تأويلات أهل السنة — الصافات 37:170 – الزمر 39:75
المحتويات
- الصافات 37:170
- الصافات 37:171
- الصافات 37:172
- الصافات 37:173
- الصافات 37:174
- الصافات 37:175
- الصافات 37:176
- الصافات 37:177
- الصافات 37:178
- الصافات 37:179
- الصافات 37:180
- الصافات 37:181
- الصافات 37:182
- ص 38:1
- ص 38:2
- ص 38:3
- ص 38:4
- ص 38:5
- ص 38:6
- ص 38:7
- ص 38:8
- ص 38:9
- ص 38:10
- ص 38:11
- ص 38:12
- ص 38:13
- ص 38:14
- ص 38:15
- ص 38:16
- ص 38:17
- ص 38:18
- ص 38:19
- ص 38:20
- ص 38:21
- ص 38:22
- ص 38:23
- ص 38:24
- ص 38:25
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:28
- ص 38:29
- ص 38:30
- ص 38:31
- ص 38:32
- ص 38:33
- ص 38:34
- ص 38:35
- ص 38:36
- ص 38:37
- ص 38:38
- ص 38:39
- ص 38:40
- ص 38:41
- ص 38:42
- ص 38:43
- ص 38:44
- ص 38:45
- ص 38:46
- ص 38:47
- ص 38:48
- ص 38:49
- ص 38:50
- ص 38:51
- ص 38:52
- ص 38:53
- ص 38:54
- ص 38:55
- ص 38:56
- ص 38:57
- ص 38:58
- ص 38:59
- ص 38:60
- ص 38:61
- ص 38:62
- ص 38:63
- ص 38:64
- ص 38:65
- ص 38:66
- ص 38:67
- ص 38:68
- ص 38:69
- ص 38:70
- ص 38:71
- ص 38:72
- ص 38:73
- ص 38:74
- ص 38:75
- ص 38:76
- ص 38:77
- ص 38:78
- ص 38:79
- ص 38:80
- ص 38:81
- ص 38:83
- ص 38:84
- ص 38:85
- ص 38:86
- ص 38:87
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:5
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:12
- الزمر 39:13
- الزمر 39:14
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:25
- الزمر 39:26
- الزمر 39:27
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:52
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:57
- الزمر 39:58
- الزمر 39:59
- الزمر 39:60
- الزمر 39:61
- الزمر 39:62
- الزمر 39:63
- الزمر 39:64
- الزمر 39:65
- الزمر 39:66
- الزمر 39:67
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:70
- الزمر 39:71
- الزمر 39:72
- الزمر 39:73
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
الصافات 37:170
عليه الصلاة والسلام - لكنهم عاندوه وكابروه وكفروا به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)
علم عيان ومشاهدة؛ إذ عرفوا علم خبر بالحجة والآيات، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ)، اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الرسل - عليهم السلام - كانوا منصورين لم يغلب رسول قط فإنما قتل: الأنبياء ورسل المرسلين الذين يبلغون رسالة الرسل إلى قومهم ويخبرون عنهم، فأما الرسل أنفسهم فهم لم يقتلوا ولا قتل أحد منهم؛ عصمهم اللَّه تعالى عن الناس وعما هموا بهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم منصورون لما نصر العاقبة لهم؛ إذ لم يكن رسول إلا وقد كانت العاقبة له وإن غلب في الابتداء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) بالحجج والآيات والبراهين أنهم يغلبون بحججهم وآياتهم ويرفعون بها الشبه والتمويهات، واللَّه أعلم.
ويستدل صاحب التأويل الأول بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)، وفي بعض القراءات: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا)، أخبر أنهم وإن قتلوا فإنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، ثم أخبر أنه آتاهم اللَّه ذلك حيث قال: (فَآتَاهُمُ...)، كذا، واللَّه أعلم؛ دل أنه وإن غلبوا وقتلوا فهم المنصورون.
ثم قوله: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) ذكر (إِنَّهُمْ لَهُمُ) بحرفين ومعناهما واحد على التأكيد؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ)، وقوله: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ)، وإن كان الواحد كافيًا، كما في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) أي: رسلنا أو أتباعنا وأولياؤنا هم الغالبون على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)
يحتمل أي: لا تكافئهم بأذاهم إياك إلى حين أو لا تقاتلهم، فكيفما كان ففيه وجهان من الدليل: أحدهما: دليل على رسالته حيث أخبر أنهم يكونون على الكفر إلى الحين الذي ذكر ويهلكون على ذلك حيث قال: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ).
الصافات 37:171
وقوله تعالى :﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ ﴿إنهم لهم المنصورون﴾ ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ اختلف فيه : قال بعضهم : إن الرسل عليهم السلام كانوا منصورين. لم يقتل رسول قط. فإنما قُتل الأنبياء ورسل المرسلين الذين يبلّغون رسالة الرسل إلى قومهم، ويخبرون عنهم. فأما الرسل أنفسهم فهم لم يقتلوا ولا قُتل أحد منهم، عصمهم الله تعالى عن الناس، وعما هَمّوا بهم.
وقال بعضهم :﴿إنهم لهم المنصورون﴾ لما نصر العاقبة لهم، إذ لم يكن رسول إلا وقد كانت العاقبة له، وإن غُلب في الابتداء.
وقال بعضهم :﴿إنهم لهم المنصورون﴾ بالحجج والآيات والبراهين. إنهم يغلبون بحججهم وآياتهم، ويرفعون بها الشّبه والتمويهات، والله أعلم.
ويستدل صاحب التأويل الأول بقوله عز وجل :﴿وكأيّن من نبي قاتل معه ربِّيُّون كثير﴾ وفي بعض القراءات : قُتل معه ربِّيُّون كثير ﴿فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٦] أخبر أنهم، وإن قُتلوا، فإنهم لم يهنوا، ولم يضعفوا. ثم قال عز وجل ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أرمنا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾ [آل عمران: ١٤٧] ثم أخبر أنه آتاهم الله ذلك حين قال :﴿فآتاهم الله [ ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين﴾ ] [آل عمران: ١٤٨] والله أعلم.
دلّ، وإن غُلبوا، وقتلوا، فهم المنصورون.
ثم قوله :﴿إنهم لهم المنصورون﴾ ذكر ﴿إنهم لهم المنصورون﴾ بحرفين، ومعناهما واحد على التأكيد كقوله : عز وجل :﴿وإنا لنحن الصافّون﴾ [الصافات: ١٦٥] وقوله :﴿إنني أنا الله﴾ طه : ١٤، وإن كان الواحد كافيا.
الصافات 37:172
وقوله تعالى :﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ ﴿إنهم لهم المنصورون﴾ ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ اختلف فيه : قال بعضهم : إن الرسل عليهم السلام كانوا منصورين. لم يقتل رسول قط. فإنما قُتل الأنبياء ورسل المرسلين الذين يبلّغون رسالة الرسل إلى قومهم، ويخبرون عنهم. فأما الرسل أنفسهم فهم لم يقتلوا ولا قُتل أحد منهم، عصمهم الله تعالى عن الناس، وعما هَمّوا بهم.
وقال بعضهم :﴿إنهم لهم المنصورون﴾ لما نصر العاقبة لهم، إذ لم يكن رسول إلا وقد كانت العاقبة له، وإن غُلب في الابتداء.
وقال بعضهم :﴿إنهم لهم المنصورون﴾ بالحجج والآيات والبراهين. إنهم يغلبون بحججهم وآياتهم، ويرفعون بها الشّبه والتمويهات، والله أعلم.
ويستدل صاحب التأويل الأول بقوله عز وجل :﴿وكأيّن من نبي قاتل معه ربِّيُّون كثير﴾ وفي بعض القراءات : قُتل معه ربِّيُّون كثير ﴿فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٦] أخبر أنهم، وإن قُتلوا، فإنهم لم يهنوا، ولم يضعفوا. ثم قال عز وجل ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أرمنا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾ [آل عمران: ١٤٧] ثم أخبر أنه آتاهم الله ذلك حين قال :﴿فآتاهم الله [ ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين﴾ ] [آل عمران: ١٤٨] والله أعلم.
دلّ، وإن غُلبوا، وقتلوا، فهم المنصورون.
ثم قوله :﴿إنهم لهم المنصورون﴾ ذكر ﴿إنهم لهم المنصورون﴾ بحرفين، ومعناهما واحد على التأكيد كقوله : عز وجل :﴿وإنا لنحن الصافّون﴾ [الصافات: ١٦٥] وقوله :﴿إنني أنا الله﴾ طه : ١٤، وإن كان الواحد كافيا.
الصافات 37:173
وقوله تعالى :﴿وإن وجندنا لهم الغالبون﴾ أي رسلنا وأتباعنا وأولياؤنا، هم الغالبون على ما ذكرنا، والله أعلم.
الصافات 37:174
قوله تعالى :﴿فتولّ عنهم حتى حين﴾ : يحتمل أي لا تكافئهم بأذاهم إياك إلى حين، أي لا تقاتلهم.
فكيف ما كان ففيه وجهان من الدلالة :
أحدهما : دليل على رسالته حين أخبر أنهم يكونون على الكفر إلى حين الذي ذكر، ويهلكون على ذلك حين قال :﴿فتولّ عنهم حتى حين﴾.
والثاني : فيه دليل حفظه إياه وعصمته مما كانوا يهُمّون به من القتل والإهلاك حين منعه من مقاتلتهم، ونهاه عن التعرض لهم إلى وقت معلوم على ما كان منهم من الهم بقتله وإهلاكه لو وجدوا السبيل إليه.
فدلّ أن الله عز وجل قد عصمه، وحفظه عنهم حين قال لهم ما قال حتى قال عز وجل :﴿وأبصرهم فسوف يبصرون﴾ كقوله :﴿فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون﴾ [هود: ٥٥].
الصافات 37:175
والثاني: فيه دليل حفظه إياه وعصمته عما كانوا يهمون به من القتل والإهلاك؛ حيث منعه من مقاتلتهم ونهاه عن التعرض لهم إلى وقت، على المعلوم ما كان منهم من الهم بقتله وإهلاكه لو وجدوا السبيل إليه؛ فدل أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قد عصمه وحفظه عنهم حين قال لهم ما قال حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ)؛ كقوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ).
قوله تعالى: [(وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)]
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ).
عيانًا ومشاهدة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: وأبصرهم العذاب إذا نزل بهم خير فسوف يبصرون وقوعًا.
ويحتمل قوله: (وَأَبْصِرْهُمْ) أي: عرفهم أن العذاب ينزل بهم فسوف يعرفون إذا نزل بهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)
دل هذا أنهم كانوا يستعجلون نزول العذاب بهم - واللَّه أعلم - إنما يستعجلون العذاب استهزاء بالرسول - عليه السلام - وتكذيبًا له فيما يوعدهم أن العذاب ينزل بهم.
ثم قوله: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) هو حرف التعجب أن كيف يستعجلون عذابي؟! ألم يعرفوا قدري وسلطاني في إنزال العذاب والإهلاك إذا أردت تعذيب قوم وإهلاكهم؟! أي: قدرت ذلك وملكت عليه.
ثم أخبر أنه إذا نزل العذاب بساحتهم يساء صباحهم، حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ) يحتمل النزول بالساحة، أي: بقربهم.
ويحتمل النزول بالساحة: النزول بهم والوقوع عليهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ)، حتى يأتي وعد الله في نزوله بهم - واللَّه أعلم - يحتمل نزوله بساحتهم ما ذكرنا من نزوله بقربهم ووقوعه عليهم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) ساء صباحهم؛ لأن ذلك العذاب إذا حل بهم صيرهم معذبين في النار أبد الآبدين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨)]
قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) ويقول بعضهم: أي: انظر فسوف ينظرون، لكن الوجه فيه ما ذكرنا.
الصافات 37:176
قوله تعالى :﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾ : دل هذا أنهم كانوا يستعجلون نزول العذاب بهم، والله أعلم. إنما يستعجلون العذاب استهزاء بالرسول عليه السلام وتكذيبا له في ما يوعدهم أن العذاب ينزل بهم.
ثم قوله عز وجل ﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾ هو حرف التعجيب، أي كيف يستعجلون عذابي ؟ ألم يعرفوا قدرتي وسلطاني في إنزال العذاب والإهلاك إذا أردت تعذيب قوم وإهلاكهم، فإني قدرت ذلك، وملكت عليه.
الصافات 37:177
أخبر أنه إذا نزل العذاب بساحتهم ساء صباحهم، حيث قال عز وجل :﴿فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين﴾. ثم قوله عز وجل ﴿فإذا نزل بساحتهم﴾ يحتمل النزول بهم والوقوع عليهم كقوله عز وجل :﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله﴾ [الرعد: ٣١] في نزوله بهم، والله أعلم. يحتمل نزوله بساحتهم ما ذكرنا من نزوله بقربهم ووقوعه عليهم.
ثم قوله تعالى :﴿فإذا نزل بساحتهم فساء صباحُ المنذرين﴾ ساء صباحهم لأن ذلك العذاب إذا حل بهم صيّرهم معذَّبين في النار أبد الآبدين، والله أعلم.
الصافات 37:178
قوله تعالى :﴿وتولّ عنهم حتى حين﴾ : هذا قد ذكرنا في ما تقدم. وكذلك قوله عز وجل :﴿وأبصر فسوف يبصرون﴾. ويقول بعضهم أي انظر فسوف ينظرون. لكن الوجه فيه ما ذكرنا.
الصافات 37:179
قوله تعالى :﴿وتولّ عنهم حتى حين﴾ : هذا قد ذكرنا في ما تقدم. وكذلك قوله عز وجل :﴿وأبصر فسوف يبصرون﴾. ويقول بعضهم أي انظر فسوف ينظرون. لكن الوجه فيه ما ذكرنا.
الصافات 37:180
قوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وهذه الأحرف الثلاثة جميع ما بينه من الحق على الخلق من التوحيد، وجميع ما عليهم من التفويض إليه في الأمور كلها، وجميع ما عليهم من الثناء الحسن، والحمد له فيما أنعم عليهم وما ألزمهم من الثناء الحسن على جميع المرسلين: أما حرف التوحيد فهو قوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) نزه نفسه وبرأه عن جميع ما قالت الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد والشريك والصاحبة وغير ذلك، فيرجى أن يثاب قائل هذا ثواب كل واصف لله - عَزَّ وَجَلَّ - بالبراءة له والتنزيه عن ذلك كله.
وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ الْعِزَّةِ) وصف بالعزة والقوة وتفويض الأمر إليه، فيرجى أن يثاب قائل هذا ثواب كل واصف لله بالعز له والقوة.
وأما الثناء الحسن على المرسلين فهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عباده أن يثنوا على المرسلين جملة؛ وعلى ذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إذا سلمتم فسلموا على إخواني المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين ".
أما الثناء الحسن على اللَّه بكل ما أنعم عليهم وأحسن إليهم فهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢) فيرجى أن يثاب قائل هذا وتاليه على المعرفة به مما فيه ثواب جميع القائلين به والتالين، واللَّه أعلم.
وذكر عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "، واللَّه أعلم.
ورب العزة: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو رب النعمة والقوة.
ويحتمل: رب العزة، أي: به يتعزز كل من يتعزز، وإليه يرجع كل عزيز؛ وكذلك كل من حمد أو أثنى على شيء فحقيقة ذلك الحمد والثناء راجع إليه تعالى، واللَّه أعلم بحقيقة مراده.
الصافات 37:181
قوله تعالى :﴿سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون﴾ ﴿وسلام على المرسلين﴾ ﴿والحمد لله رب العالمين﴾ في هذه الأحرف الثلاثة جميع ما بيّنه الله تعالى من الحق على الخلق من التوحيد والثناء الحسن والحمد لنعمه وجميع ما عليهم من التفويض إليه في الأمور كلها وجميع ما عليهم من الثناء الحسن والحمد له وما ألزمهم من الثناء الحسن على جميع المرسلين.
أما حرف التوحيد فهو قوله تعالى ﴿سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون﴾ نزّه نفسه، وبرّأه من جميع ما قال الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد والشريك والصاحبة وغير ذلك. فيرجو أن يُثاب قائل هذا ثواب كل واصف الله عز وجل بالبراءة له والتنزيه عن ذلك كله.
وفي قوله :﴿ربّ العزة﴾ وصف بالعزة والقوة وتفويض الأمر إليه، فيرجو أن يثاب قائل هذا ثواب كل واصف لله بالعزة والقوة.
وأما الثناء الحسن على المرسلين فهو قوله عز وجل :﴿وسلام على المرسلين﴾ أمر الله عز وجل عبادة أن يثنوا على المرسلين جملة. وعلى ذلك عن رسول الله ﷺ أنه قال :( إذا سلّمتم عليّ فسلّموا على إخواني المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين ) [ بنحوه مسلم ٤٠٣ ].
أما الثناء الحسن على الله بكل ما أنعم عليهم، وأحسن إليهم فهو قوله عز وجل :﴿والحمد لله رب العالمين﴾ فيرجو أن يثاب قائل هذا وتاليه على المعرفة به مما فيه ثواب جميع القائلين به والتالين، والله أعلم.
وذُكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه :﴿سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون﴾ ﴿وسلام على المرسلين﴾ ﴿والحمد لله رب العالمين﴾ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ربّ العزة﴾ قال بعضهم : هو رب النعمة والقوة. ويحتمل ﴿ربّ العزة﴾ أي به يتعزّز كل من يتعزّز وإليه يرجع كل عزيز، وكذلك كل من حمد، أو أثنى على شيء فحقيقة ذلك الحمد والثناء راجع إليه تعالى، والله أعلم بحقيقة مراده.
الصافات 37:182
قوله تعالى :﴿سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون﴾ ﴿وسلام على المرسلين﴾ ﴿والحمد لله رب العالمين﴾ في هذه الأحرف الثلاثة جميع ما بيّنه الله تعالى من الحق على الخلق من التوحيد والثناء الحسن والحمد لنعمه وجميع ما عليهم من التفويض إليه في الأمور كلها وجميع ما عليهم من الثناء الحسن والحمد له وما ألزمهم من الثناء الحسن على جميع المرسلين.
أما حرف التوحيد فهو قوله تعالى ﴿سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون﴾ نزّه نفسه، وبرّأه من جميع ما قال الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد والشريك والصاحبة وغير ذلك. فيرجو أن يُثاب قائل هذا ثواب كل واصف الله عز وجل بالبراءة له والتنزيه عن ذلك كله.
وفي قوله :﴿ربّ العزة﴾ وصف بالعزة والقوة وتفويض الأمر إليه، فيرجو أن يثاب قائل هذا ثواب كل واصف لله بالعزة والقوة.
وأما الثناء الحسن على المرسلين فهو قوله عز وجل :﴿وسلام على المرسلين﴾ أمر الله عز وجل عبادة أن يثنوا على المرسلين جملة. وعلى ذلك عن رسول الله ﷺ أنه قال :( إذا سلّمتم عليّ فسلّموا على إخواني المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين ) [ بنحوه مسلم ٤٠٣ ].
أما الثناء الحسن على الله بكل ما أنعم عليهم، وأحسن إليهم فهو قوله عز وجل :﴿والحمد لله رب العالمين﴾ فيرجو أن يثاب قائل هذا وتاليه على المعرفة به مما فيه ثواب جميع القائلين به والتالين، والله أعلم.
وذُكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه :﴿سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون﴾ ﴿وسلام على المرسلين﴾ ﴿والحمد لله رب العالمين﴾ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ربّ العزة﴾ قال بعضهم : هو رب النعمة والقوة. ويحتمل ﴿ربّ العزة﴾ أي به يتعزّز كل من يتعزّز وإليه يرجع كل عزيز، وكذلك كل من حمد، أو أثنى على شيء فحقيقة ذلك الحمد والثناء راجع إليه تعالى، والله أعلم بحقيقة مراده.
ص 38:1
سُورَةُ (ص)
مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ. كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (ص) لنا هو اسم تلك السورة التي ذكر، وكذلك قوله: (ق وَالْقُرْآنِ) وكذلك جميع الحروف المقطعات، ولله أن يسمي ما شاء بما شاء وبأي اسم شاء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ لنا: هو أسماء الرب، تبارك وتعالى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ لنا: هو فواتح السورة، وقد ذكرنا أنه يفسره ما ذكر على أثره، وقد ذكرنا في غير موضع ما قيل في الحروف المقطعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: صاد، أي: عارض بالقرآن.
قال أبو عبيدة: صاد: من المصاداة.
وقال الزجاج: صاد بالقرآن، أي: قاتل به، وحارب بالقرآن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: صاد بالقرآن، أي: ناد بالقرآن.
وقيل: أقبل بالقرآن ونحوه، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو قسم أقسم بقوله: (وَالْقُرْآنِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذِي الذِّكْرِ).
يحتمل ذي الشرف، سماه: ذكرا؛ لأن كل شريف يذكر في كل ملأ من الخلق، أو سماه: ذكرًا؛ لما يذكرهم كل ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يذر، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذي البيان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)
ص 38:2
قوله تعالى :﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾ : ذكر أن أبا طالب كان مريضا، فجاءه النبي ﷺ يعوده، وعند رأسه مقعد رجل، فقام أبو جهل، فجلس فيه، وعنده ملأ من قريش، فشكوا النبي ﷺ إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي ما تريد منهم ؟ قال : يا عم إني أريد منهم كلمة، تدين لهم بها العرب، ويؤدي إليهم بها العجم الجزية. قال : وما هي ؟ قال : لا إله إلا الله. فقال أبو جهل : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ " [ أحمد ١/٢٢٧ ]. فتلك العزة التي ذكر :﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾.
وقوله عز وجل :﴿في عزة وشقاق﴾ قال بعضهم : منعة معاندين ممتنعين. وقال بعضهم :﴿في عزة﴾ في حمية واعتزاز، والحمية هي التي تحمل على الخلاف والمعصية، والله أعلم.
ص 38:3
ذكر أن أبا طالب كان مريضًا فجاءه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعوده وعند رأسه مقعد رجل، فقام أبو جهل، فجلس فيه وعنده ملأ من قريش، فشكوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى أبي طالب، فقالوا: إنه يقع في آلهتنا، قال: يا ابن أخي، ما تريد منهم؟ قال: " يا عم، إني أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب ويؤدي إليهم بها العجم الجزية "، قال: وما هي؟ قال: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "، فقال أبو جهل: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، بذلك أخبرهم " العزة " التي ذكر حيث قال: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ).
وقوله: (فِي عِزَّةٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: منعة معاندين ممتنعين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فِي عِزَّةٍ) في حمية واعتزاز، والحمية هي التي تحمل على الخلاف والمعصية، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في موضع القسم هاهنا:
قَالَ بَعْضُهُمْ: القسم في قوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) قيل: في قوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) بوجهين:
أحدهما: أن هذا في كل كافر ومشرك ينادي عند موته وهلاكه، ويسأل ربه الرجوع والعود إلى الدنيا ليؤمن؛ كقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا...)، (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) الآية، ونحوه، لكن لم ينفع ذلك النداء والغوث والسؤال التأخير على ما أخبر أنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
ومنهم من يقول: هذا في الجملة في الأمم التي أهلكت من قبل واستؤصلت بالتكذيب والعناد، كانوا ينادون عند نزول ذلك بهم ووقوعه عليهم، ويسألون الغوث ويظهرون الإيمان؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت على ما أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لأنه إيمان دفع العذاب واضطرار لا إيمان اختيار، يخوف بهذا أهل مكة أن ينزل بهم ما نزل بأُولَئِكَ ويندمون على
ص 38:4
صنيعهم كما ندم أُولَئِكَ، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) وهو في الأصل (ولاه)، فإذا وصل بـ (حين) صارت (ولات) كأنه يمين، أي: واللَّه، وهو قول الكسائي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو (ولا) وليس هنالك تاء وإنما التاء في (حين)، أي: (تحين)، وربما يزاد التاء في (حين) و (لا).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ولات) بالتاء، وقد قرئ بالتاء والوقف عليها.
وقوله: (حِينَ مَنَاصٍ) ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: " ليس بحين تزور ولا فرار ".
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ليس بحين مغاث.
وقيل: ليس بحين جزع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ (٤)]
يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) أي: من بشر مثلهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)، وقولهم: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)، كانوا ينكرون الرسالة في البشر ويقولون: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ).
والثاني: [(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ)] أي: من دونهم في أمر الدنيا، لما رأوا أنفسهم قد فضلوا في أمر الدنيا دونه، فقالوا: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا)، وقالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، لم يروا من دونهم في أمر الدنيا أهلًا لذلك على ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ).
دل هذا القول منهم: أنه قد كان من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه معجزة أتى بها حتى قالوا: (سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، علموا أنه رسول اللَّه، لكنهم عاندوا وأرادوا بقولهم: (سَاحِرٌ كَذَّابٌ) وأن [يغروا] أتباعهم عليه، كما [أغرى] فرعون قومه على موسى - عليه السلام - حيث قال: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ)، وهو - عليه السلام - لم يرد أن
ص 38:5
يخرجهم من أرضهم، إنما يريد الإسلام منهم؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ الرؤساء عرفوا أنه ليس بساحر ولكنه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولكن أرادوا أن [يغروا] قومهم وأتباعهم عليه ولبسوا أمره عليهم؛ لئلا يتبعوه، وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) هذا القول من الرؤساء والمتبوعين منهم [إغراء] عليه لما عرفوا من خبر عبادة الأصنام والأوثان في قلوبهم، فقالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ (٦) اختلف في قوله: (أَنِ امْشُوا) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الملأ منهم والأتباع، أتوا أبا طالب يشكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يذكر آلهتهم بسوء، فلما كلموه في ذلك لم يلتئم أمرهم فيما طمعوا منه ولم يجبهم إلى ما دعوه إليه وسألوه، فقال الملأ وهم أشرافهم للأتباع: امشوا من عنده واصبروا على عبادة آلهتكم.
أو أن يقال: أن قال الملأ للأتباع: (أَنِ امْشُوا) إلى آلهتكم (وَاصْبِرُوا) على عبادتها.
أو أن يكون قولهم لهم: (أَنِ امْشُوا) إلى أبي طالب وقولوا له كذا (وَاصْبِرُوا) على كذا.
أو يقولون: امشوا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ).
لسنا ندري ما أرادوا بقولهم: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)، فجائز أن يكونوا أرادوا بذلك أن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وإن دعاكم إلى ترك عبادة الأصنام لا يترككم كذلك، ولكن يدعوكم إلى عبادة غيرها، أو يطلب منكم أشياء أحوالا، أو أشياء أرادوا لسنا نعرف ما أرادوا بذلك، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: الملة الآخرة: هي ملة عيسى - عليه السلام - قالوا ذلك؛ لأن النصارى اختلفوا في عيسى - عليه السلام - منهم من اتخذه إلهًا، ومنهم من اتخذه ولدًا لله - عَزَّ وَجَلَّ - فيقولون: عبادة الواحد الذي يدعو إليه مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الملة الآخرة وهي النصرانية إذ من صيره إلها عنده ومن قال: إنه صيره بحيث يحتمل الشريك؟! فيقولون: ظهرت عبادة العدد في الملة الآخرة فكيف يمنعنا مُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام - عن عبادة العدد ويدعونا إلى عبادة الواحد؟!
ص 38:6
قوله تعالى :﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾ :
اختلف في قوله :﴿أن امشوا﴾ : قال بعضهم : إن الملأ والأتباع أتوا أبا طالب يشكون رسول الله ﷺ في ما يذكر آلهتهم بسوء. فلما كلموه في ذلك لم يلتم أمرهم في ما طمعوا منه، ولم يجبهم إلى ما دعوه إليه، وسألوه، فقال الملأ، وهم أشرافهم للأتباع : امشوا من عنده، واصبروا على عبادة آلهتكم.
ويحتمل أن يقال : إن الملأ قال للأتباع : أن امشوا إلى آلهتكم من عنده، واصبروا على عبادتها، أو أن يكون قولهم لهم : أن أمشوا إلى أبي طالب، وقولوا له : كذا، واصبروا على كذا، أو أن يقولوا : أن امشوا إلى رسول الله ﷺ، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن هذا لشيء يراد﴾ : لسنا ندري ما أرادوا بقولهم :﴿إن هذا لشيء يراد﴾ : فجائز أن يكونوا أرادوا بذلك أن محمدا ﷺ وإن دعاكم إلى ترك عبادة الأصنام لا يترككم كذلك، ولكن يدعوكم إلى عبادة غيرها، أو يطلب منكم أحوالا أو أشياء أراد، ولسنا نعرف ذلك : ما أرادوا بذلك، والله أعلم.
ص 38:7
قوله تعالى :﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْأخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ : قال بعضهم : الملة الآخرة، هي ملة عيسى عليه السلام قالوا ذلك لأن النصارى اختلفوا في عيسى عليه السلام.
منهم من اتخذه إلها، ومنهم من اتخذه ولدا لله عز وجل فيقولون : عبادة الواحد الذي يدعو إليه محمد ﷺ في الملة الآخرة، وهي النصرانية ؛ إذ من صيره إلها ومن قال : إنه ولده صيره بحيث يحتمل الشريك. فيقولون : ظهرت عبادة العدد في الملة الآخرة، فكيف يمنعنا محمد ﷺ عن عبادة العدد، ويدعونا إلى عبادة الواحد ؟
فقال بعضهم في قوله :﴿في الملة الآخرة﴾ هي الحال التي كانوا عليها ؛ يقولون :﴿ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة﴾ التي نحن عليها، وكان آباؤنا عليها لا على عبادة الواحد، يقولون :﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ من عند محمد ﷺ.
ص 38:8
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ): هي الحال التي كانوا عليها يقولون: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) التي نحن عليها وكان آباؤنا عليها لا على عبادة الواحد، يقولون: (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ) من عند مُحَمَّد - ﷺ -.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)
يدل على أنهم قد رأوا أن من أنزل عليه الذكر من السماء إنما ينزل لفضل وخصوصية، لكن إنما رأوا الفضل والخصوصية لأنفسهم؛ لما لهم الفضل في الدنيا؛ فلم يروا ذلك لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لذلك أنكروا إنزال الذكر عليه دونهم؛ ولذلك قالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، وقوله: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا).
ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم شاكون في ذكره، حيث قال: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي).
وتأويل هذا - واللَّه أعلم -: أن الشك هو الذي لا يوجب القطع على شيء بل يوجب الوقف فبطل القطع على شيء، فكيف قطعتم علي الرد والإنكار دون أن تقفوا فيه؟! والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ).
ثم يحتمل أن يكون هذا على الإخبار عن الإياس من إيمانهم أنهم لا يؤمنون حتى، يذوقوا العذاب؛ كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ).
وقال مقاتل: اللام زائدة كأنه قال: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) يذكر سفههم في ردهم الذكر وتكذيبهم إياه على الشك منهم، والشك يوجب الوقف في الشيء لا القطع في الرد والتكذيب له.
ثم فيه الدلالة على أن الحجج والبراهين قد تلزم من جهلها ولم تتحقق عنده إذا كانت يسهل التحقق منها والوقوف عليها بالتأمل والنظر فيها وإن كانت لم تتحقق عنده بالبديهة وعند قرعها سمعه؛ فهو حجة لقول علمائنا: إن من أسلم في دار الإسلام ولم يعلم أن عليه الشرائع والأحكام كان مأخوذاً بها غير معذور في جهله فيها؛ لأنها يسهل ما يوصل إليها بالسؤال والبحث عنها والفحص منها، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا
ص 38:9
قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ...).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)
قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف الاستفهام من اللَّه تعالى يخرج على الإيجاب والإلزام مما لو كان ذلك من مستفهم حقيقة يتضمن الجواب له، فقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) جواب لقولهم: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) فجوابه لهم ليس عندهم رحمة ربك حتى يختاروا الرسالة والنبوة لأنفسهم أو لمن شاءوا هم؛ كقولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، كانوا لا يرون وضع الرسالة إلا [فيمن] كانت له أموال وله سعة في الدنيا وفضل مال، فيذكر أن ليس عندهم خزائن ربك حتى يجعلوا الرسالة والنبوة فيمن شاءوا هم واختاروا لذلك، قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ)، أي: لا يملكون قسمة رحمة ربك، بل (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...) الآية، يخبر أنهم على ما لا يملكون توسيع المعيشة على من ضيق عليه ورفع من وضع؛ فعلى ذلك ليس إليهم اختيار النبوة والرسالة لمن شاءوا واختاروا، بل اختيار ذلك إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فقالوا: أئذا كنا أحق بهذا في الدنيا فنحن أيضًا أحق بالرسالة والنبوة على ما نحن أحق في الدنيا بالسعة والفضل فيها، بل لو عرفوا أن ما نالوا من السعة في الدنيا وفضل الأموال إنما نالوا ذلك برحمة الله وفضله لا بحق كان لهم على اللَّه، فلو عرفوا، كانوا لا ينكرون وضع الرسالة فيمن اختار اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وضعها فيمن شاء، وعلى ذلك قول المعتزلة: إنهم لا يريدون لله أن يفعل بأحد شيئًا إلا ما هو أصلح له في الدِّين، وأنه لو فعل ما ليس بأصلح له في الدِّين، كان جائرًا ظالمًا، فيرون حفظ الأصلح له حقًّا كما رأى أُولَئِكَ الكفرة السعة والأموال حقا على اللَّه، فرأوا أنفسهم أحق أيضاً بالرسالة والنبوة من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ثم إن المعتزلة يقولون في ألم الصغار: إن ليس لله أن يؤلمهم إلا بعوض يجعل لهم بإزاء ذلك الألم عوضاً يرضون هم بذلك؛ إذ جعلوا أنفسهم له حقيقة حيث لم يجعلوا لله الإيلام إلا بالعوض، ومن أخذ حقًّا لغير لا يأخذه إلا ببدل وعوض برضاء ذلك الغير، فهذا تناقض في قولهم: إن على اللَّه حفظ الأصلح للخلق في دينهم حيث لم يجعلوا له ذلك إلا بعوض يجعل لهم، واللَّه أعلم.
ودل اتفاق القول: إنه وهاب، على أن ما ينال من خير أو سعة أو فضل إنما ينال برحمة وفضل لا بحق عليه؛ لأن من أدى حقا عليه لا يقال: إنه وهاب، ولا يسمى: وهابًا، على ما أعطى من أعطى، إنما أعطاه تفضلا منه ورحمة لا حقًّا كان عليه.
ص 38:10
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا (١٠)
هو مثل الأول، أي: لهم ملك السماوات والأرض؛ ليملكوا ما شاءوا من الأمور ويختاروا وضع الرسالة فيمن شاءوا هم، أي: ليس لهم ملك السماوات والأرض؛ فيملكوا ما يذكرون ويختارون ما قالوا، بل نملك ذلك، وإلينا ذلك، فعند ذلك يقال: (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ).
ثم اختلف في الأسباب التي ذكر: قَالَ بَعْضُهُمْ: السبب ما بين السماء والأرض، وكذلك ما بين كل سماءين سبب، والأسباب جماعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأسباب: طرق السماء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هي الأبواب التي في السماء تفتح للوحي.
ومعناه - واللَّه أعلم - أي: فليرتقوا في الأسباب إن كانوا صادقين بأن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كذاب، وأنه ساحر، وأنه اختلقه من تلقاء نفسه، أي: يفتح له أبواب السماء فليستمعوا إلى الوحي حتى يوحي اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لقولهم: (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ).
أو أن يكون معناه - واللَّه أعلم -: أن يرتقوا إلى ملك فينزل فيخبر أن محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كاذب فيما يدعى لقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)
قَالَ بَعْضُهُمْ: حرف (مَا هُنَالِكَ) صلة كأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: جند بل هنالك مهزوم من الأحزاب.
وجائز أن يكون على تحقيق (مَا) فيه، أي: جند ما يهزم هنالك من الأحزاب، لا كل الأجناد، وهو الجند الذين خرجوا عليه بالمباهلة، وهم الذين قالوا: اللهم انصر أينا أوصل رحما وأنفع مالا وأخير للخلق فغلبوا هم وقهروا.
وقال عامة أهل التأويل: هو الجند الذي قتل ببدر، واللَّه أعلم.
ثم في الآية وجوه ثلاثة من الدلالة:
ص 38:11
قوله تعالى :﴿جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب﴾ قال بعضهم : حرف ما صلة كأنه قال عز وجل : مهزوم من الأحزاب. وقال بعضهم : جند بل هنالك مهزوم من الأحزاب. وجائز أن يكون على تحقيق ما فيه، أي جند ما يهزم هنالك من الأحزاب لا كل الأجناد، وهو الجند الذين خرجوا عليه بالمباهلة، وهم الذين قالوا : اللهم انصر أينا أوصل رحما وأنفع مالا وأخير للخلق. فغلبوا هم، وقهروا. وقال عامة أهل التأويل : هو الجند الذين قتلوا ببدر، والله أعلم.
ثم في الآية وجوه ثلاثة من الدلالة : أحدها : الأمن له من أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الآحاد والإفراد كقوله عز وجل :﴿فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون﴾ [هود: ٥٥]. والثاني : الأمن له من أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الجمع والاجتماع له كقوله عز وجل :﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ [القمر: ٤٥]. والثالث : البشارة له أنهم يهزمون في ضعفه وقلة أعوانه وأنصاره مع كثرة هؤلاء وعدتهم.
ففي الوجوه الثلاثة التي ذكرنا دلالة رسالته ﷺ حين أخبر بما ذكر، فكان على ما أخبر. دل أنه بالله تعالى عرف ذلك ﷺ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب﴾ : حين تخربوا عليها قال بعضهم : إنه ساحر، وقال بعضهم : إنه كذاب، وإنه مفتر، وإنه مجنون على ما تحزبوا عليه، وتفرقت قلوبهم فيه، وتلونت، والله أعلم.
ص 38:12
أحدها: الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الآحاد والأفراد؛ كقوله - عز وجل -: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ).
وفيه الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الجمع والاجتماع عليه؛ كقوله - عز وجل -: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم يهزمون جميعًا.
وفيه بشارة له أنهم يهزمون في ضعفه وقلة أعوانه وأنصاره مع كثرة أُولَئِكَ وعدتهم.
ففي الوجوه الثلاثة التي ذكرنا دلالة رسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث أخبر بما ذكر؛ فكان على ما أخبر دل أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - باللَّه تعالى عرف ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ).
حين تحزبوا عليه قَالَ بَعْضُهُمْ: إنه ساحر، وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنه كذاب، وإنه مفتر، وإنه مجنون على ما تحزبوا عليه، وتفرقت قلوبهم فيه وتلونت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢)...) إلى قوله: (أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) أي: الفرق.
وقوله: (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)
يذكر هَؤُلَاءِ الأحزاب الذين كادوا لرسول اللَّه، ويخبرهم عن صنيعهم ومعاملتهم الرسل لوجهين:
أحدهما: كيفية معاملة الرسل - عليهم السلام - أُولَئِكَ الكفرة مع تكذيبهم إياهم وسوء معاملتهم وصنيعهم مع الرسل وأنواع البلايا التي كانت منهم إليهم أن كيف عاملوهم وصبروا على أذاهم؛ ليعامل هو قومه مثل معاملتهم قومهم، ويصبر على أذاهم كما صبر أُولَئِكَ على أذى قومهم، مثل معاملتهم فومهم وسوء صنيعهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
والثاني: يذكر هذا لأهل مكة ويحذرهم ما نزل بالأمم المتقدمة بتكذيبهم الرسل وعنادهم وتمردهم معهم؛ ليحذروا تكذيبهم محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وألا يعاملوه كما عامل أُولَئِكَ رسلهم، فينزل بهم كما نزل بأُولَئِكَ من العذاب والإهلاك، واللَّه أعلم.
(فَحَقَّ عِقَابِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: وجب عليهم عقاب، لكن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَحَقَّ عِقَابِ) أي: نزل بهم العقاب ووقع عليهم، وإلا كان العذاب واجبًا على الكفار.
ص 38:13
﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ أي : الفرق.
ص 38:14
قوله تعالى :﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ : يذكر هؤلاء الأحزاب الذين كادوا لرسول الله ﷺ ويخبرهم عن صنيعهم ومعاملتهم الرسل لوجهين :
أحدهما : كيفية معاملة الرسل عليهم السلام أولئك الكفرة مع تكذيبهم إياهم وسوء معاملتهم وصنيعهم مع الرسل وأنواع البلايا التي كانت منهم إليهم ؛ كيف عاملوهم، وصبروا على أذاهم ليعامل هو قومه مثل معاملتهم قومهم، ويصبر على أذاهم كما صبر أولئك على أذى قومهم كقوله :﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥].
والثاني : يذكر هذا لأهل مكة، ويحذرهم ما نزل بالأمم المتقدمة بتكذيبهم الرسل وعنادهم وتمردهم معهم، ليحذروا تكذيبهم محمدا ﷺ وألا يعاملوه كما عامل أولئك رسلهم عليهم السلام فينزل بهم كما نزل بأولئك من العذاب والإهلاك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فحق عقاب﴾ قال بعضهم : أي وجب عليهم عقابي. لكن قوله عز وجل :﴿فحق عقاب﴾ أي نزل بهم العذاب، ووقع عليهم، وإلا كان العذاب واجبا على الكفرة فلا معنى لتخصيصهم.
ص 38:15
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ)].
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن فرعون كان إذا غضب على أحد من قومه مده بأوتاد فيعاقبه بها ويعذبه، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: [(وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ)]، أي: ذي البناء المحكم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كانت له أوتاد وأرسان، أي: جبال وتلاعيب يلاعبون بها، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)
يخبر - عَزَّ وَجَلَّ - رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويؤيسه عن إيمانهم أنهم لا يؤمنون إلا عند وقوع العذاب بهم حتى لا ينفعهم الإيمان؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ).
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) يحتمل أن يكون سمى نفس العذاب: صيحة.
وجائز أن يكون ذكر صيحة؛ لما أن العذاب إذا نزل بهم ووقع عليهم يصيحون، فسمى ذلك: صيحة؛ لصياحهم.
أو أن يكون ذلك إذا نزل بهم كان فيه صياح، وصوت الشيء الهائل العظيم الشديد إذا هو وقع ومال إلى الأرض، كان فيه صياح وصوت حتى يفزع الناس منه؛ فعلى ذلك الصيحة التي ذكر يحتمل ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ).
قال أبو عبيدة: من فتحها أراد: ما لها من راحة ولا إقامة، كأنه ذهب إلى إفاقة المريض من علته.
ومن ضمها جعلها من فُواق الناقة وهو ما بين الحلبتين، ويريد (مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ): انتظار ومكث.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: (مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ)، أي: من انقطاع؛ إذ هي دائمة أبدًا لا تنقطع به.
وقال الكسائي: الفَواق: بالنصب والرفع لغتان، وهو من فواق الناقة بين الحلبتين والرضعتين.
وقال عامة أهل التأويل: (مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ)، أي: من مرد ومرجع وقرار.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو مد البصر، يقول: هي أقرب من ذلك، كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)، واللَّه أعلم.
وأصل الفواق: كأنه من العود والرجوع كعود اللبن إلى الضرع بعد ما حلب مرة، والله أعلم.
ذكر عن الحسن في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) يقول: حارث القرآن بقلبك وهو من قول العرب: صادته الدابة إذا كانت امتنعت فأطعمها حتى ذلت ولانت.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (ص): هو أشد كلام وهو شبه قسم، والصاد في غير هذا الموضع العطشان، وقوم صادون.
ثم اختلف في موضع القسم على ما ذكر: قال الكسائي: من القسم في القرآن ما هو ظاهر لا يخفى، ومنه غامض:
فمن ظاهره قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوَارِ الْكُنَّسِ)، وجوابه قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ).
ومن غامضه: (ص) قال بعض الناس: موضع قسمه قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ)، واللَّه أعلم.
لا أراه شيئًا لحال الكلام ولما قص من القصص ما لا يكون ذلك قسمه.
ولكن قسمه - واللَّه أعلم - عندي: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)، ثم اعترض: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ. كَمْ أَهْلَكْنَا) القسم هاهنا بـ (كَمْ أَهْلَكْنَا)، ولكن لما اعترض: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) صار قوله ردا عليه وجوابًا له؛ وهو غريب ظريف غامض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذِي الذِّكْرِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: ذي الشرف، أي: من أوتيه شرف، وقيل: ذي الشأن، وقيل: ذي الذكر، فيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وذكر من كان قبله من الأمم الخالية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ).
قيل: في تكبر وتكذيب، وقيل: في حمية وخلاف، وقيل: في غفلة، ونحوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: هربهم في غير وقت الهرب، و (مَنَاصٍ): مهرب، وناص ينوص نوصًا: وهو المنجى والغوث.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) أي: لا حين هرب؛ على ما قال أَبُو عَوْسَجَةَ، وقال: النوص: التأخر في الكلام، والنوص: المتقدم، وأصله ما ذكرنا: أن ذلك الوقت ليس هو وقت المهرب، ولا وقت المنجى ولا وقت الغوث على ما تقدم ذكره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (عُجَابٌ) بلغة قوم: عجب.
وقال الكسائي: العُجَاب والعِجَاب والعجيب والعجب كلها لغات واحدة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (عُجَابٌ) هو يكثر للعجب كما يقال: كبار وكبار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ).
أي: الأشراف منهم، وقالوا: للأتباع على ما ذكرنا (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ)، قال بعضهم: قوله: (أَنِ امْشُوا) إلى أبي طالب واثبتوا على عبادة آلهتكم (إِنَّ هَذَا): قال بعضهم: بقبول إسلام وذلك كان حين أسلم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بشيء أي لأمر يراد، فمشوا إلى أبي طالب، وقالوا له ما ذكرنا فيما تقدم والقصة طويلة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَنِ امْشُوا) أي: امضوا وارجعوا إلى عبادة آلهتكم واصبروا عليها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (أَنِ امْشُوا) من عند مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - واصبروا على عبادة آلهتكم (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) يا أهل مكة، واللَّه أعلم.
وقوله: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ).
يعنون: عبادة إله واحد وترك عبادة آلهة في الملة الآخرة.
قال عامة أهل التأويل): (الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ): النصرانية واليهودية كليهما.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يعنون (الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) الملة التي هم عليها، وآثارهم، يقولون: ما سمعنا عبادة إله واحد وترك عبادة الآلهة في الدِّين الذي نحن وآباؤنا عليه (إِنْ هَذَا) أي: ما هذا (إِلَّا اخْتِلَاقٌ) من نفسه، وقالوا: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) يعنون: النبوة
ص 38:16
والكتاب والوحي، وهو أفقرنا وأصغرنا ونحن أكثر سنا وأعظم شرفًا، يقول اللَّه - عز وجل -: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي) بأنه لم ينزل عليه (لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ)؛ وهو قول مقاتل، ثم قال: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ)، أي: يحتمل نعمة ربك، أي: بأيديهم مفاتيح الرحمة والنبوة والرسالة فيضعونها حيث شاءوا، أي: ليست تلك بأيديهم ولكنها بيد اللَّه، العزيز في ملكه الوهاب يهب النبوة والرسالة لمن يشاء ويضعها فيمن يشاء.
ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)، أي: ليس لهم ذلك، ولكن - عَزَّ وَجَلَّ - يوحي الرسالة إلى من يشاء ويختار لها من يشاء.
ثم قال: (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ)، أي: الأبواب التي في السماء إن كانوا صادقين بأن محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اختلقه من تلقاء نفسه، أي: فليستمعوا إلى الوحي حين يوحي اللَّه إلى النبي مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقول أُولَئِكَ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: السبب: ما بين السماء والأرض أصلب من الحديد وأدق من الشعر يعرج به الملائكة وهو المعراج يبصره الميت إذا خرجت روحه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَلْيَرْتَقُوا) أي: فليصعدوا في طرقها؛ فيعلموا علم ذلك أنزل عليه الذكر أو لم ينزل؟ واللَّه أعلم. والارتقاء: الصعود.
أو أن يقول: ارتقوا أنتم السبب الذي ارتقى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأتوا بمثل الذي أتى به محمد أنه ليس برسول.
أو أن يقول: ائتوا أنتم بالذي أتى به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الدِّين والأسباب؛ حتى تختصوا بالنبوة والرسالة كما اختص مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ).
قال: وعد اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه سيهزم جند المشركين، فقال عامة أهل التأويل: جاء تأويلها يوم بدر، وقد ذكرنا تأويله فيما تقدم، واللَّه أعلم.
والأحزاب: الذين تحزبوا عليه، أي: تفرقوا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)، اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) أي: كتابنا؛ وذلك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يوعدهم أنهم يؤتون كتابهم بشمالهم فيه أعمالهم التي عملوها في الدنيا في الآخرة، فعند ذلك قالوا له: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا)، أي: كتابنا الذي توعدنا أنه يعطى بشمالنا، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيبًا له.
ص 38:17
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) أي: نصيبنا وحظنا من العذاب الذي توعدنا به وتحذرنا يوم الحساب قبل يوم الحساب، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيباً له؛ ولذلك قال له على أثر ذلك: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) يصبره ويعزيه على ما يقولون؛ ليصبر على ذلك، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) ليس على سؤال العذاب والكتاب الذي حمله عامة أهل التأويل عليه، ولكنه سؤال السعة والنصيب في الدنيا، ويكون ذلك في قوم لا يؤمنون بالآخرة سألوا ما وعدوا من النعيم في الآخرة والسعة في الدنيا، وذلك أشبه لأنهم سألوا ربهم أن يعجل ذلك لهم، فلو كان على ما يحمله أهل التأويل من سؤال العذاب والكتاب على الاستهزاء بالرسول والتكذيب له، لسألوا الرسول ذلك، ولم يسألوا ربهم ذلك؛ فدل ذلك على أنه أشبه وأقرب، واللَّه أعلم.
ويكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)] على ما تقدم من قولهم: إنه ساحر وإنه كذاب، وإنه اختلق هذا القرآن من ذات نفسه ونحوه، ويؤيد ذلك قول سعيد بن جبير قال: ذكرت لهم الجنة فاشتهوا ما فيها، فقالوا: (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) أي: نصيبنا من الجنة.
* * *
قوله تعالى: (... وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ).
يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ - لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) وجوهًا: أحدها: أن اذكر نبأ داود، ونبأ من ذكر في هذه السورة من قوله: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) (وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ)، ومن ذكرهم - عليهم السلام - وعلى مُحَمَّد في هذه السورة، أي: اذكر نبأهم الذي لم يكن لتعرفه أنت ولا قومك من قبل هذا، لعلهم يصدقونك ويؤمنون بك؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).
والثاني: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ)، أي: اذكر صبر هَؤُلَاءِ على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ لتصبر على أذى قومك وتكذيبهم إياك كما صبر أُولَئِكَ؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
والثالث: اذكر داود ومن ذكر من الأنبياء، أي: اذكر لهم المصدقين وما يكون لهم من الكرامات والثواب، كما ذكرت لهم المكذبين وما نزل بهم من العذاب، لعلهم يرجعون ويصدقونك؛ ليعلموا من هلك منهم بم هلك؟ أو ليعلموا أن في أوائلهم المصدقين له والمؤمنين، فكيف اتبعتم المكذبين منهم دون المصدقين؟! واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا)، أي: اذكر جهد داود وجهد من ذكر من هَؤُلَاءِ في العبادة والدِّين وأمثال ذلك يحتمل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ).
قال عامة أهل التأويل: (ذَا الْأَيْدِ)، أي: القوة على العبادة.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَا الْأَيْدِ) في أمر اللَّه، أو في أمر الدِّين؛ لأنه ألين له الحديد حتى كان يتخذ منه الدروع وغيرها من الأسلحة، وسخر له الطير والجبال حتى كان يسبح معهم بالعشي والإشراق، وحتى كان يستعمل ما اتخذ الحديد فيمن شاء من أمر الدِّين من المحاربة مع الأعداء والدرء عن أهل الإسلام والدفع عنهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ أَوَّابٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (أَوَّابٌ) مطيع لله، مقبل على طاعته.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَوَّابٌ)، أي: مسبح لله، ذكر أنه كان كثير التسبيح؛ وكذلك قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ)، أي: سبحي معه، هذا محتمل.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَّابٌ)، أي: رَجَّاع إلى اللَّه، يرجع إليه في كل
ص 38:18
أمر وإليه يفزع في كل نائبة وحادثة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، أي: ذا الإحسان والعمل الصالح (أَوَّابٌ)، أي: تواب.
وقتادة يقول: ذا القوة في العبادة، وذا الفقه في الإسلام، وذا البصر في الدِّين.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (قِطَّنَا)، أي: كتابنا، يقال: قططت -أي: كتبت- أقط قطا، فأنا قاط، والكتاب مقطوط، والقط -أيضًا-: القطع، يقال: قططت أظفاري، والقط: الدهر، ويقال: قطي، أي: حسبي، وقطك أي: حسبك.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: القط: الصحيفة المكتوبة، وهي الصك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)
هو على التقديم والتأخير كأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إنا سخرنا الجبال يسبحن)، أخبر أنه سخر الجبال والطير وما ذكر لداود كي يطعنه ويسبحن معه، وفيه لطف من اللَّه - عز وجل -: في هذه الأشياء والخصوصية لداود في ذلك؛ حيث صير الجبال والطير بحيث يقفن وقت تسبيح داود معه على ما أخبر عَزَّ وَجَلَّ.
وفيه أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - حيث صير الجبال مع شدتها وصلابتها بحيث تعرف وقت تسبيح داود، وتعرف تسبيحه وتسمعه وتلين له، فجائز أن يجعل قلب الكافر بحيث يلين ويخضع لله بلطفه؛ إذ قلبه ليس أشد قسوة وصلابة من الجبال، فإذا جعل لطفه فيها لانت وخضعت؛ فعلى ذلك إذا جعل ذلك اللطف في قلب الكافر لا يحتمل ألا يلين ولا يخضع؛ إذ هو ليس بأصلب وأشد من الجبال التي ذكرنا، واللَّه أعلم.
وأما الخصوصية له: فإن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل بكل من الرسل خصوصية في شيء، لم يجعل مثل تلك الخصوصية لآخر في ذلك الشيء بعينه بلطفه، وخصوصية داود: ما ذكر من تسخير ما ذكر له من الجبال والطير والتسبيح معه، وما ذكر من إلانة الحديد له وغير ذلك من الأشياء، وخصوصية سليمان ما ذكر من تسخير الرياح له وحملها إياه حيث شاء إلى ما شاء مسيرة شهر بغدوة ومسيرة شهر بعشية، حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ)، وما ذكر من فهم نطق الطير والنطق معه وفهمه تسبيحها ونحو ذلك كثير، ومثل هذا ما قد جعل لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث ذكر أنه أخذ أحجارا فسبحن في يده حتى سمع ذلك من حضره، وما ذكر أن أصابعه يسبحن ونحوه كثير، فلكل منهم خصوصية في شيء ليست تلك لغيره، واللَّه أعلم.
ص 38:19
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً... (١٩)
أي: مجموعة مسخرة، أي: سخرت له الطير أيضاً.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: كل له مطيع.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كل له مسبح، فإن كان قوله - عَزَّ وَجَلَّ -. (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ)، أي: مطيع، فهو يحتمل مطيع لداود، وإن كان الأواب هو المسبح، فهو لا يحتمل لداود، لكن لله تبارك وتعالى، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) جائز أن يكون لا على إرادة حقيقة العشي والإشراق، ولكن على إرادة التسبيح معه في كل وقت؛ فيكون العشي كناية عن الليل والإشراق كناية عن النهار، يخبر أنهن يسبحن في كل وقت من الليل والنهار، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون يسبحن في العشيات والغدوات خاصة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ - لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ)، واللَّه أعلم.
ثم جائز أن يكون ما ذكر من تسبيح هذه الأشياء صلاة (يُسَبِّحْنَ) أي: يصلين لله؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ)، دل أن لها صلاة، واللَّه أعلم.
ومن الناس من يقول: تسبيح هذه الأشياء التي ذكر هو تسبيح خلقة لا تسبيح نطق وكلام، لكن لو كان على هذا، لكان لا معنى لذكر تسبيحهن مع داود - عليه السلام - إذ ذا مع داود وغيره في كل وقت؛ دل أنه على تسبيح النطق، وإن كان على الصلاة، فهو ألا يجوز الصلاة لأحد حتى تشرق الشمس وترتفع؛ حيث ذكر إشراق الشمس، واللَّه أعلم.
ثم من الناس من حمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْإِشْرَاقِ) على صلاة الضحى، وهو قول ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - ذكر عنه أنه سأل أم هانئ عن صلاة الضحى: هل كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فعل في بيتها؟ فأخبرته أنه فعل، قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: وقلت: أي: صلاة الإشراق، وهذه صلاة الإشراق، يعني: صلاة الضحى، والله
ص 38:20
أعلم. وسميت صلاة الضحى: صلاة الأوابين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)
قال عامة أهل التأويل في قوله: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ): لأنه كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفًا من بني إسرائيل، لكن ليس فيما ذكروا كثير شد الملك وتقويته إنما هو وصف ضعف إلا أن يعنوا بما ذكروا: كثرة أعوانه وأنصاره وفضل أتباعه وحواشيه؛ فعند ذلك يحتمل ما ذكروا، فأما في نفس ما ذكروا من الحرس له والحفظ، فليس فيه كثير شد ولا فضل منقبة.
وجائز أن يكون غير هذا أشبه له وأولى بما ذكر ملكه، وهو يخرج على وجهين:
أحدهما: شد ملكه بما ذكر من إلانة الحديد، حتى كان يتخذ منه لباسًا من الدروع وغيرها منه أسباب الحرب والتأهب لها وما يصلح للقتال ما لم يعط مثله لأحد سواه، فينقطع بذلك طمع المنازعين له في ذلك والراغبين في ملكه، ويأمن هو بذلك ذهابه، فهو شد ملكه، واللَّه أعلم.
والثاني: شد ملكه بما ذكر من تسخير الجبال له والطير والتسبيح معه، وما ذكر من طاعة هذه الأشياء له والخضوع لأمره، فمن بلغ أمر ملكه هذا المبلغ الذي وصف من طاعة من ذكره والتسخير له وعبادته لله تعالى وطاعته لربه في نفسه حيث قال - عز وجل -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) لم يقصد أحد من ملوك الأرض قصده ولا طمع في زوال ملكه إليه بحال، وهذا أشبه أن يجعل تأويل شد ملكه الذي ذكر - والله أعلم - مما قاله أهل التأويل.
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ).
قال بعض أهل التأويل: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) أي: النبوة (وَفَصْلَ الْخِطَابِ)، أي: البية على المدعي، واليمين على المدعى عليه، لكن ليس فيما ذكروا من جعل البينة على المدعي وجعل اليمين على المنكر كثير منقبة وخصوصية؛ إذ قد أعطينا نحن مثله، وقد ذكر على الخصوصية له.
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الحكمة أنه آتاها له: إحكام أمره فيما بينه وبين ربه: العبادة له -أي: لله تعالى- والطاعة له في كل وقت؛ على ما وصفه حين قال: (ذَا الْأَيْدِ
ص 38:21
إِنَّهُ أَوَّابٌ)، أي: ذا القوة والجهد في العبادة لله والطاعة له فيهم، وإنزال كل منهم منزلة وتأليف قلوب بعضهم من بعض، وجمعهم على دين واحد، ومذهب واحد حتى لم يقع تنازع ولا خلاف في الدِّين، واللَّه أعلم.
وعلى ذلك يخرج قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَصْلَ الْخِطَابِ)، أي: قطع الخصومات فيما بينهم على التأليف والتلطف وإيصال كل إلى حقه من غير أن يقع بينهم خشونة أو ضغينة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَصْلَ الْخِطَابِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: ما ذكرنا من القضاء بين الخصوم بالبينة على المدعي واليمين على المنكر، وليس في ذلك كثير منقبة ولا خصوصية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو " أما بعد " وهذا أيضًا ليس بشيء، والأصل فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
والخطاب: هو الخصومة؛ قال أبو معاذ: الخطاب: كالجدال والخصام، تقول: خاطبته خطابًا ومخاطبة وجادلته جدالًا ومجادلة فكل " فاعل " له مصدران: فعال ومفاعلة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الفصل: القضاء، والخطاب: الخصومة، تقول: خاطبت الرجل، أي خاصمته. والإشراق: هو طلوع الشمس ووقوعها في كل ناحية بنورها؛ كقوله - عز وجل -: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)
قد ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يخرج على الإيجاب، أو على التقرير والتنبيه.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ) على وجهين:
أحدهما: أي: قد أتاك نبأ الخصم فتفكر فيه كيف ابتلاه اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وفتنه على ما ذكر؟!
والثاني: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ) أتاك وأرسل إليك نبأه وخبره: أن كيف ابتلاه وفتنه؟! وعلى هذا يجوز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ)، أي: اذكر ما قربه هو، أو اذكر متقربه إياه، أو اذكر خصومة الخصمين إليه، أو
ص 38:22
اذكر ما أعطى هو من الحكمة والحكم وفصل الخطاب.
ثم قوله: (نَبَأُ الْخَصْمِ) هو حرف التوحيد والوحدان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ).
حرف الجماعة؛ وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ... (٢٢) ذكره بالجماعة؛ وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَفَزِعَ مِنْهُمْ) ذكر بحرف الجماعة، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: قوله تعالى: (قَالُوا لَا تَخَفْ)، ثم ذكر بحرف التثنية حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) وذكر بعضه بحرف الوحدان والإفراد وبعضه بحرف التثنية وهي قصة واحدة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أما قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْخَصْمِ) فهو مصدر، والمصدر للجمع والفرد والتثنية واحد، وأما قوله - تعالى -: (تَسَوَّرُوا) و (دَخَلُوا) و (قَالُوا)، ونحوه قد يقال للاثنين ذلك؛ لأن الاثنين جماعة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، والقلوب جماعة، وإنما هو قلبان، وذلك كثير في القرآن، وذلك جائز في اللغة شائع فيها.
وعندنا جائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَسَوَّرُوا) و (دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ) و (قَالُوا لَا تَخَفْ) ونحوه: أن كان مع الخصمين الملكين ملائكة سواهم شهود على دعواهما وخصومتهما تسوروا معهما ودخلوا معهما عليه فلما فزع منهم (قَالُوا لَا تَخَفْ) وإن كان الذي تخاصم بين يديه اثنان؛ لما لا يحتمل أن يقول داود لأحد الخصمين: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ)، ينسبه إلى الظلم ويصفه بالبغي بلا شهود يشهدون، إلا أن يكون من الآخر إقرار على ما يدعي عليه، فإذا كان كذلك فيشبه أن يكون ما ذكرنا أنه كان مع الملكين ملائكة آخرون شهود يشهدون على ذلك، وأن حاصل الخصومة لاثنين منهم، وفيما أضيف الفعل إلى الجماعة كانوا جماعة في التسور والدخول عليه والقول منهم: (لَا تَخَفْ)، وفيما أضيف إلى الاثنين اثنين كانا في الخصومة، واللَّه أعلم.
ثم فيه من الكلام والقول حيث قالا: (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ)، و (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ)، وقوله: (أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ)، ونحوه من الكلام والقول الذي كان منهما كيف حققا ذلك وقطعاه أنهما خصمان ولم يكونا في الحقيقة خصمين وإن لهذا كذا وكذا نعجة ولهذا واحدة، ولم يكن في الحقيقة ذلك، وأن هذا بغى على هذا ونحو ذلك من الخصومات التي جرت بينهما، ولم يكن ذلك كذلك في الحقيقة، كيف قالا ذلك وحققاه وهم ملائكة والملائكة لا يحتمل أن يكذبوا قط، أو يرسلهم اللَّه ليكذبوا؟! لكنه - واللَّه أعلم - على التقرير والتمثيل، أي: لو كان لأحدهما كذا كذا نعجة وللآخر واحدة فغلب صاحب النعاج الكثيرة على صاحب النعجة الواحدة فأخذها، أليس يكون ظالمًا أو يكون باغياً؟! ليس على التحقيق، ولكن لما ذكرنا يقرران عنده الزلة ويمثلان به القضية، لا أن كانت له على ما يقوله أهل التأويل ويقررونه، وقد ذكر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أشياء كثيرة على التمثيل والتقرير على تقرير أشياء غفلوا عنها وسهوا فيها ليتقرر ذلك عندهم؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون خصومة هَؤُلَاءِ الملائكة عند داود - عليه السلام - وما كان منهم من القول والخصومة ليتقرر ما كان منه من الهفوة والزلة ليعرف ذلك ويرجع عنه، واللَّه أعلم.
ثم قول أهل التأويل: إن طائرًا وقع بين يديه قريبًا منه فنظر إليه وصار معجباً به، فهم أن يأخذه وارتفع إلى كوة المحراب فصعد ليأخذه فوقع بصره على امرأة فأعجبته، فإن هذا يحتمل أن يكون، وأما قولهم: أدام النظر أما هذا فإنه لا يحتمل أن يكون مثل داود أو نبي من الأنبياء - عليهم السلام - أنه يديم النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، وأما الأول من الذهاب لطلب ذلك الطائر والنظر إليه أنه من أين؟ وإلى ماذا؟ فذلك يحتمل أن يكون، ثم هو يكون معذورًا في الصعود إلى الكوة والارتفاع للنظر إلى الطائر؛ لما كان الطيور حشرت له وسخرت في التسبيح معه والطاعة له، فجائز أن يكون له البحث والفحص عن حال ذلك الطائر على ما أخبر عن سليمان حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ)، فإذا كان ما ذكرنا: هو في الصعود إلى الكوة والارتفاع إلى ذلك معذورًا، لكن وقع بصره عليها بلا قصد منه ولا علم بحالها ومال قلبه إليها لحسنها وجمالها، وذلك ما يكون بلا تكلف ولا صنع، وذلك مما لا يملك دفعه؛ نحو ما كان من ميل قلب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى امرأة زيد ووعد لها نكاحها حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)، وما ذكر من بعث زوجها إلى القتال ليقتل فهذا أيضاً غير محتمل، لكن يحتمل بعثه إياه ليجاهد أعداء اللَّه وكان ذلك فرضاً عليه، فصار مقتولا فيه من غير أن يتوهم منه أنه قصد قتله وإهلاكه، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: كيف عوتب كل هذا العتاب، حتى بعث إليه الملائكة بالخصومة عنده والتمثيل لما ذكر وتقرير ذلك عنده، ثم أخبر أنه غفر له بعد طول المدة، إن كان معذورًا في ذلك غير مؤاخذ به؟!
قيل: إن الأنبياء - صلوات اللَّه عليهم - أجمعين كانوا يؤاخذون بأدنى شيء كان منهم ما لا يؤاخذ غيرهم بذلك، بل يعدّ ذلك منهم من أرفع الخصال وأجلها نحو ما عوتب يونس - عليه السلام - في خروجه من بين قومه؛ ليسلم دينه أو نفسه، لكنه خرج بلا إذن
ص 38:23
كان له من اللَّه؛ فعوتب لذلك؛ فعلى ذلك داود - عليه السلام - إنما فعل بلا إذن من الله عَزَّ وَجَلَّ، واللَّه أعلم.
ثم في بعث الملائكة إليه فيما ذكر وجوه من الحكمة وأنواع من الفائدة:
أحدها: جواز الحجاب والحرس له، حيث دخلوا عليه من غير الباب.
والثاني: رفع الحجاب عن الخصوم لا على وقت حاجة نفسه حيث دخلوا من غير الباب للخصومة بلا إذن منه.
والثالث: قدرة الملائكة على التصور بصورة البشر مع كون النفس الكثيفة موجودة معهم، وذلك يرد على الفلاسفة مذهبهم أن النفس الروحانية خلقت منتشرة متحركة في كل حال، لكن الجسد الذي جعل يمنعها عن ذلك، فإذا نام ذلك الجسد أو مات ذهبت تلك النفس حيث شاءت إلى حاجتها؛ ألا ترى أن الملائكة قد تسوروا عليه بصورة البشر، واختصموا إليه خصومة البشر؟! دل على أنه ليس على ما وصفوا هم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: صعدوا، وأصل التسور: هو الدخول من العلو والارتفاع وهو النزول من السور وهو الحائط المشرف المرتفع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَفَزِعَ مِنْهُمْ).
لما خاف دخول الوهن في ملكه؛ إذ دخلوا بلا إذن من غير الباب.
أو خاف؛ لما ظن أنهم لصوص مكابرون.
أو لما عرف أنهم ملائكة جاءوا بأمر عظيم ونحوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُشْطِطْ).
أي: لا تجر.
وقوله: (أَكْفِلْنِيهَا (٢٣)
قَالَ بَعْضُهُمْ: أعطينيها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ يقال: أكفلته، أي: أعطيته؛ وهو قول أبي عَوْسَجَةَ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ضمها إليَّ، واجعلني كافلها؛ وهو قول الْقُتَبِيّ.
وقوله: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: غلبني في الخصومة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (٢٤) ثم استثنى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، أي: الذين آمنوا، واعتقدوا في إيمانهم الأعمال الصالحات، فإنهم لا يبغون بعضهم على بعض، ثم أخبر أن من آمن واعتقد في إيمانه العمل الصالح، أي: من اتقى من المؤمنين قليل ومن ترك البغي قليل منهم، وهذه الآية شديدة صعبة على ما ذكرنا.
وفيه أن المؤمن الذي اعتقد في إيمانه العمل الصالح وترك البغي على غيره - قليل في كل زمان ودهر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ).
أي: علم داود وأيقن أن خصومة الملكين عنده فيما اختصما فيه محنة له، هو الممتحن بها، لا أنهما كانا ممتحنين بذلك؛ فاستغفر ربه إذ أيقن بذلك أنه هو الممتحن بذلك لا غيره، واللَّه أعلم.
ثم فسر أهل التأويل الظن هاهنا: الإيقان، أي: أيقن، وكأن الإيقان هو علم يستفاد بالأسباب، على ما استفاد داود - عليه السلام - علما بخصومة الملكين عنده؛ ولذلك لا يضاف الإيقان إلى اللَّه أنه أيقن كذا لأنه علم يستفاد بالأسباب، وهو عالم بذاته لا بسبب، وأما العلم فإنه قد يستفاد بسبب وبغير سبب؛ لذلك أضيف إليه حرف العلم ولم يضف حرف الإيقان، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في ذكر زلات الرسل - عليهم السلام - والأصفياء في الكتاب، وهو وصف نفسه أنه غفور وأنه ستور، وقد أمرنا لنستر على من ارتكب شيئًا من ذلك وبالغفران والعفو، فكيف ذكر هو زلات أنبيائه وأصفيائه حتى نقرأ زلاتهم في المساجد والمكاتب بأعلى صوت إلى يوم التناد، وما الحكمة في ذكر ذلك؟!
قال الشيخ أبو منصور مُحَمَّد بن مُحَمَّد الفقيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يخرج ذكر زلات الأنبياء - عليهم السلام - في القرآن وترك الستر عليهم على وجوه:
أحدها: ذكرها؛ ليكون ذلك آية لرسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن قلوب الخلق وأنفسهم لا يحتمل ذكر مساوئ الآباء والأجداد، وكذلك لا تحتمل قلوبهم ذكر مساوئ أنفسهم، فإذا ذكر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذلك؛ دل أنه على أمر من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يذكر ذلك؛ ليعلم الناس أنه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأنه عن أمر منه ذكر ذلك، واللَّه أعلم.
والثاني: ذكر زلاتهم امتحاناً منه عباده أن كيف يعاملون رسلهم بعد ما عرفوا منهم الزلات وأظهر عنهم العثرات؟ وكيف ينظرون بعين الرحمة والرأفة؟ يمتحنهم بذلك على ما امتحنهم بسائر أنواع المحن.
ص 38:24
قوله تعالى :﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لََيبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ثم استثنى ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أي الذين آمنوا، واعتقدوا في إيمانهم الأعمال الصالحات، فإنهم لا يبغي بعضهم على بعض.
ثم أخبر أن من آمن، واعتقد في إيمانه العمل الصالح، أي من اتقى من المؤمنين ﴿وقليل ما هم﴾ وترك البغي قليل منهم.
وهذه الآية شديدة صعبة على ما ذكرنا.
وفيه أن المؤمن الذي اعتقد في إيمانه العمل الصالح، وترك البغي على غيره قليل في كل زمان ودهر، والله أعلم.
ثم فسر أهل التأويل الظن ههنا الإيقان، أي أيقن، وكأن الإيقان، هو علم يستفاد بالأسباب على ما استفاد داوود عليه السلام علما بخصومة الملكين عنده. ولذلك لا يضاف الإيقان إلى الله ؛ أنه أيقن كذا، لأنه علم يستفاد بالأسباب، وهو عالم بذاته لا بسبب.
وأما العلم فإنه قد يستفاد بسبب وبغيره، لذلك أضيف إليه حرف العلم، ولم يضف حرف الإيقان، والله أعلم.
فإن قيل : ما الحكمة في ذكر زلات الرسل، صلوات الله عليهم، والأصفياء في الكتاب ؟ وهو وصف نفسه أنه غفور، وأنه ستور، وقد أمرنا بالتستر على من ارتكب شيئا من ذلك وبالغفران والعفو، فكيف ذكر هو زلات أنبيائه وأصفيائه حتى نقرأ زلاتهم في المساجد والمكاتب بأعلى صوت إلى يوم التنادي ؟ وما الحكمة في ذكر ذلك ؟
قال الشيخ أبو منصور محمد بن محمد الفقيه رضي الله عنه تخرج زلات الأنبياء، صلوات الله عليهم، في القرآن وترك التستر عليهم على وجوه :
أحدها : ذكرها ليكون ذلك آية لرسالة محمد ﷺ لأن قلوب الخلق وأنفسهم لا تحتمل ذكر مساوئ الآباء والأجداد، وكذلك لا تحتمل قلوبهم ذكر مساوئ أنفسهم.
فإن ذكر رسول الله ﷺ ذلك دل على أنه أمر من الله عز وجل بذكر ذلك ليعلم الناس أنه رسول الله ﷺ وأنه عن أمر منه ذكر ذلك، والله أعلم.
والثاني : ذكر زلاتهم امتحانا منه عباده أن كيف يعاملون رسلهم بعد ما عرفوا منهم الزلات، وأظهر عنهم العثرات، وكيف ينظرون بعين الرحمة والرأفة. يمتحنهم بذلك على ما امتحنهم بسائر أنواع المحن.
والثالث : ذكر زلاتهم ليعلموا ؛ أعني الخلق، كيف عاملوا ربهم عند ارتكابهم الزلات والعثرات، فيعاملون ربهم عند ارتكابهم ذلك على ما عامله الرسل بالبكاء والتضرع والفزع إليه والتوبة عن ذلك، والله أعلم.
والرابع ذكرها ليعلم أن ارتكاب الصغائر لا يزيل الولاية عنه ولا يخرجه من الإيمان.
وذلك على الخوارج بقولهم : إن من ارتكب صغيرة أو كبيرة خرج من الإيمان.
والخامس أن يكون ذكرها ليعلم أن الصغيرة ليست بمغفورة، ولكن له أن يعذب عليها.
وليس على ما قالت المعتزلة أن ليس لله أن يعذب أحدا على الصغيرة، والله أعلم.
وزلات الأنبياء عليهم السلام من الصغائر في حقهم لقيام النهي، وإن كانت مباحة في نفسها في حق غيرهم، وهي ترك الأفضل، ثم خاف الأنبياء عليهم السلام على ذلك فلولا أنهم عرفوا أن الله تعالى له أن يعذبهم عليها، وإلا لم يخافوا منها على ما ذكر منهم.
يذكر عن الحسن أن داوود جزأ الدهر أجزاء : يوما لنسائه ويوما لعباده ربه ويوما للقضاء بين بني إسرائيل ويوما لعباد بني إسرائيل يذكرهم ويذكرونه، ويبكيهم، ويبكونه. فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا، فقالوا : هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب به ذنبا ؟ فأضمر داوود في نفسه أنه يطيق ذلك، قال : فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه، وأمر ألا يدخل عليه، أحد، فأكب على الزبور يقرؤها، فابتلي بما ذكروا. قال : ولذلك سمي أوابا، والله أعلم.
وابن عباس وهؤلاء قالوا : إنه كان له تسع وتسعون امرأة، فكان يكون عند كل امرأة يوما، فإذا كان رأس المئة يفرغ للعبادة. ففي ذلك اليوم أصابه ما أصابه.
وقال بعضهم في قوله عز وجل ﴿وعزني في الخطاب﴾ أي غالبني في الكلام، أراد إذا تكلم أن يكون أبين مني، وإذا دعا، ودعوت أن يكون أكرم مني، أو إذا ما ملت يكون أعرض على ما ذكرنا، والله أعلم.
ص 38:25
والثالث: ذكر زلاتهم ليعلموا -أعني: الخلق- كيف عاملوا ربهم عند ارتكابهم الزلات والعثرات؟ فيعاملون ربهم عند ارتكابهم ذلك على ما عامله الرسل بالبكاء والتضرع والفزع إليه والتوبة على ذلك، واللَّه أعلم.
أو أن يكون ذكرها؛ ليعلم أن ارتكاب الصغائر لا يزيل الولاية ولا يخرجه من الإيمان، وذلك على الخوارج بقولهم: إن من ارتكب صغيرة أو كبيرة خرج من الإيمان.
أو أن يكون ذلك؛ ليعلم أن الصغيرة ليست بمغفورة، ولكن له أن يعذب عليها، وليس على ما قالت المعتزلة أن ليس لله أن يعذب أحدًا على الصغيرة، واللَّه أعلم.
وزلات الأنبياء - عليهم السلام - في قلوب الناس، فخافوا عليها، فلولا أنهم عرفوا أن لله أن يعذبهم عليها وإلا لم يخافوا منها كل ما ذكر منهم، يذكر عن الحسن أن داود جزأ الدهر أجزاء: يومًا لنسائه، ويومًا لعبادة ربه، ويومًا لقضاء بني إسرائيل، ويومًا لعباد بني إسرائيل: يذكرهم ويذكرونه، ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب به ذنبًا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، قال: فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، فأكب على الزبور يقرأها فابتلي بما ذكروا، قال: ولذلك سمي: أوَّابًا، واللَّه أعلم.
وابن عَبَّاسٍ وهَؤُلَاءِ قالوا: " إنه كان له تسع وتسعون امرأة، فكان يكون عند كل امرأة يومًا فإذا كان رأس المائة يفرغ للعبادة، ففي ذلك اليوم أصابه ما أصابه ".
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) أي: غالبني في الكلام، أراد إذا تكلم أن يكون أبين مني، وإذا دعا ودعوت كان أكثر مني أو ما قلت أن يكون أعرض، على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ... (٢٥)
أي: زلته التي كانت منه وعثرته، وما يقول أهل التأويل: ربه أوحى إليه: أني قد غفرت لك، لكن لابد أن يتعلق بك أوريَّا في رءوس الخلائق، ثم أستوهبك منه أو عوض كذا - فذلك مما لا نقول به ولا نعلم ذلك، ولا يصح ذلك، ولا يستقيم على ما ذكرنا نحن: أنه لم يكن منه أوريَّا ما يلحقه ما يذكرون، إنما أمره بمجاهدة أعداء اللَّه وكان له أن يأمر، إلا أنه عوتب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون بأدنى شيء كان منهم، ويعيرون على ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا، وقد عرفنا أنه كان منه شيء عوتب عليه، ثم
ص 38:26
علمنا أن ربه غفر له بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ)، فأما ما سوى ذلك الذي ذكره أهل التأويل فلا نعرفه، فإن صح شيء منه يقال به، وإلَّا الترك أولى به وأسلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ).
يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى) في باقي عمره، أي: له في باقي عمره ما يزلفه لدينا، ويقربه عندنا، واللَّه أعلم.
أو أن يكون له زلفى عنده في الآخرة، أي: له كرامة ومنزلة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)
يحتمل قوله: في جملة أهل الأرض من الرسل والأنبياء والملوك وغيرهم على الشريف والوضيع، واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) في الرسل خاصة، وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد، إلا أن أحدهما يرجع إلى العامة منهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى).
ثم لم ينهه عن هوى النفس، ولكن نهاه عن اتباع هواها أن النفس قد تهوى في الحكم بغير حق حيث قال: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى)؛ لأن النفس أنشئت على الهوى والميل إلى اللذات والشهوات وعلى ذلك طبعت وبنيت؛ فيكون في هواها إلى ما تهوى مدفوعًا غير مالك ولا قادر على دفعه؛ لذلك لم ينه عن هواها ولكن نهاه عن اتباع هواها، ويقدر على منعها بالعقل وردها إلى اتباع الحق؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
ذكر أنه لو اتبع هواها أضله عن سبيله، ولا كل هوى إذا اتبعه المرء، أضله عن سبيله، لكنه إذا اتبعه في شيء بعد شيء يحمله على الإضلال عن سبيله؛ إذ من ضل عن سبيله إنما يضل لاتباعه هواه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ): أخبر أن من اتخذ إلها دونه إنما اتخذه بهواه لا بحجة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ).
أي: تركوا الأعمال التي تعمل ليوم الحساب.
أو (بِمَا نَسُوا) أي: بما تركوا الإيمان به والإقرار، واللَّه أعلم.
ص 38:27
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، الباطل: هو الفعل الذي يذم عليه فاعله. والحق: هو الفعل الذي يحمد عليه فاعله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا).
لم يظن أحد من الكفرة أن اللَّه خلق شيئًا باطلا، لكن يكون خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما من الأهل مخلوقا باطلا على ما عبد أُولَئِكَ الكفرة وفي حسبانهم؛ لأن عندهم أن لا بعث ولا حياة بعد ما ماتوا، فكان خلق ذلك كله لو لم يكن بعث ولا نشور خلقًا باطلا لوجهين:
أحدهما: أنه لو لم يكن بعث يحصل إنشاؤه إياهم للفناء خاصة، وإنشاء الشيء وبناؤه للفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل سفه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا...) إلى آخر الآية، صير خلقه إياهم إذا لم يكن رجوع إليه عبثاً؛ لذلك كان ما ذكرنا.
والثاني: أنه لو لم يكن بعث، لكان خلقهم غير حكمة؛ لأنه قد جمعهم جميعًا في نعيم هذه الدنيا ولذاتها: الولي، والعدو، وفي الحكمة التفريق والتمييز بينهما، فلو لم يكن دار أخرى ليفرق بينهما، لكان في خلقهم غير حكيم، وعندهم جميعًا أنه حكيم.
ثم يقول قتادة في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) إلى قوله: (بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) يقول: لم يذكر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - من شأن داود - عليه السلام - ما ذكر إلا أن يكون داود قضى نحبه من الدنيا على طاعة اللَّه والعمل له والعدل فيما ولاه الله عَزَّ وَجَلَّ، ولكن اللَّه تعالى وعظ نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين موعظة بليغة شافية، ليعلم من ولي من هذا الحكم شيئاً أنه ليس بين اللَّه وبين العباد سبب يعطيهم خيرًا ولا يدفع عنهم به شرًّا إلا بطاعة اللَّه والعمل بما يرضى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ).
أي: جعلنا لك الخلافة فيمن ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)
هو صلة قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا): كان ظنهم أن لا بعث ولا نشور، فيقول - واللَّه أعلم -: إنه لو كان على ما ظن أُولَئِكَ الكفرة: أن لا بعث لكان في ذلك جعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات في هذه الدنيا كالمفسدين في الأرض وجعل المتقين كالفجار؛ إذ قد سوى بينهم في هذه الدنيا وجمعهم في لذات هذه الدنيا وشهواتها وفي حسناتها وسيئاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز، وقد سوى بينهما في الدنيا على ما ذكرنا من جمعهم في المحنة بالخير والشر، فلو كان على ما ظن أُولَئِكَ أن لا بعث ولا حياة، لكان ذلك جمع وتسوية بين الولي والعدو، وفي الشاهد من سوى بين من عاداه وبين من والاه، وجمع بينهما في البر والجزاء كان سفيها غير حكيم؛ فعلى ذلك اللَّه - سبحانه - لو لم يجعل دارًا أخرى يفرق بينهما كان غير حكيم؛ إذ قد سوى بينهما وجمع، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ثم من الناس من يقول: يجب أن يفرق بينهما في الدارين جميعًا في الدنيا والآخرة، وقد فعل حيث سمى هَؤُلَاءِ: ضُلالا وهَؤُلَاءِ مؤمنين، وخذل الكفار، وأذلهم، ووفق المؤمنين وأعزهم؛ وهو قول المعتزلة.
ومنهم من يقول: لا يجب ذا في الآخرة؛ لأن الدنيا دار محنة وابتلاء يمتحن الفريقان جميعًا بالخير مرة والشر ثانيًا، وبالحسنة تارة وبالسيئة أخرى على ما أخبر حيث قال - عز وجل -: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، وما ذكر: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ...) الآية، أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه يمتحنهم ويبتليهم بالخير والشر وبالسيئة والحسنة، وذلك للفريقين جميعًا على ما ذكرنا من جمعه إياهم جميعًا في الحالين، وأما الآخرة فإنما هي مجعولة للجزاء خاصة، فهنالك يقع التفريق والتمييز بينهما لا فيما فيه المحنة والابتلاء، واللَّه أعلم.
وأما قولهم: إنه قد فرق بينهما؛ حيث سمى هَؤُلَاءِ: ضُلالا، وهَؤُلَاءِ: مؤمنين، وخذل هَؤُلَاءِ، ووفق أُولَئِكَ فليس ذلك بتفريق بينهما؛ لأنه إنما سماهم: ضُلالا كفرة بفعلهم الذي اختاروه وصنعوا، أو أمر آثروه على غيره فإنما هو تسمية فعلهم لا جزاء يجزون، والله أعلم.
ثم في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) - دلالة لزوم الحجة والوعيد على الظن والجهل، وإن لم يتحقق لهم العلم بذلك إن مكنوا من العلم وجعل لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك، وإنما لزمهم ذلك الوعيد والحجة بما هم ضيعوا معرفة ذلك والعلم به؛ لأنهم لو تأملوا فيه ونظروا، لوقع لهم علم ذلك، لكنهم تركوا علم ذلك، وضيعوه؛ فلم يعذروا في ذلك، وعلى ذلك نقول في القدرة: إن من منع عنه القدرة، وحيل
ص 38:28
قوله عز وجل :﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ هو صلة قوله عز وجل :﴿ذلك ظن الذين كفروا﴾ كان ظنهم أن لا بعث ولا نشور.
فيقول، والله أعلم : إنه لو كان على ما ظن أولئك الكفرة أن لا بعث لكان في ذلك جعل الذين آمنوا، وعملوا الصالحات في هذه الدنيا كالمفسدين في الأرض، وجعل المتقين كالفجار ؛ إذ قد سوى بينهم في هذه الدنيا وجمعهم في لذات هذه الدنيا وشهواتها وفي حسناتها وسيئاتها. وفي الحكمة التفريق بينهم والتمييز، وقد سوى بينهم في الدنيا على ما ذكرنا من جمعهم في المحنة بالخير والشر.
فلو كان على ما ظن أولئك أن لا بعث ولا حياة لكان ذلك جمعا وتسوية بين الولي والعدو. وفي الشاهد من سوى بين ما عاداه وبين من والاه، وجمع بينهم في البر والجزاء كان سفيها غير حكيم.
فعلى ذلك الله، سبحانه، لو لم يجعل دارا أخرى يفرق بينهم فيها كان غير حكيم، إذ قد سوى بينهم وجمع، تعالى الله، عز وجل عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم من الناس من يقول : يجب أن يفرق بينهم في الدارين جميعا في الدنيا والآخرة، وقد فعل حيث سمى هؤلاء ضلالا وهؤلاء مؤمنين، وخذل الكفار، وأذلهم، ووفق المؤمنين، وأعزهم، وهو قول المعتزلة.
ومنهم من يقول : لا يجب ذا في الآخرة لأن الدنيا محنة وابتلاء ؛ يمتحن الفريقان جميعا بالخير مرة والشر ثانيا وبالحسنة تارة وبالسيئة أخرى. ما أخبر حين قال عز وجل ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾ [الأعراف: ١٦٨] وذكر :﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥] أخبر عز وجل أنه يمتحنهم، ويبتليهم بالخير والشر والسيئة والحسنة، وذلك للفريقين جميعا على ما ذكرنا من جمعه إياهم جميعا في الحالين. فإنما هي مجعولة للجزاء خاصة. فهنالك يقع التفريق والتمييز بينهما لا في ما فيه المحنة والابتلاء.
وأما قولهم : إنه فرق بينهم حينٍ سمى هؤلاء ضلالا وهؤلاء مؤمنين، وخذل هؤلاء، ووفق أولئك، فليس ذلك بتفريق بينهم لأنه إنما سماهم ضلالا كفرة بفعلهم الذي اختاروه، وصنعوا أمرا آثروه على غيره. فإنما هو تسمية فعلهم لا جزاء يجزون عليه والله أعلم.
ثم في قوله عز وجل :﴿ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾ دلالة لزوم الحجة والوعيد على الظن والجهل، وإن لم يتحقق لهم العلم بذلك بعد أن مكثوا جهلاء، وقد جعل لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك.
وإنما لزمهم ذلك الوعيد والحجة بما هم صنعوا لمعرفة ذلك والعلم بها لأنهم لو تأملوا فيه، ونظروا لوقع لهم علم ذلك، لكنهم تركوا علم ذلك، وضيعوه، فلم يعذروا في ذلك.
وعلى ذلك يقول في القدرة أو من منعت عنه القدرة، أو حيل بينه وبينها، كان غير مكلف بها ولا مخاطبا معذورا، ومن لم تمنع عنه، ومكن من ذلك، إلا أنه ترك العمل به، كان مكلفا به غير معذور، لأنه هو الذي ضيع ذلك، وتركه بالاختيار، والأول غير مضيع لها ولا تارك. لذلك أمر. وذلك على المعتزلة، والله الموفق.
ص 38:29
بينه وبينها كان غير مكلف بها ولا مخاطبًا معذورًا، ومن لم تمنع عنه ومكن من ذلك إلا أنه ترك العمل به كان مكلفاً به غير معذور؛ لأنه هو الذي ضيع ذلك وتركه بالاختيار، والأول غير مضيع لها ولا تارك لذلك أمر؛ وذلك على المعتزلة، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)
سماه: مباركًا؛ لأن من اتبعه وتمسك به وعمل بما فيه صار شريفًا مذكورًا عند الناس عظيما على أعينهم وقلوبهم، وذلك عمل المبارك أن ينال كل بر وخير يكون أبدًا على الزيادة والنماء، واللَّه اعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
أخبر أنه أنزله؛ ليدبروا في آياته؛ ليعرفوا ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يتبع، إنما يعرف ذلك بالتأمل والتدبر والتفكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
أي: ليتذكر وليتعظ أولو الألباب بما فيه من المواعظ والآداب وغير ذلك.
* * *
قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).
أثنى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على داود وابنه سليمان - عليهما السلام - بالأوبة إليه والرجوع، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ - في داود - عليه السلام -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، وقد فسرنا الأواب.
وقال في سليمان - عليه السلام -: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ...) إلى آخر ما ذكر.
دل ذكر قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ) على أثر قوله: (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أنه إنما كان أوابًا بالذي ذكر منه؛ لأن حرف (إِذْ) لا يذكر إلا عن شيء سبق، وسمى - عَزَّ وَجَلَّ - داود - عليه السلام -: أوابًا بما ذكر من تسبيحه بالعشي والإشراق والفزع إليه بما هو به، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)
ص 38:30
قوله تعالى :﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أثنى الله عز وجل على داوود وابنه سليمان، عليهما الصلاة والسلام، بالأوبة إليه والرجوع، وهو ما قال عز وجل في داوود عليه السلام ﴿واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب﴾ [ص: ١٧] فسر لنا الأواب، وقال في سليمان :﴿نعم العبد إنه أواب﴾.
دل ذكر قوله عز وجل :﴿إذ عرض عليه﴾ على إثر قوله :﴿إنه أواب﴾ أنه إنما كان أوابا بالذي ذكر عنه، لأن حرف : إذ لا يذكر إلا عن شيء سبق.
ويسمي عز وجل داوود عليه السلام أوابا بما ذكر من تسبيحه ﴿بالعشي والإشراق﴾ [ص: ١٨] والفزع إليه بما هو به، والله أعلم.
ص 38:31
وقوله تعالى :﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قيل : الصافنات، وهي الخيل. وقال بعضهم : الصافنات، هن القائمات على ثلاث قوائم، رافعات إحدى الرجلين أو إحدى اليدين، على طرف الحافر. وقال بعضهم : الصافنات، هن القائمات لا غير.
وعلى ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :( من تمنى أن يقوم له الرجال صفوفا ) أي قياما ( فليتبوأ مقعده من النار ) [ بنحوه الترمذي ٢٧٥٥ ] أو كلام نحوه.
والجياد : قيل : السراع، والله أعلم.
ص 38:32
قيل: الصافنات: هو الخيل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصافنات: هن القائمات على ثلاث قوائم، رافعات إحدى الرجلين، أو إحدى اليدين على طرف الحافر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصافنات: هن القائمات لا غير؛ وعلى ذلك ما روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " من تمنى أن يقوم له الرجال صفوناً -أي: قيامًا- فليتبوأ مقعده من النار " أو كلام نحوه. والجياد: قيل: السراع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)
دل ما سبق من ذكر الصافنات الجياد بالعشي على أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) إنما أراد به تواري الشمس بالحجاب؛ إذ ليس شيء يتوارى بالحجاب في ذلك الوقت سوى الشمس.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) حتى شغلني عن ذكر ربي؛ إذ المحبة يجوز أن يكنى بها عن الإيثار، واللَّه أعلم.
والثاني: إني أحببت حب الخير حبا حتى شغلني عن ذكر ربي حتى توارت الشمس بالحجاب على التقديم والتأخير، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حُبَّ الْخَيْرِ) يجوز أن يكنى بالخير عن الخيل نفسه؛ على ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة "، سمى الخيل: خيرًا؛ فعلى ذلك قوله - تعالى -: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي)، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)
قال عامة أهل التأويل: أي: جعل يعقر سوق الخيل ويضرب أعناقها -والسوق: هو جماعة الساق- لما شغلته عن ذكر ربه وعن صلاة العصر حتى غفل عنها، فجعل يقطع سوقها ويضرب أعناقها كفارة عما شغل عن ذكر ربه، ثم إن ثبت ما ذكروا من عقر السوق والأعناق أنه على الحقيقة فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: أنه كان ذلك في شريعته جائزًا، وإن كان في شريعتنا لا يجوز، نحو ما ذكر عنه من تعذيب الهدهد وغيره حين تفقده ولم يجبه حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ...) الآية، فمثله لا يجوز تعذيب الطير في شريعتنا؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكروا من عقر الخيل وضرب الأعناق له جائزًا في شريعته وإن كان ذلك لا يجوز عندنا، واللَّه أعلم.
أو أن يكون ذلك منه قبل النهي عن القتل، ثم جاء النهي عنه بعد ذلك فحرج عليه ذلك وعلينا جميعًا.
وجائز أن يخرج تأويل الآية على غير حقيقة عقر الساق وضرب الأعناق لكن ما ذكر من الأعناق يكون كناية عن الذبح، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ) كناية عن التسليم إلى الناس، أو أن يكون ما ذكر من المسح بالساق والأعناق كناية عن مسح وجهها ورأسها بعدما ردوها عليه، والتسليم إلى الناس من غير أن كان هناك عقر أو ذبح أو كفارة عما غفل عن ذكر ربه.
قال الحسن: قال سليمان - عليه السلام -: واللَّه لا يشغلن عن عبادة ربي أحد ما عليك، لكن كشف عراقبها وضرب أعناقها.
ثم اختلف في تلك الخيل التي عرضت عليه، فشغلته عن ذكر اللَّه، ففعل ما ذكر: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنها خيول، أخرجها الشياطين من مروج البحر لسليمان - عليه السلام - لها أجنحة تعدو وتطير.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن كانت خيلا ورثها من أبيه داود - عليه السلام - وكان دواد - عليه السلام - أصابها من العمالقة، وقال: وما بقي في أيدي الناس من الخيل فمن نسل بقية تلك الخيل، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن أهل دمشق من العرب وأهل نصيبين جمعوا جموعًا لسليمان - عليه السلام - فأصاب منهم ألف فرس عراب، فعرض عليه الخيل حتى شغلته عن ذكر ربه، ففعل ما ذكر من قطع العراقيب وضرب الأعناق، واللَّه أعلم.
وعن الحسن في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) قال: كسر عراقيبها وضرب أعناقها، فأبدله اللَّه خيرًا منها، وأرسل الريح (تَجْرِي بِأَمْرِهِ...) الآية.
ص 38:33
قوله تعالى :﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قال عامة أهل التأويل : أي جعل يعقر سوق الخيل، ويضرب أعناقها، والسوق هي جماعة الساق ؛ لما شغلته عن ذكر ربه، وهي صلاة العصر، حتى غفل عنها، فجعل يقطع سوقها، ويضرب أعناقها كفارة عما شغل عن ذكر ربه.
ثم إن ثبت ما ذكروا من عقر السوق وضرب الأعناق أنه على الحقيقة، فهو يخرج على وجهين : أحدهما : أنه كان ذلك في شريعته جائزا، وإن كان في شريعتنا لا يجوز، نحو ما ذكر عنه من توعد الهدهد بالتعذيب حين تفقده، ولم يجده حين قال عز وجل :﴿مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ ﴿لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه﴾ الآية [ النمل : ٢٠و٢١ ].
فمثله : لا يجوز تعذيب الطير في شريعتنا. فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر عنه من عقر سوق الخيل وضرب الأعناق، له جائز، وإن كان ذلك لا يجوز عندنا، والله أعلم.
والثاني : أن يكون ذلك منه قبل النهي عن القتل، ثم جاء النهي عنه بعد ذلك، فحرم عليه ذلك وعلينا جميعا.
وجائز أن يخرج تأويل الآية على غير حقيقة عقر السوق وضرب الأعناق. ولكن ما ذكر من الأعناق يكون كناية عن الذبح، وقوله عز وجل :﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ كناية عن التسليم إلى الناس، أو أن يكون ما ذكر من المسح بالسوق والأعناق كناية عن مسح وجهها ورأسها بعد ما ردوها عليه من غير أن كان هنالك عقر أو ذبح أو كفارة عما غفل عن ذكر ربه.
قال الحسن : قال سليمان عليه السلام والله لا يشغلني عن عبادة ربي أحد بعدك، وكسف عراقيبها، وضرب أعناقها.
ثم اختلف في تلك الخيل التي عرضت عليه، فشغلته عن ذكر الله، ففعل ما ذكر ؛ قال بعضهم : إنها خيول أخرجها الشياطين من مروج البحر لسليمان عليه السلام لها أجنحة تعدو، وتطير. وقال بعضهم : لا، ولكن كانت خيلا، ورثها عن أبيه داوود، وكان داوود عليه السلام أصابها من العمالقة، وقالوا : وما بقي اليوم في أيدي الناس من الخيل فهو نسل بقية تلك الخيل. والله أعلم.
وقال بعضهم : لا، ولكن أهل دمشق من العرب وأهل نصيبين جمعوا جموعا لسليمان عليه السلام فأصاب منهم ألف فرس غرات، فعرضت عليه الخيل حتى شغلته عن ذكر ربه، ففعل ما ذكر من قطع العواقب وضرب الأعناق، والله أعلم.
وعن الحسن في قوله : عز وجل :﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قوله : كسف عراقيبها، وضرب أعناقها، فأبدله الله خيرا منها وأسرع وهي ﴿الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب﴾ [ص: ٣٦].
قال أبو معاذ : قوله عز وجل :﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ تقول العرب : مسح علاوته بالسيف مسحا، أي ضربها. قال القتبي : قوله عز وجل :﴿فطفق مسحا﴾ أي فأقبل يمسح : يضرب سوقها وأعناقها. وقال أبو عوسجة :﴿فطفق﴾ أي أخذ، وجعل يمسح، أي يقطع [ ﴿مسحا﴾ يقال : مسح عنقه، أي قطع.
وقال القتبي :﴿الصافنات الجياد﴾ يقال : هي القائمة على ثلاث قوائم، وقد قامت الأخرى على طرف الحافر من يد كان أو رجل. والصافن في كلام العرب : الواقف من الخيل وغيرها على ما ذكر في الخبر عن رسول الله ﷺ قال :( من سره أن يقوم له الرجال صفوفا فليتبوأ مقعده من النار ) [ بنحوه الترمذي ٢٧٥٥ ] أي يديمون له القيام. وقال أبو عوسجة : الجياد من الخيل السراع، والواحد جواد، ورجل جواد، أي سخي، وجمعه أجواد، ﴿فقال إني أحببت حب الخير﴾ أي آثرت الخير أي المال ﴿عن ذكر ربي﴾. وفي حرف حفصة : أي ألهاني ﴿حب الخير عن ذكر ربي﴾ أي شغلني.
ص 38:34
قال أبو معاذ: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) تقول العرب: مسح علاقة السيف مسحا، أي ضربها.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَطَفِقَ مَسْحًا)، أي: فأقبل يمسح يضرب سوقها وأعناقها.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَطَفِقَ)، أي: أخذ، وجعل يمسح، أي: يقطع؛ يقال: مسح عنقه، أي: قطعها.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) يقال: هي القائمة على ثلاث قوائم وقد قامت الأخرى على طرف الحافر من يد كان أو من رجل، والصافن في كلام العرب: الواقف من الخيل وغيرها على ما ذكر في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " من سره أن يقوم له الرجال صفونًا فليتبوأ مقعده من النار " أي: يديمون له القيام.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الجياد من الخيل: السراع والواحد جواد، ورجل جواد، أي: سخي وقوم أجواد، (أَحْبَبْتُ)، أي: آثرت (الْخَيْرِ) أي: المال على ذكر ربي وفي حرف حفصة: أي ألهاني حب الخير عن ذكر ربي، أي: أشغلني.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)
اختلف أهل التأويل في سبب فتنة سليمان - عليه السلام - الذي ذكر أنه - عَزَّ وَجَلَّ - فتنه وأنه ألقى على كرسيه جسدًا - اختلافًا كثيرًا بينًا ما يطول الكتاب بذكر كل ما ذكروا، ولا ندري أكان ذلك سبب افتتانه أم لا؟ مع علمنا أن ذلك كله لم يكن سبب فتنة إن كان وإنما كان واحد منها ولا ندري ما هو؟ لذلك تركنا ذكر ما ذكر أُولَئِكَ أنه كان سبب افتتانه.
ثم يخرج قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) على وجهين:
أحدهما: أنه امتحن بأمر فكان منه في ذلك زلّة وغفلة، فعوقب بما ذكر وعوتب بنزع ملكه.
والثاني: أنه فتنه وامتحنه بنزع ملكه منه لا بزلة منه ولا عثرة، وصرفه إلى غيره لا بسبب كان منه وزلة ويجعله لغيره، ثم إن له أن ينزع الملك منه بأدنى سبب كان منه وزلة فعوقب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا مخصوصين بالعتاب والتعيير بأدنى شيء يكون منهم ما يعد ذلك الذي كان منهم من أفضل الأعمال على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم كان منهم من التوبة والتضرع إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالذي كان منهم لما عرفوا لأنفسهم من الخصوصية لهم من الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها، فرأوا على أنفسهم بما
ص 38:35
أكرموا من أنواع الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها من التوبة لله وفضل التضرع والابتهال إلى اللَّه؛ لما رأوا ما ارتكبوا كفرانا له فيما أنعم عليهم وأحسن إليهم - فضل تضرع وابتهال ما لا يلزم ذلك غيرهم فيماثل ما كان منهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا).
يحتمل أن يكون كرسيه ملكه؛ فيكون ما ذكر كناية عن نزع ملكه.
وجائز أن يكون ما ذكر من إلقاء الجسد على كرسيه حقيقة الكرسي ألقى عليه جسدًا يشبه جسد سليمان في الجسمية، لا في العلم والمعرفة والبصر وما كان فيه من الكرامات؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ)، أي: عجلا مجسدا في الجسدية، لا أن جسد العجل الذي اتخذه هو جسد العجل المعروف؛ فعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) أن يشبه جسد سليمان في الظاهر في الجسدانية، لا في أن جسده كجسد سليمان فيما فيه من اللحم والبصر وغير ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ أَنَابَ).
يحتمل وجهين:
أحدهما: ثم أناب إلى اللَّه تعالى ورجع إليه بجميع أموره إن كان فيه زلة وعثرة وأناب ورجع وأقبل وتاب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)
يحتمل سؤال المغفرة عند سؤاله الملك أمرًا فيما بينه وبين ربه؛ لأن الملك مما يتلذذ به وفيه هوى النفس؛ وعلى ذلك خرج سؤال زكريا - عليه السلام - لما سأل ربه - عز وجل - الولد سأل أمرًا بينه وبين ربه في ذلك وهو ما قال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)؛ ولذلك خرج سؤال الأنبياء فيما سألوا مما فيه اللذة وهوى النفس من الولد وغيره فرقوا في ذلك السؤال أمرًا بينهم وبين ربهم، فعلى ذلك سؤال سليمان - عليه السلام - والملك قربة بالمغفرة في ذلك.
ثم يحتمل سؤاله المغفرة نفسها عما يكون منه من التقصير في ذلك.
أو يكون سؤاله المغفرة سؤال الأسباب التي بها يكون المغفرة لا نفس المغفرة؛ نحو قول نوح - عليه السلام - لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)، وقول هود - عليه السلام -: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا)، لا يحتمل أن يأمروا قومهم أن قولوا: نستغفر اللَّه، ولكن أمروهم أن يأتوا بالأسباب التي بها يصيرون أهلا للمغفرة وبها يستوجبون التجاوز، فعلى ذلك يحتمل سؤال المغفرة ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
ص 38:36
ثم يحتمل سؤاله الملك - واللَّه أعلم - أنه أراد أن يستسلم له الخلق في الإجابة إلى ما يدعو إليه من وحدانية اللَّه تعالى وجعل العبادة له؛ لما رأى أن إجابة الناس وإقبالهم إلى ما عنده من السعة والغناء أسرع ولقوله أقبل ورغبتهم فيه أكثر، وإذا كان ما ذكرنا وهو متعارف فيما بينهم أن إجابتهم -أعني: إجابة الناس- للملوك ولمن عنده السعة والغنى أسرع لهم وأطوع، فكان في سؤاله الملك له نجاة الخلق كلهم بما يستسلمون له ويجيبون إلى ما يدعوهم إليه، فينجون نجاة لا هلاك بعدها، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) يحتمل وجوهًا:
أحدها: أنه سأله ملكًا لا ينزع عنه بعد إذ نزع مرة على ما يقوله أهل التأويل.
والثاني: سأل ربه ملكًا لا يكون لأحد ما بقي وهو حي، فيكون له آية لنبوته على ما ذكرنا؛ إذ لو كان مثله لأحد منهم، لم يكن له في ذلك آية لنبوته.
والثالث: سأله ملكًا ليبقى له الذكر والثناء الحسن؛ كقول الناس: " اللهم صل على مُحَمَّد وعلى آل مُحَمَّد كما صليت على إبراهيم " ونحوه، فعلى ذلك جائز أن يكون سليمان - عليه السلام - أراد أن يكون مذكورًا على ألسن الخلق بالثناء الحسن بالملك الذي يناله، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)
بين ما أعطاه من الملك بما ذكر من تسخير الريح له والجن والشياطين وغير ذلك ما لم يكن لأحد من ملوك الأرض سواه، وهذا يدل على أن تسخير هذه الأشياء التي ذكر أنه سخرها لسليمان - عليه السلام - كان بلطف من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يكون ذلك بالحيل؛ إذ لا يملك أحد من الخلائق تسخير ما ذكر من الخلق لنفسه، ولو كان يملك ذلك بالحيل لكان يبغي لذلك مع العلم أن كل ملك لا يترك لنفسه من الحيل ما يزيد من ملكه ويبقيه إلى ما بقي وهو حي، فإذا لم يكن دل أنه إنما كان لسليمان ذلك باللَّه لطفًا منه؛ ليكون آية من آيات النبوة، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ).
وصف تلك الريح باللين والرخوة في هذا الموضع، وقال في آية أخرى: (الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ)، وصفها بالشدة:
فجائز أن تكون هي في أصل الخلقة شديدة، لكنها صارت لسليمان - عليه السلام - لينة سهلة.
وقال قائلون: هي وقت الحمل شديدة، لكنها تصير بالسير لينة سهلة، واللَّه أعلم.
ص 38:37
أو أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَاصِفَةً) على أعداء اللَّه رخاء لينة على أوليائه، واللَّه أعلم.
ثم فيما ذكر من جرية الريح بأمره حيث أراد وقصد، لطف اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بسليمان حين جعله بحيث تفهم الريح مراده ويفهم هو منها ما أرادت حتى كان يستعملها فيما شاء، وكذلك ما فهم من نطق الطير وكلامه وكلام النمل الذي ذكر وتفهم هي منه، فذلك كله لطف منه به ورحمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)
أي: سخرنا له الشياطين حتى يستعملهم فيما شاء: بعضهم في البناء، وبعضهم في الغوص في البحر لاستخراج ما فيه من الأموال؛ ليتفرغ الناس لعبادة اللَّه والخدمة لا يكون لهم شغل في البنيان ولا في مؤنة أنفسهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)
وآخرين لم يطيعوه فيما أمرهم من الأعمال في البناء والغوص وغير ذلك من الأعمال جعلهم في الأصفاد -وهي الأغلال تجعل في الأعناق- ليدفع شرهم وسوءهم عن الخلق حيث لم يطيعوه فيما أمرهم بالعمل للخلق ليتفرغوا للعبادة، وهو ما ذكرنا من آية عجيبة لسليمان - عليه السلام - واللطف له حيث مكن له من استعمال ما ذكر من الجن والشياطين والريح وسخر له ذلك؛ ليعلم أنه إنما قدر على ذلك بلطف منه لا بالحيل والأسباب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)
قال عامة أهل التأويل: هذا في الشياطين التي ذكر أنه سخرها له في العمل، وآخرين في جعله إياهم في الأصفاد، خيره بين أن يمن على من شاء منهم فيخلي سبيله، وبين أن يمسك من شاء منهم فلا يخلي سبيله.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك التخيير في الشياطين وفي جميع ما أعطاه له من الملك يقول: إن شئت تمن فتعطيه من شئت، وإن شئت أمسكت فلا تعط أحدا شيئًا، ولا تبعة عليك في ذلك الإعطاء ولا في الإمساك، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون لا على التخيير، ولكن امتحن بالإعطاء لقوم والمنع عن قوم، فيقول: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ) أي: أعط وابذل لمن أمرت وامتحنت بالإعطاء من كان أهلا لذلك، وأمسك عمن ليس هو بأهل لذلك ومن لم تؤمر بدفعه إليه؛ وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، أن ليس على التخيير، ولكن على تعذيب من هو أهل للعذاب مستحق له، واتخاذ الحسن فيمن كان أهلا على ما بين في ذلك وأظهر في الآية حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ...) الآية، (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)، فعلى ذلك يحتمل الأول، واللَّه أعلم.
وقال الحسن: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ويقول: هذا ملكنا الذي أعطيناك يقول: أعط منه ما شئت وامنع منه ما شئت، لا تبعة عليك فيه في الآخرة، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين.
وقال قتادة: احبس منهم في وثاقك هذا وعذابك وسرح منهم من شئت لا حساب عليك في ذلك، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين: رجع أحدهما إلى الشياطين خاصة في الحبس في العمل من شاء والتسريح لمن شاء منهم، والآخر إلى كل ما أعطاه من الملك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِغَيْرِ حِسَابٍ).
أي: أعطى له من الملك ما لا يحسب من الكثرة والعدد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى... (٤٠)
أي: القربة، (وَحُسْنَ مَآبٍ) أي: مرجع، هذا يدل على أن ما أعطاه من الملك لم يحطه عن مرتبته ولا نقص من قدره عند اللَّه؛ لأنه إنما سأله الملك - واللَّه أعلم - لما ذكرنا من رغبته في نجاة الخلق؛ لسرعة إجابتهم إياه إلى ما يدعوهم إليه، لا رغبة منه في الدنيا ولذاتها وطلب العز فيها، ولكن لما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى).
أي: الأسباب التي تزلفه إلى اللَّه وتقربه من التوفيق والعصمة والمعونة على الطاعة، وذلك يكون في الدنيا والأول يكون في الآخرة، واللَّه أعلم. وهذا من أعظم المنن واللطف حيث أمنه عن جميع أنواع التبعات، يغفر له بغير حساب ويستر له بالزلفى وحسن المرجع، واللَّه أعلم. ثم اختلف في سبب فتنة سليمان - عليه السلام - وفي ذنبه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: وذلك أن اللَّه - تعالى - أمره ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل وجعل لها صنما فعبد في بيته كذا كذا يومًا، فابتلاه اللَّه بسلب ملكه عقوبة له على قدر ما عبد من الصنم في بيته.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كانت فتنة سليمان - عليه السلام - التي ذكر في ناس من أهل الجرادة وكانت الجرادة امرأته وكانت من أحب نسائه إليه، وكان إذا أراد أن يحنث أو يدخل الخلاء أعطاها خاتمه وأن ناسا من أهلها جاءوا يخاصمون قومًا إلى سليمان، قالوا: وكان سليمان أحب أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوتب حين لم يكن هواه فيهم واحدًا؛ وهو قول ابن عَبَّاسٍ.
وقد ذكرنا نحن أنه يجوز أن يكون نزع الملك منه وما ذكر فتنة إياه بلا زلة ولا سبب كان منه ابتداء محنة وابتلاء، وذلك جائز، ولله أن يفعل ما يشاء بمن شاء وكيف شاء من نزع الملك وغيره، واللَّه أعلم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: (رُخَاءً) أي: رخوة لينة، وهو من اللين، ويقال: رجل رخو، أي: ضعيف في عمله، وقوم رخاء، قال: والرخاء: الساكن، ويقال: استرخى، أي: سكن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
ومثله قوله: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)، أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت.
وقال الفراء: سمى العطاء: منا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَيْثُ أَصَابَ).
أي: أراد، قال الأصمعي: العرب تقول: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب، والأصفاد: الأغلال التي يشد بها الأيدي إلى العنق.
دل قول سليمان - عليه السلام - ودعاؤه ربه باستيهابه الملك قال: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ...) على أن الملك الذي أعطاه لم يكن حقًّا عليه؛ إذ لو كان حقا له لكان لا يستوهبه ولا يقول له: (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)، ولكن يقول له: أعطني حقي؛ إذ كل طالب حق له قِبَل آخر لا يوصف إذا أعطاه إياه أنه وهاب، ولكن يؤدي حقًّا عليه.
ويدل هذا أيضًا على أن ليس على اللَّه حفظ الأصلح في الدِّين؛ إذ لو كان عليه حفظ
ص 38:38
قوله تعالى :﴿وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ وآخرين، لم يطيعوه في ما أمرهم من الأعمال في البناء والغوص وغير ذلك من الأعمال، جعلهم في الأصفاد، وهي الأغلال، تجعل في الأعناق ليدفع شرهم وسوءهم عن الخلق حين لم يطيعوه في ما أمرهم بالعمل للخلق ليتفرغوا للعبادة.
وفيه ما ذكرنا من آية عجيبة لسليمان عليه السلام واللطف له حين مكن له من استعمال ما ذكر من الجن والشياطين والريح، وسخر له ذلك، ليعلم أنه إنما قدر على ذلك بلطف منه لا بالخيل والأسباب.
ص 38:39
قوله تعالى :﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال عامة أهل التأويل : هذا في الشياطين التي ذكر أنه سخرها له في العمل ﴿وآخرين﴾ في جعله إياهم ﴿في الأصفاد﴾ خيره بين أن يمن على من يشاء منهم، فيخلي سبيله، وبين أن يمسك من شاء منهم، فلا يخلي سبيله.
وقال بعضهم : ذلك التخيير في الشياطين وفي جميع ما أعطاه له من الملك ؛ يقول : إن شئت تمن، فتعطيه من شئت، وإن شئت أمسكت، فلا تعطي أحدا شيئا، ولا تبعة عليك في ذلك الإعطاء ولا في الإمساك، والله أعلم.
وجائز أن يكون لا على التخيير. ولكن امتحنه بالإعطاء لقوم والمنع عن قوم، فيقول :﴿هذا عطاؤنا فامنن﴾ أي أعط، وابذل لمن أمرت، وامتحنت بالإعطاء من كان أهلا لذلك، وأمسك عمن ليس هو بأهل لذلك، ومن لم تؤمر بدفعه أليه، وهو كقوله عز وجل :﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] أن ليس على التخيير، ولكن على تعذيب من هو أهل للعذاب مستحق له واتخاذ الحسن في من كان أهلا على ما بين في ذلك، وأظهر في الآية حين قال عز وجل :﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [ الكهف : ٨٧و٨٨ ] فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.
وقال الحسن : قوله عز وجل :﴿هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب﴾ يقول : هذا ملكنا الذي أعطيناك، يقول : أعط منه ما شئت، وامنع منه ما شئت، لا تبعة عليك فيه في الآخرة، وهو قريب مماذكرنا في أجد التأويلين.
قال قتادة : احبس منهم من شئت في وثاقك وعذابك، وسرح منهم من شئت، لا حساب عليك في ذلك. وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين.
رجع أحدهما إلى الشياطين خاصة في الحبس في العمل من شاء منهم والتسريح لمن شاء منهم، والآخر إلى كل ما أعطاه من الملك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿بغير حساب﴾ أي أعطاه له من الملك ما لا يجب من الكثرة والعدد.
ص 38:40
قوله تعالى :﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ أي القربة ﴿وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ أي مرجعا.
هذا يدل على أن ما أعطاه من الملك لم يحطه عن مرتبته، ولم ينقص من قدره عند الله لأنه إنما سأله الملك، والله أعلم، لما ذكرنا من رغبته في نجاة الخلق بسرعة إجابتهم إياه إلى ما يدعوهم إليه لا رغبة منه في الدنيا ولذاتها وطلب العز فيها، ولكن لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وإن له عندنا لزلفى﴾ أي الأسباب التي تزلفه إلى الله، وتقربه من التوفيق والعصمة والمعونة على الطاعة. وذلك يكون في الدنيا، والأول يكون في الآخرة، والله أعلم.
وهذا من أعظم المنن واللطف حين أمنه من جميع أنواع التبعات، يغفر له بغير حساب، ويسيره بالزلفى وحسن الرجع، والله أعلم.
ثم اختلف في سبب فتنة سليمان عليه السلام وفي ذنبه :
قال بعضهم : وذلك أن الله تعالى أمره ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل، وجعل لها صنما، فعبد في بيته كذا كذا يوما، فابتلاه الله بسلب ملكه عقوبة له على قدر ما عبد الصنم في بيته.
وقال بعضهم : كانت فتنة سليمان عليه السلام التي ذكرنا في ناس من أهل الجرادة امرأته، وكانت من أحب نسائه إليه، وكان إذا أراد أن يحدث، أو يدخل الخلاء، أعطاها خاتمه، وإن ناسا من أهلها جاؤوا يخاصمون قوما إلى سليمان. قالوا : وكان سليمان أحب أن يكون الحق لأهل جرادة، فيقضي لهم، فعوتب حين لم يكن هواه فيهم واحدا. وهو قول ابن عباس.
وقد ذكرنا نحن على أنه يجوز أن يكون نزع الملك منه وما ذكر عز وجل فتنته إياه بلا زلة ولا سبب : كان منه ابتداء محنة وابتلاء. وذلك جائز. ولله أن يفعل ما يشاء بمن يشاء وكيف يشاء من نزع الملك وغيره، والله أعلم. وقال القتبي وأبو عوسجة :﴿رخاء﴾ أي رخوة لينة، وهو اللين. يقال : رجل رخو أي ضعيف في علمه، وقوم رخاء. قالا : والرخاء الساكن. ويقال : استرخى أي سكن. وقوله عز وجل :﴿فامنن أو أمسك بغير حساب﴾ ومثله قوله تعالى :﴿ولا تمنن تستكبر﴾ [المدثر: ٦] أي لا تعط لتأخذ من المكافآت أكثر مما أعطيت.
وقال الفراء : سمي العطاء منا.
قوله عز وجل :﴿حيث أصاب﴾ أي أراد : قال الأصمعي : العرب تقول : أصاب الصواب، فأخطأ الجواب، أي أراد الصواب. والأصفاد : الأغلال التي تشد بها الأيدي إلى العنق.
دل قول سليمان عليه السلام ودعاؤه ربه باستهابه الملك :﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ على أن الملك الذي أعطاه لم يكن حقا عليه ؛ إذ لو كان حقا له لكان لا يستوهبه، ولا يقول له :﴿إنك أنت الوهاب﴾ ولكن يقول له : أعطني حقي ؛ إذ كل طالب حق له قبل الآخر لا يوصف إذا أعطاه إياه وهاب، لكن مؤدي حق عليه.
ويدل هذا أيضا على أن ليس على الله حفظ الأصلح في الدين ؛ إذ لو كان عليه حفظ الأصلح في الدين، وأعطى الآخر، لكان لا يستوهب الملك، إذ كان الملك، له أصلح في الدين، ولكن يقول : أعطني حقي. فدل استهابه منه الملك على أن ليس عليه حفظ الأصلح في الدين، ولا أعطى الأخير، وأن له ألا يعطيه. وإن إعطاءه الملك له فضل منه ورحمة، والله أعلم.
فإن قيل : فيه تفضيل الغنى والسعة على الفقر والضيق لما أن الله عز وجل جعل الغنى والسعة آية من آيات النبوة والرسالة، ولم ير الفقر والضيق جعلهما آية من آيات النبوة، فهلا دل جعل الغنى آية من آيات النبوة على أنه أفضل من الفقر ؟
يقل لهم : إن الغنى والملك إنما جعلهما آية لرسالة نبي واحد، وأكثر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، كانوا فقراء وأهل الحاجة والضيق في أمر الدنيا، فهم كانوا ما ذكرنا من الضيق والفقر وقلة أعوانهم وأنصارهم أما يعدل قواهم وظهر ما دعوا الناس إلى ما دَعَوا هُمْ، وهو التوحيد والإسلام مع وجود رغبة الناس في من عنده السعة والغنى ونفاذ أمرهم وقلة رغبتهم في من عنده الفقر والضيق.
فدل اختيار أكثر الأنبياء الحال التي تنفر طباع الناس عنها على الحال التي يرغبون فيها مع حرصهم ورغبتهم في الدين. على أن الحال التي اختاروا هم أفضل وأخير من الحال الأخرى، والله أعلم.
وكذلك قوله عز وجل لرسول الله ﷺ :﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾ [الحجر: ٨٨] نهاه أن يمد عينيه إلى ذلك، ويختاره. إنما يمد، ويختار لسعة قومه وأصحابه في أبواب الشر والخير، وإنه لا يختار، ولا يأخذ إلا ما يحل، ويطيب. فدل النهي عما ذكر على العلم منه ما وصفنا على أن ذلك أفضل من الآخر، والله أعلم.
ص 38:41
الأصلح في الدِّين وأعطى الآخر لكان لا يستوهب الملك إذ كان الملك له أصلح في الدِّين، ولكن يقول: أعطني حقي، فدل استيهابه منه الملك على أن ليس عليه حفظ الأصلح في الدِّين ولا إعطاء الأخْيَر، وأن له ألا يعطيه، وأن إعطاءه الملك له فضل منه ورحمة، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: فيه تفضيل الغنى والسعة على الفقر والضيق؛ لما أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل الغنى والسعة آية من آيات النبوة والرسالة، ولم ير الفقر والضيق جعلهما آية من آيات النبوة، فهلا دل جعل الغنى آية من آيات النبوة على أنه أفضل من الفقر؟
يقال لهم: إن الغنى والملك إنما جعله آية لرسالة نبي واحد، وأكثر الأنبياء - عليهم السلام - كانوا فقراء وأهل الحاجة والضيق في أمر الدنيا، فمع ما كانوا ما ذكرنا من الضيق والفقر وقلة أعوانهم وأنصارهم نفذ قولهم وظهر ما دعوا الناس إلى ما دعوهم وهو التوحيد والإسلام، مع وجود رغبة الناس فيمن عنده السعة والغنى، ونفارهم، وقلة رغبتهم فيمن عنده الفقر والضيق؛ فدل اختيار أكثر الأنبياء الحال التي ينفر طباع الناس عنها على الحال التي يرغبون فيها مع حرصهم ورغبتهم في الدِّين - على أن الحال التي اختاروا هم أفضل وأخير من الحال الأخرى، واللَّه أعلم.
وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ - لرسول اللَّه - ﷺ -: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ)، نهاه أن يمد عينيه إلى ما متعوا هم، على العلم منه أن لو مد عينيه إلى ذلك ويختاره إنما يمد ويختار ليتبعه قومه وأصحابه في أبواب الشرف والخير، وأنه لا يختار ولا يأخذ إلا ما يحل ويطيب؛ فدل النهي عما ذكر على العلم منه ما وصفنا على أن ذلك أفضل من الآخر، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)
وقولهَ عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ).
ثم لا ندري ما الذي كان من اللَّه من تمكين الشيطان عليه حتى أضاف ذلك إلى الشيطان، وليس لنا أن نقول: إنه مكن عليه كذا، وفعل كذا في كذا، وفعل به كذا، إلا أن يثبت عن اللَّه.
ثم وجه الحكمة في تمكين الشيطان على أوليائه فيما مكن في أمر الدِّين؛ ليعلم جهة الفضل من جهة العدل وجهة الحكم من جهة الرحمة، وأن له أن يمتحن عباده بما شاء
ص 38:42
وكيف شاء من أنواع الشدائد والبلايا على أيدي من شاء، بلا أسباب كانت منهم يستوجبون بها ذلك، وله أن يجتبي إلى من شاء من أنواع الخير والنعم ابتداء بلا أسباب كانت منهم يستوجبون بها ذلك؛ فعلى ذلك بلاء أيوب - عليه السلام - والشدائد التي أصابته جائز أن يكون بلا سبب كان منه يستوجب ذلك، ولكن ابتداء امتحانٍ منه إياه بذلك.
ثم قوله: (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) إنه وإن أضاف إليه فهو في الحقيقة من اللَّه لما أخبر أنه على يديه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) أخبر أن حقيقة العذاب منه وإن كان على أيديهم يجري ذلك؛ وهو كقوله - تعالى -: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ)، أي: ما يمس الإنسان من ضر يكون على يدي آخر ويكون من اللَّه، وله في ذلك صنع وفعل لا على ما يقوله المعتزلة أن لا صنع للَّه، في فعل العباد، وأخبر أنه لو أراد بأحد ضرا ومسه بذلك، فلا كاشف لذلك الضر ولا دافع، وأنه لو أراد خيرا بأحد فلا راد لذلك الفضل غيره، فهو على المعتزلة أيضًا.
وقوله: (بِنُصْبٍ)، ونُصُب: واحد وهو تعب؛ وكذلك يقول الْقُتَبِيّ: النُّصب والنَّصب واحد مثل حُزن وحَزن وهو العناء والتعب.
وقال أبو عبيدة: النَّصَب: الشر، والنُّصب: الإعياء.
ومنهم من يقول: إن أحدهما فيما يصيب ظاهرًا من جسده، والآخر فيما يصيب باطنه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)
جائز أن يكون لما قال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) دعا عند ذلك أن يكشف عنه البلايا التي مسته، كأنه قال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) فاكشف ذلك عني (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ويدلك على ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) دل هذا على أن قد كان منه دعاء وسؤال في كشفه الضر عنه، فاستجاب الله دعاءه، فعند ذلك قال: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) جائز أن يكون لما ضرب برجله الأرض وركضها نبع منها عينان: إحداهما للاغتسال فيها والأخرى للشرب منها، فكانت التي للشرب منها ماؤها بارد على ما يوافق الشرب ويختار ذلك، والأخرى ماؤها ما يوافق الاغتسال وهو دونه في النزول على ما قاله أهل التأويل عامة؛ كقوله - عز وجل -: (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)، وإنَّمَا السكون فيما يسكن وهو الليل والابتغاء بالنهار.
وجائز أن يكون العين واحدة إلا أنه لما اغتسل منها كان ما يوافق الشرب.
ص 38:43
قوله تعالى :﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ اختلف أهل التأويل فيه :
قال بعضهم : ووهب له أهله، أي أحيى من هلك من أهله وماله، وزاد له على ذلك ضعفهم في الدنيا رحمة منه وفضلا. والحسن يقول كهذا : إنه أحباهم له بأعيانهم، وزاده مثلهم معهم.
وقال بعضهم : قيل له : يا أيوب إن أهلك في الجنة، فإن شئت آتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة، وعوضناك مثلهم معهم، قال : لا بل اتركوهم في الجنة، فتركوا له في الجنة، وعوض مثلهم في الدنيا. ولله أن يحيي من شاء بعد ما أماته، وله أن يؤجر على ذلك ما شاء. ألا ترى أنه قال على إثره :﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ؟
دل قوله :﴿رحمة منا﴾ على أنه كشف الضر عن أيوب، وأعطاه ما أعطاه رحمة منه وفضلا ونعمة ؛ كان له ألا يكشف الضر عنه، وألا يرد عليه أهله، ولا يزيد له.
وهو على المعتزلة لأنه لا يخلو إما أن يكون ما أعطى، ورد عليه، أصلح له، وقد أخبر أنه برحمته كان ذلك له وفضل منه. ولو كان عليه حفظ الأصلح له في الدين كان في تركه ومنعه جائرا عندهم ظالما، وإما أن يكون منعه ذلك عنه أصلح له، فأعطاه، وترك الأصلح له. فدل أن ليس على الله حفظ الأصلح في الدين، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي ذكرى وعظة لمن ينتفع باللب ليعلم أن ليس التضييق لمقت منه، وسخطه لمن ضيق عليه، ولا في التوسيع رضا منه، ولكن محنتان، يمتحن من يشاء الشدة والبلاء ومن شاء بالسعة والرخاء.
ص 38:44
قال بعض أهل التأويل: كان به البلاء بظاهر الجسد وبباطنه: فما كان بظاهره ذهب بالاغتسال، وما كان بباطنه ذهب بالشرب، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ - لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ).
أي: اذكر صبره كيف صبر على البلاء من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بأنواع الشدائد والبلايا، فاصبر أنت إذا ابتليت بشيء من البلايا، وعلى ذلك يخرج جميع ما ذكر في هذه السورة، وأمره أن يذكرهم بالذي ابتلاهم من الشدائد أن كيف صبروا له على ذلك، ومن امتحنهم بالسعة والملك يقول: أن اذكر لهم كيف شكروا ربهم وأطاعوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)
اختلف أهل التأويل فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) أي: أحيا من هلك من أهله وماله، وزاد له على ذلك ضعفهم في الدنيا؛ رحمة منه وفضلا.
والحسن يقول بهذا: إنه أحياهم له بأعيانهم وزاده مثلهم معهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قيل له: يا أيوب إن أهلك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم، قال: لا، بل اتركهم في الجنة، فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا، ولله أن يحيي من شاء بعد ما أماته، وله أن يؤجر على ذلك ما شاء؛ ألا ترى أنه قال على أثره: (رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، دل قوله: (رَحْمَةً مِنَّا) على أن كشف الضر عن أيوب وإعطاء ما أعطاه رحمة منه وفضلا ونعمة، كان له ألا يكشف الضر عنه، وألا يرد عليه أهله ولا يزيد له، وهو على المعتزلة؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ما أعطى وردّ عليه أصلح له، وقد أخبر أنه برحمته كان ذلك له وفضل منه، ولو كان عليه حفظ الأصلح له في الدِّين، كان في تركه ومنعه جائرا عندهم ظالمًا.
أو أن يكون منعه ذلك عنه أصلح له فأعطاه وترك الأصلح له؛ فدل أن ليس على الله حفظ الأصلح لأحد في الدِّين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ).
أي: ذكرى وعظة لمن ينتفع باللب، ليعلم أن ليس التضييق لمقت منه وسخط على من ضَيَّق عليه ولا في التوسيع رضاء منه، ولكن محنتان: يمتحن من شاء بالشدة والبلاء، ومن شاء بالسعة والرخاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) اختلف في السبب الذي كان من أيوب - عليه السلام - الحلف بضرب امرأته، ولكن لسنا ندري ما السبب الذي حمله على الحلف بضربها، ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك السبب، غير أنا نعلم أنه كان من المحلوف عليه معنى يستوجب بذلك الضرب حيث حلف هو بالضرب وأمره اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالضرب، ثم معلوم أن غضبه وحلفه لا يحتمل أن يكون لمنفعة نفسه ولكن لله عَزَّ وَجَلَّ، ثم الغضب لا يخرج الأنبياء - عليهم السلام - عن أيدي أنفسهم على من كان غضبه لنفسه.
ثم اختلف في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: قضبان وأغصان، ونحو ذلك، لأيوب خاصة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو له ولسائر الناس أن من حلف أن يضرب كذا خشبة أو سوطًا، فجمع قضبانا أو أغصانًا فضرب بها، برّ في يمينه، وليس في الآية أنه ضرب به مرة أو مرارًا حتى يخرج به المرء عن يمينه.
ثم الأصل عندنا أن من هم بضرب آخر كان بالضارب هيئة وإبداء يعرف أنه يزيد الضرب فيحرز بالمضروب هيئته وأثره وهو السالم، فجائِز أن يكون المراد به تلك الهيئة والأثر الضرب نفسه ليس في يمينه، وأن الأفضل فيها ترك الضرب والكفارة عن الحنث.
ثم أثنى اللَّه على أيوب - عليه السلام - فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا).
بما ابتلاه اللَّه في نفسه وأهله وماله.
(نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).
أي: راجع إليه - عَزَّ وَجَلَّ - في جميع أحواله: في حال الشدة والبلاء، وفي حال السعة والرخاء، واللَّه أعلم.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ)، أي: اضرب بها الأرض، وكذلك ركض دابتك إذا ضربتها برجلك حتى تسرع؛ وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ، قال: والضغث: ملء الكف من الحشيش وغيره ومن كل شيء، وأضغاث جمع.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الضغث: الحزمة من الكلأ أو من العيدان وهو قريب من الأول. وقال: المغتسل: الماء وهو الغسول أيضًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحْنَثْ).
من الحِنْث، والحنث في الأصل: الإثم أي: لا يحنث بيمينه إذا صدق فيها ووفى.
ص 38:45
قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ).
يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ) من ذكر من الرسل - عليهم السلام - وأهل الصفوة، أي: اذكر هَؤُلَاءِ بما لقوا من أعدائهم، فتستعين به أنت بما تلقى من أعدائك.
أو يقول: اذكر صبر هَؤُلَاءِ على قومهم؛ لتصير أنت على أذى قومك؛ وهو قريب من الأول، أي: اذكر خبر هَؤُلَاءِ في العبادة والدِّين ليحببك ذلك ويخرجك على الجهد فيها.
أو يقول: اذكر الأسباب التي بها صار هَؤُلَاءِ أهل صفوة اللَّه ومحل إحسانه؛ ليحملك ذلك على طلب تلك الأسباب؛ لتصير من أهل صفوة اللَّه ونحوه يحتمل.
أو يقول: اذكر هَؤُلَاءِ الصالحين لتتسلى بذكرهم عن بعض أمورك، وهمومك، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ).
قيل: أولي الأيدي، أي: أولي القوة في العبادة والبصر في الدِّين، ثم معلوم أن هَؤُلَاءِ لم يكونوا أهل قوة في أنفسهم، وإنَّمَا كانوا أهل قوة في العبادة في الدِّين، ليعلم أن القوة في الدِّين غير القوة في النفس.
وقيل: أولي القوة في طاعة اللَّه والبصر في الحق.
وقيل: في الفقه.
وقيل: أولي الفهم في كتاب اللَّه، وهو واحد.
وفي قوله: (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) دلالة أن قد يفهم بذكر الأيدي غير الجارحة وبذكر البصر غير العين؛ لأنه معلوم أنه لم يرد بذكر الأيدي الجوارح، ولا بذكر الأبصار الأعين ولا فهم منه ذلك، ولكن فهم باليد القوة وبذكر البصر الفهم أو ما فهم؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، ونحوه الجارحة على ما يفهم من الخلق، ولكن القوة أو غيرها لكن كنى باليد عن القوة لما باليد يقوى، وكنى بالبصر عن درك الأشياء حقيقة لما بالبصر يدرك الأشياء.
ص 38:46
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)
أي: شرف الدار وذكرهم صاروا مذكورين مشرفين في الدار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)
أي: هم عندنا أهل صفوة اصطفاهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - واختارهم لنفسه ولرسالته.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) اختارهم على علم الرسالة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)
يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ) وجوهًا على ما ذكرنا: صبر هَؤُلَاءِ على ما لقوا من قومهم، فتستعين أنت على الصبر مما تلقى من قومك.
أو يقول: اذكر حسن معاملة هَؤُلَاءِ ربهم وحسن سيرتهم فيما بينهم وبين الخلق؛ لتعامل أنت ربك مثل معاملتهم ومثل سيرتهم.
أو يقول: اذكر هَؤُلَاءِ ومن ذكر، أي أكثر عليهم بحسن الثناء واذكرهم بخير ما أثنى عليهم، وأمر الناس أن يثنوا عليهم على ما تقدم ذكره؛ ليكونوا أبدًا أحياء بحسن الثناء والذكر.
أو أن يقول: اذكر هَؤُلَاءِ أن كيف عاملهم اللَّه واختارهم لرسالته وما ذكر اللَّه، والله أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْيَسَعَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هو إلياس، وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو غيره، وكان ابن عم إلياس، واللَّه أعلم.
(وَذَا الْكِفْلِ) اختلف فيه إيضًا:
قَالَ بَعْضُهُمْ: كان إلياس في أربعمائة نبي - عليهم السلام - في زمن ملك، فقتل الملك ثلاثمائة منهم فكفل رجل إلياس في مائة نبي فكفلهم وخبأهم عنده يطعمهم ويسقيهم حتى خرجوا من عنده، وكان الكفل بمنزلة من الملك فلذلك سمي: ذا الكفل؛ لأنه خبأهم وكفلهم، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سمي: ذا الكفل؛ لأنه كفل لله - عَزَّ وَجَلَّ - خوفًا لله به، فسمي: ذا الكفل.
وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيًّا، ولكن كان رجلا صالحًا فكفل بعمل رجل صالح عند موته كان يصلي لله - عَزَّ وَجَلَّ - كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله عليه لسابق كفالته.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن نبيًّا من الأنبياء قال لقومه: أيكم يكفل بتبليغ ما بعثت به إلى الناس بعدي لأضمن له الجنة والدرجة العليا، فقال شاب: إنا نكفل التبليغ على ذلك ووفى ما
ص 38:47
قوله تعالى :﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ أي : هم عندنا أهل صفوة ؛ صفاهم الله عز وجل واختارهم لنفسه ورسالته.
قول بعضهم :﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ : اختارهم على علم الرسالة.
ص 38:48
قوله تعالى :﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ : يحتمل قوله عز وجل ﴿واذكر﴾ وجوها على ما ذكرنا :
أحدها : اذكر صبر هؤلاء على ما لقوا من قومهم، فتستعين أنت على الصبر بما تلقى من قومك.
والثاني : اذكر حسن معاملة هؤلاء ربهم وحسن سيرتهم في ما بين الخلق لتعامل أنت ربك مثل معاملتهم ومثل سيرتهم.
والثالث : اذكر هؤلاء ومن ذكر، أي أثن عليهم بحسن الثناء، واذكرهم بخير ما أثنى عليهم الله عز وجل وأمر الناس أن يثنوا عليهم على ما تقدم ذكره ليكونوا أبدا أحياء بحسن الثناء والذكر.
والرابع : اذكر هؤلاء أن كيف عاملهم الله، واختارهم لرسالته، وما ذكر الله، والله أعلم.
ثم قوله عز وجل :﴿واليسع﴾ قال بعضهم : هو إلياس، وقال بعضهم : هو غيره، وكان ابن عم إلياس، والله أعلم ﴿وذا الكفل﴾ اختلف فيه أيضا : قال بعضهم : كان إلياس في أربع مئة نبي عليهم السلام في زمن ملك، فقتل الملك ثلاث مئة منهم. فكفل رجل إلياس في مئة نبي، فكفلهم، وخبأهم عنده يطمعهم، ويسقيهم، حتى خرجوا من عنده. وكان الكفل بمنزلة من الملك. فلذلك سمي ذا الكفل، لأنه خبأهم، وكفلهم، والله أعلم.
وقال بعضهم : سمي ذا الكفل لأنه كفل لله عز وجل ووفى الله به، فسمي ذا الكفل.
وقال أبو موسى الأشعري : إن ذا الكفل لم يكن نبيا، ولكن كان رجلا صالحا، تكفل بعمل رجل صالح عند موته، كان يصلي لله عز وجل كل يوم مئة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء في كفالته.
وقال بعضهم : إن نبيا من الأنبياء قال لقومه : أيكم يتكفل بتبليغ ما بعثت أنا إلى الناس بعدي لأضمن له الجنة والدرجة العليا ؟ فقال شاب : أنا أكفل التبليغ على ذلك، ووفى ما كفل، فسمي ذا الكفل لذلك، والله أعلم.
وليس لنا معرفة ذلك حاجة أنه لماذا ؟ وأن اليسع كان فلانا سوى أن يعرفهم أنهم من الأخيار على ما ذكر الله عز وجل والله أعلم.
وبعد فإن معرفة أخبار الآحاد توجب علم العمل، ولا توجب علم الشهادة، وليس ههنا سوى الشهادة على الله، والترك أولى. .
ص 38:49
كفل، فسمي: ذا الكفل لذلك، واللَّه أعلم.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة أنه لماذا؟ وأن اليسع كان فلانًا سوى أن نعرفهم أنهم من الأخيار على ما ذكر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، واللَّه أعلم.
وبعد فإن معرفة ذلك بأخبار الآحاد يوجب علم العمل ولا يوجب علم الشهادة، وليس هاهنا سوى الشهادة على اللَّه، والترك أولى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (هَذَا ذِكْرٌ... (٤٩)
يحتمل قوله: (هَذَا ذِكْرٌ)، أي: شرف وذكر للذي تقدم ذكرهم من الأخيار؛ لأنهم يذكرون أبدًا بخير وحسن الثناء عليهم بما كان منهم من حسن السيرة والعمل، فذلك شرفهم حيث صاروا مذكورين على ألسن الناس وهم أموات.
أو أن يكون ذكر هَؤُلَاءِ ذكرى وعظة لمن بعدهم.
أو ذكرى لك وعظة لتعرف حسن معاملة الرب لهم.
أو هذا القرآن ذكر وعظة لمن آمن به، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ).
جملة الاتقاء: هو أن يتقي المهالك، أي: اتقوا جميع ما يهلككم (لَحُسْنَ مَآبٍ)، أي: مرجع، ثم بين ووصف حسن المرجع الذي يرجعون إليه حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَنَّاتِ عَدْنٍ... (٥٠).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَنَّاتِ عَدْنٍ).
أي: مقام، يقال: عدن في مكان كذا، أي: أقام، كأنه جنات يقام فيها لا يبغون عنها حولا ولا غَيرًا على ما أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عَدْنٍ) الذي هو وسط الشيء كأنه ذكر أن جنة عدن كانت وسط الجنان، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ).
يحتمل قوله: (مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ) أبواب الجنة، يقال له: ادخل أي باب من أبوابها شئت على ما يقوله بعض الناس.
وجائز أن يكون أبواب كل أحد منهم في الجنة تكون مفتحة؛ لأن إغلاق الأبواب إنما يكون في الدنيا إما لخوف السرقة أو نظر الناس إلى أهله وحرمه، وخوف نظر أهله إلى الناس؛ لهذا المعنى يتخذ الأبواب في الدنيا والغلق والإغلاق دونهم، وليس ذلك المعنى في الجنة؛ لما أخبر أن أزواجهم يكن قاصرات الطرف لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا
ص 38:50
بين حسن المرجع الذي يرجعون إليه حين قال عز وجل :﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ أي مقام، يقال : عدن في مكان كذا، أي أقام، كأنه قال : جنات مقام فيها ﴿لا يبغون عنها حولا﴾ [الكهف: ١٠٨] ولا غيرها أعلى مما أخبر الله عز وجل :﴿ولا يبغون عنها حولا﴾.
وقال بعضهم : عدن الذي هو وسط الشيء كأنه ذكر أن الجنة عدن، كانت وسط الجنان، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ يحتمل قوله :﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ أبواب الجنة. يقال لهم : ادخل أي باب من أبوابها شئت على ما يقوله بعض الناس.
وجائز أن تكون أبواب كل أحد منهم في الجنة، تكون مفتحة، لأن الإغلاق في الأبواب إنما يكون في الدنيا إما لخوف السرق أو نظر الناس إلى أهله وحرمه وخوف نظر أهله إلى الناس. لهذا المعنى تتخذ الأبواب في الدنيا، والغلق والإغلاق دونهم، وليس ذلك المعنى في الجنة لما أخبر أن أزواجهم يكن قاصرات الطرف، لا ينظرن إلى غير أزواجهن، ولا يكون فيها أبواب لما ذكرنا أن الأبواب إنما تتخذ لخوف السرق والنظر في حرمهم، والله أعلم.
ص 38:51
يكون فيها خوف السرقة؛ لذلك كان ما ذكر.
والأشبه ألا يكون فيها أبواب؛ لما ذكرنا أن الأبواب إنما تتخذ لخوف السرقة والنظر في حرمهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)
هذا - واللَّه أعلم - كأنه وصف حال اجتماعهم؛ لأنه لذلك يدعى بالفواكه والشراب في الدنيا، وأما في حال الانفراد قلما يدعون بالشراب.
ثم فيه إخبار أنهم يدعون في الجنة بالفواكه والشراب جميعًا وفي الدنيا العرف فيهم أن أهل الشراب قلما يجمعون بين الفواكه والشراب لوجهين: إما لخوف الضرر بهم إذا جمع، أو لما لا يوجدان، وليس هذان المعنيان في الجنة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ).
كأن ذكر الكثرة كناية عن أنواع الفواكه وألوان مختلفة في كل نوع، ليس بعبارة عن الكثرة من نوع واحد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)
أي: طرفهن يقصرنه على أزواجهن، لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا يرون غيرهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتْرَابٌ).
قالوا: مستويات الأسنان، أراد أن يكونوا جميعًا الأزواج والزوجات على سن واحد.
أو أن يخبر أنهم جميعًا يكونون على حال واحدة لا يتغيرون ولا يهرمون، كما يكون في الدنيا بعضهم أكثر سنًّا من بعض وأضعف حالا من الآخر، ولكن لا يهرمون ولا يكبرون ولا يضعفون، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)
كأنه يقول لهم الملائكة: هذا ما توعدون أهل الجنة في القرآن، نَا مَا لَهُ مِنْ نَفَا ثم أتاهم من اللَّه بشارة يبقى لهم ذلك أبدًا وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذَا لَرِزْقُدٍ (٥٤) أي: انقطاع وذهاب، نفد الشي: إذا فني وذهب، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ
ص 38:52
قوله تعالى :﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ أي : طرفهم يقصرنه على أزواجهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا يردن غيرهم، والله أعلم.
وقوله عز وجل :﴿أتراب﴾ قالوا : مستويات الأسنان، أراد أن يكونوا جميعا : الأزواج والزوجات على سن واحد، أو أن يخبر أنهم جميعا يكونون على حال واحدة، لا يتغيرون، ولا يهرمون، كما يكون في الدنيا بعضهم أكثر سنا من بعض وأضعف حالا من الآخر. ولكن لا يهرمون، ولا يكبرون، ولا يضعفون، والله أعلم.
ص 38:53
قوله تعالى :﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ كأنه تقول لهم الملائكة : هذا ما توعدون أهل الجنة في القرن.
ص 38:54
أتاهم من الله بشارة، تبقي لهم ذلك أبدا، وهو ما قال عز وجل :﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ أي انقطاع وذهاب. نفد الشيء، إذا فني، وذهب، والله ألعم. وقوله تعالى :﴿هذا﴾ أي هذا الذي ذكرنا ثواب المتقين، وجزاء تقواهم.
ص 38:55
الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا... (٥٥) أي: هذا الذي ذكرنا ثواب المتقين وجزاء تقواهم.
ثم بين جزاء الطاغين، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ).
أي: لبئس المرجع، ثم بَيَّن ما هو فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) أي: بئسما مهدوا لأنفسهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) أي: هذا الذي ذكرنا جزاء الطاغين والطغيان يرجع إلى وجوه إلا أن أصله هو الذي لا يجتنب المهالك ولا يتقي، والمتقي هو الذي يتقي المهالك ويجتنبها حقيقة التقى والطغيان ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ).
كان الملاثكة تقول لهم إذا أدخلوا جهنم وألقوا فيها: (فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ)، والحميم: هو الشراب الذي قد انتهى حره غايته ونهايته، والغساق: اختلفوا فيه: قال بعضهم: هو ما يسيل من الصديد والقيح واللحم، جعل ذلك شرابهم في النار.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الغساق: هو الزمهرير، والزمهرير: هو البرد الذي بلغ غايته ونهايته يحرق بشدة برده، كما يحرق الحميم الذي بلغ نهايته وشدة حره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)
اتفق أهل التأويل - أو أكثرهم - على أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) وهو العذاب كأنه يقول: وآخر من شكل ما ذكر من العذاب له.
ثم اختلفوا في ذلك العذاب الذي قالوا: (مِنْ شَكْلِهِ):
قال عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو الزمهرير، وروي عن الحسن: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ): ألوان من العذاب، وقَالَ بَعْضُهُمْ: زوج من العذاب.
ويشبه أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) أي: قوم من شكل أُولَئِكَ الذين ذكرهم يقربون إلى أُولَئِكَ؛ فيجمعون في العذاب؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ).
أو أن يكون فوج آخر يدخلون من شكل الأولين، وهو ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا فَوْجٌ
ص 38:56
بين ذلك المرجع، ما هو ؟ فقال : عز وجل :﴿جهنم يصلونها فبئس المهاد﴾ أي فبئس ما مهدوا لأنفسهم.
ص 38:57
قوله تعالى :﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ : كأن الملائكة يقولون إذا أدخلوا جهنم، وألقوا فيها :﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ والحميم، هو الشراب الذي انتهى حره غايته ونهايته، والغساق اختلفوا فيه :
قال بعضهم : هو ما يسيل من الصديد والقيح واللحم، جعل ذلك شرابهم في النار.
وقال بعضهم : الغساق، هو الزمهرير، والرمهرير، هو البرد الذي بلغ غايته ونهايته ؛ يحرق بشدة برده كما يحرق الحميم الذي بلغ نهايته شدة حره، والله أعلم.
قال القتبي : الغساق ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم من الصديد ؛ يقال : غسقت منه، أي سألت، ويقال : هو البارد المنتن. وكذلك قال أبو عوسجة.
ص 38:58
قوله عز وجل :﴿وآخر من شكله أزواج﴾ من مثله، الشكل المثل، والشكل بكسر وفتح الشين الغنج، وشَكِلَت المرأة إذا تغنجت،
قوله تعالى :﴿وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ اتفق أهل التأويل، أو أكثرهم، على أن قوله عز وجل :﴿وآخر من شكه أزواج﴾ هو العذاب ؛ كأنه يقول : وآخر من شكل ما ذكر من العذاب لهم.
ثم اختلفوا في ذلك العذاب الذي قالوا :﴿وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : هو الزمهرير. وروي عن الحسن :﴿وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ألوان من العذاب. وقال بعضهم : زوج من العذاب.
ويشبه أن يكون قوله عز وجل :﴿وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أي قوم من شكل أولئك الذين ذكرهم، يقربون إلى أولئك، فيجمعون في العذاب كقوله عز وجل :﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون﴾ [الصافات: ٢٢] أو أن يكون فوج آخر يدخلون من شكل الأولين.
ص 38:59
مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ... (٥٩). يقول المتبوعون للأتباع لما أدخلوا النار ورأوهم: (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ) أي: لا سعة بهم وهو من الرحب وهو السعة، فأجابهم الأتباع: (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قالت الخزنة لمن في النار: (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ) فيردون على الخزنة: (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ) فيرد عليهم القوم الذين اقتحموا النار بعدهم: (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ).
وأصل هذا: أن هذا منهم لعن، يلعن بعضهم بعضًا؛ لقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ)، ونحو ذلك من الآيات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)
هذا كقوله: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ)، هذا قول الأتباع للقادة والرؤساء منهم، ثم ردت القادة على الأتباع، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) فعلى ذلك هذه المناظرة التي ذكرت هاهنا بين القادة والأتباع.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا)، وقوله: (مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا) أي: أنتم شرعتموه لنا في الدنيا وسننتموه، ولذلك قولهم: (مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا) أي: من شرع لنا هذا وسن الذي كنا عليه وأمرنا به فزده عذابًا في النار وهو كما ذكر في سورة سبأ حيث قالوا: (إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا)، واللَّه أعلم.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: الغساق: ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم من الصديد، يقال: غسقت عنه، أي: سَالت، ويقال: هو البارد المنتن؛ وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ): من مثله، الشكل: المثل، والشكل بنصب الشين الغنج، وشكلت المرأة إذا انغنجت، والتقحم الدخول واقتحمت كلمة واحدة وهو الدخول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ).
أي: لا سعة بهم، والرحيب والرحب: الواسع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) إلى آخر ما
ص 38:60
أجابهم الأتباع :﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. قال بعضهم : قالت الخزنة لمن في النار ﴿هذا فوج مقتحم﴾ فيردون على الخزنة ﴿لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار﴾ فيرد عليهم القوم الذين اقتحموا النار بعدهم ﴿بل أنتم لا مرحبا بكم﴾.
وأصل هذا أن هذا نمهم لعن، يلعن بعضهم بعضا كقوله عز وجل :﴿ثم يوم القيامة يكف بعضكم ببعض﴾ [العنكبوت: ٢٥] ونحو ذلك من الآيات.
ص 38:61
قوله تعالى :﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ هذا كقوله ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] هذا قول الأتباع للقادة والرؤساء منهم، ثم ردت القادة على الأتباع، وهو قوله عز وجل :﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]. فعلى ذلك المناظرة التي ذكرت ههنا بين القادة والأتباع.
ثم قوله عز وجل :﴿أنتم قدمتموه لنا﴾ أي أنتم شرعتموه لنا في الدنيا، وسننتموه. وكذلك قولهم :﴿من قدم لن هذا﴾ أي من شرع لنا هذا وسن الدين الذي كنا عليه، أمرنا به ﴿فزده عذابا ضعفا في النار﴾ وهو كما ذكر في سورة سبإ حين قالوا :﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبإ: ٣٣] والله أعلم.
ص 38:62
قوله تعالى :﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ هذا ما يقولون في الآخرة في النار. هذا ليلزمهم الحجة وإلا ﴿تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢] لأن هذه السورة مكية نزلت محاجة أهل مكة في إثبات التوحيد وإثبات الرسالة وإثبات البعث، وإثبات البعث، لأنهم كانوا على فرق ثلاث : منهم من ينكر التوحيد، ومنهم من ينكر الرسالة ومنهم من ينكر البعث.
فذكر الآية المتقدمة لإثبات الرسالة في ما تقدم، وذكرحجج البعث في هذه الآيات وحجج التوحيد في آخره. ذكر ذلك كله ليلزمهم الحجة، وإن أنكروا ذلك لئلا يقولوا :﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢].
ثم في هذه الآية دلالة أن عقوبة الله قد تلزم، وإن لم يتحقق عنده الحق، ولم يعرفه حقيقة حين أخبر أنهم يقولون في النار ما ذكر عز وجل :﴿ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار﴾ لأنه معلوم أنهم لو علموا حقيقة أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا على حق ما تركوا اتباعه، ولا سخروا منهم.
وعلى ذلك تخرج مباهلة أبي جهل يوم بدر حين قال : اللهم أينا أوصل رحما وأكثر كذا على ما ذكر فانظر إليه. ومعلوم أنه لو كان يعلم أن رسول الله ﷺ على حق لكان لا يجترئ على المباهلة.
دل أنه لم يعلم حقيقة أنه على حق، فعوقبوا، وإن لم يعلموا لما أمكن لهم من العلم والمعرفة، لو تأملوا، وأحسنوا النظر في ذلك، والله أعلم.
ثم قوله عز وجل :﴿ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار﴾ قال أهل التأويل : إنهم ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم في دينهم، وهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا، ويسخرون منهم. يقولون : كنا نسخر منهم في الدنيا، فأين هم ؟ وما لنا لا نراهم ؟ أم زاغت عنهم الأبصار، أي حارت، وشغلت أبصارنا، فلا نراهم.
لكن لا يحتمل أن يكونوا يقولون على هذا الذي يقوله أهل التأويل، ولكن يقولون على التلهف والتندم على ما كان منهم في الدنيا من ترك اتباعهم والسخرية منهم، قد ظهر عندهم أن أولئك كانوا على حق ؛ أعني رسول الله ﷺ وأصحابه، وأنهم على باطل.
فلا يحتمل أن يقولوا ذلك على غير التلهف والتندم، وقد عرفوا بماذا عذبوا، وجعلوا في النار ؛ عرفوا أنهم يكذبون في النار ؛ يعني أصحاب رسول الله ﷺ إذ كانوا على خلاف ما كان أولئك الكفرة، والله أعلم.
أو أن يقولوا ذلك على الاستعانة بهم ؛ يقولون : أين أولئك الذي كانوا ﴿أتخذناهم سخريا﴾ في الدنيا : لعلهم يشفعون لنا، فيغيثوننا ؟ يطمعون بالنجاة إذا اتبعناهم في ذلك الوقت أو نحو ذلك كقوله عز وجل :﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢] وهذا الذي ذكرنا هو أشبه بما يقوله أهل التأويل، والله أعلم.
ص 38:63
ذكر، ذكر هذا يقول في الآخرة في النار هذا؛ ليلزمهم الحجة وألا يقولوا: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)؛ لأن هذه السورة مكية، نزلت في محاجة أهل مكة في إثبات التوحيد وإثبات الرسالة، ومنهم من ينكر البعث، ذكر الأنباء المتقدمة لإثبات الرسالة فيما تقدم، وذكر حجج البعث في هذه الآيات وحجج التوحيد في آخره، ذكر ذلك كله لهم ليلزمهم الحجة وإن أنكروا ذلك؛ لئلا يقولوا: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ).
ثم في هذه الآية دلالة أن عقوبة اللَّه قد تلزم وإن لم يحقق عنده الحق ولم يعرفه حقيقة؛ حيث أخبر أنهم يقولون في النار ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ)؛ لأنه معلوم أنهم لم يعلموا حقيقة أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه كانوا على حق وإلا ما تركوا اتباعه ولا سخروا منهم؛ وعلى ذلك يخرج مباهلة أبي جهل يوم بدر حيث قال: " اللهم أينا أوصل رحما وآثر... كذا على ما ذكروا - نصر عليه "، ومعلوم أنه لو كان يعلم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على حق لكان لا يجترئ على المباهلة دل أنه لم يعلم حقيقة أنه على حق، فعوقبوا وإن لم يعلموا لما مكن لهم من العلم والمعرفة لو تأملوا وأحسنوا النظر في ذلك، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ)
قال أهل التأويل: إنهم ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم في دينهم وهم أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا ويسخرون منهم، يقولون: كنا نسخر منهم في الدنيا فأين هم؟ وما لنا لا نراهم (أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) أي: حارت وشغلت أبصارنا فلا نراهم.
لكن لا يحتمل أن يكونوا يقولون على هذا الذي يقوله أهل التأويل، ولكن يقولون على التلهف والتندم على ما كان منهم في الدنيا من ترك اتباعهم والسخرية منهم قد ظهر عندهم أن أُولَئِكَ كانوا على حق - أعني: رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - وأنهم على باطل، فلا يحتمل أن يقولوا ذلك على غير التلهف والتندم، وقد عرفوا بماذا عذبوا وجعلوا في النار؟ عرفوا أنهم لا يكونون في النار - يعني: أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذ كانوا على خلاف ما كان أُولَئِكَ الكفرة عليه، واللَّه أعلم.
أو أن يقولوا ذلك على الاستغاثة بهم يقولون: أين أُولَئِكَ الذين كانوا اتخذناهم سخريا
ص 38:64
في الدنيا لعلهم يشفعوننا فيعينوننا يطمعون النجاة إذا اتبعوهم في ذلك الوقت أو نحو ذلك؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ)، وهذا الذي ذكرنا هو أشبه مما يقوله أهل التأويل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)
قَالَ بَعْضُهُمْ: القسم بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ص وَالْقُرْآنِ) وقع على هذا على ما ذكرنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا على التقديم والتأخير، يقول: إن ذلك الذي ذكره من إحن بعض على بعض حيث قالوا: (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا)، وقولهم: (رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ)، وما ذكر في سورة الأعراف: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ...)، كذا و (أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ)، كذا، أي: ذلك التخاصم الذي ذكر الحق، أي: كائن فيما بينهم، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ. قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ (٦٥)
ليس عليَّ مما حملتم شيء، إنما ذلك عليكم إنما عليَّ الإنذار لكم فقط.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
يقول - واللَّه أعلم -: ما من إله عندي دونه بإله، إنما الإله هو الواحد القهار الذي تفرد وتوحد بربوبيته وألوهيته، قهر الخلائق كلهم بقدرته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)
يخبر عن غنائه وسلطانه يقول - واللَّه أعلم -: تعلمون أنه رب السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما بينهما، فلا يحتمل أن ما يأمركم به وينهاكم عنه، إنما يأمركم لحاجة
ص 38:65
قوله تعالى :﴿قل إنما أنا منذر﴾ ليس علي مما حملتم شيء، إنما ذلك عليكم، إنما على الإنذار لكم فقط. وقوله تعالى :﴿وما من إله إلا الله الواحد القهار﴾ يقول، والله أعلم : ما من إله عند دونه لإله، إنما الإله هو الواحد القهار الذي تفرد، وتوحد بربوبيته وألوهيته، قهر الخلائق كلهم بقدرته.
ص 38:66
قوله عز وجل :﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ : يخبر عن غناه وسلطانه ؛ يقول، والله أعلم : يعلمون أنه رب السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما بينهما، فلا يحتمل أن ما يأمركم به، وينهاكم عنه لحاجة نفسه أو لمنفعة له، ولكن إنما يأمر، وينهى لمنفعة أنفسكم ولحاجتكم، أو يقول : تعلمون أنه هو ربكم ورب ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما، فكيف تعبدون من تعلمون أنه ليس بربكم، ولا إله. وإنما الإله ما ذكر، فتتركون عبادته وطاعته.
وقوله عز وجل :﴿العزيز الغفار﴾ أي لا يلحقه الذل بذل أوليائه وخدمه، لأنه عزيز بذاته، لا بأحد، ليس كملوك الأرض يذلون، إذ ذل أولياؤهم وأتباعهم، لأن عزهم بأوليائهم وأتباعهم. فإذا ذلوا ذل من كان عزه بهم. فأما الله سبحانه وتعالى فهو عزيز بذاته، لا يلحقه الذل بذل أوليائه ولا هلاكهم.
ص 38:67
نفسه أو لمنفعة له، ولكن إنما يأمر وينهى لمنفعة أنفسكم ولحاجتكم.
أو يقول: تعلمون أنه هو ربكم ورب ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما، فكيف تعبدون من تعلمون أنه ليس بربكم ولا إله، وإنما الإله ما ذكر فتتركون عبادته وطاعته؟! وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ).
أي: لا يلحقه الذل بذل أوليائه وخدمه؛ لأنه عزيز بذاته لا بأحد ليس كملوك الأرض يذلون إذا ذل أولياؤهم وأتباعهم؛ لأن عزهم بأوليائهم وأتباعهم فإذا ذلوا ذل من كان عزه بهم، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - فعزيز بذاته لا يلحقه الذل بذل أوليائه ولا هلاكهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) له تأويلان:
أحدهما: أن هذا القرآن الذي أنزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نبأ عظيم أنتم عن التفكر فيه والنظر معرضون؛ لأن فيه ذكر ما نزل بالمكذبين بالتكذيب والعناد، وفيه ذكر من نجا منهم بم نجا؟ وفيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وفيه ذكر البعث وذكر الجنة والنار ونحوه، وذكر ما لهم وما عليهم، فهم عن التفكر فيه والنظر معرضون ما لو تفكروا فيه وتأملوا، لأدركوا كله ووصلوا إلى معرفة كل ما فيه مما ذكرنا، واللَّه أعلم.
والثاني: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) أي: البعث والحشر هو نبأ عظيم أنتم عن السعي والعمل لذلك معرضون تاركون.
فمن جعل تأويله على البعث والحشر يجعل الإعراض عن السعي له والعمل لذلك اليوم، ومن حمل تأويله على القرآن يجعل الإعراض عن التفكر فيه والنظر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلََّّ -: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ...) الآية.
اختلف في الملأ الأعلى: قال عامة أهل التأويل: الملأ الأعلى: هم الملائكة الذين تكلموا في آدم - عليه السلام - حين قال لهم الرب - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، فقالوا عند ذلك: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) ليس على حقيقة الخصومة، ولكن على التكلم في ذلك؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا)، كأنها ليس على التنازع المعروف عند الناس والخصومة، ولكن على اختلاف الأيدي فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم، واللَّه أعلم.
ومعناه: ما كان لي من علم من اختصام الملأ الأعلى وما كان منهم من التكلم إلا أن أوحي إليَّ فعلمت وإنما أنا نذير مبين.
ص 38:68
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ له تأويلان :
أحدهما : أن هذا القرآن الذي أنزل على رسوله ﷺ نبأ عظيم، أنتم عن التفكر فيه والنظر معرضون، لأن فيه ذكر ما نزل بالمكذبين والعناد، وفيه ذكر من نجا منهمأنه بم نجا ؟ وفيه ذكر البعث وذكر الجنة والنار ونحوه، وذكر ما لهم وما عليهم. فهم عن التفكر فيه والنظر معرضون ما لو تفكروا فيه، وتأملوا، لأدركوه كله، ووصلوا إلى معرفة كل ما فيه مما ذكر، والله أعلم.
والثاني : قوله عز وجل :﴿قل هو نبأ عظيم﴾ أي البعث والحشر هو نبأ عظيم، أنتم عن السعي والعمل لذلك معرضون، تاركون. فمن جعل تأويله غير البعث والحشر يجعل الإعراض عن السعي له والعمل لذلك اليوم. ومن حمل تأويله على القرآن يجعل الإعراض عن التفكر فيه، والنظر، والله أعلم.
ص 38:69
قوله تعالى :﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اختلف في الملأ الأعلى :
قال عامة أهل التأويل : الملأ الأعلى، هم الملائكة الذين تكلموا في آدم عليه السلام حين قال لهم الرب عز وجل :﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ فقالوا عند ذلك :﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ الآية [البقرة: ٣٠] وقوله تعالى :﴿إذ يختصمون﴾ ليس على حقيقة الخصومة، ولكن على التكلم في ذلك كقوله ﴿يتنازعون فيها﴾ [الطور: ٢٣] كأنها ليست على التنازع المعروف عند الناس والخصومة، ولكن على اختلاف الأيدي.
فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم، والله أعلم. ومعناه :﴿ما كان لي من علم﴾ من اختصام الملإ الأعلى، وما كان منهم من التكلم إلا أن أوحي إلي، فعلمت، وأنما ﴿أنا نذير مبين﴾.
قال بعضهم :﴿ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون﴾ وما كان اختصامهم في الكفارات وفي الدرجات وفي المنجيات والموبقات حتى علمني الله ذلك بالوحي إلي، وأعلمني ذلك.
ويذكرون " أن الكفارات، هي إسباغ الوضوء في المكاره، وبذل الطعام عند الضيق والشدائد " [ بنحو البزار في كشف الأستار : ٢١٢٩ ] ونحوها مما يطول ذكره، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله عز وجل :﴿ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون﴾ أي بالجمع الأعلى، وهو جمع يوم القيامة سماه الجمع الأعلى لأنه جمع الأولين والآخرين من الفرق جميعا ؛ أي ما كان لي من علم بذلك الجمع حتى علمت بالوحي.
وقوله عز وجل :﴿إذ يختصمون﴾ في ذلك اليوم تقع الخصومات كقوله عز وجل :﴿ثم إنكم يوم القيامة عن ربكم تختصمون﴾ [الزمر: ٣١] وهو على حقيقة الخصومة.
وجائز أن يكون الملأ الأعلى، هم الأشراف من أولئك الكفرة والقادة، منهم الذين أهلكوا بالتكذيب ومن نجا منهم بالتصديق، فيقول : ما كان لي من علم بهم، وما نزل بهم أوحي إلي، فعلمت بالوحي.
كأنهم سألوه عن ذلك. فأخبر أني كنت كواحد منكم في ذلك حتى عملت ذلك بالوحي ﴿إلا أنما أنا نذير مبين﴾ أمرني ربي، وأوحى إلي أن أنذركم بذلك متى أعلم بالوحي، والله أعلم.
ص 38:70
قوله تعالى :﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اختلف في الملأ الأعلى :
قال عامة أهل التأويل : الملأ الأعلى، هم الملائكة الذين تكلموا في آدم عليه السلام حين قال لهم الرب عز وجل :﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ فقالوا عند ذلك :﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ الآية [البقرة: ٣٠] وقوله تعالى :﴿إذ يختصمون﴾ ليس على حقيقة الخصومة، ولكن على التكلم في ذلك كقوله ﴿يتنازعون فيها﴾ [الطور: ٢٣] كأنها ليست على التنازع المعروف عند الناس والخصومة، ولكن على اختلاف الأيدي.
فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم، والله أعلم. ومعناه :﴿ما كان لي من علم﴾ من اختصام الملإ الأعلى، وما كان منهم من التكلم إلا أن أوحي إلي، فعلمت، وأنما ﴿أنا نذير مبين﴾.
قال بعضهم :﴿ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون﴾ وما كان اختصامهم في الكفارات وفي الدرجات وفي المنجيات والموبقات حتى علمني الله ذلك بالوحي إلي، وأعلمني ذلك.
ويذكرون " أن الكفارات، هي إسباغ الوضوء في المكاره، وبذل الطعام عند الضيق والشدائد " [ بنحو البزار في كشف الأستار : ٢١٢٩ ] ونحوها مما يطول ذكره، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله عز وجل :﴿ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون﴾ أي بالجمع الأعلى، وهو جمع يوم القيامة سماه الجمع الأعلى لأنه جمع الأولين والآخرين من الفرق جميعا ؛ أي ما كان لي من علم بذلك الجمع حتى علمت بالوحي.
وقوله عز وجل :﴿إذ يختصمون﴾ في ذلك اليوم تقع الخصومات كقوله عز وجل :﴿ثم إنكم يوم القيامة عن ربكم تختصمون﴾ [الزمر: ٣١] وهو على حقيقة الخصومة.
وجائز أن يكون الملأ الأعلى، هم الأشراف من أولئك الكفرة والقادة، منهم الذين أهلكوا بالتكذيب ومن نجا منهم بالتصديق، فيقول : ما كان لي من علم بهم، وما نزل بهم أوحي إلي، فعلمت بالوحي.
كأنهم سألوه عن ذلك. فأخبر أني كنت كواحد منكم في ذلك حتى عملت ذلك بالوحي ﴿إلا أنما أنا نذير مبين﴾ أمرني ربي، وأوحى إلي أن أنذركم بذلك متى أعلم بالوحي، والله أعلم.
ص 38:71
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) ما كان اختصامهم في الكفارات وفي الدرجات وفي المنجيات والموثقات حتى علمني اللَّه ذلك بالوحي إليَّ وأعلمني ذلك، ويذكرون أن الكفارات هو إسباغ الوضوء في المكروهات وبذل الطعام عند الضيق والشدائد ونحوها مما يطول ذكره، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أي: بالجمع الأعلى وهو جمع يوم القيامة، سماه: الجمع الأعلى؛ لأنه جمع الأولين والآخرين من الفرق جميعًا، أي: ما كان لي من علم بذلك الجمع حتى علمت بالوحي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ يَخْتَصِمُونَ).
في ذلك اليوم تقع الخصومات؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)، وهو على حقيقة الخصومة.
وجائز أن يكون الملأ الأعلى هم الأشراف من أُولَئِكَ الكفرة والقادة، منهم الذين أهلكوا بالتكذيب ومن نجا منهم بالتصديق؛ يقول: ما كان لي من علم بهم وما نزل بهم أوحي إلَّي فعلمت بالوحي، كأنهم سألوه عن ذلك فأخبر، أي: كنت كواحد منكم في ذلك حتى علمت ذلك بالوحي، ألا إنما أنا نذير مبين أمرني ربي وأوحى إليَّ أن أنذركم بذلك حين أعلم بالوحي، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)
ظاهر هذا أن يكون لا على القول منه لهم، ولكن على الخبر أنه كان ما ذكر، واللَّه أعلم.
ثم ذكر الذي خلق منه آدم على أوصاف مختلفة: مرة ذكر أنه خلق من طين، ومرة من تراب، ومرة من حمأ مسنون، ومرة كالصلصال، ومرة كالفخار، ومرة لازب وغيره على اختلاف ما ذكر؛ فجائز أن يكون كل وصف من ذلك قد كان وصف عن حال، كان ترابًا، ثم صار طينًا ثم ما ذكر ووصف، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي... (٧٢)
إضافة الروح إلى نفسه كإضافة خلق من خلائقه إليه؛ إذ الروح خلق من خلائقه كسائر الخلائق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).
لولا صرف أهل التأويل سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود وإلا كنا نصرفه
ص 38:72
قوله تعالى :﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ : إضافة الروح إلى نفسه كإضافة خلق من خلائقه إليه، إذ الروح خلق من خلائقه كسائر الخلائق.
وقوله تعالى :﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ لولا صرف أهل التأويل سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود، لكنا نصرف الأمر به إلى الخضوع له والاستسلام كما أحوج الملائكة إلى معرفة هذه الأسماء إلى آدم، وبه عرفوها حين قال عز وجل :﴿قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]. لكن صرف أهل التأويل سجود الملائكة إلى حقيقة السجود له جائز لأنهم ممتحنون بالأمر والنهي، وقد بينا ذلك في ما تقدم.
ص 38:73
لآخر: إلى الخضوع له والاستسلام، كما أحوج الملائكة إلى معرفة هذه الأسماء إلى آدم وبه عرفوها حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ)، لكن صرف أهل التأويل سجود الملائكة إلى حقيقة السجود له جائز؛ لأنهم ممتحنون بالأمر والنهي وقد بينا ذلك فيما تقدم.
ثم استثنى إبليس من الملائكة وأخبر أنه استكبر وأبي أن يسجد له حيث قال - عز وجل -: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤).
على قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فلما أبى السجود، خذله ووكله إلى نفسه صار كافرًا؛ ليعلم أن كل أحد وإن عظم قدره وجلت منزلته يحتمل خلاف ما هو عليه وضده، وأنه متى امتحنه بأمر فترك أمره؛ تكبرًا أو استخفافًا - خذله ووكله إلى أمره ونفسه فصار كافرًا مخذولًا حقيرًا؛ ليكونوا أبدًا على حذر وفزع إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على ما أخبر من عظم قدر الملائكة عند اللَّه وجليل منزلتهم عنده إذا خذلهم ووكلهم إلى أنفسهم صاروا كما صار إبليس، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ).
أي: كان في علم اللَّه أنه يكفر.
أو كان بمعنى صار من الكافرين إذ أبى السجود واستكبر؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ - لآدم: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، أي: تصيرا من الظالمين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)
قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن تخصيص إضافة الشيء الواحد إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يخرج مخرج تعظيم ذلك الواحد وذلك الفرد؛ كقوله: بيت اللَّه ومساجد اللَّه ورسول الله وولي اللَّه وأشباه ذلك، وخص هذه الأشياء بالإضافة إليه وإن كانت البقاع كلها والخلق كله له على التعظيم لذلك؛ فعلى ذلك يخرج إضافة خلق آدم إلى نفسه مخرج تعظيم آدم حيث قال: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) وإن كان جميع الخلائق هو خلقهم، ويخرج إضافة كلية الأشياء إلى اللَّه وكلية الخلائق إليه مخرج تعظيم الربّ والمدح له؛ نحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، ورزاق، يخلق منشأ العالم ومبدأه، وهو على كل شيء قدير، مالك الملك، وغير ذلك على ما ذكرنا فيما تقدم، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ).
قد تكلف أهل الكلام والتأويل في تأويل إضافة اليد إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: منهم من قال: القوة، ومنهم من قال: كذا، لكن التكلف في ذلك فضل مع ما قد يضاف اليد إلى من لا يد له ولا جارحة ولا عضو، نحو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: ، (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) لم يفهم أحد بذكر اليد له ولا الخلف ما يفهم من الخلق ولا ذهابهم، وكذلك ما ذكر من مجيء البرهان حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)، و (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ)، وأمثال ذلك مما يكثر عده وإحصاؤه، لم يفهم أحد من الخلائق من مجيء هذه الأشياء التي ذكرنا مجيء الخلق ولا فهم من ذكر اليد -لما ذكرنا من الأشياء- جارحة ولا عضو، فكيف يفهم من ذكر اليد ما فهم من الخلق إلا لفساد اعتقادهم لربهم والجهل بتعاليه عن معنى الغير، وإلا لم يخطر بباله بذكر ذلك لله أو إضافته إليه ما يخطر بباله من الخلق ومعنى الخلق.
أو أن يكون ذكر ذلك لنفسه وإضافته إليه من اليد وما ذكر؛ لِمَا باليد يكون في الشاهد لو احتمل كون ذلك من الخلق، نحو ما قال: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) وما كسبت يداك، ونحو ذلك مما يعلم في الحقيقة أن ذلك لم يكن يكسب به حقيقة ولا عمله من نحو الكفر وغير ذلك من الأشياء، لكنه ذكر لما باليد يكتسب في الشاهد وبها يعمل أكثر الأعمال والأفعال.
أو أضاف ذلك إليها لما ذكرنا وإن لم يكن منها عمل حقيقة؛ فعلى ذلك إضافة اليد إلى اللَّه فيما أضاف على ما كان ذلك من الخلق إنما كان باليد؛ على ذلك يخرج ما ذكر من استوائه على العرش بعد أن ذكرنا فيه ما يليق به ونفينا عنه ما لا يليق، وأصل ذلك أنا عرفنا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - متعاليا عن جميع معاني الغير وعن كل صفات يوصف بها الغير، علي ما ذكر في كتابه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فإذا كان كذلك فلا حاجة لنا إلى تأويل اليد وما ذكروا أنه ما أراد بها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ).
معناه - واللَّه أعلم -: أستكبرت للحال عندما أبيت السجود له، أم كنت في اعتقادك من العالين أي المستكبرين؟
ويحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ كُنْتَ): أم صرت من العالين، أي: استكبرت وصرت من العالين على ما في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، أي: صار من الكافرين.
ثم حرف الشك والاستفهام من اللَّه قد ذكرنا أنه على الإيجاب والقطع كأنه قال: بلى كنت في علم اللَّه أنك تكفر.
أو يقول: صرت من العالين، أي: ممن يطلب العلو؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ فِرْعَوْنَ
ص 38:74
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ على قوله من يقول : إن إبليس كان من الملائكة، فلما أبي السجود، خذله، ووكله إلى نفسه، وصار كافرا ليعلم أن كل أحد، وإن عظم قدره، وجلت منزلته، يحتمل خلاف ما هو فيه وضده، وأنه متى امتحنه بأمر، فترك أمره تكبرا أو استخفافا، خذله، ووكله إلى أمره ونفسه، فصار كافرا مخذولا حقيرا، ليكونوا أبدا على حذر وفزع إلى الله عز وجل على ما أخبر عن عظم قدر الملائكة عند الله وجليل منزلتهم عنده، إذا خذلهم، ووكلهم إلى أنفسهم صاروا كما صار إبليس، والله أعلم.
ثم قوله عز وجل :﴿وكان من الكافرين﴾ أي كان في علم الله أنه يكفر، أو كان بمعنى صار من الكافرين إذ أبى السجود، واستكبر، كقوله عز وجل لآدم عليه السلام عليه السلام ﴿فتكونا من الظالمين﴾ [البقرة: ٣٥] والله أعلم.
ص 38:75
قوله تعالى :﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ قد ذكرنا في ما تقدم في غير موضع أن تخصيص إضافة الشيء الواحد إلى الله عز وجل يخرج مخرج تعظيم ذلك الواحد وذلك الفرد كقوله ﴿رب هذا البيت﴾ [قريش: ٣] وقوله :﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: ١٨]. وقوله :﴿محمد رسول الله﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله :﴿ألا إن أولياء الله﴾ [يونس: ٦٢] وأشباه ذلك. وخص هذه الأشياء بالإضافة إليه، وإن كانت البقاع كلها والخلق كله له، على التعظيم لتلك الأشياء.
فعلى ذلك تخرج إضافة خلق آدم حين قال :﴿خلقت بيدي﴾ وإن كان جميع الخلائق، هو خلقهم، وتخرج كلية الأشياء إلى الله وكلية الخلائق مخرج تعظيم الرب والمدح له نحو قوله عز وجل :﴿قل الله خالق كل شيء﴾ [الرعد: ١٦] [ وقوله :﴿إن الله هو الرزاق﴾ [الذاريات: ٥٨]يخلق منشأ العالم ومبدأه كقوله :﴿وهو على كل شيء قدير﴾ [المائدة: ١٢٠] وقوله :﴿قل اللهم مالك الملك﴾ [آل عمران: ٢٦] وغير ذلك على ما ذكرنا في ما تقدم، والله أعلم.
ثم قوله عز وجل :﴿بيدي﴾ قد تكلف أهل الكلام والتأويل إضافة اليد إلى الله عز وجل منهم من قال هي القوة، ومنهم من قال : كذا. لكن التكلف في ذلك فضل مع ما قد تضاف اليد إلى من لا يد له ولا جارحة، ولا عضو نحو ما قال عز وجل :﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: ٤٢] لم يفهم أحد بذكر اليد له والخلف ما يفهم من الخلق، وكذلك لم يفهم ما ذكر من مجيء الحق ولا زهوق الباطل ما يفهم من مجيء الخلق وذهابهم كقوله : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } [الإسراء: ٨١] وكذلك ما ذكر من مجيء البرهان حين قال عز وجل :﴿يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم﴾ [يونس: ٥٧] وقال :﴿يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم﴾ [النساء: ١٧٤] وأمثال ذلك مما يكثر عده وإحصاؤه.
لم يفهم أحد من الخلائق من مجيء هذه الأشياء التي ذكرنا مجيء الخلق، ولا فهم من ذكر اليد ما ذكرنا من الأشياء جارحة ولا عضوا. فكيف يفهم من ذكر اليد ما فهم من الخلق، لولا فساد اعتقادهم لربهم، والجهل بتعاليه عن معنى الغير ؟ وإلا لم يخطر بباله بذكر لله وإضافته إليه ما يخطر ببالهم من الخلق ومعنى الخلق.
ويحتمل أن يكون ذلك ذكر لنفسه وأضافه إليه من اليد وما ذكر لما باليد يكون العمل في المشاهد لو احتمل كون ذلك من الخلق نحو ما قال ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾ [آل عمران: ١٨٢] وقال :﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ [الحج: ١٠] ونحوه مما يعلم في الحقيقة أن ذلك لم يكن بكسب اليد حقيقة ولا عمله من نحو الكفر ونحو ذلك من الأشياء.
لكنه ذكر اليد لما باليد يكتسب في الشاهد، وبها تعمل أكثر الأعمال والأفعال. وأضاف ذلك إليها لما ذكرنا، وإن لم يكن منها عمل حقيقة.
فعلى ذلك إضافة اليد إلى الله في ما أضاف على ما كان ذلك من الخلق إنما كان باليد. وعلى ذلك يخرج ما ذكر من استوائه على العرش بعد أن ذكرنا فيه ما يليق به ونفينا عنه ما لا يليق.
وأصل ذلك أنما عرفنا الله عز وجل متعاليا عن جميع معاني الغير عم كل صفات يوصف بها الغير على ما ذكر في كتابه :﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. فإذا كان كذلك فلا حاجة لنا إلى تأويل اليد وما ذكروا أنه ما أراد به، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿استكبرت أم كنت من العالين﴾ معناه، والله أعلم، استكبرت للحال عندما أبيت السجود له أم كنت في اعتقادك من العالين ؟ أي المستكبرين.
ويحتمل قوله عز وجل :﴿أم كنت من العالين﴾ أم صرت من العالين أي استكبرت، وصرت من العالين على ما في قوله عز وجل :﴿وكان من الكافرين﴾ [ الآية : ٧٤ ] أي صار من الكافرين.
ثم حرف الشك والاستفهام من الله قد ذكرنا أنه على الإيجاب والقطع ؛ كأنه قال : بلى كنت في علم الله أنك تكفر، أو يقول : وصرت من العالين أي ممن يطلب العلو كقوله تعالى :﴿إن فرعون علا في الأرض﴾ [القصص: ٤].
ص 38:76
عَلَا فِي الْأَرْضِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
ظن إبليس - عليه لعنة اللَّه - أن النار لما كان من طبعها الارتفاع والعلو ومن طبع الطين التسفل والانحدار أن الذي طبعه الارتفاع والعلو خير من الذي طبعه التسفل والانحدار؛ لذلك قال - واللَّه أعلم -: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).
أو لما رأى أن إصلاح الأشياء كلها ونضجها بالنار فقال هذا عند ذلك.
لكن لو نظر الملعون وحقق النظر، لعلم أن الطين خير من النار؛ لأنه من الأرض، والأرض كالأصل والأم لغيرها؛ لأن الأشياء يكون صلاحها ونضجها بالنار وأول بدئها من الأرض، كالابن من الأم الوالدة على ما ذكرنا، واللَّه الموفق.
ثم كفره بإبائه السجود له لما لم ير أمر اللَّه له بسجود من هو خير وأعلى لمن دونه حكمة وحقَّا، فكفر لما رأى أنه وضع الأمر في غير موضع الأمر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: اخرج من الجنة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: اخرج من السماء إلى الأرض.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: اخرج من الأرض إلى جزيرة البحر، واللَّه أعلم بذلك، وليس لنا أن نتكلف القطع على القول فيه: أن أمره بالخروج من كذا، وقد عرف اللعين أنه بماذا أمره بالخروج منها.
ثم ذكر مرة (فَاخْرُجْ مِنْهَا)، ومرة قال: (فَاهْبِطْ مِنْهَا)، ونحو ذلك من الألفاظ المختلفة؛ وكذلك ما ذكر مرة قال: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، وقال فيما وضع آخر: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)، وقال في موضع: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) و (تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ)، ونحو ذلك على الألفاظ المختلفة، فذلك كله يدل على أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف، وكذلك ما ذكر في القصص على اختلاف الألفاظ مكررة معادة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ).
أي: لعين، كأنه قال: فإنك لعين على ألسن الناس، ليس يذكره أحد من أعدائه وأتباعه وأوليائه إلا وقد لعنه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)
كانت اللعنة عليه إلى يوم الدِّين هي خذلانه وطرده عن رحمته ودينه؛ لما علم أنه لا
ص 38:77
قوله تعالى :﴿قال فاخرج منها﴾ قال بعضهم : أي اخرج من الجنة. وقال بعضهم : أي اخرج من السماء إلى الأرض. وقال بعضهم أي اخرج من الأرض إلى جزائر البحر، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نتكلف القطع على القول فيه إن أمره بالخروج من كذا، وقد عرف اللعين أنه لما تمادى أمره بالخروج منها.
ثم ذكر مرة :﴿فاخرج منها﴾ ومرة قال :﴿فاهبط منها﴾ [الأعراف: ١٣] ونحو ذلك من الألفاظ المختلفة. وكذلك ما ذكر مرة :﴿قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ وقال في موضع آخر :﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ [الأعراف: ١٢] وقال في موضع آخر :﴿قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين﴾ [الحجر: ٣٢] ونحو ذلك على الألفاظ المختلفة. فذلك كله يدل على أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف، وكذلك ما ذكر في القصص على اختلاف الألفاظ مكررة معادة.
وقوله تعالى :﴿فإنك رجيم﴾ أي لعين ؛ كأنه قال : فإنك لعين على ألسن الناس، ليس يذكره أحد من أعدائه وأتباعه وأوليائه إلا وقد لعنه.
ص 38:78
قوله تعالى :﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ كانت اللعنة عليه إلى يوم الدين هي خذلانه وطرده عن رحمته ودينه لما علم أنه لا يعود إلى اختيار توحيده وطاعته أبدا. وكانت عليه في الدنيا والآخرة ؛ فأما في الدنيا فما ذكرنا من خذلانه وتركه في الغي، وأما في الآخرة فطرده عن جنته، والله أعلم.
ص 38:79
ثم سأل ربه أن ينظره ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
ص 38:80
يعود إلى اختيار توحيده وطاعته أبدًا، وإلا كان عليه لعنته في الدنيا والآخرة: فأما في الدنيا ما ذكرنا من خذلانه وتركه في العمر، وأما في الآخرة مطرود عن جنته، واللَّه أعلم.
ثم سأل ربه أن ينظره إلى يوم يبعثون فأجاب حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) وإنما أنظره - واللَّه أعلم - لأنه يختار الكفر والخلاف له أبدًا.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
هو يوم اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ): هو يوم البعث، إلى ذلك أنظره على ما سبق منه السؤال على النظرة إلى يوم البعث حيث قال: (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ): هو النفخة الأولى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لم يبين له ذلك الوقت؛ ولذلك ذكر منه الخوف، وهو ما قال - عز وجل -: (قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)، ولو كان بين له الوقت المعلوم لكان لا يخاف دون ذلك الوقت، ولكنه يأمن فدل خوفه أنه لم يبين له ذلك وهو معلوم عند اللَّه، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)
وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) كأنه يقول - واللَّه أعلم -: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان أن تغويهم إلا من كان في علمه أنه يختار الغواية ويؤثر اتباعه؛ فيكون له عليهم سلطان الإغواء، فأما من كان في علم اللَّه أنه يختار الإيمان والتوحيد، فلا سبيل لك عليهم، واللَّه أعلم.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: (الْمُخْلَصِينَ (٨٣) للتوحيد، فإن كان ذلك فيكون قوله تعالى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ) يكون كفرا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْمُخْلَصِينَ) من الهلاك، فإن كان ذلك فيكون قوله: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ)، أي: لأهلكنهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْمُخْلَصِينَ) من كل ذنب وكل معصية، لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، واللَّه أَعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)
قرئ بنصبهما جميعًا: (فَالْحَقَّ وَالْحَقَّ أَقُولُ)، وقد قرئ أيضًا برفع الأول ونصب الثاني: (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ).
ص 38:81
قوله عز وجل :﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ هو يوم اختلف فيه :
قال بعضهم : الوقت المعلوم هو يوم البعث إلى ذلك أنظره على ما سبق منه السؤال على النظرة إلى يوم البعث حين قال :﴿إلى يوم يبعثون﴾.
وقال بعضهم : الوقت المعلوم، هو النفخة الأولى. وقال بعضهم : لم يبين له ذلك الوقت، ولذلك ذكر منه الخوف، وهو ما قال عز وجل :﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] و﴿قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين﴾ [الحشر: ١٦]. ولو كان بين له الوقت المعلوم لكان لا يخاف دون ذلك الخوف. ولكنه يأمن. فدل خوفه أنه لم يبين له ذلك، وهو معلوم عند الله، والله أعلم.
ص 38:83
قال بعضهم : المخلصين للتوحيد. فإن كان ذلك فيكون قوله :﴿لأغوينهم﴾ لأهلكنهم. وقال بعضهم :﴿المخلصين﴾ من كل ذنب وكل معصية. لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، والله أعلم.
ص 38:84
قوله تعالى :﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ قد قرئ بنصبهما جميعا : فالحق والحق أقول، وقد قرئ أيضا برفع الأول ونصب الثاني :﴿فالحق والحق أقول﴾. فمن قرأ بالرفع والنصب فيكون معناه، والله أعلم : أنا الحق والحق أقول، أي مني يكون الحق على هذا. ومن قرأ على النصب فهو على التأكيد تأكيدا على ما ذكر على إثره ؛ كأنه يقول : أقول الحق والحق.
ص 38:85
فمن قرأه بالرفع فيكون معناه - واللَّه أعلم - (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ) أي: مني يكون الحق على هذا.
ومن قرأه على النصب فهو على التأكيد؛ تأكيدًا على ما ذكر على أثره كأنه يقول: أقول الحق الحق، وهو يقول: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥).
ثم جائز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة فيقال لهم: أراد اللَّه تعالى أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره الذي أخبر أنه كان يكون، أو لم يرد أن ينجز ما وعد وألا يخرج خبره على الصدق.
فإن قالوا: لم يرد، أعظموا القول؛ لأنهم زعموا أنه أراد أن يخلف ما وعد، وأن يكذب في خبره، فذلك عظيم القول حيث وصفوا ربهم بالسفه؛ لأن من أراد أن يخلف وعده وأن يكذب في خبره، فهو سفيه على زعم من قال ذلك.
وإن قالوا: أراد أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره، فيقال لهم: أراد أن يتبعوا إبليس، أو أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوه؟
فإن قالوا: أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوا إبليس، فيقال: أراد أن يجور ويظلم على زعمكم؛ لأنه أراد أن يملأ جهنم ولم يرد ما يستوجبون ذلك؛ فدل على أن اللَّه تعالى علم أنه يكون منهم، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
وقوله: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ).
هذا يحتمل وجوهًا:
أحدها: لا أسألكم على ما أدعوكم من الشرف والذكر في الدنيا والآخرة من أجر، ولا أجد في الشاهد من يبذل للآخر من الشرف أو الذكر ولا يعطيه ذلك إلا بأجر، فكيف تتركون اتباعي ولا تقبلون ذلك مني؟!
أو يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر، فيمنعكم ثقل ذلك الأجر وذلك الغرم عن إجابتي؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ)، أي: لست تسألهم أجرًا حتى يمنعهم ثقل ذلك الغرم عن الإجابة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ).
قال عامة أهل التأويل: وما أنا ممن تكلف ذلك من تلقاء نفسي، ولا أمرتكم بما
ص 38:86
قوله تعالى :﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ هذا يحتمل وجوها :
أحدها : لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من الشرف والذكر في الدنيا والآخرة من أجر، ولا أحد في الشاهد ممن يبذل للأجر من الشرف أو الذكر، ولا يعطيه ذلك إلا بأجر. فكيف يتركون اتباعي، ولا يقبلون ذلك مني ؟
والثاني : لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر، فيمنعكم ثقل ذلك الأجر وذلك الغرم عن إجابتي كقوله : عز وجل :﴿أم نسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون﴾ [ الطور : ٤٠ والقلم : ٤٦ ] أي لست تسألهم أجرا حتى يمنعهم ثقل ذلك الغرم عن الإجابة / ٤٦٥ – أ/.
وقوله تعالى :﴿وما أنا من المتكلفين﴾ قال عامة أهل التأويل : وما أنا ممن تكلف ذلك من تلقاء نفسه، ولا أمرتكم بما آمركم إلا بالوحي، والمتكلف عند الناس في الظاهر، هو الذي يفعل، ويقول بلا إذن. وقال أبو عوسجة : المتكلف، هو الذي يتكلف ما لا يعنيه، ويفعل مالم يؤمر به. وجائز أن يكون قوله عز وجل :﴿وما أنا من المتكلفين﴾ أي ما أنا من المتحملين مما حملتم إذا خالفتموني، والله أعلم.
ص 38:87
آمركم إلا بالوحي، والمتكلف عند الناس في الظاهر: هو الذي يفعل ويقول بلا إذن.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: المتكلف: هو الذي يتكلف ما لا يعنيه ويفعل ما لم يؤمر به.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)، أي: ما أنا من المتحملين مما حملتم إذا خالفتموني، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)
أي: ما هذا القرآن وهذا النبأ إلا عظَة وذكر لمن انتفع به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
يحتمل نبأ القرآن.
ويحتمل البعث والحساب، أي: يعلمون أن ذلك حق بعد حين.
ثم ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - في جهنم أنه يملؤها ولم يذكر في الجنة أنه يملؤها، فجائز أن يكون ما ذكر من الملء هو أن يضيقها عليهم، وفي التضييق زيادة في الألم.
أو أن يكون في سعة الجنة حكمة ولا يكون ذلك في جهنم؛ لأن السعة تطلب للنزهة والانتشار في البساتين وغير ذلك وليس ذلك في جهنم، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *
ص 38:88
قوله تعالى :﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ يحتمل نبأ القرآن، ويحتمل البعث والحساب، أي تعلمون أن ذلك حق بعد حين.
الزمر 39:1
سُورَةُ الزُّمَرِ
وهي مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)
يقول - واللَّه أعلم -: إن الكتاب الذي يتلوه رسولنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويدعوكم إليه هو تنزيل من عند اللَّه؛ كقوله: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) على أثر قوله: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ) يخرج - واللَّه أعلم - أنه يدعوكم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى اتباع الكتاب والطاعة، ليس لذل به يطلب بكم العز أو الضعف في التدبير فيطلب بكم الاستعانة فيه؛ لأنه عزيز بذاته حكيم لا يلحقه الخطأ أو الضعف في التدبير، ولكن إنما أمركم بما أمر ونهاكم عما نهى لتكتسبوا لأنفسكم ولتنتفعوا به، فأمَّا اللَّه - سبحانه - عزيز بذاته غني حكيم بنفسه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: العزيز هو الذي لا يعجزه شيء، والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو العزيز؛ لأن كل عزيز دونه إنما يصير ذليلا عنده وعز من دونه عند عزه ذلا، والحكيم هو المصيب في فعله وتدبيره، وقيل: هو الذي وضع كل شيء موضعه.
وقال بعض أهل التأويل: العزيز هو المنيع، وتأويل المنيع: الممتنع عن جميع مكائد الخلق وجميع حيلهم بالضرر له، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، واللَّه أعلم.
الزمر 39:2
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)
يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِالْحَقِّ) أي: بالحق الذي لله عليكم، وبالحق الذي لبعضكم على بعض، أو كما قال أهل التأويل (بِالْحَقِِّ)، أي: للحق، أي: أنزلناه للحق، لم ننزله عبثًا باطلا لغير شيء، ولكن أنزلناه للحق لحقوق ولأحكام ومحن وأمور، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ).
جائز أن يكون ما ذكر من إنزاله الكتاب بالحق ذلك هو ما أمره من العبادة له، أمره بوفاء ذلك الحق له.
ثم يحتمل قوله: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) وجهين:
أحدهما: أصل في الاعتقاد، أي: اعتقد جعل كل عبادة وطاعة لله خالصًا لا تعتقد لأحد شركًا.
والثاني: في المعاملة: أن كل عمل عبادة وطاعة اجعله لله خالصًا لا تجعل لغيره فيه شركاء. واللَّه أعلم.
وأما أهل التأويل قالوا: (فَاعْبُدِ اللَّهَ): وحد اللَّه (مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)، وتأويل هذا أن اجعل الوحدانية والألوهية لله في كل شيء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)
أي: ولله شهادة الوحدانية والألوهية في كل شيء.
ويحتمل أيضًا قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، أي: دين اللَّه هو الدِّين الخالص؛ لأنه دين قام بالحجج والبراهين، وأما غيره من الأديان فهو دين بهوى النفس وأمانيها لا بالحجج والآيات، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
كأن فيه إضمارًا يقول: والذين اتخذوا من دونه أولياء وعبدوها قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقالوا في موضع آخر: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، عرفوا أن ما كانوا يعبدون من الأوثان وغيرها ليسوا بآلهة في الحقيقة ولا لهم الألوهية حقيقة، وأن حقيقة الألوهية لله، لكنهم سموها: آلهة؛ لأنهم كانوا يعبدونها، وكل معبود عند العرب إله؛ لأن الإله هو المعبود، وقدروا تسمية كل معبود: إلها؛ لذلك سموها: آلهة وإن عرفوا أن ليست لهذه الأشياء ألوهية حقيقة، وأن ذلك لله عَزَّ وَجَلَّ. ثم إن الذي حملهم على عبادة ما عبدوا من دون اللَّه وجهان:
أحدهما: لما لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة الإله العظيم أو تقدر على القيام بخدمته، فعبدوا هذه الأشياء رجاء أن تقربهم عبادة هَؤُلَاءِ إلى اللَّه زلفى، وأن هَؤُلَاءِ شفعاؤهم عنده، وذلك لما رأوا في ملوك الدنيا أن كل أحد لا يجد السبيل إلى خدمة ملوكها، أو لا يقدر على القيام بين يديه والخدمة له، فيخدم من اتصل بالملك ومن عظم قدره ومنزلته عند الملك؛ ليقربه ذلك المخدوم له إلى الملك إذا بدت له الحاجة أو الشفاعة، وعلى ذلك ما ذكر في قصة فرعون أنه كان اتخذ لقومه أصنامًا يعبدونها من دونه، لما لم يروا كل أحد منهم يصلح لخدمته، وهو ما أغرى قومه على موسى حيث قالوا: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، ونحو هذا أوجه.
والثاني: عبدوهم؛ لما رأوا آباءهم قد عبدوها، وتركوا على ذلك حتى ماتوا، فاستدلوا بتركهم على ذلك على أن اللَّه قد كان رضي بعبادتهم الأصنام وأمرهم بذلك لقولهم إذا فعلوا فاحشة: (قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)؛ ولذلك قالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا)، وقولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)، استدلوا بتركه آباءهم على ما عبدوا من الأصنام على ذلك ولم يعاقبهم في الدنيا، وكانوا لا يؤمنون بالآخرة حتى يزجرهم إليها على أن الله قد رضي بذلك، وأنهم عن أمر منه فعلوا ذلك، فرد اللَّه ذلك عليهم فقال: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).
يحتمل قوله: (فِي مَا هُم فِيهِ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، في مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنهم اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه ساحر، ومنهم من قال: إنه شاعر، وإنه مجنون، وإنه مفتر ونحوه، فيخبر أنه يحكم بينهم؛ ليبين لهم أن ما ذكروا ابتغوا فيه أهواءهم.
أو يحكم بينهم أن الأصنام التي عبدوها لا تشفع لهم، وأن عبادتهم لا تقربهم إلى الله زلفى، وقد بين لهم في الدنيا أن محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليس بشاعر ولا ساحر ولا كذاب على ما قالوا؛ لما أنبأهم وأخبرهم بأخبار عرفوا أن الساحر والشاعر لا يعرف مثلها، نحو ما أخبرهم بنصر اللَّه إياه والظفر له عليهم -أعني: على الأعداء- فكان على ما أنبأهم بأنباء وأخبار عرفوا أنه صادق في ذلك ما لا يستفاد مثلها بالسحر وبالكهانة إلا بالوحي من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لكنهم عاندوا وكابروا؛ وكذلك بين لهم أيضًا ما عرفوا أن الأصنام التي عبدوها في الدنيا لا تملك لهم الشفاعة يوم القيامة، حيث ابتلاهم بأهوال وأفزاع بركوب البحار والتضييق عليهم حتى فزعوا إلى اللَّه في كشف ذلك عنهم ودفعه عنهم، لم يفزعوا إلى الأصنام التي عبدوها، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، ونحو ذلك ما ابتلاهم بالشدائد والبلايا عرفوا أن معبودهم الذي عبدوه لا يملك دفع ذلك عنهم ولا كشفه، وإنما المالك لذلك هو اللَّه المعبود الحق.
ثم تناقض قولهم؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالة النبيين بقولهم: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)، فيرون للخشب والأشجار الألوهية والعبادة، فذلك تناقضٌ ظاهر.
قَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) أي: مقربة فيشفعون لنا إلى اللَّه تعالى.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).
قال أبو بكر: لا يهدي أحدا بالضلال والكفر، ولكن إنما يهدي بضد الضلال والكفر، أو كلام نحوه.
وقال الجبائي: لا يهدي طريق الجنة في الآخرة، أي: لا يهدي من كان في الدنيا كاذبًا كفارًا في الآخرة طريق الجنة.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) من صِلَة قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) و (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، كفار لنعمه بصرفهم العبادة إلى غير المنعم.
وقال جعفر بن حرب: إن اللَّه لا يهدي إلى الزيادات التي يهدي ويعطي من اختار الهدى؛ لأنه يقول: إن من اختار الهدى واهتدى كان عند اللَّه لطفًا ورحمة يعطي ذلك زيادات وفضل زيادة على ما كان اختاره؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ).
هذه التأويلات كلها للمعتزلة، وأما عندنا فإن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي) من هو في علمه أنه يختار الكفر وقت اختياره الكفر والضلال، أي: لا يوفقه للهدى ولا يعينه وقت اختياره الكفر، ولكنه يخذله؛ وكذلك يقول في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) و (الْكَافِرِينَ) ونحوه أي: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم، والله الموفق.
والثاني: (لَا يَهْدِي)، أي: لا يخلق فعل من هو فعل كفر فعل هدى، ولكن يخلقه
الزمر 39:3
قوله تعالى :﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي ألا لله شهادة الوحدانية والألوهية في كل شيء. ويحتمل أيضا قوله عز وجل :﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي دين الله، هو الدين الخالص، لأنه دين قام بالحجج والبراهين. وأما غيره من الأديان، فهو دين قام بهوى النفس وأمانيها لا بالحجج والآيات، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ كان فيه إضمار :( وقال الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )، وقالوا في موضع آخر :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] عرفوا أن ما كانوا يعبدون من الأوثان وغيرها ليسوا بآلهة في الحقيقة، ولا لهم الألوهية حقيقة، وأن حقيقة الألوهية لله. لكنهم سموها آلهة لأنهم كانوا يعبدونها ؛ وكل معبود عند العرب إله، لأن الإله هو المعبود، وقد رأوا تسمية كل معبود إلها. لذلك سموها آلهة، وإن عرفوا أن ليست لهذه الأشياء ألوهية حقيقة، وأن الألوهية لله عز وجل ثم إن الذي حملهم على عبادة ما عبدوا من دون الله وجهان :
أحدهما : لما لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة الإله العظيم، أو تقدر على القيام بخدمته عبدوا هذه الأشياء رجاء أن تقربهم عبادة هؤلاء إلى الله زلفى، وأن يكون هؤلاء شفعاءهم عنده. وذلك ما رأوا في ملوك الدنيا : أن كل واحد يجد السبيل إلى خدمة ملك، أو يقدر على القيام بين يديه والخدمة له، يخدم من اتصل بالملك ومن عظم قدره ومنزلته عند الملك ليقربه ذلك المخدوم له إلى الملك إذا بدت له الحاجة أو الشفاعة.
وعلى ذلك ما ذكر في قصة فرعون أنه كان اتخذ لقومه أصناما يعبدونها من دونه لما لم ير كل أحد منهم يصلح لخدمته، وهو ما أغرى قومه على موسى حين قالوا :﴿وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ونحو هذا وجه.
والثاني : عبدوها لما رأوا آباءهم قد عبدوها، وتركوا على ذلك حتى تابوا، فاستدلوا بتركهم على ذلك على أن الله قد كان رضي بعبادتهم الأصنام، وأمرهم بذلك لقولهم :﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] ولذلك قالوا :﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقالوا :﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء﴾ [النحل: ٣٥].
استدلوا بتركه آباءهم على ما عبدوا من الأصنام على ذلك وأنهم عن أمر منه فعلوا ذلك. فرد الله ذلك عليهم، فقال :﴿إن الله يحكم بينهم﴾ يوم القيامة ﴿في ما هم فيه يختلفون﴾.
يحتمل قوله :﴿في ما هم فيه يختلفون﴾ في محمد ﷺ لأنهم اختلفوا فيه :
فمنهم من قال : إنه ساحر، ومنهم من قال : إنه شاعر، وإنه مجنون، وإنه مفتر، ونحوه.
فيخبر أنه يحكم بينهم ليبين لهم أن ما ذكروا هو هواهم أو يحكم بينهم أن الأصنام التي عبدوها لا تشفع لهم، وأن عبادتهم لا تقربهم إلى الله زلفى.
وقد بين لهم في الدنيا أن محمدا ﷺ ليس بشاعر ولا ساحر ولا كذاب على ما قالوا لما أنبأهم، وأخبرهم بأخبار، عرفوا أن الساحر والشاعر، لا يعرف مثلها، نحو ما أخبرهم بنصر الله إياه والظفر له عليهم، أعني على الأعداء، فكان على ما أنبأهم. وكذلك ما أنبأهم بأنباء وأخبار، عرفوا أنه صادق في ذلك ما لا يستفاد مثلها بالسحر وبالكهانة إلا بالوحي من الله عز وجل لكنهم عاندوا، وكابروا.
وكذلك بين لهم أيضا ما عرفوا أن الأصنام التي عبدوها في الدنيا، لا تملك لهم الشفاعة يوم القيامة حين ابتلاهم بأهوال وأفزاع : بركوب البحار والضيق عليهم، حتى فزعوا إلى الله في كشف ذلك عنهم ودفعه عنهم، لم يفزعوا إلى الأصنام التي عبدوها، وهو ما قال عز وجل ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقوله :﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ [الإسراء: ٦٧] ونحو ذلك ما ابتلاهم بالشدائد والبلايا، عرفوا أن معبودهم الذي عبدوه، لا يملك دفع ذلك عنهم ولا كشفه. وإنما المالك لذلك، هو الله المعبود الحق.
ثم يناقض قولهم لأنهم كانوا ينكرون رسالة النبيين بقولهم :﴿أبعث الله بشرا رسولا﴾ [الإسراء: ٩٤] فيرون للخشب والأشجار الألوهية والعبادة، فذلك تناقض ظاهر :
قال بعضهم في قوله :﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي مقربة، فيشفعون لنا إلى الله تعالى، وقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ قال أبو بكر : لا يهدي أحدا بالضلال والكفر، ولكن إنما يهدي بضد الضلال والكفر، أو كلام نحوه.
وقال الجبائي : لا يهدي من كان في الدنيا كاذبا كفارا في الآخرة طريق الجنة.
وجائز أن يكون قوله عز وجل :﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ من ضله قوله :﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقوله :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] كفار لنعمه بصرفه العبادة إلى غير المنعم.
وقال جعفر بن حرب : إن الله لا يهدي إلى الزيادات الذي يكذب، ويعطي من اختار الهدى، لأنه يقول : إن من اختار الهدى، واهتدى كان عند الله بلطفه ورحمته : يعطي ذلك زيادات على ما كان اختاره كقوله عز وجل :﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد: ١٧].
هذه التأويلات كلها للمعتزلة.
وأما عندنا فإن قوله :[ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :﴿إن الله لا يهدي من هو﴾ في علمه أنه يختار الكفر وقت اختياره الكفر والضلال، أي لا يوفقه للهدى، ولا يعنيه وقت اختياره الكفر، ولكنه يخذله. وكذلك يقول في قوله عز وجل :﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقوله :﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ [المائدة: ٦٧] ونحوه أي لا يهديهم وقت الكفر والظلم، والله الموفق.
والثاني : لا يهدي، أي لا يخلق من فعل من فعل كفرا، فعل هدى، ولكن يخلق فعل كفر. وكذلك لا يخلق من فعل من فعل هدى فعل كفر، ولكن يخلق كل فعل على ما يفعله الفاعل، ويختاره، يخلق من فعل الكافر كفرا، ومن فعل المهتدي فعل هدى يخلق كل فعل على ما يختاره الفاعل، ويفعله إن كان هدى يخلقه هدى، وإن كان كفرا يخلقه كفرا.
وقال بعض أهل التأويل : إن الله لا يهدي من كان في علمه أنه يختم بالكفر، ويخرج به من الدنيا، والله أعلم.
ثم قوله عز وجل :﴿من هو كاذب كفار﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :﴿من هو كاذب كفار﴾ على رسول الله ﷺ.
والثاني :﴿كفار﴾ لنعم الله وكاذب في القول كفار في الفعل، والله أعلم.
الزمر 39:4
فعل كفر وكذلك لا يخلق فعل من هو فعل هدى فعل كفر، ولكن يخلق كل فعل على ما يفعله الفاعل ويختاره: يخلق فعل الكافر كفرًا وفعل المهتدي فعل هدى، يخلق كل فعل على ما يختاره الفاعل ويفعله: إن كان هدى يخلقه هدى، وإن كان كفرا يخلقه كفرا.
وقال بعض أهل التأويل: إن اللَّه لا يهدي من كان في علمه أن يختم بالكفر ويخرج به من الدنيا، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) يحتمل وجهين:
أحدهما: من هو كاذب كفار على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
والثاني: كفار أنعم اللَّه، وكاذب في القول، كفار في الفعل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)
ظاهر هذا أن إيجاد الولد له من المحتمل والممكن ليس من الممتنع، وكذلك ظاهر قوله: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)، ظاهر هذا الذي ذكر هو من المحتمل والممكن وكان من الممتنع أيضًا؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)، دلت هذه الآيات على أن إيجاد الولد من الممتنع والعظيم في العقول والقلوب جميعًا.
ثم قوله: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ).
أي: لو جاز أو احتمل إيجاد الولد على ما تقولون أنتم وتتوهمون، لاصطفى واختار مما يشاء، هو ما شاء، ليس على ما تختارون أنتم له وتشاءون: أن الملائكة بنات الله على ما تزعمون؛ لأن العرف في الخلق أن من اتخذ لنفسه شيئًا إنما يتخذ من أعز الأشياء وأرفعها وأعظمها قدرًا عندهم، لا من أخس الأشياء وأذلها؛ وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ)، أي: إلى آلهتهم التي اتخذ أُولَئِكَ آلهة في الحقيقة، ولكن سماها بالذي عندهم، وكذلك قول موسى - عليه السلام -: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا)، أي: انظر إلى الذي اتخذته إلها سماه على ما هو عنده؛ فعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ) على ما في ظنونكم وتوهمكم أنه اتخذ الولد لاختار مما ذكر لا مما تقولون أنتم، لو احتمل ذلك على ما في ظنكم وحسبانكم لكان مما ذكر.
والثاني: مبنى الاتخاذ راجع إلى البنين إذ كانت الكفرة ينسبون الملائكة إلى أنهم بناته؛ لما عرفوا من كرامتهم على اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وقربتهم عنده، وينسبونه إلى أنهم بناته، وإِلَى أن عيسى ابنه، وإنما يتخذ الأولاد ويتبنى ليستنصروا بهم، فبرأ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نفسه على احتمال الشكل وخوف الغلبة، فقال: (سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
الزمر 39:5
وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) دفع ما قالوا فيه وإحالة ذلك؛ لما أخبر أنه واحد في الذات، ولو كان كما ذكر هَؤُلَاءِ من الولد، لم يكن واحدًا في الذات؛ إذ كل محتمل الولد منه هو من شكل الولد، فإذا عرفهم أنه واحد في الذات لم يحتمل الولد وما ذكروا.
وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْقَهَّارُ) دلالة إحالة ذلك؛ لأنه أخبر أنه قهار، والولد في الشاهد إنما يتخذ لأحد وجوه:
إما لوحشة أصابته فيستأنس به.
وإمَّا لحاجة تمسه فيدفع بالولد ذلك.
وإمَّا لغلبة شهوة فيقضيها فيتولد من ذلك الولد.
وإمَّا لوراثة ملكه بعد موته، وهو دائم باق لا يزول ملكه أبدًا.
وإمَّا للاستعانة والنصرة على أعدائه.
لأحد هذه الوجوه التي ذكرنا يحتاج المرء إلى اتخاذ الولد، واللَّه قادر بذاته قاهر غني لا يحتمل ما ذكروا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)
يحتمل قوله: (بِالْحَقِّ)، أي: بالحق الذي لله عليهم، ولما لبعض على بعض من الحق.
أو أن يكون قوله: (بِالْحَقِّ) أي: للحق، وهو البعث ما لو لم يكن البعث، لكان خلقهما عبثًا باطلا على ما ذكر في آية أخرى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ).
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ)، أي: بالحكمة، وهو أن جعل في خلقة كل شيء أثر وحدانيته وألوهيته ما يعرف كل أنه فعله وإن لم يشاهد خلقه، وهو على ما يكون ذلك في فعل أحد من الخلائق أثر معرفة فاعله، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)، كما ذكر في آية أخرى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)، يذكر دلالة وحدانيته؛ حيث جعل منافع الليل متصلة بمنافع النهار، ومنافع النهار متصلة بمنافع الليل، على اختلافهما وتناقضهما وتضادهما؛ ليعلم أنهما فعل واحد، وكذلك ما جعل من منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما؛ ليعلم أن منشئهما واحد، إذ لو كان عددًا لامتنع ذلك؛ إذ العدد المعروف من عادة الملوك انفراد كل بملكه وسلطانه، والاستيلاء
الزمر 39:6
على ما استوى وقبض بَزَّ الآخر ومنع نفاذ أمره في سلطانه، فإذا لم يمتنع ذلك دل أنه فعل واحد، وكذلك ما ذكر من تسخير الشمس والقمر لهم ولمنافعهم وجريهما في يوم واحد مسيرة ألف عام، أو ما ذكر من غير أن يعرف أحد سيرهما أنهما يسيران وقت سيرهما إلا بعد قطعهما ذلك، دل أن لهما منشئًا وأنه واحد، ودل اتساقهما وجريانهما على سير واحد منذ كانا إلى آخر ما يكونان ويدوران على أن منشئهما واحد عالم مدبر عرف حاجة الخلق، إليهما أبد الآبدين ومنافعهما بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى).
أي: كل مما ذكر يجري إلى الوقت الذي جعل له لا يتقدم ولا يتأخر ولا ينقطع ما كان بالخلق حاجة إليه، واللَّه اعلم.
أو إلى منازل معلومة لا يجاوزانها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ).
هو العزيز بذاته لا يتعزز بما ذكروا له من الأولاد ولا بطاعة من أطاعه، الغفار لمن كان له أهلا للمغفرة ما لا يخرج مغفرته إياه عن الحكمة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: يدخل أحدهما على الآخر؛ كقوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ) أي: يُغشي أحدهما بالآخر؛ كقوله: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يُكَوِّرُ)، أي: يلف هذا بهذا، وهو من يكور العمامة، ومنه قوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، أي: جمعت ولفت، وأصل التكوير: اللف والجمع؛ وهو قول أبي عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)
ظاهر هذا أنه خلقنا من تلك النفس قبل خلق زوجه منها؛ لأن حرف (ثُمَّ) إنما هو حرف إتباع وإرداف وحرف ترتيب لا حرف جمع، فإذا كان كذلك فظاهره يوجب ما ذكرنا، لكن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك وتفسيره:
ذكر عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في بعض الروايات أنه تأول في ذلك، وقال: - خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)
عَزَّ وَجَلَّ - (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أو كلام نحو هذا.
وعندنا أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) يخرج على ظاهر ما ذكر؛ لأن الخلق: هو التقدير في اللغة كأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي: قدركم جميعًا على كثرتكم من أول ما أنشأكم إلى آخر ما ينشئكم من تلك النفس الواحدة منها قدرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا).
ثم أخرجنا منها -من تلك النفس- زوجها، وإلا كان تقديره إيانا منها كان قبل جعل زوجها منها وهو الظاهر على ظاهر ما خرج الكلام، واللَّه أعلم. ثم كان منه خلق ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ).
ظاهر الإنزال هو أن ينزل من علو مرتفع إلى تسفل ومنحدر، لكن اللغة لا تمتنع عن استعمال لفظ الإنزال لا على حقيقة الإنزال من علو إلى سفل، يقال: نزل فلان بأرض أو بمكان كذا وإن لم يكن هناك منه نزول من علو إلى منحدر وسفل، فعلى ذلك هذا، وأصله أن كل حرف من حروف الإنزال وغيره مما أضيف إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - مما يستقيم صرفه إلى خلقه أن المراد منه خلقه؛ نحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ)، (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)، وغير ذلك مما يكثر ذكره فهو خلقه إياه؛ فعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ)، أي: خلق لكم من الأنعام ما ذكر على ما ذكر: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)، أي: خلق لكم ما ذكر، فعلى ذلك حرف الإنزال، واللَّه أعلم.
ثم ظاهر قوله: (مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) يجيء أن يكون على أحد وجوه ثلاثة:
إما ألا يسمي الأنعام ولا يكون إلا الثمانية الأزواج التي ذكر أنه خلقها لنا، فإن كان على هذا فيكون حرف (مِن) هاهنا صلة، كأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: " وأنزل لكم أنعامًا وهي ثمانية أزواج ".
أو أن يسمي كل ما خلق من الدواب: أنعامًا، إلا أنه لم يحل لنا منها إلا الثمانية الأزواج التي ذكر، فإن كان هذا فيكون حرف (مِن) حرف تبعيض وتجزئة.
أو أن يسمي كل الدواب: أنعامًا إلا أنه لم يحل لنا كل شيء منها من جميع أنواع الانتفاع بها من الأزواج التي ذكر، فإنه قد أحل لنا كل شيء من هذه الأصناف الثمانية من لحومها وألبانها وأصوافها وكل شيء منها، وأما ما سوى ذلك من الأنعام، فإنه لم يحل لنا كل شيء منها من اللحوم وغيرها، ولكن أحل لنا الانتفاع بظهورها من نحو الحمير والبغال وغير ذلك مما يشتهى، واللَّه أعلم.
ثم الثمانية الأزواج التي ذكر أنها خلقها لنا في هذه الآية هي التي ذكرها في سورة الأنعام وهو قوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ...)، إلى قوله: (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ...)، إلى آخر ما ذكر، فيشبه أن يكون ما ذكر من ثمانية الأزواج أنه أنزل لنا في سورة الزمر التي هي أحل لنا كل شيء منها، وأما ما سوى ذلك فإنه إنما أحل لنا الانتفاع بها لم يحل لنا أكلها؛ لأنه ذكر في سورة الأنعام الأكل، ثم ذكر على أثر هذه الثمانية الأزواج الإبل والبقر والضأن والمعز، حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)، ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ...)، إلى آخر ما ذكر، وهذا يدل على أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) إنما هو مما ذكر، أي: لا أجد محرمًا من هذه الأصناف الثمانية إلا ما ذكر من الدم والميتة ولحم الخنزير.
ثم يخرج استثناء لحم الخنزير مخرج استثناء غير جنس المذكور على إضمار كون ذلك الغير فيه، وذلك غير جائز في الكلام؛ كقوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والاصطياد (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ)؛ فعلى ذلك الأول كأنه أضمر فيه استثناء لحم الخنزير منه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ).
قال أهل التأويل: تحويله من حال إلى حال من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة حتى يتم خلقًا مستويًا.
(فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ).
قيل: الرحم والبطن والمشيمة، وقيل: الظهر، يخبر عن قدرته وعلمه وتدبيره: أنه حيث قدر على خلق الإنسان وكل خلق في تلك الظلمات الثلاث والتسوية بين كل شيء منه من اليدين والرجلين والعينين والأذنين والسمعين والبصرين وقسمة الأعضاء على السواء حتى لا يزداد إحدى اليدين على الأخرى، وكذلك إحدى الرجلين وإحدى العينين
الزمر 39:7
وإحدى الشفتين، وكذلك كل شيء منه في تلك النطفة من العينين واليدين والرجلين والبصر وكل الجوارح ما لو اجتمع الحكماء جميعًا حكماء البشر لم يعرفوا كون شيء من الجوارح والنفس وتقديرها من تلك النطفة وتصويرها منها؛ ليعلم أنه قادر على خلق الأشياء من شيء ومن لا شيء وبسبب وبغير سبب وما جعل من الأسباب لبعض الأشياء لم يجعلها استعانة منه بها على إنشاء ذلك، وأن من قدر على تقدير ما ذكر وتصويره في الظلمات التي ذكر على السبيل التي ذكر، فإنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، يحتج عليهم لإنكارهم البعث وإنكارهم بعث الرسل والحجج، يخبر أن من فعل ما ذكر من تغييرهم من حال إلى حال وتحويلهم من صورة إلى صورة أخرى أنه لا يفعل ذلك ليتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم، ثم إذا امتحنهم لا يحتمل ألا يبعثهم؛ ليجزي المسيء منهم والعاصي جزاء الإساءة والعصيان والمحسن منهم والمطيع جزاء الإحسان والطاعة؛ لأنه قد سوى بينهم في هذه الدار وفي الحكمة، والعقل يقتضي التفريق بينهما فلابد من دار أخرى يفرق بينهما فيها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ).
يحتمل (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) أي: ذلكم اللَّه الذي ذكر من تقديركم وتصويركم في ظلمات تلك النطفة هو ربكم الذي فعل ذلك.
أو أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ) أي: جميع ما ذكر من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ)، وما ذكر من تسخير الشمس والقمر وجريانهما على سنن واحد وعلى قدر واحد، وما ذكر من خلقنا جميعا من تلك النفس أن واحدة إلى آخر ما ذكر، يقول: ذلكم اللَّه الذي فعل ذلك كله هو ربكم (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) أي: فأنى تصرفون عبادتكم إلى غيره، أو فأنى تصرفون ألوهيته وربوبيته إلى غيره وتجعلون له شركاء وأعدالا، وقد تعلمون أن الذي فعل ذلك كله هو اللَّه الواحد الذي لا شريك له ولا مثل.
أو يذكر أن ما ذكر من النعم التي أعطاكم وأسدى إليكم هو ربكم الذي خلقكم، فكيف تصرفون شكرها إلى غيره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)
روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) أي: تكفرون دين اللَّه الإسلام ولم تسلموا فإنه لا يقبل منكم، (وَإِنْ تَشْكُرُوا) أي: وإن تسلموا (يَرْضَهُ لَكُمْ) أي: يقبل منكم؛ كقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ).
وقال غيره: أي: إن تكفروا دينه فإن اللَّه غني عن عبادتكم، (وَإِنْ تَشْكُرُوا)، أي: توحدوه (يَرْضَهُ لَكُمْ) من الأول.
وجائز أن يكون قوله: (إِنْ تَكْفُرُوا) النعم التي عدها عليكم فيما تقدم ذكرها من قوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ)، وقوله: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ...) إلى آخر ما ذكر من النعم يقول: إن تكفروا هذه النعم التي عدها عليكم فإنه غني عنكم، وإن تشكروا ما عد عليكم من النعم يقبل ذلك منكم، واللَّه أعلم.
وأصله أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بين سبيل الهدى ورغبهم إليه، وبين سبيل الضلال وحذرهم عنه، ثم بين أن من سلك سبيل الهدى فله كذا ومن سلك سبيل الضلال فله كذا، وأفضى إلى كذا.
أو أن يقول: إن من سلك سبيل الهدى يرضى لنفسه عاقبة السبيل الذي سلك فيه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ. لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ)، ومن سلك سبيل الضلال والكفر يمقت ذلك السبيل في العاقبة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)، أخبر أنهم يمقتون أنفسهم إذا نودوا وعرفوا أنهم أخطأوا الطريق، وباللَّه العصمة.
وذكر في حرف عبد اللَّه بن مسعود: (واللَّه يكره لعباده الكفر)، وقوله: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، وكذلك ذكر هذا في حرف أبي وحفصة خاصة.
وأصل قوله: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ) إخبار أنه لم يأمركم بما أمركم به ولا نهاكم عما نهاكم عنه لحاجة نفسه أو لمنفعة له في ذلك، ولكن إنما امتحنكم بما امتحنكم لحاجة أنفسكم ولمنفعتكم ولدفع الضرر عنكم؛ وكذلك ما أنشأ من الأشياء لم ينشئها لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن إنما أنشأها لكم ولمنافعكم.
وكذلك نقول: لم ينشئها لأنفسها حتى إذا أتلف شيئًا منها عوضها بدلها على ما تقول المعتزلة أن ليس لله أن يتلفها إلا أن يعوضها عوضًا بإزاء ذلك، ولكن إنما أنشأها لكم لليسر ولهم يعزر من أتلف شيئًا منها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
ذكر هذا - واللَّه أعلم - جوابًا لقولهم حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ...) الآية، أخبر أن لا أحد يحمل وزر آخر، ولكن يحمل وزر نفسه.
الزمر 39:8
والثاني: يخبر أن أمر الآخرة على خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يحمل بعض آثام بعض وأوزار بعض، فأما في الآخرة فإنه لا يحمل أحد وزر آخر ولا آثامه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ...) الآية.
خص البعث بالرجوع إليه مرة وبالمصير ثانيًا والبروز له، ونحو ذلك، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين إليه صائرين؛ لأن المقصود من إنشائهم في هذه الدنيا ذلك البعث، فخص لذلك رجوعًا إليه، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
قال أهل التأويل: إنه عليم بما في الصدور، وعندنا عليم بكل ما يصدر من الخير والشر، وذكر (بِذَاتِ الصُّدُورِ)؛ لأن أصحاب الصدور هم يصدرون ويظنون في صدورهم.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)
وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ).
أخبر اللَّه الخلق ما كان من عادة الكفرة في غير آي من القرآن أنهم كانوا يخلصون الدِّين لله ويتضرعون إليه إذا مسهم بلاء أو شدة، إذا ركبوا البحر، وكان لهم خوف الهلاك في ذلك وفزع؛ كقوله - تعالى -: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...) والآية، وغير ذلك من الآيات، وكذلك كل بلاء وشدة أصابتهم، فزعوا إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وتضرعوا إليه، ثم إذا كشف الضر عادوا إلى ما كانوا من قبل.
وقوله: (نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) يحتمل قوله: (نَسِيَ) ألا تملك الأصنام التي عبدوها دفع ذلك عنهم ولا كشفه.
أو نسي ألا ينفع لثمفاعتهم إياهم ونحوه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، أي: نسوا ما علموا من عجز الأصنام ونحوه.
وقوله: (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ).
كأن الآية في الرؤساء منهم جعلوا أندادًا ليضل الناس عن سبيله، يدل على ذلك: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا) في الدنيا (إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)، لما علم أنه يختم على الكفر، والله
الزمر 39:9
أعلم.
ثم الحكمة في ذكر هذا وأمثاله لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يحتمل وجوهًا:
أحدها: يصبر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على سوء معاملتهم إياه، كما حكى عن سوء معاملتهم ولم يستأصلهم على أثر ذلك وذلك أعظم في العقل.
أو يخبر الأواخر عن سوء معاملتهم ربهم ليحذروا عن مثل معاملتهم ربهم.
أو يخبر عن حلمه أن كيف عاملهم فاحلم أنت، واللَّه أعلم.
وقرئ: (لِيُضِلَّ) و (لِيَضِلَّ) فيه ثلاث لغات.
وقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذه الآية صلة ما تقدم من قوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) يقول: الذي تضرع إلى اللَّه، وأخلص دينه له، نسي ذلك وتركه إذا خول ذلك نعمة، وجعل لله أندادًا ليضل عن سبيله - كالذي هو قانت - أي: مطيع لله - آناء الليل والنهار يحذر عذابه ويرجو رحمته، ليسا بسواء عندكم: الذي أطاع اللَّه في جميع أوقاته حاذر تقصيره في ذلك راجٍ رحمته لطاعته، والذي عصى ربه ولم يطعه، فإذا عرفتم أنهما ليسا بسواء ثم رأيتم أنهما قد استويا في نعم هذه الدار وسعتها وشدائدها وفي الحكمة التفريق بينهما، فلابد من دار أخرى يفرق بينهما فيها يثاب المحسن المطيع جزاء إحسانه وطاعته، ويعاقب الكافر الظالم جزاء كفره وظلمه، واللَّه أعلم.
ومنهم من يجعل لهذه الآية مقابل لكنه يقول: مقابلها ليس الأول، ولكن لم يذكر لها مقابل ويقول على ما عرفتم أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، فعلى ذلك لا يستوي الذي أطاع ربه آناء الليل وأجهد نفسه في عبادة اللَّه والذي عصى ربه وكفر فعمه، وقد ظهر الاستواء بينهما في هذه الدنيا فلابد من التفريق بينهما في دار أخرى، ولو لم يكن دار أخرى فيها يفرق ويميز، لكان خلق هذا العالم على ما كان باطلا سفها غير حكمة، والله أعلم.
وقوله: (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ).
أي: يحذر عذاب الآخرة، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأه: (يحذر عذاب الآخرة).
الزمر 39:10
وقوله: (وَيَرْجُو رَحْمَةَ) دلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الرجاء والحذر يرجو رحمته لا عمله ويحذر عذابه لتفصيره في عمله.
ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمنا، وقد قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)، والخوف إذا جاوز حده يكون إياسا، وقد قال اللَّه - تعالى -: (لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، ويجب أن يكون المؤمن كما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا)، و (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)، لا يجاوز أحدهما.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)، أي: جنته على ما سمى الجنة: رحمة في غير موضع؛ لما برحمته تنال هي، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ).
في معرفة نعم اللَّه والقيام بشكره، والحذر عن عصيانه وعذابه.
وقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
في كل ذلك، جوابه أن يقال: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).
وقوله: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).
إنما يتذكر بمواعظ اللَّه أولو العقول والبصر والمعرفة، واللَّه أعلم.
وقوله: (آنَاءَ اللَّيْلِ) أي: ساعات الليل، و (قَانِتٌ) أي: مطيع، وأصل القنوت هو الطاعة، وقيل: القنوت: القيام، وهو القيام في الطاعة، واللَّه أعلم.
وفي قوله: (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) دلالة جواز الإرجاء؛ لأنه لم يقطع على أحدهما دون الآخر؛ وكذلك في قوله تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا)، وفي قوله: (رَغَبًا وَرَهَبًا)، وفي القطع على أحدهما كفر على ما ذكرنا من قوله: (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ)، و (لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)؛ إذ المجاوزة في الخوف إياس، والمجاوزة في حد الرجاء أمن وقد ذكرنا أنه كفر.
وقوله: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)
يحتمل قوله: (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) وجوهًا:
اتقوا سخط ربكم.
أو اتقوا نقمة ربكم. أو اتقوا مخالفة ربكم ونحوه.
وأصل التقى: ما تهلكون، أي: اتقوا مهالككم، واللَّه أعلم.
وقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ).
قال عامة أهل التأويل: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة لهم في الآخرة.
وجائز أن يكون لهم الحسنة في الدنيا وفي الآخرة حسنة؛ كقوله: (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ...) الآية؛ وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ).
ثم يحتمل الحسنة وجهًا آخر: استغفار الملائكة لهم والأنبياء - عليهم السلام - لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - امتحن ملائكته على استغفار المؤمنين والمؤمنات؛ كقوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ)، وكذلك امتحن رسله بالاستغفار للمؤمنين، وكذلك المؤمنون يستغفر بعضهم لبعض ونحوه.
وقوله: (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ).
ذكر هذا - واللَّه أعلم - لأن من آمن منهم بمكة كانوا يظهرون الموافقة لأعدائهم ويقيمون فيما بينهم، وكانت لهم أسباب التعيش في بلدهم ولم يكن لهم تلك في بلد غيرهم، فخافوا الضياع إذا هم خرجوا من بلدهم فيهاجروا منها إلى غير بلدهم فيمتنعون عن ذلك، فجاءت الآية على الترجي والإطماع لهم بمثل ذلك التعيش وأسبابه في غير ذلك البلد، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)، لم يقدروا في تركهم الهجرة وإظهارهم الموافقة للأعداء، ولهم طاقة ووسع التحول من بلدهم إلى بلد غيرهم، إلا من لم يكن به طاقة الخروج من بينهم وهم الذين استثناهم وهو قوله: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ...) الآية، واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وجوهًا:
أحدها: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: بغير تبعة ولا مئونة؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من نوقش الحساب عذب ".
أو (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: لا يحاسبون؛ لما ليس وراء تلك الدار الآخرة دار أخرى يحاسبون فيها ما أعطوا في الآخرة ليس كدار الدنيا يحاسب من أوتوا فيها في الآخرة، وأما ما أعطوا في الآخرة فلا يحاسبون في غيرها.
وحمل (بِغَيْرِ حِسَابٍ)، أي: غير مقدر بالحساب، ولكن أضعافًا مضاعفة.
ويحتمل (بِغَيْرِ حِسَابٍ)، أي: بلا نهاية ولا غاية، واللَّه أعلم.
ثم الصبر: هو حبس النفس إما على أداء ما أمر اللَّه به والانتهاء عما نهى اللَّه عنه، أو
الزمر 39:11
حبسها وكفها في احتمال ما حملت من الشدائد والمصائب والمؤن العظام، احتملوا ذلك ولم يجزعوا، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ...) الآية. وقوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، ونحوه.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي. فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)
وقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢).
يحتمل أن يكون قال هذا؛ لما أن أهل مكة كانوا يدعون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى دينهم ودين آبائهم، وكانوا يطمعون عوده إليهم، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) ذكر هاهنا أنه أمر أن يعبد اللَّه مخلصًا له الدِّين، وقال في آية أخرى: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ...) الآية، وقال في آية أخرى: (قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا...) الآية، أخبر أنه لو اتبع أهواءهم فيما هم فيه يضل وما كان من المهتدين، ذكر في هذه الآيات النهي وترك اتباعه أهواءهم، ولم يذكر الأمر فيها بعبادة اللَّه تعالى مخلصًا له الدِّين.
أو أن يقول: إني إذا أمرتكم بعبادة اللَّه أمرت أنا أيضًا في نفسي أن أعبده مخلصًا، لست أنا كمن يأمر غيره شيئًا ولا يأتمر بنفسه، أو هو غير مأمور بذلك وهو ما قال: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ).
أو يقول: لست أنا كالملوك يأمرون أتباعهم بأشياء ويستعملونهم في أمورهم ولا يستعملون في ذلك أنفسهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)
الخوف هاهنا ليس هو حقيقة الخوف، ولكن العلم كأنه قال: إني أعلم إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، فآيسهم باللَّه بالمدينة عن عوده إلى دينهم، وقطع طمعهم عنه، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ)، فأما ما داموا بمكة فإنهم كانوا طامعين في ذلك راجين فيه، واللَّه أعلم.
وقوله: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ).
إنه يخرج هذا الحرف منه مخرج التهدد لهم والتوعد، يقول: أما أنا فإنما أعبد الله الحق وله أخلص ديني، فاعبدوا أنتم ما شئتم فإنه يجزيكم جزاء عبادتكم، كقوله تعالى:
الزمر 39:12
الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون قال هذا لما أن أهل مكة كانوا يدعون رسول الله ﷺ إلى دينهم ودين آبائهم، وكانوا يطمعون عوده أليهم. فقال رسول الله ﷺ ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين﴾ ﴿وأمرت لأن أكون أول المسلمين﴾ ذكر ههنا أنه أمر أن يعبد الله مخلصا له الدين. وقال في آية أخرى :﴿قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله﴾ الآية [الأنعام: ٥٦] وقال فيها :﴿قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين﴾ أخبر أنه لو اتبع أهواءهم في ما هم فيه يضل، وما كان من المهتدين.
ذكر في هذه الآيات النهي وترك اتباعه أهواءاهم، ولم يذكر الأمر فيها بعبادة الله تعالى مخلصا له الدين.
ويحتمل أن يقول : إني إذا أمرتكم بعبادة الله أمرت أنا في نفسي أن أعبده مخلصا. لست أنا كمن يأمر غيره شيئا، ولا يأتمر بنفسه، وهو غير مأمور بذلك، وهو ما قال :﴿وأمرت لأن أكون أول المسلمين﴾ أو يقول : لست أنا كالملوك يأمرون أتباعهم بأشياء، ويستعملونهم في أمورهم، ولا يستعملون في تلك أنفسهم، والله أعلم.
الزمر 39:13
اقوله تعالى :﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الخوف ههنا، ليس هو حقيقة الخوف، ولكن هو العلم، كأنه قال : إني أعلم ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فآيسهم بالله بالمدينة عن عوده إلى دينهم وقطع طمعهم عنه، وهو ما قال عز وجل :﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فأما ما داموا بمكة، فإنهم كانوا طامعين في ذلك راجين فيه، والله أعلم.
الزمر 39:14
قوله تعالى :﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾
الزمر 39:15
(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ...) الآية، وذلك معروف في كلام الناس، يقول الرجل: اعمل ما شئت أو قل ما شئت فإن لك الجزاء كما تعمل؛ على الوعيد، فعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ؍ (١٥) واللَّه أعلم.؍
ويحتمل وجهًا آخر لا على الوعيد، ولكن يقول: قد بينت لكم وأوضحت السبيلين جميعًا بالآيات والحجج: سبيل النجاة الذي إذا سلكتموه نجوتم، وهو سبيل اللَّه، وسبيل الهلاك الذي إذا سلكتموه هلكتم، وهو سبيل الشيطان، فإن أردتم النجاة فاسلكوا سبيل كذا، وإن أردتم سبيل الهلاك فاسلكوا سبيل كذا، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
كناية لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)؛ ليكون لهم أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ويسلم لهم ذلك، وقد مكن لهم ذلك وهلكوا فتركوا ذلك ولم يقوها ولا أهليهم النار، قال عند ذلك: (خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) ألا عند ذلك يتبين لهم أنهم خسروا أنفسهم وأهليهم.
أو أنهم قد أمروا بالسعي للآخرة والعمل لها، ووعدوا إذا سعوا لها وعملوا النجاة في الآخرة والحياة الدائمة والأهل في الجنة، وإذا لم يسعوا لها ولم يعملوا خسروا أنفسهم والأهل الذين وعدوا فيها إذا سعوا وهلكت أنفسهم، (أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) ألا هنالك يتبين لهم أنهم خسروا خسرانًا بينًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ... (١٦)
أن يكون ما كان تحتهم من النار أن يوصف بالمهاد لهم لا بالظلل؛ كقوله تعالى: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)، وكذلك في حرف ابن مسعود أنه قال: (ولهم من تحتهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ذلك يخوف اللَّه به عباده)، واللَّه أعلم.
لكن جائز أن يكون الظلل التي تحتهم هي ظلل لمن تحتهم، وهي لأُولَئِكَ الذين فوقهم مهاد وللذين ليس تحتهم أحد مهاد أيضًا - واللَّه أعلم - لأن النار دركات وأطباق؛ ليكون كل طبقة لمن تحتها ظلل ولمن فوقها مهاد على ما ذكرنا.
وقوله: (ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ).
أي: ذلك الذي ذكر في القرآن من المواعيد يخوف اللَّه به عباده.
(يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ).
اتقوا سخط اللَّه ونقمته، أو اتقوا مخالفة اللَّه، أو اتقوا المهالك.
الزمر 39:16
قوله تعالى :﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أن يكون ما كان تحتهم من النار أن يوصف بالمهاد لهم لا بالظلل كقوله عز وجل :﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ [الأعراف: ٤١] وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه جعل :﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين﴾ والله أعلم.
لكن جائز أن تكون الظلل التي تحتهم، هي ظلل لمن تحتهم، وهي لأولئك الذين فوقهم مهاد، والذين ليس تحتهم أحد مهاد أيضا، والله أعلم، لأن للنار دركات وأطباقا لتكون كل طبقة لمن تحتها ظللا ولمن فوقها مهادا على ما ذكرنا.
وقوله تعالى :﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَاد﴾ أي ذلك الذي ذكر في القرآن من المواعيد ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ اتقوا سخط الله ونقمته، واتقوا مخالفة الله، أو اتقوا المهالك.
الزمر 39:17
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ. أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)
وقوله: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا).
اختلف في الطاغوت: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو الشيطان، أي: اجتنبوا من أن يأتمروه وأطاعوه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الطاغوت هم الكهنة، كانوا يأتون الكهنة فيخبرونهم بأمور فيعملون بقولهم ويصدقونهم، يقول: أي: اجتنبوا من أن تطيعوا الكهنة في أمورهم ونهيهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كل معبود دون اللَّه فهو طاغوت، وهو من الطغيان وهو المجاوزة عن الحد. واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ) وأقبلوا ورجعوا إلى ما أمرهم اللَّه به، أو رجعوا إلى ما به طاعته وتركوا ما به مخالفته، وانتهوا عن مناهيه، والإنابة إلى اللَّه هي الرجوع إلى أمر اللَّه وإلى ما به طاعته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمُ الْبُشْرَى).
وهو ما ذكر في قوله: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)، فعلى ما ذكر لهَؤُلَاءِ من البشرى لهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنهم أولياء اللَّه.
وقوله: (فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ... (١٨) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: الذين يستمعون كلام الناس من الخير والشر والحسن والقبيح فيتبعون أحسنه، أي: يرون ويحكمون منه ما هو خير وحسن، ويتركون ما هو شر وقبيح. وقال بعضهم: يستمعون القرآن وكلام الناس وأحاديثهم، فيأخذون بالقرآن ويتبعونه ويتركون كلام الناس وأحاديثهم، فهو اتباع الأحسن منه وهو القرآن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يستمعون القرآن وفيه الناسخ والمنسوخ، فيتبعون أحسنه، أي: ناسخه، ويعملون به ويتركون منسوخه لا يعملون به.
الزمر 39:18
قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ اختلف فيه :
قال بعضهم : الذين يستمعون كلام الناس من الخير والشر والحسن والقبيح ﴿فيتبعون أحسنه﴾ أي يرون، ويحكمون منه ما هو خير وحسن، ويتركون ما هو شر وقبيح.
وقال بعضهم : يستمعون القرآن وكلام الناس وأحاديثهم، فيأخذون بالقرآن، ويتبعونه، ويتركون كلام الناس وأحاديثهم ؛ فهو اتباع الأحسن منه، وهو القرآن.
وقال بعضهم : يستمعون القرآن وفيه الناسخ والمنسوخ، فيتبعون أحسنه، أي ناسخه، ويعملون به، ويتركون منسوخه، فلا يعملون به.
وقال بعضهم : يستمعون إلى القرآن، وفيه الأمر والنهي، فيتبعون أمره، وينتهون عما نهى عنه، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله :﴿فيتبعون أحسنه﴾ أي يتبعون الحسن منه ؛ والأحسن بمعنى الحسن، والله أعلم.
وقال قائلون :﴿فيتبعون أحسنه﴾ فيتبعون أحسن ما في القرآن من الطاعة منه كقوله :﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾ [الأعراف: ١٤٥] وتأويله ما ذكرنا ؛ أن خذوا ما فيه من الأمر، وائتمروا به، وانتهوا عما فيه من المناهي، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ أي أولئك هم المنتفعون بألبابهم وعقولهم حين اختاروا، وآثروا هداية الله، ونظروا إليها بالتعظيم والإجلال، واهتدوا.
الزمر 39:19
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يستمعون إلى القرآن وفيه الأمر والنهي فيتبعون أمره وينتهون عما نهى عنه، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله: (فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، أي: يتبعون الحسن منه الأحسن، بمعنى: الحسن، واللَّه أعلم.
وقال قائلون: فيتبعون أحسن ما في القرآن من الطاعة منه؛ كقوله: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا...) الآية، وتأويله ما ذكرنا: أن خذوا ما فيه من الأمر وأتمروا به وانتهوا عما فيه من المناهي، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ).
أي: أُولَئِكَ هم المنتفعون بلبهم وعقولهم؛ حيث اختاروا وآثروا هداية اللَّه ونظروا إليها بالتعظيم والإجلال واهتدوا.
وقوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)
ذكر اللَّه - تعالى - في هذه السورة أشياء لا يعرف لها أجوبة في الظاهر إلا بالتأمل والاستدلال على غيره، من ذلك ما ذكر: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) كأنه يقول - واللَّه أعلم -: أفمن حق عليه العذاب كمن له البشرى في الآخرة؛ لأنه ذكر فيما تقدم للمؤمنين البشرى حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى...) الآية، على هذا يخرج جوابه: أفمن وجب عليه العذاب كمن وجب له البشرى، لا سواء.
أو أن يقول: أفمن حق ووجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام، أي: ليس الذي وجب عليه العذاب كالذي شرح صدره للإسلام.
أو أن يقول: هذا لنازلة كانت لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لحرصه على إسلام قوم أحب أن يسلموا، فقال هذا له على الإياس من إسلامهم؛ يقول: أفمن وجب عليه العذاب، أفأنت تنقذه وتخلص من النار من قد وجب عليه العذاب، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)؛ وكقوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) كان لا يقدر أن يكرههم على الإسلام، لكنه كان يحب ويحرص على إسلامهم ويحزن لتركهم الإسلام؛ كقوله: (وَلَا تَحزَن عَلَيهِمْ)، وقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفسَكَ)، (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، ونحو ذلك، كان يحزن وكادت نفسه تتلف إشفاقًا عليهم، فيقول: أفمن وجب وحق عليه
الزمر 39:20
العذاب، أتقدر أن تنقذه من النار؟ أي: لا تقدر على ذلك، واللَّه أعلم.
ثم بين الذين أنقذوا من النار، وهم الذين اتقوا ربهم، حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠).
يحتمل اتقوا مخالفة ربهم، واتقوا سخط ربهم ونقمته.
ثم بين ما أُعد لهم في الآخرة، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ) ذكر أن لهم غرفًا في الجنة، والغرف على الغرف في الشاهد إنما تتخذ لضيق المكان، لكن ذلك في الجنة ليس لذلك ولكن لما كان عرف من رغبة الناس في الدنيا في الارتفاع والعلو والكراهية للتسفل والانحدار في الأرض رغبهم في الآخرة على ما رغبوا وأحبوا في الدنيا، ولكن لأهل الجنة الدرجات ولأهل النار الدركات.
ثم قوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ).
يخبر أن أمر الجنة على خلاف أهل الدنيا؛ إذ في الدنيا كلما ارتفع وعلا من البنيان كان الماء منها أبعد والوصول إليه أصعب، فأخبر أنهم وإن كانوا في الغرف والدرجات فأبصارهم مما تقع على الماء والماء لا يبعد عنهم ولا يصعب، واللَّه أعلم.
ثم ذكر في الغرف البناء وذكر في السماء أنه بناها، فلم يفهم من بنائه ما ذكر ما فهم من بناء الخلق، فكيف فهم من مجيئه وغير ذلك ما فهم من مجيء الخلق وإتيانهم لولا ما كان فيهم من فساد اعتقادهم، واللَّه أعلم.
ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ)؛ لأن من وعد في الشاهد وعدًا ثم أخلفه إنما يخلفه لحاجته، أو لما يبدو له من البدوات فيرجع عما وعد، واللَّه - سبحانه وتعالى - منزه عن ذلك كله، لا يحتمل خلف الوعد منه.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)
وقوله: (أَلَمْ تَرَ) ونحوه يخرج على وجهين:
أحدهما: على الخبر (أَلَمْ تَرَ) أي: قد رأيت.
والثاني: على الأمر: أن رَهْ. ثم الخطاب، وإن كان في الظاهر لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فهو لكل أحد يحتمل النظر والتأمل، ثم جهة الحكمة المودعة فيها ما ذكر من إنزال الماء من السماء، وجعله ينابيع في الأرض، والينابيع هي العيون التي تخرج من الأرض، والآبار التي جعلت فيها؛ ليعلم أنّ المياه الخارجة من الأرض والجارية فيها أصلها من السماء، منزلة منها، وهي طهور؛ على ما أخبر أنه أنزله طهورًا، وإن اختلف طبعه لاختلاف جواهر الأرض ما لم يخالطه شيء من جواهر الأرض من القذر والنجاسة وغيرها من الألوان التي تخرجه عن أن يكون طهورًا وتغيره عن جوهره الذي أنزل من السماء، ثم جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في سِرية ذلك الماء معنى ولطفًا ما يوافق جميع الأشجار والنبات، وكل خارج من الأرض وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها؛ ليعلم أن من قدر على جعل ما جعل في الماء من اللطف، والمعنى الذي يوافق كل شيء من النبات والشجر وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولا قوة إلا باللَّه.
أو أن يقول: إن من تكلف زرع الزراعة في الأرض، ويتحمل المؤن العظام إلى أن بلغ المبلغ الذي ينتفع به وينال منه النفع فتركه لم ينتفع به؛ أليس يوصف بالسفه وبغير الحكمة، فكذلك اللَّه - سبحانه - لما أنشأكم صغارًا طفلا وغذاكم بألوان الأغذية والأطعمة حتى كبرتم وبلغتم مبلغ الانتفاع بكم، ثم أتلفكم بلا عاقبة تقصد في ذلك كان غير حكيم، وقد عرفتموه حكيمًا؛ فدل أن المقصود في ذلك كله حتى يكون إنشاؤه إياكم صغارًا وتربيته إياكم بالوان الأغذية التي جعل لكم حكمة - هو البعث ما لولا ذلك كان سفهًا غير حكمة؛ على ما ذكر من إخراج الزرع من الأرض بالماء الذي أخرج، ثم تركه فيها حتى صار يابسًا لا ينتفع به كان سفيهًا غير حكيم، فعلى ذلك ما كان عند أُولَئِكَ الكفرة أن لا بعث كان ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: فيما يذكر من إنزال الماء من السماء وإدخاله في الأرض وإخراج ما ذكر منها به وما ذكر - موعظة لأولي الألباب؛ أي: لمن انتفع بلبه وعقله؛ لما ذكرنا، وما ذكر لأهل الجنة من الغرف وغير ذلك.
وقوله: (فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ) أي: أدخله فيها وجعله ينابيع؛ أي: عيونًا.
وقوله: (ثُمَّ يُخْرِجُ) أي: ييبس.
وقوله: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) متكسرًا مثل الرفات والفتات، وهو قول أبي عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ، ويقال: هاجت الأرض: إذا ابتدأت في اليبس، حطاما، أي: متكسرا.
الزمر 39:21
الآية ٢١ :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ ونحوه على وجهين :
أحدهما : على الخبر ﴿ألم تر﴾ أي قد رأيت.
والثاني : على الأمر : أن ر.
ثم الخطاب، وإن كان في الظاهر لرسول الله ﷺ لكل أحد يحتمل النظر والتأمل.
ثم جهة الحكمة المودعة فيها من إنزال الماء من السماء وجعله ينابيع في الأرض. والينابيع هي العيون التي تخرج من الأرض والآبار التي جعلت فيها ليعلم أن المياه الخارجة من الأرض والجارية فيها أصلها من السماء، منزلة منها، وهي طهور على ما أخبر أنه أنزل ﴿من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وإن اختلف طعمه لاختلاف جواهر الأرض، ما لم يخالطه شيء من جواهر من القذارة والنجاسة وغيرها من الألوان التي تخرجه عن أن يكون طهورا، تغيره عن جوهره الذي أنزل من السماء.
ثم جعل الله عز وجل في شربة ذلك الماء معنى ولطفا ما يوافق جميع الأشجار والنبات، وكل خارج من الأرض، وغن اختلفت جواهرها وألوانها وطعومها، ليعلم أن من قدر على جعل ما جعل في الماء من اللطف والمعنى الذي يوافق كل شيء من النبات والشجر، وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعومها، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء. ولا قوة إلا بالله.
أو يقول : إن من تكلف زرع الزراعة في الأرض، وتحمل المؤن العظام إلى أن بلغ المبلغ الذي ينتفع به، وينال منه النفع، تركه لم ينتفع به، أليس يوصف بالسفه وغير بالحكمة ؟ فكذلك الله، سبحانه، لما أنشأكم صغارا طفلا، وغذاكم بألوان الأغذية والأطعمة حتى كبرتم، وبلغتم مبلغ الانتفاع بكم. ثم أبلغكم بلا عاقبة تقصد بذلك، كان غير حكيم، وقد عرفتموه حكيما.
فدل أن المقصود في ذلك كله حتى يكون إنشاؤه إياكم صغارا وتربيته إياكم بألوان الأغذية التي جعل لكم حكمة، وهو البعث، ما لو لا يذلك كان سفها غير حكمة على ما ذكر من إخراج الزرع من الأرض الماء الذي أخرج، ثم تركه فيها حتى صار يابسا، لا ينتفع به كان سفيها غير حكيم.
فعلى ذلك ما كان عند أولئك الكفرة أن لا بعث كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب﴾ أي في ما يذكر من إنزال الماء وإدخاله في الأرض وإخراج ما ذكر منها به، وما ذكر موعظة لأولي الألباب، أي لمن انتفع بلبه وعقله لما ذكرنا، وما ذكر لأهل الجنة من الغرف وغير ذلك. ثم قال عز وجل :﴿وعد الله لا يخلف الله الميعاد﴾ [الزمر: ٢٠] لأن من وعد في الشاهد، ثم أخلفه، إنما يخلفه لحاجته أو لما يبدو له من البدوات، فيرجع عما وعد، والله تعالى عن ذلك كله، ولا يحتمل خلف الوعد منه.
وقوله تعالى :﴿فسلكه ينابيع في الأرض﴾ أي أدخله فيها، وجعله ينابيع أي عيونا. ثم قوله تعالى :﴿ثم يهيج﴾ أي ييبس. وقوله :﴿ثم يجعله حطاما﴾ متكسرا مثل الرفات والفتات، وهو قول أبي عوسجة والقتبي. ويقال : هاجت الأرض إذا ابتدأت في اليبس، ﴿حطاما﴾ أي متكسرا.
الزمر 39:22
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢). قيل: (شَرَحَ اللَّهُ): وسع اللَّه.
وقيل: رحب اللَّه.
وقيل: لبى اللَّه، ونحوه؛ وكله واحد.
ثم يحتمل قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) فيسلم (فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)، أي: يجعل اللَّه في صدره النور؛ أي: يجعل إذا أسلم حتى يبصر الحق وُحججه وبراهينه بصورة الحق أنه حق، والباطل أنه باطل، وأنه تمويه، يبصر كل شيء بذلك النور على ما هو حقيقة أنه حق وباطل، فيأخذ الحق ويعمل به، ويترك الباطل ويجتنبه، واللَّه أعلم.
أو أن يكون قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)، يكون نوره هو إسلامه الذي هداه شرح صدره لنوره حتى أسلم، وهو ما روي في الخبر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل أنه: هل ينشرح الصدر للإسلام؟ وكيف ينشرح؟ فقال نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إذا دخله النور انشرح لذلك الصدر، وانفسح له "؛ أخبر أن النور إذا دخل الصدر انشرح لذلك الصدر، وانفسح له بذلك النور، واللَّه أعلم.
وجائز - أيضًا - أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) في
الدنيا (فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) في الآخرة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ..) الآية، والذين كفروا طبع اللَّه على قلوبهم فتظلم وتفسق لما تبقى في الظلمة أبدًا، واللَّه أعلم.
ومنهم من قال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ): الإسلام نفسه إذا أسلم (فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) كتاب اللَّه، قال: هذا المؤمن به يأخذ، وإليه ينتهي، وما سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: هل لذلك - أي: لانشراح الصدر للإسلام - علامة؟ فقال: " نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الموت "، فهذا في التحقيق ليس في المعاملة في العمل، ولكن في الاعتقاد؛ أي: يتجافى عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود: يتزود من الدنيا للآخرة.
ثم قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) يحتمل أن يكون على الاستفهام؛ على ما ذكر.
الزمر 39:23
ويحتمل ألا يكون على الاستفهام، ولكن على الإيجاب، فإن كان على هذا فهو على إسقاط الألف: فمن شرح اللَّه صدره للإسلام فهو على نور من ربه... الآية؛ كقوله في آية أخرى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا)، فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الآية على هذا، واللَّه أعلم.
وإن كان على الاستفهام فلابد أن يكون له مقابل يعرف ذلك بدليل أنه جواب.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: جوابه في قوله: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) كأنه يقول: ليس المنشرح صدره للإسلام كالقاسي قلبه بالكفر؛ وهو قول الكسائي.
وجائز أن يكون جوابه ومقابله ما تقدم ذكره، وهو قوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ...) الآية؛ كأنه يقول: أفمن حق عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام؛ أي: ليس من وجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه، واللَّه أعلم.
وقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)
يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ): أصدقه خبرًا، وأعدله حكمًا، وهو ما ذكر في آية أخرى، ووصفه بالصدق والعدل؛ حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا)، أي: صدقًا فيخبره، وعدلا في حكمه، فعلى ذلك يحتمل قوله: (أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) خبرًا، وأعدله حكمًا، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله: (أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، أي: أتقنه وأحكمه، وهو متقن ومحكم، وهو على ما وصفه بالصدق والعدل في آية أخرى قال: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، أخبر أنه لا يأتي القرآن باطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك لإتقانه وإحكامه، واللَّه أعلم.
وهو أحسن الحديث؛ لأن من تأمله ونظر فيه وتفكرّ أنار قلبه، وأضاء صدره، وهداه سبيل الخير والحق، ودفع عنه الوساوس والشبهات وكل شر، وأفضاه إلى كل خير وبرّ فهو أحسن الحديث؛ إذ لا حديث يعمل ما يعمل هو؛ لما ذكرنا، وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا) قوله: (مُتَشَابِهًا) أي: ليس بمختلف ولا متناقض، ليس كحديث الناس وكتبهم مما يختلف ويتناقض حديثهم وكتابهم، وخاصة فيما امتد من الأوقات وطال وبعدت مدته، وهو ما ذكر: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا...)، دل كونه متفقًا، متشابهًا، غير مختلف في طول نزوله، وتفرق أوقاته، وتباعد أيامه في الإنزال - أنه من عند اللَّه نزل، ومنه جاء؛ إذ لو لم يكن من عنده لخرج مختلفًا متناقضًا على ما يخرج حديث الناس وخبرهم مختلفًا ومتناقضًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (مَثَانِيَ) قال أهل التأويل: سماه: مَثَانِيَ؛ لما ثنّى فيه أنباؤه وقصصه مرة بعد مرة، وأصله: أنه سماه: مَثَانِيَ؛ لأنه ذكر فيه المواعظ والذكرى وكررها في غير موضع، لما لو لم يكررها غفلوا عنها، وسهوا عنها؛ لأن الحكيم إذا وعظ أحدًا عظة وزجره وسها عنه كررها عليه، وكرر - عَزَّ وَجَلَّ - عليهم المواعظ والزواجر؛ ليكونوا أبدًا متعظين متذكرين لذلك - واللَّه أعلم - لكيلا يغفلوا عنها ولا يسهوا.
وقوله: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) قال أهل التأويل: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) عند تلاوة آية الرهبة والخوف، وتلين قلوبهم عند تلاوة آية الرحمة.
وجائز أن يكون ذلك لهم بجميع القرآن بما فيه من الرحمة والرهبة جميعًا يكون فيهما الموعظة: تلين قلوبهم وتقشعر جلودهم وتخاف أنفسهم؛ لأن آية الرحمة ليست بأحق بتليين القلوب من آية الرهبة، بل آية الرهبة أحق بذلك.
وقتادة يقول: كانت جلودهم تقشعر، وعيونهم تبكي، وقلوبهم تطمئن إليه، ولا تذهب عقولهم، ولا يغشى عليهم، كما رأينا أهل البدع يفعلونه، وإنما ذلك من الشيطان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ) قد بين سبيل الهدى والحق، وحججه وبراهينه، وبين سبيل الضلالة والباطل، فمن سلك سبيل الهدى فبتوفيقه سلك، وبمعونته اهتدى، ومن سلك طريق الكفر والباطل فبخذلانه ضل وزاغ.
وقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) أخبر أن من أضله اللَّه فلا هادي له، وعلى ما قال في المعيشة والرزق؛ قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ - في الضراء والخير؛ حيث قال: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ)، ذكر في الضلال والهدى ما ذكر في الرزق والضر والخير، ذلك أن لله في فعلهم وصنعهم تدبيرًا، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا تدبير لله في ذلك، وأن من اهتدى إنما يهتدي بنفسه، ومن ضل وزاغ إنما ذلك بنفسه، لا تدبير لله في ذلك، فالآية
الزمر 39:24
تنقض قولهم ومذهبهم.
وقتادة يقول في قوله: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) وإنما يذكر اللَّه أهل الإيمان، فكانت تقشعر بذلك جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم، ولا تذهب عقولهم منه، وأما أن يصرع أحدهم فلم يكن، وإنما كان هذا في أصحاب البدع، وربما هو من الشيطان، ولعمري ما كان في هذه الأمة أحد أعلم من نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ومن بعده أصحابه الذين انتخبهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لصحبة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وإقامة دينه، ولقد سألنا من لقينا من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحاب أصحابه، فحدثوا أن هذا إنما كان في أهل البدع.
* * *
قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كأنه لم يذكر مقابل هذا في هذا الموضع، فجائز أن يكون مقابله ما تقدم، وهو قوله: أفمن جعل له الغرف على الغرف تجري من تحتها الأنهار كمن يتقي بوجهه سوء العذاب، ليس هذا كذاك، ولا أحد يتقي بوجهه سوء العذاب، لكن يخرج ذكر ذلك على وجوه:
أحدها: كناية عن الشفعاء وأهل النصر، كأنه يقول: لا يكون لهم من يشفع أو يملك دفع العذاب عنهم.
أو تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم بلا يد له يتقي بها سوء العذاب عن وجهه؛ لأن في الشاهد من أصاب شيئًا من العذاب يتقي ذلك العذاب عن وجهه بيده، فيخبر أن لا يد له في الآخرة يتقي العذاب بها عن وجهه؛ بل يصيب العذاب وجهه، فكأنما يتقي به.
أو أن يكون ذكر الوجه كناية عن نفسه، وهو ما ذكرنا ألا يكون له من يملك دفع العذاب عنه.
أو أن يكون ذكر الوجه كناية عن قلبه أي: يصل وجع ذلك العذاب إلى قلبه، ولا يملك دفعه، واللَّه أعلم.
الزمر 39:25
وقوله: (وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ).
يحتمل أي: ذوقوا جزاء ما كنتم تكسبون.
أو يقول: ذوقوا ما اخترتم من الكسب، وهذا بما اخترتم؛ لأنه قد بين لهم الكسبين جميعًا، وما يكون لكل كسب في العاقبة، فاختاروا هم الكسب الذي كان عاقبته الذي أصابهم، فكأنهم اختاروا ذلك الذي حل بهم باختيارهم ذلك الكسب، واللَّه أعلم.
وقوله: (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) ليخوفهم ويحذرهم ما نزل بالمتقدمين بتكذيب الرسل والعناد بعد ما حذرهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالبعث، وما حل بهم يوم القيامة بذلك؛ فإذ لم يصدقوه فيما يحذرهم يوم القيامة حذرهم بالذي انتهى إليهم الخبر، يعني: رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ليحذروا.
وقوله: (مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) أي: من حيث لا يأمنون العذاب أنى: ينزل بهم.
وقوله: (فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) العذاب الذي نزل بهم في الدنيا ليس هو عذاب الكفر، إنما هو عذاب العناد، والتعنت، وأفعال فعلوها في حال الكفر، فهو في الآخرة أبد الآبدين فيه، خالدين مخلدين فيه؛ ولذلك قال: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)
وقوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ)، أي: بينا للناس في هذا القرآن من كل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم؛ أخبر لهم ما لهم وما عليهم، أو لبعضهم على بعض، وأمثاله، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ).
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: لكي يلزمهم التذكر والاتعاظ.
الزمر 39:26
قوله تعالى :﴿فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ العذاب الذي نزل بهم في الدنيا ليس هو عذاب الكفر، إنما هو عذاب العناد والتعنُّت وأفعال فعلوها في حال الكفر. فأما عذاب الكفر فهو في الآخرة أبد الآبدين خالدين مُخلَّدين فيه. ولذلك قال :﴿ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾.
الزمر 39:27
قوله تعالى :﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل﴾ أي بيّنا للناس في هذا القرآن من كل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، أخبرهم مالهم وما عليهم وما لبعضهم على بعض وأمثاله، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لعلهم يتذكّرون﴾ هذا يحتمل وجهين : أحدهما : لكي يلزمهم التذكّر والاتعاظ. والثاني : لكي يبلّغهم ما يتذكّرون، ويتّعظون.
الزمر 39:28
والثاني: لكي يبلغهم ما يتذكرون ويتعظون.
وقوله: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) أي: جعلناه قرآنًا عربيًّا؛ كقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، لكي يفقهوه ويعرفوه؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ...) الآية.
وقوله: (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه لا يخالف الكتب السالفة؛ بل يوافقها؛ لأن كتب اللَّه جاءت كلها على الدعاء إلى توحيد اللَّه وربوبيته، فكذلك القرآن، فهو لا يخالف سائر الكتب؛ بل يوافقها.
والثاني: لا عوج فيه؛ لما لا يخالف بعضه بعضًا، ولا يناقض؛ بل خرج كله موافقًا بعضه بعضًا مستقيمًا على تباعد نزوله في الأوقات، وباللَّه التوفيق.
وأصله: (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) أي: ليس بمائل ولا زائغ عن الحق.
وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي: يتقون المهالك، أو سخط اللَّه ونقمته.
وقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) أي: لا يستويان.
يشبه أن يكون ما ذكر من المثل لرجلين من البشر كله: المسلمون والكافرون، ثم يحتمل الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون؛ أي: يتشاكسون في نسبه، يدعي كل نسبه.
أو يتشاكسون في الملك فيه، يقول كل: هو لي أو في الملك في قوم يدعي كل أن الملك له فيه. أو يدعي كل أن الملك فيهم، ولا يثبت لواحد منهم النسب فيه لينتسب هو إلى واحد منهم، فيبقى متحيرًا تائهًا؛ ولذلك لا يثبت لواحد منهم الملك الذي يدعي؛ ليطلب هذا منه النفقة، وما يجب على ذي الملك من حقوق الملك، فسعى ضائعًا متحيرًا، وإذا كان الملك لرجل واحد، أو النسب أو الملك سالم له يصل إلى كل حق له، ويكون محفوظًا في نفسه معروفًا، فيكون مثل الذي فيه شركاء متشاكسون، هو الذي يعبد الشيطان أو الأصنام، أو هوى النفس، يدعو كل شيطان إلى غير الذي دعا الآخر، وكذلك الهوى يدعو صاحبه مرة إلى كذا، ومرة إلى غير ذلك، فهو كالذي فيه شركاء متشاكسون يدعي هذا وهذا، والذي يعبد إله الحق الذي يثبت ألوهيته بالحجج والآيات كالرجل السالم الواحد يكون أبدًا على حالة واحدة، مطيعًا لله، خالصًا له.
وقوله: (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) أي: هل يستوي الرجل الذي يدعي فيه شركاء متشاكسون والرجل الذي يكون لرجل واحد، فيما ذكرنا؟! أي: لا يستويان.
الزمر 39:29
قوله تعالى :﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي لا يستويان. يشبه أن يكون ما ذكر من المثل لرجُلين هو مثل للبشر كله المسلمين والكافرين.
ثم يحتمل الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون، أي يتشاكسون في نسبه ؛ أو يتشاكسون في المُلك فيه ؛ يقول كل هو لي، أو في الملك في قوم يدّعي كل أن الملك له فيهم.
ولا يثبت لواحد منهم المُلك الذي يدّعي ليطلب هذا منه النفقة، وما يجب على ذي المُلك من حقوق المُلك، فيبقى ضائعا متحيِّرا وكذلك لا يثبت لأحد فيهم الملك لقيام التنازع بينهم، فيبقون متحيّرين ضائعين لعدم من لا يسوسهم، ويقوم بأمورهم.
وإن كان المُلك لرجل واحد أو النّسب سالما له يصل إلى كل ما هو حق له، ويكون محفوظا في نفسه معروفا، فيكون مثل الذي فيه شركاء متشاكسون، هو الذي يعبد الشيطان أو الأصنام أو هوى النفس ؛ يدعوه كل شيطان إلى غير الذي دعاه الآخر، وكذا الهوى يدعو صاحبه مرة إلى كذا ومرة إلى غير ذلك. فهو كالذي فيه شركاء متشاكسون، يدّعيه هذا وهذا فيبقى متحيِّرا.
والذي يعبد الله الحق الذي تثبت ألوهيته بالحجج والآيات كالرجل السالم الواحد : يكون أبدا على حالة واحدة مطيعا له خالصا له.
وقوله تعالى :﴿هل يستويان مثلا﴾ أي هل يستوي الرجل الذي يدّعي فيه شركاء متشاكسون والرجل الذي يكون لرجل واحد في ما ذكرنا، أي هل يستويان.
وقال أهل التأويل :﴿هل يستويان﴾ : من يعبد آلهة شتى مختلفة، والذي يعبد ربا واحدا، وهو المؤمن، وقد رأوا أنهما قد استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، وفيه دلالة البعث. وكذلك قالوا في قوله :﴿مثل الفريقين كالأعمى والأصمّ والبصير والسميع هل يستويان﴾ [هود: ٢٤] وقد استووا في هذه الدنيا. دل أن هناك دارا أخرى يفرّق بينهم، إذ في الحكمة والعقل التفريق بينهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذكر الحمد على إثر ذلك يخرّج على وجهين :
أحدهما : أمرهم أن يحمدوا ربهم على ما خصّهم بالتوحيد من بين الكفار ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ توحيد ربهم.
والثاني : أمره أن يحمد ربه على ما جعله سالما خالصا لم يجعل ﴿فيه شركاء متشاكسون﴾.
قال أبو عوسجة والقتبيّ :﴿فيه شركاء متشاكسون﴾ أي مختلطون يتنازعون، ويتناجون، و : رجلا سالما : أي خالصا. ومن قرأ :﴿سَلَمًا لرجل﴾ أراد سلِم إليه، فهو سَلْمٌ وسِلْمٌ.
ثم قوله :﴿تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم﴾ [الزمر: ٢٣] يحتمل الأنبياء منهم والخواصّ كقوله :﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [ فاطر : ٢٨ } وجائز أن يكون أراد جميع المؤمنين. وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود : تقشعرّ منه جلود الذين يؤمنون بربهم، ثم تطمئن جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
وفي حرف حفصة : ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
وقال بعضهم في قوله :﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب﴾ [الزمر: ٢٤] يقول، والله أعلم : ليس الضال الذي يتقي النار بوجهه كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه، ليسا بسواء على ما ذكرنا.
الزمر 39:30
وقال أهل التأويل: (هَلْ يَسْتَوِيَانِ) من يعبد آلهة شتى مختلفة، والذي يعبد ربًّا واحدًا، وهو المؤمن، وقد رأوا أنهم قد استووا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، وفيه دلالة البعث، وكذلك في قوله: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا)، وقد استووا في هذه الدنيا دل أن هنالك دارًا أخرى يفرق بينهما فيها؛ إذ في الحكمة والعقل التفريق بينهما، واللَّه أعلم.
وقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ذكر الحمد على أثر ذلك يخرج على وجهين:
أحدهما: أن يحمد ربه على ما خصه بالتوحيد من بين الكفار (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) توحيد ربهم.
والثاني: أمره أن يحمد ربه على ما جعله سالمًا خالصًا؛ لم يجعل فيه شركاء متشاكسين.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: (شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) أي: مختلفون، يتنازعون، ويتشاحُّون (وَرَجُلًا سَلَمًا) أي: خالصًا.
ومن قرأ (سَلَمًا لِرَجُلٍ) أراد: سلم إليه، فهو سلم.
ثم قوله: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) يحتمل الأنبياء منهم والخواص؛ كقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).
وجائز أن يكون أراد جميع المؤمنين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (تقشعر منه جلود الذين يؤمنون بربهم ثم تطمئن جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) وفي حرف حفصة: (ثم يثبت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللَّه).
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ): يقول - والله أعلم -: ليس الضال الذي يتقي النار بوجهه كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه؛ ليسا بسواء؛ على ما ذكرنا.
(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) وجه ذكر هذا على أثر ما تقدم من قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) وقد استووا في هذه الدنيا من أخلص نفسه ودينه لله وللرسول، ومن جعل فيه شركاء ولم يسلم نفسه له، وهو الكافر، ثم تموت أنت ويموتون هم، فلو لم تكن دارٌ أخرى يميز فيها ويفرق بين الذي جعل نفسه
الزمر 39:31
سلمًا لله، خالصًا له، وبين من لم يفعل ذلك - لكان في ذلك استواء بين من ذكر، وفي
الحكمة أن لا استواء بينهما، وقد يموت السالم نفسه لله، ويموت الآخر دل أن في ذلك بعثًا، يثاب هذا، ويعاقب الآخر، واللَّه أعلم.
أو أن يذكر هذا؛ لما كانوا يتشاءمون برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويتطيرون فيما يصيبهم من المصائب والشدائد، حتى قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)، أي: لا يخلدون، فعلى ذلك يقول - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) أيضًا، أي: لا
يبقون بعد موتك أبدًا، ولكنهم يموتون، ولو كان ما يصيبهم بك أنت على ما يزعمون، [فيجيء ألا يصيبهم بعد موتك؛ نحو هذا يحتمل، واللَّه أعلم.
أو أن يقول: إنك ميت فتصل إلى ما وعد لك من الكرامات والثواب، ويموتون هم فيصلون إلى ما أوعدوا من المواعيد والعقوبات، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا لا لعلم ما يفسر هذه الآية، وكنا نقول: من يخاصم؟ فلما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول اللَّه، حتى كفح بعضنا وجوه بعض بالسيوف، فعرفت أنها نزلت فينا.
وذكر عن الزبير: لما نزلت هذه الآية، فقال: يا رسول اللَّه، أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا، فقال: (نعم)، فقال: إن الأمر إذن لشديد.
وروي عن بعض الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - لما نزلت هذه الآية أنهم قالوا: كيف نختصم ونحن إخوان؟! فلما قتل عثمان ظلمًا وعدوانا، علموا أنها لهم وفيهم، واللَّه أعلم.
ثم خصومتهم هذه يوم القيامة تحتمل وجهين:
أحدهما: في المظالم أو في الحقوق التي كانت لبعض على بعض، أو في الدِّين، أو في أمر الدنيا.
الزمر 39:32
أو أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) لما بلغت المحاجة غايتها في الدِّين والدنيا، ولم تنجع فيهم ولا قبلوها أخبر أنهم يختصمون في ذلك يوم القيامة في الوقت الذي يعاينون العذاب، ويظهر لهم الحق، فينقادون لها في ذلك الوقت، فلا ينفعهم ذلك، واللَّه أعلم.
وفي حرف ابن مسعود: (إنك مائت وإنهم مائتون) والعرب تقول: مات يمات فهو مائت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) يقول: لا ظلم أعظم ولا أفحش مما يكذب على من يتقلب في إحسانه، ويتصرف في نعمائه، وأنتم تتقلبون في نعم اللَّه وأنواع إحسانه، فلا ظلم أعظم ولا أفحش من الكذب عليه.
(وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ) ولا ظلم أعظم وأفحش من تكذيب خبره ورده؛ إذ لا خبر أصدق من خبره، ولا حديث أحق من حديثه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) كأنه يقول: أليس جهنم كافٍ للكافرين مثوى؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا)، أي: حسبهم جهنم عقوبة لهم بكفرهم وتكذيبهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) اختلف أهل التأويل فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ): جبريل، عليه السلام، (وَصَدَّقَ بِهِ): مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ): مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - (وَصَدَّقَ بِهِ) أبو بكر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - (وَصَدَّقَ بِهِ) أصحابه جميعًا.
قلنا: أهل التأويل على اختلافهم اتفقوا أن الذي جاء به جبريل أو مُحَمَّد هو التوحيد، فإن كان التأويل ما ذكر أهل التأويل، فعلى ذلك قوله: (ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحَسِنِينَ) أي: الموحدين، ففيه نقض قول الخوارج والمعتزلة أنَّ صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وأنه يخلد
الزمر 39:33
الآية ٣٣ وقوله عز وجل :﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ اختلف أهل التأويل فيه :
قال بعضهم :﴿والذي جاء بالصدق﴾ جبرائيل عليه السلام ﴿وصدّق به﴾ محمد عليه السلام.
وقال بعضهم :﴿والذين جاء بالصدق﴾ محمد عليه السلام ﴿وصدّق به﴾ أبو بكر.
وقال بعضهم :﴿والذين جاء بالصّدق﴾ محمد عليه السلام ﴿وصدّق به﴾ أصحابه جميعا.
قلنا : أهل التأويل على اختلافهم اتفقوا أن الذي جاء به جبرائيل أو محمد ﷺ هو التوحيد.
فإن كان التأويل ما ذكر أهل التأويل، وعلى ذلك قوله :﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي الموحّدين المؤمنين، ففيه نقض قول الخوارج والمعتزلة : إن صاحب الكبيرة، ليس بمؤمن، وإنه يُخلّد في النار، لأنه قال :﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ وكل مرتكبٍ الكبيرة مُصدِّق بالذي جاء به جبرائيل ومحمد عليه السلام.
ثم أخبر أنهم ﴿هم المتقون﴾ أي اتقوا الشرك، وقال لأولئك أيضا : إنه يكفّر عنهم ما ارتكبوا من المساوئ، وهو قوله :﴿ليكفّر الله عنهم أسوأ الذي عملوا﴾.
دلّ أن لهم مساوئ، ثم إن شاء عذّب على تلك المساوئ وقتا، ثم أعطاهم ما وعد. وإن شاء عفا عنهم، وتجاوز، وأعطاهم ما ذكر. فكيف ما كان فلهم ما ذكر، إذ هم على تصديق بما جاء محمد عليه السلام، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله عز وجل :﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : صدّق بقلبه ؛ أي جاء بالقول وتصديق القلب.
والثاني : صدّق به في المعاملة في اختيار كل ما يصلح [ واجتناب كل ما ](١) لا يوافق الذي جاء به.
وعلى ذلك ذُكر عن الحسن [ أنه ](٢) قال : يا ابن آدم : قلت : لا إله إلا الله، فصدِّقها.
فإن كان التأويل هذا فهو أشد، لكنه، وإن لم يعامل المعاملة [ التي توافق ](٣) الذي جاء به، وهو التوحيد، ولم يجتنب ما ذكرنا، فإن له ما ذكر : إما بعد التعذيب(٤) وإما بعد العفو، والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: التوحيد..
الزمر 39:34
في النار؛ لأنه قال: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) وكل مرتكب الكبيرة مصدق بالذي جاء به جبريل ومُحَمَّد، ثم أخبر أنهم هم المتقون؛ أي: اتقوا الشرك، وقال لأُولَئِكَ - أيضًا -: إنه يكفر عنهم ما ارتكبوا من المساوي، وهو قوله: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) دل أن لهم مساوي، ثم إن شاء عذب على تلك المساوئ وقتا ثم أعطاهم ما وعد، وإن شاء عفا عنهم وتجاوز وأعطاهم ما ذكر، فكيفما كان، فلهم ما ذكر؛ إذ هم على تصديق بما جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) يحتمل وجهين:
أحدهما: صدق بقلبه؛ أي: جاء بالقول وتصديق القلب.
والثاني: صدق به في المعاملة في اختيار كل ما يصلح ويوافق الذي جاء به، وعلى ذلك ذكر عن الحسن قال: يا ابن آدم، قلت: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فصدقها.
فإن كان التأويل هذا فهو أشد، لكنه وإن لم يعمل الذي يوافق الذي جاء به وهو التوحيد لم يجتنب ما ذكرنا، فإن له ما ذكر إما بعد التوحيد، وإما بعد العفو، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) دل هذا أن ذلك الوعد للجماعة، ليس لواحد ولا اثنين، وهو لجميع المؤمنين.
وقوله: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) ذكر نوعين من العمل السيئ والحسن، ثم أخبر أنه يكفر عنهم أسوا الذي عملوا ويجزيهم بأحسن الذي كانوا يعملون، فيحتمل: الأحسن: الحسنات نفسها يجزيها، ويكفر السيئات.
ويحتمل أنه يكفر أسوأ السيئات وأعظمها، ويجزي على أحسن الحسنات وأعظمها، فعلى هذا أحسن وأسوأ من نوعها، أحسن الحسنات وأسوأ السيئات، وعلى الأول من غير نوعها أي يكفر السيئات، ويجزي بالحسنات، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى
الزمر 39:35
الآية ٣٥ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذكر نوعين من العمل السّيئ والحسن. ثم أخبر أنه يكفّر ﴿عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيحتمل الأحسن الحسنات أنفسها : يجزيها، ويكفّر السيئات.
[ ويحتمل أي يكفّر السيئات أسوأها وأعظمها، ويجزي بأحسن الحسنات وأعظمها.
فعلى هذا : أحسن وأسوأ من نوعها : أحسن الحسنات وأسوأ السّيئات ](١).
وعلى الأول من غير نوعها، أي يكفّر السيئات، ويجزي بالحسنات، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
الزمر 39:36
فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) و [(عِبَادَهُ)] أيضًا.
الآية يحتج بها على إثبات الرسالة، وكذلك قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، وكذلك قوله: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ)، ونحو ذلك، وأمثاله كثير؛ لأنه بعثه وحده، لا عون معه، ولا نصر له من البشر رسولا إلى الأعداء، وكان يقرع أسماعهم بهذه الآيات التي ذكرنا، وغير ذلك من قوله: (ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ)، ثم لم يقدروا على إهلاكه؛ بل عصمه من كيدهم ومكرهم؛ على ما قال: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، فبلغ إليهم ما أمر بتبليغه من غير أن قدروا على ما قصدوا به، وفي ذلك لطف من اللَّه عظيم، ودلالة على إثبات الرسالة.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فهو -في الحقيقة- على الإيجاب والتقرير؛ لأنهم كانوا يعلمون أن اللَّه - عز وجل - هو الكافي لخلقه، من ذلك أنهم إذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: اللَّه - تعالى - وإذا سئلوا من يرزقكم؟ قالوا: اللَّه - تعالى - ومن أنزل من السماء ماء؟ ومن أخرج من الأرض النبات؟ ونحو ذلك - قالوا: اللَّه، فعلى ذلك قوله: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) أي: تعلمون أن اللَّه هو الكافي لجميع خلقه في الدفع والذبّ عنهم، والنصر لهم، فإذا عرفتم ذلك فكيف تخوفون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالذي تخوفونه؟ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)، اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: بأهل الأرض جميعًا، يقولون له: إن العرب تفعل بك كذا، ويعملون بك كذا، كانوا يخوفونه بهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كانوا يخوفونه بالأصنام التي كانوا يعبدونها أن يصيبه سوء وأذى من ناحيتها؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)، وكأن هذا أشبه بالآية؛ لأنه ذكر على إثر ذلك وعقبه الأصنام؛ حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ) هو هذا يدل أن ما ذكر من تخويفهم إياه إنما كان بالأصنام التي كانوا يعبدونها.
الزمر 39:37
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ... (٣٧) أخبر أنه إذا أراد هداية أحدكم لم يملك أحد إضلاله، وإذا أراد إضلال أحد لم يقدر أحد على هدايته، ذكر في الدِّين أن لا أحد يملك دفع ما أراد من هدى أو ضلال، ولا منعه على ذلك؛ على ما ذكر في الرزق وأسباب العيش، وعلى ما ذكر في الأنفس وحفظها؛ حيث قال: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ)، وقال في الأنفس: (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ)، وقد اجتمعوا في ذلك في الرزق والعيش وضرر الأنفس وحفظها أن لا أحد يملك دفع ما أراد هو، فعلى ذلك في الدِّين؛ لأن الذكر خرج في الكل على مخرج واحد، وذلك على المعتزلة لقولهم: إن اللَّه - تعالى - قد أراد هداية كل أحد، ونصر كل ولي، لكن غيره منعه عن ذلك؛ فهو [وخش] من القول سمج، وبالله العصمة والنجاة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ) هو على الإيجاب والتقرير؛ أي: يعلمون أنه عزيز ذو انتقام؛ أي: عزيز لا يعجزه شيء، ذو انتقام لأوليائه من أعدائه.
وقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قد علموا أن لا خالق سواه، وعرفوا أنه لا يملك أحد سواه كشف ما أراد هو من الضرر بأحد، ولا إمساك ما أراد من الرحمة بأحد؛ ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا إلى من عبدوهم من دونه من الأصنام، ولا إلى أحد من الخالقين؛ دل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك به ينال من خير أو غيره؛ ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا إلى من عبدوهم من دونه من الأصنام، احتج عليهم بما احتج، ولو لم يكونوا علموا بذلك لم يكن ليحتج عليهم بذلك، وهم لذلك منكرون، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) في قوله: (حَسْبِيَ اللَّهُ) ما ذكرنا من اللطف والدلالة على إثبات الرسالة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: على الإياس منهم أنهم لا يؤمنون ولا يجيبون إلى ما دعوا إليه بعد ما أقيم عليهم الحجج والبراهين؛ كأنه يقول: اثبتوا أنتم على دينكم واعملوا له، ونثبت نحن على ديننا ونعمل له، فسوف تعلمون أينا على الحق نحن أو أنتم؟ وهو كقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، أي: لا أدين أنا بدينكم، ولا أنتم تدينون بديننا، ولكن يلزم كل منا
الزمر 39:38
الآية ٣٨ وقوله تعالى :﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ قد علموا أن لا خالق سواه، وعرفوا أنه لا يملك أحد سواه كشف ما أراد هو من الضّرر ولا إمساك ما أراد هو من الضرر ولا إمساك ما أراد من الرحمة بأحد. ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا [ إليٍ ](١) من عبدوهم من دونه من الأصنام ولا إلى أحد من الخلائق(٢).
دلّ ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك به يُنال من خير أو غيره. ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا [ إليهم ولذلك احتج ](٣) عليهم بما احتج، ولو لم يكونوا علموا بذلك لم يكن ليحتجّ عليهم بذلك، وهم بذلك منكرون، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ في قوله ﴿حَسْبِيَ الله﴾ ما ذكرنا من اللطف /٤٧٠ – أ/ والدلالة على إثبات الرسالة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: الخالقين..
٣ في الأصل: إليه، في م: احتج..
الزمر 39:39
الآية ٣٩ وقوله تعالى :﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : على الإياس منهم أنهم لا يؤمنون، ولا يجيبون إلى ما دعوا إليه بعد ما أقيم عليهم الحُجج والبراهين. كأنه يقول : أنيبوا أنتم إلى دينكم، واعملوا له، ونُنيب نحن إلى ديننا، ونعمل له، فسوف تعلمون أننا على الحق نحن أو أنتم، وهو كقوله :﴿لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون: ٦] أي لا أدين أنا بدينكم، ولا أنتم تدينون بديننا، ولكن يلزم كل منا دينه الذي عليه. فعلى ذلك الأول.
والثاني : على التوبيخ لهم والتعبير ؛ يقول : اعملوا على مكانتكم أنتم مما تقدرون من الكيد والمكر لي، وأنا عامل ذلك بمكانتكم كقوله عز وجل :﴿ثم كيدون فلا تُنظرونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر توبيخهم وتعييرهم، وفي هذه الآية وفي ما تقدم من وقوله عز وجل :﴿أليس الله بكاف عبده ويخوّفونك بالذين من دونه﴾ [الزمر: ٣٦] والله أعلم.
إلى هذا الموضع تقرير وتوبيخ ومُنابَزة وإياس. فأما الإياس فهو لي في قوله :﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ والتقرير في قوله :﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله﴾ والمنابزة في وقوله :﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ والتوبيخ في قوله :﴿أليس الله بكاف عبده ويخوّفونك بالذين من دونه﴾.
ثم جائز أن يكون قوله :﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ ﴿ومن يهد الله فما له من مُضلّ﴾ يخرّج على الصلة لقوله :﴿أليس الله بكاف عبده ويخوّفونك بالذين من دونه﴾ كأنه يقول : من أضل الله حتى لا يعلم أن الله، هو كاف عبده، وأن ما يخوّفون به لا(١) يقع به خوف، ولا يلحق به ضرر، فلا هادي له، ومن هداه، فعرف ذلك، فلا مُضلّ له عن ذلك، والله أعلم بذلك.
١ في الأصل وم: ولا..
الزمر 39:40
دينه الذي عليه، فعلى ذلك الأول.
والثاني: على التوبيخ لهم والتعيير؛ يقول: اعملوا على مكانتكم أنتم مما تقدرون من الكيد لي والمكر، وأنا عامل ذلك بمكانتكم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ)، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر توبيخهم وتعييرهم، والله أعلم.
وفي هذه الآية وفيما تقدم من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) إلى هذا الموضع تقرير وتوبيخ ومنابذة وإياس، فأما الإياس فهو في قوله: (يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) والتقرير في قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) والمنابذة في قوله: (حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)، والتوبيخ في قوله: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ).
ثم جائز أن يكون قوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ. وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ) يخرج على الصلة بقوله: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) كأنه يقول: من أضله اللَّه حتى لا يعلم أن اللَّه هو كاف عبده، وأن ما يخوفونه به لا يقع به خوف ولا يلحق به ضرر - فلا هادي له، ومن هداه فعرف ذلك، فلا مضل له عن ذلك، واللَّه أعلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠) جائز أن يكون ذلك العذاب الذي يأتيه هو عذاب في الدنيا من نحو القتل والتعذيب بالذي أهلك الأولون المعاندون للرسول (يُخْزِيهِ) أي: يفضحه (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) في الآخرة، وهو عذاب الكفر، وإلى ذلك ذهب بعض أهل التأويل.
وجائز أن يكون ذلك كله في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) هذا كأنه - واللَّه أعلم -: إنا أنزلنا عليك الكتاب لتحكم بين الناس بالعدل؛ على ما ذكر في آية أخرى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ)، فعلى ذلك هذا، ويكون قوله: (فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) أنشأ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - البشر دراكًا مميزًا بين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، وبين ما لهم وما عليهم، وبين السبيلين جميعًا غاية البيان، وأوضح كل سبيل نهاية الإيضاح، من سلكه أنه إلى ماذا يفضيه وينهيه، ثم امتحنهم في ذلك، ومكن لهم من السلوك في كل واحد من السبيلين بعد البيان منه أنه من سلك سبيل كذا أفضاه إلى كذا، ومن يسلك سبيل كذا أفضاه إلى كذا؛ امتحانًا منه، ثم أخبر أنه
الزمر 39:41
الآية ٤١ وقوله تعالى :﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ هذا كأنه، والله أعلم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ لتحكم بين الناس بالعدل على ما ذكر في آية أخرى :﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] فعلى ذلك هذا، ويكون قوله :﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أنشأ الله عز وجل البشر درّاكا مميِّزا بين الخبيث والطيب وبين الحسن والقبيح وبين ما لهم وما عليهم وبين السبيلين جميعا غاية البيان، وأوضح كل سبيل نهاية الإيضاح أنه(١) من سلكه إلى ماذا يُفضيه، وينهيه.
ثم امتحنهم في ذلك، ومكّن لهم من السلوك في كل أحد من السبيلين بعد البيان منه أنه من سلك سبيل كذا، ومن سلك سبيل كذا أفضاه إلى كذا امتحانا منه.
ثم أخبر أنه في ما امتحنهم [ لم يمتحنهم ](٢) لمنفعة ترجع إليه أو لمضرة تدفع عن نفسه. ولكن إنما امتحنهم لمنفعة ترجع إليهم إذا اختاروا ترك سلوك سبيل الباطل، وهو ما ذكرنا في غير آية(٣) من القرآن :
أحدها : هذا [ في ما ](٤) قال :﴿فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها﴾.
والثاني : بما قال عز وجل ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] وغير ذلك من الآيات التي تبين أنه إنما امتحنهم لمنفعة أنفسهم واكتساب الخير الدائم لهم، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى :﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ يخبر أن ليس عليك إلا تبليغ ما أُرسلت، وأُمرت تبليغه إليهم كقوله تعالى :﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨] وقوله عز وجل :﴿فإنما عليه ما حُمّل وعليكم ما حُمّلتم﴾ [النور: ٥٤] وقوله تعالى :﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] وقوله تعالى :﴿فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾ [النساء: ٨٠] والوكيل الحفيظ، والله أعلم.
١ أدرجت في الأصل وم: بعد سلكه..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: آي..
٤ في الأصل وم: حيث..
الزمر 39:42
فيما امتحنهم لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إليه، أو لمضرة يدفع عن نفسه، ولكن إنما امتحنهم لمنفعة ترجع إليهم إذا اختاروا ترك سلوك سبيل الباطل، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن، إحداها هذه؛ حيث قال: (فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا).
والثانية: بما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) أي: فعليها، وغير ذلك من الآيات التي تبين أنه إنما امتحنهم لمنفعة أنفسهم واكتساب الخير الدائم لهم، ولا قوة إلا باللَّه.
ثم قوله: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) يخبر أن ليس عليك إلا تبليغ ما أرسلت وأمرت بتبليغه إليهم؛ كقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، وقوله - تعالى -: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، وقوله: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)، والوكيل: الحفيظ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) إلى آخر ما ذكر.
قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كل نفس لها سبب تجري فيه؛ فالتي قضي عليها الموت فتجري في الجسد كله.
لكن لم يفهم مما ذكر ابن عَبَّاسٍ تأويل الآية.
وعن سعيد بن جبير قال: يجمع بين أرواح الأحياء وبين أرواح الأموات فيتعارف ما شاء اللَّه أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجسادها، وبهذا - أيضًا - لم يفهم شيء من تأويل الآية.
وقال الكلبي: النائم متوفى حتى يرد اللَّه إليه روحه، فأما التي يتوفاها حين موتها فإنه يقبض الروح والنفس جميعًا ويرسل التي يتوفاها في منامها حتى تبلغ أجلها المسمى، وهو الموت.
ويقال: إنما يقبض اللَّه من النائم النفس، والروح في الجسد لم تفارقه، فإذا قبض الله الروح ذهبت النفس مع الروح.
وهذا الذي ذكره الكلبي أقرب إلى تأويل الآية من الذي ذكره أُولَئِكَ، وأصله: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل في الأجساد أشياء وأرواحًا يحيي الأجساد في حال نومها على الهيئة التي كانت من قبل، ليس بها أثر الموت، لكنها لا تدرك شيئًا، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئًا، وبها آثار الحياة؛ يدلنا هذا على أنها في حال النوم قد ذهب منها، وخرج ما به تدرك الأشياء، وبقي منها ما به تحيا، وهو الروح، فإذا خرجت الروح منها، وإن كانت لا تدرك شيئًا على الهيئة التي كانت من قبل، دل ذلك على أن الذي به تدرك الأشياء غير الذي به تحيا؛ واللَّه أعلم؛ ألا ترى أنها في حال النوم تلك الأنفس الدراكة حيث كانت تتألم وتتلذذ، وتقضي الشهوات وهي في أقصى الدنيا، هذا كله يدل على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
ثم على هذا جائز أن يكون ما ذكر من عذاب القبر أنه إنما يكون على تلذذ الأنفس الدراكة، لا على الروح؛ على ما ذكرنا من تألمها وتلذذها بعد خروجها من الأجساد ومفارقتها عنها، واللَّه أعلم.
ثم أضاف في هذه الآية التوفي إلى اللَّه، وفي آية أخرى أضافه إلى الرسل؛ حيث قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا...) الآية، وأضافه مرة إلى ملك الموت حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ...) الآية، ثم يحتمل إضافة التوفي إلى الرسل وإلى ملك الموت وجهين:
أحدهما: وإن كان حقيقة التوفي والموت باللَّه؛ لما يخلق فعل قبضهم الروح منها، ويشاء ذلك منهم، وهو كما ذكر من البشرى لهم وطمأنينة القلوب عند بعثه إليهم الملائكة بالإعانة لهم والنصر؛ حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، أخبر أنه جعل لهم بعث الملائكة بشارة النصر، وأن حقيقة النصر ليس إلا من عند اللَّه، فعلى ذلك ما ذكر من إضافة التوفي إلى الرسل؛ لما يخلق فعل قبضهم الروح، وكان حقيقة ذلك لله - عَزَّ وَجَلَّ - واللَّه أعلم.
والثاني: أن يكون من اللَّه لطف في ذلك، ومعنى لا يكون ذلك منهم، لكنه لم يبين ما ذلك اللطف وذلك المعنى الذي يكون منه، واللَّه أعلم بذلك.
ثم قوله: (يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) أي: حين خلق موتها يقبض الروح منها.
وقوله: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) لم يقبض منها الروح ترسل إليها النفس الدراكة إلى الأجل الذي جعل لها، واللَّه أعلم.
وقوله: (يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ) جائز أن يكون من القبض؛ أي: يقبض الأنفس.
وجائز أن يكون من العد؛ كقوله: (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا).
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يحتمل قوله: (لَآيَاتٍ): العبر، أو الأعلام، أو الحجج.
الزمر 39:43
وقوله: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يعلمون أن من قدر على استخراج تلك الأنفس الدراكة من الأجساد، وإبقائها على الهيئة التي كانت إلى الوقت لا تدرك شيئًا، ثم ردها إليها، وإعادتها على ما كانت - قادر بذاته، لا يعجزه شيء.
أو من قدر على إنشاء النفس الدراكة في الأجساد حتى تدرك بها، لا يحتمل أن يعجز عن إعادة الأجساد بعد ما بليت وفنيت، وذاك ألطف من هذا وأكبر؛ لأن الناس قد يتكلفون تصوير صور الأنفس الظاهرة ولا أحد يتكلف تصوير نفس دراكة من غيرها، والله أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٤٨)
وقوله: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ).
على ما ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن حرف الاستفهام والشك إذا أضيف إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فهو على الإيجاب والإلزام، ثم قال بعض أهل التأريل: إن قوله - عز وجل -: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ) هم الملائكة الذين عبدوها لكنه بعيد؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ - بعد ذلك: (قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ)، والملائكة أهل العقل والعلم، وإنهم يملكون ذلك إذا جعل لهم وملكوا، لكن الآية في الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه؛ على رجاء أن تشفع لهم وتقربهم عبادتهم إياها إلى اللَّه زلفى؛ لقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عَندَ اللَّهِ)، وقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)؛ فهو أشبه بالأصنام التي كانوا يعبدونها من الملائكة، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ) يخرج على وجهين:
أحدهما: بل اتخذوا بعبادة من عبدوه من دون اللَّه شفعاء لأنفسهم، ولا يكونون شفعاء لهم، ولا يملكون ذلك ولا يفعلون.
والثاني: بل اتخذوا لأنفسهم من دون اللَّه شفعاء، ولا يملك أحد جعل الشفاعة لأحد
الزمر 39:44
دون اللَّه، إلا من جعل اللَّه له الشفاعة، ولا يجعل اللَّه لأحد الشفاعة إلا من كان له عند اللَّه عهد، أو من ارتضى له الشفاعة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)، وقوله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)، يدل على هذا قوله؛ حيث قال: (أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ).
وقوله: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)
هو ما ذكرنا: هو المالك الشفاعة جميعًا، لا يملك أحد سواه إلا من جعل اللَّه له الشفاعة وارتضى له، فأمَّا أن يملك أحد سواه اتخاذ الشفاعة لنفسه، أو جعل الشفاعة لنفسه فلا، واللَّه الموفق.
وقوله: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
في البعث، أو يرجعون إلى ما أعد اللَّه لهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)
قال بعض أهل التأويل: إذا ذكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - توحيد اللَّه في القرآن (اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)، أي: نفرت؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ - في بني إسرائيل: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا)، وإذا ذكر النبي - عَزَّ وَجَلَّ - الذين عبدوا من دونه الآلهة؛ كقوله في سورة النجم؛ حيث قال: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)، وألقى الشيطان في فمه: " تلك الغرانيق العلا، منها الشفاعة لترتجى "؛ ففرح الكفار حين سمعوا أن لها شفاعة: إلى هذا يذهب مقاتل وغيره، لكنه ليس كذا، وغير هذا كأنه أولى به وأقرب، وهو أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ)، أي: إذا ذكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - توحيد اللَّه وألوهيته، أو ذكر هذا أهل التوحيد وهذا الألوهية ممن عبدوا دونه (اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)، أي: نفرت وأنكرت؛ كقولهم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ): وإذا ذكر أهل الكفر الذين عبدوا من دونه عبادتهم إياها وخلوتهم بها إذا هم يفرحون ويستبشرون، واللَّه أعلم.
وقوله: (اشْمَأَزَّتْ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: أبغضت ونفرت.
الزمر 39:45
الآية ٤٥ وقوله تعالى :﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قال بعض أهل التأويل : إذا ذكر النبي ﷺ توحيد الله في القرآن ﴿اشمأزّت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي نفرت كقوله عز وجل في بني إسرائيل ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا﴾ [الإسراء: ٤٦] وإذا ذكر النبي ﷺ الذين عبدوا من دونه الآلهة كقوله في سورة النجم حين(١) قال :﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [ النجم : ١٩ و٢٠ ] ﴿ألقى الشيطان في أمنيّته﴾ [الحج: ٥٢] في فمه : تلك الغرانيق العُلا، [ وإن شفاعتها ](٢) لتُرجى. ففرح الكفار حين سمعوا أن لها شفاعة. إلى هذا يذهب مقاتل وغيره.
لكنه ليس كذا، وغير هذا كأنه أولى به وأقرب ؛ وهو أن قوله عز وجل :﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ أي إذا ذكر النبي ﷺ توحيد الله وألوهيته، أو ذكر أهل التوحيد، ونفوا(٣) الألوهية ممن عبدوا دونه ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ أي نفرت، وأنكرت كقولهم :﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عُجاب﴾ [ص: ٥].
وقوله تعالى :﴿وإذا ذكر الذين من دونه﴾ وإذا ذكر أهل الكفر الذين عبدوا من دونه عبادتهم إياها وخلوتهم بها ﴿إذا هم يستبشرون﴾ ويفرحون، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿اشمأزّت﴾ قال بعضهم : أبغضت، ونفرت.
وقال القتبي وأبو عوسجة ﴿اشمأزّت﴾ أنكرت، وذُعرت. ويقال في الكلام : مالي أراك مشمئزا ؟ أي مذعورا، ويقال : اشمأزن المكان، أي بعُد.
وقال بعضهم :﴿اشمأزّت﴾ استكبرت، وكفرت، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: منها الشفاعة..
٣ في الأصل وم: وهذا..
الزمر 39:46
وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: (اشْمَأَزَّتْ): أنكرت وذعرت، ويقال في الكلام: ما لي أراك مشمئزا؟ أي: مذعورًا، ويقال: اشمأز المكان، أي: بعد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (اشْمَأَزَّتْ): استكبرت وكفرت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)
أمر رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يقول لهم، وهو كلام التوحيد.
وقوله: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يحتمل: مبدئ، ويحتمل: مبدع، أو خالق السموات والأرض، واللَّه أعلم.
وقوله: (عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).
يحتمل قوله: (عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) ما أشهد الخلق بعضهم على بعض، هو عالم ذلك كله.
أو الغيب: ما غاب عن الخلق كلهم، والشهادة ما شهده الخلق.
أو أن يكون قوله: (عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، أي: عالم ما يكون أنه يكون، والشهادة: ما قد كان، يعلم ذلك كله: يعلم ما يكون أنه يكون، وما كان يعلمه كائنًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).
يوم القيامة؛ كقوله: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...) الآية.
أو أن يكون قوله: (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ): في هذه الدنيا، فهو يخرج على وجوه:
أحدها: ما جعل اللَّه في خلقتهم إثبات الصانع وشهادة الوحدانية لله - عَزَّ وَجَلَّ - وألوهيته.
والثاني: بما أنزل اللَّه من الكتب والرسل، وبين لهم فيها ما لهم وما عليهم.
ثم إن كان في الآخرة فجائز ألا يكون يحكم بيننا فيما وسع علينا الحكم في الأمر في الدنيا، ويرتفع المحنة به في الآخرة من نحو الأحكام التي سبيل معرفتها بالاجتهاد، ولا يحكم بيننا بشيء من ذلك، وأما ما كان غير موسع علينا في الدنيا ترك ذلك، وهو مما لا يرتفع المحنة به في الدارين جميعًا: من نحو التوحيد والدِّين فذلك يحكم بيننا في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ
الزمر 39:47
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)
كأنه - واللَّه أعلم - يذكر لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليصبره على أذاهم إياه، وأن يشفق عليهم بما ينزل بهم في الآخرة؛ لأنه أخبر عن عظيم ما ينزل بهم: أنهم مع بخلهم وضنهم بهذه الدنيا لو كان ما في الأرض من الأموال، وضعف ذلك أيضًا لهم، لافتدوا بذلك كله من سوء ما ينزل بهم من العذاب، وكذلك ما ذكر من قوله: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) ويخبر عن سوء معاملتهم ربهم، على علم منه أنهم يؤذون رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأن ذلك يشتد عليه ويشق؛ لينظر أنهم كيف عاملوا ربهم من سوء المعاملة؛ ليصبر هو على سوء معاملتهم إياه ولا يترك الرحمة والشفقة عليهم بما ينزل بهم في الآخرة من سوء العذاب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).
قال بعض أهل التأويل: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ): من شهادة الجوارح عليهم والنطق مالم يكونوا يحتسبون ذلك، ولكن غير هذا كأنه أقرب: بدا لهم من الهوان والعذاب لهم في الآخرة ما لم يكونوا يحتسبون.
ثم هو يخرج على وجهين:
أحدهما: أنهم كانوا يقولون: حيث فضلنا اللَّه في هذه الدنيا بفضول الأموال والكرامة؛ فعلى ذلك نكون في الآخرة مفضلين عليهم كما كنا في الدنيا؛ ولذلك قالوا: (وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)، وقولهم: (إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ)، ونحوه؛ فبدا لهم وظهر في الآخرة ما لم يكونوا يحتسبون ما ذكرنا من الهوان لهم والعذاب.
والثاني: كانوا ينكرون رسالة نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويقولون: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، وقالوا: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا...) الآية، ونحو ذلك من الكلام؛ كقولهم - أيضًا -: (لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ): لا يرون الرسالة توضع إلا في العظيم من أمر الدنيا؛ فأخبر أنه يبدو لهم ما لم يكونوا يحتسبون؛ لما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٤٨)
يحتمل قوله: (بَدَا)، أي: ظهر لهم جميع ما صنعوا في الدنيا في الآخرة؛ حتى حفظوا وذكروا ذلك كله.
والثاني: بدا لهم ما حسبوا حسنات سيئات، واللَّه أعلم.
أو أن يكون ذلك في الجزاء، أي: بدا لهم وظهر جزاء ما كسبوا؛ يدل على ذلك
الزمر 39:48
الآية ٤٨ وقوله تعالى :﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ يحتمل قوله :﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ [ يحتمل وجهين :
أحدهما ](١) :﴿وبدا لهم﴾ أي ظهر لهم جميع ما صنعوا في الدنيا في الآخرة حتى حفظوها، وذكروا ذلك كله.
والثاني :﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ ما حسبوا حسنات سيئات، والله أعلم.
[ ويحتمل ](٢) أن يكون ذلك في الجزاء، أي بدا لهم، وظهر، جزاء ما كسبوا. يدل على ذلك قوله :﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أو..
الزمر 39:49
قوله: (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
وقوله: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا).
لا يحتمل أن يكون أراد: كل إنسان يكون على ما وصف وذكر، ولكنه إنسان دون إنسان، ولا يجب أن يشار إلى واحد أنه فلان، وكذلك ما ذكر من مس الضر به لا يشار إلى ضر دون ضر؛ ولكن ما أعلم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه ماذا؟ لأن ذلك يخرج مخرج الشهادة على اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - والامتناع عن الإشارة إليه، والتسمية له أسلم.
ثم كانت عادة أُولَئِكَ الكفرة - لعنهم اللَّه - عند نزول البلاء بهم والشدة الفزع إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وإخلاص الدعاء له؛ فبعد الكشف عنهم ذلك يقع العود إلى ما كانوا من قبل، على ما ذكرهم في آي من القرآن.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا)، أي: أعطيناه نعمة، أو ملكناه نعمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ).
أي: على حيلة مني أعطيت ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما أوتيته على شرف ومنزلة، علمه اللَّه مني.
وقال قتادة: على خير علمه اللَّه عندي.
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إنما آتانيه اللَّه على علم).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما ذكرنا قال: إنما أوتيته على علم وشرف أعطيت ذلك.
قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ردَّا لقوله: (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ).
والفتنة هي المحنة التي فيها شدة، أي: بل هي محنة فيها شدة وبلاء، والمحنة من الله
الزمر 39:50
بأمر وبنهي، أي: فيها أمر ونهي.
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
أنه لم يعط لفضل وشرف له أو حيلة منه؛ ولكنه لأمر ونهي، واللَّه أعلم.
وقوله: (قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ... (٥٠) عين ما قال هذا الرجل؛ حيث قال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ)؛ كان من قارون حين قال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، ولم يزل العادة من الكفرة والرؤساء منهم وأهل الثروة قائلين بمثل هذا الكلام والقول، وهو ما أخبر عن قوم فرعون - حين قالوا -: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ)، وما قال أهل مكة: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، وغير ذلك من أمثال هذا، لم يزالوا قائلين هذا.
ثم أخبر أن ذلك لم يغنهم حيث قال: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: ما قالوا: إنما أوتينا هذا بحيل من عندنا واكتساب، أخبر أن ذلك لم يغنهم عن دفع عذاب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عنهم إذا نزل بهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا... (٥١)
يوعد أهل مكة ويخوفهم أنه ينزل بهم ويصيبهم بكسبهم الذي يكتسبون كما نزل بأُولَئِكَ الأوائل بمثل كسبهم وصنيعهم.
وقوله: (وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ).
أي: ما هم بمعجزين عما يريد بهم من الانتقام منهم والتعذيب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ... (٥٢)
يذكر هذا أن اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء لا لكرامة وفضل عند اللَّه ولا لحق قبله، ويضيق على من يشاء لا لهوان له عنده ولا لجناية؛ ولكن امتحانا لهم بمختلف الأحوال: يمتحن هذا بالسعة؛ ليستأدي به منه الشكر، ويضيق على هذا؛ يطلب منه الصبر على ذلك.
أو يمتحن بعضهم بالسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليعلموا أن ذلك كله في يد غيرهم، لا في أيديهم؛ إذ يمتحنهم بمختلف الأحوال ليكونوا -أبدا- فزعين إلى اللَّه في كل وقت وكل ساعة، ولو كان السعة والنعمة لكرامة عند اللَّه وفضل - على ما ظن
الزمر 39:51
الآية ٥١ وقوله عز وجل ](١) :﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ يتوعد أهل مكة، ويخوّفهم أنه ينزل بهم، ويصيبهم بكسبهم الذي يكسبون كما نزل بأولئك الأوائل بمثل كسبهم وصنيعهم.
وقوله تعالى :﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي ما هم بمعجزين عما [ يريد بهم ](٢) من الانتقام منهم والتعذيب، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، في الأصل يزيدهم..
الزمر 39:52
الآية ٥٢ وقوله عز وجل :﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ لا لكرامة وفضل عند الله ولا لحق قبله، ويضيّق على من يشاء، لا لهوان له عنده ولا لجناية، ولكن امتحانا لهم بمختلف الأحوال ؛ يمتحن هذا بالسّعة ليستأدي منه الشكر، ويُضيّق على هذا، يطلب منه الصبر على ذلك، أو يمتحن بعضهم بالسّعة وبعضهم بالشّدة والضيق ليعلموا أن ذلك كله في يد غيرهم لا في أيديهم ؛ إذ يمتحنهم [ بمختلف ](١) الأحوال ليكونوا أبدا فزعين إلى الله في كل وقت وكل ساعة.
ولو كانت السعة والنعمة لكرامة عند الله وفضل على ما ظن أولئك لكان لا يحتمل ذلك بمختلف(٢) المذهب الذي يناقض بعضه بعضا، ويضادّ بعضه بعضا، نحو المسلم والكافر، وقد وسّع على المسلم، ووسّع على الكافر، وقد ضيّق عليهم جميعا، يدل أن التوسيع [ ليس ](٣) للكرامة والمنزلة عند الله أو لحق عليه، ولا التضييق والتقتير لهوان ؛ إذ لو كان لذلك لكان لا يجمع بين متضادّي المذهب ومتناسبيهما(٤) فإذا جمع دل أنه [ جمع ](٥) لمعنى الامتحان لا لما ظن أولئك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في ما ذكر من التوسيع والبسط والتضييق والتقتير ﴿لَآَيَاتٍ﴾ أي لعبرة وعظة ﴿لِقَوْمٍ يتفكرون﴾ يؤمنون أنه لم يوسّع لكرامته عند الله ومنزلته وفضله، ولا ضيّق على من ضيّق لهوان له عنده ولا جناية، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: مختلفى..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: ومختلفهما..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الزمر 39:53
أُولَئِكَ - لكان لا يحتمل ذلك مختلفي المذهب الذي يناقض بعضه بعضا ويضاد بعضه بعضًا: نحو المسلم والكافر، وقد وسع على المسلم ووسع على الكافر، وقد ضيق عليهما جميعًا؛ يدل أن التوسيع ليس للكرامة والمنزلة عند اللَّه أو لحق عليه، ولا التضييق والتقتير لهوان؛ إذ لو كان لذلك لكان لا يجمع بين متضاد المذهب ومختلفهما؛ فإذا جمع دل أنه لمعنى الامتحان، لا لما ظن أُولَئِكَ، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ)، فيما ذكر من التوسيع والبسط والتضييق والتقتير، (لَآيَاتٍ)، أي: لعبرة وعظة، (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ):
يؤمنون أنه لم يوسع على ما وسع لكرامته عند اللَّه ومنزلته وفضله، ولا ضيق على من ضيق لهوان له عنده ولا جناية، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)
وقوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ).
قال بعض أهل التأويل: إن الآية نزلت في شأن الوحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب في الجاهلية أنه أراد أن يسلم الوحشي؛ فذكر ما كان منه من قتله حمزة - رضي اللَّه عنه - فظن أنه لا يقبل منه؛ لعظم جنايته؛ فنزلت الآية على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لينبئه، وأخبر أنه لا يقبل منه بعد ذلك، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا؛ ولكن ناسًا قد أصابوا ذنوبًا عظامًا في الجاهلية من نحو القتل والزنا وكبائر؛ فأشفقوا ألا يتاب عليهم؛ فأنزل اللَّه هذه الآية يدعوهم إلى التوبة والإسلام، وأطمع لهم القبول منهم والتجاوز عما كان منهم، وهو كأنه أولى؛ لأن الوحشي من كان
الزمر 39:54
حتى ينزل اللَّه الآية بشأنه خاصة؟!
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) يحتمل وجهين:
أحدهما: يقول - واللَّه أعلم -: (يَا عِبَادِيَ) الذين جنوا على أنفسهم، وأوردوها المهالك بارتكاب ما ارتكبوا من الإسراف والكبائر (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)؛ فإن قنوطكم من رحمة اللَّه وإياسكم منه لا يغفر ولا يجاوز وذلك أعظم وأفظع؛ إذ رجع أحدهما إلى أنفسهم والآخر إلى رحمة اللَّه وفضله.
والثاني: يقول: إنكم وإن أسرفتم فيما ارتكبتم من الكبائر والفواحش، وأعرضتم عن أمر اللَّه فلا تقنطوا من رحمة اللَّه بعد إذ تبتم عما كنتم فيه، ورجعتم عما كان منكم وأما في الوقت الذي خرجت أنفسكم من أيديكم؛ فلا يقبل ذلك منكم، وهو وقت نزول العذاب بهم وإشرافه عليهم؛ لأن التوبة في ذلك الوقت توبة اضطرار وتوبة دفع العذاب عن أنفسكم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)، ثم أخبر أنه لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت الذي خرجت أنفسهم من أيديهم؛ حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
لمن يشاء.
(إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
وذكر عن علي بن أبي طالب - كرم اللَّه وجهه - أنه قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية، وذكر أن سورة الزمر كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية؛ فإنها نزلت بالمدينة، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)
كأنها صلة ما تقدم من قوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) بعد إذ أقبلتم إلى قبول ما دعيتم إليه ورجعتم عما كان منكم، ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: أنيبوا بقلوبكم إلى طاعة ربكم، وأخلصوا له تلك الطاعة، ولا تشركوا فيها غيره.
الزمر 39:55
قيل: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ)، أي: ارجعوا إلى ما أمركم ربكم، (وَأَسْلِمُوا لَهُ)، أي: أخلصوا له التوحيد، أو أن يقول: اجعلوا كل شيء منكم له.
وأصل الإنابة: هو الرجوع إلى طاعة اللَّه والنزوع عما كان عليه لأمر اللَّه، يقول - عز وجل -: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) يقول - واللَّه أعلم - على الصلة بالأول: أن أنيبوا له وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب؛ فلا يقبل منكم الإنابة والتوبة؛ إذ أقبل عليكم العذاب.
(ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ).
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: ثم لا تنصرون بإنابتكم إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في ذلك الوقت الذي أقبل عليكم العذاب فيه، على ما ذكرنا، أي: لا تخافون من ذلك الوقت.
والثاني: لا تنصرون بعبادة من عبدتموه من الأصنام والأوثان؛ على رجاء أن يشفع لكم ويدفع عنكم العذاب.
أي: أنيبوا إلى عبادة اللَّه الحق قبل نزول العذاب بكم؛ فإنكم إن كنتم على عبادة من تعبدون دونه لا تنصرون، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ... (٥٥)
يحتمل وجوهًا:
أحدها: كأنه يقول: اتبعوا ما أمركم ربكم، وانتهوا عما نهاكم ربكم عنه.
والثاني: اتبعوا ما في القرآن وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه واجتنبوه، يقول: اعملوا به وبادروا في العمل به من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة.
والثالث: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قد بين السبيلين جميعًا: سبيل الخير والشر على الإبلاغ؛ فيقول: اتبعوا سبيل الخير منه، ولا تتبعوا سبيل الشر؛ فيكون تأويل هذا كأنه يقول: اتبعوا الحسن منه، ولا تتبعوا غيره، ونحو ذلك، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).
كأنه موصول بالأول، يقول: لا يؤخرون الإنابة إليه والتوبة، فإن العذاب لعله سينزل
الزمر 39:56
بكم في وقت لا تشعرون أنتم به، ولا تقدرون أن ترجعوا إليه وتنيبوا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)
هذا وما بعده من الآيات كأنه موصول بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) من قبل (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ...) الآية.
وقبل أن تقول: (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، وقبل أن تقول (حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، كأن كل ذلك صلة ما تقدم من قوله: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ)، (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) من قبل أن يقول ما ذكر، في وقت لا ينفعه ذلك القول ولا يغنيه من عذاب اللَّه، ولا يدفعه.
ثم قوله: (عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: في ذات اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما فرطت وضيعت من أمر اللَّه، وأمثال ذلك، ولسنا نحتاج إلى تفسير قول ذلك الرجل الذي كان منه حتى قال ذلك، وهو تضييع توحيد اللَّه أو تضييع حد اللَّه، أو ما كان فيه من تكذيب البعث؛ يتأسف على ما كان منه من تضييع ما ذكرنا: من توحيد اللَّه وحدوده، أو كفران نعمه، أو إنكاره ما ذكرنا من البعث، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ): من القرآن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: من أهل توحيد اللَّه.
قال قتادة: لم يكتف أن ضيع طاعة اللَّه حتى جعل يسخر من أهل طاعته، وقال: هذا قول صنف منهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)
قول صنف منهم جائز ما قال: إن كل قول من ذلك قول صنف، على ما قال قتادة. وجائز أن يكون كل ذلك من كل كافر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).
ذلك الكافر الذي قال هذا القول أعرف بهداية اللَّه من المعتزلة، وكذلك ما قال أُولَئِكَ الكفرة لأتباعهم؛ حيث قالوا: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ)، يقولون: لو وفقنا
الزمر 39:57
الآيات ٥٦ و٥٧ و٥٨ : وقوله تعالى :﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [ وقوله تعالى ](١) :﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [ وقوله تعالى ](٢) :﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ كان كل ذلك صلة ما تقدم من قوله :﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾ ﴿واتّبِعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم من قبل﴾ أن يقول ما ذكر في وقت لا ينفعه ذلك القول، ولا يغنيه من عذاب الله، ولا يدفعه.
ثم قوله :﴿على ما فرّطت في جنب الله﴾ قال بعضهم : في ذات الله، وقال بعضهم : ما فرّطت، وضيّعت من أمر الله، وأمثال ذلك.
ولسنا نحتاج إلى تفسير قول ذلك الرجل الذي كان منه حتى قال ذلك، وهو تضييع توحيد الله أو تضييع حدّ الله، أو كان منه من تكذيب البعث ؛ يتأسف على ما كان منه من تضييع ما ذكرنا من توحيد الله وحدوده أو كفران نعمه أو إنكاره ما ذكرنا من البعث، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وإن كنت لمن الساخرين﴾ قال بعضهم :﴿وإن كنت لمن الساخرين﴾ من القرآن. وقال بعضهم : من أهل توحيد الله.
قال قتادة : لم يكتف أن ضيّع طاعة الله حتى جعل يسخر من أهل طاعته، وقال : هذا قول ضعيف منهم.
وقوله عز وجل :﴿أو تقول حين ترى العذاب﴾ إلى آخره قول ضعيف منهم. جائز ما قال : إن كل قول من ذلك قول ضعيف على ما قال قتادة. وجائز أن يكون كل ذلك من كل كافر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لو أن الله هداني لكنت من المتقين﴾ ذلك الكافر الذي قال هذا القول أعرف بهداية الله من المعتزلة. وكذلك ما قال أولئك الكفرة لأتباعهم حين(٣) ﴿قالوا لو هدانا الله لهديناكم﴾ [إبراهيم: ٢١] يقولون : لو وفّقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه. ولكن حين(٤) علم منا اختيار الضلال والغواية وترك الرغبة إلى الهدى والاستخفاف به أضلّنا، وخذلنا، ولم يوفّقنا.
والمعتزلة يقولون : بل هداهم الله، وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا.
فإن قيل : هذا قول أهل الكفر، فلا دلالة فيه لما يذكرون، قيل : وإن كان ذلك قول الكفرة، فذلك القول منهم عند معاينة العذاب. فلو كان على خلاف ما ذكروا لكان الله يكذّبهم في ذلك كما كذّبهم في أشياء حين(٥) قالوا :﴿فارجعنا نعمل صالحا﴾ [السجدة: ١٢] فقال الله عز وجل :﴿ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨] ونحوه، والله أعلم.
والأصل في الهداية أن عند الله لطفا(٦)، من أعطى ذلك لاهتدى، وهو التوفيق والعصمة، ومن حرم ذلك، ولم يعطِه ضلّ، وغوى، ويكون استوجب(٧) العذاب وما ذكر لتركه الرغبة في ذلك والاستخفاف به وتضييعه واشتغاله بضده. لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله عز وجل :﴿لكنت من المتقين﴾ الشرك أو المهالك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرّة﴾ أي رجوعا ﴿فأكون من المحسنين﴾ قيل : من الموحّدين، ويحتمل كل إحسان وطاعة، والله أعلم.
وقد كذّبه الله عز وجل في قوله هذا حين(٨) قال ﴿ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨] ثم [ كذّبه في قوله ](٩) ﴿لو أن الله هداني لكنت من المتقين﴾ وفي قوله(١٠) :﴿لو أن لي كرّة فأكون من المحسنين﴾ [ حين(١١).
١ في الأصل وم: وقيل..
٢ في الأصل وم: وقيل..
٣ أدرج بعدها في الأصل وم: وقيل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: لطف..
٧ في الأصل وم: استجاب..
٨ في الأصل وم: حيث..
٩ في الأصل وم: كذبهم في قولهم..
١٠ في الأصل وم: قولهم..
١١ في الأصل وم: حيث..
الزمر 39:58
اللَّه للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن حيث علم منّا: اختيار الضلال والغواية، وترك الرغبة إلى الهدى والاستخفاف به - أضلنا وخذلنا ولم يوفقنا.
والمعتزلة يقولون: بل هداهم اللَّه وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا.
فَإِنْ قِيلَ: هذا قول أهل الكفر؛ فلا دلالة فيه لما تذكرون.
قيل: وإن كان ذلك قول الكفرة، فذلك القول منهم عند معاينة العذاب؛ فلو كان على خلاف ما ذكروا لكان اللَّه يكذبهم في ذلك؛ كما كذبهم في أشياء قالوها؛ حيث قالوا: (فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا)؛ فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، ونحوه، واللَّه أعلم.
والأصل في الهداية: أن عند اللَّه لطفًا: من أعطى ذلك اهتدى، وهو التوفيق والعصمة، ومن حرم ذلك ولم يعطه، ضل وغوى، ويكون استيجاب العذاب وما ذكر؛ لتركه الرغبة في ذلك، والاستخفاف به، وتضييعه واشتغاله بضده؛ لذلك كان ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ): الشرك أو المهالك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً... (٥٨)
أي: رجوعًا.
(فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
قيل: من الموحدين.
ويحتمل كل إحسان وطاعة، واللَّه أعلم.
وقد كذبه - عَزَّ وَجَلَّ - في قوله هذا؛ حيث قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، ثم كذبهم في قولهم: (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، وفي قولهم: (لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)؛ حيث قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩).
يقول - واللَّه أعلم -: بلى قد جاءتك آياتي، وبينت لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، والخير من الشر، والكذب من الصدق، ومكنت من اختيار الهداية على الغواية، ومكن لهم اختيار الحق على الباطل والصدق على الكذب، لكن تركتم ذلك، وضيعتم واستخففتم به، واشتغلتم بضد ذلك؛ فإنما جاء ذلك التضييع من قبلكم لا من قبل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قد أتى بالحجج والآيات والبيان في ذلك غاية ما يجب أن يؤتى ما لم يكن لأحد عذر في الجهل في ذلك والترك، واللَّه أعلم.
الزمر 39:59
الآية ٥٩ قال عز وجل :﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يقول، والله أعلم، ﴿بلى قد جاءتك آياتي﴾ وبيّنت لك الهداية من الغواية وسبيل الحق من الباطل والخير من الشر والكذب من الصدق، ومكّنتك(١) من اختيار الهداية على الغواية [ ومكّنت لكم ](٢) اختيار الحق على الباطل والصدق على الكذب، لكن تركتم ذلك، وضيّعتم، واستخففتم به، واشتغلتم بضد ذلك. فإنما جاء ذلك التضييع من قِبلكم لا من قبل الله [ والله ](٣) عز وجل قد أتى بالحجج والآيات والبيان في ذلك غاية ما يجب أن ترى ما لم يكن لأحد عذر في الجهل في ذلك والترك [ له ](٤)، والله أعلم.
وأكثر القرآن على التذكير في قوله عز وجل :﴿بلى قد جاءتك آياتي﴾ إلى آخره على إرادة [ الإنسان ](٥) ومخاطبته. وقد يقرأ بالتأنيث على إرادة النفس التي تقدم ذكرها والخبر عنها.
ويروى في ذلك خبر عن رسول الله ﷺ ( أنه قرأ بالتأنيث ﴿بلى قد جاءتك آياتي﴾ ) [ أبو داوود ٣٩٩٠ ] والله أعلم.
١ في الأصل وم: ومكنت..
٢ في الأصل وم: ومكن لهم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الزمر 39:60
وأكثر القراءات على التذكير في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي...) إلى آخره: على إرادة المخاطبة، وقد يقرأ بالتأنيث؛ على إرادة النفس التي تقدم ذكرها والخبر عنها، ويروى في ذلك خبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قرأ بالتأنيث: (بلى قد جاءتْكِ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)
كذبهم على اللَّه يحتمل وجوهًا:
أحدها: في التوحيد؛ حيث قالوا بالولد والشركاء.
ويحتمل ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)، وكان اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لم يأمرهم بذلك، فكذبوا على اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنه أمرهم بذلك.
أو ما قالوا: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، و (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
أو أن يكون كذبهم على اللَّه هو إنكارهم البعث، وقولهم: إن اللَّه لا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت، ونحو ذلك، واللَّه أعلم.
والمعتزلة يقولون في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ): هم المجبرة. فيجيء أن يكونوا هم أقرب في كونهم في وعيد هذه الآية من المجبرة؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه لا يأمر أحدًا بشيء إلا بعد أن أعطى جميع ما يعمل ويقتضي به؛ حتى لا يبقى عنده شيء من ذلك، ثم قال ذلك، ثم يسأل ربه المعونة والعصمة؛ فهو بالسؤال كاتم لما أعطاه، وهو كفران النعمة؛ لأنه يسأل ما قد أعطاه ربه، أو أن يكون هازئًا به؛ لأنه يسأل وليس عنده ما يسأل على قولهم على ما ذكرنا من مذهبهم، وكل من يسأل من يعلم أنه ليس عنده ذلك ولا يملك ذلك - فهو يهزأ به، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ).
على توحيد اللَّه، أو متكبرين على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والمتكبر هو الذي لا يرى لنفسه نظيرًا ولا شكلا؛ ولذلك يوصف اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالكبرياء؛ لأنه لا نظير له ولا شكل، ولا يجوز لغيره؛ لأن غيره ذا أشكال وأمثال، ولا قوة إلا باللَّه.
وفي حرف ابن مسعود وحفصة - رضي اللَّه عنهما -: (على ما فرطت من ذكر).
وفي حرف ابن مسعود أيضًا في قوله: (بلى قد جاءته آياتنا من قبل فكذب واستكبر وكان من الكافرين)، واللَّه أعلم.
الزمر 39:61
والمثوى: المقام، (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا) من ذلك، أي: مقيمًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) كأنه يقول - عَزَّ وَجَلَّ -: لو رأيتهم يا مُحَمَّد يوم القيامة لرحمتهم، وأشفقت عليهم مما هزئوا به، وما نزل بهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ... (٦١) و (بِمَفَازَاتِهِمْ) يخرج على وجهين:
أحدهما: قوله: (بِمَفَازَتِهِمْ) أي: بالأعمال والأسباب التي فازوا بها على أشكالهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ) بعد المفازة والنجاة، وإلا قبل ذلك قد يمسهم السوء (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وهو على الجهمية وعلى أبي الهذيل العلاف إمام المعتزلة:
أما على الجهمية: لقولهم: إن الجنة تفنى وينقطع أهلها ولذَّاتها، فإذا كان ما ذكروا مسهم السوء والحزن.
وعلى قول أبي الهذيل أيضًا كذلك؛ لأنه يقول: إن أهل الجنة يصيرون بحال حتى إذا أراد اللَّه أن يزيد لهم شيئًا أو لذة لم يملك ذلك، فإن كان ما ذكر هو مسهم السوء والحزن - أيضًا - فالبلاء على قوله: إن السوء والحزن، إنما مس رب العالمين، فنعوذ باللَّه من مقال يعقب كفرًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على إبطال قول أُولَئِكَ، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).
هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم على وجوه:
أحدها: أن قولهم: إن شيئية الأشياء لم تزل كائنة؛ إذ من قولهم: إن المعدوم شيء،
الزمر 39:62
الآية ٦٢ وقوله تعالى :﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ هذه الآية تنقُض على المعتزلة قولهم في(١) وجوه :
أحدها : أن قولهم : إن شيئيّة الأشياء لم تزل كائنة، ويقولون : إنه لم يكن من الله إلا إيجادها. فإذا كان ما ذكروا لم يكن هو خالق شيء به فضلا عن أن يكون خالق كل شيء على ما ذكر، ووصف نفسه بخلق كل شيء، فيكون قولهم في التحقيق والتحصيل قول الدّهرية والثّنوية، لأن الدّهرية يقولون بقدم الطينة والهَيُولَى ونحوه، وينكرون كون الشيء من لا شيء، وكذلك الثّنوية يقولون بقدم النور والظلمة، ثم كون كل جنس من جنسه وكون كل شيء من أصله.
فعلى ذلك قوله المعتزلة، إن المعدوم شيء يرجع في التحقيق إلى ما ذكرنا من أقاويلها.
ثم قوله :﴿الله خالق كل شيء﴾ يخرّج على ما ذكر [ من ](٢) الربوبية والألوهية والوصف له [ مُخرَج المدح ](٣) لما ذكرنا أن إضافة كلية الأشياء إلى الله عز وجل ﴿خالق كل شيء﴾ مخصوصا شيئا دون شيء على ما يقوله المعتزلة لم يخرّج مخرج المدح له والتعظيم. ثم إنه لا شك أنه لو لم يكن خالق أفعال الخلق لم يكن خالقا من عشرة ألف شيء. فدل أنه خالق الأشياء كلها : الأفعال والأجسام والجواهر جميعا.
فإن قيل : إنكم لا تقولون : خالق الأنجاس والأقدار والخنازير، ونحوه، فإنما يرجع قوله عز وجل :﴿الله خالق كل شيء﴾ إلى خصوص. قيل : إنه لا يقال، ولا يوصف بخلق هذه الأشياء على التقييد والتخصيص : يا خالق الأنجاس والأقدار وما ذُكر لأنه يخرّج الوصف له بذلك مخرج التهجين والذّمّ. وكان في الجملة يوصف بذلك، وتدخل الأشياء كلها في ذلك لما ذكرنا أن قوله عز وجل :﴿خالق كل شيء﴾ يخرّج مخرج الامتداح والتعظيم له والوصف بالربوبية له والألوهية.
ألا ترى أنه لا يقال على التخصيص : إنه وكيل، وإن كان في الجملة يقال كما ذكرنا ﴿وهو على كل شيء وكيل﴾ ؟ لأنه في الجملة يخرّج مُخرَج الربوبية له والألوهيّة والوصف له بالمدح وعلى التخصيص والإفراد وعلى التهجين والذّم. لذلك افترقا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: على..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: بالمدح..
الزمر 39:63
فإذا كان المعدوم شيئًا -على قولهم- كما شيئية الأشياء لم تزل كائنة.
ويقولون: إنه لم يكن من اللَّه إلا إيجادها، فإذا كان ما ذكروا لم يكن هو خالق شيء به؛ فضلا عن أن يكون خالق كل شيء -على ما ذكر- ووصف نفسه بخلق كل شيء، فيكون كل شيء قولهم في التحقيق والتحصيل قول الدهرية والثنوية؛ لأن الدهرية يقولون بقدم الطينة، والهيولى، ونحوه، وينكرون كون الشيء من لا شيء. وكذلك الثنوية يقولون بقدم النور والظلمة، ثم كون كل جنس من جنسه، وكون كل شيء من أصله.
فعلى ذلك قول المعتزلة: إن المعدوم شيء يرجع في التحقيق إلى ما ذكرنا من أقاويلهما.
ثم قوله: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) يخرج على ذكر الربوبية، والألوهية، والوصف له بالمدح؛ لما ذكرنا أن إضافة كلية الأشياء إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - تخرج مخرج الوصف له بالتعظيم والإجلال له، وإضافة الأشياء المخصوصة إليه تخرج مخرج التعظيم للمضافة إليه.
وإذا كان ما ذكر ما كان قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) مخصصًا شيئًا دون شيء -على ما يقوله المعتزلة- لم يخرج مخرج الوصف له بالربوبية والألوهية، ولا خرج مخرج المدح له والتعظيم، ثم إنه لا شك أنه لو لم يكن خالقًا لأفعال الخلق لم يكن خالقًا من عشرةٍ ألفَ شيء، فدل أنه خالق الأشياء كلها للأفعال والأجسام والجواهر جميعًا.
فَإِنْ قِيلَ: إنكم لا تقولون: خالق الأنجاس والأقذار والخنازير ونحوه، فإنما يرجع قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) إلى خصوص.
قيل: إنه لا يقال ولا يوصف بخلق هذه الأشياء على التقييد والتخصيص: يا خالق الأنجاس والأقذار وما ذكر؛ لأنه يخرج الوصف له بذلك مخرج الهجاء والذم، وكان في الجملة يوصف بذلك، ويدخل الأشياء كلها في ذلك؛ لما ذكرنا أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) يخرج مخرج الامتداح والتعظيم له، والوصف بالربوبية له والألوهية؛ ألا ترى أنه لا يقال -على التخصيص-: إنه وكيل؛ وإن كان في الجملة يقال -كما ذكرنا-: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)؛ لأنه في الجملة يخرج مخرج الربوبية له والألوهية، والوصف له بالمدح، وعلى التخصيص والإفراد، يخرج على الهجاء والذم؛ لذلك افترقا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... (٦٣)
كأنه يقول: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
الزمر 39:64
قيل: هي المفاتيح، وهي فارسية عربت.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ مَقَالِيدُ) أي: له مفاتيح: جميع البركات والخيرات على أهل السماوات والأرض، يخبر أن ذلك كله بيده، ليس بيد أحد سواه، منه يطلب ذلك، ومنه يستفاد، واللَّه أعلم.
ثم لم يفهم مما أضيف إليه من المقاليد ما يفهم من مقاليد الخلق لو أضيف إليهم؛ فكيف فهم مما أضيف إليه: من مجيء، أو استواء، وغير ذلك ما فهم مما أضيف إلى الخلق، واللَّه الموفق؟
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
كأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل هذه الدنيا وما فيها لأهلها، وبين أحوالهم، يتخيرون بها ويشترون بها الآخرة، ويتزودون لها؛ ولذلك قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ)، فمن لم يتزود لم يجعلها بلغة إلى الآخرة سمي: خاسرًا مغبونًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)
دلت هذه الآية على أن سفه أُولَئِكَ الكفرة قد بلغ غايته، وجاوز حده؛ حتى دعوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى عبادة من دونه؛ بعد ما عرفوا فضيلة الرسالة والرسول وخصوصيته؛ حتى أنكروا الرسالة في البشر، وبعث البشر رسولا، فلولا ما وقع عندهم من الفضيلة للرسول، والخصوصية له؛ وإلا لم يحتمل أن ينكروا وضعها في البشر وبعث البشر رسولا، ثم قد أتاهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من البيان والحجج ما قد قرر عندهم أنه الرسول إليهم، فمع ما تقرر عندهم ذلك دعوه إلى أن يعبد غير اللَّه دونه، فيكون لهم، فهذا منهم تناقض في القول وسفه؛ حين صيروا المفضل والمخصوص بالرسالة في العبادة من دونه كغير المفضل والمخصوص بها - واللَّه أعلم - ليعلم أنهم لسفههم وتعنتهم كانوا يدعونه إلى عبادة من دون اللَّه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ).
سماهم: جهلة بما أمروه ودعوه إلى عبادة غير اللَّه، وكذلك قال موسى - عليه السلام - لقومه حين سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة؛ فقال: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ).
الزمر 39:65
ثم يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) وجوهًا:
أحدها: أيها الجاهلون في التسوية بين المفضل والمخصوص وبين من لم يخص؛ فذلك في عبادة غير اللَّه.
أو جاهلون عن هداية اللَّه وخصوصيته.
أو جاهلون عن جميع نعمه وإحسانه، حيث لم يذكروه فيها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ... (٦٥)
يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: كأنه يقول: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك -وقيل: لكل رسول- (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)، ذكر هذا؛ ليعلم أن الشرك يحبط العمل، وإن أتى به من قد جل قدره، وعظمت منزلته عنده.
والثاني: ولقد أوحي إليك وإلى من كان قبلك: لئن أشركت أنت ليحبطن عملك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) يحتمل وجوهًا:
يحتمل: كن من الشاكرين لنعم اللَّه جميعًا.
أو الشاكرين للخصوصية التي خصصت بها أو الهداية التي هديت، واللَّه أعلم.
وفي حرف ابن مسعود وأبي - رضي اللَّه عنهما -: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: له ملك السماوات والأرض.
قال الكسائي: (مَقَالِيدُ): فارسية معربة، وواحد المقاليد: إقليد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) قال: بلى، والله ليكفينه اللَّه، وبعزه وبنصره كاف عبده، وأصله ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) ذكر أهل التأويل: أن اليهود أتوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالوا له: إن ربك كذا وكذا، وإن السماوات على كذا منه، والأرض على كذا؛ ذكروه له ووصفوه كما يوصف الخلق؛ فنزل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) قيل: ما عرفوا اللَّه حق معرفته، ولا عظموه حق عظمته.
ويذكر أهل الكلام: أن اليهود مشبهة، وكذلك قالوا بالولد؛ حيث قالوا: عزير ابن
اللَّه، وقالت النصارى: المسيح ابن اللَّه؛ فلو لم يكونوا عرفوه بما يعرف به الخلق، لم يكونوا يقولون له بالولد كما يقولون للخلق من الولد؛ فدل ما وصفوا له وذكروا له أنهم عرفوه بمعنى الخلق، فتعالى اللَّه عما تقوله الملاحدة علوًّا كبيرًا. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أي: ما عرفوا اللَّه حق معرفته.
أو ما عظموه حق عظمته ما يحتمل وسع الخلق، وكذلك لم يعرفوه حق معرفته التي يحتمله وسع البشر بينهم، فأما معرفة اللَّه حق معرفته أو تعظيم اللَّه حق عظمته ما لا يحتمله وسع الخلق، وهو لم يكلفهم أن يعرفوه حق معرفته أو يعظموه؛ لأنه لا يحتمل وسع الخلق ذلك وإنما كلفهم ما احتمله وسعهم؛ فالمشبهة -حيث وصفوه كما وصف الخلقُ من يعاينوه- لم يعرفوه المعرفة التي يحتمل وسع الخلق وبنيتهم، ولا عظموه العظمة التي يحتمل وسع الخلق وبنيتهم.
ثم إن اللَّه - سبحانه - جعل سبب معرفته الاستدلال بآثار الأفعال، لا بأفعال المحسوسات، فلا تفهم معرفته، ولا تقدر بمعرفة الخلق وتقديرهم مع ما جعل اللَّه - سبحانه وتعالى - الخلق على قسمين:
قسم منها مما يحاط به وتدرك حقيقته، وهو المحسوس منه والمدرك.
وقسم مما يعرف بآثار الأفعال والاستدلال بها، وهو غير محسوس من العقل، والبصر، والسمع، والروح، وغير ذلك، فإذ لم يدرك من خلقه ولم يحط به مما سبيل الاستدلال عليه بآثار الأفعال بالحس، فالذي أنشأ ذلك وأبدعه أحق ألا يدرك ولا يحاط بمعرفته كما يحاط ويدرك المحسوس معرفته؛ إذ الموصل إلى معرفته الاستدلال بآثار الأفعال لا بالمحسوس، واللَّه أعلم.
وكذلك ما أضاف إلى نفسه من الأحرف لا يفهم منه ما لو أضيف ذلك إلى الخلق؛ من نحو الاستواء، والمجيء، والإتيان، ونحو ذلك، ولا يقدر منه ما يقدر من الخلق على ما لم يفهم من مجيء الحق وإتيانه ما فهم من مجيء الخلق ولا إتيانهم؛ فعلى ذلك لا يفهم قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ما يفهم من قبضة الخلق وطيهم ويمينهم؛ بل يفهم من ذلك كله ما يفهم من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، كل ما ذكر من القبضة والطي واليمين في ذلك (كن) دون أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، لكنه ذكر (كن)؛ لأنه أخف كلام على الألسن، وأوجز حرف يفهم منه المعنى ويعرف فيما بين الخلق، واللَّه أعلم.
وأصله أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - خاطبهم بما تعارفوا فيما بينهم حقيقة، وإن كان ما تعارفوا فيما بينهم منفي عن اللَّه - تعالى - نحو ما ذكر (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)، وقوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)، لما باليد يقدم ويؤخر في الشاهد، وإن لم يكن ما ذكر عمل اليد، وذكر بين يدي ما ذكر، وإن لم يكن بين يديه؛ لما في الشاهد كذلك يتقدم؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من أحرف كانت تلك منفية عنه؛ لما في الشاهد بذلك يكون، واللَّه أعلم.
وأصل ذلك أن قد بينت بالتنزيل على ما ذكر من إضافة تلك الأحرف إلى اللَّه، وثبت بدليل السمع أن ليس كمثله شيء وفي العقل تعاليه عن الأشباه والشركاء، لزم القول بوقوع تلك الآيات على ما لا تشابه به يقع بينه وبين الخلق في الفعل ولا جهة من جهات الخلق؛ إذ هو متعال عن جميع جهات الخلق في حد الإحداث والخلق، فيلزم الإيمان بها على ما نطق به الكتاب وانتهى به عن المتشابه، وتفويض المراد إلى من جاء عنه ذلك مع ما توجد الإضافة إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - من نحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حُدُودُ اللَّهِ)، ونحوه لا يحتمل فهم المضاف منه إلى غيره، فكذلك ما ذكرنا يحتمل على إمكان وجوه فيما ينفى معنى التشابه من ذلك ما يضمن فيها معاني، نحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ...) الآية، (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)، والمرجع، و (يَرْجُو لِقَآءَ اللَّهِ)، و (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، في غير ذلك مما أضيف إلى اللَّه، ولا معنى لتحقيقه في ذلك، فيضمن في ذلك منُّه ووعده ووعيده وغير ذلك من الوجوه مما يطول ذكره ويكثر، فمثله أمر هذه الآيات.
والثاني: أن إضافة الأمور في الشاهد إلى الملوك وذكر التولي لهم ليس يخرج مخرج تحقيق كما هو جرى به الذكر، ولكن على الكناية والعبارة عن غيره؛ نحو ما قال: بلدة كذا في يد فلان وقبضته، وأمر كذا في يد فلان؛ إنما يراد بذلك قوته وقدرته؛ فعلى ذلك ما ذكر من قبضته ويده ويمينه إنما هو الوصف له بالقوة، والسلطان، والقدرة على ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) يحتمل تنزيه نفسه عما وصفه المشبهة وشبهوه بالخلق، أو عما أشرك عبدة الأصنام باللَّه في العبادة، وتسميتهم إياها: آلهة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ) هو على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول - عَزَّ وَجَلَّ -: الأرض والسماوات جميعًا في قبضته مطويات بيمينه، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ
الزمر 39:66
الآية ٦٦ وقوله تعالى :﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ يحتمل وجوها :
[ أحدها :﴿وكن من الشاكرين﴾ لنِعم الله جميعا ](١)
[ والثاني ](٢) :﴿وكن من الشاكرين﴾ للخصوصية التي خُصِصْت بها.
[ والثالث ](٣) :﴿وكن من الشاكرين﴾ للهداية التي هديت، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود وأبيّ رضي الله عنهما :﴿له مقاليد السماوات والأرض﴾ [ الذي له ملك السماوات والأرض ](٤) قال الكسائيّ : مقاليد فارسية مُعرَّبة، وواحد المقاليد إقليد.
وقال بعضهم في قوله عز وجل :﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر: ٣٦] قال : بلى والله ليكفينّه الله، وبعزّه ونصره كاف عبده. وأصله : ما ذكرنا، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل: يحتمل، في م: و..
٣ في الأصل وم: أو..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
الزمر 39:67
الآية ٦٧ وقوله تعالى :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ذكر أهل التأويل أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ فقالوا له : إن ربك على كذا وكذا، وإن السماوات على كذا منه، والأرض على كذا، ذكروه له، ووصفوه كما يوصف الخَلق، فنزل قوله :﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ قيل : ما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظّموه حق عظمته.
ويذكر أهل الكلام أن اليهود مشبِّهة، ولذلك قالوا بالولد حين(١) قالوا :﴿عُزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] فلو لم يكونوا عرفوه ما يُعرف به الخلق لم يكونوا يقولون له بالولد كما يقولون للخلق من الولد.
فدل ما وصفوا له، وذكروا له أنهم عرفوه بمعنى الخلق. فتعالى الله عما تقوله الملاحدة علوًّا كبيرًا.
ثم قوله عز وجل :﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ أي ما عرفوا الله حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته ما يحتمل وُسع الخَلق، وكذلك لم يعرفوه حق معرفته التي يحتملها(٢) وسع البشر بينهم.
فأما معرفته [ أو تعظيمه(٣) حق عظمته فما(٤) وسع الخلق، وهو لم يكلّفهم أن يعرفوه حق معرفته ](٥) أو يعظّموه لأنه لا يحتمل وسع الخلق ذلك. وإنما كلّفهم ما احتمله وسعهم.
فالمشبّهة حين(٦) وصفوه كما وصف الخلق ومن معانيهم(٧) لم يعرفوه المعرفة التي تحتمل وسع الخلق وبُنيتَهم، ولا عظّموه العظمة التي تحتمل وسع الخلق وبنيتهم.
ثم إن الله، سبحانه، جعل سبب معرفته الاستدلال بآثار الأفعال المحسوسات. فلا تُفهم معرفته، ولا تُقدَّر بمعرفة الخلق وتقديرهم مع ما جعل الله سبحانه وتعالى الخلق على قسمين :[ قسم مما ](٨) يحاط به، وتُدرك حقيقته، وهو المحسوس منه والمُدرك، وقسم(٩) مما يعرف بآثار الأفعال والاستدلال بها، وهو غير محسوس من نحو العقل والبصر والسمع والروح وغير ذلك.
فإذا لم يدرك من خلقه، ولم يُحَط به مما سبيل الاستدلال بآثار الأفعال لا بالحسّ، فالذي أنشأ ذلك، وأبدعه، أحق ألا يُدرَك ولا يحاط بمعرفته ما يحاط، ويدرك بالمحسوس ؛ إذ الموصل إلى معرفة الاستدلال بآثار الأفعال بالمحسوس، والله أعلم.
[ وإضافة الأمور في وجهين :
أحدهما :](١٠) وكذلك ما أضاف إلى نفسه من الأحرف لا يُفهم منه ما لو أضيف ذلك إلى الخلق من نحو الاستواء والمجيء والإتيان ونحو ذلك، ولا يقدّر منه ما يقدّر من الخلق على ما لم يفهم من مجيء الحق وإتيانه ما فُهِم من مجيء الخلق وإتيانهم(١١).
فعلى ذلك لا تُفهَم ﴿قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ما يُفهم من ذلك كله من قوله عز وجل :﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] كل ما ذكر من القبضة والطّيّ واليمين في ذلك ﴿كن﴾ كاف ونون أو شيء من ذلك.
لكنه ذكر ﴿كن﴾ لأنه أخف كلام على الألسن وأوجز حرف يفهم منه المعنى وتعدّيه في ما بين الخلق، والله أعلم.
وأصله أن الله عز وجل خاطبهم بما تعارفوا في ما بينهم حقيقة، وإن كان ما تعارفوا في ما بينهم منفيا(١٢) عن الله تعالى نحو ما ذكر :﴿لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] وقوله عز وجل :﴿ذلك ما قدّمت أيديكم﴾ [آل عمران: ١٨٢] وقوله :﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: ٤٢] لما باليد يقدَّم، ويؤخّر، في الشاهد، وإن يكن ما ذكر عمل اليد، وذكر بين يدي ما ذكر، وإن يكن بين يديه، لما في الشاهد كذلك يتقدم.
فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من أحرف كانت تلك منفية عنه، لما في الشاهد بذلك يكون، والله أعلم.
وأصل ذلك أن قد بُيّنت بالتنزيل على ما ذكر من إضافة تلك الأحرف إلى الله، وثبتت بدليل السمع أن ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] وفي(١٣) العقل تعاليه عن الأشباه والشركاء لزم القول بوقوع تلك الآيات على ما [ لا ](١٤) تشابه به يقع بينه وبين الخلق في الفعل لا [ في ](١٥) جهة من جهات الخلق ؛ إذ هو متعال عن جميع جهات الخلق في حدّ الإحداث والخلق، فيلزم الإيمان بها على ما نطق به الكتاب والتنزيه(١٦) عن التشابه، وتفويض المراد إلى من جاء عنه ذلك مع ما توجد الإضافة إلى الله عز وجل من نحو قوله عز وجل ﴿تلك حدود الله﴾ [البقرة: ١٨٧] ونحوه لا يحتمل فهم المضاف منه إلى غيره.
فكذلك ما ذكرنا على إمكان وجوه فيها ينفي معنى التشابه من ذلك ما يضمّن فيها معاني نحو قوله عز وجل :﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾ الآية [آل عمران: ١٦٠] [ وقوله ](١٧) :﴿وإلى الله المصير﴾ [آل عمران: ٢٨] والمرجع. [ وقوله ](١٨) :﴿يرجو لقاء الله﴾ [العنكبوت: ٥] [ وقوله ](١٩) :﴿فرُدّوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] وغير(٢٠) ذلك مما أضيف إلى الله، ولا معنى لتحقيقه في ذلك، فيضمّن في ذلك [ دينه ووعده ووعيده ](٢١) وغير ذلك من الوجوه مما يطول ذكره، ويكثر. فمثله أمر هذه الآيات.
والثاني : أن إضافة الأمور في الشاهد إلى الملوك وذكر التولّي لهم، ليس يخرّج مخرج تحقيق كما هو ما جرى به الذّكر، ولكن على الكناية والعبارة عن غيره، ونحو ما يقال(٢٢) : بلدة كذا في يد فلان وقبضته، وأمر كذا في [ يد ](٢٣) فلان ؛ وإنما يراد بذلك قدرته. فعلى ذلك ما ذكر من قبضته ويده ويمينه إنما هو الوصف له بالقوة والسلطان والقدرة على ذلك.
وقوله عز وجل :﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يحتمل تنزيه نفسه عما وصفه المشبّهة، وشبّهوه بالخلق أو عما أشرك عبدة الأصنام الله في العبادة وتسميتهم إياها آلهة.
وقوله تعالى :﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويّاتٌ بيمينه﴾ هو على التقديم والتأخير، كأنه يقول : عز وجل : الأرض والسماوات جميعا في قبضته مطويات بيمينه، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: يحتمله..
٣ في م: عظموا الله..
٤ الفاء ساقطة من م..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: يعاينوه..
٨ في الأصل وم: قسما منها..
٩ في الأصل وم: وقسما..
١٠ في الأصل وم: وكذلك..
١١ في الأصل وم: ولا إتيانهم..
١٢ في الأصل وم: منفى..
١٣ الواو ساقطة من الأصل وم..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: واستهى به..
١٧ في الأصل وم: و..
١٨ في الأصل وم: و..
١٩ في الأصل وم: و..
٢٠ في الأصل وم: في غير..
٢١ من نسخة الحرم المكي في الأصل وم: منه ووعد ووعيده..
٢٢ في الأصل وم: قال..
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
الزمر 39:68
يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ... (٦٨) اختلف في قوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) أهو على حقيقة النفخ أم لا؟
قَالَ بَعْضُهُمْ: ليس هنالك نفخ ولا شيء، وإنما ذكر النفخ عبارة عن خفة الأمر على اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كقوله: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)، (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ليس نفخًا، إنما هو عبارة عن قدر نفخة: أنه يحيي ويميت على قدر النفخة؛ لأن أسرع شيء في الدنيا هي النفخة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على حقيقة النفخة من غير أن كانت النفخة سببًا للإحياء والإماتة، ولكن على جعل النفخة علمًا وآية للإحياء أو الإماتة، امتحن بذلك الملك الذي كان موكلا به، على ما امتحن ملك الموت بقبض الأرواح في أوقات جعلت له؛ فعلى ذلك ما ذكر من النفخة، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في الصور أيضًا:
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو صور الخلق فيها ينفخ، وإلى ذلك ذهب جميع أهل الكلام.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ليس هو صور الخلق، ولكن إنما هو قرن؛ لأنه قال: الصور، ولم يقل: صُور بالتثقيل، وإنما ذكره بالتخفيف، وهو القرن، وذكر صور الخلق بالتثقيل صُوَر؛ حيث قال: (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)، فلسنا ندري أيهما يقال جميعًا أم لا الصُّور والصُّوَر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) قال عامة أهل التفسير والتأويل: الصعق: هو الموت.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصعق: هو الغشيان؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا)
الزمر 39:69
أي: مغشيًّا عليه؛ ألا ترى أنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّآ أَفَاقَ)، وإنما يفاق من الغشيان، ولا يفاق من الموت، واللَّه أعلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما استثنى الشهادة الذين استشهدوا في الدنيا، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) هو جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى):
قَالَ بَعْضُهُمْ: تكون ثلاث نفخات: نفخة تحملهم على الفزع: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ...) الآية، ثم الأخرى يموتون بها، والثالثة يحيون بها، وعلى هذا يروى حديث عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " ينفخ ثلاث... " ذكر كما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: نفختان؛ على ما ذكر في هذه الآية: إحداهما: يموتون، والثانية: يحيون بها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) يحتمل (بِنُورِ): الذي أنشأه اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لها وجعله فيها، ليس أن يكون لذاته نور أو شيء يضيء، ويكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِنُورِ رَبِّهَا) كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِنِعْمَتِ رَبِّكَ): بإحسان ربك، وآلاء ربك، لا يفهم منه سوى النعمة والنشأة والآلاء المجعولة؛ فعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِنُورِ رَبِّهَا) لا يفهم منه نور الذات ولا شيء من ذلك.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ) أي: أضاءت، جائز أن يكون اللَّه - عز وجل - ينشئ أرض الآخرة أرضًا مضيئة مشرقة؛ لما أخبر أنه يبدل أرضًا غير هذه؛ حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ...) الآية، كانت هذه مظلمة، وتلك مضيئة، على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
أو أن يكون إشراقها: ارتفاع سواترها، وظهور الحق لهم، وزوال الاشتباه والالتباس، وكانت أمورهم في الدنيا مشبهة ملتبسة، ويقرون يومئذ جميعًا بالتوحيد له والألوهية والربوبية، وهو على ما ذكر من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، وقوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)، ونحو ذلك، ذكر البروز له والرجوع إليه والمصير، وإن كانوا في الأحوال كلها بارزون له، راجعون إليه، صائرون، والملك له في الدارين جميعًا، خص البروز والرجوع إليه والملك له؛ لما يومئذ يظهر المحق لهم من المبطل، ويومئذ أقروا جميعًا بالتوحيد له والملك؛ فعلى ذلك يحتمل إشراق الأرض وإضاءتها لما ترتفع السواتر يومئذ وتزول الشبه، وتظهر الحقائق، واللَّه أعلم.
أو أن يكون إشراقها بإظهار لكل ما عمل في الدنيا من خير أو شر، وعرفه يومئذ، وإن كان في الدنيا لم يظهر ولم يعرف مما عمل من خير وشر؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا...) الآية، واللَّه أعلم.
أو أن تكون أرض الآخرة مضيئة مشرقة لما لا يُعْصى عليها الرب - تعالى عَزَّ وَجَلَّ - وأرض الدنيا مظلمة بعصيان أهلها عليها الربَّ - عَزَّ وَجَلَّ - وذلك كما روي في الخبر أن الحجر الأسود أُنزل من الجنة ككذا، صار أسود لما مسته أيدي الخاطئين العاصين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِنُورِ رَبِّهَا) قَالَ بَعْضُهُمْ: بعدل ربها؛ أي: رضًى بعدل ربها، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) أي: بالعدل، واللَّه أعلم.
وجائز ما ذكر بنور أنشأه وجعله فيها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ - في آية أخرى: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)، فجائز أن يكون الكتاب الذي ذكر أنه وصفه هو ذلك الميزان، فيكونان واحدًا.
وجائز أن يكون الكتاب غير الميزان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الكتاب هو الحساب بما قد حفظ عليهم ولهم من خير أو شر محذور فيه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الكتاب الذي يوضع في أيديهم يومئذ، فيه ما عملوا يقرءونه،
الزمر 39:70
وهو مثل الأول، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ) اختلف في الشهداء:
قَالَ بَعْضُهُمْ: الشهداء هم المرسلون، يؤتى بالنبيين والمرسلين يشهدون عليهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الشهداء - هاهنا - هم الملائكة والحفظة الذين يشهدون عليهم؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) أي: بالعدل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي: لا يحمل على أحد ما لم يعمل، ولكن يحمل عليه ما عمل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ... (٧٠) كافرة (مَا عَمِلَتْ) من سوء، فأما ما عملت من خير فلا، وتوفى كل نفس مسلمة ما عملت من خير لا ينقص منها شيء، وما عملت من سوء جائز أن يتجاوز اللَّه عنها ويبدله حسنات؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ). واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)، أي: عالم بما يفعلون من خير أو شر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا... (٧١) قيل: أمة أمة، وجماعة جماعة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ)، ونحوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) جائز أن يكون لها أبواب يدخلون فيها.
وجائز أن تكون الأبواب المذكورة لا على حقيقة الأبواب، ولكن على الجهات والسبل التي كانوا فيها؛ أي: في الدنيا، وعملوا بها يدخلون النار بتلك الجهات والسبل التي كانوا في الدنيا وعملوا بها، كما يقال: فتح على فلان باب كذا، ليس يراد حقيقة الباب، ولكن سبل بابه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ) يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (آيَاتِ رَبِّكُمْ) أي: التوحيد وحججه.
الزمر 39:71
الآية ٧١ وقوله تعالى :﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ قيل : أمّة أمّة وجماعة جماعة كقوله عز وجل :﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾ الآية [الأعراف: ٣٨] وقوله عز وجل :﴿إلى جهنم يُحشَرون﴾ [الأنفال: ٣٦] ونحوه.
وقوله تعالى :﴿حتى إذا جاءوها فُتحت أبوابها﴾ جائز أن يكون لها أبواب، يدخلون فيها، وجائز أن تكون الأبواب المذكورة لا على حقيقة الأبواب، ولكن على الجهات والسُّبل التي كانوا فيها، أي الدنيا، وعملوا بها ؛ يدخلون النار بتلك الجهات والسبل التي كانوا في الدنيا، وعملوا بها كما يقال : فُتِح على فلان باب كذا، ليس يراد حقيقة الباب/٤٧٣ – ب/ ولكن سبيل بابه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ يحتمل قوله عز وجل :﴿آيات ربكم﴾ أي [ آيات ](١) التوحيد وحججه، ويحتمل آيات البعث الذي (٢) أنكروه. وقال(٣) بعض أهل التأويل : آيات القرآن.
وقوله عز وجل :﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ بالآيات ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.
وقوله عز وجل :﴿قَالُوا بَلَى﴾ قد فعلوا ذلك.
وقوله عز وجل :﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قال أهل التأويل :﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي عدة العذاب، وهو ما قال عز وجل، ووعد أنه يملأ جهنم منهم، وهو قوله عز وجل :﴿لأملأن جهنم من الجِنّة والناس أجمعين﴾ [ هود : ١١٩ والسجدة : ١٣ ] أي حقّ وعد ذلك عليهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من كلمة العذاب، هي(٤) كلمة الشرك والكفر ؛ أي حقّت كلمة الكفر والشرك التي(٥) علمنا ؛ سمّى(٦) كلمة الكفر كلمة العذاب لما عُذّبوا، وعوقبوا، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: التي..
٣ الواو ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: هذه..
٥ في الأصل وم: الذي..
٦ في الأصل وم: سموا..
الزمر 39:72
ويحتمل آيات البعث الذي أنكروه.
وقال بعض أهل التأويل: آيات القرآن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُنْذِرُونَكُمْ) بالآيات (لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا بَلَى) قد فعلوا ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) قال أهل التأويل: (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) أي: عدة العذاب، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ - ووعد أنه يملأ جهنم منهم، وهو قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي: حق وعد ذلك عليهم، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من (كَلِمَةُ الْعَذَابِ): هو كلمة الشرك والكفر؛ أي: حقت كلمة الكفر والشرك الذي علمنا سموا (كَلِمَةُ الْعَذَابِ)، لما كذبوا وعوقبوا، واللَّه أعلم.
وقوله: (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) تأويله ظاهر.
" والمتكبرين " يحتمل المتكبرين على آياته وحججه، ويحتمل المتكبرين على رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، واللَّه أعلم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: (وَأَشْرَقَتِ)، أي: أضاءت وأنارت، و (زُمَرًا) أي: جماعات، والواحد: زمرة، ويقال: تزمر القوم إذا اجتمعوا، زمرتهم، أي: جمعتهم، وأصله: أن يساق كل فريق على ما أحبوا، وكانوا في الدنيا جماعة جماعة وأمة أمة، وعلى ما يجتمعون في هذه الدنيا: أهل الخير على أهل الخير، وأهل الشر على أهل الشر، وسروا بالاجتماع في ذلك، لكن أهل الخير يساقون إلى الجنة على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا مسرورين، وأهل الكفر يساقون إلى النار على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا على الشر حزنين مغتمين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)
يحتمل: اتقوا الشرك بربهم، أو اتقوا سخط ربهم ونقمته، أو اتقوا المهالك، وقد ذكرناه فيما تقدم واللَّه أعلم.
(وَسِيقَ)، وإن كان في الظاهر خبرا عما مضى لكنه يخرج على وجهين:
أحدهما: على الاستقبال، وذلك جائز في اللغة استعمال حرف الماضي على إرادة الاستقبال، كأنه قال: يساقون.
والثاني: كأنه خبر أمر قد كان مضى، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسِيقَ)؛ ولذلك ذكره بحرف (سِيقَ)، واللَّه أعلم.
الزمر 39:73
الآية ٧٣ وقوله عز وجل :﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ يحتمل ﴿اتقوا﴾ الشرك بربهم، أو ﴿اتقوا﴾ سُخط ربهم ونقمته، أو ﴿اتقوا﴾ المهالك. وقد ذكرنا في ما تقدم، والله أعلم.
[ وقوله عز وجل ](١) :﴿وسيق﴾ وإن كان في الظاهر خيرا عما مضى، لكنه يخرّج على وجهين :
أحدهما : على الاستقبال، وذلك جائز في اللغة : استعمال حرف الماضي على إرادة الاستقبال ؛ كأنه قال : يساقون.
والثاني :[ لأنه جزاء ](٢) أمر قد كان مضى، فقال عز وجل :﴿وسيق﴾ ذكره(٣) بحرف سيق، والله أعلم.
وقوله عز وجل :﴿زمرا﴾ قد ذكرناه، أي جماعة جماعة وأمة أمة على ما كانوا في هذه الدنيا يجتمعون على ذلك. فعلى ذلك يساقون في الآخرة، والله أعلم.
وقوله عز وجل :﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ فتح الأبواب لهم يحتمل حقيقة الأبواب، ويحتمل كناية عن الوجوه والسّبل التي يأتون في الدنيا لا على حقيقة الأبواب، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بدأ الخزنة بالسلام عليهم. فجائز أن يكون الله عز وجل : امتحن رسوله ببدء السلام على من آمن، وهو قوله عز وجل :﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم﴾ الآية [الأنعام: ٥٤].
ثم يحتمل سلام الخزنة عليهم السلامة(٤) والبراءة من جميع العيوب والآفات التي في الدنيا، والله أعلم.
وقوله عز وجل :﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ فقوله :﴿طبتم﴾ يحتمل أي صرتم طيّبين، لا تُخسَؤون أبدا، وقد برئتم من الآفات والعيوب كلها، والله أعلم.
[ ويحتمل ](٥) : طاب [ لكم ](٦) العيش أبدا من حيث ما يأتيكم بلا عناء.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: كأنه خبر..
٣ أدرج قبلها في الأصل وم: ولذلك..
٤ في الأصل وم: السلام..
٥ في الأصل وم: أو يقول..
٦ ساقطة من الأصل وم..
الزمر 39:74
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (زُمَرًا) وقد ذكرناه، أي: جماعة جماعة، وأمة: أمة، على ما كانوا في هذه الدنيا، ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يساقون في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا).
فتح الأبواب لهم يحتمل حقيقة الأبواب، ويحتمل كناية عن الوجوه والسبل التي يأتونها في الدنيا لا على حقيقة الأبواب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).
بدأ الخزنة بالسلام عليهم، فجائز أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - امتحن الخزنة بالسلام على المؤمنين كما امتحن رسوله ببدئه السلام على من آمن، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ...) الآية.
ثم يحتمل سلام الخزنة عليهم: السلام والبراءة عن جميع العيوب والآفات التي في الدنيا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ).
فقوله: (طِبْتُمْ) أي: صرتم طيبين لا تخبثون أبدًا، وقد برئتم من الآفات والعيوب كلها، واللَّه أعلم.
أو يقول: طاب العيش أبدًا من حيثما يأتيكم بلا عناء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)
ولا شك أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إذا وعد صدق وعده، لكن معنى قولهم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ)، أي: الحمد لله الذي جعلنا مستحقين وعده؛ إذ وعده لا شك أنه يصدق، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله: (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ) أي: الجنة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ).
يحتمل قوله: (حَيْثُ نَشَاءُ) نرغب فيها، وهم لا يرغبون النزول من منازلهم.
أو أن يكون قوله: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ)، أي: جميع مكان الجنة مختار ليس مما يتخير في الدنيا مكانًا دون مكان؛ لأن جميع أمكنتها ليست بمختارة فيقع فيها الاختيار، فأما الجنة فجميع أمكنتها مختارة فلا يقع هنالك اختيار مكان على مكان، والله أعلم. وإلا ظاهر قوله: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) ما لهم وما لغيرهم، والوجه فيه ما ذكرناه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) ظاهر.
الزمر 39:75
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)
قيل: محدقين حول العرش.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ).
قال بعض أهل التأويل: بأمر ربهم، لكن التسبيح بحمد ربهم هو أن يسبحوا بثناء ربهم وحمده ويبرئونه وينزهونه عن جميع معاني الخلق بحمد وثناء يحمدونه ويثنون عليه على ما ذكرنا في غير موضع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ).
قيل: بين الأمم والرسل، وقيل: بين الخلائق كعلهم.
وجائز أن يكون قوله: (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال الحسن: فتح اللَّه نعمه في الدنيا بالحمد له، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ...) الآية، وغير ذلك من الآيات، وختم نعمه في الآخرة بالحمد له حيث قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): الحمد لله رب العالمين والصلاة والصلام على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه الطاهرين أجمعين.
* * *