Tefsîru's-Seâlibî — el-Cevâhiru'l-Hisân fî Tefsîri'l-Kur'ân — محمد 47:1 – الفتح 48:29
المحتويات
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
محمد 47:1
وهي مدنيّة
قوله عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا: إشارةٌ إلى أهل مكّة الذين أخرجوا النبيّ ﷺ.
وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... الآية: إشارةٌ إلى الأنصار الذين آووا، ونصروا، وفي الطائفتين نزلتِ الآيتان قاله ابن عباس ومجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 304) برقم: (31334) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 177) عن ابن عبّاس، وابن عطية (5/ 109) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 19) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه.]] ، ثم هي بَعْدُ تَعُمّ كُلَّ مَنْ دخل تحت ألفاظها.
وقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أيْ: أَتْلَفَهَا، ولم يجعلْ لها نَفْعاً.
ت: وقد ذكَرْنا في سورة «الصف» أنَّ اسم محمّد ﷺ لم يَتَسَمَّ به أحدٌ قبله إلاَّ قَوْمٌ قليلُونَ، رجاءَ أَنْ تكونَ النُّبُوَّةُ في أبنائهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، قال ابن القَطَّانِ: وعن خَلِيفَةَ وَالِدِ أَبِي سُوَيْدٍ قال: سألْتُ محمَّدَ بْنَ عَدِيِّ بن أبي رَبِيعَةَ: كيف سَمَّاكَ أبوك محمَّداً؟ قال: سأَلتُ أبي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فقال لي: كُنْتَ رَابِعَ أربعةٍ من بني غَنْمٍ أنا فيهم، وسفيانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ جَرِيرٍ، وأُمَامَةُ بْنُ هِنْدِ بْنِ خِنْدِف. ويزيدُ بنُ رَبِيعَةَ، فخرجْنا في سَفْرَةٍ نُرِيدُ ابنَ جَفْنَةَ مَلِكَ غَسَّانَ، فلما شارفنا الشام، نزلنا على غَدِيرٍ فيه شجراتٌ، وقُرْبَهُ شَخْصٌ نائمٌ، فتحدَّثْنَا فاستمع كلاَمَنَا، فَأَشْرَفَ علَيْنَا، فقال: إنَّ هذه لُغَةٌ، ما هي لغة هذه البلاد، فقلنا: نَحْنُ قومٌ من مُضَرَ، فقال: مِنْ أَيَّ المُضَرِيِّينَ؟ قلنا: من خِنْدِف، قال: إنَّهُ يُبْعَثُ فيكم خاتَمُ النبيِّين، فَسَارِعُوا إلَيْه، وخُذُوا بحظِّكُمْ منه تَرْشُدُوا، قلنا: ما اسمه؟ قال: محمَّد، فَرَجَعْنَا، فَوُلِدَ لِكُلِّ واحدٍ مِنَّا ابْنٌ سَمَّاه محمَّداً، وذكره المدائنيُّ، / انتهى.
وقوله تعالى في المؤمنين: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال قتادة: معناه: حالهم [[أخرجه الطبري (11/ 305) برقم: (31337- 31338) ، وذكره ابن عطية (5/ 109) ، وابن كثير (4/ 172) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 19) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وقال ابن عباس: شأنهم [[أخرجه الطبري (11/ 304) برقم: (31335) بمعناه، (31336) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (5/ 109) ، وابن كثير (4/ 172) .]] .
وتحريرُ التفسيرِ في اللفظة أَنَّها بمعنى الفِكْرِ والموضعِ الذي فيه نظرُ الإنْسَانِ، وهو القلب، فإذا صَلُحَ ذلك منه، فقد صَلُحَ حالُهُ، فكأَنَّ اللفظة مُشِيرَةٌ إلى صلاح عقيدتهم، وغيرُ ذلك من الحال تَابِعٌ، فقولك: خَطَرَ في بالي كذا، وقولك: أصْلَحَ اللَّهُ بَالَكَ: المرادُ بهما واحدٌ ذكره المُبَرِّدُ، والبَالُ: مصدر كالحال والشأن، ولا يُسْتَعْمَلُ منه فِعْلٌ، وكذلك عُرْفُهُ لا يثنى ولا يُجْمَعُ، وقد جاء مجموعا شاذّا في قولهم: «بآلات» .
والْباطِلَ هنا: الشيطانُ، وكُلُّ ما يأمر به قاله مجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 305) برقم: (31340) ، وذكره ابن عطية (5/ 110) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 20) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، والْحَقَّ هنا: الشرع ومحمّد ع.
وقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ: الإشارة إلى الأتباع المذكورين من الفريقين.
محمد 47:2
وهي مدنيّة
قوله عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا: إشارةٌ إلى أهل مكّة الذين أخرجوا النبيّ ﷺ.
وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... الآية: إشارةٌ إلى الأنصار الذين آووا، ونصروا، وفي الطائفتين نزلتِ الآيتان قاله ابن عباس ومجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 304) برقم: (31334) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 177) عن ابن عبّاس، وابن عطية (5/ 109) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 19) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه.]] ، ثم هي بَعْدُ تَعُمّ كُلَّ مَنْ دخل تحت ألفاظها.
وقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أيْ: أَتْلَفَهَا، ولم يجعلْ لها نَفْعاً.
ت: وقد ذكَرْنا في سورة «الصف» أنَّ اسم محمّد ﷺ لم يَتَسَمَّ به أحدٌ قبله إلاَّ قَوْمٌ قليلُونَ، رجاءَ أَنْ تكونَ النُّبُوَّةُ في أبنائهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، قال ابن القَطَّانِ: وعن خَلِيفَةَ وَالِدِ أَبِي سُوَيْدٍ قال: سألْتُ محمَّدَ بْنَ عَدِيِّ بن أبي رَبِيعَةَ: كيف سَمَّاكَ أبوك محمَّداً؟ قال: سأَلتُ أبي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فقال لي: كُنْتَ رَابِعَ أربعةٍ من بني غَنْمٍ أنا فيهم، وسفيانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ جَرِيرٍ، وأُمَامَةُ بْنُ هِنْدِ بْنِ خِنْدِف. ويزيدُ بنُ رَبِيعَةَ، فخرجْنا في سَفْرَةٍ نُرِيدُ ابنَ جَفْنَةَ مَلِكَ غَسَّانَ، فلما شارفنا الشام، نزلنا على غَدِيرٍ فيه شجراتٌ، وقُرْبَهُ شَخْصٌ نائمٌ، فتحدَّثْنَا فاستمع كلاَمَنَا، فَأَشْرَفَ علَيْنَا، فقال: إنَّ هذه لُغَةٌ، ما هي لغة هذه البلاد، فقلنا: نَحْنُ قومٌ من مُضَرَ، فقال: مِنْ أَيَّ المُضَرِيِّينَ؟ قلنا: من خِنْدِف، قال: إنَّهُ يُبْعَثُ فيكم خاتَمُ النبيِّين، فَسَارِعُوا إلَيْه، وخُذُوا بحظِّكُمْ منه تَرْشُدُوا، قلنا: ما اسمه؟ قال: محمَّد، فَرَجَعْنَا، فَوُلِدَ لِكُلِّ واحدٍ مِنَّا ابْنٌ سَمَّاه محمَّداً، وذكره المدائنيُّ، / انتهى.
وقوله تعالى في المؤمنين: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال قتادة: معناه: حالهم [[أخرجه الطبري (11/ 305) برقم: (31337- 31338) ، وذكره ابن عطية (5/ 109) ، وابن كثير (4/ 172) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 19) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وقال ابن عباس: شأنهم [[أخرجه الطبري (11/ 304) برقم: (31335) بمعناه، (31336) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (5/ 109) ، وابن كثير (4/ 172) .]] .
وتحريرُ التفسيرِ في اللفظة أَنَّها بمعنى الفِكْرِ والموضعِ الذي فيه نظرُ الإنْسَانِ، وهو القلب، فإذا صَلُحَ ذلك منه، فقد صَلُحَ حالُهُ، فكأَنَّ اللفظة مُشِيرَةٌ إلى صلاح عقيدتهم، وغيرُ ذلك من الحال تَابِعٌ، فقولك: خَطَرَ في بالي كذا، وقولك: أصْلَحَ اللَّهُ بَالَكَ: المرادُ بهما واحدٌ ذكره المُبَرِّدُ، والبَالُ: مصدر كالحال والشأن، ولا يُسْتَعْمَلُ منه فِعْلٌ، وكذلك عُرْفُهُ لا يثنى ولا يُجْمَعُ، وقد جاء مجموعا شاذّا في قولهم: «بآلات» .
والْباطِلَ هنا: الشيطانُ، وكُلُّ ما يأمر به قاله مجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 305) برقم: (31340) ، وذكره ابن عطية (5/ 110) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 20) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، والْحَقَّ هنا: الشرع ومحمّد ع.
وقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ: الإشارة إلى الأتباع المذكورين من الفريقين.
محمد 47:3
وهي مدنيّة
قوله عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا: إشارةٌ إلى أهل مكّة الذين أخرجوا النبيّ ﷺ.
وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... الآية: إشارةٌ إلى الأنصار الذين آووا، ونصروا، وفي الطائفتين نزلتِ الآيتان قاله ابن عباس ومجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 304) برقم: (31334) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 177) عن ابن عبّاس، وابن عطية (5/ 109) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 19) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه.]] ، ثم هي بَعْدُ تَعُمّ كُلَّ مَنْ دخل تحت ألفاظها.
وقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أيْ: أَتْلَفَهَا، ولم يجعلْ لها نَفْعاً.
ت: وقد ذكَرْنا في سورة «الصف» أنَّ اسم محمّد ﷺ لم يَتَسَمَّ به أحدٌ قبله إلاَّ قَوْمٌ قليلُونَ، رجاءَ أَنْ تكونَ النُّبُوَّةُ في أبنائهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، قال ابن القَطَّانِ: وعن خَلِيفَةَ وَالِدِ أَبِي سُوَيْدٍ قال: سألْتُ محمَّدَ بْنَ عَدِيِّ بن أبي رَبِيعَةَ: كيف سَمَّاكَ أبوك محمَّداً؟ قال: سأَلتُ أبي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فقال لي: كُنْتَ رَابِعَ أربعةٍ من بني غَنْمٍ أنا فيهم، وسفيانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ جَرِيرٍ، وأُمَامَةُ بْنُ هِنْدِ بْنِ خِنْدِف. ويزيدُ بنُ رَبِيعَةَ، فخرجْنا في سَفْرَةٍ نُرِيدُ ابنَ جَفْنَةَ مَلِكَ غَسَّانَ، فلما شارفنا الشام، نزلنا على غَدِيرٍ فيه شجراتٌ، وقُرْبَهُ شَخْصٌ نائمٌ، فتحدَّثْنَا فاستمع كلاَمَنَا، فَأَشْرَفَ علَيْنَا، فقال: إنَّ هذه لُغَةٌ، ما هي لغة هذه البلاد، فقلنا: نَحْنُ قومٌ من مُضَرَ، فقال: مِنْ أَيَّ المُضَرِيِّينَ؟ قلنا: من خِنْدِف، قال: إنَّهُ يُبْعَثُ فيكم خاتَمُ النبيِّين، فَسَارِعُوا إلَيْه، وخُذُوا بحظِّكُمْ منه تَرْشُدُوا، قلنا: ما اسمه؟ قال: محمَّد، فَرَجَعْنَا، فَوُلِدَ لِكُلِّ واحدٍ مِنَّا ابْنٌ سَمَّاه محمَّداً، وذكره المدائنيُّ، / انتهى.
وقوله تعالى في المؤمنين: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال قتادة: معناه: حالهم [[أخرجه الطبري (11/ 305) برقم: (31337- 31338) ، وذكره ابن عطية (5/ 109) ، وابن كثير (4/ 172) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 19) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وقال ابن عباس: شأنهم [[أخرجه الطبري (11/ 304) برقم: (31335) بمعناه، (31336) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (5/ 109) ، وابن كثير (4/ 172) .]] .
وتحريرُ التفسيرِ في اللفظة أَنَّها بمعنى الفِكْرِ والموضعِ الذي فيه نظرُ الإنْسَانِ، وهو القلب، فإذا صَلُحَ ذلك منه، فقد صَلُحَ حالُهُ، فكأَنَّ اللفظة مُشِيرَةٌ إلى صلاح عقيدتهم، وغيرُ ذلك من الحال تَابِعٌ، فقولك: خَطَرَ في بالي كذا، وقولك: أصْلَحَ اللَّهُ بَالَكَ: المرادُ بهما واحدٌ ذكره المُبَرِّدُ، والبَالُ: مصدر كالحال والشأن، ولا يُسْتَعْمَلُ منه فِعْلٌ، وكذلك عُرْفُهُ لا يثنى ولا يُجْمَعُ، وقد جاء مجموعا شاذّا في قولهم: «بآلات» .
والْباطِلَ هنا: الشيطانُ، وكُلُّ ما يأمر به قاله مجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 305) برقم: (31340) ، وذكره ابن عطية (5/ 110) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 20) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، والْحَقَّ هنا: الشرع ومحمّد ع.
وقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ: الإشارة إلى الأتباع المذكورين من الفريقين.
محمد 47:4
وقوله سبحانه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ... الآية: قال أَكْثَرُ العلماءِ: إنَّ هذه الآية وآيةَ السَّيْفِ، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] مُحْكَمَتَانِ، فقوله هنا: فَضَرْبَ الرِّقابِ بمثابة قوله هنالك:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وصرَّح هنا بذكر المَنِّ والفداء، ولم يُصَرِّحْ به هنالك، فهذه مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وهذا هو القولُ القويُّ، وقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بمعنى الفِعْل، أي: فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد: اقتلوهم بأَيِّ وجه أَمكَنَ وفي «صحيح مسلم» عن النبيّ ﷺ قال: «لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أبدا» [[أخرجه مسلم (3/ 1505) كتاب «الإمارة» باب: من قتل كافرا ثم سدد، حديث (130/ 1891) ، وأحمد (2/ 397) ، والبيهقي (9/ 165) من حديث أبي هريرة.]] .
وفي «صحيح البخاري» عنه ﷺ قال: «مَا اغْبَرَّتْ/ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» [[أخرجه البخاري (6/ 35) كتاب «الجهاد والسير» باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله، وقول اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] (2811) ، والبيهقي (9/ 162) كتاب «السير» باب: فضل المشي في سبيل الله.]] انتهى.
والإثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي:
بمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ومَنًّا وفِدَاءً: مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ.
وقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها معناه: حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار: الأثقال ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ: [من المتقارب]
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورَا [[البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في «ديوانه» (71) ، «مشاهد الإنصاف» (1/ 251) ، «التهذيب» (13/ 244) (وزر) ، «اللسان» (وزر) ، و «البحر المحيط» (8/ 75) منسوبا لعمرو بن معدي كرب، وقال: أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشده الزمخشري للأعشى. ينظر: «الكشاف» (4/ 317) ، و «الدر المصون» (6/ 147) .]]
واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31354- 31355) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وذكره ابن كثير (4/ 173) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31353) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وابن كثير (4/ 183) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.]] ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 111) .]] : وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أنّك تفعله دائما.
وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي: بعذابٍ مِنْ عنده، ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ، وقرأ الجمهور: قاتلوا وقرأ عاصم بخلاف عنه: قتلوا- بفتح القاف والتاء-، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ: قُتِلُوا- بضم القاف وكسر التاء [[ينظر: «السبعة» (600) ، و «الحجة» (6/ 190) ، و «إعراب القراءات» (2/ 323) ، و «معاني القراءات» (2/ 385) ، و «شرح الطيبة» (6/ 7) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (666) ، و «شرح شعلة» (585) ، و «إتحاف» (2/ 475) .]] -، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين [[أخرجه الطبري (11/ 309) برقم: (31358- 31359) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.]] .
وقوله سبحانه: سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى طريقِ الجَنَّةِ.
ت: ذكر الشيخ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ أنَّ مَيْسَرَةَ الخادمَ قال: غزونا في بعض الغَزَوَاتِ، فإذا فتًى إلى جانِبي، وإذا هو مُقَنَّعٌ بالحديد، فَحَمَلَ على/ المَيْمَنَةِ، فَثَنَاها، ثُمَّ على المَيْسَرَةِ حتى ثَنَاهَا، وحَمَلَ عَلَى القَلْبِ حتى ثناه، ثم أنشأ يقول: [الرجز]
أَحْسِنْ بِمَوْلاَكَ سَعِيدُ ظَنَّا ... هَذا الَّذِي كُنْتَ لَهُ تمنى
تَنَحِّ يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا ... مَالَكِ قَاتَلْنَا وَلاَ قُتِلْنَا
لَكِنْ إلى سَيِّدِكُنَّ اشتقنا ... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا
قال: فحمل، فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى مَصَافِّهِ، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ، فإذا هو- رضي اللَّه تعالى عنه- قد حمل على الناس، وأنشأ يقول: [الرجز]
قَدْ كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ ... أَلاَّ يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالطَّلَبْ
يَا مَنْ مَلاَ تِلْكَ الْقُصُورَ باللُّعَبْ ... لَوْلاَكَ مَا طَابَتْ وَلا طَابَ الطَّرَبْ
ثم حَمَلَ- رضي اللَّه عنه- فقاتل، فَقَتَلَ منهم عَدَداً، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو فحَمَلَ- رضي اللَّه عنه- في المرة الثالثة، وأنشأ يقول: [الرجز]
يَا لُعْبَةَ الخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسمعي ... مَالَكِ قَاتَلْنَا فَكُفِّي وارجعي
ثُمَّ ارجعي إلَى الْجِنَانِ واسرعي ... لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي
فقاتل- رضي اللَّه عنه- حتى قُتِلَ،، انتهى من ابن عَبَّاد شارح «الحكم» .
وقوله تعالى: عَرَّفَها لَهُمْ قال أبو سعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وقتادة، ومجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 309- 310) برقم: (31360، 31362) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد بن حميد عن مجاهد، وقتادة.]] : معناه:
بَيَّنَهَا لهم، أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى قول النبيّ ﷺ:
«لأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّة أَعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ في الدّنْيَا» [[أخرجه البخاري (11/ 403) كتاب «الرقاق» باب: القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة، لأن فيها الثواب، وحواقّ الأمور، برقم: (6535) .]] قال القرطبيُّ في «التذكرة» : وعلى هذا القولِ أكثرُ المفسِّرين قال: وقيل: إنَّ هذا التعريفَ إلى المنازِلِ هو بالدليلِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِعَمَلِ العَبْدِ، يمشي بين يَدَيْهِ،، انتهى، وقالت فرقة: معناه: سَمَّاها لهم، ورَسَمَهَا كُلُّ منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف، وقالت فرقة: معناه/ شَرَّفَهَا لهم ورفعها وعلاَّها، وهذا من الأَعْرَافِ التي هي الجبال، ومنه أعرافُ الخَيْلِ، وقال مُؤَرِّجٌ وغيره:
معناه: طَيَّبَهَا مأخوذٌ من العَرْفِ، ومنه طَعَامٌ مُعَرَّفٌ، أي: مُطَيَّبٌ، وعَرَّفْتُ القِدْرَ: طَيَّبْتُها بالمِلْحِ والتَّابِلِ، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 70) .]] : «وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» البال: الفِكْرُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي: دينَ اللَّه يَنْصُرْكُمْ بخلق القوَّةِ لكم وغَيْرِ ذلك من المعاون، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أي: في مواطن الحَرْبِ، وقيل: على الصراط في القيامة.
وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ معناه: عِثَاراً وهَلاَكاً لهم، وهي لفظة تقالُ للعَاثِرِ، إذا أُرِيدَ به الشَّرُّ قال ابن السِّكِّيتِ: التَّعْسُ: أنْ يَخِرَّ على وجهه.
وقوله تعالى: كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يريد: القرآن فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 112) .]] : ولا خلافَ أَنَّ الكافر له حَفَظَةٌ يكتبون سَيِّئاتِهِ، واختلف الناسُ في حَسَنَاتِهِمْ، فقالت فرقة: هي مُلْغَاةٌ يثابُونَ عليها بِنِعَمِ الدنيا فقَطْ، وقالت فرقة: هي مُحْصَاةٌ من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أَنَّهُ قد يُسْلِمُ فينضافُ ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحدُ التأويلَيْنِ في قوله ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لك من خير» [[أخرجه البخاري (4/ 480) كتاب «البيوع» باب: شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه (2220) ، (5/ 200) كتاب «العتق» باب: عتق المشرك (2538) ، (3/ 354) كتاب «الزكاة» باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم (1436) ، (10/ 438) كتاب «الأدب» باب: من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم-- (5992) ، ومسلم (1/ 387- 388) - الأبي، كتاب «الإيمان» باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده (194/ 123) ، وأحمد (3/ 402، 434) ، والبيهقي (9/ 123) كتاب «السير» باب: ترك أخذ المشركين بما أصابوا، وابن حبان (2/ 37- 38) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر إطلاق اسم الخير على الأفعال الصالحة إذا كانت من غير المسلمين (329) ، والحميدي (1/ 253) (554) ، والطبراني في «الكبير» (3/ 210) (3076) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (10/ 453- 454) ، كتاب «الجامع» باب: حديث النبي ﷺ (19685) .]] .
محمد 47:5
وقوله سبحانه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ... الآية: قال أَكْثَرُ العلماءِ: إنَّ هذه الآية وآيةَ السَّيْفِ، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] مُحْكَمَتَانِ، فقوله هنا: فَضَرْبَ الرِّقابِ بمثابة قوله هنالك:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وصرَّح هنا بذكر المَنِّ والفداء، ولم يُصَرِّحْ به هنالك، فهذه مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وهذا هو القولُ القويُّ، وقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بمعنى الفِعْل، أي: فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد: اقتلوهم بأَيِّ وجه أَمكَنَ وفي «صحيح مسلم» عن النبيّ ﷺ قال: «لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أبدا» [[أخرجه مسلم (3/ 1505) كتاب «الإمارة» باب: من قتل كافرا ثم سدد، حديث (130/ 1891) ، وأحمد (2/ 397) ، والبيهقي (9/ 165) من حديث أبي هريرة.]] .
وفي «صحيح البخاري» عنه ﷺ قال: «مَا اغْبَرَّتْ/ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» [[أخرجه البخاري (6/ 35) كتاب «الجهاد والسير» باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله، وقول اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] (2811) ، والبيهقي (9/ 162) كتاب «السير» باب: فضل المشي في سبيل الله.]] انتهى.
والإثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي:
بمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ومَنًّا وفِدَاءً: مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ.
وقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها معناه: حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار: الأثقال ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ: [من المتقارب]
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورَا [[البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في «ديوانه» (71) ، «مشاهد الإنصاف» (1/ 251) ، «التهذيب» (13/ 244) (وزر) ، «اللسان» (وزر) ، و «البحر المحيط» (8/ 75) منسوبا لعمرو بن معدي كرب، وقال: أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشده الزمخشري للأعشى. ينظر: «الكشاف» (4/ 317) ، و «الدر المصون» (6/ 147) .]]
واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31354- 31355) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وذكره ابن كثير (4/ 173) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31353) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وابن كثير (4/ 183) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.]] ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 111) .]] : وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أنّك تفعله دائما.
وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي: بعذابٍ مِنْ عنده، ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ، وقرأ الجمهور: قاتلوا وقرأ عاصم بخلاف عنه: قتلوا- بفتح القاف والتاء-، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ: قُتِلُوا- بضم القاف وكسر التاء [[ينظر: «السبعة» (600) ، و «الحجة» (6/ 190) ، و «إعراب القراءات» (2/ 323) ، و «معاني القراءات» (2/ 385) ، و «شرح الطيبة» (6/ 7) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (666) ، و «شرح شعلة» (585) ، و «إتحاف» (2/ 475) .]] -، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين [[أخرجه الطبري (11/ 309) برقم: (31358- 31359) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.]] .
وقوله سبحانه: سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى طريقِ الجَنَّةِ.
ت: ذكر الشيخ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ أنَّ مَيْسَرَةَ الخادمَ قال: غزونا في بعض الغَزَوَاتِ، فإذا فتًى إلى جانِبي، وإذا هو مُقَنَّعٌ بالحديد، فَحَمَلَ على/ المَيْمَنَةِ، فَثَنَاها، ثُمَّ على المَيْسَرَةِ حتى ثَنَاهَا، وحَمَلَ عَلَى القَلْبِ حتى ثناه، ثم أنشأ يقول: [الرجز]
أَحْسِنْ بِمَوْلاَكَ سَعِيدُ ظَنَّا ... هَذا الَّذِي كُنْتَ لَهُ تمنى
تَنَحِّ يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا ... مَالَكِ قَاتَلْنَا وَلاَ قُتِلْنَا
لَكِنْ إلى سَيِّدِكُنَّ اشتقنا ... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا
قال: فحمل، فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى مَصَافِّهِ، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ، فإذا هو- رضي اللَّه تعالى عنه- قد حمل على الناس، وأنشأ يقول: [الرجز]
قَدْ كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ ... أَلاَّ يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالطَّلَبْ
يَا مَنْ مَلاَ تِلْكَ الْقُصُورَ باللُّعَبْ ... لَوْلاَكَ مَا طَابَتْ وَلا طَابَ الطَّرَبْ
ثم حَمَلَ- رضي اللَّه عنه- فقاتل، فَقَتَلَ منهم عَدَداً، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو فحَمَلَ- رضي اللَّه عنه- في المرة الثالثة، وأنشأ يقول: [الرجز]
يَا لُعْبَةَ الخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسمعي ... مَالَكِ قَاتَلْنَا فَكُفِّي وارجعي
ثُمَّ ارجعي إلَى الْجِنَانِ واسرعي ... لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي
فقاتل- رضي اللَّه عنه- حتى قُتِلَ،، انتهى من ابن عَبَّاد شارح «الحكم» .
وقوله تعالى: عَرَّفَها لَهُمْ قال أبو سعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وقتادة، ومجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 309- 310) برقم: (31360، 31362) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد بن حميد عن مجاهد، وقتادة.]] : معناه:
بَيَّنَهَا لهم، أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى قول النبيّ ﷺ:
«لأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّة أَعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ في الدّنْيَا» [[أخرجه البخاري (11/ 403) كتاب «الرقاق» باب: القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة، لأن فيها الثواب، وحواقّ الأمور، برقم: (6535) .]] قال القرطبيُّ في «التذكرة» : وعلى هذا القولِ أكثرُ المفسِّرين قال: وقيل: إنَّ هذا التعريفَ إلى المنازِلِ هو بالدليلِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِعَمَلِ العَبْدِ، يمشي بين يَدَيْهِ،، انتهى، وقالت فرقة: معناه: سَمَّاها لهم، ورَسَمَهَا كُلُّ منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف، وقالت فرقة: معناه/ شَرَّفَهَا لهم ورفعها وعلاَّها، وهذا من الأَعْرَافِ التي هي الجبال، ومنه أعرافُ الخَيْلِ، وقال مُؤَرِّجٌ وغيره:
معناه: طَيَّبَهَا مأخوذٌ من العَرْفِ، ومنه طَعَامٌ مُعَرَّفٌ، أي: مُطَيَّبٌ، وعَرَّفْتُ القِدْرَ: طَيَّبْتُها بالمِلْحِ والتَّابِلِ، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 70) .]] : «وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» البال: الفِكْرُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي: دينَ اللَّه يَنْصُرْكُمْ بخلق القوَّةِ لكم وغَيْرِ ذلك من المعاون، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أي: في مواطن الحَرْبِ، وقيل: على الصراط في القيامة.
وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ معناه: عِثَاراً وهَلاَكاً لهم، وهي لفظة تقالُ للعَاثِرِ، إذا أُرِيدَ به الشَّرُّ قال ابن السِّكِّيتِ: التَّعْسُ: أنْ يَخِرَّ على وجهه.
وقوله تعالى: كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يريد: القرآن فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 112) .]] : ولا خلافَ أَنَّ الكافر له حَفَظَةٌ يكتبون سَيِّئاتِهِ، واختلف الناسُ في حَسَنَاتِهِمْ، فقالت فرقة: هي مُلْغَاةٌ يثابُونَ عليها بِنِعَمِ الدنيا فقَطْ، وقالت فرقة: هي مُحْصَاةٌ من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أَنَّهُ قد يُسْلِمُ فينضافُ ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحدُ التأويلَيْنِ في قوله ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لك من خير» [[أخرجه البخاري (4/ 480) كتاب «البيوع» باب: شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه (2220) ، (5/ 200) كتاب «العتق» باب: عتق المشرك (2538) ، (3/ 354) كتاب «الزكاة» باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم (1436) ، (10/ 438) كتاب «الأدب» باب: من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم-- (5992) ، ومسلم (1/ 387- 388) - الأبي، كتاب «الإيمان» باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده (194/ 123) ، وأحمد (3/ 402، 434) ، والبيهقي (9/ 123) كتاب «السير» باب: ترك أخذ المشركين بما أصابوا، وابن حبان (2/ 37- 38) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر إطلاق اسم الخير على الأفعال الصالحة إذا كانت من غير المسلمين (329) ، والحميدي (1/ 253) (554) ، والطبراني في «الكبير» (3/ 210) (3076) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (10/ 453- 454) ، كتاب «الجامع» باب: حديث النبي ﷺ (19685) .]] .
محمد 47:6
وقوله سبحانه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ... الآية: قال أَكْثَرُ العلماءِ: إنَّ هذه الآية وآيةَ السَّيْفِ، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] مُحْكَمَتَانِ، فقوله هنا: فَضَرْبَ الرِّقابِ بمثابة قوله هنالك:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وصرَّح هنا بذكر المَنِّ والفداء، ولم يُصَرِّحْ به هنالك، فهذه مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وهذا هو القولُ القويُّ، وقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بمعنى الفِعْل، أي: فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد: اقتلوهم بأَيِّ وجه أَمكَنَ وفي «صحيح مسلم» عن النبيّ ﷺ قال: «لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أبدا» [[أخرجه مسلم (3/ 1505) كتاب «الإمارة» باب: من قتل كافرا ثم سدد، حديث (130/ 1891) ، وأحمد (2/ 397) ، والبيهقي (9/ 165) من حديث أبي هريرة.]] .
وفي «صحيح البخاري» عنه ﷺ قال: «مَا اغْبَرَّتْ/ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» [[أخرجه البخاري (6/ 35) كتاب «الجهاد والسير» باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله، وقول اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] (2811) ، والبيهقي (9/ 162) كتاب «السير» باب: فضل المشي في سبيل الله.]] انتهى.
والإثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي:
بمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ومَنًّا وفِدَاءً: مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ.
وقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها معناه: حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار: الأثقال ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ: [من المتقارب]
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورَا [[البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في «ديوانه» (71) ، «مشاهد الإنصاف» (1/ 251) ، «التهذيب» (13/ 244) (وزر) ، «اللسان» (وزر) ، و «البحر المحيط» (8/ 75) منسوبا لعمرو بن معدي كرب، وقال: أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشده الزمخشري للأعشى. ينظر: «الكشاف» (4/ 317) ، و «الدر المصون» (6/ 147) .]]
واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31354- 31355) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وذكره ابن كثير (4/ 173) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31353) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وابن كثير (4/ 183) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.]] ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 111) .]] : وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أنّك تفعله دائما.
وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي: بعذابٍ مِنْ عنده، ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ، وقرأ الجمهور: قاتلوا وقرأ عاصم بخلاف عنه: قتلوا- بفتح القاف والتاء-، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ: قُتِلُوا- بضم القاف وكسر التاء [[ينظر: «السبعة» (600) ، و «الحجة» (6/ 190) ، و «إعراب القراءات» (2/ 323) ، و «معاني القراءات» (2/ 385) ، و «شرح الطيبة» (6/ 7) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (666) ، و «شرح شعلة» (585) ، و «إتحاف» (2/ 475) .]] -، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين [[أخرجه الطبري (11/ 309) برقم: (31358- 31359) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.]] .
وقوله سبحانه: سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى طريقِ الجَنَّةِ.
ت: ذكر الشيخ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ أنَّ مَيْسَرَةَ الخادمَ قال: غزونا في بعض الغَزَوَاتِ، فإذا فتًى إلى جانِبي، وإذا هو مُقَنَّعٌ بالحديد، فَحَمَلَ على/ المَيْمَنَةِ، فَثَنَاها، ثُمَّ على المَيْسَرَةِ حتى ثَنَاهَا، وحَمَلَ عَلَى القَلْبِ حتى ثناه، ثم أنشأ يقول: [الرجز]
أَحْسِنْ بِمَوْلاَكَ سَعِيدُ ظَنَّا ... هَذا الَّذِي كُنْتَ لَهُ تمنى
تَنَحِّ يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا ... مَالَكِ قَاتَلْنَا وَلاَ قُتِلْنَا
لَكِنْ إلى سَيِّدِكُنَّ اشتقنا ... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا
قال: فحمل، فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى مَصَافِّهِ، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ، فإذا هو- رضي اللَّه تعالى عنه- قد حمل على الناس، وأنشأ يقول: [الرجز]
قَدْ كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ ... أَلاَّ يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالطَّلَبْ
يَا مَنْ مَلاَ تِلْكَ الْقُصُورَ باللُّعَبْ ... لَوْلاَكَ مَا طَابَتْ وَلا طَابَ الطَّرَبْ
ثم حَمَلَ- رضي اللَّه عنه- فقاتل، فَقَتَلَ منهم عَدَداً، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو فحَمَلَ- رضي اللَّه عنه- في المرة الثالثة، وأنشأ يقول: [الرجز]
يَا لُعْبَةَ الخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسمعي ... مَالَكِ قَاتَلْنَا فَكُفِّي وارجعي
ثُمَّ ارجعي إلَى الْجِنَانِ واسرعي ... لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي
فقاتل- رضي اللَّه عنه- حتى قُتِلَ،، انتهى من ابن عَبَّاد شارح «الحكم» .
وقوله تعالى: عَرَّفَها لَهُمْ قال أبو سعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وقتادة، ومجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 309- 310) برقم: (31360، 31362) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد بن حميد عن مجاهد، وقتادة.]] : معناه:
بَيَّنَهَا لهم، أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى قول النبيّ ﷺ:
«لأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّة أَعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ في الدّنْيَا» [[أخرجه البخاري (11/ 403) كتاب «الرقاق» باب: القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة، لأن فيها الثواب، وحواقّ الأمور، برقم: (6535) .]] قال القرطبيُّ في «التذكرة» : وعلى هذا القولِ أكثرُ المفسِّرين قال: وقيل: إنَّ هذا التعريفَ إلى المنازِلِ هو بالدليلِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِعَمَلِ العَبْدِ، يمشي بين يَدَيْهِ،، انتهى، وقالت فرقة: معناه: سَمَّاها لهم، ورَسَمَهَا كُلُّ منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف، وقالت فرقة: معناه/ شَرَّفَهَا لهم ورفعها وعلاَّها، وهذا من الأَعْرَافِ التي هي الجبال، ومنه أعرافُ الخَيْلِ، وقال مُؤَرِّجٌ وغيره:
معناه: طَيَّبَهَا مأخوذٌ من العَرْفِ، ومنه طَعَامٌ مُعَرَّفٌ، أي: مُطَيَّبٌ، وعَرَّفْتُ القِدْرَ: طَيَّبْتُها بالمِلْحِ والتَّابِلِ، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 70) .]] : «وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» البال: الفِكْرُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي: دينَ اللَّه يَنْصُرْكُمْ بخلق القوَّةِ لكم وغَيْرِ ذلك من المعاون، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أي: في مواطن الحَرْبِ، وقيل: على الصراط في القيامة.
وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ معناه: عِثَاراً وهَلاَكاً لهم، وهي لفظة تقالُ للعَاثِرِ، إذا أُرِيدَ به الشَّرُّ قال ابن السِّكِّيتِ: التَّعْسُ: أنْ يَخِرَّ على وجهه.
وقوله تعالى: كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يريد: القرآن فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 112) .]] : ولا خلافَ أَنَّ الكافر له حَفَظَةٌ يكتبون سَيِّئاتِهِ، واختلف الناسُ في حَسَنَاتِهِمْ، فقالت فرقة: هي مُلْغَاةٌ يثابُونَ عليها بِنِعَمِ الدنيا فقَطْ، وقالت فرقة: هي مُحْصَاةٌ من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أَنَّهُ قد يُسْلِمُ فينضافُ ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحدُ التأويلَيْنِ في قوله ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لك من خير» [[أخرجه البخاري (4/ 480) كتاب «البيوع» باب: شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه (2220) ، (5/ 200) كتاب «العتق» باب: عتق المشرك (2538) ، (3/ 354) كتاب «الزكاة» باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم (1436) ، (10/ 438) كتاب «الأدب» باب: من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم-- (5992) ، ومسلم (1/ 387- 388) - الأبي، كتاب «الإيمان» باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده (194/ 123) ، وأحمد (3/ 402، 434) ، والبيهقي (9/ 123) كتاب «السير» باب: ترك أخذ المشركين بما أصابوا، وابن حبان (2/ 37- 38) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر إطلاق اسم الخير على الأفعال الصالحة إذا كانت من غير المسلمين (329) ، والحميدي (1/ 253) (554) ، والطبراني في «الكبير» (3/ 210) (3076) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (10/ 453- 454) ، كتاب «الجامع» باب: حديث النبي ﷺ (19685) .]] .
محمد 47:7
وقوله سبحانه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ... الآية: قال أَكْثَرُ العلماءِ: إنَّ هذه الآية وآيةَ السَّيْفِ، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] مُحْكَمَتَانِ، فقوله هنا: فَضَرْبَ الرِّقابِ بمثابة قوله هنالك:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وصرَّح هنا بذكر المَنِّ والفداء، ولم يُصَرِّحْ به هنالك، فهذه مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وهذا هو القولُ القويُّ، وقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بمعنى الفِعْل، أي: فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد: اقتلوهم بأَيِّ وجه أَمكَنَ وفي «صحيح مسلم» عن النبيّ ﷺ قال: «لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أبدا» [[أخرجه مسلم (3/ 1505) كتاب «الإمارة» باب: من قتل كافرا ثم سدد، حديث (130/ 1891) ، وأحمد (2/ 397) ، والبيهقي (9/ 165) من حديث أبي هريرة.]] .
وفي «صحيح البخاري» عنه ﷺ قال: «مَا اغْبَرَّتْ/ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» [[أخرجه البخاري (6/ 35) كتاب «الجهاد والسير» باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله، وقول اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] (2811) ، والبيهقي (9/ 162) كتاب «السير» باب: فضل المشي في سبيل الله.]] انتهى.
والإثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي:
بمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ومَنًّا وفِدَاءً: مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ.
وقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها معناه: حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار: الأثقال ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ: [من المتقارب]
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورَا [[البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في «ديوانه» (71) ، «مشاهد الإنصاف» (1/ 251) ، «التهذيب» (13/ 244) (وزر) ، «اللسان» (وزر) ، و «البحر المحيط» (8/ 75) منسوبا لعمرو بن معدي كرب، وقال: أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشده الزمخشري للأعشى. ينظر: «الكشاف» (4/ 317) ، و «الدر المصون» (6/ 147) .]]
واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31354- 31355) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وذكره ابن كثير (4/ 173) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31353) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وابن كثير (4/ 183) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.]] ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 111) .]] : وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أنّك تفعله دائما.
وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي: بعذابٍ مِنْ عنده، ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ، وقرأ الجمهور: قاتلوا وقرأ عاصم بخلاف عنه: قتلوا- بفتح القاف والتاء-، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ: قُتِلُوا- بضم القاف وكسر التاء [[ينظر: «السبعة» (600) ، و «الحجة» (6/ 190) ، و «إعراب القراءات» (2/ 323) ، و «معاني القراءات» (2/ 385) ، و «شرح الطيبة» (6/ 7) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (666) ، و «شرح شعلة» (585) ، و «إتحاف» (2/ 475) .]] -، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين [[أخرجه الطبري (11/ 309) برقم: (31358- 31359) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.]] .
وقوله سبحانه: سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى طريقِ الجَنَّةِ.
ت: ذكر الشيخ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ أنَّ مَيْسَرَةَ الخادمَ قال: غزونا في بعض الغَزَوَاتِ، فإذا فتًى إلى جانِبي، وإذا هو مُقَنَّعٌ بالحديد، فَحَمَلَ على/ المَيْمَنَةِ، فَثَنَاها، ثُمَّ على المَيْسَرَةِ حتى ثَنَاهَا، وحَمَلَ عَلَى القَلْبِ حتى ثناه، ثم أنشأ يقول: [الرجز]
أَحْسِنْ بِمَوْلاَكَ سَعِيدُ ظَنَّا ... هَذا الَّذِي كُنْتَ لَهُ تمنى
تَنَحِّ يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا ... مَالَكِ قَاتَلْنَا وَلاَ قُتِلْنَا
لَكِنْ إلى سَيِّدِكُنَّ اشتقنا ... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا
قال: فحمل، فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى مَصَافِّهِ، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ، فإذا هو- رضي اللَّه تعالى عنه- قد حمل على الناس، وأنشأ يقول: [الرجز]
قَدْ كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ ... أَلاَّ يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالطَّلَبْ
يَا مَنْ مَلاَ تِلْكَ الْقُصُورَ باللُّعَبْ ... لَوْلاَكَ مَا طَابَتْ وَلا طَابَ الطَّرَبْ
ثم حَمَلَ- رضي اللَّه عنه- فقاتل، فَقَتَلَ منهم عَدَداً، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو فحَمَلَ- رضي اللَّه عنه- في المرة الثالثة، وأنشأ يقول: [الرجز]
يَا لُعْبَةَ الخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسمعي ... مَالَكِ قَاتَلْنَا فَكُفِّي وارجعي
ثُمَّ ارجعي إلَى الْجِنَانِ واسرعي ... لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي
فقاتل- رضي اللَّه عنه- حتى قُتِلَ،، انتهى من ابن عَبَّاد شارح «الحكم» .
وقوله تعالى: عَرَّفَها لَهُمْ قال أبو سعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وقتادة، ومجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 309- 310) برقم: (31360، 31362) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد بن حميد عن مجاهد، وقتادة.]] : معناه:
بَيَّنَهَا لهم، أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى قول النبيّ ﷺ:
«لأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّة أَعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ في الدّنْيَا» [[أخرجه البخاري (11/ 403) كتاب «الرقاق» باب: القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة، لأن فيها الثواب، وحواقّ الأمور، برقم: (6535) .]] قال القرطبيُّ في «التذكرة» : وعلى هذا القولِ أكثرُ المفسِّرين قال: وقيل: إنَّ هذا التعريفَ إلى المنازِلِ هو بالدليلِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِعَمَلِ العَبْدِ، يمشي بين يَدَيْهِ،، انتهى، وقالت فرقة: معناه: سَمَّاها لهم، ورَسَمَهَا كُلُّ منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف، وقالت فرقة: معناه/ شَرَّفَهَا لهم ورفعها وعلاَّها، وهذا من الأَعْرَافِ التي هي الجبال، ومنه أعرافُ الخَيْلِ، وقال مُؤَرِّجٌ وغيره:
معناه: طَيَّبَهَا مأخوذٌ من العَرْفِ، ومنه طَعَامٌ مُعَرَّفٌ، أي: مُطَيَّبٌ، وعَرَّفْتُ القِدْرَ: طَيَّبْتُها بالمِلْحِ والتَّابِلِ، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 70) .]] : «وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» البال: الفِكْرُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي: دينَ اللَّه يَنْصُرْكُمْ بخلق القوَّةِ لكم وغَيْرِ ذلك من المعاون، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أي: في مواطن الحَرْبِ، وقيل: على الصراط في القيامة.
وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ معناه: عِثَاراً وهَلاَكاً لهم، وهي لفظة تقالُ للعَاثِرِ، إذا أُرِيدَ به الشَّرُّ قال ابن السِّكِّيتِ: التَّعْسُ: أنْ يَخِرَّ على وجهه.
وقوله تعالى: كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يريد: القرآن فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 112) .]] : ولا خلافَ أَنَّ الكافر له حَفَظَةٌ يكتبون سَيِّئاتِهِ، واختلف الناسُ في حَسَنَاتِهِمْ، فقالت فرقة: هي مُلْغَاةٌ يثابُونَ عليها بِنِعَمِ الدنيا فقَطْ، وقالت فرقة: هي مُحْصَاةٌ من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أَنَّهُ قد يُسْلِمُ فينضافُ ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحدُ التأويلَيْنِ في قوله ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لك من خير» [[أخرجه البخاري (4/ 480) كتاب «البيوع» باب: شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه (2220) ، (5/ 200) كتاب «العتق» باب: عتق المشرك (2538) ، (3/ 354) كتاب «الزكاة» باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم (1436) ، (10/ 438) كتاب «الأدب» باب: من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم-- (5992) ، ومسلم (1/ 387- 388) - الأبي، كتاب «الإيمان» باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده (194/ 123) ، وأحمد (3/ 402، 434) ، والبيهقي (9/ 123) كتاب «السير» باب: ترك أخذ المشركين بما أصابوا، وابن حبان (2/ 37- 38) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر إطلاق اسم الخير على الأفعال الصالحة إذا كانت من غير المسلمين (329) ، والحميدي (1/ 253) (554) ، والطبراني في «الكبير» (3/ 210) (3076) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (10/ 453- 454) ، كتاب «الجامع» باب: حديث النبي ﷺ (19685) .]] .
محمد 47:8
وقوله سبحانه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ... الآية: قال أَكْثَرُ العلماءِ: إنَّ هذه الآية وآيةَ السَّيْفِ، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] مُحْكَمَتَانِ، فقوله هنا: فَضَرْبَ الرِّقابِ بمثابة قوله هنالك:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وصرَّح هنا بذكر المَنِّ والفداء، ولم يُصَرِّحْ به هنالك، فهذه مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وهذا هو القولُ القويُّ، وقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بمعنى الفِعْل، أي: فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد: اقتلوهم بأَيِّ وجه أَمكَنَ وفي «صحيح مسلم» عن النبيّ ﷺ قال: «لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أبدا» [[أخرجه مسلم (3/ 1505) كتاب «الإمارة» باب: من قتل كافرا ثم سدد، حديث (130/ 1891) ، وأحمد (2/ 397) ، والبيهقي (9/ 165) من حديث أبي هريرة.]] .
وفي «صحيح البخاري» عنه ﷺ قال: «مَا اغْبَرَّتْ/ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» [[أخرجه البخاري (6/ 35) كتاب «الجهاد والسير» باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله، وقول اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] (2811) ، والبيهقي (9/ 162) كتاب «السير» باب: فضل المشي في سبيل الله.]] انتهى.
والإثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي:
بمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ومَنًّا وفِدَاءً: مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ.
وقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها معناه: حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار: الأثقال ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ: [من المتقارب]
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورَا [[البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في «ديوانه» (71) ، «مشاهد الإنصاف» (1/ 251) ، «التهذيب» (13/ 244) (وزر) ، «اللسان» (وزر) ، و «البحر المحيط» (8/ 75) منسوبا لعمرو بن معدي كرب، وقال: أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشده الزمخشري للأعشى. ينظر: «الكشاف» (4/ 317) ، و «الدر المصون» (6/ 147) .]]
واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31354- 31355) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وذكره ابن كثير (4/ 173) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31353) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وابن كثير (4/ 183) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.]] ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 111) .]] : وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أنّك تفعله دائما.
وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي: بعذابٍ مِنْ عنده، ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ، وقرأ الجمهور: قاتلوا وقرأ عاصم بخلاف عنه: قتلوا- بفتح القاف والتاء-، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ: قُتِلُوا- بضم القاف وكسر التاء [[ينظر: «السبعة» (600) ، و «الحجة» (6/ 190) ، و «إعراب القراءات» (2/ 323) ، و «معاني القراءات» (2/ 385) ، و «شرح الطيبة» (6/ 7) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (666) ، و «شرح شعلة» (585) ، و «إتحاف» (2/ 475) .]] -، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين [[أخرجه الطبري (11/ 309) برقم: (31358- 31359) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.]] .
وقوله سبحانه: سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى طريقِ الجَنَّةِ.
ت: ذكر الشيخ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ أنَّ مَيْسَرَةَ الخادمَ قال: غزونا في بعض الغَزَوَاتِ، فإذا فتًى إلى جانِبي، وإذا هو مُقَنَّعٌ بالحديد، فَحَمَلَ على/ المَيْمَنَةِ، فَثَنَاها، ثُمَّ على المَيْسَرَةِ حتى ثَنَاهَا، وحَمَلَ عَلَى القَلْبِ حتى ثناه، ثم أنشأ يقول: [الرجز]
أَحْسِنْ بِمَوْلاَكَ سَعِيدُ ظَنَّا ... هَذا الَّذِي كُنْتَ لَهُ تمنى
تَنَحِّ يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا ... مَالَكِ قَاتَلْنَا وَلاَ قُتِلْنَا
لَكِنْ إلى سَيِّدِكُنَّ اشتقنا ... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا
قال: فحمل، فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى مَصَافِّهِ، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ، فإذا هو- رضي اللَّه تعالى عنه- قد حمل على الناس، وأنشأ يقول: [الرجز]
قَدْ كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ ... أَلاَّ يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالطَّلَبْ
يَا مَنْ مَلاَ تِلْكَ الْقُصُورَ باللُّعَبْ ... لَوْلاَكَ مَا طَابَتْ وَلا طَابَ الطَّرَبْ
ثم حَمَلَ- رضي اللَّه عنه- فقاتل، فَقَتَلَ منهم عَدَداً، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو فحَمَلَ- رضي اللَّه عنه- في المرة الثالثة، وأنشأ يقول: [الرجز]
يَا لُعْبَةَ الخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسمعي ... مَالَكِ قَاتَلْنَا فَكُفِّي وارجعي
ثُمَّ ارجعي إلَى الْجِنَانِ واسرعي ... لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي
فقاتل- رضي اللَّه عنه- حتى قُتِلَ،، انتهى من ابن عَبَّاد شارح «الحكم» .
وقوله تعالى: عَرَّفَها لَهُمْ قال أبو سعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وقتادة، ومجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 309- 310) برقم: (31360، 31362) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد بن حميد عن مجاهد، وقتادة.]] : معناه:
بَيَّنَهَا لهم، أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى قول النبيّ ﷺ:
«لأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّة أَعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ في الدّنْيَا» [[أخرجه البخاري (11/ 403) كتاب «الرقاق» باب: القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة، لأن فيها الثواب، وحواقّ الأمور، برقم: (6535) .]] قال القرطبيُّ في «التذكرة» : وعلى هذا القولِ أكثرُ المفسِّرين قال: وقيل: إنَّ هذا التعريفَ إلى المنازِلِ هو بالدليلِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِعَمَلِ العَبْدِ، يمشي بين يَدَيْهِ،، انتهى، وقالت فرقة: معناه: سَمَّاها لهم، ورَسَمَهَا كُلُّ منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف، وقالت فرقة: معناه/ شَرَّفَهَا لهم ورفعها وعلاَّها، وهذا من الأَعْرَافِ التي هي الجبال، ومنه أعرافُ الخَيْلِ، وقال مُؤَرِّجٌ وغيره:
معناه: طَيَّبَهَا مأخوذٌ من العَرْفِ، ومنه طَعَامٌ مُعَرَّفٌ، أي: مُطَيَّبٌ، وعَرَّفْتُ القِدْرَ: طَيَّبْتُها بالمِلْحِ والتَّابِلِ، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 70) .]] : «وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» البال: الفِكْرُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي: دينَ اللَّه يَنْصُرْكُمْ بخلق القوَّةِ لكم وغَيْرِ ذلك من المعاون، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أي: في مواطن الحَرْبِ، وقيل: على الصراط في القيامة.
وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ معناه: عِثَاراً وهَلاَكاً لهم، وهي لفظة تقالُ للعَاثِرِ، إذا أُرِيدَ به الشَّرُّ قال ابن السِّكِّيتِ: التَّعْسُ: أنْ يَخِرَّ على وجهه.
وقوله تعالى: كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يريد: القرآن فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 112) .]] : ولا خلافَ أَنَّ الكافر له حَفَظَةٌ يكتبون سَيِّئاتِهِ، واختلف الناسُ في حَسَنَاتِهِمْ، فقالت فرقة: هي مُلْغَاةٌ يثابُونَ عليها بِنِعَمِ الدنيا فقَطْ، وقالت فرقة: هي مُحْصَاةٌ من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أَنَّهُ قد يُسْلِمُ فينضافُ ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحدُ التأويلَيْنِ في قوله ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لك من خير» [[أخرجه البخاري (4/ 480) كتاب «البيوع» باب: شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه (2220) ، (5/ 200) كتاب «العتق» باب: عتق المشرك (2538) ، (3/ 354) كتاب «الزكاة» باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم (1436) ، (10/ 438) كتاب «الأدب» باب: من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم-- (5992) ، ومسلم (1/ 387- 388) - الأبي، كتاب «الإيمان» باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده (194/ 123) ، وأحمد (3/ 402، 434) ، والبيهقي (9/ 123) كتاب «السير» باب: ترك أخذ المشركين بما أصابوا، وابن حبان (2/ 37- 38) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر إطلاق اسم الخير على الأفعال الصالحة إذا كانت من غير المسلمين (329) ، والحميدي (1/ 253) (554) ، والطبراني في «الكبير» (3/ 210) (3076) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (10/ 453- 454) ، كتاب «الجامع» باب: حديث النبي ﷺ (19685) .]] .
محمد 47:9
وقوله سبحانه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ... الآية: قال أَكْثَرُ العلماءِ: إنَّ هذه الآية وآيةَ السَّيْفِ، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] مُحْكَمَتَانِ، فقوله هنا: فَضَرْبَ الرِّقابِ بمثابة قوله هنالك:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وصرَّح هنا بذكر المَنِّ والفداء، ولم يُصَرِّحْ به هنالك، فهذه مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وهذا هو القولُ القويُّ، وقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بمعنى الفِعْل، أي: فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد: اقتلوهم بأَيِّ وجه أَمكَنَ وفي «صحيح مسلم» عن النبيّ ﷺ قال: «لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أبدا» [[أخرجه مسلم (3/ 1505) كتاب «الإمارة» باب: من قتل كافرا ثم سدد، حديث (130/ 1891) ، وأحمد (2/ 397) ، والبيهقي (9/ 165) من حديث أبي هريرة.]] .
وفي «صحيح البخاري» عنه ﷺ قال: «مَا اغْبَرَّتْ/ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» [[أخرجه البخاري (6/ 35) كتاب «الجهاد والسير» باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله، وقول اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] (2811) ، والبيهقي (9/ 162) كتاب «السير» باب: فضل المشي في سبيل الله.]] انتهى.
والإثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي:
بمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ومَنًّا وفِدَاءً: مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ.
وقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها معناه: حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار: الأثقال ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ: [من المتقارب]
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورَا [[البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في «ديوانه» (71) ، «مشاهد الإنصاف» (1/ 251) ، «التهذيب» (13/ 244) (وزر) ، «اللسان» (وزر) ، و «البحر المحيط» (8/ 75) منسوبا لعمرو بن معدي كرب، وقال: أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشده الزمخشري للأعشى. ينظر: «الكشاف» (4/ 317) ، و «الدر المصون» (6/ 147) .]]
واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31354- 31355) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وذكره ابن كثير (4/ 173) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ [[أخرجه الطبري (11/ 308) برقم: (31353) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، وابن كثير (4/ 183) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 21) ، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.]] ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 111) .]] : وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أنّك تفعله دائما.
وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي: بعذابٍ مِنْ عنده، ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ، وقرأ الجمهور: قاتلوا وقرأ عاصم بخلاف عنه: قتلوا- بفتح القاف والتاء-، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ: قُتِلُوا- بضم القاف وكسر التاء [[ينظر: «السبعة» (600) ، و «الحجة» (6/ 190) ، و «إعراب القراءات» (2/ 323) ، و «معاني القراءات» (2/ 385) ، و «شرح الطيبة» (6/ 7) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (666) ، و «شرح شعلة» (585) ، و «إتحاف» (2/ 475) .]] -، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين [[أخرجه الطبري (11/ 309) برقم: (31358- 31359) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.]] .
وقوله سبحانه: سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى طريقِ الجَنَّةِ.
ت: ذكر الشيخ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ أنَّ مَيْسَرَةَ الخادمَ قال: غزونا في بعض الغَزَوَاتِ، فإذا فتًى إلى جانِبي، وإذا هو مُقَنَّعٌ بالحديد، فَحَمَلَ على/ المَيْمَنَةِ، فَثَنَاها، ثُمَّ على المَيْسَرَةِ حتى ثَنَاهَا، وحَمَلَ عَلَى القَلْبِ حتى ثناه، ثم أنشأ يقول: [الرجز]
أَحْسِنْ بِمَوْلاَكَ سَعِيدُ ظَنَّا ... هَذا الَّذِي كُنْتَ لَهُ تمنى
تَنَحِّ يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا ... مَالَكِ قَاتَلْنَا وَلاَ قُتِلْنَا
لَكِنْ إلى سَيِّدِكُنَّ اشتقنا ... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا
قال: فحمل، فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى مَصَافِّهِ، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ، فإذا هو- رضي اللَّه تعالى عنه- قد حمل على الناس، وأنشأ يقول: [الرجز]
قَدْ كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ ... أَلاَّ يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالطَّلَبْ
يَا مَنْ مَلاَ تِلْكَ الْقُصُورَ باللُّعَبْ ... لَوْلاَكَ مَا طَابَتْ وَلا طَابَ الطَّرَبْ
ثم حَمَلَ- رضي اللَّه عنه- فقاتل، فَقَتَلَ منهم عَدَداً، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو فحَمَلَ- رضي اللَّه عنه- في المرة الثالثة، وأنشأ يقول: [الرجز]
يَا لُعْبَةَ الخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسمعي ... مَالَكِ قَاتَلْنَا فَكُفِّي وارجعي
ثُمَّ ارجعي إلَى الْجِنَانِ واسرعي ... لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي
فقاتل- رضي اللَّه عنه- حتى قُتِلَ،، انتهى من ابن عَبَّاد شارح «الحكم» .
وقوله تعالى: عَرَّفَها لَهُمْ قال أبو سعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وقتادة، ومجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 309- 310) برقم: (31360، 31362) ، وذكره ابن عطية (5/ 111) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 23) ، وعزاه إلى عبد بن حميد عن مجاهد، وقتادة.]] : معناه:
بَيَّنَهَا لهم، أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى قول النبيّ ﷺ:
«لأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّة أَعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ في الدّنْيَا» [[أخرجه البخاري (11/ 403) كتاب «الرقاق» باب: القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة، لأن فيها الثواب، وحواقّ الأمور، برقم: (6535) .]] قال القرطبيُّ في «التذكرة» : وعلى هذا القولِ أكثرُ المفسِّرين قال: وقيل: إنَّ هذا التعريفَ إلى المنازِلِ هو بالدليلِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِعَمَلِ العَبْدِ، يمشي بين يَدَيْهِ،، انتهى، وقالت فرقة: معناه: سَمَّاها لهم، ورَسَمَهَا كُلُّ منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف، وقالت فرقة: معناه/ شَرَّفَهَا لهم ورفعها وعلاَّها، وهذا من الأَعْرَافِ التي هي الجبال، ومنه أعرافُ الخَيْلِ، وقال مُؤَرِّجٌ وغيره:
معناه: طَيَّبَهَا مأخوذٌ من العَرْفِ، ومنه طَعَامٌ مُعَرَّفٌ، أي: مُطَيَّبٌ، وعَرَّفْتُ القِدْرَ: طَيَّبْتُها بالمِلْحِ والتَّابِلِ، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 70) .]] : «وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» البال: الفِكْرُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي: دينَ اللَّه يَنْصُرْكُمْ بخلق القوَّةِ لكم وغَيْرِ ذلك من المعاون، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أي: في مواطن الحَرْبِ، وقيل: على الصراط في القيامة.
وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ معناه: عِثَاراً وهَلاَكاً لهم، وهي لفظة تقالُ للعَاثِرِ، إذا أُرِيدَ به الشَّرُّ قال ابن السِّكِّيتِ: التَّعْسُ: أنْ يَخِرَّ على وجهه.
وقوله تعالى: كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يريد: القرآن فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 112) .]] : ولا خلافَ أَنَّ الكافر له حَفَظَةٌ يكتبون سَيِّئاتِهِ، واختلف الناسُ في حَسَنَاتِهِمْ، فقالت فرقة: هي مُلْغَاةٌ يثابُونَ عليها بِنِعَمِ الدنيا فقَطْ، وقالت فرقة: هي مُحْصَاةٌ من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أَنَّهُ قد يُسْلِمُ فينضافُ ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحدُ التأويلَيْنِ في قوله ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لك من خير» [[أخرجه البخاري (4/ 480) كتاب «البيوع» باب: شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه (2220) ، (5/ 200) كتاب «العتق» باب: عتق المشرك (2538) ، (3/ 354) كتاب «الزكاة» باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم (1436) ، (10/ 438) كتاب «الأدب» باب: من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم-- (5992) ، ومسلم (1/ 387- 388) - الأبي، كتاب «الإيمان» باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده (194/ 123) ، وأحمد (3/ 402، 434) ، والبيهقي (9/ 123) كتاب «السير» باب: ترك أخذ المشركين بما أصابوا، وابن حبان (2/ 37- 38) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر إطلاق اسم الخير على الأفعال الصالحة إذا كانت من غير المسلمين (329) ، والحميدي (1/ 253) (554) ، والطبراني في «الكبير» (3/ 210) (3076) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (10/ 453- 454) ، كتاب «الجامع» باب: حديث النبي ﷺ (19685) .]] .
محمد 47:10
وقوله عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ: توقيف لقريش، وتوبيخٌ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريدُ: ثمودَ وقَوْمَ شُعَيْبٍ وغيرهم، والدمار: الإفساد، وهَدْمُ البناء، وإذهابُ العُمْرَانِ، والضميرُ في قوله: أَمْثالُها يَصِحُّ أَنْ يعودَ على العَاقِبَةِ، ويَصِحُّ أَنْ يعود على الفَعْلَةِ التي يتضمَّنها قوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية، المَوْلَى: الناصِرُ المُوَالِي، قال قتادة: نزلَتْ هذه/ الآيةُ يَوْمَ أُحُدٍ [[ذكره ابن عطية (5/ 113) .]] ، ومنها انتزع النبيُّ ﷺ رَدَّهُ على أبي سُفْيَانَ حينَ قال: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مولى لَكُمْ» [[تقدم.]] .
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ أي: أكلاً مجرَّداً عن الفِكْرِ والنظر، وهذا كما تقول: الجاهلُ يعيشُ كما تعيشُ البهيمةُ، والمعنى: يعيشُ عَدِيمَ الفَهْمِ والنَّظَرِ في العَوَاقِبِ.
محمد 47:11
وقوله عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ: توقيف لقريش، وتوبيخٌ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريدُ: ثمودَ وقَوْمَ شُعَيْبٍ وغيرهم، والدمار: الإفساد، وهَدْمُ البناء، وإذهابُ العُمْرَانِ، والضميرُ في قوله: أَمْثالُها يَصِحُّ أَنْ يعودَ على العَاقِبَةِ، ويَصِحُّ أَنْ يعود على الفَعْلَةِ التي يتضمَّنها قوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية، المَوْلَى: الناصِرُ المُوَالِي، قال قتادة: نزلَتْ هذه/ الآيةُ يَوْمَ أُحُدٍ [[ذكره ابن عطية (5/ 113) .]] ، ومنها انتزع النبيُّ ﷺ رَدَّهُ على أبي سُفْيَانَ حينَ قال: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مولى لَكُمْ» [[تقدم.]] .
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ أي: أكلاً مجرَّداً عن الفِكْرِ والنظر، وهذا كما تقول: الجاهلُ يعيشُ كما تعيشُ البهيمةُ، والمعنى: يعيشُ عَدِيمَ الفَهْمِ والنَّظَرِ في العَوَاقِبِ.
محمد 47:12
وقوله عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ: توقيف لقريش، وتوبيخٌ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريدُ: ثمودَ وقَوْمَ شُعَيْبٍ وغيرهم، والدمار: الإفساد، وهَدْمُ البناء، وإذهابُ العُمْرَانِ، والضميرُ في قوله: أَمْثالُها يَصِحُّ أَنْ يعودَ على العَاقِبَةِ، ويَصِحُّ أَنْ يعود على الفَعْلَةِ التي يتضمَّنها قوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية، المَوْلَى: الناصِرُ المُوَالِي، قال قتادة: نزلَتْ هذه/ الآيةُ يَوْمَ أُحُدٍ [[ذكره ابن عطية (5/ 113) .]] ، ومنها انتزع النبيُّ ﷺ رَدَّهُ على أبي سُفْيَانَ حينَ قال: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مولى لَكُمْ» [[تقدم.]] .
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ أي: أكلاً مجرَّداً عن الفِكْرِ والنظر، وهذا كما تقول: الجاهلُ يعيشُ كما تعيشُ البهيمةُ، والمعنى: يعيشُ عَدِيمَ الفَهْمِ والنَّظَرِ في العَوَاقِبِ.
محمد 47:13
وقوله سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ يعني: مَكَّة الَّتِي أَخْرَجَتْكَ معناه: وَقْتَ الهِجْرَةِ، ويقال: إنَّ هذه الآيةَ نزلت إثر خروج النبيّ ﷺ من مكّة، وقيل غَيْرُ هذا [[أخرجه الطبري (11/ 313) برقم: (31372) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 24) ، وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم.]] .
وقوله سبحانه: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ... الآية، توقيفٌ وتقريرٌ، وهي معادلةٌ بين هذين الفريقين، واللفظ عامّ لأهل هاتين الصفتين غابر الدّهر، وعَلى بَيِّنَةٍ أي: على يقين وطريق واضحةٍ وعقيدة نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقوله سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ ... الآية، قال النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ وغيره مَثَلُ معناه:
صفةٌ كأَنَّهُ قال: صفة الجنة: ما تسمَعُونَ فيها كذا وكذا.
وقوله: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ معناه: غيرُ مُتَغَيِّرٍ قاله ابن عباس وقتادة [[أخرجه الطبري (11/ 313- 314) برقم: (31373- 31347) بمثله ومعناه، وذكره ابن عطية (5/ 114) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 25) ، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة بمعناه.]] ، وسواءٌ أنتن أو لم يُنْتِنْ.
وقوله في اللبن: لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ: نَفْيٌ لجميعِ وجوهِ الفَسَادِ فيه.
وقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ جمعتْ طِيبَ الطَّعْمِ وَزَوالَ الآفاتِ من الصُّدَاعِ وغيره، وتصفيةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لمومه وَضَرَره.
ت: ورُوِّينَا في «كتاب التِّرْمِذِيِّ» عن حَكِيمِ بن مُعَاوِيَةَ عنِ أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ في الجَنَّةِ بَحْرَ المَاءِ، وَبَحْرَ الْعَسَلِ، وَبَحْرَ اللَّبَنِ، وَبَحْرَ الخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ» [[أخرجه الترمذي (4/ 699) كتاب «صفة الجنة» باب: ما جاء في صفة أنها الجنة (2571) ، وأحمد (5/ 5) ، والبيهقي في «البعث والنشور» (264) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 25) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.]] قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى.
وقوله: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: من هذه الأنواع/ لكنها بعيدة الشبه تلك لا عَيْبَ فيها ولا تَعَبَ.
وقوله: وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ معناه: وتنعيمٌ أعطته المغفرةُ وَسَّبَّبَتْهُ، وإلاَّ فالمغفرة إنَّما هي قبل دخول الجنّة.
وقوله سبحانه: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ ... الآية، قبله محذوفٌ، تقديره: أَسُكَّانُ هذه، أو تقديره: أهؤلاءِ المتقون كَمَنْ هو خالد في النار.
محمد 47:14
وقوله سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ يعني: مَكَّة الَّتِي أَخْرَجَتْكَ معناه: وَقْتَ الهِجْرَةِ، ويقال: إنَّ هذه الآيةَ نزلت إثر خروج النبيّ ﷺ من مكّة، وقيل غَيْرُ هذا [[أخرجه الطبري (11/ 313) برقم: (31372) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 24) ، وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم.]] .
وقوله سبحانه: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ... الآية، توقيفٌ وتقريرٌ، وهي معادلةٌ بين هذين الفريقين، واللفظ عامّ لأهل هاتين الصفتين غابر الدّهر، وعَلى بَيِّنَةٍ أي: على يقين وطريق واضحةٍ وعقيدة نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقوله سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ ... الآية، قال النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ وغيره مَثَلُ معناه:
صفةٌ كأَنَّهُ قال: صفة الجنة: ما تسمَعُونَ فيها كذا وكذا.
وقوله: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ معناه: غيرُ مُتَغَيِّرٍ قاله ابن عباس وقتادة [[أخرجه الطبري (11/ 313- 314) برقم: (31373- 31347) بمثله ومعناه، وذكره ابن عطية (5/ 114) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 25) ، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة بمعناه.]] ، وسواءٌ أنتن أو لم يُنْتِنْ.
وقوله في اللبن: لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ: نَفْيٌ لجميعِ وجوهِ الفَسَادِ فيه.
وقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ جمعتْ طِيبَ الطَّعْمِ وَزَوالَ الآفاتِ من الصُّدَاعِ وغيره، وتصفيةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لمومه وَضَرَره.
ت: ورُوِّينَا في «كتاب التِّرْمِذِيِّ» عن حَكِيمِ بن مُعَاوِيَةَ عنِ أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ في الجَنَّةِ بَحْرَ المَاءِ، وَبَحْرَ الْعَسَلِ، وَبَحْرَ اللَّبَنِ، وَبَحْرَ الخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ» [[أخرجه الترمذي (4/ 699) كتاب «صفة الجنة» باب: ما جاء في صفة أنها الجنة (2571) ، وأحمد (5/ 5) ، والبيهقي في «البعث والنشور» (264) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 25) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.]] قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى.
وقوله: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: من هذه الأنواع/ لكنها بعيدة الشبه تلك لا عَيْبَ فيها ولا تَعَبَ.
وقوله: وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ معناه: وتنعيمٌ أعطته المغفرةُ وَسَّبَّبَتْهُ، وإلاَّ فالمغفرة إنَّما هي قبل دخول الجنّة.
وقوله سبحانه: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ ... الآية، قبله محذوفٌ، تقديره: أَسُكَّانُ هذه، أو تقديره: أهؤلاءِ المتقون كَمَنْ هو خالد في النار.
محمد 47:15
وقوله سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ يعني: مَكَّة الَّتِي أَخْرَجَتْكَ معناه: وَقْتَ الهِجْرَةِ، ويقال: إنَّ هذه الآيةَ نزلت إثر خروج النبيّ ﷺ من مكّة، وقيل غَيْرُ هذا [[أخرجه الطبري (11/ 313) برقم: (31372) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 24) ، وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم.]] .
وقوله سبحانه: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ... الآية، توقيفٌ وتقريرٌ، وهي معادلةٌ بين هذين الفريقين، واللفظ عامّ لأهل هاتين الصفتين غابر الدّهر، وعَلى بَيِّنَةٍ أي: على يقين وطريق واضحةٍ وعقيدة نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقوله سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ ... الآية، قال النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ وغيره مَثَلُ معناه:
صفةٌ كأَنَّهُ قال: صفة الجنة: ما تسمَعُونَ فيها كذا وكذا.
وقوله: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ معناه: غيرُ مُتَغَيِّرٍ قاله ابن عباس وقتادة [[أخرجه الطبري (11/ 313- 314) برقم: (31373- 31347) بمثله ومعناه، وذكره ابن عطية (5/ 114) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 25) ، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة بمعناه.]] ، وسواءٌ أنتن أو لم يُنْتِنْ.
وقوله في اللبن: لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ: نَفْيٌ لجميعِ وجوهِ الفَسَادِ فيه.
وقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ جمعتْ طِيبَ الطَّعْمِ وَزَوالَ الآفاتِ من الصُّدَاعِ وغيره، وتصفيةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لمومه وَضَرَره.
ت: ورُوِّينَا في «كتاب التِّرْمِذِيِّ» عن حَكِيمِ بن مُعَاوِيَةَ عنِ أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ في الجَنَّةِ بَحْرَ المَاءِ، وَبَحْرَ الْعَسَلِ، وَبَحْرَ اللَّبَنِ، وَبَحْرَ الخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ» [[أخرجه الترمذي (4/ 699) كتاب «صفة الجنة» باب: ما جاء في صفة أنها الجنة (2571) ، وأحمد (5/ 5) ، والبيهقي في «البعث والنشور» (264) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 25) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.]] قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى.
وقوله: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: من هذه الأنواع/ لكنها بعيدة الشبه تلك لا عَيْبَ فيها ولا تَعَبَ.
وقوله: وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ معناه: وتنعيمٌ أعطته المغفرةُ وَسَّبَّبَتْهُ، وإلاَّ فالمغفرة إنَّما هي قبل دخول الجنّة.
وقوله سبحانه: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ ... الآية، قبله محذوفٌ، تقديره: أَسُكَّانُ هذه، أو تقديره: أهؤلاءِ المتقون كَمَنْ هو خالد في النار.
محمد 47:16
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ يعني بذلك: المنافقين حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً عَلَى جِهَةِ الاسْتِخْفَاف، ومنهم مَنْ يقوله جهالةً ونسيانا، وآنِفاً معناه: مبتدئاً، كأَنَّه قال: ما القولُ الذي ائتنفه الآنَ قَبْلَ انفصالنا عَنْهُ، والمفسِّرون يقولون: آنِفاً معناه: الساعةَ الماضيةَ، وهذا تفسيرٌ بالمعنى.
ت: وقال الثعلبيّ: آنِفاً أي: الآنَ، وأصله الابتداء، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 79) .]] :
آنِفاً بالمدِّ والقَصْرِ: اسمُ فاعِل، والمُسْتَعْمَلُ من فعله: ائتنفت، ومعنى: آنِفاً مبتدئاً، فهو منصوبٌ على الحال، وأعربه الزَّمْخَشْرِيُّ ظَرْفاً، أي: الساعةَ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: المصدر السابق.]] : ولا أعلم أحداً من النحاة عَدَّه مِنَ الظُّرُوفِ، انتهى، وقال العراقيّ: آنِفاً أي: الساعة.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً أي: زادهم اللَّه هدى، ويحتمل:
زادهم استهزاءُ المنافقين هُدًى، قال الثعلبيُّ: وقيل: زَادَهُمْ ما قال النبيّ ﷺ هُدًى قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 115) .]] : الفاعل في وَآتاهُمْ يتصرَّفُ القولُ فيه بحسب التأويلاتِ المذكورةِ، وأقواها أنَّ الفاعِلَ اللَّهُ تعالى، وَآتاهُمْ معناه: أعطَاهُمْ، أي: جعلهم مُتَّقِينَ.
وقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ يريد: المنافقين، والمعنى: فهل ينتظرون؟ وبَغْتَةً معناه/ فجأة.
وقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي: فينبغي الاستعدادُ والخوفُ منها، والذي جاء من أشراط الساعة: محمّد ﷺ لأنّه آخر الأنبياء، وقال ع: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» [[يروى هذا الحديث عن جمع من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وسهل بن سعد.
فأما حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقائق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6504) ، ومسلم (4/ 2268) ، كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب: قرب الساعة (133- 134/ 2951) ، والترمذي (4/ 496) كتاب «الفتن» باب: ما جاء في قول النبي ﷺ:
«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ- يعني السبابة والوسطى-» (2214) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 281) ، وأحمد (3/ 123، 124، 130، 131، 193، 218، 222، 237، 274) ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
أما طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أخرجه مسلم (3/ 418) - النووي كتاب «الجمعة» باب:
تخفيف الصلاة والخطبة (43/ 867) ، والنسائي (3/ 188) كتاب «الخطبة» باب: كيف الخطبة (1578) ، وابن ماجه (1/ 17) «المقدمة» باب: (7) (45) ، وابن حبان (1/ 186) المقدمة: باب:
الاعتصام بالسنة (10) ، وأبو يعلى (4/ 85) (346/ 2111) ، وابن خزيمة (3/ 143) كتاب «جماع أبواب الآذان والخطبة في الجمعة» باب: صفة خطبة النبي ﷺ وبدؤه فيها بحمد الله والثناء عليه (1785) ، والبيهقي (3/ 206) ، كتاب «الجمعة» باب: رفع الصوت في الخطبة (9/ 213) ، كتاب «الجمعة» باب: كيف يستحب أن تكون الجمعة، وأحمد (3/ 310- 311) .
وفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (11/ 355) ، كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6505) ، وابن ماجه (2/ 134) ، كتاب «الفتن» باب: أشراط الساعة (4040) ، وابن حبان (15/ 13- 14) ، كتاب «التاريخ» باب: إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث (6641) .
أما من طريق سهل بن سعد الساعدي: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (6503) ، (9/ 348) ، كتاب «الطلاق» باب: اللعان (5302) ، وأحمد (4/ 330، 331، 335، 338، 309) .]] والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا الباب.
وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... الآية: إضرابٌ عن أمْرِ هؤلاء المنافقين، وذكر الأَهَمِّ من الأمر، والمعنى: دُمْ على عِلْمِكَ، وهذا هو القانُونُ في كُلَّ مَنْ أُمِرَ بشيْء هو مُتَلَبِّسٌ به، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأُمَّةِ داخلٌ في هذا الخِطابِ، وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدُ: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، حتى تُفْضِيَ إلَى الْعَرْشِ مَا اجتنبت الكَبَائِرُ» [[أخرجه الترمذي (5/ 575) ، كتاب «الدعوات» باب: دعاء أم سلمة (3590) ، والنسائي (6/ 208) - «الكبرى» ، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: أفضل الذكر وأفضل الدعاء (10669/ 3) ، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 392) (2255) كلهم قال: « ... أبواب السماء ... » ، وليس أبواب الجنة.
وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (11/ 394) (6271) نحوه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.]] ، رواه الترمذي والنسائيّ، وقال الترمذيُّ واللفظ له: حديث حسن غريب، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لِتَسْتَنَّ أُمَّتُكَ بِسُنَّتِكَ.
ت: هذا لفظ الثعلبيِّ، وهو حَسَنٌ، وقال عِيَاضٌ: قال مَكِّيٌّ: مخاطبةُ النبيّ ﷺ هاهنا هي مخاطبةٌ لأُمَّتِهِ، انتهى.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 116) .]] : وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَليَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ» [[ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 213) كتاب «التوبة» باب: الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه من لم أعرفهم.]] وبَوَّبَ البخاريُّ- رحمه اللَّه- العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... الآية: وواجبٌ على كل مؤمن أنْ يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنَّها صَدَقَةٌ، وقال الطبريُّ وغيره [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 318) .]] : مُتَقَلَّبَكُمْ: مُتَصَرَّفَكُمْ في يقظتكم وَمَثْواكُمْ منامكم، وقال ابن عباس: مُتَقَلَّبَكُمْ تَصَرُّفُكُمْ في حياتكم الدنيا وَمَثْواكُمْ: إقامتكم في قبوركم، وفي آخرتكم [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 183) برقم: (19) ، وابن عطية (5/ 116) .]] .
وقوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ... الآية: هذا ابتداءُ وَصْفِ حالِ المؤمنينَ على جهة المَدْحِ لهم، ووصفِ حالِ المنافقين على جهة الذَّمِّ وذلك أَنَّ المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تَمَنِّي ظهور الإسلامِ وتمنِّي قتال العدوِّ، وكانوا يأنسونَ بالوحي، ويستوحشون/ إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك.
وقوله: مُحْكَمَةٌ معناه: لا يقعُ فيها نسخ، وأَمَّا الإحكام الذي هو الإتقان، فالقرآن كلُّه سواءٌ فيه، والمرض الذي في قلوب المنافقين هو فَسَادُ مُعْتَقَدِهِمْ، ونظر الخائف المولَّه قريبٌ من نظر المَغْشِيِّ عليه، وَخَسَّسَهُمْ هذا الوصف والتشبيه.
وقوله تعالى: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ «أولى» : وزنها أَفْعَلُ، من وَلِيَكَ الشَّيْءُ يَلِيكَ، والمشهورُ من استعمال أولى أَنَّك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي: أَحَقُّ، وقد تَسْتَعْمِلُ العرب «أولى لكِ» فقطْ على جهة الاختصار، لما معها من القول على جهة الزّجر والتّوعّد، فتقول: أولى لَكَ يا فُلاَنُ، وهذه الآية من هذا الباب ومنه قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: 34] وقالت فرقة: فَأَوْلى رُفِعَ بالابتداء، وطاعَةٌ خبره، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 117) .]] : وهذا هو المشهورُ منِ استعمال «أولى» ، وقيل غير هذا، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : قال صاحب «الصِّحَاحِ» : أولى لَكَ: تهديدٌ ووعيدٌ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : والأكثر على أَنَّه اسم مُشْتَقٌّ من الوَلي، وهو القُرْبُ، وقال الجُرْجَانِيُّ: هو مأخوذ من الوَيْلِ، فَقُلِبَ، فوزنه «أَفْلَعْ» ، انتهى.
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ: ناقضوا وعصَوْا، قال البخاريُّ: قال مجاهد: عَزَمَ الْأَمْرُ جَدَّ الأمر [[أخرجه البخاري (8/ 442) كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه.]] . انتهى.
محمد 47:17
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ يعني بذلك: المنافقين حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً عَلَى جِهَةِ الاسْتِخْفَاف، ومنهم مَنْ يقوله جهالةً ونسيانا، وآنِفاً معناه: مبتدئاً، كأَنَّه قال: ما القولُ الذي ائتنفه الآنَ قَبْلَ انفصالنا عَنْهُ، والمفسِّرون يقولون: آنِفاً معناه: الساعةَ الماضيةَ، وهذا تفسيرٌ بالمعنى.
ت: وقال الثعلبيّ: آنِفاً أي: الآنَ، وأصله الابتداء، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 79) .]] :
آنِفاً بالمدِّ والقَصْرِ: اسمُ فاعِل، والمُسْتَعْمَلُ من فعله: ائتنفت، ومعنى: آنِفاً مبتدئاً، فهو منصوبٌ على الحال، وأعربه الزَّمْخَشْرِيُّ ظَرْفاً، أي: الساعةَ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: المصدر السابق.]] : ولا أعلم أحداً من النحاة عَدَّه مِنَ الظُّرُوفِ، انتهى، وقال العراقيّ: آنِفاً أي: الساعة.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً أي: زادهم اللَّه هدى، ويحتمل:
زادهم استهزاءُ المنافقين هُدًى، قال الثعلبيُّ: وقيل: زَادَهُمْ ما قال النبيّ ﷺ هُدًى قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 115) .]] : الفاعل في وَآتاهُمْ يتصرَّفُ القولُ فيه بحسب التأويلاتِ المذكورةِ، وأقواها أنَّ الفاعِلَ اللَّهُ تعالى، وَآتاهُمْ معناه: أعطَاهُمْ، أي: جعلهم مُتَّقِينَ.
وقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ يريد: المنافقين، والمعنى: فهل ينتظرون؟ وبَغْتَةً معناه/ فجأة.
وقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي: فينبغي الاستعدادُ والخوفُ منها، والذي جاء من أشراط الساعة: محمّد ﷺ لأنّه آخر الأنبياء، وقال ع: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» [[يروى هذا الحديث عن جمع من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وسهل بن سعد.
فأما حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقائق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6504) ، ومسلم (4/ 2268) ، كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب: قرب الساعة (133- 134/ 2951) ، والترمذي (4/ 496) كتاب «الفتن» باب: ما جاء في قول النبي ﷺ:
«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ- يعني السبابة والوسطى-» (2214) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 281) ، وأحمد (3/ 123، 124، 130، 131، 193، 218، 222، 237، 274) ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
أما طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أخرجه مسلم (3/ 418) - النووي كتاب «الجمعة» باب:
تخفيف الصلاة والخطبة (43/ 867) ، والنسائي (3/ 188) كتاب «الخطبة» باب: كيف الخطبة (1578) ، وابن ماجه (1/ 17) «المقدمة» باب: (7) (45) ، وابن حبان (1/ 186) المقدمة: باب:
الاعتصام بالسنة (10) ، وأبو يعلى (4/ 85) (346/ 2111) ، وابن خزيمة (3/ 143) كتاب «جماع أبواب الآذان والخطبة في الجمعة» باب: صفة خطبة النبي ﷺ وبدؤه فيها بحمد الله والثناء عليه (1785) ، والبيهقي (3/ 206) ، كتاب «الجمعة» باب: رفع الصوت في الخطبة (9/ 213) ، كتاب «الجمعة» باب: كيف يستحب أن تكون الجمعة، وأحمد (3/ 310- 311) .
وفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (11/ 355) ، كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6505) ، وابن ماجه (2/ 134) ، كتاب «الفتن» باب: أشراط الساعة (4040) ، وابن حبان (15/ 13- 14) ، كتاب «التاريخ» باب: إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث (6641) .
أما من طريق سهل بن سعد الساعدي: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (6503) ، (9/ 348) ، كتاب «الطلاق» باب: اللعان (5302) ، وأحمد (4/ 330، 331، 335، 338، 309) .]] والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا الباب.
وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... الآية: إضرابٌ عن أمْرِ هؤلاء المنافقين، وذكر الأَهَمِّ من الأمر، والمعنى: دُمْ على عِلْمِكَ، وهذا هو القانُونُ في كُلَّ مَنْ أُمِرَ بشيْء هو مُتَلَبِّسٌ به، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأُمَّةِ داخلٌ في هذا الخِطابِ، وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدُ: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، حتى تُفْضِيَ إلَى الْعَرْشِ مَا اجتنبت الكَبَائِرُ» [[أخرجه الترمذي (5/ 575) ، كتاب «الدعوات» باب: دعاء أم سلمة (3590) ، والنسائي (6/ 208) - «الكبرى» ، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: أفضل الذكر وأفضل الدعاء (10669/ 3) ، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 392) (2255) كلهم قال: « ... أبواب السماء ... » ، وليس أبواب الجنة.
وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (11/ 394) (6271) نحوه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.]] ، رواه الترمذي والنسائيّ، وقال الترمذيُّ واللفظ له: حديث حسن غريب، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لِتَسْتَنَّ أُمَّتُكَ بِسُنَّتِكَ.
ت: هذا لفظ الثعلبيِّ، وهو حَسَنٌ، وقال عِيَاضٌ: قال مَكِّيٌّ: مخاطبةُ النبيّ ﷺ هاهنا هي مخاطبةٌ لأُمَّتِهِ، انتهى.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 116) .]] : وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَليَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ» [[ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 213) كتاب «التوبة» باب: الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه من لم أعرفهم.]] وبَوَّبَ البخاريُّ- رحمه اللَّه- العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... الآية: وواجبٌ على كل مؤمن أنْ يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنَّها صَدَقَةٌ، وقال الطبريُّ وغيره [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 318) .]] : مُتَقَلَّبَكُمْ: مُتَصَرَّفَكُمْ في يقظتكم وَمَثْواكُمْ منامكم، وقال ابن عباس: مُتَقَلَّبَكُمْ تَصَرُّفُكُمْ في حياتكم الدنيا وَمَثْواكُمْ: إقامتكم في قبوركم، وفي آخرتكم [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 183) برقم: (19) ، وابن عطية (5/ 116) .]] .
وقوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ... الآية: هذا ابتداءُ وَصْفِ حالِ المؤمنينَ على جهة المَدْحِ لهم، ووصفِ حالِ المنافقين على جهة الذَّمِّ وذلك أَنَّ المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تَمَنِّي ظهور الإسلامِ وتمنِّي قتال العدوِّ، وكانوا يأنسونَ بالوحي، ويستوحشون/ إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك.
وقوله: مُحْكَمَةٌ معناه: لا يقعُ فيها نسخ، وأَمَّا الإحكام الذي هو الإتقان، فالقرآن كلُّه سواءٌ فيه، والمرض الذي في قلوب المنافقين هو فَسَادُ مُعْتَقَدِهِمْ، ونظر الخائف المولَّه قريبٌ من نظر المَغْشِيِّ عليه، وَخَسَّسَهُمْ هذا الوصف والتشبيه.
وقوله تعالى: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ «أولى» : وزنها أَفْعَلُ، من وَلِيَكَ الشَّيْءُ يَلِيكَ، والمشهورُ من استعمال أولى أَنَّك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي: أَحَقُّ، وقد تَسْتَعْمِلُ العرب «أولى لكِ» فقطْ على جهة الاختصار، لما معها من القول على جهة الزّجر والتّوعّد، فتقول: أولى لَكَ يا فُلاَنُ، وهذه الآية من هذا الباب ومنه قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: 34] وقالت فرقة: فَأَوْلى رُفِعَ بالابتداء، وطاعَةٌ خبره، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 117) .]] : وهذا هو المشهورُ منِ استعمال «أولى» ، وقيل غير هذا، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : قال صاحب «الصِّحَاحِ» : أولى لَكَ: تهديدٌ ووعيدٌ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : والأكثر على أَنَّه اسم مُشْتَقٌّ من الوَلي، وهو القُرْبُ، وقال الجُرْجَانِيُّ: هو مأخوذ من الوَيْلِ، فَقُلِبَ، فوزنه «أَفْلَعْ» ، انتهى.
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ: ناقضوا وعصَوْا، قال البخاريُّ: قال مجاهد: عَزَمَ الْأَمْرُ جَدَّ الأمر [[أخرجه البخاري (8/ 442) كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه.]] . انتهى.
محمد 47:18
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ يعني بذلك: المنافقين حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً عَلَى جِهَةِ الاسْتِخْفَاف، ومنهم مَنْ يقوله جهالةً ونسيانا، وآنِفاً معناه: مبتدئاً، كأَنَّه قال: ما القولُ الذي ائتنفه الآنَ قَبْلَ انفصالنا عَنْهُ، والمفسِّرون يقولون: آنِفاً معناه: الساعةَ الماضيةَ، وهذا تفسيرٌ بالمعنى.
ت: وقال الثعلبيّ: آنِفاً أي: الآنَ، وأصله الابتداء، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 79) .]] :
آنِفاً بالمدِّ والقَصْرِ: اسمُ فاعِل، والمُسْتَعْمَلُ من فعله: ائتنفت، ومعنى: آنِفاً مبتدئاً، فهو منصوبٌ على الحال، وأعربه الزَّمْخَشْرِيُّ ظَرْفاً، أي: الساعةَ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: المصدر السابق.]] : ولا أعلم أحداً من النحاة عَدَّه مِنَ الظُّرُوفِ، انتهى، وقال العراقيّ: آنِفاً أي: الساعة.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً أي: زادهم اللَّه هدى، ويحتمل:
زادهم استهزاءُ المنافقين هُدًى، قال الثعلبيُّ: وقيل: زَادَهُمْ ما قال النبيّ ﷺ هُدًى قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 115) .]] : الفاعل في وَآتاهُمْ يتصرَّفُ القولُ فيه بحسب التأويلاتِ المذكورةِ، وأقواها أنَّ الفاعِلَ اللَّهُ تعالى، وَآتاهُمْ معناه: أعطَاهُمْ، أي: جعلهم مُتَّقِينَ.
وقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ يريد: المنافقين، والمعنى: فهل ينتظرون؟ وبَغْتَةً معناه/ فجأة.
وقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي: فينبغي الاستعدادُ والخوفُ منها، والذي جاء من أشراط الساعة: محمّد ﷺ لأنّه آخر الأنبياء، وقال ع: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» [[يروى هذا الحديث عن جمع من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وسهل بن سعد.
فأما حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقائق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6504) ، ومسلم (4/ 2268) ، كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب: قرب الساعة (133- 134/ 2951) ، والترمذي (4/ 496) كتاب «الفتن» باب: ما جاء في قول النبي ﷺ:
«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ- يعني السبابة والوسطى-» (2214) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 281) ، وأحمد (3/ 123، 124، 130، 131، 193، 218، 222، 237، 274) ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
أما طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أخرجه مسلم (3/ 418) - النووي كتاب «الجمعة» باب:
تخفيف الصلاة والخطبة (43/ 867) ، والنسائي (3/ 188) كتاب «الخطبة» باب: كيف الخطبة (1578) ، وابن ماجه (1/ 17) «المقدمة» باب: (7) (45) ، وابن حبان (1/ 186) المقدمة: باب:
الاعتصام بالسنة (10) ، وأبو يعلى (4/ 85) (346/ 2111) ، وابن خزيمة (3/ 143) كتاب «جماع أبواب الآذان والخطبة في الجمعة» باب: صفة خطبة النبي ﷺ وبدؤه فيها بحمد الله والثناء عليه (1785) ، والبيهقي (3/ 206) ، كتاب «الجمعة» باب: رفع الصوت في الخطبة (9/ 213) ، كتاب «الجمعة» باب: كيف يستحب أن تكون الجمعة، وأحمد (3/ 310- 311) .
وفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (11/ 355) ، كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6505) ، وابن ماجه (2/ 134) ، كتاب «الفتن» باب: أشراط الساعة (4040) ، وابن حبان (15/ 13- 14) ، كتاب «التاريخ» باب: إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث (6641) .
أما من طريق سهل بن سعد الساعدي: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (6503) ، (9/ 348) ، كتاب «الطلاق» باب: اللعان (5302) ، وأحمد (4/ 330، 331، 335، 338، 309) .]] والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا الباب.
وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... الآية: إضرابٌ عن أمْرِ هؤلاء المنافقين، وذكر الأَهَمِّ من الأمر، والمعنى: دُمْ على عِلْمِكَ، وهذا هو القانُونُ في كُلَّ مَنْ أُمِرَ بشيْء هو مُتَلَبِّسٌ به، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأُمَّةِ داخلٌ في هذا الخِطابِ، وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدُ: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، حتى تُفْضِيَ إلَى الْعَرْشِ مَا اجتنبت الكَبَائِرُ» [[أخرجه الترمذي (5/ 575) ، كتاب «الدعوات» باب: دعاء أم سلمة (3590) ، والنسائي (6/ 208) - «الكبرى» ، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: أفضل الذكر وأفضل الدعاء (10669/ 3) ، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 392) (2255) كلهم قال: « ... أبواب السماء ... » ، وليس أبواب الجنة.
وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (11/ 394) (6271) نحوه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.]] ، رواه الترمذي والنسائيّ، وقال الترمذيُّ واللفظ له: حديث حسن غريب، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لِتَسْتَنَّ أُمَّتُكَ بِسُنَّتِكَ.
ت: هذا لفظ الثعلبيِّ، وهو حَسَنٌ، وقال عِيَاضٌ: قال مَكِّيٌّ: مخاطبةُ النبيّ ﷺ هاهنا هي مخاطبةٌ لأُمَّتِهِ، انتهى.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 116) .]] : وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَليَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ» [[ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 213) كتاب «التوبة» باب: الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه من لم أعرفهم.]] وبَوَّبَ البخاريُّ- رحمه اللَّه- العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... الآية: وواجبٌ على كل مؤمن أنْ يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنَّها صَدَقَةٌ، وقال الطبريُّ وغيره [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 318) .]] : مُتَقَلَّبَكُمْ: مُتَصَرَّفَكُمْ في يقظتكم وَمَثْواكُمْ منامكم، وقال ابن عباس: مُتَقَلَّبَكُمْ تَصَرُّفُكُمْ في حياتكم الدنيا وَمَثْواكُمْ: إقامتكم في قبوركم، وفي آخرتكم [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 183) برقم: (19) ، وابن عطية (5/ 116) .]] .
وقوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ... الآية: هذا ابتداءُ وَصْفِ حالِ المؤمنينَ على جهة المَدْحِ لهم، ووصفِ حالِ المنافقين على جهة الذَّمِّ وذلك أَنَّ المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تَمَنِّي ظهور الإسلامِ وتمنِّي قتال العدوِّ، وكانوا يأنسونَ بالوحي، ويستوحشون/ إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك.
وقوله: مُحْكَمَةٌ معناه: لا يقعُ فيها نسخ، وأَمَّا الإحكام الذي هو الإتقان، فالقرآن كلُّه سواءٌ فيه، والمرض الذي في قلوب المنافقين هو فَسَادُ مُعْتَقَدِهِمْ، ونظر الخائف المولَّه قريبٌ من نظر المَغْشِيِّ عليه، وَخَسَّسَهُمْ هذا الوصف والتشبيه.
وقوله تعالى: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ «أولى» : وزنها أَفْعَلُ، من وَلِيَكَ الشَّيْءُ يَلِيكَ، والمشهورُ من استعمال أولى أَنَّك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي: أَحَقُّ، وقد تَسْتَعْمِلُ العرب «أولى لكِ» فقطْ على جهة الاختصار، لما معها من القول على جهة الزّجر والتّوعّد، فتقول: أولى لَكَ يا فُلاَنُ، وهذه الآية من هذا الباب ومنه قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: 34] وقالت فرقة: فَأَوْلى رُفِعَ بالابتداء، وطاعَةٌ خبره، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 117) .]] : وهذا هو المشهورُ منِ استعمال «أولى» ، وقيل غير هذا، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : قال صاحب «الصِّحَاحِ» : أولى لَكَ: تهديدٌ ووعيدٌ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : والأكثر على أَنَّه اسم مُشْتَقٌّ من الوَلي، وهو القُرْبُ، وقال الجُرْجَانِيُّ: هو مأخوذ من الوَيْلِ، فَقُلِبَ، فوزنه «أَفْلَعْ» ، انتهى.
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ: ناقضوا وعصَوْا، قال البخاريُّ: قال مجاهد: عَزَمَ الْأَمْرُ جَدَّ الأمر [[أخرجه البخاري (8/ 442) كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه.]] . انتهى.
محمد 47:19
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ يعني بذلك: المنافقين حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً عَلَى جِهَةِ الاسْتِخْفَاف، ومنهم مَنْ يقوله جهالةً ونسيانا، وآنِفاً معناه: مبتدئاً، كأَنَّه قال: ما القولُ الذي ائتنفه الآنَ قَبْلَ انفصالنا عَنْهُ، والمفسِّرون يقولون: آنِفاً معناه: الساعةَ الماضيةَ، وهذا تفسيرٌ بالمعنى.
ت: وقال الثعلبيّ: آنِفاً أي: الآنَ، وأصله الابتداء، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 79) .]] :
آنِفاً بالمدِّ والقَصْرِ: اسمُ فاعِل، والمُسْتَعْمَلُ من فعله: ائتنفت، ومعنى: آنِفاً مبتدئاً، فهو منصوبٌ على الحال، وأعربه الزَّمْخَشْرِيُّ ظَرْفاً، أي: الساعةَ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: المصدر السابق.]] : ولا أعلم أحداً من النحاة عَدَّه مِنَ الظُّرُوفِ، انتهى، وقال العراقيّ: آنِفاً أي: الساعة.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً أي: زادهم اللَّه هدى، ويحتمل:
زادهم استهزاءُ المنافقين هُدًى، قال الثعلبيُّ: وقيل: زَادَهُمْ ما قال النبيّ ﷺ هُدًى قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 115) .]] : الفاعل في وَآتاهُمْ يتصرَّفُ القولُ فيه بحسب التأويلاتِ المذكورةِ، وأقواها أنَّ الفاعِلَ اللَّهُ تعالى، وَآتاهُمْ معناه: أعطَاهُمْ، أي: جعلهم مُتَّقِينَ.
وقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ يريد: المنافقين، والمعنى: فهل ينتظرون؟ وبَغْتَةً معناه/ فجأة.
وقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي: فينبغي الاستعدادُ والخوفُ منها، والذي جاء من أشراط الساعة: محمّد ﷺ لأنّه آخر الأنبياء، وقال ع: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» [[يروى هذا الحديث عن جمع من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وسهل بن سعد.
فأما حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقائق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6504) ، ومسلم (4/ 2268) ، كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب: قرب الساعة (133- 134/ 2951) ، والترمذي (4/ 496) كتاب «الفتن» باب: ما جاء في قول النبي ﷺ:
«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ- يعني السبابة والوسطى-» (2214) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 281) ، وأحمد (3/ 123، 124، 130، 131، 193، 218، 222، 237، 274) ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
أما طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أخرجه مسلم (3/ 418) - النووي كتاب «الجمعة» باب:
تخفيف الصلاة والخطبة (43/ 867) ، والنسائي (3/ 188) كتاب «الخطبة» باب: كيف الخطبة (1578) ، وابن ماجه (1/ 17) «المقدمة» باب: (7) (45) ، وابن حبان (1/ 186) المقدمة: باب:
الاعتصام بالسنة (10) ، وأبو يعلى (4/ 85) (346/ 2111) ، وابن خزيمة (3/ 143) كتاب «جماع أبواب الآذان والخطبة في الجمعة» باب: صفة خطبة النبي ﷺ وبدؤه فيها بحمد الله والثناء عليه (1785) ، والبيهقي (3/ 206) ، كتاب «الجمعة» باب: رفع الصوت في الخطبة (9/ 213) ، كتاب «الجمعة» باب: كيف يستحب أن تكون الجمعة، وأحمد (3/ 310- 311) .
وفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (11/ 355) ، كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6505) ، وابن ماجه (2/ 134) ، كتاب «الفتن» باب: أشراط الساعة (4040) ، وابن حبان (15/ 13- 14) ، كتاب «التاريخ» باب: إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث (6641) .
أما من طريق سهل بن سعد الساعدي: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (6503) ، (9/ 348) ، كتاب «الطلاق» باب: اللعان (5302) ، وأحمد (4/ 330، 331، 335، 338، 309) .]] والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا الباب.
وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... الآية: إضرابٌ عن أمْرِ هؤلاء المنافقين، وذكر الأَهَمِّ من الأمر، والمعنى: دُمْ على عِلْمِكَ، وهذا هو القانُونُ في كُلَّ مَنْ أُمِرَ بشيْء هو مُتَلَبِّسٌ به، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأُمَّةِ داخلٌ في هذا الخِطابِ، وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدُ: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، حتى تُفْضِيَ إلَى الْعَرْشِ مَا اجتنبت الكَبَائِرُ» [[أخرجه الترمذي (5/ 575) ، كتاب «الدعوات» باب: دعاء أم سلمة (3590) ، والنسائي (6/ 208) - «الكبرى» ، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: أفضل الذكر وأفضل الدعاء (10669/ 3) ، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 392) (2255) كلهم قال: « ... أبواب السماء ... » ، وليس أبواب الجنة.
وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (11/ 394) (6271) نحوه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.]] ، رواه الترمذي والنسائيّ، وقال الترمذيُّ واللفظ له: حديث حسن غريب، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لِتَسْتَنَّ أُمَّتُكَ بِسُنَّتِكَ.
ت: هذا لفظ الثعلبيِّ، وهو حَسَنٌ، وقال عِيَاضٌ: قال مَكِّيٌّ: مخاطبةُ النبيّ ﷺ هاهنا هي مخاطبةٌ لأُمَّتِهِ، انتهى.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 116) .]] : وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَليَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ» [[ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 213) كتاب «التوبة» باب: الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه من لم أعرفهم.]] وبَوَّبَ البخاريُّ- رحمه اللَّه- العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... الآية: وواجبٌ على كل مؤمن أنْ يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنَّها صَدَقَةٌ، وقال الطبريُّ وغيره [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 318) .]] : مُتَقَلَّبَكُمْ: مُتَصَرَّفَكُمْ في يقظتكم وَمَثْواكُمْ منامكم، وقال ابن عباس: مُتَقَلَّبَكُمْ تَصَرُّفُكُمْ في حياتكم الدنيا وَمَثْواكُمْ: إقامتكم في قبوركم، وفي آخرتكم [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 183) برقم: (19) ، وابن عطية (5/ 116) .]] .
وقوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ... الآية: هذا ابتداءُ وَصْفِ حالِ المؤمنينَ على جهة المَدْحِ لهم، ووصفِ حالِ المنافقين على جهة الذَّمِّ وذلك أَنَّ المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تَمَنِّي ظهور الإسلامِ وتمنِّي قتال العدوِّ، وكانوا يأنسونَ بالوحي، ويستوحشون/ إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك.
وقوله: مُحْكَمَةٌ معناه: لا يقعُ فيها نسخ، وأَمَّا الإحكام الذي هو الإتقان، فالقرآن كلُّه سواءٌ فيه، والمرض الذي في قلوب المنافقين هو فَسَادُ مُعْتَقَدِهِمْ، ونظر الخائف المولَّه قريبٌ من نظر المَغْشِيِّ عليه، وَخَسَّسَهُمْ هذا الوصف والتشبيه.
وقوله تعالى: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ «أولى» : وزنها أَفْعَلُ، من وَلِيَكَ الشَّيْءُ يَلِيكَ، والمشهورُ من استعمال أولى أَنَّك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي: أَحَقُّ، وقد تَسْتَعْمِلُ العرب «أولى لكِ» فقطْ على جهة الاختصار، لما معها من القول على جهة الزّجر والتّوعّد، فتقول: أولى لَكَ يا فُلاَنُ، وهذه الآية من هذا الباب ومنه قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: 34] وقالت فرقة: فَأَوْلى رُفِعَ بالابتداء، وطاعَةٌ خبره، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 117) .]] : وهذا هو المشهورُ منِ استعمال «أولى» ، وقيل غير هذا، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : قال صاحب «الصِّحَاحِ» : أولى لَكَ: تهديدٌ ووعيدٌ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : والأكثر على أَنَّه اسم مُشْتَقٌّ من الوَلي، وهو القُرْبُ، وقال الجُرْجَانِيُّ: هو مأخوذ من الوَيْلِ، فَقُلِبَ، فوزنه «أَفْلَعْ» ، انتهى.
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ: ناقضوا وعصَوْا، قال البخاريُّ: قال مجاهد: عَزَمَ الْأَمْرُ جَدَّ الأمر [[أخرجه البخاري (8/ 442) كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه.]] . انتهى.
محمد 47:20
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ يعني بذلك: المنافقين حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً عَلَى جِهَةِ الاسْتِخْفَاف، ومنهم مَنْ يقوله جهالةً ونسيانا، وآنِفاً معناه: مبتدئاً، كأَنَّه قال: ما القولُ الذي ائتنفه الآنَ قَبْلَ انفصالنا عَنْهُ، والمفسِّرون يقولون: آنِفاً معناه: الساعةَ الماضيةَ، وهذا تفسيرٌ بالمعنى.
ت: وقال الثعلبيّ: آنِفاً أي: الآنَ، وأصله الابتداء، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 79) .]] :
آنِفاً بالمدِّ والقَصْرِ: اسمُ فاعِل، والمُسْتَعْمَلُ من فعله: ائتنفت، ومعنى: آنِفاً مبتدئاً، فهو منصوبٌ على الحال، وأعربه الزَّمْخَشْرِيُّ ظَرْفاً، أي: الساعةَ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: المصدر السابق.]] : ولا أعلم أحداً من النحاة عَدَّه مِنَ الظُّرُوفِ، انتهى، وقال العراقيّ: آنِفاً أي: الساعة.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً أي: زادهم اللَّه هدى، ويحتمل:
زادهم استهزاءُ المنافقين هُدًى، قال الثعلبيُّ: وقيل: زَادَهُمْ ما قال النبيّ ﷺ هُدًى قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 115) .]] : الفاعل في وَآتاهُمْ يتصرَّفُ القولُ فيه بحسب التأويلاتِ المذكورةِ، وأقواها أنَّ الفاعِلَ اللَّهُ تعالى، وَآتاهُمْ معناه: أعطَاهُمْ، أي: جعلهم مُتَّقِينَ.
وقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ يريد: المنافقين، والمعنى: فهل ينتظرون؟ وبَغْتَةً معناه/ فجأة.
وقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي: فينبغي الاستعدادُ والخوفُ منها، والذي جاء من أشراط الساعة: محمّد ﷺ لأنّه آخر الأنبياء، وقال ع: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» [[يروى هذا الحديث عن جمع من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وسهل بن سعد.
فأما حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقائق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6504) ، ومسلم (4/ 2268) ، كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب: قرب الساعة (133- 134/ 2951) ، والترمذي (4/ 496) كتاب «الفتن» باب: ما جاء في قول النبي ﷺ:
«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ- يعني السبابة والوسطى-» (2214) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 281) ، وأحمد (3/ 123، 124، 130، 131، 193، 218، 222، 237، 274) ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
أما طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أخرجه مسلم (3/ 418) - النووي كتاب «الجمعة» باب:
تخفيف الصلاة والخطبة (43/ 867) ، والنسائي (3/ 188) كتاب «الخطبة» باب: كيف الخطبة (1578) ، وابن ماجه (1/ 17) «المقدمة» باب: (7) (45) ، وابن حبان (1/ 186) المقدمة: باب:
الاعتصام بالسنة (10) ، وأبو يعلى (4/ 85) (346/ 2111) ، وابن خزيمة (3/ 143) كتاب «جماع أبواب الآذان والخطبة في الجمعة» باب: صفة خطبة النبي ﷺ وبدؤه فيها بحمد الله والثناء عليه (1785) ، والبيهقي (3/ 206) ، كتاب «الجمعة» باب: رفع الصوت في الخطبة (9/ 213) ، كتاب «الجمعة» باب: كيف يستحب أن تكون الجمعة، وأحمد (3/ 310- 311) .
وفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (11/ 355) ، كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6505) ، وابن ماجه (2/ 134) ، كتاب «الفتن» باب: أشراط الساعة (4040) ، وابن حبان (15/ 13- 14) ، كتاب «التاريخ» باب: إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث (6641) .
أما من طريق سهل بن سعد الساعدي: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (6503) ، (9/ 348) ، كتاب «الطلاق» باب: اللعان (5302) ، وأحمد (4/ 330، 331، 335، 338، 309) .]] والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا الباب.
وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... الآية: إضرابٌ عن أمْرِ هؤلاء المنافقين، وذكر الأَهَمِّ من الأمر، والمعنى: دُمْ على عِلْمِكَ، وهذا هو القانُونُ في كُلَّ مَنْ أُمِرَ بشيْء هو مُتَلَبِّسٌ به، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأُمَّةِ داخلٌ في هذا الخِطابِ، وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدُ: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، حتى تُفْضِيَ إلَى الْعَرْشِ مَا اجتنبت الكَبَائِرُ» [[أخرجه الترمذي (5/ 575) ، كتاب «الدعوات» باب: دعاء أم سلمة (3590) ، والنسائي (6/ 208) - «الكبرى» ، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: أفضل الذكر وأفضل الدعاء (10669/ 3) ، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 392) (2255) كلهم قال: « ... أبواب السماء ... » ، وليس أبواب الجنة.
وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (11/ 394) (6271) نحوه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.]] ، رواه الترمذي والنسائيّ، وقال الترمذيُّ واللفظ له: حديث حسن غريب، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لِتَسْتَنَّ أُمَّتُكَ بِسُنَّتِكَ.
ت: هذا لفظ الثعلبيِّ، وهو حَسَنٌ، وقال عِيَاضٌ: قال مَكِّيٌّ: مخاطبةُ النبيّ ﷺ هاهنا هي مخاطبةٌ لأُمَّتِهِ، انتهى.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 116) .]] : وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَليَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ» [[ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 213) كتاب «التوبة» باب: الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه من لم أعرفهم.]] وبَوَّبَ البخاريُّ- رحمه اللَّه- العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... الآية: وواجبٌ على كل مؤمن أنْ يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنَّها صَدَقَةٌ، وقال الطبريُّ وغيره [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 318) .]] : مُتَقَلَّبَكُمْ: مُتَصَرَّفَكُمْ في يقظتكم وَمَثْواكُمْ منامكم، وقال ابن عباس: مُتَقَلَّبَكُمْ تَصَرُّفُكُمْ في حياتكم الدنيا وَمَثْواكُمْ: إقامتكم في قبوركم، وفي آخرتكم [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 183) برقم: (19) ، وابن عطية (5/ 116) .]] .
وقوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ... الآية: هذا ابتداءُ وَصْفِ حالِ المؤمنينَ على جهة المَدْحِ لهم، ووصفِ حالِ المنافقين على جهة الذَّمِّ وذلك أَنَّ المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تَمَنِّي ظهور الإسلامِ وتمنِّي قتال العدوِّ، وكانوا يأنسونَ بالوحي، ويستوحشون/ إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك.
وقوله: مُحْكَمَةٌ معناه: لا يقعُ فيها نسخ، وأَمَّا الإحكام الذي هو الإتقان، فالقرآن كلُّه سواءٌ فيه، والمرض الذي في قلوب المنافقين هو فَسَادُ مُعْتَقَدِهِمْ، ونظر الخائف المولَّه قريبٌ من نظر المَغْشِيِّ عليه، وَخَسَّسَهُمْ هذا الوصف والتشبيه.
وقوله تعالى: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ «أولى» : وزنها أَفْعَلُ، من وَلِيَكَ الشَّيْءُ يَلِيكَ، والمشهورُ من استعمال أولى أَنَّك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي: أَحَقُّ، وقد تَسْتَعْمِلُ العرب «أولى لكِ» فقطْ على جهة الاختصار، لما معها من القول على جهة الزّجر والتّوعّد، فتقول: أولى لَكَ يا فُلاَنُ، وهذه الآية من هذا الباب ومنه قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: 34] وقالت فرقة: فَأَوْلى رُفِعَ بالابتداء، وطاعَةٌ خبره، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 117) .]] : وهذا هو المشهورُ منِ استعمال «أولى» ، وقيل غير هذا، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : قال صاحب «الصِّحَاحِ» : أولى لَكَ: تهديدٌ ووعيدٌ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : والأكثر على أَنَّه اسم مُشْتَقٌّ من الوَلي، وهو القُرْبُ، وقال الجُرْجَانِيُّ: هو مأخوذ من الوَيْلِ، فَقُلِبَ، فوزنه «أَفْلَعْ» ، انتهى.
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ: ناقضوا وعصَوْا، قال البخاريُّ: قال مجاهد: عَزَمَ الْأَمْرُ جَدَّ الأمر [[أخرجه البخاري (8/ 442) كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه.]] . انتهى.
محمد 47:21
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ يعني بذلك: المنافقين حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً عَلَى جِهَةِ الاسْتِخْفَاف، ومنهم مَنْ يقوله جهالةً ونسيانا، وآنِفاً معناه: مبتدئاً، كأَنَّه قال: ما القولُ الذي ائتنفه الآنَ قَبْلَ انفصالنا عَنْهُ، والمفسِّرون يقولون: آنِفاً معناه: الساعةَ الماضيةَ، وهذا تفسيرٌ بالمعنى.
ت: وقال الثعلبيّ: آنِفاً أي: الآنَ، وأصله الابتداء، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 79) .]] :
آنِفاً بالمدِّ والقَصْرِ: اسمُ فاعِل، والمُسْتَعْمَلُ من فعله: ائتنفت، ومعنى: آنِفاً مبتدئاً، فهو منصوبٌ على الحال، وأعربه الزَّمْخَشْرِيُّ ظَرْفاً، أي: الساعةَ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: المصدر السابق.]] : ولا أعلم أحداً من النحاة عَدَّه مِنَ الظُّرُوفِ، انتهى، وقال العراقيّ: آنِفاً أي: الساعة.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً أي: زادهم اللَّه هدى، ويحتمل:
زادهم استهزاءُ المنافقين هُدًى، قال الثعلبيُّ: وقيل: زَادَهُمْ ما قال النبيّ ﷺ هُدًى قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 115) .]] : الفاعل في وَآتاهُمْ يتصرَّفُ القولُ فيه بحسب التأويلاتِ المذكورةِ، وأقواها أنَّ الفاعِلَ اللَّهُ تعالى، وَآتاهُمْ معناه: أعطَاهُمْ، أي: جعلهم مُتَّقِينَ.
وقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ يريد: المنافقين، والمعنى: فهل ينتظرون؟ وبَغْتَةً معناه/ فجأة.
وقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي: فينبغي الاستعدادُ والخوفُ منها، والذي جاء من أشراط الساعة: محمّد ﷺ لأنّه آخر الأنبياء، وقال ع: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» [[يروى هذا الحديث عن جمع من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وسهل بن سعد.
فأما حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقائق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6504) ، ومسلم (4/ 2268) ، كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب: قرب الساعة (133- 134/ 2951) ، والترمذي (4/ 496) كتاب «الفتن» باب: ما جاء في قول النبي ﷺ:
«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ- يعني السبابة والوسطى-» (2214) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 281) ، وأحمد (3/ 123، 124، 130، 131، 193، 218، 222، 237، 274) ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
أما طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أخرجه مسلم (3/ 418) - النووي كتاب «الجمعة» باب:
تخفيف الصلاة والخطبة (43/ 867) ، والنسائي (3/ 188) كتاب «الخطبة» باب: كيف الخطبة (1578) ، وابن ماجه (1/ 17) «المقدمة» باب: (7) (45) ، وابن حبان (1/ 186) المقدمة: باب:
الاعتصام بالسنة (10) ، وأبو يعلى (4/ 85) (346/ 2111) ، وابن خزيمة (3/ 143) كتاب «جماع أبواب الآذان والخطبة في الجمعة» باب: صفة خطبة النبي ﷺ وبدؤه فيها بحمد الله والثناء عليه (1785) ، والبيهقي (3/ 206) ، كتاب «الجمعة» باب: رفع الصوت في الخطبة (9/ 213) ، كتاب «الجمعة» باب: كيف يستحب أن تكون الجمعة، وأحمد (3/ 310- 311) .
وفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (11/ 355) ، كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ:
«بعثت أنا والساعة كهاتين» (6505) ، وابن ماجه (2/ 134) ، كتاب «الفتن» باب: أشراط الساعة (4040) ، وابن حبان (15/ 13- 14) ، كتاب «التاريخ» باب: إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث (6641) .
أما من طريق سهل بن سعد الساعدي: أخرجه البخاري (11/ 355) كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (6503) ، (9/ 348) ، كتاب «الطلاق» باب: اللعان (5302) ، وأحمد (4/ 330، 331، 335، 338، 309) .]] والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا الباب.
وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... الآية: إضرابٌ عن أمْرِ هؤلاء المنافقين، وذكر الأَهَمِّ من الأمر، والمعنى: دُمْ على عِلْمِكَ، وهذا هو القانُونُ في كُلَّ مَنْ أُمِرَ بشيْء هو مُتَلَبِّسٌ به، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأُمَّةِ داخلٌ في هذا الخِطابِ، وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدُ: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، حتى تُفْضِيَ إلَى الْعَرْشِ مَا اجتنبت الكَبَائِرُ» [[أخرجه الترمذي (5/ 575) ، كتاب «الدعوات» باب: دعاء أم سلمة (3590) ، والنسائي (6/ 208) - «الكبرى» ، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: أفضل الذكر وأفضل الدعاء (10669/ 3) ، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 392) (2255) كلهم قال: « ... أبواب السماء ... » ، وليس أبواب الجنة.
وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (11/ 394) (6271) نحوه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.]] ، رواه الترمذي والنسائيّ، وقال الترمذيُّ واللفظ له: حديث حسن غريب، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لِتَسْتَنَّ أُمَّتُكَ بِسُنَّتِكَ.
ت: هذا لفظ الثعلبيِّ، وهو حَسَنٌ، وقال عِيَاضٌ: قال مَكِّيٌّ: مخاطبةُ النبيّ ﷺ هاهنا هي مخاطبةٌ لأُمَّتِهِ، انتهى.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 116) .]] : وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَليَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ» [[ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 213) كتاب «التوبة» باب: الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه من لم أعرفهم.]] وبَوَّبَ البخاريُّ- رحمه اللَّه- العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.
وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... الآية: وواجبٌ على كل مؤمن أنْ يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنَّها صَدَقَةٌ، وقال الطبريُّ وغيره [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 318) .]] : مُتَقَلَّبَكُمْ: مُتَصَرَّفَكُمْ في يقظتكم وَمَثْواكُمْ منامكم، وقال ابن عباس: مُتَقَلَّبَكُمْ تَصَرُّفُكُمْ في حياتكم الدنيا وَمَثْواكُمْ: إقامتكم في قبوركم، وفي آخرتكم [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 183) برقم: (19) ، وابن عطية (5/ 116) .]] .
وقوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ... الآية: هذا ابتداءُ وَصْفِ حالِ المؤمنينَ على جهة المَدْحِ لهم، ووصفِ حالِ المنافقين على جهة الذَّمِّ وذلك أَنَّ المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تَمَنِّي ظهور الإسلامِ وتمنِّي قتال العدوِّ، وكانوا يأنسونَ بالوحي، ويستوحشون/ إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك.
وقوله: مُحْكَمَةٌ معناه: لا يقعُ فيها نسخ، وأَمَّا الإحكام الذي هو الإتقان، فالقرآن كلُّه سواءٌ فيه، والمرض الذي في قلوب المنافقين هو فَسَادُ مُعْتَقَدِهِمْ، ونظر الخائف المولَّه قريبٌ من نظر المَغْشِيِّ عليه، وَخَسَّسَهُمْ هذا الوصف والتشبيه.
وقوله تعالى: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ «أولى» : وزنها أَفْعَلُ، من وَلِيَكَ الشَّيْءُ يَلِيكَ، والمشهورُ من استعمال أولى أَنَّك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي: أَحَقُّ، وقد تَسْتَعْمِلُ العرب «أولى لكِ» فقطْ على جهة الاختصار، لما معها من القول على جهة الزّجر والتّوعّد، فتقول: أولى لَكَ يا فُلاَنُ، وهذه الآية من هذا الباب ومنه قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: 34] وقالت فرقة: فَأَوْلى رُفِعَ بالابتداء، وطاعَةٌ خبره، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 117) .]] : وهذا هو المشهورُ منِ استعمال «أولى» ، وقيل غير هذا، قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : قال صاحب «الصِّحَاحِ» : أولى لَكَ: تهديدٌ ووعيدٌ، قال أبو حَيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 81) .]] : والأكثر على أَنَّه اسم مُشْتَقٌّ من الوَلي، وهو القُرْبُ، وقال الجُرْجَانِيُّ: هو مأخوذ من الوَيْلِ، فَقُلِبَ، فوزنه «أَفْلَعْ» ، انتهى.
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ: ناقضوا وعصَوْا، قال البخاريُّ: قال مجاهد: عَزَمَ الْأَمْرُ جَدَّ الأمر [[أخرجه البخاري (8/ 442) كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه.]] . انتهى.
محمد 47:22
وقوله سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ مخاطبةٌ لهؤلاءِ الذينَ في قلوبهم مرضٌ، والمعنى:
فهل عسى أَنْ تفعلُوا إنْ تولَّيتم غيرَ أنْ تُفْسِدُوا في الأرض، وتُقَطِّعُوا أرحامكم، ومعنى إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي: إنْ أعرضتم عن الحَقِّ، وقيل المعنى: إنْ توليتم أمور الناس من الولاية وعلى هذا قيل: إنَّها نزلَتْ في بني هاشِمٍ، وبني أُمَيَّةَ ذكره الثعلبيُّ.
ت: وهو عندي بعيدٌ لقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فتعيَّن التأويل/ الأَوَّل، واللَّه أعلم.
وفي البخاريِّ عن جُبَيْرِ بن مطعم عن النبيّ ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة قاطع» [[أخرجه البخاري (10/ 428) كتاب «الأدب» باب: إثم القاطع (5984) ، ومسلم (4/ 1981) ، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (18- 19/ 2556) ، وأبو داود (1/ 530) ، كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (1696) ، والترمذي (4/ 316) ، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في صلة الرحم (1909) ، والبيهقي (7/ 27) ، كتاب «الصدقات» باب: الرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه، إذا كانوا من أهل السهمان، كما جاء في صلة الرحم وحق الجار، وأحمد (4/ 80، 83، 84) ، وابن حبان (2/ 199) ، كتاب «البر والإحسان» باب: صلة الرحم وقطعها، ذكر نفي دخول الجنة عن قاطع رحمه (454) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (11/ 169- 170) ، كتاب «الجامع» باب: صلة]] يعني: قاطعَ رحِمٍ، وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ- فَليَصِلْ رَحِمَهُ» [[روى هذا الحديث أنس بن مالك، وأبو هريرة رضي الله عنهما.
فأما حديث أنس: أخرجه البخاري (4/ 353) كتاب «البيوع» باب: من أحب البسط في الرزق (2067) ، ومسلم (4/ 1982) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (20- 21/ 2557) ، وأبو داود (1/ 529) كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (1693) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 438) ، كتاب «التفسير» باب: سورة فاطر (11429/ 1) .
وأما من طريق أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (10/ 429) ، كتاب «الأدب» باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم (5985) .]] . اهـ، وفي «صحيح مسلم» عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» [[أخرجه مسلم (4/ 1981) ، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (17/ 2555) عن عائشة.]] وفي رواية: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» [[تقدم.]] وفي طريق: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَيُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [[تقدم.]] وخرَّجه البخاريُّ من طريق أبي هريرةَ [[تقدم.]] على ما تقدَّم، وخرَّج البخاريّ عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مُقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكَ، وأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكَ؟ قَالَتْ: بلى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لك، قال رسول الله ﷺ: فَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [[أخرجه البخاري (10/ 430) ، كتاب «الأدب» باب: من وصل وصله الله، برقم: (5987) .]] ، وفي رواية: قال الله «مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» [[أخرجه البخاري (10/ 430) ، كتاب «الأدب» باب: من وصل وصله الله، (5998) .]] انتهى.
وروى أبو داودَ في «سُنَنَهِ» عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أنا الرحمن، وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي، مَنْ وصلها وصلته، ومن قطعها بتّته» [[أخرجه أبو داود (1/ 530) ، كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (1695) ، والترمذي (4/ 315) ، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في قطيعة الرحم (1907) ، والبيهقي (7/ 26) ، كتاب «الصدقات» باب:
الرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه إذا كانوا من أهل السهمين لما جاء في صلة الرحم وحق الجار.]] . انتهى.
وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إشارة إلى المرضى القلوب المذكورين.
وقوله: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ: استعارةٌ لعدم فهمهم.
وقوله عزَّ منْ قائل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ/ الْقُرْآنَ ... الآية: توقيفٌ وتوبيخٌ، وتَدَبُّرُ القرآن زعيم بالتبيين والهدى لمتأمِّله.
ت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ معناه: أفلا يتفكَّرُون فيعتبرون يُقَالُ: تَدَبَّرْتُ الأمر: إذا نظرتَ في أدباره وعواقبه، انتهى.
وقوله تعالى: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها معناه: بل على قلوب أَقفالها، وهو الرَّيْنُ الذي منعهم من الإيمان، ورُوِيَ أَنَّ وَفْدَ اليَمَنِ وَفَدَ على النبي ﷺ وفيهم شابّ، فقرأ النّبيّ ﷺ هذه الآيةَ، فقال الفتى: عَلَيْهَا أَقْفَالُهَا حتى يَفْتَحَها اللَّهُ تعالى ويُفَرِّجَهَا، قَالَ عُمَرُ:
فَعَظُمَ في عَيْنِي، فما زَالَتْ في نَفْس عُمَرَ- رضي اللَّه عنه- حتى وَلِيَ الخلاَفَة فاستعان بذلك الفتى.
محمد 47:23
وقوله سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ مخاطبةٌ لهؤلاءِ الذينَ في قلوبهم مرضٌ، والمعنى:
فهل عسى أَنْ تفعلُوا إنْ تولَّيتم غيرَ أنْ تُفْسِدُوا في الأرض، وتُقَطِّعُوا أرحامكم، ومعنى إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي: إنْ أعرضتم عن الحَقِّ، وقيل المعنى: إنْ توليتم أمور الناس من الولاية وعلى هذا قيل: إنَّها نزلَتْ في بني هاشِمٍ، وبني أُمَيَّةَ ذكره الثعلبيُّ.
ت: وهو عندي بعيدٌ لقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فتعيَّن التأويل/ الأَوَّل، واللَّه أعلم.
وفي البخاريِّ عن جُبَيْرِ بن مطعم عن النبيّ ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة قاطع» [[أخرجه البخاري (10/ 428) كتاب «الأدب» باب: إثم القاطع (5984) ، ومسلم (4/ 1981) ، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (18- 19/ 2556) ، وأبو داود (1/ 530) ، كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (1696) ، والترمذي (4/ 316) ، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في صلة الرحم (1909) ، والبيهقي (7/ 27) ، كتاب «الصدقات» باب: الرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه، إذا كانوا من أهل السهمان، كما جاء في صلة الرحم وحق الجار، وأحمد (4/ 80، 83، 84) ، وابن حبان (2/ 199) ، كتاب «البر والإحسان» باب: صلة الرحم وقطعها، ذكر نفي دخول الجنة عن قاطع رحمه (454) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (11/ 169- 170) ، كتاب «الجامع» باب: صلة]] يعني: قاطعَ رحِمٍ، وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ- فَليَصِلْ رَحِمَهُ» [[روى هذا الحديث أنس بن مالك، وأبو هريرة رضي الله عنهما.
فأما حديث أنس: أخرجه البخاري (4/ 353) كتاب «البيوع» باب: من أحب البسط في الرزق (2067) ، ومسلم (4/ 1982) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (20- 21/ 2557) ، وأبو داود (1/ 529) كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (1693) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 438) ، كتاب «التفسير» باب: سورة فاطر (11429/ 1) .
وأما من طريق أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (10/ 429) ، كتاب «الأدب» باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم (5985) .]] . اهـ، وفي «صحيح مسلم» عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» [[أخرجه مسلم (4/ 1981) ، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (17/ 2555) عن عائشة.]] وفي رواية: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» [[تقدم.]] وفي طريق: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَيُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [[تقدم.]] وخرَّجه البخاريُّ من طريق أبي هريرةَ [[تقدم.]] على ما تقدَّم، وخرَّج البخاريّ عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مُقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكَ، وأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكَ؟ قَالَتْ: بلى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لك، قال رسول الله ﷺ: فَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [[أخرجه البخاري (10/ 430) ، كتاب «الأدب» باب: من وصل وصله الله، برقم: (5987) .]] ، وفي رواية: قال الله «مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» [[أخرجه البخاري (10/ 430) ، كتاب «الأدب» باب: من وصل وصله الله، (5998) .]] انتهى.
وروى أبو داودَ في «سُنَنَهِ» عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أنا الرحمن، وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي، مَنْ وصلها وصلته، ومن قطعها بتّته» [[أخرجه أبو داود (1/ 530) ، كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (1695) ، والترمذي (4/ 315) ، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في قطيعة الرحم (1907) ، والبيهقي (7/ 26) ، كتاب «الصدقات» باب:
الرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه إذا كانوا من أهل السهمين لما جاء في صلة الرحم وحق الجار.]] . انتهى.
وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إشارة إلى المرضى القلوب المذكورين.
وقوله: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ: استعارةٌ لعدم فهمهم.
وقوله عزَّ منْ قائل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ/ الْقُرْآنَ ... الآية: توقيفٌ وتوبيخٌ، وتَدَبُّرُ القرآن زعيم بالتبيين والهدى لمتأمِّله.
ت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ معناه: أفلا يتفكَّرُون فيعتبرون يُقَالُ: تَدَبَّرْتُ الأمر: إذا نظرتَ في أدباره وعواقبه، انتهى.
وقوله تعالى: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها معناه: بل على قلوب أَقفالها، وهو الرَّيْنُ الذي منعهم من الإيمان، ورُوِيَ أَنَّ وَفْدَ اليَمَنِ وَفَدَ على النبي ﷺ وفيهم شابّ، فقرأ النّبيّ ﷺ هذه الآيةَ، فقال الفتى: عَلَيْهَا أَقْفَالُهَا حتى يَفْتَحَها اللَّهُ تعالى ويُفَرِّجَهَا، قَالَ عُمَرُ:
فَعَظُمَ في عَيْنِي، فما زَالَتْ في نَفْس عُمَرَ- رضي اللَّه عنه- حتى وَلِيَ الخلاَفَة فاستعان بذلك الفتى.
محمد 47:24
وقوله سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ مخاطبةٌ لهؤلاءِ الذينَ في قلوبهم مرضٌ، والمعنى:
فهل عسى أَنْ تفعلُوا إنْ تولَّيتم غيرَ أنْ تُفْسِدُوا في الأرض، وتُقَطِّعُوا أرحامكم، ومعنى إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي: إنْ أعرضتم عن الحَقِّ، وقيل المعنى: إنْ توليتم أمور الناس من الولاية وعلى هذا قيل: إنَّها نزلَتْ في بني هاشِمٍ، وبني أُمَيَّةَ ذكره الثعلبيُّ.
ت: وهو عندي بعيدٌ لقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فتعيَّن التأويل/ الأَوَّل، واللَّه أعلم.
وفي البخاريِّ عن جُبَيْرِ بن مطعم عن النبيّ ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة قاطع» [[أخرجه البخاري (10/ 428) كتاب «الأدب» باب: إثم القاطع (5984) ، ومسلم (4/ 1981) ، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (18- 19/ 2556) ، وأبو داود (1/ 530) ، كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (1696) ، والترمذي (4/ 316) ، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في صلة الرحم (1909) ، والبيهقي (7/ 27) ، كتاب «الصدقات» باب: الرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه، إذا كانوا من أهل السهمان، كما جاء في صلة الرحم وحق الجار، وأحمد (4/ 80، 83، 84) ، وابن حبان (2/ 199) ، كتاب «البر والإحسان» باب: صلة الرحم وقطعها، ذكر نفي دخول الجنة عن قاطع رحمه (454) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (11/ 169- 170) ، كتاب «الجامع» باب: صلة]] يعني: قاطعَ رحِمٍ، وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ- فَليَصِلْ رَحِمَهُ» [[روى هذا الحديث أنس بن مالك، وأبو هريرة رضي الله عنهما.
فأما حديث أنس: أخرجه البخاري (4/ 353) كتاب «البيوع» باب: من أحب البسط في الرزق (2067) ، ومسلم (4/ 1982) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (20- 21/ 2557) ، وأبو داود (1/ 529) كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (1693) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 438) ، كتاب «التفسير» باب: سورة فاطر (11429/ 1) .
وأما من طريق أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري (10/ 429) ، كتاب «الأدب» باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم (5985) .]] . اهـ، وفي «صحيح مسلم» عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» [[أخرجه مسلم (4/ 1981) ، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (17/ 2555) عن عائشة.]] وفي رواية: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» [[تقدم.]] وفي طريق: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَيُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [[تقدم.]] وخرَّجه البخاريُّ من طريق أبي هريرةَ [[تقدم.]] على ما تقدَّم، وخرَّج البخاريّ عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مُقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكَ، وأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكَ؟ قَالَتْ: بلى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لك، قال رسول الله ﷺ: فَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [[أخرجه البخاري (10/ 430) ، كتاب «الأدب» باب: من وصل وصله الله، برقم: (5987) .]] ، وفي رواية: قال الله «مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» [[أخرجه البخاري (10/ 430) ، كتاب «الأدب» باب: من وصل وصله الله، (5998) .]] انتهى.
وروى أبو داودَ في «سُنَنَهِ» عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أنا الرحمن، وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي، مَنْ وصلها وصلته، ومن قطعها بتّته» [[أخرجه أبو داود (1/ 530) ، كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (1695) ، والترمذي (4/ 315) ، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في قطيعة الرحم (1907) ، والبيهقي (7/ 26) ، كتاب «الصدقات» باب:
الرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه إذا كانوا من أهل السهمين لما جاء في صلة الرحم وحق الجار.]] . انتهى.
وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إشارة إلى المرضى القلوب المذكورين.
وقوله: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ: استعارةٌ لعدم فهمهم.
وقوله عزَّ منْ قائل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ/ الْقُرْآنَ ... الآية: توقيفٌ وتوبيخٌ، وتَدَبُّرُ القرآن زعيم بالتبيين والهدى لمتأمِّله.
ت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ معناه: أفلا يتفكَّرُون فيعتبرون يُقَالُ: تَدَبَّرْتُ الأمر: إذا نظرتَ في أدباره وعواقبه، انتهى.
وقوله تعالى: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها معناه: بل على قلوب أَقفالها، وهو الرَّيْنُ الذي منعهم من الإيمان، ورُوِيَ أَنَّ وَفْدَ اليَمَنِ وَفَدَ على النبي ﷺ وفيهم شابّ، فقرأ النّبيّ ﷺ هذه الآيةَ، فقال الفتى: عَلَيْهَا أَقْفَالُهَا حتى يَفْتَحَها اللَّهُ تعالى ويُفَرِّجَهَا، قَالَ عُمَرُ:
فَعَظُمَ في عَيْنِي، فما زَالَتْ في نَفْس عُمَرَ- رضي اللَّه عنه- حتى وَلِيَ الخلاَفَة فاستعان بذلك الفتى.
محمد 47:25
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ ... الآية: قال قتادة: نزلَتْ في قَوْمٍ من اليهود [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية في «تفسيره» (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]] ، وقال ابن عباس وغيره: نَزَلَتْ في منافقين كانوا أَسْلَمُوا، ثم نافَقَتْ قُلُوبُهُم [[أخرجه الطبري (11/ 322) برقم: (31412) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) .]] ، والآيةُ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل في ضمن لفظها غابر الدّهر، وسَوَّلَ معناه: رجَّاهم سؤلهم وأمانِيهم، ونقل أبو الفتح عن بعضهم أَنَّهُ بمعنى دلاَّهم مأخوذٌ من السَّوَلِ، وهو الاسترخاء والتَّدَلِّي، وقال العراقيُّ سَوَّلَ أي: زيّن سوء الفعل.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ... الآية، قيل: إنَّها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدَّم ذِكْرُهم الآن، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانوا يَعِدُونَ المنافقين في أمر رسول الله ﷺ والخلافِ علَيْهِ بنَصْرٍ ومؤازرةٍ فذلك قولهم: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وقرأ الجمهور: «أَسْرَارَهُمْ» - بفتح الهمزة-، وقرأ حمزة والكسائيُّ وحفص:
«إسْرَارَهُمْ» - بكسرها [[وحجة من أفرد قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ [التوبة: 78] فلما أفرد السر ولم يجمع فكذلك قال: «إسرارهم» . وأما الآخرون، فكأنهم جمعوا للاختلاف في ضروب السر، وقد قيل: إنه جمع فأخرج الأسرار بعددهم، كما قال بعدها: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.
ينظر: «حجة القراءات» (669) ، و «السبعة» (601) ، و «الحجة» (6/ 196) ، و «إعراب القراءات» (2/ 326) ، و «معاني القراءات» (2/ 387) ، و «شرح الطيبة» (6/ 10) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (669) ، و «شرح شعلة» (586) ، و «إتحاف» (2/ 478) .]] -.
وقوله سبحانه: فَكَيْفَ إِذا/ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَعْنِي: مَلَكَ المَوْتِ وأعوانه، والضمير في يَضْرِبُونَ للملائكة، وفي نحو هذا أحاديثُ تقتضي صفة الحالِ، وما أَسْخَطَ اللَّهَ: هو الكفر، والرِّضْوَانُ: هنا الحَقُّ والشَّرْعُ المُؤَدِّي إلى الرضوان.
وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... الآية، توبيخٍ للمنافقين وَفَضْحٌ لسرائرهم، والضِّغْنُ: الحقد، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: «أضغانهم» حسدهم [[أخرجه البخاري (8/ 442) ، كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 185) ، والسيوطي (6/ 54) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، انتهى.
محمد 47:26
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ ... الآية: قال قتادة: نزلَتْ في قَوْمٍ من اليهود [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية في «تفسيره» (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]] ، وقال ابن عباس وغيره: نَزَلَتْ في منافقين كانوا أَسْلَمُوا، ثم نافَقَتْ قُلُوبُهُم [[أخرجه الطبري (11/ 322) برقم: (31412) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) .]] ، والآيةُ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل في ضمن لفظها غابر الدّهر، وسَوَّلَ معناه: رجَّاهم سؤلهم وأمانِيهم، ونقل أبو الفتح عن بعضهم أَنَّهُ بمعنى دلاَّهم مأخوذٌ من السَّوَلِ، وهو الاسترخاء والتَّدَلِّي، وقال العراقيُّ سَوَّلَ أي: زيّن سوء الفعل.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ... الآية، قيل: إنَّها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدَّم ذِكْرُهم الآن، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانوا يَعِدُونَ المنافقين في أمر رسول الله ﷺ والخلافِ علَيْهِ بنَصْرٍ ومؤازرةٍ فذلك قولهم: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وقرأ الجمهور: «أَسْرَارَهُمْ» - بفتح الهمزة-، وقرأ حمزة والكسائيُّ وحفص:
«إسْرَارَهُمْ» - بكسرها [[وحجة من أفرد قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ [التوبة: 78] فلما أفرد السر ولم يجمع فكذلك قال: «إسرارهم» . وأما الآخرون، فكأنهم جمعوا للاختلاف في ضروب السر، وقد قيل: إنه جمع فأخرج الأسرار بعددهم، كما قال بعدها: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.
ينظر: «حجة القراءات» (669) ، و «السبعة» (601) ، و «الحجة» (6/ 196) ، و «إعراب القراءات» (2/ 326) ، و «معاني القراءات» (2/ 387) ، و «شرح الطيبة» (6/ 10) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (669) ، و «شرح شعلة» (586) ، و «إتحاف» (2/ 478) .]] -.
وقوله سبحانه: فَكَيْفَ إِذا/ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَعْنِي: مَلَكَ المَوْتِ وأعوانه، والضمير في يَضْرِبُونَ للملائكة، وفي نحو هذا أحاديثُ تقتضي صفة الحالِ، وما أَسْخَطَ اللَّهَ: هو الكفر، والرِّضْوَانُ: هنا الحَقُّ والشَّرْعُ المُؤَدِّي إلى الرضوان.
وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... الآية، توبيخٍ للمنافقين وَفَضْحٌ لسرائرهم، والضِّغْنُ: الحقد، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: «أضغانهم» حسدهم [[أخرجه البخاري (8/ 442) ، كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 185) ، والسيوطي (6/ 54) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، انتهى.
محمد 47:27
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ ... الآية: قال قتادة: نزلَتْ في قَوْمٍ من اليهود [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية في «تفسيره» (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]] ، وقال ابن عباس وغيره: نَزَلَتْ في منافقين كانوا أَسْلَمُوا، ثم نافَقَتْ قُلُوبُهُم [[أخرجه الطبري (11/ 322) برقم: (31412) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) .]] ، والآيةُ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل في ضمن لفظها غابر الدّهر، وسَوَّلَ معناه: رجَّاهم سؤلهم وأمانِيهم، ونقل أبو الفتح عن بعضهم أَنَّهُ بمعنى دلاَّهم مأخوذٌ من السَّوَلِ، وهو الاسترخاء والتَّدَلِّي، وقال العراقيُّ سَوَّلَ أي: زيّن سوء الفعل.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ... الآية، قيل: إنَّها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدَّم ذِكْرُهم الآن، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانوا يَعِدُونَ المنافقين في أمر رسول الله ﷺ والخلافِ علَيْهِ بنَصْرٍ ومؤازرةٍ فذلك قولهم: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وقرأ الجمهور: «أَسْرَارَهُمْ» - بفتح الهمزة-، وقرأ حمزة والكسائيُّ وحفص:
«إسْرَارَهُمْ» - بكسرها [[وحجة من أفرد قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ [التوبة: 78] فلما أفرد السر ولم يجمع فكذلك قال: «إسرارهم» . وأما الآخرون، فكأنهم جمعوا للاختلاف في ضروب السر، وقد قيل: إنه جمع فأخرج الأسرار بعددهم، كما قال بعدها: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.
ينظر: «حجة القراءات» (669) ، و «السبعة» (601) ، و «الحجة» (6/ 196) ، و «إعراب القراءات» (2/ 326) ، و «معاني القراءات» (2/ 387) ، و «شرح الطيبة» (6/ 10) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (669) ، و «شرح شعلة» (586) ، و «إتحاف» (2/ 478) .]] -.
وقوله سبحانه: فَكَيْفَ إِذا/ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَعْنِي: مَلَكَ المَوْتِ وأعوانه، والضمير في يَضْرِبُونَ للملائكة، وفي نحو هذا أحاديثُ تقتضي صفة الحالِ، وما أَسْخَطَ اللَّهَ: هو الكفر، والرِّضْوَانُ: هنا الحَقُّ والشَّرْعُ المُؤَدِّي إلى الرضوان.
وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... الآية، توبيخٍ للمنافقين وَفَضْحٌ لسرائرهم، والضِّغْنُ: الحقد، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: «أضغانهم» حسدهم [[أخرجه البخاري (8/ 442) ، كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 185) ، والسيوطي (6/ 54) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، انتهى.
محمد 47:28
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ ... الآية: قال قتادة: نزلَتْ في قَوْمٍ من اليهود [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية في «تفسيره» (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]] ، وقال ابن عباس وغيره: نَزَلَتْ في منافقين كانوا أَسْلَمُوا، ثم نافَقَتْ قُلُوبُهُم [[أخرجه الطبري (11/ 322) برقم: (31412) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) .]] ، والآيةُ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل في ضمن لفظها غابر الدّهر، وسَوَّلَ معناه: رجَّاهم سؤلهم وأمانِيهم، ونقل أبو الفتح عن بعضهم أَنَّهُ بمعنى دلاَّهم مأخوذٌ من السَّوَلِ، وهو الاسترخاء والتَّدَلِّي، وقال العراقيُّ سَوَّلَ أي: زيّن سوء الفعل.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ... الآية، قيل: إنَّها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدَّم ذِكْرُهم الآن، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانوا يَعِدُونَ المنافقين في أمر رسول الله ﷺ والخلافِ علَيْهِ بنَصْرٍ ومؤازرةٍ فذلك قولهم: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وقرأ الجمهور: «أَسْرَارَهُمْ» - بفتح الهمزة-، وقرأ حمزة والكسائيُّ وحفص:
«إسْرَارَهُمْ» - بكسرها [[وحجة من أفرد قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ [التوبة: 78] فلما أفرد السر ولم يجمع فكذلك قال: «إسرارهم» . وأما الآخرون، فكأنهم جمعوا للاختلاف في ضروب السر، وقد قيل: إنه جمع فأخرج الأسرار بعددهم، كما قال بعدها: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.
ينظر: «حجة القراءات» (669) ، و «السبعة» (601) ، و «الحجة» (6/ 196) ، و «إعراب القراءات» (2/ 326) ، و «معاني القراءات» (2/ 387) ، و «شرح الطيبة» (6/ 10) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (669) ، و «شرح شعلة» (586) ، و «إتحاف» (2/ 478) .]] -.
وقوله سبحانه: فَكَيْفَ إِذا/ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَعْنِي: مَلَكَ المَوْتِ وأعوانه، والضمير في يَضْرِبُونَ للملائكة، وفي نحو هذا أحاديثُ تقتضي صفة الحالِ، وما أَسْخَطَ اللَّهَ: هو الكفر، والرِّضْوَانُ: هنا الحَقُّ والشَّرْعُ المُؤَدِّي إلى الرضوان.
وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... الآية، توبيخٍ للمنافقين وَفَضْحٌ لسرائرهم، والضِّغْنُ: الحقد، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: «أضغانهم» حسدهم [[أخرجه البخاري (8/ 442) ، كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 185) ، والسيوطي (6/ 54) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، انتهى.
محمد 47:29
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ ... الآية: قال قتادة: نزلَتْ في قَوْمٍ من اليهود [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية في «تفسيره» (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]] ، وقال ابن عباس وغيره: نَزَلَتْ في منافقين كانوا أَسْلَمُوا، ثم نافَقَتْ قُلُوبُهُم [[أخرجه الطبري (11/ 322) برقم: (31412) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 184) ، وابن عطية (5/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 53) .]] ، والآيةُ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل في ضمن لفظها غابر الدّهر، وسَوَّلَ معناه: رجَّاهم سؤلهم وأمانِيهم، ونقل أبو الفتح عن بعضهم أَنَّهُ بمعنى دلاَّهم مأخوذٌ من السَّوَلِ، وهو الاسترخاء والتَّدَلِّي، وقال العراقيُّ سَوَّلَ أي: زيّن سوء الفعل.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ... الآية، قيل: إنَّها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدَّم ذِكْرُهم الآن، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانوا يَعِدُونَ المنافقين في أمر رسول الله ﷺ والخلافِ علَيْهِ بنَصْرٍ ومؤازرةٍ فذلك قولهم: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وقرأ الجمهور: «أَسْرَارَهُمْ» - بفتح الهمزة-، وقرأ حمزة والكسائيُّ وحفص:
«إسْرَارَهُمْ» - بكسرها [[وحجة من أفرد قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ [التوبة: 78] فلما أفرد السر ولم يجمع فكذلك قال: «إسرارهم» . وأما الآخرون، فكأنهم جمعوا للاختلاف في ضروب السر، وقد قيل: إنه جمع فأخرج الأسرار بعددهم، كما قال بعدها: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.
ينظر: «حجة القراءات» (669) ، و «السبعة» (601) ، و «الحجة» (6/ 196) ، و «إعراب القراءات» (2/ 326) ، و «معاني القراءات» (2/ 387) ، و «شرح الطيبة» (6/ 10) ، و «العنوان» (176) ، و «حجة القراءات» (669) ، و «شرح شعلة» (586) ، و «إتحاف» (2/ 478) .]] -.
وقوله سبحانه: فَكَيْفَ إِذا/ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَعْنِي: مَلَكَ المَوْتِ وأعوانه، والضمير في يَضْرِبُونَ للملائكة، وفي نحو هذا أحاديثُ تقتضي صفة الحالِ، وما أَسْخَطَ اللَّهَ: هو الكفر، والرِّضْوَانُ: هنا الحَقُّ والشَّرْعُ المُؤَدِّي إلى الرضوان.
وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... الآية، توبيخٍ للمنافقين وَفَضْحٌ لسرائرهم، والضِّغْنُ: الحقد، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: «أضغانهم» حسدهم [[أخرجه البخاري (8/ 442) ، كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 185) ، والسيوطي (6/ 54) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، انتهى.
محمد 47:30
وقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ ... الآية، لم يُعَيِّنْهُم سبحانه بالأسماء والتعريف التامّ إبقاءً عليهم وعلى قراباتهم، وإنْ كانوا قد عُرِفُوا بلحن القول، وكانوا في الاشتهار على مراتبَ كابنِ أُبَيٍّ وغيره، والسِّيما: العلامة، وقال ابن عباس والضَّحَّاكُ: إنَّ اللَّه تعالى قد عَرَّفَهُ بهم في سورة براءة بقوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [[أخرجه الطبري (11/ 324) برقم: (31416- 31417) ، وذكره ابن عطية (5/ 120) .]] [التوبة: 84] وفي قوله: «قل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عَدُوًّا» [التوبة: 83] قال ع: وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تامٍّ، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ سيعرفهم في لحن القول، أي: في مذهب القول ومنحاه ومَقْصِدهِ، واحتجَّ بهذه الآية مَنْ جعل الحَدَّ في التعريض بالقذف.
- ص-: قال أبو حيان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 84) .]] : «ولتعرفنهم» اللام جواب قسم محذوف، انتهى.
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ مخاطبة للجميع من مؤمن وكافر.
وقوله سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ... الآية، كان الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إنْ بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ ... الآية، قالت فرقة: نزلت في بني إسرائيل، وقالت/ فرقة: نَزَلَتْ في قوم من المنافقين، وهذا نحو ما تقدم، وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين في سفرة بدر [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 176) ، وابن عطية (5/ 121) .]] ، وقالت فرقة: بل هِي عامَّةٌ في كل كافر.
وقوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً تحقيرٌ لهم.
محمد 47:31
وقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ ... الآية، لم يُعَيِّنْهُم سبحانه بالأسماء والتعريف التامّ إبقاءً عليهم وعلى قراباتهم، وإنْ كانوا قد عُرِفُوا بلحن القول، وكانوا في الاشتهار على مراتبَ كابنِ أُبَيٍّ وغيره، والسِّيما: العلامة، وقال ابن عباس والضَّحَّاكُ: إنَّ اللَّه تعالى قد عَرَّفَهُ بهم في سورة براءة بقوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [[أخرجه الطبري (11/ 324) برقم: (31416- 31417) ، وذكره ابن عطية (5/ 120) .]] [التوبة: 84] وفي قوله: «قل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عَدُوًّا» [التوبة: 83] قال ع: وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تامٍّ، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ سيعرفهم في لحن القول، أي: في مذهب القول ومنحاه ومَقْصِدهِ، واحتجَّ بهذه الآية مَنْ جعل الحَدَّ في التعريض بالقذف.
- ص-: قال أبو حيان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 84) .]] : «ولتعرفنهم» اللام جواب قسم محذوف، انتهى.
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ مخاطبة للجميع من مؤمن وكافر.
وقوله سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ... الآية، كان الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إنْ بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ ... الآية، قالت فرقة: نزلت في بني إسرائيل، وقالت/ فرقة: نَزَلَتْ في قوم من المنافقين، وهذا نحو ما تقدم، وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين في سفرة بدر [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 176) ، وابن عطية (5/ 121) .]] ، وقالت فرقة: بل هِي عامَّةٌ في كل كافر.
وقوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً تحقيرٌ لهم.
محمد 47:32
وقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ ... الآية، لم يُعَيِّنْهُم سبحانه بالأسماء والتعريف التامّ إبقاءً عليهم وعلى قراباتهم، وإنْ كانوا قد عُرِفُوا بلحن القول، وكانوا في الاشتهار على مراتبَ كابنِ أُبَيٍّ وغيره، والسِّيما: العلامة، وقال ابن عباس والضَّحَّاكُ: إنَّ اللَّه تعالى قد عَرَّفَهُ بهم في سورة براءة بقوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [[أخرجه الطبري (11/ 324) برقم: (31416- 31417) ، وذكره ابن عطية (5/ 120) .]] [التوبة: 84] وفي قوله: «قل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عَدُوًّا» [التوبة: 83] قال ع: وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تامٍّ، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ سيعرفهم في لحن القول، أي: في مذهب القول ومنحاه ومَقْصِدهِ، واحتجَّ بهذه الآية مَنْ جعل الحَدَّ في التعريض بالقذف.
- ص-: قال أبو حيان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 84) .]] : «ولتعرفنهم» اللام جواب قسم محذوف، انتهى.
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ مخاطبة للجميع من مؤمن وكافر.
وقوله سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ... الآية، كان الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إنْ بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ ... الآية، قالت فرقة: نزلت في بني إسرائيل، وقالت/ فرقة: نَزَلَتْ في قوم من المنافقين، وهذا نحو ما تقدم، وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين في سفرة بدر [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 176) ، وابن عطية (5/ 121) .]] ، وقالت فرقة: بل هِي عامَّةٌ في كل كافر.
وقوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً تحقيرٌ لهم.
محمد 47:33
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ رَوِيَ أَنَّ هذه الآية نزلت في بني أَسَدٍ من العرب، وذلك أَنَّهم أسلموا، وقالوا للنبي- ﷺ-:
نحن آثرناك على كُلِّ شيء، وجئناك بأنفسنا وأهلينا، كأَنَّهم يمنُّون بذلك، فنزل فيهم:
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ... [[أخرجه النسائي في «الكبرى» (6/ 467) ، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا (11519/ 1) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 113) ، وعزاه إلى البزار، وابن مردويه.]] الآية، ونزلت فيهم هذه الآية وظاهر الآية العموم.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ...
الآية، رُوِيَ أَنَّها نزلت بسبب أَنَّ عديَّ بن حاتم قال: يا رسول اللَّه، إنَّ حَاتِماً كَانَتْ لَهُ أَفْعَالُ بِرٍّ فَمَا حَالُهُ؟ فقال النبيّ ﷺ: هُوَ في النَّارِ فَبَكَى عَدِيُّ، وَوَلَّى فَدَعَاهُ النبيّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «أَبي وَأَبُوكَ وَأَبُو إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرحمن في النَّارِ» ونزلت هذه الآية في ذلك [[أخرجه أحمد (4/ 258) بلفظ: قلت: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال:
«إن أباك أراد أمرا فأدركه» .]] ، وظاهر الآية العموم في كُلِّ ما تناوَلته الصفة.
وقوله سبحانه: فَلا تَهِنُوا معناه: لا تَضْعُفُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أي: إلى المسالمة، وقال قتادة: معنى الآية: لا تكونوا أُولَى الطائفتين ضَرَعَتْ للأخرَى [[أخرجه الطبري (11/ 326، 327) برقم: (31426، 31428) ، وذكره ابن عطية (5/ 122) .]] : قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 122) .]] وهذا حَسَنٌ مُلْتئِمٌ مع قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال:
61] .
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضع الحال، المعنى: فلا تَهِنُوا وأنتم في هذه الحال، ويحتمل أنْ يكون إخباراً بمغيب أبرزه الوجودُ بعد ذلك، والأعلون: معناه الغالبون والظاهرون من العُلُوِّ.
وقوله: وَاللَّهُ مَعَكُمْ معناه: / بنصره ومَعُونَتِهِ وَيتِرُ معناهُ: يُنْقِصُ ويُذْهِبُ، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم.
محمد 47:34
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ رَوِيَ أَنَّ هذه الآية نزلت في بني أَسَدٍ من العرب، وذلك أَنَّهم أسلموا، وقالوا للنبي- ﷺ-:
نحن آثرناك على كُلِّ شيء، وجئناك بأنفسنا وأهلينا، كأَنَّهم يمنُّون بذلك، فنزل فيهم:
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ... [[أخرجه النسائي في «الكبرى» (6/ 467) ، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا (11519/ 1) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 113) ، وعزاه إلى البزار، وابن مردويه.]] الآية، ونزلت فيهم هذه الآية وظاهر الآية العموم.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ...
الآية، رُوِيَ أَنَّها نزلت بسبب أَنَّ عديَّ بن حاتم قال: يا رسول اللَّه، إنَّ حَاتِماً كَانَتْ لَهُ أَفْعَالُ بِرٍّ فَمَا حَالُهُ؟ فقال النبيّ ﷺ: هُوَ في النَّارِ فَبَكَى عَدِيُّ، وَوَلَّى فَدَعَاهُ النبيّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «أَبي وَأَبُوكَ وَأَبُو إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرحمن في النَّارِ» ونزلت هذه الآية في ذلك [[أخرجه أحمد (4/ 258) بلفظ: قلت: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال:
«إن أباك أراد أمرا فأدركه» .]] ، وظاهر الآية العموم في كُلِّ ما تناوَلته الصفة.
وقوله سبحانه: فَلا تَهِنُوا معناه: لا تَضْعُفُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أي: إلى المسالمة، وقال قتادة: معنى الآية: لا تكونوا أُولَى الطائفتين ضَرَعَتْ للأخرَى [[أخرجه الطبري (11/ 326، 327) برقم: (31426، 31428) ، وذكره ابن عطية (5/ 122) .]] : قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 122) .]] وهذا حَسَنٌ مُلْتئِمٌ مع قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال:
61] .
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضع الحال، المعنى: فلا تَهِنُوا وأنتم في هذه الحال، ويحتمل أنْ يكون إخباراً بمغيب أبرزه الوجودُ بعد ذلك، والأعلون: معناه الغالبون والظاهرون من العُلُوِّ.
وقوله: وَاللَّهُ مَعَكُمْ معناه: / بنصره ومَعُونَتِهِ وَيتِرُ معناهُ: يُنْقِصُ ويُذْهِبُ، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم.
محمد 47:35
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ رَوِيَ أَنَّ هذه الآية نزلت في بني أَسَدٍ من العرب، وذلك أَنَّهم أسلموا، وقالوا للنبي- ﷺ-:
نحن آثرناك على كُلِّ شيء، وجئناك بأنفسنا وأهلينا، كأَنَّهم يمنُّون بذلك، فنزل فيهم:
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ... [[أخرجه النسائي في «الكبرى» (6/ 467) ، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا (11519/ 1) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 113) ، وعزاه إلى البزار، وابن مردويه.]] الآية، ونزلت فيهم هذه الآية وظاهر الآية العموم.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ...
الآية، رُوِيَ أَنَّها نزلت بسبب أَنَّ عديَّ بن حاتم قال: يا رسول اللَّه، إنَّ حَاتِماً كَانَتْ لَهُ أَفْعَالُ بِرٍّ فَمَا حَالُهُ؟ فقال النبيّ ﷺ: هُوَ في النَّارِ فَبَكَى عَدِيُّ، وَوَلَّى فَدَعَاهُ النبيّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «أَبي وَأَبُوكَ وَأَبُو إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرحمن في النَّارِ» ونزلت هذه الآية في ذلك [[أخرجه أحمد (4/ 258) بلفظ: قلت: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال:
«إن أباك أراد أمرا فأدركه» .]] ، وظاهر الآية العموم في كُلِّ ما تناوَلته الصفة.
وقوله سبحانه: فَلا تَهِنُوا معناه: لا تَضْعُفُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أي: إلى المسالمة، وقال قتادة: معنى الآية: لا تكونوا أُولَى الطائفتين ضَرَعَتْ للأخرَى [[أخرجه الطبري (11/ 326، 327) برقم: (31426، 31428) ، وذكره ابن عطية (5/ 122) .]] : قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 122) .]] وهذا حَسَنٌ مُلْتئِمٌ مع قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال:
61] .
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضع الحال، المعنى: فلا تَهِنُوا وأنتم في هذه الحال، ويحتمل أنْ يكون إخباراً بمغيب أبرزه الوجودُ بعد ذلك، والأعلون: معناه الغالبون والظاهرون من العُلُوِّ.
وقوله: وَاللَّهُ مَعَكُمْ معناه: / بنصره ومَعُونَتِهِ وَيتِرُ معناهُ: يُنْقِصُ ويُذْهِبُ، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم.
محمد 47:36
وقوله سبحانه: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ تحقير لأمر الدنيا.
وقوله: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ معناه: هذا هو المطلوب منكم، لا غيره لا تُسْأَلُون أموالكم، ثم قال سبحانهُ مُنَبِّهاً على خُلق ابن آدم: إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا والإحفاء هو أشدُّ السؤال، وهو الذي يستخرج ما عند المسئول كرها.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَيُحْفِكُمْ أي: يجهدكم ويلحف عليكم.
وقوله: تَبْخَلُوا جزماً على جواب الشرط وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ أي: يخرج اللَّه أضغانكم، وقرأ يعقوب: «وَنُخْرِجْ» بالنون، والأضغان: مُعْتَقَدَاتُ السوء [[وقرأ بها ابن عبّاس.
ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (142) ، و «المحرر الوجيز» (5/ 123) ، و «البحر المحيط» (8/ 85) ، و «الدر المصون» (6/ 158) .]] ، وهو الذي كان يخاف أنْ يعترِيَ المسلمين، ثم وقف اللَّه تعالى عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم بقوله: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ وكرر «هاء» التنبيه تأكيداً.
وقوله تعالى: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أي: بالثواب وَاللَّهُ الْغَنِيُّ أي:
عن صدقاتكم وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى ثوابها.
ت: هذا لفظ الثعلبيِّ، قال ع: يقال: بَخِلْتُ عليك بكذا، وبخلت عنك بمعنى أمسكت عنك، وروى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. غريبٌ، انتهى [[أخرجه الترمذي (4/ 302) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في السخاء، حديث (1961) ، والعقيلي في «الضعفاء» (2/ 117) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 429) (10852) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 180) - بتحقيقنا، كلهم من طريق سعيد بن محمّد الوراق عن يحيى بن سعيد عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا.
قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمّد، وقد خولف سعيد بن محمّد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إنما يروى عن يحيى بن سعيد عن عائشة شيء مرسل. اهـ.
وقال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث يحيى ولا غيره وقال ابن الجوزي: لا يصح، المتهم به سعيد بن محمّد الوراق، قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن محمّد وهو ضعيف. -- وقال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (2/ 91) (قلت) أخرجه الترمذي، وابن حبان في «روضة العقلاء» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ، والخطيب في كتاب «البخلاء» من طريق عن سعيد الوراق به، وقال ابن حبان: غريب، وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن محمّد الوراق وهو ضعيف، والله أعلم.
اهـ. وللحديث شواهد من حديث عائشة، وأنس، وجابر.
حديث عائشة:
أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «اللآلئ» (2/ 92) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 428- 429) (10850) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 181) - بتحقيقنا، من طريق سعيد بن مسلمة، حدثنا يحيى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم التيمي عن عائشة مرفوعا بلفظ: «السخي قريب من الله قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العاقل البخيل» . قال ابن الجوزي: سعيد بن مسلمة، قال يحيى: ليس بشيء، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا فاحش الخطأ، وقال ابن عدي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث يحيى بن سعيد ولا غيره، وقال الدارقطني: لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شيء بوجه اهـ.
وللحديث طريق آخر عن عائشة:
أخرجه الخطيب في كتاب «البخلاء» كما في «اللآلئ» (2/ 92) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 181) من طريق خالد بن يحيى القاضي عن غريب بن عبد الواحد القرشي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعا.
وقال ابن الجوزي: خالد وغريب مجهولان.
وقال السيوطي: أقره صاحب «الميزان» على أن اسمه غريب، والذي في كتاب «البخلاء» للخطيب:
عنبسة بن عبد الواحد. اهـ.
وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 428) (10847) من طريق تليد بن سليمان، وسعيد بن مسلمة عن يحيى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عائشة مرفوعا.
وقال البيهقي: تليد وسعيد ضعيفان.
وأقره صاحب «اللآلئ» (2/ 92) .
حديث أنس:
أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 180) - بتحقيقنا، من طريق محمّد بن تميم، حدثنا قبيصة بن محمّد عن موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا: «لما خلق الله الإيمان قال:
«إلهي، قوني، فقواه بحسن الخلق، ثم خلق الكفر فقال الكفر: إلهي قوني، فقواه بالبخل، ثم خلق الجنة، ثم استوى على العرش، ثم قال: ملائكتي فقالوا: ربنا، لبيك وسعديك قال: السخي قريب من جنتي قريب من ملائكتي بعيد من النار، والبخيل بعيد مني بعيد من ملائكتي قريب من النار» .
قال ابن الجوزي: المتهم به محمّد بن تميم قال ابن حبان: كان يضع الحديث.
وقال السيوطي في «اللآلئ» (2/ 92) محمّد بن تميم يضع.
حديث جابر:
أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 428) (10848) من طريق سعيد بن مسلمة، عن جعفر بن محمّد عن أبيه، عن جابر مرفوعا.- وقد تقدم ضعف سعيد: وللحديث شاهد أيضا من حديث ابن عبّاس: أخرجه تمام في فوائده كما في «اللآلئ» (2/ 93) ، وفيه محمّد بن زكريا الغلابي.
قال الدارقطني: يضع الحديث.
ينظر: «تنزيه الشريعة» (1/ 105) .
والحديث: ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» (4/ 138) - فيض، برقم: (4804) ، من حديث أبي هريرة، وجابر، وعائشة، ورمز له بالضعف، ووافقه المناوي في «شرحه» وقال المناوي في «الفيض» (4/ 138- 139) : (السخي قريب من الله) أي: من رحمته وثوابه، فليس المراد قرب المسافة، تعالى الله عنه، إذ لا يحل الجهات، ولا ينزل الأماكن، ولا تكتنفه الأقطار، (قريب من الناس) أي: من محبتهم فالمراد: قرب المودة، (قريب من الجنة) لسعيه فيما يدنيه منها، وسلوكه طريقها، فالمراد هنا قرب المسافة، وذلك جائز عليها لأنها مخلوقة، وقربه منها: برفع الحجاب بينه وبينها، وبعده عنها:
كثرة الحجب، فإذا قلّت الحجب بينك وبين الشيء. قلت مسافته، أنشد بعضهم:
يقولون لي دار الأحبة قد دنت ... وأنت كئيب إن ذا لعجيب
فقلت وما تغني ديار قريبة ... إذا لم يكن بين القلوب قريب
والجنة والنار محجوبتان عن الخلق بما حفتا به من المكاره والشهوات، وطريق هتك هذه الحجب مبينة في مثل: «الإحياء» ، و «القوت» من كتب القوم، (بعيد من النار والبخيل بعيد من الله) أي: من رحمته، (بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار) ، وقال الغزالي: والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا، والسخاء ثمرة الزهد والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة، والسخاء: ينشأ من حقيقة التوحيد والتوكل والثقة بوعد الله وضمانه للرزق، وهذه أغصان شجرة التوحيد التي أشار إليها الحديث، والبخل: ينشأ من الشرك وهو الوقوف مع الأسباب والشك في الوعد، قال الطيبي: التعريف في السخي والبخيل للعهد الذهني وهو ما عرف شرعا أن السخي من هو والبخيل من هو، وذلك أن من أدى الزكاة فقد امتثل أمر الله، وعظمه، وأظهر الشفقة على خلقه، وواساهم بماله، فهو قريب من الله وقريب من الناس، فلا تكون منزلته إلا الجنة، ومن لم يكن كذلك فبالعكس ولذلك كان جاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل، كما قال: (ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل) فخولف ليفيد أن الجاهل غير العابد السخي أحب إلى الله من العابد العالم البخيل، فيالها من حسنة غطت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيئة حطت حسنتين خطيرتين، على أن الجاهل السخي سريع الانقياد بما يؤمر به من نحو تعلم، وإلى ما ينهى عنه بخلاف العالم البخيل، (تنبيه) قال الراغب: من شرف السخاء والجود، أن الله قرن اسمه بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفلاح أجمع لسعادة الدارين، وحق للجود أن يقترن بالإيمان، فلا شيء أخص منه به ولا أشد مجانسة له فمن صفة المؤمن: انشراح الصدر فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، وهما من صفة الجواد والبخيل لأن الجواد يوصف بسعة الصدر والبخيل بضيقه اهـ.]] .
وقوله سبحانه: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قالت فرقة: هذا الخطاب لجميعِ المسلمين والمشركين والعرب حينئذٍ، والقوم الغير هم فارس، وروى أبو هريرة أنّ النبيّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هذا وَكَانَ سَلْمَانُ إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَقَالَ: «قَوْمُ هَذَا لَوْ كَانَ الدِّينُ في الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ من أهل فارس» [[أخرجه البخاري (8/ 510) كتاب «التفسير» باب: قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ (4897) ، ومسلم (4/ 1972) ، كتاب «فضائل الصحابة» باب: فضل فارس (230- 231/ 2546) ، وأحمد (2/ 309) .]] .
وقوله سبحانه: ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ معناه: في الخلاف والتوَلى والبُخْلِ بالأموال ونحوِ هذا، وحكى الثعلبيُّ قولاً أَنَّ القوم الغير هم الملائكة.
ت: وليس لأحد مع الحديث: إذا صَحَّ نظر، ولولا الحديثُ لاحتمل أن يكون الغير ما يأتي من الخَلَفِ بعد ذهاب السَّلَفِ، على ما ذكر في غير هذا الموضع.
محمد 47:37
وقوله سبحانه: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ تحقير لأمر الدنيا.
وقوله: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ معناه: هذا هو المطلوب منكم، لا غيره لا تُسْأَلُون أموالكم، ثم قال سبحانهُ مُنَبِّهاً على خُلق ابن آدم: إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا والإحفاء هو أشدُّ السؤال، وهو الذي يستخرج ما عند المسئول كرها.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَيُحْفِكُمْ أي: يجهدكم ويلحف عليكم.
وقوله: تَبْخَلُوا جزماً على جواب الشرط وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ أي: يخرج اللَّه أضغانكم، وقرأ يعقوب: «وَنُخْرِجْ» بالنون، والأضغان: مُعْتَقَدَاتُ السوء [[وقرأ بها ابن عبّاس.
ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (142) ، و «المحرر الوجيز» (5/ 123) ، و «البحر المحيط» (8/ 85) ، و «الدر المصون» (6/ 158) .]] ، وهو الذي كان يخاف أنْ يعترِيَ المسلمين، ثم وقف اللَّه تعالى عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم بقوله: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ وكرر «هاء» التنبيه تأكيداً.
وقوله تعالى: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أي: بالثواب وَاللَّهُ الْغَنِيُّ أي:
عن صدقاتكم وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى ثوابها.
ت: هذا لفظ الثعلبيِّ، قال ع: يقال: بَخِلْتُ عليك بكذا، وبخلت عنك بمعنى أمسكت عنك، وروى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. غريبٌ، انتهى [[أخرجه الترمذي (4/ 302) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في السخاء، حديث (1961) ، والعقيلي في «الضعفاء» (2/ 117) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 429) (10852) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 180) - بتحقيقنا، كلهم من طريق سعيد بن محمّد الوراق عن يحيى بن سعيد عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا.
قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمّد، وقد خولف سعيد بن محمّد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إنما يروى عن يحيى بن سعيد عن عائشة شيء مرسل. اهـ.
وقال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث يحيى ولا غيره وقال ابن الجوزي: لا يصح، المتهم به سعيد بن محمّد الوراق، قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن محمّد وهو ضعيف. -- وقال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (2/ 91) (قلت) أخرجه الترمذي، وابن حبان في «روضة العقلاء» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ، والخطيب في كتاب «البخلاء» من طريق عن سعيد الوراق به، وقال ابن حبان: غريب، وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن محمّد الوراق وهو ضعيف، والله أعلم.
اهـ. وللحديث شواهد من حديث عائشة، وأنس، وجابر.
حديث عائشة:
أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «اللآلئ» (2/ 92) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 428- 429) (10850) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 181) - بتحقيقنا، من طريق سعيد بن مسلمة، حدثنا يحيى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم التيمي عن عائشة مرفوعا بلفظ: «السخي قريب من الله قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العاقل البخيل» . قال ابن الجوزي: سعيد بن مسلمة، قال يحيى: ليس بشيء، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا فاحش الخطأ، وقال ابن عدي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث يحيى بن سعيد ولا غيره، وقال الدارقطني: لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شيء بوجه اهـ.
وللحديث طريق آخر عن عائشة:
أخرجه الخطيب في كتاب «البخلاء» كما في «اللآلئ» (2/ 92) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 181) من طريق خالد بن يحيى القاضي عن غريب بن عبد الواحد القرشي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعا.
وقال ابن الجوزي: خالد وغريب مجهولان.
وقال السيوطي: أقره صاحب «الميزان» على أن اسمه غريب، والذي في كتاب «البخلاء» للخطيب:
عنبسة بن عبد الواحد. اهـ.
وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 428) (10847) من طريق تليد بن سليمان، وسعيد بن مسلمة عن يحيى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عائشة مرفوعا.
وقال البيهقي: تليد وسعيد ضعيفان.
وأقره صاحب «اللآلئ» (2/ 92) .
حديث أنس:
أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 180) - بتحقيقنا، من طريق محمّد بن تميم، حدثنا قبيصة بن محمّد عن موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا: «لما خلق الله الإيمان قال:
«إلهي، قوني، فقواه بحسن الخلق، ثم خلق الكفر فقال الكفر: إلهي قوني، فقواه بالبخل، ثم خلق الجنة، ثم استوى على العرش، ثم قال: ملائكتي فقالوا: ربنا، لبيك وسعديك قال: السخي قريب من جنتي قريب من ملائكتي بعيد من النار، والبخيل بعيد مني بعيد من ملائكتي قريب من النار» .
قال ابن الجوزي: المتهم به محمّد بن تميم قال ابن حبان: كان يضع الحديث.
وقال السيوطي في «اللآلئ» (2/ 92) محمّد بن تميم يضع.
حديث جابر:
أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 428) (10848) من طريق سعيد بن مسلمة، عن جعفر بن محمّد عن أبيه، عن جابر مرفوعا.- وقد تقدم ضعف سعيد: وللحديث شاهد أيضا من حديث ابن عبّاس: أخرجه تمام في فوائده كما في «اللآلئ» (2/ 93) ، وفيه محمّد بن زكريا الغلابي.
قال الدارقطني: يضع الحديث.
ينظر: «تنزيه الشريعة» (1/ 105) .
والحديث: ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» (4/ 138) - فيض، برقم: (4804) ، من حديث أبي هريرة، وجابر، وعائشة، ورمز له بالضعف، ووافقه المناوي في «شرحه» وقال المناوي في «الفيض» (4/ 138- 139) : (السخي قريب من الله) أي: من رحمته وثوابه، فليس المراد قرب المسافة، تعالى الله عنه، إذ لا يحل الجهات، ولا ينزل الأماكن، ولا تكتنفه الأقطار، (قريب من الناس) أي: من محبتهم فالمراد: قرب المودة، (قريب من الجنة) لسعيه فيما يدنيه منها، وسلوكه طريقها، فالمراد هنا قرب المسافة، وذلك جائز عليها لأنها مخلوقة، وقربه منها: برفع الحجاب بينه وبينها، وبعده عنها:
كثرة الحجب، فإذا قلّت الحجب بينك وبين الشيء. قلت مسافته، أنشد بعضهم:
يقولون لي دار الأحبة قد دنت ... وأنت كئيب إن ذا لعجيب
فقلت وما تغني ديار قريبة ... إذا لم يكن بين القلوب قريب
والجنة والنار محجوبتان عن الخلق بما حفتا به من المكاره والشهوات، وطريق هتك هذه الحجب مبينة في مثل: «الإحياء» ، و «القوت» من كتب القوم، (بعيد من النار والبخيل بعيد من الله) أي: من رحمته، (بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار) ، وقال الغزالي: والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا، والسخاء ثمرة الزهد والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة، والسخاء: ينشأ من حقيقة التوحيد والتوكل والثقة بوعد الله وضمانه للرزق، وهذه أغصان شجرة التوحيد التي أشار إليها الحديث، والبخل: ينشأ من الشرك وهو الوقوف مع الأسباب والشك في الوعد، قال الطيبي: التعريف في السخي والبخيل للعهد الذهني وهو ما عرف شرعا أن السخي من هو والبخيل من هو، وذلك أن من أدى الزكاة فقد امتثل أمر الله، وعظمه، وأظهر الشفقة على خلقه، وواساهم بماله، فهو قريب من الله وقريب من الناس، فلا تكون منزلته إلا الجنة، ومن لم يكن كذلك فبالعكس ولذلك كان جاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل، كما قال: (ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل) فخولف ليفيد أن الجاهل غير العابد السخي أحب إلى الله من العابد العالم البخيل، فيالها من حسنة غطت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيئة حطت حسنتين خطيرتين، على أن الجاهل السخي سريع الانقياد بما يؤمر به من نحو تعلم، وإلى ما ينهى عنه بخلاف العالم البخيل، (تنبيه) قال الراغب: من شرف السخاء والجود، أن الله قرن اسمه بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفلاح أجمع لسعادة الدارين، وحق للجود أن يقترن بالإيمان، فلا شيء أخص منه به ولا أشد مجانسة له فمن صفة المؤمن: انشراح الصدر فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، وهما من صفة الجواد والبخيل لأن الجواد يوصف بسعة الصدر والبخيل بضيقه اهـ.]] .
وقوله سبحانه: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قالت فرقة: هذا الخطاب لجميعِ المسلمين والمشركين والعرب حينئذٍ، والقوم الغير هم فارس، وروى أبو هريرة أنّ النبيّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هذا وَكَانَ سَلْمَانُ إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَقَالَ: «قَوْمُ هَذَا لَوْ كَانَ الدِّينُ في الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ من أهل فارس» [[أخرجه البخاري (8/ 510) كتاب «التفسير» باب: قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ (4897) ، ومسلم (4/ 1972) ، كتاب «فضائل الصحابة» باب: فضل فارس (230- 231/ 2546) ، وأحمد (2/ 309) .]] .
وقوله سبحانه: ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ معناه: في الخلاف والتوَلى والبُخْلِ بالأموال ونحوِ هذا، وحكى الثعلبيُّ قولاً أَنَّ القوم الغير هم الملائكة.
ت: وليس لأحد مع الحديث: إذا صَحَّ نظر، ولولا الحديثُ لاحتمل أن يكون الغير ما يأتي من الخَلَفِ بعد ذهاب السَّلَفِ، على ما ذكر في غير هذا الموضع.
محمد 47:38
وقوله سبحانه: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ تحقير لأمر الدنيا.
وقوله: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ معناه: هذا هو المطلوب منكم، لا غيره لا تُسْأَلُون أموالكم، ثم قال سبحانهُ مُنَبِّهاً على خُلق ابن آدم: إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا والإحفاء هو أشدُّ السؤال، وهو الذي يستخرج ما عند المسئول كرها.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَيُحْفِكُمْ أي: يجهدكم ويلحف عليكم.
وقوله: تَبْخَلُوا جزماً على جواب الشرط وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ أي: يخرج اللَّه أضغانكم، وقرأ يعقوب: «وَنُخْرِجْ» بالنون، والأضغان: مُعْتَقَدَاتُ السوء [[وقرأ بها ابن عبّاس.
ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (142) ، و «المحرر الوجيز» (5/ 123) ، و «البحر المحيط» (8/ 85) ، و «الدر المصون» (6/ 158) .]] ، وهو الذي كان يخاف أنْ يعترِيَ المسلمين، ثم وقف اللَّه تعالى عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم بقوله: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ وكرر «هاء» التنبيه تأكيداً.
وقوله تعالى: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أي: بالثواب وَاللَّهُ الْغَنِيُّ أي:
عن صدقاتكم وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى ثوابها.
ت: هذا لفظ الثعلبيِّ، قال ع: يقال: بَخِلْتُ عليك بكذا، وبخلت عنك بمعنى أمسكت عنك، وروى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. غريبٌ، انتهى [[أخرجه الترمذي (4/ 302) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في السخاء، حديث (1961) ، والعقيلي في «الضعفاء» (2/ 117) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 429) (10852) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 180) - بتحقيقنا، كلهم من طريق سعيد بن محمّد الوراق عن يحيى بن سعيد عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا.
قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمّد، وقد خولف سعيد بن محمّد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إنما يروى عن يحيى بن سعيد عن عائشة شيء مرسل. اهـ.
وقال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث يحيى ولا غيره وقال ابن الجوزي: لا يصح، المتهم به سعيد بن محمّد الوراق، قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن محمّد وهو ضعيف. -- وقال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (2/ 91) (قلت) أخرجه الترمذي، وابن حبان في «روضة العقلاء» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ، والخطيب في كتاب «البخلاء» من طريق عن سعيد الوراق به، وقال ابن حبان: غريب، وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن محمّد الوراق وهو ضعيف، والله أعلم.
اهـ. وللحديث شواهد من حديث عائشة، وأنس، وجابر.
حديث عائشة:
أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «اللآلئ» (2/ 92) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 428- 429) (10850) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 181) - بتحقيقنا، من طريق سعيد بن مسلمة، حدثنا يحيى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم التيمي عن عائشة مرفوعا بلفظ: «السخي قريب من الله قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العاقل البخيل» . قال ابن الجوزي: سعيد بن مسلمة، قال يحيى: ليس بشيء، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا فاحش الخطأ، وقال ابن عدي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث يحيى بن سعيد ولا غيره، وقال الدارقطني: لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شيء بوجه اهـ.
وللحديث طريق آخر عن عائشة:
أخرجه الخطيب في كتاب «البخلاء» كما في «اللآلئ» (2/ 92) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 181) من طريق خالد بن يحيى القاضي عن غريب بن عبد الواحد القرشي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعا.
وقال ابن الجوزي: خالد وغريب مجهولان.
وقال السيوطي: أقره صاحب «الميزان» على أن اسمه غريب، والذي في كتاب «البخلاء» للخطيب:
عنبسة بن عبد الواحد. اهـ.
وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 428) (10847) من طريق تليد بن سليمان، وسعيد بن مسلمة عن يحيى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عائشة مرفوعا.
وقال البيهقي: تليد وسعيد ضعيفان.
وأقره صاحب «اللآلئ» (2/ 92) .
حديث أنس:
أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 180) - بتحقيقنا، من طريق محمّد بن تميم، حدثنا قبيصة بن محمّد عن موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا: «لما خلق الله الإيمان قال:
«إلهي، قوني، فقواه بحسن الخلق، ثم خلق الكفر فقال الكفر: إلهي قوني، فقواه بالبخل، ثم خلق الجنة، ثم استوى على العرش، ثم قال: ملائكتي فقالوا: ربنا، لبيك وسعديك قال: السخي قريب من جنتي قريب من ملائكتي بعيد من النار، والبخيل بعيد مني بعيد من ملائكتي قريب من النار» .
قال ابن الجوزي: المتهم به محمّد بن تميم قال ابن حبان: كان يضع الحديث.
وقال السيوطي في «اللآلئ» (2/ 92) محمّد بن تميم يضع.
حديث جابر:
أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 428) (10848) من طريق سعيد بن مسلمة، عن جعفر بن محمّد عن أبيه، عن جابر مرفوعا.- وقد تقدم ضعف سعيد: وللحديث شاهد أيضا من حديث ابن عبّاس: أخرجه تمام في فوائده كما في «اللآلئ» (2/ 93) ، وفيه محمّد بن زكريا الغلابي.
قال الدارقطني: يضع الحديث.
ينظر: «تنزيه الشريعة» (1/ 105) .
والحديث: ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» (4/ 138) - فيض، برقم: (4804) ، من حديث أبي هريرة، وجابر، وعائشة، ورمز له بالضعف، ووافقه المناوي في «شرحه» وقال المناوي في «الفيض» (4/ 138- 139) : (السخي قريب من الله) أي: من رحمته وثوابه، فليس المراد قرب المسافة، تعالى الله عنه، إذ لا يحل الجهات، ولا ينزل الأماكن، ولا تكتنفه الأقطار، (قريب من الناس) أي: من محبتهم فالمراد: قرب المودة، (قريب من الجنة) لسعيه فيما يدنيه منها، وسلوكه طريقها، فالمراد هنا قرب المسافة، وذلك جائز عليها لأنها مخلوقة، وقربه منها: برفع الحجاب بينه وبينها، وبعده عنها:
كثرة الحجب، فإذا قلّت الحجب بينك وبين الشيء. قلت مسافته، أنشد بعضهم:
يقولون لي دار الأحبة قد دنت ... وأنت كئيب إن ذا لعجيب
فقلت وما تغني ديار قريبة ... إذا لم يكن بين القلوب قريب
والجنة والنار محجوبتان عن الخلق بما حفتا به من المكاره والشهوات، وطريق هتك هذه الحجب مبينة في مثل: «الإحياء» ، و «القوت» من كتب القوم، (بعيد من النار والبخيل بعيد من الله) أي: من رحمته، (بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار) ، وقال الغزالي: والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا، والسخاء ثمرة الزهد والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة، والسخاء: ينشأ من حقيقة التوحيد والتوكل والثقة بوعد الله وضمانه للرزق، وهذه أغصان شجرة التوحيد التي أشار إليها الحديث، والبخل: ينشأ من الشرك وهو الوقوف مع الأسباب والشك في الوعد، قال الطيبي: التعريف في السخي والبخيل للعهد الذهني وهو ما عرف شرعا أن السخي من هو والبخيل من هو، وذلك أن من أدى الزكاة فقد امتثل أمر الله، وعظمه، وأظهر الشفقة على خلقه، وواساهم بماله، فهو قريب من الله وقريب من الناس، فلا تكون منزلته إلا الجنة، ومن لم يكن كذلك فبالعكس ولذلك كان جاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل، كما قال: (ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل) فخولف ليفيد أن الجاهل غير العابد السخي أحب إلى الله من العابد العالم البخيل، فيالها من حسنة غطت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيئة حطت حسنتين خطيرتين، على أن الجاهل السخي سريع الانقياد بما يؤمر به من نحو تعلم، وإلى ما ينهى عنه بخلاف العالم البخيل، (تنبيه) قال الراغب: من شرف السخاء والجود، أن الله قرن اسمه بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفلاح أجمع لسعادة الدارين، وحق للجود أن يقترن بالإيمان، فلا شيء أخص منه به ولا أشد مجانسة له فمن صفة المؤمن: انشراح الصدر فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، وهما من صفة الجواد والبخيل لأن الجواد يوصف بسعة الصدر والبخيل بضيقه اهـ.]] .
وقوله سبحانه: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قالت فرقة: هذا الخطاب لجميعِ المسلمين والمشركين والعرب حينئذٍ، والقوم الغير هم فارس، وروى أبو هريرة أنّ النبيّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هذا وَكَانَ سَلْمَانُ إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَقَالَ: «قَوْمُ هَذَا لَوْ كَانَ الدِّينُ في الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ من أهل فارس» [[أخرجه البخاري (8/ 510) كتاب «التفسير» باب: قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ (4897) ، ومسلم (4/ 1972) ، كتاب «فضائل الصحابة» باب: فضل فارس (230- 231/ 2546) ، وأحمد (2/ 309) .]] .
وقوله سبحانه: ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ معناه: في الخلاف والتوَلى والبُخْلِ بالأموال ونحوِ هذا، وحكى الثعلبيُّ قولاً أَنَّ القوم الغير هم الملائكة.
ت: وليس لأحد مع الحديث: إذا صَحَّ نظر، ولولا الحديثُ لاحتمل أن يكون الغير ما يأتي من الخَلَفِ بعد ذهاب السَّلَفِ، على ما ذكر في غير هذا الموضع.
الفتح 48:1
وهي مدنيّة هذه السورة نزلت على النبيّ ﷺ منصرفه من الحديبيّة، وفي ذلك أحاديث كثيرة عن أنس [[أخرجه البخاري (7/ 516) كتاب «المغازي» باب: غزوة الحديبية، قول الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18] (4172) ، (8/ 447) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4834) ، ومسلم (3/ 413) كتاب «الجهاد والسير» باب: صلح الحديبية في الحديبية (97، 97/ 1786) ، والترمذي (5/ 385- 386) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (3263) ، وأحمد (3/ 173) ، وابن ماجه (2/ 92، 94) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها (370- 371) ، والبيهقي (5/ 217) كتاب «الحج» باب: المحصر يذبح ويحل حيث أحصر.]] وابن مسعود غيرهما [[أخرجه البخاري (8/ 446) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4833) ، والترمذي (5/ 385) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (3262) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 461) ، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1499/ 1) ، وأحمد (1/ 31) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 154) كلهم عن عمر بن الخطاب.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، رواه بعضهم عن مالك مرسلا.]] ، وفي تلك السفرة قال النبي ﷺ لعمر: «لقد أنزلت عليّ اللّيلة سورة هي أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها» خرّجه البخاريّ وغيره.
قوله عز وجل: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ... الآية، قال قوم: يريد فَتْحَ مَكَّةَ، وقال جمهور الناس، وهو الصحيح الذي تَعْضُدُهُ قصة الحديبية: إنَّ قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ إنَّما معناه هو ما يسرّ الله عز وجل لنبيِّه في تلك الخرجة من الفتح البَيِّنِ الذي استقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين لأَنَّهم كانوا استوحشوا من رَدِّ قريشٍ لهم ومن تلك المهادنة التي جعلها/ اللَّه سبباً للفتوحات، واستقبل النبيّ ﷺ في تلك السفرة أَنَّهُ هَادَنَ عَدوَّه ريثما يَتَقَوَّى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب [[أخرجه الطبري (11/ 334) برقم: (31461- 31462) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 188) عن البراء بن عازب، وذكره ابن عطية (5/ 125) ، وابن كثير (4/ 182) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 58) .]] ، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ قاله الشَّعْبِيُّ [[ذكره ابن عطية (5/ 125) .]] ، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح فسرّ بها ﷺ هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، أي: وإِنْ لم يكن ذنب.
ت: قال الثعلبيُّ: قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها تشبيهاً بلام «كي» ، انتهى.
قال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى.
قال أبو حيان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 90) .]] : لِيَغْفِرَ اللام لِلْعِلَّةِ، وقال ع: هي لام الصيرورة، وقيل:
هي لام القسم، ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا تُكْسَرُ وَلا يُنْصَبُ بها، وأُجِيبَ بأَنَّ الكَسْرَ قد عُلِّلَ بالحمل على «لام كي» وأَمَّا الحركة فليست نصباً بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بَقِيَتْ بعد حذفها دَالَّةً على المحذوف، ورُدَّ باَّنَّهُ لم يُحْفَظْ من كلامهم: واللَّهِ ليقوم ولا باللَّه ليخرج زيد، انتهى.
وفي «صحيح البخاريِّ» عن أنس بن مالك: «إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً» : الحديبية [[أخرجه البخاري (8/ 447) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4834) ، والطبري (11/ 333) (31458) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 188) ، وابن عطية، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 58) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبيهقي.]] ، انتهى.
وقوله سبحانه: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: / بإظهارك وتغليبك على عَدُوِّك، والرُّضْوَانُ في الآخرة والسَّكِينَةُ فعيلة من السكون، وهو تسكين قلوبهم لتلك الهُدْنَةِ مع قريش حتَّى اطمأَنَّتْ، وعلموا أنّ وعد الله حق.
الفتح 48:2
وهي مدنيّة هذه السورة نزلت على النبيّ ﷺ منصرفه من الحديبيّة، وفي ذلك أحاديث كثيرة عن أنس [[أخرجه البخاري (7/ 516) كتاب «المغازي» باب: غزوة الحديبية، قول الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18] (4172) ، (8/ 447) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4834) ، ومسلم (3/ 413) كتاب «الجهاد والسير» باب: صلح الحديبية في الحديبية (97، 97/ 1786) ، والترمذي (5/ 385- 386) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (3263) ، وأحمد (3/ 173) ، وابن ماجه (2/ 92، 94) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها (370- 371) ، والبيهقي (5/ 217) كتاب «الحج» باب: المحصر يذبح ويحل حيث أحصر.]] وابن مسعود غيرهما [[أخرجه البخاري (8/ 446) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4833) ، والترمذي (5/ 385) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (3262) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 461) ، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1499/ 1) ، وأحمد (1/ 31) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 154) كلهم عن عمر بن الخطاب.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، رواه بعضهم عن مالك مرسلا.]] ، وفي تلك السفرة قال النبي ﷺ لعمر: «لقد أنزلت عليّ اللّيلة سورة هي أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها» خرّجه البخاريّ وغيره.
قوله عز وجل: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ... الآية، قال قوم: يريد فَتْحَ مَكَّةَ، وقال جمهور الناس، وهو الصحيح الذي تَعْضُدُهُ قصة الحديبية: إنَّ قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ إنَّما معناه هو ما يسرّ الله عز وجل لنبيِّه في تلك الخرجة من الفتح البَيِّنِ الذي استقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين لأَنَّهم كانوا استوحشوا من رَدِّ قريشٍ لهم ومن تلك المهادنة التي جعلها/ اللَّه سبباً للفتوحات، واستقبل النبيّ ﷺ في تلك السفرة أَنَّهُ هَادَنَ عَدوَّه ريثما يَتَقَوَّى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب [[أخرجه الطبري (11/ 334) برقم: (31461- 31462) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 188) عن البراء بن عازب، وذكره ابن عطية (5/ 125) ، وابن كثير (4/ 182) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 58) .]] ، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ قاله الشَّعْبِيُّ [[ذكره ابن عطية (5/ 125) .]] ، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح فسرّ بها ﷺ هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، أي: وإِنْ لم يكن ذنب.
ت: قال الثعلبيُّ: قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها تشبيهاً بلام «كي» ، انتهى.
قال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى.
قال أبو حيان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 90) .]] : لِيَغْفِرَ اللام لِلْعِلَّةِ، وقال ع: هي لام الصيرورة، وقيل:
هي لام القسم، ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا تُكْسَرُ وَلا يُنْصَبُ بها، وأُجِيبَ بأَنَّ الكَسْرَ قد عُلِّلَ بالحمل على «لام كي» وأَمَّا الحركة فليست نصباً بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بَقِيَتْ بعد حذفها دَالَّةً على المحذوف، ورُدَّ باَّنَّهُ لم يُحْفَظْ من كلامهم: واللَّهِ ليقوم ولا باللَّه ليخرج زيد، انتهى.
وفي «صحيح البخاريِّ» عن أنس بن مالك: «إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً» : الحديبية [[أخرجه البخاري (8/ 447) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4834) ، والطبري (11/ 333) (31458) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 188) ، وابن عطية، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 58) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبيهقي.]] ، انتهى.
وقوله سبحانه: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: / بإظهارك وتغليبك على عَدُوِّك، والرُّضْوَانُ في الآخرة والسَّكِينَةُ فعيلة من السكون، وهو تسكين قلوبهم لتلك الهُدْنَةِ مع قريش حتَّى اطمأَنَّتْ، وعلموا أنّ وعد الله حق.
الفتح 48:3
وهي مدنيّة هذه السورة نزلت على النبيّ ﷺ منصرفه من الحديبيّة، وفي ذلك أحاديث كثيرة عن أنس [[أخرجه البخاري (7/ 516) كتاب «المغازي» باب: غزوة الحديبية، قول الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18] (4172) ، (8/ 447) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4834) ، ومسلم (3/ 413) كتاب «الجهاد والسير» باب: صلح الحديبية في الحديبية (97، 97/ 1786) ، والترمذي (5/ 385- 386) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (3263) ، وأحمد (3/ 173) ، وابن ماجه (2/ 92، 94) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها (370- 371) ، والبيهقي (5/ 217) كتاب «الحج» باب: المحصر يذبح ويحل حيث أحصر.]] وابن مسعود غيرهما [[أخرجه البخاري (8/ 446) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4833) ، والترمذي (5/ 385) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (3262) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 461) ، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1499/ 1) ، وأحمد (1/ 31) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 154) كلهم عن عمر بن الخطاب.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، رواه بعضهم عن مالك مرسلا.]] ، وفي تلك السفرة قال النبي ﷺ لعمر: «لقد أنزلت عليّ اللّيلة سورة هي أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها» خرّجه البخاريّ وغيره.
قوله عز وجل: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ... الآية، قال قوم: يريد فَتْحَ مَكَّةَ، وقال جمهور الناس، وهو الصحيح الذي تَعْضُدُهُ قصة الحديبية: إنَّ قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ إنَّما معناه هو ما يسرّ الله عز وجل لنبيِّه في تلك الخرجة من الفتح البَيِّنِ الذي استقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين لأَنَّهم كانوا استوحشوا من رَدِّ قريشٍ لهم ومن تلك المهادنة التي جعلها/ اللَّه سبباً للفتوحات، واستقبل النبيّ ﷺ في تلك السفرة أَنَّهُ هَادَنَ عَدوَّه ريثما يَتَقَوَّى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب [[أخرجه الطبري (11/ 334) برقم: (31461- 31462) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 188) عن البراء بن عازب، وذكره ابن عطية (5/ 125) ، وابن كثير (4/ 182) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 58) .]] ، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ قاله الشَّعْبِيُّ [[ذكره ابن عطية (5/ 125) .]] ، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح فسرّ بها ﷺ هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، أي: وإِنْ لم يكن ذنب.
ت: قال الثعلبيُّ: قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها تشبيهاً بلام «كي» ، انتهى.
قال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى.
قال أبو حيان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 90) .]] : لِيَغْفِرَ اللام لِلْعِلَّةِ، وقال ع: هي لام الصيرورة، وقيل:
هي لام القسم، ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا تُكْسَرُ وَلا يُنْصَبُ بها، وأُجِيبَ بأَنَّ الكَسْرَ قد عُلِّلَ بالحمل على «لام كي» وأَمَّا الحركة فليست نصباً بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بَقِيَتْ بعد حذفها دَالَّةً على المحذوف، ورُدَّ باَّنَّهُ لم يُحْفَظْ من كلامهم: واللَّهِ ليقوم ولا باللَّه ليخرج زيد، انتهى.
وفي «صحيح البخاريِّ» عن أنس بن مالك: «إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً» : الحديبية [[أخرجه البخاري (8/ 447) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4834) ، والطبري (11/ 333) (31458) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 188) ، وابن عطية، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 58) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبيهقي.]] ، انتهى.
وقوله سبحانه: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: / بإظهارك وتغليبك على عَدُوِّك، والرُّضْوَانُ في الآخرة والسَّكِينَةُ فعيلة من السكون، وهو تسكين قلوبهم لتلك الهُدْنَةِ مع قريش حتَّى اطمأَنَّتْ، وعلموا أنّ وعد الله حق.
الفتح 48:4
وهي مدنيّة هذه السورة نزلت على النبيّ ﷺ منصرفه من الحديبيّة، وفي ذلك أحاديث كثيرة عن أنس [[أخرجه البخاري (7/ 516) كتاب «المغازي» باب: غزوة الحديبية، قول الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18] (4172) ، (8/ 447) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4834) ، ومسلم (3/ 413) كتاب «الجهاد والسير» باب: صلح الحديبية في الحديبية (97، 97/ 1786) ، والترمذي (5/ 385- 386) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (3263) ، وأحمد (3/ 173) ، وابن ماجه (2/ 92، 94) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها (370- 371) ، والبيهقي (5/ 217) كتاب «الحج» باب: المحصر يذبح ويحل حيث أحصر.]] وابن مسعود غيرهما [[أخرجه البخاري (8/ 446) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4833) ، والترمذي (5/ 385) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (3262) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 461) ، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1499/ 1) ، وأحمد (1/ 31) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 154) كلهم عن عمر بن الخطاب.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، رواه بعضهم عن مالك مرسلا.]] ، وفي تلك السفرة قال النبي ﷺ لعمر: «لقد أنزلت عليّ اللّيلة سورة هي أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها» خرّجه البخاريّ وغيره.
قوله عز وجل: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ... الآية، قال قوم: يريد فَتْحَ مَكَّةَ، وقال جمهور الناس، وهو الصحيح الذي تَعْضُدُهُ قصة الحديبية: إنَّ قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ إنَّما معناه هو ما يسرّ الله عز وجل لنبيِّه في تلك الخرجة من الفتح البَيِّنِ الذي استقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين لأَنَّهم كانوا استوحشوا من رَدِّ قريشٍ لهم ومن تلك المهادنة التي جعلها/ اللَّه سبباً للفتوحات، واستقبل النبيّ ﷺ في تلك السفرة أَنَّهُ هَادَنَ عَدوَّه ريثما يَتَقَوَّى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب [[أخرجه الطبري (11/ 334) برقم: (31461- 31462) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 188) عن البراء بن عازب، وذكره ابن عطية (5/ 125) ، وابن كثير (4/ 182) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 58) .]] ، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ قاله الشَّعْبِيُّ [[ذكره ابن عطية (5/ 125) .]] ، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح فسرّ بها ﷺ هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، أي: وإِنْ لم يكن ذنب.
ت: قال الثعلبيُّ: قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها تشبيهاً بلام «كي» ، انتهى.
قال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى.
قال أبو حيان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 90) .]] : لِيَغْفِرَ اللام لِلْعِلَّةِ، وقال ع: هي لام الصيرورة، وقيل:
هي لام القسم، ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا تُكْسَرُ وَلا يُنْصَبُ بها، وأُجِيبَ بأَنَّ الكَسْرَ قد عُلِّلَ بالحمل على «لام كي» وأَمَّا الحركة فليست نصباً بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بَقِيَتْ بعد حذفها دَالَّةً على المحذوف، ورُدَّ باَّنَّهُ لم يُحْفَظْ من كلامهم: واللَّهِ ليقوم ولا باللَّه ليخرج زيد، انتهى.
وفي «صحيح البخاريِّ» عن أنس بن مالك: «إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً» : الحديبية [[أخرجه البخاري (8/ 447) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (4834) ، والطبري (11/ 333) (31458) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 188) ، وابن عطية، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 58) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبيهقي.]] ، انتهى.
وقوله سبحانه: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: / بإظهارك وتغليبك على عَدُوِّك، والرُّضْوَانُ في الآخرة والسَّكِينَةُ فعيلة من السكون، وهو تسكين قلوبهم لتلك الهُدْنَةِ مع قريش حتَّى اطمأَنَّتْ، وعلموا أنّ وعد الله حق.
الفتح 48:5
وقوله سبحانه: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...
الآية، رُوِيَ في معنى هذه الآية أَنَّه لَمَّا نزلت: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: 9] تَكَلَّمَ فيها أهل الكفر، وقالوا: كيف نَتَّبِعُ مَنْ لا يعرف ما يفعل به وبالناس؟! فَبَيَّنَ اللَّه في هذه السورة ما يفعل به بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فَلَمَّا سمعها المؤمنون قالوا: هنيئاً لك يا رسول اللَّه، لقد بَيَّنَ اللَّه لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فنزلت: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ إلى قوله: مَصِيراً فعرَّفه اللَّه ما يفعل به وبالمؤمنين وبالكافرين، وذكر النقاش أَنَّ رجلاً من «عَكَّ» قال: هذا الذي لرسول الله، فما لنا؟ فقال النبيّ ﷺ: «هِيَ لِي وَلامَّتِي كَهَاتَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ» .
وقوله: وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ هو من ترتيب الجمل في السرد، لا ترتيب وقوع معانيها لأَنَّ تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة.
وقوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ قيل: معناه: من قولهم: لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ ... [الفتح: 12] الآية، وقيل: هو كونهم يعتقدون اللَّه بغير صفاته العلى.
وقوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [أي: دائرة السوء] [[سقط في: د.]] الذي أرادوه بكم في ظَنِّهم السوءَ، ويقال للأقدار والحوادث التي هي في طَيِّ الزمان: دائرة، / لأنّها تدور بدوران الزمان.
الفتح 48:6
وقوله سبحانه: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...
الآية، رُوِيَ في معنى هذه الآية أَنَّه لَمَّا نزلت: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: 9] تَكَلَّمَ فيها أهل الكفر، وقالوا: كيف نَتَّبِعُ مَنْ لا يعرف ما يفعل به وبالناس؟! فَبَيَّنَ اللَّه في هذه السورة ما يفعل به بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فَلَمَّا سمعها المؤمنون قالوا: هنيئاً لك يا رسول اللَّه، لقد بَيَّنَ اللَّه لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فنزلت: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ إلى قوله: مَصِيراً فعرَّفه اللَّه ما يفعل به وبالمؤمنين وبالكافرين، وذكر النقاش أَنَّ رجلاً من «عَكَّ» قال: هذا الذي لرسول الله، فما لنا؟ فقال النبيّ ﷺ: «هِيَ لِي وَلامَّتِي كَهَاتَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ» .
وقوله: وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ هو من ترتيب الجمل في السرد، لا ترتيب وقوع معانيها لأَنَّ تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة.
وقوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ قيل: معناه: من قولهم: لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ ... [الفتح: 12] الآية، وقيل: هو كونهم يعتقدون اللَّه بغير صفاته العلى.
وقوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [أي: دائرة السوء] [[سقط في: د.]] الذي أرادوه بكم في ظَنِّهم السوءَ، ويقال للأقدار والحوادث التي هي في طَيِّ الزمان: دائرة، / لأنّها تدور بدوران الزمان.
الفتح 48:7
وقوله سبحانه: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...
الآية، رُوِيَ في معنى هذه الآية أَنَّه لَمَّا نزلت: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: 9] تَكَلَّمَ فيها أهل الكفر، وقالوا: كيف نَتَّبِعُ مَنْ لا يعرف ما يفعل به وبالناس؟! فَبَيَّنَ اللَّه في هذه السورة ما يفعل به بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فَلَمَّا سمعها المؤمنون قالوا: هنيئاً لك يا رسول اللَّه، لقد بَيَّنَ اللَّه لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فنزلت: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ إلى قوله: مَصِيراً فعرَّفه اللَّه ما يفعل به وبالمؤمنين وبالكافرين، وذكر النقاش أَنَّ رجلاً من «عَكَّ» قال: هذا الذي لرسول الله، فما لنا؟ فقال النبيّ ﷺ: «هِيَ لِي وَلامَّتِي كَهَاتَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ» .
وقوله: وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ هو من ترتيب الجمل في السرد، لا ترتيب وقوع معانيها لأَنَّ تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة.
وقوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ قيل: معناه: من قولهم: لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ ... [الفتح: 12] الآية، وقيل: هو كونهم يعتقدون اللَّه بغير صفاته العلى.
وقوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [أي: دائرة السوء] [[سقط في: د.]] الذي أرادوه بكم في ظَنِّهم السوءَ، ويقال للأقدار والحوادث التي هي في طَيِّ الزمان: دائرة، / لأنّها تدور بدوران الزمان.
الفتح 48:8
وقوله سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ... الآية، مَنْ جعل الشاهِدَ مُحَصِّلَ الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: شاهِداً حال واقعة، ومَنْ جعل الشاهد مُؤَدِّي الشهادةَ فهي حال مستقبلة، وهي التي يسميها النحاة المُقَدَّرَةَ، والمعنى: شاهداً على الناس بأعمالهم، وأقوالهم حين بَلَّغْتَ، وَمُبَشِّراً: أهلَ الطاعة برحمة اللَّه، وَنَذِيراً: من عذاب اللَّه أهلَ المعصية، ومعنى تُعَزِّرُوهُ تعظموه وتكبروه قاله ابن عباس [[أخرجه الطبري (11/ 337) برقم: (31468) ، وذكره ابن عطية (5/ 129) .]] ، وقرأ ابن عبّاس وغيره: تعزّزوه بزاءين من العِزَّةِ [[وقرأ بها محمّد بن السميفع اليماني.
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 129) ، و «البحر المحيط» (8/ 92) . وقال السمين: وقرأ الجحدري «تعززوه» كالعامة إلا أنه بزاءين من العزة. «الدر المصون» (6/ 160) .]] ، قال الجمهور: الضمير في تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ للنبيّ ﷺ وفي تُسَبِّحُوهُ لله عز وجل، والبكرة: الغدوّ، والأصيل: العشيّ.
الفتح 48:9
وقوله سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ... الآية، مَنْ جعل الشاهِدَ مُحَصِّلَ الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: شاهِداً حال واقعة، ومَنْ جعل الشاهد مُؤَدِّي الشهادةَ فهي حال مستقبلة، وهي التي يسميها النحاة المُقَدَّرَةَ، والمعنى: شاهداً على الناس بأعمالهم، وأقوالهم حين بَلَّغْتَ، وَمُبَشِّراً: أهلَ الطاعة برحمة اللَّه، وَنَذِيراً: من عذاب اللَّه أهلَ المعصية، ومعنى تُعَزِّرُوهُ تعظموه وتكبروه قاله ابن عباس [[أخرجه الطبري (11/ 337) برقم: (31468) ، وذكره ابن عطية (5/ 129) .]] ، وقرأ ابن عبّاس وغيره: تعزّزوه بزاءين من العِزَّةِ [[وقرأ بها محمّد بن السميفع اليماني.
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 129) ، و «البحر المحيط» (8/ 92) . وقال السمين: وقرأ الجحدري «تعززوه» كالعامة إلا أنه بزاءين من العزة. «الدر المصون» (6/ 160) .]] ، قال الجمهور: الضمير في تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ للنبيّ ﷺ وفي تُسَبِّحُوهُ لله عز وجل، والبكرة: الغدوّ، والأصيل: العشيّ.
الفتح 48:10
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ: يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة، حين أخذ رسول الله ﷺ الأهبة لقتال قريش، لِمَا بَلَغَهُ قتل عثمانَ بن عفانَ، رسولِهِ إليهم، وذلك قبل أن ينصرفَ من الحُدَيْبِيَّةِ، وكان في ألف وأربعمائة، وبايعهم ﷺ على الصبر المتناهي في قتال العَدُوّ إلى أقصى الجهد حتى قال سَلَمَةُ بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله ﷺ على الموت [[أخرجه الطبري (11/ 348) برقم: (31520) عن عمرو بن الأشج.]] ، وقال عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه: بايعنا رسول اللَّه ﷺ على أَلاَّ نَفِرّ [[أخرجه الطبري (11/ 349) برقم: (31527) عن قتادة، وذكره ابن كثير (4/ 186) عن جابر بن عبد الله.]] ، والمبايعة في هذه الآية مُفَاعَلَةٌ من البيع لأنَّ اللَّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأَنَّ لهم الجنة، ومعنى إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أَنَّ صفقتهم إنما يمضيها ويمنح/ الثمن اللَّه تعالى.
ت: وهذا تفسير لا يَمَسُّ الآية، ولا بُدَّ، وقال الثعلبيُّ: «إنما يبايعون اللَّه» أي: أخذك البيعة عليهم عقد اللَّه عليهم، انتهى، وهذا تفسير حسن.
وقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ قال جمهور المتأولين: اليد بمعنى النعمة، إذْ نعمة اللَّه في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» : التي مَدُّوها لبيعتك، وقيل:
المعنى: قُوَّةُ اللَّه فوقَ قُوَاهُمْ في نصرك.
ت: وقال الثعلبيُّ: «يد اللَّه فوق أيديهم» أي: بالوفاء والعهد، وقيل:
بالثواب، وقيل: «يد اللَّه» : في المِنَّةِ عليهم «فوق أيديهم» : في الطاعة عند المبايعة، وهذا حَسَنٌ قريب من الأول.
وقوله تعالى: فَمَنْ نَكَثَ أي: فَمَنْ نقض هذا العهد، فإنما يجني على نفسه ومَنْ أَوفى بما عاهد عليه اللَّهَ فسنؤتيه أجراً عظيما، وهو الجنة.
الفتح 48:11
وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 340) برقم: (31484) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 161) ، وابن عطية (5/ 130) .]] : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي ﷺ حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] [[سقط في: د.]] عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- ﷺ- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا ﷺ بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:
قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 130) .]] : إنْ أراد بكم سوءا ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ... الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- ﷺ- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري (11/ 343) برقم: (31492) ، وذكره ابن عطية (5/ 131) .]] : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ﷺ وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله ﷺ يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.
ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.
وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31504- 31505) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) .]] ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31506) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 66) ، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني.]] : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 176) .]] ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» [[وقرأ أبي بن كعب فيما حكى الكسائيّ: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، -- ومثله قول امرئ القيس [الطويل] :
فقلت له لا تبك عينك إنما ... تحاول ملكا أو تموت فتعذرا
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 132) ، و «البحر المحيط» (8/ 94) ، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (6/ 162) .]] على القطع أي: أو هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي [[ينظر: «أحكام القرآن» (4/ 1705) .]] : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي ﷺ، انتهى من «الأحكام» .
وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] [[سقط في: د.]] رحمه الله.
الفتح 48:12
وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 340) برقم: (31484) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 161) ، وابن عطية (5/ 130) .]] : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي ﷺ حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] [[سقط في: د.]] عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- ﷺ- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا ﷺ بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:
قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 130) .]] : إنْ أراد بكم سوءا ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ... الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- ﷺ- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري (11/ 343) برقم: (31492) ، وذكره ابن عطية (5/ 131) .]] : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ﷺ وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله ﷺ يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.
ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.
وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31504- 31505) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) .]] ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31506) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 66) ، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني.]] : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 176) .]] ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» [[وقرأ أبي بن كعب فيما حكى الكسائيّ: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، -- ومثله قول امرئ القيس [الطويل] :
فقلت له لا تبك عينك إنما ... تحاول ملكا أو تموت فتعذرا
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 132) ، و «البحر المحيط» (8/ 94) ، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (6/ 162) .]] على القطع أي: أو هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي [[ينظر: «أحكام القرآن» (4/ 1705) .]] : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي ﷺ، انتهى من «الأحكام» .
وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] [[سقط في: د.]] رحمه الله.
الفتح 48:13
وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 340) برقم: (31484) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 161) ، وابن عطية (5/ 130) .]] : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي ﷺ حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] [[سقط في: د.]] عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- ﷺ- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا ﷺ بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:
قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 130) .]] : إنْ أراد بكم سوءا ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ... الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- ﷺ- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري (11/ 343) برقم: (31492) ، وذكره ابن عطية (5/ 131) .]] : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ﷺ وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله ﷺ يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.
ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.
وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31504- 31505) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) .]] ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31506) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 66) ، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني.]] : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 176) .]] ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» [[وقرأ أبي بن كعب فيما حكى الكسائيّ: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، -- ومثله قول امرئ القيس [الطويل] :
فقلت له لا تبك عينك إنما ... تحاول ملكا أو تموت فتعذرا
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 132) ، و «البحر المحيط» (8/ 94) ، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (6/ 162) .]] على القطع أي: أو هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي [[ينظر: «أحكام القرآن» (4/ 1705) .]] : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي ﷺ، انتهى من «الأحكام» .
وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] [[سقط في: د.]] رحمه الله.
الفتح 48:14
وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 340) برقم: (31484) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 161) ، وابن عطية (5/ 130) .]] : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي ﷺ حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] [[سقط في: د.]] عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- ﷺ- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا ﷺ بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:
قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 130) .]] : إنْ أراد بكم سوءا ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ... الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- ﷺ- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري (11/ 343) برقم: (31492) ، وذكره ابن عطية (5/ 131) .]] : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ﷺ وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله ﷺ يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.
ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.
وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31504- 31505) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) .]] ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31506) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 66) ، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني.]] : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 176) .]] ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» [[وقرأ أبي بن كعب فيما حكى الكسائيّ: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، -- ومثله قول امرئ القيس [الطويل] :
فقلت له لا تبك عينك إنما ... تحاول ملكا أو تموت فتعذرا
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 132) ، و «البحر المحيط» (8/ 94) ، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (6/ 162) .]] على القطع أي: أو هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي [[ينظر: «أحكام القرآن» (4/ 1705) .]] : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي ﷺ، انتهى من «الأحكام» .
وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] [[سقط في: د.]] رحمه الله.
الفتح 48:15
وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 340) برقم: (31484) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 161) ، وابن عطية (5/ 130) .]] : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي ﷺ حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] [[سقط في: د.]] عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- ﷺ- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا ﷺ بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:
قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 130) .]] : إنْ أراد بكم سوءا ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ... الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- ﷺ- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري (11/ 343) برقم: (31492) ، وذكره ابن عطية (5/ 131) .]] : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ﷺ وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله ﷺ يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.
ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.
وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31504- 31505) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) .]] ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31506) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 66) ، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني.]] : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 176) .]] ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» [[وقرأ أبي بن كعب فيما حكى الكسائيّ: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، -- ومثله قول امرئ القيس [الطويل] :
فقلت له لا تبك عينك إنما ... تحاول ملكا أو تموت فتعذرا
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 132) ، و «البحر المحيط» (8/ 94) ، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (6/ 162) .]] على القطع أي: أو هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي [[ينظر: «أحكام القرآن» (4/ 1705) .]] : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي ﷺ، انتهى من «الأحكام» .
وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] [[سقط في: د.]] رحمه الله.
الفتح 48:16
وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 340) برقم: (31484) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 161) ، وابن عطية (5/ 130) .]] : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي ﷺ حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] [[سقط في: د.]] عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- ﷺ- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا ﷺ بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:
قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 130) .]] : إنْ أراد بكم سوءا ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ... الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- ﷺ- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري (11/ 343) برقم: (31492) ، وذكره ابن عطية (5/ 131) .]] : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ﷺ وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله ﷺ يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.
ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.
وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31504- 31505) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) .]] ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31506) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 66) ، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني.]] : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 176) .]] ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» [[وقرأ أبي بن كعب فيما حكى الكسائيّ: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، -- ومثله قول امرئ القيس [الطويل] :
فقلت له لا تبك عينك إنما ... تحاول ملكا أو تموت فتعذرا
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 132) ، و «البحر المحيط» (8/ 94) ، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (6/ 162) .]] على القطع أي: أو هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي [[ينظر: «أحكام القرآن» (4/ 1705) .]] : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي ﷺ، انتهى من «الأحكام» .
وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] [[سقط في: د.]] رحمه الله.
الفتح 48:17
وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 340) برقم: (31484) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 161) ، وابن عطية (5/ 130) .]] : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي ﷺ حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] [[سقط في: د.]] عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- ﷺ- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا ﷺ بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:
قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 130) .]] : إنْ أراد بكم سوءا ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ... الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- ﷺ- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري (11/ 343) برقم: (31492) ، وذكره ابن عطية (5/ 131) .]] : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ﷺ وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله ﷺ يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.
ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.
وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31504- 31505) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) .]] ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 345) برقم: (31506) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 132) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 66) ، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني.]] : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 192) ، وابن عطية (5/ 176) .]] ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» [[وقرأ أبي بن كعب فيما حكى الكسائيّ: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، -- ومثله قول امرئ القيس [الطويل] :
فقلت له لا تبك عينك إنما ... تحاول ملكا أو تموت فتعذرا
ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 132) ، و «البحر المحيط» (8/ 94) ، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (6/ 162) .]] على القطع أي: أو هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي [[ينظر: «أحكام القرآن» (4/ 1705) .]] : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي ﷺ، انتهى من «الأحكام» .
وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] [[سقط في: د.]] رحمه الله.
الفتح 48:18
وقوله عز وجل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية، تشريف لهم- رضي اللَّه عنهم- وقد تَقَدَّمَ القولُ في المبالغة ومعناها، وكان سببَ هذه المبايعة أنّ رسول الله ﷺ أراد أَنْ يبعث إلى مَكَّةَ رجلاً يُبَيِّنُ لهم أنّ النبي ﷺ لا يريد حرباً وإنَّما جاء مُعْتَمِراً، فبعث إليهم خداش بن أميّة الخزاعيّ، وحمله ﷺ على جَمَلٍ له يقال له: الثعلب، فلما كَلَّمَهُمْ عَقَرُوا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك النبيّ ﷺ فأراد بَعْثَ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إنِّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يحميني، ولكنِ ابعث عثمان فهو أَعُزُّ بمكّة منّي، فبعثه النبي ﷺ فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دَابَّتِهِ فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ الرسالة، فقالوا له: إنْ شِئْتَ يا عثمانَ أَنْ تطوف بالبيت فَطُفْ به، فقال: ما كنت لأطوف حتى يطوف به النبي ﷺ ثم إنَّ بَنِي سعيد بن العاصي حَبَسُوا عثمانَ على جهة المبرة، فأبطأ على النبيِّ ﷺ وكانتِ الحُدَيْبِيَّةُ من مَكَّةَ على نحو عَشَرَةِ أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول اللَّه ﷺ: قتل عثمان، فجثا رسول الله ﷺ/ والمؤمنون، وقالوا: لا نبرحُ- إنْ كان هذا- حتى نُنَاجِزَ القوم، ثم دعا الناسَ إلى البيعة فبايعوه ﷺ ولم يَتَخَلَّفْ عنها إلاَّ الجد بن قيس المنافق، وجعل النبيّ ﷺ يَدَهُ على يَدِهِ، وقال: هذه يَدٌ لعثمانَ [[ورد ذكر البيعة في حديث ابن عمر، أخرجه البخاري (6/ 271) كتاب «فرض الخمس» باب: إذا بعث الإمام رسولا في حاجة أو أمره بالمقام هل يسهم له؟ (3130) وأطرافه في (3698، 3704، 4066، 4513، 4514، 4650، 7095) ، والترمذي (5/ 629) ، كتاب «المناقب» باب: في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه (3706) ، وأحمد (2/ 120) ، وأبو يعلى في «مسنده» (9/ 450) (185/ 5599) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.]] ، وهي خير، ثم جاءَ عثمانُ سالماً والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين.
وقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 350) .]] ، ومنذر بن سعيد: معناه: من الإيمان وصِحَّتِهِ، والحبِّ في الدين والحِرْصِ فيه، وقرأ الناس: «وَأَثَابَهُمْ» [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 134) ، و «البحر المحيط» (8/ 96) .]] قال هارون:
وقد قرأت: «وَآتَاهُمْ» بالتاء بنقطتين [[قرأ بها الحسن ونوح القارئ.
ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (142) ، و «البحر المحيط» (8/ 96) .]] ، والفتح القريب: خيبر، والمغانم الكثيرة: فتح خيبرَ.
وقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ ... الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة قاله مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 351) برقم: (31533) ، وذكره ابن عطية (5/ 134) ، وابن كثير (4/ 191) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 70) .]] .
وقولهُ: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبَر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة:
خيبر [[أخرجه الطبري (11/ 351) برقم: (31534) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (5/ 135) .]] ، وهذه إشارة إلى البيعة والتَّخَلُّصِ من أمر قريش، وقاله ابن عبّاس [[أخرجه الطبري (11/ 351) برقم (31537) وذكره ابن عطية (5/ 135) ، وابن كثير (4/ 191) .]] .
وقوله سبحانه: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ قال قتادة: يريد كَفَّ أَيديهم عن أهل المدينة في مغيب النبي ﷺ والمؤمنين [[أخرجه الطبري (11/ 352) برقم: (31538- 31539) ، وذكره ابن عطية (5/ 135) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 177) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وَلِتَكُونَ آيَةً أي: علامة على نصر المؤمنين، وحكى الثعلبيُّ عن قتادة أَنَّ المعنى: كَفَّ اللَّه غطفان ومن معها حين جاؤوا لنصر خيبر [[ذكره ابن عطية (5/ 135) .]] ، وقيل: أراد كفّ قريشا.
الفتح 48:19
وقوله عز وجل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية، تشريف لهم- رضي اللَّه عنهم- وقد تَقَدَّمَ القولُ في المبالغة ومعناها، وكان سببَ هذه المبايعة أنّ رسول الله ﷺ أراد أَنْ يبعث إلى مَكَّةَ رجلاً يُبَيِّنُ لهم أنّ النبي ﷺ لا يريد حرباً وإنَّما جاء مُعْتَمِراً، فبعث إليهم خداش بن أميّة الخزاعيّ، وحمله ﷺ على جَمَلٍ له يقال له: الثعلب، فلما كَلَّمَهُمْ عَقَرُوا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك النبيّ ﷺ فأراد بَعْثَ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إنِّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يحميني، ولكنِ ابعث عثمان فهو أَعُزُّ بمكّة منّي، فبعثه النبي ﷺ فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دَابَّتِهِ فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ الرسالة، فقالوا له: إنْ شِئْتَ يا عثمانَ أَنْ تطوف بالبيت فَطُفْ به، فقال: ما كنت لأطوف حتى يطوف به النبي ﷺ ثم إنَّ بَنِي سعيد بن العاصي حَبَسُوا عثمانَ على جهة المبرة، فأبطأ على النبيِّ ﷺ وكانتِ الحُدَيْبِيَّةُ من مَكَّةَ على نحو عَشَرَةِ أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول اللَّه ﷺ: قتل عثمان، فجثا رسول الله ﷺ/ والمؤمنون، وقالوا: لا نبرحُ- إنْ كان هذا- حتى نُنَاجِزَ القوم، ثم دعا الناسَ إلى البيعة فبايعوه ﷺ ولم يَتَخَلَّفْ عنها إلاَّ الجد بن قيس المنافق، وجعل النبيّ ﷺ يَدَهُ على يَدِهِ، وقال: هذه يَدٌ لعثمانَ [[ورد ذكر البيعة في حديث ابن عمر، أخرجه البخاري (6/ 271) كتاب «فرض الخمس» باب: إذا بعث الإمام رسولا في حاجة أو أمره بالمقام هل يسهم له؟ (3130) وأطرافه في (3698، 3704، 4066، 4513، 4514، 4650، 7095) ، والترمذي (5/ 629) ، كتاب «المناقب» باب: في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه (3706) ، وأحمد (2/ 120) ، وأبو يعلى في «مسنده» (9/ 450) (185/ 5599) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.]] ، وهي خير، ثم جاءَ عثمانُ سالماً والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين.
وقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 350) .]] ، ومنذر بن سعيد: معناه: من الإيمان وصِحَّتِهِ، والحبِّ في الدين والحِرْصِ فيه، وقرأ الناس: «وَأَثَابَهُمْ» [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 134) ، و «البحر المحيط» (8/ 96) .]] قال هارون:
وقد قرأت: «وَآتَاهُمْ» بالتاء بنقطتين [[قرأ بها الحسن ونوح القارئ.
ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (142) ، و «البحر المحيط» (8/ 96) .]] ، والفتح القريب: خيبر، والمغانم الكثيرة: فتح خيبرَ.
وقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ ... الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة قاله مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 351) برقم: (31533) ، وذكره ابن عطية (5/ 134) ، وابن كثير (4/ 191) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 70) .]] .
وقولهُ: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبَر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة:
خيبر [[أخرجه الطبري (11/ 351) برقم: (31534) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (5/ 135) .]] ، وهذه إشارة إلى البيعة والتَّخَلُّصِ من أمر قريش، وقاله ابن عبّاس [[أخرجه الطبري (11/ 351) برقم (31537) وذكره ابن عطية (5/ 135) ، وابن كثير (4/ 191) .]] .
وقوله سبحانه: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ قال قتادة: يريد كَفَّ أَيديهم عن أهل المدينة في مغيب النبي ﷺ والمؤمنين [[أخرجه الطبري (11/ 352) برقم: (31538- 31539) ، وذكره ابن عطية (5/ 135) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 177) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وَلِتَكُونَ آيَةً أي: علامة على نصر المؤمنين، وحكى الثعلبيُّ عن قتادة أَنَّ المعنى: كَفَّ اللَّه غطفان ومن معها حين جاؤوا لنصر خيبر [[ذكره ابن عطية (5/ 135) .]] ، وقيل: أراد كفّ قريشا.
الفتح 48:20
وقوله عز وجل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية، تشريف لهم- رضي اللَّه عنهم- وقد تَقَدَّمَ القولُ في المبالغة ومعناها، وكان سببَ هذه المبايعة أنّ رسول الله ﷺ أراد أَنْ يبعث إلى مَكَّةَ رجلاً يُبَيِّنُ لهم أنّ النبي ﷺ لا يريد حرباً وإنَّما جاء مُعْتَمِراً، فبعث إليهم خداش بن أميّة الخزاعيّ، وحمله ﷺ على جَمَلٍ له يقال له: الثعلب، فلما كَلَّمَهُمْ عَقَرُوا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك النبيّ ﷺ فأراد بَعْثَ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إنِّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يحميني، ولكنِ ابعث عثمان فهو أَعُزُّ بمكّة منّي، فبعثه النبي ﷺ فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دَابَّتِهِ فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ الرسالة، فقالوا له: إنْ شِئْتَ يا عثمانَ أَنْ تطوف بالبيت فَطُفْ به، فقال: ما كنت لأطوف حتى يطوف به النبي ﷺ ثم إنَّ بَنِي سعيد بن العاصي حَبَسُوا عثمانَ على جهة المبرة، فأبطأ على النبيِّ ﷺ وكانتِ الحُدَيْبِيَّةُ من مَكَّةَ على نحو عَشَرَةِ أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول اللَّه ﷺ: قتل عثمان، فجثا رسول الله ﷺ/ والمؤمنون، وقالوا: لا نبرحُ- إنْ كان هذا- حتى نُنَاجِزَ القوم، ثم دعا الناسَ إلى البيعة فبايعوه ﷺ ولم يَتَخَلَّفْ عنها إلاَّ الجد بن قيس المنافق، وجعل النبيّ ﷺ يَدَهُ على يَدِهِ، وقال: هذه يَدٌ لعثمانَ [[ورد ذكر البيعة في حديث ابن عمر، أخرجه البخاري (6/ 271) كتاب «فرض الخمس» باب: إذا بعث الإمام رسولا في حاجة أو أمره بالمقام هل يسهم له؟ (3130) وأطرافه في (3698، 3704، 4066، 4513، 4514، 4650، 7095) ، والترمذي (5/ 629) ، كتاب «المناقب» باب: في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه (3706) ، وأحمد (2/ 120) ، وأبو يعلى في «مسنده» (9/ 450) (185/ 5599) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.]] ، وهي خير، ثم جاءَ عثمانُ سالماً والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين.
وقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 350) .]] ، ومنذر بن سعيد: معناه: من الإيمان وصِحَّتِهِ، والحبِّ في الدين والحِرْصِ فيه، وقرأ الناس: «وَأَثَابَهُمْ» [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 134) ، و «البحر المحيط» (8/ 96) .]] قال هارون:
وقد قرأت: «وَآتَاهُمْ» بالتاء بنقطتين [[قرأ بها الحسن ونوح القارئ.
ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (142) ، و «البحر المحيط» (8/ 96) .]] ، والفتح القريب: خيبر، والمغانم الكثيرة: فتح خيبرَ.
وقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ ... الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة قاله مجاهد وغيره [[أخرجه الطبري (11/ 351) برقم: (31533) ، وذكره ابن عطية (5/ 134) ، وابن كثير (4/ 191) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 70) .]] .
وقولهُ: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبَر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة:
خيبر [[أخرجه الطبري (11/ 351) برقم: (31534) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (5/ 135) .]] ، وهذه إشارة إلى البيعة والتَّخَلُّصِ من أمر قريش، وقاله ابن عبّاس [[أخرجه الطبري (11/ 351) برقم (31537) وذكره ابن عطية (5/ 135) ، وابن كثير (4/ 191) .]] .
وقوله سبحانه: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ قال قتادة: يريد كَفَّ أَيديهم عن أهل المدينة في مغيب النبي ﷺ والمؤمنين [[أخرجه الطبري (11/ 352) برقم: (31538- 31539) ، وذكره ابن عطية (5/ 135) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 177) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] ، وَلِتَكُونَ آيَةً أي: علامة على نصر المؤمنين، وحكى الثعلبيُّ عن قتادة أَنَّ المعنى: كَفَّ اللَّه غطفان ومن معها حين جاؤوا لنصر خيبر [[ذكره ابن عطية (5/ 135) .]] ، وقيل: أراد كفّ قريشا.
الفتح 48:21
وقوله سبحانه: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم [[أخرجه الطبري (11/ 353) رقم (31541) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) وابن عطية (5/ 135) .]] ، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ [[أخرجه الطبري (11/ 354) برقم: (31551- 31552) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن عطية (5/ 135) ، وابن كثير (4/ 191) عن قتادة، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 71) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.]] ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد/.
وقوله: قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها.
ت: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 192) .]] : علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 353) برقم: (31545) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) .]] : هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني [[في د: يبتغي.]] : كفار قريش في تلك السنة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.
وقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر.
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيّ ﷺ واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فسيقوا إلى النبيّ ﷺ فَمَنَّ عليهم وأطلقهم [[أخرجه الطبري (11/ 356) برقم: (31560) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 75) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبزي.]] قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى.
وقوله سبحانه: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم من العمرة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ خرج من المدينة إلى الحديبية في/ ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ﷺ حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث ﷺ إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف ﷺ ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، والْهَدْيَ معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، ومَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين قال قتادة [[أخرجه الطبري (11/ 363) برقم: (31573) ، وذكره البغوي (4/ 204) ، وابن عطية (5/ 136) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 76) ، وعزاه لابن جرير.]] : فدفع الله عن المشركين بأولئك المؤمنين، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله ﷺ: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ [[أخرجه البخاري (2/ 572) كتاب «الاستسقاء» باب: دعاء النبي ﷺ: «واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (1006) ، (6/ 481) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (3386) ، (10/ 596) كتاب «الأدب» باب: تسمية الوليد (6200) ، (11/ 197) كتاب «الدعوات» باب: تكرير الدعاء (6393) ، ومسلم (3/ 190- 191) كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة (294، 294/ 675) ، (295/ 675) ، وابن حبان (5/ 301) كتاب «الصلاة» باب: صفة الصلاة (1969، 1972) ، باب: فصل في القنوت (1986) ، وأبو داود (10/ 457) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة (1442) ، وأحمد (2/ 239، 255، 271، 396، 407، 418، 502، 521) ، وابن ماجه (1/ 394) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب: ما جاء في القنوت في صلاة الفجر (1244) ، والبيهقي (2/ 197، 198، 200) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة عند النازلة، (2/ 207) كتاب «الصلاة» باب: الدليل على أنه يقنت بعد الركوع، (2/ 244) كتاب «الصلاة» باب: ما يجوز من الدعاء في الصلاة، (9/ 14) كتاب «السير» باب: ما جاء في عذر المستضعفين، والدارقطني (2/ 38) كتاب «الوتر» ، وأنه ليس بفرض، والوتر على البعير، باب: صفة القنوت وبيان موضعه برقم: (7) ، والحميدي (2/ 419) (939) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 176) .]] » قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 97) .]] : وَلَوْلا رِجالٌ جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف/ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 363) .]] : وَحَكَاهُ الثعلبيُّ:
هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم.
ت: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ» : من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى.
وقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ تقول: زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ» ، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حيوة وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 137) ، و «البحر المحيط» (8/ 98) ، وزاد نسبتها إلى ابن أبي عبلة، وابن مقسم، وابن عون. وهي في «الدر المصون» (6/ 164) .]] ، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ... الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ- رضي اللَّه عنه- عن النبي ﷺ مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حجّة، إذ لم يأت ﷺ مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ الله ﷺ، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ/ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى» : قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيّ ﷺ وفي مصحف ابن مسعود [[وهي في مختصر ابن خالويه ص: (143) هكذا: وكانوا أهلها أحق من غير واو. ونسبها إلى أصحاب عبد الله بن مسعود. وكما أثبتها «المصنف» عند ابن عطية في «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : «وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد [[أخرجه الحاكم (1/ 546- 547) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (10/ 213) .]] ، انتهى من «السّلاح» .
فقد بيّن ﷺ في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ففي «صحيح مسلم» ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ثم قال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ [[أخرجه مسلم (2/ 321) كتاب «الصلاة» باب: استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم: (12/ 385) .]] » الحديث، انتهى.
وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنّه لما انعقد الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ ﷺ، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس- ﷺ-.
ت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.
الفتح 48:22
وقوله سبحانه: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم [[أخرجه الطبري (11/ 353) رقم (31541) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) وابن عطية (5/ 135) .]] ، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ [[أخرجه الطبري (11/ 354) برقم: (31551- 31552) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن عطية (5/ 135) ، وابن كثير (4/ 191) عن قتادة، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 71) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.]] ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد/.
وقوله: قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها.
ت: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 192) .]] : علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 353) برقم: (31545) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) .]] : هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني [[في د: يبتغي.]] : كفار قريش في تلك السنة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.
وقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر.
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيّ ﷺ واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فسيقوا إلى النبيّ ﷺ فَمَنَّ عليهم وأطلقهم [[أخرجه الطبري (11/ 356) برقم: (31560) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 75) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبزي.]] قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى.
وقوله سبحانه: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم من العمرة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ خرج من المدينة إلى الحديبية في/ ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ﷺ حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث ﷺ إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف ﷺ ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، والْهَدْيَ معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، ومَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين قال قتادة [[أخرجه الطبري (11/ 363) برقم: (31573) ، وذكره البغوي (4/ 204) ، وابن عطية (5/ 136) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 76) ، وعزاه لابن جرير.]] : فدفع الله عن المشركين بأولئك المؤمنين، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله ﷺ: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ [[أخرجه البخاري (2/ 572) كتاب «الاستسقاء» باب: دعاء النبي ﷺ: «واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (1006) ، (6/ 481) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (3386) ، (10/ 596) كتاب «الأدب» باب: تسمية الوليد (6200) ، (11/ 197) كتاب «الدعوات» باب: تكرير الدعاء (6393) ، ومسلم (3/ 190- 191) كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة (294، 294/ 675) ، (295/ 675) ، وابن حبان (5/ 301) كتاب «الصلاة» باب: صفة الصلاة (1969، 1972) ، باب: فصل في القنوت (1986) ، وأبو داود (10/ 457) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة (1442) ، وأحمد (2/ 239، 255، 271، 396، 407، 418، 502، 521) ، وابن ماجه (1/ 394) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب: ما جاء في القنوت في صلاة الفجر (1244) ، والبيهقي (2/ 197، 198، 200) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة عند النازلة، (2/ 207) كتاب «الصلاة» باب: الدليل على أنه يقنت بعد الركوع، (2/ 244) كتاب «الصلاة» باب: ما يجوز من الدعاء في الصلاة، (9/ 14) كتاب «السير» باب: ما جاء في عذر المستضعفين، والدارقطني (2/ 38) كتاب «الوتر» ، وأنه ليس بفرض، والوتر على البعير، باب: صفة القنوت وبيان موضعه برقم: (7) ، والحميدي (2/ 419) (939) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 176) .]] » قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 97) .]] : وَلَوْلا رِجالٌ جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف/ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 363) .]] : وَحَكَاهُ الثعلبيُّ:
هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم.
ت: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ» : من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى.
وقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ تقول: زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ» ، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حيوة وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 137) ، و «البحر المحيط» (8/ 98) ، وزاد نسبتها إلى ابن أبي عبلة، وابن مقسم، وابن عون. وهي في «الدر المصون» (6/ 164) .]] ، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ... الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ- رضي اللَّه عنه- عن النبي ﷺ مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حجّة، إذ لم يأت ﷺ مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ الله ﷺ، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ/ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى» : قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيّ ﷺ وفي مصحف ابن مسعود [[وهي في مختصر ابن خالويه ص: (143) هكذا: وكانوا أهلها أحق من غير واو. ونسبها إلى أصحاب عبد الله بن مسعود. وكما أثبتها «المصنف» عند ابن عطية في «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : «وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد [[أخرجه الحاكم (1/ 546- 547) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (10/ 213) .]] ، انتهى من «السّلاح» .
فقد بيّن ﷺ في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ففي «صحيح مسلم» ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ثم قال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ [[أخرجه مسلم (2/ 321) كتاب «الصلاة» باب: استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم: (12/ 385) .]] » الحديث، انتهى.
وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنّه لما انعقد الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ ﷺ، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس- ﷺ-.
ت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.
الفتح 48:23
وقوله سبحانه: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم [[أخرجه الطبري (11/ 353) رقم (31541) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) وابن عطية (5/ 135) .]] ، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ [[أخرجه الطبري (11/ 354) برقم: (31551- 31552) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن عطية (5/ 135) ، وابن كثير (4/ 191) عن قتادة، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 71) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.]] ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد/.
وقوله: قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها.
ت: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 192) .]] : علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 353) برقم: (31545) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) .]] : هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني [[في د: يبتغي.]] : كفار قريش في تلك السنة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.
وقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر.
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيّ ﷺ واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فسيقوا إلى النبيّ ﷺ فَمَنَّ عليهم وأطلقهم [[أخرجه الطبري (11/ 356) برقم: (31560) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 75) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبزي.]] قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى.
وقوله سبحانه: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم من العمرة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ خرج من المدينة إلى الحديبية في/ ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ﷺ حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث ﷺ إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف ﷺ ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، والْهَدْيَ معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، ومَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين قال قتادة [[أخرجه الطبري (11/ 363) برقم: (31573) ، وذكره البغوي (4/ 204) ، وابن عطية (5/ 136) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 76) ، وعزاه لابن جرير.]] : فدفع الله عن المشركين بأولئك المؤمنين، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله ﷺ: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ [[أخرجه البخاري (2/ 572) كتاب «الاستسقاء» باب: دعاء النبي ﷺ: «واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (1006) ، (6/ 481) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (3386) ، (10/ 596) كتاب «الأدب» باب: تسمية الوليد (6200) ، (11/ 197) كتاب «الدعوات» باب: تكرير الدعاء (6393) ، ومسلم (3/ 190- 191) كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة (294، 294/ 675) ، (295/ 675) ، وابن حبان (5/ 301) كتاب «الصلاة» باب: صفة الصلاة (1969، 1972) ، باب: فصل في القنوت (1986) ، وأبو داود (10/ 457) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة (1442) ، وأحمد (2/ 239، 255، 271، 396، 407، 418، 502، 521) ، وابن ماجه (1/ 394) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب: ما جاء في القنوت في صلاة الفجر (1244) ، والبيهقي (2/ 197، 198، 200) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة عند النازلة، (2/ 207) كتاب «الصلاة» باب: الدليل على أنه يقنت بعد الركوع، (2/ 244) كتاب «الصلاة» باب: ما يجوز من الدعاء في الصلاة، (9/ 14) كتاب «السير» باب: ما جاء في عذر المستضعفين، والدارقطني (2/ 38) كتاب «الوتر» ، وأنه ليس بفرض، والوتر على البعير، باب: صفة القنوت وبيان موضعه برقم: (7) ، والحميدي (2/ 419) (939) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 176) .]] » قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 97) .]] : وَلَوْلا رِجالٌ جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف/ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 363) .]] : وَحَكَاهُ الثعلبيُّ:
هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم.
ت: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ» : من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى.
وقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ تقول: زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ» ، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حيوة وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 137) ، و «البحر المحيط» (8/ 98) ، وزاد نسبتها إلى ابن أبي عبلة، وابن مقسم، وابن عون. وهي في «الدر المصون» (6/ 164) .]] ، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ... الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ- رضي اللَّه عنه- عن النبي ﷺ مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حجّة، إذ لم يأت ﷺ مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ الله ﷺ، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ/ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى» : قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيّ ﷺ وفي مصحف ابن مسعود [[وهي في مختصر ابن خالويه ص: (143) هكذا: وكانوا أهلها أحق من غير واو. ونسبها إلى أصحاب عبد الله بن مسعود. وكما أثبتها «المصنف» عند ابن عطية في «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : «وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد [[أخرجه الحاكم (1/ 546- 547) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (10/ 213) .]] ، انتهى من «السّلاح» .
فقد بيّن ﷺ في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ففي «صحيح مسلم» ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ثم قال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ [[أخرجه مسلم (2/ 321) كتاب «الصلاة» باب: استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم: (12/ 385) .]] » الحديث، انتهى.
وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنّه لما انعقد الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ ﷺ، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس- ﷺ-.
ت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.
الفتح 48:24
وقوله سبحانه: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم [[أخرجه الطبري (11/ 353) رقم (31541) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) وابن عطية (5/ 135) .]] ، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ [[أخرجه الطبري (11/ 354) برقم: (31551- 31552) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن عطية (5/ 135) ، وابن كثير (4/ 191) عن قتادة، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 71) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.]] ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد/.
وقوله: قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها.
ت: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 192) .]] : علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 353) برقم: (31545) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) .]] : هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني [[في د: يبتغي.]] : كفار قريش في تلك السنة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.
وقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر.
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيّ ﷺ واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فسيقوا إلى النبيّ ﷺ فَمَنَّ عليهم وأطلقهم [[أخرجه الطبري (11/ 356) برقم: (31560) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 75) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبزي.]] قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى.
وقوله سبحانه: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم من العمرة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ خرج من المدينة إلى الحديبية في/ ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ﷺ حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث ﷺ إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف ﷺ ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، والْهَدْيَ معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، ومَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين قال قتادة [[أخرجه الطبري (11/ 363) برقم: (31573) ، وذكره البغوي (4/ 204) ، وابن عطية (5/ 136) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 76) ، وعزاه لابن جرير.]] : فدفع الله عن المشركين بأولئك المؤمنين، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله ﷺ: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ [[أخرجه البخاري (2/ 572) كتاب «الاستسقاء» باب: دعاء النبي ﷺ: «واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (1006) ، (6/ 481) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (3386) ، (10/ 596) كتاب «الأدب» باب: تسمية الوليد (6200) ، (11/ 197) كتاب «الدعوات» باب: تكرير الدعاء (6393) ، ومسلم (3/ 190- 191) كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة (294، 294/ 675) ، (295/ 675) ، وابن حبان (5/ 301) كتاب «الصلاة» باب: صفة الصلاة (1969، 1972) ، باب: فصل في القنوت (1986) ، وأبو داود (10/ 457) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة (1442) ، وأحمد (2/ 239، 255، 271، 396، 407، 418، 502، 521) ، وابن ماجه (1/ 394) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب: ما جاء في القنوت في صلاة الفجر (1244) ، والبيهقي (2/ 197، 198، 200) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة عند النازلة، (2/ 207) كتاب «الصلاة» باب: الدليل على أنه يقنت بعد الركوع، (2/ 244) كتاب «الصلاة» باب: ما يجوز من الدعاء في الصلاة، (9/ 14) كتاب «السير» باب: ما جاء في عذر المستضعفين، والدارقطني (2/ 38) كتاب «الوتر» ، وأنه ليس بفرض، والوتر على البعير، باب: صفة القنوت وبيان موضعه برقم: (7) ، والحميدي (2/ 419) (939) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 176) .]] » قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 97) .]] : وَلَوْلا رِجالٌ جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف/ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 363) .]] : وَحَكَاهُ الثعلبيُّ:
هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم.
ت: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ» : من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى.
وقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ تقول: زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ» ، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حيوة وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 137) ، و «البحر المحيط» (8/ 98) ، وزاد نسبتها إلى ابن أبي عبلة، وابن مقسم، وابن عون. وهي في «الدر المصون» (6/ 164) .]] ، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ... الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ- رضي اللَّه عنه- عن النبي ﷺ مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حجّة، إذ لم يأت ﷺ مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ الله ﷺ، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ/ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى» : قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيّ ﷺ وفي مصحف ابن مسعود [[وهي في مختصر ابن خالويه ص: (143) هكذا: وكانوا أهلها أحق من غير واو. ونسبها إلى أصحاب عبد الله بن مسعود. وكما أثبتها «المصنف» عند ابن عطية في «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : «وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد [[أخرجه الحاكم (1/ 546- 547) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (10/ 213) .]] ، انتهى من «السّلاح» .
فقد بيّن ﷺ في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ففي «صحيح مسلم» ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ثم قال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ [[أخرجه مسلم (2/ 321) كتاب «الصلاة» باب: استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم: (12/ 385) .]] » الحديث، انتهى.
وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنّه لما انعقد الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ ﷺ، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس- ﷺ-.
ت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.
الفتح 48:25
وقوله سبحانه: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم [[أخرجه الطبري (11/ 353) رقم (31541) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) وابن عطية (5/ 135) .]] ، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ [[أخرجه الطبري (11/ 354) برقم: (31551- 31552) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن عطية (5/ 135) ، وابن كثير (4/ 191) عن قتادة، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 71) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.]] ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد/.
وقوله: قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها.
ت: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 192) .]] : علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 353) برقم: (31545) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) .]] : هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني [[في د: يبتغي.]] : كفار قريش في تلك السنة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.
وقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر.
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيّ ﷺ واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فسيقوا إلى النبيّ ﷺ فَمَنَّ عليهم وأطلقهم [[أخرجه الطبري (11/ 356) برقم: (31560) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 75) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبزي.]] قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى.
وقوله سبحانه: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم من العمرة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ خرج من المدينة إلى الحديبية في/ ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ﷺ حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث ﷺ إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف ﷺ ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، والْهَدْيَ معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، ومَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين قال قتادة [[أخرجه الطبري (11/ 363) برقم: (31573) ، وذكره البغوي (4/ 204) ، وابن عطية (5/ 136) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 76) ، وعزاه لابن جرير.]] : فدفع الله عن المشركين بأولئك المؤمنين، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله ﷺ: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ [[أخرجه البخاري (2/ 572) كتاب «الاستسقاء» باب: دعاء النبي ﷺ: «واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (1006) ، (6/ 481) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (3386) ، (10/ 596) كتاب «الأدب» باب: تسمية الوليد (6200) ، (11/ 197) كتاب «الدعوات» باب: تكرير الدعاء (6393) ، ومسلم (3/ 190- 191) كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة (294، 294/ 675) ، (295/ 675) ، وابن حبان (5/ 301) كتاب «الصلاة» باب: صفة الصلاة (1969، 1972) ، باب: فصل في القنوت (1986) ، وأبو داود (10/ 457) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة (1442) ، وأحمد (2/ 239، 255، 271، 396، 407، 418، 502، 521) ، وابن ماجه (1/ 394) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب: ما جاء في القنوت في صلاة الفجر (1244) ، والبيهقي (2/ 197، 198، 200) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة عند النازلة، (2/ 207) كتاب «الصلاة» باب: الدليل على أنه يقنت بعد الركوع، (2/ 244) كتاب «الصلاة» باب: ما يجوز من الدعاء في الصلاة، (9/ 14) كتاب «السير» باب: ما جاء في عذر المستضعفين، والدارقطني (2/ 38) كتاب «الوتر» ، وأنه ليس بفرض، والوتر على البعير، باب: صفة القنوت وبيان موضعه برقم: (7) ، والحميدي (2/ 419) (939) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 176) .]] » قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 97) .]] : وَلَوْلا رِجالٌ جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف/ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 363) .]] : وَحَكَاهُ الثعلبيُّ:
هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم.
ت: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ» : من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى.
وقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ تقول: زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ» ، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حيوة وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 137) ، و «البحر المحيط» (8/ 98) ، وزاد نسبتها إلى ابن أبي عبلة، وابن مقسم، وابن عون. وهي في «الدر المصون» (6/ 164) .]] ، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ... الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ- رضي اللَّه عنه- عن النبي ﷺ مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حجّة، إذ لم يأت ﷺ مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ الله ﷺ، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ/ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى» : قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيّ ﷺ وفي مصحف ابن مسعود [[وهي في مختصر ابن خالويه ص: (143) هكذا: وكانوا أهلها أحق من غير واو. ونسبها إلى أصحاب عبد الله بن مسعود. وكما أثبتها «المصنف» عند ابن عطية في «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : «وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد [[أخرجه الحاكم (1/ 546- 547) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (10/ 213) .]] ، انتهى من «السّلاح» .
فقد بيّن ﷺ في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ففي «صحيح مسلم» ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ثم قال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ [[أخرجه مسلم (2/ 321) كتاب «الصلاة» باب: استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم: (12/ 385) .]] » الحديث، انتهى.
وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنّه لما انعقد الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ ﷺ، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس- ﷺ-.
ت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.
الفتح 48:26
وقوله سبحانه: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم [[أخرجه الطبري (11/ 353) رقم (31541) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) وابن عطية (5/ 135) .]] ، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ [[أخرجه الطبري (11/ 354) برقم: (31551- 31552) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن عطية (5/ 135) ، وابن كثير (4/ 191) عن قتادة، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 71) ، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.]] ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد/.
وقوله: قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها.
ت: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس [[ذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 192) .]] : علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد [[أخرجه الطبري (11/ 353) برقم: (31545) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (4/ 198) .]] : هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني [[في د: يبتغي.]] : كفار قريش في تلك السنة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.
وقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر.
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيّ ﷺ واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فسيقوا إلى النبيّ ﷺ فَمَنَّ عليهم وأطلقهم [[أخرجه الطبري (11/ 356) برقم: (31560) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 75) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبزي.]] قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى.
وقوله سبحانه: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم من العمرة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ خرج من المدينة إلى الحديبية في/ ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ﷺ حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث ﷺ إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف ﷺ ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، والْهَدْيَ معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، ومَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين قال قتادة [[أخرجه الطبري (11/ 363) برقم: (31573) ، وذكره البغوي (4/ 204) ، وابن عطية (5/ 136) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 76) ، وعزاه لابن جرير.]] : فدفع الله عن المشركين بأولئك المؤمنين، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله ﷺ: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ [[أخرجه البخاري (2/ 572) كتاب «الاستسقاء» باب: دعاء النبي ﷺ: «واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (1006) ، (6/ 481) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (3386) ، (10/ 596) كتاب «الأدب» باب: تسمية الوليد (6200) ، (11/ 197) كتاب «الدعوات» باب: تكرير الدعاء (6393) ، ومسلم (3/ 190- 191) كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة (294، 294/ 675) ، (295/ 675) ، وابن حبان (5/ 301) كتاب «الصلاة» باب: صفة الصلاة (1969، 1972) ، باب: فصل في القنوت (1986) ، وأبو داود (10/ 457) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة (1442) ، وأحمد (2/ 239، 255، 271، 396، 407، 418، 502، 521) ، وابن ماجه (1/ 394) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب: ما جاء في القنوت في صلاة الفجر (1244) ، والبيهقي (2/ 197، 198، 200) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة عند النازلة، (2/ 207) كتاب «الصلاة» باب: الدليل على أنه يقنت بعد الركوع، (2/ 244) كتاب «الصلاة» باب: ما يجوز من الدعاء في الصلاة، (9/ 14) كتاب «السير» باب: ما جاء في عذر المستضعفين، والدارقطني (2/ 38) كتاب «الوتر» ، وأنه ليس بفرض، والوتر على البعير، باب: صفة القنوت وبيان موضعه برقم: (7) ، والحميدي (2/ 419) (939) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (4/ 176) .]] » قال أبو حيَّان [[ينظر: «البحر المحيط» (8/ 97) .]] : وَلَوْلا رِجالٌ جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف/ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 363) .]] : وَحَكَاهُ الثعلبيُّ:
هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم.
ت: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ» : من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى.
وقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ تقول: زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ» ، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حيوة وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 137) ، و «البحر المحيط» (8/ 98) ، وزاد نسبتها إلى ابن أبي عبلة، وابن مقسم، وابن عون. وهي في «الدر المصون» (6/ 164) .]] ، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ... الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ- رضي اللَّه عنه- عن النبي ﷺ مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حجّة، إذ لم يأت ﷺ مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ الله ﷺ، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ/ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى» : قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيّ ﷺ وفي مصحف ابن مسعود [[وهي في مختصر ابن خالويه ص: (143) هكذا: وكانوا أهلها أحق من غير واو. ونسبها إلى أصحاب عبد الله بن مسعود. وكما أثبتها «المصنف» عند ابن عطية في «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : «وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد [[أخرجه الحاكم (1/ 546- 547) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (10/ 213) .]] ، انتهى من «السّلاح» .
فقد بيّن ﷺ في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ففي «صحيح مسلم» ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ثم قال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ [[أخرجه مسلم (2/ 321) كتاب «الصلاة» باب: استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم: (12/ 385) .]] » الحديث، انتهى.
وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنّه لما انعقد الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 138) .]] : ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ ﷺ، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس- ﷺ-.
ت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.
الفتح 48:27
وقوله سبحانه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ... الآية: «رُوِيَ في تفسيرها أن النبي ﷺ رأى في مَنَامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْعُمْرَةِ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، بَعْضُهُمْ مُحَلِّقُونَ، وَبَعْضُهُمْ مُقَصِّرُونَ» [[أخرجه الطبري (11/ 367) برقم: (31602) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 79) .]] وقال مجاهد: رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناسَ بهذه الرؤيا، فَوَثِقَ الجميعُ بأَنَّ ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سَبَقَ في علم اللَّه أنَّ ذلك يكون، لكن ليس في تلك الوجهة، فَلَمَّا صَدَّهُمْ أهلُ مَكَّةَ قال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك، فأجابهم النبي ﷺ بأَنْ قَالَ: «وَهَلْ قُلْتُ لَكُمْ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامِنَا هَذَا» ، أَوْ كَمَا قَالَ، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه [[أخرجه الطبري (11/ 367) برقم: (31601) ، وذكره ابن عطية (5/ 139) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 79) ، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «الدلائل» .]] ، ثم أنزل الله عز وجل: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ... الآية، واللام في: لَتَدْخُلُنَّ لامُ القَسَمِ.
وقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ اخْتُلِفَ في هذا الاستثناء، فقال بعض العلماء: إنَّما استثنى من حيثُ إنَّ كل واحد من الناس متى رَدَّ هذا الوعد إلى نفسه، / أمكن أَنْ يتمّ الوعد فيه وأَلاَّ يتمّ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة إذ فيهم- ولا بُدَّ- مَنْ يموتُ أو يمرض.
ت: وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السِّيَرِ، وقال آخرون: هو أخذ من اللَّه تعالى [على عباده] [[سقط في: د.]] بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل.
ت: قال ثعلب: استثنى اللَّه تعالى فيما يعلم ليستثنيَ الخَلْقُ فيما لا يعلمون، وقيل غير هذا، ولما نزلت هذه الآية عَلِمَ المسلمون أَنَّ تلك الرؤيا ستخرج فيما يستأنفونه من الزمان، فكان كذلك، فخرج ﷺ في العام المُقْبِلِ واعتمر.
وقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا يريد ما قَدَّرَهُ من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه.
وقوله: مِنْ دُونِ ذلِكَ أي: من قبل ذلك، وفيما يدنو إليكم، واختلف في الفتح القريب، فقال كثير من العلماء: هو بيعة الرضوان وصُلْحُ الحديبية، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري (11/ 368) برقم: (31610) ، وذكره ابن عطية (5/ 140) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 79) ، وعزاه لابن جرير.]] : هو فتح خيبر.
الفتح 48:28
وقوله سبحانه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ... الآية: «رُوِيَ في تفسيرها أن النبي ﷺ رأى في مَنَامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْعُمْرَةِ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، بَعْضُهُمْ مُحَلِّقُونَ، وَبَعْضُهُمْ مُقَصِّرُونَ» [[أخرجه الطبري (11/ 367) برقم: (31602) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 79) .]] وقال مجاهد: رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناسَ بهذه الرؤيا، فَوَثِقَ الجميعُ بأَنَّ ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سَبَقَ في علم اللَّه أنَّ ذلك يكون، لكن ليس في تلك الوجهة، فَلَمَّا صَدَّهُمْ أهلُ مَكَّةَ قال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك، فأجابهم النبي ﷺ بأَنْ قَالَ: «وَهَلْ قُلْتُ لَكُمْ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامِنَا هَذَا» ، أَوْ كَمَا قَالَ، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه [[أخرجه الطبري (11/ 367) برقم: (31601) ، وذكره ابن عطية (5/ 139) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 79) ، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «الدلائل» .]] ، ثم أنزل الله عز وجل: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ... الآية، واللام في: لَتَدْخُلُنَّ لامُ القَسَمِ.
وقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ اخْتُلِفَ في هذا الاستثناء، فقال بعض العلماء: إنَّما استثنى من حيثُ إنَّ كل واحد من الناس متى رَدَّ هذا الوعد إلى نفسه، / أمكن أَنْ يتمّ الوعد فيه وأَلاَّ يتمّ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة إذ فيهم- ولا بُدَّ- مَنْ يموتُ أو يمرض.
ت: وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السِّيَرِ، وقال آخرون: هو أخذ من اللَّه تعالى [على عباده] [[سقط في: د.]] بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل.
ت: قال ثعلب: استثنى اللَّه تعالى فيما يعلم ليستثنيَ الخَلْقُ فيما لا يعلمون، وقيل غير هذا، ولما نزلت هذه الآية عَلِمَ المسلمون أَنَّ تلك الرؤيا ستخرج فيما يستأنفونه من الزمان، فكان كذلك، فخرج ﷺ في العام المُقْبِلِ واعتمر.
وقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا يريد ما قَدَّرَهُ من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه.
وقوله: مِنْ دُونِ ذلِكَ أي: من قبل ذلك، وفيما يدنو إليكم، واختلف في الفتح القريب، فقال كثير من العلماء: هو بيعة الرضوان وصُلْحُ الحديبية، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري (11/ 368) برقم: (31610) ، وذكره ابن عطية (5/ 140) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 79) ، وعزاه لابن جرير.]] : هو فتح خيبر.
الفتح 48:29
وقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قال جمهور الناس: هو ابتداء وخبر، استوفى فيه تعظيمَ منزلة النبي ﷺ.
وقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ ابتداء، وخبره: أَشِدَّاءُ ورُحَماءُ خبر ثانٍ، وهذا هو الراجح لأَنَّهُ خبر مضاد لقول الكفار: «لا تكتب مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» ، وَالَّذِينَ مَعَهُ إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبيُّ عن ابن عباس أَنَّ الإشارة إلى مَنْ شَهِدَ الحديبية [[ذكره ابن عطية (5/ 147) .]] .
ت: ووصف تعالى الصحابة بأَنَّهُمْ رحماء بينهم، وقد جاءت أحاديثُ صحيحةٌ في تراحم المؤمنين حدثنا الشيخ وليُّ الدين العراقيُّ بسنده عن عبد اللَّه بن عمرو بن/ العاصي أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرحمن ارْحَمُوا مَنْ في الأرض يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [[أخرجه أبو داود (2/ 703) كتاب «الأدب» باب: في الرحمة (4941) ، والترمذي (4/ 323- 324) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في رحمة المسلمين (1924) ، وأحمد (2/ 160) ، والحاكم في «المستدرك» (4/ 159) ، والبيهقي (9/ 41) كتاب «السير» باب: ما على الوالي من أمر الجيش، والحميدي (2/ 269) (591) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.]] وأخرج الترمذيُّ من طريق أبي هريرة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قال: «لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلاَّ مِنْ [قَلْبٍ] شَقِيٍّ» [[أخرجه أبو داود (2/ 703) كتاب «الأدب» باب: في الرحمة (4942) ، والترمذي (4/ 323) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في رحمة المسلمين (1923) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن.]] وخَرَّجَ عن جرير بن عَبْدِ اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ، لاَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ» [[أخرجه البخاري (10/ 452) كتاب «الأدب» باب: رحمة الناس والبهائم (6013) ، ومسلم (4/ 1809) كتاب «الفضائل» باب: رحمته ﷺ الصبيان والعيال، وتواضعه وفضل ذلك (66، 66/ 2319) ، والطبراني (2/ 354- 355) (2491- 2492- 2493- 2495) ، والبيهقي (8/ 161) كتاب «قتال أهل البغي» باب: ما على السلطان من القيام فيما ولي بالقسط والنصح للرعية، والرحمة بهم، والشفقة عليهم والعفو عنهم ما لم يكن حدا، والحميدي (2/ 351) (802) ، وأحمد (4/ 358، 360، 361، 362، 365، 366) .]] قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهذا الحديث خَرَّجه مسلم عن جرير، وخَرَّجَ مسلم أيضاً من طريق أبي هريرةَ:
«مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ» [[أخرجه البخاري (10/ 440) كتاب «الأدب» باب: من ترك صبية غيره حتى تلعب به، أو قبلها أو مازحها (5997) ، ومسلم (4/ 1808- 1809) كتاب «الفضائل» باب: رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك (65، 65/ 2318) ، وأبو داود (2/ 777) كتاب «الأدب» باب: في قبلة الرجل ولده (5218) ، والترمذي (4/ 318) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في رحمة الولد (1911) ، والبخاري في «الأدب المفرد» (35) (91) ، وابن حبان (2/ 202) كتاب «البر والإحسان» باب: الرحمة (457، 463) ، (12/ 406- 407) كتاب «الحظر والإباحة» باب: ذكر الإباحة أن يقبل الرجل ولده، وولد ولده وما بعده (5594، 5596) ، (15/ 431) كتاب «إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة» باب: ذكر ملاعبة المصطفى ﷺ للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (6975) ، وأحمد (2/ 228، 241، 269، 514) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.]] انتهى، وبالجملة: فأسباب الألفة والتراحم بين المؤمنين كثيرةٌ، ولو بأَنْ تَلْقَى أخاك بوجه طَلْقٍ، وكذلك بَذْلُ السلام وَطيِّبُ الكلام، فالمُوَفَّقُ لا يحتقر من المعروف شيئاً، وقد روى الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له بسنده عن عمر بن الخطاب- رضي اللَّه عنه- قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ كَان أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَحْسَنُهُمَا بِشْراً بِصَاحِبِهِ» أوْ قَالَ: «أكثرهما [بشرا] بصاحبه، فإذا تَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ» [[ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (9/ 114) (25245) ، وعزاه لأبي الشيخ، والحكيم الترمذي عن عمر.]] ، انتهى.
وقوله: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً أي: ترى هاتين الحالتين كثيرا فيهم ويَبْتَغُونَ:
معناه: يطلبون.
وقوله سبحانه: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ قال مالك بن أنس: كانت جِبَاهُهُم مَتْرِبَةً من كثرة السجود في التراب وقاله عِكْرِمَةُ، ونحوه لأبي العالية [[أخرجه الطبري (11/ 371) عن عكرمة برقم: (31632) ، وذكره البغوي (4/ 206) عن عكرمة، وأبي العالية، وابن عطية (5/ 141) .]] ، وقال ابن عباس وخالد الحنفي/ وعطية: هو وعد بحالهم يومَ القيامة من اللَّه تعالى، يجعل لهم نوراً من أَثر السجود [[أخرجه الطبري (11/ 370) عن ابن عبّاس برقم: (31613) ، وعن خالد الحنفي برقم: (31614) ، وذكره البغوي (4/ 206) عن ابن عبّاس، وابن عطية (5/ 141) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 82) ، وعزاه للبخاري في «تاريخه» ، وابن نصر عن ابن عبّاس رضي الله عنهما.]] ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 141) .]] : كما يجعل غُرَّةً من أثر الوضوء، حسبما هو في الحديث، ويؤيد هذا التأويلَ اتصالُ القولِ بقوله: «فَضْلاً مِنَ اللَّهِ» وقال ابن عباس:
السَّمْتُ الحَسَنُ هو السيما، وهو خشوع يبدو على الوجه [[أخرجه الطبري (11/ 370) برقم: (31621) ، وذكره البغوي (4/ 206) ، وابن عطية (5/ 141) ، وابن كثير في «تفسيره» (4/ 204) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 81) ، وعزاه لمحمّد بن نصر في كتاب «الصلاة» ، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» .]] ، قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 141) .]] : وهذه حالةُ مُكْثِرِي الصلاةَ لأَنَّها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وقال الحسن بن أبي الحسن، وشِمْرُ بن عَطِيَّةَ: «السيما» : بَيَاضٌ وصُفْرَةٌ وتَبْهِيجٌ يعتري الوجوهَ من السَّهَرِ»
، وقال عطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس: «السّيما» : حسن يعتري وجوه المصلّين [[ذكره البغوي (4/ 206) ، وذكره ابن عطية (5/ 141) .]] ، قال- عليه السلام [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 141) .]] -: ومن هذا الحديثُ الذي في «الشِّهاب» : «مَنْ كثرت صلاته باللّيل حسن وجهه بِالنَّهَارِ» [[أخرجه ابن ماجه (1/ 422) كتاب «إقامة الصلاة والسنة فيها» باب: ما جاء في قيام الليل (1333) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (1/ 341) (257) ، (13/ 38) (6995) ، وابن الشجري في «أماليه» (1/ 205، 208) .
قال العجلوني في «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» (2/ 338) (2587) : لا أصل له، وإن روي من طرق عند ابن ماجه بعضها عن جابر، وأورد الكثير منها عن القضاعي وغيره، قال: ولكن قرأت بخط شيخنا في بعض أجوبته أنه ضعيف، بل قواه بعضهم والمعتمد الأول، وأطنب ابن عدي في رده، قال ابن طاهر: ظن القضاعي أن الحديث صحيح لكثرة طرقه، وهو معذور لأنه لم يكن حافظا انتهى.
واتفق أئمة الحديث: ابن عدي، والدارقطني، والعقيلي، وابن حبان، والحاكم على أنه من قول شريك لثابت، وقال ابن عدي: سرقه جماعة من ثابت، كعبد الله بن شبرمة الشريكي، وعبد الحميد بن بحر، وغيرهما، وقال ابن حجر المكي في «الفتاوى» : أطبقوا على أنه موضوع، مع أنه في «سنن ابن ماجه» .]] قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 141) .]] : وهذا حديث غَلِطَ فيه ثابت بن موسى الزاهد، سَمِعَ شَرِيكَ بنَ عبد اللَّه يقول: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عن أبي سفيانِ، عن جابر، ثم نزع شريك لما رأى ثابتاً الزاهد فقال يعنيه: مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ، فَظَنَّ ثابت أَنَّ هذا الكلام حديث متركِّب على السند المذكور، فَحَدَّثَ به عن شريك.
ت: واعلم أَنَّ اللَّه سبحانه جعل حُسْنَ الثناء علامةً على حسن عُقْبَى الدار، والكون في الجنة مع الأبرار، جاء بذلك صحيح الآثار عن النبي المختار ففي «صحيح البخاريّ» و «مسلم» عن أنس قالَ: «مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خيرا، فقال النبيّ ﷺ:
وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بأخرى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: / وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ:
هَذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأَرْضِ» [[أخرجه البخاري (3/ 270) كتاب «الجنائز» باب: ثناء الناس على الميت (1367) (5/ 299) كتاب «الشهادات» باب: تعديل كم يجوز؟ (2642) ، ومسلم (2/ 655) كتاب «الجنائز» باب: فيمن يتسنى عليه خير أو شر (60، 60/ 949) ، وابن ماجه (1/ 478) كتاب «الجنائز» باب: ما جاء في الثناء على الميت (1491) .]] ، انتهى، ونقل صاحب «الكوكب الدُّرِّيِّ» من مسند البَزَّارِ عنِ النبيّ ﷺ أَنَّه قال: «يُوشِكُ أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بم؟ قال:
بالثّناء الحسن والثّناء السّيّئ» [[أخرجه ابن ماجه (2/ 1411) كتاب «الزهد» باب: الثناء الحسن (4221) ، والبيهقي (10/ 123) كتاب «آداب القاضي» باب: اعتماد القاضي على تزكية المشركين وجرحهم، والحاكم (1/ 120) .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.]] ، انتهى، ونقله صاحب كتاب «التشوُّف إلى رجال التصوُّف» وهو الشيخ الصالح أبو يعقوب يوسف بن يحيى التادلي، عن ابن أبي شيبة، ولفظه: وخرّج أبو بكر بن أبي شيبةَ أَنَّهُ قال ﷺ في خُطْبَتِهِ: «تُوشِكُوا أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ قَالَ: خِيَارَكُمْ مِنْ شِرَارِكُمْ، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بالثّناء الحسن، وبالثّناء السّيّئ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» [[أخرجه أحمد (6/ 466) ، والبيهقي (10/ 123) كتاب «آداب القاضي» باب: اعتماد القاضي على تزكية المشركين وجرحهم.]] . ومن كتاب «التشوُّف» قال: وخَرَّجَ البزَّارُ عن أنس قال: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَهْل الجَنَّةِ؟ قال: مَنْ لاَ يَمُوتُ حتى تُمْلأَ مَسَامِعُهُ مِمَّا يُحِبُّهُ، قِيلَ: فَمَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ قال: مَنْ لاَ يَمُوتُ حتى تملأ مسامعه مِمَّا يَكْرَهُ» قال:
وخَرَّج البَزَّارُ عن أبي هريرةَ «أَنَّ رجلاً قال: يا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، قَالَ: لاَ تَغْضَبْ، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: متى أَعْلَمُ أَنِّي مُحْسِنٌ؟ قَالَ: إذَا قَالَ جِيرَانُكَ: إنَّكَ مُحْسِنٌ، فَإنَّكَ مُحْسِنٌ، وَإذَا قَالُوا: إنَّكَ مُسِيءٌ، فَإنَّكَ مُسِيءٌ» [[تقدم تخريجه شاهدا لحديث: «لا تغضب» .]] انتهى، ونقل القرطبي في «تذكرته» عن عبد اللَّه بن السائب قال: مَرَّتْ جنازةٌ بابن مسعود فقال لرجُلٍ: قُمْ فانظرْ أمن أهل الجنة هو أم من أهل النَّارِ، فقال الرجل: ما يُدْرِينِي أمِنْ أهل الجنة هو أَمْ مِنْ أهل النار؟ قال: انظر ما ثَنَاءُ الناسِ عليه، فأنتم شهداءُ اللَّه في الأرض، / انتهى وباللَّه التوفيق، وإياه نستعين.
وقوله سبحانه: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ... الآية: قال مجاهد وجماعة من المتأولين: المعنى: ذلك الوصف هو مَثَلُهُمْ في التوراة ومثلهم في الإنجيل [[أخرجه الطبري (11/ 373) برقم: (31641) ، وذكره ابن عطية (5/ 142) .]] ، وتم القول، وكَزَرْعٍ ابتداءُ تمثيل، وقال الطبريُّ وحكاه عن الضَّحَّاك [[ينظر: «تفسير الطبري» (11/ 372) .]] : المعنى: ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة، وتَمَّ القولُ، ثم ابتدأ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ [[أخرجه الطبري (11/ 372) برقم: (31635) ، وذكره ابن عطية (5/ 142) .]] .
ت: وقيل غير هذا، وأبينها الأَوَّلُ، وما عداه يفتقر إلى سند يقطع الشكِ.
وقوله تعالى: كَزَرْعٍ على كل قول هو مثل للنبيّ ع وأصحابه في أنّ النبي ع بُعِثَ وَحْدَهُ فكان كالزرع حَبَّةً واحدة، ثم كَثُرَ المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السُّنْبُلَةِ التي تنبت حول الأصل يقال: أشطأتِ الشجرةُ إذا أخرجت غُصُونَها، وأشطأ الزرع: إذا أخرج شطأه، وحكى النقاش عن ابن عباس أَنَّهُ قال: الزّرع: النّبيّ ﷺ، فَآزَرَهُ: عليُّ بن أبي طالب، فَاسْتَغْلَظَ بأبي بكر، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ بعمر بن الخطاب.
ت: وهذا لَيِّنُ الإسناد والمتن، كما ترى، واللَّه أعلم بِصِحَّتِهِ [[ذكره ابن عطية (5/ 142) .]] .
وقوله تعالى: فَآزَرَهُ له معنيان:
أحدهما: ساواه طولاً.
والثَّاني: أنَّ: «آزره» و «وَازَرَهُ» بِمعنى: أعانه وَقَوَّاهُ مأخوذٌ من الأَزَرِ، وفَاعِلُ «آزر» يحتملُ أنْ يكون الشَّطْءَ، ويحتمل أَنْ يكون الزَّرْعَ.
وقوله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ابتداء كلام قبله محذوف، تقديره: جعلهم اللَّه بهذه الصفة ليغيظ بهم الكفار، قال/ الحسن: مِنْ غَيْظِ الكُفَّارِ قولُ عُمَرَ بِمَكَّةَ: لاَ يُعْبَدُ اللَّهُ سِرّاً بَعْدَ الْيَوْمِ [[ذكره البغوي (4/ 206) ، وابن عطية (5/ 143) .]] .
وقوله تعالى: مِنْهُمْ هي لبيان الجنس، وليست للتبعيض لأنّه وعد مرج للجميع.