تأويلات أهل السنة — فاطر 35:1 – الصافات 37:168
المحتويات
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
- يس 36:1
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:44
- يس 36:45
- يس 36:46
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:55
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:61
- يس 36:62
- يس 36:63
- يس 36:64
- يس 36:65
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:73
- يس 36:74
- يس 36:75
- يس 36:76
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:80
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:4
- الصافات 37:5
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:13
- الصافات 37:14
- الصافات 37:15
- الصافات 37:16
- الصافات 37:17
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:21
- الصافات 37:22
- الصافات 37:23
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:26
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:30
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:36
- الصافات 37:37
- الصافات 37:38
- الصافات 37:39
- الصافات 37:40
- الصافات 37:41
- الصافات 37:42
- الصافات 37:43
- الصافات 37:44
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:53
- الصافات 37:54
- الصافات 37:55
- الصافات 37:57
- الصافات 37:58
- الصافات 37:59
- الصافات 37:60
- الصافات 37:61
- الصافات 37:62
- الصافات 37:63
- الصافات 37:64
- الصافات 37:65
- الصافات 37:66
- الصافات 37:67
- الصافات 37:68
- الصافات 37:70
- الصافات 37:71
- الصافات 37:72
- الصافات 37:73
- الصافات 37:74
- الصافات 37:75
- الصافات 37:76
- الصافات 37:77
- الصافات 37:78
- الصافات 37:79
- الصافات 37:80
- الصافات 37:81
- الصافات 37:82
- الصافات 37:83
- الصافات 37:84
- الصافات 37:85
- الصافات 37:86
- الصافات 37:87
- الصافات 37:88
- الصافات 37:89
- الصافات 37:90
- الصافات 37:91
- الصافات 37:92
- الصافات 37:93
- الصافات 37:94
- الصافات 37:95
- الصافات 37:96
- الصافات 37:97
- الصافات 37:98
- الصافات 37:99
- الصافات 37:100
- الصافات 37:101
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:104
- الصافات 37:105
- الصافات 37:106
- الصافات 37:107
- الصافات 37:108
- الصافات 37:109
- الصافات 37:110
- الصافات 37:111
- الصافات 37:112
- الصافات 37:113
- الصافات 37:114
- الصافات 37:115
- الصافات 37:116
- الصافات 37:117
- الصافات 37:118
- الصافات 37:119
- الصافات 37:120
- الصافات 37:121
- الصافات 37:122
- الصافات 37:123
- الصافات 37:124
- الصافات 37:125
- الصافات 37:126
- الصافات 37:127
- الصافات 37:128
- الصافات 37:129
- الصافات 37:130
- الصافات 37:131
- الصافات 37:132
- الصافات 37:133
- الصافات 37:134
- الصافات 37:135
- الصافات 37:136
- الصافات 37:137
- الصافات 37:138
- الصافات 37:139
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:143
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:151
- الصافات 37:153
- الصافات 37:154
- الصافات 37:155
- الصافات 37:156
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:160
- الصافات 37:161
- الصافات 37:162
- الصافات 37:163
- الصافات 37:164
- الصافات 37:165
- الصافات 37:166
- الصافات 37:167
- الصافات 37:168
فاطر 35:1
سُورَةٍ فَاطِرٍ
وهي نزلت بمكة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
ما ذكر في القرآن الحمد لله إلا وذكر على أثره التعظيم لله والإجلال له على ما أنعم به على الخلق؛ ليلزمهم الشكر له والثناء عليه؛ نحو ما ذكر: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ونحو ما قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ... ) الآية، ونحو قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...) الآية، وقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ...) الآية، وقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا...) الآية، جميع ما ذكر في القرآن من الحمد له ما ذكر على أثره ما يوجب التعظيم له والتبجيل والثناء عليه والشكر له؛ تعليمًا منه الخلق الثناء على ذلك والشكر له، وباللَّه المعونة والقوة على ذلك.
وقوله: (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: الفاطر: هو المبتدئ والبادئ؛ وهو قول الْقُتَبِيّ من أهل الأدب، وكذلك ذكر عن ابن عَبَّاسٍ أنه قال: " ما أدري ما (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، حتى جاء أعرابيان فاختصما في بئرٍ، فقال أحدهما: أنا فطرتها أنا بدأتها، فعند ذلك عرفت "، أو كلام نحوه.
ويجيء أن يكون الفاطر هو الشاق، أي: شق السماوات كلها من واحدة وكذلك الأرضين كقوله: (إذَا السَّمَاءُ انفَطَرَت) أي: انشقت؛ كما قال: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) أي: الشاق.
لكن جميع ما أضيف إلى اللَّه من الشق والفطر والجعل وغيره من نحو قوله: (جَاعِلِ
فاطر 35:2
الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا) كله على اختلاف الألفاظ عبارة عن الخلق، أي: خلاق ذلك كله.
وأصل الخلق في اللغة هو التقدير، خلقت، أي: قدرت؛ وكذلك قال الكسائي: إن الفطر في كلام العرب هو الشق، معناه: أنه شق من السماء ست سماوات ومن الأرض مثلهن، ومنه الحديث: " حتى تفطرت قدماه دمًا ".
وقوله: (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا).
ففي ظاهر الآية: أنه جعل جميع الملائكة رسلا، فإن كان على ذلك فكأنه ولَّى كل واحد منهم أمرًا من أمور الخلق والعباد، وإن كان على البعض فيكون تأويله: جاعل من الملائكة رسلا أو في الملائكة رسلا.
ثم أخبر عن الملائكة: أنهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع يطيرون بها، ليس كالطيور التي تطير بجناحين لو زيد لها جناح أو جناحان يمنعها عن الطيران، كالأصبع الزائدة لبني آدم تمنعهم عن بعض العمل، ولا تزيد لهم نفعًا بل تنقص، وأمَّا ما ذكر من عدد الأجنحة للملائكة فذلك لا يمنعهم عن الطيران، بل زيد لهم قوة ومقدرة على ذلك.
ثم قال: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يزيد في الملائكة على أربعة أجنحة ما يشاء (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) من خلق الأجشة في الزيادة (قَدِيرٌ).
وذكر أن لإسرافيل ستة أجنحة، ولجبريل ستمائة جناح، ذكر عن ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - يقول: " أري رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جبريل، وله ستمائة جناح ".
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) أي: الصوت الحسن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الشعر الحسن.
فهو فيما ذكروا من الزيادة في الأجنحة أشبه وأقرب. (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): من الزيادة والابتداء، ولا يصعب عليه.
وقوله: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)
عن ابن عَبَّاسٍ: من عافية.
وقال قتادة: أي: من خير.
وقال مقاتل وغيره: أي: من رزق؛ كقوله: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ) أي: من رزق، وكله واحد؛ إذ الخير يشتمل على العافية والرزق، وكذلك كل واحد من ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الرحمة والغيث والمطر، وهو ما ذكرنا كله يرجع إلى واحد من ذلك.
ثم قوله: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) يخرج على وجهين:
أحدهما: على تسفيه أحلام الكفرة في عبادتهم الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه، يقول - واللَّه أعلم -: تعلمون أنتم أنه ليس لكم مما تعبدون من دون اللَّه جر نفع أو خير، ولا كشف ضر عنكم أو سوء فكيف تعبدونها؟! كقوله: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ...) الآية، أي: تعلمون أنهن لا يملكن ذلك، واللَّه هو المالك لذلك كله، فكيف صرفتم العبادة إليها عنه؟!
أو يقول: إنكم تعلمون أن ما تعبدون من الأصنام من دون اللَّه لا يرزقونكم ولا منها تبتغون الرزق، ولا كانت منها إليكم سابقة نعمة، فإنما يعبد لإحدى هذه الوجوه من يعبد: ما لسابقة نعمة، أو نيل خير، أو جر نفع، أو كشف ضر، أو دفع سوء، أو طمع في العاقبة، فإذا لم يكن شيء من ذلك من الأصنام ومن اللَّه ذلك كله فكيف صرفتم عبادتكم عنه إليها؟! كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، هذا إذا كان قوله: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ) راجعًا إلى الكفرة وإذا كان ذلك راجعًا إلى المؤمنين فهو يخرج على وجهين: أحدهما: فيه قطع الطمع من الخلق والإياس عما في أيديهم، وألا يرجوا من دونه ولا يخافوا غيره، بل فيه الأمر بأن يروا ذلك كله من اللَّه، وأنه هو المالك لذلك دون الخلق.
والثاني: قطع طمع الرزق من المكاسب والأسباب التي يكتسبونها والأمر فيها - أعني: المكاسب - أن يرونها تعبدًا، وأن يروا أرزاقهم من فضل اللَّه.
وعلى قول المعتزلة إذا فتح اللَّه لأحد رحمة يقدر عبد في أن يمسك ذلك، وإن أمسك هو قدر أن يرسل؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه إذا جعل لأحد أجلا وضمن له الحياة ووفاء الرزق إلى مضي الأجل، يجيء عدو من أعدائه فيقتله قبل انقضاء أجله واستيفاء رزقه؛ فذلك منع - على قولهم - عن وفاء ما ضمن وما جعل له من المدة والأجل.
فاطر 35:3
وفي حرف ابن مسعود: (ما يفتح اللَّه على الناس من رحمة).
وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): قد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)
كأنه هو صلة ما تقدم.
ثم هو على التقرير والإيجاب وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر، كأنه يقول - واللَّه أعلم -: إنكم تعلمون أنه هو رازقكم دون من تعبدون.
(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).
أي: لا إله إلا هو، فما الذي حملكم على إفككم وكذبكم أنها شركاؤه وأنها آلهة، وأنها شفعاؤكم عند اللَّه وأن عبادتكم إياها تقربكم إلى اللَّه زلفى - كتاب أو رسول، وأنتم لا تؤمنون بكتاب ولا رسول فمن أين تؤفكون وتكذبون؟! واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)
معلوم أنهم كانوا لا يكذبونه في قوله: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)، ولا في قوله: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)؛ لأنهم كانوا يعلمون أنه ليس من خالق غير اللَّه ولا فاتح رحمة سواه إذا كان هو ممسكها، ولا ممسك لها إذا كان هو مرسلها، ولكن إنما يكون تكذيبهم إياه فيما يخبر أنه رسول اللَّه إليهم، كذبوه في الرسالة أو فيما يخبر أنه أوحي إليه من اللَّه كذا، أو فيما يخبر عن البعث بعد الموت أنه كائن، وأمثال ذلك، فأما فيما ذكرنا فلا، وهو تعزية منه لرسوله ليصبر على تكذيبهم إياه؛ ليعلم أنه ليس بأول مكذب، بل قد كان إخوانه من قبل قد كذبوا من قبل فيما أخبروا قومهم عند اللَّه، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت أيضًا؛ كقوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ...) الآية، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
وإلى اللَّه يرجع تدبير الأمور، أي: لا تدبير للخلق في ذلك.
أو يقال: إلى اللَّه يرجع الحكم في الأمور هو الحاكم فيها؛ كقوله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ
فاطر 35:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿وإن يُكذّبوك فقد كُذّبت رُسل من قبلك﴾ معلوم أنهم كانوا لا يكذّبونه في قوله :﴿هل من خالقٍ غير الله﴾ [فاطر: ٣] ولا في قوله :﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾ [فاطر: ٢] لأنهم كانوا يعلمون أنه ليس من خالق غير الله، ولا فاتح رحمة سواه، إذا كان هو ممسكها، ولا ممسك لها، إذا كان هو مرسلها.
ولكن إنما يكون تكذيبهم إياه في ما يخبر أنه رسول الله إليهم. كذّبوه في الرسالة أو في ما يُخبِر أنه أوحي إليه من الله كذبا أو في ما يُخبر عن البعث بعد الموت أنه كائن وأمثال ذلك. فأما في ما ذكرنا فلا.
وهو تعزية منه لرسوله ليصبر على تكذيبهم إياه ليعلم أنه ليس بأول مكذَّب. بل قد كان إخوته من قبل [ قد كذّبوا من قبل ](١) في ما أخبروا قومهم عن الله، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت أيضا كقوله :﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ الآية [الأحقاف: ٣٥] والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وإلى الله تُرجع الأمور﴾ وإلى الله يرجع تدبير الأمور، أي لا تدبير للخلق في ذلك. أو يقال : إلى الله يرجع الحكم في الأمور، هو الحاكم فيها، كقوله :﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحُكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠] والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
فاطر 35:5
حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ... (٥)
قال عامة أهل التأويل: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) أي: البعث أنه كائن لا محالة.
وجائز أن يكون قوله: (وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) فيما وعد من الثواب على الطاعات، ووعده حق فيما أوعد من العقاب على السيئات أنه يكون، واللَّه الموفق.
وقوله: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا).
معنى قوله: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) - واللَّه أعلم - أي: لا تشغلنكم الحياة الدنيا عن ذكر الحياة الآخرة، ولا تنسينكم الحياة الدنيا عن حياة الآخرة، وإلا الدنيا لا تغر أحدا في الحقيفة، وكذلك هي ليست بلعب ولا لهو، ولا هي غارَّة، ولكن يُغر أهلها بها لما غفلوا عما جعلت هي وأنشئت، وهو ما ذكرنا: أنها جعلت زادا للآخرة وبلغة إليها، فمن لم يجعلها زادًا ألآخرة ولا بلغة إلى الوصول إلى الآخرة، ولكن جعلها في غير ما جعلت هي وأنشئت وهي الحياة فيها والمقام بها - صارت لعبًا ولهوًا، وصارت غرورًا؛ إذ صيروها كالمنشأة لنفسها لا للآخرة، وهذا كما قال: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ)، أخبر أن السورة كانت تزيد لأهل الإيمان إيمانا، ولأهل الكفر والنفاق رجسًا وعمى، والسورة لا تزيد رجسًا ولا عمى في الحقيقة؛ لأنه وصف القرآن بأنه نور وأنه هدى ورحمة وبرهان، ولكن صار عمى ورجسًا لمن أعرض عنه وكذب ورده، وأما من تلقاه بالقبول وأقبل عليه، ونظر إليه بالتعظيم والإجلال له والخضوع - فهو له نور وهدى ورحمة؛ فعلى ذلك الدنيا وما فيها من النعم واللذات، إذا جعلها غير ما جعلت هي وأنشئت صارت لعبًا ولهوا وغرورًا، بل لو حمدت هي على ما أنشئت مكان ما ذمت لكان حقًّا وصدقًا؛ لأنها سمي نعيمها: حسنة وخيرًا وصلاحًا ونحوه؛ فلا جائز أن يذم الحسنة والخير، بل حق الذم على أهلها حيث غروا بها وصيروها في غير ما صيرت وجعلت لغفلتهم عما جعلت هي، وصرفهم إياها إلى غير الذي صرفت، وجهلهم بها؛ وعلى ذلك لا يجوز ذم الغناء والسعة والصحة والسلامة؛ لأن ذلك كله نعم من اللَّه أنعمها على الناس؛ فيجب أن ينظروا إلى ما عليهم لله من الشكر فيب ذلك فيؤدوه؛ وكذلك العز والثناء الحسن ونحوه لا يجب أن يذم شيء من ذلك، بل يذم من لم يعرف أن العز فيم؟ إنما العز في طاعة اللَّه والعبادة له لا في
فاطر 35:6
معاصيه، فهَؤُلَاءِ سموا معصية اللَّه: عزا؛ لجهلهم في العز؛ وكذلك الثناء الحسن يجب أن يحمد ربه ويشكر له فيما يستر على الخلق فضائحه ومساوئه، حتى أثنوا عليه ما لو بدا ذلك منه وأظهر لهربوا منه فضلا أن يثنوا عليه ويحمدوه؛ فيجب أن يشكر ربه ويثني عليه على ستر معاصيه وفضائحه، واللَّه الموفق.
وقوله: (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ).
الغرور - بفتح الغين - هو الشيطان؛ يقول: لا يغرنكم باللَّه الشيطان.
ثم يحتمل قوله: (بِاللَّهِ الْغَرُورُ) وجوهًا:
أحدها: (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ) أي: بكرمه وجوده، يقول: إنه كريم وجواد غفور يتجاوز عنكم ويعفو عنكم معاصيكم ومساوئكم.
والثاني: (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) أي: بغناه؛ يقول: إنه غني ما به حاجة إلى عبادتكم إياه، فيما أمركم به ونهاكم عنه.
والثالث: أن يكون قوله: (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ) أي: لا يغرنكم عن طاعة اللَّه وعبادته فتعصوه، وذلك جائز في اللغة " الباء " مكان [" مِن "]؛ كقوله: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) أي: [منها]؛ إذ لا يشرب بالعين وإنما يشرب [منها]، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)
يذكر هذا - واللَّه أعلم - لأن ما يدعو الشيطان الخلق إليه في الظاهر يخرج مخرج الشفقة لهم والنصيحة كما يدعو الأولياء؛ لأنه يدعوهم إلى قضاء شهواتهم ولذاتهم وما تهوى به أنفسهم، وإن كان يضمر ويقصد به هلاكهم؛ ألا ترى أنه كيف أظهر لآدم وحواء من الشفقة لهم والنصيحة حيث قال: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ...) إلى قوله: (لَمِنَ النَّاصِحِينَ)، ونحوه، وكان قصده بذلك ما ذكر: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ...) الآية، هذا كان يضمر ويقصد في دعائه إياهما إلى التناول من تلك الشجرة التي نهاهما ربهما عنها؛ فعلى ذلك فيما يدعو الناس به إلى قضاء شهواتهم وحاجاتهم في الظاهر، فهو يقصد بذلك هلاكهم لمخالفتهم المولى لا ما يظهر ويبدي لهم؛ لذلك قال: إنه عدو لكم ليس بولي، (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)، أي: كونوا من دعائه وأمره على حذر، كما يحذر المرء دعاء عدوه.
(إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أهل طاعته.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: حزبه: أنصاره، والحزب: الأنصار.
فاطر 35:7
وقَالَ بَعْضُهُمْ: جنده.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: حزبه: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه؛ وكله واحد.
ثم يقول: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ) لكنه خص حزبه بالدعاء لهم؛ لما أن حزبه هم المجيبون له والمطيعون، فأما غير حزبه فلا يجيبونه؛ وهو كقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)، وكان يندْر من اتبع الذكر ومن لم يتبع الذكر، لكن خص بإنذار من اتبع الذكر؛ لما أن متبع الذكر هو المنتفع به دون من لم يتبع؛ لذلك خص - واللَّه أعلم - فعلى ذلك ما خصّ بدعائه حزبه؛ لأن حزبه هم المجيبون له والمطيعون.
وقوله: (لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
قصد بدعائه إلى ما يدعوهم، ليكونوا من أصحاب السعير، وإلا لو كان أظهر لهم الدعاء إلى أصحاب السعير ما أجابوه ولا أطاعوه، ولكن دعاهم إلى أعمال توجب لهم السعير، أو ليكون لهم عذاب السعير.
وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ... (٧) وهو ظاهر.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).
قوله: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) لما عملوا من غير الصالحات بعد إيمانهم، أو مغفرة لذنوبهم في الإيمان، (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) لإيمانهم وأعمالهم الصالحات.
وقوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)
ليس لهذا الحرف في ذا الموضع جواب، فجائز أن يكون جوابه في قوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) على التقديم له، كألْه يقول - واللَّه أعلم -: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)، (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، فإن اللَّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
أو أن يكون قوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) فلزمه كمن قبح له؛ فانتهى عنه، ليسا بسواء، كقوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ)، ذكر أن قوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) نزل في عمر بن الخطاب، وقوله: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ) في أبي جهل؛ فعلى ذلك الأول، وأن يكون ما ذكر بدءًا على التقديم والتأخير.
وقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ): من الضلالة إلى الهدى، يضل من
فاطر 35:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حسنا﴾ ليس لهذا الحرف في ذا الموضع جواب. فجائز أن يكون جوابه في قوله :﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ على التقديم له، كأنه يقول، والله أعلم، أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حسنا، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يُضل من يشاء، ويهدي من يشاء.
[ ويحتمل ](١) أن يكون قوله :﴿أفمن زُيّن له سوء عمله﴾ فلزمه كمن قُبّح له، فانتهى عنه ؟ ليسا بسواء كقوله :﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات﴾ [الأنعام: ١٢٢].
ذُكر أن قوله :﴿أو من كان ميتا فأحييناه﴾ نزل في عمر بن الخطاب، وقوله :﴿كمن مثله في الظلمات﴾ في أبي جهل.
فعلى ذلك الأول، وأن يكون ما ذكرنا(٢) بدءا على التقديم والتأخير.
وقوله تعالى :﴿فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ من الضلال [ والهدى ](٣)، يضل من علم منه أنه يختار الضلال، ويهدي من علم منه أنه يختار الهدى.
وقوله تعالى :﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ هذا يحتمل [ وجهين :
أحدها ](٤) : أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات إشفاقا على ما ينزل بهم بتركهم الإيمان لأن رسول الله كاد يهلك نفسه إشفاقا عليهم، فنهاه عن ذلك(٥).
والثاني : على تخفيف الحزن عليه ودفعه عنه وتسليته إياه لأنه كان يشتد به الحزن لمكان كفرهم وتكذيبهم إياه وتركهم الإيمان به، ليس على النهي كقوله :﴿ولا تحزن عليهم﴾ [النحل: ١٢٧] وقد ذكرنا معناه في ما تقدم مقدار ما حفظنا فيه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن الله عليم بما يصنعون﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : أن الله تعالى على علم بصنيعهم، أنشأهم لا عن جهل بما يكون منهم.
والثاني :﴿عليم بما يصنعون﴾ فلا تكافئهم، ولا تشتغلنّ بشيء منهم، ولكن فوّض ذلك إلى الله، وأسلم إليه.
١ في الأصل وم: أو..
٢ في الأصل وم: ذكر..
٣ في الأصل وم: إلى الهدى..
٤ في الأصل وم: وجوها أحدها..
٥ أدرج بعدها في الأصل: كقوله وقوله..
فاطر 35:9
علم منه أنه يختار الضلال، ويهدي من علم منه أنه يختار الهدى.
وقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ).
هذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: قوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) أي: لا تضل ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ إشفاقًا على ما ينزل بهم بتركهم الإيمان؛ لأن رسول اللَّه كاد أن يهلك نفسه إشفاقًا عليهم فنهاه عن ذلك.
والثاني: على تخفيف الحزن عليه ودفعه عنه وتسليته إياه؛ لأنه يشتد به الحزن، لمكان كفرهم وتكذيبهم إياه وتركهم الإيمان به ليس على النهي؛ كقوله: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)، وقد ذكرنا معناه فيما تقدم مقدار ما حفظنا فيه، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أن اللَّه تعالى على علم بصنيعهم أنشأهم، لا عن جهل بما يكون منهم.
والثاني: عليم بما يصنعون؛ فلا تكافئهم ولا تشغلن بشيء مما يكون منهم، ولكن فوض ذلك إلى اللَّه وأسلم إليه.
* * *
قوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)
وقوله: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ).
أي: كذلك يحي الموئى، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا... (١٠) قَالَ بَعْضُهُمْ: من كان يريد القوة والمنعة بعبادة الأصنام ومن عبدوا دونه، فلله العزة جميعًا، أي: فبعبادة اللَّه وطاعته ذلك في الدنيا والآخرة، أي: فمن عنده اطلبوا ذلك عند اللَّه من كان يريد ثواب الدنيا والآخرة، أي: من عنده اطلبوا ذلك في الدنيا والآخرة.
وقال بعصْهم: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) أي: العزة والتعزيز (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)، أي: فباللَّه يكون عز الدنيا والآخرة لا بالأصنام التي عبدتموها، وقد كان بعبادتهم الأصنام طلب الأمرين: طلب العز؛ كقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) وطلب القوة والمنعة؛ كقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)، فأخبر أن ذلك إنما يكون باللَّه وبطاعته، فمِن عِنده اطلبوا لا من عند من تعبدون دونه، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).
اختلف فيه:
قال قائلون: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) هو الوعد الحسن، (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) هو إنجاز ما وعد، أي: إذا أنجز ما وعد من الوعد الحسن، ووفى ذلك الإنجاز الوعدَ الحسنَ وعدْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) هو كلمة التوحيد وشهادة الإخلاص، (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي؛ إخلاص التوحيد لله يرفع الكلم الطيب الذي تكلم به؛ فعلى هذا التأويل أي: يصعد الكلم الطيب إليه ما لم يخلص ذلك إلا لله.
وقال قائلون: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) هي كلمة التوحيد على ما ذكرنا، (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي: يرفع اللَّه العمل الصالح لصاحبه - يعني: لصاحب الكلام الطيب - فعلى هذا التأويل: يصعد الكلم الطيب إليه دون العمل الصالح.
وبعض أهل التأويل قال: يرفع الكلام: التوحيد، الطيب: العمل الصالح - إلى اللَّه، وبه يتقبل الأعمال الصالحة.
وظاهر الآية أن يكون العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، لكن الوجه فيه - واللَّه أعلم - ما ذكرنا من الوجوه.
وبعضهم يقول: إن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، والوجه فيه ما ذكرنا.
فاطر 35:10
الآية ١٠ وقوله تعالى :﴿من كان يريد العزة فللّه العزة﴾ قال بعضهم : من كان يريد القوة والمنعة بعبادة الأصنام ومن عبدوا دونه ﴿فللّه العزة جميعا﴾ أي فبعبادة الله وطاعته [ تلك العزة ](١) في الدنيا والآخرة، أي فمن عنده اطلبوا ذلك [ وهو كقوله ](٢) :﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ [النساء: ١٣٤] أي من عنده اطلبوا ذلك في الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم :﴿من كان يريد العزة﴾ أي العز والتعزّز ﴿فللّه العزة جميعا﴾ أي فبالله يكون عز الدنيا والآخرة [ لا ](٣) بالأصنام التي عبدتموها. وقد كان منهم بعبادتهم الأصنام طلب الأمرين : طلب العز كقوله :﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا﴾ [مريم: ٨١] وطلب القوة والمنعة كقوله :﴿واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون﴾ [يس: ٧٤] فأخبر أن ذلك إنما يكون بالله وبطاعته. فمن عنده اطلبوا لا من عند من تعبدون من دونه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إليه يصعد الكلِم الطيّب والعمل الصالح يرفعه﴾ اختلف فيه :
قال قائلون :﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ هو الوعد الحسن ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ هو إنجاز ما وعد من(٤) الوعد الحسن، ووفى ذلك(٥).
وقال بعضهم :﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ هو كلمة التوحيد وشهادة الإخلاص ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ أي إخلاص التوحيد لله يرفع الكلم الطيّب الذي تكلّم به. فعلى هذا التأويل(٦) يصعد الكم الطيّب إليه ما لم يُخلص ذلك لله.
وقال قائلون :﴿إليه يصعد الكلم الطيّب﴾ هو كلمة التوحيد على ما ذكرنا ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ أي يرفع الله العمل الصالح لصاحبه، يعني لصاحب الكلام الطيّب. فعلى هذا التأويل يصعد الكلم الطيب إليه دون العمل الصالح.
وبعض أهل التأويل [ يقولون : يرفع كلام ](٧) التوحيد الطيّب الصالح إلى الله، وبه يتقبل الأعمال الصالحة.
وظاهر الآية أن يكون العمل الصالح، هو الذي يرفع الكلم الطيب، لكن الوجه فيه، والله أعلم، ما ذكرنا من الوجوه.
وبعضهم يقول : إن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله تعالى :﴿والذين يمكرون السيئات﴾ قال عامة أهل التأويل : الذين يعملون السيئات.
وجائز أن يكون ما ذكر من مكرهم السيئات، هو مكرهم برسول الله وأذاهم إياهم كقوله :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ الآية [الأنفال: ٣٠].
ويمكر الله بهم في الدنيا بالهلاك والقتل، وفي الآخرة بالعذاب الشديد الذي قال :﴿لهم عذاب شديد﴾ في الآخرة ﴿ومكر أولئك هو يبور﴾ أي هو يهلك، من البوار، وهو الهلاك، وهو قتلهم ببدر، والله أعلم.
١ في الأصل وم: ذلك..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: عند الله..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ أدرج قبلها في م: أي إذا أنجز ما وعده..
٥ أدرج بعدها في الأصل وم: الانجاز الوعد الحسن وعد..
٦ في الأصل وم: أي..
٧ في الأصل وم: يرفع الكلام..
فاطر 35:11
وقوله: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ).
قال عامة أهل التأويل: والذين يعملون السيئات.
وجائز أن يكون ما ذكر من مكرهم السيئات هو مكرهم برسول اللَّه وأذاهم إياه؛ كقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...) الآية، ويمكر اللَّه بهم في الدنيا بالهلاك والقتل وفي الآخرة بالعذاب الشديد الذي حيث قال: (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ)، أي: هو يهلك؛ من البوار، وهو الهلاك، وهو قتلهم ببدر، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)
(خَلَقَكُمْ)، أي: قدركم مع كثرتكم من أول أمركم إلى آخر ما تنتهون إليه من التراب الذي خلق آدم منه؛ إذ الخلق في اللغة: التقدير.
وقوله: (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ).
أي: قدركم أيضًا مع كثرتكم وعظمكم من تلك النطفة، يخبر عن علمه وتدبيره في تقديره إيانا مع كثرتنا في ذلك التراب وفي تلك النطفة، وإن لم نكن نحن على ما نحن عليه في ذلك التراب والنطفة لا يعجزه شيء.
أو أن يكون إضافته إيانا إلى ذلك التراب والماء؛ لأنه كان ذلك أصلنا ومبادئ أمورنا، وكان المقصود بخلق ذلك التراب والماء، والأصل هذا الخلق وهو العاقبة، وقد يذكر ويضاف العواقب إلى المبادئ وتنسب إليها إذا كان المقصود من المبادئ العواقب وله نظائر كثيرة، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: (ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا)، أي: خلقكم من ذلك ذكرًا وأنثى ليسكن بعضه إلى بعض، أو جعلكم أزواجًا أصنافًا.
وفي حرف ابن مسعود: (واللَّه الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعلكم أزواجًا)، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ).
يقول - واللَّه أعلم -: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى) من أول ما تحمل إلى آخر ما تنتهون إليه (إِلَّا بِعِلْمِهِ) السابق، وكذلك لا تضع كل حامل من أول ما تضع إلى آخر ما ينتهون إليه إلا بعلمه السابق: أنها تحمل كذا في وقت كذا من كذا، وأنها تضع كذا في وقت كذا،
فاطر 35:12
يخبر عن علمه السابق من أول منشئهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه، أنه كان كله بذلك التقدير الذي كازا منه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ) أي: ما يطول من عمره وإن طال، وما ينقص من عمره، أي: ما نقص وقصر من ذلك ولم يطل (إِلَّا فِي كِتَابٍ)، أي: إلا كان ذلك كله في الكتاب مبينًا هكذا مطولا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ) أي: من كثر عمره وطال أو قل عمره، فهو يعمر إلى أجله الذي كمّب له، ثم قال: (وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) كل يوم وكل ساعة حتى ينتهي إلى آخر أجله (إِلَّا فِي كِتَابٍ): في اللوح المحفوظ المكتوب قبل أن يخلقه.
(إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) قال صاحب هذا التأويل: إن كتاب الآجال حين كتبه الله في اللوح المحفوظ على اللَّه هين.
وقال آخر قريبًا من هذا في قوله: (وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) في جري الليل والنهار والساعات (إِلَّا فِي كِتَابٍ)، وذلك أن اللَّه - تعالى - كتب لكل نسمة عمرا تنتهى إليه، فإذا جرى عليها الليل والنهار نقص ذلك عمرها حتى يبلغ ذلك أجلها، فمن قُضي له أن يعمر حتى يدركه الكبر أو عمر دون ذلك، فهو بالغ ذلك الأجل الذي قضي له، وكان ذلك في كتاب ينتهوذا إليه.
(إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) يقول قائل هذا: إن حفظ ذلك على اللَّه بغير كتاب يسير هين.
وجائز أن يكون قوله: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، أي: أن علم ما ذكر وتقديره من أول ما أنشأهم وتغيير - أحوالهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه - يسير، أي: لا يخفى عليه.
وقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ... (١٢)
فيه وجوه من المعتبر:
أحدها: يذكر ألا يستوي في الحكمة الخبيث من الرجال والطيب منهم، كما لا يستوي المالح من الماء الأجاج والعذب منه والسائغ، وقد استوى الطيب من الرجال والخبيث في منافع الدنيا ومأكلاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز؛ دل أن هنالك دارًا يميز بينهما ويفرق؛ إذ قد يستوي في منافع الدنيا، وحطامها، وفي الحكمة التفريق والتمييز لا الجمع والاستواء، وذلك يدل على البعث.
والثاني: فيه أن المنشأ من الأشياء في هذه الدنيا والمخلوق فيها لم ينشئها لحاجة نفسه، ولكن لحوائج الخلق ومنافعهم وما يكون لهم العبرة في ذلك؛ إذ من أنشأ شيئًا لحاجة نفسه أنشأ ألذ الأشياء وأحلاها وأنفعها له لا مرا مالحًا أجاجًا ما لا ينتفع به، يخبر عن غناه عما أنشاه من الأشياء، ليعلم أنه لم ينشئها لحوائج نفسه، ولكن لما ذكرنا، وهو على المعتزلة في قولهم: إنه لم يخلق شيئًا لا ينتفع به، وأنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين؛ لأنه أنشأ ماء أجاجا مالحًا لا ينتفع به؛ ليكون لهم العبرة في ذلك.
والثالث: فيه ترغيب في إيمان الخبيث الكافر، ودفع الإياس عن توحيدهم، وقطع الرجاء عن عودهم إليه؛ حيث أخبر عما يأكلون من الماء المالح والأجاج والعذب السائغ جميعًا اللحم الطري مما حق مثله إذا ألقي فيه أو في مثله اللحم الطري أن يفسد من ساعته.
ويذكرهم أيضًا عن قدرته أن من قدر على حفظ ما ذكر من اللحم الطري في الماء الذي لا يقدر على الدنو منه والقرب؛ فضلا أن يكون فيه حفظ ما ذكر من الإفساد، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
والرابع: يذكر نعمه التي أنعمها عليهم حيث قال: (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) يذكر عظم نعمه وقدرته حيث جعل البحار مسخرة مذللة يقدرون على استخراج ما فيها من الحلي والجواهر، والوصول إلى المنافع التي هي وراء البحار، وقطعها بسفن أنشاها لهم، وأجراها في الماء الراكد الساكن برياح تعمل عمل جريان الماء، بل الأعجوبة في إجراء السفن بالرياح في المياه الراكدة الساكنة أعظم وأكثر من جريانها على جرية الماء؛ لأنها في الماء الجاري لا تجري إلا على الوجه الذي يجري الماء، وفي البحار تجري بريح واحدة من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل حيث شاءوا؛ دل أن الأعجوبة في هذا أكثر وأعظم، ومن ملك هذا لا يعجزه شيء.
أو أن يكون المثل الذي ذكر في البحرين: أحدهما عذب ماؤه، والآخر أجاج ماؤه يكون للعمل الصالح وهو التوحيد، وللعمل السيئ وهو الكفر يقول: كما لا يستوي في الفضل الماء العذب والماء المالح؛ فعلى ذلك لا يستوي العمل الصالح والعمل السييء.
وقوله: (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (مَوَاخِرَ) تجريان إحداهما مقبلة، والأخرى مدبرة بريح واحدة، وتستقبل إحداهما الأخرى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المواخر: هي التي تشق الماء، وتقطعه؛ من مخر يمخر، وقد ذكرناه
فاطر 35:13
فيما تقدم.
وقوله: (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ).
هذا يدل أن ما يصاب بالأسباب والمكاسب إنما هو فضل اللَّه؛ إذ قد تكتسب ولا يكون منه شيء، واللَّه أعلم.
وقوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى... (١٣)
يذكر هذا لأهل مكة؛ لإنكارهم الصانع، وإنكارهم البعث، وإنكارهم الرسل؛ لأنهم كانوا فرقًا ثلاثة: منهم من ينكر الصانع والتوحيد، ومنهم من ينكر البعث، ومنهم من ينكر الرسل، ففي الآية دلالة إثبات الصانع وتوحيده، وفيها دلالة البعث والإنشاء بعد الموت، وفيها دلالة إثبات الرسالة:
أما دلالة إثبات الصانع والوحدانية له: فاتساق الليل والنهار والشمس والقمر وما ذكر، وجريانهما وجريان الأمور كلها على سنن واحد وميزان واحد وقدر واحد، من أول ما كان إلى آخر ما يكون من غير زيادة أو نقصان يدخل فيه، أو تقديم أو تأخير يكون فيه، يدل على أن لذلك كله صانعًا مدبرًا أنشأ ودبر كل شيء على ما كان وحفظه كله على ميزان واحد؛ إذ لو كان ذلك بنفسه لكان لا يجري على حد واحد، بل يتفاوت ويتفاضل، وكذلك لو كان فعل عدد، لكان يتقدم ويتأخر ويتغير ويمتنع ويذهب رأسًا على ما يكون فعل العدد من الملوك: أن ما أراد هذا إثباته أراد الآخر نفيه ومنعه، وما أراد هذا نفيه وإبطاله أراد الآخر إثباته، وذلك معروف فيهم من مخالفة بعض بعضًا؛ فدل اتساق ما ذكرنا وجريانه، على تدبير واحد: أنه فعل واحد وتدبير واحد لا عدد، وباللَّه القوة.
ودل ذهاب الليل وتلفه بكليته حتى لا يبقى له أثر، وكذلك ذهاب ضوء النهار ونوره، وكذلك الشمس والقمر وإتيان الآخر بعد تلفه أنه بعث؛ إذ لو لم يكن بعث كان تدبير ذلك كله وتقديره لعبًا باطلا، وإن من قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء.
فإن ثبت ما ذكرنا لا يحتمل أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم بأنواع المحن، فلابد من رسول يأمر وينهى ويخبر عما لهم وعليهم.
وفيه أن مدبر ذلك كله عليم حكيم، ثم يخبر أن الذي فعل ذلك كله هو ربكم الذي له الملك؛ يقول: الذي فعل هذا كله اللَّه، لا الأصنام التي عبدتم دونه، وسميتموها: آلهة، فكيف صرفتم العبادة إليها والألوهية، وما تعبدون من دونه لا يملكون ما ذكر؟! حيث
فاطر 35:14
قال: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) يسفه أحلامهم في عبادة من عبدوا دونه على علم منهم أنهم لا يملكون ما ذكر، وصرفهم العبادة عن اللَّه على علم منهم: أن ذلك كله من اللَّه، وهو المالك لذلك.
ثم يخبر عن عجز من عبدوه حيث إن تدعوهم على حقيقة الدعاء لا يسمعون دعاءكم حقيقة، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، أي. لو سمعوا دعاءكم ما يملكون إجابتكم في دفع ضر وسوء ولا في جر نفع.
أو أن يكون قوله: (إِنْ تَدْعُوهُمْ... (١٤) أي: تعبدوهم (لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ)، أي: لا يجيبوكم إلى ما تقصدون بعبادتكم إياهم.
أو أن يقول: ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) ينكرون يوم القيامة أن يكونوا شركاءهم أو أمروهم بذلك؛ كقوله: (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ...) الآية، وقوله: (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ)، ونحوه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)، أي: لا ينبئك أحد مثل الذي أنبأك الخبير في الصدق والحق.
أو أن يكون قوله: (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) أي: لا يكون نبأ أحد مثل نبأ الخبير، فاعمل به وأقبل عليه، ولا تقبل على نبأ غيره، واللَّه أعلم.
وفي قوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) وجهان من اللطف: أحدهما: يتلف حتى يذهب أثره ويأتي بالآخر.
أو يزيد في هذا وينقص من الآخر، ويدخل من ساعات هذا في ساعات الآخر.
وفيه نقض قول الثنوية في قولهم: إن منشئ الخير غير منشئ الشر، ويقولون: إن النور من منشئ الخير والظلمة من منشئ الشر، فلو كان ما ذكروا لكان إذا ذهب النور وجاءت الظلمة كانت الظلمة هي الغالبة والنور هو المغلوب في يدها؛ وكذلك النور إذا جاء وذهبت الظلمة صارت هي مقهورة مغلوبة في يد النور، والنور هو الغالب عليها، فإذا صار مغلوبًا مقهورًا في يد صاحبه يجيء ألا يقدر على استنقاذ نفسه من يده أبدًا، على ما يكون من عادة الأعداء إذا غلب بعضهم بعضًا وقهر بعضهم بعضًا أن يهلك ولا يتخلص
فاطر 35:15
منه، فإذ لم يكن، ولكن جاء كل منهما في وقته بعد ذهاب أثره على التقدير الذي ذكرنا؛ دل أنه فعل واحد وتدبير واحد لا تدبير عدد، وباللَّه الحول والقوة.
والْقُتَبِيّ يقول: القطمير: هو الفوفة التي يكون فيها النواة.
وأَبُو عَوْسَجَةَ يقول: هو القشرة الرقيقة التي تكون بين لحم التمرة وبين نواتها، واحده وجمعه سواء.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
فيه وجوه مر، الدلالة:
أحدها: أنه إنما أمركم ونهاكم وامتحنكم بأنواع المحن لحاجتكم وفقركم إليه، لا لحاجة وفقر له في ذلك، فإن ائتمرتموه وأطعتموه، فإلى أنفسكم ترجع منفعة ذلك، وإن عصيتم فعلى أنفسكم يلحق ضرر ذلك؛ كقوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا).
والثاني: يقول: تعلمون أن فقركم وحاجتكم إلى اللَّه، لا إلى الأصنام التي تعبدونها واتخذتموها آلهة، فكيف صرفتم العبادة والشكر إلى من تعلمون أنكم لا تحتاجون إليه ولا تفتقرون؟!
والثالث: يأمرهم بقطع أطماعهم من الخلق؛ لأنه خاطب الكل وأخبر أنكم جميعًا فقراء إلى اللَّه الطامع والمطموع فيه، فاقطعوا طمعكم ورجاءكم عن الخلق، واطمعوا ذلك من اللَّه؛ فإنه الغني الحميد والخلق جميعًا فقراء إليه، يؤيسهم عن الطمع والرجاء
فاطر 35:16
من الخلق، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦)
يخبر عن غناه وقدرته، لو شاء أذهبكم لتعلمون أنه لم ينشئكم، ولا أمركم، ولا نهاكم؛ لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن لحاجة أنفسكم.
وقوله: (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)
يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: لا يعز ولا يثقل عليه ذهابكم وفناؤكم؛ لأنه لم ينشئكم لحاجة نفسه فذهابكم وفناؤكم وبقاؤكم عليه واحد.
والثاني: لا يصعب عليه ولا يعز إذهابكم وإحداثكم، ولا يعجزه شيء، يخبر عن قدرته، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)
كأن هذا صلة قوله: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ...) الآية، يؤيسهم ليقطعوا أطماعهم يومئذ عن تناصر بعضهم بعضًا، وتحمل بعضهم مؤن بعض وشفاعة بعضهم بعضا، على ما كانوا يفعلون في الدنيا كان ينصر بعضهم بعضًا في الدنيا إذا أصابهم شيء؛ ويفدي بعضهم عن بعض، ويشفع بعضهم بعضًا، كانوا يحتالون مثل هذا الحيل في الدنيا؛ ليدفعوا عن المتصلين بهم الضرر، فأخبر أن ليس لهم ذلك في الآخرة؛ كقوله: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، وقوله: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا)، ومثله كثير، يؤيسهم عن أن يكون لهم في الآخرة ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ)
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: إنما ينتفع بالإنذار الذين يخشون ربهم بالغيب، فأما من لا يخشى ربه فإنه لا ينتفع به، وإلا كان منذر من اتبع الذكر؛ ومن لم يتبع، ومن خشي ربه ومن لم يخش.
والثاني: كأنه يقول: إنك تنذر غير الذي اتبع الذكر وغير الذي خشي، فإنما يتبع إنذارك ويقبله الذي خشي ربه واتغ ذكره، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ)، أي: من عمل خيرًا، فإنما يعمل لنفسه.
أو من جاء بالتوحيد والأعمال الصالحة فإنما يصلح أمره وعمله يثاب عليه.
(وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ).
فاطر 35:17
الآية ١٧ وقوله تعالى :﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ يحتمل هذا وجهين :
أحدهما : لا يعزّ، ولا يثقل عليه ذهابكم وفناؤكم لحاجة نفسه، فذهابكم وفناؤكم وبقاؤكم عليه واحد.
والثاني : لا يصعُب عليه، ولا يعزّ إذهابكم وإحداثكم، ولا يعجزه شيء، يخبر عن قدرته، والله أعلم.
فاطر 35:18
الآية ١٨ وقوله تعالى :﴿ولا تزرُ وازرة وِزر أخرى وإن تدع مُثقلة إلى حِملها لا يُحمل منه شيء﴾ كأن هذا صلة قوله :﴿اتّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ الآية [العنكبوت: ١٢] يُؤيِسهم ليقطعوا أطماعهم يومئذ عن تناصر بعضهم بعضا وتحمّل بعضهم مُؤَن بعض وشفاعة بعضهم لبعض على ما كانوا يفعلون في الدنيا، كان ينصر بعضهم بعضا في الدنيا إذا أصابهم شيء، ويفدي بعضهم بعضا، ويشفع بعضهم لبعض.
كانوا يحتالون مثل هذه الحيل في الدنيا ليدفعوا عن المتصلين بهم الضرر. فأخبر أن ليس لهم ذلك في الآخرة كقوله :﴿ولا يُقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم يُنصرون﴾ [البقرة: ١٢٣] وقوله :﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئا﴾ [لقمان: ٣٣] ومثله(١) كثير، يُؤيِسُهم من أن يكون لهم في الآخرة ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إنما تُنذر الذين يخشون ربهم بالغيب﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : إنما ينتفع بالإنذار الذين يخشون ربهم بالغيب. فأما [ من ](٢) لا يخشى ربه فإنه لا ينتفع به. ولا(٣) كان منذر من اتبع الذكر ومن لم يتّبع ومن خشي ربه ومن لم يخش ؟
والثاني : كأنه يقول : إنك تُنذر غير الذي اتبع الذِّكر وغير الذي خشي ربه، فإنما يتّبع إنذارك، ويقبله الذي خشي ربه، واتبع ذِكره(٤)، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ومن تزكّى فإنما يتزكّى لنفسه﴾ أي من عمل خيرا فإنما يعمل لنفسه، أو من جاء بالتوحيد والأعمال الصالحة فإنما يصلح أمره، وعمله يثاب عليه ﴿وإلى الله المصير﴾ قد ذكرنا في غير موضع فائدة ذكر المصير إليه في ذلك اليوم، وإن كانوا صائرين إليه في كل وقت.
١ الواو ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: وإلا..
٤ من م، في الأصل: ذكر..
فاطر 35:19
قد ذكرنا في غير موضع فائدة تخصيص ذكر المصير إليه والمرجع إليه في ذلك اليوم، وإن كانوا صائرين إليه في كل وقت.
وقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ... (٢٢)
ضرب هذا المثل يخرج على وجوه:
أحدها: شبه الأصنام التي كانوا يعبدونها بالأعمى والظلمة والميتة والحرور حقيقة؛ لأنها كذلك عميان موتى لا نور فيها؛ يقول: واللَّه إنكم تعلمون أن الذين تعبدون من دون اللَّه عميان لا بصر لهم ولا نور ولا حياة ولا شيء من ذلك، وأن اللَّه هو البصير، ومنه يكون كل خير ونفع، فكيف اخترتم عبادة من هذا سبيله على عبادة اللَّه تعالى؟! وبالله الهداية والعصمة.
والثاني: شبه أُولَئِكَ الكفرة بالعميان والظلمة والموت وما ذكر، والمؤمن بالبصير والنور والظل والحياة، ليس على إرادة حقيقة البصر والحياة وما ذكر؛ لأن لهم بصرا يبصرون وهم أحياء فيقولون: نحن البصراء والأحياء، وأنتم العميان والأموات، وما ذكر، لكن شبههم بالعميان والموتى؛ لأنه لا حجة لهم ولا برهان على عبادتهم الأصنام، وهم يعلمون أنه لا حجة لهم ولا برهان على ذلك من كتاب أو رسول أو نحوه، إنما هو هوى يهوون ذلك، وللمؤمنين في عبادتهم اللَّه حجة وبرهان، فمن كان له حجة في عبادته فهو بصير حي نور، ومن ليس له ذلك فهو أعمى ميت.
والثالث: يذكر هذا دلالة على البعث؛ لأنهم يعلمون أن الخلق ليس كلهم على حدّ واحد وحالة واحدة، بل فيهم العميان والبصراء وفيهم الأحياء والأموات وفيهم ما ذكر، وقد استوو جميعًا في منافع هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهم لا الجمع، فلا بد من دار أخرى سوى هذه يفرق بينهم؛ إذ في الحكمة والعقل التفريق لا الجمع، والله أعلم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ).
دل قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ) على أن قوله: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) إنما أراد به الكافر، ثم أخبر أن رسوله لا يسمع لما لا يقدر على ذلك، وليس عنده ذلك؛ إذ لو كان بيانا مبينا أو دعاء على ما يقوله المعتزلة، لكان يسمع ويبين ويقدر على ذلك، فإذ لم يقدر رسول اللَّه على ذلك دل أن عند اللَّه لطفًا وشيئًا لم يعطهم، فإذا أعطاهم ذلك اهتدوا وآمنوا؛ وكذلك هذا في قوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)، ولو
فاطر 35:20
الآيات ١٩ -٢٢ وقوله تعالى :﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ ﴿ولا الظلمات ولا النور﴾ ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات، إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمُسمعِ من في القبور﴾ ضرب هذا المثل يخرّج على وجوه :
أحدها : شبّه الأصنام التي يعبدونها بالأعمى والظلمة والميتة والحرور حقيقة(١) لأنها كذلك عميان، موتى، ولا نور فيها، يقول، والله أعلم : إنكم تعلمون الذين تعبدون من دون الله عميانا، ولا بصر لهم، ولا نور، ولا حياة، ولا شيء من ذلك، وأن الله هو البصير، ومنه يكون كل خير ونفع فكيف اخترتم عبادة من هذا سبيله على عبادة الله تعالى ؟ وبالله الهداية والعصمة.
والثاني : شبّه أولئك الكفرة بالعُميان والظلمة والموت وما ذكر، والمؤمن بالبصير والنور والظل والحياة، ليس على إرادة حقيقة البصر والحياة وما ذكر لأن لهم بصرا يبصرون، وهم أحياء، فيقولون : نحن بُصَراء وأحياء، وأنتم العميان والأموات وما ذكر، لكن شبّههم بالعميان والموتى لأنه لا حجة لهم ولا برهان على عبادتهم الأصنام، وهم يعلمون أنه لا حُجّة لهم ولا برهان على ذلك من كتاب أو رسول أو نحوه، إنما هو هوى، يهوون ذلك.
وللمؤمنين في عبادتهم الله حجّة وبرهان. فمن كان له حجة في عبادته فهو بصير، حيّ، نور. ومن ليس له ذلك فهو أعمى ميّت.
والثالث : يذكر هذا دلالة على البعث لأنهم يعلمون أن الخلق ليسوا(٢) كلهم على حدّ واحد وحالة واحدة، بل فيهم العميان والبُصراء، وفيهم الأحياء والأموات، وفيهم ما ذكر. وقد استووا جميعا /٤٤١-أ/ في منافع هذه الدنيا. وفي الحكمة التفريق بينهم لا الجمع، فلا بد من دار أخرى سوى هذه تفرّق بينهم، إذ في الحكمة والعقل التفريق لا الجمع، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمُسمِع من في القبور﴾ [ دل قوله ﴿إن الله يُسمع من يشاء﴾ على أن قوله ﴿وما أنت بمُسمع من في القبور﴾ ](٣) إنما أراد به الكافر. ثم أخبر أن رسوله لا يُسمِعه(٤) لما لا يقدر على ذلك، وليس عنده ذلك، إذ لو كان [ الهدى ](٥) بيانا مبيّنا أو دعاء على ما تقوله المعتزلة لكان يُسمِع، ويبيّن، ويقدر على ذلك.
فإن لم يقدر رسول الله على ذلك دل أن عند الله [ لطفا وشيئا ](٦) لم يعطهم. فإذا أعطاهم ذلك اهتدوا، وآمنوا، وكذلك هذا في قوله :﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] ولو كان [ الهدى ](٧) بيانا على ما تقوله المعتزلة لهدى من أحبّ، وقد أحب فلم يهتد، دل أن عند الله [ شيئا لم يعطه، ولو ](٨) أعطى لاهتدى ولم يكن ذلك عند رسوله، وهو التوفيق والعصمة.
وهذا ينقُض على المعتزلة قولهم : إن الله قد أعطى كل كافر ما به يهتدي، لكنه لم يهتد. ثم لا يحتمل قوله :﴿إن الله يُسمع من يشاء﴾ على القسر والقهر، دل أنه لا يحتمل.
١ في الأصل وم: وحقيقة..
٢ في الأصل وم: ليس..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: يسمع..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: لطف وشيء..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: شيء ولم أعطى..
فاطر 35:21
الآيات ١٩ -٢٢ وقوله تعالى :﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ ﴿ولا الظلمات ولا النور﴾ ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات، إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمُسمعِ من في القبور﴾ ضرب هذا المثل يخرّج على وجوه :
أحدها : شبّه الأصنام التي يعبدونها بالأعمى والظلمة والميتة والحرور حقيقة(١) لأنها كذلك عميان، موتى، ولا نور فيها، يقول، والله أعلم : إنكم تعلمون الذين تعبدون من دون الله عميانا، ولا بصر لهم، ولا نور، ولا حياة، ولا شيء من ذلك، وأن الله هو البصير، ومنه يكون كل خير ونفع فكيف اخترتم عبادة من هذا سبيله على عبادة الله تعالى ؟ وبالله الهداية والعصمة.
والثاني : شبّه أولئك الكفرة بالعُميان والظلمة والموت وما ذكر، والمؤمن بالبصير والنور والظل والحياة، ليس على إرادة حقيقة البصر والحياة وما ذكر لأن لهم بصرا يبصرون، وهم أحياء، فيقولون : نحن بُصَراء وأحياء، وأنتم العميان والأموات وما ذكر، لكن شبّههم بالعميان والموتى لأنه لا حجة لهم ولا برهان على عبادتهم الأصنام، وهم يعلمون أنه لا حُجّة لهم ولا برهان على ذلك من كتاب أو رسول أو نحوه، إنما هو هوى، يهوون ذلك.
وللمؤمنين في عبادتهم الله حجّة وبرهان. فمن كان له حجة في عبادته فهو بصير، حيّ، نور. ومن ليس له ذلك فهو أعمى ميّت.
والثالث : يذكر هذا دلالة على البعث لأنهم يعلمون أن الخلق ليسوا(٢) كلهم على حدّ واحد وحالة واحدة، بل فيهم العميان والبُصراء، وفيهم الأحياء والأموات، وفيهم ما ذكر. وقد استووا جميعا /٤٤١-أ/ في منافع هذه الدنيا. وفي الحكمة التفريق بينهم لا الجمع، فلا بد من دار أخرى سوى هذه تفرّق بينهم، إذ في الحكمة والعقل التفريق لا الجمع، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمُسمِع من في القبور﴾ [ دل قوله ﴿إن الله يُسمع من يشاء﴾ على أن قوله ﴿وما أنت بمُسمع من في القبور﴾ ](٣) إنما أراد به الكافر. ثم أخبر أن رسوله لا يُسمِعه(٤) لما لا يقدر على ذلك، وليس عنده ذلك، إذ لو كان [ الهدى ](٥) بيانا مبيّنا أو دعاء على ما تقوله المعتزلة لكان يُسمِع، ويبيّن، ويقدر على ذلك.
فإن لم يقدر رسول الله على ذلك دل أن عند الله [ لطفا وشيئا ](٦) لم يعطهم. فإذا أعطاهم ذلك اهتدوا، وآمنوا، وكذلك هذا في قوله :﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] ولو كان [ الهدى ](٧) بيانا على ما تقوله المعتزلة لهدى من أحبّ، وقد أحب فلم يهتد، دل أن عند الله [ شيئا لم يعطه، ولو ](٨) أعطى لاهتدى ولم يكن ذلك عند رسوله، وهو التوفيق والعصمة.
وهذا ينقُض على المعتزلة قولهم : إن الله قد أعطى كل كافر ما به يهتدي، لكنه لم يهتد. ثم لا يحتمل قوله :﴿إن الله يُسمع من يشاء﴾ على القسر والقهر، دل أنه لا يحتمل.
١ في الأصل وم: وحقيقة..
٢ في الأصل وم: ليس..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: يسمع..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: لطف وشيء..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: شيء ولم أعطى..
فاطر 35:22
الآيات ١٩ -٢٢ وقوله تعالى :﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ ﴿ولا الظلمات ولا النور﴾ ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات، إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمُسمعِ من في القبور﴾ ضرب هذا المثل يخرّج على وجوه :
أحدها : شبّه الأصنام التي يعبدونها بالأعمى والظلمة والميتة والحرور حقيقة(١) لأنها كذلك عميان، موتى، ولا نور فيها، يقول، والله أعلم : إنكم تعلمون الذين تعبدون من دون الله عميانا، ولا بصر لهم، ولا نور، ولا حياة، ولا شيء من ذلك، وأن الله هو البصير، ومنه يكون كل خير ونفع فكيف اخترتم عبادة من هذا سبيله على عبادة الله تعالى ؟ وبالله الهداية والعصمة.
والثاني : شبّه أولئك الكفرة بالعُميان والظلمة والموت وما ذكر، والمؤمن بالبصير والنور والظل والحياة، ليس على إرادة حقيقة البصر والحياة وما ذكر لأن لهم بصرا يبصرون، وهم أحياء، فيقولون : نحن بُصَراء وأحياء، وأنتم العميان والأموات وما ذكر، لكن شبّههم بالعميان والموتى لأنه لا حجة لهم ولا برهان على عبادتهم الأصنام، وهم يعلمون أنه لا حُجّة لهم ولا برهان على ذلك من كتاب أو رسول أو نحوه، إنما هو هوى، يهوون ذلك.
وللمؤمنين في عبادتهم الله حجّة وبرهان. فمن كان له حجة في عبادته فهو بصير، حيّ، نور. ومن ليس له ذلك فهو أعمى ميّت.
والثالث : يذكر هذا دلالة على البعث لأنهم يعلمون أن الخلق ليسوا(٢) كلهم على حدّ واحد وحالة واحدة، بل فيهم العميان والبُصراء، وفيهم الأحياء والأموات، وفيهم ما ذكر. وقد استووا جميعا /٤٤١-أ/ في منافع هذه الدنيا. وفي الحكمة التفريق بينهم لا الجمع، فلا بد من دار أخرى سوى هذه تفرّق بينهم، إذ في الحكمة والعقل التفريق لا الجمع، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمُسمِع من في القبور﴾ [ دل قوله ﴿إن الله يُسمع من يشاء﴾ على أن قوله ﴿وما أنت بمُسمع من في القبور﴾ ](٣) إنما أراد به الكافر. ثم أخبر أن رسوله لا يُسمِعه(٤) لما لا يقدر على ذلك، وليس عنده ذلك، إذ لو كان [ الهدى ](٥) بيانا مبيّنا أو دعاء على ما تقوله المعتزلة لكان يُسمِع، ويبيّن، ويقدر على ذلك.
فإن لم يقدر رسول الله على ذلك دل أن عند الله [ لطفا وشيئا ](٦) لم يعطهم. فإذا أعطاهم ذلك اهتدوا، وآمنوا، وكذلك هذا في قوله :﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] ولو كان [ الهدى ](٧) بيانا على ما تقوله المعتزلة لهدى من أحبّ، وقد أحب فلم يهتد، دل أن عند الله [ شيئا لم يعطه، ولو ](٨) أعطى لاهتدى ولم يكن ذلك عند رسوله، وهو التوفيق والعصمة.
وهذا ينقُض على المعتزلة قولهم : إن الله قد أعطى كل كافر ما به يهتدي، لكنه لم يهتد. ثم لا يحتمل قوله :﴿إن الله يُسمع من يشاء﴾ على القسر والقهر، دل أنه لا يحتمل.
١ في الأصل وم: وحقيقة..
٢ في الأصل وم: ليس..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: يسمع..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: لطف وشيء..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: شيء ولم أعطى..
فاطر 35:23
كان بيانًا على ما تقوله المعتزلة لهدى من أَحبَّ وقد أحب فلم يهتد؛ دل أن عند اللَّه شيئًا لو أعطى ذلك لاهتدى، ولم يكن ذلك عند رسوله وهو التوفيق والعصمة، وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن اللَّه قد أعطى كل كافر ما به يهتدي لكنه لم يهتد.
ثم لا يحتمل قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ) على القسر والقهر دل أنه لا يحتمل.
وقوله: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: ليس عليك إلا الإنذار باللسان؛ كقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)، وقوله: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ)، وأنت لا تؤاخذ بتركهم قبول الإنذار؛ كقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ...) الآية، وقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...) الآية.
ويحتمل الإنذار بالسيف بأمره إياه بالقتال معهم حتى يؤمنوا، وإن كان على هذا فهو يحتمل النسخ؛ يؤمر بالقتال في وقت، ولا يؤمر في وقت، وأمّا النذارة باللسان فهو لا يحتمل النسخ أبدًا. واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) يحتمل قوله: (بِالْحَقِّ) أي: بالتوحيد، أي: أرسلناك لتدعو الناس إلى توحيد اللَّه، أو أرسلناك بالحق، أي: بالحق الذي لله عليهم وما لبعض على بعض.
أو (أَزسَلْتَكَ بِالْحَقِّ) أي: للحق وهو البعث الذي هو كائن لا محالة.
وقوله: (بَشِيرًا وَنَذِيرًا).
أي: بَشِيرًا بالجنة لمن آمن باللَّه وأجابك، ونذيرًا بالنار لمن عصاه وخالف أمره وترك إجابته، هذا يدل على أنه لم يرد في قوله: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) خاصة ليس ببشير.
وقوله: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: ليس من أصناف الخلق وجواهرهم على اختلاف جواهرهم وأصنافهم إلا وقد خلا لهم نذير؛ ليأمر وينهى ويمنع ويبيح؛ كلقوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ...) الآية، أخبر أن الخلق على اختلاف أصنافهم وجواهرهم أمم أمثالهم البشر، فيتحملون ما يتحمل البشر من الأمر والنهي والنذارة والبشارة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك راجع إلى الجن والإنس خاصة ليس إلى الكل؛ لأنهما هما المخصوصان بالخطاب والنطق والعقل وغير ذلك، وفيهما ظهر بعث الرسل والنذر، ولم
فاطر 35:24
الآية ٢٤ وقوله تعالى :﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا﴾ يحتمل قوله ﴿بالحق﴾ أي بالتوحيد، أي أرسلناك لتدعو الناس إلى توحيد الله، أو أرسلناك بالحق الذي لله عليهم وما لبعض على بعض، أو أرسلناك بالحق أي للحق، وهو البعث الذي هو كائن، لا محالة.
وقوله تعالى :﴿بشيرا ونذيرا﴾ أي بشيرا بالجنة لمن آمن، وأجابك، ونذيرا بالنار لمن عصاه، وخالف أمره، وترك إجابتك. هذا يدل على أنه لم يُرد في قوله :﴿إن أنت إلا نذير﴾ [فاطر: ٢٣] أنه نذير خاصة، ليس ببشير.
وقوله تعالى :﴿وإن من أمّة إلا خلا فيها نذير﴾ قال بعضهم : ليس [ من ](١) أصناف الخلق على اختلاف جواهرهم وأجناسهم(٢) إلا وقد خلا لهم نذير، يأمر، وينهى، ويمنع، ويُبيح، كقوله :﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أُمم أمثالكم﴾ الآية [الأنعام: ٣٨] أخبر أن الخلق على اختلاف أصنافهم وجواهرهم أُمم أمثال(٣) البشر، يتحمّلون ما يتحمّل البشر من الأمر والنهي والنّذارة والبشارة.
وقال بعضهم : ذلك راجع إلى الجن والإنس خاصة، ليس إلى الكل، لأنهما هما المخصوصان بالخطاب والنّطق والعقل وغير ذلك. وفيهما ظهر بعث الرسل والنُّذر، ولم يظهر ذلك في غيرهما. فكأنه قال : وإن من أمة من هذين [ الجوهرين ](٤) من القرون إلا خلا فيهما نذير، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: وأصنافهم..
٣ في الأصل وم: أمثالهم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
فاطر 35:25
يظهر ذلك في غيرهما، فكأنه قال: وإن من أمة من هذين من القرون إلا خلا فيها نذير، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)
يعزي رسوله ويصبره على تكذيب قومه إياه، يقول: لست أنت بأول مكذب من الرسل، قد كذب إخوانك الذين من قبل بعد ما جاءوا بالبينات والزبر، أي: بالكتب المنيرة إليهم مع ما جاءهم بذلك فكذبوهم، فصبروا على تكذيبهم، فاصبر أنت أيضًا على تكذيب قومك، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)
أي: ثم أخذت الذين كذبوا رسلهم بالتكذيب فآخذ قومك على تكذيبهم إليك أيضًا، يذكر هذا له ليصبره على ذلك وينفي حزنه على تكذيبهم إياه.
أو يذكره زجرًا لقومه على تكذيبهم إياه؛ فينزل بهم من العذاب ما نزل بأُولَئِكَ بالتكذيب.
وقوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: فكيف كان إنكاري، وقَالَ بَعْضُهُمْ: عذابي.
ودل قوله: (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) على قوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
أي: منير السماوات بما سمى الكتاب في غير آي من القرآن: نورًا، هو نورٌ بما ينير القلوب والصدور.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) إلى آخر ما ذكر - فيه فوائد من الحكمة:
أحدها: أنه جعل - عَزَّ وَجَلَّ - طبع الماء مما يلائم ويوافق طبع هذه الثمرات على اختلاف جواهرها وألوانها؛ حتى يكون حياة كل شيء منها وقوامه بهذا الماء، وكذلك جعل طبع هذا الماء ملائفا موافقًا طباع جميع الخلائق من البشر والدواب والطير والوحش وجميع الحيوان، على اختلاف جواهرهم وأصنافهم وغذائهم، حتى صار هو غذاء وحياة لهم وقياما به؛ ليعلم أن من ملك هذا وقدر توفيق هذا - على اختلاف ما ذكرنا من الجواهر والأغذية - وتدبيرَهُ، لا يعجزه إنشاء شيء لا من شيء، ولا يخفى عليه شيء، وفي ذلك دلالة البعث: أن من بلغت قدرته وتدبيره وعلمه هذا المبلغ لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
والثاني: أنه أنشأ ما ذكر من مختلف الأشياء والجواهر بهذا الماء، وجعله سببا لحياة ما ذكر من البشر والدواب وغيره، من غير أن يكون في ذلك الماء الذي أنشأ ذلك منه، وجعله سببا لحياتهم من أثر ذلك فيه أو من جنسه؛ ليعلم أنه لم يكن أنشأ هذه الأشياء بهذا الماء، ولا جعله سببًا لها على الاستعانة به والتقوية، بل إعلامًا للخلق أسباب مطالب الغذاء والفضل لهم؛ إذ لو كان على الاستعانة وجعله سببًا له في إنشاء ذلك، لكان يكون تلك الأشياء المنشأة مشاكلة للماء مشابهة له؛ دل أنه جعل ذلك سببا للخلق في الوصول إلى ما ذكرنا من الأغذية لهم من غير أن يروا أرزاقهم من تلك الأسباب والمكاسب ولكن من فضل اللَّه.
والثالث: أنشأ هذه الفواكه والثمرات مختلفة ألوانها وطعمها؛ لما علم من البشر من الملالة والسآمة من نوع واحد ولون واحد؛ ليتم نعمه عليهم ليتأدى بذلك الشكر عليها، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أنشأ الجبال أيضا مختلفة من بيض وحمر وغرابيب، كما أنشأ الثمرات والدواب والحيوان كلها مختلفة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك وصف، وصفها بالسواد للطرق التي أنشأها في الجبال ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كاختلاف الجبال والثمار، وكذلك: (وَغَرَابِيبُ) جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب؛ وهو قول الْقُتَبِيّ وأبي عَوْسَجَةَ، ورجل غربيب الشعر، أي: أسود الشعر، ومأخذه من الغراب لأنه أسود، والجدد: الخطوط والطرائق في الجبال.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الجدة: الخطة، والجدد: جميع الخطوط، يقال: جددت،
فاطر 35:26
الآية ٢٦ وقوله تعالى :﴿ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير﴾ أي ثم أخذت الذين كذّبوا رسلهم بالتكذيب، فآخذ قومك على تكذيبهم إياك أيضا. يذكر هذا له ليصبّره على ذلك، وينفي حزنه على تكذيبهم إياه، أو يذكر هذا زجرا لقومه عن تكذيبهم إياه [ لئلا ينزل ](١) بهم من العذاب ما نزل بأولئك بالتكذيب.
وقوله تعالى :﴿فكيف كان نكير﴾ قال بعضهم : فكيف كان إنكاري ؟ وقال بعضهم : عذابي ؟
ودل قوله :﴿وبالكتاب المنير﴾ [ على أن ](٢) قوله ﴿الله نور السماوات والأرض﴾ [النور: ٣٥] أي منير السماوات [ والأرض ](٣) بما سمّى الكتاب في غير آية(٤) من القرآن نورا، هو نور بما ينير القلوب والصدور.
١ في الأصل وم: فينزل..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: آي..
فاطر 35:27
الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها﴾ إلى آخر ما ذكر، فيه فوائد من الحكمة.
أحدها : أنه جعل عز وجل، طبع الماء مما يلائم، ويوافق طباع هذه الثمرات على اختلاف جواهرها وألوانها حتى تكون حياة كل شيء منها وقوامه بهذا الماء. وكذلك جعل طبع هذا الماء ملائما موافقا طباع جميع الخلائق من البشر والدواب، والطير والوحش وجميع الحيوان على اختلاف جواهرهم وأصنافهم وغذائهم حتى صار هو غذاء وحياة لهم وقياما به ليُعلم أن من ملك هذا، وقدر [ على ](١) توفيق هذا على اختلاف ما ذكرنا من الجواهر والأغذية وتدبيره، لا يُعجزه إنشاء شيء من لا شيء، ولا يخفى عليه شيء.
وفي ذلك دلالة البعث : أن من بلغت قدرته وتدبيره وعلمه هذا المبلغ، لا يُعجزه، ولا يخفى عليه شيء.
والثاني : أنه أنشأ ما ذكر من مختلف الأشياء والجواهر بهذا الماء، وجعله سببا لحياة ما ذكر من البشر والدّواب وغيره من غير أن يكون في ذلك الماء الذي أنشأ ذلك منه، وجعله سببا لحياتهم من أثر فيه أو من جنسه ليُعلَم أنه لم يكن إنشاء هذه الأشياء بهذا الماء ولا جعله سببا لها على الاستعانة به والتقوية، بل إعلاما للخلق أسباب مطالب الغذاء والفضل لهم. إذ لو كان على الاستعانة وجعله سببا له في إنشاء ذلك لكان تكوّن تلك الأشياء المُنشأة [ مشاكلا للماء مشابها ](٢) له. دل أنه جعل ذلك سببا للخلق في الوصول إلى ما ذكرنا من الأغذية لهم من غير أن يروا أرزاقهم من تلك الأسباب والمكاسب، ولكن من فضل الله.
والثالث :[ أنه ](٣) أنشأ هذه الفواكه والثمرات مختلفة ألوانها وطعومها مما علم من البشر من الملالة والسآمة من نوع واحد ولون واحد ليُتمّ نعمه عليهم ليستأدي بذلك الشكر عليها، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ومن الجبال جُدَدٌ بيض وحُمر مختلف ألوانها وغرابيب سود﴾ قال بعضهم : أنشأ الجبال أيضا مختلفة من بيض وحمر وغرابيب كما أنشأ الثمرات والدوابّ والحيوان كلها مختلفة.
وقال بعضهم : ذلك وصف، وصفها بالسواد للطرق التي أنشأها في الجبال.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: مشاكلة للماء مشابهة..
٣ ساقطة من الأصل وم..
فاطر 35:28
أي: خططت، ويقال: ثوب جديد وثياب جدد، (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ) أي: طرائق مختلفة ألوانها بعضها بيض وبعضها غرابيب وهي سود.
يذكر قدرته وتذكيره أن الجبال مع غلظها وشدتها وارتفاعها جعلها بحيث يتطرق منها في صعودها وهبوطها، فمن قدر على هذا لا يعجزه ولا يخفى عليه شيء.
أو يذكر نعمه عليهم حيث سخرها لهم؛ ليقضوا فيها حوائجهم فيما بعد عنهم وصعب عليهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (٢٨)
هذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن الذي يحقّ على العالم باللَّه أن يكون هو يخشاه؛ لما يعلم من سلطانه وهيبته وقدرته وجلاله.
والثاني: أن العالم بالبعث والمؤمن به هو يخشى مخالفة اللَّه في أوامره ونواهيه؛ لما يعلم من نقمته وعذابه من خالفه وعصى أمره، فأمّا من لم يعلم بالبعث ولم يؤمن به فلا يخافه؛ كقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)، ونحوه.
أو أن يكون قوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) عباده من جملة المؤمنين؛ يقول - واللَّه أعلم -: إنما يخشى اللَّه من عباده المؤمنون به، المصدقون عذابه ونقمته، فأمَّا من لم يؤمم ن به فلا يخافه كما ذكرنا في قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)، إن في ذلك لآيات لكل مؤمن، ويكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن؛ فعلى ذلك هذا محتمل.
وقال أهل التأويل: على التقديم والتأخير، أي: أشد الناس لله خشية أعلمهم باللَّه، والخشية:
قال الحسن: هي الخوف الدائم اللازم في القلب غير مفارق له، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: العزيز: المنتقم من أعدائه، والغفور لذنوب المؤمنين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: عزيز في ملكه ومن دونه ذليل، غفور، أي: ستور على ذنوب المؤمنين.
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)
يحتمل ما ذكر من تلاوة الكتاب هاهنا، ما ذكر في آية أخرى قال: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة.
فاطر 35:29
الآية ٢٩ وقوله تعالى :﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة﴾ يحتمل من تلاوة الكتاب ههنا ما ذكر في آية أخرى حين قال :﴿يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١] وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة.
[ ويحتمل ](١) أن يكون قوله :﴿يتلون كتاب الله﴾ أي يتّبعون الكتاب في ما فيه مما لهم وممّا عليهم، يتّبعون(٢) كله من الإقدام على الحلال والاجتناب عن الحرام. والمنتفعون بكتاب الله هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة [ والإنفاق مما ](٣) رُزقوا.
فأما من تلا، ولم يتّبع ما فيه، فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع [ والنطق وغيرها ](٤) لتركهم الانتفاع بها، وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها، وإن لم تكن لهم حقيقة. فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ يحتمل قوله :﴿سرا وعلانية﴾ في كل حال وكل وقت، لا يتركون الإنفاق على كل حال كقوله :﴿وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين﴾ ﴿الذين يُنفقون في السّراء والضراء﴾ [ آل عمران : ١٣٣ و١٣٤ ] أي ينفقون على كل حال.
ويحتمل(٥) :﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ أي يتصدّقون الصدقة ظاهرا وباطنا للناس، وعلموا به، وما خفِي عنهم، واستتر، لما قصدوا لها بها وجه الله لا مراآة الخلق. فمن قصده بالخيرات وجه الله لا مراآة الخلق فعلمهم به وجهلهم سواء لا يمتنع عن ذلك أبدا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ سمّى ما يبذل العبد لله تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفا منه وإحسانا.
١ في الأصل وم: أو..
٢ في الأصل: وم: يتبعون..
٣ في الأصل وم: وانفاق ما..
٤ في الأصل وم: واللسان وغيره..
٥ في الأصل وم: أو يحتمل..
فاطر 35:30
أو أن يكون قوله: (يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ) أي: يتبعون كتاب اللَّه فيما فيه مما لهم ومما عليهم، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام، والمشفقون بكتاب اللَّه هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما رزقوا، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة؛ فعلى ذلك يحتمل الأول، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً).
يحتمل قوله: (سِرًّا وَعَلَانِيَةً) في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل حال؛ كقوله: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)، أي: ينفقون على كل حال. ويحتمل: فلينفقوا مما رزقناهم (سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، أي: يتصدقون الصدقة ظاهرًا وباطنًا، أي: ما ظهر للناس وعلموا به، وما خفي عنهم واستتر؛ لما قصدوا بها وجه اللَّه لا مراءاة الخلق، فمن كان قصده بالخيرات وجه اللَّه لا مراءاة الخلق، فعلمهم به وجهلهم سواء، لا يمتنع عن ذلك أبدًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ).
سمى ما يبذل العبد لله: تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفا منه وإحسانًا، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال: (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وذلك ليس في الحقيقة أجرًا لما يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من أنواع النعم، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجرًا لهم، لكنه - عَزَّ وَجَلَّ - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم الصالحات؛ إفضالا منه وإنعامًا منه، وسمى ذلك: تجارة كأن ليس ذلك له في الحقيقة؛ ترغيبًا منه الخلق في ذلك وتحريضًا لهم على ذلك، واللَّه أعلم.
(وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) على ذلك أيضًا.
وقوله: (إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ).
يحتمل قوله: (غَفُورٌ) أي: ستور لمساويهم، (شَكُورٌ) أي: مظهر لحسناتهم بإدخاله إياهم الجنة؛ ليعلم أحد أنه كان محسنا لا مسيئًا.
أو (غَفُورٌ): يتجاوز عن مساوئهم، (شَكُورٌ): يقبل اليسير من العمل القليل منهم
فاطر 35:31
ويجزيهم على ذلك الجزيل من الثواب، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَنْ تَبُورَ).
قال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: (لَنْ تَبُورَ) أي: لن تفنى أو لن تكسد، يقال: بارت التجارة تبور فهب بائرة: إذا كسدت.
(لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ): من الإيفاء، يقال: أوفيته حقه، أي: أعطيته حقه كله.
* * *
قوله تعالى: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)
وقوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ): يا مُحَمَّد، (مِنَ الْكِتَابِ): وهو القرآن، (هُوَ الْحَقُّ): أنه من عند اللَّه، (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: موافقًا للكتب التي قبله.
ثم يكون وفاقه إياها بأحد شيئين:
إما في الأخبار والأنباء: أن توافق الأنباء والأخبار التي في القرآن أنباء الكتب المثقدمة وأخبارها ويصدق بعضها بعضا، فكذلك كانت الكتب كلها داعية إلى توحيد اللَّه والعبادة له والطاعة.
أو توافق الأحكام، فإن كانت الموافقة في الأحكام ففيها الناسخ والمنسوخ مختلفة؛ ألا ترى أن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا، ثم أخبر أنه لو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، ولو كان الناسخ والمنسوخ خلافًا في الحقيقة لكان من عند غير اللَّه على ما أخبر، فدل أن بينهما وفاقًا ليس باختلاف.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن محمدًا يصدق ما قبله من الكتب والرسل، وهو ما ذكرنا: أن جميع الكتب والرسل إنما دعوا الخلق إلى توحيد اللَّه وعبادته.
فاطر 35:32
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ).
أي: (لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) بما به مصالحهم، أو (لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ)، أي: على علم وبصيرة منه بتكذيب القوم رسلهم بعث الرسل إليهم لا عن جهل منه بذلك، وذلك لا يخرجه عن الحكمة كما قال بعض الملاحدة: إن ليس بحكيم من بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبه ويرد رسالته، فهذا لو كان بعث الرسل لحاجة المرسل ولمنفعته يكون إرساله وبعثه إلى من يعلم أنه يكذبه ويرد رسالته عبثًا، فأمَّا اللَّه - سبحانه وتعالى - يتعالى عن أن يرسل الرسل لحاجة له أو لمنفعة بل لحاجة المبعوث إليه والمرسل إليه؛ فلم يخرج علمه برده وتكذيبه عن الحكمة، والتوفيق باللَّه.
أو أن يكون قوله: (لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) يخرج عن الوعيد، أي: عالم بأحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبدًا على حذر ومراقبة، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) هو ممن أخبر أنه اصطفاه للهدى من متبعي مُحَمَّد، وهم أصحاب الكبائر في قول بعض.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم أصحاب الصغائر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم أصحاب الصغائر والكبائر جميعًا.
ومنهم من يقول: هو في الناس جميعًا المتبع له وغير المتبع.
ثم اختلف في قوله: (ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو المنافق الذي أظهر الموافقة لرسوله وأضمر الخلاف له.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم اليهود والنصارى، فقد آمنوا قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم المشركون وقد أقسموا أنه لو جاءهم نذير: (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ).
فهَؤُلَاءِ كلهم في النار، وما ذكر من الاصطفاء والاختيار على قول هَؤُلَاءِ يكون لرسول اللَّه؛ حيث بعث إليهم؛ ليدعوهم إلى توحيد اللَّه.
والأشبه أن يكون قوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) من أمته من متبعي الرسول ما روي في الخبر عن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إن ثبت - قال: " تلا رسول اللَّه هذه الآية فقال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة؛ أما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لن ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة "، ثم قال رسول اللَّه: وهم الذين قالوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ...) الآية. وكذلك روي عن أنس وعائشة عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فإن ثبت عنه فهو تأويل الآية، وتفسير الظالم من أهل التوحيد والملة.
والمقتصد: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو الذي يخلط عملا صالحًا بعمل سيئ؛ كقوله: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الذي يقوم بأداء الفرائض والأركان وأما غيره فلا.
والسابق يخرج على وجهين:
أحدهما: سابق بالخيرات كلها لا تقصير فيه ولا نقصان.
أو سابق بالخيرات فيه تقصير ونقصان، وقد ذكرنا هَؤُلَاءِ الفرق الثلاثة في غير موضع: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ...) الآية، ثم قال: (وَ (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ)، (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ)، فالذين اعترفوا بذنوبهم هم المقتصد، والآخرون هم الظالم لنفسه.
وقال في موضع آخر: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
وقال: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ)، إلى آخر ما ذكر، وقال: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) - ففي ظاهر هذا أن أصحاب الشمال المكذبون؛ حيث ذكر في آخر هذه السورة الفرق الثلاثة حيث قال: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ).
ففي ظاهر هذا أن الظالم لنفسه هو المكذب والكافر في قوله:
(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ)، في ظاهر ما ذكر في سورة التوبة أنه من أهل التوحيد حيث
فاطر 35:33
قال: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ...) الآية، واللَّه أعلم لذلك.
وقوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ).
يحتمل: بعلم اللَّه، ويحتمل: بمشيئة اللَّه، وقيل: بأمره.
وقوله: (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ).
يقول - واللَّه أعلم -: هذا الذي أورثناهم من الكتاب هو الفضل الكبير؛ كقوله: (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).
أو يقول: إدخالهم الجنة فضل منه كبير.
وروي عن عمر - - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) وقال: ألا إن سابقنا سابقٌ، وإن مقتصدنا ناجٍ، وإن ظالمنا مغفورٌ له ".
وقال عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ألا إن سابقنا أهل الجهاد منا، وإن مقتصدنا أهل حضرنا، وإن ظالمنا أهل بدونا ".
وابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: " الظالم لنفسه كافر ".
وعن الحسن قال: " الظالم لنفسه المنافق وهو هالك، وأما السابق والمقتصد فقد نجيا ".
وقوله: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)
ذكر التحلي فيها بالذهب واللؤلؤ ولبس الحرير، وليس للرجال رغبة في هذه الدنيا في التحلي بذلك ولا لبس الحرير، اللهم إلا أن يكون للعرب رغبة فيما ذكر، فخرج الوعد لهم بذلك والترغيب في ذلك، وهو ما ذكر من الخيام فيها والقباب والغرفات، وذلك أشياء تستعمل في حال الضرورة في الأسفار، وعند عدم غيره من المنازل والغرف عند ضيق المكان، فأما في حال الاختيار ووجود غيره فلا، لكنه خرج ذلك لهم؛ لما لهم في ذلك من فضل رغبة؛ ألا ترى أنهم قالوا: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) ذكروا ذلك لما لذلك عندهم فضل قدر ومنزلة ورغبة في ذلك.
أو يذكر هذا لهم في الجنة - أعني: الذهب والفضة والحرير وما ذكر - ليس على أن
فاطر 35:34
هذا مما يشابهه لحال أو يماثله في الجوهر على التحقيق سوى موافقة الاسم؛ لما روي في الخبر: " أن فيها - يعني في الجنة - ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر أو بال بشر " على ما ذكر، وما ذكر -أيضًا- أن ما في الجنة لا يشبه ما في الدنيا أو لا يوافقه إلا في الاسم أو كلام نحو هذا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)
قَالَ بَعْضُهُمْ. إنما يقول هذا الظالم لنفسه الذي ذكر في قوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) وأنهم يحبسون على الصراط حبسًا طويلا، أو يحاسبون حسابًا شديدًا؛ فيطول حزنهم بذلك، ثم يؤذن لهم بالدخول في الجنة، فعند ذلك يقولون ذلك ويحمدون ربهم على إذهاب ذلك الحزن عنهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن يقول هذا كل مسلم إذا دخل الجنة؛ لما يخاف كل مسلم في الدنيا على مساويه؛ لما لا يدري إلى ماذا يكون مصيره ومرجعه؟ وأين مقامه في الآخرة؟ فلما أدخل الجنة أمن ما كان يخافه في الدنيا ويحزن عليه، وسلم من تلك الأخطار، حمد ربه عند ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك الحمد إنما يكون منهم؛ لما ذهب عنهم غمّ العيش والخبر الذي كان لهم في الدنيا؛ إذ كل أحد يهتم لعيشه في الدنيا، فلما دخل الجنة ذهب ذلك عنه، فعند ذلك يحمد ربه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يحمدون ربهم؛ لما يأمنون الموت عند ذلك؛ إذ ذكر في الخبر " أنه يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش، فيذبح بين أيديهم "، فعند ذلك يأمنون الموت، واللَّه أعلم.
فاطر 35:35
وقوله: (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ).
لمساوئهم من غير أن كان منهم ما يستوجبون المغفرة، شكور لحسناتهم حيث قبلها منهم وأعطاهم الثواب.
وقال أهل التأويل: غفور لذنوبهم، شكور يعطيهم الجزاء الجزيل بالعمل القليل.
وقوله: (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ... (٣٥)
لما لا يتمنى التحول منها ولا الانتقال، لا يبغون حولا.
وقوله: (لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ).
ليس من صاحب نعمة في هذه الدنيا وإن عظمت إلا وهو يمل منها ويسأم، ويتمنى التحول منها والانتقال، وكذلك ليس من لذة وإن حلت في هذه الدنيا إلا وهي تعقب آفة وتعبًا، فأخبر أن نعيم الآخرة، ولذاتها مما لا يتمنى ولا يبتغى التحول منها، ولا لذتها تعقب آفة ولا تعبًا ولا إعياء.
وجائز أن يكون قوله: (لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) وذلك أن من حل بقرابته وبالمتصلين به شيء في هذه الدنيا من آفاتها يهتم لذلك ويتكلف دفع ذلك عنهم، فأخبر أنهم إذا حلوا في دار المقامة لا يهمهم شيء من ذلك، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ): شكر لهم ما كان منه إليهم، وغفر لهم ما كان منهم من ذنب، وفي حديث رفع إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في قوله: (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) قال: " شكر اللَّه للمؤمن اليسير من الحسنات، وغفر لهم الذنوب العظام ".
والنصب: الأذى، ويقال: الفناء، واللغوب: التعب.
وقوله:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا؍ (٣٦) فيستريحوا من عذابها، (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا).؍
وفي قوله: (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) نقض قول الجهم وأبي هذيل المعتزلي:
أما قول الجهم؛ لأنه يقول: بانقطاع العذاب عن أهل النار، فأخبر أنه لا يخفف عنهم العذاب، فلو كان يحتمل الانقطاع يحتمل التخفيف، فإذا أخبر أنه لا يخفف عنهم دل أنه لا ينقطع، وكذلك قول مالك لهم: (إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)، لما طلبوا منه
فاطر 35:36
الآية ٣٦ وقوله تعالى :﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يُقضى عليهم﴾ بالموت ﴿فيموتوا﴾ فيستريحوا من عذابها ﴿ولا يخفّف عنهم من عذابها﴾.
وفي قوله :﴿ولا يخفّف عنهم من عذابها﴾ /٤٤٢-ب/ نقض قول الجهم وأبي الهُذيل المعتزليّ :
أما قول الجهم فهو(١) انقطاع العذاب عن أهل النار. فأخبر الله أنه لا يخفّف عنهم العذاب. فلو كان يحتمل الانقطاع لاحتمل التخفيف. فإذا أخبر أنه لا يخفّف عنهم. دل أنه لا ينقطع. وكذلك قول مالك لهم ﴿إنكم ماكثون﴾ [الزخرف: ٧٧] لما طلبوا التخفيف ﴿ادعوا ربكم يخفّف عنا يوما من العذاب﴾ [غافر: ٤٩].
وأما أبو(٢) الهُذيل فإنه يقول : إن العذاب قد يفتر على أهل النار، ويصير بحال لو أراد الله أن يزيد في عذابهم شيئا ما قدر عليه، وكذلك يقول في لذّات أهل الجنة : إنها تصير بحالة، وتبلغ مبلغا لو أراد الله أن يزيد لهم شيئا منها ما قدر عليه. فظاهر الآية، [ يكذّبه، ويرد قوله حين ](٣) قال :﴿ولا يخفّف عنهم من عذابها﴾.
وقوله تعالى :﴿كذلك نجزي كل كفور﴾ لنعمه وجاحد وحدانيته.
١ في الأصل وم: لأنه يقول..
٢ في الأصل وم: على قول أبي..
٣ في الأصل وم: يكذبهم ويرد قولهم حيث..
فاطر 35:37
التخفيف: (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ).
وأما على قول أبي الهذيل فإنه يقول: إن العذاب قد يفتر عن أهل النار، ويصير بحال لو أراد اللَّه أن يزيد في عذابهم شيئًا ما قدر عليه، وكذلك يقول في لذات أهل الجنة: إنها تصير بحال وتبلغ مبلغًا لو أراد اللَّه أن يزيد لهم شيئًا منها ما قدر عليه، فظاهر الآية يكذبهم ويرد قولهم حيث قال: (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا).
وقوله: (كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ): لنعمه وجاحد وحدانيته.
وقوله: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: يصيحون فيها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الاصطراخ: الاستغاثة، أي: يستغيثون، واصطراخهم قولهم: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) يفزعون أولا إلى كبرائهم الذين اتبعوهم في الدنيا، يطلبون منهم دفع ما هم فيه من العذاب والتخفيف عنهم؛ حيث قالوا: (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)، فأجابوا لهم: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ)، وقال في آية أخرى: قوله تعالى: (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا...) الآية، فلما أيسوا وانقطع رجاؤهم بالفرج من عندهم فزعوا عند ذلك إلى خزنة جهنم حيث قالوا: (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ.
قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)، فلما أيسوا منهم وانقطع رجاؤهم، فزعوا إلى مالك يطلبون منه أن يسأل ربه؛ ليقضي عليهم بالموت حيث قال: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)، فلما أيسوا، سألوا ربهم الإخراج عنها؛ ليعملوا غير الذي عملوا حيث قالوا: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، فاحتج عليهم: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) أي: أولم نعمركم فيها من العمر مثل العمر الذي يتعظ به من يتعط، فهلا اتعظتم فيه ما اتعظ من اتعظ فيه، وقد أعمرناكم مثل الذي أعمرنا أُولَئِكَ، أو كلام نحو هذا.
(وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: جاءكم الرسول وأنذركم هذا فقد كذبتموه.
فاطر 35:38
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) أي: الشيب، ومعناه - واللَّه أعلم - أي: قد رأيتم وعاينتم تغير الأحوال في أنفسكم من حال إلى حال: من حال الصغر إلى الكبر من الشباب إلى الشيب، ثم الرد إلى أرذل العمر، فهلا اتعظتم به كما اتعظ أُولَئِكَ، (فَذُوقُوا) ما أنذركم به الرسل (فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على الوعيد والتخويف، أي: هو عالم بالأشياء التي لم يمتحنها بمحن، ولا أمرها بأمور، ولا نهاها بمناه، فالذين امتحنهم بأنواع المحن، وأمرهم بأوامر، ونهى بمناه - أحق أن يكون عالمًا بهم.
والثاني: أنه على علم بما يكون من خلق السماوات وأهل الأرض، خلقهم وبعث إليهم الرسل من التكذيب لهم والرد عليهم، لا عن سهو وجهل بما يكون منهم؛ ليعلم أنه إنما بعث إليهم الرسل لحاجة أنفس المبعوث إليهم ولمنفعة لهم في ذلك، لا لحاجة المرسل والباعث ولمنفعة له؛ لذلك خرج البعث إليهم على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد للرسالة على الحكمة وفي الشاهد على السفه؛ لأن في الشاهد إنما يبعث الرسل إلى من يبعث لحاجة نفسه ولمنفعة له في ذلك، فخرج البعث إليه على علم منه بالتكذيب والرد عليه سفها وباطلا، ومن اللَّه حكمة وحقًّا، واللَّه أعلم.
وقوله: [(إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)].
وكأن ذات الصدور هم البشر، خصهم بعلم ما يكون منهم؛ لأنهم أهل تمييز وبصر وامتحان، فيخرج ذلك مخرج الوعيد لهم والتحذير، وأما غيرهم من الدواب ونحوها فلا محنة عليهم ولا تمييز لهم؛ لذلك خص هَؤُلَاءِ بذلك، وإن كان عالمًا بالكل بذات الصدور وغير ذات الصدور، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ
فاطر 35:39
أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)
وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ... (٣٩)
فإن كان المخاطبون به أصحاب رسول اللَّه وأمته، فيخبر أنه جعلهم خلائف من تقدم منهم من القرون والأمم الماضية بعد ما أهلكوا أو استؤصلوا، وإن كان المخاطبون به بني آدم كلهم فيخبر أنكم خلف من تقدمكم من الجن والملائكة، لأنه ذكر أن الجن كانوا سكان الأرض قبل بني آدم، فجعلوا خلائف الجن.
ثم وجه الحكمة في جعل بعض خلائف بعض وإنشاء قرن بعد فناء آخر، وإفناء آخر بعد إنشاء آخر وجوه:
أحدها: أن يعرفوا أنه إنما أنشأهم لعاقبة تقصد وتتأمل؛ حيث أنشأ قرنًا ثم أفناهم، ثم أنشأ غيرهم، ولو لم يكن في إنشائهم إلا هذا، كان إنشاؤه إياهم للفناء خاصة؛ إذ من بني في الشاهد بناء للنقض والفناء لا لعاقبة تقصد به، كان في بنائه عابثًا سفيها؛ فعلى ذلك إنشاء هَؤُلَاءِ في هذه الدنيا، لو لم يكن لعاقبة كان الإنشاء للفناء، وذلك عبث غير حكمة.
والثاني: أن يعرفوا أن الدنيا ليست هي دار القرار والمقام، إنما هي مجعولة زادًا للآخرة، وبلغة إليها، ومسلكًا لها، ومنزلا ينزل فيها؛ ثم يرتحل كالمنازل المجعولة للنزول فيها في الأسفار والتزود منها ثم الارتحال، لا للمقام فيها؛ فعلى ذلك الدنيا جعلت لما ذكرنا؛ لئلا يطمئنوا إليها ولا يركنوا ويعملون عمل من يريد الارتحال عنها لا عمل المقيم فيها.
والثالث: أن يعرفوا أن الآلام التي جعلت فيها واللذات ليست بدائمة أبدًا، بل على شرف الزوال والتحول؛ لأن في الحياة لذة وفي الموت ألمًا، فلا دامت اللذة ولا الألم؛ لأنه أحيا قرنًا ثم أفناهم ثم أحيا قرنًا آخر وأفناهم، فلا دامت اللذة ولا الآلام، ولكن انقضيا؛ ليعلموا أنهما لا يدومان أبدًا، ولكن يزولان.
والرابع: أن يعتبروا بمن تقدم منهم من القرون: أنه على ماذا يكون الثناء الحسن، ويبقى الأثر والذكر الجميل؟ وبأي عمل ينقطع ويفنى ذلك؛ فمن كان من متبعي الرسل وقادة الخير والتوحيد والطاعة، فبقي له أثر الخير والثناء الحسن والذكر الجميل، ومن كان من أتباع أهل الكفر والشر لم يبق لهم شيء من ذلك؛ ليعملوا بالذي يُبقي لهم الثناء الحسن ويعقب لهم الذكر لا الذي يقطع ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ).
أي: عليه ضرر كفره.
فاطر 35:40
(وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا...) الآية.
أي: لا يزيد كفرهم باللَّه وبرسوله وعبادتهم الأصنام إلا مقتًا وخسارًا؛ لأنهم كانوا يعبدونها رجاء أن تشفع لهم يوم القيامة، ورجاء أن تقرب عبادتهم إلى اللَّه زلفى؛ يقول - واللَّه أعلم -: لا يزيد ذلك لهم إلا مقتًا من ربهم وخسارًا.
أو يكون أعمالهم التي عملوا في هذه الدنيا من صلة الأرحام والقرب التي رجوا منها الربح والنفع في الآخرة لا يزيد ذلك لهم إلا مقتًا وخسارًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)
ظاهر قوله: (أَرُونِي) أمر، لكنه يخرج على وجهين:
أحدهما: على الإعجاز، أي: يعجز ولا يقدر ما تعبدون من دونه خلق السماوات والأرض، ولا إشراكه في خلق السماوات، ولا إنزال كتاب من السماء؛ ليأمرهم بذلك، بل اللَّه هو الخالق لذلك كله وهو القادر عليه، فكيف صرفتم العبادة عنه والألوهية إلى من هو عاجز عن ذلك كله؟!
والثاني: على التنبيه والتعيير لهم والتسفيه لأحلامهم؛ يقول - واللَّه أعلم -: إنكم تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها دون اللَّه وتسمونها: آلهة لم يخلقوا شيئًا مما ذكر، ولا لهم شرك في ذلك ولا لكم كتاب يبيح لكم ذلك ويأذن لكم، وتعلمون أن اللَّه هو الفاعل لذلك كله حيث قال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، ولا لهم كتاب في ذلك؛ لأن الكتاب جهة وصوله إليه الرسول، وأنتم لا تؤمنون بالرسول، فكيف عبدتموها وتركتم عبادة من تعلمون أنه الفاعل لذلك والقادر عليه؟!
وقوله: (مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ).
يحتمل جواهر الأرض نفسها، ويحتمل الخارج منها مما به معاشهم وقوامهم؛ وكذلك قوله: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) يحتمل في جواهرها، ويحتمل ما ينزل عنها مما به معاشهم وأرزاقهم.
وقوله: (فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ) أي: على حجة وبيان منه.
وقوله: (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا).
يحتمل وعدهم الذي ذكر لبعضهم بعضًا ما قالت القادة منهم والرؤساء للأتباع: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، و (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وما لبسوا هم على الأتباع من أمر الكتاب والرسول: هو ساحر كذاب، وأنه مفتر، وأمثال ذلك مما يكثر عدده، فذلك كله منهم تغرير للأتباع.
فاطر 35:41
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)
يحتمل أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)، فإن كان على هذا فيقول: تعلمون أن اللَّه هو رافع السماوات والأرض والممسك لهما والمانع عن أن تزولا عن أمكانهما، لا يقدر أحد على إعادتهما، ولا أمسكهما سواه، فكيف تعبدون من لا يملك ذلك؟!
أو أن يكون ذلك قوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ...) الآية، كادتا أن يتفطرن ويتشققن حين قالوا: لله ولد، وله شريك، فإذا قالوا: اتخذ اللَّه ولدا كادتا أن تزولا من مكانهما، وتسقطا عليهم تعظيمًا؛ لما قالوا في الله سبحانه.
وجائز أن يكون لا على الصلة بشيء مما ذكرنا ولكن على الابتداء، فإن كان على الابتداء فهو يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث رفع السماء وأمسكها في الهواء مع غلظها وشدتها بلا عمد من تحت ولا شيء من فوق، يمنعها عن الانحدار والزوال عن مكانها والإقرار على ذلك والتقرير، وفي الشاهد أن ليس في وسع أحد من الخلائق إمساك الشيء في الهواء ولا إقامته إلا بأحد هذين السببين: إما من تحت، وإما من فوق، وكذلك الأرض حيث دحاها وبسطها على الماء، ومن طبعها التسرب والتسفل في الماء لا القرار عليه؛ حيث لا يحفر مكان منها إلا ويخرج منه الماء؛ فدل تقرير الأرض على الماء وإمساك السماء في الهواء بلا شيء يقرهما ويمنعهما عن التسفل والانحدار - أنه الواحد القادر بذاته لا يعجزه شيء.
وقوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا).
قوله تعالى: (حَلِيمًا): حين لم يرسل السماوات عليهم؛ لعظيم فريتهم على اللَّه والقول فيه بما لا يليق به - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرًا - وحيث لم يعجل بعقوبتهم في الدنيا، (غَفُورًا): رحيمًا حيث ستر عليهم ذلك، ولم يفضحهم في الدنيا، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ
فاطر 35:42
بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)
وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)
هو قسمهم باللَّه، ومعناه - واللَّه أعلم -: أن العرب كانت من عادتهم أنهم كانوا يحلفون بالآباء والطواغيت، لا يحلفون باللَّه إلا فيما عظم أمره، وجل قدره؛ تأكيدا لذلك الأمر؛ لذلك كان قسمهم باللَّه جهد أيمانهم، وقد ذكرنا معنى جهد الأيمان فيما تقدم.
وقوله: (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ) قيل: رسول (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ).
قيه دلالة: أنهم قد وقعت لهم الحاجة، ومستهم الضرورة إلى رسول يبين لهم أمر الدِّين ومصالحهم، وما لهم، وما عليهم، حيث أقسموا وعهدوا أنه لو جاءهم نذير لاتبعوه واقتدوا به، ثم تركهم لذلك العهد؛ لما لم يروه أهلا لذلك؛ لما كان هو دونهم في أمر الدنيا؛ استكبارًا منهم عليه؛ ولذلك قالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وإن تركوا أتباعهم نقضوا عهدهم لما رأوا مذاهب الناس مختلفة، فظنوا أن الاختلاف يرفع من بينهم به، فإن لم يرتفع تركوا اتباعه، أو لمعنى آخر لا نعلمه، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: يعنون: اليهود والنصارى.
وجائز أن يكونوا أرادوا بذلك الأمم جميعًا، لكنهم لم يروا الحق إلا لواحدة منها، فقالوا: (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ)، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا): استكبارًا في الأرض لما ذكرنا.
وقوله: (وَمَكْرَ السَّيِّئِ... (٤٣)
يحتمل مكرهم: ما مكروا هم برسول اللَّه من أنواع المكر حين هموا بقتله وإخراجه؛ كقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ...) الآية.
ويحتمل أيضًا أنه لما خرج ودعا الناس إلى توحيد اللَّه، أقعدوا على الطرق والمراصد ناسًا يقولون لمن قصد رسول اللَّه: إنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه مجنون؛ يصدون الناس بذلك عنه، فذلك كيدهم ومكرهم به، وقد كان منهم برسول اللَّه من أنواع المكر سوى ذلك مما لا يحصى.
وقوله: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).
هو في الدنيا من أنواع العذاب والقتل الذي نزل بهم، ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة، واللَّه أعلم.
فاطر 35:43
الآية ٤٣ وقوله تعالى :﴿فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا﴾ ﴿استكبارا في الأرض﴾ لما ذكرنا. وقوله تعالى :﴿ومكر السّيء﴾ يحتمل مكرهم ما مكروه(١) برسول الله من أنواع المكر حين همّوا بقتله وإخراجه كقوله :﴿وإذ يمكُر بك الذين كفروا ليُثبتوك﴾ الآية [الأنفال: ٣٠].
ويحتمل أيضا ما ذُكر أنه لما خرج، ودعا الناس إلى توحيد الله أقعدوا على الطرق والمراصد ناسا يقولون لمن قصد الرسول : إنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه مجنون، يصدّون الناس بذلك عنه، فذلك كيدهم ومكرهم به. وقد كان منهم برسول الله من أنواع المكر سوى ذلك مما لا يُحصى.
وقوله تعالى :﴿ولا يحيق المكر السّيء إلا بأهله﴾ هو في الدنيا من أنواع العذاب والقتل الذي نزل بهم. ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فهل ينظرون إلا سنّة الأولين﴾ قال بعضهم : ما ينظرون إلا سنّة الأولين : وسنّة الأولين، هي الاستئصال والإهلاك عند العناد والمكابرة. وقال بعضهم : ما ينظرون بإيمانهم إلا سنّة الأولين، وسنّة الأولين الإيمان عند معاينتهم العذاب، وإن كان لا يُقبل، ولا ينفعهم ذلك كقوله :﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾ الآية [غافر: ٨٤].
وقوله تعالى :﴿فلن تجد لسنّة الله تبديلا ولن تجد لسنّة الله تحويلا﴾ هذا يحتمل وجوها :
أحدها :﴿فلن تجد لسنّة الله﴾ وهي الاستئصال عند العناد والمكابرة ﴿تبديلا ولن تجد لسنّة الله تحويلا﴾ وإن اختلفت جهة الإهلاك والاستئصال كقوله :﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ [التوبة: ٣٠] وقوله :﴿تشابهت قلوبهم﴾ [البقرة: ١١٨] لا شك أن نفس القول منهم مختلف في الكفر، وسببه متفرّق.
ثم أخبر أن قول هؤلاء ضاهأ قول أولئك [ وأن قلوبهم تشابهت ](٢) وإن كان سبب ذلك سنّة، لا تحوَّل، ولا تبدَّل، وهي الاستئصال، وإن كانت جهة ذلك وسببه مختلفا.
والثاني :﴿فلن تجد لسنّة الله﴾ التي سنّ فيهم، وحكم ﴿تبديلا ولن تجد لسنّة الله تحويلا﴾ مدفعا ولا مردّا، أي لن يجدوا إلى دفع ما سنّ فيهم، وحكم من العذاب والهلاك /٤٤٣-ب/ [ مدفعا ولا مردّا ](٣) كقوله :﴿ولا يجدون عنها محيصا﴾ [النساء: ١٢١].
والثالث :﴿ولن تجد لسنّة الله﴾ وهي إيمانهم الذي يؤمنون عند معاينتهم العذاب وعند نزوله بهم ﴿تبديلا ولن تجد لسنّة الله تحويلا﴾ أي يؤمنون لا محالة. ولكن لا ينفعهم ذلك في ذلك الوقت.
والرابع : إن كل سنّة سنّ في كل قوم وكل أمة، وإن اختلفت، لن تجد لذلك تحويلا، ولا تبديلا، والله أعلم.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: مكرهم..
٢ في الأصل وم: وتشابهت قلوب بعضهم بعضا..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: ولا ردا..
فاطر 35:44
وقوله: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: ما ينظرون إلا سنته في الأولين، وسنته في الأولين الاستئصال والإهلاك عند العناد والمكابرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما ينظرون بإيمانهم إلا سنة الأولين: الإيمان عند معاينتهم العذاب، وإن كان لا يقبل ولا ينفعهم ذلك؛ كقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ...) الآية.
وقوله: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا).
هذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: (لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ): وهي الاستئصال عند العناد والمكابرة (تَحْوِيلًا) وإن اختلفت جهة الهلاك والاستئصال؛ كقوله: (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)، وقوله: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)، لا شك أن نفس القول منهم مختلف في الكفر وسببه متفرق، ثم أخبر أن قول هَؤُلَاءِ ضاهى قول أُولَئِكَ، وشابهت قلوب بعض بعضا، وإن كان سبب ذلك وجهة الكفر مختلفًا؛ فعلى ذلك سنته لا تحول ولا تبدل وهي الاستئصال، وإن كان جهة ذلك وسببه مختلفًا.
والثاني: (فَلَن تَجدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ) التي سن فيهم وحكم مدفعًا ولا رادّا، أي: لن يجدوا إلى دفع ما سن فيهم وحكم من العذاب والهلاك دافعًا، ولا رادًّا؛ كقوله: (وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا).
والثالث: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ) وهي إيمانهم الذي يؤمنون عند معاينتهم العذاب وعند نزوله بهم (تَحْوِيلًا) و (تَبْدِيلًا)، أي: يؤمنون لا محالة ولكن لا ينفعهم ذلك في ذلك الوقت.
والرابع: أن كل سنة سنها في كل قوم وكل أمة وإن اختلفت، لن تجد لذلك تحويلا ولا تبديلا، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)
هذا يخرج على وجوه:
أحدها: قد. ساروا في الأرض، ونظروا إلى ما حل بأُولَئِكَ بالتكذيب والعناد، لكن لم يتعظوا بهم، ولم ينفعهم ذلك.
والثاني: على الأمر: أن سيروا في الأرض، وانظروا ما الذي نزل بأُولَئِكَ؟ ومم نزل؟ واتعظوا بهم، وامتنعوا عن مثل صنيعهم.
فاطر 35:45
والثالث: أنهم وإن ساروا في الأرض ونظروا في آثارهم لم ينفعهم ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً).
أي: أنهم كانوا أكثر عددًا وأشد قوة وبطشا منكم، ثم لم يكن لهم دفع ما نزل بهم وحل، فأنتم يا أهل مكة مع قلة عددكم وضعفكم لا تقدرون على دفع ذلك عن أنفسكم.
وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ).
الإعجاز في الشاهد يكون بوجهين:
أحدهما: الامتناع؛ يقول: لا يقدر أحد أن يمتنع عنه ومن عذابه.
والثاني: القهر والغلبة؛ يقول: لا يسبق منه بالقهر والغلبة، بل هو القاهر والغالب على خلقه (إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا).
وقوله: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا... (٤٥) من المعاصي والمساوي، (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ)، أي: على ظهر الأرض، ووجهه: اكتفاء بما سبق من ذكر الأرض، وهو قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ).
أو علم الناس وفهموا من ذكر الظهر: ظهر الأرض؛ لما على ظهر الأرض يكتسب ما يكتسب.
ثم قوله: (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: المراد بالدابة: الممتحنون المميزون وهم بنو آدم خاصة؛ لأنهم أهل اكتساب واجتراح؛ إذ قد ذكر الإهلاك بما يكتسبون، وهم أهل الاكتساب دون غيرهم من الدواب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كل دابة من البشر وغيره؛ لأن غيره من الدواب إنما أنشئت للبشر ولحوائجهم لا لحاجة أنفسها أو لمنفعة لها حيث قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، وقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، فإذا كان غيرهم من الأشباء منشأة لهم، فإذا أهلكوا هم أهلك ما كان منشأ لحوائجهم ولمنافعهم، ولا يكون إهلاك ما ذكرنا من الدواب خروجًا عن الحكمة على ما يقول الثنوية؛ إذ ليس من فعل الحكيم الأمر بذبح أسلم الدواب والانتفاع بلحمها.
قيل: هكذا إذا كانت تلك منشأة لأنفسها ولمنافعها، فأما إذا كان ما ذكرنا أنها منشأة لنا ولمنافعنا فجائز الانتفاع بها مرة بعينها ومرة بلحمها، ولا يكون فعل ذلك ولا الأمر به غير حكمة.
ثم الفرق بين إباحة الانتفاع بلحم أسلم الدواب وحظر لحم الضارة منها والمضرة؛ لأنه جعل حفظ ما ليس بضار ولا مضر إلينا، وعلينا جعل مؤنتها والذب عنها ودفع المضر، فأما الضارة منها والمضرة فهي ممتنعة بنفسها متحملة مؤنتها؛ كذلك كان ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى).
أي: لم يؤاخذهم بما كسبوا على ظهرها لما جعل لهم من المدة؛ أحب أن ينقضي ذلك، ويفي به؛ جعل لهم من المدة وما ضرب لهم من الوقت.
(فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا).
أي: عن بصيرة وعلم بكسبهم وصنيعهم، وما يكون منهم ضرب لهم المدة والوقت الذي ينتهون إليه، ويبلغون آجالهم، لا عن جهل، بل لم يزل عالمًا بما يكون منهم، لكن لما كان ضرر ذلك الذي علم أنه يكون منهم راجعًا إليهم أنشأهم وجعل لهم المدة، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، واللَّه أعلم.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: أساور: جمع سوار، وهو الذي تجعله المرأة في معصمها، والنصب: الشدة والتعب، واللغوب: الإعياء، لغبت بنفسي ألغب لغوبا، فأنا لاغب، وألغبت غيري، أي: كلفته حتى أعياه؛ وهو قول أبي عَوْسَجَةَ، والاصطراخ، صياح الضجر، والمقت: البغض.
* * *
يس 36:1
سُورَةُ يس
كلها نزلت بمكة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)
عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يا إنسان، يعني: يا مُحَمَّد أقسم به: يا مُحَمَّد، إن هذا القرآن من عند اللَّه نزل، وهو بلسان الحبشة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: وهو بلسان طيئ.
وقتادة يقول: قسم، أقسم بالقرآن: إنك لمن المرسلين، ويقول: كل هجاء في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من فواتح السورة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: فواتح يفتتح بها كلامه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: اسم من أسماء الرب.
وعن معاذ بن جبل وكعب - رضي اللَّه عنهما - قالا: (يس) قسم أقسم اللَّه به يا مُحَمَّد، (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) دل أن الخطاب به على أثر قوله: (يس)
يس 36:3
على أنه هو المراد بقوله: (يس)؛ إذ لا يستقيم الخطاب بقوله: (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) إلا على سبق خطاب له وذكر اسمه.
وقال عكرمة: هو حرف من الهجاء الذي افتتح به السور كسائر حروف الهجاء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من حروف الهجاء التي أقسم اللَّه بها، بما يتلو تلك الحروف من القرآن والآيات والكتاب؛ إذ من عادة العرب القسم بكل ما عظم خطره وجل قدره.
فَإِنْ قِيلَ: كيف أقسم بالقرآن وهم كانوا ينكرون القرآن أنه من عند اللَّه؟!
قيل: إنهم وإن كانوا ينكرونه، فقد عظم قدره وجل خطره عندهم بما عجزوا عن إتمِان مثله بعد قرع أسماعهم بقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ...) الآية، ونحوه.
والثاني: أقسم به وإن كانوا ينكرونه؛ لما أن قسمه به يحملهم على السؤال عنه؛ إذ كانوا لا يقسمون إلا بما عظم قدره وجل خطره، يقولون: ما هذا القرآن الذي أقسم ربنا به؛ ألا ترى أنه قال: (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)، فكأنه على سؤال خرج على هذا أنه (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)، وأن يكون القسم به وبغيره من الأشياء التي عظم خطرها عندهم، على إضمار القسم برب هذه الأشياء وبإلاهها؛ هذا على قول من يقول بأن القسم باللَّه حقيقة لا بتلك الأشياء - مستقيم، وعلى قول من يجعل القسم بها لا على الإضمار هو ما ذكرنا.
وقوله: (الْحَكِيمِ).
أي: الْمُحْكَم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على ما وصف.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المحكم بالحلال والحرام، والوعد والوعيد، من غير أن يكون فيه اختلاف.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحكيم؛ لأن من تمسك به وعمل بما فيه يصير حكيمًا.
وقوله: (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)
ولم يقل: إنك لرسول اللَّه، وكلاهما سواء، غير أن قوله: (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) الذين آمنوا بهم من قبل وصدقوا بهم ففيه زيادة، ليس ذلك في قوله: (إنك لرسول)، والله أعلم.
وقوله: (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)
قَالَ بَعْضُهُمْ: المستقيم: القائم بالحجج والبراهين، ليس بالهوى كسائر الأديان والسبل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المستقيم: المستوي، أي: مستوٍ؛ على أن من يسلكه أفضاه - أي:
يس 36:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿على صراط مستقيم﴾ قال بعضهم : المستقيم القائم بالحجج والبراهين، ليس بالهوى كسائر الأديان والسُّبل. وقال بعضهم : المستقيم : المستوي، أي مستوٍ على [ معنى ](١) : أن من سلكه أفضاه إلى الله، وبلّغه إلى دار السلام. وقال بعضهم : المستقيم أي استقام بالحق والعدل والصدق، لا زيغ فيه، ولا جور، ولا عدول، ولا اعوجاج.
ويحتمل أن يكون ذلك وصف النبوّة والرسالة التي تقدّم ذكرها، ويحتمل وصف الدين، وذلك [ قول عامة ](٢) أهل التأويل، والله أعلم.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: عامة قول..
يس 36:5
اللَّه - وبلغه إلى دار السلام.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المستقيم، أي: استقام بالحق والعدل والصدق، لا زيغ فيه، ولا جور، ولا عدول، ولا اعوجاج.
ويحتمل أن يكون ذلك وصف النبوة والرسالة التي تقدم ذكرها.
ويحتمل وصف الدِّين، وذلك عامة قول أهل التأويل، واللَّه أعلم.
وقوله: (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)
أي: ذلك القرآن الذي أقسم به (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)، أي: من عنده نزل وأحكم، سمى نفسه: عزيزًا رحيمًا عظيمًا لطيفًا ظاهرًا باطنًا أولا آخرًا، وفي الشاهد من وصف بالعز لا يوصف بالرحمة، ومن وصف بالعظم لا يوصف باللطافة، ومن وصف بالظاهر لا يوصف بأنه باطن، ومن وصف بالأول لا يوصف بالآخر؛ ليعلم أن المعنى الذي وصف به الخلق غير الذي وصف به الرب - تبارك وتعالى - لأن من وصف من الخلق بواحد مما ذكرنا لم يستحق الوصف بالآخر، فدل، أن ما وصف به الرب - تبارك وتعالى - غير ما يوصف به الخلق، تعالى اللَّه علوا كبيرًا.
وقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا) مثل الذي أنذر آباؤهم من الآيات التي أقامها، فلم يقبلوها (فَهُمْ غَافِلُونَ) أميون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ)، أي: لتنذر قومًا أميين لم ينذر آباؤهم، يقول قائل: لم تكن النذارة للأميين من قبل، كأنه يقول: لتنذر قومًا أميين لم ينذر آباؤهم الأميون من قبل؛ وكذلك قال: (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ)؛ وهو كقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ)، وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ)، أي: لم نرسل إليهم قبلك نذيرًا، وأصله: أنه يخبر أنه لا ينجع في هَؤُلَاءِ النذارة كما لم ينجع في آبائهم، بل هم غافلون.
ثم الإنذار يحتمل أن يكون بالنار في الآخرة والتعذيب بها، ويحتمل الآيات التي أقامها في الدنيا والقتل فيها، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)
قيل: هو قوله لإبليس حيث قال: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)، و (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، أي: حق ذلك القول ووجب.
ثم يحتمل ذلك في الذي ذكره بعض أهل التأويل: أن نفرًا هموا برسول اللَّه قتله وأذاه،
يس 36:6
الآية ٦ وقوله تعالى :﴿لتُنذر قوما ما أُنذر آباؤهم﴾ اختلف فيه :
قال بعضهم : لتنذر قوما مثل الذي أنذر آباؤهم من الآيات التي أقامها، فلم يقبلوها ﴿فهم غافلون﴾ أميّون.
وقال بعضهم :﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم﴾ أي لتنذر قوما أمّيّين، لم يُنذر آباؤهم. يقول قائل : لم تكن النذارة للأمّيين من قبل، كأنه يقول : لتُنذر قوما أمّيّين، لم يُنذر آباؤهم الأمّيّون من قبل. كذلك قال :﴿لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم﴾ [فاطر: ٤٢] وهو كقوله :﴿لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك﴾ [القصص: ٤٦] وقوله :﴿وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير﴾ [سبأ: ٤٤] أي لم نرسل إليهم قبلك نذيرا.
وأصله أنه يخبر أنه لا تنجع في هؤلاء النذارة كما لم تنجع في آبائهم. بل هم غافلون.
ثم الإنذار يحتمل أن يكون بالنار في الآخرة والتعذيب بها، ويحتمل بالآيات التي أقامها في الدنيا والقتل فيها، والله أعلم.
يس 36:7
الآية ٧ وقوله تعالى :﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾ قيل : هو قوله لإبليس حين قال :﴿لأملأن جهنم منك وممّن اتبعك منهم أجمعين﴾ [ص: ٨٥] وقال(١) :﴿لأملأن جهنم من الجِنّة والناس أجمعين﴾ [هود: ١١٩] أي حق ذلك القول، ووجب.
ثم يحتمل ذلك في الذين ذكرهم(٢) بعض أهل التأويل أن نفرا همّوا برسول الله : قتله وأذاه، فأهلكهم الله اليوم كذا إلا واحدا أو اثنين.
ويحتمل أن يكون ذلك في جميع مكذّبيه ورادّي رسالته، وناس أتباعه، ولا شك أن أكثر من بعث هو إليهم كانوا كذلك لهم في الآخرة، أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا. ألا ترى أنه قال على إثر ذلك ﴿وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ ؟ [ الآية : ١٠ ].
ثم في قوله :﴿لأملأن جهنم﴾ [ ص : ٨٥ وهود : ١١٩ ] وقوله :﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾ [ الآية : ٧ ] نقض على المعتزلة ورد عليهم لأنه وعد عز وجل أنه يملأ جهنم بمن ذكر، فيقال لهم : أ أراد أن يفي بما وعد أم لا ؟ فإن قالوا : لم يرد، فيقال : أراد إذن أن يُخلف ما وعد، وذلك وحش من القول وسرف. وإن قالوا : أراد أن يفي بما وعد لزمهم أن يقولوا : أراد أفعالهم التي فعلوا، فيلزمهم قولنا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: ذكره..
يس 36:8
فأهلكهم اللَّه يوم كذا إلا واحدا أو اثنين.
ويحتمل أن يكون ذلك في جميع مكذبيه ورادِّي رسالته ويتأسى أتباعه، ولا شك أن أكثر من بعث هو إليهم كانوا كذلك لهم في الآخرة أو في قوم خاص علم اللَّه أنهم لا يؤمنون أبدا؛ ألا ترى أنه قال على أثر ذلك: (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).
ثم في قوله. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ)، وقوله: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) نقض قول المعتزلة ورده عليهم؛ لأنه وعد - عَزَّ وَجَلَّ - أنه يملأ جهنم بمن ذكر، فيقال لهم: أراد أن يفي بما وعد أم لا؛ فإن قالوا: لم يرد، فيقال: أراد، إذن أن يخلف ما وعد وذلك [وخش من القول سرف].
وإن قالوا: أراد أن يفي بما وعد، لزمهم أن يقولوا: أراد أفعالهم التي فعلوا فيلزمهم قولنا، وباللَّه العصمة.
وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)
يحتمل أن يخرج على التمثيل، ويحتمل على التحقيق: فإن كان على التمثيل، فهو وصفه إياهم بالبخل، والكف عن الإنفاق على الفقراء والمساكين وأهل الحاجة من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو كقوله: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ)، نهاه عن البخل والكف عن الإنفاق كمغلول اليد لا يقدر على الإنفاق، ليس على إرادة غل اليد حقيقة ولكن على ترك الإنفاق؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذلك وصفًا لهم بالبخل وترك الإنفاق عليهم.
وإن كان على حقيقة الغل والأعناق، يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن أبا جهل - لعنه اللَّه - حلف لئن رأى محمدًا ليدمغنه، فأتاه أبو جهل وهو يصلي ومعه حجر، فرفع الحجر؛ ليدفع له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيبست يده إلى عنقه وألزق الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه قال رجل: أنا أقتله، فأخذ الحجر، فلما دنا منه طمس اللَّه بصره، فلم ير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه؛ فذلك قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا... (٩)
ويحتمل أن يكون ذلك لهم في الآخرة إن كان على التحقيق؛ وهو كقوله: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ)، وقوله: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، ونحو ذلك مما ذكر؛ فيكون قوله: (جَعَلْنَا)، أي: سنجعل ذلك لهم، وذلك جائز في الكلام؛ كقوله لعيسى حيث قال: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ)، أي: يقول له يوم القيامة، فهو بعيد غير معقول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من قوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا)، (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا...) إلى آخر ما ذكر في الآخرة، أي: سنجعل لهم في الآخرة ذلك.
ويحتمل أن يكون فعل ذلك لهم في الدنيا من قصدهم برسول اللَّه ما قصدوا، حتى لم يجدوا السبيل إليه لا من بين يديه ولا من خلفه ولا من جهة من الجهات.
أو أن يكون قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) على التمثيل، أي: جعلنا بينهم وبين الحق سدًّا من أمام ومن خلف، فأغشينا أبصارهم فلا يبصرون الحق أبدًا، وذلك في القرآن كثير، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا).
إن الغل يكون طرفه في العنق، وطرفه الآخر في اليد؛ فتكون اليد اليمنى مغلولة إلى العنق، وعلى ذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: (إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا)، وفي بعض الحروف: (في أيديهم أغلالا).
وقوله: (فَهُمْ مُقْمَحُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: رافعو رءوسهم إلى السماء؛ لأنه كذلك يكون إذا غل عنق المرء إلى الذقن لا يستطيع أن ينظر في الأرض، وكذلك قيل للإبل إذا شربت الماء: أقمحت، أي: رفعت رأسها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإقماح: هو غض البصر.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: المقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره، ويقال: غاض طرفه بعد رفع رأسه، جمعت أيديهم إلى أعناقهم.
وقوله: (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ).
قد قرئ بالرفع والنصب والخفض جميعًا: فمن قرأها بالرفع فهو على الابتداء، ومن قرأها بالخفض فهو على النعت؛ كقوله: (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)، ومن قرأ بالنصب فعلى القطع؛ لأن الكلام قد تم دونه.
وقوله: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ).
بالغين والعين جميعًا: فمن قرأ بالغين فهو من الغشاوة، ومن قرأ بالعين فهو من قوله:
يس 36:9
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مُقمَحون﴾ يحتمل أن يخرّج على التمثيل، ويُحتمل على التحقيق.
فإن كان على التمثيل فهو وصفه إياهم بالبخل والكف عن الإنفاق على الفقراء والمساكين وأهل الحاجة من أصحاب رسول الله ﷺ وهو كقوله :﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عُنقك﴾ [الإسراء: ٢٩] نهاه عن البخل والكف عن الإنفاق كمغلول اليد، لا يقدر على الإنفاق، ليس على إرادة غلّ اليد حقيقة، ولكن على ترك الإنفاق. فعلى ذلك جائز أن يكون ذلك وصفا لهم بالبخل وترك الإنفاق عليهم.
وإن كان على حقيقة الغُلّ { في الأعناق[ (١) فيحتمل ما قاله أهل التأويل : إن أبا جهل، لعنه الله، حلف لئن رأى محمدا ليدمغنّه، فأتاه أبو جهل، وهو(٢) يصلي، ومعه حجر، ليدفع به النبي ﷺ، فيبست يده إلى عنقه، والتزق الحجر بيده. فلما رجع إلى أصحابه، قال رجل : أنا أقلته، فأخذ الحجر، فلما دنا منه، طمس الله بصره، فلم ير النبي ﷺ وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه، فلم يُبصرهم حتى نادوه.
الآية ٩ فذلك قوله :﴿وجعلنا من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدّا﴾ ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة إن كان على التحقيق، وهو كقوله :﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يُسحبون﴾ ﴿في الحميم ثم في النار يُسجَرون﴾ [ غافر : ٧١ و٧٢ ] وقوله :﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلال﴾ [الزمر: ١٦] ونحو ذلك مما ذكر.
فيكون قوله :﴿وجعلنا﴾ سنجعل، وذلك(١) جائز في الكلام كقوله لعيسى حين(٢) قال :﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين﴾ [المائدة: ١١٦] أي يقول له يوم القيامة، فهو بعيد غير مقول.
فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من قوله :﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا﴾ ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدّا﴾ [ الآيتان : ٨ و٩ ] إلى آخر ما ذكر في الآية(٣)، أي سنجعل لهم في الآخرة ذلك، ويحتمل أن يكون على(٤) ذلك لهم في الدنيا(٥) من قصدهم برسول الله ما قصدوا حتى لم يجدوا السبيل إليه لا من بين يديه ولا من خلفه ولا من جهة من الجهات.
[ ويحتمل ](٦) أن يكون قوله :﴿وجعلنا من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ على التمثيل، أي جعلنا بينهم وبين الحق من أمام ومن خلف، فأغشينا أبصارهم، فلا يبصرون الحق أبدا. وذلك في القرآن كثير، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان﴾ إن الغُلّ يكون طرفه في العُنق، وطرفه الآخر في اليد، فتكون اليد اليمنى مغلولة إلى العنق. وعلى ذلك ذُكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ إنا جعلنا في أيمانهم(٧) أغلالا. وفي بعض الحروف : في أيديهم(٨) أغلالا.
وقوله تعالى :﴿فهم مُقمحَون﴾ قال بعضهم : رافعو رؤوسهم إلى السماء، لأنه كذلك يكون إذا غُلّ عنق المرء إلى الذقن لا يستطيع أن ينظر في الأرض. ولذلك قيل للإبل إذا شربت الماء اقحمت، أي رفعت رأسها.
وقال بعضهم : الإقماح، هو غض البصر.
وقال أبو عوسجة والقتبيّ : المُقمَح الذي يرفع رأسه، ويغضّ بصره، ويقال : غاض طرفه بعد رفع رأسه، ﴿فهم مقمحون﴾ جُمعت أيديهم إلى أعناقهم.
وقوله تعالى :﴿تنزيل العزيز الرحيم﴾ قد قرئ(٩) بالرفع والنصب والخفض جميعا [ فمن قرأها بالرفع فهو على الابتداء ](١٠) ومن قرأها بالخفض فهو على النّعت كقوله :﴿والقرآن الحكيم﴾ تنزيل العزيز الرحيم. ومن قرأ بالنصب فعلى القطع، لأن الكلام قد تمّ دونه.
١ في الأصل وم: والأعناق..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
وقوله تعالى :﴿فأغشيناهم﴾ بالغين والعين جميعا(١١). فمن قرأ بالغين فهو من الغشاوة. ومن قرأ بالعين فهو من قوله :﴿ومن يعشُ عن ذكر الرحمان﴾ [الزخرف: ٣٦] وهو من الإعراض.
وفي قوله :﴿وجعلنا من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدّا﴾ وجهان من الاستدلال على المعتزلة :/٤٤٤-ب/
[ أحدهما ](١٢) : لقوله :﴿فأغشيناهم﴾ أضاف إلى نفسه، وإن كان منهم صنع.
[ والثاني ](١٣) يجوز أن يُستدل بخلق أفعالهم منهم.
١١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/١٩٨..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ في الأصل وم: و..
يس 36:10
الآية ١٠ [ وقوله تعالى :﴿وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ ](١).
١ ساقطة من الأصل وم..
يس 36:11
(وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ)، وهو من الإعراض.
وفي قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) وجهان من الاستدلال على المعتزلة لقوله: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) أضاف إلى نفسه وإن كان منهم صنع، ويجوز أن يستدل بخلق أفعالهم منهم.
وقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)
ومن لم يتبع، (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ): ومن لم يخش.
أو إنما ينتفع بالذكر من أتبع الذكر وخشي الرحمن، فأما من لم يتبع الذكر ولم يخش الرحمن فلا ينتفع.
أو أن يكون فيه إخبار بإنذاره من اتبع الذكر، وليس فيه نفي عن إنذار من لم يتبع الذكر ولا تخصيص منه بالإنذار أحد الفريقين دون الآخر، واللَّه أعلم.
والذكر يحتمل القرآن، ويحتمل غيره من الذكرى؛ كقوله: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).
وقوله: (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ).
بالغيب: بالآثار والأخبار التي انتهت إليهم من غير مشاهدة وقعت لهم، أو بالغيب بما رأوه من آثار سلطانه وقدرته هابوه وخشوا عذابه ونقمته، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ).
يحتمل البشارة بالمغفرة عما سلف من الذنوب والإجرام إذا رجعوا عنها، أو عن تقصير كان منهم في الفعل في خلال ذلك، وإن اعتقدوا في الجملة ألا يخالفوا ربهم قي فعل ولا في قول؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه ترك مخالفة الرب في كل الأحوال، وإن تخلل في بعض أحواله تقصيرًا ومخالفة الرب بغلبة شهوة أو طمع في عفوه ورحمته.
(وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) قيل: حسن، ويحتمل تسميته: كريمًا؛ لما يكرم كل من نال ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)
كأنه - واللَّه أعلم - يذكر هذا ليس في موضع الاحتجاج عليهم، ولكن على الإخبار أنه هو محييهم إذا ماتوا.
وقوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
قال عامة أهل التأويل: نكتب ما قدموا وآثارهم وما أسلفوا في حياتهم وعملوه، ونكتب أيضًا آثارهم وهو ما سنوا من سنة من خير أو شر فاقْتُدي بهم من بعد موتهم، على ما ذكر في الخبر: " إن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة، فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء "؛ وهو كقوله أيضًا: (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَآثَارَهُمْ) أي: خطاهم التي خطوها في الخير والشر.
وقال قتادة: لو كان اللَّه مغفلا شيئًا من شأنك يا ابن آدم، أغفل ما تعفى الرياح من هذه الآثار، وروي على هذا عن ابن عَبَّاسٍ وأبي سعيد الخدري - رضي اللَّه عنهما - قالا: " إن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا قريبًا من المسجد، فنزل: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن آثاركم تكتب "؛ فلم ينتقلوا، فإن ثبت هذا فهو دليل لمن يقول بالآثار: الخُطَا.
وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ).
أي: كل شيء من أعمالهم من خير أو شر محصى محفوظ (فِي إِمَامٍ مُبِينٍ).
يحتمل قوله: (فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)، أي: في الكتاب الذي تكتب فيه، أعمالهم في الدنيا؛ كقوله: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)، أي: بكتابهم الذي كتبت أعمالهم فيه؛ ألا ترى أنه قال: [(فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ...)] الآية.
ويحتمل (فِي إِمَامٍ مُبِينٍ): في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)
يس 36:12
الآية ١٢ وقوله تعالى :﴿إنا نحن نحي الموتى﴾ كأنه، والله أعلم، يذكر هذا ليس في موضع الاحتجاج عليهم، ولكن على أنه هو محييهم إذا ماتوا.
وقوله تعالى :﴿ونكتب ما قدّموا وآثارهم﴾ قال عامة أهل التأويل :﴿ونكتب ما قدّموا﴾ [ من خير أو ](١) شر في حياتهم عملوه(٢) [ وآثارهم ] ونكتب أيضا آثارهم، وهو ما سنّوا من سُنّة خير أو شر، فاقتُدي بهم بعد موتهم على ما ذُكر في الخبر : أن ( من سنّ سُنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن يُنقص من أجورهم شيء. ومن سنّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) [ مسلم : ١٠١٧ ] وهو كقوله أيضا :﴿يُنبّأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر﴾ [القيامة: ١٣].
وقال بعضهم :﴿وآثارهم﴾ أي خُطاهم التي خطوها في الخير والشر. وقال قتادة : لو كان الله مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم لأغفل ما تُعفي الرياح من هذه الآثار. .
وروي على هذا عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري رضي الله عنه [ أنهما ](٣) قالا :( إن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا قريبا من المسجد، فنزل ﴿ونكتب ما قدّموا وآثارهم﴾ فقال النبي ﷺ : إن آثارهم تكتب، فلم تنتقلون ؟ ) [ الترمذي ٣٢٢٦ ] فإن ثبت هذا فهو دليل لمن يقول الآثار بالخُطا.
وقوله تعالى :﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ أي كل [ شيء ](٤) من أعمالهم من خير وشر مُحصى محفوظ ﴿في إمام مبين﴾ يحتمل :﴿في إمام مبين﴾ أي في الكتاب الذي نكتب [ فيه ](٥) أعمالهم في الدنيا كقوله :﴿يوم ندعوا كل أناس بإمامهم﴾ [الإسراء: ٧١] أي بكتابهم الذي كتبت أعمالهم فيه.
ألا ترى أنه قال :﴿فمن أوتي كتابه بيمينه﴾ ؟ الآية [الإسراء: ٧١] ويحتمل ﴿في إمام مبين﴾ في أمّ الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، والله أعلم.
١ في الأصل: وم: و..
٢ في الأصل وم: وعملوه..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ ساقطة من الأصل وم..
يس 36:13
قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)
وقوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)
يحتمل الأمر لرسوله بضرب مثل أصحاب القرية لقومه وجهين:
أحدهما: أن الخبر قد كان بلغ هَؤُلَاءِ، أعني: خبر أصحاب القرية التي بعث إليهم الرسل، وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل وسوء معاملتهم إياهم، إلا أنهم قد نسوا ذلك وغفلوا عنه، فأمرهم بالتذكير لهم والتبيين؛ ليحذروا عن مثل صنيعهم وسوء معاملتهم رسولهم.
والثاني: يحتمل أن لم يكن بلغهم خبر أُولَئِكَ وما نزل بهم بسوء معاملتهم الرسول، فأمره أن يعلم قومه ذلك ويبين لهم، فيسألون عن ذلك أهل الكتاب، فيخبرونهم بما كان في كتبهم؛ فيعرفون صدق رسول اللَّه فيما يخبرهم، فيكونون على حذر عن مثل صنيعهم ومعاملتهم الرسل؛ وعلى ذلك تخرج هذه الأنباء والقصص المذكورة في الكتاب على هذين الوجهين، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) أي: قوينا بثالث، اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن عيسى ابن مريم كان بعث إليهم أولا رسولا فأتاهم، فدعاهم إلى التوحيد، وأقام على ذلك حججًا وبراهين، فكذبوه وقالوا: ما نعرف ما تقول، ثم بعث من بعده رسولين فقال لهما ذلك الرسول: إنهم سيكذبونكما كما كذبوني قبلكما وسيقولون لكما إذا دعوتماهم إلى التوحيد: ماذا تحسنان؛ فإذا قلتما: نبرئ الأكمه والأبرص، قالوا: فينا من يحسن ذلك، فإن قلتما: نشفي المريض، قالوا: فينا من يحسن ذلك ونحوه، ولكن قولا أنتما: نحيي الموتى، وأنا أقول لهم: إني لا أحسن أنا؛ فهو قوله: (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) أي: قوينا وشددنا بثالث، ففعلوا ذلك فقالوا عند ذلك: قد تواشيتم علينا بهذا الكلام، أو تواطأتم، أو كلام نحوه، فأخذوا وعذبوا وأهلكوا؛ وهو قول ابن عباس، رضي، اللَّه عنه.
ومنهم من يقول: بعث أولا رسولان فكذبوهما، فبعث ثالث بعد ذلك (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ)، أي: عززنا الرسولين بثالث، أي: قويناهما.
يس 36:14
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذّبوهما فعزّزنا بثالث﴾ اختُلف فيه :
قال بعضهم : إن عيسى ابن مريم كان بعث إليهم أولا رسولا، ودعاهم إلى التوحيد، وأقام على ذلك حججا وبراهين، فكذّبوه، وقالوا : ما نعرف ما تقول.
ثم بعث من بعده رسولين، فقال لهما ذلك الرسول : إنهم سيكذّبونكما كما كذّبوني قبلكما، وسيقولان لكما : إذا دعوتماهم إلى الوحيد، ماذا تحسنان ؟
فإن قلتما : نبرئ الأكمه والبرص، قالوا : فينا من يحسن ذلك. فإن قلتما : نشفي المريض، قالوا : فينا من يحسن ذلك ونحوه. ولكن قولا أنتما :[ نحن ](١) نحيي الموتى، وأنا أقول لهم : إني [ لأُحسِن ذلك، وهو ](٢) قوله :﴿فعزّزنا بثالث﴾ أي قوَّينا، وشدّدنا بثالث. ففعلوا ذلك. فقالوا عند ذلك : قد تواسيتم علينا بهذا الكلام، تواطأتم، أو كلاما نحوه. فأُخذوا، وعُذّبوا، وأُهلكوا، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه.
ومنهم من يقول : بعث أولا رسولين(٣)، فكذّبوهما، فبعث بثالث بعد ذلك ﴿فعزّزنا بثالث﴾ أي عزّزنا الرسولين بثالث، أي قوّيناهما.
وقرأ بعضهم : عززنا بالتخفيف(٤)، أي غلبنا. لكن ذُكر أنهم قُتلوا جميعا، وأهلكوا، أعني الرسل، فكيف يكون الغالب مقتولا مُهلَكا ؟ ويجوز أن يكون المقتول مقوّيا ؟ دل أن قراءة من يقرأ بالتخفيف [ ضعيفة، والأولى ](٥) أقوى وأقرب، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: لا أحسن أنا فهو..
٣ في الأصل وم: رسولا..
٤ انظر معجم القراءات القرآنية ح٥/١٩٩..
٥ في الأصل وم: ضعيف والأول..
يس 36:15
وقرأ بعضهم: (عَزَزْنا) بالتخفيف، أي: غلبنا.
لكن ذكر أنهم قتلوا جميعًا وأهلكوا - أعني: الرسل - فكيف يكون الغالب مقتولا مهلكًا؟!
ويجوز أن يكون المقتول مقويا؛ دل أن قراءة من يقرأ بالتخفيف ضعيف والأول أقوى وأقرب، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)
وكذلك قول أهل مكة لرسول اللَّه: إنه ساحر وإنه مجنون وإنه مفتر مختلق، وقولهم: (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ).
وقوله: (رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)
لما أيسوا من إيمانهم وتصديقهم إياهم، فزعوا إلى اللَّه، وتضرعوا إليه.
أو أن يقولوا بأن اللَّه أعلم بما أطلعكم بأنا إليكم لمرسلون بالحجج والآيات.
وقوله: (وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)
أي: ليس علينا من ترك إجابتكم لنا ورد الرسالة شيء، إنما ذلك عليكم.
وقوله: (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)
دل هذا القول منهم على أنه قد نزل شيء من العذاب والشدة حتى تشاءموا بهم ذلك ولم يزل عادة الكفرة التطير بالرسل عند نزول البلاء بهم؛ كقوله: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ)، وقوله: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ...) الآية.
وقوله: (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)
يقول - واللَّه أعلم -: شؤمكم معكم حيثما كنتم ما دمتم على ما أنتم عليه من العناد والتكذيب، ويذكر أهل التأويل: أن القرية كانت أنطاكية وأن الذي بعث هَؤُلَاءِ الرسل إليهم عيسى - صلوات اللَّه عليهم أجمعين - ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله: (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: تشاؤمكم معكم أين كنتم وحيثما كنتم، ما دمتم على ما أنتم عليه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: طائركم معكم إذ ذكرتم فلم تقبلوا التذكير ونحوه.
يس 36:16
الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمُرسَلون﴾ لما أيسوا من إيمانهم وتصديقهم إياهم فزعوا إلى الله، وتضرّعوا إليه [ وقالوا : إن ](١) الله أعلم بما نطلعكم(٢) بأنا إليكم مرسلون بالحجج والآيات.
١ في الأصل وم: أو أن يقولوا..
٢ في الأصل وم: أطلعكم..
يس 36:17
الآية ١٧ وقوله تعالى :﴿وما علينا إلا البلاغ المبين﴾ أي ليس علينا من ترك إجابتكم لنا وردّ الرسالة شيء، إنما ذلك عليكم.
يس 36:18
الآية ١٨ وقوله تعالى :﴿قالوا إنا تطيّرنا بكم﴾ دل هذا القول منهم على أنه قد نزل شيء من العذاب والشدة حتى تشاءموا بهم. ذلك، ولم تزل عادة الكفرة التّطيُّر بالرسل عند نزول البلاء بهم كقوله :﴿قالوا اطّيّرنا بك وبمن معك﴾ [النمل: ٤٧]. وقوله :﴿فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه﴾ الآية [الأعراف: ١٣١].
يس 36:19
الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿قالوا طائرُكم معكم﴾ يقول، والله أعلم : شؤمكم معكم حيث كنتم ما دمتم على ما أنتم عليه من العناد والتكذيب.
ويذكر أهل التأويل أن القرية كانت أنطاكية، وأن الذي بعث هؤلاء الرسل عيسى، صلوات الله عليهم أجمعين، ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله تعالى :﴿قالوا طائركم معكم أئن ذُكّرتم بل أنتم قوم مسرفون﴾ قال بعضهم : تشاؤمكم معكم أين كنتم ؟ وحيثما كنتم ما دمتم على ما أنتم عليه. وقال بعضهم :﴿قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم﴾ فلم تقبلوا التذكير، ونحوه.
ويحتمل وجها آخر [ وهو ](١) أن الذي أصابكم كان مكتوبا في أعناقكم أإن وُعظتم بالله /٤٤٥-أ/ تطيّرتم بنا ؟ ﴿بل أنتم قوم مسرفون﴾.
١ ساقطة من الأصل وم..
يس 36:20
ويحتمل وجهًا آخر: أن الذي أصابكم كان مكتوبًا في أعناقكم، أئن وعظتم بالله تطيرتم بنا (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ).
* * *
قوله تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)
وقوله: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ).
قال عامة أهل التأويل: إن هذا الرجل يسمى: حبيب النجار، وهو من بني إسرائيل، كان في غار يعبد اللَّه، فلما سمع بالرسل، نزل وجاء، فقال ذلك ما قال، لكن لا ندري من كان؟ وليس لنا إلى معرفة اسمه حاجة.
ثم يحتمل قوله: (مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) رغبة في الرسل وفي دينهم فدعاهم إلى اتباع الرسل.
أو أن يكون كان مؤمنًا مسلمًا مختفيًا، فلما بلغه خبر إهلاك الرسل، جاء يسعى؛ إشفاقًا عليهم؛ لئلا يهلكوا - أعني: الرسل - فقال: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) أي: اتبعوا الهدى، والهدى مما يجب أن يتبع، ولا يسألكم على اتباع الهديَ أجرًا؛ فيمنعكم الأجر عن اتباع الهدى.
أو أن يقول: اتبعوا المرسلين، واعلموا أنهم مهتدون حيث لا يسألونكم أجرًا وهم مهتدون في الدنيا ولا العز؛ إذ كل من لا يسأل هذا فهو مهتد، وكل مهتد متبع، وهذا يدل أن طلب الأجر في ذلك مما يجعل صاحبه معذورًا في ترك الاتباع؛ وكذلك قوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ)، أي: لا يسألكم أجرًا حتى يمنعكم ثقل الأجر عن إجابتها واتباعه، وهذا ينقض ويبطل قول من يبيح أخذ الأجر على تعليم القرآن
يس 36:21
الآية ٢١ [ وقال :](١) ﴿اتّبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون﴾ أي اتّبعوا الهدى، والهدى مما يجب أن يُتّبع، ولا يسألكم على اتباع الهدى أجرا، فيمنعكم الأجر عن اتّباع الهدى.
[ ويحتمل ](٢) أن يقول :﴿اتبعوا المرسلين﴾ واعلموا أنهم مهتدون حين(٣) لا يسألونكم الأجر ﴿وهم مهتدون﴾ في الدنيا ولا العزّ، إذ كل من لا يسأل هذا فهو مهتد [ وكل مهتد ](٤) مُتّبَع، وهذا يدل أن طلب الأجر في ذلك مما يجعل صاحبه معذورا في ترك الاتّباع، وكذلك قوله :﴿وهم مهتدون﴾ [ الطور : ٤٠ والقلم : ٤٦ ] أي لا يسألكم أجرا حتى يمنعكم ثقل الأجر عن إجابته واتباعه.
وهذا ينقُض، ويُبطل قول من يبيح أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم لأنه إذا كان له ألا يعلّم إلا بالأجر كان له ألا يعلّم بكل أجر. ففي ذلك إبطال الدين وجعل الرخصة لهم في ترك ذلك، وذلك سَمْج قبيح، والله أعلم.
١ في الأصل وم: أو..
٢ في الأصل وم: أو..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
يس 36:22
والعلم؛ لأنه إذا كان له ألا يعلم إلا بالأجر كان له ألا يعلم بكل أجر، ففي ذلك إبطال الدِّين وجعل الرخصة لهم في ترك ذلك، وذلك سمج قبيح، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)
يخرج على وجهين:
أحدهما: على الاحتجاج عليهم بعد سؤال كان من أُولَئِكَ له في الرجوع إلى عبادة من يعبدونه دون اللَّه وترك عبادة اللَّه، فقال: إنكم تعبدون هذه الأصنام رجاء أن يقربكم ذلك إلى اللَّه زلفى، وما لي لا أعبد الذي ترجون أنتم الزلفى والقربة منه؟! والثاني: على التذكير والتنبيه لهم: أنتم تعلمون أن الذي فطرنا وخلقنا هو المستحق للعبادة لا من لم يفطر ولم يخلق، ثم تعلمون أن اللَّه هو فطرنا وخلقنا لا الأصنام التي تعبدونها، وما لي لا أعبد الذي فطرنا وأترك الذي لم يفطرنا؟! واللَّه أعلم.
وقوله: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)
يقول: أأتخذ من دون اللَّه معبودا لو أراد اللَّه بي ضرا لم يملك ذلك المعبود دفع ذلك عني، ولو نزل بي شدة أو بلاء منه، لم يقدر استنقاذي منه، ولو طلبت منه جر نفع لم يقدر على جلبه إليَّ، وأترك عبادة من أعلم أن ذلك كله منه، وهو المالك لذلك كله: من جر نفع، ودفع ضر وبلاء، وفي الحكمة: العبادة لمن يملك ذلك كله لا لمن لا يملك، وباللَّه التوفيق.
وقوله: (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)
أي: لو فعلت ذلك فإذن كنت في ضلال مبين، فذكر أنه لما قال لهم ذلك أمر بقتله، فعند ذلك قال: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) يحتمل قوله: (فَاسْمَعُونِ) أي: أجيبوني في قولي: (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَاسْمَعُونِ)، أي: اشهدوا لي.
ويحتمل قوله: (فَاسْمَعُونِ) حقيقة السماع، أي: اسمعوا قولي وإيماني، لا يمنعني عنه ما تخوفونني، واللَّه أعلم.
وقوله: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ... (٢٦)
يس 36:23
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿أأتخذ من دونه آلهة إن يُردنِ الرحمان بضر لا تُغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذونِ﴾ يقول : أأتخذ من دون الله معبودا ؟ لو أراد الله بي ضرّا لم يملك ذلك المعبود دفع ذلك عني، ولو نزل(١) بي شدة أو بلاء منه لم يقدر [ على ](٢) استنقاذي منه، ولو طلبت منه جرّ نفع لم يقدر على جلبه إليّ، وأترك عبادة من أعلم أنه ذلك منه، وهو المالك لذلك كله : من جر نفع ودفع ضُرّ وبلاء ؟ وفي الحكمة العبادة لمن يملك، وبالله التوفيق.
١ من م، في الأصل: أنزل..
٢ ساقطة من الأصل وم..
يس 36:24
الآية ٢٤ وقوله تعالى :﴿إني إذا لفي ضلال مبين﴾ أي لو فعلت ذلك فإذن كنت في ضلال مبين. فذُكر أنه لما قال لهم ذلك أُمر بقتله.
الآية ٢٥ فعند ذلك قال :﴿إني آمنت بربكم فاسمعون﴾ يحتمل قوله :﴿فاسمعون﴾ أي اشهدوا لي. ويحتمل قوله :﴿فاسمعون﴾ حقيقة السماع، أي اسمعوا قولي وإيماني : لا يمنعني عنه ما تخوّفونني، والله أعلم.
يس 36:26
الآية ٢٦ وقوله تعالى :﴿قيل ادخُلِ الجنة﴾ قال بعضهم : أي أوجبت له الجنة. وأُري الثواب. فقال عند ذلك :﴿يا ليت قومي يعلمون﴾ ﴿بما غفر لي ربي﴾ الآية. ويحتمل دخول الجنة ما ذكر للشهداء [ عز وجل بقوله ](١) :﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ ﴿فرحين﴾ الآية [ آل عمران : ١٦٩ و١٧٠ ] وأن يكون قوله :﴿قيل ادخل الجنة﴾ أن يقال له في الآخرة كقوله لعيسى ابن مريم :﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين﴾ [المائدة: ١١٦] وإنما هو أن يقال له يومئذ. فعلى ذلك يحتمل الأول.
١ ساقطة من الأصل وم..
يس 36:27
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي أوجبت له الجنة وما ذكر للشهداء وأُري الثواب؛ فقال عند ذلك: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي...) الآية.
ويحتمل دخول الجنة ما ذكر للشهداء: (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ) الآية.
أو أن يكون قوله: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) وأن يقال له في الآخرة كقوله لعيسى ابن مريم: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي)، وإنما هو أن يقال له يومئذ؛ فعلى ذلك يحتمل الأول.
وقوله: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)
قيل: إنه نصحهم حيًّا وميتًا، ولم يترك نصحهم لمكان ما عملوا وفعلوا به من السوء وأنواع التعذيب، ولكن تمنى أن ليت قومي أن يكونوا يعلمون ما أعطي هو بالإيمان بربه والتصديق برسله؛ ليعطوا مثل ما أعطي هو، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يترك النصيحة لجملة المؤمنين، وإنْ لحقه منهم أذى أو سوء.
وقال قتادة: ولا يلقى المؤمن إلا ناصحًا، ولا يلقى غاشًّا؛ لما عاين ما عاين من كرامة اللَّه، قال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) تمني واللَّه أن يعلم قومه ذلك؛ ليعلموا أن أهل الإيمان ليسوا بأهل غش ولا نذالة لعباده.
وقال: قيل لروحه: ادخل الجنة، فتمنى روحه أن يعلموا إلى ما صار هو، ليؤمنوا بالرسل ولا يكذبهم.
وقوله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)
أي: من بعد قتل ذلك الرجل (مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ): من الملائكة، أي: لم ننزل على قومه في هلاكهم بعد صنيعهم بمكانه وإهلاكهم إياه - جندا من السماء، ولكن أهلكوا بصيحة واحدة، أي: لم نفعل بهم كما يفعل ملوك الأرض إذا قتل رسلهم وأهلك أولياؤهم، يبعثون بجنود في استئصال من فعل ذلك بهم، ولكن أهلكهم بصيحة واحدة.
ثم يحتمل قوله: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً... (٢٩) أي: قدر صيحة واحدة، أي: أهلكوا بقدر صيحة واحدة في سرعتها.
ويحتمل الإهلاك بالصيحة، أي: أهلكوا بالصيحة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ).
قيل: موتى مثل النار إذا خمدت وطفئت، لا يسمع لها صوت.
يس 36:28
الآية ٢٨ وقوله :﴿وما أنزلنا على قومه من بعده من جُندٍ من السماء وما كنا مُنزِلين﴾ أي من بعد قتل هذا الرجل ﴿من جُند من السماء﴾ من الملائكة، أي لم نُنزل على قومه في إهلاكهم بعد صنيعهم بمكانهم وإهلاكهم إياه جندا من السماء. ولكن أهلكوا بصيحة واحدة، أي لم يفعل بهم كما يفعل ملوك الأرض إذا قُتل رسلهم، وأهلك أولياؤهم، يبعثون بجنود لاستئصال من فعل ذلك بهم، ولكن أهلكهم بصيحة واحدة.
يس 36:29
الآية ٢٩ ثم يحتمل قوله :﴿إن كانت إلا صيحة واحدة﴾ أي قدر صيحة واحدة، أي أهلكوا بقدر صيحة واحدة في سرعتها. ويحتمل الإهلاك بالصيحة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فإذا هم خامدون﴾ قيل موتى مثل النار إذا خمدت، وطُفئت، لا يسمع لها صوت.
يس 36:30
وقوله: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ... (٣٠)
في تركهم الإيمان باللَّه وتكذيبهم الرسل واستهزائهم بهم، والحسرة: قال بعض أهل الأدب: هي الغاية من الندامة، إذا انتهت الندامة غايتها يقال: حسرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحسرة: الحزن والتحزن والتندم؛ وهو واحد.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ): أي: يا حسرة الرسل على ذلك المؤمن المقتول على الإيمان بهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يا حسرة أُولَئِكَ الكفرة على أنفسهم إذا عاينوا العذاب على ما كان منهم من الاستهزاء على الرسل؛ كقوله: (يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)، وقوله: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ)، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)
فَإِنْ قِيلَ: كيف احتج عليهم بالرجوع إليهم وهم كانوا ينكرون البعث والرجوع بعد الموت؟! فهو يخرج على وجوه:
أحدها: (أَلَمْ يَرَوْا) أي: قد رأى أهل مكة هلاكهم في الدنيا وأنهم إليهم لا يرجعون أحياء، فيخبرونهم أنهم بم أهلكوا في هذه الدنيا؟ وبماذا عذبوا فيها؟ فهلا يعتبرون وينظرون أنهم إنما أهلكوا بتكذيب الرسل فيرتدعوا عن ذلك.
(وَإِنْ كُلٌّ) يعني الأمم كلها، يقول - واللَّه أعلم -: وما كل إلا جميع لدينا محضرون في الآخرة.
أو يقول: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ) بالتكذيب للرسل من القرون أنهم إليهم لا يرجعون أبدًا حتى يوم القيامة، وهما واحد.
أو أن يكون ذلك يخرج على إبطال قول أهل التناسخ حيث قالوا: إن الأرواح إذا خرجت من أبدان قوم دخلت في أخرى، فيقول - واللَّه أعلم - ردّا عليهم: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ)؛ إذ لم ير روحًا، أخبر أنه خرج من جسد هذا ودخل في آخر.
أو أن يكون ذلك يخرج على نقض قول قوم وهو ما ذكر عن ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - أنه سئل فقيل: إن ناسًا يقولون: إن عليّا مبعوث قبل يوم القيامة، ثم قال: " بئس القوم نحن إذا كنا نكحنا نساءهم وقسمنا ميراثهم، ثم تلا: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ
يس 36:31
الآية ٣١ وقوله تعالى :﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون﴾ فإن قيل : كيف احتج عليهم بالرجوع إليهم، وهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت ؟ قيل(١) : يخرّج على وجوه :
أحدها : ألم يروا ؟ أي قد رأى أهل مكة هلاكهم في الدنيا، و﴿أنهم إليهم لا يرجعون﴾ أحياء، فيُخبروهم أنهم بماذا أُهلكوا في هذه الدنيا، وبماذا عذّبوا، [ فهلاّ ](٢) يعتبرون، وينظرون، أنهم إنما أُهلكوا بتكذيب الرسل، فيرتدعوا عن ذلك.
١ في الأصل وم: فهو..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
يس 36:32
مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ) ".
أو أن يكون. على إيجاب البعث أن من كذب الرسل ومن صدقهم ومن عمل ما يحمد عليه وما يذم، قد استووا جميعًا في هذه الدنيا، فلابد من دار أخرى يميز بينهما، بين المصدق وبين المكذب، وبين المحمود والمذموم، يؤيد ذلك قوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢) وقوله: (لَدَيْنَا) و (عِندَنَا) ونحوه من الظروف خصها بذلك الاسم وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك؛ لما ذكرنا أن المقصود من إنشاء هذه تلك ومن هذا العالم الفاني ذلك العالم الباقي؛ إذ لو لم يكن تلك ولا ذلك العالم البافي، لم يكن إنشاء هذه حكمة؛ لأنه يحصل الإنشاء والخلق على الإفناء خاصة وإحداث الشيء للإفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل.
* * *
قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)
وقوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا).
جائز أن يكون قوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ) أي: آية البعث لهم ما رأوا الأرض ميتة في وقت يابسة لا نبات فيها ولا شيء، ثم رأوها حيّة مخضرة متزينة بأنواع النبات، متلونة بألوان الخارج منها، فيخبر أن من قدر على هذا لقادر على إحياء الموتى بعد ما بليت أجسادهم وصاروا رمادًا، وأن من قدر على هذا لا يعجزه شيء، ولا يصعب عليه شيء، فهذه آية ظاهرة على البعث مشاهدة محسوسة.
وفيه آية يحتاج إلى أن تستخرج منها بالحكمة وهو ما ذكر (وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ): أنه لما أخرج من الأرض حبًّا، وجعل غذاءهم فيه من غير أن يستوجبوا ذلك منه؛ دل أنه إنما جعل ذلك؛ ليمتحنهم بأنواع المحن على علم منه أنّ منهم من يشكر ومنهم من يكفر، وقد سوى بينهم في هذه بين الكافر منهم وبين الشاكر، فلابد من دار أخرى فيها يقع التمييز بينهم: الثواب للشاكر، والعقاب للكافر؛ إذ في الحكمة التفريق لا الجمع، وعلى ذلك ما ذكر من جعل الجنان لهم والنخيل والأعناب وتفجير العيون وغيره، وذكر في آخره: (أَفَلَا يَشْكُرُونَ) رَبَّ هذه النعم كلها.
يس 36:33
الآية ٣٣ وقوله تعالى :﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًّا فمنه يأكلون﴾ جائز أن يكون قوله :﴿وآية لهم﴾ أي : آية البعث لهم ما رأوا الأرض الميتة في وقت يابسة، لا نبات فيها، ولا شيء، ثم رأوها حيّة مخضرّة متزيّنة بأنواع النبات متلوّنة بألوان الخارج منها، فيُخبر إن من قدر على هذا لقادر على إحياء الموتى بعد ما بليت أجسادهم، وصاروا رمادا، وإن من قدر على هذا لا يعجزه شيء، ولا يصعب عليه شيء. فهذه آية ظاهرة على البعث مشاهدة محسوسة.
وفيه آية يُحتاج إلى أن يستخرج منها الحكمة، وهو ما ذكر ﴿وأخرجنا منها حبًّا فمنه يأكلون﴾ أنه لما أخرج من الأرض حبا، وجعل غذاءهم فيه من غير أن يستوجبوا ذلك منه، دل أنه إنما جعل ليمتحنهم بأنواع المحن على علم منه أن منهم من يشكر، ومنهم من يكفر، وقد سوّى بينهم في هذه بين الكافر منهم وبين الشاكر، فلا بد من دار أخرى، فيها يقع التمييز بينهم : الثواب للشاكر، والعقاب للكافر، إذ في الحكمة التفريق لا الجمع. وعلى ذلك ما ذكر من جعل الجنان لهم والنخيل والأعناب وتفجير العيون وغيره.
يس 36:34
الآيتان ( ٣٤ و٣٥ ) وهو قوله تعالى :﴿وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجّرنا فيها من العيون﴾ (١) ذكر في آخره :﴿أفلا يشكرون﴾ رب هذه النعم كلها ؟
[ ويحتمل ](٢) أن يكون وجه الدلالة فيه من وجه آخر، وهو أنه لما أنشأهم، وعلم ما يصلُح لهم من الغذاء وما لا يصلح لهم وما يكون لهم من غذاء وما لا يكون قبل أن يُنشئهم، دل أنه عالم بذاته قادر لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء. أو أن يكون لما أنشأ هذه الأشياء التي ذكر لهم لا يحتمل أن يتركهم سدى، لا يمتحنهم بشيء، ولا يأمرهم بشيء، ولا ينهى عن شيء. فإن ثبتت المحنة ثبت البعث، وظهر الثواب والعقاب.
وفي قوله :﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًّا﴾ إلى آخر ما ذكر من أنواع الفواكه والثمار وغيرها آية الوحدانية له والألوهية، ودلالة الجود والكرم له ليرغبوا فيه، ويطمعوا منه، ودلالة العدل له والسلطان ليهابوه، ودلالة البعث لما ذكرنا، ودلالة أن هذه النّعم منه ليشكروه حين(٣) قال في آخره ﴿أفلا يشكرون﴾ والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: أو..
٣ في الأصل وم: حيث..
يس 36:35
الآيتان ( ٣٤ و٣٥ ) وهو قوله تعالى :﴿وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجّرنا فيها من العيون﴾ (١) ذكر في آخره :﴿أفلا يشكرون﴾ رب هذه النعم كلها ؟
[ ويحتمل ](٢) أن يكون وجه الدلالة فيه من وجه آخر، وهو أنه لما أنشأهم، وعلم ما يصلُح لهم من الغذاء وما لا يصلح لهم وما يكون لهم من غذاء وما لا يكون قبل أن يُنشئهم، دل أنه عالم بذاته قادر لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء. أو أن يكون لما أنشأ هذه الأشياء التي ذكر لهم لا يحتمل أن يتركهم سدى، لا يمتحنهم بشيء، ولا يأمرهم بشيء، ولا ينهى عن شيء. فإن ثبتت المحنة ثبت البعث، وظهر الثواب والعقاب.
وفي قوله :﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًّا﴾ إلى آخر ما ذكر من أنواع الفواكه والثمار وغيرها آية الوحدانية له والألوهية، ودلالة الجود والكرم له ليرغبوا فيه، ويطمعوا منه، ودلالة العدل له والسلطان ليهابوه، ودلالة البعث لما ذكرنا، ودلالة أن هذه النّعم منه ليشكروه حين(٣) قال في آخره ﴿أفلا يشكرون﴾ والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: أو..
٣ في الأصل وم: حيث..
يس 36:36
أو أن يكون وجه الدلالة فيه من وجه آخر: وهو أنه لما أنشاهم وعلم ما يصلح لهم من الغذاء وما لا يصلح لهم ما يكون لهم من غذاء، وما لا يكون قبل أن ينشئهم؛ دل أنه عالم بذاته قادر لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
أو أن يكون لما أنشأ هذه الأشياء التي ذكر لهم لا يحتمل أن يتركهم سدى، لا يمتحنهم بشيء ولا يأمرهم بشيء ولا ينهى عن شيء، فإن ثبت المحنة ثبت البعث وظهر الثواب والعقاب.
وفي قوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا...) إلى آخر ما ذكر من أنواع الفواكه والثمار وغيرها - آية الوحدانية له والألوهية، ودلالة الجود والكرم له؛ ليرغبوا فيه ويطمعوا منه، ودلالة العدل له والسلطان ليهابوه، ودلالة البعث؛ لما ذكرنا، ودلالة أن هذه النعم منه؛ ليشكروه حيث قال في آخره: (أَفَلَا يَشْكُرُونَ)، والله أعلم.
وقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)
من الناس من يقول: إن الأزواج هي التي لها مقابل من الأشكال والأضداد مما للخلق فيه فعل ومما لا صنع لهم فيه، حيث قال: (مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)، ويستدل بذلك على خلق أفعال العباد، وهو ما قال: (خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا)، ومن الأزواج ما يكون فعلا لهم، وقد أخبر أنه خلقها كلها دل أنه خالق أفعالهم، والله أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)
وقوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ).
في ذلك آيات من وجوه:
أحدها: آية القدرة على البعث والإحياء بعد الموت.
والثاني: آية الوحدانية له والألوهية.
والثالث: آية العلم الذاتي له والتدبير الأزلي.
أما دلالة البعث فهو ما ذكر من جعل ما هو ليل نهارًا، ومن جعل ما هو نهار ليلا بعد ذهاب أثر هذا بكليته حتى لا يبقى منه شيء، ومجيء الآخر وانثزاع هذا من هذا وإدخاله في الآخر دلالة أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، وله قدرة ذاتية لا مكتسبة مستفادة، فمن قدر على هذا قادر على الإحياء بعد الموت؛ إذ الإحياء بعد الموت ليس بأبعد مما ذكرنا من جعل الليل نهارًا وجعل النهار ليلًا، والأعجوبة في هذا إن لم تكن أكثر - أعني: في جعل الليل نهارًا، وجعل النهار ليلا وإدخال أحدهما في الآخر - ليست بدون الإحياء بعد الموت، فإذا كان كذلك دل أنه قادر بذاته لا بإقدار من غيره؛ فلا يعجزه شيء، ولا قوة إلا باللَّه.
وأما دلالة الوحدانية فهو إنشاء الدهر من أول إنشائه إلى آخر ما ينتهي إليه، وإجراؤه على مجرى واحد وسنن واحد من الليل والنهار وإدخال هذا في هذا، وهذا في هذا - دلالة أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا أتى أحدهما بالليل غلب على الآخر، فلا يقدر المغلوب على إتيان النهار بعد ذلك وغلبه صاحبه وقهره، وكذلك منشئ النهار إذا غلب على منشئ الليل لهم به على إتيانه بالآخر وغلبه عليه، ويمنع كل واحد منهما صاحبه عن إدخال شيء مما أنشأه هو فيما أنشأه الآخر، فإذا لم يكن ما ذكرنا دل أنه واحد وهو رد على الثنوية.
وأما دلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي هو إجراء الدهر من أول ما أنشأه على تقدير حاجة أهله - أعني: حاجة أهل الدهر - وعلى تقدير منافعهم واتساقه على أمر واحد على غير تغير وتفاوت يقع في ذلك، أو تفاضل إلى ما ينتهي إليه وينتهي حاجتهم ومنافعهم - دل أنه كان لم يزل عالمًا بحوائجهم ومنافعهم حيث أجرى الدهر على تقدير حوائجهم وتدبير منافعهم، وأن له علمًا ذاتيا وتدبيرًا أزليا لا علمًا مكتسبا ومستفادا، وأن له القدرة والسلطان حيث لم يقدر أحد أن يدفع ظلمة الليل عن نفسه إذا احتاج إلى النهار، ولا ملك دفع النهار إذا وقعت الحاجة في الليل، ولا يقدر أحد أن يأتي بأحدهما مكان الآخر بل في وقت آخر؛ بل أظلم الليل والخلائق كلهم، وستر عليهم كل شيء شاءوا أو أبوا، وأضاء لهم النهار على كل مستور عليهم، وإداؤهم على كل مختلف شاءوا أو أبوا - دل أنه بالقدرة الذاتية كان ذلك والسلطان الذاتي لا مكتسب مستفاد؛ إذ ذا علم كل ذاتي لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء في حال من الأحوال، وهذا يبطل قول الفلاسفة: إن العقل دراك بنفسه كالنار حارة بطبعها، محرقة بذاتها، فلو كان يدرك بنفسه، لكان لا جائز أن يكون ولا درك هنالك، أو يشبه عليه شيء بوجه من الوجوه، فإذا حيل بينه وبين الدرك دل أنه دراك بغيره فيدرك على قدر ما تجلى له وانكشف، واللَّه أعلم.
وقوله: (نَسْلَخُ) أي: ننزع منه النهار. وقوله: (فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ).
أي: داخلون في الظلمة، يقال: أظلم فلان: إذا دخل في الظلمة.
ثم سورة يس نزلت كلها بمكة محاجة أهل مكة في إنكارهم التوحيد، وإنكارهم البعث والقدرة على الإحياء بعد ما صاروا رمادًا، وإنكارهم الرسالة، وهم كانوا طبقات على هذه المذاهب المختلفة: منهم من أنكر التوحيد، ومنهم من أنكر البعث، ومنهم من كان ينكر الرسالة ونحوها، فبين اللَّه - تعالى - في هذه السورة وذكر فيها الحجج على منكري التوحيد وعلى منكري البعث وعلى منكري الرسالة، وهو ما ذكر من الآيات، من ذلك قوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا)، وفيه دلالة القدرة على البعث على ما بينا فيما تقدم.
وفي قوله: (وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) دلالة الوحدانية له؛ لأنه أخرج ما ذكر من النبات والجنات والأعناب والنخيل إلى آخر ما ذكر من الأرض لمنافع من السماء تتصل بالأرض؛ فدل اتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما على أن منشئهما ومدبرهما واحد؛ إذ لو كانا فعل عدد لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا فيما تقدم من فعل ذوي العدد من التغالب والتدافع والتمانع في العرف، واللَّه أعلم.
وما ذكر أيضا من الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في رأي العين وسلخ أحدهما من الآخر وإدخاله في الآخر دلالة الوحدانية، ودلالة البعث، ودلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي:
أما دلالة الوحدانية فهو ما جمع في الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في منافع الخلق وحوائجهم وأنهما شكلان؛ فدل ذلك على أنهما فعل واحد لا عدد؛ لأنه لو كان فعل عدد، لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا من منع كل واحد منهما الآخر ودفعه عن إنفاذ أمره في ذلك واتساق تدبيره، فدل الدوام على ذلك واتساق الأمر على سنن واحد ومجرى واحد - أنه فعل واحد.
وفيه دلالة البعث لما ذكرنا من ذهاب أحدهما وإقرار الآخر بعد ذهاب آثار كل واحد منهما بكليته، ودل إجراؤهما مجرى واحدًا من أول إلى آخر ما ينتهي ذلك وينتهي العالم على تقدير منافعهم وحوائجهم أنه عالم بذاته مدبر بنفسه، وأن له علما ذاتيا وتدبيرًا أزليًّا لا مكتسبًا مستفادًا، وعلى ذلك ما ذكر من جريان الشمس والقمر، وتسخيرهما بمنافع هذا العالم وحوائجهم، وقطعهما في يوم ولينة واحدة مسيرة خمسمائة عام؛ فدل ذلك كله على أنه واحد لا شريك له قادر لا يعجزه شيء، وعالم مدبر لا يخفى عليه شيء، وعلى ذلك ما ذكر في قوله: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)، دلالة الوحدانية والقدرة والعلم والتدبير؛ من حيث جعل أطراف الأرض كلها على تباعد ما بينها
يس 36:37
الآية ٣٧ وقوله تعالى :﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلِمون﴾ : في ذلك آيات من وجوه :
أحدها : آية القدرة على البعث والإحياء عند الموت.
والثاني : آية الوحدانية له والألوهية.
والثالث : آية العلم الذاتي له والتدبير الأزلي.
أما دلالة البعث فهو ما ذكر من جعل ما هو ليل نهارا، ومن جعل ما هو نهار ليلا بعد ذهاب أثر هذا بكلّيته، حتى لا يبقى منه شيء. ومجيء الآخر وانتزاع هذا من هذا، وإدخاله في الآخر، دلالة أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، له(١) قدرة ذاتية لا مكتسبة مستفادة.
فمن قدر على هذا قادر على الإحياء بعد الموت، [ إذ الإحياء بعد الموت ](٢) ليس بأبعد مما ذكرنا من جعل الليل نهارا وجعل النهار ليلا.
والأعجوبة في هذا، إن لم تكن أكثر، أعني في جعل الليل نهارا وجعل النهار ليلا وإدخال أحدهما في الآخر، ليست(٣) بدون الإحياء بعد الموت. فإذا كان كذلك دل أنه قادر بذاته ليس بإقدار من غيره، فلا يُعجزه شيء، ولا قوة إلا بالله.
وأما دلالة الوحدانية، فهي(٤) إنشاء الدهر من أول إنشائه إلى آخر ما ينتهي إليه، وإجراؤُه على مجرى واحد وسَنَن واحد من الليل والنهار وإدخال هذا في هذا وهذا في هذا [ كل هذا ](٥) دلالة أنه فعل [ واحد، إذ لو كان فعل ](٦) عدد لكان إذا أتى أحدهما بالليل غلب على الآخر، فلا يقدر المغلوب على إتيان النهار بعد ذلك وغلبة صاحبه وقهره. وكذلك مُنشئ النهار إذا غلب منشئ الليل لهم به على إبانة(٧) بالآخر وغلبته عليه، ويمنع كل واحد منهما صاحبه عن إدخال شيء مما أنشأه هو في ما أنشأ الآخر. فإذا لم يكن ما ذكرنا دل أنه واحد، وهو رد على الثّنوية.
وأما دلالة العلم الذاتي له والتدبير الأزليّ فهي(٨) إجراء الدهر من أول ما أنشأه على تقدير حاجة أهله، أعني حاجة أهل الدهر، وعلى تقدير منافعهم واتساقه على أمر واحد على غير تغيّر وتفاوت يقع في ذلك أو تفاضل إلى ما ينتهي إليه أو تنتهي حاجتهم ومنافعهم. دل أنه كان، ولم يزل عالما بحوائجهم ومنافعهم حين(٩) أجرى الدهر على تقدير حوائجهم وتدبير حاجتهم ومنافعهم، وأن له علما ذاتيا وتدبيرا أوليًّا لا علما مكتسبا ومستفادا، وأن له القدرة والسلطان حين(١٠) لم يقدر أحد أن يدفع ظلمة الليل عن نفسه إذا احتاج إلى النهار، ولا ملك دفع النهار إذا وقعت الحاجة في الليل، ولا [ قدر ](١١) أحد أن يأتي بأحدهما مكان الآخر بل في وقت آخر. بل أظلم الليل [ على الخلائق ](١٢) كلهم، وستر عليهم كل شيء، شاؤوا، أو أبَوا، وأضاء لهم النهار كل مستور عليهم، وأبدى لهم كل مختلف، شاؤوا، أو أبوا.
دل أنه بالقدرة الذاتية كان ذلك، والسلطان الذاتي غير(١٣) مكتسب مستفاد [ والعلم الذاتي ](١٤) لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء في حال من الأحوال.
وهذا يبطل قول الفلاسفة : إن العقل درّاك بنفسه كالنار : حارة بطبعها، مُحرِقة بذاتها، فلو كان يدرك بنفسه لكان لا جائز أن يكون [ أدرك ما ](١٥) هنالك، أو يشتبه عليه شيء بوجه من الوجوه.
وإذا حيل بينه وبين الدرك دل أنه درّاك بغيره، فيُدرك على قدر ما تجلّى له الأمر، وانكشف، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿نسلُخ﴾ أي : ننزع ﴿منه النهار﴾.
وقوله تعالى :/٤٤٦-أ/ ﴿فإذا هم مظلمون﴾ أي : داخلون في الظلمة، يقال : أظلم فلان إذا دخل في الظلمة.
ثم سورة ﴿يس﴾ نزلت كلها بمكة [ في ](١٦) محاجّة أهل مكة في إنكارهم التوحيد، وإنكارهم البعث والقدرة على الإحياء بعد ما صاروا رمادا وإنكارهم الرسالة. وهم كانوا طبقات على هذه المذاهب المختلفة : منهم من أنكر التوحيد، ومنهم من أنكر البعث، ومنهم من كان ينكر الرسالة ونحوها.
فبيّن الله تعالى في هذه السورة، وذكر فيها، الحجج على منكري التوحيد وعلى منكري [ البعث وعلى منكري ](١٧) الرسالة، وهو ما ذكر من الآيات. من ذلك قوله :﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها﴾ وفيه دلالة القدرة على البعث ما بيّنا في ما تقدم.
وفي قوله :﴿وأخرجنا منها حبًّا فمنه يأكلون﴾ دلالة الوحدانية له، لأنه أخرج ما ذكر من النبات والجنات الأعناب والنخيل إلى آخر ما ذكر من الأرض منافع من السماء تتصل بالأرض.
فدل اتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بُعد ما بينهما على أن منشئهما ومدبّرهما واحد. إذ لو كان فعل عدد لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا في ما تقدم من فعل ذوي العدد من التغالب والتدافع والتمانع في العُرف، والله أعلم. وما ذكر أيضا من الليل [ والنهار ](١٨) على تضادّهما واختلافهما في رأي العين وسلخ أحدهما من الآخر وإدخاله في الآخر دلالة الوحدانية، ودلالة البعث، ودلالة العلم الذاتي الأزليّ.
أما دلالة الوحدانية فهي(١٩) ما جمع في الليل والنهار على تضادّهما واختلافهما منافع الخلق وحوائجهم، كأنهما شكلان. فدل ذلك على أنهما فعل واحد لا عدد [ إذ لو كان فعل عدد ](٢٠) لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا من منع كل واحد منهما الآخر ودفعه عن إنفاذ أمره في ذلك واتساق تدبيره. فدلّ الدوام على ذلك واتساق الأمر على سنن واحد ومجرى واحد أنه فعل واحد.
وأما(٢١) دلالة البعث فما(٢٢) ذكرنا من إذهاب أحدهما وإقرار الآخر بعد ذهاب آثار كل واحد منهما بكلّيته.
ودلّ إجراؤهما مجرى واحدا من أول ما أنشأهما إلى آخر ما ينتهي ذلك، وينتهي العالم على منافعهم وحوائجهم، أنه عالم بذاته مدبّر بنفسه وأن له علما ذاتيا وتدبيرا أزليّا لا مكتسبا مستفادا.
[ وأما دلالة الرسالة فإن أهل مكة لم يكونوا يعرفون التوحيد، فعرّفهم، وأتاهم بحُججه وبراهينه، دل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم ](٢٣).
وعلى ذلك ما ذكر من جريان الشمس والقمر وتسخيرهما لمنافع هذا العالم وحوائجهم وقطعهما في يوم واحد وليلة واحدة مسيرة خمس مئة عام.
فدل ذلك كله على أنه واحد، لا شريك له، قادر، لا يعجزه شيء، وعالم، مدبّر، لا يخفى عليه شيء.
وعلى ذلك ما ذكر في قوله :﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفُلك المشحون﴾ [يس: ٤١] دلالة الوحدانية والقدرة والعلم والتدبير من حيث جعل أطراف الأرض كلها على تباعد ما بينها متصلة بمنافع الخلق وحوائجهم بأسباب، أنشأها لهم، وعلّمهم [ اتخاذ السّفن ](٢٤) ليصلوا إلى تلك المنافع والحوائج. فدل أنه فعل واحد، إذ لو كان فعل عدد لكان في ذلك تمانع على ما ذكرنا، وأنه عالم بذاته مدبّر. ولذلك قال :﴿ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] أي : ذلك الذي ذكر كله تقدير الذي لا يُعجزه شيء. والعليم الذي لا يخفى عليه شيء. وبالله القوة.
١ في الأصل وم: وله..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: ليس..
٤ في الأصل وم: فهو..
٥ ساقطة من الأصل: وم..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ من م، في الأصل: ليلة..
٨ في الأصل وم: هو..
٩ في الأصل وم: حيث..
١٠ في الأصل وم: حيث..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل: الخلائق، في م: والخلائق..
١٣ في الأصل وم: لا..
١٤ في الأصل وم: إذ فاعلم..
١٥ في الأصل وم: ولا درك..
١٦ ساقطة من الأصل وم.
١٧ من م، ساقطة من الأصل..
١٨ من م، ساقطة من الأصل..
١٩ في الأصل وم: فهو..
٢٠ ساقطة من الأصل وم..
٢١ في الأصل وم: فيه..
٢٢ في الأصل وم: لما..
٢٣ أدرجت في الأصل وم قبل تفسير قوله تعالى: ﴿والقمر قدّرناه منازل﴾..
٢٤ ساقطة من الأصل وم..
يس 36:38
متصلة بمنافع الخلق وحوائجهم بأسباب أنشأها لهم وأعلمهم بها؛ ليصلوا إلى تلك المنافع والحوارج؛ فدل أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد لكان في ذلك تمانع على ما ذكرنا، وأنه عارم بذاته مدبر؛ ولذلك قال: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) أي: ذلك الذي ذكر كله تقدير الذي لا يعجزه شيء، والعليم الذي لا يخفى عليه شيء! وباللَّه القوة.
ثم قوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا... (٣٨)
وفي بعض الحروت: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) فعلى هذا القول أي: تجري أبدًا لا مستقر لها ولا قرار.
ومن قرأ: (تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا): أي: لنهاية لها وغاية.
ثم اختلف في تلك النهاية: فمنهم من يقول: نهايتها وغايتها هو ذهاب هذا العالم وانقضاؤه وتبديل عالم آخر؛ كقوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، وقوله: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)، قدر نهايتها، ومنهم من يقول: مستقرها: هو نزولها في كل يوم في منزل، لما ذكر أن لها منزلا، تنزل كل يوم في منزل، ثم تطلع من مكان آخر؛ وكذلك قال: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ).
ومنهم من يقول: نهايتها ما ذكر في الخبر: " أنها إذا غربت ترفع إلى السماء السابعة، تخر لله - تعالى - ساجدة تحت العرش، ثم يؤذن لها بالطلوع "؛ ذكر في الخبر عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لما أذن لها بالطلوع والارتفاع يأتيها جبريل بحلة من ضوء الشمس، على مقدار ساعات من النهار في طوله في الصيف وقصره في الشتاء، وما بين ذلك في الخريف والربيع، فتلبس تلك الحلة، كما يلبس أحدكم ثوبه "، وذكر في القمر كذلك من الحبس والسجود لله، إلا أنه ذكر فيه: " أن جبريل يأتيه بحلة من نور العرش "، وفي بعض الأخبار: " بكف من ضوء العرش، وبكف من نوره "، فيلبس تلك الحلة - أي: ذلك النور والضوء - كما يلبس أحدكم ثوبه، فذلك قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا)، ذكر للشمس ضياء، وللقمر نورًا كما ذكر في الخبر.
يس 36:39
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا): جريانها في البحر الذي خلق اللَّه دون السماء بحر مكفوف حار، فيه تجري الشمس والقمر، والجوار الكنس.
ويحتمل قوله: (تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَ) أي: تجري في مكان وتسير فيه، والله أعلم..
وقوله: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
(الْعَزِيزِ): الذي لا يعجزه شيء، ويعز من أن يغلبه شيء، (الْعَلِيمِ): الذي يعز من أن يخفى عليه شيء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْعَزِيزِ): الذي أظهر أثر الذل في غيره، لا ترى أحدًا إلا وأثر الذل والحاجة فيه ظاهرة.
وأما دلالة الرسالة: فإن أهل مكة لم يكونوا يعرفون التوحيد، وعرفهم وأتاهم بحججه وبراهينه؛ دل أنه باللَّه عرف ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)
أي: قدرناه منازل يزيد ويستوي وينتقص، وكذلك جعل للشمس منازل أيضًا تزداد وتنتقص وتستوي، لكن جعل منازل القمر في تغييره في نفسه يتغير ويزداد ويستوي وينتقص، وأما الشمس فإنه جعل تغييرها في الزيادة والنقصان والاستواء في الأزمنة والأوقات، فأما في نفسها فليس فيها تغيير ولا نقصان ولا زيادة، فهو - واللَّه أعلم - لما ذكر أنه جعل القمر سببًا للوصول إلى معرفة الأوقات والحساب والحجج بقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)، وعلى ذلك جعل طلوعه وغروبه مختلفًا في الليل والنهار، وفي كل وقت وكل ساعة، وأما الشمس فإنها في نفسها على حالة واحدة، لا زيادة فيها، ولا نقصان، ولا تغيير، إلا في الوقت الذي تنكسف، وكذلك طلوعها وغروبها في وقت واحد لا يختلف ولا يتغير إلا في أزمنتها وأوقاتها؛ فإنه يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا، ويدخل في هذا هذا، ومن هذا في هذا، وأمّا الأيام فإنه لم يجعل فيها تغيير، فهو - واللَّه أعلم - لما لم يشتد على الناس حفظها ولا جعل سببا لتعريف الأوقات والحساب.
وقوله: (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ).
قيل: إنه عود الكباسة القديم الذي قد أتى عليه حول، فاستقوس ودق، شبه القمر
يس 36:40
آخر ليلة ليطلع به أو أول ليلة.
قَالَ بَعْضُهُمْ: شبه القمر بالعرجون القديم، وهو العذق اليابس المنحني القديم الذي أتى عليه الحول، وهما واحد.
وقوله: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)
جائز أن يكون ذكر الشمس هاهنا كناية عن النهار نفسه، والقمر كناية عن الليل؛ ألا ترى أنه ذكر الليل والنهار على أثر ذلك حيث قال: (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) يخبر أنه لا يدرك هذا هذا ولا سابقًا لهذا.
وجائز أن يكون ذكرهما كناية عن الليل والنهار، ولكن على بيان حقيقتهما ألا يدرك ضوء هذا هذا، ولا ضوء هذا هذا؛ فيغلبه، ولكن يكون هذا في وقت وهذا في وقت آخر، لا يجتمعان في وقت واحد.
أو يذكر أنه لا يغلبه هذا على هذا ما دام في سلطانه، ولا هذا على هذا ما دام سلطانه، فإنما يخبر عن قدرته وعلمه وتدبيره: وأما قدرته: فهو ما ذكر من تقدير الشمس والقمر والليل والنهار، حفظهما حتى لا يغلب أحدهما صاحبه فيذهب به؛ دل حفظه إياهما وما ذكر، وتقديره إياهما على ما قدر أنه إنما كان بقدرة ذاتية، ودل إجراؤه إياهما على مجرى واحد وعلى سنن واحد منذ أنشأهما وقدرهما إلى آخر ما ينتهي إليه هذا العالم: أنه كان بعلم ذاتي وتدبير أزلي، لا مستفاد مكتسب، وهذا ينقض على الثنوية مذهبهم أن منشئ الظلمة غير منشئ النور؛ لأنه لو كان اثنين على ما يقولون لكان إذا غلب هذا على هذا، وجار سلطانه منعه من أن يأتي الآخر، فإذا لم يكن دل أنه فعل واحد لا عدد.
وقوله: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
يعني: الشمس والقمر، قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: في دورانه واستدارته يجرون على ما ذكرنا، لا يمنع هذا هذا، ولا هذا هذا؛ وعلى هذا التأويل هو الدوران الذي يدور عليه الشمس والقمم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن تحت السماء في الهواء بحرًا مكفوفًا، فيه تطلع الشمس وفيه تغرب، وكذلك القمر، فإن كان على هذا فيكون قوله: (فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) على حقيقة السباحة والعوامة، ويروى في ذلك خبر على ما ذكرنا.
يس 36:41
وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: (نَسْلَخُ)، أي: نخرج، والعُرجون: عرجون النخلة، مثل العنقود من العنب، والعراجين جماعة، (يَسْبَحُونَ): من السباحة.
* * *
قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)
ثم قوله: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ).
اختلف في ذلك الفلك:
قَالَ بَعْضُهُمْ: هي السفينة التي حمل فيها نوح وأتباعه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أراد به السفن كلها التي يحمل عليها ويركب.
والفلك: يقال: هو واحد وجماعة، فإن كان المراد بالفلك السفينة المشار إليها وهي سفينة نوح، كان قوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) غيرها من السفن التي اتخذت للركوب.
وإن كان المراد به غيرها من السفن، كان قوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) إنما هي الأنعام التي يركبون عليها في المفاوز والبراري، كقوله: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ)، ونحوه.
ثم إن كان المراد بقوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) السفن، كان في ذلك نقض قول المعتزلة في قولهم: أفعال العباد ليست بمخلوقة؛ حيث أخبر أنه خلق السفن، والسفن إنما سميت سفنًا بعد ما اتخذت ونحتت، فأما قبل ذلك، فهي تسمى: خشبًا، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ).
يحتمل قوله: (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) معنيين:
أحدهما: أنا حملنا مَنْ أَنْتُم مِنْ ذريتِهم في الفلك المشحون، وهم الذين حملهم مع نوح في سفينته.
والثاني: أنا حملنا ذرية قومك في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم في الفلك، نسبهم إليهم لما أنهم أصل لهَؤُلَاءِ؛ كقوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ)، وإنَّمَا نسبنا إلى آدم؛ لأنه أصلنا وهو المخلوق من التراب فعلى ذلك هذا، لكن الفائدة في التأويل الأول غير الفائدة في التأويل الثاني إن كان المراد بقوله: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا) من أنتم من ذريتهم هذا، ففائدته: أنكم من ذرية من نجا منهم من آبائكم، وهم الذين آمنوا برسولهم
يس 36:42
الآيات ٤١ و٤٢ و٤٣ ثم قوله :﴿وآية لهم أنا حلمنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ ﴿وإن نشأ نُغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم يُنقذون﴾ أختلف في ذلك الفُلك :
قال بعضهم : هي السفينة [ التي حمل فيها نوح وأتباعه. وقال بعضهم : أراد به السفن كلها التي يُحمّل عليها، ويركب، والفلك : يقال : هو واحد وجماعة. فإن كان المراد بالفلك السفينة المشارة، وهي سفينة ](١) نوح كان قوله :﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ غيرها من السفن [ التي اتُّخذت للركوب. وإن كان المراد به غيرها من السّفن ](٢) كان قوله :﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ إنما هي الأنعام التي يركبون عليها في المفاوز والبراري كقوله :﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون﴾ [الزخرف: ١٢] ونحوه.
ثم إن كان المراد بقوله :﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ السفن كان في ذلك نقض قول المعتزلة في قولهم : أفعال العباد ليست بمخلوقة حين(٣) أخبر أنه خلق السفن، والسفن إنما تسمى سُفنًا بعد ما اتُّخذت، ونُحتت، فأما قبل ذلك فهي تسمى خشبا، والله أعلم.
ثم قوله :﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشجون﴾ يحتمل قوله :﴿حملنا ذريتهم﴾ معنيين :
أخدهما : أنا حملنا من أنتم من ذريتهم في الفلك المشحون وهم الذين حملهم مع نوح في سفينته.
والثاني : أنا حملنا ذرية قومك في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم في الفلك، نسبهم إليهم لما أنهم أصل لهؤلاء كقوله :﴿خلقهم من تراب﴾ [الروم: ٢٠] وإنما نسبنا إلى آدم لأنه أصلنا، وهو المخلوق من التراب.
فعلى ذلك هذا. لكن الفائدة في التأويل الأول غير الفائدة في التأويل الثاني.
فإن(٤) كان المراد بقوله :﴿وآية لهم أنا حملنا﴾ من أنتم من ذريتهم هذا ففائدته أنكم من ذرية من نجا منهم من آبائكم، وهم الذين آمنوا برسولهم، وصدّقوه، لا من كذّب به. فكيف لا اتبعتموهم ؟ لأن العرب من عادتهم أنهم لا يزالون محتجّين :﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف: ٢٣].
وإن كان المراد المعنى الثاني فيقول : إن في آبائكم من قد صدّق الرسل، وآمن بهم، ومنهم من كذّبهم. فكيف اتبعتم الذين كذّبوهم دون الذين صدّقوهم ؟
ثم جهة الآية في الفلك ما ذكرنا في ما تقدم في غير موضع : إما في تذكير ما أنعم عليهم حين(٥) سخّر لهم ما في البحار والبراري حتى يصلوا إلى قضاء حوائجهم ومنافعهم في الأمكنة النائية البعيدة بالسفن التي أنشأها لهم والأنعام التي خلقها لهم، [ وإما في ما ](٦) يخبر عن قدرته وسلطانه أن من قدر على تسخير هذا وإيصال هذا بهذا، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، [ وإما في ما ](٧) يخبر عن وحدانيته وربوبيته، إذ لو كان ذلك فعل عدد لامتنع، ولم يتصل، ولم يصلوا إلى قضاء حوائجهم، [ وإما في ما ](٨) يخبر عن سفههم بعبادتهم الأصنام التي عبدوها حين(٩) قال :﴿وإن نشأ نُغرقهم فلا صريخ لهم﴾ الآية، يخبر أنا لو شئنا إغراقهم لا تملك الأصنام التي يعبدونها الإغاثة والاستفادة من ذلك كقوله :﴿ضل من تدعون إلا إياه﴾ [الإسراء: ٦٧] وكقوله :﴿قل من ينجّيكم من ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: ٦٣].
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: أو..
٧ في الأصل وم: أو..
٨ في الأصل وم: أو..
٩ في الأصل وم: حيث..
يس 36:43
وصدقوه، لا من كذب به، فكيف لا اتبعتموهم؟! لأن العرب من عادتهم لا يزالون محتجين: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ).
وإن كان المراد المعنى الثاني فيقول: إن في آبائكم من قد صدق الرسل، وآمن بهم، ومنهم من كذبهم، فكيف اتبعتم الذين كذبوهم دون الذين صدقوهم؟!
ثم جهة الآية في الفلك ما ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: إما في تذكير ما أنعم عليهم حيث سخر لهم ما في البحار والبراري حتى يصلوا إلى قضاء حوائجهم ومنافعهم في الأمكنة النائية البعيدة بالسفن التي أنشأها لهم والأنعام التي خلقها لهم.
أو يخبر عن قدرته وسلطانه: أن من قدر على تسخير هذا وإيصال هذا بهذا، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء.
أو يخبر عن وحدانيته وربوبيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد لامتنع ولم يتصل، ولم يصلوا إلى قضاء حوائجهم.
أو يخبر عن سفههم بعبادتهم الأصنام التي عبدوها؛ حيث قال: (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ... (٤٣) يخبر أنا لو شئنا إغراقهم لا يملك الأصنام التي يعبدونها الإغاثة لهم والاستنقاذ من ذلك، بل هو المالك لذلك؛ كقوله: (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، وكقوله: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).
وقوله: (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)
يحتمل قوله: (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا)، أي: لو شاء لأهلكهم، واستأصلهم بالعناد والتكذيب للرسول كما فعل بأوائلهم، لكن برحمته أخر عن هَؤُلَاءِ ذلك، وجعل لهم متاعًا إلى حين، وذلك منه رحمة، والذين كانوا من قبل عند رؤيتهم بأس اللَّه، كقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ...) الآية، ثم أخبر أنه لم ينفعهم ذلك حيث قال: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ)، ولكن رحم هَؤُلَاءِ؛ لمكان رسول اللَّه؛ فقبل إيمانهم عند رؤيتهم بأس اللَّه.
وفي قوله: (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ...) الآية. دلالة نقض قول المعتزلة لقولهم في الأصلح؛ لما لا يخلو: إما أن يكون إغراقه إياهم أصلح لهم في الدِّين، أو إبقاؤه إياهم: فإن كان إغراقه إياهم أصلح لهم في الدِّين، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ
يس 36:44
الآية ٤٤ وقوله تعالى :﴿إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين﴾ يحتمل قوله :﴿إلا رحمة﴾ من ربك، أي : لو شاء لأهلكهم، واستأصلهم بالعناد والتكذيب للرسول كما فعل بأوائلهم، لكن برحمته أخّر عن هؤلاء ذلك، وجعل لهم متاعا إلى حين. وذلك منه رحمة. والذين كانوا من قبل عند رؤيتهم بأس الله كقوله :﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾ الآية [غافر: ٨٤] [ أخبر ](١) أنه لم ينفعهم ذلك حين(٢) قال :﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم﴾ [غافر: ٨٥]، ولكن هؤلاء لمكان رسول الله، فقُبل إيمانهم عند رؤيتهم بأس الله.
وفي قوله :﴿وإن نشأ نُغرقهم فلا صريخ لهم﴾ الآية دلالة نقض قول المعتزلة لقولهم في الأصلح لما لا يخلو إما أن يكون إغراقه إياهم أصلح لهم في الدين [ وإما ](٣) إبقاؤه إياهم.
فإن كان إغراقه إياهم أصلح لهم في الدين [ فلم يُغرقهم، فقد فعل بهم ما ليس ذلك بأصلح لهم. وإن كان إبقاؤه إياهم أصلح لهم في الدين من إغراقهم فلا يكون ذلك رحمة ؛ لأن له أن يفعل ذلك، ولا يفعل بهم غيره. وقد أخبر أن إبقاءه إياهم رحمة منه لهم، فدل أنه ليس عليه حفظ الأصلح على عباده في الدين ](٤) والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: أو..
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
يس 36:45
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)
وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)
اختلف في قوله: (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ): قال قائلون: (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ): ما كان من عقوبات اللَّه ووقائعه فيمن كان قبلكم من عنادهم في آياته وتكذيبهم رسله، يقول: اتقوا ذلك واحذروا نزوله عليكم، فسمى: بين أيديهم؛ لأنه مضى بين أيديهم، وما خلفهم من أمر الساعة وعذابها سمى: خلفا؛ لأنه بعد ورائهم غير مأتي، يقول: احذروا ذلك.
وقال قائلون: (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) هو عقوبات الآخرة هي بين أيديهم ستأتي بهم وستنزل، (وَمَا خَلْفَكُمْ) ما مضى من العقوبات التي نزلت بمن كان قبلكم؛ فصار ذلك وراءً وخلفا، يقول: احذروا ذلك.
وجائز أن يكون على غير هذا يقول - واللَّه أعلم -: احذروا ذنوبكم التي عملتم ومعاصيكم التي عصيتم في الدنيا، واحذروا أيضًا ما تسنون أيضًا لمن بعدكم؛ كقوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ): ما قدمت: ما عمل هو، وما أخرت ما سن لغيره من بعد.
وقوله: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
أي: إذا فعلتم ذلك استوجبتم الرحمة بفضله، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)
هذا - واللَّه أعلم - في قوم خاصة اعتادوا العناد والمكابرة في رد الآيات والإعراض عنها؛ لما كان سؤالهم الآيات تعنتًا لا سؤال استرشاد، ولو كان سؤالهم سؤال استرشاد، لكان قد أنزل لهم من الآيات وأتاهم ما يلزمهم قبولها والتمسك بها.
ثم الإعراض والعناد يكون بوجهين:
أحدهما: يعرض عنها؛ لما لم تقع له؛ لترك التأمل والنظر فيها.
والثاني: يعرض عنها إعراض عناد بعد التحقيق والتيقن والعلم بأنها آيات، والله أعلم.
وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)
يحتمل قوله: (أَنْفِقُوا) أي: صلة الأرحام والقرابات على حقيقة الإنفاق.
يس 36:46
الآية ٤٦ وقوله تعالى :﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين﴾ هذا، والله أعلم، في قوم خاص اعتادوا العناد والمكابرة في ردّ الآيات والإعراض عنها لما كان سؤالهم الآيات [ سؤال تعنّت ](١) لا سؤال استرشاد. ولو كان سؤالهم سؤال استرشاد لكان قد أنزل لهم من الآيات وآتاهم ما يلزمهم قبولها والتمسك بها.
ثم الإعراض والعناد يكون بوجهين :
أحدهما : يُعرض لما لم يوقع(٢) له الترك التأمّل والنظر فيها.
والثاني : يعرض عنها إعراض عناد بعد التحقق والتّيقن /٤٤٧-أ/ والعلم أنها آيات، والله أعلم.
١ في الأصل: تعنت، في م: تعنتا..
٢ في الأصل وم: يقع..
يس 36:47
الآية ٤٧ وقوله تعالى :﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله﴾ يحتمل قوله :{ أي صلوا(١) الأرحام والقرابات على حقيقية الإنفاق. ويحتمل أن اقبلوا الإنفاق، وهو الزكاة كقوله :{ وويل للمشركين } ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [ فصلت : ٦ و٧ ] أي لا يقبلون الإيتاء، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿قال الذين كفروا للذين آمنوا أنُطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ بهذا قالت المعتزلة في قولهم : إن الله لا يفعل إلا ما هو أصلح للخلق(٢) في الدين، يقولون : لو كان الإنفاق والرزق أصلح لهم في الدين لرزقهم الله على ما رزقنا.
فيقال للمعتزلة : أمره إياهم بالإنفاق على من ذكر لا يخلو من أن تكون أصلح النفقة لهم والرزق أصلح في الدين، ثم لم يرزقهم، ولم يوسّع عليهم، أو(٣) أن يكون المنع أصلح لهم، وترك الإنفاق.
فإن كان الأول فقد ترك فعل ما هو أصلح في الدين. [ وإن كان ](٤) الثاني فقد أمره هؤلاء بفعل ما هو ليس بأصلح.
فكيف ما كان ففيه بيان أن ليس على الله فعل(٥) الأصلح للخلق في الدين إنما عليه ما توجبه الحكمة وحفظ ما يكون حكمة.
وهؤلاء لم ينظروا إلى [ ما توجبه ](٦) الحكمة.
وفي الحكمة الامتحان والابتلاء : هذا بالسعة وهذا بالشدة والضّيق. ثم أوجب على من وسّع عليه في فضول ماله حقا لهذا الفقير والمُضيّق عليه. وبيّن ذلك الحق، وبيّن قدره وحدّه ليستأدي بذلك شكره، وضيّق على هذا، يطلب منه الصبر على ذلك أن منع هذا حقه. وإلا لم يسبق ممن وسّع عليه ما تستوجبه تلك النعمة والسعة، ولا ممن ضيّق عليه ما يستوجب ذلك. ولكن محنة يمتحنهم بها : هذا بالشدة والضيق، وهذا بالسعة والكثرة. وعلى ذلك روي في الخبر عن نبي الله ﷺ أنه قال :( لو شاء الله لجعلكم أغنياء، لا فقير فيكم، ولو شاء الله لجعلكم فقراء، لا غني فيكم، ولكنه ابتلى بعضهم ببعض لينظر كيف عطف الغني ؟ وكيف صبر الفقير ).
وقوله تعالى :﴿إن أنتم إلا في ضلال مبين﴾ قال بعضهم : هذا كلام الكفرة للمؤمنين. لم يكتفوا بذلك القول الذي قالوه، ولكن نسبوهم إلى الضلال والجهل. وقال بعضهم : هذا القول من الله جواب لهم لقولهم :﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ والله أعلم.
١ في الأصل وم: صلة..
٢ في الأصل وم: له..
٣ في الأصل وم: إما..
٤ في الأصل وم: أو..
٥ في الأصل وم: حفظ..
٦ في الأصل وم: توجيه..
يس 36:48
ويحتمل: أن اقبلوا الإنفاق وهو الزكاة بقوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) الآية، أي: لا يقبلون الإيتاء، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ).
بهذا قالت المعتزلة في قولهم: إن اللَّه لا يفعل إلا ما هو أصلح [له] في الدِّين، يقولون: لو كان الإنفاق والرزق أصلح لهم في الدِّين لرزقهم اللَّه على ما رزقنا.
فيقال للمعتزلة: أمره إياهم بالإنفاق على من ذكر لا يخلو من أن يكون النفقة لهم والرزق أصلح في الدِّين، ثم لم يرزقهم ولم يوسع عليهم، وإما أن يكون المنع أصلح لهم وترك الإنفاق: فإن كان الأول فقد ترك فعل ما هو أصلح في الدِّين، أو الثاني، فقد أمر هَؤُلَاءِ بفعل ما هو ليس بأصلح، فكيفما كان، ففيه دلالة أن ليس على اللَّه حفظ الأصلح للخلق في الدِّين، إنما عليه فعل ما توجبه الحكمة وحفظ ما يكون حكمة، وهَؤُلَاءِ لم ينظروا إلى ما توجبه الحكمة، وفي الحكمة الامتحان والابتلاء: هذا بالسعة وهذا بالشدة والضيق؛ ثم أوجب على من وسع عليه في فضول ماله حقًّا لهذا الفقير والمضيق عليه، وبين ذلك الحق، وبيِّن قدره وحده، ليتأدى بذلك شكره، وضيق على هذا، يطلب منه الصبر على ذلك إن منع هذا حقه، وإلا لم يسبق ممن وسع عليه ما يستوجب به تلك النعمة والسعة، ولا ممن ضيق عليه ما يستوجب ذلك، ولكن محنة يمتحنهم بها: هذا بالشدة والضيق، وهذا بالسعة والكثرة، هذا مأمور بالشكر وأداء ما أوجب عليه في ماله، وهذا بالصبر على حاجته إن منع حقه؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " لوشاءاللَّه لجعلكم أغنياء لا فقير فيكم، ولوشاء اللَّه لجعلكم فقراء لا يغني عنكم شيئًا، لكنه ابتلى بعضهم ببعض لينظر كيف عطف الغني، وكيف صبر الفقير ".
وقوله: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا قول الكفرة للمؤمنين، لم يكتفوا بذلك القول الذي قالوه، ولكن نسبوهم إلى الضلال والجهل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا القول من اللَّه جواب لهم، لقولهم: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ)، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)
ليس بصلة على ما تقدم من الكلام، كأنهم خوفوا بترك الإنفاق بالعذاب، فقالوا عند
يس 36:49
ذلك: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
ثم قال: (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)
أي: ما ينظرون لإيمانهم إلا ذلك الوقت، يقول - واللَّه أعلم -: إنهم إذا بلغوا ذلك الوقت وعاينوا ذلك، فعند ذلك يؤمنون، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ لقوله: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ).
وقوله: (تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ).
يخبر عن سرعة قيام الساعة وغفلة أهلها عنها؛ كقوله: (فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً).
أي: فجأة، وهم لا يشعرون، وعلى ذلك روي في بعض الأخبار عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب، فلا يقومانه حتى تقوم الساعة ".
وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله: (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)
فقال: " تقوم الساعة والناس في أسواقهم يحلبون اللقاح، ويذرعون الثياب، ويتبايعون وهم في حاجاتهم "، وعن الزبير بن العوام - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " أن الرجلين ليتبايعان إذ نادى مناد: قد قامت الساعة " ونحوه.
وقوله: (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً).
أي: وصية؛ وكذلك ذكر في حرف حفصة وأبي، أي: فلا يستطيعون وصية.
وقوله: (تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ).
يحتمل ما ذكرنا أن الساعة تقوم وهم على ما كانوا عليه من قبل في البياعات والخصومات والمنازعة وعلى ذلك جاءت.
ويحتمل (تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) أي: يختصمون في الساعة والبعث أنها لا تقوم ولا تكون؛ لأنهم كانوا أينكرونها، ودل قوله: (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) أن
يس 36:50
الآية ٥٠ وقوله تعالى :﴿تأخذهم وهم يخِصّمون﴾ ﴿فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون﴾ يخبر عن ساعة قيام الساعة وغفلة أهلها عنها كقوله :﴿فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ [الشعراء: ٢٠٢].
وعلى ذلك رُوي في بعض الأخبار عن نبي الله ﷺ [ أنه ](١) قال :( تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب، فلا يطويانه حتى تقوم الساعة ) [ البخاري ٦٥٠٦ ].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله :﴿فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون﴾ [ أنه قال ](٢) :( تقوم الساعة والناس في أسواقهم يحلبون اللقاح، ويذرعون الثياب، ويتبايعون، وهم في حاجتهم ) [ السيوطي في الدر المنثور ٧/ ٦٢ ]. وعن الزّبير بن العوام رضي الله عنه [ أنه قال ](٣) :( إن الرجلين ليتبايعان إذ نادى مناد قد قامت الساعة ) [ بنحوه الدر المنثور ٧/٦٢ ].
ونحوه.
وقوله تعالى :﴿فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون﴾ أي وصية. وكذلك ذكر في حرف حفصة وأبيّ : أي يستطيعون وصية. وقوله تعالى :﴿تأخذهم وهم يخصّمون﴾ يحتمل ما ذكرنا أن الساعة تقوم، وهم على ما كانوا عليه من البياعات والخصومات والمنازعة، وعلى ذلك جاءت [ الأخبار ](٤).
ويحتمل ﴿وهم يخصّمون﴾ في الساعة والبعث أنها لا تقوم، ولا تكون، ولأنهم كانوا [ يختصمون فيها ](٥).
ودل قوله :﴿فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون﴾ أن استطاعة الفعل أنها لا تتقدم الفعل، لكنها [ تقارنه، وتجامعه ](٦)، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: فقال..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل تقاربها وتجامعها، في م: تقارنها وتجامعه..
يس 36:51
استطاعة الفعل تكون مع الفعل لا تتقدم الفعل؛ لأنها لو كانت تتفدم، لكانوا يستطيعون التوصية والرجوع إلى أهلهم إذا قامت بهم؛ دل هذا على أنها لا تتقدم الفعل، لكنها تقارنه وتجامعه، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)
وقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ).
قد ذكرنا القول في الصور في غير موضع، واختلافهم في ذلك:
قال قائلون: الصور: هو شبه القرن ينفخ فيه، وعلى ذلك روي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الصور فقال: " قرن ينفخ فيه "، فإن ثبت فقد كفينا مؤنة الاشتغال بغيره.
وقال قائلون: هو على التمثيل لا على التحقيق، لكنه ذكر النفخ؛ لسرعة أمرها وقيامها؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذًا ولا أخف من النفخ، فهو عبارة عن سرعتها ونفاذها؛ كقوله: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)، وهو قوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ).
قال أهل التأويل: ينفخ في الصور ثلاثًا بين كل نفخة مهلة كذا كذا سنة، يقولون: في النفخة الأولى يصعق فيها كل شيء مما خلق اللَّه؛ كقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ)، ثم ينفخ ثانيًا فيحيون بها ويخرجون من قبورهم، وهو قوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)، وينفخ ثالثا، فيجتمعون عند ربهم، وهو قوله: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ)، واللَّه أعلم بذلك.
والنسل: هو سرعة الخروج، أي: يسرعون، قال أَبُو عَوْسَجَةَ: النسل: هو المشي (يَنسِلُونَ) أي: يمشون، لكنه مشي مع سرعة، وهما واحد.
يس 36:52
وقوله: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)
من الناس من ينكر عذاب القبر بهذه الآية يقول: المرقد: موضع الراحة، والراقد هو الذي يكون في راحة، فلو كان لهم عذاب، أو كانوا في عذاب، لم يكونوا في رقدة ولا راحة، دل أنه لا يكون.
ومنهم من يقول: يكون في القبر عذاب، إلا أنهم لما عاينوا عذاب الآخرة، صار عذاب القبر لهم كالرقاد عند عذاب الآخرة.
ومنهم من يقول: ينامون نومة قبل البعث، ثم يبعثون، ومثل هذا.
وجائز أن يكون النفس التي تخرج عند النوم تلك النفس في حال الموت، فتجد تلك ألم ذلك كما تجد النفس التي تخرج من النائم ألم عذاب يصيبه، وتجد لذة أيضًا إذا كانت لذة، وترى في النوم أهوالا وأفزاعًا وذلك معروف؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ الكفرة يعذبون بما ذكرنا، فإذا بعثوا قالوا عند ذلك: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)، والمرقد: هو الموضع الذي ينام فيه.
أو أن يكونوا في عذاب - أعني: في القبور - لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوا أهوالها، وإن ذلك العذاب الذي كان لهم في القبر وسهل عند عذاب الآخرة؛ فصار ذلك كالرقاد لهم عند عذاب الآخرة فقالوا عند ذلك: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)، واللَّه أعلم بذلك.
وقوله: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا قول الملائكة لهم عن قولهم: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قول المؤمنين لهم عند قولهم الذي قالوا.
وجائز أن يكون ذلك أيضا قول أُولَئِكَ الكفرة، يقرون بالبعث عند معاينتهم البعث، يقولون: هذا الذي وعد لنا المرسلون، وقد صدقوا في ذلك، ونحن كذبناهم فيه، لكن لا ينفعهم تصديقهم إياهم بذلك في ذلك الوقت، وهو كإيمانهم عند معاينتهم بأس اللَّه، وهو قوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ، لكن لا ينفعهم.
وقوله: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)
يس 36:53
الآية ٥٣ وقوله تعالى :﴿إن كانت إلا صيحة واحدة﴾ يحتمل على حقيقة الصيحة، يجعل الله تعالى الصيحة علَما للإحياء والبعث، لا أن تكون الصيحة سببا للإحياء والبعث. ويحتمل لا على حقيقة الصيحة، ولكن على قدر الصيحة، كأنه يقول، والله أعلم : ما كانت إلا قدر صيحة واحدة، أي البعث. لكنه ذكر الصّيحة لأن الصيحة أسرع شيء، وأيسر على الخلق من غيره على ما ذكرنا في النفخ في الصور كقوله :﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر﴾ [النحل: ٧٧] ذكر هذا لأنه أخفّ شيء على الخلق وأهونه عليهم، فيُعبّر به عنه، ويكنّى ليعلموا خفة ذلك على الله وسهولته وهونه، وأنه ليس يثقل عليه شيء.
وقوله تعالى :﴿فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ ذكر لأن قوله تعالى :﴿إن كانت إلا صيحة واحدة﴾ في البعث، فإذا كان ذلك في البعث [ فيكون عند ](١) ذلك إحضارهم عند الله. وأما الأول فإنما هو في الهلاك والموت.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: فعند..
يس 36:54
يحتمل على حقيقة الصيحة، يجعل اللَّه تعالى الصيحة علمًا للإحياء والبعث لا أن تكون الصيحة سببًا للإحياء والبعث.
ويحتمل لا على حقيقة الصيحة ولكن على قدر الصيحة؛ كأنه يقول - واللَّه أعلم -: ما كانت إلا قدر صيحة واحدة - أي: البعث - لكنه ذكر الصيحة؛ لأن الصيحة أسرع شيء وأيسر على الخلق من غيره على ما ذكرنا في النفخ في الصور؛ كقوله: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ)، ذكر هذا؛ لأنه أخف شيء على الخلق، وأهونه عليهم؛ فيعبر به عنه ويكني بما ذكر، ليعلموا خفة ذلك على اللَّه، وسهولته وهوانه، وأنه ليس يثقل عليه شيء.
وقوله: (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ).
ذكر أن قوله - تعالى -: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) في البعث، فإذا كان ذلك في البعث فعند ذلك إحضارهم عند اللَّه، وأما الأول فإنما هو في الهلاك والموت.
وقوله: (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)
الظلم في اللغة: هو وضع الشيء في غير موضعه كأنه يقول - واللَّه أعلم -: اليوم لا توضع نفس في غير موضعها، ولكن توضع على ما وضعها في الدنيا.
أو يكون الظلم عبارة عن النقصان، كأنه يقول - واللَّه أعلم -: فاليوم لا تنقص نفس عما استوجبت وتوفى؛ كقوله: (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي: لم تنقص منه.
أو يقول: فاليوم لا يُحمل على نفس ذنب غيرها، ولا يوضع وزر غيرها، بل يَجْزي اللَّه كل نفس جزاء عملها، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)
يخبر - واللَّه أعلم -: عن شغل أهل الجنة أنهم وإن كانوا مشغولين في أن نعيم فإن ذلك الشغل يحجبهم عن غيرهم من الأشياء، وكذلك جميع الخلائق أنهم إذا شغلوا في شيء حجبوا عن غيره ومنعوا، فأما اللَّه - سبحانه - فيتعالى عن أن يشغله شيء أو يحجبه شيء عن شيء.
ثم الاشتغال في الدنيا مما يضر أهلها ويؤذي، فأخبر أن شغل أهل الجنة مما لا يضرهم ولا يؤذي؛ حيث قال: (فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ)، قيل: ناعمون بما هم فيه، وقيل: معجبون في ذلك.
يس 36:55
الآية ٥٥ وقوله تعالى :﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شُغل فاكهون﴾ يخبر، والله أعلم، عن شغل أهل الجنة، إنهم وإن كانوا مشغولين في النعيم فإن ذاك الشغل يحجبهم عن غيرهم من الأشياء. وكذلك جميع الخلائق، إنهم إذا شغلوا في شيء حُجبوا عن غيره، ومُنعوا.
فأما الله سبحانه، فيتعالى عن أن يشغله شيء، أو يحجبه شيء عن شيء.
ثم إن الاشتغال في الدنيا مما يضرّ أهلها، ويؤذي. فأخبر أن شُغل أهل الجنة مما لا يضرّهم، ولا يؤذي حين(١) قال :﴿في شغل فاكهون﴾ قيل : ناعمون بما هم فيه، وقيل : معجبون(٢) في ذلك.
وقال القتبيّ :﴿فاكهون﴾ يتفكّهون، ويقال للمزاح فكاهة، و﴿فاكهون﴾ أراد ذوي فكاهة.
وقال أبو عوسجة :﴿فاكهون﴾ من الفكاهة، فكِهون(٣) من السرور، والمفاكهة الممازحة.
ثم قال بعضهم : شغُلهم في افتضاض العذارى، وقيل : شغلهم في كل نعيم وفي كل كرامة على ما ذكر، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: معجبين..
٣ هذه قراءة، انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/٢١٤..
يس 36:56
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (فَاكِهُونَ): يتفكهون، ويقال للمزاح: فكاهة، وفاكهون: أراد ذوي فكاهة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَاكِهُونَ): من المفاكهة، وفكهون من السرور، والمفاكهة: الممازحة.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: شغلهم في افتضاض العذارى، وقيل: شغلهم في كل نعيم وفي كل كرامة على ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله: (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ (٥٦)
يخبر أن أهل الجنة وإن كانوا لا يحجبون عن شيء، ولا يمنعون شيئًا، فإنهم إذا كانوا مع أزواجهم لا يقع عليهم بصر غيرهم فينتقض ذلك، وهو كما ذكر: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)، يخبر أنهم إذا كانوا مع أزواجهم لا يطلع عليهم غيرهم، والله أعلم.
و (ظِلَالٍ) جمع ظلة.
وقوله: (عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ).
الاتكاء على الأرائك إنما هو للراحة، فيخبر - واللَّه أعلم - عن غاية راحتهم ونهاية كرامتهم، وإلا ليس في الاتكاء على الأرائك فضل كرامة ومنزلة، ولكن يذكر عن راحتهم وتنعمهم؛ كقوله: (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا).
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (الْأَرَائِكِ): السرر في الحجال، واحدها: أريكة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (الْأَرَائِكِ): الوسائد.
وعن الحسن قال: الأريكة: الحجلة، وهي بلغة أهل اليمن يسمون الحجلة: أريكة.
قوله تعالى: (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧)
قيل: الفاكهة هي التي تؤكل على الشهوة لا على الحاجة، يخبر - واللَّه أعلم - أن أهل الجنة إنما يأكلون ما يأكلون على الشهوة لا على الحاجة.
وقوله: (وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ).
قيل: ما يتمنون، وقيل: ما يسألون.
وجائز أن يكون (يَدَّعُونَ) ومن الدعوى، أي: يعطون جميع ما يدعون لأنفسهم ليس
يس 36:57
الآية ٥٧ [ وقوله تعالى ](١) :﴿لهم فيها فاكهة ولهم ما يدّعون﴾ قيل : الفاكهة، هي التي تؤكل على الشهوة لا على الحاجة. يخبر، والله أعلم، أن أهل الجنة إنما يأكلون على الشهوة لا على الحاجة.
وقوله تعالى :﴿ولهم ما يدّعون﴾ قيل : ما يتمنّون : وقيل : ما يسألون. وجائز أن يكون ﴿ما يدّعون﴾ من الدعوى، أي يعطون جميع ما يدّعون لأنفسهم، ليس كالدنيا.
وقال أبو معاذ :﴿ولهم ما يدّعون﴾ أي ما يشتهون، ويتمنّون في الجنة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
يس 36:58
كالدنيا.
وقال أبو معاذ: (وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ) أي: ما يشتهون ويتمنون في الجنة، واللَّه أعلم.
وقوله: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: يردون إليهم - أعني: الملائكة - سلام اللَّه بحق التبليغ إليهم سلام اللَّه نحو ما يبلغ بعضهم بعضًا سلام بعض: أقرئ فلانًا مني السلام؛ فعلى ذلك يقولون: إن اللَّه قد أقرأ عليكم السلام.
والثاني: أن يسلم عليهم الملائكة بأمر ربهم، يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم.
والثالث: أن يكون القول من اللَّه وعدا بالسلامة لهم فيها من كل آفة وبلاء يكون شي الدنيا؛ كقوله: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ)، ونحوه.
وفي حرف أبيّ وابن مسعود: (سلامًا قولًا) بالنصب، فهو - واللَّه أعلم - كأنهما يجعلان تمام الكلام في قوله: (يَدَّعُونَ) ثم يقطع (سلامًا قولا) منه، وأمَّا قراءة هَؤُلَاءِ برفع السلام، فمعناها - واللَّه أعلم -: ولهم ما يدعون سلامًا، ثم الكلام قطع (قَولًا) منه.
* * *
قوله تعالى: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)
وقوله: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ).
كأن أهل الجنة وأهل النار يكونون مختلطين، فيفرق هَؤُلَاءِ؛ لأنهم يكونون في الابتداء مجموعين، وكذلك سمي: يوم الجمع، ويوم الحشر، ثم يفرق بينهم؛ كقوله: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، وسمي: يوم الفصل.
وأصل قوله: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ) ليس على الأمر في الحقيقة: أن افترقوا، ولكن على حقيقة التفريق على ما ذكر في آية أخرى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)، وأصل الامتياز: الافتراق والاعتزال؛ وبه يقول أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: إن الامتياز هو التفرق والتنحي.
وقوله: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)
يس 36:59
الآية ٥٩ وقوله تعالى :﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ كان أهل الجنة وأهل النار، يكونون مختلطين، فيُفرّق هؤلاء [ عن هؤلاء ](١) لأنهم يكونون(٢) في الابتداء مجموعين، ولذلك سمّى ﴿يوم الجمع﴾ [ الشورى : ٧ والتغابن : ٩ ] ويوم ﴿الحشر﴾ [الحشر: ٢]، ثم يفرّق بينهم كقوله :﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ [الشورى: ٧] ولذلك سمّى ﴿يوم الفصل﴾ [ الصافات : ٢١ و. . ].
وأصل قوله :﴿وامتازوا اليوم﴾ ليس على الأمر في الحقيقة أن افترقوا، ولكن على حقيقة التفريق على ما ذكر في آية أخرى :﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ [الأنفال: ٣٧].
وأصل الامتياز الافتراق والاعتزال، وبه يقول أبو عوسجة والقتبي : إن الامتياز، هو التفرّق والتّنحّي.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، في الأصل: يكون..
يس 36:60
الآية ٦٠ وقوله تعالى :﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان﴾ يخرّج على وجوه ثلاثة :
أحدها : عهد خلقة وبيّنة، إذ قد جعل الله تعالى في خلقة كل أحد بيّنة(١) تشهد على وحدانيته، وجعل العبادة له، وصرفها(٢) عمن دونه، فنقضوا ذلك العهد، وصرفوا العبادة إلى غيره والألوهية.
والثاني : ما أخذ عليهم من العهد على ألسن الرسل والأنبياء من الأمر والنهي.
والثالث : ما جعل فيهم من الحاجات والشهوات التي يحملهم قضاؤها من عنده على صرف العبادة إليه والشكر له على نعمائه وجعل الألوهية له، ويمنعهم صرفها إلى غيره وجعلها لمن دونه، فنقضوا ذلك كله، وتركوه.
فإن قيل : ذكر عبادة الشيطان، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، ولا يعبده، بل كل ينفر(٣) عن عبادته، ويهرب منه [ قيل : إن هذا ](٤) يخرّج على وجهين :
أحدهما : يحتمل أنه يريد من الشيطان المردة من الكفرة والأئمة منهم، الذين صرفوهم عن عبادة الله، سمّوا شيطانا لما بعّدوا عن رحمة الله، شطن أي بعُد كقوله :﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾ [الأنعام: ١١٢].
والثاني : نسب تلك العبادة إلى الشيطان، وأضافها إليه، وإن كانوا هم لا يقصدون بعبادتهم الشيطان لما بأمره يعبدون [ ما يعبدون ](٥) من الأصنام، فنسب إليه الأمر، أو لما كان منه بداية الأمر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إنه لكن عدوٌّ مبين﴾ عداوته لنا ظاهرة بيّنة في كل شيء حتى في المأكل والمشرب والملبس كقوله /٤٤٨-أ/ ﴿فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ورى عنهما﴾ الآية [ الأعراب : ٢٠ ] فهو يريد أن يوقعنا، فهو عدوّ لنا.
١ أدرج بعدها في الأصل وم: ما..
٢ في الأصل وم: ويصرفها..
٣ في الأصل وم: يفر.
٤. من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: لكنه.
٥. من م، ساقطة من الأصل.
يس 36:61
يخرج على وجوه ثلاثة:
أحدها: عهد خلقة وبنية؛ إذ قد جعل اللَّه تعالى في خلقة كل أحد وبنيته ما يشهد على وحدانيته، وجعل العبادة له ويصرفها عمن دونه، فنقضوا ذلك العهد وصرفوا العبادة إلى غيره والألوهية.
والثاني: ما أخذ عليهم من العهد على ألسن الرسل والأنبياء من الأمر والنهي.
والثالث: ما جعل فيهم من الحاجات والشهوات التي يحملهم قضاؤها من عنده على صرف العبادة إليه والشكر له على نعمائه، وجعل الألوهية له، ويمنعهم صرفها إلى غيره وجعلها لمن دونه، فنقضوا ذلك كله وتركوه.
فَإِنْ قِيلَ: ذكر عبادة الشيطان، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ولا يعبده، بل كل يفر عن عبادته ويهرب منه، لكنه يخرج على وجهين:
أحدهما: يحتمل أن يريد بالشيطان: المردة من الكفرة والأئمة منهم الذين صرفوهم عن عبادة اللَّه، سموا شيطانًا؛ لما بعدوا عن رحمة اللَّه؛ شطن، أي: بعد، كقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).
والثاني: نسب تلك العبادة إلى الشيطان وأضافها إليه، وإن كانوا هم لا يقصدون بعبادتهم الشيطان؛ لِمَا بأمره يعبدون ما يعبدون من الأصنام؛ فنسب إليه بالأمر، أو لما كان منه بداية الأمر، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).
عداوته لنا ظاهرة بينة في كل شيء، حتى في المأكل والمشرب والملبس؛ كقوله: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا...) الآية؛ إذ هو يريد أن يوقعنا في المهالك فهو عدو لنا.
وقوله: (وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)
أي: اعبدوني فإن عبادتي هي الصراط المستقيم.
وقوله: (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)
يحتمل قوله: (أَضَلَّ مِنْكُمْ)، أي: أهلك، وهو ما أهلك من القرون المتقدمة نحو عاد وثمود وقرونًا غير ذلك، والإضلال يكون الإهلاك في اللغة.
ويحتمل على حقيقة الإضلال عن الهدى.
ثم هو يخرج على وجهين:
يس 36:62
الآية ٦٢ وقوله تعالى :﴿ولقد أضلّ منكم جيلا كثيرا﴾ يحتمل قوله ﴿أضل﴾ أي أهلك، وهو ما أهلك من القرون المتقدمة نحو عاد وثمود وقرونا غير ذلك، والإضلال يكون الإهلاك في اللغة، ويحتمل على حقيقة الإضلال عن الهدى. ثم هو يخرّج على وجهين :
أحدهما : إن رأيتم، وعلمتم أنه قد أهلك الله خلقا كثيرا بإبليس بما ضلّوا به، واستأصلهم لذلك، فكونوا أنتم يا معشر أهل مكة على حذر منه لئلا ينزل بكم كما نزل بأولئك بضلالهم به، والله أعلم ﴿أفلم تكونوا تعقلون﴾ أنه فعل ذلك بهم ؟ يخرّج على التعبير والتوبيخ لهم لترك هؤلاء والنظر في أمر أولئك.
والثاني :﴿جيلا كثيرا﴾ قال بعضهم : جموعا كثيرة. وقال بعضهم : خلقا كثيرا. وقال بعضهم أمما كثيرة، وكله واحد.
وأصله من قولك : جبلهم على كذا، أي طبعهم، ويُقرأ : جُبُلاً وجُبُلاًّ وجِبْلاً وجِبِلاًّ برفع الجيم وخفضها وتشديد اللام(١).
قال أبو عوسجة : الجِبِلّة الخِلقة.
١ في الأصل وم: والتشديد انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/٢١٧..
يس 36:63
أحدهما: أن قد رأيتم وعلمتم أنه قد أهلك اللَّه خلقًا كثيرًا بإبليس بما ضلوا به واستأصلهم لذلك؛ فكونوا أنتم يا معشر أهل مكة على حذر منه؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأُولَئِكَ بضلالهم به - واللَّه أعلم - (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ): أنه فعل ذلك بهم، يخرج على التعيير والتوبيخ لهم لترك هَؤُلَاءِ النظر في أمر أُولَئِكَ.
والثاني: قوله: (جِبِلًّا كَثِيرًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: جموعًا كثيرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: خلقًا كثيرًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أممًا كثيرة؛ وكله واحد، وأصله من قولك: جبلهم على كذا، أي: طبعهم، ويقرأ: (جُبلًّا) و (جِبِلًّا) برفع الجيم والتشديد وخفضها والنشديد.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الجبلة والجبلة: الخلق.
وقوله: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)
يشبه أن يكونوا لما رأوا جهنم قالوا: ما هذا الذي نراه؟! فعند ذلك قيل لهم: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) بها، (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) أي: ادخلوها اليوم بما كنتم تكذبون بها، واللَّه أعلم.
وقوله: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ... (٦٥)
أي: نطبع على أفواههم، فلا يتكلمون (وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
كأنهم - واللَّه أعلم - لما أنكروا كفرهم وشركهم وعملهم الذي عملوه في الدنيا؛ كقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، وأمثاله عند ذلك يأذن الله لسائر جوارحهم وأركانهم بالنطق والشهادة عليهم بما عملوا؛ كقوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...) الآية، وقوله: (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...) الآية، ثم أنطق ألسنتهم حتى يعاتبوا الجوارح في شهادتها عليهم بقوله: (لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ).
وفيه أن النطق والكلام الذي يكون من اللسان لا يكون لأنه لسان أو لنفس اللسان، ولكن للطف يجعل اللَّه ذلك في اللسان فينطق، فحيثما جعل ذلك اللطف والمعنى في أي جارحة ما جعل نطقت وتكلمت، ولو كان النطق والكلام لنفس اللسان، لكان يجب أن ينطق لسان كل ذي لسان لما له اللسان، فإذا لم ينطق دل أنه للطف جعل فيه به ينطق
يس 36:64
الآيتان ٦٣ و٦٤ وقوله تعالى :﴿هذه جهنم التي كنتم توعدون﴾ بها ﴿اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون﴾ أي ادخلوها اليوم بما كنتم تكذّبون بها، والله أعلم.
يس 36:65
الآية ٦٥ وقوله تعالى :﴿اليوم نختم على أفواههم﴾ أي نطبع على أفواههم فلا يتكلمون ﴿وتُكلّمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ كأنهم، والله أعلم، لما أنكروا كفرهم وشركهم وعملهم الذي عملوه في الدنيا كقوله :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣] وأمثاله، عند ذلك يأذن الله سائر جوارحهم وٍأركانهم بالنطق والشهادة عليهم بما عملوا كقوله :﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم﴾ الآية [النور: ٢٤] وقوله ﴿شهد عليهم سمعهم﴾ الآية [فصلت: ٢٠]. ثم تنطق ألسنتهم حتى يعاتبوا الجوارح في شهادتها عليهم بقوله :﴿لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ [فصلت: ٢١].
وفيه أن النطق والكلام الذي يكون من اللسان لا يكون، لأنه لسان، أو لنفس اللسان، ولكن للُطف يجعل الله ذلك في اللسان، فينطق. فحينما جعل ذلك اللطف والمعنى وفي أية جارحة ما جعل نطقت، وتكلمت، ولو كان النطق والكلام لنفس اللسان لكان يجب أن ينطق لسان كل ذي لسان لما له اللسان. فإذا لم ينطق دل أنه للطف جعل ما فيه به ينطق، ويتكلم. فحيثما جعل المعنى واللطف نطق، وتكلم. وكذلك السمع والبصر وكل جارحة منه من اليد والرجل وغيرهما، جعل لطفا ومعنى، به يُسمع السمع، وبه يبصر البصر، وبه تأخذ، وتقبض اليد، وبه تمشي، وتذهب الرجل. فأينما جعل ذلك اللطف وذلك [ المعنى كان منه ذلك ما كان من السمع والبصر وغيره وكذلك ](١) الأطعمة والمياه، ليس الغذاء في عينها، ولكن في لطف، جعل الله فيها لطفا ومعنى، يصير غذاء لهم.
ألا ترى أن عين الطعام [ لا يبقى في المعدة ](٢) فيُرمى به، وينتفع بما فيه من الغذاء ؟ والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: يبقى..
يس 36:66
ويتكلم، فحيثما جعل ذلك المعنى واللطف نطق وتكلم؛ وكذلك السمع والبصر وكل جارحة منه من اليد والرجل وغيره جعل لطفًا ومعنى به يسمع السمع، وبه يبصر البصر، وبه تأخذ وتقبض اليد، وبه تمسْي وتذهب الرجل، فأينما جعل ذلك اللطف وذلك المعنى كان منه ذلك ما كادْ من السمع والبصر وغيره؛ وكذلك الأطعمة والمياه ليس الغذاء في عينها، ولكن في لطف جعل اللَّه فيها لطفًا ومعنى يصير ذلك غذاء لهم؛ ألا ترى أن عين الطعام تبقى فيرمى به وينتفع بما فيه من الغذاء؟! واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)
قال بعض أهل التأويل: لو نشاء لطمسنا أعين الضُّلَّال، فاستبقوا فلم يبصروا الطريق، فأنى يبصرون وقد فقأنا أعينهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فلو طمست: أي: حولت عن الكفر - لاستبقوا الصراط، يقول: لأبصروا طريق الهدى، ثم قال: (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) يقول: فمن أين يبصرون الهدى إن لم أعم عليهم طريق الكفرة؟!
(وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ... (٦٧)
أي: لأقعدناهم على أرجلهم لا يتقدمون ولا يتأخرون.
ويشبه أن يكون على خلاف هذا على التمثيل؛ يقول - واللَّه أعلم -: لو طمسنا أعينهم وأعميناهم فاستبقوا الطريق (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ)، أي: لا يبصرون الطريق؛ فعلى هذا إذا طمسنا أعين القلوب فأعميناها، فأنى يبصرون الهدى، أي: لا يبصرون.
(وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ).
يقول ذلك - واللَّه أعلم - على التمثيل، أي: لو حولنا ظاهر خلقتهم وصيرناها خنازير وقردة حتى ذهبنا بمنافع أنفسهم ظاهرة، فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون؛ فعلى ذلك إذا مسخنا قلوبهم وحولناها عن مكانها ما انتفعوا بها كما لم ينتفعوا بظواهر جواهرهم، على التمثيل لا على التحقيق.
وفي قوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ)، (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ) ودلالة أن لله في ذلك صنعًا؛ إذ لو لم يكن له فيما يختارون من الأفعال والأعمال صنع، لم يكن لتوعدهم على إذهاب ذلك وتحويله عن مكانه معنى، فدل أن له صنعًا في ذلك وفعلا.
قال الحسن وقتادة في قوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) فتركناهم عميا يترددون
يس 36:67
الآية ٦٧ [ وقوله تعالى ](١) :﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ أي لأقعدناهم على أرجلهم لا يتقدمون، ولا يتأخّرون.
ويشبه أن يكون على خلاف هذا، على التمثيل، يقول، والله أعلم : لو طمسنا أعينهم، وأعميناهم، فاستبقوا الطريق ﴿فأنى يبصرون﴾ ؟ أي لا يبصرون الطريق. فعلى هذا إذا طمسنا أعين القلوب، فأعميناهم ﴿فأنى يبصرون﴾ الهدى ؟ أي لا يبصرون.
[ وقوله تعالى ](٢) :﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مُضيًّا ولا يرجعون﴾ يقول، والله أعلم، على التمثيل : لو حوّلنا ظاهر خلقتهم(٣)، وصيرناها خنازير وقردة حتى ذهبنا بمنافع أنفسهم الظاهرة(٤) ﴿فما استطاعوا مضيّا ولا يرجعون﴾. فعلى ذلك إذا مسخنا قلوبهم، وحولناها عن مكانها ما انتفعوا بها كما ينتفعون بظاهر جوارحهم(٥) على التمثيل لا على التحقيق.
وفي قوله :﴿ولو نشاء لطمسنا على أعينهم﴾ دلالة أن لله في ذلك صنعا، إذ لم يكن في ما يختارون من الأفعال والأعمال صنع لم يكن [ لتوعّده إياهم ](٦) على إذهاب ذلك وتحويله عن مكانه معنى. فدل أن له صنعا في ذلك وفعلا.
قال الحسن وقتادة في قوله :﴿ولو نشاء لطمسنا على أعينهم﴾ فتركناهم عُميا، يتردّدون ﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ أي لأقعدناهم على أرجلهم على ما ذكر ﴿فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون﴾ يقول : والله أعلم : ما استطاعوا أن يتقدموا، ويتأخّروا.
وابن عباس رضي الله عنه يقول ما تقدم ذكره، أي لو شاء غير أعين الضُّلال، فلم يُبصروا الطريق، ﴿فأنى يبصرون﴾ ؟ أي كيف يبصرون ؟ أو نحوه من الكلام.
ومقاتل يقول : لو شاء طمس أعينهم ظاهرة ﴿فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون﴾ ؟ أي لا يبصرون : وهو قريب مما ذكر أنفا.
وجائز أن يكون على التمثيل على ما ذكرنا بدءا.
ويحتمل على التحقيق : أن من قدر على الطمس أو المسخ وما ذكر من النّكس لا يعجزه شيء عن البعث وغيره، إذ خلق الإنسان للطمس أو المسخ خاصة لا لعاقبة تُقصد ليس بحكمة [ فيكون فيه إثبات البعث ](٧) أو يذكر أنه لو شاء لطمسهم، ولمسخهم، لكنه تركهم، فلم يطمسهم، ولم يمسخهم، ليبقوا في النعمة، ليشكروا نعمه.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من م، في الأصل: خلقهم..
٤ في الأصل وم: ظاهرة..
٥ في الأصل وم: جواهرهم..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: لتوعدهم..
٧ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من وم..
يس 36:68
(وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ): أي: لأقعدناهم على أرجلهم على ما ذكر.
(فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ).
يقول - واللَّه أعلم -: ما استطاعوا أن يتقدموا ويتأخروا.
وابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول ما تقدم ذكره، أي: لو شاء غير أعين الضُّلَّال فلم يبصروا الطريق (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) أي: كيف يبصرون، أو نحوه من الكلام.
ومقاتل يقول: لو شاء طمس أعينهم ظاهره (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ)، أي: لا يبصرون، وهو قريب مما ذكر آنفًا.
وجائز أن يكون على التضثيل على ما ذكرنا بدءًا.
ويحتمل على التحقيق أن من قدر على الطمس أو المسخ وما ذكر من النكس، لا يعجزه شيء من البعث وغيره؛ إذ خلق الإنسان للطمس أو المسخ خاصة لا لعاقبة تقصد ليس بحكمة.
أو يذكر أنه لو شاء لطمسهم ولمسخهم، لكنه تركهم فلم يطمسهم ولم يمسخهم؛ ليبقوا في النعمة؛ ليشكروا نعمه.
* * *
قوله تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)
وقوله: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ).
أي: من نعمره حتى يدركه الهرم والضعف، يقول: نرده في الخلق الأول لا يعقل فيه كعقله الأول؛ كقوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ).
(أَفَلَا يَعْقِلُونَ).
أي: من فعل هذا، أو قدر على هذا، لا يعجزه شيء ويتأدى به شكره.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: المطموس: هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) أي: فتجوزوا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) أي: أعميناهم، والمسخ: هو تغيير
يس 36:69
الصور والأبدان.
وقوله: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ).
أي: نصيره ضعيفًا بعد أن كان قويًّا.
وقوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ... (٦٩)
نزل هذا - واللَّه أعلم - عند قولهم: إنه شاعر، وإنه كذاب؛ فأخبر أنه لم يعلمه الشعر، وما ينبغي له الشعر، تكذيبًا لهم، وردًّا عليهم: أنه شاعر، وأن هذا القرآن شعر، جعل اللَّه عجز رسوله عن القيام بإنشاد الشعر بعض آياته من آيات رسالته، كما جعل عجزه عن تلاوة الكتاب من قبل وكتابته وخطه بيمينه آية من آيات رسالته؛ ليعلم أُولَئِكَ الذين قذفوه بالشعر والافتراء من نفسه والكذب على اللَّه وبالسحر أنه إنما أخبر عن وحي عن اللَّه، لا ما يقولون هم، وهم على يقين، وعلم: أنه ليس شاعرًا ولا ساحرًا ولا كذابًا؛ لما لم يروه اختلف إلى أحد منهم في تعلم ذلك، ولا كان عنده من كتبهم منها أخذ ذلك أولا أخذ عليه، كذب قط، لكنهم نسبوه إلى ما نسبوه من الشعر والسحر والكذب؛ تعنتًا منهم وعنادًا، يلبسون أمره بذلك على أتباعهم وسفلتهم؛ لئلا تذهب رياستهم ومنفعتهم.
وفي قوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث أخبر أنه لم يعلمه الشعر، وقد أعطى له جميع أسباب الشعر، وقال في القرآن: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) و (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، أنه كان من اللَّه لطف سوى السبب فيما أخبر أنه قد علمه؛ دل أن التعليم له فيما كان منه تعليم له بلطف منه سوى السبب لا بنفس السبب؛ إذ نفس السبب قد كان له في الأمرين جميعًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ).
أن يشتغل بشيء مما يتلهى به، والشعر في الأصل؛ إنما جعل للتلهي به والتلذذ؛ لذلك حيل بينه وبين طبعه إنشاد الشعر؛ ليكون أبدًا مشتغلا بما هو حكمة وعلم، وفيما هو أمر اللَّه، لا بما فيه التلهي واللهو، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ).
(إِن هُوَ) أي: ما هذا القرآن إلا ذكر؛ لما نسوه من أمر اللَّه ووعده ووعيده ومما لهم، ومما عليهم، يذكرهم ما نسوه وتركوه و (مُبِينٌ): يبين لهم ما لهم وما عليهم، أو يبين لهم ما يؤتى وما يتقى، أو يبين لهم أنه من اللَّه جاء ومن عنده نزل لا من عند المخلوقين.
أو (ذِكْرٌ) لأهل الكتاب، يذكرهم بما نسوه مما كان في كتبهم من نعته وصفته وما
يس 36:70
عليهم القيام به وما ليس، و (مُبِينٌ) لمشركي العرب أنه رسول وأن هذا القرآن من عنده جاء به، وكل كتب اللَّه ذكر ومبين ورحمة ونور وشفاء على ما أخبر، واللَّه أعلم.
وقوله: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)
قَالَ بَعْضُهُمْ: من كان عاقلا، يقول: لينذر القرآن من له عقل حن فيؤمن، (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ) أي: السخطة على الكافرين في علم اللَّه أنهم لا يؤمنون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا)، أي: مؤمنًا؛ لأن اللَّه - تبارك وتعالى - سمى المؤمن: حيا في غير آية، والكافر ميتًا.
ويحتمل قوله: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) أي: لتقع النذارة وتنفع من كان حيّا، أي: مؤمنًا على ما ذكرنا، وإن كان ينذر الفريقين جميعًا؛ كقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)، هو ينذر من اتبع الذكر، ومن لم يتبع الذكر، لكن النذارة إنما تقع وتنفع لمن اتبع الذكر وخشي الرحمن خاصة؛ وكقوله: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، هو يذكر لهم جميعًا لكن المنفعة للمؤمنين فعلى ذلك الأول.
ويحتمل قوله: (مَنْ كَانَ) أي: من يطلب بحياته الفانية الحياة الدائمة، (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) القول الذي قال: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)
قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا) و (أَلَمْ تَرَ)، ونحوه أنه في الظاهر حرف استفهام، لكنه من اللَّه على الإيجاب والإلزام؛ ثم هو يخرج على وجهين:
أحدهما: على الخبر أن قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام وما ذكر.
والثاني: على الأمر على الرؤية والنظر فيما ذكر، أي: فليروا.
فإن كان على الخبر أنهم قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام، فهلا تفكروا واعتبروا فيما خلق لهم من الأنعام وغيرها: أنه لم يخلق لهم ذلك عبثًا باطلا ولكن لحكمة، ولو لم يكن بعث على ما يقولون هم كان خلق ذلك عبثًا باطلا؟!
أو أن يقول: إن من قدر على تصوير ما ذكر من الأنعام وغيره في الأرحام وتركيب ما ركب فيها من الأعضاء والجوارح في الظلمات، لا يحتمل أن يخفى عليه شيء أو يعجزه، أو يفعل ذلك على التدبير الذي فعل بلا حكمة.
يس 36:71
الآية ٧١ وقوله تعالى :﴿أولم روا أنا خلقنا لهم﴾ قد ذكرنا في ما تقدم في غير موضع أن قوله :﴿ألم تر﴾ ونحوه أنه في الظاهر حرف استفهام، لكنه من الله على الإيجاب والإلزام. ثم هو يخرّج على وجهين :
أحدهما : على الخبر أن قد رأوا ما خلق من الأنعام وما ذكر.
والثاني : على الأمر بالرؤية(١) والنظر في ما ذكر، أي فليروا.
فإن كان على الخبر أنهم قد رأوا ما خلق الله من الأنعام فهلا تفكّروا، واعتبروا في ما خلق لهم من الأنعام وغيرها أنه لم يخلق لهم ذلك عبثا باطلا [ ولكن لحكمة. ولو لم يكن بعث على ما يقولون هم كان خلق ذلك عبثا باطلا }(٢).
[ أو يقول : إن من قدر على خلق ذلك من الأنعام وتسخيرها ما لو تركها كلها، لم يُمتها لامتلأت الأرض، لا يُحتمل أن يعجزه شيء، ولا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت ](٣).
أو يقول(٤) : إن من قدر على تصوير ما ذكر من الأنعام وغيره في الأرحام وتركيب ما ركّب فيها من الأعضاء والجوارح في الظلمات لا يحتمل أن يخفى عليه شيء، أو يعجزه، أو يفعل ذلك على التدبير الذي فعل بلا حكمة.
أو يذكر أنه خلق لهم من الأنعام، وذلّلها لهم، وجعل لهم فيها من المنافع ما ذكرنا بلا شكر يلزمهم، يستأدي على ذلك شكر ما أنعم عليهم. على هذا لو كان على الأمر بالرؤية في ما خلق والنظر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿مما عملت أيدينا أنعاما﴾ يحتمل ما عملت أيدي الخلق من الزراعة والغرس وغير ذلك مما يعمله الخلق، نسب ذلك إلى نفسه.
ويحتمل :﴿مما عملت أيدينا﴾ كقوله :﴿والسماء بنيناها بأييد وإنا لموسعون﴾ [الذاريات: ٤٧] وقوله :﴿قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ استكبرت أم كنت من العالمين﴾ [ص: ٧٥] أي بقوتي ونحوه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فهم لها مالكون﴾ قال بعضهم : قادرون على الانتفاع بها واستعمالها، يقول الرجل في ما له فيه حقيقة الملك : أنا غير مالك عليه، إذا كان غير قادر على الانتفاع به، ولا مالك على استعماله.
وقيل :﴿مالكون﴾ أي ضابطون قادرون على إمساكها، يقال : فلان غير ضابط على إبله ودابته، وهما واحد، والله أعلم.
١ في الأصل وم: على الرؤية..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من م..
٤ من م، في الأصل: يقولوا..
يس 36:72
أو يذكر أنه خلق لهم من الأنعام وذللها لهم وجعل لهم فيها من المنافع ما ذكرنا بلا شكر يلزمهم، يتأدى على ذلك شكر ما أنعم عليهم على جهة ما لو كان على الأمر بالرؤية فيما خلق والنظر، واللَّه أعلم.
وقوله: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا).
يحتمل ما عملت أيدي الخلق من الزراعة والغرس وغير ذلك مما يعمله الخلق، نسب ذلك إلى نفسه.
ويحتمل (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا)، أي: قوتنا؛ كقوله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ)، وقوله: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، أي: بقوة ونحوه، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: قادرون على الانتفاع بها والاستعمال لها، يقول الرجل فيما له فيه حقيقة الملك: أنا غير مالك عليه إذا كان غير قادر على الانتفاع به، ولا مالك على استعماله.
وقيل: (مَالِكُونَ)، أي: ضابطون قادرون على إمساكها، يقال: فلان غير ضابط على إبله ودابته وهما واحد، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ (٧٣)
يخبر عن أنواع ما جعل لهم من الأنعام وأنعم عليهم؛ ليتأدى بذلك شكره، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ... (٧٥)
يخبر عن سفههم وقلة بصرهم وفهمهم؛ لاتخاذهم الأصنام آلهة وعبادتهم إياها؛ رجاء النصر لهم، وتركهم عبادة اللَّه على وجود المعونة والنصر منه، وجعله كل شيء لهم، ثم يكون رجاؤهم بذلك ما قالوا: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عَندَ اللَّهِ)، و (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلفَى)، وذلك في الآخرة.
ويحتمل رجاء النصر لهم بعبادتهم الأصنام في الدنيا في دفع ما ينزل بهم من البلايا والشدائد؛ كقوله: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ).
ثم أخبر أن الأصنام إلتي يعبدونها وما رجوا منها لا يستطيعون نصرهم وما رجوا من شفاعتهم والنصر لهم، وأخبر أن ما عبدوا دونه يصير أعداء لهم.
قال: (وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ).
في الآخرة؛ كقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)؛ هذا على تأويل بعضهم من أهل التأويل يجعل الأصنام جندًا عليهم وأعداء لهم على ما ذكرنا.
يس 36:73
الآيتان ٧٢ و٧٣ وقوله تعالى :﴿وذلّلناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾ ﴿ولهم فيها منافع ومشارب﴾ يخبر عن أنواع ما جعل لهم من الأنعام، وأنعم عليهم ليستأدي بذلك شكره، والله أعلم.
يس 36:74
الآيتان ٧٤ و٧٥ قوله تعالى :﴿واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون﴾ ﴿لا يستطيعون نصرهم﴾ يخبر عن سفههم وقلة بصرهم لاتخاذهم الأصنام آلهة وعبادتهم إياها رجاء النصر لهم وتركهم عبادة الله على وجود المعونة والنصر منه وجعله كل شيء لهم.
ثم يكون رجاؤهم ذلك(١) ما قالوا :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] [ وقالوا ](٢) :﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وذلك في الآخرة.
ويحتمل رجاء النصر لهم بعبادتهم الأصنام في الدنيا دفع(٣) ما ينزل بهم من البلايا والشدائد كقوله :﴿وإذا مسّكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ [الإسراء: ٦٧].
ثم أخبر أن الأصنام التي يعبدونها وما رجوا منها ﴿لا يستطيعون نصرهم﴾ وما رجوا من شفاعتهم والنصر لهم.
وأخبر أن ما عبدوا دونه يصيرون أعداء لهم بقوله(٤) :﴿وهم لهم جُند محضرون﴾ في الآخرة كقوله :﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزّا﴾ [مريم: ٧١] هذا على تأويل بعضهم من أهل التأويل بجعل الأصنام جندا عليهم وأعداء لهم على ما ذكرنا.
ويحتمل قوله :﴿وهم لهم جُند محضرون﴾ أي المشركون جند للآهلة التي يعبدونها، أي هم يتعصّبون(٥) لها، ويقومون في دفع من همّ بها فسادا وإهلاكا، أعني أصنامهم التي كانوا يعبدونها كقوله ﴿حرّقوه وانصروا آلهتكم﴾ [الأنبياء: ٢٨].
ثم اختلف فيه : قال بعضهم : ذلك في الآخرة. وقال بعضهم : ذلك في الدنيا، والله أعلم.
١. في الأصل و: بذلك..
٢ في الأصل وم: و.
٣ أدرج قبلها في الأصل وم: في..
٤ في الأصل وم: قال..
٥ في الأصل وم: يقيضون..
يس 36:75
الآيتان ٧٤ و٧٥ قوله تعالى :﴿واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون﴾ ﴿لا يستطيعون نصرهم﴾ يخبر عن سفههم وقلة بصرهم لاتخاذهم الأصنام آلهة وعبادتهم إياها رجاء النصر لهم وتركهم عبادة الله على وجود المعونة والنصر منه وجعله كل شيء لهم.
ثم يكون رجاؤهم ذلك(١) ما قالوا :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] [ وقالوا ](٢) :﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وذلك في الآخرة.
ويحتمل رجاء النصر لهم بعبادتهم الأصنام في الدنيا دفع(٣) ما ينزل بهم من البلايا والشدائد كقوله :﴿وإذا مسّكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ [الإسراء: ٦٧].
ثم أخبر أن الأصنام التي يعبدونها وما رجوا منها ﴿لا يستطيعون نصرهم﴾ وما رجوا من شفاعتهم والنصر لهم.
وأخبر أن ما عبدوا دونه يصيرون أعداء لهم بقوله(٤) :﴿وهم لهم جُند محضرون﴾ في الآخرة كقوله :﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزّا﴾ [مريم: ٧١] هذا على تأويل بعضهم من أهل التأويل بجعل الأصنام جندا عليهم وأعداء لهم على ما ذكرنا.
ويحتمل قوله :﴿وهم لهم جُند محضرون﴾ أي المشركون جند للآهلة التي يعبدونها، أي هم يتعصّبون(٥) لها، ويقومون في دفع من همّ بها فسادا وإهلاكا، أعني أصنامهم التي كانوا يعبدونها كقوله ﴿حرّقوه وانصروا آلهتكم﴾ [الأنبياء: ٢٨].
ثم اختلف فيه : قال بعضهم : ذلك في الآخرة. وقال بعضهم : ذلك في الدنيا، والله أعلم.
١. في الأصل و: بذلك..
٢ في الأصل وم: و.
٣ أدرج قبلها في الأصل وم: في..
٤ في الأصل وم: قال..
٥ في الأصل وم: يقيضون..
يس 36:76
ويحتمل قوله: (وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ)، أي: المشركون جند للآلهة التي يعبدونها، أي: هم يقيضون لها ويقومون في دفع من هم بها فسادًا وإهلاكًا - أعني: أصنامهم التي كانوا يعبدونها - كقوله: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ).
ثم اخنلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك في الآخرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك في الدنيا، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)
كان من أُولَئِكَ الكفرة لرسول اللَّه أقوال مختلفة:
مرة كان منهم ما ذكر: (وَإِذ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثبِتُوكَ...) الآية.
ومرة قالوا: إنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر.
ومرة قالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً).
ومرة قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا).
ومرة طعنوا فيه وفيما أقام من الحجج، ولا ندري أي قول كان منهم له فيحزن عليه حتى قال له: (فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)، أي: لا تحزن على قولهم؛ فإنا نعلم ما يسرون وما يعلنون؛ قنحفظ عليهم ذلك ونكافئهم على ذلك.
أو نعلم ما يسرون وما يعلنون فننصرك عليهم ونعينك.
أو أن يكون حزنه عليهم؛ إشفاقًا عليهم؛ لما كان يعلم نزول العذاب بهم والهلاك لعنادهم ومكابرتهم، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)
وقوله: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ).
هذا يخرج على الوجهين: إن كان على الأمر بالرؤية والنظر أي: فلير الإنسان ولينظر أن من قدر على خلق الإنسان مبتدأ من نطفة لقادر على إعادته؛ لأن إعادة الشيء في الشاهد أهون وأيسر من ابتدائه؛ إذ قد يحتذى ويصور بعد ما وقع البصر على الشيء ويرى ولا سبيل إلى احتذاء ما لم يروا، ولا تصوير ما لم يعاينوا، احتج اللَّه عليهم بالشيء الظاهر الذي يعلم كل أنه كذلك من غير تفكر ولا تأمل، وإلا الاحتجاج عليهم بالأشياء
يس 36:77
الآية ٧٧ وقوله تعالى :﴿أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة﴾ هذا يخرّج على الوجهين :
[ أحدهما : على الخبر أن قد رأى الإنسان أنا قد خلقناه من نطفة فلا يفكّر أن من قدر على خلق الإنسان مبتدأ من نطفة [ غير قادر ](١) على إعادته.
والثاني ](٢) : على الأمر بالرؤية، والنظر، أي فلير الإنسان، ولينظر أن من قدر على خلق الإنسان مبتدأ من نطفة قادر(٣) على إعادته أي إعادة الشيء في الشاهد أهون، وأيسر من ابتدائهّ، إذ قد يحتذى، ويصوّر، بعد ما يقع البصر على الشيء، ويرى، ولا سبيل إلى احتذاء ما لم يروا ولا تصوير ما لم يعاينوا.
احتج الله عليهم بالشيء الظاهر الذي يعلم كل [ واحد ](٤) أنه كذلك من غير تفكّر ولا تأمّل، والاحتجاج عليهم بالأشياء التي لم يذكر أبلغ وأكثر نحو خلق الإنسان من هذه النطفة على الصورة التي صورها، والنسمة التي خلقها فيها ما لو اجتمع حكماء البشر كلهم ليعرفوا(٥) كيفية خلقه منها من تركيب العظم والشعر والعين والبصر والسمع والعقل وجميع الجوارح ما قدروا /٤٤٩-أ/ على درك ذلك، أو لو اجتمعوا ليعرفوا(٦) كيفية غذائهم بالأطعمة والأشربة التي جعلها غذاء لهم، والقوة التي بها يتقوّون(٧) على كل أمر، أن كيف قدر، وقسم على السواء في الجوارح كلها المواد التي [ بها ](٨) ينمون، ويزيدون على الاستواء ما لو زاد في بعضها من قوى ذلك الطعام والشراب دون بعض، يزداد قوة على بعض، ونحو ذلك من العجائب، ولا سبيل إلى معرفة ذلك البتة يعد طول التفكر والتأمّل. لكنه احتج بالشيء الظاهر ليدركوا بالبديهة، ولا يدركون الآخر إلا بعد التأمل والتدبّر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فإذا هو خصيم مبين﴾ أي جدِل بيّن.
١ في الأصل وم: لقادر..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: وإن كان..
٣ في الأصل وم: لقادر..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: أن يعرفوا..
٦ في الأصل وم: على أن يعرفوا..
٧ من م، في الأصل: ينفرون..
٨ ساقطة من الأصل وم..
يس 36:78
التي لم يذكر أبلغ وأكثر نحو خلق الإنسان من هذه النطفة على الصورة التي صورها والنسمة التي خلقها فيها ما لو اجتمع حكماء البشر كلهم أن يعرفوا كيفية خلقه منها من تركيب العظم والشعر والعين - البصر - والسمع والعقل وجميع الجوارح - ما قدروا على درك ذلك، أو لو اجتمعوا على أن يعرفوا كيفية غذائهم بالأطعمة والأشربة التي جعلها غذاء لهم، والقوة التي بها يتقوون على كل أمر أن كيف قدر وقسم على السواء في الجوارح كلها؛ والمواد التي ينمون ويزيدون على الاستواء ما لو زاد في بعضها من قوى ذلك الطعام والشراب دون بعض يزداد قوة على بعض، ونحو ذلك من العجائب ما لا سبيل إلى معرفة ذلك ألبتَّة بعد طول التفكر والتأمل، لكنه احتج بالشيء الظاهر؛ ليدركوه بالبديهة ولا يدركون الآخر إلا بعد التأمل والتدبر، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ).
أي: جدل بين.
وقوله: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ (٧٨) ما ذكر من ضرب المثل له: (قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ).
وقوله: (وَنَسِيَ خَلْقَهُ) يحتمل وجوهًا:
أحدها: أي: غفل عن القدرة في خلق نفسه ما لو نظر وتفكر لعرف أنه قادر على الإعادة؟!
والثاني: غفل عن الحكمة في الإعادة؟.
والثالث: غفل عن الحكمة في ابتداء خلقه نفسه، ثم يخرج هذا على وجوه:
أحدها: أنه لو نظر وتفكر في حق نفسه أنه خلق من نطفة، ثم حول النطفة علقة، وحول العلقة مضغة، وحول المضغة خلقًا وإنسانًا تأمًّا متقنا، ثم صيره بحيث يأخذ في النقصان بعد ما كان تامًّا، ثم من فعل هذا في الشاهد أن يحكم الشيء ويتقنه ويتمه ثم يهدمه بلا عاقبة تقصد به، كان غير حكيم فعلى ذلك كان ما أحكم اللَّه من الخلق وأتقنه وتممه، ثم جعل ينقض منه ويوهنه، فلو لم يكن إعادته وخلقه ثانيًا، كان خارجًا عن الحكمة، فلو نظر في ابتداء خلق نفسه، لعرف أنه يعيده وينشئه ثانيًا.
والثاني: لو نظر وتفكر في ابتداء خلق نفسه: أنه كيف دبره في تلك الظلمات الثلاث، وقدره على أحسن تقدير في ذلك، فلو نظر وتفكر أن من قدر على تدبيره وتقديره في الظلمات الثلاث على ما دبره وقدره - قادر على إعادته؛ وهو كقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)، أي: هو أهون في عقولكم وتقديركم
يس 36:79
أهون من ابتدائه، فإذا قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر وأملك؛ إذ ذلك قي عقولكم أهون وأيسر، وإلا ليس في وصف اللَّه تعالى أن شيئا أهون عليه من شيء، بل الأشياء كلها تحت قوله: (كُنْ فَيَكُونُ) من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، لكنه عبر به؛ لأنه أخف حروف على الألسن وأيسره وأقصر كلام وأوجزه يؤدي به المعنى ويفهم منه المراد.
والثالث: أنه خلق هذه الأشياء والجواهر كلها سوى البشر للبشر ولمنافعهم، فلو لم يكن بعث ولا نشأة أخرى، كان خلق هذه الأشياء لهم عبثا باطلا.
أو أن يكون قوله: (وَنَسِيَ خَلْقَهُ) أي: غفل عن بدء خلقه إذ بدأ خلقه، إما أن كان من ماء أو تراب؛ فعلى ذلك إذا أفناه يصير ماء أو ترابًا فيعيده منه على ما أنشأه منه بدءًا.
ثم في قوله: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) دلالة نقض قول الباطنية وفساد مذاهبهم؛ حيث قالوا: إن إعادة الخلق وإنشاءه ليس على هذه البنية والصورة التي أنشأها بدءًا، ولكن ينشئ نفسًا روحانية على خلاف ما شاهدوها وعاينوها، فالآية تكذبهم وتنقض قولهم؛ حيث قال: (قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) أخبر أنه يحيي العظام التي أنكروا هم إحياءها واستبعدوا ذلك، وعلى ذلك قال: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) احتج عليهم بعلمهم النشأة الأولى؛ لإنكارهم النشأة الأخرى، فلو كان على خلاف ذلك لم يكن للاحتجاج عليهم بذلك معنى؛ فدل أنه ينشئهم ويعيدهم على الهيئة الأولى.
والثاني: ينقض عليهم قولهم أيضًا حيث قالوا: يوصل إلى معرفة ذلك من الذي يعلمه الرسول ويخبره دون النظر والتفكر والتدبر، فلو كان على ما يقولون، لم يكن لقوله: (وَنَسِيَ خَلْقَهُ)، ولا لقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ)، وقوله: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)، وقوله: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) - معنى؛ فدل أنه قد يوصل إلى معرفة ذلك بالتفكر والنظر، كما يوصل بخبر الرسول الذي قد أظهر صدقه للخلق، فتلزمه الحجة في هذا كما تلزمه في ذلك.
وقوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو نوع من الشجر يقال: المرخ، كانوا يوقدون منه النار، ويورون
يس 36:80
الآية ٨٠ وقوله تعالى :﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون﴾ اختلف فيه :
قال بعضهم : هو نوع من الشجر، يقال : المَرْخُ، كانوا يورون منه النار. وقيل : هو الزيتون الذي يُسرج منه. وتأويله : أن الشجر الأخضر، خضرته إنما تكون من الماء، والماء تطفئ النار، والنار تأكل الحطب والخشب. فمن قدر على الجمع بين المتضادين وحفظ كل واحد منهما عن صاحبه مما السبيل منها التنافر والتدافع [ فهو قادر ](١) على البعث، ولا(٢) يعجزه شيء.
وقال بعضهم : قوله :﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون﴾ هو أنشأ لكم من الشجر [ ما تتنزّهون به ](٣) وتتلذّذون ما دام أخضر. فإذا أدرك، وبلغ، تنتفعون [ بثماره وفواكهه ](٤) ثم يصير حطبا، توقدون منه(٥) النار، وتصطلون. فمن قدر على ما ذكرنا لا يُحتمل أن يُعجزه شيء. أو من فعل ما ذكر لا يحتمل أن يفعله عبثا باطلا.
فلو كان على ما قاله الكفرة : أن لا بعث، ولا نشور، كان فعل ذلك عبثا باطلا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: القادر..
٢ في الأصل وم: وأنه لا..
٣ يتنزهون بها..
٤ في الأصل وم: بثمارها وفواكهها..
٥ في الأصل وم: منها..
يس 36:81
منه، وقيل: هو الزيتون الذي يسرج منه.
وتأويله: أن الشجر الأخضر خضرته إنما تكون من الماء، والماء يطفئ النار، والنار تأكل الحطب والخشب، فمن قدر على الجمع بين المتضادين وحفظ كل واحد منهما عن صاحبه مما السبيل منها التنافر والتدافع - لقادر على البعث، وأنه لا يعجزه شيء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) هو ما أنشأ لهم من الشجر يتنزهون به ويتلذذون ما دام أخضر، فإذا أدرك وبلغ ينتفعون بثماره وفواكهه، ثم يصير حطبًا يوقدون منه النار ويصطلون، فمن قدر على ما ذكرنا لا يحتمل أن يعجزه شيء، أو من فعل ما ذكر لا يحتمل أن يفعله عبثًا باطلا، فلو كان على ما قاله أُولَئِكَ الكفرة أن لا بعث ولا نشور، كان فعل ذلك عبثًا باطلا، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)
يذكر - واللَّه أعلم - أو ليس من قدر على إنشاء السماوات والأرض مبتدأ لا من شيء ولا أصل لا يحتمل أن يعجزه إعادة الخلق وبعثهم.
أو يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأرض وما فيها قادر على أن يخلق مثلهم، وخلق المثل إعادة؛ لأنه إنما يكون بعد هلاك الذين أنشأهم وبعد إماتتهم، ويخلق مثلهم مع بقائهم سواهم، وفي ذلك ابتداء خلق وإعادة؛ فيلزمهم الإقرار بالبعث والقدرة على الإعادة.
ثم أخبر عن قدرته فقال: (بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ).
أي: هو خلق كل شيء من جواهر الأشياء وأفعالهم.
أو هو الخلاق في الدنيا والآخرة، (الْعَلِيمُ) يحتمل وجوهًا:
يحتمل العليم ببعثهم، أو العليم بمصالحهم ومعاشهم وما لا يصلح.
أو العليم بأحوالهم وأنفسهم ما ظهر منهم وما بطن وما أسروا وما أعلنوا.
وقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)
يحتمل: إنما حاله إذا أراد شيئًا (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، قد ذكرنا معنى هذه الآية فيما تقدم أن كل ما كان ويكون أبدًا لآبدين إنما يكون بـ (كن) الذي كان من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، إنما هو إخبار عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته، أو إخبار عن خفة ذلك عليه؛ يقول - واللَّه أعلم -: كما لا يثقل عليكم قول: " كُن "؛ فعلى ذلك لا يثقل على اللَّه ابتداء خلق ولا إعادته ولا شيء من ذلك.
ثم نزه نفسه وبرأها وذكر تعاليه عما ظن أُولَئِكَ من البعث في خلق شيء وبطلانه،
يس 36:82
الآية ٨٢ وقوله تعالى :﴿إنما أمره إذا أراد شيئا﴾ يحتمل إنما حاله ﴿إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ قد ذكرنا معنى هذه الآية في ما تقدم أن كل ما كان ويكون أبد الآبدين إنما يكون ب ﴿كن﴾ الذي كان من غير أن كان منه كاف ونون ﴿فيكون﴾ أو شيء من ذلك إنما هو إخبار عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته، أو إخبار عن خفّة ذلك عليه.
يقول، والله أعلم : كما لا يثقل عليكم قول ﴿كن﴾ فعلى ذلك لا يثقل على الله ابتداء خلق ولا إعادته ولا شيء من ذلك.
ثم نزّه نفسه، وبرّأها، وذكر تعاليه عما ظن أولئك من البعث في خلق شيء وبطلانه.
يس 36:83
فقال: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)
أي: تعالى وتبرأ عن أن يكون خلقه على ما ظن أُولَئِكَ حيث قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، ذلك ظن الذين كفروا؛ فكان ظنهم أن لا بعث ولا نشور، ثم أخبر أنه لو لم يكن ذلك، لكان خلق ما ذكر عبثًا باطلا، فقال: تعالى عن أن يلحقه في خلق شيء عبث أو فساد، وكذلك قوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا...) الآية. ، صير خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثًا باطلا.
أو أن يقول: يتعالى أن يثقل عليه إعادة الخلق أو ابتداؤهم، أو يتعالى عن أن يعجزه شيء، واللَّه أعلم.
قَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: (رَمِيمٌ) أي: بالية، يقال: رم العظم إذا بلي، فهو رميم ورمام؛ كما يقال: رفيت ورفات.
وقوله: (مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا) قالا: أراد الوقود التي توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفارة.
* * *
الصافات 37:1
سُورَةُ الصَّافَّاتِ
مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: الصافات هي الطير إذا صفت أجنحتها بين السماء والأرض.
وذكر عن ابن مسعود قال: الصافات والزاجرات والتاليات كلهم الملائكة، قال: الملائكة الصافات اصطفت الملائكة صفًّا لعبادة اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وتسبيحه، وكذلك ذكر عن ابن عَبَّاسٍ وغيره إلا أن غيره يفسر الزاجرات والتاليات أي ملائكة هم؟ ولسنا نذكر عن ابن مسعود وابن عَبَّاسٍ التفسير.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الزاجرات): هم الملائكة الذين يزجرون السحاب والأمطار، (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) هم الملائكة يتلون القرآن والوحي على الرسل والأنبياء، عليهم السلام.
وقال قتادة: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) أقسم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بخلق ممن خلق، قال: (وَالصَّافَّاتِ): الملائكة صفوف في السماء، (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) ما ذكر اللَّه في القرآن من زواجر عن المعاصي والمساوي، (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) قال: ما يتلى عليكم في القرآن من أخبار الرسل - عليهم السلام - وأنباء الأمم التي كانت قبلكم.
وجائز أن يكون (وَالصَّافَّاتِ): هم الملائكة الذي يصلون لله - عَزَّ وَجَلَّ - صفوفًا على ما ذكروا، (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا): هم الملائكة الموكلون بأرزاق الخلق وسوقها إليهم يسوقون إليهم سوقًا، (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا): هم الملائكة الموكلون بالتسبيح والتحميد وجميع الأذكار.
ثم وجه القسم بالملائكة الذين ذكر - واللَّه أعلم -: أنه عَزَّ وَجَلَّ قد عظم شأن الملائكة وأمرهم في قلوب أُولَئِكَ الكفرة حتى قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ
الصافات 37:4
نَذِيرًا)، وقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ)، وقول فرعون: (أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ)، وقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا)، وما وصفهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: أنهم (لا يعصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...) الآية، (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ...) الآية، عظم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر الملائكة عليهم وأعظم، شأنهم في قلوب أُولَئِكَ الكفرة وصدقهم عندهم؛ لذلك أقسم بهم على وحدانيته بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) على هذا وقع القسم.
ثم أخبر عن صنع ذلك الواحد الذي هو إلهكم وإله الخلق جميعًا، وذكر نعته، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)
يخبر عن وحدانيته وتفرده حيث أنشأ السماوات وأنشأ الأرض وما ذكر، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما، ومنافع المشارق متصلة بمنافع المغارب على بعد ما بينهما، ولو كان فعل عدد لمنع اتصال منافع بعض ببعض على ما يكون من فعل ذوي عدد وغلبة بعض على بعض، فإذا لم يمتنع ذلك، بل اتصل بعض ببعض؛ دل أنه فعل واحد لا شريك له.
ثم تخصيص ذكر السماوات والأرض وما ذكر دون غيره من الخلائق؛ لما عظم قدر السماء في قلوبهم؛ لنزول ما ينزل منها من الأمطار والبركات وغيرها، والأرض بخروج ما يخرج منها من الأنزال والأرزاق؛ ولذلك يخرج ذكرهما - واللَّه أعلم - فيما ذكر حيث قال فيهما: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، فلعظم قدرهما في قلوبهم ودوامهما عندهم خرج ذكرهما، وإن كانتا تفنيان ولا تدومان أبدًا، واللَّه أعلم.
ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) قال بعض المعتزلة - وهو جعفر بن حرب -: فإن قال لنا قائل من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا): إنه رب أعمالنا وأفعالنا، فنقول له: إن أردت أنه رب أعمالنا وأفعالنا فبلى، ثم قال: فيقال لهم: أتقولون: إنه خالق الكفر وخالق الشر ونحوه، وفي أفعال الخلق الكفر والشر ونحوه؟!
قيل له: لا يقال ذلك على الإطلاق: إنه خالق الكفر وخالق شر، وإن كان يقال في الجملة: خالق أفعال الخلق، ورب كل شيء، وخالق كل شيء؛ لأن ذكره على الجملة يخرج على تعظيم ذلك الشيء؛ نحو ما يقال: رب مُحَمَّد، ورب البيت، إنما هو لتعظيم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وتعظيم ذلك البيت خاصة؛ فعلى ذلك وصفنا إياه بالجملة أنه خالق أفعال
الصافات 37:5
الآية ٥ فقال :﴿رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشرق﴾ يخبر عن وحدانيته وتفرّده حين(١) أنشأ السماوات، وما ذكر، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بُعد ما بينهما، ومنافع المشارق متصلة بمنافع المغارب على بعد ما بينهما.
ولو كان فعل عدد لمنع بعض اتصال منافع بعض ببعض على ما يكون من فعل ذوي عدد وغلبة بعض على بعض. فإذ لم يمتنع ذلك، بل اتصل بعض ببعض دل أنه فعل واحد، لا شريك له.
ثم تخصيص ذكر السماوات والأرض وما ذكر دون غيره من الخلائق لما عظّم قدر السماء في قلوبهم لنزول ما ينزل من الأمطار والبركات وغيرها، [ وعظّم قدر ](٢) الأرض بخروج ما يخرج منها من الأنزال والأرزاق، ولذلك يخرّج ذكرهما، والله أعلم، في ما ذكر حين(٣) قال فيهما :﴿ما دامت السماوات والأرض﴾ [هود: ١٠٧] يعظّم قدرهما في قلوبهم ودوامهما عندهم(٤)، وإن كانت تفنيان، ولا تدومان أبدا، والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ قال أحد(٥) المعتزلة، وهو جعفر بن حرب : فإن قال لنا قائل :[ إن المراد ](٦) من قوله عز وجل :﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ أنه رب أعمالنا وأفعالنا، فنقول(٧) له : إن أردت أنه رب أعمالنا وأفعالنا فبلى.
ثم قال : فيقال لهم : أتقولون : إنه خالق الكفر وخالق الشر، وإن كان يقال في الجملة :[ إنه ](٨) خالق أفعال الخلق، ورب كل شيء، وخالق كل شيء، لأن ذكره يخرّج على تعظيم ذلك الشيء نحو ما يقال : رب محمد، ، ورب البيت، إنما هو تعظيم محمد ﷺ، وتعظيم ذلك البيت خاصة.
فعلى ذلك وصفنا إياه بالجملة : أنه خالق أفعال العباد وخالق كل شيء، يخرّج على وصف البيت بالعظمة والجلال وعلى الإشارة [ إلى شيء من الأشياء والتنصيص عليه ](٩) على تعظيم ذلك الشيء خاصة.
لذلك جاز أن يوصف أنه خالق أفعال العباد لما ذكرنا أنه يخرّج على المدح والتعظيم وعلى الإشارة على المذمّة له وتعظيم ذمّ ذلك الشيء. لذلك افترقا. والله الموفّق.
ثم يقال لهم : قولكم : إنه مالك لها، وليس بخالق، هل يقال لأحد : إنه مالك كذا، وما ينشئ ذلك، أو لم(١٠) يملّكه ؟
فإن ثبت أنه مالك الأعمال والأفعال ثبت أنه خالقها، إذ لا يقال :[ مالك ](١١) كذا إلا [ لقدرته ](١٢) على ذلك أو لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ورب المشرق﴾ قال بعض أهل التأويل : إن للشمس ثلاث مئة وستين مشرقا، تطلع كل يوم من كوّة. وكذلك يقولون في المغارب : إنها تغرب كل يوم في كوّة. لكن يشبه أن يكون أراد بالمشارق والمغارب كل شيء يشرق وكل شيء غارب بين الشمس والقمر والنجوم والكواكب [ وعلى ذلك ](١٣) يخرّج قوله :﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ [الرحمان: ١٧].
وأما أهل التأويل فإنهم يقولون : مشرق [ الشتاء ](١٤) والصيف، وكذل مغربهما.
١ قي الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ أدرج بعدها في الأصل وم: خرج ذكرهما..
٥ في الأصل وم: بعض..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: قيل..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: التي تبني منها والتخصيص..
١٠ في الأصل وم: لتمليك من..
١١ من م، ساقطة من الأصل..
١٢ في الأصل وم: للقدرة..
١٣ في الأصل وم: وغيرها..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
الصافات 37:6
العباد وخالق كل شيء يخرج على وصف البيت بالعظمة والجلال، وعلى الإشارة التي تبنى منها، والتخصيص على تعظيم ذلك الشيء خاصة؛ لذلك جاز أن يوصف أنه خالق أفعال العباد جملة؛ لما ذكرنا أنه يخرج على المدح والتعظيم وعلى الإشارة على المنة له في تعظيم ذلك الشيء؛ لذلك افترقا، واللَّه الموفق.
ثم يقال لهم: قولكم: إنه مالك لها وليس بخالق هل يقال لأحد: إنه مالك كذا إلا لما ينشئ ذلك أو لتمليك من يملكه، فإذا ثبت أنه مالك الأعمال والأفعال ثبت أنه خالقها؛ إذ لا يقال: مالك كذا إلا للقدرة على ذلك أو لما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ).
قال بعض أهل التأويل: إن للشمس ثلاثمائة وستين مشرقا تطلع كل يوم من كوة، وكذلك يقولون في المغارب: إنها تغرب كل يوم من كوة، لكن يشبه أن يكون أراد بالمشارق والمغارب كل شيء يشرق وكل شيء غارب من الشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ).
وأما أهل التأويل فإنهم يقولون: مشرق الشتاء والصيف وكذلك مغربهما.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ).
ليس أن هذه السماء التي نراها ونعاينها هي سماء الدنيا وغيرها سماء الآخرة، ولكن سماها سماء الدنيا لدنوها من أهل الأرض وقربها منهم، وأهل الأرض هم الجن والإنس، ولهما جرى الخطاب في ذلك وفي غيره؛ وعلى ذلك قول أهل التأويل: إنها إنما سميت: سماء الدنيا؛ لدنوها من أهلها، ولقربها منهم، واللَّه أعلم.
وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) أخبر أنه - عَزَّ وَجَلَّ - زينها بزينة الكواكب، وزينة الكواكب نفسها أضافها إلى نفسها وهي الزينة لها لا غير، فهو - واللَّه أعلم - كأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ) وهي الكواكب، أو قال: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ) فسئل ما هي؟ فقال: الكواكب.
الصافات 37:7
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)
قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ)، وحفظه إياها ما ذكر في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا)، قال ابن عَبَّاسٍ وغيره: قوله: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى) كانوا يَشَفَعُون ولَا يَسَّمَّعُونَ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كانوا لا يسمعون أخبار الملائكة وحديثهم فيما يتراجعون بينهم من أمر اللَّه وهم الملأ الأعلى.
ومن يقول: إنهم كانوا لا يسمعون يذهب إلى ما ذكر في سورة الجن حيث قالوا: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا)، أخبروا أن من يستمع الآن يجد له ما ذكر؛ دل أنهم كانوا يستمعون.
فَإِنْ قِيلَ: كيف يوفق بين هذه الآية وبين قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا... إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) استئنى الخطفة، وقال هاهنا: (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا...)، كذا ثم الخطفة إلا أن يكون على التمثيل، أي: موضع يخطف، أو على حقيقة الخطفة وهي الاستلاب والأخذ على السرعة، والله أعلم.
لكن يشبه أن يكون الآية التي قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا). في المؤمنين منهم؛ ألا ترى أنهم قالوا: (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ)، وأما ما ذكر في سورة الصافات فهو في الكفار منهم والمردة (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ) من الشياطين الذين يستمعون، واللَّه أعلم.
ثم في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ...) الآية، دلالة إثبات الرسالة لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه كان يخبرهم أن الجن يصعدون إلى السماء الدنيا ويستمعون من أخبار الملائكة وحديثهم فيما يتراجعون فيما بينهم من أمر اللَّه في الأرض، ثم يخبرون الكهنة بذلك، فيخبر الكهنة أهل الأرض عن ذلك أنه يكون غدًا كذا وفي يوم كذا وكذا وأنه انقطع ذلك بالوحي ويمنعون، فقالت الجن ذلك وأخبرت عن أنفسهم أنهم كذلك كانوا يفعلون، فصدقوه على ما أخبر من صنيعهم.
فَإِنْ قِيلَ: كيف صار ذلك آية له، وإنما أخبر عن قول الجن هم، وبه ظهر ذلك ومنه عرف؟!
قيل: هكذا لكن انقطاع الكهنة من بعد وحديثهم يدل على أن ذلك قد كان، ثم انقطع ذلك بالرسالة والوحي، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: فإذا ولوا الملائكة حفظ السماء وحرسها كيف أغفلوا عما ولوا من حفظها وحرسها وامتحنوا حتى أمكن أُولَئِكَ من الاستماع والاختطاف وما ذكر؟
قيل: جائز أن يشتغلوا هم بأعمال ويمتحنون بأمور أخر سوى ذلك، فيمكن ذلك لهم ما ذكر، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: كيف كانت صنعة الشياطين من الاستماع منهم والخطف، وقد رأت وعاينت ما أصاب من فعل ذلك من القذف والرمي والاحتراق؟
قيل: إن الشياطين عادتهم طلب الغفلة في كل وقت، فجائز أن يكونوا فعلوا ذلك لما كانوا يظنون ويقع عندهم أنهم في غفلة وسهو من أمورهم، وإن كانوا يعلمون ما يصيب من فعل ذلك، واللَّه أعلم.
ثم جائز أن يستدل بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ...) الآية، يقول علماؤنا فيمن حلف ألا يكلم فلانًا، فناداه من حيث لا يستمع: لا يحنث، وإذا ناداه من حيث يسمع حنث وإن لم يسمع؛ لما ذكر (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ)، ومعلوم أنهم كانوا يقصدون من الأرض إلى الملأ الأعلى، لكن لا يسمعون، ثم لم يذكر ذلك منهم إلا في المكان الذي يسمع؛ دل أنه على ما ذكرنا من الدلالة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى).
الأشراف منهم وأهل المنزلة والكرامة، ويحتمل الجماعة؛ لأن الملأ هو اسم للشيئين: للجماعة منهم، واسم لأهل الشرف والمنزلة.
ثم لا ندري كيف سماع الجن من الملائكة؛ وما سبب ذلك؛ أن تكون تلك الأخبار وما يريد اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إحداثه في الأرض مكتوبًا في كتاب ينظرون فيه فيعلمونه، أو ليتحدث الملائكة فيما بينهم بذلك فيستمع هَؤُلَاءِ منهم ذلك، أو كيف جهة سماعهم ذلك منهم؛ وما يشبه ذلك، واللَّه أعلم.
وفيه أن الجن تفهم كلام الملائكة وإن اختلفت جواهرهم، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)
الصافات 37:8
الآيتان ٨ و٩ وحفظه إياها ما ذكر في قوله عز وجل :﴿لا يسَّمّعون إلى الملأ الأعلى ويُقذفون من كل جانب﴾ ﴿دحورا ولهم عذاب واصب﴾.
قال ابن عباس وغيره : قوله :﴿لا يسمعون إلى الملأ الأعلى﴾ كانوا يتسمّعون، ولا يسمعون. وقال بعضهم : كانوا لا يسمعون أخبار الملائكة وحديثهم في ما يتراجعون في ما بينهم من أمر الله وهم الملأ الأعلى.
[ ومنهم ](١) من يقول : إنهم كانوا لا يسمعون. يذهب إلى ما ذكر في سورة الجن حين(٢) قالوا :﴿وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا﴾ ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا﴾ [ الجن : ٨ و٩ ] أخبروا أن من يستمع الآن يجد له ما ذكر. دل أنهم كانوا يتسمّعون.
فإن قيل : كيف يوفّق بين هذه الآية وبين قوله عز وجل :﴿ويقذفون من كل جانب﴾ ﴿دحورا ولهم عذاب واصب﴾.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: حيث..
الصافات 37:10
الآية ١٠ ﴿إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾ [ قيل :](١) استثنى الخطفة، وقال هناك(٢) :﴿فمن يستمع الآن يجد له﴾ كذا [الجن: ٩].
ثم الخطفة إما(٣) أن تكون على التمثيل أي موضع الخطف [ وإما ](٤) على حقيقة الخطفة، وهي الاستلاب والأخذ على السرعة، والله أعلم.
لكن يشبه أن تكون الآية التي [ ذكرها عز وجل في سورة الجن ](٥) :﴿وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا﴾ ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا﴾ [ الآيتان : ٨ و٩ ] في المؤمنين منهم.
ألا ترى أنهم قالوا :﴿وأنا سمعنا الهدى آمنا به﴾ ؟ [الجن: ١٣].
وأما ما ذكر في سورة الصافات فهو في الكفار منهم والمردة ﴿إلا من خطف الخطفة﴾ من الشياطين الذين يستمعون، والله أعلم.
ثم [ في ](٦) قوله عز وجل :﴿وأنا لمسنا السماء﴾ ثم قوله عز وجل ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن﴾ دلالة إثبات الرسالة لمحمد ﷺ لأنه كان يخبرهم أن الجن يصعدون إلى السماء الدنيا، ويسمعون من أخبار الملائكة وحديثهم في ما يتراجعون في ما بينهم من أمر الله في الأرض، ثم يخبرهم الكهنة بذلك، فيخبر الكهنة أهل الأرض عن ذلك أنه يكون كذا كذا وفي يوم كذا وكذا، وأنه انقطع ذلك الوحي، ويُمنعون، فقالت الجن ذلك، وأخبرهم عن أنفسهم أنهم كذلك كانوا يفعلون، فصدّقوه على صنيعهم.
فإن قيل : كيف صار ذلك آية له، وإنما أخبر عن قول الجن لهم، وبه ظهر ذلك، ومنه عرف ؟ قيل : هكذا [ كان ](٧) لكن انقطاع الكهنة من بعد وحديثهم يدل على أن ذلك قد كان، ثم انقطع ذلك بالرسالة والوحي، والله أعلم.
فإن قيل : فإذا وُلّي الملائكة حفظ السماء وحرسها كيف أغفلوا ما دلّوا ن حفظها وحرسها، وامتُحنوا حتى تمكن أولئك من الاستماع والاختطاف وما ذكر ؟ قيل : جائز أن يشتغلوا، ويمتحنوا بأمور سوى ذلك، فيمكّن ذلك لهم ما ذكر، والله أعلم.
فإن قيل : كيف كانت صفة الشياطين من الاستماع منهم والخطف، وقد بدت [ وعانت مما أصابها ](٨) من فعل ذلك من القذف والرمي والاحتراق ؟ قيل : إن الشياطين، عادتهم طلب الفعل في كل وقت، فجائز أن يكونوا فعلوا ذلك لما كانوا يظنون، ويقع عندهم أنهم في غفلة وسهو من أمورهم، وإن كانوا يعلمون ما يصيب من فعل ذلك، والله أعلم.
ثم جائز أن يستدل بقوله عز وجل ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾ الآية [الجن: ٩] لقول علمائنا في من حلف : ألا يكلم فلانا، فناداه من حيث لا يسمعه(٩)، لا يحنث. وإذا ناداه من حيث يسمعه حنث، وإن لم يسمعه لما ذكر :﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾ الآية. ومعلوم أنهم كانوا يقعدون من الأرض إلى الملأ الأعلى لكن لا يسمعون. ثم لم يذكر ذلك منهم إلا في المكان الذي يسمع، دل أنه على ما ذكرنا من الدلالة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لا يسّمّعون إلى الملأ الأعلى﴾ الأشراف منهم وأهل المنزلة والكرامة، ويحتمل الجماعة، لأن الملأ، هو اسم للشيئين : للجماعة منهم، واسم لأهل الشرف والمنزلة والكرامة.
ثم لا ندري كيف سماع الجن من الملائكة، وما سبب ذلك [ إلا ](١٠) أن تكون تلك الأخبار وما يريد الله عز وجل إحداثه في الأرض مكتوبا في كتاب، ينظرون فيه، فيعلمونه، أو يتحدث الملائكة في ما بينهم بذلك، فيستمع هؤلاء منهم ذلك، أو كيف جهة سماعهم ذلك منهم، وما يشبه ذلك، والله أعلم.
وفيه أن الجن يفهم كلام الملائكة، وإن اختلفت جوارحهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل وم: ههنا..
٣ في الأصل وم: إلا..
٤ في الأصل وم: أو..
٥ في الأصل وم: عز وجل..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل و م: وعاينت ما أصاب..
٩ في الأصل وم: يسمع..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
الصافات 37:11
أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا... (١١)
قيل: هي السماوات والأرض والجبال، وقيل: الملائكة، وأكثرهم قالوا: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا)، أي: السماوات والأرض؛ كقوله - عز وجل -: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ...) الآية، يقول - واللَّه أعلم -: سلهم أن خلقهم وإعادتهم أشد وأكبر وأعظم من خلق السماوات والأرض؛ وإذا أقررتم أنتم بقدرته على خلق السماوات والأرض كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم بعد ما متم، وكنتم ترابًا ورفاتًا؟! واللَّه أعلم.
وقوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ) و (سَلْهُم) ونحو ذلك مما أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - رسوله أن يسألهم ويستفتيهم يخرج من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على وجوه:
أحدها: على التقرير عندهم والتنبيه لهم.
أو على التعيير لهم والتوبيخ.
أو على التعليم حجة الحجاج والمناظرة فيما بينهم وبين خصومهم، وهكذا كل سؤال واستفتاء كان من خبير عليم لمن دونه يخرج على هذه الوجوه، وكل سؤال واستفتاء كان من الجهّال لخبير عليم يخرج على استرشاد وطلب الصواب.
وقوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ) و (سَلْهُم) (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ...) الآية، و (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ...) كذا - هذا كله يخرج على التقرير والتنبيه، وعلى تعليم الكل حجة الحجاج والمناظرة لا على الأمر؛ لأنه لو كان على الأمر، لكان لا يقول ذلك المأمور بالتبليغ: سل، ولا قل، ولا لمميء من ذلك، ولكن يبلغ إليه رسالته وأمره أنه يقول لكم: أن افعلوا كذا ولا تفعلوا؛ فدل أن ذلك الأمر للكل في أمر أنفسهم: أن قولوا لهم، وأن افعلوا بهم كذا، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا...) الآية. أمره أن يستفتيهم، ولم يذكر أنهم ما أفتوه؛ ولا أجابوه أو لا؟ ولا قال لهم: إنهم لو أجابوك وأفتوك بكذا فقل لهم كذا أو أجبهم بكذا؛ فجائز أن يكون الجواب ما ذكرنا: أنكم لو لم تشاهدوا خلق ما ذكر من السماوات والأرض وغيرها سوى خلق أنفسكم ثم شاهدتم خلقنا أعني ما ذكرنا من السماوات والأرض والجبال وغيرها - هل تنكرون قدرته على خلق ما شهدتم وعاينتم: أنه لم يخلقها إلا هو، كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم وبعثكم؟!
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ).
فذكر - واللَّه أعلم - ضعفهم وشدة ما خلق من سواهم أنكم تعلمون ضعف أنفسكم وعجزها، وشدة من سواكم وقوتها وصلابتها، ثم إنها مع شدتها وقوتها وصلابتها أخضع لله وأطوع منكم نحو ما ذكر من طاعتها له وخضوعها؛ حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) ونحو ذلك مما يكثر، واللَّه أعلم.
أو أن يذكر لقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) بدء خلقهم وأصله الذي خلقوا هم منه، إنكم إنما عرفتم ابتداء خلقكم وأصلكم الذي منه خلقتم أنه تراب أو طين بإخبار الرسل، ويقول لهم: وأنتم يا أهل مكة ممن لا يؤمنون بالرسل، فكيف صدقتم الرسل بما أخبروا من أصلهم وبدء خلقكم، ولم تصدقوهم بما يخبرونكم من إعادتكم وبعثكم بعد موتكم؟! فإذا صدقتموهم في ذلك لزمكم التصديق لهم في كل ما يخبرون ويقولون، واللَّه أعلم.
أو يقول: إنه أنشأ من تلك النفس الواحدة التي خلقها من تراب من الخلق ما لو تركهم جميعًا لم يفنهم ولم يمتهم، لامتلأت الدنيا منها، فمن قدر على إنشاء ما تمتلئ الدنيا منه من نفس واحدة لا يحتمل أن يعجزه شيء من البعث والإعادة وغير ذلك، واللَّه أعلم.
أو أن يقول في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ)، أي: قد أنشأ من تلك النفس ومن ذلك الأصل قرنا وقرنا بعد قرن بعد إفناء كل قرن أنشأ قرنًا آخر؛ فلا يحتمل أن يكون المقصود من إنشائهم الإنشاء ثم الإفناء والنقض، خاصة لا عاقبة تقصد بالإنشاء والإفناء؛ إذ في الشاهد من كان مقصوده في البناء الفناء والنقض خاصة كان غير حكيم، فإذا عرفتم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنه حكيم؛ فلا يحتمل أن يكون مراده من إنشائكم وإفنائكم ذلك خاصة لا غير وذلك مزيل الحكمة، ويوجب السفه، تعالى اللَّه عن ذلك وجميع ما يصفه الملاحدة علوًّا كبيرًا.
الصافات 37:12
أو أن يقول: إنكم عرفتم أنه إنما أنشاكم من تلك النفس التي أنشأها من تراب أو طين على اتفاق منكم، فإذا متم وفنيتم صرتم ترابًا أو طينًا، فكيف أنكرتم إعادته إياكم من تراب أو طين، وقد أقررتم أن أصلكم تراب أو طين - واللَّه أعلم - على الوجوه التي ذكرنا يجوز أن يخرج.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)
بالنصب يحتمل وجوهًا:
أحدها: عجبتَ منهم إنكارهم ما أنكروا بعد كثرة قيام الآيات والحجج عليهم في ذلك وهم ينكرون ويسخرون.
أو يقول: عجبت ويسخرون؛ لما أنك بزعمهم لعظيم ما ينزل بهم من العذاب والشدائد وما يستقبلهم من الأمور المهمة وهم يسخرون، واللَّه أعلم.
أو يقول: بل عجبت لما تدعوهم أنت إلى ما به نجاتهم وفلاحهم وهم يسخرون، ونخو ذلك يحتمل، واللَّه أعلم بما كان يعببه.
وفي بعض الحروف: (بل عجبتُ) بالرفع، وكذلك ذكر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقرؤه بالرفع: (بل عجبتُ) فإن ثبت ذلك وصح إضافة العجب إلى الله فهو في الشاهد وإن كان لظهور عظيم مما قالوا خفيا عليهم مستترًا، عند ذلك يقع لهم العجبُ فهو في اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وإن كان لا يحتمل أن يخفى عليه شيء، فذلك لعظيم ما كان منهم من الإنكار من قدرته على الإنشاء والجحود في ذلك؛ فيكون ما ذكر من حرف العجب منه كناية عن الإنكار والدفع لقولهم، وذلك كما أضاف الامتحان إلى نفسه وإن كان في الشاهد لا يستعمل إلا في استظهار ما خفي عليهم واستتر منهم، فهو من الله يخرج على الأمر والنهي - أعني الامتحان - وإن كان في الشاهد بين الخلق لا يكون إلا لما ذكرنا، فعدى ذلك جائز إضافة العجب إلى اللَّه على إرادة الإنكار منه عليهم والدفع لقولهم، واللَّه أعلم.
ومن الناس من أنكر هذه القراءة وقال: لا يجوز إضافة التعجب إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لما هو لم يزل عالمًا بما كان ويكون، وهو في الشاهد إنما يكون لظهور عظيم من الأمر قد جهلوه، لكن هذا وإن كان في الخلق ما ذكر فهو من اللَّه على غير ذلك، على ما ذكرنا من إضافة الامتحان إليه والابتلاء وإن كان بين الخلق لما ذكرنا، وقد ظهرت إضافته إليه بقوله: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) وهو يخرج على الإنكار عليهم والرد على تعظيم إنكار ما قالوا وأنكروا، واللَّه أعلم.
ومن أن ناس من قال في قوله عَزَّ وَجَلَّ: (بَلْ عَجِبْتَ) فيما أضافه إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:
الصافات 37:13
أي عجبت من هذا القرآن حين أعطاك إياه ويسخر منه أُولَئِكَ الكفرة.
ويحتمل معنى آخر، وهو أن يقال: إن قوله عَزَّ وَجَلَّ: (بَلْ عَجِبْتَ) أي: جعلت ما أنزلت عليك من القرآن والوحي أمرًا عجبًا، أو أن يقال: كان إنكارهم رسالتك وتكذيبهم الآيات أمرًا عجبًا وهم يسخرون، ونحوه، واللَّه أعلم.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)
ابن عَبَّاسٍ يقول: وإذا وُعِظوا لا يتعظون، والموعظة والتذكير واحد.
وقتادة يقول: (وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ) أي: لا ينتفعون بالموعظة على ما ذكرنا في قوله: قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، أي: لا ينتفعون بتلك الحواس، وإن كانت لهم تلك، كمن لا حاسة له. فعلى ذلك قول قتادة.
وجائز أن يكون على مرادفة التذكير ما نسوا من الآيات والحجج، يقول: إنهم وإن ذكروا ما نسوا وتركوا وغفلوا عنه لا يتذكرون، واللَّه أعلم.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) هذه الآيات وأمثالها ذكرها - واللَّه أعلم - لقوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون أبدًا، (لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ...) إلى آخر ما ذكر؛ يخبر عن عنادهم ومكابرتهم... الآيات، ويذكر سفههم.
ثم في ذكر ما ذكر من عنادهم وسفههم، وجعله آيات من القرآن تتلى أبدًا وجهان من الحكمة:
أحدهما: صير ذلك آية لرسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنه معلوم أنهم كانوا على ما أخبر عنهم من العناد والسفه وعلى أن ختموا وقبضوا، دل أنه باللَّه عرف ذلك وبوحيه علم، واللَّه أعلم.
والثاني: يخبر - واللَّه أعلم - على ما رأى سلفنا من سفه أُولَئِكَ وعنادهم وما قاسوا منهم وما لحق بهم من الأذى والضرر والسوء؛ لئلا يضيق صدرنا في سفه من تسفه علينا من أهل الفساد والفسق، وألا نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسفه السفيه، ولا لأذى المؤذي ولا سوء يقال، بل يجب علينا أن نتأسى بسلفنا ونقتدي بهم، وإذا أصابنا منهم ما أصاب أُولَئِكَ من الأذى والسفه، وإن عاندوا أو كابروا وظهر منهم كل فسق وسوء على ما فعل أُولَئِكَ، واحتملوا منهم ما كرهوا، فنحمل عن سفهائنا مثله - واللَّه أعلم - وإلا لو لم يكن في ذكر سفههم وعنادهم ما ذكرنا من الحكمة كان لا معنى لذكر سفه أُولَئِكَ وعنادهم.
وجائز أن يكون الشيء سفهًا باطلًا في نفسه ويكون حكمة ودليلًا لغيره - واللَّه أعلم - على ما قال بعض الناس: إن الكذب نفسه يجوز أن يكون دليل الصدق، وكلام السفه
الصافات 37:14
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿وإذا رأوا آية يستسخرون﴾ هذه الآيات وأمثالها ذكرها، والله أعلم، لقوم، علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا :﴿بل عجبت ويسخرون﴾ ﴿وإذا ذُكّروا لا يذكرون﴾ ﴿وإذا رأوا آية يستسخرون﴾ ﴿وقالوا إن هذا إلا سحر مبين﴾ [ ﴿أءذا متنا وكنا ترابا أءنا لمبعوثون﴾ ﴿أوَ آباؤنا الأولون﴾ ](١) يخبر عن عنادهم ومكابرتهم الآيات، ويذكر سفههم.
ثم في ذكر ما ذكر من عنادهم وسفههم وجعله آيات القرآن تتلى أبدا وجهان من الحكمة :
أحدهما : صيّر ذلك آية لرسالته ﷺ لأنه معلوم أنهم كانوا على [ ما ](٢) أخبر منهم من العناد والسّفه، وعلى ذلك ختموا، وقُبضوا. دل أنه بالله عرف ذلك، وبوحيه علم، والله أعلم.
والثاني : يخبر، والله أعلم، على ما رأى سلفُنا من سفه أولئك وعنادهم وما قاسوا منهم وما لحق بهم من الأذى والضرر والسوء لئلا يضيق صدرنا من سفه من تسفّه علينا من أهل الفساد والفسق، وألا نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسفه السفيه ولا لأذى المؤذي ولا لسوء(٣) يقال.
بل يجب علينا أن نتأسّى بسلفنا، ونقتدي بهم، وإذا أصابنا منهم ما أصاب أولئك من الأذى والسّفه، وإن عاندوا، وكابروا، وظهر(٤) منهم كل فسق وسوء على ما فعل أولئك، واحتملوا منهم ما كرهوا، نحمل من سفهائنا مثله، والله أعلم، ولو(٥) لم يكن في ذكر(٦) سفههم وعنادهم ما ذكرنا من الحكمة لكان لا معنى لذكر سفه أولئك وعنادهم.
وجائز /٤٥١-أ أن يكون الشيء سفها باطلا في نفسه، ويكون حكمة دليلا لغيره، والله أعلم، على ما قال بعض الناس : إن الكذب نفسه، يحسبون أن يكون دليل الصدق، وكلام السفه والباطل دليل الصدق والحكمة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وإذا رأوا آية يستسخرون﴾ أي وإذا أنزل عليهم آية على سؤال منهم يسخرون، ويستهزئون، يخبر عن سفههم أنهم، وإن سألوا الآيات فإنهم لا يسألون سؤال استرشاد، ولكن سؤال عناد وهُزء كقوله عز وجل :﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون﴾ ﴿لقالوا إنما سُكّرت أبصارنا﴾ [ الحجر : ١٤ و١٥ ] وكقوله :﴿ولو أننا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قُبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾ [الأنعام: ١١١].
١ في الأصل و م: إلى آخر ما ذكر..
٢ ساقطة من الأصل وم.
٣. في الأصل و م: سوء..
٤ في الأصل و م: وظهروا..
٥ في الأصل وم: وإلا..
٦ أدرج بعدها في الأصل وم: من..
الصافات 37:15
والباطل دليل الصدق والحكمة، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ) أي: وإذا أنزل عليهم آية على سؤال منهم يستسخرون ويستهزئون، يخبر عن سفههم أنهم وإن سألوا الآيات فإنهم لا يسألون سؤال استرشاد ولكن سؤال عناد وهزء؛ كقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا)، وكقوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
وقالوا: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) كان هذا تلقينًا لأُولَئِكَ الكفرة الرؤساء من الشيطان اللعين حتى يموهوا على أتباعهم عندما ظهر، وكثير من الآيات؛ لما كانوا يعلمون أن لا كل أحد يعرف السحر ويتهيأ إتيانه وفعله؛ يلبسون بذلك على أتباعهم ليقع عندهم أنها السحر لا الآية، واللَّه أعلم. ولو كان ذلك سحرًا حقيقة لكان من آيات الرسالة، فكيف إذا كان آية لما كانوا يعلمون أنه لم يختلف إلى أحد ممن له صرفة بالسحر قط؟! فدل أنه بالله عرف ذلك، على ما ذكرنا: أن ما أنبأ وأخبر عن أنباء الأمم الخالية وأخبارهم يدل على رسالته؛ لما علموا أنه لم يختلف إلى أحد ممن له الصرفة بتلك الأنباء والأخبار ولا ينظر في كتبهم ليعرف ذلك، ثم أخبر على ما كان في كتبهم، دل أنه باللَّه عرف ذلك وبوحى منه إليه علم، فعلى ذلك لو كان سحرًا فكيف إذا كانت آية عظيمة معجزة؟!
وقال الزجاج: حرف العجب إنما يكون عند ظهور العجب من الأمر وعبرة عظيمة، فأما ما أضيف إلى اللَّه فهو على الإنكار منه والرد على من أنكر عظيمًا من الأمر ظاهرًا، أو كلام نحوه، واللَّه أعلم.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) قيل: دائم؛ كقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا)، أي دائمًا، وقيل: (عَذَابٌ وَاصِبٌ) أي: شديد.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) قيل: ملتزق، وقيل ملتصق الذي يلتصق باليد إذا لمس.
وقوله: (دُحُورًا) قيل: طردًا، وهو مطرود.
وقوله: (شِهَابٌ ثَاقِبٌ) قيل: مضيء، وقيل: هوى بضوئه.
ثم قوله: (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يسخرون، وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَسْتَسْخِرُونَ): يطلبون من أتباعهم السخرية - يعني: القادة - على الآية. واللَّه أعلم.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ
الصافات 37:16
الآيات ١٦ و١٧ و١٨ وقوله تعالى :﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون﴾ ﴿أوَ آباؤنا الأولون﴾ ﴿قل نعم وأنتم داخرون﴾ قد ذكرنا أنهم يقولون ذلك، وما تقدم على العناد والتّعنُّت وعلم منهم أنهم لا يؤمنون أبدا، وإن بيّن لهم جهة الإحياء والقدرة عليهم. لذلك اكتفى بقوله :﴿قل نعم وأنتم داخرون﴾ قد ذكرنا أنهم كانوا يقولون ذلك، ولم يذكر شيئا من الحجاج سوى قوله :﴿نعم﴾ [ وقوله :](١) ﴿وأنتم داخرون﴾ أي صاغرون ذليلون كقوله عز وجل ﴿وترهقهم ذلّة﴾ [يونس: ٢٧] والله أعلم.
١ من م، في الأصل: قوله..
الصافات 37:17
الآيات ١٦ و١٧ و١٨ وقوله تعالى :﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون﴾ ﴿أوَ آباؤنا الأولون﴾ ﴿قل نعم وأنتم داخرون﴾ قد ذكرنا أنهم يقولون ذلك، وما تقدم على العناد والتّعنُّت وعلم منهم أنهم لا يؤمنون أبدا، وإن بيّن لهم جهة الإحياء والقدرة عليهم. لذلك اكتفى بقوله :﴿قل نعم وأنتم داخرون﴾ قد ذكرنا أنهم كانوا يقولون ذلك، ولم يذكر شيئا من الحجاج سوى قوله :﴿نعم﴾ [ وقوله :](١) ﴿وأنتم داخرون﴾ أي صاغرون ذليلون كقوله عز وجل ﴿وترهقهم ذلّة﴾ [يونس: ٢٧] والله أعلم.
١ من م، في الأصل: قوله..
الصافات 37:18
دَاخِرُونَ)
قد ذكرنا: أنهم يقولون ذلك وما تقدم على العناد والتعنت وعلم منهم أنهم لا يؤمنون أبدًا وإن بين لهم جهة الإحياء والقدرة عليهم؛ لذلك اكتفى بقوله: (قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) قد ذكرنا أنهم كانوا يقولون ذلك، ولم يذكر شيئًا من الحجاج سوى قوله: (نَعَمْ).
وقوله: (وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ).
أي: صاغرون ذليلون؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ)، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ... (١٩)
يحتمل قدر زجرة واحدة، يخبر عن سرعة قيامها ومرورها.
ويحتمل على حقيقة الزجرة، لكن يخبر عن خفة ذلك وهوانه عليه؛ كقوله: (كُن فَيَكُونُ)، من غير أن كان منه كاف ونون أو شيء من ذلك، لكنه أخف كلام على الألسن يؤدي به المعنى، ويفهم به المراد من ذلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ) إخبارًا عن خفة ذلك عليه وهوانه، من غير أن جعل الزجرة سبب الإحياء أو سببًا من ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ).
يحتمل قوله: (يَنْظُرُونَ) إلى ماذا يؤمرون؟ وعن ماذا ينهون؟ لأن الذي أصابهم في
الآخرة إنما كان لتركهم الأمر في الدنيا، فإذا عاينوا ما كانوا يوعدون في الدنيا بتركهم الأمر عنه ينظرون إلى ماذا يؤمرون وينهون عنه؟ واللَّه أعلم.
أو ينظرون كالمتحيرين؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث ويكذبونه، فإذا عاينوا تحيروا وتاهوا وضجروا، وهكذا الأمر المتعارف في الخلق أن من أنكر شيئًا أو كذبه، ثم أخبر به وأعلم حتى تيقن عنده ما أنكر تحير وضجر؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ لما أنكروا في الدنيا وكذبوه ثم عاينوا ذلك وتيقنوا به - تحيروا وضجروا به، ينظرون نظر المتحير الضجر، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)
هذا كلام يقال عند الوقوع في الهلاك.
وقوله: (هَذَا يَوْمُ الدِّينِ) أي: يوم الحساب ويوم الجزاء، وكذلك قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
ويحتمل: هذا يوم الذي ينفع كل من معه الدِّين دينه، والدِّين المطلق هو دين اللَّه، وكذلك السبيل المطلق هو سبيل اللَّه، أي: هذا يوم الدِّين الذي ينفع من كان معه دين اللَّه، وكذا السبيل المطلق هو سبيل اللَّه.
الصافات 37:19
الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ يحتمل قدر زجرة واحدة، يخبر عن ساعة قيامها ومرورها. ويحتمل على حقيقة الزّجرة. لكن يخبر عن خفّة ذلك وهونه عليه كقوله :﴿كن فيكون﴾ [ البقرة : ١١٧ و. . ] من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، لكنه أخف كلام على الألسن، يؤدّى به المعنى، ويفهم به المراد من ذلك.
فعلى ذلك جائز أن يكون قوله :﴿زجرة واحدة﴾ إخبارا(١) عن خفّة ذلك عليه وهونه من غير أن جعل الزجرة سبب الإحياء أو سببا من ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فإذا هم ينظرون﴾ يحتمل قوله :﴿ينظرون﴾ إلى ماذا يُؤمرون ؟ وعن ماذا يُنهَون ؟ لأن الذي أصابهم في الآخرة إنما كان لتركهم الأمر في الدنيا. فإذا عاينوا ما كانوا يوعدون في الدنيا بتركهم الأمر به، ينظرون إلى ماذا يؤمرون، وينهون عنه ؟ والله أعلم، أو ينظرون كالمتحوّزين لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويكذّبونه. فإذا عاينوا تحيّزوا، وتاهوا، وضجِروا. وهكذا الأمر المتعارف في الخلق أن من أنكر شيئا، أو كذّبه، ثم أُخبر به، وأُعلم حتى تيقّنه(٢)، وتحقق عنده ما أنكر تحيّز، وزُجِر.
فعلى ذلك هؤلاء لما أنكروا ذلك في الدنيا، وكذّبوه، ثم عاينوا ذلك، وتيقّنوه(٣)، تحيّزوا، وضجروا به، ينظرون نظر المتحيّز الضّجِر، والله أعلم.
١ في الأصل وم: إخبار..
٢ في الأصل و: تيقن به..
٣ في الأصل و م: تيقنوا به..
الصافات 37:20
الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين﴾ هذا كلام : يقال عند الوقوع في الهلاك. وقوله :﴿هذا يوم الدين﴾ أي يوم الحساب ويوم الجزاء. وكذلك قوله :﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٣].
ويحتمل :﴿هذا يوم الدين﴾ أي هذا يوم الذي ينفع كل من معه الدين دينه. والدين المطلق، هو دين الله، وكذلك السبيل المطلق، هو سبيل الله، أي ﴿هذا يوم الدين﴾ أي هذا يوم الدين الذي ينفع من كان معه دين الله. وكذا السبيل المطلق، هو سبيل الله.
الصافات 37:21
وقوله: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)
قوله: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) أي: يوم القضاء والحكم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أي: يقضي بينهم (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله؛ (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) أي؛ يفصل ويفرق بينهم، أي: بين الكفار وأهل الإيمان، وبين الخبيث والطيب؛ كقوله - تعالى -: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا...) الآية، وقوله: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)، وقوله: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، واللَّه أعلم.
وقوله: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)
فالزوج: هو اسم لشكله واسم لضده اسم لهما جميعًا. يحتمل قوله: (وَأَزْوَاجَهُمْ) أي: أشكالهم وقرناؤهم من الجن والإنس والشياطين، يأمر الملائكة أن تجمع بين من كانوا يجتمعون في هذه الدنيا ويستحبون الاجتماع معهم أن يجمعوا في عذاب الآخرة، على ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهي والطرب في هذه الدنيا ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يجمع بين أُولَئِكَ وبين قرنائهم جهنم، ويقرن بعضهم إلى بعض في العذاب؛ كقوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)؛ وكقوله: (وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ)، ونحوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) كقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا)، ونحوه، واللَّه أعلم.
وقال قتادة وغيره: (هَذَا يَوْمُ الدِّينِ)، أي: يدان لبعض الناس من بعض في المظالم والحقوق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)
يحتمل الوقف للحساب.
ويحتمل (مَسْئُولُونَ) أي: محاسبون.
وعن ابن عَبَّاسٍ قال: " إن دون الحساب يوم القيامة كذا كذا موقفًا، في كل موقف يوقفون مقدار كذا عامًا، ثم تلا هذه الآية ".
ويحتمل ليس السؤال عما فعلوا، ولكن يسألون لماذا فعلوا؟
ويحتمل الوقوف فتنوا إلى بعضهم بعضًا، والمخاصمة فيما بينهم والمراجعة؛ كقوله: (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ...) كذا، (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ...)
الصافات 37:22
الآية ٢٢ وقوله تعالى :﴿احشروا الذي ظلموا وأزواجهم﴾ فالزوج اسم لشكله لضده واسم لهما جميعا.
يحتمل قوله :﴿وأزواجهم﴾ أي أشكالهم وقرناءهم من الجن والإنس والشياطين. يأمر الملائكة [ أن يجمعوا ](١) بين من كانوا(٢) يجتمعون في هذه الدنيا، ويستحبون الاجتماع معهم، أن يجمعوا في عذاب الآخرة على ما كانوا يستحبّون الاجتماع في الملاهي والطرب في هذه الدنيا، ويجتمعون على ذلك.
فعلى ذلك تجمع بين أولئك وبين قرنائهم جهنم، ويقرن بعضهم إلى بعض في العذاب كقوله :﴿ومن يعشُ عن ذكر الرحمان نُقيّض له شيطانا فهو له قرين﴾ [الزخرف: ٣٦] وكقوله :﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون﴾ ﴿وفي الحميم ثم في النار يُسجرون﴾ [ غافر : ٧١ و٧٢ ] ونحوه.
١ في الأصل: أي يجمع، في م: أن يجمع..
٢ في الأصل وم: كان..
الصافات 37:23
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ كقوله :﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زُمرًا﴾ [الزمر: ٧١] ونحوه، والله أعلم.
وقال قتادة وغيره :﴿هذا يوم الدين﴾ أي يُدان بعض الناس من بعض في المظالم والحقوق.
الصافات 37:24
الآية ٢٤ وقوله عز وجل :﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ يحتمل الوقف للحساب، ويحتمل ﴿مسئولون﴾ أي محاسبون.
وعن ابن عباس [ أنه ](١) قال : إن دون الحساب يوم القيامة كذا كذا موقفا، في كل موقف يوقفون مقدار كذا عاما، ثم تلا هذه الآية.
[ ولا ](٢) يحتمل السؤال عما فعلوا، ولكن يسألون لماذا فعلوا ؟ ويحتمل الوقوف [ ما فتن ](٣) بعضهم بعضا والمخاصمة في ما بينهم والمراجعة كقوله :﴿وقالت أُخراهم لأولاهم﴾ كذا ﴿وقالت أولاهم لأخراهم﴾ [ الأعراف : ٣٨ و٣٩ ] على ما أخبر أنه يجري في ما بينهم من الخصومة ومراجعة القول واللائمة.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: فتنوا إلى..
الصافات 37:25
كذا؛ على ما أخبر أنه يجري فيما بينهم من الخصومة ومراجعة القول واللائمة.
وقوله: (مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)
أي: ما لكم لا تنصرون؛ أي: ما لكم لا ينصركم الأصنام التي عبدتموها في الدنيا رجاء النصر والشفاعة؛ كقوله: (هَؤُلَاءِ شُفَعاؤنَا عَندَ اللَّهِ)، وقوله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
فيخبر عن إياسهم من نصر ما عبدوا على رجاء النصر لهم والشفاعة؛ كقوله: (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) أي: خاضعون ذليلون لله، لما علموا ألا يكون النصر والعون إلا منه، فعند ذلك يستسلمون له.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يستسلمون في عذابه.
* * *
قوله تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)
وقوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أقبلت الإنس على الجن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أقبلت الإنس على الشياطين، فقالوا لهم: (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: من قبل الخير والطاعة؛ فتسهوننا وتشغلوننا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: من قبل الدِّين والتوحيد من حيث يحترس، وهو الأول.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: من قبل الحق ونحوه.
فرد عليهم أُولَئِكَ: (بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)
الصافات 37:26
الآية ٢٦ فيخبر عن إياسهم من نصر ما عبدوا على رجاء النصر لهم والشفاعة بقوله(١) :﴿بل هم اليوم مستسلمون﴾ /٤٥١-ب/ أي خاضعون، ذليلون لله لمّا علموا ألا يكون النصر والعون إلا منه. فعند ذلك يستسلمون له. وقال بعضهم : يستسلمون في عذابه.
١ في الأصل وم: كقوله..
الصافات 37:27
الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ قال بعضهم : أقبلت الإنس على الجن. وقال بعضهم : أقبلت الإنس على الشياطين.
الصافات 37:28
الآية ٢٨ [ وقوله تعالى ](١) :﴿قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ قال بعضهم : من قبل الخير والطاعة، فتسهوننا، وتشطوننا عنه.
وقال بعضهم : من قبل الدين والتوحيد من حيث يُحترس، وهو الأول، وقال بعضهم : من قبل الحق(٢) ونحوه.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، في الأصل: الجن..
الصافات 37:29
الآية ٢٩ فردّ عليهم أولئك ﴿قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ يقولون : إنكم(١) تركتم الإيمان بأنفسكم وباختياركم، لا إنا منعناكم منعا عنه.
١ في الأصل وم: إن..
الصافات 37:30
يقولون: إنكم تركتم الإيمان بأنفسكم وباختياركم لا إنا منعناكم منعا عنه.
وقالوا: (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)
أي: ما كان لنا عنيكم من حجة أو برهان ألزمناكم به، بل أطعتمونا طوعًا واستجبتم لنا فيما دعوناكم، فهذه المناظرة والمجادلة فيما ينهم كمناظرة إبليس في موضع آخر حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ)، أي: دعوتكم بلا حجة ولا برهان فاستجبتم لي؛ فعلى ذلك يقول هَؤُلَاءِ: (بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) باختياركم ترك الإيمان بلا سلطان ولا حجة كان عليكم، وكمناظرة القادة مع الأتباع حيث قال: (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ)، ونحوه، واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله: (قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) أي: من جهة القوة، أي: إنكم على الحق وإنكم مؤمنون ونحو ذلك.
ويحتمل لا على حقيقة اليمين، ولكن تأتوننا من كل جهة؛ كقوله: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ...) الآية، أي: من كل جهة لا على حقيقة ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقد ذكرنا أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أن قوله: (سُلْطَانٍ) أي: لم يكن لاتباعكم إيانا وطاعتكم لنا حجة أو برهان أقمناه عليكم فيما دعوناكم إليه، وإنما كان اتباعًا من غير أن ألزمناكم؛ فلا تلومونا ولكن لوموا أنفسكم.
(بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ).
أي: بطغيانكم اتبعتمونا لا بما ذكرتم، واللَّه أعلم.
ثم قالوا: (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)
يشبه أن يكون هذا قول الأكابر منهم والمتبوعين للأصاغر والأتباع منهم: أن حق علينا قول ربنا؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: وجب علينا وعليكم عذاب ربنا.
ويشبه أن يكون القول الذي أخبروا أنه حق عليهم هو قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
وقوله: (فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)
الصافات 37:31
الآية ٣١ [ وقوله تعالى ](١) :﴿فحقّ علينا قول ربنا إنا لذائقون﴾ يشبه أن يكون هذا قول الأكابر منهم والمتبوعين للأصاغر والأتباع منهم : أن حق علينا قول ربنا. قال بعضهم : أي وجب علينا وعليكم عذاب ربنا.
ويشبه أن يكون القول الذي أخبروا أنه الحق عليهم، هو قوله عز وجل :﴿لأملأن جهنم من الجِنّة والناس أجمعين﴾ [ هود : ١١٩ و السجدة : ١٣ ] والله أعلم.
١ في الأصل وم: ثم قالوا..
الصافات 37:32
الآية ٣٢ وقوله تعالى :﴿فأغويناكم إنا كنا غاوين﴾ يحتمل أن تكون هذه المعاتبة التي ذكرت كانت بين الأتباع والمتبوعين من الإنس كقوله عز وجل :﴿وقال الذين استُضعفوا للذين استكبروا﴾ كذا [ وكقوله :](١) ﴿قال الذين استكبروا للذين استُضعفوا﴾ كذا [ سبأ : ٣٣ و٣٢ ] وقوله :﴿ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم﴾ كذا [الأعراف: ٣٨].
ويشبه أن يكون بين الإنس والشياطين.
ثم قوله :﴿فأغويناكم﴾ حين اخترتم الغواية والضلالة، وعرفتم أنا لسنا على الهدى، ولم نقم عليكم الحجة، فاتبعتمونا على علم منكم أنا على الغواية، فأغويناكم حينئذ. والإغواء الإضلال، والغواية الضلال.
١ في الأصل و م: و..
الصافات 37:33
يحتمل أن تكون هذه المعاتبة التي ذكرت كانت بين الأتباع والمتبوعين من الإنس؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) كذا، (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا...) كذا؛ وكقوله: (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ...) كذا.
ويشبه أن يكون بين الإنس والشياطين.
ثم قوله: (فَأَغْوَيْنَاكُمْ).
حين اخترتم الغواية والضلال، أو عرفتم أنا لسنا على الهدى ولم نقم عليكم الحجة، فاتبعتمونا على علم منكم أنا على الغواية فأغويناكم حينئذ، والإغواء: الإضلال، والغواية: الضلال.
وقوله: (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)
أخبر أنهم جميعًا: الأتباع، والمتبوعون يشتركون في العذاب، ليس أن يشتركوا في نوع من العذاب، ولكن يجمعون جميعًا، ثم لهم العذاب على قدر عصيانهم وجرمهم.
وقوله: (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)
قال أبو بكر الأصم: المجرم: هو الوثاب في المعصية، القادح فيها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)
أي: كانوا إذا قيل لهم: قولوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يستكبرون.
ثم يحتمل قوله: (يَسْتَكْبِرُونَ) لا على هذه الكلمة، ولكن يستكبرون على اتباع القائلين لهم: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ كقولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)؛ وكقولهم: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا)، كانوا يأنفون ويستكبرون على اتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لذلك قالوا ما قالوا.
وجائز أن يكون ما ذكر من استكبارهم استكبارًا على هذه الكلمة حقيقة، فيخرج استكبارهم عليها؛ إنكارًا لهذه الكلمة وجحوذا لها بقولهم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)، واللَّه أعلم.
(وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)
يشبه أن يكون على الإنكار لها؛ لما ذكر من قولهم على أثر ذلك وهو ما قال: (أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ).
ثم جمعوا في هذا متضادين؛ لأن الشاعر هو الذي يبلغ في العلم غايته، والمجنون هو الذي يبلغ في الجهل غايته، ثم جمعوا بينهما في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وكذلك قولهم:
الصافات 37:34
الآية ٣٤ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نفعل بالمجرمين﴾ قال أبو بكر الأصمّ : المجرم هو الوثّاب في المعصية الفادح فيها، والله أعلم.
الصافات 37:35
الآية ٣٥ وقوله تعالى :﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ أي كانوا إذا قيل لهم : قولوا ﴿لا إله إلا الله﴾ ثم يحتمل قوله :﴿يستكبرون﴾ لا على هذه الكلمة، ولكن يستكبرون على أتباع القائلين :﴿لا إله إلا الله﴾ كقولهم :﴿لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] وكقولهم :﴿أأُنزل عليه الذِّكر من بيننا﴾ [ص: ٨] كانوا يأنفون، ويستكبرون على أتباع رسول الله ﷺ لذلك قالوا ما قالوا.
وجائز أن يكون ما ذكر من استكبارهم استكبارا على هذه الكلمة حقيقة، فيخرّج استكبارهم عليها إنكارا لهذه الكلمة وجحودا لها بقولهم :﴿أجعل الآهلة إلها واحدا﴾ [ص: ٥] والله أعلم.
الصافات 37:36
الآية ٣٦ [ وقوله تعالى ](١) :﴿أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون﴾ ثم جمعوا في هذا متضادّين، لأن الشاعر، هو الذي [ يبلغ ](٢) في العلم غايته، والمجنون، هو الذي يبلغ في الجهل غايته. ثم جمعوا بينهما في رسول الله ﷺ وكذلك قولهم : ساحر، ومجنون : الساحر، هو الذي يبلغ في علم الأشياء غايته، والمجنون [ هو الذي يبلغ في الجهل غايته ](٣). دل أنهم إنما يقولون عن عناد وتعنّت.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل و م: في الجهل..
الصافات 37:37
(سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) والساحر هو الذي يبلغ في علم الأشياء غايته، والجنون في الجهل؛ دل أنهم إنما يقولون عن عناد وتعنت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)
الحق: قَالَ بَعْضُهُمْ: بالحق الذي لله عليهم وما لبعضهم على بإض، وأصل الحق: أنه كل ما يحمد على فعله، وكل ما يذم عليه فهو باطل.
(وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ): أخبر أنه صدق إخوانه من المرسلين، واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: (وَالصَّافَّاتِ): هي الطيور التي صفت بين السماء والأرض، (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) من الزجر يقال: زجرت الإبل زجرا إن صحت بها؛ فهو اسم الصياح، (فَالتَّالِيَاتِ) كما تقول: تلوت القرآن، أي: قرأت، وتلوت: تبعت، والتالي: التابع، والقذف والرمي (وَيُقْذَفُونَ) أي: يرمون، و (دُحُورًا): أي مباعدة؛ دحرته، أي: باعدته وطردته، (وَاصِبٌ)، أي: [دائب]، (خَطِفَ الْخَطْفَةَ) أي: استلب الشيء، والخطفة: الاستلاب السريع، (فَأَتْبَعَهُ)، أي: اتبعه، (شِهَابٌ ثَاقِبٌ): الشهاب: الكوكب، والثاقب: الشديد الضوء والحر؛ يقال: ثقبت النار، أي: التهبت واشتد حرها، وأثقبتها، أي: أوقدتها، سخرت واستسخرت كقولهم: قر واستقر؛ واحد، وسخر به وسخر به بالتشديد وسَخَّرتُ فلانا، أي: استعملته بغير أجر، (مُسْتَسْلِمُونَ)، أي: قد ذلوا وأعطوا بأيديهم؛ يقال: استسلم الرجل إذا أعطى بيده، وأسلمته: تركته لم أعنه ولم أنصره، (وَأَزْوَاجَهُمْ): أشكالهم، تقول العرب: زوجت، أي: إذا قرنت واحدا بآخر، وهم قرناؤهم من الشياطين، (كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ)، أي: تخدعوننا وتمنعوننا عن طاعة اللَّه، واللَّه أعلم. وزوج الشيء: شكله، ويقال لضده؛ فهو اسم لهما جميعًا.
وقوله. (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ).
يحتمل ما ذكرنا: أنه على الإضمار: أنه إذا قيل لهم: قولوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يستكبرون.
ويحتمل وجهًا آخر: أنهم إذا قيل لهم: اتركوا عبادة الأصنام، واصرفوا عبادتكم إلى الإله الذي هو في الحقيقة إله، وهو المالك لجر النفع ولدفع الضر، وهو اللَّه جل وعلا؛ ويدل لهذا قولهم: (أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) أي: نترك عبادة آلهتنا لقول شاعر مجنون، واللَّه أعلم.
ذكر أن نفرًا من رؤساء قريش أتوا إلى أبي طالب فقالوا: ما يريد منا ابن أخيك مُحَمَّد؟ فدعا به فقال: ما تريد منهم يا ابن أخي؟ فقال له: " يا عم، إنما أريد منهم كلمة يملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم "، وفي بعض القصة أنه قال لهم: " أريد منكم كلمة يدين لكم بها العرب ويؤدي إليكم بها العجم الجزية "، فقالوا: وما هي؟ فقال: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
الصافات 37:38
وأني رسول اللَّه "، فقالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)، وذكر أنهم قالوا: (أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ).
ويحتمل ما ذكرنا فيما تقدم، واللَّه أعلم.
والآية فيمن يقر بالصانع ليس فيمن ينكر الصانع رأسًا من نحو الدهرية وغيرها؛ حيث نفى الألوهية لمن دونه وأثبتها لله - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله: (لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ولو كان ذلك مع أهل الدهر، لكان لا معنى لنفي الألوهية لغيره، بل يحتاج إلى تثبيتها فحسب؛ فدل أن الآية فيمن يقر بالصانع، لكنه يشرك غيره فيها وهم مشركو العرب وغيرهم، واللَّه أعلم.
ثم أخبر عن رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصدقه حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ) وهو كل آياته: من التوحيد، والإسلام، والرسالة، وكل فعل يحمد فاعله عليه ولا يذم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ).
الذين كانوا قبله في جميع ما جاءوا به من الحق.
(إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)
بالتكذيب والرد لذلك كله.
(وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩).
* * *
قوله تعالى: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)
ثم استثنى المؤمنين حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ)؛ فإنهم لا يذوقون العذاب الأليم، وإلا لو كانوا مستثنين من قوله: (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، أو لا؛ يكون لهذا حق الاستثناء من الأول، ولكن الابتداء ذلك جائز في اللغة سائغ في اللسان، واللَّه أعلم.
ثم بين ما أعد للمخلصين فقال: (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)
فَإِنْ قِيلَ: كيف يجمع بين قوله: (يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وبين قوله: (لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ)؟! قَالَ بَعْضُهُمْ من أهل التأويل: يعني المعلوم حين يشتهونه يؤتون به.
الصافات 37:39
الآيات ٣٨ و٣٩ و٤٠ [ وقوله تعالى ](١) :﴿إنكم لذائقوا العذاب الأليم﴾ بالتكذيب والرّد لذلك كله ﴿وما تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ ثم استثنى المؤمنين حين(٢) قال عز وجل :﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ فإنهم لا يذوقون العذاب الأليم. و ﴿إلا [ عباد الله المخلصين﴾ ](٣) مستثنى من قوله :﴿وما تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ أو لا يكون لهذا حق الاستثناء من الأول. ولكن [ يكون على ](٤) الابتداء. وذلك(٥) جائز في اللغة سائغ في اللسان، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل وم: لو كانوا..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ الواو ساقطة من الأصل وم..
الصافات 37:40
الآيات ٣٨ و٣٩ و٤٠ [ وقوله تعالى ](١) :﴿إنكم لذائقوا العذاب الأليم﴾ بالتكذيب والرّد لذلك كله ﴿وما تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ ثم استثنى المؤمنين حين(٢) قال عز وجل :﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ فإنهم لا يذوقون العذاب الأليم. و ﴿إلا [ عباد الله المخلصين﴾ ](٣) مستثنى من قوله :﴿وما تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ أو لا يكون لهذا حق الاستثناء من الأول. ولكن [ يكون على ](٤) الابتداء. وذلك(٥) جائز في اللغة سائغ في اللسان، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل وم: لو كانوا..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ الواو ساقطة من الأصل وم..
الصافات 37:41
الآية ٤١ ثم بيّن ما أعدّ للمخلصين، فقال :﴿أولئك لهم رزق معلوم﴾ فإن قيل : كيف يجمع بين قوله :﴿يرزقون فيها بغير حساب﴾ [غافر: ٤٠] وبين قوله :﴿لهم رزق معلوم﴾ ؟
قال بعضهم من أهل التأويل : يعني المعلوم حين يشتهونه يؤتونه. ويحتمل أن يكون للكثير الذي لا يُحسب، ولا يعدّ لكثرته، هو في نفسه معلوم محدود(١)، وأن يريد بالمعلوم أنه صار ما وُعدوا في الدنيا لهم في الآخرة معلوما معروفا عند الوصول إليه، كان ذلك لهم موعودا، فإذا وصلوا إليه صار معلوما محدودا.
١ في الأصل وم: محدودا..
الصافات 37:42
ويحتمل أن يكون للكثير الذي لا يحسب ولا يعد؛ لكثرته هو في نفسه معلوم محدود.
أو أن يريد بالمعلوم: أنه صار ما وعدوا في الدنيا لهم في الآخرة معلومًا معروفًا عند الوصول إليه كان ذلك لهم موعودًا، فإذا وصلوا إليه، صار معلومًا محدودًا.
وقوله: (فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)
أي: معظمون مشرفون.
وقوله: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)
يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون ويختارون في الدنيا من الجلوس على السرر على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك، والكأس: قيل: كل إناء أو قدح فيه شراب فهو كأس.
وقوله: (بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ).
المعين قَالَ بَعْضُهُمْ: هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمور أهل الجنة تجري في الأنهار؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المعين: هو الظاهر الذي يقع البصر عليه؛ كقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ)، أي: [ظاهر].
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ).
ذكر أن خمورهم في الآخرة بيضاء؛ لأن البياض يظهر كل ما فيه من الأذى والآفة ويرى، فأما في غيره من الألوان فإنه قلما يظهر وقلما يرى إلا بجهد، أو ذكر أنها بيضاء لأن البيضاء من الألوان المستحسن الطباع كلها؛ وهو المختار عندنا.
قال الزجاج: إن الخمر لذة للنفس الروحانية لا للجسدانية؛ ألا ترى أن الخمر يشربها الناس وتظهر كراهة ذلك في وجوههم من العبوسة وغيرها، ثم مع هذا يعودون ويشربون دل أنها لذة لا لهذه النفس الجسدانية، ولكن للنفس الروحانية أو كلام نحوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)
و (يُنزَفُونَ) بنصب الياء وكسر الزاء، ورفعها ونصب الزاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا فِيهَا غَوْلٌ) أي: لا آفة ولا صد ولا أذى، (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ) من قرأها (يُنْزَفُونَ) برفع الياء ونصب الزاء يقول: لا تنزف الخمر
الصافات 37:43
الآيات ٤٣ و٤٤ و٤٥ : وقوله تعالى :﴿في جنات النعيم﴾ ﴿على سرر متقابلين﴾ ﴿يطاف عليهم بكأس من معين﴾ يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون، ويختارون، في الدنيا من الجلوس على السّرر على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك والكاس : قيل : كل إناء وقدح، فيه شراب، فهو كأس.
وقوله تعالى :﴿بكأس من معين﴾ المعين : قال بعضهم : هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمورا أهل الجنة تجري في الأنهار كقوله :﴿وأنهار من خمر لذة للشاربين﴾ [محمد: ١٥] وقال بعضهم : المعين : هو الظاهر الذي يقع البصر عليه كقوله :﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين﴾ [الملك: ٣٠] أي ظاهرا.
الصافات 37:44
الآيات ٤٣ و٤٤ و٤٥ : وقوله تعالى :﴿في جنات النعيم﴾ ﴿على سرر متقابلين﴾ ﴿يطاف عليهم بكأس من معين﴾ يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون، ويختارون، في الدنيا من الجلوس على السّرر على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك والكاس : قيل : كل إناء وقدح، فيه شراب، فهو كأس.
وقوله تعالى :﴿بكأس من معين﴾ المعين : قال بعضهم : هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمورا أهل الجنة تجري في الأنهار كقوله :﴿وأنهار من خمر لذة للشاربين﴾ [محمد: ١٥] وقال بعضهم : المعين : هو الظاهر الذي يقع البصر عليه كقوله :﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين﴾ [الملك: ٣٠] أي ظاهرا.
الصافات 37:45
الآيات ٤٣ و٤٤ و٤٥ : وقوله تعالى :﴿في جنات النعيم﴾ ﴿على سرر متقابلين﴾ ﴿يطاف عليهم بكأس من معين﴾ يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون، ويختارون، في الدنيا من الجلوس على السّرر على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك والكاس : قيل : كل إناء وقدح، فيه شراب، فهو كأس.
وقوله تعالى :﴿بكأس من معين﴾ المعين : قال بعضهم : هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمورا أهل الجنة تجري في الأنهار كقوله :﴿وأنهار من خمر لذة للشاربين﴾ [محمد: ١٥] وقال بعضهم : المعين : هو الظاهر الذي يقع البصر عليه كقوله :﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين﴾ [الملك: ٣٠] أي ظاهرا.
الصافات 37:46
الآية ٤٦ وقوله تعالى :﴿بيضاء لذة للشاربين﴾ ذكر أن خمورهم في الآخرة بيضاء، لأن [ في ](١) البياض يظهر كل ما فيه من الأذى والآفة، ويرى. فأما في غيره من الألوان فإنه قلّما يظهر، وقلّما يرى إلا بجهد. أو ذكر أنها بيضاء لأن البياض(٢) من الألوان [ المستحسنة في ](٣) الطباع كلها، وهو المختار عندنا.
قال الزّجّاج : إن الخمر لذة للنفس الروحانية لا للجسدانية. ألا ترى أن الخمر يشربها الناس، وتظهر كراهة ذلك في وجودهم من العبوسة وغيرها. ثم مع هذا يعودون، ويشربون. دل أنها لذة لا لهذه النفس الجسدانية ولكن للنفس الروحانية، أو كلام نحوه، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: البيضاء..
٣ في الأصل و م: المستحسن..
الصافات 37:47
الآية ٤٧ وقوله تعالى :﴿لا فيها غَوْلٌ ولا هُم عنها يُنزَفون﴾ وينزِفون(١) : بنصب الياء وكسر الزاي، ورفعها ونصب الزاي.
وقوله تعالى :﴿لا فيها غول﴾ أي لا آفة فيها، ولا ضرر، ولا أذى، ﴿ولا هم عنها يُنزَفون﴾ من قرأها ينزفون برفع الياء ونصب الزاي فيقول : لا تنزف الخمر عقولهم، أي لا تذهب بها، أي لا يسكرون كما يُسكر بشرب خمور الدنيا. ومن قرأها : ينزِفون [ فيقول : يُفنون ](٢) شرابهم. وتأويل هذا(٣) الكلام أن أهل الدنيا إذا أخذوا في الشرب لا يتركون شربهم إلا لإحدى(٤) الخلّتين : إما لذهاب عقولهم، وذلك عند شدة شكرهم، وإما لفناء الشراب(٥). لإحدى هاتين الخلّتين يتركون شربهم، فيخبر أن أهل الجنة لا تذهب عقولهم الخمر، ولا يُفنون شرابهم، ولا كان فيها آفة ولا ضرر، والله أعلم.
قال أبو عوسجة :﴿معين﴾ ظاهر لا يتحرك، ويقال : الجاري ﴿لا فيها غول﴾ أي سكر ولا ضرر. ولا يكون الاغتيال إلا من الخديعة. والغيل في الأولاد وهو(٦) أن تُرضع المرأة ولدها، وفي بطنها آخر. والمَغُول(٧) المُتلوِّن. ولذلك(٨) سميت الغول غولا لأنها تتلوّن، والغيلان جميع ﴿ينزفون﴾ النزيف(٩) السكران.
وقال القتبي :﴿لا فيها غول﴾ أي لا تغتال عقولهم، فتذهب بها. يقال : الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس.
والغول : العدو ﴿ولا هم عنها يُنزفون﴾ أي لا تذهب خمرهم، وتنقطع، وتذهب عقولهم. والخمر التي جعلها الله لأهل الجنة في الآخرة هي للذي لم يشربها في الدنيا، ولم يتناول منها، ولا تلذّذ بها، والله أعلم.
وقيل :﴿لا فيها غول﴾ أي غائلة، أي لا يَيْجَعُ منها الرأس ﴿ولا هم عنها ينزفون﴾ أي لا يسكرون، تنزف عقولهم، فتذهب [ بها ](١٠).
وفي قوله :﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ بنصب اللام دلالة أنه قد كان من الله عز وجل لطف، به استوجبوا الإخلاص والخصوصية. وهو ينقض على المعتزلة قولهم.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٥/٢٣٥..
٢ في الأصل و م: أي يفنى..
٣ من م، في الأصل: هذه..
٤ من م، في الأصل: لأحد..
٥ في الأصل و م: الشرب..
٦ في الأصل وم: وهي..
٧ في الأصل و م: والمغلول..
٨ في الأصل و م: وكذلك..
٩ أدرج قبلها في الأصل وم: قال..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
الصافات 37:48
عقولهم، أي: لا تذهب بها، أي: لا يسكرون كما يسكر بشرب خمور الدنيا. ومن قرأها (يَنْزِفُونَ) أي يعني شرابهم.
وتأويل هذا الكلام: أن أهل الدنيا إذا أخذوا في الشراب لا يتركون شربهم إلا لإحدى الخلتين: إما لذهاب عقولهم وذلك عند شدة سكرهم، وإما لفناء الشراب، لإحدى هاتين الخلتين يتركون شربهم، فيخبر أن أهل الجنة لا يذهب عقولهم الخمر ولا يُفْنون شرابهم، ولا كان فيها آفة ولا ضرر، واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: طاهر لا تحرك، ويقال: الجاري، (لَا فِيهَا غَولٌ) أي: سكر ولا ضرر، ولا يكون الاغتيال إلا من الخديعة والقتل في الأولاد، وهي أن ترضع المرأة ولدها وفي بطنها آخر، والغلول: التلوُّن، وكذلك سميت الغول غولا؛ لأنها تتلوَّن، والغيلان: جميع، (يُنْزَفُونَ) قال: النزيف: السكران.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (لَا فِيهَا غَوْلٌ) أي: لا تغتال عقولهم فيذهب بها، يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، والغول: العدو، (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ) أي: لا يذهب خمرهم وينقطع ولا يذهب عقولهم، والخمر التي جعلها اللَّه لأهل الجنة في الآخرة هي للذي لم يشربها في الدنيا ولم يتناول منها ولا تلذذ بها، واللَّه أعلم.
وقيل: (لَا فِيهَا غَوْلٌ)، أي: غائلة لها، أي: الصداع، أي: لا يتجع منها الرأس، (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ) أي: لا يسكرون بنزف عقولهم فتذهب.
وفي قوله: (إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخلَصِينَ) بنصب اللام دلالة: أنه قد كان من اللَّه - جل وعلا - لطف به استوجبوا الإخلاص والخصوصية، وهو ينقض على المعتزلة قولهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -؛ (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)
أي: لا ينظرن إلى غير أزواجهن، جبل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - البشر على الغيرة، ولا يستحب الرجال أن ينظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا النساء أن ينظر أزواجهن إلى غيرهن، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن أزواجهم في الجنة: أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن؛ حبًّا لأزواجهن وطلبًا لمرضاتهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (عِينٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: واسعات العيون في الجمال؛ لأن السعة في العين إذا جاوز الحد
الصافات 37:49
فحش ولا يكون فيه جمال، ولكن يكون فيه قبح، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عِينٌ)، أي: حسان العيون، والعين جماعة: العيناء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)
أي: مستور، لا يصيبه مطر ولا ريح ولا غبار ولا شمس ولا شيء مما يصيب في الدنيا؛ كقوله: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ)، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ).
أي: قد [خبئ] وكن من الحر والبرد والمطر فلم يتغير؛ وهو مثل الأول.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بَيْضٌ مَكْنُونٌ): هو كبيض النعام الذي يكنه الريش من الريح وغيره، فهو أبيض إلى الصفرة فكأنه ينزف؛ فذاك المكنون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: شبهن بالبياض الذي يكون بين القشر وبين اللحا وهو أبيض شيء يكون، واللَّه أعلم بذلك، لكن فيه وصفهن بالجمال والبهاء والحب لأزواجهن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: البيض المكنون: هو المصون، هو وصفهن بالصون والصيانة؛ كقوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)...) إلى آخر ما ذكر: في بعض القصة: أن رجلين شريكين كان لهما ثمانون ألف دينار، وذكر أنهما كانا أخوين ورثا ثمانين ألف دينار فاقتسما - وذكر أربعون ألف درهم - فعمد أحدهما إلى ماله فاشترى به قصورًا وبستانًا وفرشًا وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، وعمد الآخر إلى ماله فأنفقه في طاعة اللَّه، وطلب مرضاته، وطلب [بعمده] الحياة الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن والآخر كافر طاغ، ثم أصاب الذي أنفقه في طاعة اللَّه وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعله أن ينال منه بمعروف، فأتاه فسأله، فأبى أن يعطيه شيئًا، وقال له: ما شأنك وما فعلت بمالك؟ فأخبره بما فعله به، فقال له: (أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) أي: محاسبون، فرجع فقضى لهما أن توفيا فنزلت فيهما: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) وهو المؤمن حين أدخله اللَّه الجنة (إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ. يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) بالبعث بعد الموت (أَإِذَا مِتْنَا
الصافات 37:50
الآيات ٥٠ و٥١ و٥٢ و٥٣ وقوله تعالى :﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين﴾ ﴿يقول أءنك لمن المصدّقين﴾ [ ﴿أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ ](١) ذكر في بعض القصة أن رجلين شريكين، كان لهما ثمانية آلاف دينار، [ وذكر أنهما كانا أخوين، ورثا ثمانية آلاف(٢) دينار ](٣) فاقتسما /٤٥٢-ب/ وذكر أربعون ألف درهم.
فعمد(٤) أحدهما إلى ماله، فاشترى به قصورا وبستانا وفرشا وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، وعمد الآخر إلى ماله، فأنفقه في طاعة الله وطلب مرضاته، وطلب بعمله [ النعمة ](٥) الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن، والآخر كافر طاغ.
ثم أصاب الذي [ أنفق ماله ](٦) في طاعة الله وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال : لو أتيت صاحبي هذا، [ لعلي أنال منه معروفا ](٧). فأتاه، فسأله، فأبى أن يعطيه شيئا، وقال له : ما شأنك ؟ وما فعلت بمالك ؟ فأخبره بما فعله به. فقال له :﴿أءنك لمن المصدّقين﴾ ﴿أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ أي محاسبون.
فرجع، فقضى لهما أن يوفيا، فنزلت فيهما ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ﴿قال قائل منهم﴾ وهو المؤمن حين أدخله الله الجنة ﴿كان لي قرين﴾ ﴿يقول أءنك لمن المصدّقين﴾ بالبعث بعد الموت ﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ أي لمحاسبون.
١ في الأصل و م: إلى آخر ما..
٢ في م: ألف..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: فتعمد..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: أنفقه..
٧ في الأصل و م: لعله أن ينال منه بمعروف..
الصافات 37:51
الآيات ٥٠ و٥١ و٥٢ و٥٣ وقوله تعالى :﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين﴾ ﴿يقول أءنك لمن المصدّقين﴾ [ ﴿أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ ](١) ذكر في بعض القصة أن رجلين شريكين، كان لهما ثمانية آلاف دينار، [ وذكر أنهما كانا أخوين، ورثا ثمانية آلاف(٢) دينار ](٣) فاقتسما /٤٥٢-ب/ وذكر أربعون ألف درهم.
فعمد(٤) أحدهما إلى ماله، فاشترى به قصورا وبستانا وفرشا وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، وعمد الآخر إلى ماله، فأنفقه في طاعة الله وطلب مرضاته، وطلب بعمله [ النعمة ](٥) الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن، والآخر كافر طاغ.
ثم أصاب الذي [ أنفق ماله ](٦) في طاعة الله وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال : لو أتيت صاحبي هذا، [ لعلي أنال منه معروفا ](٧). فأتاه، فسأله، فأبى أن يعطيه شيئا، وقال له : ما شأنك ؟ وما فعلت بمالك ؟ فأخبره بما فعله به. فقال له :﴿أءنك لمن المصدّقين﴾ ﴿أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ أي محاسبون.
فرجع، فقضى لهما أن يوفيا، فنزلت فيهما ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ﴿قال قائل منهم﴾ وهو المؤمن حين أدخله الله الجنة ﴿كان لي قرين﴾ ﴿يقول أءنك لمن المصدّقين﴾ بالبعث بعد الموت ﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ أي لمحاسبون.
١ في الأصل و م: إلى آخر ما..
٢ في م: ألف..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: فتعمد..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: أنفقه..
٧ في الأصل و م: لعله أن ينال منه بمعروف..
الصافات 37:52
الآيات ٥٠ و٥١ و٥٢ و٥٣ وقوله تعالى :﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين﴾ ﴿يقول أءنك لمن المصدّقين﴾ [ ﴿أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ ](١) ذكر في بعض القصة أن رجلين شريكين، كان لهما ثمانية آلاف دينار، [ وذكر أنهما كانا أخوين، ورثا ثمانية آلاف(٢) دينار ](٣) فاقتسما /٤٥٢-ب/ وذكر أربعون ألف درهم.
فعمد(٤) أحدهما إلى ماله، فاشترى به قصورا وبستانا وفرشا وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، وعمد الآخر إلى ماله، فأنفقه في طاعة الله وطلب مرضاته، وطلب بعمله [ النعمة ](٥) الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن، والآخر كافر طاغ.
ثم أصاب الذي [ أنفق ماله ](٦) في طاعة الله وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال : لو أتيت صاحبي هذا، [ لعلي أنال منه معروفا ](٧). فأتاه، فسأله، فأبى أن يعطيه شيئا، وقال له : ما شأنك ؟ وما فعلت بمالك ؟ فأخبره بما فعله به. فقال له :﴿أءنك لمن المصدّقين﴾ ﴿أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ أي محاسبون.
فرجع، فقضى لهما أن يوفيا، فنزلت فيهما ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ﴿قال قائل منهم﴾ وهو المؤمن حين أدخله الله الجنة ﴿كان لي قرين﴾ ﴿يقول أءنك لمن المصدّقين﴾ بالبعث بعد الموت ﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ أي لمحاسبون.
١ في الأصل و م: إلى آخر ما..
٢ في م: ألف..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: فتعمد..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: أنفقه..
٧ في الأصل و م: لعله أن ينال منه بمعروف..
الصافات 37:53
الآيات ٥٠ و٥١ و٥٢ و٥٣ وقوله تعالى :﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين﴾ ﴿يقول أءنك لمن المصدّقين﴾ [ ﴿أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ ](١) ذكر في بعض القصة أن رجلين شريكين، كان لهما ثمانية آلاف دينار، [ وذكر أنهما كانا أخوين، ورثا ثمانية آلاف(٢) دينار ](٣) فاقتسما /٤٥٢-ب/ وذكر أربعون ألف درهم.
فعمد(٤) أحدهما إلى ماله، فاشترى به قصورا وبستانا وفرشا وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، وعمد الآخر إلى ماله، فأنفقه في طاعة الله وطلب مرضاته، وطلب بعمله [ النعمة ](٥) الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن، والآخر كافر طاغ.
ثم أصاب الذي [ أنفق ماله ](٦) في طاعة الله وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال : لو أتيت صاحبي هذا، [ لعلي أنال منه معروفا ](٧). فأتاه، فسأله، فأبى أن يعطيه شيئا، وقال له : ما شأنك ؟ وما فعلت بمالك ؟ فأخبره بما فعله به. فقال له :﴿أءنك لمن المصدّقين﴾ ﴿أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ أي محاسبون.
فرجع، فقضى لهما أن يوفيا، فنزلت فيهما ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ﴿قال قائل منهم﴾ وهو المؤمن حين أدخله الله الجنة ﴿كان لي قرين﴾ ﴿يقول أءنك لمن المصدّقين﴾ بالبعث بعد الموت ﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون﴾ أي لمحاسبون.
١ في الأصل و م: إلى آخر ما..
٢ في م: ألف..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: فتعمد..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: أنفقه..
٧ في الأصل و م: لعله أن ينال منه بمعروف..
الصافات 37:54
وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ)، أي: لمحاسبون (قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) كأنه قال لأصحابه: هل أنتم مطلعون في النار لننظر ما حاله؟ ثم أخبر أنه اطلع (فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) ذكر اطلاعه، ولم يذكر اطلاع أصحابه؛ فجائز أن يكون أخبر عن اطلاع كل واحد منهم في نفسه: أنه اطلع (فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ)، أي: وسط الجحيم، وإن كانوا جميعًا مطلعين إليه فيها؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ)، و (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)، وإن كان خاطب إنسانًا فإنما خاطب به كل إنسان في نفسه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) إنما أخبر عن اطلاع كل منهم - واللَّه أعلم - وكانوا جميعًا مطلعين.
ثم في الآية شيئان عجيبان:
أحدهما: ما ذكر من اطلاع أهل الجنة على أهل النار أنها تكون قريبة من الجنة حتى ينظر بعضهم إلى بعضٍ فيرون.
أو تكون بعيدة منها، إلا أن إبصار أهل الجنة يكون أبعد وأبصر مما يكون في الدنيا، فجائز أن يجعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أبصار أهل الآخرة أبصر وأحدّ؛ حتى لا يحجبه ولا يمنعه بعد المسافة والمكان عن النظر والرؤية، واللَّه أعلم.
والثاني: أن كيف يعرفه في النار مما يحرقه ويفني وجهه ولونه وجميع أعلامه وسيماه، لكن جائز أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يعرفه بأعلام تجعل له؛ فيعرفه بتلك الأعلام، وذلك على اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يسيرٌ هَيِّنٌ.
وأهل التأويل يقولون: يجعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لأهل الجنة كوى منها إذا أرادوا أن ينظر أحدهم إلى مَن في النار، فتح اللَّه له كوة ينظر إلى من شاء من مقعده إلى النار، فيزداد بذلك شكرا، وهو قوله: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ)، أي: في وسط الجحيم؛ كقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَوَاءَ السَّبِيلِ)، أي: وسطه.
فقال: (تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) أي: هممت لتغوين، وكذلك في حرف ابن مسعود: مكان (لَتُرْدِينِ): (لتُغْوِيَن).
وقال الكسائي: تاللَّه، وباللَّه، وواللَّه، واللَّه - بغير واو - لغات.
يخبر أن باللَّه يكون على الأسف مرجعهما إلى سفاهٍ يقول: لولا أن اللَّه أنعم على الهدى، ولولا أن اللَّه رحمني فهداني؛ المعنى واحد. يقول له: اترك دينك واتبعني، وقال: (لَتُرْدِينِ) أي: لتهلكني، يقال: رديت فلانًا، أي: أهلكته، والردى: الموت
الصافات 37:55
الآيتان ٥٤ و٥٥ [ وقوله تعالى ](١) :﴿قال هل أنتم مُطّلِعون﴾ كأنه قال لأصحابه : هل أنتم مطّلعون في النار ؟ [ لتنظروا حاله ](٢)، ثم أخبر أنه اطلع ﴿فرآه في سواء الجحيم﴾.
ذكر اطلاعه، ولم يذكر اطلاع أصحابه. فجائز أن يكون أخبر عن اطلاع كل واحد منهم في نفسه أنه اطلع ﴿فرآه في سواء الجحيم﴾ أي وسط الجحيم. وإن كانوا جميعا مطّلعين إليه فيها، كقوله عز وجل :﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ [الانشقاق: ٦] وقوله :﴿يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم﴾ [الانفطار: ٦] وإن كان خاطب إنسانا فكأنه(٣) خاطب به كل إنسان في نفسه.
فعلى ذلك جائز أن يكون قوله عز وجل ﴿فاطّلع فرآه في سواء الجحيم﴾ أنه(٤) أخبر عن اطلاع كل منهم، والله أعلم، وكانوا جميعا مطّلِعين.
ثم في الآية شيئان(٥) عجيبان :
أحدهما : ما ذكر من اطّلاع أهل الجنة على أهل النار [ أن النار ](٦) تكون قريبة من الجنة حتى ينظر بعضهم إلى بعض { فيروا كم[ (٧) تكون بعيدة منها. إلا أن أبصار أهل الجنة تكون أبعد وأبصر مما تكون في الدنيا.
فجائز أن يجعل الله عز وجل أبصار أهل الآخرة أبصر وأبعد حتى لا يمنعه بُعد المسافة والمكان عن النظر والرؤية، والله أعلم.
والثاني : أن يعرّفه في النار { والنار تحرقه، وتغير ](٨) وجهه ولونه، وجميع أعلامه، وسيماه.
لكن جائز أن يكون الله عز وجل يعرّفه بأعلام [ تجعل له ](٩) فيعرّفه بتلك الأعلام، وذلك على الله عز وجل يسير هيّن.
وأهل التأويل يقولون : يجعل الله عز وجل لأهل الجنة كوىً فيها : إذا أراد أن ينظر أحدهم إلى من في النار فتح الله له كوّة، ينظر إلى من يشاء من مقعده إلى النار، فيزداد بذلك شكرا، وهو قوله :﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾ أي في وسط الجحيم كقوله عز وجل ﴿سواء السبيل﴾ [المائدة: ١٢] أي وسطه.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل: لنظر ماله، في م، لينظر ما حاله..
٣ في الأصل و م: فإنما..
٤ في الأصل و م: إنما..
٥ في الأصل و م: سببان..
٦ في الأصل و م: أنها..
٧ في الأصل و م: فيرون أن..
٨ في الأصل: والنار مما تحرقه وتفنى، في م، ما يحرقه ويفنى..
٩ من م، في الأصل: يجعله..
الآية ٥٦ [ وقوله تعالى ](١) :﴿قال تالله إن كدت لتُردينِ﴾ أي هممت لتُغويني. وكذا في حرف ابن مسعود ﴿لتُردين﴾ لتغويني.
وقال الكسائي : تالله، و : بالله، و : والله بغير واو لغات. يخبر أن بالله يكون على الأسف مرجعها إلى سفاه : يقول : لولا أن الله أنعم عليّ بالهدى، ولولا أن الله رحمني، فهداني، المعنى واحد، يقول له : اترك دينك، واتبعني.
و ﴿قال تالله إن كدت لتُردينِ﴾ أي لتُهلِكني، يقال : رديت فلانا، أي أهلكته، والرّدى الموت والهلاك، وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقوله تعالى :﴿لمدينون﴾ قال بعضهم : لمُحاسَبون، وقال أبو عوسجة والقتبي : لمجزيّون. والدين الجزاء.
وقال [ بعضهم ](٢) :﴿بيض مكنون﴾ أي مستور، لا يصيبه غبار ولا وسخ، وقوله :﴿إن كدت لتدرين﴾ أي هممت، وأردت أن تهلكني، وتغويني، لو أجبتك، واتبعتك، في ما دعوتني إليه، وسألتني.
١. ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
الصافات 37:57
والهلاك؛ وهو قول أبي عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ.
وقوله: (لَمَدِينُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: لمحاسبون.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: لمجزيون، والدِّين: الجزاء.
وقال: (بَيْضٌ مَكْنُونٌ): مستور، لا يصيبه غبار ولا وسخ.
وقوله: (إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) أي: هممت، وأردت أن تهلكني وتغويني لو أجبتك واتبعتك فيما أدعوتني، إليه وسألتني.
ثم أخبر أنه (وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) معه، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن عليه هداية كل أحد ما لو منعه عنه كان جائرا في منع ذلك، وهذا الرجل أخبر أنه بنعمته ورحمته اهتدى ما اهتدى، وأنه لو لم يكن منه إليه نعمة، لكان من المحضرين فيها، فهو أعرف بربه من المعتزلة، وكذلك الشيطان وجميع الكفرة أعرف بنعمة ربهم من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ)، (لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)، ومثله كثير في القرآن: أنهم جميعًا رأوا الهداية لهم من اللَّه نعمة ورحمة ولم يعط الكفرة ذلك، والمعتزلة يقولون: بل هدى كل كافر ومشرك لكنه لم يهتد، وأهل الجنة قالوا أيضًا: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)، وقالوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا)، ومثله كثير في القرآن، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)
يحتمل قوله: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) على الإيجاب والإلزام، ليس على الاستفهام، وسؤال بعضهم بعضًا: ألا نموت فيها ولا نعذب، وإذ لم نمت ولم نعذب فيها، فإذن كان ذلك فوزا عظيمًا؛ ولذلك ذكر أبو معاذ عن الكسائي: أن هذا استفهام تعيين وفي القرآن كثير مثله، وقال: قد يكون الاستفهام على التعجيب، ويكون على التعيين، ويكون على الجهالة، ويكون قوله: (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى) أي: بعد موتتنا الأولى؛ لأنه بعد إذاقتهم الموتة الأولى؛ فإنهم لا يذوقون ثانيًا.
الصافات 37:58
الآيتان ٥٨ و٥٩ وقوله تعالى :﴿أفما نحن بميّتين﴾ ﴿إلا موتتنا الأولى﴾ يحتمل قوله أن يكون قوله :﴿أفما نحن بميّتين﴾ على الإيجاب والإلزام [ أي لا نموت إذا دخلنا الجنة. ويحتمل ](١) على الاستفهام وسؤال بعضهم بعضا : ألا نموت ؟ ولا نعذَّب ؟ وإذا لم نمت، ولم نعذَّب، فإذن كان [ فوزنا ](٢) فوزا عظيما.
وكذلك ذكر أبو معاذ عن الكسائي أن هذا استفهام يقين، وفي القرآن كثير مثله. وقال قد يكون الاستفهام على التعجيب، ويكون [ على اليقين، ويكون على ](٣) الجهالة. ويكون قوله :﴿إلا موتتنا الأولى﴾ [ إلا بمعنى بعد، إذ الموتة الأولى ](٤) قد مضت [ ولا يتصوّر تذوّقها ](٥) ثانيا.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: ليس..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ من م، في الأصل: عن..
٤ في م: أي بعد موتتنا الأولى إلا بعد إذ موتة الأولى، ساقطة من الأصل..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: لا يذوقون..
الصافات 37:59
الآيتان ٥٨ و٥٩ وقوله تعالى :﴿أفما نحن بميّتين﴾ ﴿إلا موتتنا الأولى﴾ يحتمل قوله أن يكون قوله :﴿أفما نحن بميّتين﴾ على الإيجاب والإلزام [ أي لا نموت إذا دخلنا الجنة. ويحتمل ](١) على الاستفهام وسؤال بعضهم بعضا : ألا نموت ؟ ولا نعذَّب ؟ وإذا لم نمت، ولم نعذَّب، فإذن كان [ فوزنا ](٢) فوزا عظيما.
وكذلك ذكر أبو معاذ عن الكسائي أن هذا استفهام يقين، وفي القرآن كثير مثله. وقال قد يكون الاستفهام على التعجيب، ويكون [ على اليقين، ويكون على ](٣) الجهالة. ويكون قوله :﴿إلا موتتنا الأولى﴾ [ إلا بمعنى بعد، إذ الموتة الأولى ](٤) قد مضت [ ولا يتصوّر تذوّقها ](٥) ثانيا.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: ليس..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ من م، في الأصل: عن..
٤ في م: أي بعد موتتنا الأولى إلا بعد إذ موتة الأولى، ساقطة من الأصل..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: لا يذوقون..
الصافات 37:60
الآيتان ٦٠ و٦١ وقوله تعالى :﴿إن هذا لهو الفوز العظيم﴾ ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ أي لمثل هذه العاقبة التي أعطينا نحن، وظفر بها، يعمل العاملون، لا لمثل ما فيه صاحبه الذي في النار.
الصافات 37:61
وقوله: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)
أي: لمثل هذه العاقبة التي أعطينا نحن وظفرنا بها، فليعمل العاملون، لا لمثل ما فيه صاحبه الذي في النار.
* * *
قوله تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)
ثم قال: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ).
يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا) من النزل والمقام، أي: المقام الذي نزلنا فيه نحن خير أم شجرة الزقوم.
ويحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا) أن يكون من الأنزال، أي: ما لنا من النعم العظام والمأكل والمشرب خير أم شجرة الزقوم؟
قَالَ بَعْضُهُمْ - أعني: بعض الكفار - عندما خوفوا بها: هل تدرون ما الزقوم؟ هو التمر والزبد، فقالوا: هذا الذي يخوفنا به مُحَمَّد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن محمدًا يدعي أن تكون الشجرة في النار، والنار من طبعها أن تحرق الشجر وتأكله، فكيف يكون في النار الشجرة؟! تكذيبًا منهم وإنكارًا لذلك، فأخبرهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عن تلك الشجرة وعن حالها فقال: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) أخبر أن تلك الشجرة خرجت من أصل الجحيم وأنشئت منها، والشجرة التي أنشئت من النار لا تأكلها النار ولا تحرقها وإنما تأكل غيرها من الأشجار التي لم تنشأ منها، ومثل هذا جائز أن يكون الشيء الذي يكون نشوءه وبدؤه من كل شيء ألا يهلكه كونه في ذلك؛ كالسمك الذي يكون أصل نشوئه في الماء، لا يهلكه الماء وكذلك جميع دواب البحر وإن كان غيرها من الدواب في البرية يهلك فيه ويتلف؛ فعلى ذلك الشجرة المنشأة منها لا تهلكها النار ولا تحرقها، وإن كان غيرها من الأشجار تأكلها وتحرقها، واللَّه أعلم.
الصافات 37:62
الآية ٦٢ قم قوله(١) تعالى :﴿أذلك خير نزلا أم شجرة الزّقوم﴾ يحتمل قوله عز وجل ﴿أذلك خير نزلا﴾ من المنزل أو المقام، أي المقام الذي نزلنا فيه خير ﴿أم شجرة الزقوم﴾ ؟
ويحتمل قوله عز وجل :﴿أذلك خير نزلا﴾ أن يكون من الإنزال، أي مالنا من الطعام(٢) والمأكل والمشرب خير ﴿أم شجرة الزقوم﴾ ؟
قال بعضهم، أعني بعض الكفار لبعض لما خُوّفوا بها : هل تدرون ما الزقوم ؟ هو التمر والزُّبد، فقالوا : بهذا الذي يخوّفنا به محمد.
وقال بعضهم : إن محمدا يخوّفنا بشجرة في النار [ والنار ](٣) من طبعها أن تحرق الشجر، وتأكله، فكيف تكون في النار شجرة ؟ تكذيبا منهم وإنكارا لها.
١ في الأصل و م: قال..
٢ في الأصل و م: العظام..
٣ من م، ساقطة من الأصل وم..
الصافات 37:63
الآيات ٦٣ و٦٤ و٦٥ فبيّن الله عز وجل تلك الشجرة [ وأخبر ](١) عن حالها، فقال :﴿إنا جعلناها فتنة للظالمين﴾ ﴿إنها شجرة تخرج في أصل جهنم﴾ ﴿طلعها كأنه رءوس الشياطين﴾ أخبر أن تلك الشجرة من أصل الجحيم، وأُنشئت، والشجرة التي أنشئت من النار، لا تأكلها النار، ولا تحرقها، كما تأكل غيرها من الأشجار التي لم تنشأ منها.
ومثل هذا جائز أن يكون الشيء الذي يكون منشؤُه وبدؤُه من(٢) شيء، لا يهلكه كونه في ذلك [ الشيء، كالسمك ](٣) الذي يكون أصل نشوئه في الماء، وكذلك جميع دواب البحر، وإن كان غيرها من الدواب في البرّية تهلك فيها، وتتلف.
فعلى ذلك الشجرة المنشأة [ في النار، لا تهلكها ](٤) النار، ولا تحرقها، وإن كان غيرها من الأشجار تأكلها، وتحرقها، والله أعلم.
والجحيم : قيل : هو معظم النار وغِلظها، يقال : جحمت النار، أي أعظمتها، يقال : نار جحيمة أي عظيمة.
وقوله تعالى :﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ اختلف فيه :
قال بعضهم : إن نوعا من الحيات يسمَّين شياطين، لها رؤوس سود، قِباح، له عُرف كعرف الفرس. وطلع تلك الشجرة، وثمرتها لقبحها وسوادها كرؤوسي(٥) تلك الحيات، والله أعلم.
وقال بعضهم : هو نوع من /٤٥٣-أ/ النبات في البادية يستقبحه الناس أشد الاستقباح، شبّه طلع تلك الشجرة وثمرتها بذلك النبات.
وقال بعضهم : إن جبالا بمكة سود قباح، يستقبحها أهل مكة، سمّوها شياطين، شبّه ثمار تلك الشجرة وطلعها برؤوس تلك الجبال، والله أعلم.
وقال بعضهم : لا، ولكن حقيقة [ رؤوس ](٦) الشياطين، لأن الله عز وجل جعل الشياطين في قلوب أولئك الكفرة فضل بُغض وقبح ونفار منها، وإن يروها، ولم يعاينوها، فشبّه طلع تلك الشجرة برؤوس الشياطين لفضل إنكارهم وبغضهم إياها حقيقة.
وفي ذلك آية عظيمة لرسالته ﷺ لأنهم لم يروا الشياطين ببصرهم، ولا عرفوهم معاينة، وإنما عرفوهم بأخبار الرسل عليهم السلام مما استنكروها، واستقبحوها، وهم لا يؤمنون بالرسل عليهم السلام فإذا قبلوا أخبار رسل الله فيهم لزمهم أن يقبلوا قوله في الرسالة وفي جميع ما أخبر، والله أعلم.
وقوله تعالى :{ { إنا جعلناها فتنة للظالمين } يحتمل قوله ﴿فتنة﴾ يعني به الشجرة التي أنشئت من أصل الجحيم، وهي شجرة الزقوم عذابا للظالمين كقوله :﴿يوم هم على النار يُفتنون﴾ أي يعذّبون ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ أي عذابكم ﴿هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ [ الذاريات : ١٣ و١٤ ].
ويحتمل قوله :﴿جعلناها﴾ أي تلك الشجرة الزقوم ﴿فتنة للظالمين﴾ في الدنيا [ وجهين :
أحدهما : الفتنة ](٧) بها لهم هي إنكارهم إياها من الجهة التي ذكروا أن النار تحرق، وتأكل الشجر، فكيف يكون فيها شجر ؟ إنكارا وتكذيبا بها.
والثاني : ما ذكر بعضهم : أن الزّقوم، هو الزُّبد والتمر، صار ذلك فتنة لما ذكرنا وسببا لعذابهم، والله أعلم.
١ في الأصل و م: و..
٢ أدرج بعدها في الأصل و م: كل..
٣ في الأصل: السمك، في م: كالسمك..
٤ في الأصل: منها لا تهلكها، في م: منها لا يهلكه..
٥ في الأصل و م: برؤوس من..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: وجهة الغصة..
الصافات 37:64
الآيات ٦٣ و٦٤ و٦٥ فبيّن الله عز وجل تلك الشجرة [ وأخبر ](١) عن حالها، فقال :﴿إنا جعلناها فتنة للظالمين﴾ ﴿إنها شجرة تخرج في أصل جهنم﴾ ﴿طلعها كأنه رءوس الشياطين﴾ أخبر أن تلك الشجرة من أصل الجحيم، وأُنشئت، والشجرة التي أنشئت من النار، لا تأكلها النار، ولا تحرقها، كما تأكل غيرها من الأشجار التي لم تنشأ منها.
ومثل هذا جائز أن يكون الشيء الذي يكون منشؤُه وبدؤُه من(٢) شيء، لا يهلكه كونه في ذلك [ الشيء، كالسمك ](٣) الذي يكون أصل نشوئه في الماء، وكذلك جميع دواب البحر، وإن كان غيرها من الدواب في البرّية تهلك فيها، وتتلف.
فعلى ذلك الشجرة المنشأة [ في النار، لا تهلكها ](٤) النار، ولا تحرقها، وإن كان غيرها من الأشجار تأكلها، وتحرقها، والله أعلم.
والجحيم : قيل : هو معظم النار وغِلظها، يقال : جحمت النار، أي أعظمتها، يقال : نار جحيمة أي عظيمة.
وقوله تعالى :﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ اختلف فيه :
قال بعضهم : إن نوعا من الحيات يسمَّين شياطين، لها رؤوس سود، قِباح، له عُرف كعرف الفرس. وطلع تلك الشجرة، وثمرتها لقبحها وسوادها كرؤوسي(٥) تلك الحيات، والله أعلم.
وقال بعضهم : هو نوع من /٤٥٣-أ/ النبات في البادية يستقبحه الناس أشد الاستقباح، شبّه طلع تلك الشجرة وثمرتها بذلك النبات.
وقال بعضهم : إن جبالا بمكة سود قباح، يستقبحها أهل مكة، سمّوها شياطين، شبّه ثمار تلك الشجرة وطلعها برؤوس تلك الجبال، والله أعلم.
وقال بعضهم : لا، ولكن حقيقة [ رؤوس ](٦) الشياطين، لأن الله عز وجل جعل الشياطين في قلوب أولئك الكفرة فضل بُغض وقبح ونفار منها، وإن يروها، ولم يعاينوها، فشبّه طلع تلك الشجرة برؤوس الشياطين لفضل إنكارهم وبغضهم إياها حقيقة.
وفي ذلك آية عظيمة لرسالته ﷺ لأنهم لم يروا الشياطين ببصرهم، ولا عرفوهم معاينة، وإنما عرفوهم بأخبار الرسل عليهم السلام مما استنكروها، واستقبحوها، وهم لا يؤمنون بالرسل عليهم السلام فإذا قبلوا أخبار رسل الله فيهم لزمهم أن يقبلوا قوله في الرسالة وفي جميع ما أخبر، والله أعلم.
وقوله تعالى :{ { إنا جعلناها فتنة للظالمين } يحتمل قوله ﴿فتنة﴾ يعني به الشجرة التي أنشئت من أصل الجحيم، وهي شجرة الزقوم عذابا للظالمين كقوله :﴿يوم هم على النار يُفتنون﴾ أي يعذّبون ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ أي عذابكم ﴿هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ [ الذاريات : ١٣ و١٤ ].
ويحتمل قوله :﴿جعلناها﴾ أي تلك الشجرة الزقوم ﴿فتنة للظالمين﴾ في الدنيا [ وجهين :
أحدهما : الفتنة ](٧) بها لهم هي إنكارهم إياها من الجهة التي ذكروا أن النار تحرق، وتأكل الشجر، فكيف يكون فيها شجر ؟ إنكارا وتكذيبا بها.
والثاني : ما ذكر بعضهم : أن الزّقوم، هو الزُّبد والتمر، صار ذلك فتنة لما ذكرنا وسببا لعذابهم، والله أعلم.
١ في الأصل و م: و..
٢ أدرج بعدها في الأصل و م: كل..
٣ في الأصل: السمك، في م: كالسمك..
٤ في الأصل: منها لا تهلكها، في م: منها لا يهلكه..
٥ في الأصل و م: برؤوس من..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: وجهة الغصة..
الصافات 37:65
والجحيم: قيل: هو معظم النار وغلظها، يقال: أجحمت النار، أي: أعظمتها، يقال: نار جحيمة، أي: عظيمة.
وقوله: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن نوعًا من الحيَّات يسمين: شياطين، لها رءوس سود قباح، لها عرف كعرف الفرس، وأشبه، طلع تلك الشجرة وثمرتها لقبحها وسوادها برءوس من تلك الحيات، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو نوع من النبات بالبادية يستقبحه الناس أشد الاستقباح، شبه طلع تلك الشجرة وثمرتها بذلك النبات.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن جبالا بمكة سود قباح يستقبحها أهل مكة سموها: شياطين، شبه ثمار تلك الشجرة وطلعها برءوس تلك الجبال، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا ولكن حقيقة رءوس الشياطين؛ لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل للشياطين في قلوب أُولَئِكَ الكفرة فضل بغض وقبح والنفار منها وإن لم يروها ولم يعاينوها، فشبه طلع تلك الشجرة برءوس الشياطين؛ لفضل إنكارهم وبغضهم إياها حقيقة، وفي ذلك آية عظيمة لرسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنهم لم يروا الشياطين ببصرهم ولا عرفوهم معاينة، وإنَّمَا عرفوهم بأخبار الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وبها استنكروها واستقبحوها وهم قوم لا يؤمنون بالرسل - عليهم السلام - فإذا قبلوا أخبار رسل الله فيهم، لزمهم أن يقبلوا قولهم في الرسالة وفي جميع ما أخبروا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ):
يحتمل قوله: (فِتْنَةً)، يعني به: الشجرة التي أنشئت من أصل الجحيم، وهي شجرة الزقوم أجعلها، عذابًا للظالمين، يعني به: الشجرة؛ كقوله: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)، أي: يعذبون، (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) أي: عذابكم، (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ).
ويحتمل قوله: (جَعَلْنَاهَا)، أي: تلك الشجرة: الزقوم، (فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) في الدنيا وجهة القصة بها لهم: هو إنكارهم إياها من الجهة التي ذكروا: أن النار تحرق وتأكل
الصافات 37:66
الشجر، فكيف يكون فيها شجر؟! إنكارًا لها وتكذيبًا بها.
والثاني: ما ذكر بعضهم: أن الزقوم هو الزبد والتمر، صار ذلك فتنة لهم؛ لما ذكرنا وسببًا لعذابهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا... (٦٦)
أي: من الشجرة الزقوم، ذكر أنها تخرج من أصل الجحيم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ).
جائز أن يشدد اللَّه عليهم الجوع حتى يأكلوا منها فيملئون بطونهم منها؛ كقوله - عز وجل -: (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ)، وهي الإبل التي تملأ بطونها من المسايم، لا يغني ذلك الشرب وهو الحميم، ولا يدفع عنهم العطش الذي يكون بهم؛ فعلى ذلك ما جعل طعامهم من تلك الشجرة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الْأَثِيمِ...) الآية، إنهم وإن ملئوا بطونهم فإن ذلك لا يدفع عنهم الجوع؛ كقوله: (لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ)، واللَّه أعلم.
(ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا... (٦٧)
وفي حرف عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ).
أي: ثم إن لهم على تلك الشجرة التي جعل طعامهم منها خلطًا من حميم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)
أي: ثم إن مردهم، أي: ثم إنهم يردون إلى الجحيم لا أنهم يرجعون بأنفسهم، ولكن يردون فيها؛ كقوله: (ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ)، هم لا يدخلون فيها ولكن يدفعون فيها؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)، والجحيم: هو معظم النار على ما ذكرنا، يقال: نار جاحمة، أي: عظيمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩)
أي: وجدوا آباءهم ضالين.
(فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)
الصافات 37:67
الآية ٦٧ وقوله تعالى :﴿ثم إن لهم عليها لشَوْبًا من حميم﴾ أي ثم إن تلك الشجرة التي جعل طعامهم منها خلطا من حميم.
الصافات 37:68
الآية ٦٨ وقوله تعالى :﴿ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم﴾ أي إن مردّهم، أي ثم إنهم يُردّون إلى الجحيم لا أنهم يرجعون بأنفسهم، ولكن يردّون فيها كقوله :﴿فادخلوا أبواب جهنم﴾ [النحل: ٢٩] هم لا يدخلون فيها، ولكن يُدفعون فيها كقوله عز وجل :﴿يوم يُدعون إلى نار جهنم دعًّا﴾ [الطور: ١٣].
[ وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه : ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ](١) والجحيم، هو معظم النار على ما ذكرنا، يقال : نار جاحمة أي عظيمة.
الآية ٦٩ [ وقوله عز وجل ](٢) :﴿إنهم ألْفَوا آباءهم ضالين﴾ أي وجدوا آباءهم ضالّين.
١ أدرجت هذه العبارة في الأصل وم بعد: ﴿لا يسمن ولا يغني من جوع﴾ والله أعلم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
الصافات 37:70
الآية ٧٠ [ وقوله تعالى ](١) :﴿فهم على آثارهم يُهرَعون﴾ فيه أن ما ذكر من العذاب للأتباع منهم لا للمتبوعين. ولم يذكر عذاب المتبوعين في الآية حين(٢) قال :﴿إنهم ألفوا آباءهم ضالين﴾ ﴿فهم على آثارهم يُهرَعون﴾ قال بعضهم : يسرعون، وهو شبه الهرولة والإسراع، وهو قول القتبي وأبي عوسجة. وقال بعضهم : يُهرعون أي يسعون، وهما واحد.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حيث..
الصافات 37:71
فيه أن ما ذكر من العذاب للأتباع منهم لا للمتبوعين، ولم يذكر عذاب المتبوعين في الآية حيث قال: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: يسرعون وهو شبه الهرولة، والإهراع: هو الإسراع؛ وهو قول الْقُتَبِيّ وأبي عَوْسَجَةَ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يُهْرَعُونَ) أي: يسعون؛ وهما واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)
يقول - واللَّه أعلم -: ولقد ضل قبل قومك يا مُحَمَّد من الأولين أكثرهم من الأمم الخالية من لدن آدم فهلم جزا إلى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعلى آدم ومن بينهما من النبيين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)
أي: لقد أرسلنا في الذين ضلوا قبل قومك منذرين ينذرونهم، ما من قوم إلا بعث إليهم نذير كما أرسلناك إلى قومك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)
يقول - واللَّه أعلم -: انظر كيف صنعنا بمن أنذرنا بالعاقبة فلم يؤمن ولم يقبل ولم ينفعه النذارة.
(إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)
استثنى المخلصين منهم، وهم الذين نفعتهم النذارة وقبلوها؛ فنجوا مما ذكر من عذابهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل: أنه سماهم المخلصين؛ لما اصطفاهم اللَّه وأخلصهم لعبادته.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ...) الآية.
قَالَ بَعْضُهُمْ: حين دعا ربه فقال - عليه السلام -: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)، فكأنه إنما دعا ربه بالهلاك على قومه، فأجاب اللَّه دعاءه، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ...)، إلى آخر ما ذكر.
الصافات 37:72
الآية ٧٢ وقوله تعالى :﴿ولقد أرسلنا فيهم منذرين﴾ أي لقد أرسلنا في الذين ضلوا قبل قومك منذرين ينذرونهم، ما من قوم إلا بُعث إليهم نذير كما أرسلنا قومك.
الصافات 37:73
الآية ٧٣ وقوله تعالى :﴿فانظر كيف كان عاقبة المنذرين﴾ يقول، والله أعلم : انظر كيف صنعنا بمن أنذرنا بالعاقبة، فلم يؤمن، ولم يقبل، ولم تنفعه النذارة.
الصافات 37:74
الآية ٧٤ [ وقوله تعالى ](١) :﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ استثنى المخلصين منهم، وهم الذين نفعتهم النذارة، وقبلوها، فنجوا مما ذكر من عذابهم، والله أعلم. ويحتمل أنه(٢) سماهم المخلصين لما اصطفاهم، وأخلصهم لعبادته.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أنهم..
الصافات 37:75
الآية ٧٥ وقوله تعالى :﴿ولقد نادانا نوح فلنِعم المجيبون﴾ قال بعضهم : حين دعا ربه، فقال :﴿أني مغلوب فانتصر﴾ [القمر: ١٠] فكأنه دعا ربه بالهلاك على قومه، فأجاب الله دعاءه، وهو ما قال عز وجل ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾ إلى آخر ما ذكر ﴿ولقد تركناها آية فهل من مدّكر﴾ [القمر: ١١ -١٥](١).
ثم [ بيّن تعالى ](٢) أن الرسل عليهم السلام هم مخصوصون بأمرين(٣) من بين غيرهم من الناس :
أحدهما : أن ليس لهم الدعاء على قلوبهم بالهلاك وسؤال العذاب عليهم إلا بعد مجيء الإذن لهم من الله عز وجل بالدعاء عليهم. فنوح عليه السلام إنما دعا ربه بإنزال الهلاك عليهم بالإذن من ربه.
والثاني : لم يكن لهم الخروج من بين أظهرهم عند نزول العذاب بهم إلا بإذن من الله عز وجل على ذلك. ولذلك جاء العتاب ليونس عليه السلام والتعبير لما خرج من بينهم عند نزول العذاب بهم بلا إذن كان من ربه حين(٤) قال عز وجل :﴿وذا النون إذ ذهب مُغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧].
هما خصلتان(٥) لهم خاصة، صلوات الله عليهم، وأما لغيرهم من أهل الدين فلهم أن يدعوا على الفَجَرة والفَسقة منهم باللعن والهلاك، فلهم أن يفرّوا منهم، وأن يخرجوا من بين أظهرهم لفسقهم وفجورهم، وكان هذا يعدّ من صالح الأعمال لهم.
وقوله تعالى :﴿فلنِعم المجيبون﴾ وهو رب، تبارك، وتعالى، ذكر المجيبين على الجماعة أنا نفعل كذا، وفعلنا كذا، وهو كلام الملوك في ما بينهم.
ثم كل فعل، يضاف إلى الله تعالى، [ مما يُنسَب إلى غيره في الجملة ](٦) فإنه يزاد فيه شيء(٧)، يكون فاصلا بينه(٨) وبين فعل غيره [ دفعا لوهم المشابهة والشركة عن قلوب الناس كما يقال : إنه عالم لا كالعلماء ونحو ](٩) ما قال عز وجل في موضع آخر :﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ [هود: ٤٥] [ ونحو قوله :[ فتبارك الله أحسن الخالقين } [المؤمنون: ١٤] ](١٠). مما يُكثر ذلك، لأنه قادر على وفاء ما وعد، وأخبر، وإنجاز ذلك، لا يعجزه شيء، وغيره من الخلائق، لعلهم لا يقدرون على وفاء ذلك والقيام بإنجاز ما وعدوا. لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أمر..
٣ في الأصل وم: بهما..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ من م، في الأصل: فضلتان..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: فيه غيره أو ينسب..
٧ في الأصل وم: شيئا..
٨ أدرج قبلها في الأصل و م: وذلك..
٩ من نسخة الحرم المكي، في الأصل نحو، في م: ونحو قوله: عالم لا كالعلماء ونحوه، مدرجة بعد ﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾..
١٠ من نسخة المكي، ساقطة من الأصل وم..
الصافات 37:76
ثمة أمران الرسل - عليهم السلام - هم مخصوصون بهما من بين غيرهم من الناس: أحدهما: أن ليس لهم الدعاء على قومهم بالهلاك وسؤال العذاب عليهم إلا بعد مجيء الإذن لهم من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالدعاء عليهم، فنوح - عليه السلام - إنما دعا ربه بإنزال الهلاك عليهم بالإذن من ربه.
والثاني: لم يكن لهم الخروج من بين أظهرهم عند نزول العذاب بهم إلا بإذن من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على ذلك؛ ولذلك جاء العتاب ليونس - عليه السلام - والتعيير لما خرج من بينهم عند نزول العذاب بلا إذن كان من ربه حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ...) الآية، هما خصلتان لهم خاصة صلوات اللَّه عليهم، وأما لغيرهم من أهل الدِّين فلهم أن يدعوا على الفجرة والفسقة منهم باللعن والهلاك، فلهم أن يفروا منهم، وأن يخرجوا من بين أظهرهم؛ لفسقهم وفجورهم، وكان هذا يعد من صالح الأعمال لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ).
وهو الرب - تبارك وتعالى - ذكر المجيب على الجماعة: إنا نفعل كذا، وفعلنا كذا، وهو كلام الملوك فيما بينهم، ثم كل فعل يضاف إلى اللَّه - تعالى - يشاركه فيه غيره أو ينسب يزاد فيه شيء يكون فاصلا، وذلك يينه وبين فعل غيره؛ نحو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ - في موضع آخر: (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)، ونحو قوله: (عَالِم)، لا كالعلماء ونحوه مما يكثر ذلك؛ لأنه قادر على وفاء ما وعد وأخبر وإنجاز ذلك لا يعجزه شيء، وغيره من الخلائق لعلهم لا يقدرون على وفاء ذلك والقيام بإنجاز ما وعدوا؛ لذلك كان ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)
يحتمل نجاته من الكرب العظيم هو دعاؤه قومه إلى توحيد اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - تسعمائة وخمسين سنة، وما قاساه منهم من أنواع الأذى من التكذيب وغيره، فأنجاه اللَّه من كرب ذلك حين أهلكهم.
ويحتمل: (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) هو القول الشديد وهو الغرق، أغرق قومه وأنجاه منه، سماه: عظيمًا؛ لشدة ما أصابهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)
أي: جعلنا ذرية نوح - عليه السلام - من بين سائر ولد آدم وذريتهم هم الباقين، وأهلكنا غيرهم؛ ولذلك كان بقاء نسله إلى يومنا هذا وهلك نسل غيره، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)
الصافات 37:77
الآية ٧٧ وقوله تعالى :﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ أي جعلنا ذرّية نوح عليه السلام من بين سائر ولد آدم وذرياتهم، وأهلك غيرهم. ولذلك كان بقي نسله إلى يومنا هذا، وهلك نسل غيره، والله أعلم.
الصافات 37:78
الآيتان ٧٨ و٧٩ وقوله تعالى :﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ يشبه أن يكون ما ذكر أنه ترك في الآخرين ما ذكر على إثره من السلام حين(١) قال عز وجل ﴿سلام /٤٥٣-ب/ على نوح في العالمين﴾ أي أبقينا [ على نوح ](٢) السلام الحسن في الآخرين حتى يُثنوا عليه جميعا [ ويصدّقوه، ويقولوا ](٣) فيه خيرا وحسنا، والله أعلم.
ويحتمل ما قاله بعضهم :﴿سلام على نوح في العالمين﴾ [ أي يسلّم عليه ](٤) جميع العالمين في جميع الأوقات كما سلّم عيسى على نفسه حين(٥) قال :﴿والسلام على يوم وُلدت ويوم أموت ويوم أُبعث حيا﴾ [مريم: ٣٣] وما سلّم [ الله تعالى بنفسه ](٦) على يحيى عليه السلام حين(٧) قال :﴿وسلام عليه يوم وُلد ويوم يموت ويم يُبعث حيا﴾ [مريم: ١٥].
ذكر السلام عليهما في أوقات ثلاثة وفي [ كل ](٨) يوم في الأوقات كلها، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: ويصدقون ويقولون..
٤ في الأصل وم: إليه..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ ساقطة من الأصل وم.
٧. في الأصل وم: حيث.
٨. ساقطة من الأصل وم.
الصافات 37:79
يشبه أن يكون ما ذكر أنه ترك في الآخرين ما ذكر على أثره من السلام حيث قال - عز وجل -: (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) أي: أبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين حتى يثنوا عليه جميعًا ويصدقوه ويقولوا فيه خيرًا وحسنًا، واللَّه أعلم.
ويحتمل ما قَالَ بَعْضُهُمْ: سلام اللَّه على نوح في العالمين، وسلم إليه جميع العالمين في جميع الأوقات، كما سلم عيسى على نفسه حيث قال: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)، وما سلم على يحيى - عليه السلام - حيث قال: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)، ذكر السلام عليهما في أوقات ثلاثة وفي نوح في الأوقات كلها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)
أي: إنا هكذا نجزي كل محسن، فجزاه اللَّه بإحسانه إلينا الحسن في العالمين، رغب الناس في الإحسان: إما إلى الخلق، وإما إلى أنفسهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)
وليس في ذكره أنه من المؤمنين كثير منفعة له وهو من أولي العزم من الرسل، لكن يحتمل ذكره إياه أنه من المؤمنين وجوهًا:
أحدها: أنه من عبادنا المؤمنين قبل الرسالة وقبل أن يبعث رسولا، أي: لم يصر مؤمنًا وقت الرسالة، ولكن كان لم يزل مؤمنًا قبل الرسالة.
والثاني: أنه من عبادنا المؤمنين بك يا مُحَمَّد؛ يذكر هذا ليسر به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويفرح عليه، والرسل - عليهم السلام - جميعًا يؤمن بعضهم ببعض.
والثالث: أنه كان من عبادنا المؤمنين المحققين الموفين، أي: وفاء ما اعتقد بلسانه، وهكذا كان الرسل كلهم موفين ما اعتقدوا وأعطوا بلسانهم، وهكذا يعتقد كل مؤمن في أصل إيمانه واعتقاده ألا يعصي ربه، وألا يخالفه في شيء من أموره ونواهيه، لكنه لا يفي ما اعتقده فعلا بل يقع - ربما - في معاصيه وفي مخالفة أمره ونهيه، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا
الصافات 37:80
الآية ٨٠ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ أي إنا هكذا نجزي كل محسن، فجزاء الله بإحسانه إلينا [ الثناء ](١) الحسن في العالمين. رغّب الناس في الإحسان إما إلى الخلق وإما إلى أنفسهم، والله أعلم.
١. ساقطة من الأصل وم..
الصافات 37:81
الآية ٨١ وقوله تعالى :﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ وليس في ذكره أنه من المؤمنين كثير منفعة له، وهو من أولي العزم من الرسل. لكن يحتمل ذكره إياه من المؤمنين وجوها :
أحدها :﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ قبل الرسالة أي(١) قبل أن يُبعث رسولا أي لم يصر مؤمنا قبل الرسالة.
والثاني :﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ بك يا محمد. يذكر هذا ليُبشّر به ﷺ نوح عليه السلام والرسل عليهم السلام، فيؤمن(٢) بعضهم ببعض.
والثالث : أنهم كلَّهم من عبادنا المحقّقين الموقنين بقلوبهم(٣) ما اعتقدوا بلسانهم(٤). وهكذا كان الرسل كلهم موقنين ما اعتقدوا، وأعطوا بلسانهم. وهكذا يعتقد كل مؤمن في أصل إيمانه واعتقاده ألا يعصي ربه، وألا يخالفه في شيء من أموره ونواهيه. لكنه لا يفي ما اعتقده فعلا، بل يقع ربما في معاصيه وفي مخالفة أمره ونهيه، والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: أي وفاء..
٤ في الأصل وم: بلسانه..
الصافات 37:82
الآيات ٨٢ و٨٣ و٨٤ وقوله تعالى :﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾ ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾ ﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ أي إبراهيم عليه السلام من شيعة نبينا محمد ﷺ يقول : على دينه ومنهاجه. وقال بضعهم : من شيعة نوح، أي إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام على ما تقدم [ من ](١) ذكر نوح عليه السلام حين(٢) قال :﴿ولقد نادانا نوح﴾ [الصافات: ٧٥] إلى آخر ذلك أن إبراهيم من شيعته على دينه ومنهاجه. [ وقال ](٣) :﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ من جميع ما يمنعه من الإجابة لربه في ما دعاه والصبر على ما امتحنه، وابتلاه، والله أعلم. وعلى ذلك سمّاه الله عز وجل في كتابه الكريم :﴿وإبراهيم الذي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] جميع ما أمر به، وامتحن به، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذلك في الآخرة، يقول :﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ كقوله عز وجل :﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠] أخبر أنه في الآخرة يكون من الصالحين وذلك سلامة قبله، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل و م: وقيل لذكرها..
الصافات 37:83
لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)
أي: إبراهيم - عليه السلام - من شيعة نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول على دينه ومنهاجه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: من شيعة نوح، أي: إبراهيم من شيعة نوح - عليهما السلام - على ما تقدم ذكر نوح - عليه الصلاة والسلام - حيث قال: (نَادَانَا نُوحٌ...) إلى آخر ذلك أن إبراهيم من شيعته على دينه ومنهاجه.
وقيل: لذكرها (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) عن جميع ما يمنعه من الإجابة لربه فيما دعاه، والصبر على ما امتحنه وابتلاه، واللَّه أعلم.
وعلى ذلك سماه اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في كتابه الكريم: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)، جميع ما أمر به وامتحن به، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون ذلك في الآخرة يقول: (جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)، أخبر أنه في الآخرة يكون من الصالحين وذلك سلامة قلبه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ) قد اختلف سؤال إبراهيم - صلوات اللَّه عليه - بقوله مرة: قال لهم (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)، ومرة قال: (مَاذَا تَعْبُدُونَ)، ثم ذكر في غير هذا الموضع إجابتهم إياه حيث قالوا: (نَعْبُدُ أَصْنَامًا)، وما قالوا: (وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ)، ولم يذكر هاهنا شيئًا قالوه له، ثم معلوم أنه لا بهذا اللسان أجابوه بما أجابوه، ثم ذكره على اختلاف الألفاظ والحروف ليعلم أن تغيير الحروف والألفاظ لا يغير المعنى، وكذلك جميع القصص التي ذكرت في القرآن يذكرها مكررة معادة مختلفة الألفاظ والحروف والقصة واحدة؛ ليدل أن المأخوذ والمقصود من الكلام معناه لا لفظه وحروفه، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)
يقول - واللَّه أعلم -: إفكا أي: كذبًا تمسككم بالأصنام التي تعبدونها من دونه، يقول: كذبًا ذلك، ليست بآلهة دون اللَّه وعبادته.
أو يقول: إفكا، أي: كذبًا الآلهة التي اتخذتموها آلهة دون اللَّه، يريدون أن
الصافات 37:84
الآيات ٨٢ و٨٣ و٨٤ وقوله تعالى :﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾ ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾ ﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ أي إبراهيم عليه السلام من شيعة نبينا محمد ﷺ يقول : على دينه ومنهاجه. وقال بضعهم : من شيعة نوح، أي إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام على ما تقدم [ من ](١) ذكر نوح عليه السلام حين(٢) قال :﴿ولقد نادانا نوح﴾ [الصافات: ٧٥] إلى آخر ذلك أن إبراهيم من شيعته على دينه ومنهاجه. [ وقال ](٣) :﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ من جميع ما يمنعه من الإجابة لربه في ما دعاه والصبر على ما امتحنه، وابتلاه، والله أعلم. وعلى ذلك سمّاه الله عز وجل في كتابه الكريم :﴿وإبراهيم الذي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] جميع ما أمر به، وامتحن به، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذلك في الآخرة، يقول :﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ كقوله عز وجل :﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠] أخبر أنه في الآخرة يكون من الصالحين وذلك سلامة قبله، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل و م: وقيل لذكرها..
الصافات 37:85
الآيتان ٨٥ و٨٦ وقوله تعالى :﴿إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون﴾ ﴿أئِفكًا آهلة دون الله تريدون﴾ فقد اختلف سؤال إبراهيم، صلوات الله عليه، [ لأبيه وقومه ](١) : مرة قال لهم :﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥٢] ومرة قال :﴿ماذا تعبدون﴾ [الصافات: ٨٥].
ثم ذكر في غير [ هذين الموضعين ](٢) إجابتهم إياه حين(٣) ﴿قالوا نعبد أصناما فنظلّ لها عاكفين﴾ [الشعراء: ٧١] ﴿وقالوا وجدنا آباءنا لها عابدين﴾ [الأنبياء: ٥٣] ولم يذكر ههنا شيئا، قالوه له.
ثم معلوم أنه لا بهذا اللسان أجابوه بما أجابوه، ثم ذكره على اختلاف الألفاظ والحروف ليُعلم أن تغيير الألفاظ وتبديل الحروف لا يغيّر المعنى. وكذلك جميع القصص التي ذكرت في القرآن، ذكرها(٤) مكرّرة معادة مختلفة الألفاظ والحروف، والقصة واحدة، ليدل أن المأخوذ والمقصود من الكلام معناه لا لفظه وحروفه، والله أعلم.
ثم قوله عز وجل :﴿أئفكا آهلة دون الله تريدون﴾ يقول، والله أعلم :﴿أئفكا﴾ أي أكذبا تسميتكم(٥) الأصنام التي تعبدونها من دون الله، يقول :[ كذب، تلك ](٦) ليست بآهلة، دون الله تعبدونها(٧). أو يقول :﴿أئفكا﴾ أي أكذبا : الآهلة التي اتخذتموها آهلة دون الله : تريدون أن تتخذوا آهلة، وهو قريب [ من ](٨) الأول.
١ في الأصل و م: بقوله..
٢ في الأصل و م: هذا الموضع..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل و م: يذكرها..
٥ في الأصل و م: متمسككم..
٦ في الأصل و م: كذبا ذلك..
٧ في الأصل و م: عبادته..
٨ ساقطة من الأصل و م..
الصافات 37:86
الآيتان ٨٥ و٨٦ وقوله تعالى :﴿إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون﴾ ﴿أئِفكًا آهلة دون الله تريدون﴾ فقد اختلف سؤال إبراهيم، صلوات الله عليه، [ لأبيه وقومه ](١) : مرة قال لهم :﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥٢] ومرة قال :﴿ماذا تعبدون﴾ [الصافات: ٨٥].
ثم ذكر في غير [ هذين الموضعين ](٢) إجابتهم إياه حين(٣) ﴿قالوا نعبد أصناما فنظلّ لها عاكفين﴾ [الشعراء: ٧١] ﴿وقالوا وجدنا آباءنا لها عابدين﴾ [الأنبياء: ٥٣] ولم يذكر ههنا شيئا، قالوه له.
ثم معلوم أنه لا بهذا اللسان أجابوه بما أجابوه، ثم ذكره على اختلاف الألفاظ والحروف ليُعلم أن تغيير الألفاظ وتبديل الحروف لا يغيّر المعنى. وكذلك جميع القصص التي ذكرت في القرآن، ذكرها(٤) مكرّرة معادة مختلفة الألفاظ والحروف، والقصة واحدة، ليدل أن المأخوذ والمقصود من الكلام معناه لا لفظه وحروفه، والله أعلم.
ثم قوله عز وجل :﴿أئفكا آهلة دون الله تريدون﴾ يقول، والله أعلم :﴿أئفكا﴾ أي أكذبا تسميتكم(٥) الأصنام التي تعبدونها من دون الله، يقول :[ كذب، تلك ](٦) ليست بآهلة، دون الله تعبدونها(٧). أو يقول :﴿أئفكا﴾ أي أكذبا : الآهلة التي اتخذتموها آهلة دون الله : تريدون أن تتخذوا آهلة، وهو قريب [ من ](٨) الأول.
١ في الأصل و م: بقوله..
٢ في الأصل و م: هذا الموضع..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل و م: يذكرها..
٥ في الأصل و م: متمسككم..
٦ في الأصل و م: كذبا ذلك..
٧ في الأصل و م: عبادته..
٨ ساقطة من الأصل و م..
الصافات 37:87
يتخذوا آلهة وهو قريب من الأول، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)
يقول - واللَّه أعلم -: فما ظنكم برب العالمين أن يفعل بكم إذا اتخذتم دونه آلهة، وصرفتم العبادة والشكر عنه إلى من دونه، وقد تعلمون أنه هو المنعم عليكم هذه النعم، وهو أسدى إليكم هذا الإحسان وهو تعالى أداها إليكم.
أو يقول: فما ظنكم برب العالمين أنه يرحمكم ويفعل بكم خيرًا في الآخرة بعد تسميتكم الأصنام: آلهة، وعبادتكم إياها دون اللَّه، بعد علمكم: أنه هو خالقكم، وهو سخر لكم جميع ما في الدنيا وهو أنشأها لكم، فما تظنون به أن يفعل بكم: أن يرحمكم ويسوق إليكم خيرًا؟! أي: لا تظنوا به ذلك، ولكن ظنوا جزاء صنيعكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)
أي: سأسقم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) للحال؛ فعلى ذلك قول إبراهيم - عليه السلام -: (إِنِّي سَقِيمٌ) أي: سأسقم.
أو يقول: (إِنِّي سَقِيمٌ) وهو صادق؛ إذ ليس من الخلق أحد إلا وبه سقم ومرض وإن قل، فعلى ذلك قول إبراهيم، عليه السلام.
وقول من قال: إن إبراهيم - عليه السلام - كذب ثلاثًا: أحدها: هذا (إِنِّي سَقِيمٌ) فذلك [وخش من القول سمج]، لا جائز أن ينسب الكذب إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وهو من أنبيائه لا يقع قط في وجه من الوجوه، ويذكر أهل التأويل أن قومه أرادوا أن يخرجوا بإبراهيم إلى عيدهم، فنظر إبراهيم نظرة في النجوم فقال: (إِنِّي سَقِيمٌ) ليخلفوه ويتركوه؛ ليكسر أصنامهم التي يعبدونها على ما فعل من الكسر والنحت، ويذكرون أنه إنما نظر في النجوم؛ لأن قومه كانوا يعملون بالنجوم ويستعملونها وعلم النجوم، فإن كان ذلك، فهو - واللَّه أعلم - أراد أن يرى من نفسه الموافقة لهم ليلزمهم الحجة عند ذلك وهو ما ذكر في قوله: (هَذَا رَبِّي)، و (هَذَا أَكْبَرُ)، ونحوه، قال ذلك على إظهار الموافقة لهم من نفسه؛ ليكون إلزام الحجة عليهم والصرف عما هم عليه أهون وأيسر؛ إذ هكذا الأمر بالمعروف في الخلق أن من أراد أن يصرف آخر عن مذهب أو دين أنه إذا أظهر من نفسه الموافقة له كان ذلك أهون عليه.
الصافات 37:88
الآيتان ٨٨ و٨٩ وقوله تعالى :﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ ﴿فقال إني سقيم﴾ أي سأسقم، وذلك جائز في اللغة كقوله : عز وجل { { إنك ميّت وإنهم ميّتون } [الزمر: ٣٠] للحال. فعلى ذلك قول إبراهيم عليه السام ﴿إني سقيم﴾ [ على حقيقته ](١) وهو صادق، إذ ليس من الخلق أحد إلا وبه سقم ومرض، وإن قلّ. فعلى ذلك قول إبراهيم عليه السلام وقول من قال : إن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاثا :
أحدها : هذا ﴿إني سقيم﴾ وذلك وحش من القول سمج، لا جائز أن يُنسَب الكذب إلى رسول [ من رسل الله ](٢) تعالى [ أو نبي ](٣) من أنبيائه عليهم السلام ولا(٤) يقع قط في وجه من الوجوه.
ويذكر أهل التأويل أن قومه أرادوا أن يخرجوا بإبراهيم إلى عيدهم، فنظر إبراهيم نظرة في النجوم ﴿فقال إني سقيم﴾ ليخلّفوه، ويتركوه، ليكسّر أصنامهم التي يعبدونها على ما فعل من الكسر والنحت.
ويذكرون أنه إنما نظر في النجوم لأن قومه كانوا يعلمون(٥) بالنجوم، ويستعملون علم النجوم. فإن كان ذلك فهو، والله أعلم، أراد أن يري من نفسه الموافقة لهم ليلزمهم الحُجّة عند ذلك، وهو ما ذكر في قوله :﴿هذا ربي﴾ وقوله ﴿هذا أكبر﴾ [ الأنعام : ٧٦ و٧٨ ] نحوه.
قال ذلك على إظهار الموافقة لهم من نفسه، ليكون إلزام الحجة عليهم. والصرف عما هم عليه أهون وأيسر، إذ هكذا الأمر بالمعروف في الخَلق : أن من أراد أن يصرف آخر عن مذهب أو دين لو(٦) أظهر من نفسه الموافقة له [ في ذلك، ثم رام صرفه ومنعه عن ذلك كان على ذلك أقدر وأملك من أن يُرِي له المخالفة ](٧).
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: الله عز وجل..
٣ في الأصل و م: وهو..
٤ الواو ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل و م: يعملون..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: أنه إذا..
٧ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: عليهم ﴿ضربا باليمين﴾ أي ضربهم ضربا باليمين..
الصافات 37:89
الآيتان ٨٨ و٨٩ وقوله تعالى :﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ ﴿فقال إني سقيم﴾ أي سأسقم، وذلك جائز في اللغة كقوله : عز وجل { { إنك ميّت وإنهم ميّتون } [الزمر: ٣٠] للحال. فعلى ذلك قول إبراهيم عليه السام ﴿إني سقيم﴾ [ على حقيقته ](١) وهو صادق، إذ ليس من الخلق أحد إلا وبه سقم ومرض، وإن قلّ. فعلى ذلك قول إبراهيم عليه السلام وقول من قال : إن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاثا :
أحدها : هذا ﴿إني سقيم﴾ وذلك وحش من القول سمج، لا جائز أن يُنسَب الكذب إلى رسول [ من رسل الله ](٢) تعالى [ أو نبي ](٣) من أنبيائه عليهم السلام ولا(٤) يقع قط في وجه من الوجوه.
ويذكر أهل التأويل أن قومه أرادوا أن يخرجوا بإبراهيم إلى عيدهم، فنظر إبراهيم نظرة في النجوم ﴿فقال إني سقيم﴾ ليخلّفوه، ويتركوه، ليكسّر أصنامهم التي يعبدونها على ما فعل من الكسر والنحت.
ويذكرون أنه إنما نظر في النجوم لأن قومه كانوا يعلمون(٥) بالنجوم، ويستعملون علم النجوم. فإن كان ذلك فهو، والله أعلم، أراد أن يري من نفسه الموافقة لهم ليلزمهم الحُجّة عند ذلك، وهو ما ذكر في قوله :﴿هذا ربي﴾ وقوله ﴿هذا أكبر﴾ [ الأنعام : ٧٦ و٧٨ ] نحوه.
قال ذلك على إظهار الموافقة لهم من نفسه، ليكون إلزام الحجة عليهم. والصرف عما هم عليه أهون وأيسر، إذ هكذا الأمر بالمعروف في الخَلق : أن من أراد أن يصرف آخر عن مذهب أو دين لو(٦) أظهر من نفسه الموافقة له [ في ذلك، ثم رام صرفه ومنعه عن ذلك كان على ذلك أقدر وأملك من أن يُرِي له المخالفة ](٧).
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: الله عز وجل..
٣ في الأصل و م: وهو..
٤ الواو ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل و م: يعملون..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: أنه إذا..
٧ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: عليهم ﴿ضربا باليمين﴾ أي ضربهم ضربا باليمين..
الصافات 37:90
الآية ٩٠ [ وقوله تعالى :﴿فتولّوا عنه مدبرين﴾ أي أعرضوا عنه ذاهبين إلى حاجاتهم وحيث يريدون أن يذهبوا، والله أعلم ](١).
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
الصافات 37:91
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَاغَ)، عليهم ضربًا باليمين أي: ضربهم ضربًا باليمين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)
أي: فراغ إلى ما اتخذوا هم، وسموها آلهة، ذكرها على ما عندهم وعلى ما اتخذوها هم وإلا لم يكونوا آلهة، وكذلك قول موسى: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا) أي: انظر إلى إلهك الذي هو عندك، وإلا لم يكن هو إلهًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ).
كأن طعامًا كان موضوعًا بين يديها؛ لذلك قال: ألا تأكلون؟!
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢)
بحوائجكم، أو يشبه أن يكون قوله: (مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ): أنه من فعل بها ما فعل؛ كقوله: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)، عمن فعل بهم هذا، سفه قومه في عبادتهم الأصنام، وهي لا تأكل ولا تنطق ولا تملك دفع من قصد بها ضررا، فكيف تطمعون شفاعتها لكم في الآخرة وهي لا تملك ما ذكر؟! واللَّه أعلم؛ وهو كقوله: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ). وقوله: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) أي: مال ورجع عليهم.
وقوله: (ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: ضربًا مألوفًا ليمينه التي كانت منه حيث قال: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) بالقوة، وقد يعبر باليمين عن القوة كما يعبر باليد عن القوة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ضَرْبًا بِالْيَمِينِ)، أي: بيده اليمنى نفسها، على ما يعمل المرء أكثر أعماله باليمين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)
ظاهر هذا أنهم أقبلوا إليه وقت ما كسرها وفعل بها ما فعل، لكن في آية أخرى ما يدل أن إقبالهم إليه كان بعد ما خرج من عندها وغاب وكان بعد ذلك بزمان؛ ألا ترى أنهم قالوا: (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) الآية، ولو كانوا أقبلوا إليه مزفين وهو عندها حاضر لم
الصافات 37:92
الآية ٩٢ وقال(١) :﴿ما لكم لا تنطقون﴾ بحوائجكم. ويشبه أن يكون قوله :﴿ما لكم لا تنطقون﴾ أنه من فعل بها ما فعل كقوله :﴿قالوا من فعل هذا بآلهتنا﴾ ﴿قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم﴾ ﴿قالوا بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ [ الأنبياء : ٥٩ و٦٢ و٦٣ ] عن من فعل بهم هذا. سفّه قومه في عبادتهم الأصنام، وهي لا تأكل، ولا تنطق، ولا تملك دفع من قصد بها ضررا. كي تطمعون شفاعتها لكم في الآخرة. وهي لا تملك ما ذكر، والله أعلم.
وهو كقوله :﴿هل يسمعونكم إذ تدعون﴾ ﴿أو ينعوكم أو يضروكم﴾ [ الشعراء : ٧٢ و٧٣ ].
١ في الأصل وم: وقوله..
الصافات 37:93
الآية ٩٣ وقوله تعالى :﴿فراغ عليهم ضربا باليمين﴾ أي مال، ورجع عليهم. وقوله :﴿ضربا باليمين﴾ اختلف فيه : قال بعضهم ﴿ضربا باليمين﴾ وفاء(١) ليمينه التي كانت منه حين(٢) قال :﴿وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين﴾ [الأنبياء: ٥٧] والله أعلم.
وقال بعضهم :﴿ضربا باليمين﴾ بالقوة. وقد يعبَّر /٤٥٤-أ/ باليمين عن القوة كما يعبّر باليد عن القوة.
وقال بعضهم :﴿ضربا باليمين﴾ أي باليد اليمنى نفسها(٣) على ما يعمل المرء [ أكثر ](٤) أعماله باليمين.
١ في الأصل و م: مألوفا..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل و م: نفسه..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
الصافات 37:94
الآية ٩٤ وقوله تعالى :﴿فأقبلوا إليه يزِفّون﴾ ظاهر هذا أنهم أقبلوا عليه وقت ما كسرها، وفعل بها ما فعل. لكن في آية أخرى ما يدل أن إقبالهم عليه كان بعد ما خرج من عندها، وغاب. وكان بعد ذلك بزمان.
ألا ترى أنهم ﴿قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين﴾ ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ ؟ [ الأنبياء : ٥٩ و٦٠ ] ولو كانوا أقبلوا عليه يزفّون، وهو عندها حاضر [ لم يحتاجوا إلى ](١) أن يقولوا :﴿من فعل هذا بآلهتنا﴾ بل يقولون : إن إبراهيم فعل ذلك بها، ولا كان لقول إبراهيم ﴿بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ [الأنبياء: ٦٣] معنى، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿يزفّون﴾ قال بعضهم : يمشون إليه. وقال بعضهم : يسرعون، وهو قول أبي عوسجة.
وأصل الزّفيف كأنه المشي بسرعة على ما يسرع في المشي المرء إذا أصابه شيء أو فُعل به أمر، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يحتجوا على..
الصافات 37:95
يحتاجوا إلى أن يقولوا: (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا)، بل يقولون: إن إبراهيم فعل ذلك بها، ولا كان لقول إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)، معنى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَزِفُّونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: يمشون إليه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يسرعون؛ وهو قول أبي عَوْسَجَةَ. وأصل التزفيف: كأنه المشي فيه سرعة، على ما يسرع المرء في المشي إذا أصابه شيء أو فعل به أمر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)
يسفههم بعبادتهم ما ينحتون بأيديهم ويتخذونها بأنفسهم، على علم منهم أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، والذي نحتها أولى بالعبادة له أي: أولى بأن يعبد - إن كان يجوز العبادة لمن دونه - من ذلك المنحوت؛ إذ هو يملك شيئًا من النفع والضر والمنحوت لا، فإذا لم تعبدوا الناحت لها والمتخذ وهو أقرب وأنفع، فكيف تعبدون ذلك المنحوت الذي لا يملك شيئا وتركتم عبادة الذي خلقكم وخلق أعمالكم؟!
ثم من أصحابنا من احتج على المعتزلة بهذه الآية في خلق أفعال العباد؛ يقولون: أخبر - عليه السلام - عن خلق أنفسهم وعن خلق أعمالهم حيث قال: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) لكنهم يقولون: ليس فيه دلالة خلق أفعالهم؛ ألا ترى أنه قال عليه السلام: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) وهم لا يعبدون النحت إنما يعبدون ذلك المنحوت؛ فعلى ذلك لم يخلق أفعالهم وأعمالهم، ولكن خلق ذلك المعمول نفسه، وانله أعلم.
لكن الاحتجاج عليهم من وجه آخر في ذلك كأنه أقرب وأولى وهو أن صير ذلك المعمول خلقا لله تعالى بقوله: (خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)؛ لأنهم إنما يعبدون ذلك المعمول وهو، مخلوق لله دل أن عملهم الذي عملوا به مخلوق؛ لذلك قلنا: إن فيه دلالة خلق أعمالهم، واللَّه أعلم ووهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) إنما صار التواب والمتطهر محبوبًا لحبه التوبة والتطهر، وصار المعتدي غير محبوب لبغضه الاعتداء، فعلى ذلك المعمول صار مخلوقًا بخلقه عمله، واللَّه أعلم.
الصافات 37:96
الآية ٩٦ ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ لكنهم يقولون : ليس فيه دلالة خلق أفعالهم(١). ألا ترى أنه قال عليه السلام ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ وهم لا يعبدون النحت، إنما يعبدون ذلك المنحوت. فعلى ذلك لم يخلق أفعالهم وأعمالهم. ولكن خلق المعمول نفسه، والله أعلم.
لكن الاحتجاج عليهم من وجه آخر في ذلك كأنه أقرب وأولى، وهو أن صيّر ذلك المعمول خلقا [ لنفسه حين(٢) أضافه إلى نفسه بقوله ](٣) :﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [ أي معمولكم ](٤) لأنهم إنما يعبدون ذلك المعمول : خلق الله.
دلّ أن عملهم الذي عملوا به مخلوق. لذلك قلنا : إن فيه دلالة خلق أعمالهم، والله أعلم. وهو كقوله :﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] إنما صار التوّاب والمتطهّر [ محبوب الله ](٥) لحُبّه التوبة والتطهّر، وصار المعتدي غير محبوب لحبّه(٦) الاعتداء. فعلى ذلك : المعمول صار مخلوقا بخلقه عمله، والله أعلم.
١ في الأصل وم: الأفعال..
٢ في نسخة الحرم المكي حيث..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: لله تعالى بقولكم..
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل و م: محبوبا..
٦ في الأصل و م: لبغضه..
الصافات 37:97
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)
كأنه قَالَ بَعْضُهُمْ لبعض: ابنوا له بنيانا ليجمع فيه الحطب فتعظم فيه النار فيصير جحيمًا، ثم ألقوا إبراهيم في الجحيم، والجحيم قد ذكرنا أنه معظم النار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)
أي: هالكين، يقولون: ما تأخر اللَّه بعد ذلك حتى أهلكهم.
ويشبه أن يكون ما ذكرنا واللَّه أعلم، فإذا أرادوا إهلاك إبراهيم - عليه السلام - فصاروا من الهالكين، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي وذلك في الآخرة.
ويحتمل: ذاهب إلى ما أمرني ربي، أو إلى ما أذن لي، أي: وقد أمر بالهجرة إلى الأم من مكة.
أو ذاهب إلى ما فيه رضاء ربي، أو طاعة ربي ونحو ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَيَهْدِينِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: سينجيني مما رأيت من قومي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سيهديني الطريق، وذلك جائز نحو قول موسى - عليه السلام -: (قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ)، لما توجه إلى مدين؛ فعلى ذلك جائز قول إبراهيم: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) أي: ذاهب إلى أمر ربي، أي: متوجه إلى ما أمر ني ربي أن أتوجه سيهديني ذلك الطريق، واللَّه أعلم.
الصافات 37:98
الآية ٩٨ وقوله تعالى :﴿فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين﴾ أي الهالكين. يقولون : ما أنظرهم الله بعد ذلك حتى أهلكهم. ويشبه أن يكون ما ذكرنا، والله أعلم.
الصافات 37:99
الآية ٩٩ وقوله تعالى :﴿وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدينِ﴾ قال بعضهم : ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي، وذلك في الآخرة.
ويحتمل :﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ أو إلى ما أذن لي [ وقد أمره[ (١) بالهجرة إلى مكة، أو ﴿ذاهب إلى﴾ ما فيه رضى ربي أو طاعة ربي ونحو ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿سيهدين﴾ قال بعضهم : سيُنجيني مما رأيت من قومي، وقال بعضهم : سيهديني الطريق. وذلك جائز قول موسى عليه السلام :﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾ [القصص: ٢٢] لما توجّه إلى مدين. فعلى ذلك جائز قول إبراهيم عليه السلام :﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ أي ذاهب إلى أمر ربي أي متوجه إلى ما أمرني ربي أن أتوجه ﴿سيهدين﴾ ذلك الطريق، والله أعلم.
وقال بعضهم :﴿سيهيدنِ﴾ لدينه. وذلك من(٢) هاجر من الخلق ليعلّم(٣) دينه. وقد ذكر في حرف حفصة : أني مهاجر إلى ربي سيهديني، والله أعلم.
١ في الأصل و م: أي وقد أمر..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: أي..
٣ أدرج قبلها في الأصل وم: أي..
الصافات 37:100
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سيهديني لدينه وذلك أول ما هاجر من الخلق، أي: ليعلم دينه، وقد ذكر في حرف حفصة: (إني مهاجر إلى ربي سيهدين)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)
كأنه قال: رب هب لي غلامًا واجعله من الصالحين، دليل ذلك ما ذكر له من البشارة بالغلام، فدلت البشارة له بالغلام على أثر ذلك على أن سؤاله كان سؤال الغلام.
ثم فيه دليل جواز سؤال الولد الذكر ربَّه، لكنه يسأله بشرط الصلاح والطيب كما سأل الأنبياء وسأله إبراهيم - عليه السلام: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)، وقال زكريا - عليه السلام -: (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)، وما ذكر وحكي عنهمِ مدحًا لهم وثناء عليهم حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)، يجب على من يسأل ربه الولد أن يسأله على هذه الشرائط التي سالته الأنبياء - عليهم السلام - فيكون سؤالهم الولد على ذلك سؤالا لله - عَزَّ وَجَلَّ - وما يصلح لقيامه لأمره وعبادته، فأما أن يسأله إياه لذة لنفسه وسرورًا له في الدنيا فلا.
ثم يحتمل قوله: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ...)، إلى آخر ما ذكر وجهين:
أحدهما: أي: هب لنا من أزواجنا وذريتنا ما تقر به أعيننا.
أو هب لنا من أزواجنا من الولد والذرية ما تقر به أعيننا على ما سأل زكريا - عليه السلام - حيث قال: (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً).
ثم فيه دلالة أن الولد هبة اللَّه لهم وعطاء لهم؛ ولذلك قال: (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)، (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ)، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم - واللَّه أعلم - نعني: ما صار الولد هبة من اللَّه.
وقوله: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)
يصير حليمًا إذا بلغ مبلغ الامتحان بالأعمال والأمر والنهي، أي: بشرناه بغلام حليم يحلم فيما امتحن إذا بلغ مبلغًا يمتحن فيه، قال قتادة: " إن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لم يذكر أحدا ولا وصفه بالحلم سوى إبراهيم وولده الذي بشر به "، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ... (١٠٢)
أي: بلغ بحيث يقدر أن يسعى معه إلى حيث أمر هو أن يسعى ويمشي معه وهي
الصافات 37:101
الآية ١٠١ ﴿فبشّرناه بغلام حليم﴾ يصير حليما إذا بلغ مبلغ الامتحان بالأعمال والأمر والنهي، أي بشرناه بغلام حليم، يحلم في ما امتُحن إذا بلغ مبلغا يمتحن فيه.
قال قتادة : إن الله عز وجل لم يذكر أحدا، ولا وصفه بالحلم سوى إبراهيم وولده الذي بشّر به، والله أعلم.
الصافات 37:102
الآية ١٠٢ وقوله تعالى :﴿فلما بلغ معه السعي﴾ أي بلغ بحيث يقدر أن يسعى معه إلى حيث أُمر أن يسعى، ويمشي معه، وهي الهجرة.
وقال بعضهم :﴿فلما بلغ معه السعي﴾ أي بلغ بحيث يعمل، ويمتحن.
[ وقوله تعالى ](١) :﴿قال يا بُنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ وقد عرف حُرمة ذبح بني آدم ﴿فانظر ماذا ترى﴾ وقرئ بالنصب والرفع جميعا(٢)، فيه دلالة أن رؤيا الأنبياء والرسل عليهم السلام على حق تخرج كالأمر المصرّح.
ألا ترى أنه لما قال له :﴿إني أرى في المنام إني أذبحك﴾ وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم قال له ولده ﴿افعل ما تُؤمر﴾ ولو لم يكن أمرا لم يقل :﴿افعل ما تُؤمر﴾ ولا قال له إبراهيم :﴿إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم الذي لا يسع الإقدام عليه والعمل به، والله أعلم.
ثم قوله لأبيه :﴿افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ دلالة أن لا كل مأمور بأمر من الله، شاء الله أن يفعل ما أمره حين(٣) أخبر ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾.
وقد ذكرنا أن إبراهيم عليه السلام كان مأمورا بالذبح. فإذا أُمر هو بالذبح أُمر هذا أن يصبر على الذبح، ولا يجزع. ثم أخبر أنه يصبر إن شاء الله. دل أن لا كل مأمور لله بأمر، شاء منه أن يفعل ذلك [ ولكن شاء أن يفعل ذلك ](٤) ممن علم أنه يختار ذلك الفعل /٤٥٤-ب/ ويفعله، ومن علم منه أنه لا يفعل ذلك لا يجوز أن يسأل(٥) ذلك منه [ وعلى ذلك ](٦) قول موسى عليه السلام :﴿ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا﴾ [الكهف: ٦٩].
وهذا على المعتزلة لقولهم : إن الله تعالى إذا أمر أحدا بأمر شاء أن يفعل ما أمره به، لكنه تركه لما لم يشأ هو، والله أعلم. وقد بيّنا قولهم في غير موضع، والله أعلم.
١ في الأصل وم: عندنا..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/٢٤٢..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: يشاء..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: الفعل وكذلك..
الصافات 37:103
الهجرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ)، أي: بلغ بحيث يعمل ويمتحن عندنا.
قال له: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى).
وترى بالنصب والرفع جميعًا - فيه دلالة أن رؤيا الأنبياء والرسل - عليهم السلام - على حق تخرج كالأمر المصرح؛ ألا ترى أنه لما قال له: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)، وقد عرف حرمة ذبع بني آدم وقتلهم قال له ولده: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ولو لم يكن أمرًا لم يقل: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ)، ولا قال له إبراهيم: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم الذي لا يسع الإقدام عليه، واللَّه أعلم.
ثم في قوله لأبيه: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) دلالة أن لا كل مأمور بأمر من اللَّه شاء اللَّه أن يفعل ما أمره؛ حيث أخبر أنه سيجده من الصابرين إن شاء اللَّه، وقد ذكرنا أن إبراهيم - عليه السلام - كان مأمورًا بالذبح، فإذا أمر هو بالذبح أمر هذا أن يصبر على الذبح ولا يجزع، ثم أخبر أنه يصبر إن شاء اللَّه دل أن لا كل مأمور لله بأمر شاء منه أن يفعل ذلك، ولكن شاء أن يفعل ذلك ممن علم منه أنه يختار ذلك الفعل ويفعله، ومن علم منه أنه لا يفعل ذلك لا يجوز أن يشاء منه ذلك الفعل؛ وكذلك قول موسى - عليه السلام -: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن اللَّه تعالى إذا أمر أحدا بأمر شاء أن يفعل ما أمره به، لكنه تركه لما لم يشأ هو، واللَّه أعلم. وقد بينا فساد قولهم في غير موضع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)
يحتمل قوله: (أَسْلَمَا) أي: استسلما لأمر اللَّه فيما أمرهما: هذا بالذبح، وهذا بالبذل والطاعة في ذلك.
أو أسلم هذا ابنه وهذا نفسه لله - عَزَّ وَجَلَّ - وأصله: أسلما أنفسهما لأمر الله وإطاعته في ذلك.
وقوله: (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)، أي: صرعه، وكبه على وجهه، فيه أنه لم يضجعه كما يضجع المرء ما يريد أن يذبحه من الشياه وغيرها، ولكنه أضجعه على وجهه، فهو - واللَّه أعلم - لما أراد أن ينفذ أمر اللَّه ويقدر على أداء ما أمر به، فلعله لو أضجعه على ما يضجع غيره من الذبح نظر كل واحد منهما إلى وجه الآخر، فيرحمه هذا بترك ذبحه وهذا ينظر في
الصافات 37:104
وجهه في جزع ويترك طاعته.
أو على ما قال أهل التأويل: إن ولده قال لإبراهيم - عليه السلام -: كذا، ففعل ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا... (١٠٥) يجوز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة لقولهم: إن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إذا أمر أحدًا بأمر يجوز ذلك الفعل منه وأراد أن يفعل ما أمره به، ونحن نقول: يجوز أن يريد غير الذي أمره به، يريد أن يكون ما علم أنه يكون منه ويختاره حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)، ولم يكن منه حقيقة ذبح الولد وقد أمره بذبحه، فلو كان في الأمر إرادة كون ما أمره به، لكان لا يصدقه في الوفاء بالرؤيا، ولم يكن ذلك منه حقيقة.
لكنهم يقولون: إن الأمر بالذبح لم يكن إلا ما كان منه من ذبح الكبش من ذلك أراد فكان ما أراد، ومذاهبهم الاحتيال لدفع ما ذكرنا.
لكن نقول: إن الأمر بالذبح إنما كان بذبح الولد حقيقة لا بذبح الكبش؛ دليله وجوه: أحدها: قول إبراهيم حيث قال: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)، وقول ولده - عليهما السلام -: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ)، لو لم يجعل الأمر من اللَّه له بالذبح أمرًا بالذبح على ذبح الولد حقيقة لكان يجهلهما في قولهما: أمر اللَّه، وفي تسميتهما ما سميا، ولم يجهلهما في ذلك، فدل أن الأمر كان على حقيقة ذبح الولد لا على ذبح الكبش على ما يقولون، واللَّه أعلم.
والثاني: أن إبراهيم وولده - عليهما السلام - قد مدحا وأثنى عليهما بالصنيع الذي صنعا: هذا بإضجاعه إياه للذبح، وهذا لبذله نفسه له والطاعة له في ذلك، فلو كان الأمر منه لهما لا غير الإضجاع والبذل لذلك لم يكن لهما في ذلك الصنيع فضل مدح ولا فضل ثناء ومنقبة؛ إذ لكل أحد إضجاع الولد لذلك وللآخر البذل له، فإذا مُدحا وأثني عليهما في صنيعهما الذي صنعا وصار لهما منقبة عظيمة إلى يوم القيامة، حتى سمي هذا: ذبيح اللَّه، وهذا: فداء اللَّه؛ حيث قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)، فلو كان الأمر بالذبح ذبح الكبش لا ذبح الولد لم يكن الكبش فداء منه؛ إذ لا يسمى الفداء إلا بعد إبدال غير عنه وإقامة غير مقامه، دل على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
لكنه إذا أضجعه وتله للجبين على ما ذكر صارا ممنوعين عن ذلك الفعل غير تاركين
الصافات 37:105
الآيتان ١٠٤ و١٠٥ وقوله تعالى :﴿وناديناه أن يا إبراهيم﴾ ﴿قد صدّقت الرؤيا﴾ يجوز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة لقولهم : إن الله عز وجل إذا أمر أحدا يجوز ذلك الفعل منه، وأراد أن يفعل ما أمر به.
ونحن نقول : يجوز أن يريد غير الذي أمر به، يريد أن يكون ما علم أنه يكون منه، ويختاره، حين(١) قال عز وجل ﴿يا إبراهيم﴾ ﴿قد صدّقت الرؤيا﴾ ولم يكن منه بحقيقة ذبح الولد، وقد أمره بذبحه.
فلو كان في الأمر إرادة كون ما أمره به لكان لا يصدّقه في الوفاء بالرؤيا. ولم يكن ذلك منه حقيقة.
لكنهم يقولون : إن الأمر بالذبح لم يكن إلا ما كان منه من ذبح الكبش من ذلك أراد، فكان ما أراد، ومذهبهم الاحتيال لدفع ما ذكرنا.
لكن نقول : إن الأمر بالذبح إنما كان بذبح الولد حقيقة لا بذبح الكبش. دليله [ في وجهين :
أحدهما :](٢) قول إبراهيم عليه السلام حين(٣) قال :﴿إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ وقال(٤) ولده :﴿يا أبت افعل ما تؤمر﴾ لو لم يجعل الأمر من الله له بالذبح أمرا بالذبح على ذبح الولد حقيقة لكنا نُجهّلهما في قولهما أوامر(٥) الله وفي تسميتهما ما يسميان، فلا نجهّلهما في ذلك. فدل أن الأمر كان على حقيقة ذبح الولد لا على ذبح الكبش على ما يقولون، والله أعلم.
والثاني : أن إبراهيم وولده عليهما السلام قد مُدحا، وأثني عليهما بالصنيع الذي صنعا : هذا بإضجاعه إياه وهذا بالبذل له نفسه له [ والطاعة له ](٦) في ذلك.
فلو كان الأمر منه لهما لا غير الإضجاع والبذل لذلك له [ لم ](٧) يكن لهما في الصنيع فضل مدح، ولا فضل ثناء ومنقبة، إذ لأحدهما(٨) إضجاع الولد لذلك وللآخر البذل له. فإذا مدحا، وأُثني عليهما في صنيعهما الذي صنعا، وصار لهما منقبة عظيمة إلى يوم القيامة حتى سمّي هذا ذبيح الله وهذا وفيّ الله حين(٩) قال الله عز وجل ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات: ١٠٧].
فلو كان الأمر بالذبح ذبح الكبش فداه عنه، إذ لا يسمى الفداء إلا بعد إبدال غير عنه وإقامة غير مقامه. دل على ما ذكرنا، والله أعلم.
لكنه إذا أضجعه ﴿وتلّه للجبين﴾ على [ ما ذكرنا ](١٠) صارا ممنوعين عن ذلك الفعل غير تاركين أمر الله عز وجل على [ ما ](١١) ذكر في القصة أن الشفرة قد انقلبت عن وجهها، فلم تقطع. فمن أُمر بأمر، ثم مُنع عما أُمر به، وحيل بينه وبين ما أمر به، لم يصر تاركا للأمر، ولا كان موصوفا بالترك له. لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية [ في مسائل ](١٢) لأصحابنا :
إحداها :
في المرأة إذا أسلمت [ نفسها لزوجها، ولم يكن هنالك ](١٣) ما يمنع الزوج عن الاستمتاع بها والجماع، صارت موفية مسلّمة ما على نفسها إلى زوجها، فاستوجبت بذلك كمال الصداق، ولزمتها العدة، إذ لا تملك سوى ما فعلت، وإن لم يجامعها زوجها.
[ والثانية ](١٤) : في من عنده أمانة، إذا سلّمها إلى صاحبها، وصيّرها بحال يقدر على أخذها وقبضها، يصير مسلِّما خارجا منها يوما، وإن لم يقبضها الآخر، ولم تقع في يده.
[ والثالثة ](١٥) : في البائع إذا سلّم المبيع إلى المشتري، وخلّى بينه وبين ذلك، يصير مسلِّما إليه خارجا من ضمان ذلك وعهدته، وإن لم يقبضه المشتري.
ونحوها(١٦) من المسائل مما يكثر إحصاؤها إذ ليس في وسعهم إلا ذلك المقدار من الفعل.
وقوله تعالى :﴿وناديناه أن يا إبراهيم﴾ ﴿قد صدّقت الرؤيا﴾ لو كان هذا القول بعد ذبح الكبش، ففيه حجة لقول أصحابنا حين(١٧) قال أبو حنيفة، رحمه الله : إن من أوجب على نفسه ذبح ولده يخرج منه بذبح الكبش لما أخبر أنه قد قد صدّق الرؤيا بذبح الكبش. فعلى ذلك يصير هذا موجبا على نفسه ذبح كبش، لا غير، والله أعلم.
وإن كان قوله :﴿قد صدّقت الرؤيا﴾ قبل ذبح الكبش بإضجاعه إياه وإسلامه لذلك ففيه ما ذكرنا أنه بذل تسليمها نفسه منزلة إتيان غير ذلك، لا أنه ترك ذلك.
١ في الأصل و م: حيث..
٢ في الأصل و م: وجوه أحدها..
٣ في الأصل و م: حيث..
٤ في الأصل وم: وقول..
٥ في الأصل وم: وأمر..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم: لكل أحد..
٩ في الأصل وم: حيث..
١٠ في الأصل وم: ذكر..
١١ من م، ساقطة من الأصل..
١٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: لمسائل..
١٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
١٤ في الأصل وم: و..
١٥ في الأصل وم: و..
١٦ في الأصل و م: ونحوه..
١٧ في الأصل وم: حيث..
الصافات 37:106
أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على ما ذكر في القصة: أن الشفرة قد انقلبت عن وجهها فلم تقطع، فمن أمر بأمر ثم منع عما أمره به وحيل بينه وبين ما أمر به، لم يصر تاركًا للأمر، ولا كان موصوفًا بالترك له، لذلك كان ما ذكر، واللَّه أعلم.
ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية لمسائل لأصحابنا:
إحداها: في المرأة إذا أسلمت نفسها للزوج وهناك ما يمنع الزوج عن الاستمتاع بها والجماع صارت موفية مسلمة ما على نفسها إلى زوجها، فاستوجبت بذلك كمال الصداق ولزمتها العدة؛ إذ لا تملك سوى ما فعلت وإن لم يجامعها زوجها.
وفيمن عنده أمانة إذا سلمها إلى صاحبها وصيرها بحال يقدر على أخذها وقبضها يصير مسلمًا إليه مؤديًا خارجًا منها موفيا، وإن لم يقبض الآخر ولم تقع في يده.
وفي البائع إذا سلم المبيع إلى المشتري وخلى بينه وبين ذلك يصير مسلمًا إليه خارجًا من ضمان ذلك وعهدته وإن لم يقبضه المشتري، ونحوه من المسائل مما يكثر إحصاؤها؛ إذ ليس في وسعهم إلا ذلك المقدار من الفعل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا).
لو كان هذا القول بعد ذبح الكبش، ففيه حجة لقول أصحابنا حيث قال أبو حنيفة - رحمه اللَّه -: إن من أوجب على نفسه ذبح ولده يخرج منه بذبح الكبش؛ لما أخبر أنه قد صدق الرؤيا بذبح الكبش؛ فعلى ذلك يصير هذا موجبًا على نفسه ذبح كبش لا غير، والله أعلم، وإن كان قوله: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) قبل ذبح الكبش بإضجاعه إياه وإسلامه لذلك، ففيه ما ذكرنا أنه بذل تسليمهما نفسه منزلة إتيان عين ذلك؛ إذ منع عن ذلك لا أنه ترك ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) إن الأمر بذبح الولد الذي أمر به إبراهيم محنة عظيمة.
ويقول بعض أهل التأويل: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ)، أي: النعمة العظيمة، أي: في الفداء الذي فدى لإبراهيم - عليه السلام - نعمة عظيمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)
وهو الكبش، قال بعض أهل التأويل: سماه: عظيمًا؛ لأنه كان يرعى في الجنة
الصافات 37:107
الآية ١٠٧ وقوله تعالى :﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ وهو الكبش. قال بعض أهل التأويل : سماه عظيما لأنه كان يرعى في الجنة أربعين خريفا. ويقول بعضهم : كان ذلك الكبش في نفسه عظيما.
الصافات 37:108
أربعين خريفًا.
ويقول بعضهم: كان ذلك الكبش في نفسه عظيمًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨)
قال أهل التأويل: أي: تركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن.
ويجوز أن يكون قوله: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) ذلك السلام الذي ذكر على أثره حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) ترك ذلك فينا؛ لنسلم عليه وعلى جميع المرسلين؛ كقوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)، قد أمرنا أن نثني ونسلم على جميع الأنبياء والمرسلين؛ وكقوله: " اللهم صلى على مُحَمَّد وعلى آل مُحَمَّد " ويكون سلام الأنبياء - عليهم السلام - بعضهم إلى بعض كما كان بعضهم من شيعة البعض.
أو أن يكون ذلك السلام من اللَّه لهم أمنًا من كل خوف وسلامة عن كل خبث.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)
أي: كذلك نجزي كل محسن أن يترك له السلام والثناء الحسن في الآخرين، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) يحتمل هذا وجوهًا:
أحدها: أنه كان من عبادنا المؤمنين قبل أن يُوحى إليه وقبل أن يبعث رسولا.
ويحتمل أنه من عبادنا المؤمنين الذين حققوا الإيمان في قوله وفعله ووفاء ما عليه.
أو أنه كان من عبادنا المؤمنين بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والأنبياء جميعًا بعضهم يصدق بعضا ويؤمن به، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)
كان سال ربه الولد يقول: (هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) فاستجاب اللَّه دعاءه وبشره بما ذكر،
الصافات 37:109
الآيتان ١٠٨ و١٠٩ وقوله تعالى :﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ قال أهل التأويل : أي تركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن.
ويجوز أن يكون قوله :﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ ذلك السلام الذي ذكر على إثره حيث قال عز وجل :﴿سلام على إبراهيم﴾ ترك ذلك فينا لنسلّم عليه وعلى جميع المرسلين كقوله تعالى :﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ ﴿وسلام على المرسلين﴾ [ الصافات : ١٨٠ و١٨١ ] [ وكقوله عليه السلام ](١) :( قد أُمرنا أن نثني، ونسلّم على جميع الأنبياء والمرسلين ) [ ابن جرير الطبري في تفسيره : ١٢/١١٦ ] وكقوله :( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ) [ البخاري ٣٣٧٠ ] ويكون الأنبياء عليه السلام [ يُسلّم ](٢) بعضهم على بعض كما كان بعضهم من شيعة بعض، أو أن يكون ذلك السلام من الله لهم أمنا من كل خوف وسلامة من كل خُبث.
١ في الأصل و م: كقوله..
٢ ساقطة من الأصل و م..
الصافات 37:110
الآية ١١٠ وقوله تعالى :﴿كذلك نجزي المحسنين﴾ أي كذلك نجزي كل محسن أي نترك له السلام والثناء الحسن في الآخرين، والله أعلم.
الصافات 37:111
الآية ١١١ وقوله تعالى :﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ يحتمل هذا وجوها :
أحدها :﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ قبل أن نوحي إليه ومقبل أن نبعثه(١) رسولا.
[ والثاني(٢) ] ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ الذين حقّقوا الإيمان في قول وفعل وفاء ما عليه.
[ والثالث ](٣) :﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ بمحمد ﷺ والأنبياء جميعا بعضهم يصدّق بعضا، ويؤمن به، والله أعلم.
١ في الأصل و م: نبعث..
٢ في الأصل و م: ويحتمل..
٣ في الأصل و م: أو..
الصافات 37:112
الآية ١١٢ وقوله تعالى :﴿وبشّرناه بإسحاق نبيا من الصالحين﴾ كان سأل ربه الولد بقوله :﴿رب هب لي من الصالحين﴾ [الصافات: ١٠٠].
فاستجاب الله دعاءه، وبشّره بما ذكر، ثم أخبر أنه نبي من الصالحين.
يحتمل قوله تعالى :﴿نبيا من الصالحين﴾ /٤٥٥-أ/ أي نبيا من السلف كقوله تعالى :﴿وألحقني بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١] أي نبيا نُصيّره، ونجعله من الأنبياء كقوله عز وجل :﴿هذا نذير من النذر الأولى﴾ [النجم: ٥٦].
ويحتمل أن تكون البشارة في ولادة(١) الولد الذي سأل ربه، ويحتمل أن بشّره(٢) بنبوته، أو بشّره(٣) بهما بالولادة وبالنبوّة جميعا، والله أعلم.
١ في الأصل و م: الولادة..
٢ في الأصل و م: بشر لهما..
٣ في الأصل و م: بشر لهما..
الصافات 37:113
ثم أخبر أنه نبي من الصالحين.
يحتمل قوله - تعالى -: (نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ): نبيا من السلف؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، أي: نبيا نصيره ونجعله من الأنبياء؛ كقوله - عز وجل -: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى).
ويحتمل أن تكون البشارة في الولادة أي: في الولد الذي سأل ربه.
ويحتمل أن بشر له بنبوته، أو بشر لهما بهما بالولادة وبالنبوة جميعًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ... (١١٣)
البركة هي اسم كل خير لا يزال على الزيادة والنماء.
أو يقول: إن البركة شيء من أعطى كان لا تبعة عليه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ).
(مُحْسِنٌ) أي: مؤمن مصدق (وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ)، أي: كافر، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، فقال إبراهيم - عليه السلام -: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، أخبر أن في ذريته من لا ينال عهده كما ذكر هاهنا: أن في ذريته محسنًا وهو مؤمن وظالم لنفسه مبين، أي: كافر ظاهر مبين.
أو أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُحْسِنٌ) إلى نفسه، أو محسن إلى الناس، وهو إسحاق، وإن ثبت ما روي أن رجلا سأل فقال: يا رسول اللَّه، أي الناس أكرمهم حسبًا؟ قال: " يوسف صديق اللَّه ابن يعقوب إسرائيل اللَّه ابن إسحاق ذبيح اللَّه ابن إبراهيم خليل اللَّه " فهو ذاك، وإلا فلا حاجة لنا إلى معرفة ذلك أنه فلان أو فلان؛ إذ لو كان لنا إلى بيان ذلك حاجة لبين وأزال الإشكال واختلاف الناس في ذلك والتكلم فيه فضل وتكلف؛ إذ لا يحتمل أن يكون بالناس حاجة إلى معرفة ذلك وبيانه، ثم لا يبين لهم ولا يعرف ذلك، فدل ترك التنازع لذلك على أن لا حاجة لهم إلى ذلك، واللَّه أعلم.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: الذبح: الكبش واسم ما يذبح، والذبح بنصب الذال مصدر ذبحت؛ هذا قول الْقُتَبِيّ.
الصافات 37:114
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الذَّبح بالنصب هو الفعل وهما واحد.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: البلاء المبين: الإحسان المبين العظيم.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ).
يحتمل ما ذكر من المنة عليهما الرسالة والنبوة التي أعطاهما، والآيات والحجج التي أعطاهما وخصهما بهما والذي أبقى لهما الذكر والثناء الحسن عليهم في الآخرين؛ لقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ)، وإنما أوجب عليهم ذكر المنن والنعم التي خصهم بها وفضلهم من بين غيرهم، وأما أن يوجب عليهم ذكر كل ما من عليهم وأنعم عليهم، فذلك ليس في وسع أحد القيام بذكر جميع ما من عليهم وأنعم والشكر لها، وإنَّمَا يجب القيام بذكر ما خصوا بها ظاهرًا وإن كان في الجملة أخذ عليهم أن يروا جعل النعم والمنن من اللَّه جل وعز فضلا منه وإنعامًا لا حقا عليه بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) ما خصوا به من الرسالة والنبوة والآيات والحجج التي وقعت لهم الخصوص، فأما في كل ما من عليهم وأنعم فلا على ما ذكرنا: أن ليس في وسع أحد القيام بشكر أحد نعمه في عمره وإن طال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)
قال عامة أهل التأويل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ)، أي: من الغرق، ولكن جائز أن يكون (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) والذي نجاهم منه ما ذكر من قتل الرجال واستحياء النساء، حيث قال: (يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ...) الآية، وما استعبدوهم واستخدموهم، أنجاهم اللَّه من ذلك الذل وأنواع البلايا والشدائد التي كانت عليهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ...)، أخبر أنهم كانوا مستضعفين، فأنجاهم اللَّه من ذلك كله، وهو الكرب العظيم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)
الصافات 37:115
الآية ١١٥ وقوله تعالى :﴿ونجّيناهما وقومهما من الكرب العظيم﴾ أي من الغرق. ولكن جائز أن يكون ﴿من الكرب العظيم﴾ الذي نجّاهم منه ما ذكر من قتل الرجال واستحياء النساء حين(١) قال :﴿يقاتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ الآية [الأعراف: ١٤١] وما استعبدوهم، واستخدموهم، نجّاهم الله من ذلك الذُّل وأنواع البلايا والشدائد التي كانت عليهم كقوله عز وجل ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون﴾ [الأعراف: ١٣٧] فأنجاهم الله من ذلك كله، وهو الكرب العظيم.
١ في الأصل وم: حيث..
الصافات 37:116
الآية ١١٦ وقوله تعالى :﴿ونصرناهم فكانوا هم الغالبين﴾ يحتمل قوله :﴿ونصرناهم﴾ بالحجج والآيات التي أعطاهم، أو ﴿ونصرناهم﴾ حين(١) أنجاهم، وأهلك فرعون والقِبْط، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
الصافات 37:117
يحتمل قوله: (وَنَصَرْنَاهُمْ) بالحجج والآيات التي أعطاهم.
أو (وَنَصَرْنَاهُمْ) حيث أنجاهم وأهلك فرعون والقبط، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) التوراة.
ثم يحتمل قوله: (الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ) وجهين:
أحدهما: استبان لكل من عقل ونظر أنه من عند اللَّه نزل؛ لأن التوراة نزلت ظاهرًا في الألواح ليست كالقرآن لا يعرف أنه من عند اللَّه نزل إلا بعد التأمل والنظر؛ لأنه نزل في الأوقات الخالية التي لم يطلع عليه أحد سرا عن ظهر القلب.
والثاني: أنه استبان لكل من نظر فيها ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يتقى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)
يحتمل الصراط الذي من سلكه أفضاه إلى مقصوده، وبلغه إلى الصراط المستقيم؛ لما بالحجج والبراهين قام لا بهوى الأنفس.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)
هو ما ذكرنا فيما تقدم: أنه أبقى لهما الثناء الحسن في الآخرين، وهو السلام الذي ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١)
أي: إنا كذلك نبقي ونترك لكل محسن الثناء الحسن في الآخرين كما تركنا لهَؤُلَاءِ، وهو المعروف في الناس: أن كل محسن صالح وإن مات فإنه يذكر بالخير بعده ويثنون عليه بالثناء الحسن، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)
يحتمل الوجوه التي ذكرنا فيما تقدم:
من عبادنا المؤمنين قبل الرسالة.
أو من عبادنا المؤمنين بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
أو من عبادنا المؤمنين الذين حققوا الإيمان قولا وفعلا، والقيام بوفاء ما وجب بعقد الإيمان وعهدته، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١)
الصافات 37:118
الآية ١١٨ وقوله تعالى :﴿وهديناهما الصراط المستقيم﴾ الذي من سلكه أمضاه إلى مقصوده، وبلغه إلى الصراط المستقيم لما بالحجج والبراهين قام، لا بهوى الأنفس.
الصافات 37:119
الآيتان ١١٩ و١٢٠ وقوله تعالى :﴿وتركنا عليهما في الآخرين﴾ ﴿سلام على موسى وهارون﴾ هو ما ذكرنا في ما تقدم أنه أبقى لهم الثناء الحسن في الآخرين، وهو السلام الذي ذكر، والله أعلم.
الصافات 37:120
الآيتان ١١٩ و١٢٠ وقوله تعالى :﴿وتركنا عليهما في الآخرين﴾ ﴿سلام على موسى وهارون﴾ هو ما ذكرنا في ما تقدم أنه أبقى لهم الثناء الحسن في الآخرين، وهو السلام الذي ذكر، والله أعلم.
الصافات 37:121
الآية ١٢١ وقوله عز وجل :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ أي إنا كذلك نبقي، ونترك لكل مُحسن الثناء الحسن في الآخرين كما تركنا لهؤلاء، وهو المعروف في الناس أن كل محسن صالح، وإن مات فإنه يُذكر بالخير بعده، ويثنى(١) عليه بالثناء الحسن، والله أعلم.
١ في الأصل وم: ويثنون..
الصافات 37:122
الآية ١٢٢ وقوله تعالى :﴿إنهما من عبادنا المؤمنين﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرنا في ما تقدم ﴿من عبادنا المؤمنين﴾ [ قبل الرسالة، و ](١) ﴿من عبادنا المؤمنين﴾ بمحمد ﷺ و ﴿من عبادنا المؤمنين﴾ الذين حقّقوا الإيمان قولا وفعلا والقيام بوفاء ما وجب بعقد الإيمان وعهدته، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
الصافات 37:123
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)
هذا ينقض على الباطنية مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الرسل - عليهم السلام - ستة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومُحَمَّد - صلوات اللَّه عليهم - وما سواهم أئمة، وفي الآية إخبار أن إلياس كان من المرسلين، هذا كله ينقض قولهم ويرد مذهبهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) عبادة غير اللَّه.
أو يقول: (أَلَا تَتَّقُونَ): ألا تخشون ولا تخافونه في ترككم عبادته واشتغالكم بعبادة غيره.
أو (أَلَا تَتَّقُونَ) نقمة اللَّه في مخالفتكم أمره ونهيه، واللَّه أعلم.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)
قال بعض أهل التأويل: البعل هاهنا الرب بلسان قومه، وذكر عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: " أنه سئل عن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) قال: فقال رجل: من يعرف الآثار، فقال أعرابي: بعلها، أي: ربها، فقال ابن عَبَّاسٍ: كفاني الأعرابي جوابها ".
لكن لا يحتمل أن يكون المراد من قوله: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي: رَبًّا، إلا أن يكون ذكر أنه بلسان قومه، في قول: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا): رَبًّا تعلمون أنه لا يضر ولا ينفع، وتذرون عبادة من تعلمون أنه يضر وينفع، أو تختارون عبادة من تعلمون أنه لا يملك الضر ولا النفع على عبادة من تعلمون أنه يملك ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: البعل: السيد هاهنا، وكذلك يقول في قوله: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)، أي: سيدي. وقَالَ بَعْضُهُمْ: البعل: هو اسم الصنم هاهنا، يقول: أتعبدون صنمًا وتذرون أحسن الخالقين، وأصل البعل: الزوج، كأنه يقول لهم: أتدعون من له أزواج وأشكال، وتذرون عبادة من لا زوج له ولا أشكال، واللَّه الموفق.
وقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أول هذه يماني وآخرها مضري وهو قوله:
الصافات 37:124
الآية ١٢٤ وقوله تعالى :﴿إذ قال لقومه ألا تتّقون﴾ عبادة [ غير الله ](١) أو يقول :﴿ألا تتقون﴾ ألا تخشون الله، ولا تخافونه في ترككم عبادته واشتغالكم بعبادة غيره. أو ﴿ألا تتقون﴾ نقمة الله في مخالفتكم أمره ونهيه، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: غيرهم..
الصافات 37:125
الآية ١٢٥ وقوله تعالى :﴿أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين﴾ قال بعض أهل التأويل البعل ههنا الرّب بلسان قوم.
وذكر ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن قوله عز وجل ﴿أتدعون بعلا﴾ قال : قال رجل : من يعرف الآثار ؟ قال الأعرابي : بعلها، أي ربها، فقال ابن عباس : كفاني الأعرابي جوابها.
لكن لا يحتمل المراد من قوله :﴿أتدعون بعلا﴾ أي ربا إلا أن يكون ذكره(١) أنه بلسان قوم، فيقول ﴿أتدعون بعلا﴾ ربا تعلمون أنه لا يضر، ولا ينفع ﴿وتذرون﴾ عبادة من تعلمون أنه يملك ذلك ؟
وقال بعضهم : البعل السيد ههنا، وكذلك يقول في قوله :﴿وهذا بعلي شيخا﴾ [هود: ٧٢] سيدي.
وقال بعضهم : البعل هو اسم الصنم ههنا، يقول : أتعبدون صنما ﴿وتذرون أحسن الخالقين﴾ ؟
وأصل البعل الزوج : كأنه يقول لهم : أتدعون من له أزواج وأشكال، وتذرون من لا أزواج ولا أشكال ؟ والله الموفّق.
وقال ابن عباس رضي الله عنه أول هذه [ الآية ](٢) يمانيّ، وآخرها مصري، وهو قوله :﴿وتذرون أحسن الخالقين﴾ يسمّون كل صانع خالقا. والخَلق هو التقدير في اللغة، يضاف إلى الخلق على المجاز، وإن كانت حقيقة التقدير لله عز وجل ذكر على ما عبدهم /٤٥٥-ب/ لا على حقيقة الخلق، والله أعلم.
ثم يحتمل قوله :﴿أحسن الخالقين﴾ أي أحكم وأتقن على ما ذكر :﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ [هود: ٤٥] أي جعل في كل شيء شهادة وحدانيته(٣) وربوبيته، أو ﴿أحسن الخالقين﴾ لما ذكر أنه خلقهم، وخلق آباءهم الأولين.
١ في الأصل و م: ذكر..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: وحدانية الله..
الصافات 37:126
(وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) يسمون كل صانع: خالقًا، والخلق: هو التقدير في اللغة يضاف إلى الخلق على المجاز وإن كان حقيقة التقدير لله - عَزَّ وَجَلَّ - ذكر على ما عندهم لا على حقيقة الخلق، واللَّه أعلم.
ثم يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ)، أي: أحكم وأتقن؛ على ما ذكر: وهو (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)، أي: جعل في كل شيء أثر شهادة وحدانية اللَّه وربوبيته.
أو (أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) لما ذكر أنه خلفهم وخلق آباءهم الأولين، وأنه ربهم ورب الخلائق، فقالوا: من أحسن الخالقين؛ فعند ذلك أذكر، ما ذكر ونعته: (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) ثم أخبر عنهم أنهم كذبوه مع ما ذكر لهم، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) ولم يذكر في ماذا؟ لكن فيه بيان أنهم لمحضرون النار والعذاب؛ لأن أهل اللذات هم المحضرون أنفسهم وأهل العذاب يحضرون كرهًا لا بأنفسهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ)، وقوله: (وَيَصْلَى سَعِيرًا)، ونحوه، ثم استثنى العباد المخلصين منهما أنهم لا يحضرون النار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)
هو ما ذكرنا أنه أبقى لهم الثناء الحسن ومن أهلك إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم وإياكم وتكذيب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فينزل بكم كما نزل بأُولَئِكَ.
* * *
قوله تعالى: (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)
وقال - عَزَّ وَجَلََّ -: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)
أي: على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون أنهم إنما أهلكوا بالتكذيب للرسل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)
وتعتبرون وتمتنعون عن تكذيبه، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى
الصافات 37:127
الآية ١٢٧ ثم أخبر عنهم أنهم كذّبوه مع ما ذكر لهم، وهو ما قال عز وجل ﴿فكذّبوه فإنهم لمُحضرون﴾. ولم يذكر في ماذا ؟ لكن فيه بيان أنهم إنما يحضرون النار والعذاب، لأن أهل اللذات هم المحضرون أنفسهم العذاب، يحضرون كرها لا بأنفسهم كقوله تعالى :﴿يوم يدعّون إلى نار جهنم دعًّا﴾ [الطور: ١٣] وقوله :﴿يوم يُسحبون في النار على وجوههم﴾ [القمر: ٤٨] وقوله :﴿ويصلى سعيرا﴾ [الانشقاق: ١٢] ونحوه.
الصافات 37:128
الآية ١٢٨ ثم استثنى العباد المخلصين ﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ منهم أنهم لا يُحضرون النار.
الصافات 37:129
الآيتان ١٢٩ و١٣٠ وقوله تعالى :﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ ﴿سلام على آل ياسين﴾ هو ما ذكرنا أنه أبقى لهم الثناء الحسن.
[ قرأ بعض القراء : سلام على آل ياسين بهمزة مفتوحة ممدودة مكسورة اللام. وقرأ الباقون ﴿إل ياسين﴾ بكسر الهمزة وسكون اللام(١). فله وجهان :
أحدهما : أن يكون ﴿إل ياسين﴾ جمع إلياس، ومعناه سلام على إلياس وأمته المؤمنين كقوله : رأيت المحمّدين، يريد محمدا وأمته.
والثاني : أن يكون إلياس بلُغتين : إلياس وإلياسين كما يقال : ميكال وميكائيل. فيكون على هذا الوجه السلام على إلياسين، فيكون موافقا لما جاء في القرآن الكريم من السلام على الأنبياء والرسل وآلهم.
وعلى القراءة الثانية يكون السلام على آل ياسين وقومه، فكأن هذا القراءة أحق، ومن قرأ على آل ياسين جعل الأول اسما وياسين مضافا إليه، وآل الرجل أتباعه وقومه. فيكون المراد منه آل إلياس، فيكون السلام على آل إلياس، وإن لم يذكر في ما سبق من الأنبياء عليهم السلام على آلهم.
ويحتمل أن يكون المراد بالآل سائر الأنبياء، لأن الأنبياء بعضهم من آل بعض، فإن الآل، هو الشيعة وأهل النصر، فيكون على هذا التأويل السلام على جميع الأنبياء.
وعن ابن عباس أنه قرأ : سلام على آل ياسين وقال : أراد بالآل : آل محمد عليه السلام وياسين محمدا عليه السلام وعلى ذلك قوله :﴿يس﴾ ﴿والقرآن الحكيم﴾ فذكر سائر الأنبياء في ما تقدم بالسلام، وذكر ههنا محمدا وآله، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود : سلام على إدريس وفي بعض الحروف، إدراسين. وقد روي أن إلياس هو إدريس النبي عليه السلام وله اسمان. وإدراسين كأنها لغة في إدريس.
وعن ابن مسعود أنه قرأ : وإن إدريس لمن المرسلين مكان قوله ﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾.
١ انظر غريب القرآن على حروف المعجم /١٣١ و١٣٢ ومعجم القراءات القرآنية ج٥/٢٤٦..
الصافات 37:130
الآيتان ١٢٩ و١٣٠ وقوله تعالى :﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ ﴿سلام على آل ياسين﴾ هو ما ذكرنا أنه أبقى لهم الثناء الحسن.
[ قرأ بعض القراء : سلام على آل ياسين بهمزة مفتوحة ممدودة مكسورة اللام. وقرأ الباقون ﴿إل ياسين﴾ بكسر الهمزة وسكون اللام(١). فله وجهان :
أحدهما : أن يكون ﴿إل ياسين﴾ جمع إلياس، ومعناه سلام على إلياس وأمته المؤمنين كقوله : رأيت المحمّدين، يريد محمدا وأمته.
والثاني : أن يكون إلياس بلُغتين : إلياس وإلياسين كما يقال : ميكال وميكائيل. فيكون على هذا الوجه السلام على إلياسين، فيكون موافقا لما جاء في القرآن الكريم من السلام على الأنبياء والرسل وآلهم.
وعلى القراءة الثانية يكون السلام على آل ياسين وقومه، فكأن هذا القراءة أحق، ومن قرأ على آل ياسين جعل الأول اسما وياسين مضافا إليه، وآل الرجل أتباعه وقومه. فيكون المراد منه آل إلياس، فيكون السلام على آل إلياس، وإن لم يذكر في ما سبق من الأنبياء عليهم السلام على آلهم.
ويحتمل أن يكون المراد بالآل سائر الأنبياء، لأن الأنبياء بعضهم من آل بعض، فإن الآل، هو الشيعة وأهل النصر، فيكون على هذا التأويل السلام على جميع الأنبياء.
وعن ابن عباس أنه قرأ : سلام على آل ياسين وقال : أراد بالآل : آل محمد عليه السلام وياسين محمدا عليه السلام وعلى ذلك قوله :﴿يس﴾ ﴿والقرآن الحكيم﴾ فذكر سائر الأنبياء في ما تقدم بالسلام، وذكر ههنا محمدا وآله، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود : سلام على إدريس وفي بعض الحروف، إدراسين. وقد روي أن إلياس هو إدريس النبي عليه السلام وله اسمان. وإدراسين كأنها لغة في إدريس.
وعن ابن مسعود أنه قرأ : وإن إدريس لمن المرسلين مكان قوله ﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾.
١ انظر غريب القرآن على حروف المعجم /١٣١ و١٣٢ ومعجم القراءات القرآنية ج٥/٢٤٦..
الصافات 37:131
الآيات ١٣١ -١٣٨ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ ﴿وإن لوطا لمن المرسلين﴾ ﴿إذ نجّيناه وأهله أجمعين﴾ ﴿إلا عجوزا في الغابرين﴾ ﴿ثم دمّرنا الآخرين﴾ ﴿وإنكم لتُمرّون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ يذكّر أهل مكة، ويعظهم بما نزل بالمكذبين من الأمم الماضية من العذاب والهلاك. إن من أهلك [ منهم ](١) إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم. وإياكم وتكذيب محمد ﷺ فينزل بكم كما نزل بأولئك.
وقوله(٢) عز وجل :﴿وإنكم لتمرّون عليهم مصبحين﴾ أي على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون إنهم لمن المرسلين. هذا ينقض على الباطنية [ أيضا ](٣) قولهم الذي(٤) قالوا : إن الرسل ليسوا إلا ستة. لا يعدّون يونس ولوطا عليه السلام منهم، فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله عز وجل :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ وهم يقولون : ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: وقال..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: اخلى، في م: حتى..
الصافات 37:132
الآيات ١٣١ -١٣٨ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ ﴿وإن لوطا لمن المرسلين﴾ ﴿إذ نجّيناه وأهله أجمعين﴾ ﴿إلا عجوزا في الغابرين﴾ ﴿ثم دمّرنا الآخرين﴾ ﴿وإنكم لتُمرّون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ يذكّر أهل مكة، ويعظهم بما نزل بالمكذبين من الأمم الماضية من العذاب والهلاك. إن من أهلك [ منهم ](١) إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم. وإياكم وتكذيب محمد ﷺ فينزل بكم كما نزل بأولئك.
وقوله(٢) عز وجل :﴿وإنكم لتمرّون عليهم مصبحين﴾ أي على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون إنهم لمن المرسلين. هذا ينقض على الباطنية [ أيضا ](٣) قولهم الذي(٤) قالوا : إن الرسل ليسوا إلا ستة. لا يعدّون يونس ولوطا عليه السلام منهم، فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله عز وجل :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ وهم يقولون : ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: وقال..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: اخلى، في م: حتى..
الصافات 37:133
الآيات ١٣١ -١٣٨ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ ﴿وإن لوطا لمن المرسلين﴾ ﴿إذ نجّيناه وأهله أجمعين﴾ ﴿إلا عجوزا في الغابرين﴾ ﴿ثم دمّرنا الآخرين﴾ ﴿وإنكم لتُمرّون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ يذكّر أهل مكة، ويعظهم بما نزل بالمكذبين من الأمم الماضية من العذاب والهلاك. إن من أهلك [ منهم ](١) إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم. وإياكم وتكذيب محمد ﷺ فينزل بكم كما نزل بأولئك.
وقوله(٢) عز وجل :﴿وإنكم لتمرّون عليهم مصبحين﴾ أي على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون إنهم لمن المرسلين. هذا ينقض على الباطنية [ أيضا ](٣) قولهم الذي(٤) قالوا : إن الرسل ليسوا إلا ستة. لا يعدّون يونس ولوطا عليه السلام منهم، فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله عز وجل :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ وهم يقولون : ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: وقال..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: اخلى، في م: حتى..
الصافات 37:134
الآيات ١٣١ -١٣٨ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ ﴿وإن لوطا لمن المرسلين﴾ ﴿إذ نجّيناه وأهله أجمعين﴾ ﴿إلا عجوزا في الغابرين﴾ ﴿ثم دمّرنا الآخرين﴾ ﴿وإنكم لتُمرّون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ يذكّر أهل مكة، ويعظهم بما نزل بالمكذبين من الأمم الماضية من العذاب والهلاك. إن من أهلك [ منهم ](١) إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم. وإياكم وتكذيب محمد ﷺ فينزل بكم كما نزل بأولئك.
وقوله(٢) عز وجل :﴿وإنكم لتمرّون عليهم مصبحين﴾ أي على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون إنهم لمن المرسلين. هذا ينقض على الباطنية [ أيضا ](٣) قولهم الذي(٤) قالوا : إن الرسل ليسوا إلا ستة. لا يعدّون يونس ولوطا عليه السلام منهم، فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله عز وجل :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ وهم يقولون : ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: وقال..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: اخلى، في م: حتى..
الصافات 37:135
الآيات ١٣١ -١٣٨ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ ﴿وإن لوطا لمن المرسلين﴾ ﴿إذ نجّيناه وأهله أجمعين﴾ ﴿إلا عجوزا في الغابرين﴾ ﴿ثم دمّرنا الآخرين﴾ ﴿وإنكم لتُمرّون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ يذكّر أهل مكة، ويعظهم بما نزل بالمكذبين من الأمم الماضية من العذاب والهلاك. إن من أهلك [ منهم ](١) إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم. وإياكم وتكذيب محمد ﷺ فينزل بكم كما نزل بأولئك.
وقوله(٢) عز وجل :﴿وإنكم لتمرّون عليهم مصبحين﴾ أي على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون إنهم لمن المرسلين. هذا ينقض على الباطنية [ أيضا ](٣) قولهم الذي(٤) قالوا : إن الرسل ليسوا إلا ستة. لا يعدّون يونس ولوطا عليه السلام منهم، فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله عز وجل :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ وهم يقولون : ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: وقال..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: اخلى، في م: حتى..
الصافات 37:136
الآيات ١٣١ -١٣٨ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ ﴿وإن لوطا لمن المرسلين﴾ ﴿إذ نجّيناه وأهله أجمعين﴾ ﴿إلا عجوزا في الغابرين﴾ ﴿ثم دمّرنا الآخرين﴾ ﴿وإنكم لتُمرّون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ يذكّر أهل مكة، ويعظهم بما نزل بالمكذبين من الأمم الماضية من العذاب والهلاك. إن من أهلك [ منهم ](١) إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم. وإياكم وتكذيب محمد ﷺ فينزل بكم كما نزل بأولئك.
وقوله(٢) عز وجل :﴿وإنكم لتمرّون عليهم مصبحين﴾ أي على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون إنهم لمن المرسلين. هذا ينقض على الباطنية [ أيضا ](٣) قولهم الذي(٤) قالوا : إن الرسل ليسوا إلا ستة. لا يعدّون يونس ولوطا عليه السلام منهم، فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله عز وجل :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ وهم يقولون : ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: وقال..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: اخلى، في م: حتى..
الصافات 37:137
الآيات ١٣١ -١٣٨ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ ﴿وإن لوطا لمن المرسلين﴾ ﴿إذ نجّيناه وأهله أجمعين﴾ ﴿إلا عجوزا في الغابرين﴾ ﴿ثم دمّرنا الآخرين﴾ ﴿وإنكم لتُمرّون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ يذكّر أهل مكة، ويعظهم بما نزل بالمكذبين من الأمم الماضية من العذاب والهلاك. إن من أهلك [ منهم ](١) إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم. وإياكم وتكذيب محمد ﷺ فينزل بكم كما نزل بأولئك.
وقوله(٢) عز وجل :﴿وإنكم لتمرّون عليهم مصبحين﴾ أي على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون إنهم لمن المرسلين. هذا ينقض على الباطنية [ أيضا ](٣) قولهم الذي(٤) قالوا : إن الرسل ليسوا إلا ستة. لا يعدّون يونس ولوطا عليه السلام منهم، فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله عز وجل :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ وهم يقولون : ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: وقال..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: اخلى، في م: حتى..
الصافات 37:138
الآيات ١٣١ -١٣٨ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ ﴿وإن لوطا لمن المرسلين﴾ ﴿إذ نجّيناه وأهله أجمعين﴾ ﴿إلا عجوزا في الغابرين﴾ ﴿ثم دمّرنا الآخرين﴾ ﴿وإنكم لتُمرّون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ يذكّر أهل مكة، ويعظهم بما نزل بالمكذبين من الأمم الماضية من العذاب والهلاك. إن من أهلك [ منهم ](١) إنما أهلك بتكذيب الرسل وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم. وإياكم وتكذيب محمد ﷺ فينزل بكم كما نزل بأولئك.
وقوله(٢) عز وجل :﴿وإنكم لتمرّون عليهم مصبحين﴾ أي على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون إنهم لمن المرسلين. هذا ينقض على الباطنية [ أيضا ](٣) قولهم الذي(٤) قالوا : إن الرسل ليسوا إلا ستة. لا يعدّون يونس ولوطا عليه السلام منهم، فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله عز وجل :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ وهم يقولون : ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: وقال..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: اخلى، في م: حتى..
الصافات 37:139
مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)
وقوله: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)
هذا ينقض على الباطنية قولهم حين قالوا: إن الرسل ليس إلا ستة لا يعدون يونس ولوطا - عليهم السلام - منهم فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)، وهم يقولون: ليس من المرسلين، وباللَّه العصمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)
ذكر هاهنا الإباق، وفي سورة الأنبياء الذهاب، وهو قوله: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا). فمن الناس من يجعل هذا غير الأول - يعني: إباقه الذي ذكر وذهابه - لكن جائز أن يكون ذكر الإباق وذكر الذهاب وإن كان في رأى العين في ظاهر اللفظ مختلفًا فهما في المعنى واحد، فيكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ أَبَقَ) من قومه بدينه؛ ليسلم له، أو أبق لخوف على نفسه من قومه، أو أبق على ما أوعد قومه من نزول العذاب بهم إذا لم يؤمنوا به، وكان الرسل - صلوات اللَّه عليهم - يخرجون من بين أظهر قومهم إذا خافوا نزول العذاب بهم، إلا أن يونس خرج من بينهم قبل أن يأتيه الإذن من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالخروج من بينهم؛ لذلك جاء العتاب له والتعيير، لا لما يقوله عامة أهل التأويل من الخرافات التي يذكرونها وينسبون إليه ما لا يجوز نسبة ذلك إلى أجهل الناس بربه وأخسهم، فضلا أن يجوز نسبة ذلك إلى نبي من أنبيائه ورسول من رسله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)
ذكر في القصة أنه - عليه السلام - لما أبق إلى سفينة فركبها أراد أن يعبر البحر، فجعلت تكفو وتقف وكادت أن تغرق، فقال القوم بعضهم لبعض: إن فيكم لرجلاً مذنبًا ذنبًا عظيمًا، وكانوا يعرفون ذلك من عادتها من قبل كانت إذا ركبها مذنب تغرق وتتسرب في الماء، فلم يعرفوا من هو ذلك؟ فاستهموا مرارا فساهم يونس في كل مرة، فلما رأى ذلك يونس - عليه السلام - قال لهم: يا قوم ألقوني في البحر حتى لا تغرقوا جميعًا، فأبوا وقالوا: لا نلقي نبيا من أنبياء اللَّه في البحر، فألقى هو نفسه فيه، فالتقمه الحوت على ما أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - حيث قال: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ).
ثم قوله: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) قال: فكان من المغلوبين في القرعة والاستهام، أي: خرجت القرعة عليه، و (الْمُدْحَضِينَ): هو الذي لا حجة له فيما يريد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَهُوَ مُلِيمٌ) أي: [مُذْنِبٌ].
(١) في المطبوع هكذا [عجيب] والتصويب من تفاسير عدة. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).
الصافات 37:140
الآيتان ١٣٩ -١٤٠ وقوله تعالى :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ ﴿إذ أَبَقَ إلى الفلك المشحون﴾ ذكر ههنا الأباق وفي سورة الأنبياء الذهاب، وهو قوله :﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا﴾ [الأنبياء: ٨٧] فمن الناس من يجعل هذا غير الأول، يعني [ الأباق غير الذهاب ](١).
لكن جائز أن يكون ذكر الأباق، وذكر الذهاب، وإن كان في رأي العين في ظاهر اللفظ مختلفا. فهما في المعنى واحد، فيكون قوله تعالى :﴿إذ أبق﴾ من قومه بدينه ليسلم له، أو أبق لخوف على نفسه من قومه، أو أبق على ما أوعد قومه من نزول العذاب بهم إذا لم يؤمنوا به. وكان الرسل، صلوات الله عليهم، يخرجون من بين أظهر قومهم إذا خافوا نزول العذاب بهم إلا يونس خرج من بينهم قبل أن يأتيه الإذن من الله عز وجل بالخروج من بينهم.
لذلك صار وقت، جاء العتاب له والتعبير، لما يقوله عامة أهل التأويل من الخرافات التي يذكرون، وينسبون إليه ما لا يجوز نسبة ذلك إلى أجهل الناس بربه وأخسّهم فضلا [ من ](٢) أن تجوز نسبة ذلك إلى نبي من أنبيائه ورسول من رسله.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: أباقة الذي ذكروا ذهابه..
٢ ساقطة من الأصل وم..
الصافات 37:141
الآية ١٤١ وقوله تعالى :﴿فساهم فكان من المُدحَضين﴾ ذكر في القصة أنه عليه السلام لما أبق إلى سفينة، فركبها، أراد أن يعبُر البحر، فجعلت تكفأ، وتقف، وكادت(١) تغرق، فقال القوم بعضهم لبعض : إن فيكم رجلا مذنبا [ ذنبا ](٢) عظيما، وكانوا يعرفون من عادتها من قبل [ أنها ](٣) كانت إذا ركبها مذنب [ تفعل ذلك، وتغرق ](٤) وتسرب في الماء. فلم يعرفوا من هو ذلك [ المذنب ](٥) فاستهاموا مرارا، فساهم يونس في كل مرة. فلما رأى ذلك يونس عليه السلام قال لهم : يا قوم ألقوني في البحر حتى لا تغرقوا جميعا، فأبوا، وقالوا : لا نلقي [ نبيا ](٦) من أنبياء الله في البحر، فألقى هو نفسه فيه، ﴿فالتقمه الحوت وهو مُليم﴾.
ثم قوله :﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ قال [ بعضهم :](٧) فكان من المغلوبين في القرعة والاستهام، أي خرجت القرعة عليه، والمُدحَض(٨) هو الذي لا حجة له في ما يريد، والله أعلم.
١ الواو ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: يغرق..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل و م: المدحضين..
الصافات 37:142
الآية ١٤٢ وقوله تعالى :﴿قالتقمه الحوت وهو مليم﴾ قال بعضهم : هو مليم، أي مذنب. وقال بعضهم : من الملامة، أي كان يلوم نفسه في ما صنع من الخروج من بينهم بلا إذن من الله، والله أعلم.
الصافات 37:143
وقَالَ بَعْضُهُمْ: مليم من الملامة، أي: كان يلوم نفسه فيما صنع من الخروج من بينهم بلا إذن من اللَّه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)
يحتمل قوله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) لربه قبل ذلك ومن المصلين له، وإلا للبث في بطنه إلى ما ذكر؛ ولذلك قيل: من عمل لله - تعالى - في حال الرخاء، نفعه اللَّه بذلك في حال الشدة ويرفعه إذا عثر، واللَّه أعلم.
قيل في الحكمة: إن العمل الصالح رفع صاحبه إذا عثر وإذا صرع وجد متكئًا، والله أعلم.
ويحتمل (كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ)، أي: صار من المسبحين في بطن الحوت، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)
العراء: قيل: هي الأرض الصحراء التي لا شجر فيها ولا نبت ولا ركز.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: العراء: الأرض التي لا ظل فيها، والمدحض: المغلوب، ومليم: أي: أتى أمرًا يلام عليه.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: العراء: هي الأرض التي لا يواري فيها شجر ولا غيره، كأنه من عري الشيء، واللَّه أعلم. البعل: الزوج.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ سَقِيمٌ).
ذكر أن الحوت لما نبذه بالعراء لم يكن به شعر ولا جلد ولا ظفر ولا سن سقيم من السقم وهو المرض، أي: مريض لما مسه بطن الحوت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)
قَالَ بَعْضُهُمْ: هي شجرة الفرع، أنبت عليه ليأكل منها، ويستظل بها.
ْوقَالَ بَعْضُهُمْ: كل شجرة تنبسط على وجه الأرض مما يتسع أطرافه إذا مد وأصله واحد، فهو يقطين، من نحو البطيخ والعرجون وغيرهما.
الصافات 37:144
الآيتان ١٤٣ و١٤٤ وقوله عز وجل :﴿فلولا أنه كان من المُسبّحين﴾ ﴿للبِث في بطنه إلى يوم يُبعثون﴾ يحتمل قوله :﴿فلولا أنه كان من المسبّحين﴾ لربه قبل ذلك ومن المصلين له { للبِث في بطنه إلى [ { يوم يبعثون } ](١) ولذلك قيل : من [ عمل لله ](٢) تعالى في حال الرخاء نفعه الله بذلك في حال البلاء، ويرفعه إذا عثر، والله أعلم.
قيل في الحكمة : إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا وجد متكأ، والله أعلم.
ويحتمل ﴿فلولا أنه كان من المسبّحين﴾ في بطن الحوت، وهو قوله :﴿فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ ﴿فاستجبنا له ونجّيناه من الغم﴾ [ الأنبياء : ٨٧ و٨٨ ] والله أعلم.
١ في الأصل و م: ما ذكر..
٢ في الأصل وم: عامل الله..
الصافات 37:145
قوله تعالى :﴿فنبذناه بالعراء وهو سقيم﴾ : العراء : قيل : هي الأرض الصحراء التي لا شجر فيها، ولا نبت، ولا كرّ. وقال عوسجة : العراء الأرض التي لا ظل فيها، والمُدحض المغلوب، ومليم أي أتى أمرا يلام عليه.
وقال القتبي : العراء هي الأرض التي لا يرى فيها شجر ولا غيره، كأنه من عري الشيء، والله أعلم.
وقوله عز وجل :﴿وهو سقيم﴾ : ذكر أن الحوت لما نبذه بالعراء لم يكن به شعر ولا جلد ولا ظفر، ولا شيء، ويحتمل سقيم من السقم، وهو المرض، أي مريض لما مسّه ببطن الحوت، والله أعلم.
الصافات 37:146
اقوله تعالى :﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾ : قال بعضهم : هي شجرة القَرْع، أنبت عليه ليأكل منه، ويستظل بها، وقال بعضهم : كل شجرة تنبسط على وجه الأرض مما تتّسع أطرافها إذا مُدّت، وأصلها واحد، فهو يقطين من البطيخ والعُرجون وغيرهما، والأشبه أن تكون شجرة القرع لأنها أسرع الأشجار نبتا وامتدادا وارتفاعا في السماء في مدة لطيفة ووقت قريب، والوصول إلى الارتفاع بها أكلا واستظلالا بها ما لا يكون مثل ذلك في مثل تلك المدة من الأشجار، والله أعلم.
وعلى ذلك روي أنه قيل :( يا رسول الله إنك لتُحبّ القَرْع، قال : أجل، هي شجرة أخي يونس، وهي تزيد في العقل ) [ بنحوه البخاري ٢٠٩٢ ]، فهذا يدل إن ثبت أنها كانت شجرة القرع، والله أعلم.
ثم فيه لطف من الله عز وجل حين أنبت عليه شجرة في وقت لطيف، لا ينبث مثلها إلا بعد مدة طويلة ووقت مديد، وأبقى عليه الضعف وقتا طويلا مما يرفع ذلك، ويزول في وقت يسير في العُرف ليذكّره ما أنعم عليه، ويقوم بشكره، وهو كما ذكر في قصة صاحب موسى الحمار حين قال عز وجل :﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر إلى حمارك﴾ [البقرة: ٢٥٩] أبقى طعامه وشرابه، وحفظه وقتا طويلا فلم يغير ما طبعه التغيّر في وقت يسير، وغيّر ما طبعه البقاء، لطفا منه. فعلى ذلك أنبت على يونس شجرة في وقت لطيف مما لا ينبت مثلها إلا وقت طويل، وأبقى ذلك الضعف الذي كان به والسقم مما سبيله الزوال والارتفاع في وقت يسير لطفا منه لتذكير ما ذكرنا، والله أعلم.
الصافات 37:147
والأشبه أن تكون شجرة القرع؛ لأنها أسرع الأشجار نبتًا وامتدادًا وارتفاعًا في السماء في مدة لطيفة ووقت قريب، والوصول إلى الانتفاع بها أكلا واستظلالا لها ما لا يكون مثل ذلك في مثل تلك المدة من الأشجار، واللَّه أعلم. وعلى ذلك روي أنه قيل: يا رسول، إنك لتحب القرع؟ قال: " أجل هي شجرة أخي يونس، وهو تزيد في العقل " فهذا يدل إن ثبت: أنها كانت شجرة القرع، واللَّه أعلم.
ثم فيه لطف من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: حيث أنبت عليه شجرة في وقت لطيف، لا ينبت مثلها إلا بعد مدة غير لطيفة ووقت مديد، وأبقى عليه الضعف وقتا طويلا مما يرتفع ذلك ويزول في وقت يسير في العرف؛ ليذكره ما أنعم عليه ويقوم بشكره، وهو كما ذكر في قصة: صاحب الحمار حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ)، أبقى طعامه وشرابه وحفظه وقتا طويلا غير متغير مما طبعه التغير في وقت يسير وغير ما طبعه البقاء لطفا منه، فعلى ذلك أنبت على يونس شجرة في وقت لطيف مما لا ينبت مثلها إلا في وقت طويل، وأبقى ذلك الضعف الذي كان به والسقم مما سبيله الزوال والارتفاع في وقت يسير لطفًا منه؛ لتذكير ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)
هذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: ما ذكرنا أن حرف الاستفهام إذا أضيف إلى اللَّه فهو على التقدير والإيجاب ليس على حقيقة الاستفهام، فعلى ذلك حرف الشك: أي: مائة ألف بل يزيدون، أو يقول: ويزيدون؛ لما يتعالى عن الشك.
والثاني: قوله: (أَوْ يَزِيدُونَ) حتى يزيدوا؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)، أي: حتى يسلموا.
أو كأنه وقت ما بعثه إليهم كانوا مائة ألف، ثم ازدادوا بعد ذلك، واللَّه أعلم.
والثالث: يزيدون مائة ألف أو يزيدون عند الناس، فمعناه: أن من نظر إليهم لا يظن دون مائة ألف، ولكن يظن مائة ألف وزيادة، واللَّه أعلم.
قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)
قيل: آمنوا به فلم يهلكوا، ولكن أخر عنهم إلى وقت موت حتفهم.
وقال - عَزَّ وَجَلَّ - في آية أخرى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا
الصافات 37:148
﴿فآمنوا فمتّعناهم إلى حين﴾ : قيل : آمنوا به، فلم يهلكوا، ولكن أخّر عنهم العذاب إلى وقت موت حتفهم. كقوله في آية أخرى :﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾ [يونس: ٩٨] أخبر ههنا أنه لم ينفع قوما إيمانهم عند معاينتهم العذاب إلا قوم يونس، وكذلك ذكر عز وجل في آية أخرى أنه لم ينفع الإيمان عند معاينة العذاب حين قال عز وجل في آية أخرى :﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر: ٨٥].
ثم لا يُدرى أنه إنما يقبل إيمان قوم يونس لأنهم آمنوا عند خروج يونس عليه السلام من بين أظهرهم قبل أن يقبل العذاب عليهم لما كانوا يعلمون أن الرسول متى ما خرج من بينهم بعد ما أوعدهم بالعذاب أن العذاب ينزل بهم، لا محالة، فآمنوا به قبل أن يعاينوا العذاب أو أن يكون العذاب قد أقبل عليهم، فعاينوه، فعند ذلك آمنوا. فإن كان الأول فهو بأنهم إنما آمنوا به عند خروجه منهم، فهو مستقيم، قبِل إيمانهم لأنهم لم يؤمنوا عند معاينتهم العذاب، ولكن إنما آمنوا قبل ذلك. وإن كان الثاني فجائز أن يكون قبِل إيمانهم، ونفعهم إيمانهم، وإن عاينوا العذاب، لما عرف، جل، وعلا، أن إيمانهم كان حقا، وهم صادقون في ذلك، محقّقون، لم يكونوا دافعين العذاب عن أنفسهم إلا بالإيمان حقيقة، والله أعلم.
الصافات 37:149
آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ)، أخبر هاهنا أنه لم ينفع قومًا إيمانهم عند معاينتهم العذاب إلا قوم يونس، وكذلك ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - في آية أخرى: أنه لم ينفع الإيمان عند معاينة العذاب حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ - في آية أخرى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)، ثم [لا يُدرَى] أنه إنما يقبل إيمان قوم يونس؛ لأنهم آمنوا عند خروج يونس - عليه السلام - من بين أظهرهم قبل أن يقبل العذاب عليهم، لما كانوا يعلمون أن الرسول متى ما خرج من بينهم بعد ما أوعدهم بالعذاب أن العذاب ينزل بهم لا محالة، فآمنوا به، وإن لم يعاينوا.
أو أن يكون العذاب قد أقبل عليهم فعاينوه عند معاينتهم فعند ذلك آمنوا.
فإن كان الأول فهو بأنهم إنما آمنوا به عند خروجه منهم فهو مستقيم قبل إيمانهم؛ لأنهم لم يؤمنوا عند معاينتهم العذاب، ولكن إنما آمنوا قبل ذلك.
وإن كان الثاني، فجائز أن يكون قبل إيمانهم ونفعهم إيمانهم وإن عاينوا العذاب؛ لما عرف - جل وعلا - أن إيمانهم كان حقا وهم صادقون في ذلك محققون، لم يكونوا دافعين العذاب عن أنفسهم إلا بإيمان حقيقة، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)
وقوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ).
الاستفتاء والسؤال يخرج على أربعة أوجه:
إن كان الاستفتاء والسؤال من عليم خبير لأهل الجهل يكون تقريرًا وتنبيهًا إذا لم يكونوا أهل عناد، وإذا كانوا أهل عناد فهو تسفيه وتوبيخ لهم.
وإذا كان الاستفتاء من جاهل مصدق طالب رشد لعليم خبير، يكون استرشادًا وطلب الصواب.
وإذا كان من معاند مكابر، فهو يخرج على الاستهزاء به والسخرية؛ كقولهم: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، إنما قالوا ذلك استهزاء به.
ثم ما ذكر من الاستفتاء لهَؤُلَاءِ إنما يكون تسفيها منه لهم في قولهم: لله - عَزَّ وَجَلَّ - ولد، والملائكة بنات اللَّه سبحانه ونحوه من الفرية العظيمة التي لا فرية أعظم منها ولا
الصافات 37:151
كذب أكبر منه؛ لأن درك الأشياء ومعرفتها إنما يكون في الشاهد بأحد وجوه ثلاثة:
أحدها: المشاهدة.
والثاني: الخبر.
والثالث: الاستدلال بما شاهدوا وعاينوا على ما غاب عنهم.
ثم معلوم عندهم - أي: عند هَؤُلَاءِ - أنهم لم يشاهدوا اللَّه حتى عرفوا له الولد، ولا كانوا يؤمنون بالرسل حتى يكون عندهم الخبر بما قالوا ونسبوا إليه من الولد وغيره؛ إذ الخبر إنما يوصل إليه بالرسل، وهم لا يؤمنون بهم، ولا كانوا شاهدوا ما يستدلون على ما قالوا فيه ونسبوا إليه حتى دلهم ذلك على ذلك، فسفههم في قولهم الذي قالوا فيه وما نسبوا إليه، وإنهم كَذَبة في ذلك؛ إذ أسباب العلم بالأشياء ما ذكرنا، ولم يكن لهم شيء من ذلك؛ ولذلك قال: (أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)
وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) يقول: أأختار لنفسي ما تأنفون أنتم عنه؟ وتنسبون إليه ما تستنكفون أنتم عنه؟ يسفههم في قولهم ونسبتهم إلى اللَّه ما قالوا فيه ونسبوا إليه إلى آخر ما ذكر، واللَّه أعلم.
وفيه تصبير رسول اللَّه على أذاهم وتركهم الإيمان به والاتباع؛ لأنه علمهم أنه خالقهم ورازقهم وقديم الإحسان إليهم وقالوا فيه ما قالوا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)
يحتمل قوله: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، أي: ما لكم تحكمون بلا حجة ولا علم؟
وقوله: (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)
أن هذا الحكم جور وظلم عظيم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)
أي: لكم حجة وبيان على ما تزعمون وتقولون في اللَّه سبحانه.
وقوله: (فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)
أي: ائتوا بكتاب من عند اللَّه فيه ما تذكرون من الولد وغيره.
وقوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا... (١٥٨) قال عامة أهل التأويل: إن الجنة هم الملائكة؛ لقول أُولَئِكَ الكفرة: إن الملائكة بنات اللَّه، وما قالوا في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)، أي: علمت الجن الذي
الصافات 37:153
قال عز وجل :﴿أصطفى البنات على البنين﴾ ؟ يقول : أختار لنفسي ما تأنفون أنتم منه ؟ وتنسبون إليكم ما تستنكفون أنتم عنه ؟ يسفّههم في قولهم. ونسبتهم إلى الله ما قالوا فيه، ونسبوا إليه إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.
وفيه تصبير رسول الله على أذاهم وتركهم الإيمان به والاتباع له، مع علمهم أنه خالقهم ورازقهم وقديم الإحسان إليهم قالوا فيه ما قالوا.
الصافات 37:154
يحتمل قوله ﴿ما لكم كيف تحكمون﴾ أي مالكم تحكمون بلا حجة ولا علم ؟
الصافات 37:155
قوله تعالى :﴿أفلا تذكّرون﴾ أن هذا الحكم جور وظلم ؟ كقوله :﴿تلك إذا قسمة ضيزى﴾ [النجم: ٢٢].
الصافات 37:156
قوله تعالى :﴿أم لكم سلطان مبين﴾ : أي ألكم الحجة وبيان على ما تزعُمون، وتقولون في الله، سبحانه.
الصافات 37:157
قوله تعالى :﴿فأتوا بكتابكم إن أنتم صادقين﴾ أي ائتوا بكتاب من عند الله، فيه ما تذكرون من الولد وغيره.
الصافات 37:158
قوله تعالى :﴿وجعلوا بينه وبين الجِنّة نسبًا﴾ : قال عامة أهل التأويل : إن الجِنّة هم الملائكة لقول أولئك الكفرة : إن الملائكة بنات الله وما قالوا في قوله :﴿ولقد علمت الجِنّة إنهم لمُحضرون﴾ أي علمت الجن الذين وصفوا له بنات إنهم لمحضرون النار وعذاب الله، ويحاسبون على قول مجاهد وغيره. ويحتمل الذين رأوا أولئك، أعني الأتباع، أنهم ملائكة الله تعالى، والله أعلم.
الصافات 37:159
وصفوا له بنين إنهم لمحضرون النار وعذاب اللَّه، ويحاسبون، على قول مجاهد وغيره، والذين أُولَئِكَ -أعني الأتباع- أنهم ملائكة اللَّه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ).
قوله: (سُبْحَانَ اللَّهِ) نزه نفسه عما وصفه الذين تقدم ذكرهم، وتبرأ عن جميع ما قالوا فيه، ثم استثنى عَزَّ وَجَلَّ: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فلسنا ندري ما موضع الثنيا هاهنا على أثر ما ذكر من التنزيه لنفسه، يحتمل الاستثناء وجهين:
أحدهما: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) أُولَئِكَ الكفرة من الولد وغيره إلا عبادنا المخلصين.
والثاني: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)، أي: من أخلص منهم وآمن فإنه غير بريء مما يصفه؛ لما يجوز أن يسلم منهم نفر فيصفونه بما يليق به؛ لأن المؤمن والمخلص لا يصف ربه إلا بما يليق به، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: " إلا عبادنا المخلصين " استثنى من قوله: (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) للنار (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) فإنهم لا يحضرون النار والعذاب على سبق استثناء هَؤُلَاءِ الذين أخلصوا ممن يحضر فيما تقدم - واللَّه أعلم - وهو على التقديم والتأخير.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) يقول - واللَّه أعلم -: إنكم وما تعبدون لا تملكون أن تفتنوهم وأن تضلوهم، إلا من هو في علم اللَّه أنه يختار الضلالة؛ مما يصليه النار، على حق المعونة لهم لا حقيقة الإضلال، وهو ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - في آية أخرى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)، وما أخبر أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ): إلا من كتب عليه في اللوح: أنه يصلى الجحيم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إلا من قضي اللَّه عليه أنه يصلى النار.
وأصله ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وما يعبدون: الجنّ الذين عبدوا الجن، أو الملائكة، ويحتمل الأصنام التي عبدت؛ إذ
الصافات 37:160
ثم استثنى عز وجل ﴿إلا عباد الله المخلصين﴾، فلسنا ندري ما موضع الثُّنيا ههنا على إثر ما ذكر من التنزيه لنفسه. ويحتمل الاستثناء وجهين :
أحدهما :﴿سبحان الله عما يصفون﴾ أي من أخلص منهم، وآمن، فإنه غير بريء مما يصفه هؤلاء لما يجوز أن يسلم منه نفر، فيصفونه بما يليق به، لأن المؤمن والمخلص لا يصف ربه إلا بما يليق به، والله أعلم.
والثاني : ما قال بعضهم :﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ استثنى من قوله :﴿ولقد علمت الجِنّة إنهم لمحضرون﴾ النار ﴿سبحان الله عما يصفون﴾ ﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ فإنهم لا يُحضرون النار والعذاب على ما سبق استثناء هؤلاء الذين أخلصوا ممن يحضر في ما تقدم، والله أعلم، وهو على التقديم والتأخير.
الصافات 37:161
قوله تعالى :﴿فإنكم وما تعبدون﴾ يحتمل الجن الذين عبدوا، ويحتمل الملائكة، ويحتمل الأصنام التي عُبدت، إذ قد ينسب إليهن الإضلال لقوله :﴿رب إنهم أضللن كثير من الناس﴾ [إبراهيم: ٣٦] والله أعلم.
الصافات 37:162
قد ينسب إليهن الإضلال؛ لقوله: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)
يحتمل هذا منهم -أعني: الملائكة- وجهين:
أحدهما: قالوا ذلك لتبرئة أنفسهم عن أن يأمروا بالعبادة لهم، أي: لم نتفرغ نحن بعبادة هَؤُلَاءِ طرفة عين فكيف نأمر هَؤُلَاءِ بعبادتنا؛ كقولهم: (قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ)، أي: نحن في طلب ولايتك فكيف نتفرغ لذلك، أو أن يقولوا: إن ولايتك التي واليتنا شغلتنا عن جميع ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) أي ما أنتم بمضلين أحدًا من عبادي بإلهكم هذا الذي تعبدون إلا من تولاكم بعمل أهل النار، وذكر عن عمر بن عبد العزيز وعن الحسن أيضًا أنهما قالا في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) يقول: ما أنتم بمضلين بآلهتكم أحدًا إلا من قدر أنه يصلي الجحيم، وهو قريب مما ذكرنا، واللَّه أعلم.
(إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)
يحتمل مكان معلوم محدود لا يبرح عنه ولا يفارق.
ويحتمل (مَقَامٌ مَعْلُومٌ) أي: عبادة معلومة نحو ما ذكر حكيم بن حزام قال: بينما رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا بما نحن فيه ولكن أمر آخر، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨)
ثم قوله: (لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) بنصب اللام على ظاهر ما قالوا، يخبر أن يكون من المخلصين بكسر اللام، أي: لو كان كذا، فنحن نخلص له التوحيد والعبادة، لكن المخلص أن يخلصنا اللَّه لو كان كذا، واللَّه أعلم.
ثم أخبر أنهم كفروا ما آتاهم البيان وأن أُولَئِكَ المتقدمين إنما أهلكوا لما ذكر مُحَمَّد -
الصافات 37:163
وقال بعضهم : قوله عز وجل :﴿إلا من هو صال الجحيم﴾ : إلا من كتب عليه في اللوح أنه يصلي الجحيم.
وقال بعضهم : إلا من قضى الله عليه أن يصلي النار. وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
الصافات 37:164
قوله تعالى :﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ : يحتمل هذا منهم، أعني الملائكة، وجهين :
أحدهما : قالوا ذلك تبرئة لأنفسهم من أن يأمروا بالعبادة لهم، أي لم نتفرّغ نحن لعبادة هؤلاء طرفة عين، فكيف نأمر هؤلاء بعبادتنا ؟ كقولهم :﴿قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم﴾ [ سبأ ٤١ ] أي نحن في طلب الصواب ولا شك، فكيف نتفرّغ لذلك ؟
والثاني : أن يقولوا : إن ولايتك التي واليتنا شغلتنا عن جميع ما ذكروا، والله أعلم.
ويحتمل قوله تعالى :﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ : مكانا معلوما محدودا لا يبرح منه، ولا يفارقه، ويحتمل ﴿مقام معلوم﴾ أي عبادة معلومة نحو ما ( ذكر حكيم بن حزام : قال [ : كنا عند رسول الله ﷺ، فقال : هل تسمعون ما أسمع ؟ قلنا : يا رسول الله ما تسمع ؟ قال : أسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئِطّ ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد )[ الترمذي ٢٣١٢ ] والله أعلم.
الصافات 37:165
قوله تعالى :﴿وإنا لنحن الصّافون﴾ : يحتمل :﴿الصافون﴾ أي يصلون صفوفا، لا يصلي أبناء آدم إلا صفوفا. ويحتمل ﴿الصّافون﴾ أي قائمون صفوفا وراكعون صفوفا وساجدون صفوفا، والله أعلم.
الصافات 37:166
وقوله تعالى :﴿وإنا لنحن المُسبّحون﴾ يحتمل أي مصلّون على ما قال أهل التأويل، ويحتمل حقيقة التسبيح أي ينزّهون الله تعالى عما تقول فيه الملحدة، ويحتمل قوله :﴿المسبّحون﴾ أي عابدون ودائما وأبدا، والله أعلم
الصافات 37:167
اختُلف فيه : قال بعضهم : إن أهل مكة كانوا يقولون قبل أن يبعث محمدا ﷺ : قاتل الله اليهود والنصارى، كذّبوا أنبياءهم، لو أنهم ذكروا أنباءً من الأولين ﴿لكنّا عباد الله المخلصين﴾ قد قالوا ذلك، وأكذبوا القول فيه بالقسم بالله تعالى، أخبر الله عنهم بقوله :﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكوننّ أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا﴾ [فاطر: ٤٢] أي نفورا من ربهم والله أعلم.
وقال بعضهم : إن رسول الله ﷺ كان يوعدهم أن ينزل بهم العذاب بعبادتهم الأصنام على ما نزل بالأولين من العذاب بعبادتهم الأصنام وتكذيبهم الرسل عليهم السلام فيقولون عند ذلك ﴿لو أن عندنا ذِكرا من الأولين﴾ أي خبرا من الأمم الماضية أنهم على ماذا أهلكوا ؟ لو علمنا أنهم أهلكوا بما يذكر محمد ﴿لكنا عباد الله المخلصين﴾ فقصّ الله تعالى عليهم خبر الأولين أن العذاب إنما أنزل بهم بما ذكر محمد عليه السلام فلم يقبلوا، وكفروا به، عنادا منهم.
ويحتمل أن يكون هذا منهم احتجاجا : أن آباءنا قد عبدوا الأصنام، ففعلوا ما نحن فاعلون، ثم لم ينزل بهم العذاب.
فلو كان صنيعهم غير مرضيّ عند الله تعالى، وإن كانوا غير مأمورين به، ما تركهم على ذلك.
وهو كقوله :﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقوله :﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ [الأعراف: ٢٨] ونحو ذلك من الاحتجاج والباطل.
فعلى ذلك يحتمل أن يكون قولهم الذي قالوا :﴿لو أن عندنا ذكرا من الأولين﴾ ﴿لكنا عباد الله المخلصين﴾ أي لم يهلكوا بما نحن فيه، [ إنما يذكر ذلك لشيء ] آخر.
الصافات 37:168
اختُلف فيه : قال بعضهم : إن أهل مكة كانوا يقولون قبل أن يبعث محمدا ﷺ : قاتل الله اليهود والنصارى، كذّبوا أنبياءهم، لو أنهم ذكروا أنباءً من الأولين ﴿لكنّا عباد الله المخلصين﴾ قد قالوا ذلك، وأكذبوا القول فيه بالقسم بالله تعالى، أخبر الله عنهم بقوله :﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكوننّ أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا﴾ [فاطر: ٤٢] أي نفورا من ربهم والله أعلم.
وقال بعضهم : إن رسول الله ﷺ كان يوعدهم أن ينزل بهم العذاب بعبادتهم الأصنام على ما نزل بالأولين من العذاب بعبادتهم الأصنام وتكذيبهم الرسل عليهم السلام فيقولون عند ذلك ﴿لو أن عندنا ذِكرا من الأولين﴾ أي خبرا من الأمم الماضية أنهم على ماذا أهلكوا ؟ لو علمنا أنهم أهلكوا بما يذكر محمد ﴿لكنا عباد الله المخلصين﴾ فقصّ الله تعالى عليهم خبر الأولين أن العذاب إنما أنزل بهم بما ذكر محمد عليه السلام فلم يقبلوا، وكفروا به، عنادا منهم.
ويحتمل أن يكون هذا منهم احتجاجا : أن آباءنا قد عبدوا الأصنام، ففعلوا ما نحن فاعلون، ثم لم ينزل بهم العذاب.
فلو كان صنيعهم غير مرضيّ عند الله تعالى، وإن كانوا غير مأمورين به، ما تركهم على ذلك.
وهو كقوله :﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقوله :﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ [الأعراف: ٢٨] ونحو ذلك من الاحتجاج والباطل.
فعلى ذلك يحتمل أن يكون قولهم الذي قالوا :﴿لو أن عندنا ذكرا من الأولين﴾ ﴿لكنا عباد الله المخلصين﴾ أي لم يهلكوا بما نحن فيه، [ إنما يذكر ذلك لشيء ] آخر.