Tafsir al-Tabari — الحج 22:54 – المؤمنون 23:118
المحتويات
- الحج 22:54
- الحج 22:55
- الحج 22:56
- الحج 22:57
- الحج 22:58
- الحج 22:59
- الحج 22:60
- الحج 22:61
- الحج 22:62
- الحج 22:63
- الحج 22:64
- الحج 22:65
- الحج 22:66
- الحج 22:67
- الحج 22:68
- الحج 22:69
- الحج 22:70
- الحج 22:71
- الحج 22:72
- الحج 22:73
- الحج 22:74
- الحج 22:75
- الحج 22:76
- الحج 22:77
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:3
- المؤمنون 23:4
- المؤمنون 23:5
- المؤمنون 23:6
- المؤمنون 23:7
- المؤمنون 23:8
- المؤمنون 23:9
- المؤمنون 23:10
- المؤمنون 23:11
- المؤمنون 23:12
- المؤمنون 23:13
- المؤمنون 23:14
- المؤمنون 23:15
- المؤمنون 23:16
- المؤمنون 23:17
- المؤمنون 23:18
- المؤمنون 23:19
- المؤمنون 23:20
- المؤمنون 23:21
- المؤمنون 23:22
- المؤمنون 23:23
- المؤمنون 23:24
- المؤمنون 23:25
- المؤمنون 23:26
- المؤمنون 23:27
- المؤمنون 23:28
- المؤمنون 23:29
- المؤمنون 23:30
- المؤمنون 23:31
- المؤمنون 23:32
- المؤمنون 23:33
- المؤمنون 23:34
- المؤمنون 23:35
- المؤمنون 23:36
- المؤمنون 23:37
- المؤمنون 23:38
- المؤمنون 23:39
- المؤمنون 23:40
- المؤمنون 23:41
- المؤمنون 23:42
- المؤمنون 23:43
- المؤمنون 23:44
- المؤمنون 23:45
- المؤمنون 23:46
- المؤمنون 23:47
- المؤمنون 23:48
- المؤمنون 23:49
- المؤمنون 23:50
- المؤمنون 23:51
- المؤمنون 23:52
- المؤمنون 23:53
- المؤمنون 23:54
- المؤمنون 23:55
- المؤمنون 23:56
- المؤمنون 23:57
- المؤمنون 23:58
- المؤمنون 23:59
- المؤمنون 23:60
- المؤمنون 23:61
- المؤمنون 23:62
- المؤمنون 23:63
- المؤمنون 23:64
- المؤمنون 23:65
- المؤمنون 23:66
- المؤمنون 23:67
- المؤمنون 23:68
- المؤمنون 23:69
- المؤمنون 23:70
- المؤمنون 23:71
- المؤمنون 23:72
- المؤمنون 23:73
- المؤمنون 23:74
- المؤمنون 23:75
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:77
- المؤمنون 23:78
- المؤمنون 23:79
- المؤمنون 23:80
- المؤمنون 23:81
- المؤمنون 23:82
- المؤمنون 23:83
- المؤمنون 23:84
- المؤمنون 23:85
- المؤمنون 23:86
- المؤمنون 23:87
- المؤمنون 23:88
- المؤمنون 23:89
- المؤمنون 23:90
- المؤمنون 23:91
- المؤمنون 23:92
- المؤمنون 23:93
- المؤمنون 23:94
- المؤمنون 23:95
- المؤمنون 23:96
- المؤمنون 23:97
- المؤمنون 23:98
- المؤمنون 23:99
- المؤمنون 23:100
- المؤمنون 23:101
- المؤمنون 23:102
- المؤمنون 23:103
- المؤمنون 23:104
- المؤمنون 23:105
- المؤمنون 23:106
- المؤمنون 23:107
- المؤمنون 23:108
- المؤمنون 23:109
- المؤمنون 23:110
- المؤمنون 23:111
- المؤمنون 23:112
- المؤمنون 23:113
- المؤمنون 23:114
- المؤمنون 23:115
- المؤمنون 23:116
- المؤمنون 23:117
- المؤمنون 23:118
الحج 22:54
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله، ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد. يقول: فيصدّقوا به. يقول: فتخضع للقرآن قلوبهم، وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه.
وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحقّ القاصد والحقِّ الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسوله، فلا يضرّهم كيد الشيطان، وإلقاؤه الباطل على لسان نبيهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: يعني القرآن.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولا يزال الذين كفرا بالله في شكّ.
ثم اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: منه من ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر قول النبيّ ﷺ: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ منه﴾ من قوله: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: مما جاء به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.
وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبيّ ﷺ في النجم.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: في مرية من سجودك.
وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن.
ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: من القرآن.
وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ والهاء من قوله "أنه" من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله: ﴿ففِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مع بُعد ما بينهما.
* *
وقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾
يقول: لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة، يقول: فجأة.
واختلف أهل التأويل في هذا اليوم أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم: هو يوم القيامة.
ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكنى أبا ساسان، قال: سألت الضحاك، عن قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: عذاب يوم لا ليلة بعده.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة. أن يوم القيامة لا ليلة له.
وقال آخرون: بل عني به يوم بدر. وقالوا: إنما قيل له يوم عقيم، أنهم لم ينظروا إلى الليل، فكان لهم عقيما.
ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم بدر.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال ابن جريج: يوم ليس فيه ليلة، لم يناظروا إلى الليل. قال مجاهد: عذاب يوم عظيم.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، قال: قال مجاهد: يوم بدر.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو إدريس، قال: أخبرنا الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: يوم بدر.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: هو يوم بدر. ذكره عن أبي بن كعب.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: هو يوم بدر. عن أبيّ بن كعب.
وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية، لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرنا. في معناه.
فتأويل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا في مرية منه، حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب العقيم، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له، فلا ينظرون فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء، لكنهم يقتلون قبل المساء.
الحج 22:55
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله، ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد. يقول: فيصدّقوا به. يقول: فتخضع للقرآن قلوبهم، وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه.
وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحقّ القاصد والحقِّ الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسوله، فلا يضرّهم كيد الشيطان، وإلقاؤه الباطل على لسان نبيهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: يعني القرآن.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولا يزال الذين كفرا بالله في شكّ.
ثم اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: منه من ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر قول النبيّ ﷺ: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ منه﴾ من قوله: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: مما جاء به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.
وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبيّ ﷺ في النجم.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: في مرية من سجودك.
وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن.
ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: من القرآن.
وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ والهاء من قوله "أنه" من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله: ﴿ففِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مع بُعد ما بينهما.
* *
وقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾
يقول: لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة، يقول: فجأة.
واختلف أهل التأويل في هذا اليوم أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم: هو يوم القيامة.
ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكنى أبا ساسان، قال: سألت الضحاك، عن قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: عذاب يوم لا ليلة بعده.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة. أن يوم القيامة لا ليلة له.
وقال آخرون: بل عني به يوم بدر. وقالوا: إنما قيل له يوم عقيم، أنهم لم ينظروا إلى الليل، فكان لهم عقيما.
ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم بدر.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال ابن جريج: يوم ليس فيه ليلة، لم يناظروا إلى الليل. قال مجاهد: عذاب يوم عظيم.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، قال: قال مجاهد: يوم بدر.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو إدريس، قال: أخبرنا الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: يوم بدر.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: هو يوم بدر. ذكره عن أبي بن كعب.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال: هو يوم بدر. عن أبيّ بن كعب.
وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية، لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرنا. في معناه.
فتأويل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا في مرية منه، حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب العقيم، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له، فلا ينظرون فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء، لكنهم يقتلون قبل المساء.
الحج 22:56
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع، وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يقول: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جنات النعيم يومئذ، والذين كفروا بالله ورسوله، وكذبوا بآيات كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يقول: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذلّ في جهنم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقا حسنا. يعني بالحسن: الكريم وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: سواء المقتول منهم والميت.
وقال آخرون: المقتول أفضل. فأنزل الله هذه الآية على نبيه ﷺ، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله والمقتول فيها في الثواب عنده.
وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه على أخيه المتوفى؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بُعثت! اقرءوا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ ... إلى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .
الحج 22:57
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع، وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يقول: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جنات النعيم يومئذ، والذين كفروا بالله ورسوله، وكذبوا بآيات كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يقول: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذلّ في جهنم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقا حسنا. يعني بالحسن: الكريم وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: سواء المقتول منهم والميت.
وقال آخرون: المقتول أفضل. فأنزل الله هذه الآية على نبيه ﷺ، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله والمقتول فيها في الثواب عنده.
وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه على أخيه المتوفى؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بُعثت! اقرءوا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ ... إلى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .
الحج 22:58
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع، وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يقول: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جنات النعيم يومئذ، والذين كفروا بالله ورسوله، وكذبوا بآيات كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يقول: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذلّ في جهنم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقا حسنا. يعني بالحسن: الكريم وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: سواء المقتول منهم والميت.
وقال آخرون: المقتول أفضل. فأنزل الله هذه الآية على نبيه ﷺ، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله والمقتول فيها في الثواب عنده.
وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه على أخيه المتوفى؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بُعثت! اقرءوا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ ... إلى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .
الحج 22:59
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: ليدخلنّ الله المقتول في سبيله من المهاجرين والميت منهم ﴿مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ﴾ وذلك المُدخل هو الجنة ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بمن يهاجر في سبيله ممن يخرج من داره طلب الغنيمة أو عرض من عروض الدنيا.
﴿حَلِيمٌ﴾ عن عصاة خلقه، بتركه معاجلتهم بالعقوبة والعذاب.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذلكَ﴾ لهذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك أيضا أن الله يعدهم النصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ قال: هم المشركون بغَوْا على النبي ﷺ، فوعده الله أن ينصره، وقال في القصاص أيضا. وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، وكان المسلمون يكرهون القتال يومئذ في الأشهر الحرم، فسأل المسلمون المشركين أن يكفوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم فبغَوْا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنُصروا عليهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ بأن بدئ بالقتال وهو له كاره، ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ .
* *
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾
يقول تعالى ذكره: إن الله لذو عفو وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحقّ، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به غير معاقبه عليه.
الحج 22:60
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: ليدخلنّ الله المقتول في سبيله من المهاجرين والميت منهم ﴿مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ﴾ وذلك المُدخل هو الجنة ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بمن يهاجر في سبيله ممن يخرج من داره طلب الغنيمة أو عرض من عروض الدنيا.
﴿حَلِيمٌ﴾ عن عصاة خلقه، بتركه معاجلتهم بالعقوبة والعذاب.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذلكَ﴾ لهذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك أيضا أن الله يعدهم النصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ قال: هم المشركون بغَوْا على النبي ﷺ، فوعده الله أن ينصره، وقال في القصاص أيضا. وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، وكان المسلمون يكرهون القتال يومئذ في الأشهر الحرم، فسأل المسلمون المشركين أن يكفوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم فبغَوْا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنُصروا عليهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ بأن بدئ بالقتال وهو له كاره، ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ .
* *
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾
يقول تعالى ذكره: إن الله لذو عفو وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحقّ، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به غير معاقبه عليه.
الحج 22:61
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذلكَ﴾ هذا النصر الذي أنصره على من بغى عليه على الباغي، لأني القادر على ما أشاء. فمن قُدرته أن الله يولج الليل في النهار يقول: يدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، فما نقص من هذا زاد في هذا. ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا، وبالقُدرة التي تفعل ذلك ينصر محمدا ﷺ وأصحابه على الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يقول: وفعل ذلك أيضا بأنه ذو سمع لما يقولون من قول؛ لا يخفى عليه منه شيء، بصير بما يعملون، لا يغيب عنه منه شيء، كل ذلك معه بمرأى ومسمع، وهو الحافظ لكل ذلك، حتى يجازى جميعهم على ما قالوا وعملوا من قول وعمل جزاءه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله ﴿ذلكَ﴾ هذا الفعل الذي فعلت من إيلاجي الليل في النهار، وإيلاجي النهار في الليل، لأني أنا الحقّ الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ندّ، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلها من دونه هو الباطل الذي لا يقدر على صنعة شيء، بل هو المصنوع، يقول لهم تعالى ذكره: أفتتركون أيها الجهال عبادة من منه النفع وبيده الضر وهو القادر على كل شيء وكلّ شيء دونه، وتعبدون الباطل الذي لا تنفعكم عبادته.
* *
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
يعني بقوله: ﴿العَلِي﴾ ذو العلو على كل شيء، هو فوق كل شيء وكل شيء دونه. ﴿الكَبِيرُ﴾ يعني العظيم، الذي كل شيء دونه ولا شيء أعظم منه.
وكان ابن جُرَيج يقول في قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، في قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ قال: الشيطان.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ فقرأته عامة قرّاء العراق والحجاز: "تَدْعُون" بالتاء على وجه الخطاب؛ وقرأته عامة قرّاء العراق غير عاصم بالياء على وجه الخبر، والياء أعجب القراءتين إليّ، لأن ابتداء الخبر على وجه الخطاب.
الحج 22:62
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذلكَ﴾ هذا النصر الذي أنصره على من بغى عليه على الباغي، لأني القادر على ما أشاء. فمن قُدرته أن الله يولج الليل في النهار يقول: يدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، فما نقص من هذا زاد في هذا. ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا، وبالقُدرة التي تفعل ذلك ينصر محمدا ﷺ وأصحابه على الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يقول: وفعل ذلك أيضا بأنه ذو سمع لما يقولون من قول؛ لا يخفى عليه منه شيء، بصير بما يعملون، لا يغيب عنه منه شيء، كل ذلك معه بمرأى ومسمع، وهو الحافظ لكل ذلك، حتى يجازى جميعهم على ما قالوا وعملوا من قول وعمل جزاءه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله ﴿ذلكَ﴾ هذا الفعل الذي فعلت من إيلاجي الليل في النهار، وإيلاجي النهار في الليل، لأني أنا الحقّ الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ندّ، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلها من دونه هو الباطل الذي لا يقدر على صنعة شيء، بل هو المصنوع، يقول لهم تعالى ذكره: أفتتركون أيها الجهال عبادة من منه النفع وبيده الضر وهو القادر على كل شيء وكلّ شيء دونه، وتعبدون الباطل الذي لا تنفعكم عبادته.
* *
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
يعني بقوله: ﴿العَلِي﴾ ذو العلو على كل شيء، هو فوق كل شيء وكل شيء دونه. ﴿الكَبِيرُ﴾ يعني العظيم، الذي كل شيء دونه ولا شيء أعظم منه.
وكان ابن جُرَيج يقول في قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، في قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ قال: الشيطان.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ فقرأته عامة قرّاء العراق والحجاز: "تَدْعُون" بالتاء على وجه الخطاب؛ وقرأته عامة قرّاء العراق غير عاصم بالياء على وجه الخبر، والياء أعجب القراءتين إليّ، لأن ابتداء الخبر على وجه الخطاب.
الحج 22:63
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني مطرا ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بما ينبت فيها من النبات ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراج النبات من الأرض بذلك الماء وغير ذلك من ابتداع ما شاء أن يبتدعه ﴿خَبِيرٌ﴾ بما يحدث عن ذلك النبت من الحبّ، وبه قال: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ﴾ فرفع، وقد تقدمه قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وإنما قيل ذلك كذلك لأن معنى الكلام الخبر، كأنه قيل: اعلم يا محمد أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض؛ ونظير ذلك قول الشاعر:
أَلَمْ تَسْأَلِ الرّبْعَ القَدِيمَ فيَنْطِقُ ... وهلْ تُخْبِرَنْكَ اليوْمَ بَيْداءُ سَمْلَقُ [[البيت مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري (خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ٣: ٦٠٢) وهو شاهد عند النحاة، على أن ما بعد الفاء قد يبقى على رفعه قليلا، وهو مستأنف. قال: وأنشد سيبويه هذا البيت وقال: لم يجعل الأول سبب الآخر، ولكنه جعله ينطلق على كل حال، كأنه قال: وهو مما ينطق. وقال أبو جعفر النحاس: عن أبي إسحاق، قال: إنه تقرير، معناه إنك سألته، فيقبح النصب. قلت: أي لأن الاستفهام قبله ليس محضا، وإنما هو للتقرير، فيشبه الخبر، وهو نحو ما قال المؤلف: معناه: قد سألته فنطق. ورواية البيت في الخزانة: " القواء " في موضع القديم، وهو الذي خلا ممن يسكنه. ورفع الفعل ينطق نظير الفعل تصبح في قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة) .]]
لأن معناه: قد سألته فنطق.
الحج 22:64
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: له مُلك ما في السموات وما في الأرض من شيء هم عبيده ومماليكه وخلقه، لا شريك له في ذلك، ولا في شيء منه، وإن الله هو الغنيّ عن كل ما في السموات وما في الأرض من خلقه وهم المحتاجون إليه، الحميد عند عباده في إفضاله عليهم وأياديه عندهم.
الحج 22:65
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: ألم تر أن الله سخر لكم أيها الناس ما في الأرض من الدّوابّ والبهائم، فذلك كله لكم تصرفونه فيما أردتم من حوائجكم (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) يقول: وسخر لكم السفن تجري في البحر بأمره، يعني بقُدرته، وتذليله إياها لكم كذلك.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿والفُلْكَ﴾ نصبا، بمعنى سخر لكم ما في الأرض، والفلك عطفا على "ما"، وعلى تكرير "أن" وأن الفلك تجري. ورُوي عن الأعرج أنه قرا ذلك رفعا على الابتداء والنصب هو القراءة عندنا في ذلك لإجماع الحجة من القرّاء عليه ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ﴾ يقول: ويمسك السماء بقدرته كي لا تقع على الأرض إلا بإذنه. ومعنى قوله: ﴿أَنْ تَقَعَ﴾ أن لا تقع.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بمعنى: أنه بهم لذو رأفة ورحمة، فمن رأفته بهم ورحمته لهم أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وسخر لكم ما وصف في هذه الآية تفضلا منه عليكم بذلك.
الحج 22:66
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي أنعم عليكم هذه النعم، هو الذي جعل لكم أجساما أحياء بحياة أحدثها فيكم، ولم تكونوا شيئا، ثم هو يميتكم من بعد حياتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم بعد مماتكم عند بعثكم لقيام الساعة ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ يقول: إن ابن آدم لجحود لنعم الله التي أنعم بها عليه من حُسن خلقه إياه، وتسخيره له ما سخر مما في الأرض والبرّ والبحر، وتركه إهلاكه بإمساكه السماء أن تقع على الأرض بعبادته غيره من الآلهة والأنداد، وتركه إفراده بالعبادة وإخلاص التوحيد له.
* *
وقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾
يقول: لكل جماعة قوم هي خلت من قبلك، جعلنا مألفا يألفونه ومكانا يعتادونه لعبادتي فيه، وقضاء فرائضي، وعملا يلزمونه. وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شرّ؛ يقال: إن لفلان منسكا يعتاده: يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. وإنما سميت مناسك الحجّ بذلك، لتردّد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحجّ والعُمرة. وفيه لغتان: "مَنْسِك" بكسر السين وفتح الميم، وذلك من لغة أهل الحجاز، و "مَنْسَك" بفتح الميم والسين جميعا، وذلك من لغة أسد. وقد قرئ باللغتين جميعا.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ أيّ المناسك عنى به؟ فقال بعضهم: عنى به: عيدهم الذي يعتادونه.
ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يقول: عيدا.
وقال آخرون: عنى به: ذبح يذبحونه، ودم يهريقونه.
ذكر من قال ذلك: حدثني أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال: إراقة الدم بمكة.
⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال: إهراق دماء الهدي.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿مَنْسَكا﴾ قال: ذبحا وحجا.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: عني بذلك إراقة الدم أيام النحر بمِنى، لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله ﷺ كانت إراقة الدم في هذه الأيام، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقة الدماء التي هي دماء ذبائح الأنعام بما قد أخبر الله عنهم في سورة الأنعام. غير أن تلك لم تكن مناسك، فأما التي هي مناسك فإنما هي هدايا أو ضحايا. ولذلك قلنا: عنى بالمنسك في هذا الموضع الذبح الذي هو بالصفة التي وصفنا.
* *
وقوله: ﴿فلا ينازعنك في الأمر﴾
يقول تعالى ذكره: فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله يا محمد في ذبحك ومنسكك بقولهم: أتقولون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله؟ فأنك أولى بالحقّ منهم، لأنك محقّ وهم مبطلون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيح، عن مجاهد: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ قال: الذبح.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ فلا تتحام لحمك.
* *
وقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾
يقول تعالى ذكره: وادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك في ذلك بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعد اتباعك وبعد التصديق بما جئْتهم به من عند الله، وتجنبوا الذبح للآلهة والأوثان وتبرّءوا منها، إنك لعلى طريق مستقيم غير زائل عن محجة الحقّ والصواب في نسكك الذي جعله لك ولأمتك ربك، وهم الضلال على قصد السبيل، لمخالفتهم أمر الله في ذبائحهم وعبادتهم الآلهة.
الحج 22:67
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي أنعم عليكم هذه النعم، هو الذي جعل لكم أجساما أحياء بحياة أحدثها فيكم، ولم تكونوا شيئا، ثم هو يميتكم من بعد حياتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم بعد مماتكم عند بعثكم لقيام الساعة ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ يقول: إن ابن آدم لجحود لنعم الله التي أنعم بها عليه من حُسن خلقه إياه، وتسخيره له ما سخر مما في الأرض والبرّ والبحر، وتركه إهلاكه بإمساكه السماء أن تقع على الأرض بعبادته غيره من الآلهة والأنداد، وتركه إفراده بالعبادة وإخلاص التوحيد له.
* *
وقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾
يقول: لكل جماعة قوم هي خلت من قبلك، جعلنا مألفا يألفونه ومكانا يعتادونه لعبادتي فيه، وقضاء فرائضي، وعملا يلزمونه. وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شرّ؛ يقال: إن لفلان منسكا يعتاده: يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. وإنما سميت مناسك الحجّ بذلك، لتردّد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحجّ والعُمرة. وفيه لغتان: "مَنْسِك" بكسر السين وفتح الميم، وذلك من لغة أهل الحجاز، و "مَنْسَك" بفتح الميم والسين جميعا، وذلك من لغة أسد. وقد قرئ باللغتين جميعا.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ أيّ المناسك عنى به؟ فقال بعضهم: عنى به: عيدهم الذي يعتادونه.
ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يقول: عيدا.
وقال آخرون: عنى به: ذبح يذبحونه، ودم يهريقونه.
ذكر من قال ذلك: حدثني أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال: إراقة الدم بمكة.
⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال: إهراق دماء الهدي.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿مَنْسَكا﴾ قال: ذبحا وحجا.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: عني بذلك إراقة الدم أيام النحر بمِنى، لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله ﷺ كانت إراقة الدم في هذه الأيام، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقة الدماء التي هي دماء ذبائح الأنعام بما قد أخبر الله عنهم في سورة الأنعام. غير أن تلك لم تكن مناسك، فأما التي هي مناسك فإنما هي هدايا أو ضحايا. ولذلك قلنا: عنى بالمنسك في هذا الموضع الذبح الذي هو بالصفة التي وصفنا.
* *
وقوله: ﴿فلا ينازعنك في الأمر﴾
يقول تعالى ذكره: فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله يا محمد في ذبحك ومنسكك بقولهم: أتقولون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله؟ فأنك أولى بالحقّ منهم، لأنك محقّ وهم مبطلون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيح، عن مجاهد: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ قال: الذبح.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ فلا تتحام لحمك.
* *
وقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾
يقول تعالى ذكره: وادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك في ذلك بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعد اتباعك وبعد التصديق بما جئْتهم به من عند الله، وتجنبوا الذبح للآلهة والأوثان وتبرّءوا منها، إنك لعلى طريق مستقيم غير زائل عن محجة الحقّ والصواب في نسكك الذي جعله لك ولأمتك ربك، وهم الضلال على قصد السبيل، لمخالفتهم أمر الله في ذبائحهم وعبادتهم الآلهة.
الحج 22:68
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإن جادلك يا محمد هؤلاء المشركون بالله في نسكك، فقل: الله أعلم بما تعملون ونعمل.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ قال: قول أهل الشرك: أما ما ذبح الله بيمينه ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وقوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: والله يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه من أمر دينكم تختلفون، فتعلمون حينئذ أيها المشركون المحقّ من المبطل.
الحج 22:69
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإن جادلك يا محمد هؤلاء المشركون بالله في نسكك، فقل: الله أعلم بما تعملون ونعمل.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ قال: قول أهل الشرك: أما ما ذبح الله بيمينه ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وقوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: والله يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه من أمر دينكم تختلفون، فتعلمون حينئذ أيها المشركون المحقّ من المبطل.
الحج 22:70
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ألم تعلم يا محمد أن الله يعلم كلّ ما في السموات السبع والأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو حاكم بين خلقه يوم القيامة، على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فمجازي المحسن منهم بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ثناؤه قبل أن يخلق خلقه ما هو كائن إلى يوم القيامة ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ميسر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: علم الله ما هو خالق وما الخلق عاملون، ثم كتبه، ثم قال لنبيه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني ميسر، عن أرطأة بن المنذر، قال: سمعت ضمرة بن حبيب يقول: إن الله كان على عرشه على الماء، وخلق السموات والأرض بالحقّ، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام، قبل أن يبدأ شيئا من الخلق.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن سيار، عن ابن عباس، أنه سأل كعب الأحبار عن أمّ الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا.
وكان ابن جُرَيج يقول في قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ قال: قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
وإنما اخترنا القول الذي قلنا في ذلك، لأن قوله: ﴿إنَّ ذلك﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ أقرب منه إلى قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فكان إلحاق ذلك بما هو أقرب إليه أولى منه بما بعد.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
اختلف في ذلك، فقال بعضهم: معناه: إن الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على الله يسير.
ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال: حكمه يوم القيامة، ثم قال بين ذلك: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن على الله يسير يعني هين. وهذا القول الثاني أولى بتأويل ذلك، وذلك أن قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ... إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أقرب وهو له مجاور، ومن قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ متباعد مع دخول قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ بينهما، فإلحاقه بما هو أقرب أولى ما وجد للكلام، وهو كذلك مخرج في التأويل صحيح.
الحج 22:71
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) ﴾
يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه ما لم ينزل به جلّ ثناؤه لهم حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها إلى رسله، بأنها آلهة تصلح عبادتها، فيعبدوها بأن الله أذن لهم في عبادتها، وما ليس لهم به علم أنها آلهة ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يقول: وما للكافرين بالله الذين يعبدون هذه الأوثان من ناصر ينصرهم يوم القيامة، فينقذهم من عذاب الله ويدفع عنهم عقابه إذا أراد عقابهم.
الحج 22:72
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: وإذا تُتلى على مشركي قريش العابدين من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ﴿آياتُنا﴾ يعني: آيات القرآن ﴿بَيِّناتٍ﴾ يقول: واضحات حججها وأدلتها فيما أنزلت فيه ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ يقول: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها، لسماعهم بالقرآن.
* *
وقوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾
يقول: يكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات كتاب الله من أصحاب النبي ﷺ، لشدّة تكرّههم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم.
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله ﴿يَسْطُونَ﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يقول: يبطشون.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يقول: يقعون بمن ذكرهم.
⁕ حدثنا محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ قال: يكادون يقعون بهم.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ قال: يبطشون كفار قريش.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ يقول: يكادون يأخذونهم بأيديهم أخذا.
* *
وقوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾
يقول: أفأنبئكم أيها المشركون بأكره إليكم من هؤلاء الذين تتكرّهون قراءتهم القرآن عليكم، هي ﴿النَّارُ﴾ وعدها الله الذين كفروا. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقول: إن المشركين قالوا: والله إن محمدا وأصحابه لشرّ خلق الله! فقال الله لهم: قل أفأنبئكم أيها القائلون هذا القول بشر من محمد ﷺ، أنتم أيها المشركون الذين وعدهم الله النار. ورفعت النار على الابتداء، ولأنها معرفة لا تصلح أن ينعت بها الشر وهو نكرة، كما يقال: مررت برجلين: أخوك وأبوك، ولو كانت مخفوضة كان جائزا؛ وكذلك لو كان نصبا للعائد من ذكرها في وعدها وأنت تنوي بها الاتصال بما قبلها، يقول تعالى ذكره: فهؤلاء هم أشرار الخلق لا محمد وأصحابه.
* *
وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
يقول: وبئس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون بالله يوم القيامة.
الحج 22:73
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس جعل لله مثل وذكر. ومعنى ضرب في هذا الموضع: جعل من قولهم: ضرب السلطان على الناس البعث، بمعنى: جعل عليهم. وضرب الجزية على النصارى، بمعنى جعل ذلك عليهم؛ والمَثَل: الشَّبَه، يقول جلّ ثناؤه: جعل لي شبه أيها الناس، يعني بالشَّبَه والمَثَل: الآلهة، يقول: جعل لي المشركون والأصنام شبها، فعبدوها معي، وأشركوها في عبادتي. فاستمعوا له: يقول: فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه لي في عبادتهم إياه شبها وصفته ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ يقول: إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلته، لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه، ولو اجتمع لخلقه جميعها. والذباب واحد، وجمعه في القلة أذبة وفي الكثير ذِبَّان غُراب، يجمع في القلة أَغْربة، وفي الكثرة غِرْبان.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾
يقول: وإن يسلب الآلهة والأوثان الذبابُ شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شيء لا يستنقذوه منه: يقول: لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه.
واختلف في معنى قوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ فقال بعضهم: عني بالطالب: الآلهة، وبالمطلوب: الذباب.
ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حجاج، عن ابن جُرَيج، قال ابن عباس، في قوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ قال: آلهتهم ﴿والمَطْلُوبُ﴾ : الذباب.
وكان بعضهم يقول: معنى ذلك: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ من بني آدم إلى الصنم حاجته، ﴿والمَطْلُوبُ﴾ إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله، يقول: ضعف عن ذلك وعجز.
والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه: وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه، وهو الطيب وما أشبهه؛ والمطلوب: الذباب.
وإنما قلت هذا القول أولى بتأويل ذلك، لأن ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب، فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا، عما هو عنه منقطع، وإنما أخبر جلّ ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها، تقريعا منه بذلك عَبَدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثل في العبادة ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض ومالكٌ جميع ذلك والمحيي من أردت، والمميت ما أردت ومن أردت، إن فاعل ذلك لا شك أنه في غاية الجهل.
* *
وقوله ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
يقول: ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكا في العبادة حق عظمته حين أشركوا به غيره، فلم يخلصوا له العبادة ولا عرفوه حق معرفته من قولهم: ما عرفت لفلان قدره إذا خاطبوا بذلك من قَصَّر بحقه، وهم يريدون تعظيمه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ ... إلى آخر الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لآلهتهم، وقرأ ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه.
* *
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾
يقول: إن الله لقويّ على خلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خلقه وكبيره عزيز: يقول: منيع في مُلكه لا يقدر شيء دونه أن يسلبه من مُلكه شيئا، وليس كآلهتكم أيها المشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون على خلق ذباب، ولا على الامتناع من الذباب، إذا استلبها شيئا ضعفا ومهانة.
الحج 22:74
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس جعل لله مثل وذكر. ومعنى ضرب في هذا الموضع: جعل من قولهم: ضرب السلطان على الناس البعث، بمعنى: جعل عليهم. وضرب الجزية على النصارى، بمعنى جعل ذلك عليهم؛ والمَثَل: الشَّبَه، يقول جلّ ثناؤه: جعل لي شبه أيها الناس، يعني بالشَّبَه والمَثَل: الآلهة، يقول: جعل لي المشركون والأصنام شبها، فعبدوها معي، وأشركوها في عبادتي. فاستمعوا له: يقول: فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه لي في عبادتهم إياه شبها وصفته ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ يقول: إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلته، لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه، ولو اجتمع لخلقه جميعها. والذباب واحد، وجمعه في القلة أذبة وفي الكثير ذِبَّان غُراب، يجمع في القلة أَغْربة، وفي الكثرة غِرْبان.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾
يقول: وإن يسلب الآلهة والأوثان الذبابُ شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شيء لا يستنقذوه منه: يقول: لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه.
واختلف في معنى قوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ فقال بعضهم: عني بالطالب: الآلهة، وبالمطلوب: الذباب.
ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حجاج، عن ابن جُرَيج، قال ابن عباس، في قوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ قال: آلهتهم ﴿والمَطْلُوبُ﴾ : الذباب.
وكان بعضهم يقول: معنى ذلك: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ من بني آدم إلى الصنم حاجته، ﴿والمَطْلُوبُ﴾ إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله، يقول: ضعف عن ذلك وعجز.
والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه: وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه، وهو الطيب وما أشبهه؛ والمطلوب: الذباب.
وإنما قلت هذا القول أولى بتأويل ذلك، لأن ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب، فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا، عما هو عنه منقطع، وإنما أخبر جلّ ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها، تقريعا منه بذلك عَبَدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثل في العبادة ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض ومالكٌ جميع ذلك والمحيي من أردت، والمميت ما أردت ومن أردت، إن فاعل ذلك لا شك أنه في غاية الجهل.
* *
وقوله ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
يقول: ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكا في العبادة حق عظمته حين أشركوا به غيره، فلم يخلصوا له العبادة ولا عرفوه حق معرفته من قولهم: ما عرفت لفلان قدره إذا خاطبوا بذلك من قَصَّر بحقه، وهم يريدون تعظيمه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ ... إلى آخر الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لآلهتهم، وقرأ ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه.
* *
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾
يقول: إن الله لقويّ على خلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خلقه وكبيره عزيز: يقول: منيع في مُلكه لا يقدر شيء دونه أن يسلبه من مُلكه شيئا، وليس كآلهتكم أيها المشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون على خلق ذباب، ولا على الامتناع من الذباب، إذا استلبها شيئا ضعفا ومهانة.
الحج 22:75
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رسلا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم. ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس أيضا رسلا وقد قيل: إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون: أنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم: ذلك إلي وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة.
* *
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
يقول: إن الله سميع لما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به من عند ربه، بصير بمن يختاره لرسالته من خلقه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: الله يعلم ما كان بين أيدي ملائكته ورسله، من قبل أن يخلقهم وما خلفهم، يقول: ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾
يقول: إلى الله في الآخرة تصير إليه أمور الدنيا، وإليه تعود كما كان منه البدء.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ﴿ارْكَعُوا﴾ لله في صلاتكم ﴿واسْجُدُوا﴾ له فيها ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ يقول: وذلوا لربكم، واخضعوا له بالطاعة، الذي أمركم ربكم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: لتفلحوا بذلك، فتدركوا به طَلباتكم عند ربكم.
الحج 22:76
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رسلا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم. ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس أيضا رسلا وقد قيل: إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون: أنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم: ذلك إلي وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة.
* *
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
يقول: إن الله سميع لما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به من عند ربه، بصير بمن يختاره لرسالته من خلقه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: الله يعلم ما كان بين أيدي ملائكته ورسله، من قبل أن يخلقهم وما خلفهم، يقول: ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾
يقول: إلى الله في الآخرة تصير إليه أمور الدنيا، وإليه تعود كما كان منه البدء.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ﴿ارْكَعُوا﴾ لله في صلاتكم ﴿واسْجُدُوا﴾ له فيها ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ يقول: وذلوا لربكم، واخضعوا له بالطاعة، الذي أمركم ربكم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: لتفلحوا بذلك، فتدركوا به طَلباتكم عند ربكم.
الحج 22:77
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رسلا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم. ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس أيضا رسلا وقد قيل: إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون: أنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم: ذلك إلي وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة.
* *
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
يقول: إن الله سميع لما يقول المشركون في محمد ﷺ، وما جاء به من عند ربه، بصير بمن يختاره لرسالته من خلقه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: الله يعلم ما كان بين أيدي ملائكته ورسله، من قبل أن يخلقهم وما خلفهم، يقول: ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾
يقول: إلى الله في الآخرة تصير إليه أمور الدنيا، وإليه تعود كما كان منه البدء.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ﴿ارْكَعُوا﴾ لله في صلاتكم ﴿واسْجُدُوا﴾ له فيها ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ يقول: وذلوا لربكم، واخضعوا له بالطاعة، الذي أمركم ربكم بفعله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: لتفلحوا بذلك، فتدركوا به طَلباتكم عند ربكم.
الحج 22:78
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ فقال بعضهم: معناه. وجاهدوا المشركين في سبيل الله حق جهاده.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن عبد الله بن عباس، في قوله ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ كما جاهدتم أوّل مرّة، فقال عمر من أمر بالجهاد، قال: قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال عمر، صدقت.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في الله لومة لائم، قالوا: وذلك هو حقّ الجهاد.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس، في قوله ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ لا تخافوا في الله لومة لائم.
وقال آخرون: معنى ذلك: اعملوا بالحقّ، حقّ عمله، وهذا قول ذكره عن الضحاك بعض من في روايته نظر.
والصواب من القول في ذلك، قول من قال: عُني به الجهاد في سبيل الله، لأن المعروف من الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت في الله، وحقّ الجهاد: هو استفراغ الطاقة فيه.
* *
قوله ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾
يقول: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه والجهاد في سبيله.
وقال ابن زيد في ذلك، ما:-
⁕ حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ قال: هو هداكم.
* *
وقوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
يقول تعالى ذكره: وما جعل عليكم ربكم في الدين الذي تعبَّدكم به من ضيق، لا مخرج لكم مما ابتليتم به فيه، بل وسَّع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجا، والكفَّارة من بعض، والقصاص من بعض، فلا ذنب يذنب المؤمن إلا وله منه في دين الإسلام مخرج.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن زيد، عن ابن شهاب، قال: سأل عبد الملك بن مروان عليّ بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فقال عليّ بن عبد الله: الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مخرجا من ذلك، سمعت ابن عباس يقول ذلك.
قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس يسأل عن ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: ما هاهنا من هذيل أحد فقال رجل: نعم قال: ما تعدّون الحرجة فيكم؟ قال: الشيء الضيق، قال ابن عباس، فهو كذلك.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس، وذكر نحوه، إلا أنه قال: فقال ابن عباس: أهاهنا أحد من هذيل فقال رجل: أنا، فقال أيضا: ما تعدّون الحرج، وسائر الحديث مثله.
⁕ حدثني عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا يحيى بن صالح، قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن الحكم بن عبد الله، قال: سمعت القاسم بن محمد يحدّث، عن عائشة، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) قال هُوَ الضيق.
⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أبو خلدة، قال: قال لي أبو العالية: أتدري ما الحرج؟ قلت: لا أدري، قال: الضيق، وقرأ هذه الآية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا حماد بن سعدة، عن عوف، عن الحسن، في قوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: من ضيق.
⁕ حدثنا عمرو بن بندق، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن أبي خلدة، قال: قال لي أبو العالية: هل تدري ما الحرج؟ قلت: لا قال: الضيق، إن الله لم يضيق عليكم، لم يجعل عليكم في الدين من حرج.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن القاسم أنه تلا هذه الآية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: تدرون ما الحرج؟ قال: الضيق.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر، فإن الشعر عربيّ، ثم دعا ابن عباس أعرابيا، فقال: ما الحَرَج؟ قال: الضيق. قال: صدقت.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: من ضيق.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ من ضيق في أوقات فروضكم إذا التبست عليكم، ولكنه قد وسع عليكم حتى تَيَقَّنوا محلها.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عثمان بن بشار، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شكّ فيه الناس، وفي الحجّ إذا شكوا في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليهم وأشباهه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعل في الإسلام من ضيق، بل وسعه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق، هو واسع، وهو مثل قوله في الأنعام ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ يقول: من أراد أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل عليه الإسلام ضيقا، والإسلام واسع.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) يقول: من ضيق، يقول: جعل الدين واسعا ولم يجعله ضيقا.
* *
وقوله ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾
نصب ملة بمعنى: وما جعل عليكم في الدين من حرج، بل وسعه، كملَّة أبيكم، فلما لم يجعل فيها الكاف اتصلت بالفعل الذي قبلها فنصبت، وقد يحتمل نصبها أن تكون على وجه الأمر بها، لأن الكلام قبله أمر، فكأنه قيل: اركعوا واسجدوا والزموا ملة أبيكم إبراهيم.
* *
وقوله ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾
يقول تعالى ذكره: سماكم يا معشر من آمن بمحمد ﷺ المسلمين من قبل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ يقول الله سماكم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني عطاء بن ابن أبي رباح، أنه سمع ابن عباس يقول: الله سماكم المسلمين من قبل.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، وحدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعا؛ عن معمر، عن قَتادة (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) قال: الله سماكم المسلمين من قبل.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: الله سماكم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول: الله سماكم المسلمين.
وقال آخرون: بل معنا: إبراهيم سماكم المسلمين؛ وقالوا هو كناية من ذكر إبراهيم ﷺ:
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: ألا ترى قول إبراهيم ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال: هذا قول إبراهيم ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ولم يذكر الله بالإسلام والإيمان غير هذه الأمة، ذُكرت بالإيمان والإسلام جميعا، ولم نسمع بأمة ذكرت إلا بالإيمان، ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك، لأنه معلوم أن إبراهيم لم يسمّ أمة محمد مسلمين في القرآن، لأن القرآن أنزل من بعده بدهر طويل، وقد قال الله تعالى ذكره ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نزول القرآن، وفي القرآن، الله الذي لم يزل ولا يزال. وأما قوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ فإن معناه: من قبل نزول هذا القرآن في الكتب التي نزلت قبله، وفي هذا يقول: وفي هذا الكتاب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال. ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ وفي هذا القرآن.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قال مجاهد ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال: في الكتب كلها والذكر ﴿وفي هَذَا﴾ يعني القرآن، وقوله ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يقول تعالى ذكره اجتباكم الله وسماكم أيها المؤمنون بالله وآياته من أمة محمد ﷺ مسلمين، ليكون محمد رسول الله شهيدا عليكم يوم القيامة، بأنه قد بلَّغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم شهداء حينئذ على الرسل أجمعين، أنهم قد بلَّغوا أممهم ما أرسلوا به إليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: الله سماكم المسلمين من قبل ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بأنه بلَّغكم ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أن رسلهم قد بلغتهم. وبه عن قَتادة، قال: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبيّ، كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وقال الله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وكان يقال للنبيّ ﷺ: أنت شهيد على قومك، وقال الله ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وكان يقال للنبيّ ﷺ: سل تعطه، وقال الله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبيّ، كان يقال للنبيّ ﷺ: اذهب فليس عليك حرج، فقال الله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: وكان يقال للنبيّ ﷺ: أنت شهيد على قومك، وقال الله ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وكان يقال للنبيّ ﷺ: سل تعطه، وقال الله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يقول: فأدّوا الصلاة المفروضة لله عليكم بحدودها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ يقول: وثقوا بالله، وتوكلوا عليه في أموركم ﴿فَنِعْمَ المَوْلَى﴾ يقول: نعم الوليّ الله لمن فعل ذلك منكم، فأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله حقّ جهاده، واعتصم به ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ يقول: ونعم الناصر هو له على من بغاه بسوء.
المؤمنون 23:1
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد أدرك الذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات، الخلود في جنَّات ربهم وفازوا بطلبتهم لديه.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي! فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لما علمت فيها من الكرامة.
⁕ حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، قال: لما غرس الله تبارك وتعالى الجنة، نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
⁕ قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: لما خلق الله الجنة قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فأنزل به قرآنا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: "لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنًا بيده، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ".
* *
وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: الذين هم في صَلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها. وقيل إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت خالدًا، عن محمد بن سيرين، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى نظر إلى السماء، فأنزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد".
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة عن أبي جعفر، عن الحجاج الصّواف، عن ابن سيرين، قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فقالوا: بعد ذلك برءوسهم هكذا".
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: "نبئت أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آية، إن لم تكن ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فلا أدري أية آية هي، قال: فطأطأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد استعاد النظر فليغْمِض.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمد نحوه.
واختلف أهل التأويل في الذي عنى به في هذا الموضع من الخشوع، فقال بعضهم: عنى به سكون الأطراف في الصلاة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: السكون فيها.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: سكون المرء في صلاته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي سفيان الشيباني، عن رجل، عن عليّ، قال: سئل عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: لا تلتفت في صلاتك.
⁕ حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: قال ضمرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، عن الحسن، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الجناح.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾ قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون.
⁕ قال: ثنا الحسن، قال: ثني خالد بن عبد الله، عن المسعوديّ، عن أبي سنان، عن رجل من قومه، عن عليّ رضي الله عنه قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِينَ للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تلتفت.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء بن أبي رباح، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: التخشع في الصلاة. وقال لي غير عطاء: كان النبيّ ﷺ إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويساره ووُجاهه، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فما رُئي بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض.
وقال آخرون: عنى به الخوف في هذا الموضع.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: خائفون.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ يقول: خائفون ساكنون.
وقد بينا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلل والخضوع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره دلّ على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفت من قبل، من أنه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رُؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أُمر بتركه فيها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه معرضون.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: الباطل.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن المعاصي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: النبي ﷺ، ومن معه من صحابته، ممن آمن به واتبعه وصدقه كانوا "عن اللغو معرضون".
المؤمنون 23:2
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد أدرك الذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات، الخلود في جنَّات ربهم وفازوا بطلبتهم لديه.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي! فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لما علمت فيها من الكرامة.
⁕ حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، قال: لما غرس الله تبارك وتعالى الجنة، نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
⁕ قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: لما خلق الله الجنة قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فأنزل به قرآنا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: "لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنًا بيده، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ".
* *
وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: الذين هم في صَلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها. وقيل إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت خالدًا، عن محمد بن سيرين، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى نظر إلى السماء، فأنزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد".
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة عن أبي جعفر، عن الحجاج الصّواف، عن ابن سيرين، قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فقالوا: بعد ذلك برءوسهم هكذا".
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: "نبئت أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آية، إن لم تكن ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فلا أدري أية آية هي، قال: فطأطأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد استعاد النظر فليغْمِض.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمد نحوه.
واختلف أهل التأويل في الذي عنى به في هذا الموضع من الخشوع، فقال بعضهم: عنى به سكون الأطراف في الصلاة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: السكون فيها.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: سكون المرء في صلاته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي سفيان الشيباني، عن رجل، عن عليّ، قال: سئل عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: لا تلتفت في صلاتك.
⁕ حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: قال ضمرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، عن الحسن، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الجناح.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾ قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون.
⁕ قال: ثنا الحسن، قال: ثني خالد بن عبد الله، عن المسعوديّ، عن أبي سنان، عن رجل من قومه، عن عليّ رضي الله عنه قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِينَ للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تلتفت.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء بن أبي رباح، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: التخشع في الصلاة. وقال لي غير عطاء: كان النبيّ ﷺ إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويساره ووُجاهه، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فما رُئي بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض.
وقال آخرون: عنى به الخوف في هذا الموضع.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: خائفون.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ يقول: خائفون ساكنون.
وقد بينا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلل والخضوع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره دلّ على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفت من قبل، من أنه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رُؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أُمر بتركه فيها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه معرضون.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: الباطل.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن المعاصي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: النبي ﷺ، ومن معه من صحابته، ممن آمن به واتبعه وصدقه كانوا "عن اللغو معرضون".
المؤمنون 23:3
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد أدرك الذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات، الخلود في جنَّات ربهم وفازوا بطلبتهم لديه.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي! فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لما علمت فيها من الكرامة.
⁕ حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، قال: لما غرس الله تبارك وتعالى الجنة، نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
⁕ قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: لما خلق الله الجنة قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فأنزل به قرآنا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: "لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الألواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنًا بيده، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ".
* *
وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: الذين هم في صَلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون، وخشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها. وقيل إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت خالدًا، عن محمد بن سيرين، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى نظر إلى السماء، فأنزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد".
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة عن أبي جعفر، عن الحجاج الصّواف، عن ابن سيرين، قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فقالوا: بعد ذلك برءوسهم هكذا".
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: "نبئت أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آية، إن لم تكن ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فلا أدري أية آية هي، قال: فطأطأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد استعاد النظر فليغْمِض.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمد نحوه.
واختلف أهل التأويل في الذي عنى به في هذا الموضع من الخشوع، فقال بعضهم: عنى به سكون الأطراف في الصلاة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: السكون فيها.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: سكون المرء في صلاته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي سفيان الشيباني، عن رجل، عن عليّ، قال: سئل عن قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: لا تلتفت في صلاتك.
⁕ حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: قال ضمرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، عن الحسن، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الجناح.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾ قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون.
⁕ قال: ثنا الحسن، قال: ثني خالد بن عبد الله، عن المسعوديّ، عن أبي سنان، عن رجل من قومه، عن عليّ رضي الله عنه قال: الخشوع في القلب، وأن تُلِينَ للمرء المسلم كَنَفَك، ولا تلتفت.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء بن أبي رباح، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: التخشع في الصلاة. وقال لي غير عطاء: كان النبيّ ﷺ إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويساره ووُجاهه، حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فما رُئي بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض.
وقال آخرون: عنى به الخوف في هذا الموضع.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال: خائفون.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ يقول: خائفون ساكنون.
وقد بينا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلل والخضوع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره دلّ على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفت من قبل، من أنه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رُؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أُمر بتركه فيها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه معرضون.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: الباطل.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن المعاصي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: النبي ﷺ، ومن معه من صحابته، ممن آمن به واتبعه وصدقه كانوا "عن اللغو معرضون".
المؤمنون 23:4
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾
يقول: والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. ﴿حافظون﴾ يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج. ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني بذلك: إماءهم. و "ما" التي في قوله: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ محل خفض، عطفا على الأزواج. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
* *
وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
يقول: فمن التمس لفرجه مَنكَحًا سوى زوجته، وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: الذين يتعدّون الحلال إلى الحرام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: من زنى فهو عاد.
المؤمنون 23:5
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾
يقول: والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. ﴿حافظون﴾ يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج. ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني بذلك: إماءهم. و "ما" التي في قوله: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ محل خفض، عطفا على الأزواج. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
* *
وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
يقول: فمن التمس لفرجه مَنكَحًا سوى زوجته، وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: الذين يتعدّون الحلال إلى الحرام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: من زنى فهو عاد.
المؤمنون 23:6
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾
يقول: والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. ﴿حافظون﴾ يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج. ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني بذلك: إماءهم. و "ما" التي في قوله: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ محل خفض، عطفا على الأزواج. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
* *
وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
يقول: فمن التمس لفرجه مَنكَحًا سوى زوجته، وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: الذين يتعدّون الحلال إلى الحرام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: من زنى فهو عاد.
المؤمنون 23:7
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾
يقول: والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. ﴿حافظون﴾ يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج. ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني بذلك: إماءهم. و "ما" التي في قوله: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ محل خفض، عطفا على الأزواج. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
* *
وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
يقول: فمن التمس لفرجه مَنكَحًا سوى زوجته، وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حَرّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: الذين يتعدّون الحلال إلى الحرام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال: من زنى فهو عاد.
المؤمنون 23:8
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ التي ائتمنوا عليها ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ وهو عقودهم التي عاقدوا الناس ﴿رَاعُونَ﴾ يقول: حافظون لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار إلا ابن كثير: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ على الجمع. وقرأ ذلك ابن كثير: "لأمانَتِهِم" على الواحدة.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لأمَانَاتِهِمْ﴾ لإجماع الحجة من القراء عليها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
يقول: والذين هم على أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها ولا يشتغلون عنها حتى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتى يؤدوها فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: على وقتها.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ على ميقاتها.
⁕ حدثنا ابن عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرنا ابن زَحر، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح. قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: أقام الصلاة لوقتها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلواتهم دائمون.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: دائمون، قال: يعني بها المكتوبة.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم في الدنيا، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن رسول الله ﷺ، وتأوله أهل التأويل.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش. عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَلَهُ مَنزلانِ: مَنزل فِي الجَنَّةِ، ومَنزلٌ فِي النَّارِ، وَإنْ ماتَ وَدَخَل النَّارَ وَرِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنزلَهُ" فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ .
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم التي أعدّت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر. عن الأعمش، عن أبي هريرة، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم الذين أعدت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الوارثون الجنة أورثتموها، والجنة التي نورث من عبادنا هن سواء، قال ابن جريج: قال مجاهد: يرث الذي من أهل الجنة أهله وأهل غيره، ومنزل الذين من أهل النار، هم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أنه منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فَيَبْنِي منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله في النار. وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة. ويبني منزله الذي في النار. قال ابن جريج: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، أنه قال مثل ذلك.
المؤمنون 23:9
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ التي ائتمنوا عليها ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ وهو عقودهم التي عاقدوا الناس ﴿رَاعُونَ﴾ يقول: حافظون لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار إلا ابن كثير: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ على الجمع. وقرأ ذلك ابن كثير: "لأمانَتِهِم" على الواحدة.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لأمَانَاتِهِمْ﴾ لإجماع الحجة من القراء عليها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
يقول: والذين هم على أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها ولا يشتغلون عنها حتى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتى يؤدوها فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: على وقتها.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ على ميقاتها.
⁕ حدثنا ابن عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرنا ابن زَحر، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح. قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: أقام الصلاة لوقتها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلواتهم دائمون.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: دائمون، قال: يعني بها المكتوبة.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم في الدنيا، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن رسول الله ﷺ، وتأوله أهل التأويل.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش. عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَلَهُ مَنزلانِ: مَنزل فِي الجَنَّةِ، ومَنزلٌ فِي النَّارِ، وَإنْ ماتَ وَدَخَل النَّارَ وَرِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنزلَهُ" فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ .
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم التي أعدّت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر. عن الأعمش، عن أبي هريرة، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم الذين أعدت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الوارثون الجنة أورثتموها، والجنة التي نورث من عبادنا هن سواء، قال ابن جريج: قال مجاهد: يرث الذي من أهل الجنة أهله وأهل غيره، ومنزل الذين من أهل النار، هم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أنه منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فَيَبْنِي منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله في النار. وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة. ويبني منزله الذي في النار. قال ابن جريج: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، أنه قال مثل ذلك.
المؤمنون 23:10
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ التي ائتمنوا عليها ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ وهو عقودهم التي عاقدوا الناس ﴿رَاعُونَ﴾ يقول: حافظون لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار إلا ابن كثير: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ﴾ على الجمع. وقرأ ذلك ابن كثير: "لأمانَتِهِم" على الواحدة.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿لأمَانَاتِهِمْ﴾ لإجماع الحجة من القراء عليها.
* *
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
يقول: والذين هم على أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها ولا يشتغلون عنها حتى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتى يؤدوها فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: على وقتها.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ على ميقاتها.
⁕ حدثنا ابن عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرنا ابن زَحر، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح. قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: أقام الصلاة لوقتها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلواتهم دائمون.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال: دائمون، قال: يعني بها المكتوبة.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم في الدنيا، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن رسول الله ﷺ، وتأوله أهل التأويل.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش. عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَلَهُ مَنزلانِ: مَنزل فِي الجَنَّةِ، ومَنزلٌ فِي النَّارِ، وَإنْ ماتَ وَدَخَل النَّارَ وَرِثَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنزلَهُ" فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ .
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم التي أعدّت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر. عن الأعمش، عن أبي هريرة، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: يرثون مساكنهم، ومساكن إخوانهم الذين أعدت لهم لو أطاعوا الله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الوارثون الجنة أورثتموها، والجنة التي نورث من عبادنا هن سواء، قال ابن جريج: قال مجاهد: يرث الذي من أهل الجنة أهله وأهل غيره، ومنزل الذين من أهل النار، هم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أنه منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فَيَبْنِي منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله في النار. وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة. ويبني منزله الذي في النار. قال ابن جريج: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، أنه قال مثل ذلك.
المؤمنون 23:11
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ﴾ البستان ذا الكرم، وهو الفردوس عند العرب. وكان مجاهد يقول: هو بالرومية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ قال: الفردوس: بستان بالرومية.
قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: عدن حديقة في الجنة، قصرها فيها عدنها، خلقها بيده، تفتح كل فجر فينظر فيها، ثم يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قال: هي الفردوس أيضا تلك الحديقة، قال مجاهد: غرسها الله بيده، فلما بلغت قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم أمر بها تغلق، فلا ينظر فيها خلق ولا ملك مقرب، ثم تفتح كل سحر، فينظر فيها فيقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم تغلق إلى مثلها.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قتل حارثة بن سُراقة يوم بدر، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابني من أهل الجنة؛ لم أبك عليه، وإن كان من أهل النار؛ بالغت في البكاء. قال: "يا أُمَّ حارِثَةَ، إنَّها جَنَّتان في جَنَّةٍ، وإنَّ ابْنَكِ قَدْ أصابَ الْفِردوْس الأعلى من الجَنَّةِ".
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن كعب قال: خلق الله بيده جنة الفردوس، غرسها بيده. ثم قال: تكلمي، قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن حسام بن مصك، عن قتادة أيضا، مثله. غير أنه قال: تكلمي، قالت: طوبى للمتَّقين.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي داود نفيع، قال: لما خلقها الله، قال لها: تزيني؛ فتزينت، ثم قال لها: تكلمي؛ فقالت: طوبى لمن رضيتَ عنه.
* *
وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
يعني ماكثون فيها، يقول: هؤلاء الذين يرثون الفردوس خالدون، يعني ماكثون فيها أبدًا، لا يتحوّلون عنها.
المؤمنون 23:12
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أسللناه منه، فالسلالة: هي المستلة من كلّ تربة، ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالإنسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتَادة: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ قال: استلّ آدم من الطين.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قال: استلّ آدم من طين، وخُلقت ذرّيته من ماء مهين.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلَّت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خُلق من طين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قال: صفوة الماء.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (مِنْ سُلالَةٍ) من منيّ آدم.
⁕ حدثنا القاسم. قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سُلالة آدم، وهي صفة مائه، وآدم هو الطين؛ لأنه خُلق منه.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لدلالة قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ على أن ذلك كذلك؛ لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوّله من صلبه صار في قرار مكين؛ والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه، ومن السُّلالة قول بعضهم:
حَمَلتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنفرًا ... سُلالَةَ فَرجٍ كان غيرَ حَصِين [[البيت لحسان بن ثابت (اللسان: سلل) وفيه: فجاءت في موضع حملت. وهو شاهد على أن السلالة بمعنى نطفة الإنسان، وسلالة الشيء: ما استل من. واستشهد به المؤلف على أن العرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سلالة. وفي اللسان: وقال الفراء: السلالة الذي سل من كل تربة. وقال أبو الهيثم: السلالة: ما سل من صلب الرجل وترائب المرأة، كما يسل الشيء سلا. والسليل: الولد حين يخرج من بطن أمه، لأنه خلق من السلالة. وعن عكرمة أنه قال في السلالة: إنه الماء يسل من الظهر سلا. وعضب الأديم: غليظ الجلد، ولعله يريد وصفه بالشدة والقسوة. ولم أجد هذا التعبير في معاجم اللغة، ووجدته في حاشية جانبية على نسخة مصورة من مجاز القران محفوظة بمكتبة جامعة القاهرة، رقمها٢٦٠٥٩ عند تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ .]]
وقول الآخر:
وَهَلْ كُنْتُ إلا مُهْرَةً عَرَبِيَّةً ... سُلالَةَ أفْراسٍ تجَللها بَغْلُ [[البيت لهند بنت النعمان (اللسان: سلل) . وروايته: "وما هند إلا مهرة". وهو شاهد على أن السليل الولد، والأنثى سليلة، قال أبو عمرو: السليلة بنت الرجل من صلبه. وتجللها: علاها. والمراد بالبغل هنا: الرجل الشبيه بالبغل والبغل مذموم عند العرب. وفي اللسان: سلل: قال ابن بري: وذكر بعضهم أنها تصحيف، وأن صوابه "نغل" بالنون، وهو الخسيس من الناس والدواب، لأن البغل لا ينسل. وقال ابن شميل: يقال للإنسان أول ما تضعه أمه: سليل. والسليل والسليلة: المهر والمهرة.]]
فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل، وليس بالكثير. لأن السلائل جمع للسليل، ومنه قول بعضهم:
إذا أُنْتِجَتْ مِنْها المَهارَى تَشابَهَتْ ... عَلى القَوْد إلا بالأنُوفِ سَلائلُهْ [[لم أجد هذا البيت في معاني القرآن للفراء ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة، ولا في شواهد معاجم اللغة. وهو شاهد على أن السلائل جمع سلالة، وقد شرحنا معناها في الشاهدين السابقين بما أغنى عن تكراره هنا.]]
وقول الراجز:
يَقْذِفْنَ فِي أسْلابِها بالسَّلائِلِ [[كذا ورد هذا الشطر في الأصول محرفًا وحسبه المؤلف من الرجز، ويلوح لي أن هذا جزء من بيت للنابغة الذبياني نسخه بعض النساخ في بعض الكتب، ولم يفطن له المؤلف. وبيت النابغة من البحر الطويل، وهو من قصيدة له يصف الخيل في وقعة عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ببني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، قال فيها: وَقَدْ خِفْتُ حتى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلى وَعِلٍ فِي ذِي المَطَارَةِ عَاقِلِ
مَخَافَةَ عَمْرٍو أَنْ تَكُونَ جِيَادُهُ ... يُقَدْنَ إِلَيْنَا بَيْنَ حَافٍ وَنَاعِلِ
إِذَا اسْتَعْجَلُوهَا عَنْ سَجِيَّةِ مَشْيِهَا ... تَتَلَّعُ فِي أَعْنَاقِهَا بِالجَحَافِلِ
وَيَقْذِفْنَ بِالأَوْلادِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ... تَشَحَّطُ فِي أسْلائِهَا كَالْوَصَائِلِ
وهذا البيت الأخير هو محل الشاهد في بحثنا وليس فيه شاهد للمؤلف على السلائل جمع السلالة، لأنها لم تذكر في البيت ولا في القصيدة كلها. وأصل تشحط: تتشحط، أي تضطرب يريد أولاد الخيل. والسلى: الجلدة التي يكون فيها الولد من الإنسان أو الحيوان إذا ولد. الوصائل الثياب الحمر المخططة. والمراد أن الأسلاب كانت موشحة بالدم، وانظر البيت في (اللسان: شحط) وفي المخصص. لابن سيده (١: ١٧) ومختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا (طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة ص ٢١١) .]]
المؤمنون 23:13
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، وهو حيث استقرّت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة، ووصفه بأنه مكين؛ لأنه مكن لذلك، وهيأ له ليستقرّ فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾
يقول: ثم صيرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقة، وهي القطعة من الدم، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهي القطعة من اللحم.
* *
وقوله: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾
يقول: فجعلنا تلك المضغة اللحم عظاما. وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق سوى عاصم: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ على الجمع، وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك: ﴿عَظْما﴾ في الحرفين على التوحيد جميعا.
والقراءة التي نختار في ذلك الجمع؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.
* *
وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾
يقول: فألبسنا العظام لحما. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عَظْما﴾ وعصبا، فكسوناه لحما.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾
يقول: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر. وهذه الهاء التي في: ﴿أَنْشَأْنَاهُ﴾ عائدة على الإنسان في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ﴾ قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والمضغة، جعل ذلك كله كالشيء الواحد. فقيل: ثم أنشأنا ذلك خلقا آخر.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ فقال بعضهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر: نفخه الروح فيه؛ فيصير حينئذ إنسانا، وكان قبل ذلك صورة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس، بمثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بمثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح، فهو الخلق الآخر الذي ذكر.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾ يعني الروح تنفخ فيه بعد الخلق.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) قال: الروح الذي جعله فيه.
وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر، تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة في الطفولة والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر والسنّ، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يقول: خرج من بطن أمه بعد ما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دُلّ على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: يقول بعضهم: هو نبات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: يقال الخلق الآخر بعد خروجه من بطن أمه بسنه وشعره.
وقال آخرون: بل عنى بإنشائه خلقا آخر: سوَّى شبابه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: حين استوى شبابه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد: حين استوى به الشباب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك نفخ الروح فيه، وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحول خلقا آخر إنسانا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم وبنفخ الروح فيه، يتحوّل عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تحوّل أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا، وخلقا آخر غير الطين الذي خلق منه.
* *
وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه فتبارك الله أحسن الصانعين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين.
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لأن عيسى ابن مريم كان يخلق، فأخبر جل ثناؤه عن نفسه أنه يخلق أحسن مما كان يخلق.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال: عيسى ابن مريم يخلق.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تسمي كل صانع خالقا، ومنه قول زهير:
وَلأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي [[البيت لزهير بن أبي سلمى يمدح رجلا (اللسان: خلق) يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه، لأنه ليس بماض العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه. والخلق: التقدير، يقال: خلق الأديم يخلقه خلقًا: قدره لما يريد قبل القطع، وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا. ولذلك سمت العرب كل صانع كالنجار والخياط ونحوهما خالقًا، لأنه يقيس الخشب ويقدره على ما يريده له. والفري: القطع بعد التقدير، وقد يكون قبله، بأن يقطع قطعة من جلد أو ثوب قطعًا مقاربًا، ثم يصلحها ويسويها بالحساب والتقدير، على ما يريده ولذلك جاءت رواية أخرى في البيت: ولأنت تخلق ما فريت ... إلخ.]]
ويروى:
ولأنْت تخْلُقُ ما فَريت وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
المؤمنون 23:14
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، وهو حيث استقرّت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة، ووصفه بأنه مكين؛ لأنه مكن لذلك، وهيأ له ليستقرّ فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾
يقول: ثم صيرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقة، وهي القطعة من الدم، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهي القطعة من اللحم.
* *
وقوله: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾
يقول: فجعلنا تلك المضغة اللحم عظاما. وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق سوى عاصم: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ على الجمع، وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك: ﴿عَظْما﴾ في الحرفين على التوحيد جميعا.
والقراءة التي نختار في ذلك الجمع؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.
* *
وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾
يقول: فألبسنا العظام لحما. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عَظْما﴾ وعصبا، فكسوناه لحما.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾
يقول: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر. وهذه الهاء التي في: ﴿أَنْشَأْنَاهُ﴾ عائدة على الإنسان في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ﴾ قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والمضغة، جعل ذلك كله كالشيء الواحد. فقيل: ثم أنشأنا ذلك خلقا آخر.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ فقال بعضهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر: نفخه الروح فيه؛ فيصير حينئذ إنسانا، وكان قبل ذلك صورة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس، بمثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح.
⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بمثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: نفخ فيه الروح، فهو الخلق الآخر الذي ذكر.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾ يعني الروح تنفخ فيه بعد الخلق.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) قال: الروح الذي جعله فيه.
وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر، تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة في الطفولة والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر والسنّ، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يقول: خرج من بطن أمه بعد ما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دُلّ على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: يقول بعضهم: هو نبات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: يقال الخلق الآخر بعد خروجه من بطن أمه بسنه وشعره.
وقال آخرون: بل عنى بإنشائه خلقا آخر: سوَّى شبابه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: حين استوى شبابه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد: حين استوى به الشباب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك نفخ الروح فيه، وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحول خلقا آخر إنسانا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم وبنفخ الروح فيه، يتحوّل عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تحوّل أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا، وخلقا آخر غير الطين الذي خلق منه.
* *
وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه فتبارك الله أحسن الصانعين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين.
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لأن عيسى ابن مريم كان يخلق، فأخبر جل ثناؤه عن نفسه أنه يخلق أحسن مما كان يخلق.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال: عيسى ابن مريم يخلق.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تسمي كل صانع خالقا، ومنه قول زهير:
وَلأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي [[البيت لزهير بن أبي سلمى يمدح رجلا (اللسان: خلق) يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه، لأنه ليس بماض العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه. والخلق: التقدير، يقال: خلق الأديم يخلقه خلقًا: قدره لما يريد قبل القطع، وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا. ولذلك سمت العرب كل صانع كالنجار والخياط ونحوهما خالقًا، لأنه يقيس الخشب ويقدره على ما يريده له. والفري: القطع بعد التقدير، وقد يكون قبله، بأن يقطع قطعة من جلد أو ثوب قطعًا مقاربًا، ثم يصلحها ويسويها بالحساب والتقدير، على ما يريده ولذلك جاءت رواية أخرى في البيت: ولأنت تخلق ما فريت ... إلخ.]]
ويروى:
ولأنْت تخْلُقُ ما فَريت وَبَعْ ... ضُ القَوْمِ يخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
المؤمنون 23:15
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم إنكم أيها الناس من بعد إنشائكم خلقا آخر وتصييرناكم إنسانا سويا ميتون وعائدون ترابا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعودكم رفاتا باليا، مبعوثون من التراب خلقا جديدا، كما بدأناكم أوّل مرّة. وإنما قيل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ؛ لأنه خبر عن حال لهم يحدث لم يكن. وكذلك تقول العرب لمن لم يمت: هو مائت وميت عن قليل، ولا يقولون لمن قد مات مائت، وكذلك هو طمع فيما عندك إذا وصف بالطمع، فإذا أخبر عنه أنه سيفعل ولم يفعل قيل: هو طامع فيما عندك غدا، وكذلك ذلك في كلّ ما كان نظيرا لما ذكرناه.
المؤمنون 23:16
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم إنكم أيها الناس من بعد إنشائكم خلقا آخر وتصييرناكم إنسانا سويا ميتون وعائدون ترابا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعودكم رفاتا باليا، مبعوثون من التراب خلقا جديدا، كما بدأناكم أوّل مرّة. وإنما قيل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ؛ لأنه خبر عن حال لهم يحدث لم يكن. وكذلك تقول العرب لمن لم يمت: هو مائت وميت عن قليل، ولا يقولون لمن قد مات مائت، وكذلك هو طمع فيما عندك إذا وصف بالطمع، فإذا أخبر عنه أنه سيفعل ولم يفعل قيل: هو طامع فيما عندك غدا، وكذلك ذلك في كلّ ما كان نظيرا لما ذكرناه.
المؤمنون 23:17
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا فوقكم أيها الناس سبع سموات، بعضهن فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. وإنما قيل للسموات السبع سبع طرائق؛ لأن بعضهنّ فوق بعض، فكلّ سماء منهنّ طريقة.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال: الطرائق: السموات.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾
يقول: وما كنا في خلقنا السموات السبع فوقكم، عن خلقنا الذي تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تسقط عليهم فتهلكهم.
المؤمنون 23:18
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: وأنزلنا من السماء ما في الأرض من ماء فأسكناه فيها.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ﴾ ماء هو من السماء.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾
يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكناه في الأرض لقادرون أن نذهب به، فتهلكوا أيها الناس عطشا، وتخرب أرضوكم، فلا تنبت زرعا ولا غرسا، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فأحدثنا لكم بالماء الذي أنزلناه من السماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يقول: ومن الفواكه تأكلون، وقد يجوز أن تكون الهاء والألف من ذكر الجنات، ويحتمل أن تكون من ذكر النخيل والأعناب. وخصّ جل ثناؤه الجنات التي ذكرها في هذا الموضع، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب، دون وصفها بسائر ثمار الأرض؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما أعظم ثمار الحجاز وما قرب منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكَّر القوم بما يعرفون من نعمة الله عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها.
المؤمنون 23:19
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: وأنزلنا من السماء ما في الأرض من ماء فأسكناه فيها.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ﴾ ماء هو من السماء.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾
يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكناه في الأرض لقادرون أن نذهب به، فتهلكوا أيها الناس عطشا، وتخرب أرضوكم، فلا تنبت زرعا ولا غرسا، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فأحدثنا لكم بالماء الذي أنزلناه من السماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يقول: ومن الفواكه تأكلون، وقد يجوز أن تكون الهاء والألف من ذكر الجنات، ويحتمل أن تكون من ذكر النخيل والأعناب. وخصّ جل ثناؤه الجنات التي ذكرها في هذا الموضع، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب، دون وصفها بسائر ثمار الأرض؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما أعظم ثمار الحجاز وما قرب منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكَّر القوم بما يعرفون من نعمة الله عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها.
المؤمنون 23:20
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ (٢٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضا شجرة تخرج من طور سيناء وشجرة منصوبة عطفا على الجنات ويعني بها: شجرة الزيتون.
* *
وقوله: ﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾
يقول: تخرج من جبل ينبت الأشجار.
وقد بيَّنت معنى الطور فيما مضى بشواهده، واختلاف المختلفين بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما قوله: ﴿سَيْنَاءَ﴾ فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: ﴿سِيناء﴾ بكسر السين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿سَيْنَاءَ﴾ بفتح السين، وهما جميعا مجمعون على مدّها.
والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: المبارك، كأن معنى الكلام عنده: وشجرة تخرج من جبل مبارك.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: المبارك.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: هو جبل بالشام مبارك.
وقال آخرون: معناه: حسن.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: هو جبل حسن.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ الطور: الجبل بالنبطية، وسيناء، حسنة بالنبطية.
وقال آخرون: هو اسم جبل معروف.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: الجبل الذي نودي منه موسى ﷺ.
⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ قال: هو جبل الطور الذي بالشام، جبل ببيت المقدس، قال: ممدود، هو بين مصر وبين أيلة.
وقال آخرون: معناه: أنه جبل ذو شجر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عمن قاله.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن سيناء اسم أضيف إليه الطور يعرف به، كما قيل: جبلا طيئ، فأضيفا إلى طيئ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال: معناه: جبل مبارك، أو كما قال من قال: معناه حسن، لكان الطور منوّنا، وكان قوله سيناء من نعته، على أن سيناء بمعنى: مبارك وحسن، غير معروف في كلام العرب، فيجعل ذلك من نعت الجبل، ولكن القول في ذلك إن شاء الله كما قال ابن عباس، من أنه جبل عرف بذلك، وأنه الحبل الذي نودي منه موسى ﷺ، وهو مع ذلك مبارك، لا أن معنى سيناء: معنى مبارك.
* *
وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿تُنْبِتُ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿تَنْبُت﴾ بفتح التاء، بمعنى: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن، وقرأه بعض قرّاء البصرة: ﴿تُنْبِت﴾ بضم التاء، بمعنى تنبت الدهن، تخرجه. وذكر أنها في قراءة عبد الله: ﴿تُخْرجُ الدُّهْن﴾ وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدة كما قيل: أخذت ثوبه، وأخذت بثوبه، وكما قال الراجز:
نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أرْبابُ الفَلَجْ ... نَضْرِبُ بِالبيضِ وَنَرْجُو بالفَرَج [[البيت لنابغة بني جعدة (خزانة الأدب للبغدادي ٤: ١٦٠) والفلج في الأصل النهر الصغير، والماء الجاري. والمراد في البيت: موضع في أعلى بلاد قيس. ويروى (نضرب بالسيف) . والبيض: جمع أبيض، وهو السيف. والبيت شاهد على زيادة الباء في قوله بالفرج، أي ونرجو الفرج. وهي زائدة في المفعول به سماعًا. قال ابن عصفور في الضرائر: زيادة الباء هنا: ضرورة. وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب لابن قتيبة: إنما عدى الرجاء بالباء، لأنه بمعنى الطمع يتعدى بالباء، كقولك: طمعت بكذا. قال الشاعر: طَمِعْتُ بِلَيْلَى أنْ تجُودَ وَإِنَّمَا ... تُقَطِّعُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ المَطَامِعُ
وبنو جعدة يروى بالرفع على أنه خبر نحن، وبالنصب على الاختصاص، والخبر: أرباب. اهـ.]]
بمعنى: ونرجو الفرج. والقول عندي في ذلك أنهما لغتان: نبت، وأنبت؛ ومن أنبت قول زهير:
رأيْتَ ذوي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... قَطِينا لَهُمْ حتى إذا أنْبَتَ البَقْلُ [[البيت في (اللسان نبت) قال: ونبت البقل وأنبت بمعنى، وأنشد لزهير بن أبي سلمى: إذَا السَّنَةُ الشَّهْبَاءُ بِالنَّاسِ أجْحَفَتْ ... وَنَالَ كِرَامَ النَّاسِ فِي الحَجْرةِ الأَكلُ
ثم قال: يعني بالشهباء البيضاء من الجدب، لأنها تبيض بالثلج أو عدم النبت. والحجرة السنة الشديدة التي تحجر الناس في بيوتهم، فينحروا كرائم إبلهم ليأكلوها. والقطين: الحشم، وسكان الدار. وأجحفت أضرت بهم، وأهلكت أموالهم. قال: ونبت وأنبت: مثل قولهم مطرت السماء وأمطرت. وقال في قوله تعالى: ﴿تنبت بالدهن﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو الحضرمي: ﴿تنبت﴾ بضم في التاء، وكسر الباء. وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: بفتح التاء. وقال الفراء: هما لغتان: نبتت الأرض وأنبتت، قال ابن سيده: أما تنبت (بضم التاء) فذهب كثير من الناس إلى أن معناه: تنبت الدهن، أي شجر الدهن، أو حب الدهن، وأن الباء فيه زائدة، وكذلك قول عنترة " شربت بماء الدحرضين ... البيت " قالوا: أراد شربت ماء الدحرضين. قال: وهذا عند حذاق أصحابنا على غير وجه الزيادة، وإنما تأويله والله أعلم: تنبت ما تنبته والدهن فيها، كما تقول: خرج زيد بثيابه عليه؛ وركب الأمير بسيفه، أي وسيفه معه. اهـ.]]
ويروى: نبت، وهو كقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ و"فاسر"، غير أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءة التي لا أختار غيرها في ذلك قراءة من قرأ: ﴿تَنْبُت﴾ بفتح التاء؛ لإجماع الحجة من القرّاء عليها. ومعنى ذلك: تَنْبُت هذه الشجرة بثمر الدهن.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ قال: بثمره.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.
والدهن الذي هو من ثمره الزيت،
كما:-
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ يقول: هو الزيت يوكل، ويدهن به.
* *
وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾
يقول: تنبت بالدهن وبصبغ للآكلين، يصطبغ بالزيت الذين يأكلونه.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ قال: هذا الزيتون صبغ للآكلين، يأتدمون به، ويصطبغون به.
قال أبو جعفر: فالصبغ عطف على الدهن.
المؤمنون 23:21
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم، وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يعجزه شيء شاءه ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ﴿وَلَكُمْ﴾ مع ذلك
﴿فِيهَا﴾ يعني في الأنعام ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ وذلك كالإبل التي يُحمل عليها، ويُركب ظهرها، ويُشرب درّها، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني من لحومها تأكلون.
* *
وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
يقول: وعلى الأنعام، وعلى السفن تحملون على هذه في البر، وعلى هذه في البحر.
المؤمنون 23:22
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم، وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يعجزه شيء شاءه ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ﴿وَلَكُمْ﴾ مع ذلك
﴿فِيهَا﴾ يعني في الأنعام ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ وذلك كالإبل التي يُحمل عليها، ويُركب ظهرها، ويُشرب درّها، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني من لحومها تأكلون.
* *
وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
يقول: وعلى الأنعام، وعلى السفن تحملون على هذه في البر، وعلى هذه في البحر.
المؤمنون 23:23
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
المؤمنون 23:24
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
المؤمنون 23:25
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
المؤمنون 23:26
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
المؤمنون 23:27
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا، والبراءة من كل معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوح ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوه لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً﴾ يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئًا سواه؛ لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدّي إليكم رسالته.
* *
وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
الذي يدعونا إليه نوح، من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الأولون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) ﴾
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجنّ: جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كناية اسم نوح.
* *
وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين، يقول: إلى وقت مَّا، ولم يَعْنُوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم مَّا، أو إلى وقت مَّا، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يقول: قال نوح داعيا ربه، مستنصرا به على قومه؛ لما طال أمره وأمرهم، وتمادوا في غيهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلَّغتُهم من رسالتك، ودعوتهم إليه من توحيدك.
* *
وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنِا وَوَحْيِنَا﴾
يقول: فقلنا له حين استنصرنَا على كَفَرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة؛ بأعيننا، يقول: بمرأى منا، ومنظر، ووحينا، يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ .
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور. والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول: فادخل في الفلك واحمل. والهاء والألف في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكر الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه، ومن سلكته قول الشاعر:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ [[البيت لعدي بن زيد العبادي (انظر شرحنا له في ص ٨٢ من الجزء الثاني عشر من هذا التفسير، وقد استشهد به المؤلف هناك عند قوله تعالى ﴿وقال هذا يوم عصيب) أي شديد واستشهد به هنا على أنه يقال: سلكته في كذا بمعنى أدخلته فيه وأسلكته فيه، والبيت شاهد على الأول. قال في اللسان (اللسان: سلك) والسلك، بالفتح: مصدر سلكت الشيء في الشيء، فانسلك أي أدخلته فيه فدخل. قال عدي بن زيد: " وكنت لزاز....." كما استشهد به المؤلف مرة أخرى في (١٤: ٩) من هذه الطبعة عند قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبعضهم يقول: أسلكت بالألف، ومنه قول الهُذَلي.
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ ... شَلا كمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّردَا [[البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي (اللسان: سلك) . قال: وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا، وسلكه غيره (بنصب غير) وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه (بمعنى أدخله فيه) قال عبد مناف بن ربع الهذلي: " حتى إذا أسلكوهم ... البيت ". وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في ص ٩ من الجزء الرابع عشر من هذه الطبعة) عند قوله تعالى: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ فراجعه ثمة.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وهم ولده ونساؤهم ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله بأنه هالك، فيمن يهلك من قومك، فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق.
ويعني بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهلك، والهاء والميم في قوله ﴿منهم﴾ من ذكر الأهل.
* *
وقوله: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي﴾
الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم.
المؤمنون 23:28
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومن معك، ممن حملته معك من أهلك، راكبا فيها عاليا فوقها ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني من المشركين.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلمك الله، وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا﴾ من الأرض ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ﴾ من أنزل عباده المنازل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿مُنزلا مُبَارَكًا﴾ قال: لنوح حين نزل من السفينة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا﴾ بضم الميم وفتح الزاي، بمعنى: أنزلني إنزالا مباركا. وقرأه عاصم ﴿مَنزلا﴾ بفتح الميم وكسر الزاي. بمعنى: أنزلني مكانًا مباركًا وموضعا.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾
يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد، من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا، وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام- لعبرا لقومك من مشركي قريش، وعظات وحُجَجا لنا، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم، فينزجروا عن كفرهم، ويرتدعوا عن تكذيبك، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم.
المؤمنون 23:29
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومن معك، ممن حملته معك من أهلك، راكبا فيها عاليا فوقها ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني من المشركين.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلمك الله، وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا﴾ من الأرض ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ﴾ من أنزل عباده المنازل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿مُنزلا مُبَارَكًا﴾ قال: لنوح حين نزل من السفينة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا﴾ بضم الميم وفتح الزاي، بمعنى: أنزلني إنزالا مباركا. وقرأه عاصم ﴿مَنزلا﴾ بفتح الميم وكسر الزاي. بمعنى: أنزلني مكانًا مباركًا وموضعا.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾
يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد، من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا، وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام- لعبرا لقومك من مشركي قريش، وعظات وحُجَجا لنا، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم، فينزجروا عن كفرهم، ويرتدعوا عن تكذيبك، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم.
المؤمنون 23:30
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومن معك، ممن حملته معك من أهلك، راكبا فيها عاليا فوقها ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني من المشركين.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلمك الله، وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا﴾ من الأرض ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ﴾ من أنزل عباده المنازل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿مُنزلا مُبَارَكًا﴾ قال: لنوح حين نزل من السفينة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا﴾ بضم الميم وفتح الزاي، بمعنى: أنزلني إنزالا مباركا. وقرأه عاصم ﴿مَنزلا﴾ بفتح الميم وكسر الزاي. بمعنى: أنزلني مكانًا مباركًا وموضعا.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾
يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد، من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا، وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام- لعبرا لقومك من مشركي قريش، وعظات وحُجَجا لنا، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم، فينزجروا عن كفرهم، ويرتدعوا عن تكذيبك، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم.
المؤمنون 23:31
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد مَهْلِك قوم نوح، قرنا آخرين، فأوجدناهم ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ داعيا لهم، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يا قوم، وأطيعوه دون الآلهة والأصنام، فإن العبادة لا تنبغي إلا له ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يصلح أن تعبدوا سواه ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه، وهو الإله الذي لا إله لكم سواه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح، وعَنَى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، وبقومه: ثمود. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ﴾ يقول: الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا بلقاء الآخرة، يعني، كذّبوا بلقاء الله في الآخرة.
* *
وقوله: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
يقول: ونعَّمناهم في حياتهم الدنيا بما وسَّعنا عليهم من المعاش، وبسطنا لهم من الرزق، حتى بَطِرُوا وعَتوْا على ربهم، وكفروا، ومنه قول الراجز:
وَقَدْ أُرَانِي بِالدِّيَارِ مُتْرَفا [[البيت للعجاج (أراجيز العرب للسيد محمد توفيق البكري ص ١٩) قال في شرحه له: وقد أراني أي قد كنت أرني. والمترف من الترف، وهو النعيم والرفه. وفي (اللسان: ترف) : والمترف: المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهوتها. ورجل مترف، ومترف كمعظم: موسع عليه. وترف الرجل وأترفه: دلّله وملكه. وقوله تعالى ﴿إلا قال مترفوها﴾ : أي أولوا الترف وأراد رؤساءها وقادة الشر منها.]]
* *
وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾
يقول: قالوا: بعث الله صالحا إلينا رسولا من بيننا، وخصه بالرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا، يأكل مما نأكل منه من الطعام، ويشرب مما نشرب، وكيف لم يرسل ملكا من عنده يبلغنا رسالته، قال: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ معناه: مما تشربون منه، فحذف من الكلام "منه"؛ لأن معنى الكلام: ويشرب من شرابكم، وذلك أن العرب تقول: شربت من شرابك.
المؤمنون 23:32
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد مَهْلِك قوم نوح، قرنا آخرين، فأوجدناهم ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ داعيا لهم، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يا قوم، وأطيعوه دون الآلهة والأصنام، فإن العبادة لا تنبغي إلا له ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يصلح أن تعبدوا سواه ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه، وهو الإله الذي لا إله لكم سواه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح، وعَنَى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، وبقومه: ثمود. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ﴾ يقول: الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا بلقاء الآخرة، يعني، كذّبوا بلقاء الله في الآخرة.
* *
وقوله: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
يقول: ونعَّمناهم في حياتهم الدنيا بما وسَّعنا عليهم من المعاش، وبسطنا لهم من الرزق، حتى بَطِرُوا وعَتوْا على ربهم، وكفروا، ومنه قول الراجز:
وَقَدْ أُرَانِي بِالدِّيَارِ مُتْرَفا [[البيت للعجاج (أراجيز العرب للسيد محمد توفيق البكري ص ١٩) قال في شرحه له: وقد أراني أي قد كنت أرني. والمترف من الترف، وهو النعيم والرفه. وفي (اللسان: ترف) : والمترف: المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهوتها. ورجل مترف، ومترف كمعظم: موسع عليه. وترف الرجل وأترفه: دلّله وملكه. وقوله تعالى ﴿إلا قال مترفوها﴾ : أي أولوا الترف وأراد رؤساءها وقادة الشر منها.]]
* *
وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾
يقول: قالوا: بعث الله صالحا إلينا رسولا من بيننا، وخصه بالرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا، يأكل مما نأكل منه من الطعام، ويشرب مما نشرب، وكيف لم يرسل ملكا من عنده يبلغنا رسالته، قال: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ معناه: مما تشربون منه، فحذف من الكلام "منه"؛ لأن معنى الكلام: ويشرب من شرابكم، وذلك أن العرب تقول: شربت من شرابك.
المؤمنون 23:33
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد مَهْلِك قوم نوح، قرنا آخرين، فأوجدناهم ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ داعيا لهم، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يا قوم، وأطيعوه دون الآلهة والأصنام، فإن العبادة لا تنبغي إلا له ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يصلح أن تعبدوا سواه ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه، وهو الإله الذي لا إله لكم سواه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح، وعَنَى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، وبقومه: ثمود. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ﴾ يقول: الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا بلقاء الآخرة، يعني، كذّبوا بلقاء الله في الآخرة.
* *
وقوله: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
يقول: ونعَّمناهم في حياتهم الدنيا بما وسَّعنا عليهم من المعاش، وبسطنا لهم من الرزق، حتى بَطِرُوا وعَتوْا على ربهم، وكفروا، ومنه قول الراجز:
وَقَدْ أُرَانِي بِالدِّيَارِ مُتْرَفا [[البيت للعجاج (أراجيز العرب للسيد محمد توفيق البكري ص ١٩) قال في شرحه له: وقد أراني أي قد كنت أرني. والمترف من الترف، وهو النعيم والرفه. وفي (اللسان: ترف) : والمترف: المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهوتها. ورجل مترف، ومترف كمعظم: موسع عليه. وترف الرجل وأترفه: دلّله وملكه. وقوله تعالى ﴿إلا قال مترفوها﴾ : أي أولوا الترف وأراد رؤساءها وقادة الشر منها.]]
* *
وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾
يقول: قالوا: بعث الله صالحا إلينا رسولا من بيننا، وخصه بالرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا، يأكل مما نأكل منه من الطعام، ويشرب مما نشرب، وكيف لم يرسل ملكا من عنده يبلغنا رسالته، قال: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ معناه: مما تشربون منه، فحذف من الكلام "منه"؛ لأن معنى الكلام: ويشرب من شرابكم، وذلك أن العرب تقول: شربت من شرابك.
المؤمنون 23:34
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) ﴾
يقول تعالى ذكره، مخبرا عن قيل الملأ من قوم صالح لقومهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فاتبعتموه، وقبلتم ما يقول وصدّقتموه. ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها القوم ﴿إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ يقول: قالوا: إنكم إذن لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة في الدنيا، باتباعكم إياه.
* *
قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾
الآية، يقول تعالى ذكره: قالوا لهم: أيعدكم صالح أنكم إذا متم وكنتم ترابًا في قبوركم، وعظاما قد ذهبت لحوم أجسادكم، وبقيت عظامها - أنكم مخرجون من قبوركم أحياء، كما كنتم قبل مماتكم؟ وأعيدت ﴿أنكم﴾ مرّتين، والمعنى: أيعدكم أنكم إذا متم، وكنتم ترابًا وعظامًا - مخرجون مرة واحدة، لما فرق بين ﴿أنكم﴾ الأولى، وبين خبرها بإذا، وكذلك تفعل العرب بكل اسم أوقعت عليه الظنّ وأخواته، ثم اعترضت بالجزاء دون خبره، فتكرّر اسمه مرّة وتحذفه أخرى، فتقول: أظن أنك إن جالستنا أنك محسن، فإن حذفت أنك الأولى أو الثانية صلح، وإن أثبتهما صلح، وإن لم تعترض بينهما بشيء لم يجز خطأ أن يقال: أظنّ أنك أنك جالس، وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا مُخْرَجُونَ﴾ .
المؤمنون 23:35
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) ﴾
يقول تعالى ذكره، مخبرا عن قيل الملأ من قوم صالح لقومهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فاتبعتموه، وقبلتم ما يقول وصدّقتموه. ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها القوم ﴿إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ يقول: قالوا: إنكم إذن لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة في الدنيا، باتباعكم إياه.
* *
قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾
الآية، يقول تعالى ذكره: قالوا لهم: أيعدكم صالح أنكم إذا متم وكنتم ترابًا في قبوركم، وعظاما قد ذهبت لحوم أجسادكم، وبقيت عظامها - أنكم مخرجون من قبوركم أحياء، كما كنتم قبل مماتكم؟ وأعيدت ﴿أنكم﴾ مرّتين، والمعنى: أيعدكم أنكم إذا متم، وكنتم ترابًا وعظامًا - مخرجون مرة واحدة، لما فرق بين ﴿أنكم﴾ الأولى، وبين خبرها بإذا، وكذلك تفعل العرب بكل اسم أوقعت عليه الظنّ وأخواته، ثم اعترضت بالجزاء دون خبره، فتكرّر اسمه مرّة وتحذفه أخرى، فتقول: أظن أنك إن جالستنا أنك محسن، فإن حذفت أنك الأولى أو الثانية صلح، وإن أثبتهما صلح، وإن لم تعترض بينهما بشيء لم يجز خطأ أن يقال: أظنّ أنك أنك جالس، وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا مُخْرَجُونَ﴾ .
المؤمنون 23:36
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) ﴾
وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قول الملأ من ثمود أنهم قالوا: هيهات هيهات: أي بعيد ما توعدون أيه القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياءً من قبوركم، يقولون: ذلك غير كائن.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ يقول: بعيد بعيد.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ قال: يعني البعث. والعرب تُدخل اللام مع هيهات في الاسم الذي يصحبها وتنزعها منه، تقول: هيهات لك هيهات، وهيهاتَ ما تبتغي هيهات؛ وإذا أسقطت اللام رفعت الاسم بمعنى هيهات، كأنه قال: بعيد ما ينبغي لك؛ كما قال جرير:
فَهَيْهَاتَ هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ... وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالْعَقِيقِ نُواصِلُهْ [[البيت لجرير بن عطية الخطفي (لسان العرب: هيه) . والرواية فيه: "العقيق وأهله " وفي الديوان (طبعة الصاوي ص٤٧٩) . فأيهاتَ أيهاتَ العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ... وأيهاتَ وَصْلٍّ بالعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ
وهو من قصيدة يجيب بها الفرزدق. والعقيق: واد لبنى كلاب، نقله البكري في معجم ما استعجم، عن عمارة بن عقيل، وهيهات وأيهات: كلمة معناها البعد، وقيل هيهات كلمة تبعيد قال جرير: " فهيهات ... " البيت. والتاء مفتوحة مثل كيف، وأصلها هاء، وناس يكسرونها على كل حال، قال حميد الأرقط يصف إبلا قطعت بلادًا حتى صارت في القفار: هَيْهاتَ مَنْ مُصْبَحُهَا هيهات ... هَيْهَات حَجْرٌ مِنْ صُنَيْبِعَاتِ
وقال الفراء: نصب هيهات بمنزلة نصب ربة وثمة، وأنشد: مَاوِيَّ يا رُبَّتَما غَارَةٍ ... شَعْوَاءَ كاللَّذْعَةِ بِالمِيسَمِ]]
كأنه قال: العقيق وأهله، وإنما أدخلت اللام مع هيهات في الاسم، لأنهم قالوا: هيهات أداة غير مأخوذة من فعل، فأدخلوا معها في الاسم اللام، كما أدخلوها مع هلمّ لك، إذ لم تكن مأخوذة من فعل، فإذا قالوا: أقبل، لم يقولوا لك، لاحتمال الفعل ضمير الاسم.
واختلف أهل العربية في كيفية الوقف على هيهات، فكان الكسائي يختار الوقوف فيها بالهاء؛ لأنها منصوبة، وكان الفرّاء يختار الوقوف عليها بالتاء، ويقول: من العرب من يخفض التاء، فدلّ على أنها ليست بهاء التأنيث، فصارت بمنزلة دراك ونظار، وأما نصب التاء فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنزلة خمسة عشر، وكان الفرّاء يقول: إن قيل: إن كل واحدة مستغنية بنفسها، يجوز الوقوف عليها، وإن نصبها كنصب قوله: ثمت جلست؛ وبمنزلة قوله الشاعر.
ماوِيَّ يا رُبَّتَما غارَةٍ ... شَعْوَاءَ كاللَّذْعَة بالمِيسمِ [[البيت في (اللسان:هيه، رب) قال في الثاني: الفرق بين ربما ورب أن رب لا يليها غير الاسم، وأما ربما فإنه زيدت (ما) مع (رب) ليليها الفعل، تقول رب رجل جاءني، وربما جاءني زيد، وكذلك ربتما، وأنشد ابن الأعرابي " ماوي ... " إلخ وقال الكسائي: أظنهم امتنعوا من جزم الباء (أي تسكين باء رب) لكثرة دخول التاء فيها في قولهم: ربت رجل. يريد أن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا أو في نية الفتح، فلما كانت تاء التأنيث تدخلها كثيرًا امتنعوا من إسكان ما قبل هاء التأنيث، وآثروا النصب (يعني بالنصب الفتح) . اهـ. وقال في شعا: أشعى القوم الغارة إشعاء أشعلوها، وغارة شعواء. فاشية متفرقة وأنشد ابن الأعرابي: " ماوي.... البيت: والميسم: المكواة. أو الشيء الذي يوسم به الدواب، والجمع: مواسم ومياسم]]
قال: فنصب هيهات بمنزلة هذه الهاء التي في "ربت" لأنها دخلت على حرف، على ربّ وعلى ثم، وكانا أداتين، فلم تغيرهما عن أداتهما فنصبا.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار غير أبي جعفر: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بفتح التاء فيهما. وقرأ ذلك أبو جعفر: ﴿هيهات هيهات﴾ بكسر التاء فيهما. والفتح فيهما هو القراءة عندنا؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.
* *
وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾
يقول: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يقول: تموت الأحياء منا فلا تحيا، ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ يقول: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعد الممات.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ قال: يقول ليس آخرة ولا بعث، يكفرون بالبعث، يقولون: إنما هي حياتنا هذه ثم نموت ولا نحيا، يموت هؤلاء ويحيا هؤلاء، يقولون: إنما الناس كالزرع يحصد هذا، وينبت هذا، يقولون: يموت هؤلاء، ويأتي آخرون، وقرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقرأ: ﴿لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ .
المؤمنون 23:37
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) ﴾
وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قول الملأ من ثمود أنهم قالوا: هيهات هيهات: أي بعيد ما توعدون أيه القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياءً من قبوركم، يقولون: ذلك غير كائن.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ يقول: بعيد بعيد.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ قال: يعني البعث. والعرب تُدخل اللام مع هيهات في الاسم الذي يصحبها وتنزعها منه، تقول: هيهات لك هيهات، وهيهاتَ ما تبتغي هيهات؛ وإذا أسقطت اللام رفعت الاسم بمعنى هيهات، كأنه قال: بعيد ما ينبغي لك؛ كما قال جرير:
فَهَيْهَاتَ هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ... وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالْعَقِيقِ نُواصِلُهْ [[البيت لجرير بن عطية الخطفي (لسان العرب: هيه) . والرواية فيه: "العقيق وأهله " وفي الديوان (طبعة الصاوي ص٤٧٩) . فأيهاتَ أيهاتَ العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ... وأيهاتَ وَصْلٍّ بالعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ
وهو من قصيدة يجيب بها الفرزدق. والعقيق: واد لبنى كلاب، نقله البكري في معجم ما استعجم، عن عمارة بن عقيل، وهيهات وأيهات: كلمة معناها البعد، وقيل هيهات كلمة تبعيد قال جرير: " فهيهات ... " البيت. والتاء مفتوحة مثل كيف، وأصلها هاء، وناس يكسرونها على كل حال، قال حميد الأرقط يصف إبلا قطعت بلادًا حتى صارت في القفار: هَيْهاتَ مَنْ مُصْبَحُهَا هيهات ... هَيْهَات حَجْرٌ مِنْ صُنَيْبِعَاتِ
وقال الفراء: نصب هيهات بمنزلة نصب ربة وثمة، وأنشد: مَاوِيَّ يا رُبَّتَما غَارَةٍ ... شَعْوَاءَ كاللَّذْعَةِ بِالمِيسَمِ]]
كأنه قال: العقيق وأهله، وإنما أدخلت اللام مع هيهات في الاسم، لأنهم قالوا: هيهات أداة غير مأخوذة من فعل، فأدخلوا معها في الاسم اللام، كما أدخلوها مع هلمّ لك، إذ لم تكن مأخوذة من فعل، فإذا قالوا: أقبل، لم يقولوا لك، لاحتمال الفعل ضمير الاسم.
واختلف أهل العربية في كيفية الوقف على هيهات، فكان الكسائي يختار الوقوف فيها بالهاء؛ لأنها منصوبة، وكان الفرّاء يختار الوقوف عليها بالتاء، ويقول: من العرب من يخفض التاء، فدلّ على أنها ليست بهاء التأنيث، فصارت بمنزلة دراك ونظار، وأما نصب التاء فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنزلة خمسة عشر، وكان الفرّاء يقول: إن قيل: إن كل واحدة مستغنية بنفسها، يجوز الوقوف عليها، وإن نصبها كنصب قوله: ثمت جلست؛ وبمنزلة قوله الشاعر.
ماوِيَّ يا رُبَّتَما غارَةٍ ... شَعْوَاءَ كاللَّذْعَة بالمِيسمِ [[البيت في (اللسان:هيه، رب) قال في الثاني: الفرق بين ربما ورب أن رب لا يليها غير الاسم، وأما ربما فإنه زيدت (ما) مع (رب) ليليها الفعل، تقول رب رجل جاءني، وربما جاءني زيد، وكذلك ربتما، وأنشد ابن الأعرابي " ماوي ... " إلخ وقال الكسائي: أظنهم امتنعوا من جزم الباء (أي تسكين باء رب) لكثرة دخول التاء فيها في قولهم: ربت رجل. يريد أن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا أو في نية الفتح، فلما كانت تاء التأنيث تدخلها كثيرًا امتنعوا من إسكان ما قبل هاء التأنيث، وآثروا النصب (يعني بالنصب الفتح) . اهـ. وقال في شعا: أشعى القوم الغارة إشعاء أشعلوها، وغارة شعواء. فاشية متفرقة وأنشد ابن الأعرابي: " ماوي.... البيت: والميسم: المكواة. أو الشيء الذي يوسم به الدواب، والجمع: مواسم ومياسم]]
قال: فنصب هيهات بمنزلة هذه الهاء التي في "ربت" لأنها دخلت على حرف، على ربّ وعلى ثم، وكانا أداتين، فلم تغيرهما عن أداتهما فنصبا.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار غير أبي جعفر: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بفتح التاء فيهما. وقرأ ذلك أبو جعفر: ﴿هيهات هيهات﴾ بكسر التاء فيهما. والفتح فيهما هو القراءة عندنا؛ لإجماع الحجة من القراء عليه.
* *
وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾
يقول: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يقول: تموت الأحياء منا فلا تحيا، ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ يقول: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعد الممات.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ قال: يقول ليس آخرة ولا بعث، يكفرون بالبعث، يقولون: إنما هي حياتنا هذه ثم نموت ولا نحيا، يموت هؤلاء ويحيا هؤلاء، يقولون: إنما الناس كالزرع يحصد هذا، وينبت هذا، يقولون: يموت هؤلاء، ويأتي آخرون، وقرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقرأ: ﴿لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ .
المؤمنون 23:38
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالوا ما صالح إلا رجل اختلق على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مُخرجون.
* *
وقوله: ﴿هُوَ﴾
من ذكر الرسول، وهو صالح. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وما نحن له بمصدقين فيما يقول: إنه لا إله لنا غير الله، وفيما يعدنا من البعث بعد الممات.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾
يقول: قال صالح لما أيس من إيمان قومه بالله، ومن تصديقهم إياه بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ربّ انصرني على هؤلاء بما كذّبون يقول: بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحقِّ، فاستغاث صلوات الله عليه بربه من أذاهم إياه، وتكذيبهم له، فقال الله له مجيبًا في مسألته إياه ما سأله: عن قليل يا صالح ليصبحن مكذبوك من قومك على تكذيبهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزل بهم فتنتنا فلا ينفعهم الندم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فانتقمنا منهم، فأرسلنا عليهم الصيحة، فأخذتهم بالحقّ، وذلك أن الله عاقبهم باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم به، وتكذيبهم رسوله ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ يقول: فصيرناهم بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع على السيل ونحوه، كما لا ينتفع به في شيء فإنما هذا مثل، والمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشيء الذي لا منفعة فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿غُثَاءً﴾ كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل.
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هو الشيء البالي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر. عن قتادة، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هذا مثل ضربه الله.
* *
وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
يقول: فأبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم؛ إذ كفروا بربهم، وعصوا رسله، وظلموا أنفسهم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: أولئك ثمود، يعني قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
المؤمنون 23:39
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالوا ما صالح إلا رجل اختلق على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مُخرجون.
* *
وقوله: ﴿هُوَ﴾
من ذكر الرسول، وهو صالح. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وما نحن له بمصدقين فيما يقول: إنه لا إله لنا غير الله، وفيما يعدنا من البعث بعد الممات.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾
يقول: قال صالح لما أيس من إيمان قومه بالله، ومن تصديقهم إياه بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ربّ انصرني على هؤلاء بما كذّبون يقول: بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحقِّ، فاستغاث صلوات الله عليه بربه من أذاهم إياه، وتكذيبهم له، فقال الله له مجيبًا في مسألته إياه ما سأله: عن قليل يا صالح ليصبحن مكذبوك من قومك على تكذيبهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزل بهم فتنتنا فلا ينفعهم الندم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فانتقمنا منهم، فأرسلنا عليهم الصيحة، فأخذتهم بالحقّ، وذلك أن الله عاقبهم باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم به، وتكذيبهم رسوله ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ يقول: فصيرناهم بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع على السيل ونحوه، كما لا ينتفع به في شيء فإنما هذا مثل، والمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشيء الذي لا منفعة فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿غُثَاءً﴾ كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل.
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هو الشيء البالي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر. عن قتادة، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هذا مثل ضربه الله.
* *
وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
يقول: فأبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم؛ إذ كفروا بربهم، وعصوا رسله، وظلموا أنفسهم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: أولئك ثمود، يعني قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
المؤمنون 23:40
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالوا ما صالح إلا رجل اختلق على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مُخرجون.
* *
وقوله: ﴿هُوَ﴾
من ذكر الرسول، وهو صالح. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وما نحن له بمصدقين فيما يقول: إنه لا إله لنا غير الله، وفيما يعدنا من البعث بعد الممات.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾
يقول: قال صالح لما أيس من إيمان قومه بالله، ومن تصديقهم إياه بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ربّ انصرني على هؤلاء بما كذّبون يقول: بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحقِّ، فاستغاث صلوات الله عليه بربه من أذاهم إياه، وتكذيبهم له، فقال الله له مجيبًا في مسألته إياه ما سأله: عن قليل يا صالح ليصبحن مكذبوك من قومك على تكذيبهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزل بهم فتنتنا فلا ينفعهم الندم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فانتقمنا منهم، فأرسلنا عليهم الصيحة، فأخذتهم بالحقّ، وذلك أن الله عاقبهم باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم به، وتكذيبهم رسوله ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ يقول: فصيرناهم بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع على السيل ونحوه، كما لا ينتفع به في شيء فإنما هذا مثل، والمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشيء الذي لا منفعة فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿غُثَاءً﴾ كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل.
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هو الشيء البالي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر. عن قتادة، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هذا مثل ضربه الله.
* *
وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
يقول: فأبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم؛ إذ كفروا بربهم، وعصوا رسله، وظلموا أنفسهم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: أولئك ثمود، يعني قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
المؤمنون 23:41
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالوا ما صالح إلا رجل اختلق على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مُخرجون.
* *
وقوله: ﴿هُوَ﴾
من ذكر الرسول، وهو صالح. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وما نحن له بمصدقين فيما يقول: إنه لا إله لنا غير الله، وفيما يعدنا من البعث بعد الممات.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾
يقول: قال صالح لما أيس من إيمان قومه بالله، ومن تصديقهم إياه بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ربّ انصرني على هؤلاء بما كذّبون يقول: بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحقِّ، فاستغاث صلوات الله عليه بربه من أذاهم إياه، وتكذيبهم له، فقال الله له مجيبًا في مسألته إياه ما سأله: عن قليل يا صالح ليصبحن مكذبوك من قومك على تكذيبهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزل بهم فتنتنا فلا ينفعهم الندم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فانتقمنا منهم، فأرسلنا عليهم الصيحة، فأخذتهم بالحقّ، وذلك أن الله عاقبهم باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم به، وتكذيبهم رسوله ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ يقول: فصيرناهم بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع على السيل ونحوه، كما لا ينتفع به في شيء فإنما هذا مثل، والمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشيء الذي لا منفعة فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿غُثَاءً﴾ كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل.
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هو الشيء البالي.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر. عن قتادة، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ قال: هذا مثل ضربه الله.
* *
وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
يقول: فأبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم؛ إذ كفروا بربهم، وعصوا رسله، وظلموا أنفسهم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: أولئك ثمود، يعني قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
المؤمنون 23:42
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد هلاك ثمود قوما آخرين.
* *
وقوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾
يقول: ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود قبل الأجل الذي أجلنا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي أجلنا لهلاكها، والوقت الذي وقتنا لفنائها، ولكنها تهلك لمجيئه. وهذا وعيد من الله لمشركي قوم نبينا محمد ﷺ، وإعلام منه لهم أن تأخيره في آجالهم، مع كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فيحلّ بهم نقمته، كسنته فيمن قبلهم من الأمم السالفة.
المؤمنون 23:43
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد هلاك ثمود قوما آخرين.
* *
وقوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾
يقول: ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود قبل الأجل الذي أجلنا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي أجلنا لهلاكها، والوقت الذي وقتنا لفنائها، ولكنها تهلك لمجيئه. وهذا وعيد من الله لمشركي قوم نبينا محمد ﷺ، وإعلام منه لهم أن تأخيره في آجالهم، مع كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فيحلّ بهم نقمته، كسنته فيمن قبلهم من الأمم السالفة.
المؤمنون 23:44
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا﴾ إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود ﴿رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ يعني: يتبع بعضها بعضا، وبعضها في أثر بعض، وهي من المواترة، وهي اسم لجمع مثل شيء، لا يقال: جاءني فلان تترى، كما لا يقال: جاءني فلان مواترة، وهي تنوّن ولا تنوّن، وفيها الياء، فمن لم ينوّنها ﴿فَعْلَى﴾ من وترت ومن قال: "تترا" يوهم أن الياء أصلية، كما قيل: مِعْزًى بالياء، ومَعْزًا، وبهمى بهما، ونحو ذلك، فأجْرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانا، فمن جعلها ﴿فعلى﴾ وقف عليها أشار إلى الكسر، ومن جعلها ألف إعراب لم يشر؛ لأن ألف الإعراب لا تكسر، لا يقال: رأيت زيدًا، فيشار فيه إلى الكسر.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ يقول: يَتْبُع بعضها بعضا.
⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ يقول: بعضها على أثر بعض.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿تَتْرَى﴾ قال: اتباع بعضها بعضا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ قال: يتبع بعضها بعضا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ قال: بعضهم على أثر بعض، يتبع بعضهم بعضا.
واختلفت قرّاء الأمصار في قراءة ذلك، فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة، وبعض أهل المدينة، وبعض أهل البصرة ﴿تَتْرًا﴾ بالتنوين. وكان بعض أهل مكة، وبعض أهل المدينة، وعامة قرّاء الكوفة يقرءونه: ﴿تَتْرَى﴾ بإرسال الياء على مثال ﴿فَعْلَى﴾ ، والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلام العرب، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين؛ لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما.
* *
وقوله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾
يقول: كلما جاء أمة من تلك الأمم، التي أنشأناها بعد ثمود، رسولُها الذي نرسله إليهم، كذّبوه فيما جاءهم به من الحق من عندنا.
* *
وقوله: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾
يقول: فأتبعنا بعض تلك الأمم بعضا بالهلاك، فأهلكنا بعضهم في إثر بعض.
* *
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾
للناس، ومثلا يتحدّث بهم في الناس، والأحاديث في هذا الموضع جمع أحدوثة، لأن المعنى ما وصفت من أنهم جعلوا للناس مثلا يتحدث بهم، وقد يجوز أن يكون جمع حديث، وإنما قيل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ لأنهم جعلوا حديثا، ومثلا يتمثَّل بهم في الشرِّ، ولا يقال في الخير: جعلته حديثا، ولا أُحْدوثة.
* *
وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
يقول: فأبعد الله قوما لا يؤمنون بالله، ولا يصدّقون برسوله.
المؤمنون 23:45
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية، موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه من القبط ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يقول: بحججنا ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن اتباعها، والإيمان بما جاءهم به من عند الله ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ يقول: وكانوا قوما عالين على أهل ناحيتهم، ومن في بلادهم من بنى إسرائيل وغيرهم بالظلم، قاهرين لهم.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقوله: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ قال: عَلَوا على رُسُلهم، وعصَوا ربهم، ذلك علوّهم، وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ الآية.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ فنتبعهما ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ من بني إسرائيل ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ يعنون: أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك: عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ . .. الآية، نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة، وقرأ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ﴾ قال: العلوّ في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾
يقول: فكذّب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا ممن أهلَكَهم الله كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسلها.
المؤمنون 23:46
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية، موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه من القبط ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يقول: بحججنا ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن اتباعها، والإيمان بما جاءهم به من عند الله ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ يقول: وكانوا قوما عالين على أهل ناحيتهم، ومن في بلادهم من بنى إسرائيل وغيرهم بالظلم، قاهرين لهم.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقوله: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ قال: عَلَوا على رُسُلهم، وعصَوا ربهم، ذلك علوّهم، وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ الآية.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ فنتبعهما ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ من بني إسرائيل ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ يعنون: أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك: عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ . .. الآية، نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة، وقرأ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ﴾ قال: العلوّ في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾
يقول: فكذّب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا ممن أهلَكَهم الله كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسلها.
المؤمنون 23:47
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية، موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه من القبط ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يقول: بحججنا ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن اتباعها، والإيمان بما جاءهم به من عند الله ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ يقول: وكانوا قوما عالين على أهل ناحيتهم، ومن في بلادهم من بنى إسرائيل وغيرهم بالظلم، قاهرين لهم.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقوله: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ قال: عَلَوا على رُسُلهم، وعصَوا ربهم، ذلك علوّهم، وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ الآية.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ فنتبعهما ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ من بني إسرائيل ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ يعنون: أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك: عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ . .. الآية، نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة، وقرأ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ﴾ قال: العلوّ في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾
يقول: فكذّب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا ممن أهلَكَهم الله كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسلها.
المؤمنون 23:48
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية، موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه من القبط ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يقول: بحججنا ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن اتباعها، والإيمان بما جاءهم به من عند الله ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ يقول: وكانوا قوما عالين على أهل ناحيتهم، ومن في بلادهم من بنى إسرائيل وغيرهم بالظلم، قاهرين لهم.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقوله: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ قال: عَلَوا على رُسُلهم، وعصَوا ربهم، ذلك علوّهم، وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ الآية.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ فنتبعهما ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ من بني إسرائيل ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ يعنون: أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك: عابدا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ . .. الآية، نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة، وقرأ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ﴾ قال: العلوّ في الأرض.
* *
وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾
يقول: فكذّب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا ممن أهلَكَهم الله كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسلها.
المؤمنون 23:49
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة ليهتدي بها قومه من بني إسرائيل، ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ يقول: وجعلنا ابن مريم وأمه حجة لنا على من كان بينهم، وعلى قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قَتادة، في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ قال: ولدته من غير أب هو له، ولذلك وحدت الآية، وقد ذكر مريم وابنها.
* *
وقوله ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾
يقول: وضممناهما وصيرناهما إلى ربوة، يقال: أوى فلان إلى موضع كذا، فهو يأوي إليه، إذا صار إليه؛ وعلى مثال أفعلته فهو يُؤْويه.
* *
وقوله ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾
يعني: إلى مكان مرتفع من الأرض على ما حوله، ولذلك قيل للرجل، يكون في رفعة من قومه، وعزّ وشرف وعدد: هو في ربوة من قومه، وفيها لغتان: ضمّ الراء وكسرها إذا أريد بها الاسم، وإذا أريد بها الفعلة من المصدر قيل: رَبَا رَبْوة.
واختلف أهل التأويل في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة، وآوَى إليه مريم وابنها، فقال بعضهم: هو الرَّمْلة من فلسطين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني ابن عمّ لأبي هريرة، يقال له: أبو عبد الله، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة من فلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ .
⁕ حدثني عصام بن رَوّاد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عباد أبو عتبة الخوّاص، قال: ثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن ابن وَعْلة، عن كريب قال: ما أدري ما:-
⁕ حدثنا مُرَّة البَهزيّ، أنه سمع رسول الله ﷺ، وذكر أن الربوة: هي الرملة.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي الرملة من فلسطين.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني أبو عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة التي بفلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ .
وقال آخرون: هي دمشق.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: زعموا أنها دمشق.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: بلغني، عن ابن المسيب أنه قال: دمشق.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، مثله.
⁕ حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثني عبد الله بن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: إلى ربوة من رُبا مصر قال: وليس الرُّبَا إلا في مصر، والماء حين يُرسَل تكون الربا عليها القرى، لولا الربَا لغرقت تلك القرى.
وقال آخرون: هي بيت المقدس.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هو بيت المقدس.
⁕ قال ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان كعب يقول: بيت المقدس أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن كعب، مثله.
وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك: أنها مكان مرتفع ذو استواء، وماء ظاهر، وليس كذلك صفة الرملة؛ لأن الرملة لا ماء بها مَعِين، والله تعالى ذِكْره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومَعِين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ قال: الربوة: المستوية.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾ قال: مستوية.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
* *
وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾
يقول تعالى ذكره: من صفة الربوة التي آوينا إليها مريم وابنها عيسى، أنها أرض منبسطة وساحة، وذات ماء ظاهر، لغير الباطن، جار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَمَعِينٍ﴾ قال: المعين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، في قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: المعين: الماء.
⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: معين، قال: ماء.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: المكان المستوي، والمَعِين: الماء الظاهر.
⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَمَعِينٍ﴾ : هو الماء الظاهر.
وقال آخرون: عنى بالقرار الثمار.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ هي ذات ثمار، وهي بيت المقدس.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله قتادة في معنى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ وإن لم يكن أراد بقوله: إنها إنما وصفت بأنها ذات قرار لما فيها من الثمار، ومن أجل ذلك، يستقرّ فيها ساكنوها، فلا وجه له نعرفه. وأما ﴿مَعِينٍ﴾ فإنه مفعول من عِنْته فأنا أعينه، وهو مُعين، وقد يجوز أن يكون فعيلا من مَعَن يمعن فهو معين من الماعون، ومنه قول عَبيد بن الأبرص:
وَاهيَةٌ أوْ مَعِينٌ مُمْعِنٌ ... أوْ هَضْبَةٌ دُونَها لُهُوبُ [[البيت لعبيد بن الأبرص من قصيدته البائية المطولة (اللسان: معن) واستشهد به المؤلف، عند قوله تعالى: ﴿وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾ . وقال في اللسان: قال الفراء: ذات قرار: أرض منبسطة. ومعين الماء: الظاهر الجاري. قال: ولك أن تجعل المعين مفعولا من العيون، (واختاره المؤلف) ، ولك أن تجعله فعيلا من الماعون، يكون أصله المعن. والمعين: الماء السائل، وقيل الجاري على وجه الأرض، وقيل العذب الغزير، وكل ذلك من السهولة. والمعن: الماء الظاهر. واللهوب: جمع لهب (بكسر اللام) الفرجة والهواء بين الجبلين. وفي المحكم: مهراة ما بين كل جبلين. وقيل: هو الصدع في الجبل، عن اللحياني. وقيل: هو الشعب الصغير في الجبل. وقيل: وجه من الجبل كالحائط لا يستطاع ارتقاؤه. اهـ.]]
المؤمنون 23:50
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة ليهتدي بها قومه من بني إسرائيل، ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ يقول: وجعلنا ابن مريم وأمه حجة لنا على من كان بينهم، وعلى قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قَتادة، في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ قال: ولدته من غير أب هو له، ولذلك وحدت الآية، وقد ذكر مريم وابنها.
* *
وقوله ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾
يقول: وضممناهما وصيرناهما إلى ربوة، يقال: أوى فلان إلى موضع كذا، فهو يأوي إليه، إذا صار إليه؛ وعلى مثال أفعلته فهو يُؤْويه.
* *
وقوله ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾
يعني: إلى مكان مرتفع من الأرض على ما حوله، ولذلك قيل للرجل، يكون في رفعة من قومه، وعزّ وشرف وعدد: هو في ربوة من قومه، وفيها لغتان: ضمّ الراء وكسرها إذا أريد بها الاسم، وإذا أريد بها الفعلة من المصدر قيل: رَبَا رَبْوة.
واختلف أهل التأويل في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة، وآوَى إليه مريم وابنها، فقال بعضهم: هو الرَّمْلة من فلسطين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني ابن عمّ لأبي هريرة، يقال له: أبو عبد الله، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة من فلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ .
⁕ حدثني عصام بن رَوّاد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عباد أبو عتبة الخوّاص، قال: ثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن ابن وَعْلة، عن كريب قال: ما أدري ما:-
⁕ حدثنا مُرَّة البَهزيّ، أنه سمع رسول الله ﷺ، وذكر أن الربوة: هي الرملة.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي الرملة من فلسطين.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني أبو عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة التي بفلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ .
وقال آخرون: هي دمشق.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: زعموا أنها دمشق.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: بلغني، عن ابن المسيب أنه قال: دمشق.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، مثله.
⁕ حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثني عبد الله بن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: إلى ربوة من رُبا مصر قال: وليس الرُّبَا إلا في مصر، والماء حين يُرسَل تكون الربا عليها القرى، لولا الربَا لغرقت تلك القرى.
وقال آخرون: هي بيت المقدس.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هو بيت المقدس.
⁕ قال ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان كعب يقول: بيت المقدس أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن كعب، مثله.
وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك: أنها مكان مرتفع ذو استواء، وماء ظاهر، وليس كذلك صفة الرملة؛ لأن الرملة لا ماء بها مَعِين، والله تعالى ذِكْره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومَعِين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ قال: الربوة: المستوية.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾ قال: مستوية.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
* *
وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾
يقول تعالى ذكره: من صفة الربوة التي آوينا إليها مريم وابنها عيسى، أنها أرض منبسطة وساحة، وذات ماء ظاهر، لغير الباطن، جار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَمَعِينٍ﴾ قال: المعين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، في قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: المعين: الماء.
⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: معين، قال: ماء.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: المكان المستوي، والمَعِين: الماء الظاهر.
⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَمَعِينٍ﴾ : هو الماء الظاهر.
وقال آخرون: عنى بالقرار الثمار.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ هي ذات ثمار، وهي بيت المقدس.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله قتادة في معنى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ وإن لم يكن أراد بقوله: إنها إنما وصفت بأنها ذات قرار لما فيها من الثمار، ومن أجل ذلك، يستقرّ فيها ساكنوها، فلا وجه له نعرفه. وأما ﴿مَعِينٍ﴾ فإنه مفعول من عِنْته فأنا أعينه، وهو مُعين، وقد يجوز أن يكون فعيلا من مَعَن يمعن فهو معين من الماعون، ومنه قول عَبيد بن الأبرص:
وَاهيَةٌ أوْ مَعِينٌ مُمْعِنٌ ... أوْ هَضْبَةٌ دُونَها لُهُوبُ [[البيت لعبيد بن الأبرص من قصيدته البائية المطولة (اللسان: معن) واستشهد به المؤلف، عند قوله تعالى: ﴿وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾ . وقال في اللسان: قال الفراء: ذات قرار: أرض منبسطة. ومعين الماء: الظاهر الجاري. قال: ولك أن تجعل المعين مفعولا من العيون، (واختاره المؤلف) ، ولك أن تجعله فعيلا من الماعون، يكون أصله المعن. والمعين: الماء السائل، وقيل الجاري على وجه الأرض، وقيل العذب الغزير، وكل ذلك من السهولة. والمعن: الماء الظاهر. واللهوب: جمع لهب (بكسر اللام) الفرجة والهواء بين الجبلين. وفي المحكم: مهراة ما بين كل جبلين. وقيل: هو الصدع في الجبل، عن اللحياني. وقيل: هو الشعب الصغير في الجبل. وقيل: وجه من الجبل كالحائط لا يستطاع ارتقاؤه. اهـ.]]
المؤمنون 23:51
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) ﴾
يقول تعالى ذكره: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ تقول في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنَّا أذاكم، وكما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ، وهو رجل واحد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل، قال: ثني عبيد بن إسحاق الضبيّ العطار، عن حفص بن عمر الفزاريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عمرو بن شرحبيل: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ قال: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.
* *
وقوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
يقول: إني بأعمالكم ذو علم، لا يخفى عليّ منها شيء، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفِّيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة ﴿وأنَّ﴾ بالفتح، بمعنى: إني بما تعملون عليم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة، فعلى هذا التأويل ﴿أن﴾ في موضع خفض، عطف بها على ﴿ما﴾ من قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك. ويكون معنى الكلام حينئذ: واعلموا أن هذه، ويكون نصبها بفعل مضمر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين بالكسر: ﴿وَإِنْ﴾ هذه على الاستئناف، والكسر في ذلك عندي على الابتداء هو الصواب؛ لأن الخبر من الله عن قيله لعيسى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ مبتدأ، فقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ مردود عليه عطفا به عليه، فكان معنى الكلام: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، وقلنا: وإن هذه أمتكم أمة واحدة. وقيل: إن الأمة الذي في هذا الموضع: الدِّين والملة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: الملة والدين.
* *
وقوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾
يقول: وأنا مولاكم فاتقون بطاعتي تأمنوا عقابي، ونصبت أمة واحدة على الحال. وذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك رفعا. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: رَفْع ذلك إذا رفع على الخبر، ويجعل أمتكم نصبا على البدل من هذه. وأما نحويو الكوفة فيأبون ذلك إلا في ضرورة شعر، وقالوا: لا يقال: مررت بهذا غلامكم؛ لأن هذا لا تتبعه إلا الألف واللام والأجناس، لأن "هذا" إشارة إلى عدد، فالحاجة في ذلك إلى تبيين المراد من المشار إليه أيّ الأجناس هو، وقالوا: وإذا قيل: هذه أمتكم أمة واحدة، والأمة غائبة، وهذه حاضرة، قالوا: فغير جائز أن يبين عن الحاضر بالغائب، قالوا: فلذلك لم يجز: إن هذا زيد قائم، من أجل أن هذا محتاج إلى الجنس لا إلى المعرفة.
المؤمنون 23:52
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) ﴾
يقول تعالى ذكره: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ تقول في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنَّا أذاكم، وكما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ، وهو رجل واحد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل، قال: ثني عبيد بن إسحاق الضبيّ العطار، عن حفص بن عمر الفزاريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عمرو بن شرحبيل: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ قال: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.
* *
وقوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
يقول: إني بأعمالكم ذو علم، لا يخفى عليّ منها شيء، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفِّيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة ﴿وأنَّ﴾ بالفتح، بمعنى: إني بما تعملون عليم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة، فعلى هذا التأويل ﴿أن﴾ في موضع خفض، عطف بها على ﴿ما﴾ من قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك. ويكون معنى الكلام حينئذ: واعلموا أن هذه، ويكون نصبها بفعل مضمر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين بالكسر: ﴿وَإِنْ﴾ هذه على الاستئناف، والكسر في ذلك عندي على الابتداء هو الصواب؛ لأن الخبر من الله عن قيله لعيسى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ مبتدأ، فقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ مردود عليه عطفا به عليه، فكان معنى الكلام: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، وقلنا: وإن هذه أمتكم أمة واحدة. وقيل: إن الأمة الذي في هذا الموضع: الدِّين والملة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: الملة والدين.
* *
وقوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾
يقول: وأنا مولاكم فاتقون بطاعتي تأمنوا عقابي، ونصبت أمة واحدة على الحال. وذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك رفعا. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: رَفْع ذلك إذا رفع على الخبر، ويجعل أمتكم نصبا على البدل من هذه. وأما نحويو الكوفة فيأبون ذلك إلا في ضرورة شعر، وقالوا: لا يقال: مررت بهذا غلامكم؛ لأن هذا لا تتبعه إلا الألف واللام والأجناس، لأن "هذا" إشارة إلى عدد، فالحاجة في ذلك إلى تبيين المراد من المشار إليه أيّ الأجناس هو، وقالوا: وإذا قيل: هذه أمتكم أمة واحدة، والأمة غائبة، وهذه حاضرة، قالوا: فغير جائز أن يبين عن الحاضر بالغائب، قالوا: فلذلك لم يجز: إن هذا زيد قائم، من أجل أن هذا محتاج إلى الجنس لا إلى المعرفة.
المؤمنون 23:53
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿زُبُرًا﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة والعراق: ﴿زُبُرًا﴾ بمعنى جمع الزبور. فتأويل الكلام على قراءة هؤلاء: فتفرّق القوم الذين أمرهم الله من أمة الرسول عيسى بالاجتماع على الدين الواحد والملة الواحدة، دينهم الذي أمرهم الله بلزومه ﴿زُبُرًا﴾ كتبا، فدان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذين دان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذّبوا بحكم الإنجيل والقرآن، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل بزعمهم، وكذبوا بحكم الفرقان.
ذكر من تأول ذلك كذلك:
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿زُبُرًا﴾ قال: كتبا.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ قال: كتب الله فرقوها قطعا.
- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ قال مجاهد: كتبهم فرقوها قطعا.
وقال آخرون من أهل هذه القراءة: إنما معنى الكلام: فتفرقوا دينهم بينهم كتبا أحدثوها يحتجون فيها لمذهبهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ قال: هذا ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، كلّ معجبون برأيهم، ليس أهل هواء إلا وهم معجبون برأيهم وهواهم وصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الشام ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبَرًا﴾ بضم الزاي وفتح الباء، بمعنى: فتفرّقوا أمرهم بينهم قِطَعا كزُبَر الحديد، وذلك القطع منها واحدتها زبرة، من قول الله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فصار بعضهم يهودا، ويعضهم نصارى.
والقراءة التي نختار في ذلك قراءة من قرأه بضم الزاي والباء؛ لإجماع أهل التأويل في تأويل ذلك على أنه مراد به الكتب، فذلك يبين عن صحة ما اخترنا في ذلك؛ لأن الزبُر هي الكتب، يقال منه: زبرت الكتاب: إذ كتبته.
فتأويل الكلام: فتفرّق الذين أمرهم الله بلزوم دينه من الأمم دينهم بينهم كتبًا كما بيَّنا قبل.
* *
وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
يقول: كل فريق من تلك الأمم، بما اختاروه لأنفسهم من الدين والكتب، فرحون معجبون به، لا يرون أن الحقّ سواه.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ : قطعة وهؤلاء هم أهل الكتاب.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ قطعة أهل الكتاب.
المؤمنون 23:54
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ (٥٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فدع يا محمد هؤلاء الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زبرا، ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في ضلالتهم وغيهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ ، يعني: إلى أجل سيأتيهم عند مجيئه عذابي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: في ضلالهم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: الغَمْرة: الغَمْر.
* *
وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين فرقوا دينهم زبرا، أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ يقول: نسابق لهم في خيرات الآخرة، ونبادر لهم فيها. و "ما" من قوله: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ نصب؛ لأنها بمعنى الذي ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى ذِكْره تكذيبا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يعلمون أن إمدادي إياهم بما أمدّهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ قال: نعطيهم، ﴿نسارع لهم﴾ ، قال: نزيدهم في الخير، نملي لهم، قال: هذا لقريش.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني محمد بن عمر بن عليّ، قال: ثني أشعث بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذّاء، قال: قلت لعبد الرحمن بن أبي بكرة قول الله: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال: يسارع لهم في الخيرات، وكأن عبد الرحمن بن أبي بكرة وجه بقراءته ذلك، إلى أن تأويله: يسارع لهم إمدادنا إياهم بالمال والبنين في الخيرات.
المؤمنون 23:55
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ (٥٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فدع يا محمد هؤلاء الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زبرا، ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في ضلالتهم وغيهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ ، يعني: إلى أجل سيأتيهم عند مجيئه عذابي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: في ضلالهم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: الغَمْرة: الغَمْر.
* *
وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين فرقوا دينهم زبرا، أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ يقول: نسابق لهم في خيرات الآخرة، ونبادر لهم فيها. و "ما" من قوله: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ نصب؛ لأنها بمعنى الذي ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى ذِكْره تكذيبا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يعلمون أن إمدادي إياهم بما أمدّهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ قال: نعطيهم، ﴿نسارع لهم﴾ ، قال: نزيدهم في الخير، نملي لهم، قال: هذا لقريش.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني محمد بن عمر بن عليّ، قال: ثني أشعث بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذّاء، قال: قلت لعبد الرحمن بن أبي بكرة قول الله: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال: يسارع لهم في الخيرات، وكأن عبد الرحمن بن أبي بكرة وجه بقراءته ذلك، إلى أن تأويله: يسارع لهم إمدادنا إياهم بالمال والبنين في الخيرات.
المؤمنون 23:56
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ (٥٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فدع يا محمد هؤلاء الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زبرا، ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في ضلالتهم وغيهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ ، يعني: إلى أجل سيأتيهم عند مجيئه عذابي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: في ضلالهم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: الغَمْرة: الغَمْر.
* *
وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾
يقول تعالى ذكره: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين فرقوا دينهم زبرا، أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ يقول: نسابق لهم في خيرات الآخرة، ونبادر لهم فيها. و "ما" من قوله: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ نصب؛ لأنها بمعنى الذي ﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى ذِكْره تكذيبا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يعلمون أن إمدادي إياهم بما أمدّهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ قال: نعطيهم، ﴿نسارع لهم﴾ ، قال: نزيدهم في الخير، نملي لهم، قال: هذا لقريش.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني محمد بن عمر بن عليّ، قال: ثني أشعث بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذّاء، قال: قلت لعبد الرحمن بن أبي بكرة قول الله: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال: يسارع لهم في الخيرات، وكأن عبد الرحمن بن أبي بكرة وجه بقراءته ذلك، إلى أن تأويله: يسارع لهم إمدادنا إياهم بالمال والبنين في الخيرات.
المؤمنون 23:57
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) ﴾
يعني تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إن الذين هم من خشيتهم وخوفهم من عذاب الله مشفقون، فهم من خشيتهم من ذلك دائبون في طاعته جادّون في طلب مرضاته ﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾ يقول: والذين هم بآيات كتابه وحججه مصدقون ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ يقول: والذين يخلصون لربهم عبادتهم، فلا يجعلون له فيها لغيره شركا لوثَن، ولا لصنم، ولا يُراءون بها أحدا من خلقه، ولكنهم يجعلون أعمالهم لوجهه خالصا، وإياه يقصدون بالطاعة والعبادة دون كل شيء سواه.
المؤمنون 23:58
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) ﴾
يعني تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إن الذين هم من خشيتهم وخوفهم من عذاب الله مشفقون، فهم من خشيتهم من ذلك دائبون في طاعته جادّون في طلب مرضاته ﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾ يقول: والذين هم بآيات كتابه وحججه مصدقون ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ يقول: والذين يخلصون لربهم عبادتهم، فلا يجعلون له فيها لغيره شركا لوثَن، ولا لصنم، ولا يُراءون بها أحدا من خلقه، ولكنهم يجعلون أعمالهم لوجهه خالصا، وإياه يقصدون بالطاعة والعبادة دون كل شيء سواه.
المؤمنون 23:59
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) ﴾
يعني تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إن الذين هم من خشيتهم وخوفهم من عذاب الله مشفقون، فهم من خشيتهم من ذلك دائبون في طاعته جادّون في طلب مرضاته ﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾ يقول: والذين هم بآيات كتابه وحججه مصدقون ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ يقول: والذين يخلصون لربهم عبادتهم، فلا يجعلون له فيها لغيره شركا لوثَن، ولا لصنم، ولا يُراءون بها أحدا من خلقه، ولكنهم يجعلون أعمالهم لوجهه خالصا، وإياه يقصدون بالطاعة والعبادة دون كل شيء سواه.
المؤمنون 23:60
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ والذين يعطون أهل سُهْمان الصدقة ما فرض الله لهم في أموالهم. ﴿مَا آتَوْا﴾ يعني: ما أعطوهم إياه من صدقة، ويؤدّون حقوق الله عليهم في أموالهم إلى أهلها ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ يقول: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فلا ينجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله، فهم خائفون من المرجع إلى الله لذلك، كما قال الحسن: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبجر، عن رجل، عن ابن عمر: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: الزكاة.
⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: المؤمن ينفق ماله وقلبه وَجِل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي الأشهب، عن الحسن، قال: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: المؤمن ينفق ماله ويتصدق، وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّة، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا، ثم تلا الحسن: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إِلَى وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وقال المنافق: إنما أوتيته على علم عندي.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ قال: يُعْطون ما أعطوا. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ يقول: خائفة.
⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت، وهي من المبشرات.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يعطون ما أعطَوا ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثني معاوية، عن ابن عباس، قوله: ﴿والذين يأتون ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ يقول: يعملون خائفِين.
⁕ قال: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يعطون ما أعطوا؛ فرقا من الله ووجلا من الله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ ينفقون ما أنفقوا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يعطون ما أعطوا وينفقون ما أنفقوا ويتصدقون بما تصدقوا وقلوبهم وجلة؛ اتقاء لسخط الله والنار. وعلى هذه القراءة، أعني على ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ قرأة الأمصار، وبه رسوم مصاحفهم وبه نقرأ؛ لإجماع الحجة من القرّاء عليه، ووفاقه خطّ مصاحف المسلمين.
وروي عن عائشة رضي الله عنها في ذلك، ما:-
⁕ حدثناه أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عليّ بن ثابت. عن طلحة بن عمرو، عن أبي خلف، قال: دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة، فسألها عبيد، كيف نقرأ هذا الحرف ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ ؟ فقالت: ﴿يَأْتُونَ مَا أَتَوْا﴾ . وكأنها تأولت في ذلك: والذين يفعلون ما يفعلون من الخيرات وهم وجلون من الله.
كالذي:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمر بن قيس، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قالت عائشة: "يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الذي يذنب الذنب وهو وجل منه؟ فقال: لا وَلَكِنْ مَنْ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ وَجِلٌ".
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن مالك بن مِغْول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة قالت: "قلت: يا رسول الله ﴿الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يُذنبون وهم مُشْفِقُون [[لعل فيه سقطًا، والأصل: قال: " لا " ولكن الذين يصلون وهم مشفقون، ويصومون.... " إلخ، كما يتضح من حديث عائشة الآتي بعد.]] ! ويصومون وهم مشفقون"؟ حدثنا أبو كريب، قال، ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ليث، عن مغيث، عن رجل من أهل مكة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله ﴿الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: فذكر مثل هذا.
⁕ حدثنا سفيان بن وكيع، قال، ثنا أبي، عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن عائشة أنها قالت: "يا رسول الله ﴿الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يابْنَة أبي بَكْرٍ، أو يابْنَةَ الصّدِيق، وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيخافُ أنْ لا يُقْبَل مِنْهُ".
⁕ حدثنا القاسم، قال، ثنا الحسين، قال: ثني جرير، عن ليث بن أبي سليم، وهشيم عن العوّام بن حَوْشب، جميعا عن عائشة أنها قالت: سألت رسول الله ﷺ فقال: "يابْنَةَ أبي بَكْر، أو يابْنَةَ الصِّدِّيق، هُمُ الَّذِينَ يُصَلونَ، وَيَفْرَقُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنْهم". وأن من قوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ في موضع نصب؛ لأن معنى الكلام: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ من أنهم، فلما حذفت ﴿منْ﴾ اتصل الكلام قبلها فنصبت، وكان بعضهم يقول: هو في موضع خفض، وإن لم يكن الخافض ظاهرا.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفات صفاتهم، يبادرون في الأعمال الصالحة، ويطلبون الزلفة عند الله بطاعته.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ .
قال: والخيرات: المخافة والوجل والإيمان، والكفّ عن الشرك بالله، فذلك المسابقة إلى هذه الخيرات،
* *
قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾
كان بعضهم يقول: معناه سبقت لهم من الله السعادة، فذلك سبوقهم الخيرات التي يعملونها.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال، ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ يقول: سبقت لهم السعادة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وهم لها سَابِقُونَ﴾ ، فتلك الخيرات.
وكان بعضهم يتأوّل ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون. وتأوّله آخرون: وهم من أجلها سابقون.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله ابن عباس، من أنه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها.
وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالكلام؛ لأن ذلك أظهر معنييه، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك، إلى تحويل معنى "اللام" التي في قوله: ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ إلى غير معناها الأغلب عليها.
المؤمنون 23:61
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ والذين يعطون أهل سُهْمان الصدقة ما فرض الله لهم في أموالهم. ﴿مَا آتَوْا﴾ يعني: ما أعطوهم إياه من صدقة، ويؤدّون حقوق الله عليهم في أموالهم إلى أهلها ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ يقول: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فلا ينجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله، فهم خائفون من المرجع إلى الله لذلك، كما قال الحسن: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبجر، عن رجل، عن ابن عمر: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: الزكاة.
⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: المؤمن ينفق ماله وقلبه وَجِل.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي الأشهب، عن الحسن، قال: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: المؤمن ينفق ماله ويتصدق، وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّة، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا، ثم تلا الحسن: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إِلَى وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وقال المنافق: إنما أوتيته على علم عندي.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ قال: يُعْطون ما أعطوا. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ يقول: خائفة.
⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت، وهي من المبشرات.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يعطون ما أعطَوا ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثني معاوية، عن ابن عباس، قوله: ﴿والذين يأتون ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ يقول: يعملون خائفِين.
⁕ قال: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يعطون ما أعطوا؛ فرقا من الله ووجلا من الله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ ينفقون ما أنفقوا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: يعطون ما أعطوا وينفقون ما أنفقوا ويتصدقون بما تصدقوا وقلوبهم وجلة؛ اتقاء لسخط الله والنار. وعلى هذه القراءة، أعني على ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ قرأة الأمصار، وبه رسوم مصاحفهم وبه نقرأ؛ لإجماع الحجة من القرّاء عليه، ووفاقه خطّ مصاحف المسلمين.
وروي عن عائشة رضي الله عنها في ذلك، ما:-
⁕ حدثناه أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عليّ بن ثابت. عن طلحة بن عمرو، عن أبي خلف، قال: دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة، فسألها عبيد، كيف نقرأ هذا الحرف ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ ؟ فقالت: ﴿يَأْتُونَ مَا أَتَوْا﴾ . وكأنها تأولت في ذلك: والذين يفعلون ما يفعلون من الخيرات وهم وجلون من الله.
كالذي:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمر بن قيس، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قالت عائشة: "يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الذي يذنب الذنب وهو وجل منه؟ فقال: لا وَلَكِنْ مَنْ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ وَجِلٌ".
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن مالك بن مِغْول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة قالت: "قلت: يا رسول الله ﴿الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يُذنبون وهم مُشْفِقُون [[لعل فيه سقطًا، والأصل: قال: " لا " ولكن الذين يصلون وهم مشفقون، ويصومون.... " إلخ، كما يتضح من حديث عائشة الآتي بعد.]] ! ويصومون وهم مشفقون"؟ حدثنا أبو كريب، قال، ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ليث، عن مغيث، عن رجل من أهل مكة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله ﴿الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: فذكر مثل هذا.
⁕ حدثنا سفيان بن وكيع، قال، ثنا أبي، عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن عائشة أنها قالت: "يا رسول الله ﴿الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يابْنَة أبي بَكْرٍ، أو يابْنَةَ الصّدِيق، وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيخافُ أنْ لا يُقْبَل مِنْهُ".
⁕ حدثنا القاسم، قال، ثنا الحسين، قال: ثني جرير، عن ليث بن أبي سليم، وهشيم عن العوّام بن حَوْشب، جميعا عن عائشة أنها قالت: سألت رسول الله ﷺ فقال: "يابْنَةَ أبي بَكْر، أو يابْنَةَ الصِّدِّيق، هُمُ الَّذِينَ يُصَلونَ، وَيَفْرَقُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنْهم". وأن من قوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ في موضع نصب؛ لأن معنى الكلام: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ من أنهم، فلما حذفت ﴿منْ﴾ اتصل الكلام قبلها فنصبت، وكان بعضهم يقول: هو في موضع خفض، وإن لم يكن الخافض ظاهرا.
* *
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفات صفاتهم، يبادرون في الأعمال الصالحة، ويطلبون الزلفة عند الله بطاعته.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ .
قال: والخيرات: المخافة والوجل والإيمان، والكفّ عن الشرك بالله، فذلك المسابقة إلى هذه الخيرات،
* *
قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾
كان بعضهم يقول: معناه سبقت لهم من الله السعادة، فذلك سبوقهم الخيرات التي يعملونها.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال، ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ يقول: سبقت لهم السعادة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وهم لها سَابِقُونَ﴾ ، فتلك الخيرات.
وكان بعضهم يتأوّل ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون. وتأوّله آخرون: وهم من أجلها سابقون.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله ابن عباس، من أنه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها.
وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالكلام؛ لأن ذلك أظهر معنييه، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك، إلى تحويل معنى "اللام" التي في قوله: ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ إلى غير معناها الأغلب عليها.
المؤمنون 23:62
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولا نكلف نفسا إلا ما يسعَها ويصلح لها من العبادة؛ ولذلك كلَّفناها ما كلفناها من معرفة وحدانية الله، وشرعنا لها ما شرعنا من الشرائع.
﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يقول: وعندنا كتاب أعمال الخلق بما عملوا من خير وشرّ، ينطق بالحقّ ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ يقول: يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا، لا زيادة عليه ولا نقصان، ونحن موفو جميعهم أجورهم، المحسن منهم بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ يقول: وهم لا يظلمون، بأن يزاد على سيئات المسيء منهم ما لم يعمله فيعاقب على غير جُرْمه، وينقص المحسن عما عمل من إحسانه فينقص عَمَّا له من الثواب.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يحسب هؤلاء المشركون، من أن إمدادناهم بما نمدّهم به من مال وبنين، بخير نسوقه بذلك إليهم والرضا منا عنهم، ولكن قلوبهم في غمرة عمى عن هذا القرآن. وعنى بالغمرة: ما غمر قلوبهم فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من المواعظ والعبر والحجج. وعنى بقوله: ﴿مِنْ هَذَا﴾ من القرآن.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا) قال: في عمى من هذا القرآن.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ قال: من القرآن.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء الكفار أعمال لا يرضاها الله من المعاصي. ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ يقول: من دون أعمال أهل الإيمان بالله، وأهل التقوى والخشية له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: الخطايا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قال: الحق.
⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ٠ ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قال: خطايا من دون ذلك الحقّ.
⁕ قال ثنا حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ . .. الآية، قال: أعمال دُون الحق.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قال: ذكر الله الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، ثم قال للكفار: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: من دون الأعمال التي منها قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والذين، والذين.
⁕ حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: أعمال لا بد لهم من أن يعملوها.
⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن حماد بن سلمة، عن حميد، قال: سألت الحسن عن قول الله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: أعمال لم يعملوها سيعملونها.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: لم يكن له بد من أن يستوفي بقية عمله، ويصلي به.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: أعمال لا بدّ لهم من أن يعملوها.
⁕ حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قال: أعمال لا بدّ لهم من أن يعملوها.
المؤمنون 23:63
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولا نكلف نفسا إلا ما يسعَها ويصلح لها من العبادة؛ ولذلك كلَّفناها ما كلفناها من معرفة وحدانية الله، وشرعنا لها ما شرعنا من الشرائع.
﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يقول: وعندنا كتاب أعمال الخلق بما عملوا من خير وشرّ، ينطق بالحقّ ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ يقول: يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا، لا زيادة عليه ولا نقصان، ونحن موفو جميعهم أجورهم، المحسن منهم بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ يقول: وهم لا يظلمون، بأن يزاد على سيئات المسيء منهم ما لم يعمله فيعاقب على غير جُرْمه، وينقص المحسن عما عمل من إحسانه فينقص عَمَّا له من الثواب.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يحسب هؤلاء المشركون، من أن إمدادناهم بما نمدّهم به من مال وبنين، بخير نسوقه بذلك إليهم والرضا منا عنهم، ولكن قلوبهم في غمرة عمى عن هذا القرآن. وعنى بالغمرة: ما غمر قلوبهم فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من المواعظ والعبر والحجج. وعنى بقوله: ﴿مِنْ هَذَا﴾ من القرآن.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا) قال: في عمى من هذا القرآن.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ قال: من القرآن.
* *
وقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء الكفار أعمال لا يرضاها الله من المعاصي. ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ يقول: من دون أعمال أهل الإيمان بالله، وأهل التقوى والخشية له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: الخطايا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قال: الحق.
⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ٠ ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قال: خطايا من دون ذلك الحقّ.
⁕ قال ثنا حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ . .. الآية، قال: أعمال دُون الحق.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قال: ذكر الله الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، ثم قال للكفار: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: من دون الأعمال التي منها قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والذين، والذين.
⁕ حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: أعمال لا بد لهم من أن يعملوها.
⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن حماد بن سلمة، عن حميد، قال: سألت الحسن عن قول الله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: أعمال لم يعملوها سيعملونها.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: لم يكن له بد من أن يستوفي بقية عمله، ويصلي به.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: أعمال لا بدّ لهم من أن يعملوها.
⁕ حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قال: أعمال لا بدّ لهم من أن يعملوها.
المؤمنون 23:64
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء الكفار من قريش أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، إلى أن يؤخذ أهل النَّعمة والبطر منهم بالعذاب. كما:
⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ ، قال: المُتْرَفُون: العظماء. ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يقول: فإذا أخذناهم به جأروا، يقول: ضجُّوا واستغاثوا مما حلّ بهم من عذابنا، ولعلّ الجُؤار: رفع الصوت، كما يجأر الثور؛ ومنه قول الأعشى:
يرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِي ... كِ طَوْرًا سجُودًا وَطَوْرًا جؤارا [[البيت للأعشى (ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص ٥٣) وهو من قصيدة يمدح بها الأعشى قيس بن معد يكرب. ويراوح بين العلمين: يتداول هذا مرة، وهذا مرة. والجؤار: مصدر جأر إلى الله. إذا تضرع ورفع صوته. يقول: إن ممدوح مع ما وصف به من كرم وقوة ووفاء، تقيٌّ يراقب ربه، ويتضرع إليه ويجأر في صلواته. واستشهد به المؤلف على أن الجؤار: رفع الصوت كما يجأر الثور.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يقول: يستغيثون.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن علقمة بن قردد، عن مجاهد، في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال: بالسيوف يوم بدر.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال: يجزعون.
⁕ قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ قال: عذاب يوم بدر. ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال: الذين بمكة.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ يعني أهل بدر، أخذهم الله بالعذاب يوم بدر.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال: يجزعون.
* *
وقوله: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾
يقول: لا تضجوا وتستغيثوا اليوم وقد نزل بكم العذاب الذي لا يدفع عن الذين ظلموا أنفسهم، فإن ضجيجكم غير نافعكم ولا دافع عنكم شيئا مما قد نزل بكم من سخط الله. ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ﴾ يقول: إنكم من عذابنا الذي قد حل بكم لا تستنقذون، ولا يخلصكم منه شيء.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ لا تجزعوا اليوم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا الربيع بن أنس: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ لا تجزعوا الآن حين نزل بكم العذاب، إنه لا ينفعكم، فلو كان هذا الجزع قبلُ نفعكم.
المؤمنون 23:65
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء الكفار من قريش أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، إلى أن يؤخذ أهل النَّعمة والبطر منهم بالعذاب. كما:
⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ ، قال: المُتْرَفُون: العظماء. ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يقول: فإذا أخذناهم به جأروا، يقول: ضجُّوا واستغاثوا مما حلّ بهم من عذابنا، ولعلّ الجُؤار: رفع الصوت، كما يجأر الثور؛ ومنه قول الأعشى:
يرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِي ... كِ طَوْرًا سجُودًا وَطَوْرًا جؤارا [[البيت للأعشى (ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص ٥٣) وهو من قصيدة يمدح بها الأعشى قيس بن معد يكرب. ويراوح بين العلمين: يتداول هذا مرة، وهذا مرة. والجؤار: مصدر جأر إلى الله. إذا تضرع ورفع صوته. يقول: إن ممدوح مع ما وصف به من كرم وقوة ووفاء، تقيٌّ يراقب ربه، ويتضرع إليه ويجأر في صلواته. واستشهد به المؤلف على أن الجؤار: رفع الصوت كما يجأر الثور.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يقول: يستغيثون.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن علقمة بن قردد، عن مجاهد، في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال: بالسيوف يوم بدر.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال: يجزعون.
⁕ قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ قال: عذاب يوم بدر. ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال: الذين بمكة.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ يعني أهل بدر، أخذهم الله بالعذاب يوم بدر.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال: يجزعون.
* *
وقوله: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾
يقول: لا تضجوا وتستغيثوا اليوم وقد نزل بكم العذاب الذي لا يدفع عن الذين ظلموا أنفسهم، فإن ضجيجكم غير نافعكم ولا دافع عنكم شيئا مما قد نزل بكم من سخط الله. ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ﴾ يقول: إنكم من عذابنا الذي قد حل بكم لا تستنقذون، ولا يخلصكم منه شيء.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ لا تجزعوا اليوم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا الربيع بن أنس: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ لا تجزعوا الآن حين نزل بكم العذاب، إنه لا ينفعكم، فلو كان هذا الجزع قبلُ نفعكم.
المؤمنون 23:66
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) ﴾
يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: لا تضجوا اليوم وقد نزل بكم سخط الله وعذابه، بما كسبت أيديكم واستوجبتموه بكفركم بآيات ربكم. ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: آيات كتاب الله، يقول: كانت آيات كتابي تقرأ عليكم فتكذّبون بها وترجعون مولين عنها إذا سمعتموها، كراهية منكم لسماعها. وكذلك يقال لكل من رجع من حيث جاء: نكص فلان على عقبه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ قال: تستأخرون.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ يقول: تدبرون.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ يعني أهل مكة.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿تَنْكِصُونَ﴾ قال: تستأخرون.
* *
وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾
يقول: مستكبرين بحرم الله، يقولون: لا يظهر علينا فيه أحد، لأنا أهل الحرم.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ يقول: مستكبرين بحرم البيت أنه لا يظهر علينا فيه أحد.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال: بمكة البلد.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، نحوه.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) قال: مستكبرين بحرمي.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ بالحرم.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال: مستكبرين بالحرم.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال: بالحرم.
* *
وقوله: ﴿سَامِرًا﴾
يقول: تَسْمُرون بالليل. ووحد قوله: ﴿سَامِرًا﴾ وهو بمعنى السُّمَّار؛ لأنه وضع موضع الوقت. ومعنى الكلام: وتهجرون ليلا فوضع السامر موضع الليل، فوحد لذلك. وقد كان بعض البصريين يقول: وحد ومعناه الجمع، كما قيل: طفل في موضع أطفال. ومما يبين عن صحة ما قلنا في أنه وضع موضع الوقت فوحد لذلك، قول الشاعر.
مِنْ دُونِهِم إن جِئْتَهُم سَمَرًا ... عَزْفُ القِيانِ وَمَجْلِسٌ غَمْرُ [[البيت لابن أحمر الباهلي: (اللسان: سمر) قال: قال ابن أحمر - وجعل السمر ليلا -: "من دونهم ... " البيت أراد جئتهم ليلا، وبهذا المعنى أورده المؤلف. والشطر الثاني من البيت في رواية اللسان مختلف عنه في رواية المؤلف، ففي اللسان " حي حلال لملم عكر". والحي الحلال: يريد الجماعة النازلين على الماء أو نحوه. ولملم: كثير مجتمع. وكذلك العكر. والمجلس الغمر: الجماعة الكثيرة يجتمعون للحديث والسمر.]]
فقال: سمرا؛ لأن معناه: إن جئتهم ليلا وهم يسمُرون، وكذلك قوله: ﴿سَامِرًا﴾ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿سَامِرًا﴾ يقول: يَسْمُرون حول البيت.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿سَامِرًا﴾ قال: مجلسًا بالليل.
⁕ حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿سَامِرًا﴾ قال: مجالس.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جُبير: ﴿سَامِرًا﴾ قال: تَسْمُرون بالليل.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿سَامِرًا﴾ قال: كانوا يسمرون ليلتهم ويلعبون: يتكلمون بالشعر والكهانة وبما لا يدرون.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿سَامِرًا﴾ قال: يعني سَمَر الليل.
وقال بعضهم في ذلك ما:-
⁕ حدثنا به ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿سَامِرًا﴾ يقول: سامرا من أهل الحرم آمنا لا يخاف، كانوا يقولون: نحن أهل الحرم، لا يخافون.
⁕ حدثنا الحسن، قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة: ﴿سَامِرًا﴾ يقول: سامرًا من أهل مكة آمنا لا يخاف، قال: كانوا يقولون: نحن أهل الحرم لا نخاف.
* *
وقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾
اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بفتح التاء وضم الجيم. ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى: أحدهما أن يكون عنى أنه وصفهم بالإعراض عن القرآن أو البيت، أو رسول الله ﷺ ورفضه. والآخر: أن يكون عنى أنهم يقولون شيئا من القول كما يهجر الرجل في منامه، وذلك إذا هذى؛ فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يقولوا فيه باطلا من القول الذي لا يضره. وقد جاء بكلا القولين التأويل من أهل التأويل.
ذكر من قال: كانوا يعرضون عن ذكر الله والحق ويهجرونه:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قال: يهجرون ذكر الله والحق.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن السدي، عن أبي صالح، في قوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ قال: السبّ.
ذكر من قال: كانوا يقولون الباطل والسيئ من القول في القرآن.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جُبير: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قال: يهجرون في الباطل.
⁕ قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حصين، عن سعيد بن حبير: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ قال: يسمرون بالليل يخوضون في الباطل.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قال: بالقول السيئ في القرآن.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قال: الهَذَيَان؛ الذي يتكلم بما لا يريد، ولا يعقل كالمريض الذي يتكلم بما لا يدري. قال: كان أُبيّ يقرؤها: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ .وقرأ ذلك آخرون: ﴿سَامِرًا تُهْجِرُونَ﴾ بضم التاء وكسر الجيم. وممن قرأ ذلك كذلك من قرّاء الأمصار: نافع بن أبي نعيم، بمعنى: يفحشون في المنطق، ويقولون الخنا، من قولهم: أهجر الرجل: إذا أفحش في القول. وذكر أنهم كانوا يسُبُّون رسول الله ﷺ.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ قال: تقولون هجرا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبي نهيك، عن عكرِمة، أنه قرأ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ : أي تسبون.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عون، عن الحسن، في قوله: ﴿سَامِرًا تُهْجِرُونَ﴾ رسولي.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ رسول الله ﷺ.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ يقول: يقولون سوءا.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ كتاب الله ورسوله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ يقول: يقولون المنكر والخنا من القول، كذلك هجر القول.
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، وهي فتح التاء وضم الجيم، لإجماع الحجة من القرّاء.
المؤمنون 23:67
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) ﴾
يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: لا تضجوا اليوم وقد نزل بكم سخط الله وعذابه، بما كسبت أيديكم واستوجبتموه بكفركم بآيات ربكم. ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: آيات كتاب الله، يقول: كانت آيات كتابي تقرأ عليكم فتكذّبون بها وترجعون مولين عنها إذا سمعتموها، كراهية منكم لسماعها. وكذلك يقال لكل من رجع من حيث جاء: نكص فلان على عقبه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ قال: تستأخرون.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ يقول: تدبرون.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ يعني أهل مكة.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿تَنْكِصُونَ﴾ قال: تستأخرون.
* *
وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾
يقول: مستكبرين بحرم الله، يقولون: لا يظهر علينا فيه أحد، لأنا أهل الحرم.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ يقول: مستكبرين بحرم البيت أنه لا يظهر علينا فيه أحد.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال: بمكة البلد.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، نحوه.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) قال: مستكبرين بحرمي.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ بالحرم.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال: مستكبرين بالحرم.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال: بالحرم.
* *
وقوله: ﴿سَامِرًا﴾
يقول: تَسْمُرون بالليل. ووحد قوله: ﴿سَامِرًا﴾ وهو بمعنى السُّمَّار؛ لأنه وضع موضع الوقت. ومعنى الكلام: وتهجرون ليلا فوضع السامر موضع الليل، فوحد لذلك. وقد كان بعض البصريين يقول: وحد ومعناه الجمع، كما قيل: طفل في موضع أطفال. ومما يبين عن صحة ما قلنا في أنه وضع موضع الوقت فوحد لذلك، قول الشاعر.
مِنْ دُونِهِم إن جِئْتَهُم سَمَرًا ... عَزْفُ القِيانِ وَمَجْلِسٌ غَمْرُ [[البيت لابن أحمر الباهلي: (اللسان: سمر) قال: قال ابن أحمر - وجعل السمر ليلا -: "من دونهم ... " البيت أراد جئتهم ليلا، وبهذا المعنى أورده المؤلف. والشطر الثاني من البيت في رواية اللسان مختلف عنه في رواية المؤلف، ففي اللسان " حي حلال لملم عكر". والحي الحلال: يريد الجماعة النازلين على الماء أو نحوه. ولملم: كثير مجتمع. وكذلك العكر. والمجلس الغمر: الجماعة الكثيرة يجتمعون للحديث والسمر.]]
فقال: سمرا؛ لأن معناه: إن جئتهم ليلا وهم يسمُرون، وكذلك قوله: ﴿سَامِرًا﴾ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿سَامِرًا﴾ يقول: يَسْمُرون حول البيت.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿سَامِرًا﴾ قال: مجلسًا بالليل.
⁕ حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ﴿سَامِرًا﴾ قال: مجالس.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جُبير: ﴿سَامِرًا﴾ قال: تَسْمُرون بالليل.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿سَامِرًا﴾ قال: كانوا يسمرون ليلتهم ويلعبون: يتكلمون بالشعر والكهانة وبما لا يدرون.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿سَامِرًا﴾ قال: يعني سَمَر الليل.
وقال بعضهم في ذلك ما:-
⁕ حدثنا به ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿سَامِرًا﴾ يقول: سامرا من أهل الحرم آمنا لا يخاف، كانوا يقولون: نحن أهل الحرم، لا يخافون.
⁕ حدثنا الحسن، قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة: ﴿سَامِرًا﴾ يقول: سامرًا من أهل مكة آمنا لا يخاف، قال: كانوا يقولون: نحن أهل الحرم لا نخاف.
* *
وقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾
اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بفتح التاء وضم الجيم. ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى: أحدهما أن يكون عنى أنه وصفهم بالإعراض عن القرآن أو البيت، أو رسول الله ﷺ ورفضه. والآخر: أن يكون عنى أنهم يقولون شيئا من القول كما يهجر الرجل في منامه، وذلك إذا هذى؛ فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يقولوا فيه باطلا من القول الذي لا يضره. وقد جاء بكلا القولين التأويل من أهل التأويل.
ذكر من قال: كانوا يعرضون عن ذكر الله والحق ويهجرونه:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قال: يهجرون ذكر الله والحق.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن السدي، عن أبي صالح، في قوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ قال: السبّ.
ذكر من قال: كانوا يقولون الباطل والسيئ من القول في القرآن.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جُبير: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قال: يهجرون في الباطل.
⁕ قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حصين، عن سعيد بن حبير: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ قال: يسمرون بالليل يخوضون في الباطل.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قال: بالقول السيئ في القرآن.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قال: الهَذَيَان؛ الذي يتكلم بما لا يريد، ولا يعقل كالمريض الذي يتكلم بما لا يدري. قال: كان أُبيّ يقرؤها: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ .وقرأ ذلك آخرون: ﴿سَامِرًا تُهْجِرُونَ﴾ بضم التاء وكسر الجيم. وممن قرأ ذلك كذلك من قرّاء الأمصار: نافع بن أبي نعيم، بمعنى: يفحشون في المنطق، ويقولون الخنا، من قولهم: أهجر الرجل: إذا أفحش في القول. وذكر أنهم كانوا يسُبُّون رسول الله ﷺ.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ قال: تقولون هجرا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبي نهيك، عن عكرِمة، أنه قرأ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ : أي تسبون.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عون، عن الحسن، في قوله: ﴿سَامِرًا تُهْجِرُونَ﴾ رسولي.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ رسول الله ﷺ.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ يقول: يقولون سوءا.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ كتاب الله ورسوله.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿تُهْجِرُونَ﴾ يقول: يقولون المنكر والخنا من القول، كذلك هجر القول.
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، وهي فتح التاء وضم الجيم، لإجماع الحجة من القرّاء.
المؤمنون 23:68
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: أفلم يتدبر هؤلاء المشركون تنزيل الله وكلامه، فيعلموا ما فيه من العبر، ويعرفوا حجج الله التي احتج بها عليه فيه؟ ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ؟ يقول: أم جاءهم أمر ما لم يأت من قبلهم من أسلافهم، فاستكبروا ذلك وأعرضوا، فقد جاءت الرسل من قبلهم، وأنزلت معهم الكتب. وقد يحتمل أن تكون "أم" في هذا الموضع بمعنى: بل، فيكون تأويل الكلام: أفلم يدبروا القول؟ بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، فتركوا لذلك التدبر وأعرضوا عنه، إذ لم يكن فيمن سلف من آباءهم ذلك، وقد ذُكر عن ابن عباس في نحو هذا القول.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ قال: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين، ولكن أو لم يأتهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين.
* *
وقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾
يقول تعالى ذكره: أم لم يعرف هؤلاء المكذّبون محمدًا، وأنه من أهل الصدق والأمانة فهم له منكرون، يقول: فينكروا قوله، أو لم يعرفوه بالصدق، ويحتجوا بأنهم لا يعرفونه. يقول جلّ ثناؤه: فكيف يكذّبونه وهم يعرفونه فيهم بالصدق والأمانة؟! ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يقول: أيقولون بمحمد جنون، فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم ولا يدري ما يقول؟! ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾
يقول تعالى ذكره: فإن يقولوا ذلك فكذبهم في قيلهم ذلك واضح بَيّن، وذلك أن المجنون يهذي فيأتي من الكلام بما لا معنى له، ولا يعقل ولا يفهم، والذي جاءهم به محمد هو الحكمة التي لا أحكم منها والحقّ الذي لا تخفى صحته على ذي فطرة صحيحة، فكيف يجوز أن يقال: هو كلام مجنون؟
* *
وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء الكفرة أنهم لم يعرفوا محمدا بالصدق ولا أن محمدا عندهم مجنون، بل قد علموه صادقا محقا فيما يقول وفيما يدعوهم إليه، ولكن أكثرهم للإذعان للحقّ كارهون ولأتباع محمد ساخطون؛ حسدا منهم له وبغيا عليه واستكبارا في الأرض.
المؤمنون 23:69
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: أفلم يتدبر هؤلاء المشركون تنزيل الله وكلامه، فيعلموا ما فيه من العبر، ويعرفوا حجج الله التي احتج بها عليه فيه؟ ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ؟ يقول: أم جاءهم أمر ما لم يأت من قبلهم من أسلافهم، فاستكبروا ذلك وأعرضوا، فقد جاءت الرسل من قبلهم، وأنزلت معهم الكتب. وقد يحتمل أن تكون "أم" في هذا الموضع بمعنى: بل، فيكون تأويل الكلام: أفلم يدبروا القول؟ بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، فتركوا لذلك التدبر وأعرضوا عنه، إذ لم يكن فيمن سلف من آباءهم ذلك، وقد ذُكر عن ابن عباس في نحو هذا القول.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ قال: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين، ولكن أو لم يأتهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين.
* *
وقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾
يقول تعالى ذكره: أم لم يعرف هؤلاء المكذّبون محمدًا، وأنه من أهل الصدق والأمانة فهم له منكرون، يقول: فينكروا قوله، أو لم يعرفوه بالصدق، ويحتجوا بأنهم لا يعرفونه. يقول جلّ ثناؤه: فكيف يكذّبونه وهم يعرفونه فيهم بالصدق والأمانة؟! ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يقول: أيقولون بمحمد جنون، فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم ولا يدري ما يقول؟! ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾
يقول تعالى ذكره: فإن يقولوا ذلك فكذبهم في قيلهم ذلك واضح بَيّن، وذلك أن المجنون يهذي فيأتي من الكلام بما لا معنى له، ولا يعقل ولا يفهم، والذي جاءهم به محمد هو الحكمة التي لا أحكم منها والحقّ الذي لا تخفى صحته على ذي فطرة صحيحة، فكيف يجوز أن يقال: هو كلام مجنون؟
* *
وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء الكفرة أنهم لم يعرفوا محمدا بالصدق ولا أن محمدا عندهم مجنون، بل قد علموه صادقا محقا فيما يقول وفيما يدعوهم إليه، ولكن أكثرهم للإذعان للحقّ كارهون ولأتباع محمد ساخطون؛ حسدا منهم له وبغيا عليه واستكبارا في الأرض.
المؤمنون 23:70
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: أفلم يتدبر هؤلاء المشركون تنزيل الله وكلامه، فيعلموا ما فيه من العبر، ويعرفوا حجج الله التي احتج بها عليه فيه؟ ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ؟ يقول: أم جاءهم أمر ما لم يأت من قبلهم من أسلافهم، فاستكبروا ذلك وأعرضوا، فقد جاءت الرسل من قبلهم، وأنزلت معهم الكتب. وقد يحتمل أن تكون "أم" في هذا الموضع بمعنى: بل، فيكون تأويل الكلام: أفلم يدبروا القول؟ بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، فتركوا لذلك التدبر وأعرضوا عنه، إذ لم يكن فيمن سلف من آباءهم ذلك، وقد ذُكر عن ابن عباس في نحو هذا القول.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ قال: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين، ولكن أو لم يأتهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين.
* *
وقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾
يقول تعالى ذكره: أم لم يعرف هؤلاء المكذّبون محمدًا، وأنه من أهل الصدق والأمانة فهم له منكرون، يقول: فينكروا قوله، أو لم يعرفوه بالصدق، ويحتجوا بأنهم لا يعرفونه. يقول جلّ ثناؤه: فكيف يكذّبونه وهم يعرفونه فيهم بالصدق والأمانة؟! ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يقول: أيقولون بمحمد جنون، فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم ولا يدري ما يقول؟! ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾
يقول تعالى ذكره: فإن يقولوا ذلك فكذبهم في قيلهم ذلك واضح بَيّن، وذلك أن المجنون يهذي فيأتي من الكلام بما لا معنى له، ولا يعقل ولا يفهم، والذي جاءهم به محمد هو الحكمة التي لا أحكم منها والحقّ الذي لا تخفى صحته على ذي فطرة صحيحة، فكيف يجوز أن يقال: هو كلام مجنون؟
* *
وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء الكفرة أنهم لم يعرفوا محمدا بالصدق ولا أن محمدا عندهم مجنون، بل قد علموه صادقا محقا فيما يقول وفيما يدعوهم إليه، ولكن أكثرهم للإذعان للحقّ كارهون ولأتباع محمد ساخطون؛ حسدا منهم له وبغيا عليه واستكبارا في الأرض.
المؤمنون 23:71
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولو عمل الربّ تعالى ذكره بما يهوى هؤلاء المشركون وأجرى التدبير على مشيئتهم وإرادتهم وترك الحق الذي هم له كارهون، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن؛ وذلك أنهم لا يعرفون عواقب الأمور والصحيح من التدبير والفاسد، فلو كانت الأمور جارية على مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم الباطل على الحقّ، لم تقرّ السموات والأرض ومن فيهنّ من خلق الله، لأن ذلك قام بالحق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا السديّ، عن أبي صالح: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ قال: الله.
⁕ قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ قال: الحقّ: هو الله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ قال: الحق: الله.
* *
وقوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل الذكر في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو بيان الحقّ لهم بما أنزل على رجل منهم من هذا القرآن.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ يقول: بيَّنا لهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل أتيناهم بشرفهم؛ وذلك أن هذا القرآن كان شرفا لهم، لأنه نزل على رجل منهم، فأعرضوا عنه وكفروا به. وقالوا: ذلك نظير قوله ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ وهذان القولان متقاربا المعنى؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أنزل هذا القرآن بيانا بين فيه ما لخلقه إليه الحاجة من أمر دينهم، وهو مع ذلك ذكر لرسوله ﷺ وقومه وشرف لهم.
المؤمنون 23:72
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: أم تسأل هؤلاء المشركين يا محمد من قومك خراجا، يعني أجرا على ما جئتهم به من عند الله من النصيحة والحقّ؛ ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ فأجر ربك على نفاذك لأمره، وابتغاء مرضاته خير لك من ذلك، ولم يسألهم ﷺ على ما أتاهم به من عند الله أجرا، قال لهم كما قال الله له، وأمره بقيله لهم: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وإنما معنى الكلام: أم تسألهم على ما جئتهم به أجرا، فنكصوا على أعقابهم إذا تلوته عليهم، مستكبرين بالحرم، فخراج ربك خير.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ قال: أجرا.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الحسن، مثله.
وأصل الخراج والخرج: مصدران لا يجمعان.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾
يقول: والله خير من أعطى عوضا على عمل ورزق رزقا.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
يقول تعالى ذكره: وإنك يا محمد لتدعو هؤلاء المشركين من قومك إلى دين الإسلام، وهو الطريق القاصد والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
المؤمنون 23:73
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: أم تسأل هؤلاء المشركين يا محمد من قومك خراجا، يعني أجرا على ما جئتهم به من عند الله من النصيحة والحقّ؛ ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ فأجر ربك على نفاذك لأمره، وابتغاء مرضاته خير لك من ذلك، ولم يسألهم ﷺ على ما أتاهم به من عند الله أجرا، قال لهم كما قال الله له، وأمره بقيله لهم: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وإنما معنى الكلام: أم تسألهم على ما جئتهم به أجرا، فنكصوا على أعقابهم إذا تلوته عليهم، مستكبرين بالحرم، فخراج ربك خير.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ قال: أجرا.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الحسن، مثله.
وأصل الخراج والخرج: مصدران لا يجمعان.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾
يقول: والله خير من أعطى عوضا على عمل ورزق رزقا.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
يقول تعالى ذكره: وإنك يا محمد لتدعو هؤلاء المشركين من قومك إلى دين الإسلام، وهو الطريق القاصد والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
المؤمنون 23:74
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين لا يصدّقون بالبعث بعد الممات، وقيام الساعة، ومجازاة الله عباده في الدار الآخرة؛ ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ يقول: عن محجة الحق وقصد السبيل، وذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده العادلون. يقال منه: قد نكب فلان عن كذا: إذا عدل عنه، ونكب عنه: أي عدل عنه.
وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ قال: العادلون.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ يقول: عن الحقّ عادلون.
* *
وقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾
يقول تعالى: ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب وضرّ الجوع والهزال؛ ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ يعني في عتوّهم وجرأتهم على ربهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يعني: يتردّدون.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ قال: الجوع.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا، وسخطنا وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ يقول: فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه، وينيبوا إلى طاعته ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ يقول: وما يتذللون له.
وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشا بسني الجدب، إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ.
ذكر الخبر في ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ، فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز! يعني الوبر والدم، فأنزل الله: ﴿ولقد أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ابن أثال الحنفي، لما أتى النبيّ ﷺ وهو أسير، فخلى سبيله، فلحق بمكة، فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العِلْهِز، فجاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ، فقال: أليس تزعم بأنك بُعثت رحمة للعالمين؟ فقال: "بلى! " فقال: قد قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع! فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ ... ﴾ الآية.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: أخبرنا عمرو، قال: قال الحسن: إذا أصاب الناس من قِبَل الشيطان بلاء، فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ قال: الجوع والجدب. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ فَصَبَرُوا ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
المؤمنون 23:75
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين لا يصدّقون بالبعث بعد الممات، وقيام الساعة، ومجازاة الله عباده في الدار الآخرة؛ ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ يقول: عن محجة الحق وقصد السبيل، وذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده العادلون. يقال منه: قد نكب فلان عن كذا: إذا عدل عنه، ونكب عنه: أي عدل عنه.
وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ قال: العادلون.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ يقول: عن الحقّ عادلون.
* *
وقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾
يقول تعالى: ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب وضرّ الجوع والهزال؛ ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ يعني في عتوّهم وجرأتهم على ربهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يعني: يتردّدون.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ قال: الجوع.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا، وسخطنا وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ يقول: فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه، وينيبوا إلى طاعته ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ يقول: وما يتذللون له.
وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشا بسني الجدب، إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ.
ذكر الخبر في ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ، فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز! يعني الوبر والدم، فأنزل الله: ﴿ولقد أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ابن أثال الحنفي، لما أتى النبيّ ﷺ وهو أسير، فخلى سبيله، فلحق بمكة، فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العِلْهِز، فجاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ، فقال: أليس تزعم بأنك بُعثت رحمة للعالمين؟ فقال: "بلى! " فقال: قد قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع! فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ ... ﴾ الآية.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: أخبرنا عمرو، قال: قال الحسن: إذا أصاب الناس من قِبَل الشيطان بلاء، فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ قال: الجوع والجدب. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ فَصَبَرُوا ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
المؤمنون 23:76
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: والذين لا يصدّقون بالبعث بعد الممات، وقيام الساعة، ومجازاة الله عباده في الدار الآخرة؛ ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ يقول: عن محجة الحق وقصد السبيل، وذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده العادلون. يقال منه: قد نكب فلان عن كذا: إذا عدل عنه، ونكب عنه: أي عدل عنه.
وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ قال: العادلون.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ يقول: عن الحقّ عادلون.
* *
وقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾
يقول تعالى: ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب وضرّ الجوع والهزال؛ ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ يعني في عتوّهم وجرأتهم على ربهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يعني: يتردّدون.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ قال: الجوع.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا، وسخطنا وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ يقول: فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه، وينيبوا إلى طاعته ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ يقول: وما يتذللون له.
وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشا بسني الجدب، إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ.
ذكر الخبر في ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ، فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز! يعني الوبر والدم، فأنزل الله: ﴿ولقد أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ابن أثال الحنفي، لما أتى النبيّ ﷺ وهو أسير، فخلى سبيله، فلحق بمكة، فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العِلْهِز، فجاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ، فقال: أليس تزعم بأنك بُعثت رحمة للعالمين؟ فقال: "بلى! " فقال: قد قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع! فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ ... ﴾ الآية.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: أخبرنا عمرو، قال: قال الحسن: إذا أصاب الناس من قِبَل الشيطان بلاء، فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ قال: الجوع والجدب. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ فَصَبَرُوا ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
المؤمنون 23:77
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معناه: حتى إذا فتحنا عليهم باب القتال، فقتلوا يوم بدر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قد مضى، كان يوم بدر.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس مثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿حتى إذا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال: يوم بدر.
وقال آخرون: معناه: حتى إذا فتحنا عليهم باب المجاعة والضر، وهو الباب ذو العذاب الشديد.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال: لكفار قريش الجوع، وما قبلها من القصة لهم أيضا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: وما قبلها أيضا.
وهذا القول الذي قاله مجاهد: أولى بتأويل الآية، لصحة الخبر الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في قصة المجاعة التي أصابت قريشا؛ بدعاء رسول الله ﷺ عليهم، وأمر ثمامة بن أثال، وذلك لا شك أنه كان بعد وقعة بدر.
* *
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾
يقول: إذا هؤلاء المشركون فيما فتحنا عليهم من العذاب حزنى نادمون على ما سلف منهم، في تكذيبهم بآيات الله، في حين لا ينفعهم الندم والحزن.
المؤمنون 23:78
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها المكذّبون بالبعث بعد الممات السمعَ الذي تسمعون به، والأبصَارَ التي تبصرون بها، والأفئدة التي تفقهون بها، فكيف يتعذّر على من أنشأ ذلك ابتداء إعادته بعد عدمه وفقده، وهو الذي يوجد ذلك كله إذا شاء ويفنيه إذا أراد ﴿قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ يقول: تشكرون أيها المكذّبون خير الله من عطائكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي خلقكم في الأرض وإليه تُحْشَرونَ من بعد مماتكم، ثم تبعثون من قبوركم إلى موقف الحساب.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي يحيي خلقه يقول: يجعلهم أحياء بعد أن كانوا نطفا أمواتا، بنفخ الروح فيها بعد التارات التي تأتي عليها، ﴿وَيُمِيتُ﴾ يقول: ويميتهم بعد أن أحياهم ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول: وهو الذي جعل الليل والنهار مختلفين، كما يقال في الكلام: لك المنّ والفضل، بمعنى: إنك تمنّ وتفضل.
* *
وقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾
يقول: أفلا تعقلون أيها الناس، أن الذي فعل هذه الأفعال ابتداء من غير أصل، لا يمتنع عليه إحياء الأموات بعد فنائهم، وإنشاء ما شاء إعدامه بعد إنشائه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ما اعتبر هؤلاء المشركون بآيات الله، ولا تدبروا ما احتجّ عليهم من الحجج والدلالة على قدرته، على فعل كلّ ما يشاء، ولكن قالوا مثل ما قال أسلافهم من الأمم المكذّبة رسلها قبلهم: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ يقول: أئذا متنا وعدنا ترابا قد بليت أجسامنا، وبرأت عظامنا من لحومنا ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ يقول: إنا لمبعوثون من قبورنا أحياء، كهيئتنا قبل الممات؟ إن هذا لشيء غير كائن.
المؤمنون 23:79
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها المكذّبون بالبعث بعد الممات السمعَ الذي تسمعون به، والأبصَارَ التي تبصرون بها، والأفئدة التي تفقهون بها، فكيف يتعذّر على من أنشأ ذلك ابتداء إعادته بعد عدمه وفقده، وهو الذي يوجد ذلك كله إذا شاء ويفنيه إذا أراد ﴿قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ يقول: تشكرون أيها المكذّبون خير الله من عطائكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي خلقكم في الأرض وإليه تُحْشَرونَ من بعد مماتكم، ثم تبعثون من قبوركم إلى موقف الحساب.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي يحيي خلقه يقول: يجعلهم أحياء بعد أن كانوا نطفا أمواتا، بنفخ الروح فيها بعد التارات التي تأتي عليها، ﴿وَيُمِيتُ﴾ يقول: ويميتهم بعد أن أحياهم ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول: وهو الذي جعل الليل والنهار مختلفين، كما يقال في الكلام: لك المنّ والفضل، بمعنى: إنك تمنّ وتفضل.
* *
وقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾
يقول: أفلا تعقلون أيها الناس، أن الذي فعل هذه الأفعال ابتداء من غير أصل، لا يمتنع عليه إحياء الأموات بعد فنائهم، وإنشاء ما شاء إعدامه بعد إنشائه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ما اعتبر هؤلاء المشركون بآيات الله، ولا تدبروا ما احتجّ عليهم من الحجج والدلالة على قدرته، على فعل كلّ ما يشاء، ولكن قالوا مثل ما قال أسلافهم من الأمم المكذّبة رسلها قبلهم: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ يقول: أئذا متنا وعدنا ترابا قد بليت أجسامنا، وبرأت عظامنا من لحومنا ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ يقول: إنا لمبعوثون من قبورنا أحياء، كهيئتنا قبل الممات؟ إن هذا لشيء غير كائن.
المؤمنون 23:80
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها المكذّبون بالبعث بعد الممات السمعَ الذي تسمعون به، والأبصَارَ التي تبصرون بها، والأفئدة التي تفقهون بها، فكيف يتعذّر على من أنشأ ذلك ابتداء إعادته بعد عدمه وفقده، وهو الذي يوجد ذلك كله إذا شاء ويفنيه إذا أراد ﴿قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ يقول: تشكرون أيها المكذّبون خير الله من عطائكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي خلقكم في الأرض وإليه تُحْشَرونَ من بعد مماتكم، ثم تبعثون من قبوركم إلى موقف الحساب.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي يحيي خلقه يقول: يجعلهم أحياء بعد أن كانوا نطفا أمواتا، بنفخ الروح فيها بعد التارات التي تأتي عليها، ﴿وَيُمِيتُ﴾ يقول: ويميتهم بعد أن أحياهم ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول: وهو الذي جعل الليل والنهار مختلفين، كما يقال في الكلام: لك المنّ والفضل، بمعنى: إنك تمنّ وتفضل.
* *
وقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾
يقول: أفلا تعقلون أيها الناس، أن الذي فعل هذه الأفعال ابتداء من غير أصل، لا يمتنع عليه إحياء الأموات بعد فنائهم، وإنشاء ما شاء إعدامه بعد إنشائه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ما اعتبر هؤلاء المشركون بآيات الله، ولا تدبروا ما احتجّ عليهم من الحجج والدلالة على قدرته، على فعل كلّ ما يشاء، ولكن قالوا مثل ما قال أسلافهم من الأمم المكذّبة رسلها قبلهم: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ يقول: أئذا متنا وعدنا ترابا قد بليت أجسامنا، وبرأت عظامنا من لحومنا ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ يقول: إنا لمبعوثون من قبورنا أحياء، كهيئتنا قبل الممات؟ إن هذا لشيء غير كائن.
المؤمنون 23:81
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها المكذّبون بالبعث بعد الممات السمعَ الذي تسمعون به، والأبصَارَ التي تبصرون بها، والأفئدة التي تفقهون بها، فكيف يتعذّر على من أنشأ ذلك ابتداء إعادته بعد عدمه وفقده، وهو الذي يوجد ذلك كله إذا شاء ويفنيه إذا أراد ﴿قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ يقول: تشكرون أيها المكذّبون خير الله من عطائكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي خلقكم في الأرض وإليه تُحْشَرونَ من بعد مماتكم، ثم تبعثون من قبوركم إلى موقف الحساب.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي يحيي خلقه يقول: يجعلهم أحياء بعد أن كانوا نطفا أمواتا، بنفخ الروح فيها بعد التارات التي تأتي عليها، ﴿وَيُمِيتُ﴾ يقول: ويميتهم بعد أن أحياهم ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول: وهو الذي جعل الليل والنهار مختلفين، كما يقال في الكلام: لك المنّ والفضل، بمعنى: إنك تمنّ وتفضل.
* *
وقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾
يقول: أفلا تعقلون أيها الناس، أن الذي فعل هذه الأفعال ابتداء من غير أصل، لا يمتنع عليه إحياء الأموات بعد فنائهم، وإنشاء ما شاء إعدامه بعد إنشائه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ما اعتبر هؤلاء المشركون بآيات الله، ولا تدبروا ما احتجّ عليهم من الحجج والدلالة على قدرته، على فعل كلّ ما يشاء، ولكن قالوا مثل ما قال أسلافهم من الأمم المكذّبة رسلها قبلهم: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ يقول: أئذا متنا وعدنا ترابا قد بليت أجسامنا، وبرأت عظامنا من لحومنا ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ يقول: إنا لمبعوثون من قبورنا أحياء، كهيئتنا قبل الممات؟ إن هذا لشيء غير كائن.
المؤمنون 23:82
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها المكذّبون بالبعث بعد الممات السمعَ الذي تسمعون به، والأبصَارَ التي تبصرون بها، والأفئدة التي تفقهون بها، فكيف يتعذّر على من أنشأ ذلك ابتداء إعادته بعد عدمه وفقده، وهو الذي يوجد ذلك كله إذا شاء ويفنيه إذا أراد ﴿قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ يقول: تشكرون أيها المكذّبون خير الله من عطائكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي خلقكم في الأرض وإليه تُحْشَرونَ من بعد مماتكم، ثم تبعثون من قبوركم إلى موقف الحساب.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: والله الذي يحيي خلقه يقول: يجعلهم أحياء بعد أن كانوا نطفا أمواتا، بنفخ الروح فيها بعد التارات التي تأتي عليها، ﴿وَيُمِيتُ﴾ يقول: ويميتهم بعد أن أحياهم ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول: وهو الذي جعل الليل والنهار مختلفين، كما يقال في الكلام: لك المنّ والفضل، بمعنى: إنك تمنّ وتفضل.
* *
وقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾
يقول: أفلا تعقلون أيها الناس، أن الذي فعل هذه الأفعال ابتداء من غير أصل، لا يمتنع عليه إحياء الأموات بعد فنائهم، وإنشاء ما شاء إعدامه بعد إنشائه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ما اعتبر هؤلاء المشركون بآيات الله، ولا تدبروا ما احتجّ عليهم من الحجج والدلالة على قدرته، على فعل كلّ ما يشاء، ولكن قالوا مثل ما قال أسلافهم من الأمم المكذّبة رسلها قبلهم: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ يقول: أئذا متنا وعدنا ترابا قد بليت أجسامنا، وبرأت عظامنا من لحومنا ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ يقول: إنا لمبعوثون من قبورنا أحياء، كهيئتنا قبل الممات؟ إن هذا لشيء غير كائن.
المؤمنون 23:83
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٨٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالوا: لقد وعدنا هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد، وَوَعَد آباءنا من قبلنا قومٌ ذكروا أنهم لله رسل من قبلك، فلم نره حقيقة ﴿إِنْ هَذَا﴾ يقول: ما هذا الذي تعدنا من البعث بعد الممات ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار، التي لا صحة لها ولا حقيقة.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المكذّبين بالآخرة من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق، إن كنتم تعلمون من مالكها؟ ثم أعلمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكا، دون سائر الأشياء غيره ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك أفلا تذكرون، فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحيائهم بعد مماتهم وإعادتهم خلقا سويا بعد فنائهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهم يا محمد: من ربّ السماوات السبع، وربّ العرش المحيط بذلك؟ سيقولون: ذلك كله لله، وهو ربه، فقل لهم: أفلا تتقون عقابه على كفركم به وتكذيبكم خبره وخبر رسوله؟
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والعراق والشام: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ سوى أبي عمرو، فإنه خالفهم فقرأه: "سَيَقُولُونَ الله" في هذا الموضع، وفي الآخر الذي بعده إتباعا لخط المصحف، فإن ذلك كذلك في مصاحف الأمصار، إلا في مصحف أهل البصرة، فإنه في الموضعين بالألف، فقرءوا بالألف كلها اتباعا لخط مصحفهم، فأما الذين قرءوه بالألف فلا مؤنة في قراءتهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجروا الجواب على الابتداء، وردّوا مرفوعا على مرفوع، وذلك أن معنى الكلام على قراءتهم: قل من رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، سيقولون ربّ ذلك الله، فلا مؤنة في قراءة ذلك كذلك. وأما الذين قرءوا ذلك في هذا، والذي يليه بغير ألف، فإنهم قالوا: معنى قوله: قل من رب السماوات: لمن السماوات؟ لمن ملك ذلك؟ فجعل الجواب على المعنى، فقيل: لله؛ لأن المسألة عن ملك ذلك لمن هو؟ قالوا: وذلك نظير قول قائل لرجل: مَنْ مولاك؟ فيجيب المجيب عن معنى ما سئل، فيقول: أنا لفلان؛ لأنه مفهوم لذلك من الجواب ما هو مفهوم بقوله: مولاي فلان. وكان بعضهم يذكر أن بعض بني عامر أنشده:
وأعْلَمُ أنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا ... إذَا سَارَ النَّوَاجِعُ لا يَسِيرُ فقال السائلون لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم وزيرُ [[البيتان مما أنشده الفراء عن بعض بني عامر، في كتابه (معاني القرآن) الورقة ٢١٦ من مصورة الجامعة رقم ٢٤٠٥٩ قال الفراء: وقوله ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله﴾ هذه مسألة فيها؛ لأنه قد استفهم بلام، فرجعت في خبر المستفهم. وأما الأخريان، فإن أهل المدينة وعامة أهل الكوفة يقرءونها كقراءة أبي كذلك: لله، لله، لله، ثلاثتهنَّ. وأهل البصرة يقرءون الأخريين: الله، الله، وهو في العربية أبين، لأنه مردود مرفوع؛ ألا ترى أن قوله: ﴿قل من رب السماوات﴾ مرفوع، لا خفض فيه، فجرى جوابه على مبتدأ به، وكذلك هي في قراءة عبد الله. والعلة في إدخال اللام في الأخريين في قول أبي وأصحابه: أنك لو قلت لرجل: من مولاك؟ فقال: أنا لفلان، كفاك من أن يقول: مولاي فلان، فلما كان المعنيان واحدًا، جرى ذلك في كلامهم؛ أنشدني بعض بني عامر " وأعلم أنني سأكون رمسا.. . " البيتين. فرفع، أراد: الميت وزير. والنواجع: جمع ناجعة، وهي الجماعة تترك منازلها في طلب الكلأ]]
فأجاب المخفوض بمرفوع؛ لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت؟ فقال المخبرون: الميت وزير. فأجابوا عن المعنى دون اللفظ.
والصواب من القراءة في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف؛ لإجماع خطوط مصاحف الأمصار على ذلك، سوى خط مصحف أهل البصرة.
المؤمنون 23:84
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٨٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالوا: لقد وعدنا هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد، وَوَعَد آباءنا من قبلنا قومٌ ذكروا أنهم لله رسل من قبلك، فلم نره حقيقة ﴿إِنْ هَذَا﴾ يقول: ما هذا الذي تعدنا من البعث بعد الممات ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار، التي لا صحة لها ولا حقيقة.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المكذّبين بالآخرة من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق، إن كنتم تعلمون من مالكها؟ ثم أعلمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكا، دون سائر الأشياء غيره ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك أفلا تذكرون، فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحيائهم بعد مماتهم وإعادتهم خلقا سويا بعد فنائهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهم يا محمد: من ربّ السماوات السبع، وربّ العرش المحيط بذلك؟ سيقولون: ذلك كله لله، وهو ربه، فقل لهم: أفلا تتقون عقابه على كفركم به وتكذيبكم خبره وخبر رسوله؟
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والعراق والشام: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ سوى أبي عمرو، فإنه خالفهم فقرأه: "سَيَقُولُونَ الله" في هذا الموضع، وفي الآخر الذي بعده إتباعا لخط المصحف، فإن ذلك كذلك في مصاحف الأمصار، إلا في مصحف أهل البصرة، فإنه في الموضعين بالألف، فقرءوا بالألف كلها اتباعا لخط مصحفهم، فأما الذين قرءوه بالألف فلا مؤنة في قراءتهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجروا الجواب على الابتداء، وردّوا مرفوعا على مرفوع، وذلك أن معنى الكلام على قراءتهم: قل من رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، سيقولون ربّ ذلك الله، فلا مؤنة في قراءة ذلك كذلك. وأما الذين قرءوا ذلك في هذا، والذي يليه بغير ألف، فإنهم قالوا: معنى قوله: قل من رب السماوات: لمن السماوات؟ لمن ملك ذلك؟ فجعل الجواب على المعنى، فقيل: لله؛ لأن المسألة عن ملك ذلك لمن هو؟ قالوا: وذلك نظير قول قائل لرجل: مَنْ مولاك؟ فيجيب المجيب عن معنى ما سئل، فيقول: أنا لفلان؛ لأنه مفهوم لذلك من الجواب ما هو مفهوم بقوله: مولاي فلان. وكان بعضهم يذكر أن بعض بني عامر أنشده:
وأعْلَمُ أنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا ... إذَا سَارَ النَّوَاجِعُ لا يَسِيرُ فقال السائلون لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم وزيرُ [[البيتان مما أنشده الفراء عن بعض بني عامر، في كتابه (معاني القرآن) الورقة ٢١٦ من مصورة الجامعة رقم ٢٤٠٥٩ قال الفراء: وقوله ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله﴾ هذه مسألة فيها؛ لأنه قد استفهم بلام، فرجعت في خبر المستفهم. وأما الأخريان، فإن أهل المدينة وعامة أهل الكوفة يقرءونها كقراءة أبي كذلك: لله، لله، لله، ثلاثتهنَّ. وأهل البصرة يقرءون الأخريين: الله، الله، وهو في العربية أبين، لأنه مردود مرفوع؛ ألا ترى أن قوله: ﴿قل من رب السماوات﴾ مرفوع، لا خفض فيه، فجرى جوابه على مبتدأ به، وكذلك هي في قراءة عبد الله. والعلة في إدخال اللام في الأخريين في قول أبي وأصحابه: أنك لو قلت لرجل: من مولاك؟ فقال: أنا لفلان، كفاك من أن يقول: مولاي فلان، فلما كان المعنيان واحدًا، جرى ذلك في كلامهم؛ أنشدني بعض بني عامر " وأعلم أنني سأكون رمسا.. . " البيتين. فرفع، أراد: الميت وزير. والنواجع: جمع ناجعة، وهي الجماعة تترك منازلها في طلب الكلأ]]
فأجاب المخفوض بمرفوع؛ لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت؟ فقال المخبرون: الميت وزير. فأجابوا عن المعنى دون اللفظ.
والصواب من القراءة في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف؛ لإجماع خطوط مصاحف الأمصار على ذلك، سوى خط مصحف أهل البصرة.
المؤمنون 23:85
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٨٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالوا: لقد وعدنا هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد، وَوَعَد آباءنا من قبلنا قومٌ ذكروا أنهم لله رسل من قبلك، فلم نره حقيقة ﴿إِنْ هَذَا﴾ يقول: ما هذا الذي تعدنا من البعث بعد الممات ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار، التي لا صحة لها ولا حقيقة.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المكذّبين بالآخرة من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق، إن كنتم تعلمون من مالكها؟ ثم أعلمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكا، دون سائر الأشياء غيره ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك أفلا تذكرون، فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحيائهم بعد مماتهم وإعادتهم خلقا سويا بعد فنائهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهم يا محمد: من ربّ السماوات السبع، وربّ العرش المحيط بذلك؟ سيقولون: ذلك كله لله، وهو ربه، فقل لهم: أفلا تتقون عقابه على كفركم به وتكذيبكم خبره وخبر رسوله؟
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والعراق والشام: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ سوى أبي عمرو، فإنه خالفهم فقرأه: "سَيَقُولُونَ الله" في هذا الموضع، وفي الآخر الذي بعده إتباعا لخط المصحف، فإن ذلك كذلك في مصاحف الأمصار، إلا في مصحف أهل البصرة، فإنه في الموضعين بالألف، فقرءوا بالألف كلها اتباعا لخط مصحفهم، فأما الذين قرءوه بالألف فلا مؤنة في قراءتهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجروا الجواب على الابتداء، وردّوا مرفوعا على مرفوع، وذلك أن معنى الكلام على قراءتهم: قل من رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، سيقولون ربّ ذلك الله، فلا مؤنة في قراءة ذلك كذلك. وأما الذين قرءوا ذلك في هذا، والذي يليه بغير ألف، فإنهم قالوا: معنى قوله: قل من رب السماوات: لمن السماوات؟ لمن ملك ذلك؟ فجعل الجواب على المعنى، فقيل: لله؛ لأن المسألة عن ملك ذلك لمن هو؟ قالوا: وذلك نظير قول قائل لرجل: مَنْ مولاك؟ فيجيب المجيب عن معنى ما سئل، فيقول: أنا لفلان؛ لأنه مفهوم لذلك من الجواب ما هو مفهوم بقوله: مولاي فلان. وكان بعضهم يذكر أن بعض بني عامر أنشده:
وأعْلَمُ أنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا ... إذَا سَارَ النَّوَاجِعُ لا يَسِيرُ فقال السائلون لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم وزيرُ [[البيتان مما أنشده الفراء عن بعض بني عامر، في كتابه (معاني القرآن) الورقة ٢١٦ من مصورة الجامعة رقم ٢٤٠٥٩ قال الفراء: وقوله ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله﴾ هذه مسألة فيها؛ لأنه قد استفهم بلام، فرجعت في خبر المستفهم. وأما الأخريان، فإن أهل المدينة وعامة أهل الكوفة يقرءونها كقراءة أبي كذلك: لله، لله، لله، ثلاثتهنَّ. وأهل البصرة يقرءون الأخريين: الله، الله، وهو في العربية أبين، لأنه مردود مرفوع؛ ألا ترى أن قوله: ﴿قل من رب السماوات﴾ مرفوع، لا خفض فيه، فجرى جوابه على مبتدأ به، وكذلك هي في قراءة عبد الله. والعلة في إدخال اللام في الأخريين في قول أبي وأصحابه: أنك لو قلت لرجل: من مولاك؟ فقال: أنا لفلان، كفاك من أن يقول: مولاي فلان، فلما كان المعنيان واحدًا، جرى ذلك في كلامهم؛ أنشدني بعض بني عامر " وأعلم أنني سأكون رمسا.. . " البيتين. فرفع، أراد: الميت وزير. والنواجع: جمع ناجعة، وهي الجماعة تترك منازلها في طلب الكلأ]]
فأجاب المخفوض بمرفوع؛ لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت؟ فقال المخبرون: الميت وزير. فأجابوا عن المعنى دون اللفظ.
والصواب من القراءة في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف؛ لإجماع خطوط مصاحف الأمصار على ذلك، سوى خط مصحف أهل البصرة.
المؤمنون 23:86
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٨٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالوا: لقد وعدنا هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد، وَوَعَد آباءنا من قبلنا قومٌ ذكروا أنهم لله رسل من قبلك، فلم نره حقيقة ﴿إِنْ هَذَا﴾ يقول: ما هذا الذي تعدنا من البعث بعد الممات ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار، التي لا صحة لها ولا حقيقة.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المكذّبين بالآخرة من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق، إن كنتم تعلمون من مالكها؟ ثم أعلمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكا، دون سائر الأشياء غيره ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك أفلا تذكرون، فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحيائهم بعد مماتهم وإعادتهم خلقا سويا بعد فنائهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهم يا محمد: من ربّ السماوات السبع، وربّ العرش المحيط بذلك؟ سيقولون: ذلك كله لله، وهو ربه، فقل لهم: أفلا تتقون عقابه على كفركم به وتكذيبكم خبره وخبر رسوله؟
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والعراق والشام: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ سوى أبي عمرو، فإنه خالفهم فقرأه: "سَيَقُولُونَ الله" في هذا الموضع، وفي الآخر الذي بعده إتباعا لخط المصحف، فإن ذلك كذلك في مصاحف الأمصار، إلا في مصحف أهل البصرة، فإنه في الموضعين بالألف، فقرءوا بالألف كلها اتباعا لخط مصحفهم، فأما الذين قرءوه بالألف فلا مؤنة في قراءتهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجروا الجواب على الابتداء، وردّوا مرفوعا على مرفوع، وذلك أن معنى الكلام على قراءتهم: قل من رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، سيقولون ربّ ذلك الله، فلا مؤنة في قراءة ذلك كذلك. وأما الذين قرءوا ذلك في هذا، والذي يليه بغير ألف، فإنهم قالوا: معنى قوله: قل من رب السماوات: لمن السماوات؟ لمن ملك ذلك؟ فجعل الجواب على المعنى، فقيل: لله؛ لأن المسألة عن ملك ذلك لمن هو؟ قالوا: وذلك نظير قول قائل لرجل: مَنْ مولاك؟ فيجيب المجيب عن معنى ما سئل، فيقول: أنا لفلان؛ لأنه مفهوم لذلك من الجواب ما هو مفهوم بقوله: مولاي فلان. وكان بعضهم يذكر أن بعض بني عامر أنشده:
وأعْلَمُ أنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا ... إذَا سَارَ النَّوَاجِعُ لا يَسِيرُ فقال السائلون لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم وزيرُ [[البيتان مما أنشده الفراء عن بعض بني عامر، في كتابه (معاني القرآن) الورقة ٢١٦ من مصورة الجامعة رقم ٢٤٠٥٩ قال الفراء: وقوله ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله﴾ هذه مسألة فيها؛ لأنه قد استفهم بلام، فرجعت في خبر المستفهم. وأما الأخريان، فإن أهل المدينة وعامة أهل الكوفة يقرءونها كقراءة أبي كذلك: لله، لله، لله، ثلاثتهنَّ. وأهل البصرة يقرءون الأخريين: الله، الله، وهو في العربية أبين، لأنه مردود مرفوع؛ ألا ترى أن قوله: ﴿قل من رب السماوات﴾ مرفوع، لا خفض فيه، فجرى جوابه على مبتدأ به، وكذلك هي في قراءة عبد الله. والعلة في إدخال اللام في الأخريين في قول أبي وأصحابه: أنك لو قلت لرجل: من مولاك؟ فقال: أنا لفلان، كفاك من أن يقول: مولاي فلان، فلما كان المعنيان واحدًا، جرى ذلك في كلامهم؛ أنشدني بعض بني عامر " وأعلم أنني سأكون رمسا.. . " البيتين. فرفع، أراد: الميت وزير. والنواجع: جمع ناجعة، وهي الجماعة تترك منازلها في طلب الكلأ]]
فأجاب المخفوض بمرفوع؛ لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت؟ فقال المخبرون: الميت وزير. فأجابوا عن المعنى دون اللفظ.
والصواب من القراءة في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف؛ لإجماع خطوط مصاحف الأمصار على ذلك، سوى خط مصحف أهل البصرة.
المؤمنون 23:87
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٨٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالوا: لقد وعدنا هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد، وَوَعَد آباءنا من قبلنا قومٌ ذكروا أنهم لله رسل من قبلك، فلم نره حقيقة ﴿إِنْ هَذَا﴾ يقول: ما هذا الذي تعدنا من البعث بعد الممات ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار، التي لا صحة لها ولا حقيقة.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المكذّبين بالآخرة من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق، إن كنتم تعلمون من مالكها؟ ثم أعلمه أنهم سيقرّون بأنها لله ملكا، دون سائر الأشياء غيره ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك أفلا تذكرون، فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحيائهم بعد مماتهم وإعادتهم خلقا سويا بعد فنائهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهم يا محمد: من ربّ السماوات السبع، وربّ العرش المحيط بذلك؟ سيقولون: ذلك كله لله، وهو ربه، فقل لهم: أفلا تتقون عقابه على كفركم به وتكذيبكم خبره وخبر رسوله؟
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والعراق والشام: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ سوى أبي عمرو، فإنه خالفهم فقرأه: "سَيَقُولُونَ الله" في هذا الموضع، وفي الآخر الذي بعده إتباعا لخط المصحف، فإن ذلك كذلك في مصاحف الأمصار، إلا في مصحف أهل البصرة، فإنه في الموضعين بالألف، فقرءوا بالألف كلها اتباعا لخط مصحفهم، فأما الذين قرءوه بالألف فلا مؤنة في قراءتهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجروا الجواب على الابتداء، وردّوا مرفوعا على مرفوع، وذلك أن معنى الكلام على قراءتهم: قل من رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، سيقولون ربّ ذلك الله، فلا مؤنة في قراءة ذلك كذلك. وأما الذين قرءوا ذلك في هذا، والذي يليه بغير ألف، فإنهم قالوا: معنى قوله: قل من رب السماوات: لمن السماوات؟ لمن ملك ذلك؟ فجعل الجواب على المعنى، فقيل: لله؛ لأن المسألة عن ملك ذلك لمن هو؟ قالوا: وذلك نظير قول قائل لرجل: مَنْ مولاك؟ فيجيب المجيب عن معنى ما سئل، فيقول: أنا لفلان؛ لأنه مفهوم لذلك من الجواب ما هو مفهوم بقوله: مولاي فلان. وكان بعضهم يذكر أن بعض بني عامر أنشده:
وأعْلَمُ أنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا ... إذَا سَارَ النَّوَاجِعُ لا يَسِيرُ فقال السائلون لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم وزيرُ [[البيتان مما أنشده الفراء عن بعض بني عامر، في كتابه (معاني القرآن) الورقة ٢١٦ من مصورة الجامعة رقم ٢٤٠٥٩ قال الفراء: وقوله ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله﴾ هذه مسألة فيها؛ لأنه قد استفهم بلام، فرجعت في خبر المستفهم. وأما الأخريان، فإن أهل المدينة وعامة أهل الكوفة يقرءونها كقراءة أبي كذلك: لله، لله، لله، ثلاثتهنَّ. وأهل البصرة يقرءون الأخريين: الله، الله، وهو في العربية أبين، لأنه مردود مرفوع؛ ألا ترى أن قوله: ﴿قل من رب السماوات﴾ مرفوع، لا خفض فيه، فجرى جوابه على مبتدأ به، وكذلك هي في قراءة عبد الله. والعلة في إدخال اللام في الأخريين في قول أبي وأصحابه: أنك لو قلت لرجل: من مولاك؟ فقال: أنا لفلان، كفاك من أن يقول: مولاي فلان، فلما كان المعنيان واحدًا، جرى ذلك في كلامهم؛ أنشدني بعض بني عامر " وأعلم أنني سأكون رمسا.. . " البيتين. فرفع، أراد: الميت وزير. والنواجع: جمع ناجعة، وهي الجماعة تترك منازلها في طلب الكلأ]]
فأجاب المخفوض بمرفوع؛ لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت؟ فقال المخبرون: الميت وزير. فأجابوا عن المعنى دون اللفظ.
والصواب من القراءة في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف؛ لإجماع خطوط مصاحف الأمصار على ذلك، سوى خط مصحف أهل البصرة.
المؤمنون 23:88
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: من بيده خزائن كلّ شيء؟
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: خزائن كل شيء.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مجاهد، في قول الله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: خزائن كل شيء.
* *
وقوله ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾
من أراد ممن قصده بسوء، ﴿وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ يقول: ولا أحد يمتنع ممن أراده هو بسوء، فيدفع عنه عذابه وعقابه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ من ذلك صفته، فإنهم يقولون: إن ملكوت كلّ شيء والقدرة على الأشياء كلها لله، فقل لهم يا محمد: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ يقولون: فمن أيّ وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله، والإقرار بأخباره وأخبار رسوله، والإيمان بأن الله القادر على كل ما يشاء، وعلى بعثكم أحياء بعد مماتكم، مع علمكم بما تقولون من عظيم سلطانه وقدرته؟!
وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقول في معنى قوله ﴿تُسْحَرُونَ﴾ ما:-
⁕ حدثني به عليّ، قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ يقول: تكذبون.
وقد بيَّنت فيما مضى السِّحْر: أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته، فذلك معنى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ إنما معناه: فمن أيّ وجه يخيل إليكم الكذب حقا: والفاسد صحيحا، فتصرفون عن الإقرار بالحقّ الذي يدعوكم إليه رسولنا محمد ﷺ.
المؤمنون 23:89
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: من بيده خزائن كلّ شيء؟
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: خزائن كل شيء.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مجاهد، في قول الله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: خزائن كل شيء.
* *
وقوله ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾
من أراد ممن قصده بسوء، ﴿وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ يقول: ولا أحد يمتنع ممن أراده هو بسوء، فيدفع عنه عذابه وعقابه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ من ذلك صفته، فإنهم يقولون: إن ملكوت كلّ شيء والقدرة على الأشياء كلها لله، فقل لهم يا محمد: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ يقولون: فمن أيّ وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله، والإقرار بأخباره وأخبار رسوله، والإيمان بأن الله القادر على كل ما يشاء، وعلى بعثكم أحياء بعد مماتكم، مع علمكم بما تقولون من عظيم سلطانه وقدرته؟!
وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقول في معنى قوله ﴿تُسْحَرُونَ﴾ ما:-
⁕ حدثني به عليّ، قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ يقول: تكذبون.
وقد بيَّنت فيما مضى السِّحْر: أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته، فذلك معنى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ إنما معناه: فمن أيّ وجه يخيل إليكم الكذب حقا: والفاسد صحيحا، فتصرفون عن الإقرار بالحقّ الذي يدعوكم إليه رسولنا محمد ﷺ.
المؤمنون 23:90
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) ﴾
يقول: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون بالله، من أن الملائكة بنات الله، وأن الآلهة والأصنام ألهة دون الله ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ اليقين، وهو الدين الذي ابتعث الله به نبيه ﷺ، وذلك الإسلام، ولا يُعْبَد شيء سوى الله؛ لأنه لا إله غيره ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يقول: وإن المشركين لكاذبون فيما يضيفون إلى الله، وينْحَلُونه من الولد والشريك، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ يقول تعالى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم، ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته، ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته ﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾ يقول: إذن لاعتزل كل إله منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شيء، فانفرد به، ولتغالبوا، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القويّ منهم الضعيف؛ لأن القويّ لا يرضى أن يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها، فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها، لمن عقل وتدبر.
* *
وقوله: ﴿إِذًا لَذَهَبَ﴾
جواب لمحذوف، وهو: لو كان معه إله، إذن لذهب كل إله بما خلق، اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه عنه.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره؛ تنزيها لله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له ولدا، وعما قالوه من أن له شريكا، أو أن معه في القِدم إلها يُعبد تبارك وتعالى.
* *
وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾
يقول تعالى ذكره: هو عالم ما غاب عن خلقه من الأشياء، فلم يَرَوْه ولم يشاهدوه، وما رأوه وشاهدوه، إنما هذا من الله خبر عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتخذ الله ولدا وعبدوا من دونه آلهة، أنهم فيما يقولون ويفعلون مبطلون مخطئون، فإنهم يقولون ما يقولون من قول في ذلك عن غير علم، بل عن جهل منهم به، وإن العالم بقديم الأمور وبحديثها، وشاهدها وغائبها عنهم الله الذي لا يخفى عليه شيء، فخبره هو الحق دون خبرهم وقال: ﴿عَالِم الْغَيْبِ﴾ فرفع على الابتداء، بمعنى: هو عالم الغيب، ولذلك دخلت الفاء في قوله: ﴿فَتَعَالَى﴾ كما يقال: مررت بأخيك المحسن فأحسنت إليه، فترفع المحسن إذا جعلت فأحسنت إليه بالفاء؛ لأن معنى الكلام إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو المحسن، فأحسنت إليه. ولو جعل الكلام بالواو فقيل: وأحسنت إليه، لم يكن وجه الكلام في المحسن إلا الخفض على النعت للأخ، ولذلك لو جاء ﴿فَتَعَالَى﴾ بالواو كان وجه الكلام في ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ الخفض على الاتباع لإعراب اسم الله، وكان يكون معنى الكلام: سبحان الله عالم الغيب والشهادة وتعالى! فيكون قوله ﴿وَتَعَالى﴾ حينئذ معطوفا على سبحان الله، وقد يجوز الخفض مع الفاء؛ لأن العرب قد تبدأ الكلام بالفاء، كابتدائها بالواو، وبالخفض كأن يقرأ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ في هذا الموضع أبو عمرو، وعلى خلافه في ذلك قراءة الأمصار.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا الرفع لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القراء عليه، والثاني: صحته في العربية.
* *
وقوله: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين، ووصفهم إياه بما يصفون.
المؤمنون 23:91
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) ﴾
يقول: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون بالله، من أن الملائكة بنات الله، وأن الآلهة والأصنام ألهة دون الله ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ اليقين، وهو الدين الذي ابتعث الله به نبيه ﷺ، وذلك الإسلام، ولا يُعْبَد شيء سوى الله؛ لأنه لا إله غيره ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يقول: وإن المشركين لكاذبون فيما يضيفون إلى الله، وينْحَلُونه من الولد والشريك، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ يقول تعالى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم، ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته، ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته ﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾ يقول: إذن لاعتزل كل إله منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شيء، فانفرد به، ولتغالبوا، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القويّ منهم الضعيف؛ لأن القويّ لا يرضى أن يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها، فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها، لمن عقل وتدبر.
* *
وقوله: ﴿إِذًا لَذَهَبَ﴾
جواب لمحذوف، وهو: لو كان معه إله، إذن لذهب كل إله بما خلق، اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه عنه.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره؛ تنزيها لله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له ولدا، وعما قالوه من أن له شريكا، أو أن معه في القِدم إلها يُعبد تبارك وتعالى.
* *
وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾
يقول تعالى ذكره: هو عالم ما غاب عن خلقه من الأشياء، فلم يَرَوْه ولم يشاهدوه، وما رأوه وشاهدوه، إنما هذا من الله خبر عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتخذ الله ولدا وعبدوا من دونه آلهة، أنهم فيما يقولون ويفعلون مبطلون مخطئون، فإنهم يقولون ما يقولون من قول في ذلك عن غير علم، بل عن جهل منهم به، وإن العالم بقديم الأمور وبحديثها، وشاهدها وغائبها عنهم الله الذي لا يخفى عليه شيء، فخبره هو الحق دون خبرهم وقال: ﴿عَالِم الْغَيْبِ﴾ فرفع على الابتداء، بمعنى: هو عالم الغيب، ولذلك دخلت الفاء في قوله: ﴿فَتَعَالَى﴾ كما يقال: مررت بأخيك المحسن فأحسنت إليه، فترفع المحسن إذا جعلت فأحسنت إليه بالفاء؛ لأن معنى الكلام إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو المحسن، فأحسنت إليه. ولو جعل الكلام بالواو فقيل: وأحسنت إليه، لم يكن وجه الكلام في المحسن إلا الخفض على النعت للأخ، ولذلك لو جاء ﴿فَتَعَالَى﴾ بالواو كان وجه الكلام في ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ الخفض على الاتباع لإعراب اسم الله، وكان يكون معنى الكلام: سبحان الله عالم الغيب والشهادة وتعالى! فيكون قوله ﴿وَتَعَالى﴾ حينئذ معطوفا على سبحان الله، وقد يجوز الخفض مع الفاء؛ لأن العرب قد تبدأ الكلام بالفاء، كابتدائها بالواو، وبالخفض كأن يقرأ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ في هذا الموضع أبو عمرو، وعلى خلافه في ذلك قراءة الأمصار.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا الرفع لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القراء عليه، والثاني: صحته في العربية.
* *
وقوله: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين، ووصفهم إياه بما يصفون.
المؤمنون 23:92
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) ﴾
يقول: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون بالله، من أن الملائكة بنات الله، وأن الآلهة والأصنام ألهة دون الله ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ اليقين، وهو الدين الذي ابتعث الله به نبيه ﷺ، وذلك الإسلام، ولا يُعْبَد شيء سوى الله؛ لأنه لا إله غيره ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يقول: وإن المشركين لكاذبون فيما يضيفون إلى الله، وينْحَلُونه من الولد والشريك، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ يقول تعالى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم، ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته، ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته ﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾ يقول: إذن لاعتزل كل إله منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شيء، فانفرد به، ولتغالبوا، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القويّ منهم الضعيف؛ لأن القويّ لا يرضى أن يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها، فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها، لمن عقل وتدبر.
* *
وقوله: ﴿إِذًا لَذَهَبَ﴾
جواب لمحذوف، وهو: لو كان معه إله، إذن لذهب كل إله بما خلق، اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه عنه.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره؛ تنزيها لله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له ولدا، وعما قالوه من أن له شريكا، أو أن معه في القِدم إلها يُعبد تبارك وتعالى.
* *
وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾
يقول تعالى ذكره: هو عالم ما غاب عن خلقه من الأشياء، فلم يَرَوْه ولم يشاهدوه، وما رأوه وشاهدوه، إنما هذا من الله خبر عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتخذ الله ولدا وعبدوا من دونه آلهة، أنهم فيما يقولون ويفعلون مبطلون مخطئون، فإنهم يقولون ما يقولون من قول في ذلك عن غير علم، بل عن جهل منهم به، وإن العالم بقديم الأمور وبحديثها، وشاهدها وغائبها عنهم الله الذي لا يخفى عليه شيء، فخبره هو الحق دون خبرهم وقال: ﴿عَالِم الْغَيْبِ﴾ فرفع على الابتداء، بمعنى: هو عالم الغيب، ولذلك دخلت الفاء في قوله: ﴿فَتَعَالَى﴾ كما يقال: مررت بأخيك المحسن فأحسنت إليه، فترفع المحسن إذا جعلت فأحسنت إليه بالفاء؛ لأن معنى الكلام إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو المحسن، فأحسنت إليه. ولو جعل الكلام بالواو فقيل: وأحسنت إليه، لم يكن وجه الكلام في المحسن إلا الخفض على النعت للأخ، ولذلك لو جاء ﴿فَتَعَالَى﴾ بالواو كان وجه الكلام في ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ الخفض على الاتباع لإعراب اسم الله، وكان يكون معنى الكلام: سبحان الله عالم الغيب والشهادة وتعالى! فيكون قوله ﴿وَتَعَالى﴾ حينئذ معطوفا على سبحان الله، وقد يجوز الخفض مع الفاء؛ لأن العرب قد تبدأ الكلام بالفاء، كابتدائها بالواو، وبالخفض كأن يقرأ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ في هذا الموضع أبو عمرو، وعلى خلافه في ذلك قراءة الأمصار.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا الرفع لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القراء عليه، والثاني: صحته في العربية.
* *
وقوله: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين، ووصفهم إياه بما يصفون.
المؤمنون 23:93
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: ربّ إنْ تُرَينّي في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك، فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجِّني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين، ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك.
* *
وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي﴾
جواب لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ اعترض بينهما بالنداء، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام، لا يقال: يا زيد فقم، ولا يا رب فاغفر؛ لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمر بعده مستأنف، لا تدخله الفاء والواو، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم، لقادرون، فلا يحْزُنَنَّك تكذيبهم إياك بما نعدهم به، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه: ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم، وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: أعرض عن أذاهم إياك.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: هو السلام، تُسَلِّمُ عليه إذا لقيته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا، ويصفح عما يكره.
* *
وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: نحن أعلم بما يصفون الله به، وينحَلُونه من الأكاذيب والفِرية عليه، وبما يقولون فيك من السوء، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح القول.
* *
وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل يا محمد: ربّ أستجير بك من خنق [[في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: (همز) : " الهمز كالعصر " وهو مناسب لقول المؤلف: خنق الشياطين؛ لأن الخنق هو عصر الرقبة وضغطها لينقطع النفس]] الشياطين وهمزاتها، والهَمْزُ: هو الغَمْز، ومن ذلك قيل للهمز في الكلام: هَمْزة، والهَمَزَاتُ جمع همزة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: همزات الشياطين: خَنْقهم الناس، فذلك هَمَزاتهم.
* *
وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾
يقول: وقل أستجير بك ربِّ أن يحضرون في أموري.
كالذي:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في شيء من أمري.
المؤمنون 23:94
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: ربّ إنْ تُرَينّي في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك، فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجِّني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين، ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك.
* *
وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي﴾
جواب لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ اعترض بينهما بالنداء، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام، لا يقال: يا زيد فقم، ولا يا رب فاغفر؛ لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمر بعده مستأنف، لا تدخله الفاء والواو، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم، لقادرون، فلا يحْزُنَنَّك تكذيبهم إياك بما نعدهم به، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه: ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم، وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: أعرض عن أذاهم إياك.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: هو السلام، تُسَلِّمُ عليه إذا لقيته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا، ويصفح عما يكره.
* *
وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: نحن أعلم بما يصفون الله به، وينحَلُونه من الأكاذيب والفِرية عليه، وبما يقولون فيك من السوء، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح القول.
* *
وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل يا محمد: ربّ أستجير بك من خنق [[في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: (همز) : " الهمز كالعصر " وهو مناسب لقول المؤلف: خنق الشياطين؛ لأن الخنق هو عصر الرقبة وضغطها لينقطع النفس]] الشياطين وهمزاتها، والهَمْزُ: هو الغَمْز، ومن ذلك قيل للهمز في الكلام: هَمْزة، والهَمَزَاتُ جمع همزة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: همزات الشياطين: خَنْقهم الناس، فذلك هَمَزاتهم.
* *
وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾
يقول: وقل أستجير بك ربِّ أن يحضرون في أموري.
كالذي:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في شيء من أمري.
المؤمنون 23:95
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: ربّ إنْ تُرَينّي في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك، فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجِّني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين، ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك.
* *
وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي﴾
جواب لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ اعترض بينهما بالنداء، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام، لا يقال: يا زيد فقم، ولا يا رب فاغفر؛ لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمر بعده مستأنف، لا تدخله الفاء والواو، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم، لقادرون، فلا يحْزُنَنَّك تكذيبهم إياك بما نعدهم به، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه: ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم، وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: أعرض عن أذاهم إياك.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: هو السلام، تُسَلِّمُ عليه إذا لقيته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا، ويصفح عما يكره.
* *
وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: نحن أعلم بما يصفون الله به، وينحَلُونه من الأكاذيب والفِرية عليه، وبما يقولون فيك من السوء، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح القول.
* *
وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل يا محمد: ربّ أستجير بك من خنق [[في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: (همز) : " الهمز كالعصر " وهو مناسب لقول المؤلف: خنق الشياطين؛ لأن الخنق هو عصر الرقبة وضغطها لينقطع النفس]] الشياطين وهمزاتها، والهَمْزُ: هو الغَمْز، ومن ذلك قيل للهمز في الكلام: هَمْزة، والهَمَزَاتُ جمع همزة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: همزات الشياطين: خَنْقهم الناس، فذلك هَمَزاتهم.
* *
وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾
يقول: وقل أستجير بك ربِّ أن يحضرون في أموري.
كالذي:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في شيء من أمري.
المؤمنون 23:96
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: ربّ إنْ تُرَينّي في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك، فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجِّني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين، ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك.
* *
وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي﴾
جواب لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ اعترض بينهما بالنداء، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام، لا يقال: يا زيد فقم، ولا يا رب فاغفر؛ لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمر بعده مستأنف، لا تدخله الفاء والواو، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم، لقادرون، فلا يحْزُنَنَّك تكذيبهم إياك بما نعدهم به، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه: ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم، وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: أعرض عن أذاهم إياك.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: هو السلام، تُسَلِّمُ عليه إذا لقيته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا، ويصفح عما يكره.
* *
وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: نحن أعلم بما يصفون الله به، وينحَلُونه من الأكاذيب والفِرية عليه، وبما يقولون فيك من السوء، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح القول.
* *
وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل يا محمد: ربّ أستجير بك من خنق [[في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: (همز) : " الهمز كالعصر " وهو مناسب لقول المؤلف: خنق الشياطين؛ لأن الخنق هو عصر الرقبة وضغطها لينقطع النفس]] الشياطين وهمزاتها، والهَمْزُ: هو الغَمْز، ومن ذلك قيل للهمز في الكلام: هَمْزة، والهَمَزَاتُ جمع همزة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: همزات الشياطين: خَنْقهم الناس، فذلك هَمَزاتهم.
* *
وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾
يقول: وقل أستجير بك ربِّ أن يحضرون في أموري.
كالذي:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في شيء من أمري.
المؤمنون 23:97
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: ربّ إنْ تُرَينّي في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك، فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجِّني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين، ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك.
* *
وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي﴾
جواب لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ اعترض بينهما بالنداء، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام، لا يقال: يا زيد فقم، ولا يا رب فاغفر؛ لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمر بعده مستأنف، لا تدخله الفاء والواو، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم، لقادرون، فلا يحْزُنَنَّك تكذيبهم إياك بما نعدهم به، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه: ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم، وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: أعرض عن أذاهم إياك.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: هو السلام، تُسَلِّمُ عليه إذا لقيته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا، ويصفح عما يكره.
* *
وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: نحن أعلم بما يصفون الله به، وينحَلُونه من الأكاذيب والفِرية عليه، وبما يقولون فيك من السوء، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح القول.
* *
وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل يا محمد: ربّ أستجير بك من خنق [[في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: (همز) : " الهمز كالعصر " وهو مناسب لقول المؤلف: خنق الشياطين؛ لأن الخنق هو عصر الرقبة وضغطها لينقطع النفس]] الشياطين وهمزاتها، والهَمْزُ: هو الغَمْز، ومن ذلك قيل للهمز في الكلام: هَمْزة، والهَمَزَاتُ جمع همزة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: همزات الشياطين: خَنْقهم الناس، فذلك هَمَزاتهم.
* *
وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾
يقول: وقل أستجير بك ربِّ أن يحضرون في أموري.
كالذي:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في شيء من أمري.
المؤمنون 23:98
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: ربّ إنْ تُرَينّي في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك، فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجِّني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين، ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك.
* *
وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي﴾
جواب لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ اعترض بينهما بالنداء، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام، لا يقال: يا زيد فقم، ولا يا رب فاغفر؛ لأن النداء مستأنف، وكذلك الأمر بعده مستأنف، لا تدخله الفاء والواو، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم، لقادرون، فلا يحْزُنَنَّك تكذيبهم إياك بما نعدهم به، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه: ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم، وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: أعرض عن أذاهم إياك.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: هو السلام، تُسَلِّمُ عليه إذا لقيته.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا، ويصفح عما يكره.
* *
وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: نحن أعلم بما يصفون الله به، وينحَلُونه من الأكاذيب والفِرية عليه، وبما يقولون فيك من السوء، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح القول.
* *
وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل يا محمد: ربّ أستجير بك من خنق [[في غريب القرآن للراغب الأصفهاني: (همز) : " الهمز كالعصر " وهو مناسب لقول المؤلف: خنق الشياطين؛ لأن الخنق هو عصر الرقبة وضغطها لينقطع النفس]] الشياطين وهمزاتها، والهَمْزُ: هو الغَمْز، ومن ذلك قيل للهمز في الكلام: هَمْزة، والهَمَزَاتُ جمع همزة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: همزات الشياطين: خَنْقهم الناس، فذلك هَمَزاتهم.
* *
وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾
يقول: وقل أستجير بك ربِّ أن يحضرون في أموري.
كالذي:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في شيء من أمري.
المؤمنون 23:99
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: حتى إذا جاء أحدَ هؤلاء المشركين الموتُ، وعاين نزول أمر الله به، قال:- لعظيم ما يعاين مما يَقْدم عليه من عذاب الله تندّما على ما فات، وتلهُّفا على ما فرط فيه قبل ذلك، من طاعة الله ومسألته للإقالة-: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا فردّوني إليها، ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ يقول: كي أعمل صالحا فيما تركت قبل اليوم من العمل فضيعته، وفرّطت فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، قال: كان محمد بن كعب القرظي يقرأ علينا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال محمد: إلى أيّ شيء يريد؟ إلى أيّ شيء يرغب؟ أجمع المال، أو غَرْس الغِراس، أو بَنْي بُنيان، أو شق أنهار؟ : ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ يقول الجبار: كلا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال: هذه في الحياة الدنيا، ألا تراه يقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة، قبل أن يذوق الموت.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال النبي ﷺ لعائشة: "إذَا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: إلى دار الهُمُومِ والأحْزَان؟ فَيَقُولُ: بَلْ قَدّمَانِي إلى الله، وأمَّا الكافِرُ فَيُقال: نُرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ... " الآية.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ يعني أهل الشرك، وقيل: ربّ ارجعون، فابتدأ الكلام بخطاب الله تعالى، ثم قيل: ارجعون فصار إلى خطاب الجماعة، والله تعالى ذكره واحد. وإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن مسألة القوم الرد إلى الدنيا إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحهم، كما ذكر ابن جريج أن النبي ﷺ قاله. وإنما ابتدئ الكلام بخطاب الله جل ثناؤه، لأنهم استغاثوا به، ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع والرد إلى الدنيا.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: قيل ذلك كذلك؛ لأنه مما جرى على وصف الله نفسه من قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ في غير مكان من القرآن، فجرى هذا على ذلك.
* *
قوله: ﴿كَلا﴾
يقول تعالى ذكره: ليس الأمر على ما قال هذا المشرك، لن يُرْجع إلى الدنيا، ولن يعاد إليها ﴿كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يقول: هذه الكلمة، وهو قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ كلمة هو قائلها يقول: هذا المشرك هو قائلها.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ لا بد له أن يقولها يقول ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ يقول: ومن أمامهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع، يعني: إلى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القيامة، والبرزخ والحاجز والمُهْلة متقاربات في المعنى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يقول: أجل إلى حين.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ قال: ما بعد الموت.
⁕ حدثني أبو حميد الحِمْصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا أبو حَيْوة شريح بن يزيد، قال: ثنا أرطأة، عن أبي يوسف قال: خرجت مع أبي أمامة في جنازة، فلما وُضِعت في لحدها، قال أبو أمامة: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا مطر، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: ما بين الموت إلى البعث.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: حجاب بين الميت والرجوع إلى الدنيا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: برزخ بقية الدنيا.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادَة، مثله.
⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿ومن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: البرزخ ما بين الموت إلى البعث.
حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة.
المؤمنون 23:100
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: حتى إذا جاء أحدَ هؤلاء المشركين الموتُ، وعاين نزول أمر الله به، قال:- لعظيم ما يعاين مما يَقْدم عليه من عذاب الله تندّما على ما فات، وتلهُّفا على ما فرط فيه قبل ذلك، من طاعة الله ومسألته للإقالة-: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا فردّوني إليها، ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ يقول: كي أعمل صالحا فيما تركت قبل اليوم من العمل فضيعته، وفرّطت فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، قال: كان محمد بن كعب القرظي يقرأ علينا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال محمد: إلى أيّ شيء يريد؟ إلى أيّ شيء يرغب؟ أجمع المال، أو غَرْس الغِراس، أو بَنْي بُنيان، أو شق أنهار؟ : ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ يقول الجبار: كلا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال: هذه في الحياة الدنيا، ألا تراه يقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة، قبل أن يذوق الموت.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال النبي ﷺ لعائشة: "إذَا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: إلى دار الهُمُومِ والأحْزَان؟ فَيَقُولُ: بَلْ قَدّمَانِي إلى الله، وأمَّا الكافِرُ فَيُقال: نُرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ... " الآية.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ يعني أهل الشرك، وقيل: ربّ ارجعون، فابتدأ الكلام بخطاب الله تعالى، ثم قيل: ارجعون فصار إلى خطاب الجماعة، والله تعالى ذكره واحد. وإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن مسألة القوم الرد إلى الدنيا إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحهم، كما ذكر ابن جريج أن النبي ﷺ قاله. وإنما ابتدئ الكلام بخطاب الله جل ثناؤه، لأنهم استغاثوا به، ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع والرد إلى الدنيا.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: قيل ذلك كذلك؛ لأنه مما جرى على وصف الله نفسه من قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ في غير مكان من القرآن، فجرى هذا على ذلك.
* *
قوله: ﴿كَلا﴾
يقول تعالى ذكره: ليس الأمر على ما قال هذا المشرك، لن يُرْجع إلى الدنيا، ولن يعاد إليها ﴿كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يقول: هذه الكلمة، وهو قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ كلمة هو قائلها يقول: هذا المشرك هو قائلها.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ لا بد له أن يقولها يقول ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ يقول: ومن أمامهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع، يعني: إلى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القيامة، والبرزخ والحاجز والمُهْلة متقاربات في المعنى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يقول: أجل إلى حين.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ قال: ما بعد الموت.
⁕ حدثني أبو حميد الحِمْصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا أبو حَيْوة شريح بن يزيد، قال: ثنا أرطأة، عن أبي يوسف قال: خرجت مع أبي أمامة في جنازة، فلما وُضِعت في لحدها، قال أبو أمامة: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا مطر، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: ما بين الموت إلى البعث.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: حجاب بين الميت والرجوع إلى الدنيا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: برزخ بقية الدنيا.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادَة، مثله.
⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿ومن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: البرزخ ما بين الموت إلى البعث.
حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة.
المؤمنون 23:101
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) ﴾
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ من النفختين أيّتُهما عُنِيَ بِها، فقال بعضهم: عُنِي بها النفخة الأولى.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، قال: ثنا عمرو بن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبير، أن رجلا أتى ابن عباس فقال: سمعت الله يقول: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ . .. الآية، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فقال: أما قوله: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فذلك في النفخة الأولى، فلا يبقى على الأرض شيء ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وأما قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن السدي، في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال: في النفخة الأولى.
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فذلك حين ينفخ في الصور، فلا حي يبقى إلا الله ﴿وأقبل بعضهم على بعض يَتَسَاءَلُونَ﴾ فذلك إذا بُعثوا في النفخة الثانية.
قال أبو جعفر: فمعنى ذلك على هذا التأويل: فإذا نفخ في الصور، فصَعِق مَنْ في السماوات وَمَن في الأرض إلا مَنْ شاء الله، فلا أنساب بينهم يومئذ يتواصلون بها، ولا يتساءلون، ولا يتزاورون، فيتساءلون عن أحوالهم وأنسابهم.
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك النفخة الثانية.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن هارون بن أبي وكيع، قال: سمعت زاذان يقول: أتيت ابن مسعود، وقد اجتمع الناس إليه في داره، فلم أقدر على مجلس، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، من أجل أني رجل من العجم تَحْقِرُني؟ قال: ادْنُ! قال: فدنوت، فلم يكن بيني وبينه جليس، فقال: يؤخَذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رءوس الأوّلين والآخرين، قال: وينادي مناد: ألا إن هذا فلان ابن فلان، فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه، قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حقّ على ابنها، أو على أبيها، أو على أخيها، أو على زوجها ﴿فلا أنساب بينهم يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن زاذان، قال: سمعت ابن مسعود يقول: يؤخذ العبد أو الأمة يوم القيامة، فينصب على رءوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد، ثم ذكر نحوه، وزاد فيه: فيقول الربّ تبارك وتعالى للعبد: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي ربّ، فَنِيت الدنيا، فمن أين أعطيهم؟ فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا لكل إنسان بقدر طلبته، فإن كان له فضلُ مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وإن كان عبدا شقيا، قالت الملائكة: ربنا، فنيت حسناتُه وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصُكُّوا له صَكًّا إلى النار.
⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال: لا يسأل أحد يومئذ بنسب شيئا، ولا يتساءلون، ولا يمتُّ إليه برحم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني محمد بن كثير، عن حفص بن المغيرة، عن قتادة، قال: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعافه، مخافة أن يذوب له عليه شيء، ثم قرأ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ .
⁕ قال: ثنا الحسن، قال: ثنا الحكم بن سنان، عن سدُوس صاحب السائريّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذَا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النَّار النَّارَ، نادى مُنادٍ منْ أهْلِ العَرْشِ: يا أهْلَ التَّظالُمِ تَدَارَكُوا مَظالمكُمْ، وادْخُلوا الجنَّةَ.".
المؤمنون 23:102
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يعني: الخالدون في جنات النعيم ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ يقول ومن خفَّت موازين حسناته فرجَحَت بها موازين سيئاته ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يقول: هم في نار جهنم.
* *
وقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾
يقول: تَسْفَع وُجوهَهم النارُ.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: تنفح ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ والكلوح: أن تتقلص الشفتان عن الأسنان، حتى تبدو الأسنان، كما قال الأعشى:
وَلَهُ المُقْدَمُ لا مِثْلَ لَه ... ساعة الشِّدْق عَنِ النَّابِ كَلَحْ [[البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه ص ٢٤١ بشرح الدكتور محمد حسين، طبع القاهرة) . والرماية فيه في الحرب " إذا " في موضع " لا مثل له ". والمقدم بضم الميم مصدر بمعنى الإقدام. وكلح = الشدق: كشر عن الأنياب في عبوس.
يمدح إياس بن قبيصة الطائي، بأن من صفاته الإقدام في الحرب حين تكره الأبطال النزال، وتكشر أشداقهم عن أنيابهم، كرها للحرب، واستشهد به المؤلف هنا على أن معنى الكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان]] فتأويل الكلام: يَسْفَع وجوههم لهبُ النار فتحْرقها، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأسنان؛ من إحراق النار وجوههم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ يقول: عابسون.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الرأس المشيط قد بدت أسنانه، وقَلَصت شفتاه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله، قرأ هذه الآية ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ . .. الآية، قال: ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار، وقد قلصت شفتاه وبدت أسنانه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الغنم إذا مست النار وجوهها كيف هي؟ .
المؤمنون 23:103
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يعني: الخالدون في جنات النعيم ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ يقول ومن خفَّت موازين حسناته فرجَحَت بها موازين سيئاته ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يقول: هم في نار جهنم.
* *
وقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾
يقول: تَسْفَع وُجوهَهم النارُ.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: تنفح ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ والكلوح: أن تتقلص الشفتان عن الأسنان، حتى تبدو الأسنان، كما قال الأعشى:
وَلَهُ المُقْدَمُ لا مِثْلَ لَه ... ساعة الشِّدْق عَنِ النَّابِ كَلَحْ [[البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه ص ٢٤١ بشرح الدكتور محمد حسين، طبع القاهرة) . والرماية فيه في الحرب " إذا " في موضع " لا مثل له ". والمقدم بضم الميم مصدر بمعنى الإقدام. وكلح = الشدق: كشر عن الأنياب في عبوس.
يمدح إياس بن قبيصة الطائي، بأن من صفاته الإقدام في الحرب حين تكره الأبطال النزال، وتكشر أشداقهم عن أنيابهم، كرها للحرب، واستشهد به المؤلف هنا على أن معنى الكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان]] فتأويل الكلام: يَسْفَع وجوههم لهبُ النار فتحْرقها، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأسنان؛ من إحراق النار وجوههم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ يقول: عابسون.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الرأس المشيط قد بدت أسنانه، وقَلَصت شفتاه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله، قرأ هذه الآية ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ . .. الآية، قال: ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار، وقد قلصت شفتاه وبدت أسنانه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الغنم إذا مست النار وجوهها كيف هي؟ .
المؤمنون 23:104
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يعني: الخالدون في جنات النعيم ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ يقول ومن خفَّت موازين حسناته فرجَحَت بها موازين سيئاته ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يقول: هم في نار جهنم.
* *
وقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾
يقول: تَسْفَع وُجوهَهم النارُ.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: تنفح ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ والكلوح: أن تتقلص الشفتان عن الأسنان، حتى تبدو الأسنان، كما قال الأعشى:
وَلَهُ المُقْدَمُ لا مِثْلَ لَه ... ساعة الشِّدْق عَنِ النَّابِ كَلَحْ [[البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه ص ٢٤١ بشرح الدكتور محمد حسين، طبع القاهرة) . والرماية فيه في الحرب " إذا " في موضع " لا مثل له ". والمقدم بضم الميم مصدر بمعنى الإقدام. وكلح = الشدق: كشر عن الأنياب في عبوس.
يمدح إياس بن قبيصة الطائي، بأن من صفاته الإقدام في الحرب حين تكره الأبطال النزال، وتكشر أشداقهم عن أنيابهم، كرها للحرب، واستشهد به المؤلف هنا على أن معنى الكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان]] فتأويل الكلام: يَسْفَع وجوههم لهبُ النار فتحْرقها، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأسنان؛ من إحراق النار وجوههم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ يقول: عابسون.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الرأس المشيط قد بدت أسنانه، وقَلَصت شفتاه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله، قرأ هذه الآية ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ . .. الآية، قال: ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار، وقد قلصت شفتاه وبدت أسنانه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الغنم إذا مست النار وجوهها كيف هي؟ .
المؤمنون 23:105
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: يقال لهم ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ وترك ذكر يقال؛ لدلالة الكلام عليه ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ .
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ بكسر الشين، وبغير ألف، وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: "شَقاوَتُنا" بفتح الشين والألف.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وتأويل الكلام: قالوا: ربنا غلبت علينا ما سبق لنا في سابق علمك وخطّ لنا في أمّ الكتاب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد، قوله: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قال: التي كتبت علينا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ التي كتبت علينا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
وقال، قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خَزَنة جهنم: أنْ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فلم يجيبوهم ما شاء الله فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ قال: ثم نادوا مالكا ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فسكت عنهم مالك خازن جهنم، أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ثم نادى الأشقياء ربهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فسكت عنهم مثل مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك تبارك وتعالى (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ.
قال [[لعل القائل هنا أيضًا: هو القاسم، راوي الحديث بالإسناد السابق على هذا]] ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، قال: ينادي أهلُ النار أهلَ الجنة فلا يجيبونهم ما شاء الله، ثم يقال: أجيبوهم، وقد قطع الرَّحم والرحمة، فيقول أهل الجنة: يا أهل النار، عليكم غضب الله، يا أهل النار، عليكم لعنة الله، يا أهل النار، لا لبَّيْكم ولا سَعْدَيْكُم، ماذا تقولون؟ فيقولون: ألم نك في الدنيا آباءكم وأبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم، فيقولون: بلى، فيقولون: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) .
قال [[لعل القائل هنا أيضًا: هو القاسم، راوي الحديث بالإسناد السابق على هذا]] ثني حجاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القُرظِي، قال: ثني عَبْدة المروزِيّ، عن عبد الله بن المبارك، عن عمرو بن أبي ليلى، قال: سمعت محمد بن كعب، زاد أحدهما على صاحبه: قال محمد بن كعب: بلغني، أو ذُكر لي، أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، فردّوا عليهم ما قال الله، فلما أيسوا نادَوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها، وجسور تمرّ عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: يا مالك، ليقض علينا ربك، سألوا الموت، فمكث لا يجيبهم ثمانين ألفَ سنة من سني الآخرة، أو كما قال، ثم انحط إليهم، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعلّ الصبر ينفعنا، كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله، قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي مَنْجى. فقام إبليس عند ذلك فخطبهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ فلما سمعوا مقالته، مَقَتُوا أنفسهم، قال: فنُودوا (لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا﴾ الآية، قال: فيجيبهم الله ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ قال: فيقولون: ما أيسنا بعد؛ قال: ثم دعوا مرّة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ قال: فيقول الرب تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ يقول الرب: لو شئت لهديت الناس جميعا، فلم يختلف منهم أحد ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يقول: بما تركتم أن تعملوا ليومكم هذا ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي تركناكم ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: فيقولون: ما أيسنا بعد، قال: فيدعون مرّة أخرى: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ قال: فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ... الآية، قال: فيقولون: ما أيسنا بعد ثم قالوا مرّة أخرى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ قال: فيقول: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) إلى: ﴿نَصِير﴾ ، ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي: الكتاب الذي كتب علينا ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية، فقال عند ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فلا يتكلمون فيها أبدا، فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم. وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت عليهم. قال عبد الله بن المبارك في حديثه: فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه قال: فذلك قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ.﴾
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، أنه قال: فوالذي أنزل القرآن على محمد، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، ما تكلم أهل النار كلمة بعدها إلا الشهيق والزَّعيق في الخلد أبدا، ليس له نفاد.
قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، قال: كنا في جنازة ومعنا أبو جعفر القارئ، فجلسنا، فتنحى أبو جعفر، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا جعفر؟ قال: أخبرني زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون.
* *
وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾
يقول: كنا قوما ضَلَلْنا عن سبيل الرشاد، وقصد الحقّ.
المؤمنون 23:106
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: يقال لهم ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ وترك ذكر يقال؛ لدلالة الكلام عليه ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ .
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ بكسر الشين، وبغير ألف، وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: "شَقاوَتُنا" بفتح الشين والألف.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وتأويل الكلام: قالوا: ربنا غلبت علينا ما سبق لنا في سابق علمك وخطّ لنا في أمّ الكتاب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد، قوله: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قال: التي كتبت علينا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ التي كتبت علينا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
وقال، قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خَزَنة جهنم: أنْ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فلم يجيبوهم ما شاء الله فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ قال: ثم نادوا مالكا ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فسكت عنهم مالك خازن جهنم، أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ثم نادى الأشقياء ربهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فسكت عنهم مثل مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك تبارك وتعالى (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ.
قال [[لعل القائل هنا أيضًا: هو القاسم، راوي الحديث بالإسناد السابق على هذا]] ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، قال: ينادي أهلُ النار أهلَ الجنة فلا يجيبونهم ما شاء الله، ثم يقال: أجيبوهم، وقد قطع الرَّحم والرحمة، فيقول أهل الجنة: يا أهل النار، عليكم غضب الله، يا أهل النار، عليكم لعنة الله، يا أهل النار، لا لبَّيْكم ولا سَعْدَيْكُم، ماذا تقولون؟ فيقولون: ألم نك في الدنيا آباءكم وأبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم، فيقولون: بلى، فيقولون: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) .
قال [[لعل القائل هنا أيضًا: هو القاسم، راوي الحديث بالإسناد السابق على هذا]] ثني حجاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القُرظِي، قال: ثني عَبْدة المروزِيّ، عن عبد الله بن المبارك، عن عمرو بن أبي ليلى، قال: سمعت محمد بن كعب، زاد أحدهما على صاحبه: قال محمد بن كعب: بلغني، أو ذُكر لي، أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، فردّوا عليهم ما قال الله، فلما أيسوا نادَوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها، وجسور تمرّ عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: يا مالك، ليقض علينا ربك، سألوا الموت، فمكث لا يجيبهم ثمانين ألفَ سنة من سني الآخرة، أو كما قال، ثم انحط إليهم، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعلّ الصبر ينفعنا، كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله، قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي مَنْجى. فقام إبليس عند ذلك فخطبهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ فلما سمعوا مقالته، مَقَتُوا أنفسهم، قال: فنُودوا (لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا﴾ الآية، قال: فيجيبهم الله ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ قال: فيقولون: ما أيسنا بعد؛ قال: ثم دعوا مرّة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ قال: فيقول الرب تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ يقول الرب: لو شئت لهديت الناس جميعا، فلم يختلف منهم أحد ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يقول: بما تركتم أن تعملوا ليومكم هذا ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي تركناكم ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: فيقولون: ما أيسنا بعد، قال: فيدعون مرّة أخرى: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ قال: فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ... الآية، قال: فيقولون: ما أيسنا بعد ثم قالوا مرّة أخرى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ قال: فيقول: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) إلى: ﴿نَصِير﴾ ، ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي: الكتاب الذي كتب علينا ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية، فقال عند ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فلا يتكلمون فيها أبدا، فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم. وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت عليهم. قال عبد الله بن المبارك في حديثه: فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه قال: فذلك قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ.﴾
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، أنه قال: فوالذي أنزل القرآن على محمد، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، ما تكلم أهل النار كلمة بعدها إلا الشهيق والزَّعيق في الخلد أبدا، ليس له نفاد.
قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، قال: كنا في جنازة ومعنا أبو جعفر القارئ، فجلسنا، فتنحى أبو جعفر، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا جعفر؟ قال: أخبرني زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون.
* *
وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾
يقول: كنا قوما ضَلَلْنا عن سبيل الرشاد، وقصد الحقّ.
المؤمنون 23:107
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) ﴾
يقول تعالى ذكره، مخبرا عن قيل الذين خفَّت موازين صالح أعمالهم يوم القيامة في جهنم: ربنا أخرجنا من النار، فإن عدنا لما تكره منا من عمل، فإنا ظالمون.
* *
وقوله: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾
يقول تعالى ذكره: قال الربّ لهم جلّ ثناؤه مجيبا ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: اقعدوا في النار، يقال منه: خَسَأتْ فلانا أخْسَؤُه خَسْأً وخُسُوءا، وخَسيء هو يخسَأ، وما كان خاسئا، ولقد خَسِيء، ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فعند ذلك أيس المساكين من الفرج، ولقد كانوا طامعين فيه.
كما:-
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهْديّ، قال: ثنا سفيان، عن سَلمة بن كُهَيل، قال: ثني أبو الزعراء، عن عبد الله، في قصة ذكرها في الشفاعة، قال: فإذا أراد الله ألا يُخْرج منها، يعني من النارأحدا، غير وجوههم وألوانها، فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيهم، فيقول: يا ربّ، فيقول: من عرف أحدا فليخرجه؛ قال: فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدا، فيقول: يا فلان يا فلان، فيقول: ما أعرفك. فعند ذلك يقولون: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فَيَقُولُ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فإذا قالوا ذلك؛ انطبقت عليهم جهنم فلا يخرج منها بشر.
⁕ حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن شَهر بن حَوْشب، عن معدي كرب، عن أبي الدَّرْداء، قال: يرسل أو يصبّ على أهل النار الجوع، فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فلا يغني ذلك عنهم شيئا فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غُصّة، فإذا أكلوه نَشِب في حلوقهم، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يحدرون الغصة بالماء، فيستغيثون، فيرفع إليهم الحميم في كلاليب الحديد، فإذا انتهى إلى وجوههم شوى وجوههم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم، قال: فينادون مالكا: لِيَقْضِ علينا ربك، قال: فيتركهم ألف سنة، ثم يجيبهم: إنكم ماكثون، قال: فينادون خزنة جهنم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، قالوا: أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلي، قالوا: فادعوا، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، قال: فيقولون ما نجد أحدا خيرا لنا من ربنا، فينادون ربهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيقول الله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، فيدعون بالويل والشَّهيق والثُّبور.
⁕ حدثني محمد بن عُمارة الأسديّ، قال: ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، قال: ثنا قُطْبة بن عبد العزيز الأسديّ، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: "يُلْقَى على أهْلِ النَّارِ الجُوع ... " ثم ذكر نحوًا منه.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن عمرو بن مرّة، قال: يرى أهل النار في كل سبعين عاما ساق مالك، خازن النار، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فيجيبهم بكلمة، ثم لا يرونه سبعين عاما فيستغيثون بالخَزَنة، فيقولون لهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فيجيبونهم ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ... ﴾ الآية. فيقولون: ادعوا ربكم، فليس أحد أرحم
من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيجيبهم،: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فعند ذلك ييأسُون من كلّ خير، ويأخذون في الشهيق والوَيْل والثُّبور.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: بلغني أنهم ينادُون مالكا فيقولون ﴿: لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فيسكت عنهم قدر أربعين سنة، ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ قال: ثم ينادون ربهم، فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فييأس القوم فلا يتكلمون بعدها كلمة، وكان إنما هو الزفير والشهيق، قال قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار، أوّله زفير، وآخره شهيق.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الله بن عيسى، قال: أخبرني زياد الخراسانيّ، قال: أسنده إلى بعض أهل العلم، فنسيته، في قوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فيسكتون، قال: فلا يسمع فيها حس إلا كطنين الطَّسْت.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ هذا قول الرحمن عزّ وجلّ، حين انقطع كلامهم منه.
المؤمنون 23:108
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) ﴾
يقول تعالى ذكره، مخبرا عن قيل الذين خفَّت موازين صالح أعمالهم يوم القيامة في جهنم: ربنا أخرجنا من النار، فإن عدنا لما تكره منا من عمل، فإنا ظالمون.
* *
وقوله: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾
يقول تعالى ذكره: قال الربّ لهم جلّ ثناؤه مجيبا ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: اقعدوا في النار، يقال منه: خَسَأتْ فلانا أخْسَؤُه خَسْأً وخُسُوءا، وخَسيء هو يخسَأ، وما كان خاسئا، ولقد خَسِيء، ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فعند ذلك أيس المساكين من الفرج، ولقد كانوا طامعين فيه.
كما:-
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهْديّ، قال: ثنا سفيان، عن سَلمة بن كُهَيل، قال: ثني أبو الزعراء، عن عبد الله، في قصة ذكرها في الشفاعة، قال: فإذا أراد الله ألا يُخْرج منها، يعني من النارأحدا، غير وجوههم وألوانها، فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيهم، فيقول: يا ربّ، فيقول: من عرف أحدا فليخرجه؛ قال: فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدا، فيقول: يا فلان يا فلان، فيقول: ما أعرفك. فعند ذلك يقولون: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فَيَقُولُ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فإذا قالوا ذلك؛ انطبقت عليهم جهنم فلا يخرج منها بشر.
⁕ حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن شَهر بن حَوْشب، عن معدي كرب، عن أبي الدَّرْداء، قال: يرسل أو يصبّ على أهل النار الجوع، فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فلا يغني ذلك عنهم شيئا فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غُصّة، فإذا أكلوه نَشِب في حلوقهم، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يحدرون الغصة بالماء، فيستغيثون، فيرفع إليهم الحميم في كلاليب الحديد، فإذا انتهى إلى وجوههم شوى وجوههم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم، قال: فينادون مالكا: لِيَقْضِ علينا ربك، قال: فيتركهم ألف سنة، ثم يجيبهم: إنكم ماكثون، قال: فينادون خزنة جهنم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، قالوا: أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلي، قالوا: فادعوا، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، قال: فيقولون ما نجد أحدا خيرا لنا من ربنا، فينادون ربهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيقول الله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، فيدعون بالويل والشَّهيق والثُّبور.
⁕ حدثني محمد بن عُمارة الأسديّ، قال: ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، قال: ثنا قُطْبة بن عبد العزيز الأسديّ، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: "يُلْقَى على أهْلِ النَّارِ الجُوع ... " ثم ذكر نحوًا منه.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن عمرو بن مرّة، قال: يرى أهل النار في كل سبعين عاما ساق مالك، خازن النار، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فيجيبهم بكلمة، ثم لا يرونه سبعين عاما فيستغيثون بالخَزَنة، فيقولون لهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فيجيبونهم ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ... ﴾ الآية. فيقولون: ادعوا ربكم، فليس أحد أرحم
من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيجيبهم،: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فعند ذلك ييأسُون من كلّ خير، ويأخذون في الشهيق والوَيْل والثُّبور.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: بلغني أنهم ينادُون مالكا فيقولون ﴿: لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فيسكت عنهم قدر أربعين سنة، ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ قال: ثم ينادون ربهم، فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فييأس القوم فلا يتكلمون بعدها كلمة، وكان إنما هو الزفير والشهيق، قال قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار، أوّله زفير، وآخره شهيق.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الله بن عيسى، قال: أخبرني زياد الخراسانيّ، قال: أسنده إلى بعض أهل العلم، فنسيته، في قوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فيسكتون، قال: فلا يسمع فيها حس إلا كطنين الطَّسْت.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ هذا قول الرحمن عزّ وجلّ، حين انقطع كلامهم منه.
المؤمنون 23:109
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّهُ﴾ وهذه الهاء في قوله "إنه" هي الهاء التي يسميها أهل العربية المجهولة، وقد بينت معناها فيما مضى قبلُ. ومعنى دخولها في الكلام، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ﴿كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ يقول: كانت جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله، يقولون في الدنيا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ بك وبرسلك، وما جاءوا به من عندك ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ وأنت خير من رحم أهل البلاء، فلا تعذبنا بعذابك.
المؤمنون 23:110
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّهُ﴾ وهذه الهاء في قوله "إنه" هي الهاء التي يسميها أهل العربية المجهولة، وقد بينت معناها فيما مضى قبلُ. ومعنى دخولها في الكلام، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ﴿كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ يقول: كانت جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله، يقولون في الدنيا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ بك وبرسلك، وما جاءوا به من عندك ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ وأنت خير من رحم أهل البلاء، فلا تعذبنا بعذابك.
المؤمنون 23:111
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فاتخذتم أيها القائلون لربكم ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ في الدنيا، القائلين فيها: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ سُخْريا. والهاء والميم في قوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ﴾ من ذكر الفريق.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿سُخْرِيًّا﴾ فقرأه بعض قرّاء الحجاز وبعض أهل البصرة والكوفة ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ بكسر السين، ويتأوّلون في كسرها أن معنى ذلك الهزء، ويقولون: إنها إذا ضُمت فمعنى الكلمة: السُّخْرة والاستعباد. فمعنى الكلام على مذهب هؤلاء: فاتخذتم أهل الإيمان بي في الدنيا هُزُؤًا ولعبا، تهزءون بهم، حتى أنسوكم ذكري. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيًّا﴾ بضم السين، وقالوا: معنى الكلمة في الضمّ والكسر واحد. وحكى بعضهم عن العرب سماعا لِجِّيّ ولُجِّي، ودِرِيّ، ودُرِيّ، منسوب إلى الدرّ، وكذلك كِرسيّ وكُرسيّ؛ وقالوا ذلك من قيلهم كذلك، نظير قولهم في جمع العصا: العِصِيّ بكسر العين، والعُصِيّ بضمها؛ قالوا: وإنما اخترنا الضم في السِّخري؛ لأنه أفصح اللغتين.
والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب، وليس يُعْرف من فرق بين معنى ذلك إذا كسرت السين وإذا ضمت؛ لما ذكرت من الرواية عمن سمع من العرب ما حَكَيت عنه.
ذكر الرواية به عن بعض من فَرَّق في ذلك بين معناه مكسورة سينه ومضمومة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قال: هما مختلفتان: سِخريا، وسُخريا، يقول الله: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سِخْرِيًّا﴾ قال: هذا سِخريّا: يُسَخِّرونهم، والآخرون: الذين يستهزئون بهم هم سُخريًّا، فتلك سِخريًّا يُسَخرونهم عندك، فسخَّرك رفعك فوقه، والآخرون: استهزءوا بأهل الإسلام هي: سُخريّا يَسْخَرون منهم. فهما مختلفتان. وقرأ قول الله: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ وقال: يسخرون منهم كما سخر قوم نوح بنوح، اتخذوهم سُخريًّا: اتخذوهم هُزُؤًا، لم يزالوا يستهزئون بهم.
* *
وقوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾
يقول: لم يزل استهزاؤكم بهم، أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري، فألْهَاكم عنه ﴿وكنتم منهم تضحكون﴾ .
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ قال: أنسى هؤلاء الله استهزاؤُهم بهم، وضحكهم بهم، وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ حتى بلغ: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ .
* *
وقوله: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾
يقول تعالى ذكره: إني أيُّها المشركون بالله المخلَّدون في النار، جَزَيْت الذين اتخذتموهم في الدنيا سخريا من أهل الإيمان بي، وكنتم منهم تضحكون اليوم، بما صبروا على ما كانوا يلقَون بينكم من أذى سخريتكم وضحككم منهم في الدنيا ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ .
اختلفت القرّاء في قراءة: "إنَّهُمْ" فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة: ("أنَّهُمْ " بفتح الألف من "أنهم" بمعنى: جزيتهم هذا، فأن في قراءة هؤلاء في موضع نصب، بوقوع قوله جزيتهم عليها؛ لأن معنى الكلام عندهم: إني جزيتهم اليوم الفوز بالجنة؛ وقد يحتمل النصب من وجه آخر، وهو أن يكون موجَّها معناه: إلى أني جزيتهم اليوم بما صبروا؛ لأنهم هم الفائزون بما صبروا في الدنيا، على ما لَقُوا في ذات الله، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: "إنّي" بكسر الألف منها، بمعنى الابتداء، وقالوا: ذلك ابتداء من الله مدحهم.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر الألف؛ لأن قوله: "جَزَيْتُهُم "، قد عمل في الهاء والميم، والجزاء إنما يعمل في منصوبين، وإذا عمل في الهاء والميم لم يكن له العمل في "أن" فيصير عاملا في ثلاثة إلا أن ينوي به التكرير، فيكون نصب "أنّ" حينئذ بفعل مضمر، لا بقوله: جزيتهم، وإن هي نصبت بإضمار لام، لم يكن له أيضا كبير معنى؛ لأن جزاء الله عباده المؤمنين بالجنة، إنما هو على ما سَلَف من صالح أعمالهم في الدنيا، وجزاؤه إياهم، وذلك في الآخرة هو الفوز، فلا معنى لأن يَشْرُط لهم الفوز بالأعمال ثم يخبر أنهم إنما فازوا، لأنهم هم الفائزون.
فتأويل الكلام إذ كان الصواب من القراءة ما ذكرنا: إني جزيتهم اليوم الجنة بما صبروا في الدنيا على أذاكم بها في أنهم اليوم هم الفائزون بالنعيم الدائم والكرامة الباقية أبدا؛ بما عملوا من صالحات الأعمال في الدنيا، ولقوا في طلب رضاي من المكاره فيها.
المؤمنون 23:112
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ وفي قوله: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة على وجه الخبر: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ . ووجه هؤلاء تأويل الكلام إلى أن الله قال لهؤلاء الأشقياء من أهل النار وهم في النار: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ؟ وأنهم أجابوا الله فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ، فنسِي الأشقياء؛ لعظيم ما هم فيه من البلاء والعذاب مدة مكثهم التي كانت في الدنيا، وقَصُرَ عندهم أمد مكثهم الذي كان فيها؛ لما حلّ بهم من نقمة الله، حتى حسبوا أنهم لم يكونوا مكثوا فيها إلا يوما أو بعض يوم. ولعلّ بعضهم كان قد مكث فيها الزمان الطويل، والسنين الكثيرة.
وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة على وجه الأمر لهم بالقول، كأنه قال لهم: قولوا كم لبثتم في الأرض؟ وأخرج الكلام مخْرج الأمر للواحد، والمعنيُّ به الجماعة، إذ كان مفهوما معناه، وإنما اختار هذه القراءة من اختارها من أهل الكوفة؛ لأن ذلك في مصاحفهم: "قُلْ" بغير ألف، وفي غير مصاحفهم بالألف.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ ذلك: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ على وجه الخبر، لأن وجه الكلام لو كان ذلك أمرا، أن يكون قولوا على وجه الخطاب للجمع؛ لأن الخطاب فيما قبل ذلك وبعده، جرى لجماعة أهل النار، فالذي هو أولى أن يكون كذلك قوله قولوا لو كان الكلام جاء على وجه الأمر، وإن كان الآخر جائزا، أعني التوحيد، لما بيَّنت من العلة لقارئ ذلك كذلك، وجاء الكلام بالتوحيد في قراءة جميع القراء، كان معلوما أن قراءة ذلك على وجه الخبر عن الواحد أشبه، إذ كان ذلك هو الفصيح المعروف من كلام العرب، فإذا كان ذلك ذلك، فتأويل الكلام: قال الله كم لبثتم في الدنيا من عدد سنين؟ قالوا مجيبين له: لبثنا فيها يوما أو بعض يوم، فاسأل العادّين، لأنا لا ندري، قد نسينا ذلك.
واختلف أهل التأويل في المعني بالعادين، فقال بعضهم: هم الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، ويُحْصُون عليهم ساعاتهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال: الملائكة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: بل هم الحُسّاب.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿فاسأل الْعَادِّينَ﴾ قال: فاسأل الحُسّاب.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال: فاسأل أهل الحساب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال كما قال الله جلّ ثناؤه: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ وهم الذين يَعُدّون عدد الشهور والسنين وغير ذلك، وجائز أن يكونوا الملائكة، وجائز أن يكونوا بني آدم وغيرهم، ولا حجة بأيّ ذلك من أيّ ثبتت صحتها، فغير جائز توجيه معنى ذلك إلى بعض العادّين دون بعض.
المؤمنون 23:113
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ وفي قوله: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة على وجه الخبر: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ . ووجه هؤلاء تأويل الكلام إلى أن الله قال لهؤلاء الأشقياء من أهل النار وهم في النار: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ؟ وأنهم أجابوا الله فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ، فنسِي الأشقياء؛ لعظيم ما هم فيه من البلاء والعذاب مدة مكثهم التي كانت في الدنيا، وقَصُرَ عندهم أمد مكثهم الذي كان فيها؛ لما حلّ بهم من نقمة الله، حتى حسبوا أنهم لم يكونوا مكثوا فيها إلا يوما أو بعض يوم. ولعلّ بعضهم كان قد مكث فيها الزمان الطويل، والسنين الكثيرة.
وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة على وجه الأمر لهم بالقول، كأنه قال لهم: قولوا كم لبثتم في الأرض؟ وأخرج الكلام مخْرج الأمر للواحد، والمعنيُّ به الجماعة، إذ كان مفهوما معناه، وإنما اختار هذه القراءة من اختارها من أهل الكوفة؛ لأن ذلك في مصاحفهم: "قُلْ" بغير ألف، وفي غير مصاحفهم بالألف.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ ذلك: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ على وجه الخبر، لأن وجه الكلام لو كان ذلك أمرا، أن يكون قولوا على وجه الخطاب للجمع؛ لأن الخطاب فيما قبل ذلك وبعده، جرى لجماعة أهل النار، فالذي هو أولى أن يكون كذلك قوله قولوا لو كان الكلام جاء على وجه الأمر، وإن كان الآخر جائزا، أعني التوحيد، لما بيَّنت من العلة لقارئ ذلك كذلك، وجاء الكلام بالتوحيد في قراءة جميع القراء، كان معلوما أن قراءة ذلك على وجه الخبر عن الواحد أشبه، إذ كان ذلك هو الفصيح المعروف من كلام العرب، فإذا كان ذلك ذلك، فتأويل الكلام: قال الله كم لبثتم في الدنيا من عدد سنين؟ قالوا مجيبين له: لبثنا فيها يوما أو بعض يوم، فاسأل العادّين، لأنا لا ندري، قد نسينا ذلك.
واختلف أهل التأويل في المعني بالعادين، فقال بعضهم: هم الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، ويُحْصُون عليهم ساعاتهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال: الملائكة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: بل هم الحُسّاب.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿فاسأل الْعَادِّينَ﴾ قال: فاسأل الحُسّاب.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال: فاسأل أهل الحساب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال كما قال الله جلّ ثناؤه: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ وهم الذين يَعُدّون عدد الشهور والسنين وغير ذلك، وجائز أن يكونوا الملائكة، وجائز أن يكونوا بني آدم وغيرهم، ولا حجة بأيّ ذلك من أيّ ثبتت صحتها، فغير جائز توجيه معنى ذلك إلى بعض العادّين دون بعض.
المؤمنون 23:114
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ اختلافهم في قراءة قوله: ﴿قال كم لبثتم﴾ والقول عندنا في ذلك في هذا الموضع، نحو القول الذي بيَّناه قبل في قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ وتأويل الكلام على قراءتنا: قال الله لهم: ما لبثتم في الأرض إلا قليلا يسيرا، لو أنكم كنتم تعلمون قدر لبثكم فيها.
* *
وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾
يقول تعالى ذكره: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم، لعبا وباطلا وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء، فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟ .
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة والبصرة والكوفة: ﴿لا تُرْجَعُونَ﴾ بضَمّ التاء: لا تُردّون، وقالوا: إنما هو من مَرْجِع الآخرة، لا من الرجوع إلى الدنيا، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة"لا تَرْجِعُونَ" وقالوا: سواء في ذلك مرجع الآخرة، والرجوع إلى الدنيا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى؛ لأن من ردّه الله إلى الآخرة من الدنيا بعد فنائه، فقد رَجَع إليها، وأن من رجع إليها، فبردّ الله إياه إليها رجع. وهما مع ذلك قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ قال: باطلا.
المؤمنون 23:115
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ اختلافهم في قراءة قوله: ﴿قال كم لبثتم﴾ والقول عندنا في ذلك في هذا الموضع، نحو القول الذي بيَّناه قبل في قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ وتأويل الكلام على قراءتنا: قال الله لهم: ما لبثتم في الأرض إلا قليلا يسيرا، لو أنكم كنتم تعلمون قدر لبثكم فيها.
* *
وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾
يقول تعالى ذكره: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم، لعبا وباطلا وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء، فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟ .
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة والبصرة والكوفة: ﴿لا تُرْجَعُونَ﴾ بضَمّ التاء: لا تُردّون، وقالوا: إنما هو من مَرْجِع الآخرة، لا من الرجوع إلى الدنيا، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة"لا تَرْجِعُونَ" وقالوا: سواء في ذلك مرجع الآخرة، والرجوع إلى الدنيا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى؛ لأن من ردّه الله إلى الآخرة من الدنيا بعد فنائه، فقد رَجَع إليها، وأن من رجع إليها، فبردّ الله إياه إليها رجع. وهما مع ذلك قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ قال: باطلا.
المؤمنون 23:116
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: فتعالى الله الملك الحق عما يصفه به هؤلاء المشركون، من أن له شريكا، وعما يضيفون إليه من اتخاذ البنات ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود تنبغي له العبودة إلا الله الملك الحقّ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ والربُّ: مرفوع بالردّ على الحقّ، ومعنى الكلام: فتعالى الله الملك الحقّ، ربّ العرش الكريم، لا إله إلا هو.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: ومن يدع مع المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له معبودا آخر، لا حجة له بما يقول، ويعمل من ذلك ولا بينة.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ قال: بينة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ قال: حُجة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد، في قوله: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ قال: لا حجة.
* *
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
يقول: فإنما حساب عمله السَّيِّئ عند ربه وهو مُوَفِّيه جزاءه إذا قدم عليه ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: إنه لا ينجح أهل الكفر بالله عنده ولا يدركون الخلود والبقاء في النعيم.
المؤمنون 23:117
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: فتعالى الله الملك الحق عما يصفه به هؤلاء المشركون، من أن له شريكا، وعما يضيفون إليه من اتخاذ البنات ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود تنبغي له العبودة إلا الله الملك الحقّ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ والربُّ: مرفوع بالردّ على الحقّ، ومعنى الكلام: فتعالى الله الملك الحقّ، ربّ العرش الكريم، لا إله إلا هو.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: ومن يدع مع المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له معبودا آخر، لا حجة له بما يقول، ويعمل من ذلك ولا بينة.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ قال: بينة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ قال: حُجة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد، في قوله: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ قال: لا حجة.
* *
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
يقول: فإنما حساب عمله السَّيِّئ عند ربه وهو مُوَفِّيه جزاءه إذا قدم عليه ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: إنه لا ينجح أهل الكفر بالله عنده ولا يدركون الخلود والبقاء في النعيم.
المؤمنون 23:118
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وقل يا محمد: ربّ استر عليّ ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتك، وتركك عقابي على ما اجترمت ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ يقول: وقل: أنت يا ربّ خير من رحم ذا ذنب، فقبل توبته، ولم يعاقبه على ذنبه.
آخر تفسير سورة المؤمنون