Lafzullah

Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — البقرة 2:159 – البقرة 2:185

المؤلف / المصدر: Ebû İshâk Ahmed b. Muhammed es-Sa'lebî (ö. 427h)

المحتويات
  1. البقرة 2:159
  2. البقرة 2:160
  3. البقرة 2:161
  4. البقرة 2:162
  5. البقرة 2:163
  6. البقرة 2:164
  7. البقرة 2:165
  8. البقرة 2:166
  9. البقرة 2:167
  10. البقرة 2:168
  11. البقرة 2:169
  12. البقرة 2:170
  13. البقرة 2:171
  14. البقرة 2:172
  15. البقرة 2:173
  16. البقرة 2:174
  17. البقرة 2:175
  18. البقرة 2:176
  19. البقرة 2:177
  20. البقرة 2:178
  21. البقرة 2:179
  22. البقرة 2:180
  23. البقرة 2:181
  24. البقرة 2:182
  25. البقرة 2:183
  26. البقرة 2:184
  27. البقرة 2:185

البقرة 2:159

إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الصفا جمع الصّفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء، قال امرؤ القيس: لها كفل كصفا المسيل ... أبرز عنها جحاف مضر [[مجمع البيان للطبري: 1/ 438.]] يقال: صفاة وصفا مثل حصاة وحصا وقطاة وقطا ونواة ونوى، وقيل: إن الصّفا واحد وتثنيته صفوان مثل عصا وعصوان وجمعه أصفاء مثل رجا وأرجاء، وصفا وصفي مثل عصا وعصي، قال الراجز: كأن متنيه من النفي ... مواقع الطير على الصّفي [[تفسير الطبري: 2/ 59.]] والمروة من الحجارة ما لان وصغر. قال أبو ذؤيب الهذلي: حتّى كأنّي للحوادث مروة ... بصفا المشرق كل يوم تقرع أي صخرة رخوة صغيرة، وجمع المروة مروان وجمعها للكبير مرو مثل ثمرة وثمرات وثمر وحمرة وحمرات وحمرا. قال الأعشى ميمون بن قيس يصف ناقته: وترى الأرض خفا زائلا ... فإذا ما صادف المرو رضخ [[المصدر السابق: 2/ 60.]] وإنّما عنى الله تعالى بهما الجبلين المعروفين بمكّة دون سائر الصّفا والمروة فلذلك أدخل فيهما الألف واللام، وشعائر الله: اعلام دينه واحدها شعيرة وكلّ كان معلّما لقربان يتقرّب به إلى الله عزّ وجلّ من دعاء وصلاة من ذبيحة وأداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة. قال الكميت بن زيد: نقتلهم جيلا فجيلا تراهم ... شعائر قربان بهم يتقرب وأصلها من الأشعار وهي الأعلام على الشيء. وفي الحديث إنّ قائلا قال: حين شجّ عمر في الحجّ: أشعر أمير المؤمنين دما، وأراد بالشعائر هاهنا مناسك الحج التي جعلها الله عزّ وجلّ إعلاما لطاعته، وقال مجاهد: يعني من الخبر الّذي أخبركم عنه وأصل الكلمة على هذا القول من شعرت أي: علمت كأنّه أعلام لله عباده أمر الصفا والمروة. وتقدير الآية: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فترك ذكر الطّواف واكتفى بذكرهما [وذلك] معلوما عند المخاطبين. فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أصل الحجّ في اللغة: القصد. قال الشاعر: كراهب يحجّ بيت المقدس ... ذي موحد ومنقل [وبرنس] [[كلمات غير مقروءة وهذا الظاهر منها.]] وقال محمّد بن جرير: من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. وقال المحمل السعدي: واشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا [[تفسير الطبري: 2/ 61.]] أي يكثرون التردد إليه لوده ورئاسته. وقيل للحاج: حاج لأنّه يأتي البيت من عرفة ثمّ يعود إليه للطواف يوم النّحر ثمّ ينصرف عنه إلى منى ثمّ يعود إليه لطوف الصدر. فبتكرار العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج: أَوِ اعْتَمَرَ من العمرة وهي الزيارة. قال العجاج: لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... معزى بعيدا من بعيد وضبر أي من قصده وزاره، وقال المفضل بن سلمة: أَوِ اعْتَمَرَ أي حلّ بمكّة بعد الطواف والسّعي ففعل ما يفعل الحلال. والعمرة: لإقامة الموضع والعمارة: إصلاحه ومرمّته. وعن عبد الله بن عامر بن رفيعة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «تابعوا بين الحجّ والعمرة فإن متابعة ما بينهما يزيدان في العمر والرّزق وينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» [13] . فَلا جُناحَ عَلَيْهِ الجناح الإثم وأصله من جنح إذا مال عن القصد. يقال: جنح اللّيل إذا مال بظلمته. وجنحت السفينة: إذا مالت إلى الأرض. قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ومنه جناح الطائر. أَنْ يَطَّوَّفَ أي يدور وأصله يتطوف فأدغمت التاء في الطّاء. وقرأ أبو حيوة الشّامي: يَطُوفَ مخفّفة الطاء واختلفوا في وجه الآية وتأويلها وسبب تنزيلها. قال أنس بن مالك: كنّا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، فتركناه في الإسلام. فأنزل الله هذه الآية. وقال عمر بن حبيش: سألت ابن عمر عن هذه الآية فقال: انطلق إلى ابن عبّاس فإنّه أعلم من بقي بما أنزل على محمّد ﷺ‎، فأتيته فسألته فقال ابن عبّاس: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة، وإنّما ذكروا الصفا لتذكير الأساف وذكروا المروة لتأنيث نائلة. وزعم أهل الكتاب إنّهما زنيا في الحرم فمسخهما الله عزّ وجلّ حجرين فوضعهما على الصّفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدّة عبدا دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين فلمّا جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى السّدي عن أبي مالك عن ابن عبّاس قال: كان في الجاهلية شياطين تعزف بالليل بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة فلمّا ظهر الإسلام قال المسلمون لرسول الله لا تطوفنّ بين الصفا والمروة فإنّه شرك كنّا نصنعه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية [[أسباب النزول للواحدي: 28.]] . قتادة: كان ناس من تهامة في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة فلمّا جاء الإسلام تحوّبوا السعي بينهما كما كانوا يتحوّبونه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية. قتادة: كان [حي من تهامة لا يسعون بينهما] فأخبرهم إنّها كانت سنّة إبراهيم وإسماعيل عليه السّلام [[تفسير الطبري: 2/ 65.]] . وروى الزهري عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة ما الصفا والمروة؟ قالت: قول الله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، والله ما على أحد جناح ألّا يطوف بين الصفا والمروة فقالت: عائشة ليس ما قلت يا ابن اختي إن هذه لو كانت على ما أولها ما كان عليه جناح أن لا يطوف بهما، ولكنّها إنّما نزلت في الأنصار وذلك وأنهم كانوا قبل أن يسلموا يصلون لمناة الطاغية وهي صنم من مكّة والمدينة بالمشلل، وكان من أهل لها تخرّج أن يطوف بين الصفا والمروة. فلمّا أسلموا سألهم رسول الله ﷺ‎ عن ذلك. فقالوا: يا رسول الله إنّا كنا لا نطوف بين الصّفا والمروة لأنّهما صنمان. فهل علينا حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثمّ قالت عائشة (رضي الله عنها) قد سنّ رسول الله ﷺ‎ الطواف بينهما. فليس لأحد تركه. قال الزّهري: قد ذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحرث بن هشام. فقال: هذا العلم. وقال مقاتل بن حيّان: إنّ النّاس كانوا قد تركوا الطّواف بين الصفا والمروة، غير الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وعامر بن صعصعة سموا حمسا لتشدّدهم في دينهم والحماسة الشّجاعة والصّلابة، فسألت الحمس رسول الله ﷺ‎ عن السعي بين الصفا والمروة أمن شعائر الله أم لا؟، فإنّه لا يطوف بهما غيرنا فنزلت هذه الآية. واختلف العلماء في هذه الآية فقال الشافعي ومالك: الطواف بين الصفا والمروة فرض واحد ومن تركه لزمه القضاء والإعادة فلا تجزيه فدية ولا شيء إلّا العود إلى مكّة والطّواف بينهما كما لا يجزي تارك طواف الافاضة إلّا قضاؤه بعينه. وقالا: هما طوافان واجبان أمر بهما أحدهما بالبيت والأخر بين الصفا والمروة وحكمها واحد. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن وان لم يعد فعليه دم ورأوا أنّ حكم الطواف منهما حكم رمي بعض الجمرات والوقوف بالمعشر وطواف الصدر وما أشبه ذلك ممّا يجزي تاركه بتركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه. وقال أنس بن مالك وعبد الله بن الزّبير ومجاهد وعطاء: الطواف بهما تطوّع إن فعله فاعل يكن محسنا، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء، واحتج من لم يوجب السّعي والطواف بينهما بقراءة ابن عبّاس وأنس وشهر بن حوشب وابن سيرين: فلا جناح عليه أن لا يطّوف بهما بإثبات لا، وكذلك هو في مصحف عبد الله والجواب عنه أن (لا) : زيادة صلة كقوله ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [[سورة الأعراف: 12.]] ، وكقوله أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [[سورة الأنبياء: 95.]] ، وفَلا أُقْسِمُ [[سورة القيامة: 1. 2، سورة البلد: 1.]] ، وقال الشاعر: فلا ألوم البيض ألّا تسخرا ... لمّا رأين الشمط القفندرا فأركان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه [تمجّح] حجة مع احتمال الكلام ما وصفناه فكيف وهو خلاف رسوم الشّيخ الإمام ومصاحف الإسلام. ثمّ الدليل على إنّ السّعي بينهما واجب وعلى تاركه إعادة الحج ناسيا تركه أو عامدا بظاهر الأخبار. إنّ رسول الله ﷺ‎ فعل ذلك وأمر به. روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: لما دنا رسول الله ﷺ‎ من الصّفا في حجّته قال: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ إبدءوا بما بدء الله به فبدأ بالصّفا فرقى عليه حتّى رأى البيت ثمّ مشى حتّى إذا تصوّبت قدماه في الوادي سعى» [14] . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لعمري ما حجّ من لم يسع بين الصفا والمروة، مفروض في كتاب الله والسنّة، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ. وقال رسول الله ﷺ‎: «يا أيّها النّاس كتب عليكم السّعي فاسعوا» [15] . قال كليب: رأى ابن عبّاس قوما يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل انطلقت حين عطش ابنها وجاع فوجدت الصفا أقرب جبل إلى الأرض فقامت عليه ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الوادي، ورفعت طرف درعها ثمّ سعت سعي الإنسان المجهود حتّى جاوزت الوادي ثمّ أتت المروة وقامت عليها تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرّات. وقال محمّد: حجّ موسى ﷺ‎ على جبل أحمر وعليه عباءتان قطرانيتان فطاف بالبيت ثمّ صعد الصّفا ودعا ثمّ هبط إلى السعي وهو ملبّي فقال: لبيك اللهم لبيك، فقال الله عزّ وجلّ لبّيك عبدي وأنا معك، فخرّ موسى ساجدا. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرأ حمزة والكسائي تَطَّوْعَ بالتّاء وتشديد الطّاء وجزم العين وكذلك التاء في بمعنى يتطوع واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا بقراءة عبد الله ومن تطوع بالتّاء. وقرأ الباقون: تَطَوَّعَ بالتاء وضعف العين على المضي. قال مجاهد: فمن تطوّع بالطواف بالصّفا والمروة، وقال: تطوّع رسول الله ﷺ‎ وكان من النبيّين. وقال مقاتل والكلبي: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً زاد في الطواف ففيه الواجب. وقال ابن زيد: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فاعتمر، والحج فريضة والعمرة تطوّع. وقيل: فمن تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه. وقال الحسن وغيره: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً يعني به للدّين كلّه. أيّ فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة أو نوع من أنواع الطّاعات كلّها. فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ مجاز بعمله. عَلِيمٌ بنيّة من يشكر اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير وأصل الشكر من قول العرب: دابّة شكور إذا كان يظهر عليها من السمن فوق ما يعلف. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ يعني الرجم والحدود والأحكام والحلال والحرام. وَالْهُدى يعني وأمر محمّد ﷺ‎ ونعته. مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ لبني إسرائيل. فِي الْكِتابِ في التّوراة نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم كتموا صفة محمّد ﷺ‎ وآية الرجم. أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ أصل اللّعن في اللغة الطّرد ولعن الله إبليس بطرده إيّاه حين قال له: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [[سورة الحجر: 34، وسورة ص: 77.]] . قال الشّماخ: وذكر ما ورده: ذعرت به القطا وبقيت فيه ... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين وقال النّابغة: فبتّ كانّني خرج لعين ... نفاه النّاس أو أدنف طعين فمعنى قولنا: لعنه الله: أي طرده وأبعده وأصل اللّعنة ما ذكرنا ثمّ كثر ذلك حتّى صار قولا. وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهمّ العنهم واختلف المفسّرون في هؤلاء اللّاعنين. قال قتادة: هم الملائكة. عطاء: الجنّ والأنس. الحسن: عباد الله أجمعون. ابن عبّاس: كلّ شيء إلّا الجنّ والأنس. الضحّاك: إن الكافر إذا وضع في حفرته قيل له من ربّك؟ ومن نبيّك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري. فيقول له: لا دريت، ثمّ يضربه ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمعها كلّ شيء إلّا الثّقلان الأنس والجنّ فلا يسمع صوته شيء إلّا لعنه فذلك قوله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. البراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وضع في قبره أتته دابّة كأنّ عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع أحد صوته إلّا لعنه ولا يبقى شيء إلّا سمع صوته غير الثقلين. ابن مسعود: هو الرّجل يلعن صاحبه فترتفع اللّعنة في السماء ثمّ تنحدر فلا تجد صاحبها الّذي قيلت له أهلا لذلك فترجع إلى الّذي يحكم بها فلا تجده لها أهلا فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله عزّ وجلّ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. فمن تاب منهم ارتفعت اللّعنة عنه وكانت فيمن لقي من اليهود. مجاهد: اللَّاعِنُونَ البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أسنت السنّة وامسك المطر قالت: هذا بشؤم ذنوب بني آدم. عكرمة: دوابّ الأرض وهوامّها حتّى الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم وإنّما قال لهذه الأشياء اللَّاعِنُونَ ولم يقل اللاعنات لأن من شأن العرب إذا وصفت شيئا من الجمادات والبهائم. وغيرها سوى النّاس بما هو صفة للنّاس من فعل أو قول لن يخرجوه على مذهب بني آدم وجمعهم كقولهم وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [[سورة يوسف: 4.]] ولم يقل ساجدات، وقوله للأصنام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [[سورة الأنبياء: 63.]] ، وقوله يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [[سورة النمل: 18.]] ، وقوله وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [[سورة فصّلت: 21.]] الآية ثمّ استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الكفر. وَأَصْلَحُوا الأعمال فيما بينهم وبين ربّهم. وَبَيَّنُوا صفة محمّد ﷺ‎ وآية الرجم. فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم. وَأَنَا التَّوَّابُ الرجّاع بقلوب عبادي المنصرفة عني. الرَّحِيمُ بهم بعد إقبالهم عليّ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ واو حال. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ أي ولعنة الملائكة. وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قتادة والربيع: يعني النّاس أجمعين: المؤمنين. أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقّف الكافر فيلعنه الله عزّ وجلّ ثمّ تلعنه الملائكة ثمّ يلعنه النّاس أجمعين. السّدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما لعن الله الظالم إلّا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنّه ظالم فكل أحد من الخلق يلعنه. خالِدِينَ فِيها مقيمين في اللعنة والنّار. لا يُخَفَّفُ لا يرفّه عنهم العذاب. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يمهلون ويؤجلون. وقال أبو العالية، لا ينظرون: فيعذرون كقوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 36.]] .

البقرة 2:160

إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الصفا جمع الصّفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء، قال امرؤ القيس: لها كفل كصفا المسيل ... أبرز عنها جحاف مضر [[مجمع البيان للطبري: 1/ 438.]] يقال: صفاة وصفا مثل حصاة وحصا وقطاة وقطا ونواة ونوى، وقيل: إن الصّفا واحد وتثنيته صفوان مثل عصا وعصوان وجمعه أصفاء مثل رجا وأرجاء، وصفا وصفي مثل عصا وعصي، قال الراجز: كأن متنيه من النفي ... مواقع الطير على الصّفي [[تفسير الطبري: 2/ 59.]] والمروة من الحجارة ما لان وصغر. قال أبو ذؤيب الهذلي: حتّى كأنّي للحوادث مروة ... بصفا المشرق كل يوم تقرع أي صخرة رخوة صغيرة، وجمع المروة مروان وجمعها للكبير مرو مثل ثمرة وثمرات وثمر وحمرة وحمرات وحمرا. قال الأعشى ميمون بن قيس يصف ناقته: وترى الأرض خفا زائلا ... فإذا ما صادف المرو رضخ [[المصدر السابق: 2/ 60.]] وإنّما عنى الله تعالى بهما الجبلين المعروفين بمكّة دون سائر الصّفا والمروة فلذلك أدخل فيهما الألف واللام، وشعائر الله: اعلام دينه واحدها شعيرة وكلّ كان معلّما لقربان يتقرّب به إلى الله عزّ وجلّ من دعاء وصلاة من ذبيحة وأداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة. قال الكميت بن زيد: نقتلهم جيلا فجيلا تراهم ... شعائر قربان بهم يتقرب وأصلها من الأشعار وهي الأعلام على الشيء. وفي الحديث إنّ قائلا قال: حين شجّ عمر في الحجّ: أشعر أمير المؤمنين دما، وأراد بالشعائر هاهنا مناسك الحج التي جعلها الله عزّ وجلّ إعلاما لطاعته، وقال مجاهد: يعني من الخبر الّذي أخبركم عنه وأصل الكلمة على هذا القول من شعرت أي: علمت كأنّه أعلام لله عباده أمر الصفا والمروة. وتقدير الآية: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فترك ذكر الطّواف واكتفى بذكرهما [وذلك] معلوما عند المخاطبين. فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أصل الحجّ في اللغة: القصد. قال الشاعر: كراهب يحجّ بيت المقدس ... ذي موحد ومنقل [وبرنس] [[كلمات غير مقروءة وهذا الظاهر منها.]] وقال محمّد بن جرير: من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. وقال المحمل السعدي: واشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا [[تفسير الطبري: 2/ 61.]] أي يكثرون التردد إليه لوده ورئاسته. وقيل للحاج: حاج لأنّه يأتي البيت من عرفة ثمّ يعود إليه للطواف يوم النّحر ثمّ ينصرف عنه إلى منى ثمّ يعود إليه لطوف الصدر. فبتكرار العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج: أَوِ اعْتَمَرَ من العمرة وهي الزيارة. قال العجاج: لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... معزى بعيدا من بعيد وضبر أي من قصده وزاره، وقال المفضل بن سلمة: أَوِ اعْتَمَرَ أي حلّ بمكّة بعد الطواف والسّعي ففعل ما يفعل الحلال. والعمرة: لإقامة الموضع والعمارة: إصلاحه ومرمّته. وعن عبد الله بن عامر بن رفيعة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «تابعوا بين الحجّ والعمرة فإن متابعة ما بينهما يزيدان في العمر والرّزق وينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» [13] . فَلا جُناحَ عَلَيْهِ الجناح الإثم وأصله من جنح إذا مال عن القصد. يقال: جنح اللّيل إذا مال بظلمته. وجنحت السفينة: إذا مالت إلى الأرض. قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ومنه جناح الطائر. أَنْ يَطَّوَّفَ أي يدور وأصله يتطوف فأدغمت التاء في الطّاء. وقرأ أبو حيوة الشّامي: يَطُوفَ مخفّفة الطاء واختلفوا في وجه الآية وتأويلها وسبب تنزيلها. قال أنس بن مالك: كنّا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، فتركناه في الإسلام. فأنزل الله هذه الآية. وقال عمر بن حبيش: سألت ابن عمر عن هذه الآية فقال: انطلق إلى ابن عبّاس فإنّه أعلم من بقي بما أنزل على محمّد ﷺ‎، فأتيته فسألته فقال ابن عبّاس: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة، وإنّما ذكروا الصفا لتذكير الأساف وذكروا المروة لتأنيث نائلة. وزعم أهل الكتاب إنّهما زنيا في الحرم فمسخهما الله عزّ وجلّ حجرين فوضعهما على الصّفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدّة عبدا دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين فلمّا جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى السّدي عن أبي مالك عن ابن عبّاس قال: كان في الجاهلية شياطين تعزف بالليل بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة فلمّا ظهر الإسلام قال المسلمون لرسول الله لا تطوفنّ بين الصفا والمروة فإنّه شرك كنّا نصنعه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية [[أسباب النزول للواحدي: 28.]] . قتادة: كان ناس من تهامة في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة فلمّا جاء الإسلام تحوّبوا السعي بينهما كما كانوا يتحوّبونه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية. قتادة: كان [حي من تهامة لا يسعون بينهما] فأخبرهم إنّها كانت سنّة إبراهيم وإسماعيل عليه السّلام [[تفسير الطبري: 2/ 65.]] . وروى الزهري عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة ما الصفا والمروة؟ قالت: قول الله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، والله ما على أحد جناح ألّا يطوف بين الصفا والمروة فقالت: عائشة ليس ما قلت يا ابن اختي إن هذه لو كانت على ما أولها ما كان عليه جناح أن لا يطوف بهما، ولكنّها إنّما نزلت في الأنصار وذلك وأنهم كانوا قبل أن يسلموا يصلون لمناة الطاغية وهي صنم من مكّة والمدينة بالمشلل، وكان من أهل لها تخرّج أن يطوف بين الصفا والمروة. فلمّا أسلموا سألهم رسول الله ﷺ‎ عن ذلك. فقالوا: يا رسول الله إنّا كنا لا نطوف بين الصّفا والمروة لأنّهما صنمان. فهل علينا حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثمّ قالت عائشة (رضي الله عنها) قد سنّ رسول الله ﷺ‎ الطواف بينهما. فليس لأحد تركه. قال الزّهري: قد ذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحرث بن هشام. فقال: هذا العلم. وقال مقاتل بن حيّان: إنّ النّاس كانوا قد تركوا الطّواف بين الصفا والمروة، غير الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وعامر بن صعصعة سموا حمسا لتشدّدهم في دينهم والحماسة الشّجاعة والصّلابة، فسألت الحمس رسول الله ﷺ‎ عن السعي بين الصفا والمروة أمن شعائر الله أم لا؟، فإنّه لا يطوف بهما غيرنا فنزلت هذه الآية. واختلف العلماء في هذه الآية فقال الشافعي ومالك: الطواف بين الصفا والمروة فرض واحد ومن تركه لزمه القضاء والإعادة فلا تجزيه فدية ولا شيء إلّا العود إلى مكّة والطّواف بينهما كما لا يجزي تارك طواف الافاضة إلّا قضاؤه بعينه. وقالا: هما طوافان واجبان أمر بهما أحدهما بالبيت والأخر بين الصفا والمروة وحكمها واحد. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن وان لم يعد فعليه دم ورأوا أنّ حكم الطواف منهما حكم رمي بعض الجمرات والوقوف بالمعشر وطواف الصدر وما أشبه ذلك ممّا يجزي تاركه بتركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه. وقال أنس بن مالك وعبد الله بن الزّبير ومجاهد وعطاء: الطواف بهما تطوّع إن فعله فاعل يكن محسنا، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء، واحتج من لم يوجب السّعي والطواف بينهما بقراءة ابن عبّاس وأنس وشهر بن حوشب وابن سيرين: فلا جناح عليه أن لا يطّوف بهما بإثبات لا، وكذلك هو في مصحف عبد الله والجواب عنه أن (لا) : زيادة صلة كقوله ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [[سورة الأعراف: 12.]] ، وكقوله أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [[سورة الأنبياء: 95.]] ، وفَلا أُقْسِمُ [[سورة القيامة: 1. 2، سورة البلد: 1.]] ، وقال الشاعر: فلا ألوم البيض ألّا تسخرا ... لمّا رأين الشمط القفندرا فأركان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه [تمجّح] حجة مع احتمال الكلام ما وصفناه فكيف وهو خلاف رسوم الشّيخ الإمام ومصاحف الإسلام. ثمّ الدليل على إنّ السّعي بينهما واجب وعلى تاركه إعادة الحج ناسيا تركه أو عامدا بظاهر الأخبار. إنّ رسول الله ﷺ‎ فعل ذلك وأمر به. روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: لما دنا رسول الله ﷺ‎ من الصّفا في حجّته قال: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ إبدءوا بما بدء الله به فبدأ بالصّفا فرقى عليه حتّى رأى البيت ثمّ مشى حتّى إذا تصوّبت قدماه في الوادي سعى» [14] . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لعمري ما حجّ من لم يسع بين الصفا والمروة، مفروض في كتاب الله والسنّة، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ. وقال رسول الله ﷺ‎: «يا أيّها النّاس كتب عليكم السّعي فاسعوا» [15] . قال كليب: رأى ابن عبّاس قوما يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل انطلقت حين عطش ابنها وجاع فوجدت الصفا أقرب جبل إلى الأرض فقامت عليه ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الوادي، ورفعت طرف درعها ثمّ سعت سعي الإنسان المجهود حتّى جاوزت الوادي ثمّ أتت المروة وقامت عليها تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرّات. وقال محمّد: حجّ موسى ﷺ‎ على جبل أحمر وعليه عباءتان قطرانيتان فطاف بالبيت ثمّ صعد الصّفا ودعا ثمّ هبط إلى السعي وهو ملبّي فقال: لبيك اللهم لبيك، فقال الله عزّ وجلّ لبّيك عبدي وأنا معك، فخرّ موسى ساجدا. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرأ حمزة والكسائي تَطَّوْعَ بالتّاء وتشديد الطّاء وجزم العين وكذلك التاء في بمعنى يتطوع واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا بقراءة عبد الله ومن تطوع بالتّاء. وقرأ الباقون: تَطَوَّعَ بالتاء وضعف العين على المضي. قال مجاهد: فمن تطوّع بالطواف بالصّفا والمروة، وقال: تطوّع رسول الله ﷺ‎ وكان من النبيّين. وقال مقاتل والكلبي: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً زاد في الطواف ففيه الواجب. وقال ابن زيد: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فاعتمر، والحج فريضة والعمرة تطوّع. وقيل: فمن تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه. وقال الحسن وغيره: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً يعني به للدّين كلّه. أيّ فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة أو نوع من أنواع الطّاعات كلّها. فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ مجاز بعمله. عَلِيمٌ بنيّة من يشكر اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير وأصل الشكر من قول العرب: دابّة شكور إذا كان يظهر عليها من السمن فوق ما يعلف. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ يعني الرجم والحدود والأحكام والحلال والحرام. وَالْهُدى يعني وأمر محمّد ﷺ‎ ونعته. مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ لبني إسرائيل. فِي الْكِتابِ في التّوراة نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم كتموا صفة محمّد ﷺ‎ وآية الرجم. أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ أصل اللّعن في اللغة الطّرد ولعن الله إبليس بطرده إيّاه حين قال له: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [[سورة الحجر: 34، وسورة ص: 77.]] . قال الشّماخ: وذكر ما ورده: ذعرت به القطا وبقيت فيه ... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين وقال النّابغة: فبتّ كانّني خرج لعين ... نفاه النّاس أو أدنف طعين فمعنى قولنا: لعنه الله: أي طرده وأبعده وأصل اللّعنة ما ذكرنا ثمّ كثر ذلك حتّى صار قولا. وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهمّ العنهم واختلف المفسّرون في هؤلاء اللّاعنين. قال قتادة: هم الملائكة. عطاء: الجنّ والأنس. الحسن: عباد الله أجمعون. ابن عبّاس: كلّ شيء إلّا الجنّ والأنس. الضحّاك: إن الكافر إذا وضع في حفرته قيل له من ربّك؟ ومن نبيّك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري. فيقول له: لا دريت، ثمّ يضربه ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمعها كلّ شيء إلّا الثّقلان الأنس والجنّ فلا يسمع صوته شيء إلّا لعنه فذلك قوله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. البراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وضع في قبره أتته دابّة كأنّ عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع أحد صوته إلّا لعنه ولا يبقى شيء إلّا سمع صوته غير الثقلين. ابن مسعود: هو الرّجل يلعن صاحبه فترتفع اللّعنة في السماء ثمّ تنحدر فلا تجد صاحبها الّذي قيلت له أهلا لذلك فترجع إلى الّذي يحكم بها فلا تجده لها أهلا فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله عزّ وجلّ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. فمن تاب منهم ارتفعت اللّعنة عنه وكانت فيمن لقي من اليهود. مجاهد: اللَّاعِنُونَ البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أسنت السنّة وامسك المطر قالت: هذا بشؤم ذنوب بني آدم. عكرمة: دوابّ الأرض وهوامّها حتّى الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم وإنّما قال لهذه الأشياء اللَّاعِنُونَ ولم يقل اللاعنات لأن من شأن العرب إذا وصفت شيئا من الجمادات والبهائم. وغيرها سوى النّاس بما هو صفة للنّاس من فعل أو قول لن يخرجوه على مذهب بني آدم وجمعهم كقولهم وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [[سورة يوسف: 4.]] ولم يقل ساجدات، وقوله للأصنام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [[سورة الأنبياء: 63.]] ، وقوله يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [[سورة النمل: 18.]] ، وقوله وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [[سورة فصّلت: 21.]] الآية ثمّ استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الكفر. وَأَصْلَحُوا الأعمال فيما بينهم وبين ربّهم. وَبَيَّنُوا صفة محمّد ﷺ‎ وآية الرجم. فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم. وَأَنَا التَّوَّابُ الرجّاع بقلوب عبادي المنصرفة عني. الرَّحِيمُ بهم بعد إقبالهم عليّ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ واو حال. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ أي ولعنة الملائكة. وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قتادة والربيع: يعني النّاس أجمعين: المؤمنين. أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقّف الكافر فيلعنه الله عزّ وجلّ ثمّ تلعنه الملائكة ثمّ يلعنه النّاس أجمعين. السّدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما لعن الله الظالم إلّا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنّه ظالم فكل أحد من الخلق يلعنه. خالِدِينَ فِيها مقيمين في اللعنة والنّار. لا يُخَفَّفُ لا يرفّه عنهم العذاب. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يمهلون ويؤجلون. وقال أبو العالية، لا ينظرون: فيعذرون كقوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 36.]] .

البقرة 2:161

إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الصفا جمع الصّفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء، قال امرؤ القيس: لها كفل كصفا المسيل ... أبرز عنها جحاف مضر [[مجمع البيان للطبري: 1/ 438.]] يقال: صفاة وصفا مثل حصاة وحصا وقطاة وقطا ونواة ونوى، وقيل: إن الصّفا واحد وتثنيته صفوان مثل عصا وعصوان وجمعه أصفاء مثل رجا وأرجاء، وصفا وصفي مثل عصا وعصي، قال الراجز: كأن متنيه من النفي ... مواقع الطير على الصّفي [[تفسير الطبري: 2/ 59.]] والمروة من الحجارة ما لان وصغر. قال أبو ذؤيب الهذلي: حتّى كأنّي للحوادث مروة ... بصفا المشرق كل يوم تقرع أي صخرة رخوة صغيرة، وجمع المروة مروان وجمعها للكبير مرو مثل ثمرة وثمرات وثمر وحمرة وحمرات وحمرا. قال الأعشى ميمون بن قيس يصف ناقته: وترى الأرض خفا زائلا ... فإذا ما صادف المرو رضخ [[المصدر السابق: 2/ 60.]] وإنّما عنى الله تعالى بهما الجبلين المعروفين بمكّة دون سائر الصّفا والمروة فلذلك أدخل فيهما الألف واللام، وشعائر الله: اعلام دينه واحدها شعيرة وكلّ كان معلّما لقربان يتقرّب به إلى الله عزّ وجلّ من دعاء وصلاة من ذبيحة وأداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة. قال الكميت بن زيد: نقتلهم جيلا فجيلا تراهم ... شعائر قربان بهم يتقرب وأصلها من الأشعار وهي الأعلام على الشيء. وفي الحديث إنّ قائلا قال: حين شجّ عمر في الحجّ: أشعر أمير المؤمنين دما، وأراد بالشعائر هاهنا مناسك الحج التي جعلها الله عزّ وجلّ إعلاما لطاعته، وقال مجاهد: يعني من الخبر الّذي أخبركم عنه وأصل الكلمة على هذا القول من شعرت أي: علمت كأنّه أعلام لله عباده أمر الصفا والمروة. وتقدير الآية: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فترك ذكر الطّواف واكتفى بذكرهما [وذلك] معلوما عند المخاطبين. فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أصل الحجّ في اللغة: القصد. قال الشاعر: كراهب يحجّ بيت المقدس ... ذي موحد ومنقل [وبرنس] [[كلمات غير مقروءة وهذا الظاهر منها.]] وقال محمّد بن جرير: من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. وقال المحمل السعدي: واشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا [[تفسير الطبري: 2/ 61.]] أي يكثرون التردد إليه لوده ورئاسته. وقيل للحاج: حاج لأنّه يأتي البيت من عرفة ثمّ يعود إليه للطواف يوم النّحر ثمّ ينصرف عنه إلى منى ثمّ يعود إليه لطوف الصدر. فبتكرار العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج: أَوِ اعْتَمَرَ من العمرة وهي الزيارة. قال العجاج: لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... معزى بعيدا من بعيد وضبر أي من قصده وزاره، وقال المفضل بن سلمة: أَوِ اعْتَمَرَ أي حلّ بمكّة بعد الطواف والسّعي ففعل ما يفعل الحلال. والعمرة: لإقامة الموضع والعمارة: إصلاحه ومرمّته. وعن عبد الله بن عامر بن رفيعة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «تابعوا بين الحجّ والعمرة فإن متابعة ما بينهما يزيدان في العمر والرّزق وينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» [13] . فَلا جُناحَ عَلَيْهِ الجناح الإثم وأصله من جنح إذا مال عن القصد. يقال: جنح اللّيل إذا مال بظلمته. وجنحت السفينة: إذا مالت إلى الأرض. قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ومنه جناح الطائر. أَنْ يَطَّوَّفَ أي يدور وأصله يتطوف فأدغمت التاء في الطّاء. وقرأ أبو حيوة الشّامي: يَطُوفَ مخفّفة الطاء واختلفوا في وجه الآية وتأويلها وسبب تنزيلها. قال أنس بن مالك: كنّا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، فتركناه في الإسلام. فأنزل الله هذه الآية. وقال عمر بن حبيش: سألت ابن عمر عن هذه الآية فقال: انطلق إلى ابن عبّاس فإنّه أعلم من بقي بما أنزل على محمّد ﷺ‎، فأتيته فسألته فقال ابن عبّاس: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة، وإنّما ذكروا الصفا لتذكير الأساف وذكروا المروة لتأنيث نائلة. وزعم أهل الكتاب إنّهما زنيا في الحرم فمسخهما الله عزّ وجلّ حجرين فوضعهما على الصّفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدّة عبدا دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين فلمّا جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى السّدي عن أبي مالك عن ابن عبّاس قال: كان في الجاهلية شياطين تعزف بالليل بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة فلمّا ظهر الإسلام قال المسلمون لرسول الله لا تطوفنّ بين الصفا والمروة فإنّه شرك كنّا نصنعه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية [[أسباب النزول للواحدي: 28.]] . قتادة: كان ناس من تهامة في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة فلمّا جاء الإسلام تحوّبوا السعي بينهما كما كانوا يتحوّبونه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية. قتادة: كان [حي من تهامة لا يسعون بينهما] فأخبرهم إنّها كانت سنّة إبراهيم وإسماعيل عليه السّلام [[تفسير الطبري: 2/ 65.]] . وروى الزهري عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة ما الصفا والمروة؟ قالت: قول الله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، والله ما على أحد جناح ألّا يطوف بين الصفا والمروة فقالت: عائشة ليس ما قلت يا ابن اختي إن هذه لو كانت على ما أولها ما كان عليه جناح أن لا يطوف بهما، ولكنّها إنّما نزلت في الأنصار وذلك وأنهم كانوا قبل أن يسلموا يصلون لمناة الطاغية وهي صنم من مكّة والمدينة بالمشلل، وكان من أهل لها تخرّج أن يطوف بين الصفا والمروة. فلمّا أسلموا سألهم رسول الله ﷺ‎ عن ذلك. فقالوا: يا رسول الله إنّا كنا لا نطوف بين الصّفا والمروة لأنّهما صنمان. فهل علينا حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثمّ قالت عائشة (رضي الله عنها) قد سنّ رسول الله ﷺ‎ الطواف بينهما. فليس لأحد تركه. قال الزّهري: قد ذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحرث بن هشام. فقال: هذا العلم. وقال مقاتل بن حيّان: إنّ النّاس كانوا قد تركوا الطّواف بين الصفا والمروة، غير الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وعامر بن صعصعة سموا حمسا لتشدّدهم في دينهم والحماسة الشّجاعة والصّلابة، فسألت الحمس رسول الله ﷺ‎ عن السعي بين الصفا والمروة أمن شعائر الله أم لا؟، فإنّه لا يطوف بهما غيرنا فنزلت هذه الآية. واختلف العلماء في هذه الآية فقال الشافعي ومالك: الطواف بين الصفا والمروة فرض واحد ومن تركه لزمه القضاء والإعادة فلا تجزيه فدية ولا شيء إلّا العود إلى مكّة والطّواف بينهما كما لا يجزي تارك طواف الافاضة إلّا قضاؤه بعينه. وقالا: هما طوافان واجبان أمر بهما أحدهما بالبيت والأخر بين الصفا والمروة وحكمها واحد. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن وان لم يعد فعليه دم ورأوا أنّ حكم الطواف منهما حكم رمي بعض الجمرات والوقوف بالمعشر وطواف الصدر وما أشبه ذلك ممّا يجزي تاركه بتركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه. وقال أنس بن مالك وعبد الله بن الزّبير ومجاهد وعطاء: الطواف بهما تطوّع إن فعله فاعل يكن محسنا، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء، واحتج من لم يوجب السّعي والطواف بينهما بقراءة ابن عبّاس وأنس وشهر بن حوشب وابن سيرين: فلا جناح عليه أن لا يطّوف بهما بإثبات لا، وكذلك هو في مصحف عبد الله والجواب عنه أن (لا) : زيادة صلة كقوله ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [[سورة الأعراف: 12.]] ، وكقوله أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [[سورة الأنبياء: 95.]] ، وفَلا أُقْسِمُ [[سورة القيامة: 1. 2، سورة البلد: 1.]] ، وقال الشاعر: فلا ألوم البيض ألّا تسخرا ... لمّا رأين الشمط القفندرا فأركان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه [تمجّح] حجة مع احتمال الكلام ما وصفناه فكيف وهو خلاف رسوم الشّيخ الإمام ومصاحف الإسلام. ثمّ الدليل على إنّ السّعي بينهما واجب وعلى تاركه إعادة الحج ناسيا تركه أو عامدا بظاهر الأخبار. إنّ رسول الله ﷺ‎ فعل ذلك وأمر به. روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: لما دنا رسول الله ﷺ‎ من الصّفا في حجّته قال: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ إبدءوا بما بدء الله به فبدأ بالصّفا فرقى عليه حتّى رأى البيت ثمّ مشى حتّى إذا تصوّبت قدماه في الوادي سعى» [14] . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لعمري ما حجّ من لم يسع بين الصفا والمروة، مفروض في كتاب الله والسنّة، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ. وقال رسول الله ﷺ‎: «يا أيّها النّاس كتب عليكم السّعي فاسعوا» [15] . قال كليب: رأى ابن عبّاس قوما يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل انطلقت حين عطش ابنها وجاع فوجدت الصفا أقرب جبل إلى الأرض فقامت عليه ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الوادي، ورفعت طرف درعها ثمّ سعت سعي الإنسان المجهود حتّى جاوزت الوادي ثمّ أتت المروة وقامت عليها تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرّات. وقال محمّد: حجّ موسى ﷺ‎ على جبل أحمر وعليه عباءتان قطرانيتان فطاف بالبيت ثمّ صعد الصّفا ودعا ثمّ هبط إلى السعي وهو ملبّي فقال: لبيك اللهم لبيك، فقال الله عزّ وجلّ لبّيك عبدي وأنا معك، فخرّ موسى ساجدا. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرأ حمزة والكسائي تَطَّوْعَ بالتّاء وتشديد الطّاء وجزم العين وكذلك التاء في بمعنى يتطوع واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا بقراءة عبد الله ومن تطوع بالتّاء. وقرأ الباقون: تَطَوَّعَ بالتاء وضعف العين على المضي. قال مجاهد: فمن تطوّع بالطواف بالصّفا والمروة، وقال: تطوّع رسول الله ﷺ‎ وكان من النبيّين. وقال مقاتل والكلبي: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً زاد في الطواف ففيه الواجب. وقال ابن زيد: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فاعتمر، والحج فريضة والعمرة تطوّع. وقيل: فمن تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه. وقال الحسن وغيره: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً يعني به للدّين كلّه. أيّ فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة أو نوع من أنواع الطّاعات كلّها. فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ مجاز بعمله. عَلِيمٌ بنيّة من يشكر اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير وأصل الشكر من قول العرب: دابّة شكور إذا كان يظهر عليها من السمن فوق ما يعلف. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ يعني الرجم والحدود والأحكام والحلال والحرام. وَالْهُدى يعني وأمر محمّد ﷺ‎ ونعته. مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ لبني إسرائيل. فِي الْكِتابِ في التّوراة نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم كتموا صفة محمّد ﷺ‎ وآية الرجم. أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ أصل اللّعن في اللغة الطّرد ولعن الله إبليس بطرده إيّاه حين قال له: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [[سورة الحجر: 34، وسورة ص: 77.]] . قال الشّماخ: وذكر ما ورده: ذعرت به القطا وبقيت فيه ... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين وقال النّابغة: فبتّ كانّني خرج لعين ... نفاه النّاس أو أدنف طعين فمعنى قولنا: لعنه الله: أي طرده وأبعده وأصل اللّعنة ما ذكرنا ثمّ كثر ذلك حتّى صار قولا. وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهمّ العنهم واختلف المفسّرون في هؤلاء اللّاعنين. قال قتادة: هم الملائكة. عطاء: الجنّ والأنس. الحسن: عباد الله أجمعون. ابن عبّاس: كلّ شيء إلّا الجنّ والأنس. الضحّاك: إن الكافر إذا وضع في حفرته قيل له من ربّك؟ ومن نبيّك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري. فيقول له: لا دريت، ثمّ يضربه ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمعها كلّ شيء إلّا الثّقلان الأنس والجنّ فلا يسمع صوته شيء إلّا لعنه فذلك قوله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. البراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وضع في قبره أتته دابّة كأنّ عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع أحد صوته إلّا لعنه ولا يبقى شيء إلّا سمع صوته غير الثقلين. ابن مسعود: هو الرّجل يلعن صاحبه فترتفع اللّعنة في السماء ثمّ تنحدر فلا تجد صاحبها الّذي قيلت له أهلا لذلك فترجع إلى الّذي يحكم بها فلا تجده لها أهلا فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله عزّ وجلّ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. فمن تاب منهم ارتفعت اللّعنة عنه وكانت فيمن لقي من اليهود. مجاهد: اللَّاعِنُونَ البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أسنت السنّة وامسك المطر قالت: هذا بشؤم ذنوب بني آدم. عكرمة: دوابّ الأرض وهوامّها حتّى الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم وإنّما قال لهذه الأشياء اللَّاعِنُونَ ولم يقل اللاعنات لأن من شأن العرب إذا وصفت شيئا من الجمادات والبهائم. وغيرها سوى النّاس بما هو صفة للنّاس من فعل أو قول لن يخرجوه على مذهب بني آدم وجمعهم كقولهم وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [[سورة يوسف: 4.]] ولم يقل ساجدات، وقوله للأصنام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [[سورة الأنبياء: 63.]] ، وقوله يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [[سورة النمل: 18.]] ، وقوله وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [[سورة فصّلت: 21.]] الآية ثمّ استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الكفر. وَأَصْلَحُوا الأعمال فيما بينهم وبين ربّهم. وَبَيَّنُوا صفة محمّد ﷺ‎ وآية الرجم. فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم. وَأَنَا التَّوَّابُ الرجّاع بقلوب عبادي المنصرفة عني. الرَّحِيمُ بهم بعد إقبالهم عليّ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ واو حال. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ أي ولعنة الملائكة. وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قتادة والربيع: يعني النّاس أجمعين: المؤمنين. أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقّف الكافر فيلعنه الله عزّ وجلّ ثمّ تلعنه الملائكة ثمّ يلعنه النّاس أجمعين. السّدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما لعن الله الظالم إلّا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنّه ظالم فكل أحد من الخلق يلعنه. خالِدِينَ فِيها مقيمين في اللعنة والنّار. لا يُخَفَّفُ لا يرفّه عنهم العذاب. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يمهلون ويؤجلون. وقال أبو العالية، لا ينظرون: فيعذرون كقوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 36.]] .

البقرة 2:162

إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الصفا جمع الصّفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء، قال امرؤ القيس: لها كفل كصفا المسيل ... أبرز عنها جحاف مضر [[مجمع البيان للطبري: 1/ 438.]] يقال: صفاة وصفا مثل حصاة وحصا وقطاة وقطا ونواة ونوى، وقيل: إن الصّفا واحد وتثنيته صفوان مثل عصا وعصوان وجمعه أصفاء مثل رجا وأرجاء، وصفا وصفي مثل عصا وعصي، قال الراجز: كأن متنيه من النفي ... مواقع الطير على الصّفي [[تفسير الطبري: 2/ 59.]] والمروة من الحجارة ما لان وصغر. قال أبو ذؤيب الهذلي: حتّى كأنّي للحوادث مروة ... بصفا المشرق كل يوم تقرع أي صخرة رخوة صغيرة، وجمع المروة مروان وجمعها للكبير مرو مثل ثمرة وثمرات وثمر وحمرة وحمرات وحمرا. قال الأعشى ميمون بن قيس يصف ناقته: وترى الأرض خفا زائلا ... فإذا ما صادف المرو رضخ [[المصدر السابق: 2/ 60.]] وإنّما عنى الله تعالى بهما الجبلين المعروفين بمكّة دون سائر الصّفا والمروة فلذلك أدخل فيهما الألف واللام، وشعائر الله: اعلام دينه واحدها شعيرة وكلّ كان معلّما لقربان يتقرّب به إلى الله عزّ وجلّ من دعاء وصلاة من ذبيحة وأداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة. قال الكميت بن زيد: نقتلهم جيلا فجيلا تراهم ... شعائر قربان بهم يتقرب وأصلها من الأشعار وهي الأعلام على الشيء. وفي الحديث إنّ قائلا قال: حين شجّ عمر في الحجّ: أشعر أمير المؤمنين دما، وأراد بالشعائر هاهنا مناسك الحج التي جعلها الله عزّ وجلّ إعلاما لطاعته، وقال مجاهد: يعني من الخبر الّذي أخبركم عنه وأصل الكلمة على هذا القول من شعرت أي: علمت كأنّه أعلام لله عباده أمر الصفا والمروة. وتقدير الآية: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فترك ذكر الطّواف واكتفى بذكرهما [وذلك] معلوما عند المخاطبين. فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أصل الحجّ في اللغة: القصد. قال الشاعر: كراهب يحجّ بيت المقدس ... ذي موحد ومنقل [وبرنس] [[كلمات غير مقروءة وهذا الظاهر منها.]] وقال محمّد بن جرير: من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. وقال المحمل السعدي: واشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا [[تفسير الطبري: 2/ 61.]] أي يكثرون التردد إليه لوده ورئاسته. وقيل للحاج: حاج لأنّه يأتي البيت من عرفة ثمّ يعود إليه للطواف يوم النّحر ثمّ ينصرف عنه إلى منى ثمّ يعود إليه لطوف الصدر. فبتكرار العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج: أَوِ اعْتَمَرَ من العمرة وهي الزيارة. قال العجاج: لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... معزى بعيدا من بعيد وضبر أي من قصده وزاره، وقال المفضل بن سلمة: أَوِ اعْتَمَرَ أي حلّ بمكّة بعد الطواف والسّعي ففعل ما يفعل الحلال. والعمرة: لإقامة الموضع والعمارة: إصلاحه ومرمّته. وعن عبد الله بن عامر بن رفيعة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «تابعوا بين الحجّ والعمرة فإن متابعة ما بينهما يزيدان في العمر والرّزق وينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» [13] . فَلا جُناحَ عَلَيْهِ الجناح الإثم وأصله من جنح إذا مال عن القصد. يقال: جنح اللّيل إذا مال بظلمته. وجنحت السفينة: إذا مالت إلى الأرض. قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ومنه جناح الطائر. أَنْ يَطَّوَّفَ أي يدور وأصله يتطوف فأدغمت التاء في الطّاء. وقرأ أبو حيوة الشّامي: يَطُوفَ مخفّفة الطاء واختلفوا في وجه الآية وتأويلها وسبب تنزيلها. قال أنس بن مالك: كنّا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، فتركناه في الإسلام. فأنزل الله هذه الآية. وقال عمر بن حبيش: سألت ابن عمر عن هذه الآية فقال: انطلق إلى ابن عبّاس فإنّه أعلم من بقي بما أنزل على محمّد ﷺ‎، فأتيته فسألته فقال ابن عبّاس: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة، وإنّما ذكروا الصفا لتذكير الأساف وذكروا المروة لتأنيث نائلة. وزعم أهل الكتاب إنّهما زنيا في الحرم فمسخهما الله عزّ وجلّ حجرين فوضعهما على الصّفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدّة عبدا دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين فلمّا جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى السّدي عن أبي مالك عن ابن عبّاس قال: كان في الجاهلية شياطين تعزف بالليل بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة فلمّا ظهر الإسلام قال المسلمون لرسول الله لا تطوفنّ بين الصفا والمروة فإنّه شرك كنّا نصنعه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية [[أسباب النزول للواحدي: 28.]] . قتادة: كان ناس من تهامة في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة فلمّا جاء الإسلام تحوّبوا السعي بينهما كما كانوا يتحوّبونه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية. قتادة: كان [حي من تهامة لا يسعون بينهما] فأخبرهم إنّها كانت سنّة إبراهيم وإسماعيل عليه السّلام [[تفسير الطبري: 2/ 65.]] . وروى الزهري عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة ما الصفا والمروة؟ قالت: قول الله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، والله ما على أحد جناح ألّا يطوف بين الصفا والمروة فقالت: عائشة ليس ما قلت يا ابن اختي إن هذه لو كانت على ما أولها ما كان عليه جناح أن لا يطوف بهما، ولكنّها إنّما نزلت في الأنصار وذلك وأنهم كانوا قبل أن يسلموا يصلون لمناة الطاغية وهي صنم من مكّة والمدينة بالمشلل، وكان من أهل لها تخرّج أن يطوف بين الصفا والمروة. فلمّا أسلموا سألهم رسول الله ﷺ‎ عن ذلك. فقالوا: يا رسول الله إنّا كنا لا نطوف بين الصّفا والمروة لأنّهما صنمان. فهل علينا حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثمّ قالت عائشة (رضي الله عنها) قد سنّ رسول الله ﷺ‎ الطواف بينهما. فليس لأحد تركه. قال الزّهري: قد ذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحرث بن هشام. فقال: هذا العلم. وقال مقاتل بن حيّان: إنّ النّاس كانوا قد تركوا الطّواف بين الصفا والمروة، غير الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وعامر بن صعصعة سموا حمسا لتشدّدهم في دينهم والحماسة الشّجاعة والصّلابة، فسألت الحمس رسول الله ﷺ‎ عن السعي بين الصفا والمروة أمن شعائر الله أم لا؟، فإنّه لا يطوف بهما غيرنا فنزلت هذه الآية. واختلف العلماء في هذه الآية فقال الشافعي ومالك: الطواف بين الصفا والمروة فرض واحد ومن تركه لزمه القضاء والإعادة فلا تجزيه فدية ولا شيء إلّا العود إلى مكّة والطّواف بينهما كما لا يجزي تارك طواف الافاضة إلّا قضاؤه بعينه. وقالا: هما طوافان واجبان أمر بهما أحدهما بالبيت والأخر بين الصفا والمروة وحكمها واحد. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن وان لم يعد فعليه دم ورأوا أنّ حكم الطواف منهما حكم رمي بعض الجمرات والوقوف بالمعشر وطواف الصدر وما أشبه ذلك ممّا يجزي تاركه بتركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه. وقال أنس بن مالك وعبد الله بن الزّبير ومجاهد وعطاء: الطواف بهما تطوّع إن فعله فاعل يكن محسنا، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء، واحتج من لم يوجب السّعي والطواف بينهما بقراءة ابن عبّاس وأنس وشهر بن حوشب وابن سيرين: فلا جناح عليه أن لا يطّوف بهما بإثبات لا، وكذلك هو في مصحف عبد الله والجواب عنه أن (لا) : زيادة صلة كقوله ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [[سورة الأعراف: 12.]] ، وكقوله أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [[سورة الأنبياء: 95.]] ، وفَلا أُقْسِمُ [[سورة القيامة: 1. 2، سورة البلد: 1.]] ، وقال الشاعر: فلا ألوم البيض ألّا تسخرا ... لمّا رأين الشمط القفندرا فأركان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه [تمجّح] حجة مع احتمال الكلام ما وصفناه فكيف وهو خلاف رسوم الشّيخ الإمام ومصاحف الإسلام. ثمّ الدليل على إنّ السّعي بينهما واجب وعلى تاركه إعادة الحج ناسيا تركه أو عامدا بظاهر الأخبار. إنّ رسول الله ﷺ‎ فعل ذلك وأمر به. روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: لما دنا رسول الله ﷺ‎ من الصّفا في حجّته قال: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ إبدءوا بما بدء الله به فبدأ بالصّفا فرقى عليه حتّى رأى البيت ثمّ مشى حتّى إذا تصوّبت قدماه في الوادي سعى» [14] . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لعمري ما حجّ من لم يسع بين الصفا والمروة، مفروض في كتاب الله والسنّة، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ. وقال رسول الله ﷺ‎: «يا أيّها النّاس كتب عليكم السّعي فاسعوا» [15] . قال كليب: رأى ابن عبّاس قوما يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل انطلقت حين عطش ابنها وجاع فوجدت الصفا أقرب جبل إلى الأرض فقامت عليه ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الوادي، ورفعت طرف درعها ثمّ سعت سعي الإنسان المجهود حتّى جاوزت الوادي ثمّ أتت المروة وقامت عليها تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرّات. وقال محمّد: حجّ موسى ﷺ‎ على جبل أحمر وعليه عباءتان قطرانيتان فطاف بالبيت ثمّ صعد الصّفا ودعا ثمّ هبط إلى السعي وهو ملبّي فقال: لبيك اللهم لبيك، فقال الله عزّ وجلّ لبّيك عبدي وأنا معك، فخرّ موسى ساجدا. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرأ حمزة والكسائي تَطَّوْعَ بالتّاء وتشديد الطّاء وجزم العين وكذلك التاء في بمعنى يتطوع واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا بقراءة عبد الله ومن تطوع بالتّاء. وقرأ الباقون: تَطَوَّعَ بالتاء وضعف العين على المضي. قال مجاهد: فمن تطوّع بالطواف بالصّفا والمروة، وقال: تطوّع رسول الله ﷺ‎ وكان من النبيّين. وقال مقاتل والكلبي: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً زاد في الطواف ففيه الواجب. وقال ابن زيد: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فاعتمر، والحج فريضة والعمرة تطوّع. وقيل: فمن تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه. وقال الحسن وغيره: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً يعني به للدّين كلّه. أيّ فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة أو نوع من أنواع الطّاعات كلّها. فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ مجاز بعمله. عَلِيمٌ بنيّة من يشكر اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير وأصل الشكر من قول العرب: دابّة شكور إذا كان يظهر عليها من السمن فوق ما يعلف. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ يعني الرجم والحدود والأحكام والحلال والحرام. وَالْهُدى يعني وأمر محمّد ﷺ‎ ونعته. مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ لبني إسرائيل. فِي الْكِتابِ في التّوراة نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم كتموا صفة محمّد ﷺ‎ وآية الرجم. أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ أصل اللّعن في اللغة الطّرد ولعن الله إبليس بطرده إيّاه حين قال له: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [[سورة الحجر: 34، وسورة ص: 77.]] . قال الشّماخ: وذكر ما ورده: ذعرت به القطا وبقيت فيه ... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين وقال النّابغة: فبتّ كانّني خرج لعين ... نفاه النّاس أو أدنف طعين فمعنى قولنا: لعنه الله: أي طرده وأبعده وأصل اللّعنة ما ذكرنا ثمّ كثر ذلك حتّى صار قولا. وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهمّ العنهم واختلف المفسّرون في هؤلاء اللّاعنين. قال قتادة: هم الملائكة. عطاء: الجنّ والأنس. الحسن: عباد الله أجمعون. ابن عبّاس: كلّ شيء إلّا الجنّ والأنس. الضحّاك: إن الكافر إذا وضع في حفرته قيل له من ربّك؟ ومن نبيّك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري. فيقول له: لا دريت، ثمّ يضربه ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمعها كلّ شيء إلّا الثّقلان الأنس والجنّ فلا يسمع صوته شيء إلّا لعنه فذلك قوله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. البراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وضع في قبره أتته دابّة كأنّ عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع أحد صوته إلّا لعنه ولا يبقى شيء إلّا سمع صوته غير الثقلين. ابن مسعود: هو الرّجل يلعن صاحبه فترتفع اللّعنة في السماء ثمّ تنحدر فلا تجد صاحبها الّذي قيلت له أهلا لذلك فترجع إلى الّذي يحكم بها فلا تجده لها أهلا فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله عزّ وجلّ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. فمن تاب منهم ارتفعت اللّعنة عنه وكانت فيمن لقي من اليهود. مجاهد: اللَّاعِنُونَ البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أسنت السنّة وامسك المطر قالت: هذا بشؤم ذنوب بني آدم. عكرمة: دوابّ الأرض وهوامّها حتّى الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم وإنّما قال لهذه الأشياء اللَّاعِنُونَ ولم يقل اللاعنات لأن من شأن العرب إذا وصفت شيئا من الجمادات والبهائم. وغيرها سوى النّاس بما هو صفة للنّاس من فعل أو قول لن يخرجوه على مذهب بني آدم وجمعهم كقولهم وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [[سورة يوسف: 4.]] ولم يقل ساجدات، وقوله للأصنام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [[سورة الأنبياء: 63.]] ، وقوله يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [[سورة النمل: 18.]] ، وقوله وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [[سورة فصّلت: 21.]] الآية ثمّ استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الكفر. وَأَصْلَحُوا الأعمال فيما بينهم وبين ربّهم. وَبَيَّنُوا صفة محمّد ﷺ‎ وآية الرجم. فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم. وَأَنَا التَّوَّابُ الرجّاع بقلوب عبادي المنصرفة عني. الرَّحِيمُ بهم بعد إقبالهم عليّ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ واو حال. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ أي ولعنة الملائكة. وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قتادة والربيع: يعني النّاس أجمعين: المؤمنين. أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقّف الكافر فيلعنه الله عزّ وجلّ ثمّ تلعنه الملائكة ثمّ يلعنه النّاس أجمعين. السّدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما لعن الله الظالم إلّا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنّه ظالم فكل أحد من الخلق يلعنه. خالِدِينَ فِيها مقيمين في اللعنة والنّار. لا يُخَفَّفُ لا يرفّه عنهم العذاب. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يمهلون ويؤجلون. وقال أبو العالية، لا ينظرون: فيعذرون كقوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 36.]] .

البقرة 2:163

وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في كفّار قريش قالوا: يا محمّد صف وأنسب لنا ربّك فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص وهذه الآية. جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستون صنما يعبدون من دون الله إفكا وشرّا فبيّن الله تعالى لهم إنّه واحد فأنزل: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. سعيد عن أبي الضحى: قال: لمّا نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إنّ محمّدا يقول إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فليأتنا بآية إن كان من الصّادقين فأنزل الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء والاختلاف: الافتعال من خلف يخلف خلوفا يعني إنّ كل واحد منهما إذا ذهب أحدهما جاء آخر خلافه أي: بعده، نظير قوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [[سورة الفرقان: 62.]] . عطاء وابن كيسان: أراد في اختلاف الليل والنّهار في اللّون والطّول والقصر والنّور والظلمة والزيادة والنقصان يكون أحدهما على الآخر، والليل جمع ليلة مثل تمرة وتمر ونحلة ونحل، واللّيالي جمع الجمع والنّهار واحد وجمعه نهر. قال الشّاعر: لولا الثّريدان هلكنا بالضّمر ... ثريد ليل وثريد بالنّهر [[مجمع البيان: 1/ 448.]] وقدّم الليل على النّهار بالذكر لأنّه الأصل والأقدام قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [[سورة يس: 37.]] . خلق الله تعالى الأرض مظلمة ثمّ خلق الشمس والقمر وهذا كتقديمه الصّوامع والبيع والصلوات على المساجد. وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ يعني السفن واحدة وجمعه سواء قال الله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وقال في الجمع: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ يذكّر ويؤنّث قال الله تعالى: الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وقال في التأنيث الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ فالتذكير على الفظ الواحد والتأنيث على معنى الجمع. بِما يَنْفَعُ النَّاسَ يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وانواع المطلب. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ يعني المطر. فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بعد يبوستها وجدوبتها. وَبَثَّ نشر وفرّق. فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ أي يقلّبها قبولا ودبورا وشمالا وجنوبا. وقيل: تصريفيها مرّة بالرحمة ومرّة بالعذاب. وقرأ حمزة والأعمش والكسائي وخلف: الرّيح بغير ألف على الواحد وقرأ الباقون: الرِّياحِ بالجمع. قال ابن عبّاس: الرّياح للرحمة والريح للعذاب، وعن النبيّ ﷺ‎: إذا هاجت الريح يقول: «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» [16] [[الفائق في غريب الحديث للزمخشري: 2/ 65، وتاج العروس: 2: 148.]] . والرّيح يذكر ويؤنث. وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ أي الغيم المذلّل بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ سمّي سحابا لأنّه يسحب أي يسير في سرعته كأنّه يسحب: أي يجرّ. لَآياتٍ دلالات وعلامات. لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فيعلمون إنّ لهذه الأشياء خالقا وصانعا. قال رسول الله ﷺ‎: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» [17] [[تفسير القرطبي: 2/ 201، وتاج العروس: 2/ 97.]] . أي لم يتفكّر فيها ولم يعتبر بها. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ يعني الأصنام المعبودة من دون الله قال أكثر المفسّرين. وقال السّدي: ساداتهم وقاداتهم الّذين كانوا يطيعونهم في معصية الله ف يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أي كحبّ المؤمنين الله، وهذا كما يقال: بعت غلامي كبيع غلامك يعني: كبيعك غلامك. وأنشد الفرّاء: ولست مسلّما ما دمت حيّا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير هذا قول أكثر العلماء، وقال ابن كيسان والزجّاج: تقدير الآية: يحبّونهم كحبّهم الله يعني أنّهم يسوّون بين هذه الأصنام وبين الله في المحبّة ثمّ قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ قال ابن عبّاس: أثبت وأدوم وذلك إن المشركين كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك الوثن وأقبلوا على عبادة الأحسن. عكرمة: أَشَدُّ حُبًّا في الآخرة. قتادة: إنّ الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله عزّ وجلّ لقوله: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [[سورة العنكبوت: 65.]] . قوله تعالى: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [[سورة الإسراء: 67.]] . والمؤمن لا يعرض عن الله في الضّراء والسرّاء والرّخاء والبلاء ولا يختار عليه سواه. الحسن: إنّ الكافرين عبدوا الله بالواسطة وذلك قولهم للأصنام: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [[سورة يونس: 18.]] . وقوله: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [[سورة الزمر: 3.]] . والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة ولذلك قال عزّ من قائل: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. سعيد بن جبير: إنّ الله يأمر يوم القيامة من أحرف نفسه في الدّنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنّم مع أصنامهم فيأتون لعلمهم إنّ عذاب جهنم على الدّوام ثمّ يقول للمؤمنين بين أيدي الكافرين: إنّ كنتم أحبّائي لا تحبّون النّار فينادي مناد من تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. وقيل: لأنّ حبّ المشركين لأوثانهم مشترك لأنّهم يحبّون الأنداد الكثيرة وحبّ المؤمنين لربّهم غير مشترك لأنّهم يحبّون ربّا واحدا، وقيل: لأنّ حبّهم هوائي وحبّ المؤمنين عقلي. وقيل إنّ حبّهم للأصنام بالتقليد وحبّ المؤمنين لله تعالى بالدّليل والتمييز. وقيل: لأنّ الكافرين يرون معبودهم ومصنوعهم والمؤمنون يرون الله تعالى صانعهم، وقيل: لأنّ المشركين أحبّوا الأصنام وعاينوها والمؤمنون يحبّون الله ولم يعاينوه بل آمنوا بالغيب في الغيب للغيب. وقيل: إنّما قال وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لأنّ الله أحبّهم أوّلا ثمّ أحبّوه ومن شهد له المعبود بالمحبّة كان محبّته أتم وأصح. قال الله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [[سورة المائدة: 54.]] . وقرأ أبو رجاء العطاردي: يَحبونهم بفتح الياء وهي لغة يقال: حببت الرجل فهو محبوب قال الفرّاء أنشدني أبو تراب: أحبّ لحبّها السّودان حتّى ... حببت لحبّها سواد الكلاب وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قرأ أبو عبد الرحمن وأبو رجاء والحسن وأبو جعفر وشيبه ونافع وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون وسلام ويعقوب وأيّوب وابن عبّاس ولو ترى بالتّاء: أي تبصر يا محمّد وقرأ الباقون بالياء. فمن قرأ بالتّاء فهو خطاب للنبيّ ﷺ‎ والجواب محذوف تقديرها ولو ترى: أي تبصر يا محمّد الَّذِينَ ظَلَمُوا: أشركوا. إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ لرأيت أمرا عظيما ولعلمت ما يصيرون إليه أو لتعجّبت منه، ومن قرأ بالياء فمعناه: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم عند رؤية العذاب لعلموا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أو لآمنوا أو لعلموا مضرّة الكفر ونظير هذه الآية من المحذوف الجواب قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [[سورة الرعد: 31.]] الآية: يعني لكان هذا القرآن وهو كما يقول: لو رأيت فلانا والسّياط تأخذه. فتستغني عن الجواب لأنّ المعنى مفهوم إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ. وقرأ أبو البرخثم وابن عامر: يُرون بضم الياء على التعدي [[راجع تفسير القرطبي: 2/ 205 ونسبه لابن عمر وحده.]] ، وقرأ الآخرون بفتحها على اللزوم. أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً قرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر وشيبة وسلام ويعقوب: إنّ القوّة وإن الله بكسر الألف فيهما على الاستئناف. والكلام تام عند قوله يَرَوْنَ الْعَذابَ مع إضمار الجواب، كما ذكرنا. وقرأ الباقون: بفتحها على معنى بانّ القوّة وبانّ الله، وقيل: معناه ليروا أنّ القوّة لله. أي لأيقنوا وعاينوا. قال عطاء: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يوم القيامة إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ حين تخرج إليهم جهنم من مسيرة خمسمائة عام لتلتقطهم كما يلتقط الحمام الحبّة لعلموا أَنَّ الْقُوَّةَ والقدرة والملكوت والجبروت لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ.

البقرة 2:164

وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في كفّار قريش قالوا: يا محمّد صف وأنسب لنا ربّك فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص وهذه الآية. جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستون صنما يعبدون من دون الله إفكا وشرّا فبيّن الله تعالى لهم إنّه واحد فأنزل: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. سعيد عن أبي الضحى: قال: لمّا نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إنّ محمّدا يقول إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فليأتنا بآية إن كان من الصّادقين فأنزل الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء والاختلاف: الافتعال من خلف يخلف خلوفا يعني إنّ كل واحد منهما إذا ذهب أحدهما جاء آخر خلافه أي: بعده، نظير قوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [[سورة الفرقان: 62.]] . عطاء وابن كيسان: أراد في اختلاف الليل والنّهار في اللّون والطّول والقصر والنّور والظلمة والزيادة والنقصان يكون أحدهما على الآخر، والليل جمع ليلة مثل تمرة وتمر ونحلة ونحل، واللّيالي جمع الجمع والنّهار واحد وجمعه نهر. قال الشّاعر: لولا الثّريدان هلكنا بالضّمر ... ثريد ليل وثريد بالنّهر [[مجمع البيان: 1/ 448.]] وقدّم الليل على النّهار بالذكر لأنّه الأصل والأقدام قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [[سورة يس: 37.]] . خلق الله تعالى الأرض مظلمة ثمّ خلق الشمس والقمر وهذا كتقديمه الصّوامع والبيع والصلوات على المساجد. وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ يعني السفن واحدة وجمعه سواء قال الله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وقال في الجمع: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ يذكّر ويؤنّث قال الله تعالى: الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وقال في التأنيث الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ فالتذكير على الفظ الواحد والتأنيث على معنى الجمع. بِما يَنْفَعُ النَّاسَ يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وانواع المطلب. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ يعني المطر. فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بعد يبوستها وجدوبتها. وَبَثَّ نشر وفرّق. فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ أي يقلّبها قبولا ودبورا وشمالا وجنوبا. وقيل: تصريفيها مرّة بالرحمة ومرّة بالعذاب. وقرأ حمزة والأعمش والكسائي وخلف: الرّيح بغير ألف على الواحد وقرأ الباقون: الرِّياحِ بالجمع. قال ابن عبّاس: الرّياح للرحمة والريح للعذاب، وعن النبيّ ﷺ‎: إذا هاجت الريح يقول: «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» [16] [[الفائق في غريب الحديث للزمخشري: 2/ 65، وتاج العروس: 2: 148.]] . والرّيح يذكر ويؤنث. وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ أي الغيم المذلّل بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ سمّي سحابا لأنّه يسحب أي يسير في سرعته كأنّه يسحب: أي يجرّ. لَآياتٍ دلالات وعلامات. لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فيعلمون إنّ لهذه الأشياء خالقا وصانعا. قال رسول الله ﷺ‎: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» [17] [[تفسير القرطبي: 2/ 201، وتاج العروس: 2/ 97.]] . أي لم يتفكّر فيها ولم يعتبر بها. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ يعني الأصنام المعبودة من دون الله قال أكثر المفسّرين. وقال السّدي: ساداتهم وقاداتهم الّذين كانوا يطيعونهم في معصية الله ف يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أي كحبّ المؤمنين الله، وهذا كما يقال: بعت غلامي كبيع غلامك يعني: كبيعك غلامك. وأنشد الفرّاء: ولست مسلّما ما دمت حيّا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير هذا قول أكثر العلماء، وقال ابن كيسان والزجّاج: تقدير الآية: يحبّونهم كحبّهم الله يعني أنّهم يسوّون بين هذه الأصنام وبين الله في المحبّة ثمّ قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ قال ابن عبّاس: أثبت وأدوم وذلك إن المشركين كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك الوثن وأقبلوا على عبادة الأحسن. عكرمة: أَشَدُّ حُبًّا في الآخرة. قتادة: إنّ الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله عزّ وجلّ لقوله: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [[سورة العنكبوت: 65.]] . قوله تعالى: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [[سورة الإسراء: 67.]] . والمؤمن لا يعرض عن الله في الضّراء والسرّاء والرّخاء والبلاء ولا يختار عليه سواه. الحسن: إنّ الكافرين عبدوا الله بالواسطة وذلك قولهم للأصنام: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [[سورة يونس: 18.]] . وقوله: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [[سورة الزمر: 3.]] . والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة ولذلك قال عزّ من قائل: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. سعيد بن جبير: إنّ الله يأمر يوم القيامة من أحرف نفسه في الدّنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنّم مع أصنامهم فيأتون لعلمهم إنّ عذاب جهنم على الدّوام ثمّ يقول للمؤمنين بين أيدي الكافرين: إنّ كنتم أحبّائي لا تحبّون النّار فينادي مناد من تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. وقيل: لأنّ حبّ المشركين لأوثانهم مشترك لأنّهم يحبّون الأنداد الكثيرة وحبّ المؤمنين لربّهم غير مشترك لأنّهم يحبّون ربّا واحدا، وقيل: لأنّ حبّهم هوائي وحبّ المؤمنين عقلي. وقيل إنّ حبّهم للأصنام بالتقليد وحبّ المؤمنين لله تعالى بالدّليل والتمييز. وقيل: لأنّ الكافرين يرون معبودهم ومصنوعهم والمؤمنون يرون الله تعالى صانعهم، وقيل: لأنّ المشركين أحبّوا الأصنام وعاينوها والمؤمنون يحبّون الله ولم يعاينوه بل آمنوا بالغيب في الغيب للغيب. وقيل: إنّما قال وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لأنّ الله أحبّهم أوّلا ثمّ أحبّوه ومن شهد له المعبود بالمحبّة كان محبّته أتم وأصح. قال الله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [[سورة المائدة: 54.]] . وقرأ أبو رجاء العطاردي: يَحبونهم بفتح الياء وهي لغة يقال: حببت الرجل فهو محبوب قال الفرّاء أنشدني أبو تراب: أحبّ لحبّها السّودان حتّى ... حببت لحبّها سواد الكلاب وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قرأ أبو عبد الرحمن وأبو رجاء والحسن وأبو جعفر وشيبه ونافع وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون وسلام ويعقوب وأيّوب وابن عبّاس ولو ترى بالتّاء: أي تبصر يا محمّد وقرأ الباقون بالياء. فمن قرأ بالتّاء فهو خطاب للنبيّ ﷺ‎ والجواب محذوف تقديرها ولو ترى: أي تبصر يا محمّد الَّذِينَ ظَلَمُوا: أشركوا. إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ لرأيت أمرا عظيما ولعلمت ما يصيرون إليه أو لتعجّبت منه، ومن قرأ بالياء فمعناه: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم عند رؤية العذاب لعلموا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أو لآمنوا أو لعلموا مضرّة الكفر ونظير هذه الآية من المحذوف الجواب قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [[سورة الرعد: 31.]] الآية: يعني لكان هذا القرآن وهو كما يقول: لو رأيت فلانا والسّياط تأخذه. فتستغني عن الجواب لأنّ المعنى مفهوم إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ. وقرأ أبو البرخثم وابن عامر: يُرون بضم الياء على التعدي [[راجع تفسير القرطبي: 2/ 205 ونسبه لابن عمر وحده.]] ، وقرأ الآخرون بفتحها على اللزوم. أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً قرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر وشيبة وسلام ويعقوب: إنّ القوّة وإن الله بكسر الألف فيهما على الاستئناف. والكلام تام عند قوله يَرَوْنَ الْعَذابَ مع إضمار الجواب، كما ذكرنا. وقرأ الباقون: بفتحها على معنى بانّ القوّة وبانّ الله، وقيل: معناه ليروا أنّ القوّة لله. أي لأيقنوا وعاينوا. قال عطاء: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يوم القيامة إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ حين تخرج إليهم جهنم من مسيرة خمسمائة عام لتلتقطهم كما يلتقط الحمام الحبّة لعلموا أَنَّ الْقُوَّةَ والقدرة والملكوت والجبروت لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ.

البقرة 2:165

وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في كفّار قريش قالوا: يا محمّد صف وأنسب لنا ربّك فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص وهذه الآية. جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستون صنما يعبدون من دون الله إفكا وشرّا فبيّن الله تعالى لهم إنّه واحد فأنزل: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. سعيد عن أبي الضحى: قال: لمّا نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إنّ محمّدا يقول إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فليأتنا بآية إن كان من الصّادقين فأنزل الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء والاختلاف: الافتعال من خلف يخلف خلوفا يعني إنّ كل واحد منهما إذا ذهب أحدهما جاء آخر خلافه أي: بعده، نظير قوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [[سورة الفرقان: 62.]] . عطاء وابن كيسان: أراد في اختلاف الليل والنّهار في اللّون والطّول والقصر والنّور والظلمة والزيادة والنقصان يكون أحدهما على الآخر، والليل جمع ليلة مثل تمرة وتمر ونحلة ونحل، واللّيالي جمع الجمع والنّهار واحد وجمعه نهر. قال الشّاعر: لولا الثّريدان هلكنا بالضّمر ... ثريد ليل وثريد بالنّهر [[مجمع البيان: 1/ 448.]] وقدّم الليل على النّهار بالذكر لأنّه الأصل والأقدام قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [[سورة يس: 37.]] . خلق الله تعالى الأرض مظلمة ثمّ خلق الشمس والقمر وهذا كتقديمه الصّوامع والبيع والصلوات على المساجد. وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ يعني السفن واحدة وجمعه سواء قال الله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وقال في الجمع: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ يذكّر ويؤنّث قال الله تعالى: الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وقال في التأنيث الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ فالتذكير على الفظ الواحد والتأنيث على معنى الجمع. بِما يَنْفَعُ النَّاسَ يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وانواع المطلب. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ يعني المطر. فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بعد يبوستها وجدوبتها. وَبَثَّ نشر وفرّق. فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ أي يقلّبها قبولا ودبورا وشمالا وجنوبا. وقيل: تصريفيها مرّة بالرحمة ومرّة بالعذاب. وقرأ حمزة والأعمش والكسائي وخلف: الرّيح بغير ألف على الواحد وقرأ الباقون: الرِّياحِ بالجمع. قال ابن عبّاس: الرّياح للرحمة والريح للعذاب، وعن النبيّ ﷺ‎: إذا هاجت الريح يقول: «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» [16] [[الفائق في غريب الحديث للزمخشري: 2/ 65، وتاج العروس: 2: 148.]] . والرّيح يذكر ويؤنث. وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ أي الغيم المذلّل بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ سمّي سحابا لأنّه يسحب أي يسير في سرعته كأنّه يسحب: أي يجرّ. لَآياتٍ دلالات وعلامات. لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فيعلمون إنّ لهذه الأشياء خالقا وصانعا. قال رسول الله ﷺ‎: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» [17] [[تفسير القرطبي: 2/ 201، وتاج العروس: 2/ 97.]] . أي لم يتفكّر فيها ولم يعتبر بها. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ يعني الأصنام المعبودة من دون الله قال أكثر المفسّرين. وقال السّدي: ساداتهم وقاداتهم الّذين كانوا يطيعونهم في معصية الله ف يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أي كحبّ المؤمنين الله، وهذا كما يقال: بعت غلامي كبيع غلامك يعني: كبيعك غلامك. وأنشد الفرّاء: ولست مسلّما ما دمت حيّا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير هذا قول أكثر العلماء، وقال ابن كيسان والزجّاج: تقدير الآية: يحبّونهم كحبّهم الله يعني أنّهم يسوّون بين هذه الأصنام وبين الله في المحبّة ثمّ قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ قال ابن عبّاس: أثبت وأدوم وذلك إن المشركين كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك الوثن وأقبلوا على عبادة الأحسن. عكرمة: أَشَدُّ حُبًّا في الآخرة. قتادة: إنّ الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله عزّ وجلّ لقوله: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [[سورة العنكبوت: 65.]] . قوله تعالى: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [[سورة الإسراء: 67.]] . والمؤمن لا يعرض عن الله في الضّراء والسرّاء والرّخاء والبلاء ولا يختار عليه سواه. الحسن: إنّ الكافرين عبدوا الله بالواسطة وذلك قولهم للأصنام: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [[سورة يونس: 18.]] . وقوله: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [[سورة الزمر: 3.]] . والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة ولذلك قال عزّ من قائل: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. سعيد بن جبير: إنّ الله يأمر يوم القيامة من أحرف نفسه في الدّنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنّم مع أصنامهم فيأتون لعلمهم إنّ عذاب جهنم على الدّوام ثمّ يقول للمؤمنين بين أيدي الكافرين: إنّ كنتم أحبّائي لا تحبّون النّار فينادي مناد من تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. وقيل: لأنّ حبّ المشركين لأوثانهم مشترك لأنّهم يحبّون الأنداد الكثيرة وحبّ المؤمنين لربّهم غير مشترك لأنّهم يحبّون ربّا واحدا، وقيل: لأنّ حبّهم هوائي وحبّ المؤمنين عقلي. وقيل إنّ حبّهم للأصنام بالتقليد وحبّ المؤمنين لله تعالى بالدّليل والتمييز. وقيل: لأنّ الكافرين يرون معبودهم ومصنوعهم والمؤمنون يرون الله تعالى صانعهم، وقيل: لأنّ المشركين أحبّوا الأصنام وعاينوها والمؤمنون يحبّون الله ولم يعاينوه بل آمنوا بالغيب في الغيب للغيب. وقيل: إنّما قال وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لأنّ الله أحبّهم أوّلا ثمّ أحبّوه ومن شهد له المعبود بالمحبّة كان محبّته أتم وأصح. قال الله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [[سورة المائدة: 54.]] . وقرأ أبو رجاء العطاردي: يَحبونهم بفتح الياء وهي لغة يقال: حببت الرجل فهو محبوب قال الفرّاء أنشدني أبو تراب: أحبّ لحبّها السّودان حتّى ... حببت لحبّها سواد الكلاب وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قرأ أبو عبد الرحمن وأبو رجاء والحسن وأبو جعفر وشيبه ونافع وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون وسلام ويعقوب وأيّوب وابن عبّاس ولو ترى بالتّاء: أي تبصر يا محمّد وقرأ الباقون بالياء. فمن قرأ بالتّاء فهو خطاب للنبيّ ﷺ‎ والجواب محذوف تقديرها ولو ترى: أي تبصر يا محمّد الَّذِينَ ظَلَمُوا: أشركوا. إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ لرأيت أمرا عظيما ولعلمت ما يصيرون إليه أو لتعجّبت منه، ومن قرأ بالياء فمعناه: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم عند رؤية العذاب لعلموا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أو لآمنوا أو لعلموا مضرّة الكفر ونظير هذه الآية من المحذوف الجواب قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [[سورة الرعد: 31.]] الآية: يعني لكان هذا القرآن وهو كما يقول: لو رأيت فلانا والسّياط تأخذه. فتستغني عن الجواب لأنّ المعنى مفهوم إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ. وقرأ أبو البرخثم وابن عامر: يُرون بضم الياء على التعدي [[راجع تفسير القرطبي: 2/ 205 ونسبه لابن عمر وحده.]] ، وقرأ الآخرون بفتحها على اللزوم. أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً قرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر وشيبة وسلام ويعقوب: إنّ القوّة وإن الله بكسر الألف فيهما على الاستئناف. والكلام تام عند قوله يَرَوْنَ الْعَذابَ مع إضمار الجواب، كما ذكرنا. وقرأ الباقون: بفتحها على معنى بانّ القوّة وبانّ الله، وقيل: معناه ليروا أنّ القوّة لله. أي لأيقنوا وعاينوا. قال عطاء: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يوم القيامة إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ حين تخرج إليهم جهنم من مسيرة خمسمائة عام لتلتقطهم كما يلتقط الحمام الحبّة لعلموا أَنَّ الْقُوَّةَ والقدرة والملكوت والجبروت لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ.

البقرة 2:166

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا قرأ مجاهد: بتقديم الفاعل على المفعول. وقرأ الباقون: بالضدّ، والمتبوعون هم الجبابرة والقادة في الشرك والشّر، والتابعون هم الأتباع والضّعفاء والسفلة قاله أكثر أهل التفسير. السّدي: هم الشّياطين يتبرءون من الأنس. وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ أي عنهم، والباء بمعنى عن. الْأَسْبابُ قال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة: يعني المودّة والوصلة التي صارت بينهم في الدّنيا، أو صارت مخالفتهم عداوة. ربيع: يعني بالأسباب. المنازل التي كانت لهم من أهل الدّنيا، ابن جريح والكلبي: يعني الأنساب والأرحام كقوله تعالى فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ [[سورة المؤمنون: 101.]] . السّدي: يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدّنيا. بيانه قوله وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [[سورة الفرقان: 23.]] وقوله الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [[سورة محمد ﷺ‎: 1.]] . فأهل التقوى أعطوا الأسباب أعمال وثيقة فيأخذون بها وينجون، الآخرون يعطون أسباب أعمالهم الخبيثة فتنقطع بهم أعمالهم فيذهبون إلى النّار. أبو روق: العهود التي كانت بينهم في الدنيا، وأصل السّبب كلّ شيء يتوصل به إلى شيء من ذريعة أو قرابة أو مودّة، ومنه قيل للجهاد: سبب وللطريق سبب وللسلّم سبب. قال زهير: ومن هاب أسباب المنايا ظلته ... لو رام أن يرقى السّماء بسلّم وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا يعني الأتباع. لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة إلى الدّنيا. فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ أي من المتبوعين. كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم. أجاب للتمني بالفعل. قال الله عزّ وجلّ كَذلِكَ أي كما أراهم العذاب كذلك. يُرِيهِمُ اللَّهُ وقيل: ليتبرأوا بعضهم من بعضهم يريهم الله أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ ندامات. عَلَيْهِمْ قيل: أراد أعمالهم الصّالحة التي ضيّعوها. قال السّدي: ترفع لهم الجنّة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فسألوا قيل: أراد أعمالهم لو أطاعوا الله فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله. ثمّ تقسم بين المؤمنين فيرثوهم فذلك حين يندمون. ربيع: أراد به أعمالهم السّيئة لم عملوها وهلّا عملوا بغيرها ممّا يرضي الله تعالى. ابن كيسان: إنّهم أشركوا بالله الأوثان رجاء أن يقرّبهم إلى الله فلمّا عذّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسّروا وندموا والحسرات جمع حسرة وكذلك كلّ اسم كان واحدة على فعله مفتوح الأوّل ساكن الثاني فإنّ جمعه على فعلات مثل ثمرة وثمرات وشهوة وشهوات فأمّا إذا كان نعتا فانّك تسكّن ثانية مثل ضخمة وضخمات وعيلة وعيلات وكذلك ما كان من الأسماء مكسور الأوّل مثل نعمة وسدرة. وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.

البقرة 2:167

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا قرأ مجاهد: بتقديم الفاعل على المفعول. وقرأ الباقون: بالضدّ، والمتبوعون هم الجبابرة والقادة في الشرك والشّر، والتابعون هم الأتباع والضّعفاء والسفلة قاله أكثر أهل التفسير. السّدي: هم الشّياطين يتبرءون من الأنس. وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ أي عنهم، والباء بمعنى عن. الْأَسْبابُ قال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة: يعني المودّة والوصلة التي صارت بينهم في الدّنيا، أو صارت مخالفتهم عداوة. ربيع: يعني بالأسباب. المنازل التي كانت لهم من أهل الدّنيا، ابن جريح والكلبي: يعني الأنساب والأرحام كقوله تعالى فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ [[سورة المؤمنون: 101.]] . السّدي: يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدّنيا. بيانه قوله وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [[سورة الفرقان: 23.]] وقوله الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [[سورة محمد ﷺ‎: 1.]] . فأهل التقوى أعطوا الأسباب أعمال وثيقة فيأخذون بها وينجون، الآخرون يعطون أسباب أعمالهم الخبيثة فتنقطع بهم أعمالهم فيذهبون إلى النّار. أبو روق: العهود التي كانت بينهم في الدنيا، وأصل السّبب كلّ شيء يتوصل به إلى شيء من ذريعة أو قرابة أو مودّة، ومنه قيل للجهاد: سبب وللطريق سبب وللسلّم سبب. قال زهير: ومن هاب أسباب المنايا ظلته ... لو رام أن يرقى السّماء بسلّم وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا يعني الأتباع. لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة إلى الدّنيا. فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ أي من المتبوعين. كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم. أجاب للتمني بالفعل. قال الله عزّ وجلّ كَذلِكَ أي كما أراهم العذاب كذلك. يُرِيهِمُ اللَّهُ وقيل: ليتبرأوا بعضهم من بعضهم يريهم الله أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ ندامات. عَلَيْهِمْ قيل: أراد أعمالهم الصّالحة التي ضيّعوها. قال السّدي: ترفع لهم الجنّة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فسألوا قيل: أراد أعمالهم لو أطاعوا الله فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله. ثمّ تقسم بين المؤمنين فيرثوهم فذلك حين يندمون. ربيع: أراد به أعمالهم السّيئة لم عملوها وهلّا عملوا بغيرها ممّا يرضي الله تعالى. ابن كيسان: إنّهم أشركوا بالله الأوثان رجاء أن يقرّبهم إلى الله فلمّا عذّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسّروا وندموا والحسرات جمع حسرة وكذلك كلّ اسم كان واحدة على فعله مفتوح الأوّل ساكن الثاني فإنّ جمعه على فعلات مثل ثمرة وثمرات وشهوة وشهوات فأمّا إذا كان نعتا فانّك تسكّن ثانية مثل ضخمة وضخمات وعيلة وعيلات وكذلك ما كان من الأسماء مكسور الأوّل مثل نعمة وسدرة. وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.

البقرة 2:168

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.

البقرة 2:169

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.

البقرة 2:170

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.

البقرة 2:171

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.

البقرة 2:172

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.

البقرة 2:173

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.

البقرة 2:174

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.

البقرة 2:175

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.

البقرة 2:176

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّباً طاهرا وهما منصوبان على الحال. وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ: بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي: بضم الخاء والطّاء. وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء. وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا. ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز. فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ. وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله. مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه. السّدي والكلبي: طاعته. عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته. أبو مجلن: هي البذور في المعاصي. المورّج: آثاره. أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب. القتيبي والزجاج: طرقه. والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة [[تفسير الطبري: 2/ 105.]] . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم عليه السّلام وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ [[سورة البقرة: 169.]] : يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[سورة الملك: 27.]] . قال الشاعر: إنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر الأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر وَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة. لا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية. روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه. طاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا. وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور. وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ‎ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية ، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [[سورة البقرة: 168.]] . ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [[سورة يونس: 22.]] وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام. وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ [[سورة الأعلى: 16.]] وهَلْ تَعْلَمُ [[سورة مريم: 65.]] والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ [[سورة المطفّفين: 36.]] ، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [[سورة يوسف: 18.]] ، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ [[سورة الرعد: 33.]] ، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا [[سورة الأحقاف: 28.]] ، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ [[سورة الفتح: 12.]] والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [[سورة النساء: 155.]] ، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ [[سورة الواقعة: 67، سورة القلم: 27.]] ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها. فقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف. قوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا [ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ. ثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية. فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عزّ وجلّ قاله الأخفش والزجّاج. وقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم. كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] قال الشاعر: حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق يعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز: ولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير [[مجمع البيان: 1/ 463.]] أي كتسليمي على الأمير. فشبه الله عزّ وجلّ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا [[تفسير الطبري: 2/ 113.]] فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا. ثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد. ويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله عزّ وجلّ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [[سورة القصص: 76.]] وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر: وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل [[مجمع البيان: 1/ 164.]] والمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر: كانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم والمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء: إن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة. وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [[سورة فاطر: 14.]] . فهذا وجه صحيح. وأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً. ثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم. قال الشاعر: أصم عما يساء سميع بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه. فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات. ما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم. وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ‎ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [[سورة المؤمنون: 51.]] وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [18] . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قال النبيّ ﷺ‎: «يقول الله جلّ جلاله إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [19] . ثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة. الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان: أحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى. والثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول: إنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [[سورة طه: 69.]] . وقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. وقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر: ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء فجمع بين اللّغتين. وحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [[سورة الزمر: 30.]] : لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [[سورة الأنعام: 145.]] مقيّد. وهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو قول النبيّ ﷺ‎: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» [20] [[مسند أحمد: 2/ 97، وسنن ابن ماجة: 2/ 1102 ح 3314.]] . وقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر: نصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر وقال آخر: أو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد ومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه، وفي الحديث: «كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل» [21] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض. قال عمر بن قميئة: ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع [[تفسير الطبري: 2/ 116.]] وانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ. الربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري: الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة: قلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون [[تفسير الطبري: 2/ 117.]] . فَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة. قرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك. وقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله. غَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. باغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء. قال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [[سورة النور: 33.]] والزّانية بغي. قال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [[سورة مريم: 28.]] . وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا. ثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير: فقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها. مقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها. السّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا. شهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله. قال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة. فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني. والقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم. وقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار. رَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية. قال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ‎ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله عزّ وجلّ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ‎، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لليهود. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ‎ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ‎ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة. فلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ‎ فلا يتبعونه. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ‎ ونبوّته. وَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم. ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها. قال الشاعر: نظرت فلم تنظر بعينك منظرا إِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام. لمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا. كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [[سورة النساء: 10.]] يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار، وقوله ﷺ‎ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» [[سنن الدارمي: 2/ 121، وصحيح البخاري: 6/ 251.]] [22] ، أخبر عن المال بالحال. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة. بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» . فقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه. فقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه. وقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء. فانّ من عاند النّبي ﷺ‎ صار من أهل النّار. الكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم. مجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... ! عطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل. فقيل هذا على وجه الاستهانة. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب. معناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله عزّ وجلّ، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. وقال بعضهم: معناه «ذلِكَ» : أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [[سورة البقرة: 6.]] . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.

البقرة 2:177

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة وحفص: لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الرّاء، وقرأ الباقون: بالرّفع فمن رفع البرّ جعله اسم ليس، وجعل خبره في قوله أَنْ تُوَلُّوا تقديره: ليس البرّ توليتكم، وجوهكم، ومن نصب جعل أن وصلتها في موضع الرّفع على اسم ليس تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه. كقوله ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [[سورة الجاثية: 25.]] ، وقوله فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ [[سورة الحشر: 17.]] . هارون عن عبد الله وأبي بن كعب: إنّهما قرئا. ليس البرّ بأن تولوا وجوهكم، واختلف المفسرون في هذه الآية: فقال قوم: عنى الله بهذه الآية اليهود والنّصارى وذلك إنّ اليهود كانت تصلّي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنّصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم إنّ البرّ في ذلك، فأخبر الله إنّ البرّ غير دينهم وعملهم، ولكنه ما بيّنه في هذه الآية، وعلى هذا القول: قتادة والرّبيع ومقاتل بن حيّان وعوف الأعرابي. وقال الآخرون: المراد بهذه الآية المؤمنون وذلك إنّ رجلا سأل النبيّ ﷺ‎ عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية فدعا رسول الله ﷺ‎ ذلك الرّجل فتلاها عليه. وقد كان الرّجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا اله إلّا الله وإنّ محمّدا عبده ورسوله وصلّى الصلاة إلى أىّ ناحية ثمّ مات على ذلك وجبت له الجنّة، فلما هاجر رسول الله ﷺ‎ ونزلت الفرائض وحدّد الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة. أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البرّ كلّه أن تصلّوا وتعملوا غير ذلك. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ جعل من وهي اسم خبرا للبرّ وهو فعل ولا يقال: البرّ زيد، واختلفوا في وجه الآية: فقال بعضهم: لما وقع من في موضع المصدر جعله مضمرا للبرّ. كأنّه قال: ولكن البرّ الأيمان بالله، والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل كقولهم: إنّما البر الصادق الذي يصل من رحمه ويخفي صدقته: يريدون صلة الرّحم، وأخفاء الصّدقة، وعلى هذا القول الفراء والمفضل بن سلمة وأنشد الفراء: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى ... ولكنّما الفتيان كل فتى ندي فجعل نبات اللحية خبرا للفتى. وقيل: معناه ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله واستغنى عن النّاس، كقولهم: الجود حاتم، والشجاعة عنترة، والشعر زهير: أي جود حاتم وشجاعة عنترة وشعر زهير، وتقول: العرب: بنو فلان يطأهم الطريق، أي أهل الطريق. قال الله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] ، وقال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [[سورة لقمان: 28.]] قال النابغة الجعدي: وكيف نواصل من أصبحت جلالته كأبي مرحب [[مجمع البيان: 1/ 474.]] أي كجلالة أبي مرحب، وعلى هذا القول قطرب والفراء والزّجاج أيضا. وقال أبو عبيدة: معناه ولكنّ البار من آمن بالله كقوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [[سورة طه: 132.]] أي المتقي. وقيل: معنى ذو البرّ من آمن بالله حكاه الزّجاج. كقوله هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [[سورة آل عمران: 163.]] : أي ذو درجات. قال المبرّد: لو كنت ممن قرأ القرآن لقرئت: لكنّ البرّ من آمن بالله بفتح الباء تقول العرب: رجل بر وبار والجمع بررة وابرار، والبرّ: العطف والإحسان، والبرّ أيضا: الصدق، والبرّ هنا الإيمان والتقوى، وهو المراد في هذه الآية بذلك عليه قوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَالْمَلائِكَةِ كلهم. وَالْكِتابِ [يعني الكتب] [[سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.]] . وَالنَّبِيِّينَ أجمع. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ واختلفوا في هذه الحكاية: فقال أكثر المفسرين: في حُبِّهِ راجعة إلى المال يعني أعطى المال في حال صحّته ومحبّته إياه ونفسه به يدلّ عليه قول ابن مسعود في هذه الآية قال: هو أن توصيه وأنت صحيح، تأمل العيش وتخش الفقر ولا تمهل، حتّى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ورفع هذا الحديث بعضهم [[راجع تفسير مجمع البيان: 1/ 486.]] . وقيل: هي عائدة على الله عزّ وجلّ أي حبّ الله سبحانه. قال الحسين بن أبي الفضل: على حبّ الإيتاء، وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حبّ المعطي. ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى أهل القرابة. عن أمّ رابح بنت صليح عن سليمان بن عامر عن النبيّ ﷺ‎. قال: «صدقتك على مسكين صدقة واحدة وعلى ذي الرّحم إثنين لأنّها صدقة وصلة» [[بتفاوت في الشرح الكبير: 2/ 709، والمصنف لعبد الرزاق: 10/ 437 ح 19627.]] [23] . الزهري عن حميد بن عبد الرّحمن عن أمّه أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قال: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «أفضل الصّدقة على ذي الرّحم الكاشح» [[الكاشح: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كشحه أي باطنه.]] [24] [[مسند أحمد: 5/ 416، ومجمع الزوائد: 3/ 117.]] . سليمان بن يسار عن ميمونة زوج النّبيّ ﷺ‎ قالت: أعتقت جارية لي فدخلت على النّبيّ ﷺ‎ فأخبرته بعتقها فقال: «آجرك الله أما إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» [25] . وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ سمّي المجاز واختلفوا فيه فقال أبو جعفر البارقي ومجاهد: يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك. قتادة: هو الضّيف ينزل بالرجل: قال: وذكرنا أنّ النبيّ ﷺ‎ كان يقول: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فليكرم ضيفه» [[في تفسير الطبري (2/ 132) فليقل خيرا أو ليسكت.]] [26] . وكان يقول: «حقّ الضيافة ثلاث ليال فكل شيء أضافه فهو صدقة» [27] . وإنّما قيل للمسافر والضيف الّذي يحلّ ويرتحل ابن السبيل لملازمته الطريق كما قيل للرّجل الّذي [أتت عليه الدهور] [[كلمات غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] ابن الأيّام واللّيالي، ولطير الماء: ابن الماء لملازمته إيّاه، قال ذو الرّمة: وردت اعتسافا والثريّا كأنّها ... على قمّة الرأس ابن ماء محلّق [[مجمع البيان: 1/ 473.]] وَالسَّائِلِينَ المستطعمين الطّالبين. عبد الله بن الحسين عن أمّه فاطمة بنت الحسين قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «للسائل حقّ وإن جاء على فرس» [28] [[تفسير ابن كثير: 1/ 214.]] . مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «هدية الله إلى المؤمن السّائل على بابه» [29] . وَفِي الرِّقابِ يعني المكاتبين قاله أكثر المفسّرين، وقيل: فداء الأسارى، وقيل: عتق النّسمة وفكّ الرّقبة. وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة. وَآتَى الزَّكاةَ الواجبة. وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين النّاس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدّوا. قال الرّبيع بن أنس: فمن أعطى عهد الله ثمّ نقضه فالله سبحانه مطعم منه ومن أعطى دمه النّبيّ ﷺ‎ ثمّ غدر فالنّبيّ ﷺ‎ خصمه يوم القيامة. وفي وجه ارتفاع الموفّين قولان: قال الفرّاء والأخفش: هو عطف على محل (من) في قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ و (من) في موضع جمع ومحلّه رفع كأنّه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون. وقيل: رفع على الابتداء والخبر تقديره هم الموفون، ثمّ قال: وَالصَّابِرِينَ وفي نصبها أربعة أقاويل. قال أبو عبيد: نصب على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن في تعيّر الاعراب إذا طال الكلام [والنسق] . وقال الكسائي: نصبه نسقا على قوله ذَوِي الْقُرْبى الصابرين. وقال بعضهم: معناه وأعني الصابرين. وقال الخليل بن أحمد والفرّاء: نصب على المدح والعرب تنصب على المدح وعلى الذّم كانّهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه. فأمّا المدح فقوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [[سورة النساء: 162.]] وأنشد الكسائي: وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلّا نميرا اطاعت أمر غاويها والطاعنين ولما يطعنوا أحدا ... والقائلين لمن دار يخليها وأنشد أبو عبيده لحزنق بن عفان: [لا يبعدن] [[كلمات غير مقروءة والظاهر ذلك.]] قومي الّذين هم ... سم العداة وانه الجزل النازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزل وأما الذّم، فقوله تعالى مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أخذوا. وقال عروة بن الورد تسقوني الخمر ثمّ تكفوني ... عداة الله من كذب وزور [[مجمع البيان: 1/ 475.]] فِي الْبَأْساءِ يعني الشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة وهما اسمان بنيا على فعلا ولا أفعل لهما لأنهما اسمان وليسا بنعت. وَحِينَ الْبَأْسِ وقت القتال: وقال علي (رضي الله عنه) : كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ‎ فكان أقربنا إلى العدوّ إذا اشتدّ الحرب. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في دمائهم. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ روى القاسم: إن أبا ذر سئل عن الإيمان؟ فقرأ هذه الآية فقال السائل: انّما سألنا عن الإيمان وتخبرنا عن البرّ، فقال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ‎ فسأله عن الإيمان فقرأ هذه الآية. وقال أبو ميسرة: وقرأ هذه الآية ومن عمل بهذه الآية فقد استكمل البرّ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الآية: قال الشعبي والكلبي وقتادة ومقاتل بن حيّان وأبو الجوزاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في حيّين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهليّة قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتّى جاء الإسلام. قال سعيد بن جبير: إنهما كانا حيّين الأوس والخزرج. وقال ابن كيسان: قريظة والنّضير، قال: وكان لأحد الحيّين حول على الآخر في الكرم والشّرف، وكانوا ينكحون نسائهم بغير مهور. فاقسموا ليقتلن بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرّجل منهم، وبالرّجل منّا الرّجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك وهم كذا يعاملونهم في الجاهلية. فرفعوا أمرهم إلى رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمرهم بالمساواة فرضوا وسلّموا. السّدي وجماعة: نزلت هذه الآية في الدّيات وذلك إنّ أهل حزبين من العرب اقتتلوا أحدهما مسلم والآخر معاهد. فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ‎ أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النّساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النّساء من الفريق الآخر، وديات الرّجال بالرّجال، والعبيد بالعبيد، فأنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرض وكتب عليكم في القتلى [[راجع تفسير الطبري: 2/ 140.]] ، والقصاص: المساواة والمماثلة في النفوس والجروح والدّيات، وأصله من قصّ الأثر إذا اتّبعه فكان المفعول به يتبع ما عمل به فيعمل مثله، ثمّ بيّن فقال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. ذكر حكم الآيات إذا تكافأ الدّمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين، أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم: الذكر إذا قتل منهم بالذكر، والأنثى إذا قتلت بالأنثى، والذكر والإجماع واقع إنّ الرّجل يقتل بالمرأة لأنّهما يتساويا في الحرمة والميراث وحد الزّنى والقذف وغير ذلك فلذلك يجب أن يستويا في القصاص ولا يقتل الحرّ بالعبد وعليه قيمته وإن بلغت [ثلث] لما بينهما من المفاضلة، ولا يقتل مؤمن بكافر. بدليل ما روى الشّعبي عن أبي حجيفة قال: سألت عليّا كرم الله وجهه هل عندكم من النّبيّ ﷺ‎ سوى القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة إلّا أن يعطي الله عزّ وجلّ عبدا فهما في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصّحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر [[إلى هنا موجود في المصدرين.]] ، ولا يقتل [سيد] بعبده، ولا والد بولده [[كتاب المسند للشافعي: 190، والمصنف لعبد الرزاق: 10/ 100 ح 1850.]] . يدلّ عليه ما روى إن رجلا اسمه قتادة رمى ابنه بسيف فأصاب رجله فنزف فمات. فقال عمر (رضي الله عنه) : لولا أني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: لا يقاد والد بولده، وإلّا قدته به. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أيّ ترك وله وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص، وروي عن علي (رضي الله عنه) إنّه قتل ثلاثة بواحد في قتل العمد هذا قول أكثر المفسرين قالوا: العفو أن يقبل الدّية في قتل العمد، وقال السّدي: هو أن يبقى له بقية من دية أخيه أو من أرش جراحته. فَاتِّباعٌ أي فعليه اتباع. بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أمر الطالب أن يطلب بالمعروف ويتبع حق الواجب له عليه من غير أن يطالبه بالزّيادة أو يكلفه ما لم يوجبه الله له أو يشدد عليه كما قال النبيّ ﷺ‎: «من زاد بعيرا في إبل الدّيات وفرائضها فمن أمر الجاهلية» [30] [[جامع البيان للطبري: 2/ 150.]] . حكم الآية أعلم إنّ أنواع القتل ثلاثة العمد، وشبه العمد، والخطأ: فالعمد: أن يقصد ضربه، بما أنّ الأغلب إنّه يموت منه مثل الحديدة والخشبة العظيمة والحجر الكبير ونحوها أو حرقه أو غرفه أو الشّدة من حبل أو سطح أو في بئر وما يشبه ذلك مما يتعمّد قلبه. ففي هذا القصاص أو الدّية. فدية المسلم ألف دينار ومن الورق اثنا عشر ألف درهم ومن الإبل مائة منها أربعون خلفه في بطونها أولادها. وثلاثون حقّه، وثلاثون جذعه، الأصل في الرّجل الإبل أو ديات النّساء على النصف من ذلك. وأما شبه العمد: فهو أن يقصد ضربه. بما الأغلب إنّه لا يموت منه مثل: حصى صغير أو عود صغير أو لطمه أو وكزه أو بكسره أو صفعة أو ضربة بالسّيف عمدا أو ما أشبه ذلك فمات منه، فهاهنا يجب الدّية مغلّظة على العاقلة، كما وصفنا في دية العمد. وأمّا الخطأ: فهو أن يقصد شيئا فيخطئ ويصوّب غيره. كالرّجل يرمي الهدف أو الصّيد فيخطئ السهم فيقع بإنسان فيقتله فهو الخطأ المحض وفيه الدّية المخفّفة على العاقلة في ثلاث ستين أخماسا: عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون ابنا لبون، وعشرون خناق، وعشرون جذعا، ولا يتعين الورق والذّهب، كما تنقص الإبل الذي ذكرت من العفو والديّة. تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وذلك إنّ الله تعالى كتب على أهل التوراة في النّفس والجرح أن يقيدوا ولا يأخذوا الدّية ولا يعفوا وعلى أهل الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدّية. فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص والدّية والعفو. كما روى سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح: إنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «ثمّ أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله فمن قتل قتيلا بعده فأهله بين خيرتين: إن أحبّوا قتلوا وإن أحبّوا أخذوا العقل» [31] . فَمَنِ اعْتَدى ظلم وتجاوز الحد. بَعْدَ ذلِكَ فقيل بعد أخذ الدّية، وقال الحسن: كان الرّجل في الجاهليّة إذا قتل قتيلا فرّ إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون بالدّية فذلك الاعتداء. فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ يقتل في الدّنيا ولا يعفى عنه. قال النّبيّ ﷺ‎: «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذه الدّية منه» [32] ، وفي الآخرة عذاب النّار، وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافرا ولا يبقى خالدا في النّار لأنّ الله تعالى. خاطبهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فسمى القاتل أخا المقتول، وقال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين. يروى أنّ مسروقا سئل هل للقاتل توبة؟ فقال: لا أغلق بابا فتحه الله. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بقاء لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل. وقال قتادة: كم رجل قد همّ بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها ولكنّ الله تعالى حجر عباده بعضهم عن بعض هذا قول أكثر المفسّرين. وقال السّدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة فلمّا قصروا بالواحد على الواحد كان في ذلك حياة وقيل: أراد في الآخرة لأنّ من أقيد منه في الدّنيا حيي في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتصّ منه في الآخرة ويعني الحياة سلامته من قصاص الآخرة، وقرأ أبو الجوزاء: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أراد القرآن فيه حياة القلوب. قال يا أُولِي الْأَلْبابِ يا ذوي العقول. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل مخافة القود.

البقرة 2:178

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة وحفص: لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الرّاء، وقرأ الباقون: بالرّفع فمن رفع البرّ جعله اسم ليس، وجعل خبره في قوله أَنْ تُوَلُّوا تقديره: ليس البرّ توليتكم، وجوهكم، ومن نصب جعل أن وصلتها في موضع الرّفع على اسم ليس تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه. كقوله ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [[سورة الجاثية: 25.]] ، وقوله فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ [[سورة الحشر: 17.]] . هارون عن عبد الله وأبي بن كعب: إنّهما قرئا. ليس البرّ بأن تولوا وجوهكم، واختلف المفسرون في هذه الآية: فقال قوم: عنى الله بهذه الآية اليهود والنّصارى وذلك إنّ اليهود كانت تصلّي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنّصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم إنّ البرّ في ذلك، فأخبر الله إنّ البرّ غير دينهم وعملهم، ولكنه ما بيّنه في هذه الآية، وعلى هذا القول: قتادة والرّبيع ومقاتل بن حيّان وعوف الأعرابي. وقال الآخرون: المراد بهذه الآية المؤمنون وذلك إنّ رجلا سأل النبيّ ﷺ‎ عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية فدعا رسول الله ﷺ‎ ذلك الرّجل فتلاها عليه. وقد كان الرّجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا اله إلّا الله وإنّ محمّدا عبده ورسوله وصلّى الصلاة إلى أىّ ناحية ثمّ مات على ذلك وجبت له الجنّة، فلما هاجر رسول الله ﷺ‎ ونزلت الفرائض وحدّد الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة. أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البرّ كلّه أن تصلّوا وتعملوا غير ذلك. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ جعل من وهي اسم خبرا للبرّ وهو فعل ولا يقال: البرّ زيد، واختلفوا في وجه الآية: فقال بعضهم: لما وقع من في موضع المصدر جعله مضمرا للبرّ. كأنّه قال: ولكن البرّ الأيمان بالله، والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل كقولهم: إنّما البر الصادق الذي يصل من رحمه ويخفي صدقته: يريدون صلة الرّحم، وأخفاء الصّدقة، وعلى هذا القول الفراء والمفضل بن سلمة وأنشد الفراء: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى ... ولكنّما الفتيان كل فتى ندي فجعل نبات اللحية خبرا للفتى. وقيل: معناه ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله واستغنى عن النّاس، كقولهم: الجود حاتم، والشجاعة عنترة، والشعر زهير: أي جود حاتم وشجاعة عنترة وشعر زهير، وتقول: العرب: بنو فلان يطأهم الطريق، أي أهل الطريق. قال الله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] ، وقال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [[سورة لقمان: 28.]] قال النابغة الجعدي: وكيف نواصل من أصبحت جلالته كأبي مرحب [[مجمع البيان: 1/ 474.]] أي كجلالة أبي مرحب، وعلى هذا القول قطرب والفراء والزّجاج أيضا. وقال أبو عبيدة: معناه ولكنّ البار من آمن بالله كقوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [[سورة طه: 132.]] أي المتقي. وقيل: معنى ذو البرّ من آمن بالله حكاه الزّجاج. كقوله هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [[سورة آل عمران: 163.]] : أي ذو درجات. قال المبرّد: لو كنت ممن قرأ القرآن لقرئت: لكنّ البرّ من آمن بالله بفتح الباء تقول العرب: رجل بر وبار والجمع بررة وابرار، والبرّ: العطف والإحسان، والبرّ أيضا: الصدق، والبرّ هنا الإيمان والتقوى، وهو المراد في هذه الآية بذلك عليه قوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَالْمَلائِكَةِ كلهم. وَالْكِتابِ [يعني الكتب] [[سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.]] . وَالنَّبِيِّينَ أجمع. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ واختلفوا في هذه الحكاية: فقال أكثر المفسرين: في حُبِّهِ راجعة إلى المال يعني أعطى المال في حال صحّته ومحبّته إياه ونفسه به يدلّ عليه قول ابن مسعود في هذه الآية قال: هو أن توصيه وأنت صحيح، تأمل العيش وتخش الفقر ولا تمهل، حتّى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ورفع هذا الحديث بعضهم [[راجع تفسير مجمع البيان: 1/ 486.]] . وقيل: هي عائدة على الله عزّ وجلّ أي حبّ الله سبحانه. قال الحسين بن أبي الفضل: على حبّ الإيتاء، وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حبّ المعطي. ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى أهل القرابة. عن أمّ رابح بنت صليح عن سليمان بن عامر عن النبيّ ﷺ‎. قال: «صدقتك على مسكين صدقة واحدة وعلى ذي الرّحم إثنين لأنّها صدقة وصلة» [[بتفاوت في الشرح الكبير: 2/ 709، والمصنف لعبد الرزاق: 10/ 437 ح 19627.]] [23] . الزهري عن حميد بن عبد الرّحمن عن أمّه أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قال: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «أفضل الصّدقة على ذي الرّحم الكاشح» [[الكاشح: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كشحه أي باطنه.]] [24] [[مسند أحمد: 5/ 416، ومجمع الزوائد: 3/ 117.]] . سليمان بن يسار عن ميمونة زوج النّبيّ ﷺ‎ قالت: أعتقت جارية لي فدخلت على النّبيّ ﷺ‎ فأخبرته بعتقها فقال: «آجرك الله أما إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» [25] . وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ سمّي المجاز واختلفوا فيه فقال أبو جعفر البارقي ومجاهد: يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك. قتادة: هو الضّيف ينزل بالرجل: قال: وذكرنا أنّ النبيّ ﷺ‎ كان يقول: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فليكرم ضيفه» [[في تفسير الطبري (2/ 132) فليقل خيرا أو ليسكت.]] [26] . وكان يقول: «حقّ الضيافة ثلاث ليال فكل شيء أضافه فهو صدقة» [27] . وإنّما قيل للمسافر والضيف الّذي يحلّ ويرتحل ابن السبيل لملازمته الطريق كما قيل للرّجل الّذي [أتت عليه الدهور] [[كلمات غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] ابن الأيّام واللّيالي، ولطير الماء: ابن الماء لملازمته إيّاه، قال ذو الرّمة: وردت اعتسافا والثريّا كأنّها ... على قمّة الرأس ابن ماء محلّق [[مجمع البيان: 1/ 473.]] وَالسَّائِلِينَ المستطعمين الطّالبين. عبد الله بن الحسين عن أمّه فاطمة بنت الحسين قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «للسائل حقّ وإن جاء على فرس» [28] [[تفسير ابن كثير: 1/ 214.]] . مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «هدية الله إلى المؤمن السّائل على بابه» [29] . وَفِي الرِّقابِ يعني المكاتبين قاله أكثر المفسّرين، وقيل: فداء الأسارى، وقيل: عتق النّسمة وفكّ الرّقبة. وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة. وَآتَى الزَّكاةَ الواجبة. وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين النّاس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدّوا. قال الرّبيع بن أنس: فمن أعطى عهد الله ثمّ نقضه فالله سبحانه مطعم منه ومن أعطى دمه النّبيّ ﷺ‎ ثمّ غدر فالنّبيّ ﷺ‎ خصمه يوم القيامة. وفي وجه ارتفاع الموفّين قولان: قال الفرّاء والأخفش: هو عطف على محل (من) في قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ و (من) في موضع جمع ومحلّه رفع كأنّه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون. وقيل: رفع على الابتداء والخبر تقديره هم الموفون، ثمّ قال: وَالصَّابِرِينَ وفي نصبها أربعة أقاويل. قال أبو عبيد: نصب على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن في تعيّر الاعراب إذا طال الكلام [والنسق] . وقال الكسائي: نصبه نسقا على قوله ذَوِي الْقُرْبى الصابرين. وقال بعضهم: معناه وأعني الصابرين. وقال الخليل بن أحمد والفرّاء: نصب على المدح والعرب تنصب على المدح وعلى الذّم كانّهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه. فأمّا المدح فقوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [[سورة النساء: 162.]] وأنشد الكسائي: وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلّا نميرا اطاعت أمر غاويها والطاعنين ولما يطعنوا أحدا ... والقائلين لمن دار يخليها وأنشد أبو عبيده لحزنق بن عفان: [لا يبعدن] [[كلمات غير مقروءة والظاهر ذلك.]] قومي الّذين هم ... سم العداة وانه الجزل النازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزل وأما الذّم، فقوله تعالى مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أخذوا. وقال عروة بن الورد تسقوني الخمر ثمّ تكفوني ... عداة الله من كذب وزور [[مجمع البيان: 1/ 475.]] فِي الْبَأْساءِ يعني الشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة وهما اسمان بنيا على فعلا ولا أفعل لهما لأنهما اسمان وليسا بنعت. وَحِينَ الْبَأْسِ وقت القتال: وقال علي (رضي الله عنه) : كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ‎ فكان أقربنا إلى العدوّ إذا اشتدّ الحرب. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في دمائهم. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ روى القاسم: إن أبا ذر سئل عن الإيمان؟ فقرأ هذه الآية فقال السائل: انّما سألنا عن الإيمان وتخبرنا عن البرّ، فقال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ‎ فسأله عن الإيمان فقرأ هذه الآية. وقال أبو ميسرة: وقرأ هذه الآية ومن عمل بهذه الآية فقد استكمل البرّ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الآية: قال الشعبي والكلبي وقتادة ومقاتل بن حيّان وأبو الجوزاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في حيّين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهليّة قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتّى جاء الإسلام. قال سعيد بن جبير: إنهما كانا حيّين الأوس والخزرج. وقال ابن كيسان: قريظة والنّضير، قال: وكان لأحد الحيّين حول على الآخر في الكرم والشّرف، وكانوا ينكحون نسائهم بغير مهور. فاقسموا ليقتلن بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرّجل منهم، وبالرّجل منّا الرّجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك وهم كذا يعاملونهم في الجاهلية. فرفعوا أمرهم إلى رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمرهم بالمساواة فرضوا وسلّموا. السّدي وجماعة: نزلت هذه الآية في الدّيات وذلك إنّ أهل حزبين من العرب اقتتلوا أحدهما مسلم والآخر معاهد. فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ‎ أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النّساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النّساء من الفريق الآخر، وديات الرّجال بالرّجال، والعبيد بالعبيد، فأنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرض وكتب عليكم في القتلى [[راجع تفسير الطبري: 2/ 140.]] ، والقصاص: المساواة والمماثلة في النفوس والجروح والدّيات، وأصله من قصّ الأثر إذا اتّبعه فكان المفعول به يتبع ما عمل به فيعمل مثله، ثمّ بيّن فقال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. ذكر حكم الآيات إذا تكافأ الدّمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين، أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم: الذكر إذا قتل منهم بالذكر، والأنثى إذا قتلت بالأنثى، والذكر والإجماع واقع إنّ الرّجل يقتل بالمرأة لأنّهما يتساويا في الحرمة والميراث وحد الزّنى والقذف وغير ذلك فلذلك يجب أن يستويا في القصاص ولا يقتل الحرّ بالعبد وعليه قيمته وإن بلغت [ثلث] لما بينهما من المفاضلة، ولا يقتل مؤمن بكافر. بدليل ما روى الشّعبي عن أبي حجيفة قال: سألت عليّا كرم الله وجهه هل عندكم من النّبيّ ﷺ‎ سوى القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة إلّا أن يعطي الله عزّ وجلّ عبدا فهما في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصّحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر [[إلى هنا موجود في المصدرين.]] ، ولا يقتل [سيد] بعبده، ولا والد بولده [[كتاب المسند للشافعي: 190، والمصنف لعبد الرزاق: 10/ 100 ح 1850.]] . يدلّ عليه ما روى إن رجلا اسمه قتادة رمى ابنه بسيف فأصاب رجله فنزف فمات. فقال عمر (رضي الله عنه) : لولا أني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: لا يقاد والد بولده، وإلّا قدته به. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أيّ ترك وله وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص، وروي عن علي (رضي الله عنه) إنّه قتل ثلاثة بواحد في قتل العمد هذا قول أكثر المفسرين قالوا: العفو أن يقبل الدّية في قتل العمد، وقال السّدي: هو أن يبقى له بقية من دية أخيه أو من أرش جراحته. فَاتِّباعٌ أي فعليه اتباع. بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أمر الطالب أن يطلب بالمعروف ويتبع حق الواجب له عليه من غير أن يطالبه بالزّيادة أو يكلفه ما لم يوجبه الله له أو يشدد عليه كما قال النبيّ ﷺ‎: «من زاد بعيرا في إبل الدّيات وفرائضها فمن أمر الجاهلية» [30] [[جامع البيان للطبري: 2/ 150.]] . حكم الآية أعلم إنّ أنواع القتل ثلاثة العمد، وشبه العمد، والخطأ: فالعمد: أن يقصد ضربه، بما أنّ الأغلب إنّه يموت منه مثل الحديدة والخشبة العظيمة والحجر الكبير ونحوها أو حرقه أو غرفه أو الشّدة من حبل أو سطح أو في بئر وما يشبه ذلك مما يتعمّد قلبه. ففي هذا القصاص أو الدّية. فدية المسلم ألف دينار ومن الورق اثنا عشر ألف درهم ومن الإبل مائة منها أربعون خلفه في بطونها أولادها. وثلاثون حقّه، وثلاثون جذعه، الأصل في الرّجل الإبل أو ديات النّساء على النصف من ذلك. وأما شبه العمد: فهو أن يقصد ضربه. بما الأغلب إنّه لا يموت منه مثل: حصى صغير أو عود صغير أو لطمه أو وكزه أو بكسره أو صفعة أو ضربة بالسّيف عمدا أو ما أشبه ذلك فمات منه، فهاهنا يجب الدّية مغلّظة على العاقلة، كما وصفنا في دية العمد. وأمّا الخطأ: فهو أن يقصد شيئا فيخطئ ويصوّب غيره. كالرّجل يرمي الهدف أو الصّيد فيخطئ السهم فيقع بإنسان فيقتله فهو الخطأ المحض وفيه الدّية المخفّفة على العاقلة في ثلاث ستين أخماسا: عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون ابنا لبون، وعشرون خناق، وعشرون جذعا، ولا يتعين الورق والذّهب، كما تنقص الإبل الذي ذكرت من العفو والديّة. تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وذلك إنّ الله تعالى كتب على أهل التوراة في النّفس والجرح أن يقيدوا ولا يأخذوا الدّية ولا يعفوا وعلى أهل الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدّية. فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص والدّية والعفو. كما روى سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح: إنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «ثمّ أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله فمن قتل قتيلا بعده فأهله بين خيرتين: إن أحبّوا قتلوا وإن أحبّوا أخذوا العقل» [31] . فَمَنِ اعْتَدى ظلم وتجاوز الحد. بَعْدَ ذلِكَ فقيل بعد أخذ الدّية، وقال الحسن: كان الرّجل في الجاهليّة إذا قتل قتيلا فرّ إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون بالدّية فذلك الاعتداء. فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ يقتل في الدّنيا ولا يعفى عنه. قال النّبيّ ﷺ‎: «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذه الدّية منه» [32] ، وفي الآخرة عذاب النّار، وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافرا ولا يبقى خالدا في النّار لأنّ الله تعالى. خاطبهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فسمى القاتل أخا المقتول، وقال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين. يروى أنّ مسروقا سئل هل للقاتل توبة؟ فقال: لا أغلق بابا فتحه الله. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بقاء لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل. وقال قتادة: كم رجل قد همّ بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها ولكنّ الله تعالى حجر عباده بعضهم عن بعض هذا قول أكثر المفسّرين. وقال السّدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة فلمّا قصروا بالواحد على الواحد كان في ذلك حياة وقيل: أراد في الآخرة لأنّ من أقيد منه في الدّنيا حيي في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتصّ منه في الآخرة ويعني الحياة سلامته من قصاص الآخرة، وقرأ أبو الجوزاء: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أراد القرآن فيه حياة القلوب. قال يا أُولِي الْأَلْبابِ يا ذوي العقول. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل مخافة القود.

البقرة 2:179

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة وحفص: لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الرّاء، وقرأ الباقون: بالرّفع فمن رفع البرّ جعله اسم ليس، وجعل خبره في قوله أَنْ تُوَلُّوا تقديره: ليس البرّ توليتكم، وجوهكم، ومن نصب جعل أن وصلتها في موضع الرّفع على اسم ليس تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه. كقوله ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [[سورة الجاثية: 25.]] ، وقوله فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ [[سورة الحشر: 17.]] . هارون عن عبد الله وأبي بن كعب: إنّهما قرئا. ليس البرّ بأن تولوا وجوهكم، واختلف المفسرون في هذه الآية: فقال قوم: عنى الله بهذه الآية اليهود والنّصارى وذلك إنّ اليهود كانت تصلّي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنّصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم إنّ البرّ في ذلك، فأخبر الله إنّ البرّ غير دينهم وعملهم، ولكنه ما بيّنه في هذه الآية، وعلى هذا القول: قتادة والرّبيع ومقاتل بن حيّان وعوف الأعرابي. وقال الآخرون: المراد بهذه الآية المؤمنون وذلك إنّ رجلا سأل النبيّ ﷺ‎ عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية فدعا رسول الله ﷺ‎ ذلك الرّجل فتلاها عليه. وقد كان الرّجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا اله إلّا الله وإنّ محمّدا عبده ورسوله وصلّى الصلاة إلى أىّ ناحية ثمّ مات على ذلك وجبت له الجنّة، فلما هاجر رسول الله ﷺ‎ ونزلت الفرائض وحدّد الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة. أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البرّ كلّه أن تصلّوا وتعملوا غير ذلك. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ جعل من وهي اسم خبرا للبرّ وهو فعل ولا يقال: البرّ زيد، واختلفوا في وجه الآية: فقال بعضهم: لما وقع من في موضع المصدر جعله مضمرا للبرّ. كأنّه قال: ولكن البرّ الأيمان بالله، والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل كقولهم: إنّما البر الصادق الذي يصل من رحمه ويخفي صدقته: يريدون صلة الرّحم، وأخفاء الصّدقة، وعلى هذا القول الفراء والمفضل بن سلمة وأنشد الفراء: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى ... ولكنّما الفتيان كل فتى ندي فجعل نبات اللحية خبرا للفتى. وقيل: معناه ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله واستغنى عن النّاس، كقولهم: الجود حاتم، والشجاعة عنترة، والشعر زهير: أي جود حاتم وشجاعة عنترة وشعر زهير، وتقول: العرب: بنو فلان يطأهم الطريق، أي أهل الطريق. قال الله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] ، وقال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [[سورة لقمان: 28.]] قال النابغة الجعدي: وكيف نواصل من أصبحت جلالته كأبي مرحب [[مجمع البيان: 1/ 474.]] أي كجلالة أبي مرحب، وعلى هذا القول قطرب والفراء والزّجاج أيضا. وقال أبو عبيدة: معناه ولكنّ البار من آمن بالله كقوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [[سورة طه: 132.]] أي المتقي. وقيل: معنى ذو البرّ من آمن بالله حكاه الزّجاج. كقوله هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [[سورة آل عمران: 163.]] : أي ذو درجات. قال المبرّد: لو كنت ممن قرأ القرآن لقرئت: لكنّ البرّ من آمن بالله بفتح الباء تقول العرب: رجل بر وبار والجمع بررة وابرار، والبرّ: العطف والإحسان، والبرّ أيضا: الصدق، والبرّ هنا الإيمان والتقوى، وهو المراد في هذه الآية بذلك عليه قوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَالْمَلائِكَةِ كلهم. وَالْكِتابِ [يعني الكتب] [[سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.]] . وَالنَّبِيِّينَ أجمع. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ واختلفوا في هذه الحكاية: فقال أكثر المفسرين: في حُبِّهِ راجعة إلى المال يعني أعطى المال في حال صحّته ومحبّته إياه ونفسه به يدلّ عليه قول ابن مسعود في هذه الآية قال: هو أن توصيه وأنت صحيح، تأمل العيش وتخش الفقر ولا تمهل، حتّى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ورفع هذا الحديث بعضهم [[راجع تفسير مجمع البيان: 1/ 486.]] . وقيل: هي عائدة على الله عزّ وجلّ أي حبّ الله سبحانه. قال الحسين بن أبي الفضل: على حبّ الإيتاء، وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حبّ المعطي. ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى أهل القرابة. عن أمّ رابح بنت صليح عن سليمان بن عامر عن النبيّ ﷺ‎. قال: «صدقتك على مسكين صدقة واحدة وعلى ذي الرّحم إثنين لأنّها صدقة وصلة» [[بتفاوت في الشرح الكبير: 2/ 709، والمصنف لعبد الرزاق: 10/ 437 ح 19627.]] [23] . الزهري عن حميد بن عبد الرّحمن عن أمّه أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قال: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «أفضل الصّدقة على ذي الرّحم الكاشح» [[الكاشح: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كشحه أي باطنه.]] [24] [[مسند أحمد: 5/ 416، ومجمع الزوائد: 3/ 117.]] . سليمان بن يسار عن ميمونة زوج النّبيّ ﷺ‎ قالت: أعتقت جارية لي فدخلت على النّبيّ ﷺ‎ فأخبرته بعتقها فقال: «آجرك الله أما إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» [25] . وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ سمّي المجاز واختلفوا فيه فقال أبو جعفر البارقي ومجاهد: يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك. قتادة: هو الضّيف ينزل بالرجل: قال: وذكرنا أنّ النبيّ ﷺ‎ كان يقول: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فليكرم ضيفه» [[في تفسير الطبري (2/ 132) فليقل خيرا أو ليسكت.]] [26] . وكان يقول: «حقّ الضيافة ثلاث ليال فكل شيء أضافه فهو صدقة» [27] . وإنّما قيل للمسافر والضيف الّذي يحلّ ويرتحل ابن السبيل لملازمته الطريق كما قيل للرّجل الّذي [أتت عليه الدهور] [[كلمات غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] ابن الأيّام واللّيالي، ولطير الماء: ابن الماء لملازمته إيّاه، قال ذو الرّمة: وردت اعتسافا والثريّا كأنّها ... على قمّة الرأس ابن ماء محلّق [[مجمع البيان: 1/ 473.]] وَالسَّائِلِينَ المستطعمين الطّالبين. عبد الله بن الحسين عن أمّه فاطمة بنت الحسين قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «للسائل حقّ وإن جاء على فرس» [28] [[تفسير ابن كثير: 1/ 214.]] . مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «هدية الله إلى المؤمن السّائل على بابه» [29] . وَفِي الرِّقابِ يعني المكاتبين قاله أكثر المفسّرين، وقيل: فداء الأسارى، وقيل: عتق النّسمة وفكّ الرّقبة. وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة. وَآتَى الزَّكاةَ الواجبة. وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين النّاس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدّوا. قال الرّبيع بن أنس: فمن أعطى عهد الله ثمّ نقضه فالله سبحانه مطعم منه ومن أعطى دمه النّبيّ ﷺ‎ ثمّ غدر فالنّبيّ ﷺ‎ خصمه يوم القيامة. وفي وجه ارتفاع الموفّين قولان: قال الفرّاء والأخفش: هو عطف على محل (من) في قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ و (من) في موضع جمع ومحلّه رفع كأنّه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون. وقيل: رفع على الابتداء والخبر تقديره هم الموفون، ثمّ قال: وَالصَّابِرِينَ وفي نصبها أربعة أقاويل. قال أبو عبيد: نصب على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن في تعيّر الاعراب إذا طال الكلام [والنسق] . وقال الكسائي: نصبه نسقا على قوله ذَوِي الْقُرْبى الصابرين. وقال بعضهم: معناه وأعني الصابرين. وقال الخليل بن أحمد والفرّاء: نصب على المدح والعرب تنصب على المدح وعلى الذّم كانّهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه. فأمّا المدح فقوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [[سورة النساء: 162.]] وأنشد الكسائي: وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلّا نميرا اطاعت أمر غاويها والطاعنين ولما يطعنوا أحدا ... والقائلين لمن دار يخليها وأنشد أبو عبيده لحزنق بن عفان: [لا يبعدن] [[كلمات غير مقروءة والظاهر ذلك.]] قومي الّذين هم ... سم العداة وانه الجزل النازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزل وأما الذّم، فقوله تعالى مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أخذوا. وقال عروة بن الورد تسقوني الخمر ثمّ تكفوني ... عداة الله من كذب وزور [[مجمع البيان: 1/ 475.]] فِي الْبَأْساءِ يعني الشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة وهما اسمان بنيا على فعلا ولا أفعل لهما لأنهما اسمان وليسا بنعت. وَحِينَ الْبَأْسِ وقت القتال: وقال علي (رضي الله عنه) : كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ‎ فكان أقربنا إلى العدوّ إذا اشتدّ الحرب. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في دمائهم. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ روى القاسم: إن أبا ذر سئل عن الإيمان؟ فقرأ هذه الآية فقال السائل: انّما سألنا عن الإيمان وتخبرنا عن البرّ، فقال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ‎ فسأله عن الإيمان فقرأ هذه الآية. وقال أبو ميسرة: وقرأ هذه الآية ومن عمل بهذه الآية فقد استكمل البرّ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الآية: قال الشعبي والكلبي وقتادة ومقاتل بن حيّان وأبو الجوزاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في حيّين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهليّة قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتّى جاء الإسلام. قال سعيد بن جبير: إنهما كانا حيّين الأوس والخزرج. وقال ابن كيسان: قريظة والنّضير، قال: وكان لأحد الحيّين حول على الآخر في الكرم والشّرف، وكانوا ينكحون نسائهم بغير مهور. فاقسموا ليقتلن بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرّجل منهم، وبالرّجل منّا الرّجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك وهم كذا يعاملونهم في الجاهلية. فرفعوا أمرهم إلى رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمرهم بالمساواة فرضوا وسلّموا. السّدي وجماعة: نزلت هذه الآية في الدّيات وذلك إنّ أهل حزبين من العرب اقتتلوا أحدهما مسلم والآخر معاهد. فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ‎ أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النّساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النّساء من الفريق الآخر، وديات الرّجال بالرّجال، والعبيد بالعبيد، فأنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرض وكتب عليكم في القتلى [[راجع تفسير الطبري: 2/ 140.]] ، والقصاص: المساواة والمماثلة في النفوس والجروح والدّيات، وأصله من قصّ الأثر إذا اتّبعه فكان المفعول به يتبع ما عمل به فيعمل مثله، ثمّ بيّن فقال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. ذكر حكم الآيات إذا تكافأ الدّمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين، أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم: الذكر إذا قتل منهم بالذكر، والأنثى إذا قتلت بالأنثى، والذكر والإجماع واقع إنّ الرّجل يقتل بالمرأة لأنّهما يتساويا في الحرمة والميراث وحد الزّنى والقذف وغير ذلك فلذلك يجب أن يستويا في القصاص ولا يقتل الحرّ بالعبد وعليه قيمته وإن بلغت [ثلث] لما بينهما من المفاضلة، ولا يقتل مؤمن بكافر. بدليل ما روى الشّعبي عن أبي حجيفة قال: سألت عليّا كرم الله وجهه هل عندكم من النّبيّ ﷺ‎ سوى القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة إلّا أن يعطي الله عزّ وجلّ عبدا فهما في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصّحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر [[إلى هنا موجود في المصدرين.]] ، ولا يقتل [سيد] بعبده، ولا والد بولده [[كتاب المسند للشافعي: 190، والمصنف لعبد الرزاق: 10/ 100 ح 1850.]] . يدلّ عليه ما روى إن رجلا اسمه قتادة رمى ابنه بسيف فأصاب رجله فنزف فمات. فقال عمر (رضي الله عنه) : لولا أني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: لا يقاد والد بولده، وإلّا قدته به. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أيّ ترك وله وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص، وروي عن علي (رضي الله عنه) إنّه قتل ثلاثة بواحد في قتل العمد هذا قول أكثر المفسرين قالوا: العفو أن يقبل الدّية في قتل العمد، وقال السّدي: هو أن يبقى له بقية من دية أخيه أو من أرش جراحته. فَاتِّباعٌ أي فعليه اتباع. بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أمر الطالب أن يطلب بالمعروف ويتبع حق الواجب له عليه من غير أن يطالبه بالزّيادة أو يكلفه ما لم يوجبه الله له أو يشدد عليه كما قال النبيّ ﷺ‎: «من زاد بعيرا في إبل الدّيات وفرائضها فمن أمر الجاهلية» [30] [[جامع البيان للطبري: 2/ 150.]] . حكم الآية أعلم إنّ أنواع القتل ثلاثة العمد، وشبه العمد، والخطأ: فالعمد: أن يقصد ضربه، بما أنّ الأغلب إنّه يموت منه مثل الحديدة والخشبة العظيمة والحجر الكبير ونحوها أو حرقه أو غرفه أو الشّدة من حبل أو سطح أو في بئر وما يشبه ذلك مما يتعمّد قلبه. ففي هذا القصاص أو الدّية. فدية المسلم ألف دينار ومن الورق اثنا عشر ألف درهم ومن الإبل مائة منها أربعون خلفه في بطونها أولادها. وثلاثون حقّه، وثلاثون جذعه، الأصل في الرّجل الإبل أو ديات النّساء على النصف من ذلك. وأما شبه العمد: فهو أن يقصد ضربه. بما الأغلب إنّه لا يموت منه مثل: حصى صغير أو عود صغير أو لطمه أو وكزه أو بكسره أو صفعة أو ضربة بالسّيف عمدا أو ما أشبه ذلك فمات منه، فهاهنا يجب الدّية مغلّظة على العاقلة، كما وصفنا في دية العمد. وأمّا الخطأ: فهو أن يقصد شيئا فيخطئ ويصوّب غيره. كالرّجل يرمي الهدف أو الصّيد فيخطئ السهم فيقع بإنسان فيقتله فهو الخطأ المحض وفيه الدّية المخفّفة على العاقلة في ثلاث ستين أخماسا: عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون ابنا لبون، وعشرون خناق، وعشرون جذعا، ولا يتعين الورق والذّهب، كما تنقص الإبل الذي ذكرت من العفو والديّة. تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وذلك إنّ الله تعالى كتب على أهل التوراة في النّفس والجرح أن يقيدوا ولا يأخذوا الدّية ولا يعفوا وعلى أهل الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدّية. فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص والدّية والعفو. كما روى سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح: إنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «ثمّ أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله فمن قتل قتيلا بعده فأهله بين خيرتين: إن أحبّوا قتلوا وإن أحبّوا أخذوا العقل» [31] . فَمَنِ اعْتَدى ظلم وتجاوز الحد. بَعْدَ ذلِكَ فقيل بعد أخذ الدّية، وقال الحسن: كان الرّجل في الجاهليّة إذا قتل قتيلا فرّ إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون بالدّية فذلك الاعتداء. فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ يقتل في الدّنيا ولا يعفى عنه. قال النّبيّ ﷺ‎: «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذه الدّية منه» [32] ، وفي الآخرة عذاب النّار، وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافرا ولا يبقى خالدا في النّار لأنّ الله تعالى. خاطبهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فسمى القاتل أخا المقتول، وقال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين. يروى أنّ مسروقا سئل هل للقاتل توبة؟ فقال: لا أغلق بابا فتحه الله. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بقاء لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل. وقال قتادة: كم رجل قد همّ بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها ولكنّ الله تعالى حجر عباده بعضهم عن بعض هذا قول أكثر المفسّرين. وقال السّدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة فلمّا قصروا بالواحد على الواحد كان في ذلك حياة وقيل: أراد في الآخرة لأنّ من أقيد منه في الدّنيا حيي في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتصّ منه في الآخرة ويعني الحياة سلامته من قصاص الآخرة، وقرأ أبو الجوزاء: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أراد القرآن فيه حياة القلوب. قال يا أُولِي الْأَلْبابِ يا ذوي العقول. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل مخافة القود.

البقرة 2:180

كُتِبَ فرض ووجب. عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ جاء. أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعني اسباب الموت وآثاره ومقدماته من العلل والأمراض ولم يرد المعاينة. إِنْ تَرَكَ خَيْراً مالا، نظيره قوله وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [[سورة البقرة: 272.]] الْوَصِيَّةُ في رفعها وجهان: أحدهما: اسم ما لم يسم فاعله وهو قوله «كُتِبَ» ، والثاني: خبر حرف الصفة، وهو اللام في قوله لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ يعني لا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير. كما قال ابن مسعود: الوصيّة للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج. حَقًّا واجبا، وهو نصب على المصدر أي حق ذلك حقا وقيل: على المفعول أي جعل الوصيّة حقا، وقيل: على القطع من الوصيّة. عَلَى الْمُتَّقِينَ المؤمنين، واختلف العلماء في معنى هذه الآية: فقال قوم: كانت الوصيّة للوالدين والأقربين، فرضا واجبا على من مات، وله مال حتّى نزلت آية المواريث في سورة النّساء. فنسخت الوصيّة للوالدين والأقربين الذين يرثون، وبقي فرض الوصيّة للأقرباء الذين لا يرثون والوالدين الذين لا يرثان بكفر أو رق على من كان له مال. فخطب رسول الله ﷺ‎ لما نزلت هذه الآية فقال: «الآن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصيّة لوارث [33] فبيّن إنّ الميراث والوصيّة لا يجتمعان» [[مسند أحمد: 4/ 186، وسنن أبي داود: 1/ 656 ح 2870.]] . فآية المواريث هي لنّا حجة وقول رسول الله ﷺ‎ هو المبيّن هذا قول ابن عبّاس وطاوس وقتادة والحسن ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد والربيع وابن زيد. قال الضحاك: من مات ولم يوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية، وقال طاوس: من أوصى لقوم وسمّاهم، وترك ذوي قرابته محتاجين [انتزعت] منهم وردّت إلى ذوي قرابته. وقال آخرون: بل نسخ ذلك كلّه بالميراث فهذه الآية منسوخة. ولا يجب لأحد وصيّة على أحد قريب ولا بعيد. فإن أوصى فحسن، وأن لم يوص فلا شيء عليه، وهذا قول عليّ وابن عمر وعائشة وعكرمة ومجاهد والسّدي. قال شريح في هذه الآية. كان الرّجل يوصي بماله كلّه حتّى نزلت آية المواريث. وقال عروة بن الزّبير: دخل علي (رضي الله عنه) على مريض يعوده فقال: إنّي أن أوصي. فقال علي عليه السّلام: إنّ الله تعالى يقول إِنْ تَرَكَ خَيْراً وإنّما يدع شيئا يسير فدعه لعيالك إنّه أفضل. وروى أيوب عن نافع عن ابن عمر: إنّه لم يوص فقال: أمّا مالي والله أعلم ما كنت أصنع به في الخلوة وأما رباعي لن يشرك ولدي فيها أحد. وروى ابن أبي مليكة: إنّ رجلا قال لعائشة: إنّي أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة: قالت: إنّما قال: الله تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْراً وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك. وروى سفيان بن بشير بن دحلوق قال: قال عروة بن ثابت للربيع بن خيثم: أوص لي بمصحفك. قال: فنظر إلى أبيه فقال: أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. وروى سفيان عن الحسين بن عبد الله عن إبراهيم قال: ذكر لنّا إنّ زبيرا وطلحة كانا يشددان في الوصيّة. فقال: ما كان عليهما أن لا يفعلا. مات النّبيّ ﷺ‎ ولم يوصّ وأوصى أبو بكر، أي ذلك فعلت فحسن. فَمَنْ بَدَّلَهُ أي فمن غيّر الوصيّة من الأوصياء والأولياء أو الشهود. بَعْدَ ما سَمِعَهُ من الميت فإنّما ذكر الكناية عن الوصيّة وهي مؤنثة لأنّها في معنى الإيصاء لقوله فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [[سورة البقرة: 275.]] ردّه إلى الواعظ ونحوها كثيرة. وقال المفضل: لأنّ الوصيّة قول فذهب إلى المعنى وترك اللفظ. كقول امرئ القيس. برهرهة رودة رخصة ... كخرعوبة اليانة المنقطر المنقطر: المنتفخ بالورق وهو أنعم ما يكون فذهب إلى القضيب فترك لفظ الخرعوبة. فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ وصي الميت. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لوصاياكم. عَلِيمٌ بنيّاتكم. فَمَنْ خافَ أي خشي، وقيل: علم وهو الأجود كقوله إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ [[سورة البقرة: 229.]] . وقال ابو محجر الثقفي: فلا تدعني بالفلاة فانّني أخاف ... إذا ما متّ أن لا أذوقها أراد: أعلم. مِنْ مُوصٍ قرأ مجاهد وعطاء وحميد وابن كثير وابو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة ونافع: بالتخفيف واختاره أبو حاتم. لقول النّاس: أوصيكم بتقوى الله. قال أبو حاتم: قرأتها بمكّة بالتشديد أوّل ليلة أقمت فعابوها عليّ. وقرأ الباقون: موصّ بالتشديد واختاره ابو عبيد كقوله: ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى [[سورة الشورى: 13.]] . جَنَفاً جورا وعدولا من الحقّ من الحقّ والجنف: الميل في الكلام والأخذ كلّها يقال: جنف وأجنف وتجانف إذا مال. قال لبيد: إنّي امرؤ منعت أرومة عامر ... ضيمي وقد جنفت عليّ خصوم [[مجمع البيان: 1/ 485.]] وقال آخر: هم أقول وقد جنفوا علينا ... وانّا من لقاءهم أزور وقال علي عليه السّلام: حيفا بالحاء والياء أي ظلما. قال الفراء: الفرق بين الجنف والحيف: أن الجنف عدول عن الشيء والحيف: حمل الشّيء حتّى ينتقصه وعلى الرّجل حتّى ينتقص حقّه. يقال: فلان يتحوف ماله أي ينتقصه منّي حافاته. وقال المفسّرون: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد، واختلفوا في معنى الآية وحكمها فقال قوم: تأويلها من حضر مريضا وهو يوصّي فخاف أن [يحيف] في وصيته فيفعل ما ليس له أو تعمد جورا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره أن يصلح بينه وبين ورثته بأن يأمره بالعدل في وصيّته، وينهاه عن الجنف فينظر للموصي وللورثة، وهذا قول مجاهد: هذا ممّن يحضر الرّجل وهو يموت. فإذا أسرف أمره بالعدل وإذا قصّر قال: أفعل كذا أعط فلانا كذلك. وقال آخرون: هو إنّه إذا أخطأ الميت وصيّته أو خاف فيها متعمدا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمر المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصي لهم، ويردّ الوصيّة إلى العدل والحق، وهذا معنى قول ابن عبّاس وقتادة وإبراهيم والرّبيع. وروى ابن جريج عن عطاء قال: هو أن يعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض مما سيرثونه بعد موته. فلا إثم على من أصلح بين الورثة. طاوس: [الحيف] وهو أن يوصي لبني ابنه يريد ابنه أو ولد أبنته يريد ابنته، ويوصي لزوج ابنته ويريد بذلك ابنته، فلا حرج على من أصلح بين الورثة. السّدي وابن زيد: هو في الوصيّة للآباء والأقربين بالأثرة يميل إلى بعضهم ويحيف لبعضهم على بعض في الوصيّة. فإنّ أعظم الأجر أن لا ينفذها، ولكن يصلح ما بينهم على ما يرى إنّه الحق فينقص بعضا. ويزيد بعضا. قال ابن زيد: فعجز الموصي أن يوصي لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كما أمره الله، وعجز الوصي أن يصلح فيوزع الله ذلك منه بفرض الفرائض لذلك قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله تعالى لم يوص بملك مقرب ولا نبي مرسل حتّى تولّى قسم مواريثكم» [34] . وقال فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ولم يجر للورثة ولا للمختلفين في الوصيّة ذكر لأنّ سياق الآية وما تقدّم من ذكر الوصيّة يدلّ عليه. قال الكلبي: كان الأولياء والأوصياء يمضون وصيّة الميت بعد نزول الآية فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ الآية وإن استغرق المال كلّه ويبقى الورثة بغير شيء، ثمّ نسختها هذه الآية فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً الآية. وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: قال كنت مع رسول الله ﷺ‎ في حجة الوداع فمرضت مرضا أشرفت على الموت. فعادني رسول الله ﷺ‎ فقلت: يا رسول الله ﷺ‎ إنّ لي مالا كثيرا وليس يرثني إلّا بنت لي أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فبشطر مالي؟ قال: لا. قلت: بثلث مالي؟ قال: نعم الثلث والثلث كثير إنك يا سعد أن تترك ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون النّاس. وقال مسلم بن صبيح: أوصى جار لمسروق فدعا مسروقا ليشهده فوجده قد بذر وأكثر. فقال: لا أشهد إنّ الله عزّ وجلّ قسم بينكم فأحسن القسمة فمن يرغب برأيه عن أمر الله فقد ضلّ، أوص لقرابتك الذين لا يرثون ودع المال على قسم الله. وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من حاف في وصيّته ألقي في اللوى- واللوى واد في جهنّم-» [35] [[لم نجده إلا في لسان العرب: 15/ 267، وفي النهاية لابن الأثير روي: (4/ 280) من خان في وصيته.]] . شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إن الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيّته فيختم له بشر عمله فيدخل النّار، وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّر سبعين سنة. فإذا أوصى لم يحف في وصيته فيختم له بخير عمله. فيدخل الجنّة» [36] . ثمّ قال أبو هريرة: أقرأوا إن شئتم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [[مسند أحمد: 2/ 278، والمعجم الأوسط: 3/ 229.]] .

البقرة 2:181

كُتِبَ فرض ووجب. عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ جاء. أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعني اسباب الموت وآثاره ومقدماته من العلل والأمراض ولم يرد المعاينة. إِنْ تَرَكَ خَيْراً مالا، نظيره قوله وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [[سورة البقرة: 272.]] الْوَصِيَّةُ في رفعها وجهان: أحدهما: اسم ما لم يسم فاعله وهو قوله «كُتِبَ» ، والثاني: خبر حرف الصفة، وهو اللام في قوله لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ يعني لا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير. كما قال ابن مسعود: الوصيّة للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج. حَقًّا واجبا، وهو نصب على المصدر أي حق ذلك حقا وقيل: على المفعول أي جعل الوصيّة حقا، وقيل: على القطع من الوصيّة. عَلَى الْمُتَّقِينَ المؤمنين، واختلف العلماء في معنى هذه الآية: فقال قوم: كانت الوصيّة للوالدين والأقربين، فرضا واجبا على من مات، وله مال حتّى نزلت آية المواريث في سورة النّساء. فنسخت الوصيّة للوالدين والأقربين الذين يرثون، وبقي فرض الوصيّة للأقرباء الذين لا يرثون والوالدين الذين لا يرثان بكفر أو رق على من كان له مال. فخطب رسول الله ﷺ‎ لما نزلت هذه الآية فقال: «الآن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصيّة لوارث [33] فبيّن إنّ الميراث والوصيّة لا يجتمعان» [[مسند أحمد: 4/ 186، وسنن أبي داود: 1/ 656 ح 2870.]] . فآية المواريث هي لنّا حجة وقول رسول الله ﷺ‎ هو المبيّن هذا قول ابن عبّاس وطاوس وقتادة والحسن ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد والربيع وابن زيد. قال الضحاك: من مات ولم يوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية، وقال طاوس: من أوصى لقوم وسمّاهم، وترك ذوي قرابته محتاجين [انتزعت] منهم وردّت إلى ذوي قرابته. وقال آخرون: بل نسخ ذلك كلّه بالميراث فهذه الآية منسوخة. ولا يجب لأحد وصيّة على أحد قريب ولا بعيد. فإن أوصى فحسن، وأن لم يوص فلا شيء عليه، وهذا قول عليّ وابن عمر وعائشة وعكرمة ومجاهد والسّدي. قال شريح في هذه الآية. كان الرّجل يوصي بماله كلّه حتّى نزلت آية المواريث. وقال عروة بن الزّبير: دخل علي (رضي الله عنه) على مريض يعوده فقال: إنّي أن أوصي. فقال علي عليه السّلام: إنّ الله تعالى يقول إِنْ تَرَكَ خَيْراً وإنّما يدع شيئا يسير فدعه لعيالك إنّه أفضل. وروى أيوب عن نافع عن ابن عمر: إنّه لم يوص فقال: أمّا مالي والله أعلم ما كنت أصنع به في الخلوة وأما رباعي لن يشرك ولدي فيها أحد. وروى ابن أبي مليكة: إنّ رجلا قال لعائشة: إنّي أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة: قالت: إنّما قال: الله تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْراً وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك. وروى سفيان بن بشير بن دحلوق قال: قال عروة بن ثابت للربيع بن خيثم: أوص لي بمصحفك. قال: فنظر إلى أبيه فقال: أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. وروى سفيان عن الحسين بن عبد الله عن إبراهيم قال: ذكر لنّا إنّ زبيرا وطلحة كانا يشددان في الوصيّة. فقال: ما كان عليهما أن لا يفعلا. مات النّبيّ ﷺ‎ ولم يوصّ وأوصى أبو بكر، أي ذلك فعلت فحسن. فَمَنْ بَدَّلَهُ أي فمن غيّر الوصيّة من الأوصياء والأولياء أو الشهود. بَعْدَ ما سَمِعَهُ من الميت فإنّما ذكر الكناية عن الوصيّة وهي مؤنثة لأنّها في معنى الإيصاء لقوله فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [[سورة البقرة: 275.]] ردّه إلى الواعظ ونحوها كثيرة. وقال المفضل: لأنّ الوصيّة قول فذهب إلى المعنى وترك اللفظ. كقول امرئ القيس. برهرهة رودة رخصة ... كخرعوبة اليانة المنقطر المنقطر: المنتفخ بالورق وهو أنعم ما يكون فذهب إلى القضيب فترك لفظ الخرعوبة. فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ وصي الميت. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لوصاياكم. عَلِيمٌ بنيّاتكم. فَمَنْ خافَ أي خشي، وقيل: علم وهو الأجود كقوله إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ [[سورة البقرة: 229.]] . وقال ابو محجر الثقفي: فلا تدعني بالفلاة فانّني أخاف ... إذا ما متّ أن لا أذوقها أراد: أعلم. مِنْ مُوصٍ قرأ مجاهد وعطاء وحميد وابن كثير وابو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة ونافع: بالتخفيف واختاره أبو حاتم. لقول النّاس: أوصيكم بتقوى الله. قال أبو حاتم: قرأتها بمكّة بالتشديد أوّل ليلة أقمت فعابوها عليّ. وقرأ الباقون: موصّ بالتشديد واختاره ابو عبيد كقوله: ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى [[سورة الشورى: 13.]] . جَنَفاً جورا وعدولا من الحقّ من الحقّ والجنف: الميل في الكلام والأخذ كلّها يقال: جنف وأجنف وتجانف إذا مال. قال لبيد: إنّي امرؤ منعت أرومة عامر ... ضيمي وقد جنفت عليّ خصوم [[مجمع البيان: 1/ 485.]] وقال آخر: هم أقول وقد جنفوا علينا ... وانّا من لقاءهم أزور وقال علي عليه السّلام: حيفا بالحاء والياء أي ظلما. قال الفراء: الفرق بين الجنف والحيف: أن الجنف عدول عن الشيء والحيف: حمل الشّيء حتّى ينتقصه وعلى الرّجل حتّى ينتقص حقّه. يقال: فلان يتحوف ماله أي ينتقصه منّي حافاته. وقال المفسّرون: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد، واختلفوا في معنى الآية وحكمها فقال قوم: تأويلها من حضر مريضا وهو يوصّي فخاف أن [يحيف] في وصيته فيفعل ما ليس له أو تعمد جورا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره أن يصلح بينه وبين ورثته بأن يأمره بالعدل في وصيّته، وينهاه عن الجنف فينظر للموصي وللورثة، وهذا قول مجاهد: هذا ممّن يحضر الرّجل وهو يموت. فإذا أسرف أمره بالعدل وإذا قصّر قال: أفعل كذا أعط فلانا كذلك. وقال آخرون: هو إنّه إذا أخطأ الميت وصيّته أو خاف فيها متعمدا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمر المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصي لهم، ويردّ الوصيّة إلى العدل والحق، وهذا معنى قول ابن عبّاس وقتادة وإبراهيم والرّبيع. وروى ابن جريج عن عطاء قال: هو أن يعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض مما سيرثونه بعد موته. فلا إثم على من أصلح بين الورثة. طاوس: [الحيف] وهو أن يوصي لبني ابنه يريد ابنه أو ولد أبنته يريد ابنته، ويوصي لزوج ابنته ويريد بذلك ابنته، فلا حرج على من أصلح بين الورثة. السّدي وابن زيد: هو في الوصيّة للآباء والأقربين بالأثرة يميل إلى بعضهم ويحيف لبعضهم على بعض في الوصيّة. فإنّ أعظم الأجر أن لا ينفذها، ولكن يصلح ما بينهم على ما يرى إنّه الحق فينقص بعضا. ويزيد بعضا. قال ابن زيد: فعجز الموصي أن يوصي لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كما أمره الله، وعجز الوصي أن يصلح فيوزع الله ذلك منه بفرض الفرائض لذلك قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله تعالى لم يوص بملك مقرب ولا نبي مرسل حتّى تولّى قسم مواريثكم» [34] . وقال فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ولم يجر للورثة ولا للمختلفين في الوصيّة ذكر لأنّ سياق الآية وما تقدّم من ذكر الوصيّة يدلّ عليه. قال الكلبي: كان الأولياء والأوصياء يمضون وصيّة الميت بعد نزول الآية فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ الآية وإن استغرق المال كلّه ويبقى الورثة بغير شيء، ثمّ نسختها هذه الآية فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً الآية. وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: قال كنت مع رسول الله ﷺ‎ في حجة الوداع فمرضت مرضا أشرفت على الموت. فعادني رسول الله ﷺ‎ فقلت: يا رسول الله ﷺ‎ إنّ لي مالا كثيرا وليس يرثني إلّا بنت لي أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فبشطر مالي؟ قال: لا. قلت: بثلث مالي؟ قال: نعم الثلث والثلث كثير إنك يا سعد أن تترك ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون النّاس. وقال مسلم بن صبيح: أوصى جار لمسروق فدعا مسروقا ليشهده فوجده قد بذر وأكثر. فقال: لا أشهد إنّ الله عزّ وجلّ قسم بينكم فأحسن القسمة فمن يرغب برأيه عن أمر الله فقد ضلّ، أوص لقرابتك الذين لا يرثون ودع المال على قسم الله. وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من حاف في وصيّته ألقي في اللوى- واللوى واد في جهنّم-» [35] [[لم نجده إلا في لسان العرب: 15/ 267، وفي النهاية لابن الأثير روي: (4/ 280) من خان في وصيته.]] . شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إن الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيّته فيختم له بشر عمله فيدخل النّار، وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّر سبعين سنة. فإذا أوصى لم يحف في وصيته فيختم له بخير عمله. فيدخل الجنّة» [36] . ثمّ قال أبو هريرة: أقرأوا إن شئتم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [[مسند أحمد: 2/ 278، والمعجم الأوسط: 3/ 229.]] .

البقرة 2:182

كُتِبَ فرض ووجب. عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ جاء. أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعني اسباب الموت وآثاره ومقدماته من العلل والأمراض ولم يرد المعاينة. إِنْ تَرَكَ خَيْراً مالا، نظيره قوله وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [[سورة البقرة: 272.]] الْوَصِيَّةُ في رفعها وجهان: أحدهما: اسم ما لم يسم فاعله وهو قوله «كُتِبَ» ، والثاني: خبر حرف الصفة، وهو اللام في قوله لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ يعني لا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير. كما قال ابن مسعود: الوصيّة للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج. حَقًّا واجبا، وهو نصب على المصدر أي حق ذلك حقا وقيل: على المفعول أي جعل الوصيّة حقا، وقيل: على القطع من الوصيّة. عَلَى الْمُتَّقِينَ المؤمنين، واختلف العلماء في معنى هذه الآية: فقال قوم: كانت الوصيّة للوالدين والأقربين، فرضا واجبا على من مات، وله مال حتّى نزلت آية المواريث في سورة النّساء. فنسخت الوصيّة للوالدين والأقربين الذين يرثون، وبقي فرض الوصيّة للأقرباء الذين لا يرثون والوالدين الذين لا يرثان بكفر أو رق على من كان له مال. فخطب رسول الله ﷺ‎ لما نزلت هذه الآية فقال: «الآن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصيّة لوارث [33] فبيّن إنّ الميراث والوصيّة لا يجتمعان» [[مسند أحمد: 4/ 186، وسنن أبي داود: 1/ 656 ح 2870.]] . فآية المواريث هي لنّا حجة وقول رسول الله ﷺ‎ هو المبيّن هذا قول ابن عبّاس وطاوس وقتادة والحسن ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد والربيع وابن زيد. قال الضحاك: من مات ولم يوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية، وقال طاوس: من أوصى لقوم وسمّاهم، وترك ذوي قرابته محتاجين [انتزعت] منهم وردّت إلى ذوي قرابته. وقال آخرون: بل نسخ ذلك كلّه بالميراث فهذه الآية منسوخة. ولا يجب لأحد وصيّة على أحد قريب ولا بعيد. فإن أوصى فحسن، وأن لم يوص فلا شيء عليه، وهذا قول عليّ وابن عمر وعائشة وعكرمة ومجاهد والسّدي. قال شريح في هذه الآية. كان الرّجل يوصي بماله كلّه حتّى نزلت آية المواريث. وقال عروة بن الزّبير: دخل علي (رضي الله عنه) على مريض يعوده فقال: إنّي أن أوصي. فقال علي عليه السّلام: إنّ الله تعالى يقول إِنْ تَرَكَ خَيْراً وإنّما يدع شيئا يسير فدعه لعيالك إنّه أفضل. وروى أيوب عن نافع عن ابن عمر: إنّه لم يوص فقال: أمّا مالي والله أعلم ما كنت أصنع به في الخلوة وأما رباعي لن يشرك ولدي فيها أحد. وروى ابن أبي مليكة: إنّ رجلا قال لعائشة: إنّي أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة: قالت: إنّما قال: الله تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْراً وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك. وروى سفيان بن بشير بن دحلوق قال: قال عروة بن ثابت للربيع بن خيثم: أوص لي بمصحفك. قال: فنظر إلى أبيه فقال: أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. وروى سفيان عن الحسين بن عبد الله عن إبراهيم قال: ذكر لنّا إنّ زبيرا وطلحة كانا يشددان في الوصيّة. فقال: ما كان عليهما أن لا يفعلا. مات النّبيّ ﷺ‎ ولم يوصّ وأوصى أبو بكر، أي ذلك فعلت فحسن. فَمَنْ بَدَّلَهُ أي فمن غيّر الوصيّة من الأوصياء والأولياء أو الشهود. بَعْدَ ما سَمِعَهُ من الميت فإنّما ذكر الكناية عن الوصيّة وهي مؤنثة لأنّها في معنى الإيصاء لقوله فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [[سورة البقرة: 275.]] ردّه إلى الواعظ ونحوها كثيرة. وقال المفضل: لأنّ الوصيّة قول فذهب إلى المعنى وترك اللفظ. كقول امرئ القيس. برهرهة رودة رخصة ... كخرعوبة اليانة المنقطر المنقطر: المنتفخ بالورق وهو أنعم ما يكون فذهب إلى القضيب فترك لفظ الخرعوبة. فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ وصي الميت. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لوصاياكم. عَلِيمٌ بنيّاتكم. فَمَنْ خافَ أي خشي، وقيل: علم وهو الأجود كقوله إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ [[سورة البقرة: 229.]] . وقال ابو محجر الثقفي: فلا تدعني بالفلاة فانّني أخاف ... إذا ما متّ أن لا أذوقها أراد: أعلم. مِنْ مُوصٍ قرأ مجاهد وعطاء وحميد وابن كثير وابو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة ونافع: بالتخفيف واختاره أبو حاتم. لقول النّاس: أوصيكم بتقوى الله. قال أبو حاتم: قرأتها بمكّة بالتشديد أوّل ليلة أقمت فعابوها عليّ. وقرأ الباقون: موصّ بالتشديد واختاره ابو عبيد كقوله: ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى [[سورة الشورى: 13.]] . جَنَفاً جورا وعدولا من الحقّ من الحقّ والجنف: الميل في الكلام والأخذ كلّها يقال: جنف وأجنف وتجانف إذا مال. قال لبيد: إنّي امرؤ منعت أرومة عامر ... ضيمي وقد جنفت عليّ خصوم [[مجمع البيان: 1/ 485.]] وقال آخر: هم أقول وقد جنفوا علينا ... وانّا من لقاءهم أزور وقال علي عليه السّلام: حيفا بالحاء والياء أي ظلما. قال الفراء: الفرق بين الجنف والحيف: أن الجنف عدول عن الشيء والحيف: حمل الشّيء حتّى ينتقصه وعلى الرّجل حتّى ينتقص حقّه. يقال: فلان يتحوف ماله أي ينتقصه منّي حافاته. وقال المفسّرون: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد، واختلفوا في معنى الآية وحكمها فقال قوم: تأويلها من حضر مريضا وهو يوصّي فخاف أن [يحيف] في وصيته فيفعل ما ليس له أو تعمد جورا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره أن يصلح بينه وبين ورثته بأن يأمره بالعدل في وصيّته، وينهاه عن الجنف فينظر للموصي وللورثة، وهذا قول مجاهد: هذا ممّن يحضر الرّجل وهو يموت. فإذا أسرف أمره بالعدل وإذا قصّر قال: أفعل كذا أعط فلانا كذلك. وقال آخرون: هو إنّه إذا أخطأ الميت وصيّته أو خاف فيها متعمدا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمر المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصي لهم، ويردّ الوصيّة إلى العدل والحق، وهذا معنى قول ابن عبّاس وقتادة وإبراهيم والرّبيع. وروى ابن جريج عن عطاء قال: هو أن يعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض مما سيرثونه بعد موته. فلا إثم على من أصلح بين الورثة. طاوس: [الحيف] وهو أن يوصي لبني ابنه يريد ابنه أو ولد أبنته يريد ابنته، ويوصي لزوج ابنته ويريد بذلك ابنته، فلا حرج على من أصلح بين الورثة. السّدي وابن زيد: هو في الوصيّة للآباء والأقربين بالأثرة يميل إلى بعضهم ويحيف لبعضهم على بعض في الوصيّة. فإنّ أعظم الأجر أن لا ينفذها، ولكن يصلح ما بينهم على ما يرى إنّه الحق فينقص بعضا. ويزيد بعضا. قال ابن زيد: فعجز الموصي أن يوصي لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كما أمره الله، وعجز الوصي أن يصلح فيوزع الله ذلك منه بفرض الفرائض لذلك قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ الله تعالى لم يوص بملك مقرب ولا نبي مرسل حتّى تولّى قسم مواريثكم» [34] . وقال فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ولم يجر للورثة ولا للمختلفين في الوصيّة ذكر لأنّ سياق الآية وما تقدّم من ذكر الوصيّة يدلّ عليه. قال الكلبي: كان الأولياء والأوصياء يمضون وصيّة الميت بعد نزول الآية فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ الآية وإن استغرق المال كلّه ويبقى الورثة بغير شيء، ثمّ نسختها هذه الآية فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً الآية. وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: قال كنت مع رسول الله ﷺ‎ في حجة الوداع فمرضت مرضا أشرفت على الموت. فعادني رسول الله ﷺ‎ فقلت: يا رسول الله ﷺ‎ إنّ لي مالا كثيرا وليس يرثني إلّا بنت لي أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فبشطر مالي؟ قال: لا. قلت: بثلث مالي؟ قال: نعم الثلث والثلث كثير إنك يا سعد أن تترك ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون النّاس. وقال مسلم بن صبيح: أوصى جار لمسروق فدعا مسروقا ليشهده فوجده قد بذر وأكثر. فقال: لا أشهد إنّ الله عزّ وجلّ قسم بينكم فأحسن القسمة فمن يرغب برأيه عن أمر الله فقد ضلّ، أوص لقرابتك الذين لا يرثون ودع المال على قسم الله. وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من حاف في وصيّته ألقي في اللوى- واللوى واد في جهنّم-» [35] [[لم نجده إلا في لسان العرب: 15/ 267، وفي النهاية لابن الأثير روي: (4/ 280) من خان في وصيته.]] . شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إن الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيّته فيختم له بشر عمله فيدخل النّار، وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّر سبعين سنة. فإذا أوصى لم يحف في وصيته فيختم له بخير عمله. فيدخل الجنّة» [36] . ثمّ قال أبو هريرة: أقرأوا إن شئتم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [[مسند أحمد: 2/ 278، والمعجم الأوسط: 3/ 229.]] .

البقرة 2:183

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فادع لها سمعك فانّها لأمر يؤمر به أو لنهي تنهى عنه. وقال جعفر الصّادق (رضي الله عنه) : لذة «يا» في النداء أزال تعب العبادة والعناء. كُتِبَ فرض واجب. عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وهو مصدر قولك: صمت صياما، كما تقول: قمت قياما، وأصل الصوم والصّيام في اللغة: الإمساك، يقال: صامت الرّيح إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل إذا وقعت وأمسكت عن السّير. قال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما [[مجمع البيان: 1/ 489.]] فقال: صام النّهار إذا اعتدل، وقام قائم الظهيرة لأنّ الشمس إذا طلعت في كبد السّماء وقفت فأمسكت عن السير سريعة. قال امرؤ القيس: فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بحسرة ... ذمول إذا صام النّهار وهجرا [[المصدر السابق.]] وقال الرّاجز: حتّى إذا صام النّهار واعتدل ... وسال للشمس لعاب فنزل ويقال للرجل إذا صمت وأمسك عن الكلام: صام. قال الله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [[سورة مريم: 26.]] : أي صمتا. فالصوم: هو الإمساك عن المعتاد من الطّعام والشّراب والجماع. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء والأمم وأولهم آدم عليه السّلام، وهو ما روى عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن علي (رضي الله عنه) قال: أتيت رسول الله ﷺ‎ ذات يوم عند انتصاف النّهار وهو في الحجر، فسلّمت عليه فردّ عليّ النبيّ ﷺ‎ ثمّ قال: «يا علي هذا جبرئيل يقرئك السلام. فقلت: عليك وعليه السّلام يا رسول الله لم؟ قال: ادن منّي، فدنوت منه فقال: يا علي يقول لك جبرئيل: صم كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم عشرة آلاف [سنة] وباليوم الثاني ثلاثين ألف [سنة] وباليوم الثالث مائة ألف [سنة] . فقلت: يا رسول الله هذا ثواب لي خاصة أم للنّاس عامة؟ قال: يا علي يعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك. قلت: يا رسول الله وما هي؟ قال: أيام البيض: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر» [37] [[شرح الأزهار للإمام أحمد المرتضى: 2/ 53 (الهامش) ط. صنعاء، وغنية الطالبين: 738.]] . قال عنترة: قلت لعلي (رضي الله عنه) : لأي شيء سميت هذه الأيام البيض؟ قال: لما أهبط آدم عليه السّلام من الجنّة إلى الأرض أحرقته الشمس. فاسودّ جسده ثمّ صام اليوم الثالث. فأتاه جبرئيل فقال: يا آدم أتحب أن يبيض جسدك؟ قال: نعم، قال: فصم من الشهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر فصام آدم عليه السّلام أول يوم فابيض ثلث جسده، ثمّ صام اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده، ثمّ صام اليوم الثالث فابيض جسده كلّه. فسميت أيام البيض. قال المفسّرون: فرض الله على رسوله محمد ﷺ‎ وعلى المؤمنين صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر حين قدم المدينة فكانوا يصومونها إلى أن نزل صيام شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيام. وقال الحسن وجماعة من العلماء: أراد بالّذين من قبلنا: النّصارى شبّه صيامنا بصيامهم لاتفاقهم بالوقت والقدر وذلك انّ الله فرض على النّصارى صيام شهر رمضان. فاشتد ذلك عليهم لأنّه ربّما كان في الحر الشديد والبرد الشديد. فكان يضرّ بهم في أسفارهم ومعائشهم، واجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف فجعلوه في الرّبيع وزادوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا فصار أربعين ثمّ إنّ ملكا لهم اشتكى فمه فجعل الله عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومه أسبوعا فبرأ فزاد فيه أسبوع ثمّ مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموا خمسين يوما فأتمّوه خمسين يوما، وقال مجاهد أصابهم موتان فقالوا: زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد. روى أبو أمية الطّنافسى عن الشعبي قال: لو صمت السّنة كلّها وفطرت اليوم الّذي يشكّ فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أنّ النّصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل وذلك إنّهم ربما كانوا صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوما ثمّ جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثّقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ثمّ لم يزل الآخر يستن بسنّة القرن الّذي قبله حتّى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله عزّ وجلّ: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [[راجع تفسير الطبري: 2/ 175.]] . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع. أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرون يوما لما روى سعيد بن العاص إنّه سمع ابن عمر يحدّث عن النبيّ ﷺ‎ أنّه قال: «إنّا أمّة أميّة لا تحسب ولا تكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وعقد الإبهام في الثالثة والشّهر هكذا وهكذا وهكذا تمام ثلاثين [38] [[السنن الكبرى للنسائي: 2/ 74.]] . ونصب أَيَّاماً على الظرف أي: في أيّام، وقيل: على التفسير. وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، وقيل: بإضمار فعل أي صوموا أيّاما معدودات. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ أي فأفطر فعدّة كقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [[سورة البقرة: 196.]] : أي فحلّق أو قصّر ففدية واقصر وقوله: فَعِدَّةٌ أي فعليه عدّة ولذلك رفع. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: فَعِدَّةً نصبا أي فليصم عدّة. مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غير أيّام مرضه أو سفره والعدّة العدد وأخر في موضع خفض ولكنّها لا تنصرف فلذلك نصبت لأنّها معدولة عن جهتها كأنّ حقّها أواخر وأخريات فلمّا عدلت إلى فعل لم تجرّ مثل عمر وزفر. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قرأ ابن عبّاس وعائشة وعطاء بن رباح وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد: يُطَيَّقُونَهُ بضمّ الياء وبفتح الطّاء وتخفيفه وفتح الياء وتشديده أي يلفونه ويحملونه. وروى عن مجاهد وعكرمة: أيضا يَطَّيقُونَهُ بفتح الياء وتشديد الطّاء أراد يتطوقونه أي يتكلفونه. وروى ابن الأنباري عن ابن عبّاس يَطَّيَّقُونَهُ بفتح الياء الأوّل وتشديد الطّاء والياء الثانية وفتحهما بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق واطيق بمعنى واحد. فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قرأ أهل المدينة والشّام: فديةُ طعامٍ مضافا مساكين جمعا أضافوا الطّعام إلى الفدية وإن كان واحدا لاختلاف اللفظين كقوله وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] وقولهم: المسجد الجامع وبيع الأوّل ونحوها وهي قراءة أبي عمرو ومجاهد، وروى يحيى ابن سعيد عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر إنّه قرأها: طعام مساكين على الجمع، وروى مروان بن معاوية الفزاري عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قرأها كذلك: مساكين. وقرأ الباقون: فديةً منصوبة، طَعامُ رفعا، مِسْكِينٍ خفض على الواحد وهي قراءة ابن عبّاس. [روي ابن أبي نجيح] عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس أنّه قرأها طَعامُ مِسْكِينٍ، على الواحد، فمن وحّد فمعناه: لكل يوم اطعام مسكين واحد، ومن جمع رده إلى الجميع، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: يتطوّع بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع، وقرأ الآخرون: تَطَوْعَ بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها: فقالوا قوم: كان ذلك أول ما فرض الصّوم وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل فرض صيام شهر رمضان على رسوله ﷺ‎ وأمر أصحابه بذلك شق عليهم، وكانوا قوما لم يتعوّدوا الصّيام فخيّرهم الله بين الصّيام والإطعام. فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطّعام، ثمّ نسخ الله تعالى ذلك بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ونزلت العزيمة في إيجاب الصّوم وعلى هذا القول معاذ بن جبل وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعمرو بن مرّة والشعبي والزهري وإبراهيم وعبيدة والضحاك، وأحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال آخرون: بل هو خاص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والّذين يطيقان الصّوم ولمن يشقّ عليهما رخص لهما: إن شاء أن يفطر مع القدرة ويطعما لكل يوم مسكينا، ثمّ نسخ ذلك بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وثبت الرخصة للذين لا يطيقون، وهذا قول قتادة والرّبيع بن أنس، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. وقال الحسن: هذا في المريض كان إذا وقع عليه اسم المرض وإن كان يستطيع الصّيام الخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم حتّى نسخ ذلك. فعلى هذه الأقاويل الآية منسوخة وهو [قول] أكثر الفقهاء المفسرين. وقال قوم: لم تنسخ هذه الآية ولا شيء منها، وإنّما تأويل ذلك أو على الّذين يطيقونه في حال شبابهم وفي حال صحتهم وقوتهم، ثمّ عجزوا عن الصّوم فدية طعام مساكين لأنّ للقوم كان رخص لهم في الإفطار وهم على الصّوم [قادرون إذا اقتدروا، وآخرون أضمروا] في الآية وقالوا: هذه عبارة عن أول حالهم وجعلوا الآية محكمة، وهذا قول سعيد بن المسيب والسّدي، وأحدى الروايتين عن ابن عبّاس، فحمله ما ذكرنا من هذه الأقاويل على قراءة من قرأ يُطِيقُونَهُ: من الإطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن ومصاحف البلدان، وأمّا الذين قرءوا يطوقونه: فتأولوا بهم الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه فهم يكلفون الصّوم ولا يطيقونه فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم أفطروا مسكينا. قالوا: الآية محكمة غير منسوخة، والفدية: الجزاء والبدل من قولك: فديت هذا بهذا أيّ حرمته وأعطيته بدلا منه، يقال: فديت فدية كما يقال: مشيت مشية. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً: فزاد على مسكين واحد وأطعم مسكينين فصاعدا. قاله مجاهد وعطاء وطاوس والسّدي. وقال بعضهم: فمن زاد على القدر الواجب من الإطعام. يزاد الطّعام. رواه ابن جريح وخطيف عن مجاهد، وقال ابن شهاب: يريد فمن صام مع الفدية وجمع بين الصّيام والطّعام فهو خير له. فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا (إن) صلة تعني والصوم خَيْرٌ لَكُمْ من الإفطار والفدية إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فصل في حكم الآية اعلم إنّه لا رخصة لأحد من المؤمنين البالغين في إفطار شهر رمضان إلّا لأربعة: أحدهم: عليه القضاء والكفارة. والثاني: عليه القضاء دون الكفارة. والثالث: عليه الكفّارة دون القضاء. والرابع: لا قضاء عليه ولا كفارة. وأمّا الذي عليه القضاء والكفّارة فمن فرّط في قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفّارة، وإن خافتا على أنفسهما فهما كالمريض حكمهما كحكمه هذا قول ابن عمر ومجاهد ومذهب الشّافعي. وقال بعضهم: في الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما وولدهما أن عليهما الكفّارة ولا قضاء وهو قول ابن عبّاس. وقال قوم: عليهما القضاء ولا كفارة وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء والضحّاك ومذهب أهل العراق ومالك والأوزاعي. وأمّا الّذي عليه القضاء دون الكفّارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء عليهم القضاء دون الكفّارة. قال أنس: أتيت إلى رسول الله ﷺ‎ وهو يتغذّى فقال: «أجلس» فقلت: إنّي صائم. فقال: «أجلس أحدّثك: إنّ الله وضع على المسافر الصوم وشطر الصّلاة» [39] [[مواهب الجليل للرعيني: 2/ 6، وتلخيص الحبير: 6/ 426.]] . وأمّا الّذي عليه الكفّارة دون القضاء فالشّيخ الهرم والشّيخة الكبيرة ومن به مرض دائم لا يرجى برؤه وصاحب العطاش الّذي يخاف منه الموت، عليهم الكفّارة ولا قضاء هذا قول عامّة الفقهاء. وروى عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن وخالد بن الدريك إنّهما قالا في الشّيخ والشّيخة: إن استطاعا صاما وإلّا فلا كفّارة عليهما وليس عليهما شيء إذا أفطرا. وقال مالك: لا أرى ذلك واجبا عليهما وأحبّ أن يفعلا فأمّا الّذي لا قضاء عليه ولا كفّارة فالمجنون. واختلف العلماء في حدّ الإطعام في كفّارة الصّيام فقال بعضهم: القدر الواجب نصف صاع عن كلّ يوم يفطره وهذا قول أهل العراق. وقال قوم منهم: نصف صاع من قمح أو صاع من تمرا أو زبيب أو سائر الحبوب. وقال بعض الفقهاء: ما كان المفطر يتقوّته يومه الّذي أفطره. وقال محمّد بن الحنفية (رضي الله عنه) : يطعم مكان كلّ يوم مدّ الطعامة ومدّ الإدامة. وقال ابن عبّاس: يعطي مسكينا واحدا عشاءه حين يفطر وسحوره حين سحره. وقال بعضهم: يطعم كلّ يوم مسكينا واحدا مدّا وهو قول ابن هريرة وعطاء ومحمّد بن عمرو بن حزم واللّيث بن سعيد ومالك بن أنس والشّافعي وعامّة فقهاء الحجاز وبالله التّوفيق، ثمّ بيّن أيّام الصّيام فقال: شَهْرُ رَمَضانَ قرأه العامّة رفع على معنى أتاكم شهر رمضان. وقال الفرّاء: ذلكم شهر رمضان. الأخفش: هو شهر رمضان. الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان، وقيل: ابتداء وما بعده خبره. وقرأ الحسن ومجاهد وشهر بن حوشب: شهرَ رمضان نصبا على هو يعني صوموا شهر رمضان قاله المورّج. وقال الأخفش: نصب على الظرف أي كتب عليكم الصّيام في شهر رمضان. أبو عبيدة: نصب على الإغراء، وقرأ أبو عمرو: مدغما شهر رمضان على مذهب في ادغام كل حرفين يلتقيان من جنس واحد ومخرج واحد او قريبي المخرج طلبا للخفّة وسمّي الشهر شهرا لشهرته. وقال الفرّاء: هو مأخوذ من الشّهرة وهي البياض ومنه يقال: شهرت السّيف إذا أسلته وشهر الهلال إذا طلع، واختلفوا في معنى قوله: رمضان فقال بعضهم: رمضان اسم من أسماء الله فيقال شهر رمضان كما يقال: شهر الله وروى جعفر الصادق عن آبائه (رضي الله عنهم) عن النبيّ ﷺ‎ قال: «شهر رمضان شهر الله» [40] . ويدلّ عليه أيضا ما روى هشيم عن آبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎ «لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله تعالى في القرآن فقال: شَهْرُ رَمَضانَ» [41] [[تفسير القرطبي: 2/ 291.]] . وعن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إنّما سمّي رمضان لأنّه رمضت فيه الفعال من الخير. وقال غيره: لأنّ الحجارة كانت ترمض فيه من الحرارة والرّمضاء الحجارة المحماة. وقيل: سمّى بذلك لأنّه يرمض الذّنوب أي يحرق. وقيل: لأنّ القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والحكمة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرّمل والحجارة من حرّ الشّمس. وقال الخليل: مأخوذة من الرمض وهو مطر يأتي في الخريف فسمّي هذا الشّهر رمضان لأنّه يغسل الأبدان من الأنام غسلا وتطهّر قلوبهم تطهيرا. الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ روى هشيم عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس والسّدي عن محمّد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عبّاس ابن عطيّة الأسود سأله: فقال: إنّه وقع الشّك في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [[سورة القدر: 1.]] وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [[سورة الدخان: 3.]] وقد نزل في سائر الشهور. قال الله وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ [[سورة الإسراء: 106.]] الآية وقالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [[سورة الفرقان: 32.]] . فقال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ من شهر رمضان. فوضع في بيت العزة في سماء الدّنيا، ثمّ نزل به جبرئيل عليه السّلام على محمّد ﷺ‎ نجوما نجوما عشرين سنة، فذلك قوله فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [[سورة الواقعة: 75.]] . داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أما كان ينزل عليه في سائر السّنة؟ قال: بلى ولكن جبرئيل كان يعارض محمّدا ﷺ‎ في رمضان ما نزّل الله، فيحكم ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء. شهاب بن طارق عن أبي ذرّ الغفاري عن النّبيّ ﷺ‎ قال: أنزلت صحف إبراهيم في ثلاثة ليال مضين من رمضان، وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل أنجيل عيسى في ثلاثة عشر مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة قضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمّد في الرّابع والعشرين لست مضين بعدها، ثمّ وصف القرآن فقال: هُدىً لِلنَّاسِ من الضّلالة وهو في محل النصب على القطع لأنّ القرآن معرفه والهدى نكرة. وَبَيِّناتٍ من الحلال والحرام والحدود والاحكام. مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ الفصل بين الحقّ والباطل. سعيد بن المسيّب عن سلمان قال: خطبنا رسول الله ﷺ‎ في آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيّها النّاس قد أظلكم شهر عظيم، وشهر مبارك، وشهر فيه ليلة خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعا، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار، من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: يا رسول الله ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. فقال رسول الله ﷺ‎: «يعطي الله هذا الثّواب، من فطّر صائما على مذقة لبن أو تمر أو شربة ماء، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتّى يدخل الجنّة، وكان كمن أعتق رقبة، ومن خفّف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربّكم، وخصلتان لا غنى عنهما: فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بها ربّكم فشهادة أن لا إله إلّا الله وتستغفرونه، وأمّا التي لا غنى بكم عنها فتسألون الله عزّ وجلّ وتعوذون به من النّار» [42] [[كنز العمال: 8/ 477 ح 33714، والدر المنثور: 1/ 184.]] . وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ أبواب السّماء وأبواب الجنّة لتفتح لأوّل ليلة من شهر رمضان، فلا تغلق إلى آخر ليلة منها، وليس لعبد يصلّي في ليلة منها إلّا كتب الله عزّ وجلّ بكل سجدة الفا وسبعمائة حسنة، وبنى له بيتا في الجنّة من ياقوتة حمراء لها سبعون ألف باب لكلّ باب منها مصراعان من ذهب موشّح من ياقوتة حمراء، فإذا صام أوّل يوم من شهر رمضان غفر الله له كلّ ذنب إلى آخر يوم من رمضان وكان كفّارة إلى مثلها، وكان له بكلّ يوم يصومه قصر في الجنّة له ألف باب من ذهب، واستغفر له سبعون ألف ملك من غدوة إلى أن توارت بالحجاب، وكان له بكلّ سجدة يسجدها من ليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها» [43] [[كنز العمال: 8/ 471 ح 23706، والدر المنثور: 1/ 186.]] . محمّد بن يونس الحارثي عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلّت عظمته رضوان خازن الجنان فيقول: لبّيك وسعديك فيقول: جدّد جنّتي وزينها من أمّة أحمد ثمّ لا تغلقها عليهم حتّى ينقضي شهرهم، ثمّ ينادي مالكا خازن النّار: أن يا مالك، فيقول: لبّيك ربي وسعديك فيقول: أغلق أبواب الجحيم عن الصّائمين من امّة أحمد ثمّ لا تفتحها عليهم حتّى ينقضي شهرهم ثمّ ينادي جبرئيل فيقول: لبّيك ربي وسعديك فيقول: انزل إلى الأرض وغلّ مردة الشياطين لا يفسدوا عليهم صيامهم وإفطارهم، ولله في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشّمس وعند وقت الإفطار عتقاء يعتقهم من النّار عبيدا وإماءا، وله في كل سماء مناد فيهم، ملك عرفه تحت عرش ربّ العالمين وفرائضه في تخوم الأرض السّابعة السفلى، جناح له بالمشرق مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر، وجناح له بالمغرب مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر ينادي: هل تائب يتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مظلوم ينصره الله؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ قال: وينادي الرّب تعالى ذكره الشهر كلّه: عبادي وإمائي أبشروا واصبروا [وداوموا] أوشك أن يرفع عنكم في المؤونات، ويفضوا إلى رحمتي وكرامتي. فإذا كان ليلة القدر، نزل جبرئيل في كبكبة [[الكبكبة: الجماعة من الشيء.]] من الملائكة يصلون [ويسلمون] على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزّ وجلّ» [44] [[راجع زاد المسير: 8/ 287.]] . إبراهيم بن هدية عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لو أذن الله للسّماوات والأرض أن يتكلّما بشّرا بمن صام رمضان: الجنّة» [45] . عبد الملك بن عمر عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ‎: «نوم الصّائم عبادة وصمته تسبيح ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف» [46] [[الجامع الصغير: 2: 678 بزيادة: وذنبه مغفور، وكذا في الدر المنثور: 1: 180.]] . فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قرأه العامة بجزم اللام، وقرأ الحسن والأعرج: بكسر اللام وهي لام الأمر، وحقها الكسر إذا أفردت، وإذا وصلت بشيء ففيه وجهان: الجزم والكسر، وإنّما توصل بثلاثة أحرف الفاء كقوله لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ [[سورة قريش: 3.]] والواو كقوله وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا [[سورة الحجّ: 29.]] وثمّ كقوله ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [[سورة الحجّ: 29.]] . واختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها: فقال بعضهم: معناها فمن شهده عاقلا بالغا مقيما صحيحا مكلّفا فليصمه قاله أبو حنيفة وأصحابه، وقال قوم: معناها: إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فليصم الشهر كلّه. حتّى لو غاب بعد فسافر أو أقام فلم يبرح قاله النخعي والسّدي. وقال قتادة: إنّ عليّا (رضي الله عنه) كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثمّ سافر فعليه الصّوم. وقال محمّد بن سيرين: سألت عبيدة السّلمان عن الرّجل يدركه رمضان ثمّ يسافر فقال: إذا شهدت أوّله فصم آخره إلّا تراه يقول: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قالوا: والمستحب له ألّا يسافر إذا أدركه رمضان مقيما. إن أدركه. حتّى يقضي الشهر، وروي في ذلك عن ابراهيم بن طلحة إنه جاء إلى عائشة رضي الله عنها يسلم عليها قالت: وأين تريد؟ قال: أردت العمرة، قالت: جلست حتّى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟ قال: قد خرج ثقلي، قالت: اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له. وقال الآخرون معنى الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ما شهد منه وكان حاضرا وإن سافر فله الإفطار إن يشأ، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التأويل، وهو أصحّ الأقاويل يدلّ عليه ما روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله ﷺ‎ عام الفتح صائما في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب. وعن الشعبي: إنّه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر. ثمّ ذكر فقال: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً اختلف العلماء في الزمن الّذي أباح الله تعالى معه الإفطار، فقال قوم: هو كل مرض يسمّى مريضا. وقال [طريف بن تمام] العطاردي: دخلت على محمّد بن سيرين يوما في شهر رمضان وهو يأكل فلمّا فرغ قال لا توجّعت إصبعي هذه. وقال آخرون: فكل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصّوم الزّيادة في علّته زيادة غير محتملة، وهو اختيار الشّافعي. وقال الحسن وإبراهيم: إذا لم يستطع المريض أن يصلّي قائما أفطر، والأصل إنّه إذا لم يمكنه الصّيام وأجهده أفطر فإذا لم يجهده الصّوم فهو بمعنى الصحيح الّذي يطيق الصوم. أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اختلف العلماء في صيام المسافر فقال قوم: الإفطار في السّفر عزيمة واجبة وليس برخصة فمن صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام، وهو قول عمرو أبي هريرة وابن عبّاس وعلي بن الحسين وعروة بن الزبير والضحّاك ، واعتلّوا بما روت أمّ الدّرداء عن كعب بن عاصم قال: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «ليس من البرّ الصيام في السفر» [47] [[كتاب الأم للشافعي: 2/ 112، ومسند الحميدي: 2/ 381.]] . الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر. وقال آخرون: الإفطار في السّفر رخصة من الله عزّ وجلّ والفرض الصّوم فمن صام ففرضه أدي ومن أفطر فبرخصة الله أخذ ولا قضاء على من صام إذا أقام، وهذا هو الصّحيح وعليه عامّة الفقهاء. ويدلّ عليه: ما روى عاصم بن الأحول عن أبي نضرة عن جابر قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ‎ في سفر فمنّا الصّائم ومنّا المفطر فلم يكن بعضنا يعيب على بعض. وروى يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنّ حمزة بن عمرو قال: يا رسول الله إنّي كنت أتعوّد الصيام أفأصوم في السّفر قال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» [48] [[سنن ابن ماجة: 1/ 531 ح 1662، وسنن النسائي: 4/ 186.]] . وعن عروة بن أبي قراح عن حمزة بن عمرو إنّه قال: يا رسول الله أجد بي قوّة على الصّيام في السّفر فهل عليّ جناح قال: «هي رخصة من الله عزّ وجلّ فمن آخذها فحسن ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه» [49] [[المجموع: 6/ 264، صحيح مسلم: 3/ 145.]] . وامّا قوله ﷺ‎: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» . فإنّ تمام الخبر يدلّ على تأويله وهو ما روى محمّد بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: إنّ رسول الله ﷺ‎ مرّ برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: «ما بال صاحبكم هذا؟» قالوا: يا رسول الله صام، قال: «إنّه ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر، وعليكم برخصة الله تعالى التي رخص لكم فاقبلوها» ، وكذلك تأويل قوله ﷺ‎: «الصائم من السّفر كالمفطر في الحضر» [50] [[سنن النسائي: 4/ 176، وصحيح ابن خزيمة: 3/ 259.]] . يدلّ عليه حديث مجاهد عن ابن عمر: إنّه مرّ برجل ينضح الماء على وجهه وهو صائم، فقال: أفطر ويحك فإنّي أراك لو متّ على هذا دخلت النّار. والجامع لهذه الأخبار والمؤيد لما قلنا ما روى أيوب عن عروة وسالم إنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز، إذ هو أمير على المدينة. فتذاكروا الصّوم في السّفر. فقال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السّفر، وقال عروة: كانت عائشة تصوم في السّفر. فقال: سالم: إنما أحدّث عن ابن عمر، وقال عروة: إنّما أحدّث عن عائشة، فارتفعت أصواتهما، فقال عمر بن عبد العزيز: اللهمّ اغفر إذا كان يسرا فصوموا وإذا كان عسرا فأفطروا. ثمّ اختلفوا في المستحب منهم، فقال قوم: الصّوم أفضل، وهو قول معاذ بن جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد. ويروى إنّ أنس بن مالك أمر غلاما له بالصّوم في السّفر، فقيل له في هذه الآية، فقال: نزلت ونحن يومئذ نرحل جياعا وننزل على غير شبع، فمن أفطر فبرخصة، ومن صام فالصّوم أفضل. وقال آخرون: المستحب الإفطار لما روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ‎ إلى مكّة عام الفتح في رمضان فصام حتّى إذا بلغ كراع الغميم فصام النّاس، فبلغه إنّ الناس قد شقّ عليهم الصّيام فدعا بقدح ماء وشرب بعد العصر والنّاس ينظرون فأفطر بعض النّاس وصام بعضهم فبلغه إنّ النّاس صاموا فقال: «أولئك العصاة» [51] [[سنن الترمذي: 2/ 106، وسنن النسائي: 4/ 177.]] . عاصم الأحول عن [بريد] العجلي عن أنس بن مالك قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالا فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب فقال رسول الله ﷺ‎: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» [52] [[المجموع للنووي: 6/ 264، وصحيح البخاري: 3/ 224.]] . وروى شعبة عن معلّى عن يوسف بن الحكم قال: سألت ابن عمر عن الصّوم في السّفر فقال: أرأيت لو تصدّقت على رجل بصدقة فردّها عليك ألم يغضبك؟ قال: نعم، قال: فإنّها صدقة من الله عزّ وجلّ تصدّق بها عليكم، وحدّ الاسفار التي يجوز فيها الإفطار ستّة عشر فرسخا فصاعدا. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ حين أرخص في الأسفار للمريض والمسافر. وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: الْعُسُرَ والْيُسُرَ مثقّلين في جميع القرآن. وقرأ الباقون: بتخفيفهما وهما لغتان جيّدتان ولا حجّة للقدرية في هذه الآية لأنّها مبنية على أوّل الكلام في إيجاب الصّيام فهي خاص في الاحكام لأهل الإسلام. وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قرأ أبو بكر ورويش: بتشديد الميم. وقرأ الباقون بالتخفيف وهو الاختيار لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [[سورة المائدة: 3.]] والواو في قوله وَلِتُكْمِلُوا واو النسق واللّام لام كي تقديره: ويريد لتكملوا العدّة. وقال الزجّاج: معناه فعل الله ذلك ليسهّل عليكم وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ. وقال عطاء: ولتكمّلوا عدّة أيام الشهر. وقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ما أفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها. وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ولتعظموا الله. عَلى ما هَداكُمْ لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخفّفا عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل. وقال أكثر العلماء: أراد به التكبير ليلة الفطر. قال الشافعي روى عن ابن المسيّب وعروة بن سلمة: إنّهم كانوا يكبّرون ليلة الفطر ويجهرون بالتكبير قال: وشبّه [......] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] لنحرها. قال ابن عبّاس وزيد بن أسلم: في هذه الآية حقّ على المسلمين إذا رأى هلال شوّال أن يكبّروا إلى أن يخرج الإمام في الطّريق والمسجد فإذا حضر الإمام كفّ فلا يكبّر إلّا بتكبيره والاختيار في لفظ التكبير ثلاثا نسقا. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على نعمه. وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ الآية: اختلف المفسّرون في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عبّاس: نزلت في عمر بن الخطّاب وأصحابه حين أصابوا من أهاليهم في ليالي شهر رمضان وستأتي قصّتهم فيما بعد إن شاء الله. وروى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كيف يسمع ربّنا دعاؤنا وأنت تزعم إنّ بيننا وبين السّماء مسيرة خمسمائة عام وان غلظ كل سماء مثل ذلك» ؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: سأل أصحاب النبيّ ﷺ‎ رسول الله أين ربّنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة وعطاء: لمّا نزلت وَقالَ رَبُّكُمُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. فقالوا: يا رسول الله كيف ندعوا ربّنا؟ ومتى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية. قال الضحّاك: سأل بعض الصحابة النبيّ ﷺ‎: أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد؟ فسأل ربّه فأنزل الله: وَإِذا سَأَلَكَ يا محمّد عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. وقال أهل المعاني: فيه إضمار كأنّه فعل هم وما علمهم أفي قريب منهم بالعلم. وقال أهل الإشارة: رفع الواسطة إظهارا للقدرة. أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا فليجيبوا لِي بالطاعة يقال أجاب واستجاب بمعنى واحد. وقال كعب بن سعد الغنوي: وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال أبو رجاء الخراساني: يعني فليدعوني للاجابة وفي اللغة الطّاعة وإعطاء ما يسأل، يقال: أجابت السماء بالمطر، واجابت الأرض بالنبات، كأنّ الأرض سألت السّماء المطر فأعطت، وسالت السّماء الأرض فأعطت. وقال زهير وغيث من الأسمي حقّ قلاعه ... أجابت رواسيه النّجا [هواطله] [[كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] يريد أجابت تجمع رواسيه النجا حين سألها المطر وأعطته ذلك. والاجابة من الله تعالى الإعطاء ومن العبد الطّاعة. وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ لكي يهتدوا فان قيل ما وجه قوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وقوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقد يدعي كثيرا فلا يستجيب، قلنا: اختلف العلماء في وجه الآيتين وتأويلهما. فقال بعضهم: معنى الدّعاء هاهنا الطّاعة ومعنى الاجابة الثواب كأنّه قال: أجيب دعوة الدّاعي بالثواب إذا أطاعني. وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عاما، تقديرها أجيب دعوة الدّاعي إن شئت وأجيب دعوة الدّاعي إذا وافق القّضاء، وأجيب دعوة الدّاعي إذا لم يسأل محالا، وأجيب دعوة الدّاعي إذا كانت الإجابة له خيرا، يدلّ عليه ما روى أبو المتوكّل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من مسلم دعا الله عزّ وجلّ بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلّا أعطاه الله بها أحدى خصال ثلاث: إمّا أن تعجّل دعوته، وامّا أن يدّخر له في الآخرة، وامّا أن يدفع عنه من السوء مثلها» [53] قالوا: يا رسول الله إذا يكثر قال: «الله أكثر» [54] [[بتفاوت في مسند الشاميين: 4/ 53 ح 2710، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 173.]] . وقال بعضهم: هو عام وليس في الآية أكثر من إجابة الدّعوة، فأمّا إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس مذكور في الآية، وقد يجيب السّيّد عبده والوالد ولده ثمّ لا يعطيه سؤله فالاجابة كائنة لا محالة عند حصول الدّعوة لمن قوله: أجيب واستجيب خبر والخبر لا يعترض عليه، لأنّه إذا نسخ صار المخبر كذّابا وتعالى الله عن ذلك، ودليل هذا التأويل: ما روى نافع عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ‎ قال: «من فتح له باب في الدّعاء فتحت له أبواب الاجابة، وأوحى الله تعالى إلى داود ﷺ‎: قل للظّلمة لا تدعوني فإنّي أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإنّي إذا أجبت الظالمين لعنتهم» [55] . وقيل: إنّ الله يجيب دعاء المؤمن في الوقت إلّا إنّه يؤخّر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته، يدلّ عليه ما روى محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ العبد ليدعو الله وهو يحبه فيقول يا جبرئيل: اقضي لعبدي هذا حاجته وأخّرها فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول لجبريل اقض لعبدي حاجته باخلاصه وعجّلها فإني أكره أن أسمع صوته. وبلغنا [عن يحيى ذبيح الله] أنه قال: سألت ربّ العزّة في المنام فقلت: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي؟ فقال: يا يحيى أنّي أحبّ أن أسمع صوتك» [56] [[كتاب الدعاء للطبراني: 45، والمعجم الأوسط: 8/ 216.]] . قال بعضهم: إنّ للدعاء آدابا وشرائط هي أسباب الاجابة ونيل الأمنية فمن راعاها واستكملها كان من أهل الاجابة ومن أغفلها وأخلّ بها [فهو من أهل ... ] [[كلمات غير مقروءة.]] في الدّعاء. وحكي إنّ إبراهيم بن أدهم قيل له: ما بالنا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟ قال: لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها وعرفتم النّار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. وقوله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ الآية: قال المفسرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا أفطر حلّ له الطّعام والشراب والجماع إلى أن يأتي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلّى العشاء الأخيرة أو رقد قبل الصلاة ولم يفطر حرّم عليه الطّعام والشراب ومنع ذلك إلى مثلها في القابل [[راجع الدر المنثور: 1/ 177.]] . ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) واقع أهله بعد ما صلّى العشاء الأخيرة فلمّا اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النّبيّ ﷺ‎ فقال: يا رسول الله: إنّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخطيئة إنّي رجعت إلى أهلي بعد أن صلّيت العشاء الاخيرة فوجدت رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة، فقال النّبيّ ﷺ‎: ما كنت جديرا بهذا يا عمر، فقام رجال فاعترفوا بالّذي كانوا صنعوا بعد العشاء الأخيرة، فنزل في عمر وأصحابه أُحِلَّ لَكُمْ أي أطلق وأبيح لكم لَيْلَةَ الصِّيامِ في ليلة الصيام الرَّفَثُ. قرأ ابن مسعود والأعمش: الرّفوث: إِلى نِسائِكُمْ والرّفث والرفوث كناية عن الجماع قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى حي كريم يكني فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدّخول والرفث فانّما يعني به الجماع. قال الشّاعر: فظلنا هنالك في نعمّ ... وكل اللذاذة غير الرّفث قال القتيبي: الرَّفَثُ هو الإفصاح بما يجب أن يكنّى به من ذكر النكاح وأصله الفحش وقول القبيح. قال العجاج: ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم [[الصحاح: 1: 283، ولسان العرب: 2/ 154.]] . وقال الزجاج: الرَّفَثُ كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء. قال الشاعر: ويزين من أنس الحديث راويا ... وهنّ من رفث الرجال نفار هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهنّ قاله أكثر المفسّرين نظيره قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [[سورة النبأ: 10.]] اي سكنا دليله قوله وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [[سورة الأعراف: 189.]] ليسكن إليها. وقال أصحاب المعاني: اللّباس الشعار الّذي يلي الجهار من الثياب فسمّي كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتّى يصير كلّ واحد منهما لصاحبه كالثوب الّذي يليه. قال نابغة بني جعدة: إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنّت وكانت لباسا [[الدر المنثور: 1/ 478.]] فكنّى عن اجتماعهما متجرّدين في فراش واحد باللّباس يدلّ على صحّة هذا التأويل قول الربيع بن أنس في هذه الآية: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنّ. وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وواراه لباس فجائز أن يكون كلّ واحد منهما سترا لصاحبه عمّالا يحلّ كما جاء في الخبر: من تزوّج فقد أحرز دينه، وسترا أيضا فيما يكون بينهما من الجماع عن أبصار الناس، يدلّ عليه: قول أبي زيد في قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ قال: للمواقعة. وقال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وازارك، وقال رجل لعمر بن الخطّاب: الا أبلغ أبا حفص رسولا ... فذى لك من اخي ثقة ازاري [[مجمع البيان: 1/ 502.]] قال أبو عبيدة: أي نسائي. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تخونونها وتظلمونها بعد العشاء الآخرة في ليالي الصّوم. فَتابَ عَلَيْكُمْ فتجاوز عنكم. وَعَفا عَنْكُمْ محا ذنوبكم. فَالْآنَ وجه حكم زمانين ماض وآت. بَاشِرُوهُنَّ جامعوهنّ حلالا سميت المجامعة مباشرة لتلاصق كلّ واحد منهما ببشرة صاحبه. وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي افعلوه وقرأه العامّة الصحيحة وابتغوا أيّ اطلبوا يقال: يبغي الشيء يبغيه بغيه وبغا وابتغاه يبتغيه ابتغاء طلبه. ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قضى الله لكم، وقيل: كتب في اللوح المحفوظ. وقال أكثر المفسرين: يعني الولد. قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه. قال ابن زيد: وابتغوا ما أحل الله لكم من الجماع. قتادة: وابتغوا الرّخصة التي كتبت لكم. وقال معاذ بن جبل: وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني ليلة القدر وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس وأشبه الأقاويل بظاهر الآية قول من تأوله على الولد لأنّه عقيب قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وهو أمر اباحة وندب كقوله ﷺ‎: «تناكحوا تكثروا فانّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسقط» [57] [[بتفاوت في كنز العمال: 2/ 55 ح 4724، والمصنف لعبد الرزاق: 6/ 173.]] . وقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم، يدلّ عليه ما روى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك: إنّ امرأة كانت يقال لها: الحولاء عطارة من أهل المدينة، وحلّت على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين زوجي فلان أتزيّن له كل ليلة وأتطيب كأنّي عروس زفت إليه فإذا آوى إلى فراشه دخلت عليه في لحافه ألتمس بذلك رضا الله عزّ وجلّ حوّل وجهه عني أراه قد أبغضني، قالت: أجلسي حتّى يدخل النّبيّ ﷺ‎ قالت: فبينا إنّا كذلك إذ دخل النّبيّ ﷺ‎ فقال: ما هذه الرّيح التي أجدها أتتكم الحولاء أبتعتم منها شيئا؟ فقالت عائشة: لا والله يا رسول الله. فقصّت الحولاء قصتها. فقال لها: اذهبي واسمعي له وأطيعي، فقالت: أفعل يا رسول الله، فما لي من الأجر؟ قال: «ما من امرأة رفعت في بيت زوجها شيئا ووضعته مكانا تريد الإصلاح إلّا كتب الله لها حسنة ومحا عنها سيئة، ورفع لها درجة، وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلّا لها من الأجر مثل القائم الصّائم نهاره الغازي في سبيل الله، وما من امرأة يأتيها الطلق إلّا لها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة فإذا افطمت ولدها ناداها مناد من السّماء أيتها المرأة قد كفيت العمل فيما مضى فاستأنفي فيما بقي» [58] . قالت عائشة: قد أعطى الله النّساء خيرا كثيرا فما بالكم يا معشر الرّجال، فضحك النّبيّ ﷺ‎ ثمّ قال: «ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلّا كساه نور وله حسنة، وإن عانقها فعشر حسنات وإن قبلها فعشرون، وإن أتاها كان خيرا من الدّنيا وما فيها، فإذا قام يغتسل لم يمرّ الماء على شيء من جسده إلّا يمحى عنه سيئة، ويعطي له [......] [[كلمة غير مقروءة.]] يعطى بغسله خير من الدّنيا وما فيها، وإنّ الله عزّ وجلّ يباهي الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة مرة باردة يغتسل من الجنابة يتيقن بأني ربّه أشهدكم بأني غفرت له» [59] [[لم نجده في المصادر.]] . كُلُوا وَاشْرَبُوا إلى الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. نزلت في رجل من الأنصار، واختلف في اسمه. فقال معاذ بن جبل: أبو صرمة البراء قيس بن صرمة. عكرمة والسّدي: ابو قيس بن صرمه. مقاتل بن حيّان: صرمة بن أياس الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة بن ملك بن عدي النّجار وذلك إنّه ظل نهاره يعمل في أرض له، وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر وقال: قدّمي الطّعام، وأرادت المرأة أن تطعمه عشاء سخنا، وأخذت تعمل له سخينة، وكان في الصّوم الأول من صلّى العشاء الآخرة أو نام، حرم عليه الطعام والشّراب والجماع، فلما فرغت من طعامه إذا هي به قد نام، وكان متداعيا وكلّ فايقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل، وأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتّى غشي عليه، فلمّا أفاق، أتى رسول الله ﷺ‎ فلما رآه رسول الله قال: «يا أبا قيس مالك أمسيت طليقا؟» [60] قال: ظللت أمس في النخيل ونهاري كلّه أجر بالحرير حتّى أمسيت، فأتيت فأرادت امرأتي أن تطعمني شيئا سخنا فأبطأت عليّ، فنمت فايقظوني وقد حرّم عليّ الطعام والشراب، فطويت وأمسيت وقد أجهدني الصّوم، فاغتمّ لذلك رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله تعالى وَكُلُوا يعني في ليالي الصّوم وَاشْرَبُوا فيها حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ أي بياض النّهار وضوءه من سواد الليل وظلمته ، كذا قال المفسرون. قال الشاعر: الخيط الأبيض وقت الصّبح منصدع ... والخيط الأسود لون الليل مكموع [[الدر المنثور: 1/ 480.]] وإنّما سمّي بذلك تشبيها بالخيط لابتداء الضوء والظلمة لامتدادهما. وقال ابو داود: فلمّا أضاءت لنا غدوة ... ولاح من الصبح خيط أنارا [[مجمع البيان: 1/ 502.]] وقد ورد النّص عن رسول الله ﷺ‎ في تفسير هذه الآية. وروى مخالد عن عامر عن عدي بن حاتم قال: علمني رسول الله ﷺ‎ الصّلاة والصّيام قال: صل كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس: فكل واشرب حتّى يتبين لك الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وصم ثلاثين يوما إلى أن ترى الهلال قبل ذلك، قال: فأخذت خيطتين من شعر أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي. فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ‎، فضحك رسول الله ﷺ‎: حتّى بدت نواجذه وقال: «يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل» [61] [[راجع تحفة الأحوذي: 3/ 320، والمعجم للطبراني: 17/ 78.]] . وروى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: نزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم يقول: من الفجر. كان رجال إذا أرادوا الصوم يضع أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبين لهم فأنزل الله تعالى مِنَ الْفَجْرِ فعلموا إنّما يعني بذلك الليل والنهار. والفجر انشقاق عمود الصبح وابتداء ضوءه، وهو مصدر من قولك فجرّ الماء يفجر فجرا إذا انبعث وجرى شبّهه شق الضوء بظلمة الفجر، الماء الحوض إذا شقه وخرج منه وهما فجران، أحدهما: يسطع في السماء مستطيلا كذنب السرحان ولا ينتشر فذلك لا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام على الصائم وهو الفجر الكاذب. والثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق ضوء الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم وهو المعني بهذه الآية. عن سمرة بن جندب قال: قال النبيّ ﷺ‎ «لا يمنعكم من السحور آذان بلال ولا الصبح المستطيل ولكن الصبح المستطير في الأفق» [62] [[المصنف لابن أبي شيبة: 2/ 427.]] . ثمّ ذكر وقت الإفطار فقال ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. قال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبيّ ﷺ‎ في مسيرة وهو صائم فلمّا غربت الشمس قال لرجل: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: يا رسول الله أمسيت؟ فقال: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: لو أمسيت، فقال: انزل فاجرح لي، قال: يا رسول الله ان علينا نهارا فقال له الثالثة فنزل فجرح له. ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم» [63] [[مسند أحمد: 1/ 48- 54.]] . وفي بعض الألفاظ: أكل أو لم تأكل. وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، كان مجاهد يقرأ في المسجد، وأصل العكوف والاعتكاف الثبات والاقامة. فقال: عكفت بالمكان إذا عكفت، قال الله عزّ وجلّ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [[سورة الأعراف: 138.]] أيّ يقيمون. قال الفرزدق يصف القدور: يرى حولهن معتفين كأنهم ... على صنم في الجالية عكف وقال الطرماح: فبات بنات الليل حولي عكّفا ... عكوف البواكي بينهن صريع [[تفسير الطبري: 2/ 245.]] وقال آخر: تصدّى لها والدجى قد عكف خيال هداه إليه الشغف، والاعتكاف هو حبس النفس في المسجد على عبادة الله تعالى. واختلف العلماء في معنى المباشرة التي نهي المعتكف عنها. فقال قوم: هي المجامعة خاصة معناه لا تجامعوهن ما دمتم معتكفين في المساجد، فإن الجماع يفسد الاعتكاف وبه قال ابن عبّاس وعطاء والضحاك والربيع. وقال قتادة ومقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبيّ ﷺ‎ كانوا يعتكفون في المسجد وإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثمّ يغتسل ويرجع إلى المسجد فنهوا أن يجامعوا ليلا ونهارا حتّى يفرغوا من اعتكافهم. وقال أبو زيد: المباشرة الجماع وغير الجماع من اللمس والقبلة وانواع التلذذ، والجماع مفسد للاعتكاف بالإجماع، والمباشرة غير الجماع، فهو على ضربين: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مكروه ولا يفسد الاعتكاف عند أكثر الفقهاء وقال مالك بن أنس: يفسده. قال ابن جريج: قلت لعطاء المباشرة هو الجماع؟ قال: الجماع نفسه، قلت له: فالقبلة في المسجد والمسّة؟ قال: أما الذي حرّم فالجماع وأنا أكره كل شيء من ذلك في المسجد [[المصدر السابق: 2/ 247.]] . والضرب الثاني: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مباح كما جاء في الخبر عن عائشة رضي الله عنها، إن رسول الله ﷺ‎ كان يخرج إليها رأسه من المسجد فترجّله وهو معتكف. فرقد السجني عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إن رسول الله ﷺ‎ قال في المعتكف: «هو معتكف [[في المصادر: يعكف.]] الذنوب وتجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها» [64] [[المغني لابن قدامة: 3/ 118، وسنن ابن ماجة: 1/ 567 ح 1781.]] . عن علي بن الحسين عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من اعتكف عشرا في رمضان كان بحجتين وعمرتين» [65] [[الجامع الصغير: 2: 575 ح 8479، وكنز العمال: 8/ 530 ح 34006.]] . تِلْكَ الأحكام التي ذكرنا في الصيام والاعتكاف حُدُودُ اللَّهِ. قال السّدي: شروط الله. شهر بن حوشب: فرائض الله. الضحاك: معصية الله. المفضل بن سلمة: الحد الموقف الذي يقف الإنسان عليه ويصف له حتّى يميّز من سائر الموصوفات والحد فصل بين الشيئين، والحد منتهى الشيء. وقال الخليل: الحد الجامع المانع. قال الزجاج: بحدود ما منع الله تعالى من مخالفتها. قلت: وأصل الحد في اللغة: المنع ومنه قيل للبواب حداد. قال الأعشى: فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدادها [[راجع زاد المسير: 1/ 176، والجونة: الخابية المطلية بالقار، والمراد ما فيها من الخمر.]] يعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها. قال النابغة: إلّا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند [[لسان العرب: 3/ 142، وفيه: الإله، بدل المليك.]] ، ومنه حدود الأرض، والدار هي ما منع غيره أن يدخل فيها، وسمي الحديد حديدا لأنه يمتنع من الأحداء، ويقال أحدّت المرأة على زوجها وحدّت إذا منعت نفسها من الزينة، فحدّد الله هي ما منع فيها أو منع من مخالفتها والتعدّي إلى غيرها. فَلا تَقْرَبُوها فلا تأتوها، يقال: قربت الشيء أقربه وقربت منه بضم الراء إذا دنوت منه. كَذلِكَ هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوها فنجّوا من السخطة والعذاب.

البقرة 2:184

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فادع لها سمعك فانّها لأمر يؤمر به أو لنهي تنهى عنه. وقال جعفر الصّادق (رضي الله عنه) : لذة «يا» في النداء أزال تعب العبادة والعناء. كُتِبَ فرض واجب. عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وهو مصدر قولك: صمت صياما، كما تقول: قمت قياما، وأصل الصوم والصّيام في اللغة: الإمساك، يقال: صامت الرّيح إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل إذا وقعت وأمسكت عن السّير. قال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما [[مجمع البيان: 1/ 489.]] فقال: صام النّهار إذا اعتدل، وقام قائم الظهيرة لأنّ الشمس إذا طلعت في كبد السّماء وقفت فأمسكت عن السير سريعة. قال امرؤ القيس: فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بحسرة ... ذمول إذا صام النّهار وهجرا [[المصدر السابق.]] وقال الرّاجز: حتّى إذا صام النّهار واعتدل ... وسال للشمس لعاب فنزل ويقال للرجل إذا صمت وأمسك عن الكلام: صام. قال الله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [[سورة مريم: 26.]] : أي صمتا. فالصوم: هو الإمساك عن المعتاد من الطّعام والشّراب والجماع. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء والأمم وأولهم آدم عليه السّلام، وهو ما روى عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن علي (رضي الله عنه) قال: أتيت رسول الله ﷺ‎ ذات يوم عند انتصاف النّهار وهو في الحجر، فسلّمت عليه فردّ عليّ النبيّ ﷺ‎ ثمّ قال: «يا علي هذا جبرئيل يقرئك السلام. فقلت: عليك وعليه السّلام يا رسول الله لم؟ قال: ادن منّي، فدنوت منه فقال: يا علي يقول لك جبرئيل: صم كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم عشرة آلاف [سنة] وباليوم الثاني ثلاثين ألف [سنة] وباليوم الثالث مائة ألف [سنة] . فقلت: يا رسول الله هذا ثواب لي خاصة أم للنّاس عامة؟ قال: يا علي يعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك. قلت: يا رسول الله وما هي؟ قال: أيام البيض: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر» [37] [[شرح الأزهار للإمام أحمد المرتضى: 2/ 53 (الهامش) ط. صنعاء، وغنية الطالبين: 738.]] . قال عنترة: قلت لعلي (رضي الله عنه) : لأي شيء سميت هذه الأيام البيض؟ قال: لما أهبط آدم عليه السّلام من الجنّة إلى الأرض أحرقته الشمس. فاسودّ جسده ثمّ صام اليوم الثالث. فأتاه جبرئيل فقال: يا آدم أتحب أن يبيض جسدك؟ قال: نعم، قال: فصم من الشهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر فصام آدم عليه السّلام أول يوم فابيض ثلث جسده، ثمّ صام اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده، ثمّ صام اليوم الثالث فابيض جسده كلّه. فسميت أيام البيض. قال المفسّرون: فرض الله على رسوله محمد ﷺ‎ وعلى المؤمنين صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر حين قدم المدينة فكانوا يصومونها إلى أن نزل صيام شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيام. وقال الحسن وجماعة من العلماء: أراد بالّذين من قبلنا: النّصارى شبّه صيامنا بصيامهم لاتفاقهم بالوقت والقدر وذلك انّ الله فرض على النّصارى صيام شهر رمضان. فاشتد ذلك عليهم لأنّه ربّما كان في الحر الشديد والبرد الشديد. فكان يضرّ بهم في أسفارهم ومعائشهم، واجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف فجعلوه في الرّبيع وزادوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا فصار أربعين ثمّ إنّ ملكا لهم اشتكى فمه فجعل الله عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومه أسبوعا فبرأ فزاد فيه أسبوع ثمّ مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموا خمسين يوما فأتمّوه خمسين يوما، وقال مجاهد أصابهم موتان فقالوا: زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد. روى أبو أمية الطّنافسى عن الشعبي قال: لو صمت السّنة كلّها وفطرت اليوم الّذي يشكّ فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أنّ النّصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل وذلك إنّهم ربما كانوا صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوما ثمّ جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثّقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ثمّ لم يزل الآخر يستن بسنّة القرن الّذي قبله حتّى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله عزّ وجلّ: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [[راجع تفسير الطبري: 2/ 175.]] . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع. أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرون يوما لما روى سعيد بن العاص إنّه سمع ابن عمر يحدّث عن النبيّ ﷺ‎ أنّه قال: «إنّا أمّة أميّة لا تحسب ولا تكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وعقد الإبهام في الثالثة والشّهر هكذا وهكذا وهكذا تمام ثلاثين [38] [[السنن الكبرى للنسائي: 2/ 74.]] . ونصب أَيَّاماً على الظرف أي: في أيّام، وقيل: على التفسير. وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، وقيل: بإضمار فعل أي صوموا أيّاما معدودات. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ أي فأفطر فعدّة كقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [[سورة البقرة: 196.]] : أي فحلّق أو قصّر ففدية واقصر وقوله: فَعِدَّةٌ أي فعليه عدّة ولذلك رفع. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: فَعِدَّةً نصبا أي فليصم عدّة. مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غير أيّام مرضه أو سفره والعدّة العدد وأخر في موضع خفض ولكنّها لا تنصرف فلذلك نصبت لأنّها معدولة عن جهتها كأنّ حقّها أواخر وأخريات فلمّا عدلت إلى فعل لم تجرّ مثل عمر وزفر. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قرأ ابن عبّاس وعائشة وعطاء بن رباح وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد: يُطَيَّقُونَهُ بضمّ الياء وبفتح الطّاء وتخفيفه وفتح الياء وتشديده أي يلفونه ويحملونه. وروى عن مجاهد وعكرمة: أيضا يَطَّيقُونَهُ بفتح الياء وتشديد الطّاء أراد يتطوقونه أي يتكلفونه. وروى ابن الأنباري عن ابن عبّاس يَطَّيَّقُونَهُ بفتح الياء الأوّل وتشديد الطّاء والياء الثانية وفتحهما بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق واطيق بمعنى واحد. فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قرأ أهل المدينة والشّام: فديةُ طعامٍ مضافا مساكين جمعا أضافوا الطّعام إلى الفدية وإن كان واحدا لاختلاف اللفظين كقوله وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] وقولهم: المسجد الجامع وبيع الأوّل ونحوها وهي قراءة أبي عمرو ومجاهد، وروى يحيى ابن سعيد عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر إنّه قرأها: طعام مساكين على الجمع، وروى مروان بن معاوية الفزاري عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قرأها كذلك: مساكين. وقرأ الباقون: فديةً منصوبة، طَعامُ رفعا، مِسْكِينٍ خفض على الواحد وهي قراءة ابن عبّاس. [روي ابن أبي نجيح] عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس أنّه قرأها طَعامُ مِسْكِينٍ، على الواحد، فمن وحّد فمعناه: لكل يوم اطعام مسكين واحد، ومن جمع رده إلى الجميع، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: يتطوّع بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع، وقرأ الآخرون: تَطَوْعَ بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها: فقالوا قوم: كان ذلك أول ما فرض الصّوم وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل فرض صيام شهر رمضان على رسوله ﷺ‎ وأمر أصحابه بذلك شق عليهم، وكانوا قوما لم يتعوّدوا الصّيام فخيّرهم الله بين الصّيام والإطعام. فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطّعام، ثمّ نسخ الله تعالى ذلك بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ونزلت العزيمة في إيجاب الصّوم وعلى هذا القول معاذ بن جبل وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعمرو بن مرّة والشعبي والزهري وإبراهيم وعبيدة والضحاك، وأحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال آخرون: بل هو خاص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والّذين يطيقان الصّوم ولمن يشقّ عليهما رخص لهما: إن شاء أن يفطر مع القدرة ويطعما لكل يوم مسكينا، ثمّ نسخ ذلك بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وثبت الرخصة للذين لا يطيقون، وهذا قول قتادة والرّبيع بن أنس، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. وقال الحسن: هذا في المريض كان إذا وقع عليه اسم المرض وإن كان يستطيع الصّيام الخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم حتّى نسخ ذلك. فعلى هذه الأقاويل الآية منسوخة وهو [قول] أكثر الفقهاء المفسرين. وقال قوم: لم تنسخ هذه الآية ولا شيء منها، وإنّما تأويل ذلك أو على الّذين يطيقونه في حال شبابهم وفي حال صحتهم وقوتهم، ثمّ عجزوا عن الصّوم فدية طعام مساكين لأنّ للقوم كان رخص لهم في الإفطار وهم على الصّوم [قادرون إذا اقتدروا، وآخرون أضمروا] في الآية وقالوا: هذه عبارة عن أول حالهم وجعلوا الآية محكمة، وهذا قول سعيد بن المسيب والسّدي، وأحدى الروايتين عن ابن عبّاس، فحمله ما ذكرنا من هذه الأقاويل على قراءة من قرأ يُطِيقُونَهُ: من الإطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن ومصاحف البلدان، وأمّا الذين قرءوا يطوقونه: فتأولوا بهم الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه فهم يكلفون الصّوم ولا يطيقونه فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم أفطروا مسكينا. قالوا: الآية محكمة غير منسوخة، والفدية: الجزاء والبدل من قولك: فديت هذا بهذا أيّ حرمته وأعطيته بدلا منه، يقال: فديت فدية كما يقال: مشيت مشية. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً: فزاد على مسكين واحد وأطعم مسكينين فصاعدا. قاله مجاهد وعطاء وطاوس والسّدي. وقال بعضهم: فمن زاد على القدر الواجب من الإطعام. يزاد الطّعام. رواه ابن جريح وخطيف عن مجاهد، وقال ابن شهاب: يريد فمن صام مع الفدية وجمع بين الصّيام والطّعام فهو خير له. فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا (إن) صلة تعني والصوم خَيْرٌ لَكُمْ من الإفطار والفدية إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فصل في حكم الآية اعلم إنّه لا رخصة لأحد من المؤمنين البالغين في إفطار شهر رمضان إلّا لأربعة: أحدهم: عليه القضاء والكفارة. والثاني: عليه القضاء دون الكفارة. والثالث: عليه الكفّارة دون القضاء. والرابع: لا قضاء عليه ولا كفارة. وأمّا الذي عليه القضاء والكفّارة فمن فرّط في قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفّارة، وإن خافتا على أنفسهما فهما كالمريض حكمهما كحكمه هذا قول ابن عمر ومجاهد ومذهب الشّافعي. وقال بعضهم: في الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما وولدهما أن عليهما الكفّارة ولا قضاء وهو قول ابن عبّاس. وقال قوم: عليهما القضاء ولا كفارة وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء والضحّاك ومذهب أهل العراق ومالك والأوزاعي. وأمّا الّذي عليه القضاء دون الكفّارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء عليهم القضاء دون الكفّارة. قال أنس: أتيت إلى رسول الله ﷺ‎ وهو يتغذّى فقال: «أجلس» فقلت: إنّي صائم. فقال: «أجلس أحدّثك: إنّ الله وضع على المسافر الصوم وشطر الصّلاة» [39] [[مواهب الجليل للرعيني: 2/ 6، وتلخيص الحبير: 6/ 426.]] . وأمّا الّذي عليه الكفّارة دون القضاء فالشّيخ الهرم والشّيخة الكبيرة ومن به مرض دائم لا يرجى برؤه وصاحب العطاش الّذي يخاف منه الموت، عليهم الكفّارة ولا قضاء هذا قول عامّة الفقهاء. وروى عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن وخالد بن الدريك إنّهما قالا في الشّيخ والشّيخة: إن استطاعا صاما وإلّا فلا كفّارة عليهما وليس عليهما شيء إذا أفطرا. وقال مالك: لا أرى ذلك واجبا عليهما وأحبّ أن يفعلا فأمّا الّذي لا قضاء عليه ولا كفّارة فالمجنون. واختلف العلماء في حدّ الإطعام في كفّارة الصّيام فقال بعضهم: القدر الواجب نصف صاع عن كلّ يوم يفطره وهذا قول أهل العراق. وقال قوم منهم: نصف صاع من قمح أو صاع من تمرا أو زبيب أو سائر الحبوب. وقال بعض الفقهاء: ما كان المفطر يتقوّته يومه الّذي أفطره. وقال محمّد بن الحنفية (رضي الله عنه) : يطعم مكان كلّ يوم مدّ الطعامة ومدّ الإدامة. وقال ابن عبّاس: يعطي مسكينا واحدا عشاءه حين يفطر وسحوره حين سحره. وقال بعضهم: يطعم كلّ يوم مسكينا واحدا مدّا وهو قول ابن هريرة وعطاء ومحمّد بن عمرو بن حزم واللّيث بن سعيد ومالك بن أنس والشّافعي وعامّة فقهاء الحجاز وبالله التّوفيق، ثمّ بيّن أيّام الصّيام فقال: شَهْرُ رَمَضانَ قرأه العامّة رفع على معنى أتاكم شهر رمضان. وقال الفرّاء: ذلكم شهر رمضان. الأخفش: هو شهر رمضان. الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان، وقيل: ابتداء وما بعده خبره. وقرأ الحسن ومجاهد وشهر بن حوشب: شهرَ رمضان نصبا على هو يعني صوموا شهر رمضان قاله المورّج. وقال الأخفش: نصب على الظرف أي كتب عليكم الصّيام في شهر رمضان. أبو عبيدة: نصب على الإغراء، وقرأ أبو عمرو: مدغما شهر رمضان على مذهب في ادغام كل حرفين يلتقيان من جنس واحد ومخرج واحد او قريبي المخرج طلبا للخفّة وسمّي الشهر شهرا لشهرته. وقال الفرّاء: هو مأخوذ من الشّهرة وهي البياض ومنه يقال: شهرت السّيف إذا أسلته وشهر الهلال إذا طلع، واختلفوا في معنى قوله: رمضان فقال بعضهم: رمضان اسم من أسماء الله فيقال شهر رمضان كما يقال: شهر الله وروى جعفر الصادق عن آبائه (رضي الله عنهم) عن النبيّ ﷺ‎ قال: «شهر رمضان شهر الله» [40] . ويدلّ عليه أيضا ما روى هشيم عن آبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎ «لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله تعالى في القرآن فقال: شَهْرُ رَمَضانَ» [41] [[تفسير القرطبي: 2/ 291.]] . وعن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إنّما سمّي رمضان لأنّه رمضت فيه الفعال من الخير. وقال غيره: لأنّ الحجارة كانت ترمض فيه من الحرارة والرّمضاء الحجارة المحماة. وقيل: سمّى بذلك لأنّه يرمض الذّنوب أي يحرق. وقيل: لأنّ القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والحكمة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرّمل والحجارة من حرّ الشّمس. وقال الخليل: مأخوذة من الرمض وهو مطر يأتي في الخريف فسمّي هذا الشّهر رمضان لأنّه يغسل الأبدان من الأنام غسلا وتطهّر قلوبهم تطهيرا. الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ روى هشيم عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس والسّدي عن محمّد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عبّاس ابن عطيّة الأسود سأله: فقال: إنّه وقع الشّك في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [[سورة القدر: 1.]] وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [[سورة الدخان: 3.]] وقد نزل في سائر الشهور. قال الله وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ [[سورة الإسراء: 106.]] الآية وقالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [[سورة الفرقان: 32.]] . فقال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ من شهر رمضان. فوضع في بيت العزة في سماء الدّنيا، ثمّ نزل به جبرئيل عليه السّلام على محمّد ﷺ‎ نجوما نجوما عشرين سنة، فذلك قوله فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [[سورة الواقعة: 75.]] . داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أما كان ينزل عليه في سائر السّنة؟ قال: بلى ولكن جبرئيل كان يعارض محمّدا ﷺ‎ في رمضان ما نزّل الله، فيحكم ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء. شهاب بن طارق عن أبي ذرّ الغفاري عن النّبيّ ﷺ‎ قال: أنزلت صحف إبراهيم في ثلاثة ليال مضين من رمضان، وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل أنجيل عيسى في ثلاثة عشر مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة قضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمّد في الرّابع والعشرين لست مضين بعدها، ثمّ وصف القرآن فقال: هُدىً لِلنَّاسِ من الضّلالة وهو في محل النصب على القطع لأنّ القرآن معرفه والهدى نكرة. وَبَيِّناتٍ من الحلال والحرام والحدود والاحكام. مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ الفصل بين الحقّ والباطل. سعيد بن المسيّب عن سلمان قال: خطبنا رسول الله ﷺ‎ في آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيّها النّاس قد أظلكم شهر عظيم، وشهر مبارك، وشهر فيه ليلة خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعا، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار، من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: يا رسول الله ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. فقال رسول الله ﷺ‎: «يعطي الله هذا الثّواب، من فطّر صائما على مذقة لبن أو تمر أو شربة ماء، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتّى يدخل الجنّة، وكان كمن أعتق رقبة، ومن خفّف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربّكم، وخصلتان لا غنى عنهما: فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بها ربّكم فشهادة أن لا إله إلّا الله وتستغفرونه، وأمّا التي لا غنى بكم عنها فتسألون الله عزّ وجلّ وتعوذون به من النّار» [42] [[كنز العمال: 8/ 477 ح 33714، والدر المنثور: 1/ 184.]] . وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ أبواب السّماء وأبواب الجنّة لتفتح لأوّل ليلة من شهر رمضان، فلا تغلق إلى آخر ليلة منها، وليس لعبد يصلّي في ليلة منها إلّا كتب الله عزّ وجلّ بكل سجدة الفا وسبعمائة حسنة، وبنى له بيتا في الجنّة من ياقوتة حمراء لها سبعون ألف باب لكلّ باب منها مصراعان من ذهب موشّح من ياقوتة حمراء، فإذا صام أوّل يوم من شهر رمضان غفر الله له كلّ ذنب إلى آخر يوم من رمضان وكان كفّارة إلى مثلها، وكان له بكلّ يوم يصومه قصر في الجنّة له ألف باب من ذهب، واستغفر له سبعون ألف ملك من غدوة إلى أن توارت بالحجاب، وكان له بكلّ سجدة يسجدها من ليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها» [43] [[كنز العمال: 8/ 471 ح 23706، والدر المنثور: 1/ 186.]] . محمّد بن يونس الحارثي عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلّت عظمته رضوان خازن الجنان فيقول: لبّيك وسعديك فيقول: جدّد جنّتي وزينها من أمّة أحمد ثمّ لا تغلقها عليهم حتّى ينقضي شهرهم، ثمّ ينادي مالكا خازن النّار: أن يا مالك، فيقول: لبّيك ربي وسعديك فيقول: أغلق أبواب الجحيم عن الصّائمين من امّة أحمد ثمّ لا تفتحها عليهم حتّى ينقضي شهرهم ثمّ ينادي جبرئيل فيقول: لبّيك ربي وسعديك فيقول: انزل إلى الأرض وغلّ مردة الشياطين لا يفسدوا عليهم صيامهم وإفطارهم، ولله في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشّمس وعند وقت الإفطار عتقاء يعتقهم من النّار عبيدا وإماءا، وله في كل سماء مناد فيهم، ملك عرفه تحت عرش ربّ العالمين وفرائضه في تخوم الأرض السّابعة السفلى، جناح له بالمشرق مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر، وجناح له بالمغرب مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر ينادي: هل تائب يتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مظلوم ينصره الله؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ قال: وينادي الرّب تعالى ذكره الشهر كلّه: عبادي وإمائي أبشروا واصبروا [وداوموا] أوشك أن يرفع عنكم في المؤونات، ويفضوا إلى رحمتي وكرامتي. فإذا كان ليلة القدر، نزل جبرئيل في كبكبة [[الكبكبة: الجماعة من الشيء.]] من الملائكة يصلون [ويسلمون] على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزّ وجلّ» [44] [[راجع زاد المسير: 8/ 287.]] . إبراهيم بن هدية عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لو أذن الله للسّماوات والأرض أن يتكلّما بشّرا بمن صام رمضان: الجنّة» [45] . عبد الملك بن عمر عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ‎: «نوم الصّائم عبادة وصمته تسبيح ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف» [46] [[الجامع الصغير: 2: 678 بزيادة: وذنبه مغفور، وكذا في الدر المنثور: 1: 180.]] . فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قرأه العامة بجزم اللام، وقرأ الحسن والأعرج: بكسر اللام وهي لام الأمر، وحقها الكسر إذا أفردت، وإذا وصلت بشيء ففيه وجهان: الجزم والكسر، وإنّما توصل بثلاثة أحرف الفاء كقوله لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ [[سورة قريش: 3.]] والواو كقوله وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا [[سورة الحجّ: 29.]] وثمّ كقوله ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [[سورة الحجّ: 29.]] . واختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها: فقال بعضهم: معناها فمن شهده عاقلا بالغا مقيما صحيحا مكلّفا فليصمه قاله أبو حنيفة وأصحابه، وقال قوم: معناها: إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فليصم الشهر كلّه. حتّى لو غاب بعد فسافر أو أقام فلم يبرح قاله النخعي والسّدي. وقال قتادة: إنّ عليّا (رضي الله عنه) كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثمّ سافر فعليه الصّوم. وقال محمّد بن سيرين: سألت عبيدة السّلمان عن الرّجل يدركه رمضان ثمّ يسافر فقال: إذا شهدت أوّله فصم آخره إلّا تراه يقول: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قالوا: والمستحب له ألّا يسافر إذا أدركه رمضان مقيما. إن أدركه. حتّى يقضي الشهر، وروي في ذلك عن ابراهيم بن طلحة إنه جاء إلى عائشة رضي الله عنها يسلم عليها قالت: وأين تريد؟ قال: أردت العمرة، قالت: جلست حتّى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟ قال: قد خرج ثقلي، قالت: اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له. وقال الآخرون معنى الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ما شهد منه وكان حاضرا وإن سافر فله الإفطار إن يشأ، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التأويل، وهو أصحّ الأقاويل يدلّ عليه ما روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله ﷺ‎ عام الفتح صائما في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب. وعن الشعبي: إنّه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر. ثمّ ذكر فقال: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً اختلف العلماء في الزمن الّذي أباح الله تعالى معه الإفطار، فقال قوم: هو كل مرض يسمّى مريضا. وقال [طريف بن تمام] العطاردي: دخلت على محمّد بن سيرين يوما في شهر رمضان وهو يأكل فلمّا فرغ قال لا توجّعت إصبعي هذه. وقال آخرون: فكل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصّوم الزّيادة في علّته زيادة غير محتملة، وهو اختيار الشّافعي. وقال الحسن وإبراهيم: إذا لم يستطع المريض أن يصلّي قائما أفطر، والأصل إنّه إذا لم يمكنه الصّيام وأجهده أفطر فإذا لم يجهده الصّوم فهو بمعنى الصحيح الّذي يطيق الصوم. أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اختلف العلماء في صيام المسافر فقال قوم: الإفطار في السّفر عزيمة واجبة وليس برخصة فمن صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام، وهو قول عمرو أبي هريرة وابن عبّاس وعلي بن الحسين وعروة بن الزبير والضحّاك ، واعتلّوا بما روت أمّ الدّرداء عن كعب بن عاصم قال: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «ليس من البرّ الصيام في السفر» [47] [[كتاب الأم للشافعي: 2/ 112، ومسند الحميدي: 2/ 381.]] . الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر. وقال آخرون: الإفطار في السّفر رخصة من الله عزّ وجلّ والفرض الصّوم فمن صام ففرضه أدي ومن أفطر فبرخصة الله أخذ ولا قضاء على من صام إذا أقام، وهذا هو الصّحيح وعليه عامّة الفقهاء. ويدلّ عليه: ما روى عاصم بن الأحول عن أبي نضرة عن جابر قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ‎ في سفر فمنّا الصّائم ومنّا المفطر فلم يكن بعضنا يعيب على بعض. وروى يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنّ حمزة بن عمرو قال: يا رسول الله إنّي كنت أتعوّد الصيام أفأصوم في السّفر قال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» [48] [[سنن ابن ماجة: 1/ 531 ح 1662، وسنن النسائي: 4/ 186.]] . وعن عروة بن أبي قراح عن حمزة بن عمرو إنّه قال: يا رسول الله أجد بي قوّة على الصّيام في السّفر فهل عليّ جناح قال: «هي رخصة من الله عزّ وجلّ فمن آخذها فحسن ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه» [49] [[المجموع: 6/ 264، صحيح مسلم: 3/ 145.]] . وامّا قوله ﷺ‎: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» . فإنّ تمام الخبر يدلّ على تأويله وهو ما روى محمّد بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: إنّ رسول الله ﷺ‎ مرّ برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: «ما بال صاحبكم هذا؟» قالوا: يا رسول الله صام، قال: «إنّه ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر، وعليكم برخصة الله تعالى التي رخص لكم فاقبلوها» ، وكذلك تأويل قوله ﷺ‎: «الصائم من السّفر كالمفطر في الحضر» [50] [[سنن النسائي: 4/ 176، وصحيح ابن خزيمة: 3/ 259.]] . يدلّ عليه حديث مجاهد عن ابن عمر: إنّه مرّ برجل ينضح الماء على وجهه وهو صائم، فقال: أفطر ويحك فإنّي أراك لو متّ على هذا دخلت النّار. والجامع لهذه الأخبار والمؤيد لما قلنا ما روى أيوب عن عروة وسالم إنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز، إذ هو أمير على المدينة. فتذاكروا الصّوم في السّفر. فقال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السّفر، وقال عروة: كانت عائشة تصوم في السّفر. فقال: سالم: إنما أحدّث عن ابن عمر، وقال عروة: إنّما أحدّث عن عائشة، فارتفعت أصواتهما، فقال عمر بن عبد العزيز: اللهمّ اغفر إذا كان يسرا فصوموا وإذا كان عسرا فأفطروا. ثمّ اختلفوا في المستحب منهم، فقال قوم: الصّوم أفضل، وهو قول معاذ بن جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد. ويروى إنّ أنس بن مالك أمر غلاما له بالصّوم في السّفر، فقيل له في هذه الآية، فقال: نزلت ونحن يومئذ نرحل جياعا وننزل على غير شبع، فمن أفطر فبرخصة، ومن صام فالصّوم أفضل. وقال آخرون: المستحب الإفطار لما روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ‎ إلى مكّة عام الفتح في رمضان فصام حتّى إذا بلغ كراع الغميم فصام النّاس، فبلغه إنّ الناس قد شقّ عليهم الصّيام فدعا بقدح ماء وشرب بعد العصر والنّاس ينظرون فأفطر بعض النّاس وصام بعضهم فبلغه إنّ النّاس صاموا فقال: «أولئك العصاة» [51] [[سنن الترمذي: 2/ 106، وسنن النسائي: 4/ 177.]] . عاصم الأحول عن [بريد] العجلي عن أنس بن مالك قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالا فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب فقال رسول الله ﷺ‎: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» [52] [[المجموع للنووي: 6/ 264، وصحيح البخاري: 3/ 224.]] . وروى شعبة عن معلّى عن يوسف بن الحكم قال: سألت ابن عمر عن الصّوم في السّفر فقال: أرأيت لو تصدّقت على رجل بصدقة فردّها عليك ألم يغضبك؟ قال: نعم، قال: فإنّها صدقة من الله عزّ وجلّ تصدّق بها عليكم، وحدّ الاسفار التي يجوز فيها الإفطار ستّة عشر فرسخا فصاعدا. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ حين أرخص في الأسفار للمريض والمسافر. وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: الْعُسُرَ والْيُسُرَ مثقّلين في جميع القرآن. وقرأ الباقون: بتخفيفهما وهما لغتان جيّدتان ولا حجّة للقدرية في هذه الآية لأنّها مبنية على أوّل الكلام في إيجاب الصّيام فهي خاص في الاحكام لأهل الإسلام. وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قرأ أبو بكر ورويش: بتشديد الميم. وقرأ الباقون بالتخفيف وهو الاختيار لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [[سورة المائدة: 3.]] والواو في قوله وَلِتُكْمِلُوا واو النسق واللّام لام كي تقديره: ويريد لتكملوا العدّة. وقال الزجّاج: معناه فعل الله ذلك ليسهّل عليكم وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ. وقال عطاء: ولتكمّلوا عدّة أيام الشهر. وقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ما أفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها. وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ولتعظموا الله. عَلى ما هَداكُمْ لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخفّفا عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل. وقال أكثر العلماء: أراد به التكبير ليلة الفطر. قال الشافعي روى عن ابن المسيّب وعروة بن سلمة: إنّهم كانوا يكبّرون ليلة الفطر ويجهرون بالتكبير قال: وشبّه [......] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] لنحرها. قال ابن عبّاس وزيد بن أسلم: في هذه الآية حقّ على المسلمين إذا رأى هلال شوّال أن يكبّروا إلى أن يخرج الإمام في الطّريق والمسجد فإذا حضر الإمام كفّ فلا يكبّر إلّا بتكبيره والاختيار في لفظ التكبير ثلاثا نسقا. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على نعمه. وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ الآية: اختلف المفسّرون في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عبّاس: نزلت في عمر بن الخطّاب وأصحابه حين أصابوا من أهاليهم في ليالي شهر رمضان وستأتي قصّتهم فيما بعد إن شاء الله. وروى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كيف يسمع ربّنا دعاؤنا وأنت تزعم إنّ بيننا وبين السّماء مسيرة خمسمائة عام وان غلظ كل سماء مثل ذلك» ؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: سأل أصحاب النبيّ ﷺ‎ رسول الله أين ربّنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة وعطاء: لمّا نزلت وَقالَ رَبُّكُمُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. فقالوا: يا رسول الله كيف ندعوا ربّنا؟ ومتى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية. قال الضحّاك: سأل بعض الصحابة النبيّ ﷺ‎: أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد؟ فسأل ربّه فأنزل الله: وَإِذا سَأَلَكَ يا محمّد عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. وقال أهل المعاني: فيه إضمار كأنّه فعل هم وما علمهم أفي قريب منهم بالعلم. وقال أهل الإشارة: رفع الواسطة إظهارا للقدرة. أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا فليجيبوا لِي بالطاعة يقال أجاب واستجاب بمعنى واحد. وقال كعب بن سعد الغنوي: وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال أبو رجاء الخراساني: يعني فليدعوني للاجابة وفي اللغة الطّاعة وإعطاء ما يسأل، يقال: أجابت السماء بالمطر، واجابت الأرض بالنبات، كأنّ الأرض سألت السّماء المطر فأعطت، وسالت السّماء الأرض فأعطت. وقال زهير وغيث من الأسمي حقّ قلاعه ... أجابت رواسيه النّجا [هواطله] [[كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] يريد أجابت تجمع رواسيه النجا حين سألها المطر وأعطته ذلك. والاجابة من الله تعالى الإعطاء ومن العبد الطّاعة. وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ لكي يهتدوا فان قيل ما وجه قوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وقوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقد يدعي كثيرا فلا يستجيب، قلنا: اختلف العلماء في وجه الآيتين وتأويلهما. فقال بعضهم: معنى الدّعاء هاهنا الطّاعة ومعنى الاجابة الثواب كأنّه قال: أجيب دعوة الدّاعي بالثواب إذا أطاعني. وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عاما، تقديرها أجيب دعوة الدّاعي إن شئت وأجيب دعوة الدّاعي إذا وافق القّضاء، وأجيب دعوة الدّاعي إذا لم يسأل محالا، وأجيب دعوة الدّاعي إذا كانت الإجابة له خيرا، يدلّ عليه ما روى أبو المتوكّل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من مسلم دعا الله عزّ وجلّ بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلّا أعطاه الله بها أحدى خصال ثلاث: إمّا أن تعجّل دعوته، وامّا أن يدّخر له في الآخرة، وامّا أن يدفع عنه من السوء مثلها» [53] قالوا: يا رسول الله إذا يكثر قال: «الله أكثر» [54] [[بتفاوت في مسند الشاميين: 4/ 53 ح 2710، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 173.]] . وقال بعضهم: هو عام وليس في الآية أكثر من إجابة الدّعوة، فأمّا إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس مذكور في الآية، وقد يجيب السّيّد عبده والوالد ولده ثمّ لا يعطيه سؤله فالاجابة كائنة لا محالة عند حصول الدّعوة لمن قوله: أجيب واستجيب خبر والخبر لا يعترض عليه، لأنّه إذا نسخ صار المخبر كذّابا وتعالى الله عن ذلك، ودليل هذا التأويل: ما روى نافع عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ‎ قال: «من فتح له باب في الدّعاء فتحت له أبواب الاجابة، وأوحى الله تعالى إلى داود ﷺ‎: قل للظّلمة لا تدعوني فإنّي أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإنّي إذا أجبت الظالمين لعنتهم» [55] . وقيل: إنّ الله يجيب دعاء المؤمن في الوقت إلّا إنّه يؤخّر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته، يدلّ عليه ما روى محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ العبد ليدعو الله وهو يحبه فيقول يا جبرئيل: اقضي لعبدي هذا حاجته وأخّرها فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول لجبريل اقض لعبدي حاجته باخلاصه وعجّلها فإني أكره أن أسمع صوته. وبلغنا [عن يحيى ذبيح الله] أنه قال: سألت ربّ العزّة في المنام فقلت: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي؟ فقال: يا يحيى أنّي أحبّ أن أسمع صوتك» [56] [[كتاب الدعاء للطبراني: 45، والمعجم الأوسط: 8/ 216.]] . قال بعضهم: إنّ للدعاء آدابا وشرائط هي أسباب الاجابة ونيل الأمنية فمن راعاها واستكملها كان من أهل الاجابة ومن أغفلها وأخلّ بها [فهو من أهل ... ] [[كلمات غير مقروءة.]] في الدّعاء. وحكي إنّ إبراهيم بن أدهم قيل له: ما بالنا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟ قال: لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها وعرفتم النّار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. وقوله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ الآية: قال المفسرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا أفطر حلّ له الطّعام والشراب والجماع إلى أن يأتي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلّى العشاء الأخيرة أو رقد قبل الصلاة ولم يفطر حرّم عليه الطّعام والشراب ومنع ذلك إلى مثلها في القابل [[راجع الدر المنثور: 1/ 177.]] . ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) واقع أهله بعد ما صلّى العشاء الأخيرة فلمّا اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النّبيّ ﷺ‎ فقال: يا رسول الله: إنّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخطيئة إنّي رجعت إلى أهلي بعد أن صلّيت العشاء الاخيرة فوجدت رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة، فقال النّبيّ ﷺ‎: ما كنت جديرا بهذا يا عمر، فقام رجال فاعترفوا بالّذي كانوا صنعوا بعد العشاء الأخيرة، فنزل في عمر وأصحابه أُحِلَّ لَكُمْ أي أطلق وأبيح لكم لَيْلَةَ الصِّيامِ في ليلة الصيام الرَّفَثُ. قرأ ابن مسعود والأعمش: الرّفوث: إِلى نِسائِكُمْ والرّفث والرفوث كناية عن الجماع قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى حي كريم يكني فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدّخول والرفث فانّما يعني به الجماع. قال الشّاعر: فظلنا هنالك في نعمّ ... وكل اللذاذة غير الرّفث قال القتيبي: الرَّفَثُ هو الإفصاح بما يجب أن يكنّى به من ذكر النكاح وأصله الفحش وقول القبيح. قال العجاج: ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم [[الصحاح: 1: 283، ولسان العرب: 2/ 154.]] . وقال الزجاج: الرَّفَثُ كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء. قال الشاعر: ويزين من أنس الحديث راويا ... وهنّ من رفث الرجال نفار هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهنّ قاله أكثر المفسّرين نظيره قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [[سورة النبأ: 10.]] اي سكنا دليله قوله وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [[سورة الأعراف: 189.]] ليسكن إليها. وقال أصحاب المعاني: اللّباس الشعار الّذي يلي الجهار من الثياب فسمّي كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتّى يصير كلّ واحد منهما لصاحبه كالثوب الّذي يليه. قال نابغة بني جعدة: إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنّت وكانت لباسا [[الدر المنثور: 1/ 478.]] فكنّى عن اجتماعهما متجرّدين في فراش واحد باللّباس يدلّ على صحّة هذا التأويل قول الربيع بن أنس في هذه الآية: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنّ. وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وواراه لباس فجائز أن يكون كلّ واحد منهما سترا لصاحبه عمّالا يحلّ كما جاء في الخبر: من تزوّج فقد أحرز دينه، وسترا أيضا فيما يكون بينهما من الجماع عن أبصار الناس، يدلّ عليه: قول أبي زيد في قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ قال: للمواقعة. وقال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وازارك، وقال رجل لعمر بن الخطّاب: الا أبلغ أبا حفص رسولا ... فذى لك من اخي ثقة ازاري [[مجمع البيان: 1/ 502.]] قال أبو عبيدة: أي نسائي. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تخونونها وتظلمونها بعد العشاء الآخرة في ليالي الصّوم. فَتابَ عَلَيْكُمْ فتجاوز عنكم. وَعَفا عَنْكُمْ محا ذنوبكم. فَالْآنَ وجه حكم زمانين ماض وآت. بَاشِرُوهُنَّ جامعوهنّ حلالا سميت المجامعة مباشرة لتلاصق كلّ واحد منهما ببشرة صاحبه. وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي افعلوه وقرأه العامّة الصحيحة وابتغوا أيّ اطلبوا يقال: يبغي الشيء يبغيه بغيه وبغا وابتغاه يبتغيه ابتغاء طلبه. ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قضى الله لكم، وقيل: كتب في اللوح المحفوظ. وقال أكثر المفسرين: يعني الولد. قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه. قال ابن زيد: وابتغوا ما أحل الله لكم من الجماع. قتادة: وابتغوا الرّخصة التي كتبت لكم. وقال معاذ بن جبل: وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني ليلة القدر وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس وأشبه الأقاويل بظاهر الآية قول من تأوله على الولد لأنّه عقيب قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وهو أمر اباحة وندب كقوله ﷺ‎: «تناكحوا تكثروا فانّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسقط» [57] [[بتفاوت في كنز العمال: 2/ 55 ح 4724، والمصنف لعبد الرزاق: 6/ 173.]] . وقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم، يدلّ عليه ما روى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك: إنّ امرأة كانت يقال لها: الحولاء عطارة من أهل المدينة، وحلّت على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين زوجي فلان أتزيّن له كل ليلة وأتطيب كأنّي عروس زفت إليه فإذا آوى إلى فراشه دخلت عليه في لحافه ألتمس بذلك رضا الله عزّ وجلّ حوّل وجهه عني أراه قد أبغضني، قالت: أجلسي حتّى يدخل النّبيّ ﷺ‎ قالت: فبينا إنّا كذلك إذ دخل النّبيّ ﷺ‎ فقال: ما هذه الرّيح التي أجدها أتتكم الحولاء أبتعتم منها شيئا؟ فقالت عائشة: لا والله يا رسول الله. فقصّت الحولاء قصتها. فقال لها: اذهبي واسمعي له وأطيعي، فقالت: أفعل يا رسول الله، فما لي من الأجر؟ قال: «ما من امرأة رفعت في بيت زوجها شيئا ووضعته مكانا تريد الإصلاح إلّا كتب الله لها حسنة ومحا عنها سيئة، ورفع لها درجة، وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلّا لها من الأجر مثل القائم الصّائم نهاره الغازي في سبيل الله، وما من امرأة يأتيها الطلق إلّا لها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة فإذا افطمت ولدها ناداها مناد من السّماء أيتها المرأة قد كفيت العمل فيما مضى فاستأنفي فيما بقي» [58] . قالت عائشة: قد أعطى الله النّساء خيرا كثيرا فما بالكم يا معشر الرّجال، فضحك النّبيّ ﷺ‎ ثمّ قال: «ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلّا كساه نور وله حسنة، وإن عانقها فعشر حسنات وإن قبلها فعشرون، وإن أتاها كان خيرا من الدّنيا وما فيها، فإذا قام يغتسل لم يمرّ الماء على شيء من جسده إلّا يمحى عنه سيئة، ويعطي له [......] [[كلمة غير مقروءة.]] يعطى بغسله خير من الدّنيا وما فيها، وإنّ الله عزّ وجلّ يباهي الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة مرة باردة يغتسل من الجنابة يتيقن بأني ربّه أشهدكم بأني غفرت له» [59] [[لم نجده في المصادر.]] . كُلُوا وَاشْرَبُوا إلى الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. نزلت في رجل من الأنصار، واختلف في اسمه. فقال معاذ بن جبل: أبو صرمة البراء قيس بن صرمة. عكرمة والسّدي: ابو قيس بن صرمه. مقاتل بن حيّان: صرمة بن أياس الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة بن ملك بن عدي النّجار وذلك إنّه ظل نهاره يعمل في أرض له، وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر وقال: قدّمي الطّعام، وأرادت المرأة أن تطعمه عشاء سخنا، وأخذت تعمل له سخينة، وكان في الصّوم الأول من صلّى العشاء الآخرة أو نام، حرم عليه الطعام والشّراب والجماع، فلما فرغت من طعامه إذا هي به قد نام، وكان متداعيا وكلّ فايقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل، وأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتّى غشي عليه، فلمّا أفاق، أتى رسول الله ﷺ‎ فلما رآه رسول الله قال: «يا أبا قيس مالك أمسيت طليقا؟» [60] قال: ظللت أمس في النخيل ونهاري كلّه أجر بالحرير حتّى أمسيت، فأتيت فأرادت امرأتي أن تطعمني شيئا سخنا فأبطأت عليّ، فنمت فايقظوني وقد حرّم عليّ الطعام والشراب، فطويت وأمسيت وقد أجهدني الصّوم، فاغتمّ لذلك رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله تعالى وَكُلُوا يعني في ليالي الصّوم وَاشْرَبُوا فيها حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ أي بياض النّهار وضوءه من سواد الليل وظلمته ، كذا قال المفسرون. قال الشاعر: الخيط الأبيض وقت الصّبح منصدع ... والخيط الأسود لون الليل مكموع [[الدر المنثور: 1/ 480.]] وإنّما سمّي بذلك تشبيها بالخيط لابتداء الضوء والظلمة لامتدادهما. وقال ابو داود: فلمّا أضاءت لنا غدوة ... ولاح من الصبح خيط أنارا [[مجمع البيان: 1/ 502.]] وقد ورد النّص عن رسول الله ﷺ‎ في تفسير هذه الآية. وروى مخالد عن عامر عن عدي بن حاتم قال: علمني رسول الله ﷺ‎ الصّلاة والصّيام قال: صل كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس: فكل واشرب حتّى يتبين لك الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وصم ثلاثين يوما إلى أن ترى الهلال قبل ذلك، قال: فأخذت خيطتين من شعر أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي. فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ‎، فضحك رسول الله ﷺ‎: حتّى بدت نواجذه وقال: «يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل» [61] [[راجع تحفة الأحوذي: 3/ 320، والمعجم للطبراني: 17/ 78.]] . وروى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: نزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم يقول: من الفجر. كان رجال إذا أرادوا الصوم يضع أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبين لهم فأنزل الله تعالى مِنَ الْفَجْرِ فعلموا إنّما يعني بذلك الليل والنهار. والفجر انشقاق عمود الصبح وابتداء ضوءه، وهو مصدر من قولك فجرّ الماء يفجر فجرا إذا انبعث وجرى شبّهه شق الضوء بظلمة الفجر، الماء الحوض إذا شقه وخرج منه وهما فجران، أحدهما: يسطع في السماء مستطيلا كذنب السرحان ولا ينتشر فذلك لا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام على الصائم وهو الفجر الكاذب. والثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق ضوء الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم وهو المعني بهذه الآية. عن سمرة بن جندب قال: قال النبيّ ﷺ‎ «لا يمنعكم من السحور آذان بلال ولا الصبح المستطيل ولكن الصبح المستطير في الأفق» [62] [[المصنف لابن أبي شيبة: 2/ 427.]] . ثمّ ذكر وقت الإفطار فقال ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. قال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبيّ ﷺ‎ في مسيرة وهو صائم فلمّا غربت الشمس قال لرجل: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: يا رسول الله أمسيت؟ فقال: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: لو أمسيت، فقال: انزل فاجرح لي، قال: يا رسول الله ان علينا نهارا فقال له الثالثة فنزل فجرح له. ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم» [63] [[مسند أحمد: 1/ 48- 54.]] . وفي بعض الألفاظ: أكل أو لم تأكل. وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، كان مجاهد يقرأ في المسجد، وأصل العكوف والاعتكاف الثبات والاقامة. فقال: عكفت بالمكان إذا عكفت، قال الله عزّ وجلّ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [[سورة الأعراف: 138.]] أيّ يقيمون. قال الفرزدق يصف القدور: يرى حولهن معتفين كأنهم ... على صنم في الجالية عكف وقال الطرماح: فبات بنات الليل حولي عكّفا ... عكوف البواكي بينهن صريع [[تفسير الطبري: 2/ 245.]] وقال آخر: تصدّى لها والدجى قد عكف خيال هداه إليه الشغف، والاعتكاف هو حبس النفس في المسجد على عبادة الله تعالى. واختلف العلماء في معنى المباشرة التي نهي المعتكف عنها. فقال قوم: هي المجامعة خاصة معناه لا تجامعوهن ما دمتم معتكفين في المساجد، فإن الجماع يفسد الاعتكاف وبه قال ابن عبّاس وعطاء والضحاك والربيع. وقال قتادة ومقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبيّ ﷺ‎ كانوا يعتكفون في المسجد وإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثمّ يغتسل ويرجع إلى المسجد فنهوا أن يجامعوا ليلا ونهارا حتّى يفرغوا من اعتكافهم. وقال أبو زيد: المباشرة الجماع وغير الجماع من اللمس والقبلة وانواع التلذذ، والجماع مفسد للاعتكاف بالإجماع، والمباشرة غير الجماع، فهو على ضربين: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مكروه ولا يفسد الاعتكاف عند أكثر الفقهاء وقال مالك بن أنس: يفسده. قال ابن جريج: قلت لعطاء المباشرة هو الجماع؟ قال: الجماع نفسه، قلت له: فالقبلة في المسجد والمسّة؟ قال: أما الذي حرّم فالجماع وأنا أكره كل شيء من ذلك في المسجد [[المصدر السابق: 2/ 247.]] . والضرب الثاني: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مباح كما جاء في الخبر عن عائشة رضي الله عنها، إن رسول الله ﷺ‎ كان يخرج إليها رأسه من المسجد فترجّله وهو معتكف. فرقد السجني عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إن رسول الله ﷺ‎ قال في المعتكف: «هو معتكف [[في المصادر: يعكف.]] الذنوب وتجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها» [64] [[المغني لابن قدامة: 3/ 118، وسنن ابن ماجة: 1/ 567 ح 1781.]] . عن علي بن الحسين عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من اعتكف عشرا في رمضان كان بحجتين وعمرتين» [65] [[الجامع الصغير: 2: 575 ح 8479، وكنز العمال: 8/ 530 ح 34006.]] . تِلْكَ الأحكام التي ذكرنا في الصيام والاعتكاف حُدُودُ اللَّهِ. قال السّدي: شروط الله. شهر بن حوشب: فرائض الله. الضحاك: معصية الله. المفضل بن سلمة: الحد الموقف الذي يقف الإنسان عليه ويصف له حتّى يميّز من سائر الموصوفات والحد فصل بين الشيئين، والحد منتهى الشيء. وقال الخليل: الحد الجامع المانع. قال الزجاج: بحدود ما منع الله تعالى من مخالفتها. قلت: وأصل الحد في اللغة: المنع ومنه قيل للبواب حداد. قال الأعشى: فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدادها [[راجع زاد المسير: 1/ 176، والجونة: الخابية المطلية بالقار، والمراد ما فيها من الخمر.]] يعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها. قال النابغة: إلّا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند [[لسان العرب: 3/ 142، وفيه: الإله، بدل المليك.]] ، ومنه حدود الأرض، والدار هي ما منع غيره أن يدخل فيها، وسمي الحديد حديدا لأنه يمتنع من الأحداء، ويقال أحدّت المرأة على زوجها وحدّت إذا منعت نفسها من الزينة، فحدّد الله هي ما منع فيها أو منع من مخالفتها والتعدّي إلى غيرها. فَلا تَقْرَبُوها فلا تأتوها، يقال: قربت الشيء أقربه وقربت منه بضم الراء إذا دنوت منه. كَذلِكَ هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوها فنجّوا من السخطة والعذاب.

البقرة 2:185

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فادع لها سمعك فانّها لأمر يؤمر به أو لنهي تنهى عنه. وقال جعفر الصّادق (رضي الله عنه) : لذة «يا» في النداء أزال تعب العبادة والعناء. كُتِبَ فرض واجب. عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وهو مصدر قولك: صمت صياما، كما تقول: قمت قياما، وأصل الصوم والصّيام في اللغة: الإمساك، يقال: صامت الرّيح إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل إذا وقعت وأمسكت عن السّير. قال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما [[مجمع البيان: 1/ 489.]] فقال: صام النّهار إذا اعتدل، وقام قائم الظهيرة لأنّ الشمس إذا طلعت في كبد السّماء وقفت فأمسكت عن السير سريعة. قال امرؤ القيس: فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بحسرة ... ذمول إذا صام النّهار وهجرا [[المصدر السابق.]] وقال الرّاجز: حتّى إذا صام النّهار واعتدل ... وسال للشمس لعاب فنزل ويقال للرجل إذا صمت وأمسك عن الكلام: صام. قال الله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [[سورة مريم: 26.]] : أي صمتا. فالصوم: هو الإمساك عن المعتاد من الطّعام والشّراب والجماع. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء والأمم وأولهم آدم عليه السّلام، وهو ما روى عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن علي (رضي الله عنه) قال: أتيت رسول الله ﷺ‎ ذات يوم عند انتصاف النّهار وهو في الحجر، فسلّمت عليه فردّ عليّ النبيّ ﷺ‎ ثمّ قال: «يا علي هذا جبرئيل يقرئك السلام. فقلت: عليك وعليه السّلام يا رسول الله لم؟ قال: ادن منّي، فدنوت منه فقال: يا علي يقول لك جبرئيل: صم كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم عشرة آلاف [سنة] وباليوم الثاني ثلاثين ألف [سنة] وباليوم الثالث مائة ألف [سنة] . فقلت: يا رسول الله هذا ثواب لي خاصة أم للنّاس عامة؟ قال: يا علي يعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك. قلت: يا رسول الله وما هي؟ قال: أيام البيض: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر» [37] [[شرح الأزهار للإمام أحمد المرتضى: 2/ 53 (الهامش) ط. صنعاء، وغنية الطالبين: 738.]] . قال عنترة: قلت لعلي (رضي الله عنه) : لأي شيء سميت هذه الأيام البيض؟ قال: لما أهبط آدم عليه السّلام من الجنّة إلى الأرض أحرقته الشمس. فاسودّ جسده ثمّ صام اليوم الثالث. فأتاه جبرئيل فقال: يا آدم أتحب أن يبيض جسدك؟ قال: نعم، قال: فصم من الشهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر فصام آدم عليه السّلام أول يوم فابيض ثلث جسده، ثمّ صام اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده، ثمّ صام اليوم الثالث فابيض جسده كلّه. فسميت أيام البيض. قال المفسّرون: فرض الله على رسوله محمد ﷺ‎ وعلى المؤمنين صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر حين قدم المدينة فكانوا يصومونها إلى أن نزل صيام شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيام. وقال الحسن وجماعة من العلماء: أراد بالّذين من قبلنا: النّصارى شبّه صيامنا بصيامهم لاتفاقهم بالوقت والقدر وذلك انّ الله فرض على النّصارى صيام شهر رمضان. فاشتد ذلك عليهم لأنّه ربّما كان في الحر الشديد والبرد الشديد. فكان يضرّ بهم في أسفارهم ومعائشهم، واجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف فجعلوه في الرّبيع وزادوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا فصار أربعين ثمّ إنّ ملكا لهم اشتكى فمه فجعل الله عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومه أسبوعا فبرأ فزاد فيه أسبوع ثمّ مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموا خمسين يوما فأتمّوه خمسين يوما، وقال مجاهد أصابهم موتان فقالوا: زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد. روى أبو أمية الطّنافسى عن الشعبي قال: لو صمت السّنة كلّها وفطرت اليوم الّذي يشكّ فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أنّ النّصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل وذلك إنّهم ربما كانوا صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوما ثمّ جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثّقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ثمّ لم يزل الآخر يستن بسنّة القرن الّذي قبله حتّى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله عزّ وجلّ: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [[راجع تفسير الطبري: 2/ 175.]] . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع. أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرون يوما لما روى سعيد بن العاص إنّه سمع ابن عمر يحدّث عن النبيّ ﷺ‎ أنّه قال: «إنّا أمّة أميّة لا تحسب ولا تكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وعقد الإبهام في الثالثة والشّهر هكذا وهكذا وهكذا تمام ثلاثين [38] [[السنن الكبرى للنسائي: 2/ 74.]] . ونصب أَيَّاماً على الظرف أي: في أيّام، وقيل: على التفسير. وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، وقيل: بإضمار فعل أي صوموا أيّاما معدودات. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ أي فأفطر فعدّة كقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [[سورة البقرة: 196.]] : أي فحلّق أو قصّر ففدية واقصر وقوله: فَعِدَّةٌ أي فعليه عدّة ولذلك رفع. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: فَعِدَّةً نصبا أي فليصم عدّة. مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غير أيّام مرضه أو سفره والعدّة العدد وأخر في موضع خفض ولكنّها لا تنصرف فلذلك نصبت لأنّها معدولة عن جهتها كأنّ حقّها أواخر وأخريات فلمّا عدلت إلى فعل لم تجرّ مثل عمر وزفر. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قرأ ابن عبّاس وعائشة وعطاء بن رباح وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد: يُطَيَّقُونَهُ بضمّ الياء وبفتح الطّاء وتخفيفه وفتح الياء وتشديده أي يلفونه ويحملونه. وروى عن مجاهد وعكرمة: أيضا يَطَّيقُونَهُ بفتح الياء وتشديد الطّاء أراد يتطوقونه أي يتكلفونه. وروى ابن الأنباري عن ابن عبّاس يَطَّيَّقُونَهُ بفتح الياء الأوّل وتشديد الطّاء والياء الثانية وفتحهما بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق واطيق بمعنى واحد. فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قرأ أهل المدينة والشّام: فديةُ طعامٍ مضافا مساكين جمعا أضافوا الطّعام إلى الفدية وإن كان واحدا لاختلاف اللفظين كقوله وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] وقولهم: المسجد الجامع وبيع الأوّل ونحوها وهي قراءة أبي عمرو ومجاهد، وروى يحيى ابن سعيد عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر إنّه قرأها: طعام مساكين على الجمع، وروى مروان بن معاوية الفزاري عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قرأها كذلك: مساكين. وقرأ الباقون: فديةً منصوبة، طَعامُ رفعا، مِسْكِينٍ خفض على الواحد وهي قراءة ابن عبّاس. [روي ابن أبي نجيح] عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس أنّه قرأها طَعامُ مِسْكِينٍ، على الواحد، فمن وحّد فمعناه: لكل يوم اطعام مسكين واحد، ومن جمع رده إلى الجميع، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: يتطوّع بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع، وقرأ الآخرون: تَطَوْعَ بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها: فقالوا قوم: كان ذلك أول ما فرض الصّوم وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل فرض صيام شهر رمضان على رسوله ﷺ‎ وأمر أصحابه بذلك شق عليهم، وكانوا قوما لم يتعوّدوا الصّيام فخيّرهم الله بين الصّيام والإطعام. فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطّعام، ثمّ نسخ الله تعالى ذلك بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ونزلت العزيمة في إيجاب الصّوم وعلى هذا القول معاذ بن جبل وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعمرو بن مرّة والشعبي والزهري وإبراهيم وعبيدة والضحاك، وأحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال آخرون: بل هو خاص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والّذين يطيقان الصّوم ولمن يشقّ عليهما رخص لهما: إن شاء أن يفطر مع القدرة ويطعما لكل يوم مسكينا، ثمّ نسخ ذلك بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وثبت الرخصة للذين لا يطيقون، وهذا قول قتادة والرّبيع بن أنس، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. وقال الحسن: هذا في المريض كان إذا وقع عليه اسم المرض وإن كان يستطيع الصّيام الخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم حتّى نسخ ذلك. فعلى هذه الأقاويل الآية منسوخة وهو [قول] أكثر الفقهاء المفسرين. وقال قوم: لم تنسخ هذه الآية ولا شيء منها، وإنّما تأويل ذلك أو على الّذين يطيقونه في حال شبابهم وفي حال صحتهم وقوتهم، ثمّ عجزوا عن الصّوم فدية طعام مساكين لأنّ للقوم كان رخص لهم في الإفطار وهم على الصّوم [قادرون إذا اقتدروا، وآخرون أضمروا] في الآية وقالوا: هذه عبارة عن أول حالهم وجعلوا الآية محكمة، وهذا قول سعيد بن المسيب والسّدي، وأحدى الروايتين عن ابن عبّاس، فحمله ما ذكرنا من هذه الأقاويل على قراءة من قرأ يُطِيقُونَهُ: من الإطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن ومصاحف البلدان، وأمّا الذين قرءوا يطوقونه: فتأولوا بهم الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه فهم يكلفون الصّوم ولا يطيقونه فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم أفطروا مسكينا. قالوا: الآية محكمة غير منسوخة، والفدية: الجزاء والبدل من قولك: فديت هذا بهذا أيّ حرمته وأعطيته بدلا منه، يقال: فديت فدية كما يقال: مشيت مشية. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً: فزاد على مسكين واحد وأطعم مسكينين فصاعدا. قاله مجاهد وعطاء وطاوس والسّدي. وقال بعضهم: فمن زاد على القدر الواجب من الإطعام. يزاد الطّعام. رواه ابن جريح وخطيف عن مجاهد، وقال ابن شهاب: يريد فمن صام مع الفدية وجمع بين الصّيام والطّعام فهو خير له. فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا (إن) صلة تعني والصوم خَيْرٌ لَكُمْ من الإفطار والفدية إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فصل في حكم الآية اعلم إنّه لا رخصة لأحد من المؤمنين البالغين في إفطار شهر رمضان إلّا لأربعة: أحدهم: عليه القضاء والكفارة. والثاني: عليه القضاء دون الكفارة. والثالث: عليه الكفّارة دون القضاء. والرابع: لا قضاء عليه ولا كفارة. وأمّا الذي عليه القضاء والكفّارة فمن فرّط في قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفّارة، وإن خافتا على أنفسهما فهما كالمريض حكمهما كحكمه هذا قول ابن عمر ومجاهد ومذهب الشّافعي. وقال بعضهم: في الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما وولدهما أن عليهما الكفّارة ولا قضاء وهو قول ابن عبّاس. وقال قوم: عليهما القضاء ولا كفارة وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء والضحّاك ومذهب أهل العراق ومالك والأوزاعي. وأمّا الّذي عليه القضاء دون الكفّارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء عليهم القضاء دون الكفّارة. قال أنس: أتيت إلى رسول الله ﷺ‎ وهو يتغذّى فقال: «أجلس» فقلت: إنّي صائم. فقال: «أجلس أحدّثك: إنّ الله وضع على المسافر الصوم وشطر الصّلاة» [39] [[مواهب الجليل للرعيني: 2/ 6، وتلخيص الحبير: 6/ 426.]] . وأمّا الّذي عليه الكفّارة دون القضاء فالشّيخ الهرم والشّيخة الكبيرة ومن به مرض دائم لا يرجى برؤه وصاحب العطاش الّذي يخاف منه الموت، عليهم الكفّارة ولا قضاء هذا قول عامّة الفقهاء. وروى عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن وخالد بن الدريك إنّهما قالا في الشّيخ والشّيخة: إن استطاعا صاما وإلّا فلا كفّارة عليهما وليس عليهما شيء إذا أفطرا. وقال مالك: لا أرى ذلك واجبا عليهما وأحبّ أن يفعلا فأمّا الّذي لا قضاء عليه ولا كفّارة فالمجنون. واختلف العلماء في حدّ الإطعام في كفّارة الصّيام فقال بعضهم: القدر الواجب نصف صاع عن كلّ يوم يفطره وهذا قول أهل العراق. وقال قوم منهم: نصف صاع من قمح أو صاع من تمرا أو زبيب أو سائر الحبوب. وقال بعض الفقهاء: ما كان المفطر يتقوّته يومه الّذي أفطره. وقال محمّد بن الحنفية (رضي الله عنه) : يطعم مكان كلّ يوم مدّ الطعامة ومدّ الإدامة. وقال ابن عبّاس: يعطي مسكينا واحدا عشاءه حين يفطر وسحوره حين سحره. وقال بعضهم: يطعم كلّ يوم مسكينا واحدا مدّا وهو قول ابن هريرة وعطاء ومحمّد بن عمرو بن حزم واللّيث بن سعيد ومالك بن أنس والشّافعي وعامّة فقهاء الحجاز وبالله التّوفيق، ثمّ بيّن أيّام الصّيام فقال: شَهْرُ رَمَضانَ قرأه العامّة رفع على معنى أتاكم شهر رمضان. وقال الفرّاء: ذلكم شهر رمضان. الأخفش: هو شهر رمضان. الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان، وقيل: ابتداء وما بعده خبره. وقرأ الحسن ومجاهد وشهر بن حوشب: شهرَ رمضان نصبا على هو يعني صوموا شهر رمضان قاله المورّج. وقال الأخفش: نصب على الظرف أي كتب عليكم الصّيام في شهر رمضان. أبو عبيدة: نصب على الإغراء، وقرأ أبو عمرو: مدغما شهر رمضان على مذهب في ادغام كل حرفين يلتقيان من جنس واحد ومخرج واحد او قريبي المخرج طلبا للخفّة وسمّي الشهر شهرا لشهرته. وقال الفرّاء: هو مأخوذ من الشّهرة وهي البياض ومنه يقال: شهرت السّيف إذا أسلته وشهر الهلال إذا طلع، واختلفوا في معنى قوله: رمضان فقال بعضهم: رمضان اسم من أسماء الله فيقال شهر رمضان كما يقال: شهر الله وروى جعفر الصادق عن آبائه (رضي الله عنهم) عن النبيّ ﷺ‎ قال: «شهر رمضان شهر الله» [40] . ويدلّ عليه أيضا ما روى هشيم عن آبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎ «لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله تعالى في القرآن فقال: شَهْرُ رَمَضانَ» [41] [[تفسير القرطبي: 2/ 291.]] . وعن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إنّما سمّي رمضان لأنّه رمضت فيه الفعال من الخير. وقال غيره: لأنّ الحجارة كانت ترمض فيه من الحرارة والرّمضاء الحجارة المحماة. وقيل: سمّى بذلك لأنّه يرمض الذّنوب أي يحرق. وقيل: لأنّ القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والحكمة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرّمل والحجارة من حرّ الشّمس. وقال الخليل: مأخوذة من الرمض وهو مطر يأتي في الخريف فسمّي هذا الشّهر رمضان لأنّه يغسل الأبدان من الأنام غسلا وتطهّر قلوبهم تطهيرا. الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ روى هشيم عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس والسّدي عن محمّد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عبّاس ابن عطيّة الأسود سأله: فقال: إنّه وقع الشّك في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [[سورة القدر: 1.]] وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [[سورة الدخان: 3.]] وقد نزل في سائر الشهور. قال الله وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ [[سورة الإسراء: 106.]] الآية وقالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [[سورة الفرقان: 32.]] . فقال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ من شهر رمضان. فوضع في بيت العزة في سماء الدّنيا، ثمّ نزل به جبرئيل عليه السّلام على محمّد ﷺ‎ نجوما نجوما عشرين سنة، فذلك قوله فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [[سورة الواقعة: 75.]] . داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أما كان ينزل عليه في سائر السّنة؟ قال: بلى ولكن جبرئيل كان يعارض محمّدا ﷺ‎ في رمضان ما نزّل الله، فيحكم ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء. شهاب بن طارق عن أبي ذرّ الغفاري عن النّبيّ ﷺ‎ قال: أنزلت صحف إبراهيم في ثلاثة ليال مضين من رمضان، وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل أنجيل عيسى في ثلاثة عشر مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة قضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمّد في الرّابع والعشرين لست مضين بعدها، ثمّ وصف القرآن فقال: هُدىً لِلنَّاسِ من الضّلالة وهو في محل النصب على القطع لأنّ القرآن معرفه والهدى نكرة. وَبَيِّناتٍ من الحلال والحرام والحدود والاحكام. مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ الفصل بين الحقّ والباطل. سعيد بن المسيّب عن سلمان قال: خطبنا رسول الله ﷺ‎ في آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيّها النّاس قد أظلكم شهر عظيم، وشهر مبارك، وشهر فيه ليلة خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعا، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار، من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: يا رسول الله ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. فقال رسول الله ﷺ‎: «يعطي الله هذا الثّواب، من فطّر صائما على مذقة لبن أو تمر أو شربة ماء، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتّى يدخل الجنّة، وكان كمن أعتق رقبة، ومن خفّف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربّكم، وخصلتان لا غنى عنهما: فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بها ربّكم فشهادة أن لا إله إلّا الله وتستغفرونه، وأمّا التي لا غنى بكم عنها فتسألون الله عزّ وجلّ وتعوذون به من النّار» [42] [[كنز العمال: 8/ 477 ح 33714، والدر المنثور: 1/ 184.]] . وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ أبواب السّماء وأبواب الجنّة لتفتح لأوّل ليلة من شهر رمضان، فلا تغلق إلى آخر ليلة منها، وليس لعبد يصلّي في ليلة منها إلّا كتب الله عزّ وجلّ بكل سجدة الفا وسبعمائة حسنة، وبنى له بيتا في الجنّة من ياقوتة حمراء لها سبعون ألف باب لكلّ باب منها مصراعان من ذهب موشّح من ياقوتة حمراء، فإذا صام أوّل يوم من شهر رمضان غفر الله له كلّ ذنب إلى آخر يوم من رمضان وكان كفّارة إلى مثلها، وكان له بكلّ يوم يصومه قصر في الجنّة له ألف باب من ذهب، واستغفر له سبعون ألف ملك من غدوة إلى أن توارت بالحجاب، وكان له بكلّ سجدة يسجدها من ليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها» [43] [[كنز العمال: 8/ 471 ح 23706، والدر المنثور: 1/ 186.]] . محمّد بن يونس الحارثي عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلّت عظمته رضوان خازن الجنان فيقول: لبّيك وسعديك فيقول: جدّد جنّتي وزينها من أمّة أحمد ثمّ لا تغلقها عليهم حتّى ينقضي شهرهم، ثمّ ينادي مالكا خازن النّار: أن يا مالك، فيقول: لبّيك ربي وسعديك فيقول: أغلق أبواب الجحيم عن الصّائمين من امّة أحمد ثمّ لا تفتحها عليهم حتّى ينقضي شهرهم ثمّ ينادي جبرئيل فيقول: لبّيك ربي وسعديك فيقول: انزل إلى الأرض وغلّ مردة الشياطين لا يفسدوا عليهم صيامهم وإفطارهم، ولله في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشّمس وعند وقت الإفطار عتقاء يعتقهم من النّار عبيدا وإماءا، وله في كل سماء مناد فيهم، ملك عرفه تحت عرش ربّ العالمين وفرائضه في تخوم الأرض السّابعة السفلى، جناح له بالمشرق مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر، وجناح له بالمغرب مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر ينادي: هل تائب يتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مظلوم ينصره الله؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ قال: وينادي الرّب تعالى ذكره الشهر كلّه: عبادي وإمائي أبشروا واصبروا [وداوموا] أوشك أن يرفع عنكم في المؤونات، ويفضوا إلى رحمتي وكرامتي. فإذا كان ليلة القدر، نزل جبرئيل في كبكبة [[الكبكبة: الجماعة من الشيء.]] من الملائكة يصلون [ويسلمون] على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزّ وجلّ» [44] [[راجع زاد المسير: 8/ 287.]] . إبراهيم بن هدية عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لو أذن الله للسّماوات والأرض أن يتكلّما بشّرا بمن صام رمضان: الجنّة» [45] . عبد الملك بن عمر عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ‎: «نوم الصّائم عبادة وصمته تسبيح ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف» [46] [[الجامع الصغير: 2: 678 بزيادة: وذنبه مغفور، وكذا في الدر المنثور: 1: 180.]] . فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قرأه العامة بجزم اللام، وقرأ الحسن والأعرج: بكسر اللام وهي لام الأمر، وحقها الكسر إذا أفردت، وإذا وصلت بشيء ففيه وجهان: الجزم والكسر، وإنّما توصل بثلاثة أحرف الفاء كقوله لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ [[سورة قريش: 3.]] والواو كقوله وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا [[سورة الحجّ: 29.]] وثمّ كقوله ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [[سورة الحجّ: 29.]] . واختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها: فقال بعضهم: معناها فمن شهده عاقلا بالغا مقيما صحيحا مكلّفا فليصمه قاله أبو حنيفة وأصحابه، وقال قوم: معناها: إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فليصم الشهر كلّه. حتّى لو غاب بعد فسافر أو أقام فلم يبرح قاله النخعي والسّدي. وقال قتادة: إنّ عليّا (رضي الله عنه) كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثمّ سافر فعليه الصّوم. وقال محمّد بن سيرين: سألت عبيدة السّلمان عن الرّجل يدركه رمضان ثمّ يسافر فقال: إذا شهدت أوّله فصم آخره إلّا تراه يقول: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قالوا: والمستحب له ألّا يسافر إذا أدركه رمضان مقيما. إن أدركه. حتّى يقضي الشهر، وروي في ذلك عن ابراهيم بن طلحة إنه جاء إلى عائشة رضي الله عنها يسلم عليها قالت: وأين تريد؟ قال: أردت العمرة، قالت: جلست حتّى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟ قال: قد خرج ثقلي، قالت: اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له. وقال الآخرون معنى الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ما شهد منه وكان حاضرا وإن سافر فله الإفطار إن يشأ، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التأويل، وهو أصحّ الأقاويل يدلّ عليه ما روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله ﷺ‎ عام الفتح صائما في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب. وعن الشعبي: إنّه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر. ثمّ ذكر فقال: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً اختلف العلماء في الزمن الّذي أباح الله تعالى معه الإفطار، فقال قوم: هو كل مرض يسمّى مريضا. وقال [طريف بن تمام] العطاردي: دخلت على محمّد بن سيرين يوما في شهر رمضان وهو يأكل فلمّا فرغ قال لا توجّعت إصبعي هذه. وقال آخرون: فكل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصّوم الزّيادة في علّته زيادة غير محتملة، وهو اختيار الشّافعي. وقال الحسن وإبراهيم: إذا لم يستطع المريض أن يصلّي قائما أفطر، والأصل إنّه إذا لم يمكنه الصّيام وأجهده أفطر فإذا لم يجهده الصّوم فهو بمعنى الصحيح الّذي يطيق الصوم. أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اختلف العلماء في صيام المسافر فقال قوم: الإفطار في السّفر عزيمة واجبة وليس برخصة فمن صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام، وهو قول عمرو أبي هريرة وابن عبّاس وعلي بن الحسين وعروة بن الزبير والضحّاك ، واعتلّوا بما روت أمّ الدّرداء عن كعب بن عاصم قال: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «ليس من البرّ الصيام في السفر» [47] [[كتاب الأم للشافعي: 2/ 112، ومسند الحميدي: 2/ 381.]] . الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر. وقال آخرون: الإفطار في السّفر رخصة من الله عزّ وجلّ والفرض الصّوم فمن صام ففرضه أدي ومن أفطر فبرخصة الله أخذ ولا قضاء على من صام إذا أقام، وهذا هو الصّحيح وعليه عامّة الفقهاء. ويدلّ عليه: ما روى عاصم بن الأحول عن أبي نضرة عن جابر قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ‎ في سفر فمنّا الصّائم ومنّا المفطر فلم يكن بعضنا يعيب على بعض. وروى يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنّ حمزة بن عمرو قال: يا رسول الله إنّي كنت أتعوّد الصيام أفأصوم في السّفر قال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» [48] [[سنن ابن ماجة: 1/ 531 ح 1662، وسنن النسائي: 4/ 186.]] . وعن عروة بن أبي قراح عن حمزة بن عمرو إنّه قال: يا رسول الله أجد بي قوّة على الصّيام في السّفر فهل عليّ جناح قال: «هي رخصة من الله عزّ وجلّ فمن آخذها فحسن ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه» [49] [[المجموع: 6/ 264، صحيح مسلم: 3/ 145.]] . وامّا قوله ﷺ‎: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» . فإنّ تمام الخبر يدلّ على تأويله وهو ما روى محمّد بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: إنّ رسول الله ﷺ‎ مرّ برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: «ما بال صاحبكم هذا؟» قالوا: يا رسول الله صام، قال: «إنّه ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر، وعليكم برخصة الله تعالى التي رخص لكم فاقبلوها» ، وكذلك تأويل قوله ﷺ‎: «الصائم من السّفر كالمفطر في الحضر» [50] [[سنن النسائي: 4/ 176، وصحيح ابن خزيمة: 3/ 259.]] . يدلّ عليه حديث مجاهد عن ابن عمر: إنّه مرّ برجل ينضح الماء على وجهه وهو صائم، فقال: أفطر ويحك فإنّي أراك لو متّ على هذا دخلت النّار. والجامع لهذه الأخبار والمؤيد لما قلنا ما روى أيوب عن عروة وسالم إنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز، إذ هو أمير على المدينة. فتذاكروا الصّوم في السّفر. فقال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السّفر، وقال عروة: كانت عائشة تصوم في السّفر. فقال: سالم: إنما أحدّث عن ابن عمر، وقال عروة: إنّما أحدّث عن عائشة، فارتفعت أصواتهما، فقال عمر بن عبد العزيز: اللهمّ اغفر إذا كان يسرا فصوموا وإذا كان عسرا فأفطروا. ثمّ اختلفوا في المستحب منهم، فقال قوم: الصّوم أفضل، وهو قول معاذ بن جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد. ويروى إنّ أنس بن مالك أمر غلاما له بالصّوم في السّفر، فقيل له في هذه الآية، فقال: نزلت ونحن يومئذ نرحل جياعا وننزل على غير شبع، فمن أفطر فبرخصة، ومن صام فالصّوم أفضل. وقال آخرون: المستحب الإفطار لما روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ‎ إلى مكّة عام الفتح في رمضان فصام حتّى إذا بلغ كراع الغميم فصام النّاس، فبلغه إنّ الناس قد شقّ عليهم الصّيام فدعا بقدح ماء وشرب بعد العصر والنّاس ينظرون فأفطر بعض النّاس وصام بعضهم فبلغه إنّ النّاس صاموا فقال: «أولئك العصاة» [51] [[سنن الترمذي: 2/ 106، وسنن النسائي: 4/ 177.]] . عاصم الأحول عن [بريد] العجلي عن أنس بن مالك قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالا فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب فقال رسول الله ﷺ‎: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» [52] [[المجموع للنووي: 6/ 264، وصحيح البخاري: 3/ 224.]] . وروى شعبة عن معلّى عن يوسف بن الحكم قال: سألت ابن عمر عن الصّوم في السّفر فقال: أرأيت لو تصدّقت على رجل بصدقة فردّها عليك ألم يغضبك؟ قال: نعم، قال: فإنّها صدقة من الله عزّ وجلّ تصدّق بها عليكم، وحدّ الاسفار التي يجوز فيها الإفطار ستّة عشر فرسخا فصاعدا. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ حين أرخص في الأسفار للمريض والمسافر. وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: الْعُسُرَ والْيُسُرَ مثقّلين في جميع القرآن. وقرأ الباقون: بتخفيفهما وهما لغتان جيّدتان ولا حجّة للقدرية في هذه الآية لأنّها مبنية على أوّل الكلام في إيجاب الصّيام فهي خاص في الاحكام لأهل الإسلام. وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قرأ أبو بكر ورويش: بتشديد الميم. وقرأ الباقون بالتخفيف وهو الاختيار لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [[سورة المائدة: 3.]] والواو في قوله وَلِتُكْمِلُوا واو النسق واللّام لام كي تقديره: ويريد لتكملوا العدّة. وقال الزجّاج: معناه فعل الله ذلك ليسهّل عليكم وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ. وقال عطاء: ولتكمّلوا عدّة أيام الشهر. وقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ما أفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها. وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ولتعظموا الله. عَلى ما هَداكُمْ لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخفّفا عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل. وقال أكثر العلماء: أراد به التكبير ليلة الفطر. قال الشافعي روى عن ابن المسيّب وعروة بن سلمة: إنّهم كانوا يكبّرون ليلة الفطر ويجهرون بالتكبير قال: وشبّه [......] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] لنحرها. قال ابن عبّاس وزيد بن أسلم: في هذه الآية حقّ على المسلمين إذا رأى هلال شوّال أن يكبّروا إلى أن يخرج الإمام في الطّريق والمسجد فإذا حضر الإمام كفّ فلا يكبّر إلّا بتكبيره والاختيار في لفظ التكبير ثلاثا نسقا. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على نعمه. وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ الآية: اختلف المفسّرون في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عبّاس: نزلت في عمر بن الخطّاب وأصحابه حين أصابوا من أهاليهم في ليالي شهر رمضان وستأتي قصّتهم فيما بعد إن شاء الله. وروى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «كيف يسمع ربّنا دعاؤنا وأنت تزعم إنّ بيننا وبين السّماء مسيرة خمسمائة عام وان غلظ كل سماء مثل ذلك» ؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: سأل أصحاب النبيّ ﷺ‎ رسول الله أين ربّنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة وعطاء: لمّا نزلت وَقالَ رَبُّكُمُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. فقالوا: يا رسول الله كيف ندعوا ربّنا؟ ومتى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية. قال الضحّاك: سأل بعض الصحابة النبيّ ﷺ‎: أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد؟ فسأل ربّه فأنزل الله: وَإِذا سَأَلَكَ يا محمّد عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. وقال أهل المعاني: فيه إضمار كأنّه فعل هم وما علمهم أفي قريب منهم بالعلم. وقال أهل الإشارة: رفع الواسطة إظهارا للقدرة. أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا فليجيبوا لِي بالطاعة يقال أجاب واستجاب بمعنى واحد. وقال كعب بن سعد الغنوي: وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال أبو رجاء الخراساني: يعني فليدعوني للاجابة وفي اللغة الطّاعة وإعطاء ما يسأل، يقال: أجابت السماء بالمطر، واجابت الأرض بالنبات، كأنّ الأرض سألت السّماء المطر فأعطت، وسالت السّماء الأرض فأعطت. وقال زهير وغيث من الأسمي حقّ قلاعه ... أجابت رواسيه النّجا [هواطله] [[كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] يريد أجابت تجمع رواسيه النجا حين سألها المطر وأعطته ذلك. والاجابة من الله تعالى الإعطاء ومن العبد الطّاعة. وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ لكي يهتدوا فان قيل ما وجه قوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وقوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقد يدعي كثيرا فلا يستجيب، قلنا: اختلف العلماء في وجه الآيتين وتأويلهما. فقال بعضهم: معنى الدّعاء هاهنا الطّاعة ومعنى الاجابة الثواب كأنّه قال: أجيب دعوة الدّاعي بالثواب إذا أطاعني. وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عاما، تقديرها أجيب دعوة الدّاعي إن شئت وأجيب دعوة الدّاعي إذا وافق القّضاء، وأجيب دعوة الدّاعي إذا لم يسأل محالا، وأجيب دعوة الدّاعي إذا كانت الإجابة له خيرا، يدلّ عليه ما روى أبو المتوكّل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ‎: «ما من مسلم دعا الله عزّ وجلّ بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلّا أعطاه الله بها أحدى خصال ثلاث: إمّا أن تعجّل دعوته، وامّا أن يدّخر له في الآخرة، وامّا أن يدفع عنه من السوء مثلها» [53] قالوا: يا رسول الله إذا يكثر قال: «الله أكثر» [54] [[بتفاوت في مسند الشاميين: 4/ 53 ح 2710، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 173.]] . وقال بعضهم: هو عام وليس في الآية أكثر من إجابة الدّعوة، فأمّا إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس مذكور في الآية، وقد يجيب السّيّد عبده والوالد ولده ثمّ لا يعطيه سؤله فالاجابة كائنة لا محالة عند حصول الدّعوة لمن قوله: أجيب واستجيب خبر والخبر لا يعترض عليه، لأنّه إذا نسخ صار المخبر كذّابا وتعالى الله عن ذلك، ودليل هذا التأويل: ما روى نافع عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ‎ قال: «من فتح له باب في الدّعاء فتحت له أبواب الاجابة، وأوحى الله تعالى إلى داود ﷺ‎: قل للظّلمة لا تدعوني فإنّي أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإنّي إذا أجبت الظالمين لعنتهم» [55] . وقيل: إنّ الله يجيب دعاء المؤمن في الوقت إلّا إنّه يؤخّر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته، يدلّ عليه ما روى محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إنّ العبد ليدعو الله وهو يحبه فيقول يا جبرئيل: اقضي لعبدي هذا حاجته وأخّرها فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول لجبريل اقض لعبدي حاجته باخلاصه وعجّلها فإني أكره أن أسمع صوته. وبلغنا [عن يحيى ذبيح الله] أنه قال: سألت ربّ العزّة في المنام فقلت: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي؟ فقال: يا يحيى أنّي أحبّ أن أسمع صوتك» [56] [[كتاب الدعاء للطبراني: 45، والمعجم الأوسط: 8/ 216.]] . قال بعضهم: إنّ للدعاء آدابا وشرائط هي أسباب الاجابة ونيل الأمنية فمن راعاها واستكملها كان من أهل الاجابة ومن أغفلها وأخلّ بها [فهو من أهل ... ] [[كلمات غير مقروءة.]] في الدّعاء. وحكي إنّ إبراهيم بن أدهم قيل له: ما بالنا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟ قال: لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها وعرفتم النّار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. وقوله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ الآية: قال المفسرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا أفطر حلّ له الطّعام والشراب والجماع إلى أن يأتي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلّى العشاء الأخيرة أو رقد قبل الصلاة ولم يفطر حرّم عليه الطّعام والشراب ومنع ذلك إلى مثلها في القابل [[راجع الدر المنثور: 1/ 177.]] . ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) واقع أهله بعد ما صلّى العشاء الأخيرة فلمّا اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النّبيّ ﷺ‎ فقال: يا رسول الله: إنّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخطيئة إنّي رجعت إلى أهلي بعد أن صلّيت العشاء الاخيرة فوجدت رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة، فقال النّبيّ ﷺ‎: ما كنت جديرا بهذا يا عمر، فقام رجال فاعترفوا بالّذي كانوا صنعوا بعد العشاء الأخيرة، فنزل في عمر وأصحابه أُحِلَّ لَكُمْ أي أطلق وأبيح لكم لَيْلَةَ الصِّيامِ في ليلة الصيام الرَّفَثُ. قرأ ابن مسعود والأعمش: الرّفوث: إِلى نِسائِكُمْ والرّفث والرفوث كناية عن الجماع قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى حي كريم يكني فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدّخول والرفث فانّما يعني به الجماع. قال الشّاعر: فظلنا هنالك في نعمّ ... وكل اللذاذة غير الرّفث قال القتيبي: الرَّفَثُ هو الإفصاح بما يجب أن يكنّى به من ذكر النكاح وأصله الفحش وقول القبيح. قال العجاج: ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم [[الصحاح: 1: 283، ولسان العرب: 2/ 154.]] . وقال الزجاج: الرَّفَثُ كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء. قال الشاعر: ويزين من أنس الحديث راويا ... وهنّ من رفث الرجال نفار هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهنّ قاله أكثر المفسّرين نظيره قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [[سورة النبأ: 10.]] اي سكنا دليله قوله وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [[سورة الأعراف: 189.]] ليسكن إليها. وقال أصحاب المعاني: اللّباس الشعار الّذي يلي الجهار من الثياب فسمّي كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتّى يصير كلّ واحد منهما لصاحبه كالثوب الّذي يليه. قال نابغة بني جعدة: إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنّت وكانت لباسا [[الدر المنثور: 1/ 478.]] فكنّى عن اجتماعهما متجرّدين في فراش واحد باللّباس يدلّ على صحّة هذا التأويل قول الربيع بن أنس في هذه الآية: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنّ. وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وواراه لباس فجائز أن يكون كلّ واحد منهما سترا لصاحبه عمّالا يحلّ كما جاء في الخبر: من تزوّج فقد أحرز دينه، وسترا أيضا فيما يكون بينهما من الجماع عن أبصار الناس، يدلّ عليه: قول أبي زيد في قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ قال: للمواقعة. وقال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وازارك، وقال رجل لعمر بن الخطّاب: الا أبلغ أبا حفص رسولا ... فذى لك من اخي ثقة ازاري [[مجمع البيان: 1/ 502.]] قال أبو عبيدة: أي نسائي. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تخونونها وتظلمونها بعد العشاء الآخرة في ليالي الصّوم. فَتابَ عَلَيْكُمْ فتجاوز عنكم. وَعَفا عَنْكُمْ محا ذنوبكم. فَالْآنَ وجه حكم زمانين ماض وآت. بَاشِرُوهُنَّ جامعوهنّ حلالا سميت المجامعة مباشرة لتلاصق كلّ واحد منهما ببشرة صاحبه. وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي افعلوه وقرأه العامّة الصحيحة وابتغوا أيّ اطلبوا يقال: يبغي الشيء يبغيه بغيه وبغا وابتغاه يبتغيه ابتغاء طلبه. ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قضى الله لكم، وقيل: كتب في اللوح المحفوظ. وقال أكثر المفسرين: يعني الولد. قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه. قال ابن زيد: وابتغوا ما أحل الله لكم من الجماع. قتادة: وابتغوا الرّخصة التي كتبت لكم. وقال معاذ بن جبل: وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني ليلة القدر وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس وأشبه الأقاويل بظاهر الآية قول من تأوله على الولد لأنّه عقيب قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وهو أمر اباحة وندب كقوله ﷺ‎: «تناكحوا تكثروا فانّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسقط» [57] [[بتفاوت في كنز العمال: 2/ 55 ح 4724، والمصنف لعبد الرزاق: 6/ 173.]] . وقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم، يدلّ عليه ما روى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك: إنّ امرأة كانت يقال لها: الحولاء عطارة من أهل المدينة، وحلّت على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين زوجي فلان أتزيّن له كل ليلة وأتطيب كأنّي عروس زفت إليه فإذا آوى إلى فراشه دخلت عليه في لحافه ألتمس بذلك رضا الله عزّ وجلّ حوّل وجهه عني أراه قد أبغضني، قالت: أجلسي حتّى يدخل النّبيّ ﷺ‎ قالت: فبينا إنّا كذلك إذ دخل النّبيّ ﷺ‎ فقال: ما هذه الرّيح التي أجدها أتتكم الحولاء أبتعتم منها شيئا؟ فقالت عائشة: لا والله يا رسول الله. فقصّت الحولاء قصتها. فقال لها: اذهبي واسمعي له وأطيعي، فقالت: أفعل يا رسول الله، فما لي من الأجر؟ قال: «ما من امرأة رفعت في بيت زوجها شيئا ووضعته مكانا تريد الإصلاح إلّا كتب الله لها حسنة ومحا عنها سيئة، ورفع لها درجة، وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلّا لها من الأجر مثل القائم الصّائم نهاره الغازي في سبيل الله، وما من امرأة يأتيها الطلق إلّا لها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة فإذا افطمت ولدها ناداها مناد من السّماء أيتها المرأة قد كفيت العمل فيما مضى فاستأنفي فيما بقي» [58] . قالت عائشة: قد أعطى الله النّساء خيرا كثيرا فما بالكم يا معشر الرّجال، فضحك النّبيّ ﷺ‎ ثمّ قال: «ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلّا كساه نور وله حسنة، وإن عانقها فعشر حسنات وإن قبلها فعشرون، وإن أتاها كان خيرا من الدّنيا وما فيها، فإذا قام يغتسل لم يمرّ الماء على شيء من جسده إلّا يمحى عنه سيئة، ويعطي له [......] [[كلمة غير مقروءة.]] يعطى بغسله خير من الدّنيا وما فيها، وإنّ الله عزّ وجلّ يباهي الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة مرة باردة يغتسل من الجنابة يتيقن بأني ربّه أشهدكم بأني غفرت له» [59] [[لم نجده في المصادر.]] . كُلُوا وَاشْرَبُوا إلى الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. نزلت في رجل من الأنصار، واختلف في اسمه. فقال معاذ بن جبل: أبو صرمة البراء قيس بن صرمة. عكرمة والسّدي: ابو قيس بن صرمه. مقاتل بن حيّان: صرمة بن أياس الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة بن ملك بن عدي النّجار وذلك إنّه ظل نهاره يعمل في أرض له، وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر وقال: قدّمي الطّعام، وأرادت المرأة أن تطعمه عشاء سخنا، وأخذت تعمل له سخينة، وكان في الصّوم الأول من صلّى العشاء الآخرة أو نام، حرم عليه الطعام والشّراب والجماع، فلما فرغت من طعامه إذا هي به قد نام، وكان متداعيا وكلّ فايقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل، وأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتّى غشي عليه، فلمّا أفاق، أتى رسول الله ﷺ‎ فلما رآه رسول الله قال: «يا أبا قيس مالك أمسيت طليقا؟» [60] قال: ظللت أمس في النخيل ونهاري كلّه أجر بالحرير حتّى أمسيت، فأتيت فأرادت امرأتي أن تطعمني شيئا سخنا فأبطأت عليّ، فنمت فايقظوني وقد حرّم عليّ الطعام والشراب، فطويت وأمسيت وقد أجهدني الصّوم، فاغتمّ لذلك رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله تعالى وَكُلُوا يعني في ليالي الصّوم وَاشْرَبُوا فيها حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ أي بياض النّهار وضوءه من سواد الليل وظلمته ، كذا قال المفسرون. قال الشاعر: الخيط الأبيض وقت الصّبح منصدع ... والخيط الأسود لون الليل مكموع [[الدر المنثور: 1/ 480.]] وإنّما سمّي بذلك تشبيها بالخيط لابتداء الضوء والظلمة لامتدادهما. وقال ابو داود: فلمّا أضاءت لنا غدوة ... ولاح من الصبح خيط أنارا [[مجمع البيان: 1/ 502.]] وقد ورد النّص عن رسول الله ﷺ‎ في تفسير هذه الآية. وروى مخالد عن عامر عن عدي بن حاتم قال: علمني رسول الله ﷺ‎ الصّلاة والصّيام قال: صل كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس: فكل واشرب حتّى يتبين لك الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وصم ثلاثين يوما إلى أن ترى الهلال قبل ذلك، قال: فأخذت خيطتين من شعر أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي. فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ‎، فضحك رسول الله ﷺ‎: حتّى بدت نواجذه وقال: «يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل» [61] [[راجع تحفة الأحوذي: 3/ 320، والمعجم للطبراني: 17/ 78.]] . وروى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: نزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم يقول: من الفجر. كان رجال إذا أرادوا الصوم يضع أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبين لهم فأنزل الله تعالى مِنَ الْفَجْرِ فعلموا إنّما يعني بذلك الليل والنهار. والفجر انشقاق عمود الصبح وابتداء ضوءه، وهو مصدر من قولك فجرّ الماء يفجر فجرا إذا انبعث وجرى شبّهه شق الضوء بظلمة الفجر، الماء الحوض إذا شقه وخرج منه وهما فجران، أحدهما: يسطع في السماء مستطيلا كذنب السرحان ولا ينتشر فذلك لا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام على الصائم وهو الفجر الكاذب. والثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق ضوء الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم وهو المعني بهذه الآية. عن سمرة بن جندب قال: قال النبيّ ﷺ‎ «لا يمنعكم من السحور آذان بلال ولا الصبح المستطيل ولكن الصبح المستطير في الأفق» [62] [[المصنف لابن أبي شيبة: 2/ 427.]] . ثمّ ذكر وقت الإفطار فقال ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. قال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبيّ ﷺ‎ في مسيرة وهو صائم فلمّا غربت الشمس قال لرجل: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: يا رسول الله أمسيت؟ فقال: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: لو أمسيت، فقال: انزل فاجرح لي، قال: يا رسول الله ان علينا نهارا فقال له الثالثة فنزل فجرح له. ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم» [63] [[مسند أحمد: 1/ 48- 54.]] . وفي بعض الألفاظ: أكل أو لم تأكل. وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، كان مجاهد يقرأ في المسجد، وأصل العكوف والاعتكاف الثبات والاقامة. فقال: عكفت بالمكان إذا عكفت، قال الله عزّ وجلّ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [[سورة الأعراف: 138.]] أيّ يقيمون. قال الفرزدق يصف القدور: يرى حولهن معتفين كأنهم ... على صنم في الجالية عكف وقال الطرماح: فبات بنات الليل حولي عكّفا ... عكوف البواكي بينهن صريع [[تفسير الطبري: 2/ 245.]] وقال آخر: تصدّى لها والدجى قد عكف خيال هداه إليه الشغف، والاعتكاف هو حبس النفس في المسجد على عبادة الله تعالى. واختلف العلماء في معنى المباشرة التي نهي المعتكف عنها. فقال قوم: هي المجامعة خاصة معناه لا تجامعوهن ما دمتم معتكفين في المساجد، فإن الجماع يفسد الاعتكاف وبه قال ابن عبّاس وعطاء والضحاك والربيع. وقال قتادة ومقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبيّ ﷺ‎ كانوا يعتكفون في المسجد وإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثمّ يغتسل ويرجع إلى المسجد فنهوا أن يجامعوا ليلا ونهارا حتّى يفرغوا من اعتكافهم. وقال أبو زيد: المباشرة الجماع وغير الجماع من اللمس والقبلة وانواع التلذذ، والجماع مفسد للاعتكاف بالإجماع، والمباشرة غير الجماع، فهو على ضربين: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مكروه ولا يفسد الاعتكاف عند أكثر الفقهاء وقال مالك بن أنس: يفسده. قال ابن جريج: قلت لعطاء المباشرة هو الجماع؟ قال: الجماع نفسه، قلت له: فالقبلة في المسجد والمسّة؟ قال: أما الذي حرّم فالجماع وأنا أكره كل شيء من ذلك في المسجد [[المصدر السابق: 2/ 247.]] . والضرب الثاني: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مباح كما جاء في الخبر عن عائشة رضي الله عنها، إن رسول الله ﷺ‎ كان يخرج إليها رأسه من المسجد فترجّله وهو معتكف. فرقد السجني عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إن رسول الله ﷺ‎ قال في المعتكف: «هو معتكف [[في المصادر: يعكف.]] الذنوب وتجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها» [64] [[المغني لابن قدامة: 3/ 118، وسنن ابن ماجة: 1/ 567 ح 1781.]] . عن علي بن الحسين عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من اعتكف عشرا في رمضان كان بحجتين وعمرتين» [65] [[الجامع الصغير: 2: 575 ح 8479، وكنز العمال: 8/ 530 ح 34006.]] . تِلْكَ الأحكام التي ذكرنا في الصيام والاعتكاف حُدُودُ اللَّهِ. قال السّدي: شروط الله. شهر بن حوشب: فرائض الله. الضحاك: معصية الله. المفضل بن سلمة: الحد الموقف الذي يقف الإنسان عليه ويصف له حتّى يميّز من سائر الموصوفات والحد فصل بين الشيئين، والحد منتهى الشيء. وقال الخليل: الحد الجامع المانع. قال الزجاج: بحدود ما منع الله تعالى من مخالفتها. قلت: وأصل الحد في اللغة: المنع ومنه قيل للبواب حداد. قال الأعشى: فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدادها [[راجع زاد المسير: 1/ 176، والجونة: الخابية المطلية بالقار، والمراد ما فيها من الخمر.]] يعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها. قال النابغة: إلّا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند [[لسان العرب: 3/ 142، وفيه: الإله، بدل المليك.]] ، ومنه حدود الأرض، والدار هي ما منع غيره أن يدخل فيها، وسمي الحديد حديدا لأنه يمتنع من الأحداء، ويقال أحدّت المرأة على زوجها وحدّت إذا منعت نفسها من الزينة، فحدّد الله هي ما منع فيها أو منع من مخالفتها والتعدّي إلى غيرها. فَلا تَقْرَبُوها فلا تأتوها، يقال: قربت الشيء أقربه وقربت منه بضم الراء إذا دنوت منه. كَذلِكَ هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوها فنجّوا من السخطة والعذاب.