الأصنام آلهة ومعبودًا، سموهم أيضًا: خالقًا ورازقا ورحمانا ورحيمًا، وهم يعلمون أنها ليست كذلك. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ).
أي: أم تنبئون اللَّه؛ وهو عالم بما في السماوات وما في الأرض؛ وعالم بكل شيء، وهو لا يعلم في الأرض ما تقولون من الآلهة وما تصفونه بالشركاء؟! وكذلك يخرج قوله: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)، أم تنبئونه بما ليس في الأرض شيء مما تقولون وتصفون شيء؛ أي: يقول: أتنبئون اللَّه بما لا يعلم في السماوات والأرض، وهو عالم بكل شيء؟ أي: تقرون بأنه عالم بكل شيء؛ وهو لا يعلم ما تقولون وتسمونه من الشركاء وغيره.
والثاني: أم تنبئونه بما لا يعلم؛ أي: ليس في الأرض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ).
قال أهل التأويل: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) أي: بل بباطل من القول وزور.
ويشبه أن يكون بظاهر من القول؛ أي: بضعيف من القول وخفيف، يسمون الشيء الذي لا حقيقة له ولا ثبات ظاهرًا باديًا؛ كقوله: (إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) أي: ضعيف الرأي: وخفيفه؛ لا حقيقة له ولا قرار.
ويحتمل قوله: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) في الخلق والأسلاف؛ أي: لم يظهر ما يقولون؛ ويصفون؛ إشراك هذه الأصنام؛ وتسميتها آلهة ومعبودًا؛ فيكون (أم) في موضع حقيقة ويقين؛ على هذا التأويل واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ).
قال بعض أهل التأويل: (مَكْرُهُمْ): قولهم الذي قالوه من الكذب والزور؛ أنها آلهة وأنها شركاء الله
لكن يشبه أن يكون قوله: (مَكْرُهُمْ) أي: مكرهم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث احتالوا حيلا؛ ليقتلوه لئلا يظهر هذا الدِّين في الأرض، ويطفئون هذا النور؛ ليدوم عزهم وشرفهم في هذه الدنيا؛ وهو كقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، والمكر: هو الاحتيال؛ والأخذ من حيث الأمن. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ).
صدوا؛ لما علموا من مكرهم واختيارهم ما اختاروا والسبيل، المطلق هو سبيل اللَّه؛ وإلا كان جميع الأديان والمذاهب يسمى سبيلا؛ كقوله: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ)
الرعد 13:34
لكن ما ذكرنا أن السبيل المطلق هو سبيل اللَّه، والكتاب المطلق كتاب اللَّه، والدِّين المطلق دين اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
من أضله اللَّه فلا يملك أحد هدايته، ومن هداه فلا يملك أحد إضلاله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)
العذاب لهم في الحياة الدنيا يحتمل: القتل والقتال؛ والخوف والجوع؛ وأنواع البلايا؛ كقوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ) أي: أشد.
(وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) أي: مالهم من عذاب اللَّه من واقٍ يقيهم من عذابه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)
يحتمل: وصف الجنة التي وعد المتقون؛ أو صفة الجنة التي وعد المتقون. ويحتمل: أي: شبه الجنة التي وعد المتقون.
كشبه النار التي وعد الكافرون؛ أي: ليسا بشبيهين ولا مثلين، لا تكون هذه مثل هذه ولا تشبهها؛ كقوله: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ...) الآية. يقول - واللَّه أعلم - يقول: الذي وصفه كذا من النعم الدائمة - كالذي يكون عذابه ووصفه كذا؛ أي: لا يكون؛ فعلى ذلك الأول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ).
أي: ثمار الجنة دائمة لا تزول ولا تنقطع؛ ليس كثمار الدنيا، ونعيمها ليس من ثمرة من ثمار الدنيا إلا وهي تزول وتنقطع في وقت؛ فأخبر أن ثمار الآخرة - وما فيها من النعيم - غير زائلة ولا منقطعة، وكذلك عذابها أدائم، لا يزول.
(وَظِلُّهَا) أيضًا.
أخبر أن ظل الجنة لا يزول ولا ينقطع، لا يكون فيها شمس يزول ظلها بزوالها.
وصف جميع ما فيها بالدوام والمنفعة: الظل شيء لا أذى فيه؛ وفيه منافع، والشمس فيها أذى ومنافع، وكذلك جميع ما يكون من الأشياء في الدنيا؛ يكون فيها منافع ومضار؛ وأنها تزول وتنقطع؛ فأخبر أن ظل الآخرة وما فيها من النعم دائمة باقية؛ غير زائلة ولا
الرعد 13:35
وقوله تعالى :( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ) يحتمل وصف الجنة التي وعد المتقون، أو صفة الجنة التي وعد المتقون، ويحتمل الجنة ( التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ) الآية[محمد: ١٥] يقول، والله أعلم : كشبه النار التي وعد الكافرون، أي ليسا بشبيهين ولا مثيلين، لا تكون هذه مثل هذه، ولا شبيهتها [ في الأصل وم : شبيهها ] كقوله :( التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ) الآية [محمد: ١٥] يقول، والله أعلم : الذي وصفه كذا من النعم الدائمة كالذي يكون عذابه ووصفه كذا ؟ أي لا يكون، فعلى ذلك الأول.
وقوله تعالى :( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ ) أي ثمارها دائمة، لا تزول، ولا تنقطع، ليس كثمار الدنيا، إلا وهي تزول، وتنقطع في وقت. فأخبر أن ثمار الآخرة، وما فيها من النعم، دائمة باقية غير زائلة ولا منقطعة وكذلك عذابها دائم، لا يزول ( وظلها ) أيضا.
أخبر أن ظل الجنة لا يزول ولا ينقطع، لا يكون فيها شمس، يزول ظلها بزوالها، وصف جميع ما فيها بالدوام والمنفعة ؛ الظل شيء لا أذى فيه، وفيه منافع، والشمس فيها أذى ومنافع، وكذلك جميع ما يكون من الأشياء في الدنيا، يكون [ فيها منافع ومضار، وإنها ][ في الأصل وم : من الأشياء فيها منافع ومضار إنها ] تزول، وتنقطع. فأخبر أن ظل الآخرة، وما فيها من النعم دائمة باقية غير زائلة ولا منقطعة، ولا مضرة فيها، ليس كنعيم الدنيا وظلها، والله أعلم.
وقوله تعالى :( تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ) ظاهر[ أدرج قبلها في الأصل وم : أي جزاء الكافرين النار ] هذا أن تكون [ عقبى ][ ساقطة من الأصل وم ] الذين اتقوا الشرك لأنه ذكر ( وعقبى الكافرين النار ) أي جزاء وعقبى ما ذكرنا، أي تلك الجنة جزاء الذين اتقوا الشرك، ( وعقبى الكافرين النار ) أي جزاؤهم [ في الأرص وم : جزاء، في م : جزاؤه ] النار، أو عقبى [ هؤلاء الذين ][ في الأصل وم : هذه للذين ] اتقوا [ الشرك ][ ساقطة من الأصل وم ] الجنة، وعقبى أولئك النار.
وقال بعضهم :( تلك عقبى الذين اتقوا ) أي عاقبة أعمالهم وحسناتهم الجنة، وعاقبة أعمال الذين كفروا بتوحيد الله النار.
الرعد 13:36
منقطعة، ولا مضرة فيها؛ ليس كنعيم الدنيا وظلها. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ).
أي: جزاء الكافرين النار، ظاهر هذا أن يكون: الذين اتقوا تقى الشرك؛ لأنه ذكر عقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء وعقبى ما ذكرنا؛ أي: تلك الجنة جزاء الذين اتقوا الشرك، وعقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء الكافرين النار. أو عقبى هذه للذين اتقوا الجنة، وعقبى أُولَئِكَ النار.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي: عاقبة أعمالهم وحسناتهم الجنة؛ وعاقبة أعمال الذين كفروا بتوحيد اللَّه النار.
* * *
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ).
يشبه أن تكون الآية صلة قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ)؛ فأخبر - عز وجل -: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)؛ بذكر الرحمن.
ثم اختلف في قوله: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أصحاب مُحَمَّد؛ فرحوا بما أنزل إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ): أهل التوراة يفرحون بما أنزل إليك يذكر هاهنا أنهم يفرحون بما أنزل إليك، ويذكر في موضيع: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ).
وقال في موضع آخر: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) فمن تلا منهم الكتاب حق تلاوته ولم يبدله ولم يغيره - فهو يؤمن به؛ ويفرح بما أنزل على مُحَمَّد، ومن غيَّره وبدَّله - فهو لم يفرح بما أنزل عليه.
وقوله: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) تأويله - واللَّه أعلم - كأنه قال: والذين آتيناهم منافع الكتاب أُولَئِكَ يفرحون بما أنزل إليك، وهو ما قال في آية
الرعد 13:37
أخرى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)، لأن أكثرهم لا يؤمنون بما أنزل على مُحَمَّد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ).
يحتمل: أهل الكتاب كانوا ينكرون بعض ما أنزل إليه؛ لا ينكرون كل ما أنزل إليه؛ وإنما ينكرون نعته وصفته؛ لأنهم كتموا نعته وصفته التي في كتبهم.
ويحتمل قوله: (وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) مشركي العرب؛ وهم أيضًا أنكروا بعض ما أنزل إليه؛ وهو ما ذكر: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ)، في قوله: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)، ونحوه، لم ينكروا كله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو).
كأن هذا قاله على إثر قول كان منهم؛ كأنهم دعوه إلى أن يشاركهم في عبادة الأصنام، أو دعوه أن يكون على ما كان آباؤهم؛ فقال: قل إنما أمرت أن أعبد اللَّه وأمرت ألا أشرك به.
ويحتمل قوله: (وَلَا أُشْرِكَ بِهِ) قال ذلك من نفسه.
(إِلَيْهِ أَدْعُو) يقول: إلى توحيد اللَّه أدعو غيري ثم أخالف وأعبد غيره؟
(وَإِلَيْهِ مَآبِ) أي: إليه المرجع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧) أي: كما علمناك آدابًا وأعطيناك النبوة - كذلك أنزلنا عليك.
(حُكْمًا عَرَبِيًّا) قيل حكمة عربية، وكانت العرب لا تفهم الحكمة؛ أو أنزلنا ما فيه حكم. وتفسير قوله: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) ما ذكر في آية أخرى؛ وهو قوله: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) سمى القرآن حكما؛ لأنه للحكم أنزل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ).
هذا يدل أنهم كانوا يدعونه إلى أن يشاركهم في بعض ما هم فيه.
(مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ) وينصرك ويمنعك من عذاب اللَّه.
(وَلَا وَاقٍ) يعني العذاب.
الرعد 13:38
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً).
قال بعض أهل التأويل: نزل هذا وذلك: أن اليهود عيَّروا رسول اللَّه، وطعنوا في كثرة النساء والأولاد؛ وقالوا: لو كان نبيا على ما يزعم لكان لا يمتع بالنساء؛ ولا يطلب الأولاد، كما يفعله غيره؛ وكانت النبوة تشغله عن ذلك. فأنزل اللَّه تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا..) الآية، أي: الاستمتاع بالنساء واستكثاره أمنهن، - لم يمنع عن الاختصاص بالنبوة والرسالة، على ما لم يمنع غيره من الرسل الذين كانوا من قبله. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ).
أي: لا يملكون إنزال الآيات من أنفسهم؛ إنما يتولى اللَّه إنزالها إذا شاء ذلك؛ وهو كقول عيسى؛ حيث قال: (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ...) الآية، أخبر أن ما يأتي من الآيات إنما يأتيها بإذن اللَّه وبأمره؛ لا من نفسه.
يحتمل أن يكون جواب ما ذكر أهل التأويل، وجواب غير ذلك أيضًا؛ وهو طعنهم الرسل باكل والشرب والمشي في الأسواق، وسؤالهم الآيات التي سألوهم، وجواب إنكارهم الرسل من البشر يقول: لست أنت بأول رسول طعنت بما طعنك به قومك؛ ولكن كان قبلك رسل طعن قومهم بما طعن به قومك؛ وسألوهم من الآيات ما سأل به قومك؛ فلم يكن ذلك لهم عذرًا في رد ما ردوا وترك ما تركوا؛ بل نزل بهم العذاب، فعلى ذلك قومك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ).
اختلف فيه: قال قائلون: لكل كتاب أجل؛ وهي: الكتب التي أنزلت على الرسل؛ يعمل بها إلى وقت؛ ثم تنسخ أو يترك العمل بها.
وقال قائلون: هو ما قال: لكل أجل كتاب؛ أي: لكل ذي أجل أجله؛ إلى وقت انقضائه؛ ليس يراد به الكتابة باليد؛ ولكن الإثبات؛ كقوله: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ
الرعد 13:39
الْإِيمَانَ) أي: أثبت؛ ليس أن كتب هنالك باليد، فعلى ذلك قوله: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) أي: إثبات إلى وقت.
ويحتمل قوله: لكل كتاب أجل؛ أي: لكل ما كتب له الأجل؛ وجعل له الوقت؛ من العذاب ينزل بالمعاندين والنصر للرسل؛ فإنه لا يكون قبل ذلك الوقت، ولا يتأخر أيضًا عن ذلك الوقت؛ وهو كقوله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)
قال قائلون: قوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ) المحو - هاهنا -: أن أنشأه في الابتداء بمحو؛ ليس على أن كان مثبتًا فمحاه، ولكن أنشاه هكذا ممحوا؛ وهو كقوله: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ) ليس أنه كان منشأ كذا ثم محي؛ ولكن أنشأه في الابتداء ممحوًّا، وكقوله: (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ) ليس أنها كانت موضوعة ثم رفعها؛ ولكن أنشأها مرتفعة كما هي، فعلى ذلك هذا.
ثم يحتمل ذلك الأعمال التي كانت معفوَّة في الأصل؛ من نحو أعمال الصبيان؛ والأعمال التي لا جزاء عليها.
وقال قائلون: على إحداث محو؛ ثم هو يحتمل وجوهًا: يحتمل: ما ينسخ من الأحكام - فهو على محو الحكم به؛ والعمل ليس على محو نفسه؛ (وَيُثْبِتُ): وهو ما لا ينسخ؛ ولا يترك العمل به والحكم.
ويحتمل المحو: محو الأحوال؛ وهو ما ينقل ويحول من حال إلى حال؛ من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، يحوله وينقله من حال إلى حال أخرى؛ فذلك هو المحو.
ويحتمل المحو -أيضًا-: هو ما يختم به العمر؛ السعادة أو الشقاء: إذا كان كافرًا ثم أسلم في آخر عمره - محيت الأعمال التي كانت له في حال كفره؛ فأبدلت حسنات،
الرعد 13:40
وإذا كان مسلمًا ثم ختم بالكفر - محيت أعماله التي كانت له من الصالحات، فلم ينتفعوا بها.
أو أن يكون ما ذكر من المحو والإثبات: هو ما يكتب الحفظة من الأعمال والأفعال يمحي عنها ما لا جزاء لها ولا ثواب؛ ويبقي ما له الجزاء والثواب ويترك مكتوبًا كما هو.
أو يكون للخلق مقاصد في أفعالهم؛ والحفظة لا يطلعون على مقاصدهم؛ فيكتبون هم ما هو في الحقيقة حسنة؛ لقصده سيئة؛ على ظاهر ما عمل، أو حسنة في الظاهر؛ وهو في الحقيقة سيئة؛ فيغير ذلك؛ فيجعل ما هو في الحقيقة شر وفي الظاهر خير - شرّا بالقصد، وما هو في الحقيقة خير وفي الظاهر شر - خيرًا.
أو أن يكون في كتابة الحفظة لكنه من وجه آخر؛ وهو أن الحفظة يكتبون الأعمال؛ ثم يعارض ذلك بما في اللوح المحفوظ؛ فمحى من كتابة الحفظة من الزيادة؛ ويثبت فيها ما كان فيه من النقصان. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).
هذا يحتمل: عنده الذي يعارض به كتب الملائكة.
ويحتمل: وعنده أُم الكتاب الذي يستنسخ منه الكتب التي أنزلت على الأنبياء والرسل؛ وهو في اللوح المحفوظ.
وفيه دلالة أن اختلاف الألسن لا يوجب تغيير المعنى؛ لأنه لا يدري أن تلك الكتب في اللوح بأي لسان هي، ثم أنزل منه كل كتاب على لسان الرسول الذي نزل عليه، وكذلك الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم؛ لا يحتمل أن يكتبوا بلسان الخلق؛ لأنه يظهر لو كانوا يكتبون بلسان هَؤُلَاءِ؛ فدل أنهم إنما يكتبون بلسان أنفسهم، فهذا كله يدل أن اختلاف اللسان لا يوجب اختلاف المعنى. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)
كأنه صلوات اللَّه وسلامه عليه طمع أو سأله أن يريه جميع ما وعد له من إنزال
الرعد 13:41
العذاب عليهم، وأنواع ما وعد؛ فقال: إن شئنا نريك بعض ما وعدناهم، وإن شئنا نتوفاك ولم نرك؛ فإنما عليك البلاغ؛ أي: ليس لك من الأمر شيء؛ أي: ليس إليك هذا إنما عليك البلاغ؛ وهو كقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ...) الآية. إنما عليك كذا؛ فيخرج مخرج العتاب والتوبيخ؛ ليس مخرج الوعد والعدة؛ إذ قوله: ذا، وذا، بحرف شك أولا يجوز أن يضاف إليه ذلك. وقوله: (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) هذا في الظاهر حرف شك، فهو يخرج على الوعد أو على النهي عن سؤال كان من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: فإن كان على النهي - فكأنه نهاه أن يسأل إنزال العذاب عليهم؛ يقول: إن شئنا أنزلنا وإن شئنا لم ننزل، وإن كان على الوعد؛ يقول: نريك بعض ما وعدنا؛ ولا نريك كله، وإلا ظاهره حرف شك.
وقوله: (وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) يحتمل حساب ما وعد وجزاءه، ويحتمل الحساب المعروف؛ الذي يحاسبهم يوم القيامة. واللَّه أعلم. أي: لا يتركهم هملًا سدى، أو قوله: (وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) أي: إلينا الحساب، أو لنا الحساب، وذلك جائز في اللغة.
* * *
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ يَرَوْا).
قد ذكرنا في ما تقدم أنه إنما هو حرف تعجب وتنبيه؛ فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: على الخبر؛ أي: قد رأوا أنا فعلنا ما ذكر.
والثاني: على الأمر؛ أي: أرَوْا أنَا، فعلنا ما ذكر؛ وهو ما ذكر من قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) أي: قد ساروا في الأرض؛ أو سيروا.
(أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو ما جعل من أرض الكفرة للمسلمين؛ بالفتح لهم؛ والنصر على أُولَئِكَ؛ والإخراج من سلطان أُولَئِكَ الكفرة وأيديهم، وإدخالها في أيدي المسلمين؛ فذلك النقصان. وهو، واللَّه أعلم لما وعد لرسوله أن يريه يعض ما وعد لهم؛ فقال الكفرة عند ذلك: أين ما وعد أن يريك؟ فقال عند ذلك: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا) أي: ألم يروا أنه جعل بعض ما كان لهم من الأرضين للمسلمين؛ فإذا قدر على جعل البعض - الذي كان لهم لهَؤُلَاءِ؛ لقادر أن يجعل الكل لهم؛ فهلا يعتبرون.
هذا واللَّه أعلم ما أراد بما ذكر من النقصان.
وقال قائلون: نقصان الأرض: موت فقهائها وعلمائها وفنائها.
ووجه هذا: وهو أن الفقهاء والعلماء - هم عمَّار الأرض وأهلها؛ وبهم صلاح الأرض؛ فوصف الأرض بالنقصان بذهاب أهلها، وهو كما وصف الأرض بالفساد؛ وهو قوله: (لَفَسَدَتِ الأَرْضُ)، وقوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) فالأرض لا تفسد بنفسها؛ ولكن وصفت بالفساد؛ لفساد أهلها، فعلى ذلك لا تنقص هي بنفسها؛ ولكن وصفت بالنقصان؛ لذهاب أهلها، وعمارها وفقهائها وعلمائها.
ثم يحتمل ذهاب العلماء المتقدمين، الذين تقدموا رسول اللَّه في الأمم السالفة؛ وهم علماء أهل الكتاب؛ فيقول ألا يعتبرون بأُولَئِكَ الذين قبضوا وتفانوا من علمائهم؟ فلا بدّ من رسول يعلمهم الآداب والعلوم؛ ويجدد لهم ما دَرَس من الرسوم وذهب، من الآثار؛ فكيف أنكروا رسالته؟ وفي بعث الرسول حدوث العلماء؛ وذلك وقت حدوث العلماء وزمانه؛ فإن كان أراد العلماء المتأخرين وففهاءهم - فيخرج ذلك مخرج التعزية له؛ أي: تصير الأرض بحال توصف بالنقصان، بذهاب العلماء والفقهاء. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ).
قيل: لا رادَّ لحكمه، وحكمه: يحتمل: العذاب الذي حكم على الكفرة؛ يقول: لا رادَّ للعذاب الذي حكم عليهم؛ أوهو كقوله: (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)، أي:
الرعد 13:42
احكم بالعذاب الذي حكمت عليهم.
ويحتمل قوله: (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) أي: لا يتعقب أحد حكمه؛ ولا يعقب أحد سلطانه؛ كما يكون في حكم الخلائق يتعقب بعض عن بعض، وكما ذكر في الحفظة: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)، يتعقب بعض عن بعض في الحفظ؛ وفيما سلطوا. واللَّه أعلم.
(وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) هذا قد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)
أي: مكر الذين من قبلهم برسلهم؛ كمكر هَؤُلَاءِ بك يصبر رسوله على أذاهم به.
ثم يحتمل المكر به وجهين:
أحدهما: مكروا بنفسه؛ هموا قتله وإهلاكه.
والثاني: مكروا بدينه الذي دعاهم إليه وأراد إظهاره؛ هموا هم إطفاء ذلك وإبطاله وكذلك مكر الذين من قبلهم برسلهم يخرج على هذا. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا).
هذا أيضًا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: فلله جزاء المكر جميعًا؛ يجزى كلا بمكره.
والثاني: أي: لله حقيقة المكر يأخذهم جميعًا بالحق من حيث لا يشعرون، وأما هم فإنما يأخذون ما يأخذون لا بالحق ولكن بالباطل، ولا يقدرون على الأخذ من حيث لا يشعرون إلا قليلا من ذلك، فحقيقة المكر الذي هو مكر بالحق في الحقيقة لله لا لهم.
ْويحتمل قوله: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) أي: لله تدبير الأمر جميعًا، إن شاء أمضاه؛ وإن شاء منعه، إليه ذلك لا إليهم.
أو لله حقيقة المكر يغلب مكره مكر أُولَئِكَ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) من خير أو شر.
(وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ).
يشبه أن يكون عقبى الدار معروفًا عندهم؛ وهي الجنة، فيكون صلة قولهم: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، فيقول - واللَّه أعلم - سيعلمون هم لمن عقبى الدار؛ أهي لهم أم هي للمؤمنين؟
أو أن يكون جواب قوله: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا).
الرعد 13:43
أنهم لما رأوهم مفضلين في أمر الدنيا ووسع عليهم الدنيا - ظنوا أن لهم في الآخرة كذلك؛ فقال ذلك جوابًا لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا... (٤٣) أي: قالوا.
(لَسْتَ مُرْسَلًا) أي: لن يبعثك اللَّه رسولا، وهم كانوا يقولون كذلك له فأمره أن يقول لهم.
قوله تعالى: (كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) إني نبي رسول اللَّه إليكم بالآيات التي آتي بها، أو كان قال لهم ذلك؛ لما بالغ في الحجاج والبراهين في إثبات الرسالة والنبوة؛ فلم يقبلوا ذلك فأيس من تصديقهم؛ فعند ذلك قال:
قوله تعالى: (كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب؛ يعني التوراة؛ فيشهد أيضًا أني رسول نبي؛ أي: يعلم من كان عنده علم الكتاب أني على حق؛ وأني رسول اللَّه؛ وهو كقوله: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً...) الآية. وقوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)، ومن قرأ بالخفض: (ومِنْ عِنْدِه عِلمُ الكتابِ) فتأويله - واللَّه أعلم -: أي: من عند اللَّه جاء علم هذا الكتاب؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكذلك روي في بعض الأخبار؛ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه كان يقرأ: (ومِنْ عِنْدِه عِلمُ الكتابِ) بالخفض، وأما القراء جميعًا فإنهم يختارون النصب (وَمَن عِندَه عِلْمُ الكتابِ).
قال أبو عبيد: وقرأ بعضهم: [(ومِن عِندِهِ عُلِمَ الكتابُ) بخفض الميم والدال ورفع العين؛] وقال: لكن لا أدري عمن هو.
وروي عن عبد اللَّه بن سلام أنه قال: فيَّ نَزَلَ: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) هذا يؤيد أن يثبت قول أهل التأويل؛ حيث قالوا: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ): عبد اللَّه بن سلام وأصحابه. واللَّه أعلم.
* * *
إبراهيم 14:1
سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام
قيل: مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* * *
قوله تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الر كِتَابٌ): الر: كناية عن حروف مقطعة جعلها - بالحكمة - كتابًا.
(أَنْزَلْنَاهُ): أي: جمعناها أوأنزلناها، وجعلناها كتابًا، أعني تلك الحروف المقطعة كتابًا؛ وأنزلناه إليك بعدما لم تكن تدري ما الكتاب؛ وهو كما قال: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ)؛ وقوله: (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ).
(لِتُخْرِجَ النَّاسَ).
وما يضاف الإخراج إلى اللَّه فإنه يكون بإعطاء الأسباب، وحقيقة ما يكون به الأفعال، وهي القدرة، وما يضاف الإخراج إلى الرسل؛ فإنه لا يكون إلا بإعطاء الأسباب؛ لأنه لا يملك أحد سواه إعطاء ما به يكون الفعل، ثم الأسباب تكون بوجهين:
أحدهما: الدعاء إلى ذلك.
والثاني: ما أتى بهم من البيان والحجة على ذلك؛ فهو الأسباب التي يملك الرسل إتيانها، وأما ما به حقيقة الفعل؛ فإنه لا يملكه إلا اللَّه.
وقوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) قيل: من الكفر إلى الإيمان، سمى الكفر: ظلمات؛ وهو واحد؛ لأنه يستر جميع منافذ الجوارح؛ من البصر والسمع واللسان؛ يبصر ما لا يصلح؛ ويسمع ما لا يصلح، وكذلك القول: يقول ما لا يصلح، وكذلك جميع الجوارح والإيمان يرفع ويكشف جميع الحجب والستور؛ ويضيء له كل مستور.
والثاني: قوله: (مِنَ الظُّلُمَاتِ) أي: من الشبهات إلى النور؛ أي: إلى الإيمان والهدى.
وقوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) الإخراج المضاف إلى اللَّه والهداية تخرج
إبراهيم 14:2
على وجوه أربعة:
أحدها: يأمر ويدعوهم إلى ما ذكر.
والثاني: يكشف ويبين.
والثالث: يرغب ويرهب، حتى يرغبوا في المرغوب ويحذروا المرهوب.
والرابع: تحقيق ما يكون به الهداية، وذلك لا يكون إلا باللَّه؛ وهو التوفيق والعصمة، وأما الوجوه الثلاثة الأُول فإنها تكون برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ يأمر ويدعو؛ ويرغب ويرهّب؛ وببين ويكَشف. واللَّه أعلم.
وقوله: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ) كأنه قال: كتاب أنزلناه إليك؛ لتأمر الناس بالخروج مما ذكر إلى عا ذكر.
الثاني: أنزلناه لتخرج به الناس مما ذكر.
(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ).
قيل: بأمر ربهم؛ أي: تدعوهم بأمر ربهم.
وقال قائلون: بعلم ربهم؛ أي: أنزل هذه الحروف المقطعة بعلمه.
والثالث: يحتمل بتوفيق رجهم الإذن من اللَّه، يحتمل أحد هذه الوجوه التي ذكرنا: الأمر والعلم والتوفيق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
(الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) هو اللَّه؛ أي: يدعوهم إلى طريق ألله الذي من سلكه نجا.
(الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) سمى عزيزًا؛ لأن كل عزيز به يعز، أو يقال: عزيز؛ لأنه عزيز بذاته ليس بغيره كالخلائق، أو العزيز: هو الذي لا يغلب، والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله؛ كالحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره.
وقال أهل التأويل: العزيز: المنيع، والحميد: الذي هو يقبل اليسير من العبادة.
وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)
من قرأ بالخفض صيّره موصولا بالأول، وجعله كلامًا واحدًا؛ وأتبع الخفض
إبراهيم 14:3
بالخفض. ومن قرأ بالرفع: (اللَّهُ الَّذِي) وجعله مقطوعًا عن الأول أعلى أحق الابتداء؛ فقال: (اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).
ذكر قوله: (اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)؛ ليعلم أنه بما يأمر الخلق؛ ويدعوهم إلى دينه؛ ويمتحنهم بأنواع المحن لا يفعل ذلك لمنافع نفسه أو لحاجته في ذلك؛ بل لحاجة الممتحنين ولمنافعهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ).
قال قائلون: الويل: هو الشدة، وقيل: الويل: هو اسم وادٍ في جهنم.
وقال الأصم: الويل: هو نداء كل مكروب وملهوف من شدة البلاء، وقول الحسن كذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)
وصف أُولَئِكَ الذين ذكر أن فيهم الويل من هم؛ فقال: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) أي: آثروا واختاروا الحياة الدنيا على الآخرة؛ أي: رضوا بها واطمأنوا فيها؛ كقوله: (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا)، اختاروا الحياة الدنيا للدنيا؛ لم يختاروا للآخرة؛ فالدنيا أنشئت لا للدنيا ولكن إنما أنشئت للآخرة؛ فمن اختارها لها؛ لا ليسلك بها إلى الآخرة - ضلّ وزاغ عن الحق.
وقوله: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) وهو ما ذكرنا: يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة؛ حتى يلهوا عن الآخرة؛ ويسهوا فيها ويغفلوا، وإلا أهل الإسلام ربما يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، وهو ما ذكرنا: أنهم يختارون ذلك للآخرة، وأُولَئِكَ للدنيا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
يحتمل (وَيَصُدُّونَ): وجهين:
أحدهما: أعرضوا هم بأنفسهم.
والثاني: صرفوا الناس عن سبيل اللَّه؛ الذي من سلكه نجا، لكن إنما يتبين ويظهر ذلك بالمصدر صد يصد صدا: صرف غيره، وصد يصد صدودا: أعرض هو بنفسه.
إبراهيم 14:4
(وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا).
أي: طعنًا وعيبًا فيه، دكَ هذا على أن الآية في الرؤساء منهم والقادة الذين كانوا يصدون الناس عن سبيل اللَّه ويبغون في دين اللَّه الطعن والعيب؛ فما وجدوا إلى ذلك سبيلا قط.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ).
الضلال: يحتمل وجوهًا:
يحتمل: (الضلال): أي: هلكوا هلاكًا لا نجاة فيه قط.
ويحتمل الحيرة والتيه؛ أي: تحيروا فيه وتاهوا حتى لا يهتدوا أبدًا.
ويحتمل (الضلال) البطلان؛ أي: في بطلان بعيد؛ حتى لا يصلحوا أبدًا، وهو في قوم علم اللَّه أنهم لا يهتدون أبدًا؛ ويختمون على الضلال، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ).
لو كان غيره من الكتب أرسلت بغير لسان الأمم لكان هذا الكتاب يجب أن يكون مبعوثًا بلسان قومه؛ لأنه جعل هذا الكتاب نفسه حجة وآية لرسالته؛ لأنهم يعجزون عن إتيان مثله؛ وهو كان بلسانهم؛ ليعلموا أنه جاء من اللَّه؛ إذ لو كان من اختراع الرسول - لقدروا هم على اختراع مثله؛ لأن لسانهم مثل لسانه، فإذا عجزوا عن إتيان مثله - دلَّ أنه منزَّل من اللَّه تعالى لا من عند الخلق.
ثئم يحتمل قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) وجوهًا:
قال قائلون: هذا بعد ما اختلفت الألسن؛ أرسل هذا وفيه أنباء أوائلهم الذين كان لسانهم غير لسان هَؤُلَاءِ، وأخبارهم ليعلموا أنه إنما عرف تلك الأنباء والأخبار اشتي كانت بغير لسانهم باللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أرسل بلسان قومه؛ لئلا يكون لهم مقال كقوله: (لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ...) الآية.
والثالث: أنه إذا كان بلسانهم يكون آلف وأقرب إلى القبول؛ من إذا كان بغيره؛ إذ كل ذي نوع وجنس يكون بجنسه ونوعه آلف من غير نوعه وجوهره؛ وهو كقوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا)، إذ ليس في وسع البشر رؤية الملك والنظر إليه على ما هو عليه، فعلى ذلك: كل ذي لسان يكون بلسانه أفهم وأقرب للقبول وآلف من غيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
قال قائلون: ليكون أبين لهم وأفهم.
وقال قائلون: ليبين لهم فيفهموا قول رسولهم.
وقوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
أي: يضل اللَّه من آثر سبب الضلال، ويهدي من آثر سبب الذي به يهتدي؛ يهديه ذلك.
وقال قائلون: يضل اللَّه من يشاء ويهدي من يشاء: هذا حكم اللَّه؛ أن يضل المكذبين ويهدي المصدقين، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءًا أنه يضل من آثر سبب الضلال؛
إبراهيم 14:5
ويهدي من يشاء هذا حكم اللَّه: أن يضل المكذبين ويهدي المصدقين؛ أي: من آثر سبب الاهتداء.
(وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) العزيز؛ لأن جميع الخلائق مفتقرون إليه لأنه يعزّ من عزّ.
أو أن يكون العزيز: هو الذي لا يغلب، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في الحكم والتدبير، أو الحكيم في بعث الرسل وفي جميع فعله، ولم يؤخذ عليه في فعله خطأ قط، مصيبٌ وضع كل شيء موضعه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)
يحتمل آياته: حججه وبراهينه التي أرسل بها على وحدانية اللَّه وألوهيته.
ويحتمل آياته: التي بعثها إلى موسى ليقيمها على رسالته. إن شئت قلت: آياته: حججه وإن شئت سميتها أعلامًا، والآيات والأعلام والحجج - كله واحد؛ فيكون أعلام وحدانية اللَّه وألوهيته أو أعلام رسالته.
وقال قائلون: (بِآيَاتِنَا): أي: بديننا، أي: أرسلنا موسى بديننا، ليدعوهم إليه.
(أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).
وعلى ذلك بعث جميع الرسل والأنبياء، بعثوا ليخرجوا قومهم من الظلمات إلى النور، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ).
التذكير: هو العظة؛ أي: عظهم بأيام اللَّه.
قال قائلون: أيام اللَّه: نعمه.
قال قتادة: أمره أن يذكرهم بنعم اللَّه التي أنعمها عليهم؛ فإن لله عليكم أيامًا من النعم؛ كأيام القوم؛ كم من خير قد أعطاه اللَّه تعالى لكم؛ وكم من سوء قد صرفه اللَّه تعالى عنكم، أوكم من كرب نفسه اللَّه تعالى عنكم، وكم من غَمٍّ فرجه الله تعالى عنكم؛ فاللهم ربنا لك الحمد.
وقال قائلون: أيام اللَّه: وقائعه؛ أي: ذكّرهم بوقائع اللَّه في الأمم السالفة؛ كيف أهلكهم لما كذبوا الرسل.
هذا يحتمل: أن يذكرهم بنعم اللَّه التي كانت على المصدقين بتصديقهم؛ وهو ما أنجى المصدقين من التعذيب والإهلاك؛ إهلاك تعذيب.
أو ذكر المكذبين منهم بالوقائع التي كانت على أُولَئِكَ بالتكذيب؛ وهو الإهلاك.
ويشبه أن يكون قوله: (بِأَيَّامِ اللَّهِ): الأيام المعروفة نفسها، أمره أن يذكرهم بها؛ ْلأن الأيام تأتي بأرزاقهم؛ وتمضي بأعمالهم وأعمارهم؛ إن كان خيرًا فخير وإن كان شرًّا فشر، وتفني أعمارهم وآجالهم، وفيما تأتى بأرزاقهم نعمة من اللَّه عليهم، وفي ذهاب أعمارهم وآجالهم إظهار سلطان اللَّه وقدرته، فأمره أن يذكرهم بذلك. واللَّه أعلم.
هذا يشبه أن يكون أمر موسى أن يذكر بني إسرائيل ما كان عليهم من فرعون؛ من أنواع التعذيب، ثم الإنجاء من بعد، يقول - واللَّه أعلم - ذكرهم الأيام الماضية وما يتلوها، وهذا أشبه وأقرب. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) وقد ذكرنا أن الصبر: هو كف النفس عن معاصي اللَّه وعن جميع مناهيه، والشكر: هو الرغبة في طاعته، أخبر أن فيما ذكر آيات لمن كف نفسه عن المعاصي؛ ورغب في طاعته، لا لمن تطاول على الرسل؛ وتكبر عليهم؛ وترك إجابتهم؛ ولم يرغب فيما دعوه إليه، ليس لأمثال هَؤُلَاءِ عبرة وآية ولكن لمن ذكرنا.
ويشبه أن يكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن لأن كل من آمن باللَّه ووحَّده - اعتقد الكف عن جميع معاصيه، والرغبة في كل طاعته، وإن كان يقع أحيانًا في معصيته، فكأنه قال: إن في ذلك لآيات للمؤمنين، على ما ذكر في غيره من الآيات؛
إبراهيم 14:6
من ذلك قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)، و (لِلْمُوقِنِينَ)، و (لِلْمُتَّقِينَ)؛ ونحوه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)
يشبه أن يكون هذا على الإضمار؛ وهو ما ذكر في آية أخرى؛ أي: اذكروا نعمة اللَّه عليكم (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا...) الآية.
واذكروا أيضًا: (إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ) قيل يعذبونكم (سُوءَ الْعَذَابِ).
وقال قائلون: يكلفونكم سوء العذاب (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ).
السوم: الإذاقة والتعريض؛ يقال: سامني كذا: أي: أذاقني وعرضني، ويقال: سمت الدابة على الحوض: أي: عرضتها.
(وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) هذا أيضًا قد ذكرناه؛ فيما تقدم في سورة البقرة والأعراف. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِذْ تَأَذَّنَ) قال ربكم. وقيل: إذ أعلم ربكم وأخبر، والعرب ربما قالت: أفعلت في معنى تفعلت؛ فهذا من ذلك، ومثله في الكلام: أوعدنى وتوعدنى؛ وهو قول الفراء، وحقيقته: وعد ربكم أو كفل ربكم؛ لئن شكرتم لأزيدنكم، لم يقل: لئن شكرتم نعمة كذا، ولا بيِّن أي نعمة: النعم كلها، أو نعمة دون نعمة، ولا قال: شكرتم بماذا، وقال لأزيدنكم؛ لم يذكر الزيادة في ماذا؛ ومن أي: شيء هي.
فيشبه أن يكون قوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ) بالتوحيد؛ أي: وحَّدتم اللَّه في الدنيا؛ فيما خلقكم خلقًا؛ وركب فيكم ما تتلذذون وتتنعمون في الدنيا؛ وفيما قومكم من أحسن تقويم. (لَأَزِيدَنَّكُمْ) النعم الدائمة في الآخرة؛ فيصير على هذا التأويل كأنه قال: لئن أتيتم شاكرين في الآخرة لأزيدنكم النعم الدائمة، وإلى هذا يذهب ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أو قريب منه؛ ألا ترى أنه قال:
(وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) أي: ولئن كفرتم ولم توحدوه؛ وأشركتم غيره فيه؛
إبراهيم 14:7
الآية : ٧ وقوله تعالى :﴿وإذ تأذن ربكم﴾ وقال بعضهم : وإذ قال ربكم، وقيل : وإذ أعلم ربكم، وأخبر.
والعرب ربما قالت : أفعلتُ في معنى تَفعلتُ، فهذا من ذلك، ومثله في الكلام : أوعدني، وتوعدني، وهو قول الفرّاء، وحقيقته، وعد ربكم، أو كفل ربكم.
[ وقوله تعالى ](١) :﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ لم يقل : لئن شكرتم نعمة كذا، ولا بين أي نعمة [ ولا ](٢) النعم كلها، أو نعمة دون نعمة، ولا قال : شكرتم على ذا.
وقال :﴿لأزيدنكم﴾ لم يذكر الزيادة في ماذا ؟ ومن أي شيء هي ؟ فيشبه أن يكون قوله :﴿لئن شكرتم﴾ بالتوحيد، أي وحدتم الله في الدنيا في ما خلقكم خلقا، وركب فيكم ما تتلذذون [ به ](٣) وتتنعمون في الدنيا، في ما قومكم، ﴿في أحسن تقويم﴾ [التين: ٤] ﴿لأزيدنكم﴾ النعم الدائمة في الآخرة، فيصير على هذا التأويل كأنه قال : لئن أتيتم شاكرين في الآخرة لأزيدنكم النعم الدائمة.
وإلى هذا يذهب ابن عباس رضي الله عنه أو قريب منه. ألا ترى أنه قال :﴿ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ أي ولئن كفرتم، ولم توحدوه، وأشركتم غيره فيه، وصرفتم شكر تلك النعم إلى غيره ﴿إن عذابي لشديد﴾.
ويحتمل أن تكون كل نعمة، يشكرها، يزيد له من نوعها في الدنيا، ويديم(٤) ذلك له.
وفي قوله :﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ لطف وفضل لأن الشكر هو المجازاة والمكافأة لما سبق. والله تعالى لا يكافأ في ما أنعم فلأنهم(٥) يستزيدون لأنفسهم الزيادة بالشكر الذي ذكر فهو ليس يشكر في الحقيقة. لكن هذا، منه لطف، ذكره وهو كما قال الله تعالى :﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ الآية [المزمل: ٢٠] وقال :﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ الآية [التوبة: ١١١] فهذه الأنفس والأموال في الحقيقة لله، ليست لهم، فهم في ما يقرضون لأنفسهم، وكذلك في الشِّرَى ؛ يشترون لأنفسهم من مولاهم، لكنه ذكر شراه لطفا منه وفضلا.
فعلى ذلك في ما ذكر من الشكر له، يطلبون الزيادة لأنفسهم، لطفا منه، وإن كان الشكر في الظاهر، موضوعه المكافأة لما سبق. فهو في ما بين الرب والعباد ليس بمكافأة، ولكن سبب الزيادة. ولكن [ سماه شكرا ](٦) لطفا منه وفضلا على ما ذكر التصدق (٧) قرضا، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: ويدوم..
٥ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل: سمى شكر، في م: سمى شكرا..
٧ في الأصل وم: التصديق..
إبراهيم 14:8
وصرفتم شكر تلك النعم إلى غيره إن عذابي لشديد.
ويحتمل أن يكون كل نعمة يشكرها يزيد له من نوعها في الدنيا؛ ويدوم ذلك له.
وفي قوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) لطف وفضل؛ لأن الشكر هو المجازاة والمكافأة لما سبق، واللَّه تعالى لا يكافئ فيما أنعم؛ لأنهم يستزيدون لأنفسهم الزيادة بالشكر الذي ذكر؛ فهو ليس بشكر في الحقيقة، لكن هذا منه لطف، ذكره؛ وهو كما قال الله تعالى: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا...) الآية، وقال: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...) الآية، فهذه الأنفس والأموال في الحقيقة لله؛ ليست لهم؛ فهم فيما يقرضون، يقرضون لأنفسهم، وكذلك في الشراء يشترون لأنفسهم من مولاهم، لكنه ذكر شراه من أنفسهم؛ لطفًا منه وفضلا؛ فعلى ذلك فيما ذكر من الشكر له يطلبون الزيادة لأنفسهم؛ لطفًا منه، وإن كان الشكر في الظاهر موضوعه المكافأة لما سبق، فهو فيما بين الرب والعباد ليس بمكافأة؛ ولكن سبب الزيادة، ولكن سمي شكرًا؛ لطفًا منه وفضلا على ما ذكر التصدق قرضًا؛ واللَّه أعلم، ألا ترى أنه قال: (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أي: غني بذاته، ليس يأمر ما يأمر لحاجة نفسه، ولا لمنفعة له، ولكن ما امتحنكم إنما امتحنكم لحاجة أنفسكم، ولمنفعة أبدانكم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) أي: غني، عن عبادة خلقه؛ حميد عند خلقه؛ وهو ما ذكرنا أنه ليس يأمرهم فيما يأمر لمنفعة نفسه أو لحاجة نفسه؛ ولكن لمنافع تحصل للخلق ولحوائج تبدو لهم، وكذلك النهي عما ينهى ليس ينهى لخوف مضرّة تلحقه؛ ولكن للضرر يلحقهم ولآفة تتوجه إليهم.
يخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن غناه؛ عما يأمر خلقه من طاعته وعبادته وتوجيه الشكر إليه.
والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله، يقول - واللَّه أعلم -: إنهم وإن كفروا، وكان علم اللَّه منهم أنهم يكفرون؛ فعلمه بذلك لا يجعله في إنشائهم مذمومًا. واللَّه أعلم.
إبراهيم 14:9
قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ...) الآية.
يشبه أن يكون الخطاب لأهل الإيمان منهم، والرسل خاطبهم - عَزَّ وَجَلَّ - تصبيرًا منه لهم، وتنبيهًا على تكذيب الكفرة إياهم؛ وأذاهم واستهزائهم بهم؛ فقال: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: قد أتاكم نبأ الذين من قبلكم ما فيه مزجر لكم عن مثل معاملتهم الرسول، وهو ما ذكره: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ). إنه نزل بهم بتكذيبهم الرسل والاستهزاء بأتباعهم، لذكر هذا لهم؛ ليهون ذلك عليهم وليخف؛ لأن من علم أن له شركًا فيما بُلي به وامتحن كان ذلك عليه أهون، وأخف من أن يكون هو المخصوص به.
ويحتمل أن يكون الخطاب لأهل الكفر منهم؛ يقول: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: قد أتاكم خبر الذين من قبلكم؛ أنه ماذا أنزل بهم بتكذيبهم الرسل واستهزائهم يأتياعهم؛ فينزل بكم، ما نزل بهم؛ لأن الذي أنزل ذلك عليهم حي قادر على إنزال مثله؛ فيخرج ذلك مخرج التوقيح والتوبيخ والتعيير والوعيد؛ ليحذروا عن صنيع أُولَئِكَ. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ).
فيه دلالة أن تكلف معرفة الأنساب وحفظها إلى آدم شغل وتكلف؛ لأنه أخبر أن فيهم من لا يعلمه إلا اللَّه وروي في الخبر أنه كان ينسب إلى مُضَر، ولا ينسب إلى أكثر من ذلك.
قال أبو بكر الأصم: قوله: (لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) يكذب من ادعى معرفة الأنساب المتقدمة؛ لأنه قال: (لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ)، وقد أخبر أيضًا أنه لم يقص عليه خبر الكل بقوله: (مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)، فمن البعيد أن يتكلف تعرف ما لم يقصق على رسوله واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ).
قيل: البينات: بينات على وحدانية اللَّه وألوهيته، ويحتمل الحجج التي أتوا بها الرسل على إثبات الرسالة والنبوة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: البينات: ما يتقون، وما يأتون، وما يحل عليهم وما يحرم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ).
يحتمل أن يكون هذا على التمثيل والكناية عن التكذيب وترك الإجابة؛ لأن رد الأيدي في أفواههم يمنعهم عن التصديق؛ كقوله: (كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ...) الآية، إذا ترك إجابته، وقوله: (يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)، وأمثاله.
ويشبه أن يكون على تحقيق جعل الأيدي في أفواههم، ثم يخرج على وجهين:
أحدهما: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) في أفواه الرسل: فيقولون إنكم كذبة.
ويحتمل: رد الأيدي في أفواه أنفسهم يصوتون وشمتهزئون بهم وبأتباعهم؛ كقوله: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ...) الآية، وقد ذكرنا معناه في موضعه؛ فعلى ذلك هذا يحتمل ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ...) الآية.
وقد ذكرنا معناه؛ يحتمل قوله: (بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) التوحيد؛ لأنهم أرسلوا بالدعاء إلى توحيد اللَّه والعبادة له، يدل على ذلك قولهم: (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ
إبراهيم 14:10
مُرِيبٍ) وقول الرسل (أَفِي اللَّهِ شَك...) الآية.
ويحتمل قوله: (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) من إثبات الرسالة، وإقامة الحجة عليها، (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) من التصديق بالرسالة والنبوة.
(مُرِيبٍ): هذا يدل أنهم كانوا على شك مما يعبدون من الأوثان والأصنام؛ لأنهم لو كان لهم بيان في ذلك وحجة ودعاء إليه؛ لكانوا لا يقولون: (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) ولكن كانوا يقطعون فيه القول؛ فدل أنهم كانوا على شك وريب في عبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها.
ثم الشك والريب؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: هما سواء، وقَالَ بَعْضُهُمْ: الشك: هو الشك المعروف، والريب: هو النهاية في الشك.
وقال بعض أهل التأويل في قوله - تعالى -: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ): أي: عضوا على أصابعهم غيظًا على ما دعوا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ردوا عليهم قولهم أو كذبوهم، وهو ما ذكرنا بدءًا؛ وقال: ردوا عليهم بأفواههم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)
أي: أفي ألوهية اللَّه شك؟ أو في عبادة اللَّه شك؟ أي: ليس في ألوهيته ولا في عبادته شك إذ تقرون أنتم أنه إله وأنه معبود، وكذلك أقر آباؤكم أنه إله وأنه معبود، فليس في ألوهيته ولا في عبادته شك؛ إنما كان الشك في عبادة من تعبدون دونه، من الأوثان والأصنام وألوهيتها؛ لأن آباءكم أقروا بألوهية اللَّه وأنه معبود، حيث قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقالوا: (هَؤُلَاءِ شُفَعاؤنَا عِندَ اللَّهِ)، وأقروا أنه خالق السماوات والأرض، وفاطر جميع ما فيهما بقولهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، وإن الأصنام التي عبدوها لم تخلق شيئا؛ فليس في اللَّه شك عندكم إنما الشك فيما تعبدون دونه؛ أو في وحدانية اللَّه.
أو يقول: أفي اللَّه شك أنه معبود؟ أي: ليس في اللَّه شك أنه لم يزل معبودًا إنما الشك في الأصنام التي قالوا: إنما نعبدهم لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّه زلفى؛ فأما في اللَّه فلا شك أنه لم يزل معبودًا فاطر السماوات والأرض.
يشبه أن يكون على الإضمار؛ أي: أفي اللَّه شك وقد تقرون أنه فاطر السماوات والأرض؛ وتعلمون أنه خالقهما.
ويحتمل أن يكون على الاحتجاج؛ أي: أفي اللَّه شك وهو فاطر السماوات والأرض؟! أي: تعلمون أنه فاطر السماوات والأرض وتقرون أنه خالقهما.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ).
هذا يحتمل وجهين: يحتمل: ليغفر لكم ذنوبكم التي كانت لكم في حال الفترة إذا أسلمتم.
وفيه دلالة - واللَّه أعلم -: أن المآثم التي كانت لهم في وقت الفترة - مأخوذة عليهم؛ ثم وعد لهم المغفرة إذا أسلموا.
والثاني: وعد المغفرة والتجاوز؛ لما كان منهم من الافتراء على اللَّه؛ والقول فيه بما لا يليق به؛ إذا أسلموا وتابوا عن ذلك؛ أي: إنكم، وإن افتريتم على اللَّه وقلتم فيه ما قلتم؛ وكذبتم رسله، فإذا أسلمتم وتبتم وصدقتم رسله - غفر لكم ذلك كله وفيه ذكر لطفه وحسن معاملته خلقه.
ويحتمل أيضًا قوله: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)
وجواب ما قالوا: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا).
أويحتمل أيضًا قوله: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) ويقول: إذا أسلمتم وتبتم لا تتخطفون؛ ولكن تبلغون إلى آجالكم المسماة ويؤخركم إلى أجل مسمّى.
يتعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية أن لكل إنسان أجلين: أجل في حال إذا كان فعل فعل كذا، وأجل في حال إذا فعل كذا؛ لكن جعل الأجلين إنما يكون بجهل في العواقب ممن من يجهل العواقب، فأمَّا اللَّه سبحانه وتعالى فهو عالم بما كان ويكون؛ فلا يحتمل أن
إبراهيم 14:11
يجعل له أجلين؛ وهو عالم بما يكون؛ فإنما جعله أجله بالذي علم أنه يكون منه؛ في الوقت الذي جعله، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا).
في قولهم تناقض من وجهين:
أحدهما: أنهم تركوا طاعة رسلهم واتباعهم؛ لأنهم بشر مثلهم؛ ثم أطاعوا آباءهم واتبعوهم في عبادة الأصنام، وهم بشر مثلهم، حيث قالوا: (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) وفذلك تناقض في القول.
والثاني: أنهم لم يروا الرسل متبوعين؛ لأنهم بشر ثم لا يخلو هم بأنفسهم من أن يكونوا متبوعين استتبعوا غيرهم دونهم، أو كانوا أتباعًا لغيرهم؛ حيث قالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)، فذلك تناقض في القول.
(فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ).
سألوا الحجة على ما دعوا إليه من ألوهية اللَّه تعالى وربوبيته، أو على ما ادعوا من الرسالة من اللَّه، وفي كل شيء وقع عليه بصرهم دلالة وحدانية اللَّه وألوهيته، لكنهم سألوا ذلك سؤال تعنت وعناد، وكذلك قد أقاموا الحجج على ما ادعوا من الرسالة؛ لكنهم تعاندوا وكابروا في ردّ ذلك فسألوا سؤال آية وحجة؛ تضطرهم وتقهرهم على ذلك، أو يكون عند إتيانها هلاكهم؛ فأجابهم الرسل فقالوا: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: ما كان لنا أن نأتيكم بآية تكون بها هلاككم؛ إنما ذلك إلى اللَّه: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل.
وقوله: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ... (١١)
أي: ما نحن إلا بشر مثلكم، أولكن اللَّه يمن على من يشاء، في دلالة، رد قول الباطنية؛ لأنهم ينكرون كون الرسالة في جوهر البشرية؛ ويقولون: إنما تكون الرسالة في جوهر الروحانية؛ فهم - صلوات اللَّه عليهم وسلامه - إنما أجابوا قومهم؛ حيث قالوا لهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ وقولهم: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ولم يذكروا شيئًا سوى البشرية؛ فدل أن قول الباطنية باطل؛ حيث قالوا: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ).
(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
إبراهيم 14:12
فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه لا يختص أحدًا بالرسالة؛ إلا من كان منه ما يستحق به الرسالة؛ وهم صلوات اللَّه عليهم؛ لم يذكروا سوى منة اللَّه عليهم، دل أنه يمن عليهم ويختصهم؛ لا بشيء من الاستحقاق ويكون منهم من الأعمال؛ ولكن بالمنة والفضل منه عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).
هو ما ذكرنا: الإذن موضوعه الإباحة، هو مقابل الحجر؛ لكن الإذن المذكور في القرآن ليس كله على وجه واحد؛ ولكن يتجه في كل موضع ويحتمل على ما يليق به، قال اللَّه تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ)، أي: بنصر اللَّه؛ لأن الهزيمة هي موضع النصر؛ تحمل عليه، وتال: (وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بإنشاء اللَّه؛ فعلى ذلك الإذن هاهنا؛ حيث قال: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بإنشاء اللَّه، السلطان وإجرائه على أيدينا.
ويحمل الإذن المذكور في القرآن على ما يصلح ويليق بما تقدم ذكره.
ويحتمل الإذن هاهنا الأمر؛ أي: بأمر اللَّه نأتي أي: إن أمرنا اللَّه بذلك نأتى به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
يشبه أن يكون ذكر هذا على إثر وعيد وأذى كان منهم إليهم؛ فقالوا: على اللَّه يتكل ويعتمد المؤمنون في دفع وعيدكم وأذاكم.
وقوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على الأمر؛ أي: على اللَّه توكلوا أنها المؤمنون؛ في جميع ما يتوعدكم أهل الكفر؛ وفي جميع أموركم.
ويحتمل على الإخبار عن صنيع المؤمنين أنهم إنما يتوكلون على اللَّه، وبه يعتمدون في جميع أمورهم؛ ومنه يرون كل خير وبر، لا بالأسباب التي لهم ولا يرون منها. وأما أهل الكفر فإنما يتوكلون ويعتمدون بالأسباب؛ ومنها يرون كل سعة وخير. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)
كأن هذا يخرجع على إئر جواب كان منهم؛ لما قال الرسل: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ
إبراهيم 14:13
بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فأجابوهم بحرف؛ فعند ذلك قال الرسل: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) لكنه لم يذكر ما كان منهم؛ ولكن ذكر جواب الرسل لهم: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) قَالَ بَعْضُهُمْ: وقد بين لنا سلوك سبلنا.
وعندنا قوله: (وَقَدْ هَدَانَا) أي: وفق لنا السلوك في السبل التي علينا أن نسلكها؛ وأكرم لنا ذلك؛ أي: ما لنا ألا نتوكل عليه في النصر والظفر عليكم؛ وقد وفقنا وأكرمنا السلوك في السبل التي علينا سلوكها، وذلك أعسر من القيام للأعداء والنصر بهم؛ وقد أكرمنا ما هو أعسر وأعظم؛ فإن ينصرنا أولى. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا).
يحتمل أن يكون هذا قبل أن يأمروا بالقيام لهم والاستنصار منهم؛ أمروا بالصبر على أذاهم؛ فقالوا: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا).
ويشبه أن يكون قوله: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) أنهم قالوا ذلك؛ لما كان أهل الكفر في كثرة؛ وكان أهل الإسلام وأتباع الرسل في قلة؛ يستقلون أهل الإسلام ويعاتبون على ذلك؛ فقالوا عند ذلك: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) بالنصر على أعدائنا؛ والغلبة عليهم، وقد أكرمنا بما ذكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) كأنه يخرج على الأمر؛ أي: على الله فتوكلوا؛ لا تتوكلوا على غيره.
ويشبه أن يكون على الخبر؛ أي: لا يتوكل المؤمن إلا على اللَّه؛ لا يتوكل على غيره؛ كقول الرسول حيث قال: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ...) الآية، وهو قول هود، وقول المؤمنين: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا...) الآية، ونحوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)
الإخراج يحتمل وجوهًا ثلاثة:
أحدها: على حقيقة الإخراج من البلد إلى غيره من البلدان والأرضين.
ويحتمل الإخراج: الحبس (لَنُخْرِجَنَّكُمْ)؛ أي: لنحبسنكم عن الانتفاع بالبلد، وبأهله وبما فيه، ويحتمل الإخراج: القتل؛ أي: نقتلنكم؛ وقد كان أهل الكفر يوعدون ويخوفون الرسل وأتباعهم بهذه الثلاثة؛ كقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا...) الآية ونحوه.
ثم في وعيدهم الذي أوعدوا الرسل وجوهًا ثلاثة حيث تجاسروا إقبال الرسل بمثل هذا الوعيد ومع الرسل آيات وحجج:
أحدها: أنهم رأوا أنفسهم مسلّطين على أُولَئِكَ؛ قاهرين عليهم، وكانوا أهل كبر وتجبر؛ ألا ترى أنه قال: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، دل هذا أنهم كانوا رأوا أنفسهم - كما ذكرنا - أهل تسليط وتجبر.
والثاني: قالوا ذلك لهم؛ لما لم يكن عندهم ما يدفعون حجج الرسل وبراهينهم؛ فهمُّوا قتلهم وإخراجهم؛ لعجزهم عن دفع ما ألزمهم الرسل، وهكذا الأمر المتعارف بين الخلق: أن الخصم لا يقصد إهلاك خصمه؛ ما دام له الوصول إلى الحجاج؛ فإذا عجز عن ذلك فعند ذلك يهم بقتله ويقصد إهلاكه.
والثالث: جواب الرسل إياهم عند القول إليه بالقول الذي ليس فوقه أحسن منه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا).
الملة: الدِّين؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لا يتوارث أهل الملتين " وقوله تعالى: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي: دين إبراهيم.
وقوله: (لَتَعُودُنَّ) ليس أنهم كانوا فيها وتركوها؛ ولكن على ابتداء الدخول فيها على ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ).
وعد لهم النصر؛ والظفر عليهم؛ والتمكين في أرضهم مع قلة عدد أتباع الرسل وضعف أبدانهم؛ ومع كثرة الأعداء وقوة أبدانهم؛ ليعلموا أنهم قالوا ذلك بوحي من اللَّه؛ ووعده إياهم، لا من حيث أنفسهم، واللَّه أعلم. فكان على ما أخبروا؛ فكان ذلك من آيات رسالتهم، وما ينبغي لهم أن يطلبوا لهم من الرسل الآيات والحجج على ما ادعوا؛ لأنهم لم يدعوهم إلى طاعة أنفسهم أو عبادتها؛ إنما دعوهم إلى وحدانية الله تعالى وألوهيته، وجعل الطاعة والعبادة له دون ما عبدوها من الأصنام، وذلك في شهادة خلقتهم؛ وشهادة كل خلقة؛ وإن لطف وصغر؛ فلم يحتاجوا إلى أن يقيموا البراهين والحجج على ما ادعوا ودعوهم إليه؛ لكنهم كانوا قومًا معاندين مكابرين لا يقبلون قولهم ولا يصدقونهم؛ تعنتًا منهم وتكبرًا، لم ينظروا في خلق اللَّه ليدركوا آثار وحدانيته وألوهيته؛ فكلفوا إقامة الحجج والآيات؛ لئلا يكون لهم مقال واحتجاج، وإن لم يكن لهم الاحتجاج. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي...) الآية.
قوله - تعالى - ذلك يحتمل وجوهًا؛ لأنه قد سبق خصال ثلاث؛ ما يحتمل رجوع هذا الحرف إلى كل واحد من ذلك.
أحدها: قوله: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) فيحتمل قوله ذلك: المن والفضل لمن خاف مقامي وخاف وعيد. وسبق أيضًا قوله: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) أي: ذلك الهدى والسبل التي هدانا إليها؛ أي: ذلك الهدى والهداية لمن خاف مقامي وخاف وعيد. وسبق أيضًا: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ...) الآية أي: ذلك النصر والظفر بهم والتمكين في الأرض لمن خاف مقامي وخاف وعيد.
ثم قوله: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: خاف مقامي في الدنيا والآخرة، وتأويله - واللَّه أعلم - أي: خاف سلطاني ونقمتي وعذابي في الدنيا والآخرة، أمَّا في الدنيا لما نزل بمكذبي رسله وأنبيائه، وخاف وعيده وعذابه في الآخرة حيث وعد أنه يحل بهم بالتكذيب وترك الإجابة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: خاف مقامي في الآخرة؛ وهو كقوله: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) يخاف ذلك المقام، وخاف ما وعد من العذاب في النار.
ثم قوله: (مَقَامِي) حيث أضاف إليه، ليس في الاشتباه بأقل من قوله: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)؛ وأقل من قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ)، وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ...) الآية، وأمثاله؛ فكيف اشتبه هذا على أهل التشبيه؛ ولم يشتبه قوله: (مَقَامِي)؛ حيث سألوا في ذلك؛ ولم يسألوا في هذا؛ وهذا إن لم يكن أكثر في الاشتباه؛ فليس بأقل، والأصل في هذا وأمثاله؛ من قوله: (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ)، (وَإِلَيْهِ مَآبِ)، و (ومَتَابِ)، ذكر هذا؛ وإن كان الخلائق جميعًا في الدارين جميعًا - يكون مصيرهم ومرجعهم إليه؛ لأنه - جل وعلا - لم يخلقهم للمقام في الدنيا والدوام فيها؛
إبراهيم 14:14
الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين﴾ ﴿ولنسكننكم الأرض من بعدهم﴾ وعد لهم النصر والظفر عليهم والتمكين في أرضهم مع قله عدد أتباع الرسل وضعف أبدانهم ومع كثرة الأعداء وقوة أبدانهم ليعلموا أنه إنما قالوا ذلك بوحي من الله ووعده إياهم حيث أنفسهم، والله أعلم.
فكان على ما أخبروا، فكان [ ذلك ](١) من آيات رسالتهم.
وما ينبغي لهم أن يطلبوا من الرسل الآيات والحجج على ما ادّعوا لأنهم لم يدعوهم إلى طاعة أنفسهم أو عبادتهم، وإنما دعوهم إلى وحدانية الله تعالى وألوهيته وجعل الطاعات والعبادة له دون ما عبدوها من الأصنام.
وذلك في شهادة خلقتهم وشهادة كل خلقه، وإن لطف، وصغر، فلم يحتجوا بأن(٢) يقيموا البراهين والحجج على ما ادعوهم، لكنهم كانوا قوما معاندين مكابرين، لا يقبلون قولهم، ولا يصدقونهم تعنتا وتكبرا، لم ينظروا في خلق الله ليدركوا آثار وحدانيته وألوهيته، فكلفوا إقامة الحجج والآيات لئلا يكون لهم الاحتجاج، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيدي﴾ قوله تعالى :﴿ذلك﴾ يحتمل وجوها [ ثلاثة ](٣) لأنه قد سبقه(٤) خصال ثلاث : ما يحتمل رجوع هذا الحرف إلى كل واحد من ذلك :
أحدهما :[ سبق ](٥) قوله :﴿إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده﴾ [إبراهيم: ١١]. فيحتمل قوله ﴿ذلك﴾ المن والفضل ﴿لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾.
والثاني(٦) : سبق أيضا قوله :﴿وما لنا ألا نتوكل على الله﴾ [إبراهيم: ١٢] أي ذلك الهدى والسبل التي هدانا إليها، أي ذلك الهدى والهداية ﴿لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾.
والثالث(٧) : سبق أيضا [ قوله ](٨) :﴿فأوحى إليهم ربهم﴾ الآية [إبراهيم: ١٣] أي ذلك النصر والظفر بهم والتمكين في الأرض ﴿لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾.
ثم قوله :﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ قال بعضهم :﴿خاف مقامي﴾ في الدنيا و الآخرة، وتأويله، والله أعلم، أي خاف سلطاني ونقمتي وعذابي في الدنيا بما نزل بمكذبي رسله وأنبياءه ﴿وخاف وعيد﴾ وعذابي في الآخرة حين(٩) وعد أنه يحل بهم بالتكذيب وترك الإجابة.
وقال بعضهم :﴿خاف مقامي﴾ في الآخرة، وهو كقوله :﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين: ٦] يخاف ذلك المقام ﴿وخاف وعيد﴾ وخاف ما وعد من العذاب في النار.
ثم قوله :﴿مقامي﴾ حين(١٠) أضاف إليه ليس في الاشتباه بأقل من قوله :﴿استوى على العرش﴾ [ الأعراف : ٥٤ و. . . . ]
وأقل من قوله :﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾ الآية [البقرة: ٢١٠] وأمثاله. فكيف اشتبه هذا على التشبيه، ولم يشتبه قوله :﴿مقامي﴾ حين(١١) سألوا في ذلك، ولم يسألوا في هذا ؟ وهذا :(١٢) لم يكن أكثر من الاشتباه، فليس بأقل.
والأصل في هذا وأمثاله من قوله ﴿وإليه المصير﴾ [ المائدة : ١٨ و. . . . . ] وقوله(١٣) :﴿إليه مرجعكم﴾ [يونس: ٤] [ وقوله ](١٤) :﴿وإليه مآب﴾ [الرعد: ٣٦] [ وقوله ](١٥) :﴿وإليه مآب﴾ [الرعد: ٣٠] : ذكر هذا، وإن كان الخلائق جميعا، يكون مصيرهم ومرجعهم إليه، لأنه – جل، وعلا – لم يخلقهم للمقام في الدنيا والدوام فيها، وإنما خلقهم للزوال عنها والفناء والمقام في الآخرة والدوام فيها، لكن خلقهم في هذه الدنيا ليمتحنهم، ويبتلون فيها / ٢٦٩ – أ/ ثم يصيرون إلى دار المقام.
فالآخرة هي المقصود في خلقهم في الدنيا، لا الدنيا. فإذا كان كذلك أضاف المصير إلى نفسه إلى ما هو المقصود في خلقه، وإن كانوا في الدنيا والآخرة صائرين إليه غير غائبين عنه طرفة عين، ولا فائتين عنه، وبالله النجاة.
ذكر الله عز وجل أنباء الرسل الماضية وأتباعهم، وأنباء أعدائهم، وما عامل بعضهم بعضا، وما نزل بالأعداء بما عاملوا رسلهم من العذاب، والاستئصال وأنواع البلايا، وما أكرم رسله وأتباعهم وأوليائهم من النصر على أعدائهم والظفر بهم والتمكين في الأرض.
وجعل ذلك كله كتابا بالحكمة يتلى ليعلم [ كيف يعامل ](١٦) الأعداء والأولياء ليرغب في ما استوجب الأولياء من الكرامات، وليحذر(١٧) عن مثل صنيع الأعداء، وليعلم(١٨) كيف عامل رسله وأوليائه وكيف عامل الرسل [ ربهم ](١٩).
أضاف الرسل جميع ما يأتوا من الخيرات والكرامات إلى الله كأن صنع لهم في ذلك حين(٢٠) قالوا : إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } [إبراهيم: ١١].
ذكر [ الله تعالى قولهم ](٢١) ﴿إن نحن إلا بشر مثلكم﴾ ليعلم أن الخير ليس يكون بالجوهر، ولكن بفضل من الله تعالى وبرحمته.
وقالوا(٢٢)﴿وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا﴾ [إبراهيم: ١٢] وأمثاله، وأضافوا ذلك إليه كأنهم لا صنع لهم في ذلك.
وذكر الله عز وجل ما أكرم أولياءه ورسله من النصر والتمكين والإنزال في الديار كأنهم استوجبوا ذلك بفعل(٢٣) كان منهم، وهو قوله :﴿ذلك﴾ أي ذلك النصر والتمكين وما ذكرنا من الوجوه [ في قوله ](٢٤) :﴿لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ : ذكر أنهم استوجبوا ذلك لا أن كان [ ذلك ](٢٥) من الله بحق إفضال وامتنان [ ولكن ](٢٦) ليعلموا معاملة الله ورسله وأولياءه ومعاملة الرسل والأولياء سيدهم ومولاهم، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: إلى أن..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: سبق..
٥ في الأصل وم..
٦ في الأصل وم: و.
٧ في الأصل وم: و..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: حيث..
١٠ في الأصل وم: حيث..
١١ في الأصل وم: حيث..
١٢ من ميم، في الأصل: أي..
١٣ في الأصل وم: و..
١٤ ساقطة من الأصل وم..
١٥ ساقطة من الأصل و م..
١٦ في الأصل مقابل في م: يعامل..
١٧ في الأصل وم: وليحذروا..
١٨ في الأصل وم: وليعلموا أن..
١٩ من م، ساقطة من الأصل..
٢٠ في الأصل وم: حيث..
٢١ في الأصل وم: قوله..
٢٢ في الأصل وم: وقوله تعالى..
٢٣ من م، في الأصل: بفطر..
٢٤ ساقطة من الأصل وم..
٢٥ من م، ساقطة من الأصل..
٢٦ ساقطة من الأصل وم..
إبراهيم 14:15
إنما خلقهم للزوال عنها والفناء، والمقام في الآخرة والدوام فيها؛ لكن خلقهم في هذه الدنيا - ليمتحنهم ويبتلون فيها؛ ثم يصيرون إلى دار المقام، فالآخرة هي المقصودة في خلقهم في الدنيا؛ لا الدنيا؛ فإذا كان كذلك أضاف المصير إلى نفسه، لما هو المقصود في خلقهم؛ وإن كانوا في الدنيا والآخرة صائرين إليه، غير غائبين عنه طرفة عين؛ ولا فائتين، وباللَّه النجاة.
ذكر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنباء الرسل الماضية وأتباعهم؛ وأنباء أعدائهم؛ وما عامل بعضهم بعضًا، وما نزل بالأعداء - بما عاملوا رسلهم - من العذاب والاستئصال وأنواع البلايا، وما أكرم رسله وأتباعهم وأولياءهم من النصر على أعدائهم؛ والظفر بهم، والتمكين في الأرض، وجعل ذلك كله كتابًا بالحكمة؛ يتلى ليعلم؛ أن كيف يعامل الأعداء والأولياء؛ وليرغب فيما استوجب الأولياء من الكرامات وليحذروا عن مثل صنيع الأعداء؛ وليعلموا أن كيف عامل اللَّه رسله وأولياءه، وكيف عامل الرسل ربهم، أضاف الرسل جميع ما نالوا من الخيرات والكرامات إلى اللَّه؛ كأن لا صنع لهم في ذلك؛ حيث قالوا: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، ذكر قوله: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ليعلم أن الخير ليس يكون بالجوهر؛ ولكن بفضل من اللَّه تعالى وبرحمته، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) وأمثاله، أضافوا ذلك إليه؛ كأنهم لا صنع لهم في ذلك.
وذكر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ما أكرم أولياءه ورسله؛ من النصر والتمكين والإنزال في الديار، كأنهم استوجبوا ذلك بفعلٍ كان منهم؛ وهو قوله: (ذَلِكَ) أي: ذلك النصر والتمكين، وما ذكرنا من الوجوه (لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) ذكر أنهي استوجبوا ذلك، لا أن كان، (ذَلِكَ) من اللَّه بحق إفضاله وامتنانه؛ ليعلموا معاملة اللَّه رسله وأولياءه، ومعاملة الرسل والأولياء لسيدهم ومولاهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)
يحتمل وجهين:
أحدهما: الاستنصار؛ استنصروا اللَّه على أعدائهم؛ كقوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يستنصرون.
إبراهيم 14:16
والثاني: (وَاسْتَفْتَحُوا) أي: تحاكموا إلى اللَّه في النصر للأحق منهم؛ والأقرب إلى الحق؛ كقوله: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا...) الآية، وهو التحاكم إليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ).
هو ما ذكرنا: تحاكموا إلى اللَّه؛ فنصر أولياءه، وأهلك أعداءه، على ما ذكر أن أبا جهل قال: اللهم دينك القويم وأياديك الحسنة، أينا كان أَحبَّ إليك وأقرب إلى الحق - فانصره؛ فنصر المؤمنين وأهلك الأعداء.
وقوله: (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) أي: تجبر على رسله وأوليائه، والعنيد: قيل: المعرض المجانب عن الحق والطاعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الجبار: القاتل على الغضب والضارب على الغضب؛ وهو ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ... (١٦) أي: من وراء عذاب الدنيا لهم عذاب جهنم.
وقوله: (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ): الوراء: قد يستعمل في أمام وخلف؛ أي: من أمام ما حل بهم جهنم، ويحتمل: وراء ما أصابهم؛ ما ذكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ).
أي: يسقى في جهنم صديدًا مكان ما يسقون في الدنيا؛ وهو الذي يسيل من القروح والجروح، جعل اللَّه للكافرين في الآخرة مكانًا بما كان لهم في الدنيا؛ لباسًا وشرابًا وطعامًا؛ ما كانت تكرهه أنفسهم، جعل مكان ما يسقون في الدنيا من الماء - في النار: الصديد والغسلين والحميم، ومكان الطعام في الدنيا - في النار: الزقوم والضريع، ومكان اللباس: القطران ونحوه، ومكان القرين والصديق في الدنيا: يجعل قرينه الشيطان، كقوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)، إذ ذلك كله يمنعهم عن دين اللَّه؛ ويصدهم عن ذكره، ليكون جزاؤهم من نوع ما كان يمنعهم في الدنيا عن طاعته.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الصديد الذي يسقون: هو أن النار تجرحهم وتقرحهم؛ فيسيل - من ذلك - الصديدُ؛ فيسقون من ذلك.
إبراهيم 14:17
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا؛ ولكن يجعل شرابهم فيها صديدًا؛ كشراب أهل الجنة وطعامهم من غير أصل.
وقوله: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) ويحتمل: يسقى من ماء في ظنهم ماء؛ وهو في الحقيقة صديد. ويحتمل أن يكون في الحقيقة والظاهر صديدًا؛ لكن يشربون؛ رجاء أن يدفع عطشهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: التجرع: ما يشربه مكرهًا عليه.
(وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ).
يقال: أسغته: أي: أدخلته في الحلق؛ يقال: أسغته فساغ، أي: دخل سهلًا من غير أن يؤذيه، وكذلك قيل في قوله: (سَائِغٌ شَرَابُهُ) أي: سهل في الحلق، وساغ في حلقه؛ إذا دخل دخولا سهلا لا يؤذيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ).
قال قائلون: يأتيهم الغمّ والهم من كل مكان، وكذلك المتعارف في الخلق: إذا اشتد بهم الغم والهم والشدة، يقال: كأنك ميت؛ أو تموت غمًّا.
وقال بعضهم: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ) أي: أسباب الموت؛ ما لو كان من قضائه الموت فيها - لماتوا؛ لشدة ما يحل بهم، ولكن قضاؤه؛ ألا يموتون فيها.
قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) موت حقيقة يستريح من العذاب.
إبراهيم 14:18
وقوله: (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: من كل ناحية من فوق؛ ومن تحت؛ ومن خلف، ومن قدام؛ كقوله: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، وقال: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)، أخبر أن النار تأتيهم وتأخذهم من كل جانب ومن كل جهة.
ويحتمل (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ): أي: ومن كل سبب من تلك الأسباب التي تأتيهم؛ ما لو كان قضاؤه الموت - لماتوا بكل سبب من تلك الأسباب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ليس من موضع من جسده ومن سائر جوارحه - إلا الموت يأتيه منها؛ من شدة ما يحل بهم؛ حتى يجدوا طعم الموت وكربه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ وَرَائِهِ) أي: ومن وراء ذلك العذاب - عذاب غليظ لا ينقطع ولا يفتر، وصفه بالغلظ والشدة؛ لدوامه والإياس عن انقطاعه. واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) هو - واللَّه أعلم -: على التقديم أوالتأخير؛ أي: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد اشتدت به الريح.
ثم تحتمل (أَعْمَالُهُمْ): الأعمال التي كانت لهم في حال إيمانهم، ثم كفروا، بما أحدثوا من الكفر؛ أبطل ذلك الأعمال الصالحة في الإيمان؛ وهو ما ذكر: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ).
أو يكون محاسنهم التي كانت لهم في حال الكفر؛ طمعوا أن ينتفعوا بتلك المحاسن في الآخرة؛ فما انتفعوا بها؛ فصارت كالرماد الذي تذروه الريح الشديدة؛ لم ينتفع صاحب ذلك الرماد به بعد ما عملت به الريح ما عملت؛ فعلى ذلك: الأعمال الصالحة التي عملوها في حال كفرهم، أو أعمالهم الصالحة التي كانت لهم في حال الإيمان؛ ثم أحدثوا الكفر - لا ينتفعون بها.
وقال في آية أخرى: (أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ)، فيشبه أن يكون هذا في أعمالهم السيئة في أنفسها فرأوها صالحة حسنة؛ كقوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)، فشبه ما كان في نفسه سببًا بالسراب؛ لأنه لا شيء هنالك؛ إنما يرى
إبراهيم 14:19
خيالا، فعلى ذلك: أعمالهم السيئة في أنفسها فرأوها حسنة صالحة، وما كان وما شبه بالرماد - فهي أعمالهم الصالحة في أنفسها؛ لكن الكفر أبطلها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ).
اليوم لا يكون عاصفًا؛ ولكن على الإضمار؛ كأنه قال: في يوم فيه ريح عاصف، كقوله: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، النهار لا يبصر ولكن يُبصَر فيه أو يُبصَر به.
والعاصف: قيل: هو القاصف الكاسر الذي يكسر الأشياء. أو يكون قوله: (اشْتَدَّتْ بِهِ)، والعاصف والقاصف - حرفان يؤديان جميعًا معنى واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) كالرماد الذي ذكرنا أن صاحبه لا يقدر به بعدما عملت به الريح وذرته. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ).
يحتمل: ذلك الكفر هو الضلال البعيد؛ لا نجاة فيه أبدًا.
أو ذلك الكفر الذي أتوا به بعيد عن الحق واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ).
(أَلَمْ تَرَ) حرف تنبيه عن عجيب بَلَغَه وعلم به غفل عنه، أو نقول: حرف تنبيه عن عجيب لم يبلغه بعد ولم يعلم به. على هذين الوجهين يشبه أن يكون واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ).
قال عامة أهل التأويل: بالحق أي: للحق، وتأويل قولهم - واللَّه أعلم -: للحق: أي: للكائن لا محالة؛ وهي الآخرة؛ لأنه خلق العالم الأول للعالم الثاني؛ والمقصود في خلق هذا العالم هو العالم الثاني؛ فكان خلقهما للثاني لا للأول الأنه لو كان للأول،
إبراهيم 14:20
دون الثاني؛ يحصل خلقهما للفناء، وذلك خارج عن الحكمة؛ وهو ما قال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ).
وقال قائلون: للحق الذي وجب له عليهم بالامتحان والابتلاء، خلقهما للشهادة له على الممتحن.
أو يقول: خلقهما بالحق: أي: بالحكمة. وقوله: (أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ).
إن كان الخطاب به لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيصير كأنه قال: قد رأيت وعلمت أن الله خالق السماوات والأرض بالحق.
وإن كان الخطاب به لغيره من أُولَئِكَ يقول: اعلموا أن اللَّه خلق السماوات والأرض بالحق؛ لم يخلقهما عبثًا باطلا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ).
قال بعض أهل التأويل: هذه المخاطبة يخاطب بها أهل مكة؛ يذكر قدرته وسلطانه على بعثهم بعد الموت والهلاك؛ يقدر على إذهابكم وإهلاككم، ويقدر أيضًا أن يأتي بغيركم، فعلى ذلك: يقدر على بعثكم بعد مماتكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)
قال أهل التأويل: أي: عليه هين يسير، ولكن عندنا - واللَّه أعلم -: (وَمَا ذَلِكَ): أي: ذهابكم وفناؤكم عليه ليس بشديد عليه ولا شاقّ؛ ليس كملوك الأرض إذا أذهب، شيء من مملكتهم يشتد ذلك عليهم، فأما اللَّه سبحانه وتعالى لا يزيد الخلق في سلطانه ولا في ملكه؛ ولا ينقص فناؤهم وذهابهم منه شيئًا؛ كقوله: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) أي: شديد عليهم وهو ما وصفهم - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، ذكر مكان العزة الشدة، ومكان الذلة - هاهنا - الرحمة.
أو أن يكون قوله: (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) أي: ما بعثكم وإحياؤكم بعد الممات على اللَّه بشاقٍّ ولا شديد.
* * *
قوله تعالى: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ
إبراهيم 14:21
وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا... (٢١)
قال مقاتل: خرجوا إلى اللَّه من قبورهم جميعًا، وقال: (جَمِيعًا) لأنه لا يغادر أحد إلا بعث.
ويحتمل وجوهًا أخر سوى ذلك: وهو أن قوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ): أي: لأمر اللَّه؛ أو لوعده الذي وعد أنهم يبعثون. أو يريد الحكم، اللَّه يحكم في بعثهم.
(وَبَرَزُوا): أي: ظهروا به ووجدوا؛ فيكونون به موجودين ظاهرين بعد أن كانوا فائتين ذاهبين غائبين؛ أي: عندهم في الدنيا أنهم كانوا فائتين غائبين عن اللَّه؛ فيومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأحوالهم؛ وهو ما ذكرنا في قوله: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ)، وقوله (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ)، وأمثاله، أي: يعلمهم مجاهدين صابرين كما علمهم غير مجاهدين وغير صابرين؛ وكقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَ) يعلمهم شهودًا كما علمهم غيبًا.
فعلى ذلك قوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) أي: يكونون له موجودين ظاهرين واللَّه أعلم.
وإضافة البروز إليه في الآخرة وإن كان بروزهم له في الدارين جميعًا، وكذلك المصير، إليه والمرجع إليه والمآب ونحوه؛ فهو - واللَّه أعلم - لما لا ينازع أحد في البروز في ذلك اليوم؛ وقد ينازعونه في الدنيا.
أو خُصّ ذلك البروز بالإضافة إليه؛ لما هو المقصود من إنشائه إياهم وخلقهم؛ ليس المقصود في خلقهم وإنشائهم الأول؛ ولكن الآخر؛ فخص ذلك بالإضافة إليه. واللَّه أعلم. وقوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) أي: يومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء؛ وكأنهم لم يكونوا يعلمون؛ قبل ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ).
قال قائلون: قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا): أي: دافعون عنا من عذاب اللَّه؛ إذ كنا لكم أتباعًا وأنتم متبوعين؛ فادفعوا عنا ذلك. لكن هذا بعيد؛ أن يطلبوا منهم دفع العذاب عنهم وقد رأوهم في العذاب؛ فلو قدروا على دفع ذلك عنهم؛ لدفعوا أولا عن أنفسهم؛ إلا أن يكون فيهم حيرة وعمى؛ كما كان في الدنيا، فللحيرة ما قالوا؛ كقوله: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى...).
والأشبه أنهم يطلبون عنهم رفع بعض العذاب عنهم، وتحمل بعض لأن مؤنة الأتباع في العرف يتحملها المتبوع؛ فيطلبون منهم رفع شيء وتحمل بعض ما حل بهم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ)، طلبوا منهم تحمل بعض ما حلَّ بهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ).
قال بعض أهل العلم: إن الكفرة جميعًا - أتباعهم ومتبوعهم - أعلم بهداية اللَّه من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) علموا أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لو هداهم لاهتدوا؛ ويملك هدايتهم، والمعتزلة يقولون: قد هدى اللَّه جميع الكفرة وجميع الخلائق؛ فلم يهتدوا، وأنه لو أراد أدت يهدي أحدا لم يمكلك، والكفرة - حيث قالوا: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) رأوا وعلموا أن اللَّه لو هداهم لاهتدوا؛ لأنهم لو لم يهتدوا بهدايته إذا هداهم لم يعتذروا إلى أتباعهم (لَهَدَيْنَاكُمْ)، وكذلك، قال إبليس: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي)، أضاف الإغواء إليه؛ وهم يقولون: لا يُغوي اللَّه أحدًا، فإبليس أعلم بهذا من المعتزلة.
وقولهم. (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ) أي: لو رزقنا الله الهدى وأكرمنا به لهديناكم؛ ولكن لم يرزقنا ذلك ولم يكرمنا.
وقال أبو بكر الأصم: تأويل قولهم: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ): لو كان الذي كنا عليه
إبراهيم 14:22
هدى لهديناكم؛ فهذا صرف ظاهر الآية عن وجهها بلا دليل؛ فلو جاز له هذا جاز لغيره صرف جميع الآيات عن ظاهرها بلا دليل مع أن الأتباع؛ قد علموا أن الذي كانوا عليه لم يكن هدى؛ فلا معنى لهذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ).
قال أهل التأويل: إنهم قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نجزع لعل اللَّه يرحمنا؛ فجزعوا حينا؛ فلم يرحموا، ثم قالوا: تعالوا نصبر لعل اللَّه يرحمنا؛ فلم يرحموا؛ فعند ذلك قالوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) لكن لا يحتمل أن يقولوا ذلك بعد الامتحان والاختبار، لكن كأنهم قالوا ذلك بالذي سمعوا؛ وهو قوله: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، ولما سمعوا ذلك عند ذلك قالوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) أي: مَنْجى ومَخْلَص، لا يحتمل أن يقولوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) في أول أحوالهم وأمورهم، ولكن يحتمل ما ذكر أهل التأويل أنهم يقولون ذلك عند الإياس.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (قُضِيَ الْأَمْرُ): أي: أُدخل أهل الجنةِ الجنةَ؛ وأهل النارِ النارَ؛ يقوم إبليس خطيبًا في النار؛ فخطب كما ذكر.
وقال قائلون: (قُضِيَ الْأَمْرُ) أي: مُيِّز وبُيِّنَ أهل الجنة من أهل النار؛ قبل أن يدخل أهل النار النار؛ وأهل الجنة الجنة - قام خطيبا فخطب لأتباعه كما ذكر.
ويحتمل قوله: (لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) أي: لما فرغ من الحساب ومن أمرهم؛ عند ذلك يخطب؛ ما ذكر؛ وهو كقوله: (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) أي: لما فرغ من السماع؛ فعلى ذلك هذا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) أي: لما نزل بهم العذاب.
ويشبه أن يكون قوله: (لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) هو أن اللَّه كان وعد أن يقوم إبليس خطيبًا لهم؛ فقضى الأمر؛ أي: أنجز ما وعد؛ أنه يخطب أو أن يكون لأهل الكفر لجاجات ومنازعات فيما بينهم يوم القيامة؛ كقوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)؛ وكقوله: (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ...) الآية، ْيكذبون في الآخرة، ويكون لهم لجاجة على ما كان منهم في الدنيا، أو يحتجون فيقولون: إن إبليس هو كان غلبنا وقهرنا؛ لأنه كان يرانا ونحن لم نكن نراه؛ فالمغلوب المقهور غير مأخوذ بما كان منه في حكمك، يحتجون بمثل هذه الخرافات واللجاجات، ويقولون: هو الذي أضلنا، فيقوم عند ذلك إبليس خطيبًا بينهم وقال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) حتى أقهركم وأغلبكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طائعين؛ غير مقهورين ولا مضطرين واللَّه أعلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ).
يشبه أن يكون وعده ما وعد على ألسن الرسل: أن البعث، والجنة، والنار، والحساب، والعذاب - كائن لا محالة. أو جميع ما أوعد من مواعيده - فذلك كله حق أي: كائن لا محالة.
(وَوَعَدْتُكُمْ).
يحتمل ما ذكر؛ حيث قال: (لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ)، وأمثاله من عِدَاته؛ كانت كلها أماني وغرورًا وكذبًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) يحتمل السلطان وجهين:
أحدهما: أي ما كان لي عليكم من ملك وقهر وغلبة أقهركم وأغلب عليكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طوعًا. ويحتمل قوله: (مِنْ سُلْطَانٍ): من حجة وبرهان؛ أي: لم يكن لي حجة وبرهان على ما دعوتكم إليه؛ إنما كان لي دعاء ووساوس، وكان مع الرسل حجج وبراهين، فتركتم إجابتهم؛ واستجبتم لي بلا حجة وبرهان؛ أي: لم أقهركم، ولم أغلب عليكم؛ لكن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان له عليهم سلطان القهر والغلبة لكانوا معذورين غير معذبين؛ لأن المقهور والمغلوب مضطر؛ فالمضطر معذور؛ ولكن السلطان هو الحجة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ).
ليس مراده - لعنه اللَّه - أنه لا يلام؛ ولكن مراده: أن ارجعوا إلى لائمة أنفسكم واشتغلوا بها؛ فإن ذلك كان منكم لم يكن مني إلا الدعاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ).
قيل: ما أنا بناصركم وما أنتم بناصري، وقيل: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثين
إبراهيم 14:23
لي، وقيل: ما أنا بمانعكم وما أنتم بمانعي، ما نزل بي هذا كله واحد.
وقوله: (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) أي: ما أنا بمالك إغاثتكم وإنقاذكم، وما أنتم بمالكي إغاثتي، وإلا لو كان لهم ملك ذلك لفعلوا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ).
أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة اللَّه وطاعته؛ أي: كنت بذلك كافرًا.
ويحتمل: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة اللَّه وطاعته، أي: كنت بذلك كافرًا، ويحتمل (إِنِّي كَفَرْتُ)، أي: تبرأت اليوم؛ مما أشركتموني مع اللَّه في الطاعة والعبادة من قبل.
أحد التأويلين يرجع إلى أنه يتبرأ في ذلك اليوم؛ وقتما قام خطيبًا.
والثاني: إني كنت تبرأت من ذلك في الدنيا، وقتما أشركوه (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣) أي: أذن لهم بالدخول في الجنة.
قوله: (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، وقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ).
الإذن هاهنا كأنه الرحمة؛ أي: خالدين فيها برحمة ربهم.
(تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ).
يحتمل السلام الثناء، أي: يثنون على ربهم؛ كقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يسلم بعضهم على بعض، ويحْيي بعضهم بعضًا بالسلام.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: السلام هو اسم كل خير ويمن وبركة؛ كما قال: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا...) الآية، واللَّه أعلم.
إبراهيم 14:24
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ).
قد ذكرنا أن كلمة (أَلَمْ تَرَ) حرف تنبيه عن عجيب كان بلغهُ؛ فغفل عنه، أو تنبيه عن عجيب لم يبلغه.
وقال أبو بكر الأصم: هي كلمة يفتتح بها العرب عند الحاجة؛ يقول الرجل لآخر: ألم تر إلى ما فعل فلان؛ ونحوه. هذا يحتمل في غيره من المواضع وأما في هذا فإنه غير محتمل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) قيل: بين اللَّه مثلا وأظهر.
(كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ).
قال أبو بكر الكيسانى: (كَلِمَةً طَيِّبَةً): هو هذا القرآن، (كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ): هي الكتب التي أحدثها الناس، شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ وهي النخلة؛ على ما ذكر؛ إن ثبت، أو كل شجرة مثمرة. وشبه الكتب التي أحدثها الناس بالشجرة الخبيثة؛ وهي التي لا تثمر.
وقال: إنما شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ لأن الشجرة الطيبة هي باقية إلى آخر الدهر؛ ينتفع بها الناس بجميع أنواع المنافع، لا يقطعونها؛ فهي تدوم وتبقى دهرًا، فعلى ذلك القرآن ينتفع به الناس وهو دائم أبدًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ).
أصلها ثابت لها قرار، فعلى ذلك: القرآن هو ثابت بالحجج والبراهين؛ والكتب التي أحدثها أُولَئِكَ هي باطلة فاسدة؛ لا حجة معها ولا برهان؛ كالشجرة الخبيثة التي هي غير مثمرة؛ لا بقاء لها ولا قرار ولا ثبات.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الكلمة الطيبة: هي الإيمان والتوحيد؛ شبهها بالشجرة الطيبة؛ وهي التي تثمر وتنمو وتزكو هي على ما وصفها - عَزَّ وَجَلَّ - في قوله: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)، فعلى ذلك الإيمان والتوحيد لا يزال يثمر لأهله الخيرات والأعمال الصالحات؛ كالشجرة التي وصفها أنها تؤتي أهلها أكلها في كل حين وكل وقت، أصلها ثابت بالحجج والبراهين، وفرعها في السماء، في كل وقت يرتفع ويصعد به العمل إلى السماء.
والكلمة الخبيثة: هي الكفر؛ لأنه لا منفعة لأهلها فيها، إذ لا عاقبة له ولا حجة معها ولا برهان، إنما شيء أخذوه عن شهوة وأمانِيَّ، فكان كالشجرة الخبيثة التي لا ثمرة لها، ولا منفعة لأحد فيها، فهي لا تبقى ولا تدوم. فذلك قوله: (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).
ويشبه أن يكون ضرب المثل لغير هذا المعنى؛ وهو أنه ذكر جواهر طيبة وجواهر خبيثة؛ مما يقع عليها الحواس ويقع عليها البصر؛ ليكون كل جوهر من هذه الجواهر التي يقع عليها الحواس؛ ويقع عليها البصر - من خبيث أو طيب - دليلا وشاهدًا على ما غاب عن الخلق؛ ولا يقع عليها الحواس. وهكذا جعل اللَّه تعالى هذه المحسوسات والأشياء الظاهرة - دليلا وشاهدًا لما غاب عنهم؛ ولا يقع عليه الحس، تدرك بالعقول التي تركب فيهم؛ ليرغب الطيب؛ مما يقع عليه الحس والبصر؛ على الموعود الغائب، ويحذر الخبيث المحسوس عما غاب وأوعد، وكذلك هذه الآلام والأمراض والشدائد التي جعل في هذه الدنيا؛ لتزجرهم عن الأفعال التي بها يستوجبون مثلها في الآخرة، وكذلك النعم التي في الدنيا واللذات، جعلها لتدلهم على النعم الدائمة.
على هذا يجوز أن يخرج لا أنه أراد بالشجرة الطيبة الشجرة نفسها أو بالشجرة الخبيثة الشجرة نفسها ولكن ما وصفنا. واللَّه أعلم بذلك.
وقال قائلون: ضرب اللَّه مثل الشجرة الطيبة مثلا للمؤمن؛ هو في الأرض وعمله يصعد إلى السماء كل يوم؛ فكما تؤتي الشجرة أكلها كل حين كذلك المؤمن يعمل لله في ساعات الليل والنهار.
إبراهيم 14:25
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّ حِينٍ... (٢٥)
قال قائلون: كل عام؛ لأنها تثمر في كل عام مرة.
وقال قائلون: ستة أشهر من وقت طلوعها إلى وقت إدراكها.
وقال قائلون: كل عشية وغدوة؛ كقوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ).
وقال قائلون: شهرين؛ وأمثاله.
ويشبه أن يكون ما ذكرنا: أنه ليس في وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت وكل ساعة.
فإن قال لنا ملحد: إن الكلمة التي ضرب اللَّه مثلها بالشجرة الطيبة - هي كلمتنا، ونحن المراد بذلك. والكلمة الخبيثة التي ضرب اللَّه مثلها بالشجرة الخبيثة - هي كلمتكم؛ وأنتم المراد بها لا نحن.
قيل: قد سبق لهذا المثل أمثال ودلائل على أن الكلمة الطيبة هي التي لها عاقبة وآخرة، وكل أمر له عاقبة والنظر في آخره - فهو الحق، والذي أنتم عليه لا عاقبة له ولا آخرة، وفي الحكمة: إن كل أمر لا عاقبة له - فهو باطل؛ والكفر لا عاقبة له.
والثاني: أن الإيمان والتوحيد له الحجج والدلائل، والكفر مما لا حجة له ولا دلائل؛ إنما هو مأخوذ بالأماني والشهوة: من تسويل الشيطان وتزيينه؛ لذلك كان ما ذكرنا.
وتحتمل الكلمة الطيبة -أيضًا-: أن تكون الوحي الذي أوحى اللَّه إلى رسوله، والكلمة الخبيثة: ما أوحى الشيطان إليهم؛ كقوله: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ...) الآية.
إبراهيم 14:26
فوحي اللَّه: هو ثابت دائم ينتفع به أهله في الدنيا والعاقبة، ووحي الشيطان: هو باطل مضمحل لا عاقبة له؛ ولا ينتفع به أهله. واللَّه أعلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ... (٢٦)
قَالَ بَعْضُهُمْ: استؤصلت، وقيل: انتزعت. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: اقتلعت من أصلها؛ يقال: جثثت الشجرة أجثها جثًّا: إذا قلعتها من أصلها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).
هو ما ذكرنا. وقال بعض أهل التأويل: شبه كلمة الشرك بحنظلةٍ قطعت؛ فلا أصل لها في الأرض ولا فرع في السماء؛ أي: لا يصعد له عمل، وشبه كلمة الإيمان؛ في نفعها وفضلها وثباتها وقرارها في الأرض؛ بما ذكر من الشجرة. واللَّه أعلم.
ثم من الناس من احتج بهذا المثل في خلق الإيمان والكفر؛ فقال: لأنه ضرب مثله بما هو خلق؛ وهو الشجرة؛ فعلى ذلك الإيمان.
ولكن عندنا لا بهذا يجب أن يستدل على خلقه، ولكن لما ثبت أن منشئهما واحد لأنه لو كان منشئهما مختلفًا لكان لا يضرب مثل هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ فإذا ضرب دل أن منشئهما واحد؛ فإذا ثبت ذلك دل على ما وصفنا.
ومن الناس من استدل بهذا أنه يزداد وينقص؛ حيث شبهه بالشجرة؛ وهي تزداد وتنقص، ونحن نقول: ليس فيه دلالة ما ذكروا؛ لأن الشجرة في نفسها ليست بذي حدّ، والإيمان ذو حدّ؛ فما يزداد إنما هو في حق التزيين والتحسين. وأمَّا الإيمان نفسه: فإنه لا يزداد؛ كالشجرة إذا تورقت وخرجت ثمارها توصف بالزينة والحسن، فأما نفس الشجرة: فلا توصف بالزيادة؛ فعلى ذلك الإيمان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ).
يحتمل: يبين اللَّه الأمثال التي يقع عليها الحس، ويقع عليها البصر، والأشياء الظاهرة؛ لتدلهم على ما استتر وغاب عنهم، يدركون بالعقول ما استتر وخفي بالظاهر والمحسوس.
إبراهيم 14:27
(لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) لعلهم يتعظون.
وقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً) الكلمة الطيبة: تحتمل التوحيد وفروعها: هي الخوف، والخشوع، والخضوع، والرغبة والرهبة. وأكلها: هو الأعمال الصالحة والخيرات تكون منه.
والكلمة الخبيثة: هي الشرك. وفروعها: ما يكون منه في الشرك؛ من القساوة، والتمرد، والعناد. وأكلها: هو الأعمال التي تكون منه في الشرك.
أو أن يكون الكلمة الطيبة: هي الأعمال. وفروعها: هي الشرائع والأحكام التي تعمل. وأكلها: هو ما يثاب عليه في الدنيا والآخرة أبدًا. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)
ذكر مرة بالتثبيت ومرة بذكر الزيادة؛ بقوله: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ)، ومرة بذكر الابتداء والتجديد؛ بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ).
وقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، فالتجديد والابتداء في حادث الوقت؛ لأن تلك الأفعال تنقضي وتذهب ولا تبقى، وأما الزيادة على ما كان يضم شيئًا إلى ما كان، والثبات على ما كان فكله واحد في الحقيقة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ).
أضاف الإضلال مرة إلى نفسه؛ ومرة إلى الشيطان، ولا شك أن ما أضيف إلى الشيطان إنما أضيف على الذم، فإذا كان ما ذكر؛ فتكون الجهة التي أضيف إلى اللَّه - غير الجهة التي أضيف إلى الشيطان، الجهة التي أضيف إلى اللَّه: هو أن خلق فعل الضلال من الكافر، وما أضيف إلى الشيطان: هو على التزيين والتسويل؛ لتصح الإضافتان. ولو كان على التسمية - على ما يقوله المعتزلة: إذ سماه ضالا - لكان كل من سمى آخر ضالا كافرًا جاز أن يسمى مضلا، فإذا لم يسم - بتسميته ضالا أو كافرًا - مضلا دل أنه إنما سمى اللَّه نفسه مضلا؛ لتحقيق الفعل له فيه؛ وهو ما ذكرنا: أن خلق فعل الضلال منه.
والمعتزلة يقولون: إن اللَّه هدى الخلق جميعًا؛ لكنهم لم يهتدوا وضلوا من غير أن يكون اللَّه أضلهم. فهذا صرف ظاهر الآية إلى غيره بلا دليل.
إبراهيم 14:28
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ).
وعلى قول المعتزلة: لا يقدر أن يفعل ما يشاء؛ لأنهم يقولون: شاء إيمان جميع البشر؛ ولكنهم لم يؤمنوا؛ وكذلك قال: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وهم يقولون: أراد إيمانهم؛ لكنه لم يفعل ما أراد؛ ولا يملك، وقد أخبر أنه: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) و (مَا يَشَآءُ) وهم يقولون: لم يملك أن يفعل ما شاء وأراد، بل العباد يقولون ما شاءوا غير ما شاء هو، فتأويلهم خلاف لظاهر القرآن. واللَّه أعلم.
وقوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً) على تأويل من يقول: إن الكلمة الطيبة هي القرآن، يكون القول الثابت هو القرآن.
يقول - واللَّه أعلم - يثبت اللَّه الذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ حيث تلقوه بالإجابة والقبول والعمل به، وفي الآخرة؛ أي: بالآخرة والبعث؛ يقرون به، (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ)؛ حيث تركوا الإجابة له، وتلقوه بالرد، والمكابرة، والعناد.
ومن يقول: الكلمة الطيبة: التوحيد والإيمان - يكون القول الثابت: هو الإيمان؛ يثبتهم في الحياة الدنيا باختيارهم؛ وفي الآخرة، قيل: في قبورهم؛ يثبتهم لإجابة منكر ونكير، ويمكن لهم ذلك، ويضل اللَّه الظالمين الذين تركوا الإجابة له في الحياة الدنيا وفي القبور؛ حيث تركوا الإجابة في الدنيا.
ويحتمل أن يكون قوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)؛ هو ما ذكر، (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، ثبت من أجاب اللَّه إلى ما دعا في الدنيا، وفي الآخرة يهديه الطريق الذي به يوصل إلى دار السلام، والكافر حيث ترك إجابته إلى ما دعاه، ويضله في الآخرة طريق دار السلام؛ بترك إجابته في الدنيا. واللَّه أعلم بذلك.
وقوله: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) في هداية من اختار الإجابة والاهتداء، وإضلال من اختار ترك الإجابة والغواية.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا). اختلف في نزوله: قَالَ بَعْضُهُمْ: هذه السورة، كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية فإنها نزلت بالمدينة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت بمكة كلها.
فمن يمّول: نزلت بالمدينة - يقول: قوله: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ) هو بَدْر؛ أي: حملوهم إلى بدر حتى قتلوا؛ لأنه لم يكن بمكة بدر؛ إنما كان بالمدينة.
ومن يقول: نزلت بمكة - يقول: (دَارَ الْبَوَارِ): هي جهنم؛ على ما فسَّره ظاهر الكتاب، وهو الأشبه بظاهر الآية؛ لأنه بيِّن تلك الدار؛ فقال: (جَهَنَّمَ).
وفي الآية دلالة أن الآية كانت في عظمائهم وكبرائهم؛ حيث قال: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ...) الآية.
ثم اختُلف في النعمة؛ التي ذكر أنهم بدلوها كفرًا؛ فهي تحتمل وجوهًا:
أحدها: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قد أنعم عليهم في هذه الدنيا؛ ووسعها عليهم؛ فحرموا تلك النعم على أنفسهم؛ فجعلوها للأصنام التي عبدوها وسيبوها؛ ولم ينتفعوا بها، من نحو البَحِيرة التي ذكر، والسائبة، والوَصِيلة، والحامي، وما جعلوا للأصنام هو ما ذكر (وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا)، فذلك تبديل النعمة كفرًا؛ حيث حرموا ما أنعم اللَّه عليهم وأحل لهم.
والثاني: تلك النعمة مُحَمَّد أو القرآن أو الإسلام وهو نعمة، كذبوهم أوكفروهم.
أو أن يكونوا بدلوا الشكر الذي عليهم - بما أنعم عليهم كفرًا، جعلوها سببًا للكفر؛ فلم يشكروه بما أنعم عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) حقيقته يخرج على وجهين:
أحدهما: بدلوا وصرفوا ما أنعم اللَّه عليهم؛ وهو مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن أنفسهم؛ حتى أخذ منهم؛ بدلوا به كفرًا.
والثاني: بدلوا به كفرًا بعدما سألوا ربهم (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ...) الآية؛ فلم يشكروا ما أنعم عليهم، وبدلوا الشكر كفرًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ).
إبراهيم 14:29
أي: أنزلوا، دل هذا أن الآية نزلت في الرؤساء من الكفرة، والأئمة منهم؛ حيث أخبر أنهم أحلوا قومهم دار البوار. ذكر (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ) على الماضي؛ لأنه قد وجد منهم الجناية بالإحلال في دار البوار، وذكر في دخولهم جهنم على الاستئناف؛ بقوله: (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) لما لم يوجد بعد سيوجد، ويجوز أن يستدل بهذا لأصحابنا لمسألة: وهي أن العبد إذا حفر بئرًا ثم أعتق؛ فوقع في البئر إنسان: ينظر إلى قيمة العبد يوم حفر؛ لأن الحفر منه جناية، وإلى الواقع فيه يوم الوقوع لا يوم الحفر؛ لأنه لم يوجد بعد يوم الحفر جناية.
أو أن يقال: أحلوا أرواحهم دار البوار؛ فتدخل أجسادهم يومئذ، لم تدخل بعد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا؍ (٣٠) ثم فسر أنهم لم أحلوا قومهم دار البوار؟؍
فقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا): أعدالا وأمثالا، (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ).
يحتمل قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) في العبادة؛ يعبدون كما يعبد اللَّه، أو في التسمية؛ يسمونها آلهة؛ كما يسمى اللَّه، جعلوا له أندادًا في هذين الوجهين، يذكر سفههم؛ حيث جعلوا ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا يدفع، ولا يضر أمثالا وأعدالا، لله؛ على علم منهم أن اللَّه هو الذي خلقهم، ورزقهم، وينعم عليهم، وهو الذي يدفع عنهم كل بلاء وشدة.
وجائز أن يكون قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) هو تفسير ما ذكر؛ من تبديل النعمة كفرًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَمَتَّعُوا) بهذه النعم التي ذكر أنهم بذلوها كفرًا.
(فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) هذا في قوم ماتوا على الكفر، أو يقول: قل تمتعوا في الدنيا أو تمتعوا بالكفر فإن مصيركم إلى النار، هذا في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون أبدًا وفيه دلالة إثبات الرسالة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: البوار: الهلاك والفناء، يقال: بار الرجل يبور بورًا؛ فهو بائر،
وقوم بور أي: هالكون. ويقال: بارت السوق، وبارت السلعة: إذا كسدت ويقال: بارت المرأة تبور بوارًا؛ فهي بائرة: إذا كبرت. وفي حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " نعوذ باللَّه من بوار الأيِّم "؛ قيل: يعني من كسادها. واللَّه أعلم.
إبراهيم 14:30
الآية ٣٠ : وقوله تعالى :﴿وجعلوا لله أندادا﴾ ثم فسر أنهم لم أحلوا(١) قومهم دار البوار، فقال :﴿وجعلوا لله أندادا﴾ أعدالا وأمثالا ﴿ليضلوا عن سبيله﴾.
يحتمل قوله تعالى :﴿وجعلوا لله أندادا﴾ في العبادة، يعبدونها(٢) كما يعبد الله [ أو ](٣) في التسمية، يسمونها آلهة كما يسمى الله [ جعلوا لله ](٤) أندادا. في هذين الوجهين يذكر سفههم حين(٥) جعلوا ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا يدفع، ولا يضر، أمثالا وأعدالا ﴿ليضلوا عن سبيله﴾ على علم منهم أن الله هو الذي خلقهم، ورزقهم، وينعم عليهم، وهو الذي يدفع عنهم كل بلاء وشدة.
وجائز أن يكون قوله :﴿وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله﴾ هو تفسير ما ذكر من تبديل النعمة كفرا.
وقوله تعالى :﴿قل تمتعوا﴾ بهذه النعم التي ذكر أنهم بدلوها كفرا ﴿فإن مصيركم إلى النار﴾ هذا في قوم، ماتوا على الكفر، أو(٦) يقول :﴿قل تمتعوا﴾ في الدنيا، أي تمتعوا بالكفر ﴿فإن مصيركم إلى النار﴾ هذا في قوم، علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا. وفيه دلالة إثبات الرسالة.
وقال أبو عوسجة : البوار الهلاك والفناء ؛ يقال : بار الرجل يبور بورا، فهو بايِِر، وقوم بُور، أي هالكون، ويقال : بارت السوق، وبارت السلعة إذا كسدت، ويقال : بارت المرأة تبور بورا، فهي بائرة كبرت.
وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( نعوذ بالله من بوار الأيِّم )[ عزاه زغلول في موسوعته إلى مسند الربيع بن حبيب ٢/٢٠ ] قيل : يعني من كسادها، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: أمنوا..
٢ في الأصل وم: يعبدون..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: جعلوه..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: و..
إبراهيم 14:31
قوله تعالى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ).
يحتمل إقامة الصلاة، إقامة الإيمان بها؛ كقوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)، هو إقامة الإيمان به، إذ لا يحتمل الحبس إلى أن يقيموا إقامة الفعل والوفاء؛ إذ في ذلك حبسهم أبدًا.
ويحتمل إقامة الوفاء بها والفعل؛ لأنه إنما خاطب المؤمنين على إقامتها، وقد سبق منهم ما ذكرنا من الإيمان بها. كيف يحتمل الأمر بإقامتها إقامة الإيمان به، وقد سبق منهم ما ذكرنا من الإيمان بها، قيل: هذا جائز يأمرهم بإقامة الإيمان بها في حادث الوقت؛ إذ للإيمان حكم التجدد في كل وقت؛ وهو كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ)، أي: آمنوا في حادث الوقت؛ فعلى ذلك هذا يحتمل الأمر بإقامتها - إقامة الإيمان بها.
ويحتمل ما ذكر من إقامة الصلاة في الآية؛ والإنفاق - هي الصلاة المعروفة المعهودة، والزكاة المعروفة المفروضة؛ والإدامة لهما واللزوم بهما، ويحتمل القبول والوفاء بهما.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً).
قال الحسن: الأمر بالإنفاق مما رزقناهم الزكوات المفروضات؛ ألا ترى أنه ذكر الوعيد في آخره وقال: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ) ولا يحتمل الوعيد في صدقات التطوع؛ وهو ما ذكر أيضًا في آية أخرى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)، ولا يحتمل طلب الرجوع والتأخير إلى أجل في النوافل؛ دل أنه أراد به الزكوات المفروضات.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا): هي التطوع، والعلانية: الفريضة؛ لأن الفريضة لا بد من أن تظهر وتعلن، وليس في أدائها رياء واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ).
إبراهيم 14:32
(لَا بَيْعٌ فِيهِ): أي: يوم لا يقدر أحد أن يبيع نفسه من ربه؛ وفي الدنيا يقدر أن يبيع نفسه من ربه؛ كقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)، وقوله: (إنَّ اللَّهَ اشتَرَى)، وقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) لا يقدر أحد بيع نفسه من ربه، ويحتمل نفسه. قوله: (لَا بَيْعٌ فِيهِ): أي: لا ينفعه بيع نفسه منه في ذلك اليوم؛ وإن باع؛ كقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) وقوله: (فَلَمَّا رَأَوا بَأسَنَا...) الآية، فعلى ذلك الأول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا خِلَالٌ): هو مصدر خاللت؛ وهو من الخلة والصداقة.
ثم هو يحتمل وجهين:
أحدهما: ألا تنفعهم الخلة التي كانت بينهم في الدنيا؛ لأن كل خلة كانت في الدنيا مما ليست لله فهي تصير عداوة في الآخرة؛ كقوله: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ...) الآية. أخبر أن الأخلاء؛ الذين كانوا يخالون في الدنيا؛ للدنيا - فهم الأعداء إلا الخلة التي كانت لله؛ فهي تنفع أهلها؛ وهو ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) وأمثاله، يخبر أن الخلة التي كانت بينهم في الدنيا؛ لا لله؛ فهي تصير عداوة في الآخرة؛ حتى يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضا.
والثاني: أن يكون لهم شفعاء وأخلاء؛ ولكن لا يشفعون؛ كقوله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)، أو يشفع لهم لكن لا تقبل؛ كقوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ).
* * *
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) إلى آخر ما ذكر. فيه دلالة أن تدبير اللَّه محيط متسق بجميع ما في السماوات والأرض، وعلمه محيط بجميع الخلائق؛ حيث ذكر أنه: ، (وَأَنزَلَ مِنَ
إبراهيم 14:33
الآيتان ٣٢ و٣٣ : وقوله تعالى :﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾ إلى آخر ما ذكر دلالة أن تدبير الله [ متسق محيط ](١) بجميع ما في السماوات والأرض، وعلمه محيط بجميع الخلائق حين(٢) ذكر :﴿وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾ يعني البشر. جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بُعد ما بينهما.
دل أنه عن تدبير فعل هذا وعلم، وأنه تدبير واحد عليم قدير.
ثم ما ذكر من تسخير السماوات والأرض مع شدة السماء وصلابتها وغلظ الأرض وكثافتها، وتسخير البحر مع أهواله وأمواجه [ وتسخير الأنهار الجارية ](٣) وتسخير الشمس والقمر والليل والنهار لهذا البشر في ذلك كله وجهان :
أحدهما : يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم من المنافع التي جعل لهم في تسخير هذه الأشياء التي ذكر لهم على جهل هذه الأشياء أنهن مسخرات لغيرهم ليستأدي بذلك شكرها.
والثاني : يذكر سلطانه وقدرته حين(٤) سخر هذه الأشياء مع شدتها وصلابتها وغلظها وأهوالها. ومن قدر على تسخير ما ذكر [ فهو ](٥) قادر على البعث والإحياء بعد الموت.
ويحتمل ما ذكر من تسخير الأشياء التي ذكر
[ أمرين :
أحدهما ](٦) : أنه أنشأ هذه الأشياء مسخرة مذللة لنا.
والثاني :[ أنه ](٧) سخر لنا، أي علمنا من الأسباب والحيل التي تتهيأ لنا الانتفاع بها والتسخير.
١ في الأصل وم: محيط متسق..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ ساقطة من الأصل وم..
إبراهيم 14:34
السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) يعني البشر، جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما؛ دل أنه عن تدبير، فعل هذا وعلم، وأنه تدبير واحد؛ عليم؛ قدير.
ثم ما ذكر: من تسخير السماوات والأرض؛ مع شدة السماء وصلابتها، وغلظ الأرض وكثافتها، وتسخير البحر؛ مع أهواله وأمواجه، وتسخير الأنهار الجارية، وتسخير الشمس، والقمر، والليل، والنهار لهذا البشر.
في ذلك كله وجهان:
أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من المنافع التي جعل لهم؛ في تسخير هذه الأشياء التي ذكر لهم؛ على جهل هذه الأشياء أنهن مسخرات لغيرهن؛ يستأدي بذلك شكرها.
والثاني: يذكر سلطانه وقدرته؛ حيث سخر هذه الأشياء؛ مع شدتها، وصلابتها، وغلظها، وأهوالها. ومن قدر على تسخير ما ذكر - قادر على البعث والإحياء بعد الموت.
ويحتمل ما ذكر؛ من تسخير الأشياء التي ذكر: أنه أنشأ هذه الأشياء مسخرة مذللة لنا، والثاني: سخر لنا؛ أي: علَّمنا من الأسباب والحيل التي يتهيّأ لنا الانتفاع بها والتسخير.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ... (٣٤)
فيه لغتان وتأويلان قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلٍّ)؛ على التنوين؛ (مَا سَأَلْتُمُوهُ) على الجحد؛ أي: آتاكم من غير أن سألتم الأشياء التي ذكر أنه سخرها لنا؛ أي: آتاكم من غير سؤال ولا طلبة.
والثاني: وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه؛ لأنه أعطانا أشياء قبل أن نعلم أنه يجب أن نساله؛ حيث خلق هذه الأشياء التي ذكر من قبل أن يخلقنا.
وقال الحسن: (مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ)؛ قال: ما لم تسألوه؛ وهو ما ذكرناه؛ فإن قيل: إنا نسال أشياء لم نعطها، فما معنى الآية؟ قيل بوجوه:
أحدها: ذكر حرف التبعيض؛ وهو ما قال: (مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ). والثاني: وآتاكم علم منافع ما سألتموه قبل أن تسألوا؛ وجهه علم الانتفاع به.
والثالث: وآتاكم من كل ما يحق السؤال ويليق به. على هذه الوجوه تخرج الآية. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: لا تحصوها؛ أي: لا تشكروها؛ أي: لا تقدروا شكرها. وقال بعضهم: أي: لا تقدروا إحصاءها وعدها، وهكذا إن أقل الناس نعمة لو تكلف إحصاء ما أعطاه ما قدر عليه؛ من حسن الجوهر والصورة، واستقامة التركيب والبنية، وسلامة الجوارح، وغير ذلك مما لا سبيل له إلى ذكرها وإحصائها؛ إلا بعد طول التفكر والنظر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ): لا تحيطوا بكنهها ونهايتها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
الظلوم: أي: ظلم نفسه؛ حيث صرفها إلى غير الجهة التي جعلت وأمر، وأدخلها في المهالك، وألقاها في التهلكة.
كفار لنعمه؛ حيث صرف شكرها إلى غير الذي جعلها له. واللَّه أعلم.
واستدل بعض المعتزلة بقوله: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ) أن صاحب الكبيرة يخلد في النار؛ لأنه أوعد بترك الصلاة والزكاة التخليد أبدًا، وترك الصلاة والزكاة من غير عذر - من الكبائر، دل أنه ما ذكرناه.
فنقول نحن - وباللَّه التوفيق -: إن الآية تحتمل الأمر بإقامة الصلاة؛ وما ذكر من الزكاة والصدقة إقامة الإيمان بها؛ على ما ذكرنا من تأويل بعض المتأولين، فإن كان على هذا على إقامة الإيمان بها - فمن ترك ذلك فهو - يخلد أبدًا لا شك فيه، أو يكون من استحل تركها؛ فهو بالاستحلال يكفر؛ فهو يخلد، أو يترك لعذر؛ فهو لا يخلد على اتفاق القول. فإذا كان ما ذكرنا محتملا دل أن الآية مخصوصة.
ثم معرفة تخليد صاحب الكبيرة إنما هي بالدلائل سوى هذا، إذ ليس في ظاهر الآية دلالة التخليد؛ لما ذكرنا من احتمال الخصوص، دل أنه إنما يطلب الدليل من وجه آخر.
إبراهيم 14:35
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَلَا خِلَالٌ) ومصدر خاللت فلانًا خلالا ومخالة، والاسم الخلة والمخلة؛ وهي الصداقة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَلَا خِلَالٌ): قال: من المخالة؛ يعني المودة. (دَائِبَيْنِ): قال: يجريان أبدًا، وهو من الدوب؛ أي: التعب.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا).
أي: مأمنًا، سمي آمنا، لما يأمن الخلق فيه؛ كما سمي النهار مبصرًا، والنهار لا يبصر ولكن يبصر فيه، ومثله كثير.
ثم يحتمل قوله: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) قال بعض أهل التأويل: إنما طلب إبراهيم أن يجعله آمنًا على أهله وولده خاصة، لا على الناس كافة؛ إذ قد سفك فيه الدماء، وهتك فيه الحرم؛ دل أنه جعله آمنا على أهله وولده خاصة، ولكن لو كان ما ذكروا محتملا - ما يصنع بقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا...) الآية، وقوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)، وغيره من الآيات.
أخبر أنه جعل تلك البقعة مأمنًا للخلق يأمنون فيها.
ثم يحتمل وجهين:
أحدهما: جعله آمنًا بحق الابتلاء والامتحان، ألزم الخلق حفظ تلك البقعة عن سفك الدماء فيها، وهتك الحرم، وغير ذلك من المعاصي، وإن كانوا ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يصلح؛ كالمساجد التي بنيت للعبادة وإقامة الخيرات - ألزم أهلها وعلى جميع الخلائق حفظها عن إدخال ما لا يصلح ولا يحل، ثم إن الناس قد ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يليق بها ولا يصلح، فعلى ذلك الحرم الذي أخبر أنه جعله مأمنًا. والثاني: جعله مأمنًا بالخلقة من ذا الوجه، يجوز أن يقال: كيف سفك فيه الدماء وهتك فيه الحرم؛ وهو بالخلقة جعله مأمنًا؟
قيل: يجوز هذا بحق العقوبة؛ وإن كان بالخلقة آمنًا؛ ألا ترى أنه قال: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...) الآية، الطيبات بالخلقة حلال؛ لكنه حرم عليهم ذلك بالظلم الذي كان منهم؛ بحق العقوبة والانتقام، فعلى ذلك الحرم؛ جعله مأمنا بالخلقة، ثم قتل فيه عقوبة؛ لما كان منهم من المعاصي. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) الآية.
فَإِنْ قِيلَ: كيف دعا وطلب منه العصمة؛ وقد عصمه بالنبوة والرسالة؛ واختارهما له من ذلك كله؟
قال بعض أهل التأويل: إنما سأل عصمة ولده وذريته؛ لما علم أن ذريته قد يختلفون في دين اللَّه وتوحيده، وما ذكر نَفْسَهُ؛ لما المعروف أن من دعا لآخر بدأ بنفسه.
قالت المعتزلة: دعاء إبراهيم وطلبه العصمة؛ مما ذكر؛ يدل أنه قد يجوز أن يدعى بدعوات عبادة؛ وإن كان قد أعطاه ذلك، أو يعلم أنه مغفور.
قيل: دعاء إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام؛ يجوز أن يكون عصمتهم كانت مقرونة بما طلبوه منه، وسألوه وتضرعوا إليه؛ إذ معلوم أنهم لم يستفيدوا تلك العصمة؛ بإهمالهم أنفسهم، وتركهم إياها سُدى؛ بل إنما أوجب لهم ذلك بما أجهدوا أنفسهم في طاعة اللَّه.
ثم الآية على المعتزلة من وجهين:
أحدهما: أن إبراهيم طلب منه العصمة عن عبادة الأصنام، وهو علم أنه يعتصم إذا عصمه عن ذلك، واهتدى إذا هداه، وهم يقولون: اللَّه يعصم ولا يعتصم العبد، ويهدي ولا يهتدي العبد. ويقولون: إذا أعطى أحدًا ذلك، خرج ذلك من يده، ولا يملك إعطاء ذلك، فعلى قولهم تخرج دعوات الرسل على الاستهزاء أو على الكتمان؛ لأن من سأل من آخر شيئًا يعلم أنه ليس ذلك عنده؛ فهو هزء، أو سأل وهو يعلم أنه قد أعطاه ذلك؛ فهو كتمان، وكان خوف الأنبياء والرسل والكبراء من الخلق أشد وأكثر على دينهم، والزيغ عما هم عليه؛ لما خافوا أن يكونوا عند اللَّه على غير ما هو عند أنفسهم، كانوا أبدا
إبراهيم 14:36
وجلين خائفين على سلب ما هم عليه، وهكذا الواجب أن يكون الخوف على من نعمه عليه أكثر؛ فخوفه أشد.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَاجْنُبْنِي) أي: باعدني، وجنبني أيضًا. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: أي: جنبني وإياهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)
نسب الإضلال إلى الأصنام - وإن لم يكن لها صنع في الإضلال لأنهم بها ضلوا، وكانت الأصنام سبب إضلالهم، وقد تنسب الأشياء إلى الأسباب، وإن لم يكن للأسباب صنع فيها نحو ما ذكرنا من قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ...)، والسورة لا تزيدهم رجسًا، لكن نسب الرجس إليها لما كانت هي سبب زيادة رجسهم، وهو أنها لما نزلت يزداد لهم بها تكذيبًا وكفرا بها، فنسب ذلك إليها، فعلى ذلك الأول.
والثاني: ينسب إلى الأحوال التي كانت بها؟ ما لو كانت تلك بذوات الأرواح، لكانت تضل وتغوي كذي الروح، ممن يكون منه الإضلال، لأنها تزين وتحلى بالأشياء؛ نحو ما نسب الغرور إلى الدنيا؛ وإن كانت الدنيا لا تغر؛ لأنها تكون بحال لو كانت تلك الأحوال من ذي الروح لكان ذلك تغريرًا، فعلى ذلك نسبة الإضلال إلى الأصنام. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي).
يشبه أن يكون (مِنِّي): أي: موافقي في الدِّين، أو في الولاية، وحاصله - والله أعلم -: معي في الدِّين وفي أمر الدِّين، وكذلك معنى ما روي: ، " من غشَّ فليس منا " أي: ليس بموافق لنا، أو ليس معنا، أو ليس من ملتنا، وكذلك قوله: (فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: من ملتي.
وحاصله: فمن تبعني وأجابني فيما دعوته إليه وأمرته به فإنه مني؛ أي: مما أنا عليه، وكذلك قوله: " من غشَّ فليس منا " أي: ليس مما نحن عليه.
إبراهيم 14:37
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
يشبه قوله: (وَمَنْ عَصَانِي) ليس عصيان شرك، ولكن عصيان ما دون الشرك؛ فإنه غفور رحيم. أو من عصاني فإنك غفور؛ أي: ساتر عليه الكفر إلى وقت معلوم؛ إذ الغفران: هو الستر؛ فستر عليه إلى أجل؛ كقوله: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ) أو يقول: (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): أي: تمكن له من التوبة والإسلام؛ فيسلم ويتوب؛ فتغفر له ما كان منه من العصيان؛ وترحم عليه.
وقوله: (وَمَنْ عَصَانِي) فيما دعوته إليه وأمرته به (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تمكن له من التوبة، والرجوع عما كان؛ فتغفر له وترحمه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)
لا يحتمل أن يكون قال هذا أول ما قدم تلك البقعة؛ لأنه قال: (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) ولا بيت هنالك، دل أنه إنما دعا بهذه الدعوات: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) وما ذكر (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا...)، إلى آخر ما ذكر؛ بعد ما رفع البيت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) دل أنه إنما أسكن بعض ذريته؛ لم يسكن ذريته كلها؛ حيث قال: (مِنْ ذُرِّيَّتِي).
قد امتحنه اللَّه بمحن ثلاثة؛ لم يمتحن بمثلها أحدًا من الأنبياء:
أحدها: امتحنه بإسكان ولده بواد غير ذي زرع؛ وغير ذي ماء، مما لا يحتمل قلب بشر تركه في مثل ذلك المكان مثله، دل أنه إنما فعل بأمر من اللَّه تعالى.
والثاني: امتحنه بذبح ولده حتى إذا أشرف على الهلاك - فداه اللَّه تعالى بكبش.
والثالث: امتحنه بإلقائه في النار؛ فألقى حتى إذا أشرف على الهلاك - جعلها الله تعالى عليه بردًا وسلامًا.
ففي ذلك كله دلالة رسالته.
وكانت له هجرتان: إحداهما إلى مكة؛ حيث أسكن فيها ولده، والهجرة الثانية إلى بيت المقدس؛ وهو ما ذكر: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا...) الآية.
ثم قوله: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) هو دعاء بتعريض لا بتصريح، والدعاء بالتعريض؛ والسؤال بالكناية أبلغ وأكثر من السؤال بالتصريح، وهو كدعاء آدم وحواء: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا...) الآية، فهذا أبلغ في السؤال من قوله: اغفر لنا وارحمنا؛ لأن مثل هذا قد سئل من دونه؛ ولا يكون فيه ما ذكر فيه من الخسران.
وقوله: (مِنْ ذُرِّيَّتِي) يحتمل أن يكون كلمة (من) صلة؛ أي: أسكنت ذريتي، ويحتمل على التبعيض؛ أي: أسكنت بعض ذريتي، على ما ذكر في بعض التأويلات: إسماعيل وإسحاق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ).
يحتمل قوله: (الْمُحَرَّمِ) وجهين:
أحدهما: حرمه أن يستحل فيه ما لا يحل ولا يصلح؛ لكنه خص تلك البقعة بالذكر؛ وإن كان ذلك لا يحل في غيرها من البقاع؛ لفضل الحرمة التي جعلها اللَّه لها، كما خص المساجد بأشياء؛ لفضلها على غيرها من الأمكنة والبقاع.
والثاني: قوله: (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ): أي: الممنوع؛ يقال: حرم: أي: منع؛ كقوله: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ)، ليس ذلك على التحريم ألا يحل له المراضع؛ ولكن على المنع؛ أي: منعنا عنه؛ لنرده إلى أمه، فعلى ذلك قوله: (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) أي: الممنوع عن الخلق لله؛ حتى لم يقدر واحد من الفراعنة والملوك الغلبة عليها وإدخالها في منافع أنفسهم، بل هي ممنوعة عنهم؛ على ما كان، وفيه آية الوحدانية له والألوهية. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ).
قال بعض أهل التأويل: فيه تقديم يقول: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) ليقيموا الصلاة لك عند بيتك. ويحتمل أيضًا غير هذا؛ وهو أن يقال: (أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) أي: ليس فيه ما يشغلهم عن الصلاة؛ لأن الزرع وغيره من النعيم يمنع الناس عن إقامة الصلاة، والعبادة لهم، أي: أسكنت من ذريتي بواد ليس فيه زرع يشغلهم عن إقامة الصلاة، ثم يحتمل الصلاة: الصلاة المعروفة، ويحتمل الصلاة: الدعاء والأذكار؛ وغيرها من الدعوات، ويحتمل قوله: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ): الصلاة، نفسها؛ وغيرها من الطاعات، وكذلك قوله: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ).
يحتمل سؤاله ربه - أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم - وجهين:
أحدهما: لما أسكن ذريته في مكان لا ماء فيه ولا نبات ولا زرع؛ ففي مثل هذا المكان يستوحش المقام فيه؛ فسأل ربه أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ليأتوا ذلك المكان؛ فتذهب عنهم تلك الوحشة؛ فيستأنس بهم، أو سأله أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ليتعيشوا بما ينقل إليهم من الزاد والأطعمة إذ أسكنهم في مكان لا زرع فيه، ولا ماء يعيشون فيه به، وقد جعل اللَّه بنية هذا البشر؛ أن لا قوام لهم إلا بالأغذية والأطعمة، فسأل ربه؛ ليتعيشوا بما يحمل إليهم.
وقال أهل التأويل: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) للحج، وقالوا: لو قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ولم يقل (من) لحجه الخلق جميعًا: الكافر والمؤمن، لكن لا يحتمل عندنا أن يكون سؤاله للخلق جميعًا أو يكون قوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) للخلائق جميعًا: للكافر والمؤمن، بل يرجع ذلك إلى خصوص. والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).
يحتمل: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) تلك الثمرات، ويحتمل: لعلهم يشكرون بما جعل لهم من التعيش بما يحمل إليهم من الأغذية والأطعمة.
وقوله: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ) ليس على تخصيص الثمرات، ولكن سأل الثمرات وما
إبراهيم 14:38
به غذاؤهم وقوامهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨)
لا يحتمل أن يكون مثل هذا الدعاء منه مبتدأ، بل كأنه - واللَّه أعلم - عن نازلة دعاه؛ إذ يعلم صلوات اللَّه عليه أنه كان يعلم ما يخفون وما يعلنون، لكن لم يبين: ما تلك النازلة؛ وأهل التأويل يقولون: قال هذا؛ أي: (تَعْلَمُ مَا نُخْفِي) من الحزن والوجد على إسماعيل وأمه حين تركهما بواب لا ماء فيه ولا زرع، ويقولون: (وَمَا نُعْلِنُ) وهو قوله: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي)، لكن لا نعلم ذلك. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَا).
كان هذا جوابًا عن اللَّه وإخبارًا منه إياه؛ أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ أي: لا يخفى عليه ما لا أمر فيه ولا نهي ولا جزاء؛ فكيف يخفى عليه الأعمال التي عليها الجزاء والأمر؟
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)
قال أهل التأويل: إنه وهب له الولد؛ وهو ابن كذا وامرأته ابنة كذا؛ لكن لا نعلم ذلك سوى ما ذكر أنه وهب له الولد على الكبر في وقت الإياس عن الولد؛ حيث بشر بالولد؛ فقال: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ)، وحيث قالت امرأته لما بشرت بالولد (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)، يعلم أنه وهب له الولد؛ وهما كانا كبيرين في وقت الإياس عن الولد.
وقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) يكون حمده على الأمرين جميعًا: على الهبة؛ وعلى الولادة في حال الكبر؛ وهو حال الإياس؛ إذ كل واحد مما يوجب الحمد عليه والثناء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) قيل: لمجيب الدعاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)
قد سبق من اللَّه الأمر بإقامة الصلاة؛ وهو المقيم لها؛ فدل الدعاء منه والسؤال؛ على أن يجعله مقيم الصلاة - أن عند اللَّه لطفا سوى الأمر لم يعطه؛ فسأله ذلك؛ هو التوفيق.
وعلى قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه قد أعطى كل شيء حتى لم يبق عنده ما يعطيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ).
إبراهيم 14:39
الآية ٣٩ : وقوله تعالى :﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق﴾ قال أهل التأويل : إنه وهب له الولد، وهو ابن كذا، وامرأته ابنة كذا، لكن لا نعلم سوى ما ذكر أنه وهب له الولد على الكبر في وقت الإياس عند الولد حين (١) بشر بالولد، فقال :﴿أبشرتموني على أن مسني الكبر﴾ ( الحجر : ٥٤ ) وحين(٢) قالت امرأته لما بشرت بالولد :﴿أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا﴾ ( هود : ٧٢ ) نعلم انه وهب له الولد، وهما كانا كبيرين في وقت الإياس عن الولد.
وقوله تعالى :﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق﴾ يكون حمده على الأمرين جميعا. على الهبة وعلى الولادة في حال الكبر، وهو حال الإياس، إذ كل واحد مما يوجب الحمد عليه والثناء.
وقوله تعالى :﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾ قيل : لمجيب الدعاء.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: وحيث..
إبراهيم 14:40
الآية ٤٠ : وقوله تعالى :﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ قد سبق من الله الأمر بإقامته الصلاة، وهو المقيم لها.
فدل الدعاء منه والسؤال على أن يجعله مقيم الصلاة أن عند الله لطفا(١) سوى الأمر، لم يعطه [ إياه ](٢) فسأله ذلك، هو التوفيق.
وعلى قول المعتزلة لقولهم : إنه أعطى كل شيء حتى لم يبق عنده ما يعطيه.
وقوله تعالى :﴿ربنا وتقبل دعاء﴾ قال بعضهم : تقبل دعائي في إقامة الصلاة لنفسه وذريته. لكن لا يجب أن يخص دعاء من الدعوات التي سأل ربه بدعوات كثيرة نحو ما قال :﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ ( إبراهيم : ٣٥ ) وقوله :﴿ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ ( إبراهيم : ٣٧ ) [ وما ](٣) قال :﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ ( البقرة : ١٢٨ ) وغير ذلك من الدعوات.
١ في الأصل وم: لطف..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: و..
إبراهيم 14:41
قَالَ بَعْضُهُمْ: تقبل دعائي في إقامة الصلاة لنفسه وذريته؛ لكن لا يجب أن يخص دعاء من الدعوات التي سأل ربه؛ وقد دعا ربه بدعوات كثيرة؛ نحو ما قال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)، وقوله: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)، وقال: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ)، وغير ذلك من الدعوات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)
طلب من ربه المغفرة لوالديه.
قال الحسن: إن أمَّه كانت مسلمة، وأما أبوه: فكان كافرًا؛ لأنه قال: (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ)، فخص والده بالضلال؛ دل أن أمه كانت مسلمة؛ لكنا لا نعلم ما حال الأم: أمه كانت مسلمة أو كافرة، وأما أبوه فهو لا شك أنه كان كافرًا.
ثم لا يحتمل دعاؤه لوالديه؛ وهما كافران؛ إن كانت أمه كافرة؛ إلا على إضمار الإسلام؛ أي: اغفر لهما إن أسلما، أو أن يكون سؤاله المغفرة لهما سؤال الإسلام نفسه، أو أن يكون طلب منه الستر عليهما في الدنيا، وألا يفضحهما ولا يخزيهما، لكنه سأل المغفرة يوم يقوم الحساب. ولا يحتمل طلب الستر إلا أن يفصل بين قوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) ووبين قوله: (وَلِلْمُؤْمِنِينَ) يبتدئ بالمؤمنين يوم يقوم الحساب، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ودعاء إبراهيم وسؤاله المغفرة لوالديه يكون سؤال السبب؛ الذي يستحقان به المغفرة من ربها، ويكونان أهلا لها؛ وهو التوحيد ومعرفة المولى؛ وهو ما ذكرنا في أمر نوح قومه الاستغفار له، وكذلك قول هود؛ حيث قال: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ).
يحتمل قوله: (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ): بالعدل؛ يقول الرجل لآخر: أقم حسابي أي: اعْدل فيه. وإقامة الحساب: العدل فيه؛ على ما توجبه الحكمة، لا يزاد ولا ينقص؛ كقوله: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ): يوم يحاسبون، قيام الحساب: هو المحاسبة نفسها واللَّه أعلم.
إبراهيم 14:42
ويحتمل قوله: (إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) كانت له حاجات أخفاها، طلب قضاءها؛ فقال: تعلم حاجاتي؛ أخفيتها، أو أعلنتها فاقضها لي، أو أن يكون قومه طعنوا في شيء؛ فقال ذلك على التبري من ذلك؛ إنه يعلم ما نخفي وما نعلن، ولم يعلم ذلك الذين يطعنون في (مِنِّي) واللَّه أعلم؛ كقول عيسى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي)، أو أن يكون قال ذلك؛ لأن أهل الأديان جميعًا كانوا يوالون إبراهيم ويدعون أنه على دينهم؛ ولذلك قال: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا...) الآية.
برأه اللَّه مما ادعى كل فريق.
ثم منهم؛ من كان من هذه الفرق؛ يدعون الأسرار عن اللَّه والإخفاء عنه؛ فقال هذا ليعلم الناس توحيده؛ أنه لا يخفى عليه شيء؛ أُخفي أو أعلن؛ ليعرفوا توحيده أنه ليس شيء يخفى عليه. واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: المخاطب بهذا الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة؛ على علم منه أن رسول اللَّه كان لا يظن أن اللَّه يغفل عما يعمل الظالمون؛ لكنه خاطب به كما خاطب به في قوله: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)، وقوله: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وأمثاله، نهاه مع العلم أنه لا يفعل ذلك، وأصله في هذا أن العصمة لا ترفع المحنة، وليس المحنة إلا الأمر والنهي؛ إذ لو رفعت العصمة المحنة؛ والأمر والنهي؛
إبراهيم 14:43
لذهبت فائدة العصمة، ولا حاجة تقع إليها، فدل أن العصمة تزيد في المحنة، ومع المحنة يحتاج إليها وينتفع بها.
ويحتمل أن يكون الخطاب بالآية غيره، كل ظان يظن باللَّه الغفلة عن ظلم الظالم؛ وهو كما خاطب بقوله: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)، إنما خاطب به كل غارٍّ بربه الكريم لا كل إنسان، فعلى ذلك خاطب بقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) وكل ظان باللَّه الغفلة عن ظلم الظالمين، ثم إن الذي حملهم على الظن باللَّه الغفلة عن ظلم الظالم - حلمه، وتأخيره العذاب عنهم عن وقت ظلمهم، وترك أخذهم بذلك: فمنهم من ادعى الغفلة عن ذلك؛ لما رأوا من عادة ملوك الأرض أن من ظلم أحدًا منهم انتقم منه في أعجل وقت يقدر على الانتقام منه؛ فحمل تأخير الله العذاب منهم؛ والانتقام منهم - على القول بالغفلة. ومنهم من ادعى الرضا؛ بما اختاروا هم من الشرك والكفر باللَّه، وادعوا الأمر بذلك؛ لما لم يأخذهم ولم يستأصلهم بصنيعهم؛ فاستدلوا بذلك على رضاه بفعلهم، وأمره إياهم بذلك. فأخبر رسوله أن تأخيره العذاب عنهم وإمهاله إياهم - ليس عن غفلة عنه، ولا عن سهو، ولا لرضاه به وأمره ولكن إنما يؤخرهم ليوم، ثم وصف ذلك اليوم؛ لشدة فزعه وهوله فقال.
(إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ (٤٣)
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا كله يرجع إلى الطرف والبصر؛ يقول: شاخصة أبصارهم مهطعين: ناظرين إليه؛ أي: إلى الداعي، مقنعي رءوسهم: رافعي رءوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم؛ لهول ذلك اليوم، هذا كله يصرفون إلى الأبصار دون النفس؛ لأن الإهطاع والإقناع: هو للنظر ولشخوص الأبصار.
ومنهم من صرف قوله: (تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)، و (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) إلى البصر، وصرف قوله: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) إلى الأنفس؛ وهو ما ذكر في موضع آخر: (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ)، أي: مسرعين إليه الإجابة؛ رجاء التخلص والنجاة عما حل بهم؛ بترك الإجابة. والإهطاع: قيل: هو النظر الدائم، والإقناع: هو الرفع؛ رفع الرءوس، مهطعين: أي: مديمي النظر، مقنعي رءوسهم أي: رافعيها، وعلى تأويل بعضهم: مسرعين؛ على ما ذكرنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ): أي: رافعيها؛ ملتزقة إلى أعناقهم.
وقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ). يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، وقت خلقه الخلق وإنشائهم؛ عما يكون منهم من الظلم؛ أي: لا عن غفلة وسهو عن ظلم الظالمين أنشأهم وخلقهم؛ ولكن على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم؛ لكن أنشأهم على علم منه؛ بذلك؛ لأن منافع ما يكون منهم وضرره يرجع إليهم؛ فلم يخرج إنشاؤه إياهم على علم منه ذلك، عن الحكمة.
والثاني: ما ذكرنا أن تأخيره العذاب عنهم - ليس لغفلة منه بذلك؛ ولكن لما في أخذهم بالعذاب وقت صنيعهم زوال المحنة؛ لأنه يصير العذاب والثواب مشاهدة. والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ).
قيل: خالية؛ لهول ذلك اليوم؛ أي: خالية عن التدبير؛ لأن في الشاهد أن من بلي ببلايا وشدائد يتدبر ويتفكر في دفع ذلك؛ فيخبر أن أفئدتهم هواء يومئذ: أي: خالية عن التدبير؛ إذ أفئدتهم لا تكون معهم؛ لشدة أهواله.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) أي: لا شيء فيها؛ ما ينتفعون بها، وهكذا الهواء - هواء كل شيء - يوصف بالخلاء عن كل شيء. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى
إبراهيم 14:44
أَجَلٍ قَرِيبٍ... (٤٤)
يحتمل قوله: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ) قولهم الذي يقولون يومئذ: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ). ويحتمل: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ) الذي يحل بهم.
ثم أخبر عما يقولون - إذا حل بهم العذاب -: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) قال بعضهم: إلى الدنيا؛ والدنيا أجلها قريب، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن الدنيا أولى، والآخرة آخرة، فلو جاز هذا لتكون الآخرة أولى؛ فذلك بعيد، لكن طلبوا - واللَّه أعلم - الرد إلى حال الأمن؛ ليجيبوا داعيه؛ إذ لم تنفعهم إجابتهم في حال الخوف والهول، وما حل بهم إنما حل بتركهم الإجابة، في حال الأمن؛ فطلبوا الرد إلى الأمن؛ ليجيبوا داعيه لتنفعهم إجابتهم؛ حيث قالوا: (نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ).
لم يبين بما أقسموا في هذه الآية؛ وهو ما بين في آية أخرى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ).
ثم قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ): قال قائلون: ما لكم من زوال من الدنيا، أي: كنتم تقولون: أن ليس إلا الدُّنيَا لا زوال لنا عنها؛ أحياء وموتى؛ كقولهم: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا...) الآية، على ما ذكر من قسمهم أنهم لا يبعثون.
وقال قائلون: قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) جواب لسؤالهم: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) على الاستئناف؛ قال: ما لكم عما أنتم فيه من العذاب إلى ما تسألون من المدة والتأخير؛ أي: ما لكم إلى ذلك سبيل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ): أي: تنزع قلوبهم؛ حتى صارت في حناجرهم؛ فلا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أماكنها؛ لشدة هول ذلك اليوم وفزعهم عليه، وهو على التمثيل والكناية؛ كقولهم: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ...) لشدة خوفهم، وهو على التمثيل؛ إذ لا يحتمل بلوغ القلوب الحناجر في الدنيا حقيقة؛ إذ لو بلغت ذلك لخرجت فماتوا، إذ الدنيا يحتمل الموت فيها، فدل أن ذلك على التمثيل لشدّة خوفهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؍ (٤٥) بتكذيبهم الرسل.؍
إبراهيم 14:45
الآية ٤٥ : وقوله تعالى :﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ بتكذيبهم الرسل. وتأويله، والله أعلم، أنهم كانوا يطلبون من ربهم الرد إلى حال الأمن ليجيبوا ( داعيه )(١) بقولهم :﴿ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل﴾ والله أعلم، فقال :﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ بتكذيبهم الرسل، أي سكنتم في الدنيا في مثل منازلهم ومساكنهم، فرأيتم ما نزل بأولئك الذين صنعوا مثل صنيعكم ذلك.
وقوله تعالى :﴿وتبين لكم كيف فعلنا بهم﴾ من التعذيب والاستئصال، ثم لم يتعظوا بما حل بهم.
فعلى ذلك إذا رددتم إلى حال الأمن لا تتعظون بما حل بكم في هذه الحال، وهو ما قال :﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ ( الأنعام : ٢٨ ) في ما يقولون : إنهم يجيبون دعوته. هذا، والله أعلم، تأويله.
وقال بعض أهل التأويل :﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ أي عملتم أعمالهم، وتبين لكم كيف فعلنا بهم من الاستئصال بالتكذيب بتكذيبهم الرسل، فلم يتعظوا بذلك، فلا تتعظون بهذا أيضا إذا رددتم، والله أعلم.
وفي قوله تعالى :﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ إلى آخر ما ذكر دلالة لزوم النظر والاستدلال ولزوم القياس، ودلالة لزوم العقوبة، وإن كانوا لم يعلموا به بعد أن مكنوا من العلم به.
أما دلالة النظر والاستدلال فهي (٢) قوله :﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ فهلا نظرتم ما حل بهم من تكذيبهم الرسل، واتعظتم به.
ودلالة القياس هو ما خوفهم أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، لأنهم اشتركوا في المعنى الذي نزل بأولئك ؛ ما نزل هو بتكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم.
وقوله تعالى :﴿وضربنا لكم الأمثال﴾ أي قد بينا لكم الأمثال، والأشباه ما يعرفكم لو تأملتم أن أولئك، لكم أشباه وأمثال، وصنيعهم لصنيعكم أشباه وأمثال، فينزل بكم ما نزل بهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: هو..
إبراهيم 14:46
وتأويله - واللَّه أعلم -: أنهم كانوا يطلبون من ربهم الرد إلى حال الأمن؛ ليجيبوا بقولهم: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)؛ واللَّه أعلم، فقال: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بتكذيبهم الرسل أي: سكنتم في الدنيا في مثل منازلهم ومساكنهم؛ فرأيتم ما نزل بأُولَئِكَ الذين صنعوا مثل صنيعكم.
وذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ) من التعذيب والاستئصال ثم لم يتعظوا بما حل بهم، فعلى ذلك إذا رددتم إلى حال الأمن لا تتعظون بما حل بكم في هذه الحال، وهو ما قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فيما يقولون: إنهم يجيبون دعوته، هذا - واللَّه أعلم - تأويله.
وقال بعض أهل التأويل: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ): أي: عملتم مثل أعمالهم، (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ) من الاستئصال بالتكذيب؛ بتكذيبهم الرسل؛ فلم تتعظوا بذلك؛ فلا تتعظون بهذا أيضًا إذا رددتم. واللَّه أعلم.
وفي قوله: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ...) إلى آخر ما ذكر: دلالة لزوم النظر والاستدلال، ولزوم القياس، ودلالة لزوم العقوبة؛ وإن كان لم يعلموا به؛ بعد أن مكنوا من العلم به.
أما دلالة النظر والاستدلال: هو قوله: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ): فهلا نظرتم ما حلَّ بهم من تكذيبهم الرسل؛ واتعظتم به.
ودلالة القياس: هو ما خوفهم أن ينزل بهم ما نزل بأُولَئِكَ؛ لأنهم اشتركوا في المعنى الذي نزل بأُولَئِكَ؛ ما نزل وهو تكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ): أي: (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ)؛ ما لو تفكرتم فيها ونظرتم ثم لكان ذلك لكم موعظة وزجزا عن مثل صنيعكم. أو يقول: وضربنا لكم الأمثال: أي: قد بينّا لكم الأمثال والأشباه ما يعرفكم؛ لو تأملتم أن أُولَئِكَ لكم أشباه وأمثال، وصنيعهم لصنيعكم أشباه وأمثال؛ فينزل بكم ما نزل بهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)
مكروا، واحتالوا على إهلاك الرسل وقتلهم؛ كقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ...) الآية، وكيدهم الذي ذكر - في غير آي من القرآن - برسل اللَّه؛ حتى قال الرسل فيكيدوني جميعًا، ومكروا أيضًا بدين اللَّه الذي أتت به الرسل، مكروا واحتالوا على إطفاء ذلك النور؛ فأبى اللَّه ذلك عليهم، وأظهر دينه، وأبقى نوره إلى يوم القيامة، كقوله: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) كأن مكرهم وحيلهم يرجع - في أحد التأويلين - إلى أنفس الرسل حين هموا وتعمدوا إهلاكهم.
والثاني: يرجع إلى إطفاء الدِّين؛ الذي أتى به الرسل؛ والنور الذي دعوا إليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ).
يحتمل: عند اللَّه جزاء مكرهم؛ الذي مكروا برسل اللَّه وبدينه.
أو (وَعِندَ اللَّهِ مَكرُهُمْ): أي: عند اللَّه العلم بمكرهم، محفوظ ذلك عنده، لا يفوت ولا يذهب عنه شيء؛ فيجزيهم بذلك في الآخرة.
أو (وَعِندَ اللَّهِ مَكرُهُم): أي: عند اللَّه الأسباب التي بها مكروا، من عند الله استفادوا؛ وهو النعم التي أعطاهم، والأموال التي ملكهم، والعقول التي ركب فيهم؛ بما قدروا على المكر والاحتيال عند اللَّه ذلك كله، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ).
اختلف في تلاوته، وقراءته، وتأويله:
قرأ بعضهم: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ) بالدال (١)؛ وهو حرف عبد اللَّه بن مسعود، وأبي، وابن عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنهم. وقرأ بعضهم (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ) بالنون.
ثم اختلف في قوله: (وَإِنْ كَانَ).
وقال الحسن وغيره: و (إن) بمعنى: (ما)، أي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، قال: كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، و (إن) بمعنى: (ما) كثير في القرآن، كقوله: (لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) أي: ما كنا فاعلين؛ وكقوله: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي: ما نحن إلا بشر مثلكم.
(١) هكذا (وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ)
إبراهيم 14:47
وقد تستعمل (إن) في موضع (قد)؛ كقوله: (إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) أي: قد كان وعد ربنا لمفعولا.
فمن حمله على (ما) فقد استهان بمكرهم، واستخف به؛ فقال: إن مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، والجبال أوهن وأسرع زوالا من رسالة الرسل ودين اللَّه، بل رسالة الرسل؛ ودين اللَّه أثبت من الجبال، لأن دين اللَّه، ورسله معهما حجج اللَّه وبراهينه، فإذا لم يعمل مكرهم في إزالة الجبال - لا يعمل في إزالة دين الله ورسالة الرسل، ومعهما الحجج والبراهين.
ومن قال: (وَإِنْ كَانَ): قد حمله على الاستعظام بمكرهم.
وعلى ذلك: من قرأ (كاد)، بالدال على الاستعظام بمكرهم؛ كقوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) من عظيم ما قالوا في اللَّه كادت السماوات أن تنشق، فعلى ذلك مكرهم جميعًا الوجهين: أن يستهان مرة ويستعظم؛ إلا أن يقال: إن كلمتهم من حيث الشرك والكفر عظيمة، ومن حيث احتيالهم ومكرهم - في إزالة ذلك النور وإطفائه - ضعيفة. واللَّه سبحانه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)
الخطاب به يحتمل ما ذكرنا: أي: لا تحسبن أن ما تأخر؛ من نزول ما وعد؛ أنه يخلف وعده الذي وعد رسله؛ كما لم يكن تأخير العذاب عنهم؛ من وقت ظلمهم عن غفلة وسهو، ولكن كان وعده إلى ذلك الوقت، وخلف الوعد في الشاهد من الخلق - إنما يكون لوجهين: أحدهما: لما لا يملك إنجاز ما وعد.
والثاني: لما يضره الإنجاز، فتعالى اللَّه عن ذلك كله.
وقول - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: عزيز: لا يعجزه شيء. وقيل: عزيز: قاهر يقهر ويذل؛ فالخلائق كلهم أذلاء دونه.
وقوله: (عَزِيزٌ): أي: غالب قاهر ذو انتقام لأوليائه من أعدائهم؛ أي: غالب الأعداء وقاهرهم، وناصر الأولياء.
إبراهيم 14:48
وأما ما قال أهل التأويل في قوله: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ). إنه نزل في شأن نمرود، وإنه اتخذ تابوتًا، وربط ثورًا على قوائمه، وما ذكروا إلى آخره - فلا علم لنا إلى ذلك، وأظنه أنه كله خيال، فلا نقول إلا القدر الذي ذكر في الآية.
و" لَتزولُ " بنصب اللام الأولى، وبرفع الآخرة: على معنى التوكيد، و (لِتَزُولَ) بكسر اللام الأولى، ونصب الآخرة: على الجحد؛ أي: ما كانت الجبال لتزول من مكرهم، وهو ما ذكرنا. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ... (٤٨)
قال الحسن: تفنى هذه الأرض، ثم تعاد من ساعته مستوية، لا شجر فيها، ولا جبال، ولا آكام، قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تبدل هذه الأرض أرضًا غير هذه؛ بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها بالمعاصي، وكذلك السماوات.
ومنهم من يقول: لا تبدل عينها؛ ولكن يتغير صفتها وزينتها؛ كما يقول الرجل لآخر: تبدلت يا فلان، لا يريد تبدل أصله وعينه؛ ولكن تغير الأخلاق والدِّين، فعلى ذلك ما ذكر من تبديل الأرض والسماوات.
والأشبه أن يكون على اختلاف الأحوال؛ لأنه ذكر في آية: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) وقال: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ)، وقال: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ) (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)، و (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ)، وقال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ)، وقال: (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)، ذكر مرة تمد الأرض، وذكر مرة أنها تخبر وتحدث عما عمل عليها، وذكر في السماء بالتشقق والانفطار، وفي الجبال بالسير والمرور مرة؛ ومرة بالرفع ومرة أخبر أنه جعلها هباء منثورا وأمثاله.
فيشبه أن يكون هذا كله على اختلاف الأحوال والأوقات؛ إذ يوم القيامة يوم ممتد؛ فيكون كل ما ذكر على ما قال يومئذ؛ (فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ)؛ قال في آية: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)، وقال: (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، وقوله: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فهو - واللَّه أعلم -: على اختلاف الأحوال والأوقات، فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم بذلك.
وتبديل الأرض والسماوات: يحتمل وجهين:
أحدهما: تبديل أهلها على ما يذكر؛ الأرض والقرية، والمراد منها الأهل؛ كقوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا)، وقوله: (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً...) الآية، ونحوه كثير.
والثاني: تبديل نفس الأرض.
ثم يحتمل كل واحد من الوجهين وجهين:
إما تبديل أهلها: هو أن يكونوا مستسلمين خاضعين له في ذلك، ولم يكونوا في الدنيا كذلك.
والثاني: تبدل أهلها: هو أن يكون الأولياء في النعم الدائمة، واللذة الباقية، والأعداء في عذاب وألم وشدة، وكانوا في هذه الدنيا جميعًا مشتركين - الأولياء والأعداء - في اللذات والآلام.
فإن كان تبديل نفس الأرض - فهو يخرج على وجهين أيضًا:
أحدهما: تبديل زينتها وصفتها.
والثاني: تبديل عينها وجوهرها؛ وهو ما ذكر: أن أرض الجنة تكون من مسك وزعفران، ونحو ما روي في الخبر واللَّه أعلم. كأن قوله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) صلة قوله: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ...) الآية فقالوا: متى يكون ذلك؟ فقال: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) يخرج جوابًا لسؤالهم واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
قد ذكرنا تخصيص بروزهم لله يوم القيامة أنه - واللَّه أعلم - أنشأ هذا العالم الأول للعالم الثاني، فالعالم الثاني هو المقصود في إنشاء هذا العالم، فخص بروزهم يومئذ له؛ لما هو المقصود في إنشائهم.
وقال قائلون: تخصيص البروز له يومئذ؛ لأنهم يخرجون من قبورهم للحساب لا لغيره، فهو يحاسبهم؛ فأضاف البروز إليه؛ لما لا يخرجون إلا له، وأما في الدنيا: فإنما يخرجون لحوائج أنفسهم؛ لذلك خرج التخصيص له والإضافة.
وقوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ): يحتمل وجهين:
أحدهما: برزوا له مستسلمين خاضعين، قابلين طائعين، ولم يكونوا في الدنيا كذلك.
والثاني: يبرزون له؛ لما وعدوا وأوعدوا؛ بارزون لوعده ولوعيده، ولما دعوا إليه، ورغبوا فيه.
والثالث: يبرزون له؛ لما لا يملكون إخفاء أنفسهم وسترها؛ بل ظاهرين له.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
الواحد: الذي لا شريك له، والقهار: يقهر الخلائق كلهم؛ ويغلبهم: الجبابرة، والفراعنة.
أو يبرزون له ليجزيهم، على ما ذكر تعالى (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ) وذكر (مِنْ قَطِرَانٍ): قيل: (القطر) هو النحاس أو (آنٍ) أي: قد انتهى حره، كقوله: (وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ).
وقيل: الصفر وقَالَ بَعْضُهُمْ (مِنْ قَطِرَانٍ) أي: من نحاس أنى لهم أن يعذبوا به،. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من القطران المعروف الذي يطلى به الإبل؛ ذكر هذا لأنه أشد إحراقًا واشتعالا.
إبراهيم 14:49
وقوله: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) إلى آخر ما ذكر: جعل الله عذاب الكفرة في الآخرة بالأسباب والأشياء التي كانوا يفتخرون بها في الدنيا؛ من اللباس والشراب والأصحاب؛ وغيره، وهو كان سبب منعهم عن إجابة الرسل فيما دعوهم إليه؛ فجعل تعذيبهم في الآخرة بذلك النوع من النار؛ فقال: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) يقرن ويقيض بعضهم ببعض؛ كقوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا...) الآية؛ لأنه كان يتبعه ويأتمر بأمره؛ وكقوله: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا...) الآية، وكذلك الرؤساء منهم، والمتبوعون.
وقوله: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ... (٥٠) لما كانوا يفتخرون في الدنيا بلباسهم، وكذلك كل نوع كانوا يفتخرون به في الدنيا، ويمنعهم عن الإجابة؛ إجابة الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
والأصفاد: قيل: الأغلال: قد قرن بعضه إلى بعض في الأغلال، واحدها: صفد؛ وهو قول الْقُتَبِيّ، وكذلك قول أبي عَوْسَجَةَ في الأصفاد، إلا أنه قال: واحدها: صفاد، والصفد العطيّة.
(سَرَابِيلُهُمْ): قمصهم، واحدها: سربال.
(مِنْ قَطِرَانٍ): القطر - ما ذكرنا - النحاس، والآن الذي قد اشتد حَرُّه، وهو قول الْقُتَبِيّ وأبي عَوْسَجَةَ.
ذكر هذه المواعيد والشدائد، وأنواع ما يعذبون به في الآخرة، ونعيمها على ألسن من قد ظهر صدقهم بالآيات والحجج؛ ليحذروا ما أوعدوا، ويرغبوا فيما رغبوا لئلا يكون لهم الاحتجاج يومئذ؛ كقوله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)، وقوله: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ...) الآية، ونحوه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ).
لأن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم؛ فلا يقدرون أن يتّقوا النار بأيديهم ذكر هذا؛ لأن في الشاهد: من أصاب وجهه، أذًى يتقي عنه بيده، فيخبر أنهم إنما يتقون ذلك بوجوههم. واللَّه أعلم.
إبراهيم 14:50
الآيتان ٤٩ و ٥٠ وقوله تعالى :﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد﴾ ﴿سرابيلهم من قطران﴾ ذكر ﴿من قطران﴾(١) قيل : القطر، هو النحاس، والآني : الذي انتهى حره كقوله :﴿وبين حميم آن﴾ ( الرحمن : ٤٤ ) وقيل : ا لصُّفرُ، وقال بعضهم :﴿من قطران﴾ أي من نحاس آن لهم أن يعذبوا. وقال بعضهم : هو من القطران المعروف الذي يطلى به الإبل، ذكر هذا لأنه أشد إحراقا واشتعالا.
وقوله تعالى :﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد﴾ إلى آخر ما ذكر ؛ جعل الله عذاب الكفر في الآخرة في الأسباب والأشياء التي كانوا يفتخرون بها في الدنيا من اللباس والشراب والأصحاب ( وغيرها، وهي كانت )(٢) سبب منعهم عن إجابة الرسل في ما دعوهم إليه. فجعل تعذيبهم في الآخرة بذلك النوع من النار، فقال :﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين بالأصفاد﴾ يُقرَن، يُقَيّدُ(٣) بعضهم ببعض كقوله :﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا﴾ الآية ( الزخرف : ٣٦ ) لأنه كان يتبعه، ويأتمر بأمره، وكقوله :﴿احشروا الذين ظموا﴾ الآية ( الصافات : ٢٢ ) وكذلك الرؤساء منهم والمتبوعون.
وقوله تعالى :﴿سرابيلهم من قطران﴾ لما كانوا يفتخرون في الدنيا بلباسهم، وكذلك كل نوع يفتخرون به في الدنيا، ويمنعهم عن الإجابة إجابة الرسل. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
والأصفاد : قيل : الأغلال، أي قد قرن بعضه إلى بعض في الأغلال. واحدها : صفد، وهو قول القُتَبِيُّ، وكذلك قول أبي عوسجة في الأصفاد، إلا أنه قال : واحدها : صَفَاُد، والَصَّفَدُ العطية [ الوثاق ](٤). ﴿سرابيلهم﴾ قُمُصِهِم، واحدها : سربال ﴿من قطران﴾ القطر ما ذكرنا النحاس، والآني الذي قد اشتد حره، وهو قول القتبي وأبي عوسجة.
ذكر هذه المواعيد والشدائد وأنواع ما يعذبون [ به ](٥) في الآخرة، ونعيمها على ألسن من قد ظهر صدقهم بالآيات والحجج ليحذر ما أوعدوا، ويرغبون فيما رغبوا لئلا يكون لهم الاحتجاج يومئذ كقوله :﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ ( النساء : ١٦٥ ) وقوله :﴿ليهلك من هلك عن بينة﴾ الآية [الأنفال: ٤٢] ونحوه والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وتغشى وجوههم النار﴾ لأن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم، فلا يقدرون أن يتقوا النار بأيديهم. ذكر هذا لأن في الشاهد من أصاب وجهه أذى يتقي منه بيده، فيخبر أنهم إنما يتقون ذلك بوجوههم، والله أعلم.
١ أنظر معجم القراءات القرآنية ح ٣/٢٤٤..
٢ في الأصل وم: وغيره هو كان..
٣ في الأصل وم: ويقبض..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
إبراهيم 14:51
(لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ (٥١)
لما ذكرنا؛ يبرزون لله؛ ليجزيهم من خير وشر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: كان قد جاء حسابه.
والثاني: ذكر هذا؛ لأن الحساب إنما يبطئ لما لا يتذكر من له الحساب لمن يحاسبه في الشاهد - فيما يحاسبه، فيطول الحساب أو الاشتغال بشيء يشغله عنه، أو لجهل بالحساب. فأما اللَّه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يشغله شيء عن شيء، كله محفوظ عنده؛ فهو سريع الحساب. واللَّه أعلم.
أو نقول: إنما يطول الحساب في الشاهد؛ ويمتد لما يحتاج إلى التفكر أوالنظر، والتذكر في ذلك، فاللَّه سبحانه متعال عن التفكر والنظر، بل كل شيء محفوظ عنده. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)
يحتمل قوله: (هَذَا بَلَاغٌ): القرآن؛ هو بلاغ للناس، على ما ذكر في صدر السورة: قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ...) الآية، هو بلاغ على ما ذكر. واللَّه أعلم.
(وَلِيُنْذَرُوا بِهِ): أي: بالقرآن أيضًا على ما ذكر: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)، ويحتمل قوله: (هَذَا بَلَاغٌ) ما ذكر من المواعيد؛ وهو قوله: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) إلى آخر ما ذكر؛ أي: هذا الذي ذكر بلاغ يبلغهم لا محالة، ولينذروا بما ذكر.
(وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
لا شريك له؛ بالآيات التي أقامها على وحدانية اللَّه وألوهيته.
(وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: ذوو العقول، واللَّه أعلم.
* * *
إبراهيم 14:52
الآية ٥٢ : وقوله تعالى :﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به﴾ يحتمل قوله :﴿هذا بلاغ﴾ هذا بلاغ القرآن، وهو(١) بلاغ للناس على ما ذكر في صدر السورة :﴿الر كتاب أنزلناه إليك﴾ الآية ( الآية : ١ ) هو بلاغ على ما ذكر، والله أعلم، ﴿ولينذروا به﴾ أي بالقرآن أيضا على ما ذكر ﴿وهذا كتاب أنزلناه مباركا مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها﴾ ( الأنعام : ٩٢ ).
ويحتمل قوله :﴿هذا بلاغ للناس﴾ ما ذكر من المواعيد، وهو قوله :﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد﴾ ( إبراهيم : ٤٩ ) إلى آخر ما ذكر ؛ أي هذا الذي ذكر في البلاغ، يبلغهم، لا محالة ﴿ولينذر به﴾ بما ذكر ﴿وليعلموا أنما هو إله واحد﴾ لا شريك له بالآيات التي أقامها على وحدانيته وألوهيته ﴿وليذكر أولو الألباب﴾ أي ذوي العقول. والله أعلم.
١ الواو ساقطة من الأصل وم. .
الحجر 15:1
سُورَةُ الْحِجْرِ
ذكر أنها مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* * *
قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ).
قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يحتمل أن الحروف المقطعة كناية عن كتابه وآياته، أو آياته؛ أنه جمعها على ما توجبه الحكمة؛ فجعلها كتابًا أو آيات كتاب يتلى، أو يكون كناية عن الإنباء والإخبار عن الأمم السالفة؛ التي لم يشهدها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، تلك الأنباء والأخبار التي جعلناها كتابًا أو آيات؛ ليعلموا أن هذا الكتاب إنما نزل من السماء، وأنه إنما علم بالوحي من اللَّه، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
(وَقُرْآنٍ مُبِينٍ).
قال: بيَّن فيه ما يؤتى، وما يتقى. أو (مُبِينٍ): يبين بين الحقّ والباطل. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)
قال عامة أهل التأويل: إنما يودون الإسلام والتوحيد، بعد ما عذب بالنار قومًا من أهل التوحيد بذنوبهم، ثم أخرجوا منها بالشفاعة أو بالرحمة، فعند ذلك يتمنى أهل الشرك؛ ويودون الإسلام والتوحيد؛ لكن هذا بعيد ألا يتمنوا إلا في النار بعد ما أخرج أُولَئِكَ وقد أصيبوا الشدائد والبلايا؛ من قبل أن يأتوا النار، قال اللَّه تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ
الحجر 15:2
الآية ٢ : وقوله تعالى :﴿ربما يَود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ قال عامة أهل التأويل : إنما يودون الإسلام والتوحيد بعد ما عذب بالنار قوم من أهل التوحيد بذنوبهم، ثم أخرجوا منها بالشفاعة أو بالرحمة. فعند ذلك يتمنى أهل الشرك، ويَودون الإسلام والتوحيد ﴿لو كانوا مسلمين﴾ لكن هذا بعيد ؛ إذ لا يتمنون إلا [ وهم ](١) في النار، بعدما أخرج أولئك، وقد أصيبوا(٢) بالشدائد والبلايا من قبل أن يأتوا النار.
قال الله تعالى :﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون﴾ ﴿لعلي أعمل صالحا﴾ الآية ( المؤمنون : ٩٩ و١٠٠ ) أخبر أنه يتمنى عند حلول الموت الإسلام حين(٣) طلب الرجوع إلى الدنيا. دل أنهم يودون الإسلام قبل الوقت الذي ذكر، أو يتمنون الإسلام إذا حوسبوا، أو إذا بُعث أهل الجنة، وبعثوا هُم إلى النار ويتمنون الإسلام قبل ذلك، في مواضع.
وربما يتمنى الآحاد من الكفرة، ويودون لو كانوا مسلمين في أحوال وأوقات، يظهر لهم الحق، لكن الذي يمنعهم عن الإسلام فوت شيء من الدنيا وذهاب شيء طمعوا فيه.
وقال الحسن في قوله :﴿الر تلك آيات الكتاب﴾ قسم لما ذكر ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ يقول : أقسم / ٢٧٤ – ب/ بالحروف المقطعة أنهم يودون الإسلام، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أصيب..
٣ في الأصل وم: حيث..
الحجر 15:3
أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) الآية، أخبر أنه يتمنى عند حلول الموت - الإسلام؛ حيث طلب الرجوع إلى الدنيا، دل أنهم يودون الإسلام؛ قبل الوقت الذي ذكروا، أو يتمنون الإسلام إذا حوسبوا، أو إذا بعث أهل الجنة إلى الجنة وبعثوا هم، إلى النار، يتمنون الإسلام قبل ذلك بمواضع، وربما يتمنى الآحاد من الكفرة، ويودون لو كانوا مسلمين في أحوال؛ وأوقات؛ يظهر لهم الحق، وقد بانَ لهم الحق؛ لكن الذي يمنعهم عن الإسلام - فوت شيء من الدنيا، وذهاب شيء قد طمعوا فيه.
وقال الحسن في قوله: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ): قسم؛ لما ذكر: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ)؛ يقول: أقسم بالحروف المقطعة أنهم يوذون الإسلام. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) هذا ليس على الأمر، ولكن على الوعيد، والتهديد، والإبلاغ في الوعيد، وتأكيد؛ كقوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ...) الآية، ، هو على الوعيد؛ حيث قال: (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، فعلى ذلك قوله: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا) وعيد بقوله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، ويشبه أن يكون: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) المحق من المبطل، وأن المحق والمبطل من أنت أو هم؛ أو سوف يعلمون نصحك إياهم، وشفقتك لهم، أنك نصحت لهم، وأشفقت عليهم لا أن خنتهم أو يعلموا بما سخروا بكم وهزءوا.
وقوله: (وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ).
الأمل: الطمع، اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: منعهم طمعهم أنهم وآباءهم قد أصابوا الحق، ذلك منعهم عن الإجابة، والنظر في الآيات والحجج.
والثاني: تقديرهم بامتداد حياتهم؛ ليبقى لهم الرياسة، والشرف، ذلك الذي كان
الحجر 15:4
يمنعهم عن الإجابة له، والانقياد له، والنظر في الآيات والحجج.
والثالث: يطمعون هلاك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويتمنون ذلك، وانقطاع ملكه، وأمره، والعود إليهم، فذلك الذي كان منعهم.
وفي حرف حفصة: (ذَرْهُم يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ).
وقوله: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا...) الآية في قومٍ علم اللَّه أنهم لا يؤمنون، آيس رسوله عن إيمانهم؛ وهو كقوله: (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)
قال الحسن: وما أهلكنا من أهل قرية إهلاك تعذيب؛ إلا وقد أرسلنا إليهم رسلا بكتاب معلوم، نتلو ذلك الكتاب المعلوم عليهم، فإذا كذبوهم وأيسوا من إيمانهم؛ فعند ذلك يهلكون هلاك تعذيب، وهو ما قال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)، فعلى ذلك الأول.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) يقول: كتاب فيه أجل معلوم مؤقت لها؛ على هذا التأويل؛ كأنه قد خرج جوابًا لقول كان من أُولَئِكَ الكفرة من استعجالهم الإهلاك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)
أي: ما تسبق أمة عن أجلها الذي جعل اللَّه لها بالإهلاك، وما تستأخر عنه، وهو ما قال: (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) أي: ما يستأخرون ساعة عن الوقت الذي جعل لهم ولا يستقدمون.
فهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن اللَّه يجعل لخلقه آجالا، ثم يجيء آخر فيقتله قبل الأجل الذي جعله له، واللَّه يقول: (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، وقال: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ)، يخبر أنه لجاءهم العذاب؛ لولا ما جعل من أجل مسمى؛ قد وعد جل وعلا أن يفي بما وعد؛ من البلوغ إلى الأجل الذي سمى.
الحجر 15:5
الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون﴾ أي ما تسبق أمة أجلها الذي جعل لها بالهلاك، وما تستأخر عنه، وهو ما قال :﴿لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ ( الأعراف : ٣٤ ).
فهذا ينقض على المعتزلة قولهم حين(١) قالوا : إن الله [ جعل لكل أحد من خلقه أجلا، ثم يجيء أحد إلى ](٢) آخر، فيقتله قبل الأجل الذي جعله الله له. والله قال(٣) :﴿لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤] و قال :﴿ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب﴾( العنكبوت : ٥٣ ) يخبر أنه ﴿لجاءهم العذاب﴾ لولا ما جعل من أجل مسمى، قد وعد جل وعلا أنه يفي بما وعد من البلوغ إلى الأجل الذي سمى.
وعلى قول المعتزلة : لا يملك إنجاز ما وعد، لأنه ( يجيء إنسان، فيقتل آخر )(٤) فيمنع الله عن وفاء ما وعد، فذلك عجز وخلف في الوعد. فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الحق (٥).
١ من الأصل من م: حيث..
٢ في الأصل وم: يجعل لخلقه آجالا ثم يجيء..
٣ في الأصل وم: يقول..
٤ في الأصل: لا يجيء إنسان فيقتله، في م: يجيء إنسان فيقتله..
٥ في الأصل وم: الخلق..
الحجر 15:6
وعلى قول المعتزلة: لا يملك إنجاز ما وعد؛ لأنه يجيء إنسان؛ فيقتله؛ فيمنع الله عن وفاء ما وعد، فذلك عجز وخلف في الوعد، فنعوذ باللَّه من السرف في القول، والزيغ عن الحق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ... (٦) يعني: القرآن.
(إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ).
قال الحسن: قوله: يَا أَيُّهَا الذي تدعي أنه نزل عليه الذكر: إنك لمجنون؛ فيما تدعي من نزول الذكر، هو على الإضمار الذي قال الحسن، وإلا في الظاهر متناقض؛ لأنهم كانوا لا يقرون بنزول الذكر عليه؛ لأنهم لو أقروا نزول الذكر عليه لكان قولهم متناقضا فاسدًا.
(إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) سموه مجنونًا، والذي حملهم على تسميتهم إياه مجنونًا وجوه:
أحدها: أنهم لما رأوه أنه قد أظهر الخلاف لذوي العقول منهم والأفهام، والدعاء إلى غير ما هم فيه؛ فرأوا أنه ليس يخالف أهل العقول والفهم إلا بجنون به؛ فسموه مجنونًا.
والثاني: رأوه قد أظهر الخلاف للفراعنة والجبابرة، الذين كانت عادتهم القتل والهلاك من أظهر الخلاف لهم؛ في أمر من أمورهم الدنياوية؛ فكيف من أظهر الخلاف لهم، في الدِّين؟ فظنوا أنه ليس يخالفهم، ولا يخاطر بنفسه وروحه إلا لجنون فيه.
والثالث: قالوا ذلك لما رأوه؛ كان يتغير لونه عند نزول الوحي عليه؛ فظنوا أن ذلك لآفة فيه، ومن تأمل حقيقة ذلك علم أن من قرفه بالجنون فيه هو المجنون لا هو؛ حيث قال: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ...) الآية، وقال: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)، أخبر أنهم لو تفكروا عرفوا أنه ليس به جنة، ولكن عن معاندة ومكابرة؛ يقولون؛ وجهل، وسموه مرة ساحرًا؛ فذلك تناقض في القول؛ لأنه لا يسمى ساحرًا إلا لفضل بصر وعلم؛ فذلك تناقض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)
تأويله - واللَّه أعلم - يقولون له: إنك تزعم أن الملائكة يأتونك بالوحي، فهلا أظهرت
الحجر 15:7
الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين﴾ تأويله، والله أعلم، يقولون له، إنك تزعم أن الملائكة يأتونك بالوحي، فهلا أظهرت لنا إذا أتوك، فننظر إليهم أملائكة هم على ما تزعم، أم شياطين ؟.
وقال بعضهم :﴿لو ما تأتينا بالملائكة﴾ فيشهدون أنك رسول الله، وأنك أرسلت على ما تدعي من الرسالة.
الحجر 15:8
لنا إذا أتوك؛ فننظر إليهم ملائكة هم - على ما تزعم - أم شياطين؟
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لو ما تأتينا بالملائكة فيشهدون أنك رسول اللَّه، وأنك أرسلت على ما تدعي من الرسالة؛ فقال:
(مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ؍ (٨) إلا بالموت، (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ).؍
قَالَ بَعْضُهُمْ: أنْ ليس في وسع البشر رؤية الملائكة على صورتهم؛ فقال: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ): إلا بالموت، لو رأوا لماتوا؛ لما لم يجعل في وسعهم رؤية الملائكة، وهو كقوله: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ...) الآية، أخبر أنه لو أنزل عليهم الملك - لماتوا؛ إذ ليس في وسعهم رؤية أن ملائكة على صورتهم، ثم أخبر أيضًا أنه لو جعله ملكًا لجعله رجلا، ويكون في ذلك لبس على أُولَئِكَ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ): أي: إلا بالحجج والآيات والبراهين على الرسل، وعلى من هو أهل لذلك، ليس على كل أحد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَّا بِالْحَقِّ): أي: إلا بالعذاب الذي يكون فيه هلاكهم، وهكذا إن الملائكة لا تنزل إلا بالعذاب الذي فيه هلاكهم أو بالحجج والبراهين. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ؍ (٩) يعني القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)؍
حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيما وكل الحفظ إلى نفسه؛ لم يقدر أحد من الطاعنين مع كثرتهم منذ نزل موضع الطعن فيه، وذلك يدل أنه سماوي، وأنه محفوظ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ): أي: محمدًا عليه أفضل الصلوات: أي: نحفظه بالذكر الذي أنزل عليه؛ كقوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، وكقوله: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي...) الآية. أخبر أنه إنما يهتدي بما يوحي إليه ربُّه، فعلى ذلك يحفظه بالقرآن الذي أنزل عليه.
ويحتمل أن يكون الذكر: النبوة؛ أي: إنا نحن نزلنا النبوة، وإنا له: أي:
الحجر 15:9
الآية ٩ : وقوله تعالى﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ يعني القرآن ﴿وإنا له لحافظون﴾ : حتى ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: ٤٢] وفي كل ما وكل الحفظ إلى نفسه لم يقدر أحد من الطاغين مع كثرتهم منذ نزل وضع(١) الطعن فيه، وذلك يدل أنه سماوي، وأنه محفوظ.
وقال بعضهم :﴿وإنا له لحافظون﴾ أي محمدا، عليه أفضل الصلوات، أي نحفظه بالذكر الذي أنزل عليه كقوله :﴿والله يعصمك من الناس﴾ ( المائدة : ٦٧ ) وكقوله :﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي﴾ الآية ( سبأ : ٥٠ ) أخبر أنه إنما يهتدي بما يوحي إليه ربه. فعلى ذلك يحفظه بالقرآن الذي أنزل عليه.
ويحتمل أن يكون الذكر النبوة، أي إنا نحن نزلنا النبوة، وإنا له، أي لرسوله لحافظون بالنبوة والرسالة.
١ في الأصل وم: موضع..
الحجر 15:10
لرسوله؛ لحافظون له: بالنبوة والرسالة.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ).
قيل: في ملك الأولين. وقيل: في فرق الأولين. وقيل: في جماعات الأولين، وهو واحد.
(وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١١)
يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه، وأذاهم له.
يقول - واللَّه أعلم -: لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك؛ ليخف ذلك عليه ويهون؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه، وأهون من أن يكون مخصوصًا به، من بين سائر الخلائق. واللَّه أعلم.
كان هذه الآية صلة قولهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ)، فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك؛ فعند ذلك قال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ...) إلى آخره، يصبره على أذاهم وهزئهم به؛ فإنما يشتد عليه ذلك؛ على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) وقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، كادت نفسه تهلك، أو ذكر هذا له لما أن هَؤُلَاءِ - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليدًا لآبائهم، واستهزاء بهم وتلقنوا منهم، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم، وأُولَئِكَ - أعني: الأوائل - إنما استهزءوا برسلهم، لا تقليدًا بأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم، فمن استهزأ بآخر فشتمه تقليدًا واقتداء وتلقنًا - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل به من ذاته؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة، بمثل ذلك؛ فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا، فذلك أهون عليه من استهزاء أُولَئِكَ برسلهم واللَّه أعلم.
الحجر 15:11
الآية ١١ :( وقوله تعالى )(١) :﴿وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون﴾ يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه وأذاهم ؛ يقول، والله أعلم : لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك، وليَخِفَّ ذلك عليه، ويهون، لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة / ٢٧٥ – أ / أصابته أو بلاء، يصيبه، كان ذلك أيسر عليه وأهون من أن يكون مخصوصا به من بين سائر الخلائق، والله أعلم.
وكأن(٢) هذه الآية صلة قوله :﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾ ( الحجر : ٦ ). فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك. فعند ذلك قال :﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين﴾ ( الحجر : ١٠ ) إلى آخره يصبره على أذاهم وهزئهم به. فإنما يشتد عليه ذلك على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر :﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ ( الشعراء : ٣ ) وقال(٣) :﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ ( فاطر : ٨ ) كادت نفسه تهلك.
أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء أعني قومه إنما استهزؤوا به تقليدا لآبائهم واقتداء بهم وتلقنا منهم، لا أنهم أنشؤوا ذلك من أنفسهم، وأولئك أعني الأوائل إنما استهزؤوا برسلهم لا تقليدا لأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم. فمن استهزأ بآخر، فشتمه، تقليدا واقتداء وتلقنا كان ذلك أيسر عليه وأخف من فعل ( من فعله )(٤) من ذاته، لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة بمثل ذلك.
فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء والسالمون من الآفات فلا. فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: قوله..
٤ في الأصل وم: به..
الحجر 15:12
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)
اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين؛ لا يؤمنون به، يقول: من حكم اللَّه أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب وكذبه، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره؛ كقوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، وكقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (كَذَلِكَ) نجعل الكفر والتكذيب (فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) بكفرهم؛ كقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ...) الآية، وقوله: (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)، ونحوه.
ويحتمل قوله: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) الحجج والآيات؛ ليكون تكذيبهم وردهم الآيات والحجج، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة، لا يؤمنون به.
وقوله: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) أي: مثل الذي سلكنا في قلوب المؤمنين؛ من قبول الآيات والحجج، والتصديق لها؛ لما علم أنهم يختارون ذلك - نسلك في قلوب المجرمين؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها؛ لما علم منهم الرد والتكذيب لها. هذا يحتمل، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)
يحتمل قوله: (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) بالتكذيب، والرد، والمعاندة، والمكابرة، بعد قيام الحجج والآيات.
ويحئمل: (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ): الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج اللَّه، ومعاندتهم إياها.
وقال بعض أهل التأويل: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ) أي: نجعله؛ على ما ذكرنا، الكفر بالعذاب (فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ)، (لَا يُؤمِنُونَ بِه) أي: لا يصدقون بالعذاب (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) بالتكذيب لرسلهم بالعذاب، فهَؤُلَاءِ يستنون بسنتهم.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ): أي: ندخله؛ يقال: السالك: الداخل، والسلوك: الدخول، وسلكت أدخلت، وتصديقه: قوله: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ).
الحجر 15:13
الآية ١٣ :( وقوله تعالى )(١) :﴿لا يؤمنون به﴾ يقول : من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب (٢)، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه، واختاره، كقوله :﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ ( الصف : ٥ ) وكقوله :﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ ( البقرة : ٢٦ ).
وقال بعضهم : قوله :﴿كذلك﴾ نجعل الكفر والتكذيب ﴿في قلوب المجرمين﴾ بكفرهم كقوله :﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾ الآية ( الأنعام : ٢٥ ) وقوله :﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ ( المائدة : ١٣ ) ونحوه.
ويحتمل قوله :﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ الحجج والآيات ليكون تكذيبهم وردهم الآيات والحجج وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة [ لأنهم ](٣) ﴿لا يؤمنون به﴾.
وقوله تعالى :﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ أي مثل الذي سلكناه في قلوب المؤمنين من قبول الآيات والحجج والتصديق لها، لما علم أنهم يختارون ذلك ﴿نسلكه في قلوب المجرمين﴾ من تكذيب الآيات والحجج وردها، لما علم منهم الرد والتكذيب لها. هذا محتمل، ويحتمل غير هذا ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ يحتمل قوله ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ بالتكذيب والرد والمعاندة والمكابرة بعد قيام الحجج والآيات. ويحتمل ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ بالهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله ومعاندتهم إياها.
وقال بعض أهل التأويل :﴿كذلك نسلكه﴾ أي نجعله على ما ذكرنا الكفر بالعذاب ﴿في قلوب المجرمين﴾ ﴿لا يؤمنون به﴾ أي لا يصدقون بالعذاب ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ بالتكذيب لرسلهم بالعذاب. فهؤلاء يستنون بسنتهم.
وقال أبو عوسجة :﴿كذلك نسلكه﴾ أي ندخله ؛ يقال : السالك الداخل، والسلوك الدخول، وسلكت أدخلت.
وتصديق [ قوله ](٤) قوله تعالى :﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين﴾ ( الشعراء : ٢٠٠ ) وقوله(٥) :﴿اسلك يدك في جيبك﴾ ( القصص : ٣٢ ) أي أدخل.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: وكذبه..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: وقال..
الحجر 15:14
وقال: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) أي: أدخل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)
يخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن سفههم وعنادهم في سؤالهم الآيات؛ وطلب نزول الملائكة بقوله: (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) يقول: إن سؤالهم الآيات؛ وما سألوا متعنتين مكابرين؛ ليسوا هم بمسترشدين، لكن أهل الإسلام لا يعرفون تعنتهم بالذكر؛ حيث قال: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ...) الآية، ثم قال: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ)، وذلك أن المؤمنين كانوا يشفعون لهم بسؤالهم الآيات لعلهم يؤمنون؛ فأخبر: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) وفعلى ذلك قوله: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) يخبر أنهم بسؤالهم نزول الملائكة؛ معاندين مكابرين - ليسوا بمسترشدين.
ثم اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ): يعني على الملائكة بابا حتى رأوا، وعاينوا الملائكة ينزلون من السماء ويصعدون؛ فلا يؤمنون؛ وقالوا: (إنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) وقيل: حيرت وسدت، (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ): أي: سحرت أعيننا؛ فلا نرى ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ) أي: لهم (بَابًا مِنَ السَّمَاءِ) وكقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) أي: للنصب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَظَلُّوا فِيهِ) حتى (يَعْرُجُونَ) فيه ويعاينون نزول الآيات ويشاهدون كل شيء (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) ويؤيس رسوله وأصحابه عن إيمانهم، وقوله تعالى: (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) يقولون ذلك لشدة تعنتهم وسفههم، وينكرون معاينة ذلك.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا
الحجر 15:15
الآية ١٥ : قوله تعالى ](١) :﴿إنما سكرت أبصارنا﴾ قيل : حيرت، وسدت ﴿بل نحن قوم مسحورون﴾ أي سحرت أعيننا، فلا ترى ذلك.
وقال بعضهم : قوله :﴿ولو فتحنا عليهم﴾ أي لهم ﴿بابا من السماء﴾ كقوله :﴿وما ذبح على النصب﴾ ( المائدة : ٣ ) أي للنصب.
وقوله تعالى :﴿فظلوا فيه﴾ حتى ﴿يعرجون﴾ ويعاينون نزول الآيات، ويشاهدون كل شيء ﴿لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾ يقولون ذلك لشدة تعنتهم وسفههم لشدة معاينة ذلك.
وقال أبو عوسجة :﴿فظلوا فيه﴾ ( الحجر : ١٤ ) أي[ صاروا، وقوله ](٤) :﴿يعرجون﴾ يرتفعون، ويصعدون، وقال غيره :﴿يعرجون﴾ : أي مالوا كقوله :﴿فظلت أعناقهم﴾ ( الشعراء : ٤ )، وقال : قوله :﴿سكرت أبصارنا﴾ ( الحجر : ١٥ ) أي حيرت، يقال : سكر بصره إذا تحير، وقال : يقال أيضا : تحيرت، يقال : سكر الله بصره، أي حيره، وسكرت الريح، تسكر سكور إذا سكنت، و يقال ليل ساكر أي ساكن، وسكرت الماء، أسكره سكرا، أي حبسته، و السكر السد و السكور جمع، والسكر مصدر سكر يسكر سكرا، فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة الغمرة، والغمرة الشدة. وقال عز وجل :﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾ ( ق : ١٩ ) أي شدته وعسرته(٥).
وقال القتبي : سكرت غشيت، ومنه يقال : سكر النهر إذا سده، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه، إنما هو الغطاء على العقل والعين.
وقال الحسن : سكرت بالتخفيف(٦) سحرت،
١ في الأصل وم: قالوا..
الحجر 15:16
أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا (١٦) قيل: نجومًا، ويحتمل البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة. ويحتمل ما ذكر من البروج: هي مطالع ما ذكر من الشمس والقمر والنجوم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) يعني السماء للناظرين.
وفي قوله: (وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) دلالة نقض قول من ينهى عن النظر إلى السماء من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها للناظرين، ثم ينهى عن النظر إليها، دل أنه لا بأس أللناظرين، وقال في آية أخرى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا...) الآية، وقال في موضع آخر: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ)، وجعل اللَّه في الشمس والقمر والنجوم منافع: يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباهًا؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد منهما بسلطان الآخر؛
الحجر 15:17
كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحَفِظْنَاهَا... (١٧)
يعني: السماء، (مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم بالمطر في يوم كذا وكذا، وكان حقا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط اللَّه الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو قوله: (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا). وقوله: (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ).
ويحتمل (وَحَفِظْنَاهَا): أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية اللَّه؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ...) الآية.
ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: (وَيُقْذَفُونَ...) الآية.
ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (رَجِيمٍ): اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر (دُحُورًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ... (١٩) وقال في، آية أخرى: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) يعني الجبال، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء كان طبعه التسفل والتسرب؟ إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن اللَّه - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (فِيهَا): يعني في الجبال، (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ): يعني: ما يوزن من نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا): يعني: في الأرض؛ من كل ألوان النبات، (مَوْزُونٍ): أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ).
ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزونًا في الآخرة من الزروع وغيرها من الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، واللَّه أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.
ويحتمل قوله: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ): ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت. واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَظَلُّوا فِيهِ): أيْ صاروا يومهم (يَعْرُجُونَ): يرتفعون ويصعدون.
وقال غيره: ظلوا: أي: [مالوا]، كقوله: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)، أي: مالت، وقال: قوله: (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا): أي تحيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، وقال: يقال أيضًا تحيرت، يقال: سكر اللَّه بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر سكرًا: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكرًا: أي: حبسته،
الحجر 15:18
والسكر: السد، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكرًا؛ فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)، أي: شدته.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سدّ، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين.
وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (بُرُوجًا): قال: اثنا عشر برجًا، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ) يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئًا إلا استراقًا، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ (١٨)
يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قومًا حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم. و (شِهَابًا): كوكب، وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (شِهَابٌ مُبِينٌ) لرسول اللَّه كان له خاصةً لم يكن قبل واللَّه أعلم.
وقوله: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ... (٢٠) أي: في الأرض والجبال.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ).
قال الحسن: أي: جعلنا لكم في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم أيضًا، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على اللَّه، هو يرزقهم وإياكم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ): الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة كانوا يمنون على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويقولون: نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جوابًا لهم: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) أي: محمدًا.
الحجر 15:19
الآية ١٩ : وقوله تعالى :﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي﴾ وقال في آية أخرى :﴿وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم﴾ ( الأنبياء : ٣١ ) يعني الجبال. فظاهر هذا أن الأرض كأنها مضطربة، وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، والأرض، طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء، طبعه التسفل والتسرب إلا أن يقال : إن طبعها، كان الاضطراب والانكفاء، فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء ؟ أو أن يقال : من طبعها ما ذكرنا : التسفل والانحدار، إلا أن الله بلطفه أثبت ما هو طبعه التسفل كذلك. ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا في ما تقدم.
وقوله تعالى :﴿وأنبتنا فيها من كل شيء موزون﴾ قال بعضهم :﴿فيها﴾ يعني في الجبال ﴿من كل شيء موزون﴾ أي ما يوزن من نحو الذهب والفضة والحديد والرصاص ونحوه مما يستخرج منها. وهذا كأنه ليس بصحيح، لأنه لا يقال في الذهب والفضة والحديد : إنه أنبت في الأرض كما يقال كذلك للنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب والفضة والحديد : جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.
وقال بعضهم :﴿وأنبتنا فيها﴾ يعني في الأرض ﴿من كل شيء موزون﴾ من كل ألوان ( البنات )(١) موزون أي معلوم مقدر بقدر كقوله ﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ ( الحجر : ٢١ ) ويحتمل ﴿وأنبتنا فيها﴾ وما يصير موزونا في الآخرة من الزروع وغيرها والحبوب أو ما ذكرنا : أي، والله أعلم، ليس على الجزاف على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.
ويحتمل قوله :﴿من كل شيء موزون﴾ ما لو اجتمع الخلائق لم يعرفوا قدر ما يزداد، وينمو من النبات في لحظة واحدة وطرفة عين في أول ما يخرج، ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده معلوم قدره ليعلم لطفه ( وقدرته وتدبيره وعلمه وأنه تدبير )(٢) واحد حين(٣) لم يختلف ذلك، ولم يتفاوت، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، في الأصل: وتدبيره..
٣ في الأصل وم: حيث..
الحجر 15:20
الآية ٢٠ : وقوله تعالى﴿وجعلنا لكم فيها معايش﴾ أي في الأرض والجبال.
وقوله تعالى :﴿ومن لستم له برازقين﴾ قال الحسن : أي جعلنا لكم في الأرض معايش : ما تعيشون به، ولمن حولكم أيضا جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم، إنما ذلك على الله، هو يرزقهم وإياكم.
وقال بعضهم :﴿ومن لستم له برازقين﴾ الوحش والطير. وأما الأنعام فإنه قد أشركهم البشر في المعايش. وكان غير هذا أقرب وأوفق، وهو أن أهل مكة، كانوا(١) يمنون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقولون : نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه، ثم فعل بنا كذا. فخرج هذا جوابا لهم ﴿وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ أي محمدا.
١ في الأصل وم: كأنهم..
الحجر 15:21
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)
يحتمل هذا - واللَّه أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ أي: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي خزائننا.
(وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ).
على هذا (وَمَا نُنَزِّلُهُ): أي: ما نعطيه (إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ): أي: وإن كان عندكم مخزونًا محبوسًا - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.
ويحتمل قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) والخزائن: هي الأمكنة الخفية التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - واللَّه أعلم -: وإن من شيء كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن تدبيره وعلمه فيِ الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.
وقال الحسن: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ): أي: الماء الذي جعل به حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، وقال: ألا ترى أنه قال: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، ذكر الإنزال: وهو الذي ينزل من السماء طاهرًا. هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، واللَّه أعلم بذلك.
ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهَؤُلَاءِ، لا أنه أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال في آخره: (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ).
الحجر 15:22
وقوله: (إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه. ويحتمل: (إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) أي: بقدر سابق معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره.
أو (بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) محدود؛ أي: ليس ينزل جزافًا، ولكن معلومًا محدودًا. والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَوَاقِحَ): حوامل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (لَوَاقِحَ) تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: قال أبو عبيدة: (لَوَاقِحَ): إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من الأشجار، والسحاب، وغيره. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ).
هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ)، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر.
(وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ): أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ الذي ذكر أنه أنزل من السماء. ويحتمل (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ) أي: لله (بِخَازِنِينَ): أي: ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد اللَّه، عَزَّ وَجَلَّ.
وعلى تأويل الآخر: (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ): بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)
الحجر 15:23
الآية ٢٣ : وقوله تعالى :﴿وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون﴾ أي الباقون، يفنى الخلق كله، فيبقى هو.
ولذلك سمي من خلف الميت وارثا، لأنه يموت ؛ ويبقى الوارث، وهو باق. وكذلك يخرج قوله :﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها﴾ ( مريم : ٤٠ ) والله أعلم.
الحجر 15:24
أي: الباقون، يفنى الخلقُ كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثًا؛ لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باقٍ وكذلك يخرج قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)
قَالَ بَعْضُهُمْ: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون منهم ويولد؛ ولذلك قال: (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ): من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ إلى يوم القيامة.
وقال الحسن: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ) وفي الخير (الْمُسْتَأْخِرِينَ) في الشّر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)
الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.
والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا باللَّه.
وقوله: (عَلِيمٌ): عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم. أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ
الحجر 15:25
الآية ٢٥ : ولذلك قال :﴿وإن ربك هو يحشرهم﴾ من مضى، ومن بقي، ( ومن )(١) لم يكن بعد إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى :﴿إنه حكيم عليم﴾ [ يحتمل وجهين.
أحدهما ](٣) : هو الذي يضع الأشياء مواضعها.
الثاني : هو الذي يجعل للأشياء موضعها.
فالأول : قد يعرف الخلق الأشياء مواضعها، وأما الثاني : فلا يكون ذلك إلا بالله، وقوله :﴿عليم﴾ عليم بمصالح الخلق، ومالهم، وما عليهم، أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.
١ ساقطة ممن الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
الحجر 15:26
خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وقال في آية آخرى: (خَلَقَكُم مِنْ طِينٍ)، وقال: (مِنْ طِينٍ لَازِبٍ)، وقال في آية أخرى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ)، وقال: (خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)، ذكر مرة الحمأ المسنون؛ وقيل: هو الطين الأسود المتغير، وذكر مرة التراب، ومرة الطين اللازب: وهو الملتزق، ومرة من سلالة الطين، فيشبه أن يكون على الأحوال، واختلاف الأوقات: كان في حال الأول ترابًا، وفي حال طينًا لازبًا، وفي حال حمأ مسنونًا؛ وهو الذي اسودَّ وتغير؛ لطول مكثه، وصلصالا وفخارًا. فقبل أن يكون خلقًا مركبًا الجوارح فيه والعظام - كان على هذه الأحوال الثلاثة على ما أخبر من تغير أحوال أولاده؛ حيث قال: (خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ
مُضْغَةٍ)، ذكر فيه أحوالا ثلاثة قبل أن يخلق لحمًا وعظمًا، في حال كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة.
فعلى ذلك يحتمل ما ذكر في آدم: من تراب، وطين، وحمأ ونحوه، إن كان على اختلاف الأحوال على ما ذكرنا.
أو أن يكون على التشبيه والتمثيل، ووجه التمثيل بالطين: الذي ذكر؛ وهو أن الطين الذي يكون كالصلصال، والفخار، واللازب؛ ونحوه - هو الطين الطيب؛ الذي يكون منه البنيان، والأوانى، والقدور، وجميع أنواع المنافع. وأما الطين الذي يخبث - فإنه لا يتخذ منه شيء مما ذكرنا، ولا يتهيأ اتخاذ شيء من ذلك، فشبه خلق آدم بالطين الذي يجتمع فيه جميع أنواع المنافع، فعلى ذلك جمع في آدم جميع أنواع المنافع والخير، كالطين الطيب.
ثم فيه دلالة قدرته، وسلطانه، وذكر نعمه؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من تراب وطين؛ وما ذكر، وليس في التراب، ولا في الطين - من أثر البشرية - شيء، وكذلك ليس في النطفة التي خلق البشر منها من أثر البشرية شيء؛ ليعلم أنه قادر على إنشاء الأشياء من شيء، ومن لا شيء؛ إذ ليس فيما ذكر من الطين والتراب؛ الذي خلق منه أبا البشر من أثر البشرية فيه شيء، ولا في النطفة التي خلق منها أولاده؛ من أثر البشرية والإنسانية من اللحم، والعظم، والشعر، وغيره، وما ركب فيهم: من العقل، والعلم، والتدبير، والجوارح، وغير ذلك - شيء؛ ليعلم قدرته وسلطانه على خلق الأشياء: لا من شيء؛ وليعرفوا نعمه التي أنعمها عليهم؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من طين لازب، وصلصال، وما ذكر، وذلك وصف الطين الطيب؛ لأن ما خبث من الطين لا يبلغ المبلغ الذي وصفه، ولا يصير إلى تلك الحال، وإن طال مكثه؛ لأنه لا ينتفع به لا من اتخاذ البنيان، والأواني، والقدور، ولا ينبت الزروع أيضًا، فيحتمل على التمثيل الذي ذكرنا لا على التحقيق، أو على التحقيق على الأحوال المختلفة. فدل أنه إنما خلقه من طين لازب؛ طاب أصله.
فعلى ذلك يحتمل النطفة التي يخلق منها البشر تكون طاهرة، وهي لا تصيب شيئًا، وهي على غير الوصف الذي يخرج؛ لأنه قال: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ)، وقال: (مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ).
والصلصال: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو التراب اليابس. والحمأ: الطين الأسود. والمسنون: المنتن المتغير.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصلصال: هو الذي إذا ضربته تصوت؛ ومنه يقال: صلصلة اللجام والفرس؛ إذا كان يصلصل؛ وهو قول ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الصلصال: الطين اليابس الذي لا يصيبه النار؛ فإذا نَقَرْتَهُ صوّت، فإذا مسته النار - فهو فخار: والمسنون: المتغير الرائحة، والمسنون -أيضًا-: المصبوب، وسننت الشيء: إذا صببته صبًّا سهلا، وسنّ الماء على وجهك، وهو قول الْقُتَبِيّ.
الحجر 15:27
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ): الحمأ: التراب الأسود يكون في أسفل البئر، ومن هذا سمي الحمي؛ لأنه يحمي أن يرعى، ويقال: حميت الحرب، والشمس، والتنور، يحمى: إذا اشتد حره. ومسنون: أي: مخلوق.
وقال الحسن: المسنون: الذي سن عليه خلقة الخلق؛ يعني أولاده على خلقته؛ أي: على خلقته خلق الخلق، وأمثال هذا. واللَّه أعلم بذلك.
وقوله تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: الجان: هو إبليس. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الجان: هو أبو الجن، وإبليس: هو أبو الشياطين؛ سقوا شياطين لتمردهم في فعلهم، ذلك مقتدر من فعلهم، ألا ترى أنه ذكر من الإنس والجن شياطين؛ وهو قوله: (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) وذلك لتمردهم، والجان مقتدر عن الجن. واللَّه أعلم بذلك.
والسموم: قَالَ بَعْضُهُمْ: السموم: لهب النار؛ وليس له دخان؛ وهو المارج من نار، والمارج هو المنقطع منها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: من جنس النار؛ كأنه أراد لهبها، وقال: (مِنْ نَارِ السَّمُومِ): الحارَّة التي تقتل، فإذا كان السموم، والمارج - ما ذكر بعضهم أنه لهب النار - فمن طبعه الارتفاع والعلو، فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الارتفاع والعلو؛ وهو الجانّ الذي ذكر، والطين طبعه التسفل والانحدار إلى الأرض؛ فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الهوى إلى الأرض، والميل إليها.
والجانّ: قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الجن: واحدُ الجان، والجمع: جان؛ سمي ذلك لاستجنانه. وقال غيره: الجن: الجماعة، والجانّ الواحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ (٢٩)
أي أتممته (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) وقال في آية أخرى: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا).
الحجر 15:28
الآيتان ٢٨ و ٢٩ : وقوله تعالى :﴿وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون﴾ ﴿فإذا سويته﴾ أي أتممته ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ وقال في آية أخرى :﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ ( التحريم : ١٢ ) لم يشبه هذا على الناس، ولم يفهموا من قوله :﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [ وقوله ](١) :﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ ( الأنبياء : ٩١ ) ما فهموا من نفخ الخلق.
فما بالهم فهموا من قوله :﴿ثم استوى على العرش﴾ ( الأعراف : ٥٤، . . . . . . ) وقوله(٢) :﴿ثم استوى إلى السماء﴾ ( البقرة : ٢٩ ) ونحوه استواء الخلق. بل ( فهموا نفخة منه )(٣) فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه، ولا يمكن صرف النفخ منه. لكنه اشتبه عليهم لأنهم اقتدروا فعل الله بفعل الخلق، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله :﴿تلك حدود الله﴾ ( البقرة : ١٨٧، . . . . . . . . ) و ﴿حكم الله﴾ ( المائدة : ٤٣، . . . . . . . . . . . ) و ﴿عبد الله﴾ ( مريم : ٣٠ ) و ﴿خلق الله﴾ ( لقمان : ١١ ) وأمثالها(٤). وقد أخبر أنه ﴿ليس كمثله شيء﴾ ( الشورى : ١١ ) أو تلقين من الشيطان.
وقوله تعالى :﴿روحي﴾ و ﴿روحنا﴾ ( التحريم : ١٢ ) أي الروح الذي به حياة الخلق، أي خلق الذي يكون به حياة الخلق على ما ذكرنا.
وقوله تعالى :﴿فقعوا له ساجدين﴾ يحتمل أن يكون قوله ﴿إني خالق بشرا﴾ مما ذكر خبرا (٥) أنه سيفعل، وأمرا (٦) لهم بالسجود [ فيكون الأمر بالسجود ](٧) بعد ما خلقه إياه. فهذا يدل أنه قد يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في م: فهم نفخة من، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: وأمثاله..
٥ في الأصل وم: خبر..
٦ في الأصل وم: أمر..
٧ من م، ـ ساقطة من الأصل..
الحجر 15:29
الآيتان ٢٨ و ٢٩ : وقوله تعالى :﴿وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون﴾ ﴿فإذا سويته﴾ أي أتممته ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ وقال في آية أخرى :﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ ( التحريم : ١٢ ) لم يشبه هذا على الناس، ولم يفهموا من قوله :﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [ وقوله ](١) :﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ ( الأنبياء : ٩١ ) ما فهموا من نفخ الخلق.
فما بالهم فهموا من قوله :﴿ثم استوى على العرش﴾ ( الأعراف : ٥٤،...... ) وقوله(٢) :﴿ثم استوى إلى السماء﴾ ( البقرة : ٢٩ ) ونحوه استواء الخلق. بل ( فهموا نفخة منه )(٣) فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه، ولا يمكن صرف النفخ منه. لكنه اشتبه عليهم لأنهم اقتدروا فعل الله بفعل الخلق، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله :﴿تلك حدود الله﴾ ( البقرة : ١٨٧،........ ) و ﴿حكم الله﴾ ( المائدة : ٤٣،........... ) و ﴿عبد الله﴾ ( مريم : ٣٠ ) و ﴿خلق الله﴾ ( لقمان : ١١ ) وأمثالها(٤). وقد أخبر أنه ﴿ليس كمثله شيء﴾ ( الشورى : ١١ ) أو تلقين من الشيطان.
وقوله تعالى :﴿روحي﴾ و ﴿روحنا﴾ ( التحريم : ١٢ ) أي الروح الذي به حياة الخلق، أي خلق الذي يكون به حياة الخلق على ما ذكرنا.
وقوله تعالى :﴿فقعوا له ساجدين﴾ يحتمل أن يكون قوله ﴿إني خالق بشرا﴾ مما ذكر خبرا (٥) أنه سيفعل، وأمرا (٦) لهم بالسجود [ فيكون الأمر بالسجود ](٧) بعد ما خلقه إياه. فهذا يدل أنه قد يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في م: فهم نفخة من، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: وأمثاله..
٥ في الأصل وم: خبر..
٦ في الأصل وم: أمر..
٧ من م، ـ ساقطة من الأصل..
الحجر 15:30
لم يشتبه هذا على الناس، ولم يفهموا أمن قوله: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)، (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)، ما فهموا من نفخ الخلق، فما بالهم فهموا من قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، و (اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)، ونحوه - استواء الخلق؟ بل فهم نفخه من فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه؛ لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه؛ ولا يمكن صرف النفخ فيه، لكنه اشتبه عليهم؛ لأنهم اقتدروا فعل اللَّه بفعل الخلق، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله: حدود اللَّه، وحكم اللَّه، وعباد اللَّه، وخلق اللَّه، وأمثاله. وقد أخبر أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، أو تلقين من الشيطان.
وقوله: (رُوحِي) (رُوحِنَا) أي: الروح الذي به حياة الخلق؛ أي: خلق الذي يكون به حياة الخلق على ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).
يحتمل أن يكون قوله: (خَالِقٌ بَشَرًا) ما ذكر خبر أنه سيفعل، وأمر لهم بالسجود؛ فيكون الأمر بالسجود بعد ما خلقه إياه، فهذا يدل أنه قد يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)
ظاهر الأمر بالسجود؛ والاستثناء - الذي ذكر - يدل أن إبليس من الملائكة؛ لأن فيهم كان الأمر بالسجود، ومنهم وقع الثنيا، وقد ذكرنا اختلافهم وأقاويلهم فيما تقدم؛ مقدار ما حفظناه.
قال: والأصل بأن كل ما خرج مخرج الاستثناء - فيجب أن يسقط اسم ما أجمل؛ نحو قول الرجل الآخر: لك علي عشرة إلا درهمًا، يسقط الاستثناء ما أجمل من الاسم حتى صار تسعة، وكذلك إذا قال: ألف إلا خمسين، وإذا لم يسقط ذلك الاسم - فلابد أن يكون الكل فيه مضمرًا؛ نحو قول الرجل: رأيت علماء بلدة كذا إلا فلانًا - يجب أن يضمر فيه حرف الكل، حتى يقع على كل؛ نحو أن يقول: رأيت كل علماء بلدة كذا إلا
الحجر 15:31
فلانًا، فعلى ذلك تخصيص العموم.
وقال الحسن: في قوله: (مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) قال: الصلصال: هو الطين الحر الذي يتصلصل من صلابته ويبوسته، والحمأ الطين، والمسنون: قال: مسنون خلقته؛ فهو سنة للخلق بعده من ذريته؛ أن يخلقوا على خلقته؛ وكقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ)، يقول: استلها من بين ظَهراني الطين؛ لا من كل طين خلقه، وكذلك قال في تناسل ذريته؛ وهو قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) ليس من كل ما؛ خلقه؛ ولكن استلها من بين ظهراني الماء. وقال: الجانّ: إبليس؛ هو أبو الجن (خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ): أي: من قبل آدم (مِنْ نَارِ السَّمُومِ): يقول: السموم: هو اسم من أسماء جهنم، ولها أسماء كثيرة، أخبر أنه خلقه من نار السموم؛ أي: جهنم. والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) (قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) وقال في موضع آخر: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ) وقال له: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ)، وقال في موضع آخر: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)، وقال في موضع آخر (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ)، وقال في موضع آخر: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).
ذكر مثل هذا على اختلاف الألفاظ، ومعلوم أن هذه المخاطبات معه - لم تكن معه مرارًا؛ ولكن بمرة واحدة.
وقال أبو بكر الأصم: ذكر اللَّه تعالى قصة إبليس، وقصة الأنبياء جميعًا في مواضع على اختلاف الألفاظ؛ لأنها كذلك كانت في كتبهم، فذكرها على ما في كتبهم؛ ليعلموا أن نبي اللَّه إنما عرف ذلك باللَّه؛ ليدلهم على صدقه، وفيه دلالة أن اختلاف الألفاظ وتغييرها - لا يوجب اختلاف الحكم بعد ألا يغير المعنى، فهذا يدل أن الخبر إذا أُدِّي معناه على اختلاف لفظه - فإنه يجوز، وكذلك إذا قرأ بغير لسان الذي أنزل - فإنه يجوز إذا أتى بمعناه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)
قوله: (فَاخْرُجْ مِنْهَا): قَالَ بَعْضُهُمْ: اخرج من السماء إلى الأرض. وقَالَ بَعْضُهُمْ:
الحجر 15:32
الآيات ٣١ و ٣٢ و ٣٣ : وقوله تعالى :﴿إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ﴿قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين﴾ ﴿قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون﴾ وقال في موضع آخر ﴿إلا إبليس أبى واستكبر﴾ ( البقرة : ٣٤ ).
وقال له :﴿قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين﴾ وقال في موضع آخر :﴿ما منعك أن تسجد﴾ ( ص ٧٥ ) وقال في موضع آخر. ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ ( الأعراف : ١٢ ) ذكر مثل هذا على اختلاف الألفاظ. ومعلوم أن هذه المخاطبات معه، لم تكن معه مرارا، ولكن بمرة واحدة.
قال أبو بكر الأصم : ذكر الله تعالى قصة إبليس وقصص(١) الأنبياء جميعا في مواضع، لأنها كذلك كانت في كتبهم، فذكرها على ما في كتبهم ليعلموا أن نبي الله إنما عرف ذلك بالله ليدلهم على صدقه.
وفيه دلالة أن اختلاف الألفاظ وتغييرها لا يوجب اختلاف الحكم، ولا(٢) يغير المعنى. فهذا يدل أن الخبر إذا أدى معناه على اختلاف لفظه فإنه يجوز. وكذلك إذا قرئ بغير لسان الذي أنزل فإنه يجوز إذا أتى بمعناه، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وقصة..
٢ في الأصل وم: بعد ألا..
الحجر 15:33
الآيات ٣١ و ٣٢ و ٣٣ : وقوله تعالى :﴿إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ﴿قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين﴾ ﴿قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون﴾ وقال في موضع آخر ﴿إلا إبليس أبى واستكبر﴾ ( البقرة : ٣٤ ).
وقال له :﴿قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين﴾ وقال في موضع آخر :﴿ما منعك أن تسجد﴾ ( ص ٧٥ ) وقال في موضع آخر. ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ ( الأعراف : ١٢ ) ذكر مثل هذا على اختلاف الألفاظ. ومعلوم أن هذه المخاطبات معه، لم تكن معه مرارا، ولكن بمرة واحدة.
قال أبو بكر الأصم : ذكر الله تعالى قصة إبليس وقصص(١) الأنبياء جميعا في مواضع، لأنها كذلك كانت في كتبهم، فذكرها على ما في كتبهم ليعلموا أن نبي الله إنما عرف ذلك بالله ليدلهم على صدقه.
وفيه دلالة أن اختلاف الألفاظ وتغييرها لا يوجب اختلاف الحكم، ولا(٢) يغير المعنى. فهذا يدل أن الخبر إذا أدى معناه على اختلاف لفظه فإنه يجوز. وكذلك إذا قرئ بغير لسان الذي أنزل فإنه يجوز إذا أتى بمعناه، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وقصة..
٢ في الأصل وم: بعد ألا..
الحجر 15:34
الآية ٣٤ : وقوله تعالى :﴿قال فاخرج منها فإنك رجيم﴾ قوله :﴿فاخرج منها﴾ قال بعضهم : اخرج من السماء إلى الأرض. وقال بعضهم : اخرج من الأرض إلى جزائر البحر. وقال بعضهم : اخرج من الجنة، وأمثالها(١). أو اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة.
وجائز أن يقال : اخرج من كذا إلى مكان كذا على غير حقيقة الخروج. ولسنا ندري كيف كان ذلك (٢).
وقوله تعالى :﴿رجيم﴾ قيل : الرجيم الملعون، وقيل : الرجيم ما يرجم بالكواكب.
١ في الأصل وم: وأمثاله..
٢ في الأصل وم: كذلك..
الحجر 15:35
اخرج من الأرض إلى جزائر البحر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: اخرج من الجنة، وأمثاله أو اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة، وجائز أن يقال: اخرج من كذا: أي: تحول من مكان كذا إلى مكان كذا على حقيقة الخروج، ولسنا ندري كيف كان كذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَجِيم) قيل: الرجيم: الملعون. وقيل: الرجيم: ما يرجم بالكواكب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)]
اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والخذلان، طرد عن رحمته إلى يوم الدِّين، حتى لا يهتدي إلى دين اللَّه وهداه، ثم يوم الدِّين له العذاب الدائم واللعنة القائمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)
لعن اللعين، وطرد عن رحمته إلى يوم الدِّين؛ أي: لا تدركه الهداية؛ لأن الهداية في الدنيا إنما تدركه برحمته، والرحمة في الآخرة هي العفو عما لزمه؛ ووجب عليه.
مسألة تكلموا فيها: ما الحكمة في خلق اللَّه تعالى إبليس؛ مع علمه ما يكون منه: من إفساد خلقه، والدعاء إلى المعاصي، وإنظاره إلى يوم الوقت المعلوم؛ وقد علم أنه إنما ينظره؛ ليفسد عباده، فمع ما علم أنه يكون منه فما الحكمة في خلقه؟
قَالَ بَعْضُهُمْ: خلق إبليس وأهل المعاصي؛ مع علمه ذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق لمنافع نفسه، ولا لحاجة نفسه، وأن معاصيه لا تضره، ولا تدخل نقصانا في ملكه، فخلقه - مع علمه بما يكون منه - ليعلم أنه لم يخلق الخلق لمنافع نفسه ولا لحاجته، ولكن لمنافع أنفسهم ولحاجاتهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: خلق الأعداء والأولياء؛ نظرًا للأولياء؛ ليعلم أولياؤه الاختصاص الذي اختصهم به، ولو كانوا جميعًا أولياءه - لم يعرفوا فضيلة اللَّه؛ واختصاصه إياهم، وهكذا النعم وإحسان اللَّه، لا يعرف بنفس النعم ونفس الإحسان؛ وإنما يعرف بالبلايا والشدائد التي تحل، فعلى ذلك الأولياء: لو لم يكن الأعداء لم يعرفوا اختصاص الله
الحجر 15:36
الآيات : ٣٦ و ٣٧ و ٣٨ : وقوله تعالى :﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون﴾ ﴿قال فإنك من المنظرين﴾ ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ لعن اللعين، وطرد عن رحمته إلى يوم الدين ؛ أي لا تدركه الهداية، لأن الهداية في الدنيا إنما تدركه برحمته.
والرحمة في الآخرة هي العفو عما لزمه، ووجب عليه.
مسألة، تكلموا فيها : ما الحكمة في خلق الله تعالى إبليس مع علمه ما يكون منه من إفساد خلقه والدعاء إلى المعاصي وإنظاره ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ وقد علم أنه إنما ينظره ليفسد عباده ؟ فمع ما علم ما يكون منه، فما الحكمة في خلقه ؟.
قال بعضهم : خلق إبليس وأهل المعاصي مع علمه ذلك ليعلم أنه لم يخلق لمنافع نفسه ولا لحاجة نفسه، وأن معاصيهم (١) لا تضره، ولا تدخل نقصانا في ملكه. فخلقه مع علمه لما يكون منه ليعلم أنه لم يخلق الخلق لمنافع نفسه ولا لحاجته ولكن لمنافع أنفسهم ولحاجتهم.
وقال بعضهم : خلق الأعداء والأولياء نظرا للأولياء، ليعلم أولياؤه الاختصاص الذي اختصهم به، ولو كانوا جميعا أولياءه لم يعرفوا فضيلة الله واختصاصه إياهم. وهكذا النعم وإحسان الله لا يعرف بنفس النعم ونفس الإحسان، وإنما تعرف بالبلايا والشدائد التي تحل. فعلى ذلك الأولياء ؛ لو لم يكن الأعداء لم يعرفوا اختصاص الله لهم وفضائله التي أكرمهم بها.
وقال بعضهم : خلق الأعداء نظرا للأولياء على ما ذكرنا، لكن من وجه آخر : وأصله أن الله عز وجل جائز أن ينشىء أشياء، فيها حكمة وسرية، لا يبلغها علم الخلق، ولا تدركها حكمة البشر على ما جعل النعم الظاهرة، فيها حكمة معنى، لا يبلغه علم الخلق ولا حكمة (٢) البشر. وكذلك البلايا والشدائد، فيها حكمة، لا يبلغها علم الخلق.
فعلى ذلك جائز أنه خلق إبليس والعصاة والغواة لحكمة، جعل في ذلك حكمة، لا يبلغها علم الخلق، ولا تدركها حكمة البشر على ما ذكرنا من النعم الظاهرة والشدائد الظاهرة.
وأصله أن الله تعالى خلق الخلق على علم منه أنهم، يعصون، ويعادون، لكن ( مكن لهم ) (٣) من الاختيار والإيثار ما به نجاتهم وهلاكهم إذا اختاروا / ٢٧٧ – أ / ذلك. فإذا اختاروا ما به نجاتهم نجوا، وإذا اختاروا ما به هلاكهم هلكوا، فيكون هلاكهم باختيارهم ونجاتهم باختيارهم.
وأصله ما ذكرنا في غير موضع أنه أنشأهم في هذه الدنيا ليمتحنهم فيها، وفي خلق ما ذكر من إبليس وغيره من الأعداء ليتم لهم المحنة. وفي ترك خلق ذلك ذهاب المحنة، وهي دار الامتحان.
وقوله تعالى :﴿قال فإنك من المنظرين﴾ ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ قال بعض أهل التأويل : إلى النفخة الأولى. وقيل : إلى النفخة الثانية، ونحوه. لكنا لا نعلم ذلك. وكأنه تعالى أنظره ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ ولم يبين له ذلك الوقت، ولم يطلعه على حينه(٤) قال :﴿وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه﴾ الآية ( الأنفال : ٤٨ ) أخبر أنه يرى ما لا يرون هم، وأنه يخاف الله. ولو كان بين له الوقت المعلوم لكان لا يخاف هلاكه قبل ذلك الوقت.
فهذا يدل على ما ذكرنا، والله أعلم ؟
١ في الأصل وم: معاصيه..
٢ في م: حكم..
٣ في الأصل: كن، في، م: كن لهم..
٤ في الأصل وم: حيث..
الحجر 15:37
لهم، وفضائله التي أكرمهم بها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: خلق الأعداء نظرًا للأولياء على ما ذكرنا، لكن من وجه آخر، وأصله أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جائز أن ينشئ أشياء فيها حكمة وسرية؛ لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما جعل النعم الظاهرة فيها - حكمة معنى لا يبلغه علم الخلق؛ ولا حكمة البشر، وكذلك البلايا والشدائد فيها حكمة لا يبلغها علم الخلق، فعلى ذلك جائز أن خلق إبليس، وعُصاة الخلق؛ لحكمة جعل في ذلك؛ حكمة لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما ذكرنا: من النعمة الظاهرة؛ والشدائد الظاهرة، وأصله أن اللَّه تعالى خلق الخلق على علم منه أنهم يعصون؛ ويعاندون، لكن مكن لهم من الاختيار والإيثار - ما به نجاتهم وهلاكهم؛ إذا اختاروا ذلك، فإذا اختاروا ما به نجاتهم - نجوا، وإذا اختاروا ما به هلاكهم - هلكوا، فيكون هلاكهم باختيارهم، ونجاتهم باختيارهم. وأصله: ما ذكرنا في غير موضع؛ أنه أنشأهم في هذه الدنيا؛ ليمتحنهم فيها، وفي خلق ما ذكر: من إبليس؛ وغيره من الأعداء؛ ليتم لهم المحنة، وفي ترك خلق ذلك ذهاب المحنة؛ وهي دار الامتحان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)
قال بعض أهل التأويل: إلى النفخة الأولى وقيل: إلى النفخة الثانية، ونحوه. لكنا لا نعلم ذلك، وكأنه تعالى أنظره إلى الوقت المعلوم؛ ولم يبين له ذلك الوقت، ولم يطلعه عليه؛ حيث قال: (وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ...) أخبر أنه يرى ما لا يرون هم، وأنه يخاف اللَّه، ولو كان بيّن له الوقت المعلوم - لكان لا يخاف هلاكه قبل ذلك الوقت، فهذا يدل على ما ذكرنا. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ... (٣٩)
قال الحسن: قوله: (بِمَا أَغْوَيْتَنِي): أي: لعنتني. وهذا منه احتيال وفرار عن مذهب الاعتزال، وما يلزمهم في قوله: (أَغْوَيْتَنِي) يلزم في قوله: لعنتني؛ لأن اللعن: هو الطرد؛ فإذا طرده عن رحمته - فقد خذله، فالطرد والإغواء والإضلال سواء؛ فيلزم في اللعن ما يلزمهم في الإغواء.
وقال أبو بكر الأصم: الإغواء واللعن من اللَّه: شتم، لكن هذا بعيد، لا يجوز أن يضاف إلى اللَّه الشتم أنه يشتم؛ لأن الشاتم والساب لآخر - في الشاهد بما يشتمه - مذموم عند الخلق؛ فلا يجوز أن يضاف إلى اللَّه ما به يذم. وأصله: أن قوله: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) يحتمل أنه خلق فعل الغواية منه أو أغواه؛ لما علم أنه يختار الغواية والضلال.
وقوله: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ): كأنه يقول: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزيدن لهم في الغواية بما أغويهم، وقد ذكرنا هذا وأمثاله فيما تقدم.
فَإِنْ قِيلَ: قوله: (أَغْوَيْتَنِي) قول إبليس؛ وهو كاذب بالإضافة إليه. قيل: لو كان فيما أضاف إليه الإغواء كاذبًا لكذبه فيه، ورد عليه قوله، كما كذبه في قوله ورد عليه: أنا خير منه خلقتني من كذا وخلقته من كذا؛ حيث قال: (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا)، فلما لم يرد عليه؛ ولم يكذبه فيما أضاف إليه حرف الإغواء دل أن إضافة الإغواء إليه، والإضلال حقيقة أو أن يكون قوله: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) إنما ذلك منه ذكر فضله وإحسانه؛ حيث أخبر أنه خلفه مما هو أفضل وأعظم مما خلق آدم؛ فيخرج ذلك منه مخرج الشكر. وأما قوله: (أَغْوَيْتَنِي) ليس على ذلك، فلا يحتمل ألا يكذبه، ولا يرد عليه قوله إذا كان كاذبًا فيه؛ لأنه فعل شر أضافه إليه، إذا لم يكن منه الإغواء؛ لذلك اختلفا، أو لو كان قول إبليس - لعنه اللَّه - كذبًا فما تصنعون بقول نوح - عليه السلام - حيث قال: (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)، وقول موسى: (فَلَمََّا زَاغُوا أَزَاغَ اللََّهُ قُلُوبَهُم).
ثم قوله: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) يحتمل أن يكون منه عزم على ما ذكر، دون أن تفوّه بذلك، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عنه ما كان عزم؛ من الإغواء وغيره بالقول، وذلك جائز؛ يخبر عن العزم والقصد بالقول؛ كقوله: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) لا يحتمل أن يكون هذا القول الذي أخبر عنهم قولا منهم؛ لأنه لا أحد من المتصدقين يقول بمثل ذلك عند
الحجر 15:38
الآيات : ٣٦ و ٣٧ و ٣٨ : وقوله تعالى :﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون﴾ ﴿قال فإنك من المنظرين﴾ ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ لعن اللعين، وطرد عن رحمته إلى يوم الدين ؛ أي لا تدركه الهداية، لأن الهداية في الدنيا إنما تدركه برحمته.
والرحمة في الآخرة هي العفو عما لزمه، ووجب عليه.
مسألة، تكلموا فيها : ما الحكمة في خلق الله تعالى إبليس مع علمه ما يكون منه من إفساد خلقه والدعاء إلى المعاصي وإنظاره ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ وقد علم أنه إنما ينظره ليفسد عباده ؟ فمع ما علم ما يكون منه، فما الحكمة في خلقه ؟.
قال بعضهم : خلق إبليس وأهل المعاصي مع علمه ذلك ليعلم أنه لم يخلق لمنافع نفسه ولا لحاجة نفسه، وأن معاصيهم (١) لا تضره، ولا تدخل نقصانا في ملكه. فخلقه مع علمه لما يكون منه ليعلم أنه لم يخلق الخلق لمنافع نفسه ولا لحاجته ولكن لمنافع أنفسهم ولحاجتهم.
وقال بعضهم : خلق الأعداء والأولياء نظرا للأولياء، ليعلم أولياؤه الاختصاص الذي اختصهم به، ولو كانوا جميعا أولياءه لم يعرفوا فضيلة الله واختصاصه إياهم. وهكذا النعم وإحسان الله لا يعرف بنفس النعم ونفس الإحسان، وإنما تعرف بالبلايا والشدائد التي تحل. فعلى ذلك الأولياء ؛ لو لم يكن الأعداء لم يعرفوا اختصاص الله لهم وفضائله التي أكرمهم بها.
وقال بعضهم : خلق الأعداء نظرا للأولياء على ما ذكرنا، لكن من وجه آخر : وأصله أن الله عز وجل جائز أن ينشىء أشياء، فيها حكمة وسرية، لا يبلغها علم الخلق، ولا تدركها حكمة البشر على ما جعل النعم الظاهرة، فيها حكمة معنى، لا يبلغه علم الخلق ولا حكمة (٢) البشر. وكذلك البلايا والشدائد، فيها حكمة، لا يبلغها علم الخلق.
فعلى ذلك جائز أنه خلق إبليس والعصاة والغواة لحكمة، جعل في ذلك حكمة، لا يبلغها علم الخلق، ولا تدركها حكمة البشر على ما ذكرنا من النعم الظاهرة والشدائد الظاهرة.
وأصله أن الله تعالى خلق الخلق على علم منه أنهم، يعصون، ويعادون، لكن ( مكن لهم ) (٣) من الاختيار والإيثار ما به نجاتهم وهلاكهم إذا اختاروا / ٢٧٧ – أ / ذلك. فإذا اختاروا ما به نجاتهم نجوا، وإذا اختاروا ما به هلاكهم هلكوا، فيكون هلاكهم باختيارهم ونجاتهم باختيارهم.
وأصله ما ذكرنا في غير موضع أنه أنشأهم في هذه الدنيا ليمتحنهم فيها، وفي خلق ما ذكر من إبليس وغيره من الأعداء ليتم لهم المحنة. وفي ترك خلق ذلك ذهاب المحنة، وهي دار الامتحان.
وقوله تعالى :﴿قال فإنك من المنظرين﴾ ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ قال بعض أهل التأويل : إلى النفخة الأولى. وقيل : إلى النفخة الثانية، ونحوه. لكنا لا نعلم ذلك. وكأنه تعالى أنظره ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ ولم يبين له ذلك الوقت، ولم يطلعه على حينه(٤) قال :﴿وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه﴾ الآية ( الأنفال : ٤٨ ) أخبر أنه يرى ما لا يرون هم، وأنه يخاف الله. ولو كان بين له الوقت المعلوم لكان لا يخاف هلاكه قبل ذلك الوقت.
فهذا يدل على ما ذكرنا، والله أعلم ؟
١ في الأصل وم: معاصيه..
٢ في م: حكم..
٣ في الأصل: كن، في، م: كن لهم..
٤ في الأصل وم: حيث..
الحجر 15:39
الآية ٣٩ : وقوله تعالى :﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين﴾ قال الحسن :﴿رب بما أغويتني﴾ أي لعنتني، وهذا منه احتيال وفرار عن مذهب الاعتزال وما يلزمهم في قوله :﴿أغويتني﴾ يلزم في قوله : لعنتني، لأن اللعن هو الطرد، فإذا طرده عن رحمته فقد خذله في الطرد. والإغواء والإضلال سواء ؛ فيلزم في اللعن ما يلزمهم في الإغواء.
وقال أبو بكر الأصم : الإغواء واللعن من الله شتم، لكن هذا بعيد ؛ لا يجوز أن يضاف إلى الله الشتم [ ولا يقال ](١) إنه يشتم ؛ لأن الشاتم والساب لآخر في الشاهد بما يشتمه مذموم عن الخلق. فلا يجوز أن يضاف إلى الله ما به يذم.
وأصله أن قوله :﴿رب بما أغويتني﴾ يحتمل أنه خلق فعل الغواية منه، أو أغواه لما علم أنه يختار الغواية والضلال.
وقوله تعالى :﴿رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين﴾ كأنه يقول :﴿رب بما أغويتني لأزينن لهم﴾ في الغواية بما أغويهم. وقد ذكرنا هذا وأمثاله في ما تقدم.
فإن قيل : قوله :﴿أغويتني﴾ قول إبليس وهو كاذب بالإضافة إليه، قيل :[ لو كان ](٢) في ما أضاف إليه الإغواء كاذبا لكَذَّبَه، ورد عليه قوله ( كما كذبه، ورد عليه ](٣) :﴿أنا خير منه خلقتني من ( نار وخلقته من طين﴾(٤) ( الأعراف : ١٢، ص ٧٦ ) حين(٥) ﴿قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾ ( الأعراف : ١٣ ) فلما لم يرد عليه، ولم يكذبه في ما أضاف إليه حرف الإغواء. دل إن ( إضافة الإغواء والإضلال إليه )(٦) حقيقة، أو أن يكون قوله :﴿خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ إنما ذلك منه ذِكر فضله وإحسانه حين (٧) أخبر أنه خلقه مما هو أفضل وأعظم مما خلق آدم، فيخرج ذلك مخرج الشكر. وأما قوله :﴿قال رب بما أغويتني﴾ ليس على ذلك فلا يحتمل ألا يكذبه، ولا يرد عليه قوله إذا كان كاذبا فيه، لأنه فعل شرِّ أضافه إليه، إذا لم يكن منه الإغواء، لذلك اختلفا ؛ أي لو كان قول إبليس لعنه الله كذبا فما تصنعون بقول نوح عليه الصلاة والسلام حين(٨) قال :﴿إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ ( هود : ٣٤ ) ( وقول موسى حين قال :)(٩) ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ ؟ ( الصف : ٥ ).
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، ساقطة منم الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: كذا، وخلقته في كذا..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: الإضافة إليه الإغواء والإضلال..
٧ في الأصل وم: حيث..
٨ في الأصل وم: حيث..
٩ في الأصل وم: وقال موسى..
الحجر 15:40
التصدق؛ لكنه إخبار عما قصدوا وعزموا، بالتصدق؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون هذا من اللَّه إخبارًا عما عزم إبليس وقصد؛ على غير التفوه به والقول، وهو ما ذكر (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)، أخبر أنهم كتموا فيه وأضمروا.
ويحتمل أن يكون على التفوه بما ذكر، قال ذلك؛ لما قال له - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) لما شهد اللَّه عليه باللعن إلى يوم الدِّين أيس - لعنه اللَّه - عن الهدى؛ فقال: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي): أي: لعنتنى وشهدت عليَّ بذلك (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) المخلِص - بخفض اللام -: هو الذي أخلص له الاعتقاد، والعمل والوفاء، والمخلَص - بنصب اللام -: هو الذي أخلصه اللَّه، وحفظه، وعصمه، واختصه بذلك. والمخلص لا يقال إلا بعد أن يكون لله فيهم صنع، ولهم اختصاص، وفضائل اختصهم بذلك؛ برحمة اللَّه وفضله.
والمعتزلة يقولون: لا يستوجب أحد الاختصاص والفضيلة إلا بفعل يكون منه لا يستوجب باللَّه.
ويقولون: اللَّه لا يغوي أحدًا لا إبليس، ولا أحدًا من أتباعه؛ فإبليس أعرف باللَّه من المعتزلة؛ حيث رأوا أن اللَّه لا يغوي أحدًا ولا يختص أحدًا إلا بصنع يكون منه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله (عَلَيَّ) بمعنى إفيَ: أي: عَلَيَّ صراط مستقيم؛ يقول: هو بيدي لا بيد أحد وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحق يرجع إلى اللَّه، وعليه طريقه لا يعوج على شيء.
ويحتمل قوله: (عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ): أي: علي بيانه وهو مستقيم؛ كقوله: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ): أي: بيان قصد السبيل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لما قال إبليس: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) قال اللَّه تعالى: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) يقول: عَلَيَّ ممرّ من أغويته وتابعك؛ كقولك لآخر - إذا أوعدته -: إن طريقك عَلَيَّ. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ... (٤٢)
يحتمل قوله: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أي: ليس لك عليهم حجة (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الحجر 15:41
الآية ٤١ : وقوله تعالى :﴿قال هذا صراط علي مستقيم﴾ قال بعضهم : قوله :﴿علي﴾ بمعنى إلي أي إلى صراط مستقيم ؛ يقول : هو بيدي، ليس بيد أحد. وقال بعضهم : الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعوج على شيء.
ويحتمل قوله :﴿علي مستقيم﴾ أي علي بيانه، وهو مستقيم كقوله :﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ ( النحل : ٩ ) أي بيان قصد السبيل. وقال بعضهم : لما قال إبليس ﴿ولأغوينهم أجمعين﴾ قال الله تعالى :﴿قال هذا صراط علي مستقيم﴾ يقول : علي ممر من أغويته، وتابعك كقولك (١) لآخر إذا أوعدته : إن طريقك علي ؛ والله أعلم.
١ في الأصل وم: كقوله..
الحجر 15:42
الآية ٤٢ : وقوله تعالى :﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ يحتمل قوله :﴿ليس لك عليهم سلطان﴾ أي ليس لك عليهم حجة ﴿إلا من اتبعك من الغاوين﴾ فإنهم يتبعونك بلا حجة ولا برهان.
ويحتمل قوله :﴿ليس لك عليهم سلطان﴾ تقهرهم، وتضطرهم على ذلك ﴿إلا من تبعك من الغاوين﴾ فإنهم يتبعونك على غير قهر ولا اضطرار، أي من كان في علم الله أن يتبعك، ويختار الغواية، وإن لم يكن إغواؤك إياه، فإن لك عليه سلطانا.
الحجر 15:43
الْغَاوِينَ) فإنهم يتبعونك بلا حجة ولا برهان.
ويحتمل قوله: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ): تقهرهم وتضطرهم على ذلك إلا من اتبعك من الغاوين؛ فإنهم يتبعونك على غير قهر واضطرار؛ أي: من كان في علم اللَّه أن يتبعك ويختار الغواية؛ وإن لم يكن إغواؤك إياه؛ فإن لك عليه سلطانًا.
وقوله تعالى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)
أي: لموعد إبليس وأتباعه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)
يحتمل الأبواب المعروفة، ويحتمل الأبواب: الموارد والجهات التي تكون لها؛ ألا ترى أنه قال: (لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) فهذا يدل أن المراد بالأبواب: الموارد والدركات - لا نفس الأبواب؛ إذ جزء مقسوم إنما يكون للدركات؛ لا يكون للأبواب نفسها.
قال الحسن، والأصم: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) يعنون بالأبواب: الطبقات والدركات، لكل باب منهم جزء مقسوم: لليهود باب، وللنصارى باب، وللمجوس باب، وللذين أشركوا باب، وللمنافقين باب، ولأهل الكبائر باب وذكر أيضًا بابًا لفريق أدخلوا أهل الكبائر فيها، والصابئين، والدهرية.
وعندنا أن ظاهر الآية في الكافرين؛ لأنه قال: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) والغاوون: هم الكافرون، وكذلك قوله: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ) فإذا كان كذلك؛ فالسبعة الأبواب - التي ذكر - كلها لأهل الكفر، لا يدخل أهل الكبائر فيه.
ويحتمل: باب للمتجاهلة؛ وهم الذين ينكرون العالم الشاهد والغائب، لا يقرون بشيء، وباب للدهرية؛ وهم الذين ينكرون الصانع، وباب للثنوية، وهم الذين يقولون بالاثنين، وباب للذين أشركوا؛ وهم يقولون بالواحد؛ لكنهم يشركون فيه غيره؛ يعبدون الأصنام والأوثان، وباب لليهود، وباب للنصارى، وباب للمنافقين. فذلك سبعة أبواب، وليس لأهل الكبائر باب مسمى معلوم، إنما ذلك كله لأهل الكفر.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ).
الحجر 15:44
الآية ٤٣ : وقوله تعالى :﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين﴾ أي لموعد إبليس وأتباعه.
الآية ٤٤ : وقوله تعالى :﴿لها سبعة أبواب﴾ تحتمل الأبواب المعروفة، وتحتمل الأبواب الموارد والجهات التي تكون لها.
ألا ترى أنه قال :﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ ؟ فهذا يدل أن المراد بالأبواب الموارد والدَّركات لا نفس الأبواب ؛ إذ ﴿جزء مقسوم﴾ إنما يكون للدَّركات، لا يكون للأبواب نفسها.
قال الحسن والأصم :﴿لها سبعة أبواب﴾ يعني بالأبواب الطبقات والدركات ﴿لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ لليهود باب، وللصابئين(١) باب، وللمجوس باب، وللذين أشركوا باب، وللمنافقين باب، ولأهل الكبائر باب. وذكر(٢) أيضا بابا لفريق أدخلا(٣) أهل الكبائر ( فيه والنصارى )(٤) والدهرية.
وعندنا أن ظاهر الآية في الكافرين ؛ لأنه قال :﴿ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ والغاوون هم الكافرون، وكذلك قوله :﴿ولأغوينهم﴾ فإذا كان كذلك فسبعة (٥) الأبواب التي ذكر كلها لأهل الكفر، لا يدخل أهل الكبائر فيها.
ويحتمل باب للمتجاهلة، وهم الذين ينكرون العالم الشاهد والغائب، ولا يقرون بشيء، وباب للدهرية، وهم الذين ينكرون الصانع، وباب للثَنَويَّة، وهم الذين يقولون بالاثنين، وباب للذين أشركوا، وهم يقولون بالواحد، لكنهم يشركون فيه غيره، يعبدون الأصنام والأوثان، وباب لليهود، وباب النصارى، وباب للمنافقين. فتلك سبعة أبواب. وليس لأهل الكبائر مسمى معلوم، إنما ذلك كله لأهل الكفر.
١ في م: وللنصارى..
٢ في الأصل وم: وذكر..
٣ في الأصل وم: أدخلوا..
٤ في الأصل: فيها والنصارى، في م: فيها والصابئين..
٥ في الأصل وم: فالسبعة..
الحجر 15:45
الآية ٤٥ : وقوله تعالى :﴿إن المتقين في جنات وعيون﴾ إن كان أهل الكبائر في قوله :﴿لها سبعة أبواب﴾ فيكون قوله :﴿إن المتقين﴾ الذين اتقوا الكبائر، وإن كان أصحاب / ٢٧٧ – ب / الكبائر لم يدخلوا في قوله :﴿لها سبعة أبواب﴾ فيكون قوله :﴿إن المتقين﴾ الذين اتقوا الشرك.
وقوله تعالى :﴿في جنات وعيون﴾ أي بساتين، والبساتين هي التي التفت بالأشجار والنخيل، والعيون قد تكون جارية في الدنيا، وقد تكون غير جارية. فأخبر في آية أخرى أن عيون الآخرة تكون جارية بقوله :﴿فيها عينان تجريان﴾ ( الرحمن : ٥٠ ).
[ وقوله تعالى ](١) :﴿وعيون﴾ قال بعضهم : ذكر العيون ليعلم أن مياه الجنة ليست تكون من الثلوج والأنهار العظام على ما تكون في الدنيا، ولكن تنبع فيها.
وقال بعضهم : ذكر العيون لأنه ينبع في بستان كل أحد عين على حدة، لا تأتي بستانه (٢) من ملك آخر ومن بستان آخر على ما يكون في الدنيا، ولكن تنبع في جنة كل أحد عين على حدة على ما أراد الله، ليس أنها تتصل بالأرض كما ذكر في قصة بني إسرائيل :﴿فانفجرت منه اثنتا عشرة عينات﴾ ( البقرة : ٦٠ ) أن [ شاء ](٣) الله في ذلك الحجر ماء، يخرج لهم على غير اتصاله بالأرض. ولكن بلطفه ينشئ فيه ماء، فعلى ذلك في الجنان التي وعد.
ويشبه أن يكون ذكر هذا لما تختلف رغائب الناس في الدنيا : منهم من يرغب في العين(٤)، ويتلذذ بالنظر إليها، ومنهم من يرغب في النهر الجاري، فذكر مرة العيون ومرة الأنهار كقوله :﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ ( البقرة : ٢٥ و. . . . . )
على ما ذكر مرة الخيام والقباب [ ومرة ](٥) الغرف وأنواع الفرش والبسط والكيزان والأكواب والجواري والغلمان وغير ذلك على ما يرغب الناس في الدنيا : منهم من يرغب في نوع [ لا يرغب في نوع ](٦) آخر، فذكر فيها كل [ ما ](٧) يرغبون في الدنيا ليبعثنهم ذلك على العمل الذي به يوصل إلى ذلك، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، في الأصل: بستان..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: الدين..
٥ في الأصل وم: و..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ ساقطة في الأصل وم:.
الحجر 15:46
إن كان أهل الكبائر في قوله: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) فيكون قوله: إن المتقين الذين اتقوا الكبائر؛ وإن كان أصحاب الكبائر لم يدخلوا في قوله: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ)، فيكون قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ) للذين اتقوا الشرك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي جَنَّاتٍ).
أي: في: بساتين، والبساتين: هي التي التقت بالأشجار والنخيل.
والعيون قد تكون جارية في الدنيا، وقد تكون غير جارية، فأخبر في آية أخرى بأن عيون الآخرة تكون جارية؛ بقوله: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ).
(وَعُيُونٍ): قَالَ بَعْضُهُمْ: ذكر العيون؛ ليعلم أن مياه الجنة - ليست تكون من الثلوج والأنهار العظام - على ما تكون في الدنيا - ولكن تنبع فيها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذكر العيون؛ لأنه ينبع في بستان كل أحد عين على حدة، لا يأتي بستانه من ملك آخر، ومن بستان آخر، على ما يكون في الدنيا؛ ولكن تنبع في جنة كل أحد عين على حدة، على ما أراد اللَّه، ليس أنها تتصل بالأرض؛ كما ذكر في قصّة بني إسرائيل: (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)، أنشأ اللَّه في ذلك الحجر ما يخرج لهم على غير اتصاله بالأرض، ولكن بلطفه ينشئ فيه ماء، فعلى ذلك في الجنان التي وعد.
ويشبه أن يكون ذكر هذا لما يختلف رغائب الناس في الدنيا: منهم من يرغب في العين؛ ويتلذذ بالنظر إليها، ومنهم من يرغب في النهر الجاري، فذكر مرة العيون، ومرة الأنهار؛ كقوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، على ما ذكر مرة الخيام، والقباب، والغرف، وأنواع الفرش والبسط، والكيزان والأكواب، والجواري والغلمان، وغير ذلك على ما يرغب الناس في الدنيا: منهم من يرغب في نوع لا يرغب في نوع آخر؛ فذكر فيها كل ما يرغبون في الدنيا؛ ليبعثهم ذلك على العمل الذي به يوصل إلى ذلك. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ): أي: اجعلوا دخولكم فيها بسلام؛ على ما أمرهم في الدنيا أن يجعلوا الدخول في المنازل بالسلام؛ كقوله: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا
الحجر 15:47
عَلَى أَنْفُسِكُمْ...) الآية، وعلى ما أخبر أن الملائكة يسلمون عليهم؛ كقوله: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ)، وكقوله: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا)، وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ): أي: ادخلوها بسلام لا يصيبكم مكروه؛ آمنين لا ينغصهم خوف ولا حزن، على ما أخبر (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: [.... ]. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ (٤٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو صلة قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) أي: نزعنا ما في صدورهم من غل؛ الذي كان في الدنيا بالكفر؛ فصاروا إخوانا بالإسلام الذي هداهم إليه؛ فكانوا إخوانًا، ثم قيل لهم: ادخلوا الجنة بلا غلٍّ، وهو ما قال: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)، قد نزع من قلوبهم الغل في الدنيا، فصاروا إخوانا فدخلوا الجنة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) وفي الآخرة إذا دخلوا الجنة وتقابلوا واتكئوا على سرر، فعند ذلك ينزع الغل من قلوبهم، والمظالم التي كانت بينهم، فإذا كان هذا فهو بين أهل الإسلام.
وعلى ذلك يحتمل أن يكون كل من جفا آخر في الدنيا أن ينسى اللَّه ذلك منهم في الجنة؛ لأن ذكر الجفاء ينغص النعم التي فيها، وكذلك ما يكون بين الرجل وولده من الجفاء والعقوق - يجوز أن ينسى ذلك عليهم. وعلى ذلك ما روي عن عليٍّ رضي الله عنه؛ قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال اللَّه: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُتَقَابِلِينَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: يجعل اللَّه منازلهم بعضها مقابل بعض؛ فينظر بعضهم إلى بعض، ويزور بعضهم بعضًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يأمر اللَّه السرر التي هم عليها جلوس؛ ليكون بعضها مقابل بعض، إذا
الحجر 15:48
اشتهى بعضهم زيارة بعض، ولا يكونون مدبرين؛ ولا معرضين، بل مقبلين، يخبر عن اجتماعهم في الآخرة في الشراب، وأنواع المطاعم على ما يستحسن في الدنيا الإخوان بينهم الاجتماع على الشراب والطعام، والتلذذ، والنظر بعضهم إلى بعض، فعلى ذلك أخبر أن لهم في الآخر كذلك اجتماع في الشراب، والنظر، وأنواع التلذذ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ (٤٨)
أي: عناء ومشقة، أخبر أنه لا عناء يمسهم كما يكون في الدنيا؛ لأن في الدنيا: من أطال المقام في موضع يمل عن ذلك ويسأم، وكذلك إذا أكثر من نوع من الطعام؛ أو الشراب، أو الفاكهة - يمل عن ذلك ويسأم، ويؤذيه، ولا يوافقه، فأخبر أن أهل الجنة لا يملون ولا يؤذيهم طعامها؛ وإن أكثروا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ).
أخبر أنهم لا يخرجون منها، ولا هم يطلبون الخروج منها؛ كقوله: (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)؛ لأن خوف زوال النعم ينغص على صاحبها تلك النعمة، وطعمها؛ فأخبر أنهم فيها أبدًا، وتلك النعمة لهم دائمة غير زائلة عنهم واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (نَبِّئْ عِبَادِي) أي: أخبرهم (أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) لمن استغفرني وتاب عما ارتكب من معاصيه، (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) لمن عصاني، ولم يستغفر، ولم يتب إليه.
ويحتمل غير هذا؛ وهو أن يقول: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) لئلا ييئسوا من رحمتي، ولا يقنطوا مني، ولكن يرجون رحمته وعفوه، ويخافون عذابه ونقمته، ونبئهم أيضًا أن عذابي هو العذاب الأليم لئلا يكونوا آمنين أبدًا؛ فيكون فيه أمر بأن يبشر، وأن ينذر؛ كأنه قال بشر أوليائي أني أنا الغفور الرحيم لأوليائي، وأن عذابي شديد أليم لأعدائي.
وفي قوله: (نَبِّئْ عِبَادِي) فيه بشارة ونذارة: أما البشارة: فهو قوله: (أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وأما النذارة: فهو قوله: (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ).
الحجر 15:49
الآية : ٤٩ : وقوله تعالى :﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾ قال بعضهم :﴿نبئ عبادي﴾ أي أخبرهم ﴿أني أنا الغفور الرحيم﴾ لمن استغفرني، وتاب عما ارتكب من معاصيه.
الحجر 15:50
الآية ٥٠ :( وقوله تعالى ) (١) ﴿وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ لمن عصاني، ولم يستغفر، ولم يتب إلي (٢).
ويحتمل غير هذا، وهو أن يقول :﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾ لئلا ييأسوا من رحمتي، ولا يقنطوا مني، ولكن يرجون رحمته وعفوه، ويخافون عذابه ونقمته، ونبئهم أيضا :﴿وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ لئلا يكونوا (٣) آمنين أبدا. فيكون فيه أمر بأن يبشر وأن ينذر، كأنه قال : بشر أوليائي ﴿أني أنا الغفور الرحيم﴾ لأوليائي ﴿وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ لأعدائي.
وفي قوله :﴿نبئ عبادي﴾ بشارة (٤) ونذارة. أما البشارة فهي(٥) قوله :﴿إني أنا الغفور الرحيم﴾ وأما النذارة فهي (٦) قوله :﴿وان عذابي هو العذاب الأليم﴾.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: إليه..
٣ في الأصل وم: يكون..
٤ أدرج قبلها في الأصل وم: فيه..
٥ في الأصل وم: فهو..
٦ في الأصل وم: فهو..
الحجر 15:51
قوله تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ).
أي: نبئ قومك عن ضيف إبراهيم؛ أي: نبئهم بتمام ما فيه من الزجر والموعظة؛ لأن في ذلك أخبار ما نزل بالمكذبين؛ بتكذيبهم الرسل، وهو الإهلاك، ونجاة من صدق الرسل، ففيه تمام ما يزجرهم، ويعظهم، من الترهيب والترغيب، فإن فيهم آية لرسالتك ونبوتك؛ لأنه يخبرهم على ما في كتبهم لم يشهدها هو، فيدلهم أنه إنما عرف ذلك باللَّه.
أو نبئهم؛ فإن ذلك ما يزجرهم عن مثل صنيعهم، وفيه ذكر نعم اللَّه؛ لأنهم جاءوا بالبشارة؛ بشارة الولد، وجاءوا بإهلاك قوم مجرمين، فذلك بالذي يزجرهم عن مثله، والبشارة ترغبهم في مثل صنيع إبراهيم، فنبئهم فإن فيه ما ذكرنا.
ودل قوله: (ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) أن الضيف اسم لكل نازل على آخر، طعم عنده أو لم يطعم، وكان نزله للطعام أو لا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا... (٥٢)
أي: سلموا على ايراهيم، فرد إبراهيم عليهم السلام.
وقال أبو بكر الأصم: السلام جعله اللَّه أمانًا بين الخلق، وعطفًا فيما بينهم، وسببًا لإخراج الضغائن من قلوبهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: جعل اللَّه السلام تحية على كل داخل على آخر، وهو ما ذكرناه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: السلام: هو اسم كل خير وبز وبركة؛ كقوله: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) أي: خائفون.
قال بعض أهل التأويل: إنما خاف؛ لأنه ظن أنهم لصوص وأهل ريبة، لكن هذا لا يحتمل أن يخاف منهم؛ ويظن أنهم لصوص وأهل ريبة، وقد سلَّموا عليه وقت ما دخلوا
الحجر 15:52
الآية ٥٢ : وقوله تعالى :﴿إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما﴾ أي سلموا على إبراهيم، فرد إبراهيم السلام عليهم.
وقال أبو بكر الأصم : السلام : جعله الله أمانا بين الخلق وعطفا فيما بينهم وسببا لإخراج الضغائن ممن قلوبهم.
وقال بعضهم : جعل الله السلام تحية كل داخل على آخر ؛ وهو ما ذكرناه. وقال بعضهم : السلام هو اسم كل خير وبر وبركة كقوله :﴿لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما﴾ ( مريم : ٦٢ ) والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿قال إنا منكم وجلون﴾ أي خائفون. قال بعض أهل التأويل : إنما خاف لأنه ظن أنهم لصوص وأهل ريبة. لكن هذا ( لا )(١) يحتمل أن يخاف منهم، ويظن أنهم لصوص وأهل ريبة، وقد سلموا عليه وقت ما دخلوا عليه، واللصوص وأهل الريبة إذا دخلوا بيت آخر، لا يسلمون عليه، لكنه إنما خافهم إذ (٢) رأى أيديهم لا تصل إليه كما قال :﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة﴾ ( هود : ٧٠ ) عند ذلك خافهم. فلما رأى ذلك / ٢٧٨ – أ / ظن إبراهيم أنهم ملائكة إنما جاؤوا لأمر عظيم حين(٣) لم يتناولوا مما قرب إليهم، وبين إبراهيم وبين المكان الذي يرتحل منه مكان تقع لهم الحاجة إلى الطعام.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: إذا..
٣ في الأصل وم: حيث..
الحجر 15:53
عليه، واللصوص وأهل الريبة إذا دخلوا بيت آخر لا يسلمون عليه، لكنه إنما خافهم إذ رأى أيديهم لا تصل إليه؛ كما قال: (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)، عند ذلك خافهم؛ فلما رأى ذلك ظن إبراهيم أنهم ملائكة؛ إنما جاءوا لأمر عظيم؛ حيث لم يتناولوا مما قرب إليهم؛ وبين إبراهيم وبين المكان الذي يرتحل منه - مكان يقع لهم الحاجة إلى الطعام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَوْجَلْ... (٥٣) أي: لا تخف: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ).
وقال في آية أخرى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ)، والحلم: هو الذي ينفي عن صاحبه كل أخلاق دنية، والعلم: هو الذي يدعو صاحبه إلى كل خلق رفيع؛ ليعلم أنه اجتمع فيه جميع الخصال الرفيعة، ونفى عنه كل خلق دنيء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ... (٥٤)
أي: أبشرتموني أن يولد لي، وأنا على الحال التي أنا عليها، أو يرد إليَّ شبابي وشباب امرأتي.
(فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) على الحال التي أنا عليها وامرأتي، أو يرد الشباب إلينا، وإلا لا يحتمل أن يخفى عليه قدرة اللَّه هبة الولد في حال الكبر، لكنه لم ير الولد يولد في تلك الحال، فاستخبرهم أنه يولد في تلك الحال، أو يرد إلى حالة أخرى حالة الشباب. واللَّه سبحانه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)
أي: بما هو كائن لا محالة، أي: وعد كائن لا محالة، والواجب على كل من أنعم عليه بنعمة أن يشتغل بالشكر للمنعم، لا يستكشف عن الوجوه التي أنعم، والأحوال التي يكون عليها.
ثم في بشارة الولد بشارتان:
إحداهما: بشارة بالغلام.
والثانية: بالبقاء والبلوغ إلى وقت العلم؛ حيث قالوا: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ)، وهو ما قال في آية أخرى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)، ففي قوله " كهلا " دلالة وبشارة: إلى أنه يبقى إلى أن يصير كهلا، وإلا الكهل يضعف.
الحجر 15:54
الآية ٥٤ : وقوله تعالى :﴿قال أبشرتموني على أن مسني الكبر﴾ أي أبشرتموني أن يولد لي، وأنا على الحال التي أنا عليها ؟ أو يرد إلي شبابي وشباب امرأتي ﴿فبم تبشرون﴾ على الحال التي أنا عليها وامرأتي ؟ أو يرد الشباب إلينا.
وإلا لا يحتمل أن يخفى عليه قدرة الله [ على ](١) هبة الولد في حال الكبر، لكنه لم ير الولد (٢) يولد في تلك الحال، فاستخبرهم أنه يولد في تلك الحال، أو يرد إلى حالة أخرى حال الشباب. والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: الوالد..
الحجر 15:55
الآية ٥٥ : وقوله تعالى :﴿قالوا بشرناك بالحق﴾ أي بما هو كائن، لا محالة، والواجب على كل من أنعم عليه أن يشتغل بالشكر للنعم، لا يستكشف عن الوجوه التي أنعم والأحوال التي يكون عليها.
ثم في البشارة بالولد بشارتان : إحداهما(١) : بشارة بالغلام، والثانية(٢) : بالبقاء والبلوغ إلى وقت العلم حين (٣) قالوا ﴿إنا نبشرك بغلام عليم﴾ وهو ما قال في آية أخرى :﴿ويكلم الناس في المهد وكهلا﴾ ( آل عمران : ٤٦ ) ففي قوله :﴿وكهلا﴾ دلالة وبشارة أنه يبقى إلى أن يصير كهلا، وألا الكهل يضعف.
وقوله تعالى :﴿فلا تكن من القانطين﴾ قد ذكرنا أن الأنبياء قد نهوا عن أشياء، قد عُصموا عنها ما لا يحتمل أن يكون منهم ما نهوا عنه نحو قوله :﴿فلا تكونن من الممترين﴾ ( البقرة : ١٤٧ و. . . . . . . . . . ) ( وقوله )(٤) :﴿ولا تكونن من المشركين﴾ ( الأنعام : ١٤ و. . . . . . . . . ) وقوله :﴿فإنك إذا من الظالمين﴾ ) (٥) ( يونس : ١٠٦ ) ( وقوله :﴿ولا تكن مع ) (٦) الكافرين﴾ ( هود : ٤٢ ) وأمثاله. وذلك مما لا يتوهم كونه منهم. وذلك لما ذكرنا أن العصمة لا ترفع المحنة، لأنها لو رفعت لذهبت فائدة العصمة لأنه إنما يحتاج إليها عند المحنة. فأما إذا لم تكن محنة فلا حاجة (٧) إليها.
فعلى ذلك إبراهيم لم يكن قنط من رحمة ربه، إذ (٨) لا يهب له الولد في كبره، ولكن ما ذكرنا.
١ في الأصل وم: أحدهما..
٢ في الأصل وم: والثاني..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: تقع..
٨ في م: أنه..
الحجر 15:56
الآية ٥٦ : ثم بين أنه لا ﴿يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ أخبر أن القنوط من رحمة الله، هو ضلال، والإياس من رحمته كفر.
والمعتزلة يقنطون من رحمة ربهم لقولهم في أصحاب الكبائر ما يقولون ( فعندهم تضيق رحمته حتى لا تسع فيها الكبائر ) (١).
١ أدرجت هذه العبارة في الأصل وم: والمعتزلة..
الحجر 15:57
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ).
قد ذكرنا فيما تقدم أن الأنبياء قد نهوا عن أشياء قد عصموا عنها ما لا يحتمل أن يكون منهم ما نهوا عنه؛ نحو قوله: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، و (مِنَ الظاِلمينَ)، (الكافرين)، وأمثاله، وذلك مما لا يتوهم كونه منهم؛ وذلك لما ذكرنا أن العصمة لا ترفع المحنة؛ لأنها لو رفعت لذهبت فائدة العصمة؛ لأنها إنما يحتاج إليها عند المحنة، وأمَّا إذا لم يكن محنة فلا حاجة تقع إليها، فعلى ذلك إبراهيم لم يكن قنط من رحمة ربه؛ أنه لا يهب له الولد في حال كبره؛ ولكن ما ذكرنا، ثم بين أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون: أخبر أن القنوط من رحمة اللَّه هو ضلال، والإياس من رحمته كفر، فعندهم تضيق رحمته حتى لا يسع فيها الكبائر، والمعتزلة يقنطون من رحمة ربهم؛ لقولهم في أصحاب الكبائر ما يقولون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧)
قيل: فما خبركم، وما قصتكم، وما شأنكم؟ والخطب: الشأن؛ أي: على أي أمر وشأن أرسلتم.
(قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨)
لم يحتمل أن يكون أول ما أخبروا إبراهيم وقالوه هذا، ولكن كان فيه ما ذكر في آية أخرى: (قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ)، (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، فقال إبراهيم (إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا)، يذكر هاهنا على الاختصار؛ فذلك يدل أن الخبر إذا أدى معناه يجوز، وإن لم يؤت بلفظه على ما كان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ (٥٩) كأن الثنيا هاهنا تكون عن الأشخاص، وأنفس أهل القرية؛ عن قوله: (مُجْرِمِينَ)؛ لأن آل لوط لم يكونوا مجرمين؛ فلا يحتمل الاستثناء من ذلك.
أو لا يكون على حقيقة الثنيا، وإن كان في الخبر استثناء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ... (٦٠)
أخبر أنهم يهلكون قومه، ثم استثنى له منهم، ثم امرأته من آله؛ ففيه دلالة أن الثنيا
الحجر 15:58
الآية : ٥٨ :﴿قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين﴾ لم يحتمل أن يكون أول ما أخبروا إبراهيم، وقالوه، هذا، ولكن كان فيه ما ذكر في آية أخرى قالوا :﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين﴾ ( العنكبوت : ٣١ ) وقالوا ( ١٢ ) :﴿إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون﴾ ( العنكبوت : ٣٤ ) فقال إبراهيم :﴿إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها﴾ ( العنكبوت : ٣٢ ).
يذكر ههنا على الاختصار. فذلك يدل أن الخبر إذا أدى معناه يجوز، وإن لم يؤت بلفظه على ما كان.
الحجر 15:59
الآية ٥٩ : وقوله تعالى :﴿قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين﴾ ﴿إلا آل لوط﴾ كأن الثنيا ههنا تكون عن الأشخاص وأنفس أهل القرية [ لا ](١) عن قوله ﴿قوم مجرمين﴾ لأن آل لوط لم يكونوا مجرمين، فلا يحتمل الاستثناء من ذلك. أو لا يكون على حقيقة الثُنيَا، وإن كان في الخبر استثناء.
١ في الأصل وم: و..
الحجر 15:60
الآية ٦٠ : وقوله تعالى :﴿إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين﴾ ﴿إلا امرأته﴾ أخبر أنهم يهلكون قومه، ثم استثنى آله منهم، ثم امرأته من آله.
ففيه دلالة أن الثنيا ليس برجوع ؛ لأنه لو كان [ رجوعا لكان ](١) يوجب الكذب في الخبر. ولكن في الثنيا بيان تحصيل المراد مما أجمل في اللفظ.
وفيه دلالة أيضا أنه يجوز أن يستثنى من الاستثناء، لأنه استثنى امرأته من آله بقوله :﴿إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين﴾ ﴿إلا امرأته﴾ فجعلت (٢) المرأة من قومه حين(٣) استثناها من آله.
وفيه أنه قد يجوز أن يستثنى من خلاف نوعه، لأنه استثنى آل لوط من قومه، والمجرم ليس من نوع المصالح، ثم استثنى امرأته من آله، وليست منهم.
وفيه أيضا أن آل الرجل يكون أتباعه حين (٤) استثنى آله منهم، يدخل فيه من تبعه.
ألا ترى أنه قال : آل فرعون، وإنما هم أتباعه، وآل موسى وآل هارون وآل عمران : كل يرجع إلى أتباعهم ؟ فيدخل في قولهم : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كل من تبعه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين﴾ قال أبو بكر الأصم :﴿قدرنا إنها﴾ أي أخبرنا. لكن هذا منه احتيال على تقوية مذهب الاعتزال : إنهم ينكرون أن تكون أفعال العبيد مقدرة لله مخلوقة، ففي ذلك دلالة على أن أفعالهم مخلوقة لله مقدرة له. وأصله : أي قدرنا بقاءها من الأصل.
وقوله تعالى :﴿لمن الغابرين﴾ أي الباقين : قال أبو عوسجة : الغابرون الباقون، والغابرون الماضون أيضا ؛ يقال : غبر يغبر غبرا إذا بقي، وإذا مضى أيضا.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: فحصلت..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: حيث..
الحجر 15:61
ليس برجوع؛ لأنه لو كان رجوعًا لكان يوجب الكذب في الخبر، ولكن في الثنيا بيان تحصيل المراد مما أجمل في اللفظ.
وفيه دلالة أيضًا أنه يجوز أن يستثنى من الاستثناء؛ لأنه اسشى امرأته من آله؛ بقوله: (إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ) فحصلت المرأة من قومه؛ حيث استثناها من آله.
وفيه أنه قد يجوز أن يستثنى من خلاف نوعه؛ لأنه استثنى آل لوط من قومه، والمجرم ليس من نوع الصالح، ثم استثنى امرأته من آله؛ وهي ليست منهم.
وفيه أيضًا أن آل الرجل يكون أتباعه؛ حيث استثنى آله منهم، يدخل فيه من تبعه؛ ألا ترى أنه قال: آل فوعون، وإنما هم أتباعه، وآل موسى، وآل هارون، وآل عمران: كل يرجع إلى أتباعهم، فيدخل في قولهم: اللهم صلِّ على مُحَمَّد وعلى آل مُحَمَّد - كل من تبعه. واللَّه أعلم.
وقوله: (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ).
قال أبو بكر الأصم: (قَدَّرْنَا إِنَّهَا): أي: أخبرنا، لكن هذا منه احتيال على تقوية مذهب الاعتزال؛ لأنهم ينكرون أن يكون أفعال العبيد مقدرة لله مخلوقة، ففي ذلك دلالة أن أفعالهم مخلوقة لله، مقدرة له، وأصله: أي: قدرنا بقاءها من الأصل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَمِنَ الْغَابِرِينَ): أي: الباقين.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الغابرون: الباقون، والغابرون: الماضون أيضًا؛ يقال: غبر يغبر غبرًا: إذا بقي، وإذا مضى أيضًا.
* * *
قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)
الحجر 15:62
الآيتان ٦١ و ٦٢ : وقوله تعالى :﴿فلما جاء آل لوط المرسلون﴾ ﴿قال إنكم قوم منكرون﴾ أي إنكم منكرون، لا تعرفون بأهل هذه البلدة. وإنما قال لهم هذا لأن قومه (١) إنما يعملون ما يعملون بالغرباء، لا يعملون بأهل البلد.
ألا ترى أنهم قالوا له :﴿أو لم ننهك عن العالمين﴾ ( الحجر : ٧٠ ) أن تضيف أحدا منهم ؟ والله أعلم.
١ من م، في الأصل: قوم..
الحجر 15:63
أي: إنكم قوم منكرون؛ لا تعرفون بأهل هذه البلدة، وإنما قال لهم هذا؛ لأن قومه إنما يعملون ما يعملون بالغرباء؛ لا يعملون بأهل البلد؛ ألا ترى أنهم قالوا له: (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ)، أن تضيف أحدًا منهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)
هذا ليس بجواب لما سبق من قوله: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ)، ولكن قالوا ذلك له، واللَّه أعلم بعدما كان بين لوط وقومه مجادلات ومخاصمات من ذلك قوله: (إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ)، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ)، وغير ذلك من المخاصمات.
وقد كان لوط يعدهم العذاب بصنيعهم الذي كانوا يصنعون؛ ولذلك قالوا له: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)؛ فعند ذلك قالوا:
(بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: بما كانوا فيه يشكون؛ بما كان يعدهم من العذاب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي: بما كانوا، يجادلون وينازعون، أو يقول: بل جئناك بجزاء ما كانوا يمترون.
ثم امتراؤهم، يحتمل مجادلتهم إياه، ويحتمل ما كانوا عليه من الريبة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ): أي: بنجاتك؛ ونجاة أهلك وإهلاك قومك. وقال بعضهم: (وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ): أي: بالعذاب الذي كنت تعدهم.
(وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) فيما نقول، يحتمل هذا: أن لم يكن هذا منهم قولا قالوه؛ لأن لوطًا يعلم أنهم صادقون فيما يقولون؛ حيث علم أنهم ملائكة اللَّه، لكن أخبر عنهم على ما كانوا عليه، على غير قول كان منهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)
أي: ببعض من الليل. وقَالَ بَعْضُهُمْ بسحر؛ على ما قال: (نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ)
الحجر 15:64
الآية ٦٤ : وقوله تعالى :﴿وأتيناك بالحق وإنا لصادقون﴾ قال بعضهم :﴿وأتيناك بالحق﴾ أي بنجاتك ونجاة أهلك وإهلاك قومك. وقال بعضهم :﴿وأتيناك بالحق﴾ أي بالعذاب الذي كنت تعدهم ﴿وإنا لصادقون﴾ بما نقول(١) يحتمل هذا إن لم يكن هذا منهم قولا، قالوه، لأن لوطا يعلم أنهم صادقون بما يقولون حين (٢) علم أنهم ملائكة الله. لكن أخبر عنهم على ما كانوا عليه على غير قول كان منهم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: تقولون..
٢ في الأصل وم: حيث..
الحجر 15:65
الآية ٦٥ وقوله تعالى :﴿فاسر بأهلك بقطع من الليل﴾ أي ببعض منم الليل. وقال بعضهم : بسحر على ما قال :﴿نجيناهم بسحر﴾ ( القمر : ٣٤ ) وهو بعض، سحرا(١) كان، أو غيره ﴿واتبع أدبارهم﴾ أي سر من ورائهم.
وهكذا الواجب على كل من ولى أمر جيش أن يتبع أثرهم، أو يأمر من يتبع أثرهم ليلحق بهم من تخلف منهم، ويحمل المنقطع منهم، وليكون ذلك أحفظ.
وقوله تعالى :﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ إلا امرأتك فإنها تتخلف عنهم، فيصيبها ما أصاب / ٢٧٨ – ب / أولئك.
هذا يدل أن ليس في تقديم الكلام وتأخيره منع، ولا في تغيير اللسان ولفظه بعد أن يؤدي المعنى خطر، لأن قصة لوط وغيرها من القصص ذكرت، وكررت على الزيادة والنقصان وعلى اختلاف الألفاظ واللسان. فدل أن اختلاف ذلك لا يوجب تغييرا في المعنى، ولا بأس بذلك.
وقال بعضهم في قوله :﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ أي لا ينظر أحد وراءه. فهو، والله أعلم، لما لعلهم إذ نظروا وراءهم، فرأوا ما حل بهم من تقليب الأرض وإرسالها عليهم، لا تحتمل بنيتهم وقلوبهم، فيهلكون، أو يصعقون.
ألا ترى أن موسى مع قوته لم يحتمل اندكاك الجبل ؟ ولكن صعق، فصار مدهوشا في ذلك الوقت، فهؤلاء أضعف، وما حل بقومهم أشد، فبنيتهم أحرى ألا تتحمل ذلك، والله أعلم.
١ في الأصل وم: سحر..
الحجر 15:66
وهو بعضٌ سحرًا كان أو غيره.
(وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ) أي: سر من ورائهم، وهكذا الواجب على كل مولى أمر جيشٍ أن يتبع أثرهم، أو يأمر من يتبع أثرهم؛ ليلحق بهم من تخلف منهم، ويحمل المنقطع منهم؛ وليكون ذلك أحفظ لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ (وَلَا يَلْتَفِتْ) أي: لا يتخلف منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون.
وقال في آية أخرى: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ).
فإنها تتخلف عنكم؛ فيصيبها ما أصاب أُولَئِكَ، هذا يدل أن ليس في تقديم الكلام وتأخيره منع، ولا في تغيير اللسان ولفظه بعد أن يؤدي المعنى خطر؛ لأن قصة لوط وغيرها من القصص ذكرت وكررت على الزيادة والنقصان، وعلى اختلاف الألفاظ واللسان، فدل أن اخلاف ذلك لا يوجب تغييرًا في المعنى، ولا بأس بذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ): أي: لا ينظر أحد وراءه، فهو - واللَّه أعلم - لما لعلهم إذا نظروا وراءهم فرأوا ما حلّ بهم: من تقليب الأرض وإرسالها عليهم - لا تحتمل بنيتهم وقلوبهم؛ فيهلكون أو يصعقون، ألا ترى أن موسى مع قوته لم يحتمل اندكاك الجبل، ولكن صعق؛ فصار مدهوشا في ذلك الوقت، فهَؤُلَاءِ أضعف، وما حلّ بقومهم أشد فَبِنْيَتُهُم أحرى ألا تتحمل ذلك. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) قوله: (وَقَضَيْنَا) قيل: أوحينا إليه، كقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ): أي: أوحينا إليهم، وقال بعضهم: قوله: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ) أي: أنهينا إليه وأعلمناه، وهو قول الكسائي والْقُتَبِيّ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ الْأَمْرَ).
يحتمل قوله: ذلك الأمر هو ما ذكر: أن دابر هَؤُلَاءِ مقطوع مصبحين، هذا الذي
الحجر 15:67
أوحى إليه وأعلمه.
ويحتمل قوله: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ) أي: أوحينا إلى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أن ذلك الأمر الذي بلغك مقطوع مصبحين.
ويحتمل الوحي إلى لوط على البشارة: أن دابر قومه مقطوع مصبحين.
أي: مقطوع نسلهم، فيه إخبار عن قطع نسلهم، وفي الخبر عن قطع نسلهم إخبار عن هلاكهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أصل هَؤُلَاءِ. وقال بعضهم: دابر هَؤُلَاءِ مقطوع: أي: مستأصلون، (مُصْبِحِينَ): ليس يريد به حين أصبحوا، وحين بدا طلوع الفجر، ولكن أراد طلوع الشمس؛ ألا ترى أنه قال:
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ)، وإشراق الشمس: هو ارتفاعها وبسطها في الأرض، دلّ أنه ما ذكرنا. واللَّه أعلم.
والصيحة: تحتمل وجوهًا:
أحدها: ذكر الصيحة؛ لسرعة هلاكهم أي: قدر صيحة.
والثاني: أهلكوا بالصيحة، أو صاح أُولَئِكَ لما أهلكوا، والصيحة اسم كل عذاب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)
يحتمل: يُسَرُّون بنزول أضيافه، أو يبشر بعضهم بعضا؛ لما رأوا بهم من حسن الهيئة والمنظر، ورفعة اللباس.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)
يحتمل هذا وجهين: فلا تفضحوني في ضيفي؛ فإنهم إنما نزلوا بنا على أمن منا؛ فلا تفضحوني عندهم، وهو ما قال في آية أخرى: (وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي)، ويحتمل: لا تفضحوني في الخلق، يقولون: إن في أهل بيت لوط يُفعل بالأضياف كذا، وإنما عرف أهل بيتي عند الخلق بالصلاح والأمن فلا تفضحوني في الخلق؛ واتقوا الله في صنيعكم بالرجال، ولا تخزون عند الخلق؛ قيل: هو من الهوان.
ويشبه أن يكون قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) أن يكون الإخزاء: هو الفضيحة، دليله ما
الحجر 15:68
الآية ٦٨ : وقوله تعالى :﴿قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون﴾ يحتمل هذا وجهين :[ يحتمل ](١) ﴿فلا تفضحون﴾ في ضيفي فإنهم إنما نزلوا بنا على أمن منا ﴿فلا تفضحون﴾ عندهم، وهو ما قال في آية أخرى ﴿ولا تخزون في ضيفي﴾ ( هود : ٧٨ ).
ويحتمل :﴿فلا تفضحون﴾ في الخلق، يقولوا(٢) : إن في أهل بيت لوط يفعل بالأضياف كذا، وإنما عرف أهل بيتي عند الخلق بالصلاح، وإلا ﴿فلا تفضحون﴾ في الخلق، واتقوا الله في صنيعكم بالرجال ﴿ولا تخزون في ضيفي﴾ عند الخلق ( هود : ٧٨ ) قيل : هو الهوان ؟
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: يقولون..
الحجر 15:69
الآية ٦٩ : ويشبه أن يكون قوله :﴿واتقوا الله ولا تخزون﴾ أن يكون الإخزاء، هو الفضيحة. دليله ما ذكر ﴿إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون﴾ فيكون هذا تفسير ذلك. ويحتمل الهوان. وكذلك في قوله :﴿إن الخزي اليوم﴾ ( النحل : ٢٧ ) أي الهوان اليوم.
الحجر 15:70
ذكر: أن هَؤُلَاءِ ضيفي فلا تفضحون؛ فيكون هذا تفسير ذلك.
ويحتمل الهوان، وكذلئط قيل في قوله: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ)، أي: الهوان اليوم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)
هذا يدل على أنه قد كان سبق النهي عن إنزال الأضياف؛ كأنهم قد نهوه عن إنزال الأضياف؛ لذلك قالوا: (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ).
قال أبو بكر الأصم: يخرج قولهم: (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ) مخرج الاعتذار له؛ لأنهم كانوا يعظمون الرسل - أعني: أقوام الرسل جميعًا - إذ لم يكن من الرسل، إليهم، سوى الخلاف في الدِّين والدعاء إلى دين اللَّه، فهم وإن كذبوا الحجج التي أتت بها الرسل فقد كانوا يعظمونهم؛ ألا ترى أنه قال لرسولنا صلوات اللَّه عليه: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ...) الآية، والأول أشبه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) وفي موضع آخر: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ)، وقد ذكرنا في السورة التي فيها ذكر هود.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما عرض عليهم نساء قومهم؛ لأنه كالأب لهم على ما ذكر أن نساء رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أمهاتهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: في ذكر البنات إخبار منه لهم بنهاية فحش صنيعهم؛ لأنه يجوز ورود الشرع على بناته لهم، ولا يجوز حل ذلك بحال.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)
قال الحسن: يقسم اللَّه بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا باللَّه، وإنما أقسم بحياة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ولم يقسم بحياة غيره وبغيره.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (لَعَمْرُكَ) كلمة تستعملها العرب في أقسامهم؛ على غير إرادة القسم بحياة أحد. ومنهم من قال: إنما ذلك على التعريض؛ وأصله: أن اللَّه قد أقسم بأشياء: أقسم بالشمس، والقمر، والليل، والنهار، وأقسم بالجبال، والسماء، وغيرها من الأشياء التي تعظم عند الخلق، فرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقد أخبره أنه أرسله رحمة للخلق وهدى - أولى أن يعظم بالقسم به؛ ألا ترى أنه قال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)
الحجر 15:71
الآية ٧١ : وقوله تعالى :﴿قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين﴾ وفي موضع آخر :﴿قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ وقد ذكرنا ذلك في السورة التي فيها ذكر هود ( الآية : ٧٨ ). قال بعضهم : إنما عرض عليهم نساء قومه(١) لأنه كالأب لهم على ما ذكر أن نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ) ( ٣ )(٢) ( الأحزاب : ٦ ) وقال بعضهم : في البنات إخبار منه لهم بنهاية فُحشِ صنيعهم، لأنه يجوز ورود الشرع على بناته لهم، ولا يجوز حل ذلك بحال.
١ في الأصل وم: قومهم..
٢ في الأصل وم: أمهاتي..
الحجر 15:72
الآية ٧٢ : وقوله تعالى :﴿لعمرك إنهم لفي سكراتهم يعمهون﴾ قاتل الحسن : يقسم الله بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله، وإنما أقسم بحياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم [ وقال بعضهم : أقسم بحياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ](١) ولم يقسم بحياة غيره وبغيره. وقال بعضهم : قوله :﴿لعمرك﴾ كلمة تستعملها العرب في أقسامهم على غير إرادة القسم بحياة أحد. ومنهم من قال : إنما ذلك على التعريض.
وأصله أن الله قد أقسم بالشمس والقمر والليل والنهار، وأقسم بالجبال والسماء وغيرها من الأشياء التي تعظم عند الخلق. فرسول (٢) الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبره أنه أرسله رحمة للخلق وهدى [ وذلك ](٣) أولى أن يعظمه (٤) بالقسم به. ألا ترى أنه قال :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ ؟ ( الأنبياء : ١٠٧ ) فمن كان رحمة للعالم كله أولى أن يعظم من غيره ؛ إذ منافعه أعم وأكثر.
وقال بعضهم :﴿لعمرك﴾ القسم ليس بحياة الرسول، ولكن بدينه، وهو قول الضحاك.
وقوله تعالى :﴿إنهم لفي سكراتهم يعمهون﴾ قال بعضهم : السكرة : الشدة التي تحل بهم عند الموت ؛ شبههم بحيرتهم التي فيهم بسكرة الموت ﴿يعمهون﴾ يترددون. وقال بعضهم : في ضلالتهم وكفرهم. ﴿يعمهون﴾ يتحيرون.
١ ساقطة من م..
٢ في الأصل وم: كرسول..
٣ ساقطة من الأصل وم.
٤ في الأصل وم:: يعظم..
الحجر 15:73
فمن كان رحمة للعالم كله أولى أن يعظم من غيره؛ إذ منافعه أعتم وأكثر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَعَمْرُكَ): القسم ليس بحياة الرسول؛ ولكن بدينه، وهو قول الضَّحَّاك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: السكرة: الشدة التي تحل بهم عند الموت، شبههم بحيرتهم التي فيهم بسكرة الموت، يعمهون أي: يترددون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في ضلالتهم وكفرهم، يعمهون: يتحيرون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣)
قد ذكرنا في غير موضع اختلافهم في الصيحة: قَالَ بَعْضُهُمْ: الصيحة هي العذاب نفسه؛ أي: أخذهم العذاب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: سمي (الصَّيْحَةُ) لسرعة نزوله بهم، وأخذه إياهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُشْرِقِينَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أشرقت الشمس: إذا ارتفعت وأنارت، وشرقت: إذا بزغت، وهو قول الكسائى.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مُشْرِقِينَ): أي: إذا أشرقوا، أي: إذا طلعت الشمس عليهم، وقد ذكرنا هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) قد ذكرناه في السورة ألتي فيها ذكر هود.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ): للمتفرسين؛ من الفراسة، وروي في ذلك خبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ يرويه أبو سعيد الخدري؛ قال: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه " قال: ثم قرأ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ). فإن ثبت الخبر، وثبت تلاوة هذه الآية على إثر ما ذكر فهو هو.
الحجر 15:74
الآية : ٧٤ : وقوله تعالى :﴿فجعلنا عاليها سافلها﴾ قد ذكرنا في السورة التي فيها ذكر هو ( الآية : ٨٢ ).
الحجر 15:75
الآية : ٧٥ وقوله تعالى :﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾ قال بعضهم :﴿للمتوسمين﴾ للمتفرسين من الفراسة.
وروي في ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرويه أبو سعيد الخدري ؛ قال :( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) ( الترمذي : ٣١٢٧ ) قال : ثم قرأ :﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾. فإن ثبت الخبر، وثبتت تلاوة هذه الآية على إثر ما ذكر فهو هو.
وقال بعضهم :﴿للمتوسمين﴾ المعتبرين، وقيل : المتفكرين، وقيل : الناظرين. ذكروا أنه آية للمعتبرين.
ولكن لم يبنوا من أي وجه يكون آية لمن ذكر. فيحتمل وجوها :
أحدها : آية ﴿للمتوسمين﴾ المعتبرين لرسالته، لأنه ذكر قصة إبراهيم ولوط على ما كانتا(١)، وهو لم يشهدهما (٢).
فذلك يدل على صدقه وآية رسالته.
والثاني : آية لصدق خبر إبراهيم وصدق لوط، لأنهم كانوا يخبرون قومهم أن العذاب ينزل بهم وغير ذلك من الوعيد، فيدل ذلك على صدق خبر الأنبياء، عليهم السلام، في كل ما يخبرون.
والثالث : في هلاك من أهلك منهم ونجاة من أنجى منهم آية لمن ذكر [ أن ](٣) من هلك منهم هلك بالتكذيب، ومن نجا منهم نجا بالتصديق، فيكون لهم آية.
والرابع : قد بقي من آثار من هلك منهم / ٢٧٩ – أ / آية، فيكون هلاكهم [ آية لمن ](٤) ذكر.
وأصل هذا أن الله ذكر أن ﴿في ذلك لآيات للمتوسمين﴾ أي المؤمنين المتقين، والاعتبار والتفكر للمؤمنين، لأنهم هم المنتفعون. والمتوسم(٥) هو الذي يعلم (٦) بعلامة، وكذلك المُتفرس هو الذي يعلم(٧) بعلامة في غيره ؛ ينظر في غيره بأن هلاكه بما كان ؟ فينزجر عن صنيعه، ويتعظ به، وهو كالمتفقه الذي يعلم (٨) بالمعنى، والله أعلم.
١ في الأصل وم: كان..
٢ في الأصل وم: يشهدها..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ أدرج قبلها في الأصل وم: قال..
٦ في الأصل وم: يعمل..
٧ في الأصل وم: يعمل..
٨ في الأصل وم: يعمل..
الحجر 15:76
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ): المعتبرين. وقيل: المتفكرين. وقيل: الناظرين. ذكروا أنه آية للمعتبرين، ولكن لم يبينوا من أي وجه يكون آية لمن ذكر؛ فيحتمل وجوهًا:
أحدها: آية للمتوسمين: للمعتبرين لرسالته؛ لأنه ذكر قصة إبراهيم ولوط - على ما كان - وهو لم يشهدها؛ فذلك يدل على صدقه وآية لرسالته.
والثاني: آية لصدق خبر إبراهيم، وصدق لوط؛ لأنهم كانوا يخبرون قومهم أن العذاب ينزل بهم، وغير ذلك من الوعيد، فيدل ذلك على صدق خبر الأنبياء عليهم السلام في كل ما يخبرون.
والثالث: في هلاك من أهلك منهم؛ ونجاة من أنجى منهم - آية لمن ذكر، من هلك منهم هلك بالتكذيب، ومن نجا منهم نجا بالتصديق؛ فيكون لهم آية.
والرابع: قد بقي من آثار من هلك منهم آية؛ فيكون هلاكهم آية لمن ذكر. وأصل هذا أن اللَّه ذكر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ): أي: المؤمنين المتقين، والاعتبار والتفكر للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون. قال: والمتوسم: هو الذي يعمل بعلامة، وكذلك المتفرس: هو الذي يعمل بعلامة في غيره، ينظر في غيره: بأن هلاكه بمَ كان؟
فينزجر عن صنيعه ويتعظ به، وهو كالمتفقه الذي يعمل بالمعنى. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)
أي: طريق دائم لا يزول، يعلم أن في ذلك لآية للمؤمنين؛ وهو ما ذكرنا أن الآية تكون للمؤمن. واللَّه أعلم.
ذكر في الآية الأولى: (الآيات) لأنه أنبأ إبراهيم وقصته، وقصة قوم لوط؛ ففي ذلك آيات لمن ذكر. وذكر في هذه الآية: (لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)؛ لأنه ذكر شيئًا واحدًا؛ وهو السبيل.
الحجر 15:77
الآية ٧٧ :( وقوله تعالى ) (١) :﴿إن في ذلك لآية للمؤمنين﴾ وهو ما ذكرنا أن الآية تكون للمؤمن، والله أعلم.
ذكر في الآية الأولى الآيات لأنه [ ذكر ](٢) أنباء إبراهيم وقصته وقصة قوم لوط ؛ ففي ذلك آيات لمن ذكر.
وذكر في هذه الآية :﴿لآية للمؤمنين﴾ لأنه ذكر شيئا واحدا، وهو السبيل.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
الحجر 15:78
قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ).
أي: وقد كان أصحاب الأيكة لظالمين. والأيكة: ذكر أنها الغيضة من الشجر؛ وهي ذات آجام وشجر، كانوا فيها فبعث إليهم شعيب وهم في الغيضة.
وذكر أبعض، أهل التأويل: أن شعيبًا بعث إلى قومين: إلى أهل غيضة مرة، وإلى أهل مدين مرة؛ على ما ذكر: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا)، وقال في آية أخرى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧).
وقوله: (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ) سمى اللَّه تعالى الكفرة بأسماء مختلفة: سماهم مرة ظالمين، ومرة فاسقين، ومرة مشركين، واسم الظلم قد يقع فيما دون الكفر والشرك، وكذلك اسم الفسق يقع فيما دون الكفر والشرك، ثم الكفر لم يقبح لاسم الكفر، وكذلك الإيمان لم يحسن لاسم الإيمان؛ إذ ما من مؤمن إلا وهو يكفر بأشياء ويؤمن بأشياء؛ قال اللَّه تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ)، المؤمن يكفر بالطاغوت وبالأصنام؛ التي كان أهل الكفر عبدوها، وكذلك الكافر يؤمن بأشياء ويكفر بأشياء: يؤمن بالأصنام ويكفر باللَّه؛ فثبت أن الكفر لاسم الكفر - ليس بقبيح، وكذلك الإيمان لاسم الإيمان - ليس بحسن، ولكن إنما حسن؛ لأنه إيمان باللَّه، والكفر إنما قبح؛ لأنه كفر باللَّه.
وأما الظلم: فهو لاسم الظلم قبيح، وكذلك الفسق لاسم الفسق قبيح؛ فسماهم بأسماء هي لاسمها قبيحة، لكن الإيمان المطلق هو الإيمان باللَّه، والكفر المطلق هو
الحجر 15:79
الكفر باللَّه، وإن كان يسمى بدون اللَّه كفرًا وإيمانًا؛ كما قلنا: الكتاب المطلق كتاب اللَّه، والدِّين المطلق دين اللَّه؛ وإن كان اسم الكتاب والدِّين يقع على ما دونه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)
ذكر الانتقام منهم؛ ولم يذكر هاهنا بِمَ كان الانتقام، وقال في آية أخرى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ)، وقال في آية أخرى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ)، وقال في آية أخرى: (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ)، فيحتمل أن يكون الرجفة لقوم؛ والصيحة لقوم؛ وعذاب يوم الظلة لقوم منهم، أو كان كله واحدًا؛ فسماها بأسماء مختلفة، وليس لنا إلى معرفة ذلك العذاب حاجة - سوى ما عرف أنهم إنما أهلكوا أو عذبوا بالتكذيب؛ ليكون ذلك آية لمن بعدهم؛ ليحذروا مثل صنيعهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) للرسل؛ كما انتقمنا من قوم لوط للوط؛ بسوء صنيعهم، وسوء معاملتهم إياه، فعلى ذلك ننتقم من أهل مكة لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ بسوء صنيعهم ومعاملتهم إياه، وقد كان ما نزل بأصحاب الأيكة كفاية مزجر لهم، وعظة لا يحتاج إلى ذكر ما نزل بقوم لوط.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُمَا) قَالَ بَعْضُهُمْ: يعني قوم لوط، وقوم شعيب.
وقوله: (لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ): أي: طريق مستبين؛ أي: بين هلاكهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ)، (وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ) - واحد؛ أي: بين واضح آثارهم من سلك ذلك الطريق؛ أو دخل قراهم ومكانهم - لاستبان له آثار هلاكهم؛ وما حل بهم.
وقوله: (لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ): أي: طريق يُؤتم، ويقصد؛ بين واضح.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)
قال أهل التأويل: أصحاب الحجر: هم قومُ صالحٍ ثمودُ، وقالوا: الحجر: هو اسم واد. وقيل: هو اسم القرية على شط الوادي؛ نسبوا إليه.
وقوله: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) قال أهل التأويل: يعني بالمرسلين أولم
الحجر 15:80
الآية ٨٠ : وقوله تعالى :﴿ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين﴾ قال أهل التأويل : أصحاب الحجر قوم صالح وثمود.
وقالوا : الحجر : هو اسم واد، وقيل : هو اسم القرية على شط الوادي، نسبوا إليه.
وقوله تعالى :﴿ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين﴾ قال أهل التأويل : يعني بالمرسلين صالحا وحده، لكن ذكر المرسلين لأن صالحا يدعوهم إلى ما كان دعا سائر الر سل. فإذا كذبوه فكأنهم (١) قد كذبوا الرسل جميعا ؛ إذ كل رسول كان يدعوا على الإيمان بالرسل جميعا، فإذا كُذِّب واحد منهم فقد كُذّب الكل، والله أعلم.
١ في الأصل وم: فكان..
الحجر 15:81
يذكر؛ صالحًا وحده، لكن ذكر المرسلين؛ لأن صالحًا كان يدعوهم إلى ما كان دعا سائر الرسل، فإذا كذبوه فكأن قد كذبوا الرسل جميعًا؛ إذ كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعًا، فإذا كذب واحد منهم - فقد كذب الكل. واللَّه أعلم.
وقوله: (وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)
تحتمل الآيات: آيات وحدانية اللَّه وحججه، ويحتمل: جميع الآيات: آيات الوحدانية، وحججه، وآيات رسالتهم. (مُعْرِضِينَ): أي: لم يقبلوها؛ فإذا لم يقبلوها - فقد أعرضوا عنها؛ أو أعرضوا عنها، أي: كذبوها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)
يحتمل آمنين عما وعدهم صالح من عذاب اللَّه؛ حيث قالوا: (يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)، كانوا آمنين عن ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كانوا آمنين عن أن يقع عليهم ما نحتوا لحذاقتهم، وهو ما قال: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ)، على تأويل بعضهم: حاذقين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) يحتمل: أخذتهم ظاهرة بالنهار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)
يحتمل قوله: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ): أي: ما كانوا ينحتون، لا يغنيهم من عذاب اللَّه من شيء.
ويحتمل: فما أغنى عنهم ما عملوا من عبادة الأصنام والأوثان؛ حيث قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ولقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) أي: لم يغنهم ما عبدوا من عذاب اللَّه.
أو يقول: ما أغنى عنهم ما متعوا وأنعموا في هذه الدنيا؛ في دفع عذاب اللَّه عن أنفسهم؛ كقوله: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ...) الآية، أي: وإن أعطوا ما ذكر؛ من السمع، والبصر، والأفئدة، إذا لم ينظروا، ولم يتفكروا في آيات الله فجحدوها.
الحجر 15:82
الآية ٨٢ : وقوله تعالى :﴿وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين﴾ عما وعدهم صالح من عذاب الله حين (١) قالوا :﴿يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين﴾ ( الأعراف : ٧٧ ) كانوا آمنين عن ذلك. وقال بعضهم : كانوا آمنين عن أن يقع عليهم ما نحتوا لحذاقتهم، وهو ما قال :﴿وينحتون من الجبال بيوتا فارهين﴾ ( الشعراء : ١٤٩ ) على تأويل بعضهم حاذقين.
١ في الأصل وم: حيث..
الحجر 15:83
الآية ٨٣ : وقوله تعالى :﴿فأخذتهم الصيحة مصبحين﴾ يحتمل أخذتهم ظاهرة النهار (١).
١ في الأصل وم: بالنهار..
الحجر 15:84
الآية ٨٤ : وقوله تعالى :﴿فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون﴾ يحتمل قوله :﴿فما أغنى عنهم﴾ أي ما كانوا ينحتون لا يغنيهم من عذاب الله من شيء. ويحتمل :﴿فما أغنى عنهم ما﴾ عملوا من عبادة الأصنام والأوثان ( حين ) (١) قالوا :﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ ( الزمر : ٣ ) وقالوا (٢) :﴿هؤلاء شفعاءنا عند الله﴾ ( يونس : ١٨ ) أي لم يغنهم ما عبدوا من عذاب الله، أو يقول : ما أغنى عنهم ما نعموا(٣)، وأنعموا في هذه الدنيا في دفع العذاب عن أنفسهم كقوله :﴿فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم﴾ الآية ( الأحقاف : ٢٦ ) وإن أعطوا ما ذكر من السمع والبصر والأفئدة إذ لم ينظروا، ولم يتفكروا في آيات الله، وجحدوها (٤).
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وقوله..
٣ في الأصل وم: متعوا..
٤ من م، في الأصل: وجحدوا..
الحجر 15:85
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ).
يحتمل (بِالْحَقِّ): الحق الذي جعل لنفسه على أهلها، والحق الذي لبعض على بعض، والحق: هو اسم كل محمود مختار من القول والفعل، والباطل: اسم كل مذموم من القول والفعل.
قَالَ بَعْضُهُمْ: تأويله: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا شهودًا لله بالحق على أهلها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا بِالْحَقِّ): أي: لم يخلقهما لغير شيء؛ ولكن خلقهما للمحنة؛ يمتحنهم بالعبادة فيها، وإلى هذا ذهب الحسن.
وقيل: خلقهما وما بينهما لأمر كائن؛ أي: لعاقبة: للثواب أو الجزاء، لم يخلقهم للفناء خاصة؛ ولكن للعاقبة؛ لأن خلق الشيء للفناء خاصة عبث؛ وهو ما قال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، أخبر أن خلقهم لا للرجوع إليه ولا للعاقبة - عبث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وجائز أن يكون قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) على الاحتجاج على أُولَئِكَ لإنكارهم الساعة، لوجهين:
أحدهما: ما ذكرنا أنه لو لم تكن الساعة حصل خلقهما وما بينهما للفناء خاصة؛ وخلقُ الشيء للفناء خاصةً عبث باطل؛ كبناء البناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد - عبث.
والثاني: أنه يكون في ذلك التسوية بين الأعداء والأولياء، وفي الحكمة التفريق
الحجر 15:86
بينهما، وما قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا...) الآية. لم يكن ظنهم أنه خلقهما باطلا؛ ولكن لما أنكروا البعث صار في ظنهم خلقهما باطلا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) أي: أعرض عنهم، ولا تكافئهم بما آذوك بألسنتهم وفعلهم (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) فإني أكافئهم عنك على أذاهم إياك وصنيعهم يومئذ.
والصفح الجميل: هو ما لا نقض فيه ولا منة في العُرف؛ أي: اصفح الصفح ما يوصف فيه بتمام الأخلاق، وما لا نقض فيه ولا منة يحتمل الصفح الجميل: هو أن يصفح ولا يمنّ عليهم، كأنه أمره أن يصفح صفحًا لا منة فيه.
قوله تعالى: (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) فتجزى أنت على صفحك الجميل؛ وهم على أذاك. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه على علم بما يكون منهم من المعصية والخلاف خلقهم، لا خلقهم عن غفلة وجهل بذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق الخلق لحاجة نفسه ولا لمنفعة نفسه، ولكن خلقهم ليمتحنهم بما أمرهم به ونهاهم، ولما يرجع إلى منافعهم وحوائجهم.
والثاني: إن ربك هو الخلاق لخلقه؛ العليم بمصالحهم بأن الصفح الجميل لهم، ذلك أصلح في دينهم من المكافأة. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)
اختلف في قوله: (سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي): قَالَ بَعْضُهُمْ: (سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي): المثاني: هو القرآن كله؛ كقوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ). وقيل: سمي مثانيًا لترديد الأمثال فيه والعبر والأنباء؛ فإن كان على هذا فيكون قوله: (سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي): أي: سبعًا من القرآن العظيم. ثم يحتمل السبع الطوال؛ على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ كأنه قال: آتيناك سبعًا من القرآن العظيم. ويحتمل: (سَبْعًا) يعني فاتحة الكتاب من القرآن؛ أي: آتيناك فاتحة الكتاب من القرآن. وقال قوم: يقولون: سبع المثاني: فاتحة الكتاب، ويروون على ذلك حديثًا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مروي عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الحمدُ لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبعُ المثاني " وعن أُبَي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ما أنزل اللَّه في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن؛ وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي؛ ولعبدي ما سأل ".
ومنهم من يقول: المثاني: القرآن كله؛ يذهب إلى ما ذكرنا من الآية؛ وبما يروى عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور والقرآن مثلُها - يعني أمّ القرآن - وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت " ذكروا أنها سبع من المثاني؛ فإن كان سبع المثاني فاتحة الكتاب، يصير كأنه قال: ولقد آتيناك سبعًا؛ وهي المثانى، وإن كان سبعًا من المثاني هي السبع الطوال يكون هكذا: أي: آتيناك سبعًا؛ وهو المثاني. وروي أيضًا عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقال: " آتاني السبع الطوال مكان التوراة والمثاني مكان الإنجيل، وفضلني ربي بالمفصل " ثم إن ثبت ما روي في الخبر أن سبع المثاني فاتحة الكتاب وإلا الكفّ والإمساك عن ذلك أوْلى؛ لأنه لا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، وليس يكون تسميتنا إياها سوى الشهادة، وما خرج مخرج الشهادة - من غير حصول النفع لنا - فالكف عنه والإمساك أولى.
ومنهم من يقول: هن المفضل.
ومن قال: المثاني فاتحةُ الكتاب - قال: لأنها تثنى في كل ركعة أو ما جعل فيها مكررة معادة؛ لأن كل حرف منها يؤدي معنى حرف آخر؛ فسمي مثاني بذلك.
ومن قال: المثاني: هو القرآن؛ قال: لما ذكرنا؛ لأن أمثاله، وأنباءه، وغيره معادة
الحجر 15:87
الآية : ٨٧ : وقوله تعالى :﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾.
اختلف في قوله :﴿سبعا من المثاني﴾ قال بعضهم : هو القرآن [ كله لقوله ](١) :﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني﴾ ( الزمر : ٢٣ ) وقيل : سمي مثاني لترديد الأمثال فيه والعبر والأنباء فإن كان على هذا فيكون قوله :﴿سبعا من المثاني﴾ أي سبعا من القرآن العظيم.
ثم يحتمل السبع الطوال على ما ذكر بعض أهل التأويل : كأنه قال : آتيناك سبعا من القرآن العظيم، ويحتمل ﴿سبعا﴾ يعني فاتحة الكتاب من القرآن، أي آتيناك فاتحة الكتاب من القرآن.
وقال قوم : يقولون : سبع المثاني فاتحة الكتاب. ويرون على ذاك حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (٢) روي عن أبي هريرة رضي الله عنه [ أنه ](٣) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني ). ( الترمذي : ٣١٢٤ ).
وعن أبي [ بن كعب ](٤) رضي الله عنه [ أنه ](٥) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني ) [ ( وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل ) ](٦) ( مسلم : ٣٩٥ ).
ومنهم من يقول :(٧) مثاني القرآن كلمة تذهب إلى ما ذكرنا من الآية، وبما يروى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( ما ( أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور والقرآن مثلها ) يعني أم القرآن )( وإنها لسبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت ).
ذكر :( وإنها لسبع من المثاني ) فإن كان سبع المثاني فاتحة الكتاب يصير(٨) كأنه قال :﴿ولقد آتيناك سبعا﴾ وهي المثاني. وإن كان سبعا من المثاني [ هن الطوال يكن ](٩) هكذا : أي ﴿ولقد آتيناك سبعا﴾ [ وهن الطوال من القرآن ](١٠).
وروي أيضا عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم [ أنه ](١١) قال :( آتاني السبع الطوال مكان التوراة والمثاني مكان الإنجيل، وفضلني ربي بالمفصل ) ( أحمد : ٤/١٠٧ ).
ثم إن ثبت ما روي في الخبر أن سبع المثاني فاتحة الكتاب وإلا الكف والإمساك أولى ؛ لأنه حاجة بنا إلى معرفة ذلك، وليس يكون تسميتنا إياها سوى الشهادة. وما خرج مخرج الشهادة من غير حصول النفع لنا فالكف عنه والإمساك أولى. ومنهم من يقول : هن المفصل.
ومن قال : المثاني فاتحة الكتاب قال : لأنها تثنى في كل ركعة، وما جعل فيها [ مكررا معادا ](١٢) لأن كل حرف يؤدي معنى حرف آخر، فسمي مثاني.
ومن قال : المثاني هو القرآن قال لما ذكرنا، لأن أمثاله وأنباءه وعبره معادة مرددة.
ومن قال : المثاني السبع الطوال قال : لأنها تثنى فيها حدود القرآن وفرائضه وعامة أحكامه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿والقرآن العظيم﴾ سماه عظيما وسماه مجيدا وحكيما، [ وهي أسماء ] (١٣) الفاعلين، ولا عمل للقرآن (١٤)، ولا فعل في الحقيقة، لكنه يخرج، والله أعلم على وجوه :
يحتمل سماه عظيما مجيدا لما عظمه، وشرفه، ومجده، فهو عظيم مجيد حكيم، أي محكم. والفعيل بمعنى المفعول. وذلك جائز في اللغة. أو سماه بذلك لأن من تمسك به، وعمل به، يصر(١٥) عظيما مجيدا. أو سماه عظيما مجيدا حكيما، أي جاء من عند عظيم مجيد حكيم. وأصل الحكيم المصيب الواضع كل شيء موضعه، والله أعلم.
١ في الأصل: كل قوله، في م: كله كقوله..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ هذا جزء من الحديث القدسي الذي أورده المؤلف أبو منصور في حديثه عن التسمية في فاتحة الكتاب..
٧ في الأصل وم: المثاني..
٨ في الأصل وم: يصير..
٩ في الأصل وم: هو الطوال يكون..
١٠ في الأصل وم: وهو القرآن..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: مكررة معادة..
١٣ في الأصل وم: وهو اسم..
١٤ في الأصل وم: له..
١٥ في الأصل وم: يصير..
الحجر 15:88
مرددة.
ومن قال: المثاني السبع الطوال - فقال: لأنه يثنى فيها حدود القرآن، وفرائضه، وعامة أحكامه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ).
سماه عظيمًا، وسماه مجيدًا، وحكيمًا؛ وهو اسم الفاعلين، ولا عمل له ولا فعل في الحقيقة؛ لكنه يخرج - واللَّه أعلم - على وجوه:
يحتمل: سمَّاه عظيمًا مجيدًا؛ لما عظمه وشرفه ومجده، فهو عظيم مجيد حكيم: أي: محكم، الفعيل بمعنى المفعول، وذلك جائز في اللغة.
أو سماه بذلك لأن من تمسك به؛ وعمل به؛ يصير عظيمًا مجيدًا، حكيمًا، أو سماه عظيمًا مجيدًا حكيمًا: أي: جاء من عند عظيم هو مجيد حكيم، وأصل الحكيم: هو المصيب، الواضع كل شيء موضعه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)
يحتمل المراد بقوله: (عَينَيكَ) نفس العين.
ثم هو يحتمل وجهين:
أحدهما: نهى رسوله أن ينظر إلى مامتع أُولَئِكَ مثل نظرهم؛ لأنهم ظنوا أنهم إنما متعوا هذه الأموال في الدنيا لخطرهم وقدرهم عند اللَّه، وعلى ذلك قالوا: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) وقال: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي...) الآية، ونحوه، ظنوا أنهم إنما متعوا في هذه الدنيا؛ لخطرهم وقدرهم عند اللَّه؛ لذلك قالوا ما قالوا؛ فنهاه أن ينظر إلى ذلك بعين الذين نظروا هم إليه؛ ولكن بالاعتبار.
والثاني: نهاه أن ينظر إلى ذلك نظر الاستكبار والتجبر على المؤمنين، والاستهزاء بهم على ما نظروا هم؛ لأنهم بما متعوا من أنواع المال استكبروا على الناس، واستهزءوا بهم؛ إذ البصر قد يقع أعلى ما ذكر، من غير تكلف؛ فيصير كأنه نهاه عن الرغبة والاختيار فيما متعوا فيه؛ لأن ما متعوا به هو ما ذكر، (وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا)، وقال في آية أخرى (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ).
وقوله: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) فيما متعوا فإنهم إنما متعوا لما ذكر، ويحتمل النهي عن مدّ العين لا العين نفسه ولكن نفسه؛ كأنه قال: لا تمنَّيَن نفسك فيما متعوا هم ولا ترغبنها في ذلك؛ فإنه ليس يوسع ذلك عليهم لخطرهم وقدرهم؛ ولكن ليعلم أن ليس لذلك خطر عند اللَّه وقدر؛ حيث أعطى من افترى على اللَّه، وجحد نعمه وفضْله.
وفي الآية تفضيل الفقر على الغنى؛ لأنه نهى رسوله أن يمد عينيه إلى ما متعوا، ومعلوم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا مدّ إلى ذلك ليس يمد للدنيا ولا لشهواته؛ ولكن يستعين به في أمر جهاد عدوه، ويعين به أصحابه في سبيل الخيرات، ثم نهاه مع ذلك عنه؛ دل أن الأخير والأفضل ما اختاره من الفقر، وقصور ذات يده. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَزْوَاجًا مِنْهُمْ).
أي: أصنافًا من الأموال، وألوانًا من النعم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَزْوَاجًا مِنْهُمْ): أي: الأغنياء منهم وأشباهه؛ فإن كان قوله: (أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) هو أصناف الأموال - فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا منهم أزواجًا.
وإن كان أزواجًا منهم هو أصناف الناس فهو على النظم الذي جرى به التنزيل؛ أي: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به قومًا منهم.
وفي قوله: [(لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ)] دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه لا يعطى أحدًا شيئًا إلا ما هو أصلح له في الدِّين، ولو كان ما متع هَؤُلَاءِ أصلح لهم في الدِّين - لم ينه رسوله عن مد عينيه إليه، دلّ أنه قد يعطي ما ليس بأصلح في الدِّين، وكذلك قوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)، أخبر أنه إنما يملى لهم ليزدادوا إثمًا، وهم يقولون: يملي لهم ليزدادوا خيرًا. وكذلك قوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ...) الآية، هذه الآيات كلها تنقض عليهم قولهم، وقد ذكرنا هذا في غير موضع فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ).
الحجر 15:89
يحتمل النهي نفسه نهاه أن يحزن عليهم؛ إشفاقًا عليهم؛ بل أمره أن يغلظ عليهم؛ كقوله: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)، وعلى هذا يخرج قوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: ارفق بهم، ولِنْ عليهم، واشدد على أُولَئِكَ، واغلظ عليهم؛ وهو ما وصفهم: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)، أخبر أنهم أهل شدة على الكفار وأهل غلظة، رحماء بينهم، وأهل ذلة على المؤمنين، وأهل شدة عليهم؛ أي: على الكفار، فعلى ذلك هذا.
ويحتمل أن ليس على النهي؛ ولكن على التخفيف والتسلي، ودفع الحزن عن نفسه؛ لأنه كان يحزن لكفرهم باللَّه وتركهم الإيمان؛ حتى كادت نفسه تتلف لذلك؛ كقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) الآية، وقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ) الآية، وأمثاله.
ويحتمل أيضًا وجهًا آخر: وهو أنه كان يحزن عليهم، ويضيق صدره؛ لما مكروا به وكادوه؛ كقوله: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)، فإني أكافئهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)
يحتمل: أنا النذير على معاصيه، المبين على طاعاته، أو النذير على العصاة من عذاب اللَّه، المبين لأموره ونواهيه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)
قال الحسن: الكتب كلها قرآن؛ يعني كتب اللَّه اقتسموها وجعلوها عضين؛ أي: فرقوها بالتحريف والتبديل؛ فما وافقهم أخذوه، ومالم يوافقهم غيَّروه وبدلوه؛ كقوله: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) ونحوه، فذلك اقتسامهم وتعضيتهم على قوله، وكقوله: (قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا)، وقوله: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا)، ونحوه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: اقتسامهم: وهو أن نفرًا من قريش كانوا اقتسموا عقار مكة؛ ليصدّوا الناس عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فيقول طائفة منهم - إذا سئلوا عنه -: هو كاهن، وطائفة أخرى: هو شاعر، ساحر، مجنون، ونحوه. وعضين: قولهم: هو: سحر، شعر، كهانة، أساطير الأولين، افترى على اللَّه كذبًا، وأمثال ما قالوا. فذلك اقتسامهم
الحجر 15:90
الآية ٩٠ و ٩١ : وقوله تعالى :﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾ ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ قال الحسن : الكتب كلها قرآن ؛ يعني كتب الله اقتسموها، وجعلوها عضين، أي فرقوها بالتحريف والتبديل ؛ فما وافقهم أخذوه، وما لم يوفقهم غيروه، وبدلوه، كقوله :﴿يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروه﴾ ( المائدة : ٤١ ) ونحوه، فذلك اقتسامهم، وتعضيتهم على قوله، وكقوله :﴿تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا﴾ ( الأنعام : ٩١ ) وقوله :﴿فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا﴾ ( المؤمنون : ٥٣ ) ونحوه.
وقال بعضهم : اقتسامهم : هو(١) أن نفرا من قريش كانوا اقتسموا عقاب مكة ليصدوا الناس عن رسول الله : فتقول طائفة منهم إذا سئلوا عنه : هو كاهن، وطائفة أخرى هو شاعر ساحر مجنون، ونحوه.
وعضتهم (٢) قولهم : هو سحر، شعر كهانة، أساطير الأولين ﴿افترى على الله كذبا﴾ ( الشورى : ٢٤ ) وأمثال ما قالوا فذلك اقتسامهم وعضتهم.
وقال بعضهم : هو على التقديم، أي أتيناك المثاني والقرآن العظيم، أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى ؛ فهم المقتسمون كتاب الله، فأمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
وقال أبو عوسجة : يقال : عضيت الجزور، أي قسمتها عضوا. . . . وقال غيره : هو من العضة، وهو السحر بلسان قريش. يقال للساحر : عاضة.
وقال القتبي : المقتسمون : قوم تحالفوا على عظة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يذيعوا بكل طريق، ويخبروا به النزاع إليهم. وقوله(٣) :﴿عضين﴾ : أي فرقوه، وعضوه. وقيل : فرقوا القول فيه. وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وهو..
٢ في الأصل وم: و ﴿عضين﴾..
٣ في الأصل وم: و..
الحجر 15:91
الآية ٩٠ و ٩١ : وقوله تعالى :﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾ ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ قال الحسن : الكتب كلها قرآن ؛ يعني كتب الله اقتسموها، وجعلوها عضين، أي فرقوها بالتحريف والتبديل ؛ فما وافقهم أخذوه، وما لم يوفقهم غيروه، وبدلوه، كقوله :﴿يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروه﴾ ( المائدة : ٤١ ) ونحوه، فذلك اقتسامهم، وتعضيتهم على قوله، وكقوله :﴿تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا﴾ ( الأنعام : ٩١ ) وقوله :﴿فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا﴾ ( المؤمنون : ٥٣ ) ونحوه.
وقال بعضهم : اقتسامهم : هو(١) أن نفرا من قريش كانوا اقتسموا عقاب مكة ليصدوا الناس عن رسول الله : فتقول طائفة منهم إذا سئلوا عنه : هو كاهن، وطائفة أخرى هو شاعر ساحر مجنون، ونحوه.
وعضتهم (٢) قولهم : هو سحر، شعر كهانة، أساطير الأولين ﴿افترى على الله كذبا﴾ ( الشورى : ٢٤ ) وأمثال ما قالوا فذلك اقتسامهم وعضتهم.
وقال بعضهم : هو على التقديم، أي أتيناك المثاني والقرآن العظيم، أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى ؛ فهم المقتسمون كتاب الله، فأمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
وقال أبو عوسجة : يقال : عضيت الجزور، أي قسمتها عضوا.... وقال غيره : هو من العضة، وهو السحر بلسان قريش. يقال للساحر : عاضة.
وقال القتبي : المقتسمون : قوم تحالفوا على عظة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يذيعوا بكل طريق، ويخبروا به النزاع إليهم. وقوله(٣) :﴿عضين﴾ : أي فرقوه، وعضوه. وقيل : فرقوا القول فيه. وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وهو..
٢ في الأصل وم: و ﴿عضين﴾..
٣ في الأصل وم: و..
الحجر 15:92
وعضتهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على التقديم: أي: آتيناك المثاني والقرآن العظيم؛ أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى؛ فهم المقتسمون كتاب اللَّه؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: يقال: عضيت الجزور: أي: قسمتها عضوًا عضوًا.
وقال غيره: هو من العضة: وهو السحر؛ بلسان قريش؛ يقال للساحر عاض.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: المقتسمون: قوم تحالفوا على عضة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ وأن يذيعوا ذلك بكل طريق، ويخبروا به النزاع إليهم. وعضين: أي: فرقوه وعضوه. وقيل: فرقوا القول فيه، وهو ما ذكرنا. واللَّه أعلم.
وقوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)
قوله: (فَوَرَبِّكَ): قيل: قسم أقسم به تعالى.
(لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: الخلائق كلها؛ كقوله: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)، أخبر أنه يسألهم جميعًا: الرسل عن تبليغ الرسالة، والذين أرسل إليهم عن الإجابة لهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ): هَؤُلَاءِ الذين سبق ذكرهم؛ المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، والذين استهزءوا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه؛ يسألهم عن حجج ما فعلوا، والمعنى الذي حملهم على سوء معاملة رسوله وكتابه، لأي: شيء نسبتم رسولي وكتابي إلى السحر، والكذب، والكهانة، والافتراء على اللَّه؟ لا يسألون ما فعلتم؟ وأي شيء عملتم؛ لأن ذلك يكون مكتوبًا في كتبهم؛ يقرءونه؛ كقوله: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)، وهو وعيد شديد في نهاية الوعيد والشدة؛ لأنه وعيد مقرون بالقسم، وكل وعيد قرن بالقسم فهو في غاية الشدة؛ إذ لو جاءنا ذلك الوعيد من ملك من ملوك البشر يجب أن يخاف؛ فكيف من ربنا؟!
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ): أي: استقم كما تؤمر؛ كقوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ).
فهو في كل ما أمر به.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: اصدع: أي: امض بما تؤمر من تبليغ الرسالة.
(وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ).
أي: أعرض عن مكافأتهم؛ ومعناه - واللَّه أعلم - امض على ما تؤمر؛ من تبليغ الرسالة إليهم ولا تخفهم، ولا تهبهم، ولا يمنعنك شيء عن تبليغ الرسالة؛ الخوف، ولا القرابة، ولا شيء من ذلك، ولكن امض على ما تؤمر؛ وهو كما قال: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا)، وقال: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: لا يمنعكم عن القول بالحق والعدل بغضكم إياهم، ولا قرابتكم التي فيما بينكم، فعلى ذلك قوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ): أي: امض على ما أمرت من تبليغ الرسالة، ولا يمنعنك عن ذلك: الخوف، والوعيد، والقرابة التي فيما بينك وبينهم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ): أي: أظهر ذلك، وأصله: الفرق والفتح؛ يريد: اصدع الباطل بحقك؛ حتى يأتيك الموقن به؛ وهو الموت.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: اصدع: أي: امض على ما تؤمر، وصدعت: أي: مضيت؛ وذلك من المضي، وأصل هذا كله: الشق، ويقال: تصدعوا: أي: تفرقوا. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) أي: أعرض عن مكافأتهم؛ فأنا أكافئهم عنك على ما آذوك.
وقال بعض أهل التأويل: قوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) وهو منسوخ بآية السيف؛ لكن على الوجه الذي ذكرنا ليس بمنسوخ، ويحتمل: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)؛ إن كان أراد به القتال والدعاء إلى التوحيد فهو في وقت دون وقت أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يجيبونه ولا يؤمنون به أيئس رسوله عن إيمانهم فقال: أعرض عن هَؤُلَاءِ ولا
الحجر 15:93
الآيتان ٩٢ و ٩٣ : وقوله تعالى :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ ﴿عما كانوا يعملون﴾ قوله :﴿فوربك﴾ قسم، أقسم الله تعالى :﴿لنسألنهم أجمعين﴾ قال بعضهم : الخلائق كلها كقوله :﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ ( الأعراف : ٦ ) أخبر أنه يسألهم جميعا : الرسل عن تبليغ الرسالة والذين أرسل إليهم عن الإجابة لهم.
قال بعضهم : قوله :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ هؤلاء الذين سبق(١) ذكرهم :﴿المقتسمين﴾ ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ والذين استهزؤوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. يسألهم عن حجج ما فعلوا والمعنى الذي حملوهم على سوء معاملة رسوله وكتابه : لأي شيء نسبتم رسولي وكتابي إلى سحر والكذب والكهانة والافتراء على الله ؟
لا يسألون : ما فعلتم ؟ وأي شيء عملتم ؟ لأن ذلك يكون مكتوبا في كتبهم، يقرؤونه (٢) كقوله :﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ ( الإسراء : ١٤ ) هو : وعيد شديد في نهاية الوعيد والشدة لأنه وعيد مقرون بالقسم، وكل وعيد، قرن بالقسم فهو غاية الشدة، إذ لو جاءنا هذا الوعيد من ملك من ملوك البشر يجب(٣) أن يخاف، فكيف من ربنا ؟
١ في الأصل وم: سبقوا..
٢ في الأصل وم: ويقرءون..
٣ من م، في الأصل: بحيث..
الحجر 15:94
الآية ٩٤ : وقوله تعالى :﴿فاصدع بما تؤمر﴾ كقوله(١) :﴿فاستقم كما أمرت﴾ ( هود : ١١٢ ) فهو في كل ما أمر به. وقال بعضهم :﴿فاصدع﴾ أي امض ﴿بما تؤمر﴾ من تبليغ الرسالة ﴿واعرض عن المشركين﴾ أي اعرض عن مكافأتهم، والله أعلم.
امض على ما تؤمر، من تبليغ الرسالة إليهم، ولا تخفهم، ولا تهبهم، ولا يمنعك شيء عن تبليغ الرسالة : الخوف ولا القرابة ولا شيء من ذلك. ولكن امض على ما تؤمر، هو كما قال :﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ ( المائدة : ٨ ) وقال :﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ ( النساء : ١٣٥ ) أي لا يمنعكم عن القول بالحق والعدل بغضكم إياهم ولا قرابتكم.
فعلى ذلك قوله :﴿فاصدع بما تؤمر﴾ أي امض على ما أمرت من تبليغ الرسالة، ولا يمنعك عن ذلك الخوف والوعيد والقرابة التي بينك وبينهم.
وقال القتبي :﴿فاصدع بما تؤمر﴾ أي أظهر. صدع : أظهر ذلك. وأصله : الفرق والفتح، يريد اصدع الباطل بحقك حتى يأتيك الموقن به، وهو الموت.
وقال أو عوسجة :﴿فاصدع﴾ أي امض ﴿بما تؤمر﴾ على ما تؤمر، وصدعت أي مضيت، وذلك من المضي. وأصل : هذا كله الشق، ويقال : تصدعوا، أي تفرقوا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿واعرض عن المشركين﴾ أي أعرض عن مكافآتهم، فأنا أكافئهم عنك على ما آذوك. وقال بعض أهل التأويل : قوله :﴿واعرض عن المشركين﴾ هو منسوخ بآية السيف لكن على الوجه(٢) الذي ذكرنا ليس بمنسوخ. ويحتمل :﴿واعرض عن المشركين﴾ إن كان أراد به القتال والدعاء إلى التوحيد فهو في وقت ( دون وقت أو )(٣) في قوم خاص ؛ علم الله أنهم لا يجيبونه، ولا يؤمنون به، وإياس(٤) رسوله ( من )(٥) إيمانهم، فقال : أعرض ( عن )(٦) هؤلاء، ولا تشتغل بهم، ولا تدعوهم، فإنهم لا يؤمنون، ولكن ادع قوما آخرين، والله أعلم.
١ في الأصل: أي، في م: أي استقم كما تأمر..
٢ من م، في الأصل: وجه..
٣ من م، في الأصل: أي..
٤ الواو ساقطة من الأصل وم..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
الحجر 15:95
تشتغل بهم ولا تدعهم فإنهم لا يؤمنون ولكن ادع قومًا آخرين واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ): الكفرة جميعًا؛ فمنعناهم عن أن يصلوا إليك؛ على ما قصدوا إليك من إهلاكك، وغيره؛ كقوله: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين ".
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) والذين كانوا على الطرق والمراصد؛ ليصدوا الناس عن سبيل اللَّه؛ على ما ذكر في القصة؛ العدد الذي ذكر سبعة أو خمسة؛ كفاه اللَّه بأن أهلكهم بما ذكر أهل التأويل: أن الذين استهزءوا به هلكوا جميعًا بعقوبات مختلفة.
وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)
قوله: (يَجْعَلُونَ) وليس على الجعل؛ لأنهم لو جعلوا لكان؛ لأن كل مجعول كائن موجود؛ ولكن قوله: (يَجْعَلُونَ): أي: يزعمون أن مع اللَّه إلهًا آخر؛ إما في التسمية أو في العبادة، وكذلك قوله: (جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) هم لا يقدرون على أن يجعلوه عضين، ولكن زعموا أنه كذا؛ لأن اللَّه وكل حفظه إلى نفسه؛ بقوله: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقال: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)، أخبر أنه يحفظه حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فلو قدروا على جعله عضين - لكان قد أتى الباطل من بين يديه، دل أنه على القول الذي قالوا؛ وهو على المجاز كقوله: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ)، وقوله: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)، فهو على المجاز، على ما عندهم، إما بحق التسمية لها أنها آلهة، وإما بصرف العبادة إليها، ظاهر هذا أن المستهزئين الذين ذكرهم أنه كفاه عنهم هم الكفرة جميعًا؛ لكن يحتمل في الذين ذكرهم أهل التأويل كانوا على مراصد مكة، أضاف ذلك إليهم ونسب؛ لأنهم هم الذين أمروا غيرهم أن يجعلوا دونه إلهًا؛ فكأنهم فعلوا ذلك، وهم قالوا.
الحجر 15:96
الآية ٩٦ : وقوله تعالى :﴿الذين يجعلون مع الله إلها آخر﴾ قوله :﴿الذين يجعلون مع الله إلها آخر﴾ ليس على الجعل لأنهم لو جعلوا لكان، لأن كل مجعول كائن موجود. ولكن قوله :﴿يجعلون﴾ أي يزعمون أن ﴿مع الله إلها آخر﴾ إما في التسمية وإما(١) في العبادة.
وكذلك قوله :﴿جعلوا القرآن عضين﴾ ( الحجر : ٩١ ) هم لا يقدرون على أن يجعلوه ﴿عضين﴾ ولكن زعموا أنه كذا، لأن الله وكل حفظه إلى نفسه بقوله :﴿وإنا له لحافظون﴾ ( الحجر : ٩ ) وقوله(٢) :﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ ( فصلت : ٤٢ ) أخبر أنه يحفظه حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولو قدوا على جعله ﴿عضين﴾ لكان قد أتى الباطل من بين يديه ومن خلفه. دل على القول الذي قالوا، وهو على المجاز.
وكذلك قوله :﴿فراغ إلى آلهتهم﴾ ( الصافات : ٩١ ) وقوله :﴿أجعل الآلهة إلها واحدا﴾ ( ص : ٥ ) فهو كله على المجاز على ما عندهم : إما بحق التسمية لها أنها آلهة، وإما بصرف العبادة إليها. ظاهر هذا أن المستهزئين ذكرهم أنه كفاه عنهم ؛ هم الكفرة جميعا.
لكن يحتمل في الذين ذكرهم أهل / ٢٨٠ – ب / التأويل ( الذين )(٣) كانوا على مراصد مكة ؛ أضاف ذلك إليهم، ونسبه(٤)، لأنهم هم الذين أمروا غيرهم أن يجعلوا دونه إلها، فكأنهم فعلوا ذلك، وهم قالوا.
وقوله تعالى :﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ ﴿الذين﴾ فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم، فيكون قوله :﴿والذين يجعلون مع الله إلها آخر﴾ على الإضمار ( كانوا، أي الذين )(٥) كانوا يجعلون مع الله إلها آخر، وإن كان في الذين يكونون من بعد، فهو على ظاهر ما ذكر : يجعلون على المستقبل.
وقوله تعالى :﴿فسوف يعلمون﴾ وعيد، أي سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام والعظة والاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إذا نزل العذاب بهم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: أو..
٢ في الأصل وم: وقال..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: ونسب..
٥ في الأصل: كان أي الذي، في م: كان أي الذين..
الحجر 15:97
وقوله: (كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) الذين فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم؛ فيكون قوله: (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ) على إضمار (كان)؛ أي: الذين كانوا يجعلون مع اللَّه إلهًا آخر.
وإن كان في الذين يكونون من بعد - فهو على ظاهر ما ذكر؛ يجعلون على المستقبل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
أي: سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء برسول الله وأصحابه، إذا نزل العذاب بهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)
وما قالوا؛ من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء به، وأنواع الأذى الذي كان منهم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ أي: نعلم ذلك، وهو محفوظ عندنا، نجزيهم على ذلك فلا يضيقن صدرك؛ لذلك فهو على التصبير على الأذى، والتسلي عن ذلك، وترك المكافأة لهم، واللَّه أعلم. وكان يضيق صدره؛ مرة لتركهم الإجابة له، ومرة للأذى باللسان.
والثاني: على علم منا بما يكون منهم، ومن ضيق صدرك بذلك، لكن أنشأناهم ومكناهم على علم منا بذلك؛ امتحانًا منا إياك بذلك وإياهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)
قال بعض أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك وكن من الساجدين؛ أي: من المصلين.
وقوله: (فَسَبِّحْ): هو أمر؛ فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه؛ فلا معنى لذكر الأمر من بعد قوله: (بِحَمْدِ رَبِّكَ) إن كان الحمد هو الأمر؛ على ما قال بعض أهل التأويل.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن قوله: (فَسَبِّحْ) أي: نزه اللَّه عن جميع ما قالت الملحدة فيه؛ إذ التسبيح هو التنزيه في اللغة (بِحَمْدِ رَبِّكَ)؛ أي: بثناء ربك؛ أي: نزهه عن ذلك كله بثناء تثنيه عليه، وكن من الساجدين؛ أي: من الخاضعين؛ إذ السجود هو الخضوع.
أو أن يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي، وتوسيع صدره بالذي يكون منهم؛ أي: فسبح ربك مكان ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ... (٩٩)
يحتمل التوحيد؛ أي: وحِّد ربك، وكذلك قال ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كل عبادة ذكرت في القرآن - فهو توحيد يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر، ويحتمل العبادة نفسها؛ يأمره بالعبادة له؛ شكراً له؛ على ما روي في الخبر عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه صلى حتى تورمت ساقاه؛ فقيل له: ألم يغفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: " بلى، أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! ".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ): أي: ما تيقنت به؛ وهو الموقن به.
وكذلك قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)، أي: من يكفر بالمؤمن به فقد حبط عمله؛ لأن الإيمان لا يكفر به، فعلى ذلك اليقين لا يأتيه؛ ولكن يأتيه الموقن به. وكذلك ما ذكر: الصلاة أمر اللَّه؛ أي: بأمر اللَّه، وهو المأمور به؛ لأن الصلاة لا تكون أمر اللَّه، لكن بأمر اللَّه، وكذلك ما يجيء من هذا النحو.
ويحتمل قوله: (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) فيهم؛ وهو ما وعد من العذاب فيهم؛ أي: يتيقنون بذلك واللَّه أعلم.
* * *
الحجر 15:98
الآية ٩٨ : وقوله تعالى :﴿فسبح بحمد ربك﴾ قال بعض أهل التأويل : أي صل بأمر ربك ﴿وكن من الساجدين﴾ أي من المصلين.
وقوله تعالى :﴿فسبح﴾ هو أمر. فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه، فلا معنى لذكر الموت من بعد قوله(١) :﴿بحمد ربك﴾ إذا كان الحمد له، وهو الأمر على ما قال بعض أهل التأويل :
ويحتمل وجها آخر ؛ وهو أن قوله :﴿فسبح﴾ أي نزه الله عن جميع ما قالت الملحدة فيه ؛ إذ التسبيح، هو التنزيه في اللغة.
( وقوله تعالى )(٢) :﴿بحمد ربك﴾ أي بثناء ربك، أي نزه ( ربك )(٣) من ذلك كله بثناء، تثنيه عليه ﴿وكن من الساجدين﴾ أي من الخاضعين، إذ السجود هو الخضوع. أو يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي وتوسيع صدره بالذي يكون منهم، أي ( فسبح ) ربك مكان ذلك.
١ في الأصل وم: بقوله..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
الحجر 15:99
الآية : ٩٩ : وقوله تعالى :﴿واعبد ربك﴾ يحتمل التوحيد، أي وحد ربك. وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه : كل عبادة ذكرت في القرآن، فهي (١) توحيد ؛ يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر. ويحتمل العبادة نفسها ؛ يأمره بالعبادة له شكرا على ما روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( أنه صلى حتى تورمت قدماه، فقيل له : ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال : بلى، أفلا أكون عبدا شكورا ) ؟ ( البخاري : ١١٣٠ ) وقوله تعالى :﴿حتى يأتيك اليقين﴾ أي ما تيقنت به، وهو الموقن به. وكذلك قوله :﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ ( المائدة : ٥ ) أي من يكفر بالمؤمن به فقد حبط عمله، لأن الإيمان لا يكفر به. فعلى ذلك اليقين لا يأتيه ( ولكن يأتي )(٢) الموقن به.
وكذلك ما ذكر : الصلاة أمر الله، أي بأمر الله، وهو المأمور به، لأن الصلاة لا تكون أمرا لله ولكن بأمر الله، وكذلك ما يجيء من هذا النحو.
ويحتمل قوله :﴿حتى يأتيك اليقين﴾ فيهم، وهو ما وعد من العذاب فيهم ؛ أي يتيقنون بذلك(٣) والله اعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب.
١ في الأصح وم: فهو..
٢ في م: ولكن يأتيه، ساقطة من الأصل..
٣ أدرج بعدها في الأصل وم: بعض أهل التأويل: سورة النحل كلها مكية ثلاث الآيات لأنها نزلت في المدينة..