تفسير الراغب الأصفهاني — البقرة 2:144 – البقرة 2:286
المحتويات
- البقرة 2:144
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:160
- البقرة 2:163
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
- البقرة 2:170
- البقرة 2:171
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:175
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:179
- البقرة 2:180
- البقرة 2:181
- البقرة 2:182
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:187
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:192
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:202
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:205
- البقرة 2:206
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:209
- البقرة 2:210
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:218
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
البقرة 2:144
قيل: عدل إلى لفظ الإيمان ألذي هو عام في الصلاة وغيرها ليفيدهم أنه لم يضع لهم شي مما عملوا به ثم نسخ عنهم،
فإن قيل: ولم لم يقل إيمانهم؟ قيل: ذكر بلفظ الخطاب ليتناول الماضين والباقين تغليباً لحكم المخاطب على الغائب في اللفظ، ثم بين بقوله تعالى: (إن الله بالناس لرؤوف رحيم) أنه لا يضيع إحسانهم وهو رؤوف بهم، فإن رأفته بالناس وإضاعة إحسانهم متنافيان لا يجتمعان.
قوله عز وجل:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ الآية: (١٤٤) سورة البقرة،
قطر وشطر وشطن ألفاظ متقاربة المعاني تقارب ألفاظها، فقطر معناه انفصل عن قطره أي بجانبه ومنه القطرة القليل المنفصل من المانع، وشطر: انفصل وتباعد، ودار شطور منفصلة عن الدور، وشطون بعيدة، وقد يستعمل الشطور موضع الشطون لكن الشطون لما هو أبعد، ورجل شاطر أي منفصل عن الجماعة بالخلاعة، وشاطرته: أي أخذت شطرا وتركت له شطرا، وشاة شطور لها ضرع واحد وأحد ضرعيها أكبر كأنه لا يعتد بالآخر، وتوجهت شطره أي نحوه اعتبارا بالشطر المقابل من شطريه، وتقلب الوجه أبلغ من تقلب العين، على أن الوجه يراد به التوجه كقولك: " وجهتي إلى فلان "
إن قيل: هل كان يستخط - عليه السلام - توجهه إلى بيت المقدس حتى قيل ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾؟
قيل لم يقصد بذلك أنك كنت ساخطة، وإنما كان - عليه السلام - يحركه السر، ويعلم بما يلقى في روعه أن الله تعالى يريد تغييراً في القبلة، وكان يتشوفه ويحثه، وقيل معنى (ترضاها) أي يرضاها، لكن يبين بهذا القول أن مرادك لم يخالف مرادي.
وقول مجاهد وابن زيد، أحب النبي عليه السلام التوجه إلى الكعبة مخالفة لليهود وقول ابن عباس فإنه أحبها اقتداء بإبراهيم عليه السلام وقول الزجاج إنه أحبها لاستدعاء العرب بها إلى الإسلام فكلها صحيحة إذ لا منافاة بين هذه الإرادات، وهذه منزلة يشير إليها أولو الحقائق ويذكرون أنها فوق التوكل، لأن قاضية المتوكل الاستسلام لما يجري عليه من القضاء كأعمى يقوده بصير فهو به، وهذه المنزلة هي أن يحرك الحق سره بما يريده فعله، وربما يكون ذلك بوحي من خارج لقوله، تعالى لإبراهيم أسلم، وربما كان ذلك بإلهام من باطن كما أوحى إلى أم موسى، ومعنى (تقلب وجهك في السماء) أي تطلعك الوحي المنزل، وقيل: إن في ذلك تنبيهاً على حسن أدبه حينما انتظر ولده يسأل، فالولي الذي حصلت له القربة قد ينقص عن المسألة اتكالاً على ما تيسر له، كما روي عنه عليه السلام أنه قال أن الله تعالى يقول:
(من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل من ما أعطى السائلين)....
وعلى ذلك أول أمية بن أبي الصلت:
إذا أثنى عليك المرء يوماً...
كفاهُ من تعرضك الثناء
وبين تعالى بهذه الآية رغبة النبي عليه السلام في التوجه إلى الكعبة وإلحائه، وقرن به علم أهل الكتاب بأن ذلك حق من الله- عز وجل- ونبه بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ على وعيد لهم.
ووعد المؤمنين في إلحائهم وإمتناعهم...
إن قيل: من أين علم أهل الكتاب أن ذلك حق؟
قيل: لما تضمن كتبهم من ذكر النبي- عليه السلام-، وعلمهم أن عبادة الله أن يخص كل رسول من أولى العزم بقبلة غير قبلة من تقدمه أنفاً...
إن قيل: كيف خاطبه أولاً بقولها ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ ثم عم بقولها: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، قيل: أما خطابه الخاص أولاً، فتشريفاً له، وإيجاباً لرغبته وإنجازاً لوعده، وأما خطابه العام بعده، فلأنه، كان يجوز أن يعتقد أن هذا أمر قد خص عليه السلام به كما خص بقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولأنه لما كان تحويل القبلة أمراً له خطر خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك أبلغ، فمعلوم من السلطان إذا خاطب والياً من قبله بأمر ذي بال يعمه، ورغبته أن يخصه بخطاب مفرد ليكون ذلك أوقع عندهم [وأدعى لهم إلى قبولهم]، وليكون لهم في ذلك تشريف، ولأن في الخطاب العام تعليق حكم أخر به، وهو أنه لا فرق بين القريب والبعيد في وجوب التوجه (إلى الكعبة)، والضمير في قوله ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قيل هو التحويل قيل: هو التوجه، والقولان في التحقيق واحد.
قوله عز وجل:
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية: (١٤٥) - سورو البقرة.
إن قيل؟ كيف حكم، بأنهم لا يتبعون قبلتك وقد أمن منهم فريق- قيل: قال بعضهم: إن هذا حكم على الكل دون الأبعاض، وهذا صحيح بدلالة أنك لو قلت: ما أمنوا، ولكن آمن بعضهم لم يكن منافياً، وقيل عنى به وأقوام مخصوصون وقيل: عنى ما تبعوا قبلتك بقلوبهم، وقوله: (يوما أنت بتابع قبلتهم)، أي لا يكون ذلك منك، فمحال أن من عرف الله حق معرفته يرتد، وقد قيل: (ما رجع من يرجع إلا من الطريق)، أي: " ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول "...
إن قيل: فقد يوجد من يحصل له معرفة ثم يرتد؟ قيل: إن الذي يقدر أنه معرفة، وهو ظن متصور بصورة العلم، فأما أن يتحصل العلم الحقيقي ثم يعقبه الارتداد فمحال ولم يعن بهذه المعرفة
البقرة 2:146
ما جعله الله تعالي للإنسان بالفطرة، فإن ذلك كشررة تخمد إذا لم تتوقد، وبين أن بعضهم لا يتبع قبله البعض، وذلك لارتكابهم الهوى وتأنيهم عن تأمل الهدى، وحذر نبأ عن اتباع أهوائهم، ونبه أن اتباع الهوى بعد التحقق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة، وقد أكثر الله تحذيره من الجنوح إلى الهوى حتى كرر ذلك في عدة تواضع، وقول من قال الخطاب للنبي - ﷺ - والمعني به الأمة، فلا معني لتخصصه، فإن الله تعالى يحذر نبيه من اتباع الهوى أكثر مما يحذر غيره المنزلة الرفيعة إلى تحديد الإنذار عليه أحوج حفظاً لمتركته وصيانة لمكانته، وقد قيل: حق المرأة المجلوة أن يكون بعدها أكثر إذا كان القليل من الصدأ عليها أظهر..
إن قيل: كيف أجاب فقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، ولايقال إن جئتني ما فعلت، وإنما يقال: لم أفعل؟ قيل: قد قال سيبويه: إن ذلك لما تضمن معنى القسم، فأدخل على أن اللام صار جوابه كجواب القسم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ وقال الأخفش: لما كان إن،) وهو متضمنان الشرط حمل " إن "، عدى " لو " فعلى هذا يصح أن يقال " إن أتيتني ما أكرمتك "، وعلى قول " سيبوية " لا يصح ما لم يكن مع " إن " اللام نحو للئن.
قوله - عز وجل -:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
الآية (١٤٦) - سورة البقرة.
أتيناهم أبلغ من قوله: (أوتوا)، فإن (أوتوا) قد يستعمل فيمن لم يكن له قبول، وأتيناهم أكثر ما جاء فيمن له قبول نحو: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾، وعلى ذلك كل مما جاء من نحو هذا فيما يختص بإكرام نحو: ﴿هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾، وقوله (يعرفونه) أي العلم الذي هو النبوة
البقرة 2:147
المتقدم ذكرها في قوله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وقيل، عنى النبي عليه السلام بقوله: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ وقيل: يعرفون أن التوجه إلى الكعبة حق واختلاف أقاويلهم باختلاف نظراتهم إلى الألفاظ من حيث المعنى بأن معرفة الرسول عليه السلام ومعرفة صدق قوله وصحة ما يأمر به من أمر القبلة متلازمة، وإنما قال: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ولم يقل أنفسهم، لأن الإنسان لا
يعرف نفسه إلا بعد انقضاء برهة من دهره، ويعرف ولده من حين وجوده، ثم في ذكر الابن، ما ليس في ذكر النفس، فإن الإنسان عصارة ذاته ونسخة صورته، وإنما قال: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ ولم يقل يكتمونه، لأن في كتمان أمره كتمانه الحق جملة، وزاد في ذمهم بقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
فقد قيل: ليس المرتكب ذنباً عن جهل كمن يرتكبه عن علم...
قوله عز وجل:
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الآية (١٤٧) - سورة البقرة.
الامتراء من) مريت الناقة) إذا مسحت ضرعها، وبه شبه مري الريح السحاب الممطر، ومرى الفارس فرسه للعدو، واستعير الممتري للمتردد، وفي الحكم، ولهذا استعمل فيه المتحير، وهو من حار إذا رجع، وبين أن كل حق هو من الله تعالى، إما بإبداعه وإيجاده وصنعه، وإما بأمره وإما توفيقه، وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ليس بنهي عن الشك، وإذ كان ذلك ليس بقصد من الشاك، بل هو حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها، وعلى ذلك قوله تعالي: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
البقرة 2:148
قوله - عز وجل -:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الآية: (١٤٨) - سورة البقرة.
أي: لكل أمة، وقيل لكل نبي وجهته، وقيل قبلة، وقيل: شريعة، وذلك في المعنى واحد، وهو ضمير
لله- عز وجل- أي الله موليها إياه، وقيل: ضمير للكل: أي كل موالي جهته، وقرئ: (هو مولاها)
فيكون هو ضمير ضمير الكل ولا يحتاج إلى تقدير ضمير أخر، وقيل: معنى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أي
للناس كلهم الآن وجهة، وهي الإسلام تنبيهاً أن الأديان به نسخت، نحو: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وفي الآية قول آخر، وهو أن الله تعالى قيض الناس في أمور دنياهم وأخراهم لأحوال متفاوتة، وجعل بعضهم أعوان بعض فيها، فواحد يزرع، وآخر يطحن، وأخر يخبز وكذلك في أمر الدين، واحد يجمع الحديث، وواحد يطلب الفقه، والثالث يطلب الأصول وهم في الظاهر مختارون وفي الباطن مسخرون وإليه أشار النبي بقوله: " كل ميسر لما خلق له " وجعل للكل سبيلاً للوصول إليه تلالي، وإذا راعى ما هو بصلاة وأدى الأمانة فيه، ولهذا سئل بعض الصالحين عن تفاوت الناس في أفعالهم، فقال: في ذلك طريق إلى الله تعالي وصل إليه، أراد أن يعمرها بعباده فبين أن لكل طريقاً إذا تجرى فيه وجه الله تعالي وعلى ذلك قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، كقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ وقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يعني أي شغل تحريتم، وحيثما صرفتم، وأي معبود اتخذتم فإنكم مجموعون ومحاسبون عليها...
البقرة 2:149
قوله - عز وجل -:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
الآية: (١٤٩) - سورة البقرة.
إن قيل: ما وجه تكرير (فول وجهكم) قيل: إعادة ذلك لحكمة لطيفة، وهو أنه ذكر لتغيير القبلة ثلاث علل من قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) - الأولى: إكرامه تعالى نبيه - عليه السلام- إن ولاه قبلة أبيه إبراهيم ابتغاء مرضاته، وهو قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ) والثانية: إخباره أن لكل صاحب دعوة قبلة وهو قوله: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ)، والثالثة: قطع حجة معانديه وهو قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، فقرن بذكر في علة معلولها الذي هو الفرض، وذلك قوله: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) لقولك: إن هذا فرض لسبب كذا، وفرض لسبب كذا، فيعتد المعلوم مع العلة، وهذا أبلغ من قول من قال: لما طال القصة، واعترض فيما بينها ما فيه زيادة بيان أعاد الحكم نحو: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، وأنه أعاد " لما جاءهم " وأشار بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلي تحقيق ما قدمه، فبين أنه إذا كانت الحكمة تقتضي أن لكل صاحب شرع قبلة تختص بها وأنت صاحب شرع، فتغيير القبلة لك حق،
إن قيل: لم خص الأول بلفظ الرب، والثاني بلفظ الله؟
قيل: لأن الأول لما نبهنا على الاستدلال على حكمته بالنظر إلى أفعاله ذكر لفظ الرب المقتضى [للنعم المسطر فيها إلى المنعم] ويستدل بها عليه، ولما انتهى إلى ذكر الوعيد ذكر لفظ الله تعالى المقتضي للعبادة التي من أحل بها عليه استحق أليم عقاب.
البقرة 2:150
قوله - عز وجل -:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
الآية (١٥٠) - سورة البقرة.
فإن قيل: لم كرر قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، قيل: حث بأحدهما على التوجه نحو القبلة بالقلب والبدن في أي مكان حصل الإنسان نائياً كان عنها أو دانياً منها، وذلك حال الاختيار والتمكن، وحث بالآخر على التوجه بالقلب نحوه عند اشتباه القبلة، وفي حال المسامعة، وفي صلاة النافلة في حال المسير في السفر وعلى الراحلة...
إن قيل: كيف استثنى الذين ظلموا وذلك يقتضي أن يكون لهم حجة، ؟ قيل: الحجة ههنا موضوعة موضع الاحتجاج نحو: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ ومعناه: لئلا يحتج عليكم أحد إلا وهو وظالم، وقوله: (لئلا) إبانة عن الغرض، والعاقل لا يقصد إلا عارضاً يصح أن يصيبه، فالمؤمن لا يقصد بذكر الحجة أن يكف الناس بها عن الاحتجاج لعلمه أن منهم معانداً لا يبالي بارتكابه الباطل، والله تعالى لا يأمر بدلك لكونه غير مستطاع، فكأنه قال: أقصدوا بالحجة دفع الناس إلا الظالمين، وقيل الظالمون إشارة إلى مشركي العرب حيث قالوا:
" إن محمد عاد إلى فبلتنا "، وقد استدل بعضهم على أن الناس ههنا لمشركي قريش بما روي في الخبر أن كل ما في القرآن من قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فمخاطبة لأهل مكة، وما فيه من (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فمخاطبة لأهل المدينة، وقول من قال تقديره: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. إلا حجة الذين ظلموا، قال: والظالم لا حجة له في الحقيقة فصار كقول الشاعر:
ولا عيبَ فيهِمْ غيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ....
بِهِنَّ فُلُولُ
البيت راجع إلى الأول وأما قول أبي عبيدة إن تقديره " والذين ظلموا " فإن أراد أن معناه هذا على تقدير ما تقدم فصحيح، وإبل أراد أن معناه بمعنى " الواو " هبعيد، وقول الشاعر الذي احتج به وهو قوله:
ماَ بالمدينة دارٌ وَأحِدةٍ
دارُ الخَليَفة إلا دارُ مَرَوانِِ
فتقديرها: ما بالمدينة دار إلا دار مروان غير واحده، وهي دار الخليفة، فقد أثبت دارين فصار من حيث المعنى، كما قال: ليس معنى إلا معنى الواو، وإن قيل: أي حجة لهم على ألكفار إذا فعلوا ذلك، وأي حجة تسقط عنهم، قيل لما ذكر الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، ومن أن التوجه إلي الجوانب سواء في المعقول أبان أق إنما قصرهم على جانب واحد لئلا يختلف توجيههم فيحتج عليهم الكفار بالاختلاف، ويقولون: ما بالكم تصلون إليها تارة وإلى غيرها أخرى، وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أي لا تراقبوهم ولا تستحيوا منهم، وذلك لما علم أن كلامهم عناد للعقيدة عند ظهور الحجة عن التزامها، فقال لهم ذلك والخشية قد تجري مجرى المراقبة والاستحياء في قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ وإتمام نعمته هو أن نعم الله تعالى ضربان: أحدهما موهوب، والآخر مكتسب،
البقرة 2:151
فالموهوب: كجودة الحفظ والفهم وصحة البدن والجاه، وكل ذلك لا يستحق بحصوله الحمد، ولا بفواته الذم، والمكتسب كالعلم والعمل الصالح المتوصل بهما إلى الثواب وهو الإيمان، وبه يستحق المدح والذم، فبين تعالى أنه إذا ائتمرتم في أمر القبلة، وصلتم إلى الحالة التي يحصل لكم الخشية المشار إليها بقوله:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فقد أتممت نعمتي عليكم) واستتممتموها)
قوله عز وجل:
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
الآية (١٥١) - سورة البقرة.
ما مع ما بعده مصدر، أي: كإرسالنا، والكاف فيه متعلق بقوله ولأتم نعمتي عليكم، أي إذا أنتم ائتمرتم في أمر القبلة وخشيتم الله دون الناس أتم عليكم كلمته كنعمته بإرسال رسول هكذا تنبيها أن النعمة في بعثته ودعائه العالم إلى دين مخالف لدينهم، ووعدكم أته سيظهر دينه على الأديان كان أعظم من تغيير القبلة، وقد وفى بذلك، وقيل: تتعلق الكاف بقولها " اذكروني " وهو بعيد...
إن قيل: كيف أخر فيما حكى عن إبراهيم عليه السلام قوله: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا) ذكر التزكية عن تعليم الكتاب والحكمة وقدمها هاهنا؟ قيل: التزكية من الله عز وجل ضربان، أحدهما الشهادة بطهارة الإنسان، وذلك يكون بتزكية الإنسان نفسه، وذلك مؤخر عن تحصيل الإنسان الكتاب والحكمة والعمل بهما، وإياهما عنى إبراهيم- عليه السلام- في دعائه، فلذلك أخر، والثانية من الله - عز وجل- تبين أحكامه الشرعية، ومن العبد العمل بها، وذلك متقدم علي معرفة حقائق الكتاب والحكمة وهي المعنية ههنا، فلهذا قدم
البقرة 2:152
أن قيل: وما معنى ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؟
وهل ذلك إلا الكتاب والحكمة؟
قيل: عنى بقوله: ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ اللعوم التي لا طريق إلى تحصيلها إلا بالوحي على ألسنة الأنبياء، ولا سبيل إلى إدراك جزئياتها ولا كلياتها إلا به، وعنى بالحكمة والكتاب ما للعقل مدخل في معرفته شيء منه، وأعاد ذكره يعلمكم مع قوله: ﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تنبيهاً أنه علم مفرد عن المتقدم ذكره... قوله - عز وجل -:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
الآية (١٥٢) - سورة البقرة.
الذكر حضور الشر بالقلب والقول، فلهذا قيل: الذكر ذكران ذكر باللسان، وذكر بالقلب، وقد
يكون ذلك لحضور لا عن نسيان، وقل يكون عن نسيان، ولهذا فيل: الذكر ذكران، ذكر لكن نسيان،
وذكر لا عن نسيان.
وإلى الثاني ذهب الشاعر في قوله:
وكيف أذكره إذ لست أنساه؟
وقال بعض العلماء: لما خص الله هذه الأمة بفضل قوة زائدة على ما لبني إسرائيل، قال لبني إسرائيل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، فأمرهم بتذكر نعمته المنبهة عن الغفلة لينظروا منها إليه وقال لهذه الأمة:) فاذكروني)، فأمرهم أن في يذكروه بلا واسطة
إن قيل: ما الفرق بين شكرت لزيد، وشكرت زيداً؟ قيل: شكرت له هو أن يعتبر إحسانه الصادر عنه فيثنى عليه بذلك وشكرته: إذا لم تلتف إلى فعله، بل تجاوزت إلى ذكر ذاته دون اعتبار أفعاره، فهو أبلغ من شكرت له، إذ قد يكون للإنسان فعل في الظاهر محمود، ثم لا يكون ذلك الإنسان على الإطلاق محموداً، وإنما قال:) واشكروا لي)، ولم يقل: (واشكروني) علماً بقصورهم عن إدراكه بل عن إدراك الآية كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ فأمرهم أن يعدوا بعض أفعاله في الشكر له، وشكر الله عز وجل- أصعب عبادة أشرفها، ولهذا قيل: غاية شكر الله الاعتراف بالعجز عنه، فكل نعمة يمكن شكرها إلا نعمة الله، فإن شكرها نعمه منه، فذلك بتوفيقه، فإن العبد محتاج أن يشكر نعمته الثانية كشكره للأولى، وهدا يؤدي إلى مالا يتناهى، فلهذا قيل: لا يقدر عليه، ولصعوبة الشكر قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، ولم يثن على أنبيائه وأوليائه بالشكر إلا على أثنين، على نوح حيث قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، وعلى إبراهيم حيث قال: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾، فذكر ذلك بلفظ أدى العدد تنبيهاً على شرف هذه المنزلة وصعوبتها...
إن قيل: علم عطف قول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟
قيل: على قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، وذلك أنه لما أمرنا باستقبال القبلة، وبين العلة وأنه يريد أن يتم نعمته عليكم كما أنعم ببعثته رسوله أعاد النظم الذي هو الأمر، فأمر بالذكر الواجب بعضه في الصلاة، وبعضه في غيرها، وإن قيل: ولم قال بعده: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ ولم يقتصر على أحد اللفظين؟ قيل: لما كان الإنسان قد يكون شاكراً في شي ما، وكافرا في غيره، فيصح أن يوصف بهما على حسب النظر إلى فعليه، فلو اقتصر على قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ لكان يجوز أن يتوهم إن من شكره مرة أو على نعمة ما فقد امتثل، ولو اقتصر على قوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ لكان يجوز أن يتوهم أن ذلك نهى عن تعاطي قبيح دون حث على الفعل الجميلة فجمع بينهما لإزالة هده الشبهة، ولأن في قوله:
البقرة 2:153
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ نهيأ عن الكفر المطلق، وذلك معنى [زائد على قوله (واشكروا لي) وقدم قوله] ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ وأخر قوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ تنبيها على أن ترك الشكر كفران...
إن قيل: فلم قال: (ولا تكفرون) ولم يقل (ولا تكفروا لي)؟ قيل: لأنه يقتصر من العبد على شكر نعمه، ولا يقتصر منه على أن لا يكفر نعمه، بل نهى عن الكفر به أكثر مما نهى عن كفر نعمه، إذ قد يعفو عن كفر بعض النعم ولا يعفو عن الكافر المطلق... قوله - عز وجل -:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
الآية (١٥٣) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في الصبر والصلاة وأنواعهما، فحث الله تعالى على الصبر، إذ هو ذريعة إلي فعل كل خير ويبدأ كل فضل، فإن أول التوبة الصبر عن العاصي، وأول الزهد الصبر عن مناجاة الدنيا، وأول الإرادة الصبر على طلب ما سوى الله، ولهذا قال عليه السلام: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد)، وقال: (والصبر خير كله) والصلاة هي المقتضية للخشوع والداعية إلي ترك الفحشاء قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ولا أمر بالذكر والشكر حث على الاستعانة بالصبر والصلاة - تنبيهاً أنه بهما يتوصل إليه، فإن الصبر مبدأ الإيمان، والشكر منتهاه ولهذا قال عليه السلام: " الصبر نصف الإيمان " ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فضمن صحبته إياهم تنبيهاً على قرب فيضه وتوفيقه، كما قال:
البقرة 2:154
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ تنبيهاً أنه يراعيهم بالعناية،
إن قيل: لم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يقل: " مع المصلين " وقال في أخرى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ فاعتبر الصلاة دون الصبر؟ قيل:
لما كان فعل الصابرين أشرف وأعلى من الصبر، إذ قد ينفك الصبر من الصلاة ولا تنفك الصلاة من الصبر ذكر ههنا الصابرين، فمعلوم أنه تعالى إذا كان مع الصابر، كان لا محالة مع المصلي أكثر ثم قال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها أنها أشرف منزلة من الصبر فقد ترك توفية حق الصلاة من تصبر في كثير من الأحوال.
قوله - عز وجل -:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
الآية (١٥٤) - سورة البقرة.
قد تقدم أن الحياة تقال على أوجه، وكل واحدة يقابلها موت، الأول: في القوة النامية التي بها الغذاء والشهوة إليها، وذلك موجود في النبات والحيوان والإنسان، ولذلك يقال: نبات حي، والثاني في القوة الحساسة التي بها الحركة المكانية وهي موجودة في الحيوان والإنسان دون النبات، والثالث القوة العاملة العاقلة [وبها يكون العقل والعلم] وهي في الإنسان دون الحيوانات والنبات وبها يتعلق التكليف، وقد يقال للعلم المستفاد الحقيقي، والعمل الصالح حياة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وقيل: " المحسن حي وإن كان في دار الأموات، والمسيء ميت وإن كان في دار الأحياء "، ونرجع إلى معنى الآية فنقول: إن بعض المعتزلة لم يعتبر في ذلك تفصيلاً، وقال عني: بإثبات الحياة ونفى الموت عن الشهداء يوم الحساب، لا في الحال قالا ولا اختصاص لهم، بل إنما علق الحكم بهم، لأنه في ذكرهم، ولو ذكر معهم غيرهم
لذكرهم بحكمهم واستجهل من قال إذ! م أحياء وقال: قد علم أن رسول الله ﴿- ﷺ -﴾ والشهداء في
قبورهم، وهم لا يأكلون ولا يشربون، واستجهاله لن خالفه هو لأنه فرغ إلى الحس الذي قد نفى الله تبارك وتعالى بقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تحسون ولا تدركون ذلك بالمشاعر أي الحواس تنبيهاً أن ذلك مما السبيل إلى معرفته الفرق إلى العقول وإلى الاعتبارات الصحيحة [دون الحواس] وإما علي طريقة غيرهم فمعلوم، وقد أجمعوا على أنه لا يثبت لهم الحياة التي بها النمو والغذاء ولا الحياة التي بها الحس، فإن فقدانهما عن الميت محسوس ومعقول، فبعض المفسرين اعتبر المعنى الآخر الذي هو العلم المستفاد والعمل الصالح، فقال: إن الله تعالى نهى أن يسمى الشهداء أمواتا في حكم الدين، فقال: لا تقولوا لهم ما قال المشركون، ولكن قولوا هم أحياء في الدين، وهذا صحيح...
وبعضهم اعتبر الحياة المختصة بالإنسان، وقال: إن هذه الحياة مختصة بالقوة المروية المسماة تارة الروح، وتارة النفس، وتارة النسمة قال: والموت المشاهد هو مفارقة هذه القوة أي الروح البدن، فمتى كان الإنسان محسناً كان منعماً بروحه، [مسروراً بمكانه] إلى يوم القيامة، وإن كان مسيئا كان به معذباً، وإن الحسن يعلم في بذلك بعد موته، وإلى هذا ذهب الحكماء ودلوا عليه بالبراهين والأدلة وهو مذهب أصحاب الحديث، ويدل على صحته الأخبار والآيات المروية عن النبي - ﷺ -، بل إليه ذهب عادة أصحاب الملل كلها ولم يخالفهم إلا جماعة من المعتزلة، حيث جعلوا الأنواع أعراضاً لا قوام لها إلا بالأجسام، وأنها مهما فارقت الأجسام بطلت، ومما دل على صحة ذلك قوله عليه السلام: " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " وما روى أمير المؤمنين علي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " فإن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفى عاماً، إن الروح في قناديل معلقة تحت العرش "، وقال في أرواح الشهداء ما عرفت وما روي عنه- عليه السلام- " إن الميت ليرد على جماعة من الأموات، فلا يزالون يسألونه عن معارفهم وجيرانهم، وهو يخبرهم ويصف لهم حتى يجري ذكر الرجل " فيقول ة قد مات قبلي بمدة، فيقولون: إنا لله، سفُل به، وإن كان من الصالحين قالوا: على به ومعلوم أنه لم يرد عليهم بالأشباح، وإنما ذلك الإلقاء بالأرواح وروي أنه لما قتل [من قتل] من صناديد قريش يوم بدر، فجمعت جثثهم في قليب، ثم أقبل النبي - ﷺ -، فخاطبهم بقوله: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً "، قيل: يا رسول الله: أتخاطب جيفاً؟
فقال: [ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب] وما روي أنه قال: " رأيت نسمة
البقرة 2:155
أدم " إلى غير ذلك من الأخبار، وعلى ذلك قوله عز وجل ﴿اوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، وقال في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وهذا يعني به قبل القيامة بدلالة أخر الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وإلى هذا المعنى ذهب جماعة الصحابة والتابعين، قال مجاهد: " يرزقون من ثمر الجنة فيجدون ريحها وليسلوا فيها "..
وقال ابن عباس والربيع وغيرهما: " أرواح الشهداء في أحواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها "
قوله - عز وجل -:
﴿ولنبونكم بشي وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
الآية (١٥٥) - سورة البقرة.
البلاء: المبالغة في الاختبار، كأنك [أبليته] وأخلقته من كثرة ما اختبرته به، ولذلك يقال: بليت فلاناً أي خبرته، والكلام في نسبة الابتلاء إلى- عز وجل- كما تقدم في.
قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ وإنما يراد به ظهور الفعل دون حصول العلم، والخوف توقع مكروه، والجوع استدعاء البدن عوض ما تحلل عنه، ونقص الأموال: ذهاب بعض ما حوته اليد، ونقص الأنفس: افتقاد الإنسان بعض قواه في ذاته، أو بعض جوارحه [أو سمعه أو بصره] أو بعض أقاربه وأخلائه، ونفس الثمرات: فقد المتوقع من الدخل والربح، وهذه الجملة مشتملة على محن الدنيا كلها.
إن قيل: هل ابتلاء الله الناس بهذه النوائب عام لهم أم خاص لبعضهم؟ وهل ذلك في زمان دون زمان؟ أو فبم كل زمان؟ قيل: أما بالنظر الخاصي فعام لهم وفي كل زمان، وذاك أن الناس لا ينفكون في الدنيا في شيء من الحالات عن شي ما من المحن، بل في حال اليسار يساق بهم إلى محنة فإذا ما هم في محنة وإن كانوا في صحة ولهذا روي:: كفى بالسلامة داء "..
وقال الشاعر:
إذا كان الشبابُ يعوُدُ شيباً...
وهمَّا فالحياةُ هيَ الحمامُ
فالعاقل بتفكره يعلم أن ماله وبدنه وذويه ونعمه عارية مستردة، فإذا عرضت له نائبة كان له من الصبر مطية لا تكبو، ومن الرضا بقضاء الله سيف لا ينبو، وإما بنظر أعم من ذلك، فإن الله تعالي لا أجرى عادة الدنيا أن لا تنفك من هذه الآفات المذكورة، وأنها قد تنال الأخيار كما تنال الأشرار، جعلها ابتلاء لأوليائه لكي إذا تلقوها بالصبر حط بها وزرهم، وإلا عظم به أجرهم.
وخص بعض المفسرين هذه الأشياء فقال: أراد بالخوف: ما ينال في مجاهدة العدو وبالجوع: صوم شهر رمضان وبنقص من الأموال، ما أوجب من الزكوات، وبنقص الأنفس: الأمراض وبنقص الثمرات: الصدقات وجعل بعضهم هذه الأشياء المحن الظاهرة العامة، لكن خص المخاطبين بأنهم أصحاب النبي- عليه وعليهم السلام خاصة، فقال: " إن الله- عز وجل أبلاهم بهذه الأشياء الظاهرة للحواس " المتبينة للكل ليعلم من بعدهم أنهم لم يتحروا في أتباع النبي- عليه السلام- طلب عرض، بل تبعدوه لتحققهم بمعرفة الحق وظهور الحجج، وجعل بعض المعتزلة المخاطبين والمحن المذكورة جميعا مخصوصين، وقال ذلك كل في أصحاب النبي- عليه السلام-، وعني بالخوف: خوفهم من الأعداء وبالجوع فقرهم بتشاغلهم بالجهاد، ونفس الأموال: للانقطاع عنه إلى الجهاد عن عمارة بساتينهم، والأنفس: للقتل في سبيل الله، قال: وكل دلك من فعل الله- عز وجل- لا من الكفار، وجعل دلك مخصوصاً تفادياً كما أن يكون بعمومه ناسباً إلى الله تعالي فعلاً قبيحاً ولو اتسع نظره، لأمن مما يحذره، وعلى هذا القبيح والسخط للقضاء ليس يعني شيئاً، وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله، والقصد له والاستهانة بما يعرض في طريق الوصول فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها، وقصد هذا المقصد ووطن نفسه عليه.
وعلى هذا النحو قوله: عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، وقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
إن قيل: لم فصل بقوله: (لا تقولوا) الآية بين هذه الآية والتي قبلها من قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ وهي بمعزل منهما؟ قيل: بل هي متصلة بهما، لأنه لما حث على الصبر وأكثر الصبر إنما لطلب الحياة ولما يعين علي الحياة، بين تلك الآية أن ذلك الصبر يوصل إلى حياة باقية كما قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ وكما قال- عليه السلام: " اللهمَّ لا عيشّ إلا عَيشُ الأُخرةِ "
البقرة 2:156
ليرغبنا في الصبر، ثم لما قرر ذلك أنبأ عما يحملنا من هذه المحن كي يخف علينا تحملها، ثم ختمه بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
قوله - عز وجل -:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
الآية (١٥٦) - سورة البقرة.
المصيبة من: أصاب السهم، إذا بلغ على صواب، وهي في الأصل صفة، وليس يريد بالقول اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع القبيح والسخط للقضاء ليس يعني شيئاً وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله، والقصد له والاستهانة بما يعرض في طريق الوصول، فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها، وتصور بها المقصد ووطن نفسه عليه.
فإن قيل: ولم قلت إن الأمر بالصبر يقتضي العلم، وما الصبر من العلم؟
قيل: الصبر على الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبة، ولهذا قال الخضر لموسى لما علم أن ليس يرف مقصده في فعله قال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ فدل أن حقيقة تحمل الصبر لأبد له من معرفة المقصود به، وقال عليه السلام " أعطيت أمتي ما لم يعط أحد، قال يعقوب [عند المصيبة] يا أسفي، وأعطيت أمتي أن يقولوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وقال عليه السلام: " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل
البقرة 2:157
له خلقاً يرضاه "، وقال عمر في ذلك: " نعم العدلان، ونعم القلادة "، وحقيقة الرجوع إليه تتبين في قوله- عز وجل- ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فهو أدق معنى مما قدره من قال: (إنا راجعون) إلى أن لا يملك أمورنا غيره كما كنا في الابتداء، فجعل ذلك رجوعأ لهم.
قوله - عز وجل -:
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
الآية (١٥٧) - سورة البقرة.
الصلاة وإن كانت في الأصل الدعاء، فهي من الله البركة على وجه، والمغفرة على وجه، وهي الرحمة وإن كانتا متلازمتين فهما مفترقتان في الحقيقة، وإنما قال:) صلوات) على الجمع تنبيها على كثرتها منه وإنها حاصلة في الدنيا توفيقاً وإرشادا، وفي الآخرة ثواباً ومغفرة، ثم بين أن من كان كذلك فهو المهتدي تنبيهاً علي ملازمة هذه المعاني الصبر.
البقرة 2:158
قوله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾
الآية (١٥٨) - سورة البقرة.
الصفا: الحجارة الصافية عن الطين، والمروة: ما كان صلباً شديداً، والشعائر جمح الشعيرة، أي علامة محسوسة، ومعالم الحج مشاعر وشعائر، وسمي الهدى المعلم بذلك، والحج: القصد بمعرفة، ومنه الحجة، والعمرة في الأصل الزيارة المقتضية لعمارة المودة في الأصل، فكان الحج هو الزيادة والعمرة عمارتها، ولهذا يتأخر ذكرها في القرآن، ويجب الدم على من قدمها في أشهر الحج
أوقرنها به لتقديم ما من حقه أن يؤخر، وهذا ينبه أن الإفراد أفضل من التمتع والقرآن
فإن قيل: فكيف ندب النبي- عليه السلام أصحابه إلى فسخ الحج والانتقال إلى العمرة، على هذا قيل: إنه أراد أن ينزلهم عن اعتقادهم أنما الاعتبار في أشهر الحج من أكبر الكبائر، والجناح الميل إلى الإثم، أصله من الجناح و " جنح الطائر " حرك جناحه، وبه شبه سير الإبل، فقيل جنحت الإبل في السير، كقوله طارت، وجنوح السفينة لتشبه السابح بالطائرة ولهذا قيل: السابح طائر في الماء، والطائر سابح في الهواء، وجنح الظلام ألقى جناحه، ألا ترى أنه يقال: ألقى الظليم أرواقه كما يقال: ألقى الظالم أرواقه؟ والتطوع: تكلف طوع أي انقياد، وهو في التعارف التبرع بما لا يلزم، وإنما قال: لا جناح وذلك واجب، لأن العرب كانت تكره السعي في الجاهلية وقيل: أنها كرهت لصنمين كانا قيل عليهما يعتقدون أنما لهما السعي، فتأثموا لذلك فأنزل الله تعالى الآية، وأما الوجوب: فمستفاد من الخبر، وهو قوله:) أسعوا) فإن الله كتب عليكم السعي، وروي أن عروة قال لعائشة- رضي لله عنها: " ما أرى جناحي أن لا يطوف بين الصفا والمروة فقالت: " بئسما قلت، لو كان كذا لقال: " أن لا يطوف بهما ".
البقرة 2:159
وقد قيل: إن قوله: " لا جناح " كلام تام، وإن قوله: (عليه أن يطوف) استئناف يقتضي الوجوب، وقرئ (يطوع) على تقدير " يتطوع "، وبين بقولها: (فمن تطوع) أي من زاد على ذلك، فإن الله عز وجل- يبينه فشكر الله- عز وجل- للعبد الإحسان إليها وقد تقدم أن الشكر كما بالقول يكون بالفعل، وعلى ذلك قوله عز وجل: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، وليس شكر الأرفع للأوضع إلاً بقبوله حمده والإفضال عليه بذلك... قوله - عز وجل -:
﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾
الآية (١٥٩) - سورة البقرة.
اللعن الإبعاد على وجه الطرد، وصار في التعارف دعاء إذا قيل: لعنه الله والبينة والهدى وإن كانا متلازمين فإنهما مختلفان، فإن البينات يشار بها إلى الآيات المنزلة والهدى إلى ما يستدل به من الأمارات، وقيل: الأمة في أهل الكتاب العالمين أمر النبي عليه السلام، وقيل: هي عامة، وسواء خصت الآية أم لم تخص، فحكم الله عام في أن من كتم علماً عن مستحق له استحق العقوبة، وعلى هذا قال عليه السلام: " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار " وليس ذلك بمناف يقول من منع حقائق الحكمة عمن لا يستحقها، فإن ذلك دعاء له أن يترشح لقبولها وحسن سماعها وحفظها لئلا يستعين بها في طريق السر، فليس العلم بأهون على الله- عز وجل- من المال الذي هو عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وقد منع أن يمكن منه السفيه الذي لا يحسن مراعاته، فقال:
البقرة 2:160
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
واللاعنون: قيل هو عام في الملائكة والناس ودواب الأرض، وما روي أنه تلعنهم الهوام فتقول: (منعنا القطر بمعاصي بني آدم)، فذلك تنبي أحوالها أنهم مستحقون من الله اللعن، فكأنه ناطقة بذلك كقولك لمن رأيت له أثرا قبيحاً على فرسه: " إن فرسك تشكوك وتلعنك "، وعلى ذلك قول الشاعرفي ناقته:
يقولُ إذا ادَرَأتُ لها وضيني...
أهذا دينُهُ أبداً وديني
وأما ما يتصوره بعض الناس في أن يكون للهوام تمييز ولعن بالقول، فذلك ممتنع بوجه مخصوص ليس هذا موضع شرحه.
قوله - عز وجل -:
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
الآية (١٦٠) - سورة البقرة.
لما كانت التوبة استدراك ما ارتكب من المآثم بما يغمره هن أفعال الخير على ما تقدم ذكره، فمن يكتم البينات والهدى عن الناس فإنه مع جنايته في نفسه أفسد الناس ومنع حقهم، فإذن لا يكفيه من التوبة أن يغير نيته بالندم والعزم على أن لا يعاود مثله حتى يصلح ما أفسده بقدر طاقته ويظهر ما كتمه، كما أن من غصبه مالاً يكون موفياً حق التوبة حتى يرد ما غصبه، وضمن تعالى
أنه يتوب عليهم إذا فعلوا ذلك وبين بقوله: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أنه ليس يفعل ذلك بهم فقط، بل يتوب على كل تائب، ولمي حق توبته ويرحمه.
البقرة 2:163
قوله عز وجل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾
الآيتان (١٦١، ١٦٢) - سورة البقرة.
لما بين في الأول من تاب من ذنبه تاب عليه ورحمه بين في هذا أن من مات على كفره فالعقوبة لازمة له،
إن قيل: أليس قد قال في الأول: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ فلم أعاد ههنا فيل لأمرين، أحدهما أنه عم ههنا، وخص في الأولى الذين يكتمون الحق والثاني أنه في الأولى ذكر أن اللعنة تتوجه إليهم وهم يستحقونها، وفي الثانية ذكر أن اللعنة تقر عليهم، ولهذا قال عليهم:
ن قيل.
هل الناس عام حتى أكده بأجمعين؟
قيل: نعم، وذلك أن المؤمنين وصالحي العباد يلعنونهم، وهم يلعن بعضهم بعضاً: كما قال: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وكل يلعن نفسه ويلعن بعض جوارحه وقواه بعضة، كما تشهد عليه، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قيل: في اللعنة، وقيل: في النار، وهما في الحقيقة واحد، فكل من عليه اللعنة فهو في النار، وقرئ ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، ويكون ذلك عطفآ
على المعنى دون اللفظ.
قوله - عز وجل -:
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾
الآية (١٦٣) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في الواحد إذا وصف به البارئ عز وجل وقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يجوز أن يكون خطاباً عاماً أي المستحق منكم العبادة وهو إله واحد لا أكثر، ويجوز أن يكون خطاباً للمؤمنين،
البقرة 2:164
والمعنى: الذي يقصدونه إله واحد تنبيهاً أنكم لستم كالكفار الذين يعبدون آلهة من الأصنام والشيطان والهوى وغير ذلك.
إن قيل: ما فائدة الجمع بين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وبين ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وأحدهما يبنى على الآخر؟
قيل: لما بين بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أنه المقصود بالعبادة أو المستحق لها، وكان يجوز أن يتوهم أن يوجد إله غيره ولكن لا يعبد أولا يستحق العبادة أكده بقوله: (لأ إله إلاً هو)، وحق لهذا المعنى أن يكون مؤكدا ويكرر عليه الألفاظ [الملخصة]، إذ هو مبدأ مقصود العبادة ومنتهاه.
قوله عز وجل:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
الآية (١٦٤) - سورة البقرة.
اختلاف الليل والنهار: أن يخلف كل واحد منهما الأخر، كقوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، وقوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ وقوله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، والفلك: السفينة المدورة، وبه شبه فلك السماء، ولذلك استعمل فيه السباحة وفلكة المغزل، وفلكت الجارية صار ثديها كفلكة، وفلكت الجدي: وضعت فلكه على لسانه يمنعه عن الرضاع، والفلك يقال للواحد والجمع، وذلك أنه يقال للواحد فلك، وفلك نحو: نُخل ونَخْلٍ وعُربٍ وعَرّب، وعُجْمِ وعَجَم، ومن قال: فلك يجمعه على فلك نحو أسَدٍ وأُسْدٍ فتداخل الواحد والجمع من لغتين، والبث إظهار ما كان خفياً عن الحاسة هما كان أو غيره، والدبيب أصله حكاية صوب المشي، ثم قيل: دب إذا مشى، ويقال لكل ما يمشي دابة، وتم خص بالفرس، والدب خص بضرب من السباع، وأن الدبة والدبدبة فاعتبارا بصوتهما، والتصريف: صرف الشيء من وجه إلى وجه، وصريف الباب منه، لكن اعتبر فيه الصوت، فبني بناء الأصوات كالنهيق والشهيق وغير صارف تصرف الفحل إلى نفسها بإظهار شبقها، والصرف والصريف المصروف عن الكدورة، لكن خص الصريف باللبن والصرْف بسائر الأشربة، وقوله: (وتصريف الرياح) يجوز أن يكون تقديره: تصريف الله الرياح، وأضيف إلى المفعول، وتصريف الرياح والسحاب، فيكون مضافاً إلى الفاعل والسحب جر الثوب، والسحابة هو لما تجره الريح، والتسخير القهر علي الفعل وهو أبلغ من الإكراه، فإنه حمل الغير علي الفعل بلا إرادة منه على وجه كامل الرحى على الطحن،
إن قيل: لم جمع السماء وأفرد الأرض في كل القرآن؟
قيل: لأن السماوات لما كانت في الحقيقة سبعاً وطبائعها مختلفة على ما ذكر أصحاب هذه الصناعة، وكل واحدة مستمدة القوة مما فوقها ومعطية ما دونها، والأرض وإن كانت سبعاً، فليس على ذلك الوجه، لأنها بالأقاليم لا بالطبقات المتراكمة تراكب السماء وطبيعتها واحدها، ولهذا قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ فترك اللفظ مفرداَ، ونبه بمثلهن على العدل الذي يعد به الأقاليم، وإنما ذكر هاهنا لفظ الخلق، لأنه مشتمل علي الإبداع والصنع والتسخير، وخص فعل الله تعالى بذلك لكونه موضوعا للتقدير المقتضي للأحكام، وهو تعالى أحد الحاكمين، ونبه تعالي على وحدانيته بالتفكر في الموجودات وذكر من آياته مالا يخفى أمر صنعته على ذوي الحواس والعقول ليستدل به كل على قدر فهمه ويقف منه على معارف بمبلغ علمه.
إن قيل: كان الوجه أن يعقد ذكر السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار بتصريف الرياح والسحاب التي هي من آثار الجو ومختصة بفعل الله- عز وجل-، ثم يعرج على ذلك الفلك التي هي
البقرة 2:165
في الأرض وفيها أثر أيدي البشر، حتى يكون على النسق، قيل إن إيجاد البحر مقدم على إيجاد الأمطار والرياح والسحاب، فكل ذلك إنما ينشأ عن البحار الساطع من رطوبة البحار ويبوسة الأرض، وذلك مبين في كتب المعنيين بمعرفة هذه الصنعة، ولما لم يكن فرق بين أن يقال: (والفلك التي تجري في البحر) وبين أن يقال: (والبحر الذي تجري فيه الفلك) في أن القصد الأول بالآية أن يعرف منفعة البحر وإن أخر في اللفظ، وقدم ذكر الفلك التي هي من صنعتنا، ونحن بصنعتنا أعرف منا بصنعته.
قدم ذكر الفلك لننظر منها إلى أثار الله تعالى، وقال بعض الناس:
لم يعن بالفلك والبحر المحسوسين فقط، بل عنى بالبحر كل شبها وحيرة ومشقة، وبالفلك ما فيه إيقاد البشر من فائض النور والعقل أمدهم به، وغير ذلك من المعادن المعقولات والمحسوسات، وقد تقدم أن من الناس من قال: الإشارة بالماء في نحو هذه المواضع إلى العلوم التي بها الحياة الأبدية وما في الأرض إلى النفوس التي بها تحيا الحياة الأبدية، ولما ذكر الله تعالى في الآية الأولى:
) وإلهكم إله واحد) جعل هذه الآية دلالة عليه تنبيها أن كل موجود لا ينفك من أن يكون مكوناً غير مكون، أو مكوناً من وجه مكوناً من وجه أو مكوناً وغير مكون، ومحال أن يكون كل مكون مكوناً لأن ذلك يؤدي إلى ما لا يتناهى، فإذن لابد أن تنتهي الموجودات إلى مكون غير مكون، وذلك هو الباري- عز وجل-، فنبه أن أثر الصنعة موجود في هذه الأشياء، فلابد أن تكون مكونة، وهذا هو الدلالة على وحدانيته علي طريق الجملة..
قوله - عز وجل -:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾
الآية (١٦٥) - سورة البقرة.
الند: المثل في الجوهر، وقد تقدم، والحب أصله من الحب، وبه شبه حبة القلب وحبيبه يقال على وجهين، أحدهما: أصبت حبة قلبه، نحو كبدته وفادته، والثانية أصبته بحبة القلب، نحو: رمحته وعنيته، أصبته بالعين، فقولك: حببته وأحببته هو في اللفظ فعل، وفي الحقيقة قد يكون انفعالاًَ، لأن المحب يكون منفعلاً للمحبوب، وإذا أستعمل في الله تعالى فقيل: " أحب الله فلاناً "، فليس إلا على سبيل الفكر والمعنى: أصاب الله تعالى حبة قلبه، فجعلها لنفسه مصونة عن الهوى والشيطان وسائر أعداء الله، والمحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيراً، وهي أربعة أضرب بحسب أعراض الناس في أمورهم، اللذة، والنفع، والخير المحض، والمركب من اللذة، والنفع [لمحبة المغني له والمغني بعضهما لبعض]، وكل محبة ينقطع سببها انقطعت بانقطاعها، ولما كانت الشهوات البدنية والمنافع الدنيوية منقطعه، فالحب الذي يجلبانه منقطع لا محالة بانقطاعهما، ولما كان الخير المحض باقياً، كان الحب الذي يجلبه باقية ببقائه، ولما بين تعالى توحيده والدلالة عليه ذكر بعد أن مع ظهور الآيات المنبئة عنها من الناس من يتخذ نداً لنفسه بحبه، ويراعيه مراعاة الله تعالى ثم نبه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ أن محبتهم لأندادهم منقطعة، فإن أسبابها المقتضية لها منقطعة، ومحبة المؤمنين له دائمة، إذ هو دائم والند المشار سواء كان صنماً معبوداً أو رئيساً مخدوماً، أو مالاً منعقداً، أو إنساناً معشوقاً، فإن كل ذلك محبوب لن يراعيه من وجه ومعبود من وجه ثم بين بقوله: (ولو ترى) ما أعد هم من العذاب الأليم، فإذا قرئ بالياء، فإن ما بعده هو مفعول يرى وجواب " لو " محذوف، وقيل: إن القوة مفعول الفعل المحذوف الذي هو جواب، كأنه قيل: لرأوا أن القوة لله جميعاً، وإذا قرئ
بالتاء، فخطاب النبي على طريق التعظيم، ومعناه: أنك مع علمك بأحوال القيامة لو رأيت لتعجبت، وقوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، قيل: هو بدل من الذين، وهو ضعيف وقيل: هو مفعول الفعل المقدر للجواب، وقيل: تقديره: لأن، وقد قرئ إن مكسورة ولا يكون إلا علة والمفعول محذوف.
البقرة 2:166
قوله - عز وجل -:
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾
الآية (١٦٦) - سورة البقرة.
السبب: أصله الحبل الذي تشد به (الخيم) ويرتقي به الشجر، ثم جعل عبارة عن كل ذريعة من مواصلة وذمة، والسبب والسبيبة للشقة من الثياب تشبيهاً به في الهيئة، وبعض الصنعة، وسببته في الأصل كناية معناه: أصبت سببه، ولكنه سمى الإصبع سبابه، لكونها مشيرة بالسب، كما قيل لهامسبحة لإشاراتها بالتسبيح، وتقدير الآية: (أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ).
إذ تبرأ المتبعون من تابعهم، كقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، وقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وقوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾، وكما حكى عن الشيطان: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾، وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾
البقرة 2:167
قوله عز وجل:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾
الآية (١٦٧) - سورة البقرة.
الكر: هو العطف على الشيء بالذات، أو بالفعل، وعبر به عن الجبل المعقول، والكرير: تكرر الحشرجة في الصدر، والحسرة أصلها من حسرات القناع، وكأنها كشف ما غطى القصيرة من الهوى، وعلى ذلك:
تحَّلى غطاءِ الرأْسِ عني ولَمْ يَكَدْ
غطَاءُ فؤادي ينْجليِ يًستْرٍيحُ
ولما كان عند ذلك لغرض الندم والغم بما كان من الإنسان عبر به عنهما، فقيل أصابته حسرة، وقوله: كذلك أي كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وبين الله تعالى ما يظهرونه من الندم باتباع مالا يغنى عنهم من الله شيئاً وينسيهم مالا يجري نفعاً، وقوله: أعمالهم دخل فيها [الأعمال التي فعلوها] ولم يريدوا وجه الله بها، فضلت عنهم، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، ودخل فيها الأعمال التي فرضت عليهم، فأحلوا بها، وعلى ذلك روي أن الجنة ترفع لهم، فينظرون إليها فيقال: تلك مساكنكم لو أطعتم الله عز وجل، وترفع النار لأهل الجنة فيقال لهم: تلك مساكنكم لو عصيتم الله - عز وجل -....
البقرة 2:168
قوله - عز وجل -:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
الآية (١٦٨) - سورة البقرة.
الحلال: من حللت العقدة، وهو الذي حل لكنه عقدة الخطر، وجل بالمكان، أي حل عقد أحماله، كقولهم: حط رحله، وألقى أرواقه وحل الدين، أي حل عقد المطالبة، وحل من إحرامه، حل ما عقده على نفسه بالإحرام، وتحلة اليمين: ما تنحل به عقدة اليمين، والإحليل: لمخرج اللبن والبول لانحلال عقدته، والطيب: ما تستطيبه الشهوة المستقيمة والعقول الصحيحة أما بالإضافة إلي الشهوة المستقيمة فهو ما يشتهي لا لاضطرار كالجرذ والفأر والحرية والدم، أو لعادة سيئة كأكل الضب، ولهذا قال الشاعر:
إنكً لوْ ذُقتَ الكسِيَّ بالأُكبادِ...
لمَاَ تركْتَ الضَّب يعدوُ بالوادِ
وكعادة المخبث والمئل إلى الذكور عن النساء، وأما بالإضافة إلى العقول الصحيحة، فما يكون متناولاً من حيث ما يجوز متبلغأ به إلى ما خلق لأجله وأن لا يقصد به شرك كما يذبح على النصب والخبيث على العكس، والحلال أعم من الطيب، والحرام أعم من الخبيثة فقد يكون حراما مالا يكون خبيثاً في نفسه بالعقل كتحريم ما يقسم بالأزلام، واستعمال الذهب والفضة، ولبس الحرير على الذكور، وجمع بين الحلال والطيب في الآية ليفيد ما استطابه الطبع وأباحه الشرع، ولا ذكر إباحة الطيب، وكان كثيرا ما يزين الشيطان لبعض الناس ما ليس بالطبع الصحيح طيباً، كعادة المخنث اتبعه بقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ كقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾، وقد تقدم أن لا فرق بين أن يقال " اتبع فلان الهوى " وبين " اتبع الشهوة أو الشيطان أو الحياة الدنيا في أن
البقرة 2:169
المقصد [بجميع ذلك] متابعة ما يصد عن سبيل الله- عز وجل-، ونبه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أن عداوته لا تخفى على ذي بصيرة، وهذا المعنى الذي أراده الشاعر وإن نقل اللفظ إلى الدنيا، حيث قال:
إذا امتْحَنَ الدُّنْيا لبيبٌ تَكَشَّفتْ....
لهُ عنْ عدًو في ثيابِ صّدِيِق.
وقول آخر:
عمْرِب لقدْ نَصَحَ الزمَانّ وإنهٌ...
لمنَ العجاَئبَ ناصحٌ لاَ يُشْفِقُ.
قوله- عز وجل:
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ الآية (١٦٩) - سورة البقرة.
السوء والفحشاء كل قبيح من نحو الزنا، والسرقة، والسكر، والقتل، والخيانة، والكذب والحسد والجهل [وكل ما يقال له سوء] يقال له فحشُ، لكن بنظرين مختلفين، فإنه سمي سوءاً لاغتمام العاقل به، والفحشاء بأن يستفحشه، ونبه تعالى بأن الشيطان داع إلى إتيان الشر والسوء والفحش والتقول على الله عز وجل،
إن قيل: إن كان التقول على الله عز وجل بما لا يعلم من عمل
الشيطان، فكيف يصح الحكم بغالب الظن في كثير من الأحكام، فإن عامة فروع الفقه مبنية علي غلبة الظن، قيل: أما أولاً: فليس ذلك تقولاً على الله تعالى، وإنما ذاك تقول على أحكام، وقد فرق المتكلمون
البقرة 2:170
بين الحكمة العلمية وبين الحكمة العملية وقالوا: كل ما كان من الحكمة العلمية، وهي التي لا عمل لها كالإيمان بالله وملائكة وكتبه ورسله، فإنه لا يجوز إن يحكم فيه ألا بالعلم المصون عن الشوائب، وما كان من الحكمة العملية فأصولها كذلك وأما فروعها: فيجور الحكم فيها لغلبة الظن لتفسيح صاحب الشرع لنا في ذلك، فصار حكمنا فليه من هذا الوجه حكماً بالعلم، لأنه إذا قال لنا: إذا غلب في ظنك أن القبلة في هذا الجانب، فصل إليه، وإذا شهد عندك شاهدان مزكيان فاحكم بشهادتهما صرنا
عالمين بأن هذا الحكم واجب علينا في الظاهر، وهذه مسلمة قد أحكمت في أصول الفقه، وأما سؤال من سأل من المتكلمين في هذه الآية بأنه كيف يأمرنا الشيطان ونحن لا نسمع قوله ولا نرى شخصه، وما الحكمة في إيصال الله- عز وجل- أمر الشيطان إلى نفوسنا، فهل وما يجري مجراه من الأسئلة سؤال من لم يتخط المحسومات والموهومات إلى باب المعقولات، ومحال الاشتغال معه [بهذه الحرمات].
قوله - عز وجل -:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
الآية (١٧٠) - سورة البقرة.
ذمهم الله بأنهم أبطلوا ما خص الله به الإنسان من الفكر والروية وركزه فيه من المعارف، وذلك أن الله تعالى ميز الإنسان بالفكر ليعرف به الخير من الشر في الاعتقاد والصدق من الكذب في المقال والجميل من القبيح في الفعال لم يتحر الحق والصدق الجميل، ويتجنب أضدادها، وجعل له من نور العقل ما يستغنى به فيدله على معرفة مطلوبه، فلما حث الناس على تناول الحلال الطيب، ونهاهم من متابعة الشيطان بين حال الكفار في تركهم الرشاد واتباعهم الآباء والأجداد، ليحذر من الاقتداء بهم تاركين استعمال الفكر الذي هو صورة الإنسان [وحقيقته] ثم قال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أي يتبعونهم وإن كان آباؤهم جهلة- تنبيهاً أنه محال اتباع من لا عقل له ولا اهتداء..
إن قيل: ما فائدة الجمع بين قوله: (يعقلون، ويهتدون) وأحدهما يغنى عن الآخر؟
قيل: قد تقدم أن العاقل يقال على ضربين، أحدهما: لمن يحصل له القوة التي بها يصح التكليف، والثاني: لمن يحصل له العلوم المكتسبة وهو المقصور ههنا، والمهتدي قد يقال لمن افتدى في أفعاله بالعالم وإن لم يكن مثله في العلم، فبين أنهم لا يعقلون ولا يهتدون، بعالم ووجه أخر، وهو أن يلقي ويهتدي وإن كان كثيرات ما يتلازمان، فإن العقل يزال بالإضافة إلى المعرفة، والاهتداء بالإضافة إلى العمل، فكأنه قيل: لا علم لهم صحيح ولا عمل مستقيم.
البقرة 2:171
قوله - عز وجل:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
الآية (١٧١) - سورة البقرة.
النداء من قولهم: ندىُّ الصوت، أي: غضُّ الصوت، وأصله من الندى، فناداه، أي دعاه بندى صوته، ولما حكى لله عنهم ما زعموا أنهم يتبعون أباءهم دل على جهلهم بأنهم كأغنام ينُعق بهم، فلا يعرفون مغزى الصوت ولا قصد المنادي، وقد تقدم الكلام في قوله، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾،
إن قيل: كيف يكون مثلهم مثل الناعق والذين كفروا بالمنعوق به أشبه، والذي ينعق بالمنادي، والداعي أشبه قيل: التشبيه ضربان، تشبيه مفرد بمفرد وحقه أن يحمل أحدهما على الأخر [نحو زيد كأسد، وتشبيه جملة بجملة] ولا يراعي فيه مقابلة الألفاظ المفردة، فلما شبه قصة الذين كفروا في إعراضهم عن الداعي لهم إلا الحق بقصة الناعق، [قدم ذكر الناعق ليبنى] عليه ما يكون منه، ومن المنعوق به، وعلى هذا قوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ وقيل: عنى بالذين كفروا المتبوعين لا التابعين، ومعناه: مثل الدين كفروا في دعائهم أتباعهم كمثل الناعق بالغنم [الذي لا يسمع لها الصوت]....
البقرة 2:173
قوله - عز وجل -:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
الآية (١٧٢) - سورة البقرة.
إن قيل: ما فائدة إعادة هذا المعنى وقد تقدم آنفا؟ وما الفرق بين هذا الخطاب والخطاب الأول؟ قيل في ذلك لطيفة وإشارة عجيبة، وذلك أنه حيث خاطب الناس كافة قال: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، فأباح لهم ذلك، ونبه أنه لم يحظر عليهم إلا تناول المحرم، وعقبه بالنهي عن اتباع الشيطان، وجعل الخطاب في هذه الأيام مخصوصاً بالمؤمنين وأمرهم أن لا يتوسعوا في تناول
ما رزقوا، بل يتحروا من الطيب تحري الناس مما في الأرض، وأنه في الأول بالتحرر عن خطوات الشيطان، وهو الارتسام له فيما يتخطى به عن المباح، وأمر ههنا بالشكر لله تعالى الذي هو أرفع منزلة في العبادة على ما تقدم ذكره، ونبه بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إن عبادته لا تتم إلا بشكره... قوله- عز وجل:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية (١٧٣) - سورة البقرة.
الإهلال: أصله وجود الهلال، ولما جرت العادة أن يكبروا عند رؤيته سمي التكبير إهلالاً، بل قيل لرفع الصوت أيضاً إهلال تشبيها بذلك حتى قيل: أهل الصبي، وأنا التهلل فظهور الهلال، فتارة يتصور لمعانه، فيقال: تهلل السحاب، وتهلل وجهه، وتارة يتصور شكله، فيقال: تهلل البعير إذا تقوس إن قيل:
لم ذكر تعالي بعض المحرمات وترك بعضها؟
قيل: في ذلك جوابان، أحدهما: أن المسكوت عنه هو تفصيل الميتة، وقد ذكر ههنا الميتة المستوعبة لكل ما مات روحه عن غير ذكاة، والثاني: أنه لما كان القصد في هذه الآية حكم تناول المضطر دون استيعاب المحرمات،) ذكر الكل منها وترك البعض، والباغي في الأصل الطالب لما ليس له طلب والعادي: المتجاوز لا رسم له بالشرع، وقال الحسن وقتادة والربيع وابن زيد: عنى بقوله: (غير باغ غير متناول للذة، ولا عاد في المعصية طريق المحقين، وإلى نحوه ذهب الشافعي- رحيمة الله عليه، والظاهر يشهد له، لأن قوله: (غير باغ ولا عاد) متعلق بحال الاضطرار، فكأنه قال: " من حصل له اضطرار " لا على أحد هذين الوجهين، وعلى الأول تقديره: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد فيكون غير متعلق بمقدر محذوف، ومن أنكر ذلك وقال: إنكم تأمرونه بقتل نفسه إذا خطرتم ذلك عليه، وقتل نفسه محرم عليه عاصياً كانوا أو مطيعاً، فجوابه إنا لم نأمره بذلك، بل أمرناه بأن ييخرج عن الحالة التي تكون الميتة محرمة عليه، وذلك بأن يتوب [وينزع عما هو عليه] وإلا كان متناولاً لمحظور كما أن سفره محظور،
فإن قيل: أليس من سفره طاعة؟ إنما أجل له للإضطرار.
لا للطاعة، فإذن العلة لمدير الضرورة، فيجب أن تكون مطردة، قيل: بل العلة هي الضرورة مع حصول الطاعة، فقد قال الحكماء وهو الصحيح: إن الله تعالى جعل للإنسان طيبات الرزق وبشرط الإيمان، ولهذا قال: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، خالصة يوم أخذه فما أخذه الكفار من نعيم الدنيا، فإنما يأخذه اغتصاباً في الحقيقة، ولذلك قد تستقيم أحوالهم، والآية تقتضي أن المضطر مخير في تناول أيها يريد وهو
البقرة 2:174
الصحيح، لأن عليه إنقاذ روحه بجهده، فما رأه أقرب إلى إبقائه، فهو أولى بتناوله، واختلف إذا أضطر إلى شي من ذلك في دواء لا يسد غيره مسده، هل يجوز تناوله؟
والصحيح أنه يجوز للعلة التي لها أجيز تناوله للجوع، وكذا الخمر إذا اضطر إليها في دواء
بحكم الأطباء أنه لا يسد غيره مسده، وأنه يفوت روحه إن لم يتناولها، قوله عليه الإسلام-، (إن الله- عز وجل لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)، فمعناه: إن قد رما فيه الشفاء غير محرم عليه، وعلى هذا نبه بالرخصة في شرب أبوال الإبل.
قوله- عز وجل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
الآية (١٧٤) - سورة البقرة.
البطن به شبُه بطن الأمر وبطن الوادي، والبطن من العرب اعتباراً بأنهم كشخص واحد، وأن كل قبيلة منهم كعضو بطن وفخذ وكاهل، وعلى هذا الاعتبار قال الشاعر:
الناسُ جسمٌ وإمام الهُدىَ...
رأسُ وأنت العينُ في الرأسِ
وقيل: بطن إذا عظم بطنه نحو جسم وكبر، وبطنته عظمت بطنه، وسمي ما يشدَّ عليه بطاناً على بناء حرام وزمام والإبطن عرق تكشف البطن على بناء الأكحل، وأعاد الله تعالى وعيد كاتمي أحكامه أثر ما.
ذكر من الأحكام، وما لم يقل ذلك من أهل الكتاب وتحذيراً لهذه الأمة أن يسلكوا سبيلهم وأكل النار تناول ما يؤدي إليها، وذكر الأكل لكونه المقصود الأول بتحصيل المال، وسماه بالمال الذي هو النار، وذكر في بطونهم تنبيهاً على شرههم، وتقبيحاً لتضييع أعظم النعم لأجل المطعم الذي هو أحسن متناول من الدنيا، وعلى ذلك قال الشاعر:
ودع عنك عمراً إن عمراً مسالمُ....
وهل بطنُ عمروٍ غيرُ سبرٍ لمطْعمِ؟
وقال آخر:
كُلُوا في بعض بطنكم تَعِِفًّو
وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.
وبقوله: " ولا يكلمهم " لم يعن نفي الكلام رأسا، فقد قال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ وقال: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾، وإنما أراد كلاماً يقتضي جدوى، ولهذا قال الحسن:
معناه يغضب عليهم تنبيها أنهم بخلاف من قال فيهم: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، وقيل: حقيقة كلمته حملته على الكلام نحو: حركته وخرجته، لأن من كلمته فقد استدعيت كلامه، فكأنه قيل: لا
البقرة 2:175
يستدعي كلامهم نحو قولهم: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
وقد تقدم الكلام في الاشتراك والقليل والتزكية.
قوله - عز وجل -:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾
الآية (١٧٥) - سورة البقرة.
الضلالة والعذاب يتلازمان، وكذلك الهدى والمغفرة، لكن الضلال والهدى يقالان على الاعتبار بالدنيا، والعذاب والمغفرة على الاعتبار بالآخرة، وجلل تعاطيهم لما يؤديها إلى النار بمنزلة الصبر على النار، وهذا معنى قول الحسن: ليس صبرهم على النار، ولكن أراد ما أجرأهم على النار، وقول أبي عبيد:
إن ذلك لغة " يمانية " بمعنى الجرأة، واحتجاجه بقول الأعرابي الذي قال لخصمه:
" ما أصبرك على الله؟، فتصور المجاز بصورة الحقيقة، لأن ذلك معناه: ما أصبرك على عذاب الله، وإلى هذا يعود قول من قال: ما أعملهم بعمل أهل النار! وما ألقاهم على النار!، وقد يوصف بالصبر من لا صبر له اعتباراً بالناظر إليه وتصوراً أنه صابر، واستعماله لفظ التعجب في ذلك اعتباراً بالخلق لا بالخالق...
البقرة 2:177
قوله - عز وجل -:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾
الآية (١٧٦) سورة البقرة.
ذلك إشارة إلى.
كل ما تقدم من العذاب والحكم والضلال، أي ذلك بسبب إنزاله الكتاب
واختلافهم فيه، ويصح أن يكون نصباً، أي فعلنا ذلك " بأن الله ".
وأصل الاختلاف التخلف عن المنهج، وقيل: اختلفوا: أتوا بخلاف ما أنزل الله، وقيل: اختلفوا بمعنى خلفوا، نحو كسبوا واكتسبوا، وعملوا واعتملوا، أي صاروا خلفاً فيه نحو: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ ورثوا الكتاب، والشقاق وقد تقدم ذكره، ووصفه ببعيد تنبيهاَ على بعدهم من الحق...
قوله - عز وجل -:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
الآية (١٧٧) - سورة البقرة.
الرقبة: أصل العتق، ويعبر بها عن الجملة كما يعبر عنها بالرأس والظهر والرجل واليد، ويعبر بها عن المملوك، وقيل رقبتُة: إذا أصبت رقبته بها بالسلاح، وإما بالعين ناظراً إليه، ثم سمي المراعي للغير رقيباً، والخطاب في هذه الآية للكفار والمنافقين الذين أنكروا تغيير القبلة، وقيل: بل لهم وللمؤمنين، حيث قدروا أنهم نالوا البر كله بالتوجه إليها، ولما كانت القبلة أحد أركان الصلاة، والصلاة إحدى فعلات البر، بين تعالى أن ليس البر بمقصور على هذا الذي تعتبرونه، بل هو حملها.
والقبلة ركن من أركان واحدة منها، ثم عدها وذكر جملتها وفرائضها ونوافلها وبيان [ذلك أن جميع البر ضربان: اعتقاد، وأعمال فالاعتقاد] أصوله الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والأعمال ضربان: أحدهما ما يأخذ الإنسان به نفسه في معاشرة الناس من الأقارب والأباعد من ذلك المعروف والمواساة والتحبب إليهم بالسر والقول الحسن.
والثاني: ما يتخصص به في نفسه من إقامة العبادات واستعمال الصدق والوفاء والتواضع والصبر، وقد نبه الله عز وجل- على جميع ذلك بهذه الآية، إما على الاعتقاد فبقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾، وإما على ما يأخذ به الإنسان نفسه في معاشرة الناس فبقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، فإنه ذكر الجود الذي هو من وجه أفضل هذه الأفعال، ومن وجه هو كل هذه الأفعال فإن الجواد كما يتبرع بماله يتورع عن مال غيره، وكما يجود بماله، يجود بجاهه وبطلاقة وجهه، وعند الحقيقة- بنفسه، ودل على ما تخصص به في نفسه بقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ إلى أخر الآية، وكل ما سكت عنه فداخل تحت ما ذكره، أو منبة عليه، ونبه أن الآيتين بذلك بر، وهو المؤدي إلى النعيم المدلول عليه بقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾، وبين تعالى بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ بأن الذين تحروا ذلك إدا اعتبرتهم بأفعالهم وأقوالهم فهم الذين صدقوا، وإذا اعتبرتهم بأفعالهم وأحوالهم فهم المتقون، والصدق والتقوى وإن اختلفت حقيقتاهما فهما متلازمان،
إن قيل:
ما وجه قوله- عليه السلام- لما سأله أبو ذر عن البر، وتلا عليه الآية، ولما سأله وابصة عنه: قال " ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس " الخبر قيل إن أباذر سأله عن ذات البر، فبينه بالآية، ووابصة سأله عن كيفية تحريه والاشتياق من نفسه في تعاطيه، فبين بصفته. إن قيل: لِمَ لَمْ يقل: (ولكن البر بر من أمن)، أو: (البار من آمن) ليتطابقا؟
قيل: قد ذكر النحويون في هذا وأمثاله أنه على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ولكن وجه فائدته أنه إذا قل " زيد بار "، فإنه يعتبر في قولك: بار سيان الذات، والصورة والمختص بهامن معنى البر، وإذا قيل: " زيد هو البر "، ففيه مبالغة، وأنه صار لاختصاصه بهذا المعنى بحيث لا يرى منه إلا هذه الصورة مجردة عن العنصر الذي يجوز أن يتصور بغيره من الصور، وعلى هذا كل ما في معناه، نحو زيد أقبل وأدبر، وأكل وشربا وقوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ أي على حب المؤمن، فيكون مضافاً إلى الفاعل، وقيل: " على حب المال " ويكون مضافا إلى المفعول، ونبه بذلك أنه يبذله مع فرط الحاجة إليه نحو قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، وقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وسئل- عليه السلام- أي الصدقة أفضل؟
فقال: " أنْ تتصدقَ وأنت صحيح شحيحٌ تأمل العيش وتخشى الفقر "، وقيل تقديره: على حب الإيثار، وذلك أن المحمدة التامة لم تهتز لإعطاء المال وتحب ذلك كما قال الشاعر:
ليسَ يُعطيكَ للرجاءِ والخَوْ....
فِ وِلكنِ يلدُّ طَعْمَ الْعَطَاءِ
وقيل: على حب الله أي يقصد به القربة لا طلب رياء ولا ثواب كما قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ إن قيل: لم قال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ ولم يقل: ووفى كما قال: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ ليكون الكلام على نسق واحد؟
قيل: ذلك لأمرين: أحدهما اللفظ، وهو أن الصلة متى طالت كان الأحسن أن يعطف على الموصول دون الصلة لئلا يطول فيقبح، والثاني: أنه ذكر في الأول ما هو داخل في حيز الشريعة، وغير مستفاد إلا منهما، فالحكمة العقلية تقتضي العدالة دون الجود، ولما ذكر الوفاء بالعهد وهو مما يقتضي العقول المجردة، صار عطفه على الأول أحسن.
إن قيل: ولم نصب الصابرين؟ قيل: قل ذكر النحويون أن الصفات للمدح والذم إذا توالت قد يخالف بين إعرابها، وأنشدوا في ذلك:
النَّازِلين بكُلَّ معتْركٍ...
والطَّيبوُنَ مَعَاقِد الأزَر
إلي أبيات أخر.
وفائدة ذلك أنهم إذا أرادوا أن كل واحد من تلك الأوصاف يستقبل بمدح أو ذم عظيم لو تجرد عما معه خالفوا بين إعرابها تنبيهاً على هذا المعنى، ولما كان الصبر من وجه مبدأ الفضائل [ومن وجه جامعاً للفضائل] إذ لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ ولم يتم حسنها إلا به حتى روي:
" الصبْرُ خيرٌ كُلَّهُ "، قوله: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد) عن إعرابه تنبيهاً على هذا المقصد، واستوعب بقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أنواع الصبر، لأنه إما أن يحتاج إليه في مقتنى يموت الإنسان، أو يريده فلا يناله، وهو البأساء أو فيما ينال جسمه من ألم وسقم وهو الضراء، أو في مدافعة مؤذيه له وهو اليأس.
إن قيل: كيف قدم ههنا ذكر الآخرة وأخره في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ﴾؟
قيل: يجوز أن يكون ذاك مع الواو لا يقتضي الترتيب من أجل أن الكافر لا يعرف الأخرة ولا يعني بها وهو أبعد الأشياء عن الحقائق عنده أخر ذكره، في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾.
ولما ذكر حال المؤمنين، والمؤمن أقرب الأشياء إليه أمر الآخرة وكل ما يفعله ويتحراه يقصد به وجه الله ثم أمر وللآخرة قدم ذكرها تنبيها أن مراعاة الله- عز وجل- ومراعاة الآخرة، ثم مراعاة غيرهما
إن قيل: كيف اختير الترتيب المذكور في قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل: لما كان أولى من يتفقده الإنسان بمعروفه أقاربه، ولهذا قال عليه السلام: " لا يقبل الله صدقة وذو رحم محتاج "، كأن تقديمها أولى، ثم أعقبه باليتامى، فالناس في المكاسب ثلاثة:
معيل وغير معول، ومعول معيل ومعول غير معيل، واليتيم معول غير معيل، فمواساته بعد الأقارب أولى، ثم ذكر المساكين، وهم الذين لا مال لهم حاضرا ولا غائبا، ثم ذكر ابن السبيل الذي قد يكون له مال غائب، ثم ذكر السائلين الذين منهم صادق وكاذب، ثم ذكر الرقاب الدين لهم أرباب يعولونهم فكل واحد ممن أخر ذكره أقل فقرا ممن قدم عليه.
البقرة 2:178
قوله - عز وجل -:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
الآية (١٧٨) - سورة البقرة.
القص: قطع الشيء على سبيل الاجتذاذ، ومنه قص شعره وقص أثره، وقص الحديث اقتطع كلاماً حادثاً حذف غيره، والقصة اسم منه، وحقيقة القصاص أن يفعل بالقاتل، والجارح مثل ما فعلاً واعتبر الشافعي ومالك صورة الفعل حتى إن من رضخ رأس غيره بالحجر كان القصاص مثله، لكن مالكاً يقول إنه يفعل به ذلك الفعل حتى يموت والشافعي يقوله: " إن لم يمت من مثل فعله قتل بالسيف "، ومن الفقهاء يعتبر المماثلة في القاتل والمقتول، فلا يقتل القاتل الحر بالعبد والمسلم بالذمي، والاختلاف أنه يعتبر في بعضهم كالمستأمن والكتابة يعتبر بها عن الإيجاب، وأصل ذلك أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب فيعبر عن المراد الذي هو المبدوء بالكتابة التي هي المنتهى إن قيل على من يتوجه هذا الوجوب؟.
قيل: على الناس كافة، فمنهم من يلزمه استيفاؤه وهو الإمام إدا طلبه الولي، ومنهم من يلزمه تسليم النفس وهو القاتل، ومنهم من يلزمه المعاونة أو الرضا به، ومنهم من يلزمه أن لا يتعدى، بل يقتص أو يأخذ الدية، والقصد بالآية منع التعدي، فإن أهل الجاهلية كانوا يتعدون في القتل، وربما يرضى أحدهم إذا قتل عبد غيره لا يقتل حر..
البقرة 2:179
وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾...
من القاتل، وأخوة ولي المقتول، ومعناه: من ترك له أخوه الذي هو ولى الدم شيئا من القصاص فليتبع في المطالبة بالدية المعروف، وليؤد إليه القاتل بإحسان..
إن قيل.
لم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ولم يقل: " فمن عفا له أخوه شيئا "؟.
قيل: العدول إلى هذا البناء للطيفة، وهي أنه لا فرق بين أن يكون صاحب الدم واحداً، فعفا أو جماعة فعفا واحد منهم أنه يبطل حق القصاص ويعدل حينئذ إلى الدية، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ ليدل على هذا المعنى، وقيل: فاتباع: هو أمر للعافي بحسن المطالبة والهاء في قوله: أخيه، يجوز أن يكون للمقتول، ويكون لولي المقتول وجعله أخاً لولي الدم لا للنسبة ولا للموالاة الدينية، ولكن للإحسان الذي أسداه إليه وأجرى العهد مجرى الخطأ في الرضا منه بالدية، وقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ﴾ أي خفف عنكم إذ جعل لكم الخيار في الحكمين، وقال بعضهم لم يكن العفو في أمة قبل هذه الأمة، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي من تجاوز المشروع قاتلاً كان أو ولي المقتول فإنه معاقب..
قوله - عز وجل -:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
الآية (١٧٩) - سورة البقرة.
قوله: ﴿فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ كقول العرب: القتل أنقى للقتل، وذلك أنه يصير سبباً للارتداع، وقال الجاحظ: تأويله أن العرب كانت تمتنع من تسليم القاتل إلى ولي المقتول خشية أن يقل عددهم، فقال الله تعالى: ﴿فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي إذا دفعتموه كثر عددكم، كما لأن الله تعالى ينمي كل قوم كثز فيهم القتل، ولهذا كثرت العلوية وقل العباسية، ولهذا قيل: السيف منماه فما تسلط على قبيلة إلا كثر عددهم، وقيل إن في ذلك حياة القاتل في الآخرة فإنه يرجى له الغفران، قال: وعلى هذا ما روي أن
البقرة 2:180
الحدود كفارات لأهلها، وذلك بشرط أن يكون توبة، فالتوبة حق الله، والقصاص حق الآدمي، فإذا تاب واقتص منه فقد خرج من الذنوب ويرجى له الغفران، فقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ على التفسير الأول أي لعلكم ترتدعون عن القتل، وعلى الثاني: لعلكم لا تتحاشون من ترك القاتل والانقياد للقصاص.
قوله- عز وجل:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
الآية (١٨٠) - سورة البقرة.
الخير ههنا المال قليلاً كان أو كثيراً، وقال بعض الناس: الخير لا يتناول إلا الكثير مستدلاً بأن علياَ- رضي الله عنه دخل على مولى له في موضعه، فقال: ألا أوصي وله سبع مائة أو ستمائة، فقال: لا، إنما قال- عز وجل (إن ترك خيرأ (، وليس لك مال كثيرٌ...
إن قيل: كيف سمي المال خيراً مطلقاً وقد قليل إن المال ليس خيراً مطلقاً حتى يراعي حال صاحبه فربما كان شراً له، وعلى هذا ذم الله تعالى في عام القرآن، وسماه تارة فتنة وتارة عدواً..
فيل: إن المال كما يكون خيرا قد يكون شراً، لكن جعل الله تعالى ههنا خيراً تنبيهاً على أن الوصية يستحب في المال الطيب دون الخبيث والمغصوب، فإن ذلك يجب رده إلي أربابه ومما تم بالوصية فقط، وقيل: هذه الآية منسوخة، فالإيجاب نسخ مما حمله، والوصية للوارث إيجاباً وندباً، والناسخ لها عند الشافعية أية الميراث.
البقرة 2:181
وعند بعضهم قول النبي عليه الصلاة والسلام: " لا وصية لوارث "، وقال بعض الناس: لا نسخ فيها، لأن معنى كتب ; كقوله: أريد وشرع، وما يراد ويشرع قد يكون ندباً وإيجاباً، وقوله: الوصية للوالدين والأمر بين وإنما اقتضى عموماً فإنه مخصوص بقوله- عليه السلام- " لا وصية لوارث " فصار ذلك للوالدين الكافرين أو المملوكين والأقارب الذين ليسوا بورثة، وتخصيص الآية في " هو " لا كتخصيصها فيما فوق الثلث والثلث كثير، وقال طاوس: " إن أوصي لغير ذي قرابة لا يجوز احتجاجا، وظاهر الآية لا يقتضي ذلك...
قوله - عز وجل -:
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
الآية (١٨١) - سورة البقرة.
أريد من بدل ذلك ولم يقل بدلها، وإن ما تقدم ذكر الوصية لكن يتناولها وغيرها من متعلقاتها، والهاء في " إثمه " للتبديل ومن: عام في الوصي والموصي له، والشاهد والحاكم وكل من له مدخل في ذلك إذا غير شيئاً بعدما سمعه أي علمه، فإن إثم ما يجري في ذلك راجع إليه تنبيهاً على ما قاله - عليه السلام: (من سنَّ سُنةَ سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها)
وأعظم ذلك مالا يعرف المستن جود السان لها، كمن ادعي على صاحب الشرع خبرا يتعلق به
البقرة 2:182
حكم، فيعتمد عليه الناس بعده، وإنما قال: ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ولم يقل عليه، ليبين أن إثمه للتبديل لا لغيره، ونبه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أن ذلك وإن خفي على الناس، فلن يخفى عليه تعالى، فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
قوله - عز وجل -:
﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الآية (١٨٢) سورة البقرة.
جنف وخيف يتقاربان، لكن جنف استعمل للميل إلى الخير، وخيف في اليد إلى الجور، وخاف يقاربه، إلا أن أكثر ما يقال في الحاكم وخيفه أن يوصي لإنسان والمراد لغيره، كما قال طاوس: الخيف: التولج نحو أن يوصي الرجل لابن الابن ليوصل المال إلى أبيه أو لزوج ابنته ليوصله إليها، أو يخص في حيث يجب العموم، أو يعم حيث يجب الخصوص، وقوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي بين القوم الذين لهم مدخل في ذلك من الورثة والموصى لهم، وجاز إضمارهم لدلالة الكلام على ذكرهم.
إن قيل: كيف قال: ﴿جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ والجنف هو الإثم؟ قيل: قد قال الربيع: الجنف في الخطأ، وإلا ثم في العمد، وقيل: الإثم: ما يكبر معصيته، والجنف ما دون ذلك، وخوفه هو أن يبدو له أمارة تقتضي حصول ذلك، ولا فرق بين أن يخاف منه ذلك، قبل موت الموصى فيرشده، أو بعد موته فيصلحه، وليس الإصلاح بمقصور على إيقاع الصلح دون استعمال الصلاح، بل يتناولهما، وإنما قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لأنه لما خوف في الآية الأولى من تغيير الوصية بين أن النهي عن تغييره فيما لا
البقرة 2:183
جنف فيه ولا إثم [على صاحبه]، فأما إذا كان فيه شي من ذلك فلا إثم [في تغييره]، وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أنه يتجاوز عما عسى أن يسقط من المصلح ما لم يجده.
قوله- عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
الآية (١٨٣) - سورة البقرة.
الصوم في اللغة إمساك عما تنازع إليه النفس، ويقال ذلك في الطعام والشراب والنكاح نحو: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، في نحو:
[خيل صيام، وأخرى غير صائمة]
وصامت الريح إدا ركدت، والشمس إذا استوت في منتصف النهار كان لها وقفة، وفى الشرع إمساك المكلف بنية من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن المأكل والمشرب والمنكح والأستقاء والاستمناء والسعوط، وأما الأكل على سبيل السهو لا يخرجه عن أن يكون ممسكاً حكماً، ثم النية هل يجب أن يتقدم أو يجوز الاقتران به راجع إلى اختلاف المذاهب؟ واعلم أن الإمساك عن الأطيبين هو المقصود بالصوم وما عداه فلأنه يشبهه أو يؤدي إليه...
وللصوم فائدتان:
إحداهما: قريبة، وهي أن يروض الإنسان به نفسه عما تدعوه إليه من الشهوات القبيحة، فإنه يعودها الصبر لكنها كما وصفها بقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، ومتى جعلت في حجر الشرع فعودت الانقلاع
فالنفس راغبة إذا رغبتها....
وإذا ترد إلى قليل تقنع
ولكونه مفيدا للصبر، قال عليه السلام:: " هذا شهر الصبر "
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ أي بالصوم.
والفائدة الثانية:
وهي أن فيه الاقتداء بالملأ الأعلى على قدر الوسع والتنزه عن مشاكلة البهائم التي غاية شبع البطن والفرج، ووجه ذلك أن الإنسان مركب من بدن يسوسه سوسن الحيوان وغذاؤه المطاعم، ومن روح ذي عقل غذاؤه العلم والفضائل، ومتى أكثر غداء أحدهما قوي على ما نقص غذاؤه، ولهذا قال عليه السلام: " رأس الدين الورع، وأفضل الورع قلة الطعام، ومن شبع ونام جثم على قلبه الشيطان " وقيل: " الجوع سحاب تمطر الحكمة "،
فإن قيل: فهلا أديمَ فرضُ الصوم إذا كان سبباً لهذه الفضيلة العظيمة (قيل: إن الله- عز وجل- ما خلق في الأرض وشهاه إلينا ليحرمناه، ولكن لينتفع به بقدر ما يحسن، وفي وقت ما يحسن، وألزمنا في بعض الأوقات التحرج عنه ليكون مدعاة إلى التعفف عن تناول مالا يجوز تناوله، وجعل الله تعالى فرضه على الأهلة ليتأدب الإنسان به في كل وقت من أوقات السنة صيفا وشتاء وربيعين...
إن قيل: على ماذا وقع التشبيه في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قيل: قال بعضهم: إن ذلك على الصوم وكيفيته، لأن صوم من قبلنا لم يكن يحل لهم ألاكل بعد الرقاد، وكان على هذا في بدء الإسلام إلى أن نسخ بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، وإلى هذا ذهب معاذ، وهو المروي عن ابن عباس- رضي الله عنه- وقيل: كصوم من قبلنا في كونه أياما معدودات، وذلك في كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وهو قول عطاء وقتادة، وردي عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- أن للصيام ثلاثة أحوال، وذلك أن النبي- عليه السلام- لما قدم المدينة، فكان يصوم في كل شهر ثلاثة أيام، ويصوم عاشوراء، ثم فرض بعد تسعة عشر شهراَ شهر رمضان على التخيير، ثم فرضه على تضييق لمن كان مقيما صحيحاً، وقيل:
قد كان أوجب شهر رمضان على من كان قبلنا [من الأمم] فغيروا، ونقصوا، وزادوا، وهذا قول عهدته علي قائله، وقيل.
الشبه وقع لوجوب الصوم فقط، وقد تقدم أن أصول هذه العبادات لم تزل واجبة على العباد وأن النسخ على ألسنة الأنبياء في فروعها وكيفياتها وقدرها [وأزمانها]، ونبه بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ على العلة التي لأجلها أوجب، وهي قمع الشهوة، وما لأجلها لا يجوز أن يكون الصوم مرفوعاً على أمة من الأمم، فإنه ذكر أنه سبب للتقوى، وتقوى الله عز وجل- واجبة
البقرة 2:184
على كل مكلف عدى كل حال وفي كل زمان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾
قوله - عز وجل -:
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
الآية (١٨٤) - سورة البقرة.
السفر: كشف الغطاء، يقال: سفر القناع عن وجهه، والريح السحاب أو الورق، ويقال له السفير، ومنه المسفرة، وسافر، والسفر الكتاب الكاشف عن الأغراض، والسفار للبعير كالحكمة للفرس، وهو ما يسفر عنه جماحه، تطوع يفعل من الطاعة، يقال، طاع وطوع، ومنه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ والقدرة والاستطاعة والجهد والطاعة تتقارب، وبينها فروق، فالقدرة ما يظهر من القوة بقدر العمل لا زائداً عليه ولا ناقصاً، والاستطاعة منهما ما يصير به الفعل طائعاَ له بسهولة، والوسع منها ما يسع له فعله بلا مشقة، والجهد ما يتعاطى به الفعل بمشقة، والطاقة منها بلوغ غاية المشقة.
وقول الشاعر:
كلُّ امرئٍ عنْ طوقِهِ
أي عن غاية قدرته، لأن المقاتل لا يدع غاية من القدرة لا يبذلها قبل استسلامه للموت، وقوله: ﴿أَيَّامًا﴾ يتعلق بـ كتب عليكم " أو بـ " كما كتب "، أو بالصيام، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ظاهره يقتضي أن المريض والمسافر عليهما عدة من أيام أفطر أو لم يفطر، وإليه ذهب أهل الظاهر. وعند عامة الفقهاء على إضمار الإفطار بدلالة إضماره في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَه﴾، وبدلالة الأخبار المروية في ذلك، ويقتضي أيضاً أن السفر القليل والكثير سواء، وعند عامتهم يعتبر فيه قدر ما، فبعضهم حدده بمسيرة ثلاثة أيام، وبعض بمسيرة يومين، وبعض بمسيرة يوم، ولا خلاف في أن ن خرج إلى نزهة ببستانه في ظاهر بلده لا يفطر، ويقتضي ظاهره أيضاً أن لا فرق بين أن يكون سفره لطاعة أو معصية، ولم يجوز الشافعي إلا في طاعة ويقتضي قوله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ أن لا فرق ين أن يقضيها متتابعة أو غير متتابعة، وقد حكى وجوب التتابع عن علي وابن مسعود- رضي الله عنهما-
وقوله: ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ عاد إلاً في عيد الفطر والأضحى والثلاثة أيام التي بعدها وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ظاهره يقتضي أن المطيق له يلزمه فدية أفطر أو لم يفطر، لكن أجمعوا أنه لا يلزمه إلا مع شرط آخر فذهب الأصم إلا أن ذلك للمريض والمسافر وأن الذي يطيق الفدية منهما فأفطر، فعليه الفدية لمكان ما خفف عنه، كما جعل على المتمتع بما خفف عنه أن يهدي، وهذا ضعيف لأمرين، أحدهما: أنه لم يجر الفدية قبل ذكر ولا ما دل عليه، والثاني: أن المريض والمسافر قد أوجب عليهما عدة من أيام أخر، وذهب الشعبي وهو المروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- إلى أن الناس كانوا مخيرين في الابتداء بين أن يصوموا من غير فدية [وأن يفطروا ويقيدوا، ثم نسخ بالآية التي بعد، وتقديره: وعلى الذين يطيقونه فأفطروا إلى] وروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في أصح الروايتين أن ذلك في الشيخ والشيخة الهمين والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما، فلفظ (الطاقة) ههنا ينبيء عن ذلك، فإن الطاقة هدي التي تبلغ غاية المشقة ولا يخرج عن القدرة والعجز، ورأه، فذكر أن هؤلاء الذين يبلغ بهم الصوم غاية المشقة يجوز لهم الإفطار والفدية وقرئ (يُطَوقونه) أي يتكلفونه بجهد، وقرئ) يطؤقونه) أي يحملون على أن يتطوقوا، وقرئ (مسكين) اعتباراً بكل واحد كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وإنما يلزم كل واحد هذا القدر، (ومساكين) اعتباراً بجماعتهم، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فقد قيل: مبني على ما تقدم، أي الصوم خير من الإفطار والكفارة، ون قال: (الذين يطيقون) للمسافرين والمرضى وقال هذا خطاب لهم، وكذا من قال: الشيخ الهم، ويجوز أن لا يكون خيرا فعل، وإنما المعنى: الخير في الصوم تنبيهاً على عظيم ثوابه، وذاك أن المراد من العبادة والإخلاص والنية، ولهذا قال عليه السلام: " أخلص تكفك القليل من الغقل "، ولما كانت الأفعال البدنية كثيراً ما يدخلها الرياء إلا الصوم فإنه لا يوقف عليه ما لم يخبر الإنسان عنه بلسانه، ولا عبادة يدخل فيها الإنسان بالنية المجردة إلاً الصوم...
قال عليه السلام: " يقول الله- عز وجل الصوم لي وأنا أجزي به "، ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إن عرفتم ما فيه من المنفعة، وتحققتم ما يثمره لكم لم تتهاونوا في تحمله.
البقرة 2:185
قوله - عز وجل -:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
الآية (١٨٥) - سورة البقرة.
شهرة الشيء: ظهوره للكافة، وقل شهر أمره وسيفه إذا جرده والشهر مدة مشهورة والمشاهرة المعاملة به كالمعاومة والمياومة [والمسانهة] والرمض شدة وقع الشمس، وسمي رمضان لمطابقته في ابتداء موضوع الاسم له شدة الحر، لأن الشهور سميت [في الأصل] بمطابقة بعض ما عرض فيها من الأحوال في ابتداء موضوعها والإرادة أصلها من: رادَ يرُودُ إذا سعَى في مهل للطلب، ومنه الرايد، والمرود للميل، ولمعنى المهل قيل رويداً، وقد تقدم حقيقة الإرادة، والقرآن أصله من القرى، وهو ضم ما كان متفرقاً، ومنه: " ما قرأت الناقة سلاقط "، أي ما لم تضمه إلى نفسها ولم تجمعه في رحمها، ولا يتناول إلا على المنزل على محمد- عليه السلام- والكتاب عام، والفرقان قيل إنه يتناول القرآن والتوراة-
إن قيل: فلم سمي بذلك؟ قيل: إما بالنظر الحلال، فلأنه جامع للسور والأيام، وإما على نظر أدق من ذلك، فلأنه جمع فيه كل شيء محتاج إليه الناس من أمر معاشهم ومعادهم مما يتبلغون به إلى الأخره، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقال: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، والعسر صعوبة الشيء وعسره وعسيرآ، وعسر عمل شماله وذلك إما تصور الصعوبة ما تتعاطى بها وإما لاعتقاد العسر فيها بسواها، واليسر ضده، واليسير للضار بين على الحرور بالقداح لليسارهم، وقوله:
(شهر رمضان) مبتدأ، وخبره الذي، ومن لم يجعل الأول منسوخاً قال: تقديره: " هو شهر رمضان " أو يكون بدلاً من الصيام، وقوله: هدىً، أي هادياً، وقال عطية بن الأسود ولابن عباس: " في نفسي شي، وهو أنه قال: (شهر رمضان) وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقد أنزل الله- عز وجل- القرآن في جميع الشهور، فقال: الليلة المباركة ليلة القدر، وليلة القدر في شهر رمضان، وقد أنزل الله القرآن جملة إلى البيت المعمور، ثم أنزل على محمد - ﷺ - الله رسلاً، وعلي هذا قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.
وقيل فيه: أي في سببه وتخصيصه بذلك وإن شاركه فيه غيره فعلى سبيل التعظيم، وعلى هذا " في ليلة القدر "، أي في سببه وتفصيله، وإليه ذهب الضحاك...
إن قيل:
إذا كان الهدى مقتضياً للبينات، فما فائدة (وبيناتٍ من الهُدَى)؟ قيل: القرآن يهدي على ضربين، أحدهما أن يدل على سبيل المجمل، والثاني: على سبيل التفصيل، فبين أن فيه هدى على الجملة، وبينات أي ما يوضح ويكشف على سبيل التفصيل، ففرق بين الحق والباطل، فصار ذكر البينات والفرقان بعد الهدى ذكر الخاص بعد العام، وجواب أخر، وهو أنه قد تقدم أن الهدى على ضربين هداية إلى سبيل الله المعنية بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، وهداية إلى الله المعنية بقوله عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾، فالإشارة بقوله: (هدى) إلى الأولى، وبقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ إلى الثانية والفرقان مصدر في الأصل [كالغفران والكفران] وسمي به القرآن لكونه فارقاً بين الحق والباطل في الاعتقاد والصدق والكذب في المقال، والجميل والقبيح في الأفعال، وقوله: (فمن شهد) عام في كل مكلف حاضراً كان أو مسافرا، لكن أخرج منه المسافر والمريض، ولم يدخل فيه الحائض لدلالة الإجماع عليه فمنهم من اعتبر الشهود في ابتدائه، فقال: " من شهدهُ وهو مقيمٌ فعليه صومهُ سافر أو لم يسافر " وإليه ذهب أمير المؤمنين علي- رضي الله عنه-، ومنهم من اعتبر ذلك في أجزائه، وإليه ذهب عامة الفقهاء، وقال أبو حنيفة: - رحمه الله: " من كان صحيح العقل في بعض رمضان، فعليه صوم كله، لأنه شهد الشهر "، وعند الشافعي أن كل يوم لم يكن فيه صحيح العقل لا يلزمه صومه، ولا خلاف أن الصبي إذا بلغ في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء ما تقدم من الشهر.
إن قيل: لم أعاد ذكر الشهر، ولم يقل: " فمن شهده "؟
قيل: لأمرين: أحدهما: تعظيماً لذكره، لأن ما يعظم فد يعاد ذكره مع كل حكم يحدد له.
والثاني: ليس يحل الصوم على من كان شهد الشهر الذي أنزل فيه القرآن فقط، فلذلك أعاد ذكره... إن قيل:
فلم قال: (فليصمه) ولم يقل فيصم فيه؟
قيل: قد ذكر بعض النحويين أن القائل إدا قال اليوم ضربته زيداً، إنما يقال إذا استوعب اليوم لضربه، وإذا قيل: ضربت فيه، فهو أن يضرب فيه في بعض أوقاته، فنبه بقوله: (فليصمه) على الاستيعاب.
إن قيل: لم أعيد ذكر المريض والمسافر؟
قيل: إما على قول من يجعل اللحية منسوخة فليس أن حكمها مراعى في الناسخ كما هو مراعى في المنسوخ، وإن ذلك لم يرتفع بارتفاع التخيير، وأما على قول غيره فللتأكيد أولاً ولتعليق ما علق به من الحكم ثانياً، وهو قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وذكر الفقهاء أن إرادة اليسر هي مما رخص للمسافر والمريض، وذهب غيرهم إلى أن إرادة الله عز وجل اليسر لمن أوجب عليه الصوم عليهم كما هي للمفطر والصائم جميعاً، ففي الصوم أعظم اليسرين، وعلى هذا قال الأعرابي: " أقصد البلد المبارك لأصوم هذا الشهر المبارك "، فقيل له: أفي هذا الحر؟
فقال: " من الحرَّ أفرُّ "
وقيل لآخر: أتكدُّ نفسك في العبادة، فقال: " راحتها أريد، فإذن في إيجاب " الله تعالى الصوم
أعظم اليسرين... إن قيل: عدى أي وجه تعليله بما علل به من قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾؟
قيل: بين تعالى.
أن ما أوجبه من الصوم عيناً وقضاء إرادة لتكميل العدة المقتضية للتقوى المذكورة في قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ولم يرد به التفوه بلفظ التكبير فقط،
البقرة 2:186
بل أراد معرفة كبريائه وعظمته وإن كان فيه دلالة أن التكبير مستحب..
إن قيل: لم قال: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) فأخدل الواو فيه؟ قيل:.
يجوز أن تتعلق اللام بفعل مضمر،
كأنه قيل: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) أمر بما أمر، ويجوز أن يكون معطوفأ على قوله: ﴿الْيُسْرَ﴾، كأنه قيل: (يريد بكم اليسر وتكميل العدة)، فادخل فيه اللام كما أدخل في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾.
قوله - عز وجل -:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
الآية (١٨٦) - سورة البقرة.
إن قيل.
كيف فصل بين الآية الأولى وبين التي بعد هذه وهما في حكم رمضان بهذه الآي وهي قد اختلفت عنهما؟، قيل بل هي من تمام الآية الأولى، لأنه لما حث على تكبيره وشكره على ما قيضه لهم من إتمام الصوم، بين أن الذين تذكرونه وتشكرونه قريب منكم ومجيب لكم إذا دعوتموه، ثم تمم ما بقي من أحكام الصوم، ولم يرد بالقرب ههنا القرب المكاني، وإنما ذلك قربة تقتضيه إفضاله ووجود آثاره المشار إليها بقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، وروي أن موسى قال: " أقريب " أنت فأنا جيك؟ أم بعيد فأناديك؟ فقال:
" لو حددت لك البعد لما انتهيت إليه، ولو حددت لك القرب لما اقتدرت عليه، وقد روي أن النبي - ﷺ - سئل عن ذلك، فأنزل الله- عز وجل- هذه الآية فبين، تعالى أفضاله على عباده، وضمن أنهم إذا دعوه أجابهم، وعليه نبه بقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
إن قيل: قد ضمن في الآيتين أن من يدعوه يجيبه، وكم رأينا من داع له لا يجاب؟، قيل: إنه ضمن الإجابة لعباده، ولم يرد بالعباد من ذكرهم بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، وإنما عني بهم الموصوفين...
في قوله- عز وجل- ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ لآية، ولدعائهم شرائط، وهي أن تدعو بأحسن الأسماء كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ويخلص له النية الافتقار ولا يرغب إليه فيما تنزه الأكابر عن مسئلة مثله ولا ما يستعين به على معاداته، وأن يعلم أن نعمته فيما يمنعه من دنياه كنعمته فيما أعطاه، ومعلوم أن من هذا حاله مجاب الدعوة، وأنه من جملة من وصفه النبي عليه السلام بقوله:
" رب ذي طِمْرينِ لا يؤْبهُ به لوْ أقسَمَ علَى الله لأبَّرهُ " ثم قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أي إذا كنت لهم بهذه المنزلة فحري أن يستجيبوا لي إدا دعوتهما وأن يؤمنوا بي - راجين رشدهم، وإنما قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ ولم يقل ليجيبوا للطيفة، وهي أن حقيقة الاستجابة طلب الإجابة وإن كان قد يستعمل في معنى الإجابة، فبين أن العباد متى تحروا إجابته بقدر وسعهم فإنه يرضى عنهم...
إن قيل: كيف جمع بين الاستجابة والإيمان وأحدهما يغني عن الأخر؟
البقرة 2:187
فإنه لا يكون مستجباً لله -عز وجل- من لا يكون مؤمناً، ولا مؤمنا من لا يكون مستجيباً، قيل أحدهما وإن يضمن الآخر من حيث الاعتبار، فذكرها ليطمئن، فإن إجابته ارتسام أوامره ونواهيه التي يتولاه الجوارح، والإيمان هو الاعتقاد الذي تقتضيه القلوب، وأيضاً فإن الإيمان المعني هاهنا هو الإيمان الذكور في قوله:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
وذلك بعد الإجابة، وقد تقدمت منازلُ الإيمان.
قوله- عز وجل:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
الآية (١٨٧) - سورة البقرة.
الرفث كل كلام يتضمن ذكر الجماع، وجعل كناية عنه، وعُدَّي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء والخيانة بنقض العهد، ولهذا قوبل بالوفاء الدال على التمام، والحد ما يمنع أحد الشيئين من الآخر، فتارة يتصور منه المنع، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ﴾، وقيل للثواب حداد، وتارة تصور منه الفصل فقيل: حد الدار، وجه شبه الحد في الكلام، وقيل: حد الرأي لكونه مانعاً له ولغيره عن بواقعة مثله، وحد السيف ما يفصل بينه وبين الجانب الأخر، ثم تصور منه الدقة، فقيل: أحددت السيف، وسمي الحديد لكثرة وجود هذه الصورة فيه، والعكوف: الإقامة على الشيء والحبس عليه، فتارة يراعي منه الإقامة فلا يعدي نحو: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، وتارة يراعى منه الحبس والوقف، فيعدي نحو قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾، وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ جعل اللباس كناية عن الزوج، لكونه ستراً لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس يمنع أن تبدو السوءة، وعلى ذلك جعلت المرأة إزاراً، وسمي النكاح حصنا، لكونه حصيناً لذويه عن تعاطي القبيح.
وقال الأصم:
معنى قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ أي كأن يعطي كل واحد على الآخر ما يتعاطاه من الاختيارمن قولهم: لبست عليه ذيلي، وقيل: سبب نزول هذه الآية أن المباحات كانت تحظر على الصائم بعد الرقاد، فقيل: إن عمر قالت له امرأته لما راودها: قد أعفيت، فظن أنها اعتلت عليه، فواقعها، فذكر ذلك للنبي- عليه السلام- وقيل: كان شيخ من الأنصار يقال له " صرمة " قعد ينتظر امرأته لتصنع له طعاماً، فنام وترك الطعام، فرآه النبي- علية السلام- في اليوم الثاني شاحباً، فسأله، فأخبره، فأنزل الله تعالى هذه الآية والاختيان مراودة الخيانة وتخصيصه من دون قوله: (تخونون) لفائدة، وهي أن المخاطبين لم يكونوا كلهم خانوا وكلهم أوجلُّهم قد اختانوا، لأن الاختيان هو أن تتحرك الشهوة وتدعوه، ولذلك خص لفظ النفس المعنية بقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، وكفى للتنبيه على اختيان النفس شهادة من حلفها بذلك علماً بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، فاختيان النفس مخادعتها ومدافعتها إما بمساعدة أو بمخالفة وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ إشارة في تحري النكاح إلى لطيفة، وهي أن الله تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوع الإنسان إلى غاية، كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية، فحق الإنسان أن يتحرى بالنكاح ما جعل الله لنا سعلى حسب ما يقتضيه العقل والديانة، فمتى تحرى به حفظ النسل وحصن النفس على الوجه المشروع، فقد ابتغى ما كتب الله له، وإلى هذا أشار من قال:
عنى الولد به الخيط الأبيض بياض النهار، وبالخيط الأسود سواد الليل، وروي أن عدي بن حاتم عمد إلى عقالين أبيض وأسود، ثم جعل ينظر إليهما ويأكل إلا أن يتبين أحديهما ن الأخر، فأخبر النبي- عليه السلام- بالذي صنع، فقال: إنك لعريض الوساد، إنما ذاك سواد الليل بياض النهار وقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ تنبيه على ابتداء التحريم إلى انتهائه، وكما نهى عن المباشرة في حال الصوم نهي عنها في حال الاعتكاف وظاهر ذكر المساجد يقتضي جوار الاعتكاف في كل مسجد...
البقرة 2:188
قوله - عز وجل -:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
الآية (١٨٨) - سورة البقرة.
الإدلاء: إرسال الدلو في البئر، واستعير للتوصل إلى الشيء، وعلى هذا قول الشاعر:
فليس الرزق عن طلب حثيث....
ولكن ألق دلوك في الدلاء
وعلى هذا النحو سمي الوسيلة المانحة في قول الشاعر:
وَلي مانحٌ لمْ يُورِدِ الماءَ قَبْله...
معلَّ وأشطانُ الطَّوِيَّ كَثيرٌُ
والأكل عبارة عن الإنفاق، إذ هو أهم ما يصرف إليه المال، وأكل المال بالباطل صرفه إلى ما ينافيه الحق، وهو التبذير والإسراف قليلاً كان الإنفاق أو كثيراً، ولهذا قيل:
(رب إنفاق قليل هو إسراف، وكثير هو اقتصاد)...
، وقوله: (وتدلوا) أي لا تدلوا، وكما نهي عن تبذير الأموال نهى أن يدلي بها إلى الحكام على سبيل الرشوة، وتوصلاً إلى اقتطاع أموال الناس، وقيل: معناه: لا يأكل بعضكم مال بعض غصباً أو خيانة فيلجؤوهم إلى المرافعة إلى الحكام، فلا يحكم عليكم لعدم البينة فتستبينوا إلى أن تأكلوا فريقاً ن أموال الناس بالإثم، وقيل: من يتولى أموال
البقرة 2:189
الأيتام، فيأكل بعضا ويدفع إلى الحكام بعضا، والوجه الأول أجود، لأنه قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ ثم قال: لتأكلوا ففصل بين الأمرين، والوجهان الآخران داخلون في عمومه وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إن أخفى علمكم على الناس، فإنه لا يخفى عليكم تنبيها أن الاعتبار بما عليه الأمر في نفسه وما علمتم منه لا بما يظهر، ونبه - عليه السلام - على ذلك بقوله:
(إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن حكمت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذن منه قليلاً ولا كثيراً، فإنما أقطع له قطعة من النار) وقال: (البر ما اطمأنت إليه النفس).
قوله - عز جل:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية (١٨٩) - سورة البقرة.
المواقيت: جمع ميقات وهو مفعال من الوقت، والوقت والمدة والزمان تتقارب لكن المدة المطلقة أوسع هذه الألفاظ، فإنها امتداد حركة الفلك أي اتصالها من مبدئها إلى غايتها، والزمان مدة مقسومة من المدة المطلقة والوقت الزمان المفروض للعمل ومعنى مواقيت للناس أي لا يتعلق به من أمور معاملاتهم ومصالحهم، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ونبه بذكر الحج على ما يتعلق به من العبادات، ولكن ذكرنا أعظمها أثرا فإن الحج مراعى في قضائه وأدائه الوقت المعلوم وبخلاف سائر العبادات التي لا تعتبر في قضائها وقت معين والباب معروف وعنه أستعير لمداخل الأسباب المتوصل بها إليه، وقيل: في العلم باب كذا، وقول النبي - ﷺ -: " أنا مدينة العلم وعلي بابها "، أي به يتواصل إلى حقائق العلوم وعلي وإن شاركه فيه غيره، فتخصيصه لكونه أرفع منزلة في باب العلم وقد كان سئل - عليه السلام - عن فائدة زيادة الهلال ونقصانه، فأنزل الله تعالى هذه الآية منبها على أظهر فائدته للحس وأبينها له، ثم قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، أي بأن يطلبوا من غير وجه، وذلك أنه يقال: " أتى فلان البيت من بابه " إذا طلب الشيء من وجهه.
وقال الشاعر:
أتيت المروءة من بابها.. و " أتى البيت من ظهره " إذا طلب الأمر من غير وجهه وجعل ذلك مثلا لسؤالهم النبي - ﷺ - عما هو ليس من العلم المختص بالنبوة، وأن ذلك عدول عن المنهج وذلك أن العلوم ضربان:
دنيوي: يتعلق بأمر المعاش كمعرفة الصنايع ومعرفة الأجرام السماوية ومعرفة المعادن والنبات وطبائع الحيوانات، وقد جعل الله تعالى لنا سبيلاً إلى معرفته على غير لسان نبيه محمد - عليه السلام -، وشرعي: وهو البر، ولا سبيل إلى أخذه إلا من جهته وهو أحكام التقوى، فلما جاءوا يسألون النبي - ﷺ - عما أمكنهم معرفته من غير جهته أجابهم ثم بين لهم أن ليس البر ترك المنهج في سؤال النبي - عليه السلام - ما ليس هو مختصا بعلم نبوته ولكن البر هو تحري التقوى، وذلك يكون بالعلم والعمل المختصين بالدين وقال بعض المفسرين إتيان البيوت من ظهورها هو أن العرب من لم يكن من الخمس إذا أحرم لم يدخل البيت من بابه بل كان يأتيه من ظهوره، فأتى رجل من باب بيته، فأنكر عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية..
وهذا عن ابن عباس وغيره وقيل: إتيان البيوت من ظهورها مخالفة الواجب في الحج وشهوره واستحلال أشهر الحرام وتحريم الحلال، المعنى بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وكل ذلك لا يمتنع أن تتناوله الآية لكن الأليق بأول الآية ما تقدم ذكره، وقوله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ أي تحروا في كل عمل إتيان الشيء من وجهه تنبيها أن ما يطلب من غير وجهه صعب مناله، ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ حثا لنا أن نجعل تقوى الله عز وجل- شعارنا في كل ما نتحراه، فبين أن ذلك هو الذريعة إلى تحصيل الفلاح..
البقرة 2:190
قوله - عز وجل:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
الآية (١٩٠) - سورة البقرة.
اختلف في حكم هذه الآية، فقيل: هي ناسخة لحكم العفو ومنسوخة بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وقيل: ليست بمنسوخة ولا ناسخة، وبيان ذلك أن من شرط الداعي إلى الحق أن يبينه ويدل عليه ويرفق، فإن اهتدى المدعو، وإلا أوعد، فإن أنجع ذلك وإلا عدل بعد إلى المحاسبة والمحاربة على ما تقتضيه السياسة، وعلى هذا قال بعضهم: " لا أستعمل سوطي ما كفاني لساني ولا سيفي ما كفاني سوطي ".
وقال الشاعر:
أناة فإن لم يغن أعقب بعدها....
وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه
فكان النبي - ﷺ - أمر في أول الأمر بالرفق والأناة، وأن يقتصر على الوعظ والمجادلة الحسنة، كما قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وكان يستمر على ذلك حتى عاتبه بعض أصحابها فقال يا نبي الله:
البقرة 2:191
" كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة "، فقال عليه السلام: " أمرت بالعفو فلا تقاتلوهم اليوم "، فلما ظهرت آياته، وانتشرت بنياته، ورأى من أبى الإصغاء إلى الحق، واستمر على الضلال والإضلال أمر حينئذ بالمقاتلة أي المحاربة، ولهذا قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾
ثم أمر بالقتال لمن تأبى الرجوع إلى الحق بالمحاربة، وكان هذا أمرا بعد أمر حسب مقتضى السياسة الإلهية، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ منهم من تصور منه تولي القتال وتعاطيه في الحال، فقال: هو منسوخ بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، (ولا تعتدوا): نهي عام في مجاوزة كل حد حده الله تعالى، كالنهي عن قتل الصبيان والنساء وقيل: " من أعطي الأمان وتحرى القتال ابتغى عرض الدنيا وطلب الرئاسة "، ونبه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أن اعتداء مرسوم الله وتجاوز حكمه في كل أمر مذموم..
قوله- عز وجل:
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾
الآية (١٩١) - سورة البقرة.
الثقف: الحذق في إدراك الشيء علما كان أو عملاً، ومنه قيل:
رجل ثقف لقف إذا كان له حذق في إدراك الشيء علماً كان أو عملا، ومنه قيل: رجل ثقف لقف إذا كان له خدمة في إدراك الشيء ومنه قيل: ثقفت الرمح، وأصل الفتنة إدخال الذهب النار للتصفية، يقال: فتنت الذهب أي اختبرته بالنار، ثم استعير لكل اختبار بأمر محض، على ذلك قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
وجعل الفتنة لكل أمر مكروه المحتمل، فتارة استعير للشرك، وتارة للعذاب، وتارة للاختبار، ولما كان لفظ الفتنة والقتل ههنا مبهمين، قال بعضهم: معناه أن يفتن الإنسان في دينه، فيشرك أشد أي أوخم عاقبة من أن يقتل، فإن الأذية التي تنال المقتول محدودة، والأذية التي تنال الشرك بشركه غير محدودة، وقال بعضهم: إن معناه: أن يوقع الإنسان الفتنة أشد على الناس أي أعظم ضرراً من أن يقتل في الحرم من يستحق القتل، وقال: وذلك رد على من استعظم قتل بعض المسلمين كافراً في الحرم، ولهذا قال بعده: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقوله ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ﴾ أمر بإخراج الكفار من مكة بدلالة قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ استثناء من قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، وهذا حكم عند أكثر الفقهاء فإنه لا يقاتل في الحرم إلا من قاتل، ويؤيد ذلك قوله - عليه السلام - يوم فتح مكة: " إن مكة حرام حرمها الله - عز وجل - يوم خلق السماوات والأرض وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حراما إلي يوم القيامة "، فهذا يدل على أن ذلك غير منسوخ كما ظنه بعض الناس، وقال الأصم: إن ثبت جوازا القتل هذا في
البقرة 2:192
الحرم، فليس في ذلك نسخ، بل هو زيادة في فرض القتال، فإن هذا أمر بأن يقاتلوا في الحرم إذا قوتلوا، وذاك أمر بالقتل قوتلوا أو لم يقاتلوا، فإذن الثاني زيادة في الأمر بالقتال، ثم قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾، أي حاربوكم فاقتلوهم، وبين أن هذا حكم كل كافر يحارب المؤمنين.
قوله - عز وجل:
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية (١٩٢) - سورة البقرة.
الانتهاء: الانزجار، والنهي الزجر، ونهاية الشيء غايته التي ينتهي إليها، لأن لكل شيء في هذا العالم غاية إذا انتهى إليها انصرف راجعاً عنها في الكون والفساد والنهي العقل لكونه ناهيا عن القبيح، ككون العقل عاقلاً عنه، والحجر حاجرا عنه، والنهي في موضوع أهل النحو من صيغة " لا تفعل " حثاً على الشيء كان أو زجرا عنه، وفي موضوع أهل البرهان ما يقتضي الزجر عن الشيء سواء كان بلفظ " أفعل " أو " لا تفعل "، وهذا الخلاف من أجل أن النحوي يعتبر اللفظ قبل المعنى، وصاحب البرهان يعتبر المعنى قبل اللفظ، ونبه بالآية أن المنتهي عن الذنب يغفر له ما تقدم من ذنبه، وذلك عام في أمور الدنيا والآخرة إلا ما دلت الدلالة على الأخذ به من حقوق الآدميين، وعلى هذا قوله - عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقوله عليه السلام: " الإسلام يجب ما قبله "..
البقرة 2:194
قوله - عز وجل:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
الآية (١٩٣) - سورة البقرة.
أمر تعالى بالقتال لدفع الفتنة بعد أن يبين أنها أعظم ضررا من القتل، نحو قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾، فقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ كقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾، وذلك إما بقتلهم أو بإسلامهم أو بانقيادهم وإعطاء الجزية حسب ما بينه الشرع، (ويكون الدين لله) قال ابن عباس: حتى يخلص التوحيد له " وحمل ذلك على مشركي العرب، لأنهم لا يقارون على جزية كما يقال غيرهم، وحمل بعضهم على الانقياد بحكم الدين في كل مكان، وقال: يجب أن يكون الحكم للإسلام في كل مكان، وعلى هذا ما روي: " الإسلام يعلو ولا يعلى "، ثم أعاد ذكر الانتهاء، فقال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أي لا يتجاوزون الخطر إلا مع من يتجاوزه بحسب فعله..
قوله - عز وجل:
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ الآية (١٩٤) - سورة البقرة.
بين أن مراعاة حرمة الشهر واجبة لمن راعى حرمته، وأن من هتكها اقتص منه، وسبب نزول ذلك أن العرب فخرت بصرف النبي - عليه السلام - عام الحديبية عن البلد الحرام، وكان ذلك في ذي القعدة، فمكنه الله تعالى من دخوله في العام القابل في القعدة، وشرح معنى قوله: (لا عدوان إلا علي الظالمين) بقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا﴾.
إن قيل: كيف رخص في الاعتداء وهو ظلم وقد منع منه آنفا بقوله: (ولا تعتدوا)، قيل: الاعتداء مجاورة الحد، ومنه قيل: " عدا فلان طوره "، و " لا تعد طورك "، ثم استعير الاعتداء في الظلم من حيث أنه تجاوز الحد الذي حده العقل أو الشرع، والذي منع تجاوز ذلك ابتداء، فقد أباح لمن اعتدى عليه جزاء، فإذن: الاعتداء ضربان: اعتداء على سبيل الابتداء، وهو ظلم، وإياه عنى بقوله ولا (تعتدوا) واعتداء على سبيل الاعتداء ضربان اعتداء على سبيل القصاص وهو عدل وإياه عني ههنا، ثم للمجازاة أيضا حد لا يحوز أن يتجاوزه، وإياه عنى بقوله: (فمن اعتدى بعد ذلك).
إن قيل: هل كان يجوز لو قيل: (من ظلمكم فاظلموهم)؟ قيل: لا يجوز ذلك، لأن الظلم إنما هو وضع الشيء في غير موضعه الذي يحق أن يوضع فيه، وهذا في كل حال مذموم، والاعتداء مجاوزة الحد المحدود، وذلك لا يكون مذموما، ومن قال من العرب: " من ظلمك فاظلمه "، فذلك منه انحراف وترخص في الظلم على عادتهم، وكذا قول من قال:
ألا لا يجهلن أحد علينا...
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فإن الجهل مذموم على كل حال، ولا يكاد يرد لفظ الأمر به من حكيم،
فإن قيل: فقد قال الله: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ قيل: حقيقة المكر إظهار أمر يعتقد فيه الناظر إليه الجاهل بحقيقته اعتقادا ما يضل ما هو، وكذلك الاحتيال والخديعة والسخرية ومن قصد بشيء من ذلك أمرا قبيحا، فهو مذموم وأن قصد به فعلاً جميلاً فهو محمود، فإذن يصح أن يمدح بذلك من يتحرى مقصدا حسنا، ولهذا قال بعض العلماء: إن الله - عز وجل - يخدعنا عن النار كما يخدع الصبي أبوه عن المضار، وفي هذه الآية دلالة أن من استهلك شيئا لغيره استهلك عليه مثله، لكن مثله المستهلك قد يكون تارة حسية مكيلا كان أو موزونا أو معدودا، وتارة قيمته، وقوله: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾، تنبيه أن توفيق الله يصحب المتقي، وقد تقدم حقيقة (مع) والصحبة إذا استعملا في الباري تعالى...
البقرة 2:195
قوله - عز وجل:
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
الآية (١٩٥) - سورة البقرة.
الهلاك انتهاء الشيء في الفساد، وله سمي الموت هلاكا، وقيل للعذاب والخوف في الفقر والبخل وما يجري مجراها مما يؤدي إلى الهلاك هلاكا، والمفازة مهلكة والتهلكة ما يؤدي إلى الهلاك، وامرأة هلوك كأنها تتهالك في مشيها إشارة إلى نحو قول الشاعر:
مريضات أدبات التهادي كأنما....
تخاف على أحشائها أن تقطعا
[وكني بالهلوك عن الفاجرة لتماثلها] والهالكي كان رجلاً حدادا من قبيلة هالك فسعت العرب كل حداد باسمه كما سمي كل بناء هاجريا، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾، قيل: معناه نحو تعلقت زيدا أو بزيد، وقيل معناه: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، نحو قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وذلك بالتعرض لما يستوخم عاقبته جهلا به، مثل الفراشة تأتي إذا رأت لهبا من السراج، فتلقي نفسها فيه، وتأولت الآية على وجهين بنظرين مختلفين..
أحدهما: أنه نهي عن الإسراف في الإنفاق، وعن التهور في الإقدام، والثاني: أنه نهي عن البخل بالمال، والقعود عن الجهاد، وكلا المعنيين يراد بها، فالإنسان كما أنه منهي عن الإسراف في [الإنفاق] والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل وعن الإحجام في الجهاد، ولهذا قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾، وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ الآية، وقال بعض الناس: " إن هذه الآية ينظر إليها علي وجهين " أحديهما: نظر المجاهد في سبيل الله بالمال، والثاني: نظر الفقيه عن المجاهد، وكلاهما صحيح بوجه، ووجه ذلك أن الفقيه من حيث أنه يحكم بالظاهر على الكافة يراعي أحوالهم، والمجاهد من حيث أنه يوفر على مراعاة الحق عن مراعاة نفسه لا يرى الإلقاء بيده إلى التهلكة إلى التهلكة إلا الإحلال بترك وظائف الحق، وإلى هذه الحالة أشار الله تعالى بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، الآية، وبقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي تحروا فعل الإحسان وقد تقدم أن الإحسان هو تحري العدالة والزيادة عليها، ولهذا قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، ثم نبه بإظهار محبته للمحسنين على شرف منزلتهم.
البقرة 2:196
قوله - عز وجل:
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
" الآية (١٩٦) سورة البقرة ".
قيل: قوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ قيل إنه خطاب لمن خرج حاجا أو معتمرا، فأمر بأن لا يصرف وجهه حتى يقضيها، وإليه ذهب أبو حنيفة - رحمه الله - فاحتج به في وجوب إتمام كل عبادة دخل فيها [لإنسان] متنفلا، وأنه متى أفسدها وجب قضاؤها وقيل إنه خطاب لهم ولمن لم يتلبس بالعبادة وذكر لفظ الأيام تنبيه على توفية حقهما وإكمال شرائطها، ولذلك قال أمير المؤمنين:
" من إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك " وعلى هذا قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وإلى هذا ذهب الشافعي - رحمه الله واحتج به في وجوب العمرة، وإنما قال في الحج والعمرة " لله " ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة من أجل أنهم كانوا يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى الأصنام، فخصهما بالذكر لله تعالى حثا على الإخلاص فيهما ومجانبة ذلك الاعتقاد المحظور، وظاهر قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أن لا فرق بين أن يحصر بمكة أو بغيرها، وبعد عرفة أو قبلها بخلاف ما قال أبو حنيفة إن من أحصر بمكة أو بعد الوقوف لا يكون محصرا في الحكم، وكذلك لا فرق في [الظاهرة] بين أن يحصره عدو مسلم أو كافر كما قال الشافعي خلافا لبعضهم، وظاهره يقتضي أن لا فصل بين إحصار العدد وإحصار المرض كما قال أبو حنيفة دون الشافعي - رحمة الله عليهما - " لولا أن الآية نزلت في سبب العدو فلا يجوز أن نتعدى إلاً بدلالة "، ولأن قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ يدل على أن المراد بالإحصار هو بالعدو وذلك قول ابن عباس - رضي الله عنه - ويقتضي الظاهر أن لا قضاء عليه خلافا لأبي حنيفة - رضي الله عنه - لأنه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ واقتصر عليه والهدي بقرة أو بدنة أو شاة أو أكثر، لأنه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾، ونهى عن حلق الرأس إلا بعد بلوغ الهدي محله، ومحله عند أبي حنيفة الحرم، واستدل بأن ناجية بن جندب قال: " دعني أخذ بعض هذه الأودية، وأسوق هذه البدن إلى الحرم، فأنحر بها "، فقال - عليه السلام -: " افعل " فساقها إلى الحرم، فنحر بها، وعند الشافعي أن محل الهدي في الإحصار زمان تحلله، ومنحر الهدي حيث يتحلل، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ ليس مقصورا على المحصر، بل حكم كل حاج ومعتمر، والمرض الذي يبيح اللبس والحلق ويقتضي الفدية هو الذي يحتاج إلى تغطية البدن وحلق الشعر، وألزم فدية على التخيير ولم يبين وصفها، فنبه عليه النبي - ﷺ - بقوله لكعب بن عجرة وقد مر به يوم الحديبية وهو محرم، فقال له: " أيؤذيك هو أم رأسك؟ فقال: نعم، فقال: نعم فقال: احلق رأسك واذبح نسيكة، أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين بين كل مسكين صاع "، وظاهر الآية يقتضي أن لا فرق بين قليل الشعر وكثيرة بخلاف ما قال أبو حنيفة حين لم يلزم إلا بحلق الثلث، وغيره حين لم يلزم إلا بالربع، وأما التمتع بالعمرة إلى الحج، فقد قيل هو المحصر إذا دخل مكة بكد فوت الحج، وقيل: " هو الناسخ الحج بالعمرة "، وقيل: هو التمتع المعروف في الحج، وهو الأصح ولا يجب الدم فيه إلا أن يكون بأربع شرائط، الأول: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج والتحلل منها فيه، والثاني: أن ينسئ الحج من سنته، والثالث: أن لا يعود إلى الميقات لإنساء الحج، والرابع: أن لا يكون من حاضري الحرم، وإن أحرم في رمضان وأخر الطواف إلى شوال ثم أحرم بالحج فهل يلزمه الدم؟
فيه قولان للشافعي، وظاهر إيجاب ما استيسر من الهدى يقتضي أن ذلك بعد الفراغ من العمرة والدخول في الحج، وكذا الصوم الذي هو بدله وعند أبي حنيفة يجوز الصوم إذا دخل في العمرة ناويا للتمتع..
إن قيل: كيف قال في الحج ومهما أحرم يوم عرفة لا يمكنه صيام ثلاثة أيام في الحج، لأنة منهي عن الصوم في يوم النحر وأيام التشريق؟ قيل: الواجب على المتمتع أن يحرم بالحج على الوجه عليه صيام ثلاثة أيام، وذلك بتقديم الإحرام قبل يوم عرفة، وقد قال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام التشريق، ويحملان النهي عن الصوم فيها على غير المتمتع وقوله: ﴿إذا رجعتم إلى بلدكم﴾ [قيل: معناه إذا أخذتم في الرجوع] بعد الفراغ وقيل: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى بلدكم [وأهليكم] وإطلاق اللفظ يحتمل الأمرين جميعا، فيصح حمله عليهما، وحاضروا المسجد الحرام، قال عطاء: هم أهل الحرم والقربات التي حوله ما لم تبلغ مسافة تقصر فيها الصلاة وبه قال الشافعي وقال طاوس: أهل الحرم لا غير وقال أبو حنيفة: هم أهل المواقيت وما دونها، وقوله تعالى: (ذلك) أي الكفارة لمن لم يكن حاضري المسجد، فأما حاضروا المسجد، فلا يلزمهم، وقيل: عني بذلك التمتع أي أن الحاضرين ليس لهم أن يتمتعوا وإنما ذلك لأهل الآفاق البعيدة.
إن قيل: ما الحاجة إلى ذكر: " تلك عشرة كاملة " عقب قوله (سبعة، وثلاثة، ولا يشك على ذي أدنى بصيرة أن الثلاثة والسبعة عشرة) ولا أن ذلك يتنوع، فيكون مرة كاملة ومرة غير كاملة، لأنها إذا لم تكن كاملة لم تكن عشرة؟
قيل: قد أجيب عن ذلك بأجوبة..
الأول: أنه لما قال: (ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) كان يحتمل التخيير، وأن كل واحد منهما على الانفراد يقوم مقام الهدي فبين أن مجموعهما يدل على الهدي يقوم مقامه، والثاني: أنه لما قصد بيان كمال الحكم، وأن ذلك يحصل في صوم العشرة، ذكر لفظ العشرة تأكيداً، فإن كان لو قال: (تلك كاملة) كانت مفهومة، وذاك أن الخطاب العامي، أعني ما يفهم به الخاص والعام الذين هم أهل الطبع لا أهل الارتياض بالتعلم لا يكون إلا تكريرات الكلام وزيادات البيان ليحسن إفهام الكافة، ولهذا جاء على القرآن عاما ما يتعلق حكمه بالكافة في غاية الظهور، وما هو مختص علمه بالراسخين في العلم جاء على ضرب من الإيجاز والغموض، إذ كانوا بمعرفتهم يمكنهم أن يتوصلوا إلى حقائقه، وما هو متردد بين العامة والخاصة كذكر التوحيد والنبوة ذكر تارة بلفظ مبسوط، ليظهر منه للعامة ما يفتعهم، وتارة بالفظ وجيز ليستخرج منة الخاصة ما يتضمنه، ولهذا قال فيما يغمض، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾، والثالث: أن قوله: (تلك عشرة كاملة) استطراد كلام، وتنبيه على فضيلة علم العدد، وذاك أنه قد قيل: العددُ أول العلوم وأشرفها، أما كونه أولاً، فلأن ما عداه به تميز وتفضل، وأما كونه أشرف، فلأنه لا اختلاف فيه ولا تغيير، بل هو لازم طريقة واحدة، فذكر العشرة، وصفها بالكاملة، إذ هي عدد كمل فيه خواص الأعداد فإن الواحد مبدأ العدد، والاثنين أول العدد، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة أول عدد زوج محدود، أي مجتمع من ضرب عدد في نفسه، والخمسة أول عدد دائر، والستة أول عدد تام، أي إذا أخذت أجزاؤه لم يزد عليه ولم ينقص منه، والسبعة أول عدد أول أي لا يتقدمه عدد بعده، والثمانية أول عدد زوج الزوج والتسعة أول عدد مثلث، والعشرة أول عقد ينتهي إليه العدد، فإن كل عدد بعده مكرر منه بما قبله، فإذن العشرة هي العدد الكامل..
البقرة 2:197
قوله - عز وجل -:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾
الآية: (١٩٧) سورة البقرة.
جدلُ الحبلِ فتلهُ، وبه سمي الزمامُ جديلاً، وعنه استعبر " جالت فلاناً "، ولذلك قيل: ناقضه تشبيها بنقض الحبل، وقتل فلان، يفتُلُ حبلاً "، في ذورة فلان، إذا أحتال عليه، والجدولُ: النهر الممتدُّ كالحبل المفتول، والمجدلُ: القصرُ المحكم، والجذالةُ: كل أرض صلبة، والزاد: فضل الطعام الزائد عما يكتفي به في الوقت، وقد بين الله تعالي فيما تقدم أحكام الحج وما يقع فيه من الإحصار [واستباحة] الحلق والتمتع، وبين في هذه الآية وقته الذي يصح فيه ذلك، ومن قال: أشهُرُ الحج: شوالُ، وذو القعدة، وتسع من ذي الحج عنى أن فعله يقع في هذه المدة، لأن لفظ الأشهر يقع على الاثنين، وبعض الثالث، فالفعل قد ينسب إلى مدة ممتدة ويكون واقعاً في بعضها، ولما كان فعل الحج في هذه الأشهر نسب إليها ثلاثتهن، ودلت الآية على أن الإحرام بالحج في غيرهن لا يصح لتخصيص الأشهر وهي أدنى العدد، ولقوله:
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، والضمير على هدا الوجه لا يقال في التواريخ إلا لأدنى العدد، كقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، ثم قال: ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ [يعني: في الأربعة الحرم،] ويقال: لثلاث خلون، وثلاث عشر خلت، وقول مالك: إن الإحرام بالحج يصح بعد يوم العاشر بالحج مستدلاً بظاهر الآية قويَّ، ويعاضده ما روي عنه- عليه السلام- " أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وذو الحجة "، وقوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجّ) أي التزم حكمه، وذلك عند الشافعي بالنية فقط وبها يصير محرماً عنده وعند أبي حنيفة- رحمه ألفة بالنية، ومع سوق الهدى أو التلبية، [واستعمل الفرض في] والتزام الحكم وأصله من قطع الحكم مأخوذاً من " قرض القوس " أي: حزهُ، وقيل لثعلب النحوي: لم جعل الغرض لما في أوكدُ والنية لمآ هو أخفُّ؟
قال: لأن الفرض لما يؤثر، كفرض الزند والقوس والسن للضب، فلما كان تأثير الفرض في نفس الشك أبلغ من تأثير السن، فجعل لما هو أوكد والرفث ههنا: قيل هو الجماع، وقيل: هو حديث الجماع، وروي عن ابن عباس- رضي الله عنه- أنه كان ينشد في الطواف:
إن تصدقُ الطير ننكْ لميسا...
فقيل له: أترفُثُ؟
فقال: " ليس هذا الرفث، إنما الرفث مراجعة النساء الحديث بذكر الجماع "،
إن قيل: الفسوق محظور في كل حال، فكيف خص به الحج؟ قيل: الفسوق هاهنا يعني الأشياء المحظور تعاطيها في حال، [الحج] كالصيد والطيب، واللباس، وإن لم ليكون فسقاً في غير الحج؟ قيل: تخصيص الحج به تنبيه على شرفه وعظم موقعه، كقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإن كان ظلم النفس في كل حال مكروهاً، وكما قال: " إذا صام أحدكم فلا يجهل، فلا يرفث، فإن جهل عليه فليقلْ: إني صائم "، وقوله ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ أي: لا يجوز المماراة، وقيل معناه: لا شك أن فرضه مقرر في ذي الحجة بخلاف ما فكله النساءة، قيل: هو حث على التحاب وقيل: " هو حث على التحاب والنظافة وترك ما يؤدي إلى التباغض "، وكل ذلك يصح إرادته، وقيل قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ إشارة إلى أن من التزم هذا الفرض وتحراه يمنعه عن الرفث والفسوق، وكأنه نبه على علة ما أوجه لأجله الحج، فهو تهذيب اللسان عن الخنا، وإصلاح البدن [بالمنع] من تعاطي الفسق، كما جعل الصلاة علة لترك الفحشاء والمنكر، والصوم علة للتقوى في قوله: (لعلكم تتقون)، والزكاة علة لتزكية النفس في قوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ نهي على ما تقدم، ولهذا فضل بين إعرابيهما بعض القراء، ونبه بقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ على مجاراته إياهم، كما نبه في عامة القراء على ذلك، نحو: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾، و ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ وما يجري مجراه من الأقوال:
وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ حث على تقوى الله واقتناء الأعمال الصالحة، والإعراض عن الدنيا سوى ما يتوصل به إلي الآخرة...
، وقال أبو المطيع البلخي لحاتم الأصم:
" بلغني أنك تجوب ألبادية بلا زاد فقال: إنهم أجوبها بأربعة أشياء، أرى الدنيا بحذافيرها ملكاً لله، وأرى الخلق كلهم عبيداً لله، وأرى الأشياء كلها بيده، وأرى قضاءه نافذاً في كل أرض "، ، فقال: " نعم الزاد زادك يا حاتم نحوت فيما مفاوز ألآخرة "، وقول من قال: " أنزلت الآية في قوم يحجون بلا
البقرة 2:198
زاد، ويتكففون، فنهوه عن ذلك، فلا يمتنع أن يكون مراد بالآية مما تقدم، فالتكففُ قل يكون منافياً للتقوى "، وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لما أمر بالتقوى، أمر أن يكون هو تعالى المقصود بها، وقيل: تقواه حفظ النفس إن نالها عقابه أو يتخطاها ثوابه، وذلك منعها متابعة الهوى، وحملها على طريق الهدى، وذلك على ثلاثة منازل...
الأول: ترك الكفر والكبائر، والثاني: ترك المحارم وأداء الفرائض اللذين يقتضيهما إلتزام الشرائع، والثالث: حفظ القلوب عن التلفت إلى الذنوب، وهو المغنى، بقول من قال: " التقوى هي التبرؤ من كل شك سوى الله تعالي، ولا يحصل الثالث إلا بحصول الثاني، ولا الثاني إلا بحصول الأول "، وعنى هاهنا الغاية، ولهذا خص أولوا الألباب بالخطاب، فاللب أشرف أوصاف العقل، وهو اسم الجزء الذي بإضافته إلى سائر أجزاء الإنسان، كلب الشيء إلى القشور، وباعتبار اللب، قيل لضعيف العقلي " يراعة "، " وقصبة "، و " منخوب " و " خاوي الصدر "، وقال- عز
وجل- ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
قوله - عز وجل -:
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾
الآية (١٩٨) - سورة البقرة.
فاض الإناء، انصب عن امتلاء ومنه: فاض صدره بسره، ورجل فياض سخي- تشبيها بنهر فياض، ودرع مفوضة: افتضت على لابسها كقولهم: مسنونة، وعنه استعير: " أفاض من عرفة "، و " أفاض بالقداح " و " أفاض البعير بحريه "، و " حديث مستفيض "، كقولهم: شائع وسائر، وكانت العرب تتحاشى من التجارة في الحج حتى إنهم كانوا يتجنبون المبايعة إذا دخل العشر الأواخر، وحتى سموا من يوالي متجراً في الحج: الداج دون الحاج، فأباح الله ذلك، وعلى إباحة ذلك دل قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، وأمر الله بذكر الله تعالى عند المشعر الحرام أي المزدلفة، وقيل: عنى بذكره عند الجمع بين المغرب والعشاء، وهذا يدخل في عموم الذكر، فقد سمي الصلاة ذكرا في قوله ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقيل لبعض العلماء: " لم أمر الناس بالمقام عند المشعر الحرام، وبالذكر؟، فقال: لأن الكعبة بيت الله الحرام حجابه، والشعر بابه، والوافد إذا قصد الباب أقام وتضرع، فإذا وصل إلى الحجاب، قدم قربانات، وقضى التفث، وتطهر، ثم يؤذن له في الدخول، وأعاد الأمر بالذكر ثانياً، وأوجب أن يكون ذكره كهدايته أي مولداً لهدايته لنا ثم قال: (وإن كنتم)، أي وإنكم كنتم قبل لضالين، وإن محققة من الثقيلة بدلالة- دخول اللام معها، والضلال هاهنا الجهل بالمعارف الحقيقية نحو: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.
البقرة 2:199
قوله - عز وجل -:
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الآية: (١٩٩) - سورة البقرة.
روي أن قريشاً لم يكونا يقفون مع الناس بعرفة ولا يبيتون بالمزدلفة ويقولون: " نحن أهل حرم الله "، وكانوا يقفون دون عرفة فأمرهم الله تعالى أن يفيضوا مع سائر الناس، قاله ابن عباس، وعائشة، ومجاهد، والحسن، وقيل: إنه أمر جميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، أي إبراهيم، وسماه " الناس " والناس تستعمل على ضربين، أحدهما: للنوع من غير اعتبار مدح أو ذم،
والثاني: للمدح اعتبارا بموجود تمام الصورة المختصة بالإنسانية، وليس ذلك في هذه اللفظة فقط، بل في اسم كل جنس ونوع، نحو: هذا فرس، وفلان رجل، وليس هذا بفرس ولا فلان برجل، أي ليس فيه معناه الخاص بنوعه، وبهذا النظر نفى السمع والبصر عن الكفار، فعلى هذا سمى إبراهيم الناس على سبيل المدح [على وجه أخر] وهو أن الواحد يسمى باسم الجماعة تنبيهاً أنه يقوم مقامهم في الحكم، وعلى هذا قول الشاعر:
ويرى فيحْسبُهُ القتيلُ قتيلاً...
وقال: تستجمعي الخلقَ في تمثالٍ إنسانٍ وقال: وليسَ من الله بمستنكرٍ...
أن يجمع العالم في واحد
وعلى هذا قال تعالي: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ أي من عرفَةَ، وقيل: من المزدلفة، وهو أقرب، لأن بعده: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾، والاستغفار، والتوبة، والإنابة، والأوبة تتقارب، لكن الاستغفار [طلب] غفر الذنب، والتوبة تركه، والإنابة: الرجوع عن الضلال إلى الهدى، والأوبة رجوع القلب إلي الله تعالى، وهذه المعاني وإن كانت متلازمة، فألفاظها اختلفت
لاختلاف النظرات، فأمر تعالى بالاستغفار له عن الاشتغال بغيره من أمور الدنيا، وبين أن الله تعالى غفور للمطيعين، رحيم بالعاصين، يدعوهم برحمته إلي بابه، ويرغبهم في جزيل ثوابه...
البقرة 2:200
قوله - عز وجل -:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾
الآية (٢٠٠) - سورة البقرة.
القضاء: فصل الأمر، والنسك أخذ النفس ببلوغ غاية العبادة، واختص في تعارف أهل الفقه بعمل الحج وبالذبيحة حتى سميت نسيكة، كما سميت قرباناً، وقولهم: إذا فعلت كذا فافعل كذا، يقال على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون " افعل " أمراً بما تقدم فعله نحو، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ الثاني: أن يكون الأمر بشيء هو من أبعاض ذلك الفعل وفي أثنائه، نحو: " إذا صليت فاركع واسجد "، والثالث: أن يكون بعده، نحو: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ والآية، محمولة على ذلك تنبيها ففي ابتداء النسك ذكر، وهو التلبية وفي أثنائه ذكر، وهو عند المشعر والطواف، وفي انتهائه ذكر، وهو شكر الله- عز وجل- وذكره عند طواف الوداع، ولما كان الذكر ذكرين، ذكر بالقلب، وذكر باللسان تتناولهما الآية، ولما كان الإنسان لا يتشكك في أن أباه أحد أسباب وجوده، وأنه منه أوجد ولا ينسى ذكره في شيء من أحواله، وكانوا يتبجحون بمكانه، ويفتخرون بكونهم عنه، أمروا أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم وأن يتحققوا أنه تعالى سبب وجودهما، بل سبب وجود آبائهم، وأن يفتخروا به كافتخارهم بآبائهم، وقد روي أنهم كانوا يفتخرون بأبائهم بعد فراغهم من حجهم، فأبطل الله ذلك، وعليه نبه النبي...
بقوله: " إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظيمها بالآباء، فالناس من آدم، وآدم من تراب، ولا فضل
لعربي على عجمي إلا بالتقوى "، ثم تلا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾... وقوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ تنبيه أنه إذا كان الأب يذكر لأنه سبب ما لوجودكم، فالباري- عز وجل- أولى بأن يذكر..
إن قيل: كيف خير بين أن يذكر كل كر الآباء وبين أن يذكر أشده ذكراً؟
قيل: لفظ أو وإن كان للتخيير، فمقتضى الكلام على إيجاب أن يكون ذكره أشد، لأنه لما نبه علي موضع نعمتهما أعنى نعمة الأب ونعمة الله- عز وجل- وشكر المنعم بقدر عظمة نعمته، وقد علم فضل نعمته تعالى على فضل نعمة الأب، فصار ذلك منبها أن ذكر الله أوجب وقوله:
﴿مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا﴾ إشارة إلى ما روي أنهم كانوا يقولون: " اللهم أكثر مالنا، وأولادنا وأنزل الغيث علينا، وأنبت مرعانا "، ولا يسألون شيئاً من أمور أخرجهم، وإنما سألوه الدنيا دون الآخرة، لأنهم عرفوها ولم يعرفوا اللآخرة، وكيف يسال الآخرة من لا يعرفها؟، وكيف يعرفها من لم يتحقق كونها؟، وكيف يتحقق كونها من لم يبصرها؟ أي لم تدركها بصيرته؟ وليس يعني بقوله: (يقول) التفوه بذلك فقط، بل صرف العناية إليها والاهتمام بها، والخلاقُ نصيب الإنسان من أفعاله المحمودة التي تكون خلقاً له، وذلك أن الفعل قد يحصل من الإنسان تخلفاً، وقد يحصل منه خلقاً وهو المحمود، وفي قوله: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ تنبية أن الأريحية لهم صادقة صادرة عن أخلاقهم..
البقرة 2:202
قوله - عز وجل -:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
الآية (٢٠١) - سورة البقرة.
لما أجرى الله تعالى العادة أن لابد للإنسان من أخيارهم وأشرارهم من بلغه في الدنيا، صار المؤمن يطلبها كما يطلبها الكافر، لكان طلب المؤمن لها علي سبيل الغرض قدر ما يحس، وفي وقت ما يحسن، ولأجل الحاجة إليها..
قال بعض الصالحين: " اللهم وسع الدنيا عليّ، وزهذني فيها، ولا تضيقها عليَّ فترغبني فيها ".
فقوله تعالى: ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي مالا يستقبح عاجلاً وأجلىً ويكون ذريعة إلى المقصد، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ أي ثواباً ورحمة وعلى هذا قال الحسن الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار.
قوله- عز وجل -:
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
الآية: (٢٠٢) - سورة البقرة.
النصيب في الأصل: المنصوب، وجعل السهم المقرر نصيباً، والنصب: رفع الشح، وبه سمي النصب، وإنصاب الحرم، ونصاب السكين، وفلان في نصاب صدق تشبيهاً بنصاب السكين، ونسب الحروف في الإعراب، ونصب الستر على التشبيه، والحساب: عنه استعير الحسبان المقارب لمعنى الظن، وحسب الذي هو معنى الكفاية بين تعالى أن من جمع بين طلب دنياه وأخراه، ولم يقتصر على طلب الدنيا الموصوفة.
بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية، فقد تناول نصيبه المأمور به في قوله: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، ولم يكن كمن قال فيهم:
البقرة 2:203
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، ولما كان الحساب يكشف عن مجمل الشيء وتفصيله، نبه بذلك على إحاطته بأفعال عباده ووقوفه على حقائقها، وذكر " السريع " تنبيهاً أن ذلك منه، لا في زمان ولا بفكره، وذلك أبلغ ما يمكن أن يتصور به الكافة سرعة فعل الله عز وجل.
قوله- عز وجل -:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
الآية (٢٠٣) - سورة البقرة.
الأيام المعدودات عند الشافعي- رحمه الله- ثلاثة أيام بعد النخر، والمعلومات عشر ذي الحجة، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله- في إحدى الروايتين: المعدودات يوم النحر، ويومان بعده، فيوم النحر عندهما من المعلومات ومن المعدودات جميعاً، وقائمة الخلاف أن عند مالك لا يجوز النحر ثالث أيام التشريق والحشر: ضم المتفرق وسوقه، يقال: حشرتهم السنة: أي ضمتهم من النواحي إلى الحضر، واختص حشرات الأرض بصغار الدواب وسهم حشر مضموم العدد، وكذلك أذن حشر ورفع الإثم عن المتعجل والمتأخر على وجه الإباحة وقيل: معنى رفع الإثم إنه خط ذنوبهما بإقامتهما الحج تعجل أو تأخر بشرط أن يكون متقياً- تنبيها أن الاعتبار بالتقوى فقط، وعلى ذلك دل قوله- عليه السلام- " من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمة " ثم قال: (واتقُو الله) متحققين أنكم إليه راجعون، وعلى أعمالكم محاسبون...
البقرة 2:204
قوله - عز وجل -:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
الآية (٢٠٤) - سورة البقرة..
التعجب حيرة تعرض للإنسان عن جهل سبب الشيء وليس هو شي ماله في ذاته حالة، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب وإلى من لا يعرفه، ولهذا قال قوم كل شيء عجب، وقال قوم: لا شيء عجب، وحقيقة أعجبني كذا، أي ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه، والألد المايل اللديد، أي صفحة العنق، ثم يعبر به عن المتكبر كالمتصلف أي المشتكي صليفه والأصيد للبعير الذي به الصد، ولهذا قال الشاعر:
ويقًيِمُ سالفَة العْدُوَّ الأُصْيدِ
وقال:
إن الكريمٍِ منْ يلفتُ حَوْلهُ...
وإن اللئيم دائمُ الطرفٍ أقوَدُهَّ
واستعير الألد للجدل الذي لا يمكنه صرف رأسه عما عض عليه، ولما كانت الدنيا والآخرة كالمتضادين حتى قال أمير المؤمنين: [أزنها بكفتي ميزان] لا ترجع إحداهما إلا بنقصان الأخرى، وقال: قرة كالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، فمن حذق في إحديهما خرق في أخرى، ولهذا قال عليه السلام في اعتباره بأهل الدنيا: " أكثر أهل الجنة البله "، وقال في اعتباره
البقرة 2:205
بأهل الآخرة: " ألكيسُ من دان نفسه.. " نبه أن من الناس من إذا صادفته وجدته معجباً لك في أمور دنياه، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ الآية... ويحلف بأن قلبه [مطمئن بالإيمان] ومطابق للسانه وهو يجادل في ذلك ويخاصم، وقوله تعالي ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ إشارة إلى نحو ما وصف به المنافقين، حيث قال قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾.
قوله- عز وجل -:
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
الآية (٢٠٥) - سورة البقرة.
السعي: مشي سريع، ومنه قيل السعي بين الصفا والمروة، فجعل مستعاراً للتصرف، ولأجله قيل لجابي الصدقة ساع، وقيل للوقيعة في الغير سعاية، وذلك كاستعارة المشي لهما في قوله ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ والنسل: مصدر نسل إذا خرج منفصلاً ومنه: نسل الوبر والريش.
والنسالة للساقط منه، ونسل إذا أسرع، قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾، وسمي الولد نسلاً لكونه ناسلاً عن أبويه بين تعالي حال هذا المعجب في الدنيا المرائي المجادل بأنه إذا تولى عمن يرائي سلي في الإفسال وإهلاك الحرث والنسل وذلك معاندة لله فيما حث عليه في قوله:
البقرة 2:206
﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وما دل عليه قول النبي- عليه السلام- لما خلق الله المعيشة جعل البركة في الحرث والنسل، ولجأ أن من فعل ذلك فإن الله لا يحبه، أي لا يرضى فعله..
إن قيل: كيف حكم تعالى بأنه لا يحب الفساد وهو مفسد للأشياء؟
قيل: الإفساد في الحقيقة إخراج الشيء من حالة محمودة لا لغرض صحيح، وذلك غير موجود في فعل الله تعالى، ولا هو أمر به ولا محب له، وما يراه من فعله، [ويظهر بظاهره] فسادا فهو بالإضافة إلينا ولاعتبار ما، فأما بالنظر الإلهي فكله صلاح، ولهذا قال بعض الحكماء: " يا من إفساده إصلاح "، أي ما نظنه إفسادا لقصور نظرنا ومعرفتنا فهو في الحقيقة إصلاح وجملة الأمر أن
الإنسان هو زبدة هذا العالم، وما عداه مخلوق لأجله، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، والمقصد من الإنسان سوقه إلى كماله الذي رشح له، فإذن إهلاك ما أمر بإهلاكه فلإصلاح الإنسان، وأما أمانته، فأحد أسباب حياته الأبدية، ولشرح هذه الجملة موضع أخر من التفسير..
قوله - عز وجل -:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
الآية (٢٠٦) - سورة البقرة.
المهد معروف، وتصور منه التوطئة، فقيل لكل وطيء مهد، والمهاد جعل تارة جميعاً للمهد، وتارة اسمه للآلة، نحو فراش، وجعل جهنم مهادا لهم كما جعل العذاب مبشراً به في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وقوله: بالإثم أي سبب الإثم وقيل: دعته العزة إلى أن يأثم، كقوله: أخدني بفعل
البقرة 2:207
كذا، أي بأن أفعله وبين أن جهنم نصيبه الكافي جزاؤه الوافي، ثم دل على حال جهنم بقوله: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾...
قوله - عز وجل -:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾
الآية (٢٠٧) - سورة البقرة.
يشري يبيع ويشتري، وقد تقدم حقيقته، وحقيقة البيع والناس علي أضرب ضرب باع نفسه من الشيطان بالشهوات، فصار علقاً كل يده لا سبيل إلي الانفكاك منه، وهم المعنيون بقوله: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، وضرب وقع أسر الشريطان عليه، فاجتهد في تخليص نفسه منه وهو المعنى بقوله- عليه السلام: " الناس عاديان، فبانع نفسه فموبقها، ومبتاع نفسه فمعتقها "، وضرب لم يقع عليه أسر الشيطان، وقد باع نفسه من الله- عز وجل، وهو المعنى بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، وبين تعالى كيف اشترى أنفسهم بقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فقول: ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يتناول ضربين: المخلص نفسه من أسر الشيطان، ومن باع نفسه من الله فإذن يشري نفسه للأمرين، والشراء والبيع في مثل هذا الوضع كالرمز والإشارة، وحقيقتهما وقف الإنسان نفسه على مرضاة الله - عز وجل-، والتحري في مصالح عباده، وقيل.
إنها نزلت في صهيب بن سيار، وكان قد أخذه المشركون، وقتلوا بعض من كان مده، فقال صهيب: أنا شيخ لا أنفعكم إن كنت معكم، ولا أضركم إن كنت عليكما فخذوا مالي وخلوا سبيلي، ففعلوا فلما ورد المدينة قال له أبو بكر: ربح بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونبه بقوله:
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، أن الإنسان في بيع نفسه منه تعالى يدخل في ملك من هو أرأف به من نفسه أولى به من ذاته..
البقرة 2:208
قوله - عز وجل -:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
الآية (٢٠٨) - سورة البقرة.
عنى بالسلم سلم العبد الله - عز وجل، وذلك أن الإنسان في كفره، وكفران نعمة الله كالمحارب له، ولهذا يسمى الكافر المحارب في نحو قوله: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وسلم العباد لله على ثلاثة أضرب، ضرب يتقدمه إلى الإيمان وهو الإسلام الذي سلم به من الله أن يراق دمه ويسلب ماله وهو المغني بقوله- عليه السلام:
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ".
واثنان بعد الإيمان، أحدهما أن يسلم من سخطه بارتسام أوامره وزواجره طوعاً أو كرهاً، والثاني: أن يكون سليماً من الشيطان وأوليائه، وسليماً فيما يجري من قضائه، وبه يحصل [دار السلام المذكورة في قوله تعالى]: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ وهذا غاية ما ينتهي إليه للعبد من المنازل الثلاث وإن كان لكل منزلة منها درجات، وهذا السلم هو المغني بقوله تعالى: {}، وبقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ
البقرة 2:209
الْإِسْلَامُ}، وهو الذي تمناه يوسف عليه السلام- بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقوله: ﴿كَافَّةً﴾ حال للمخاطبين، أو للسلم وقد تقدم الكلام في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.
ونبه أن اتباع الشيطان خروج عن السلم، ونبه على معاداة الشيطان وأن عدواته لا تخفى، وهذا المعنى قصده الشاعر في وصف الدنيا.
إن الليالي والأيامَ لوْ بَحثَتْ
عنْ عيبِ نفسهِمِا لمْ تكَتُم الخبَرا.
قوله- عز وجل -:
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
الآية (٢٠٩) - سورة البقرة.
زل وزال يتقاربان، ولكن زال أبلغ، ولفظ البينات عام فيما حولنا من المعارف العقلية والسمعية، والنهي عن الزلة والقصد إلى الفعل الذي يحصل عنده الزلة، إذ الإنسان لا يقصد أن يزل، وعلى هذا إذا قيل: " لا تصلوا "، ونبه بقوله ﴿بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أن أعظم الذنبين ما كان بعد المعرفة والبينة، وفي هذا تحذير لمن يبصر عن ركوب ذنب فكأنه قيل: إذا أردتم ذنباً فاذكروا عز الله وحكمته، [ففي العلم بعزه علم بقدرته على عقاب المذنب]، وفي العلم بحكمته علم بأنه غير ظالم في عقابه وفي العلم بهذين انزجار سكن ارتكاب الذنب.
البقرة 2:210
قوله - عز وجل -:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾
الآية (٢١٠) - سورة البقرة.
قد تصور بعض.
الناس مالا يليق بصفات الله تعالى في لفظ المجيء والإتيان الذي وصف الله - عز وجل به بنفسه في هذه الآية وفي قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، وقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وذلك لأمرين، أحدهما لقصورهم عن معرفة البارئ عز وجل، والثاني: لضيق مجالهم في مجاري الألفاظ ومجازها، وليس يقال الإتيان والمجئ لانتقال الحي المتحرك من مكان إلى مكان فقط، بل قد يقال لقصد القاصد بعنايته أمراً يستصلحه كقوله: أتيت المروة من بابها، [ويقال أيضاً] لاستيفاء فعل يتولاه، كقولك: أتيت على ما في الكتاب، [وقد يقال أيضا] لفعل يفعله على يد من يستكفيه [كقولك إن الأمير ناحية كذا بجيش عظيم، ومنه ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ ولما جرت العادة أن الرئيس يتولى الأمير بمن يستكفيه] تارة وبنفسه تارة، وأن لا يتولى بنفسه إلا ما كان أكبر وأعظم، فلما أراد الله تعالى أن يبين العذاب الذي لا غاية وراءه جعله منسوباً إلى نفسه وإتياناً له، وعلى هذا النحو جعل كل يستعظمه فعلاً له نحو خلق أدم بيده، وعلى هذا قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، ووجه آخر، قد أشير إليه في صدر الكتاب، وهو أن الفعل كما ينسب إلى المباشر له ينسب إلى ما هو سببه ومسهلة، نحو أن يقال: ﴿الرحمن علم﴾، وإنما علمنا من علمه النبي، وعلم النبي جبريل، وجبريل علمه الله عز وجل- فصح أن ينسب إليه، ولهذا قد ينسب فعل واحد تارة إلى الله عز وجل-، وتارة إلى غيره، نحو: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، ،
فإن قيل: هل يجوز على هذا القياس أن يقال شيء إذا عنى به عبداً؟
قيل؟ نحن إنما أجزنا إستعمال ما استعمل فيه تعالى لورود السماع به، ولولا ذلك لنزهناه عن كل وصف يطلق على البشر تفادياً من وهم بشبيه، وقوله: (وقضي الأمر) تنبيهاً أنه حينئذ لا يمكن تلافيه، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
أي ما قد ملكه عباده في الدنيا من الملك، والملك والتصرف مسترد منهم يوم القيامة، وراجع إليه، ويقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي استرد ما كان فوضه إليه، وقيل: عنى بالأمور الأرواح، وسماها أموراً من حيث إنها من الإبدعات المشار إليها بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وقال: ولهذا لما سئل سكان الروح قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي هو من الإبداع الذي لا يمكن للبشر تصوره، فنبه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وعلى ذلك قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، ويكون رجوعها إنما بربح وغبطة، وإما بندامة وحسرة إلى أن ينشئها النشأة الأخرى على ما قضاه تعالى، وقوله: ﴿ظُلَلٍ﴾ جمع ظلة، يقال ظله وظلل وظلال، نحو خُلة وخلل وخلال، والإشارة بهدف إما إلى أمطار عذاب، كعارض عاد المذكور في قوله: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، أو إلى أهوال القيامة، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ على طريق التهديد والوعيد...
البقرة 2:212
قوله - عز وجل -:
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
الآية (٢١١) - سورة البقرة.
نبه بلفظ ﴿كَمْ﴾ على كثرة ما آتاهم من الآيات، ودل بقوله: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ على إضمار بدلوا، وعلى هذا إن الحكم ليس مقصوراً عليهم، بل هو عام فيهم وفي غيرهم، ودل بقوله: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أن الآية من جملة نعمته، بل هي من أعظم النعم، وبقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ على نحو ما دل عليه قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وتقدير الكلام: آتيناهم آيات هي بنعم، فبدلوها ومن يبدل نعمت الله بعد اختصاصه بها عاقبه الله عقاباً شديداً فإنه شديد العقاب، فإذن بعقاب بني إسرائيل ومن فعل فعلهم، فإنه يعاقبهم كما عاقبهم.
قوله- عز وجل:
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
الآية (٢١٢) - سورة البقرة.
التزيين التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، نحو: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾، واختلف في هذا التزين، فمنهم من قال الله زينه لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾، ومنهم من قال: الشيطان زين لهم لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وروي عن الحسن: الشيطان زينها ولا يعلم أحد أذم لها ممن خلقها أو وصفها بأنها متاع قليل وأنها متاع الغرور وجمع بعض الملاحدة بين هذه الآية وأخواتها وزعم أن ذلك من الآيات المتناقضة في القرآن، لأنه قال مرة: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾، فقال: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾، فنسبه إلي نفسه، وتارة ذكر أنه قيض لهم من زينها لهم، وذلك قوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، ووهي ما ادعاه لا يخفى على ذي بصيرة، لكن بيانه يحتاج إلى مقدمة، فنقول وبالله التوفيق: إن الله- عز وجل خلق الإنسان وجعل له سبيلاً إلى بقائه بشخصه زماناً ما، وتنوعه مدة ما، وركب فيه شهوة تشوقه إلى الغذاء والجماع اللذين هما سببا البقاءين، فهذا هو تزين الله عز وجل- وأمره باستعمالها حسب ما تأمره الشريعة فيها يؤدي به إلى سعادته في الآخرة على ما ينبغي، وبقدر ما ينبغي، ومن عشقها بإفراط، استحوذ الشطيان عليه وأعماه عن قبح المستقبح منه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ وأما قوله تعالى ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [وقوله تعالى] ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾، فالتزيين في الآيتين يحتمل وجهين أحدهما أن الذي زينه هو المشروع لهم، والثاني: أن الذي زينه هو الشهوة لكن على أن يأخذ بقدر ما يجب، وفي وقت ما يجب، لا أن يجعلها مقصده ووجه أخر في الآية، وهو: الحياة حياتان، حياة ذاتية دنيه وهي الحياة الدنيا ودناءتها لما وصفها الله تعالى بقوله ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ الآية..
، وحياة متأخر سنية وهي الموصوفة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ والثانية: لا يعرفها إلا الذين اتقوا، فأما الذين كفروا فلا يعرفون إلا الحياة الدنيا ويجحدون الآخرة ويسخرون من الذين يؤمنون بها، فبين الله تعالى أنهم وإن سخروا من الذين آمنوا، فالذين آمنوا فوقهم، ومعنى ﴿فَوْقَهُمْ﴾ قيل هو كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ وذلك يحتمل وجهين، أحدهما أن حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا، والثاني: أن المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات، وأن الكفار في الدرك الأسفل من النار وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي كفى ما يستحق بلا إفراط ولا تفريط، " وأعطاه بغير حساب " إذا أعطاه أكثر مما يستحق وأقل مما يستحق والأول هو المقصود هاهنا، وهو المشار إليه بالإحسان، وقد فسر ذلك على أوجه لاحتمال اللفظ، وإيهامه الأول يعطيه [عطاء] أكثر مما يستحقه، الثاني: يعطيه ولا يأخذ منه، الثالث: يعطيه عطاءً لا يحويه حصر العباد،
لقول الشاعر: عطاياهُ تحْصَى قبل إحصائها القطرُ
الرابع: يعطيه بلا مضايقة، من قولهم: حاسبته أي ضايقته، الخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه
أي يكفيه، وكل هذه الوجوه تحتمل أن يكون ذلك في الدنيا وفي الآخرة، السادس: إن ذلك إشارة إلى
توسيعه على الكفار والفساق الذين قال فيهم: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ تنبيهاً أن لا فضيلة في المال، ولا إكرام لمن يوسع عليه ما لم يستعن به في الوصول إلى المطلوب منه، ولهذا قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الآية...
ولهذا قال أمير المؤمنين: " من وسع عليه في دنياه فلم يعلم أنه مكر به فقد خدع عن عقله ".
السابع: يعطي أولياءه بلا تبعه ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذاك أن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا من حيث يجب، وفي وقت ما يجب وعلى الوجه الذي يجب، ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب نفسه فلا يحاسب، ولهذا ما روي: " من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في القيامة "، وعلى هذا قال لسليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: تحر فيما أعطيناك الوجه الذي لا تبعة فيه عليك ولا حساب، الثامن: أن الله عز وجل- يقابل المؤمني في القيامة لا بقدر استحقاقهم، بل بأكثر منه كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾.
التاسع: وهو يقارب ذلك إن ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا خطر عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير يتعلق بالذين كفروا، وعلى بعضه يتعلق بالذين آمنوا..
البقرة 2:213
قوله - عز وجل -:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
الآية (٢١٣) - سورة البقرة.
قال ابن عباس وأبي والسدى: " كانوا أمة واحدة في الإيمان " وقال غيرهم: " في الكفر "، وهدا الخلاف لاختلاف نظرين لابد فيهما من مقدمة تنكشف بها أوجه الخلاف، وتحقيق التأويل، وهي أن الله - عز وجل - فطر الناس فطرة ركز فيها رؤية يعرف بها بعض الأشياء اضطرارا، ومكنه أن يعرف بها البعض اكتسابا، وحبب إليه ما لم يفسد الحق من الاعتقاد دون الباطل والجميل من الفعال دون القبيح والصدق من المقال دون الكذب وإلى ذلك أشار بقوله - عز وجل:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وبقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ وبقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، وبقول النبي - عليه السلام -: " كل مولود يولد على الفطرة "، ولم يخلهم في وقت من نبي يشحذ عقولهم ويعرفهم ما لا سبيل لهم إلى معرفته من دونه، وكان كلما تختل أحوالهم بعد خروج نبيهم من بينهم، إما أن يقيض لهم من يجدد عليهم شريعتهم السالفة، أو يبعث إليهم نبيا يأتيهم بشريعة مستأنفة، وهذا كان فعله إلى أن ينتهي الأمر إلى نبينا - عليه السلام -، فختم به الأنبياء، فمن قالوا: كانوا أمة في الإيمان، فنظر منه إلى المبدأ وحال الفطرة وما كانوا عليه قبل أن فسدوا، ومن قالوا: كانوا أمة واحدة في الكفر، فنظر منه إلى حين فسادهم، كما بين زمن بعثة نوح وبعثة إبراهيم - عليهما السلام، وكل واحد من القولين صحيح بنظر ونظر، فقد كانوا أمة واحدة في الإيمان طوراً، وأمة واحدة في الكفر طوراً..
إن قيل: كيف كانوا أمة واحدة في الكفر وقد قيل: لا تخلو الأرض من حجة الله؟.
قيل إن من كان حجة الله - عز وجل - في مثل ذلك الوقت في حكم من لا اعتداد به في كونهم أمة لعلة الإصغاء إليه، وبين تعالى أنه بعث أنبياءه مبشرين للمحسنين ومنذرين للمسيئين، ولم يخل أحدا من أنبيائه من كتاب يرشده ويرشدهم،
إن قيل:
أليس قد قلتم: لم ينزل الكتاب من النبيين إلا على جماعة منهم؟ قيل: إن الله - عز وجل - لم يخل أحدا من الأنبياء من كتاب، إما كتاب خص هو به، وإما كتاب من كان فبله أمر بالاعتماد عليه، كالأسباط الذين كانوا أنبياء، وكتابهم كان التوراة، وعطف قوله ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ﴾، وفصل بينهما بذكر اختلافهم، وأنهم لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات ذما للمختلفين، فإن من شأن البينات أن ترفع الخلاف، وعلى هذا قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ الآمة..
وبين سبب اختلافهم بقوله الله عز وجل - بغياً بينهم تنبيها أن ذلك كان لطلبهم زخرف الدنيا ومنازلها، فمن المفسرين من جعل قوله: (الذين أوتوا الكتاب) مخصوصا في بني إسرائيل والذين آمنوا في هذه الأمة، لقوله: {وَلَا تَكُونُوا
البقرة 2:214
كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُا}، وقول النبي - عليه السلام: " هدانا الله لما اختلفوا فيه "، ومنهم من جعله عاما في جميع الأمم، وقوله بالحق، أي بما يسمى من الثواب والعقاب، وقيل بالأمر والنهي وكلاهما مرادان، فالكتاب مشتمل على كل ذلك، وقوله: (بإذنه) أي بعلمه، وقيل: بأمره، وقيل: بلطفه، والأذن لما يسمع، ويعبر به عن العلم إذ هو مبدأ العلم فينا...
إن قيل: كيف قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وذلك يقتضي أنه هدى بعضاً دون بعض، وحق جوده وكرمه أن يعمهم بالهدى؟ قيل: إنه قد عمهم من حيت قد أباحه لهم وقيضه، لكن لم يهتد به الكل، فإن هدايته لا يدركها إلا من جلى بصيرته، وشحذ فهمه ليعرفه، فيهتدي به، وقد قال بعض الصالحين: ما أكثر الهدى وأقل من يرى، ألا ترى أن نجوم المساء ما أكثرها، ولا يهتدي بها إلا العلماء؟
قوله - عز وجل -:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾
الآية (٢١٤) - سورة البقرة.
الزلزلة: شدة الحركة، وأصلها زل، ولزيادة المعنى زيد لفظه، وعلى هذا دل ودلدل، وما أشبهه به من المضعف مع الحرف المكرر بين تعالى أنه لا سبيل للناس كافة إلي الجنة إلا بتحمل المشاق، ولهذا ولهذا قال عليه السلام:
" حفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات "، فخاطب هذه الأمة بأنه محال أن ترجو تحصيل الجنة إلا بما جرى به حكم الله في الذين سلفوا، وهو أن تنالكم البأساء أي الفقر، والضراء أي المصائب، والزلزلة أي المخاوف، وبذلك أثنى على المؤمنين فقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وليس ذلك في الأمور الإلهية فقط، بل في عامة الملاذ لا سبيل إلى منحة إلا بمنحة، ولا إلى لذة إلا بشدة.
ولهذا قيل: ولابْد دُون الشهدِ من أثرِ النحلِ.
وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾، قيل معناه: " حتى يقول الرسول والمؤمنون متى نصر الله " على سبيل الإبطاء، ثم تل تداركوا، وعادوا إلى معرفتهم، فقالوا: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [قيل ليس ذلك على سبيل التضجر، بل على سبيل الدعاء والتضرع إخباراً منه تعالى على سبيل الآية لهم على سبيل الحكم، وقيل تقديره وزلزلوا حتى يقول الأتباع متى نصر الله، ويقول الرسول " ألا إن نصر الله قريب "] فجمع بين قولهم، كقولك: قال زيد وعمر وكذا وكذا الشيئين أحدهما قاله زيد والآخر قاله عمرو، وقرئ: (حتى يقول) بالرفع والنصب، ولكل واحد وجهان فأحد وجهي النصب معناه: إلى أن، والثاني معناه: كي يقول، وأحد وجهي الرفع أن يكون الفعلين ماضيين نحو: " مشيت حتى أدخل البصرة "، أي مشيت فدخلت والثاني: أن يكون ما بعد حتى لم يمض نحو: " مرض حتى لا يرجونه ".
البقرة 2:215
قوله - عز وجل:
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ الآية (٢١٥) - سورة البقرة
لما أثنى الله في غير موضع على المنفقين وحث على الإنفاق، نحو قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ سألوا عنه ههنا -،
إن قيل: ليس جوابهم طبقة لسؤالهم فإن سؤالهم عما ينفق، والجواب عمن ينفق عليه قيل: في ذلك جوابان، أحدهما أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ينفق؟ وعلى من ينفق؟ ولكن حذف في حكاية السؤال أحدهما إيجازا، ودل عليه الجواب بقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، كأنه قيل: المنفق هو الخير، والمنفق عليهم هؤلاء، فلفف أحد الجوابين في الآخر، وهذا طريق معروف في البلاغة، والجواب الثاني أن السؤال ضربان سؤال جدل وحقه أن يطابقه جوابه لا زائدا عليه ولا ناقصاً عنه، وسؤال تعلم، وحق المعلم أن يصير فيه كطبيب دقيق يتحرى شفاء سقيم، فيطلب ما يشفيه طلبه المريض، أو لم يطلبه فلما كان حاجتهم إلي من ينفق عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق بين لهم الأمرين،
إن قيل: كيف خص هؤلاء النفر دون غيرهم؟
قيل: إنما ذكر من ذكر على سبيل المثال لمن ينفق عليهم لا على سبيل الحصر والاستيعاب، إذ أصناف المنفق عليهم على ما قد ذكرهم في غير هذا الموضع، ولما كان المندوب إلى الإنفاق عليهم صنفين صنف لهم فرض معين في مال الأغنياء، وصنف لا فرض لهم معيناً ذكر الأبوين والأقارب تنبيها أن حقهم واجب، وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ أي من مال، فسمي المال خيرا تنبيها أن الذي يجوز إنفاقه هو الحلال الذي يتناوله اسم الخير، كما قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ثم بين تعالي أن كل ما يفعلونه لا يخفى عليه على الوجه الذي يفعلونه، [تنبيها أنه يجازى به] نحو قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
البقرة 2:216
قوله - عز وجل:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ الآبة (٢١٦) - سورة البقرة
الكره في الإنسان يستعمل على ضربين، أحدهما ما يعاف من حيث الطبع، والثاني ما يعاف من حيث الفعل وإن مال إليه الطبع، ولهذا يصح أن يوصف الشيء بأنه مراد مكروه، والكره والكره قيل هما واحد في معنى نحو الضعف والضعف وقيل بل الكره المشقة التي يحمل عليها الإنسان بإكراه، والكره ما يتحمله بلا إكراه، من غيره، وقيل للحرب كريهة...
وعسى طمع وإشفاق، وقد يجري مجرى لعل، ويقال: هو عس بكذا، أي جدير، وأعس به، وسمي الإبل التي لا ألبان بها، وفيها طمع المعسيات من حيث أن يقال عسى أن يكون بها لبن والقتال المكتوب من حيث الظاهر مجاهدة الكفار، وقيل: عني مع ذلك مجاهدة النفس إلى الشهوة، وهي التي سماها النبي - ﷺ - الله " الجهاد الأكبر "، ونبه بقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ بألطف وجه على أن ما كتب عليهم من القتال خير لهم بأوضح الأدلة وهي أنه إذا جاز أن يكون منكم كراهية لأمر وفيه الخير، فيجوز أن يكون كراهتكم لما كتب عليكم من القتال كذلك، وإذا جاز أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، فيجوز أن تكون محبتكم لما أحببتموه شراً، ثم نبه أن هذا الجائز كونه عندكم هو واجب كونه في نفسه بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي إذا كان الله - عز وجل - يعلم وأنتم لا تعلمون، وقد قضي بأن ذلك خيرا، فإنما قضي به لأنه خير، وإذا كان خيرا فيحبب أن تحبوه، ولا تكرهوه، فالخير يجب إرادته، والشر يجب كراهته، وعلى نحوه دل قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
البقرة 2:217
وإياه قصد الشاعر:
قضى الله في بعِض المكارهِ للفْتَىَ...
برُشدٍ وقي يعضِ الهَوَى مَأ يُحَاذِرُ..
قوله - عز وجل -:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
الآية (٢١٧) - سورة البقرة.
الصد ناحية الشعب، والوادي المانع للسالك وصده عن كذا، كأنما جعل بينه وبين ما يريده صدأ يمنعه، والصديد ما حال بين الجلد واللحم من القيح والدم، وقد تقدم أن زل وزال يتقارب لما كان الزوال معناه للنفي ضم إليه (ما) النافية، فصارا معا للإثبات، ولهذا لا يصح أن يقال: (مازال زيد إلا خارجأ)، كما يقال: (ما كان إلا خارجاً)، والحبط فساد يلحق الماشية في بطونها من أكل الكلأ، واستعير لفساد العمل، والسائل على ذلك قيل أهل الشرك قصدا إلى تعبير المسلمين مما استجازوه من القتل في الشهر الحرام وقيل: هم أهل الإسلام.
إن قيل: ما فائدة ذكر الشهر ثم إبدال القتال منه ولم يقل: يسألونك عن قتال في الشهر؟ قيل: في ذكر الشهر أولاً، ثم إبدال القتال منه ولم يقل: (يسألونك عن قتال في الشهر) قيل: في ذكر الشهر أولاً بنية أن السؤال عن القتال لأجل الشهر لا لغيره، ولو قيل: (يسألونك عن قتال الشهر) لكان يصح أن يفيد أن الغرض في السؤال عن القتال لا لتعظيم الشهر، بل لشيء آخر، وعلى هذا إذا قيل: " سُرق زيد ثوبه " تنبيها أن المقصد أن يذكر حال زيد، لا أن يخبر بسرقة ثوب ما...
إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشروط النكرة المذكورة إدا أعيد ذكرها أن يُعاد معرفاً نحو سألتني عن رجل، والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ذكره منكرا تنبيه أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإن قتال النبي- عليه السلام- لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، وقد قال: " أحلت لي ساعة من نهار).
وقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على قوله: ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ فأعلم تعالى أن بعض القتال فيه كبير ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تنبيه أنه على الوجه الذي يفعله الكفار صد عن سبيل الله، أي عن دينه وعن نبيه، وأكثر منه عند الله وأعظم إخراج أهل المسجد [يعني].
والمؤمنين الذين هم أولياؤه، وعلى ذلك دل بقوله لهم: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾، ثم بين أن النبي- عليه السلام- وأمته هم أولياؤه بقوله: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾، وفي ذلك تنبيه أن قتال المسلمين وقتلهم فيه ليس بكبير ولا صد سكن سبيل الله عز وجل، وبين أن الفتنة أكبر من القتل، وقد تقدم الكلام فيه، وأنه لا يرضيهم إلا ارتداء كم، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، ونبه بقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أنهم لا يردونكم، لأنهم لا يستطيعون، وذلك نحو قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وعقب دلك بوعيد من يرتد، فمات على حالته، وإن أعماله المتقدمة المعمولة في سبب الدنيا والآخرة تبطل وتضمحل كما قال:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
البقرة 2:218
قوله - عز وجل -:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الآية (٢١٨) - سورة البقرة.
الهجر.
مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن أو بالنسيان والقلب، والهاجرة الساعة التي تمنع عن السير كأنها هجرت الناس بحرها، والهجار حبل يشد به الفحل، فيصير سبباً لهجرانه الإبل، وجعل بناؤه على بناء الآلات، كالعقال والزمام، والهجر: الكلام المهجور لقبحه، وقيل: هجر فلان إذا هدى عن قصد واهجر المريض إذا هذي عن غير قصد والجهد: تحمل المشقة ومجاهدة العدو ومقاومته ببذل الجهد، وجهدت رأيي واجتهدته أتعبته بالفكر والنظر، والرجاء الوقوف على رجاء الأمل، أي ناحيتها حيث ما يتردد بين الأمل واليأس لما بين الله تعالي وجوب المقابلة ونهى عن تضييع الشهر الحرام والمسجد الحرام.
وعن تهييج الفتنة نبه على فضل من هاجر وجاهد في سبيل الله محافظة على ذلك، فمن المفسرين من حمل المهاجرة على مهاجرة الأهل والولد، كهجرة النبي- عليه السلام- وأصحابه والمجاهدة على الغزو، ومنهم من قال: عنى ذلك هجران الشهوات، ومجاهدة الهوى كما روى: (جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم) وقوله: (رجعتم من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر)، وقال في حجة الوداع: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، المهاجر من هجر الخطايا) وهذه المنازل الثلاث التي هي الإيمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
البقرة 2:219
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} ولا سبيل إلي المهاجرة إلا بعد الإيمان، ولا إلى الجهاد في سبيله إلا بعد هجران الشهوات، ومن وصل إلي ذلك فحق له أن يرجو رحمته،
إن قيل: الإنسان راج لرحمة الله وإن لم يبلغ هذه المنازل، قيل: إن الذي نسميه رجاء لن لم يبلغ مثل هذه المنازل، فهو تمن على الله المعني بقوله عليه السلام: " والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى علي الله الأماني " أو رجاء لتفصيل غير مستحق، وما ذكره الله- عز وجل- هاهنا هو الرجاء المستحق الذي وصف به المؤمنين في غير موضع نحو قوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾...
إن قيل: لم ذكر المؤمنين برجاء الرحمة وهي لهم لا محالة؟ قيل: المؤمن وإن بذل الجهد في طاعته، فواجب أن يكون بين نظرين، نظر إلى سعة رحمة الله عز وجل، ونظر إلى ما عسى أن يقع أو وقع منه من ذنب فينتج له خوفاً...
قوله- عز وجل -:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾
الآية (٢١٩) - سورة البقرة.
الخمر: ستر الشيء وقال لما يستتر به خمار، لكن للخمار صار الخمار في التعارف لما تغطي به المرأة رأسها، واختمرت المرأة، وتخمرتُ، وخمرتُ الإناء غطيته، وكذلك خمرت العجين، وسميت الخميرة لكونها مخمورة، ودخل في خمار الناس أي في جماعتهم يسترونه، والخمار الموروث من الخمر جعل ماؤه ماء الأدواء، نحو الكباد، والصداع، وخامره الحزن إذا استولى عليه حتى سترفهمه وفكره، وبنحوه سوي غماً، وأصله من الستر، ومن الناس من جعل الخمر اسماً لدى مسكر، ومنهم من جعله اسماً للمتحد من التمر والعنب، لقوله- عليه السلام-: " الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة "، ومنهم من جعلها اسماً لما لم يكن مطبوخاً، ثم كمية الطبخ الذي يخرجها عن كونه خمراً مختلف فيها، والميسر آلة اليسر، أي الضرب بالقداح ويقال للضارب به ياسر، وسمي الجاذر، وذلك الجذور ياسراً تشبيهاً به، وأصله من اليسر، وهو ضد العسر، وسمي الغنى يسراً، وسمي ذلك يسراً لاعتقادهم أنه غني للفقراء وأشار الله- عز وجل- بقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ إلى تحريمه إشارة لطيفة تحتاج في كشفها إلى مقدمة، وهي أن النفع ضربان، ديني ودنيوي، والدنيوي ضربان، نفع ضروري، ونفع غير ضروري، فالضروري كالأكل والجماع اللذين لو تصورناهما مرتفعين لارتفع بارتفاع الجماع نوع الحيوان، وبارتفاع اجل أشخاص الحيوان، ونفع غير ضروري، كالتنقل بعد الأكل وترك التحلل بعده، والخمر نفعها دنيوي غير ضروري، فإن نفعها تقوية الأبدان المسنة، وهضم طعام والمعاونة على الباءة والزيادة في الرطوبة والحرارة الغريزيتين، وليس ذلك بضروري ولا متحقق النفع فيه، وفيهما إثم
متحقق أو مظنون، والعقل يقتضي أن يتحاشى من الترام الإثم المظنون للنفع المتحقق الذي ليس بضروري، فكيف من النفع المظنون؟، ومن هذا الوجه صار الخمر فيما بين الأمم المتقدمة مترددة بين خمر، ودم، وإباحة، وحظر، وتركها عامة في العقول الراجحة لما أراد الله تبارك وتعالى تحريم الخمر على الناس لما رأى في ذلك من المصلحة، وعلم من غريزتهم التي غرزها عليها إن كثيراً منهم إذا ردع عما ألفه واستحسنه لا يكاد يرتدع ابتداء بتقبيح السكر في نفوسهم، ولكونه منافياً لذكر الله وعبادته، فقال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فلما رسخ ذلك في نفوسهم أنزل قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، وكأن في هذا إشارة لا يعرفها إلا ذوو العقول الراجحة، فلما قوي ذلك في نفوسهم فال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وعلى قريب من هذا الكلام في الميسر، لكن كان أمره أخف، ومن الناس من جعل كل ما فيه خطر ومقامرة ميسراً، ومنهم من قاسه عليه، وقد روي عن النبي- عليه السلام- " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله "، وقرئ: إثم كبير وكثير، فكبير لقوله تعالي: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، وبقوله الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وعظيم وكبير متلازمان، ولأن جلهم قرأ: ﴿أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، ومن قرأ الكثير فنظر منه إلي ما روي عن النبي - ﷺ - في صفة الخمر ومشتريها وبائعها: " لعن الله عشرة: مشتريها، وبائعها وعاصرها، والمعتصرة له، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها وشاربها، وآكل ثمنها.. ". وقوله:
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ إن قيل؟ كيف أعيد السؤال عما ينفقون وجواب بين الجوابين؟
قيل: أما الأول: فسؤال عن الجنس الذي ينفق، وعمن ينفق عليه، فبين لهم الأمران، وأما السؤال هاهنا فعن القدر المنفق، فأجيبوا بحسبه، فبين أن الذي ينفق هو العفو، وقال ابن عباس: هو الفضل عن الغني، وهو الذي قال الشاعر:
أذا أنت أعطيت الغني ثم لم تجد...
بفضل الغني ألفيت مالك حامد
وقال الحسن وعطاء:
هو القصد الذي لا إسراف فيه ولا إقتار، وقال مجاهد:
هو الصدقة المفروضة، وكل ذلك مراد، فإن أفل ما تطيب به نفس المسلم هو الصدقة الواجبة، ومن لم تطب نفسه فليس بتام الإيمان، ثم منهم من تطيب نفسه ببذل جل ماله، ومنهم من تطيب لكل ماله، كأبي بكر- رضي الله عنه- فإذن العفو متناول لما هو واجب ولما هو تبرع، وقرئ (العفو) بالرفع والنصب، وذلك لتقديرين مختلفين في ماذا، فإن ماذا تارة تقدر تقدير اسم واحد، فيكون مفعول ينفقون يحق أنه المطابق له بالنصب، وتارة يقدر تقدير اسمين مبتدأ وخبر، فيكون جوابه المطابق له رفعاً أي: " هو العفو "، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ فيه حث على تجنب الخمر والميسر، وتنبيه على تحريمهما، فإن في التفكر في الدنيا والآخرة معرفتهما ومعرفة منافعهما، وأن النفع القليل في الدنيا لا يجب أن يشترى بكثير الإثم في الآخرة..
البقرة 2:220
قوله - عز وجل -:
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
الآية (٢٢٠) - سورة البقرة.
الخلط: الجمع بين أجزاء شينين، سواء " كانا مانعين، أو غير مانعين فهو أخص من المزج، يقال للصديق: الخلط، وهو دون الخليل، والخلاط وداء يخلط الجوف، وآفة تعتري العقل، والتخليط أن يخلط بالأمر ما يفسده، والإعنات من: عنت العظم عنتاً، أصابه وهي أوكسر، وقد أعنته، وكل ما يؤثم أو يشق عنت، ولما أكثر الله تعالى التحذير من مال اليتيم في نحو قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾، وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية، تحرجوا عن تناول ماله ومخالطته، فبين تعالي أن حق الإنسان أن يتحرى الصلاح له، وأن لا ضير في مخالطته أي مصاهرته.
وسائر أنواع المخالطة، وبين أنه أخوهم، وذلك إشارة إلى نحو قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقوله: ﴿بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ونبه بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أن الله تعالى لا تخفى عليه مقاصد الإنسان فيما يفعله معهم، وبين بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أنه لم يقصد إعناتاً فيما أوصاهم به في هذه الآيات المختلفة...
البقرة 2:221
قوله - عز وجل -:
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
الآية (٢٢١) - سورة البقرة.
النكاح اسم للعقد، واستعير للجماع بدلالة أن عامة أسماء الجماع كنايات، وأنهم يتحاشون النكاح من التصريح بذكر الجماع، وآلاته، كما يتحاشون من إظهاره حتى سموا ذلك العضو " السوءة "، ولم يستعيروا اسم الجماع وآلاته إلا فيما يقصدون به سبعة، نحو: شَوَّرَبِهِ إذا خجله وجعله بحيث كأنه أبدى شواره، والشوار مع ذلك كناية للفرح، وبهذا يعلم أن النكاح وفي اللغة مستعار للجماع، والنهي عن نكاح المشركات عام فيمن ليس من أهل الكتابة ولم يدخل في ذلك أهل الكتاب لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾،
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، الآية، والنكاح يجب المودة لقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وقد نهانا عن مودتهم، فيجب أن لا نواصلهم!
قيل: المودة النهي عنها هي الدينية لا المودة النفعية أو الشهوية، فإنا إذا أوددناهم لنفع ما، فإنما نود النفع كمودتنا لذمي يعيننا على مدافعة المشركين، فقوله: ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ عنى بها المودة الدينية،
فإن قيل: ما قلت يقتضي أن يجوز نكاح المشركات؟ قيل المشرك مادام مشركاً، فنفسه مباحة، والمشركة غير مالكة لنفسها، وفي قوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ إشارة مجملة إلى فضل العبد المؤمن على العبد المشرك وبيان فضيلته يحتاج إلى مقدمة، وهي أن الشيئين إذا تشكك أيهما أفضل، أحدث كل واحد منهما مع ضد الآخر أنهما هو المؤثر، فحكمت له مثاله أن من شك في العلم والغنى أيهما أفضل؟ نقول: انظر هل الغنى مع الجهل أفضل؟ أم الفقر مع العلم؟ فإذا علمت أن الفقر مع العلم أفضل من الجهل مع الغنى علمت أن العلم أفضل من الغنى، فإذا ثبت ذلك، فالعبد هو الذي ملك منافعه مدة، والحر هو الذي لم يملك منافعه، والمؤمن هو المستحق للثواب الدائم، والمشرك هو المستحق للعقاب الدائم، فينظر هل من ملك منافعه مدة ثم أثبت دائما أفضل؟ أم من لم يستحق منافعه مدة وتعاقب دائماً؟ فإذا علمنا أن الأول خير، علمنا أن العبد المؤمن خير من الحر المشرك، ونبه بقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ أن الاعتبار بإعجابكم، فليس الإعجاب إلا من ثمرة الجهل بحقيقة الشيء والجهل لا يوجب حكماً، فإذن لا اعتبار بإعجابكم، ونبه - عز وجل - على تحريم مواصلة المشركين بقوله: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي إلى الأفعال الوجبة للنار، وواجب اجتناب الداعي إلى النار الحامل عليها فواجب مجانبتهم إذن، وعلى هذا قال - عليه السلام - " لا تترائى ناراهما "، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾، والداعي إلى الجنة واجب إتباعه، وعلى هذا دل قوله - عز وجل - حكاية عمن أخبر عنه: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾، تدعونني وبإذنه، أي بعلمه وأمره وآياته وحججه ودلائله العقلية والشرعية من أنكم إذا فعلتم ذلك، فأنتم أهل لرجاء التذكر وحقيقة التذكر الاستدراك عن نسيان أو غفلة لما استثبته القلب..
إن قيل: إلى أي شيء أشار بهذا التذكر؟
قيل: إن الله عز وجل - ركز فينا بالفطرة معرفته ومعرفة ألائه، والإنسان باستفادة العلم يتذكر ما ركز فيه، فهذا معنى التذكر وقال قوم: معرفة الله عز وجل، ومعرفة الآية تذكر، ومن دفع عن قلبه الأغشية بذكر ما قال الله عز وجل له ودل عليه بقوله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، قالوا: وقد عرفنا الطريق الذي به يتوصل إلى هذا التذكر بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
البقرة 2:222
وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فبين أنكم إذا فعلتم ذلك رجوتم تذكر هذه الحالة، وقد قيل: " الرجا من الله واجب "، بمعنى أنه إذا رجانا حقق رجاءنا، وهذه مسألة لا يمكن تصورها لمن يبلغها بتعاطي هذه الأفعال التي شرطه الله عز وجل - فلذلك لعلها صعب إدراكها لنا.
قوله - عز وجل:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
الآية (٢٢٢) - سورة البقرة.
المحيض: وقت الحيض وموضعه، وقد قيل: يقال للحيض محيض، على أن المصدر في هذا الباب يجئ على (مفعل)، نحو: معاش ومعاد، وقول الشاعر:
لا يستطيع بها الفراد مقيلا
فالأظهر أنه مكان وإن كان قد قيل هو مصدر، وقيل ما في ترك مكال ومكيل، أي كيل وهو أيضا محتمل، والحيض هو الدم الخارج من الرحم على وصف مخصوص في وقت مخصوص ويتعلق به منع الصلاة، والصوم، وحظر الجماع، وانقضاء العدة، واجتناب دخول المسجد ومس المصحف، وقراءة القرآن، وأن تصير المرأة به في الابتداء مكلفة، والاعتزال: العدول عن الشيء، وأصله من العزل، وهو صرف العامل عن عمله، ومنه قيل الأعزل للعازل عن الحرب لعدم السلاح، وللدابة المائل ذنبها والعزلاء تأنيث الأعزل، وشبه مخرج الماء إذا فتح عن فقد سلاحه، والسماك الأعزل سمي بذلك لافتقاده الكوكب الذي يصور بصورة الرمح للسماك الأخر..
، والأذى: اسم لما ينال النفس منه مكروه، ولهذا سمي الله تعالى الكلام المكروه أذى، فقال: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ وما ينال الإنسان من مكروه المطر أذى في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ ولما كان الناس في مجامعة المرأة في حال الحيض بين إفراط وتفريط فإن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجتمعوا معها في البيوت وبعض النصارى لم يتحاش من مجامعتها، فسئل - عليه السلام -، فقال تعالى: ﴿هُوَ أَذًى﴾ تنبيهاً أن العقل يقتضي تجنبه كأنه قيل: الحيض أذى وكل أذى يتحاشى منه والحيض يتحاشى منه، ولما كان الإنسان قد يتحمل الأذى ولا يراه محرما صرح بتحريمه بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾
إن قيل: فأي أذى هو؟
قيل: إما باعتبار مجرد الشرع، فإثم وإما بالاعتبار الطبي، فإن الدم الذي يخرجه الرحم يفسد البدن الذي منه الحيوان، ويكون له بخارات ممرضة لأبدان متشمميها يعرض للمرض ولما كان الاعتزال قولاً مشتركا ويكنى به عن العدول عنها عند الفراغ وعن مجانبة ذلك الموضع وعن مجانبتها رأسا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ ليدل باللفظتين الكنايتين على مجانبة مباضعتها، وعلى جواز التمتع بها منها دون الفرج المدلول عليه بقول النبي - عليه السلام: " اصنعوا كل شيء إلا الجماع " ولما كان لفظ ﴿يُطَهِّرَ﴾ يقال فيما كان طاهرا بنفسه وفيما كان يتطهر، نبه بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أنه لم يرد إلا الطهارة عن تطهر وتؤكد ذلك قراءة من قرأ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فدل ذلك أن لا يصح
البقرة 2:223
وطؤها ما لم تغتسل، وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ دل أن ذلك شرط في إباحتها وأن لا يصح وطؤها إلا بانقطاع دمها، وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ إشارة إلى مراعاة كل ما أمر به من أحكام النكاح ومجانبة المحاشي، يعني الموضع المكروه وغير ذلك من الأمور التي أمر بها، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ تنبيها أن من كان منه شيء من ذلك، فحق عليه أن يتوب ويتطهر من بعد، والتطهر عام في استعمال الماء، وتطهر القلوب من الذنوب والتوبة اجتناب الذنب والتطهر عمل الصالحات، وجعل التوبة مقدمة على التطهير تنبيهاً أن اجتناب القاذورات مدرجة إلى فعل الخيرات، وعظم أمر المتطهرين حيث جعلهم محبوبيه، وروي خريم بن ساعدة قال: يا رسول الله: من الذين قال الله - عز وجل - فيهم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾؟
فقال عليه السلام:
" نعم الرجل منهم خريم " ويدل على إرادة هذا المعنى بالتطهر قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾
قوله - عز وجل:
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة البقرة الآية (٢٢٣)..
الفرق بين الحرث والزرع أن الحرث إلقاء البذور وتهيئة الأرض، والزرع مراعاته وإنباته، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ فأثبت لهم الحرث، ونفى عنهم الزرع، وقد جعل الله تعالى النساء محترثا للرجل، وجعل له قوة النكاح حفظا للنسل، ولولا طلب النسل لما رخص العقل في الجماع لما يجلب من ذبول البدن وإضعاف البصر، مع أنه ليس بضروري للإنسان كالجوع والعطش، لكن استحسن ما استحسن منه لطلب النسل المدعو إليه بقوله - عليه السلام: (تناكحوا تكثروا)، ولذلك قيل في الحكمة: " خير النساء الولود الولود، وشرها العقيم "،
وحرم إتيان الرجال على كل حال والنساء في محاشهن إذا لم يكن محرما ما سماه - عليه السلام - " اللواطة الصغرى " وقيل لأمير الآمؤنين: كيف ترى النساء يؤتين في أدبارهن؟ فقال: " سفلت سفل الله بك " ثم تلا قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيف وأين بعد أن لا يتجاوز به الحرث وأعاد لفظ الحرث، ولم يقل: فأتوه، ليراعى المعنى المقصود بذلك، لئلا يتوهم ما يتصوره قدم لم يتعمقوا النظر وإنما قال: " أنى " تنبيها على كذب اليهود حيث زعموا أن المرأة إذا لم تؤت مستقبلة يأتي الولد ذا خيل أي أحول وقوله عقيب ذلك: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، هو أن الله إذا أطلق أمرا من الشهوات الدنيوية لا يخلى ذكره من الحث على مراعاة العقبى والتقوى، لئلا يلحق الإنسان غفلة عما خلق لأجله وقول عطاء: هو التسمية عند الجماع، وقول ابن عباس: هو الطلب للولد على سبيل المثال لا أنه لم يرد سوى ذلك ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي صائرون إليه.
واللقاء يقال في المحسوس والمعقول يقال: لقى إثماً وجهداً، قال الله - عز وجل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.
البقرة 2:224
قوله - عز وجل:
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
الآية (٢٢٤) - سورة البقرة.
اليمين أصله العضو، واستعير للحلف لما جرت به العادة في تصافح المتعاقدين، وعلى هذا قال الشاعرة:
قلت كفى لك رهن بالرضى....
فوضع الكف موضع اليمين
والعرضة ما يجعل معترضاً بين شيئين، فيتصور تارة بالحائل فقيل معناه: لا تجعلوا لفظ الله مانعاً من أن تبروا وتتقوا، نحو: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ وذلك أنه كان أحدهم لا يبر، فإذا عوتب قال: حلفت، وعلى هذا قال الشاعر:
تسلف الجار شربا وهي حاتمة....
ولا يبيت على أعناقهم قسم
ولأجل ذلك قال - عليه السلام:
" إذا حلف أحدكم على شيء، فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه "، وقد تصور العرضة بصورة المبتذل، نحو: (لا تجعليني عرضة للوائم)، ومعناه: لا تجعلوا لفظ الله مبتذلا لليمين، لأن تبروا، فيكون ذلك نهيا عن كثرة الحلف المذموم بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾
فإن قيل: وما تقدير " أن تبروا " على هذا؟ قيل: يجوز أن يكون متعلقاً باليمين، وتقديره: أن لا تبروا
البقرة 2:225
لأنك تقول، حلفت أن تخرج، فيحذف " لا " أمناً من الاشتباه في الإثبات، إذ في الإثبات، فقال: حلفت لأخرجن أو لأخرجن، وقال بعضهم: معناه: " نهاكم أن تكثروا الأيمان لأن تبروا "، أي إنما نهاكم عن ذلك لتكونوا بررة أتقياء مصلحين، كما قال:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، وقيل معناه: لا تجعلوا لفظ الله مبتذلاً لليمين لأن تبروا بالحلف به، وتتقوا المأثم وتصلحوا، والمعنى لا تبتذلوه لفعل الخيرات، فكيف للشر تنبيهاً أن الحلف بالله مكروه ما استغنى عنه، ونبه بقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أنه عارف بالمقاصد...
قوله - عز وجل -:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
الآية (٢٢٥) - سورة البقرة.
اللغو: المطروح الذي لا يفيد من الكلام، يقال: ألغى في كلامه، ولغاً، وقد يقال في غيره تشبيهاً، كقول الشاعر:
كما ألغيتُ في الديةِ ألحواراَ
ويكني باللغو عن القبيح من الكلام، وأصله من لغي العصافير، واختلف في اللغو من اليمين، فقال ابن عباس: هو الحلف بالشيء يظن أنه صادق فيه وهو بخلافه، وقال ابن جبير: هو اليمين علي الحرام لا يؤاخذ الله بتركه، وقال: هو بغضهم اليمين التي يحنثو فيها صاحبها سهوا، ً وقالت عائشه: وقد روي عن النبي - ﷺ - إنه قول الرجل: (لا والله) و (بلى والله) على سبيل العجلة لا على القصد،
وإليه ذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: لغو اليمين كالغموس في أنه لا تجب فيهما الكفارة، ولكن الغموس أن يحلف ويعلم أن الأمر خلافه، فيعظم معصيته واللغو أن لا يعلم، بل يظن فلا تقع المؤاخذة به، وقوله:
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ هو أعلم من قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وذاك أنه لما كان القلب يعبر به عن الجزء الذي به المعرفة والفكر ويجري من سائر أجزائه مجرى الراعي من المراعي، ونبه بقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أن الاعتدال به دون غيره من الجوارح، حتى إن كل فعل لا يكون عنه وبه سهواً أو خطأ متجافى عنه، ولهذا قال- عليه السلام- " إن في الإنسان مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد "، وقال: " إذا طاب قلب المرء طاب جسده "، وقال: " إن الله تعالى لا ينظر إلي صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلي قلوبكم وأعمالكم ".
والحلم وإن كان مناً هو إمساك القوة العصبية المقتضي للعفو، وهو إذا استعمل في الله لا يراد به إلا العفو عن المذنب دون حدوت حالة وتجدد أمر عليه- تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
البقرة 2:226
قوله - عز وجل -:
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
سورة البقرة الآية (٢٢٦)..
التربص: انتظار مجئ وقت، يقال: تربصت به، وربصت به، قال الله- عز وجل: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾، وقيل في هذا الأمر ربصه، والفئ: الرجوع من مكان إلى مكان، ولم يسم من الظل فيأ إلا الراجع منه، وسمى العتمة فيألفيئه من قوم إلى قوم، وقول الشاعر:
أرى المالَ أفياءَ الظلالِ عشيةً
أي المال هو الفئ الذي هو بعض الظلال تنبيهاً علي ما قال الآخر:
إنما الدنيا كظل زائل.
واللإيلاء: الحلف المقتضي للتقصير في الأمر الذي يحلف عليه من قوله عز وجل: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ وصار الإيلاء في الشرع الحلف المانع من جماع المرأة، وهو أن الرجل كان إذا لم يرد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، يحلف أن لا يجامعها، ويتركها كذلك، لا إيماً، ولا ذات بعل، فأراد الله أن يجعل لها مخرجهاً فحكم بهذه الآية، إلا أنه اختلف في أي لفظ من الأيمان يكون الإيلاء، وعلى أي وجه يعتبر ترك جماعها، وأي يمين من الإيلاء تلزم فيه الكفارة؟ وكم مدة الإيلاء؟ وما عزم الطلاق؟ وما ألفئ؟ ومن الذي لإيلأئه حكم؟ أي امرأة لها حكم الإيلاء؟ أما أي يمين هو؟ فعند أبي حنيفة جميع الأيمان حلفاً بالله عز وجل، كان، أو طلاقاً أو عتاقاً أو نذراً، وبه قال الشافعي في الحدود، وقال مالك: " لا يكون مولياً إلا بالحلف بالله -عز وجل- "، وبه قال الشافعي في القديم، وروي عن ابن عباس أن كل يمين منعت من الجماع في فإيلاء، وأما على أي وجه يعتبر ترك جماعها، فعند علي وابن عباس والحسن وعطاء إذا حلف أن لا يجامعها على وجه الضرار والغضب، فأما إن لم يكن على ذلك نحو أن يحلف أن لا يجامعها في وقت إرضاعها الولد لئلا يضر بالولد، فلا يكون مولياً، وقال الحسن: " إذا حلف أن لا يجامعها في هذا البيت، ثم ترك جماعها أربعة أشهر فإيلاء "، وم ال ابن المسيب: " إذا حلف أن لا يكلمها فإيلاء أيضاً "، وقال ابن عمر: " إذا هجرها من غير يمين يكون مولياً "، ، وأما أي يمين من الإيلاء يلزم فيه الكفارة، فهي كل يمين بالله- عز وجل- وأما المدة: فمنهم من قال: أكثر من أربعة أشهر أي قدر كان، لأنه جعل لها المطالبة بعد ذلك، ولأنه قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ ولم يحصل بعد المدة، وفي المدة، ومنهم من قال: أربعة أشهر فصاعداً، هو بعض الظلال تنبيهاً على ما قاله الأخر: وإن حلف على أقل من أربعة أشهر لا يكون مولياً وإن تركها أربعة أشهر على قول عامة الفقهاء، وقال ابن مسعود وقتادة: يكون وولياً، ولا خلاف أنه إذا لم يتركها أربعة أشهر لا يكون مولياً وأما عزم الطلاق، فعند عمر، وعثمان، وابن عباس، وابن مسعود أنه انقضاء الأربعة أشهر، وأنها تبين بتطليقه، وعند الشافعي أن للمرأة مطالبتها بعد الأربعة الأشهر، ويجب عليه أن حق أو يراجع ولا يستمهل أكثر من يوم، فإن طلقها تطليقة تكون رجعية، ولو عفت عن ذلك في الوقت، فلها أن تطلب بعد ذلك متى أرادت، وأما ألفئ فظاهره يقتضي الفئ بالقول، كالمراجعة إلا أنهم أجمعوا أنه إذا أمكنه لم يكن إلاً بالجماع، فأما إذا كان محجوباً أن محبوساً عنها، فقد قيل فيه بالقول، وأما من الذي لإيلائه حكم؟، فكل من صح طلاقه حراً كان أو عبداً مسلماًَ كان أو ذمياً حرة كانت تحبه أو أمة، وأبو حنيفة اعتبر بالمرأة كالطلاق، ومالك اعتبر بالرجل دونها، وقال بعض الفقهاء: الإيلاء لذمي، والآية تقتضي خلاف قوله: وأما أي امرأة لها حكم الإيلاء، فكل امرأة يصح طلاقها يصح الإيلاء منها، مسلمة كانت أو ذمية، حرة كانت أو أمة، صغيرة كانت أو كبيرة، لكن ليس للصغيرة المطالبة حتى يمكن مجامعتها وتأتي عليها المدة المضروبة و " من " في قوله:
البقرة 2:228
﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ تعتبره الفقهاء أنه متعلق بقوله: ﴿يُؤْلُونَ﴾ حتى كثر في كلامهم " ألي فلان من امرأته "، كقولهم: " ظاهر منها "، وذلك غير ممتنع وإن كان قد ذكر بعض أهل اللغة أن تقدير الكلام: (لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر) ودل بقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أن المولى في إيلائه مخطئ وإثم، وأنه يستحق العفو عما ارتكبه بفيئه..
قوله- عز جل:
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية: (٢٢٧) - سورة البقرة.
دواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب أولها السابح، ثم الخاطر، تم التخيل والتفكر فيه، ثم الإرادة، ثم الهمة، ثم العزم، فالهمة إجماع من النفس على الأمر وإزماع عليه، والعزم هو العقد على إمضائه، ولهذا قال- عز وجل- ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ويقال: (مالفلان عزمه) أي عقد على إمضائه...
ويقال: المعود عزائم تصوراً أنك قد عقدت على الشيطان أو الداء أن يمضي إراداتك فيما سميته، والطلاق: تخلية عن وثاق أو داء أو انقباض وإمساك، ومنه: " طلقت المرأة عند الولادة وبالتخليه عن الوثاق شبه الطلق في العدو، ورجل طلق الوجه وطلق اليدين، وأما عزيمة الطلاق، فقد تقدمت، ونبه تعالى بقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أنه عارف بضميره ومقاله في إيلائه وتطليقه...
قوله- عز وجل:
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
سورة البقرة الآية (٢٢٨)...
قال الخليل: قرأت المرأة: رأت الدم، وأقرأت: حاضت، وصارت ذات قرء، والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولما كان اسماً للأمرين الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد منهما، لأن عادة العرب أن كل اسم موضوع لمعنيين معاً يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة هي للخوان والطعام، وقد سمي كل واحد منهما بانفراده مائدة، وعلى ذلك الظعينة والكأس والراوية، فكذلك القرؤ، وليس هما اسماً للطهر مجرداً بدلالة أن الطاهر التي لم تر الدم لا يقال لها ذات قرء، وكذا الحائض التي استمر بها الدم، والنفساء لا يقال لهما ذلك، فقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، أي ثلاثة دخول من الطهر في الحيض وليس حقيقة هذا إلا ما قاله الشافعي دون ما قاله غيره في أنها إذا رأت الدم ثلاث مرات، فقد انقضى عدتها، وجعل غيره حصول ثلاثة أطهار تتعقبها ثلاث حيض،
فإن قيل: قوله- عليه السلام: (دعي الصلاة أيام إقرائك) لم يرد أيام تجدد الحيض، وإنما أراد أيام الحيض كلها، قيل: ما قلته صحيح، وإنما ذلك كقولك: " فعل كذا أيام ورود فلان، ووروده إنما كان في ساعة، فكذلك قوله: " أيام إقرائك "، والحدث القليل ينسب إلى الزمن الطويل، وإن وقع ذلك في بعضه، وقول أهل اللغة أن القرء من قرءا إذا جمع، وقارئ هم اعتبروا الجمع ومن زمن الطهر وزمن الحيض لاجتماع الدم في الرحم فقط، ومنه القراءة، وهو ضم الحروف والكلمات بالخروج من بعضها إلى بعض، يدلك على ذلك أنه لا يقال للحرف الواحد يتفوه به قراءة، و " أقرأ النجم " إذا طلع واحد وغاب آخر، وصار القرؤ مستعاراً للوقت المنتظر، ومنه قال الشاعر:
إذا هبتْ لقارئها الرياحُ
أي لوقتها المنتظر المتعين.
وقال أخر:
يا رُبَّ ذي ضغنٍ على فارضٍ....
لهُ قرؤٌ كقُرؤِ الحائضِ أي انتظار للفرصة كانتظار ذات الحيض للحيض... وعير ابن داود الشافعي لما جمع بين القرؤ وقريت الماء في الحوض، وقال: ألم ير أن قريت من نبات التاء، وقرأت من الهمزة، وهذا سوء ظن منه وسوء تصور، فإن أهل اللغة طريقتان في هذين اللفظين أحدهما: أنه " قريت " مقلوب عن قرأت، واليا ما بدل من الهمزة، كسألت، وسلت، والثاني: أنهما لغتان تقارب معنياهما تقارب ألفاظهما، وأنهما تقتضيان معنى الجمع، والبعل: النخل السارب بعزوقه، وعبر به عن الزوج، لإقامته على الزوجة للمعنى المخصوص، وحيث هي بعلةُ، وقيل: باعلها كقولك: جامعها، وبعل الرجل إذا دهس، فأقام مكانه كالنخل ألدي لا يبرح، وبهذا النظر، قيل لمن لا يحول لكن مكانه ما هو إلا شجر أو حجر، والبعولة جمع بعل، كالذكورة، والفحولة، والعمومة، والخؤولة، والرجل بنى عن رجل تصوراً لسعيه بها، كما سميت المرأة قعيدة وعحوزاً لتمكن مقعدها وعجزها من الأرض ولذلك قال الشاعر:
أصبحت لا رجلاُ يغدُولمطلبهِ....
ولا قعيدةَ بيتٍ تُحسنُ العْمَلاَ
وبهذا النظر سمي القوم قوماً لقيامهم بالأمور، والراجل الماشي لكونه ضارباً برجله الأرض كالسائف والرامح لمن يضرب بهما، وارتحل فلان كذا لما تناوله بسعيه مما لم يسبق إليه، وترحل النهار، كقولهم: " قام قائم الظهيرة "، والمرجل، القدر المنتصب على رجلها، وجعل بناؤه بناء الآلات والدرجة والمرقاة والمنزلة تستعار للمحال الشرفية، وذاك أن الشرف المعقول يمثل بالمحسوس على
وجهين، أحدهما يعتبر على طريق العلو والسفل، فتستعمل فيه الدرجة، والمرقاه، والصعود، والانحدار، والثاني على طريق التقدم والتأخر، فيستعمل فيه السبق والتخلف والمطلقات ضربان: مدخول بها، وغير مدخول بها ولا عدة عليها لقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، والمدخول بها عليها العدة، وهي على ثلاثة أضرب:
الحوامل: وعدتهن أن يضعن حملهن، واليائسات، واللائي لم يحضن، وعدتهن ثلاثة أشهر، وذوات الحيض: وعدتهن ثلاثة أقرؤ، وهذا الحكم إذا كانت امرأة حرة فأما إذا كانت أمة فقرآن، وفي الشهور على النصف من الحرة...
إن قيل: كيف استعير لفمظ الخبر للأمر في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾؟ قيل: لما كانت العدة تحصل من الرأي بانقضاء الأيام، نوتها أو لم تنوها، أجدت أو لم تجد صار لفظ الخبر أملك له من لفظ الأمر، ويدلك على صحة هذا الاعتبار إتيان جميع العدد بلفظ الخبر وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ عنى كتمان ما في أرحامهن من الحيض والحبل، وأنه لا يجوز أن تكون حاملاً، فتقول: ليست بحامل، أو لم تكن حاملاً، فتقول: أنا حامل، ولا أن تدعي الحيض أو تنفيه على ذلك، وذلك عام في كل ذلك، وإن مثل كل واحد من متقدمي المفسرين لشيء من ذلك، ومن قال: لا يجور أن يكون الحيض، لأن الحيض لم يخلق في الرحم، وإنما هو دم يرد إليه من جميع البدن، فعلى هذا قوله: ﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ لا يكون من صلة خلق، بل يكون من صلة قوله (ولا يكتمن)، أي: لا يكتمن في أرحامهن ما خلق الله فإنه لا شك أن يحصل في الرحم خلق فيه أو لم يخلق، ونهيها عن كتمان ذلك دال على أن قولها مقبول فيما تدعي من حيضها وحملها فيما يتعلق بحقها، فإن تعلق بذلك شي، ليس من حقها، فيجور أن لا يقبل إذا اتهمت، كمن يقول: " عبدي حر " أو " امرأته طالق إن حاضت "، فقالت: " قد حضت، فمتى لم يصدقها لم يعتق عبده ولم يطلق امرأته، وقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فليس ذلك شرطاً في أنهن إذا لم يكن مؤمنات، يجوز أن يكتمن، وإنما ذلك تنبيه أنه مناف للإيمان، وأنه ليس من فعل المؤمن، كقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ دال عي بينة مراجعتها ما دامت معتدة، ولم يعن بالرد تجديد نكاح يشارك فيه غيره في الحال، وإنما عنى الرجعة الموجبة لبقاء النكاح بلد انقضاء الحيض التي إذا لم تكن لكان يزول النكاح، وظاهر الآية أن إباحة هذه الرجعة شريطة الإصلاح، لكن لا خلاف أنه إذا راجعهما مضاراً بها، فرجعته صحيحة، فدل هدا الإجماع أن ذلك تهديد للمراجع أن لا يقصد الإضرار بها، كقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ تنبيها أن فاعل ذلك ظالم، وأن الرجعة في الحكم صحيحة، وقيل: تسمية (بعلاً) دلالة أن ما دون الثالثة من الطلاق لا يرفع الزوجية، وأن الرجعة مادامت معتدة وقوله: (والمطلقات) عامة في الرجعية وغير الرجعية، (وبعولتهن) خاص في الرجعية، بدلالة التي تتلوها، وليس قول من قال هذه الآية نسخ منها حكم الحامل، ومن ليست بذات حيض بشيء فإن ذلك تخصيص لا نسخ، وإن كان قد سماه بعض القدماء نسخاً وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ يتبين أن لكل واحد على الآخر حقاً كحق الآخر، فمما تشاركا فيه مراعاتهما للمعنى الذي شرع لأجله النكاح وهو طلب النسل، وتربية الولد، ومعاشرة كل واحد منهما للآخر بالمعروف وحفظ المنزل، وتدبير ما فيه وسياسة ما تحت أيديهما، حماية كل واحد على الآخر بقدر جهده وحده، وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ﴾ هو من وجه تنبيه لفضل الرجل على المرأة بالجملة، ومن وجه كالاستثناء بأن له عليها حقا، ليس لها عليه، أما فضله عليها، فقد نبه عليه بقوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ودل عليه النبي- عليه السلام بقوله: " إنكن ناقصات الدين والعقول " فقيل: وما نقصان دينهن، فقال: إن إحداهن تقعد نصف دهرها لا تصلي، ونقصان عقلهن أن شهادتها على النصف من شهادة الرجل، وقيل: من نقصها أن شر ما في الرجال الجبن والبخل، وهما خير ما في النساء، ولكونهن ناقصات عظم الله نسبة البنات إليه أكثر كما تعظيمه نسبة الابن، وإلا كانا منكرين، فقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾، وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾، وقال: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ}، وقال: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، وعظم تعالي نسبة الملائكة إلى الأنوثة، فقال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾.
ولكن الأنوثية نقص جعل القوه الانفعالية أنثى، والقوة الفاعلة ذكر حتى شبهوا السماء بالفحل والأرض باللقوحة، وقالوا حديد ذكر، وحديد أنثى، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، أي أصناماً مفعولة غير فاعله، وأما فضل حقوقه عليها، فقيل: عشرة أشياء جعل الطلاق إليه من دونها، وإباحة ضربها عند النشوز، أو هجران فراشها، ووجوب إجابتها إياه دعاها إلى الفراش، والائتمار له إذا نهاها عن الخروج، وأن ميراثه منها أكثر من ميراثها منه، وأنه إذا قذفها فله إسقاط الحد باللعان، وليس لها ذلك وأن له أن يجمع بينها وبين غيرها، وليس لها أن تجمع بينه وبين غيرة، وليس لها أن تصوم تطوعاً ولا أن تحج فرضاً إلا بإذنه، وله ذلك من دون إذنها.
وإلى وهذه الجملة أشار بقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ونبه بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أنه يحكم بكل ما يشاء، فلا يغالب لعزة، ويتقن كل ما يفعله فيصيب بحكمته، وفيه وعد وإبعاد على مجازاتهما فيما يتحريانه من صلاح وفساد..
البقرة 2:229
قوله - عز وجل -:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
الآية (٢٢٩) - سورة البقرة.
المرة: فعلة من مر يمر مراً، ومروراً، فعبر بها لكن الفعلة، وإمرار الحبل إرساله في الفتل حتى يمر مراً، ومر الشيء صار مرا أصله من الأول، وهو فيما لا يطيب أكله، كساع فيما يطيب، وهما للذهاب، والمر الذي يعمل به استعارة، والإمساك أصله من المسك وتصور منه إمساكاً للبدن، ولما يجعل فيه بعد السلخ فقيل: (أمسكت كذا) أي ضبطته ضبط ما المسك لما فيه، وكنى بالمسك
عن البخيل، والتسريج كالتطليق في أنه من: برحت الماشية، كما أن الطلاق من: " أطلقت البعير، والمعروف مالا تنكره العقول الصحيحة، وسمي الجود معروفاً لمعرفة العقول كلها حسنه.
وعلى هذا قال الشاعر:
ولمْ أر كالمعْروُفِ أما مذاقُةُ...
فحلوٌ وأما وجهُهُ فجميلُ
وقيل: الخوف هاهنا: الظن، وقيل: اليقينُ، واحتج بقول الشاعر:
ولا تدُفنني بالفلاة فإننٍي...
أخافُ إذا مامتُّ ألاً أذوقهاً وذلك نظر من المفسر إلى مقتضى الخوف، فقد يكون الخوف عن أمارة ضعيفة تقتضي الظن، وعن أمارة قوية تقتضي اليقين، فقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ليس ذلك للجنس متناولاً لكل طلاق، بل هو إشارة إلى الطلاق المتقدم ذكره الذي قال فيه:
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، فبين أن ذلك الطلاق الذي فيه المراجعة مرتان، وأصله الطلاق مرتين، نحو الخروج مرتين، ثم رفع كقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وبقول: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ منهم من حمله على الطلقة الثالثة، وروى عن النبي - ﷺ - أن بعضهم سمع الآية، فقال: فأين الثالثة؟ فقال- عليه السلام: " التسريح بإحسان.
ومنهم من حمل ذلك على ترك الرجعة " والصحيح أنه محمول عليها، لأنه يكون بالرجعة ممسكاً لها، ويتركها حتى تنقضي عدتها، أو بتطليقها الطلقة الثالثة يكون سرحاً لها، لكن لما كان اللفظ متردداً بين الأمرين بين من بعد حكمها إذا طلقها ثالثة بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
إن قيل: كيف جعل الإمساك هاهنا الرجعة؟ قيل: لأنه ضد الطلاق، وقد كان الطلاق موجباً للفرقة بعد مضي ثلاث حيض، فسمي الرجعة إمساكاً لبقاء النكاح به.
إن قيل: كيف علق التسريح بالإحسان؟ وهل بينه وبين المعروف فرق؟
قيل: الإحسان أعم معنى من المعروف، لأن الشيء قد يكون معروفاً، أي غير منكر، ولا يكون مستحسنا، فكل إحسان معروف، وليس كل معروف إحسانا، فبين أن من حق المسرح أن يبذل ما يزيد على الإنصاف تنزهاً، وذلك على حسب ما كانوا يراعون في بذل مصارف المعروف لمن يرتحل عنهم، وكما بين أن له الرجعة في تطليقتين، بين بقوله: (فإن طلقها) أن لا رجعة بعد الثالثة، فإن ما زاد علي الثالثة من الطلاق لا حكم له بوجه، فقد كانت العرب تطلق مرة بعد أخرى ما شاءت، وتراجع قبل انقضاء العدة، فأبطل تعالى ذلك، وفي الآية دلالة أن له أن يطلق مرتين في طهر واحد من حيث أنه لم يفصل، ودلالة أن الطلاق في الحيض يقع، وذلك قال عليه السلام- لأبن عمر لما قال: أرأيت لو طلقها ثلاثاً؟ قال: " أذن بانت منك امرأتك، عصيت ربك "، وأجمع فقهاء الأمصار أن قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إذا لم يكن الزوجان مملوكين، واتفقوا أن الرق يوجب نقصان الطلاق، لكن اعتبر أبو حنيفة الطلاق بالنساء، وهو قول علي والشافعي، واعتبر بالرجال، وهو قول عثمان وزيد، وإليه ذهب مالك، وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ فلا خلاف أنها إذا سمحت بشيء من مهرها للزوج فسائغ، لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾، فأما إذا كان على وجه الخلع، فلا يجوز إلا على وجه دون وجه، واختلفوا متى يجوز مخالعتها؟ وكم قدر المال الذي به يجوز؟، وعند من يجوز؟
فذهب بعضهم إلى أنه يكره الخلع مع سلامة الحال، لأن الطلاق مكروه إذا توفرت المرأة على ما يلزم من حكم الزوجية لقوله- عليه السلام: " أبغض الحلال إلي الله الطلاق " هذا مع إمكان المراجعة والخلع الذي ترتفع المراجعة معه أولى بأن يكره، وإن خافا ألاً يقيما حدود الله جاز بلا خلاف لظاهر الآية، وإن خافت ولم يخف الزوج، فيجوز إلاً عند أهل الظاهر، وعلى ذلك دل شأن امرأة ثابت بن قيس لما كرهت الزوج، فأمرها- عليه السلام- أن ترد إلي حذيقة ما كان قد مهرها، وقال الحسن: لا يجوز حتى تقول المرأة: لا أغتسل عنك، ولا أقربك، ونحو ذلك...
وقال إبراهيم: " لا يجوز حتى تعصيه ولا تبر يمينه وإن خاف هو ولم يخف ولم يرها على فاحشه "، لا يحل له أخذ شيء منها بالمخالعة لقوله- عز وجل:
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ الآية.
وذلك في الحكم سائغ وإن كان منهياً عنه، وعند مالك يرد إليها مالها، وقال الأوزاعي؟: " إذا خالع امرأته وهي مريضة، فإن ما تبدله في ثلثها إن كانت ناشزة، وإن لم يكن ناشزة رد عليها، وكان له عليها الرجعة، فأما القدر الذي يخالع عليه " فمنهم من قال: لا يجوز إلاً بأقل من الهر المسمي لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾، وذلك يقتضي التبعيض، وقال علي والحسن وابن المسيب وطاوس وابن جبير: لا يجوز بأكثر مما أعطاها لما روي أن رجلاً خاصم امرأته إلى النبي- عليه السلام، فقال: تردي إليه ما أخذت منه؟ قالت: نعم وزيادة، فقال عليه السلام: أما الزيادة فلا..
، ومنهم من أجاز بأكثر من ذلك، وهو الأظهر، وأما عند من يجور، فإن الحسن وابن سيرين قالا: لا يجوز إلا عند السلطان، وقال فقهاء الأمصار: يجوز، لأن ظاهر الآية لم يعرف، ومن قرأ (تخافا)، فخطاب لهما، لأنهما أعرف بأحوالهما من غيرهما هل يقيمان أو لا يقيمان؟
فإذا قرئ (تخافا) (٣) على ما لم يسم فاعله، فالخطاب للحاكم، والمفتي بأن لا يحل أن يحكم للزوج
البقرة 2:230
بالأخذ إلا إذا عرفوا ذلك منهما، والقراءة الأولى أجود، لأن هذا المعنى استفيد من قوله: (فإن خفتم)..
إن قيل: لم رفع الجناح عنهما وذلك يجب أن يرفع عن الزوج الذي يأخده؟ قيل: لأن من الدفع ما يؤثم الأخذ والدافع كالربا، ومنه ما يؤثم أحدهما، فبين أن الجناح مرفوع عنهما، وليس ما قال الفراء أنه لا جناح على أحدهما، فنسب إليهما، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ﴾ بشيء، وذكر أن كل ما بينه حدود الله، ولا يجوز تعديها، فإن من تعداها ظالم يستحق ما يستحقه..
قوله- عز وجل:
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
الآية (٢٣٠) - سورة البقرة.
هذا الحكم متعلق بقوله: (الطلاق مرتان)، وقدم فصل بينهما بحكم الخلع وكيفية جوازه، فلما فرغ منه رجع إلى حكم الطلاق، فقال: (فإن طلقها) أي بعد الثنتين فلا تحل له أو لا يجوز أن يتزوج بها حتى تنكح زوجاً غيره، وبين أن ليس للإنسان أكثر من ثلاث تطليقات، والنكاح الذي يحلها للزوج الأول ظاهره يقتضي العقد، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وأهل الظاهر، لكن قد ورد عن النبي -عليه السلام- ما اقتضي معه الوطء حيث قال: " حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك "، وقيل: حكمة الله
- عز وجل- في تحريمها عليه إلاً بعد أن يتزوج زوجة أخر الردع إلى التسرع في الطلاق، ولهذا دعا أن يتأنى في تطبيقها، فيطلقها للعدة طلقة بعد طلقة، ونبه على ذلك بقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الزوج الثاني، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، أي لا جناح أن يتزوج بها على شرط أن يظن أن يقيم حدود الله، وعلق بالظن، لأن ما يكون من الإنسان في المستقبل من الممكنات لا سبيل إلى معرفته إلا بالظن، وليس شرطاً في صحة النكاح، بل في إباحته ورفع المآثم، لأن العقد صحيح، فإن ظنا أن لا يقيما حدود الله، وبين أن تلك الحدود بينها لقوم يعلمون- تنبيهاً أنهم هم الذين يتبينونها، لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾.
قوله - عز وجل -:
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
الآية (٢١٣) - سورة البقرة.
هذه الآية ظاهرها إعادة حكم ما تقدم، وأنه يجوز مراجعتها بعد انقضاء العدة، وقد فسرت تفسيرين، أحدهما أن الأولى حكم بجواز الرجعة بعد التطليقة والتطليقتين، وتحريم الرجعة بعد الثالثة، وهذه تقتضي جواز رجعتها ما دامت في العده لا عن الطلاق الثالث، وفيه زيادة حكم وإن كانت تقتضي بعض ما أفادت الأولى، وهي ذكر معها من الأحكام، وقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، مشكل، لأن المراجعة ثابتة قبل انقضاء العدة، وظاهر هدا يقتضي أن المراجعة بعد انقضاء العدة، ووجه ذلك أن الأجل هاهنا زمان العدة لإتمام العدة، وأيضاً، فإنه يقال إدا فعلت كذا ويعني إذا خصت لا إذا فرغت منه، نحو: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، فقوله: فبلغن أي: حضن في زمان بلوغ الأجل، وأيضاً فقولهم: (بلغ) يقال لما شارف وإن لم ينته، فيقول: إذا طلبتم وشارفن الأجل، فأمسكوهن،
إن قيل: ولم خص المشارفة، وقيل المشارفة هذا حكمه، قيل: لما كانوا يطلقون المرأة فيتركونها حتى تشارف، انقضاء العدة، ثم يراجعونها إضرارا بها، خص ذلك بالذكر، والثاني من التفسيرين أن الآية فيمن طلق امرأته تطليقة، وتركها حتى تنقضي عدتها، ثم يريد التزوج بها، وزاد أنه ذكر فيما قبل حكم الخلع، وحكم ما تصح مراجعته، وما لا تصح، وما يحتاج أن يتعاطاه المراجع، وذكر في هذه الآية حكم المطلقة تطليقة وقد انقضت عدتها، فقال: إذا طلقتم تطليقه، ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، أي انقضت عدتها، فأمسكوهن أي تزوجوا بهن على حكم الله أو اتركوهن على حكمه..
إن قيل: كيف يصح أن يعبر لكن التزويج بالإمساك؟ قيل: إنما استعمل الإمساك في هذا للتزوج، لأنه كان بعد أن كانت تحته، وقبل أن يملكها غيره، فقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ تنبيهاً على هذا المعنى، أو ﴿سَرِّحُوهُنَّ﴾، أي أفرجوا عنها، ولا تخطبوها، قال: والذي يدل على هذه الآية التي بعدهما، فإنها نزلت فيمن خطب امرأة كان قد طلقها تطليقها، فانقضت عدتها، فمنعت إياه، فأوصى تعالى الخاطب في هذه أنه إن أراد أن يمسمكها بإعادة نكاحها، فليستعمل المعروف، وإلا فليحلها، وجل المفيرين على المعنى الأول،
إن قيل: لم علق التسريح هاهنا بمعروف وفي الأول بإحسان؟ قيل: إنه لا أعيد ذكر الرجعة علق التسريح بالمعروف تنبيها أنه إن لم تراعوا في تسريحها الإحسان، فراعوا فيه المعروف، كما قال بعض الناس لسلطان: " إن لم تحسن فعلاً "، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ﴾ قيل: معناه: لا تهزوا بها، ولا تحسبوها عبثاً، نحو: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾، وقيل: معناه: لا تعملوا بخلافها، فتكونوا كالهازئين بها، وقال أبو الدرداء: " كان في أول الإسلام يطلقون ويعتقون، ثم يقولون: كنا نلعب "، والإشارة بالآية إليه، وقال عليه السلام- " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد النكاح، والطلاق، والعتاق " وحث على معرفة نعمه وما أنعم عليهم بالكتاب والحكمة..
إن قيل: كيف أفرد الكتاب والحكمة عن النعمة وهي أفضل النعم وأجلها؟ قيل: لأمرين، أحدهما: أن النعمة في تعارف الخاصة والعامة هي كثرة في المال، وصحة في البدن وسائر الزين الدنيوية، ولا يعرف الكتاب والحكمة نعمه إلا أولوا الألباب، والثاني: أفردهما التخصيص والتفصيل كإفراد جبريل وميكائيل عن الملائكة.
البقرة 2:232
قوله - عز وجل -:
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
الآية (٢٣٢) - سورة البقرة.
العضل المنع مع.
تضييق، يقال: عضلت الدجاجة بيضها، والمرأة بولدها، وعلى طريق الاستعارة قال:
ترى الأرض منِا بالفضاءِ مريضةَ...
معُضلةً منا بجمعٍ عرمْرمِ
ومنه: داء عضالٌ،
والعضلة الدامية، والعضلة لحم مكتنز في عصب، وبلوغ الأجل هاهنا لاستيفاء العدة ولما بين تعالى بالآيات المتقدمة ما يجب على كل واحد من الزوجين لصاحبه في النكاح، وعند المراجعة والفدية والفراق والطلاق عدل إلى بيان ما يلزم الولي، وما يحرم عليه في تزويجها وإنكاحها، وقيل: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطاب للأختين، وعضلها أن يراجعها إضراراً بها، والصحيح أنه خطاب للأولياء، بدلالة ما روي: أن الآية نزلت في معقل بن يسار وكانت أخته تحب ابن عم له، فطلقها طلقة فلما انقضت عدتها خطبها، وهي تريد أن ترجع إليه، فقال معقل: والله لا أزوجها أبدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية فدعاه النبي- عليه السلام، فتلاها عليها فقال: " سمعاً لربي وطاعة " والحكم الوارد في سبب لا يصح أن يكون السب خارجاً عنه وإن أريد معه غيره، واختلف في هدا العضل، فعند الشافعي لما كان نكاح امرأة بكراً كانت أو ثيباً لا يصح إلا بالولي، صار في منعها عن أكفائها، وعند أبي حنيفة لما كان يصح للثيب أن تتزوج بنفسها، صار في الاعتراض علتها في سبب المهر والكفاءة، قال: والآية تدل أن لها التزوج بنفسها، لأنه قال: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ فنسب النكاح إليهن، وقال أصحاب الشافعي: إنما نسب إليها، لأنه لا يصح إلا برضاها، وكل من لا يتم الفعل من دونه، يصح أن ينسب ذلك الفعل إليه،
وأما المعروف المتراضي به في قوله تعالي: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فعام في كل ما يرجع إلى العقد، لقدر الهر وما يظهر من الرعية وخلافها، وما يعاون الزوجية مما صححها، وفي كل ما يرجع إلي حقوق الزوجية، فألزم الولي أن لا يعضلها إذا تراضوا بما هو معروف، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ فخص المؤمنين بالوعظ، وهو أنه يريد حصول الاتعاظ، وليس ذلك إلا للمؤمنين، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ زكاة الإنسان وطهارته في حقيقة كونه بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة عظيم المثوبة، وأن يصلح في الآخرة لمجاورة الله الأعلى بل مجاورة الله- عز وجل - ولهذا قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، وجعل تعالى الدلالة على أن ذلك أزكى وأطهر أنه قد حكم بذلك وهو عالم بالأشياء كلها وأنتم غير عالمين بها، فإذا علم وحكم فحق عليكم أن تقبلوا منه حكمه،
إن قيل: لم قال: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى﴾؟
قيل: في ذلك أجوبة..
أحدها:
أن كاف الخطاب مع (ذا) تارة تفيد الخطاب، فيراعى فيه المخاطبون فيثني، ويجمع، ويؤنث بحسبهم، وتارة يعتبر به الفرق بين القريب والبعيد، فليقال: (ذا) لما يتصور قريبا، و (ذاك) لما يتصور بعيدا، فلا يثنى ولا يجمع، فعلى هذا؟ (ذلك)، و (ذلكم).
البقرة 2:233
والثاني أن الكاف الأولى خطاب للنبي- عليه السلام، والثانية للكافة، وعلى هذا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفائدة ذلك أن قوله: (ذلك) إشارة إلى حقائق ما تقدم، ولا يكاد يتصوره إلا هو- عليه السلام-، ومن يدانيه من أولياء الله عز وجل-، وذلك إشارة إلى العمل، والعمل به يتشارك فيه كافة المسلمين، والثالث: أن خطاب الجمع تارة يعتبر بلفظ مفرد، فيفرد خطابهم نحو بهذا القبيل: " فعلتُ كذا "، وتارة يعتبر معنى الجمع، فيقال: فعلتم فعلى هذا، لو قيل في الأول: (ذلكم)، وفي الثاني (ذلك) لصح، أو قيلا بلفظ واحد لصح.
قوله - عز وجل -:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
الآية (٢٣٣) - سورة البقرة.
الرضاع أصل، وعنه استعير " لئيم راضع " لمن تنامي لؤمه وإن كان ذلك في الأصل ممن كان يرضع غنمه، لئلا يسمع صوت شخبة، لكن تعورف في اللؤم، حتى قيل: " رضع فلان أي لؤم "، وسمي الثنيتان الراضعتين، لاستعانة الصبي بهما في الرضع، (وكسوتهن) عن الكسوة استعير: اكتست الأرض بالنبات، وكسوته ثناء أو هجاء، وصار الكساء لضرب مخصوص من الثبات.
والتكليف أصله فيما جعلت به الإنسان كلفاً، وصار في التعارف لما ألزمته وأكلفته بكذا جعلته كلفاً به، والكلف بالوجه لتصوره كلفه به، والميراث أصله فيما أصبته من غيره حيا كان الموروث منه أو ميتا، لكن صار في التعارف اسماً لا يخلفه الميت من المال، والفصل ضد الوصل كالفضل، واستعماله في قطع الرطب من النبات، ومنه الفضيل، يقال: فصلت بين الكلام والعقد، وفي القضاء، وسمي الفطام فصالاً للفصل بين غذائي الصبي، وتعورف الفصل في السقب والتشاور لاستخراج الرأي من الغير، من شرت العسل، (وشورت الفرس) استخرجت جربه وأشرت إليه بكذا، أي أخرجته بالإيماء من بين ما يشاكله، وسمي الإصبع مشيرة، لكونها ذات إشارة كما سميت مسبحة وسبابه، وسميت السنة حولأ، لانقلابها في فصولها وشهورها، ودوران الشمس في مطالعها ومغاديها، وذكر جماعة من الفقهاء أن قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ أمر وإن كان لفظه خبراً، لأنه لو كان خبراً لم يقع مخبره بخلافه، وهذه قضية إنما تصح في كل خبر لفظه لا يحتمل التخصيص، فأما إذا كان عاما يمكن أن يخصص على وجه يخرج من كونه كذباً، فادعاء ذلك فيه ليس بواجب، وهذه الآية مما يمكن ذلك فيه، ثم ذلك لو كان أمرا لكان أمراً للوالدات، وقد علم أن الأم وإن لم تكن مكلفة فهي أحق برضاعها،
فإن قيل: فإذا لم يكن أمرا فما وجهه؟
قيل أخبر الله تعالى أن حكم الله في ذلك أن الوالدات أحق بإرضاع أولادهن سواء كانت في حبالة الزوج أو لم تكن، فإن الإرضاع من خصائص الولادة، لا من خصائص الزوجية، ولهذا قال عليه السلام: في الأمر إنها أحق بالولد ما لم تتزوج، وإنما ذكر (كاملين) لأنه قد يقال: " فلان فعل كذا سنتين " وإن كان ذلك في سنة وبعض الأخرى، وكذا يقال: شهرين ويومين، فأريد إزالة هذه الشبهة، وقال الفقهاء: لما جعل الرضاع حولين وقال في موضع: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، نبه على أن الولد قد يولد لستة أشهر، وفيه تنبيه على لطيفة، وهو أن الولد متى كان زمان حمله وفاصله أقل ثلاثين شهرا أضر ذلك به، فإذا ولد لسبعة أشهر لم يضره أن ينقص رضاعه عن الحولين، وجعل ابن عباس ذلك حكما شرعياً، وقال: يجب أن يكون الحمل والرضاع هذا القدر، وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ أي هذا التوقيت ليس بفرض، لكن لمن أراد إتمام الرضاعة، وفيه تنبيه أنه لا
يجوز تجاوز ذلك وأن لا حكم للرضاع بعد الحولين ويقويه ما روي جابر أنه قال عليه السلام: " لا رضاع بعد المولين " وعلى هذا يحمل قوله: " الرضاعة من المجاعة " ويؤكده أن كل حكم في الشرع علق بعدد مخصوص يجوز الإخلال به في أحد الطرفين لم يجز الإخلال به في الطرف الآخر، كخيار الثلث وعدد حجارة الاستنجاء، والمسح على الخفين يوماً وليلة أو ثلاثة أيام، فلما كان الرضاع يجوز الإخلال به في أحد الطرفين، وهو النقصان لم تجز مجاوزته، وقوله: (وعلى المولود له.. )، أي الأب، وفائدة تخصيصه بهذا الوصف دون لفظ الأب تنبيه أن الابن في الحكم للأب، وأن حظ الأم فيه يقل وعلى ذلك دل الشاعر:
وإنما أمهات الناس أوعية...
مستودعات وللأحساب أباء
وبين تعالى أن رزق المرأة المرضعة، أي طعامها وكسوتها على الأب إذا أرضعته زوجة كانت أو مطلقة، وفيه تنبيه أن سائر نفقة الولد، على الأب لكن أجمعو أن الولد إذا كان له كفاية، فللأب أن لا ينفق عليه، وقوله: بالمعروف تنبيه، على أن النفقة بقدر اليسار والإعسار، وجعل ذلك مؤولا إليهم وإلى الحكام، ولم نجد فيه حدا لاختلاف الناس بقدر الأزمنة والأمكنة والسن وأكد ذلك بقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فلم يسم الفاعل، وقال في أخرى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ قيل: هذا التكليف فيه مدخل للحكام، ولغيرهم فجعل لفظه منهما في موضع، ومعناه لا يجوز تكليفه إلا وسعه، وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ حمل على الجبر، وعلى الأمر، فأما إذا حمل على الجبر فهو تنبيه على ما بني تعالى عليه الغرائز في محبة الأبوين للولد وميلهما إليه وإيثارهما له على أنفسهما، وليس ذلك في الإنسان فقط، بل في عامة الحيوانات، وذلك متقرر في النفوس حتى زعم الناس أن الهرة تأكل ولدها محبة لهم، فأخبر تعالى عما بني الطباع عليه تنبيهاً لكل واحد من الأبوين أن لا يتهم الأخر في ولده إذ قد يبلغ من شغف كل واحد منهما أن لا يأمن الأخر عليه وعدم نفقة الأم لفرط شفقتها على شفقة الأب، وذلك بالعلات ظاهر ثم باعتبار حال الحيوان يظهر ذلك ظهورا بينا وذلك أن الحيوانات المتوالدات على ضربين، ضرب يجتمع الأبوان على تفقد الولد وضرب تنفرد الأم به دون الأب، فالأم لا تنفك من تفقد الولد في جميع ذلك، فدل ذلك أن الله ركز في نفوس الأمهات من الإشفاق أكثر مما ركز في الآباء، وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ على هذا التقدير معناه عليهم أن يجروا مجراهم، وذاك أنه لا عرف من غرائز الأقارب التحاسد بخلاف ما بين الأبوين والأولاد، حتى قيل: إن الأقارب كالعقارب، بل أضر من العقارب، نبه أن حق الأقارب أن يجروا مجراهم في شفقة البعض على البعض، إذ بينهم من النسائك، والنماذج قريب مما بين الوالدين والولد، وأما إذا حمل على الأمر، فنهى أن يفعل كل واحد من الأبوين ما يؤدي إلى مضرة الولد يكايد صاحبه، أو يضرب من النظر الفاسد، فمن المفسرين من حمل ذلك على ما تقدم ذكره، وأن الوالدة منهية عن المضارة المتعلقة بالرضاع، والمولود له منهي عن المضارة فيما يلزمه من النفقة والكسوة، ومنهم من جعل ذلك عاما في كل ما يعود بضرر على الولد من تربيته وتأديبه وتهذيبه وغير ذلك مما يكثر حصره، وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ منهم من حمل ذلك على وجوب إزالة المضارة ومنهم من حمل عليه وعلى وجوب النفقة، واللفظ محتمل لها.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ أي فطاما قبل الحولين وقيل: عنى بالفصال المفاصلة عن الوالدة أو الوالد إذا تراضيا بذلك وسلمه أحدهما إلى صاحبه، وعلق ذلك بالتراضي منهما والتشاور لئلا يقدم أحدهما عن غيرة إلى ما يضر بالولد، ونبه بذلك أن كل أمر مبهم العاقبة، فالوجه فيه الإقدام عليه بعد إجماع الآراء والاستشارة، وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾، أي إذا امتنعت الأم أو
البقرة 2:234
تزوجت، فلا جناح عليكم في استرضاع غيرها، (إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف)، أي سلمتم إلى المطلقة حقها، وقيل: إذا أتيتم المسترضعة أجرتها، وإذا قريء (ما أتيتم) بالقصر، فمعناه: إذا سلمتم ما تعاقدتم عليه، وفيه دلالة على جواز الاستئجار على الرضاع، وعلى جواز عقد الإجازة جملة وختم الآية بالحث على تقواه، وتصور علم الله لله عز وجل بكل ما آتاه الإنسان وتحراه، ومن قرأ (لا تضار) بضم الراء، فلفظ مشتبه الآية يصلح الأمر على تقدير: (لا يضارر) ولكن أدغم، فضم الراء لالتقاء الساكنين، ويصلح أن يكون على تقدير (لا يضارر) على الإخبار، وأن يكون على تقديره " لا يضارر " على ما لم يسم فاعله، ماذا قرئ بفتح الراء، فليس إلا النهي على تقدير (لا يضارر) وإن كان لفظه محتملاً أن يكون نهيا عن مضارة الأم، كقولك: " لا يضرر زيد "..
قوله - عز وجل:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
الآية (٢٣٤) - سورة البقرة.
هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ وإن كانت مقدمة عليه في التلاوة وظاهر الآية يقتضي تسوية الحكم في الحرة والأمة، كما قال الأصم، لكن السلف فرقوا بينهما ويقتضي أن لا فرق بين المسلمة والذمية كما قال الشافعي دون أبي حنيفة، وهذا الحكم فيمن لا تكون ذات حمل متفق عليه، فأما في ذات الحمل، فقد قال عمار وابنه عبد الله وزيد: إن عدتها أن تضع حملها وقال الحسن، هي أن تضع حملها، وتطهر من نفاسها، وقال علي: عدتها أقصى الأجلين من وضع الحمل، ومضى الشهور.
وقد روت أم سلمة أن سبيعة بنت الحارث ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة، فأمرها رسول الله - ﷺ - الله بأن تتزوج، واختلف في الوقت الذي يعتد به من العدة، فقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر " تعتد به من يوم يموت "، وعلي والحسن: " من يوم يأتيها الخبر "، وقال الشعبي: إذا قامت البينة على موته فالعدة من يوم يموت، وإلا فمن يوم يأتيها الخبر والصحيح أنه يعتبر من يوم الوفاة فيه وقع الفرقة، كعدة المطلقة وكاستحقاقها الميراث من يوم الوفاة
إن قيل: ما وجه تخصيص عدة المتوفاة بهذه المدة؟ قيل: قد ذكر الأطباء أن الولد في الأكثر إذا كان ذكرا يتحرك بعد ثلاثة أشهر وإذا كان أنثى فبعد أربعة أشهر، فجعل ذلك عدتها، وزيد عشرة استظهارا وتخصيص العشرة بالزيادة لكونها أكمل الأعداد وأشرفها لما تقدم في قوله تعالى: (تلك عشرة كاملة)، وقوله: (والذين) هو مبتدأ، وفي خبره إشكال، فإن قوله: (يتربصن) إخبار عن الأزواج لا عن الذين وليس فيه ضمير يرجع إلى المبتدأ وقد ذكر في ذلك أربعة أجوبة..
الأول: تقديره: يتربصن بعدهما، وذلك عن المبرد والثاني أن الضمير في: (يذرون أزواجا) أي أزواجهم، ويتربصن عاد إلى الأزواج، والضمير إذا عاد إلى المضاف إليه كان في حكم ما عاد إلى المضاف، وذلك مثل قولهم:
(من مات وحلف يتبين الثلثين)، وذلك عن الزجاج وعلى هذا يجب أن يجوز: (صاحب الدار انهدمت)، والثالث: عدل عن الإخبار عن الأزواج، لأن المعنى عليه، والفائدة فيه والقصد إليه، وذلك عن الكسائي والفراء وأنشد في ذلك:
لعلي إن مالت بي الريح ملية....
على ابن أبي دبان أن يتندما
فسكت عن ذكر خبر لعل، والرابع: تقديره: (ويذرون أزواجا يتربصن) فيكون أزواجهم مبتدأ -، ثانيا: (ويتربصن) خبره، لكن حذف المبتدأ الثاني إيجازا لا لم يشتبه المعنى، وإنما قال عشرا ولم يقل عشرة لتغليب التأنيث التذكير في باب التاريخ، وقال بعض النحويين: إن باب التأنيث غلب في باب العدد على عكس ما عليه حكم الباب، وعلى ذلك
" فطافت ثلاثا بين يوم وليلة
البقرة 2:235
قوله - عز وجل:
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
الآية (٢٣٥) - سورة البقرة.
الخطبة والخطبة كلاهما من المخاطبة، إلا أن بالضم خص لموعظة، وبالكسر لطلب المرأة، وإن كان في الأصل اسما للحالة التي عليها الخاطب، والخطب: الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب، والكن جعل الشيء في الكن، والأكنان مثله ولكن خص الأكنان بما تكنه الصدور، والكن ما يكنه البيت والثوب ونحوهما، وسميت المتزوجة كالمحصنة كنة، والكنانة جعبة غير مشقوقة تكن سهامها، والسر مما لم تشيعه مما في نفسك واعتبر تارة مما يستنكف من إظهاره، فسمي غشيان المرأة به، والاعتبار بذلك.
قال الشاعر:
والستردون الفاحشات ولا....
تلقاك دون الخير من ستر
وتارة اعتبر بصيانته، فسمى المصون سراً حتى قيل:
فلان في سر قومه، والعقد يقال في الحبل وفي العهد واليمين والسميط والرمل المتداخل، و " ناقة عاقد " عقدت على رحمها بمنع الفحل عن نفسها والتعريض كالكناية إلا أن التعريض أن تذكر ما يستفهم المقصود من عرضه وليس بموضوع للمفهوم عنه لا أصلا ولا نقلاً، والكناية: العدول عن لفظ إلى لفظ هو بخلف الأول ويقوم مقامه، ولهذا سمي الأسماء المضمرة في النحو الكنايات، والخوالف، والتعريض المفسح فيه هاهنا كل لفظ وإشارة تدل على النكاح لا بصريحه نحو أن يقول: أريد التزوج، و " ما شاء الله كان "، و " إنك لنافقة "، ونحو ذلك، وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾
قال ابن عباس: وابن جبير والشعبي ومجاهد هو تصريح الوعد بالنكاح، وقال الحسن وجابر، الزني وقال زيد بن مسلم لا تنكحوها في عدتها، واللفظ محتمل، ولكن الأظهر ما قال ابن عباس، لأن ذلك لم يستفد إلا بهذه الآية، فأما خطر الزنى ففي كل حال، والمنع عن التزوج بالمعتدة معقول من غير هذه الآية، ويصح حملها على كل ذلك، فقد نهينا عن جميعه، وقوله ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي لما علم رغبتكم فيهن وخوفكم أن يسبقكم إليهن غيركم، أباح لكم التواصل إلى مرادكم بالتعريض وليس النهي عن العزم نهيا عن حكم الضمير، فقد أباح لنا التعريض فضلاً عنه، وإنما عنى بت القول، وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ أي تنقضي العدة والكتاب عبارة عن المدة المفروضة أو أريد حكم الكتاب، وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ دل على معنيين، أحدهما: ما في قوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، والثاني: ما في قوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، تنبيها أنه علم شرور أنفسكم، ثم حذرنا منه كقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ثم رجانا غفرانه، وسكن منا بما أنبأنا من حلمه بقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾، واللفظان: أعني ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، وقوله، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وصف به أولياءه في قوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾
البقرة 2:236
قوله - عز وجل -:
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾
الآية (٢٣٦) - سورة البقرة.
المقتر: الفقير، وأصله من ينال القتر، كما أن المترب والمرمل أصلهما من نال التراب والرمل، والقتار ما يحمله الريح من رائحة القدر على العثان والغبار، فدخل قاتر خفيف، كأنه قتر في الخفة، وذلك لقولهم: هو في الخفة هباء، والقترة ناموس الصائد اعتباراً بأنه حافظ لقتار الإنسان أي ريحه، وذلك أن الصائد يجتهد أن يخفي عن الوحش ريحه فصلاً عن شخصه لئلا يند عنه، ، وأبي قرة لحيته صغيرة الجرم خبيثة الأثر، وتسميتها بذلك على حسب اعتقادهم أن الحية كلما ازدادت سنا وخبثا صغرت جرماً وجسماً ولهذا قال الشاعر:
ذاهيةٌ تصغزُّ منها الأنامَلُ
وقال: دُوَيهيةٌ تصفَرُّ منها الأناملُ
فأتى بلفظ التصغيير لما أراد تعظيم الوصف، وكثرة الماس والمماسة في الكناية عن الجماع حتى صار كالصريح، والمتعة اسم لكل ما فيه تمتع أو انتفاع قدراً من الزمان، وعلى ذلك قوله: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، وقول الشاعر:
'نما نعْمَةُ المرءِ مُتعةٌ...
وحَيَاةُ المرءِ ثوبٌ مُستعارُ لكن صارت المتعة في تعارف الشرع، لما تخص به المطلقة، واختلف الناس في المتعة، أواجبة هي أم غير واجبة، فإن وحبت، فلأي مطلقة تجب؟، وكم قدرها؟ وبأي الزوجين تعتبر؟ وأما وجوبها فعند ابن أبي ليلى ليست بواجبه على مطلق، بل إن شاء فعل، وإن شاء ترك، وقالت علي: واجبة لكل مطلقة، وقال مالك وليث: " لا يجيز عليها علي كل حال، وعند الشافعي المطلقات على ثلاثة أضرب، مطلقة قبل الفرض والمسيس، ولها المتعة قولاً واحداً، ومطلقة بعد الفرض والمسيس مفوضة كاتبا، وتسمى لها، وفي وجوب المتعة لها قولان، وأما قدرها، فالصحيح أن لأحد له، وإن كان قد قال بعضهم للموسر خادم، وللمعسر خمار وجلباب ونحوهما من الثياب، وقال الشافعي: واستحسن بقدر ثلاثين درهماً، وأما اعتبار ذلك بأيهما، فقد قال أبو حنيفة بهما، والأظهر أنها تعتبر بالزوج لتخصيصه في الآية، وقوله (أو تفرضوا) تقديره، أو لم تفرضوا فهو معطوف على قوله: تماسوهن، وأوفى نحو هذا الموضع يفيد ما يفيد الواو على وجه، وذاك أنه إذا قيل: " افعل كذا إن جاءك زيد أو عمرو يقتضي أن يفعله إن جاء أحدهما، ولا شك أنه يحتاج أن يفعله إذا جاءا جميعاً، لأنه قد جاء أحدهما وزيادة، وعلى هذا قال النحويون: " جالس الحسين وابن سيرين " يقتضي أنه إذا جالسهما، فقد امتثل، وعلى هذا قوله- عز وجل: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فظاهر الآية يقتضي أنه لم يكن مسيس أو لم يكن لها فرض أو لم يكن الأمران، فلها المتعة كالأمثلة المتقدمة، لكن لما حكم لمن فرض لها ولم يمس في الآية التي بعدها صار ذلك كالمستثنى عنه، وكأنه قيل: إذا طلقتموهن ولم يحصل الإمران الفرض والمسيس أو حصل المسيس، ولم يحصل الفرض، فمتعوهن
إن قيل: ما في قوله ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يقتضي الشرط، وذلك يوجب أن رفع الجناح عن المطلق بشرط عدم المماسة وعدم الفرض، ومعلوم أن الجناح مرفوع عن المطلق، مسها، أولم يمسها، فرض أولم يفرض، فما وجه ذلك؟ قيل: القصد بالآية أن الجناح مرفوع بإعطاء المتعة، فكأنه قيل: لا جناح في طلاقها إذا متعها، ودل على ذلك بقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وقد علم أن الجناح غير مرفوع عمن لم تمتع إذا طلقها قبل الفرض والمسيس، وقوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ أي قدر ما يحتمل حالاهما...
إن قيل: ما وجه تخصيص المحسنين في هذه الآية، والمقتر في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وهلا دل ذلك على أنه غير واجب إن كانت الواجبات من المشروعات لا يختلف فيها المتقي والمحسن وغيرهما، قيل: قد نظر بعض الناس هذا النظر، وقال: لما كان الإحسان قد يكون لما يريد على الواجب، وقد خص بذلك المحسنين دل على أن ذلك حق على المعروف لا إيجاب، وقال أكثرهم: إن ذلك للمحسنين والمتقين لا لتخصيص الإيجاب، بل للتأكيد، وأنه من تمام الإحسان والتقوى، كما أن قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ليس بتخصيص أنه لا يهدي به إلا المتقين، لكن يبينه على أن الاهتداء به من تمام التقوى.
البقرة 2:237
قوله - عز وجل -:
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
الآية: (٢٣٧) - سورة البقرة.
النصف كل واحد من الجزئين المتساويين من مقدار واحد، وتصور هذه القسمة المستوية، فسمي العدالة نصفاً والنصف بين المسنة، والصغيرة كأنها هي التي استوفت نصف العمر والناصف الخادم المبالغ في الخدمة كأنه ينصف صاحبه أي في الخدمة بقدر ما يستوفي عنه من المنفعة، والنصيف للخمار بين الصغيرة والكبيرة، والمنصف ما أعيد إلى النصف بالصبح، والنصيف ضرب من المكيال، لكونه عادمها، أو كونه بين بين...
(والذي بيده عقدة النكاح)، قيل: هو الولي الذي كان ما لكان للعقد في الأصل وقيل الزوج الذي هو مالك للعقد في الحال، وهو أولى، لأن الولي يملك العقد، والزوج هو الذي يملك العقدة لأن العقدة اسم للمفعول كضحكه وهزأه، وعفو المرأة أن تترك الهر أو تسامح، وعفو الزوج أن يوفيها كله أو فضلاً عما تستحقه من النصف فإن قيل جعل الذي بيده عقدة النكاح للولي، فكيف يصح منه العفو عما تستحقه المرأة، قيل: قد قال الشافعي: إن ذلك مخصوص في الصغيرة إذا كان وليها أباها أو جدها...
إن قيل: العفو في الترك لا في الإعطاء، والزوج هو المعطي، فكيف يصح منه العفو؟
قيل: إن ذلك في العفو عن الشيء لا في العقوبة، وقد يقال: عفي فلان بكذا إذا بذل، والصداق المفروض تستحق المرأة أخذه بالعقد، فإن أخذبه، وإلا ففيي حكم المأخوذ، فإذا عفي به كملا، فكأنه قد عفي عنه، ودل قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أن المرأة متى فرض لها بمثل العقد، ثم طلقت قبل الدخول، فلها نصف المفروض بخلاف ما قال أبو حنيفة أن المفروض يسقط وتجب المتعة، وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ وأن كان بالقصد الأول حثاً للزوجين على التسامح خطاب عام لهما ولكافة الناس وحث
البقرة 2:238
لهما على استعمال العفو وترك التشرد، وإن بعض ما وجب لك أقرب إلى الهوى، ثم قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ أعم من العفو، لأنه يتناول ترك ما وجب لك، وإعطاء ما لا يلزمك، ولهذا قيل: " الفضل فوق العدل "، وقيل: " الكرم في الفضل لا في العدل "، ولما حث فيما تقدم على استعمال العدالة، نبه بقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ أي: لا تتركوا الفضل مقتصرين على تحري العدالة.
قوله - عز وجل -:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
الآية: (٢٣٨) - سورة البقرة.
الحفظ والتعقد والتعهد والرعاية والحماية والصيانة متقاربة، لكن الحفظ أعلم ذلك، والتفقد حفظه، أي تفقد وكأنه مطلب في كل حال، بل فقد إشفاقاً عليه، والتعهد تجديد العهد به حالاً فحالاً، والرعاية حفظ ما به قوامه، كرعي الغنم للحماية حفظه عما يريده بسوئه..
، والصيانة: صيونة بما تقيه، والوسط معروف يقال بوسط فلان القوم سبطهم، وقد تصور الوسط على وجهين، محمود ومذموم، فاستعمل فيهما، أما المحمود فالمصون من الإفراط والتفريط، كالعدل، ولهذا قيل للعدل الوسط والسواء والنصف، وأما المذموم، فيتصور شيء له طريقان: محمود، ومذموم، فالسالك من الطرف المحمود إلى الطرف المذموم إذا انتهى إلى النصف، فقد فارق المذموم، فكنى به عن الذم، وأما أصل " القنوت " القيام على سبيل الخضوع، ولما كان الخضوع في يكون بالدعاء والتضرع، وبالإمساك عن الكلام، ويخفض الصوت، وغض البصر، وبذل المال فنبه بكل واحد من ذلك وسمي الدعاء بعد الركوع قنوتاً، والصلاة الوسطى الظهر عن زيد بن ثابت، وابن عمر كأنها اعتبرت بالنهار، وكونها في وسطه، والمغرب عن قبيصة بن دويت، لكونها وسطا بين الركعتين والأربع اللتين بنى عليهما عدد الركعات، والصبح عن جابر، لكونها بين صلاة الليل والنهار، قيل: ولهذا قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي صلاته، فخصها بالذكر، لكثرة الكسل عنها، إذ قد تحتاج إلى القيام إليها من لذيذ النوم، ولهذا زيد في أذانه: (الصلاة خير من النوم)، وقيل: هو العصر فيما يروى عن النبي - ﷺ - وعلي وابن عباس، وهو الأصح، لما روي أن ابن حبيش قال: قلت ليسرة: سلي
علياً عن الصلاة الوسطى، فقال: كنا نرى أنها صلاة الفجر، حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يوم الخندق
يقول: " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم أو قبورهم ناراً "، وروي البراء أنه كان يقرأ: " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر "، ثم نسخ بقوله: الوسطى، وفائدة تخصيصها بالذكر، لأن وقتها في أثناء الأشغال العامة الناس بخلاف سائر الصلوات التي يكون فراغ ما إما قبلها، أو بعدها، ولذلك توعد النبي - ﷺ - بتركها، فقال: " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر ماله وأهله "، واستدل بهذه الآية بعض الشافعية أن الوتر ليس بواجب، لأنه لو كان واجباً لكان أعداد الواجبات ستة، فلم يكن لها وسطى، وقال بعض المتأخرين: الصلاة الوسطى إشارة إلى النوافل المشروعة بين المكتوبات إما قبلها، وإما بعدها وإما قبلها وبعدها، وقال بعضهم:
عنى بالصلوات أنواعها كلها، فرائضها ونوافلها المؤقتة، والمشروعات عند أسبابها كالخسوفين، والاستسقاء، والنذر، فأمر تعالى بالمحافظة على جميعهما، ثم قال: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ أن الفرائض، ومعنى الوسطى: الشريفة، فخصها بالذكر مع دخولها في العموم، ثم أعقبه بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وبقوله: (فإن خفتم) - تنبيها أن فعلها واجب بحسب الإمكان في جميع الأحوال، والمحافظة عليها مراعاة وقتها وتوفية شرائطها في أدائها كما ذكر في إقامتها في قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
البقرة 2:239
إن قيل: ما وجه فائدة ذكر المحافظة على الصلاة فيما بين حكمي الطلاق والعدة؟
وهلا أفرد عن ذلك؟ فإن إفراد كل باب من الحكم أحسن في الترتيب من خلط بعضه ببعض، قيل: أما أولانا: فآيات القرآن منزلة حسب الحاجات، ولهذا قال الكفار:
﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أعلمهم أنه فعل ذلك ليقوى عليه الصلاة والسلام- على تلقينه وتلقنه فقال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾، ثم إن الله تعالى لا يخلي شيئاً يذكره مما تعلق بالأحكام الدنيوية إلا ويقرنه بحكم أخروي لينبههم إلى مراعاة الآخرة في جميع أحوالهم وأعمالهم، وأنها هي المقصودة بالقصد الأول وسائر ما يتحرى، فلأجلها، على أن ما يرونه موجود هاهنا ومحفوظ، وأبلغ وأحسن مما راعاه أصحاب القوانين، لأنه لما حثهم على العفو ورغبهم في المحافظة عي الفضل، عرفهم أن السلوك إلى التخصيص بذلك هو المحافظة على الصلوات في كل حال، فإن الصلاة هي الآمرة بالمعروف، والناهية عن المنكر، كما قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ثم صرف الكلام إلى ذكر ما كان بصدده، فتممه، وهذا النحو من جنس ما يسمى بـ التفات المعدود في بديع الكلام..
قوله تعالى:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
" الآية (٢٣٩) - سورة البقرة..
الركوب: كون الشيء فوق أخر، يقال لكل مركوب ركوب، وخص الراكب في تعارف العرف يمتطي البعير، وسمى المطية ركاباً، وما يجعل الراكب رجله فيه ركاب، وأركب المهر، بحيث يركب، وتعورف المركب، والمركب فيمن ركب فرس غيره، وفيمن يعجز عن الركوب من قوله: ثم الطيور المركبا والركبة: بهذا الاعتبار سميت، وقيل: " فرس أركب، أي " عظيم الركبة، وركبته: أصبت ركبته،
البقرة 2:240
نحو: فأدته ورأسته، وقال: إذا أصبته بركبتك، نحو: بدنته وعنته، أصبته بهما، والمركب كناية عن فرج المرأة، وهو العانة من المرأة، كما كني عن المرأة بمظنة، وقعيدة، لكونها مقتعدة، ورجال: جمع راجل: نحو صحاب وقيام، ويقال.
نساء رجال، كما يقال: رجالُ رجالٍ، أمر تعالى بفعل الصلاة على الوجه الممكن.
وعلى هذا دل قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وعلى هذا قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ وجعل بعضهم الذكر هاهنا مخصصاً بالصلاة، وجعله بعضهم عاماً فيه وفي غيره من الأذكار، وحث على ذكره والصلاة كيفما يقتضيه ما علم من الأحكام وسائر العلوم.
قوله- عز وجل:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
الآية: (٢٤٠) سورة البقرة.
عامة المفسرين على أن قوله تعالى:
﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أمر من الله عز وجل- بأن يوصي الرجال للزوجات أن تعمر بعد وفاتهم حولاً، وقالوا: اقتضت الآية ثلاثة أحكام: عدة سنة ونفقتها، وسكناها في تركة زوجها مادامت معتدة، وكونها ممنوعة من الخروج، فنسخ منها ما زاد على أربعة أشهر وعشر بالآية المتقدمة، ونسخ وجوب الوصية لها ما به الميراث، ولم يثبت نسخ للخروج، فصار دلك ثابتاً في العدة الثانية، وقال بعض المتأخرين: ليست هذه الآية منسوخة ولا تأويلها على ما تصوره، وإنما قوله: (وصية) مصدر في مواضع الحال، أو خبر ابتداء مضمر في موضع الحال في قول من رفع، والآية إخبار عن الجاهلية فيما كانوا يفعلونه، وإبطال لحكمهم في تقديرها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ موصين لها بمتاع، أي بعطيه على أن لا يخرجن إلى الحول، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾، أي لا إثم في إبطال ذلك على ما أمر الله به، وبينه، ودعاكم إليها فهذا توكيد للآية المتقدمة وتنمية أن ما كانوا يفعلونه لا يلزمكم، بل الذي يلزمكم ما بين في الآية المتقدمة، فقوله:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ مبتدأ، وما بعده إلي قوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ في صلته وفي قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ في موضع الخبر، ودخول الفاء فيه لكون المبتدأ موصولا، نحو: " الذي يأتيني فله درهم "، وهذا الوجه صحيح من وجه، حيث اللفظ وعلى ما عليه الحكم، لكن عامة السلف في تفسيرها على ما تقدم، ويوضح ذلك أن امرأة أتت النبي - ﷺ -، فذكرت أن بنياً لها توفي عنها زوجها اشتكت عينها، وهي تريد أن تكحلها، فقال رسول الله - ﷺ - الله: " فقد كانت إحداكن تلبث سنة، ثم ترمي ببعرة عند رأس الحول، فهلا أربعة أشهر وعشراً "
وذكر رواية بنت أبي سلمة أن المرأة كانت إذا توفى بها زوجها دخلت خيشاً، ولبست شرشابها، ولا تمس طيبا حتى تمر سنة، ثم تؤتى بدابة، حمار أو شاة أو طير، فتقتص له، فعل ما يقتض شيئاً إلامات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره..
إن قيل: لم قال في هذه الآية، وفيما قبلها: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾؟، فرفع الجناح عن الرجال فيما فعلن، وذلك يقتضي أن يزر أحدنا وزر الآخرة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
البقرة 2:241
قيل: قد يرون في قراءة ابن مسعود: (لا جناح عليهن)، والصحيح ما عليه المصاحف، ووجه ذلك أمران:
أحدهما: أن النساء لما كن تابعات للرجال، وتحرر أمرهم، صار الجناح في كثير مما يفعلن راجعاً إليهم إذا لم ينهوهن، ولهذا قال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ والتاني: أن ما يشير إليه، فإنهن يفعلن في أنفسهن هو أمر يتعلق بالرجال، فلا يمكنهن أو يساعدوهن وكل موضع اجتمع مذكر ومؤنث أو مخاطب أو غائب، فالحكم في اللفظ للمذكر والمخاطب دون المؤنث والغائب، فلهذا قال: عليكم إن قليل: لم قال هاهنا ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾، وقال فيما قبله (بالمعروف)، وقال هاهنا: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وفي الأول: (والله بما تعملون خبير)؟
قيل: إن " من " والباقي مثل هدا الموضع يتقاربان حكماً، وإن كانا يختلفان من حيث العربية تقديرا، فقوله: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ إباحة لجنس الأفعال المعروفة، أي المباحة لجنسه، وقوله: (بالمعروف) في موضوع الحال، وهو إباحة لما فعلته على شريطة تحري المعروف وقال ههنا: لما ذكر ما هو تعريض التغيير أو غيره على التفسير المتأخر، قال: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تنبيها أنه تعالى قادر على تغيير ما يغير غير لاحق به مضرة من مخالفتكم له، ولا منفعة في موافقتكم إياه أمره وحكمته في تغييره، وقال في الحكم المقرر عليهم على التأييد، (والله بما تعلمون خبير) - تنبيهاً أن من قصر فيما رسمه، فمجازى به..
قوله- عز وجل:
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ - الآية: (٢٤١) - سورة البقرة
إن قيل: ما وجه تكرير.
" ذلك " وتخصيص " المتقين "؟
قيل: من المفسرين من جعل هذا المتاع للمطلقات عامة على سبيل الاستحباب، لا على الإيجاب،
البقرة 2:242
وقال: أراد الله أن يكون تشريحاً على وجه تطيب به نفسها، ويزول عنها ما خامرها مش وحشة الفراق، ومنهم من قال: هو على الإيجاب، وإليه ذهب ابن جبير، وأبو العالية ويكون تخصيص من تقدم ذكرها لتأكيد أمرها، ومنهم من قال: يعني بالمتاع المتعة، وإنما عنى مالها من المهر والسكنى، وأما تخصيص " المتقين " فقد تقدم..
قوله- عز وجل:
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الآية: (٢٤٢) سورة البقرة.
نبه أنه كما بين لكم هذه الأحكام يبين لكم سائر الآيات العقلية والسمعية لتكونوا أقرب إلى استعادة العمل المكتسب وقد تقدم أن أمير المؤمنين قال: العقل عقلان: مطبوع ومسموع ولا يصلح أحدهما إلا بالآخر، فالأول هو الذي يتعلق به صحة التكليف المتناهية بقوله عليه الصلاة والسلام:
" إن الله لما خلق العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك بك أخذ، وبك أعطي ".
البقرة 2:243
والثاني: هو الذي قال عليه الصلاة والسلام لعلي: " يا عليُّ: إذا تقرب الناس إلى خالقهم بالصلاة والصوم، فتقرب إليه بانواع العقل تسيقهم بالدرجات والزلفَى عند الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة " فهذا الثاني هو العقل المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لعلكم تعقلون﴾، وهو في الحقيقة الإيمان والتقوى والإخلاص.
قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾
الآية: (٢٤٣) - سورة البقرة.
رأيت: تتعدى نفسه دون الجار، لكن لما استعير قولهم ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ لمعنى: (ألم تنظر) عدى تعديته وفائدة استعارته أن النظر قد يتعرى عن الرؤية، فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له، وقل ما استعمل دلك في غير التقرير، ولا يقال: رأيت إلى كذا، وكما أن الرؤية ضربان، رؤية بصر، ورقية بصيرة، كذا أيضا النظر والإبصار، وألوف جمع ألف كشخوص، وعيون وقيل جمع ألف كحمول، وحلوم، وروي في الخبر أن قوماً من بني إسرائيل خرجوا من ديارهم- تفاديا من الطاعون فأماتهم الله، ثم أحياهم ليعرفهم عيانا تحقيق مادل عليه قوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ وقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ وقوله: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}، وقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾، وقوله: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ تنبيه أن الكثرة والتعاضد وإن كانا نافعين في دفع الأزمات الدنيوية، فليس بمعنية في الأمور الإلاهية، فمن جعل ذلك جمع ألف، فنظر منه إلى نحو ما قال الشاعر:
ألم تر أن جمع القوم يخشى..
وأن حريم واحدهم مباح
ومن جعله جمع ألف، فنظر إلى نحو قولهم: " لن يعجز القوم إذا تعاونوا " ومن جعله جمع ألف، فقد قيل: كان عددهم أربعة آلاف عن السدي، وقيل، كانوا أكثر من عشرة آلاف عن ابن عباس والحسين والضحاك، وهو الأصح، لأن ذلك جميع للكثير ولو كانوا أقل من عشرة لقتل آلاف، وقيل: معنى أماتهم: ذللهم تذليلاً يجري مجرى الموت فلم تغن عنهم كثرتهم وتظاهرهم من شيئاً، ثم أحياهم، أي أعانهم وخلصهم ليعرفوا قدرة تعالى في أنه يذل من يشاء، ويعز من يشاء، وتسمية الشدائد موتاً، لكونها أعظم الموتين، كما قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت..
إنما الميت ميت الأحياء
وقيل: أشد من الموت ما يتمنى له الموت، وقيل: عنى بالموت الجهل، والحياة العلم، وقال ابن عباس في قوله: ﴿أو من كان ميتا فأحييناه﴾ أي: جاهلاً فعلمناه كما يحيا الجسد بالروح، ووصل ما أراهم من الآية العظيمة من إحيائهم بذكر ماله عليهم من النعمة وقلة شكرهم له..
، وقوله:
البقرة 2:244
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، لكنه أبلغ في الذم، لأنه نفى وقوع شكر منهم وشكور هنا مبالغة، وقد لا يكون شكوراً من كان شاكراً..
إن قيل: لم أعيد ذكرا الناس ولم يقل: (ولكن أكثرهم)؟
قيل: لأن الناس في الأول عام لكون نعمته على جميعهم، وفي الثاني خاص للمكلفين، لأنه لا يلزم شكرهم غيرهم، فكأنه قيل: ذو فضل على جميع الناس، ولكن أكثر المكلفين لا يشكرون..
إن قيل: لم خص النبي - ص - الله بهذا الخطاب، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾؟
قيل: لأن ذلك لما كان من الاعتبارات التي تخفي إلا على ذوي البصائر من الأنبياء ومن يدانيهم في العلم ولم تكن من المحسوسات المشاهدة، وخصه بالخطاب، وفي الآية الأخرى ونظائرها لما كانت من الأمور المحسوسة عمهم بالخطاب.
قوله - عز وجل:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية (٢٤٤)..
قل: تقديره (وقيل لهم بعد ذلك: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ولفظ الحكاية مقدر، وقيل: إن ذلك خطاب منه تعالى لهذه الأمة، وأنه لما قرر بالآية المتقدمة في أنفسهم أن الفرار لا يزيد في الأجل، حثهم بهذه على المجاهدة في سبيله، ولم يعن الأعداء المجاهدين فقط بل عناهم وأقرب الأعداء إلى الإنسان وأصعبها دفاعاً وأكثرهم أذى الهوى المدلول عليه بقوله عليه الصلاة والسلام: " جهادك هواك "،
البقرة 2:245
وقوله: ﴿أعدي عدوك نفسك التي بين جنبيك﴾ وقوله لما رجعوا من تبوك: " جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وقال: " جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم " وصعوبة مجاهدته أنه عدو يخفي وتخفى مكائده، ونحو هذا نظر الشاعر حيث قال:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى..
فكيف بمن يرمي وليس برامي
وعلى هذا قولخ - عز وجل: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، وقوله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
قوله - عز وجل:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ الآية (٢٤٥) - سورة البقرة.
القرض: القطع بالناب، والمقراض، واستعير لصنعة الشعر استعارة اللوك والمضغ في نحو قول بعضهم: " قد لاكه ومضغه من هو أشد لوكاً ومضغاً منك " هذا إذا اعتبرته بقرض الأسنان، فأما إذا اعتبرته بقرض المقراض، فاستعارته كاستعارة الحوك والخياطة والإلباس، وسمي ما بذل بعوضٍ قرضاً، وما بذلك بغير عوض قرضاً، وسمي عروض الدنيا قروضاً، كما سميت عواري، والضعف تركب قدر من متساويين، أو يقال مثلاً الشيء في المقدار، وكل واحد ضعف الآخر إذا أخذ، وقول الشاعر:
" جزيتك ضعف الود " أي مثلي ودك في القدر، وضعفا الشيء مثله ثلاث مرات، إلا أنه إذا قيل: ضعفان، فقد يطلق على الاثنين المثلين في القدر من حيث أن كل واحد يضعف الآخر كما يقال الزوجان، ويكون كل واحد زوجاً للآخر..
إن قيل: الضعف والضعف يشتركان في الاشتقاق، قيل: كلاهما اعتبر فيه معنى المماثلة في القدر، إلا أنه جعل الضعف لما يزاد عليه، والضعف لما ينقص منه، واستعمل فيهما أضعفت، وضعفت، وإن كان التشديد في الضعف أكثر، وضاعفت في الضعف لا غير، وفرق بينهم تضاعف وتضعف، فقال التضعيف لما جل مثلين، والمضاعفة لما زيد عليه أكثر من ذلك، ولهذا قال أكثرهم (فيضاعفه) بالألف، ولما حث الله على المجاهدة في سبيله وذلك ببذل المال والبدن والنفس سمى ذلك قرضاً كما سماه بيعاً واشتراء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية وسماه إحساناً في قوله: (واحسنوا) كل ذلك استعطافاً لعبده واستلطافاً، وسمع أعرابي قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فقال " أعطانا فضلاً، وسألنا منه قرضاً ليرد إلينا أكثر وأوفر منه، إنه لكريم " وسمع ذلك أبو الدحداح، فسأل النبي - ﷺ إن تصدقت بحديقتي أفلي مثله في الجنة؟ قال: نعم.
قال: ومعي أم الدحداح ودحداح؟ قال: نعم، وكان له حديقتان، فتصدق بأفضلهما..
البقرة 2:246
إن قيل: بذل النفس كيف يصح أن يقال له قرض؟
قيل: استعمال ذلك فيه كاستعمال الجود، وقد قال أبو الدرداء " أقرض من عرضك ليوم فقرك " وفي قوله: ﴿حُسْنًا﴾ إشارة إلى كل ما يصون الإفضال عما يشينه من منة ومراءاة وغير ذلك وقوله ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ قيل: " يسلب تارة، ويعطي تارة "، ونحوه نظر من قال: فكيف يوفيه وثانية هاديه، وقيل: يسلب قوماً ويعطي قوماً، ونحوه نظر الشاعر في قوله:
ويسلب قوما ويثري آخرين..
به الله من ذا يستعمر وباري
وقيل: يقتر ويوسع، وقيل: يقبض الصدقات ويخلف البدل مبسوطاً أن كثيراً، وقيل: يضيق صدور قوم ويشرح صدور آخرين، كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقد تقدم الكلام فيه، وذكره ها هنا توعد..
قوله - عز وجل:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ الآية: (٢٤٦) - سورة البقرة.
قوله عز وجل:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى الملأ جماعة شريفة، وذلك اعتبار بالامتلاء كأنهم يملون العين رواء ومنه قيل: شاب مالئ العين، ومالأته: عافيته: أي صرت من ملائه أي جمعه، كقولك: شايعته أي: صرت من شيعته، وفلان ملئ بكذا من الامتلاء، وعلى الوفاء، وهو تمام العهد، واشتقاق ضده وهو العذر، يدل على ذلك لأنه الترك، ويعني: " أحسنوا أملاءكم "، أي أخلاقكم،
وقال الشاعر:
" فقلنا أحسني ملأ جهينا "، فكأنه سمي الخلق بذلك لكونه مليا باراً، في ذاته وعلى ذلك قال الشاعر:
كل امرئ يبدي الذي في خلقه
وقال: كل امرئ راجع يوماً بشهية
والملك لمن جمع أربعة معان:
" العلم، والقدرة، والسياسة، وعدداً يسويهم "، وبيان ذلك أن الأمر بالعلم مدبر، وبالقدرة ينفذ، وبالسياسة ينظم، وبالجمع بحفظ، ولهذا كان الله الملك الحق، ومن عدله فكالظل له، ولهذا قال: " السلطان ظل الله في الأرض " أي خليفته، ومحفوظة كالظل الذي يظل، ولا يصح استحقاقه إلا لمن قام بحقه على مقتضى الشرع ولأجل تعذر القيام بذكره التسمية به، لأن المتسمي بالملك ما لم يوف حقه لابس ثوبي زور، وتكلف للناس التقول به وسألهم إياه الملك ليقابلوا معه لعلمهم أن منزلة الملك من الرعية منزلة الرأس من الجسد الذي لا قوام له إلا به. وعلى ذلك قال الشاعر:
كأن الخلق ركب في مثال..
له جسد وأنت عليه رأس
وقوله: (يقاتل) متى جزم، فجواب، وإذا رفع فاستئناف، وقرئ (يقاتل) على وصف الملك، وقوله: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي: هل طمعتم في أنفسكم أن تقوم بذلك وأن لا تجن؟ قالوا: وما لنا ألا نقاتل؟ أنكروا أن يكون منهم تضجيع في قتال أعدائهم، فجعل حجتهم شيئين هما غاية ما يحنق، وهو انزعاجهم عن مقارهم الذي هو شريك القتل، وقيل الولد الذي هو أصعب على الإنسان من قتل نفسه، وفي حكاية ذلك إشارة إلى ذمهم من وجهين أحدهما أنهم قالوا: أن تكلفوا، وقد قيل: فلما قام الإنسان بواجب التزامه، ابتدأ ولهذا لما روجع النبي - ﷺ - في الحج، فقيل: ألعامنا هذا؟ أم للأبد؟
قال: بل للأبد
البقرة 2:247
وذم الله (بني إسرائيل) في التزامهم الرهبانية، ثم قصروا فيها، والثاني: أنهم لم يلزموا القتال كما يجب أن يلزم، فإن المقاتلة في سبيل الله يجب أن لا يكون لها سمعة واجتلاب ثناء أو شفاء مغيطة وكذا يجب أن تكون سائر الأفعال المحمودة وهم لما قالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ قصدوا شفاء الغيظ لا ائتمار الرب، فعلم أنهم لا يصبرون في مواطن الحق على ما يجب.
إن قيل: لم أدخل (أن) في قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ ولم يدخله في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ﴾؟
قيل: إن قولك (مالك، ومالنا) تجئ مرة للإنكار وعليه قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الحال نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ والثاني بمعنى: (ما منع) وعليه هذه الآية، فلابد إذن من " أت لا " تقديره: (ما منعنا من ترك القتال قال أبو العباس: " ما: نفي ها هنا، كأنه قيل: ليس لنا أن لا نقاتل " وقال الأخفش: أن زائدة، ويجوز أنه أدخل (أن) في قوله: ألا نقاتل لكون القتال مستقبلاً، ولم يدخل في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ﴾ لكونه حالاً، لأن " أن " لأحد المعدومين..
قوله - عز وجل:
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية (٢٤٧) - سورة البقرة.
كان بنو إسرائيل اعتقدوا أن الملك يستحق بالوراثة وكثرة المال، وكان فيهم أسباط ملوك، فلما أنبأهم نبيهم أن الله بعث لهم طالوت ملكاً، ولم يكن من بيت الملك، ولا كان ذا مال، استعظموا، فراجعوه وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ وكان ذلك منهم خطأ من وجهين: الأول:
لما قال الشعر:
وما الحسبُ المورُوُث لا در درهُ..
بمحتسِب إلا بِآخِر مُكْتَسبِ
إذَا الُغضْنُ لم يُثمْر وإن كَان شُعبةًَ..
منَ الثمراتِ اعتدهْ الناسُ في الْحَطَبِ
وقال بعض الملوك:
إن ولد مني جاهل فعدوه حماراً، وإياكم أن تراعوا نسبه، فتفوضوا الأمر إليه، وتعتمدوا في المملكة عليه، والثاني: أن المال ليس بضروري في الملك وأعيان الخلفاء الراشدين والأمراء العادلين كأن عناهم القناعة دون الثروة، فبين تعالى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ أن فيه الخصال التي هي قانون في استحقاق الملك وبيانه أن الملك يستحق في أن يكون الإنسان من عنصر صالح سواء كان من بيت الملك قيل أو لم يكن.
، وأن يكون ذا علم بسياسة نفسه وأهله من رعيته، وأن يكون في جسمه كامل الخلقة، شديد القوة، ذا سلامة من العاهات الشائنة، وذكر أنه قد آتاه كل ذلك، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تنبيهاً أنه هو المختص بإيتاء الملك لعلمه يمن يستحقه، ولذلك أمرنا بالاستسلام له في ذلك، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فقرن ذلك بالأمور التي يختص هو بها، وهي: إخراج الحي من الميت والميت من الحي، وإيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، وإعطاء الرزق، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي الذي أعطاه الملك هو ذو سعة في المال، وعالم بالأشياء - تنبيهاً أنه إن احتاج إلى المال في ملكه حوله، وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ أي عالم بمن يؤتيه الملك، كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
البقرة 2:248
قوله - عز وجل:
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية (٢٤٨) - سورة البقرة.
البقية من البقاء، والبقاء ثبات الشيء على حالته الأولى، لكن البقية صارت لبعض حمله لم يتعين حكمه بتعين المحمولات، فاستعمل فيما يحمل على الظهر، وفي الماء إلي في السحاب، والولد الذي تحمله المرأة في البطن، وتعورف في البرق، وتسميته بذلك استصحاباً لحمل الأم أياً، أو لأنه يحمل باليد لصغره، وخص الحمالة بما يحمل به السيف على بناء العلاقة، والمحمل لما تركته الناس، وخص الحمالة بالفتح لما يتحمله قوم من الدية والحميل تارة استعمل في الكفيل، وهو بمعنى فاعل، وتارة في المحمول من بلد إلى بلد، فسمى الغريب، وعثاء السيل به والحملوة من الإبل لما يحمل عليه وعلى ما ساقويه وركوبه وذكر منهم ما خص الله به " طالوب " من كرامته وما هو آية من الله - عز وجل - كالمعجزة لملكه، واختلف في التابوت فمنهم من قال: كان منحوتاً من الخشب فيه شيء مسمى بالسكينة تسكن بها قلوب القوم الذي كان معهم وبقايا رضاض اللوح الذي كان فيه التوراة، وقنا كان علي [عجلة بين ثورين] يسوقهما الملائكة، وقيل: بل الملائكة تحمله في الهواء وهم يرونه، وقيل كان هذا التابوت مع يوشع، ففقد في التيه، ثم رده الله عز وجل: إلى طالوت، وقيل: بل كان قد سلبته العمالقة، فدفنوه في منزله، وإلى هذا ذهب عامة الصحابة والتابعين فيما دل عليه ظاهر قولهم حتى قال مجاهد: السكينة شيء كان له رأس كرأس هره، وله جناحان، وقال بعض المفسرين: التابوت إشارة إلى القلب، والسكينة إلى ما فيه من العلم والإخلاص والإيمان وذكر الله الذي تطمئن به القلوب، قال: وسمي القلب سفط العلم وبيت الحكمة وتابوته، ورعاه وصندوقه، وعلى هذا يقال: (اجعل سرك في وعاء غير سرب، وفي بيت معلق الرتاج، ووعاء موثق الأشراج)، قال: وجعل آيته أن صير قلبه مقر العلم، ومجمع السكنية بعد أن لم يكن له ذلك، وعلى ذلك تسميته بالتابوت سمي عمر ابن مسعود - رضي الله عنهما كنيفاً ملئ علماً، وقال هذا القائل ما روي عن علي - عليه السلام، ورضي الله عنه: أن السكينة ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، فإشارة إلى الروح أو إلى الملائكة، ولهذا روي " كان روحا " من الله عز وجل - يكلمهم عند وقوع الاختلاف، ويسكنهم عند القتال والله أعلم بالحقائق.
البقرة 2:249
قوله - عز وجل:
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الآية: (٢٤٩) - سورة البقرة.
الجند يقال للعسكر اعتباراً بالغلظة من الجند، أي الأرض الغليظة ثم يقال: لكل مجتمع جند، نحو: (الأرواح جنود مجندة.. )، والغرف تناول الماء، ويقال للمعترف غرفة، وللمرة غرفة، والغريف الماء المعرض للاغتراف، وتصور منه الرفع، فسمي العلية غرفة تشبيهاً بالمغترف، وبهذا النظر سمي مشربة، وسمي الغمام مادام عرفه كأنه لرطوبته معترف، وجوز الطريق وسطه، و (جاز منه) كأنه عبر الجوز، فكثر حتى صار الجايز لما لا يكره، وعلى نحوه قيل سائغ، وهو من ساغ الطعام في الحلق، وجاوز، وتجاوز استعير له هذا البناء، لتصور المكان متباعداً عن الإنسان تباعد لإنسان عنه، ولهذا قيل: سافر وتباعد والفئة فرقة من قولهم: فاءت رأسه، وقد تقدم أن أسماء الفرق كثيراً ما تشتق من الألفاظ المقتضية للقطع كالصرمة، والقطيع والطامة، وما القوة بالمحمول، ويستعمل في قوة الحيوان، وأكثر ما يقال في الأثقال الجسيمة، وإذا قيل في غيرها، فعلى التشبيه، وروي في الخبر أن طالوت لم يكن يثق بقومه، فأراد أن يمتحنهم، وكان قد سار بهم مفازة لم يجدوا فيها ماء، فانتهوا إلى نهر من الأردن وفلسطين، فامتحنهم به.. إن قيل: فكيف قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ فنسب ذلك إلى الله عز وجل..
قيل: يجوز أن يكون الله تعالى ألقى ذلك في روعه كإلقاء الوحي في روع أم موسى، ويجوز أن يكون قد أخبره نبي زمانه عن الله، ويجوز أنه نسبه إلى الله لما قصد به وجهه وإن لم يكن الله قد أخبره به، كقوله: ابتلانا الله بكذا، وبين تعالى أن أكثرهم لم يأتمروا له، وقال بعضهم: " إن ذلك جعله الله مثالاً لهم "، ومثلاً مضروباً للدنيا وأتباعها وأن من يتناول منها قدر ما يتبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا، ومن تناول منها فوق ذلك ازداد عطشاً، وعلى هذا قيل: " الدنيا كالماء المالح "، من ازداد منها شرباً ازداد عطشاً، وإلى هذا أشير في الخبر المروي " أن الله - عز وجل - إذا سأله عبد شيئاً من عروض الدنيا أعطاه، وقال له: خذه وضعفه حرصاً " وإياه عني النبي - عليه الصلاة والسلام بقوله: (لو أن لابن آدم واديين ذهب، ابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على (هو ومعه) من صلة (آمنوا)، ويجوز أن يكون: (الذين آمنوا، ومعه) خبره، وهو الأجود، لأن الأظهر في قوله: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا﴾ إن ذلك حكاية عمن شربوا، وإليه ذهب ابن عباس والسدي وقالا: " هم أهل الكفر لا الذين آمنوا "، وقال الحسن وقتادة وابن زيد: " الذين قالوا: " لا طاقة لنا " هم المؤمنون " وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ ظن ها هنا هو المفسر باليقين عند أهل اللغة، وهو المعرفة الحاصلة عن امارة قومه، ويدل على ذلك استعمال أن المشددة أو المخففة منها، نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ وإذا أريد الشك، استعمل معه (إن) التي تصحب المعدومين من الفعل، وقوله: (من) يجوز أن يكون استفهاماً، وأن يكون خبراً وإن كان معنى الاستفهام يعود إلى معنى الخبر، ولكن متى قدر استفهاماً نصب فيه إذا حذف عنه من، وإذا قدرته خبراً وجرت، وسكن منهم بأن عرفهم أن لا اعتبار بكثرة العدد وقلته وأحالهم على معرفتهم بالأعداد القليلة الغالية الكثيرة، وقد تقدم الكلام في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾..
البقرة 2:251
قوله - عز وجل:
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الآية (٢٥٠) - سورة البقرة.
البرز: المكان المرتفع، وبرز " حصل فيه "، وصار عبارة عن الظهور، وقيل للمشهور بالفضل: برز، و " امرأة برزة " قيل عفيفة، لأن رفعة المرأة بالعفة، لأن لفظ البرزة اقتضى ذلك، والأكثر أن البرزة هي التي لا تستقر، والفرغ: خلو المكان لما فيه، وخلو ذي الشغل من شغله، وسمي فرغ الدلو فرغاً باعتبار انصباب الماء عنه، وضربه ضربة مفرغة لدم البدن، والثبات: اللزوم في المكان، وعنه استعير قول ثابت، أي صحيح لا يبطل، وفلان ثبت المقام لمن لا يبرح موقفه في الحرب منهزماً، ونصر الله عنده قد يكون بزيادة قوته وجرأته، وبإلقاء الرعب في قلوب أعدائه، وغير ذلك، ولم يعن أنهم رغبوا إلى الله عز وجل - في ذلك بالقول فقط، فالقول ليس بمغن ما لم يعاضده فعل، ولا الفعل بمغن ما لم تعاضده النية، فالمعنى لما برزوا رغبوا إلى الله بمقالهم واجتهادهم ونياتهم أن يمدهم بالصبر، وتثبيت القدم والنصرة على الكفرة..
قوله تعالى:
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ الآية (٢٥١) سورة البقرة.
الهزم: دفع الشيء لليابس حتى يتحطم، كهزم الشن، وهزم الرعد مشبه به لصوت تكسره، وقيل أصابته هازمة دمر أي داهية كاسرة كقولهم فاقرة، والمهزام ما يحرك به للجمز والهمز يقاربه في الأمرين الكسر، والصوت والدفع صرف الشيء من مكان إلى مكان، أو عن حالة إلى حالة، ودافعت فلاناً ودفعته أزعجته، وفلان مدفع مزعج عن مكانه أو بستانه، ووصف السيل الكبير بالدفاع، لدفع بعضه بعضاً، بين تعالى أنه جمع لداود - عليه السلام - الملك والحكمة والنبوة، وهي أعظم فضيلة، إذ لم تخص بمجموعها إلا بعض الأنبياء، وجعل لبعضهم النبوة دون الملك، وإن لم يخل أحد منهم من نصرته - لقوله تعالى:
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ وقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ لقوله ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ فالكتاب: الأحكام، والميزان: العدالة، ومعنى الحكمة قد تقدم أنها معرفة حقائق الأشياء وحقيقتها إنما هي لله عز وجل، وإذا استعمل في غيره، فمبلغ ذلك تقدم طاقة البشر، وهي أعم من النبوة، فكل نبي حكيم، وليس كل حكيم نبياً، وقوله: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ إشارة إلى العلوم النبوية التي لا وصول إليها إلى بالوحي، وفي قوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ تنبيه على فضيلة الملك، وأنه لولاه لما استتب أمر العالم، ولهذا قال الدين والملك مقترنان، وتوأمان لا يفترقان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر، لأن الدين أس، والملك حارس، ومالا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، وعلى ذلك قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ الآية
إن قيل: على أي وجه دفع الله الناس ببعضهم؟ قيل: على وجهين أحدهما: دفع ظاهر، والثاني دفع خفي، قال: فالظاهر، ما كان بالسواس الأربعة الذين هم الأنبياء، والملوك، والحكماء والوعاظ، فسلطان الأنبياء على الكافة خاصهم، وعامهم، وظاهرهم، وباطنهم، وسلطان الملوك على ظواهر الكافة دون الباطن وسلطان الحكماء على الخاصة دون العامة، وسلطان الوعاظ على بواطن العوام وأما الدفع الخفي فسلطان العقل، فالعقل يدفع عن كثير من المقابح، وهو السبب في التزام حكم السلطان الظاهر، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
إن قيل: ما فائدة ذلك بعد قوله: آنفاً ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾؟
البقرة 2:252
قيل: بين في الأول فضله على الناس بما خصهم به من الفضائل الإنسانية، وبين ها هنا نعمته على جميع العالمين، والحيوانات، والروحانيات، والجمادات، فإن العالمين يتناول كل ذلك، وإلى نحوه أشار بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.
قوله - عز وجل:
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية: (٢٥٢) - سورة البقرة.
إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في هذا الموضع؟ وهل خفي ذلك عليه حتى يذكره به؟ وما تعلق ذلك بما قبله؟
قيل: يجوز أن يكون تقديره (وإنك لمن المرسلين بها)، لكن لفظة بها إيجاز، أو يجوز أن تكون الآية متقدمتين محذوفتي النتيجة على تقدير: إذا كان حال المرسلين وأممهم ما نتلوه عليك، وأنت مرسل إلى قومك كما أرسل المرسلون إلى قومهم، فلا عجب أن تجري مع قومك مجرى أمرهم مع قومهم، والإشارة بذلك إلى معنى قوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾.
إن قيل ما فائدة اقتران التلاوة بالحق؟
قيل: قوله: بالحق في موضع الحال، كأنه قال: وهو الحق، وعلى تحمل عندي قوله: رب أحق بالحق.
البقرة 2:253
قوله - عز وجل:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾
الآية: (٢٥٣) - سورة البقرة.
إن قيل: على أي وجه تفضيل بعضهم على بعض؟
أبتخصيص بعضهم بمنحة؟ كقولك: " فضلت فلاناً في العطاء؟ أو بالحكم والقول "، كقولك: " فضلت زيداً على عمرو في العلم "؟ قيل: بالأمرين جميعاً، فإن الله تعالى جعل لمن رشحه للنبوة فضائل خصه بها، ابتداء وفضائل هداه إليها ليصيبها، فما خصهم به أن جعل كل واحد في نفسه وأخلاقه معرى من عاهة تشينه، وأيده بأنواع كرامات وزيادة معاون تشرح صدره، وحدد عليه في كل وصايا تسدده، وعاتبه في أذى زلة ظهر منه، فهذا التفضيل الذي جعله ابتداء، وأما تفضيله لهم بالحكم، فعلى حسب ما يظهر من أفعالهم، فمعلوم أنه ليس حظ يونس - عليه الصلاة والسلام - حيث حذر نبينا - عليه الصلاة والسلام أن يكون مثله في الصبر بقوله:
﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ كحظ الذين حثه على الاقتداء بهم في قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، فالتفضيل يحصل بالأمرين، وللتفاضل بينهم قال عليه الصلاة والسلام: " فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وختم بي النبيون، وأرسلت إلى الناس كافة ".. ولما كانت هذه الأشياء موهبية لا مكتسبة، قال عليه الصلاة والسلام: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " تنبيهاً أن الفخر لا يستحق إلا بالمكسوب دون الموهوب، ونحو هذه الآية في تفضيل بعض الأنبياء على بعض قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
وهذا حكم في الملائكة بقوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾، وقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ قيل إشارة إلى النبي - ﷺ - الله،
فإن قيل: ولمَ لَمْ يصرح بذكره أو بوصفه، كما فعل بموسى وعيسى؟ قيل: تقدم أن مورد كلام الله تعالى مورد خطاب الناس فيما بينهم، ولما كان المستحسن في بعض المواضع أن يذكر الممدوح المخاطب تعريضاً، فيكون أبلغ من التصريح لما جرى من عادتهم أن مدح المواجهة هجاء، والثناء في الوجه قبيح، وتارة لأن الإطراء قد يدعو إلى الغفلة، وتارة لكون الممدوح بذلك المدح مستغني به عن ذكره كما قال الشاعر:
وإني في بنى ثنائِكَ جاهداً..
وقدْ علمتْ أضعافَ ذاَكَ الْخلائِقُ
كمنْ قَالَ إن الثلجَ أبْيضُ باردُ..
وأنًَّ شهاب النارِ أحمُر حارقُ
وَهَذَا وهَذَاَ بينانِ كلاهُمَا..
لمِنْ هُو رائِي ولمنْ هُو ذَائقُ
وروح القدس إشارة إلى ما خص به عيسى مما كان يحي به الموتى ملكاً، أو قوة، أو اسماً من أسمائه أو علماً، وقد فسر بكل ذلك، وسمي جبريل - عليه السلام - روح القدس، والروح الأمين في قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ وفي قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾. إن قيل: على أي وجه قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وكيف قال: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ ولفظة ﴿لَكِنِ﴾ هي للتدارك، فما المتدارك ها هنا؟
قيل: ذكر تعالى أنه لو شاء أن لا يقتتلوا الفعل، ولكن أراد ذلك لأنهم اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فكانت الحكمة تقتضي أن يؤمر المؤمنون بقتال الكافرين، ففي قوله: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ حذف على سبيل الاختصار تقديره " لكن شاء فإنهم اختلفوا، أو الاختلاف كالسبب لتلك المشيئة،
فإن قيل: وما معنى تكرير: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾؟
قيل: أما الأول: فلأنه أمرهم بالاقتتال، لأنهم اختلفوا، وفي الثاني: ذكر أنه لو شاء لم يكن منهم اقتتال على وجه لا بعده ولا قبله، أما لأنه لم يكن يعطيهم القوة أو يميتهم قبل القتال، أو كان يمنعهم بمرض أو بسبب من الأسباب، ويجوز أن يريد بالاقتتال الأول: الاختلاف المؤدي إلى الاقتتال على طريقة ما يقال بين القوم، اقتتال: أي اختلاف يؤدي إلى ذلك، والمعنى لو شاء الله ما اختلفوا وكانوا أمة واحدة، كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية..
وبالاقتتال الثاني حصول المحاربة بينهم..
إن قيل: ما الفرق بين المشيئة والإرادة؟
قيل: أكثر المتكلمين لم يفرقوا بينهما وإن كانتا في أصل اللغة، وفي الحقيقة مختلفتين وذلك أن المشيئة أصلها من شيء، والشيء اسم للموجود، والمشيئة قصد إلى اتخاذ الشيء، ثم يقال: شاء الله كذا أي أوجده بعد أن لم يكن موجوداً، وقال بعضهم: الشيء والشاء من أصل واحد، وقلب الفعل، واستدل على ذلك بقولهم: أشياء، وتأخير الهمزة فيه وإن كان أكثر أهل التصريف ينكرون ذلك، لكونها غير مصروفة، ويقولون كان فعلاً كطرفاء، فقلب، فصار على أمعاء، ومن اعتبر هذا الاعتبار بقول الواو والياء، لاعتبار ما عناهما، فكل واحدة منهما يعرض الانقلاب إلى الأخرى على حسب ما يقتضي خفة اللفظ وثقله أو التفريق بين معنيين، وأما الإرادة، فمصدر أراد، أي طلب، وأصله أن يتعدى إلى مفعولين، لكن اقتصر على أحدهما في التعارف، وفي الأصل لا يقال إلا لأن تطلب ممن يصح منه الطلب كالإطلاب، فإن بدل منه هذا الاعتبار في التعارف، وصار لطلب الشيء والحكم بأنه ينبغي أن يفعل أولا يفعل، وإذا استعمل في الله، فهو للحكم دون الطلب، إذ هو تعالى منزه عن الوصف بذلك.
البقرة 2:254
قوله - عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الآية: (٢٥٤) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في معنى البيع والشراء، وإن كل واحد منهما يوضع موضع الآخر، ومبايعة الولاية من ذلك، والبيعة يجوز أنها سميت بذلك نظراً إلى نحو معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، كأنه الحالة التي يتبع الإنسان نفسه فيها من الله فسمي المكان الذي يحصل ذلك فيه بها، والخلل انفراج الشيئين، يقال: خللته: أي أصبت خلله، فاستعير منه الخليل، إما لتخلل كل واحد منهما قلب الآخر كما قيل: الحبيب لوصول كل واحد منهما إلى حبة قلب الآخر..
قال الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح مني.....
وبذا سمي الخليل خليلاً
أو لأنه تخلل أحوال الآخر، وعرف سرائره، ولهذا قيل أطلعته على عجزي، وتحرى فيهما عرقين في البطن، وبهذا النظر قال الشاعر:
لا تكتمن ذاك الطبيبا....
ولا الصديق سرك المكتوما
أو لاعتبار افتقار كل واحد منهما إلى الآخر، وبهذا النظر قيل: الصديق للإنسان ضروري، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ على الاعتبار الأخير، وهو افتقاره إلى الله - عز وجل - في كل حال، كما أخبر عن موسى بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وبهذا الفقر أشرف غنى، بل أشرف فضيلة يكتسبها الإنسان، ولهذا قيل عليه الصلاة والسلام: " اللهم اغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك ".
حث الله تعالى المؤمنين على ما رزقهم من النعمى النفسية والبدنية والخارجة، وإن كان الأظهر في التعارف وإنفاق المال، لكن قد يراد به بذلك النفس والبدن في مجاهدة العدو والهوى وسائر العبادات كما تقدم في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا﴾ ولما كانت الدنيا دار اكتساب وابتلاء، والآخرة دار ثواب وجزاء، بين أن لا سبيل للإنسان إلى تحصيل ما ينتفع به في الآخرة ابتداء، وذكر هذه الثلاثة لأنها أسباب اجتلاب المنافع المقصود إليها أحدها المعاوضة، وأعظمها المبايعة، والثاني: ما يناله بالمودة، وهو المسمى الصلات والهدايا، والثالث: ما يصل إليه بمعاونة الغير، وذلك هو الشفاعة فبين تعالى أن من لم يكتسب في الدنيا ما ينتفع به في الآخرة لم يحصل له ذلك في الآخرة، وعلى هذا قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ وفي الآية قول آخر وهو أن الناس في عبادة الله تعالى على ثلاثة أضرب، سابق حصل له منزلة الخلة، والمحبة المقصود إليها بنحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وغيره من الآيات التي تجري مجراها، وهو الذي يعبد الله لا لرغبته، ولا رهبة، ولا لطلب مثوبة، ومقتصد حصل له منزلة المبايعة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ وفي قول النبي - ﷺ -: " الناس غاديان: مبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها " وهو الذي يعبد الله خوف عقاب ورجاء ثواب، وظالم لنفسه، وهو المؤمن المقصر في استفادة المنزلتين المتقدمتين المتواكل في علمه وعمله المذكور في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وهو المستحق للشفاعة المذكور في قوله - ﷺ -: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " فبين تعالى أن من لم يحصل له إحدى هذه المنازل الثلاث فلا سبيل له إلى اكتسابها في الآخرة، وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لما كانت العدالة بالقول المجمل ثلاث:
عدالة بين الإنسان ونفسه، وعدالة بينه وبين الناس، وعدالة بينه وبين الله تعالى، كذلك للظلم ثلاثة في مقابلتها وأعظم العدالة ما بين الإنسان وبين الله وهو الإيمان، وأعظم الظلم ما في مقابلته وهو الكفر، فلذلك قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي هم المستحقون إطلاق هذا الوصف عليهم بلا مثوبة..
إن قيل: كيف تعلق قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بما قبله؟
قيل: لما نفى أن يكون للكفار شيء مما ذكره في الآخرة، بين أن ذلك ليس بظلم منه لهم، لكن هم الظالمون إذ هم الذين خسروا أنفسهم..
إن قيل:
كيف نظم هذه الآية مع التي قبلها؟
قيل: لما بين في الأولى أن منهم من آمن ومنهم من كفر، خوف المؤمنين أن يتحروا ما يخشى منه
البقرة 2:255
اجتلاب الكفر، وهو ترك الإنفاق على ما تقدم قوله..
قوله - عز وجل:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ الآية: (٢٥٥) - سورة البقرة.
قد تقدم أنواع الحياة، وأن أشرفها الحياة الأبدية في الآخرة، وإذا وصف الباري - عز وجل - بها، فمعناه الدائم الذي لم يزل ولا يزال، ولا يصح عليه الموت بوجه، والتحية بذل الحياة فإذا قيل.
" حياك الله "، فمعناه: خولك الحياة، وكذا إذا قيل: " حياك فلان " غير أن الأول إعطاء بالفعل، والثاني بالقول وكذلك التسليم إعطاء السلامة على أحد الوجهين، والقيوم فيعول، وقال: فيعال، وكذلك واوه لأن الواو والياء إذا اجتمعا والأولى ساكنة، قبلت الواو ياء، وعلى ذلك " ديار " ولو كان فعلها لقيل قوام، ودوار " يقال قام كذا " أي دام، وقام بكذا، أي حفظه، والقيوم في وصفه تعالى هو الدائم الحافظ للعالم وجواهره وأعراضه، والقصد بمعناه إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ ومن قال: القيوم بالشيء: العالم به، فصحيح أيضا، لأن حفظ الشيء يقتضي المعرفة به، ولهذا قيل للمعرفة الحفظ، ولضدها النسيان، وأصل النسيان الترك، والأخذ يعبر به عن الاستيلاء على الشيء والقهر يقال: أخذته الحمى، وفلان مأخوذ ومقهور، والسنة: عبارة عن الفتور والغفلة، والنوم يفسر على أوجه كلها صحيح، الأول: أنه استرخاء أعصاب الدماغ برطوبة البخار الصاعد إليه، وذلك بالنظر الطبي، والثاني: أن يتوفى الله النفس من غير موت، وهو الذي قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ وقيل: ترك الروح: استعمال الحواس من خارج إجماماً لها، وسئل بعض الحكماء عن الفرق بين النوم والموت، فقال: الموت نوم ثقيل، والنوم موت خفيف، ولما كان النوم يقتضي السكون، قيل لمن يسكن إلى إنسان أو شيء استنام إليه، وإلى مقتضاه أشار بشار بقوله:
إذا أيقظتك حروب العدا....
فنبه لها عمراً ثم نم
﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قيل: الماضي، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ المستقبل، وقيل على العكس من ذلك، وهذا الاختلاف لاختلاف تصور ما اعتبر به الخلف والقدام، ولهذا يقال: خلفت كذا لما قضيته، وخلفي كذا لما لم تفعله بعد، وعلى ذلك قيل: وراءهما: الخلف والقدام، وقيل: ﴿ما بين أيديهم﴾: الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة، وقيل بالعكس من ذلك، وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: المحسوس، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ المعقول، وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ المحسوس والمعقول، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الغيوب التي لا سبيل للإنسان إلى معرفتها، والكرسي في تعارف العامة اسم لما يقعد عليه، وهو في الأصل منسوب إلى الكرسي أي الملبد، والكراسة للمتكرسة من الأوراق، والكروس، للمتراكب بعض أجزاء رأسه على بعض لكبره، والكرياس: الكنيف المكرس بالفناء إلى السطح، وروي ابن عباس: أن الكرسي: العلم، وليس ذلك بتعبد من حيث الاشتقاق نسبة إلى الأوراق التي تثبت فيها العلوم، كقولك: كراسي، وقيل: كرسيه: أصل ملكه، وكراسي القوم معتمدهم، وأنشد:
تخفُّ بهمْ بيضُ الوُجُوهِ وَعصْبةُ....
كراسيُّ بالأحْداثِ حينَ تثوُبُ وقيل: كرسيه: مملكته، وقيل: اسم الفلك المحيط بالأفلاك، ويشهد لذلك ما روي أبو ذر عن النبي - ﷺ - قال: (ما السماوات السبع في جنب الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (الكرسي لؤلؤة طولها لا يعلمها العالمون، وأعظم من سبع سماوات وسبع أرضين، وهو من خير الجوهر) وعن ابن عباس أن رجلاً أتاه، فسأله ثلاث مرات عن هذه الآية، وعن قول الله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ سموات﴾ فلم يرد عليه شيئاً فلما خف عنه الناس، قال له الرجل: ما منعك أن تجيبني؟
فقال: " وما يؤمنك إن أخبرتك أن تكفر؟ سماء تحت أرض، وأرض فوق سماء، مطويات بعضها فوق بعض، يدور الأمر بينهن "، والخبر الأول يدل أن جوهر الكرسي والسماء أشرف مما عرفناه، والخبر الأخير يدل على أن الفلك كروي، وما روى أن الكرسي موضع القدمين، وأن له أطيطا كأطيط الرحل الحديد فصحيح، ومعناه لا يخفي على من عرف الله عز وجل - وعرف الأجرام السماوية ومجازات اللغة، ونظر من المعنى إلى اللفظ لا من اللفظ إلى المعنى، ومن لم يعرف ذلك فحقه أن يسلم اللفظ للرواية دون تكذيب الآية، ويترك الخوض فيما لا يعلم إتباعاً لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وليس في إثبات الكرسي له إثبات كونه جسماً محدوداً، كما أنه ليس في إثبات البيت له إثبات كونه ساكنة وليس في نسبة القدم إليه إثبات جارحة، كما أنه ليس في قوله - عليه الصلاة والسلام في وصف أولياء الله عز وجر - " أكون سمعه الذي يسمع به، وعينه التي يبصر بها، ويده التي يبطش بها " إثبات جارحة، و " لا يؤوده " - لا يثقله أصله من الأول العوج، ولما جرت العادة أن متحمل الثقل يعوج في الممر استعير (أده) كذا للثقل، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ معناه: الله هو الذي يحق له العبادة لا غير، وقيل: الله الذي ولهت الأشياء كلها له، وذاك أنه ما من إنسان مؤمن وكافر، بل ما من حيوان إلا إذا نابته نابية شديدة اعتمد عليه، ووله إليه، ولهذا قيل: " الله محبوب الأشياء كلها إما بطبعها، وإما بقصدها، وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ تأكيد لما اقتضاه الحي القيوم - تنبيهاً أنه وإن شارك الأحياء في الاسم، فقد فارقها في الحقيقة، إذ كان سائر الأحياء لا ينفك من غفلة ونوم..
إن قيل: كيف خص بملكه ما في السماوات والأرض، وذلك يوهم أن ليس له السماوات والأرض؟
قيل: لم يرد بقوله (في السماوات والأرض) معنى الشيء في الوعاء وفي المكان، وإنما يريد ما تركب منه السماوات والأرض من الجواهر والصور والأعراض والصنع، فصار ذلك من وجه أبلغ من قولك (له السماوات والأرض)، إذ قد يحصل للمالك ما ليس بمصنوعه، على أنا لو نظرنا من حيث نظرت، لم يكن يقتضي ذلك ما ذكر، لأنه لما قصد تعالى تعريفنا قدرته، ذكر لنا ما يمكننا إدراكه لنستدل به على ما لا نعرفه والإحاطة بالسماوات والأرض لا سبيل لنا إليها، وقد تقدم آنفاً حقيقة الشفاعة، وذكر مستحقيها، وأن ذلك لمن كان منه تقصير في العلم والعمل، غير أنه لم يخرج عن خطر الشريعة وعن الائتمار لرسل الله وخلفائهم من أهل العلم في الاعتماد الوصول وكون ما جاءوا به حقاً، وهم الذين أذن تعالى في الشفاعة فيهم، وعناهم بقوله:
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ نفى تعالى عنا الإحاطة بشيء من علمه، وكيف يمكن لنا ذلك، وقد علم أن المحيط بنا علماً، كما قال - عز وجل: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ومن المحال أن يكون المحيط بكل شيء يحيط به شيء، وقوله: ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾ على وجهين: أحدهما مما يعلمه، وهو ويكون العلم مضافاً إلى الفاعل، والثاني: أن يعلمه الخلق ليكون مضافاً إلى المفعول به، أي لا يحيطون أي يعلموه تنبيهاً أن معرفته على الحقيقة متعذرة، بل لا سبيل إليها، وإنما غايتها أن يعرف الموجودات، فيتحقق أن ليس إياها، ولا شيئاً منها، ولا شبيهاً بها، بل هو سبب وجود جميعها، وأنه يصح ارتفاع كل ما عداه مع بقائه تعالى، وبهذا النظر قال أبو بكر - رضي الله عنه - " سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته "، وقال بعض الأولياء: " غاية معرفة الله أن تعلم أنه يعرفك لا أنك تعرفه "، ولهذا قيل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ وقال أمير المؤمنين:
" تجلى لعباده في القرآن من غير أن يروه، وأراهم نفسه من غير أن يتجلى لهم "، وقوله: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: إلا بما شاء أن يقفهم عليه من القليل الذي قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ثم أكد بما فيه عليه بقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ بقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي إذا كان علمه ومملكته وقدرته محيطة بهذه الأشياء والإنسان بعض هذه الأشياء، فكيف تصح إحاطته بمن هو محيط بهذه الأشياء وهو يعجز عن الإحاطة بها، والعلي هو القاهر فوق عباده، وقيل: العلي عن النظير، وقيل: القادر على حفظه، وقيل: القائم به، وكل ذلك راجع إلى التنبيه على قدرته وسلطانه وأن ما عداه مستحقر بالإضافة إليه.
البقرة 2:256
قوله - عز وجل:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية: (٢٥٦) - سورة البقرة.
الغي كالجهل، إلا أن الجهل يقال اعتباراً بالاعتقاد والغي اعتباراً بالأفعال، ولهذا يقال: الجهل بالعلم، والغي بالرشد، ويقال لمن أصاب رشد، ولمن أخطأ غوى، وعلى هذا قال الشاعر:
ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً
والطاغوت وزنه (فعلوت)، نحو جبروت وأصله طغووت، لكن قلب لام الفعل نحو: صاعقة وصاعقة، ثم قلب الواو ألفاً لتحركه وانفتاح ما قبله، ويسمى كل ما يصرف عن الله عز وجل - طاغوتاً وشيطاناً كان أو إنساناً، ولهذا روي عن عمر ومجاهد وقتادة أنه الشيطان، وعن ابن جبير أنه الكاهن، وعن أبي العالية أنه الساحر، وعن غيرهم أنه صنم، وقيل: هو المارد من الناس والجن، وكلهم صارفون للإنسان عن طريق الحق، وقد تقدم أن النهي عن أتباع الطاغوت والشيطان، وإبليس والهوى والدنيا يجري مجرى واحداً في أن المقصد به النهي عما لا يرضاه الله، وقوله:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾، كقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ وعلى ذلك حث بقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾ وقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ والكره يقال على ضربين: أحدهما أن يكون مفسراً من خارج، وذلك على أحد الأوجه الثلاثة، إما بأن يهدد بالضرب أو يضرب حتى يفعل، وإما أن تؤخذ يده فيفعل بها، فيكون في هذا كلالة، وإما أن يدعوه من يزينه في عينه، والثاني: ما يكون مفسراً من داخل، وذلك إما بخوف يستشعره، وإما بهوى يغلبه، وقد روعي كل ذلك في تفسير الآية، فقيل فيه أوجه:
الأول: إن ذلك حث على أن لا يحمل الإنسان على الدين بالقسر، بل يعرض عليه الإسلام عرضاً ويعرف فضله، فإن قبل: وإلا ترك؟ قيل: وهذا حكم كان في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بسورة براءة، وذلك عن السدي، وابن زيد، والثاني: نحو ذلك، غير أنه خص بمن قبل منهم الجزية دون مشركي العرب، وذلك عن الحسن، وقتادة، والضحاك، وعلى هذين معناه: أمن، والثالث: أن قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ﴾ لا اعتبار بالإكراه في الأحكام الدنيوية، فالمكره على الإسلام، وغير المكره سيان بعد أن يلتزما.. والرابع: لا حكم للكفر لمن أكره على الكفر، والدين يكون لغير الحق على هذا نحو ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.
الخامس: لا اعتداد في الآخرة بما يفعل الإنسان في الدنيا من الطاعة كرهاً، وكرهاً، فإن الله يعتبر السرائر ولا يرضى إلا الإخلاص، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:
" الأعمال بالنيات " وقال: " أخلص يكفك القليل من العمل ".
السادس: ليس يحمل الإنسان على أمر مكروه في الحقيقة بما يكلفهم الله، بل يحملون على نعيم الأبد، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: " عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ".
السابع: أن الله تعالى ليس بمكره على الجزاء، بل يفعل ما يشاء بمن يشاء على ما يشاء، والاستمساك طلبك إلى الغير ليمسك كالاستحفاظ والاستنصار، و ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ مستعارة للعبد المركون إليه كالحبل في نحو:
أخذت بحبل من حبال محمدٍ....
أمنتُ به من طارق الحدثان
البقرة 2:257
ونحو:
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم....
شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
فقول من قال: العروة الوثقى الإسلام، وقول من قال: " لا إله إلا الله، وقول من قال: الثواب: الجنة، فنظرات منهم إلى مبتدى الدين ومنتهاه، وكله صحيح.
قوله - عز وجل:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الآية - (٢٥٧) - سورة البقرة
الولي: كون الشيء بجنب الآخر، ويعتبر ذلك تارة بالمكان، فيقال له الولاية وتارة بالنصر فيقال له الولاء والموالاة، لكن الولاء على ضربين باعتبار نسبة الأعلى إلى الأسفل، وضرب باعتبار نسبة الأسفل إلى الأعلى، ولهذا يقال للخادم والمخدوم مولى، وولي، لأن كل واحد منهما يوالي الآخر الخادم بالطاعة والنصيحة، والمخدوم بالإشفاق، والكناية، وقال: أهل اللغة: المولى المالك، والمملوك والمعتق والمعتق والناصر والمنصور وابن العم والحليف والجار والقيم، وأخذوا في كل ذلك المتطابقين، لكون كل واحد مهما موالياً للآخر بوجه.. والنور: عبارة عن العلم والإيمان والظلمة عن ضدهما، ووجه ذلك أنه لما كان للإنسان نظرات بنظر وتبصر، ويرى بهما البصر الحاس في الرأس والبصيرة في القلب، فكما أن البصر لا يستغنى في إدراك ما يدركه من المعقولات عن نور يمده وهو نور التوفيق والإيمان، ويقال لفقد البصرين عمى، ولفقد النورين ظلمة، وأعظمهما ضرراً فقد البصيرة ونور العقل، ولهذا قال تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فلم يعد فقد البصر عمى.
بالإضافة إلى فقد البصيرة، وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وقوله: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني بذلك كلا النورين والظلمتين،
إن قيل: وهل هذا النور موهبة أو مكتسب؟
قيل: لا شك في كونه موهبة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ لكن فيه للاكتساب حظ، فإن ابتداء ما يحصل ذلك للإنسان كشررة، متى لم ترع همدت، وإذا روعيت زادت، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ بين تعالى إن الله عز وجل - يوالي المؤمنين بأن يوفقهم ويهديهم، وهم يوالونه بأن يشكروه ويعبدوه، كما قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فهو يخرجهم من الجهل والكفر إلى العلم والإيمان والثواب والكافرون، يواليهم الشيطان في إخراجهم إلى أضداد ذلك
إن قيل: لم قال: أولياؤهم وما يفعل بهم الطاغوت هو بالمعاداة أشبه منه بالموالاة؟
قيل: لعمري إن ذلك نهاية المعاداة وتسميته بالموالاة أولى لمقابلة اللفظ، وثانياً: لتحريهم ما يقع بوفاقه، وميلهم إلى حزبه، فجعله موالاهم في اللفظ لا في الحقيقة، ألا ترى أنه قال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} فسماه عدواً، وعلى حد جعله أوليائهم جعلهم حزبه في قوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ وقال للمؤمنين: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
إن قيل: فكيف قال ها هنا: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ وقال في آخر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾.
قيل: إن من وليه الشيطان، فلا ولي له، ولا فرق بين أن يقال: وليه من نصره، وبين أن يقال: لا ولي له، وقول من قال: الله ولي المؤمنين بتوفيقه وعصمته، ومن قال بإقامة البرهان لهم، ومن قال بنصرته على عدوهم، وإظهار دينهم على دين مخالفيهم، من قال بثوابهم، فكله صحيح ومراد، لأن ذلك متلازم، وإنما اختلفت العبارات عليهم بحسب النظرات ونحو ذلك في استعمال النور والظلمة في العلم والجهل والإيمان والكفر..
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية.
إن قيل: كيف؟ قال (يخرجونهم من النور إلى الظلمات) وقد قلت: النور: العلم والإيمان، والكفار لم يكونوا في هذا النور، والإخراج عن الشيء يعد لكون فيه، قيل: إن الله تعالى خلق الإنسان على فطرة، ركز فيه العلم والإيمان بالقوة، وهو المعنى بقوله: (فطرة الله)، و (صبغة الله)، وقول النبي- عليه الصلاة والسلام: " كل مولود يولد على الفطرة "، والإنسان متى أهلك نفسه وأفسدها بالهوى والتدليس بالجهالات، فقد أخرج من النور إلا الظلمة، وقال الحسن إخراجه إياهم منعهم من الدخول فيه كقوله: ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ﴾ فجعل صيانتهم من العذاب كشفنا عنهم، وروي عن مجاهد أن ذلك في قوم ارتدوا عن الإسلام، وقيل إن ذلك نزل في قوم كفروا بعيسى ثم آمنوا بمحمد- عليهما الصلاة والسلام- فأخرجهم الله من الظلمات إلى النور، وقوم آمنوا بعيسى- عليه الصلاة والسلام-، ثم كفروا بمحمد- عليه الصلاة والسلام-، فأخرجهم الطاغوت من النور إلى الظلمة...
إن قيل: لم قال: يخرجونهم بلفظ الجمع؟
قيل: قد قال بعضهم: الطاغوت يقع على الواحد والجمع كالفلك، ووجه ذلك من حيث المعنى أن الطاغوت إشارة إلى المضلات من الشيطان والهوى وسائر ما يضل، وقد قال بعض الحكماء ما هو كالتفسير، لذلك إنه متى يخالف العقل والهوى شيئا ما، أعنى: مؤلماً- جميلاً وملذاً فضيحاً، يبادر الملك إلى نصرة العقل، فيصير من حزبه، والشيطان إلى نصرة الهوى، فيصير من جنده وإن استشار صالحاً من عباد الله، أشار عليه بمقتضى العقل، وإن استشار شريراً أشار عليه بمقتضى الهوى، ولذلك قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾
البقرة 2:258
إن قيل: كيف نظم هذه الآية مع ما قبلها؟
قيل: لما قرر عظمته بالآية المتقدمة، بين في هذه أن الذي له العظمة هو مولى المؤمنين تشريفاً لهم، وتعظيمه لمكانتهم، وأن الشيطان مولى الكافرين تدليلاً لهم، فقد قالت العرب:
" أشرف الموالي لي أشرفهم سيداً، أكرم السائلين أكرمهم مسؤولاً ".
وعلى هذا قال الشاعر:
يضع الزيارة حيث لا يزري بنا...
شرف المزور ولا بحسب الزور
قوله- عز وجل:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
الآية: (٢٥٨) - سورة البقرة.
المحاجة: المقاومة في إظهار الحجة، أي محجة الرشد، والشمس اشتق عنها شمس فلان إذا نفر تشبيها بالشمس التي لا يمكن أن يقبض عليها، وعلى ذلك قوله:
كالشمس ضوؤها قريب ولكن في تناولها بُعْدُ وقيل: شمس إذا عادى..
وذاك أن حقيقة المعاداة تنافر طبع المتعاديين بعضلها من بعض من عداه إذا تجاوزه، والشمسة في القلادة تشبيها في الحسن والهيئة، والبهت أن تفعل بالإنسان ما يحيره، وسمي الكذب المستقبل به الإنسان بهتانا، لتحير صاحبه فيه..
والذي حاج إبراهيم في ربه، قيل كان نمرود بن كنعان، وكان قد ملك الدنيا، ويقال: إنه ما ملكها إلا أربعة مؤمنان: وهما سليمان، وذو القرنين، وكافران: نمرود وشداد..
إن قيل: ما الذي ادعى هذا الكافر؟
ادعى نفي الخالق؟ أم ادعى لنفسه الربوبية؟ أم الأمرين؟ فإن ادعى الربوبية، فعلى أي وجه ادعى، فبعيد أن يزعم من وجد بعد أن لم يكن أنه موجد الخلائق...
قيل: قد ذكر المخلصون في ذلك وجهين، أحدهما: أن هذا الكافر نمرود، وكان الناس حينئذ يعظمون ملكهم حتى كانوا يسمونه الرب والإله، ولهذا قيل: (الله رب الأرباب وإله الآلهة)، وكانوا يدعون له أفعالاً ألاهية تقصر قدر البشر عنها، وقد حكى الفرس عن ملوكهم شيئاً كبيراً من ذلك كما ادعوا لكن خسرو أنه ألجأة عدو له إلى سفح جبل، فحملته الملائكة، وأن شابور لما حارب التنين، فأظلم عليه الدنيا، أنزل عليه نارا، فصارت على عرف فرسه، فاستضاء بها حتى قتل التقين، وكان نمرود لما طغى سام الناس أن يعبدوه عبادتهم لله، إذ هو بزعمهم سايسهم، وملكهم، وربهم، وإلأههم، فهذاك أحد الوجهين، والثاني: أنه كان يذهب مذهب من يقول بالحلول، أن الباري- تعالي عن ذلك- يحل في أشخاص الأئمة حسب ما ادعى بعض المتنصرة وبعض المتشيعه الملحدة، وكان نمرو يدعي الربوبية على أحد هذين الوجهين، لا أنه ينكر رب العزة... إن قيل: ما الذي حاج إبراهيم؟
فإن المحكي عنه ليس بأكثر من ادعى إبراهيم دعوى، فعارضه بمثلها فانتقل إلى دعوى أخرى، وإن كان ما ذكره إبراهيم ثانية حجة، فهلا كان يعكس عليها ويقول: فليأت ربك بشمس من المغرب، فإن الآتي بها من المشرق حتى كان لا يبهت، قيل: قد تقدم أن ما يمكنه الله عن الأمم لا يكاد يستوفي القصة من أولها إلى آخرها، بل يورد نكتة، ويشير إليها إشارة وهو لم يستوف ذكر ما حاجه به كله، وقد تقدم أن نمرود لم يدع أني شخص وحشي موجد السماوات والأرض، وإنما كان ذلك على أحد الوجهين المتقدم ذكرهما، وكان قد ادعى أن كل ما هو داخل تحت قدرته، فهو أو مثله أو قريب منه داخل تحت قدرتي، فقال إبراهيم: ربي الذي يحي ويميت فقال أنا أحي وأميت، فأخرج رجلين من الحبس، فخلى أحدهما، وقتل الآخر، فقال: هذا أحياه وهذا أماته، وقد كان إبراهيم يمكنه أن يزيد أن الذي ادعاه لربه ليس هو الجنس الذي ادعيته لكن عدل إلى فعل ليس في طرق البشر هو ولا قريب منه ولا ما يشاركه اسما، مقال، قد ثبت باتفاق أن الله يحرك الشمس من المشرق، فحرك أنت تحريكاً من المغرب، فلم يجد شيئا يدعيه كما ادعي في الأحياء والإماتة، فبهت حينئذ، وظهر عجزه إذ لم يكن من جنس إطلاع الشمس وإغرابها شي ممكن للملوك كما ادعي الإحياء والإماتة، ولم يمكنه أن يعكس ذلك، فقد كان أقر بالباري، وإنما كان يدعي أنه يفعل فعله،
إن قيل: أليس العدول من حجة إلى حجة يعده أهل الجدل انقطاعاً؟ فما وجه ما فعل إبراهيم؟
قيل: أما أولاً، فما ذكره إبراهيم كان معارضة، وذاك أن الكافر ادعي أن في وسعه أن يفعل كل جنس من الفعل يفعله الباري- عز وجل، وذلك ادعاء حكم موجب كلي، والكلي ينقض بالجزئي، نحو أن يقال: كل إنسان كاتب، فمتى وجد إنسان شرير كاتب فقد ظهر كدبه، وللمعارض إذا أراد المناقضة أن ينتقل عن مثال خفي إلى مثال جلي، ولا يكون ذلك منه انتقالاً، وهذا باب قد أحكمه أهل الجدل، على أن ذلك لو كان ابتداء حجة، لم يكن على شرط أهل النظر بمذموم، فالحجج الجدول عليما ضربان. حجة يذكرها، ثم يتركها لظهور فسادها، وذلك مما لا يرتضيه أهل النظر وحجة يذكرها، فيقصر فهم سامعها عن إدراكها، أو يكثر مشاغبته فيها، فيعدل عنها إلي ما هو أوضح، إذ كان كل يتبين الحق وإزالة الشبهة، وهذا ليس بمذموم، وقوله: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ قال بعضهم: أراد إبراهيم لأن الله تعالى لا يؤتي الملك الكفرة، لأن ذلك مفسدة ينزه الله تعالى عنها، وأكثر المفسرين على أنه النمروذ وذاك أن السلطان من الأغراض الدنيوية، كالمال، والجاه، والأولاد، وذلك مما يؤتي المؤمن والكافر امتحانا واختباراً...
إن قيل: أليس قلت: إن الملك اسم لما فيه العدالة، فكيف يصح أن يقال ذلك لما يتوارد للكافر؟
قيل: إن الملك الحقيقي الذي يجوز للإنسان المتسمي به هو ذاك لكن الناس يستعملونه فيمن يتسلط على الناس على أي وجه كان فتسمية الله تعالي إياه بذلك إنما هو على زعمه، وزعم أتباعه، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ فسماه عزيزاً لا بالحقيقة لكن على ما كان يتسمى به...
إن قيل: كيف قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، والظالم أولى بأن يُهدى؟
قيل: قد تقدم أنواع الهداية وأحوالها، وأنه قد يراعى في إطلاقها مبدؤها تارة، فتستعمل في الجميع الذي يمكنهم الاهتداء، وعلى ذلك قال ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، ومرة يعتبر منتهاها الذي هو الاهتداء، فيقال: " هدي الله المؤمنين "، وعلى هذا قوله تعالي: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ فقوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يقبلون منه هدايته لهم، وإذا لم يقبلوا منه لم يعطهم، وإذا لم يعطهم فهو لم يهدهم، وأيضا فالظلم هاهنا مناف للهداية، فإنه جحود ألاء الله، والامتناع من قبولها والهداية تقتضي تحري العدالة، فإذا الهداية والظلم
البقرة 2:259
كالمتضادين لا يجتمعان...
إن قيل: لم أفرد النور وجمع الظلمة، قيل: لما كان النور عبارة عن الحق، والحق من حيث ما هو حق شي واحد لا يتنافى ولا يتناقض، والباطل من حيث ما هو باطل يتضاد ويتعاند صار فيه كثرة، ولهذا شبه الحق بالمقرطس من المريء في أنه واحد واحد، والخطأ ما عداها وهو كثير بلا نهاية، فلذلك أفرد النور وجمع الظلمة...
قوله تعالي:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
الآية (٢٥٩) - سورة البقرة.
الخو: خلو الوعاء، يقال: خلت الدار، تخوي خواء، وخوي النجم وأخوى إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر تشبيهاً بذلك، وأخوي أبلغ من خوي، كما أن أسقي أبلغ من سقى، وخوي جوف فلان خوي، والتخوية: ترك ما بين الشيئين خالياً...
والعرش: ما ارتفع من البناء، ويقال ذلك للسقف والسطح، وسمي السرير به تشبيهاًَ، أو عبر به عن أمر الإنسان، وقيل: استوى عرشه، وتل عرشه، والتعريش بناء ذلك وبه شبهه تعريش الكرم، وسمي المعررش منه عريشاً، وقيل: عرش الحمار إذا رفع رأسه وجعله كعرش، وعرشان الفرس شعر عرفه تشبيها بعريش الكريم...
والعام: مدة تعوم الشمس في أفلاكها المختصة بها، وذلك اعتبارا بنحو ما قال- عز وجل- ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ والاعتيام اختيار الشيء، وأصله أن يسير الإنسان كسابح فيه يتناول ما يريد. ولهذا قال الشاعر
وكنت في نعمائه سابحاً..
والحمار سوي للونه اعتباراً بعامة جنسه، لأن الوحشيات منها، وكثيرا من الإنسيات حمر، فسمي بذلك كما سمي العجم حمراً، والعرب سوداً، لكون أكثرهم كذلك، وحمار السرج، والحمارة لحجر عظيم تشبيها بالحمار في المهيئة، والحمرة: طائر أحمر اللون، وحمارة القيظ، أشد ما يكون حراً تشبيهاً بالجمر المتوقد لوناً، والنشز من نشزك الثوب، ونشز الريح العرف، وقاره تعدي نشر، ومصدره الناشر كقوله تعالي ﴿يين بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، وتارة لا يعدي، ومصدره النشور، كقوله- عز وجل- ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾، ويقال: أنشره، كأنه جعل له نشراً، كقولك: (أسقاه: حبال له سقياًَ، ونشر الخشب، تشبيهاً بذلك، لجعل أجزاء الخشب منشورة، وإذا قرئ " ننشزها " فمعناه: نرفعها من النشز، أي المرتفع من الأرض، ومنه نشوز المرأة أن تطيح ببصرها إلى بشر صارفة له عن زوجها.
كقول الفرزدق:
إدا جلست عند الإمام كأنها
بها رفقة من ساعة يستحيلها وكقول الأخر:
إذا الليل عن نشز تخلى رميته
بأمثال أبصار النساء القواري
قوله: " لم يتسنه ": أي لم يتغير بمرور السنين عليه، وذلك من لغة من يجعل المحذوف من السنة الهاء (سينهه وسانهه)، وقيل هو من " سانيت "، والهاء للاستراحة، وعلى هذا يجب أن يحذف إذا وصل الكلام كذا، على قول من قال: المسنون: المتغير، ويقال: يتسنى، وأصله يتسنن فعلت تخفيفاً، كقوله:
" تطنيت، وتعضيت، وتسريت "
إن قيل: ها الذي شبه بالذي مر على قرية؟ وعلى ماذا عطف؟ قيل: قد قال بعضهم: إن ذلك متعلق بما بعده، وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾، ودلك بعيد لفضل " وإذ " بينهما، وقيل: الكاف زائدة، وليس بشيء والوجه أن الكاف ههنا ليس للتشبيه المجرد بل هو للتحديد والتحقيق كما هو في قولك الاسم كزيد وعمر وعلي أنه وإن جعل للتشبيه، فعلى سبيل المثل والمشبه غير مذكور، كما أنه غير مذكور في قولهم كالمهورة إحدى خدمتيها، ويحتمل أن تكون الآية من كلام إبراهيم معطوف على ما تقدم، وهو أنه لما قال للكافر: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، قال له بعد: ﴿أوَ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾، أي إن كنت تحي فأحي كما أحيا الله وصفه في هذه الآية..
ويحتمل أن تكون آية مستأنفة، وضرب الله مثلين لشيئين أحدهما في ادعاء الربوبية، وهو ما تقدم، والثاني في إنكار البعث، وهو هذه، ويكون في قوله: ﴿كَالَّذِي﴾ في موضع الجر على ما تقدم، كأنه قال: (وألم تر إلى الذي حاج.. ) إلى مثل الذي مر على قرية،
فإن قيل: فهل في تخصيص القصة الثانية بحرف التشبيه، وإخلاء الأولى منه فائدة؟
قيل: بلى، فإن ادعاء الربوبية إنما قل في الناس، حتى إنه لم يعهد ذلك إلا في نفس أو نفسين وقال: (ألم ترى إلى الذي) والتشكل في الإحياء، من الجم الغفير، فنبه بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ﴾ تنبيهاً أنه نظر إليه وإلى مثاله، وجعل نالك مثلاً لمن نحى نحوه كقولك للكافر: كفلان، فتأتي بواحد على سبيل المثال، ولما ذكر تعالي إخراجه المؤمنين من الظلمات إلى النور، جعل اعتبار ذلك هذين، كأنه قال اعتبران تثبيت إبراهيم وإخراجه له من ظلمه الكفر إلى الإيمان مما جعلت له من الحجج، وإن شئت فيمن أخرجته من شبهة البعث بما جعلت، له من العيان، والذي مر على القرية، قيل كان عزيزاً عن قتادة والربيع، وقيل: " كان أرمنينا عن وهب، وروي أنه مات ضحى وبعث قبل غروب الشمس بعد مائة عام، وقيل له: كم لبثت؟
قال: لبثت يوما، فلما نظر إلى الشمس قال: أو بعض يوم، وقيل: بدأ تعالي بعينيه، فنفخ فيهما، ثم بعظامه، فأنشزها، ثم وصل بعضها ببعض، فنظر إلى حماره، وأجزاؤه تجئ من سهل وجبل، حتى اجتمعت فاتصل بعملها بعضها، وكسى لحمه، وجرى فيه الروح، فقام ينهق، فقال: أعلم: أي اعترفت بقدرة الله تعظيماً لف، ومن قال: أعلم، فقد قليل: هو من قول الله عز وجل- له، وقيل: هو من قوله وقد خاطب به نفسه على طريق التبكيت، وقال بعض الناس بعزوه إلي بعض الأئمة أن الإشارة بالإحياء والإماتة إلى العلم والجهل، ومعنى القرية الرجال، بدلالة قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾، وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ وقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وجعل الخوى حلواً ينم
البقرة 2:260
عن العلم والإيمان، وكذلك الإماتة والاحياء، إفادته العلم والإيمان، نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وقوله تعالي: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ الآية، قال: وكان قد رأي قوماً متناهين في ألبعد عن العلم والإيمان، فاستبعد رجوعهم إلى الحق، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ أي: أني يفيدهم الإيمان، فأماته الله مائة عام، ثم أحياه، وأعلمه أن الذي يقدر على إحياء الرمم عن الموت الحيواني لقادر على إحياء النفس الميتة بالجهل...
قوله- عز وجل: -
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
الآية (٢٦٠) - سورة البقرة.
الاطمئنان: السكوت، واطمأن، وتطامن يتقاربان لفظاً ومعنى من مكان مطمئن...
قيل: ويدل على ذلك أنه قال في مكان أخر (مخبتين)، والمخبت: المطمئن من الخبت، أي المطمئن من الأرض، وطار، وطير، نحو راكب وركب، و " تطايروا " أي تفرقوا، استعارة وفجر مستطير، وغبار مستطار، خولف بين بيانهما لاختلاف التصورين في كون الفجر فاعلاً والغبار مفعولاً وفرس مطار يقالك للسريع، ويقال لجديد، الفؤاد كأنه أطير فلبه، كقولهم شهم ومروع وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ أي ما يدمن أفعاله وصرته أصوره، أي أملته وصرته: قطعته صورة صورة، وقيل: صرت، وصرت: لغتان، والصوار سمي اعتباراً بالقطع كالقطيع والصرمة والصور النخل الصغار، إما لانقطاعها عن لحوق الكبار، أو كأنها مقطوعة في نفسها، والصور قيل: سمي لأن فيه صور الناس كلها وقيل: بل لإعادة الصورية، وذكر أبو بكر النقاش المقرئ أنه قرئ (فصرهن) بضم الصاد وتشديد الراء وفتحها من الصر، أي الشد، ومنه الصرة، وقال: قد قرئ (فصرهن) بكسر الصاد وفتح الراء وتشديدها من الصرير من الصوت أي، صح بهن وروي أن إبراهيم مر على ساحل البحر بميتة، والسباع والطيور والحيتان يتوزع لحمها، فتفكر، فسأل الله تعالى إحياء مثله فأمره تعالى أن يأخذ أربعة طيور فيقطعها فيخلطها لحومها وريشها، ويبددها على جبال (خزاجرا) ثم يدعوها، ففعل ذلك، فاجتمعت كلها، فتبين إبراهيم ما اعتراه فيه الشبهة وقال بعضهم:
أمره أن يأخذ أربعة طيور، فيضعهن على أربعة جبال ومعنى لجزء واحد منها، ثم يدعوها فتجتمع لديه، فأشار إلى أنه كاجتماع هذه الطيور لديك كذلك يجتمع من الجوانب الأربع الأموات قال، ولو كان (فصرهن) قطعهن، لما قال: إليك لأن ذلك لا تعدي بالباء..
إن قيل: لم لما سأله إبراهيم، أراد ذلك على أقرب الوجوه لما سأله عزير، أماته مائة عام حتى تفرقت أوصاله ونخرت عظامه.
قيل قد ذكر بعض الصوفية أن إبراهيم كان خليلا فمجاز له أن ينبسط لما سلف له من قدم صدق، فلما سأله ذلك، أعطاه سؤله، في الوقت على أقرب الوجوه ولم يكن العزير من الخلة ما يجوز هذا الانبساط قلما أقدم أبلاه الله تعالى في نفسه، وأراه ذلك في ذاته، ولأن إبراهيم تضرع وسأل وقال أرني، وغيره أخرج الكلام مخرج المنكر المتعجب من قدرة الله عز وجل وقال: (أني يحي) ولا يخفى ما بين اللفظين من الضراعة والغلظة، ولهذا ختم آية عزير بقوله: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وآية إبراهيم بقوله ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقال الأصم: تفهموا عن الله حجج الرسل، إن عيسى كان يحي الموتى بإذن الله ويريه العباد ليثبت بذلك رسالته ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله) وإبراهيم كان يطلب أن يرى ما كان عيسى يريه قومه قال وفي هذا دليل أن الله لله عز وجل منع بعض الرسل من الآيات ما أعطاه بعضا.
إن قيل إن كان إبراهيم في هذه الحال شاكا في البعث فلم لما قيل له ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾، والشاك في الشيء لا يجوز أن يكون مؤمنا به وإن كان موقنا فلا معنى لقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فلا اضطراب للقلب مع اليقين، فإذا هذا قول متناقض قيل: إن إبراهيم كان موقنا بالبعث أنه كائن للاستدلال أولاً، وللوحي ثانيها وإنما التمس غاية التفسير وهو العيان الذي تنقطع عنده الخواطر كلها، فالخاطر ضربان، خاطر في ثبوت الشيء ونفيه، وخاطر في كيفية ثبوته، والأول يزول بالخبر والثاني لا يزول إلا بالعيان، وهذا هو حال إبراهيم وقيل: اليقين ثلاثة أضرب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين فعلم اليقين: ما وصول إلينا على سنة رسول الله - ﷺ - وعين اليقين: ما وصل إلينا بأنوار هدايته، وحق اليقين: ما اجتمع فيه الأمران، وبه تزول عوارض الخواطر عن جملته وتفاصيله وقيل: إن إبراهيم كان طلب كذلك لأن قومه سألوه وذلك كما قيل في سؤال موسى، حيث قال: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وقيل، إن نمرود كان ممن يعتمد المحسوس، ولما قال له إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قال له: أرأيت ذلك بحاستك؟ فعدل إلى غيره من الحجج إذ لم يكن يمكنه أن يدعي عيان ذلك ثم سأل الله بعد ليريه ليمكنه أن يخبر به، وقيل: إن إبراهيم أحب أن يريه الله إحياء نفسه معراة من الأصل والزنا والفحش والحرص فبين الله أن ذلك لا سبيل إليه بأدلة الإنسان في هذا العالم، ومخلوق خلقه للتكليف، وأمره أن يأخذ أربعة من الطير، نسرا: إشارة إلى طول الأمل، وطاوسا: إشارة إلى زينة الدنيا، وغرابا: إشارة إلى الفحش النفسي، وديكا: إشارة إلي الحرص، وقال: قطعهن ووزعهن على جبال، ثم صرهن، فقد عادت إليك إشارة إلى أن هذه القوى وإن اجتهدت في إفنائها، فلا سبيل إلى إزالتها مادامت في دار الدنيا، وقيل: إن إبراهيم لما رشد للرسالة وإرشاد البرية ورأي قوماً في نهاية الجهالة والكفر، استعظم رجوعهم إلى الحق، فقال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أي ترشد الضلال الذين هم كالموتى، وأراد كيف أحيي، ولكن نسب الفعل إلى الله - عز وجل - على طريقة ما تقدم أن أولياء الله - عز وجل - يتحرون في أفعالهم - رضى الله لله ويرون أفعالهم فعله، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه عنه - عز وجل - (حتى أكون عينه التي يبصر بها)، ولأن الأفعال المحمودة للعباد كلها منسوبة إلى الله من حيث أنه سبب إيجادها، ولهذا قال: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾، فعلى هذا معنى " أرني كيف تحيي الموتى " أي: كيف حال ما أمرتني به، وبعثتني فيها فقال له أولم تؤمن، أي أو لم تتحقق أنك ستهدى لذلك؟، فقال: بلى، ولكن أريد ما أسكن إليه في أن تجاب دعوتي، فقال: خذ أربعة من الطير، إشارة إلى قلع هذه القوى من نفسك وسمى بذلك كل موتان الفؤاد كالجبل فليس يعسر عليك ذلك..
" والله أعلم بالصواب "..
إن قيل: ما معنى قول النبي - ﷺ - في هذه الآية: " نحن أحق بالشك من إبراهيم ".
البقرة 2:261
قوله - عز وجل:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية (٢٦١) - سورة البقرة.
يقال النبت لما له نمو في أصل الحلقة يقال تنبت الصبي والشعر والسن وفلان حسن النية ويستعمل النبات فيما له ساق، وما ليس له ساق وإن كان في التعارف قد يختص بما لا ساق له، وأنبت الغلام إذا راهق، كأنه صار ذا نبتة وفلان في منبت خير كناية عن الأصل، والسنبلة فيعلة من السبل يقال: أسبل الزرع، وسنبل، من أصله السبيل وقد تقدم أن سبيل الله ليس بمقصور على الجهاد، بل هو لكل ما يتوصل به إلى الله عز جل، والمائة عدد معروف يقال: أماءت الدراهم وألفت وإمايتها وألفتها..
إن قيل: كيف تعلق هذه الآية بما قبلها؟ قيل: إن ذلك متعلق بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ وما بينه وبين هذه الآية، اعتراضات مرغبة للإنسان في فرضه من حث على قناعة هي أس الجود، وذكر عظمة المستقرض وإرشاد لمن يستقرض منهم، وبين في يده أن فرضه هو الإنفاق في سبيله وأن مضاعفته هو بأن يجعل للواحد سبع مائة وأنه يضاعف مع ذلك لمن يشاء مضاعفة لا يضبط عدها، ولا يعرف حدها..
إن قيل:
كيف قال في موضع: " يضاعف "، وفي موضع: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وقال هاهنا ما يدل على أنه يحادي بواحد سبع مائة، قيل: في ذلك طريقتان: إحداهما أن الخيرات تختلف باختلاف العالمين واختلاف نياتهما والثاني: أن تختلف باختلاف الأعمال فالأول: هو أن الناس فيما يتحرونه من أفعال الخير بالقول المجمل ثلاثة أضرب على ما قصد تعالى من ظالم ومقتصد وسابق أما الظالم: فالمتحري للخير مخافة سلطان ومذمة إنسان وتخويف عالم إياه من النار ونحو ذلك..
، وأما المقتصد: فالمتحري للخير مخافة عقاب الله ورجاء ثوابه من حيث ما قد تحقق وعده ووعيده، وأما السابق: فالمتحري للخير قصدا لوجه الله خالصا وثوابهم يختلف باختلاف مقاصدهم ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في السابقين حاكيا عن الله عز وجل - (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) الخبر.
والثاني.
وهو أن يختلف باختلاف الأعمال وبيان ذلك أن السخاء أفضل أفعال العباد بدلالة قول النبي - ﷺ -: " السخاء شجره من أشجار الجنة، أغصانها متدليات في الدنيا فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة، والبخل شجرة من أشجار النار، فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار "
وقيل لبعض الحكماء:
" أي شيء من أفعال العباد أشبه بفعل الله "؟
فقال: " السخاء، وأفضل الجود ما كان عن ضيق ".. ولهذا قال الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة...
حتى تجود وما لديك قليل
وقد علم أن أصحاب النبي - ﷺ - كانوا مضيفين سيما في ابتداء الإسلام وأفضل الإنفاق ما يقصد به وجه الله لعز وجل -، وأفضل ما يقصد به وجهه ما يجعل في سبيل الله، وأفضل سبيل ينفق فيه ما كان أكثره غنى، وقد علم أنه لا جهاد أكبر من جهاد النبي - ﷺ - ولا قوم أكفر ممن كان يحاد بهم ولا زمان أحوج إلى محاربتهم من زمانه وكل وأحد من هذه الخصال يجري مجرى فعل يستحق مثوبة محددة، فعظم الله تعالى أمر الإنفاق في سبيله في زمانه، وجعل له من الثواب ما لم يجعل لغيره من الأعمال، ووجه ثالث وهو أن الإنسان متى تحرى فعل الخير على ما يجب وكما يجب يدعوه ذلك إلى أن يزيد في فعل الخير فلا يزداد، حتى إنما يصير مثل ملك فيه الفضيلة وبازدياده في الإيمان وفعل الخيرات يزداد ثوابه، فحيث ما ذكر التضعيف، فأشار إلى الحالة الأولى وحيث ما ذكر عشرة أمثالها وسبعمائة فإلى الأحوال المتوسطات وحيث ما ذكر، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فإلى المنتهيات والغايات وأنها لا يحصرها عدد كما قال: عليه الصلاة والسلام: " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ".
البقرة 2:262
قوله - عز وجل:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية (٢٦٢) - سورة البقرة.
المن على ضربين: أحدهما ما يوزن به والأكثر منا بالتخفيف، والثاني قدر الشيء ووزنه، ومنه المنة، فإنها تستعمل على ضربين، أحدهما: اسما للعطية - لكونها ذات قدر بالإضافة إلى سائر الأفعال، وذلك لما تقدم أنفاً في صفة الجود وأنه أشرف فضيلة، والثاني: اسما لقدر العطية عند معطيها واعتداده بها، وهو المنهي عنه بقوله ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾، وقوله - عليه الصلاة والسلام: " والامتنان بالمعروف فإن ذلك مما يبطل الشكر ويمحق الأجر "، وقيل: " تعداد المنة من ضعف المنة "، والمنة تهديه للصنيعة، وللعطيه متى استعظمها المعطى فشكر منه، ومتى استعظمها المعطى، فهدم منه، فقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ يجوز أن يكون خبر ابتداء مضمر أي الذين مثل إنفاقهم كمثل حبة منهم الذين ينفقون أموالهم، ويكون قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ في موضع الحال ويجوز أن يكون " الذين " هذا يفسر " الذين " المتقدم ويكون الذين ابتداء وما بعده خبرا، وقوله: ﴿وَلَا أَذًى﴾ الأظهر الأكثر أنه معطوف على قوله: " منا "، وهو أعم منه لأن كل من أذى، وليس كل أذي منا، وقيل: هو أن يظهر المسئول تبرما بالسائل، نحو أن يقول: " أراحني الله منك "، أو: " من أبلاني بك " فعلى هذا قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ استئناف، وقوله: ﴿لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا﴾ تام، وقوله: " ولا أذى لهم " كلام مستأنف من صفة المعطى كأنه قيل: " الذين ينفقون ولا يمنون، ولا ينادون بالإنفاق، فإن تمام فضيلة المنفق في سبيل الله أن يصير سلس الطبع بالعطاء، مستلذاً، يصرف المال إلي الوجوه المحمودة "، كما روى أن من الرجل محموداً حتى يكون ما ينفق في سبيل الله أحب إليه مما تركه، وروي هشام بن عروة عن النبي - ﷺ - من أعطى عطية وهو طيب النفس بها بورك فيها للمعطي والمعطى ".
البقرة 2:263
قال بشار:
ليْس يعُطيك للرَّجاءٍِ وَالخوْ...
فِ ولكنْ يلذُّ طعْم العطاءِ
والبخيل يتألم بما يعطي غيره، فضلاً عما يعطيه هو، ولهذا قيل أن " الحر يعطي واللئيم يألم إسته ".
وقوله: ﴿أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ضمن ضمان يلي، وفي يؤمن إخلافه وإفلاسه، وقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ليس يراد به الخوف في الآخرة فقط، بل يريد مع ذلك الخوف الذي ابتلى به أبناء الدنيا الذين ينفقون بما في أيديهم دون ما في يد الله - عز وجل -، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من: " خفت على فلان " أي أشفقت عليه أي: لا إشفاق عليهم لما هم فيه من النعيم ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فعلى هذا قوله ﴿أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى أخر الآية، ذكر مالهم من الثواب ويجوز أن تكون الآية كلها وصفاً للإنفاق في سبيل الله وبيان ذلك أن حق المنفق في سبيل الله أن تطيب به نفسه، وأن لا تتعقبه بالمن وأن لا تشفق من فقر تناله من بعد، بل تثق بكفاية الله - عز وجل -، ولا يحزنون إن يناله فقر، وبين تعالى أن ما تقدم ذكره من مجازاة واحد بسبع مائة هو لن هذا وصفه..
قوله - عز وجل:
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ الآية: (٢٦٣) - سورة البقرة...
الغنى: فقد الحاجة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس واختلاف نظرهم فمنهم من يرى الغنى كثرة عرض الدنيا، حصلت معه الحاجة أو لم تحصل ومنهم من عده القناعة وإليه يوجه قوله عليه الصلاة والسلام: " الغنى غنى النفس " ومنهم من لا يعده إلا ارتفاع الحاجة وقال: " لا غنى في الحقيقة في الدنيا يوجه ولأجله " قيل: الغنى غنى الآخرة ومنهم من قال: " لا غنى في الحقيقة لغير الله -عز وجل - لا في الدنيا ولا في الآخرة وعلى هذا " قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ والمعنى المنزل كأنه موضع غنى الناس، ولكون الغنى مقيما فيه على مراده وعلى هذا قال الشاعر:
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم...
ويرمي النوى بالمقترين المراميا..
وأما الغناء فللتشبيه على نحو نظر من قال " الغناء غذاء الأرواح، كما أن الطعام غذاء الأشباح، وقال ببعضهم: " من مدح الغناء إنما مد الغناء وقصر الغنى تفضيلاً للمدود "، فقد حصل له منفعة ليست في شيء من اللذات، وذاك أن اللذات الحسنة أربع، أكل، وشرب، ونكاح، وغناء..
، وكل يوصل إليه بتعب إلا الغناء، واختلف في قوله: ﴿مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾.
فمنهم من قال: خطاب للمسئول ومعناه: لأن تبذل للسائل قولاً حسناً، وتغفر له أن ذاك بمراجعة وإلحاف خير من أن تعطيه وتمتن عليها، كقول الشاعر:
ومنعك للندى بجميل قول
أحبُّ إلي من بذل ومنة
وقيل: معنى المغفرة الترك، أي الاقتصار على القول الحسن، وترك الصدقة خير من صدقة هكذا، وقيل معناه: وإن تسأل الله الغفران لتقصيرك في إعطائه، وقيل: معناه ستر الخلة عليه، وقيل: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ وسلامة من المعصية خير من المعصية خير من صدفة هكذا، فإن هذه الصدقة فيها عصيان النص، ونحو قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ قوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، وقيل: القول المعروف أن تحث غيرك على إعطائه، وقيل: ذلك خطاب للسائل وحث له على إجمال الطلب، كما قال عمر بن عبد العزيز: " لن تدعوا لمرء ما قسم له، وفأجملوا في الطلب "، فأراد تعالي لأن يقول قولاً حسناً من تعريض بالسؤال أو إظهار للغنى، حيث لا ضرورة، ويكتسب خليط من مثال صدقة يتبعها أذى، كما قال الشاعر:
لأن أرجي عند العرى بالخلق.... وأجتزى من كثير الزاد بالعلق
خير وأكرم لي من أن ترى نعم.... معقودة للئام الناس في عنقي..
وقيل: معناه: لأن تنال أيها السائل قولاً معروفا من المسئول ومغفرة من الله خير من صدقة هكذا..
ومنهم من قال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خطاب للمسئول، أي: " لتقل قولا حسنا في رده، ومغفرة خطاب للسائل " أي: اغتفر رده لك ولا تثقلن قلبك عليه، ونبه بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ أن استقراضه ليس بحاجة به، بل لحاجة المقرض إلى الثواب، وبقوله " حليم "، أنه ليس يجب أن يغتر المذنب بتأخير العقوبة عمن قصر في الإنفاق أو في المنة على السؤال أو في سؤاله وليس بأهله..
البقرة 2:264
قوله - عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ الآية: (٢٦٤) - سورة البقرة.
التراب أصل في بابه، وترب يخصص بالتراب، وعبر به عن الفقر، وأترب صار ذا تراب، وعبر به عن المختص بالمال الكثير، فكأنه عبر عن المال بالتراب كما عبر بالثرى، وقول الشاعر في مخاطبة الدلو:
" واغترفي من تربها الأدق "
تصور منه معنى ترب وأترب، ففسر مرة بأنه دعاء عليها، كأنه قال: تربت فلا تخرجين إلا ترابا، ومرة بأنه دعاء لها، والمعنى أتربت، فأخرجت ماء كثيرا، والترب للذة على بناء القبل والقرن أي المقابل والمقارن، وكأنه الواقع مع غيره في التراب عند الولادة، وقيل معنى الترب الملاعب مع غيره بالتراب في الصغر، كقوله:
كما قسم الترب الصبي المقابل
والتريبة لعظم الصدر، حيث التفت عظام كأنها أتراب أي لدات، ولهذا قيل لها أتراب بلفظ الجمع، والوابل الذي يبل الأرض، أي يأتيها بالوبل، ويقال للمطر وابل ويرعى وبيل للنبات اليابس الذي يأتيه المطر، فيصير أذى للغنم وهو الذي يقال له النشر، ومنه اشتق الوبال وعنه استعير " أخذه أخذا وبيلا "، ويقال للعصا الثقيلة، وبيله الصلد، والصلت، والصلب تتقارب، لكن الصلد خاص في الأرض والصخر وشبه به ما لا يجدي، فقيل: زند صلد، ورجل مصلد، وصلد: بخيل، وقدر صلود ذات صلدة يتباطأ غليانها، وفرس صلود: لا يعرق..
، وصفوان: أبلغ من الصفات، وهو كل حجر صاف من التراب، وواحده قيل: صفوانه: نحو سعدان وسعدانة، ومرجان ومرجانة، وقيل واحد، وجمعه صفوان، نحو كروان وليعظم الله تعالى فتح المنة، أعاد ذلك في معارض من الكلام، فأثنى على تاركها أولاً، وفضل المنع على عطية يتبعها المن..
ثانيا: وصرح بالنهي عنها بالياء، وخص الصدقة بالنهي إذ كان المنة فيها أعظم وأشبع ولكون ذلك فظيعا مستبشعا قال عليه الصلاة والسلام: " ثلاثة لا يجدون ريح الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة خمس مائة عام: العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان "، وقوله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ﴾ في موضع الحال للمؤمنين، لا تبطلوها مثل منفق ماله مرائيا - تنبيها أن إنفاق الممتن كإنفاق المرائي الكافر بالله لأنه قال: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ﴾، وذلك كله من صلة " الذي " وقد عظم مزاياه حتى جعل المرائي بفعل الخير شرا من تاركه - سيما في العبادات، ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام - " المتشبع بما لم ينل كلابس ثوبي زور " تنبيها أنه كاذب بمقاله وفعاله، وشبه المرائي بصفوان وماله بتراب، وإنفاقه بالوابل وبين أن إنفاق هذا المرائي مع كون الإنفاق في نفسه شيئا نافعاً لم يفده إلا زوال ترابه، كما أن المطر الذي أتى على الصفوان مع كون المطر نافعا في نفسه لم يفده إلا زوال ثراه وقال تعالى في ضياع أعمال الكافر: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾، وفي الآيتين دلالة أن العبادات والأعمال الصالحة وغير معنية ما لم يبن على الإيمان، ولا حجة في الآيتين ما لم احتج بهما على المرجئة، حيث قالت: إن المعاصي لا تحبط الطاعات لأنهم قالوا ذلك بشرط الإيمان، والله تعالى شرط في الآيتين الكفر، لأنه قال: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ وقال في الأخرى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وهذا ظاهر، وقوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ راجع - إلى قوله: كالذي، أي المرائي بإنفاق ماله، لا يقدر يوم القيامة على اجتناء ثمرة ما اكتسبوا
فإن قيل: وكيف يجوز أن يكون ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ فعلا للذي والذي هو فعلاً للواحد؟ قيل: قد يقدر أن الذي قد يقع على الجمع، وأنه إذا أريد به الجمع، فقيد يخبر عنه كما يخبر عن الواحد وقوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
قد تقدم أن الهداية على أربعة أضرب هداية بالفطرة وهداية ببعث الرسل وهما عامان لكل مكلف، وهداية بالتوفيق لمن يستحق الاهتداء وهداية هي ثواب الآخرة، وهاتان لا تكونان للكافر
قوله - عز وجل:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الآية (٢٦٥) - البقرة
يقال: ربوة، وربوة، وربوة وربا حصل في ربوة، وسميت الربوة رابية كأنها ربت بنفسها في مكان بسيط ويقال لكل ما زاد وعلا ربا، ومنه الربوا والطل أثر الندى، والطلل: الأثر الباقي مما بلي، وطلت الأرض، أصابها طل، نحو وبلت، ومطرت وطل دمه: ترك أثره، وعلى ذلك ما قيل: إن سألتك بمرشكرها وشبرك أفشأت تطلها وتضهلها، وقيل: للشجر طل وندى لأنه من النبت والنبت منهما وبالعكس من ذلك قيل للندى والمطر شحم لأنهما يؤديان إليه بين تعالى أن المنفق ما له في سبيل الله ينبغي أن يكون قاصدا به الوجهين اللذين لأجلهما أوجب على الناس الزكاة، أحدهما ابتغاء مرضاة الله وطلب التوجه للوصول إليه المشار إليه بقوله، مخبرا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ والثاني: بتثبيت النفس أي رياضتها، لأداء الأمانات وبذل المعونات، والتمسح لأبواب المصالح فإن النفوس ما لم ترض لم تسمح، إذ هي مجبولة على الشح والكسل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وببذل الصدقة وفعل الخير يتطهر ويتزكى ولهذا قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فهذان الوجهان أعنى ابتغاء وجه الله وتثبيت النفس وإن اختلفا اختلاف الاعتبارين فهما واحد، وحق الإنسان أن يقصد ذلك في جميع ما يفعله من العبادات، فاما أن يطلب شكر مخلوق ومباهاة نظير وطلب نفع دنيوي وقضاء شهوة وإبقاء معزة فليس ذلك بمرتضى وبين أن مثل نفوس المنفقين أموالهم على هذا الوجه كمثل روضة بربوة فشبه نفوسهم بالروضة وما يأتيهم من التوفيق والهداية من جهة الله بسبب الأنفاق بما يأتي الروضة من الوابل والطل وشبه تزكية النفوس بزكاة الأكل وقال جابر: الطل مثل للفرائض والوابل مثل للنوافل معهما، ومعناه: إن حق النفق ماله أن يتحرى النوافل والفرائض، فإن من لم يتحرهما معا، لم ينفك من الفرائض، تنبيها أن الفريضة هي ما لابد منه وتخصيص الربوة لأن تأثير الشمس فيها أكثر، ولما كان قد ينقطع عن الربوة فيحترق نباتها بين
أنها لا تنفك من وابل وطل وعلى هذا قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة... خضراء جاد عليها مسبل هطل
البقرة 2:266
فوصفها بأنها في حزنة ومجودة..
إن قيل: ما وجه قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ والضعف يقال في عدد ما يصح أن يوجد نصفه ولم يجرها هنا ذكر عدد ولا ما يقتضي عدداً، قيل: إنه لما كان لكل قطعة أرض قدر من الريع لا يكاد يزيد عليه بين تعالى أن دخل هذه الجنة ضعفا ما يقتضي مثلها من الأرضين..
إن قيل: لم قال: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؟ فجمع جمع القلة؟ قيل: تنبيها أن ذلك الفعل لا يكاد يوجد إلا في قليل من الناس، فصار في تخصيص الأنفس إشارة إلي نحو قوله - عز وجل - ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ولهذه النكتة - قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال: عليه الصلاة والسلام لأصحابه: " الشرك أخفى فيكم من دبيب النملة على الصفاة في الليلة الظلماء "، تنبيهاً أنه قل ما ينفك عمل من رياء وإن قل.
وبين تعالى بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أنه لا يخفي عليه شيء من أسرار العباد..
قوله - عز وجل:
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ الآية (٢٦٦) - سورة البقرة.
النخيل: سمي بذلك لأنه منخول الأشجار وصفوها وذاك أنه أكرم ما ينبت، لكونه مشبها بالحيوانات في الاحتياج، الأنثى منها إلى الفحل في التلقيح وأنه إذا قطع رأسه لم يثمر بعده. ولأجله قال، عليه الصلاة والسلام: " أكرموا عمتكم النخلة " وقيل: نخل السماء الثلج عند وقوعه على الأرض قطن أو دقيق يغربل، والعنب والعناب نظر إليهما نظرا واحدا، وشورك بينهما في الحروف الأصيلة مشاركتهما في الهيئة والصيغة وزيد في لفظ العناب لزيادة جرمه على جرم العنب، وهذا طريق اعتبروه في الاشتقاق وتحت نقيض فوق وفي الحديث: " لا تقوم الساعة حتى تظهر التحوت "، أي ما تحت الأرض، وذلك إشارة إلى قال الله - عز وجل - ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾
والعصر مصدر " عصرت العنب "، وسمى أخر النهار ومدة من الزمان عصرا كأنه مدة عصرت، فجمعت، وقيل للعطية عصر تشبيها بعصر الريح السحاب، وسمى الإلجاء عصرا والاعتصار
الالتجاء، والمعصر سحاب ذات عصر للمطر، وامرأة فوق الكاعب معصر لكونها ذات عصر أي زمان للتمتع إشارة إلى قول الشاعر:
مطيات السرور فوق عشر...
إلى عشرين ثم في المطايا
والإعصار: أصله مصدر أعصر، فسمى به الريح والاحتراق مطاوعة حرق، وجرح الثوب أن تحرقه الدق، وحرق البعير حك إحدى نابيه بالأخرى، وريش حرق كالمنقطع بالإحراق، والحرقة احتراق البدن بحرارة فيه والحراق معروف، والحرقات سفن يرمى عنها بالنيران، ضرب الله مثلا لأعمال المنافق والمرائي، وأن لها في الدنيا شارة ونضارة، فإذا احتاج إليها وجدها باطلة، كمن له جنة هكذا يعتمدها، فلما اختل حاله، وكثر عياله، وانقضى شبابه، بقى خاليا عنها وعلى هذا دل ما روى أن عمر - رضي الله عنه قال: " إني لأجد في نفسي من هذه الأشياء "، وكان في القوم ابن عباس فقال: هذا مثل ضربه لمن يعمل عمره كله بعمل أهل الخير حتى إذا كان في آخر أيامه، وفي أحوج ما يكون إلى الخير، ختم عمله بعمل أهل الشقاء، فبطل ما عمل، وقيل: إن ذلك مثل ليس للمال فقط
البقرة 2:267
بل للصحة والجمال وسائر الأمور البدنية والجارحة والسلطان، فإنه يفجع به الإنسان أحوج ما يكون إليه، فيكون بمنزلة من إذا كثر عياله فسد بالصاعقة بستانه، فبقى ضعيفاً لأفضل فيه لعمل وسعى في تصرف، وإنما ذكر أنه فجع بها، ولم يقل: مات عنها، فالنفوس مطبوعا على استعظام ذهاب المال عن الإنسان أكثر من استعظام ذهاب الإنسان عن ماله، قالوا: حلف للأعداء، ولا يجنح إلى الأصدقاء
إن قيل: كيف قال: " أيود " وهو مستقبل، ثم قال: " وأصابه الكبر "، فأتى بلفظ ماضي؟
قيل: قد قال الفراء: لما كان يود يتلقى مرة بأن يكون، ومرة بلو كان، جاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر، لإنفاق المعنى، فكأنه قيل " أيود أحدكم لو كان له جنة، وأصابه الكبر "،
إن قيل: ولم قال: " وأصابه الكبر " ولم يقل: " وكبر "؟ في قوله: " وأصابه الكبر تنبيه على معنى التأثير والنكاية فيه، كقول الشاعر:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى..
قوله - عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ الآية: (٢٦٧) - سورة البقرة.
الطيب يقال تارة باعتبار الحاسة، وباعتبار العقل تارة، والخبيث في نقيضه، والأظهر أن المعني به هاهنا المعقول الذي هو الحلال، فقد روي: " ثلاث إذا كن في التاجر طاب كسبه، لا يعيب إذا اشترى، ولا يمدح إذا باع، ولا يكذب " وروي: لا يحلف. وقال - عليه الصلاة والسلام:
" إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإن ولده من كسبه "، وأصل التيمم قصد اليم أي لجة البحر، ثم صار في التعارف القصد نحو، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، ويممته وأممته، قيل هما واحد وقال الخليل: أممته: قصدته من أمامه ويممته: قصدته من أي جهة كان والإغماض والتغميض غض البصر ويستعمل في الترخص كالإغضاء ذكر تعالى فيما تقدم فضل النفقة في سبيله، وحث عليها وقبح المنة، ونهى عنها وحث في هذا أن يكون الإنفاق من طيبات الكسب قيل: من أجوده، بدلالة ما روي أنه لما أمر بالصدقة، جاء قوم من أهل المدينة من صدقة التمر بالحشف ومن الطعام بالزوان فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل الطيبات تتناول مع ذلك الحلال وحقيقة الطيب من الكسب ما ليس فيه ارتكاب محظور واكتساب محجور، بل منح العقل والشرع تناوله ودخل في قوله: " ما كسبتم " كل ما يناله الإنسان بريح أو أجرة عمل، وفي قوله ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا﴾ أنواع الحبوب والثمار والمعادن، وتخصيص المكتسب دون الموروث لأن الإنسان مما يكتسبه أضن منه مما يرثه، فإذا الموروث معقول من فحواه
إن قيل؟ ما فائدة: لكم؟
قيل: تنبيه أن المقصود بإتخاذ هذه الأشياء نفعنا ليبلغنا بها إلى سعادة الدارين، كقوله
البقرة 2:268
﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ويجوز أن يتضمن مع ذلك أن الذي تجب فيه الزكاة، وهو ما قصد به قوام الإنسان دون ما قصد به البهائم كالحشيش ونحوه، وقوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ عام في الواجب والتطوع..
إن قيل: لم قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ ولم يقل: (ولا تنفقوا الخبيث) مع أن اللفظ كان أوجز؟
قيل: لأن القبيح من الإنسان أن يقصد الخبيث أي الرديء من جملة ما في يده فيخصه بالإنفاق في سبيل الله، فأما إنفاق الرديء لمن ليس له غير ذلك، أو لمن لا يقصده خصوصا فغير مذموما.
قوله - عز وجل:
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
الآية: (٢٦٨) - سورة البقرة.
الفقر أربعة: فقر الحسنات في الآخرة، وفقر القناعة في الدنيا، وفقر المقتني، وفقرها جميعا والغني بحسبه، فمن حصل له في الدنيا فقد القناعة والمقتني فهو الفقير المطلق على سبيل الذم، ولا يقال له غني بوجه وهو المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام " كاد الفقر أن يكون كفراً "، ومن فقد لقناعة دون القنية، فهو الغني بالمجاز فقير بالحقيقة،
ولهذا قال: قد يكثر المال والإنسان مفتقر،
وقيل لبعضهم: أفلان غني؟ فقال: لا أدري غناه، ولكنه كثير المال، ومن فقد القنية دون القناعة، إنه يقال له فقير وغني، وكلاهما يقالان على طريق المدح، فقد قيل: ليس الغني بكثرة العرض وإنما الغني غني القلب "، والمشهور من الفقر عند العامة الحاجة وأصله كثير الفقار ومن قولهم: فقرته نحو كبدته، وبطنته، وبهذا النظر سمى الحاجة والداهية فاقرة، نحو: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾، الفحش والفحشاء كل منكر من المقال والفعال وإن كان قد خصها بعضهم هاهنا بالبخل، كقول شاعر:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي... عقيلة مال الفاحش المتشدد
فقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، قيل: عنى فقر الآخرة وهو أن يخيل إليه أن لا جزاء ولا شُكوراً وقيل هو بأن يخوفه، الفقر في آخر عمره.
إن قيل: على أي وجه يتصور وعد الشيطان؟
قيل: إن ذلك تسليط النفس ووساوسه ولهذا قال هاهنا في الشيطان: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ قال في غيرها: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لما جريا مجرى واحدا، قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾، وقال في أخرى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية.
إن قيل:
من حق مقابلة اللفظ في قوله ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أن يقول (والله يعدكم الغنى)، ويأمركم بالمعروف أو بالبر فليست المغفرة مقابلة للفقر ولا الفضل للفحشاء وإن كان مقابلاً به، فلم لم يذكر في: (الله يأمركم)، والله يأمركم والله في الحقيقة يأمر فأما الشيطان فهو المسؤول الموسوس؟
قيل: قابل الفقر بالمغفرة والفضل، والفضل أعم من الغنى، لأنه يتناوله وغيره، فبين أنه يعد بالغنى وزيادات فضل فأتى في مقابلة وعد الشيطان بالمغفرة، أنه يغفر مع ذلك انقيادكم للشيطان، وسائر الذنوب ولما كان أمر الشيطان بالفحشاء إنما هو لأجل وعده بالفقر لأن من خاف بخل بماله، والبخل سبب ارتكاب سائر الفواحش ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام: " وأي داء أدوى من البخل؟ "، صار مستغنى أن يذكر في مقابله: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بما ذكر من قوله: ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ لأن أمر الله تعالى بالخيرات والحسنات معلوم وإنما المجهول أمر الشيطان، إذ كان أمره يخفى على الجهال وإنما يعرفه أولوا الألباب..
البقرة 2:269
قوله - عز وجل:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
الآية (٢٦٩) - سورة البقرة.
قد تقدم أن الحكمة معرفة الموجودات، وفعل الخيرات بقدر طاقة البشر، وذاك عام فيما يدرك بالعقل وبالوحي، وإن كان قد خص في بعض المواضع بما يدرك بالعقل في نحو قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فقول ابن عباس: " الحكمة هاهنا: علم القرآن ناسخه، ومحكمه، ومتشابهه "
وقول ابن زيد: " إنها علم آياته وحكمه ومتشابه " وقول السدى أنها النبوة، وقول إبراهيم: إنها الفهم، وقول غيرهم إنها الخشية كلها صحيح وإشارة إلى أبعاضها، ومن قال: عنى بالخير الجنة ومن قال: هو العلم الظاهر والباطن فصحيح، والحكيم يقال بمعنى الفاعل والمفعول نحو: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي محكم ثم بين أن حقيقة ذلك لا يتذكرها إلا أولوا الألباب وقد تقدم حقيقة اللب وماله من المزية على مقتضى لفظ العقل، وإليه أشير بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ وأما من قال: " كل مكلف ذو لب " حاصل له فبعيد عن معرفة حقيقته وما تقدم يغني عن بسط القول فيه هاهنا.
البقرة 2:270
قوله - عز وجل:
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
الآية (٢٧٠) - سورة البقرة.
إن قيل: كيف قال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، ثم قال ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾، ثم رجع إلى ذكر النفقة، وذلك كلمات متباينة في النظم متفاوتة في السرد؟ قيل: بل ذلك في نهاية حسن النظم، فإنه تعالى لما بين فضل الإنفاق في سبيله وحث عليه حذرنا من الجنوح إلي الشيطان وإلى شرور النفس، وحثنا على الاعتماد على الحق بقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية، ثم بين بقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ أن ذلك أمر يعرفه المتخصص بالحكمة التي يؤثر الله بها من يشاء، ثم رجع إلي ذكر النفقة وبين أن ذلك موضوع عند من لا يسهو أولا ينسى، وصار ذلك الحكمة مع كونه متعلقا بما تقدم كالاستطراد والتنويه بذكرها والحث على معرفتها والتخصيص بها..
إن قيل: ما وجه تعقيب الإنفاق بالنذر ووجه الآيتين بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ بعدهما؟
قيل: النذر عقد الإنسان على نفسه فعل البر بشرط أو بغير شرط، ولما كان فعل الخيرات ضربين مفروغا منه ومعزوما عليه بين أن كلا الأمرين لا يخفى عليه وذلك كلام متضمن للوعد والوعيد، وقال بعضهم: ليس النذر هاهنا ما يلتزمه الإنسان بالتطوع فقط، بل كل ما التزمه بالعقل أو بالشرع فنذر، وقيل الإشارة بالنذر إلى التطوع وبالإنفاق إلى الواجب، ثم بين أن من ظلم نفسه بتقصيره فيما يلزمه من ذلك أو ظلم غيرة، فماله أنصار وهو جمع نصير نحو: شريف، وأشراف،.
وفي ذلك تنبيه على ما قال:
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾
البقرة 2:271
قوله - عز وجل:
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآية (٢٧١) - سورة البقرة.
خفي الشيء صار في خفية، والخفاء ما يستر به كالغطاء، وخفيته: أزلت خفاءه وذلك إذا أظهرته، وأخفيته أوليته ما دون القوادم من الريش..
، قال الخليل: لأنها تخفى إذا وقع الطائر قد أثني الله تعالى على إبداء الصدقات بقوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾، وقال ابن عباس: هذا في صدقة التطوع فأما الفرض، فإظهاره أفضل، لئلايتهم، وقال الحسن وقتادة: إخفاء جميعه أفضل ومن الناس من يحتج بذلك في جواز إعطاء الصدقات في الصامت والناطق الفقراء دون الإمام، لقوله: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾، وقال بعضهم: ليس القصد بذلك إعطاء الفقراء يدا بيد، بل القصد إخفاؤه، فإنك إن آتيت الساعي فقد أتيتهم لأن يده يدهما في الحكم، وبين أن إخفاء الصدقة أحمد، لأن قوله: " خير " إن جعلته في تقدير " افعل " فتفصيله ظاهر، وإن جعلته في تقدير: " فعل "، فالخير أبلغ معنى من مقتضى نعم، ولا قال في الإخفاء " فهو خير لكم "، فأكده بلكم، ثم قال: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾، ولم يصف الإبداء بذلك، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تنبيها أنه إن أخفى لا يخفى عليه ولا يضل عنه ويؤكد فضل إخفائه قوله عليه الصلاة والسلام " سبعة يظلهم الله في ظل عرشه.
، ، وذكر رجلا تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما تصدقت به يمينه.. "، وقوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ قرئ مكسور النون والعين وكسر النون إتباع لكسر العين، وقرئ بفتح النون وكسر العين وقرئ بسكون العين وكسر النون وتشديد الميم وبتخفيف الميم أيضا، والسكون بعيد لالتقاء الساكنين، وليس أحدهما حرف مدولين، والتخفيف كذلك لحذف لام الفعل أو الميم من ما، وكلاهما لا ينقاس وقوله: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ إذا جزم فعطف على موضع الفاء، وإذا رفع فعطف على موضع الفاء، وإذا رفع فعطف على ما بعد الفاء نحو: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾..
إن قيل: ولم قال: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؟ فأدخل فيه من قبل (قد): قال بعضهم: من زائدة وقيل تنبيها أنه لا يكفر جميع المعاصي لأنه يكفر الصغائر بشرط اجتناب الكبائر عند قوم ويكفر الكل عن المسلمين بشروط اجتناب الكفر إن شاء عند قوم..
البقرة 2:272
قوله - عز وجل:
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ الآية: (٢٧٢) - سورة البقرة.
إن قيل: ما وجه أتباع هذه الآية لما تقدم؟
قيل: روى عن النبي - ﷺ - إنه والمؤمنين تحرجوا من مواساة الكافرين ومواصلة أقاربهم منهم، حتى إن النبي - ﷺ - سأله يهودي فقال: لاحق لك وإن " أسماء بنت أبي بكر " امتنعت من مواساة جدها وامرأته، وإن الأنصار امتنعوا من الإنفاق على أصهارهم من الكفار فأنزل الله تعالى ذلك تنبيها أن ليس عليك هداهم وأن يهتدي الكافر وإنما عليك أن تهديهم أي تدعوهم إلي الهدى على الوجه المأمور به - تنبيهاً أنه لا يجب أن تمتنع من مواساتهم لذلك، ومن الناس من قال: هذا كان عاما في جميع الصدقات، فرضها ونفلها ثم نسخت الفريضة بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية ومنهم من قال: هو مخصوص في النافلة دون الواجبة، وإليه ذهب ابن عمر والحسن، وروي أبو حنيفة أنه لما أنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ تصدق الناس على الكفار من غير الفريضة، وقيل عنى بالهداية الغنى، أي ليس عليك أن تهديهم، وإنما عليك مواساتهم، فإن الله يغني من يشاء وتسمية الغنى، هداية على طريقة العرب في نحو قولهم: " رشدت واهتديت " لمن ظفر، و " غويت " لمن خاب وخسر، وعلى هذا قال الشاعر:
" ومن يغو لا يعدم على الغي لائما "
وقيل: ليس لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ تعلق بالإنفاق، وإنما هو تسلية للنبي -ص-، وتنبيه أنك وإن أمرت أن تكثر حثهم على الإنفاق فليس يرجع عليك ملامة في تقصيرهم، كقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، وقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أهل دينكم.
قال سفيان بن عيينة:
بين أن ما تنفقوا من صدقة فلأنفسكم وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: أهل دينكم تنبيها أن حكم الفرض من الصدقة بخلاف حكم التطوع، فإن الفرض لأهل دينكم دون الكافرين، وقال غير معناه: ما تنفقونه فإنه يحصل لكم ثوابه سواء أوصلتم إلى مؤمن أو كافر، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قيل: هي جملة في موضع الحال، كأنه قال:
البقرة 2:273
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ إذ لم تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، أي إذا قصدتم به وجهه، وقيل: ذلك جملة معطوفة على جملة، ومعناه: " ما تنفقوا من خير فلأنفسكم وأنتم تقصدون به قصدكم به وجهه فقط دون عوض "..
إن قيل ة ما معنى قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ وهذا معناه كمعنى قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ما ذكره النبي - ﷺ - حيث يقول: " اللهم اجعل لمنفق خلفاً، ولممسك تلفاً "، ويعني به المنفق حيت ما يجب، وكما يجب، لا المنفق في عبارة وخسارة، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، وهو تعالى يجعل لكم بالواحد سبع مائة، كما ذكره في الآية المتقدمة، والوجه هاهنا قيل معناه القصد والجهة، وقيل معناه القصد به الذات نحو النفس، ومعناه: يقصد به ذات الله، لا طلب جزاء، ولا خوف عقاب، ولا غير ذلك من الوجوه التي يقصدها أبناء الدنيا بالإنفاق...
قوله - عز وجل -:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
الآية: (٢٧٣) - سورة البقرة.
العفة: حبس النفس لكن فضول الشهوات الرديئة من المأكل، والمنكح، والاقتصار علي البلغة التي لابد من المشار إليها بقوله تعال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾. ويقول النبي - ﷺ - فيما يرويه سفيان:
" أريع من جاوزهن، ففيه الحساب: ما سد الجوعة، وكف العطشة، وستر العورة "، أكن البدن "...
ويدخل في العفة الجود، لأنه قد قيل: الجود ضربان: أن يكون بما في يدك متبرعاً، وأن يكون عما في يد غيرك متورعاً، والزهد يقاربه إلا الزهد، يقال اعتبارا بترك عرض الدنيا، والعفة تقال اعتباراً بحبس النفس عن الشهوات، وتتلازمان، والعفافة بقية ما في الضرع كأنه قدر يمكن التعفف به، والإلحاف استشعار المسألة والاستقصاء فيها وتذرعها، يقال: لحفته: أي ألبسته إلحافا ككسوته، أي ألبسته كساءً، والوسم والسيما تتقاربان لكن الوسم علامة محسوسة كسمة البعير، والسيما علامة متفرسة، وأصلها من السوم أي طلب الكلا، وطلب المبيع، وسوم الماشية أن تطلب لها المرعى وإن كان قل يستعمل في إرسالها.
إن قيل: بم يتعلق قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾؟
قيل: هو على ما ذكر سنين بدل من قوله: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾، فقد ذكر أنه يعني بأنفسكم أهل دينكم، فصار الفقراء بعضهم، فصح أن يبدل منه بدل البعض من الكل، وقيل: يتعلق بقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾، أي ما تنفقون لهم إلا تقرباً إلي الله عز وجل-، فمعلوم أن من خص بنفقته هؤلاء، فإنه لم يقصد إلا وجه الله، وقيل: ذلك يتعلق بفعل مضمر يدل علي: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، أو بقوله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾، أي يوف إليكم، ويوسع لأجل الفقراء إشارة إلى ما قال - عليه الصلاة والسلام: " إنما تنصرون بضعفائكم وتمطرون وترزقون ". وقال بعض الناس: اللام تتعلق بقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ المذكور من بعد، وهذا لا يصح لأن ما يتعلق بمعمول حرف الشرط لا يقدم عليه، وكذلك ما يتعلق بما بعد حروف العطف، وقد تقدم الكلام في الحصر والإحصار، وأن الإحصار أعم من الحصر، فإن الحصر يقال في منع العدو، والإحصار يقال فيه وفي منع الذي يكون من ذات الإنسان من العقل، أو الهوى، أو المرض، أو الخوف، فكل حصر إحصار، وليس كل إحصار حصراً، ولأجل عموم الإحصار قال قتاده وابن زيد: " منعوا أنفسهم من التجارة خوفاً من الكفار "، وقال السدي: " منعهم الكفار بالخوف وقيل: منعهم المرض، وقيل، حملوا على الحصر.
، وقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ذهابا لمنع العدو إياهم، وقيل، لمنع الله لهم وإلزامهم أنفسهم المرابطة في سبيله، ولم ينف عنهم القدرة، ولكن بين أن إيمانهم وأحوالهم تمنعهم عن الإخلال وكما هم بصدده، كقولك: " أمرني الأمير بكذا، فلا أستطيع أن أخل به "، وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾، أي الجاهل بحالهم، وقيل: إن ذلك فيمن له استغناء في الظاهر وبه فقر في الباطن أو فقر إلى الله لمعرفته بحقائق الأمور، وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾، أي تتفرس فيهم أحوالهم، وذلك مما يدل على أن للفراسة حكما صادقاً، وعليه دل قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "
إن قيل: ما وجه ذكر ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ في ثلاثة مواضع متقاربة وتعليق كل واحد بحكم غير حكم الآخر.
قيل: إنه بين أولاً ما ابتغى به الإنسان وجه الله، فنفعه راجع إلى نفسه، وبيم في الثاني أنه وإن لم يقصد به وجه الله خالصاً، بل قصد به طلب ثواب، أو اتقاء من نار، أو غير ذلك من وجوه المصالح، فله ما قصده، وآتاهم الثواب في الثالث، حيث ذكر الانفاق للفقراء الذين أحصروا،
البقرة 2:274
فقال: (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم)، إشارة إلى ما قال:
(أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت).
قوله- عز وجل:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
الآية (٢٧٤) - سورة البقرة.
قد تقدم أن إنفاق الأموال عند بعضهم ليس إنفاق المقتنيات فقط، بل كل ما خص الله به الإنسان من النفس والبدن في العبادة والعلم والجاه وغير ذلك، لكن الأظهر أنه إنفاق المقتنيات وروي أنه لما نزل ذلك، كان مع أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - أرنعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا وبدرهم علانية، فقيل له في ذلك، فقال: " أردت أن أستوجب من الله ما وعد به الذين يفعلون ذلك "، والإنفاق في سبيل الله ضربان ضرب ظاهر وهو الصدقة على الفقراء، وضرب غير ظاهر، وهو الإنفاق في المباحات إذا كان متناولا حيث يجب ومنفقا على ما يجب وكما يجب، وقد نقدم ما قال بعضهم أن مباحات الأولياء كلها فرائض، فعنى بقوله: علانية ما عرفه الناس أنه صدقة، وبالسر مالا يعرفه صدقة إلا أولوا البصائر، وإلى هذا أشار من قال إنها نزلت، في النفقة على الخيل فإن الإنفاق على الخيل في الظاهر ليس بقربة وقوله: ﴿بِاللَّيْلِ﴾ إشارة إلى نحو ما روي أن بعض الأنصار نزل به ضيف، وكان عنده طعام طفيف فقدمه إليه في الظلمة بالليل يري أنه يؤاكله وهو يؤثر به حتى أثنى الله عليه، والقصد بالآية في الجملة نفقة من لا يرائي أن لا يداحي وإنما يقصد به مرضاة الله فقط..
البقرة 2:275
قوله - عز وجل:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الآية (٢٧٥) - سورة البقرة.
الخيط: الضرب على غير استقامة كخبط البعير بيده، والرجل الشجر بعصاه، وقيل لمس الشيطان الإنسان الخبط والتخبط لكون أفعال المتخبط على غير استقامة، والخباط سمة على غير استواء والسلف من الأفعال المضايقة) ويراعى سببه معنى التقدم، يقال: أصم سالفه، والسالفة من الإنسان لتقدمها علي ما دونها من الأعضاء إدا اعتبر من الأعلى، وأسلفته في المال، وسلافة الخمر صفوها الذي يتقدم خروجه من العصير، والعود الرجوع، وأصله من العود، فعاد رجع إلي عوده، أي أصله، وسمي البعير المسن عوداً، لأنه لما كان غاية سنها ذلك كأنه عاد إليه، وبيان ذلك أن الغرض والغاية بالذات شيء واحدا لأن الغاية هي بلوغ الغرض، وكان عرض الإنسان بناء دراما، فبناها علي ما بوأها عال بفعله إلى غرضه، فبناها على ما نواها الذي كان منه، وعلى هذا سمي الثوب لكونه ثابياً إلى ما كان الغرض من الغزل، وبهذا النظر قال: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ فسمي انتهاء الإنسان الذي هو الهرم " أرذل العمر "، وعلى هذا قال: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فسمي ذلك رجوعاً لما كان الغرض من الإنسان تلك الغاية، وفي العادة عادة، لكونها معاداً للإنسان فيما يتعاطاه أو لكونها عائدا إلى الإنسان، ولهذا قال: إن التخلق يأتي دونه الخلق وهو يقال...
للبربط عود للمتحرية عود. كما يقال للنبيد شراب، واستعارة اسم الجنس والنوع لبعض منهما من أجل الكناية أحد ما يجب أن يراعى في الاشتقاق، والربا الزيادة على رأس المال من الربوة على ما تقدم، لكن في تعارف العرب هو لدفع دين بزيادة أو لزيادة ثمن لزيادة في الأجل، وصار في شريعتنا اسماً لذلك، ولبيع الأجناس الستة بعضها ببعض متفاضلاً ولما يجري مجراه على مقتضى العلة على حسب اختلاف،
الآية الثالثة، وقال بعض الفقهاء: البيع والربا لفظان عامان نظرا منهم إلى مقتضى، وقال بعضهم: هما مجملان، نظرا منهم إلى اعتبار شرائط فيهما لم تكن العرب تعتبرها، فصارت الأعراب لا تعرفها من دون المراجعة إلى صاحب الشرع، وكلا القولين صحيح بنظر ونظر، فإنهما عامان من وجه، ومجملان من وجه، ولذلك وصفهما الشافعي بالصفتين، فظن كثير من أصحابه أن قوله اختلف في ذلك، وردي في تفسير الآية أن المربى يقوم من قبره يوم القيامة مجنوناً، وأنه في المحشر يصرع ويوطأ بالأرجل إلى أن يحاسب الله الخلائق، ثم يدخل النار، وفي قراءة ابن مسعود: " لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم "، وقيل: معناه: من سوى بينهما يخرج في الآخرة من حد الأبرار إلى حال الدين اتبعهم الشيطان وكانوا من الغاوين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾، وقيل: هو تشبيه من لم يفرق بين البيع والربا مع شدة تضادهما وتباين ما بينهما في أن البيع سبب العدل والعمارة للعالم، والربا سبب الجور وخراب العالم فنبه أن قبح الربا مركوز في العقول، بحيث أنما من سوى بينه وبين البيع فقد بلغ به الجهل إلى حد الجنون، وقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾، أي من انتهى بعد الوعظ، فما أخذه من قبل ملكه، لا اعتراض عليه، ولكن أمره في الآخرة إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، وقيل: بل معناه: لا يؤخذ به في الدنيا ولا في الآخرة، ومعنى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ على طريق الوعد له والسكون منه وأنه قد خرج من حزب الشيطان إلى حزب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. وكقوله: (الصوم لي وأنا أجزي به)، وقوله: (ومن عاد)، قيل: من عاد إلى تحليله وقيل: إلي تحليله أو إلى فعله من وغير استحلال، وقوله ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ مما يدل أن الشيطان تأثيراً في الإنسان بخلاف ما زعمت المعتزلة، حيث قالوا أن لا تأثير في الإنسان للشيطان إلا بالوسوسة، قالوا: وهو أن يغلب عليه من المرء السوداء الضعف والقرع ما يحدث في المجنون، فمن
قبل الله أومن قبل ذاته، وقال الجبائي: " لو كان الشيطان يتخبطه بمسه لوجب أن يخبط كل واحد، فقد ثبتت عداوته للصالحين، ولوجب أن يسلب الإنسان ما في داره من أثاثه ومتاعه، فكان يحمل متاعهم إلى المسئ الكاذب "، وقال أبو هاشم: " لو قدر على ذلك لقدر على الصوت الرفيع، فكان يفشي سر المؤمنين ويضرب بينهم "، فنقول وبالله التوفيق، إن أول ما في قولهم هذا إبطالهم لنحو ما حكي عن أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، وعن موسى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، ولا يكذبهما تعالى فيما، وقال: ﴿للانسان عدو﴾، وقال مخبرا عن الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ واستثنى الله تعالي أولياءه بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، هذا مع غيره من الآيات الباهرة الظاهرة،
فإن قيل: على أي وجه يكون سلطانه؟. قيل: على الوجهين اللذين ذكرهما الله أحدهما بالوسوسة، وهو أن يلقي في روع الإنسان أن أمراً ما يصير داعيا له إلى فعل يريده ويختاره، وإياه قصد بقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾.
والثاني: بدخوله في خلال جسده، وإياه عنى بقوله: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: " الشيطان يجري من أبن أدم مجرى دمه "، وما قالوه من أن، الشيطان لو قدر على خبط الإنسان لسرق ثيابه فلجهلهم بأمر الشيطان وجهة عداوته للإنسان وخصائص فاعله إلا أننا نرى أنما الحيات والعقارب تعادينا ولا تسرق أمتعتنا، وقد تقدم في ذكر السحر أن السحرة والشيطان لا يمكنها أن تفعل كل فعل كما ظنته المعتزلة، ولا أن تؤثر في كل واحد، وإنما تقدر على أفعال مخصوصة في أقوام ضعاف القلوب ومختلي العقول قليلي العبادة، وإذا أثرت تأثيراً ضعيفاً، ويقوى ذلك مما روي في قصة خالد بن الوليد أنه لما وجهه النبي - ﷺ - لهدم العزى تصور أنه خيال كان يفزع منه غيره إذا أبصره ويدبر عنه، فأقدم خالد لقوة قلبه وشدة شكيمته في الدليل، فهدمه، وإلى تخويف الشيطان الإنسان يرجع قوله مخبراً عن قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ولولا تلبيس الشيطان عليهم لما أقاموا على عبادة أجسام أموات وأشباح جماد، وقد وصف الله سبحانه ضعف سلطان الشيطان علي المؤمن فقال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية...
، واستبعاد المعتزلة تأثير الشيطان، إنما هو لخروجهم بتحديقهم عن حد العامة في التزام ما تلزمهم الشريعة الإقرار به، وقصورهم بسوء تصورهم وفساد طريقتهم عن إدراك حقائق ما ورددت ما به الشريعة حسب ما أدركه الحكماء الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ فصاروا في كثير من ذلك كما قالوا: " لا مال أبقيت، ولا حرك أبقيت ".
البقرة 2:276
قوله - عز وجل -:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
الآية (٢٧٦) - سورة البقرة.
الحق نقصان الشيء حالاً فحالاً بحيث تخفى تفاصيله، يقال: محقه، فالمحق ومنه قيل: المحاق لآخر الشهر، وتربية الصدقات في الدنيا أن يثمر مال صاحبها، وذلك أدنى عنى النفس، ويدخر له لواحد سبع مائه ثم قد يزيد زيادة بلا حساب كما وعد، وعلى هذا ما روي لكن النبي - ﷺ -.
" إن الله يقبل الصدقات، ولا يقبل منها إلا الطيب، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصليه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد ".
قيل: ما الفرق بين الربا والبيع وكل واحد منهما أخذ ربحا على رأس المال؟
قيل: الفرق بينهما ظاهر، وذاك أنه قد تقدم أن الناس متفتقر بعضهم إلي بعض وإن كل واحد، قائم بأمر آخرين، فلو أمروا أن لا يأخذ بعضهم ربحاً على رأس ماله، لرغبوا عن التجارة لضياع سعيهم، فكان يتعذر لأحدنا أن يتحصل له في حالة واحدة أشياء محمولة من آفاق متباينة، والبائع يأخذ ما يأخذه من غير عوض ولا سعي، بل بتضييق فضلات ماله على المحتاجين من حيث لا يلحقه ضرر، فصار ذلك منه أكل مال الناس بالباطل المنهي عنه بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ولأنها المواساة واجبة بالشرع والعقل، فلو أبيح للناس الربا هو الشح الذي جبلوا عليه لأدى إلى سد باب المعروف وإلى أن لا يوقي الإنسان شع نفسه المذكور في قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فإنه كان يدعو إلى أن يبخل وبخله يدعوه إلى منع الزكاة وترك المواساة، وذلك يؤدي به إلى حرص على تناول المال من كل وجه كالسرقة، والخيانة والغصب وعلى هذا قال جعفر بن محمد: " إنما حرم الله الربا ليتقارض الناس " وروي عن أبي أمامة عن رسول الله - ﷺ -: " مكتوب على باب الجنة: القرض بثمانية عشر، والصدقة بعشر أمثالها ".
قال جعفر:
" لأن المستقرض لا يأتيك إلا وهو محتاج، والصدقة ربما وقعت في يد الغني "
إن قيل: لما قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ولم يقل: كل كافر وهو تعالى لا يحبهما جميعا؟
قيل هو تنبيها على معنى لطيف، وهو أن الربا يدعو الإنسان إلى ترك الصدقة والزكاة وترك مواساة الناس والى أن يأخذ مال الغير بالباطل، كما أن فعل الصدقة يدعو إلي الاستكثار من الخير، ولهذا قيل: عودا مرا ما اعتاد، ومتى تعود الإنسان فعل الشرور يصير ذلك مانعا له عن الخيرات ومن الصدقة التي تطهر النفس فنبه الله بقوله: ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أن المرابي يؤدي به رباه إلى أن يصير كفارا أثيما وهما بناءان للمبالغة فإذا صار كذلك، فإنه لا يكاد يتوب، وإذا لم يتب لم يحبه الله المحبة التي وعد بها التوابين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ فلهذا وجه تخصيص بناء المبالغة في ذلك.
البقرة 2:278
قوله - عز وجل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية: (٢٧٧) - سورة البقرة.
قد تقدم أن الإيمان في الأصل هو التصديق، ولا يكون التصديق إلا عن تحقيق، والتحقيق يقتضي العلم، فإذاً: الإيمان مقتض للعلم، وهو وإن كان في التعارف للعلم والعمل بحسبه، ففي الأصل، للاعتقاد النفسي، ولهذا قيل ما جاء الإيمان في القرآن إلا مقرونا بالعمل الصالح، ومما يؤكد ذلك خبر جبريل لما سأل النبي - ﷺ - عن الإيمان لم يذكر النبي - ﷺ - الله في تفصيله شيئا من الأعمال، فإذا قول من قال: ليست الأعمال البدنية من الإيمان فصحيح على وجه، وقول من قال: هي من الإيمان فصحيح على وجه، ولكن لا يعتد بعلم لا يضامه العمل، وما أصدق في ذلك قول الشاعر:
لا يطمع المرء أن تجتاب غمرته... بالقول إلا له جسرا له العمل
وأتبع قوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإن كانا غير خارجين عن عمل الصالحات تخصيصا لهما لكون إحداهما أشرف العبادة البدنية، والأخرى العبادة المالية، وفائدة تعقيب أية الربا بهذه الآية تنبيه على منافاة ما يستحق بهذه الأعمال وما يستحق بتعاطي الربا..
قوله - عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
الآية (٢٧٨) سورة البقرة.
أمر تعالى بالاقتصار من الربا على رأس المال بقوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، وقيل معناه:
البقرة 2:279
معلوما وقوعه، فبين أن " إن " هاهنا لم يكن لوقوع شبهه في إيمانهم
قوله - عز وجل:
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ الآية (٢٧٩) - سورة البقرة.
الحرب معلوم، والحرب السلب لكون ذلك واقعا فيها، وسمي بعض آلاتها الحربة والأصل في الحربة اسم الفعلة.
والتحريب إثارتها والمحراب: قيل سمي لكونه موضع محاربة النفس والشيطان، وتسمية أشرف البقاع بالمحراب تشبيه لمحراب الصلاة بالإضافة إلى غيره من الأمكنة، والحرباء: دويبة تتلقى الشمس كأنها تحاربها والحرباء: مسمار تشبيها بالدويبة في الهيئة كقولهم: ضبة وكلب تشبيها بالضب والكلب.
ومعنى الآية: إن لم تفعلوا أمر الله ولم تنقادوا له بعد، يزول الأمر بتركه فأنتم في حكم المحاربين.
قال ابن عباس: يقتضي ذلك أن المربي يستتاب فإن تاب وإلا قوتل، ولا يقتضي كفرهم، فإن المحاربة قد تطرق على ما دون الكفر كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، اتفق الفقهاء أن ذلك حكم المسلمين، ونبه بقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أن من ترك ذلك، فلابد أن يرد إليه رأس المال لا يظلمهم الناس بأن يفوزوا بأصول مالهم، ولا يظلمونهم بأن يأخذوا زيادة على أصل مالهم، وقرئ (فأذنوا) أي: أعلموا ذلك غيركم وذلك يقتضدي معنى (فأذنوا) لأنه لا يكون الإنسان مؤذنا حتى يكون آذنا.
وفي قوله: (ولا تظلمون) ما دل عليه قوله - عليه الصلاة والسلام - " مطل الغنى ظلم " وقوله إلى الواحد يحل عرضه وعقوبته فإحلال عرضه التغليظ عليه بالمطالبة وعقوبته حبسه. ذروا العمل به، وكالاهما يصح له اللفظ، فيحمل عليهما وروي أن النبي - ﷺ - قال في خطبته بمكة: " ألا إن كل ربا كان في الجاهلية، فهو موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب " وروي أن أهل الطائف صالحوا على أن لهم رباهم في الناس، فلما أسلموا امتنع بنو المغيرة من دفع الربا، وترافعوا في ذلك إلى عتاب بن أسيد عامل النبي - ﷺ - على مكة، فكتب في ذلك إلى النبي - ﷺ - الله، فكتب عليه الصلاة والسلام بالآية، ونبه تعالى بالآية أن المربي غير متق لله، فإن تقواه اتقاء معاصيه من المحظورات العقلية والشرعية، وقد تقدم أن تعاطي الفعل يدعو إلى جنسه خيرا كان أو شرا، فمن اتقاه في شيء ما فهو أقرب إلى أن يتقيه في غيره..
إن قيل: كيف قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟
قيل: سماهم مؤمنين لإقرارهم بالإيمان ثم بين بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أن من شرط الإيمان التزام أحكامه، فإن (فإن كنتم مؤمنين) فلابد من التزام ذلك، وقيل: معناه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قولا التزموا ذلك إن كنتم مؤمنين فعلا وهذا يرجع إلى الأول، وقال مقاتل: معنى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إذ كنتم مؤمنين ووجه قوله: إن (إن) مترددة فيما يتحقق وقوعه، وفيما لا يتحقق، و (إذ): تقال فيها كان
البقرة 2:280
قوله - عز وجل:
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
الآية (٢٨٠) - سورة البقرة.
كان هاهنا بمعنى وقع، أي وإن وقع معسر، وقيل: هي ناقصة وتقديره وإن كان ذو عسرة غريماً لكم، فحذف الخير لكون المعنى مفهوما، وهذا أجود، فإن التامة أكثر ما يعلق بها الأحداث دون الأشخاص، نحو: كان الخروج كقولك: اتفق للخروج، ولا تقول كان زيد، وأنفق زيد، وقيل: قراءة أبي: (وإن كان ذا عسرة).
وقوله: فنظرة إلى ميسرة) أي: فعليكم انتظار، فقرأ الحسن: (فنظرة) بسكون الظاء.
وقرئ مناظرة نحو: فاقرة، وكاذبة.
واختلف هل يجب الانتظار في رأس مال الربا أو في كل دين؟ فمنهم من قال: النص يقتضي ذلك في كل، فإنه تمم حكم الربا، ثم ذكر اعتبار من عليه دين ربا كان أو غيره، وهو قول ابن عباس، والضحاك، والحسين.
ويؤكد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من أنظر معسرا كان في ظل الله، أو في كنف الله يوم القيامة. "، وقال عليه الصلاة والسلام: " من شدد على امرئ في التقاضي إذا كان معسرا، شدد الله عليه في قبره. "
وقال شريح وإبراهيم، وروى عن ابن عباس أن ذلك في الربا خاصته والتصدق على المعسر ترك رأس المال عليه، نحو قوله في القصاص.
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي تتصدقوا، فأدغم، وقرئ: (تصدقوا) بتخفيف الصاد على حذف إحدى التاء ين بدلالة الأخرى عليه، وقرئ: (ميسرة) بضم السين، وذلك لغتان نحو: مشربة، ومشربة وقرئ مجاهد (ميسرة)، ولم يجوزه البصريون لعدم مفعل في كلامهم، وذكر الكوفيون ألفاظا يسيرة من ذلك ليوم ردع أو فعال مكرم.
البقرة 2:281
وقوله - عز وجل:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
الآية (٢٨١) - سورة البقرة.
قال ابن عباس.
هي أخر آية نزلت من القرآن، فقال جبريل للنبي - ﷺ -: " ضعها في رأس الثمانين والمائتين من سورة البقرة، وقد تقدم الكلام في الفرق بين ": (اتقوا الله)، (واتقوا ربكم)، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ وما يجري مجراه؟ ومعنى الرجوع فليس على تصور رجوع إلي مكان بعد المقارنة كيف يكون ذلك وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، وإنما ذلك رجوع، إما على ما ذكرنا في العود آنفا وإما على تصور خلقه أبانا المشار إليه بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وعلى هذا: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ وتوفية كل نفس ما كسبت جزاءها، إن خيرا فخيرا، وإن شراً فشرا، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا ينقص ثوابهم، ولا يزاد عقابهم..
البقرة 2:282
قوله - عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الآية (٢٨٢) سورة البقرة..
دنت الرجل: أخذت منه ديناً، وأدنته: جعلته دينا، وذلك بأن تعطيه دينا، والتداين والمداينة تدافع ذلك والبخس والنخس يتقاربان، لكن النخس أن يصيب بدنه، أي مكان كان والبخس أن يصيب عينه، وعنه استعير بخس حقه، كقولهم عور حقه، وتباخسوا في البيع تغابنوا كأن كل واحد يبخس صاحبه عما يريده منه باحتياله، والسفه خفة في العقل ومقتضياته، ولهذا يقال: " سفيه الرأي " وسفيه اللسان " و " زمام سفيه " على التشبيه..
والسآمة ملك يورث الضجر، والصغر خلاف الكبر، وأصله أن يستعمل في المقدار، ثم يستعمل في الأحوال، ومنه صغر صغرا أو صغارا إذا تحاقر لاحتمال ضيم والقسط النصيب على سبيل العدالة،
فإن قيل: فإذا كان القسط ما يقول، فكيف قيل: قسط إذا جار؟
قيل: معنى قسط أخذ قسط غيره وذلك عدل، فصار قسط وأقسط في التناول والمناولة، كقولهم عطاء، وأعطى..
إن قيل: لم قال: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، وتداينتم ينبئ عن الدين والمدين والتداين يقال في المجازاة فبين بلفظ الدين المراد والمقصود في هذا المكان أنه لما عقب بقوله: فاكتبوه ذكر لفظ الدين، ليبين أنه هو الذي حث على كتبه وكتب ذلك واجب عند الربيع، وإليه ذهب عامة الفقهاء، ومنهم من قال: هو في السلم خاصة، وحقيقة: (اكتبوه) حث على الاعتراف به وحفظه، فإن الكتاب خليفة اللسان واللسان خليفة القلب، فلما قال: فاكتبوه فقد حث على غاية ما يكون في ذلك من الاحتياط، وقوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، قيل: واجب على كل حال على كل كاتب، وقيل: واجب على الكفاية كالجهاد، وهو الصحيح والكتابة بين المتتابعين وإن كانت غير واجبة، فقد تجب على الكاتب إذاً أتوه، كما أن الصلاة النافلة وإن لم تكن واجبة على فاعلها، فقد تجب علي العالم - تنبيها إذا أتاه مستفتي وقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ حث على بذل جهده في مراعاة شروطه مما قد لا يعرفه المستكتب، وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، أي: ليقر، ولولا وجوب الحكم بإملائه، لم يكن إملاؤه أولى من إملاء غيره، ولهذا قال: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ وذلك نظير قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، لما كان قولهن مقبولا وعلى هذا قوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾،
إن قيل: جمع بين لفظ (الله) ولفظ (الرب) في قوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؟ قيل: إن لفظ الله يقال اعتبارا بالوله إليه أو العبادة له، ولفظ " الرب " يقال اعتبارا بكونه تعالى مربيا لعباده ومنعما عليهم، وقد تقدم أن الإنسان يعرف الله ربا قبل أن يعرفه معبودا وذلك بمعرفة نعمه يتوصل إلي معرفة فجمع هاهنا بين اللفظين، كأنه قال: " اتقوه معتبرين بذاته ومعتبرين بنعمه "، وأما تقديم لفظ (الله) على (الرب) فقد تقدم في بيان قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولأن مراقبة ذاته تعالى أبلغ وأشرف من اعتبار نعمه فكأنه قيل: " إن لم تلاحظوه، فلاحظوا نعمه اللازمة لكم "، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ أي مبذرا لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ وقيل: عنى بالسفيه النساء، وبالضعيف الصغير وبالذي لا يستطيع أن يمل هو المغلوب على عقله، ومنهم من حمل السفيه والضعيف على شيء واحد، وقال أو زائدة، وذلك ظاهر الفساد في اللغة وقوله: ﴿وَلِيُّهُ﴾ أي: ولي أحد هؤلاء الثلاثة، ولا يجوز أن يكون ولي الحق كما قال بعضهم، لأن قوله لا يؤثرا إذ هو مدع.
وقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ حث على تحريه لصاحب الحق وللمولى عليه، وقوله: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ قال بعضهم: تقتضي هذه الإضافة الإيمان والحرية والبلوغ لتخصيص الرجال ويقتضي " من ترضون من الشهداء " العدالة، لأن المقصد من الاستشهاد إقامة الشهادة، أما شهادة العبيد والصبيان، وشهادة النساء في غير، وشهادة الأعمى والفاسق وغير ذلك من أحكام الشهادة، فكتب الفقه به أولى، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ أي وليشهد رجل وامرأتان وقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي تذكر الأخرى إذا نسيت وقال سفيان بن عينية: يجعلها كذكر في الحكم..
إن قيل: ما وجه قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ﴾ وذلك يقتضي أن يكون القصد بالاستشهاد الضلال قيل: قد قال سيبويه في ذلك: لما كان الضلال سبب الأذكار وهو متقدم عليه صار لتعلق كل واحد منهما بالآخر في حكم واحد، قال: ومثل ذلك من قال أعددت هذا الخشب ليميل الحائط فأدغمه قال الفراء: تقديره: فتذكرها إن ضلت لكن لما قدم أن - فتح فصار متعلقا بما قبله: وهذا طريق في مسائل، وقرأ حمزة (أن تضل)، وقرئ (أن تضل) من أضللت، لتقارب ضل وأضل تقارب نسيت وأنسيت وقيل: (أن تضل) أي تضيع شهادتها ما لم تضامها الأخرى إشارة إلى ما فاله عليه الصلاة والسلام: " أما نقصان عقلهن فشهادتهن على النصف من شهادة الرجال " وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ قال قتادة والربيع: " إذا ما دعوا لتحمل الشهادة "، وقال مجاهد: لإقامتها، وقيل: لهما، وهو الصحيح، وقال بعضهم: لا يجوز أن تكون للتحمل، لأنه حينئذ لا يكون شاهدا، وهذا سوء تصور منه ألا ترى أنه قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؟ فسماهما شهيدين، قيل: إن استشهد وبين قوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ إن قليل الدين وكثيره يستحب كتابته وبين علة ذلك بقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي أعدل، وأقوم للشهادة أي أثبت، ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي أبعد من أن تقع شبهة ثم استثنى ما كان حاضرة، وخفف الأمر فيما لا أجل فيه وما لا يكون له ثبات في مكان كما الدور والعقار، نحو الطعام والشراب، وقوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ قيل: " هو يرجع إلى الأول دون ما يكون تجارة حاضرة، وقيل: يرجع إلى الكل حتى قال بعضهم.
يشهد على سامع حتى على ناقة.
قيل وقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قرئ بفتح الراء " لا يضارر " بأن يدعي وهو مشغول، عن ابن مسعود ومجاهد، وقيل: ة هو يضار، أن: لا يمتنع الكاتب من الكتابة، والشهيد من، إقامة الشهادة عن الحسين وقتادة وابن زيد، لئلأ يؤدي إلي أبطال الحقوق، وقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خطاب للجميع على سبيل الوعيد، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ إعادة للوصية،
إن قيل: كيف قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وكرر لفظ (الله) ثلاث متواليات ولم يعدل إلى الكناية، وهل ذلك في استقباح خط الإعادة لولا شرف لفظ (الله).
كقول الشاعر: " فما للنوى جد النوى قطع النوى "
حتى قيل: " سلط الله على هذا البيت شاة ترعى منه النوى "،
وكقول الأخر:
بجهل كجهل السيف والسيف منتضي...
وحلم كحلم السيف والسيف مغمد
فاسترذل البيت لإعادة لفظ " السيف " مراراً...
، قيل: إن ذلك بعيد عن الآية، فإن البيت الأولى استقبح لا لإعادة النوى فقط، بل له، ولأن قول " جذ النوى قطع النوى " بمنزلة واحدة، ولهذا الباب قانون يعرف به المستقبح من المستحسن، وهو أن كل تكرير على طريق تعظيم الأمر وتحقيره في جمل مواليات كل جملة، ومنها مستقلة بنفسها، فدلك غير مستقبح، وإذا كان ذلك في جمله واحدة أو في جمل في معنى واحد، أو لم يكن فيه التعظيم أو التحقير، فذلك مستقبح، وهذا ظاهر في الآية والأبيات المذكورة، فإنما قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ حمل في معان مفترقة، فإن الأول: حث على تقوى الله، والثاني: تذكير بنعمه، والثالث: تعظيم له متضمن لوعد ووعيد شديد وفصد عظيم كل واحد من هذه الأحكام، فأعيد لفظ (الله) فيها..
فأما البيت الثاني: فهو جملة واحدة، لأن قوله: كجهل السيف في موضع لقوله: يجهل، وكذلك قوله: " والسيد مغمد " جاء لقوله: الحلم للسيف، وعلى قول الآخر:
" لا أري الموت يسبق والموت شيء "
فإن قوله: (يسبق الموت) " مفعول ثان " لقوله: (لا أرى)، والكلام كله جملة واحدة، وهذا ظاهر...
البقرة 2:283
قوله - عز وجل -:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
الآية (٢٨٣) - سورة البقرة.
الرهن: حبس السلعة بحق، ثم يستعمل في غيره على طريق التشبيه واؤتمن: أخذه واستوفاة كقولهم اكتحل واغتسل إذا استوفى ذلك وقيل: رهن، ورهن، ورهن فرهن، نحو ثمر، ورهن على التخفيف قيل: رهان، كقولهم: ثمار، وكلاب، وقال بعضهم: ليس الرهان إلا في المخاطرة، وحكم الرهن ثابت في الحضر والسفر عند عامة الفقهاء، وبعضهم خص حكمه بالسفر عند عدم الكاتب، وقرأ ابن عباس: (فلم تجدوا كتابا.. ) أي صحيفة ودواتا، وقوله: " فرهان " أي فليدفع رهانا، أو فليوجد رهانا، واشتراط كونها مقبوضة تنبيه أن الرهن لا يثبت حكمه ما لم يكن مقبوضا لأمرين..
أحدهما: أن ذلك معطوف على الشهادة فكما أن الشرط في الشهادة معتبر كذلك هاهنا والثاني: أن حكم الرهن مأخوذ من هذه الآية وقد أجازه بهذه الصفة، فيجب أن تعتبر الصفة فيه وأما حكم ما يجوز رهنه وما لا يجوز، وما يصححه ويفسده، فكتب الفقه أولى به وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ يحث من يؤتمن على حفظ الأمانة كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وحذر غاية التحذير بقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ خطاب لمن عليه الحق، وللشاهد جميعا، لأن الشهادة إعلام، ويقال للإقرار شهادة، ولهذا قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكما أن كتمان الشهادة محرم فما هو منه بسبب
البقرة 2:284
محرم كالتأخر عن إقامتها عن تحملها في بعض الأحوال وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ أي يأثم بذلك قلبه، ويجوز أن يكون معناه: " إنما يكتم الشهادة ومن يكتم لأنه قد أثم قلبه " قيل فحمله ذلك على ارتكاب المحارم واحتقاب المآثم، وإضافة الإثم إلى القلب مبالغة في الذم، فالقلب مقر البر والإثم، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، وقال بعضهم: " في أية الدين صلاح للدين والدنيا "، فالإنسان بمراعاة ما أرشده الله إليه فيهما يبعد عن جحود الحق الذي هو سبب التنازع، والتنازع سبب كل شر ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، ومن هذه الوجه منع من البيعات المجهولة وجهل المدة وسائر الأشياء المؤدية إلى المنازعة، أوجب الإشهاد من أوجبه، لأن كل ما يؤدي إلى فساد فحسم مادته واجب..
قوله - عز وجل:
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآية (٢٨٤) - سورة البقرة.
قد تقدم ما هو جواب عن سؤال من قال: لم قال الله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ودلالة خطابه تقتضي أن ليس له السماوات والأرض، وقال بعض الصوفية في قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تنبيه أنه لا يجب الاشتغال بهما، بل يجب الاشتغال بمن أوجدهما وملكهما - تنبيها أن من تركها وأقبل عليه ملكه إياهما وما هو أفضل منهما، وإياه قصد بقوله: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾،
إن قيل: ما وجه نظم هذه الآية مع ما قبلها؟ قيل: إنه لما فرغ من حكم الإيمان والعبادة والأحكام المذكورة في هذه السورة، ختمها بالموعظة ونبه على وجوب تفويض الأمر إليه، ولما كانت حقيقة العبادة متعلقة بالقلب، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: " أخلص يكفك القليل من العمل "، وهو أحد ما أفاد قوله - عليه الصلاة والسلام: " البر ما اطمأن إليه القلب " وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، كقوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾، وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾..
إن قيل: هذه الآيات تقتضي أن يكون الإنسان مؤاخذا بما تتحرك به الخواطر، وقول النبي - عليه الصلاة والسلام ينافيه في الظاهر " إن الله تجاوز عن أمتي عما حدثت به أنفسها " وكذلك قوله: من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه..
قيل: قد تقدم إن أول ما يعرض من حديث النفس السابح ثم الخاطر، ثم الإرادة والهم، ثم العزم وأن السابح والخاطر متجافي عنهما بكل وجه وأنه متى صار نية، فذلك عمل مأخوذ به وعلى هذا قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، وألهمه متى كانت من وسوسة الشيطان وتصدي الإنسان لدفعها وقمعها فهو المتجافي عنها بل هو الموعود بالإثابة على دفاعها، حيث قال عليه الصلاة والسلام: " جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم "، ومتى كانت نفس وإجماع من النفس، فذلك فعل منه، ولذلك قال بعض الصالحين: " عليكم بحفظ الهمة، فإنها أول ما تظهر من الإنسان وهي تقدمة الأشياء " وقال عليه الصلاة والسلام: " لينظر أحدكم ما يتمنى، فإنه لا يدري ما كتب له " ومن تصور هذه الجملة علم أن قول من قال هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وجعل علة النسخ أن حديث النفس وما يهجس فيها غير مقدور على صرفه، فإنما استعمل لفظ النسخ في معنى التخصيص، فأما أنه أمر بما لا يقدر عليه ثم نسخ، فمجال وعلى هذا ما روي أنه قيل لابن عباس إن ابن عمر يبكي لقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فقال ابن عباس: " رحم الله ابن عمر، لقد وجد المسلمون منها ما وجدوا " حتى نزل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فإنه عنى أن هذه الآية مخصصة ومبينة للأولى ونبه بقوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ﴾ على سعة قدرته وعدله وفضله ثم من الذي يغفر له والذي لا يغفر له لا يعقل من ظاهر الآية.
البقرة 2:285
قوله - عز وجل:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ الآية (٢٨٥) - سورة البقرة.
إن قيل: لم لم يذكر هاهنا اليوم الآخر، وقد ذكره في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية؟
قيل: لأمور: أحدها أنه نبه عليه بذكرها في غيرها، والثاني: أن الإيمان بكتبه ورسله مقتض للإيمان باليوم الآخر أظهر عند المؤمنين من أن يحتاج إلى ذكره مفصلاً، ألاً ترى أنه قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ فاقتصر على ذلك ولم يصفه بما وصف به المؤمنين بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ تنبيها على أن ذلك بحيث يستغنى عن ذكرها وهذا الجواب علي قراءة من وقف على فوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾...
والرابع: إن في قوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ دلالة على إيمانهم باليوم الآخر، وقال بعضهم: إنما أفرد إيمان اللنبي - ﷺ -، فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ ثم قال: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، تنبيهاً على شرف إيمانه - عليه الصلاة والسلام-، وأنه سابق لإيمانهم، وأن لا واسطة بمنه- عليه الصلاة والسلام-، وبين الإيمان كما بين إيمان المؤمنين وبين الإيمان به واسطة، وقرأً " ابن عباس " وكتابه "، قال: وهو أبلغ، لقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، ولأن الكتاب للجنس، ولأنه ليس مع كل نبي كتاب مفرد، بل في الأنبياء من استعبد بكتاب الله من يقدمه وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، أي: يقولون ذلك ولم يعن أنهم يتفوهون به فقط، بل يعتقدون ويتحرون مقتضاه بخلاف اليهود والنصارى، حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ولأن تابع الحق والحقيقة هو الذي يعرفه، ومن عرفه تبعه حيث وجده، فامحق من حيثما هو حق لا يخالف بعضه بعضاً، وإنما الباطل هو الذي يتناقض ولا يتطابق، ومن هذا الوجه قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
وإذا كانت الأنبياء على الحق، فلا يعاند بعضهم بعضاً، إذ لا معاندة في الحق...
إن قيل: لم قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وبين تستعمل في شيئين فصاعداً، فكيف قال: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾؟ أيتناول الجنس على طريق الجملة والتفصيل ولذلك لا يستعمل إلاً في الاستفهام والنفي فنبه بذكره هاهنا أنه لا يفرق بينهم لأعلى طريق الجملة وعلى طريق التفصيل.
وقال في الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾
وقاله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي سمعنا قولك، وأطعنا أمرك بخلاف من قال: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ﴾، أي " أنزل غفرانك "، أو نسألك غفرانك، واغفر لنا غفرانك، وكل ذلك متقارب، " واليك المصير " اعتراف بما وعدهم بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
البقرة 2:286
قوله - عز وجل -:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
الآية: (٢٨٦) - سورة البقرة.
القدرة والجهد والاستطاعة قد تقدم الكلام فيها، وكسبت واكتسبت قل يجريان مجرى واحداً، ويقال لما أخذته لنفسك ولغيرك كسبت، ولهذا قد يُعدى إلى مفعولين، فيقال: " كسبت فلاناً كذا "، واستقبح " اكتسبته كذا "، والاكتساب لا يقال وإلا لما استفدته لنفسك، فكل إكتساب كسب، وليس كل كسب اكتساباً، ولهذا انظائر فيه اللغة نحو: " خبر، وطبخ، وشوي " إذا فكل ذلك لنفسه أو فعله لغيره، ويقال: " اختبز، واطبخ، واشتوى " إدا فعل ذلك لنفسه..
والإصر: الثقل وأصله من أصره إذا وعطفه، وقيل للعهد والرحم وكل ما يوجب عليك حماية ما إصر وكل آصر عاطف لمن مر به "، والإصار كساء يجعل فيه حشيش، فيثنى على السنام بين الله تعالى أنه كلف عبده دون ما تنوء به قدرته، فإن الوسع هو القدرة على أكثر قدر المكلف، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ قيل: عنى بالكسب ما عمله من الخير، وبالاكتساب ما عمله من الشر، وقيل: عنى بالكسب ما يفعله الإنسان من فعل خير وجلب نفر من حيثما يجوز إلى غيره، والاكتساب ما يحصله،
لنفسه من نفع يجوز تناوله، فنبه أن ما يفعله الإنسان من نفع غيره فله الثواب، وليس عليه فيه الحساب، وأن ما يحصله لنفسه وإن كان متناولً من حيثما يجوز على الوجه الذي بجوز.
فعليه فيه الحساب يؤيده ما ذكرنا من الفرق بين كسب واكتسب، وقوله: ﴿الَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فإنه عنى النسيان الذي هو الترك أو ذهاب الذكر الذي الإنسان سببه لقلة مراعاته، وكذا الخطأ إنما أدار به ما يكون سبب حصوله، وقد تقدم الكلام في حقيقيهما.
وقوله: ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ يعني: ما يثقل حمله من الأمور الشاقة التي كلف كثيراً منها بني إسرائيل، كقتل الأنفس، وقال بعضهم: يجوز أن يستعبدنا الله تعالى سؤاله أن لا يفعل ما يعلم أنه لا يفعله..
إن قيل: ما الفرق بين العفو والغفران والرحمة؟ وما وجه هذه الترتيب؟
قيل: العفو: إزالة الذنب بترك عقوبته، والغفران ستر الذنوب، وكشف الإحسان الذي غطى به، والرحمة إفاضة الإحسان عليه، وقد علم أن الثاني أبلغ من الأول، والثالث أبلغ من الثاني...
وقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ كقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فنصرة الله للمؤمنين على وجهين أحدهما: من حث الحجة، وقد فعل.
والثاني: من المداولة التي قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ وهذا هو المسؤول أن يجعل لنا عليهم دولة، ولا يجعل لهم علينا دولة، ووجه ثالث وهو أن الله قد نصر المؤمنين كافة حجة وملجأ، ومعونة وظهوراً على الدين كله لكن قد يلحق المسلم غلبة من جهة كافر، وهو المشار إليه بقول أمير المؤمنين - رضي الله عنه: " إن للباطل جولة ثم يضمحل "، فكأن الاستعاذة بالله أن يقينا من هذه الجولة من الكفار..
" تم بحمد الله تفسير سورة البقرة " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: تفسير الراغب الأصفهاني
(من أول سورة آل عمران - وحتى الآية ١١٣ من سورة النساء)
تحقيق ودراسة: د. عادل بن علي الشِّدِي
دار النشر: دار الوطن - الرياض
الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]