Tafsir al-Tabari — هود 11:104 – يوسف 12:71
المحتويات
- هود 11:104
- هود 11:105
- هود 11:106
- هود 11:107
- هود 11:108
- هود 11:109
- هود 11:110
- هود 11:111
- هود 11:112
- هود 11:113
- هود 11:114
- هود 11:115
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- هود 11:120
- هود 11:121
- هود 11:122
- هود 11:123
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:39
- يوسف 12:40
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:48
- يوسف 12:49
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:57
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:71
هود 11:104
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نؤخّر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم به إلا لأن يُقْضَى، فقضى له أجلا فعدّه وأحصَاه، فلا يأتي إلا لأجله ذلك، لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يوم يأتي يوم القيامة، أيها الناس، وتقوم الساعة، لا تكلم نفس إلا بإذن رَبّها.
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿يوم يأتي﴾ .
فقرأ ذلك عامّة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ .
وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف.
* *
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ .
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ، بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعًا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول: "مَا أدْرِ مَا تَقول"، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، اللسان (ليق) ، يقال: " ما يليق بكفه درهم " (بفتح الياء) أي: ما يحتبس = و " ما يلقيه القراء وهو "، أي: ما يحبسه.]]
* *
وقيل: ﴿لا تكلم﴾ ، وإنما هي "لا تتكلم"، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.
* *
وقوله: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقيٌّ وسعيد = وعاد على "النفس"، وهي في اللفظ واحدة، بذكر الجميع في قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ .
* *
يقول: تعالى ذكره: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير﴾ = وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه = ﴿وشهيق﴾ ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:
حَشْرَجَ فِي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ [[ديوانه: ١٠٦، واللسان (حشرج) ، وسيأتي في التفسير ٢٩، ٤ (بولاق) ، من طويلته المشهوره، يصف فيها حمار الوحش، وبعده: كَأَنَّهُ مُسْتَنْشِقٌ مِن الشَّرَقْ ... خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ النَّشَقْ
و" حشرج " ردد الصوت في حلقه ولم يخرجه. و " السحيل "، الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، يقول: صوت شديدٌ وصوت ضعيف.
١٨٥٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية في قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، قال: "الزفير" في الحلق، و"الشهيق" في الصدر.
١٨٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، بنحوه.
١٨٥٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق
١٨٥٧١- حدثنا أبو هشام الرفاعي، ومحمد بن معمر البحراني، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار قالوا، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سليمان بن سفيان قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر قال، لما نزلت هذه الآية: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، سألت النبي ﷺ فقلت: يا نبيّ الله، فعلام عَمَلُنا؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: على شيء قد فُرِغ منه، يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له = اللفظ لحديث ابن معمر. [[الأثر: ١٥٨٧١ " سليمان بن سفيان التميمي "، ضعيف، منكر الحديث، يروي عن الثقات أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٩، وميزان الاعتدال ١: ٤١٥. وهذا خبر ضعيف الإسناد، ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٩٥، عن مسند أبي يعلي، وذكره الحافظ الذهبي في الميزان، بإسناده، عن أبي عامر العقدي. لكن معنى الخبر له شواهد في الصحيح.]]
* *
وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ ، لابثين فيها [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ويعني بقوله: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ ، أبدًا. [[انظر تفسير " ما دام " ١٠: ١٨٥ / ١١: ٧٤، ٢٣٨.]]
* *
وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار". و"ما سمر ابنا سَمِير"، و"ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله "أبدا". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.
* *
وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه.
١٨٥٧٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.
* *
ثم قال: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: الله أعلم بثُنَياه. [[" الثنيا " (بضمك فسكون) و " الثنية "، على وزن (فعيلة) ، و " المثنوية "، كله الاستثناء.]]
وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، [[" سفعته النار والشمس سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون بشرته وسودته.]] ثم يدخلهم الجنة.
١٨٥٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، والله أعلم بثَنيَّته. [[انظر التعليق رقم: ١.]] ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: "الجهنَّميُّون".
١٨٥٧٥- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، إلى قوله: ﴿لما يريد﴾ ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرج قومٌ من النار = قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء. [[" أهل حروراء "، هم الخوارج، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لأنهم يكفرون أهل الكبائر.]]
١٨٥٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناء في أهل التوحيد.
١٨٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ ، إلى قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.
١٨٥٧٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، [سورة النبأ: ٢٣] ، وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، أنهما في أهل التوحيد. [[الأثر: ١٨٥٧٨ - " عامر بن جشيب الحمصي "، روى عن أبي أمامة، وخالد بن معدان، وغيرهما. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣١٩. وكان في المطبوعة: " جشب "، وهو خطأ، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة. وهذا الخبر سيأتي في التفسير ٣٠: ٨، ٩، (بولاق) في تفسير سورة " النبأ ".]]
* *
وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، لا من "الخلود".
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد = يعني الخدري = أو: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ= في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن ﴿خالدين فيها﴾ ، تأتي عليه = قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.
* *
وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٠- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.
١٨٥٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.
* *
وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض.قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، [[في المطبوعة: " كذا قد بينا "، وهو كلام غث، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ.]] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[غاب عني مكانه، فمن وجده فليثبته.]]
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك= وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا = وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: "لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.
* *
ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله. [[انظر ما سيأتي ص: ٤٨٧ - ٤٨٩.]] .
* *
وقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك، يا محمد، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاؤه "، وهو غير مستقيم، والآفة من الناسخ، والصواب ما أثبت، بتقديم " فعله " الأولى.]]
هود 11:105
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نؤخّر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم به إلا لأن يُقْضَى، فقضى له أجلا فعدّه وأحصَاه، فلا يأتي إلا لأجله ذلك، لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يوم يأتي يوم القيامة، أيها الناس، وتقوم الساعة، لا تكلم نفس إلا بإذن رَبّها.
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿يوم يأتي﴾ .
فقرأ ذلك عامّة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ .
وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف.
* *
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ .
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ، بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعًا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول: "مَا أدْرِ مَا تَقول"، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، اللسان (ليق) ، يقال: " ما يليق بكفه درهم " (بفتح الياء) أي: ما يحتبس = و " ما يلقيه القراء وهو "، أي: ما يحبسه.]]
* *
وقيل: ﴿لا تكلم﴾ ، وإنما هي "لا تتكلم"، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.
* *
وقوله: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقيٌّ وسعيد = وعاد على "النفس"، وهي في اللفظ واحدة، بذكر الجميع في قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ .
* *
يقول: تعالى ذكره: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير﴾ = وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه = ﴿وشهيق﴾ ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:
حَشْرَجَ فِي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ [[ديوانه: ١٠٦، واللسان (حشرج) ، وسيأتي في التفسير ٢٩، ٤ (بولاق) ، من طويلته المشهوره، يصف فيها حمار الوحش، وبعده: كَأَنَّهُ مُسْتَنْشِقٌ مِن الشَّرَقْ ... خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ النَّشَقْ
و" حشرج " ردد الصوت في حلقه ولم يخرجه. و " السحيل "، الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، يقول: صوت شديدٌ وصوت ضعيف.
١٨٥٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية في قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، قال: "الزفير" في الحلق، و"الشهيق" في الصدر.
١٨٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، بنحوه.
١٨٥٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق
١٨٥٧١- حدثنا أبو هشام الرفاعي، ومحمد بن معمر البحراني، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار قالوا، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سليمان بن سفيان قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر قال، لما نزلت هذه الآية: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، سألت النبي ﷺ فقلت: يا نبيّ الله، فعلام عَمَلُنا؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: على شيء قد فُرِغ منه، يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له = اللفظ لحديث ابن معمر. [[الأثر: ١٥٨٧١ " سليمان بن سفيان التميمي "، ضعيف، منكر الحديث، يروي عن الثقات أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٩، وميزان الاعتدال ١: ٤١٥. وهذا خبر ضعيف الإسناد، ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٩٥، عن مسند أبي يعلي، وذكره الحافظ الذهبي في الميزان، بإسناده، عن أبي عامر العقدي. لكن معنى الخبر له شواهد في الصحيح.]]
* *
وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ ، لابثين فيها [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ويعني بقوله: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ ، أبدًا. [[انظر تفسير " ما دام " ١٠: ١٨٥ / ١١: ٧٤، ٢٣٨.]]
* *
وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار". و"ما سمر ابنا سَمِير"، و"ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله "أبدا". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.
* *
وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه.
١٨٥٧٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.
* *
ثم قال: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: الله أعلم بثُنَياه. [[" الثنيا " (بضمك فسكون) و " الثنية "، على وزن (فعيلة) ، و " المثنوية "، كله الاستثناء.]]
وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، [[" سفعته النار والشمس سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون بشرته وسودته.]] ثم يدخلهم الجنة.
١٨٥٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، والله أعلم بثَنيَّته. [[انظر التعليق رقم: ١.]] ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: "الجهنَّميُّون".
١٨٥٧٥- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، إلى قوله: ﴿لما يريد﴾ ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرج قومٌ من النار = قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء. [[" أهل حروراء "، هم الخوارج، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لأنهم يكفرون أهل الكبائر.]]
١٨٥٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناء في أهل التوحيد.
١٨٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ ، إلى قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.
١٨٥٧٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، [سورة النبأ: ٢٣] ، وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، أنهما في أهل التوحيد. [[الأثر: ١٨٥٧٨ - " عامر بن جشيب الحمصي "، روى عن أبي أمامة، وخالد بن معدان، وغيرهما. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣١٩. وكان في المطبوعة: " جشب "، وهو خطأ، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة. وهذا الخبر سيأتي في التفسير ٣٠: ٨، ٩، (بولاق) في تفسير سورة " النبأ ".]]
* *
وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، لا من "الخلود".
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد = يعني الخدري = أو: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ= في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن ﴿خالدين فيها﴾ ، تأتي عليه = قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.
* *
وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٠- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.
١٨٥٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.
* *
وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض.قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، [[في المطبوعة: " كذا قد بينا "، وهو كلام غث، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ.]] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[غاب عني مكانه، فمن وجده فليثبته.]]
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك= وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا = وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: "لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.
* *
ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله. [[انظر ما سيأتي ص: ٤٨٧ - ٤٨٩.]] .
* *
وقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك، يا محمد، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاؤه "، وهو غير مستقيم، والآفة من الناسخ، والصواب ما أثبت، بتقديم " فعله " الأولى.]]
هود 11:106
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نؤخّر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم به إلا لأن يُقْضَى، فقضى له أجلا فعدّه وأحصَاه، فلا يأتي إلا لأجله ذلك، لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يوم يأتي يوم القيامة، أيها الناس، وتقوم الساعة، لا تكلم نفس إلا بإذن رَبّها.
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿يوم يأتي﴾ .
فقرأ ذلك عامّة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ .
وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف.
* *
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ .
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ، بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعًا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول: "مَا أدْرِ مَا تَقول"، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، اللسان (ليق) ، يقال: " ما يليق بكفه درهم " (بفتح الياء) أي: ما يحتبس = و " ما يلقيه القراء وهو "، أي: ما يحبسه.]]
* *
وقيل: ﴿لا تكلم﴾ ، وإنما هي "لا تتكلم"، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.
* *
وقوله: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقيٌّ وسعيد = وعاد على "النفس"، وهي في اللفظ واحدة، بذكر الجميع في قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ .
* *
يقول: تعالى ذكره: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير﴾ = وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه = ﴿وشهيق﴾ ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:
حَشْرَجَ فِي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ [[ديوانه: ١٠٦، واللسان (حشرج) ، وسيأتي في التفسير ٢٩، ٤ (بولاق) ، من طويلته المشهوره، يصف فيها حمار الوحش، وبعده: كَأَنَّهُ مُسْتَنْشِقٌ مِن الشَّرَقْ ... خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ النَّشَقْ
و" حشرج " ردد الصوت في حلقه ولم يخرجه. و " السحيل "، الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، يقول: صوت شديدٌ وصوت ضعيف.
١٨٥٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية في قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، قال: "الزفير" في الحلق، و"الشهيق" في الصدر.
١٨٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، بنحوه.
١٨٥٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق
١٨٥٧١- حدثنا أبو هشام الرفاعي، ومحمد بن معمر البحراني، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار قالوا، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سليمان بن سفيان قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر قال، لما نزلت هذه الآية: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، سألت النبي ﷺ فقلت: يا نبيّ الله، فعلام عَمَلُنا؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: على شيء قد فُرِغ منه، يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له = اللفظ لحديث ابن معمر. [[الأثر: ١٥٨٧١ " سليمان بن سفيان التميمي "، ضعيف، منكر الحديث، يروي عن الثقات أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٩، وميزان الاعتدال ١: ٤١٥. وهذا خبر ضعيف الإسناد، ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٩٥، عن مسند أبي يعلي، وذكره الحافظ الذهبي في الميزان، بإسناده، عن أبي عامر العقدي. لكن معنى الخبر له شواهد في الصحيح.]]
* *
وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ ، لابثين فيها [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ويعني بقوله: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ ، أبدًا. [[انظر تفسير " ما دام " ١٠: ١٨٥ / ١١: ٧٤، ٢٣٨.]]
* *
وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار". و"ما سمر ابنا سَمِير"، و"ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله "أبدا". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.
* *
وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه.
١٨٥٧٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.
* *
ثم قال: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: الله أعلم بثُنَياه. [[" الثنيا " (بضمك فسكون) و " الثنية "، على وزن (فعيلة) ، و " المثنوية "، كله الاستثناء.]]
وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، [[" سفعته النار والشمس سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون بشرته وسودته.]] ثم يدخلهم الجنة.
١٨٥٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، والله أعلم بثَنيَّته. [[انظر التعليق رقم: ١.]] ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: "الجهنَّميُّون".
١٨٥٧٥- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، إلى قوله: ﴿لما يريد﴾ ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرج قومٌ من النار = قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء. [[" أهل حروراء "، هم الخوارج، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لأنهم يكفرون أهل الكبائر.]]
١٨٥٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناء في أهل التوحيد.
١٨٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ ، إلى قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.
١٨٥٧٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، [سورة النبأ: ٢٣] ، وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، أنهما في أهل التوحيد. [[الأثر: ١٨٥٧٨ - " عامر بن جشيب الحمصي "، روى عن أبي أمامة، وخالد بن معدان، وغيرهما. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣١٩. وكان في المطبوعة: " جشب "، وهو خطأ، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة. وهذا الخبر سيأتي في التفسير ٣٠: ٨، ٩، (بولاق) في تفسير سورة " النبأ ".]]
* *
وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، لا من "الخلود".
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد = يعني الخدري = أو: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ= في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن ﴿خالدين فيها﴾ ، تأتي عليه = قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.
* *
وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٠- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.
١٨٥٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.
* *
وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض.قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، [[في المطبوعة: " كذا قد بينا "، وهو كلام غث، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ.]] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[غاب عني مكانه، فمن وجده فليثبته.]]
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك= وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا = وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: "لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.
* *
ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله. [[انظر ما سيأتي ص: ٤٨٧ - ٤٨٩.]] .
* *
وقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك، يا محمد، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاؤه "، وهو غير مستقيم، والآفة من الناسخ، والصواب ما أثبت، بتقديم " فعله " الأولى.]]
هود 11:107
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نؤخّر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم به إلا لأن يُقْضَى، فقضى له أجلا فعدّه وأحصَاه، فلا يأتي إلا لأجله ذلك، لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يوم يأتي يوم القيامة، أيها الناس، وتقوم الساعة، لا تكلم نفس إلا بإذن رَبّها.
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿يوم يأتي﴾ .
فقرأ ذلك عامّة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ .
وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف.
* *
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ .
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ، بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعًا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول: "مَا أدْرِ مَا تَقول"، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، اللسان (ليق) ، يقال: " ما يليق بكفه درهم " (بفتح الياء) أي: ما يحتبس = و " ما يلقيه القراء وهو "، أي: ما يحبسه.]]
* *
وقيل: ﴿لا تكلم﴾ ، وإنما هي "لا تتكلم"، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.
* *
وقوله: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقيٌّ وسعيد = وعاد على "النفس"، وهي في اللفظ واحدة، بذكر الجميع في قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ .
* *
يقول: تعالى ذكره: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير﴾ = وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه = ﴿وشهيق﴾ ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:
حَشْرَجَ فِي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ [[ديوانه: ١٠٦، واللسان (حشرج) ، وسيأتي في التفسير ٢٩، ٤ (بولاق) ، من طويلته المشهوره، يصف فيها حمار الوحش، وبعده: كَأَنَّهُ مُسْتَنْشِقٌ مِن الشَّرَقْ ... خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ النَّشَقْ
و" حشرج " ردد الصوت في حلقه ولم يخرجه. و " السحيل "، الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، يقول: صوت شديدٌ وصوت ضعيف.
١٨٥٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية في قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، قال: "الزفير" في الحلق، و"الشهيق" في الصدر.
١٨٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، بنحوه.
١٨٥٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق
١٨٥٧١- حدثنا أبو هشام الرفاعي، ومحمد بن معمر البحراني، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار قالوا، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سليمان بن سفيان قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر قال، لما نزلت هذه الآية: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، سألت النبي ﷺ فقلت: يا نبيّ الله، فعلام عَمَلُنا؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: على شيء قد فُرِغ منه، يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له = اللفظ لحديث ابن معمر. [[الأثر: ١٥٨٧١ " سليمان بن سفيان التميمي "، ضعيف، منكر الحديث، يروي عن الثقات أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٩، وميزان الاعتدال ١: ٤١٥. وهذا خبر ضعيف الإسناد، ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٩٥، عن مسند أبي يعلي، وذكره الحافظ الذهبي في الميزان، بإسناده، عن أبي عامر العقدي. لكن معنى الخبر له شواهد في الصحيح.]]
* *
وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ ، لابثين فيها [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ويعني بقوله: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ ، أبدًا. [[انظر تفسير " ما دام " ١٠: ١٨٥ / ١١: ٧٤، ٢٣٨.]]
* *
وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار". و"ما سمر ابنا سَمِير"، و"ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله "أبدا". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.
* *
وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه.
١٨٥٧٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.
* *
ثم قال: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: الله أعلم بثُنَياه. [[" الثنيا " (بضمك فسكون) و " الثنية "، على وزن (فعيلة) ، و " المثنوية "، كله الاستثناء.]]
وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، [[" سفعته النار والشمس سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون بشرته وسودته.]] ثم يدخلهم الجنة.
١٨٥٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، والله أعلم بثَنيَّته. [[انظر التعليق رقم: ١.]] ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: "الجهنَّميُّون".
١٨٥٧٥- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، إلى قوله: ﴿لما يريد﴾ ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرج قومٌ من النار = قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء. [[" أهل حروراء "، هم الخوارج، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لأنهم يكفرون أهل الكبائر.]]
١٨٥٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناء في أهل التوحيد.
١٨٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ ، إلى قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.
١٨٥٧٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، [سورة النبأ: ٢٣] ، وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، أنهما في أهل التوحيد. [[الأثر: ١٨٥٧٨ - " عامر بن جشيب الحمصي "، روى عن أبي أمامة، وخالد بن معدان، وغيرهما. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣١٩. وكان في المطبوعة: " جشب "، وهو خطأ، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة. وهذا الخبر سيأتي في التفسير ٣٠: ٨، ٩، (بولاق) في تفسير سورة " النبأ ".]]
* *
وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، لا من "الخلود".
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد = يعني الخدري = أو: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ= في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن ﴿خالدين فيها﴾ ، تأتي عليه = قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.
* *
وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٠- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.
١٨٥٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.
* *
وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض.قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، [[في المطبوعة: " كذا قد بينا "، وهو كلام غث، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ.]] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[غاب عني مكانه، فمن وجده فليثبته.]]
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك= وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا = وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: "لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.
* *
ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله. [[انظر ما سيأتي ص: ٤٨٧ - ٤٨٩.]] .
* *
وقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك، يا محمد، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاؤه "، وهو غير مستقيم، والآفة من الناسخ، والصواب ما أثبت، بتقديم " فعله " الأولى.]]
هود 11:108
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾
قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء المدينة والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا﴾ ، بفتح السين.
* *
وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ ، بضم السين، بمعنى: رُزِقوا السعادة.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.
* *
فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿سُعِدُوا﴾ ، فيما لم يسمَّ فاعله، ولم يقل: "أسعدوا"، وأنت لا تقول في الخبر فيما سُمِّى فاعله: "سعده الله"، بل إنما تقول: "أسعده الله"؟
قيل ذلك نظير قولهم: "هو مجنون " و"محبوب"، [[في المطبوعة والمخطوطة: " هو مجنون، محبوب "، والأجود الفصل بالواو.]] فيما لم يسمَّ فاعله، فإذا سموا فاعله قيل: "أجنه الله "، و"أحبه"، والعرب تفعل ذلك كثيرًا. وقد بينا بعض ذلك فيما مضى من كتابنا هذا. [[غاب أيضًا عني مكانه، فمن وجده فليقيده.]]
* *
وتأويل ذلك: وأما الذين سعدوا برحمة الله، فهم في الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، يقول: أبدًا = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ .
* *
فاختلف أهل التاويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، من قدر ما مكثوا في النار قبل دخُولهم الجنة. قالوا: وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك في قوله: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: هو أيضًا في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة. يقول: خالدين في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك. يقول: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، من الزيادة على قدر مُدّة دوام السموات والأرض، قالوا: وذلك هو الخلود فيها أبدًا.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: ومشيئته خلودهم فيها، ثم أتبعها فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ .
* *
واختلف أهل العربية في وجه الاستثناء في هذا الموضع.
فقال بعضهم في ذلك معنيان:
أحدهما: أن تجعله استثناءً يستثنيه ولا يفعله، كقولك: "والله لأضربنَّك إلا أن أرى غير ذلك"، وعزمُك على ضربه. [[في معاني القرآن للفراء: " وعزيمتك على ضربه "، وهذا نص كلام الفراء.]] قال: فكذلك قال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، ولا يشاؤه، [وهو أعلم] . [[الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء.]]
قال: والقول الآخر: أنّ العرب إذا استثنت شيئًا كثيرًا مع مثله، ومع ما هو أكثر منه، [[في المطبوعة والمخطوطة: " ومع ما هو أكثر منه "، والصواب من معاني القرآن: " أو مع. . ".]] كان معنى "إلا " ومعنى "الواو" سواء. فمن كان قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ = سوى ما شاء الله من زيادة الخلود، فيجعل "إلا" مكان "سوى" فيصلح، وكأنه قال: "خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد". ومثله في الكلام أن تقول: لي عليك ألف إلا ألفين اللذين [مِنْ قِبَل فلان"، أفلا ترى أنه في المعنى: لي عليك ألفٌ سِوَى الألفين] ؟ [[كان في المطبوعة والمخطوطة: " إلا الألفين اللذين قبلهما "، وليس فيهما بقية ما أثبت، وهو كلام مبهم، نقلت سائره، وزدته بين القوسين من معاني القرآن للفراء، فهذا نص كلامه.]] قال: وهذا أحبُّ الوجهين إليّ، لأنّ الله لا خُلْفَ لوعده. [[في المطبوعة: " لا خلف لوعده "، وفي المخطوطة؛ " لا مخلف لوعده "، والصواب من معاني القرآن.]] وقد وصل الاستثناء بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، فدلَّ على أن الاستثناء لهم بقوله في الخلود غير منقطعٍ عنهم.
* *
وقال آخر منهم بنحو هذا القول. وقالوا: جائز فيه وجه ثالثٌ: وهو أن يكون استثنى من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ، إلى أن يصيُروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد. يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرْزَخ.
* *
وقال آخر منهم: جائز أن يكون دوام السموات والأرض، بمعنى: الأبد، على ما تعرف العرب وتستعمل، وتستثنى المشيئة من داومها، لأنَّ أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقاتِ دوام السموات والأرض في الدنيا، لا في الجنة، فكأنه قال: خالدين في الجنة، وخالدين في النار، دوامَ السماء، والأرض، إلا ما شاء ربُّك من تعميرهم في الدنيا قبلَ ذلك.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، القولُ الذي ذكرته عن الضحاك، وهو ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، من قدر مُكْثِهم في النار، من لدن دخلوها إلى أن ادخلوا الجنة، وتكون الآية معناها الخصوص، لأن الأشهر من كلام العرب في "إلا" توجيهها إلى معنى الاستثناء، وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها، إلا أن يكون معها دلالةٌ تدلُّ على خلاف ذلك. ولا دلالة في الكلام = أعني في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ = تدلُّ على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام، فيُوَجَّه إليه.
* *
وأما قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، فإنه يعني: عطاءً من الله غيرَ مقطوع عنهم.
* *
من قولهم: "جذذت الشيء أجذّه جذًّا"، إذا قطعته، كما قال النابغة: [[في المخطوطة: " كما قال الشاعر النابغة "، وهي زيادة لا تجدي.]]
تَجذُّ السَّلُوقِيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَيوقِدْنَ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ [[ديوانه: ٤٤، واللسان (حبحب) ، (سلق) ، (صفح) ، من قصيدته المشهورة، يقول فيه قبله، في صفة سيوف الغسانيين، وذلك في مدحه عمرو بن الحراث الأعرج: وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
تُوُرِّثْن مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمةٍ ... إلى اليَوْمِ قَدْ جُرِّبنَ كُلَّ التَّجَارِبِ
تَقُدُّ السُّلُوقيّ. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذه رواية الديوان. و " السلوقي "، الدروع، منسوبة إلى " سلوق "، وهي مدينة. و " الصفاح " حجارة عراض. و " نار الحباحب "، الشرر الذي يسقط من الزناد. ورواية الديوان: " وتوقد بالصفاح "، وهما سواء.]] يعني بقوله: "تجذ": تقطع.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: غير مقطوع.
١٨٥٨٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، يقول: غير منقطع.
١٨٥٨٧- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، يقول: عطاء غير مقطوع.
١٨٥٨٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مجذوذ﴾ ، قال: مقطوع.
١٨٥٨٩- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: غير مقطوع.
١٨٥٩٠-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٥٩١-.... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله.
١٨٥٩٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج. عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٨٥٩٣-. . . . قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: أما هذه فقد أمضَاها. يقول: عطاء غير منقطع.
١٨٥٩٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، غير منزوع منهم.
هود 11:109
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فلا تَك في شك، يا محمد، مما يعبد هؤلاء المشركون من قومك من الآلهة والأصنام، [[انظر تفسير " المرية " فيما سلف من فهارس اللغة (مري) .]] أنه ضلالٌ وباطلٌ، وأنه بالله شركٌ = ﴿ما يعبد هؤلاء إلا كما يعبد آباؤهم من قبل﴾ ، يقول: إلا كعبادة آبائهم، من قبل عبادتهم لها. يُخبر تعالى ذكره أنهم لم يعبدُوا ما عبدوا من الأوثان إلا اتباعًا منهم منهاج آبائهم، واقتفاءً منهم آثارهم في عبادتهموها، لا عن أمر الله إياهم بذلك، ولا بحجة تبيَّنوها توجب عليهم عبادتها.
ثم أخبر جل ثناؤه نبيَّه ما هو فاعل بهم لعبادتهم ذلك، فقال جل ثناؤه: ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، يعني: حظهم مما وعدتهم أن أوفّيهموه من خير أو شر [[انظر تفسير " وفي " فيما سلف ١٤: ٣٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
= وتفسير " النصيب " فيما سلف ١٢: ٤٠٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿غير منقوص﴾ ، يقول: لا أنقصهم مما وعدتهم، بل أتمّم ذلك لهم على التمام والكمال، [[انظر تفسير " النقص " فيما سلف ١٤: ١٣٢.]] كما:-
١٨٥٩٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وإنا لموفُّوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، قال: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر.
١٨٥٩٦- حدثنا أبو كريب ومحمد بن بشار قالا حدثنا وكيع، عن سفيان عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله= إلا أن أبا كريب قال في حديثه: من خيرٍ أو شرّ.
١٨٥٩٧- حدثني المثني قال، أخبرنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد عن ابن عباس: ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، قال: ما قُدِّر لهم من الخير والشر.
١٨٥٩٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وإنا لموفّوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، قال: ما يصيبهم من خير أو شر.
١٨٥٩٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، قال: نصيبهم من العذاب.
هود 11:110
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مسليًا نبيه في تكذيب مشركي قومه إياه فيما أتاهم به من عند الله، بفعل بني إسرائيل بموسى فيما أتاهم به من عند الله. يقول له تعالى ذكره: ولا يحزنك، يا محمد، تكذيب هؤلاء المشركين لك، وامض لما أمرك به ربُّك من تبليغ رسالته، فإن الذي يفعل بك هؤلاء من ردِّ ما جئتهم به عليك من النصيحة من فعل ضُربائهم من الأمم قبلهم وسنَّةٌ من سُنتهم.
ثم أخبره جل ثناؤه بما فعل قوم موسى به فقال: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ ، يعني: التوراة، كما آتيناك الفرقان، فاختلف في ذلك الكتاب قومُ موسى، فكذّب به بعضُهم وصدّق به بعضهم، كما قد فعل قومك بالفرقان من تصديق بعض به، وتكذيب بعض = ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ ، يقول تعالى ذكره: ولولا كلمة سبقت، يا محمد، من ربك بأنه لا يعجل على خلقه العذاب، ولكن يتأنى حتى يبلغ الكتاب أجله = ﴿لقضي بينهم﴾ ، يقول: لقضي بين المكذب منهم به والمصدِّق، بإهلاك الله المكذب به منهم، وإنجائه المصدق به = ﴿وإنهم لفي شك منه مريب﴾ ، يقول: وإن المكذبين به منهم لفي شك من حقيقته أنه من عند الله = ﴿مريب﴾ ، يقول: يريبهم، فلا يدرون أحقٌّ هو أم باطلٌ؟ ولكنهم فيه ممترون. [[انظر تفسير " مريب " فيما سلف ص: ٣٧٠، تعليق: ١.]]
هود 11:111
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته جماعة من قراء أهل المدينة والكوفة: ﴿وَإنَّ﴾ مشددة ﴿كُلا لَمَّا﴾ مشددة.
* *
واختلف أهل العربية في معنى ذلك:
فقال بعض نحويي الكوفيين: معناه إذا قرئ كذلك: وإنّ كلا لممَّا ليوفينهم ربك أعمالهم = ولكن لما اجتمعت الميمات حذفت واحدة، فبقيت ثنتان، فأدغمت واحدة في الأخرى، كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
وَإِنِّي لَمِمَّا أُصْدِرُ الأَمْرَ وَجْهَهُ ... إِذَا هُوَ أَعْيى بالسَّبِيلِ مَصَادِرُهُ [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية. في المطبوعة: " لما " و " أعيى بالنبيل "، وكلاهما خطأ، صوابه من المخطوطة ومعاني القرآن. وقوله " لمما " هنا، ليست من باب " لما " التي يذكرها، إلا في اجتماع الميمات. وذلك أن قوله: " وإن كلا لمما ليوفينهم "، أصلها: " لمن ما "، " من " بفتح فسكون، اسم. وأما التي في البيت فهي " لمن ما "، " من " حرف جر، ومعناها معنى " ربما " للتكثير، وشاهدهم عليه قول أبي حية النميري (سيبويه ١: ٤٧٧) : وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الفَم.]]
ثم تخفف، كما قرأ بعض القراء: ﴿وَالْبَغْيْ يَعِظُكُمْ﴾ ، [سورة النحل: ٩٠] ، تخفُّ الياء مع الياء. [[هكذا في المخطوطة: " تخف "، وفي المطبوعة: " يخفف "، وأما الذي في معاني القرآن للفراء، وهذا نص كلامه: " بحذف الياء "، وهو الصواب الجيد.]] وذكر أن الكسائي أنشده: [[لم أعرف قائله.]]
وَأشْمَتَّ العُدَاةَ بِنَا فَأضْحَوْا ... لدَيْ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِينَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، وفي المطبوعة والمخطوطة: " وأشمت الأعداء "، وهو خطأ، صوابه من معاني القرآن.]]
وقال: يريد "لديَّ يتباشرون بما لقينا"، فحذف ياء، لحركتهن واجتماعهن، قال: ومثله: [[لم أعرف قائله.]]
كأنَّ مِنْ آخِرِها الْقادِمِ ... مَخْرِمُ نَجْدٍ فارعِ المَخَارِمِ [[معاني القرآن للفراء، في تفسير الآية. وكان في المطبوعة: " من أحرها "، و " محرم " و " المحارم "، وهو خطأ. و " المخرم "، (بفتح فسكون فكسر) ، الطريق في الجبل، وجمعه " مخارم ".]]
وقال: أراد: إلى القادم، فحذف اللام عند اللام.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك إذا قرئ كذلك: وإن كلا شديدًا وحقًّا، ليوفينهم ربك أعمالهم. قال: وإنما يراد إذا قرئ ذلك كذلك: ﴿وإنّ كلا لمَّا﴾ بالتشديد والتنوين، [[هذه قراءة الزهري، كما سيأتي ص: ٤٩٨.]] ولكن قارئ ذلك كذلك حذف منه التنوين، فأخرجه على لفظ فعل "لمَّا"، كما فعل ذلك في قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ ، [سورة المؤمنون: ٤٤] ، فقرأ "تترى"، بعضهم بالتنوين، كما قرأ من قرأ: "لمَّا" بالتنوين، وقرأ آخرون بغير تنوين، كما قرأ ﴿لمَّا﴾ بغير تنوين من قرأه. وقالوا: أصله من "اللَّمِّ" من قول الله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا﴾ ، يعني: أكلا شديدًا.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك إذا قرئ كذلك: وإنّ كلا إلا ليوفينهم، كما يقول القائل: " بالله لمَّا قمتَ عنا، وبالله إلا قمت عنا". [[في المطبوعة والمخطوطة: " لقد قمت عنا، وبالله إلا قمت عنا "، وذلك خطأ، ولا شاهد فيه، وصوابه من معاني القرآن للفراء، في تفسير الآية.]]
* *
قال أبو جعفر: ووجدت عامة أهل العلم بالعربية ينكرون هذا القول، ويأبون أن يكون جائزًا توجيه "لمَّا" إلى معنى "إلا"، في اليمين خاصة. [[في المطبوعة، أسقط " إلا " الثانية، فأفسد الكلام.]] وقالوا: لو جاز أن يكون ذلك بمعنى إلا جاز أن يقال: "قام القوم لمَّا أخاك" بمعنى: إلا أخاك، ودخولها في كل موضع صلح دخول "إلا" فيه.
قال أبو جعفر: وأنا أرى أنّ ذلك فاسد من وجه هو أبين مما قاله الذين حكينا قولهم من أهل العربية، في فساده، وهو أنّ "إنّ" إثبات للشيء وتحقيق له، و"إلا"، تحقيق أيضًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: " وإلا أيضًا تحقق أيضًا "، حذفت أولاهما، لأنه تكرار ولا ريب.]] وإنما تدخل نقضًا لجحد قد تقدَّمها. فإذا كان ذلك معناها، فواجب أن تكون عندَ متأولها التأويلَ الذي ذكرنا عنه، أن تكون "إنّ" بمعنى الجحد عنده، حتى تكون "إلا نقضًا" لها. وذلك إن قاله قائل، قولٌ لا يخفى جهلُ قائله، اللهم إلا أن يخفف قارئ "إن" فيجعلها بمعنى "إن" التي تكون بمعنى الجحد. وإن فعل ذلك، فسدت قراءته ذلك كذلك أيضًا من وجه آخر، وهو أنه يصير حينئذ ناصبًا "لكل" بقوله: ليوفينهم، وليس في العربية أن ينصب ما بعد "إلا" من الفعل، الاسم الذي قبلها. لا تقول العرب: "ما زيدًا إلا ضربت"، فيفسد ذلك إذا قرئ كذلك من هذا الوجه، إلا أن يرفع رافع "الكل"، فيخالف بقراءته ذلك كذلك قراءة القراء وخط مصاحف المسلمين، ولا يخرج بذلك من العيب لخروجه من معروف كلام العرب. [[في المطبوعة: " بخروجه "، والصواب من المخطوطة.]]
* *
وقد قرأ ذلك بعض قراء الكوفيين: ﴿وَإنْ كُلا﴾ بتخفيف "إن" ونصب ﴿كُلا لمَّا﴾ مشدّدة.
* *
وزعم بعض أهل العربية أن قارئ ذلك كذلك، أراد "إنّ" الثقيلة فخففها، وذكر عن أبي زيد البصري أنه سمع: "كأنْ ثَديَيْه حُقَّان"، فنصب ب "كأن"، والنون مخففة من "كأنّ"، ومنه قول الشاعر: [[من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها.]]
وَوَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ [[سيبويه ١: ٢٨١، رفعًا " كأن ثدياه، وابن الشجري في أماليه ١: ٢٣٧ رفعًا ٢: ٣، نصبا، والخزانة ٤: ٣٥٨، والعيني (هامش الخزانة) ٢: ٣٠٥.]]
* *
وقرأ ذلك بعض المدنيين بتخفيف: ﴿إنْ﴾ ونصب ﴿كُلا﴾ ، وتخفيف ﴿لَمَا﴾ .
* *
وقد يحتمل أن يكون قارئ ذلك كذلك، قصدَ المعنى الذي حكيناه عن قارئ الكوفة من تخفيفه نون "إن" وهو يريد تشديدها، ويريد ب"ما" التي في "لما" التي تدخل في الكلام صلة، [[" صلة "، أي: زيادة، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف.]] وأن يكون قَصَد إلى تحميل الكلام معنى: وإنّ كلا ليوفينهم.
ويجوز أن يكون معناه كان في قراءته ذلك كذلك: وإنّ كُلا ليوفينهم، أي: ليوفين كُلا = فيكون نيته في نصب "كل" كانت بقوله: "ليوفينهم"، فإن كان ذلك أراد، ففيه من القبح ما ذكرت من خلافه كلام العرب. وذلك أنها لا تنصب بفعل بعد لام اليمين اسمًا قبلَها.
* *
وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والبصرة: ﴿وَإنَّ﴾ مشددة ﴿كُلا لَمَا﴾ مخففة ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ . ولهذه القراءة وجهان من المعنى:
أحدهما: أن يكون قارئها أراد: وإن كلا لمَنَ ليوفينهم ربك أعمالهم، فيوجه "ما" التي في "لما" إلى معنى "من" كما قال جل ثناؤه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، [سورة النساء: ٣] ، وإن كان أكثر استعمال العرب لها في غير بني آدم = وينوي باللام التي في "لما" اللام التي تُتَلقَّى بها "إنْ" جوابًا لها، وباللام التي في قوله: ﴿ليوفينهم﴾ ، لام اليمين، دخلت فيما بين ما وصلتها، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [سورة النساء: ٧٢] ، وكما يقال: "هذا ما لَغَيرُه أفضلُ منه".
والوجه الآخر: أن يجعل "ما" التي في "لما" بمعنى "ما" التي تدخل صلة في الكلام، واللام التي فيها هي اللام التي يجاب بها، واللام التي في: ﴿ليوفينهم﴾ ، هي أيضًا اللام التي يجاب بها "إنّ" كررت وأعيدت، إذا كان ذلك موضعها، وكانت الأولى مما تدخلها العرب في غير موضعها، ثم تعيدها بعدُ في موضعها، كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أَعِزَّةً ... لَبَعْدُ لَقَدْ لاقَيْتُ لا بُدَّ مَصْرَعَا [[معاني القرآن للفراء، في تفسير الآية. وكان في المخطوطة والمطبوعة: " مصرعي "، وأثبت ما في معاني القرآن.]]
وقرأ ذلك الزهري فيما ذكر عنه: ﴿وإنَّ كُلا﴾ بتشديد "إنَّ"، و ﴿لمَّا﴾ بتنوينها، بمعنى: شديدًا وحقًا وجميعًا.
* *
قال أبو جعفر: وأصح هذه القراءات مخرجًا على كلام العرب المستفيض فيهم، قراءة من قرأ: "وَإنَّ" بتشديد نونها، "كُلا لَمَا" بتخفيف "ما" ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ﴾ ، بمعنى: وإن كل هؤلاء الذين قصَصَنا عليك، يا محمد، قصصهم في هذه السورة، لمن ليوفينهم ربك أعمالهم، بالصالح منها بالجزيل من الثواب، وبالطالح منها بالشديد من العقاب = فتكون "ما" بمعنى "مَن" واللام التي فيها جوابًا ل"إنّ"، واللام في قوله: ﴿ليوفيننم﴾ ، لام قسم.
* *
وقوله: ﴿إنه بما يعملون خبير﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك بما يعمل هؤلاء المشركون بالله من قومك، يا محمد، "خبير"، لا يخفى عليه شيء من عملهم، بل يخبرُ ذلك كله ويعلمه ويحيط به، حتى يجازيهم على جميع ذلك جزاءهم. [[لنظر تفسير " خبير " فيما سلف من فهارس اللغة (خبر) .]]
هود 11:112
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاستقم أنت، يا محمد، على أمر ربك، والدين الذي ابتعثك به، والدعاء إليه، كما أمرك ربك [[لنظر تفسير " الاستقامة " فيما سلف ص: ١٨٧.]] = ﴿ومن تاب معك﴾ ، يقول: ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره = ﴿ولا تطغوا﴾ ، يقول: ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه. [[لنظر تفسير " طغى " فيما سلف ص: ٣٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ﴿إنه بما تعملون بصير﴾ ، يقول: إن ربكم، أيها الناس، بما تعملون من الأعمال كلِّها، طاعتها ومعصيتها= "بصير"، ذو علم بها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو لجميعها مبصرٌ. [[لنظر تفسير " بصير " فيما سلف من فهارس اللغة (بصر) .]] يقول تعالى ذكره: فاتقوا الله، أيها الناس، أن يطَّلع عليكم ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره، فإنه ذو علم بما تعلمون، وهو لكم بالمرصاد.
* *
وكان ابن عيينة يقول في معنى قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ، ما:-
١٨٦٠٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان في قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ، قال: استقم على القرآن.
١٨٦٠١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولا تطغوا﴾ ، قال: الطغيان: خلاف الله، وركوب معصيته. ذلك "الطغيان".
هود 11:113
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تميلوا، أيها الناس، إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم = ﴿فتمسكم النار﴾ ، بفعلكم ذلك [[لنظر تفسير " المس " فيما سلف ص: ٣٥٣، تعليق: ٦، والمراجع هناك.]] = وما لكم من دون الله من ناصر ينصركم ووليّ يليكم [[لنظر تفسير " الأولياء " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] = ﴿ثم لا تنصرون﴾ ، يقول: فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله، بل يخلِّيكم من نصرته ويسلط عليكم عدوّكم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٠٢- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ ، يعني: الركون إلى الشرك.
١٨٦٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ، يقول: لا ترضوا أعمالهم.
١٨٦٠٤- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ، يقول: لا ترضوا أعمالهم. يقول: "الركون"، الرضى.
١٨٦٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ، قال: لا ترضوا أعمالهم = ﴿فتمسكم النار﴾ .
١٨٦٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ، قال: قال ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا.
١٨٦٠٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ ، يقول: لا تلحقوا بالشرك، وهو الذي خرجتم منه.
١٨٦٠٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ ، قال: "الركون"، الإدهان. وقرأ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ، [سورة القلم: ٩] ، قال: تركنُ إليهم، ولا تنكر عليهم الذي قالوا، وقد قالوا العظيمَ من كفرهم بالله وكتابه ورسله. قال: وإنما هذا لأهل الكفر وأهل الشرك وليس لأهل الإسلام. أما أهل الذنوب من أهل الإسلام، فالله أعلم بذنوبهم وأعمالهم. ما ينبغي لأحد أن يُصَالح على شيء من معاصي الله، ولا يركن إليه فيها.
هود 11:114
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وأقم الصلاة﴾ ، يا محمد، يعني: صَلِّ = ﴿طرفي النهار﴾ ، يعني الغداةَ والعشيَّ.
* *
واختلف أهل التأويل في التي عُنِيت بهذه الآية من صَلوات العشيّ، بعد إجماع جميعهم على أن التي عُنيت من صَلاة الغداة، الفجرُ.
فقال بعضهم: عُنيت بذلك صلاة الظهر والعصر. قالوا: وهما من صلاة العشيّ.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٠٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: الفجر، وصلاتي العشي = يعني الظهر والعصر.
١٨٦١٠- حدثني المثني قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
١٨٦١١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: صلاة الفجر، وصلاة العشي.
١٨٦١٢- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح بن سعيد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: فطرفا النهار: الفجرُ والظهرُ والعصرُ.
١٨٦١٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: ﴿طرفي النهار﴾ ، قال: الفجر والظهر والعصر.
١٨٦١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: الفجر والظهر والعصر.
* *
وقال آخرون: بل عنى بها صلاة المغرب.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦١٥- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، يقول: صلاة الغداة وصلاة المغرب.
١٨٦١٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى، عن عوف، عن الحسن: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال. صلاة الغداة والمغرب.
١٨٦١٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الصبح، والمغرب.
* *
وقال آخرون: عني بها: صلاة العصر.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: صلاة الفجر والعصر.
١٨٦١٩-. . . . قال: حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد القبائي، عن محمد بن كعب ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الفجر والعصر.
١٨٦٢٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: صلاة الصبح وصلاة العصر.
١٨٦٢١- حدثني الحسين بن علي الصدائي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا مبارك، عن الحسن قال، قال الله لنبيه: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: ﴿طرفي النهار﴾ ، الغداة والعصر.
١٨٦٢٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، يعني صلاة العصر والصبح.
١٨٦٢٣- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الغداة والعصر.
١٨٦٢٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن زيد، عن محمد بن كعب: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الفجر والعصر.
١٨٦٢٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة، عن الحسن: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: الغداة والعصر.
* *
وقال بعضهم: بل عنى بطرفي النهار: الظهر، والعصر، وبقوله: ﴿زلفًا من الليل﴾ ، المغر ب، والعشاء، والصبح.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: "هي صلاة المغرب"، كما ذكرنا عن ابن عباس.
وإنما قلنا هو أولى بالصواب لإجماع الجميع على أن صلاة أحد الطرفين من ذلك صلاة الفجر، وهي تصلى قبل طلُوع الشمس. فالواجب إذ كان ذلك من جميعهم إجماعًا، أن تكون صلاةُ الطرف الآخر المغرب، لأنها تصلى بعد غُروب الشمس. ولو كان واجبًا أن يكون مرادًا بصلاة أحد الطرفين قبل غروب الشمس، وجب أن يكون مرادًا بصلاة الطرف الآخر بعدَ طلوعها، وذلك ما لا نعلم قائلا قاله، إلا من قال: "عنى بذلك صلاة الظهر والعصر". وذلك قول لا يُخِيلُ فساده، [[في المطبوعة: " لا نحيل فساده "، وهو كلام فاسد، وفي المخطوطة غير منقوطة. يقال: " أخال الشيء "، اشتبه. يقال " هذا الأمر لا يخيل على أحد "، أي لا يشكل. و " شيء مخيل "، مشكل. وقد مضى مثله وعلقت عليه في أوائل الكتاب، في مواضع.]] لأنهما إلى أن يكونا جميعًا من صلاة أحد الطرفين، أقربُ منهما إلى أن يكونا من صلاة طرفي النهار. وذلك أن "الظهر" لا شك أنها تصلَّى بعد مضي نصف النهار في النصف الثاني منه، فمحالٌ أن تكون من طرف النهار الأول، وهي في طرفه الآخر.
فإذا كان لا قائلَ من أهل العلم يقول: "عنى بصلاة طرف النهار الأول صلاةً بعد طلوع الشمس"، وجب أن يكون غير جائز أن يقال: "عنى بصلاة طرف النهار الآخر صلاةً قبل غروبها".
وإذا كان ذلك كذلك، صح ما قلنا في ذلك من القول، وفسدَ ما خالفه.
* *
وأما قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، فإنه يعني: ساعاتٍ من الليل.
* *
وهي جمع "زُلْفة"، و"الزلفة"، الساعة، والمنزلة، والقربة، وقيل: إنما سميت "المزدلفة " و"جمع " من ذلك، لأنها منزلٌ بعد عرفة = وقيل سميت بذلك، لازدلاف آدم من عَرَفة إلى حواء وهي بها، ومنه قول العجاج في صفة بعير:
ناجٍ طَوَاهُ الأَيْنُ مِمَّا وجَفا ... طَيَّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفَا [[ديوانه: ٨٤، مجاز القرآن ١: ٣٠٠، وسيبويه ١: ١٨٠، واللسان (زلف) ، (حقف) ، (سما) ، (وجف) وغيرها كثير، وسيأتي في التفسير ١٩: ٥١ (بولاق) . وبعده هناك: سَمَاوَةَ الهِلاَلِ حَتَّى احْقَوْقَفَا
" الأين "، التعب. " وجف " من " الوجيف "، وهو سرعة السير. و " سماوة الهلال " شخصه، إذا ارتفع في الأفق شيئًا. و " احقوقف " اعوج.]]
* *
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء المدينة والعراق: ﴿وَزُلَفًا﴾ ، بضم الزاي وفتح اللام.
* *
وقرأه بعض أهل المدينة بضم الزاي واللام = كأنه وجَّهه إلى أنه واحدٌ، وأنه بمنزلة "الحُلُم".
* *
وقرأ بعض المكيين: ﴿وَزُلْفًا﴾ ، ضم الزاي وتسكين اللام.
* *
قال أبو جعفر: وأعجب القراءات في ذلك إليّ أن أقرأها: ﴿وزُلَفًا﴾ ، بضم الزاي وفتح اللام، على معنى جمع "زُلْفة"، كما تجمع "غُرْفَة غُرف"، و"حُجْرة حُجر".
وإنما اخترت قراءة ذلك كذلك، لان صلاة العشاء الآخرة إنما تصلى بعد مضيّ زُلَفٍ من الليل، وهي التي عُنِيت عندي بقوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ .
* *
وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٢٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: الساعات من الليل صلاة العتمة.
١٨٦٢٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٦٢٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٨٦٢٩- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿زلفًا من الليل﴾ يقول: صلاة العتمة.
١٨٦٣٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى، عن عوف، عن الحسن: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: العشاء.
١٨٦٣١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس يعجبه التأخير بالعشاء ويقرأ: ﴿وزلفًا من الليل﴾ .
١٨٦٣٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: ساعة من الليل، صلاة العتمة.
١٨٦٣٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: العتمة، وما سمعت أحدًا من فقهائنا ومشايخنا، يقول "العشاء"، ما يقولون إلا "العتمة"
* *
وقال قوم: الصلاة التي أمر النبي ﷺ بإقامتها زُلَفًا من الليل، صلاة المغرب والعشاء.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٣٤- حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع، واللفظ ليعقوب قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا أبو رجاء عن الحسن: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: هما زُلفتان من الليل: صلاة المغرب، وصلاة العشاء.
١٨٦٣٥- حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا حدثنا جرير، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب، والعشاء.
١٨٦٣٦- حدثني الحسن بن علي، قال ثنا أبي قال، حدثنا مبارك، عن الحسن، قال الله لنبيه ﷺ: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، قال: ﴿زلفًا من الليل﴾ : المغرب، والعشاء، قال رسول الله ﷺ هما زُلْفَتا الليل، المغرب والعشاء."
١٨٦٣٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب، والعشاء.
١٨٦٣٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
١٨٦٣٩- حدثني المثنى قال حدثنا أبو نعيم قال:، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
١٨٦٤٠-. . . . قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قد بيّن اللهُ مواقيتَ الصلاة في القرآن، قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [سورة الإسراء: ٧٨] ، قال: "دلوكها": إذا زالت عن بطن السماء، وكان لها في الأرض فيءٌ. وقال: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الغداة، والعصر = ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، المغرب، والعشاء. قال: فقال رسول الله ﷺ: هُما زلفتا الليل، المغرب والعشاء.
١٨٦٤١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: يعني صلاة المغرب وصلاة العشاء.
١٨٦٤٢- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح بن سعيد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: ﴿زلفًا من الليل﴾ ، المغرب والعشاء.
١٨٦٤٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب، مثله.
١٨٦٤٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، المغرب والعشاء.
١٨٦٤٥- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم بن سليمان، عن الحسن قال: زلفتا الليل، المغرب والعشاء.
١٨٦٤٦- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب والعشاء.
١٨٦٤٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عاصم، عن الحسن: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب والعشاء.
١٨٦٤٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب والعشاء.
١٨٦٤٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن الحسن: ﴿زلفًا من الليل﴾ ، صلاة المغرب والعشاء.
* *
وقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، يقول تعالى ذكره: إنّ الإنابة إلى طاعة الله والعمل بما يرضيه، يذهب آثام معصية الله، ويكفّر الذنوب. [[" الأثام "، عقوبة الإثم وجزاؤه. وأما " الآثام " فجمع " إثم "، وهو الذئب.]]
* *
ثم اختلف أهل التأويل في الحسنات التي عنى الله في هذا الموضع، اللاتي يذهبن السيئات، فقال بعضهم: هنّ الصلوات الخمس المكتوبات.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٥٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي الورد بن ثمامة، عن أبي محمد ابن الحضرمي قال، حدثنا كعب في هذا المسجد، قال: والذي نفس كعب بيده، إن الصلوات الخمس لهُنّ الحسنات التي يذهبن السيئات، كما يغسل الماءُ الدَّرَنَ. [[الأثر: ١٨٦٥٠ - " الجريري "، هو " سعيد بن إياس الجريري "، سلف مرارًا. و " أبو الورد بن ثمامة بن حزن القشيري "، ويقال هو: " ثمامة بن حزن "، تابعي ثقة، لم يدرك غير واحد من الصحابة، وكان قليل الحديث. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧ / ١ / ١٦٤، والكنى للبخاري: ٧٩، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٤٥١ في الكنى، وفي " ثمامة بن حزن القشيري " ١ / ١ / ٤٦٥، ولم يقل هو " أبو الورد "، فكأنهما عنده رجلان. " وأبو محمد بن الحضرمي "، هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة، والذي في كتب الرجال: " أبو محمد الحضرمي "، غلام أبي أيوب الأنصاري، مترجم في التهذيب، والكنى للبخاري: ٦٦، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٤٣٢، ولم يذكروا له رواية عن كعب، ولكن هذا الخبر يدل على أنه رآه، وسمع منه، وروى عنه.]]
١٨٦٥١- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح قال: سمعت محمد بن كعب القرظى يقول في قوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: هن الصلوات الخمس.
١٨٦٥٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.
١٨٦٥٣-. . . . قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد: ﴿إن الحسنات﴾ الصلوات.
١٨٦٥٤- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة جميعا، عن عوف، عن الحسن: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.
١٨٦٥٥- حدثني زريق بن السَّخت قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ، قال: الصلوات الخمس. [[الأثر: ١٨٦٥٥ - " رزيق بن السخت "، شيخ الطبري، مضى برقم: ١٠٠٥١. وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا ". . بن الشخب "، وهو خطأ.]]
١٨٦٥٦- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون، قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.
١٨٦٥٧- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن قال، الصلوات الخمس.
١٨٦٥٨- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.
١٨٦٥٩-. . . . قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد الجريري قال، حدثني أبو عثمان، عن سلمان قال: والذي نفسي بيده، إن الحسنات التي يمحو الله بهن السيئات كما يغسل الماء الدَّرَن: الصلواتُ الخمس.
١٨٦٦٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.
١٨٦٦١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مزيدة بن زيد، عن مسروق: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس. [[الأثر: ١٨٦٦١ - " مزيدة بن زيد "، هكذا في المطبوعة، وفي المخطوطة غير منقوط، ولم أجد له ذكرًا في شيء من كتب الرجال، وأخشى أن يكون محرفًا عن شيء لم أعرفه.]]
١٨٦٦٢- حدثني محمد بن عمارة الأسدي، وعبد الله بن أبي زياد القطواني قالا حدثنا عبد الله بن يزيد قال، أخبرنا حيوة قال، أخبرنا أبو عقيل زهرة بن معبد القرشي من بني تيم من رهط أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان رحمة الله عليه يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاء المؤذن، فدعا عثمان بماءٍ في إناء، أظنه سيكون فيه قدر مُدٍّ، [[" المد " (بضم الميم) ، ضرب من المكاييل، قيل إنه مقدر بأن يمد الرجل يديه، فيملأ كفيه طعامًا.]] فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وُضوئي هذا، ثم قال: من توضأ وُضوئي هذا ثم قام فصلَّى صلاة الظهر، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صَلَّى العصر، غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثمَّ صلَّى المغرب، غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلّى العشاء، غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثمَّ لعله يبيت ليلته يَتَمَرّغ، [[" التمرغ "، أصله التقلب في التراب. وأراد هنا أنه يبيت يتقلب في فراشه مطمئنًا رخي البال.]] ثم إن قام فتوضأ وصلَّى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهُنَّ الحسنات يذهبن السيئات. [[الأثر: ١٨٦٦٢ - " حيوة "، هو " حيوة بن شريح " المصري، الفقيه الزاهد، ثقة، مضر مرارًا. " وزهرة بن معبد القرشي التيمي "، " أبو عقيل "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٥٤٥١، ٥٤٥٧. " والحارث " هو: " الحارث بن عبيد "، " أبو صالح "، مولى عثمان، ثقة، مترجم في تعجيل المنفعة: ٧٨، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٩٥. وهذا الخبر صحيح الإسناد، رواه أحمد في مسنده مطولا رقم: ٥١٣، واستوفى أخي رحمه الله الكلام عليه هناك. ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٢٩٧، وابن كثير في تفسيره ٤: ٤٠١ / ٥: ٢٨٩.
= والزيادة التي في المسند وغيره:
" قالوا: هذه الحسَنَات، فما الباقياتُ يا عُثمان؟ قال: هن: لا إلَه إلا الله، وسُبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله ". وستأتي هذه الزيادة منفردة بهذه الأسانيد في تفسير سورة الكهف الآية: ٤٦ / ج ١٥: ١٦٥، ١٦٦.]]
١٨٦٦٣- حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زرعة قال، حدثنا حيوة قال، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه قال: جلس عثمان بن عفان يومًا على المقاعد = فذكر نحوه عن رسول الله ﷺ، إلا أنه قال: "وهن الحسنات إن الحسنات يذهبن السيئات". [[الأثر: ١٨٦٦٣ - مكرر الأثر السالف. " وأبو زرعة "، هو " وهب الله بن راشد المصري "، مضى مرارًا كثيرة. " والمقاعد "، بالمدينة، عند باب الأقبر، وقيل: هي مساقف حولها. وقيل: هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان رضي الله عنه، ذكرها ياقوت في معجمه، ورأيت ذكر " المقاعد " أيضًا في مسند أحمد، في مسند عثمان: ٥٠٥.]]
١٨٦٦٤- حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا نافع بن يزيد، ورشدين بن سعد قالا حدثنا زهرة بن معبد قال: سمعت الحارث مولى عثمان بن عفان يقول، جلس عثمان بن عفان يوما على المقاعد، ثم ذكر نحو ذلك عن رسول الله ﷺ = إلا أنه قال: وهن الحسنات: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ . [[الأثر: ١٨٦٦٤ - مكرر الأثرين السالفين.
" رشدين بن سعد "، ضعيف، مضى مرارًا منها رقم: ١٩، ١٩٣٨، ٢١٧٦، ٢١٩٥، وغيرها. ولكن لهذا الخبر شاهد مما سلف في الصحاح، يقويه على ضعف رشدين.]]
١٨٦٦٥- حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا محمد بن إسماعيل قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: جعلت الصلوات كفارات لما بينهن، فإن الله قال: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ . [[الأثر: ١٨٦٦٥ - " محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي "، شيخ الطبري، مضى مرارًا. " ومحمد بن إسماعيل بن عياش الحمصي "، ضعيف، يحدث عن أبيه، ولم يسمع منه شيئًا، مضى برقم: ٥٤٤٥. وأبوه: " إسماعيل بن عياش الحمصي "، ثقة، متكلم فيه، مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم: ١٤٢١٢. " وضمضم بن زرعة بن ثوب الحضرمي "، ثقة، وضعفه أبو حاتم، مضى برقم: ٥٤٤٥، ١٤٢١٢. " وشريح بن عبيد بن شريح الحضرمي "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٥٤٤٥، ١٢١٩٤، ١٤٢١٢.وهذا خبر ضعيف الإسناد، من آفة " محمد بن إسماعيل عن أبيه "، وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مختصرًا ١: ٢٩٩، وقال: " وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش، قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئًا، قلت: وهذا من روايته عن أبيه. وبقية رجاله موثقون ".]]
١٨٦٦٦- حدثنا ابن سيار القزاز قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي قال، كنت مع سلمان تحت شجرة، فأخذ غصنا من أغصانها يابسًا فهزَّه حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ، كنت معه تحت شجرة، فأخذ غصنًا من أغصانها يابسًا فهزه حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال: ألا تسألني لم أفعل هذا يا سلمان؟ فقلت: ولم تفعله؟ فقال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلَّى الصلوات الخمس، تحاتّت خطاياه كما تحاتَّ هذا الورق. ثم تلا هذه الآية: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، إلى آخر الآية. [[الأثر: ١٨٦٦٦ - " حماد "، هو " حماد بن سلمة ". " وعلي بن يزيد بن جدعان "، مضى مرارا كلام الأئمة فيه وأنه سيء الحفظ، ومضى أيضًا توثيق أخي السيد أحمد رحمه الله روايته. " وأبو عثمان النهدي "، هو " عبد الرحمن بن مل "، تابعي ثقة. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٥: ٤٣٧، ٤٣٨، من طريق عفان عن حماد بنحو لفظ أبي جعفر في روايته، ومن طريق يزيد عن حماد بلفظ آخر. وسيرويه أبو جعفر بعد، من طريق قبيصة عن حماد، برقم: ١٨٦٧٧. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٢٩٧، ٢٩٨، وقال: " رواه أحمد، والطبراني في الأوسط والكبير، وفي إسناد أحمد: علي بن زيد، وهو مختلف في الاحتجاج به. وبقية رجاله رجال الصحيح ".]]
* *
وقال آخرون: هو قول: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، قولُ من قال في ذلك: "هن الصلوات الخمس"، لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ وتواترها عنه أنه قال: "مَثَلُ الصلوات الخمس مَثَلُ نَهْرٍ جَارٍ عَلَى بابِ أحَدِكم، ينغمس فيه كل يومٍ خمس مرات، فماذا يُبقينَ من دَرَنه؟ "، [[هذا الخبر رواه أبو جعفر بغير إسناد، رواه بنحو هذا اللفظ مالك في الموطأ ص: ١٧٤، من حديث سعد بن أبي وقاص، وروى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة (الفتح: ٢: ٩) ومسلم في صحيحه ٥: ١٦٩، ١٧٠.]] وأن ذلك في سياق أمر الله بإقامة الصلوات، والوعدُ على إقامتها الجزيلَ من الثواب عَقيبها، أولى من الوعد على ما لم يجر له ذكر من صالحات سائر الأعمال، إذا خُصّ بالقصد بذلك بعضٌ دون بعض.
* *
وقوله: ﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، يقول تعالى ذكره: هذا الذي أوعدت عليه من الركون إلى الظلم، وتهددت فيه، والذي وعدت فيه من إقامة الصلوات اللواتي يُذهبن السيئات، تذكرة ذكّرت بها قومًا يذكُرون وعد الله، فيرجُون ثوابه ووعيده، فيخافون عقابه، لا من قد طبع على قلبه، فلا يجيب داعيًا، ولا يسمع زاجرًا.
* *
وذكر أن هذه الآية نزلت بسبب رجل نالَ من غير زوجته ولا ملك يمينه بعضَ ما يحرم عليه، فتاب من ذنبه ذلك.
ذكر الرواية بذلك:
١٨٦٦٨- حدثنا هناد بن السرى قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود قالا قال عبد الله بن مسعود: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني عالجتُ امرأة في بعض أقطار المدينة، [[" عالجت امرأة "، يعني أخذها واستمتع بها، من " المعالجة "، وهي الممارسة. وهذا لفظ بليغ موجز. و " أقطار المدينة "، نواحيها، وفي رواية مسلم " في أقصى المدينة ".]] فأصبت منها ما دون أن أمسَّها، فأنا هذا، [[هذا تعبير عزيز، فقيده.]] فاقض فيَّ ما شئت! فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك! قال: ولم يردّ النبي ﷺ شيئًا. فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبيُّ ﷺ رجلا فدعاه، فلما أتاه قرأ عليه: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فقال رجل من القوم: هذا لهُ يا رسول الله خاصَّةً؟ قال: بل للناس كافة. [[الأثر: ١٨٦٦٨٨ - حديث عبد الله بن مسعود، رواه أبو جعفر من طريقين:
١ - من طريق علقمة، والأسود، عن عبد الله بن مسعود، وذلك برقم: ١٨٦٦٨- ١٨٦٧٤.
٢ - من طريق أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، رقم: ١٨٦٧٦، وسأبينها جميعًا، طريقًا طريقًا، وكلها طرق صحاح.
" إبراهيم "، هو " إبراهيم بن يزيد النخعي "، روى له الجماعة، مضى مرارًا. " والأسود بن يزيد النخعي "، روى له الجماعة، وهو خال " إبراهيم بن يزيد النخعي "، مضى مرارًا. " وعلقمة "، هو " علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي "، وهو خال " إبراهيم النخعي "، لأنه عم خاليه الأسود، وعبد الرحمن، روى له الجماعة، مضى مرارًا. ومن طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن إبراهيم، رواه مسلم في صحيحه (١٧: ٨٠) ، وأبو داود في سننه ٤: ٢٢٣ رقم: ٤٤٦٨، والترمذي في كتاب التفسير. وانظر التعليق على الطرق الآتية. ثم انظر التعليق على رقم: ١٨٦٧٥، في بيان اسم " الرجل " الذي فعل ذلك.]]
١٨٦٦٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إني لقيت امرأة في البستان، فضممتها إليَّ وباشرتُها وقبَّلتها، وفعلت بها كلَّ شي غير أني لم أجامعها. فسكت عنه النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فدعاه النبي ﷺ فقرأها عليه، فقال عمر: يا رسول الله، أله خاصَّةً، أم للناس كافة؟ قال: لا بل للناس كافة = ولفظ الحديث لابن وكيع. [[الأثر: ١٨٦٦٩ - مكرر الذي قبله. ومن طريق وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، رواه أحمد في مسنده رقم: ٤٢٥٠.]]
١٨٦٧٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، أنه سمع إبراهيم بن زيد، يحدث عن علقمة، والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأةً في بستان، ففعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، قَبَّلتها، ولزمتُها، [[" لزمتها " يعني: عانقتها فأطلت العناق واستوعبته. وهذا الثلاثي بهذا المعنى قلها تجده في كتب اللغة، وإنما فيها: " التزمه "، أي: عانقه.]] ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت. فلم يقل له رسول الله ﷺ شيئًا. فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه! فأتبعه رسولُ الله ﷺ بَصَره، فقال: "ردُّوه عليَّ! فردُّوه، فقرأ عليه: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، قال: فقال معاذ بن جبل: أله وحده، يا نبي الله، أم للناس كافة؟ فقال: "بل للناس كافة. [[الأثر: ١٨٦٧٠ - مكرر الذي قبله. ومن طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك، ورواه أحمد في مسنده رقم: ٤٢٩٠.]]
١٨٦٧١- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أخذت امرأة في البُستان فأصبتُ منها كل شيء، غير أني لم أنكحها، فاصنع بي ما شئت! فسكت النبي ﷺ، فلما ذهب دعاه فقرأ عليه هذه الآية: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٨٦٧١ - مكرر الذي قبله. ومن طريق أبي عوانة، عن سماك، رواه أحمد في مسنده رقم: ٤٢٩١، ولكنه أحاله على الذي قبله. وأبو داود الطيالسي في مسنده ص: ٣٧، رقم: ٢٨٥.]]
١٨٦٧٢- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب قال، سمعت إبراهيم يحدث عن خاله الأسود، عن عبد الله: أن رجلا لقي امرأةً في بعض طرق المدينة، فأصاب منها ما دون الجماع، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله، لهذا خاصة، أو لنا عامة؟ قال: بل لكم عامة. [[الأثر: ١٨٦٧٢ - " الحكم بن عبد الله العجلي "، " أبو النعمان "، ثقة حافظ، مضى برقم: ١٠١٨٥، ١٧٠١٣، ١٨٠٣٣. ومن هذه الطريق، رواه مسلم في صحيحه ١٧: ٨٠، ٨١.]]
١٨٦٧٣- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال، أنبأني سماك قال، سمعت إبراهيم يحدث عن خاله، عن ابن مسعود: أن رجلا قال للنبي ﷺ: لقيت امرأة في حُشٍّ بالمدينة، [[" الحش "، البستان، عند أهل المدينة، انظر ما سلف رقم: ٣٠٨٦.]] فأصبت منها ما دون الجماع، نحوه. [[الأثر: ١٨٦٧٣ - لم أعثر عليه في مسند أبي داود الطيالسي، ومعروف أن المطبوع من هذا المسند ناقص غير تام. وانظر التعليق التالي. وفي المطبوعة والمخطوطة: " حدثنا أبو المثني "، والصواب " ابن المثني "، وهو " محمد بن المثني " شيخ الطبري.]]
١٨٦٧٤- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم البغدادي قال، حدثنا شعبة، عن سماك، عن إبراهيم، عن خاله، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، بنحوه. [[الأثر: ١٨٦٧٤ - " عمرو بن الهيثم البغدادي "، " أبو قطن "، ثقة، من ثقات أصحاب شعبة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٦٨. ومن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده برقم: ٤٣٢٥. وقال أخي السيد أحمد: " خاله، إما: الأسود بن يزيد النخعي، وإما عبد الرحمن بن يزيد النخعي، فكلاهما خاله، وإما علقمة بن قيس النخعي، عم الأسود وعبد الرحمن. وقد روى إبراهيم الحديث عن ثلاثتهم مطولا ومختصرًا، كما مضى بأسانيد رقم: ٣٨٥٤، ٤٢٥٠، ٤٢٩٠، ٤٢٩١ ". وقد رواه أحمد برقم: ٣٥٨٤ من طريق سفيان الثوري، عن سماك، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، ورواه الترمذي في كتاب التفسير.]]
١٨٦٧٥- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: جاء فُلانُ بن معتِّب رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دخلت عليّ امرأة، فنلتُ منها ما ينالُ الرجل من أهله، إلا أني لم أواقعها؟ فلم يدر رسول الله ﷺ ما يجيبه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، الآية، فدعاه فقرأها عليه. [[الأثر: ١٨٦٧٥ - فصل الحافظ بن حجر في الفتح ٨: ٢٦٨، ٢٦٩، القول في اسم هذا الرجل، فذكر هذا الخبر، ثم قال: " وأخرجه ابن أبي خيثمة، لكن قال: إن رجلا من الأنصار يقال له: معتب = وقد جاء أن اسمه: كعب بن عمرو، و: أبو اليسر (بفتح التحتانية والمهملة) الأنصاري. أخرجه الترمذي، والنسائي، والبزار، من طريق موسى بن طلحة، عن أبي اليسر بن عمرو، أنه أتته امرأة، وزوجها قد بعثه رسول الله ﷺ في بعث "، الحديث، وسيأتي برقم: ١٨٦٨٤، ١٨٦٨٥.]]
١٨٦٧٦- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، وحدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل، وحدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان جميعًا، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأةٍ شيئًا لا أدري ما بلغ، غير أنه ما دون الزنا، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، فقال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ قال: لمن أخذَ بها من أمتي = أو: لمن عمل بها. [[الأثر: ١٨٦٧٦ - هذه هي الطريق الثانية، لحديث عبد الله بن مسعود، كما أشرت إليه في التعليق على رقم: ١٨٦٦٨. " وأبو عثمان " هو " عبد الرحمن بن مل النهدي " كما سلف مرارًا. وهذا حديث صحيح. ومن هذه الطريق رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٢: ٧) من طريق يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي. ثم رواه أيضا (الفتح ٨: ٢٦٨، ٢٦٩) ، من الطريق نفسها، بلفظ مختلف قليلا. ورواه مسلم في صحيحه ١٧: ٧٩، ٨٠، من طريق يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، ثم من طريق محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن سليمان التيمي، وهو أحد طرق أبي جعفر في رواية هذا الخبر، بلفظ آخر. ورواه أحمد في مسنده برقم: ٣٦٥٣، عن يحيى، عن سليمان التيمي. ثم رواه أيضًا برقم: ٤٠٩٤، من الطريق نفسها. ورواه ابن ماجة في سننه ص: ٤٤٧، رقم: ١٣٩٨، وص ١٤٢١، رقم: ٤٢٥٤.
ورواه الترمذي في كتاب التفسير.]]
١٨٦٧٧- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان، فأخذ غصن شجرة يابسة فحتَّه، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ فأحسن الوضوء، تحاتَّت خطاياه كما يتحاتُّ هذا الورق! ثم قال: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، إلى آخر الآية. [[الأثر: ١٨٦٧٧ - هذه طريق أخرى للأثر السالف رقم: ١٨٦٦٦، وقد مضى تخريجه وشرحه هناك.]]
١٨٦٧٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة، وحسين الجعفي، عن زائدة قال، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما ترى في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا قد أتاه منها، غير أنْ لم يجامعها؟ [[في المطبوعة: " غير أنه لم يجامعها "، غير ما في المخطوطة، وهو الصواب الجيد.]] فأنزل الله هذه الآية: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فقال له رسول الله ﷺ: توضأ ثم صلّ. قال معاذ: قلت: يا رسول الله، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: بل للمؤمنين عامة. [[الأثر: ١٨٦٧٨ - حديث معاذ، يأتي أيضًا برقم: ١٨٦٨٢.
" أبو أسامة "، هو: " حماد بن اسامة "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا. " وحسين الجعفي "، هو: " حسين بن علي الجعفي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا." وزائدة "، هو: " زائدة بن قدامة "، ثقة، مضى مرارًا. " وعبد الملك بن عمير اللخمي "، المعروف بالنبطي، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٢٥٧٣. " وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارا، منها رقم: ٣٣، ٢١٥٦، ٢٩٣٧. وهذا إسناد صحيح. رواه أحمد في مسنده ٥: ٢٤٤ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وأبي سعيد، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير = وفيه رواية أبي سعيد، عن عبد الملك بن عمير مباشرة. " وأبو سعيد " هو " عبد الرحمن بن عبد الله، مولى بني هاشم، ثقة." وخرجه ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٠٤، عن الحافظ الدارقطني، وسيأتي في التعليق على رقم: ١٨٦٨٢. ورواه الترمذي في كتاب التفسير. ثم سيأتي هذا الخبر موقوفًا على عبد الرحمن بن أبي ليلى برقم: ١٨٦٧٩، ١٨٦٨٠.]]
١٨٦٧٩- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن رجلا أصابَ من امرأة ما دون الجماع، فأتى النبي ﷺ يسأله عن ذلك، فقرأ رسول الله ﷺ = أو: أنزلت= ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الآية، فقال معاذ: يا رسول الله، أله خاصة، أم للناس عامة؟ قال: هي للناس عامة.
١٨٦٨٠- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أتى رجل النبي ﷺ، فذكر نحوه.
١٨٦٨١- حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال، حدثني عمرو بن الحارث قال، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي قال، حدثنا سليم بن عامر، أنه سمع أبا أمامة يقول: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أقم فيَّ حَدّ الله = مرةً واثنتين. فأعرض عنه رسول الله ﷺ، ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة، قال: أين هذا القائل: أقم فيَّ حدَّ الله؟ قال: أنا ذا! قال: هل أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا؟ قال: نعم! قال: فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمّك، فلا تَعُدْ! وأنزل الله حينئذ على رسوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٨٦٨١ - " عبد الله بن أحمد بن شبويه الخزاعي "، شيخ الطبري، سلف مرارا، آخرها رقم: ١٥٣٧٩. " وإسحق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي "، هو " ابن زبريق "، ثقة، تكلموا فيه حسدًا. مضى برقم: ١٥٣٧٩. " وعمرو بن الحارث بن النعمان الزبيدي "، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: لا تعرف عدالته، مضى برقم: ١٥٣٧٩. " وعبد الله بن سالم الأشعري الوحاظي "، وثقه ابن حبان، مضى برقم: ١٥٣٧٩. " والزبيدي "، هو " محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي "، ثقة، روى له الشيخان، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٥٣٧٧. " وسليم بن عامر الكلاعي الحمصي "، تابعي ثقة، مضى برقم: ١٢٨٠٧. وهذا إسناد حسن، ولم أجد حديث أبي أمامة مرويا من هذه الطريق، ولكن الأئمة رووه من طرق أخرى. رواه أحمد في مسنده من طريقين ٥: ٢٥١، ٢٦٢ من طريق عكرمة بن عمار اليمامي، عن شداد بن عبد الله، عن أبي أمامة. ثم رواه ص: ٢٦٥، من طريق الأوزاعي، عن أبي عمار شداد، عن أبي أمامة. ومن الطريق الأولى، رواه مسلم في صحيحه ١٧: ٨١، ٨٢. ومن الطريق الثانية رواه أبو داود في سننه ٤: ١٩١، رقم: ٤٣٨١.]]
١٨٦٨٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني جرير، عن عبد الملك، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: أنه كان جالسًا عند النبي ﷺ، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، رجلٌ أصاب من امرأة ما لا يحلُّ له، لم يدع شيئًا يصيبه الرجل من امرأته إلا أتاه إلا أنه لم يجامعها؟ قال: يتوضأ وضوءًا حسنًا ثم يصلي. فأنزل الله هذه الآية: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، الآية، فقال معاذ: هي له يا رسول الله خاصة، أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة [[الأثر: ١٨٦٨٢ - هو مكرر الأثر السالف ١٨٦٧٨، وانظر تخريجه هناك.]]
١٨٦٨٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة: أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ ذكر امرأة وهو جالسٌ مع النبي ﷺ، فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها. فأقبل الرجل يريد أن يُبَشّر النبي ﷺ بالمطر، فوجد المرأة جالسةً على غديرٍ، فدفع في صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهُدْبة، فقام نادمًا حتى أتى النبي ﷺ فأخبره بما صنع، فقال له النبي ﷺ: استغفر ربَّك وصلّ أربع ركعات: قال: وتلا عليه: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٨٦٨٣ - " يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب القرشي "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٧٤٧٢.]]
١٨٦٨٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن وهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر بن عمرو الأنصاري قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أجود من هذا! فدخلت، فأهويت إليها فقبَّلتها. فأتيت أبا بكر فسألته، فقال: استر على نفسك وتُبْ واستغفر الله! فأتيت رسول الله ﷺ فقال: أخلَفْتَ رجلا غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا!! حتى ظننت أنّي من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ! قال: فأطرق رسول الله ﷺ ساعةً فنزل جبريل فقال: أين أبو اليسر؟ فجئت، فقرأ عليّ: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، إلى: ﴿ذكرى للذاكرين﴾ ، قال إنسان: لهُ يا رسول الله، خاصةً، أم للناس عامة؟ قال: للناس عامة. [[الأثر: ١٨٦٨٤ - حديث أبي اليسر الأنصاري، سيأتي بعده بنحو إسناده. وانظر ما كتبه الحافظ بن حجر في اسمه فيما سلف في التعليق على رقم: ١٨٦٧٥.
" قيس بن الربيع الأسدي "، سلف مرارًا، آخرها رقم: ١٦٣٦٩، وقد وثقه جماعة، وضعفه آخرون. " وعثمان بن موهب "، هو " عثمان بن عبد الله بم موهب التميمي "، ينسب إلى جده، ثقة. مضى برقم: ١٧٥٦٧. " وموسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي "، تابعي ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٧٥٦٧ - ١٧٥٧١. وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير، وقال: " هذا حديث حسن غريب. وقيس بن الربيع، ضعفه وكيع وغيره. وروى شريك عن عثمان بن عبد الله هذا الحديث، مثل رواية قيس بن الربيع ".]]
١٨٦٨٥- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر قال: لقيت امرأة فالتَزَمْتُها، غير أني لم أنكحها، فأتيت عمر بن الخطاب رحمة الله عليه فقال: اتق الله، واستر على نفسك، ولا تخبرنّ أحدًا! فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر رحمة الله عليه، فسألته فقال: اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحدًا! قال: فلم أصبر حتى أتيت النبي ﷺ، فأخبرته فقال له: هل جهزت غازيًا في أهله؟ قلت: لا قال: فهل خلفت غازيًا في أهله؟ قلت: لا فقال لي، حتى تمنيت أني كنت دخلت في الإسلام تلك الساعة! قال: فلما وليت دعاني، فقرأ عليّ: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، فقال له أصحابه: ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة. [[الأثر: ١٨٦٨٥ - هو مكرر الأثر السالف.]]
١٨٦٨٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثني سعيد، عن قتادة: أن رجلا أصاب من امرأة قُبْلَةً، فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله هلكتُ! فأنزل الله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ .
١٨٦٨٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن سليمان التيمي قال: ضرب رجلٌ على كَفَلِ امرأة، ثم أتى أبا بكر وعمر رحمة الله عليهما. فكلما سأل رجلا منهما عن كفارة ذلك قال: أمغزية هي [مادا] ؟ [[في المخطوطة هذا الذي وضعته بين القوسين، ولم أوفق إلى قراءته أو تبين معناه، وهما يكن فالسؤال واضح. وقوله: " مغزية "، فالمغزية هي المرأة التي غزا زوجها وبقيت وحدها في البيت، ومنه حديث عمر:
" ما بال رجالٍ لا يزال أحدهم كاسرًا وسادَه عند مُغْزِية، يتحدَّث إليها وتتحدث إليه! عليكم بالجَنْبة، فإنها عفافٌ. إنما الناس لحمٌ على وضَمٍ إلاّ ما ذُبَّ عنهُ ".]] قال: نعم قال: لا أدري! ثم أتى النبي ﷺ فسأله عن ذلك، فقال: أمغزية هي؟ قال: نعم! قال: لا أدري! حتى أنزل الله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ .
١٨٦٨٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن عطاء، في قول الله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، أنّ امرأة دخلت على رجل يبيعُ الدقيق، فقبَّلها فأسقِطَ في يده. فأتى عمر فذكر ذلك له، فقال: اتق الله، ولا تكن امرأةَ غازٍ! فقال الرجل: هي امرأة غازٍ. فذهب إلى أبى بكر، فقال مثل ما قال عمر. فذهبوا إلى النبي ﷺ جميعًا، فقال له: كذلك، ثم سكت النبي ﷺ فلم يجبهم، فأنزل الله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الصلوات المفروضات = ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ .
١٨٦٨٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: أقبلت امرأة حتى جاءت إنسانًا يبيع الدقيق لتبتاع منه، فدخل بها البيت، فلما خلا له قَبَّلها. قال: فسُقِط في يديه، فانطلق إلى أبي بكر، فذكر ذلك له، فقال: أبصر، لا تكونَنّ امرأة رجل غازٍ! فبينما هم على ذلك، نزل في ذلك: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ = قيل لعطاء: المكتوبة هي؟ قال: نعم، هي المكتوبة = فقال ابن جريج، وقال عبد الله بن كثير: هي المكتوبات.
قال ابن جريج: عن يزيد بن رومان: إن رجلا من بني غنم، دخلت عليه امرأةٌ فقبَّلها، ووضع يده على دُبُرها. فجاء إلى أبى بكر رضى الله عنه، ثم جاء إلى عمر رضى الله عنه، ثم أتى إلى النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿أقم الصلاة﴾ ، إلى قوله: ﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فلم يزل الرجل الذي قبَّل المرأة يذكر، فذلك قوله: ﴿ذكرى للذاكرين﴾ .
هود 11:115
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه، رجاءَ جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله لا يضيع ثوابَ عمل من أحسن فأطاع الله واتبع أمره، فيذهب به، بل يوَفّره أحوجَ ما يكون إليه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فهلا كان من القرون الذين قصصت عليك نبأهم في هذه السورة، الذين أهلكتهم بمعصيتهم إياي، وكفرهم برسلي [[انظر تفسير " القرن " فيما سلف ١١: ٢٦٣ / ١٥: ٣٧.]] من قبلكم. ﴿أولو بقية﴾ ، يقول: ذو بقية من الفهم والعقل، [[انظر تفسير " البقية " فيما سلف ص: ٤٤٧ - ٤٤٩.]] يعتبرون مواعظَ الله ويتدبرون حججه، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله، وعليهم في الكفر به [[في المطبوعة والمخطوطة: " وعليهم " بإسقاط " ما "، والأجود إثباتها.]] = ﴿ينهون عن الفساد في الأرض﴾ ، يقول: ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم، وأهل الكفر بالله عن كفرهم به، في أرضه [[انظر تفسير " الفساد في الأرض " فيما سلف من فهارس اللغة (فسد) .]] = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، يقول: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض، إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر بالله عذابُه = وهم اتباع الأنبياء والرسل.
* *
ونصب "قليلا" لأن قوله: ﴿إلا قليلا﴾ استثناء منقطع مما قبله، كما قال: ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ ، [سورة يونس: ٩٨] . وقد بينا ذلك في غير موضع، بما أغنى عن إعادته. [[انظر فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: اعتذر فقال: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم﴾ ، حتى بلغ: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، فإذا هم الذين نجوا حين نزل عذاب الله. وقرأ: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ .
١٨٦٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية﴾ ، إلى قوله: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، قال: يستقلَّهم الله من كل قوم.
١٨٦٩٢- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألني بلال عن قول الحسن في القدر، [[في المطبوعة والمخطوطة هنا: " في العذر "، والصواب ما أثبت، وانظر التعليق التالي.]] قال: فقال: سمعت الحسن يقول: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ ، قال: بعث الله هودًا إلى عاد، فنجى الله هودًا والذين آمنوا معه وهلك المتمتعون. وبعث الله صالحًا إلى ثمود، فنجى الله صالحًا وهلك المتمتعون. فجعلت أستقريه الأمم، فقال: ما أراه إلا كان حسَّن القول في القَدر. [[في المطبوعة وحدها: " في العذر، والصواب من المخطوطة. ويعني أنه أمر قد فرغ منه، لقول الله سبحانه لنوح: " وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم "، وذلك قبل أن يكونوا، وهو قول أهل الإثبات، من أهل الحق.]]
١٨٦٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، أي: لم يكن من قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ .
* *
وقوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، يقول تعالى ذكره: واتبع الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بالله ما أترفوا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: ما أُنْظروا فيه.
١٨٦٩٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، من دنياهم.
=وكأنّ هؤلاء وجَّهوا تأويل الكلام: واتبع الذين ظلموا الشيء الذي أنظرهم فيه ربُّهم من نعيم الدنيا ولذاتها، إيثارًا له على عمل الآخرة وما ينجيهم من عذاب الله.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: واتبع الذين ظلَموا ما تجبَّروا فيه من الملك، وعتَوْا عن أمر الله.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: في ملكهم وتجبُّرهم، وتركوا الحق.
١٨٦٩٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه، إلا أنه قال: وتركِهم الحق.
١٨٦٩٨- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو سواء.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر تعالى ذكره: أن الذين ظلموا أنفسهم من كل أمة سلفت فكفروا بالله، اتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا وكفروا بالله، واتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا عن أمر الله وتجبروا وصدوا عن سبيله.
* *
= وذلك أن المترف في كلام العرب: هو المنعم الذي قد غُذِّي باللذات، ومنه قول الراجز: [[هو رؤبة.]]
نُهْدِي رُءُوسَ المُتْرَفينَ الصُّدَّادْ ... إلى أمِير المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ [[سلف البيت وتخريجه وشرح فيما سلف ١١: ٢٢٣، تعليق: ١.، " الممتاد "، الذي نسأله العطاء فيعطي.]]
* *
وقوله: ﴿وكانوا مجرمين﴾ ، يقول: وكانوا مكتسبي الكفر بالله. [[انظر تفسير " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة (جرم) .]]
هود 11:116
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه، رجاءَ جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله لا يضيع ثوابَ عمل من أحسن فأطاع الله واتبع أمره، فيذهب به، بل يوَفّره أحوجَ ما يكون إليه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فهلا كان من القرون الذين قصصت عليك نبأهم في هذه السورة، الذين أهلكتهم بمعصيتهم إياي، وكفرهم برسلي [[انظر تفسير " القرن " فيما سلف ١١: ٢٦٣ / ١٥: ٣٧.]] من قبلكم. ﴿أولو بقية﴾ ، يقول: ذو بقية من الفهم والعقل، [[انظر تفسير " البقية " فيما سلف ص: ٤٤٧ - ٤٤٩.]] يعتبرون مواعظَ الله ويتدبرون حججه، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله، وعليهم في الكفر به [[في المطبوعة والمخطوطة: " وعليهم " بإسقاط " ما "، والأجود إثباتها.]] = ﴿ينهون عن الفساد في الأرض﴾ ، يقول: ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم، وأهل الكفر بالله عن كفرهم به، في أرضه [[انظر تفسير " الفساد في الأرض " فيما سلف من فهارس اللغة (فسد) .]] = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، يقول: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض، إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر بالله عذابُه = وهم اتباع الأنبياء والرسل.
* *
ونصب "قليلا" لأن قوله: ﴿إلا قليلا﴾ استثناء منقطع مما قبله، كما قال: ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ ، [سورة يونس: ٩٨] . وقد بينا ذلك في غير موضع، بما أغنى عن إعادته. [[انظر فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: اعتذر فقال: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم﴾ ، حتى بلغ: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، فإذا هم الذين نجوا حين نزل عذاب الله. وقرأ: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ .
١٨٦٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية﴾ ، إلى قوله: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، قال: يستقلَّهم الله من كل قوم.
١٨٦٩٢- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألني بلال عن قول الحسن في القدر، [[في المطبوعة والمخطوطة هنا: " في العذر "، والصواب ما أثبت، وانظر التعليق التالي.]] قال: فقال: سمعت الحسن يقول: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ ، قال: بعث الله هودًا إلى عاد، فنجى الله هودًا والذين آمنوا معه وهلك المتمتعون. وبعث الله صالحًا إلى ثمود، فنجى الله صالحًا وهلك المتمتعون. فجعلت أستقريه الأمم، فقال: ما أراه إلا كان حسَّن القول في القَدر. [[في المطبوعة وحدها: " في العذر، والصواب من المخطوطة. ويعني أنه أمر قد فرغ منه، لقول الله سبحانه لنوح: " وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم "، وذلك قبل أن يكونوا، وهو قول أهل الإثبات، من أهل الحق.]]
١٨٦٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، أي: لم يكن من قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ .
* *
وقوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، يقول تعالى ذكره: واتبع الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بالله ما أترفوا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: ما أُنْظروا فيه.
١٨٦٩٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، من دنياهم.
=وكأنّ هؤلاء وجَّهوا تأويل الكلام: واتبع الذين ظلموا الشيء الذي أنظرهم فيه ربُّهم من نعيم الدنيا ولذاتها، إيثارًا له على عمل الآخرة وما ينجيهم من عذاب الله.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: واتبع الذين ظلَموا ما تجبَّروا فيه من الملك، وعتَوْا عن أمر الله.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: في ملكهم وتجبُّرهم، وتركوا الحق.
١٨٦٩٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه، إلا أنه قال: وتركِهم الحق.
١٨٦٩٨- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو سواء.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر تعالى ذكره: أن الذين ظلموا أنفسهم من كل أمة سلفت فكفروا بالله، اتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا وكفروا بالله، واتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا عن أمر الله وتجبروا وصدوا عن سبيله.
* *
= وذلك أن المترف في كلام العرب: هو المنعم الذي قد غُذِّي باللذات، ومنه قول الراجز: [[هو رؤبة.]]
نُهْدِي رُءُوسَ المُتْرَفينَ الصُّدَّادْ ... إلى أمِير المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ [[سلف البيت وتخريجه وشرح فيما سلف ١١: ٢٢٣، تعليق: ١.، " الممتاد "، الذي نسأله العطاء فيعطي.]]
* *
وقوله: ﴿وكانوا مجرمين﴾ ، يقول: وكانوا مكتسبي الكفر بالله. [[انظر تفسير " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة (جرم) .]]
هود 11:117
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما كان ربك، يا محمد، ليهلك القرى، التي أهلكها، التي قَصَّ عليك نبأها، ظُلمًا وأهلها مصلحون في أعمالهم، غير مسيئين، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم في أعمالهم وطاعتهم ربّهم، ظلمًا، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله وتماديهم في غيِّهم، وتكذيبهم رُسُلهم، وركوبهم السيئات.
* *
وقد قيل: معنى ذلك: لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله. وذلك قوله "بظلم" يعني: بشرك = ﴿وأهلها مصلحون﴾ ، فيما بينهم لا يتظالمون، ولكنهم يتعاطَون الحقّ بينهم، وإن كانوا مشركين، إنما يهلكهم إذا تظالموا.
هود 11:118
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربك، يا محمد، لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد، [[انظر تفسير " الأمة " فيما سلف ص: ٣٥٣ تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] كما:-
١٨٦٩٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ ، يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.
* *
وقوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، يقول تعالى ذكره: ولا يزال النَّاس مختلفين = ﴿إلا من رحم ربك﴾ .
* *
ثم اختلف أهل التأويل في "الاختلاف" الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به.
فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان = فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك.
وقال قائلو هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، والحنيفيَّة همُ الذين رحم ربُّك
١٨٧٠١- حدثني المثني قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: هم الحنيفية.
١٨٧٠٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال، أخبرنا منصور بن عبد الرحمن قال: قلت للحسن قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلفين.
١٨٧٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ.
١٨٧٠٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧٠٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
١٨٧٠٦-. . . . قال، حدثنا معلي بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن قال: سئل الحسن عن هذه الآية: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس كلهم مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلف. فقلت له: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته، وهؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.
١٨٧٠٧-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧٠٨-. . . . قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الحقّ وأهل الباطل. ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧٠٩-. . . . قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
١٨٧١٠-. . . . قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك: ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ، ليس فيهم اختلاف.
١٨٧١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عكرمة: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل القبلة.
١٨٧١٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ قال: أهل الباطل= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧١٣- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: لا يزالون مختلفين في الهوى.
١٨٧١٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، فأهل رحمة الله أهل جماعة، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت دورهم وأبدانهم.
١٨٧١٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام.
١٨٧١٦-. . . . قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الحسن بن واصل، عن الحسن: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل، ﴿إلا من رحم ربك﴾ . [[الأثر: ١٨٧١٦ - " الحسن بن واصل "، لم أجد له ذكرًا، وأخشى أن يكون فيه تحريف. وأن يكون صوابه: " الحسن، عن واصل "، وكأنه يعني: " واصل بن عبد الرحمن " " أبا حرة "، وهو يروي عن الحسن، مضى برقم: ٦٣٨٥، ١١٤٩٦، ١٢٦١٦.]]
١٨٧١٧-. . . . قال، حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧١٨- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلفين في الرزق، فهذا فقير وهذا غنى.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧١٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر، عن أبيه، أن الحسن قال: مختلفين في الرزق، سخر بعضهم لبعض.
* *
وقال بعضهم: مختلفين في المغفرة والرحمة، أو كما قال.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك، بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: "ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى، إلا من رحم ربك، فآمن بالله وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله".
وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين﴾ ، ففي ذلك دليلٌ واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبرٌ عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبرًا عن اختلافهم في الرزق، لم يعقّب ذلك بالخبر عن عقابهم وعَذابهم.
* *
وأما قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله:
فقال بعضهم: معناه: وللاختلاف خلقهم.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٢٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للاختلاف.
١٨٧٢١- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا منصور بن عبد الرحمن، قال: قلت للحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.
١٨٧٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عليه، عن منصور، عن الحسن، مثله.
١٨٧٢٣- حدثني المثني قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن، عن الحسن. بنحوه.
١٨٧٢٤-. . . . قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، أن الحسن قال في هذه الآية: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلق هؤلاء لهذه، وخلق هؤلاء لهذه.
١٨٧٢٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف، عن الحسن قال: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرُّهم.
١٨٧٢٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، [سورة هود: ١٠٥] .
١٨٧٢٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: يهود ونصارى ومجوس= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام = ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: مؤمن وكافر.
١٨٧٢٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، قال، حدثنا الأعمش: "ولذلك خلقهم "، قال: مؤمن وكافر.
١٨٧٢٩- حدثني يونس قال، أخبرنا أشهب قال: سئل مالك عن قول الله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللرحمة خلقهم.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٣٠- حدثني أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.
١٨٧٣١- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال للرحمة.
١٨٧٣٢- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، مثله.
١٨٧٣٣- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
١٨٧٣٤-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو حفص، عن ليث، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: للرحمة خلقهم.
١٨٧٣٥- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة خلقهم.
١٨٧٣٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عمن ذكره عن ثابت، عن الضحاك: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.
١٨٧٣٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أهل الحقّ ومن اتبعه لرحمته.
١٨٧٣٨- حدثني سعد بن عبد الله قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك﴾ ، قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، لأن الله جل ذكره ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل، والآخر أهل حق، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فعمّ بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميَسَّر لما خلق له.
* *
فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم، إذ كان لذلك خلقهم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، فهداه للحقّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم = فمعنى اللام في قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ بمعنى "على" كقولك للرجل: أكرمتك على برك بي، وأكرمتك لبرك بي.
* *
وأما قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ ، لعلمه السابق فيهم أنهم يستوجبون صليها بكفرهم بالله، وخلافهم أمره.
* *
وقوله: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ ، قسم كقول القائل: حلفي لأزورنك، وبدًا لي لآتينك، ولذلك تُلُقِّيَت بلام اليمين.
* *
وقوله: ﴿من الجنة﴾ ، وهي ما اجتَنَّ عن أبصار بني آدم = ﴿والناس﴾ ، يعني: وبنى آدم.
* *
وقيل: إنهم سموا "الجنة"، لأنهم كانوا على الجنان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: وإنما سموا "الجنة " أنهم كانوا على الجنان، والملائكة كلهم "جنة"
١٨٧٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: "الجنة": الملائكة.
* *
وأما معنى قول أبى مالك هذا: أن إبليس كان من الملائكة، والجن ذريته، وأن الملائكة تسمى عنده الجن، لما قد بينت فيما مضى من كتابنا هذا. [[انظر تفسير " الجن " فيما سلف ١: ٥٠٢ - ٥٠٨.]]
هود 11:119
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربك، يا محمد، لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد، [[انظر تفسير " الأمة " فيما سلف ص: ٣٥٣ تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] كما:-
١٨٦٩٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ ، يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.
* *
وقوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، يقول تعالى ذكره: ولا يزال النَّاس مختلفين = ﴿إلا من رحم ربك﴾ .
* *
ثم اختلف أهل التأويل في "الاختلاف" الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به.
فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان = فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك.
وقال قائلو هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، والحنيفيَّة همُ الذين رحم ربُّك
١٨٧٠١- حدثني المثني قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: هم الحنيفية.
١٨٧٠٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال، أخبرنا منصور بن عبد الرحمن قال: قلت للحسن قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلفين.
١٨٧٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ.
١٨٧٠٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧٠٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
١٨٧٠٦-. . . . قال، حدثنا معلي بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن قال: سئل الحسن عن هذه الآية: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس كلهم مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلف. فقلت له: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته، وهؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.
١٨٧٠٧-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧٠٨-. . . . قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الحقّ وأهل الباطل. ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧٠٩-. . . . قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
١٨٧١٠-. . . . قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك: ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ، ليس فيهم اختلاف.
١٨٧١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عكرمة: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل القبلة.
١٨٧١٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ قال: أهل الباطل= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧١٣- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: لا يزالون مختلفين في الهوى.
١٨٧١٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، فأهل رحمة الله أهل جماعة، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت دورهم وأبدانهم.
١٨٧١٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام.
١٨٧١٦-. . . . قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الحسن بن واصل، عن الحسن: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل، ﴿إلا من رحم ربك﴾ . [[الأثر: ١٨٧١٦ - " الحسن بن واصل "، لم أجد له ذكرًا، وأخشى أن يكون فيه تحريف. وأن يكون صوابه: " الحسن، عن واصل "، وكأنه يعني: " واصل بن عبد الرحمن " " أبا حرة "، وهو يروي عن الحسن، مضى برقم: ٦٣٨٥، ١١٤٩٦، ١٢٦١٦.]]
١٨٧١٧-. . . . قال، حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧١٨- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلفين في الرزق، فهذا فقير وهذا غنى.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧١٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر، عن أبيه، أن الحسن قال: مختلفين في الرزق، سخر بعضهم لبعض.
* *
وقال بعضهم: مختلفين في المغفرة والرحمة، أو كما قال.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك، بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: "ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى، إلا من رحم ربك، فآمن بالله وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله".
وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين﴾ ، ففي ذلك دليلٌ واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبرٌ عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبرًا عن اختلافهم في الرزق، لم يعقّب ذلك بالخبر عن عقابهم وعَذابهم.
* *
وأما قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله:
فقال بعضهم: معناه: وللاختلاف خلقهم.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٢٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للاختلاف.
١٨٧٢١- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا منصور بن عبد الرحمن، قال: قلت للحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.
١٨٧٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عليه، عن منصور، عن الحسن، مثله.
١٨٧٢٣- حدثني المثني قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن، عن الحسن. بنحوه.
١٨٧٢٤-. . . . قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، أن الحسن قال في هذه الآية: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلق هؤلاء لهذه، وخلق هؤلاء لهذه.
١٨٧٢٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف، عن الحسن قال: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرُّهم.
١٨٧٢٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، [سورة هود: ١٠٥] .
١٨٧٢٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: يهود ونصارى ومجوس= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام = ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: مؤمن وكافر.
١٨٧٢٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، قال، حدثنا الأعمش: "ولذلك خلقهم "، قال: مؤمن وكافر.
١٨٧٢٩- حدثني يونس قال، أخبرنا أشهب قال: سئل مالك عن قول الله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللرحمة خلقهم.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٣٠- حدثني أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.
١٨٧٣١- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال للرحمة.
١٨٧٣٢- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، مثله.
١٨٧٣٣- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
١٨٧٣٤-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو حفص، عن ليث، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: للرحمة خلقهم.
١٨٧٣٥- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة خلقهم.
١٨٧٣٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عمن ذكره عن ثابت، عن الضحاك: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.
١٨٧٣٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أهل الحقّ ومن اتبعه لرحمته.
١٨٧٣٨- حدثني سعد بن عبد الله قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك﴾ ، قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، لأن الله جل ذكره ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل، والآخر أهل حق، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فعمّ بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميَسَّر لما خلق له.
* *
فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم، إذ كان لذلك خلقهم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، فهداه للحقّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم = فمعنى اللام في قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ بمعنى "على" كقولك للرجل: أكرمتك على برك بي، وأكرمتك لبرك بي.
* *
وأما قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ ، لعلمه السابق فيهم أنهم يستوجبون صليها بكفرهم بالله، وخلافهم أمره.
* *
وقوله: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ ، قسم كقول القائل: حلفي لأزورنك، وبدًا لي لآتينك، ولذلك تُلُقِّيَت بلام اليمين.
* *
وقوله: ﴿من الجنة﴾ ، وهي ما اجتَنَّ عن أبصار بني آدم = ﴿والناس﴾ ، يعني: وبنى آدم.
* *
وقيل: إنهم سموا "الجنة"، لأنهم كانوا على الجنان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: وإنما سموا "الجنة " أنهم كانوا على الجنان، والملائكة كلهم "جنة"
١٨٧٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: "الجنة": الملائكة.
* *
وأما معنى قول أبى مالك هذا: أن إبليس كان من الملائكة، والجن ذريته، وأن الملائكة تسمى عنده الجن، لما قد بينت فيما مضى من كتابنا هذا. [[انظر تفسير " الجن " فيما سلف ١: ٥٠٢ - ٥٠٨.]]
هود 11:120
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وكلا نقصّ عليك﴾ ، يا محمد [[انظر تفسير " القصص " فيما سلف ص: ٤٧٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿من أنباء الرسل﴾ ، الذين كانوا قبلك [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .]] = ﴿ما نثبت به فؤادك﴾ ، فلا تجزع من تكذيب من كذبك من قومك، وردَّ عليك ما جئتهم به، ولا يضق صدرك، فتترك بعض ما أنزلتُ إليك من أجل أن قالوا: ﴿لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك﴾ ؟ إذا علمت ما لقي من قبلك من رسلي من أممها، [[انظر تفسير " التثبيت " فيما سلف ٥: ٣٥٤، ٥٣١ / ٧: ٢٧٢، ٢٣٧ / ٨: ٥٢٩ / ١٣: ٤٢٧.]] كما:-
١٨٧٤١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ ، قال: لتعلم ما لقيت الرسل قبلك من أممهم.
* *
وأختلف أهل العربية في وجه نصب "كلا".
فقال بعض نحويي البصرة: نصب على معنى: ونقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، كلا =، كأنَّ الكلّ منصوب عنده على المصدر من "نقص" بتأويل: ونقص عليك ذلك كلَّ القصص.
* *
وقد أنكر ذلك من قوله بعض أهل العربية وقال: ذلك غير جائز، وقال إنما نصبت "كلا" ب "نقصّ"، لأن "كلا" بنيت على الإضافة، كان معها إضافةٌ أو لم يكن وقال: أراد: كلَّه نقص عليك، وجعل "ما نثبت" ردًّا على "كلا"، وقد بينت الصواب من القول في ذلك. [[انظر ما سلف في حكم " كل " ٦: ٢١٠، ثم تفسير " كل " فيما سلف ص: ٢١٢، وفهارس اللغة مادة (كلل) .]]
* *
وأما قوله: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله:
فقال بعضهم: معناه: وجاءك في هذه السورة الحق.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٤٢- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس، عن أبي موسى: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.
١٨٧٤٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أبي موسى، مثله.
١٨٧٤٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثني سعيد بن عامر قال، حدثنا عوف، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.
١٨٧٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن عمرو العنبري، عن ابن عباس: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.
١٨٧٤٦- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن رجل من بني العنبر قال: خطبنا ابن عباس فقال: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.
١٨٧٤٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس قرأ هذه السورة على الناس حتى بلغ: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال في هذه السورة.
١٨٧٤٨- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عوف، عن مروان الأصغر، عن ابن عباس أنه قرأ على المنبر: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ فقال: في هذه السورة
١٨٧٤٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ قال: في هذه السورة.
١٨٧٥٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:، في هذه السورة.
١٨٧٥١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٨٧٥٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٨٧٥٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، مثله.
١٨٧٥٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: هذه السورة.
١٨٧٥٥- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، مثله.
١٨٧٥٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.
١٨٧٥٧- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، بمثله.
١٨٧٥٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن شعبة، عن أبي رجاء عن الحسن. مثله.
١٨٧٥٩- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا عبد الرحمن، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد، مثله.
١٨٧٦٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ قال: في هذه السورة.
١٨٧٦١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة [مثله] . [[الزيادة بين القوسين، أرجو أن تكون هي الصواب.]]
١٨٧٦٢- حدثني المثني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن البصري يقول في قول الله: ﴿وجاءك في هذا الحق﴾ ، قال: يعني في هذه السورة.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: وجاءك في هذه الدنيا الحق.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٦٣- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثني قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه الدنيا.
١٨٧٦٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن شعبة، عن قتادة: ﴿وجاءك في هذا الحق﴾ ، قال: كان الحسن يقول: في الدنيا.
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: وجاءك في هذه السورة الحق، لإجماع الحجة من أهل التأويل، على أن ذلك تأويله.
* *
فإن قال قائل: أو لم يجيء النبي ﷺ الحق من سور القرآن إلا في هذه السورة، فيقال: وجاءك في هذه السورة الحق؟
قيل له: بلى، قد جاءه فيها كلِّها.
فإن قال: فما وجه خصُوصه إذًا في هذه السورة بقوله: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ؟ قيل: إن معنى الكلام: وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك في سائر سور القرآن = أو إلى ما جاءك من الحق في سائر سور القرآن= لا أن معناه: وجاءك في هذه السورة الحق دون سائر سور القرآن.
* *
وقوله: ﴿وموعظة﴾ يقول: وجاءك موعظةٌ تعظ الجاهلين بالله، وتبين لهم عبره ممن كفر به وكذب رسله [[انظر تفسير " الموعظة " فيما سلف ص: ١٠٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وذكرى للمؤمنين﴾ يقول: وتذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله، كي لا يغفلوا عن الواجب لله عليهم.
هود 11:121
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل، يا محمد، للذين لا يصدّقونك ولا يقرُّون بوحدانية الله = ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ ، يقول: على هِينَتكم وتمكنكم ما أنتم عاملوه [[انظر تفسير " المكانة " فيما سلف ص: ٤٦٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فإنا عاملون ما نحن عاملوه من الأعمال التي أمرنا الله بها = وانتظروا ما وعدكم الشيطان، فإنا منتظرون ما وعدنا الله من حربكم ونصرتنا عليكم، كما:-
١٨٧٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج في قوله: ﴿وانتظروا إنا منتظرون﴾ ، قال: يقول: انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزيّن لكم = ﴿إنا منتظرون﴾ .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ولله، يا محمد، ملك كل ما غاب عنك في السموات والأرض فلم تطلع ولم تعلمه، ولم تعلمه، [[انظر تفسير " الغيب " فيما سلف ١٤: ٣٨١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كل ذلك بيده وبعلمه، لا يخفى عليه منه شيء، وهو عالم بما يعمله مشركو قومك، وما إليه مصير أمرهم، من إقامة على الشرك، أو إقلاعٍ عنه وتوبة = ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ ، يقول: وإلى الله مَعَادُ كل عامل وعمله، وهو مجازٍ جميعَهم بأعمالهم، كما:-
١٨٧٦٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ ، قال: فيقضي بينهم بحكمه بالعدل.
* *
﴿فاعبده﴾ ، يقول: فاعبد ربك يا محمد = ﴿وتوكل عليه﴾ ، يقول: وفوِّض أمرك إليه، وثق به وبكفايته، فإنه كافي من توكل عليه. [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص: ١٦٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
= وقوله: ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ ، يقول تعالى ذكره: وما ربك، يا محمد، بساه عما يعمل هؤلاء المشركون من قومك، [[انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص: ١٩٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] بل هو محيط به، لا يعزب عنه شيء منه، وهو لهم بالمرصاد، فلا يحزنك إعراضهم عنك، ولا تكذيبهم بما جئتهم به من الحقّ، وامض لأمر ربّك، فإنك بأعيننا.
١٨٧٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب، قال: خاتمة "التوراة"، خاتمة "هود" [[الأثر: ١٨٧٦٧ - مضى الخبر بتمامه فيما سلف برقم: ١٣٠٤٣، ومن طريق أخرى بمثله، رقم: ١٣٠٤٢.]]
﴿آخر تفسير سورة هود، والحمد لله وحده﴾
هود 11:122
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل، يا محمد، للذين لا يصدّقونك ولا يقرُّون بوحدانية الله = ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ ، يقول: على هِينَتكم وتمكنكم ما أنتم عاملوه [[انظر تفسير " المكانة " فيما سلف ص: ٤٦٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فإنا عاملون ما نحن عاملوه من الأعمال التي أمرنا الله بها = وانتظروا ما وعدكم الشيطان، فإنا منتظرون ما وعدنا الله من حربكم ونصرتنا عليكم، كما:-
١٨٧٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج في قوله: ﴿وانتظروا إنا منتظرون﴾ ، قال: يقول: انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزيّن لكم = ﴿إنا منتظرون﴾ .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ولله، يا محمد، ملك كل ما غاب عنك في السموات والأرض فلم تطلع ولم تعلمه، ولم تعلمه، [[انظر تفسير " الغيب " فيما سلف ١٤: ٣٨١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كل ذلك بيده وبعلمه، لا يخفى عليه منه شيء، وهو عالم بما يعمله مشركو قومك، وما إليه مصير أمرهم، من إقامة على الشرك، أو إقلاعٍ عنه وتوبة = ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ ، يقول: وإلى الله مَعَادُ كل عامل وعمله، وهو مجازٍ جميعَهم بأعمالهم، كما:-
١٨٧٦٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ ، قال: فيقضي بينهم بحكمه بالعدل.
* *
﴿فاعبده﴾ ، يقول: فاعبد ربك يا محمد = ﴿وتوكل عليه﴾ ، يقول: وفوِّض أمرك إليه، وثق به وبكفايته، فإنه كافي من توكل عليه. [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص: ١٦٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
= وقوله: ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ ، يقول تعالى ذكره: وما ربك، يا محمد، بساه عما يعمل هؤلاء المشركون من قومك، [[انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص: ١٩٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] بل هو محيط به، لا يعزب عنه شيء منه، وهو لهم بالمرصاد، فلا يحزنك إعراضهم عنك، ولا تكذيبهم بما جئتهم به من الحقّ، وامض لأمر ربّك، فإنك بأعيننا.
١٨٧٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب، قال: خاتمة "التوراة"، خاتمة "هود" [[الأثر: ١٨٧٦٧ - مضى الخبر بتمامه فيما سلف برقم: ١٣٠٤٣، ومن طريق أخرى بمثله، رقم: ١٣٠٤٢.]]
﴿آخر تفسير سورة هود، والحمد لله وحده﴾
هود 11:123
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل، يا محمد، للذين لا يصدّقونك ولا يقرُّون بوحدانية الله = ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ ، يقول: على هِينَتكم وتمكنكم ما أنتم عاملوه [[انظر تفسير " المكانة " فيما سلف ص: ٤٦٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فإنا عاملون ما نحن عاملوه من الأعمال التي أمرنا الله بها = وانتظروا ما وعدكم الشيطان، فإنا منتظرون ما وعدنا الله من حربكم ونصرتنا عليكم، كما:-
١٨٧٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج في قوله: ﴿وانتظروا إنا منتظرون﴾ ، قال: يقول: انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزيّن لكم = ﴿إنا منتظرون﴾ .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ولله، يا محمد، ملك كل ما غاب عنك في السموات والأرض فلم تطلع ولم تعلمه، ولم تعلمه، [[انظر تفسير " الغيب " فيما سلف ١٤: ٣٨١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كل ذلك بيده وبعلمه، لا يخفى عليه منه شيء، وهو عالم بما يعمله مشركو قومك، وما إليه مصير أمرهم، من إقامة على الشرك، أو إقلاعٍ عنه وتوبة = ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ ، يقول: وإلى الله مَعَادُ كل عامل وعمله، وهو مجازٍ جميعَهم بأعمالهم، كما:-
١٨٧٦٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ ، قال: فيقضي بينهم بحكمه بالعدل.
* *
﴿فاعبده﴾ ، يقول: فاعبد ربك يا محمد = ﴿وتوكل عليه﴾ ، يقول: وفوِّض أمرك إليه، وثق به وبكفايته، فإنه كافي من توكل عليه. [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص: ١٦٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
= وقوله: ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ ، يقول تعالى ذكره: وما ربك، يا محمد، بساه عما يعمل هؤلاء المشركون من قومك، [[انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص: ١٩٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] بل هو محيط به، لا يعزب عنه شيء منه، وهو لهم بالمرصاد، فلا يحزنك إعراضهم عنك، ولا تكذيبهم بما جئتهم به من الحقّ، وامض لأمر ربّك، فإنك بأعيننا.
١٨٧٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب، قال: خاتمة "التوراة"، خاتمة "هود" [[الأثر: ١٨٧٦٧ - مضى الخبر بتمامه فيما سلف برقم: ١٣٠٤٣، ومن طريق أخرى بمثله، رقم: ١٣٠٤٢.]]
﴿آخر تفسير سورة هود، والحمد لله وحده﴾
يوسف 12:1
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) ﴾
قال أبو جعفر محمد بن جرير: قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿الر تلك آيات الكتاب﴾ ، والقول الذي نختاره في تأويل ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته ههنا. [[انظر ما سلف ص: ٩ - ١٢.]]
* *
وأما قوله: ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معناه: ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾ : بَيَّن حلاله وحرامه، ورشده وهُداه.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٦٨ حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: حدثنا الوليد بن سلمة الفلسطيني، قال: أخبرني عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، في قول الله تعالى: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين﴾ ، قال: بيَّن حلاله وحرامه. [[الأثر: ١٨٧٦٨ -" الوليد بن سلمة الفلسطيني الأردني" قاضي الأردن، كذاب، يضع الأحاديث على الثقات. مترجم في ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٦، وميزان الاعتدال ٣: ٢٧١، ولسان الميزان ٦: ٢٢٢. و" عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر"، ضعيف جدًا، وقال سفيان: كذاب، قال أحمد:" لم يسمع من أبيه، ليس بشيء". مضى برقم: ٦٣٦.]]
١٨٧٦٩ حدثنا بشر، قال، حدثنا يزيد، قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين﴾ ، إي والله، لمبينٌ، بيَّن الله هداه ورشده. [[في المطبوعة:" تركيبه"، وفي المخطوطة:" برليه" واستظهرت الصواب من الذي يليه.]]
١٨٧٧٠ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين﴾ ، قال: بين الله رشده وهداه.
* *
وقال آخرون في ذلك ما:
١٨٧٧١ حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: حدثنا الوليد بن سلمة، قال: حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ أنه قال في قول الله عز وجل: ﴿الكتاب المبين﴾ قال بيَّن الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف. [[الأثر: ١٨٧٧١ -" الوليد بن سلمة الفلسطيني"، كذاب، سلف برقم: ١٨٧٦٨. " وثور بن يزيد الكلاعي"، ثقة صحيح الحديث، مضى برقم: ٣١٩٦. " وخالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي"، تابعي ثقة، روى له الجماعة مضى برقم: ٢٠٧٠، ٩٢٢٤. وهذا خبر آفته الوليد بن سلمة.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: معناه: هذه آيات الكتاب المبين، لمن تلاه وتدبَّر ما فيه من حلاله وحرامه ونهيه وسائر ما حواه من صنوف معانيه ؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه"مبين"، ولم يخصَّ إبانته عن بعض ما فيه دون جميعه، فذلك على جميعه، إذ كان جميعه مبينًا عمَّا فيه.
يوسف 12:2
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا الكتاب المبين، قرآنًا عربيًّا على العرب، لأن لسانهم وكلامهم عربي، فأنزلنا هذا الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفقهوا منه، وذلك قوله: ﴿لعلكم تعقلون﴾ .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ:"نحن نقص عليك" يا محمد،"أحسن القصص" بوحينا إليك هذا القرآن، فنخبرك فيه عن الأخبار الماضية، وأنباء الأمم السالفة والكتب التي أنزلناها في العصور الخالية [[انظر تفسير" القصص" فيما سلف ص: ٥٣٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ ، يقول تعالى ذكره: وإن كنت يا محمد من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك، لا تعلمه ولا شيئا منه، [[انظر تفسير" الغفلة" فيما سلف ص: ٥٤٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما:
١٨٧٧٢ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم= ﴿وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ .
* *
وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ لمسألة أصحابه إياه أن يقصَّ عليهم.
ذكر الرواية بذلك:
١٨٧٧٣ حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا حكام الرازي، عن أيوب، عن عمرو الملائي، عن ابن عباس، قال: قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ قال: فنزلت: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ . [[الأثران: ١٨٧٧٣، ١٨٧٧٤ -" أيوب بن سيار، أبو عبد الرحمن"، لم أجده بهذه الكنية وإنما ذكروا" أيوب بن سيار الزهري المدني"وكناه البخاري" أبا سيار"، قال البخاري:" منكر الحديث"، وقال ابن حبان:" كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل". مترجم في الكبير ١ / ١ / ٤١٧، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٢٤٨، وميزان الاعتدال ١: ١٣٤، ولسان الميزان ١: ٤٨٢، وكأنه هو. هو نفسه:" أبو عبد الرحمن"، و" أبو سيار"، له كنيتان. وقد روى الأول مرفوعًا إلى ابن عباس، والآخر موقوفًا. ثم انظر حديث عمرو بن قيس الملائي، مرفوعًا إلى سعد بن أبي وقاص، برقم: ١٨٧٧٦. فلعل هذا مما قلبه أيوب بن سيار.]]
١٨٧٧٤ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن أيوب بن سيار أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، قال: قالوا: يا نبي الله، فذكر مثله.
١٨٧٧٥ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، قال: ملَّ أصحاب رسول الله ﷺ ملّةً، فقالوا: يا رسول الله حدثنا! فأنزل الله عز وجل: ﴿اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة الزمر:٢٣] . ثم ملوا ملَّةً أخرى فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن! يعنون القصَص، فأنزل الله: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ ، فأرادوا الحديث فدَّلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصصَ فدلهم على أحسن القصص. [[الأثر: ١٨٧٧٥ -" عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود"، روى عن أبيه وعمه مرسلا. وهذا الخبر، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٣ من طريق عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، فهو مرسل. وذكره الواحدي في أسباب النزول: ٢٠٣.]]
١٨٧٧٦ حدثنا محمد بن سعيد العطار، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: أخبرنا خلاد الصفار، عن عمرو بن قيس، [عن عمرو بن مرة] ، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: أنزل على النبي ﷺ القرآن، قال: فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا! فأنزل الله: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين﴾ ، إلى قوله: ﴿لعلكم تعقلون﴾ ، الآية. قال: ثم تلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا! فأنزل الله تعالى ﴿اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [سورة الزمر:٢٣] ، قال خلاد: وزاد فيه رجل آخر، قالوا: يا رسول الله= أو قال أبو يحيى: ذهبت من كتابي كلمة= فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الحديد:١٦] . [[الأثر: ١٨٧٧٦ -" محمد بن سعيد بن غالب البغدادي، العطار، الضرير"،" أبو يحيى"، شيخ الطبري. روى عن ابن علية، وعبد الله بن نمير، والشافعي، ووهب بن جرير، وغيرهم. ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٦٦، وتاريخ بغداد ٥: ٣٠٦. " وعمرو بن محمد القرشي العنقزي"، ثقة، جائز الحديث، مضى برقم: ٦١٣٩، ١٢٣٦٩، ١٣٢٥٨. " وخلاد الصفار"، هو:" خلاد بن عيسى العبدي"، ويقال:" خلاد بن مسلم"، وكنيته" أبو مسلم". ثقة، مضى برقم: ٣٠١٤. " وعمرو بن قيس الملائي"، ثقة، مضى مرارًا كثيرة. " وعمرو بن مرة المرادي الجملي"، ثقة، روى له الجماعة، وهو الذي يروي عن مصعب ابن سعد، مضى مرارًا كثيرة. وكان اسمه ساقطًا من الإسناد في المخطوطة والمطبوعة، وزدته بين القوسين، لأن ابن كثير نقل هذا الخبر في تفسيره ٤: ٤١١، عن هذا الموضع من تفسير الطبري، وجاء على الصواب كما أثبته، كما رواه الحاكم وغيره، كما سترى في التخريج. و" مصعب بن سعد بن أبي وقاص"، تابعي ثقة، روى له الجماعة، روى عن أبيه، مضى برقم: ٩٨٤١، ١١٤٥٠، ١٦٦٣٣. وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٤٥، من هذه الطريق نفسها، وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، ولكن الحاكم قال:" حدثنا خلاد بن مسلم"، فقال الذهبي:" صوابه: خلاد أبو مسلم الصفار، وأبوه اسمه عيسى"، وقد رأيت قبل ما ذكر من الاختلاف في اسم أبيه. ونقله عن الحاكم، الواحدي في أسباب النزول: ٢٠٣، وليس فيهما هذه الزيادة عن خلاد في آخر الحديث.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٣، وزاد نسبته إلى إسحاق بن راهوية، والبزار، وأبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]]
يوسف 12:3
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا الكتاب المبين، قرآنًا عربيًّا على العرب، لأن لسانهم وكلامهم عربي، فأنزلنا هذا الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفقهوا منه، وذلك قوله: ﴿لعلكم تعقلون﴾ .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ:"نحن نقص عليك" يا محمد،"أحسن القصص" بوحينا إليك هذا القرآن، فنخبرك فيه عن الأخبار الماضية، وأنباء الأمم السالفة والكتب التي أنزلناها في العصور الخالية [[انظر تفسير" القصص" فيما سلف ص: ٥٣٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ ، يقول تعالى ذكره: وإن كنت يا محمد من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك، لا تعلمه ولا شيئا منه، [[انظر تفسير" الغفلة" فيما سلف ص: ٥٤٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما:
١٨٧٧٢ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم= ﴿وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ .
* *
وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ لمسألة أصحابه إياه أن يقصَّ عليهم.
ذكر الرواية بذلك:
١٨٧٧٣ حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا حكام الرازي، عن أيوب، عن عمرو الملائي، عن ابن عباس، قال: قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ قال: فنزلت: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ . [[الأثران: ١٨٧٧٣، ١٨٧٧٤ -" أيوب بن سيار، أبو عبد الرحمن"، لم أجده بهذه الكنية وإنما ذكروا" أيوب بن سيار الزهري المدني"وكناه البخاري" أبا سيار"، قال البخاري:" منكر الحديث"، وقال ابن حبان:" كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل". مترجم في الكبير ١ / ١ / ٤١٧، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٢٤٨، وميزان الاعتدال ١: ١٣٤، ولسان الميزان ١: ٤٨٢، وكأنه هو. هو نفسه:" أبو عبد الرحمن"، و" أبو سيار"، له كنيتان. وقد روى الأول مرفوعًا إلى ابن عباس، والآخر موقوفًا. ثم انظر حديث عمرو بن قيس الملائي، مرفوعًا إلى سعد بن أبي وقاص، برقم: ١٨٧٧٦. فلعل هذا مما قلبه أيوب بن سيار.]]
١٨٧٧٤ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن أيوب بن سيار أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، قال: قالوا: يا نبي الله، فذكر مثله.
١٨٧٧٥ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، قال: ملَّ أصحاب رسول الله ﷺ ملّةً، فقالوا: يا رسول الله حدثنا! فأنزل الله عز وجل: ﴿اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة الزمر:٢٣] . ثم ملوا ملَّةً أخرى فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن! يعنون القصَص، فأنزل الله: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ ، فأرادوا الحديث فدَّلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصصَ فدلهم على أحسن القصص. [[الأثر: ١٨٧٧٥ -" عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود"، روى عن أبيه وعمه مرسلا. وهذا الخبر، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٣ من طريق عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، فهو مرسل. وذكره الواحدي في أسباب النزول: ٢٠٣.]]
١٨٧٧٦ حدثنا محمد بن سعيد العطار، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: أخبرنا خلاد الصفار، عن عمرو بن قيس، [عن عمرو بن مرة] ، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: أنزل على النبي ﷺ القرآن، قال: فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا! فأنزل الله: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين﴾ ، إلى قوله: ﴿لعلكم تعقلون﴾ ، الآية. قال: ثم تلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا! فأنزل الله تعالى ﴿اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [سورة الزمر:٢٣] ، قال خلاد: وزاد فيه رجل آخر، قالوا: يا رسول الله= أو قال أبو يحيى: ذهبت من كتابي كلمة= فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الحديد:١٦] . [[الأثر: ١٨٧٧٦ -" محمد بن سعيد بن غالب البغدادي، العطار، الضرير"،" أبو يحيى"، شيخ الطبري. روى عن ابن علية، وعبد الله بن نمير، والشافعي، ووهب بن جرير، وغيرهم. ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٦٦، وتاريخ بغداد ٥: ٣٠٦. " وعمرو بن محمد القرشي العنقزي"، ثقة، جائز الحديث، مضى برقم: ٦١٣٩، ١٢٣٦٩، ١٣٢٥٨. " وخلاد الصفار"، هو:" خلاد بن عيسى العبدي"، ويقال:" خلاد بن مسلم"، وكنيته" أبو مسلم". ثقة، مضى برقم: ٣٠١٤. " وعمرو بن قيس الملائي"، ثقة، مضى مرارًا كثيرة. " وعمرو بن مرة المرادي الجملي"، ثقة، روى له الجماعة، وهو الذي يروي عن مصعب ابن سعد، مضى مرارًا كثيرة. وكان اسمه ساقطًا من الإسناد في المخطوطة والمطبوعة، وزدته بين القوسين، لأن ابن كثير نقل هذا الخبر في تفسيره ٤: ٤١١، عن هذا الموضع من تفسير الطبري، وجاء على الصواب كما أثبته، كما رواه الحاكم وغيره، كما سترى في التخريج. و" مصعب بن سعد بن أبي وقاص"، تابعي ثقة، روى له الجماعة، روى عن أبيه، مضى برقم: ٩٨٤١، ١١٤٥٠، ١٦٦٣٣. وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٤٥، من هذه الطريق نفسها، وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، ولكن الحاكم قال:" حدثنا خلاد بن مسلم"، فقال الذهبي:" صوابه: خلاد أبو مسلم الصفار، وأبوه اسمه عيسى"، وقد رأيت قبل ما ذكر من الاختلاف في اسم أبيه. ونقله عن الحاكم، الواحدي في أسباب النزول: ٢٠٣، وليس فيهما هذه الزيادة عن خلاد في آخر الحديث.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٣، وزاد نسبته إلى إسحاق بن راهوية، والبزار، وأبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]]
يوسف 12:4
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإن كنت يا محمد، لمن الغافلين عن نبأ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم= إذ قال لأبيه يعقوب بن إسحاق: ﴿يا أبت إني رأيت أحدَ عشر كوكبًا﴾ ؛ يقول: إني رأيت في منامي أحد عشر كوكبًا.
* *
وقيل: إن رؤيا الأنبياء كانت وحيًا.
١٨٧٧٨ حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ ، قال: كانت رؤيا الأنبياء وحيًا.
١٨٧٧٩ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبًا﴾ ، قال: كانت الرؤيا فيهم وحيًا.
* *
وذكر أن الأحد العشر الكوكب التي رآها في منامه ساجدةً مع الشمس والقمر، ما:
١٨٧٨٠- حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر، قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ من يهود يقال له"بستانة اليهودي"، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدةً له، ما أسماؤها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ، فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبرئيل وأخبره بأسمائها.
قال: فبعث رسول الله ﷺ إليه، فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال: نعم! فقال: جربان والطارق، والذيال، وذو الكنفات، [[في المطبوعة:" ذو الكتفين"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما نقله ابن كثير في تفسيره عن هذا الموضع من تفسير الطبري. أما باقي الأسماء، فإني جهلت ضبطها.]] وقابس، ووثاب وعمودان، والفليق، والمصبح، والضَّروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور". فقال اليهودي: والله إنها لأسماؤها! [[الأثر: ١٨٧٨٠ -" الحكم بن ظهير الفزاي"، متروك، مضى مرارًا، برقم: ٢٤٩، ٥٥٢٣، ٥٧٩٢، ١١٣٣٥. و" عبد الرحمن بن سابط"، هو" عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط" تابعي ثقة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١١٥٢٦. وهو يروي عن جابر مرسلا، قيل ليحيى بن معين:" سمع عبد الرحمن من سعد بن أبي وقاص؟ قال: لا. قيل: من أبي أمامة؟ قال: لا. قيل من جابر قال: لا، هو مرسل". وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٤، وقال:" أخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي، وابن حبان في الضعفاء، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم البيهقي معًا في دلائل النبوة، عن جابر". ولم أعرف مكان هذا الخبر من المستدرك للحاكم، ولكن العجب أنه صححه، فإن هذا الخبر قد تفرد به الحكم بن ظهير، وهو واهي الحديث متروك، وحتى قال الجوزجاني:" ساقط لميله وأعاجيب حديثه، وهو صاحب حديث نجوم يوسف"، وقد أنكر العقيلي حديثه في تسمية النجوم التي رآها يوسف عليه الصلاة والسلام. انظر تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال ١: ٢٦٨، وذكر الخبر من طريق ابن حبان بإسناده. وانظر الاختلاف في أسماء النجوم هناك، وراجع دلائل النبوة لأبي نعيم، فني لم أجده هناك.]]
* *
وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ يقول: والشمس والقمر رأيتهم في منامي سجودا.
* *
وقال" ساجدين" والكواكب والشمس والقمر إنما يخبر عنها ب"فاعلة" و"فاعلات" لا بالواو والنون، [لأن الواو والنون] إنما هي علامة جمع أسماء ذكور بني آدم، أو الجن، أو الملائكة [[الذي بين القوسين، أظنه سقط من الكلام، لذلك زدته حتى تستقيم العبارة.]] . وإنما قيل ذلك كذلك، لأن"السجود" من أفعال من يُجمع أسماء ذكورهم بالياء والنون، أو الواو والنون، فأخرج جمع أسمائها مخرج جمع أسماء من يفعل ذلك، كما قيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ، [سورة النمل: ١٨] .
* *
وقال:"رأيتهم" وقد قيل": إني رأيت أحد عشر كوكبًا"، فكرر الفعل، وذلك على لغة من قال:"كلمت أخاك كلمته"، توكيدًا للفعل بالتكرير.
* *
وقد قيل: إن الكواكب الأحد عشر كانت إخوته، والشمس والقمر أبويه.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٨١- حدثنا بشر، قال، حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا) إخوته، أحد عشر كوكبًا=" والشمس والقمر"، يعني بذلك: أبويه
١٨٧٨٢ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شريك، عن السدي، في قوله:"إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر" ... الآية، قال: رأى أبويه وإخوته سجودا له= فإذا قيل له: عمن؟ قال إن كان حقًّا، فإن ابن عباس فسرَّه.
١٨٧٨٣- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله" أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين" قال: الكواكب: إخوته، والشمس والقمر: أبواه.
١٨٧٨٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:" إني رأيت أحد عشر كوكبًا" إخوته ="والشمس"، أمه"والقمر" أبوه.
١٨٧٨٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد، قال، قال سفيان: كان أبويه وإخوته
١٨٧٨٦- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، قوله:" إني رأيت أحد عشر كوكبًا" هم إخوة يوسف=" والشمس والقمر"، هما أبواه.
١٨٧٨٧- حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله:"يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا" الآية، قال: أبواه وإخوته. قال: فنعاه إخوته، وكانوا أنبياء، [[هكذا هي المخطوطة، أيضًا، أو نحوًا من" نفاه" غير منقوطة، ولا أدري ما أراد.]] فقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه! حين بلغهم.
* *
وروي عن ابن عباس أنه قال": الكواكب" إخوته،"والشمس والقمر"، أبوه وخالته= من وجه غير محمودٍ، فكرهت ذكره.
يوسف 12:5
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ذكره قال: يعقوب لابنه يوسف:" يا بنيّ لا تقصص رؤياك"، هذه،"على إخوتك"، فيحسدوك [[انظر تفسير" القصص" فيما سلف ص: ٥٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="فيكيدوا لك كيدًا"، يقول: فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان [[انظر تفسير" الكيد" فيما سلف ص: ٣٦١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] . ﴿إن الشيطان للإنسان عدو مبين﴾ ، يقول: إن الشيطان لآدم وبنيه عدو، قد أبان لهم عداوته وأظهرها [[انظر تفسير" مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]] . يقول: فاحذر الشيطان أن يغريَ إخوتك بك بالحسد منهم لك، إن أنت قصصت عليهم رؤياك.
* *
وإنما قال يعقوب ذلك، لأنه قد كان تبين له من أخوته قبلَ ذلك حسدًا، [[في المطبوعة:" حسده" بالإضافة، وأثبت ما في المخطوطة، وهو جيد جدًا.]] كما:-
١٨٧٨٨- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السدي، قال: نزل يعقوب الشأم، فكان همُّه يوسف وأخاه، فحسده إخوته لما رأوا حبَّ أبيه له. ورأى يوسف في المنام كأن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم له ساجدين، فحدث بها أباه فقال: ﴿يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا﴾ ، الآية.
* *
واختلف أهل العربية في وجه دخول"اللام" في قوله ﴿فيكيدوا لك كيدا﴾ .
فقال بعض نحويي البصرة: معناه: فيتخذوا لك كيدا= وليست مثل: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ [سورة: يوسف: ٤٣] تلك أرادوا أن يوصل الفعل إليها باللام، كما يوصل بالباء، كما تقول:"قدمت له طعامًا"، تريد قدّمت إليه، وقال: ﴿يأكلن ما قدمتم لهن﴾ ، [سورة يوسف: ٤٨] ومثله قوله: ﴿قل الله يهدي للحق﴾ [سورة: يونس: ٣٥] قال: وإن شئت كان: ﴿فيكيدوا لك كيدا﴾ ، في معنى:"فيكيدوك"، وتجعل اللام مثل: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُون﴾ [سورة الأعراف: ١٥٤] وقد قال"لربهم يرهبون" إنما هو بمكان:"ربَّهم يرهبون".
* *
وقال بعضهم: أدخلت اللام في ذلك، كما تدخل في قولهم:"حمدت لك" و"شكرت لك"، و"حمدتك" و"شكرتك". وقال: هذه لام جلبها الفعل، [[في المطبوعة والمخطوطة:" هذه لام عليها الفعل"، والصواب ما أثبت.]] فكذلك قوله: ﴿فيكيدوا لك كيدا﴾ تقول: فيكيدوك=، أو: يكيدوا لك، فيقصدوك، ويقصدوا لك، قال:"وكيدًا": توكيدٌ.
يوسف 12:6
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل يعقوب لابنه يوسف، لما قصّ عليه رؤياه: ﴿وكذلك يجتبيك ربك﴾ وهكذا يجتبيك ربك. يقول: كما أراك ربك الكواكب والشمسَ والقمرَ لك سجودًا، فكذلك يصطفيك ربك، [[انظر تفسير" الاجتباء" فيما سلف ١٣: ٣٤١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما:-
١٨٧٨٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو العنقزي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة: ﴿وكذلك يجتبيك ربك﴾ ، قال: يصطفيك.
١٨٧٩٠ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ ، فاجتباه واصطفاه وعلّمه من عَبْر الأحاديث، وهو" تأويل الأحاديث".
* *
وقوله: ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ يقول: ويعلمك ربك من علم ما يؤول إليه أحاديثُ الناس، عما يرونه في منامهم. وذلك تعبير الرؤيا. [[انظر تفسير"التأويل" فيما سلف ص: ٩٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
١٨٦٩١- حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ قال: عبارة الرؤيا.
١٨٧٩٢- حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ ، قال: تأويل الكلام: العلم والكلام. [[في المطبوعة:" العلم والحلم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو جائز.]]
وكان يوسف أعبرَ الناس، وقرأ: ﴿ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما﴾ . [سورة يوسف: ٢٢] .
* *
وقوله: ﴿ويتم نعمته عليك﴾ باجتبائه إياك، واخيتاره، وتعليمه إياك تأويل الأحاديث = ﴿وعلى آل يعقوب﴾ يقول: وعلى أهل دين يعقوب، وملته من ذريته وغيرهم [[انظر تفسير" الآل" فيما سلف ١٣: ٨٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق﴾ ، باتخاذه هذا خليلا وتنجيته من النار، وفدية هذا بذبح عظيم، كالذي:-
١٨٧٩٣- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، أخبرنا أبو إسحاق، عن عكرمة، في قوله: ﴿ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق﴾ قال: فنعمته على إبراهيم أن نجاه من النار، وعلى إسحاق أنْ نجَّاه من الذَّبح.
* *
وقوله: ﴿إن ربك عليم حكيم﴾ يقول: ﴿إن ربك عليم﴾ بمواضع الفضل، ومَنْ هو أهلٌ للاجتباء والنعمة ="حكيم" في تدبيره خلقه [[انظر تفسير" عليم" و" حكيم" في فهارس اللغة (علم) و (حكم)]] .
يوسف 12:7
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته﴾ الأحد عشر= ﴿آيات﴾ يعني عبر وذكر [[انظر تفسير" الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] = ﴿للسائلين﴾ يعني السائلين عن أخبارهم وقصصهم. وإنما أراد جل ثناؤه بذلك نبيه محمدًا ﷺ.
* *
وذلك أنه يقال: إن الله تبارك وتعالى إنما أنزل هذه السورة على نبيه، يعلمه فيها ما لقي يوسف من أَدانيه وإخوته من الحسد، [[في المطبوعة:" من إخوته وأذايته من الحسد"، وفي المخطوطة:" من أدانيه وإخوته من الحسد"، ووضع فوق" أدانيه"" كذا"، كأنه شك في صحتها، وهي صواب لا شك فيه، يعني أقرب الناس إليه. وانظر ما سيلي، والتعليق عليه.]] مع تكرمة الله إيَّاه، تسليةً له بذلك مما يلقى من أدانيه وأقاربه من مشركي قريش. [[في المطبوعة:" من أذايته وأقاربه"، والصواب ما أثبت، وإنما حمله عليه ما ورط فيه نفسه قبل أسطر. انظر التعليق السالف.]] كذلك كان ابن إسحاق يقول:
١٨٧٩٤- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: إنما قصّ الله تبارك وتعالى على محمد خبر يوسف، وبَغْي إخوته عليه وحسدهم إياه، حين ذكر رؤياه، لما رأى رسول الله ﷺ من بغي قومه وحسده حين أكرمه الله عز وجل بنبوته، ليأتسي به. [[في المطبوعة:" ليتأسى به"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]]
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿آيات للسائلين﴾ . فقرأته عامة قراء الأمصار"آياتٌ" على الجماع.
* *
وروي عن مجاهد وابن كثير أنهما قرآ ذلك على التوحيد.
* *
والذي هو أولى القراءتين بالصواب، قراءةُ من قرأ ذلك على الجماع، لإجماع الحجة من القراء عليه.
يوسف 12:8
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لقد كان في يوسف وإخوته آيات لمن سأل عن شأنهم حين قال إخوة يوسف [[في المطبوعة:" قالوا إخوة يوسف"، وهو رديء، وإنما أخطأ قراءة المخطوطة، وكان الناسخ أراد أن يكتب" قالوا"، ثم جعلها" قال".]] ﴿ليوسف وأخوه﴾ من أمه= ﴿أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة﴾ ، يقولون: ونحن جماعة ذوُو عدد، أحد عشر رجلا.
* *
و"العصبة" من الناس، هم عشرة فصاعدًا، قيل: إلى خمسة عشرَ، ليس لها واحد من لفظها، كالنَّفر والرهط.
* *
= ﴿إن أبانا لفي ضلال مبين﴾ ، يعنون: إنّ أبانا يعقوب لفي خطأ من فعله، في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة = ويعني ب"المبين": أنه خطأٌ يبينُ عن نفسه أنه خطأ لمن تأمله ونظر إليه [[انظر تفسير" المبين" فيما سلف من فهارس اللغة (بين)]] .
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٩٥- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السدي: ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا﴾ ، قال: يعنون بنيامين. قال: وكانوا عشرة.
١٨٧٩٦-.... قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿إن أبانا لفي ضلال مبين﴾ ، قال: في ضلال من أمرنا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿ونحن عصبة﴾ ، قال:"العصبة"، الجماعة.
يوسف 12:9
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال إخوة يوسف بعضهم لبعض: اقتلوا يوسف أو اطرحوه في أرض من الأرض، يعنون مكانا من الأرض= (يخلُ لكم وجه أبيكم) يعنون: يخلُ لكم وجه أبيكم من شغله بيوسف، فإنه قد شغله عنّا، وصرف وَجهه عنَّا إليه ﴿وتكونوا من بعده قومًا صالحين﴾ ، يعنون أنهم يتوبون من قتلهم يوسف، وذنبهم الذي يركبونه فيه، فيكونون بتوبتهم من قتله من بعد هلاك يوسف قومًا صالحين.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٩٨- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين﴾ ، قال: تتوبون مما صنعتم، أو: من صنيعكم.
يوسف 12:10
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال قائل من إخوة يوسف: ﴿لا تقتلوا يوسف﴾ .
* *
وقيل: إن قائل ذلك"روبيل"، كان ابن خالة يوسف.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٩٩- حدثنا بشر، قال، حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لا تقتلوا يوسف﴾ ذكر لنا أنه روبيل، كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، فنهاهم عن قتله.
١٨٨٠٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿اقتلوا يوسف﴾ ، إلى قوله: ﴿إن كنتم فاعلين﴾ ، قال: ذكر لي، والله أعلم، أن الذي قال ذلك منهم"روبيل"، الأكبر من بني يعقوب، وكان أقصدهم فيه رأيًا.
١٨٨٠١- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: ﴿لا تقتلوا يوسف﴾ قال: كان أكبر إخوته، وكان ابن خالة يوسف، فنهاهم عن قَتْله.
* *
وقيل: كان قائل ذلك منهم"شمعون". [[سيأتي في الأثر رقم: ١٨٨٣١، اسم آخر، وأنه هو قائل ذاك، وهو:" يهوذا".]]
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: ﴿قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف﴾ قال: هو شمعون.
* *
وقوله: ﴿وألقوه في غيابت الجب﴾ يقول وألقوه في قَعْرِ الجبّ، حيث يَغيبُ خبره.
* *
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء أهل المدينة:"غيَابَاتِ الجُبِّ" على الجماع.
* *
وقرأ ذلك عامة قراء سائر الأمصار: ﴿غَيابَةِ الجُبِّ﴾ بتوحيد"الغيابة".
* *
قال أبو جعفر: وقراءة ذلك بالتوحيد أحبُّ إليّ.
* *
و"الجبّ": بئر.
* *
وقيل: إنه اسم بئر ببيت المقدس.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٠٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: في: ﴿غيابة الجب﴾ ، يقول: بئر ببيت المقدس.
١٨٨٠٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿غيابة الجب﴾ قال: بئر ببيت المقدس.
* *
والغيابة: كل شيء غيب شيئًا فهو"غيابة" = و"الجب"، البئر غير المطويَّة.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٠٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في: ﴿غيابة الجب﴾ ، في بعض نواحيها: في أسفلها.
١٨٨٠٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وألقوه في غيابة الجب﴾ ، يقول: في بعض نواحيها.
١٨٨٠٧ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، مثله [[الأثر: ١٨٨٠٧ -" الحسن بن محمد"، هو" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني"، شيخ الطبري. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٣٦. و" عبد الوهاب"، هو" عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي"، مضى مرارًا.]]
١٨٨٠٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿وألقوه في غيابة الجب﴾ قال: قالها كبيرهم الذي تخلَّف. قال: و"الجب"، بئر بالشأم.
١٨٨٠٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ألقو في غيابة الجب﴾ يعني: الركيَّة.
١٨٨١٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ، قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول:"الجبّ": البئر.
* *
وقوله: ﴿يلتقطه بعض السيارة﴾ يقول: يأخذه بعض مارّة الطريق من المسافرين [[انظر تفسير" السيارة" فيما سلف ١١: ٧١ - ٧٣.]] = ﴿إن كنتم فاعلين﴾ ، يقول: إن كنتم فاعلين ما أقول لكم. فذكر أنه التقطه بعض الأعراب.
١٨٨١١- حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿يلتقطه بعض السيارة﴾ ، قال: التقطه ناس من الأعراب.
* *
وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ:" تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ" بالتاء.
١٨٨١٢- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال حدثنا القاسم، قال، حدثني حجاج، عن هارون، عن مطر الورّاق، عن الحسن.
* *
وكانّ الحسن ذهب في تأنيثه"بعض السيارة" إلى أنَّ فعلَ بعضها فعلُها.
والعرب تفعل ذلك في خبر كان عن مُضافٍ إلى مؤنث، [[في المطبوعة:" عن المضاف إلى مؤنث"، فأساء بفعله غاية الإساءة.]] يكون الخبرُ عن بعضه خبرًا عن جميعه، وذلك كقول الشاعر: [[هو جرير.]]
أرَى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ [[سلف البيت وتخريجه وشرحه ١١: ٨٦، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا" أرى"، والرواية هناك، وفي ديوانه" رأت".]]
فقال:"أخذن مني"، وقد ابتدأ الخبر عن"المرّ"، إذ كان الخبر عن"المرّ"، خبرًا عن"السنين"، وكما قال الآخر: [[لم أعرف قائله.]]
إذَا مَاتَ مِنْهُمْ سَيِّدٌ قَامَ سَيِّدٌ ... فَدَانَتْ لَهُ أهْلُ القُرَى والكَنائِسِ [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية.]]
فقال:"دانت له"، والخبر عن أهل القرى، لأن الخبر عنهم كالخبر عن القرى. ومن قال ذلك لم يقل:" فدانت له غلام هند"، لأن"الغلام" لو ألقي من الكلام لم تدلَّ"هند" عليه، كما يدل الخبر عن"القرية" على أهلها.
وذلك أنه لو قيل": فدانت له القرى"، كان معلومًا أنه خبر عن أهلها. وكذلك"بعض السيارة"، لو ألقي البعض، فقيل: تلتقطه السيارة، علم أنه خبر عن البعض أو الكل، ودلّ عليه الخبر عن"السيارة".
يوسف 12:11
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف، إذ تآمروا بينهم، وأجمعوا على الفرقة بينه وبين والده يعقوب، لوالدهم يعقوب: ﴿يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف﴾ فتتركه معنا إذا نحن خرجنا خارج المدينة إلى الصحراء= ﴿وإنا له ناصحون﴾ ، نحوطه ونكلؤه [[انظر تفسير: نصح له" فيما سلف ص: ٣٠٥، تعليق: ٢]] .
يوسف 12:12
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) ﴾
قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء أهل المدينة:"يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ"، بكسر العين من"يرتع"، وبالياء في"يرتع ويلعب"، على معنى:"يفتعل"، من"الرعي":"ارتعيت فأنا أرتعي"، كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلي: أرسله معنا غدًا يرتَع الإبل ويلعب، ﴿وإنّا له لحافظون﴾ .
وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة:" أرْسِلهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ"، بالياء في الحرفين جميعًا، وتسكين العين، من قولهم:"رتع فلانٌ في ماله"، إذا لَهَا فيه ونَعِم وأنفقه في شهواته. ومن ذلك قولهم في مثل من الأمثال:"القَيْدُ والرَّتَعَة"، [[مثل ذكره الميداني في أمثاله ٢: ٣٩، والمفضل الضبي في أمثاله: ٦٢، والمفضل ابن سلمة في كتابه الفاخر ص: ١٧٠، ٢٤١، واللسان (رتع) . وأصله أن عمرو بن الصعق، أسرته شاكر، من همدان، فأحسنوا إليه. وكان فارق قومه نحيفًا، فهرب من شاكر، فلما وصل إلى قومه قالوا: أي عمرو، خرجت من عندنا نحيفًا، وأنت اليوم بادن؟ فقال:" القيد والرتعة"، فأرسلها مثلا. و" الرتعة" الخصب.]] ومنه قول القطامي:
أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي ... وَبَعْدَ عَطَائِكَ المِئَةَ الرِّتَاعَا [[سلف البيت وتخريجه وشرحه ١: ١١٦، تعليق: ١.]]
* *
وقرأ بعض أهل البصرة:"تَرْتَعْ" بالنون"ونَلْعَبْ" بالنون فيهما جميعًا، وسكون العين من"نرتع".
١٨٨١٣- حدثني أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج، عن هارون، قال: كان أبو عمرو يقرأ:"نَرْتَعْ ونَلْعَبْ" بالنون، قال: فقلت لأبي عمرو: كيف يقولون" نلعب"، وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءة في ذلك عندي بالصواب، قراءةُ من قرأه في الحرفين كليهما بالياء، وبجزم العين في"يرتع"، لأن القوم إنما سألوا أباهم إرسال يوسف معهم، وخدعوه بالخبر عن مسألتهم إياه ذلك، عما ليوسف في إرساله معهم من الفرح والسرور والنشاط بخروجه إلى الصحراء وفسحتها ولعبه هنالك، لا بالخبر عن أنفسهم.
* *
وبذلك أيضا جاء تأويل أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨١٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب﴾ ، يقول: يسعى وينشطُ.
١٨٨١٥ - حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال، قال ابن عباس: ﴿يرتع ويلعب﴾ قال: يلهو، وينشط ويسعى.
١٨٨١٦- حدثنا بشر، قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب﴾ ، قال: ينشط ويلهو.
١٨٨١٧- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، بنحوه. [[الأثر: ١٨٨١٧ -" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني"، وانظر تفسير هذا الإسناد فيما سلف رقم: ١٨٨٠٧.]]
١٨٨١٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يرتع ويلعب﴾ ، قال: يسعى ويلهو.
١٨٨١٩- حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: ﴿يرتع ويلعب﴾ ، قال: يتلهَّى ويلعب..
١٨٨٢٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿يرتع ويلعب﴾ ، قال: يتلهَّى ويلعب.
١٨٨٢١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿يرتع ويلعب﴾ قال: ينشط ويلعب.
١٨٨٢٢- ... قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدى: ﴿أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب،﴾ يلهو.
١٨٨٢٣- قال، حدثنا حسين بن علي، عن شيبان، عن قتادة: ﴿أرسله معنا غدا يرتع ويلعب﴾ ، قال: ينشط ويلعب.
١٨٨٢٤ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا نعيم بن ضمضم العامري، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب﴾ ، قال: يسعى وينشط. [[الأثر: ١٨٨٢٤ -" نعيم بن ضمضم العامري"، لم أجد له ترجمة في غير لسان الميزان ٦: ١٦٩، قال:" نعيم بن ضمضم، والضحاك، بحديث في الوضوء. وضعفه بعضهم. انتهى. وهذا روى عنه سفيان بن عيينة، وأبو أحمد الزبيري، وقبيصة بن عقبة، وعبد الرحمن ابن صالح الكوفي، وآخرون. وذكر البخاري روايته في ترجمة عمران بن حميري (؟) ولم يفرده بترجمة. وما عرفت إلى الآن من ضعفه. وقد تقدم في" عمران، أن ابن حبان سمى أباه جهضما، ويقال: ضمعج. قلت: وهما خطأ، فقد أخرج حديثه البزار، والطبراني، والحارث بن أبي أسامة في أسانيدهم، وأبو الشيخ. في كتاب الثواب، كلهم من رواية عبد العزيز بن أبان، فقال:عن نعيم بن ضمضم، عن عمران بن حميري، كما وقع عند البخاري". انتهى ما قاله الحافظ ابن حجر، وهو جليل الفائدة، وزادنا الطبري في إسناده أنه العامري"]]
* *
وكأن الذين يقرأون ذلك:"يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ" بكسر العين من يرتع، يتأوّلونه على الوجه الذي:-
١٨٨٢٥- حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال، ابن زيد في قوله:"أرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ" قال: يرعى غنمه، وينظر ويعقل، فيعرف ما يعرف الرجُل.
* *
وكان مجاهد يقول في ذلك بما:-
١٨٨٢٦- حدثنا الحسن بن محمد، قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:"نَرْتَعِ"، بحفظ بعضنا بعضًا، نتكالأ نتحارس. [[" نتكالأ" من قولهم:" كلأه"، أي حفظه ورعاه وحرسه.]]
١٨٨٢٧- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"نَرْتَعِ" قال: يحفظ بعضنا بعضًا، نتكالأ
١٨٨٢٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد=
١٨٨٢٩- وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٨٨٣٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، بنحوه.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: أرسله معنَا غدًا نلهو ونلعب وننعم، وننشط في الصحراء، ونحن حافظُوه من أن يناله شيء يكرهه أو يؤذيه.
يوسف 12:13
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لهم: إني ليحزنني أن تذهبوا به معكم إلى الصحراء، [[انظر تفسير" الحزن" فيما سلف ص: ١٤٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] مخافة عليه من الذئب أن يأكله، وأنتم عنه غافلون لا تشعرون. [[انظر تفسير:" الغفلة" فيما سلف ص: ٥٥١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف لوالدهم يعقوب: لئن أكل يوسف الذئبُ في الصحراء، ونحن أحد عشر رجلا معه نحفظه= وهم العصبة [[انظر تفسير" العصبة" فيما سلف ص: ٥٦٢.]] = ﴿إنا إذًا لخاسرون﴾ ، يقول: إنا إذًا لعجزة هالكون. [[انظر تفسير" الخسران" فيما سلف من فهارس اللغة (خسر) .]]
يوسف 12:14
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لهم: إني ليحزنني أن تذهبوا به معكم إلى الصحراء، [[انظر تفسير" الحزن" فيما سلف ص: ١٤٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] مخافة عليه من الذئب أن يأكله، وأنتم عنه غافلون لا تشعرون. [[انظر تفسير:" الغفلة" فيما سلف ص: ٥٥١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف لوالدهم يعقوب: لئن أكل يوسف الذئبُ في الصحراء، ونحن أحد عشر رجلا معه نحفظه= وهم العصبة [[انظر تفسير" العصبة" فيما سلف ص: ٥٦٢.]] = ﴿إنا إذًا لخاسرون﴾ ، يقول: إنا إذًا لعجزة هالكون. [[انظر تفسير" الخسران" فيما سلف من فهارس اللغة (خسر) .]]
يوسف 12:15
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) ﴾
قال أبو جعفر: وفي الكلام متروكٌ حذف ذكره، اكتفاءً بما ظهر عما ترك، وهو": فأرسله معهم"، ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا﴾ ، يقول: وأجمع رأيهم، [[انظر تفسير" الإجماع" فيما سلف ص: ١٤٧، ١٤٨.]] وعزموا على (أن يجعلوه في"غيابة الجب" [[انظر تفسير" غيابة الجب" فيما سلف ص: ٥٦٥، ٥٦٦.]]) . كما:-
١٨٨٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، قوله: ﴿إني ليحزنني أن تذهبوا به﴾ ، الآية، قال، قال: لن أرسله معكم، إني أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون= ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنَّا إذًا لخاسرون﴾ ، فأرسله معهم، فأخرجوه وبه عليهم كرامة، فلما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه، فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيمًا، [[انظر ما قلته في" جعل" وأشباهها، وأنها أفعال استعانة، لها مكان في التعبير لا يغني مكانها شيء غيرها. انظر ج ١١ تعليق: ١.]] فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه! يا يعقوب! لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء! فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا [[انظر ما سلف ص: ٥٦٥، تعليق: ١ في اسم هذا القائل، وأنه" روبيل" أو" شمعون"، ولم يذكر هناك" يهوذا".]] أليس قد أعطيتموني موثقًا أن لا تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجبّ ليطرحوه، فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلّق بشَفير البئر.
فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه! ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجبّ! فقالوا: ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحد عشر كوكبًا تؤنسك! قال: إني لم أر شيئًا، فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادةَ أن يموت. وكان في البئر ماءٌ فسقط فيه، ثم أوَى إلى صخرة فيها فقام عليها. قال: فلما ألقوه في البئر، جعل يبكي، فنادوه، فظنّ أنها رحمة أدركتهم، فلبَّاهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعطيتموني موثقًا أن لا تقتلوه! وكان يهوذا يأتيه بالطعام.
* *
وقوله: ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا﴾ فأدخلت"الواو" في الجواب، كما قال امرؤ القيس:
فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفاف عَقَنْقَل [[معلقته المشهورة، وسيأتي في التفسير ١٧: ٧٣ (بولاق) ، وكان في المطبوعة:" ذي حقاف"، وأثبت روايته هذه من المخطوطة.]]
فأدخل الواو في جواب"لما"، وإنما الكلام: فلما أجزنا ساحة الحي، انتحى بنا، وكذلك: ﴿فلما ذهبوا وأجمعوا﴾ ، لأن قوله:"أجمعوا" هو الجواب.
* *
وقوله: ﴿وأوحينا إليه لتنبِّئنهم بأمرهم﴾ ، يقول: وأوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك= ﴿بأمرهم هذا﴾ يقول: بفعلهم هذا الذي فعلوه بك ﴿وهم لا يشعرون﴾ يقول: وهم لا. يعلمون ولا يدرُون [[انظر تفسير" شعر" فيما سلف ١٢: ٥٧٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] .
* *
ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله عز وجل بقوله: ﴿وهم لا يشعرون﴾ .
فقال بعضهم: عنى بذلك: أن الله أوحى إلى يوسف أنّ يوسف سينبئ إخوته بفعلهم به ما فعلوه: من إلقائه في الجب، وبيعهم إياه، وسائر ما صنعوا به من صنيعهم، وإخوته لا يشعرون بوحي الله إليه بذلك.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٣٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأوحينا إليه﴾ إلى يوسف.
١٨٨٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا﴾ قال: أوحينا إلى يوسف: لتنبئن إخوتك.
١٨٨٣٤- ... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) قال: أوحى إلى يوسف وهو في الجبّ أنْ سينبئهم بما صنعوا، وهم لا يشعرون بذلك الوحي
١٨٨٣٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ﴿وأوحينا إليه﴾ ، قال: إلى يوسف.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: وأوحينا إلى يوسف بما إخوته صانعون به، وإخوته لا يشعرون بإعلام الله إيّاه بذلك.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٣٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ ، بما أطلع الله عليه يوسف من أمرهم، وهو في البئر.
١٨٨٣٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ ، قال: أوحى الله إلى يوسف وهو في الجب أن ينبئهم بما صنعوا به، وهم لا يشعرون بذلك الوحي.
١٨٨٣٨- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة، بنحوه= إلا أنه قال: أن سينبئهم.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يوسف سينبئهم بصنيعهم به، وهم لا يشعرون أنه يوسف.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٣٩-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿وهم لا يشعرون﴾ يقول: وهم لا يشعرون أنه يوسف.
١٨٨٤٠- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي، عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف فعرفهم وهم له منكرون، قال: جيء بالصُّوَاع، فوضعه على يده، ثم نقره فطنَّ، فقال: إنه ليخبرني هذا الجامُ أنه كان لكم أخٌ من أبيكم يقال له يوسف، يدنيه دونكم، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب! قال: ثم نقره فطنَّ= فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدَمٍ كذب! قال: فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم! قال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم: ﴿لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ . [[الأثر: ١٨٨٤٠ -" صدقة بن عبادة بن نشيط الأسدي"، روى عن أبيه عن ابن عباس. روى عنه أبو داود الطيالسي، وموسى بن إسماعيل، وغيرهما، مترجم في الكبير ٢ / ٢ / ٢٩٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٣٣. /٨ وأبوه" عبادة بن نشيط الأسدي"، روى عن ابن عباس، روى عنه ابنه صدقة، مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٩٦. ولم يذكروا فيه ولا في ابنه جرحًا. ومع ذلك فالخبر عندي غير مستقيم. وكفاه اختلالا أنه مخالف لصريح القرآن، ولو وافقه لكان أولى به أن يكون قال لهم ذلك، لما دخلوا عليه فقال لهم:" هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون"، في آخر السورة.]]
يوسف 12:16
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وجاء إخوة يوسف أباهم، بعد ما ألقوا يوسف في غيابة الجبّ عشاء يبكون.
* *
وقيل: إن معنى قوله: ﴿نستبق﴾ ننتضل من"السباق" [[انظر تفسير" الاستباق" فيما سلف ٣: ١٩٦ / ١٠: ٣٩١.]] كما:-
١٨٨٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: أقبلوا على أبيهم عشاء يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا! قال: فما فعل يوسف؟ قالوا: ﴿يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب﴾ ! فبكى الشيخ وصاح بأعلى صوته، وقال: أين القميص؟ فجاءوه بالقميص عليه دمٌ كذب، فأخذ القميص فطرحه على وجهه، ثم بكى حتى تخضَّب وجهه من دم القميص.
* *
وقوله: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ ، يقولون: وما أنت بمصدّقنا على قِيلنا: إن يوسف أكله الذئب، ولو كنا صادقين! كما:-
١٨٨٤٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ قال: بمصدق لنا!
....................................................................................
...................................................................................
...................................................................................
* *
[فإن قال قائل: ﴿ولو كنا صادقين﴾ وقوله] : [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام، وظني أنه سقط من كلام الطبري شيء، فلذلك وضعت قبله أسطرًا من النقط، لأني أرى أنه لم يتم تفسير الآية على عادته في كل ما سلف.]] ﴿ولو كنا صادقين﴾ ، إما خبرٌ عنهم أنهم غير صادقين، فذلك تكذيب منهم أنفسَهم = أو خبرٌ منهم عن أبيهم أنه لا يصدِّقهم لو صدَقوه، فقد علمت أنهم لو صَدَقوا أباهم الخبرَ صَدَّقهم؟
قيل: ليس معنى ذلك بواحد منهما، وإنما معنى ذلك: وما أنت بمصدِّق لنا ولو كنا من أهل الصدق الذين لا يُتَّهمون، لسوء ظنك بنا، وتُهمَتك لنا.
يوسف 12:17
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وجاء إخوة يوسف أباهم، بعد ما ألقوا يوسف في غيابة الجبّ عشاء يبكون.
* *
وقيل: إن معنى قوله: ﴿نستبق﴾ ننتضل من"السباق" [[انظر تفسير" الاستباق" فيما سلف ٣: ١٩٦ / ١٠: ٣٩١.]] كما:-
١٨٨٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: أقبلوا على أبيهم عشاء يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا! قال: فما فعل يوسف؟ قالوا: ﴿يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب﴾ ! فبكى الشيخ وصاح بأعلى صوته، وقال: أين القميص؟ فجاءوه بالقميص عليه دمٌ كذب، فأخذ القميص فطرحه على وجهه، ثم بكى حتى تخضَّب وجهه من دم القميص.
* *
وقوله: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ ، يقولون: وما أنت بمصدّقنا على قِيلنا: إن يوسف أكله الذئب، ولو كنا صادقين! كما:-
١٨٨٤٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ قال: بمصدق لنا!
....................................................................................
...................................................................................
...................................................................................
* *
[فإن قال قائل: ﴿ولو كنا صادقين﴾ وقوله] : [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام، وظني أنه سقط من كلام الطبري شيء، فلذلك وضعت قبله أسطرًا من النقط، لأني أرى أنه لم يتم تفسير الآية على عادته في كل ما سلف.]] ﴿ولو كنا صادقين﴾ ، إما خبرٌ عنهم أنهم غير صادقين، فذلك تكذيب منهم أنفسَهم = أو خبرٌ منهم عن أبيهم أنه لا يصدِّقهم لو صدَقوه، فقد علمت أنهم لو صَدَقوا أباهم الخبرَ صَدَّقهم؟
قيل: ليس معنى ذلك بواحد منهما، وإنما معنى ذلك: وما أنت بمصدِّق لنا ولو كنا من أهل الصدق الذين لا يُتَّهمون، لسوء ظنك بنا، وتُهمَتك لنا.
يوسف 12:18
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وجاؤوا على قميصه بدم كذب﴾ ، وسماه الله"كذبًا" لأن الذين جاؤوا بالقميص وهو فيه، كذَبوا، فقالوا ليعقوب:"هو دم يوسف"، ولم يكن دمه، وإنما كان دم سَخْلةٍ، [[" السخلة". ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرًا كان أو أنثى.]] فيما قيل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٤٣- حدثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاري قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وجاؤوا على قميصه بدم كذب﴾ قال: دم سخلة. [[الأثر: ١٨٨٤٣ -" أحمد بن عبد الصمد بن علي بن عيسى الأنصاري الزرقي"،" أبو أيوب"، شيخ الطبري، مشهور لا بأس به. مترجم في تاريخ بغداد ٤: ٢٧٠، ولسان الميزان ١: ٢١٤، وروى عنه الطبري في تاريخه ٥: ٢٢، في موضع واحد. وانظر ما سيأتي رقم: ١٨٨٥٥.]]
١٨٨٤٤- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وجاؤوا على قميصه بدم كذب﴾ قال: دم سخلة، شاة.
١٨٨٤٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿بدم كذب﴾ قال: دم سخلة = يعني: شاة.
١٨٨٤٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿بدم كذب﴾ قال: دم سخلةٍ، شاة.
١٨٨٤٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿بدم كذب﴾ قال: كان ذلك الدم كذبًا، لم يكن دمَ يوسف.
١٨٨٤٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿بدم كذب﴾ قال: دم سخلة، شاة.
١٨٨٤٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بدم كذب﴾ قال: بدم سخلة.
١٨٨٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، قال: ذبحوا جديًا من الغنم، ثم لطَّخوا القميص بدمه، ثم أقبلوا إلى أبيهم، فقال يعقوب: إن كان هذا الذئبُ لرحيما! كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟ يا بني، يا يوسف ما فعل بك بنو الإماء!
١٨٨٥١- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وجاؤوا على قميصه بدم كذب﴾ قال: لو أكله السبع لخرق القميص.
١٨٨٥٢- حدثنا الحسن بن محمد، قال، حدثنا أبو خالد، قال، حدثنا سفيان بإسناده عن ابن عباس، مثله= إلا أنه قال: لو أكله الذئب لخرَّق القميص.
١٨٨٥٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وجاؤوا على قميصه بدم كذب﴾ ، قال: لو كان الذئب أكله لخرَّقه.
١٨٨٥٤- حدثني عبيد الله بن أبي زياد قال، حدثنا عثمان بن عمرو قال، حدثنا قرة، عن الحسن، قال: جيء بقميص يوسف إلى يعقوب، فجعل ينظر إليه فيرى أثر الدم، ولا يرى فيه خَرْقًا، قال: يا بني ما كنت أعهدُ الذئب حليمًا؟
١٨٨٥٥- حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، قال، حدثنا أبو عامر العقدي، عن قرة، قال: سمعت الحسن يقول: لما جاؤوا بقميص يوسف، فلم ير يعقوب شقًّا، قال: يا بني، والله ما عهدت الذئب حليمًا؟ [[الأثر ١٨٨٥٥ -" أحمد بن عبد الصمد الأنصاري"، انظر ما سلف رقم: ١٨٨٤٣.]]
١٨٨٥٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا حماد بن مسعدة، عن عمران بن مسلم، عن الحسن، قال: لما جاء إخوة يوسف بقميصه إلى أبيهم، قال: جعل يقلبه فيقول: ما عهدت الذئب حليمًا؟ أكل ابني، وأبقى على قميصه!
١٨٨٥٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وجاؤوا على قميصه بدم كذب﴾ قال: لما أتوا نبيَّ الله يعقوب بقميصه، قال: ما أرى أثرَ سبع ولا طعْنٍ، ولا خرْق.
١٨٨٥٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿بدم كذب﴾ الدم الكذب، لم يكن دم يوسف.
١٨٨٥٩- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مجالد، عن الشعبي قال: ذبحوا جديًا ولطخوه من دمه. فلما نظر يعقوب إلى القميص صحيحًا، عرف أن القوم كذبوه. فقال لهم: إن كان هذا الذئب لحليمًا، حيث رَحم القميص ولم يرحم ابني! فعرف أنهم قد كذبوه.
١٨٨٦٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن سيفان، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وجاؤوا على قميصه بدم كذب﴾ قال: لما أتي يعقوب بقميص يوسف، فلم ير فيه خرقًا، قال: كذبتم، لو أكله السبع لخرق قميصه!
١٨٨٦١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الأزرق، ويعلى، عن زكريا، عن سماك، عن عامر قال: كان في قميص يوسف ثلاث آيات:حين جاؤوا على قميصه بدم كذب. قال: وقال يعقوب: لو أكله الذئب لخرقَ قميصه.
١٨٨٦٢- حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد قال، حدثنا زكريا، عن سماك، عن عامر قال: إنه كان يقول: في قميص يوسف ثلاث آيات: حين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرًا، وحين قُدَّ منْ دُبُر، وحين جاؤوا على قميصه بدم كذب.
١٨٨٦٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عامر قال: كان في قميص يوسف ثلاث آيات: الشقُّ، والدم، وألقاه على وجه أبيه فارتدَّ بصيرًا.
١٨٨٦٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة، عن الحسن، قال: لما جيء بقميص يوسف إلى يعقوب، فرأى الدم ولم ير الشق قال: ما عهدت الذئب حليمًا؟
١٨٨٦٥-..... قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا قرة، عن الحسن، بمثله.
* *
فإن قال قائل: كيف قيل: ﴿بدم كذب﴾ وقد علمت أنه كان دمًا لا شك فيه، وإن لم يكن كان دم يوسف؟
قيل: في ذلك من القول وجهان:
أحدهما: أن يكون قيل ﴿بدم كذب﴾ لأنه كُذِب فيه كما يقال": الليلة الهلالُ"، وكما قيل: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ [سورة البقرة ١٦] . وذلك قولٌ كان بعض نحويي البصرة يقوله.
والوجه الآخر: وهو أن يقال: هو مصدر بمعنى"مفعول". وتأويله: وجاؤوا على قميصه بدم مكذوب= كما يقال:"ما له عقل ولا معقول"، و"لا له جَلَد ولا له مجْلود". والعرب تفعل ذلك كثيرًا، تضع"مفعولا" في موضع المصدر، والمصدر في موضع مفعول، كما قال الراعي:
حَتَّى إذَا لم يَتْرُكُوا لِعِظَامِهِ ... لَحْمًا وَلا لِفؤادِهِ مَعْقول [[جمهرة أشعار العرب: ١٧٥، وغيرها، من ملحمته المشهورة، قالها لعبد الملك بن مروان، وكان بعض عماله على الصدقات، قد أوقع ببني نمير قوم الراعي، لأن قيسًا كانت زبيرية الهوى، فقال: أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنَّا مَعْشَرٌ ... حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلاَ
عَرَبٌ، نَرَى لِلهِ في أمْوالِنا ... حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلاً تنزيلاَ
إنَّ السُّعاةَ عَصَوْكَ يَوْمَ أمْرَتَهُمْ ... وأتَوْا دَواهِيَ، لو عَلِمْتَ، وغُولا
ثم يقول له: أخَذُوا العَرِيفَ فَقَطَّعُوا حَيْزُومَهُ ... بِالأصْبَحِيَّةِ قائمًا مَغْلُولاً
حَتَّى إذَا لَمْ يَتْرُكُوا........... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَاءوا بِصَكِّهِمُ، وَأَحْدَبَ أَسْأَرَتْ ... مِنْهُ السِّياطُ يَرَاعَةً إجْفِيلا
وهي من جيد الشعر.]]
وذلك كان يقوله بعض نحويي الكوفة. [[هو الفراء في معاني القرآن، في تفسير هذه الآية.]]
* *
وقوله: ﴿قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا﴾ يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه الذين أخبروه أن الذئب أكل يوسف مكذبا لهم في خبرهم ذلك: ما الأمر كما تقولون، ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا﴾ يقول: بل زيَّنت لكم أنفسكم أمرًا في يوسف وحسنته، ففعلتموه كما:-
١٨٨٦٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: قال ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا﴾ ، قال: يقول: بل زينت لكم أنفسكم أمرًا.
* *
وقوله: ﴿فصبر جميل﴾ يقول: فصبري على ما فعلتم بي في أمر يوسف صبرٌ جميل= أو فهو صبر جميل.
* *
وقوله ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ يقول: واللهَ أستعين على كفايتي شرّ ما تصفون من الكذب [[انظر تفسير" الوصف" فيما سلف ١٢: ١٠، ١١، ١٥٢.]] .
* *
وقيل": إن الصبر الجميل"، هو الصبر الذي لا جزع فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فصبر جميل﴾ قال: ليس فيه جزع.
١٨٨٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٨٦٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٨٧٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد: ﴿فصبر جميل﴾ في غير جزع.
١٨٨٧١-.... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٨٧٢-..... قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فصبر جميل﴾ قال: صبر لا شكوى فيه. قال: من بثّ فلم يصبر. [[الأثر: ١٨٨٧٢ -" حبان بن أبي جبلة المصري"، أحد العشرة الذين بعثهم عمر، ليفقهوا أهل مصر، مضى برقم: ٢١٩٥، ١٠١٨٠. أما" عبد الرحمن بن يحيى"، فلم أعرف من يكون، وقد سلف في مثل هذا الإسناد برقم: ١٠١٨٠، وظن أخي هناك أنه قد يكون" عبد الرحمن بن زياد بن أنعم"، ولكن قد اتفق أن يكون في الموضعين، يكون في الموضعين، على تباعدهما" عبد الرحمن بن يحيى"، فهذا مبعد له عن التصحيف والتحريف، إلا أن يكون هذا أحد الرواة عن حبان، لم نعرفه. وعسى أن يأتي في التفسير بعد ما يوضحه. ثم انظر أيضًا الإسناد الذي يليه.]]
١٨٨٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة: أن النبي ﷺ سئل عن قوله: ﴿فصبر جميل﴾ قال: صبر لا شكوى فيه. [[الأثر: ١٨٨٧٣ -" عبد الرحمن بن يحيى"، انظر التعليق السابق.]]
١٨٨٧٤- ... قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فصبر جميل﴾ : ليس فيه جزع.
١٨٨٧٥- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٨٧٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن مجاهد في قوله: ﴿فصبر جميل﴾ : قال: في غير جزع.
١٨٨٧٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٨٧٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن بعض أصحابه قال: يقال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدِّث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكّي نفسك=
قال أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت: أن يعقوب النبيّ ﷺ كان قد سقط حاجبَاه، فكان يرفعهما بخرقةٍ، فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان، وكثرة الأحزان! فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: يا يعقوب، أتشكوني؟ قال: يا رب خطيئة أخطأتها، فاغفرها لي.
* *
وقوله: ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ . [[انظر تفسير" الوصف" فيما سلف ص: ٥٨٤، تعليق ١، والمراجع هناك.]]
١٨٨٧٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿والله المستعان على ما تصفون،﴾ أي على ما تكذبون.
يوسف 12:19
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجاءت مارَّةُ الطريق من المسافرين [[انظر تفسير" السيارة" فيما سلف ١٥: ٥٦٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فأرسلوا واردهم﴾ وهو الذي يرد المنهل والمنزل، و"وروده إياه"، مصيره إليه ودخوله [[انظر تفسير" الورود" فيما سلف ١٥: ٤٦٦.]] . ﴿فأدلى دلوه﴾ يقول: أرسل دلوه في البئر.
* *
يقال:"أدليت الدلو في البئر" إذا أرسلتها فيه، فإذا استقيت فيها قلت:"دلوْتُ أدْلُو دلوًا".
* *
وفي الكلام محذوف، استغنى بدلالة ما ذكر عليه، فترك، وذلك: ﴿فأدلى دلوه﴾ = فتعلق به يُوسف، فخرج، فقال المدلي: ﴿يا بشرى هذا غلام﴾ .
* *
وبالذي قلنا في ذلك، جاءت الأخبار عن أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٨٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه﴾ فتعلق يوسف بالحبل، فخرج، فلما رآه صاحب الحبل نادَى رجلا من أصحابه يقال له"بُشرى": ﴿يا بشرى هذا غلامٌ﴾ .
١٨٨٨١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه﴾ فتشبث الغلام بالدلو، فلما خرج قال: ﴿يا بشرى هذا غلام﴾ .
* *
١٨٨٨٢ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فأرسلوا واردهم﴾ يقول: أرسلوا رسولهم، فلما أدلى دلوه تشبث بها الغلام ﴿= (قال يا بشرى هذا غلام﴾ .
* *
واختلفوا في معنى قوله: ﴿يا بشرى هذا غلام﴾ .
فقال بعضهم: ذلك تبشير من المدلي دلوَه أصحابَه، في إصابته يوسف بأنه أصاب عبدًا [[انظر تفسير" البشرى" فيما سلف من فهارس اللغة (بشر) .]] .
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٨٣ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قال يا بشرى هذا غلام﴾ تباشروا به حين أخرجوه. وهي بئر بأرض بيت المقدس معلومٌ مكانها
١٨٨٨٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يا بشرى هذا غلام﴾ قال: بشّرهم واردهم حين وجدَ يوسف.
* *
وقال آخرون: بل ذلك اسم رجل من السيَّارة بعينه، ناداه المدلي لما خرج يوسف من البئر متعلِّقًا بالحبل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٨٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿يا بشرى هذا غلام﴾ قال: نادى رجلا من أصحابه يقال له" بشرى"، فقال: ﴿يا بشرى هذا غلام﴾ .
١٨٨٨٦ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن قيس بن الربيع، عن السدي، في قوله: ﴿يا بشرى هذا غلام﴾ قال: كان اسم صاحبه"بشرى".
١٨٨٨٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، في قوله: ﴿يا بشرى هذا غلام﴾ قال: اسم الغلام"بشرى" ؛ قال:"يا بشرى"، كما تقول": يا زيد".
* *
واختلفت القراء في قراءة ذلك:
فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة:" يا بُشْرَيَّ" بإثبات ياء الإضافة، غير أنه أدغم الألف في الياء طلبا للكسرة التي تلزم ما قبل ياء الإضافة من المتكلم، في قولهم": غلامي" و"جاريتي"، في كل حال، وذلك من لغة طيئ، [[ولغة هذيل أيضًا، كما قال الأصمعي.]] كما قال أبو ذؤيب:
سَبَقوا هَوَيَّ وأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ ... فَتُخِرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ [[ديوانه (في ديوان الهذليين) ١: ٢، وشرح المفضليات: ٨٥٤، وغيرهما، وهي إحدى عجائب أبي ذؤيب، يقولها في بنيه الذين ماتوا، سبقه بهم الطاعون في عام واحد، وكانوا خمسة: أَوْدَى بَنِيَّ، وأعْقَبُونِي غُصَّةً ... بَعْدَ الرُّقادِ، وعَبْرةً لا تُقْلِعُ
سَبَقوا هوَيَّ.............. ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ بعَيْشٍ ناصِبٍ ... وَإخالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبِعُ
يقول: سبقوني بما اختاروه من الموت والذهاب، وساروا سيرًا حثيثًا إلى الذي اختاروه، فتخرمتهم المنية، فأخذتهم واحدًا بعد واحد. ولكل جنب مصرع لا يخطئه، فحيث قدر الله له الميتة أدركته.]]
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿يا بُشْرَى﴾ بإرسال الياء وترك الإضافة.
وإذا قرئ ذلك كذلك احتمل وجهين من التأويل:
أحدهما ما قاله السدي، وهو أن يكون اسم رجل دعاه المستقي باسمه، كما يقال:"يا زيد"، و"يا عمرو"، فيكون"بشرى" في موضع رفع بالنداء.
والآخر: أن يكون أرادَ إضافة البشرى إلى نفسه، فحذف الياء وهو يريدها، فيكون مفردًا وفيه نيَّة الإضافة، كما تفعل العرب في النداء فتقول:"يا نفس اصبري"، و"يا نفسي اصبري"، و"يا بُنَيُّ لا تفعل"، و"يا بُنَيِّ لا تفعل"، فتفرد وترفع، وفيه نية الإضافة. وتضيف أحيانًا فتكسر، كما تقول:"يا غلامِ أقبل"، و"يا غلامي أقبل".
* *
قال أبو جعفر: وأعجب القراءة في ذلك إليَّ قراءةُ من قرأه بإرسال الياء وتسكينها ؛ لأنه إن كان اسم رجل بعينِه كان معروفًا فيهم كما قال السدي، فتلك هي القراءة الصحيحة لا شك فيها [[في المطبوعة والمخطوطة:" فذلك هي....."، والأجود ما أثبت.]] . وإن كان من التبشير فإنه يحتمل ذلك إذا قرئ كذلك على ما بيَّنت.
وأما التشديد والإضافة في الياء، فقراءة شاذة، لا أرى القراءة بها، وإن كانت لغة معروفة ؛ لإجماع الحجة من القرأة على خلافها.
* *
وأما قوله: ﴿وأسروه بضاعة﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: وأسرَّه الوارد المستقي وأصحابُه من التجار الذين كانوا معهم، وقالوا لهم": هو بضاعة استبضعناها بعضَ أهل مصر" ؛ لأنهم خافوا إن علموا أنهم اشتروه بما اشتروه به أن يطلبوا منهم فيه الشركة.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٨٨ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأسرو بضاعة﴾ قال: صاحب الدلو ومن معه، قالوا لأصحابهم:"إنما استبضعناه"، خيفةَ أن يشركوهم فيه إن علموا بثمنه. وتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه: استوثق منه لا يأبَقْ! حتى وَقَفوه بمصر، فقال: من يبتاعني ويُبَشَّر؟ فاشتراه الملك، والملك مُسلم.
١٨٨٨٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه = غير أنه قال: خيفة أن يستشركوهم إن علموا به، واتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبق! حتى واقفوه بمصر [[في المطبوعة:" حتى أوقفوه"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب، وانظر هذه الرواية في رقم: ١٨٨٩٢.]] = وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو.
١٨٨٩٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =
١٨٨٩١ -.... قال: وحدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه = غير أنه قال: خيفة أن يشاركوهم فيه، إن علموا بثمنه.
١٨٨٩٢ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه = إلا أنه قال: خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا ثمنه. وقال أيضًا: حتى أوقفوه بمصر.
١٨٨٩٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وأسروه بضاعة﴾ قال: لما اشتراه الرجلان فَرَقًا من الرفقة أن يقولوا:"اشتريناه" فيسألونهم الشركة، فقالا إن سألونا ما هذا؟ قلنا بضاعة استبضَعَناه أهل الماء. فذلك قوله: ﴿وأسروه بضاعة﴾ بينهم
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأسرّه التجار بعضهم من بعض.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٩٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: ﴿وأسروه بضاعة﴾ قال: أسرّه التجار بعضهم من بعض.
١٨٨٩٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل، قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد: ﴿وأسروه بضاعة﴾ قال: أسرّه التجار بعضهم من بعض.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: أسرُّوا بيعَه.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٩٦ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿وأسروه بضاعة﴾ قال: أسروا بيعه.
١٨٨٩٧ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن جابر، عن مجاهد: ﴿وأسروه بضاعة﴾ قال: قالوا لأهل الماء: إنما هو بضاعة.
* *
وقال آخرون: إنما عني بقوله: ﴿وأسروه بضاعة﴾ إخوة يوسف، أنهم أسرُّوا شأن يوسف أن يكون أخَاهم، قالوا: هو عبدٌ لنا.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٩٨ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وأسروه بضاعة﴾ يعني: إخوة يوسف أسرُّوا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم، فكتم يوسف شأنه مخافةَ أن تقتله إخوته، واختار البيع. فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه قال: يا بشرى! هذا غلامٌ يباع. فباعه إخوته.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب: قولُ من قال:"وأسرَّ وارد القوم المدلي دلوَه ومن معه من أصحابه، من رفقته السيارة، أمرَ يوسف أنهم أشتروه، خيفةً منهم أن يستشركوهم، وقالوا لهم: هو بضاعة أبضَعَها معنا أهل الماء = وذلك أنه عقيب الخبر عنه، فلأن يكون ما وليه من الخبر خبرًا عنه، أشبهُ من أن يكون خبرًا عمَّن هو بالخبر عنه غيرُ متَّصِل [[انظر تفسير" الإسرار" فيما سلف ١٥: ١٠٣، ٢٣٩.]] .
* *
وقوله: ﴿والله عليم بما يعملون﴾ يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بما يعمله باعَةُ يوسف ومشتروه في أمره، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولكنه ترك تغيير ذلك ليمضي فيه وفيهم حكمه السابق في علمه، وليري إخوة يوسف ويوسف وأباه قدرتَه فيه. [[انظر تفسير" عليم" فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .]]
* *
وهذا، وإن كان خبرًا من الله تعالى ذكره عن يوسف نبيّه ﷺ، فإنه تذكير من الله نبيَّه محمدًا ﷺ، وتسلية منه له عما كان يلقى من أقربائه وأنسبائه المشركين من الأذى فيه، يقول: فاصبر، يا محمد، على ما نالك في الله، فإنّي قادرٌ على تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون، كما كنت قادرًا على تغيير ما لقي يوسف من إخوته في حال ما كانوا يفعلون به ما فعلوا، ولم يكن تركي ذلك لهوان يوسف عليّ، ولكن لماضي علمي فيه وفي إخوته، فكذلك تركي تغييرَ ما ينالك به هؤلاء المشركون لغير هوان بك عليّ، ولكن لسابق علمي فيك وفيهم، ثم يصير أمرُك وأمرهم إلى عُلوّك عليهم، وإذعانهم لك، كما صار أمر إخوة يوسف إلى الإذعان ليوسف بالسؤدد عليهم، وعلوِّ يوسف عليهم. [[عند هذا الموضع انتهى الجزء الثاني عشر من مخطوطتنا، وفي آخرها ما نصه:" نجز الجزء الثاني عشر، بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم يتلوه في أول الجزء الثالث عشر إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين﴾ وكان الفراغ منه في شهر رمضان المعظم سنة خمس عشرة وسبعمئة".
يتلوه الجزء الثالث عشر، وأوله ما نصه:
" بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر"]]
يوسف 12:20
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وشروه﴾ به: وباع إخوة يوسف يوسف.
* *
= فأما إذا أراد الخبر عن أنه ابتاعه، قال:"اشتريته"، [[انظر تفسير" الشراء" فيما سلف ١٤: ١٥٠، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] ومنه قول ابن مفرّغ الحميري:
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ قَبْلِ بُرْدٍ كنْتُ هَامَهْ [[مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٢: ٣٤١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
يقول:"بعت بردًا"، وهو عبدٌ كان له.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٨٩٩ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، أنه كره الشراء والبيع للبدويّ. قال: والعرب تقول:"اشر لي كذا وكذا"، أي: بع لي كذا وكذا = وتلا هذه الآية ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ يقول: باعوه، وكان بيعه حرامًا.
١٨٩٠٠ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إخوة يوسف أحد عشر رجلا باعوه حين أخرجَه المدلي بدلوه.
١٨٩٠١ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله.
١٨٩٠٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن أبي نجيح، عن مجاهد
١٨٩٠٣ - وحدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٩٠٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٨٩٠٥ -.... قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج ﴿وشروه﴾ قال: قال ابن عباس: فبيع بينهم.
١٨٩٠٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ قال: باعوه.
١٨٩٠٧ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
١٨٩٠٨ - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: فباعه إخوته بثمن بخس.
* *
وقال آخرون: بل عني بقوله: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ السيارةَ أنهم باعوا يوسف بثمن بخس.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩٠٩ - حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ وهم السيارة الذين باعوه.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: تأويل ذلك: وشَرى إخوةُ يوسف يوسف بثمن بخس [[في المطبوعة:" وشروا أخوة يوسف. يوسف"، وهو فاسد، صوابه من المخطوطة.]] وذلك أن الله عز وجل قد أخبر عن الذين اشتروه أنهم أسرُّوا شراء يوسف من أصحابهم، خيفة أن يستشركوهم، بادّعائهم أنَّه بضاعة. ولم يقولوا ذلك إلا رغبة فيه أن يخلُص لهم دونهم، واسترخاصًا لثمنه الذي ابتاعوه به، لأنهم ابتاعوه كما قال جل ثناؤه ﴿بثمن بخس﴾ . ولو كان مبتاعوه من إخوته فيه من الزاهدين، لم يكن لقيلهم لرفقائهم:"هو بضاعة"، معنى = ولا كان لشرائهم إياه، وهم فيه من الزاهدين وجهٌ، إلا أن يكونوا كانوا مغلوبًا على عقولهم ؛ لأنه محال أن يشتري صحيح العقل ما هو فيه زاهدٌ من غير إكراهِ مكرِهٍ له عليه، ثم يكذب في أمرِه الناس بأن يقول:"هو بضاعة لم أشتره"، مع زهده فيه. بل هذا القولُ من قول من هو بسلعته ضنينٌ لنفاستها عنده، ولما يرجُو من نفيس الثَّمن لها وفضلِ الربح.
* *
وأما قوله: ﴿بخس﴾ فإنه يعني: نَقْص.
* *
وهو مصدر من قول القائل:"بخست فلانًا حقه": إذا ظلمته، يعني: ظلمه فنقصه عما يجبُ له من الوفاء:"أبخَسُه بَخْسًا"، ومنه قوله: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [سورة هود: ٨٥] ، وإنما أريد: بثمن مبخوس منقوصٍ، فوضع"البخس" وهو مصدر مكان"مفعول"، كما قيل: ﴿بدم كذب﴾ وإنما هو"بدم مكذوب فيه" [[انظر تفسير" البخس" فيما سلف ١٥: ٢٦٢، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] .
* *
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: قيل ﴿بثمن بخس﴾ لأنه كان حرامًا عليهم.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩١٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر عن الضحاك: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ قال:"البخس": الحرام.
١٨٩١١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ ، قال: حرام. [[الأثر: ١٨٩١١ - في المطبوعة، أسقط سطرًا كاملًا من المخطوطة، فساق الخبرين رقم: ١٨٩١١، ١٨٩١٢، سياقًا واحدًا هكذا:"..... على بن عاصم، عن الحسين بن الفرج"، ورددته إلى أصله من المخطوطة.]]
١٨٩١٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: كان ثمنه بخسًا، حرامًا، لم يحلّ لهم أن يأكلوه.
١٨٩١٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ قال: باعوه بثمن بخس، قال: كان بيعه حرامًا وشراؤه حرامًا.
١٨٩١٤ - حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ﴿بثمن بخس﴾ قال: حرام.
١٨٩١٥ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿بثمن بخس﴾ يقول: لم يحلّ لهم أن يأكلوا ثمنَه.
* *
وقال آخرون: معنى البخس هنا: الظلم.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩١٦ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ قال": البخس": هو الظلم. وكان بيع يوسف وثمنه حرامًا عليهم
١٨٩١٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال قتادة: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ قال: ظلم.
* *
وقال آخرون: عني بالبخس في هذا الموضع: القليل [[في المخطوطة أسقط" القليل"، والصواب إثباتها كما فعل ناشر المطبوعة.]] .
ذكر من قال ذلك:
١٨٩١٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن جابر، عن عكرمة، قال:"البخس": القليل.
١٨٩١٩ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن جابر، عن عكرمة، مثله.
* *
قال أبو جعفر: وقد بينا الصحيح من القول في ذلك.
* *
وأما قوله ﴿دراهم معدودة﴾ ، [[انظر تفسير" معدودة" فيما سلف من فهارس اللغة (عدد) .]] فإنه يعني عز وجل أنهم باعوه بدراهم غير موزونة، ناقصة غير وافية، لزهدهم كان فيه.
* *
وقيل: إنما قيل"معدودة" ليعلم بذلك أنها كانت أقلّ من الأربعين، لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقلّ من أربعين درهمًا، لأن أقل أوزانهم وأصغرها كان الأوقية، وكان وزن الأوقية أربعين درهمًا. قالوا: إنما دلَّ بقوله: ﴿معدودة﴾ على قلة الدراهم التي باعُوه بها.
* *
فقال بعضهم: كان عشرين درهمًا.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩٢٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: إن ما اشتري به يوسف عشرون درهمًا.
١٨٩٢١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ قال: عشرون درهمًا.
١٨٩٢٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف البكالي، في قوله: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ قال: عشرون درهمًا.
١٨٩٢٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي = عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشاميّ:"بخس دراهم" قال: كانت عشرين درهمًا. [[الأثر: ١٨٩٢٣ -" نوف الشامي"، هو نفسه" نوف بن فضالة البكالي"، وقد سلف مرارًا. وقد غيره في المطبوعة، وكتب" نوف البكالي".]]
١٨٩٢٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن نوف، مثله.
١٨٩٢٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله: ﴿بثمن بخس دراهم معدودة﴾ قال: عشرون درهمًا.
١٨٩٢٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿دراهم معدودة﴾ قال: كانت عشرين درهمًا.
١٨٩٢٧ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أنه بيع بعشرين درهمًا = ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ .
١٨٩٢٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
١٨٩٢٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي إدريس، عن عطية، قال: كانت الدراهم عشرين درهمًا، اقتسموها درهمين درهمين.
* *
وقال آخرون: بل كان عددها اثنين وعشرين درهمًا، أخذ كل واحد من إخوة يوسف، وهم أحد عشر رجلا درهمين درهمين منها.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩٣٠ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا أسباط، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿دراهم معدودة﴾ قال: اثنين وعشرين درهمًا.
١٨٩٣١ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿دراهم معدودة﴾ قال: اثنان وعشرون درهمًا لإخوة يوسف، [وكان إخوة] أحد عشر رجلا. [[هذه زيادة لا بد منها، وسقطت من الناسخ، لأنه كان أسقط صدر الخبر، ثم كتبه في الهامش، فلعله نسي بعضه.]]
١٨٩٣٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿دراهم معدودة﴾ =
١٨٩٣٣ -.... قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٨٩٣٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
* *
وقال آخرون: بل كانت أربعين درهمًا.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩٣٥ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن جابر، عن عكرمة: ﴿دراهم معدودة﴾ قال: أربعين درهمًا.
١٨٩٣٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: باعوه ولم يبلغ ثمنه الذي باعوه به أوقية، وذلك أن الناس كانوا يتبايعون في ذلك الزمان بالأواقي، فما قصَّر عن الأوقية فهو عَدد ؛ يقول الله: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ أي لم يبلغ الأوقية.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم باعُوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحدَّ مبلغَ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول ﷺ. وقد يحتمل أن يكون كان عشرين = ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين = وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر، وأيُّ ذلك كان، فإنها كانت معدودة غير موزونة ؛ وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضرّ فيه. والإيمان بظاهر التنزيل فرضٌ، وما عَداه فموضوعٌ عنا تكلُّفُ علمه. [[هذا من موازين أبي جعفر، التي فرق ذكرها في كتابه، ولم يذكرها عند كل موضع.
وهي الحكم بينه وبين من يزعمونه ذهب في تفسيره مذهب الاعتقاد لكثير مما أورده، مما لم تأت به بينة صحيحة من خبر عن رسول الله ﷺ، أو حجة عقل يجب التسليم لها.]]
* *
وقوله: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ يقول تعالى ذكره: وكان إخوة يوسف في يوسف من الزاهدين، لا يعلمون كرامته على الله، ولا يعرفون منزلته عنده، فهم مع ذلك يحبّون أن يحولوا بينه وبين والده، ليخلو لهم وجهه منه، ويقطعوه عن القرب منه، لتكون المنافع التي كانت مصروفة إلى يوسف دونهم، مصروفةً إليهم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩٣٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ قال: لم يعلموا بنبوّته ومنزلته من الله.
١٨٩٣٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، في قوله: ﴿وجاءت سيارة﴾ فنزلت على الجب، ﴿فأرسلوا واردهم﴾ فاستقى من الماء فاستخرج يوسف، فاستبشروا بأنهم أصابوا غلامًا لا يعلمون علمه ولا منزلته من ربه، فزهدوا فيه، فباعوه. وكان بيعه حرامًا، وباعوه بدراهم معدودة.
١٨٩٣٩ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ قال إخوته زهدوا، فلم يعلموا منزلته من الله ونبوته ومكانه.
١٨٩٤٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: إخوته زهدوا فيه، لم يعلموا منزلته من الله.
يوسف 12:21
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وقال الذي اشترى يوسف من بائعه بمصر.
* *
وذكر أن اسمه:"قطفير".
١٨٩٤١ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان اسم الذي اشتراه قطفير. [[الأثر: ١٨٩٤١ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٧٢، وكان في المخطوطة في الموضعين:" قطيفين"، وفي التاريخ قبل الخبر" قطين"، وفي الخبر" قطفير".]]
* *
وقيل: إن اسمه إطفير بن روحيب، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الريَّان بن الوليد، رجل من العماليق، كذلك: -
١٨٩٤٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق [[الأثر: ١٨٩٤٢ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٧٢.]] .
* *
وقيل: إن الذي باعه بمصر كان مالك بن ذعر بن بُويب بن عفقان بن مديان بن إبراهيم، [[في التاريخ ١: ١٧٢:" دعر" بالدال مهملة، وكان في المطبوعة هنا" عنقاء" وفي المخطوطة:" عفقا" بغير نون في آخره. وكان في المطبوعة:" ثويب"، وهي غير منقوطة في المخطوطة، فتبعت ما في التاريخ.]] كذلك: -
١٨٩٤٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
* *
= ﴿وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته﴾ ، واسمها فيما ذكر ابن إسحاق: راعيل بنت رعائيل.
١٨٩٤٤ - حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق.
* *
﴿أكرمي مثواه﴾ ، يقول: أكرمي موضع مقامه، وذلك حيث يَثوِي ويُقيم فيه.
* *
يقال:"ثوى فلان بمكان كذا": إذا أقام فيه. [[انظر تفسير" المثوى" فيما سلف ٧: ٢٧٩ \ ١٢: ١١٧.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩٤٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أكرمي مثواه﴾ منزلته، وهي امرأة العزيز.
١٨٩٤٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه﴾ ، قال: منزلته.
١٨٩٤٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد اشتراه الملك، والملك مسلم.
* *
وقوله: ﴿عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا﴾ ذكر أن مشتري يوسف قال هذا القول لامرأته، حين دفعه إليها، لأنه لم يكن له ولد، ولم يأت النساء، فقال لها: أكرميه عسَى أن يكفينا بعض ما نعاني من أمورنا إذا فهم الأمور التي يُكلَّفها وعرفها = ﴿أو نتخذه ولدًا﴾ ، يقول: أو نتبنَّاه.
١٨٩٤٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان إطفير فيما ذكر لي رجلا لا يأتي النساء، وكانت امرأته راعيل امرأةً حسناء ناعمةً طاعمة، في مُلك ودُنْيا. [[الأثر: ١٨٩٤٨ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٧٢، ١٧٣.]]
١٨٩٤٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرّس في يوسف فقال لامرأته: ﴿أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا﴾ = وأبو بكر حين تفرَّس في عمر = والتي قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [سورة القصص: ٢٦] .
١٨٩٥٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: انطُلِق بيوسف إلى مصر، فاشتراه العزيز ملك مصر، فانطلق به إلى بيته فقال لامرأته: ﴿أكرمي مثْواه عسى أن ينفعنا أو نتخذهُ ولدًا﴾ .
١٨٩٥١ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته: ﴿أكرمي مثواه﴾ ، والقوم فيه زاهدون = وأبو بكر حين تفرَّس في عمر فاستخلفه = والمرأة التي قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْه﴾ .
* *
وقوله: ﴿وكذلك مكنَّا ليوسف في الأرض﴾ يقول عز وجل: وكما أنقذنا يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله، وأخرجناه من الجبّ بعدَ أن ألقي فيه، فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر، كذلك مكنّا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها. [[انظر تفسير" التمكين" فيما سلف ١١: ٦٣ \ ١٢: ٣١٥.]]
* *
وقوله: ﴿ولنعلمه من تأويل الأحاديث﴾ يقول تعالى ذكره: وكي نعلم يوسف من عبارة الرؤيا، [[انظر تفسير" التأويل" فيما سلف ١٥: ٥٦٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] مكنا له في الأرض، كما: -
١٨٩٥٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿من تأويل الأحاديث﴾ قال: عبارة الرؤيا.
١٨٩٥٣ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٩٥٤- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولنعلمه من تأويل الأحاديث﴾ قال: تعبير الرؤيا.
١٨٩٥٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿ولنعلمه من تأويل الأحاديث﴾ قال: عبارة الرؤيا.
* *
وقوله: ﴿والله غالب على أمره﴾ يقول تعالى ذكره: والله مستولٍ على أمر يوسف، يسوسه ويدبّره ويحوطه.
* *
و"الهاء" في قوله: ﴿على أمره﴾ عائدة على يوسف.
* *
وروي عن سعيد بن جبير في معنى"غالب"، ما: -
١٨٩٥٦- حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن حبير: ﴿والله غالب على أمره﴾ قال: فعالٍ. [[ممكن أن تقرأ" فعال" مشددة العين من" الفعل"، ولكني أستجيد أن تقرأها" فعال" الفاء حرف عطف بعده" عال" من" العلو". أما الأولى، فإني لا أكاد أرتضيها.]]
* *
وقوله ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ يقول: ولكن أكثر الناس الذين زهدوا في يوسف، فباعوه بثمن خسيس، والذين صَار بين أظهرهم من أهل مصر حين بيع فيهم، لا يعلمون ما الله بيوسف صانع، وإليه يوسف من أمره صائرٌ.
يوسف 12:22
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لما بلغ يوسف أشده، يقول: ولما بلغ منتهى شدته وقوته في شبابه وحَدِّه، وذلك فيما بين ثماني عشرة إلى ستين سنة، وقيل إلى أربعين سنة. [[انظر تفسير" الأشد" فيما سلف ١٢: ٢٢٢.]]
* *
يقال منه:"مضت أشُدُّ الرجل": أي شدته، وهو جمع مثل"الأضُرّ" و"الأشُرّ"، [[هكذا جاءني المخطوطة والمطبوعة، إلا أنه كان في المخطوطة" الأسر"، و" سر"، وقد مضى هذان اللفظان أيضا فيما سلف ١٢: ٢٢٢، وظننت هناك أنهما محرفتان، ولكن عجيب أن يظل التحريف هو. هو على بعد المكانين وأخشى أن يكون صواب" الأضر" هو" الأضب" جمع" ضب" ومهما يكن من شيء، فهذا مما لم أتبينه ولا عرفته، وفوق كل ذي علم عليم.]] لم يسمع له بواحد من لفظه. ويجب في القياس أن يكون واحده"شدَّ"، كما واحد"الأضر""ضر"، وواحد"الأشُر""شر"، كما قال الشاعر : [[لم أعرف قائله.]]
هَلْ غَيْرُ أَنْ كَثُرَ الأشُرُّ وَأَهْلَكَتْ ... حَرْبُ المُلُوكِ أَكَاثِرَ الأَمْوَالِ [[في المطبوعة:" كثر الأشد"، وفي المخطوطة بالراء، ولم أجد البيت في غير هذا المكان.]]
وقال حُميد:
وَقَدْ أَتَى لَوْ تُعْتِبُ الْعَوَاذِلُ ... بَعْدَ الأشُدّ أَرْبَعٌ كَوَامِلِ [[لم أجده في غير هذا المكان. ولا أدري أهي في الرجز" الأشد" أو" الأشر".]]
* *
وقد اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله به في هذا الموضع من"مبلغ الأشد".
فقال بعضهم: عني به ثلاث وثلاثون سنة.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩٥٧ - حدثنا ابن وكيع والحسن بن محمد، قالا حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولما بلغ أشده﴾ ، قال: ثلاثًا وثلاثين سنة.
١٨٩٥٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٨٩٥٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
١٨٩٦٠ - حدثت عن علي بن الهيثم، عن بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، قال: سمعت ابن عباس يقول في قوله: ﴿ولما بلغ أشده﴾ قال: بضعًا وثلاثين سنة.
* *
وقال آخرون: بل عني به عشرون سنة.
ذكر من قال ذلك:
١٨٩٦١ - حدثت عن علي بن المسيب، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله: ﴿ولما بلغ أشده﴾ قال: عشرين سنة.
* *
وروي عن ابن عباس من وجه غير مرضيّ أنه قال: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين. وقد بينت معنى"الأشُدّ".
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى يوسف لما بلغ أشدهُ حكمًا وعلمًا = و"الأشُدّ": هو انتهاء قوته وشبابه = وجائز أن يكون آتاه ذلك وهو ابن ثماني عشرة سنة = وجائز أن يكون آتاه وهو ابن عشرين سنة = وجائز أن يكون آتاه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة = ولا دلالة له في كتاب الله، ولا أثر عن الرسول ﷺ، ولا في إجماع الأمة، على أيّ ذلك كان. وإذا لم يكن ذلك موجودًا من الوجه الذي ذكرت، فالصوابُ أن يقال فيه كما قال عز وجل، حتى تثبت حجة بصحة ما قيل في ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له، فيسلم لها حينئذ.
* *
وقوله: ﴿آتيناه حكمًا وعلمًا﴾ يقول تعالى ذكره: أعطيناه حينئذ الفهم والعلم، [[انظر تفسير" الحكم" فيما سلف ٦: ٥٣٨، وما سلف من فهارس اللغة (حكم) .]] كما: -
١٨٩٦٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿حكمًا وعلمًا﴾ قال: العقل والعلم قبل النبوة.
* *
وقوله: ﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ يقول تعالى ذكره: وكما جزيت يوسف فآتيته بطاعته إيّاي الحكمَ والعلمَ، ومكنته في الأرض، واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا قتله، كذلك نجزي من أحسن في عمله، فأطاعني في أمري، وانتهى عما نهيته عنه من معاصيّ. [[انظر تفسير" الجزاء" و" الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) ، (حسن) .]]
* *
وهذا، وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن، فإن المرادَ به محمدٌ نبيُّ الله ﷺ. يقول له عز وجل: كما فعلت هذا بيوسف من بعد ما لقي من إخوته ما لقي، وقاسى من البلاء ما قاسى، فمكنته في الأرض، ووطَّأتُ له في البلاد، فكذلك أفعل بك فأنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكن لك في الأرض، وأوتيك الحكم والعلم، لأنّ ذلك جزائي أهلَ الإحسان في أمري ونهيي.
* *
١٨٩٦٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ يقول: المهتدين.
يوسف 12:23
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وراودت امرأة العزيز، وهي التي كان يوسفُ في بيتها [يوسفَ] عن نفسه، [[الزيادة بين القوسين، لا يستقيم الكلام إلا بها.]] أن يواقعها، كما: -
١٨٩٦٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ولما بلغ أشدَّه، راودته التي هو في بيتها عن نفسه، امرأة العزيز.
١٨٩٦٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه﴾ قال: أحبته.
١٨٩٦٦ -.... قال: وحدثني أبي، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: قالت: تعالَهْ.
* *
وقوله: ﴿وغلقت الأبواب﴾ ، يقول: وغلقت المرأة أبواب البيوت عليها وعلى يوسف، لما أرادت منه وراودته عليه، بابًا بعد باب.
* *
وقوله: ﴿وقالت هيت لك﴾ ، اختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قرأة الكوفة والبصرة: ﴿هَيْتَ لَكْ﴾ بفتح، الهاء والتاء، بمعنى: هلمَّ لك، وادن وتقرَّب، كما قال الشاعر لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه: [[لم أعرف الآن قائله.]]
أَبْلِغْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ... أَخَا العِرَاقِ إذَا أَتَيْنَا ... أَنَّ العِرَاقَ وَأَهْلَهُ ... عُنُقٌ إِلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٠٥، واللسان (هيت) ، (عنق) . وقوله:" عنق إليك" أي مائلون إليك، كأنهم لووا أعناقهم إليك شوقًا أو ترقبًا.]]
يعني: تعال واقرب.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك تأوّله من قرأه كذلك:
١٨٩٦٧ - حدثني محمد بن عبد الله المخرمي، قال: حدثنا أبو الجواب، قال: حدثنا عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿هيت لك﴾ قال: هلمَّ لك. [[الأثر: ١٨٩٦٧ -" محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي"، شيخ الطبري سلف مرارًا.
" أبو الجواب"، هو" الأحوص بن جواب الضبي"، روى عن سفيان الثوري، وسعير ابن الخمس، وعمار بن رزيق، وغيرهم. كان ثقة، وربما وهم. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٥٩، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٢٨.
" وعمار بن رزيق الضبي"،" أبو الأحوص"، ثقة مضى برقم: ١٠١٩١.]]
١٨٩٦٨- حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿هيت لك﴾ قال: هلم لك.
١٨٩٦٩ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: ﴿هيت لك﴾ تقول: هلمّ لك.
١٨٩٧٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ بن حبيش، أنه كان يقرأ هذا الحرف: ﴿هيتَ لك﴾ نصبًا، أي: هلم لك.
١٨٩٧١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس، قوله: ﴿هيت لك﴾ قال: تقول: هلم لك.
١٨٩٧٢ - حدثني أحمد بن سهيل الواسطي، قال: حدثنا قرة بن عيسى، قال: حدثنا النضر بن عربيّ الجزري، عن عكرمة، مولى ابن عباس، في قوله: ﴿هيت لك﴾ قال: هلم لك = قال: هي بالحَوْرانية. [[الأثر: ١٨٩٧٢ -" أحمد بن سهيل الواسطي" شيخ الطبري. قال الحاكم:" في حديثه بعض المناكير"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: حدثنا عنه حبيش بن عبد الله النهشلي بواسط. مترجم في ميزان الاعتدال ١: ٤٨، ولسان الميزان ١: ١٨٥.
وأما" قرة بن عيسى" فلم أجد من يسمى بهذا الاسم. ولكن الذي يروي عن" النضر بن عربي" هو:" بشر بن عبيس بن مرحوم العطار"، مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٦٢.
وأما" النضر بن عربي الجزري الباهلي" ثقة لا بأس به، مضى برقم: ١٣٠٧، ٥٨٦٤، وكان في المطبوعة" النضر بن علي الجزري"، غير ما في المخطوطة وأساء.]]
١٨٩٧٣ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وقالت هيت لك﴾ قال الحسن: يقول: هلم لك.
١٨٩٧٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن: ﴿هيت لك﴾ يقول بعضهم: هلم لك.
١٨٩٧٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وقالت هيت لك﴾ قال: هلم لك = وهي بالقبطية.
١٨٩٧٦ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن عمرو، عن الحسن: ﴿هيت لك﴾ قال: كلمة بالسريانية، أي: عليك.
١٨٩٧٧ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن: ﴿هيت لك﴾ قال: هلمَّ لك.
١٨٩٧٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا محبوب، عن قتادة، عن الحسن: ﴿هيت لك﴾ قال: هلم لك.
١٨٩٧٩ - ... قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد، عن عاصم، عن زرّ: ﴿هيت لك﴾ ، أي: هلم.
١٨٩٨٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا الثوري، قال: بلغني في قوله: ﴿هيت لك﴾ قال: هلم لك.
١٨٩٨١ - حدثنا أحمد بن يوسف، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿هيت لك﴾ وقال: تدعوه إلى نفسها.
١٨٩٨٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: ﴿هيت لك﴾ قال: لغة عربية، تدعُوه بها.
١٨٩٨٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله = إلا أنه قال: لغة بالعربية، تدعوه بها إلى نفسها.
١٨٩٨٤ - حدثنا الحسن، قال: حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو سواء.
١٨٩٨٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٨٩٨٦ - حدثنا أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن: ﴿هيت لك﴾ بفتح الهاء والتاء، وقال: تقول: هلم لك.
١٨٩٨٧ - حدثني الحارث قال: قال أبو عبيد: كان الكسائي يحكيها = يعني: ﴿هيت لك﴾ قال: وقال: وهي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز، معناها:"تعال". قال: وقال أبو عبيدة: سألت شيخًا عالمًا من أهل حوران، فذكر أنها لغتُهم، يعرفها.
١٨٩٨٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿هيت لك﴾ قال: تعال.
١٨٩٨٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وقالت هيت لك﴾ قال: هلمَّ لك، إليَّ.
* *
وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين:"وَقَالَتْ هِئْتُ لَكَ" بكسر الهاء، وضم التاء، والهمزة، بمعنى: تهيَّأت لك، من قول القائل:"هئت للأمر أهِيء هَيْئَةً".
وممن روي ذلك عنه ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وجماعة غيرهما.
١٨٩٩٠ - حدثنا أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحجاج، عن هارون، عن أبان العطار، عن قتادة: أن ابن عباس قرأها كذلك، مكسور الهاء، مضمومة التاء. قال أحمد: قال أبو عبيدة: لا أعلمها إلا مهموزة.
١٨٩٩١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن أبان العطار، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن السلمي:"هِئْتُ لَكَ" أي: تهيأت لك.
١٨٩٩٢ -.... قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، مثله.
١٨٩٩٣ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان عكرمة يقول: تهيأت لك.
١٨٩٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال:"هِئْتُ لَكَ" قال عكرمة: تهيأت لك.
١٨٩٩٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، قال: كان أبو وائل يقول:"هِئْتُ لَكَ": أي تهيأت لك. وكان أبو عمرو بن العلاء والكسائي ينكران هذه القراءة.
١٨٩٩٦ - حدثت عن علي بن المغيرة، قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: شهدت أبا عمرو وسأله أبو أحمد = أو أحمد = وكان عالما بالقرآن [[هذه الزيادة بين القوسين، من كتاب أبي عبيدة، مجاز القرآن ١: ٣٠٥. وقوله" لألاء"، هو بائع اللؤلؤ، ويقال أيضًا:" لأء" ولأل" (بتشديد الهمزة بعد هاء ألف) على وزن" نجار".]] [وكان لألاء، ثم كبر، فقعد في بيته، فكان يؤخذ عنه القرآن، ويكون مع القضاة، فسأله] عن قول من قال:"هِئْتُ لَكَ" بكسر الهاء، وهمز الياء. فقال: أبو عمرو: [سى] [[هكذا رسم الكلمة في المخطوطة، وف المطبوعة" ينسى"، وفي مجاز القرآن" بنسى"، (بكسر النون، وسكون الباء، وكسر السين، بعدها ياء) ، وأنا في شك من ذلك كله، وأخشى أن تكون" بسبس" (بفتح فسكون ففتح) و" البسبس"، الباطل، و" البسابس" مثله.]] إي: باطل، جعلها،"فعلت" من"تهيأت"، فهذا الخندق، [[" الخندق"، هو خندق سابور، حفره من مدينة" هيت"، يشق طف البادية إلى كاظمة، مما يلي البصرة، وجعل عليه المسالح. وشرحه أبو عبيدة في المجاز شرحًا وافيًا، فراجعه هناك.]] فاستعرض العربَ حتى تنتهي إلى اليمن، هل تعرف أحدًا يقول:"هئت لك"؟ [[الأثر: ١٨٩٩٦ - هو نص كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٠٥ - ٣٠٦.]]
١٨٩٩٧ - حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: لم يكن الكسائي يحكي "هئت لك" عن العرب.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة:"هِيْتَ لَكَ" بكسر الهاء، وتسكين الياء، وفتح التاء.
* *
وقرأه بعض المكيين:"هَيْتُ لَكَ" بفتح الهاء، وتسكين الياء، وضم التاء.
* *
وقرأه بعض البصريين، وهو عبد الله بن إسحاق:"هَيْتِ لَكَ" بفتح الهاء، وكسر التاء.
* *
وقد أنشد بعض الرواة بيتًا لطرفة بن العبد في"هيت" بفتح الهاء، وضم التاء، وذلك:
لَيْسَ قَومِي بِالأبْعَدِينَ إذَا مَا ... قَالَ دَاعٍ مِنَ الْعَشِيرَةِ هَيْتُ [[لم أجد البيت في مكان آخر.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءة في ذلك، قراءة من قرأه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بفتح الهاء والتاء، وتسكين الياء، لأنها اللغة المعروفة في العرب دون غيرها، وأنها فيما ذُكِر قراءة رسول الله ﷺ.
١٨٩٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال ابن مسعود: قد سمعت القرأة، فسمعتهم متقاربين، فاقرءوا كما عُلِّمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو كقول أحدكم:"هلم" و"تعال". ثم قرأ عبد الله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسًا يقرءونها:"هَيْتُ لَكَ" فقال عبد الله: إني أقرؤها كما عُلِّمْت، أحبُّ إليَّ. [[الأثر: ١٨٩٩٨ - هذا إسناد صحيح، مر تفسير مثله مرارًا، وسيأتي من طرق مختصرًا. وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٧٤، ٢٧٥،) ، مختصرا. ورواه أبو داود أيضًا مختصرا في سننه ٤: ٥٢، ٥٣ برقم: ٤٠٠٤، ٤٠٠٥. ورواه أبو جعفر فيما سلف من طرق أخرى، مختصرًا، ليس فيه" هيت لك"، برقم: ٤٨، في أول الكتاب. وفصل الحافظ ابن حجر في الفتح، الكلام فيه بما لا مزيد عليه.]]
١٨٩٩٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ هذه الآية: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ قال: فقالوا له: ما كنا نقرؤها إلا"هَيْتُ لَكَ"، فقال عبد الله: إنّي أقرؤها كما عُلِّمت، أحبُّ إليّ. [[الأثر: - ١٨٩٩٩ - مكرر الأثر السالف، مختصرًا.]]
١٩٠٠٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ فقال له مسروق: إن ناسًا يقرءونها:"هَيْتُ لَكَ" فقال: دعوني، فإني أقرأ كما أقرئت أحبُّ إليّ. [[الأثر: - ١٩٠٠٠ - مكرر الأثرين السالفين، من طريق أخرى صحيحة، مختصر.]]
١٩٠٠١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود قال: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بنصب الهاء، والتاء، وبلا همز. [[الأثر: ١٩٠٠١ - مختصر الآثار السالفة، من طريق صحيحة.]]
* *
وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى: أنَّ العرب لا تثني"هيت" ولا تجمع ولا تؤنث، [[في المطبوعة:" هيت لك"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وأنها تصوره في كل حال،، وإنّما يتبين العدد بما بعد، وكذلك التأنيث والتذكير. وقال: تقول للواحد:"هيت لك"، وللإثنين:"هيت لكما"، وللجمع:"هيت لكم"، وللنساء:"هيت لكن". [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٠٥.]]
* *
وقوله: ﴿قال معاذ الله﴾ يقول جل ثناؤه: قال يوسف إذ دعته المرأة إلى نفسها، وقالت له:"هلم إلي": أعتصم بالله من الذي تدعوني إليه، واستجير به منه. [[انظر تفسير" عاذ" فيما سلف ١٥: ٣٥٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
وقوله: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾ يقول: إن صاحبك وزوجك سيدي، [[انظر تفسير" الرب" فيما سلف ١: ١٤١، ١٤٢ / ١٢: ٣٨٥، ٣٨٦، وغيرهما في فهارس اللغة (ربب) .]] كما: -
١٩٠٠٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿معاذ الله إنه ربي﴾ قال: سيدي.
١٩٠٠٣ -.... قال: حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح: ﴿إنه ربي﴾ قال: سيدي.
١٩٠٠٤ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٠٠٥ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٠٠٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٠٠٧ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي﴾ قال: سيدي = يعني: زوج المرأة.
١٩٠٠٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قال معاذ الله إنه ربي﴾ يعني: إطفير. يقول: إنه سيدي.
* *
وقوله: ﴿أحسن مثواي﴾ يقول: أحسن منزلتي، وأكرمني وائتمنني، فلا أخونه، [[انظر تفسير" المثوى" فيما سلف ص: ١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما:-
١٩٠٠٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ﴿أحسن مثواي﴾ أمنني على بيته وأهله.
١٩٠١٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أحسن مثواي﴾ فلا أخونه في أهله.
١٩٠١١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿أحسن مثواي﴾ قال: يريد يوسف سيدَه زوجَ المرأة.
* *
وقوله: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ يقول: إنه لا يدرك البقاء، ولا ينجح من ظلم، [[انظر تفسير" الفلاح" فيما سلف ١٥: ١٥٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ففعل ما ليس له فعله. وهذا الذي تدعوني إليه من الفجور، ظلم وخيانة لسيدي الذي ائتمنني على منزله، كما:-
١٩٠١٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ قال: هذا الذي تدعوني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
يوسف 12:24
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) ﴾
قال أبو جعفر: ذكر أنَّ امرأة العزيز لما هَمَّت بيوسف وأرادت مُراودته، جعلت تذكر له محاسنَ نفسه، وتشوّقه إلى نفسها، كما:-
١٩٠١٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: قالت له: يا يوسف، ما أحسن شعرك! قال: هو أوَّل ما ينتثر من جسدي. قالت: يا يوسف، ما أحسن وجهك! قال: هو للتراب يأكله. فلم تزل حتى أطمعته، فهمَّت به وهم بها، فدخلا البيت، وغلَّقت الأبواب، وذهب ليحلّ سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب قائمًا في البيت، قد عضَّ على إصبعه، يقول:"يا يوسف لا تواقعها [[في المطبوعة والمخطوطة:" تواقعها" بغير" لا"، وأثبتها من التاريخ.]] فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق، ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات ووقع إلى الأرض لا يستطع أن يدفع عن نفسه. ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يُعمل عليه، ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النَّمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه"، فربط سراويله، وذهب ليخرج يشتدُّ، [[" اشتد"، أسرع العدو.]] فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته، حتى أخرجته منه وسقط، وطرحه يوسف واشتدَّ نحو الباب. [[الأثر: ١٩٠١٣ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٧٣.]]
١٩٠١٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أكبَّت عليه - يعني المرأة - تُطمعه مرة وتخيفه أخرى، وتدعوه إلى لذّة من حاجة الرجال في جمالها وحسنها وملكها، وهو شاب مستقبل يجد من شَبق الرجال ما يجد الرجل ؛ حتى رَقَّ لها مما يرى من كَلَفها به، ولم يتخوَّف منها حتى همَّ بها وهمَّت به، حتى خلوا في بعض بُيوته.
* *
ومعنى"الهم بالشيء"، في كلام العرب: حديث المرء نفسه بمواقعتِه، ما لم يُواقِع [[انظر تفسير" الهم" فيما سلف ٩: ١٩٩ / ١٠: ١٠٠ / ١٤: ١٥٨، ولم يشرحها هناك شرحًا يغني، وشرحها هنا.]]
* *
فأما ما كان من هم يوسف بالمرأة وهمها به، فإن أهل العلم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره، وذلك ما:-
١٩٠١٥ - حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع، وسهل بن موسى الرازي، قالوا: حدثنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، سئل عن همّ يوسف ما بلغ؟ قال: حَلّ الهِمْيان، وجلس منها مجلس الخاتن [[قوله:" مجلس الخاتن"، هو الذي يختن الفتى أو الفتاة وفي مطبوعة تاريخ الطبري:" مجلس الحائز"، ولكن ستأتي في مخطوطة التفسير" الخاتن" في كل مكان وسيأتي تفسير" الهميان" في رقم: ١٩٠٢٢، وفي اللسان أنه" تكة السراويل".]] = لفظ الحديث لأبي كريب. [[الأثر: ١٩٠١٥ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٧٣، بهذا الإسناد نفسه.]]
١٩٠١٦ - حدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا حدثنا ابن عيينة، قال: سمع عبيد الله بن أبي يزيد ابن عباس في ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: جلس منها مجلس الخاتن، وحلّ الهميان.
١٩٠١٧ - حدثنا زياد بن عبد الله الحسَّاني، وعمرو بن علي، والحسن بن محمد، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس سئل: ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: حلّ الهميان، وجلس منها مجلس الخاتن.
١٩٠١٨ - حدثني زياد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: سألت ابن عباس: ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: استلقت له، وجلس بين رجليها.
١٩٠١٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: استلقت له، وحلّ ثيابه.
١٩٠٢٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ ، ما بلغ؟ قال: استلقت له وجلس بين رجليها، وحلّ ثيابه = أو ثيابها.
١٩٠٢١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: سألت ابن عباس ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: استلقت على قفاها، وقعد بين رجليها لينزعَ ثيابه.
١٩٠٢٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: سئل ابن عباس، عن قوله: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ ما بلغ من هم يوسف؟ قال: حل الهميان = يعني السَّراويل.
١٩٠٢٣ - حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت الأعمش، عن مجاهد، في قوله: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: حلَّ السراويل حتى أَلْيَتيه [[في المطبوعة:" حتى التبان"، وهو سراويل صغير مقدار شبر، يستر العورة المغلظة، وليس بشيء. وفي المخطوطة في هذا الموضع" التبن" غير منقوطة ثم في رقم: ١٩٠٢٤ فيها:" حتى وقع على التنتين"، ثم في رقم: ١٩٠٢٩، فيها أيضًا:" على الثنات"، وقد جعلها الناشر في جميعها" التبان" برسم واحد، ورجحت أنا أكتبها" أليتيه" في موضعين و" ألياته" في آخر المواضع، لأني وجدت الخبر عن مجاهد في القرطبي ٩: ١٦٦" حل السراويل حتى بلغ الأليتين"، ولو كتبتها كما في القرطبي، لكان صوابًا، و" الألية" (بفتح الهمزة) ، هي العجيزة للناس وغيرهم، وهما من الناس" أليتان"، ويقال:" إنه لذو أليات"، كأنه جعل كل جزء" ألية"، ثم جمع على هذا.]] واستلقت له.
١٩٠٢٤ - حدثنا زياد بن عبد الله الحساني، قال: حدثنا مالك بن سعير، قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، في قوله: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: حلّ سراويله، حتى وقع على أَلْيَتيه. [[انظر التعليق السالف، وكان في المطبوعة:" على التبان".]]
١٩٠٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: جلس منها مجلس الرجل من امرأته.
١٩٠٢٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، قال: حدثني القاسم بن أبي بزة: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: أمّا همّها به، فاستلقت له = وأما همُّه بها، فإنه قعد بين رجليها ونزع ثيابه.
١٩٠٢٧ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثني حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة، قال: قلت لابن عباس: ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: استلقت له، وجلس بين رجليها ينزع ثيابه.
١٩٠٢٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير وعكرمة، قالا حلّ السراويل، وجلس منها مجلس الخاتن.
١٩٠٢٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: استلقت، وحلّ ثيابه حتى بلغ ألياته. [[" أليات" جمع" ألية"، وانظر ما سلف ص: ٣٦، تعليق رقم: ١.]]
١٩٠٣٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: أطلق تِكَّة سراويله.
١٩٠٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، قال: شهدت ابن عباس سئل عن هم يوسف ما بلغ؟ قال: حلّ الهِميان، وجلس منها مجلس الخاتن.
* *
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا، وهو لله نبيّ؟
قيل: إن أهل العلم اختلفوا في ذلك.
فقال بعضهم: كان من ابتلي من الأنبياء بخطيئة، [[في المطبوعة:" كان ممن ابتلى ... "، والصواب ما في المخطوطة.]] فإنما ابتلاه الله بها، ليكون من الله عز وجلّ على وَجَلٍ إذا ذكرها، فيجد في طاعته إشفاقًا منها، ولا يتّكل على سعة عفو الله ورحمته.
* *
وقال آخرون: بل ابتلاهم الله بذلك، ليعرّفهم موضع نعمته عليهم، بصفحه عنهم، وتركه عقوبتَه عليه في الآخرة.
* *
وقال آخرون: بل ابتلاهم بذلك ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رَجاء رحمة الله، وترك الإياس من عفوه عنهم إذا تابوا.
* *
وأما آخرون ممن خالف أقوال السلف وتأوَّلوا القرآن بآرائهم، فإنهم قالوا في ذلك أقوالا مختلفة.
فقال بعضهم: معناه: ولقد همت المرأة بيوسف، وهمَّ بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه لهمِّها به مما أرادته من المكروه، لولا أنّ يوسف رأى برهان ربه، وكفَّه ذلك عما همّ به من أذاها = لا أنها ارتدعت من قِبَل نفسها. قالوا: والشاهد على صحة ذلك قوله: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء﴾ قالوا: فالسوء هُو ما كان همَّ به من أذاها، وهو غير"الفحشاء".
* *
وقال آخرون منهم: معنى الكلام: ولقد همت به، فتناهى الخبرُ عنها. ثم ابتدئ الخبر عن يوسف، فقيل:"وهم بها يوسف لولا أن رأى برهان ربه". كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلى أنَّ يوسف لم يهمّ بها، وأن الله إنما أخبر أنَّ يوسف لولا رؤيته برهان ربه لهمَّ بها، ولكنه رأى برهان ربه فلم يهمَّ بها، كما قيل: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ ، [النساء: ٨٣] .
* *
قال أبو جعفر: ويفسد هذين القولين: أن العرب لا تقدم جواب"لولا" قبلها، لا تقول:"لقد قمت لولا زيد"، وهي تريد": لولا زيد لقد قمت"، هذا مع خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن، الذين عنهم يؤخذ تأويله.
* *
وقال آخرون منهم: بل قد همَّت المرأة بيوسف، وهم يوسف بالمرأة، غير أن همَّهما كان تميِيلا منهما بين الفعل والترك، [[في المخطوطة والمطبوعة:" تمثيلا منهما"، وهو خطأ. و" التمييل" الترجيح، أي الأمرين تأخذ، وأيهم تدع. يقال:" إني لأميل بين ذينك الأمرين، وأمايل بينهما، أيهما أركب، أو أيهما أفضل".]] لا عزمًا ولا إرادة. قالوا: ولا حرج في حديث النفس، ولا في ذكر القلب، إذا لم يكن معهما عزْمٌ ولا فعلٌ.
* *
وأما"البرهان" الذي رآه يوسف، فترك من أجله مواقعة الخطيئة، فإن أهل العلم مختلفون فيه.
فقال بعضهم: نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٣٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: نودي: يا يوسف، أتزني، فتكون كالطير وَقَع ريشه، فذهب يطير فلا ريش له؟
١٩٠٣٣ -.... قال: حدثنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: لم يُعْطِ على النداء، [[في المطبوعة:" لم يتعظ"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صحيح المعنى، يعني لم يعط المقادة والطاعة وهو كقوله في رقم: ١٩٠٣٧،" فلم يطع على النداء"، ثم قوله في رقم ١٩٠٣٨" فلم يعط على النداء شيئا"، فجاء بها في المطبوعة على الصواب.]] حتى رأى برهان ربه، قال: تمثالَ صورة وجه أبيه = قال سفيان: عاضًّا على أصبعه = فقال: يا يوسف، تزني، فتكون كالطير ذهب ريشه؟
١٩٠٣٤ - حدثني زياد بن عبد الله الحساني، قال: حدثني محمد بن أبي عدي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: قال ابن عباس: نُودي: يا ابن يعقوب، لا تكن كالطائر له ريش، فإذا زنى ذهب ريشه، أو قعد لا ريش له. قال: فلم يُعْطِ على النداء، [[انظر التعليق السالف ص ٣٩.]] فلم يزد على هذا = قال ابن جريج: وحدثني غير واحد، أنه رأى أباه عاضًّا على إصبعه.
١٩٠٣٥ - حدثني أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي =، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: قال ابن عباس: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: نودي فلم يسمع، فقيل له: يا ابن يعقوب، تريد أن تزني، فتكون كالطير نتف فلا ريش له؟
١٩٠٣٦ - حدثنا ابن حميد. قال: حدثنا سلمة، عن طلحة، عن عمرو الحضرمي، عن ابن أبي مليكة، قال: بلغني أنّ يوسف لما جلس بين رجلي المرأة فهو يحلّ هميانه، نودي: يا يوسف بن يعقوب، لا تزن، فإن الطير إذا زنى تناثر ريشه. فأعرض، ثم نودي فأعرض، فتمثل له يعقوب عاضًّا على إصبعه، فقام.
١٩٠٣٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: نودي: يا ابن يعقوب، لا تكن كالطير إذا زنى ذهب ريشه، وبقي لا ريش له! فلم يطع على النداء، ففُزِّع.
١٩٠٣٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة، قال: قال ابن عباس: نودي: يا ابن يعقوب لا تكونَنّ كالطائر له ريش، فإذا زنى ذهب ريشه = قال: أو قعد لا ريش له = فلم يُعْطِ على النداء شيئًا، حتى رأى برهان ربه، ففَرِق ففرَّ.
١٩٠٣٩ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، قال: قال ابن عباس: نودي: يا ابن يعقوب، أتزني، فتكون كالطير وقع ريشه، فذهب يطيرُ فلا ريش له؟
١٩٠٤٠ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد، عن همام بن يحيى، عن قتادة قال: نودي يوسف فقيل: أنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء؟
١٩٠٤١ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن يمان. عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: نودي: يُوسفَ بن يعقوب، تزني، فتكون كالطير نتف فلا ريش له؟
* *
وقال آخرون:"البرهان" الذي رأى يوسف فكفّ عن مواقعة الخطيئة من أجله، صورة يعقوب عليهما السلام يتوعّده.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٤٢ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: رأى صورةَ = أو: تمثالَ = وجهِ يعقوب عاضًّا على إصبعه، فخرجت شهوته من أنامله.
١٩٠٤٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: مَثَل له يعقوب، فضرب في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. [[الأثر: ١٩٠٤٣ -" عمرو بن محمد العنقزي"، مضى مرارًا، وكان في المطبوعة والمخطوطة:" عمرو بن العنقزي"، سقط اسم أبيه.]]
١٩٠٤٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا محمد بن بشر، عن مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: رأى تمثال وجه أبيه، قائلا بكفه هكذا = وبسط كفه = فخرجت شهوته من أنامله.
١٩٠٤٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي = عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: مَثَل له يعقوب عاضًّا على أصابعه، فضرب صدره، فخرجت شهوته من أنامله.
١٩٠٤٦ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: رأى صورة يعقوب واضعًا أنملته على فيه، يتوعَّده، ففرَّ.
١٩٠٤٧ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن عباد، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال سمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال: حين رأى يعقوبَ في سقف البيْت، قال: فنزعت شهوته التي كان يجدها، حتى خرج يسعى إلى باب البيت، فتبعته المرأة.
١٩٠٤٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي = عن قرة بن خالد السدوسي، عن الحسن، قال: زعموا، والله أعلم، أن سقف البيت انفرج، فرأى يعقوبَ عاضًّا على أصابعه.
١٩٠٤٩ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: رأى تمثالَ يعقوب عاضًّا على إصبعه يقول: يوسف! يوسف!
١٩٠٥٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، نحوه.
١٩٠٥١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عمرو العنقزي، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: رأى تمثال وجه يعقوب، فخرجت شهوته من أنامله.
١٩٠٥٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، قال: رأى صورةً فيها وجه يعقوب عاضًّا على أصابعه، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله. فكلُّ ولد يعقوب وُلِدَ له اثنا عشر رجلا إلا يوسف، فإنه نقص بتلك الشهوة، ولم يولد له غير أحد عشر.
١٩٠٥٣ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن حميد بن عبد الرحمن أخبره: أن البرهان الذي رأى يوسف، يعقوبُ.
١٩٠٥٤ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عيسى بن المنذر، قال: حدثنا أيوب بن سويد، قال: حدثنا يونس بن يزيد الإيلي، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، مثله.
١٩٠٥٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: مَثَل له يعقوب.
١٩٠٥٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
١٩٠٥٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: يعقوب.
١٩٠٥٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٠٥٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٠٦٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: مَثَل له يعقوب.
١٩٠٦١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: جلس منها مجلس الرجل من امرأته، حتى رأى صورةَ يعقوب في الجدُر [[في المطبوعة:" على الجدار" وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] .
١٩٠٦٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: مثل له يعقوب.
١٩٠٦٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن القاسم بن أبي بزة، قال: نودي: يا ابن يعقوب، لا تكونن كالطير له ريش، فإذا زنى قَعَد ليس له ريش. فلم يُعْرِض للنداء وقعد، فرفع رأسه، فرأى وجهَ يعقوب عاضًّا على إصبعه، فقام مرعوبًا استحياء من الله، فذلك قول الله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ ، وجهَ يعقوب.
١٩٠٦٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن النضر بن عربي، عن عكرمة، قال: مثل له يعقوب عاضًّا على أصابعه.
١٩٠٦٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن نضر بن عربي، عن عكرمة، مثله.
١٩٠٦٦ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: مثل له يعقوب، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من أنامله.
١٩٠٦٧ -.... قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، قال: كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر ابنًا، إلا يوسف، ولد له أحد عشر، من أجل ما خرج من شهوته.
١٩٠٦٨ - حدثني يونس، قال: أخبرنا: ابن وهب، قال: قال أبو شريح: سمعت عبيد الله بن أبي جعفر يقول: بلغ من شهوة يوسف أن خرجت من بَنَانه.
١٩٠٦٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يعلى بن عبيد، عن محمد الخراساني، قال: سألت محمد بن سيرين، عن قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: مَثَل له يعقوب عاضًّا على أصابعه يقول: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء؟
١٩٠٧٠ - حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: رأى يعقوب عاضًّا على إصبعه يقول: يوسف!
١٩٠٧١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال، قال قتادة: رأى صورة يعقوب، فقال: يا يوسف، تعمل عمل الفجَّار، وأنت مكتوب في الأنبياء؟ فاستحيى منه.
١٩٠٧٢ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ رأى آية من آيات ربه، حجزه الله بها عن معصيته. ذكر لنا أنه مثل له يعقوب حتى كلمه، فعصمه الله، ونزع كل شهوة كانت في مفاصله.
١٩٠٧٣ -.... قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أنه مَثَل له يعقوب وهو عاضٌّ على إصبع من أصابعه.
١٩٠٧٤ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت عاضًّا على إصبعه يقول: يا يوسف! يا يوسف! يعني قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ .
١٩٠٧٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن منصور ويونس عن الحسن، في قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ ، قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت، عاضًّا على إصبعه.
١٩٠٧٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح مثله، وقال عاضًّا على إصبعه يقول: يوسف! يوسف!
١٩٠٧٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، قال: نظر يوسف إلى صورة يعقوب عاضًّا على إصبعه يقول: يا يوسف! فذاك حيث كفَّ، وقام فاندفع.
١٩٠٧٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن سالم وأبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: رأى صورةً فيها وجه يعقوب عاضًّا على أصابعه، فدفع في صدره، فخرجت شهوته من بين أنامله.
١٩٠٧٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: رأى تمثال وجه أبيه، فخرجت الشهوة من أنامله.
١٩٠٨٠ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا يحيى= يعني ابن عباد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ ، قال: تمثال صورة يعقوب في سقف البيت.
١٩٠٨١ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: رأى يعقوب عاضًّا على يده.
١٩٠٨٢ -.... قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ ، قال: يعقوب، ضرب بيده على صدره، فخرجت شهوته من أنامله.
١٩٠٨٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ ، آية من ربه ؛ يزعمون أنه مَثَلَ له يعقوب، فاستحيىمنه.
* *
وقال آخرون: بل البرهان الذي رأى يوسف، ما أوعد الله عز وجل على الزنا أهله.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٨٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن أبي مودود، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، قال: رفع رأسَه إلى سقف البيت، فإذا كتاب في حائط البيت: ﴿لا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ ، [[في المطبوعة والمخطوطة: ﴿إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا﴾ ، وهذه آية أخرى، هي آية نكاح ما نكح الآباء من النساء، وهي آية المقت" سورة النساء: ٢٢"، وزيادة" ومقتًا" سهو من الناسخ، لا شك في ذلك، وجاءت على صواب التلاوة في الأثر التالي، ولكن الناشر زاد" ومقتًا"، هناك، فأساء غاية الإساءة.]] [سورة الإسراء: ٣٢] .
١٩٠٨٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن أبي مودود، عن محمد بن كعب، قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين همّ، فرأى كتابًا في حائط البيت: ﴿لا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ .
١٩٠٨٦ -.... قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ قال: لولا ما رأى في القرآن من تعظيم الزنا.
١٩٠٨٧ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد، عن أبي صخر، قال: سمعت القرظي يقول في البرهان الذي رأى يوسف: ثلاث آيات من كتاب الله: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ الآية، [سورة الانفطار: ١٠] ، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الآية، [سورة يونس: ٦١] ، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [سورة الرعد: ٣٣] . قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ .
١٩٠٨٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: أخبرنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ فقال: ما حرَّم الله عليه من الزنا.
* *
وقال آخرون: بل رأى تمثال الملك.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٨٩ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ يقول: آيات ربه، أُرِيَ تمثالَ الملك.
١٩٠٩٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان بعض أهل العلم، فيما بلغني، يقول: البرهان الذي رأى يوسف فصرف عنه السوءَ والفحشاء، يعقوبُ عاضًّا على إصبعه، فلما رآه انكشفَ هاربًا = ويقول بعضهم: إنما هو خيال إطفير سيده، حين دَنا من الباب، وذلك أنه لما هرب منها واتبعته، ألفياه لدى الباب.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن همِّ يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه، لولا أن رأى يوسف برهان ربه، وذلك آيةٌ من الله، زجرته عن ركوب ما همَّ به يوسف من الفاحشة = وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب = وجائز أن تكون صورة الملك - وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنا = ولا حجة للعذر قاطعة بأيِّ ذلك [كان] من أيٍّ. والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى، والإيمان به، وترك ما عدا ذلك إلى عالمه.
* *
وقوله: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء﴾ ، يقول تعالى ذكره: كما أرينَا يوسف برهاننا على الزجر عمَّا همّ به من الفاحشة، كذلك نسبّب له في كلِّ ما عرض له من همٍّ يهمُّ به فيما لا يرضاه، ما يزجره ويدفعه عنه ؛ كي نصرف عنه ركوب ما حرَّمنا عليه، وإتيان الزنا، لنطهره من دنس ذلك. [[انظر تفسير" الصرف" فيما سلف ١٥: ٢٥٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
= وتفسير" الفحشاء" فيما سلف ١٢: ٥٤٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
* *
وقوله: ﴿إنه من عبادنا المخلصين﴾ اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة المدينة والكوفة ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللام من"المخلصين"، بتأويل: إن يوسف من عبادنا الذين أخلصناهم لأنفسنا، واخترناهم لنبوّتنا ورسالتنا.
* *
وقرأ بعض قرأة البصرة:"إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ" بكسر اللام = بمعنى: إن يوسف من عبادنا الذين أخلَصوا توحيدنا وعبادتنا، فلم يشركوا بنا شيئًا، ولم يعبدُوا شيئًا غيرنا.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بهما جماعة كثيرة من القرأة، وهما متفقتا المعنى. وذلك أن من أخلصه الله لنفسه فاختاره، فهو مُخْلِصٌ لله التوحيدَ والعبادة، ومن أخلص توحيدَ الله وعبادته فلم يشرك بالله شيئًا، فهو ممن أخلصه الله، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصوابِ مصيبٌ.
يوسف 12:25
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: واستبق يوسف وامرأة العزيز بابَ البيت، [[انظر تفسير" الاستباق" فيما سلف ١٥: ٥٧٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] أما يوسف ففرارًا من ركوب الفاحشة لما رأى برهان ربه فزجره عنها، وأما المرأة فطلبها ليوسف لتقضي حاجتها منه التي راودته عليها، فأدركته فتعلقت بقميصه، فجذبته إليها مانعةً له من الخروج من الباب،، فقدَّته من دبر = يعني: شقته من خلف لا من قدام، [[انظر تفسير" الدبر" فيما سلف ١٤: ١٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] لأن يوسف كان هو الهارب، وكانت هي الطالبة، كما: -
١٩٠٩١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿واستبقا الباب﴾ ، قال: استبق هو والمرأة الباب، ﴿وقدت قميصه من دبر﴾ .
١٩٠٩٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما رأى برهان ربه، انكشفَ عنها هاربًا، واتبعته، فأخذت قميصه من دبر، فشقَّته عليه.
* *
وقوله: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ ، يقول جل ثناؤه: وصادفا سيدها [[انظر تفسير" ألفى" فيما سلف ٣: ٣٠٦، ٣٠٧.]] = وهو زوج المرأة [[انظر تفسير" السيد" فيما سلف ٦: ٣٧٤.]] ="لدى الباب"، يعني: عند الباب [[انظر تفسير" لدى فيما سلف ٦: ٤٠٧.]] . كالذي: -
١٩٠٩٣ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا الثوري، عن رجل، عن مجاهد: ﴿وألفيا سيدها﴾ ، قال: سيدها: زوجها =، ﴿لدى الباب﴾ ، قال: عند الباب.
١٩٠٩٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن الحسن، عن زيد بن ثابت، قال": السيد"، الزوج.
١٩٠٩٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ ، أي: عند الباب.
١٩٠٩٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ ، قال: جالسًا عند الباب وابن عمّها معه، فلما رأته قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا؟ إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، وفررت منها فأدركتني، فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تِبْيان هذا في القميص، فإن كان القميص، قدّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين. فأتي بالقميص، فوجده قدّ من دبر قال: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم. يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾ .
١٩٠٩٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ ، إطفير، قائمًا على باب البيت، فقالت وهابَتْه: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾ ولطخته مكانها بالسيئة، فَرَقًا من أن يتهمها صاحبُها على القبيح. فقال هو، وصَدقه الحديث: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ .
* *
وقوله: ﴿قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا﴾ يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز لزوجها لما ألفياه عند الباب، فخافت أن يتهمها بالفجور: ما ثواب رجل أرادَ بامرأتك الزنا إلا أن يسجن في السجن، [[انظر تفسير" الجزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) .]] أو إلا عذاب أليم = يقول: موجع.
* *
وإنما قال: ﴿إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾ ، لأن قوله: ﴿إلا أن يسجن﴾ ، بمعنى إلا السجن، فعطف"العذاب" عليه ؛ وذلك أن"أن" وما عملت فيه بمنزلة الاسم.
يوسف 12:26
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف لما قذفته امرأة العزيز بما قذفته من إرادته الفاحشة منها، مكذِّبًا لها فيما قذفته به ودفعًا لما نسب إليه: ما أنا راودتها عن نفسها، بل هي راودتني عن نفسي. [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ٢٤، ٢٥.]]
* *
وقد قيل: إن يوسف لم يرد ذكر ذلك، لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٩٨ - حدثني محمد بن عمارة، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشامي، قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره، حتى قالت: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا﴾ ، الآية، قال: فغضب فقال: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ . [[الأثر: ١٩٠٩٨ - في المطبوعة:" نوف الشيباني"، وهو خطأ محض، مأتاه من سوء كتابة المخطوطة، وإن كانت واضحة بعض الوضوح، والصواب" نوف الشامي"، وهو:" نوف ابن فضالة البكالي الحميري، الشامي"، انظر ما سلف رقم: ١٨٩٢٣، والتعليق عليه.]]
* *
وأما قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ فإن أهل العلم اختلفوا في صفة الشاهد.
فقال بعضهم: كان صبيًّا في المهد.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٩٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تكلم أربعة في المهد وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم عليه السلام. [[الأثر: ١٩٠٩٩ -" العلاء بن عبد الجبار"،" أبو الحسن العطار"، روى عن حماد بن سلمة، وروى عنه الحميدي، وابنه عبد الجبار بن العلاء. صالح الحديث. مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٥٨.]]
١٩١٠٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: عيسى، وصاحب يوسف، وصاحب جريج = يعني: تكلموا في المهد. [[الأثر: ١٩١٠٠ -" أبو بكر الهذلي"، كلن يكذب، متروك الحديث. مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٦١٦، ١٨٤٣٩، ولكن حديث أبي هريرة مطولا رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٦: ٣٤٤ - ٣٤٨) ، ومسلم في صحيحه ١٦: ١٠٦، ورواه أحمد في المسند: ٨٠٥٧، ٨٠٥٨ بإسناد صحيح، وانظر شرح أخي رحمه الله.]]
١٩١٠١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا زائدة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: صبي.
١٩١٠٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان في المهد صبيًّا.
١٩١٠٣ - حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا أيوب بن جابر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: صبي. [[الأثر: ١٩١٠٣ -" أيوب بن جابر بن سيار اليمامي"، ضعيف. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ٤١٠، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٢٤٢، وميزان الاعتدال ١: ١٣٢.]]
١٩١٠٤ - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، بمثله.
١٩١٠٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: كان صبيًّا في مهده.
١٩١٠٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن هلال بن يساف: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: صبي في المهد.
١٩١٠٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: صبي أنطقه الله. ويقال: ذو رأي برأيه. [[قوله:" ذو رأي برأيه"، أي كان الشاهد رجلا ذا رأي، قال ذلك برأيه. وانظر الأثر التالي رقم: ١٩١٢٧.]]
١٩١٠٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: أخبرنا عفان، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال:"تكلم أربعة وهم صغار"، فذكر فيهم شاهد يوسف [[الأثر: ١٩١٠٨ - حديث حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، حديث طويل، رواه أحمد في مسنده رقم: ٢٨٢٢، ٢٨٢٣، ٢٨٢٤، ٢٨٢٥، وفي آخره: قال" قال ابن عباس: تكلم أربعة صغار، عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة فرعون"، ولم يرفع هذا القول الأخير إلى رسول الله ﷺ. وإسناده إسناد صحيح.]] .
١٩١٠٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج. قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ يزعمون أنه كان صبيًّا في الدار.
١٩١١٠ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان صبيًّا في المهد.
* *
وقال آخرون: كان رجلا ذا لحية.
ذكر من قال ذلك:
١٩١١١ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي =، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان ذا لحية.
١٩١١٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي =، عن سفيان، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان من خاصّة الملك.
١٩١١٣ -.... وبه قال، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، سمع عكرمة يقول: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: ما كان بصبيّ، ولكن كان رجلا حكيمًا.
١٩١١٤ - حدثنا سوّار بن عبد الله، قال، حدثنا عبد الملك بن الصباح، قال: حدثنا عمران بن حدير، عن عكرمة، وذكره عنده: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ فقالوا: كان صبيًّا. فقال: إنه ليس بصبي، ولكنه رجل حكيم [[الأثر: ١٩١١٤ -" عبد الملك بن الصباح المسمعي"، ثقة / مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٣٥٤.]] .
١٩١١٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان رجلا.
١٩١١٦ - حدثنا ابن بشار، قال، حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل.
١٩١١٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل.
١٩١١٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل.
١٩١١٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: ذو لحية.
١٩١٢٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: ابن عمها كان الشاهدَ من أهلها.
١٩١٢١ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: ذو لحية.
١٩١٢٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذو لحية.
١٩١٢٣ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن جابر، عن ابن أبي مليكة: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان من خاصة الملك.
١٩١٢٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل حكيم كان من أهلها.
١٩١٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل حكيم من أهلها.
١٩١٢٦ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان رجلا.
١٩١٢٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن الحسن، في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل له رأي أشارَ برأيه.
١٩١٢٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: يقال: إنما كان الشاهد مشيرًا، رجلا من أهل إطفير، وكان يستعين برأيه = إلا أنه قال: أشهد إن كان قميصه قدّ من قبل لقد صدقت وهو من الكاذبين.
* *
وقيل: معنى قوله: ﴿وشهد شاهد﴾ : حكم حاكم.
١٩١٢٩ - حدثت بذلك عن الفراء، عن معلي بن هلال، عن أبي يحيى، عن مجاهد.
* *
وقال آخرون: إنما عنى بالشاهد، القميصَ المقدودَ.
ذكر من قال ذلك:
١٩١٣٠ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: قميصُه مشقوق من دبر، فتلك الشهادة.
١٩١٣١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قميصُه مشقوق من دبر، فتلك الشهادة.
١٩١٣٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ لم يكن من الإنس.
١٩١٣٣ -.... قال: حدثنا حفص، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان من أمر الله، ولم يكن إنسيًا.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، قول من قال: كان صبيًّا في المهد = للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ. أنه ذكر من تكلم في المهد. فذكر أنَّ أحدهم صاحب يوسف.
* *
فأمّا ما قاله مجاهد من أنه القميص المقدود، فما لا معنى له ؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن الشاهد الذي شهد بذلك أنه من أهل المرأة فقال: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، ولا يقال للقميص هو من أهل الرجل ولا المرأة.
* *
وقوله: ﴿إن كان قميصه قُدّ من قُبل فصدقت وهو من الكاذبين﴾ ، لأن المطلوب إذا كان هاربًا فإنما يؤتى من قِبل دبره، فكان معلومًا أن الشق لو كان من قُبُل لم يكن هاربًا مطلوبًا. ولكن كان يكون طالبًا مدفوعًا، وكان يكون ذلك شهادة على كذبه.
١٩١٣٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال: أشهد إن كان قميصه قُدّ من قُبُل لقد صدقت وهو من الكاذبين. وذلك أن الرجل إنما يريد المرأة مقبلا = ﴿وإن كان قميصه قُدّ مِن دُبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ وذلك أن الرجل لا يأتي المرأة من دُبر. وقال: إنه لا ينبغي أن يكون في الحقّ إلا ذاك. فلما رأى إطفير قميصَه قدَّ من دُبر عرف أنه من كيدها، فقال: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ .
١٩١٣٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: قال = يعني: الشاهدُ من أهلها =: القميصُ يقضي بينهما، (إن كان قميصه قدّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين. فلما رأى قميصه قُد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) .
* *
قال أبو جعفر: وإنما حذفت"أنَّ" التي تتلقَّى بها"الشهادة" لأنه ذهب بالشهادة إلى معنى"القول"، كأنه قال: وقال قائل من أهلها: إن كان قميصه = كما قيل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء: ١١] ، لأنه ذهب بالوصية إلى"القول".
* *
وقوله: ﴿فلما رأى قميصه قدّ من دبر﴾ ، خبر عن زوج المرأة، وهو القائل لها: إن هذا الفعل من كيدكن = أي: صنيعكن، يعني من صنيع النساء [[انظر تفسير" الكيد" فيما سلف ١٥: ٥٥٨، تعليق: ٢ والمراجع هناك.]] = ﴿إن كيدكن عظيم﴾ .
* *
وقيل: إنه خبر عن الشاهد أنه القائلُ ذلك.
يوسف 12:27
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف لما قذفته امرأة العزيز بما قذفته من إرادته الفاحشة منها، مكذِّبًا لها فيما قذفته به ودفعًا لما نسب إليه: ما أنا راودتها عن نفسها، بل هي راودتني عن نفسي. [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ٢٤، ٢٥.]]
* *
وقد قيل: إن يوسف لم يرد ذكر ذلك، لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٩٨ - حدثني محمد بن عمارة، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشامي، قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره، حتى قالت: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا﴾ ، الآية، قال: فغضب فقال: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ . [[الأثر: ١٩٠٩٨ - في المطبوعة:" نوف الشيباني"، وهو خطأ محض، مأتاه من سوء كتابة المخطوطة، وإن كانت واضحة بعض الوضوح، والصواب" نوف الشامي"، وهو:" نوف ابن فضالة البكالي الحميري، الشامي"، انظر ما سلف رقم: ١٨٩٢٣، والتعليق عليه.]]
* *
وأما قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ فإن أهل العلم اختلفوا في صفة الشاهد.
فقال بعضهم: كان صبيًّا في المهد.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٩٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تكلم أربعة في المهد وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم عليه السلام. [[الأثر: ١٩٠٩٩ -" العلاء بن عبد الجبار"،" أبو الحسن العطار"، روى عن حماد بن سلمة، وروى عنه الحميدي، وابنه عبد الجبار بن العلاء. صالح الحديث. مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٥٨.]]
١٩١٠٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: عيسى، وصاحب يوسف، وصاحب جريج = يعني: تكلموا في المهد. [[الأثر: ١٩١٠٠ -" أبو بكر الهذلي"، كلن يكذب، متروك الحديث. مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٦١٦، ١٨٤٣٩، ولكن حديث أبي هريرة مطولا رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٦: ٣٤٤ - ٣٤٨) ، ومسلم في صحيحه ١٦: ١٠٦، ورواه أحمد في المسند: ٨٠٥٧، ٨٠٥٨ بإسناد صحيح، وانظر شرح أخي رحمه الله.]]
١٩١٠١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا زائدة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: صبي.
١٩١٠٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان في المهد صبيًّا.
١٩١٠٣ - حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا أيوب بن جابر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: صبي. [[الأثر: ١٩١٠٣ -" أيوب بن جابر بن سيار اليمامي"، ضعيف. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ٤١٠، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٢٤٢، وميزان الاعتدال ١: ١٣٢.]]
١٩١٠٤ - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، بمثله.
١٩١٠٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: كان صبيًّا في مهده.
١٩١٠٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن هلال بن يساف: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: صبي في المهد.
١٩١٠٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: صبي أنطقه الله. ويقال: ذو رأي برأيه. [[قوله:" ذو رأي برأيه"، أي كان الشاهد رجلا ذا رأي، قال ذلك برأيه. وانظر الأثر التالي رقم: ١٩١٢٧.]]
١٩١٠٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: أخبرنا عفان، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال:"تكلم أربعة وهم صغار"، فذكر فيهم شاهد يوسف [[الأثر: ١٩١٠٨ - حديث حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، حديث طويل، رواه أحمد في مسنده رقم: ٢٨٢٢، ٢٨٢٣، ٢٨٢٤، ٢٨٢٥، وفي آخره: قال" قال ابن عباس: تكلم أربعة صغار، عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة فرعون"، ولم يرفع هذا القول الأخير إلى رسول الله ﷺ. وإسناده إسناد صحيح.]] .
١٩١٠٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج. قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ يزعمون أنه كان صبيًّا في الدار.
١٩١١٠ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان صبيًّا في المهد.
* *
وقال آخرون: كان رجلا ذا لحية.
ذكر من قال ذلك:
١٩١١١ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي =، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان ذا لحية.
١٩١١٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي =، عن سفيان، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان من خاصّة الملك.
١٩١١٣ -.... وبه قال، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، سمع عكرمة يقول: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: ما كان بصبيّ، ولكن كان رجلا حكيمًا.
١٩١١٤ - حدثنا سوّار بن عبد الله، قال، حدثنا عبد الملك بن الصباح، قال: حدثنا عمران بن حدير، عن عكرمة، وذكره عنده: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ فقالوا: كان صبيًّا. فقال: إنه ليس بصبي، ولكنه رجل حكيم [[الأثر: ١٩١١٤ -" عبد الملك بن الصباح المسمعي"، ثقة / مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٣٥٤.]] .
١٩١١٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان رجلا.
١٩١١٦ - حدثنا ابن بشار، قال، حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل.
١٩١١٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل.
١٩١١٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل.
١٩١١٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: ذو لحية.
١٩١٢٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: ابن عمها كان الشاهدَ من أهلها.
١٩١٢١ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: ذو لحية.
١٩١٢٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذو لحية.
١٩١٢٣ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن جابر، عن ابن أبي مليكة: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان من خاصة الملك.
١٩١٢٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل حكيم كان من أهلها.
١٩١٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل حكيم من أهلها.
١٩١٢٦ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان رجلا.
١٩١٢٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن الحسن، في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل له رأي أشارَ برأيه.
١٩١٢٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: يقال: إنما كان الشاهد مشيرًا، رجلا من أهل إطفير، وكان يستعين برأيه = إلا أنه قال: أشهد إن كان قميصه قدّ من قبل لقد صدقت وهو من الكاذبين.
* *
وقيل: معنى قوله: ﴿وشهد شاهد﴾ : حكم حاكم.
١٩١٢٩ - حدثت بذلك عن الفراء، عن معلي بن هلال، عن أبي يحيى، عن مجاهد.
* *
وقال آخرون: إنما عنى بالشاهد، القميصَ المقدودَ.
ذكر من قال ذلك:
١٩١٣٠ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: قميصُه مشقوق من دبر، فتلك الشهادة.
١٩١٣١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قميصُه مشقوق من دبر، فتلك الشهادة.
١٩١٣٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ لم يكن من الإنس.
١٩١٣٣ -.... قال: حدثنا حفص، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان من أمر الله، ولم يكن إنسيًا.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، قول من قال: كان صبيًّا في المهد = للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ. أنه ذكر من تكلم في المهد. فذكر أنَّ أحدهم صاحب يوسف.
* *
فأمّا ما قاله مجاهد من أنه القميص المقدود، فما لا معنى له ؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن الشاهد الذي شهد بذلك أنه من أهل المرأة فقال: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، ولا يقال للقميص هو من أهل الرجل ولا المرأة.
* *
وقوله: ﴿إن كان قميصه قُدّ من قُبل فصدقت وهو من الكاذبين﴾ ، لأن المطلوب إذا كان هاربًا فإنما يؤتى من قِبل دبره، فكان معلومًا أن الشق لو كان من قُبُل لم يكن هاربًا مطلوبًا. ولكن كان يكون طالبًا مدفوعًا، وكان يكون ذلك شهادة على كذبه.
١٩١٣٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال: أشهد إن كان قميصه قُدّ من قُبُل لقد صدقت وهو من الكاذبين. وذلك أن الرجل إنما يريد المرأة مقبلا = ﴿وإن كان قميصه قُدّ مِن دُبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ وذلك أن الرجل لا يأتي المرأة من دُبر. وقال: إنه لا ينبغي أن يكون في الحقّ إلا ذاك. فلما رأى إطفير قميصَه قدَّ من دُبر عرف أنه من كيدها، فقال: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ .
١٩١٣٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: قال = يعني: الشاهدُ من أهلها =: القميصُ يقضي بينهما، (إن كان قميصه قدّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين. فلما رأى قميصه قُد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) .
* *
قال أبو جعفر: وإنما حذفت"أنَّ" التي تتلقَّى بها"الشهادة" لأنه ذهب بالشهادة إلى معنى"القول"، كأنه قال: وقال قائل من أهلها: إن كان قميصه = كما قيل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء: ١١] ، لأنه ذهب بالوصية إلى"القول".
* *
وقوله: ﴿فلما رأى قميصه قدّ من دبر﴾ ، خبر عن زوج المرأة، وهو القائل لها: إن هذا الفعل من كيدكن = أي: صنيعكن، يعني من صنيع النساء [[انظر تفسير" الكيد" فيما سلف ١٥: ٥٥٨، تعليق: ٢ والمراجع هناك.]] = ﴿إن كيدكن عظيم﴾ .
* *
وقيل: إنه خبر عن الشاهد أنه القائلُ ذلك.
يوسف 12:28
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف لما قذفته امرأة العزيز بما قذفته من إرادته الفاحشة منها، مكذِّبًا لها فيما قذفته به ودفعًا لما نسب إليه: ما أنا راودتها عن نفسها، بل هي راودتني عن نفسي. [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ٢٤، ٢٥.]]
* *
وقد قيل: إن يوسف لم يرد ذكر ذلك، لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٩٨ - حدثني محمد بن عمارة، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشامي، قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره، حتى قالت: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا﴾ ، الآية، قال: فغضب فقال: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ . [[الأثر: ١٩٠٩٨ - في المطبوعة:" نوف الشيباني"، وهو خطأ محض، مأتاه من سوء كتابة المخطوطة، وإن كانت واضحة بعض الوضوح، والصواب" نوف الشامي"، وهو:" نوف ابن فضالة البكالي الحميري، الشامي"، انظر ما سلف رقم: ١٨٩٢٣، والتعليق عليه.]]
* *
وأما قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ فإن أهل العلم اختلفوا في صفة الشاهد.
فقال بعضهم: كان صبيًّا في المهد.
ذكر من قال ذلك:
١٩٠٩٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تكلم أربعة في المهد وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم عليه السلام. [[الأثر: ١٩٠٩٩ -" العلاء بن عبد الجبار"،" أبو الحسن العطار"، روى عن حماد بن سلمة، وروى عنه الحميدي، وابنه عبد الجبار بن العلاء. صالح الحديث. مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٥٨.]]
١٩١٠٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: عيسى، وصاحب يوسف، وصاحب جريج = يعني: تكلموا في المهد. [[الأثر: ١٩١٠٠ -" أبو بكر الهذلي"، كلن يكذب، متروك الحديث. مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٦١٦، ١٨٤٣٩، ولكن حديث أبي هريرة مطولا رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٦: ٣٤٤ - ٣٤٨) ، ومسلم في صحيحه ١٦: ١٠٦، ورواه أحمد في المسند: ٨٠٥٧، ٨٠٥٨ بإسناد صحيح، وانظر شرح أخي رحمه الله.]]
١٩١٠١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا زائدة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: صبي.
١٩١٠٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان في المهد صبيًّا.
١٩١٠٣ - حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا أيوب بن جابر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: صبي. [[الأثر: ١٩١٠٣ -" أيوب بن جابر بن سيار اليمامي"، ضعيف. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ٤١٠، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٢٤٢، وميزان الاعتدال ١: ١٣٢.]]
١٩١٠٤ - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، بمثله.
١٩١٠٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: كان صبيًّا في مهده.
١٩١٠٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن هلال بن يساف: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: صبي في المهد.
١٩١٠٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: صبي أنطقه الله. ويقال: ذو رأي برأيه. [[قوله:" ذو رأي برأيه"، أي كان الشاهد رجلا ذا رأي، قال ذلك برأيه. وانظر الأثر التالي رقم: ١٩١٢٧.]]
١٩١٠٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: أخبرنا عفان، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال:"تكلم أربعة وهم صغار"، فذكر فيهم شاهد يوسف [[الأثر: ١٩١٠٨ - حديث حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، حديث طويل، رواه أحمد في مسنده رقم: ٢٨٢٢، ٢٨٢٣، ٢٨٢٤، ٢٨٢٥، وفي آخره: قال" قال ابن عباس: تكلم أربعة صغار، عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة فرعون"، ولم يرفع هذا القول الأخير إلى رسول الله ﷺ. وإسناده إسناد صحيح.]] .
١٩١٠٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج. قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ يزعمون أنه كان صبيًّا في الدار.
١٩١١٠ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان صبيًّا في المهد.
* *
وقال آخرون: كان رجلا ذا لحية.
ذكر من قال ذلك:
١٩١١١ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي =، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان ذا لحية.
١٩١١٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي =، عن سفيان، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان من خاصّة الملك.
١٩١١٣ -.... وبه قال، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، سمع عكرمة يقول: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: ما كان بصبيّ، ولكن كان رجلا حكيمًا.
١٩١١٤ - حدثنا سوّار بن عبد الله، قال، حدثنا عبد الملك بن الصباح، قال: حدثنا عمران بن حدير، عن عكرمة، وذكره عنده: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ فقالوا: كان صبيًّا. فقال: إنه ليس بصبي، ولكنه رجل حكيم [[الأثر: ١٩١١٤ -" عبد الملك بن الصباح المسمعي"، ثقة / مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٣٥٤.]] .
١٩١١٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان رجلا.
١٩١١٦ - حدثنا ابن بشار، قال، حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل.
١٩١١٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل.
١٩١١٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل.
١٩١١٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: ذو لحية.
١٩١٢٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: ابن عمها كان الشاهدَ من أهلها.
١٩١٢١ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: ذو لحية.
١٩١٢٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذو لحية.
١٩١٢٣ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن جابر، عن ابن أبي مليكة: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان من خاصة الملك.
١٩١٢٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل حكيم كان من أهلها.
١٩١٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل حكيم من أهلها.
١٩١٢٦ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان رجلا.
١٩١٢٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن الحسن، في قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: رجل له رأي أشارَ برأيه.
١٩١٢٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: يقال: إنما كان الشاهد مشيرًا، رجلا من أهل إطفير، وكان يستعين برأيه = إلا أنه قال: أشهد إن كان قميصه قدّ من قبل لقد صدقت وهو من الكاذبين.
* *
وقيل: معنى قوله: ﴿وشهد شاهد﴾ : حكم حاكم.
١٩١٢٩ - حدثت بذلك عن الفراء، عن معلي بن هلال، عن أبي يحيى، عن مجاهد.
* *
وقال آخرون: إنما عنى بالشاهد، القميصَ المقدودَ.
ذكر من قال ذلك:
١٩١٣٠ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: قميصُه مشقوق من دبر، فتلك الشهادة.
١٩١٣١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قميصُه مشقوق من دبر، فتلك الشهادة.
١٩١٣٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ لم يكن من الإنس.
١٩١٣٣ -.... قال: حدثنا حفص، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، قال: كان من أمر الله، ولم يكن إنسيًا.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، قول من قال: كان صبيًّا في المهد = للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ. أنه ذكر من تكلم في المهد. فذكر أنَّ أحدهم صاحب يوسف.
* *
فأمّا ما قاله مجاهد من أنه القميص المقدود، فما لا معنى له ؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن الشاهد الذي شهد بذلك أنه من أهل المرأة فقال: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ، ولا يقال للقميص هو من أهل الرجل ولا المرأة.
* *
وقوله: ﴿إن كان قميصه قُدّ من قُبل فصدقت وهو من الكاذبين﴾ ، لأن المطلوب إذا كان هاربًا فإنما يؤتى من قِبل دبره، فكان معلومًا أن الشق لو كان من قُبُل لم يكن هاربًا مطلوبًا. ولكن كان يكون طالبًا مدفوعًا، وكان يكون ذلك شهادة على كذبه.
١٩١٣٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال: أشهد إن كان قميصه قُدّ من قُبُل لقد صدقت وهو من الكاذبين. وذلك أن الرجل إنما يريد المرأة مقبلا = ﴿وإن كان قميصه قُدّ مِن دُبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ وذلك أن الرجل لا يأتي المرأة من دُبر. وقال: إنه لا ينبغي أن يكون في الحقّ إلا ذاك. فلما رأى إطفير قميصَه قدَّ من دُبر عرف أنه من كيدها، فقال: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ .
١٩١٣٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: قال = يعني: الشاهدُ من أهلها =: القميصُ يقضي بينهما، (إن كان قميصه قدّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين. فلما رأى قميصه قُد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) .
* *
قال أبو جعفر: وإنما حذفت"أنَّ" التي تتلقَّى بها"الشهادة" لأنه ذهب بالشهادة إلى معنى"القول"، كأنه قال: وقال قائل من أهلها: إن كان قميصه = كما قيل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء: ١١] ، لأنه ذهب بالوصية إلى"القول".
* *
وقوله: ﴿فلما رأى قميصه قدّ من دبر﴾ ، خبر عن زوج المرأة، وهو القائل لها: إن هذا الفعل من كيدكن = أي: صنيعكن، يعني من صنيع النساء [[انظر تفسير" الكيد" فيما سلف ١٥: ٥٥٨، تعليق: ٢ والمراجع هناك.]] = ﴿إن كيدكن عظيم﴾ .
* *
وقيل: إنه خبر عن الشاهد أنه القائلُ ذلك.
يوسف 12:29
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا فيما ذكر عن ابن عباس، خبرٌ من الله تعالى ذكره عن قِيل الشاهد أنه قال للمرأة وليوسف.
* *
يعني بقوله: ﴿يوسف﴾ يا يوسف = ﴿أعرض عن هذا﴾ ، يقول: أعرض عن ذكر ما كان منها إليك فيما راودتك عليه، فلا تذكره لأحد، [[انظر تفسير" الإعراض" فيما سلف ١٥: ٤٠٧، تعليق: ١، والمراجع.]] كما:-
١٩١٣٦ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ ، قال: لا تذكره، ﴿واستغفري﴾ أنت زوجك، يقول: سليه أن لا يعاقبك على ذنبك الذي أذنبتِ، وأن يصفح عنه فيستره عليك.
* *
= ﴿إنك كنت من الخاطئين﴾ ، يقول: إنك كنت من المذنبين في مراودة يوسف عن نفسه.
* *
يقال منه:"خَطِئ" في الخطيئة"يخطَأ خِطْأً وخَطَأً" [[انظر تفسير" خطئ" فيما سلف ٢: ١١٠ / ٦: ١٤٣.]] كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ [سورة الإسراء: ٣١] ، و"الخطأ" في الأمر.
وحكي في"الصواب" أيضًا"الصوابُ"، و"الصَّوْبُ"، [[في المطبوعة والمخطوطة:" أيضًا الصواب، والصوب"، وكأن الصواب ما أثبت. وأخشى أن يكون:" والخطأ" و" الخطاء" في الأمر، وحكي في" الصواب ... "، يعني المقصور والممدود.]] كما قال: الشاعر: [[هو أوس بن غلفاء.]]
لَعَمْرُكَ إِنَّمَا خَطَئِي وَصَوْبِي ... عَلَيَّ وَإِنَّ مَا أَهْلَكْتُ مَالُ [[نوادر أبي زيد: ٤٧، طبقات فحول الشعراء: ١٤٠، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤١، اللسان (صوب) ، من أبيات يقولها لامرأته: أَلا قالَتْ أُمَامَةُ يَوْمَ غُوْلٍ: ... تَقَطَّعَ بِابنِ غَلْفاء الحِبالُ
ذَرِيني إنَّما خَطَئِي وصَوْبي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنْ تَرَنِي أُمَامَة قَلَّ مالِي ... وَأْلَهانِي عَنِ الغَزْوِ ابْتِذَالُ
فَقَدْ ألْهُو مَعَ النَّفَرِ النَّشَاوَى ... لِيَ النَّسَبُ المُوَاصَلُ والخِلالُ]]
وينشد بيت أمية:
عِبَادُكَ يُخْطِئُونَ وَأَنْتَ رَبٌّ ... بِكَفَّيْكَ الْمَنَايَا وَالْحُتُومُ [[ديوانه: ٤، واللسان (خطأ) ، (حتم) ، وقبل البيت: سَلامَكَ رَبَّنا فِي كُلِّ فَجْرٍ ... بَرِيئًا ما تَلِيقُ بِكَ الذًّمُومُ
وبعده: غَدَاةَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ ... ألاَ يَاليْتَ أُمَّكُمُ عَقِيمُ
.]] من خطئ الرجل.
* *
وقيل: ﴿إنك كنت من الخاطئين﴾ ، لم يقل: من الخاطئات، لأنه لم يقصد بذلك قصد الخبر عن النساء، وإنما قصد به الخبر عمَّن يفعل ذلك فيخطَأ.
يوسف 12:30
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز في مدينة مصر، وشاع من أمرهما فيها ما كان، فلم ينكتم، وقلن: ﴿امرأة العزيز تراود فتاها﴾ ، [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ٥٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] عبدها [[انظر تفسير" الفتى" فيما سلف ٨: ١٨٨.]] = ﴿عن نفسه﴾ ، كما:-
١٩١٣٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وشاع الحديث في القرية، وتحدث النساء بأمره وأمرها، وقلن: ﴿امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه﴾ ، أي: عبدها.
* *
وأما"العزيز" فإنه:"الملك" في كلام العرب، [[هذا التفسير من عزيز اللغة، وليس في المعاجم، فليقيد في مكانه.]] ومنه قول أبي دؤاد:
دُرَّةٌ غَاصَ عَلَيْهَا تَاجِرٌ ... جُلِيَتْ عِنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَلِّ [[لم أجد البيت في مكان آخر.]]
يعني بالعزيز، الملك، وهو من"العزّة". [[انظر تفسير" العزة" فيما سلف من فهارس اللغة (عزز) .]]
* *
وقوله: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، يقول قد وصل حبُّ يوسف إلى شَغَاف قلبها فدخل تحته، حتى غلب على قلبها.
* *
و"شَغَاف القلب": حجابه وغلافه الذي هو فيه، وإياه عنى النابغة الذبياني بقوله:
وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ دَاخِلٌ ... دُخُولَ شَغَافٍ تَبْتَغِيهِ الأصَابِعُ [[ديوانه: ٣٨، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٠٨، وغيرهما، مع اختلاف في روايته، وقبله: عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... وَقُلْتُ: أَلَمَّا تَصْحُ والشَّيْبُ وَازِعُ ؟
و"الأصابع" يعني أصابع الأطباء. وجعله الطبري من" الشغاف" بالفتح، واللغويون يجعلونه من" الشغاف" (بضم الشين"، وهو داء يأخذ تحت الشراسيف من الشق الأيمن. وإذا اتصل بالطحال قتل صاحبه. وهذا أجود الكلاميين.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩١٣٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة يقول في قوله: ﴿شغفها حبًّا﴾ قال: دخل حبه تحت الشَّغاف.
١٩١٣٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: دخل حبه في شَغافها.
١٩١٤٠ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: دخل حبه في شَغافها.
١٩١٤١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: كان حبه في شَغافها.
١٩١٤٢ -.... قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل حديث الحسن بن محمد، عن شبابة.
١٩١٤٣ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، يقول: عَلَّقها حبًّا.
١٩١٤٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: غَلَبها.
١٩١٤٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي = عن أبيه عن أيوب بن عائذ الطائي عن الشعبي: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال:"المشغوف": المحب، و"المشعوف"، [[" المشعوف"، بالعين المهملة، وكان في المطبوعة بالغين المعجمة، وهو خطأ. وأراد الشعبي أن يفرق بينهما.]] المجنون. [[الأثر: ١٩١٤٥ -" أيوب بن عائذ المدلجي الطائي"، ثقة، مضى برقم: ١٠٣٣٨، ١٠٣٣٩]]
١٩١٤٦ -.... وبه قال، حدثنا أبي، عن أبي الأشهب، عن أبي رجاء والحسن: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال أحدهما: قد بَطَنَها حبًّا. وقال الآخر: قد صَدَقها حبًّا.
١٩١٤٧ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿قد شغفها حبا﴾ ، قال: قد بطنَها حبًّا = قال يعقوب: قال أبو بشر: أهل المدينة يقولون:"قد بَطَنها حبًّا".
١٩١٤٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، قال: سمعته يقول في قوله: ﴿قد شغفها حبا﴾ ، قال: بَطنَها حبًّا. وأهل المدينة يقولون ذلك.
١٩١٤٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن قرة، عن الحسن: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: قد بَطَن بها حبًّا. [[في المخطوطة:" بطن لها"، وانظر رقم: ١٩١٥١.]]
١٩١٥٠ - حدثنا الحسن، قال: حدثنا أبو قطن، قال: حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: بَطَنها حبه.
١٩١٥١ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة. عن الحسن: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: بطَن بها.
١٩١٥٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: استبطنها حبها إياه.
١٩١٥٣ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، أي: قد عَلَّقها.
١٩١٥٤ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: قد عَلَّقَها حبًّا.
١٩١٥٥ - حدثنا بن وكيع، قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: هو الحب اللازق بالقلب.
١٩١٥٦ - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، في قوله: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، يقول: هلكت عليه حبًّا، و"الشَّغَاف": شَغَاف القلب.
١٩١٥٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ ، قال: و"الشَّغاف": جلدة على القلب يقال لها": لسان القلب"، [[هكذا في المطبوعة والمخطوطة، وأنا أرجح أن الصواب" لباس القلب"، لأنهم قالوا في شرح اللفظ:" الشغاف: غلاف القلب، وهو جلدة دونه كالحجاب، وسويداؤه"، وقالوا" هو غشاء القلب" وقال أبو الهيثم:" يقال لحجاب القلب، وهي شحمة تكون لباسًا للقلب الشغاف".]] يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.
* *
وقد اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار بالغين: ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ ، على معنى ما وصفت من التأويل.
* *
وقرأ ذلك أبو رجاء:"قَدْ شَعَفَهَا" بالعين. [[هكذا في المخطوطة:" شعفها"، وظني أن الصواب:" شغف بها، إذا كان هو يحبها"، وذلك بالبناء للمجهول، أما هذا الذي قاله، فمما لا يعرف.]]
١٩١٥٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا أبو قطن، قال: حدثنا أبو الأشهب، عن أبي رجاء:"قَدْ شَعَفَهَا".
١٩١٥٩ -.... قال: حدثنا خلف، قال: حدثنا هشيم، عن أبي الأشهب، أو عوف عن أبي رجاء:"قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا"، بالعين.
١٩١٦٠ -.... قال: حدثنا خلف، قال: حدثنا محبوب، قال: قرأه عوف:"قَدْ شَعَفَهَا".
١٩١٦١ -.... قال: حدثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن أسيد، عن الأعرج:"قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا"، وقال: شَعَفَهَا إذا كان هو يحبها.
* *
ووجَّه هؤلاء معنى الكلام إلى أنَّ الحبَّ قد عمَّها.
* *
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: هو من قول القائل: "قد شُعفَ بها"، كأنه ذهب بها كل مَذهب، من"شَعَف الجبال"، وهي رؤوسها.
* *
وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال:"الشغف"، شغف الحب = و"الشعف"، شعف الدابة حين تذعر.
١٩١٦٢ - حدثني بذلك الحارث، عن القاسم، أنه قال: يروى ذلك عن أبي عوانة، عن مغيرة عنه.
= قال الحارث: قال القاسم، يذهب إبراهيم إلى أن أصل"الشَّعَف"، هو الذعر. قال: وكذلك هو كما قال إبراهيم في الأصل، إلا أن العرب ربما استعارت الكلمة فوضعتها في غير موضعها ؛ قال امرؤ القيس:
أَتَقْتُلُنِي وَقَدْ شَعَفْتُ فُؤَادَهَا ... كَمَا شَعَفَ المَهْنُوءَة الرَّجُلُ الطَّالِي [[ديوانه: ١٤٢، واللسان" شعف"، وغيرها، من قصيدة البارعة، يقول وقد ذكر صاحبته وبعلها: فَأَصْبحْتُ مَعْشُوقًا وَأَصْبَحَ بَعْلُها ... عَلَيْه القَتامُ سَيِّءَ الظَّنِّ وَالبالِ
يَغِط غَطِيطَ البَكْرِ شُدَّ خِناقُهُ ... لِيَقْتُلَنِي، والمرْءُ لَيْسَ بقَتَّالِ
أَيَقْتُلَني والمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيابِ أَغْوَالِ
ولَيْسَ بذي رُمْحٍ فَيَطْعُنُني بهِ ... وَلَيْسَ بِذي سَيْفٍ، ولَيْسَ بِنَبَّالِ
أيقتُلَني أنِّي شعفتُ فُؤَادها ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى، وإنْ كانَ بَعلَها ... بِأَنَّ الفَتَى يَهْذِي ولَيْسَ بفَعَّال]]
قال: و"شعف المرأة" من الحبّ، و"شعف المهنوءة" من الذعر، فشبه لوعة الحب وجَوَاه بذلك.
* *
وقال ابن زيد في ذلك ما: -
١٩١٦٣ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿قد شغفها حبًّا﴾ قال: إن"الشغف" و"الشعف"، مختلفان، و"الشعف"، في البغض = و"الشغف" في الحب.
* *
وهذا الذي قاله ابن زيد لا معنى له، لأن"الشعف" في كلام العرب بمعنى عموم الحب، أشهر من أن يجهله ذو علم بكلامهم.
* *
قال أبو جعفر: والصواب في ذلك عندنا من القراءة: ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ ، بالغين، لإجماع الحجة من القرأة عليه.
* *
وقوله: ﴿إنا لنراها في ضلال مبين﴾ ، قلن: إنا لنرى امرأة العزيز في مراودتها فتاها عن نفسه، وغلبة حبه عليها، لفي خطأ من الفعل، وجَوْر عن قصد السبيل ="مبين"، لمن تأمله وعلمه أنه ضلال، وخطأ غير صواب ولا سداد. [[انظر تفسير" الضلال" و" مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) ، (بين) .]] وإنما كان قيلهنّ ما قلن من ذلك، وتحدُّثهن بما تحدَّثن به من شأنها وشأن يوسف، مكرًا منهن، فيما ذكر، لتريَهُنَّ يوسف.
يوسف 12:31
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتي قلن في المدينة ما ذكره الله عز وجل عنهن =
* *
وكان مكرهنَّ ما: -
١٩١٦٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ ، يقول: بقولهن.
١٩١٦٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما أظهر النساء ذلك، من قولهن": تراود عبدها! " مكرًا بها لتريهن يوسف، وكان يوصف لهن بحُسنه وجماله ؛ (فلما سمعت بمكرهن [[انظر تفسير" المكر" فيما سلف ١٥: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ) .
١٩١٦٦ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ :، أي بحديثهن، ﴿= أرسلت إليهن﴾ ، يقول: أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن بشأنها وشأن يوسف.
* *
﴿وأعتدت﴾ ،"أفعلت" من العتاد، وهو العدَّة، [[انظر تفسير" أعتد" فيما سلف ٨: ١٠٣، ٣٥٥ / ٩: ٣٥٣، ٣٩٢.]] ومعناه: أعدّت لهن ="متكأ"، يعني: مجلسًا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوَسائد:
* *
= وهو"مفتعل" من قول القائل:"اتَّكأت"، يقال:"ألق له مُتَّكأ"، يعني: ما يتكئ عليه.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩١٦٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ قال: طعامًا وشرابًا ومتكأ.
١٩١٦٨ -.... قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: يتكئن عليه.
١٩١٦٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية عن علي، عن ابن عباس: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: مجلسًا.
١٩١٧٠ -.... قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي الأشهب، عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿مُتَّكَآءً﴾ ، ويقول: هو المجلس والطعام. [[قراءة الحسن بالمد، آخره همز، ذكر هذه القراءة ابن خالويه في شواذ القراءات ص: ٦٣ عن الحسن، وذكرها أبو حيان في تفسيره ٥: ٣٠٢، ونسبها إلى الحسن وابن هرمز، وقال:" بالمد والهمز. وهي مفتعل، من الاتكاء، إلا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف كما قالوا": وَأَنْتَ مِنَ الغَوَائِل حَيْثُ تُرْمَى ... ومِنْ ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَزَاحِ
أي: بمنتزح، فأشبع.]]
١٩١٧١ -.... قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد: من قرأ:"مُتْكَأً"، خفيفة، يعني طعامًا. ومن قرأ ﴿مُتَّكَأً﴾ ، يعني المتكأ.
* *
فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه تأويل هذه الكلمة، هو معنى الكلمة، وتأويل"المتكأ"، وأنها أعدّت للنسوة مجلسًا فيه متكأ وطعام وشراب وأترج. ثم فسر بعضهم"المتكأ" بأنه الطعام على وجه الخبر عن الذي أعدّ من أجله المتكأ = وبعضهم عن الخبر عن الأترج. إذ كان في الكلام: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، لأن السكين إنما تعد للأترج وما أشبهه مما يقطع به = وبعضهم على البزماورد.
١٩١٧٢ - حدثني هارون بن حاتم المقرئ، قال: حدثنا هشيم بن الزبرقان، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: البزماورد.
* *
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى:"المتكأ": هو النُّمْرُق يتكأ عليه. وقال: زعم قوم أنه الأترج. قال: وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع"المتكأ" أترج يأكلونه. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٠٩.]]
* *
وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعضُ ما ذهب من كلام العرب، فإنّ الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثير انقرض أهله.
* *
قال أبو جعفر: والقول في أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، كما قال أبو عبيد لا شك فيه، غير أن أبا عبيدة لم يُبْعد من الصواب في هذا القول، بل القول كما قال: مِن أن مَن قال للمتكأ: هو الأترج، إنما بيَّن المعدَّ في المجلس الذي فيه المتكأ، والذي من أجله أعطين السكاكين، لأن السكاكين معلومٌ أنها لا تعدُّ للمتكأ إلا لتخريقه! [[يقول: إلا إذا أعطين السكاكين لكي يمزقن النمارق والوسائد، وهي المتكأ.]] ولم يعطين السكاكين لذلك.
* *
ومما يبين صحة ذلك القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، من أن"المتكأ" هو المجلس.
ثم رُوي عن مجاهد عنه، ما: -
١٩١٧٣ - حدثني به سليمان بن عبد الجبار، قال، حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كدينة، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، قال: أعطتهن أترجًّا، وأعطت كل واحدة منهن سكّينًا.
* *
فبيّن ابن عباس في رواية مجاهد هذه، ما أعطت النسوة، وأعرض عن ذكر بيان معنى"المتكأ"، إذ كان معلومًا معناه.
* *
ذكر من قال في تأويل"المتكأ" ما ذكرنا:
١٩١٧٤ - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: التُّرُنْج.
١٩١٧٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا هشيم، عن عوف، قال: حدثت عن ابن عباس أنه كان يقرؤها:"مُتْكًا" مخففة، ويقول: هو الأترُجّ.
١٩١٧٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية:"وأعتدت لهن متكأ"، قال الطعام.
١٩١٧٧ - حدثني يعقوب والحسن بن محمد، قالا حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: طعامًا.
١٩١٧٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.
١٩١٧٩ - حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وأعتدت لهن مُتَّكأ﴾ ، قال: طعامًا.
١٩١٨٠ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، نحوه.
١٩١٨١ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: من قرأ ﴿مُتَّكَأ﴾ فهو الطعام، ومن قرأها"مُتْكًأ" فخففها، فهو الأترجّ.
١٩١٨٢- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿متكأ﴾ ، قال: طعامًا
١٩١٨٣- حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩١٨٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =
١٩١٨٥ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩١٨٦ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا أبو خالد القرشي، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: من قرأ:"مُتْكًا"، خفيفة، فهو الأترجّ.
١٩١٨٧ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بنحوه.
١٩١٨٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير، عن ليث، قال سمعت بعضهم يقول: الأترج.
١٩١٨٩ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ :، أي طعامًا.
١٩١٩٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
١٩١٩١ -.... قال: حدثنا يزيد، عن أبي رجاء، عن عكرمة، في قوله: ﴿متكأ﴾ ، قال: طعامًا.
١٩١٩٢ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتْكًا﴾ ، يعني الأترج.
١٩١٩٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، والمتكأ، الطعام.
١٩١٩٤ -.... قال: حدثنا جرير عن ليث، عن مجاهد: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: الطعام.
١٩١٩٥ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، قال: طعامًا.
١٩١٩٦ - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مُتَّكَأً﴾ ، فهو كل شيء يجزّ بالسكين.
* *
قال أبو جعفر: قال الله تعالى ذكره، مخبرًا عن امرأة العزيز والنسوة اللاتي تحدَّثن بشأنها في المدينة: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، يعني بذلك جل ثناؤه: وأعطت كل واحدة من النسوة اللاتي حضرنها، سكينًا لتقطع به من الطعام ما تقطع به. وذلك ما ذكرت أنَّها آتتهن إما من الأترج، وإما من البزماورد، أو غير ذلك مما يقطع بالسكين، كما:-
١٩١٩٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، وأترجًّا يأكلنه.
١٩١٩٨ - حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كدينة، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، قال: أعطتهن أترجًّا، وأعطت كل واحدة منهن سكينًا.
١٩١٩٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ ، ليحتززن به من طعامهنّ.
١٩٢٠٠ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينا﴾ ، وأعطتهن تُرنجًا وعسلا فكن يحززن الترنج بالسكين، ويأكلن بالعسل.
* *
قال أبو جعفر: وفي هذه الكلمة بيانُ صحة ما قلنا واخترنا في قوله [[في المطبوعة:" وأخبرنا في قوله"، لم يحسن قراءة المخطوطة.]] ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ . وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن إيتاء امرأة العزيز النسوةَ السكاكينَ، وترك ما لَهُ آتتهن السكاكين، إذ كان معلومًا أن السكاكين لا تدفع إلى من دعي إلى مجلس إلا لقطع ما يؤكل إذا قطع بها. فاستغني بفهم السامع بذكر إيتائها صواحباتها السكاكين، عن ذكر ما له آتتهن ذلك. فكذلك استغني بذكر اعتدادها لهنّ المتكأ، عن ذكر ما يعتدُّ له المتكأ مما يحضر المجالس من الأطعمة والأشربة والفواكه وصنوف الالتهاء ؛ لفهم السامعين بالمراد من ذلك، ودلالة قوله: ﴿وأعتدت لهن متكأ﴾ ، عليه. فأما نفس"المتكأ" فهو ما وصفنا خاصةً دون غيره.
* *
وقوله: ﴿وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه﴾ ، يقول تعالى ذكره: وقالت امرأة العزيز ليوسف: ﴿اخرج عليهن﴾ ، فخرج عليهن يوسف = ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، يقول جل ثناؤه: فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللْنه.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٠١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال، حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أكبرنه﴾ ، أعظمنه.
١٩٢٠٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٩٢٠٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح. قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٢٠٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ :، أي: أعظمنه.
١٩٢٠٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وقالت اخرج عليهن﴾ ، ليوسف = ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ :، عظَّمنه.
١٩٢٠٦ - حدثنا إسماعيل بن سيف العجلي، قال: حدثنا علي بن عابس، قال: سمعت السدي يقول في قوله: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، قال: أعظمنه. [[الأثر: ١٩٢٠٦ -" إسماعيل بن سيف العجلي"، شيخ برقم الطبري مضى: ٣٨٤٣، وذكر أخي هناك أنه لم يجد له ترجمة، وظنه" إسماعيل بن سيف، أبو إسحاق"، بل قطع بذلك. والله أعلم.
و" علي بن عابس الأسدي"، ضعيف، مضى برقم: ١١٢٣٣.]]
١٩٢٠٧ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿اخرج عليهن﴾ ، فخرج، فلما رأينه أعظمنه وبُهِتن.
١٩٢٠٨ - حدثنا إسماعيل بن سيف. قال: حدثنا عبد الصمد بن علي الهاشمي، عن أبيه، عن جده، في قوله: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، قال: حِضْن. [[الأثر: ١٩٢٠٨ -" إسماعيل بن سيف العجلي"، انظر رقم: ١٩٢٠٦
و" عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي"، كان أميرًا بمكة، وذكره العقيلي في الضعفاء. مترجم في ميزان الاعتدال ٢: ١٣٢، ولسان الميزان ٤: ٢١.]]
١٩٢٠٩ - حدثنا علي بن داود، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، يقول: أعظمنه.
١٩٢١٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* *
قال أبو جعفر: وهذا القول = أعني القول الذي روي عن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، في معنى ﴿أكبرنه﴾ ، أنه حِضْن = إن لم يكن عَنَى به أنهن حضن من إجلالهن يوسف وإعظامهن لما كان الله قسم له من البهاء والجمال، ولما يجد من مثل ذلك النساءُ عند معاينتهن إياه = فقولٌ لا معنى له. لأن تأويل ذلك: فلما رأين يوسف أكبرنه، فالهاء التي في"أكبرنه"، من ذكر يوسف، ولا شك أن من المحال أن يحضنَ يوسف. ولكن الخبر، إن كان صحيحًا عن ابن عباس على ما روي، فخليقٌ أن يكون كان معناه في ذلك أنهن حضن لِمَا أكبرن من حسن يوسف وجماله في أنفسهن، ووجدن ما يجد النساء من مثل ذلك.
* *
وقد زعم بعض الرواة أن بعض الناس أنشده في"أكبرن" بمعنى حضن، بيتًا لا أحسب أنَّ له أصلا لأنه ليس بالمعروف عند الرواة، وذلك:
نَأْتِي النِّسَاءَ عَلَى أَطْهَارِهِنَّ وَلا ... نَأْتِي النِّسَاءَ إِذَا أَكْبَرْنَ إِكْبَارَا [[لسان العرب (كبر) .]]
وزعم أن معناه: إذا حضن [[ذكر أبو منصور الأزهري، عن أبي الهيثم أنه قال:" سألت رجلا من طيئ فقلت: يا أخا طيئ، ألك زوجة؟ قال: لا والله ما تزوجت، وقد وعدت في ابنة عم لي. قلت: ما سنها؟ قال: قد أكبرت = أو: كبرت = قلت: ما أكبرت؟ قال: حاضت". قال: الأزهري:" وإن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى الحيض، فلها مخرج حسن. وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر، فقيل لها: أكبرت، أي: حاضت فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي.]] .
* *
وقوله: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: معناه: أنهن حَززن بالسكين في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترُجّ.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢١١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، حزًّا حزًّا بالسكين.
١٩٢١٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، قال: حزًّا حزًّا بالسكاكين.
١٩٢١٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =
١٩٢١٤ -.... قال: وحدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، قال: حزًّا حزًّا بالسكين.
١٩٢١٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وقطعن أيديهن﴾ قال: جعل النسوة يحززن أيديهن، يحسبن أنهن يقطعن الأترج.
١٩٢١٦ - حدثنا إسماعيل بن سيف، قال: حدثنا علي بن عابس، قال: سمعت السدي يقول: كانت في أيديهن سكاكين مع الأترج، فقطعن أيديهنّ، وسالت الدماء، فقلن: نحن نلومك على حبّ هذا الرجل، ونحن قد قطعنا أيدينا وسالت الدماء!
١٩٢١٧ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: جعلن يحززن أيديهن بالسكين، ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنج، قد ذهبت عقولهن مما رأين!
١٩٢١٨ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، وحززن أيديهن.
١٩٢١٩ - حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كدينة، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: جعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج.
١٩٢٢٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، قال: جعلن يحززن أيديهن، ولا يشعرن بذلك.
١٩٢٢١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت ليوسف: ﴿اخرج عليهن﴾ ، فخرج عليهن = ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ ، وغلبت عقولهن عجبًا حين رأينه، فجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن، ما يعقلن شيئًا مما يصنعن = ﴿وقلن حاش لله ما هذا بشرًا﴾ .
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهن قطعن أيديهن حتى أبنَّها، وهن لا يشعرن.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٢٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قطعن أيديهن حتى ألقينَها.
١٩٢٢٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وقطعن أيديهن﴾ ، قال: قطعن أيديهن حتى ألقينها.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطَّعن أيديهن وهن لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك قطعًا بإبانة = وجائز أن يكون كان قطع حزّ وخدش = ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنزيل.
* *
١٩٢٢٤ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن. [[الآثار ١٩٢٢٤ - ١٩٢٢٧ - حديث موقوف صحيح الإسناد، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ١٧ من طرق وبألفاظ مختلفة، وخرجه الهيثمي بهذا اللفظ، في مجمع الزوائد ٨: ٢٠٣. وبغير هذا اللفظ مطولا. وقال:" رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح" ثم ذكر هذا المختصر، فقال: رواه الطبراني، والظاهر أنه وهم". وذلك أن نص الأول المطول:" أعطى يوسف وأمه ثلثي حسن الناس".]]
١٩٢٢٥ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثله.
١٩٢٢٦ -.... وبه عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قسم ليوسف وأمه ثلث الحسن.
١٩٢٢٧ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الخلق.
١٩٢٢٨ - حدثني أحمد بن ثابت، وعبد الله بن محمد الرازيّان، قالا حدثنا عفان، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: أعطي يوسف وأمه شَطْرَ الحسن [[الأثر: ١٩٢٢٨ -" أحمد بن ثابت بن عتاب الرازي"،" فرخويه"، شيخ الطبري كذاب، مضى برقم: ٢٠٥٥.
و" عبد الله بن محمد الرازي"، شيخ الطبري، لم أعرفه، وفي التاريخ:" حدثني عبد الله بن محمد، وأحمد بن ثابت الشيان.."، ولا أدري ما هذا؟
و" عفان"، هو" عفان بن مسلم الصفار"، ثقة من شيوخ أحمد والبخاري، مضى برقم: ٥٣٩٢، أخرج له الجماعة.
و" حماد بن سلمة"، ثقة، مضى مرارًا.
و" ثابت" هو" ثابت بن أسلم الناني" تابعي ثقة، مضى مرارًا.
وهذا خبر صحيح الإسناد، ولا يضره كذب" أحمد بن ثابت"، فالثقات قد رووه، رواه أحمد في مسنده ٣: ٢٨٦، عن عفان نفسه، بهذا اللفظ.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٧٠، من طريق محمد بن إسحاق الصغاني، ومحمد بن غالب بن حرب، وإسحاق بن الحسن بن ميمون، جميعًا عن عفان بن مسلم. بمثله، وقال:" هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
ورواه الطبري في تاريخه من هذا الطريق نفسه ١: ١٧٣.]] .
١٩٢٢٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن أبي معاذ، عن يونس، عن الحسن، أن النبي ﷺ قال: أعطي يوسف وأمه ثلث حُسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين = أو قال: أعطي يوسف وأمه الثلثين، وأعطي الناس الثلث.
١٩٢٣٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي =، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي، قال: قسم الحسن نصفين، فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق.
١٩٢٣١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي، قال: قسم الحسن نصفين: فقسم ليوسف وأمه النصف، والنصف لسائر الناس.
١٩٢٣٢ - حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي، قال: قسم الحسن نصفين، فجعل ليوسف وسارَة النصف، وجعل لسائر الخلق نصف. [[الآثار: ١٩٢٣٠ - ١٩٢٣٢ -" ربيعة الجرشي"، مختلف في اسم أبيه، وفي صحبته. فقيل في اسم أبيه" ربيعة بن عمرو"، و" ربيعة بن الغاز"، انظر ترجمته في الإصابة، والكبير للبخاري ٢ / ١ / ٢٥٦، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٧٢، وابن سعد في الطبقات ٧ / ٢ / ١٥٠، وقال:" وفي بعض الحديث أنه صحب النبي ﷺ، وروى عنه، قال: وكان ثقة، وقتل يوم مرج راهط في ذي الحجة سنة ٦٤".]]
١٩٢٣٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عيسى بن يزيد، عن الحسن: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الدنيا، وأعطي الناس الثلثين.
* *
وقوله: ﴿وقلن حاش لله﴾ ، اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الكوفيين: ﴿حَاشَ لِلّهِ﴾ بفتح الشين وحذف الياء.
* *
وقرأه بعض البصريين بإثبات الياء"حَاشَى لله".
* *
وفيه لغات لم يقرأ بها:"حَاشَى اللهِ"، كما قال الشاعر: [[هو الجميح، منقد بن الطماح الأسدي، ونسب لسبرة بن عمرو الأسدي.]]
حَاشَى أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ بِهِ ... ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ [[المفضليات ٧١٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١٠، والخزانة ٢: ١٥٠، والعيني (بهامش الخزانة) ٤: ١٢٩، واللسان (حشى) في موضعين، بروايتين، وهو من شعر له هجا فيه بني رواحه بن قطيعة بن عبس، ويستثنى منهم عمرو بن عبد الله أبا ثوبان، يقول: وَبَنُو رَوَاحَةَ يَنْظُرُونَ إذَا ... نَظَرَ النَّدِيُّ بِآنُفٍ خُثْمِ
حَاشَا أبِي ثَوْبَانَ إنّ أبَا ... ثَوْبَان لَيْسَ بِبُكْمَةٍ فَدْمِ
عَمْرُو بنَ عَبْدِ اللهِ إنَّ بِهِ ... ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ والشَّتْمِ
وخلط في الشعر أبو عبيدة وغيره، وفي المخطوطة" أبي ثروان"، وفي اللسان في أحد الموضعين" أبي مروان"، كأنه نقل محرف عن رواية" ثروان"، إن صحت، رواه المفضل" حاشى أبا ثوبان" بالنصب.
و" الندى" المجلس، واراد أهله. و" الآنف" جمع" أنف"،" الخثم" جمع" أخثم"، وهو الأنف العظيم الكثير اللحم، ليس برقيق ولا أشم، وهو ذم.
و" البكمة"، الأبكم، و" الفدم" العيي الثقيل الفهم. و" الملحاة" مصدر ميمي من" لحوت الرجل ولحيته"، إذا ألححت عليه باللائمة، وكأنه يعني المشاغبة.]]
* *
وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بهذه اللغة:"حَشَى اللهَ"، و"حاشْ اللهَ"، [[في المطبوعة، أسقط" حشى الله"، وأثبتها منها.]] بتسكين الشين والألف، يجمع بين الساكنين.
* *
وأما القراءة فإنما هي بإحدى اللغتين الأوليين، فمن قرأ: ﴿حَاشَ لله﴾ بفتح الشين وإسقاط الياء، فإنه أراد لغة من قال:"حاشى لله"، بإثبات الياء، ولكنه حذف الياء لكثرتها على ألسن العرب، كما حذفت العرب الألف من قولهم:"لا أب لغيرك"، و"لا أب لشانيك"، وهم يعنون:"لا أبا لغيرك". و"لا أبا لشانيك".
* *
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يزعم أن لقولهم:"حاشى لله"، موضعين في الكلام:
أحدهما: التنزيه.
والآخر: الاستثناء. وهو في هذا الموضع عندنا بمعنى التنزيه لله، كأنه قيل: معاذ الله.
* *
قال أبو جعفر: وأما القول في قراءة ذلك. فإنه يقال: للقارئ الخيار في قراءته بأي القراءتين شاء، إن شاء بقراءة الكوفيين، وإن شاء بقراءة البصريين، وهو: ﴿حَاشَ لله﴾ و"حَاشَى لله"، لأنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، وما عدا ذلك فلغات لا تجوز القراءة بها، لأنا لا نعلم قارئًا قرأ بها.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٣٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقلن حاش لله﴾ ، قال: معاذ الله.
١٩٢٣٥ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿حاش لله﴾ ، معاذ الله.
١٩٢٣٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقلن حاش لله﴾ : معاذ الله.
١٩٢٣٧ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿حاش لله﴾ : معاذ الله.
١٩٢٣٨ -.... قال: حدثنا عبد الوهاب، عن عمرو، عن الحسن: ﴿حاش لله﴾ : معاذ الله.
١٩٢٣٩ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* *
وقوله: ﴿ما هذا بشرًا﴾ ، يقول: قلن ما هذا بشرًا، لأنهن لم يرين في حسن صورته من البشر أحدًا، فقلن: لو كان من البشر، لكان كبعض ما رأينا من صورة البشر، ولكنه من الملائكة لا من البشر، كما:-
١٩٢٤٠ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وقلن حاش لله ما هذا بشرا﴾ : ما هكذا تكون البشر!
* *
وبهذه القراءة قرأ عامة قرأة الأمصار. وقد: -
١٩٢٤١ - حدثت عن يحيى بن زياد الفراء، قال: حدثني دعامة بن رجاء التيمي = وكان غَزَّاءً [[كان في المطبوعة:" غرا"، والصواب ما أثبت، وهو كذلك في معاني القرآن.]] = عن أبي الحويرث الحنفي أنه قرأ:"ما هذا بِشِرًى"، أي ما هذا بمشتري. [[الأثر: ١٩٢٤١ - هو في معاني القرآن للفراء في تفسير الآية.]]
* *
= يريد بذلك أنهن أنكرن أن يكون مثلُه مستعبدًا يشترى ويُبَاع.
* *
قال أبو جعفر: وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع قرأة الأمصار على خلافها. وقد بينا أن ما أجمعت عليه، فغير جائز خلافُها فيه.
* *
وأما"نصب" البشر، فمن لغة أهل الحجاز إذا أسقطوا"الباء" من الخبر نصبوه، فقالوا:"ما عمرو قائمًا". وأما أهل نجد، فإن من لغتهم رفعه، يقولون:"ما عمرو قائم" ؛ ومنه قول بعضهم حيث يقول: [[لم أعرف قائله.]]
لَشَتَّانَ مَا أَنْوِي وَيَنْوِي بَنُو أَبِي ... جَمِيعًا، فَمَا هَذَانِ مُسْتَوِيَانِ ... تَمَنَّوْا لِيَ المَوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الفَتَى ... وَكُلُّ فَتًى وَالمَوْتُ يَلْتَقِيَانِ [[رواهما الفراء في معاني القرآن، في تفسير الآية.]]
وأما القرآن، فجاء بالنصب في كل ذلك، لأنه نزل بلغة أهل الحجاز.
* *
وقوله: ﴿إن هذا إلا مَلَك كريمٌ﴾ ، يقول: قلن ما هذا إلا ملك من الملائكة، كما: -
١٩٢٤٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ ، قال: قلن: ملك من الملائكة.
يوسف 12:32
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطعن أيديهن، فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه، وفي نظرة منكن نظرتن إليه ما أصابكن من ذهاب العقل وعُزوب الفهم وَلَهًا، ألِهتُنّ حتى قطعتن أيديكن، [[في المطبوعة:" وغروب الفهم ولها إليه حتى قطعتن.."، وأثبت الصواب من المخطوطة. و" عزوب الفهم"، ذهابه. يقال:" عزب عنه حلمه يعزب عزوبًا"، ذهب. وقوله:" ألهتن" من" أله يأله ألهًا"، إذا تحير، وأصله" وله، يوله، ولهًا"، بمعنى واحد، وإنما قلبت الواو همزة.]] هو الذي لمتنني في حبي إياه، وشغف فؤادي به، فقلتنّ: قد شغف امرأة العزيز فتاها حُبًّا، إنا لنراها في ضلال مبين! ثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه، وأن الذي تحدثن به عنها في أمره حق [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فقالت: ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ ، مما راودته عليه من ذلك [[انظر تفسير" العصمة" فيما سلف ١٥: ٣٣١، تعليق ٢:، ولمراجع هناك.]] كما: -
١٩٢٤٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، قالت: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ :، تقول: بعد ما حلّ السراويل استعصى، لا أدري ما بَدَا له.
١٩٢٤٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فاستعصم﴾ ، أي: فاستعصى.
١٩٢٤٥ - حدثني علي بن داود، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿فاستعصم﴾ ، يقول: فامتنع.
* *
وقوله: ﴿ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونًا من الصاغرين﴾ ، تقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه = ﴿ليسجنن﴾ ، تقول: ليحبسن [[انظر تفسير" السجن" فما سلف ص: ٥٢."]] = وليكونًا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن، ولأهينَنَّه [[انظر تفسير" الصغار" فيما سلف ١٤: ٢٠٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
والوقف على قوله:"ليسجنن"، بالنون، لأنها مشددة، كما قيل: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ، [سورة النساء: ٧٢]
* *
وأما قوله: ﴿وليكونًا﴾ فإن الوقف عليه بالألف، لأنها النون الخفيفة، وهي شبيهةُ نون الإعراب في الأسماء في قول القائل:"رأيت رجلا عندك"، فإذا وقف على"الرجل" قيل:"رأيتُ رجلا"، فصارت النون ألفًا. فكذلك ذلك في:"وليكونًا"، ومثله قوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ﴾ ، [سورة العلق: ١٥، ١٦] الوقف عليه بالألف لما ذكرت ؛ ومنه قول الأعشي:
وَصَلِّ عَلَى حَينِ العَشَيَّاتِ والضُّحَى ... وَلا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا [[ديوانه: ١٠٣، وغيره كثير، قاله عند إقباله على الإسلام، ثم مات ميتة جاهلية والخبر مشهور، ورواية ديوانه: وَذَا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ... وَلا تَعْبُدِ الأَوْثَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا
وَصَلِّ عَلَى حِينِ العَشِيَّاتِ والضُّحَى ... وَلا تَحْمَدِ الشَّيْطَانَ وَاللهَ فاحْمَدا
وهي أجود الروايتين.]]
وإنما هو:"فاعبدن"، ولكن إذا وقف عليه كان الوقف بالألف.
يوسف 12:33
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله يدلُّ على أن امرأة العزيز قد عاودت يوسف في المراودة عن نفسه، وتوعَّدته بالسّجن والحبس إن لم يفعل ما دعته إليه، فاختار السجن على ما دعته إليه من ذلك ؛ لأنها لو لم تكن عاودته وتوعَّدته بذلك، كان محالا أن يقول: ﴿ربّ السجن أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه﴾ ، وهو لا يدعَى إلى شيء، ولا يخوَّف بحبس.
* *
و"السجن" هو الحبس نفسه، وهو بيت الحَبْس.
* *
وبكسر السين قرأه قرأة الأمصار كلها. والعرب تضع الأماكن المشتقة من الأفعال مواضع الأفعال [[" الأفعال" يعني" المصادر"، وانظر ما سلف من فهارس المصطلحات.]] . فتقول:"طلعت الشمس مطلعًا، وغربت مغربًا"، فيجعلونها، وهي أسماء، خلفًا من المصادر، فكذلك"السجن"، فإذا فتحت السين من"السَّجن" كان مصدرًا صحيحًا.
* *
وقد ذكر عن بعض المتقدمين أنه يقرأه:"السَّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ"، بفتح السين. ولا أستجيز القراءة بذلك، لإجماع الحجة من القرأة على خلافها.
* *
قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قال يوسف: يا رب، الحبس في السجن أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه من معصيتك، ويراودنني عليه من الفاحشة، كما: -
١٩٢٤٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه﴾ : من الزنا.
١٩٢٤٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال يوسف، وأضاف إلى ربه، واستغاثه على ما نزل به [[في المخطوطة:" وأحاف إلى ربه واستغاثه"، والصواب في الأولى ما في المطبوعة، وفي المطبوعة" استعانه"، فأثبت ما في المخطوطة." أضاف إلى ربه"، خاف وأشفق، فلجأ إليه مستجيرًا به.]] ﴿رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه﴾ ، أي: السجن أحبّ إليّ من أن آتي ما تكره.
* *
وقوله: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن﴾ ، يقول: وإن لم تدفع عني، يا رب، فعلهن الذي يفعلن بي، في مراودتهن إياي على أنفسهن [[انظر تفسير" الصرف" فيما سلف ص: ٤٩، تعليق ١:، والمراجع هناك.
= وتفسير" الكيد" فيما سلف ص: ٦٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="أصب إليهن"، يقول: أمِلْ إليهن، وأتابعهن على ما يُرِدن مني ويهوَيْن.
* *
= من قول القائل:"صَبا فلان إلى كذا"، ومنه قول الشاعر: [[هو يزيد بن ضبة الثقفي".]]
إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ... وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي [[الأغاني ٧: ١٠٢ (دار الكتب) ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١١، من أبيات له هو مطلعها، وبعده: وهِنْدٌ غَادَةٌ غَيْدَا ... ءُ مِنْ جُرْثُومَةٍ غُلْبِ
وَمَا إنْ وَجَدَ النَّاسُ ... مِنَ الأدْوَاءِ كالحُبِّ.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٤٨ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أصب إليهن﴾ ، يقول: أتابعهن.
١٩٢٤٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن﴾ ، أي: ما أتخوَّف منهن = ﴿أصب إليهن﴾ .
١٩٢٥٠ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾ ، قال: إلا يكن منك أنت العون والمنعة، لا يكن منّي ولا عندي.
* *
وقوله: ﴿وأكن من الجاهلين﴾ ، يقول: وأكن بصبوتي إليهن، من الذين جهلوا حقك، وخالفوا أمرك ونهيك، [[انظر تفسير" الجهل" فيما سلف ١٣: ٣٣٢، تعليق: ١، ٢، والمراجع هناك.]] كما: -
١٩٢٥١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وأكن من الجاهلين﴾ ، أي: جاهلا إذا ركبت معصيتك.
يوسف 12:34
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ﴾
قال أبو جعفر: إن قال قائل: وما وجه قوله: ﴿فاستجاب له ربه﴾ ، ولا مسألةَ تقدَّمت من يوسف لربّه، ولا دعا بصَرْف كيدهنَّ عنه، وإنما أخبر ربه أن السجن أحب إليه من معصيته؟
قيل: إن في إخباره بذلك شكايةً منه إلى ربه مما لقي منهنَّ، وفي قوله: ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن﴾ ، معنى دعاءٍ ومسألةٍ منه ربَّه صرفَ كيدهِنَّ، ولذلك قال الله تعالى ذكره: ﴿فاستجاب له ربه﴾ ، وذلك كقول القائل لآخر:"إن لا تزرني أهنك"، فيجيبه الآخر:"إذن أزورَك"، لأن في قوله:"إن لا تزرني أهنك"، معنى الأمر بالزيارة.
* *
قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: فاستجاب الله ليوسف دعاءه، فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله، كما: -
١٩٢٥٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم﴾ ، أي: نجاه من أن يركب المعصية فيهن، وقد نزل به بعض ما حَذر منهنَّ.
* *
وقوله: ﴿إنه هو السميع﴾ ، دعاءَ يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه، ودعاءَ كل داع من خلقه = ﴿العليم﴾ ، بمطلبه وحاجته، وما يصلحه، وبحاجة جميع خلقه وما يُصْلحهم. [[انظر تفسير" السميع" و" العليم" فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) ، (علم) .]]
يوسف 12:35
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بدا للعزيز، زوج المرأة التي راودت يوسف عن نفسه.
* *
وقيل:"بدا لهم"،، وهو واحد، لأنه لم يذكر باسمه ويقصد بعينه، وذلك نظير قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٧٣] ، وقيل: إن قائل ذلك كان واحدًا.
* *
وقيل: معنى قوله: ﴿ثم بدا لهم﴾ في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقًا، ورأوا أن يسجنوه ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز.
* *
وتلك"الآيات"، كانت قدَّ القميص من دُبُر، وخمشًا في الوجه، وقَطْعَ أيديهن، كما:-
١٩٢٥٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن نصر بن عوف، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، قال: كان من الآيات: قدٌّ في القميص، وخمشٌ في الوجه. [[الأثر: ١٩٢٥٣ -" نصر بن عوف"، لم أجد في الرواة من يسمى بذلك، والذي عندي أنه" نضر بن عربي الباهلي"، فهو الذي يروي عن عكرمة، ويروي عنه وكيع، وقد سلف مرارًا وانظر رقم: ١٣٠٧، ٥٨٦٤، وسلف التحريف في اسمه كثيرًا.]]
١٩٢٥٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي وابن نمير، عن [نصر] ، عن عكرمة، مثله. [[الأثر: ١٩٢٥٤ -" نصر بن عوف"، انظر التعليق السالف، هو" نضر بن عربي".]]
١٩٢٥٥ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، قال: قدُّ القميص من دبر.
١٩٢٥٦ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، قال: قدُّ القميص من دبر.
١٩٢٥٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =
١٩٢٥٨ -.... قال: وحدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٢٥٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، قال:"الآيات": حزُّهن أيديهن، وقدُّ القميص.
١٩٢٦٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: قدُّ القميص من دبر.
١٩٢٦١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه﴾ ، ببراءته مما اتهم به، من شق قميصه من دُبر = ﴿ليسجننه حتى حين﴾ .
١٩٢٦٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ ، القميصُ، وقطع الأيدي.
* *
وقوله: ﴿ليسجننه حتى حين﴾ ، يقول: ليسجننه إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم. [[انظر تفسير" الحين" فيما سلف ١: ٥٤٠ / ١٢: ٣٥٩.]]
* *
وجعل الله ذلك الحبس ليوسف، فيما ذكر، عقوبةً له من همِّه بالمرأة، وكفارة لخطيئته.
١٩٢٦٣ - حدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ليسجننه حتى حين﴾ ، عثر يوسف عليه السلام ثلاثَ عثرات: حين همَّ بها فسجن. وحين قال: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، فلبث في السجن بضع سنين، وأنساه الشيطان ذكر ربه. وقال لهم: ﴿إنكم لسارقون﴾ ، فقالوا: ﴿إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل﴾ .
* *
وذكر أن سبب حبسه في السجن، كان شكوى امرأة العزيز إلى زوجها أمرَه وأمرَها، كما: -
١٩٢٦٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ ، قال: قالت المرأة لزوجها: إن هذا العبدَ العبرانيَّ قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستَني. فذلك قول الله تعالى: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ .
* *
وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول هذه"اللام" في: ﴿ليسجننه﴾ .
فقال بعض البصريين: دخلت ههنا، لأنه موضع يقع فيه"أيّ"، فلما كان حرف الاستفهام يدخل فيه دخلته النون، لأن النون تكون في الاستفهام، تقول:"بدا لهم أيّهم يأخذنّ"، أي: استبان لهم.
* *
وأنكر ذلك بعض أهل العربية فقال: هذا يمين، وليس قوله:"هل تقومن" بيمين، و"لتقومن"، لا يكون إلا يمينًا.
* *
وقال بعض نحويي الكوفة:"بدا لهم"، بمعنى": القول"، و"القول" يأتي بكل الكلام، بالقسم وبالاستفهام، فلذلك جاز:"بدا لهم قام زيد"، و"بدا لهم ليقومن".
* *
وقيل: إن"الحين" في هذا الموضع معنِيٌّ به سبع سنين.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٦٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربي، عن داود، عن عكرمة: ﴿ليسجننه حتى حين﴾ ، قال: سبع سنين.
يوسف 12:36
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ودخل مع يوسف السجن فتيان = فدل بذلك على متروكٍ قد ترك من الكلام، وهو: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ ، فسجنوه وأدخلوه السجن = ودخل معه فتيان، فاستغنَى بدليل قوله: ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ ، على إدخالهم يوسف السجن، من ذكره.
* *
وكان الفتيان، فيما ذكر، [[انظر تفسير" الفتى" فيما سلف ٨: ١٨٨ / ١٦: ٦٢.]] غلامين من غلمان ملك مصر الأكبر، أحدهما صاحبُ شرابه، والآخر صاحبُ طعامه، كما: -
١٩٢٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فطرح في السجن = يعني يوسف = ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ ، غلامان كانا للملك الأكبر الرّيان بن الوليد، كان أحدهما على شرابه، والآخر على بعض أمره، في سَخْطَةٍ سخطها عليهما، اسم أحدهما"مجلث" والآخر"نبو"، و"نبو" الذي كان على الشراب.
١٩٢٦٧ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ ، قال: كان أحدهما خبازًا للملك على طعامه، وكان الآخر ساقيه على شرابِه.
* *
وكان سبب حبس الملك الفتيين فيما ذكر، ما: -
١٩٢٦٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: إن الملك غضب على خبَّازه، بلغه أنه يريد أن يسمّه، فحبسه وحبس صاحب شرابه، ظنَّ أنه مالأه على ذلك. فحبسهما جميعًا ؛ فذلك قول الله: ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ .
* *
وقوله: ﴿قال أحدهما إني أراني أعصر خمرًا﴾ ، ذكر أن يوسف صلوات الله عليه لما أدخل السجن، قال لمن فيه من المحبَّسين، وسألوه عن عمله: إني أعبُرُ الرؤيا: فقال أحد الفتيين اللذين أدخلا معه السجن لصاحبه: تعال فلنجربه، كما: -
١٩٢٦٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، قال: لما دخل يوسف السجن قال: أنا أعبُرُ الأحلام. فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلمَّ نجرّب هذا العبد العبرانيّ فتراءَيَا له! فسألاه، [[في المطبوعة:" نتراءى له"، والصواب من المخطوطة، والتاريخ.]] من غير أن يكونا رأيا شيئًا. فقال الخباز: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟ وقال الآخر: إني أراني أعصر خمرًا؟ [[الأثر: ١٩٢٦٩ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٧٦.]]
١٩٢٧٠ - حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، وإنما كانا تحالما ليجرِّبا علمه.
* *
وقال قوم: إنما سأله الفَتَيان عن رؤيا كانا رأياها على صحةٍ وحقيقةٍ، وعلى تصديق منهما ليوسف لعلمه بتعبيرها.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٧١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما رأى الفتيان يوسف، قالا والله، يا فتى لقد أحببناك حين رأيناك.
١٩٢٧٢ -.... قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن يوسف قال لهم حين قالا له ذلك: أنشدكما الله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحدٌ قط إلا دخل عليَّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء، ثم لقد أحبني أبي فدخل عليّ بحبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجةُ صاحبي هذا فدخل عليَّ بحبها إياي بلاء، فلا تحباني بارك الله فيكما! قال: فأبيا إلا حبه وإلفه حيث كان، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله. وقد كانا رأيا حين أدخلا السجن رؤيا، فرأى"مجلث" أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ورأى"نبو" أنه يعصر خمرًا، فاستفتياه فيها، وقالا له: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ ، إن فعلت.
* *
وعني بقوله: ﴿أعصر خمرًا﴾ ، أي: إني أرى في نومي أني أعصر عنبًا. وكذلك ذلك في قراءة ابن مسعود فيما ذكر عنه.
١٩٢٧٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن أبي سلمة الصائغ، عن إبراهيم بن بشير الأنصاري، عن محمد بن الحنفية قال في قراءة ابن مسعود:"إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا. [[الأثر: ١٩٢٧٣ -" أبو سلمة الصائغ" هو" راشد، أبو سلمة الصائغ الفزاري"، روى عن الشعبي، وزيد الأحمسي، وغيرهما. مترجم في الكبير ٢ / ١ / ٢٧٢، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٨٥، ولم يذكرا فيه جرحًا.
و" إبراهيم بن بشير الأنصاري"، روى عن ابن الحنفية، مترجم في الكبير ١ / ١ / ٢٧٤ زابن أبي حاتم ١ / ١ / ٨٩.
وهذا الخبر، ذكره البخاري في ترجمة" إبراهيم بن بشير".]]
* *
وذكر أن ذلك من لغة أهل عمان، وأنهم يسمون العنب خمرًا.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٧٤ - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: حدثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ ، يقول: أعصر عنبًا، وهو بلغة أهل عمان، يسمون العنب خمرًا.
١٩٢٧٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع ؛ وثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي = عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ ، قال: عنبًا، أرضُ كذا وكذا يدعُون العنب"خمرًا".
١٩٢٧٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ ، قال: عنبًا.
١٩٢٧٧ - حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي حمزة، عن عكرمة، قال: أتاه فقال: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حَبَلة من عنب، [[" الحبلة" (بفتح الحاء والباء) ، القضيب من شجر الأعناب، يغرس فينبت.]] فنبتت، فخرج فيه عناقيد فعصرتهنّ، ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمرًا.
* *
وقوله: (وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله) ، يقول تعالى ذكره: وقال الآخر من الفَتيين: إني أراني في منامي أحمل فوق رأسي خبزًا ؛ يقول: أحمل على رأسي = فوضعت"فوق" مكان"على" [[انظر تفسير" فوق" فيما سلف ١٣: ٤٣٠.]] = ﴿تأكل الطير منه﴾ ، يعني: من الخبز.
* *
وقوله: ﴿نبئنا بتأويله﴾ ، يقول: أخبرنا بما يؤول إليه ما أخبرناك أنَّا رأيناه في منامنا، ويرجع إليه، [[انظر تفسير" النبأ" فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .
= وتفسير" التأويل" فيما سلف ص: ٢٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما: -
١٩٢٧٨ - حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا يزيد، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿نبئنا بتأويله﴾ ، قال: به = قال الحارث، قال أبو عبيد: يعني مجاهد أن"تأويل الشيء"، هو الشيء. قال: ومنه:"تأويل الرؤيا"، إنما هو الشيء الذي تؤول إليه.
* *
وقوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ اختلف أهل التأويل في معنى"الإحسان" الذي وصف به الفتيان يوسف. [[انظر تفسير" الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة (حسن) .]]
فقال بعضهم: هو أنه كان يعود مريضهم، ويعزي حزينهم، وإذا احتاج منهم إنسان جَمَع له.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٧٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: كنت جالسًا معه ببلخ، فسئل عن قوله: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ ، قال: قيل له: ما كان إحسان يوسف؟ قال: كان إذا مرض إنسان قام عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق أوْسَع له.
١٩٢٨٠ - حدثنا إسحاق، عن أبي إسرائيل، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قامَ عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق عليه المكان وسَّع له.
١٩٢٨١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن قتادة، قوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ، قال: بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم، ويعزِّي حزينهم، ويجتهد لربه. وقال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قومًا قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، فطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجَروا، إن لهذا أجرًا، إن لهذا ثوابًا. فقالوا: يا فتى، بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، لقد بورك لنا في جوارك، ما نحبُّ أنَّا كنا في غير هذا منذ حبسنا، لما تخبرنا من الأجر والكفَّارة والطَّهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، ابن صفي الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله. وكانت عليه محبَّة. وقال له عامل السجن: يا فتى، والله لو استطعت لخلَّيت سبيلك، ولكن سأحسن جِوارك، وأحسن إسارك، فكن في أيِّ بيوت السجن شئت.
١٩٢٨٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن خلف الأشجعي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك في: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ، قال: كان يوسع للرجل في مجلسه، ويتعاهد المرضى.
* *
وقال آخرون: معناه: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ ، إذا نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٨٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: استفتياه في رؤياهما، وقالا له: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ ، إن فعلت.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.
* *
فإن قال قائل: وما وجهُ الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت، وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما، ليست من الخبَر عن صفته بأنه يعود المريض ويقوم عليه، ويحسن إلى من احتاج في شيء، وإنما يقال للرجل:"نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم"، وهذا من المواضع التي تحسن بالوصف بالعلم، لا بغيره؟
قيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنًا إلينا في إخبارك إيانا بذلك، كما نراك تحسن في سائر أفعالك: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ .
يوسف 12:37
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿قال﴾ يوسف للفتيين اللذين استعبراه الرؤيا: ﴿لا يأتيكما﴾ ، أيها الفتيان في منامكما = ﴿طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله﴾ ، في يقظتكما = ﴿قبل أن يأتيكما﴾ .
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٨٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: قال يوسف لهما: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ ، في النوم = ﴿إلا نبأتكما بتأويله﴾ ، في اليقظة.
١٩٢٨٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قال يوسف لهما: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ ، يقول: في نومكما = ﴿إلا نبأتكما بتأويله﴾ .
* *
ويعنى بقوله ﴿بتأويله﴾ : ما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه.
* *
وقوله: ﴿ذلكما مما علمني ربي﴾ ، يقول: هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا، مما علمني ربى فعلمته = ﴿إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله﴾ = وجاء الخبر مبتدأ، أي: تركت ملة قوم، والمعنى: ما ملت، وإنما ابتدأ بذلك، لأن في الابتداء الدليل على معناه.
* *
وقوله: ﴿إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله﴾ ، يقول: إني برئت من ملة من لا يصدق بالله، ويقرّ بوحدانيته [[انظر تفسير" الملة" فيما سلف ١٢: ٥٦١، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] = ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ ، يقول: وهم مع تركهم الإيمان بوحدانية الله، لا يقرّون بالمعاد والبعث، ولا بثواب ولا عقاب.
* *
= وكُررت"هم" مرتين، فقيل: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ ، لما دخل بينهما قوله: ﴿بالآخرة﴾ ، فصارت"هم" الأولى كالملغاة، وصار الاعتماد على الثانية، كما قيل: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [سورة النمل: ٢/ سورة لقمان: ٤] ، وكما قيل: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٣٥]
* *
فإن قال قائل: ما وجه هذا الخبر ومعناه من يوسف؟ وأين جوابه الفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما، من هذا الكلام؟
قيل له: إن يوسف كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما، لما علم من مكروه ذلك على أحدهما، فأعرض عن ذكره، وأخذ في غيره، ليعرضا عن مسألته الجوابَ عما سألاه من ذلك.
* *
وبنحو ذلك قال أهل العلم.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٨٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: ﴿إني أراني أعصر خمرًا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله﴾ .، قال: فكره العبارة لهما، وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علمًا. وكان الملك إذا أراد قتل إنسان، صنع له طعامًا معلومًا، فأرسل به إليه، فقال يوسف: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ ، إلى قوله: ﴿تشكرون﴾ .، فلم يدَعَاه، فعدل بهما، وكره العبارة لهما. فلم يدعاه حتى يعبر لهما، فعدل بهما وقال: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ، إلى قوله: ﴿يعلمون﴾ ، فلم يدعاه حتى عبر لهما، فقال: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ . قالا ما رأينا شيئًا، إنما كنا نلعب! قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .
* *
قال أبو جعفر: وعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج، فقوله: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ ، في اليقظة لا في النوم،. وإنما أعلمهما على هذا القول أنَّ عنده علم ما يؤول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره، لأنه قد علم النوعَ الذي إذا أتاهما كان علامةً لقتل من أتاه ذلك منهما، والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك، فأخبرهما أنه عنده علم ذلك.
يوسف 12:38
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ ، واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك= ﴿ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء﴾ ، يقول: ما جاز لنا أن نجعل لله شريكًا في عبادته وطاعته، بل الذي علينا إفراده بالألُوهة والعبادة= ﴿ذلك من فضل الله علينا﴾ ، يقول: اتباعي ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب على الإسلام، وتركي ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون، من فضل الله الذي تفضّلَ به علينا، فأنعم إذ أكرمنا به = ﴿وعلى الناس﴾ ، يقول: وذلك أيضًا من فضل الله على الناس، إذ أرسلنا إليهم دعاةً إلى توحيده وطاعته= ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ ، يقول: ولكن من يكفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه، لأنه لا يعلم من أنعم به عليه ولا يعرف المتفضِّل به.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٨٧ - حدثني علي قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذلك من فضل الله علينا﴾ ، أن جعلنا أنبياء= ﴿وعلى الناس﴾ ، يقول: أن بعثنا إليهم رسلا.
١٩٢٨٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس﴾ ، ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: يا رُبَّ شاكرٍ نعمةِ غيرِ منعم عليه لا يدري، وربّ حامل فقه غيرِ فقيه.
يوسف 12:39
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ﴾
قال أبو جعفر: ذكر أن يوسف صلوات الله عليه قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن، لأن أحدهما كان مشركًا، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام وترك عبادة الآلهة والأوثان، فقال: ﴿يا صاحبي السجن﴾ ، يعني: يا من هو في السجن، وجعلهما"صاحبيه" لكونهما فيه، كما قال الله تعالى لسكان الجنة: فَـ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وكذلك قال لأهل النار، وسماهم"أصحابها" لكونهم فيها. [[انظر تفسير" الصاحب"، فيما سلف من فهارس اللغة (صحب) .]]
* *
وقوله: ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ، يقول: أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر، خيرٌ أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه، الذي قهر كل شي فذلله وسخره، فأطاعه طوعًا وكرهًا. [[انظر تفسير" القهار" فيما سلف ١٣: ٤٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون﴾ إلى قوله: ﴿لا يعلمون﴾ ، لما عرف نبيُّ الله يوسف أن أحدهما مقتولٌ، دعاهما إلى حظّهما من ربهما، وإلى نصيبهما من آخرتهما.
١٩٢٩٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يا صاحبي السجن﴾ يوسفُ يقوله.
١٩٢٩١- ... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٢٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام، فقال: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ، أي: خيرٌ أن تعبدوا إلهًا واحدًا، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئا؟
يوسف 12:40
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ﴿ما تعبدون من دونه﴾ ، ما تعبدون من دون الله.
وقال: ﴿ما تعبدون﴾ وقد ابتدأ الخطاب بخطاب اثنين فقال: ﴿يا صاحبي السجن﴾ لأنه قصد المخاطب به، ومن هو على الشرك بالله مقيمٌ من أهل مصر، فقال للمخاطَب بذلك: ما تعبد أنتَ ومن هو على مثل ما أنت عليه من عبادة الأوثان= ﴿إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ ، وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة أربابًا، شركًا منهم، وتشبيهًا لها في أسمائها التي سمَّوها بها بالله، تعالى عن أن يكون له مثل أو شبيه= ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾ ، يقول: سموها بأسماء لم يأذن لهم بتسميتها، ولا وضع لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها، دلالةً ولا حجةً، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء. [[انظر تفسير" السلطان" فيما سلف ١٥: ٤٦٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
* *
وقوله: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ ، يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميعُ خلقه، إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصةً دون كل ما سواه من الأشياء، كما:-
١٩٢٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا أياه﴾ ، قال: أسَّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له.
* *
وقوله: ﴿ذلك الدين القيم﴾ ، يقول: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله من الأوثان، وأن تخلصا العبادة لله الواحد القهار، هو الدِّين القويم الذي لا اعوجاج فيه، والحقُّ الذي لا شك فيه [[انظر تفسير" القيم" فيما سلف ١٤: ٢٣٧.]] ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ، يقول: ولكن أهل الشرك بالله يجهلون ذلك، فلا يعلمون حقيقته.
يوسف 12:41
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه، مخبرًا عن قِيل يوسف للذين دخلا معه السجن: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا﴾ ، هو الذي رأى أنه يعصر خمرًا، فيسقي ربَّه= يعني سيده، وهو ملكهم [[انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص: ٣٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="خمرا"، يقول: يكون صاحب شرابه.
* *
١٩٢٩٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فيسقي ربه خمرًا﴾ ، قال: سيده.
* *
=وأما الآخر، وهو الذي رأى أن على رأسه خبزًا تأكل الطير منه "فيصلب فتأكل الطير من رأسه"، فذكر أنه لما عبَر ما أخبراه به أنهما رأياه في منامهما، قالا له: ما رأينا شيئًا! فقال لهما: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ يقول: فُرغ من الأمر الذي فيه استفتيتما، [[انظر تفسير" قضى" فيما سلف ١٥: ١٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ووجب حُكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به. [[انظر تفسير" الاستفتاء" فيما سلف ٩: ٢٥٣، ٤٣٠.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل العلم.
ذكر من قال ذلك:
١٩٢٩٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عمارة، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: قال اللذان دخلا السجن على يوسف: ما رأينا شيئًا! فقال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .
١٩٢٩٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، قال: لما قالا ما قالا أخبرهما، فقالا ما رأينا شيئا! فقال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .
١٩٢٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف والرؤيا، إنما كانا تحالما ليجرّباه، فلما أوَّل رؤياهما قالا إنما كنا نلعب! قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ .
١٩٢٩٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عمارة، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، إنما كانا تحالما ليجرّبا علمه، فقال أحدهما: إني أراني أعصر عنبًا! وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟ ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ ! قال: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ . فلما عبَّر، قالا ما رأينا شيئًا! قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، على ما عبَّر يوسف.
١٩٢٩٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال: لمجلث: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك. وقال لنبو: أما أنت فتردُّ على عملك، فيرضى عنك صاحبك، ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ = أو كما قال.
١٩٣٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال،قال ابن جريج........... فيه تستفتيان. [[هذا خبر سقط منه شيء كثير، فوضعت النقط مكان السقط.]]
١٩٣٠١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، عند قولهما: ما رأينا رؤيا إنما كنا نلعب! قال: قد وقعت الرؤيا على ما أوَّلتُ.
١٩٣٠٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿الذي فيه تستفتيان﴾ ، فذكر مثله.
يوسف 12:42
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: [[انظر تفسير" الظن" فيما سلف من فهارس اللغة (ظنن) .]] ﴿اذكرني عند ربك﴾ يقول: اذكرني عند سيدك، [[انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص: ١٠٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وأخبره بمظلمتي، وأني محبوس بغير جُرْم، كما:-
١٩٣٠٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،قال= يعني لنبو= ﴿اذكرني عند ربك﴾ : أي اذكر للملك الأعظم مظلمتي وحبسي في غير شيء، قال: أفعل.
١٩٣٠٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ قال للذي نجا من صاحبي السجن، يوسف يقول: اذكرني عند الملك.
١٩٣٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
١٩٣٠٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن أسباط: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ ، قال: عند ملك الأرض.
١٩٣٠٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، يعني بذلك الملك.
١٩٣٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ ، الذي نجا من صاحبي السجن، يقول يوسف: اذكرني للملك.
١٩٣٠٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال أخبرنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي: أنه لما انتهى به إلى باب السجن، قال له صاحبٌ له: حاجتَك أوصني بحاجتك! قال: حاجتي أن تذكرني عند ربك= سوى الربِّ، قال يوسف. [[في المطبوعة:" أن تذكرني عند ربك، ينوي الرب الذي ملك يوسف"، غير ما في المخطوطة، وأثبت ما فيها، إلا أنه كان هنا" أن تذكرني عند رب" بغير كاف، والصواب ما أثبت.]]
* *
وكان قتادة يوجِّه معنى"الظن" في هذا الموضع، إلى"الظنِّ"، الذي هو خلاف اليقين.
١٩٣١٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ ، وإنما عبارة الرؤيا بالظن، فيحقُّ الله ما يشاءُ ويُبْطِل ما يشاء.
* *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة، من أن عبارة الرؤيا ظن، فإن ذلك كذلك من غير الأنبياء. فأما الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنه كائنٌ ثم لا يكون، أو أنه غير كائن ثم يكون، مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن، لأن ذلك لو جاز عليها في أخبارها، لم يُؤمَن مثل ذلك في كل أخبارها. وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها، سقطت حُجَّتها على من أرسلت إليه. فإذا كان ذلك كذلك، كان غير جائزٍ عليها أن تخبر بخبرٍ إلا وهو حق وصدق. فمعلومٌ، إذ كان الأمر على ما وصفت، أن يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن، فيقول لأحدهما: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ ، ثم يؤكد ذلك بقوله: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ ، عند قولهما: ﴿لم تر شيئا﴾ ، إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه، أنه كائن لا محالة لا شك فيه. وليقينه بكون ذلك، قال للناجي منهما: ﴿اذكرني عند ربك﴾ . فبيِّنٌ إذًا بذلك فسادُ القول الذي قاله قتادة في معنى قوله: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما﴾ .
* *
وقوله: ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن غفلة عَرَضت ليوسف من قبل الشيطان، نسي لها ذكر ربه الذي لو به استغاث لأسرع بما هو فيه خلاصه، ولكنه زلَّ بها فأطال من أجلها في السجن حبسَه، وأوجع لها عقوبته، كما:-
١٩٣١١ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن بسطام بن مسلم، عن مالك بن دينار قال: لما قال يوسف للساقي: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، قال: قيل: يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلا؟ لأطيلن حبسك! فبكى يوسف وقال: يا ربّ، أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة، فويل لإخوتي.
١٩٣١٢ - حدثنا الحسن قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ: لولا أنه= يعني يوسف = قال الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث.
١٩٣١٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال: قال نبيُّ الله ﷺ:"رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طولَ ما لبث= يعني قوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، قال: ثم يبكي الحسن فيقول: نحن إذا نزل بنا أمرٌ فزعنا إلى الناس.
١٩٣١٤- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ ، قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: لولا كلمة يوسُف، ما لبث في السجن طولَ ما لبث.
١٩٣١٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: لو لم يقل يوسف= يعني الكلمة التي قال = ما لبث في السجن طول ما لبث= يعني حيث يبتغي الفرج من عند غير الله. [[الأثر: ١٩٣١٥ -" إبراهيم بن يزيد الخوزي القرشي"، متروك منكر الحديث، ليس بثقة، كان يتهم بالكذب. مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٣١٣.
فهذا خبر ضعيف الإسناد جدًا، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٩، مطولا، قال:" رواه الطبراني، وفيه إبراهيم بن يزيد القرشي المكي، وهو متروك". ورواه الطبري في تاريخه ١: ١٧٧.
أما سائر الأخبار قبله وبعده، فهي مرسلة لا حجة في شيء منها.]]
١٩٣١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: لو لم يستعن يوسف على ربّه، ما لبث في السجن طول ما لبث. .
١٩٣١٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: لولا أنّ يوسف استشفع على ربه، ما لبث في السجن طول ما لبث، ولكن إنما عوقب باستشفاعه على ربّه.
١٩٣١٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال له: ﴿اذكرني عند ربك﴾ ، قال: فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا، وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكرَ ربه، وأمره بذكر الملك وابتغاء الفرج من عنده، فلبث في السجن بضع سنين) بقوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ .
١٩٣١٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه = غير أنه قال: فلبث في السجن بضع سنين، عقوبةً لقوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ .
١٩٣٢٠- ... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو، سواء.
١٩٣٢١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل حديث المثنى، عن أبي حذيفة.
* *
وكان محمد بن إسحاق يقول: إنما أنسى الشيطانُ الساقي ذكر أمر يوسف لملكهم.
١٩٣٢٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما خرج = يعني الذي ظنّ أنه ناج منهما= رُدّ على ما كان عليه، ورضي عنه صاحبه، فأنساه الشيطان ذكر ذلك للملك الذي أمره يوسف أن يذكره، فلبث يوسف بعد ذلك في السجن بضع سنين. يقول جل ثناؤه: فلبث يوسف في السجن، لقيله للناجي من صاحبي السجن من القيل:"اذكرني عند سيدك"، بضع سنين، عقوبةً له من الله بذلك.
* *
واختلف أهل التأويل في قدر"البضع" الذي لبث يوسف في السجن.
فقال بعضهم: هو سبع سنين.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٢٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد أبو عثمة قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: لبث يوسف في السجن سبعَ سنين. [[الأثر: ١٩٣٢٣ -" محمد، أبو عثمة"، هو:" محمد بن خالد بن عثمة"، سلف مرارًا، آخرها رقم: ١٠١٤٢، وانظر رقم: ٥٣١٤، ٥٤٨٣، ورواية محمد بن بشار عنه، وروايته هو عن" سعيد بن بشير"، عن قتادة.]]
١٩٣٢٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾ ، قال: سبع سنين.
١٩٣٢٥ - حدثنا الحسن قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا عمران أبو الهذيل الصنعاني قال: سمعت وهبًا يقول: أصاب أيُّوب البلاء سبع سنين، وترك في السجن يوسف سبع سنين، وعذب بختنصر، فحُوِّل في السباع سبع سنين. [[الأثر: ١٩٣٢٥ -" عمران أبو الهذيل الصنعاني"، هو:" عمران بن عبد الرحمن بن مرثد"،" أبو الهذيل" ثقة سمع وهب بن منبه، وزياد بن فيروز، والقاسم بن تنخسره. مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٠١.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٧٧، وكان في المطبوعة والمخطوطة:" يجول في السباع" والمخطوطة غير منقوطة. والصواب من التاريخ، وعنى بقوله" حول في السباع". أي: مسخ سبعًا من السباع.]]
١٩٣٢٦- حدثني المثنى قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: زعموا أنها= يعني"البضع"= سبع سنين، كما لبث يوسف.
* *
وقال آخرون:"البضع"، ما بين الثلاث إلى التسع.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٢٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال: سمعت قتادة يقول:"البضع"، ما بين الثلاث إلى التسع.
١٩٣٢٨ - حدثنا وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد: ﴿بضع سنين﴾ ، قال: ما بين الثلاث إلى التسع.
* *
وقال آخرون: بل هو ما دون العشر.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال،قال ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿بضع سنين﴾ ، دون العشرة.
* *
وزعم الفراء أن"البضع" لا يذكر إلا مع"عشر"، ومع"العشرين" إلى التسعين، وهو"نَيِّفٌ" ما بين الثلاثة إلى التسعة. [[الأثر: ١٩٣٢٧ -:" ابن بشار"، هو" محمد بن بشار" مضى مرارًا. و" سلمان" هو" وسليمان بن داود بن الجارود"، أبو داود الطيالسي الإمام المشهور، مضى مرارًا.
و" أبو هلال" هو" محمد بن سليم الراسبي"، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٥٣٥١.
وكان في المطبوعة والمخطوطة" سمعت أبا قتادة"، وهو خطأ، فإن أبا هلال الراسبي، يروي عن" قتادة".]] وقال: كذلك رأيت العرب تفعل. ولا يقولون:"بضع ومئة" [[هذه عبارة غير واضحة. وقد نقل صاحب اللسان عن ابن بري قال:" وحكى عن الفراء في قوله:" بضع سنين"، أن" البضع" لا يذكر إلا مع العشر والعشرين إلى التسعين. ولا يقال فيما بعد ذلك = يعني أنه يقال: مئة ونيف". اللسان (بضع) .]] ولا"بضع وألف"، وإذا كانت للذكران قيل:"بضع".
* *
قال أبو جعفر:-
والصواب في"البضع" من الثلاث إلى التسع، إلى العشر، ولا يكون دون الثلاث. وكذلك ما زاد على العقد إلى المئة، وما زاد على المئة فلا يكون فيه"بضع".
يوسف 12:43
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بقوله: وقال ملك مصر: إني أرى في المنام سبع بقرات سمانٍ يأكلهن سبعٌ من البقر عجاف. [[لم يفسر" العجاف" في هذه الآية، وسيفسرها فيما بعد في الآيات التالية.]] وقال:"إني أرى"، ولم يذكر أنه رأى في منامه ولا في غيره، لتعارف العرب بينها في كلامها إذا قال القائل منهم:"أرى أني أفعل كذا وكذا"، أنه خبر عن رؤيته ذلك في منامه، وإن لم يذكر النوم. وأخرج الخبر جلّ ثناؤه على ما قد جرى به استعمال العرب ذلك بينهم.
* *
= ﴿وسبع سنبلات خضر﴾ ، يقول: وأرى سبع سُنْبلات خضر في منامي = ﴿وأخر﴾ يقول: وسبعًا أخر من السنبل= ﴿يابسات يا أيها الملأ﴾ ، [[انظر تفسير" السنبلة" فيما سلف ٥: ٥١٢ - ٥١٥.]] يقول: يا أيها الأشراف من رجالي وأصحابي [[انظر تفسير" الملأ" فيما سلف ١٥: ٤٦٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿أفتوني في رؤياي﴾ ، فاعبروها، ﴿إن كنتم للرؤيا﴾ عَبَرَةً. [[" عبرة" جمع" عابر"، وهو الذي يعبر الرؤيا، ويفسرها.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي قال،إن الله أرى الملك في منامه رؤيا هالته، فرأى سبع بقرات سمانٍ يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة والحُزَاة والقافة، [[" الحزأة" جمع" حاز"، وهو المتكهن، يحرز الأشياء ويقدرها بظنه، ويقال للذي ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره، فربما أصاب:" الحزاء". وجاء في تاريخ الطبري" الحازة والقافة"، كأنه جمع آخرها على غير القياس. وفي جمعه أيضًا" الحوازي".
و" القافة" جمع" قائف"، وهو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه.]] فقصَّها عليهم، فقالوا: ﴿أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ . [[الأثر: ١٩٣٣٠ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٧٧، مطولا.]]
١٩٣٣١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم إن الملك الريان بن الوليد رأى رؤياه التي رأى فهالته، وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها، فقال للملأ حوله من أهل مملكته: ﴿إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف﴾ إلى قوله: ﴿بعالمين﴾ .
يوسف 12:44
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن تعبير رؤياه: رؤياك هذه"أضغاث أحلام"، يعنون أنها أخلاطٌ، رؤيا كاذبةٌ لا حقيقة لها.
* *
= وهي جمع"ضغث"، و"الضغث" أصله الحزمة من الحشيش، يشبه بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها = و"الأحلام"، جمع حلم، وهو ما لم يصدق من الرؤيا، ومن"الأضْغَاث" قول ابن مقبل:
خَوْدٌ كَأَنَّ فِرَاشَهَا وُضِعَتْ بِهِ ... أضْغَاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شَمَالٍ [[لم أجده في غير هذا المكان. و" الخود"، الفتاة الناعمة الشابة. و" الشمال" هي الريح المعروفة، وهي الباردة. وما أطيب ما وصف ابن مقبل وما أبصره!]]
ومنه قول الآخر: [[لم أعرف قائله.]]
يَحْمِي ذِمَارَ جَنِينٍ قَلَّ مَانِعُهُ ... طَاوٍ كَضِغْثِ الخَلا فِي البَطْنِ مُكْتَمِن [[هذا بيت لم أجده، ولا أحسن تفسيره مفردًا.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٣٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿أضغاث أحلام﴾ يقول: مشتبهة.
١٩٣٣٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿أضغاث أحلام﴾ ، كاذبة.
١٩٣٣٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال،لما قصّ الملك رؤياه التي رأى على أصحابه، قالوا: ﴿أضغاث أحلام﴾ ، أي فعل الأحلام.
١٩٣٣٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أضغاث أحلام﴾ ، قال: أخلاط أحلام= ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ .
١٩٣٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك قال،"أضغاث أحلام"، كاذبة.
١٩٣٣٧ - ... قال، حدثني المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك:"قالوا أضغاث" قال: كذب.
١٩٣٣٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال،سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أضغاث أحلام﴾ ، هي الأحلام الكاذبة.
* *
وقوله: ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾ ، يقول: وما نحن بما تئول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين. [[انظر تفسير" التأويل" فيما سلف ص: ٩٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
والباء الأولى التي في"التأويل" من صلة"العالمين"، والتي في"العالمين""الباء" التي تدخل في الخبر مع"ما" التي بمعنى الجحد= ورفع"أضغاث أحلام"، لأن معنى الكلام: ليس هذه الرؤيا بشيء، إنما هي أضغاث أحلام.
يوسف 12:45
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال الذي نجا من القتل من صاحبي السجن اللذين استعبرا يوسف الرؤيا= ﴿وادّكر﴾ ، يقول: وتذكر ما كان نسي من أمر يوسف، وذِكْرَ حاجته للملك التي كان سأله عند تعبيره رؤياه أن يذكرها له بقوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ = ﴿بعد أمة﴾ ، يعني بعد حين، كالذي:-
١٩٣٣٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين [[انظر تفسير" الأمة" فيما سلف....، تعليق:.....، والمراجع هناك.]] .
١٩٣٤٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله.
١٩٣٤١- حدثنا الحسن بن يحيى قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله.
١٩٣٤٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، بعد حين.
١٩٣٤٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو بن محمد قال،أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين.
١٩٣٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس مثله.
١٩٣٤٥-....قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، يقول: بعد حين.
١٩٣٤٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: ذكر بعد حين.
١٩٣٤٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: ﴿وادكر بعد أمة﴾ بعد حين.
١٩٣٤٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، مثله.
١٩٣٤٩- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، مثله.
١٩٣٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، بعد حين.
١٩٣٥١ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن كثير: ﴿بعد أمة﴾ : بعد حين= قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ﴿بعد أمة﴾ ، بعد سنين.
١٩٣٥٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين.
١٩٣٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، أي: بعد حقبة من الدهر.
* *
قال أبو جعفر: وهذا التأويل على قراءة من قرأ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بضم الألف وتشديد الميم، وهي قراءة القرأة في أمصار الإسلام.
* *
وقد روي عن جماعة من المتقدمين أنهم قرءوا ذلك:" بَعْدَ أَمَةٍ" بفتح الألف، وتخفيف الميم وفتحها بمعنى: بعد نسيان.
* *
وذكر بعضهم أن العرب تقول من ذلك:"أمِهَ الرجل يأمَهُ أمَهًا"، إذا نسي.
* *
وكذلك تأوّله من قرأ ذلك كذلك.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٥٤ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ:"بَعْدَ أمَهٍ" ويفسّرها، بعد نسيان.
١٩٣٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا بهز بن أسد، عن همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأ:"بَعْدَ أَمَهٍ" يقول: بعد نسيان.
١٩٣٥٦ - حدثني أبو غسان مالك بن الخليل اليحمدي قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة أنه قرأ:"بَعْدَ أَمَهٍ"، و"الأمه": النسيان. [[الأثر: ١٩٣٥٦ -" مالك بن الخليل اليحمدي الأزدي"،" أبو غسان"، شيخ الطبري، روى عنه النسائي وغيره، مترجم في التهذيب.]]
١٩٣٥٧- حدثني يعقوب، وابن وكيع، قالا حدثنا ابن علية، قال، حدثنا أبو هارون الغنوي، عن عكرمة، مثله.
١٩٣٥٨ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عبد الوهاب قال، قال هارون، وحدثني أبو هارون الغنوي، عن عكرمة:"بَعْدَ أَمَهٍ"، بعد نسيان.
١٩٣٥٩- ... قال، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة:"وَادَّكَرَ بَعْدَ أًمًهٍ": بعد نسيان.
١٩٣٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس: أي بعد نسيان.
١٩٣٦١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ" قال: من بعد نسيانه.
١٩٣٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عبد الكريم أبي أمية المعلم، عن مجاهد: أنه قرأ:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ".
١٩٣٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمَةٍ﴾ قال: بعد نسيان.
١٩٣٦٤- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ" يقول: بعد نسيان.
* *
وقد ذكر فيها قراءة ثالثة، وهي ما:-
١٩٣٦٥- حدثني به المثنى قال،أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن حميد قال،قرأ مجاهد:"وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمْهٍ"، مجزومة الميم مخففة.
* *
وكأنّ قارئ ذلك كذلك أراد به المصدرَ من قولهم:"أمه يأمَهُ أمْهًا"، وتأويل هذه القراءة، نظير تأويل من فتح الألف والميم.
* *
وقوله: ﴿أنا أنبئكم بتأويله﴾ يقول: أنا أخبركم بتأويله [[انظر تفسير" النبأ" فيما سلف من فهارس اللغة
= وتفسيره" التأويل" فيما سلف ص: ١١٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فأرسلون﴾ ، يقول: فأطلقوني، أمضي لآتيكم بتأويله من عند العالم به.
* *
وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره استغناء بما ظهر عما ترك، وذلك:"فأرسلوه، فأتى يوسف، فقال له": يا يوسف، يا أيها الصديق، [[انظر تفسير" الصديق" فيما سلف ٨: ٥٣٠ - ٥٣٢ / ١٠: ٤٨٥.]] كما:-
١٩٣٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال الملك للملأ حوله: ﴿إني أرى سبع بقرات سمان﴾ ، الآية، وقالوا له ما قال، وسمع نبو من ذلك ما سمع ومسألته عن تأويلها، [[في المطبوعة والمخطوطة:" سمع" بغير" واو"، والصواب إثباتها.]] ذكر يوسف وما كان عبَرَ له ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال من قوله، قال: ﴿أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، يقول الله: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، أي حقبة من الدهر، فأتاه فقال: يا يوسف، إن الملك قد رأى كذا وكذا، فقصّ عليه الرؤيا، فقال فيها يوسف ما ذكر الله لنا في الكتاب، فجاءهم مثلَ فلق الصبح تأويلُها، فخرج نبوا من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك، وأخبره بما قال.
* *
وقيل: إن الذي نجا منهما إنما قال:"أرسلوني"، لأن السجن لم يكن في المدينة.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، قال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ الآيات.
* *
قوله: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ ، فإن معناه: أفتنا في سبع بقرات سمان رُئين في المنام، يأكلهن سبعٌ منها عجاف= وفي سبع سنبلات خضر رئين أيضًا، وسبع أخر منهن يابسات. فأما"السمان من البقر"، فإنها السنون المخصبة، كما:-
١٩٣٦٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف﴾ ، قال: أما السمان فسنون منها مخصبة، وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة لا تنبت شيئًا.
١٩٣٦٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ ، فالسمان المخاصيب، والبقرات العجاف: هي السنون المحُول الجُدُوب.
* *
قوله: ﴿وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ ، أما ﴿الخضر﴾ فهن السنون المخاصيب وأما ﴿اليابسات﴾ فهن الجدوب المحول.
و"العِجاف" جمع"عَجِف" وهي المهازيل.
* *
وقوله: ﴿لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون﴾ ، يقول: كي أرجع إلى الناس فأخبرهم = ﴿لعلهم يعلمون﴾ يقول: ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا.
يوسف 12:46
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال الذي نجا من القتل من صاحبي السجن اللذين استعبرا يوسف الرؤيا= ﴿وادّكر﴾ ، يقول: وتذكر ما كان نسي من أمر يوسف، وذِكْرَ حاجته للملك التي كان سأله عند تعبيره رؤياه أن يذكرها له بقوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ = ﴿بعد أمة﴾ ، يعني بعد حين، كالذي:-
١٩٣٣٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين [[انظر تفسير" الأمة" فيما سلف....، تعليق:.....، والمراجع هناك.]] .
١٩٣٤٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله.
١٩٣٤١- حدثنا الحسن بن يحيى قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله.
١٩٣٤٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، بعد حين.
١٩٣٤٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو بن محمد قال،أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين.
١٩٣٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس مثله.
١٩٣٤٥-....قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، يقول: بعد حين.
١٩٣٤٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: ذكر بعد حين.
١٩٣٤٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: ﴿وادكر بعد أمة﴾ بعد حين.
١٩٣٤٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، مثله.
١٩٣٤٩- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، مثله.
١٩٣٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، بعد حين.
١٩٣٥١ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن كثير: ﴿بعد أمة﴾ : بعد حين= قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ﴿بعد أمة﴾ ، بعد سنين.
١٩٣٥٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، قال: بعد حين.
١٩٣٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، أي: بعد حقبة من الدهر.
* *
قال أبو جعفر: وهذا التأويل على قراءة من قرأ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بضم الألف وتشديد الميم، وهي قراءة القرأة في أمصار الإسلام.
* *
وقد روي عن جماعة من المتقدمين أنهم قرءوا ذلك:" بَعْدَ أَمَةٍ" بفتح الألف، وتخفيف الميم وفتحها بمعنى: بعد نسيان.
* *
وذكر بعضهم أن العرب تقول من ذلك:"أمِهَ الرجل يأمَهُ أمَهًا"، إذا نسي.
* *
وكذلك تأوّله من قرأ ذلك كذلك.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٥٤ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ:"بَعْدَ أمَهٍ" ويفسّرها، بعد نسيان.
١٩٣٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا بهز بن أسد، عن همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأ:"بَعْدَ أَمَهٍ" يقول: بعد نسيان.
١٩٣٥٦ - حدثني أبو غسان مالك بن الخليل اليحمدي قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة أنه قرأ:"بَعْدَ أَمَهٍ"، و"الأمه": النسيان. [[الأثر: ١٩٣٥٦ -" مالك بن الخليل اليحمدي الأزدي"،" أبو غسان"، شيخ الطبري، روى عنه النسائي وغيره، مترجم في التهذيب.]]
١٩٣٥٧- حدثني يعقوب، وابن وكيع، قالا حدثنا ابن علية، قال، حدثنا أبو هارون الغنوي، عن عكرمة، مثله.
١٩٣٥٨ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عبد الوهاب قال، قال هارون، وحدثني أبو هارون الغنوي، عن عكرمة:"بَعْدَ أَمَهٍ"، بعد نسيان.
١٩٣٥٩- ... قال، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة:"وَادَّكَرَ بَعْدَ أًمًهٍ": بعد نسيان.
١٩٣٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس: أي بعد نسيان.
١٩٣٦١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ" قال: من بعد نسيانه.
١٩٣٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عبد الكريم أبي أمية المعلم، عن مجاهد: أنه قرأ:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ".
١٩٣٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمَةٍ﴾ قال: بعد نسيان.
١٩٣٦٤- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ" يقول: بعد نسيان.
* *
وقد ذكر فيها قراءة ثالثة، وهي ما:-
١٩٣٦٥- حدثني به المثنى قال،أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن حميد قال،قرأ مجاهد:"وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمْهٍ"، مجزومة الميم مخففة.
* *
وكأنّ قارئ ذلك كذلك أراد به المصدرَ من قولهم:"أمه يأمَهُ أمْهًا"، وتأويل هذه القراءة، نظير تأويل من فتح الألف والميم.
* *
وقوله: ﴿أنا أنبئكم بتأويله﴾ يقول: أنا أخبركم بتأويله [[انظر تفسير" النبأ" فيما سلف من فهارس اللغة
= وتفسيره" التأويل" فيما سلف ص: ١١٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فأرسلون﴾ ، يقول: فأطلقوني، أمضي لآتيكم بتأويله من عند العالم به.
* *
وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره استغناء بما ظهر عما ترك، وذلك:"فأرسلوه، فأتى يوسف، فقال له": يا يوسف، يا أيها الصديق، [[انظر تفسير" الصديق" فيما سلف ٨: ٥٣٠ - ٥٣٢ / ١٠: ٤٨٥.]] كما:-
١٩٣٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال الملك للملأ حوله: ﴿إني أرى سبع بقرات سمان﴾ ، الآية، وقالوا له ما قال، وسمع نبو من ذلك ما سمع ومسألته عن تأويلها، [[في المطبوعة والمخطوطة:" سمع" بغير" واو"، والصواب إثباتها.]] ذكر يوسف وما كان عبَرَ له ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال من قوله، قال: ﴿أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، يقول الله: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ ، أي حقبة من الدهر، فأتاه فقال: يا يوسف، إن الملك قد رأى كذا وكذا، فقصّ عليه الرؤيا، فقال فيها يوسف ما ذكر الله لنا في الكتاب، فجاءهم مثلَ فلق الصبح تأويلُها، فخرج نبوا من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك، وأخبره بما قال.
* *
وقيل: إن الذي نجا منهما إنما قال:"أرسلوني"، لأن السجن لم يكن في المدينة.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، قال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ الآيات.
* *
قوله: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ ، فإن معناه: أفتنا في سبع بقرات سمان رُئين في المنام، يأكلهن سبعٌ منها عجاف= وفي سبع سنبلات خضر رئين أيضًا، وسبع أخر منهن يابسات. فأما"السمان من البقر"، فإنها السنون المخصبة، كما:-
١٩٣٦٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف﴾ ، قال: أما السمان فسنون منها مخصبة، وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة لا تنبت شيئًا.
١٩٣٦٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أفتنا في سبع بقرات سمان﴾ ، فالسمان المخاصيب، والبقرات العجاف: هي السنون المحُول الجُدُوب.
* *
قوله: ﴿وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ ، أما ﴿الخضر﴾ فهن السنون المخاصيب وأما ﴿اليابسات﴾ فهن الجدوب المحول.
و"العِجاف" جمع"عَجِف" وهي المهازيل.
* *
وقوله: ﴿لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون﴾ ، يقول: كي أرجع إلى الناس فأخبرهم = ﴿لعلهم يعلمون﴾ يقول: ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا.
يوسف 12:47
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف لسائله عن رؤيا الملك: ﴿تزرعون سبع سنين دأبًا﴾ يقول: تزرعون هذه السبع السنين، كما كنتم تزرعون سائر السنين قبلها على عادتكم فيما مضى.
* *
و"الدأب"، العادة، [[انظر تفسير" الدأب" فيما سلف ٦: ٢٢٤، ٢٢٥ / ١٤: ١٩.]] ومن ذلك قول امرئ القيس:
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا ... وَجَارَتِها أُمِّ الرَّبَابِ بِمأْسَلِ [[مضى البيت وتخريجه فيما سلف ٦: ٢٢٥.]]
يعني كعادتك منها.
* *
وقوله: ﴿فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون﴾ ، وهذا مشورة أشار بها نبي الله ﷺ على القوم، ورأيٌ رآه لهم صلاحًا، يأمرهم باستبقاء طعامهم، كما:-
١٩٣٧٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: قال لهم نبيّ الله يوسف: ﴿تزرعون سبع سنين دأبًا﴾ الآية، فإنما أراد نبيُّ الله ﷺ البقاء.
يوسف 12:48
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول: ثم يجيء من بعد السنين السبع التي تزرعون فيها دأبًا، سنون سبع شداد، يقول: جدوب قحطة= ﴿يأكلن ما قدمتم لهن﴾ ، يقول: يؤكل فيهنّ ما قدمتم في إعداد ما أعددتم لهن في السنين السبعة الخصبة من الطعام والأقوات.
* *
وقال جل ثناؤه: ﴿يأكلن﴾ ، فوصف السنين بأنهن ﴿يأكلهن﴾ ، وإنما المعنى: أن أهل تلك الناحية يأكلون فيهن، كما قيل: [[هو عبد الله بن عبد الأعلى بن أبي عمرة.]]
نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ... وَلَيْلُكَ نَوْمٌ والرَّدَى لَكَ لازِمُ [[الأخبار الطوال: ٣٣٣، سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي: ٢٢٥، تاريخ ابن كثير ٩: ٢٠٦، وغيرها، يقول: أَيَقْظَانُ أَنْتَ اليَوْمَ أَمْ أَنْتَ حَالِمُ ... وكيف يطيق النَّوْمَ حَيْرَانُ هَائِمُ
فَلَوْ كُنْتَ يَقْظَانَ الغَدَاةَ لَحَرَّقَتْ ... مَحَاجِرَ عَيْنَيْكَ الدُّمُوعُ السَّوَاجِمُ
بَلَ أَصْبَحْتَ فِي النَّوْمِ الطَّوِيلِ وَقَدْ دَنَتْ ... إلَيْكَ أُمُورٌ مُفْظِعَاتٌ عَظَائمُ
نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ... ولَيْلُكَ نَوْمٌ، وَالرَّدَى لك لاَزِمُ
تُسَرُّ بِمَا يَبْلَى، وَتُشْغَلُ بِالمُنَى ... كَمَا سُرَّ بِالأَحْلامِ فِي النَّوْم نَائِمُ
وَسَعْيُكَ فِيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ... كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ البَهَائِمُ
فَلا أَنْتَ فِي النُّوَّامِ يَوْمًا بِسَالِمٍ ... وَلا أَنْتَ فِي الأيْقَاظِ يَقْظَانُ حَازِمُ
.]] فوصف النهار بالسهو والغفلة، والليل بالنوم، وإنما يسهى في هذا ويغفل فيه، وينام في هذا، لمعرفة المخاطبين بمعناه والمراد منه.
* *
= ﴿إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، يقول: إلا يسيرًا مما تحرزونه.
* *
والإحصان: التصيير في الحصن، وإنما المراد منه الإحراز.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٧١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ﴿يأكلن ما قدمتم لهن﴾ ، يقول: يأكلن ما كنتم اتخذتم فيهن من القوت = ﴿إلا قليلا مما تحصنون﴾ .
١٩٣٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد﴾ ، وهنّ الجدوب المحُول = ﴿يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون﴾ .
١٩٣٧٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد﴾ ، وهن الجدوب، ﴿يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، مما تدَّخرون.
١٩٣٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، يقول: تخزنون.
١٩٣٧٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن عباس: ﴿تحصنون﴾ ، تحرزون.
١٩٣٧٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، قال: مما تَرْفَعون.
* *
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال في قوله: ﴿تحصنون﴾ ، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيه، فإن معانيها متقاربة، وأصل الكلمة وتأويلها على ما بيَّنت.
يوسف 12:49
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من يوسف عليه السلام للقوم عما لم يكن في رؤيا ملكهم، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله دلالةً على نبوته وحجة على صدقة، كما:-
١٩٣٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: ثم زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها، فقال: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾ .
* *
ويعني بقوله: ﴿فيه يغاث الناس﴾ ، بالمطر والغيث.
* *
وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٧٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس﴾ ، قال: فيه يغاثون بالمطر.
١٩٣٧٩ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فيه يغاث الناس﴾ ، قال: بالمطر.
١٩٣٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن عباس: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك عام﴾ ، قال: أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه، وكان الله قد علمه إياه، ﴿عام فيه يغاث الناس﴾ ، بالمطر.
١٩٣٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فيه يغاث الناس﴾ ، بالمطر.
* *
وأما قوله: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معناه: وفيه يعصرون العنب والسمسم وما أشبه ذلك.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٨٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: الأعناب والدُّهْن.
١٩٣٨٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال،قال ابن عباس: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا.
١٩٣٨٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾ ، يقول: يصيبهم غيث، فيعصرون فيه العنب، ويعصرون فيه الزيت، ويعصرون من كل الثمرات.
١٩٣٨٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: يعصرون أعنابهم.
١٩٣٨٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: العنب.
١٩٣٨٧ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: الزيت.
١٩٣٨٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة: "وفيه يعصرون" قال: كانوا يعصرون الأعناب والثمرات.
١٩٣٨٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: يعصرون الأعناب والزيتون والثمار من الخصب. هذا علم آتاه الله يوسف لم يُسْأل عنه.
* *
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، وفيه يَحْلِبون.
ذكر من قال ذلك:
١٩٣٩٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني فضالة، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وفيه يعصرون﴾ ، قال: فيه يحلبون.
١٩٣٩١ - حدثني المثنى قال،أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثنا الفرج بن فضالة، عن علي بن أبي طلحة قال: كان ابن عباس يقرأ:"وَفِيهِ تَعْصرُونَ" بالتاء، يعني: تحتلبون.
* *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعض قرأة أهل المدينة والبصرة والكوفة: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ، بالياء، بمعنى ما وصفت، من قول من قال: عصر الأعناب والأدهان.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين:"وَفِيهِ تَعْصِرُونَ"، بالتاء.
وقرأ بعضهم:"وَفِيهِ يُعْصَرُونَ"، بمعنى: يمطرون.
وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، لخلافها ما عليه قرأة الأمصار.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك أن لقارئه الخيارَ في قراءته بأي القراءتين الأخريين شاء، إن شاء بالياء، ردًّا على الخبر به عن"الناس"، على معنى: فيه يُغاث الناس وفيه يَعْصرون أعنابهم وأدهانهم= وإن شاء بالتاء، ردًّا على قوله: ﴿إلا قليلا مما تحصنون﴾ ، وخطابًا به لمن خاطبه بقوله: ﴿يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون﴾ =لأنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار باتفاق المعنى، وإن اختلفت الألفاظ بهما. وذلك أن المخاطبين بذلك كان لا شك أنهم إذا أغيثوا وعَصَروا، أغيث الناس الذين كانوا بناحيتهم وعصروا. وكذلك كانوا إذا أغيث الناس بناحيتهم وعصروا، أغيث المخاطبون وعَصَروا، فهما متفقتا المعنى، وإن اختلفت الألفاظ بقراءة ذلك.
* *
وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مَذهب كلام العرب، [[يعني أبا عبيدة معمر بن المثنى، فهو قائل ذلك في كتابه مجاز القرآن ١: ٣١٣، ٣١٤.]] يوجه معنى قوله: ﴿وفيه يعصرون﴾ إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من"العَصَر" و"العُصْرَة" التي بمعنى المنجاة، [[في المطبوعة والمخطوطة (من العصر والعصر) التي بمعنى المناجاة، والصواب من مجاز القرآن لأبي عبيدة.]] من قول أبي زبيد الطائي:
صَادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ [[أمالي اليزيدي: ٨، وجمهرة أشعار العرب: ١٣٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١٣ واللسان (نجد) و (عصر) ، وغيرها، من قصيدة رثى بها أخاه اللجلاج، وكان مات عطشًا في طريق مكة. يقول قبله، وهو من جيد الشعر: كُلَّ مَيْتٍ قَدِ اغْتَفَرَتُ فَلاَ أَجْـ ... ـزَعُ مِنْ وَالِدٍ وَلاَ مَوْلُودِ
غَيْرَ أَنَّ اللّجْلاجَ هَدَّ جَنَاحِي ... يَوْمَ فَارَقْتُهُ بِأَعْلَى الصَّعِيدِ
فِي ضَرِيحٍ عَلَيْهِ عِبْءٌ ثَقِيلٌ ... مِنْ تُرَابٍ وَجَنْدَلٍ مَنْضودِ
عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ صَدٍ حَرَّ ... انَ يَدْعُو باللَّيْلِ غَيْرَ مَعُودِ
و" المنجود" المكروب، والمقهور، والهالك، كله جيد.]] أي المقهور. ومن قول لبيد:
فَبَاتَ وَأَسْرَى الْقَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ ... وَمَا كَانَ وقافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ [[ديوانه، القصيدة ١٤، بيت رقم: ١٢، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٥، ٣١٤، واللسان (عصر) ، وغيرها، من قصيدة ذكر فيها من هلك من قومه، وهذا البيت من ذكر قيس بن جزء ابن خالد بن جعفر، وكان خرج غازيًا فظفر، فلما رجع مات فجأه على ظهر فرسه، بات على فرسه ربيئة لأصحابه، وعليه الدرع، فهرأه البرد فقتله. ففي ذلك يقول لبيد: وقيسُ بن جَزْءٍ يَوْمَ نَادَى صِحَابَهُ ... فَعَاجُوا عَلَيْهِ مِنْ سَوَاهِمَ ضمَّرِ
طَوَتْهُ المَنَايَا فَوْقَ جَرْدَاءَ شَطْبَةٍ ... تَدِفُّ دَفِيفَ الطَّائحِ المُتَمَطِّرِ
فَبَات........................ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقول: نادى صحابه، فعطفوا عليه خيلا قد لوحها السفر وهزلها، وقد أخذته يد الموت وهو على ظهر فرسه الجرداء الطويلة،" تدف"، أي تطير طيرانًا كما يفعل الطائر وهو قريب من وجه الأرض، و" الرائح المتمطر"، وهو الطائر الذي يؤوب إلى فراخه، طائرًا في المطر، هاربًا منه، فذلك أسرع له.
يقول: فبات عليها هلكًا، وسار أصحابه، ولم يتأخر عنهم إلا لأمر أصابه. ورواية الديوان:" بدار معصر"، وذكر الرواية الأخرى.]]
وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين.
* *
وأما القول الذي رَوَى الفرج بن فضالة، عن علي بن أبي طلحة، [[انظر رقم: ١٩٣٩١.]] فقولٌ لا معنى له، لأنه خلاف المعروف من كلام العرب، وخلاف ما يعرف من قول ابن عباس.
يوسف 12:50
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رجع الرسول الذي أرسلوه إلى يوسف، الذي قال: ﴿أنا أنبئكم بتأويله فارسلون﴾ فأخبرهم بتأويل رؤيا الملك عن يوسف = علم الملك حقيقة ما أفتاه به من تأويل رؤياه وصحة ذلك، وقال الملك: ائتوني بالذي عبَر رؤياي هذه. كالذي:-
١٩٣٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فخرج نبو من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك حتى أتى الملك، فأخبره بما قال، فلما أخبره بما في نفسه كمثل النهار، [[في المطبوعة:" بمثل النهار"، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة، والصواب ما أثبت.]] وعرف أن الذي قال كائن كما قال، قال:"ائتوني به".
١٩٣٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: لما أتى الملك رسوله قال:"ائتوني به".
* *
وقوله: ﴿فلما جاءه الرسول﴾ ، يقول: فلما جاءه رسول الملك يدعوه إلى الملك = ﴿قال ارجع إلى ربك﴾ ، يقول: قال يوسف للرسول: ارجع إلى سيدك [[انظر تفسير" الرب" فيما سلف ص: ١٠٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ﴿فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ ؟ وأبى أن يخرج مع الرسول وإجابةَ الملك، حتى يعرف صحّة أمره عندهم مما كانوا قرفوه به من شأن النساء، [[في المطبوعة:" قذفوه"، وأثبت الصواب من المخطوطة." قرفه بالشيء"، اتهمه به.]] فقال للرسول: سل الملك ما شأن النسوة اللاتي قطعن أيديهن، والمرأة التي سجنت بسببها؟ كما:-
١٩٣٩٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ ، والمرأة التي سجنت بسبب أمرها، عما كان من ذلك.
١٩٣٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: لما أتى الملك رسوله فأخبره، قال: ﴿ائتوني به﴾ ، فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك، أبى يوسف الخروجَ معه = ﴿وقال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ الآية. قال السدي، قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلمَ الملك بشأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجَةٌ! يقول: هذا الذي راود امرأته.
١٩٣٩٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن رجل، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يرحم الله يوسف إن كان ذا أناة! لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إليَّ لخرجت سريعًا، إن كان لحليمًا ذا أناة! [[الأثر: ١٩٣٩٦ - هذا حديث ضعيف الإسناد، لإبهام الرجل الذي حدث عن أبي الزناد.]]
١٩٣٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبته، إذ جاءه الرسول فقال: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ الآية. [[الأثر: ١٩٣٩٧ - حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق، هذا، والذي يليه، ورقم: ١٩٤٠١، ١٩٤٠٢.
و" محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي"، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٢٨٢٢، وغيرها قبله وبعده.
ومن طريق محمد بن عمرو، ورواه أحمد في مسند أبي هريرة، ونقله بإسناده ولفظه ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٤٨، قال:" حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة". ولم أوفق لاستخراجه من المسند، لطول مسند أبي هريرة.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٤٠، وقال:" قلت: له حديث في الصحيح غير هذا - رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو، وهو حسن الحديث".]]
١٩٣٩٨- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال،أخبرني سليمان بن بلال، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثله. [[الأثر: ١٩٣٩٨ - مكرر الذي قبله.
" سليمان بن بلال التيمي"، ثقة روى له الجماعة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١١٥٠٣.]]
١٩٣٩٩- حدثنا زكريا بن أبان المصريّ قال، حدثنا سعيد بن تليد قال، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال، حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي. [[الأثر: ١٩٣٩٩ -: زكريا بن أبان المصري"، هو" زكريا بن يحيى بن أبان المصري"، شيخ الطبري، وسلف برقم: ٥٩٧٣، ١٢٨٠٣، وانظر ما كتبته عن الشك في أمره هناك. وكان في المطبوعة:" المقرئ"، فكان" المصري"، لم يحسن قراءة المخطوطة.
وهذا الخبر صحيح الإسناد، رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٧٧) ، عن سعيد بن تليد، بمثله مطولا، وانظر التعليق التالي.]]
١٩٤٠٠- حدثني يونس قال،أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثله [[الأثر: ١٩٤٠٠ - هذه طريق أخرى للأثر السالف.
ومن هذه الطريق رواه البخاري في صحيحه مطولا (الفتح ٦: ٢٩٣ - ٢٩٥) ، واستقصى الحافظ شرحه وتخريجه هناك.
ورواه مسلم في صحيحه مطولا ٢: ١٨٣ / ١٥: ١٢٢، ١٢٣.]] .
١٩٤٠١- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان بن مسلم قال، حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ، وقرأ هذه الآية: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم﴾ ، قال النبي ﷺ: لو كنت أنا، لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العُذر. [[الأثر: ١٩٤٠١ - من هذه الطريق رواه أحمد في مسنده، وانظر التعليق على رقم: ١٩٣٩٧.]]
١٩٤٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن ثابت، عن النبي ﷺ = ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: أنه قرأ: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ ، الآية، فقال النبي ﷺ: لو بعث إليَّ لأسرعت في الإجابة، وما ابتغيت العذر. [[الأثر: ١٩٠٤٢ - هو حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كما بينته في رقم: ١٩٣٩٧.]]
١٩٤٠٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ: لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم بشيء حتى أشترط أن يخرجُوني.
ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم البابَ، ولكنه أراد أن يكون له العذر. [[الأثر: ١٩٤٠٣ - هذا حديث مرسل.]]
١٩٤٠٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة﴾ ، أراد نبيُّ الله عليه السلام أن لا يخرج حتى يكون له العذر.
١٩٤٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ ، قال: أراد يوسف العذر قبل أن يخرج من السجن.
* *
وقوله: ﴿إن ربي بكيدهن عليم﴾ ، يقول: إن الله تعالى ذكره ذو علم بصنيعهن وأفعالهن التي فعلن، بي ويفعلن بغيري من الناس، لا يخفى عليه ذلك كله، وهو من ورَاء جزائهن على ذلك. [[انظر تفسير" الكيد" فيما سلف ص: ٨٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير" عليم" فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .]]
* *
وقيل: إن معنى ذلك: إن سيدي إطفير العزيز، زوج المرأة التي راودتني عن نفسي، ذو علم ببراءتي مما قرفتني به من السوء. [[في المطبوعة:" قذفتني به"، والصواب من المخطوطة: أي: اتهمتني به.]]
يوسف 12:51
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ﴾
قال أبو جعفر: وفي هذا الكلام متروك، قد استغني بدلالة ما ذكر عليه عنه، وهو:"فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز" فقال لهن: ﴿ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه﴾ ، كالذي:-
١٩٤٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: فلما جاء الرسول الملك من عند يوسف بما أرسله إليه، جمع النسوة وقال: ﴿ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه﴾ ؟
* *
ويعني بقوله: ﴿ما خطبكن﴾ ، ما كان أمركن، وما كان شأنكن= ﴿إذ راودتن يوسف عن نفسه﴾ [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = فأجبنه فقلن: ﴿حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق﴾ ، [[انظر تفسير" حاش الله" فيما سلف ص: ٨١ - ٨٤.]] تقول: الآن تبين الحق وانكشف فظهر، ﴿أنا راودته عن نفسه﴾ = وإن يوسف لمن الصادقين في قوله: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ .
* *
وبمثل ما قلنا في معنى: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٤٠٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، قال: تبيّن.
١٩٤٠٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، تبيّن.
١٩٤٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٤١٠- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٤١١- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٤١٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، الآن تبين الحق.
١٩٤١٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٩٤١٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال،أخبرنا عبد الرزاق قال،أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، قال: تبيّن.
١٩٤١٥- حدثنا الحسن بن محمد قال،حدثنا عمرو بن محمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿الآن حصحص الحق﴾ قال: تبين.
١٩٤١٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، مثله.
١٩٤١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال،أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.
١٩٤١٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قالت راعيل امرأة إطفير العزيز: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، أي: الآن برز الحق وتبيَّن = ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ ، فيما كان قال يوسف مما ادّعَت عليه.
١٩٤١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: قال الملك: ائتوني بهن! فقال: ﴿ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾ ، ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه، ودخل معها البيت وحلّ سراويله، ثم شدَّه بعد ذلك،، فلا تدري ما بدا له.
فقالت امرأة العزيز: ﴿الآن حصحص الحق﴾ .
١٩٤٢٠ - حدثني يونس قال،أخبرنا ابن وهب قال،قال ابن زيد، في قوله: ﴿الآن حصحص الحق﴾ ، تبين.
* *
وأصل حَصحص:"حصَّ"، ولكن قيل:"حصحص"، كما قيل: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ ، [سورة الشعراء: ٩٤] ، في"كبوا"، وقيل:"كفكف" في"كف"، و"ذرذر" في"ذرّ". [[في المخطوطة:" وردرد"، في: رد، وكأن الصواب ما في المطبوعة. و" الذرذرة"، تفريقك الشيء وتبديدك إياه. و" ذر الشيء"، بدده.]] وأصل"الحص": استئصال الشيء، يقال منه:"حَصَّ شعره"، إذا استأصله جزًّا. وإنما أريد في هذا الموضع بقوله: ﴿حصحص الحق﴾ ، [[في المطبوعة: أسقط قوله:" بقوله".]] ذهب الباطل والكذب فانقطع، وتبين الحق فظهر.
يوسف 12:52
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، هذا الفعل الذي فعلتُه، من ردّي رسول الملك إليه، وتركي إجابته والخروج إليه، ومسألتي إيّاه أن يسأل النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن عن شأنهن إذ قطعن أيديهن، إنما فعلته ليعلم أني لم أخنه في زوجته="بالغيب"، يقول: لم أركب منها فاحشةً في حال غيبته عني. [[انظر تفسير" الغيب" فيما سلف من فهارس اللغة (غيب) .]] وإذا لم يركب ذلك بمغيبه، فهو في حال مشهده إياه أحرى أن يكون بعيدًا من ركوبه، كما:-
١٩٤٢١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،يقول يوسف: ﴿ذلك ليعلم﴾ ، إطفير سيده = ﴿أني لم أخنه بالغيب﴾ ، أني لم أكن لأخالفه إلى أهله من حيث لا يعلمه.
١٩٤٢٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، يوسف يقوله.
١٩٤٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ يوسف يقوله: لم أخن سيِّدي.
١٩٤٢٤-....قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال يوسف يقوله.
١٩٤٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال: هذا قول يوسف.
١٩٤٢٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال هو يوسف، لم يخن العزيز في امرأته.
١٩٤٢٧- حدِثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:" ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب"، هو يوسف يقول: لم أخن الملك بالغيب.
* *
وقوله: ﴿وأنَّ الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ ، يقول: فعلت ذلك ليعلم سيدي أني لم أخنه بالغيب = ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ ، يقول: وأن الله لا يسدّد صنيع من خان الأمانات، ولا يرشد فعالهم في خيانتهموها. [[انظر تفسير" الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .
= وتفسير" الكيد" فيما سلف ص: ١٣٧، تعليق ١، والمراجع هناك.]]
* *
واتصل قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، بقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ ، لمعرفة السامعين لمعناه، كاتصال قول الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ، بقول المرأة: ﴿وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ ، [سورة النمل: ٣٤] وذلك أن قوله: ﴿وكذلك يفعلون﴾ ، خبر مبتدأ، وكذلك قول فرعون لأصحابه في"سورة الأعراف"، ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ، وهو متصل بقول الملأ ﴿يُريدُ أن يُخْرِجَكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١١٠] . [[انظر ما سلف ١٣: ٢٠.]]
يوسف 12:53
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول يوسف صلوات الله عليه: وما أبرئ نفسي من الخطأ والزلل فأزكيها= ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ ، يقول: إن النفوسَ نفوسَ العباد، تأمرهم بما تهواه، وإن كان هواها في غير ما فيه رضا الله= ﴿إلا ما رحم ربي﴾ يقول: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواها وطاعتها فيما تأمرُه به من السوء = ﴿إن ربي غفور رحيم﴾ .
* *
و"ما"في قوله: ﴿إلا ما رحم ربي﴾ ، في موضع نصب، وذلك أنه استثناء منقطع عما قبله، كقوله: ﴿ولا هُمْ يُنْقَذُونَ إلا رَحْمَةً مِنَّا﴾ [سورة يس: ٤٣، ٤٤] بمعنى: إلا أن يرحموا. و"أن"، إذا كانت في معنى المصدر، تضارع"ما".
* *
ويعني بقوله: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾ ، أن الله ذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، بتركه عقوبته عليها وفضيحته بها ="رحيم"، به بعد توبته، أن يعذبه عليها.
* *
وذُكر أن يوسف قال هذا القول، من أجل أن يوسف لما قال: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال ملك من الملائكة: ولا يومَ هممت بها! فقال يوسفُ حينئذ: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
* *
وقد قيل: إن القائل ليوسف:"ولا يومَ هممت بها، فحللت سراويلك"! هو امرأة العزيز، فأجابها يوسف بهذا الجواب.
* *
وقيل: إن يوسف قال ذلك ابتداءً من قبل نفسه.
* *
ذكر من قال ذلك:
١٩٤٢٨ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن حَاشَ لله، ما علمنا عليه من سوء! قالت امرأة العزيز: ﴿الآن حصحص الحق﴾ الآية. قال يوسف: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال فقال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت! فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
١٩٤٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة، قال لهن: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟ = ثم ذكر سائر الحديث، مثل حديث أبي كريب، عن وكيع.
١٩٤٣٠- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو قال،أخبرنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع فرعون النسوة، [[في المطبوعة:" لما جمع الملك"، وأثبت ما في المخطوطة.]] قال: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟ ثم ذكر نحوه= غير أنه قال: فغمزه جبريل، فقال: ولا حين هممت بها! فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
١٩٤٣١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير قال: لما قال يوسف: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ . قال جبريل، أو مَلَك: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
١٩٤٣٢- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، بنحوه= إلا أنه قال: قال له المَلَك: ولا حين هممت بها؟ ولم يقل:"أو جبريل"، ثم ذكر سائر الحديث مثله.
١٩٤٣٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، وأحمد بن بشير، عن مسعر، عن أبى حصين، عن سعيد بن جبير: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال فقال له الملك= أو: جبريل=: ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
١٩٤٣٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل قال: لما قال يوسف: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
١٩٤٣٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل، بمثله.
١٩٤٣٦- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عمرو قال،أخبرنا مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، مثل حديث ابن وكيع، عن محمد بن بشر وأحمد بن بشير سواءً.
١٩٤٣٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا العلاء بن عبد الجبار، وزيد بن حباب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال له جبريل: اذكر همَّك! فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
١٩٤٣٨ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عفان قال، حدثنا حماد، عن ثابت، عن الحسن: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ قال جبريل: يا يوسف اذكر همك! قال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
١٩٤٣٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال: هذا قول يوسف قال: فقال له جبريل: ولا حين حللت سراويلك؟ قال فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ ، الآية.
١٩٤٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال،أخبرنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، بنحوه.
١٩٤٤١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ذُكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف، قال له: اذكر ما هممت به. قال نبي الله: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
١٩٤٤٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أن الملك قال له حين قال ما قال: أتذكر همك؟ فقال: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ .
١٩٤٤٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال الملك، وطَعَن في جنبه: يا يوسف، ولا حين هممت؟ قال: فقال: ﴿وما أبرئ نفسي﴾ .
* *
ذكر من قال: قائل ذلك له المرأة.
١٩٤٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال: قاله يوسف حين جيء به، ليعلم العزيز أنه لم يخنه بالغيب في أهله، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. فقالت امرأة العزيز: يا يوسف، ولا يوم حللت سراويلك؟ فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ .
* *
ذكر من قال: قائل ذلك يوسف لنفسه، من غير تذكير مذكّر ذكره ولكنه تذكّر ما كان سلف منه في ذلك.
١٩٤٤٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ ، هو قول يوسف لمليكه، حين أراه الله عذره، فذكر أنه قد همَّ بها وهمت به، فقال يوسف: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ ، الآية.
يوسف 12:54
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:"وقال الملك"، يعني ملك مصر الأكبر، وهو فيما ذكر ابن إسحاق: الوليد بن الرّيان.
١٩٤٤٦ - حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عنه.
* *
= حين تبين عذر يوسف، وعرف أمانته وعلمه، قال لأصحابه: ﴿ائتوني به أستخلصه لنفسي﴾ ، يقول: أجعله من خُلصائي دون غيري.
* *
وقوله: ﴿فلما كلمه﴾ ، يقول: فلما كلم الملك يوسفَ، وعرف براءته وعِظَم أمانته قال له: إنك يا يوسف،"لدينا مكين أمين"، أي: متمكن مما أردت، وعرض لك من حاجة قبلنا، لرفعة مكانك ومنزلتك، لدينا = أمين على ما أؤتمنت عليه من شيء.
١٩٤٤٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: لما وجد الملك له عذرًا قال: ﴿ائتوني به أستخلصه لنفسي﴾ .
١٩٤٤٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أستخلصه لنفسي﴾ ، يقول: أتخذه لنفسي.
١٩٤٤٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل قال الملك: ﴿ائتوني به أستخلصه لنفسي﴾ قال: قال له الملك: إني أريد أن أخلصك لنفسي، غير أني آنَفُ أن تأكُل معي.
فقال يوسف: أنا أحق أن آنفَ، أنا ابن إسحاق= أو: أنا ابن إسماعيل= أبو جعفر شكَّ، وفي كتابي: ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.
١٩٤٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل بنحوه= غير أنه قال: أنا ابن إبراهيم خليل الله، ابن إسماعيل ذبيح الله.
١٩٤٥١- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: قال العزيز ليوسف: ما من شيء إلا وأنا أحبُّ أن تشركني فيه، إلا أني أحب أن لا تشركني في أهلي، وأن لا يأكل معي عَبْدي! قال: أتأنف أن آكل معك؟ فأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم خليل الله، وابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن.
١٩٤٥٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا سفيان بن عقبة، عن حمزة الزيات، عن ابن إسحاق، عن أبي ميسرة قال: لما رأى العزيز لَبَقَ يوسف وكيسه وظَرْفه، دعاه فكان يتغدى ويتعشى معه دون غلمانه. فلما كان بينه وبين المرأة ما كان، قالت له: تُدْنِي هذا! مُرْهُ فليتغدَّ مع الغلمان. قال له: اذهب فتغدَّ مع الغلمان. فقال له يوسف في وجهه: ترغب أن تأكل معي = أو تَنْكَف [[يقال:" نكف من الشيء" و" استنكف منه" بمعنى واحد.]] = أنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.
يوسف 12:55
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال يوسف للملك: اجعلني على خزائن أرضك.
* *
وهي جمع"خِزَانة".
* *
و"الألف واللام" دخلتا في"الأرض" خلفًا من الإضافة، كما قال الشاعر: [[هو النابغة الذبياني.]]
والأَحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ [[سلف البيت وتخريجه وشرحه ٥: ١٦٠ /١٣: ١٠٦، وهو: لَهُمْ شِيمَةٌ لَمْ يُعْطِهَا الدَّهُرْ غَيْرَهُم ... مِنَ النَّاسِ، والأَحْلامُ غيْرُ عَوَازِبِ]]
* *
وهذا من يوسف صلوات الله عليه، مسألة منه للملك أن يولّيه أمر طعام بلده وخراجها، والقيام بأسباب بلده، ففعل ذلك الملك به، فيما بلغني، كما:-
١٩٤٥٣ - حدثني يونس قال،أخبرنا ابن وهب قال،قال ابن زيد في قوله: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ ، قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام قال: فأسلم سلطانه كُلَّه إليه، وجعل القضاء إليه، أمرُه وقضاؤه نافذٌ.
١٩٤٥٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبي، في قوله: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ ، قال: على حفظ الطعام [[الأثر: ١٩٤٥٤ -" إبراهيم بن المختار التميمي"، ممن يتقى حديثه، وبخاصة من رواية محمد بن حميد عنه، مضى برقم: ٤٠٣٨، ١٤٣٦٥، ١٧٦٣١.
و"شيبة الضبي"، هو" شيبة بن نعامة الضبي"،" أبو نعامة"، ضعيف الحديث لا يحتج به، مترجم في الكبير ٢ / ٢ / ١٤٣، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٣٥، وميزان الاعتدال ١: ٤٥٢، ولسان الميزان ٣: ١٥٩.
وانظر الإسناد الآتي رقم: ١٩٤٥٧.]] .
* *
وقوله: ﴿إني حفيظ عليم﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله.
فقال بعضهم: معنى ذلك: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني.
ذكر من قال ذلك:
١٩٤٥٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إني حفيظ عليم﴾ ، إني حافظ لما استودعتني، عالم بما وليتني. قال: قد فعلت.
١٩٤٥٦ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إني حفيظ عليم﴾ ، يقول: حفيظ لما وليت، عليم بأمره.
١٩٤٥٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبي في قوله: ﴿إني حفيظ عليم﴾ يقول: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بسني المجاعة. [[الأثر: ١٩٤٥٧ - انظر بيانه في التعليق على رقم: ١٩٤٥٤.]]
* *
وقال آخرون: إني حافظ للحساب، عليم بالألسن.
ذكر من قال ذلك:
١٩٤٥٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن الأشجعي: ﴿إني حفيظ عليم﴾ ، حافظ للحساب، عليم بالألسن.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين عندنا بالصواب، قولُ من قال: معنى ذلك:" إني حافظ لما استودعتني، عالم بما أوليتني"، لأن ذلك عقيب قوله: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ ، ومسألته الملك استكفاءه خزائن الأرض، فكان إعلامه بأن عنده خبرةً في ذلك وكفايته إياه، أشبه من إعلامه حفظه الحساب، ومعرفته بالألسن. [[انظر تفسير" حفيظ" فيما سلف ١٥: ٤٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك
= وتفسير" عليم" في فهارس اللغة (علم) .]]
يوسف 12:56
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهكذا وطَّأنا ليوسف في الأرض [[انظر تفسير" التمكين" فيما سلف ص: ٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = يعني أرض مصر = ﴿يتبوأ منها حيث يشاء﴾ ، يقول: يتخذ من أرض مصر منزلا حيث يشاء، بعد الحبس والضيق [[انظر تفسير" تبوأ" فيما سلف ١٥: ١٩٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿نصيب برحمتنا من نشاء﴾ ، من خلقنا، كما أصبنا يوسف بها، فمكنا له في الأرض بعد العبودة والإسار، وبعد الإلقاء في الجبّ = ﴿ولا نضيع أجر المحسنين﴾ ، يقول: ولا نبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه، وعمل بما أمره، وانتهى عما نهاه عنه، كما لم نبطل جزاء عمل يوسف إذ أحسن فأطاع الله. [[انظر تفسير" الأجر" و" الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة (أجر) ، (حسن)]]
* *
وكان تمكين الله ليوسف في الأرض كما:-
١٩٤٥٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما قال يوسف للملك: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ قال الملك: قد فعلت! فولاه فيما يذكرون عمل إطفير وعزل إطفير عما كان عليه، يقول الله: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء﴾ ، الآية. قال: فذكر لي، والله أعلم أن إطفير هَلَك في تلك الليالي، وأن الملك الرَّيان بن الوليد، زوَّج يوسف امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيُّها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسنًا وجمالا ناعمةً في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي على ما رأيت. فيزعمون أنه وجدَها عذراء، فأصابها، فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف، وميشا بن يوسف.
١٩٤٦٠ - حدثني ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء﴾ قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحب أمرها، وكان يلي البيعَ والتجارة وأمرَها كله، فذلك قوله: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء﴾ .
١٩٤٦١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال،قال ابن زيد في قوله: ﴿يتبوأ منها حيث يشاء﴾ قال: ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا، يصنع فيها ما يشاء، فُوِّضَتْ إليه. قال: ولو شاء أن يجعَل فرعون من تحت يديه، ويجعله فوقه لفعل.
١٩٤٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو قال،أخبرنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن مجاهد قال: أسلم الملك الذي كان معه يوسف.
يوسف 12:57
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولثواب الله في الآخرة= ﴿خير للذين آمنوا﴾ يقول: للذين صدقوا الله ورسوله، مما أعطى يوسف في الدنيا من تمكينه له في أرض مصر = ﴿وكانوا يتقون﴾ ، يقول: وكانوا يتقون الله، فيخافون عقابه في خلاف أمره واستحلال محارمه، فيطيعونه في أمره ونهيه.
يوسف 12:58
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم﴾ ، يوسف، ﴿وهم﴾ ليوسف ﴿منكرون﴾ لا يعرفونه.
* *
وكان سبب مجيئهم يوسفَ، فيما ذكر لي، كما:-
١٩٤٦٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما اطمأن يوسف في ملكه، وخرج من البلاء الذي كان فيه، وخلت السنون المخصبة التي كان أمرهم بالإعداد فيها للسنين التي أخبرهم بها أنها كائنة، جُهد الناس في كل وجه، وضربوا إلى مصر يلتمسون بها الميرة من كل بلدة. وكان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الجهد، قد آسى بينهم، [[في المطبوعة:" أسا بينهم"، والصواب من المخطوطة. و" آسى بين القوم"، سوى بينهم، وجعل كل واحد أسوة لصاحبه، أي مثله.]] وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرًا واحدًا، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين، تقسيطًا بين الناس، وتوسيعًا عليهم، [[" التقسيط" التفريق، أعطى لكل امرئ قسطًا، وهو من العدل بينهم.]] فقدم إخوته فيمن قدم عليه من الناس، يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون، لما أراد الله أن يبلغ ليوسف عليه السلام فيما أراد. [[في المطبوعة:" ما أراد"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]]
١٩٤٦٤- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: أصاب الناس الجوعُ، حتى أصاب بلادَ يعقوب التي هو بها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك أخا يوسف بنيامين ؛ فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون ؛ فلما نظر إليهم، قال: أخبروني ما أمركم، فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم. قال: فما جاء بكم قالوا: جئنا نمتار طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: عشرة. قال: أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف، فأخبروني خبركم. قالوا: إنّا إخوة بنو رجل صِدِّيق، وإنا كنا اثنى عشر، وكان أبونا يحبّ أخًا لنا، وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: فكيف تخبروني أن أباكم صدِّيق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير؟ ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه ﴿فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون﴾ ، قال: فضعُوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا. فوضعوا شمعون.
١٩٤٦٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وهم له منكرون﴾ قال: لا يعرفونه.
يوسف 12:59
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزلِينَ (٥٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول: ولما حمَّل يوسف لإخوته أبا عرهم من الطعام، فأوقر لكل رجل منهم بعيرَه، قال لهم: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ كيما أحمل لكم بعيرًا آخر، فتزدادوا به حمل بعير آخر، ﴿ألا ترون أني أوفي الكيل﴾ ، [[انظر تفسير" الإيفاء" فيما سلف ١٥: ٤٩٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير" الكيل" فيما سلف ١٥: ٤٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فلا أبخسه أحدًا= ﴿وأنا خير المنزلين﴾ ، وأنا خير من أنزل ضيفًا على نفسه من الناس بهذه البلدة، فأنا أضيفكم. كما:
١٩٤٦٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأنا خير المنزلين﴾ ، يوسف يقوله: [[في المطبوعة:" يوسف يقول"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.]] أنا خيرُ من يُضيف بمصر.
١٩٤٦٧- حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما جهز يوسف فيمن جهَّز من الناس، حَمَل لكل رجل منهم بعيرًا بعدّتهم، ثم قال لهم: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ ، أجعل لكم بعيرًا آخر، أو كما قال= ﴿ألا ترون أني أوفي الكيل﴾ ، أي: لا أبخس الناس شيئًا= ﴿وأنا خير المنزلين﴾ :، أي خير لكم من غيري، فإنكم إن أتيتم به أكرمت منزلتكم وأحسنت إليكم، وازددتم به بعيرًا مع عدّتكم، فإني لا أعطي كلّ رجل منكم إلا بعيرًا ﴿فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون﴾ ، لا تقربوا بلدي.
١٩٤٦٨- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ ، يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه.
يوسف 12:60
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل يوسف لإخوته: ﴿فإن لم تأتوني به﴾ ، بأخيكم من أبيكم= ﴿فلا كيل لكم عندي﴾ ، يقول: فليس لكم عندي طعام أكيله لكم= ﴿ولا تقربون﴾ ، يقول: ولا تقربوا بلادي.
وقوله: ﴿ولا تقربون﴾ ، في موضع جزم بالنهي، و"النون" في موضع نصب، وكسرت لما حذفت ياؤها، والكلام: ولا تقربُوني.
يوسف 12:61
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف ليوسف إذ قال لهم: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ : ﴿قالوا سنراود عنه أباه﴾ ، ونسأله أن يخليّه معنا حتى نجيء به إليك [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ١٣٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وإنا لفاعلون﴾ يعنون بذلك: وإنا لفاعلون ما قلنا لك إنا نفعله من مراودة أبينا عن أخينا منه ولنجتهدنَّ كما:-
١٩٤٦٩- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وإنا لفاعلون﴾ ، لنجتهدنّ.
* *
وقوله: ﴿وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ ، يقول تعالى ذكره: وقال يوسف="لفتيانه"، وهم غلمانه، [[انظر تفسير" الفتى" فيما سلف ص: ٩٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما:-
١٩٤٧٠- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وقال لفتيانه﴾ ، أي: لغلمانه.
* *
﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ ، يقول: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذتموها منهم [[انظر تفسير" البضاعة" فيما سلف ص ٤ - ٧]] ="في رحالهم".
= و"الرحال"، جمع"رَحْل"، وذلك جمع الكثير، فأما القليل من الجمع منه فهو:"أرْحُل"، وذلك جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة.
* *
وبنحو الذي قلنا في معنى"البضاعة"، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٤٧١- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد، قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ : أي: أوراقهم [[" الأوراق" جمع" ورق" (بفتح فكسر) ، و" ورق" (بفتحتين) ، وهو الفضة، أو المال كله ما كان.]]
١٩٤٧٢- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم أمر ببضاعتهم التي أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام، فجعلت في رحالهم وهم لا يعلمون.
١٩٤٧٣- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: وقال لفتيته وهو يكيل لهم:"اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون" إليّ.
* *
فإن قال قائل: ولأيّةِ علة أمر يوسف فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم؟
قيل: يحتمل ذلك أوجهًا:
أحدها: أن يكون خَشي أن لا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت السَّنة سنة جَدْب وقَحْط، فيُضِرُّ أخذ ذلك منهم به، وأحبّ أن يرجع إليه.
= أو: أرادَ أن يتسع بها أبوه وإخوته، مع [قلّة] حاجتهم إليه، [[في المخطوطة:" وأراد"، والصواب" أو" كما في المطبوعة. والذي بين القوسين ليس في المخطوطة أيضًا، فزدته استظهارًا، لحاجة المعنى إليه.]] فردَّه عليهم من حيث لا يعلمون سبب ردّه، تكرمًا وتفضُّلا.
والثالث: وهو أن يكون أراد بذلك أن لا يخلفوه الوعد في الرجوع، إذا وجدوا في رحالهم ثمن طعام قد قبضوه وملَكهُ عليهم غيرهم، عوضًا من طعامه، [[في المطبوعة:" عوضًا من طعامهم"، وإنما فعل ذلك لأن معنى الكلام خفي عليه.
وهو كلام بلا شك خفي المعنى، ومعناه: أن هذا الثمن قد ملكه غيرهم، وغلبهم على ملكه من أعطاهم هذا الطعام عوضًا عن الثمن.]] ويتحرّجوا من إمساكهم ثمن طعام قد قبضوه حتى يؤدُّوه على صاحبه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى العود إليه.
يوسف 12:62
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف ليوسف إذ قال لهم: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ : ﴿قالوا سنراود عنه أباه﴾ ، ونسأله أن يخليّه معنا حتى نجيء به إليك [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ١٣٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وإنا لفاعلون﴾ يعنون بذلك: وإنا لفاعلون ما قلنا لك إنا نفعله من مراودة أبينا عن أخينا منه ولنجتهدنَّ كما:-
١٩٤٦٩- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وإنا لفاعلون﴾ ، لنجتهدنّ.
* *
وقوله: ﴿وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ ، يقول تعالى ذكره: وقال يوسف="لفتيانه"، وهم غلمانه، [[انظر تفسير" الفتى" فيما سلف ص: ٩٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما:-
١٩٤٧٠- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وقال لفتيانه﴾ ، أي: لغلمانه.
* *
﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ ، يقول: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذتموها منهم [[انظر تفسير" البضاعة" فيما سلف ص ٤ - ٧]] ="في رحالهم".
= و"الرحال"، جمع"رَحْل"، وذلك جمع الكثير، فأما القليل من الجمع منه فهو:"أرْحُل"، وذلك جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة.
* *
وبنحو الذي قلنا في معنى"البضاعة"، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٤٧١- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد، قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ : أي: أوراقهم [[" الأوراق" جمع" ورق" (بفتح فكسر) ، و" ورق" (بفتحتين) ، وهو الفضة، أو المال كله ما كان.]]
١٩٤٧٢- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم أمر ببضاعتهم التي أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام، فجعلت في رحالهم وهم لا يعلمون.
١٩٤٧٣- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: وقال لفتيته وهو يكيل لهم:"اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون" إليّ.
* *
فإن قال قائل: ولأيّةِ علة أمر يوسف فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم؟
قيل: يحتمل ذلك أوجهًا:
أحدها: أن يكون خَشي أن لا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت السَّنة سنة جَدْب وقَحْط، فيُضِرُّ أخذ ذلك منهم به، وأحبّ أن يرجع إليه.
= أو: أرادَ أن يتسع بها أبوه وإخوته، مع [قلّة] حاجتهم إليه، [[في المخطوطة:" وأراد"، والصواب" أو" كما في المطبوعة. والذي بين القوسين ليس في المخطوطة أيضًا، فزدته استظهارًا، لحاجة المعنى إليه.]] فردَّه عليهم من حيث لا يعلمون سبب ردّه، تكرمًا وتفضُّلا.
والثالث: وهو أن يكون أراد بذلك أن لا يخلفوه الوعد في الرجوع، إذا وجدوا في رحالهم ثمن طعام قد قبضوه وملَكهُ عليهم غيرهم، عوضًا من طعامه، [[في المطبوعة:" عوضًا من طعامهم"، وإنما فعل ذلك لأن معنى الكلام خفي عليه.
وهو كلام بلا شك خفي المعنى، ومعناه: أن هذا الثمن قد ملكه غيرهم، وغلبهم على ملكه من أعطاهم هذا الطعام عوضًا عن الثمن.]] ويتحرّجوا من إمساكهم ثمن طعام قد قبضوه حتى يؤدُّوه على صاحبه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى العود إليه.
يوسف 12:63
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم= ﴿قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل﴾ ، يقول: منع منا الكيل فوق الكيل الذي كِيلَ لنا، ولم يكل لكل رجُلٍ منّا إلا كيل بعير- ﴿فأرسل معنا أخانا﴾ ، بنيامين يكتلَ لنفسه كيلَ بعير آخر زيادة على كيل أباعِرِنا= ﴿وإنا له لحافظون﴾ ، من أن يناله مكروه في سفره.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٤٧٤- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا إن ملك مصر أكرمنا كرامةَ ما لو كان رجل من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، وإنه ارتهن شمعون، وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عكف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك، فإن لم تأتوني به فلا تقربوا بلادي. قال يعقوب: ﴿هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين﴾ ؟ قال: فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فاقرءوه مني السلام، وقولوا: إن أبانا يصلِّي عليك، ويدعو لك بما أوليتنا.
١٩٤٧٥-حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: خرجوا حتى قدموا على أبيهم، وكان منزلهم، فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالعرَبات من أرض فلسطين بِغَوْرِ الشأم= وبعض يقول: بالأولاج من ناحية الشّعب، أسفل من حِسْمى [[في المخطوطة:" من حسو"، والصواب ما في المطبوعة.]] = وكان صاحب بادية له شاءٌ وإبل، فقالوا: يا أبانا، قدمنا على خير رجُلٍ، أنزلنا فأكرم منزلنا، وكال لنا فأوفانا ولم يبخسنا، وقد أمرنا أن نأتِيَه بأخ لنا من أبينا، وقال: إن أنتم لم تفعلوا، فلا تقربُنِّي ولا تدخلُنّ بلدي. فقال لهم يعقوب: ﴿هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين﴾ ؟
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿نكتل﴾ .
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة، وبعض أهل مكة والكوفة ﴿نَكْتَلْ﴾ ، بالنون، بمعنى: نكتل نحن وهو.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة:"يَكْتَلْ"، بالياء؛ بمعنى يكتل هو لنفسه، كما نكتال لأنفسنا.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ. وذلك أنهم إنما أخبروا أباهم أنه منع منهم زيادةَ الكيل على عدد رءوسهم، فقالوا: ﴿يا أبانا مُنع منا الكيل﴾ = ثم سألوه أن يرسل معهم أخاهم ليكتال لنفسه، فهو إذا اكتال لنفسه واكتالوا هم لأنفسهم، فقد دخل"الأخ" في عددهم. فسواءٌ كان الخبر بذلك عن خاصة نفسه، أو عن جميعهم بلفظ الجميع، إذ كان مفهوما معنى الكلام وما أريد به.
يوسف 12:64
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال أبوهم يعقوب: هل آمنكم على أخيكم من أبيكم الذي تسألوني أن أرسله معكم إلا كما أمنتكم على أخيه يوسف من قبل؟ يقول: من قَبْلِه.
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿فالله خير حافظا﴾ .
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حفِظًا﴾ ، بمعنى: والله خيركم حفظًا.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين وبعض أهل مكة: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ بالألف على توجيه"الحافظ" إلى أنه تفسير للخير، كما يقال:"هو خير رجلا"، والمعنى: فالله خيركم حافظًا، ثم حذفت"الكاف والميم".
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما أهل علمٍ بالقرآن، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وذلك أن من وصف الله بأنه خيرهم حفظًا فقد وصفه بأنه خيرهم حافظًا، ومن وصفه بأنه خيرهم حافظًا، فقد وصفه بأنه خيرهم حفظًا
* *
= ﴿وهو أرحم الراحمين﴾ ، يقول: والله أرحم راحمٍ بخلقه، يرحم ضعفي على كبر سنِّي، ووحدتي بفقد ولدي، فلا يضيعه، ولكنه يحفظه حتى يردَّه عليَّ لرحمته.
يوسف 12:65
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنزدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما فتح إخوة يوسف متاعَهم الذي حملوه من مصر من عند يوسف= ﴿وجدوا بضاعتهم﴾ ، وذلك ثمن الطعام الذي اكتالوه منه= رُدّت إليهم، ﴿قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ يعني أنهم قالوا لأبيهم: ماذا نبغي؟ هذه بضاعتنا ردت إلينا! تطييبًا منهم لنفسه بما صُنع بهم في ردِّ بضاعتهم إليهم. [[في المطبوعة:" ردت إليه"، والجيد ما أثبت.]]
* *
وإذا وُجِّه الكلام إلى هذا المعنى، كانت" ما" استفهامًا في موضع نصب بقوله: ﴿نبغي﴾ .
* *
وإلى هذا التأويل كان يوجِّهه قتادة.
١٩٤٧٦-حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ما نبغي﴾ يقول: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل.
* *
وقوله: ﴿ونمير أهلنا﴾ ، يقول: ونطلب لأهلنا طعامًا فنشتريه لهم.
* *
يقال منه:"مارَ فلانٌ أهلهَ يميرهم مَيْرًا"، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله، ولم أجد البيت في مكان، وإن كنت أخالني أعرفه.]]
بَعَثْتُكَ مَائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلا ... مَتَى يَأْتِي غِيَاثُكَ مَنْ تُغِيثُ
* *
﴿ونحفظ أخانا﴾ ، الذي ترسله معنا ﴿ونزداد كيل بعير﴾ ، يقول: ونزداد على أحمالنا [من] الطعام حمل بعير [[الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.]] يكال لنا ما حمل بعير آخر من إبلنا= ﴿ذلك كيل يسير﴾ ، يقول: هذا حمل يسير. كما:-
١٩٤٧٧-حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج: ﴿ونزداد كيل بعير﴾ قال: كان لكل رجل منهم حمل بعير، فقالوا: أرسل معنا أخانا نزداد حمل بعير= وقال ابن جريج: قال مجاهد: ﴿كيل بعير﴾ حمل حمار. قال: وهي لغة= قال القاسم: يعني مجاهد: أن"الحمار" يقال له في بعض اللغات:"بعير".
١٩٤٧٨- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ونزداد كيل بعير﴾ ، يقول: حمل بعير.
١٩٤٧٩- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ونزداد كيل بعير﴾ نَعُدّ به بعيرًا مع إبلنا= ﴿ذلك كيل يسير﴾ .
يوسف 12:66
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه: لن أرسل أخاكم معكم إلى ملك مصر= ﴿حتى تؤتون موثقًا من الله﴾ ، يقول: حتى تعطون موثقًا من الله= بمعنى"الميثاق"، وهو ما يوثق به من يمينٍ وعهد [[انظر تفسير" الميثاق" فيما سلف ١٤: ٨٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ﴿لتأتنني به﴾ يقول لتأتنني بأخيكم= ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ ، يقول: إلا أن يُحيط بجميعكم ما لا تقدرون معه على أن تأتوني به. [[انظر تفسير" الإحاطة" فيما سلف ١٥: ٤٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٤٨٠- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فلما آتوه موثقهم﴾ ، قال: عهدهم.
١٩٤٨١- حدثني المثنى قال: أخبرنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٩٤٨٢- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ :، إلا أن تهلكوا جميعًا.
١٩٤٨٣- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد=
١٩٤٨٤- قال، وحدثنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٤٨٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ ، قال: إلا أن تغلَبوا حتى لا تطيقوا ذلك.
١٩٤٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قوله: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ :، إلا أن يصيبكم أمرٌ يذهب بكم جميعًا، فيكون ذلك عذرًا لكم عندي.
* *
وقوله: ﴿فلما آتوه موثقهم﴾ ، يقول: فلما أعطوه عهودهم="قال"، يعقوب: ﴿الله على ما نقول﴾ ، أنا وأنتم= ﴿وكيل﴾ ، يقول: هو شهيد علينا بالوفاء بما نقول جميعًا. [[انظر تفسير" الوكيل" فيما سلف ١٥: ٢٢٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
يوسف 12:67
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه لما أرادُوا الخروج من عنده إلى مصر ليمتاروا الطعام: يا بني لا تدخلوا مصر من طريق واحد، وادخلوا من أبواب متفرقة.
* *
وذكر أنه قال ذلك لهم، لأنهم كانوا رجالا لهم جمال وهيأة، [[في المطبوعة:" وهيبة"، لأنها في المخطوطة:" وهمة"، غير منقوطة، وستأتي كذلك بعد، وسأصححها دون أن أشير هذا التصحيح في سائر المواضع.]] فخاف عليهم العينَ إذا دخلوا جماعة من طريق واحدٍ، وهم ولد رجل واحد، فأمرهم أن يفترقوا في الدخول إليها. كما:-
١٩٤٨٧- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا يزيد الواسطي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿لا تدخلوا من بابٍ واحد وادخلوا من أبواب متفرقة﴾ ، قال: خاف عليهم العينَ.
١٩٤٨٨- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد﴾ خشي نبيُّ الله ﷺ العينَ على بنيه، كانوا ذوي صُورة وجَمال.
١٩٤٨٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وادخلوا من أبواب متفرقة﴾ ، قال: كانوا قد أوتوا صورةً وجمالا فخشي عليهم أنفُسَ الناس.
١٩٤٩٠- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة﴾ ، قال: رهب يعقوب عليه السلام عليهم العينَ.
١٩٤٩١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان، قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لا تدخلوا من باب واحد﴾ ، خشي يعقوب على ولده العينَ.
١٩٤٩٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب: ﴿لا تدخلوا من باب واحد﴾ ، قال: خشي عليهم العين.
١٩٤٩٣- ... قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: خاف يعقوب ﷺ على بنيه العين، فقال: ﴿يا بني لا تدخلوا من باب واحد﴾ . فيقال: هؤلاء لرجل واحدٍ! ولكن ادخلوا من أبواب متفرقة.
١٩٤٩٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما أجمعوا الخروجَ= يعني ولد يعقوب= قال يعقوب: ﴿يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة﴾ ، خشي عليهم أعين الناس، لهيأتهم، وأنهم لرجل واحدٍ.
* *
وقوله: ﴿وما أغني عنكم من الله من شيء﴾ ، يقول: وما أقدر أن أدفع عنكم من قضاء الله الذي قد قضاه عليكم من شيء صغير ولا كبير، لأن قضاءه نافذ في خلقه [[انظر تفسير" أغنى" فيما سلف ١٥: ٤٧٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿إن الحكم إلا لله﴾ ، يقول: ما القضاء والحكم إلا لله دون ما سواه من الأشياء، فإنه يحكم في خلقه بما يشاء، فينفذ فيهم حكمه، ويقضي فيهم، ولا يُرَدّ قضاؤه= ﴿عليه توكلت﴾ ، يقول: على الله توكلت فوثقت به فيكم وفي حفظكم عليّ، حتى يردكم إليّ وأنتم سالمون معافون، لا على دخولكم مصر إذا دخلتموها من أبواب متفرقة= ﴿وعليه فليتوكل المتوكلون﴾ ، يقول: وإلى الله فليفوِّض أمورَهم المفوِّضون. [[انظر تفسير" التوكل" فيما سلف ١٥: ٥٤٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
يوسف 12:68
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما دخل ولد يعقوب ﴿من حيث أمرهم أبوهم، وذلك دخولهم مصر من أبواب متفرقة= (ما كان يغني﴾ ، دخولهم إياها كذلك= ﴿عنهم﴾ من قضاء الله الذي قضاه فيهم فحتمه، ﴿من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ ، إلا أنهم قضوا وطرًا ليعقوب بدخولهم لا من طريق واحد خوفًا من العين عليهم، فاطمأنت نفسه أن يكونوا أوتوا من قبل ذلك أو نالهم من أجله مكروه. كما:-
١٩٤٩٥- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ ، خيفة العين على بنيه.
١٩٤٩٦- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٤٩٧- ... قال: أخبرنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٤٩٨- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ ، قال: خشية العين عليهم.
١٩٤٩٩- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قوله: ﴿إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ ، قال: ما تخوَّف على بنيه من أعين الناس لهيأتهم وعِدّتهم.
* *
وقوله: ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ ، يقولُ تعالى ذكره: وإن يعقوب لذو علم لتعليمنا إياه.
* *
وقيل: معناه وإنه لذو حفظٍ لما استودعنا صدره من العلم.
* *
واختلف عن قتادة في ذلك:
١٩٥٠٠- فحدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ : أي: مما علمناه.
١٩٥٠١- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن أبي عروبة عن قتادة: ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ ، قال: إنه لعامل بما عَلم.
١٩٥٠٢- ... قال: المثنى قال إسحاق قال عبد الله قال سفيان: ﴿إنه لذو علم﴾ ، مما علمناه. وقال: من لا يعمل لا يكون عالمًا.
* *
= ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ، يقول جل ثناؤه: ولكن كثيرًا من الناس غير يعقوب، لا يعلمون ما يعلمه، لأنَّا حَرَمناه ذلك فلم يعلمه.
يوسف 12:69
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما دخل ولد يعقوب على يوسف= ﴿آوى إليه أخاه﴾ ، يقول: ضم إليه أخاه لأبيه وأمه. [[انظر تفسير" الإيواء" فيما سلف ١٥: ٤٢٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
وكان إيواؤه إياه، [[كان الكلام في المطبوعة هكذا:" وكل أخوه لأبيه"، فلم يحسن قراءة المخطوطة، فجاء بكلام لا معنى له، وكان فيها:" وكل إيواوه إياه" غير منقوطة، وهذا صواب قراءته.]] كما:-
١٩٥٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه﴾ ، قال: عرف أخاه، فأنزلهم منزلا وأجرى عليهم الطعام والشراب. فلما كان الليلُ جاءهم بِمُثُل، فقال: لينم كل أخوين منكم على مِثَال. [[" المثال" (بكسر الميم) ، وجمعه" مثل" (بضمتين) ، وهو الفراش، وفي الحديث أنه دخل على سعد بن أبي وقاص، وفي البيت متاع رث ومثال رث أي: فراش خلق بال. ويقال: هو النمط الذي يفترش من مفارش الصوف الملونة.]] فلما بقي الغلام وحده، قال يوسف: هذا ينام معي على فراشي. فبات معه، فجعل يوسف يشمُّ ريحه، ويضمه إليه حتى أصبح، وجعل روبيل يقول: ما رأيْنا مثل هذا! أريحُونا منه!
١٩٥٠٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما دخلوا= يعني ولد يعقوب= على يوسف، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتَنا أن نأتيك به، قد جئناك به. فذكر لي أنه قال لهم: قد أحسنتم وأصبتم، وستجدون ذلك عندي= أو كما قال. ثم قال: إني أراكم رجالا وقد أردت أن أكرمكم. ودعا [صاحب] ضيافته. [[في المطبوعة" ودعا ضافته"، ولا أجد لها وجهًا. وفي المخطوطة كما أثبتها، ولكنه لا يستقيم إلا بالذي زدته بين القوسين.]] فقال: أنزل كل رجلين على حدة، ثم أكرمهما، وأحسن ضيافتهما. ثم قال: إني أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثانٍ، فسأضمه إليّ، فيكون منزله معي. فأنزلهم رجلين رجلين في منازل شتَّى، وأنزل أخاه معه، فآواه إليه. فلما خلا به قال إني أنا أخوك، أنا يوسف، فلا تبتئس بشيء فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا، ولا تعلمهم شيئًا مما أعلمتك. يقول الله: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون﴾ .
١٩٥٠٥- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى الله أخاه﴾ ، ضمه إليه، وأنزله، وهو بنيامين.
١٩٥٠٦- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول= وسئل عن قول يوسف: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى الله أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون﴾ =: كيف أصابه حين أخذ بالصُّواع، وقد كان أخبره [أنه] أخوه، [[في المطبوعة والمخطوطة:" كيف أجابه حين أخذ بالصواع، وقد كان أخبره أخوه"، ولعل الصواب ما أثبت، مع هذه الزيادة بين القوسين.]] وأنتم تزعمون أنه لم يزل متنكرًا لهم يكايدهم حتى رجعوا؟ فقال: إنه لم يعترف له بالنسبة، ولكنه قال: ﴿أنا أخوك﴾ مكانَ أخيك الهالك= ﴿فلا تبتئس بما كانوا يعملون﴾ ، يقول: لا يحزنك مكانهُ.
* *
وقوله: ﴿فلا تبتئس﴾ ، يقول: فلا تستكِنْ ولا تحزن.
* *
وهو:"فلا تفتعل"من"البؤس"، يقال منه:"ابتأس يبتئس ابتئاسًا". [[انظر تفسير" ابتأس" فيما سلف ١٥: ٣٠٦، ٣٠٧.]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٥٠٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلا تبتئس﴾ ، يقول: فلا تحزن ولا تيأس.
١٩٥٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال: سمعت وهب بن منبه يقول: ﴿فلا تبتئس﴾ ، يقول: لا يحزنك مكانه.
١٩٥٠٩- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿فلا تبتئس بما كانوا يعملون﴾ ، يقول: لا تحزن على ما كانوا يعملون.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: فلا تحزن ولا تستكن لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك، وفي أخيك من أمك، وما كانوا يفعلون قبلَ اليوم بك.
يوسف 12:70
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول: ولما حمّل يوسف إبل إخوته ما حمّلها من الميرة وقضى حاجتهم، [[انظر تفسير" التجهيز" و" الجهاز" فيما سلف ص: ١٥٤.]] كما:-
١٩٥١٠- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فلما جهزهم بجهازهم﴾ ، يقول: لما قضى لهم حاجتهم ووفّاهم كيلهم.
* *
وقوله: ﴿جعل السقاية في رحل أخيه﴾ ، يقول: جعل الإناء الذي يكيلُ به الطعام في رَحْل أخيه.
* *
و"السقاية": هي المشربة، وهي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك ويكيلُ به الطعام.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٥١١- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال: حدثنا عبد الواحد، عن يونس، عن الحسن: أنه كان يقول:"الصواع" و"السقاية"، سواء، هو الإناء الذي يشرب فيه.
١٩٥١٢- ... قال: حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"السقاية" و"الصواع"، شيء واحد،، كان يشرب فيه يوسف.
١٩٥١٣- ... قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال"السقاية": "الصواع"، الذي يشرب فيه يوسف.
١٩٥١٤- حدثنا محمد بن الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿جعل السقاية﴾ ، قال: مشربة الملك.
١٩٥١٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿السقاية في رحل أخيه﴾ ، وهو إناء الملك الذي كان يشرب فيه.
١٩٥١٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير﴾ وهي"السقاية" التي كان يشرب فيها الملك= يعني مَكُّوكه.
١٩٥١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿جعل السقاية﴾ وقوله: ﴿صواع الملك﴾ ، قال: هما شيء واحد،"السقاية" و"الصواع" شيء واحد، يشرب فيه يوسف.
١٩٥١٨- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان، قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿جعل السقاية في رحل أخيه﴾ ، هو الإناء الذي كان يشرب فيه الملك.
١٩٥١٩- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿جعل السقاية في رحل أخيه﴾ ، قال:"السقاية" هو"الصواع"، وكان كأسًا من ذهب، فيما يذكرون.
* *
قوله: ﴿في رحل أخيه﴾ ، فإنه يعني: في متاع أخيه ابن أمه وأبيه [[انظر تفسير" الرحل" فيما سلف ص: ١٥٧.]] وهو بنيامين.
وكذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٥٢٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿في رحل أخيه﴾ أي: في متاع أخيه.
* *
وقوله: ﴿ثم أذّن مؤذن﴾ ، يقول: ثم نادى منادٍ. [[انظر تفسير" أذن" فيما سلف من فهارس اللغة (أذن) .]]
* *
وقيل: أعلم معلم.
* *
= ﴿أيتها العير﴾ ، وهي القافلة فيها الأحمال= ﴿إنكم لسارقون﴾ .
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٥٢١- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه﴾ ، والأخ لا يشعر. فلما ارتحلوا أذّن مؤذن قبل أن ترتحل العير: ﴿إنكم لسارقون﴾ .
١٩٥٢٢- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، ثم جهزهم بجهازهم، وأكرمهم وأعطاهم وأوفاهم، وحمَّل لهم بعيرًا بعيرًا، وحمل لأخيه بعيرًا باسمه كما حمل لهم. ثم أمر بسقاية الملك= وهو"الصواع"، وزعموا أنها كانت من فضة= فجعلت في رحل أخيه بنيامين. ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا وأمعنوا من القرية، أمر بهم فأدركوا، فاحتبسوا، ثم نادى مناد: ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾ ، قفوا. وانتهى إليهم رسوله فقال لهم فيما يذكرون: ألم نكرم ضيافتكم، ونوفِّكم كيلكم، ونحسن منزلتكم، ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم، وأدخلناكم علينا في بيوتنا ومنازلنا؟ = أو كما قال لهم قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال: سقاية الملك فقدناها، ولا نتَّهم عليها غيركم. ﴿قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين﴾ .
* *
وقوله: ﴿أيتها العير﴾ ، قد بينا فيما مضى معنى"العير"، وهو جمع لا واحد له من لفظه. [[انظر ما سلف ص: ١٧٣.]]
* *
وحكي عن مجاهد أن عير بني يعقوب كانت حميرًا.
١٩٥٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن جريح، عن مجاهد: ﴿أيتها العير﴾ ، قال: كانت حميرًا.
١٩٥٢٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان قال: حدثني رجل، عن مجاهد، في قوله: ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾ ، قال: كانت العير حميرًا
يوسف 12:71
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال بنو يعقوب لما نودوا: ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾ ، وأقبلوا على المنادي ومن بحضرتهم يقولون لهم: ﴿ماذا تفقدون﴾ ، ما الذي تفقدون؟ = ﴿قالوا نفقد صواع الملك﴾ ، يقول: فقال لهم القوم: نفقد مشربة الملك.
* *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فذكر عن أبي هريرة أنه قرأه:"صَاعَ المَلِكِ"، بغير واوٍ، كأنه وجَّهه إلى"الصاع" الذي يكال به الطعام.
* *
وروي عن أبي رجاء أنه قرأه:"صَوْعَ المَلِكِ".
* *
وروي عن يحيى بن يعمر أنه قرأه:"صَوْغَ المَلِكِ"، بالغين، كأنه وجَّهه إلى أنه مصدر من قولهم:"صاغ يَصُوغ صوغًا".
* *
وأما الذي عليه قرأة الأمصار: فَـ ﴿صُوَاعَ المَلِكِ﴾ ، وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها لإجماع الحجة عليها.
* *
و"الصواع"، هو الإناء الذي كان يوسف يكيل به الطعام. وكذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٥٢٥- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذا الحرف: ﴿صواع الملك﴾ قال: كهيئة المكُّوك. قال: وكان للعباس مثله في الجاهلية يَشْرَبُ فيه
١٩٥٢٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿صواع الملك﴾ ، قال، كان من فضة مثل المكوك. وكان للعباس منها واحدٌ في الجاهلية.
١٩٥٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن شريك، عن سماك، عن عكرمة في قوله: ﴿قالوا نفقد صواع الملك﴾ ، قال: كان من فضة.
١٩٥٢٨- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أنه قرأ: ﴿صواع الملك﴾ ، قال وكان إناءه الذي يشرب فيه، وكان إلى الطول ما هو.
١٩٥٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: ﴿صواع الملك﴾ ، قال، المكوك الفارسي.
١٩٥٣٠- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال، ﴿صواع الملك﴾ ، قال، هو المكوك الفارسيّ الذي يلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم.
١٩٥٣١- ... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿صواع الملك﴾ ، قال، إناء الملك الذي كان يشرب فيه.
١٩٥٣٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا يحيى= يعني ابن عباد= قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿صواع الملك﴾ ، مكّوك من فضة يشربون فيه. وكان للعباس واحدٌ في الجاهلية.
١٩٥٣٣- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿صواع الملك﴾ ، إناء الملك الذي يشرب فيه.
١٩٥٣٤- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا سعيد بن منصور قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿صواع الملك﴾ ، قال: هو المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه.
١٩٥٣٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال،"الصواع"، كان يشرب فيه يوسف.
١٩٥٣٦- حدثنا محمد بن معمر البحراني قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا صدقة بن عباد، عن أبيه عن ابن عباس: ﴿صواع الملك﴾ ، قال، كان من نحاس.
* *
وقوله: ﴿ولمن جاء له حمل بعير﴾ ، يقول: ولمن جاء بالصواع حمل بعير من الطعام، كما:-
١٩٥٣٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ ، يقول: وقر بعير.
١٩٥٣٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿حمل بعير﴾ ، قال: حمل حمار= وهي لغة. [[في المطبوعة والمخطوطة:" حمل طعام" ولا معنى له، والصواب ما أثبت، وهو تفسير لقوله:" بعير"، انظر ما سلف ص: ١٦٢، رقم: ١٩٤٧٧، ١٩٤٧٨، ١٩٥٢٣، ١٩٥٢٤ وصوبت ذلك لقوله:" وهي لغة" لأنه زعموا ذلك لغة في الحمار، أما" الطعام"، فلا يصح أن يكون فيه لغة يقال لها " بعير"! .]]
١٩٥٣٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال=
١٩٥٤٠- وحدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿حمل بعير﴾ قال: حمل حمار= وهي لغة.
١٩٥٤١- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٥٤٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال، قوله: ﴿حمل بعير﴾ قال، حمل حمار.
* *
وقوله، ﴿وأنا به زعيم﴾ ، يقول: وأنا بأن أوفيّه حملَ بعير من الطعام إذا جاءني بصواع الملك كفيلٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٩٥٤٣- حدثني علي قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وأنا به زعيم﴾ ، يقول: كفيل.
١٩٥٤٤- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وأنا به زعيم﴾ ،"الزعيم"، هو المؤذّن الذي قال: ﴿أيتها العير﴾ .
١٩٥٤٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٩٥٤٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٩٥٤٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر، وأبو خالد الأحمر، عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد، ثم ذكر نحوه.
١٩٥٤٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن ورقاء بن إياس، عن سعيد بن جبير: ﴿وأنا به زعيم﴾ ، قال: كفيل.
١٩٥٤٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وأنا به زعيم﴾ : أي: وأنا به كفيلٌ.
١٩٥٥٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وأنا به زعيم﴾ ، قال: كفيل.
١٩٥٥١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وأنا به زعيم﴾ ، قال: كفيل.
١٩٥٥٢- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك، فذكر مثله.
١٩٥٥٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: ﴿وأنا به زعيم﴾ ، قال: كفيل.
١٩٥٥٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: قال لهم الرسول: إنه من جاءنا به فله حمل بعير، وأنا به كفيلٌ بذلك حتى أؤدّيه إليه.
* *
ومن"الزعيم" الذي بمعنى الكفيل، قول الشاعر: [[هو حاجز بن عوف الأزدي السروي اللص الجاهلي، وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة:" وقال المؤسى الأزدي"، وأخشى أن يكون" المؤسى" تصحيف لنسبته، وهي" السروى"، نسبة إلى" السرأة" وهي جبال الأزد.]]
فَلَسْتُ بِآمِرٍ فِيهَا بِسَلْمٍ ... وَلَكِنِّي عَلَى نَفْسِي زَعِيمُ [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١٥، وبعد البيت، وفيه تمام معناه: بِغَزْوٍ مِثْلِ وَلْغِ الذِّئْبِ حَتَّى ... يَنُوءَ بِصَاحِبي ثَأْرٌ مُنِيمُ
وهذا البيت في لسان العرب مادة (ولغ) ، منسوبًا لحاجز اللص.]]
وأصل"الزعيم"، في كلام العرب: القائم بأمر القوم، وكذلك"الكفيل" و"الحميل". ولذلك قيل: رئيس القوم زعيمهم ومدبِّرهم. يقال منه:"قد زَعُم فلان زعامة وزَعامًا"، [[قوله:" وزعامًا"، هذا المصدر مما أغفلته معاجم اللغة، فليقيد في مكانه.]] ومنه قول ليلى الأخيلية:
حَتَّى إذَا بَرَزَ اللِّوَاءُ رَأَيْتَهُ ... تَحْتَ اللِّوَاءِ عَلَى الخَمِيسِ زَعِيمَا [[اللسان (زعم) وأمالي القالي ١: ٢٤٨، وسمط اللآلئ ٥٦١، وتمام تخريجها هناك، من قصيدة لها تعرض فيها بابن الزبير، وقبل البيت: وَمُخَرَّقِ عَنْهُ القَمِيصُ تَخَالُه ... وَسْطَ البُيُوتِ مِنَ الحَياء سَقِيمَا.]]