Arabic Al-Mukhtasar in interpreting the Noble Quran — النمل 27:1 – الصافات 37:182
المحتويات
- النمل 27:1
- النمل 27:2
- النمل 27:3
- النمل 27:4
- النمل 27:5
- النمل 27:6
- النمل 27:7
- النمل 27:8
- النمل 27:9
- النمل 27:10
- النمل 27:11
- النمل 27:12
- النمل 27:13
- النمل 27:14
- النمل 27:15
- النمل 27:16
- النمل 27:17
- النمل 27:18
- النمل 27:19
- النمل 27:20
- النمل 27:21
- النمل 27:22
- النمل 27:23
- النمل 27:24
- النمل 27:25
- النمل 27:26
- النمل 27:27
- النمل 27:28
- النمل 27:29
- النمل 27:30
- النمل 27:31
- النمل 27:32
- النمل 27:33
- النمل 27:34
- النمل 27:35
- النمل 27:36
- النمل 27:37
- النمل 27:38
- النمل 27:39
- النمل 27:40
- النمل 27:41
- النمل 27:42
- النمل 27:43
- النمل 27:44
- النمل 27:45
- النمل 27:46
- النمل 27:47
- النمل 27:48
- النمل 27:49
- النمل 27:50
- النمل 27:51
- النمل 27:52
- النمل 27:53
- النمل 27:54
- النمل 27:55
- النمل 27:56
- النمل 27:57
- النمل 27:58
- النمل 27:59
- النمل 27:60
- النمل 27:61
- النمل 27:62
- النمل 27:63
- النمل 27:64
- النمل 27:65
- النمل 27:66
- النمل 27:67
- النمل 27:68
- النمل 27:69
- النمل 27:70
- النمل 27:71
- النمل 27:72
- النمل 27:73
- النمل 27:74
- النمل 27:75
- النمل 27:76
- النمل 27:77
- النمل 27:78
- النمل 27:79
- النمل 27:80
- النمل 27:81
- النمل 27:82
- النمل 27:83
- النمل 27:84
- النمل 27:85
- النمل 27:86
- النمل 27:87
- النمل 27:88
- النمل 27:89
- النمل 27:90
- النمل 27:91
- النمل 27:92
- النمل 27:93
- القصص 28:1
- القصص 28:2
- القصص 28:3
- القصص 28:4
- القصص 28:5
- القصص 28:6
- القصص 28:7
- القصص 28:8
- القصص 28:9
- القصص 28:10
- القصص 28:11
- القصص 28:12
- القصص 28:13
- القصص 28:14
- القصص 28:15
- القصص 28:16
- القصص 28:17
- القصص 28:18
- القصص 28:19
- القصص 28:20
- القصص 28:21
- القصص 28:22
- القصص 28:23
- القصص 28:24
- القصص 28:25
- القصص 28:26
- القصص 28:27
- القصص 28:28
- القصص 28:29
- القصص 28:30
- القصص 28:31
- القصص 28:32
- القصص 28:33
- القصص 28:34
- القصص 28:35
- القصص 28:36
- القصص 28:37
- القصص 28:38
- القصص 28:39
- القصص 28:40
- القصص 28:41
- القصص 28:42
- القصص 28:43
- القصص 28:44
- القصص 28:45
- القصص 28:46
- القصص 28:47
- القصص 28:48
- القصص 28:49
- القصص 28:50
- القصص 28:51
- القصص 28:52
- القصص 28:53
- القصص 28:54
- القصص 28:55
- القصص 28:56
- القصص 28:57
- القصص 28:58
- القصص 28:59
- القصص 28:60
- القصص 28:61
- القصص 28:62
- القصص 28:63
- القصص 28:64
- القصص 28:65
- القصص 28:66
- القصص 28:67
- القصص 28:68
- القصص 28:69
- القصص 28:70
- القصص 28:71
- القصص 28:72
- القصص 28:73
- القصص 28:74
- القصص 28:75
- القصص 28:76
- القصص 28:77
- القصص 28:78
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:81
- القصص 28:82
- القصص 28:83
- القصص 28:84
- القصص 28:85
- القصص 28:86
- القصص 28:87
- القصص 28:88
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:2
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:5
- العنكبوت 29:6
- العنكبوت 29:7
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:9
- العنكبوت 29:10
- العنكبوت 29:11
- العنكبوت 29:12
- العنكبوت 29:13
- العنكبوت 29:14
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:17
- العنكبوت 29:18
- العنكبوت 29:19
- العنكبوت 29:20
- العنكبوت 29:21
- العنكبوت 29:22
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:24
- العنكبوت 29:25
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:27
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:29
- العنكبوت 29:30
- العنكبوت 29:31
- العنكبوت 29:32
- العنكبوت 29:33
- العنكبوت 29:34
- العنكبوت 29:35
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:37
- العنكبوت 29:38
- العنكبوت 29:39
- العنكبوت 29:40
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:42
- العنكبوت 29:43
- العنكبوت 29:44
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:47
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:49
- العنكبوت 29:50
- العنكبوت 29:51
- العنكبوت 29:52
- العنكبوت 29:53
- العنكبوت 29:54
- العنكبوت 29:55
- العنكبوت 29:56
- العنكبوت 29:57
- العنكبوت 29:58
- العنكبوت 29:59
- العنكبوت 29:60
- العنكبوت 29:61
- العنكبوت 29:62
- العنكبوت 29:63
- العنكبوت 29:64
- العنكبوت 29:65
- العنكبوت 29:66
- العنكبوت 29:67
- العنكبوت 29:68
- العنكبوت 29:69
- الروم 30:1
- الروم 30:2
- الروم 30:3
- الروم 30:4
- الروم 30:5
- الروم 30:6
- الروم 30:7
- الروم 30:8
- الروم 30:9
- الروم 30:10
- الروم 30:11
- الروم 30:12
- الروم 30:13
- الروم 30:14
- الروم 30:15
- الروم 30:16
- الروم 30:17
- الروم 30:18
- الروم 30:19
- الروم 30:20
- الروم 30:21
- الروم 30:22
- الروم 30:23
- الروم 30:24
- الروم 30:25
- الروم 30:26
- الروم 30:27
- الروم 30:28
- الروم 30:29
- الروم 30:30
- الروم 30:31
- الروم 30:32
- الروم 30:33
- الروم 30:34
- الروم 30:35
- الروم 30:36
- الروم 30:37
- الروم 30:38
- الروم 30:39
- الروم 30:40
- الروم 30:41
- الروم 30:42
- الروم 30:43
- الروم 30:44
- الروم 30:45
- الروم 30:46
- الروم 30:47
- الروم 30:48
- الروم 30:49
- الروم 30:50
- الروم 30:51
- الروم 30:52
- الروم 30:53
- الروم 30:54
- الروم 30:55
- الروم 30:56
- الروم 30:57
- الروم 30:58
- الروم 30:59
- الروم 30:60
- لقمان 31:1
- لقمان 31:2
- لقمان 31:3
- لقمان 31:4
- لقمان 31:5
- لقمان 31:6
- لقمان 31:7
- لقمان 31:8
- لقمان 31:9
- لقمان 31:10
- لقمان 31:11
- لقمان 31:12
- لقمان 31:13
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- لقمان 31:16
- لقمان 31:17
- لقمان 31:18
- لقمان 31:19
- لقمان 31:20
- لقمان 31:21
- لقمان 31:22
- لقمان 31:23
- لقمان 31:24
- لقمان 31:25
- لقمان 31:26
- لقمان 31:27
- لقمان 31:28
- لقمان 31:29
- لقمان 31:30
- لقمان 31:31
- لقمان 31:32
- لقمان 31:33
- لقمان 31:34
- السجدة 32:1
- السجدة 32:2
- السجدة 32:3
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:6
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:9
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:20
- السجدة 32:21
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:17
- الأحزاب 33:18
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:20
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:38
- الأحزاب 33:39
- الأحزاب 33:40
- الأحزاب 33:41
- الأحزاب 33:42
- الأحزاب 33:43
- الأحزاب 33:44
- الأحزاب 33:45
- الأحزاب 33:46
- الأحزاب 33:47
- الأحزاب 33:48
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:54
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:56
- الأحزاب 33:57
- الأحزاب 33:58
- الأحزاب 33:59
- الأحزاب 33:60
- الأحزاب 33:61
- الأحزاب 33:62
- الأحزاب 33:63
- الأحزاب 33:64
- الأحزاب 33:65
- الأحزاب 33:66
- الأحزاب 33:67
- الأحزاب 33:68
- الأحزاب 33:69
- الأحزاب 33:70
- الأحزاب 33:71
- الأحزاب 33:72
- الأحزاب 33:73
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:25
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:44
- يس 36:45
- يس 36:46
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:55
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:61
- يس 36:62
- يس 36:63
- يس 36:64
- يس 36:65
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:73
- يس 36:74
- يس 36:75
- يس 36:76
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:80
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:2
- الصافات 37:3
- الصافات 37:4
- الصافات 37:5
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:9
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:13
- الصافات 37:14
- الصافات 37:15
- الصافات 37:16
- الصافات 37:17
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:21
- الصافات 37:22
- الصافات 37:23
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:26
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:30
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:36
- الصافات 37:37
- الصافات 37:38
- الصافات 37:39
- الصافات 37:40
- الصافات 37:41
- الصافات 37:42
- الصافات 37:43
- الصافات 37:44
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:53
- الصافات 37:54
- الصافات 37:55
- الصافات 37:56
- الصافات 37:57
- الصافات 37:58
- الصافات 37:59
- الصافات 37:60
- الصافات 37:61
- الصافات 37:62
- الصافات 37:63
- الصافات 37:64
- الصافات 37:65
- الصافات 37:66
- الصافات 37:67
- الصافات 37:68
- الصافات 37:69
- الصافات 37:70
- الصافات 37:71
- الصافات 37:72
- الصافات 37:73
- الصافات 37:74
- الصافات 37:75
- الصافات 37:76
- الصافات 37:77
- الصافات 37:78
- الصافات 37:79
- الصافات 37:80
- الصافات 37:81
- الصافات 37:82
- الصافات 37:83
- الصافات 37:84
- الصافات 37:85
- الصافات 37:86
- الصافات 37:87
- الصافات 37:88
- الصافات 37:89
- الصافات 37:90
- الصافات 37:91
- الصافات 37:92
- الصافات 37:93
- الصافات 37:94
- الصافات 37:95
- الصافات 37:96
- الصافات 37:97
- الصافات 37:98
- الصافات 37:99
- الصافات 37:100
- الصافات 37:101
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:104
- الصافات 37:105
- الصافات 37:106
- الصافات 37:107
- الصافات 37:108
- الصافات 37:109
- الصافات 37:110
- الصافات 37:111
- الصافات 37:112
- الصافات 37:113
- الصافات 37:114
- الصافات 37:115
- الصافات 37:116
- الصافات 37:117
- الصافات 37:118
- الصافات 37:119
- الصافات 37:120
- الصافات 37:121
- الصافات 37:122
- الصافات 37:123
- الصافات 37:124
- الصافات 37:125
- الصافات 37:126
- الصافات 37:127
- الصافات 37:128
- الصافات 37:129
- الصافات 37:130
- الصافات 37:131
- الصافات 37:132
- الصافات 37:133
- الصافات 37:134
- الصافات 37:135
- الصافات 37:136
- الصافات 37:137
- الصافات 37:138
- الصافات 37:139
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:143
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:150
- الصافات 37:151
- الصافات 37:152
- الصافات 37:153
- الصافات 37:154
- الصافات 37:155
- الصافات 37:156
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:160
- الصافات 37:161
- الصافات 37:162
- الصافات 37:163
- الصافات 37:164
- الصافات 37:165
- الصافات 37:166
- الصافات 37:167
- الصافات 37:168
- الصافات 37:169
- الصافات 37:170
- الصافات 37:171
- الصافات 37:172
- الصافات 37:173
- الصافات 37:174
- الصافات 37:175
- الصافات 37:176
- الصافات 37:177
- الصافات 37:178
- الصافات 37:179
- الصافات 37:180
- الصافات 37:181
- الصافات 37:182
النمل 27:1
(طس) تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة. هذه الآيات المنزلة عليك هي آيات القرآن، وكتاب واضح لا لبس فيه، مَن تدبَّرَه عَلِمَ أنه من عند الله.
النمل 27:2
هذه الآيات هادية إلى الحق مرشدة إليه، ومبشرة للمؤمنين بالله ورسله.
النمل 27:3
الذين يؤدون الصلاة على أكمل وجه، ويعطون زكاة أموالهم بصرفها إلى مصارفها، وهم موقنون بما في الآخرة من ثواب وعقاب.
النمل 27:4
إن الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، حسّنّا لهم أعمالهم السيئة، فاستمروا على فعلها، فهم متحيِّرون لا يهتدون إلى صواب ولا رشد.
النمل 27:5
أولئك الموصوفون بما ذُكِر هم الذين لهم سوء العذاب في الدنيا بالقتل والأسر، وهم في الآخرة أكثر الناس خسرانًا، حيث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بتخليدهم في النار.
النمل 27:6
وإنك - أيها الرسول - لتتلقى هذا القرآن المنزل عليك من عند حكيم في خلقه وتدبيره وشرعه، عليم لا يخفى عليه شيء من مصالح عباده.
النمل 27:7
اذكر - أيها الرسول - حين قال موسى لأهله: إني أبصرت نارًا، سآتيكم منها بخبر من موقدها يرشدنا إلى الطريق، أو آتيكم بشعلة نار مأخوذة منها رجاء أن تستدفئوا بها من البرد.
النمل 27:8
فلما وصل إلى مكان النار التي أبصرها ناداه الله: أنْ قُدِّس من في النار، ومن حولها من الملائكة، وتعظيمًا لرب العالمين وتنزيهًا له عما لا يليق به من الصفات التي يصفه بها الضالون.
النمل 27:9
قال له الله: يا موسى، إنه أنا الله العزيز الذي لا يغالبني أحد، الحكيم في خلقي وتقديري وشرعي.
النمل 27:10
وألق عصاك، فامتثل موسى، فلما رآها موسى تضطرب وتتحرك كأنها حية ولَّى مدبرًا عنها ولم يرجع، فقال له الله: لا تخف منها، فإني لا يخاف عندي المرسلون من حية ولا من سواها.
النمل 27:11
لكن من ظلم نفسه بارتكاب ذنب، ثم تاب بعد ذلك فإني غفور له، رحيم به.
النمل 27:12
وأدخل يدك في فتحة قميصك مما يلي الرقبة تخرج بعد إدخالك لها بيضاء مثل الثلج من غير برص، ضمن تسع آيات تشهد بصدقك - هي مع اليد: العصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم - إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله بالكفر به.
النمل 27:13
فلما جاءتهم آياتنا هذه التي أيدنا بها موسى واضحة ظاهرة قالوا: هذا الذي جاء به موسى من الآيات سحر بيّن.
النمل 27:14
وكفروا بهذه الآيات البينات ولم يقروا بها، واستيقنت أنفسهم أنها من عند الله؛ بسبب ظلمهم واستكبارهم عن الحق، فتأمّل - أيها الرسول - كيف كانت عاقبة المفسدين في الأرض بكفرهم ومعاصيهم، فقد أهلكناهم، ودمّرناهم كلهم.
النمل 27:15
ولقد أعطينا داود وابنه سليمان علمًا، ومنه علم كلام الطير، وقال داود وسليمان شاكرين الله عز وجل : الحمد لله الذي فضلنا بما خصنا به من العلم والنبوة على كثير من عباده المؤمنين.
النمل 27:16
وورث سليمان أباه داود في النبوة والعلم والملك، وقال متحدثًا بنعمة الله عليه وعلى أبيه: يا أيها الناس، عَلَّمنا الله فهم أصوات الطير، وأعطانا من كل شيء أعطاه الأنبياء والملوك، إن هذا الذي أعطانا الله سبحانه لهو الفضل الواضح البيّن.
النمل 27:17
وجُمِع لسليمان جنوده من البشر والجن والطير، فهم يُسَاقون بنظام.
النمل 27:18
فلم يزالوا يُسَاقون حتى إذا جاؤوا إلى وادي النمل (موضع بالشام) قالت نملة من النمل: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم حتى لا يهلككم سليمان وجنوده وهم لا يعلمون بكم، إذ لو علموا بكم لما داسوكم.
النمل 27:19
فلما سمع سليمان كلامها تبسّم ضاحكًا من قولها هذا، وقال داعيًا ربه سبحانه: ربّ وفقني وألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديَّ، ووفقني أن أعمل عملًا صالحًا ترتضيه، وأدخلني برحمتك في جملة عبادك الصالحين.
النمل 27:20
وتعَهَّد سليمان الطير فلم ير الهدهد، فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ أمنعني من رؤيته مانع، أم كان من الغائبين؟
النمل 27:21
فقال لما تبين له غيابه: لأعذبنّه عذابًا شديدًا، أو لأذبحنّه عقابًا له على غيابه، أو ليأتيني بحجة واضحة تبين عذره في الغياب.
النمل 27:22
فمكث الهدهد في غيابه زمنًا غير بعيد، فلما جاء قال لسليمان عليه السلام: اطلعت على ما لم تطلع عليه، وجئتك من أهل سبإ بخبر صادق لا شك فيه.
النمل 27:23
إني وجدت امرأة تحكمهم، وأُعطِيت هذه المرأة من كل شيء من أسباب القوة والملك، ولها سرير عظيم تدير مِن فوقه شؤون قومها.
النمل 27:24
وجدت هذه المرأة، ووجدت قومها يسجدون للشمس من دون الله سبحانه وتعالى، وحسَّن لهم الشيطان ما هم عليه من أعمال الشرك والمعاصي، فصرفهم عن طريق الحق، فهم لا يهتدون إليه.
النمل 27:25
حسَّن لهم الشيطان أعمال الشرك والمعاصي؛ لئلا يسجدوا لله وحده الذي يُخْرِج ما ستره في السماء من المطر، وفي الأرض من النبات، ويعلم ما تخفونه من الأعمال وما تظهرونه، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
النمل 27:26
الله لا معبود بحق غيره، رب العرش العظيم.
النمل 27:27
قال سليمان عليه السلام للهدهد: سننظر أصدقت فيما تدعيه، أم كنت من الكاذبين.
النمل 27:28
فكتب سليمان كتابًا، وسلمه للهدهد، وقال له: اذهب بكتابي هذا فارمه إلى أهل سبأ وسلّمهم إياه، وتنحّ عنهم جانبًا بحيث تسمع ما يرددون بشأنه.
النمل 27:29
واستلمت الملكة الكتاب، وقالت: يا أيها الأشراف إني ألقي إلي كتاب كريم جليل.
النمل 27:30
مضمون هذا الكتاب المرسل من سليمان المفتتح ب «بسم الله الرحمن الرحيم»:
النمل 27:31
ألا تتكبروا، وأتوني منقادين مستسلمين لما أدعوكم إليه من توحيد الله وترك ما أنتم عليه من الشرك به، حيث عبدتم الشمس معه.
النمل 27:32
قالت الملكة: يا أيها الأشراف والسادة، بيِّنوا لي وجه الصواب في أمري، ما كنت قاضية أمرًا حتى تحضروني، وتظهروا رأيكم فيه.
النمل 27:33
قال لها الأشراف من قومها: نحن أصحاب قوة عظيمة، وأصحاب بأس قوي في الحرب، والرأي ما ترينه فانظري ماذا تأمريننا به فنحن قادرون على تنفيذه.
النمل 27:34
قالت الملكة: إن الملوك إذا دخلوا قرية من القرى أفسدوها بما يقومون به من القتل والسَّلْب والنَّهْب، وصيَّروا سادتها وأشرافها أذلاء بعد ما كانوا فيه من العزة والمنعة، وكذلك يفعل الملوك دائمًا إذا تغلبوا على أهل قرية؛ ليزرعوا الهيبة والرعب في النفوس.
النمل 27:35
وإني مرسلة إلى صاحب الكتاب وقومه هدية، وأنظر ماذا تأتي به الرسل بعد إرسال هذه الهدية.
النمل 27:36
فلما جاء رسولها ومن معه من أعوانه يحملون الهدية إلى سليمان أنكر عليهم سليمان إرسال الهدية قائلًا: أتمدونني بالأموال لتثنوني عنكم؟ فما أعطاني الله من النبوة والملك والمال خير مما أعطاكم، بل أنتم الذين تفرحون بما يُهْدَى إليكم من حطام الدنيا.
النمل 27:37
قال سليمان عليه السلام لرسولها: ارجع إليهم بما جئت من هدية، فلنأتينها وقومها بجنود لا طاقة لهم بمواجهتهم، ولنخرجنهم من سبأ وهم أذلة مهانون بعد ما كانوا فيه من العزة إن لم يأتوني منقادين.
النمل 27:38
قال سليمان عليه السلام مخاطبًا أعيان أهل ملكه: يا أيها الملأ، أيكم يأتيني بسرير ملكها قبل أن يأتوني منقادين؟
النمل 27:39
أجابه مارد من الجن قائلًا: أنا آتيك بسريرها قبل أن تقوم من مجلسك هذا الذي أنت فيه، وإني لقوي على حمله أمين على ما فيه، فلن أنقص منه شيئًا.
النمل 27:40
قال رجل صالح عالم عند سليمان، عنده علم من الكتاب، ومن ضمنه اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب: أنا آتيك بسريرها قبل أن ترمش عينك؛ بأن أدعو الله فيأتي به، فدعا فاستجاب الله له دعاءه، فلما رأى سليمان سريرها مستقرًّا عنده قال: هذا من فضل ربي سبحانه؛ ليختبرني أأشكر نعمه أم أكفرها؟ ومن شكر الله فإنما نَفْع شكره عائد إليه، فالله غني لا يزيده شكر العباد، ومن جحد نعم الله فلم يشكرها له فإن ربي غني عن شكره كريم، ومن كرمه إفضاله على من يجحدها.
النمل 27:41
قال سليمان عليه السلام: غيِّروا لها سرير ملكها عن هيئته التي كان عليها ننظر: أتهتدي إلى معرفة أنه سريرها، أم تكون من الذين لا يهتدون إلى معرفة أشيائهم؟
النمل 27:42
فلما جاءت ملكة سبأ إلى سليمان قيل لها اختبارًا لها: أهذا مثل عرشك؟ فأجابت طبق السؤال: كأنه هو، فقال سليمان: وأعطانا الله العلم من قبلها لقدرته على مثل هذه الأمور، وكنا منقادين لأمر الله مطيعين له.
النمل 27:43
وصرفها عن توحيد الله ما كانت تعبد من دون الله اتباعًا لقومها، وتقليدًا لهم، إنها كانت من قوم كافرين بالله، فكانت كافرة مثلهم.
النمل 27:44
قيل لها: ادخلي الصرح وهو كهيئة السطح، فلما رأته ظنته ماءً فكشفت عن ساقيها لتخوضه، قال سليمان عليه السلام: إنه صرح مُمَلَّس من زجاج، ودعاها إلى الإسلام، فأجابته إلى ما دعاها إليه قائلة: رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك معك، وانقدت مع سليمان لله رب المخلوقات جميعها.
النمل 27:45
ولقد بعثنا إلى ثمود أخاهم في النسب صالحًا عليه السلام أن اعبدوا الله وحده، فإذا هم بعد دعوته إياهم طائفتان: طائفة مؤمنة، وأخرى كافرة يتنازعون أيهم على الحق.
النمل 27:46
قال لهم صالح عليه السلام: لِمَ تطلبون تعجيل العذاب قبل الرحمة؟ هلَّا تطلبون المغفرة من الله لذنوبكم رجاء أن يرحمكم.
النمل 27:47
قال له قومه في تَعنُّت عن الحق: تشاءمنا بك وبمن معك من المؤمنين، قال لهم صالح عليه السلام: ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره، عند الله علمه لا يخفى عليه منه شيء، بل أنتم قوم تُخْتبرون بما يبسط لكم من الخير وبما ينالكم من الشر.
النمل 27:48
وكان في مدينة الحِجْر تسعة رجال يفسدون في الأرض بالكفر والمعاصي، ولا يصلحون فيها بالإيمان والعمل الصالح.
النمل 27:49
قال بعضهم لبعض: ليحلف كل واحد منكم بالله لنأتينه في بيته ليلًا، فلنقتلنه وأهله، ثم لنقولن لولي دمه: ما حضرنا قتل صالح وأهله، وإنا لصادقون فيما قلنا.
النمل 27:50
ودبَّروا مكيدة خفية لإهلاك صالح وأتباعه من المؤمنين، ومكرنا مكرًا لنصره وإنجائه من مكرهم وإهلاك الكافرين من قومه، وهم لا يعلمون بذلك.
النمل 27:51
فتأمل - أيها الرسول - كيف كان مآل تدبيرهم ومكرهم؟ أنّا استأصلناهم بعذاب من عندنا فهلكوا عن آخرهم.
النمل 27:52
فتلك بيوتهم قد انهدمت جدرانها على سقوفها، وبقيت خالية من أهلها بسبب ظلمهم، إنَّ فيما أصابهم من العذاب بسبب ظلمهم لعبرة لقوم يؤمنون، فهم الذين يعتبرون بالآيات.
النمل 27:53
وأنقذنا الذين آمنوا بالله من قوم صالح عليه السلام، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
النمل 27:54
واذكر - أيها الرسول - لوطًا حين قال لقومه موبخًا إياهم ومنكرًا عليهم: أتأتون الخصلة القبيحة - وهي اللواط - في أنديتكم جهارًا يبصر بعضكم بعضًا؟!
النمل 27:55
أئنكم لتأتون الرجال على سبيل الاشتهاء دون النساء، لا تريدون إعفافًا ولا ولدًا، وإنما قضاء شهوة بهيمية، بل أنتم قوم تجهلون ما يجب عليكم من الإيمان والطهر والبعد عن المعاصي.
النمل 27:56
فما كان لقومه من جواب إلا قولهم: أخرجوا آل لوط من قريتكم، إنهم أناس يتنزهون عن الأقذار والأنجاس، قالوا ذلك استهزاءً بآل لوط الذين لا يشاركونهم فيما يرتكبونه من الفواحش، بل ينكرون عليهم ارتكابها.
النمل 27:57
فسلَّمناه وسلَّمنا أهله، إلا امرأته حكمنا عليها أن تكون من الباقين في العذاب لتكون من الهالكين.
النمل 27:58
وأمطرنا عليهم حجارة من السماء، فكان مطرًا سيئًا مهلكًا لمن خُوِّفُوا بالعذاب ولم يستجيبوا.
النمل 27:59
قل - أيها الرسول -: الحمد لله على نعمه، وأمان منه من عذابه الذي عذب به قوم لوط وصالح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، آلله المعبودُ بحقٍّ الذي بيده ملكوت كل شيء خير أم ما يعبده المشركون من معبودات لا تملك نفعًا ولا ضرًّا؟!
النمل 27:60
أم من خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، وأنزل لكم - أيها الناس- من السماء ماء المطر، فأنبتنا لكم به حدائق ذات حسن وجمال، ما كان لكم أن تنبتوا شجر تلك الحدائق لعجزكم عن ذلك، فالله هو الذي أنبتها، أمعبود فعل هذا مع الله؟! لا، بل هم قوم ينحرفون عن الحق فَيُسَوُّون الخالق بالمخلوقين ظلمًا.
النمل 27:61
أَمْ مَنْ صيّر الأرض مستقرّة ثابتة لا تضطرب بمن عليها، وصيّر داخلها أنهارًا تجري، وصير لها جبالًا ثوابت، وصيّر بين البحرين: المالِح والعذب فاصلًا يمنع اختلاط المالح بالعذب حتى لا يفسده، فلا يصلح للشرب، أمعبود فعل ذلك مع الله؟! لا، بل معظمهم لا يعلمون، ولو كانوا يعلمون لما أشركوا بالله أحدًا من مخلوقاته.
النمل 27:62
أَمْ مَنْ يجيب من ضاق عليه أمره واشتدّ إذا دعاه، ويرفع ما يقع بالإنسان من مرض وفقر وغيرهما، ويصيّركم خلفاء في الأرض يخلف بعضكم بعضًا جيلًا بعد جيل، أمعبود يفعل ذلك مع الله؟! لا، قليلًا ما تتعظون وتعتبرون.
النمل 27:63
أَمْ مَنْ يهديكم في ظلمات البر وظلمات البحر بما ينصبه لكم من معالم ونجوم، ومن يبعث الرياح مبشرات بقرب نزول المطر الذي يرحم به عباده، أمعبود يفعل ذلك مع الله؟! تنزه الله، وتقدس عما يشركون به من مخلوقاته.
النمل 27:64
أم من يبدأ الخلق في الأرحام مرحلة بعد مرحلة، ثم يحييه بعدما يميته، ومن يرزقكم من السماء بالمطر المنزل من جهته، ويرزقكم من الأرض بالنبات الذي ينبته فيها! أمعبود يفعل ذلك مع الله؟! قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: هاتوا حججكم على ما أنتم عليه من الشرك، إن كنتم صادقين فيما تدعونه من أنكم على حق.
النمل 27:65
قل - أيها الرسول -: لا يعلم الغيب من في السماوات من الملائكة، ولا من في الأرض من الناس، لكن الله وحده هو الذي يعلمه، وما يعلم جميع من في السماوات ومن في الأرض متى يُبْعثون للجزاء إلا الله.
النمل 27:66
أم هل تتابع علمهم بالآخرة فأيقنوا بها؟ لا، بل هم في شك وحيرة من الآخرة، بل قد عميت بصائرهم عنها.
النمل 27:67
وقال الذين كفروا مستنكرين: أإذا متنا وكنا ترابًا أيمكن أن نُبْعَثَ أحياء؟
النمل 27:68
لقد وُعِدْنا نحن، ووُعِدَ آباؤنا من قبل أننا نبعث جميعًا، فلم نر تحقيقًا لذلك الوعد، ما هذا الوعد الذي وُعِدناه جميعًا إلا أكاذيب الأولين التي دونوها في كتبهم.
النمل 27:69
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المنكرين للبعث: سيروا في أي جهة من الأرض فتأملوا كيف كانت نهاية المجرمين المكذبين بالبعث، فقد أهلكناهم لتكذيبهم به.
النمل 27:70
ولا تحزن بسبب إعراض المشركين عن دعوتك، ولا يضق صدرك من كيدهم فالله ناصرك عليهم.
النمل 27:71
ويقول الكفار المنكرون للبعث من قومك: متى يتحقق ما تعدنا به أنت والمؤمنون من العذاب إن كنتم صادقين فيما تدّعونه من ذلك؟
النمل 27:72
قل لهم - أيها الرسول -: عسى أن يكون اقترب لكم بعض ما تستعجلون به من العذاب.
النمل 27:73
وإن ربك - أيها الرسول - لذو فضل على الناس حيث يترك معاجلتهم بالعقوبة مع ما هم عليه من الكفر والمعاصي، ولكن معظم الناس لا يشكرون الله على ما ينعم به عليهم.
النمل 27:74
وإن ربك ليعلم ما تضمر قلوب عباده وما يظهرونه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيهم عليه.
النمل 27:75
وما من شيء غائب عن الناس في السماء، ولا غائب عنهم في الأرض إلا هو في كتاب مبين وهو اللوح المحفوظ.
النمل 27:76
إن هذا القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم يقصّ على بني إسرائيل أكثر ما يختلفون فيه، ويكشف انحرافاتهم.
النمل 27:77
وإنه لهداية ورحمة للمؤمنين العاملين بما جاء فيه.
النمل 27:78
إن ربك - أيها الرسول - يقضي بين الناس مؤمنهم وكافرهم يوم القيامة بحكمه العدل، فيرحم المؤمن، ويعذب الكافر، وهو العزيز الذي ينتقم من أعدائه، ولا يغالبه أحد، العليم الذي لا يلتبس عليه مُحِقٌّ بِمُبْطِلٍ.
النمل 27:79
فتوكل على الله، واعتمد عليه في جميع أمورك، إنك على الحق الواضح.
النمل 27:80
إنك - أيها الرسول - لا تُسْمِع الموتى الذين ماتت قلوبهم بسبب الكفر بالله، ولا تُسْمِع مَن أصمَّ الله سمعه عن سماع الحق ما تدعوهم إليه إذا رجعوا معرضين عنك.
النمل 27:81
ولست بهادي من عميت بصائرهم عن الحق، فلا تحزن عليهم وتتعب نفسك، ما تقدر أن تُفهم الحقّ إلا من يؤمن بآياتنا فهم منقادون لأوامر الله.
النمل 27:82
وإذا وجب العذاب وثبت عليهم لإصرارهم على كفرهم ومعاصيهم، وبقي شرار الناس، أخرجنا لهم عند اقتراب الساعة علامة من علاماتها الكبرى، وهي دابة من الأرض تكلمهم بما يفهمون أن الناس كانوا بآياتنا المنزلة على نبينا لا يصدقون.
النمل 27:83
واذكر - أيها الرسول - يوم نحشر من كل أمة من الأمم جماعة من كبرائهم ممن يكذب بآياتنا، يردّ أولهم إلى آخرهم ثم يساقون إلى الحساب.
النمل 27:84
ويستمرّ سوقهم، حتى إذا جاؤوا مكان حسابهم قال لهم الله توبيخًا لهم: أكذبتم بآياتي الدالة على توحيدي والمشتملة على شريعتي، ولم تحيطوا علمًا بأنها باطلة فيسوغ لكم تكذيبها، أم ماذا كنتم تعملون بها من التصديق أو التكذيب؟!
النمل 27:85
ووقع عليهم العذاب بسبب ظلمهم بالكفر بالله وتكذيب آياته، فهم لا يتكلمون للدفاع عن أنفسهم لعجزهم عن ذلك، وبطلان حججهم.
النمل 27:86
ألم ينظر هؤلاء المكذبون بالبعث أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه بالنوم، وصيّرنا النهار مضيئًا ليبصروا فيه، فيسعوا إلى أعمالهم، إن في ذلك الموت المتكرر والبعث بعده لعلامات واضحة لقوم يؤمنون.
النمل 27:87
واذكر - أيها الرسول -: يوم ينفخ الملك الموكل بالنفخ في القرن النفخة الثانية، ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من استثناه الله من الفزع؛ تفضُّلًا منه، وكل من مخلوقات الله يأتونه في ذلك اليوم مطيعين ذليلين.
النمل 27:88
وترى الجبال في ذلك اليوم تحسبها ثابتة لا تتحرك، وهي في واقع الأمر تسير مسرعة سير السحاب، صنع الله، فهو الذي يحركها، إنه خبير بما تفعلون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
النمل 27:89
من جاء يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح فله الجنة، وهم آمنون بتأمين الله لهم من فزع يوم القيامة.
النمل 27:90
ومن جاء بالكفر والمعاصي فلهم النار يُلقَون فيها على وجوههم، ويقال لهم توبيخًا لهم وإهانة: هل تجزون إلا ما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي؟
النمل 27:91
قل لهم - أيها الرسول -: إنما أمرت أن أعبد رب مكة الذي حرمها، فلا يُسْفك فيها دم، ولا يُظْلم فيها أحد، ولا يُقْتل صيدها، ولا يُقْطع شجرها، وله سبحانه ملك كل شيء، وأُمِرْت أن أكون من المستسلمين لله المنقادين له بالطاعة.
النمل 27:92
وأُمِرْت أن أتلو القرآن على الناس، فمن اهتدى بهديه، وعمل بما فيه، فنفع هدايته لنفسه، ومن ضل وانحرف عما فيه وأنكره، ولم يعمل بما فيه، فقل: إنما أنا من المنذرين أنذركم من عذاب الله، وليس بيدي هدايتكم.
النمل 27:93
وقل - أيها الرسول -: الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، سيريكم الله آياته في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، فتعرفونها معرفة ترشدكم إلى الإذعان للحق، وليس ربك بغافل عما تعملون، بل هو مطلع عليه، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيكم عليه.
القصص 28:1
(طسم) تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
القصص 28:2
هذه آيات القرآن الواضح.
القصص 28:3
نقرأ عليك من خبر موسى وفرعون بالحق الذي لا مرية فيه لقوم يؤمنون؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بما فيه.
القصص 28:4
إن فرعون طغى في أرض مصر، وتسلط فيها، وصيّر أهلها طوائف مفرِّقًا بينها، يستضعف طائفة منهم، وهم بنو إسرائيل، بقتل ذكور أولادهم واستبقاء نسائهم للخدمة إمعانًا في إذلالهم، إنه كان من المفسدين في الأرض بالظلم والطغيان والتكبر.
القصص 28:5
ونريد أن نتفضل على بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون في أرض مصر؛ بإهلاك عدوهم، وإزالة الاستضعاف عنهم، ونجعلهم أئمة يقتدى بهم في الحق، ونجعلهم يرثون أرض الشام المباركة بعد هلاك فرعون، كما قال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا... ﴾.
القصص 28:6
ونريد أن نمكّن لهم في الأرض بجعلهم أصحاب السلطان فيها، ونُرِي فرعون ومسانده الأكبر في الملك هامان وجنودهما المعاونين لهما في ملكهما، ما كانوا يخافونه من ذهاب ملكهم، وانقضائه على يد مولود ذكر من بني إسرائيل.
القصص 28:7
وألهمنا أم موسى عليه السلام أن أرضعيه حتى إذا خَشِيتِ عليه من فرعون وقومه أن يقتلوه فضعيه في صندوق، وارميه في نهر النيل، ولا تخافي عليه من الغرق ولا من فرعون، ولا تحزني بسبب فراقه، إنا مرجعوه إليك حيًّا، ومصيّروه من رسل الله الذين يبعثهم إلى خلقه.
القصص 28:8
فامتثلت ما ألهمناها من وضعه في صندوق، ورميه في النهر، فعثر عليه آل فرعون فأخذوه، ليتحقق ما أراده الله من أن موسى سيكون عدوًّا لفرعون يزيل الله ملكه على يده، جالبًا لحزنهم، إن فرعون ووزيره هامان وأعوانهما كانوا آثمين بسبب كفرهم وطغيانهم، وإفسادهم في الأرض.
القصص 28:9
ولما أراد فرعون قتله قالت له امرأته: هذا الولد مصدر سرور لي ولك، لا تقتلوه لعله ينفعنا بالخدمة، أو نتخذه ولدًا بالتبني، وهم لا يعلمون ما سيؤول إليه ملكهم على يده.
القصص 28:10
وأصبح قلب أم موسى عليه السلام خاليًا من أي أمر من أمور الدنيا إلا من أمر موسى فلم تعد تصبر، حتى قاربت أن تظهر أنه ولدها من شدة التعلق به، لولا أن ربطنا على قلبها بتثبيته، وتصبيرها لتكون من المؤمنين المتوكلين على ربهم الصابرين على ما يقضي به.
القصص 28:11
وقالت أم موسى عليه السلام لأخته بعد إلقائها له في النهر: اتبعي أثره لتعرفي ما يفعل به، فأبصرته عن بُعدٍ حتى لا يكشف أمرها، وفرعون وقومه لا يشعرون أنها أخته وأنها تتفقد خبره.
القصص 28:12
وامتنع موسى بتدبير من الله عن الرضاع من النساء من قبل أن نرده إلى أمه، فلما رأت أخته حرصهم على إرضاعه قالت لهم: هل أرشدكم إلى أهل بيت يقومون بإرضاعه ورعايته، وهم له ناصحون؟
القصص 28:13
فرجعنا موسى إلى أمه كيما تقرّ عينها برؤيته عن قرب، ولا تحزن بسبب فراقه، ولتعلم أن وعد الله بإرجاعه إليها حق لا مرية فيه، ولكن أكثرهم لا يعلمون بهذا الوعد، ولا أحد يعلم أنها هي أمه.
القصص 28:14
ولما بلغ سن اشتداد البدن، واستحكم في قوته - أعطيناه فهمًا وعلمًا في دين بني إسرائيل قبل نبوته، وكما جزينا موسى على طاعته نجزي المحسنين في كل زمان ومكان.
القصص 28:15
ودخل موسى المدينة في وقت راحة الناس في بيوتهم، فوجد فيها رجلين يتخاصمان ويتضاربان، أحدهما من بني إسرائيل قوم موسى عليه السلام، والآخر من القِبْط قوم فرعون أعداء موسى، فطلب الذي هو من قومه أن يعينه على الذي هو من القِبْط أعدائه، فضرب موسى القبطيَّ بقبضة يده، فقتله بتلك الضربة لقوّتها، قال موسى عليه السلام: هذا من تزيين الشيطان وإغرائه، إن الشيطان عدو مضلّ لمن اتبعه، واضح العداوة، فما حصل مني بسبب عداوته، وبسبب أنه مضلّ يريد إضلالي.
القصص 28:16
قال موسى داعيًا ربه معترفًا بما حصل منه: رب إني ظلمت نفسي بقتل هذا القِبْطي، فاغفر لي ذنبي، فبيّن الله لنا مغفرته لموسى، إنه هو الغفور لمن تاب من عباده، الرحيم بهم.
القصص 28:17
ثم واصل الخبر عن دعاء موسى الذي قال فيه: رب بسبب ما أنعمت علي به من القوة والحكمة والعلم فلن أكون معينًا للمجرمين على إجرامهم.
القصص 28:18
فلما حصل منه ما حصل من قتل القِبْطي أصبح في المدينة خائفًا يترقب ماذا يحدث، فإذا الذي طلب منه العون والنصر على عدوه القِبْطي بالأمس يستعين به على قِبْطي آخر، قال له موسى: إنك لذو غواية وضلال واضح.
القصص 28:19
فلما أن أراد موسى عليه السلام أن يبطش بالقِبْطي الذي هو عدو له وللإسرائيلي، ظن الإسرائيلي أن موسى يريد البطش به لما سمعه يقول:﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴾، فقال لموسى: أتريد أن تقتلني مثلما قتلت نفسًا بالأمس، لا تريد إلا أن تكون جبارًا في الأرض تقتل الناس وتظلمهم، وما تريد أن تكون ممن يصلحون بين المتخاصمين.
القصص 28:20
ولما انتشر الخبر وجاء رجل من أقصى المدينة مسرعًا شفقة على موسى من الملاحقة، فقال: يا موسى، إن الأشراف من قوم فرعون يتشاورون بقتلك فاخرج من البلد، إني لك من الناصحين شفقة عليك من أن يدركوك فيقتلوك.
القصص 28:21
فامتثل موسى أمر الرجل الناصح، فخرج من البلد خائفًا يترقب ماذا يحدث له، قال داعيًا ربه: رب نجني من القوم الظالمين، فلا يصلوا إليّ بسوء.
القصص 28:22
ولما سار مقبلًا بوجهه جهة مَدْين قال: عسى ربي أن يرشدني إلى خير طريق، فلا أضلّ عنها.
القصص 28:23
ولما وصل ماء مَدْين الذي يستقون منه وجد جماعة من الناس يسقون مواشيهم، ووجد من دونهم امرأتين تحبسان أغنامهما عن الماء حتى يسقي الناس، قال لهما موسى عليه السلام: ما شأنكما لا تسقيان مع الناس؟ قالتا له: عادتنا أن نتأنى فلا نسقي حتى ينصرف الرعاة؛ حذرًا من مخالطتهم، وأبونا شيخ كبير السن، لا يستطيع أن يسقي، فاضطررنا لسقي غنمنا.
القصص 28:24
فرحمهما فسقى لهما أغنامهما، ثم انصرف إلى الظل فاستراح فيه، ودعا ربه بالتعريض بحاجته، فقال: رب إني لما أنزلت إليّ من أي خير محتاجٌ.
القصص 28:25
فلما ذهبتا أخبرتا أباهما به، فأرسل إحداهما إليه تدعوه، فجاءته تمشي في حياء، قالت: إن أبي يدعوك أن تأتيه قصد أن يجزيك أجرك على سقيك لنا، فلما جاء موسى أباهما، وأخبره بأخباره، قال له مطمئنًا إياه: لا تخف نجوت من القوم الظالمين فرعون وملئه، فإنهم لا سلطان لهم على مَدْين، فلا يستطيعون أن يصلوا إليك بأذى.
القصص 28:26
قالت إحدى ابنتيه: يا أبت استأجره ليرعى غنمنا، فهو جدير بأن تستأجره؛ لجمعه بين القوة والأمانة، فبالقوة يؤدي ما كلف به، وبالأمانة يحفظ ما اؤتمن عليه.
القصص 28:27
قال أبوهما مخاطبًا موسى عليه السلام: إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين، على أن يكون مهرها أن ترعى غنمنا ثماني سنين، فإن أكملت المدة عشر سنين فهذا تفضّل منك لا يلزمك؛ لأن التعاقد إنما هو على ثمان سنين، فما فوقها تطوع، وما أريد أن ألزمك ما فيه مشقة عليك، ستجدني - إن شاء الله - من الصالحين الذين يوفون بالعقود، ولا ينقضون العهود.
القصص 28:28
قال موسى عليه السلام: ذلك الذي بيني وبينك على ما تعاقدنا عليه، فأي الأمدين عملت لك: ثمانِيَ سنوات، أو عشر سنوات، أكون قد وفيت بما علي، فلا تطالبني بزيادة، والله وكيل على ما تعاقدنا عليه، رقيب عليه.
القصص 28:29
فلما أكمل موسى أوفى الأجلين عشر سنين، وسار بأهله من مَدْين إلى مصر أبصر من جانب الطور نارًا، قال لأهله: اثبتوا، إني أبصرت نارًا، لعلي آتيكم منها بخبر، أو آتيكم بشعلة من النار توقدون بها نارًا؛ لعلكم تستدفئون من البرد.
القصص 28:30
فلما جاء موسى النار التي أبصرها ناداه ربه سبحانه وتعالى من جانب الوادي الأيمن في الموقع الذي باركه الله بتكليمه لموسى من الشجرة أن: يا موسى إني أنا الله رب المخلوقات كلها.
القصص 28:31
وأن اطرح عصاك، فطرحها موسى امتثالًا لأمر ربه، فلما رآها تتحرك وتضطرب كأنها حية في سرعتها ولَّى هاربًا خوفًا منها، ولم يرجع من هَرَبِهِ، فناداه ربه: يا موسى أقبل، ولا تخف منها؛ فإنك من الآمنين منها ومن غيرها مما تخاف.
القصص 28:32
أدخل يدك اليمنى في فتحة قميصك مما يلي الرقبة تخرج بيضاء من غير برص. فأدخلها موسى فخرجت بيضاء كالثلج. واضمم إليك يدك ليهدأ خوفك. فضمَّها موسى إليه فذهب عنه الخوف، فهذان المذكوران - العصا واليد - حجَّتان مرسلتان من ربك إلى فرعون والأشراف من قومه، إنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله بالكفر وارتكاب المعاصي.
القصص 28:33
قال موسى متوسلًا إلى ربه: إني قتلت منهم نفسًا فأخاف أن يقتلوني به إن جئتهم لأبلغهم ما أرسلت به.
القصص 28:34
وأخي هارون هو أبين مني كلامًا فابعثه معي معينًا يوافقني في كلامي، إن كذبني فرعون وقومه، إني أخاف أن يكذبوني كما هي عادة الأمم التي بُعِثَتْ إليها الرسل من قبلي فكذبوهم.
القصص 28:35
قال الله مجيبًا دعوة موسى: سنقوّيك - يا موسى - ببعث أخيك معك رسولًا معينًا، ونجعل لكما حجة وتأييدًا، فلا يصلون إليكما بسوء تكرهانه، بسبب آياتنا التي أرسلناكم بها أنتما ومن اتبعكما من المؤمنين المنتصرون.
القصص 28:36
فلما جاءهم موسى عليه السلام بآياتنا واضحات قالوا: ما هذا إلا كذب مختلق اختلقه موسى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأقدمين.
القصص 28:37
وقال موسى مخاطبًا فرعون: ربي يعلم المحق الذي جاء بالرشاد من عنده سبحانه، ويعلم من تكون له العاقبة المحمودة في الآخرة، إنه لا يفوز الظالمون بمطلوبهم، ولا ينجون من مرهوبهم.
القصص 28:38
وقال فرعون مخاطبًا الأشراف من قومه: يا أيها الملأ ما علمت لكم من معبود غيري، فأشعل لي يا هامان على الطين حتى يشتد فابن لي به بناءً عاليًا رجاء أن أنظر إلى معبود موسى وأقف عليه، وإني لأظنّ أن موسى كاذب فيما يدعيه أنه مرسل من الله إليّ وإلى قومي.
القصص 28:39
واشتد تكبر فرعون هو وجنوده واستعلوا في أرض مصر بغير موجب من الحق، وأنكروا البعث، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون يوم القيامة للحساب والعقاب.
القصص 28:40
فأخذناه وأخذنا جنوده فطرحناهم في البحر غرقى حتى هلكوا جميعًا، فتأمّل - أيها الرسول - كيف كان مآل الظالمين ونهايتهم، فقد كان مآلهم ونهايتهم الهلاك.
القصص 28:41
وجعلناهم قدوة للطغاة والضُّلَّال، يدعون إلى النار بما يبثونه من كفر وضلال، ويوم القيامة لا ينصرون بإنقاذهم من العذاب، بل يضاعف عليهم العذاب لما سنّوه من سنن سيئة، ودعوا إليه من ضلالة، يكتب عليهم وزر عملهم بها، ووزر عمل من اتبعهم في العمل بها.
القصص 28:42
وأتبعناهم زيادة على عقوبتهم في هذه الدنيا خزيًا وطردًا، ويوم القيامة هم من المذمومين المُبْعَدين عن رحمة الله.
القصص 28:43
ولقد أعطينا موسى التوراة من بعد ما أرسلنا إلى الأمم السابقة رسلنا فكذبوهم، فأهلكناهم بسبب تكذيبهم لهم، فيها ما يُبَصِّر الناس بما ينفعهم فيعملون به، وما يضرهم فيتركونه، وفيها إرشادهم إلى الخير، ورحمة لما فيها من خيري الدنيا والآخرة لعلهم يتذكرون نعم الله عليهم فيشكرونه ويؤمنون به.
القصص 28:44
وما كنت - أيها الرسول - حاضرًا بجانب الجبل الغربي بالنسبة لموسى عليه السلام حين أنهينا إلى موسى الأمر بإرساله إلى فرعون وملئه، وما كنت من الحاضرين حتى تعلم خبر ذلك فتقصّه على الناس، فما تخبرهم به هو من وحي الله إليك.
القصص 28:45
ولكنا أنشأنا أممًا وخلائق من بعد موسى، فتباعد عليهم الزمن حتى نسوا عهود الله، وما كنت مقيمًا في أهل مَدْين تقرأ عليهم آياتنا، ولكنا أرسلناك من عندنا، فأوحينا إليك خبر موسى وإقامته في مَدْين، فأخبرت الناس بما أوحى الله إليك من ذلك.
القصص 28:46
وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى وأوحينا إليه ما أوحينا حتى تخبر بذلك، ولكن أرسلناك رحمة من ربك للناس، فأوحينا إليك خبر ذلك لتنذر قومًا ما جاءهم رسول من قبلك ينذرهم لعلهم يتعظون، فيؤمنون بما جئتهم به من عند الله سبحانه.
القصص 28:47
ولولا أن تنالهم عقوبة إلهية بسبب ما هم عليه من الكفر والمعاصي، فيقولوا محتجين بعدم إرسال رسول إليهم: هلَّا بعثت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ونعمل بها، ونكون من المؤمنين العاملين بأمر ربهم، لولا ذلك لعاجلناهم بالعقاب، لكنا أخرناه عنهم حتى نعذر إليهم ببعث رسول إليهم.
القصص 28:48
فلما جاء قريشًا محمد بالرسالة من ربه سألوا يهود عنه فلقنوهم هذه الحجة فقالوا: هلَّا أعطي محمد مثل ما أعطي موسى من الآيات الدالة على أنه رسول من ربه؛ كاليد والعصا، قل - أيها الرسول - ردًّا عليهم: ألم يكفر اليهود بما أعطي موسى من قبل، وقالوا في التوراة والقرآن: إنهما سحران يعضد أحدهما الآخر، وقالوا: إنا بكلّ من التوراة والقرآن كافرون؟!
القصص 28:49
قل - أيها الرسول - لهؤلاء: جيئوا بكتاب منزل من عند الله أهدى سبيلًا من التوراة والقرآن، فإن أتيتم به أتّبعه إن كنتم صادقين فيما تدّعونه من أن التوراة والقرآن سحران.
القصص 28:50
فإن لم تستجب قريش لما دعوتهم إليه من الإتيان بكتاب أهدى من التوراة والقرآن فأيقن أن تكذيبهم بهما ليس عن دليل، وإنما هو عن اتباع للهوى، ولا أحد أضلّ ممن اتبع هواه بغير هدى من الله سبحانه، إن الله لا يوفّق للهداية والرشاد القوم الظالمين لأنفسهم بكفرهم بالله.
القصص 28:51
ولقد وصَّلنا للمشركين واليهود من بني إسرائيل القول بقصص الأمم السابقة، وما أحللنا عليهم من العذاب لما كذبوا رسلنا؛ رجاء أن يتعظوا بذلك فيؤمنوا حتى لا يصيبهم ما أصابهم.
القصص 28:52
الذين ثبتوا على الإيمان بالتوراة من قبل نزول القرآن هم بالقرآن يؤمنون لما يجدونه في كتبهم من الإخبار به ومن نعته.
القصص 28:53
وإذا يقرأ عليهم قالوا: آمنا به إنه الحق الذي لا مِرْية فيه، المنزل من ربنا، إنا كنا من قبل هذا القرآن مسلمين لإيماننا بما جاء به الرسل من قبله.
القصص 28:54
أولئك الموصوفون بما ذُكِر يعطيهم الله ثواب عملهم مرتين بسبب صبرهم على الإيمان بكتابهم، وبإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم حين بُعِث، ويدفعون بحسنات أعمالهم الصالحة ما اكتسبوه من الآثام، ومما رزقناهم ينفقون في وجوه الخير.
القصص 28:55
وإذا سمع هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب الباطل من القول أعرضوا عنه غير ملتفتين إليه، وقالوا مخاطبين أصحابه: لنا جزاء أعمالنا، ولكم جزاء أعمالكم، سلمتم منا من الشتم والأذى، لا نبتغي مصاحبة أصحاب الجهل لما فيها من الضرر والأذى على الدين والدنيا.
القصص 28:56
إنك - أيها الرسول - لا تهدي من أحببت مثل أبي طالب وغيره بتوفيقه للإيمان، ولكن الله وحده هو الذي يوفّق من يشاء للهداية، وهو أعلم بمن سبق في علمه أنه من المهتدين إلى الصراط المستقيم.
القصص 28:57
وقال المشركون من أهل مكة معتذرين عن اتباع الإسلام والإيمان به: إن نتبع هذا الإسلام الذي جئت به ينتزعنا أعداؤنا من أرضنا بسرعة، أَوَلَم نمكّن لهؤلاء المشركين حرمًا يحرم فيه سفك الدماء والظلم، يأمنون فيه من إغارة غيرهم عليهم، تجلب إليه ثمار كل شيء رزقًا من لدنا سقناه إليهم؟! ولكن معظمهم لا يعلمون ما أنعم الله به عليهم فيشكروه له.
القصص 28:58
وما أكثر القرى التي كفرت نعمة الله عليها فأسرفت في الذنوب والمعاصي، فأرسلنا عليها عذابًا فأهلكناها به، فتلك مساكنهم مندثرة يمرّ الناس عليها لم تسكن من بعد أهلها إلا قليلًا من بعض العابرين، وكنا نحن الوارثين الذين نرث السماوات والأرض ومن فيهما.
القصص 28:59
ولم يكن ربك - أيها الرسول - مهلك القرى حتى يعذر إلى أهلها ببعث رسول في القرية الكبرى منها كما بعثك أنت في أم القرى، وهي مكة، وما كنا لنهلك أهل القرى وهم مستقيمون على الحق، إنما نهلكهم إن كانوا ظالمين بالكفر وارتكاب المعاصي.
القصص 28:60
وما أعطاكم ربكم من شيء فهو مما تتمتعون به وتتزينون في الحياة الدنيا ثم يفنى، وما عند الله من الثواب العظيم في الآخرة خير وأبقى مما في الدنيا من متاع وزينة، أفلا تعقلون ذلك، فتؤثروا ما هو باق على ما هو فان؟!
القصص 28:61
أفمن وعدناه في الآخرة الجنة وما فيها من نعيم مقيم فهو صائر إليه لا محالة كمن أعطيناه ما يتمتع به من مال وزينة في الحياة الدنيا، ثم يكون يوم القيامة من المُحْضَرين إلى نار جهنم؟!
القصص 28:62
ويوم يناديهم ربهم سبحانه وتعالى قائلًا: أين شركائي الذين كنتم تعبدونهم من دوني وتزعمون أنهم شركائي؟
القصص 28:63
قال الذين وجب عليهم العذاب من الدعاة إلى الكفر: ربنا هؤلاء الذين أضللنا، أضللناهم كما ضللنا، نتبرأ إليك منهم، ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون الشياطين.
القصص 28:64
وقيل لهم: نادوا شركاءكم لينقذوكم مما أنتم فيه من الخزي، فنادوا شركاءهم فلم يستجيبوا لندائهم، وشاهدوا العذاب المعد لهم، فودّوا لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق.
القصص 28:65
ويوم يناديهم ربهم قائلًا: ماذا أجبتم به رسلي الذين بعثتهم إليكم؟
القصص 28:66
فخفي عليهم ما يحتجون به فلم يذكروا شيئًا، ولا يسأل بعضهم بعضًا؛ لما هم فيه من هول الصدمة بسبب ما أيقنوا أنهم صائرون إليه من العذاب.
القصص 28:67
فأما من تاب من هؤلاء المشركين من كفره وآمن بالله ورسله، وعمل عملًا صالحًا؛ فعسى أن يكون من الفائزين بما يطلبونه، الناجين مما يرهبونه.
القصص 28:68
وربك - أيها الرسول - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويصطفي من يشاء لطاعته ونبوته، ليس للمشركين الاختيار حتى يعترضوا على الله، تنزه سبحانه وتقدس عما يعبدون معه من الشركاء.
القصص 28:69
وربك يعلم ما تخفي صدورهم وما يعلنونه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيهم عليه.
القصص 28:70
وهو الله سبحانه لا معبود بحق غيره، له وحده الحمد في الدنيا، وله الحمد في الآخرة، وله القضاء النافذ الذي لا مردّ له، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.
القصص 28:71
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: أخبروني إن صيّر الله عليكم الليل دائمًا مستمرًّا، لا انقطاع له إلى يوم القيامة، من معبود غير الله يأتيكم بضياء مثل ضياء النهار؟! أفلا تسمعون هذه الحجج، وتعلمون أن لا إله إلا الله يأتيكم بذلك؟!
القصص 28:72
قل لهم - أيها الرسول -: أخبروني إن صيّر الله عليكم النهار دائمًا مستمرًّا إلى يوم القيامة، من معبود غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه لتستريحوا من عناء العمل في النهار؟! أفلا تبصرون هذه الآيات، وتعلمون أن لا إله إلا الله يأتيكم بذلك كله؟!
القصص 28:73
ومن رحمته سبحانه أن جعل لكم - أيها الناس - الليل مظلمًا؛ لتسكنوا فيه بعدما عانيتم من عمل في النهار، وجعل لكم النهار مضيئًا؛ لتسعوا إلى طلب الرزق فيه، ولعلكم تشكرون نعم الله عليكم ولا تكفرونها.
القصص 28:74
ويوم يناديهم ربهم سبحانه وتعالى قائلًا: أين شركائي الذين كنتم تعبدونهم من دوني، وتزعمون أنهم شركائي؟
القصص 28:75
وأحضرنا من كل أمة نبيّها يشهد عليها بما كانت عليه من الكفر والتكذيب، فقلنا للمكذبين من تلك الأمم: أعطوا حججكم وأدلتكم على ما كنتم عليه من الكفر والتكذيب، فانقطعت حججهم وأيقنوا أن الحق الذي لا مِرْية فيه لله، وغاب عنهم ما كانوا يختلقونه من الشركاء له سبحانه.
القصص 28:76
إن قارون كان من قوم موسى عليه السلام فتكبر عليهم، وأعطيناه من كنوز الأموال ما إن مفاتح خزائنه ليثقل حملها على الجماعة القوية، إذ قال له قومه: لا تفرح فرح البَطَر، إن الله لا يحبّ الفرحين فرح البَطَر، بل يبغضهم ويعذبهم على ذلك.
القصص 28:77
واطلب فيما أعطاك الله من الأموال الثواب في الدار الآخرة؛ بأن تنفقه في وجوه الخير، ولا تنس نصيبك من الأكل والشرب واللباس وغير ذلك من النعم، في غير إسراف ولا مخيلة، وأحسن التعامل مع ربك ومع عباده كما أحسن سبحانه إليك، ولا تطلب الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي وترك الطاعات، إن الله لا يحب المفسدين في الأرض بذلك، بل يبغضهم.
القصص 28:78
قال قارون: إنما أُعْطِيت هذه الأموال لعلم عندي وقدرة، فأنا أستحقها لذلك. أَوَلَم يعلم قارون أن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هم أشد قوة وأكثر جمعًا لأموالهم؟! فما نفعتهم قوتهم ولا أموالهم، ولا يسأل يوم القيامة المجرمون عن ذنوبهم لعلم الله بها، فسؤالهم سؤال تبكيت وتوبيخ.
القصص 28:79
فخرج قارون في زينته مظهرًا أُبَّهَتَه، قال الذين يطمعون في زينة الحياة الدنيا من أصحاب قارون: يا ليتنا أُعْطِينا من زينة الدنيا مثل ما أُعْطِي قارون، إن قارون لذو نصيب وافٍ كبير.
القصص 28:80
وقال الذين أعطوا العلم حين رأوا قارون في زينته وسمعوا ما تمناه أصحابه: ويلكم! ثواب الله في الآخرة، وما أعده من النعيم لمن آمن به وعمل عملًا صالحًا، خيرٌ مما أُعْطِي قارون من زهرة الدنيا، ولا يوفق لقول هذه الكلمة والعمل بما تقتضيه إلا الصابرون الذين يصبرون على إيثار ما عند الله من ثواب على ما في الدنيا من متاع زائل.
القصص 28:81
فخسفنا الأرض به وبداره ومن فيها انتقامًا منه على بغيه، فما كان له من جماعة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين بنفسه.
القصص 28:82
وأصبح الذين تمنوا ما كان فيه من المال والزينة قبل الخسف به يقولون متحسرين معتبرين: ألم نعلم أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويضيقه على من يشاء منهم؟! لولا أن منّ الله علينا فلم يعاقبنا بما قلنا؛ لخسف بنا مثل ما خسف بقارون، إنه لا يفوز الكافرون، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل إن مصيرهم ومآلهم الخسران فيهما.
القصص 28:83
تلك الدار الآخرة نجعلها دار نعيم وتكريم للذين لا يريدون تكبرًا في الأرض عن الإيمان بالحق واتباعه، ولا يريدون فسادًا فيها، والعاقبة المحمودة هي بما في الجنة من نعيم، وما يحلّ فيها من رضا الله للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
القصص 28:84
من جاء بالحسنة يوم القيامة - من صلاة وزكاة وصيام وغيره - فله جزاء خير من تلك الحسنة حيث تضاعف له الحسنة إلى عشر أمثالها، ومن جاء يوم القيامة بالسيئة - من كفر وأكل ربا وزِنًى وغير ذلك - فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا مثل ما عملوا دون زيادة.
القصص 28:85
إن الذي أنزل عليك القرآن وفرض عليك تبليغه والعمل بما فيه لمُرجعك إلى مكة فاتحًا، قل - أيها الرسول - للمشركين: ربي أعلم بمن جاء بالهدى، ومن هو في ضلال واضح عن الهدى والحق.
القصص 28:86
وما كنت - أيها الرسول - تأمل - قبل البعثة - أن يُلْقَى إليك القرآن وحيًا من الله، لكن رحمة منه سبحانه اقتضت إنزاله عليك، فلا تكوننّ معينًا للكافرين على ما هم فيه من الضلال.
القصص 28:87
ولا يصرفنك هؤلاء المشركون عن آيات الله بعد إنزالها عليك فتترك تلاوتها وتبليغها، وادع الناس إلى الإيمان بالله وتوحيده والعمل بشرعه، ولا تكوننّ من المشركين الذين يعبدون مع الله غيره، بل كن من الموحدين الذين لا يعبدون إلا الله وحده.
القصص 28:88
ولا تعبد مع الله معبودًا غيره، لا معبود بحق غيره، كل شيء هالك إلا وجهه سبحانه، له وحده الحكم يحكم بما يشاء، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.
العنكبوت 29:1
(آلم) سبق الكلام عن نظائرها في بداية سورة البقرة.
العنكبوت 29:2
أَظَنَّ الناسُ أنهم بقولهم: آمنا بالله، يُتْركون دون اختبار يبين حقيقة ما قالوا، هل هم مؤمنون حقًّا؟! ليس الأمر كما ظنوا.
العنكبوت 29:3
ولقد اختبرنا الذين كانوا قبلهم، فليعلمنّ الله علم ظهورٍ ويكشف لكم صدقَ الصادقين في إيمانهم وكذب الكاذبين فيه.
العنكبوت 29:4
بل أَظَنَّ الذين يعملون المعاصي من الشرك وغيره أن يعجزونا، وينجوا من عقابنا؟ قَبُحَ حكمهم الذي يحكمون به، فهم لا يعجزون الله، ولا ينجون من عقابه إن ماتوا على كفرهم.
العنكبوت 29:5
من كان يأمل لقاء الله يوم القيامة ليثيبه فليعلم أن الأجل الذي ضربه الله لذلك لآت قريبًا، وهو السميع لأقوال عباده، العليم بأفعالهم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيهم عليها.
العنكبوت 29:6
ومن جاهد نفسه بحملها على الطاعة والبعد عن المعصية، وجاهد في سبيل الله فإنما يجاهد لنفسه؛ لأن نفع ذلك عائد إليها، والله غني عن المخلوقات كلها، فلا تزيده طاعتهم، ولا تنقصه معصيتهم.
العنكبوت 29:7
والذين آمنوا وصبروا على امتحاننا لهم، وعملوا الأعمال الصالحات لنمحونّ ذنوبهم بما عملوه من الأعمال الصالحة، ولنثيبنّهم في الآخرة أحسن الذي كانوا يعملون في الدنيا.
العنكبوت 29:8
ووصينا الإنسان بوالديه أن يبرّهما ويحسن إليهما، وإن جاهدك والداك -أيها الإنسان - لتشرك بي ما ليس لك بإشراكه علم - كما وقع لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من أمه - فلا تطعهما في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إليّ وحدي رجوعكم يوم القيامة، فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، وأجازيكم عليه.
العنكبوت 29:9
والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات لندخلنهم يوم القيامة في الصالحين، فنحشرهم معهم، ونثيبهم ثوابهم.
العنكبوت 29:10
ومن الناس من يقول: آمنّا بالله، فإذا آذاه الكفار على إيمانه جعل عذابهم له كعذاب الله فارتدّ عن الإيمان موافقة للكفار، ولئن حصل نصر من ربك لك - أيها الرسول - ليقولنّ: إنا كنا معكم - أيها المؤمنون - على الإيمان، أوليس الله بأعلم بما في صدور الناس؟! لا يخفى عليه ما فيها من الكفر والإيمان، فكيف ينبئون الله بما في قلوبهم وهو أعلم بما فيها منهم؟!
العنكبوت 29:11
وليعلمنّ الله الذين آمنوا به حقًّا، وليعلمنّ المنافقين الذين يظهرون الإيمان، ويضمرون الكفر.
العنكبوت 29:12
وقال الذين كفروا للذين آمنوا بالله وحده: اتبعوا ديننا وما نحن عليه، ونحمل نحن عنكم ذنوبكم، فنجازى عليها دونكم، وليسوا بحاملين شيئًا من ذنوبهم، وإنهم لكاذبون في قولهم هذا.
العنكبوت 29:13
وليحملنّ هؤلاء المشركون الداعون إلى باطلهم ذنوبهم التي اقترفوها، وليحملنّ ذنوب من اتبع دعوتهم دون أن ينقص من ذنوب التابعين لهم شيء، وليسألنّ يوم القيامة عما كانوا يختلقونه في الدنيا من الأباطيل.
العنكبوت 29:14
ولقد بعثنا نوحًا رسولًا إلى قومه، فمكث فيهم مدة تسع مئة وخمسين عامًا يدعوهم إلى توحيد الله، فكذبوه واستمرّوا على كفرهم، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسله، فهلكوا بالغرق.
العنكبوت 29:15
فأنقذنا نوحًا ومن معه من المؤمنين في السفينة من الهلاك بالغرق، وجعلنا السفينة عبرة للناس يعتبرون بها.
العنكبوت 29:16
واذكر - أيها الرسول - قصة إبراهيم حين قال لقومه: اعبدوا الله وحده، واتقوا عقابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ذلكم المأمور به خير لكم إن كنتم تعلمون.
العنكبوت 29:17
إنما تعبدون - أيها المشركون- أصنامًا لا تنفع ولا تضرّ، وتختلقون الكذب حين تزعمون استحقاقها للعبادة، إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم رزقًا فيرزقوكم، فاطلبوا عند الله الرزق فهو الرزاق، واعبدوه وحده، واشكروا له ما أنعم به عليكم من الرزق، إليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء لا إلى أصنامكم.
العنكبوت 29:18
وإن تُكَذِّبوا - أيها المشركون - بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كذبت أمم من قبلكم كقوم نوح وعاد وثمود، وما على الرسول إلا البلاغ الواضح، وقد بلّغكم ما أمره ربه بتبليغه إليكم.
العنكبوت 29:19
أولم ير هؤلاء المكذبون كيف يخلق الله الخلق ابتداء، ثم يعيده بعد فنائه؟! إن ذلك على الله سهل، فهو قادر لا يعجزه شيء.
العنكبوت 29:20
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المكذبين بالبعث: سيروا في الأرض فتأملوا كيف بدأ الله الخلق، ثم الله يحيي الناس بعد موتهم الحياة الثانية للبعث والحساب، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، فلا يعجز عن بعث الناس كما لم يعجز عن خلقهم أولًا.
العنكبوت 29:21
يعذب من يشاء من خلقه بعدله، ويرحم من يشاء من خلقه بفضله، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب حين يبعثكم من قبوركم أحياء.
العنكبوت 29:22
ولستم بفائتين ربكم، ولا منفلتين من عقابه في الأرض ولا في السماء، وليس لكم من دون الله ولي يتولى أمركم، وليس لكم من دون الله نصير يرفع عنكم عذابه.
العنكبوت 29:23
والذين كفروا بآيات الله سبحانه وبلقائه يوم القيامة، أولئك قنطوا من رحمتي، فلن يدخلوا الجنة أبدًا لكفرهم، وأولئك لهم عذاب موجع ينتظرهم في الآخرة.
العنكبوت 29:24
فما كان جواب قوم إبراهيم له - بعد ما أمرهم به من عبادة الله وحده وترك عبادة غيره من الأوثان - إلا أن قالوا: اقتلوه أو ارموه في النار انتصارًا لآلهتكم، فسلّمه الله من النار، إن في تسليمه من النار بعد رميه فيها لعِبَرًا لقوم يؤمنون؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالعبر.
العنكبوت 29:25
وقال إبراهيم عليه السلام لقومه: إنما اتخذتم أصنامًا آلهة تعبدونها للتعارف والتوادّ على عبادتها في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة ينقطع ذلك التوادّ بينكم، فيتبرأ بعضكم من بعض عند معاينة العذاب، ويلعن بعضكم بعضًا، ومقرّكم الذي تأوون إليه النار، وليس لكم من ناصرين يمنعونكم من عذاب الله، لا من أصنامكم التي كنتم تعبدونها من دون الله، ولا من غيرها.
العنكبوت 29:26
فآمن له لوط عليه السلام، وقال إبراهيم عليه السلام: إني مهاجر إلى ربي إلى أرض الشام المباركة، إنه هو العزيز الذي لا يغالب، ولا يذل من هاجر إليه، الحكيم في تقديره وتدبيره.
العنكبوت 29:27
وأعطينا إبراهيم إسحاق وابنه يعقوب، وصيّرنا في أولاده النبوّة، والكتب المنزلة من عند الله، وأعطيناه ثواب صبره على الحق في الدنيا بصلاح الأولاد والثناء الحسن، وإنه في الآخرة ليُجْزَى جزاء الصالحين، لا ينقص ما أعطي في الدنيا ما أعدّ له من الجزاء الكريم في الآخرة.
العنكبوت 29:28
واذكر - أيها الرسول - لوطًا حين قال لقومه: إنكم لتأتون الذنب القبيح ما سبقكم إلى الإتيان به أحد من العالمين قبلكم، فأنتم أول من ابتدع هذا الذنب الذي تأباه الفطر السليمة.
العنكبوت 29:29
أإنكم لتأتون الذكران في أدبارهم لقضاء شهوتكم، وتقطعون الطريق على المسافرين فلا يمرون بكم خشية ما ترتكبونه من الفاحشة، وتأتون في مجالسكم الأفعال المنكرة كالعري وإيذاء من يمرّ بكم بالقول والفعل؟ فما كان جواب قومه له بعد نهيه لهم عن فعل المنكرات إلا أن قالوا له: ائتنا بعذاب الله الذي تهددنا به إن كنت صادقًا فيما تدّعيه.
العنكبوت 29:30
قال لوط عليه السلام داعيًا ربه بعد تعنُّت قومه وطلبهم إنزال العذاب عليهم استخفافًا به: ربِّ انصرني على القوم المفسدين في الأرض بما ينشرونه من الكفر والمعاصي المستقبحة.
العنكبوت 29:31
ولما جاءت الملائكة الذين بعثناهم يبشرون إبراهيم بإسحاق ومن بعده ابنه يعقوب قالوا له: إنا مهلكو أهل قرية سَدُوم قرية قوم لوط؛ إن أهلها كانوا ظالمين بما يقومون به من فعل الفاحشة.
العنكبوت 29:32
قال إبراهيم عليه السلام للملائكة: إن في هذه القرية التي تريدون إهلاك أهلها لوطًا، وليس هو من الظالمين، قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها، لننقذنّه وأهله من الهلاك المنزل على أهل القرية إلا امرأته كانت من الباقين الهالكين، فسنهلكها معهم.
العنكبوت 29:33
ولما أتت الملائكة الذين بعثناهم لإهلاك قوم لوط لوطًا ساءه وأحزنه مجيئهم خوفًا عليهم من خبث قومه، فقد جاءته الملائكة في شكل رجال، وقومه يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وقال له الملائكة: لا تخف، فلن يصل إليك قومك بسوء، ولا تحزن على ما أخبرناك من إهلاكهم، إنا منقذوك وأهلك من الهلاك، إلا امرأتك كانت من الباقين الهالكين، فسنهلكها معهم.
العنكبوت 29:34
إنا منزلون على أهل هذه القرية التي كانت تعمل الخبائث عذابًا من السماء، وهو حجارة من سجِّيل؛ عقابًا لهم على خروجهم عن طاعة الله بما يرتكبون من الفاحشة القبيحة، وهي إتيان الرجال شهوة دون النساء.
العنكبوت 29:35
ولقد تركنا من هذه القرية التي أهلكناها آية واضحة لقوم يعقلون؛ لأنهم هم الذين يعتبرون بالآيات.
العنكبوت 29:36
وأرسلنا إلى مَدْين أخاهم في النسب شعيبًا عليه السلام، فقال: يا قوم، اعبدوا الله وحده، وارجوا بعبادتكم إياه الجزاء في اليوم الآخر، ولا تفسدوا في الأرض بفعل المعاصي ونشرها.
العنكبوت 29:37
فكذبه قومه، فأصابتهم الزلزلة، فأصبحوا في دارهم ساقطين على وجوههم قد لصقت وجوههم بالتراب، لا حَرَاكَ بهم.
العنكبوت 29:38
وأهلكنا كذلك عادًا قوم هود، وثمود قوم صالح، وقد تبين لكم - يا أهل مكة - من مساكنهم بالشِّحْر من حضرموت، والحِجْر و ما يدلّكم على إهلاكهم، فمساكنهم الخاوية شاهدة على ذلك، وحسّن لهم الشيطان أعمالهم التي كانوا عليها من الكفر وغيره من المعاصي، فصرفهم عن الطريق المستقيم، وكانوا ذوي إبصار بالحق والضلال والرشد والغي بما علَّمَتهم رسلهم، لكن اختاروا اتباع الهوى على اتباع الهدى.
العنكبوت 29:39
وأهلكنا قارون - لما بغى على قوم موسى - بالخسف به وبداره، وأهلكنا فرعون ووزيره هامان بالغرق في البحر، ولقد جاءهم موسى بالآيات الواضحات الدالة على صدقه، فاستكبروا في أرض مصر عن الإيمان به، وما كانوا ليسلموا من عذابنا بفوتهم لنا.
العنكبوت 29:40
فأخذنا كلًّا من المذكورين سابقًا بعذابنا المُهْلِك، فمنهم قوم لوط الذين أرسلنا عليهم حجارة من سِجِّيل مَنْضود، ومنهم قوم صالح وقوم شعيب الذين أخذتهم الصيحة، ومنهم قارون الذي خسفنا به وبداره الأرض، ومنهم قوم نوح وفرعون وهامان الذين أهلكناهم بالغرق، وما كان الله ليظلمهم بإهلاكهم بغير ذنب، ولكن كانوا يظلمون أنفسهم بارتكاب المعاصي، فاستحقوا العذاب.
العنكبوت 29:41
مثل المشركين الذين اتخذوا من دون الله أصنامًا يعبدونهم رجاء نفعهم أو شفاعتهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا يحميها من الاعتداء عليها، وإن أضعف البيوت لبيت العنكبوت، فهو لا يدفع عنها عدوًّا، وكذلك أصنامهم لا تنفع ولا تضر ولا تشفع، لو كان المشركون يعلمون ذلك لَمَا اتخذوا أصنامًا يعبدونها من دون الله.
العنكبوت 29:42
إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يعبدونه من دونه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو العزيز الذي لا يُغَالَب، الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره.
العنكبوت 29:43
وهذه الأمثال نضربها للناس لتوقظهم وتبصرهم بالحق، وتهديهم إليه، وما يدركها على الوجه المطلوب إلا العالمون بشرع الله وحِكَمه.
العنكبوت 29:44
خلق الله سبحانه وتعالى السماوات وخلق الأرض بالحق، ولم يخلقها بالباطل ولم يخلقها عبثًا، إن في ذلك الخلق لدلالة واضحة على قدرة الله للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين يستدلون بخلق الله على الخالق سبحانه، وأما الكافرون فإنهم يمرون على الآيات في الآفاق والأنفس دون أن تلفت انتباههم إلى عظمة الخالق وقدرته سبحانه.
العنكبوت 29:45
اقرأ - أيها الرسول - على الناس ما أوحى به الله إليك من القرآن، وائت بالصلاة على أكمل وجه، إن الصلاة المؤداة بصفتها الكاملة تنهى صاحبها عن الوقوع في المعاصي والمنكرات؛ لما تحدثه من نور في القلوب يمنع من اقتراف المعاصي، ويرشد إلى عمل الصالحات، ولذكر الله أكبر وأعظم من كل شيء، والله يعلم ما تصنعونه، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
العنكبوت 29:46
ولا تحاوروا - أيها المؤمنون - ولا تخاصموا اليهود والنصارى إلا بالأسلوب الأحسن والطريقة المثلى وهي الدعوة بالموعظة والحجج البينة، إلا الذين ظلموا منهم بالعناد والمكابرة، وأعلنوا الحرب عليكم، فقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقولوا لليهود والنصارى: آمنا بالذي أنزل الله إلينا من القرآن، وآمنا بالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل، وإلهنا وإلهكم واحد لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وكماله، ونحن له وحده منقادون متذللون.
العنكبوت 29:47
وكما أنزلنا الكتب على من قبلك أنزلنا عليك القرآن، فبعض هؤلاء الذين يقرؤون التوراة - مثل عبد الله بن سلام- يؤمنون به؛ لما يجدونه من نَعْتِه في كتبهم، ومن هؤلاء المشركين من يؤمن به، وما يكفر بآياتنا إلا الكافرون الذين دأبهم الكفر والجحود للحق مع ظهوره.
العنكبوت 29:48
وما كنت - أيها الرسول - تقرأ قبل القرآن أي كتاب، وما كنت تكتب شيئًا بيمينك؛ لأنك أُمِّي لا تقرأ ولا تكتب، ولو كنت تقرأ وتكتب لشكّ الجهلة من الناس في نبوتك، وتذرّعوا بأنك كنت تكتب عن الكتب السابقة.
العنكبوت 29:49
بل القرآن المنزل عليك آيات واضحات في صدور الذين أعطوا العلم من المؤمنين، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون لأنفسهم بالكفر بالله والشرك به.
العنكبوت 29:50
وقال المشركون: هلَّا أنزل على محمد آيات من ربه مثل ما أنزل على الرسل من قبله، قل - أيها الرسول - لهؤلاء المقترحين: إنما الآيات بيد الله سبحانه، ينزلها متى شاء، وليس إليّ إنزالها، وإنما أنا نذير لكم من عقاب الله، واضح النذارة.
العنكبوت 29:51
أولم يكف هؤلاء المقترحين للآيات أنا أنزلنا عليك - أيها الرسول - القرآن يقرأ عليهم، إن في القرآن المنزل عليهم لرحمة وعظة لقوم يؤمنون، فهم الذين ينتفعون بما فيه، فما أنزل عليهم خير مما اقترحوه من نظير ما أنزل على الرسل سابقًا.
العنكبوت 29:52
قل - أيها الرسول - كفى بالله سبحانه شاهدًا على صدقي فيما جئت به، وعلى تكذيبكم به، يعلم ما في السماوات ويعلم ما في الأرض، لا يخفى عليه شيء فيهما، والذين آمنوا بالباطل من كل ما يعبد من دون الله، وكفروا بالله المستحق وحده للعبادة، أولئك هم الخاسرون؛ لاستبدالهم الكفر بالإيمان.
العنكبوت 29:53
يستعجلك - أيها الرسول - المشركون بالعذاب الذي أنذرتهم إياه، ولولا أن الله قدّر لعذابهم وقتًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر لجاءهم ما طلبوا من العذاب، وليأتينّهم فجأة وهم لا يتوقعونه.
العنكبوت 29:54
يستعجلونك بالعذاب الذي وعدتهم إياه، وإن جهنم التي وعدها الله الكافرين لمحيطة بهم، لا يستطيعون الفرار من عذابها.
العنكبوت 29:55
يوم يُغَطِّيهم العذاب من فوقهم، ويكون فراشًا لهم من تحت أرجلهم، ويقول لهم الله توبيخًا لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من الشرك والمعاصي.
العنكبوت 29:56
يا عبادي الذين آمنوا بي، هاجِرُوا من أرض لا تتمكنون فيها من عبادتي، إن أرضي واسعة فاعبدوني وحدي، ولا تشركوا بي أحدًا.
العنكبوت 29:57
ولا يمنعكم من الهجرة خوف الموت، كل نفس ذائقة الموت، ثم إلينا وحدنا ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.
العنكبوت 29:58
والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات التي تقرب إليه لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، لا يلحقهم فيها فناء، نِعْم جزاء العاملين بطاعة الله هذا الجزاء.
العنكبوت 29:59
نِعْم جزاء العاملين بطاعة الله الذين صبروا على طاعته وعن معصيته، وعلى ربهم وحده يعتمدون في جميع أمورهم.
العنكبوت 29:60
كل الدواب - على كثرتها - التي لا تستطيع جمع رزقها ولا حمله اللهُ يرزقها ويرزقكم، فلا عذر لكم في ترك الهجرة خوفًا من الجوع، وهو السميع لأقوالكم، العليم بنياتكم وأفعالكم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وسيجازيكم عليه.
العنكبوت 29:61
ولئن سألت - أيها الرسول - هؤلاء المشركين: من خلق السماوات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن سخر الشمس والقمر وهما يتعاقبان؟ لَيَقُولُنَّ: خلقهن الله، فكيف يُصْرَفون عن الإيمان بالله وحده، ويعبدون من دونه آلهة لا تنفع ولا تضرّ؟
العنكبوت 29:62
الله يوسع الرزق على من يشاء من عباده، ويضيقه على من يشاء؛ لحكمة يعلمها هو، إن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء، فلا يخفى عليه ما يصلح لعباده من تدبير.
العنكبوت 29:63
ولئن سألت - أيها الرسول - المشركين: من نزّل من السماء ماء فأنبت به الأرض بعد أن كانت قاحلة؟ ليقولنّ: أنزل المطر من السماء وأنبت به الأرض الله، قل - أيها الرسول -: الحمد لله الذي أظهر الحجة عليكم، بل الحاصل أن معظمهم لا يعقلون؛ إذ لو كانوا يعقلون لما أشركوا مع الله أصنامًا لا تنفع ولا تضرّ.
العنكبوت 29:64
وما هذه الحياة الدنيا - بما فيها من الشهوات والمتاع - إلا لَهْوٌ لقلوب المتعلقين بها ولعب، ما يلبث أن ينتهي بسرعة، وإن الدار الآخرة لهي الحياة الحقيقية لبقائها، لو كانوا يعلمون لَمَا قدّموا ما يفنى على ما يبقى.
العنكبوت 29:65
وإذا ركب المشركون في السفن في البحر دعوا الله وحده مخلصين له الدعاء أن ينجيهم من الغرق، فلما نجاهم من الغرق انقلبوا مشركين يدعون معه آلهتهم.
العنكبوت 29:66
انقلبوا مشركين ليكفروا بما أعطيناهم من النعم، وليتمتعوا بما أُعطُوا من زهرة الحياة الدنيا، فسوف يعلمون عاقبتهم السيئة عندما يموتون.
العنكبوت 29:67
أَوَلم ير هؤلاء الجاحدون لنعمة الله عليهم حين نجاهم الله من الغرق نعمة أخرى؛ هي أنا جعلنا لهم حرمًا يأمنون فيه على دمائهم وأموالهم، على حين أن غيرهم تُشَنّ عليهم الغارات، فيُقْتلون ويُؤْسرون وتُسْبى نساؤهم وذراريهم، وتُنْهب أموالهم، أفبالباطل من آلهتهم المزعومة يؤمنون، وبنعمة الله عليهم يكفرون، فلا يشكروها لله؟!
العنكبوت 29:68
لا أحد أظلم ممن اختلق على الله كذبًا بأن نسب إليه شريكًا، أو كذب بالحق الذي جاء به رسوله، لا شك أن في جهنم مسكنًا للكافرين ولأمثالهم.
العنكبوت 29:69
والذين جاهدوا أنفسهم ابتغاء مرضاتنا لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيم، وإن الله مع المحسنين بالعون والنصر والهداية.
الروم 30:1
(الم) سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
الروم 30:2
غَلَبَتْ فارسُ الرومَ.
الروم 30:3
في أقرب أرض الشام إلى بلاد فارس، والروم من بعد غلبة فارس لهم سيغلبونهم.
الروم 30:4
في زمن لا يقل عن ثلاث سنوات، ولا يزيد على عشر، لله الأمر كله قبل انتصار الروم وبعده، ويوم يغلب الروم فارس يفرح المؤمنون.
الروم 30:5
يفرحون بنصر الله للروم لأنهم أهل كتاب، ينصر الله من يشاء على من يشاء، وهو العزيز الذي لا يُغَالَب، الرحيم بعباده المؤمنين.
الروم 30:6
هذا النصر كان وعدًا من الله تعالى، لا يخلف الله وعده ذلك، وبتحققه يزداد المؤمنون يقينًا بوعد الله بالنصر، أما أكثر الناس فلا يفقهون هذا لكفرهم.
الروم 30:7
لا يعلمون الإيمان وأحكام الشرع، وإنما يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا يتعلق بكسب المعاش وبناء الحضارة المادية، وهم عن الآخرة التي هي دار الحياة الحقيقية معرضون، لا يلتفتون إليها.
الروم 30:8
أَوَلم يتفكر هؤلاء المشركون المكذبون في أنفسهم كيف خلقها الله وسواها. ما خلق الله السماوات وما خلق الأرض وما بينهما إلا بالحق، فلم يخلقهما عبثًا، وجعل لهما أجلًا محددًا لبقائهما في الدنيا، وإن كثيرًا من الناس بلقاء ربهم يوم القيامة لكافرون، لذلك فهم لا يستعدون للبعث بالعمل الصالح المرضي عند ربهم.
الروم 30:9
أَوَلم يسر هؤلاء في الأرض ليتأملوا كيف كانت نهاية الأمم المكذبة من قبلهم، كانت هذه الأمم أشد منهم قوة، وقلبوا الأرض للزراعة والتعمير، وعمروها أكثر مما عمرها هؤلاء، وجاءتهم رسلهم بالبراهين والحجج الواضحة على توحيد الله فكذبوا، فما ظلمهم الله حين أهلكهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم.
الروم 30:10
ثم كانت نهاية الذين ساءت أعمالهم بالشرك بالله وعمل السيئات، النهاية البالغة في السوء؛ لأنهم كذبوا بآيات الله، وكانوا يستهزئون بها، ويسخرون منها.
الروم 30:11
الله يبدأ الخلق على غير مثال سابق، ثم يفنيه، ثم يعيده، ثم إليه وحده ترجعون للحساب والجزاء يوم القيامة.
الروم 30:12
ويوم تقوم الساعة ييئَس المجرمون من رحمة الله، وينقطع أملهم فيه؛ لانقطاع حجتهم على الكفر بالله.
الروم 30:13
ولم يكن لهم من شركائهم - الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا - من يشفعون لإنقاذهم من العذاب، وكانوا بشركائهم كافرين، فقد خذلوهم حين كانوا بحاجة إليهم لأنهم كلهم سواء في الهلاك.
الروم 30:14
ويوم تقوم الساعة في ذلك اليوم يتفرق الناس في الجزاء حسب أعمالهم في الدنيا، بين مرفوع إلى عِلِّيين، ومخفوض إلى أسفل سافلين.
الروم 30:15
فأما الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات المرضية عنده، فهم في جنة يُسَرّون بما ينالون فيها من النعيم الدائم الذي لا ينقطع أبدًا.
الروم 30:16
وأما الذين كفروا بالله، وكذبوا بآياتنا المنزلة على رسولنا، وكذبوا بالبعث والحساب، فأولئك الذين أُحضروا للعذاب فهم ملازمون له.
الروم 30:17
فسبِّحوا الله حين تدخلون في وقت المساء؛ وهو وقت صلاتَيِ: المغرب والعشاء، وسبِّحوه حين تدخلون في وقت الصباح، وهو وقت صلاة الفجر.
الروم 30:18
وله وحده سبحانه الثناء؛ في السماوات يحمده ملائكته، وفي الأرض تحمده خلائقه، وسبِّحوه حين تدخلون في العشي وهو وقت صلاة العصر، وسبِّحوه حين تدخلون في وقت الظهر.
الروم 30:19
يُخْرِج الحي من الميت، مثل إخراجه الإنسان من النطفة، والفرخ من البيضة، ويُخْرِج الميت من الحي، مثل إخراجه النطفة من الإنسان، والبيضة من الدجاجة، ويحيي الأرض بعد جفافها بإنزال المطر وإنباتها، ومثل إحياء الأرض بإنباتها تخرجون من قبوركم للحساب والجزاء.
الروم 30:20
ومن آيات الله العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته: أن خلقكم - أيها الناس - من تراب حين خلق أباكم منه، ثم إذا أنتم بشر تتكاثرون بالتناسل، وتنتشرون في مشارق الأرض ومغاربها.
الروم 30:21
ومن آياته العظيمة كذلك الدالة على قدرته ووحدانيته أن خلق لأجلكم - أيها الرجال - من جنسكم أزواجًا لتطمئن أنفسكم إليهن للتجانس بينكم، وَصَيَّرَ بينكم وبَيْنَهُنَّ محبة وشفقة، إن في ذلك المذكور لبراهين ودلالات واضحة لقوم يتفكرون؛ لأنهم الذين يستفيدون من إعمال عقولهم.
الروم 30:22
ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته: خلق السماوات وخلق الأرض، ومنها اختلاف لغاتكم، واختلاف ألوانكم، إن في ذلك المذكور لبراهين ودلالات لأهل العلم والبصيرة.
الروم 30:23
ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته: نومكم بالليل، ومنامكم بالنهار لتستريحوا من عناء أعمالكم، ومن آياته أن جعل لكم النهار لتنتشروا فيه مبتغين الرزق من ربكم، إن في ذلك المذكور لبراهين ودلالات لقوم يسمعون سماع تدبر وسماع قبول.
الروم 30:24
ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته: أن يريكم البرق في السماء، ويجمع لكم فيه بين الخوف من الصواعق، والطمع في المطر، وينزل لكم من السماء ماء المطر، فيحيي الأرض بعد جفافها بما ينبت فيها من نبات، إن في ذلك لبراهين ودلالات واضحة لقوم يعقلون، فيستدلون بها على البعث بعد الموت للحساب والجزاء.
الروم 30:25
ومن آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته قيام السماء دون سقوط، والأرض دون انهدام؛ بأمره سبحانه، ثم إذا دعاكم سبحانه دعوة من الأرض بنفخ المَلَك في الصُّور إذا أنتم تخرجون من قبوركم للحساب والجزاء.
الروم 30:26
وله وحده من في السماوات، وله من في الأرض ملكًا وخلقًا وتقديرًا، كل من في السماوات وكل من في الأرض من مخلوقاته منقادون له مستسلمون لأمره.
الروم 30:27
وهو سبحانه الذي يبدأ الخلق على غير مثال سابق، ثم يعيده بعد إفنائه، والإعادة أيسر من الابتداء، وكلاهما سهل عليه لأنه إذا أراد شيئًا قال له: (كن) فيكون، وله عز وجل الوصف الأعلى في كل ما يوصف به من صفات الجلال والكمال، وهو العزيز الذي لا يُغَالَب، الحكيم في خلقه وتدبيره.
الروم 30:28
ضرب الله لكم - أيها المشركون- مثلًا مأخوذًا من أنفسكم: هل لكم من عبيدكم ومماليككم شريك يشارككم في أموالكم بالسوية، تخافون أن يقتسموا أموالكم معكم كما يخاف بعضكم من شريكه الحر أن يقسم معه المال؟ هل ترضون لأنفسكم من عبيدكم بهذا؟ لا شك أنكم لا ترضون بذلك، فالله أولى بألا يكون له شريك في ملكه من مخلوقاته وعبيده، بمثل ذلك من ضرب الأمثال وغيره نبين الحجج والبراهين بتنويعها لقوم يعقلون، لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك.
الروم 30:29
ليس سبب ضلالهم قصورًا في الأدلة، ولا عدم بيان لها، وإنما هو اتباع الهوى وتقليد آبائهم، جهلًا منهم لحق الله عليهم، فمن يوفِّق للهداية من أضله الله؟! لا أحد يوفِّقه، وما لهم من ناصرين يدفعون عنهم عذاب الله.
الروم 30:30
فتوجَّه - أيها الرسول - أنت ومن معك للدين الذي وجَّهك الله إليه؛ مائلًا عن جميع الأديان إليه، دين الإسلام الذي فطر الناس عليه، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ولكن معظم الناس لا يعلمون أن الدين الحق هو هذا الدين.
الروم 30:31
وارجعوا إليه سبحانه بالتوبة من ذنوبكم، واتقوه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأتموا الصلاة على أكمل وجه، ولا تكونوا من المشركين الذين يناقضون الفطرة فيشركون مع الله غيره في عبادتهم.
الروم 30:32
ولا تكونوا من المشركين الذين بدلوا دينهم، وآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، وكانوا فِرَقًا وأحزابًا، كل حزب منهم بما هم عليه من الباطل مسرورون، يرون أنهم وحدهم على الحق، وأن غيرهم على الباطل.
الروم 30:33
وإذا أصاب المشركين شدةٌ من مرض أو فقر أو قحط دعوا ربهم سبحانه وحده راجعين إليه بالتضرع والالتجاء أن يصرف عنهم ما أصابهم، ثم إذا رحمهم بكشف ما أصابهم، إذا جماعة منهم يرجعون إلى إشراكهم مع الله غيره في الدعاء.
الروم 30:34
إذا كفروا بنعم الله - ومنها نعمة كشف الضر - وتمتعوا بما بين أيديهم في هذه الحياة فسوف يرون يوم القيامة بأعينهم أنهم كانوا في ضلال واضح.
الروم 30:35
ما الذي دعاهم إلى الشرك بالله ولا حجة لهم؟! فما أنزلنا عليهم حجة من كتاب يحتجون بها على شركهم بالله، وليس معهم كتاب يتكلم بشركهم، ويقرر لهم صحة ما هم عليه من الكفر.
الروم 30:36
وإذا أذقنا الناس نعمة من نعمنا كالصحة والغنى فرحوا بها فرح بطر وتكبروا، وإن ينلهم ما يسوؤهم من مرض وفقر بما كسبته أيديهم من المعاصي، إذا هم يَيْئَسُون من رحمة الله، ويقنطون من زوال ما يسوؤهم.
الروم 30:37
أَوَلم يروا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده امتحانًا له أيشكر أم يكفر؟ ويضيّقه على من يشاء منهم ابتلاء له أيصبر أم يتسخط؟! إن في توسيع الرزق لبعض، وتضييقه على بعض، لدلالات للمؤمنين على لطف الله ورحمته.
الروم 30:38
فأعط - أيها المسلم - صاحب القرابة ما يستحقه من البر والصلة، وأعط المحتاج ما يدفع به حاجته، وأعط الغريب الذي انقطعت به السبيل عن بلده، ذلك الإعطاء في تلك الوجوه خير للذين يريدون به وجه الله، والذين يقدمون هذه المعونة والحقوق هم الفائزون بنيلهم ما يطلبونه من الجنة، وبسلامتهم مما يرهبونه من العذاب.
الروم 30:39
وما دفعتم من أموال إلى أحد من الناس بغية أن يردّها إليكم بزيادة فلا ينمو أجره عند الله، وما أعطيتم من أموالكم إلى من يدفع بها حاجة تريدون بذلك وجه الله، لا تريدون منزلة ولا مثوبة من الناس، فأولئك هم الذين يُضَاعَف لهم الأجر عند الله.
الروم 30:40
الله وحده هو الذي انفرد بخلقكم، ثم رِزْقِكم، ثم إماتتكم ثم إحيائكم للبعث، هل من أصنامكم التي تعبدونها من دونه من يفعل شيئًا من ذلك؟! تنزه سبحانه وتقدس عما يقول ويعتقد المشركون.
الروم 30:41
ظهر الفساد في البر والبحر، كالجدب وقلة الأمطار وكثرة الأمراض والأوبئة، بسبب ما عملوه من المعاصي، ظهر ذلك ليذيقهم الله جزاء بعض أعمالهم السيئة في الحياة الدنيا رجاء أن يرجعوا إليه بالتوبة.
الروم 30:42
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: سيروا في الأرض، فتأملوا كيف كانت نهاية الأمم المكذبة من قبلكم؟ فقد كانت عاقبة سيئة، كان معظمهم مشركين بالله، يعبدون معه غيره، فأهلكوا بسبب إشراكهم بالله.
الروم 30:43
فأقم - أيها الرسول - وجهك لدين الإسلام المستقيم الذي لا اعوجاج فيه من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي إذا جاء لا راد له، في ذلك اليوم يتفرق الناس: فريق في الجنة مُنَعَّمون، وفريق في النار معذبون.
الروم 30:44
من كفر بالله فضرر كفره -وهو الخلود في النار - عائد عليه، ومن عمل عملًا صالحًا يبتغي به وجه الله فلأنفسهم يُهَيِّئون دخول الجنة والتنعم بما فيها خالدين فيها أبدًا.
الروم 30:45
ليجزي الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات التي ترضي ربهم، من فضله وإحسانه، إنه سبحانه لا يحبّ الكافرين به وبرسله، بل يمقتهم أشدّ المقت، وسيعذبهم يوم القيامة.
الروم 30:46
ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته: أن يبعث الرياح تبشر العباد بقرب نزول المطر، وليذيقكم - أيها الناس - من رحمته بما يحصل بعد المطر من خَصْب ورخاء، ولتجري السفن في البحر بمشيئته، ولتطلبوا من فضله بالتجارة في البحر، ولعلكم تشكرون نعم الله عليكم فيزيدكم منها.
الروم 30:47
ولقد بعثنا من قبلك - أيها الرسول - رسلًا إلى أممهم، فجاؤوهم بالحجج والبراهين الدالة على صدقهم، فكذبوا بما جاءتهم به رسلهم، فانتقمنا من الذين ارتكبوا السيئات، فأهلكناهم بعذابنا، وأنجينا الرسل والمؤمنين بهم من الهلاك، وإنجاء المؤمنين ونصرهم حق أوجبناه علينا.
الروم 30:48
الله سبحانه هو الذي يسوق الرياح ويبعثها، فتثير تلك الرياح السحاب وتحركه، فيمدّه في السماء كيف يشاء من قلة أو كثرة، ويصيّره قطَعًا، فترى - أيها الناظر - المطر يخرج من بين ذلك السحاب، فإذا أصاب بالمطر من يشاء من عباده إذا هم به يسرّون برحمة الله لهم بإنزال المطر الذي يعقبه إنبات الأرض بما يحتاجونه لأنفسهم ولدوابّهم.
الروم 30:49
وقد كانوا من قبل أن ينزل عليهم الله المطر لآيسين من نزوله عليهم.
الروم 30:50
فانظر - أيها الرسول - إلى آثار المطر الذي ينزله الله رحمة لعباده، كيف يحيي الله الأرض بما ينبته عليها من أنواع النبات بعد جفافها ويبسها، إن الذي أحيا تلك الأرض الجافة لهو باعث الأموات أحياء، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
الروم 30:51
ولئن بعثنا على زروعهم ونباتهم ريحًا تفسده عليهم، فرأوا زروعهم مُصْفرّة الألوان بعد أن كانت مُخْضرّة لظلّوا بعد مشاهدتهم لها يكفرون بنعم الله السابقة على كثرتها.
الروم 30:52
فكما أنك لا تستطيع إسماع الموتى ولا تستطيع إسماع الصم، وقد ابتعدوا عنك ليتأكد عدم سماعهم، فكذلك لا تستطيع أن تهدي من أشبه هؤلاء بالإعراض وعدم الانتفاع.
الروم 30:53
وما أنت بموفِّق من ضلّ عن الطريق المستقيم إلى سلوك سبيل الرشاد، لا تُسْمِع سماعًا يُنْتَفع به إلا من يؤمن بآياتنا؛ لأنه هو الذي ينتفع بما تقوله، فهم منقادون لأمرنا، خاضعون له.
الروم 30:54
الله هو الذي خلقكم - أيها الناس- من ماء مَهِين، ثم جعل من بعد ضعف طفولتكم قوة الرجولة، ثم جعل من بعد قوة الرجولة ضعف الشيخوخة والهرم، يخلق الله ما يشاء من ضعف وقوة، وهو العليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء.
الروم 30:55
ويوم تقوم القيامة يحلف المجرمون ما مكثوا في قبورهم إلا ساعة، كما صُرِفوا عن معرفة قدر ما لبثوا في قبورهم كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق.
الروم 30:56
وقال الذين أعطاهم الله العلم من الأنبياء والملائكة: لقد مكثتم فيما كتبه الله في سابق علمه من يوم خلقكم إلى يوم بعثكم الذي أنكرتموه، فهذا يوم يُبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون أن البعث واقع، فكفرتم به.
الروم 30:57
فيوم يبعث الله الخلائق للحساب والجزاء لا ينفع الظالمين ما يختلقونه من أعذار، ولا يطلب منهم إرضاء الله بالتوبة والإنابة إليه؛ لفوات وقت ذلك.
الروم 30:58
ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن - عناية بهم - من كل مثل؛ ليتضح لهم الحق من الباطل، ولئن جئتهم - أيها الرسول - بحجة على صدقك ليقولنّ الذين كفروا بالله: ما أنتم إلا مبطلون فيما جئتم به.
الروم 30:59
مثل هذا الختم على قلوب هؤلاء الذين إذا جئتهم بآية لا يؤمنون بها، يختم الله على قلوب كل الذين لا يعلمون أن ما جئتهم به حق.
الروم 30:60
فاصبر - أيها الرسول - على تكذيب قومك لك، إن وعد الله لك بالنصر والتمكين ثابت لا مرية فيه، ولا يدفعك الذين لا يوقنون بأنهم مبعوثون، إلى الاستعجال وترك الصبر.
لقمان 31:1
(الم) سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
لقمان 31:2
هذه الآيات المنزلة عليك - أيها الرسول - آيات الكتاب الذي ينطق بالحكمة.
لقمان 31:3
وهو هداية ورحمة للذين يحسنون العمل، بقيامهم بحقوق ربهم وحقوق عباده.
لقمان 31:4
الذين يؤدون الصلاة على أكمل وجه، ويعطون زكاة أموالهم، وهم موقنون بما في الآخرة من بعث وحساب وثواب وعقاب.
لقمان 31:5
أولئك المتصفون بتلك الصفات على هدى من ربهم، وأولئك هم الفائزون بنيل ما يطلبونه، والبعد عما يرهبونه.
لقمان 31:6
ومن الناس - مثل النضر بن الحارث- من يختار الأحاديث المُلْهِية ليصرف الناس إليها عن دين الله بغير علم، ويتخذ آيات الله هزؤًا يسخر منها، أولئك الموصوفون بتلك الصفات لهم عذاب مُذِلٌّ في الآخرة.
لقمان 31:7
وإذا تُقْرأ عليه آياتنا أدبر مستكبرًا عن سماعها كأنه لم يسمعها، كأن في أذنيه صَمَمًا عن سماع الأصوات، فبشّره - أيها الرسول - بعذاب موجع ينتظره.
لقمان 31:8
إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، لهم جنات النعيم، يتنعمون فيما أعدّ الله لهم فيها.
لقمان 31:9
ماكثين فيها، وعدهم الله بذلك وعدًا حقًّا لا شك فيه، وهو سبحانه العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره وشرعه.
لقمان 31:10
خلق الله سبحانه وتعالى السماوات مرفوعة بغير أَعْمِدَة، ونصب في الأرض جبالًا ثوابت حتى لا تضطرب بكم، وبثّ فوق الأرض أنواع الحيوان، وأنزلنا من السماء ماء المطر، فأنبتنا في الأرض من كل صنف بَهِيج المنظر ينتفع به الناس والدواب.
لقمان 31:11
هذا المذكور خلق الله، فأروني - أيها المشركون - ماذا خلق الذين تعبدونهم من دون الله؟! بل الظالمون في ضلال واضح عن الحق، حيث يشركون مع ربهم من لا يخلق شيئًا وهم يُخْلقون.
لقمان 31:12
ولقد أعطينا لقمان الفقه في الدين والإصابة في الأمور، وقلنا له: اشكر - يا لقمان - لربك ما أنعم به عليك من التوفيق لطاعته، ومن يشكر ربه فإنما نفع شكره عائد إلى نفسه، فالله غني عن شكره، ومن جَحَدَ نعمة الله عليه فكفر به سبحانه فإنما ضرر كفره عليه ولا يضر الله شيئًا فهو غني عن خلقه جميعًا، محمود على كل حال.
لقمان 31:13
واذكر - أيها الرسول - إذ قال لقمان لابنه وهو يرغِّبه في الخير، ويحذره من الشر: يا بنيّ، لا تعبد مع الله غيره، إن عبادة معبود مع الله ظلم عظيم للنفس بارتكاب أعظم ذنب يؤدي إلى خلودها في النار.
لقمان 31:14
ووصّينا الإنسان بطاعة أبويه وبرهما فيما لا معصية فيه لله، حملته أمه في بطنها ملاقية مشقة بعد مشقة، وقَطْعُه عن الرضاعة في عامين، وقلنا له: اشكر لله ما أنعم به عليك من نِعَم، ثم اشكر لوالديك ما قاما به من تربيتك ورعايتك، إليّ وحدي المرجع فأجازي كلًّا بما يستحقه.
لقمان 31:15
وإن بذل الوالدان جهدًا ليَحْمِلاك على أن تشرك بالله غيره تحكُّمًا منهما، فلا تطعهما في ذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وصاحبهما في الدنيا بالبر والصلة والإحسان، واتبع طريق من أناب إليّ بالتوحيد والطاعة، ثم إليّ وحدي يوم القيامة مرجعكم جميعًا، فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من عمل، وأجازيكم عليه.
لقمان 31:16
يا بنيّ، إن السيئة أو الحسنة مهما كانت صغيرة مثل وزن حبة من خَرْدَل وكانت في بطن صخرة لا يطّلع عليها أحد، أو كانت في أي مكان في السماوات أو في الأرض - فإن الله يأتي بها يوم القيامة، فيجازي العبد عليها، إن الله لطيف لا تخفى عليه دقائق الأشياء، خبير بحقائقها وموضعها.
لقمان 31:17
يا بنيّ، أقم الصلاة بأدائها على أكمل وجه، وأْمُر بالمعروف، وانْه عن المنكر، واصبر على ما نالك من مكروه في ذلك، إن ما أُمرت به من ذلك مما عزم الله به عليك أن تفعله، فلا خِيرة لك فيه.
لقمان 31:18
ولا تُعْرِض بوجهك عن الناس تكبرًا، ولا تمش فوق الأرض فرحًا معجبًا بنفسك، إن الله لا يحبّ كل مُخْتال في مشيته، فخور بما أوتي من نعم يتكبر بها على الناس ولا يشكر الله عليها.
لقمان 31:19
وتوسّط في مشيك بين الإسراع والدَّبِيب مشيًا يظهر الوقار، واخفض من صوتك، لا ترفعه رفعًا يؤذي، إن أقبح الأصوات لصوت الحمير لارتفاع أصواتها.
لقمان 31:20
ألم تروا وتشاهدوا - أيها الناس- أن الله يَسَّرَ لكم الانتفاع بما في السماوات؛ من شمس وقمر وكواكب، ويَسَّرَ لكم أيضًا ما في الأرض من دواب وشجر ونبات، وأكمل عليكم نعمه ظاهرة للعيان؛ كجمال الصورة وحسن الهيئة، وباطنة خفية كالعقل والعلم، ومع وجود هذه النعم فمن الناس من يجادل في توحيد الله بغير علم مستند إلى وحي من الله، أو عقل مستنير، ولا كتاب واضح منزل من الله.
لقمان 31:21
وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الوحي، قالوا: لا نتبعه، بل نتبع ما وجدنا عليه أسلافنا من عبادة آلهتنا، أيتبعون أسلافهم ولو كان الشيطان يدعوهم - بما يضلهم به من عبادة الأوثان - إلى عذاب السعير يوم القيامة؟!
لقمان 31:22
ومن يُقْبِل على الله مخلصًا له عبادته ومحسنًا في عمله، فقد أمسك بأوثق ما يتعلق به من يرجو النجاة حيث لا يخاف انقطاع ما أمسك به، وإلى الله وحده مصير الأمور، ومرجعها، فيجازي كلًّا بما يستحق.
لقمان 31:23
ومن كفر بالله فلا يحزنك - أيها الرسول - كفره، إلينا وحدنا مرجعهم يوم القيامة، فنخبرهم بما عملوا من سيئات في الدنيا، ونجازيهم عليها، إن الله عليم بما في الصدور، لا يخفى عليه شيء مما فيها.
لقمان 31:24
نمتعهم بما نعطيهم من الملذات في الدنيا زمنًا قليلًا، ثم نلجئهم يوم القيامة إلى عذاب شديد هو عذاب النار.
لقمان 31:25
ولئن سألت - أيها الرسول - هؤلاء المشركين: مَنْ خلق السماوات، ومن خلق الأرض؟ ليقولن: خلقهنّ الله، قل لهم: الحمد لله الذي أظهر الحجة عليكم، بل معظمهم لا يعلمون من يستحقّ الحمد لجهلهم.
لقمان 31:26
لله وحده ما في السماوات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتدبيرًا، إن الله هو الغني عن جميع مخلوقاته، المحمود في الدنيا والآخرة.
لقمان 31:27
ولو أن ما في الأرض من شجر قُطِع وبُرِي أقلامًا، وجُعِل البحر حبرًا لها ولو مده سبعة أبحر، ما فنيت كلمات الله لعدم تناهيها، إن الله عزيز لا يغالبه أحد، حكيم في خلقه وتدبيره.
لقمان 31:28
ما خَلْقكم - أيها الناس - ولا بَعْثكم يوم القيامة للحساب والجزاء، إلا كخلق نفس واحدة وبعثها في السهولة، إن الله سميع لا يشغله سماع صوت عن سماع صوت آخر، بصير لا يشغله إبصار شيء عن إبصار شيء آخر، وهكذا لا يشغله خلق نفس أو بعثها عن خلق أخرى وبعثها.
لقمان 31:29
ألم تر أن الله ينقص من الليل ليزيد النهار، وينقص من النهار ليزيد الليل، وقدّر مسار الشمس والقمر؛ إِذْ يجريان كل في مداره إلى أَمَدٍ مُحَدَّد، وأن الله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
لقمان 31:30
ذلك التدبير والتقدير يشهدان بأن الله وحده هو الحق، فهو حق في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ما يعبده المشركون من دونه هو الباطل الذي لا أساس له، وأن الله هو العلي بذَاتِه وقَهْرِه وقَدْرِه على جميع مخلوقاته، الذي لا أعلى منه، الذي هو أكبر من كل شيء.
لقمان 31:31
ألم تر أن السفن تجري في البحر بلطفه وتسخيره؛ ليريكم - أيها الناس- من آياته الدالة على قدرته سبحانه ولطفه، إن في ذلك لدلالات على قدرته لكل صَبَّار على ما يصيبه من ضراء، شكور لما يناله من نعماء.
لقمان 31:32
وإذا أحاط بهم من كل جانب موج مثل الجبال والغمام، دعوا الله وحده مخلصين له الدعاء والعبادة، فلما استجاب الله لهم، وأنقذهم إلى البر، وسلمهم من الغرق، فمنهم مقتصد لم يقم بما وجب عليه من الشكر على وجه الكمال، ومنهم جاحد لنعمة الله، وما يجحد بآياتنا إلا كل غَدَّار - مثل هذا الذي عاهد الله لئن أنجاه ليكونن من الشاكرين له - كفور بنعم الله لا يشكر ربه الذي أنعم بها عليه.
لقمان 31:33
يا أيها الناس، اتقوا ربكم؛ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وخافوا عذاب يوم لا يغني فيه والد عن ولده، ولا يغني مولود عن والده شيئًا، إن وعد الله بالجزاء يوم القيامة ثابت وواقع لا محالة، فلا تخدعنّكم الحياة الدنيا بما فيها من شهوات وملهيات، ولا يخدعنكم الشيطان بحلم الله عليكم وتأخيره العذاب عنكم.
لقمان 31:34
إن الله عنده وحده علم الساعة؛ فيعلم متى تقع، وينزل المطر متى شاء، ويعلم ما في الأرحام أذكر هو أم أنثى؟! شقي أم سعيد؟! وما تعلم نفس ما تكسب غدًا من خير أو شر، وما تعلم نفس بأي أرض تموت، بل الله هو الذي يعلم ذلك كله، إن الله عليم خبير بكل ذلك، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
السجدة 32:1
(الم) تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
السجدة 32:2
هذا القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلممنزل عليه من رب العالمين لا شك في ذلك.
السجدة 32:3
إن هؤلاء الكافرين يقولون: إن محمدًا اختلقه على ربه، ليس الأمر كما قالوا، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، المنزل من ربك - أيها الرسول - عليك لتخوّف قومًا ما جاءهم رسول من قبلك يخوفهم من عذاب الله، لعلهم يهتدون إلى الحق فيتبعوه ويعملوا به.
السجدة 32:4
الله هو الذي خلق السماوات، وخلق الأرض، وخلق ما بينهما في ستة أيام، وهو قادر على خلقها في أقل من طرفة عين، ثم علا وارتفع على العرش علوًّا يليق بجلاله، ما لكم - أيها الناس- من دونه من ولي يتولى أمركم، أو شفيع يشفع لكم عند ربكم، أفلا تتفكرون، وتعبدون الله الذي خلقكم ولا تعبدون معه غيره؟!
السجدة 32:5
يدبر الله سبحانه وتعالى أمر جميع المخلوقات في السماوات وفي الأرض، ثم يصعد إليه ذلك الأمر في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون أنتم - أيها الناس - في الدنيا.
السجدة 32:6
ذلك الذي يدبر ذلك كله هو عالم ما غاب وما حضر، لا يخفى عليه منهما شيء، العزيز الذي لا يغالبه أحد الذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بعباده المؤمنين.
السجدة 32:7
الذي أتقن كل شيء خلقه، وبدأ خلق آدم من طين على غير مثال سابق.
السجدة 32:8
ثم جعل ذريته من بعده من الماء الذي انسلَّ فخرج منه (المني).
السجدة 32:9
ثم أتم خلق الإنسان سويًّا، ونفخ فيه من روحه بأمر المَلَك الموكل بنفخ الروح، وجعل لكم - أيها الناس - الأسماع لتسمعوا بها، والأبصار لتبصروا بها، والأفئدة لتعقلوا بها، قليلًا ما تشكرون هذه النعم لله التي أنعم بها عليكم.
السجدة 32:10
وقال المشركون المكذبون بالبعث: إذا متنا وغبنا في الأرض، وصارت أجسامنا ترابًا، فهل نُبْعث أحياء من جديد؟! لا يعقل ذلك، بل هم في واقع أمرهم كافرون بالبعث لا يؤمنون به.
السجدة 32:11
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين المكذبين بالبعث: يتوفاكم ملك الموت الذي فوَّضه الله بقبض أرواحكم، ثم إلينا وحدنا يوم القيامة ترجعون للحساب والجزاء.
السجدة 32:12
سوف يظهر المجرمون يوم القيامة وهم أذلاء يخفضون رؤوسهم بسبب كفرهم بالبعث، يشعرون بالخزي ويقولون: ربنا أَبْصَرنا ما كنا نكذب به من البعث، وسمعنا مصداق ما جاءت به الرسل من عندك، فارجعنا إلى الحياة الدنيا نعمل عملًا صالحًا يرضيك عنا، إنا موقنون الآن بالبعث وبصدق ما جاءت به الرسل، لو رأيت المجرمين على تلك الحال رأيت أمرًا عظيمًا.
السجدة 32:13
ولو شئنا إعطاء كل نفس رشدها وتوفيقها لحملناها على هذا، ولكن وجب القول مني حكمة وعدلًا: لأملأنّ جهنم يوم القيامة من أهل الكفر من الثقلين: الجن والإنس؛ لاختيارهم طريق الكفر والضلال على طريق الإيمان والاستقامة.
السجدة 32:14
ويقال لهم يوم القيامة تَبْكِيتًا لهم وتوبيخًا: ذوقوا العذاب بسبب غفلتكم في الحياة الدنيا عن لقاء الله يوم القيامة لحسابكم، إنا تركناكم في العذاب غير مبالين بما تقاسونه منه، وذوقوا عذاب النار الدائم الذي لا ينقطع بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من المعاصي.
السجدة 32:15
إنما يؤمن بآياتنا المنزلة على رسولنا الذين إذا وعظوا بها سجدوا لله مسبحين بحمده، وهم لا يستكبرون عن عبادة الله ولا عن السجود له بأي حال.
السجدة 32:16
تتباعد جنوبهم عن فُرُشِهم التي كانوا عليها في نومهم يتركونها ويتوجهون إلى الله، يدعونه في صلاتهم وغيرها خوفًا من عذابه، وطمعًا في رحمته، ويبذلون الأموال التي أعطيناهم إياها في سبيل الله.
السجدة 32:17
فلا تعلم أي نفس ما أعدّه الله لهم مما تقرّ به أعينهم، جزاءً منه لهم على ما كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحات، فهو جزاء لا يحيط به إلا اللهُ لعِظَمه.
السجدة 32:18
من كان مؤمنًا بالله عاملًا بأوامره مجتنبًا لنواهيه، ليس كمن كان خارجًا عن طاعته؛ لا يستوي الفريقان عند الله في الجزاء.
السجدة 32:19
أما الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، فجزاؤهم المعدّ لهم جنات يستقرون فيها كرامة من الله لهم، جزاءً على ما كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحات.
السجدة 32:20
وأما الذين خرجوا عن طاعة الله بالكفر وارتكاب المعاصي، فمستقرّهم الذي أُعِدَّ لهم يوم القيامة النار، ماكثين فيها أبدًا، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، وقيل لهم تَبْكِيتًا لهم: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم تكذبون به في الدنيا عندما كانت رسلكم تخوّفكم منه.
السجدة 32:21
ولنذيقنّ هؤلاء المكذبين الخارجين عن طاعة ربهم من المحن والبلاء في الدنيا، قبل العذاب الأكبر المعدّ لهم في الآخرة إن لم يتوبوا؛ لعلهم يعودون إلى طاعة ربهم.
السجدة 32:22
ولا أحد أظلم ممن وُعِظ بآيات الله فلم يتعظ بها، وأعرض عنها غير مُبالٍ بها، إنَّا من المجرمين - بارتكاب الكفر والمعاصي الذين يعرضون عن آيات الله - منتقمون لا محالة.
السجدة 32:23
ولقد أعطينا موسى التوراة، فلا تكن - أيها الرسول - في شك من لقائك موسى ليلة الإسراء والمعراج، وجعلنا الكتاب المنزل على موسى هاديًا لبني إسرائيل من الضلال.
السجدة 32:24
وجعلنا من بني إسرائيل أئمة يقتدي بهم الناس في الحق، يرشدون إلى الحق، بإذننا لهم بذلك، وتقويتنا إياهم عليه، لما صبروا على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وعلى الأذى في سبيل الدعوة، وكانوا بآيات الله المنزلة على رسولهم يصدقون بها تصديقًا جازمًا.
السجدة 32:25
إن ربك - أيها الرسول - هو الذي يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا، فيبيّن المحق والمبطل، ويجازي كلًّا بما يستحقه.
السجدة 32:26
أَعَمِي هؤلاء فلم يتبين لهم كم أهلكنا قبلهم من الأمم السالفة؟! فهاهم يمشون في مساكنهم التي كانوا يسكنونها قبل إهلاكهم، فلم يَتَّعِظُوا بحالهم، إن فيما حدث لتلك الأمم من الإهلاك بسبب كفرهم ومعاصيهم لعِبَرًا يُسْتَدلّ بها على صدق رسلهم الذين جاؤوهم من عند الله، أفلا يسمع هؤلاء المكذبون بآيات الله سماع قبول واتعاظ؟!
السجدة 32:27
أَوَلم ير هؤلاء المكذبون بالبعث أنا نرسل ماء المطر إلى الأرض القاحلة التي لا نبات فيها، فنخرج بذلك الماء زرعًا تأكل منه إبلهم وبقرهم وغنمهم، ويأكلون هم منه؟! أفلا يبصرون ذلك، ويدركون أن من أنبت الأرض القاحلة قادر على إحياء الموتى؟!
السجدة 32:28
ويقول المكذبون بالبعث مستعجلين العذاب: متى هذا الحكم الذي تزعمون أنه سيفصل بيننا وبينكم يوم القيامة، فيكون مصيرنا النار ومصيركم الجنة؟!
السجدة 32:29
قل لهم - أيها الرسول -: هذا الوعد هو يوم القيامة، إنه يوم الفصل بين العباد حين لا ينفع الذين كفروا بالله في الدنيا تصديقهم بعد معاينة يوم القيامة، ولا هم يُؤَخَّرون حتى يتوبوا إلى ربهم وينيبوا إليه.
السجدة 32:30
فأعرِضْ - أيها الرسول - عن هؤلاء بعد تماديهم في ضلالهم، وانتظر ما يحلّ بهم، إنهم ينتظرون ما تعدهم من العذاب.
الأحزاب 33:1
يا أيها النبي، اثبُتْ ومن معك على تقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وخَفْه وحده، ولا تطع الكافرين والمنافقين فيما تهوى نفوسهم، إن الله كان عليمًا بما يكيده الكفار والمنافقون، حكيمًا في خلقه وتدبيره.
الأحزاب 33:2
واتّبع ما ينزله عليك ربك من الوحي، إن الله كان بما تعملون خبيرًا، لا يفوته من ذلك شيء، وسيجازيكم على أعمالكم.
الأحزاب 33:3
واعتمد على الله وحده في أمورك كلها، وكفى به سبحانه حافظًا لمن توكل عليه من عباده.
الأحزاب 33:4
لم يجعل الله قلبين في صدر رجل واحد، وكذلك لم يجعل الزوجات بمنزلة الأمهات في التحريم، ولم يجعل كذلك الأبناء بالتبنِّي بمنزلة الأبناء من الصُّلْب، فإن الظِّهار - وهو تحريم الرجل زوجته عليه كأمِّه وأخته - وكذلك التبنِّي: من العادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام، ذلك الظهار والتبنِّي، قول ترددونه بأفواهكم، ولا حقيقة له، فليست الزوجة أمًّا، ولا الدَّعِيُّ ابنًا لمن ادعاه، والله سبحانه يقول الحق ليعمل به عباده، وهو يرشد إلى طريق الحق.
الأحزاب 33:5
انسبوا من تزعمون أنهم أبناؤكم إلى آبائهم الحقيقيين، فنسبتهم إليهم هو العدل عند الله، فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم فهم إخوانكم في الدين ومحرَّرُوكم من الرق، فنادُوا أحدهم بيا أخي ويا ابن عمي، ولا إثم عليكم إذا أخطأ أحدكم فنسب دعيًّا إلى مدّعيه، ولكن تأثمون عند تعمد النطق بذلك، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده، رحيمًا بهم حيث لم يؤاخذهم بالخطأ.
الأحزاب 33:6
النبي محمد صلى الله عليه وسلم أحقّ بالمؤمنين من أنفسهم في كل ما دعاهم إليه، ولو كانت أنفسهم تميل إلى غيره، وزوجاته صلى الله عليه وسلم بمنزلة أمهات لجميع المؤمنين، فيحرم على أي مؤمن أن يتزوج إحداهنّ بعد موته صلى الله عليه وسلم، وذوو القرابة بعضهم أحق ببعض في الإرث في حكم الله من أهل الإيمان والهجرة في سبيل الله، الذين كانوا يتوارثون فيما بينهم في صدر الإسلام، ثم نُسِخ توارثهم بعد ذلك، إلا أن تفعلوا - أيها المؤمنون - إلى أوليائكم من غير الورثة معروفًا من إيصاء لهم وإحسان إليهم فلكم ذلك، كان ذلك الحكم في اللوح المحفوظ مسطورًا فيجب العمل به.
الأحزاب 33:7
واذكر - أيها الرسول - إذ أخذنا من الأنبياء عهدًا مؤكدًا أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وأن يُبَلِّغوا ما أنزل إليهم من الوحي، وأخذناه على وجه الخصوص منك، ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم؛ وأخذنا منهم عهدًا مؤكدًا على الوفاء بما ائتُمِنوا عليه من تبليغ رسالات الله.
الأحزاب 33:8
أخذ الله هذا العهد المؤكد من الأنبياء ليسأل الصادقين من الرسل عن صدقهم تَبْكِيتًا للكافرين، وأعدّ الله للكافرين به وبرسله يوم القيامة عذابًا موجعًا هو نار جهنم.
الأحزاب 33:9
يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرع، اذكروا نعمة الله عليكم، حين جاءت المدينةَ جنودُ الكفار متحزبين على قتالكم، وساندهم المنافقون واليهود، فبعثنا عليهم ريحًا هي ريح الصَّبا التي نُصِر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثنا جنودًا من الملائكة لم تروها، فولى الكفار هاربين لا يقدرون على شيء، وكان الله بما تعملون بصيرًا لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على أعمالكم.
الأحزاب 33:10
وذلك حين جاءكم الكفار من أعلى الوادي ومن أسفله من جهتي المشرق والمغرب، حينها مالت الأبصار عن كل شيء إلا عن نظر عدوّها، ووصلت القلوب إلى الحناجر من شدة الخوف، وتظنون بالله الظنون المختلفة؛ فتارة تظنون النصر، وتارة تظنون اليأس منه.
الأحزاب 33:11
في ذلك الموقف في غزوة الخندق اختُبِر المؤمنون بما لاقوه من تكالب أعدائهم عليهم، واضطربوا اضطرابًا شديدًا من شدة الخوف، وتبين بهذا الاختبار المؤمن والمنافق.
الأحزاب 33:12
يومئذٍ قال المنافقون وضعاف الإيمان الذين في قلوبهم شك: ما وعدنا الله ورسوله من النصر على عدوّنا والتمكين لنا في الأرض إلا باطلًا لا أساس له.
الأحزاب 33:13
واذكر - أيها الرسول - حين قال فريق من المنافقين لأهل المدينة: يا أهل يثرب (اسم المدينة قبل الإسلام)، لا إقامة لكم عند سفح سَلْع قرب الخندق فارجعوا إلى منازلكم، ويطلب فريق منهم الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصرفوا إلى بيوتهم بدعوى أن بيوتهم مكشوفة للعدوّ، وليست بمكشوفة كما زعموا، وإنما يريدون بهذا الاعتذار الكاذب الفرار من العدوّ.
الأحزاب 33:14
ولو دخل العدوّ عليهم المدينة من جميع نواحيها، وسألهم العودة إلى الكفر والشرك بالله لأعطوا عدوّهم ذلك، وما احتبسوا عن الردة والنكوص إلى الكفر إلا قليلًا.
الأحزاب 33:15
ولقد كان هؤلاء المنافقون عاهدوا الله بعد فرارهم يوم أُحد من القتال؛ لئن أشهدهم الله قتالًا آخر ليقاتلنّ عدوَّهم، ولا يفرُّوا خوفًا منهم، ولكنهم نكثوا، وكان العبد مسؤولًا عما عاهد الله عليه، وسوف يُحاسب عليه.
الأحزاب 33:16
قل - أيها الرسول - لهؤلاء: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من القتال خوفًا من الموت أو من القتل؛ لأن الآجال مقدرة، وإذا فررتم ولم يَحِنْ أجلكم فإنكم لا تستمتعون في الحياة إلا زمنًا قليلًا.
الأحزاب 33:17
قل لهم - أيها الرسول -: من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم ما تكرهونه من الموت أو القتل، أو أراد بكم ما ترجونه من السلامة والخير، لا أحد يمنعكم من ذلك، ولا يجد هؤلاء المنافقون لهم من دون الله وليًّا يتولى أمرهم، ولا نصيرًا يمنعهم من عقاب الله لهم.
الأحزاب 33:18
إن الله يعلم المُثَبِّطين منكم لغيرهم عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقائلين لإخوانهم: تعالوا إلينا ولا تقاتلوا معه حتى لا تُقْتَلوا، فإنا نخاف عليكم القتل، وهؤلاء المُخَذِّلون لا يأتون الحرب ولا يشاركون فيها إلا نادرًا؛ ليدفعوا عن أنفسهم العار، لا لينصروا الله ورسوله.
الأحزاب 33:19
بُخلاء عليكم - معشر المؤمنين - بأموالهم فلا يعينونكم ببذلها، وبخلاء بأنفسهم فلا يقاتلون معكم، وبخلاء بمودتهم فلا يوادُّونكم، فإذا جاء الخوف عند ملاقاة العدوّ رأيتهم ينظرون إليك - أيها الرسول - تدور أعينهم من الجبن مثل دوران عيني من يعاني سكرات الموت، فإذا ذهب عنهم الخوف واطمأنوا آذوكم بالكلام بألسنة سليطة، أَشِحَّة على الغنائم يبحثون عنها، أولئك المتصفون بهذه الصفات لم يؤمنوا حقًّا، فأبطل الله ثواب أعمالهم، وكان ذلك الإبطال يسيرًا على الله.
الأحزاب 33:20
يظنّ هؤلاء الجبناء أن الأحزاب المُتَأَلِّبة لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتال المؤمنين لن يذهبوا حتى يستأصلوا المؤمنين، وإن قدّر أن جاء الأحزاب مرة أخرى يودّ هؤلاء المنافقون أنهم خارجون من المدينة مع الأعراب، يسألون عن أخباركم: ماذا حدث لكم بعد قتال عدوّكم لكم؟ ولو كانوا فيكم - أيها المؤمنون - ما قاتلوا معكم إلا قليلًا، فلا تبالوا بهم، ولا تأسوا عليهم.
الأحزاب 33:21
لقد كان لكم فيما قاله رسول الله وقام به وفعله، قدوة حسنة، فقد حضر بنفسه الكريمة، وباشر الحرب، فكيف تبخلون بعد ذلك بأنفسكم عن نفسه؟ ولا يتأسَّى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من كان يرجو ثواب الله ورحمته، ويرجو اليوم الآخر، ويعمل له، وذكر الله ذكرًا كثيرًا، وأما الذي لا يرجو اليوم الآخر ولا يذكر الله كثيرًا فإنه لا يتأسَّى برسوله صلى الله عليه وسلم.
الأحزاب 33:22
ولما عاين المؤمنون الأحزاب المجتمعة لقتالهم قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والمحن والنصر، وصدق الله ورسوله في هذا، فقد تحقق، وما زادتهم معاينتهم للأحزاب إلا إيمانًا بالله وانقيادًا له.
الأحزاب 33:23
من المؤمنين رجال صدقوا الله، فوفوا بما عاهدوه عليه من الثبات والصبر على الجهاد في سبيل الله، فمنهم من مات أو قتل في سبيل الله، ومنهم من ينتظر الشهادة في سبيله، وما غيّر هؤلاء المؤمنون ما عاهدوا الله عليه مثل ما فعله المنافقون بعهودهم.
الأحزاب 33:24
ليجزي الله الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا الله عليه بصدقهم ووفائهم بعهودهم، ويعذب المنافقين الناقضين لعهودهم إن شاء، بأن يميتهم قبل التوبة من كفرهم، أو يتوب عليهم بأن يوفقهم للتوبة، وكان الله غفورًا لمن تاب من ذنوبه، رحيمًا به.
الأحزاب 33:25
وردّ الله قريشًا وغطفان والذين معهم بكربهم وغمّهم لفوتهم ما أملوا، لم يظفروا بما أرادوا من استئصال المؤمنين، وكفى الله المؤمنين القتال معهم؛ بما أرسله من الريح وأنزله من الملائكة، وكان الله قويًّا عزيزًا لا يغالبه أحد إلا غلبه وخذله.
الأحزاب 33:26
وأنزل الله الذين أعانوهم من اليهود من حصونهم التي كانوا يتحصنون فيها من عدوهم، وألقى الخوف في نفوسهم، فريقًا تقتلونهم - أيها المؤمنون - وفريقًا تأسرونهم.
الأحزاب 33:27
وملَّكَكم الله بعد هلاكهم أرضهم بما فيها من زروع ونخيل، وملَّكَكم منازلهم وأموالهم الأخرى، وملَّكَكم أرض خَيْبر التي لم تطؤوها بعد، لكنكم ستطؤونها، وهذا وعد وبشرى للمؤمنين، وكان الله على كل شيء قديرًا، لا يعجزه شيء.
الأحزاب 33:28
يا أيها النبي، قل لأزواجك حين طلبن منك التوسعة في النفقة ولم يكن عندك ما توسع به عليهن: إن كنتنّ تُرِدْن الحياة الدنيا وما فيها من زينة، فتعالين إليّ أمتعكنّ بما تُمَتَّع به المطلقات، وأُطَلِّقكن طلاقًا لا إضرار فيه ولا إيذاء.
الأحزاب 33:29
وإن كنتنّ تردن رضا الله ورضا رسوله، وتردن الجنة في الدار الآخرة، فاصبرن على حالكنّ، فإن الله أعدّ لمن أحسنَ منكنّ بالصبر وحسن العشرة أجرًا عظيمًا.
الأحزاب 33:30
يا نساء النبي، من يأت منكنّ بمعصية ظاهرة يُضَاعَف لها العذاب يوم القيامة ضعفين لمكانتها ومنزلتها، ولصيانة جناب النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت تلك المضاعفة على الله سهلة.
الأحزاب 33:31
ومن تدُم على طاعة الله ورسوله منكنّ، وتعمل عملًا صالحًا مرضيًّا عند الله - نعطها من الثواب ضعف غيرها من سائر النساء، وأعددنا لها في الآخرة أجرًا كريمًا وهو الجنة.
الأحزاب 33:32
يا نساء النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لستنّ في الفضل والشرف مثل سائر النساء، بل أنتنّ في الفضل والشرف بالمنزلة التي لا يصل إليها غيركنّ إن امتثلتُنَّ أوامر الله واجتنبتُنَّ نواهيه، فلا تُلَيِّنَّ القول وتُرَقِّقْن الصوت إذا تكلمتُنّ مع الأجانب من الرجال، فيطمع بسبب ذلك من في قلبه مرض النفاق وشهوة الحرام، وقلن قولًا بعيدًا من الريبة بأن يكون جِدًّا لا هزلًا بقدر الحاجة.
الأحزاب 33:33
واثبتن في بيوتكنّ، فلا تخرجن منها لغير حاجة، ولا تُظْهِرن محاسنكنّ صنيع من كنّ قبل الإسلام من النساء حيث كنّ يبدين ذلك استمالة للرجال، وأدِّين الصلاة على أكمل وجه، وأعطين زكاة أموالكنّ، وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله سبحانه أن يذهب عنكم الأذى والسوء، يا أزواج رسول الله ويا أهل بيته، ويريد أن يطهّر نفوسكم؛ بتحليتها بفضائل الأخلاق، وتخليتها عن رذائلها تطهيرًا كاملًا، لا يبقى بعده دَنَس.
الأحزاب 33:34
واذكرن ما يُقْرأ في بيوتكنّ من آيات الله المنزلة على رسوله، ومن سُنَّة رسوله المطهرة، إن الله كان لطيفًا بكنّ حين امتنّ عليكنّ بأن جعلكنّ في بيوت نبيِّه، خبيرًا بكنّ حين اصطفاكنّ أزواجًا لرسوله، واختاركنّ أمهات لجميع المؤمنين من أمته.
الأحزاب 33:35
إن المتذللين لله بالطاعة والمتذللات، والمصدقين بالله والمصدقات، والمطيعين والمطيعات لله، والصادقين والصادقات في إيمانهم وقولهم، والصابرين والصابرات على الطاعات وعن المعاصي وعلى البلاء، والمتصدقين والمتصدقات بأموالهم في الفرض والنفل، والصائمين والصائمات لله في الفرض والنفل، والحافظين فروجهم والحافظات فروجهن بسترها عن الكشف أمام من لا يحلّ له النظر إليها، وبالبعد عن فاحشة الزنى ومقدماتها، والذاكرين والذاكرات اللهَ بقلوبهم وألسنتهم كثيرًا سرًّا وعلانية - أعدّ الله لهم مغفرة منه لذنوبهم، وأعدّ لهم ثوابًا عظيمًا يوم القيامة وهو الجنة.
الأحزاب 33:36
ولا يصحّ لمؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله فيهم بأمر، أن يكون لهم الاختيار في قَبوله أو رفضه، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ عن الصراط المستقيم ضلالًا واضحًا.
الأحزاب 33:37
وإذ تقول - أيها الرسول - للذي أنعم الله عليه بنعمة الإسلام، وأنعمت عليه أنت بالعتق - والمقصود زيد بن حارثة رضي الله عنهما حين جاءك مشاورًا في شأن طلاق زوجته زينب بنت جحش - تقول له: أمسك عليك زوجتك ولا تطلّقها، واتق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتكتم في نفسك - أيها الرسول - ما أوحى الله به لك من زواجك بزينب خشية من الناس والله سيظهر طلاق زيد لها ثم زواجك منها والله أولى أن تخشاه في هذا الأمر، فلما طابت نفس زيد ورغب عنها وطلّقها زوجناكها؛ لكي لا يكون على المؤمنين إثم في التزوج بزوجات أبنائهم بالتبنِّي إذا طلقوهن وانقضت عدّتهنّ، وكان أمر الله مفعولًا لا مانع منه، ولا حائل دونه.
الأحزاب 33:38
ما كان على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من إثم أو تضييق فيما أحلّ الله من نكاح زوجة ابنه بالتبنِّي، وهو في ذلك يتبع سُنَّة الأنبياء من قبله، فليس هو صلى الله عليه وسلم بِدْعًا من الرسل في ذلك، وكان ما يقضي الله به - من إتمام هذا الزواج وإبطال التبنِّي وليس للنبي فيه رأيٌ أو خيارٌ - قضاءً نافذًا لا مردّ له.
الأحزاب 33:39
هؤلاء الأنبياء الذين يبلغون رسالات الله المنزلة عليهم إلى أممهم، ولا يخافون أحدًا إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يلتفتون إلى ما يقوله غيرهم عندما يفعلون ما أحلّ الله لهم، وكفى بالله حافظًا لأعمال عباده ليحاسبهم عليها، ويجازيهم بها؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
الأحزاب 33:40
ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم، فليس هو والد زيد حتى يحرم عليه نكاح زوجته إذا طلقها، ولكنَّه رسول الله إلى الناس، وخاتم النبيين فلا نبي بعده، وكان الله بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء من أمر عباده.
الأحزاب 33:41
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم ذكرًا كثيرًا.
الأحزاب 33:42
ونزهوه سبحانه بالتسبيح والتهليل أول النهار وآخره؛ لفضلهما.
الأحزاب 33:43
هو الذي يرحمكم ويثني عليكم، وتدعو لكم ملائكته ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وكان بالمؤمنين رحيمًا؛ فلا يعذبهم إذا هم أطاعوه فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه.
الأحزاب 33:44
تحية المؤمنين يوم يلقون ربهم سلام وأمان من كل سوء، وأعدّ الله لهم أجرًا كريمًا - وهو جنته - جزاءً لهم على طاعتهم له، وبعدهم عن معصيته.
الأحزاب 33:45
يا أيها النبي، إنا بعثناك إلى الناس شاهدًا عليهم بأن بلَّغتهم ما أُرسِلتَ به إليهم، ومبشرًا للمؤمنين منهم بما أعدّ الله لهم من الجنة، ومخوّفًا الكافرين مما أعدّ لهم من عذابه.
الأحزاب 33:46
وبعثناك داعيًا إلى توحيد الله وطاعته بأمره، وبعثناك مصباحًا منيرًا يستنير به كل من يريد الهداية.
الأحزاب 33:47
وأخبِرِ المؤمنين بالله الذين يعملون بما شرعه لهم، بما يسرّهم أن لهم من الله سبحانه فضلًا عظيمًا يشمل نصرهم في الدنيا وفوزهم في الآخرة بدخول الجنة.
الأحزاب 33:48
ولا تطع الكافرين والمنافقين فيما يدعون إليه من الصد عن دين الله، وأعرض عنهم، فلعل ذلك يكون أدعى لأن يؤمنوا بما جئتهم به، واعتمد على الله في كل أمورك؛ ومنها النصر على أعدائك، وكفى بالله وكيلاً يعتمد عليه العباد في جميع أمورهم في الدنيا والآخرة.
الأحزاب 33:49
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا عقدتم على المؤمنات عقد نكاح، ثم طلقتموهن من قبل الدخول بهنّ فما لكم عليهن من عدة، سواء كانت بالأَقْراء أو الشهور؛ للعلم ببراءة أرحامهن بعدم البناء بهنّ، ومتعوهنّ بأموالكم حسب وسعكم؛ جَبْرًا لخواطرهنّ المنكسرة بالطلاق، وخلّوا سبيلهنّ بالمعروف دون إيذاء لهن.
الأحزاب 33:50
يا أيها النبي، إنا أبحنا لك أزواجك اللاتي أعطيتهنّ مهورهنّ، وأحللنا لك ما ملكتَ من الإماء مما أفاء الله به عليك من السبايا، وأحللنا لك نكاح بنات عمك، ونكاح بنات عماتك، ونكاح بنات خالك، ونكاح بنات خالاتك اللاتي هاجرن معك من مكة إلى المدينة، وأحللنا لك أن تنكح امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك من غير مهر إن أردت أن تنكحها، ونكاح الهبة خاص به صلى الله عليه وسلم لا يجوز لغيره من الأمة، قد علمنا ما أوجبناه على المؤمنين في شأن زوجاتهم حيث لا يجوز لهم أن يتجاوزوا أربع نسوة، وما شرعناه لهم في شأن إمائهم حيث إن لهم أن يستمتعوا بمن شاؤوا منهنّ دون تقييد بعدد، وأبحنا لك ما أبحنا مما ذُكِر مما لم نبحه لغيرك؛ لئلا يكون عليك ضيق ومشقة، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده، رحيمًا بهم.
الأحزاب 33:51
تؤخر - أيها الرسول - من تشاء تأخير قَسْمه من نسائك فلا تبيت معها، وتضمّ إليك من تشاء منهنّ فتبيت معها، ومن طلبتَ أن تضمها ممن أخَّرتَهنَّ فلا إثم عليك في ذلك، ذلك التخيير والتوسيع لك أقرب أن تَقَرَّ به أعين نسائك، وأن يرضين بما أعطيتهنّ جميعهنّ؛ لعلمهن أنك لم تترك واجبًا، ولم تبخل بحق، والله يعلم ما في قلوبكم - أيها الرجال - من الميل إلى بعض النساء دون بعض، وكان الله عليمًا بأعمال عباده، لا يخفى عليه منها شيء، حليمًا لا يعاجلهم بالعقوبة لعلهم يتوبون إليه.
الأحزاب 33:52
لا يجوز لك - أيها الرسول - أن تتزوج بنساء غير زوجاتك اللاتي هن في عصمتك، ولا يحلّ لك أن تطلقهن، أو تطلق بعضهنّ لتأخذ غيرهن من النساء، ولو أعجبك حسن من تريد أن تتزوج بها من النساء غيرهن، لكن يجوز لك أن تَتَسَرَّى بما ملكت يمينك من الإماء دون حصر في عدد محدد، وكان الله على كل شيء حفيظًا. وهذا الحكم يدل على فضل أمهات المؤمنين، فقد مُنع طلاقهن والزواج عليهن.
الأحزاب 33:53
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لهم، لا تدخلوا بيوت النبي إلا بعد أن يأذن لكم بدخولها بدعوتكم إلى طعام، ولا تطيلوا الجلوس تنتظرون نضج الطعام، ولكن إذا دعيتم إلى طعام فادخلوا، فإذا أكلتم فانصرفوا، ولا تمكثوا بعده يستأنس بعضكم بحديث بعض، إن ذلك المكث كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فيستحيي أن يطلب منكم الانصراف، والله لا يستحيي أن يأمر بالحق، فأمركم بالانصراف عنه حتى لا تؤذوه صلى الله عليه وسلم بالمكث، وإذا طلبتم من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم حاجة مثل آنية ونحوها فاطلبوا حاجتكم تلك من وراء ستر، ولا تطلبوها منهن مواجهة حتى لا تراهنّ أعينكم؛ صونًا لهنّ؛ لمكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلكم الطلب من وراء ستر أطهر لقلوبكم وأطهر لقلوبهنّ؛ حتى لا يتطرّق الشيطان إلى قلوبكم وقلوبهنّ بالوسوسة وتزيين المنكر، وما ينبغي لكم - أيها المؤمنون - أن تؤذوا رسول الله بالمكث للحديث، ولا أن تتزوجوا نساءه من بعد موته، فهنّ أمهات المؤمنين، ولا يجوز لأحد أن يتزوج أمه، إن ذلكم الإيذاء - ومن صوره نكاحكم نساءه من بعد موته - حرام ويعدُّ عند الله إثمًا عظيمًا.
الأحزاب 33:54
إن تظهروا شيئًا من أعمالكم أو تستروه في أنفسكم، فلن يخفى على الله منه شيء، إن الله كان بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ولا من غيرها، وسيجازيكم على أعمالكم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
الأحزاب 33:55
لا إثم عليهنّ أن يراهنّ ويكلمهنّ دون حجاب: آباؤهنّ، وأولادهنّ، وإخوانهن، وأبناء إخوانهنّ، وأبناء أخواتهنّ من النسب أو الرضاعة، ولا إثم عليهنّ أن يكلمهنّ دون حجاب: النساء المؤمنات، وما ملكت أيمانهنّ، واتقين الله - أيتها المؤمنات - فيما أمر به ونهى عنه سبحانه، فهو مُشاهِدٌ لِمَا يَظْهَرُ مِنكنَّ ويَصْدُرُ عنكن.
الأحزاب 33:56
إن الله يثني عند ملائكته على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وملائكته يدعون له، يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لعباده، صلوا على الرسول وسلموا عليه تسليمًا.
الأحزاب 33:57
إن الذين يؤذون الله ورسوله بالقول أو الفعل أبعدهم الله وطردهم من رحاب رحمته في الدنيا وفي الآخرة، وأعدّ لهم في الآخرة عذابًا مذلًّا جزاءً لهم على ما اقترفوه من إيذاء رسوله.
الأحزاب 33:58
والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالقول أو الفعل بغير ذنب اكتسبوه من جناية توجب ذلك الإيذاء، فقد احتملوا كذبًا وإثمًا ظاهرًا.
الأحزاب 33:59
يا أيها النبي قل لأزواجك، وقل لبناتك، وقل لنساء المؤمنين: يُرْخِين عليهنّ من الجلابيب التي يلبسنها حتى لا تنكشف منهن عورة أمام الأجانب من الرجال؛ ذلك أقرب أن يُعرف أنّهنّ حرائر فلا يَتعرض لهنّ أحد بالإيذاء كما يتعرض به للإماء، وكان الله غفورًا لذنوب من تاب من عباده، رحيمًا به.
الأحزاب 33:60
لئن لم ينته المنافقون عن نفاقهم؛ بإضمارهم الكفر وإظهارهم الإسلام، والذين في قلوبهم فجور بتعلقهم بشهواتهم، والذين يأتون بالأخبار الكاذبة في المدينة ليفرقوا بين المؤمنين - لنأمرنك - أيها الرسول - بمعاقبتهم، ولنسلطنّك عليهم، ثم لا يُساكنونك في المدينة إلا قليلًا من الزمن؛ لإهلاكهم أو طردهم عنها بسبب إفسادهم في الأرض.
الأحزاب 33:61
مطرودين من رحمة الله، في أي مكان لُقُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تقتيلًا؛ لنفاقهم ونشرهم الفساد في الأرض.
الأحزاب 33:62
هذه سُنَّة الله الجارية في المنافقين إذا أظهروا النفاق، وسُنَّة الله ثابتة لن تجد لها أبدًا تغييرًا.
الأحزاب 33:63
يسألك المشركون - أيها الرسول- سؤال إنكار وتكذيب، ويسألك اليهود أيضًا؛ عن الساعة: متى وقتها؟ قل لهؤلاء: علم الساعة عند الله ليس عندي منه شيء، وما يشعرك - أيها الرسول - أن الساعة تكون قريبة؟
الأحزاب 33:64
إن الله سبحانه طرد الكافرين من رحمته، وهيَّأ لهم يوم القيامة نارًا ملتهبة تنتظرهم.
الأحزاب 33:65
ماكثون في عذاب تلك النار المعدة لهم أبدًا، لا يجدون فيها وليًّا ينفعهم، ولا نصيرًا يدفع عنهم عذابها.
الأحزاب 33:66
يوم القيامة تقلّب وجوههم في نار جهنم، يقولون من شدة التحسر والندم: يا ليتنا في حياتنا الدنيا كنا أطعنا الله بامتثال ما أمرنا به، واجتناب ما نهانا عنه، وأطعنا الرسول فيما جاء به من ربه.
الأحزاب 33:67
جاء هؤلاء بحجة واهية باطلة فقالوا: ربنا إنا أطعنا رؤساءنا وكبراء أقوامنا، فأضلونا عن الصراط المستقيم.
الأحزاب 33:68
ربنا، اجعل لهؤلاء الرؤساء والكبراء الذين أضلونا عن الصراط المستقيم ضِعْفَيْ ما جَعَلْتَ لنا من العذاب لإضلالهم إيانا، واطردهم من رحمتك طردًا عظيمًا.
الأحزاب 33:69
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تؤذوا رسولكم فتكونوا مثل الذين آذوا موسى كعيبهم له في جسده فبرّأه الله مما قالوا، فتبين لهم سلامته مما قالوا فيه، وكان موسى عند الله وجيهًا، لا يُردّ طلبه، ولا يخيب مسعاه.
الأحزاب 33:70
يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرعه لهم، اتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وقولوا قولًا صوابًا صدقًا.
الأحزاب 33:71
إنكم إن اتقيتم الله وقلتم قولًا صوابًا، أصلح لكم أعمالكم، وتقبلها منكم، وَمَحَا عنكم ذنوبكم فلا يؤاخذكم بها، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا لا يدانيه أي فوز، وهو الفوز برضا الله ودخول الجنة.
الأحزاب 33:72
إنا عرضنا التكاليف الشرعية، وما يحفظ من أموال وأسرار، على السماوات وعلى الأرض وعلى الجبال، فامتنعن من حملها، وخفن من عاقبته، وحملها الإنسان، إنه كان ظلومًا لنفسه، جهولًا بعاقبة حملها.
الأحزاب 33:73
حملها الإنسان بقدر من الله؛ ليعذب الله المنافقين من الرجال والمنافقات من النساء، والمشركين من الرجال والمشركات من النساء؛ على نفاقهم وشركهم بالله، وليتوب الله على المؤمنين والمؤمنات الذين أحسنوا حمل أمانة التكاليف، وكان الله غفورًا لذنوب من تاب من عباده رحيمًا بهم.
سبأ 34:1
الحمد لله الذي له كل ما في السماوات وكل ما في الأرض، خلقًا وملكًا وتدبيرًا، وله سبحانه الثناء في الآخرة، وهو الحكيم في خلقه وتدبيره، الخبير بأحوال عباده، لا يخفى عليه منها شيء.
سبأ 34:2
يعلم ما يدخل في الأرض من ماء ونبات، ويعلم ما يخرج منها من نبات وغيره، ويعلم ما ينزل من السماء من المطر والملائكة والرزق، ويعلم ما يصعد في السماء من الملائكة وأعمال عباده وأرواحهم، وهو الرحيم بعباده المؤمنين، الغفور لذنوب من تاب إليه.
سبأ 34:3
وقال الذين كفروا بالله: لا تأتينا الساعة أبدًا، قل لهم - أيها الرسول -: بلى والله، لتأتينكم الساعة التي تكذبون بها، لكن لا يعلم وَقْتَ ذلك إلا الله، فهو سبحانه عالم ما غاب من الساعة وغيرها، لا يغيب عن علمه سبحانه وزن أصغر نملة في السماوات ولا في الأرض، ولا يغيب عنه أصغر من ذلك المذكور ولا أكبر، إلا هو مكتوب في كتاب واضح، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه كل شيء كائن إلى يوم القيامة.
سبأ 34:4
أثبت الله ما أثبت في اللوح المحفوظ ليجزي الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات، أولئك المتصفون بتلك الصفات لهم من الله مغفرة لذنوبهم، فلا يؤاخذهم بها، ولهم رزق كريم؛ وهو جنته يوم القيامة.
سبأ 34:5
والذين عملوا جاهدين لإبطال ما أنزل الله من آيات، فقالوا عنها: سحر، وقالوا عن رسولنا: كاهن، ساحر، شاعر، أولئك المتصفون بتلك الصفات لهم يوم القيامة أسوأ عذاب وأشده.
سبأ 34:6
ويشهد علماء الصحابة ومن آمن من علماء أهل الكتاب أن الذي أنزله الله إليك من الوحي هو الحق الذي لا مِرْية فيه، ويرشد إلى طريق العزيز الذي لا يغلبه أحد، المحمود في الدنيا والآخرة.
سبأ 34:7
وقال الذين كفروا بالله لبعضهم؛ تعجّبًا وسخرية مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم: هل ندلكم على رجل يخبركم أنكم إذا متم وقطِّعتم تقطيعًا أنكم ستبعثون بعد موتكم أحياء؟!
سبأ 34:8
وقالوا: هل اختلق هذا الرجل على الله كذبًا فزعم ما زعم من بعثنا بعد موتنا، أم هو مجنون يهذي بما لا حقيقة له؟ ليس الأمر كما زعم هؤلاء، بل الحاصل أن الذين لا يؤمنون بالآخرة هم في العذاب الشديد يوم القيامة، وفي الضلال البعيد عن الحق في الدنيا.
سبأ 34:9
أفلم ير هؤلاء المكذبون بالبعث ما بين أيديهم من الأرض، ويروا ما خلفهم من السماء؟ إن نشأ خَسْف الأرض من تحت أقدامهم خسفناها من تحتهم، وإن نشأ أن نسقط عليهم قِطَعًا من السماء لأسقطناها عليهم، إن في ذلك لعلامة قاطعة لكل عبد كثير الرجوع إلى طاعة ربه يستدل بها على قدرة الله، فالقادر على ذلك قادر على بعثكم بعد موتكم وتمزيق أجسامكم.
سبأ 34:10
ولقد أعطينا داود عليه السلام منا نبوة وملكًا، وقلنا للجبال: يا جبال، سبِّحي مع داود، وهكذا قلنا للطير، وصيّرنا له الحديد ليّنًا ليصنع منه ما يشاء من أدوات.
سبأ 34:11
أن اعمل - يا داود - دروعًا واسعة تقي مقاتليك بأس عدوّهم، وصيّر المسامير مناسبة للحِلَق فلا تجعلها دقيقة بحيث لا تستقرّ فيها، ولا غليظة بحيث لا تدخل فيها، واعملوا عملًا صالحًا، إني بما تعملون بصير، لا يخفى عليَّ من أعمالكم شيء، وسأجازيكم عليها.
سبأ 34:12
وسخرنا لسليمان بن داود عليهما السلام الريح، تسير في الصباح مسافة شهر، وتسير في المساء مسافة شهر، وسيّلنا له عين النحاس ليصنع من النحاس ما يشاء، وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه بأمر ربه، والذي يميل من الجن عمَّا أمرناه به من العمل نُذِيقُه من عذاب النار الملتهبة.
سبأ 34:13
يعمل هؤلاء الجن لسليمان ما أراد من مساجد للصلاة ومن قصور، وما يشاء من صور، وما يشاء من قصاع مثل حياض الماء الكبيرة، وقدور الطبخ الثابتات فلا يُحرَّكْنَ لعِظَمِهِن، وقلنا لهم: اعملوا - يا آل داود - شكرًا لله على ما أنعم به عليكم، وقليل من عبادي الشكور لي على ما أنعمت عليه.
سبأ 34:14
فلما حكمنا على سليمان بالموت ما أرشد الجن إلى أنه قد مات إلا حشرة الأَرَضة تأكل عصاه التي كان متكئًا عليها، فلما سقط تبيَّنت الجن أنهم لا يعلمون الغيب؛ إذ لو كانوا يعلمونه لما مكثوا في العذاب المذلّ لهم، وهو ما كانوا عليه من الأعمال الشاقة التي يعملونها لسليمان عليه السلام ظنًّا منهم أنه حيٌّ يراقبهم.
سبأ 34:15
لقد كان لقبيلة سبأ في مسكنهم الذي كانوا يسكنون فيه علامة ظاهرة على قدرة الله وإنعامه عليهم؛ وهي جنتان: إحداهما عن اليمين، والثانية عن الشمال، وقلنا لهم: كلوا من رزق ربكم، واشكروه على نعمه؛ هذه بلدة طيبة، وهذا الله رب غفور يغفر ذنوب من تاب إليه.
سبأ 34:16
فأعرضوا عن شكر الله والإيمان برسله، فعاقبناهم بتبديل نعمهم نقمًا، فأرسلنا عليهم سيلًا جارفًا خرّب سدهم وأغرق مزارعهم، وبدّلناهم ببُسْتَانَيْهم بُسْتَانَين مُثْمرين بالثمر المر، وفيهما شجر الأثل غير المثمر، وشيء قليل من السِّدْر.
سبأ 34:17
ذلك التبديل - الحاصل لما كانوا عليه من النعم - بسبب كفرهم وإعراضهم عن شكر النعم، ولا نعاقب هذا العقاب الشديد إلا الجَحود لنعم الله الكفور به سبحانه.
سبأ 34:18
وجعلنا بين أهل سبأ في اليمن وبين قرى الشام التي باركنا فيها قرى متقاربة، وقدرنا فيها السير بحيث يسيرون من قرية إلى قرية دون مشقة حتى يصلوا الشام، وقلنا لهم: سيروا فيها ما شئتم من ليل أو نهار في أمن من العدو والجوع والعطش.
سبأ 34:19
فبطروا نعمة الله عليهم بتقريب المسافات، وقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا بإزالة تلك القرى حتى نذوق تعب الأسفار، وتظهر مزية ركائبنا، وظلموا أنفسهم ببطرهم نعمة الله وإعراضهم عن شكره وحسدهم للفقراء منهم، فصيّرناهم أحاديث يتحدث بها مَن بَعدَهم، وفرقناهم في البلاد كل تفريق، بحيث لا يتواصلون فيما بينهم، إن في ذلك المذكور - من الإنعام على أهل سبأ ثم الانتقام منهم لكفرهم وبطرهم - لعبرة لكل صَبَّار على طاعة الله وعن معصيته وعلى البلاء، شكور لنعم الله عليه.
سبأ 34:20
ولقد حَقَّقَ عليهم إبليس ما ظنه من أنه يستطيع إغواءهم وإضلالهم عن الحق، فاتبعوه في الكفر والضلال إلا طائفة من المؤمنين فإنهم خيبوا رجاءه بعدم اتباعهم له.
سبأ 34:21
وما كان لإبليس عليهم من سلطان يقهرهم به على أن يضلوا، وإنما كان يزين لهم ويغويهم، إلا أنا أذِنّا له في إغوائهم ليظهر أمر من يؤمن بالآخرة وما فيها من جزاء، ممن هو منها في شك، وربك - أيها الرسول - على كل شيء حفيظ، يحفظ أعمال عباده، ويجازيهم عليها.
سبأ 34:22
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: نادوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله ليجلبوا لكم النفع أو يكشفوا عنكم الضر، فهم لا يملكون وزن ذرة في السماوات ولا في الأرض، وليس لهم شرك فيها مع الله، وليس لله من معين يعينه، فهو غني عن الشركاء وعن المعينين.
سبأ 34:23
ولا تنفع الشفاعة عنده سبحانه إلا لمن أذن له، والله لا يأذن في الشفاعة إلا لمن ارتضى؛ لعظمته، ومن عظمته أنه إذا تكلم في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم قالت الملائكة لجبريل: ماذا قال ربكم؟ قال جبريل: قال الحق، وهو العلي بذاته وقهره، الكبير الذي كل شيء دونه.
سبأ 34:24
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: من يرزقكم من السماوات بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات الثمرات والزروع والفواكه، وغير ذلك؟ قل: الله هو الذي يرزقكم منها، وإنا أو إياكم - أيها المشركون - لعلى هداية أو في ضلال واضح عن الطريق، فأحدنا لا محالة كذلك، ولا شك أن أهل الهدى هم المؤمنون، وأن أهل الضلال هم المشركون.
سبأ 34:25
قل لهم - أيها الرسول -: لا تسألون يوم القيامة، عن ذنوبنا التي ارتكبناها، ولا نُسْأل نحن عما كنتم تعملون.
سبأ 34:26
قل لهم: يجمع الله بيننا وبينكم يوم القيامة، ثم يقضي بيننا وبينكم بالعدل، فيبين المُحِقَّ مِن المُبْطِل وهو الحاكم الذي يحكم بالعدل، العليم بما يحكم به.
سبأ 34:27
قل لهم - أيها الرسول -: أروني الذين جعلتموهم لله شركاء تشركونهم معه في العبادة، كلا، ليس الأمر كما تصورتم من أن له شركاء، بل هو الله العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وقَدَرِه وتدبيره.
سبأ 34:28
وما بعثناك - أيها الرسول - إلا للناس عامة مبشرًا أهل التقوى بأن لهم الجنة، ومُخَوِّفًا أهل الكفر والفجور من النار، ولكن معظم الناس لا يعلمون ذلك، فلو علموه لما كذبوك.
سبأ 34:29
ويقول المشركون مستعجلين بالعذاب الذي يُخوَّفون منه: متى هذا الوعد بالعذاب إن كنتم صادقين فيما تدعونه من أنه حق؟
سبأ 34:30
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: لكم ميعاد يوم محدد؛ لا تتأخرون عنه ساعة، ولا تتقدمون عنه ساعة، وهذا اليوم هو يوم القيامة.
سبأ 34:31
وقال الذين كفروا بالله: لن نؤمن بهذا القرآن الذي يزعم محمد أنه منزل عليه، ولن نؤمن بالكتب السماوية السابقة، ولو ترى - أيها الرسول - إذ الظالمون محبوسون عند ربهم يوم القيامة للحساب، يتراجعون الكلام بينهم، يُلْقِي كل منهم المسؤولية واللوم على الآخر، يقول الأتباع الذين استُضْعِفوا لسادتهم الذين استَضْعَفوهم في الدنيا: لولا أنكم أضللتمونا، لكنا مؤمنين بالله وبرسله.
سبأ 34:32
قال المتبوعون الذين استكبروا عن الحق للتابعين الذين استضعفوهم: أنحن منعناكم عن الهدى الذي جاءكم به محمد؟! لا، بل كنتم ظلمة وأصحاب فساد وإفساد.
سبأ 34:33
وقال الأتباع الذين استضعفهم سادتهم لمتبوعيهم المستكبرين عن الحق: بل صدّنا عن الهدى مكركم بنا بالليل والنهار حين كنتم تأمروننا بالكفر بالله، وبعبادة مخلوقين من دونه. وأخفوا الندامة على ما كانوا عليه من الكفر في الدنيا حين شاهدوا العذاب، وعلموا أنهم معذبون، وجعلنا الأصفاد في أعناق الكافرين، لا يجزون هذا الجزاء إلا بما كانوا يعملونه في الدنيا من عبادة غير الله وارتكاب المعاصي.
سبأ 34:34
وما بعثنا في قرية من القرى من رسول يخوّفهم عذاب الله إلا قال المُنَعَّمُون فيها من أصحاب السلطان والجاه والمال: إنا بما بُعِثْتم به - أيها الرسل - كافرون.
سبأ 34:35
وقال أصحاب الجاه هؤلاء مُتَبَجِّحين مفتخرين: نحن أكثر أموالًا وأكثر أولادًا، وما زعمتم من أننا مُعَذَّبون كذب، فلسنا بمُعَذَّبين في الدنيا ولا في الآخرة.
سبأ 34:36
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المغرورين بما أوتوا من النعم: ربي سبحانه وتعالى يوسع الرزق لمن يشاء اختبارًا له أيشكر أم يكفر، ويضيقه على من يشاء ابتلاء له أيصبر أم يتسخط؟ ولكن معظم الناس لا يعلمون أن الله حكيم؛ لا يقدِّر أمرًا إلا لحكمة بالغة؛ عَلِمَها مَن عَلِمها وجَهِلَها مَن جهلها.
سبأ 34:37
وليست أموالكم ولا أولادكم التي تفتخرون بها هي التي تقودكم إلى رضوان الله، لكن من آمن بالله وعمل عملًا صالحًا حاز الأجر المُضَاعَف؛ فالأموال تقربه بإنفاقها في سبيل الله، والأولاد بدعائهم له، فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات لهم ثواب مضاعف لما عملوه من حسنات؛ وهم في المنازل العليا من الجنة آمنون من كل ما يخافونه من العذاب والموت وانقطاع النعيم.
سبأ 34:38
والكفار الذين يبذلون غاية جهدهم في صرف الناس عن آياتنا ويسعون في تحقيق أهدافهم هؤلاء خاسرون في الدنيا مُعَذَّبون في الآخرة.
سبأ 34:39
قل - أيها الرسول -: إن ربي سبحانه وتعالى يوسع الرزق لمن يشاء من عباده، ويضيقه على من يشاء منهم، وما أنفقتم من شيء في سبيل الله، فالله سبحانه وتعالى يخلفه عليكم في الدنيا بإعطائكم ما هو خير منه، وفي الآخرة بالثواب الجزيل، والله سبحانه هو خير الرازقين، فمن طلب الرزق فليلجأ إليه سبحانه.
سبأ 34:40
واذكر - أيها الرسول - يوم يحشرهم الله جميعًا، ثم يقول سبحانه للملائكة تقريعًا للمشركين وتوبيخًا لهم: أهؤلاء كانوا يعبدونكم في الحياة الدنيا من دون الله؟
سبأ 34:41
قال الملائكة: تنزهت وتقدست! أنت ولينا من دونهم، فلا موالاة بيننا وبينهم، بل كان هؤلاء المشركون يعبدون الشياطين؛ يتمثلون لهم أنهم ملائكة فيعبدونهم من دون الله، معظمهم بهم مؤمنون.
سبأ 34:42
يوم الحشر والحساب لا يملك المعبودون لمن عبدوهم في الدنيا من دون الله نفعًا، ولا يملكون لهم ضرًّا، ونقول للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي: ذوقوا عذاب النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.
سبأ 34:43
وإذا تقرأ على هؤلاء المشركين المكذبين آياتنا المنزلة على رسولنا واضحة لا لبس فيها قالوا: ما هذا الرجل الذي جاء بها إلا رجل يريد أن يصرفكم عما كان عليه آباؤكم، وقالوا: ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه على الله، وقال الذين كفروا بالله للقرآن لما جاءهم من عند الله: ليس هذا إلا سحرًا واضحًا؛ لتفريقه بين المرء وزوجه، والابن وأبيه.
سبأ 34:44
وما أعطيناهم من كتب يقرؤونها حتى ترشدهم أن هذا القرآن كذب اختلقه محمد، وما أرسلنا إليهم قبل إرسالك - أيها الرسول - من رسول يخوّفهم من عذاب الله.
سبأ 34:45
وكذبت الأمم السابقة مثل عاد وثمود وقوم لوط، وما وصل المشركون من قومك إلى عُشْر ما وصلت إليه الأمم السابقة من القوة والمَنَعَة والمال والعدد، فكذب كل منهم رسوله، فما نفعهم ما أوتوا من المال والقوة والعدد، فوقع بهم عذابي، فانظر - أيها الرسول - كيف كان إنكاري عليهم، وكيف كان عقابي لهم.
سبأ 34:46
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: إنما أشير إليكم وأنصحكم بخصلة واحدة؛ هي أن تقوموا متجردين من الهوى لله سبحانه، اثنين اثنين أو منفردين، ثم تتفكروا في سيرة صاحبكم، وما علمتم من عقله وصدقه وأمانته؛ لتتبينوا أنه صلى الله عليه وسلم ليس به جنون، ما هو إلا محذر لكم بين يدي عذاب شديد إن لم تتوبوا إلى الله من الشرك به.
سبأ 34:47
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين المكذبين: ما سألتكم من ثواب أو أجر على ما جئتكم به من الهدى والخير - على تقدير وجوده -، فهو لكم، ليس ثوابي إلا على الله وحده، وهو سبحانه على كل شيء شهيد، فهو يشهد على أني بلغتكم، ويشهد على أعمالكم، فيوفيكم جزاءها.
سبأ 34:48
قل - أيها الرسول -: إن ربي يسلط الحق على الباطل فيبطله، وهو علَّام الغيوب، لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه أعمال عباده.
سبأ 34:49
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين المكذبين: جاء الحق الذي هو الإسلام، وزال الباطل الذي لا يبدو له أي أثر أو قوة ولا يعود إلى نفوذه.
سبأ 34:50
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين المكذبين: إن ضللتُ عن الحق فيما أبلغكم فضرر ضلالي قاصر علي، لا ينالكم منه شيء، وإن اهتديتُ إليه فبسبب ما يوحيه إليَّ ربي سبحانه، إنه سميع لأقوال عباده، قريب لا يتعذر عليه سماع ما أقول.
سبأ 34:51
ولو ترى - أيها الرسول - إذ فزع هؤلاء المكذبون لمَّا عاينوا العذاب يوم القيامة، فلا مفر لهم منه، ولا ملجأ يلتجئون إليه، وأُخذوا من مكان قريب سهل التناول من أول وهلة، لو ترى ذلك لرأيت أمرًا عجبًا.
سبأ 34:52
وقالوا حين رأوا مصيرهم: آمنا بيوم القيامة، وكيف لهم تعاطي الإيمان وتناوله وقد بعد عنهم مكان قبول الإيمان بخروجهم من دار الدنيا التي هي دار عمل لا جزاء، إلى الدار الآخرة التي هي دار جزاء لا عمل؟!
سبأ 34:53
وكيف يحصل منهم الإيمان ويُقْبَل، وقد كفروا به في الحياة الدنيا، ويرمون بالظن من جهة بعيدة عن إصابة الحق، كقولهم في الرسول صلى الله عليه وسلم : ساحر، كاهن، شاعر؟!
سبأ 34:54
ومُنع هؤلاء المكذبون من الحصول على ما يشتهونه من ملذات الحياة، ومن التوبة من الكفر والنجاة من النار، والعودة إلى الحياة الدنيا، كما فُعِل بأمثالهم من الأمم المكذبة من قبلهم، إنهم كانوا في شك مما جاءت به الرسل من توحيد الله والإيمان بالبعث، شك باعث على الكفر.
فاطر 35:1
الحمد لله خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، الذي جعل من الملائكة رسلًا ينفذون أوامره القدرية، ومنهم من يبلغ الأنبياء الوحي، وقوّاهم على أداء ما ائتمنهم عليه، فمنهم ذو جناحين وذو ثلاثة وذو أربعة، يطير بها لتنفيذ ما أُمر به، يزيد الله في الخلق ما يشاء من عضو أو حُسْن أو صوت، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.
فاطر 35:2
إن مفاتيح كل شيء بيد الله؛ فما يفتح للناس من رزق وهداية وسعادة وغير ذلك من النعم فلا أحد يستطيع أن يمنعه، وما يمسكه من ذلك فلا أحد يستطيع إرساله من بعد إمساكه له، وهو العزيز الذي لا يغالبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره.
فاطر 35:3
يا أيها الناس، اذكروا نعمة الله عليكم بقلوبكم وألسنتكم، وبجوارحكم بالعمل، هل لكم من خالق غير الله يرزقكم من السماء بما ينزله عليكم من المطر، ويرزقكم من الأرض بما ينبته من الثمار والزروع ، وغير ذلك؟ لا معبود بحق غيره، فكيف بعد هذا تصرفون عن هذا الحق وتفترون على الله وتزعمون أن لله شركاء، وهو الذي خلقكم ورزقكم؟!
فاطر 35:4
وإن يكذبك قومك - أيها الرسول- فاصبر، فلست أول رسول كذبه قومه، فقد كذبت أمم من قبلك رسلهم مثل عاد وثمود وقوم لوط، وإلى الله وحده ترجع الأمور كلها، فيُهلك المكذبين، وينصر رسله والمؤمنين.
فاطر 35:5
يا أيها الناس، إن ما وعد الله به - من البعث والجزاء يوم القيامة - حق لا شك فيه، فلا تخدعنّكم لَذَّاتُ الحياة الدنيا وشهواتها عن الاستعداد لهذا اليوم بالعمل الصالح، ولا يخدعنكم الشيطان بتزيينه للباطل، والركون إلى الحياة الدنيا.
فاطر 35:6
إن الشيطان لكم - أيها الناس - عدوّ دائم العداوة، فاتخذوه عدوًّا بالتزام محاربته، إنما يدعو الشيطان أتباعه إلى الكفر بالله لتكون عاقبتهم دخول النار الملتهبة يوم القيامة.
فاطر 35:7
الذين كفروا بالله اتباعًا للشيطان، لهم عذاب قوي، والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات لهم مغفرة من الله لذنوبهم، ولهم أجر عظيم منه وهو الجنة.
فاطر 35:8
إن من حسّن له الشيطان عمله السيّئ فاعتقده هو حسنًا، ليس كمن زين له الله الحق فاعتقده حقًّا، فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لا مكره له، فلا تُهْلِك - أيها الرسول - نفسك حزنًا على ضلال الضالين، إن الله سبحانه عليم بما يصنعون، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء.
فاطر 35:9
والله الذي بعث الرياح فتحرّك هذه الرياح سحابًا، فسقنا السحاب إلى بلد لا نبات فيه، فأحيينا بمائه الأرض بعد جفافها بما أنبتناه فيها من النبات، فكما أحيينا هذه الأرض بعد موتها بما أودعناه فيها من النبات، يكون بعث الأموات يوم القيامة.
فاطر 35:10
من كان يريد العزة في الدنيا أو في الآخرة فلا يطلبها إلا من الله، فللَّه وحده العزة فيهما، إليه يصعد ذكره الطيب، وعمل العباد الصالح يرفعه إليه، والذين يدبرون المكايد السيئة - كمحاولة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم - لهم عذاب شديد، ومكر أولئك الكفار يبطل ويفسد، ولا يحقق لهم مقصدًا.
فاطر 35:11
والله هو الذي خلق أباكم آدم من تراب، ثم خلقكم من نطفة، ثم جعلكم ذكورًا وإناثًا تتزاوجون بينكم، وما تحمل من أنثى جنينًا، ولا تضع ولدها إلا بعلمه سبحانه، لا يغيب عنه من ذلك شيء، وما يزاد في عمر أحدٍ مِنْ خلقه ولا ينقص منه إلا كان ذلك مسطورًا في اللوح المحفوظ، إن ذلك المذكور - من خلقكم من تراب وخلقكم أطوارًا وكتابة أعماركم في اللوح المحفوظ - على الله سهل.
فاطر 35:12
ولا يتساوى البحران: أحدهما عذب شديد العذوبة، سهل شربه لعذوبته، والثاني ملح مرّ لا يمكن شربه لشدة ملوحته، ومن كل من البحرين المذكورين تأكلون لحمًا طريًّا هو السمك، وتستخرجون منهما اللؤلؤ والمرجان تلبسونهما زينة، وترى السفن - أيها الناظر - تشقُّ بِجَرْيِها البحرَ مُقبِلة ومدبرة، لتطلبوا من فضل الله بالتجارة، ولعلكم تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من نعمه الكثيرة.
فاطر 35:13
يُدْخِل الله الليل في النهار فيزيده طولًا، ويدخل النهار في الليل فيزيده طولًا، وسخّر سبحانه الشمس، وسخر القمر، كل منهما يجري لموعدٍ مقدر يعلمه الله، وهو يوم القيامة، ذلك الذي يقدر ذلك كله ويجريه هو الله ربكم؛ له وحده الملك، والذين تعبدونهم من دونه من الأوثان ما يملكون قدر لفافة نواة تمر، فكيف تعبدونهم من دوني؟!
فاطر 35:14
إن تدعوا معبوديكم لا يسمعوا دعاءكم، فهم جمادات لا حياة فيها ولا سمع لها، ولو سمعوا دعاءكم - على سبيل التقدير - لما استجابوا لكم، ويوم القيامة يتبرؤون من شرككم وعبادتكم إياهم، فلا أحد يخبرك - أيها الرسول- أصدق من الله سبحانه.
فاطر 35:15
يا أيها الناس، أنتم المحتاجون إلى الله في كل شؤونكم، وفي كل أحوالكم، والله هو الغني الذي لا يحتاج إليكم في شيء، المحمود في الدنيا والآخرة على ما يقدره لعباده.
فاطر 35:16
إن يشأ سبحانه أن يزيلكم بهلاك يهلككم به أزالكم، ويأت بخلق جديد بدلكم يعبدونه، لا يشركون به شيئًا.
فاطر 35:17
وما إزالتكم بإهلاككم، والإتيان بخلق جديد بدلكم؛ بممتنع على الله سبحانه وتعالى.
فاطر 35:18
ولا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس مذنبة أخرى، بل كل نفس مذنبة تحمل ذنبها، وإن تدع نفس مُثْقَلة بحمل ذنوبها مَنْ يحمل عنها شيئًا من ذنوبها لا يُحْمل عنها من ذنوبها شيء، ولو كان المدعو قريبًا لها، إنما تخوّف - أيها الرسول - من عذاب الله الذين يخافون ربهم بالغيب، وأتمّوا الصلاة على أكمل وجوهها، فهم الذين ينتفعون بتخويفك، ومن تطهّر من المعاصي - وأعظمها الشرك - فإنما يتطهر لنفسه؛ لأن نفع ذلك عائد إليه، فالله غني عن طاعته، وإلى الله الرجوع يوم القيامة للحساب والجزاء.
فاطر 35:19
وما يستوي الكافر والمؤمن في المنزلة، كما لا يستوي الأعمى والبصير.
فاطر 35:20
ولا يستوي الكفر والإيمان، كما لا تستوي الظلمات والنور.
فاطر 35:21
ولا تستوي الجنة والنار في آثارهما، كما لا يستوي الظل والريح الحارة.
فاطر 35:22
وما يستوي المؤمنون والكفار، كما لا يستوي الأحياء والأموات، إن الله يُسْمِع من يشاء هدايته، وما أنت - أيها الرسول - بمُسْمِع الكفار الذين هم مثل الموتى في القبور.
فاطر 35:23
ما أنت إلا منذر لهم من عذاب الله.
فاطر 35:24
إنا بعثناك - أيها الرسول- بالحق الذي لا مرية فيه، مبشرًا للمؤمنين بما أعدّ الله لهم من الثواب الكريم، ومنذرًا للكافرين مما أعدّ لهم من العذاب الأليم، وما من أمة من الأمم السابقة إلا سلف فيها رسول من عند الله ينذرها من عذابه.
فاطر 35:25
وإن يكذبك قومك - أيها الرسول- فاصبر، فلست أول رسول كذبه قومه، فقد كذبت الأمم السابقة لهؤلاء رسلَهم مثل عاد وثمود وقوم لوط، جاءتهم رسلهم من عند الله بالحجج الواضحة الدالة على صدقهم، وجاءتهم رسلهم بالصحف، وبالكتاب المنير لمن تدبره وتأمله.
فاطر 35:26
ومع ذلك كفروا بالله ورسله ولم يصدقوهم فيما جاؤوا به من عنده، فأهلكتُ الذين كفروا، فتأمل - أيها الرسول - كيف كان إنكاري عليهم حيث أهلكتهم.
فاطر 35:27
ألم تر - أيها الرسول - أن الله سبحانه أنزل من السماء ماء المطر، فأخرجنا بذلك الماء ثمرات مختلفًا ألوانها فيها الأحمر والأخضر والأصفر وغيرها بعد أن سقينا أشجارها منه، ومن الجبال طرائق بيض وطرائق حمر، وطرائق حالكة السواد.
فاطر 35:28
ومن الناس، ومن الدواب، ومن الأنعام (الإبل، والبقر، والغنم) مختلف ألوانه مثل ذلك المذكور، إنما يعظم مقام الله تعالى ويخشاه العالمون به سبحانه؛ لأنهم عرفوا صفاته وشرعه ودلائل قدرته، إن الله عزيز لا يغالبه أحد، غفور لذنوب من تاب من عباده.
فاطر 35:29
إن الذين يقرؤون كتاب الله الذي أنزلناه على رسولنا ويعملون بما فيه، وأتموا الصلاة على أحسن وجه، وأنفقوا مما رزقناهم على سبيل الزكاة وغيرها خُفْيَةً وَجَهْرًا، يرجون بتلك الأعمال تجارة عند الله لن تكسد.
فاطر 35:30
ليوفيهم الله ثواب أعمالهم كاملة، ويزيدهم من فضله، فهو أهل لذلك، إنه سبحانه غفور لذنوب المتصفين بهذه الصفات، شكور لأعمالهم الحسنة.
فاطر 35:31
والذي أوحيناه إليك - أيها الرسول - من الكتاب هو الحق الذي لا شك فيه، الذي أنزله الله تصديقًا للكتب السابقة، إن الله لخبير بعباده بصير، فهو يوحي إلى رسول كل أمة ما تحتاج إليه في زمانها.
فاطر 35:32
ثم أعطينا أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين اخترناهم على الأمم القرآن، فمنهم ظالم لنفسه بفعل المحرمات وترك الواجبات، ومنهم مقتصد بفعل الواجبات وترك المحرمات، مع ترك بعض المستحبات وفعل بعض المكروهات، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وذلك بفعل الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات، ذلك المذكور - من الاختيار لهذه الأمة وإعطائها القرآن - هو الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل.
فاطر 35:33
جنات إقامة يدخلها هؤلاء المصطَفَوْن، يلبسون فيها لؤلؤًا وأساور من ذهب، ولباسهم فيها حرير.
فاطر 35:34
وقالوا بعد دخولهم الجنة: الحمد لله الذي أزال عنا الحزن بسبب ما كنا نخافه من دخول النار، إن ربنا لغفور لذنوب من تاب من عباده، شكور لهم على طاعتهم.
فاطر 35:35
الذي أنزلَنا دار الإقامة - التي لا نقلة بعدها - من فضله، لا بحول منا ولا قوة، لا يصيبنا فيها تعب ولا عناء.
فاطر 35:36
والذين كفروا بالله لهم نار جهنم خالدين فيها، لا يُقْضَى عليهم بالموت فيموتوا ويستريحوا من العذاب، ولا يُخَفَّف عنهم من عذاب جهنم شيء، مثل هذا الجزاء نجزي يوم القيامة كل جحود لنعم ربه.
فاطر 35:37
وهم يصيحون فيها بأعلى أصواتهم يستغيثون قائلين: ربنا أخرجنا من النار نعمل عملًا صالحًا مغايرًا لما كنا نعمل في الدنيا لننال رضاك، ونسلم من عذابك، فيجيبهم الله: أَوَلم نجعلكم تعيشون عمرًا يتذكر فيه من يريد أن يتذكر، فيتوب إلى الله ويعمل عملًا صالحًا، وجاءكم الرسول منذرًا لكم من عذاب الله؟! فلا حجة لكم، ولا عذر بعد هذا كله، فذوقوا عذاب النار، فما للظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي من نصير ينقذهم من عذاب الله أو يخففه عنهم.
فاطر 35:38
إن الله عالم غيب السماوات والأرض، لا يفوته شيء منه، إنه عليم بما يخفيه عباده في صدورهم من الخير والشر.
فاطر 35:39
هو الذي جعل بعضكم - أيها الناس - يخلف في الأرض بعضًا ليختبركم كيف تعملون، فمن كفر بالله وبما جاءت به الرسل فإثم كفره وعقابه عائد عليه، ولا يضر كفرُهُ ربَّه، ولا يزيد الكفار كفرهم عند ربهم سبحانه إلا بغضًا شديدًا، ولا يزيد الكفار كفرهم إلا خسارًا، حيث إنهم يخسرون ما كان أعد الله لهم في الجنة لو آمنوا.
فاطر 35:40
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: أخبروني عن شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله، ماذا خلقوا من الأرض؟ أخلقوا جبالها؟ أخلقوا أنهارها؟ أخلقوا دوابَّها؟ أم أنهم شركاء مع الله في خلق السماوات؟ أم أعطيناهم كتابًا فيه حجة على صحة عبادتهم لشركائهم؟ لا شيء من ذلك حاصل، بل لا يَعِدُ الظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي بعضهم بعضًا إلا خداعًا.
فاطر 35:41
إن الله سبحانه يمسك السماوات والأرض مانعًا إياهما من الزوال، ولئن زالتا - على سبيل الفرض - فلا أحد يمسكهما عن الزوال من بعده سبحانه، إنه كان حليمًا لا يعاجل بالعقوبة، غفورًا لذنوب من تاب من عباده.
فاطر 35:42
وأقسم هؤلاء الكفار المكذبون قَسَمًا مؤكدًا مغلظًا: لئن جاءهم رسول من الله ينذرهم من عذابه ليكونن أكثر استقامة واتباعًا للحق من اليهود والنصارى وغيرهم، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم مرسلًا من ربه يخوفهم عذاب الله ما زادهم مجيئه إلا بُعْدًا عن الحق وتعلقًا بالباطل، فلم يوفوا بما أقسموا عليه الأيمان المؤكدة من أن يكونوا أهدى ممن سبقوهم.
فاطر 35:43
وقَسَمهم بالله على ما أقسموا عليه ليس عن حسن نية وقصد سليم، بل للاستكبار في الأرض والخداع للناس، ولا يحيط المكر السيئ إلا بأصحابه الماكرين، فهل ينتظر هؤلاء المستكبرون الماكرون إلا سُنَّة الله الثابتة؛ وهي إهلاكهم كما أهلك أمثالهم من أسلافهم؟! فلن تجد لسُنَّة الله في إهلاك المستكبرين تبديلًا بألا تقع عليهم، ولا تحويلًا بأن تقع على غيرهم؛ لأنها سُنَّة إلهية ثابتة.
فاطر 35:44
أفلم يَسِرْ مكذبوك من قريش في الأرض فيتأملوا كيف كانت نهاية الذين كذبوا من الأمم قبلهم؟ ألم تكن نهايتهم نهاية سوء حيث أهلكهم الله، وكانوا أشدّ قوة من قريش؟! وما كان الله ليفوته شيء في السماوات ولا في الأرض، إنه كان عليمًا بأعمال هؤلاء المكذبين، لا يغيب عنه من أعمالهم شيء ولا يفوته، قديرًا على إهلاكهم متى شاء.
فاطر 35:45
ولو يعجل الله العقوبة للناس بما عملوه من المعاصي، وما ارتكبوه من الآثام، لأهلك جميع أهل الأرض في الحال وما يملكون من دواب وأموال، ولكنه سبحانه يؤخرهم إلى أجل محدد في علمه وهو يوم القيامة، فإذا جاء يوم القيامة فإن الله كان بعباده بصيرًا لا يخفى عليه منهم شيء، فيجازيهم على أعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
يس 36:1
(يس) سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
يس 36:2
يقسم الله بالقرآن الذي أُحْكِمت آياته، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
يس 36:3
إنك - أيها الرسول - لمن الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده؛ ليأمروهم بتوحيده وعبادته وحده.
يس 36:4
على منهج مستقيم وشرع قويم. وهذا المنهج المستقيم والشرع القويم منزل من ربك العزيز الذي لا يغالبه أحد، الرحيم بعباده المؤمنين.
يس 36:5
على منهج مستقيم وشرع قويم. وهذا المنهج المستقيم والشرع القويم منزل من ربك العزيز الذي لا يغالبه أحد، الرحيم بعباده المؤمنين.
يس 36:6
أنزلنا إليك ذلك لتخوف قومًا وتنذرهم، وهم العرب الذين لم يأتهم رسول ينذرهم، فهم لاهون عن الإيمان والتوحيد، وكذلك شأن كل أمة انقطع عنها الإنذار، تحتاج إلى من يذكرها من الرسل.
يس 36:7
لقد وجب العذاب من الله لأكثر هؤلاء، بعد أن بلغهم الحق من الله على لسان رسوله فلم يؤمنوا به، وبقوا على كفرهم، فهم لا يؤمنون بالله ولا برسوله، ولا يعملون بما جاءهم من الحق.
يس 36:8
ومثلهم في ذلك مثل من جُعِلَت أصفاد في أعناقهم، وجُمِعَت أيديهم مع أعناقهم تحت مجامع لحاهم، فاضطروا إلى رفع رؤوسهم إلى السماء، فلا يستطيعون خفضها، فهؤلاء مَغْلُولون عن الإيمان بالله فلا يذعنون له، ولا يخفضون رؤوسهم من أجله.
يس 36:9
وجعلنا من بين أيديهم حاجزًا عن الحق، ومن خلفهم حاجزًا، فأغشينا أبصارهم عن الحق فهم لا يبصرون إبصارًا ينتفعون به، حصل ذلك لهم بعد أن ظهر عنادهم وإصرارهم على الكفر.
يس 36:10
سواء عند هؤلاء الكفار المعاندين للحق أَخَوَّفتهم - يا محمد - أم لم تخوِّفهم، فهم لا يؤمنون بما جئت به من عند الله.
يس 36:11
إن الذي ينتفع حقًّا بإنذارك من صدّق بهذا القرآن واتبع ما جاء فيه، وخاف من ربه في الخلوة، حيث لا يراه غيره، فأَخْبِر مَن هذه صفاتُه بما يسُرّه من محو الله لذنوبه ومغفرته لها، ومن ثواب عظيم ينتظره في الآخرة وهو دخول الجنة.
يس 36:12
إنا نحن نحيي الموتى ببعثهم للحساب يوم القيامة، ونكتب ما قدموه في حياتهم الدنيا من الأعمال الصالحة والسيئة، ونكتب ما كان لهم من أثر باق بعد مماتهم صالحًا كان كالصدقة الجارية أو سيئًا كالكفر، وقد أحصينا كل شيء في كتاب واضح؛ وهو اللوح المحفوظ.
يس 36:13
واجعل - أيها الرسول - لهؤلاء المكذبين المعاندين مثلًا يكون لهم عبرة، وهو قصة أهل القرية حين جاءتهم رسلهم.
يس 36:14
حين أرسلنا إليهم أولًا رسولين ليدعواهم إلى توحيد الله وعبادته، فكذبوا هذين الرسولين، فقويناهما بإرسال رسول ثالث معهم، فقال الرسل الثلاثة لأهل القرية: إنا - نحن الثلاثة - إليكم مرسلون؛ لندعوكم إلى توحيد الله واتباع شرعه.
يس 36:15
قال أهل القرية للمرسلين: لستم إلا بشرًا مثلنا، فلا مزية لكم علينا، وما أنزل الرحمن عليكم من وحي، ولستم إلا تكذبون على الله في دعواكم هذه.
يس 36:16
قال الرسل الثلاثة ردًّا على تكذيب أهل القرية: ربنا يعلم إنا إليكم - يا أهل القرية - لمرسلون من عنده، وكفى بذلك حجة لنا.
يس 36:17
وليس علينا إلا تبليغ ما أمرنا بتبليغه إليكم بوضوح، ولا نملك هدايتكم.
يس 36:18
قال أهل القرية للرسل: إنا تشاءمنا بكم، وإن لم تنتهوا عن دعوتنا إلى التوحيد لنعاقبنّكم بالرمي بالحجارة حتى الموت، ولينالنَّكم منا عذاب موجع.
يس 36:19
قال الرسل ردًّا عليهم: شؤمكم ملازم لكم بسبب كفركم بالله وترككم اتباع رسله، أتتشاءمون إن ذكرناكم بالله؟ بل أنتم قوم تسرفون في ارتكاب الكفر والمعاصي.
يس 36:20
وجاء من مكان بعيد من القرية رجل مسرع خوفًا على قومه من تكذيب الرسل وتهديدهم بالقتل والإيذاء، قال: يا قوم، اتبعوا ما جاء به هؤلاء المرسلون.
يس 36:21
اتبعوا - يا قوم - من لا يطلب منكم على إبلاغ ما جاء به ثوابًا منكم، وهم مهتدون فيما يبلغونه عن الله من وحيه، فمن كان كذلك فجدير بأن يتبع.
يس 36:22
وقال هذا الرجل الناصح: وأي مانع يمنعني من عبادة الله الذي خلقني؟! وأي مانع يمنعكم من عبادة ربكم الذي خلقكم، وإليه وحده ترجعون بالبعث للجزاء؟!
يس 36:23
أأتخِذُ من دون الله الذي خلقني معبودات بغير حق؟! إن يردني الرحمن بسوء لا تغن عني شفاعة هذه المعبودات شيئًا فلا تملك لي نفعًا ولا ضرًّا، ولا تستطيع أن تنقذني من السوء الذي أراده الله بي إن مت على الكفر.
يس 36:24
إني إذا اتخذتهم معبودات من دون الله لفي خطأ واضح حيث عبدت من لا يستحق العبادة، وتركت عبادة من يستحقها.
يس 36:25
إني - يا قوم - آمنت بربي وربكم جميعًا فاسمعوني، فلا أبالي بما تهددونني به من القتل. فما كان من قومه إلا أن قتلوه، فأدخله الله الجنة.
يس 36:26
قيل تكريمًا له بعد استشهاده: ادخل الجنة، فلما دخلها وشاهد ما فيها من النعيم قال متمنيًا: يا ليت قومي الذين كذبوني وقتلوني يعلمون بما حصل لي من مغفرة الذنوب، وبما أكرمني به ربي؛ ليؤمنوا مثلما آمنت، وينالوا جزاءً مثل جزائي.
يس 36:27
قيل تكريمًا له بعد استشهاده: ادخل الجنة، فلما دخلها وشاهد ما فيها من النعيم قال متمنيًا: يا ليت قومي الذين كذبوني وقتلوني يعلمون بما حصل لي من مغفرة الذنوب، وبما أكرمني به ربي؛ ليؤمنوا مثلما آمنت، وينالوا جزاءً مثل جزائي.
يس 36:28
وما أنزلنا لأجل إهلاك قومه الذين كذبوه وقتلوه جندًا من الملائكة ننزلهم من السماء، وما كنا منزلين الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم؛ فأمرهم أيسر عندنا من ذلك، فقد قدرنا أن يكون هلاكهم بصيحة من السماء، وليس بإنزال ملائكة العذاب.
يس 36:29
فما كانت قصة إهلاك قومه إلا صيحة واحدة أرسلناها عليهم فإذا هم صَرْعَى لم تبق منهم باقية، مثلهم كنار كانت مشتعلة فانطفأت، فلم يبق لها أثر.
يس 36:30
يا ندامة العباد المكذبين وحسرتهم يوم القيامة حين يشاهدون العذاب؛ ذلك أنهم كانوا في الدنيا ما يأتيهم من رسول من عند الله إلا كانوا يسخرون منه ويستهزئون به، فكان عاقبتهم الندامة يوم القيامة على ما فرطوا في جنب الله.
يس 36:31
ألم ير هؤلاء المكذبون المستهزئون بالرسل عبرة فيمن سبقهم من الأمم؟ فقد ماتوا، ولن يرجعوا إلى الدنيا مرة أخرى، بل أفضوا إلى ما قدموا من أعمال، وسيجازيهم الله عليها.
يس 36:32
وليس جميع الأمم دون استثناء إلا مُحْضَرين عندنا يوم القيامة بعد بعثهم لنجازيهم على أعمالهم.
يس 36:33
وعلامة للمكذبين بالبعث أن البعث حق: هذه الأرض اليابسة المجدبة أنزلنا عليها المطر من السماء، فأنبتنا فيها من أصناف النبات وأخرجنا فيها من أصناف الحبوب ليأكلها الناس، فالذي أحيا هذه الأرض بإنزال المطر وإخراج النبات قادر على إحياء الموتى وبعثهم.
يس 36:34
وصيرنا في هذه الأرض التي أنزلنا عليها المطر بساتين من النخيل والعنب، وفجرنا فيها من عيون الماء ما يسقيها.
يس 36:35
ليأكل الناس من ثمار تلك البساتين ما أنعم الله به عليهم، ولم يكن لهم سعي فيه، أفلا يشكرون الله على نعمه هذه بعبادته وحده والإيمان برسله؟!
يس 36:36
تقدس الله وتعالى الذي أنشأ الأصناف من النبات والأشجار، ومن أَنْفُس الناس حيث أنشأ الذكور والإناث، وما لا يعلم الناس من مخلوقات الله الأخرى في البر والبحر وغيرهما.
يس 36:37
ودلالة للناس على توحيد الله أنا نذهب الضياء بذهاب النهار ومجيء الليل حين ننزع النهار منه، ونأتي بالظلمة بعد ذهاب النهار، فإذا الناس داخلون في ظلام.
يس 36:38
وعلامة لهم على وحدانية الله هذه الشمس التي تجري لمستقر يعلم الله قَدْرَه لا تتجاوزه، ذلك التقدير تقدير العزيز الذي لا يغالبه أحد، العليم الذي لا يخفى عليه شيء من أمر مخلوقاته.
يس 36:39
وآية لهم دالة على توحيده سبحانه هذا القمر الذي قدرناه منازل كل ليلة؛ يبدأ صغيرًا ثم يكبر ثم يصغر حتى يصير مثل عِذْق النخلة المُتَعرِّج المُنْدَرِس في رقته وانحنائه وصفرته وقِدَمه.
يس 36:40
وآيات الشمس والقمر والليل والنهار مقدرة بتقدير الله، فلا تتجاوز ما قدر لها، فلا الشمس يمكن أن تلحق بالقمر لتغيير مساره أو إذهاب نوره، ولا الليل يمكنه أن يسبق النهار ويدخل عليه قبل انقضاء وقته، وكل هذه المخلوقات المسخرة وغيرها من الكواكب والمجرات لها مساراتها الخاصة بها بتقدير الله وحفظه.
يس 36:41
وعلامة لهم على وحدانية الله كذلك وإنعامه على عباده أنا حملنا من نجا من الطوفان من ذرية آدم زمن نوح، في السفينة المملوءة بمخلوقات الله، فقد حمل الله فيها من كل جنس زوجين.
يس 36:42
وعلامة لهم على توحيده وإنعامه على عباده أنا خلقنا لهم من مثل سفينة نوح مراكب.
يس 36:43
ولو أردنا إغراقهم أغرقناهم، فلا مغيث يغيثهم إن أردنا إغراقهم، ولا منقذ ينقذهم إذا غرقوا بأمرنا وقضائنا.
يس 36:44
إلا أن نرحمهم بإنجائهم من الغرق وإعادتهم ليتمتعوا إلى أجل محدد لا يتجاوزونه، لعلهم يعتبرون فيؤمنوا.
يس 36:45
وإذا قيل لهؤلاء المشركين المعرضين عن الإيمان: احذروا ما تُقدِمون عليه من أمر الآخرة وشدائدها، واحذروا الدنيا المُدْبِرَة رجاء أن يمن الله عليكم برحمته؛ لم يمتثلوا لذلك، بل أعرضوا عنه غير مبالين به.
يس 36:46
وكلما جاءت هؤلاء المشركين المعاندين آياتُ الله الدالة على توحيده واستحقاقه للإفراد بالعبادة، كانوا مُعرِضين عنها غير معتبرين بها.
يس 36:47
وإذا قيل لهؤلاء المعاندين: ساعدوا الفقراء والمساكين من الأموال التي رزقكم الله إياها، ردوا مستنكرين قائلين للذين آمنوا: أنطعم من لو يشاء الله إطعامه لأطعمه؟! فنحن لا نخالف مشيئته، ما أنتم - أيها المؤمنون - إلا في خطأ واضح وبُعْد عن الحق.
يس 36:48
ويقول الكفار المنكرون للبعث مكذبين به مستبعدين له: متى هذا البعث إن كنتم - أيها المؤمنون - صادقين في دعوى أنه واقع؟!
يس 36:49
ما ينتظر هؤلاء المكذبون بالبعث المستبعدون له إلا النفخة الأولى حين ينفخ في الصور، فتبغتهم هذه الصيحة وهم في مشاغلهم الدنيوية من بيع وشراء وسقي ورعي وغيرها من مشاغل الدنيا.
يس 36:50
فلا يستطيعون عندما تفْجَؤُهم هذه الصيحة أن يوصي بعضهم بعضًا، ولا يستطيعون الرجوع إلى منازلهم وأهليهم، بل يموتون وهم في مشاغلهم هذه.
يس 36:51
ونُفِخ في الصور النفخة الثانية للبعث، فإذا هم يخرجون جميعًا من قبورهم إلى ربهم يسرعون للحساب والجزاء.
يس 36:52
قال هؤلاء الكافرون المكذبون بالبعث نادمين: يا خسارتنا، مَن الذي بعثنا من قبورنا؟! فيجابون عن سؤالهم: هذا ما وعد الله به فإنه لا بد واقع، وصدق المرسلون فيما بلغوه عن ربهم من ذلك.
يس 36:53
ما كان أمر البعث من القبور إلا أثرًا عن نفخة ثانية في الصور، فإذا جميع المخلوقات مُحْضَرة عندنا يوم القيامة للحساب.
يس 36:54
يكون الحكم بالعدل في ذلك اليوم، فلا تظلمون - أيها العباد - شيئًا بزيادة سيئاتكم أو نقصان حسناتكم، وإنما توفون جزاء ما كنتم تعملون في الحياة الدنيا.
يس 36:55
إن أصحاب الجنة في يوم القيامة مشغولون عن التفكير في غيرهم؛ لما شاهدوه من النعيم المقيم، والفوز العظيم، فهم يتفكهون في ذلك مسرورين.
يس 36:56
هم وأزواجهم يتنعمون على الأَسِرَّة تحت ظلال الجنة الوارفة.
يس 36:57
لهم في هذه الجنة أنواع من الفواكه الطيبة من العنب والتين والرمان، ولهم كل ما يطلبون من الملاذِّ وأنواع النعيم، فما طلبوه من ذلك حاصل لهم.
يس 36:58
ولهم فوق هذا النعيم سلام حاصل لهم، قولًا من رب رحيم بهم، فإذا سلم عليهم حصلت لهم السلامة من كل الوجوه، وحصلت لهم التحية التي لا تحية أعلى منها.
يس 36:59
ويقال للمشركين يوم القيامة: تميزوا عن المؤمنين، فلا يليق بهم أن يكونوا معكم؛ لتباين جزائكم مع جزائهم وصفاتكم مع صفاتهم.
يس 36:60
ألم أوصكم وآمركم على ألسنة رسلي وأقل لكم: يا بني آدم، لا تطيعوا الشيطان بارتكاب أنواع الكفر والمعاصي، إن الشيطان لكم عدو واضح العداوة، فكيف لعاقل أن يطيع عدوه الذي تظهر له عداوته؟!
يس 36:61
وأمرتكم - يا بني آدم - أن تعبدوني وحدي، ولا تشركوا بي شيئًا؛ فعبادتي وحدي وطاعتي طريق مستقيم يؤدي إلى رضاي ودخول الجنة، لكنكم لم تمتثلوا ما أوصيتكم وأمرتكم به.
يس 36:62
ولقد أضل الشيطان منكم خلقًا كثيرًا، أفلم تكن لكم عقول تأمركم بطاعة ربكم وعبادته وحده سبحانه، وتحذركم من طاعة الشيطان الذي هو عدو واضح العداوة لكم؟!
يس 36:63
هذه هي جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا على كفركم، وكانت غيبًا عنكم، وأما اليوم فها أنتم ترونها رأي العين.
يس 36:64
ادخلوها اليوم، وعانوا من حرها بسبب كفركم بالله في حياتكم الدنيا.
يس 36:65
اليوم نطبع على أفواههم فيصيرون خُرْسًا لا يتكلمون بإنكار ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، وتكلمنا أيديهم بما عملت به في الدنيا، وتشهد أرجلهم بما كانوا يرتكبون من المعاصي ويمشون إليها.
يس 36:66
ولو نشاء إذهاب أبصارهم لأذهبناها فلم يبصروا، فتسابقوا إلى الصراط ليعبروا منه إلى الجنة، فبعيد أن يعبروا وقد ذهبت أبصارهم.
يس 36:67
ولو نشاء تغيير خلقهم وإقعادهم على أرجلهم لغيَّرنا خلقهم وأقعدناهم على أرجلهم، فلا يستطيعون أن يبرحوا مكانهم، ولا يستطيعون ذهابًا إلى أمام، ولا رجوعًا إلى وراء.
يس 36:68
ومن نمد في حياته من الناس بإطالة عمره نرجعه إلى مرحلة الضعف، أفلا يتفكرون بعقولهم، ويدركون أن هذه الدار ليست دار بقاء ولا خلود، وأن الدار الباقية هي دار الآخرة.
يس 36:69
وما علّمنا محمدًا صلى الله عليه وسلم الشعر، وما ينبغي له ذلك؛ لأنه ليس من طبعه، ولا تقتضيه جِبِلَّته، حتى يصح لكم ادعاء أنه شاعر، ليس الذي علمناه إلا ذكرًا وقرآنًا واضحًا لمن تأمله.
يس 36:70
لينذر من كان حي القلب مستنير البصيرة، فهو الذي ينتفع به، ويحق العذاب على الكافرين، لما قامت عليهم الحجة بإنزاله وبلوغ دعوته إليهم، فلم يبق لهم عذر يعتذرون به.
يس 36:71
أَوَلم يروا أنا خلقنا لهم أنعامًا، فهم لأمر تلك الأنعام مالكون؛ يتصرفون فيها بما تقتضيه مصالحهم.
يس 36:72
وسخرناها لهم وجعلناها منقادة لهم، فعلى ظهور بعضها يركبون ويحملون أثقالهم، ومن لحوم بعضها يأكلون.
يس 36:73
ولهم فيها منافع غير ركوب ظهورها والأكل من لحومها؛ مثل أصوافها وأوبارها وأشعارها وأثمانها؛ فمنها يصنعون فرشًا ولباسًا، ولهم فيها مشارب حيث يشربون من ألبانها، أفلا يشكرون الله الذي منَّ عليهم بهذه النعم وغيرها؟!
يس 36:74
واتخذ المشركون من دون الله آلهة يعبدونها رجاء أن تنصرهم فتنقذهم من عذاب الله.
يس 36:75
تلك الآلهة التي اتخذوها لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا نصر من يعبدونهم من دون الله، وهم وأصنامهم جميعًا مُحْضَرون في العذاب يتبرأ كل منهم من الآخر.
يس 36:76
فلا يحزنك - أيها الرسول - قولهم: إنك لست مرسلًا، أو إنك شاعر، وغير ذلك من بُهْتانهم. إنا نعلم ما يخفون من ذلك وما يظهرون، لا يخفى علينا منه شيء، وسنجازيهم عليه.
يس 36:77
أَوَلم يفكر الإنسان الذي ينكر البعث بعد الموت أنا خلقناه من مني، ثم مر بأطوار حتى ولد وتربَّى، ثم صار كثير الخصام والجدال؛ ألم ير ذلك ليستدل به على إمكان وقوع البعث؟!
يس 36:78
غَفَل هذا الكافر وجَهِل حين استدل بالعظام البالية على استحالة البعث، فقال: من يعيدها؟ وغاب عنه خلقه هو من العدم.
يس 36:79
قل - يا محمد - مجيبًا إياه: يحيي هذه العظام البالية مَن خلقها أول مرة، فمن خلقها أول مرة لا يعجز عن إعادة الحياة إليها، وهو سبحانه بكل خلق عليم، لا يخفى عليه منه شيء.
يس 36:80
الذي جعل لكم - أيها الناس - من الشجر الأخضر الرطب نارًا تستخرجونها منه فإذا أنتم توقدون منه نارًا، فمن جمع بين ضدين - بين رطوبة ماء الشجر الأخضر، والنار المشتعلة فيه - قادر على إحياء الموتى.
يس 36:81
أوَ ليس الذي خلق السماوات والأرض على ما فيهما من عظم بقادر على إحياء الموتى بعد إماتتهم؟ بلى، إنه لقادر عليه، وهو الخلاَّق الذي خلق جميع المخلوقات، العليم بها، فلا يخفى عليه منها شيء.
يس 36:82
إنما أمر الله وشأنه سبحانه أنه إذا أراد إيجاد شيء أن يقول له: كن، فيكون ذلك الشيء الذي يريده، ومن ذلك ما يريده من الإحياء والإماتة والبعث وغيرها.
يس 36:83
فتنزه الله وتقدس عما ينسبه إليه المشركون من العجز، فهو الذي له ملك الأشياء كلها يتصرف فيها بما يشاء، وبيده مفاتح كل شيء، وإليه وحده ترجعون في الآخرة، فيجازيكم على أعمالكم.
الصافات 37:1
أقسم بالملائكة التي تصُفُّ في عبادتها مُتَراصَّة.
الصافات 37:2
وأقسم بالملائكة التي تزجر السحاب، وتسوقه إلى حيث يشاء الله له أن ينزِل.
الصافات 37:3
وأقسم بالملائكة الذين يتلون كلام الله.
الصافات 37:4
إن معبودكم بحق - أيها الناس - لواحد لا شريك له، وهو الله.
الصافات 37:5
رب السماوات، ورب الأرض، ورب ما بينهما، ورب الشمس في مطالعها ومغاربها طول السنة.
الصافات 37:6
إنا جمَّلنا أقرب السماوات إلى الأرض بزينة جميلة هي الكواكب التي هي في النظر كالجواهر المتلألئة.
الصافات 37:7
وحفظنا السماء الدنيا بالنجوم من كل شيطان متمرد خارج عن الطاعة؛ فيُرْمَى بها.
الصافات 37:8
لا يستطيع هؤلاء الشياطين أن يسمعوا الملائكة في السماء إذا تكلموا بما يوحيه إليهم ربهم من شرعه ولا من قدره، ويُرمون بالشُّهُب من كل جانب.
الصافات 37:9
طردًا لهم وإبعادًا عن الاستماع إليهم، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم دائم لا ينقطع.
الصافات 37:10
إلا من اختطف من الشياطين خَطْفة، وهي كلمة مما يتفاوض فيه الملائكة ويدور بينهم مما لم يصل علمه إلى أهل الأرض، فيتبعه شهاب مضيء يحرقه، وربما يلقي تلك الكلمة قبل أن يحرقه الشهاب إلى إخوانه فتصل إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة.
الصافات 37:11
فاسأل - يا محمد - الكفار المنكرين للبعث: أهم أشد خلقًا وأقوى أجسامًا وأعظم أعضاءً ممن خلقنا من السماوات والأرض والملائكة؟ إنا خلقناهم من طين لَزِج، فكيف ينكرون البعث، وهم مخلوقون من خلق ضعيف وهو الطين اللزِج؟
الصافات 37:12
بل عجبتَ - يا محمد - من قدرة الله وتدبيره لشؤون خلقه، وعجبتَ من تكذيب المشركين بالبعث، وهؤلاء المشركون من شدة تكذيبهم بالبعث يسخرون مما تقول بشأنه.
الصافات 37:13
وإذا وُعظ هؤلاء المشركون بموعظة من المواعظ لم يتعظوا بها، ولم ينتفعوا؛ لما هم عليه من قساوة القلوب.
الصافات 37:14
وإذا شاهدوا آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه بالغوا في السخرية والتعجب منها.
الصافات 37:15
وقالوا: ما هذا الذي جاء به محمد إلا سحر واضح.
الصافات 37:16
أإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا بالية متفتتة أإنا لمبعوثون أحياء بعد ذلك؟! إن هذا لمستبعد.
الصافات 37:17
أَوَيُبعث آباؤنا الأولون الذين ماتوا قبلنا؟!
الصافات 37:18
قل - يا محمد - مجيبًا إياهم: نعم تبعثون بعد أن صرتم ترابًا وعظامًا بالية، ويُبْعث آباؤكم الأولون، تُبْعثون جميعًا وأنتم صاغرون ذليلون.
الصافات 37:19
فإنما هي نفخة واحدة في الصور (النفخة الثانية) فإذا هم جميعًا ينظرون إلى أهوال يوم القيامة يترقبون ما يفعل الله بهم.
الصافات 37:20
وقال المشركون المكذبون بالبعث: يا هلاكنا هذا يوم الجزاء الذي يجازي فيه الله عباده على ما قدموا في حياتهم الدنيا من عمل.
الصافات 37:21
فيقال لهم: هذا يوم القضاء بين العباد الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به في الدنيا.
الصافات 37:22
ويقال للملائكة في ذلك اليوم: اجمعوا المشركين الظالمين بشركهم هم وأشباههم في الشرك والمُشايعون لهم في التكذيب، وما كانوا يعبدونه من دون الله من الأصنام، فعرِّفوهم طريق النار ودلوهم عليها وسوقوهم إليها، فإنها مصيرهم.
الصافات 37:23
ويقال للملائكة في ذلك اليوم: اجمعوا المشركين الظالمين بشركهم هم وأشباههم في الشرك والمُشايعون لهم في التكذيب، وما كانوا يعبدونه من دون الله من الأصنام، فعرِّفوهم طريق النار ودلوهم عليها وسوقوهم إليها، فإنها مصيرهم.
الصافات 37:24
واحبسوهم قبل إدخالهم النار للحساب، فهم مسؤولون، ثم بعد ذلك سوقوهم إلى النار.
الصافات 37:25
ويقال لهم توبيخًا لهم: ما بالكم لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم في الدنيا تتناصرون، وتزعمون أن أصنامكم تنصركم؟!
الصافات 37:26
بل هم اليوم منقادون لأمر الله ذليلون، لا ينصر بعضهم بعضًا لعجزهم وقلة حيلتهم.
الصافات 37:27
وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ويتخاصمون حين لا ينفع التلاوم والتخاصم.
الصافات 37:28
قال الأتباع للمتبوعين: إنكم - يا كبراءنا - كنتم تأتوننا من جهة الدين والحق فتزينون لنا الكفر والشرك بالله وارتكاب المعاصي، وتنفروننا من الحق الذي جاءت به الرسل من عند الله.
الصافات 37:29
قال المتبوعون للأتباع: ليس الأمر - كما زعمتم - بل كنتم على الكفر ولم تكونوا مؤمنين، بل كنتم منكرين.
الصافات 37:30
وما كان لنا عليكم أيها الأتباع من تسلط بقهر أو غلبة حتى نوقعكم في الكفر والشرك وارتكاب المعاصي، بل كنتم قومًا متجاوزين الحد في الكفر والضلال.
الصافات 37:31
فوجب علينا وعليكم وعيد الله في قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (ص: ٨٥)، ومن ثَمَّ فإنا ذائقون - لا محالة- ما توعد به ربنا.
الصافات 37:32
فدعوناكم إلى الضلال والكفر، إنا كنا ضالين عن طريق الهدى.
الصافات 37:33
فإن الأتباع والمتبوعين في العذاب يوم القيامة مشتركون.
الصافات 37:34
إنا كما فعلنا بهؤلاء من إذاقتهم العذاب، نفعل بالمجرمين من غيرهم.
الصافات 37:35
إن هؤلاء المشركين كانوا إذا قيل لهم في الدنيا: لا إله إلا الله للعمل بمقتضاها وترك ما يخالفها، رفضوا الاستجابة لذلك والإذعان له تكبرًا عن الحق وترفعًا عليه.
الصافات 37:36
ويقولون محتجِّين لكفرهم: أنترك عبادة آلهتنا لقول شاعر مجنون؟! يعنون بقولهم هذا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
الصافات 37:37
لقد أعظموا الفِرْية، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مجنونًا ولا شاعرًا، بل جاء بالقرآن الداعي إلى توحيد الله واتباع رسوله، وصدق المرسلين فيما جاؤوا به من عند الله من التوحيد وإثبات المعاد، ولم يخالفهم في شيء.
الصافات 37:38
إنكم - أيها المشركون - لذائقو العذاب الموجع يوم القيامة بسبب كفركم وتكذيبكم للرسل.
الصافات 37:39
وما تُجْزَون - أيها المشركون - إلا ما كنتم تعملون في الدنيا من الكفر بالله وارتكاب المعاصي.
الصافات 37:40
لكن عباد الله المؤمنين الذين أخلصهم الله لعبادته، وأخلصوا له العبادة، هم بمنجاة من هذا العذاب.
الصافات 37:41
أولئك العباد المخلصون لهم رزق يرزقهم الله إياه، معلوم في طيبه وحسنه ودوامه.
الصافات 37:42
ذلك الرزق فواكه متنوعة من أطيب ما يأكلونه ويشتهونه، وهم فوق ذلك مكرمون برفع الدرجات وبالنظر إلى وجه الله الكريم.
الصافات 37:43
كل ذلك ينالونه في جنات النعيم المقيم الثابت الذي لا ينقطع ولا يزول.
الصافات 37:44
يتكئون على أسِرَّة متقابلين ينظر بعضهم إلى بعض.
الصافات 37:45
يدار عليهم بكؤوس الخمر التي هي في صفائها كالماء الجاري.
الصافات 37:46
بيضاء اللون يلتذ بشربها من يشربها لذة كاملة.
الصافات 37:47
ليست كخمر الدنيا، فليس فيها ما يُذْهِب العقول من السكر، ولا ينتاب متعاطيها صُداع، يَسْلَم لشاربها جسمه وعقله.
الصافات 37:48
وعندهم في الجنة نساء عفيفات، لا تمتد أبصارهن إلى غير أزواجهن، حسان العيون.
الصافات 37:49
كأنهن في بياض ألوانهن المشوبة بصفرة بيضُ طائر مصون لم تمسه الأيدي.
الصافات 37:50
فأقبل بعض أهل الجنة على بعض يتساءلون عن ماضيهم وما حدث لهم في الدنيا.
الصافات 37:51
قال قائل من هؤلاء المؤمنين: إني كان لي في الدنيا صاحب مُنْكِر للبعث.
الصافات 37:52
يقول لي منكرًا وساخرًا: هل أنت - أيها الصديق - مِن المصدِّقين ببعث الأموات؟
الصافات 37:53
أإذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا نخرة أإنا لمبعوثون ومجازون على أعمالنا التي عملناها في الدنيا؟
الصافات 37:54
قال قرينه المؤمن لأصحابه من أهل الجنة: اطَّلعوا معي لنرى مصير ذلك القرين الذي كان ينكر البعث؟
الصافات 37:55
فاطلع هو فرأى قرينه في وسط جهنم.
الصافات 37:56
قال: تالله لقد قاربت - أيها القرين - أن تهلكني بدخول النار بدعوتك لي إلى الكفر وإنكار البعث.
الصافات 37:57
ولولا إنعام الله علي بالهداية للإيمان والتوفيق له، لكنت من المحضرين إلى العذاب مثلك.
الصافات 37:58
فلسنا نحن - أصحاب الجنة- بميتين.
الصافات 37:59
غير موتتنا الأولى في الحياة الدنيا، بل نحن مخلدون في الجنة، ولسنا بمعذبين كما يعذب الكفار.
الصافات 37:60
إن هذا الذي جازانا به ربنا - من دخول الجنة والخلود فيها والسلامة من النار - لهو الظفر العظيم الذي لا ظفر يساويه.
الصافات 37:61
لمثل هذا الجزاء العظيم يجب أن يعمل العاملون، فإن هذا هو التجارة الرابحة.
الصافات 37:62
أذلك النعيم المذكور الذي أعده الله لعباده الذين أخلصهم لطاعته، خير وأفضل مقامًا وكرامة، أم شجرة الزقوم الملعونة في القرآن التي هي طعام الكفار الذي لا يسمن ولا يغني من جوع؟!
الصافات 37:63
إنا صيَّرنا هذه الشجرة فتنة يفتتن بها الظالمون بالكفر والمعاصي، حيث قالوا: إن النار تأكل الشجر، فلا يمكن أن ينبت فيها.
الصافات 37:64
إن شجرة الزقوم شجرة خبيثة المَنْبَت، فهي شجرة تخرج في قعر الجحيم.
الصافات 37:65
ثمرها الخارج منها كريه المنظر كأنه رؤوس الشياطين، وقبح المنظر دليل على قبح المخبر، وهذا يعني أن ثمرها خبيث الطعم.
الصافات 37:66
فإن الكفار لآكلون من ثمرها المر القبيح، ومالئون منه بطونهم الخاوية.
الصافات 37:67
ثم إنهم بعد أكلهم منها لهم شراب خليط قبيح حار.
الصافات 37:68
ثم إن رجوعهم بعد ذلك لإلى عذاب الجحيم، فهم يتنقلون من عذاب إلى عذاب.
الصافات 37:69
إن هؤلاء الكفار وجدوا آباءهم ضالين عن طريق الهداية، فتأسوا بهم تقليدًا لا عن حجة.
الصافات 37:70
فهم يتبعون آثار آبائهم في الضلالة مسرعين.
الصافات 37:71
ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين، فليس قومك - أيها الرسول - أول من ضل من الأمم.
الصافات 37:72
ولقد أرسلنا في تلك الأمم الأولى رسلًا يخوفونهم من عذاب الله، فكفروا.
الصافات 37:73
فانظر - أيها الرسول - كيف كانت نهاية الأقوام الذين أنذرتهم رسلهم فلم يستجيبوا لهم، إن نهايتهم كانت دخول النار خالدين فيها بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسلهم.
الصافات 37:74
إلا من أخلصهم الله للإيمان به، فإنهم ناجون من العذاب الذي كان نهاية أولئك المكذبين الكافرين.
الصافات 37:75
ولقد دعانا نبينا نوح عليه السلام حين دعا على قومه الذين كذبوه، فلنعم المجيبون نحن، فقد سارعنا في إجابة دعائه عليهم.
الصافات 37:76
ولقد سلمناه وأهل بيته والمؤمنين معه من أذى قومه ومن الغرق بالطوفان العظيم المرسل على الكافرين من قومه.
الصافات 37:77
ونجينا أهله وأتباعه المؤمنين وحدهم، فقد أغرقنا غيرهم من قومه الكافرين.
الصافات 37:78
وأبقينا له في الأمم اللاحقة ثناءً حسنًا يثنون به عليه.
الصافات 37:79
أمان وسلام لنوح من أن يقال فيه سوء في الأمم اللاحقة، بل سيبقى له الثناء والذكر الحسن.
الصافات 37:80
إن مثل هذا الجزاء الذي جازينا به نوحًا عليه السلام نجزي المحسنين بعبادتهم وطاعتهم لله وحده.
الصافات 37:81
إن نوحًا من عبادنا المؤمنين العاملين بطاعة الله.
الصافات 37:82
ثم أغرقنا الباقين بالطوفان الذي أرسلناه عليهم، فلم يبق منهم أحد.
الصافات 37:83
وإن إبراهيم من أهل دينه الذين وافقوه في الدعوة إلى توحيد الله.
الصافات 37:84
اذكر حين جاء ربه بقلب سليم من الشرك ناصح لله في خلقه.
الصافات 37:85
حين قال لأبيه وقومه المشركين موبخًا لهم: ما الذي تعبدونه من دون الله؟!
الصافات 37:86
أآلهة مكذوبة تعبدونها من دون الله؟
الصافات 37:87
فما ظنكم - يا قوم - برب العالمين إذا لقيتموه وأنتم تعبدون غيره؟! وماذا ترونه صانعًا بكم؟!
الصافات 37:88
فنظر إبراهيم نظرة في النجوم يدبر مكيدة للتخلص من الخروج مع قومه.
الصافات 37:89
فقال متعللًا عن الخروج مع قومه إلى عيدهم: إني مريض.
الصافات 37:90
فتركوه وراءهم وذهبوا.
الصافات 37:91
فمال إلى آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، فقال ساخرًا من آلهتهم: ألا تأكلون من الطعام الذي يصنعه المشركون لكم؟!
الصافات 37:92
ما شأنكم لا تتكلمون، ولا تجيبون من يسألكم؟! أمثل هذا يُعْبد من دون الله؟!
الصافات 37:93
فمال عليهم إبراهيم يضربهم بيده اليمنى ليكسرهم.
الصافات 37:94
فأقبل إليه عبّاد هذه الأصنام يسرعون.
الصافات 37:95
فقابلهم إبراهيم بثبات، وقال لهم موبخًا إياهم: أتعبدون من دون الله آلهة أنتم الذين تنحتونها بأيديكم؟!
الصافات 37:96
والله سبحانه خلقكم أنتم، وخلق عملكم، ومن عملكم هذه الأصنام، فهو المستحق لأن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره.
الصافات 37:97
فلما عجزوا عن مقارعته بالحجة لجؤوا إلى القوة، فتشاوروا فيما بينهم فيما يفعلونه بإبراهيم، قالوا: ابنوا له بنيانًا، واملؤوه حطبًا وأضرموه، ثم ارموه فيه.
الصافات 37:98
فأراد قوم إبراهيم بإبراهيم سوءًا بأن يهلكوه فيستريحوا منه، فصيرناهم الخاسرين حين جعلنا النار عليه بردًا وسلامًا.
الصافات 37:99
وقال إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي تاركًا بلد قومي لأتمكن من عبادته، سيدلني ربي على ما فيه الخير لي في الدنيا والآخرة.
الصافات 37:100
يا رب، ارزقني ولدًا صالحًا يكون لي عونًا وعوضًا عن قومي في الغربة.
الصافات 37:101
فاستجبنا له دعوته فأخبرناه بما يسره، حيث بشرناه بولد يكبر، ويصير حليمًا، وهذا الولد هو إسماعيل عليه السلام.
الصافات 37:102
فلما شب إسماعيل، وأدرك سعيُه سعي أبيه رأى أبوه إبراهيم رؤيا، ورؤيا الأنبياء وحي، قال إبراهيم مخبرًا ابنه عن فحوى هذه الرؤيا: يا بني، إني رأيت في النوم أني أذبحك، فانظر ما ترى في ذلك، فأجاب إسماعيل أباه قائلًا: يا أبي، افعل ما أمرك الله به من ذبحي، ستجدني إن شاء الله من الصابرين الراضين بحكم الله.
الصافات 37:103
فلما خضعا لله وانقادا له، وضع إبراهيم ابنه على جانب جبهته لينفذ ما أمر به من ذبحه.
الصافات 37:104
ونادينا إبراهيم وهو يَهُمُّ بتنفيذ أمر الله بذبح ابنه: أن يا إبراهيم.
الصافات 37:105
قد حققت الرؤيا التي رأيتها في منامك بعزمك على ذبح ابنك، إنا - كما جزيناك بتخليصك من هذه المحنة العظيمة - نجزي المحسنين فنخلصهم من المحن والشدائد.
الصافات 37:106
إن هذا لهو الاختبار الواضح، وقد نجح إبراهيم فيه.
الصافات 37:107
وفدينا إسماعيل بكبش عظيم بدلًا منه يذبح عنه.
الصافات 37:108
وأبقينا على إبراهيم ثناءً حسنًا في الأمم اللاحقة.
الصافات 37:109
تحيةٌ من الله له، ودعاءٌ بالسلامة من كل ضر وآفة.
الصافات 37:110
كما جازينا إبراهيم هذا الجزاء على طاعته نجازي المحسنين.
الصافات 37:111
إن إبراهيم من عبادنا المؤمنين الذين يفون بما تقتضيه العبودية لله.
الصافات 37:112
وبشرناه بولد آخر يصير نبيَّا وعبدًا صالحًا وهو إسحاق؛ جزاءً على طاعته لله في ذبح إسماعيل ولده الوحيد.
الصافات 37:113
وأنزلنا عليه وعلى ابنه إسحاق بركة منا، فأكثرنا لهما النعم، ومنها تكثير ولدهما، ومن ذريتهما محسن بطاعته لربه، ومنهم ظالم لنفسه بالكفر وارتكاب المعاصي واضح الظلم.
الصافات 37:114
ولقد مننا على موسى وأخيه هارون بالنبوة.
الصافات 37:115
وسلمناهما وقومهما بني إسرائيل من استعباد فرعون لهم ومن الغرق.
الصافات 37:116
ونصرناهم على فرعون وجنوده، فكانت الغلبة لهم على عدوهم.
الصافات 37:117
وأعطينا موسى وأخاه هارون التوراة كتابًا من عند الله واضحًا لا لبس فيه.
الصافات 37:118
وهديناهما إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو طريق دين الإسلام الموصلة إلى مرضاة الخالق سبحانه.
الصافات 37:119
وأبقينا عليهما ثناءً حسنًا وذكرًا طيبًا في الأمم اللاحقة.
الصافات 37:120
تحيةٌ من الله طيبة لهما وثناءٌ عليهما ودعاءٌ بالسلامة من كل مكروه.
الصافات 37:121
إنا كما جازينا موسى وهارون هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين بطاعتهم لربهم.
الصافات 37:122
إن موسى وهارون من عبادنا المؤمنين بالله العاملين بما شرع لهم.
الصافات 37:123
وإن إلياس لمن المرسلين من ربه، أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة.
الصافات 37:124
إذ قال لقومه الذين أرسل إليهم من بني إسرائيل: يا قوم، ألا تتقون الله؛ بامتثال أوامره، ومنها التوحيد، وباجتناب نواهيه، ومنها الشرك؟!
الصافات 37:125
أتعبدون من دون الله صنمكم بَعْلًا، وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين؟!
الصافات 37:126
والله هو ربكم الذي خلقكم، وخلق آباءكم من قبل، فهو المستحق للعبادة، لا غيره من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر.
الصافات 37:127
فما كان من قومه إلا أن كذبوه، وبسبب تكذيبهم فهم مُحْضرون في العذاب.
الصافات 37:128
إلا من كان من قومه مؤمنًا مخلصًا لله في عبادته؛ فإنه ناج من الإحضار إلى العذاب.
الصافات 37:129
وأبقينا عليه ثناءً حسنًا وذكرًا طيبًا في الأمم اللاحقة.
الصافات 37:130
تحيةٌ من الله وثناءٌ على إلياس.
الصافات 37:131
إنا كما جازينا إلياس هذا الجزاء الحسن نجزي المحسنين من عبادنا المؤمنين.
الصافات 37:132
إن إلياس من عبادنا المؤمنين حقًّا الصادقين في إيمانهم بربهم.
الصافات 37:133
وإن لوطًا لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين.
الصافات 37:134
اذكر حين سلمناه وأهله كلهم من العذاب المرسل على قومه.
الصافات 37:135
إلا زوجته، فقد كانت امرأة شملها عذاب قومها؛ لكونها كانت كافرة مثلهم.
الصافات 37:136
ثم أهلكنا الباقين من قومه ممن كذبوا به، ولم يصدقوا بما جاء به.
الصافات 37:137
وإنكم - يا أهل مكة - لتمرون على منازلهم في أسفاركم إلى الشام في وقت الصباح.
الصافات 37:138
وتمرون عليها كذلك ليلًا، أفلا تعقلون، وتتعظون بما آل إليه أمرهم بعد تكذيبهم وكفرهم وارتكابهم الفاحشة التي لم يسبقوا إليها؟!
الصافات 37:139
وإن عبدنا يونس لمن رسل الله الذين أرسلهم إلى أقوامهم مبشرين ومنذرين.
الصافات 37:140
حين فرّ من قومه من غير إذن ربه، وركب سفينة مملوءة من الركاب والأمتعة.
الصافات 37:141
فأوشكت السفينة أن تغرق لامتلائها، فاقترع الركاب لِيُلْقُوا بعضهم؛ خوفًا من غرق السفينة بسبب كثرة الركاب، فكان يونس من هؤلاء المغلوبين، فألقوه في البحر.
الصافات 37:142
فلما ألقوه في البحر أخذه الحوت، وابتلعه، وهو آت بما يُلام عليه؛ لذهابه إلى البحر بغير إذن ربه.
الصافات 37:143
فلولا أن يونس كان من الذاكرين الله كثيرًا قبل ما حل به، ولولا تسبيحه في بطن الحوت.
الصافات 37:144
لمكث في بطن الحوت إلى يوم القيامة بحيث يصير له قبرًا.
الصافات 37:145
فألقيناه من بطن الحوت بأرض خالية من الشجر والبناء، وهو ضعيف البدن لمكثه مدَّة في بطن الحوت.
الصافات 37:146
وأنبتنا عليه في تلك الأرض الخالية شجرة من القرع يستظل بها ويأكل منها.
الصافات 37:147
وأرسلناه إلى قومه وعددهم مئة ألف، بل يزيدون.
الصافات 37:148
فآمنوا وصدقوا بما جاء به، فمتعهم الله في حياتهم الدنيا إلى أن انقضت آجالهم المحددة لهم.
الصافات 37:149
فاسأل - يا محمد - المشركين سؤال إنكار: أتجعلون لله البنات اللاتي تكرهونهن، وتجعلون لكم البنين الذين تحبونهم؟! أي قسمة هذه؟!
الصافات 37:150
كيف زعموا أن الملائكة إناث، وهم لم يحضروا خلقهم، وما شاهدوه؟!
الصافات 37:151
ألا إن المشركين من كذبهم على الله وافترائهم عليه لينسبون له الولد، وإنهم لكاذبون في دعواهم هذه.
الصافات 37:152
ألا إن المشركين من كذبهم على الله وافترائهم عليه لينسبون له الولد، وإنهم لكاذبون في دعواهم هذه.
الصافات 37:153
هل اختار الله لنفسه البنات اللاتي تكرهونهن على البنين الذين تحبونهم؟! كلا.
الصافات 37:154
ما لكم - أيها المشركون - تحكمون هذا الحكم الجائر حيث تجعلون لله البنات، وتجعلون لكم البنين؟!
الصافات 37:155
أفلا تتذكرون بطلان ما أنتم عليه من هذا الاعتقاد الفاسد؟! فإنكم لو تذكرتم لما قلتم هذا القول.
الصافات 37:156
أم لكم حجة جلية وبرهان واضح من كتاب بذلك أو رسول؟!
الصافات 37:157
فأْتُوا بكتابكم الذي يحمل لكم الحجة على هذا إن كنتم صادقين فيما تدعونه.
الصافات 37:158
وجعل المشركون بين الله وبين الملائكة المستورين عنهم نسبًا حين زعموا أن الملائكة بنات الله، ولقد علمت الملائكة أن الله سيحضر المشركين للحساب.
الصافات 37:159
تنزه الله وتقدس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به سبحانه من الولد والشريك وغير ذلك.
الصافات 37:160
إلا عباد الله المخلصين؛ فإنهم لا يصفون الله إلا بما يليق به سبحانه من صفات الجلال والكمال.
الصافات 37:161
فإنكم أنتم - أيها المشركون - وما تعبدون من دون الله.
الصافات 37:162
لستم بمضلين من أحد عن دين الحق.
الصافات 37:163
إلا من قضى الله عليه أنه من أصحاب النار، فإن الله ينفذ فيه قضاءه فيكفر، ويدخل النار، أما أنتم ومعبوداتكم فلا قدرة لكم على ذلك.
الصافات 37:164
وقالت الملائكة مبينة عبوديتها لله، وبراءتها مما زعمه المشركون: وليس منا أحد إلا له مقام معلوم في عبادة الله وطاعته.
الصافات 37:165
وإنا - نحن الملائكة - لواقفون صفوفًا في عبادة الله وطاعته، وإنا لمنزِّهون الله عما لا يليق به من الصفات والنُّعوت.
الصافات 37:166
وإنا - نحن الملائكة - لواقفون صفوفًا في عبادة الله وطاعته، وإنا لمنزِّهون الله عما لا يليق به من الصفات والنُّعوت.
الصافات 37:167
وإن المشركين من أهل مكة كانوا يقولون قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم: لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة مثلًا؛ لأخلصنا لله العبادة، وهم كاذبون في ذلك، فقد جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن فكفروا به، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
الصافات 37:168
وإن المشركين من أهل مكة كانوا يقولون قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم: لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة مثلًا؛ لأخلصنا لله العبادة، وهم كاذبون في ذلك، فقد جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن فكفروا به، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
الصافات 37:169
وإن المشركين من أهل مكة كانوا يقولون قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم: لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة مثلًا؛ لأخلصنا لله العبادة، وهم كاذبون في ذلك، فقد جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن فكفروا به، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
الصافات 37:170
وإن المشركين من أهل مكة كانوا يقولون قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم: لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة مثلًا؛ لأخلصنا لله العبادة، وهم كاذبون في ذلك، فقد جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن فكفروا به، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
الصافات 37:171
ولقد سبقت كلمتنا لرسلنا إنهم منصورون على أعدائهم بما منَّ الله عليهم به من الحجة والقوة، وإن الغلبة لجندنا الذين يقاتلون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا.
الصافات 37:172
ولقد سبقت كلمتنا لرسلنا إنهم منصورون على أعدائهم بما منَّ الله عليهم به من الحجة والقوة، وإن الغلبة لجندنا الذين يقاتلون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا.
الصافات 37:173
ولقد سبقت كلمتنا لرسلنا إنهم منصورون على أعدائهم بما منَّ الله عليهم به من الحجة والقوة، وإن الغلبة لجندنا الذين يقاتلون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا.
الصافات 37:174
فأعرض - أيها الرسول - عن هؤلاء المشركين المعاندين إلى مدة يعلمها الله حتى يأتي وقت عذابهم.
الصافات 37:175
وانظرهم حين ينزل بهم العذاب، فسيبصرون حين لا ينفعهم إبصار.
الصافات 37:176
أفيستعجل هؤلاء المشركون بعذاب الله؟!
الصافات 37:177
فإذا نزل عذاب الله بهم فبئس الصباح صباحهم.
الصافات 37:178
وأعرض - أيها الرسول - عنهم حتى يقضي الله بعذابهم.
الصافات 37:179
وانظر فسينظر هؤلاء ما يحل بهم من عذاب الله وعقابه.
الصافات 37:180
تنزه ربك - يا محمد - ربّ القوة، وتقدس عما يصفه به المشركون من صفات النقص.
الصافات 37:181
وتحية الله وثناؤه على رسله الكرام.
الصافات 37:182
والثناء كله لله سبحانه وتعالى، فهو المستحق له، وهو رب العالمين جميعًا، لا رب لهم سواه.