Lafzullah

Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — النساء 4:11 – النساء 4:32

المؤلف / المصدر: Ebû İshâk Ahmed b. Muhammed es-Sa'lebî (ö. 427h)

المحتويات
  1. النساء 4:11
  2. النساء 4:12
  3. النساء 4:13
  4. النساء 4:14
  5. النساء 4:15
  6. النساء 4:16
  7. النساء 4:17
  8. النساء 4:18
  9. النساء 4:19
  10. النساء 4:20
  11. النساء 4:21
  12. النساء 4:22
  13. النساء 4:23
  14. النساء 4:24
  15. النساء 4:25
  16. النساء 4:26
  17. النساء 4:27
  18. النساء 4:28
  19. النساء 4:29
  20. النساء 4:30
  21. النساء 4:31
  22. النساء 4:32

النساء 4:11

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ الآية، وذلك أن أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصيّاه. واختلف في اسميهما فقال الكلبي وقتادة: عرفطة، وقال غيره: سويد وعرفجة. فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا. وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، وإنما كانوا يورثون الرجال الكبار، فكانوا يقولون: لا نعطي إلّا من قاتل على ظهر الخيل وجاز القسمة. قال: فجاءت أم كحة إلى رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات له ثلاثا وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة، فلم يعطياني ولا بناته من المال شيئا وهنّ في حجري، ولا يطعمن ولا يسقين ولا يرفع لهن رأس. فدعاهما رسول الله ﷺ‎ فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلأ ولا ينكأ عدوا. فقال رسول الله ﷺ‎: «انصرفوا حتى أنظر ماذا يحدث الله لي فيهن» [[أسباب النزول: 96.]] [246] فانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية. لِلرِّجالِ يعني الذكور من أولاد الميت وأقربائه نَصِيبٌ وحظ وسهم مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من الميراث، والإناث لهن حصّة من الميراث. مِمَّا قَلَّ مِنْهُ المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً حظا معلوما واجبا، نظيرها فيما قال: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [[سورة النساء: 118.]] وهو نصب لخروجه مخرج المصدر كقول القائل: لك عليّ حق حقا واجبا، وعندي درهم هبة مقبوضة، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: هو نصب على الخروج، الكسائي: على القطع، الأخفش: جعل ذلك نصيبا فأثبت لهم في الميراث حقا، ولم يبيّن كم هو. - فأرسل رسول الله ﷺ‎ إلى سويد وعرفجة: «لا تفرّقا من مال أوس بن ثابت شيئا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ولم يبين كم هو، حتى ننظر ما ينزل الله عزّ وجلّ فيهن» ، فأنزل الله عزّ وجلّ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فلما نزلت أرسل رسول الله إلى سويد وعرفجة: «أن ادفعا إلى أم كحة الثمن ممّا ترك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال» [[تفسير القرطبي: 5/ 47.]] . وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة المواريث أُولُوا الْقُرْبى الذين لا يرثون وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي فارضوهم من المال قبل القسمة، واختلف العلماء في حكم هذه الآية: فقال قوم: هي منسوخة. وقال سعيد بن المسيب والضحاك وأبو مالك: كانت هذه قبل آية المواريث، فلما نزلت آية الميراث جعلت الميراث لأهلها الوصية ونسخت هذه الآية، وجعلت لذوي القربى الذين يحزنون ولا يرثون اليتامى والمساكين، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول الأشعري والنخعي والشعبي والزهري ورواية عكرمة ومقسم عن ابن عباس. وقال مجاهد: واجبة على أهل الميراث ما طابت بها أنفسهم. قتادة عن الحسن: ليست بمنسوخة ولكن الناس شحوا وبخلوا. وروى عبد الرزاق عن معمّر عن هشام بن عروة: أن أباه أعطاه من ميراث مصعب حين قسم ماله، قاله الحسن. وقال التابعون: كانوا يعطون التابوت والأواني وباقي المتاع والثياب، والشيء الذي يستحي من قسمته، فإن كان بعض الورثة طفلا، فاختلفوا: فقال ابن عباس والسدي وغير هما: إذا حضر القسمة هؤلاء، فإن كان الميّت أوصى لهم بشيء أنفدت لهم وصيته، وإن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانت صغارا اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا إنما هو لهؤلاء الضعفاء الصغار الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، ولو كان لي من الميراث شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم، وإن ماتوا فورثناهم أعطيناكم حقكم، وهذا هو القول المعروف. وقال سعيد بن جبير: هذه الآية ممّا يتهاون به الناس، هما وليان: وليّ يرث وهو الذي يعطي ويكسي، ووليّ لا يرث وهو الذي يقال له قول المعروف. وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارا تولوا إعطاءهم، وإن كانوا صغارا تولى إعطاء ذلك وليّهم. روى محمد بن سيرين: أن عبيدة السلماني قسّم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. روى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: تلك آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [[سورة النور: 58.]] وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [[سورة الحجرات: 13.]] . وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب، وهو أول الأقاويل بالصواب. وقال ابن زيد وغيره: هذا في الوصية لا في الميراث، كان الرجل إذا أوصى قال: فلان ماله أمر أن يوصي بثلث ماله لمن سمّى الله في هذه الآية. وروى ابن أبي مليكة عن أسماء بنت عبد الرحمن وأبي بكر والقاسم بن محمد بن أبي بكر: أخبرا أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسّم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيّة، قالا: فلم يترك في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلّا أعطاهم من مال أبيه، وتلا هذه الآية وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ. قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك في الوصية. وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا الآية. قال أكثر المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول من بحضرته عند وصيته: أنظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، فقدّم لنفسك أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتي على عامّة ماله ويستغرقه ولا يبقي لورثته شيئا، فنهاهم الله عزّ وجلّ من ذلك وأمر هم أن يأمروه أن يبقي لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ولا يجحف بورثته، كما لو كان هذا الميت هو الموصي، لسرّه أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالة مع ضعفهم، ويجرهم إلى التصرّف والحيلة. وقال مقسم الحضرمي: الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته: اتق الله وأمسك عليك مالك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية لأقربائه ولليتامى والفقراء، ولو كان هذا هو الموصي لسرّه أن يوصي لهم. وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، فليقل وليفعل خيرا وليأت إليه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده. وهي رواية عطية عن ابن عباس. وقال الشعري: كنّا بالقسطنطينيّة أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محبرين وابن الديلمي وهاني بن مكتوم، وجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعا لما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشير عليّ ودّي أنه لا يولد لي ولد أبدا قال: فضرب بيده على منكبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل فإنه ليست من قسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلّا وهي خارجة شئنا أو أبينا، ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجّاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت: بلى فتلا هذه الآية، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً والسديد العدل والصواب من القول إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الآية. قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد، ولّي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله عزّ وجلّ فيه إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً حراما بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً أخبر عن ماله وأخبر عن حاله، والعرب تقول للشيء الذي يؤدى إلى الشيء: هذا كذا لما يؤدى إليه، مثل قولهم: هذا الموت، أي يؤدي إليه. وقال النبي ﷺ‎: في الشارب من أواني الذهب والفضة «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» [[تفسير القرطبي: 16/ 112، تفسير ابن كثير: 1/ 212.]] [247] . وقال (عليه السلام) : «البحر نار في نار» [[تفسير القرطبي: 18/ 211.]] [248] أي عاقبتها كذلك، وذكر البطون تأكيدا كما يقال: نظرت بعيني وقلت بلساني وأخذت بيدي ومشيت برجلي وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وقودا. قرأه العامة بفتح الياء، أي يدخلون، تصديقها إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقوله: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى [[سورة الليل: 15.]] . وقرأ أبو رجاء والحسن وابن عامر وعاصم وأبو جعفر: بضم الياء، أي يدخلون النار ويحرقون نظيره، قوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [[سورة المدثر: 26.]] وقوله: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً [[سورة النساء: 30.]] . وقرأ حميد بن قيس: (وسيصلّون) بضم الياء وتشديد اللام، من التصلية، لكثرة الفعل، أي مرّة بعد مرّة، دليله قوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [[سورة الحاقة: 31.]] وكل صواب، يقال: صليت الشيء إذا شويته. وفي الحديث: أتى بشاة مصلية، فاصليته ألقيته في النار، وصليته مرّة بعد مرّة ، وصليت بكسر اللام دخلت النار وتصلّيت استدفأت بالنار. قال الشاعر: وقد تصليت حرّ حربهم ... كما تصلّى المقرور من قرس [[تفسير القرطبي: 5/ 54.]] . وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة، ولهب النار ودخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه يأكل مال اليتيم. وقال النبي ﷺ‎: «رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما عالية على منخريه وأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، ثم يخرج من أسافلهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» [[تفسير الطبري: 4/ 263، (بتفاوت) .]] [249] . يُوصِيكُمُ اللَّهُ. فصل في بسط الآية اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء والأطفال، فأبطل الله عزّ وجلّ ذلك بقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدأ الإسلام بالمحالفة قال الله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ يعني الحلفاء فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم صارت بعد الهجرة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [[سورة الأنفال: 72.]] فنسخ هذا كله وصارت الوراثة على وجهين: بالسبب والنسب، فأما السبب فهو النكاح والولاء، وهذا علم عريض لذلك. قال رسول الله ﷺ‎: «عليكم بالفرائض فإنها نصف العلم وهو أول علم ينزع من أمتي» [[فتح الباري: 12/ 4، كنز العمال: 11/ 3 بتفاوت يسير.]] [250] . ولا يمكن معرفة ذلك إلّا بمعرفة الورثة والسهام، وقد أفردت فيه قولا وجيزا جامعا كما يليق بشرط الكتاب والله الموفق للصواب. اعلم أن الميت إذا مات يبدأ أولا بالتجهيز ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه، فما فضل يقسّم بين الورثة، والورثة على ثلاثة أقسام: منهم من يرث بالفرض، ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعا، فصاحب الفرض: من له سهم معلوم ونصيب مقدّر، مثل البنات والأخوات والأمهات والجدّات والأزواج والزوجات، وصاحب التعصيب: من يأخذ جميع المال عند عدم أصحاب الفروض، أو يأخذ الفاضل منهم ويكون محروما إذا لم يفضل من أصحاب السهام شيء، مثل الأخ والعم ونحوهما، والذي يرث بالوجهين: هو الأب مع البنت وبنت الابن، يأخذ نصيبه المقدر وهو السدس، ثم يأخذ ما فضل منهما وجملة الورثة سبعة عشر، عشرة من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل والأب وأب الأب وإن علا والأخ وابن الأخ والعم وابن العم والزوج ومولى العتاق، ومن النساء سبع: البنت وبنت الابن والأم والجدّة والأخت والزوجة ومولاة العتاق، والذين لا يسقطهم من الميراث أحد الستة، الأبوان والولدان والزوجان. والعلة في ذلك: أنه ليست بينهم وبين الميت واسطة، والذين لا يرثون بحال ستة: العبد والمدبّر والمكاتب وأم الولد وقاتل العمد وأهل الملتين، والسهام المحدودة في كتاب الله عزّ وجلّ ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. والنصف فرض خمسة: بنت الصلب، وبنت الابن إذا لم يكن بنت الصلب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب إذا لم يكن الأخت للأب والأم، والزوج إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والربع فرض اثنين: الزوج إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، والزوجة والزوجات إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والثمن فرض واحد: الزوجة والزوجات إذا كان للميت ولد أو ولد ابن. والثلثان فرض كل اثنين فصاعدا ممّن فرضه النصف. والثلث فرض ثلاثة: الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الأخوة والأخوات إلّا في مسألتين: أحد هما زوج وأبوان، والأخرى امرأة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج، وهو في الحقيقة سدس جميع المال، والزوجة وهو ربع جميع المال، وفرض الاثنين من ولد الأم ذكورهم وإناثهم سواء، وفرض الجدّ مع الأخوة والأخوات إذا كانت المقاسمة خيرا له من الثلث. والسدس فرض سبعة: بنت الابن مع بنت الصلب، والأخت للأب مع الأخت للأب والأم، والواحد من ولد الأم، والأم إذا كان للبنت ولدا، وولد ابن أو اثنان من الأخوة والأخوات، وفرض الجدة والجدات وفرض الأب مع الولد وولد الابن [....] [[بياض في الأصل.]] مع الابن وابن الابن، وأما العصبات فأقربهم البنون ثم بنوهم ثم بنو بنيهم وإن سفلوا [ ... ] [[بياض في الأصل.]] أخواتهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثم الأب وله ثلاثة أحوال: حال ينفرد بالتعصيب، وهو مع عدم الولد وولد الابن، وحال ينفرد بالفرض، وهو مع الابن أو ابن الابن، وحال يجمع له الفرض والتعصيب، وهو مع البنت وابنة الابن، ثم الجد إن لم يكن له أخوة، وإن كان له أخوة قاسمهم، ثم الأخوة والأخوات للأب والأم، ثم الأخوة والأخوات للأب يقسمون المال بينهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والواحدة منهن عصبة مع البنات، وسائر العصبات ينفرد ذكورهم بالتعصيب، دون الإناث، ثم بنو الأخوة للأب والأم، ثم بنو الأخوة للأب، ثم الأعمام للأب والأم، ثم الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم أعمام الأب كذلك، ثم أعمام الجد، على هذا الترتيب لا يرث بنو أب أعلى وبنو أب أقرب منهم موجود، ثم مولى العتق، ثم عصبته على هذا الترتيب، فهذه جملة من هذا العلم. رجعنا إلى تفسير الآية، اختلف المفسرون في سبب نزولها: فأخبر محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: مرضت فعادني رسول الله ﷺ‎ وأبو بكر (رضي الله عنه) وهما يتمشيان، فأغشي عليّ فدعا بماء فتوضأ ثم صبّه عليّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أمضي في مالي؟ كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله ﷺ‎ فنزلت فيّ آية المواريث. وقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وابنتين وأخا، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد، وإن سعدا قتل يوم أحد معك شهيدا، وإن عمّهما أخذ مالهما ولا ينكحان إلّا ولهما مال، فقال رسول الله ﷺ‎: «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» [251] فأقامت حينا ثم عادت وشكت وبكت، فنزل على رسول الله ﷺ‎ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى آخرها. فدعا رسول الله ﷺ‎ عمّهما وقال: «أعط بنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» [[سنن الترمذي: 3/ 280، ارواء الغليل: 6/ 121- 122.]] [252] ، فهذا أول ميراث قسّم في الإسلام. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة وقد مضت القصة. وقال السدي: نزلت في عبد الرحمن أخي حسان الشاعر، وذلك أنه مات وترك امرأة وخمس أخوات، فجاء الورثة فأخذوا ماله ولم يعطوا امرأته شيئا، فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله آية المواريث. وقال ابن عباس: كانت المواريث للأولاد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله ذلك، وأنزل آية المواريث، فقال رسول الله ﷺ‎: «إن الله لم يرض بملك مقرب ونبي مرسل حتى تولى قسم التركات وأعطى كل ذي حق حقه ألا فلا وصية للوارث» [[مجمع البيان: 3/ 29، ولم يرد فيه ذيل الرواية.]] [253] وقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ أي يعهد إليكم ويفرض عليكم فِي أَوْلادِكُمْ أي في أمر أولادكم إذا متم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً يعني المتروكات فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فصاعدا يعني البنات فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ و (فوق) صلة، كقوله عزّ وجلّ: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [[سورة الأنفال: 12.]] . وَإِنْ كانَتْ يعني البنت واحِدَةً. قرأه العامة: نصب على خبر كان، ورفعهما أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، وحينئذ لا خبر له. فَلَهَا النِّصْفُ ثم قال: وَلِأَبَوَيْهِ يعني لأبوي الميت، كناية عن غير المذكور لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ أو ولدان، والأب هاهنا صاحب فرض فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ قرأ أهل الكوفة: (فَلِأِمِّهِ) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بالضم على الأصل. فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ اثنين كانا أو أكثر ذكرانا أو إناثا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ هذا قول عامة الفقهاء، وكان ابن عباس لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة أخوة، وكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث وما بقي فللأب، اتبع ظاهر اللفظ. وروى: أن ابن عباس دخل على عثمان فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله عزّ وجلّ: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة؟ فقال عثمان: هل أستطيع نقض أمر قد كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار. وقول ابن عباس في هذا غير مأخوذ به، وأما الآية فإن العرب توقع اسم الجمع على التثنية، لأن الجمع ضمّ شيء إلى شيء، فأقل الجموع اثنان وأقصاها لا غاية له، قال الله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] . وتقول العرب: ضربت من زيد وعمرو، رؤوسهما فأوجعت من إخوتك ظهورهما. وأنشد الأخفش: لما أتتنا المرأتان بالخبر ... أن الأمر فينا قد شهر [[تفسير القرطبي: 5/ 73.]] قال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح الزيدي: ويحيى بالسلام غني قوم ... ويبخل بالسلام على الفقير أليس الموت بينهما سواء ... إذا ماتوا وصاروا في القبور [[تفسير القرطبي: 5/ 73، و 14/ 106.]] مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: (يوصى) بفتح الصاد، الباقون: بالكسر وكذلك الآخر. واختلفت الرواية فيهما عن عاصم، والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنّه جرى ذكر الميت قبل هذا، قال الأخفش: وتصديق الكسر يوصين ويواصون. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً. قال مجاهد: في الدنيا، وقرأ بعضهم: (أيهما أقرب لكم نفعا) أي رفع بالابتداء، ولم يعمل فيه ال (ما) قبله، لأنه استفهام و (أقرب) خبره و (نفعا) نصب على التمييز، كأنه يقول: لا يدرون أي الوارثين والموروثين أسرع موتا فيرثه صاحبه، فلا تتمنوا موت الموروث ولا تستعجلوه. وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله عزّ وجلّ يشفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده في درجته ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته ليقرّ بذلك عينيهما. قال الحسن: لا تدرون بأيّهم أنتم أسعد في الدين والدنيا. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ يعني وللزوجات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ نظم الآية: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة، وهو نصب على المصدر، وقيل: على الحال، وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، تقديرها: وإن كان رجل يورث ماله كلالة. وقرأ الحسن وعيسى: (يُوَرِثُ) بكسر الراء [جعلا] فعلا له. واختلفوا في الكلالة: فقال الضحاك والسدي: هو الموروث. سعيد بن جبير: هم الورثة. النضر بن شميل: هو المال. واختلفوا أيضا في معناه وحكمه: فروى أنس عن النبي ﷺ‎ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فردّ عليه السائل فقال ﷺ‎: «لست بزائدك حتى أزاد» [[تأويل مختلف الحديث: 185، (بتفاوت) .]] [254] . وروى شعبة عن عاصم الأحوال قال: سمعت الشعبي يقول: إن أبا بكر (رضي الله عنه) قال في الكلالة: أقضي فيها قضاء وأن كان صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن الشيطان ومني، والله بريء منه: هو ما دون الوالد والولد، يقول: كل وارث دونهما كلالة قال: فلما كان عمر (رضي الله عنه) بعده قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر: هو ما خلا الوالد والولد. وقال طاوس: هو ما دون الولد. والحكم: هو ما دون الأب. عطية: هم الأخوة للأم. عبيد بن عمير: هم الأخوة للأب. وقيل: هم الأخوة والأخوات. قال جابر بن عبد الله: قلت يا رسول الله إنما يرثان أختان لي فكيف بالميراث؟ فنزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. وقال الأخفش: كل من لم يرثه أب أو أم فهو كلالة. وقال أهل اللغة: هو من نكلله النسب إذا أحاط به كالإكليل. قال امرؤ القيس: أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبّي مكلل [[غريب الحديث: 3/ 105، لسان العرب: 7/ 252.]] فسمّوا كلالة، لأنهم أحاطوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وأحاطتهم به أنهم ينسبون معه. قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم [[الصحاح: 5/ 1811، لسان العرب: 11/ 592.]] وقال بعضهم: وإن أبا المرؤ أحمى وله ... ومولى الكلالة لا يغضب وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ولم يقل: (ولهما) وقد مضى ذكر الرجل والمرأة على عادت العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما كانا في الحكم سواء، ربّما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا، يقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما كلها جائز، قال الله عزّ وجلّ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ ونظائرها، وأراد بهذا الأخ والأخت من الأمر، يدل عليه قراءة سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من الأم فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم سواء مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ. قال علي (عليه السلام) : إنكم تقرؤون الوصيّة قبل الدين وبدأ رسول الله بالدين قبل الوصية. وهذا قول عامة الفقهاء، ومعنى الآية الجمع لا الترتيب غَيْرَ مُضَارٍّ مدخل الضرر على الورثة. قال الحسن: هو أن توصي بدين ليس عليه وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ. وقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. قال قتادة: إن الله عزّ وجلّ كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت. وفي الخبر من قطع ميراثه في الجنة [[انظر: كشف الخفاء: 2/ 310.]] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله:

النساء 4:12

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ الآية، وذلك أن أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصيّاه. واختلف في اسميهما فقال الكلبي وقتادة: عرفطة، وقال غيره: سويد وعرفجة. فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا. وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، وإنما كانوا يورثون الرجال الكبار، فكانوا يقولون: لا نعطي إلّا من قاتل على ظهر الخيل وجاز القسمة. قال: فجاءت أم كحة إلى رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات له ثلاثا وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة، فلم يعطياني ولا بناته من المال شيئا وهنّ في حجري، ولا يطعمن ولا يسقين ولا يرفع لهن رأس. فدعاهما رسول الله ﷺ‎ فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلأ ولا ينكأ عدوا. فقال رسول الله ﷺ‎: «انصرفوا حتى أنظر ماذا يحدث الله لي فيهن» [[أسباب النزول: 96.]] [246] فانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية. لِلرِّجالِ يعني الذكور من أولاد الميت وأقربائه نَصِيبٌ وحظ وسهم مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من الميراث، والإناث لهن حصّة من الميراث. مِمَّا قَلَّ مِنْهُ المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً حظا معلوما واجبا، نظيرها فيما قال: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [[سورة النساء: 118.]] وهو نصب لخروجه مخرج المصدر كقول القائل: لك عليّ حق حقا واجبا، وعندي درهم هبة مقبوضة، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: هو نصب على الخروج، الكسائي: على القطع، الأخفش: جعل ذلك نصيبا فأثبت لهم في الميراث حقا، ولم يبيّن كم هو. - فأرسل رسول الله ﷺ‎ إلى سويد وعرفجة: «لا تفرّقا من مال أوس بن ثابت شيئا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ولم يبين كم هو، حتى ننظر ما ينزل الله عزّ وجلّ فيهن» ، فأنزل الله عزّ وجلّ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فلما نزلت أرسل رسول الله إلى سويد وعرفجة: «أن ادفعا إلى أم كحة الثمن ممّا ترك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال» [[تفسير القرطبي: 5/ 47.]] . وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة المواريث أُولُوا الْقُرْبى الذين لا يرثون وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي فارضوهم من المال قبل القسمة، واختلف العلماء في حكم هذه الآية: فقال قوم: هي منسوخة. وقال سعيد بن المسيب والضحاك وأبو مالك: كانت هذه قبل آية المواريث، فلما نزلت آية الميراث جعلت الميراث لأهلها الوصية ونسخت هذه الآية، وجعلت لذوي القربى الذين يحزنون ولا يرثون اليتامى والمساكين، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول الأشعري والنخعي والشعبي والزهري ورواية عكرمة ومقسم عن ابن عباس. وقال مجاهد: واجبة على أهل الميراث ما طابت بها أنفسهم. قتادة عن الحسن: ليست بمنسوخة ولكن الناس شحوا وبخلوا. وروى عبد الرزاق عن معمّر عن هشام بن عروة: أن أباه أعطاه من ميراث مصعب حين قسم ماله، قاله الحسن. وقال التابعون: كانوا يعطون التابوت والأواني وباقي المتاع والثياب، والشيء الذي يستحي من قسمته، فإن كان بعض الورثة طفلا، فاختلفوا: فقال ابن عباس والسدي وغير هما: إذا حضر القسمة هؤلاء، فإن كان الميّت أوصى لهم بشيء أنفدت لهم وصيته، وإن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانت صغارا اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا إنما هو لهؤلاء الضعفاء الصغار الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، ولو كان لي من الميراث شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم، وإن ماتوا فورثناهم أعطيناكم حقكم، وهذا هو القول المعروف. وقال سعيد بن جبير: هذه الآية ممّا يتهاون به الناس، هما وليان: وليّ يرث وهو الذي يعطي ويكسي، ووليّ لا يرث وهو الذي يقال له قول المعروف. وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارا تولوا إعطاءهم، وإن كانوا صغارا تولى إعطاء ذلك وليّهم. روى محمد بن سيرين: أن عبيدة السلماني قسّم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. روى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: تلك آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [[سورة النور: 58.]] وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [[سورة الحجرات: 13.]] . وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب، وهو أول الأقاويل بالصواب. وقال ابن زيد وغيره: هذا في الوصية لا في الميراث، كان الرجل إذا أوصى قال: فلان ماله أمر أن يوصي بثلث ماله لمن سمّى الله في هذه الآية. وروى ابن أبي مليكة عن أسماء بنت عبد الرحمن وأبي بكر والقاسم بن محمد بن أبي بكر: أخبرا أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسّم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيّة، قالا: فلم يترك في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلّا أعطاهم من مال أبيه، وتلا هذه الآية وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ. قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك في الوصية. وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا الآية. قال أكثر المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول من بحضرته عند وصيته: أنظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، فقدّم لنفسك أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتي على عامّة ماله ويستغرقه ولا يبقي لورثته شيئا، فنهاهم الله عزّ وجلّ من ذلك وأمر هم أن يأمروه أن يبقي لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ولا يجحف بورثته، كما لو كان هذا الميت هو الموصي، لسرّه أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالة مع ضعفهم، ويجرهم إلى التصرّف والحيلة. وقال مقسم الحضرمي: الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته: اتق الله وأمسك عليك مالك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية لأقربائه ولليتامى والفقراء، ولو كان هذا هو الموصي لسرّه أن يوصي لهم. وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، فليقل وليفعل خيرا وليأت إليه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده. وهي رواية عطية عن ابن عباس. وقال الشعري: كنّا بالقسطنطينيّة أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محبرين وابن الديلمي وهاني بن مكتوم، وجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعا لما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشير عليّ ودّي أنه لا يولد لي ولد أبدا قال: فضرب بيده على منكبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل فإنه ليست من قسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلّا وهي خارجة شئنا أو أبينا، ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجّاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت: بلى فتلا هذه الآية، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً والسديد العدل والصواب من القول إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الآية. قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد، ولّي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله عزّ وجلّ فيه إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً حراما بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً أخبر عن ماله وأخبر عن حاله، والعرب تقول للشيء الذي يؤدى إلى الشيء: هذا كذا لما يؤدى إليه، مثل قولهم: هذا الموت، أي يؤدي إليه. وقال النبي ﷺ‎: في الشارب من أواني الذهب والفضة «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» [[تفسير القرطبي: 16/ 112، تفسير ابن كثير: 1/ 212.]] [247] . وقال (عليه السلام) : «البحر نار في نار» [[تفسير القرطبي: 18/ 211.]] [248] أي عاقبتها كذلك، وذكر البطون تأكيدا كما يقال: نظرت بعيني وقلت بلساني وأخذت بيدي ومشيت برجلي وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وقودا. قرأه العامة بفتح الياء، أي يدخلون، تصديقها إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقوله: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى [[سورة الليل: 15.]] . وقرأ أبو رجاء والحسن وابن عامر وعاصم وأبو جعفر: بضم الياء، أي يدخلون النار ويحرقون نظيره، قوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [[سورة المدثر: 26.]] وقوله: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً [[سورة النساء: 30.]] . وقرأ حميد بن قيس: (وسيصلّون) بضم الياء وتشديد اللام، من التصلية، لكثرة الفعل، أي مرّة بعد مرّة، دليله قوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [[سورة الحاقة: 31.]] وكل صواب، يقال: صليت الشيء إذا شويته. وفي الحديث: أتى بشاة مصلية، فاصليته ألقيته في النار، وصليته مرّة بعد مرّة ، وصليت بكسر اللام دخلت النار وتصلّيت استدفأت بالنار. قال الشاعر: وقد تصليت حرّ حربهم ... كما تصلّى المقرور من قرس [[تفسير القرطبي: 5/ 54.]] . وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة، ولهب النار ودخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه يأكل مال اليتيم. وقال النبي ﷺ‎: «رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما عالية على منخريه وأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، ثم يخرج من أسافلهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» [[تفسير الطبري: 4/ 263، (بتفاوت) .]] [249] . يُوصِيكُمُ اللَّهُ. فصل في بسط الآية اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء والأطفال، فأبطل الله عزّ وجلّ ذلك بقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدأ الإسلام بالمحالفة قال الله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ يعني الحلفاء فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم صارت بعد الهجرة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [[سورة الأنفال: 72.]] فنسخ هذا كله وصارت الوراثة على وجهين: بالسبب والنسب، فأما السبب فهو النكاح والولاء، وهذا علم عريض لذلك. قال رسول الله ﷺ‎: «عليكم بالفرائض فإنها نصف العلم وهو أول علم ينزع من أمتي» [[فتح الباري: 12/ 4، كنز العمال: 11/ 3 بتفاوت يسير.]] [250] . ولا يمكن معرفة ذلك إلّا بمعرفة الورثة والسهام، وقد أفردت فيه قولا وجيزا جامعا كما يليق بشرط الكتاب والله الموفق للصواب. اعلم أن الميت إذا مات يبدأ أولا بالتجهيز ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه، فما فضل يقسّم بين الورثة، والورثة على ثلاثة أقسام: منهم من يرث بالفرض، ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعا، فصاحب الفرض: من له سهم معلوم ونصيب مقدّر، مثل البنات والأخوات والأمهات والجدّات والأزواج والزوجات، وصاحب التعصيب: من يأخذ جميع المال عند عدم أصحاب الفروض، أو يأخذ الفاضل منهم ويكون محروما إذا لم يفضل من أصحاب السهام شيء، مثل الأخ والعم ونحوهما، والذي يرث بالوجهين: هو الأب مع البنت وبنت الابن، يأخذ نصيبه المقدر وهو السدس، ثم يأخذ ما فضل منهما وجملة الورثة سبعة عشر، عشرة من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل والأب وأب الأب وإن علا والأخ وابن الأخ والعم وابن العم والزوج ومولى العتاق، ومن النساء سبع: البنت وبنت الابن والأم والجدّة والأخت والزوجة ومولاة العتاق، والذين لا يسقطهم من الميراث أحد الستة، الأبوان والولدان والزوجان. والعلة في ذلك: أنه ليست بينهم وبين الميت واسطة، والذين لا يرثون بحال ستة: العبد والمدبّر والمكاتب وأم الولد وقاتل العمد وأهل الملتين، والسهام المحدودة في كتاب الله عزّ وجلّ ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. والنصف فرض خمسة: بنت الصلب، وبنت الابن إذا لم يكن بنت الصلب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب إذا لم يكن الأخت للأب والأم، والزوج إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والربع فرض اثنين: الزوج إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، والزوجة والزوجات إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والثمن فرض واحد: الزوجة والزوجات إذا كان للميت ولد أو ولد ابن. والثلثان فرض كل اثنين فصاعدا ممّن فرضه النصف. والثلث فرض ثلاثة: الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الأخوة والأخوات إلّا في مسألتين: أحد هما زوج وأبوان، والأخرى امرأة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج، وهو في الحقيقة سدس جميع المال، والزوجة وهو ربع جميع المال، وفرض الاثنين من ولد الأم ذكورهم وإناثهم سواء، وفرض الجدّ مع الأخوة والأخوات إذا كانت المقاسمة خيرا له من الثلث. والسدس فرض سبعة: بنت الابن مع بنت الصلب، والأخت للأب مع الأخت للأب والأم، والواحد من ولد الأم، والأم إذا كان للبنت ولدا، وولد ابن أو اثنان من الأخوة والأخوات، وفرض الجدة والجدات وفرض الأب مع الولد وولد الابن [....] [[بياض في الأصل.]] مع الابن وابن الابن، وأما العصبات فأقربهم البنون ثم بنوهم ثم بنو بنيهم وإن سفلوا [ ... ] [[بياض في الأصل.]] أخواتهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثم الأب وله ثلاثة أحوال: حال ينفرد بالتعصيب، وهو مع عدم الولد وولد الابن، وحال ينفرد بالفرض، وهو مع الابن أو ابن الابن، وحال يجمع له الفرض والتعصيب، وهو مع البنت وابنة الابن، ثم الجد إن لم يكن له أخوة، وإن كان له أخوة قاسمهم، ثم الأخوة والأخوات للأب والأم، ثم الأخوة والأخوات للأب يقسمون المال بينهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والواحدة منهن عصبة مع البنات، وسائر العصبات ينفرد ذكورهم بالتعصيب، دون الإناث، ثم بنو الأخوة للأب والأم، ثم بنو الأخوة للأب، ثم الأعمام للأب والأم، ثم الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم أعمام الأب كذلك، ثم أعمام الجد، على هذا الترتيب لا يرث بنو أب أعلى وبنو أب أقرب منهم موجود، ثم مولى العتق، ثم عصبته على هذا الترتيب، فهذه جملة من هذا العلم. رجعنا إلى تفسير الآية، اختلف المفسرون في سبب نزولها: فأخبر محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: مرضت فعادني رسول الله ﷺ‎ وأبو بكر (رضي الله عنه) وهما يتمشيان، فأغشي عليّ فدعا بماء فتوضأ ثم صبّه عليّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أمضي في مالي؟ كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله ﷺ‎ فنزلت فيّ آية المواريث. وقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وابنتين وأخا، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد، وإن سعدا قتل يوم أحد معك شهيدا، وإن عمّهما أخذ مالهما ولا ينكحان إلّا ولهما مال، فقال رسول الله ﷺ‎: «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» [251] فأقامت حينا ثم عادت وشكت وبكت، فنزل على رسول الله ﷺ‎ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى آخرها. فدعا رسول الله ﷺ‎ عمّهما وقال: «أعط بنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» [[سنن الترمذي: 3/ 280، ارواء الغليل: 6/ 121- 122.]] [252] ، فهذا أول ميراث قسّم في الإسلام. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة وقد مضت القصة. وقال السدي: نزلت في عبد الرحمن أخي حسان الشاعر، وذلك أنه مات وترك امرأة وخمس أخوات، فجاء الورثة فأخذوا ماله ولم يعطوا امرأته شيئا، فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله آية المواريث. وقال ابن عباس: كانت المواريث للأولاد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله ذلك، وأنزل آية المواريث، فقال رسول الله ﷺ‎: «إن الله لم يرض بملك مقرب ونبي مرسل حتى تولى قسم التركات وأعطى كل ذي حق حقه ألا فلا وصية للوارث» [[مجمع البيان: 3/ 29، ولم يرد فيه ذيل الرواية.]] [253] وقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ أي يعهد إليكم ويفرض عليكم فِي أَوْلادِكُمْ أي في أمر أولادكم إذا متم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً يعني المتروكات فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فصاعدا يعني البنات فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ و (فوق) صلة، كقوله عزّ وجلّ: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [[سورة الأنفال: 12.]] . وَإِنْ كانَتْ يعني البنت واحِدَةً. قرأه العامة: نصب على خبر كان، ورفعهما أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، وحينئذ لا خبر له. فَلَهَا النِّصْفُ ثم قال: وَلِأَبَوَيْهِ يعني لأبوي الميت، كناية عن غير المذكور لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ أو ولدان، والأب هاهنا صاحب فرض فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ قرأ أهل الكوفة: (فَلِأِمِّهِ) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بالضم على الأصل. فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ اثنين كانا أو أكثر ذكرانا أو إناثا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ هذا قول عامة الفقهاء، وكان ابن عباس لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة أخوة، وكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث وما بقي فللأب، اتبع ظاهر اللفظ. وروى: أن ابن عباس دخل على عثمان فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله عزّ وجلّ: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة؟ فقال عثمان: هل أستطيع نقض أمر قد كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار. وقول ابن عباس في هذا غير مأخوذ به، وأما الآية فإن العرب توقع اسم الجمع على التثنية، لأن الجمع ضمّ شيء إلى شيء، فأقل الجموع اثنان وأقصاها لا غاية له، قال الله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] . وتقول العرب: ضربت من زيد وعمرو، رؤوسهما فأوجعت من إخوتك ظهورهما. وأنشد الأخفش: لما أتتنا المرأتان بالخبر ... أن الأمر فينا قد شهر [[تفسير القرطبي: 5/ 73.]] قال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح الزيدي: ويحيى بالسلام غني قوم ... ويبخل بالسلام على الفقير أليس الموت بينهما سواء ... إذا ماتوا وصاروا في القبور [[تفسير القرطبي: 5/ 73، و 14/ 106.]] مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: (يوصى) بفتح الصاد، الباقون: بالكسر وكذلك الآخر. واختلفت الرواية فيهما عن عاصم، والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنّه جرى ذكر الميت قبل هذا، قال الأخفش: وتصديق الكسر يوصين ويواصون. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً. قال مجاهد: في الدنيا، وقرأ بعضهم: (أيهما أقرب لكم نفعا) أي رفع بالابتداء، ولم يعمل فيه ال (ما) قبله، لأنه استفهام و (أقرب) خبره و (نفعا) نصب على التمييز، كأنه يقول: لا يدرون أي الوارثين والموروثين أسرع موتا فيرثه صاحبه، فلا تتمنوا موت الموروث ولا تستعجلوه. وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله عزّ وجلّ يشفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده في درجته ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته ليقرّ بذلك عينيهما. قال الحسن: لا تدرون بأيّهم أنتم أسعد في الدين والدنيا. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ يعني وللزوجات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ نظم الآية: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة، وهو نصب على المصدر، وقيل: على الحال، وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، تقديرها: وإن كان رجل يورث ماله كلالة. وقرأ الحسن وعيسى: (يُوَرِثُ) بكسر الراء [جعلا] فعلا له. واختلفوا في الكلالة: فقال الضحاك والسدي: هو الموروث. سعيد بن جبير: هم الورثة. النضر بن شميل: هو المال. واختلفوا أيضا في معناه وحكمه: فروى أنس عن النبي ﷺ‎ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فردّ عليه السائل فقال ﷺ‎: «لست بزائدك حتى أزاد» [[تأويل مختلف الحديث: 185، (بتفاوت) .]] [254] . وروى شعبة عن عاصم الأحوال قال: سمعت الشعبي يقول: إن أبا بكر (رضي الله عنه) قال في الكلالة: أقضي فيها قضاء وأن كان صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن الشيطان ومني، والله بريء منه: هو ما دون الوالد والولد، يقول: كل وارث دونهما كلالة قال: فلما كان عمر (رضي الله عنه) بعده قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر: هو ما خلا الوالد والولد. وقال طاوس: هو ما دون الولد. والحكم: هو ما دون الأب. عطية: هم الأخوة للأم. عبيد بن عمير: هم الأخوة للأب. وقيل: هم الأخوة والأخوات. قال جابر بن عبد الله: قلت يا رسول الله إنما يرثان أختان لي فكيف بالميراث؟ فنزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. وقال الأخفش: كل من لم يرثه أب أو أم فهو كلالة. وقال أهل اللغة: هو من نكلله النسب إذا أحاط به كالإكليل. قال امرؤ القيس: أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبّي مكلل [[غريب الحديث: 3/ 105، لسان العرب: 7/ 252.]] فسمّوا كلالة، لأنهم أحاطوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وأحاطتهم به أنهم ينسبون معه. قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم [[الصحاح: 5/ 1811، لسان العرب: 11/ 592.]] وقال بعضهم: وإن أبا المرؤ أحمى وله ... ومولى الكلالة لا يغضب وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ولم يقل: (ولهما) وقد مضى ذكر الرجل والمرأة على عادت العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما كانا في الحكم سواء، ربّما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا، يقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما كلها جائز، قال الله عزّ وجلّ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ ونظائرها، وأراد بهذا الأخ والأخت من الأمر، يدل عليه قراءة سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من الأم فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم سواء مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ. قال علي (عليه السلام) : إنكم تقرؤون الوصيّة قبل الدين وبدأ رسول الله بالدين قبل الوصية. وهذا قول عامة الفقهاء، ومعنى الآية الجمع لا الترتيب غَيْرَ مُضَارٍّ مدخل الضرر على الورثة. قال الحسن: هو أن توصي بدين ليس عليه وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ. وقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. قال قتادة: إن الله عزّ وجلّ كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت. وفي الخبر من قطع ميراثه في الجنة [[انظر: كشف الخفاء: 2/ 310.]] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله:

النساء 4:13

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ الآية، وذلك أن أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصيّاه. واختلف في اسميهما فقال الكلبي وقتادة: عرفطة، وقال غيره: سويد وعرفجة. فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا. وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، وإنما كانوا يورثون الرجال الكبار، فكانوا يقولون: لا نعطي إلّا من قاتل على ظهر الخيل وجاز القسمة. قال: فجاءت أم كحة إلى رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات له ثلاثا وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة، فلم يعطياني ولا بناته من المال شيئا وهنّ في حجري، ولا يطعمن ولا يسقين ولا يرفع لهن رأس. فدعاهما رسول الله ﷺ‎ فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلأ ولا ينكأ عدوا. فقال رسول الله ﷺ‎: «انصرفوا حتى أنظر ماذا يحدث الله لي فيهن» [[أسباب النزول: 96.]] [246] فانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية. لِلرِّجالِ يعني الذكور من أولاد الميت وأقربائه نَصِيبٌ وحظ وسهم مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من الميراث، والإناث لهن حصّة من الميراث. مِمَّا قَلَّ مِنْهُ المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً حظا معلوما واجبا، نظيرها فيما قال: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [[سورة النساء: 118.]] وهو نصب لخروجه مخرج المصدر كقول القائل: لك عليّ حق حقا واجبا، وعندي درهم هبة مقبوضة، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: هو نصب على الخروج، الكسائي: على القطع، الأخفش: جعل ذلك نصيبا فأثبت لهم في الميراث حقا، ولم يبيّن كم هو. - فأرسل رسول الله ﷺ‎ إلى سويد وعرفجة: «لا تفرّقا من مال أوس بن ثابت شيئا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ولم يبين كم هو، حتى ننظر ما ينزل الله عزّ وجلّ فيهن» ، فأنزل الله عزّ وجلّ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فلما نزلت أرسل رسول الله إلى سويد وعرفجة: «أن ادفعا إلى أم كحة الثمن ممّا ترك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال» [[تفسير القرطبي: 5/ 47.]] . وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة المواريث أُولُوا الْقُرْبى الذين لا يرثون وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي فارضوهم من المال قبل القسمة، واختلف العلماء في حكم هذه الآية: فقال قوم: هي منسوخة. وقال سعيد بن المسيب والضحاك وأبو مالك: كانت هذه قبل آية المواريث، فلما نزلت آية الميراث جعلت الميراث لأهلها الوصية ونسخت هذه الآية، وجعلت لذوي القربى الذين يحزنون ولا يرثون اليتامى والمساكين، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول الأشعري والنخعي والشعبي والزهري ورواية عكرمة ومقسم عن ابن عباس. وقال مجاهد: واجبة على أهل الميراث ما طابت بها أنفسهم. قتادة عن الحسن: ليست بمنسوخة ولكن الناس شحوا وبخلوا. وروى عبد الرزاق عن معمّر عن هشام بن عروة: أن أباه أعطاه من ميراث مصعب حين قسم ماله، قاله الحسن. وقال التابعون: كانوا يعطون التابوت والأواني وباقي المتاع والثياب، والشيء الذي يستحي من قسمته، فإن كان بعض الورثة طفلا، فاختلفوا: فقال ابن عباس والسدي وغير هما: إذا حضر القسمة هؤلاء، فإن كان الميّت أوصى لهم بشيء أنفدت لهم وصيته، وإن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانت صغارا اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا إنما هو لهؤلاء الضعفاء الصغار الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، ولو كان لي من الميراث شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم، وإن ماتوا فورثناهم أعطيناكم حقكم، وهذا هو القول المعروف. وقال سعيد بن جبير: هذه الآية ممّا يتهاون به الناس، هما وليان: وليّ يرث وهو الذي يعطي ويكسي، ووليّ لا يرث وهو الذي يقال له قول المعروف. وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارا تولوا إعطاءهم، وإن كانوا صغارا تولى إعطاء ذلك وليّهم. روى محمد بن سيرين: أن عبيدة السلماني قسّم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. روى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: تلك آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [[سورة النور: 58.]] وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [[سورة الحجرات: 13.]] . وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب، وهو أول الأقاويل بالصواب. وقال ابن زيد وغيره: هذا في الوصية لا في الميراث، كان الرجل إذا أوصى قال: فلان ماله أمر أن يوصي بثلث ماله لمن سمّى الله في هذه الآية. وروى ابن أبي مليكة عن أسماء بنت عبد الرحمن وأبي بكر والقاسم بن محمد بن أبي بكر: أخبرا أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسّم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيّة، قالا: فلم يترك في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلّا أعطاهم من مال أبيه، وتلا هذه الآية وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ. قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك في الوصية. وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا الآية. قال أكثر المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول من بحضرته عند وصيته: أنظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، فقدّم لنفسك أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتي على عامّة ماله ويستغرقه ولا يبقي لورثته شيئا، فنهاهم الله عزّ وجلّ من ذلك وأمر هم أن يأمروه أن يبقي لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ولا يجحف بورثته، كما لو كان هذا الميت هو الموصي، لسرّه أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالة مع ضعفهم، ويجرهم إلى التصرّف والحيلة. وقال مقسم الحضرمي: الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته: اتق الله وأمسك عليك مالك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية لأقربائه ولليتامى والفقراء، ولو كان هذا هو الموصي لسرّه أن يوصي لهم. وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، فليقل وليفعل خيرا وليأت إليه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده. وهي رواية عطية عن ابن عباس. وقال الشعري: كنّا بالقسطنطينيّة أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محبرين وابن الديلمي وهاني بن مكتوم، وجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعا لما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشير عليّ ودّي أنه لا يولد لي ولد أبدا قال: فضرب بيده على منكبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل فإنه ليست من قسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلّا وهي خارجة شئنا أو أبينا، ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجّاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت: بلى فتلا هذه الآية، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً والسديد العدل والصواب من القول إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الآية. قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد، ولّي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله عزّ وجلّ فيه إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً حراما بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً أخبر عن ماله وأخبر عن حاله، والعرب تقول للشيء الذي يؤدى إلى الشيء: هذا كذا لما يؤدى إليه، مثل قولهم: هذا الموت، أي يؤدي إليه. وقال النبي ﷺ‎: في الشارب من أواني الذهب والفضة «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» [[تفسير القرطبي: 16/ 112، تفسير ابن كثير: 1/ 212.]] [247] . وقال (عليه السلام) : «البحر نار في نار» [[تفسير القرطبي: 18/ 211.]] [248] أي عاقبتها كذلك، وذكر البطون تأكيدا كما يقال: نظرت بعيني وقلت بلساني وأخذت بيدي ومشيت برجلي وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وقودا. قرأه العامة بفتح الياء، أي يدخلون، تصديقها إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقوله: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى [[سورة الليل: 15.]] . وقرأ أبو رجاء والحسن وابن عامر وعاصم وأبو جعفر: بضم الياء، أي يدخلون النار ويحرقون نظيره، قوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [[سورة المدثر: 26.]] وقوله: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً [[سورة النساء: 30.]] . وقرأ حميد بن قيس: (وسيصلّون) بضم الياء وتشديد اللام، من التصلية، لكثرة الفعل، أي مرّة بعد مرّة، دليله قوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [[سورة الحاقة: 31.]] وكل صواب، يقال: صليت الشيء إذا شويته. وفي الحديث: أتى بشاة مصلية، فاصليته ألقيته في النار، وصليته مرّة بعد مرّة ، وصليت بكسر اللام دخلت النار وتصلّيت استدفأت بالنار. قال الشاعر: وقد تصليت حرّ حربهم ... كما تصلّى المقرور من قرس [[تفسير القرطبي: 5/ 54.]] . وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة، ولهب النار ودخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه يأكل مال اليتيم. وقال النبي ﷺ‎: «رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما عالية على منخريه وأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، ثم يخرج من أسافلهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» [[تفسير الطبري: 4/ 263، (بتفاوت) .]] [249] . يُوصِيكُمُ اللَّهُ. فصل في بسط الآية اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء والأطفال، فأبطل الله عزّ وجلّ ذلك بقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدأ الإسلام بالمحالفة قال الله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ يعني الحلفاء فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم صارت بعد الهجرة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [[سورة الأنفال: 72.]] فنسخ هذا كله وصارت الوراثة على وجهين: بالسبب والنسب، فأما السبب فهو النكاح والولاء، وهذا علم عريض لذلك. قال رسول الله ﷺ‎: «عليكم بالفرائض فإنها نصف العلم وهو أول علم ينزع من أمتي» [[فتح الباري: 12/ 4، كنز العمال: 11/ 3 بتفاوت يسير.]] [250] . ولا يمكن معرفة ذلك إلّا بمعرفة الورثة والسهام، وقد أفردت فيه قولا وجيزا جامعا كما يليق بشرط الكتاب والله الموفق للصواب. اعلم أن الميت إذا مات يبدأ أولا بالتجهيز ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه، فما فضل يقسّم بين الورثة، والورثة على ثلاثة أقسام: منهم من يرث بالفرض، ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعا، فصاحب الفرض: من له سهم معلوم ونصيب مقدّر، مثل البنات والأخوات والأمهات والجدّات والأزواج والزوجات، وصاحب التعصيب: من يأخذ جميع المال عند عدم أصحاب الفروض، أو يأخذ الفاضل منهم ويكون محروما إذا لم يفضل من أصحاب السهام شيء، مثل الأخ والعم ونحوهما، والذي يرث بالوجهين: هو الأب مع البنت وبنت الابن، يأخذ نصيبه المقدر وهو السدس، ثم يأخذ ما فضل منهما وجملة الورثة سبعة عشر، عشرة من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل والأب وأب الأب وإن علا والأخ وابن الأخ والعم وابن العم والزوج ومولى العتاق، ومن النساء سبع: البنت وبنت الابن والأم والجدّة والأخت والزوجة ومولاة العتاق، والذين لا يسقطهم من الميراث أحد الستة، الأبوان والولدان والزوجان. والعلة في ذلك: أنه ليست بينهم وبين الميت واسطة، والذين لا يرثون بحال ستة: العبد والمدبّر والمكاتب وأم الولد وقاتل العمد وأهل الملتين، والسهام المحدودة في كتاب الله عزّ وجلّ ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. والنصف فرض خمسة: بنت الصلب، وبنت الابن إذا لم يكن بنت الصلب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب إذا لم يكن الأخت للأب والأم، والزوج إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والربع فرض اثنين: الزوج إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، والزوجة والزوجات إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والثمن فرض واحد: الزوجة والزوجات إذا كان للميت ولد أو ولد ابن. والثلثان فرض كل اثنين فصاعدا ممّن فرضه النصف. والثلث فرض ثلاثة: الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الأخوة والأخوات إلّا في مسألتين: أحد هما زوج وأبوان، والأخرى امرأة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج، وهو في الحقيقة سدس جميع المال، والزوجة وهو ربع جميع المال، وفرض الاثنين من ولد الأم ذكورهم وإناثهم سواء، وفرض الجدّ مع الأخوة والأخوات إذا كانت المقاسمة خيرا له من الثلث. والسدس فرض سبعة: بنت الابن مع بنت الصلب، والأخت للأب مع الأخت للأب والأم، والواحد من ولد الأم، والأم إذا كان للبنت ولدا، وولد ابن أو اثنان من الأخوة والأخوات، وفرض الجدة والجدات وفرض الأب مع الولد وولد الابن [....] [[بياض في الأصل.]] مع الابن وابن الابن، وأما العصبات فأقربهم البنون ثم بنوهم ثم بنو بنيهم وإن سفلوا [ ... ] [[بياض في الأصل.]] أخواتهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثم الأب وله ثلاثة أحوال: حال ينفرد بالتعصيب، وهو مع عدم الولد وولد الابن، وحال ينفرد بالفرض، وهو مع الابن أو ابن الابن، وحال يجمع له الفرض والتعصيب، وهو مع البنت وابنة الابن، ثم الجد إن لم يكن له أخوة، وإن كان له أخوة قاسمهم، ثم الأخوة والأخوات للأب والأم، ثم الأخوة والأخوات للأب يقسمون المال بينهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والواحدة منهن عصبة مع البنات، وسائر العصبات ينفرد ذكورهم بالتعصيب، دون الإناث، ثم بنو الأخوة للأب والأم، ثم بنو الأخوة للأب، ثم الأعمام للأب والأم، ثم الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم أعمام الأب كذلك، ثم أعمام الجد، على هذا الترتيب لا يرث بنو أب أعلى وبنو أب أقرب منهم موجود، ثم مولى العتق، ثم عصبته على هذا الترتيب، فهذه جملة من هذا العلم. رجعنا إلى تفسير الآية، اختلف المفسرون في سبب نزولها: فأخبر محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: مرضت فعادني رسول الله ﷺ‎ وأبو بكر (رضي الله عنه) وهما يتمشيان، فأغشي عليّ فدعا بماء فتوضأ ثم صبّه عليّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أمضي في مالي؟ كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله ﷺ‎ فنزلت فيّ آية المواريث. وقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وابنتين وأخا، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد، وإن سعدا قتل يوم أحد معك شهيدا، وإن عمّهما أخذ مالهما ولا ينكحان إلّا ولهما مال، فقال رسول الله ﷺ‎: «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» [251] فأقامت حينا ثم عادت وشكت وبكت، فنزل على رسول الله ﷺ‎ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى آخرها. فدعا رسول الله ﷺ‎ عمّهما وقال: «أعط بنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» [[سنن الترمذي: 3/ 280، ارواء الغليل: 6/ 121- 122.]] [252] ، فهذا أول ميراث قسّم في الإسلام. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة وقد مضت القصة. وقال السدي: نزلت في عبد الرحمن أخي حسان الشاعر، وذلك أنه مات وترك امرأة وخمس أخوات، فجاء الورثة فأخذوا ماله ولم يعطوا امرأته شيئا، فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله آية المواريث. وقال ابن عباس: كانت المواريث للأولاد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله ذلك، وأنزل آية المواريث، فقال رسول الله ﷺ‎: «إن الله لم يرض بملك مقرب ونبي مرسل حتى تولى قسم التركات وأعطى كل ذي حق حقه ألا فلا وصية للوارث» [[مجمع البيان: 3/ 29، ولم يرد فيه ذيل الرواية.]] [253] وقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ أي يعهد إليكم ويفرض عليكم فِي أَوْلادِكُمْ أي في أمر أولادكم إذا متم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً يعني المتروكات فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فصاعدا يعني البنات فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ و (فوق) صلة، كقوله عزّ وجلّ: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [[سورة الأنفال: 12.]] . وَإِنْ كانَتْ يعني البنت واحِدَةً. قرأه العامة: نصب على خبر كان، ورفعهما أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، وحينئذ لا خبر له. فَلَهَا النِّصْفُ ثم قال: وَلِأَبَوَيْهِ يعني لأبوي الميت، كناية عن غير المذكور لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ أو ولدان، والأب هاهنا صاحب فرض فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ قرأ أهل الكوفة: (فَلِأِمِّهِ) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بالضم على الأصل. فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ اثنين كانا أو أكثر ذكرانا أو إناثا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ هذا قول عامة الفقهاء، وكان ابن عباس لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة أخوة، وكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث وما بقي فللأب، اتبع ظاهر اللفظ. وروى: أن ابن عباس دخل على عثمان فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله عزّ وجلّ: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة؟ فقال عثمان: هل أستطيع نقض أمر قد كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار. وقول ابن عباس في هذا غير مأخوذ به، وأما الآية فإن العرب توقع اسم الجمع على التثنية، لأن الجمع ضمّ شيء إلى شيء، فأقل الجموع اثنان وأقصاها لا غاية له، قال الله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] . وتقول العرب: ضربت من زيد وعمرو، رؤوسهما فأوجعت من إخوتك ظهورهما. وأنشد الأخفش: لما أتتنا المرأتان بالخبر ... أن الأمر فينا قد شهر [[تفسير القرطبي: 5/ 73.]] قال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح الزيدي: ويحيى بالسلام غني قوم ... ويبخل بالسلام على الفقير أليس الموت بينهما سواء ... إذا ماتوا وصاروا في القبور [[تفسير القرطبي: 5/ 73، و 14/ 106.]] مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: (يوصى) بفتح الصاد، الباقون: بالكسر وكذلك الآخر. واختلفت الرواية فيهما عن عاصم، والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنّه جرى ذكر الميت قبل هذا، قال الأخفش: وتصديق الكسر يوصين ويواصون. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً. قال مجاهد: في الدنيا، وقرأ بعضهم: (أيهما أقرب لكم نفعا) أي رفع بالابتداء، ولم يعمل فيه ال (ما) قبله، لأنه استفهام و (أقرب) خبره و (نفعا) نصب على التمييز، كأنه يقول: لا يدرون أي الوارثين والموروثين أسرع موتا فيرثه صاحبه، فلا تتمنوا موت الموروث ولا تستعجلوه. وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله عزّ وجلّ يشفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده في درجته ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته ليقرّ بذلك عينيهما. قال الحسن: لا تدرون بأيّهم أنتم أسعد في الدين والدنيا. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ يعني وللزوجات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ نظم الآية: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة، وهو نصب على المصدر، وقيل: على الحال، وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، تقديرها: وإن كان رجل يورث ماله كلالة. وقرأ الحسن وعيسى: (يُوَرِثُ) بكسر الراء [جعلا] فعلا له. واختلفوا في الكلالة: فقال الضحاك والسدي: هو الموروث. سعيد بن جبير: هم الورثة. النضر بن شميل: هو المال. واختلفوا أيضا في معناه وحكمه: فروى أنس عن النبي ﷺ‎ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فردّ عليه السائل فقال ﷺ‎: «لست بزائدك حتى أزاد» [[تأويل مختلف الحديث: 185، (بتفاوت) .]] [254] . وروى شعبة عن عاصم الأحوال قال: سمعت الشعبي يقول: إن أبا بكر (رضي الله عنه) قال في الكلالة: أقضي فيها قضاء وأن كان صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن الشيطان ومني، والله بريء منه: هو ما دون الوالد والولد، يقول: كل وارث دونهما كلالة قال: فلما كان عمر (رضي الله عنه) بعده قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر: هو ما خلا الوالد والولد. وقال طاوس: هو ما دون الولد. والحكم: هو ما دون الأب. عطية: هم الأخوة للأم. عبيد بن عمير: هم الأخوة للأب. وقيل: هم الأخوة والأخوات. قال جابر بن عبد الله: قلت يا رسول الله إنما يرثان أختان لي فكيف بالميراث؟ فنزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. وقال الأخفش: كل من لم يرثه أب أو أم فهو كلالة. وقال أهل اللغة: هو من نكلله النسب إذا أحاط به كالإكليل. قال امرؤ القيس: أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبّي مكلل [[غريب الحديث: 3/ 105، لسان العرب: 7/ 252.]] فسمّوا كلالة، لأنهم أحاطوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وأحاطتهم به أنهم ينسبون معه. قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم [[الصحاح: 5/ 1811، لسان العرب: 11/ 592.]] وقال بعضهم: وإن أبا المرؤ أحمى وله ... ومولى الكلالة لا يغضب وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ولم يقل: (ولهما) وقد مضى ذكر الرجل والمرأة على عادت العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما كانا في الحكم سواء، ربّما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا، يقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما كلها جائز، قال الله عزّ وجلّ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ ونظائرها، وأراد بهذا الأخ والأخت من الأمر، يدل عليه قراءة سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من الأم فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم سواء مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ. قال علي (عليه السلام) : إنكم تقرؤون الوصيّة قبل الدين وبدأ رسول الله بالدين قبل الوصية. وهذا قول عامة الفقهاء، ومعنى الآية الجمع لا الترتيب غَيْرَ مُضَارٍّ مدخل الضرر على الورثة. قال الحسن: هو أن توصي بدين ليس عليه وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ. وقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. قال قتادة: إن الله عزّ وجلّ كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت. وفي الخبر من قطع ميراثه في الجنة [[انظر: كشف الخفاء: 2/ 310.]] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله:

النساء 4:14

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ الآية، وذلك أن أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصيّاه. واختلف في اسميهما فقال الكلبي وقتادة: عرفطة، وقال غيره: سويد وعرفجة. فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا. وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، وإنما كانوا يورثون الرجال الكبار، فكانوا يقولون: لا نعطي إلّا من قاتل على ظهر الخيل وجاز القسمة. قال: فجاءت أم كحة إلى رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات له ثلاثا وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة، فلم يعطياني ولا بناته من المال شيئا وهنّ في حجري، ولا يطعمن ولا يسقين ولا يرفع لهن رأس. فدعاهما رسول الله ﷺ‎ فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلأ ولا ينكأ عدوا. فقال رسول الله ﷺ‎: «انصرفوا حتى أنظر ماذا يحدث الله لي فيهن» [[أسباب النزول: 96.]] [246] فانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية. لِلرِّجالِ يعني الذكور من أولاد الميت وأقربائه نَصِيبٌ وحظ وسهم مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من الميراث، والإناث لهن حصّة من الميراث. مِمَّا قَلَّ مِنْهُ المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً حظا معلوما واجبا، نظيرها فيما قال: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [[سورة النساء: 118.]] وهو نصب لخروجه مخرج المصدر كقول القائل: لك عليّ حق حقا واجبا، وعندي درهم هبة مقبوضة، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: هو نصب على الخروج، الكسائي: على القطع، الأخفش: جعل ذلك نصيبا فأثبت لهم في الميراث حقا، ولم يبيّن كم هو. - فأرسل رسول الله ﷺ‎ إلى سويد وعرفجة: «لا تفرّقا من مال أوس بن ثابت شيئا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ولم يبين كم هو، حتى ننظر ما ينزل الله عزّ وجلّ فيهن» ، فأنزل الله عزّ وجلّ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فلما نزلت أرسل رسول الله إلى سويد وعرفجة: «أن ادفعا إلى أم كحة الثمن ممّا ترك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال» [[تفسير القرطبي: 5/ 47.]] . وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة المواريث أُولُوا الْقُرْبى الذين لا يرثون وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي فارضوهم من المال قبل القسمة، واختلف العلماء في حكم هذه الآية: فقال قوم: هي منسوخة. وقال سعيد بن المسيب والضحاك وأبو مالك: كانت هذه قبل آية المواريث، فلما نزلت آية الميراث جعلت الميراث لأهلها الوصية ونسخت هذه الآية، وجعلت لذوي القربى الذين يحزنون ولا يرثون اليتامى والمساكين، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول الأشعري والنخعي والشعبي والزهري ورواية عكرمة ومقسم عن ابن عباس. وقال مجاهد: واجبة على أهل الميراث ما طابت بها أنفسهم. قتادة عن الحسن: ليست بمنسوخة ولكن الناس شحوا وبخلوا. وروى عبد الرزاق عن معمّر عن هشام بن عروة: أن أباه أعطاه من ميراث مصعب حين قسم ماله، قاله الحسن. وقال التابعون: كانوا يعطون التابوت والأواني وباقي المتاع والثياب، والشيء الذي يستحي من قسمته، فإن كان بعض الورثة طفلا، فاختلفوا: فقال ابن عباس والسدي وغير هما: إذا حضر القسمة هؤلاء، فإن كان الميّت أوصى لهم بشيء أنفدت لهم وصيته، وإن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانت صغارا اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا إنما هو لهؤلاء الضعفاء الصغار الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، ولو كان لي من الميراث شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم، وإن ماتوا فورثناهم أعطيناكم حقكم، وهذا هو القول المعروف. وقال سعيد بن جبير: هذه الآية ممّا يتهاون به الناس، هما وليان: وليّ يرث وهو الذي يعطي ويكسي، ووليّ لا يرث وهو الذي يقال له قول المعروف. وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارا تولوا إعطاءهم، وإن كانوا صغارا تولى إعطاء ذلك وليّهم. روى محمد بن سيرين: أن عبيدة السلماني قسّم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. روى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: تلك آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [[سورة النور: 58.]] وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [[سورة الحجرات: 13.]] . وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب، وهو أول الأقاويل بالصواب. وقال ابن زيد وغيره: هذا في الوصية لا في الميراث، كان الرجل إذا أوصى قال: فلان ماله أمر أن يوصي بثلث ماله لمن سمّى الله في هذه الآية. وروى ابن أبي مليكة عن أسماء بنت عبد الرحمن وأبي بكر والقاسم بن محمد بن أبي بكر: أخبرا أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسّم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيّة، قالا: فلم يترك في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلّا أعطاهم من مال أبيه، وتلا هذه الآية وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ. قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك في الوصية. وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا الآية. قال أكثر المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول من بحضرته عند وصيته: أنظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، فقدّم لنفسك أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتي على عامّة ماله ويستغرقه ولا يبقي لورثته شيئا، فنهاهم الله عزّ وجلّ من ذلك وأمر هم أن يأمروه أن يبقي لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ولا يجحف بورثته، كما لو كان هذا الميت هو الموصي، لسرّه أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالة مع ضعفهم، ويجرهم إلى التصرّف والحيلة. وقال مقسم الحضرمي: الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته: اتق الله وأمسك عليك مالك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية لأقربائه ولليتامى والفقراء، ولو كان هذا هو الموصي لسرّه أن يوصي لهم. وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، فليقل وليفعل خيرا وليأت إليه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده. وهي رواية عطية عن ابن عباس. وقال الشعري: كنّا بالقسطنطينيّة أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محبرين وابن الديلمي وهاني بن مكتوم، وجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعا لما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشير عليّ ودّي أنه لا يولد لي ولد أبدا قال: فضرب بيده على منكبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل فإنه ليست من قسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلّا وهي خارجة شئنا أو أبينا، ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجّاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت: بلى فتلا هذه الآية، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً والسديد العدل والصواب من القول إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الآية. قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد، ولّي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله عزّ وجلّ فيه إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً حراما بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً أخبر عن ماله وأخبر عن حاله، والعرب تقول للشيء الذي يؤدى إلى الشيء: هذا كذا لما يؤدى إليه، مثل قولهم: هذا الموت، أي يؤدي إليه. وقال النبي ﷺ‎: في الشارب من أواني الذهب والفضة «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» [[تفسير القرطبي: 16/ 112، تفسير ابن كثير: 1/ 212.]] [247] . وقال (عليه السلام) : «البحر نار في نار» [[تفسير القرطبي: 18/ 211.]] [248] أي عاقبتها كذلك، وذكر البطون تأكيدا كما يقال: نظرت بعيني وقلت بلساني وأخذت بيدي ومشيت برجلي وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وقودا. قرأه العامة بفتح الياء، أي يدخلون، تصديقها إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقوله: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى [[سورة الليل: 15.]] . وقرأ أبو رجاء والحسن وابن عامر وعاصم وأبو جعفر: بضم الياء، أي يدخلون النار ويحرقون نظيره، قوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [[سورة المدثر: 26.]] وقوله: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً [[سورة النساء: 30.]] . وقرأ حميد بن قيس: (وسيصلّون) بضم الياء وتشديد اللام، من التصلية، لكثرة الفعل، أي مرّة بعد مرّة، دليله قوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [[سورة الحاقة: 31.]] وكل صواب، يقال: صليت الشيء إذا شويته. وفي الحديث: أتى بشاة مصلية، فاصليته ألقيته في النار، وصليته مرّة بعد مرّة ، وصليت بكسر اللام دخلت النار وتصلّيت استدفأت بالنار. قال الشاعر: وقد تصليت حرّ حربهم ... كما تصلّى المقرور من قرس [[تفسير القرطبي: 5/ 54.]] . وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة، ولهب النار ودخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه يأكل مال اليتيم. وقال النبي ﷺ‎: «رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما عالية على منخريه وأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، ثم يخرج من أسافلهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» [[تفسير الطبري: 4/ 263، (بتفاوت) .]] [249] . يُوصِيكُمُ اللَّهُ. فصل في بسط الآية اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء والأطفال، فأبطل الله عزّ وجلّ ذلك بقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدأ الإسلام بالمحالفة قال الله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ يعني الحلفاء فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم صارت بعد الهجرة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [[سورة الأنفال: 72.]] فنسخ هذا كله وصارت الوراثة على وجهين: بالسبب والنسب، فأما السبب فهو النكاح والولاء، وهذا علم عريض لذلك. قال رسول الله ﷺ‎: «عليكم بالفرائض فإنها نصف العلم وهو أول علم ينزع من أمتي» [[فتح الباري: 12/ 4، كنز العمال: 11/ 3 بتفاوت يسير.]] [250] . ولا يمكن معرفة ذلك إلّا بمعرفة الورثة والسهام، وقد أفردت فيه قولا وجيزا جامعا كما يليق بشرط الكتاب والله الموفق للصواب. اعلم أن الميت إذا مات يبدأ أولا بالتجهيز ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه، فما فضل يقسّم بين الورثة، والورثة على ثلاثة أقسام: منهم من يرث بالفرض، ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعا، فصاحب الفرض: من له سهم معلوم ونصيب مقدّر، مثل البنات والأخوات والأمهات والجدّات والأزواج والزوجات، وصاحب التعصيب: من يأخذ جميع المال عند عدم أصحاب الفروض، أو يأخذ الفاضل منهم ويكون محروما إذا لم يفضل من أصحاب السهام شيء، مثل الأخ والعم ونحوهما، والذي يرث بالوجهين: هو الأب مع البنت وبنت الابن، يأخذ نصيبه المقدر وهو السدس، ثم يأخذ ما فضل منهما وجملة الورثة سبعة عشر، عشرة من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل والأب وأب الأب وإن علا والأخ وابن الأخ والعم وابن العم والزوج ومولى العتاق، ومن النساء سبع: البنت وبنت الابن والأم والجدّة والأخت والزوجة ومولاة العتاق، والذين لا يسقطهم من الميراث أحد الستة، الأبوان والولدان والزوجان. والعلة في ذلك: أنه ليست بينهم وبين الميت واسطة، والذين لا يرثون بحال ستة: العبد والمدبّر والمكاتب وأم الولد وقاتل العمد وأهل الملتين، والسهام المحدودة في كتاب الله عزّ وجلّ ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. والنصف فرض خمسة: بنت الصلب، وبنت الابن إذا لم يكن بنت الصلب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب إذا لم يكن الأخت للأب والأم، والزوج إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والربع فرض اثنين: الزوج إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، والزوجة والزوجات إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن. والثمن فرض واحد: الزوجة والزوجات إذا كان للميت ولد أو ولد ابن. والثلثان فرض كل اثنين فصاعدا ممّن فرضه النصف. والثلث فرض ثلاثة: الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الأخوة والأخوات إلّا في مسألتين: أحد هما زوج وأبوان، والأخرى امرأة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج، وهو في الحقيقة سدس جميع المال، والزوجة وهو ربع جميع المال، وفرض الاثنين من ولد الأم ذكورهم وإناثهم سواء، وفرض الجدّ مع الأخوة والأخوات إذا كانت المقاسمة خيرا له من الثلث. والسدس فرض سبعة: بنت الابن مع بنت الصلب، والأخت للأب مع الأخت للأب والأم، والواحد من ولد الأم، والأم إذا كان للبنت ولدا، وولد ابن أو اثنان من الأخوة والأخوات، وفرض الجدة والجدات وفرض الأب مع الولد وولد الابن [....] [[بياض في الأصل.]] مع الابن وابن الابن، وأما العصبات فأقربهم البنون ثم بنوهم ثم بنو بنيهم وإن سفلوا [ ... ] [[بياض في الأصل.]] أخواتهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثم الأب وله ثلاثة أحوال: حال ينفرد بالتعصيب، وهو مع عدم الولد وولد الابن، وحال ينفرد بالفرض، وهو مع الابن أو ابن الابن، وحال يجمع له الفرض والتعصيب، وهو مع البنت وابنة الابن، ثم الجد إن لم يكن له أخوة، وإن كان له أخوة قاسمهم، ثم الأخوة والأخوات للأب والأم، ثم الأخوة والأخوات للأب يقسمون المال بينهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والواحدة منهن عصبة مع البنات، وسائر العصبات ينفرد ذكورهم بالتعصيب، دون الإناث، ثم بنو الأخوة للأب والأم، ثم بنو الأخوة للأب، ثم الأعمام للأب والأم، ثم الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم أعمام الأب كذلك، ثم أعمام الجد، على هذا الترتيب لا يرث بنو أب أعلى وبنو أب أقرب منهم موجود، ثم مولى العتق، ثم عصبته على هذا الترتيب، فهذه جملة من هذا العلم. رجعنا إلى تفسير الآية، اختلف المفسرون في سبب نزولها: فأخبر محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: مرضت فعادني رسول الله ﷺ‎ وأبو بكر (رضي الله عنه) وهما يتمشيان، فأغشي عليّ فدعا بماء فتوضأ ثم صبّه عليّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أمضي في مالي؟ كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله ﷺ‎ فنزلت فيّ آية المواريث. وقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وابنتين وأخا، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد، وإن سعدا قتل يوم أحد معك شهيدا، وإن عمّهما أخذ مالهما ولا ينكحان إلّا ولهما مال، فقال رسول الله ﷺ‎: «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» [251] فأقامت حينا ثم عادت وشكت وبكت، فنزل على رسول الله ﷺ‎ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى آخرها. فدعا رسول الله ﷺ‎ عمّهما وقال: «أعط بنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» [[سنن الترمذي: 3/ 280، ارواء الغليل: 6/ 121- 122.]] [252] ، فهذا أول ميراث قسّم في الإسلام. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة وقد مضت القصة. وقال السدي: نزلت في عبد الرحمن أخي حسان الشاعر، وذلك أنه مات وترك امرأة وخمس أخوات، فجاء الورثة فأخذوا ماله ولم يعطوا امرأته شيئا، فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله آية المواريث. وقال ابن عباس: كانت المواريث للأولاد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله ذلك، وأنزل آية المواريث، فقال رسول الله ﷺ‎: «إن الله لم يرض بملك مقرب ونبي مرسل حتى تولى قسم التركات وأعطى كل ذي حق حقه ألا فلا وصية للوارث» [[مجمع البيان: 3/ 29، ولم يرد فيه ذيل الرواية.]] [253] وقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ أي يعهد إليكم ويفرض عليكم فِي أَوْلادِكُمْ أي في أمر أولادكم إذا متم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً يعني المتروكات فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فصاعدا يعني البنات فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ و (فوق) صلة، كقوله عزّ وجلّ: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [[سورة الأنفال: 12.]] . وَإِنْ كانَتْ يعني البنت واحِدَةً. قرأه العامة: نصب على خبر كان، ورفعهما أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، وحينئذ لا خبر له. فَلَهَا النِّصْفُ ثم قال: وَلِأَبَوَيْهِ يعني لأبوي الميت، كناية عن غير المذكور لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ أو ولدان، والأب هاهنا صاحب فرض فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ قرأ أهل الكوفة: (فَلِأِمِّهِ) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بالضم على الأصل. فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ اثنين كانا أو أكثر ذكرانا أو إناثا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ هذا قول عامة الفقهاء، وكان ابن عباس لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة أخوة، وكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث وما بقي فللأب، اتبع ظاهر اللفظ. وروى: أن ابن عباس دخل على عثمان فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله عزّ وجلّ: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة؟ فقال عثمان: هل أستطيع نقض أمر قد كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار. وقول ابن عباس في هذا غير مأخوذ به، وأما الآية فإن العرب توقع اسم الجمع على التثنية، لأن الجمع ضمّ شيء إلى شيء، فأقل الجموع اثنان وأقصاها لا غاية له، قال الله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [[سورة التحريم: 4.]] . وتقول العرب: ضربت من زيد وعمرو، رؤوسهما فأوجعت من إخوتك ظهورهما. وأنشد الأخفش: لما أتتنا المرأتان بالخبر ... أن الأمر فينا قد شهر [[تفسير القرطبي: 5/ 73.]] قال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح الزيدي: ويحيى بالسلام غني قوم ... ويبخل بالسلام على الفقير أليس الموت بينهما سواء ... إذا ماتوا وصاروا في القبور [[تفسير القرطبي: 5/ 73، و 14/ 106.]] مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: (يوصى) بفتح الصاد، الباقون: بالكسر وكذلك الآخر. واختلفت الرواية فيهما عن عاصم، والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنّه جرى ذكر الميت قبل هذا، قال الأخفش: وتصديق الكسر يوصين ويواصون. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً. قال مجاهد: في الدنيا، وقرأ بعضهم: (أيهما أقرب لكم نفعا) أي رفع بالابتداء، ولم يعمل فيه ال (ما) قبله، لأنه استفهام و (أقرب) خبره و (نفعا) نصب على التمييز، كأنه يقول: لا يدرون أي الوارثين والموروثين أسرع موتا فيرثه صاحبه، فلا تتمنوا موت الموروث ولا تستعجلوه. وقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله عزّ وجلّ يشفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده في درجته ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته ليقرّ بذلك عينيهما. قال الحسن: لا تدرون بأيّهم أنتم أسعد في الدين والدنيا. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ يعني وللزوجات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ نظم الآية: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة، وهو نصب على المصدر، وقيل: على الحال، وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، تقديرها: وإن كان رجل يورث ماله كلالة. وقرأ الحسن وعيسى: (يُوَرِثُ) بكسر الراء [جعلا] فعلا له. واختلفوا في الكلالة: فقال الضحاك والسدي: هو الموروث. سعيد بن جبير: هم الورثة. النضر بن شميل: هو المال. واختلفوا أيضا في معناه وحكمه: فروى أنس عن النبي ﷺ‎ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فردّ عليه السائل فقال ﷺ‎: «لست بزائدك حتى أزاد» [[تأويل مختلف الحديث: 185، (بتفاوت) .]] [254] . وروى شعبة عن عاصم الأحوال قال: سمعت الشعبي يقول: إن أبا بكر (رضي الله عنه) قال في الكلالة: أقضي فيها قضاء وأن كان صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن الشيطان ومني، والله بريء منه: هو ما دون الوالد والولد، يقول: كل وارث دونهما كلالة قال: فلما كان عمر (رضي الله عنه) بعده قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر: هو ما خلا الوالد والولد. وقال طاوس: هو ما دون الولد. والحكم: هو ما دون الأب. عطية: هم الأخوة للأم. عبيد بن عمير: هم الأخوة للأب. وقيل: هم الأخوة والأخوات. قال جابر بن عبد الله: قلت يا رسول الله إنما يرثان أختان لي فكيف بالميراث؟ فنزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. وقال الأخفش: كل من لم يرثه أب أو أم فهو كلالة. وقال أهل اللغة: هو من نكلله النسب إذا أحاط به كالإكليل. قال امرؤ القيس: أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبّي مكلل [[غريب الحديث: 3/ 105، لسان العرب: 7/ 252.]] فسمّوا كلالة، لأنهم أحاطوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وأحاطتهم به أنهم ينسبون معه. قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم [[الصحاح: 5/ 1811، لسان العرب: 11/ 592.]] وقال بعضهم: وإن أبا المرؤ أحمى وله ... ومولى الكلالة لا يغضب وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ولم يقل: (ولهما) وقد مضى ذكر الرجل والمرأة على عادت العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما كانا في الحكم سواء، ربّما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا، يقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما كلها جائز، قال الله عزّ وجلّ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ ونظائرها، وأراد بهذا الأخ والأخت من الأمر، يدل عليه قراءة سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من الأم فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم سواء مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ. قال علي (عليه السلام) : إنكم تقرؤون الوصيّة قبل الدين وبدأ رسول الله بالدين قبل الوصية. وهذا قول عامة الفقهاء، ومعنى الآية الجمع لا الترتيب غَيْرَ مُضَارٍّ مدخل الضرر على الورثة. قال الحسن: هو أن توصي بدين ليس عليه وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ. وقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. قال قتادة: إن الله عزّ وجلّ كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت. وفي الخبر من قطع ميراثه في الجنة [[انظر: كشف الخفاء: 2/ 310.]] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله:

النساء 4:15

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعني الزنا، وفي مصحف عبد الله الفاحشة مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعني من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليها بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فأحبسوهن فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، كانت المرأة في أول الإسلام لو أذنبت حبست في البيت حتى تموت وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزلت قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [[سورة النور: 2.]] . فقال رسول الله ﷺ‎: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» [[مسند أحمد: 3/ 476 وصحيح مسلم: 5/ 115 مع تقديم وتأخير.]] [255] . فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت وبقي بعضها محكما وهو الاستشهاد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الرجل والمرأة، المذكر والمؤنث إذا اجتمعا قلب المذكر على المؤنث، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسرون: فهما البكران يزنيان فَآذُوهُما قال عطاء وقتادة والسدي: يعني عيّروهما وعنفوهما باللسان: أما خفت الله أما استحيت الله حين أتيت الزنا، وأشباهه. مجاهد: سبّوهما واشتموهما. ابن عباس: هو باللسان واليد كأن [يوذي] بالتعيير والضرب بالنعال. فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما، وإنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية والإمساك من الآية الأولى بالرجم للبنت والجلد والنفي للبكر، والجلد في القرآن والنفي والرجم في السنة. روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: إنما أخبراه أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ‎ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم؟ فقال: «تكلم» . فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا- قال مالك: والعسيف الأجير- فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ‎: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاما» [[مسند الطيالسي: 128، السنن الكبرى: 3/ 477.]] [256] . وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل فان اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها. روى الزهري عن أبي سلمة عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) غرّب في الزنا ولم تزل تلك السنّة حتى غرّب مروان في إمارته. وروى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي ﷺ‎ فاعترف عنده بالزنا: فأعرض عنه ثم اعترف فاعترض حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي ﷺ‎: «إنك مجنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم بالمصلّي، فلما أذاقته الحجارة فرّ، وأدرك فرجمه حتى مات» . فقال النبي ﷺ‎ فيه خيرا ولم يصل عليه. سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: يا رسول الله طهّرني، قال: «ويحك إرجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد وقال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي ﷺ‎: «ممّ أطهرك؟» قال: من الزنا، قال رسول الله ﷺ‎: «إنك مجنون؟» وأخبر أنه ليس به جنون، فقال: «أشرب خمرا» ، فقام رجل فاستشمه فلم يجد منه ريح خمر. فقال النبي ﷺ‎: «أزنيت أنت؟» قال: نعم فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم، وجاء النبي فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» ، فقالوا: أيغفر الله لماعز بن مالك؟ فقال النبي ﷺ‎: «لقد تاب ماعز توبة لو قسّمت بين أمة لوسعتها» [[كنز العمال: 13/ 592- 593، شرح مسند أبي حنيفة: 252.]] [257] . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لقد خشيت أن يطول الناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا، إذا أحصن وقامت البينة أو الحمل أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ‎ ورجمنا بعده. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله، فتكون على بمعنى عند، أقامه مقام صفة. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: (على) هاهنا بمعنى (من) يقول: إنما التوبة من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، اختلفوا في معنى الجهالة: فقال مجاهد والضحاك: هي العمد. وقال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل عقوبته. وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربّه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قتادة: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ‎ فرأوا أنّ كل شيء عصي به ربّه فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وقال الزجاج: معنى قوله: بِجَهالَةٍ اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، نظيرها في الأنعام مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ [[سورة الأنعام: 54.]] ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معناه قبل أن يحبطون السوء بحسناته فيحبطها. قال السدي والكلبي: القريب ما دام في صحته قبل المرض والموت. عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب. أبو مجلن والضحاك: قبل معاينة ملك الموت. أبو موسى الأشعري: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. زيد بن أسلم عن عبد الرحمن [السلماني] قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ‎ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم» [258] . قال الثاني: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم» [259] . قال الثالث: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة» [260] . فقال الرابع: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه» [[مسند أحمد: 3/ 425، تفسير ابن كثير: 1/ 474.]] [261] . خالد بن [سعدان] عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه» ثم قال: «إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه» ثم قال: «إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الساعة لكثير، من تاب قبل موته قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه» [[كنز العمال: 4/ 223، ح 10265.]] [262] . المسيب بن شريك عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لما هبط إبليس قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عزّ وجلّ: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر» [[تفسير القرطبي: 5/ 93، باختلاف يسير.]] [263] . وعن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ‎ قال: «إنّ الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الربّ تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروا لي» [[العهود المحمدية، الشعراني: 274.]] [264] . قال الثعلبي: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الجبار يقول: يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني المعاصي حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ووقع في النزع قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ موضع (الَّذِينَ) خفض يعني ولا الذين يتوبون وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي هيّئنا، والاسم منه العتاد. قال عدي بن الرقاع: تأتيه أسلاب الأعزة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها [[الاسلاب: ما يسلب من الحرب، والبيت في تفسير مجمع البيان: 3/ 42.]] وقال للفرس المعد للحرب: عتّد وعتد. وقال الشاعر الجعفي: حملوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي [[تفسير الطبري: 7/ 396، تفسير القرطبي: 7/ 57.]] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أي على كره منهن. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق، إلّا بالصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج فطوّل عليها وضارها، لتفتدي نفسها بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: (حصن) . وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ‎، فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله» [265] قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقلن: يا رسول الله ما نحن إلّا كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية [[أسباب النزول: 98.]] . وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: بضم الكاف هاهنا وفي التوبة. والباقون: بالفتح. قال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: الكره والإكراه، والكره المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه وهو كره بضم الكاف. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ كفعل أهل الجاهلية [[وهو منع تزويجها كما تقدم.]] . وعن الضحاك: نزلت هذه الآية في الرجل تكون في حجره اليتيمة، فيكره أن يزوجها لأجل مالها، فتكون تحته العجوز ونفسه تشوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز بتوقع وفاتها ليرثها مالها وهو معتزل لفراشها. وقال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيطوّل عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو يردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك، ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم وعضلهن، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، واختلفوا في الفاحشة: فقال بعضهم: هي الزنا. قال الحسن: إن زنت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال ابن مسعود والضحاك وقتادة: هي النشوز [[تفسير القرطبي: 94- 95.]] . جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ‎ خطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [[تفسير الطبري: 4/ 412، تفسير القرطبي: 5/ 172.]] [266] . وقوله مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء قاله ابن عباس وعاصم وابن كثير، الباقون: بالكسر. وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وقال بعضهم: هو أن يصنع بها كما يصنع له. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً وهو ولد صالح أو يعطفه الله عليها بعد ذلك، كذا قاله المفسرون. مكحول الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسخط على ربّه عزّ وجلّ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ما لم يكن من قبلها نشوز ولا إتيان فاحشة وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً وهو المال الكثير، وقد مرّ تفسيره فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي من القنطار شيئا أَتَأْخُذُونَهُ استفهام نهي وتوبيخ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً انتصابها من وجهين: أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار، تقديره: تصيبون في أخذه بهتانا وإثما مبينا، ثم قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ على معنى الاستعظام، كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [[سورة البقرة: 28.]] وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ. قال المفسرون: أراد المجامعة، ولكن الله كريم يكني بما شاء عمّا شاء، وأصل الإفضاء الوصول إلى شيء من غير واسطة. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي: هو قولهم عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. مجاهد: هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج وهي كقوله: نكحته. الشعبي وعكرمة والربيع: هو قوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر لقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً عن عطاء الخراساني: قال خطب عمر إلى علي ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ‎ فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وصهري» [[فتح القدير: 2/ 502.]] فلذلك رغبت فيها [267] . فقال علي (رضي الله عنه) : إني مرسلها إليك حتى تنظر إلى صغرها فأرسلها إليه، فجاءته فقالت: إن أبي يقول لك هل رضيت النحلة. فقال: رضيتها. قال: فأنكحه ابنته وصدقها عمر أربعين ألف درهم [[وفي هذه القصة نظر وتأمّل.]] . وعن ابن سيرين: إن الحسن (رضي الله عنه) تزوج بامرأة، فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وروى مرشد بن عبد الله البرني عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ‎ قال: «خير النكاح أيسره» وقال ﷺ‎ لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» [268] قال: نعم، قال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟» [269] قالت: نعم، فزوج أحدهما بصاحبه، فدخل عليها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممّن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ‎ قد زوّجني بفلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وأني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها ذلك فباعته بمائة ألف [[سنن أبي داود: 1/ 470، وصحيح ابن حبان: 9/ 281.]] . وعن ضمرة بن حبيب أن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأن رسول الله زوّجها فأصدق عنه النجاشي أربعمائة دينار. وبه عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه تزوج سليمة السلمية على عشرة آلاف درهم. حماد بن سلمة عن ابن بشر أن عروة البارقي تزوج بنت هاني بن قبيصة على ألف درهم. وعن غيلان بن جرير أن مطرفا تزوج امرأة على عشرة ألف أواق. فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر عن ابن سيرين قال: حدثنا أبو العجفا السلمي، قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي ﷺ‎ ما أصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي بصدقة امرأة حتى يبقي لها عداوة في نفسه، فيقول: كانت لك حلق القربة أو عرق القربة. عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «من يمن المرأة تيسير صداقها وتيسر رحمها» [[المستدرك: 2/ 181، ارواء الغليل: 6/ 350.]] [270] . قال عروة: وأنا أقول من عندي من أول شؤمها أن يكثر صداقها. سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: كان صداقنا مذ كان فينا رسول الله ﷺ‎ عشرة أواق وهو أربعة دراهم. ثابت البناني عن أنس: أن رسول الله ﷺ‎ رأى على عبد الرحمن أثر صفرة وقال: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ‎: «بارك الله لك أولم ولو بشاة» [[مسند أحمد: 3/ 227.]] [271] . يقال: هي خمسة دراهم. وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ‎ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ‎: «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» قال: ما عندي إلّا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ‎: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا» فقال: ما أجد شيئا. فقال: «التمس ولو خاتما من حديد» ، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ‎: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله ﷺ‎: «زوجتك بما معك من القرآن» [[مسند أحمد: 5/ 336، أحكام القرآن: 3/ 480.]] [272] . وعن عبد الله بن عامر عن أبيه: أن رجلا تزوج امرأة على نعلين فقال له رسول الله ﷺ‎: «أرضيت مالك بهاتين النعلين؟» [273] قال: نعم فأجازه رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 3/ 445، سنن الترمذي: 2/ 290 ح 1120.]] . وعن أبي حدرد الأسلمي قال: أتيت النبي ﷺ‎ أستعينه في مهر امرأة فقال: «كم تصدقها؟» قلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم» [[المعجم الكبير: 22/ 352.]] [274] . مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» [[سنن أبي داود: 1/ 468، فتح الباري: 9/ 173.]] [275] . وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ‎ تزوج بامرأة على عشرة دراهم. أحمد بن حنبل عن الحسن بن عبد العزيز قال: كتب إلينا ضمره عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين. وكيع عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي شيبة عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من استحل بدرهم فقد استحل» [[السنن الكبرى: 7/ 238، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 317.]] [276] قال وكيع: في النكاح. وعن عبد الله بن يزيد مولى الأسود أن رجلا تسرّ جارية له فكرهها، فقال له رجل: هبها لي، فوهبها له فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن الهبة لم تجز لأحد بعد رسول الله ﷺ‎ ولو أصدقها سوطا لحلت. المغيرة عن إبراهيم قال: السنة في الصداق الرطل من الورق، كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر مثل مهور البغايا بالدرهم والدرهمان، ويحبون أن يكون عشرين درهما.

النساء 4:16

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعني الزنا، وفي مصحف عبد الله الفاحشة مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعني من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليها بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فأحبسوهن فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، كانت المرأة في أول الإسلام لو أذنبت حبست في البيت حتى تموت وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزلت قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [[سورة النور: 2.]] . فقال رسول الله ﷺ‎: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» [[مسند أحمد: 3/ 476 وصحيح مسلم: 5/ 115 مع تقديم وتأخير.]] [255] . فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت وبقي بعضها محكما وهو الاستشهاد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الرجل والمرأة، المذكر والمؤنث إذا اجتمعا قلب المذكر على المؤنث، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسرون: فهما البكران يزنيان فَآذُوهُما قال عطاء وقتادة والسدي: يعني عيّروهما وعنفوهما باللسان: أما خفت الله أما استحيت الله حين أتيت الزنا، وأشباهه. مجاهد: سبّوهما واشتموهما. ابن عباس: هو باللسان واليد كأن [يوذي] بالتعيير والضرب بالنعال. فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما، وإنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية والإمساك من الآية الأولى بالرجم للبنت والجلد والنفي للبكر، والجلد في القرآن والنفي والرجم في السنة. روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: إنما أخبراه أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ‎ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم؟ فقال: «تكلم» . فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا- قال مالك: والعسيف الأجير- فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ‎: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاما» [[مسند الطيالسي: 128، السنن الكبرى: 3/ 477.]] [256] . وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل فان اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها. روى الزهري عن أبي سلمة عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) غرّب في الزنا ولم تزل تلك السنّة حتى غرّب مروان في إمارته. وروى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي ﷺ‎ فاعترف عنده بالزنا: فأعرض عنه ثم اعترف فاعترض حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي ﷺ‎: «إنك مجنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم بالمصلّي، فلما أذاقته الحجارة فرّ، وأدرك فرجمه حتى مات» . فقال النبي ﷺ‎ فيه خيرا ولم يصل عليه. سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: يا رسول الله طهّرني، قال: «ويحك إرجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد وقال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي ﷺ‎: «ممّ أطهرك؟» قال: من الزنا، قال رسول الله ﷺ‎: «إنك مجنون؟» وأخبر أنه ليس به جنون، فقال: «أشرب خمرا» ، فقام رجل فاستشمه فلم يجد منه ريح خمر. فقال النبي ﷺ‎: «أزنيت أنت؟» قال: نعم فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم، وجاء النبي فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» ، فقالوا: أيغفر الله لماعز بن مالك؟ فقال النبي ﷺ‎: «لقد تاب ماعز توبة لو قسّمت بين أمة لوسعتها» [[كنز العمال: 13/ 592- 593، شرح مسند أبي حنيفة: 252.]] [257] . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لقد خشيت أن يطول الناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا، إذا أحصن وقامت البينة أو الحمل أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ‎ ورجمنا بعده. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله، فتكون على بمعنى عند، أقامه مقام صفة. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: (على) هاهنا بمعنى (من) يقول: إنما التوبة من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، اختلفوا في معنى الجهالة: فقال مجاهد والضحاك: هي العمد. وقال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل عقوبته. وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربّه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قتادة: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ‎ فرأوا أنّ كل شيء عصي به ربّه فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وقال الزجاج: معنى قوله: بِجَهالَةٍ اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، نظيرها في الأنعام مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ [[سورة الأنعام: 54.]] ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معناه قبل أن يحبطون السوء بحسناته فيحبطها. قال السدي والكلبي: القريب ما دام في صحته قبل المرض والموت. عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب. أبو مجلن والضحاك: قبل معاينة ملك الموت. أبو موسى الأشعري: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. زيد بن أسلم عن عبد الرحمن [السلماني] قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ‎ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم» [258] . قال الثاني: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم» [259] . قال الثالث: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة» [260] . فقال الرابع: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه» [[مسند أحمد: 3/ 425، تفسير ابن كثير: 1/ 474.]] [261] . خالد بن [سعدان] عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه» ثم قال: «إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه» ثم قال: «إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الساعة لكثير، من تاب قبل موته قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه» [[كنز العمال: 4/ 223، ح 10265.]] [262] . المسيب بن شريك عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لما هبط إبليس قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عزّ وجلّ: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر» [[تفسير القرطبي: 5/ 93، باختلاف يسير.]] [263] . وعن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ‎ قال: «إنّ الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الربّ تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروا لي» [[العهود المحمدية، الشعراني: 274.]] [264] . قال الثعلبي: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الجبار يقول: يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني المعاصي حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ووقع في النزع قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ موضع (الَّذِينَ) خفض يعني ولا الذين يتوبون وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي هيّئنا، والاسم منه العتاد. قال عدي بن الرقاع: تأتيه أسلاب الأعزة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها [[الاسلاب: ما يسلب من الحرب، والبيت في تفسير مجمع البيان: 3/ 42.]] وقال للفرس المعد للحرب: عتّد وعتد. وقال الشاعر الجعفي: حملوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي [[تفسير الطبري: 7/ 396، تفسير القرطبي: 7/ 57.]] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أي على كره منهن. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق، إلّا بالصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج فطوّل عليها وضارها، لتفتدي نفسها بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: (حصن) . وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ‎، فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله» [265] قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقلن: يا رسول الله ما نحن إلّا كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية [[أسباب النزول: 98.]] . وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: بضم الكاف هاهنا وفي التوبة. والباقون: بالفتح. قال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: الكره والإكراه، والكره المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه وهو كره بضم الكاف. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ كفعل أهل الجاهلية [[وهو منع تزويجها كما تقدم.]] . وعن الضحاك: نزلت هذه الآية في الرجل تكون في حجره اليتيمة، فيكره أن يزوجها لأجل مالها، فتكون تحته العجوز ونفسه تشوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز بتوقع وفاتها ليرثها مالها وهو معتزل لفراشها. وقال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيطوّل عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو يردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك، ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم وعضلهن، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، واختلفوا في الفاحشة: فقال بعضهم: هي الزنا. قال الحسن: إن زنت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال ابن مسعود والضحاك وقتادة: هي النشوز [[تفسير القرطبي: 94- 95.]] . جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ‎ خطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [[تفسير الطبري: 4/ 412، تفسير القرطبي: 5/ 172.]] [266] . وقوله مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء قاله ابن عباس وعاصم وابن كثير، الباقون: بالكسر. وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وقال بعضهم: هو أن يصنع بها كما يصنع له. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً وهو ولد صالح أو يعطفه الله عليها بعد ذلك، كذا قاله المفسرون. مكحول الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسخط على ربّه عزّ وجلّ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ما لم يكن من قبلها نشوز ولا إتيان فاحشة وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً وهو المال الكثير، وقد مرّ تفسيره فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي من القنطار شيئا أَتَأْخُذُونَهُ استفهام نهي وتوبيخ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً انتصابها من وجهين: أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار، تقديره: تصيبون في أخذه بهتانا وإثما مبينا، ثم قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ على معنى الاستعظام، كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [[سورة البقرة: 28.]] وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ. قال المفسرون: أراد المجامعة، ولكن الله كريم يكني بما شاء عمّا شاء، وأصل الإفضاء الوصول إلى شيء من غير واسطة. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي: هو قولهم عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. مجاهد: هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج وهي كقوله: نكحته. الشعبي وعكرمة والربيع: هو قوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر لقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً عن عطاء الخراساني: قال خطب عمر إلى علي ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ‎ فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وصهري» [[فتح القدير: 2/ 502.]] فلذلك رغبت فيها [267] . فقال علي (رضي الله عنه) : إني مرسلها إليك حتى تنظر إلى صغرها فأرسلها إليه، فجاءته فقالت: إن أبي يقول لك هل رضيت النحلة. فقال: رضيتها. قال: فأنكحه ابنته وصدقها عمر أربعين ألف درهم [[وفي هذه القصة نظر وتأمّل.]] . وعن ابن سيرين: إن الحسن (رضي الله عنه) تزوج بامرأة، فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وروى مرشد بن عبد الله البرني عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ‎ قال: «خير النكاح أيسره» وقال ﷺ‎ لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» [268] قال: نعم، قال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟» [269] قالت: نعم، فزوج أحدهما بصاحبه، فدخل عليها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممّن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ‎ قد زوّجني بفلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وأني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها ذلك فباعته بمائة ألف [[سنن أبي داود: 1/ 470، وصحيح ابن حبان: 9/ 281.]] . وعن ضمرة بن حبيب أن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأن رسول الله زوّجها فأصدق عنه النجاشي أربعمائة دينار. وبه عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه تزوج سليمة السلمية على عشرة آلاف درهم. حماد بن سلمة عن ابن بشر أن عروة البارقي تزوج بنت هاني بن قبيصة على ألف درهم. وعن غيلان بن جرير أن مطرفا تزوج امرأة على عشرة ألف أواق. فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر عن ابن سيرين قال: حدثنا أبو العجفا السلمي، قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي ﷺ‎ ما أصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي بصدقة امرأة حتى يبقي لها عداوة في نفسه، فيقول: كانت لك حلق القربة أو عرق القربة. عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «من يمن المرأة تيسير صداقها وتيسر رحمها» [[المستدرك: 2/ 181، ارواء الغليل: 6/ 350.]] [270] . قال عروة: وأنا أقول من عندي من أول شؤمها أن يكثر صداقها. سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: كان صداقنا مذ كان فينا رسول الله ﷺ‎ عشرة أواق وهو أربعة دراهم. ثابت البناني عن أنس: أن رسول الله ﷺ‎ رأى على عبد الرحمن أثر صفرة وقال: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ‎: «بارك الله لك أولم ولو بشاة» [[مسند أحمد: 3/ 227.]] [271] . يقال: هي خمسة دراهم. وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ‎ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ‎: «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» قال: ما عندي إلّا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ‎: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا» فقال: ما أجد شيئا. فقال: «التمس ولو خاتما من حديد» ، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ‎: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله ﷺ‎: «زوجتك بما معك من القرآن» [[مسند أحمد: 5/ 336، أحكام القرآن: 3/ 480.]] [272] . وعن عبد الله بن عامر عن أبيه: أن رجلا تزوج امرأة على نعلين فقال له رسول الله ﷺ‎: «أرضيت مالك بهاتين النعلين؟» [273] قال: نعم فأجازه رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 3/ 445، سنن الترمذي: 2/ 290 ح 1120.]] . وعن أبي حدرد الأسلمي قال: أتيت النبي ﷺ‎ أستعينه في مهر امرأة فقال: «كم تصدقها؟» قلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم» [[المعجم الكبير: 22/ 352.]] [274] . مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» [[سنن أبي داود: 1/ 468، فتح الباري: 9/ 173.]] [275] . وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ‎ تزوج بامرأة على عشرة دراهم. أحمد بن حنبل عن الحسن بن عبد العزيز قال: كتب إلينا ضمره عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين. وكيع عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي شيبة عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من استحل بدرهم فقد استحل» [[السنن الكبرى: 7/ 238، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 317.]] [276] قال وكيع: في النكاح. وعن عبد الله بن يزيد مولى الأسود أن رجلا تسرّ جارية له فكرهها، فقال له رجل: هبها لي، فوهبها له فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن الهبة لم تجز لأحد بعد رسول الله ﷺ‎ ولو أصدقها سوطا لحلت. المغيرة عن إبراهيم قال: السنة في الصداق الرطل من الورق، كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر مثل مهور البغايا بالدرهم والدرهمان، ويحبون أن يكون عشرين درهما.

النساء 4:17

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعني الزنا، وفي مصحف عبد الله الفاحشة مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعني من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليها بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فأحبسوهن فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، كانت المرأة في أول الإسلام لو أذنبت حبست في البيت حتى تموت وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزلت قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [[سورة النور: 2.]] . فقال رسول الله ﷺ‎: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» [[مسند أحمد: 3/ 476 وصحيح مسلم: 5/ 115 مع تقديم وتأخير.]] [255] . فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت وبقي بعضها محكما وهو الاستشهاد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الرجل والمرأة، المذكر والمؤنث إذا اجتمعا قلب المذكر على المؤنث، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسرون: فهما البكران يزنيان فَآذُوهُما قال عطاء وقتادة والسدي: يعني عيّروهما وعنفوهما باللسان: أما خفت الله أما استحيت الله حين أتيت الزنا، وأشباهه. مجاهد: سبّوهما واشتموهما. ابن عباس: هو باللسان واليد كأن [يوذي] بالتعيير والضرب بالنعال. فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما، وإنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية والإمساك من الآية الأولى بالرجم للبنت والجلد والنفي للبكر، والجلد في القرآن والنفي والرجم في السنة. روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: إنما أخبراه أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ‎ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم؟ فقال: «تكلم» . فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا- قال مالك: والعسيف الأجير- فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ‎: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاما» [[مسند الطيالسي: 128، السنن الكبرى: 3/ 477.]] [256] . وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل فان اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها. روى الزهري عن أبي سلمة عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) غرّب في الزنا ولم تزل تلك السنّة حتى غرّب مروان في إمارته. وروى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي ﷺ‎ فاعترف عنده بالزنا: فأعرض عنه ثم اعترف فاعترض حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي ﷺ‎: «إنك مجنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم بالمصلّي، فلما أذاقته الحجارة فرّ، وأدرك فرجمه حتى مات» . فقال النبي ﷺ‎ فيه خيرا ولم يصل عليه. سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: يا رسول الله طهّرني، قال: «ويحك إرجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد وقال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي ﷺ‎: «ممّ أطهرك؟» قال: من الزنا، قال رسول الله ﷺ‎: «إنك مجنون؟» وأخبر أنه ليس به جنون، فقال: «أشرب خمرا» ، فقام رجل فاستشمه فلم يجد منه ريح خمر. فقال النبي ﷺ‎: «أزنيت أنت؟» قال: نعم فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم، وجاء النبي فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» ، فقالوا: أيغفر الله لماعز بن مالك؟ فقال النبي ﷺ‎: «لقد تاب ماعز توبة لو قسّمت بين أمة لوسعتها» [[كنز العمال: 13/ 592- 593، شرح مسند أبي حنيفة: 252.]] [257] . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لقد خشيت أن يطول الناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا، إذا أحصن وقامت البينة أو الحمل أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ‎ ورجمنا بعده. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله، فتكون على بمعنى عند، أقامه مقام صفة. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: (على) هاهنا بمعنى (من) يقول: إنما التوبة من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، اختلفوا في معنى الجهالة: فقال مجاهد والضحاك: هي العمد. وقال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل عقوبته. وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربّه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قتادة: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ‎ فرأوا أنّ كل شيء عصي به ربّه فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وقال الزجاج: معنى قوله: بِجَهالَةٍ اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، نظيرها في الأنعام مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ [[سورة الأنعام: 54.]] ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معناه قبل أن يحبطون السوء بحسناته فيحبطها. قال السدي والكلبي: القريب ما دام في صحته قبل المرض والموت. عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب. أبو مجلن والضحاك: قبل معاينة ملك الموت. أبو موسى الأشعري: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. زيد بن أسلم عن عبد الرحمن [السلماني] قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ‎ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم» [258] . قال الثاني: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم» [259] . قال الثالث: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة» [260] . فقال الرابع: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه» [[مسند أحمد: 3/ 425، تفسير ابن كثير: 1/ 474.]] [261] . خالد بن [سعدان] عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه» ثم قال: «إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه» ثم قال: «إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الساعة لكثير، من تاب قبل موته قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه» [[كنز العمال: 4/ 223، ح 10265.]] [262] . المسيب بن شريك عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لما هبط إبليس قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عزّ وجلّ: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر» [[تفسير القرطبي: 5/ 93، باختلاف يسير.]] [263] . وعن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ‎ قال: «إنّ الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الربّ تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروا لي» [[العهود المحمدية، الشعراني: 274.]] [264] . قال الثعلبي: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الجبار يقول: يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني المعاصي حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ووقع في النزع قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ موضع (الَّذِينَ) خفض يعني ولا الذين يتوبون وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي هيّئنا، والاسم منه العتاد. قال عدي بن الرقاع: تأتيه أسلاب الأعزة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها [[الاسلاب: ما يسلب من الحرب، والبيت في تفسير مجمع البيان: 3/ 42.]] وقال للفرس المعد للحرب: عتّد وعتد. وقال الشاعر الجعفي: حملوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي [[تفسير الطبري: 7/ 396، تفسير القرطبي: 7/ 57.]] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أي على كره منهن. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق، إلّا بالصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج فطوّل عليها وضارها، لتفتدي نفسها بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: (حصن) . وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ‎، فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله» [265] قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقلن: يا رسول الله ما نحن إلّا كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية [[أسباب النزول: 98.]] . وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: بضم الكاف هاهنا وفي التوبة. والباقون: بالفتح. قال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: الكره والإكراه، والكره المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه وهو كره بضم الكاف. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ كفعل أهل الجاهلية [[وهو منع تزويجها كما تقدم.]] . وعن الضحاك: نزلت هذه الآية في الرجل تكون في حجره اليتيمة، فيكره أن يزوجها لأجل مالها، فتكون تحته العجوز ونفسه تشوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز بتوقع وفاتها ليرثها مالها وهو معتزل لفراشها. وقال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيطوّل عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو يردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك، ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم وعضلهن، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، واختلفوا في الفاحشة: فقال بعضهم: هي الزنا. قال الحسن: إن زنت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال ابن مسعود والضحاك وقتادة: هي النشوز [[تفسير القرطبي: 94- 95.]] . جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ‎ خطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [[تفسير الطبري: 4/ 412، تفسير القرطبي: 5/ 172.]] [266] . وقوله مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء قاله ابن عباس وعاصم وابن كثير، الباقون: بالكسر. وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وقال بعضهم: هو أن يصنع بها كما يصنع له. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً وهو ولد صالح أو يعطفه الله عليها بعد ذلك، كذا قاله المفسرون. مكحول الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسخط على ربّه عزّ وجلّ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ما لم يكن من قبلها نشوز ولا إتيان فاحشة وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً وهو المال الكثير، وقد مرّ تفسيره فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي من القنطار شيئا أَتَأْخُذُونَهُ استفهام نهي وتوبيخ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً انتصابها من وجهين: أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار، تقديره: تصيبون في أخذه بهتانا وإثما مبينا، ثم قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ على معنى الاستعظام، كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [[سورة البقرة: 28.]] وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ. قال المفسرون: أراد المجامعة، ولكن الله كريم يكني بما شاء عمّا شاء، وأصل الإفضاء الوصول إلى شيء من غير واسطة. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي: هو قولهم عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. مجاهد: هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج وهي كقوله: نكحته. الشعبي وعكرمة والربيع: هو قوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر لقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً عن عطاء الخراساني: قال خطب عمر إلى علي ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ‎ فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وصهري» [[فتح القدير: 2/ 502.]] فلذلك رغبت فيها [267] . فقال علي (رضي الله عنه) : إني مرسلها إليك حتى تنظر إلى صغرها فأرسلها إليه، فجاءته فقالت: إن أبي يقول لك هل رضيت النحلة. فقال: رضيتها. قال: فأنكحه ابنته وصدقها عمر أربعين ألف درهم [[وفي هذه القصة نظر وتأمّل.]] . وعن ابن سيرين: إن الحسن (رضي الله عنه) تزوج بامرأة، فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وروى مرشد بن عبد الله البرني عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ‎ قال: «خير النكاح أيسره» وقال ﷺ‎ لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» [268] قال: نعم، قال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟» [269] قالت: نعم، فزوج أحدهما بصاحبه، فدخل عليها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممّن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ‎ قد زوّجني بفلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وأني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها ذلك فباعته بمائة ألف [[سنن أبي داود: 1/ 470، وصحيح ابن حبان: 9/ 281.]] . وعن ضمرة بن حبيب أن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأن رسول الله زوّجها فأصدق عنه النجاشي أربعمائة دينار. وبه عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه تزوج سليمة السلمية على عشرة آلاف درهم. حماد بن سلمة عن ابن بشر أن عروة البارقي تزوج بنت هاني بن قبيصة على ألف درهم. وعن غيلان بن جرير أن مطرفا تزوج امرأة على عشرة ألف أواق. فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر عن ابن سيرين قال: حدثنا أبو العجفا السلمي، قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي ﷺ‎ ما أصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي بصدقة امرأة حتى يبقي لها عداوة في نفسه، فيقول: كانت لك حلق القربة أو عرق القربة. عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «من يمن المرأة تيسير صداقها وتيسر رحمها» [[المستدرك: 2/ 181، ارواء الغليل: 6/ 350.]] [270] . قال عروة: وأنا أقول من عندي من أول شؤمها أن يكثر صداقها. سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: كان صداقنا مذ كان فينا رسول الله ﷺ‎ عشرة أواق وهو أربعة دراهم. ثابت البناني عن أنس: أن رسول الله ﷺ‎ رأى على عبد الرحمن أثر صفرة وقال: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ‎: «بارك الله لك أولم ولو بشاة» [[مسند أحمد: 3/ 227.]] [271] . يقال: هي خمسة دراهم. وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ‎ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ‎: «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» قال: ما عندي إلّا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ‎: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا» فقال: ما أجد شيئا. فقال: «التمس ولو خاتما من حديد» ، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ‎: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله ﷺ‎: «زوجتك بما معك من القرآن» [[مسند أحمد: 5/ 336، أحكام القرآن: 3/ 480.]] [272] . وعن عبد الله بن عامر عن أبيه: أن رجلا تزوج امرأة على نعلين فقال له رسول الله ﷺ‎: «أرضيت مالك بهاتين النعلين؟» [273] قال: نعم فأجازه رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 3/ 445، سنن الترمذي: 2/ 290 ح 1120.]] . وعن أبي حدرد الأسلمي قال: أتيت النبي ﷺ‎ أستعينه في مهر امرأة فقال: «كم تصدقها؟» قلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم» [[المعجم الكبير: 22/ 352.]] [274] . مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» [[سنن أبي داود: 1/ 468، فتح الباري: 9/ 173.]] [275] . وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ‎ تزوج بامرأة على عشرة دراهم. أحمد بن حنبل عن الحسن بن عبد العزيز قال: كتب إلينا ضمره عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين. وكيع عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي شيبة عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من استحل بدرهم فقد استحل» [[السنن الكبرى: 7/ 238، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 317.]] [276] قال وكيع: في النكاح. وعن عبد الله بن يزيد مولى الأسود أن رجلا تسرّ جارية له فكرهها، فقال له رجل: هبها لي، فوهبها له فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن الهبة لم تجز لأحد بعد رسول الله ﷺ‎ ولو أصدقها سوطا لحلت. المغيرة عن إبراهيم قال: السنة في الصداق الرطل من الورق، كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر مثل مهور البغايا بالدرهم والدرهمان، ويحبون أن يكون عشرين درهما.

النساء 4:18

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعني الزنا، وفي مصحف عبد الله الفاحشة مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعني من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليها بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فأحبسوهن فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، كانت المرأة في أول الإسلام لو أذنبت حبست في البيت حتى تموت وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزلت قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [[سورة النور: 2.]] . فقال رسول الله ﷺ‎: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» [[مسند أحمد: 3/ 476 وصحيح مسلم: 5/ 115 مع تقديم وتأخير.]] [255] . فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت وبقي بعضها محكما وهو الاستشهاد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الرجل والمرأة، المذكر والمؤنث إذا اجتمعا قلب المذكر على المؤنث، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسرون: فهما البكران يزنيان فَآذُوهُما قال عطاء وقتادة والسدي: يعني عيّروهما وعنفوهما باللسان: أما خفت الله أما استحيت الله حين أتيت الزنا، وأشباهه. مجاهد: سبّوهما واشتموهما. ابن عباس: هو باللسان واليد كأن [يوذي] بالتعيير والضرب بالنعال. فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما، وإنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية والإمساك من الآية الأولى بالرجم للبنت والجلد والنفي للبكر، والجلد في القرآن والنفي والرجم في السنة. روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: إنما أخبراه أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ‎ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم؟ فقال: «تكلم» . فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا- قال مالك: والعسيف الأجير- فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ‎: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاما» [[مسند الطيالسي: 128، السنن الكبرى: 3/ 477.]] [256] . وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل فان اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها. روى الزهري عن أبي سلمة عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) غرّب في الزنا ولم تزل تلك السنّة حتى غرّب مروان في إمارته. وروى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي ﷺ‎ فاعترف عنده بالزنا: فأعرض عنه ثم اعترف فاعترض حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي ﷺ‎: «إنك مجنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم بالمصلّي، فلما أذاقته الحجارة فرّ، وأدرك فرجمه حتى مات» . فقال النبي ﷺ‎ فيه خيرا ولم يصل عليه. سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: يا رسول الله طهّرني، قال: «ويحك إرجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد وقال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي ﷺ‎: «ممّ أطهرك؟» قال: من الزنا، قال رسول الله ﷺ‎: «إنك مجنون؟» وأخبر أنه ليس به جنون، فقال: «أشرب خمرا» ، فقام رجل فاستشمه فلم يجد منه ريح خمر. فقال النبي ﷺ‎: «أزنيت أنت؟» قال: نعم فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم، وجاء النبي فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» ، فقالوا: أيغفر الله لماعز بن مالك؟ فقال النبي ﷺ‎: «لقد تاب ماعز توبة لو قسّمت بين أمة لوسعتها» [[كنز العمال: 13/ 592- 593، شرح مسند أبي حنيفة: 252.]] [257] . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لقد خشيت أن يطول الناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا، إذا أحصن وقامت البينة أو الحمل أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ‎ ورجمنا بعده. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله، فتكون على بمعنى عند، أقامه مقام صفة. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: (على) هاهنا بمعنى (من) يقول: إنما التوبة من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، اختلفوا في معنى الجهالة: فقال مجاهد والضحاك: هي العمد. وقال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل عقوبته. وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربّه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قتادة: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ‎ فرأوا أنّ كل شيء عصي به ربّه فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وقال الزجاج: معنى قوله: بِجَهالَةٍ اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، نظيرها في الأنعام مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ [[سورة الأنعام: 54.]] ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معناه قبل أن يحبطون السوء بحسناته فيحبطها. قال السدي والكلبي: القريب ما دام في صحته قبل المرض والموت. عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب. أبو مجلن والضحاك: قبل معاينة ملك الموت. أبو موسى الأشعري: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. زيد بن أسلم عن عبد الرحمن [السلماني] قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ‎ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم» [258] . قال الثاني: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم» [259] . قال الثالث: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة» [260] . فقال الرابع: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه» [[مسند أحمد: 3/ 425، تفسير ابن كثير: 1/ 474.]] [261] . خالد بن [سعدان] عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه» ثم قال: «إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه» ثم قال: «إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الساعة لكثير، من تاب قبل موته قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه» [[كنز العمال: 4/ 223، ح 10265.]] [262] . المسيب بن شريك عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لما هبط إبليس قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عزّ وجلّ: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر» [[تفسير القرطبي: 5/ 93، باختلاف يسير.]] [263] . وعن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ‎ قال: «إنّ الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الربّ تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروا لي» [[العهود المحمدية، الشعراني: 274.]] [264] . قال الثعلبي: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الجبار يقول: يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني المعاصي حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ووقع في النزع قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ موضع (الَّذِينَ) خفض يعني ولا الذين يتوبون وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي هيّئنا، والاسم منه العتاد. قال عدي بن الرقاع: تأتيه أسلاب الأعزة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها [[الاسلاب: ما يسلب من الحرب، والبيت في تفسير مجمع البيان: 3/ 42.]] وقال للفرس المعد للحرب: عتّد وعتد. وقال الشاعر الجعفي: حملوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي [[تفسير الطبري: 7/ 396، تفسير القرطبي: 7/ 57.]] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أي على كره منهن. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق، إلّا بالصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج فطوّل عليها وضارها، لتفتدي نفسها بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: (حصن) . وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ‎، فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله» [265] قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقلن: يا رسول الله ما نحن إلّا كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية [[أسباب النزول: 98.]] . وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: بضم الكاف هاهنا وفي التوبة. والباقون: بالفتح. قال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: الكره والإكراه، والكره المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه وهو كره بضم الكاف. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ كفعل أهل الجاهلية [[وهو منع تزويجها كما تقدم.]] . وعن الضحاك: نزلت هذه الآية في الرجل تكون في حجره اليتيمة، فيكره أن يزوجها لأجل مالها، فتكون تحته العجوز ونفسه تشوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز بتوقع وفاتها ليرثها مالها وهو معتزل لفراشها. وقال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيطوّل عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو يردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك، ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم وعضلهن، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، واختلفوا في الفاحشة: فقال بعضهم: هي الزنا. قال الحسن: إن زنت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال ابن مسعود والضحاك وقتادة: هي النشوز [[تفسير القرطبي: 94- 95.]] . جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ‎ خطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [[تفسير الطبري: 4/ 412، تفسير القرطبي: 5/ 172.]] [266] . وقوله مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء قاله ابن عباس وعاصم وابن كثير، الباقون: بالكسر. وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وقال بعضهم: هو أن يصنع بها كما يصنع له. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً وهو ولد صالح أو يعطفه الله عليها بعد ذلك، كذا قاله المفسرون. مكحول الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسخط على ربّه عزّ وجلّ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ما لم يكن من قبلها نشوز ولا إتيان فاحشة وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً وهو المال الكثير، وقد مرّ تفسيره فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي من القنطار شيئا أَتَأْخُذُونَهُ استفهام نهي وتوبيخ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً انتصابها من وجهين: أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار، تقديره: تصيبون في أخذه بهتانا وإثما مبينا، ثم قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ على معنى الاستعظام، كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [[سورة البقرة: 28.]] وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ. قال المفسرون: أراد المجامعة، ولكن الله كريم يكني بما شاء عمّا شاء، وأصل الإفضاء الوصول إلى شيء من غير واسطة. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي: هو قولهم عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. مجاهد: هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج وهي كقوله: نكحته. الشعبي وعكرمة والربيع: هو قوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر لقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً عن عطاء الخراساني: قال خطب عمر إلى علي ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ‎ فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وصهري» [[فتح القدير: 2/ 502.]] فلذلك رغبت فيها [267] . فقال علي (رضي الله عنه) : إني مرسلها إليك حتى تنظر إلى صغرها فأرسلها إليه، فجاءته فقالت: إن أبي يقول لك هل رضيت النحلة. فقال: رضيتها. قال: فأنكحه ابنته وصدقها عمر أربعين ألف درهم [[وفي هذه القصة نظر وتأمّل.]] . وعن ابن سيرين: إن الحسن (رضي الله عنه) تزوج بامرأة، فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وروى مرشد بن عبد الله البرني عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ‎ قال: «خير النكاح أيسره» وقال ﷺ‎ لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» [268] قال: نعم، قال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟» [269] قالت: نعم، فزوج أحدهما بصاحبه، فدخل عليها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممّن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ‎ قد زوّجني بفلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وأني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها ذلك فباعته بمائة ألف [[سنن أبي داود: 1/ 470، وصحيح ابن حبان: 9/ 281.]] . وعن ضمرة بن حبيب أن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأن رسول الله زوّجها فأصدق عنه النجاشي أربعمائة دينار. وبه عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه تزوج سليمة السلمية على عشرة آلاف درهم. حماد بن سلمة عن ابن بشر أن عروة البارقي تزوج بنت هاني بن قبيصة على ألف درهم. وعن غيلان بن جرير أن مطرفا تزوج امرأة على عشرة ألف أواق. فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر عن ابن سيرين قال: حدثنا أبو العجفا السلمي، قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي ﷺ‎ ما أصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي بصدقة امرأة حتى يبقي لها عداوة في نفسه، فيقول: كانت لك حلق القربة أو عرق القربة. عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «من يمن المرأة تيسير صداقها وتيسر رحمها» [[المستدرك: 2/ 181، ارواء الغليل: 6/ 350.]] [270] . قال عروة: وأنا أقول من عندي من أول شؤمها أن يكثر صداقها. سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: كان صداقنا مذ كان فينا رسول الله ﷺ‎ عشرة أواق وهو أربعة دراهم. ثابت البناني عن أنس: أن رسول الله ﷺ‎ رأى على عبد الرحمن أثر صفرة وقال: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ‎: «بارك الله لك أولم ولو بشاة» [[مسند أحمد: 3/ 227.]] [271] . يقال: هي خمسة دراهم. وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ‎ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ‎: «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» قال: ما عندي إلّا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ‎: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا» فقال: ما أجد شيئا. فقال: «التمس ولو خاتما من حديد» ، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ‎: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله ﷺ‎: «زوجتك بما معك من القرآن» [[مسند أحمد: 5/ 336، أحكام القرآن: 3/ 480.]] [272] . وعن عبد الله بن عامر عن أبيه: أن رجلا تزوج امرأة على نعلين فقال له رسول الله ﷺ‎: «أرضيت مالك بهاتين النعلين؟» [273] قال: نعم فأجازه رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 3/ 445، سنن الترمذي: 2/ 290 ح 1120.]] . وعن أبي حدرد الأسلمي قال: أتيت النبي ﷺ‎ أستعينه في مهر امرأة فقال: «كم تصدقها؟» قلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم» [[المعجم الكبير: 22/ 352.]] [274] . مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» [[سنن أبي داود: 1/ 468، فتح الباري: 9/ 173.]] [275] . وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ‎ تزوج بامرأة على عشرة دراهم. أحمد بن حنبل عن الحسن بن عبد العزيز قال: كتب إلينا ضمره عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين. وكيع عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي شيبة عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من استحل بدرهم فقد استحل» [[السنن الكبرى: 7/ 238، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 317.]] [276] قال وكيع: في النكاح. وعن عبد الله بن يزيد مولى الأسود أن رجلا تسرّ جارية له فكرهها، فقال له رجل: هبها لي، فوهبها له فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن الهبة لم تجز لأحد بعد رسول الله ﷺ‎ ولو أصدقها سوطا لحلت. المغيرة عن إبراهيم قال: السنة في الصداق الرطل من الورق، كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر مثل مهور البغايا بالدرهم والدرهمان، ويحبون أن يكون عشرين درهما.

النساء 4:19

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعني الزنا، وفي مصحف عبد الله الفاحشة مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعني من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليها بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فأحبسوهن فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، كانت المرأة في أول الإسلام لو أذنبت حبست في البيت حتى تموت وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزلت قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [[سورة النور: 2.]] . فقال رسول الله ﷺ‎: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» [[مسند أحمد: 3/ 476 وصحيح مسلم: 5/ 115 مع تقديم وتأخير.]] [255] . فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت وبقي بعضها محكما وهو الاستشهاد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الرجل والمرأة، المذكر والمؤنث إذا اجتمعا قلب المذكر على المؤنث، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسرون: فهما البكران يزنيان فَآذُوهُما قال عطاء وقتادة والسدي: يعني عيّروهما وعنفوهما باللسان: أما خفت الله أما استحيت الله حين أتيت الزنا، وأشباهه. مجاهد: سبّوهما واشتموهما. ابن عباس: هو باللسان واليد كأن [يوذي] بالتعيير والضرب بالنعال. فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما، وإنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية والإمساك من الآية الأولى بالرجم للبنت والجلد والنفي للبكر، والجلد في القرآن والنفي والرجم في السنة. روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: إنما أخبراه أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ‎ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم؟ فقال: «تكلم» . فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا- قال مالك: والعسيف الأجير- فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ‎: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاما» [[مسند الطيالسي: 128، السنن الكبرى: 3/ 477.]] [256] . وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل فان اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها. روى الزهري عن أبي سلمة عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) غرّب في الزنا ولم تزل تلك السنّة حتى غرّب مروان في إمارته. وروى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي ﷺ‎ فاعترف عنده بالزنا: فأعرض عنه ثم اعترف فاعترض حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي ﷺ‎: «إنك مجنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم بالمصلّي، فلما أذاقته الحجارة فرّ، وأدرك فرجمه حتى مات» . فقال النبي ﷺ‎ فيه خيرا ولم يصل عليه. سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: يا رسول الله طهّرني، قال: «ويحك إرجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد وقال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي ﷺ‎: «ممّ أطهرك؟» قال: من الزنا، قال رسول الله ﷺ‎: «إنك مجنون؟» وأخبر أنه ليس به جنون، فقال: «أشرب خمرا» ، فقام رجل فاستشمه فلم يجد منه ريح خمر. فقال النبي ﷺ‎: «أزنيت أنت؟» قال: نعم فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم، وجاء النبي فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» ، فقالوا: أيغفر الله لماعز بن مالك؟ فقال النبي ﷺ‎: «لقد تاب ماعز توبة لو قسّمت بين أمة لوسعتها» [[كنز العمال: 13/ 592- 593، شرح مسند أبي حنيفة: 252.]] [257] . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لقد خشيت أن يطول الناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا، إذا أحصن وقامت البينة أو الحمل أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ‎ ورجمنا بعده. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله، فتكون على بمعنى عند، أقامه مقام صفة. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: (على) هاهنا بمعنى (من) يقول: إنما التوبة من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، اختلفوا في معنى الجهالة: فقال مجاهد والضحاك: هي العمد. وقال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل عقوبته. وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربّه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قتادة: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ‎ فرأوا أنّ كل شيء عصي به ربّه فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وقال الزجاج: معنى قوله: بِجَهالَةٍ اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، نظيرها في الأنعام مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ [[سورة الأنعام: 54.]] ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معناه قبل أن يحبطون السوء بحسناته فيحبطها. قال السدي والكلبي: القريب ما دام في صحته قبل المرض والموت. عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب. أبو مجلن والضحاك: قبل معاينة ملك الموت. أبو موسى الأشعري: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. زيد بن أسلم عن عبد الرحمن [السلماني] قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ‎ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم» [258] . قال الثاني: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم» [259] . قال الثالث: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة» [260] . فقال الرابع: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه» [[مسند أحمد: 3/ 425، تفسير ابن كثير: 1/ 474.]] [261] . خالد بن [سعدان] عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه» ثم قال: «إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه» ثم قال: «إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الساعة لكثير، من تاب قبل موته قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه» [[كنز العمال: 4/ 223، ح 10265.]] [262] . المسيب بن شريك عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لما هبط إبليس قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عزّ وجلّ: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر» [[تفسير القرطبي: 5/ 93، باختلاف يسير.]] [263] . وعن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ‎ قال: «إنّ الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الربّ تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروا لي» [[العهود المحمدية، الشعراني: 274.]] [264] . قال الثعلبي: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الجبار يقول: يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني المعاصي حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ووقع في النزع قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ موضع (الَّذِينَ) خفض يعني ولا الذين يتوبون وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي هيّئنا، والاسم منه العتاد. قال عدي بن الرقاع: تأتيه أسلاب الأعزة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها [[الاسلاب: ما يسلب من الحرب، والبيت في تفسير مجمع البيان: 3/ 42.]] وقال للفرس المعد للحرب: عتّد وعتد. وقال الشاعر الجعفي: حملوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي [[تفسير الطبري: 7/ 396، تفسير القرطبي: 7/ 57.]] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أي على كره منهن. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق، إلّا بالصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج فطوّل عليها وضارها، لتفتدي نفسها بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: (حصن) . وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ‎، فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله» [265] قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقلن: يا رسول الله ما نحن إلّا كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية [[أسباب النزول: 98.]] . وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: بضم الكاف هاهنا وفي التوبة. والباقون: بالفتح. قال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: الكره والإكراه، والكره المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه وهو كره بضم الكاف. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ كفعل أهل الجاهلية [[وهو منع تزويجها كما تقدم.]] . وعن الضحاك: نزلت هذه الآية في الرجل تكون في حجره اليتيمة، فيكره أن يزوجها لأجل مالها، فتكون تحته العجوز ونفسه تشوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز بتوقع وفاتها ليرثها مالها وهو معتزل لفراشها. وقال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيطوّل عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو يردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك، ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم وعضلهن، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، واختلفوا في الفاحشة: فقال بعضهم: هي الزنا. قال الحسن: إن زنت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال ابن مسعود والضحاك وقتادة: هي النشوز [[تفسير القرطبي: 94- 95.]] . جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ‎ خطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [[تفسير الطبري: 4/ 412، تفسير القرطبي: 5/ 172.]] [266] . وقوله مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء قاله ابن عباس وعاصم وابن كثير، الباقون: بالكسر. وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وقال بعضهم: هو أن يصنع بها كما يصنع له. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً وهو ولد صالح أو يعطفه الله عليها بعد ذلك، كذا قاله المفسرون. مكحول الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسخط على ربّه عزّ وجلّ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ما لم يكن من قبلها نشوز ولا إتيان فاحشة وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً وهو المال الكثير، وقد مرّ تفسيره فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي من القنطار شيئا أَتَأْخُذُونَهُ استفهام نهي وتوبيخ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً انتصابها من وجهين: أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار، تقديره: تصيبون في أخذه بهتانا وإثما مبينا، ثم قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ على معنى الاستعظام، كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [[سورة البقرة: 28.]] وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ. قال المفسرون: أراد المجامعة، ولكن الله كريم يكني بما شاء عمّا شاء، وأصل الإفضاء الوصول إلى شيء من غير واسطة. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي: هو قولهم عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. مجاهد: هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج وهي كقوله: نكحته. الشعبي وعكرمة والربيع: هو قوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر لقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً عن عطاء الخراساني: قال خطب عمر إلى علي ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ‎ فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وصهري» [[فتح القدير: 2/ 502.]] فلذلك رغبت فيها [267] . فقال علي (رضي الله عنه) : إني مرسلها إليك حتى تنظر إلى صغرها فأرسلها إليه، فجاءته فقالت: إن أبي يقول لك هل رضيت النحلة. فقال: رضيتها. قال: فأنكحه ابنته وصدقها عمر أربعين ألف درهم [[وفي هذه القصة نظر وتأمّل.]] . وعن ابن سيرين: إن الحسن (رضي الله عنه) تزوج بامرأة، فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وروى مرشد بن عبد الله البرني عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ‎ قال: «خير النكاح أيسره» وقال ﷺ‎ لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» [268] قال: نعم، قال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟» [269] قالت: نعم، فزوج أحدهما بصاحبه، فدخل عليها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممّن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ‎ قد زوّجني بفلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وأني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها ذلك فباعته بمائة ألف [[سنن أبي داود: 1/ 470، وصحيح ابن حبان: 9/ 281.]] . وعن ضمرة بن حبيب أن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأن رسول الله زوّجها فأصدق عنه النجاشي أربعمائة دينار. وبه عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه تزوج سليمة السلمية على عشرة آلاف درهم. حماد بن سلمة عن ابن بشر أن عروة البارقي تزوج بنت هاني بن قبيصة على ألف درهم. وعن غيلان بن جرير أن مطرفا تزوج امرأة على عشرة ألف أواق. فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر عن ابن سيرين قال: حدثنا أبو العجفا السلمي، قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي ﷺ‎ ما أصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي بصدقة امرأة حتى يبقي لها عداوة في نفسه، فيقول: كانت لك حلق القربة أو عرق القربة. عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «من يمن المرأة تيسير صداقها وتيسر رحمها» [[المستدرك: 2/ 181، ارواء الغليل: 6/ 350.]] [270] . قال عروة: وأنا أقول من عندي من أول شؤمها أن يكثر صداقها. سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: كان صداقنا مذ كان فينا رسول الله ﷺ‎ عشرة أواق وهو أربعة دراهم. ثابت البناني عن أنس: أن رسول الله ﷺ‎ رأى على عبد الرحمن أثر صفرة وقال: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ‎: «بارك الله لك أولم ولو بشاة» [[مسند أحمد: 3/ 227.]] [271] . يقال: هي خمسة دراهم. وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ‎ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ‎: «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» قال: ما عندي إلّا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ‎: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا» فقال: ما أجد شيئا. فقال: «التمس ولو خاتما من حديد» ، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ‎: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله ﷺ‎: «زوجتك بما معك من القرآن» [[مسند أحمد: 5/ 336، أحكام القرآن: 3/ 480.]] [272] . وعن عبد الله بن عامر عن أبيه: أن رجلا تزوج امرأة على نعلين فقال له رسول الله ﷺ‎: «أرضيت مالك بهاتين النعلين؟» [273] قال: نعم فأجازه رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 3/ 445، سنن الترمذي: 2/ 290 ح 1120.]] . وعن أبي حدرد الأسلمي قال: أتيت النبي ﷺ‎ أستعينه في مهر امرأة فقال: «كم تصدقها؟» قلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم» [[المعجم الكبير: 22/ 352.]] [274] . مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» [[سنن أبي داود: 1/ 468، فتح الباري: 9/ 173.]] [275] . وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ‎ تزوج بامرأة على عشرة دراهم. أحمد بن حنبل عن الحسن بن عبد العزيز قال: كتب إلينا ضمره عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين. وكيع عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي شيبة عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من استحل بدرهم فقد استحل» [[السنن الكبرى: 7/ 238، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 317.]] [276] قال وكيع: في النكاح. وعن عبد الله بن يزيد مولى الأسود أن رجلا تسرّ جارية له فكرهها، فقال له رجل: هبها لي، فوهبها له فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن الهبة لم تجز لأحد بعد رسول الله ﷺ‎ ولو أصدقها سوطا لحلت. المغيرة عن إبراهيم قال: السنة في الصداق الرطل من الورق، كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر مثل مهور البغايا بالدرهم والدرهمان، ويحبون أن يكون عشرين درهما.

النساء 4:20

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعني الزنا، وفي مصحف عبد الله الفاحشة مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعني من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليها بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فأحبسوهن فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، كانت المرأة في أول الإسلام لو أذنبت حبست في البيت حتى تموت وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزلت قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [[سورة النور: 2.]] . فقال رسول الله ﷺ‎: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» [[مسند أحمد: 3/ 476 وصحيح مسلم: 5/ 115 مع تقديم وتأخير.]] [255] . فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت وبقي بعضها محكما وهو الاستشهاد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الرجل والمرأة، المذكر والمؤنث إذا اجتمعا قلب المذكر على المؤنث، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسرون: فهما البكران يزنيان فَآذُوهُما قال عطاء وقتادة والسدي: يعني عيّروهما وعنفوهما باللسان: أما خفت الله أما استحيت الله حين أتيت الزنا، وأشباهه. مجاهد: سبّوهما واشتموهما. ابن عباس: هو باللسان واليد كأن [يوذي] بالتعيير والضرب بالنعال. فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما، وإنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية والإمساك من الآية الأولى بالرجم للبنت والجلد والنفي للبكر، والجلد في القرآن والنفي والرجم في السنة. روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: إنما أخبراه أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ‎ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم؟ فقال: «تكلم» . فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا- قال مالك: والعسيف الأجير- فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ‎: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاما» [[مسند الطيالسي: 128، السنن الكبرى: 3/ 477.]] [256] . وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل فان اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها. روى الزهري عن أبي سلمة عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) غرّب في الزنا ولم تزل تلك السنّة حتى غرّب مروان في إمارته. وروى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي ﷺ‎ فاعترف عنده بالزنا: فأعرض عنه ثم اعترف فاعترض حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي ﷺ‎: «إنك مجنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم بالمصلّي، فلما أذاقته الحجارة فرّ، وأدرك فرجمه حتى مات» . فقال النبي ﷺ‎ فيه خيرا ولم يصل عليه. سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: يا رسول الله طهّرني، قال: «ويحك إرجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد وقال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي ﷺ‎: «ممّ أطهرك؟» قال: من الزنا، قال رسول الله ﷺ‎: «إنك مجنون؟» وأخبر أنه ليس به جنون، فقال: «أشرب خمرا» ، فقام رجل فاستشمه فلم يجد منه ريح خمر. فقال النبي ﷺ‎: «أزنيت أنت؟» قال: نعم فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم، وجاء النبي فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» ، فقالوا: أيغفر الله لماعز بن مالك؟ فقال النبي ﷺ‎: «لقد تاب ماعز توبة لو قسّمت بين أمة لوسعتها» [[كنز العمال: 13/ 592- 593، شرح مسند أبي حنيفة: 252.]] [257] . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لقد خشيت أن يطول الناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا، إذا أحصن وقامت البينة أو الحمل أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ‎ ورجمنا بعده. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله، فتكون على بمعنى عند، أقامه مقام صفة. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: (على) هاهنا بمعنى (من) يقول: إنما التوبة من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، اختلفوا في معنى الجهالة: فقال مجاهد والضحاك: هي العمد. وقال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل عقوبته. وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربّه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قتادة: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ‎ فرأوا أنّ كل شيء عصي به ربّه فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وقال الزجاج: معنى قوله: بِجَهالَةٍ اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، نظيرها في الأنعام مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ [[سورة الأنعام: 54.]] ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معناه قبل أن يحبطون السوء بحسناته فيحبطها. قال السدي والكلبي: القريب ما دام في صحته قبل المرض والموت. عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب. أبو مجلن والضحاك: قبل معاينة ملك الموت. أبو موسى الأشعري: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. زيد بن أسلم عن عبد الرحمن [السلماني] قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ‎ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم» [258] . قال الثاني: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم» [259] . قال الثالث: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة» [260] . فقال الرابع: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه» [[مسند أحمد: 3/ 425، تفسير ابن كثير: 1/ 474.]] [261] . خالد بن [سعدان] عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه» ثم قال: «إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه» ثم قال: «إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الساعة لكثير، من تاب قبل موته قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه» [[كنز العمال: 4/ 223، ح 10265.]] [262] . المسيب بن شريك عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لما هبط إبليس قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عزّ وجلّ: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر» [[تفسير القرطبي: 5/ 93، باختلاف يسير.]] [263] . وعن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ‎ قال: «إنّ الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الربّ تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروا لي» [[العهود المحمدية، الشعراني: 274.]] [264] . قال الثعلبي: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الجبار يقول: يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني المعاصي حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ووقع في النزع قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ موضع (الَّذِينَ) خفض يعني ولا الذين يتوبون وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي هيّئنا، والاسم منه العتاد. قال عدي بن الرقاع: تأتيه أسلاب الأعزة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها [[الاسلاب: ما يسلب من الحرب، والبيت في تفسير مجمع البيان: 3/ 42.]] وقال للفرس المعد للحرب: عتّد وعتد. وقال الشاعر الجعفي: حملوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي [[تفسير الطبري: 7/ 396، تفسير القرطبي: 7/ 57.]] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أي على كره منهن. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق، إلّا بالصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج فطوّل عليها وضارها، لتفتدي نفسها بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: (حصن) . وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ‎، فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله» [265] قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقلن: يا رسول الله ما نحن إلّا كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية [[أسباب النزول: 98.]] . وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: بضم الكاف هاهنا وفي التوبة. والباقون: بالفتح. قال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: الكره والإكراه، والكره المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه وهو كره بضم الكاف. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ كفعل أهل الجاهلية [[وهو منع تزويجها كما تقدم.]] . وعن الضحاك: نزلت هذه الآية في الرجل تكون في حجره اليتيمة، فيكره أن يزوجها لأجل مالها، فتكون تحته العجوز ونفسه تشوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز بتوقع وفاتها ليرثها مالها وهو معتزل لفراشها. وقال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيطوّل عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو يردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك، ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم وعضلهن، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، واختلفوا في الفاحشة: فقال بعضهم: هي الزنا. قال الحسن: إن زنت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال ابن مسعود والضحاك وقتادة: هي النشوز [[تفسير القرطبي: 94- 95.]] . جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ‎ خطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [[تفسير الطبري: 4/ 412، تفسير القرطبي: 5/ 172.]] [266] . وقوله مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء قاله ابن عباس وعاصم وابن كثير، الباقون: بالكسر. وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وقال بعضهم: هو أن يصنع بها كما يصنع له. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً وهو ولد صالح أو يعطفه الله عليها بعد ذلك، كذا قاله المفسرون. مكحول الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسخط على ربّه عزّ وجلّ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ما لم يكن من قبلها نشوز ولا إتيان فاحشة وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً وهو المال الكثير، وقد مرّ تفسيره فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي من القنطار شيئا أَتَأْخُذُونَهُ استفهام نهي وتوبيخ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً انتصابها من وجهين: أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار، تقديره: تصيبون في أخذه بهتانا وإثما مبينا، ثم قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ على معنى الاستعظام، كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [[سورة البقرة: 28.]] وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ. قال المفسرون: أراد المجامعة، ولكن الله كريم يكني بما شاء عمّا شاء، وأصل الإفضاء الوصول إلى شيء من غير واسطة. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي: هو قولهم عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. مجاهد: هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج وهي كقوله: نكحته. الشعبي وعكرمة والربيع: هو قوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر لقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً عن عطاء الخراساني: قال خطب عمر إلى علي ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ‎ فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وصهري» [[فتح القدير: 2/ 502.]] فلذلك رغبت فيها [267] . فقال علي (رضي الله عنه) : إني مرسلها إليك حتى تنظر إلى صغرها فأرسلها إليه، فجاءته فقالت: إن أبي يقول لك هل رضيت النحلة. فقال: رضيتها. قال: فأنكحه ابنته وصدقها عمر أربعين ألف درهم [[وفي هذه القصة نظر وتأمّل.]] . وعن ابن سيرين: إن الحسن (رضي الله عنه) تزوج بامرأة، فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وروى مرشد بن عبد الله البرني عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ‎ قال: «خير النكاح أيسره» وقال ﷺ‎ لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» [268] قال: نعم، قال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟» [269] قالت: نعم، فزوج أحدهما بصاحبه، فدخل عليها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممّن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ‎ قد زوّجني بفلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وأني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها ذلك فباعته بمائة ألف [[سنن أبي داود: 1/ 470، وصحيح ابن حبان: 9/ 281.]] . وعن ضمرة بن حبيب أن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأن رسول الله زوّجها فأصدق عنه النجاشي أربعمائة دينار. وبه عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه تزوج سليمة السلمية على عشرة آلاف درهم. حماد بن سلمة عن ابن بشر أن عروة البارقي تزوج بنت هاني بن قبيصة على ألف درهم. وعن غيلان بن جرير أن مطرفا تزوج امرأة على عشرة ألف أواق. فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر عن ابن سيرين قال: حدثنا أبو العجفا السلمي، قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي ﷺ‎ ما أصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي بصدقة امرأة حتى يبقي لها عداوة في نفسه، فيقول: كانت لك حلق القربة أو عرق القربة. عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «من يمن المرأة تيسير صداقها وتيسر رحمها» [[المستدرك: 2/ 181، ارواء الغليل: 6/ 350.]] [270] . قال عروة: وأنا أقول من عندي من أول شؤمها أن يكثر صداقها. سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: كان صداقنا مذ كان فينا رسول الله ﷺ‎ عشرة أواق وهو أربعة دراهم. ثابت البناني عن أنس: أن رسول الله ﷺ‎ رأى على عبد الرحمن أثر صفرة وقال: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ‎: «بارك الله لك أولم ولو بشاة» [[مسند أحمد: 3/ 227.]] [271] . يقال: هي خمسة دراهم. وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ‎ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ‎: «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» قال: ما عندي إلّا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ‎: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا» فقال: ما أجد شيئا. فقال: «التمس ولو خاتما من حديد» ، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ‎: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله ﷺ‎: «زوجتك بما معك من القرآن» [[مسند أحمد: 5/ 336، أحكام القرآن: 3/ 480.]] [272] . وعن عبد الله بن عامر عن أبيه: أن رجلا تزوج امرأة على نعلين فقال له رسول الله ﷺ‎: «أرضيت مالك بهاتين النعلين؟» [273] قال: نعم فأجازه رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 3/ 445، سنن الترمذي: 2/ 290 ح 1120.]] . وعن أبي حدرد الأسلمي قال: أتيت النبي ﷺ‎ أستعينه في مهر امرأة فقال: «كم تصدقها؟» قلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم» [[المعجم الكبير: 22/ 352.]] [274] . مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» [[سنن أبي داود: 1/ 468، فتح الباري: 9/ 173.]] [275] . وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ‎ تزوج بامرأة على عشرة دراهم. أحمد بن حنبل عن الحسن بن عبد العزيز قال: كتب إلينا ضمره عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين. وكيع عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي شيبة عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من استحل بدرهم فقد استحل» [[السنن الكبرى: 7/ 238، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 317.]] [276] قال وكيع: في النكاح. وعن عبد الله بن يزيد مولى الأسود أن رجلا تسرّ جارية له فكرهها، فقال له رجل: هبها لي، فوهبها له فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن الهبة لم تجز لأحد بعد رسول الله ﷺ‎ ولو أصدقها سوطا لحلت. المغيرة عن إبراهيم قال: السنة في الصداق الرطل من الورق، كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر مثل مهور البغايا بالدرهم والدرهمان، ويحبون أن يكون عشرين درهما.

النساء 4:21

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعني الزنا، وفي مصحف عبد الله الفاحشة مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعني من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليها بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فأحبسوهن فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، كانت المرأة في أول الإسلام لو أذنبت حبست في البيت حتى تموت وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزلت قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [[سورة النور: 2.]] . فقال رسول الله ﷺ‎: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» [[مسند أحمد: 3/ 476 وصحيح مسلم: 5/ 115 مع تقديم وتأخير.]] [255] . فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت وبقي بعضها محكما وهو الاستشهاد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الرجل والمرأة، المذكر والمؤنث إذا اجتمعا قلب المذكر على المؤنث، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسرون: فهما البكران يزنيان فَآذُوهُما قال عطاء وقتادة والسدي: يعني عيّروهما وعنفوهما باللسان: أما خفت الله أما استحيت الله حين أتيت الزنا، وأشباهه. مجاهد: سبّوهما واشتموهما. ابن عباس: هو باللسان واليد كأن [يوذي] بالتعيير والضرب بالنعال. فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما، وإنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية والإمساك من الآية الأولى بالرجم للبنت والجلد والنفي للبكر، والجلد في القرآن والنفي والرجم في السنة. روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: إنما أخبراه أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ‎ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم؟ فقال: «تكلم» . فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا- قال مالك: والعسيف الأجير- فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ‎: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاما» [[مسند الطيالسي: 128، السنن الكبرى: 3/ 477.]] [256] . وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل فان اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها. روى الزهري عن أبي سلمة عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) غرّب في الزنا ولم تزل تلك السنّة حتى غرّب مروان في إمارته. وروى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي ﷺ‎ فاعترف عنده بالزنا: فأعرض عنه ثم اعترف فاعترض حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي ﷺ‎: «إنك مجنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم بالمصلّي، فلما أذاقته الحجارة فرّ، وأدرك فرجمه حتى مات» . فقال النبي ﷺ‎ فيه خيرا ولم يصل عليه. سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ‎ فقال: يا رسول الله طهّرني، قال: «ويحك إرجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد وقال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي ﷺ‎: «ممّ أطهرك؟» قال: من الزنا، قال رسول الله ﷺ‎: «إنك مجنون؟» وأخبر أنه ليس به جنون، فقال: «أشرب خمرا» ، فقام رجل فاستشمه فلم يجد منه ريح خمر. فقال النبي ﷺ‎: «أزنيت أنت؟» قال: نعم فأمر به النبي ﷺ‎ فرجم، وجاء النبي فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» ، فقالوا: أيغفر الله لماعز بن مالك؟ فقال النبي ﷺ‎: «لقد تاب ماعز توبة لو قسّمت بين أمة لوسعتها» [[كنز العمال: 13/ 592- 593، شرح مسند أبي حنيفة: 252.]] [257] . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لقد خشيت أن يطول الناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا، إذا أحصن وقامت البينة أو الحمل أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ‎ ورجمنا بعده. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله، فتكون على بمعنى عند، أقامه مقام صفة. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: (على) هاهنا بمعنى (من) يقول: إنما التوبة من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، اختلفوا في معنى الجهالة: فقال مجاهد والضحاك: هي العمد. وقال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل عقوبته. وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربّه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قتادة: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ‎ فرأوا أنّ كل شيء عصي به ربّه فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وقال الزجاج: معنى قوله: بِجَهالَةٍ اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، نظيرها في الأنعام مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ [[سورة الأنعام: 54.]] ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معناه قبل أن يحبطون السوء بحسناته فيحبطها. قال السدي والكلبي: القريب ما دام في صحته قبل المرض والموت. عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب. أبو مجلن والضحاك: قبل معاينة ملك الموت. أبو موسى الأشعري: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. زيد بن أسلم عن عبد الرحمن [السلماني] قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ‎ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم» [258] . قال الثاني: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم» [259] . قال الثالث: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة» [260] . فقال الرابع: وأنا سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه» [[مسند أحمد: 3/ 425، تفسير ابن كثير: 1/ 474.]] [261] . خالد بن [سعدان] عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه» ثم قال: «إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه» ثم قال: «إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الساعة لكثير، من تاب قبل موته قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه» [[كنز العمال: 4/ 223، ح 10265.]] [262] . المسيب بن شريك عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ‎: «لما هبط إبليس قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عزّ وجلّ: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر» [[تفسير القرطبي: 5/ 93، باختلاف يسير.]] [263] . وعن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ‎ قال: «إنّ الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الربّ تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروا لي» [[العهود المحمدية، الشعراني: 274.]] [264] . قال الثعلبي: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الجبار يقول: يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني المعاصي حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ووقع في النزع قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ موضع (الَّذِينَ) خفض يعني ولا الذين يتوبون وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي هيّئنا، والاسم منه العتاد. قال عدي بن الرقاع: تأتيه أسلاب الأعزة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها [[الاسلاب: ما يسلب من الحرب، والبيت في تفسير مجمع البيان: 3/ 42.]] وقال للفرس المعد للحرب: عتّد وعتد. وقال الشاعر الجعفي: حملوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي [[تفسير الطبري: 7/ 396، تفسير القرطبي: 7/ 57.]] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أي على كره منهن. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق، إلّا بالصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج فطوّل عليها وضارها، لتفتدي نفسها بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: (حصن) . وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ‎، فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله» [265] قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله ﷺ‎ وهو في مسجد الفضيح فقلن: يا رسول الله ما نحن إلّا كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية [[أسباب النزول: 98.]] . وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: بضم الكاف هاهنا وفي التوبة. والباقون: بالفتح. قال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: الكره والإكراه، والكره المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه وهو كره بضم الكاف. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ كفعل أهل الجاهلية [[وهو منع تزويجها كما تقدم.]] . وعن الضحاك: نزلت هذه الآية في الرجل تكون في حجره اليتيمة، فيكره أن يزوجها لأجل مالها، فتكون تحته العجوز ونفسه تشوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز بتوقع وفاتها ليرثها مالها وهو معتزل لفراشها. وقال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيطوّل عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو يردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك، ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم وعضلهن، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، واختلفوا في الفاحشة: فقال بعضهم: هي الزنا. قال الحسن: إن زنت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال ابن مسعود والضحاك وقتادة: هي النشوز [[تفسير القرطبي: 94- 95.]] . جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ‎ خطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [[تفسير الطبري: 4/ 412، تفسير القرطبي: 5/ 172.]] [266] . وقوله مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء قاله ابن عباس وعاصم وابن كثير، الباقون: بالكسر. وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وقال بعضهم: هو أن يصنع بها كما يصنع له. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً وهو ولد صالح أو يعطفه الله عليها بعد ذلك، كذا قاله المفسرون. مكحول الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسخط على ربّه عزّ وجلّ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ما لم يكن من قبلها نشوز ولا إتيان فاحشة وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً وهو المال الكثير، وقد مرّ تفسيره فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي من القنطار شيئا أَتَأْخُذُونَهُ استفهام نهي وتوبيخ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً انتصابها من وجهين: أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار، تقديره: تصيبون في أخذه بهتانا وإثما مبينا، ثم قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ على معنى الاستعظام، كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [[سورة البقرة: 28.]] وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ. قال المفسرون: أراد المجامعة، ولكن الله كريم يكني بما شاء عمّا شاء، وأصل الإفضاء الوصول إلى شيء من غير واسطة. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي: هو قولهم عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. مجاهد: هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج وهي كقوله: نكحته. الشعبي وعكرمة والربيع: هو قوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر لقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً عن عطاء الخراساني: قال خطب عمر إلى علي ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ‎ فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وصهري» [[فتح القدير: 2/ 502.]] فلذلك رغبت فيها [267] . فقال علي (رضي الله عنه) : إني مرسلها إليك حتى تنظر إلى صغرها فأرسلها إليه، فجاءته فقالت: إن أبي يقول لك هل رضيت النحلة. فقال: رضيتها. قال: فأنكحه ابنته وصدقها عمر أربعين ألف درهم [[وفي هذه القصة نظر وتأمّل.]] . وعن ابن سيرين: إن الحسن (رضي الله عنه) تزوج بامرأة، فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وروى مرشد بن عبد الله البرني عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ‎ قال: «خير النكاح أيسره» وقال ﷺ‎ لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» [268] قال: نعم، قال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟» [269] قالت: نعم، فزوج أحدهما بصاحبه، فدخل عليها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممّن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ‎ قد زوّجني بفلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وأني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها ذلك فباعته بمائة ألف [[سنن أبي داود: 1/ 470، وصحيح ابن حبان: 9/ 281.]] . وعن ضمرة بن حبيب أن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأن رسول الله زوّجها فأصدق عنه النجاشي أربعمائة دينار. وبه عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه تزوج سليمة السلمية على عشرة آلاف درهم. حماد بن سلمة عن ابن بشر أن عروة البارقي تزوج بنت هاني بن قبيصة على ألف درهم. وعن غيلان بن جرير أن مطرفا تزوج امرأة على عشرة ألف أواق. فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر عن ابن سيرين قال: حدثنا أبو العجفا السلمي، قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي ﷺ‎ ما أصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي بصدقة امرأة حتى يبقي لها عداوة في نفسه، فيقول: كانت لك حلق القربة أو عرق القربة. عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ‎: «من يمن المرأة تيسير صداقها وتيسر رحمها» [[المستدرك: 2/ 181، ارواء الغليل: 6/ 350.]] [270] . قال عروة: وأنا أقول من عندي من أول شؤمها أن يكثر صداقها. سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: كان صداقنا مذ كان فينا رسول الله ﷺ‎ عشرة أواق وهو أربعة دراهم. ثابت البناني عن أنس: أن رسول الله ﷺ‎ رأى على عبد الرحمن أثر صفرة وقال: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ‎: «بارك الله لك أولم ولو بشاة» [[مسند أحمد: 3/ 227.]] [271] . يقال: هي خمسة دراهم. وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ‎ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ‎: «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» قال: ما عندي إلّا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ‎: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا» فقال: ما أجد شيئا. فقال: «التمس ولو خاتما من حديد» ، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ‎: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله ﷺ‎: «زوجتك بما معك من القرآن» [[مسند أحمد: 5/ 336، أحكام القرآن: 3/ 480.]] [272] . وعن عبد الله بن عامر عن أبيه: أن رجلا تزوج امرأة على نعلين فقال له رسول الله ﷺ‎: «أرضيت مالك بهاتين النعلين؟» [273] قال: نعم فأجازه رسول الله ﷺ‎ [[مسند أحمد: 3/ 445، سنن الترمذي: 2/ 290 ح 1120.]] . وعن أبي حدرد الأسلمي قال: أتيت النبي ﷺ‎ أستعينه في مهر امرأة فقال: «كم تصدقها؟» قلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم» [[المعجم الكبير: 22/ 352.]] [274] . مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» [[سنن أبي داود: 1/ 468، فتح الباري: 9/ 173.]] [275] . وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ‎ تزوج بامرأة على عشرة دراهم. أحمد بن حنبل عن الحسن بن عبد العزيز قال: كتب إلينا ضمره عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين. وكيع عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي شيبة عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من استحل بدرهم فقد استحل» [[السنن الكبرى: 7/ 238، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 317.]] [276] قال وكيع: في النكاح. وعن عبد الله بن يزيد مولى الأسود أن رجلا تسرّ جارية له فكرهها، فقال له رجل: هبها لي، فوهبها له فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن الهبة لم تجز لأحد بعد رسول الله ﷺ‎ ولو أصدقها سوطا لحلت. المغيرة عن إبراهيم قال: السنة في الصداق الرطل من الورق، كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر مثل مهور البغايا بالدرهم والدرهمان، ويحبون أن يكون عشرين درهما.

النساء 4:22

وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي [أبي مكيل] العدوي تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن يسار: توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ‎ أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «ارجعي إلى بيتك» [277] فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [[أسباب النزول: 55.]] . (ما) بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نَكَحَ (آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطء. إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً يورث بغض الله، والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا [[كلمة غير مقروءة.]] وبئس ذلك طريقا. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية. السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ‎ إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في [التوحيد وعادت] في الجمع كقولهم: شاه ومياه. قال الشاعر: أمهتي خندف والروس أبي [[تفسير القرطبي: 5/ 107.]] وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا: تقبلتها عن أمة لك طالما ... تثوب إليها في النوائب أجمعا [[تفسير القرطبي: 5/ 107، ولسان العرب: 12/ 30.]] فيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات. وقال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا [[لسان العرب: 11/ 516.]] فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعا بنسب وسبعا بسبب، فأما النسب قوله: أُمَّهاتُكُمْ فهي أمهات النسبة وَبَناتُكُمْ جمع البنت وَأَخَواتُكُمْ جمع الأخت وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ جمع العمّة والخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ. وأما السبب فقوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [[سورة الأحزاب: 6.]] ثم قال: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [[سورة التحريم: 53.]] . وقرأ عبد الله: (واللاي) بغير تاء كقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [[سورة الطلاق: 4.]] . قال الشاعر: من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرئ المغفلا» عروة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «ما حرمته الولادة حرمه الرضاع» [[السنن الكبرى: 3/ 295.]] [278] . ومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [[تفسير القرطبي: 5/ 108، أحكام القرآن: 2/ 157.]] [279] . الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت يا رسول الله ما لك تنوق في قريش وتدعنا قال: «وعندك أحد؟» قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله ﷺ‎: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» [[صحيح مسلم: 4/ 164، وسنن النسائي: 3/ 297.]] [280] . وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: أن أبا القعيس- وهو أفلح- استأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت أن تأذن له فذكر ذلك للنبي ﷺ‎ فقال: «ائذني له فإنّه عمك» فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: «إنه عمك فليلج عليك» [[مسند أحمد: 6/ 194، صحيح البخاري: 6/ 160.]] . وإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله ﷺ‎ وهي ممّا يقرأ من القرآن. وروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: أن نبي الله ﷺ‎ سئل عن الرضاع فقال: «لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان» [[سنن الدارقطني: 4/ 101 و 106.]] [281] . قال قتادة: المصة والمصتان. والشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر. ومالك: بعد الحولين شهرا، والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [[سورة البقرة: 233.]] وليس بعد الكمال والتمام شيء، وقول النبي ﷺ‎: «لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم» [[مسند أحمد: 1/ 432، وسنن الدارقطني: 4/ 101 بتفاوت في الألفاظ.]] [282] . وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ويحلف بالله ما نزل إلّا هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطء، وهو قول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال ، والقول الأول هو الأصح. قال ابن جريح: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أمّها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: كان ابن عباس يقرأ: (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: لا. وروى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ‎ قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت» . وَرَبائِبُكُمُ جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تربّ ولدا إلّا طيب الولد. قال الكميت: الكرمات [نسبة] في قريش ... [وسواهم] والطيبات الحجورا ومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره. مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. روى الزهري عن عروة: أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي ﷺ‎ أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله ﷺ‎: «أو تحبين ذلك؟» قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ‎: «إنّ ذلك لا يحلّ لي» . فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: «بنت أم سلمة؟» فقلت: نعم، قال: «والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» [[مسند الشاميين: 4/ 208، السنن الكبرى: 3/ 290.]] [283] . وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلّاء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد. قال الشاعر: يدافع قوما على مجدهم ... دفاع الحليلة عنها الحليلا يدافعه يومها تارة ... ويمكنه رجلها أن يشولا الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتموهم. قال عطاء: نزلت في محمد ﷺ‎ حين نكح امرأة زيد بن حارثة. وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. قال عطاء والسدي: يعني إلّا ما كان من يعقوب (عليه السلام) ، فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراجيل أم يوسف وكانتا أختين. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الآية. قال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يسأل عن هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فلم يقل فيها شيئا، فقال سعيد: كان لا يعلمها. وقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ. قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حرّمن بالسبب. قرأه العامة: (وَالْمُحْصَناتُ) بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن. قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ‎ ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الاستبراء. فقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله ﷺ‎ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ علقمة: (وَالْمُحْصِناتُ) بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلّا ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر. قال الباقر ويمان: معناه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عليكم حرام ما فوق الأربع، إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فإنه لا عدد عليكم فيهن. وقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أن تكون لك أمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتابا، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم. وقرأ ابن السميقع: كتب الله عليكم أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب. فأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما روى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها» [[صحيح مسلم: 4/ 136، وتأويل مختلف الحديث: 181.]] [284] . وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: (وَأَحَلَّ لَكُمْ) بضم الألف. الباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: حُرِّمَتْ، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: كِتابَ اللَّهِ. ما وَراءَ ما سوى ذلِكُمْ الذي ذكرت من المحرمات أَنْ تَبْتَغُوا بدل من (ما) فمن رفع أحلّ ف (إن) عنده في محل الرفع، ومن نصب ف (إن) عنده في محل النصب. قال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا. بِأَمْوالِكُمْ أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن مُحْصِنِينَ متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين، وأصله من سفح المذي والمني فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا. وقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟ فقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث. قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي، فرأيت في المصحف (فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى) . وروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى، قال: فما تقرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) ؟ قلت: لا أقرأها هكذا. قال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات. وروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلّا شقي. أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله ﷺ‎ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ‎ ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء! قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت [[قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا (تفسير القرطبي: 5/ 133) .]] ، وفي قول ابن عباس. يقول الشاعر: أقول للرّكب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس [[تفسير القرطبي: 5/ 133، الدر المنثور: 2/ 141.]] وسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام. وروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: «يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء» ثم صحبت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلّا أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» [[مسند أحمد: 3/ 406.]] [285] . وقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله ﷺ‎ ثم نهى الله عزّ وجلّ عنه ورسوله ﷺ‎. وقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله ﷺ‎ بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات. وروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ‎ عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية. وروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر (رضي الله عنه) نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله ﷺ‎ والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها. وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ‎ عنها لا أجد رجلا ينكحها إلّا رجمته بالحجارة. وقال النبي ﷺ‎: «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث» [[مسند أبي يعلي: 11/ 504، وفتح الباري: 9/ 138.]] [286] . وقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [[سورة المؤمنون: 5- 6.]] . وعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلّا النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح. عطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] يقول: الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حرّم غير المتعة. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً أي مهورهن، سمّي المهر أجرا، لأنه ثمن البضع وأجر الاستمتاع ألا تراه يتأكد بالخلوة والدخول. واختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله عزّ وجلّ قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر. وعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجرا قليلا كان أو كثيرا، والسورة من كتاب الله عزّ وجلّ أو آية لقوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. وعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سأل رسول الله ﷺ‎ رجلا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوجت؟» قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [[سورة الإخلاص: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [[سورة النصر: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [[سورة الكافرون: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ [[سورة الزلزال: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك آية الكرسي؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «تزوج تزوج تزوج» [[مسند أحمد: 3/ 221، تفسير القرطبي: 5/ 135.]] [287] . وقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا فضلا وسعة. المسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرّم عليه نكاح الإماء. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر، وقرأ الكسائي: (الْمُحْصِناتِ) بكسر الصاد، كل القرآن إلّا في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح. الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلى قوله بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ سادتهن ف آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير ضمار مُحْصَناتٍ عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أحباب يزنون بهن في السر. فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أحصنّ بأزواجهنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر إذا زنين مِنَ الْعَذابِ يعني الحدّ، نظيره: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [[سورة النور: 8.]] وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته. سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل» [[شرح مسلم: 11/ 211، ومصنف بن أبي شيبة: 8/ 369.]] [288] . ذلِكَ يعني نكاح الإماء عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. عن يونس بن مرداس وكان خادما لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «من أحبّ أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر» . فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت» [[وسنن ابن ماجة: 1/ 598.]] [289] . يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأخرى كقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [[سورة الشورى: 15.]] وقوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة الأنعام: 73.]] ، ثم قال في موضع آخر: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة غافر: 66.]] ، وقال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة الصف: 8.]] ، ثم قال في موضع آخر: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة التوبة: 32.]] . وقال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل [[تفسير القرطبي: 5/ 148، لسان العرب: 3/ 188.]] يريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم. الحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ شرايع الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي. وقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم حَكِيمٌ في تدبيره فيهم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إن وقع تقصير منكم في أمره وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم: فقال السدي: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون. ابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً في كل شيء. طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. قال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلّا أتاه من قبل النساء، وقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. مالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلّا رفدا ولا آكل إلّا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر. قال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [[سورة الروم: 54.]] . ابن كيسان: (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه. قال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [[سورة النساء: 26.]] ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» ، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [[سورة النساء: 28.]] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [[سورة النساء: 31.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ [[سورة النساء: 48.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [[سورة النساء: 40.]] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [[سورة النساء: 110.]] ، ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ [[سورة النساء: 147.]]

النساء 4:23

وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي [أبي مكيل] العدوي تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن يسار: توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ‎ أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «ارجعي إلى بيتك» [277] فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [[أسباب النزول: 55.]] . (ما) بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نَكَحَ (آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطء. إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً يورث بغض الله، والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا [[كلمة غير مقروءة.]] وبئس ذلك طريقا. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية. السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ‎ إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في [التوحيد وعادت] في الجمع كقولهم: شاه ومياه. قال الشاعر: أمهتي خندف والروس أبي [[تفسير القرطبي: 5/ 107.]] وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا: تقبلتها عن أمة لك طالما ... تثوب إليها في النوائب أجمعا [[تفسير القرطبي: 5/ 107، ولسان العرب: 12/ 30.]] فيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات. وقال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا [[لسان العرب: 11/ 516.]] فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعا بنسب وسبعا بسبب، فأما النسب قوله: أُمَّهاتُكُمْ فهي أمهات النسبة وَبَناتُكُمْ جمع البنت وَأَخَواتُكُمْ جمع الأخت وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ جمع العمّة والخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ. وأما السبب فقوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [[سورة الأحزاب: 6.]] ثم قال: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [[سورة التحريم: 53.]] . وقرأ عبد الله: (واللاي) بغير تاء كقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [[سورة الطلاق: 4.]] . قال الشاعر: من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرئ المغفلا» عروة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «ما حرمته الولادة حرمه الرضاع» [[السنن الكبرى: 3/ 295.]] [278] . ومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [[تفسير القرطبي: 5/ 108، أحكام القرآن: 2/ 157.]] [279] . الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت يا رسول الله ما لك تنوق في قريش وتدعنا قال: «وعندك أحد؟» قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله ﷺ‎: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» [[صحيح مسلم: 4/ 164، وسنن النسائي: 3/ 297.]] [280] . وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: أن أبا القعيس- وهو أفلح- استأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت أن تأذن له فذكر ذلك للنبي ﷺ‎ فقال: «ائذني له فإنّه عمك» فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: «إنه عمك فليلج عليك» [[مسند أحمد: 6/ 194، صحيح البخاري: 6/ 160.]] . وإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله ﷺ‎ وهي ممّا يقرأ من القرآن. وروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: أن نبي الله ﷺ‎ سئل عن الرضاع فقال: «لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان» [[سنن الدارقطني: 4/ 101 و 106.]] [281] . قال قتادة: المصة والمصتان. والشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر. ومالك: بعد الحولين شهرا، والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [[سورة البقرة: 233.]] وليس بعد الكمال والتمام شيء، وقول النبي ﷺ‎: «لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم» [[مسند أحمد: 1/ 432، وسنن الدارقطني: 4/ 101 بتفاوت في الألفاظ.]] [282] . وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ويحلف بالله ما نزل إلّا هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطء، وهو قول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال ، والقول الأول هو الأصح. قال ابن جريح: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أمّها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: كان ابن عباس يقرأ: (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: لا. وروى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ‎ قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت» . وَرَبائِبُكُمُ جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تربّ ولدا إلّا طيب الولد. قال الكميت: الكرمات [نسبة] في قريش ... [وسواهم] والطيبات الحجورا ومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره. مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. روى الزهري عن عروة: أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي ﷺ‎ أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله ﷺ‎: «أو تحبين ذلك؟» قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ‎: «إنّ ذلك لا يحلّ لي» . فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: «بنت أم سلمة؟» فقلت: نعم، قال: «والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» [[مسند الشاميين: 4/ 208، السنن الكبرى: 3/ 290.]] [283] . وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلّاء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد. قال الشاعر: يدافع قوما على مجدهم ... دفاع الحليلة عنها الحليلا يدافعه يومها تارة ... ويمكنه رجلها أن يشولا الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتموهم. قال عطاء: نزلت في محمد ﷺ‎ حين نكح امرأة زيد بن حارثة. وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. قال عطاء والسدي: يعني إلّا ما كان من يعقوب (عليه السلام) ، فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراجيل أم يوسف وكانتا أختين. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الآية. قال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يسأل عن هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فلم يقل فيها شيئا، فقال سعيد: كان لا يعلمها. وقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ. قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حرّمن بالسبب. قرأه العامة: (وَالْمُحْصَناتُ) بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن. قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ‎ ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الاستبراء. فقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله ﷺ‎ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ علقمة: (وَالْمُحْصِناتُ) بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلّا ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر. قال الباقر ويمان: معناه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عليكم حرام ما فوق الأربع، إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فإنه لا عدد عليكم فيهن. وقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أن تكون لك أمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتابا، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم. وقرأ ابن السميقع: كتب الله عليكم أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب. فأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما روى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها» [[صحيح مسلم: 4/ 136، وتأويل مختلف الحديث: 181.]] [284] . وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: (وَأَحَلَّ لَكُمْ) بضم الألف. الباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: حُرِّمَتْ، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: كِتابَ اللَّهِ. ما وَراءَ ما سوى ذلِكُمْ الذي ذكرت من المحرمات أَنْ تَبْتَغُوا بدل من (ما) فمن رفع أحلّ ف (إن) عنده في محل الرفع، ومن نصب ف (إن) عنده في محل النصب. قال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا. بِأَمْوالِكُمْ أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن مُحْصِنِينَ متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين، وأصله من سفح المذي والمني فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا. وقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟ فقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث. قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي، فرأيت في المصحف (فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى) . وروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى، قال: فما تقرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) ؟ قلت: لا أقرأها هكذا. قال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات. وروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلّا شقي. أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله ﷺ‎ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ‎ ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء! قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت [[قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا (تفسير القرطبي: 5/ 133) .]] ، وفي قول ابن عباس. يقول الشاعر: أقول للرّكب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس [[تفسير القرطبي: 5/ 133، الدر المنثور: 2/ 141.]] وسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام. وروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: «يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء» ثم صحبت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلّا أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» [[مسند أحمد: 3/ 406.]] [285] . وقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله ﷺ‎ ثم نهى الله عزّ وجلّ عنه ورسوله ﷺ‎. وقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله ﷺ‎ بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات. وروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ‎ عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية. وروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر (رضي الله عنه) نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله ﷺ‎ والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها. وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ‎ عنها لا أجد رجلا ينكحها إلّا رجمته بالحجارة. وقال النبي ﷺ‎: «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث» [[مسند أبي يعلي: 11/ 504، وفتح الباري: 9/ 138.]] [286] . وقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [[سورة المؤمنون: 5- 6.]] . وعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلّا النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح. عطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] يقول: الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حرّم غير المتعة. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً أي مهورهن، سمّي المهر أجرا، لأنه ثمن البضع وأجر الاستمتاع ألا تراه يتأكد بالخلوة والدخول. واختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله عزّ وجلّ قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر. وعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجرا قليلا كان أو كثيرا، والسورة من كتاب الله عزّ وجلّ أو آية لقوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. وعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سأل رسول الله ﷺ‎ رجلا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوجت؟» قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [[سورة الإخلاص: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [[سورة النصر: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [[سورة الكافرون: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ [[سورة الزلزال: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك آية الكرسي؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «تزوج تزوج تزوج» [[مسند أحمد: 3/ 221، تفسير القرطبي: 5/ 135.]] [287] . وقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا فضلا وسعة. المسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرّم عليه نكاح الإماء. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر، وقرأ الكسائي: (الْمُحْصِناتِ) بكسر الصاد، كل القرآن إلّا في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح. الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلى قوله بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ سادتهن ف آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير ضمار مُحْصَناتٍ عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أحباب يزنون بهن في السر. فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أحصنّ بأزواجهنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر إذا زنين مِنَ الْعَذابِ يعني الحدّ، نظيره: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [[سورة النور: 8.]] وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته. سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل» [[شرح مسلم: 11/ 211، ومصنف بن أبي شيبة: 8/ 369.]] [288] . ذلِكَ يعني نكاح الإماء عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. عن يونس بن مرداس وكان خادما لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «من أحبّ أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر» . فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت» [[وسنن ابن ماجة: 1/ 598.]] [289] . يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأخرى كقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [[سورة الشورى: 15.]] وقوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة الأنعام: 73.]] ، ثم قال في موضع آخر: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة غافر: 66.]] ، وقال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة الصف: 8.]] ، ثم قال في موضع آخر: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة التوبة: 32.]] . وقال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل [[تفسير القرطبي: 5/ 148، لسان العرب: 3/ 188.]] يريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم. الحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ شرايع الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي. وقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم حَكِيمٌ في تدبيره فيهم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إن وقع تقصير منكم في أمره وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم: فقال السدي: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون. ابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً في كل شيء. طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. قال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلّا أتاه من قبل النساء، وقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. مالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلّا رفدا ولا آكل إلّا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر. قال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [[سورة الروم: 54.]] . ابن كيسان: (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه. قال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [[سورة النساء: 26.]] ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» ، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [[سورة النساء: 28.]] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [[سورة النساء: 31.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ [[سورة النساء: 48.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [[سورة النساء: 40.]] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [[سورة النساء: 110.]] ، ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ [[سورة النساء: 147.]]

النساء 4:24

وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي [أبي مكيل] العدوي تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن يسار: توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ‎ أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «ارجعي إلى بيتك» [277] فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [[أسباب النزول: 55.]] . (ما) بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نَكَحَ (آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطء. إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً يورث بغض الله، والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا [[كلمة غير مقروءة.]] وبئس ذلك طريقا. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية. السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ‎ إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في [التوحيد وعادت] في الجمع كقولهم: شاه ومياه. قال الشاعر: أمهتي خندف والروس أبي [[تفسير القرطبي: 5/ 107.]] وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا: تقبلتها عن أمة لك طالما ... تثوب إليها في النوائب أجمعا [[تفسير القرطبي: 5/ 107، ولسان العرب: 12/ 30.]] فيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات. وقال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا [[لسان العرب: 11/ 516.]] فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعا بنسب وسبعا بسبب، فأما النسب قوله: أُمَّهاتُكُمْ فهي أمهات النسبة وَبَناتُكُمْ جمع البنت وَأَخَواتُكُمْ جمع الأخت وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ جمع العمّة والخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ. وأما السبب فقوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [[سورة الأحزاب: 6.]] ثم قال: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [[سورة التحريم: 53.]] . وقرأ عبد الله: (واللاي) بغير تاء كقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [[سورة الطلاق: 4.]] . قال الشاعر: من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرئ المغفلا» عروة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «ما حرمته الولادة حرمه الرضاع» [[السنن الكبرى: 3/ 295.]] [278] . ومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [[تفسير القرطبي: 5/ 108، أحكام القرآن: 2/ 157.]] [279] . الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت يا رسول الله ما لك تنوق في قريش وتدعنا قال: «وعندك أحد؟» قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله ﷺ‎: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» [[صحيح مسلم: 4/ 164، وسنن النسائي: 3/ 297.]] [280] . وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: أن أبا القعيس- وهو أفلح- استأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت أن تأذن له فذكر ذلك للنبي ﷺ‎ فقال: «ائذني له فإنّه عمك» فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: «إنه عمك فليلج عليك» [[مسند أحمد: 6/ 194، صحيح البخاري: 6/ 160.]] . وإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله ﷺ‎ وهي ممّا يقرأ من القرآن. وروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: أن نبي الله ﷺ‎ سئل عن الرضاع فقال: «لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان» [[سنن الدارقطني: 4/ 101 و 106.]] [281] . قال قتادة: المصة والمصتان. والشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر. ومالك: بعد الحولين شهرا، والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [[سورة البقرة: 233.]] وليس بعد الكمال والتمام شيء، وقول النبي ﷺ‎: «لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم» [[مسند أحمد: 1/ 432، وسنن الدارقطني: 4/ 101 بتفاوت في الألفاظ.]] [282] . وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ويحلف بالله ما نزل إلّا هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطء، وهو قول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال ، والقول الأول هو الأصح. قال ابن جريح: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أمّها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: كان ابن عباس يقرأ: (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: لا. وروى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ‎ قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت» . وَرَبائِبُكُمُ جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تربّ ولدا إلّا طيب الولد. قال الكميت: الكرمات [نسبة] في قريش ... [وسواهم] والطيبات الحجورا ومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره. مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. روى الزهري عن عروة: أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي ﷺ‎ أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله ﷺ‎: «أو تحبين ذلك؟» قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ‎: «إنّ ذلك لا يحلّ لي» . فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: «بنت أم سلمة؟» فقلت: نعم، قال: «والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» [[مسند الشاميين: 4/ 208، السنن الكبرى: 3/ 290.]] [283] . وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلّاء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد. قال الشاعر: يدافع قوما على مجدهم ... دفاع الحليلة عنها الحليلا يدافعه يومها تارة ... ويمكنه رجلها أن يشولا الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتموهم. قال عطاء: نزلت في محمد ﷺ‎ حين نكح امرأة زيد بن حارثة. وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. قال عطاء والسدي: يعني إلّا ما كان من يعقوب (عليه السلام) ، فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراجيل أم يوسف وكانتا أختين. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الآية. قال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يسأل عن هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فلم يقل فيها شيئا، فقال سعيد: كان لا يعلمها. وقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ. قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حرّمن بالسبب. قرأه العامة: (وَالْمُحْصَناتُ) بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن. قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ‎ ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الاستبراء. فقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله ﷺ‎ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ علقمة: (وَالْمُحْصِناتُ) بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلّا ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر. قال الباقر ويمان: معناه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عليكم حرام ما فوق الأربع، إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فإنه لا عدد عليكم فيهن. وقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أن تكون لك أمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتابا، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم. وقرأ ابن السميقع: كتب الله عليكم أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب. فأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما روى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها» [[صحيح مسلم: 4/ 136، وتأويل مختلف الحديث: 181.]] [284] . وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: (وَأَحَلَّ لَكُمْ) بضم الألف. الباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: حُرِّمَتْ، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: كِتابَ اللَّهِ. ما وَراءَ ما سوى ذلِكُمْ الذي ذكرت من المحرمات أَنْ تَبْتَغُوا بدل من (ما) فمن رفع أحلّ ف (إن) عنده في محل الرفع، ومن نصب ف (إن) عنده في محل النصب. قال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا. بِأَمْوالِكُمْ أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن مُحْصِنِينَ متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين، وأصله من سفح المذي والمني فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا. وقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟ فقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث. قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي، فرأيت في المصحف (فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى) . وروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى، قال: فما تقرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) ؟ قلت: لا أقرأها هكذا. قال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات. وروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلّا شقي. أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله ﷺ‎ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ‎ ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء! قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت [[قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا (تفسير القرطبي: 5/ 133) .]] ، وفي قول ابن عباس. يقول الشاعر: أقول للرّكب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس [[تفسير القرطبي: 5/ 133، الدر المنثور: 2/ 141.]] وسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام. وروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: «يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء» ثم صحبت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلّا أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» [[مسند أحمد: 3/ 406.]] [285] . وقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله ﷺ‎ ثم نهى الله عزّ وجلّ عنه ورسوله ﷺ‎. وقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله ﷺ‎ بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات. وروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ‎ عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية. وروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر (رضي الله عنه) نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله ﷺ‎ والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها. وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ‎ عنها لا أجد رجلا ينكحها إلّا رجمته بالحجارة. وقال النبي ﷺ‎: «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث» [[مسند أبي يعلي: 11/ 504، وفتح الباري: 9/ 138.]] [286] . وقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [[سورة المؤمنون: 5- 6.]] . وعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلّا النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح. عطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] يقول: الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حرّم غير المتعة. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً أي مهورهن، سمّي المهر أجرا، لأنه ثمن البضع وأجر الاستمتاع ألا تراه يتأكد بالخلوة والدخول. واختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله عزّ وجلّ قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر. وعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجرا قليلا كان أو كثيرا، والسورة من كتاب الله عزّ وجلّ أو آية لقوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. وعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سأل رسول الله ﷺ‎ رجلا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوجت؟» قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [[سورة الإخلاص: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [[سورة النصر: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [[سورة الكافرون: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ [[سورة الزلزال: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك آية الكرسي؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «تزوج تزوج تزوج» [[مسند أحمد: 3/ 221، تفسير القرطبي: 5/ 135.]] [287] . وقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا فضلا وسعة. المسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرّم عليه نكاح الإماء. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر، وقرأ الكسائي: (الْمُحْصِناتِ) بكسر الصاد، كل القرآن إلّا في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح. الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلى قوله بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ سادتهن ف آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير ضمار مُحْصَناتٍ عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أحباب يزنون بهن في السر. فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أحصنّ بأزواجهنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر إذا زنين مِنَ الْعَذابِ يعني الحدّ، نظيره: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [[سورة النور: 8.]] وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته. سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل» [[شرح مسلم: 11/ 211، ومصنف بن أبي شيبة: 8/ 369.]] [288] . ذلِكَ يعني نكاح الإماء عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. عن يونس بن مرداس وكان خادما لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «من أحبّ أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر» . فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت» [[وسنن ابن ماجة: 1/ 598.]] [289] . يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأخرى كقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [[سورة الشورى: 15.]] وقوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة الأنعام: 73.]] ، ثم قال في موضع آخر: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة غافر: 66.]] ، وقال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة الصف: 8.]] ، ثم قال في موضع آخر: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة التوبة: 32.]] . وقال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل [[تفسير القرطبي: 5/ 148، لسان العرب: 3/ 188.]] يريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم. الحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ شرايع الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي. وقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم حَكِيمٌ في تدبيره فيهم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إن وقع تقصير منكم في أمره وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم: فقال السدي: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون. ابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً في كل شيء. طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. قال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلّا أتاه من قبل النساء، وقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. مالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلّا رفدا ولا آكل إلّا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر. قال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [[سورة الروم: 54.]] . ابن كيسان: (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه. قال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [[سورة النساء: 26.]] ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» ، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [[سورة النساء: 28.]] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [[سورة النساء: 31.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ [[سورة النساء: 48.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [[سورة النساء: 40.]] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [[سورة النساء: 110.]] ، ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ [[سورة النساء: 147.]]

النساء 4:25

وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي [أبي مكيل] العدوي تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن يسار: توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ‎ أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «ارجعي إلى بيتك» [277] فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [[أسباب النزول: 55.]] . (ما) بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نَكَحَ (آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطء. إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً يورث بغض الله، والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا [[كلمة غير مقروءة.]] وبئس ذلك طريقا. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية. السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ‎ إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في [التوحيد وعادت] في الجمع كقولهم: شاه ومياه. قال الشاعر: أمهتي خندف والروس أبي [[تفسير القرطبي: 5/ 107.]] وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا: تقبلتها عن أمة لك طالما ... تثوب إليها في النوائب أجمعا [[تفسير القرطبي: 5/ 107، ولسان العرب: 12/ 30.]] فيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات. وقال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا [[لسان العرب: 11/ 516.]] فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعا بنسب وسبعا بسبب، فأما النسب قوله: أُمَّهاتُكُمْ فهي أمهات النسبة وَبَناتُكُمْ جمع البنت وَأَخَواتُكُمْ جمع الأخت وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ جمع العمّة والخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ. وأما السبب فقوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [[سورة الأحزاب: 6.]] ثم قال: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [[سورة التحريم: 53.]] . وقرأ عبد الله: (واللاي) بغير تاء كقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [[سورة الطلاق: 4.]] . قال الشاعر: من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرئ المغفلا» عروة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «ما حرمته الولادة حرمه الرضاع» [[السنن الكبرى: 3/ 295.]] [278] . ومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [[تفسير القرطبي: 5/ 108، أحكام القرآن: 2/ 157.]] [279] . الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت يا رسول الله ما لك تنوق في قريش وتدعنا قال: «وعندك أحد؟» قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله ﷺ‎: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» [[صحيح مسلم: 4/ 164، وسنن النسائي: 3/ 297.]] [280] . وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: أن أبا القعيس- وهو أفلح- استأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت أن تأذن له فذكر ذلك للنبي ﷺ‎ فقال: «ائذني له فإنّه عمك» فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: «إنه عمك فليلج عليك» [[مسند أحمد: 6/ 194، صحيح البخاري: 6/ 160.]] . وإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله ﷺ‎ وهي ممّا يقرأ من القرآن. وروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: أن نبي الله ﷺ‎ سئل عن الرضاع فقال: «لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان» [[سنن الدارقطني: 4/ 101 و 106.]] [281] . قال قتادة: المصة والمصتان. والشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر. ومالك: بعد الحولين شهرا، والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [[سورة البقرة: 233.]] وليس بعد الكمال والتمام شيء، وقول النبي ﷺ‎: «لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم» [[مسند أحمد: 1/ 432، وسنن الدارقطني: 4/ 101 بتفاوت في الألفاظ.]] [282] . وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ويحلف بالله ما نزل إلّا هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطء، وهو قول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال ، والقول الأول هو الأصح. قال ابن جريح: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أمّها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: كان ابن عباس يقرأ: (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: لا. وروى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ‎ قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت» . وَرَبائِبُكُمُ جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تربّ ولدا إلّا طيب الولد. قال الكميت: الكرمات [نسبة] في قريش ... [وسواهم] والطيبات الحجورا ومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره. مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. روى الزهري عن عروة: أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي ﷺ‎ أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله ﷺ‎: «أو تحبين ذلك؟» قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ‎: «إنّ ذلك لا يحلّ لي» . فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: «بنت أم سلمة؟» فقلت: نعم، قال: «والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» [[مسند الشاميين: 4/ 208، السنن الكبرى: 3/ 290.]] [283] . وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلّاء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد. قال الشاعر: يدافع قوما على مجدهم ... دفاع الحليلة عنها الحليلا يدافعه يومها تارة ... ويمكنه رجلها أن يشولا الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتموهم. قال عطاء: نزلت في محمد ﷺ‎ حين نكح امرأة زيد بن حارثة. وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. قال عطاء والسدي: يعني إلّا ما كان من يعقوب (عليه السلام) ، فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراجيل أم يوسف وكانتا أختين. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الآية. قال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يسأل عن هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فلم يقل فيها شيئا، فقال سعيد: كان لا يعلمها. وقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ. قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حرّمن بالسبب. قرأه العامة: (وَالْمُحْصَناتُ) بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن. قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ‎ ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الاستبراء. فقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله ﷺ‎ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ علقمة: (وَالْمُحْصِناتُ) بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلّا ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر. قال الباقر ويمان: معناه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عليكم حرام ما فوق الأربع، إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فإنه لا عدد عليكم فيهن. وقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أن تكون لك أمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتابا، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم. وقرأ ابن السميقع: كتب الله عليكم أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب. فأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما روى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها» [[صحيح مسلم: 4/ 136، وتأويل مختلف الحديث: 181.]] [284] . وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: (وَأَحَلَّ لَكُمْ) بضم الألف. الباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: حُرِّمَتْ، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: كِتابَ اللَّهِ. ما وَراءَ ما سوى ذلِكُمْ الذي ذكرت من المحرمات أَنْ تَبْتَغُوا بدل من (ما) فمن رفع أحلّ ف (إن) عنده في محل الرفع، ومن نصب ف (إن) عنده في محل النصب. قال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا. بِأَمْوالِكُمْ أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن مُحْصِنِينَ متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين، وأصله من سفح المذي والمني فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا. وقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟ فقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث. قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي، فرأيت في المصحف (فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى) . وروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى، قال: فما تقرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) ؟ قلت: لا أقرأها هكذا. قال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات. وروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلّا شقي. أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله ﷺ‎ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ‎ ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء! قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت [[قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا (تفسير القرطبي: 5/ 133) .]] ، وفي قول ابن عباس. يقول الشاعر: أقول للرّكب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس [[تفسير القرطبي: 5/ 133، الدر المنثور: 2/ 141.]] وسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام. وروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: «يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء» ثم صحبت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلّا أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» [[مسند أحمد: 3/ 406.]] [285] . وقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله ﷺ‎ ثم نهى الله عزّ وجلّ عنه ورسوله ﷺ‎. وقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله ﷺ‎ بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات. وروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ‎ عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية. وروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر (رضي الله عنه) نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله ﷺ‎ والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها. وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ‎ عنها لا أجد رجلا ينكحها إلّا رجمته بالحجارة. وقال النبي ﷺ‎: «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث» [[مسند أبي يعلي: 11/ 504، وفتح الباري: 9/ 138.]] [286] . وقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [[سورة المؤمنون: 5- 6.]] . وعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلّا النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح. عطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] يقول: الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حرّم غير المتعة. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً أي مهورهن، سمّي المهر أجرا، لأنه ثمن البضع وأجر الاستمتاع ألا تراه يتأكد بالخلوة والدخول. واختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله عزّ وجلّ قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر. وعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجرا قليلا كان أو كثيرا، والسورة من كتاب الله عزّ وجلّ أو آية لقوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. وعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سأل رسول الله ﷺ‎ رجلا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوجت؟» قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [[سورة الإخلاص: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [[سورة النصر: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [[سورة الكافرون: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ [[سورة الزلزال: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك آية الكرسي؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «تزوج تزوج تزوج» [[مسند أحمد: 3/ 221، تفسير القرطبي: 5/ 135.]] [287] . وقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا فضلا وسعة. المسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرّم عليه نكاح الإماء. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر، وقرأ الكسائي: (الْمُحْصِناتِ) بكسر الصاد، كل القرآن إلّا في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح. الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلى قوله بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ سادتهن ف آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير ضمار مُحْصَناتٍ عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أحباب يزنون بهن في السر. فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أحصنّ بأزواجهنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر إذا زنين مِنَ الْعَذابِ يعني الحدّ، نظيره: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [[سورة النور: 8.]] وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته. سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل» [[شرح مسلم: 11/ 211، ومصنف بن أبي شيبة: 8/ 369.]] [288] . ذلِكَ يعني نكاح الإماء عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. عن يونس بن مرداس وكان خادما لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «من أحبّ أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر» . فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت» [[وسنن ابن ماجة: 1/ 598.]] [289] . يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأخرى كقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [[سورة الشورى: 15.]] وقوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة الأنعام: 73.]] ، ثم قال في موضع آخر: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة غافر: 66.]] ، وقال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة الصف: 8.]] ، ثم قال في موضع آخر: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة التوبة: 32.]] . وقال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل [[تفسير القرطبي: 5/ 148، لسان العرب: 3/ 188.]] يريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم. الحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ شرايع الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي. وقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم حَكِيمٌ في تدبيره فيهم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إن وقع تقصير منكم في أمره وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم: فقال السدي: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون. ابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً في كل شيء. طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. قال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلّا أتاه من قبل النساء، وقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. مالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلّا رفدا ولا آكل إلّا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر. قال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [[سورة الروم: 54.]] . ابن كيسان: (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه. قال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [[سورة النساء: 26.]] ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» ، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [[سورة النساء: 28.]] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [[سورة النساء: 31.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ [[سورة النساء: 48.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [[سورة النساء: 40.]] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [[سورة النساء: 110.]] ، ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ [[سورة النساء: 147.]]

النساء 4:26

وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي [أبي مكيل] العدوي تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن يسار: توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ‎ أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «ارجعي إلى بيتك» [277] فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [[أسباب النزول: 55.]] . (ما) بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نَكَحَ (آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطء. إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً يورث بغض الله، والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا [[كلمة غير مقروءة.]] وبئس ذلك طريقا. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية. السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ‎ إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في [التوحيد وعادت] في الجمع كقولهم: شاه ومياه. قال الشاعر: أمهتي خندف والروس أبي [[تفسير القرطبي: 5/ 107.]] وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا: تقبلتها عن أمة لك طالما ... تثوب إليها في النوائب أجمعا [[تفسير القرطبي: 5/ 107، ولسان العرب: 12/ 30.]] فيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات. وقال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا [[لسان العرب: 11/ 516.]] فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعا بنسب وسبعا بسبب، فأما النسب قوله: أُمَّهاتُكُمْ فهي أمهات النسبة وَبَناتُكُمْ جمع البنت وَأَخَواتُكُمْ جمع الأخت وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ جمع العمّة والخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ. وأما السبب فقوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [[سورة الأحزاب: 6.]] ثم قال: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [[سورة التحريم: 53.]] . وقرأ عبد الله: (واللاي) بغير تاء كقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [[سورة الطلاق: 4.]] . قال الشاعر: من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرئ المغفلا» عروة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «ما حرمته الولادة حرمه الرضاع» [[السنن الكبرى: 3/ 295.]] [278] . ومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [[تفسير القرطبي: 5/ 108، أحكام القرآن: 2/ 157.]] [279] . الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت يا رسول الله ما لك تنوق في قريش وتدعنا قال: «وعندك أحد؟» قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله ﷺ‎: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» [[صحيح مسلم: 4/ 164، وسنن النسائي: 3/ 297.]] [280] . وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: أن أبا القعيس- وهو أفلح- استأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت أن تأذن له فذكر ذلك للنبي ﷺ‎ فقال: «ائذني له فإنّه عمك» فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: «إنه عمك فليلج عليك» [[مسند أحمد: 6/ 194، صحيح البخاري: 6/ 160.]] . وإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله ﷺ‎ وهي ممّا يقرأ من القرآن. وروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: أن نبي الله ﷺ‎ سئل عن الرضاع فقال: «لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان» [[سنن الدارقطني: 4/ 101 و 106.]] [281] . قال قتادة: المصة والمصتان. والشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر. ومالك: بعد الحولين شهرا، والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [[سورة البقرة: 233.]] وليس بعد الكمال والتمام شيء، وقول النبي ﷺ‎: «لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم» [[مسند أحمد: 1/ 432، وسنن الدارقطني: 4/ 101 بتفاوت في الألفاظ.]] [282] . وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ويحلف بالله ما نزل إلّا هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطء، وهو قول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال ، والقول الأول هو الأصح. قال ابن جريح: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أمّها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: كان ابن عباس يقرأ: (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: لا. وروى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ‎ قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت» . وَرَبائِبُكُمُ جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تربّ ولدا إلّا طيب الولد. قال الكميت: الكرمات [نسبة] في قريش ... [وسواهم] والطيبات الحجورا ومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره. مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. روى الزهري عن عروة: أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي ﷺ‎ أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله ﷺ‎: «أو تحبين ذلك؟» قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ‎: «إنّ ذلك لا يحلّ لي» . فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: «بنت أم سلمة؟» فقلت: نعم، قال: «والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» [[مسند الشاميين: 4/ 208، السنن الكبرى: 3/ 290.]] [283] . وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلّاء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد. قال الشاعر: يدافع قوما على مجدهم ... دفاع الحليلة عنها الحليلا يدافعه يومها تارة ... ويمكنه رجلها أن يشولا الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتموهم. قال عطاء: نزلت في محمد ﷺ‎ حين نكح امرأة زيد بن حارثة. وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. قال عطاء والسدي: يعني إلّا ما كان من يعقوب (عليه السلام) ، فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراجيل أم يوسف وكانتا أختين. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الآية. قال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يسأل عن هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فلم يقل فيها شيئا، فقال سعيد: كان لا يعلمها. وقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ. قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حرّمن بالسبب. قرأه العامة: (وَالْمُحْصَناتُ) بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن. قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ‎ ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الاستبراء. فقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله ﷺ‎ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ علقمة: (وَالْمُحْصِناتُ) بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلّا ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر. قال الباقر ويمان: معناه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عليكم حرام ما فوق الأربع، إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فإنه لا عدد عليكم فيهن. وقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أن تكون لك أمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتابا، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم. وقرأ ابن السميقع: كتب الله عليكم أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب. فأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما روى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها» [[صحيح مسلم: 4/ 136، وتأويل مختلف الحديث: 181.]] [284] . وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: (وَأَحَلَّ لَكُمْ) بضم الألف. الباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: حُرِّمَتْ، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: كِتابَ اللَّهِ. ما وَراءَ ما سوى ذلِكُمْ الذي ذكرت من المحرمات أَنْ تَبْتَغُوا بدل من (ما) فمن رفع أحلّ ف (إن) عنده في محل الرفع، ومن نصب ف (إن) عنده في محل النصب. قال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا. بِأَمْوالِكُمْ أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن مُحْصِنِينَ متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين، وأصله من سفح المذي والمني فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا. وقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟ فقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث. قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي، فرأيت في المصحف (فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى) . وروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى، قال: فما تقرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) ؟ قلت: لا أقرأها هكذا. قال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات. وروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلّا شقي. أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله ﷺ‎ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ‎ ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء! قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت [[قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا (تفسير القرطبي: 5/ 133) .]] ، وفي قول ابن عباس. يقول الشاعر: أقول للرّكب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس [[تفسير القرطبي: 5/ 133، الدر المنثور: 2/ 141.]] وسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام. وروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: «يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء» ثم صحبت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلّا أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» [[مسند أحمد: 3/ 406.]] [285] . وقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله ﷺ‎ ثم نهى الله عزّ وجلّ عنه ورسوله ﷺ‎. وقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله ﷺ‎ بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات. وروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ‎ عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية. وروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر (رضي الله عنه) نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله ﷺ‎ والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها. وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ‎ عنها لا أجد رجلا ينكحها إلّا رجمته بالحجارة. وقال النبي ﷺ‎: «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث» [[مسند أبي يعلي: 11/ 504، وفتح الباري: 9/ 138.]] [286] . وقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [[سورة المؤمنون: 5- 6.]] . وعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلّا النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح. عطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] يقول: الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حرّم غير المتعة. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً أي مهورهن، سمّي المهر أجرا، لأنه ثمن البضع وأجر الاستمتاع ألا تراه يتأكد بالخلوة والدخول. واختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله عزّ وجلّ قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر. وعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجرا قليلا كان أو كثيرا، والسورة من كتاب الله عزّ وجلّ أو آية لقوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. وعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سأل رسول الله ﷺ‎ رجلا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوجت؟» قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [[سورة الإخلاص: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [[سورة النصر: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [[سورة الكافرون: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ [[سورة الزلزال: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك آية الكرسي؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «تزوج تزوج تزوج» [[مسند أحمد: 3/ 221، تفسير القرطبي: 5/ 135.]] [287] . وقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا فضلا وسعة. المسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرّم عليه نكاح الإماء. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر، وقرأ الكسائي: (الْمُحْصِناتِ) بكسر الصاد، كل القرآن إلّا في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح. الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلى قوله بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ سادتهن ف آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير ضمار مُحْصَناتٍ عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أحباب يزنون بهن في السر. فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أحصنّ بأزواجهنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر إذا زنين مِنَ الْعَذابِ يعني الحدّ، نظيره: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [[سورة النور: 8.]] وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته. سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل» [[شرح مسلم: 11/ 211، ومصنف بن أبي شيبة: 8/ 369.]] [288] . ذلِكَ يعني نكاح الإماء عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. عن يونس بن مرداس وكان خادما لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «من أحبّ أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر» . فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت» [[وسنن ابن ماجة: 1/ 598.]] [289] . يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأخرى كقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [[سورة الشورى: 15.]] وقوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة الأنعام: 73.]] ، ثم قال في موضع آخر: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة غافر: 66.]] ، وقال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة الصف: 8.]] ، ثم قال في موضع آخر: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة التوبة: 32.]] . وقال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل [[تفسير القرطبي: 5/ 148، لسان العرب: 3/ 188.]] يريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم. الحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ شرايع الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي. وقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم حَكِيمٌ في تدبيره فيهم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إن وقع تقصير منكم في أمره وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم: فقال السدي: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون. ابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً في كل شيء. طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. قال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلّا أتاه من قبل النساء، وقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. مالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلّا رفدا ولا آكل إلّا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر. قال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [[سورة الروم: 54.]] . ابن كيسان: (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه. قال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [[سورة النساء: 26.]] ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» ، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [[سورة النساء: 28.]] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [[سورة النساء: 31.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ [[سورة النساء: 48.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [[سورة النساء: 40.]] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [[سورة النساء: 110.]] ، ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ [[سورة النساء: 147.]]

النساء 4:27

وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي [أبي مكيل] العدوي تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن يسار: توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ‎ أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «ارجعي إلى بيتك» [277] فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [[أسباب النزول: 55.]] . (ما) بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نَكَحَ (آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطء. إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً يورث بغض الله، والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا [[كلمة غير مقروءة.]] وبئس ذلك طريقا. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية. السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ‎ إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في [التوحيد وعادت] في الجمع كقولهم: شاه ومياه. قال الشاعر: أمهتي خندف والروس أبي [[تفسير القرطبي: 5/ 107.]] وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا: تقبلتها عن أمة لك طالما ... تثوب إليها في النوائب أجمعا [[تفسير القرطبي: 5/ 107، ولسان العرب: 12/ 30.]] فيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات. وقال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا [[لسان العرب: 11/ 516.]] فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعا بنسب وسبعا بسبب، فأما النسب قوله: أُمَّهاتُكُمْ فهي أمهات النسبة وَبَناتُكُمْ جمع البنت وَأَخَواتُكُمْ جمع الأخت وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ جمع العمّة والخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ. وأما السبب فقوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [[سورة الأحزاب: 6.]] ثم قال: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [[سورة التحريم: 53.]] . وقرأ عبد الله: (واللاي) بغير تاء كقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [[سورة الطلاق: 4.]] . قال الشاعر: من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرئ المغفلا» عروة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «ما حرمته الولادة حرمه الرضاع» [[السنن الكبرى: 3/ 295.]] [278] . ومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [[تفسير القرطبي: 5/ 108، أحكام القرآن: 2/ 157.]] [279] . الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت يا رسول الله ما لك تنوق في قريش وتدعنا قال: «وعندك أحد؟» قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله ﷺ‎: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» [[صحيح مسلم: 4/ 164، وسنن النسائي: 3/ 297.]] [280] . وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: أن أبا القعيس- وهو أفلح- استأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت أن تأذن له فذكر ذلك للنبي ﷺ‎ فقال: «ائذني له فإنّه عمك» فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: «إنه عمك فليلج عليك» [[مسند أحمد: 6/ 194، صحيح البخاري: 6/ 160.]] . وإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله ﷺ‎ وهي ممّا يقرأ من القرآن. وروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: أن نبي الله ﷺ‎ سئل عن الرضاع فقال: «لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان» [[سنن الدارقطني: 4/ 101 و 106.]] [281] . قال قتادة: المصة والمصتان. والشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر. ومالك: بعد الحولين شهرا، والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [[سورة البقرة: 233.]] وليس بعد الكمال والتمام شيء، وقول النبي ﷺ‎: «لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم» [[مسند أحمد: 1/ 432، وسنن الدارقطني: 4/ 101 بتفاوت في الألفاظ.]] [282] . وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ويحلف بالله ما نزل إلّا هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطء، وهو قول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال ، والقول الأول هو الأصح. قال ابن جريح: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أمّها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: كان ابن عباس يقرأ: (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: لا. وروى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ‎ قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت» . وَرَبائِبُكُمُ جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تربّ ولدا إلّا طيب الولد. قال الكميت: الكرمات [نسبة] في قريش ... [وسواهم] والطيبات الحجورا ومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره. مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. روى الزهري عن عروة: أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي ﷺ‎ أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله ﷺ‎: «أو تحبين ذلك؟» قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ‎: «إنّ ذلك لا يحلّ لي» . فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: «بنت أم سلمة؟» فقلت: نعم، قال: «والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» [[مسند الشاميين: 4/ 208، السنن الكبرى: 3/ 290.]] [283] . وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلّاء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد. قال الشاعر: يدافع قوما على مجدهم ... دفاع الحليلة عنها الحليلا يدافعه يومها تارة ... ويمكنه رجلها أن يشولا الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتموهم. قال عطاء: نزلت في محمد ﷺ‎ حين نكح امرأة زيد بن حارثة. وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. قال عطاء والسدي: يعني إلّا ما كان من يعقوب (عليه السلام) ، فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراجيل أم يوسف وكانتا أختين. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الآية. قال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يسأل عن هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فلم يقل فيها شيئا، فقال سعيد: كان لا يعلمها. وقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ. قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حرّمن بالسبب. قرأه العامة: (وَالْمُحْصَناتُ) بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن. قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ‎ ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الاستبراء. فقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله ﷺ‎ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ علقمة: (وَالْمُحْصِناتُ) بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلّا ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر. قال الباقر ويمان: معناه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عليكم حرام ما فوق الأربع، إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فإنه لا عدد عليكم فيهن. وقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أن تكون لك أمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتابا، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم. وقرأ ابن السميقع: كتب الله عليكم أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب. فأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما روى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها» [[صحيح مسلم: 4/ 136، وتأويل مختلف الحديث: 181.]] [284] . وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: (وَأَحَلَّ لَكُمْ) بضم الألف. الباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: حُرِّمَتْ، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: كِتابَ اللَّهِ. ما وَراءَ ما سوى ذلِكُمْ الذي ذكرت من المحرمات أَنْ تَبْتَغُوا بدل من (ما) فمن رفع أحلّ ف (إن) عنده في محل الرفع، ومن نصب ف (إن) عنده في محل النصب. قال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا. بِأَمْوالِكُمْ أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن مُحْصِنِينَ متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين، وأصله من سفح المذي والمني فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا. وقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟ فقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث. قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي، فرأيت في المصحف (فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى) . وروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى، قال: فما تقرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) ؟ قلت: لا أقرأها هكذا. قال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات. وروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلّا شقي. أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله ﷺ‎ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ‎ ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء! قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت [[قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا (تفسير القرطبي: 5/ 133) .]] ، وفي قول ابن عباس. يقول الشاعر: أقول للرّكب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس [[تفسير القرطبي: 5/ 133، الدر المنثور: 2/ 141.]] وسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام. وروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: «يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء» ثم صحبت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلّا أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» [[مسند أحمد: 3/ 406.]] [285] . وقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله ﷺ‎ ثم نهى الله عزّ وجلّ عنه ورسوله ﷺ‎. وقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله ﷺ‎ بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات. وروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ‎ عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية. وروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر (رضي الله عنه) نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله ﷺ‎ والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها. وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ‎ عنها لا أجد رجلا ينكحها إلّا رجمته بالحجارة. وقال النبي ﷺ‎: «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث» [[مسند أبي يعلي: 11/ 504، وفتح الباري: 9/ 138.]] [286] . وقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [[سورة المؤمنون: 5- 6.]] . وعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلّا النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح. عطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] يقول: الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حرّم غير المتعة. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً أي مهورهن، سمّي المهر أجرا، لأنه ثمن البضع وأجر الاستمتاع ألا تراه يتأكد بالخلوة والدخول. واختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله عزّ وجلّ قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر. وعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجرا قليلا كان أو كثيرا، والسورة من كتاب الله عزّ وجلّ أو آية لقوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. وعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سأل رسول الله ﷺ‎ رجلا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوجت؟» قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [[سورة الإخلاص: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [[سورة النصر: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [[سورة الكافرون: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ [[سورة الزلزال: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك آية الكرسي؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «تزوج تزوج تزوج» [[مسند أحمد: 3/ 221، تفسير القرطبي: 5/ 135.]] [287] . وقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا فضلا وسعة. المسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرّم عليه نكاح الإماء. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر، وقرأ الكسائي: (الْمُحْصِناتِ) بكسر الصاد، كل القرآن إلّا في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح. الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلى قوله بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ سادتهن ف آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير ضمار مُحْصَناتٍ عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أحباب يزنون بهن في السر. فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أحصنّ بأزواجهنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر إذا زنين مِنَ الْعَذابِ يعني الحدّ، نظيره: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [[سورة النور: 8.]] وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته. سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل» [[شرح مسلم: 11/ 211، ومصنف بن أبي شيبة: 8/ 369.]] [288] . ذلِكَ يعني نكاح الإماء عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. عن يونس بن مرداس وكان خادما لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «من أحبّ أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر» . فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت» [[وسنن ابن ماجة: 1/ 598.]] [289] . يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأخرى كقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [[سورة الشورى: 15.]] وقوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة الأنعام: 73.]] ، ثم قال في موضع آخر: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة غافر: 66.]] ، وقال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة الصف: 8.]] ، ثم قال في موضع آخر: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة التوبة: 32.]] . وقال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل [[تفسير القرطبي: 5/ 148، لسان العرب: 3/ 188.]] يريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم. الحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ شرايع الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي. وقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم حَكِيمٌ في تدبيره فيهم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إن وقع تقصير منكم في أمره وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم: فقال السدي: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون. ابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً في كل شيء. طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. قال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلّا أتاه من قبل النساء، وقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. مالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلّا رفدا ولا آكل إلّا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر. قال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [[سورة الروم: 54.]] . ابن كيسان: (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه. قال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [[سورة النساء: 26.]] ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» ، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [[سورة النساء: 28.]] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [[سورة النساء: 31.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ [[سورة النساء: 48.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [[سورة النساء: 40.]] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [[سورة النساء: 110.]] ، ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ [[سورة النساء: 147.]]

النساء 4:28

وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي [أبي مكيل] العدوي تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن يسار: توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ‎ أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله ﷺ‎: «ارجعي إلى بيتك» [277] فأنزل الله عزّ وجلّ: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [[أسباب النزول: 55.]] . (ما) بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نَكَحَ (آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطء. إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً يورث بغض الله، والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا [[كلمة غير مقروءة.]] وبئس ذلك طريقا. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية. السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله ﷺ‎ إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في [التوحيد وعادت] في الجمع كقولهم: شاه ومياه. قال الشاعر: أمهتي خندف والروس أبي [[تفسير القرطبي: 5/ 107.]] وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا: تقبلتها عن أمة لك طالما ... تثوب إليها في النوائب أجمعا [[تفسير القرطبي: 5/ 107، ولسان العرب: 12/ 30.]] فيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات. وقال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا [[لسان العرب: 11/ 516.]] فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعا بنسب وسبعا بسبب، فأما النسب قوله: أُمَّهاتُكُمْ فهي أمهات النسبة وَبَناتُكُمْ جمع البنت وَأَخَواتُكُمْ جمع الأخت وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ جمع العمّة والخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ. وأما السبب فقوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [[سورة الأحزاب: 6.]] ثم قال: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [[سورة التحريم: 53.]] . وقرأ عبد الله: (واللاي) بغير تاء كقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [[سورة الطلاق: 4.]] . قال الشاعر: من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرئ المغفلا» عروة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «ما حرمته الولادة حرمه الرضاع» [[السنن الكبرى: 3/ 295.]] [278] . ومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي ﷺ‎ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [[تفسير القرطبي: 5/ 108، أحكام القرآن: 2/ 157.]] [279] . الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت يا رسول الله ما لك تنوق في قريش وتدعنا قال: «وعندك أحد؟» قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله ﷺ‎: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» [[صحيح مسلم: 4/ 164، وسنن النسائي: 3/ 297.]] [280] . وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: أن أبا القعيس- وهو أفلح- استأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت أن تأذن له فذكر ذلك للنبي ﷺ‎ فقال: «ائذني له فإنّه عمك» فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: «إنه عمك فليلج عليك» [[مسند أحمد: 6/ 194، صحيح البخاري: 6/ 160.]] . وإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله ﷺ‎ وهي ممّا يقرأ من القرآن. وروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: أن نبي الله ﷺ‎ سئل عن الرضاع فقال: «لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان» [[سنن الدارقطني: 4/ 101 و 106.]] [281] . قال قتادة: المصة والمصتان. والشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر. ومالك: بعد الحولين شهرا، والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [[سورة البقرة: 233.]] وليس بعد الكمال والتمام شيء، وقول النبي ﷺ‎: «لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم» [[مسند أحمد: 1/ 432، وسنن الدارقطني: 4/ 101 بتفاوت في الألفاظ.]] [282] . وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ويحلف بالله ما نزل إلّا هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطء، وهو قول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال ، والقول الأول هو الأصح. قال ابن جريح: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أمّها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: كان ابن عباس يقرأ: (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: لا. وروى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ‎ قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت» . وَرَبائِبُكُمُ جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تربّ ولدا إلّا طيب الولد. قال الكميت: الكرمات [نسبة] في قريش ... [وسواهم] والطيبات الحجورا ومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره. مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. روى الزهري عن عروة: أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي ﷺ‎ أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله ﷺ‎: «أو تحبين ذلك؟» قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ‎: «إنّ ذلك لا يحلّ لي» . فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: «بنت أم سلمة؟» فقلت: نعم، قال: «والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» [[مسند الشاميين: 4/ 208، السنن الكبرى: 3/ 290.]] [283] . وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلّاء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد. قال الشاعر: يدافع قوما على مجدهم ... دفاع الحليلة عنها الحليلا يدافعه يومها تارة ... ويمكنه رجلها أن يشولا الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتموهم. قال عطاء: نزلت في محمد ﷺ‎ حين نكح امرأة زيد بن حارثة. وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. قال عطاء والسدي: يعني إلّا ما كان من يعقوب (عليه السلام) ، فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراجيل أم يوسف وكانتا أختين. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الآية. قال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يسأل عن هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فلم يقل فيها شيئا، فقال سعيد: كان لا يعلمها. وقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ. قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حرّمن بالسبب. قرأه العامة: (وَالْمُحْصَناتُ) بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن. قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ‎ ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الاستبراء. فقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله ﷺ‎ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ علقمة: (وَالْمُحْصِناتُ) بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلّا ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر. قال الباقر ويمان: معناه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عليكم حرام ما فوق الأربع، إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فإنه لا عدد عليكم فيهن. وقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أن تكون لك أمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتابا، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم. وقرأ ابن السميقع: كتب الله عليكم أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب. فأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما روى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها» [[صحيح مسلم: 4/ 136، وتأويل مختلف الحديث: 181.]] [284] . وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: (وَأَحَلَّ لَكُمْ) بضم الألف. الباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: حُرِّمَتْ، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: كِتابَ اللَّهِ. ما وَراءَ ما سوى ذلِكُمْ الذي ذكرت من المحرمات أَنْ تَبْتَغُوا بدل من (ما) فمن رفع أحلّ ف (إن) عنده في محل الرفع، ومن نصب ف (إن) عنده في محل النصب. قال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا. بِأَمْوالِكُمْ أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن مُحْصِنِينَ متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين، وأصله من سفح المذي والمني فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا. وقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟ فقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث. قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي، فرأيت في المصحف (فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى) . وروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى، قال: فما تقرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) ؟ قلت: لا أقرأها هكذا. قال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات. وروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) . وروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلّا شقي. أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله ﷺ‎ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ‎ ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء! قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت [[قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا (تفسير القرطبي: 5/ 133) .]] ، وفي قول ابن عباس. يقول الشاعر: أقول للرّكب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس [[تفسير القرطبي: 5/ 133، الدر المنثور: 2/ 141.]] وسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام. وروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ‎ في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: «يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء» ثم صحبت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلّا أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» [[مسند أحمد: 3/ 406.]] [285] . وقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله ﷺ‎ ثم نهى الله عزّ وجلّ عنه ورسوله ﷺ‎. وقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله ﷺ‎ بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات. وروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ‎ عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية. وروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر (رضي الله عنه) نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله ﷺ‎ والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها. وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ‎ عنها لا أجد رجلا ينكحها إلّا رجمته بالحجارة. وقال النبي ﷺ‎: «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث» [[مسند أبي يعلي: 11/ 504، وفتح الباري: 9/ 138.]] [286] . وقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [[سورة المؤمنون: 5- 6.]] . وعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلّا النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح. عطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [ ... ] [[كلمة غير مقروءة.]] يقول: الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حرّم غير المتعة. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً أي مهورهن، سمّي المهر أجرا، لأنه ثمن البضع وأجر الاستمتاع ألا تراه يتأكد بالخلوة والدخول. واختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله عزّ وجلّ قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر. وعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجرا قليلا كان أو كثيرا، والسورة من كتاب الله عزّ وجلّ أو آية لقوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. وعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سأل رسول الله ﷺ‎ رجلا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوجت؟» قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [[سورة الإخلاص: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [[سورة النصر: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [[سورة الكافرون: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ [[سورة الزلزال: 1.]] ؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك آية الكرسي؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» ، قال: «تزوج تزوج تزوج» [[مسند أحمد: 3/ 221، تفسير القرطبي: 5/ 135.]] [287] . وقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا فضلا وسعة. المسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرّم عليه نكاح الإماء. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر، وقرأ الكسائي: (الْمُحْصِناتِ) بكسر الصاد، كل القرآن إلّا في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح. الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلى قوله بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ سادتهن ف آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير ضمار مُحْصَناتٍ عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أحباب يزنون بهن في السر. فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أحصنّ بأزواجهنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر إذا زنين مِنَ الْعَذابِ يعني الحدّ، نظيره: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [[سورة النور: 8.]] وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته. سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل» [[شرح مسلم: 11/ 211، ومصنف بن أبي شيبة: 8/ 369.]] [288] . ذلِكَ يعني نكاح الإماء عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. عن يونس بن مرداس وكان خادما لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «من أحبّ أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر» . فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت» [[وسنن ابن ماجة: 1/ 598.]] [289] . يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأخرى كقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [[سورة الشورى: 15.]] وقوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة الأنعام: 73.]] ، ثم قال في موضع آخر: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [[سورة غافر: 66.]] ، وقال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة الصف: 8.]] ، ثم قال في موضع آخر: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [[سورة التوبة: 32.]] . وقال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل [[تفسير القرطبي: 5/ 148، لسان العرب: 3/ 188.]] يريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم. الحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ شرايع الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي. وقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم حَكِيمٌ في تدبيره فيهم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إن وقع تقصير منكم في أمره وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم: فقال السدي: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون. ابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً في كل شيء. طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. قال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلّا أتاه من قبل النساء، وقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. مالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلّا رفدا ولا آكل إلّا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر. قال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [[سورة الروم: 54.]] . ابن كيسان: (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه. قال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [[سورة النساء: 26.]] ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» ، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [[سورة النساء: 28.]] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [[سورة النساء: 31.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ [[سورة النساء: 48.]] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [[سورة النساء: 40.]] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [[سورة النساء: 110.]] ، ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ [[سورة النساء: 147.]]

النساء 4:29

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بالحرام يعني الربا والقمار والقطع والغصب والسرقة والخيانة. وقال ابن عباس: هو الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيت أخذته وإلّا رددته ورددت معه درهما، ثم قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً يعني لكن إذا كانت تجارة استثناء منقطع، لأن التجارة ليست بباطل. قرأ أهل الكوفة: (تِجارَةً) بالنصب وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون: بالرفع وهو اختيار أبي حاتم، فمن نصب فعلى خبر كان تقديره: إلّا أن تكون الأموال تجارة. كقول الشاعر: إذا كان طاعنا بينهم وعناقا [[تفسير الطبري: 3/ 179.]] ومن رفع فعلى معنى الا أن تقع تجارة وحينئذ لا خبر له. كقول الشاعر: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب [[لسان العرب: 1/ 509.]] ثم وصف التجارة فقال: عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ يرضى كل واحد منهما بما في يديه. قال أكثر المفسرين: هو أن يخبر كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد عقد المبيع حتى يتفرقا من مجلسهما الذي تعاقدا فيه، كقول النبي ﷺ‎: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» [[مسند أحمد: 4/ 402.]] [290] . وقال ﷺ‎: «البيع عن تراضي بالخيار بعد الصفقة ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلما [[تفسير الطبري: 5/ 45، تفسير ابن كثير: 1/ 491.]] [291] . وروى حكيم بن حزام عن النبي ﷺ‎ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، فإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» [[صحيح البخاري: 3/ 18، مسند أحمد: 3/ 402.]] [292] . وابتاع عمر بن جرير فرسا ثم خير صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: هذا البيع عن تراض. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبي عن جدّي عن علي بن الحسين الهلالي قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سأل الفضل بن عياض عن قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قال: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً. عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ‎ ذكرت ذلك له فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» [293] . قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فتيمّمت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ‎ ولم يقل شيئا [[مسند أحمد: 4/ 203، المستدرك: 1/ 177.]] . وعن الحسن: أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولنّ بين أحدكم وبين الجنة ملء كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن رجلا ممّن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزّها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات فقال ربّكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة» [[صحيح مسلم: 1/ 75.]] [294] . سماك عن جابر بن سمرة: أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ‎. حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: ذكر بأن مسروقا بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أنّ مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عمّا أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فو الله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ الآية ثم انساب في الناس فذهب [[بطوله في الطبقات الكبرى: 6/ 78.]] . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الذي ذكرت من المحرمات عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ندخله في الآخرة نارا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً هيّنا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيرا للصغائر. فروى عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك [[صحيح البخاري: 7/ 75، ومسند أحمد: 1/ 380.]] [295] هذا الحديث من قول الله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [[سورة الفرقان: 68.]] الآية. صالح بن حيان عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضول الماء بعد الري» [[تفسير ابن كثير: 1/ 497.]] . الشعبي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ‎ قال: «الكبائر الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وقول الزور. أو قال. شهادة الزور» [[سنن الترمذي: 4/ 303، ح 5009.]] [296] . سفيان عن سعد بن إبراهيم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو قال: من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمّه فيسب أمّه. أبو الطفيل عن ابن مسعود قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. عكرمة عن عمار قال: حدثنا طيسلة بن علي النهدي قال: سألت ابن عمر عن الكبائر، فقال: هي تسع قلت ما هن؟ قال: الإشراك بالله تعالى، وقتل المؤمن متعمدا، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والسحر، واستحلال الميتة قبلكم أحياء وأمواتا. وقال جعفر الصادق: الكبائر ثلاث: تركك ملتك، وتبديلك سنّتك، وقتالك أهل صفقتك. وقال فرقد المسيحي: قرأت في التوراة: أمهات الخطايا ثلاث وهي: أول ذنب عصى الله به الكبر، وكان ذلك لإبليس عليه اللعنة، والحرص، وكان ذلك لآدم (عليه السلام) ، والحسد، وكان لقابيل حين قتل هابيل. عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الكبائر أولهنّ: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبر والفرار من الزحف ورمي المحصنة والانقلاب على الأعراب بعد الهجرة فهذه سبع» [[زاد المسير: 2/ 114.]] [297] . سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رجلا سأله عن الكبائر السبع، قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع إلّا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: الكبائر عشرون: الشرك بالله عزّ وجلّ، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله، والسحر، والزنا والربا، والسرقة، وأكل مال اليتيم، وترك الصلاة، ومنع الزكاة، وشهادة الزور، وقتل الولد خشية أن يأكل معك، والحسد، والكبر، والبهتان، والحرص، والحيف في الوصية، وتحقير المسلمين. السدي عن ابن مالك قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله فقال عبد الله: افتحوا سورة النساء، وكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثون آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. وقال ابن سيرين: ذكر عند ابن عباس الكبائر فقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، حتى الطرفة وهي النظرة. سعيد بن جبير عنه: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها فليستغفر، فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلّا راجعا عن الإسلام أو جاحد فريضة أو مكذبا بقدر. علي بن أبي طلحة عنه: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار وأوعد عليه النار فهي كبيرة. الحسن: الموجبات للحدود. الضحاك: ما وعد الله تعالى عليه حدّا في الدنيا وعذابا في الآخرة. الحسين بن الفضل: ما سمّاه الله في كتابه القرآن كبيرا أو عظيما، نحو قوله: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [[سورة النساء: 2.]] ، إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [[سورة الإسراء: 31.]] ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [[سورة لقمان: 13.]] ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [[سورة يوسف: 28.]] ، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [[سورة النور: 16.]] ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [[سورة الأحزاب: 53.]] . مالك بن معول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل الشّينة. وكيع: كل ذنب أصرّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبائر ما تاب منه العبد واستغفر منه. أحمد بن عاصم الأنطاكي: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ، والنسيان، والإكراه، وحديث النفس، المرفوعة من هذه الأمة. سفيان الثوري: الكبائر ما فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يغفره، واحتجّ بقول النبي ﷺ‎: «ينادي يوم القيامة مناد من بطنان العرش يا أمّة محمد إن الله عزّ وجلّ يقول: أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبتها لكم وبقي التبعات، فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي» [[عدة الداعي: 136.]] [298] . المحاربي: الكبائر ذنوب المذنبين المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم. السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار والسيئات مقدماتها، وتبعاتها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. قال النبي ﷺ‎: «العينان تزنيان واليدان تزنيان ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» [[مسند أبي يعلي: 11/ 309.]] [299] . وقال قوم: الكبيرة ما قبح في العقل والطبع مثل القتل والظلم والزنا والكذب ونحوها، والصغيرة ما نهى الله عنه شرعا وسمعا. وقال: كل ذنب يتجاوز عنه بفضله يوم القيامة فهو صغيرة، وكل ذنب عذّب عليها بعدله فهو كبيرة. وقيل: الكبائر الذنوب الباطنة والسيئات الذنوب الظاهرة. وقال بعضهم: الصغائر ما يستحقرونه العباد والكبائر ما يستعظمونه فيخافون واقعته. وقال أنس بن مالك: إنكم تعملون أعمالا هي أدق من الشعر في أعينكم كنّا نعدّها على عهد رسول الله ﷺ‎ من الكبائر. وقال بعضهم: الكبائر الشرك وما يؤدّي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [[سورة النساء: 48.]] . فصل في تفصيل أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر مجموعة من الكتاب والسنة مقرونة بالدليل والحجة أحدها: الإشراك بالله لقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [[سورة المائدة: 72.]] . الثاني: الأياس من روح الله لقوله: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [[سورة يوسف: 87.]] الآية. والثالث: القنوط من رحمة الله لقوله: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [[سورة الحجر: 62.]] . والرابع: الأمن من مكر الله لقوله: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» . والخامس: عقوق الوالدين لقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [[سورة الإسراء: 23.]] . والسادس: قتل النفس التي حرّم الله لقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ [[سورة النساء: 93.]] . والسابع: قذف المحصنة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ [[سورة النور: 23.]] الآية. والثامن: الفرار من الزحف لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً [[سورة الأنفال: 15.]] الآية. التاسع: أكل الربا لقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا [[سورة البقرة: 275.]] الآية. والعاشر: السحر لقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ [[سورة البقرة: 102.]] الآية. والحادي عشر: الزنا: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [[سورة الفرقان: 68.]] . والثاني عشر: اليمين الكاذبة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [[سورة آل عمران: 77.]] . والثالث عشر: منع الزكاة لقوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [[سورة التوبة: 34.]] الآيتين. والرابع عشر: الغلول لقوله: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ [[سورة آل عمران: 161.]] . والخامس عشر: شهادة الزور لقوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ [[سورة البقرة: 283.]] الآية. والسادس عشر: الميسر وهو القمار لقوله: الْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ [[سورة المائدة: 90.]] . والسابع عشر: شرب الخمر لقوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [[سورة المائدة: 90.]] الآية. والثامن عشر: ترك الصلاة متعمدا لقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ [[سورة البقرة: 238.]] الآية. والتاسع عشر: قطيعة الرحم لقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [[سورة النساء: 1.]] وقوله: وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [[سورة محمد: 22.]] . والعشرون: الحيف من الوصية لقوله: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً [[سورة البقرة: 182.]] الآية. والحادي والعشرون: أكل مال اليتيم لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [[سورة النساء: 10.]] الآية. والثاني والعشرون: التعرب بعد الهجرة لقوله: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [[سورة آل عمران: 144.]] . والثالث والعشرون: استحلال الحرم لقوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [[سورة المائدة: 2.]] ، وقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ [[سورة الحج: 25.]] . والرابع والعشرون: الارتداد لقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ [[سورة محمد: 25.]] الآية. والخامس والعشرون: نقض العهد لقوله: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [[سورة الرعد: 25.]] . فذلك قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ. وقرأ ابن مسعود: كبر ما تنهون عنه، على الواحد، وفيه معنى مع نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ومن الحج إلى الحج، كما قال ﷺ‎: «الصلاة الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر» [[مسند ابن الجعد: 84، مسند ابن يعلى: 39 (بتفاوت يسير) .]] [300] . وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً وهي الجنة. وقرأ عاصم وأهل المدينة: (مَدْخلا) بفتح الميم وهو موضع الدخول. وقرأ الباقون: بالضم على المصدر، معنى الإدخال. وروي عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ‎ جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات ثم سكت فأقبل كل رجل منّا يبكي حزنا ليمين رسول الله ﷺ‎ ثم قال: «ما من عبد يأتي بالصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر إلّا فتحت له أبواب الجنة يوم القيامة حتى أنها لتصطفق» [301] ثم تلا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [[المستدرك: 2/ 240، صحيح ابن خزيمة: 1/ 163.]] الآية. وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ الآية. يقال: جاءت وافدة النساء إلى رسول الله ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله أليس الله ربّ الرجال والنساء وأنت رسول الله إليهم جميعا، فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكر النساء؟ نخشى أن لا يكون فينا خير ولا لله فينا حاجة؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [[سورة الأحزاب: 35.]] الآية، وقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [[سورة النحل: 97.]] . وقيل: لمّا جعل الله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ في الميراث، قالت النساء: نحن أحوج إلى أن يكون لنا سهمان وللرجال سهم، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منّا، فنزّل الله هذه الآية. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة والسدي: لما نزل قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، قال الرجال: إنا لنرجو أن يفضل علينا النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الثواب والعقاب وَلِلنِّساءِ كذلك، قاله قتادة، وقال أيضا: هو أن الرجل يجزي بالحسنة عشرة والمرأة تجزي بها عشرا. وقال ابن عباس: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الميراث، وللنساء نصيب منه لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والأحراز، فنهى الله تعالى عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد. قال الضحاك: لا يحل لمسلم أن يتمنى مال أحد، ألم يسمع الذين قالوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ [[سورة القصص: 79.]] إلى أن قال وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ [[سورة القصص: 82.]] حين خسف بداره وأمواله يقولون: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا [[سورة القصص: 82.]] . وقال الكلبي: لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله، وهو كذلك في التوراة، وذلك قوله في القرآن: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [[سورة النساء: 32.]] . قرأ ابن كثير وخلف والكسائي: (وسلوا الله) وسل وفسل بغير همزة فنقل حركة الهمزة إلى السين. الباقون: بالهمزة. قال رسول الله ﷺ‎: «سلوا الله من فضله فإنه يحبّ أن يسأل وأن من أفضل العبادة انتظار الفرج» . أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «من لم يسأل الله عزّ وجلّ من فضله غضب عليه» [[تفسير الطبري: 5/ 68، تفسير القرطبي: 5/ 164.]] [302] . هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: سلوا ربّكم حتى الشبع من لم ييسّره الله لم يتيسّر. وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلّا ليعطي. وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أي ولكل واحد من الرجال والنساء موالي، أي عصبة يرثونه مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من ميراثهم له، والوالدون والأقربون على هذا التأويل هم الموروثون، وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي، أي قرابة من الذين تركهم، ثم فسّر الموالي فقال: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي هم الوالدان والأقربون خبر مبتدأ محذوف فالمعنى: من تركة الوالدان والأقربون، وعلى هذا القول هم الوارثون وَالَّذِينَ عَقَدَتْ في محل الرفع بالابتداء، والمعاقدة هي المعاهدة بين اثنين. وقرأ أهل الكوفة: عَقَدَتْ خفيفة بغير ألف أراد عقدت لهم أَيْمانُكُمْ وقرأت أم سعد بنت سعد بن الربيع: (عقّدت) بالتشديد يعني وثقته وأكدته، والأيمان جمع يمين من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ويتحالفون عليه، فلذلك ذكر الأيمان. قتادة وغيره: أراد بالذين عاقدت إيمانكم الحلفاء، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وثاري ثارك وحربي وحربك وسلمي وسلمك وترثني وارثك وتطلب لي وأطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه لذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [[سورة الأنفال: 75.]] . وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النصر والعقل والرفد، ولا ميراث، وعلى هذا القول تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [[سورة المائدة: 1.]] ، ولقول رسول الله ﷺ‎: «أوفوا للحلفاء بعهودهم التي عقدت أيمانكم» [303] . ولقوله (عليه السلام) في خطبته يوم فتح مكة: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلّا شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام» [[مسند أحمد: 5/ 61، سنن الترمذي: 3/ 73، ح 1634.]] [304] . وروى عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وإنّي أنكثه» [[مسند أحمد: 1/ 190.]] [305] ، وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ‎، من المهاجرين والأنصار حين أتوا إلى المدينة، وكانوا يتوارثون تلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض. وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في الذين كانوا يتبنّون أبناء غير هم في الجاهلية، ومنهم زيد مولى رسول الله ﷺ‎، فأمروا في الإسلام [أن] يوصوا إليهم عند الموت بوصية، وردّ الميراث إلى ذوي الرحم، وأبى الله أن يجعله يجعل للمدّعى ميراثا ممّن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكن جعل الله لهم نصيبا في الوصية، فذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقال أبو روق: نزل قوله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ. الآية. في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافرا، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئا من ماله، فلمّا أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه من المال. الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. الآية. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعيد بن الربيع بن عمرو. وكان من النقباء. وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير. وهما من الأنصار. وذلك أنها نشزت فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي ﷺ‎، فقال: أفرشته كريمتي ولطمها، فقال النبي ﷺ‎: «لتقتصّ من زوجها» ، فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي ﷺ‎: «ليرجعوا، هذا جبرئيل» ، وأنزلت هذه الآية، وقال النبي ﷺ‎: «أردنا أمرا وأراد الله أمرا، فالذي أراد الله خير» [[تفسير القرطبي: 5/ 168 بتفاوت.]] [306] ، ورفع القصاص. وقال الكلبي: نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم، وذكر نحوها أبو روق: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي ﷺ‎ تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ أي مسلّطون على تأديب النساء بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس، فلو شجّ رجل امرأته، أو جرحها لم يكن عليه قود، وكان عليه العقل إلّا التي يقتلها فيقتل بها ، قاله الزهري وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: ليس بين الزوج والمرأة قصاص إلّا في النفس والجرح. والقوّامون: البالغون في القيام عليهن بتعليمهنّ وتأديبهنّ وإصلاح أمرهنّ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ قيل: بزيادة العقل، وقيل: بزيادة الدّين واليقين، وقيل: بقوة العبادة، وقيل: بالشهادة، قال الله: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، قال القرظي: بالتصرّف والتجارات، وقيل: بالجهاد، قال الله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [[سورة التوبة: 41.]] ، وقال للنساء: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [[سورة الأحزاب: 33.]] ، الربيع: الجمعة والجماعات، قال الحسن: بالإنفاق عليهنّ، قال الله تعالى: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ. وقال بعضهم: يمكن للرجل أن ينكح أربع نسوة، ولا يحلّ للمرأة غير زوج واحد، وقيل: هو إنّ الطلاق إلى الرجال وليس إليهنّ منه شيء، وقيل: بالدّية، وقيل: بالنبوّة، وقيل: الخلافة والإمارة، إسماعيل بن عياش [.......] [[كلمة غير مقروءة.]] عن بعض أشياخه رفعه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج» . فقيل: يا رسول الله، وإن كان لها مال؟ قال: «وإن كان لها مال، الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ» [307] . سعيد [عن أبي سعيد المقبري] [[زيادة عن تفسير الطبري: 5/ 86، والمخطوط ممسوح.]] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها، ثم تلا ﷺ‎: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [[كنز العمال: 16/ 282 ح 44477.]] [308] . فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ مطيعات حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ يعني لغيب أزواجهنّ إذا غابوا، وقيل: سرّهم بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بحفظ الله لهنّ، وقرأ أبو جعفر بفتح الهاء، ومعناه: بحفظ من الله في الطاعة، وهذا كقوله عليه السلام: «احفظ الله يحفظك» [[مسند أحمد: 1/ 293.]] ، و (ما) على القراءتين [مصدريّة] [[في المخطوط: مصدر.]] ، كقوله: بِما غَفَرَ لِي رَبِّي [[سورة يس: 27.]] ، أي يغفر لي ربّي. وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ عصيانهن، وأصله من الحركة فَعِظُوهُنَّ، فإن نزعن عن ذلك وإلّا وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ، وقيل: ولّوهنّ ظهوركم في المضاجع، فإن نزعن وإلّا وَاضْرِبُوهُنَّ ضربا غير مبرح ولا شائن. ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ‎ قال: «علّق السوط حيث يراه أهل البيت» [[كنز العمال: 16/ 371 ح 44946.]] [309] . هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي لا [تطلبوا] عليهنّ بالذنوب، قال ابن عينه: لا تكلفوهن الحبّ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما أي خلافا بين الزوجين، فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها يتوسطون، إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعني الزوجين وقيل: الحكمين، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالصلاح والألفة، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً. وعن عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة عليا (عليه السلام) ، مع كل واحد منهما قيام من النّاس، فقال عليّ: «ما شأن هذين؟» . قالوا: وقع بينهما شقاق. قال عليّ: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها. قال: فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، فقال عليّ للحكمين: «هل تدريان ما عليكما؟ إنّ عليكما إن رأيتما أن يجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن يفرّقا فرقتما» ، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أمّا الفرقة فلا، قال عليّ: «كذبت والله، لا تنقلب منّي حتى تقرّ بما أقرّت به» [[تفسير الطبري: 5/ 101.]] . وَاعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوا الله وأطيعوه، قالت الحكماء: العبودية ترك العصيان، وملازمة الذلّ والانكسار، وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرّضا بالموجود، والصبر على المفقود. وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً برّا بهما وعطفا عليهما. وقرأ ابن جني: (إحسانٌ) بالرفع، أي وجب الإحسان بهما، وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ‎ قسوة قلبه، فقال: «إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم وأطعمه» [[الجامع الصغير: 1/ 407.]] [310] . وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى: قرأ العامة بالخفض عطفا على الكلام الأول، وقرأ ابن أبي عبلة: وَالْجارَ وما يليه نصبا. والْجارِ ذِي الْقُرْبى ذو القرابة وَالْجارِ الْجُنُبِ البعيد الذي بينك وبينه قرابة، وقال الضحاك: هو الغريب من قوم آخرين، وقرأ الأعمش والفضل: (وَالْجارِ الْجَنْبِ) بفتح الجيم وسكون النون، وهما لغتان: رجل جنب وجنب وجانب وأجنب وأجنبيّ، إذا لم يكن قريبا، وجمعها أجانب، وقال الّاعشى: أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث في عطائي جامدا [[تفسير الطبري: 5/ 113.]] أي عن غربة من غير قربة، ومنه يقال: اجتنب فلان فلانا، إذا بعد منه، ومنه قيل للمجنب: جنب لاعتزاله الصّلاة، وبعده من المسجد حتى يغتسل، وقال نوف البكالي: الْجارِ الْجُنُبِ هو الكافر، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ يعني الرفيق في السفر، قال ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر وعكرمة وقتادة، عن سعيد بن معروف بن رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «التمسوا الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق» [[كنز العمال: 15/ 388 ح 41495.]] [311] . وقال بعضهم: الْجارِ الْجُنُبِ هو الجار اللاصق داره بدارك، فهو إلى جنبك، وقال علي وعبد الله وابن أبي ليلى والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه. ابن زيد وابن جريح: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء برّك ورفدك. وقال ابن عباس: إنّي لأستحي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرات لا يرى عليه أثر من برّي. وقال المهلّب: إذا غدا عليكم الرجل وراح، فكفى به مسألة وتذكرة بنفسه. وقد قال النبي ﷺ‎: «إنّ خير الأصحاب عند الله عز وجلّ خيرهم لصاحبه، خير الجيران عند الله خيرهم لجاره» [[الجامع الصغير: 1/ 617 ح 3998.]] [312] . عثمان بن عطا، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه، فأيّما رجل أغلق أبوابه دون جاره، فخافه على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن» . قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار؟ قال: «إن دعاك أجبته، وإن أصابته فاقة عدت عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته، وإن أصابه مصيبة عزّيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعل عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلّا بإذنه، ولا تؤذه بقتار [[القتار: رائحة القدر. النهاية في غريب الحديث والأثر 4: 12. قتر.]] قدرك إلّا أن يغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهد له منها، وإن لم تفعل فأدخلها سرّا، ولا يخرج ولدك منها فيغيظ ولده» . ثم قال ﷺ‎: «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقّان، ومنهم من له حق واحد فأما صاحب الثلاثة الحقوق: فالمسلم الجار ذو الرحم، له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم، وأمّا صاحب الحقّين: فالمسلم الجار له حق الإسلام وحق الجار، وأمّا صاحب الحق الواحد، فالمشرك الجار، له حق الجوار، وإن كان مشركا» [[كنز العمال: 9/ 185 ح 25613 بتفاوت، وتفسير القرطبي: 5/ 184.]] [313] . أبو هشام القطان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله عزّ وجلّ» [[كنز العمال: 9/ 56 ح 24927.]] [314] . وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني المماليك، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ‎ دفع إلى أبي ذرّ غلاما، فقال: «يا أبا ذرّ أطعمه مما تأكل واكسه مما تلبس» ، قال: لم يكن له سوى ثوب واحد فجعله نصفين، فراح إلى نبي الله ﷺ‎، فقال: «ما شأن ثوبك هذا؟» ، فقال: إن الفتى الذي دفعته إليّ أمرتني أن أطعمه مما آكل واكسوه مما ألبس، وإنه لم يكن معي إلّا هذا الثوب فناصفته، فقال رسول الله ﷺ‎: «أشير عليك بأن تعتقه» ، ثم قال رسول الله: «ما فعل فتاك؟» قال: ليس لي فتى فقد أعتقته، قال: «آجرك الله يا أبا ذرّ» [[مجمع الزوائد: 4/ 237 بتفاوت.]] [315] . الأعمش عن عتيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الغنم بركة، والإبل عزّ لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فإن عجز فأعنه» [[كنز العمال: 12/ 325 ح 35228 بتفاوت يسير.]] . وعن عليّ (رضي الله عنه) قال: «كان آخر كلام رسول إله ﷺ‎ الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» [[كنز العمال: 8/ 6 ح 21625.]] [316] . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً.

النساء 4:30

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بالحرام يعني الربا والقمار والقطع والغصب والسرقة والخيانة. وقال ابن عباس: هو الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيت أخذته وإلّا رددته ورددت معه درهما، ثم قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً يعني لكن إذا كانت تجارة استثناء منقطع، لأن التجارة ليست بباطل. قرأ أهل الكوفة: (تِجارَةً) بالنصب وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون: بالرفع وهو اختيار أبي حاتم، فمن نصب فعلى خبر كان تقديره: إلّا أن تكون الأموال تجارة. كقول الشاعر: إذا كان طاعنا بينهم وعناقا [[تفسير الطبري: 3/ 179.]] ومن رفع فعلى معنى الا أن تقع تجارة وحينئذ لا خبر له. كقول الشاعر: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب [[لسان العرب: 1/ 509.]] ثم وصف التجارة فقال: عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ يرضى كل واحد منهما بما في يديه. قال أكثر المفسرين: هو أن يخبر كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد عقد المبيع حتى يتفرقا من مجلسهما الذي تعاقدا فيه، كقول النبي ﷺ‎: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» [[مسند أحمد: 4/ 402.]] [290] . وقال ﷺ‎: «البيع عن تراضي بالخيار بعد الصفقة ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلما [[تفسير الطبري: 5/ 45، تفسير ابن كثير: 1/ 491.]] [291] . وروى حكيم بن حزام عن النبي ﷺ‎ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، فإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» [[صحيح البخاري: 3/ 18، مسند أحمد: 3/ 402.]] [292] . وابتاع عمر بن جرير فرسا ثم خير صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: هذا البيع عن تراض. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبي عن جدّي عن علي بن الحسين الهلالي قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سأل الفضل بن عياض عن قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قال: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً. عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ‎ ذكرت ذلك له فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» [293] . قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فتيمّمت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ‎ ولم يقل شيئا [[مسند أحمد: 4/ 203، المستدرك: 1/ 177.]] . وعن الحسن: أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولنّ بين أحدكم وبين الجنة ملء كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن رجلا ممّن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزّها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات فقال ربّكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة» [[صحيح مسلم: 1/ 75.]] [294] . سماك عن جابر بن سمرة: أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ‎. حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: ذكر بأن مسروقا بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أنّ مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عمّا أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فو الله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ الآية ثم انساب في الناس فذهب [[بطوله في الطبقات الكبرى: 6/ 78.]] . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الذي ذكرت من المحرمات عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ندخله في الآخرة نارا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً هيّنا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيرا للصغائر. فروى عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك [[صحيح البخاري: 7/ 75، ومسند أحمد: 1/ 380.]] [295] هذا الحديث من قول الله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [[سورة الفرقان: 68.]] الآية. صالح بن حيان عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضول الماء بعد الري» [[تفسير ابن كثير: 1/ 497.]] . الشعبي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ‎ قال: «الكبائر الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وقول الزور. أو قال. شهادة الزور» [[سنن الترمذي: 4/ 303، ح 5009.]] [296] . سفيان عن سعد بن إبراهيم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو قال: من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمّه فيسب أمّه. أبو الطفيل عن ابن مسعود قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. عكرمة عن عمار قال: حدثنا طيسلة بن علي النهدي قال: سألت ابن عمر عن الكبائر، فقال: هي تسع قلت ما هن؟ قال: الإشراك بالله تعالى، وقتل المؤمن متعمدا، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والسحر، واستحلال الميتة قبلكم أحياء وأمواتا. وقال جعفر الصادق: الكبائر ثلاث: تركك ملتك، وتبديلك سنّتك، وقتالك أهل صفقتك. وقال فرقد المسيحي: قرأت في التوراة: أمهات الخطايا ثلاث وهي: أول ذنب عصى الله به الكبر، وكان ذلك لإبليس عليه اللعنة، والحرص، وكان ذلك لآدم (عليه السلام) ، والحسد، وكان لقابيل حين قتل هابيل. عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الكبائر أولهنّ: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبر والفرار من الزحف ورمي المحصنة والانقلاب على الأعراب بعد الهجرة فهذه سبع» [[زاد المسير: 2/ 114.]] [297] . سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رجلا سأله عن الكبائر السبع، قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع إلّا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: الكبائر عشرون: الشرك بالله عزّ وجلّ، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله، والسحر، والزنا والربا، والسرقة، وأكل مال اليتيم، وترك الصلاة، ومنع الزكاة، وشهادة الزور، وقتل الولد خشية أن يأكل معك، والحسد، والكبر، والبهتان، والحرص، والحيف في الوصية، وتحقير المسلمين. السدي عن ابن مالك قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله فقال عبد الله: افتحوا سورة النساء، وكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثون آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. وقال ابن سيرين: ذكر عند ابن عباس الكبائر فقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، حتى الطرفة وهي النظرة. سعيد بن جبير عنه: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها فليستغفر، فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلّا راجعا عن الإسلام أو جاحد فريضة أو مكذبا بقدر. علي بن أبي طلحة عنه: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار وأوعد عليه النار فهي كبيرة. الحسن: الموجبات للحدود. الضحاك: ما وعد الله تعالى عليه حدّا في الدنيا وعذابا في الآخرة. الحسين بن الفضل: ما سمّاه الله في كتابه القرآن كبيرا أو عظيما، نحو قوله: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [[سورة النساء: 2.]] ، إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [[سورة الإسراء: 31.]] ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [[سورة لقمان: 13.]] ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [[سورة يوسف: 28.]] ، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [[سورة النور: 16.]] ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [[سورة الأحزاب: 53.]] . مالك بن معول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل الشّينة. وكيع: كل ذنب أصرّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبائر ما تاب منه العبد واستغفر منه. أحمد بن عاصم الأنطاكي: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ، والنسيان، والإكراه، وحديث النفس، المرفوعة من هذه الأمة. سفيان الثوري: الكبائر ما فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يغفره، واحتجّ بقول النبي ﷺ‎: «ينادي يوم القيامة مناد من بطنان العرش يا أمّة محمد إن الله عزّ وجلّ يقول: أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبتها لكم وبقي التبعات، فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي» [[عدة الداعي: 136.]] [298] . المحاربي: الكبائر ذنوب المذنبين المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم. السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار والسيئات مقدماتها، وتبعاتها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. قال النبي ﷺ‎: «العينان تزنيان واليدان تزنيان ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» [[مسند أبي يعلي: 11/ 309.]] [299] . وقال قوم: الكبيرة ما قبح في العقل والطبع مثل القتل والظلم والزنا والكذب ونحوها، والصغيرة ما نهى الله عنه شرعا وسمعا. وقال: كل ذنب يتجاوز عنه بفضله يوم القيامة فهو صغيرة، وكل ذنب عذّب عليها بعدله فهو كبيرة. وقيل: الكبائر الذنوب الباطنة والسيئات الذنوب الظاهرة. وقال بعضهم: الصغائر ما يستحقرونه العباد والكبائر ما يستعظمونه فيخافون واقعته. وقال أنس بن مالك: إنكم تعملون أعمالا هي أدق من الشعر في أعينكم كنّا نعدّها على عهد رسول الله ﷺ‎ من الكبائر. وقال بعضهم: الكبائر الشرك وما يؤدّي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [[سورة النساء: 48.]] . فصل في تفصيل أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر مجموعة من الكتاب والسنة مقرونة بالدليل والحجة أحدها: الإشراك بالله لقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [[سورة المائدة: 72.]] . الثاني: الأياس من روح الله لقوله: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [[سورة يوسف: 87.]] الآية. والثالث: القنوط من رحمة الله لقوله: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [[سورة الحجر: 62.]] . والرابع: الأمن من مكر الله لقوله: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» . والخامس: عقوق الوالدين لقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [[سورة الإسراء: 23.]] . والسادس: قتل النفس التي حرّم الله لقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ [[سورة النساء: 93.]] . والسابع: قذف المحصنة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ [[سورة النور: 23.]] الآية. والثامن: الفرار من الزحف لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً [[سورة الأنفال: 15.]] الآية. التاسع: أكل الربا لقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا [[سورة البقرة: 275.]] الآية. والعاشر: السحر لقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ [[سورة البقرة: 102.]] الآية. والحادي عشر: الزنا: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [[سورة الفرقان: 68.]] . والثاني عشر: اليمين الكاذبة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [[سورة آل عمران: 77.]] . والثالث عشر: منع الزكاة لقوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [[سورة التوبة: 34.]] الآيتين. والرابع عشر: الغلول لقوله: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ [[سورة آل عمران: 161.]] . والخامس عشر: شهادة الزور لقوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ [[سورة البقرة: 283.]] الآية. والسادس عشر: الميسر وهو القمار لقوله: الْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ [[سورة المائدة: 90.]] . والسابع عشر: شرب الخمر لقوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [[سورة المائدة: 90.]] الآية. والثامن عشر: ترك الصلاة متعمدا لقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ [[سورة البقرة: 238.]] الآية. والتاسع عشر: قطيعة الرحم لقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [[سورة النساء: 1.]] وقوله: وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [[سورة محمد: 22.]] . والعشرون: الحيف من الوصية لقوله: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً [[سورة البقرة: 182.]] الآية. والحادي والعشرون: أكل مال اليتيم لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [[سورة النساء: 10.]] الآية. والثاني والعشرون: التعرب بعد الهجرة لقوله: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [[سورة آل عمران: 144.]] . والثالث والعشرون: استحلال الحرم لقوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [[سورة المائدة: 2.]] ، وقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ [[سورة الحج: 25.]] . والرابع والعشرون: الارتداد لقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ [[سورة محمد: 25.]] الآية. والخامس والعشرون: نقض العهد لقوله: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [[سورة الرعد: 25.]] . فذلك قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ. وقرأ ابن مسعود: كبر ما تنهون عنه، على الواحد، وفيه معنى مع نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ومن الحج إلى الحج، كما قال ﷺ‎: «الصلاة الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر» [[مسند ابن الجعد: 84، مسند ابن يعلى: 39 (بتفاوت يسير) .]] [300] . وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً وهي الجنة. وقرأ عاصم وأهل المدينة: (مَدْخلا) بفتح الميم وهو موضع الدخول. وقرأ الباقون: بالضم على المصدر، معنى الإدخال. وروي عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ‎ جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات ثم سكت فأقبل كل رجل منّا يبكي حزنا ليمين رسول الله ﷺ‎ ثم قال: «ما من عبد يأتي بالصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر إلّا فتحت له أبواب الجنة يوم القيامة حتى أنها لتصطفق» [301] ثم تلا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [[المستدرك: 2/ 240، صحيح ابن خزيمة: 1/ 163.]] الآية. وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ الآية. يقال: جاءت وافدة النساء إلى رسول الله ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله أليس الله ربّ الرجال والنساء وأنت رسول الله إليهم جميعا، فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكر النساء؟ نخشى أن لا يكون فينا خير ولا لله فينا حاجة؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [[سورة الأحزاب: 35.]] الآية، وقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [[سورة النحل: 97.]] . وقيل: لمّا جعل الله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ في الميراث، قالت النساء: نحن أحوج إلى أن يكون لنا سهمان وللرجال سهم، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منّا، فنزّل الله هذه الآية. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة والسدي: لما نزل قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، قال الرجال: إنا لنرجو أن يفضل علينا النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الثواب والعقاب وَلِلنِّساءِ كذلك، قاله قتادة، وقال أيضا: هو أن الرجل يجزي بالحسنة عشرة والمرأة تجزي بها عشرا. وقال ابن عباس: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الميراث، وللنساء نصيب منه لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والأحراز، فنهى الله تعالى عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد. قال الضحاك: لا يحل لمسلم أن يتمنى مال أحد، ألم يسمع الذين قالوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ [[سورة القصص: 79.]] إلى أن قال وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ [[سورة القصص: 82.]] حين خسف بداره وأمواله يقولون: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا [[سورة القصص: 82.]] . وقال الكلبي: لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله، وهو كذلك في التوراة، وذلك قوله في القرآن: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [[سورة النساء: 32.]] . قرأ ابن كثير وخلف والكسائي: (وسلوا الله) وسل وفسل بغير همزة فنقل حركة الهمزة إلى السين. الباقون: بالهمزة. قال رسول الله ﷺ‎: «سلوا الله من فضله فإنه يحبّ أن يسأل وأن من أفضل العبادة انتظار الفرج» . أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «من لم يسأل الله عزّ وجلّ من فضله غضب عليه» [[تفسير الطبري: 5/ 68، تفسير القرطبي: 5/ 164.]] [302] . هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: سلوا ربّكم حتى الشبع من لم ييسّره الله لم يتيسّر. وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلّا ليعطي. وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أي ولكل واحد من الرجال والنساء موالي، أي عصبة يرثونه مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من ميراثهم له، والوالدون والأقربون على هذا التأويل هم الموروثون، وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي، أي قرابة من الذين تركهم، ثم فسّر الموالي فقال: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي هم الوالدان والأقربون خبر مبتدأ محذوف فالمعنى: من تركة الوالدان والأقربون، وعلى هذا القول هم الوارثون وَالَّذِينَ عَقَدَتْ في محل الرفع بالابتداء، والمعاقدة هي المعاهدة بين اثنين. وقرأ أهل الكوفة: عَقَدَتْ خفيفة بغير ألف أراد عقدت لهم أَيْمانُكُمْ وقرأت أم سعد بنت سعد بن الربيع: (عقّدت) بالتشديد يعني وثقته وأكدته، والأيمان جمع يمين من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ويتحالفون عليه، فلذلك ذكر الأيمان. قتادة وغيره: أراد بالذين عاقدت إيمانكم الحلفاء، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وثاري ثارك وحربي وحربك وسلمي وسلمك وترثني وارثك وتطلب لي وأطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه لذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [[سورة الأنفال: 75.]] . وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النصر والعقل والرفد، ولا ميراث، وعلى هذا القول تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [[سورة المائدة: 1.]] ، ولقول رسول الله ﷺ‎: «أوفوا للحلفاء بعهودهم التي عقدت أيمانكم» [303] . ولقوله (عليه السلام) في خطبته يوم فتح مكة: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلّا شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام» [[مسند أحمد: 5/ 61، سنن الترمذي: 3/ 73، ح 1634.]] [304] . وروى عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وإنّي أنكثه» [[مسند أحمد: 1/ 190.]] [305] ، وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ‎، من المهاجرين والأنصار حين أتوا إلى المدينة، وكانوا يتوارثون تلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض. وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في الذين كانوا يتبنّون أبناء غير هم في الجاهلية، ومنهم زيد مولى رسول الله ﷺ‎، فأمروا في الإسلام [أن] يوصوا إليهم عند الموت بوصية، وردّ الميراث إلى ذوي الرحم، وأبى الله أن يجعله يجعل للمدّعى ميراثا ممّن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكن جعل الله لهم نصيبا في الوصية، فذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقال أبو روق: نزل قوله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ. الآية. في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافرا، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئا من ماله، فلمّا أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه من المال. الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. الآية. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعيد بن الربيع بن عمرو. وكان من النقباء. وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير. وهما من الأنصار. وذلك أنها نشزت فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي ﷺ‎، فقال: أفرشته كريمتي ولطمها، فقال النبي ﷺ‎: «لتقتصّ من زوجها» ، فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي ﷺ‎: «ليرجعوا، هذا جبرئيل» ، وأنزلت هذه الآية، وقال النبي ﷺ‎: «أردنا أمرا وأراد الله أمرا، فالذي أراد الله خير» [[تفسير القرطبي: 5/ 168 بتفاوت.]] [306] ، ورفع القصاص. وقال الكلبي: نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم، وذكر نحوها أبو روق: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي ﷺ‎ تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ أي مسلّطون على تأديب النساء بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس، فلو شجّ رجل امرأته، أو جرحها لم يكن عليه قود، وكان عليه العقل إلّا التي يقتلها فيقتل بها ، قاله الزهري وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: ليس بين الزوج والمرأة قصاص إلّا في النفس والجرح. والقوّامون: البالغون في القيام عليهن بتعليمهنّ وتأديبهنّ وإصلاح أمرهنّ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ قيل: بزيادة العقل، وقيل: بزيادة الدّين واليقين، وقيل: بقوة العبادة، وقيل: بالشهادة، قال الله: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، قال القرظي: بالتصرّف والتجارات، وقيل: بالجهاد، قال الله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [[سورة التوبة: 41.]] ، وقال للنساء: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [[سورة الأحزاب: 33.]] ، الربيع: الجمعة والجماعات، قال الحسن: بالإنفاق عليهنّ، قال الله تعالى: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ. وقال بعضهم: يمكن للرجل أن ينكح أربع نسوة، ولا يحلّ للمرأة غير زوج واحد، وقيل: هو إنّ الطلاق إلى الرجال وليس إليهنّ منه شيء، وقيل: بالدّية، وقيل: بالنبوّة، وقيل: الخلافة والإمارة، إسماعيل بن عياش [.......] [[كلمة غير مقروءة.]] عن بعض أشياخه رفعه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج» . فقيل: يا رسول الله، وإن كان لها مال؟ قال: «وإن كان لها مال، الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ» [307] . سعيد [عن أبي سعيد المقبري] [[زيادة عن تفسير الطبري: 5/ 86، والمخطوط ممسوح.]] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها، ثم تلا ﷺ‎: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [[كنز العمال: 16/ 282 ح 44477.]] [308] . فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ مطيعات حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ يعني لغيب أزواجهنّ إذا غابوا، وقيل: سرّهم بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بحفظ الله لهنّ، وقرأ أبو جعفر بفتح الهاء، ومعناه: بحفظ من الله في الطاعة، وهذا كقوله عليه السلام: «احفظ الله يحفظك» [[مسند أحمد: 1/ 293.]] ، و (ما) على القراءتين [مصدريّة] [[في المخطوط: مصدر.]] ، كقوله: بِما غَفَرَ لِي رَبِّي [[سورة يس: 27.]] ، أي يغفر لي ربّي. وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ عصيانهن، وأصله من الحركة فَعِظُوهُنَّ، فإن نزعن عن ذلك وإلّا وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ، وقيل: ولّوهنّ ظهوركم في المضاجع، فإن نزعن وإلّا وَاضْرِبُوهُنَّ ضربا غير مبرح ولا شائن. ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ‎ قال: «علّق السوط حيث يراه أهل البيت» [[كنز العمال: 16/ 371 ح 44946.]] [309] . هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي لا [تطلبوا] عليهنّ بالذنوب، قال ابن عينه: لا تكلفوهن الحبّ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما أي خلافا بين الزوجين، فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها يتوسطون، إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعني الزوجين وقيل: الحكمين، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالصلاح والألفة، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً. وعن عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة عليا (عليه السلام) ، مع كل واحد منهما قيام من النّاس، فقال عليّ: «ما شأن هذين؟» . قالوا: وقع بينهما شقاق. قال عليّ: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها. قال: فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، فقال عليّ للحكمين: «هل تدريان ما عليكما؟ إنّ عليكما إن رأيتما أن يجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن يفرّقا فرقتما» ، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أمّا الفرقة فلا، قال عليّ: «كذبت والله، لا تنقلب منّي حتى تقرّ بما أقرّت به» [[تفسير الطبري: 5/ 101.]] . وَاعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوا الله وأطيعوه، قالت الحكماء: العبودية ترك العصيان، وملازمة الذلّ والانكسار، وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرّضا بالموجود، والصبر على المفقود. وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً برّا بهما وعطفا عليهما. وقرأ ابن جني: (إحسانٌ) بالرفع، أي وجب الإحسان بهما، وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ‎ قسوة قلبه، فقال: «إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم وأطعمه» [[الجامع الصغير: 1/ 407.]] [310] . وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى: قرأ العامة بالخفض عطفا على الكلام الأول، وقرأ ابن أبي عبلة: وَالْجارَ وما يليه نصبا. والْجارِ ذِي الْقُرْبى ذو القرابة وَالْجارِ الْجُنُبِ البعيد الذي بينك وبينه قرابة، وقال الضحاك: هو الغريب من قوم آخرين، وقرأ الأعمش والفضل: (وَالْجارِ الْجَنْبِ) بفتح الجيم وسكون النون، وهما لغتان: رجل جنب وجنب وجانب وأجنب وأجنبيّ، إذا لم يكن قريبا، وجمعها أجانب، وقال الّاعشى: أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث في عطائي جامدا [[تفسير الطبري: 5/ 113.]] أي عن غربة من غير قربة، ومنه يقال: اجتنب فلان فلانا، إذا بعد منه، ومنه قيل للمجنب: جنب لاعتزاله الصّلاة، وبعده من المسجد حتى يغتسل، وقال نوف البكالي: الْجارِ الْجُنُبِ هو الكافر، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ يعني الرفيق في السفر، قال ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر وعكرمة وقتادة، عن سعيد بن معروف بن رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «التمسوا الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق» [[كنز العمال: 15/ 388 ح 41495.]] [311] . وقال بعضهم: الْجارِ الْجُنُبِ هو الجار اللاصق داره بدارك، فهو إلى جنبك، وقال علي وعبد الله وابن أبي ليلى والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه. ابن زيد وابن جريح: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء برّك ورفدك. وقال ابن عباس: إنّي لأستحي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرات لا يرى عليه أثر من برّي. وقال المهلّب: إذا غدا عليكم الرجل وراح، فكفى به مسألة وتذكرة بنفسه. وقد قال النبي ﷺ‎: «إنّ خير الأصحاب عند الله عز وجلّ خيرهم لصاحبه، خير الجيران عند الله خيرهم لجاره» [[الجامع الصغير: 1/ 617 ح 3998.]] [312] . عثمان بن عطا، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه، فأيّما رجل أغلق أبوابه دون جاره، فخافه على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن» . قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار؟ قال: «إن دعاك أجبته، وإن أصابته فاقة عدت عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته، وإن أصابه مصيبة عزّيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعل عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلّا بإذنه، ولا تؤذه بقتار [[القتار: رائحة القدر. النهاية في غريب الحديث والأثر 4: 12. قتر.]] قدرك إلّا أن يغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهد له منها، وإن لم تفعل فأدخلها سرّا، ولا يخرج ولدك منها فيغيظ ولده» . ثم قال ﷺ‎: «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقّان، ومنهم من له حق واحد فأما صاحب الثلاثة الحقوق: فالمسلم الجار ذو الرحم، له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم، وأمّا صاحب الحقّين: فالمسلم الجار له حق الإسلام وحق الجار، وأمّا صاحب الحق الواحد، فالمشرك الجار، له حق الجوار، وإن كان مشركا» [[كنز العمال: 9/ 185 ح 25613 بتفاوت، وتفسير القرطبي: 5/ 184.]] [313] . أبو هشام القطان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله عزّ وجلّ» [[كنز العمال: 9/ 56 ح 24927.]] [314] . وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني المماليك، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ‎ دفع إلى أبي ذرّ غلاما، فقال: «يا أبا ذرّ أطعمه مما تأكل واكسه مما تلبس» ، قال: لم يكن له سوى ثوب واحد فجعله نصفين، فراح إلى نبي الله ﷺ‎، فقال: «ما شأن ثوبك هذا؟» ، فقال: إن الفتى الذي دفعته إليّ أمرتني أن أطعمه مما آكل واكسوه مما ألبس، وإنه لم يكن معي إلّا هذا الثوب فناصفته، فقال رسول الله ﷺ‎: «أشير عليك بأن تعتقه» ، ثم قال رسول الله: «ما فعل فتاك؟» قال: ليس لي فتى فقد أعتقته، قال: «آجرك الله يا أبا ذرّ» [[مجمع الزوائد: 4/ 237 بتفاوت.]] [315] . الأعمش عن عتيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الغنم بركة، والإبل عزّ لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فإن عجز فأعنه» [[كنز العمال: 12/ 325 ح 35228 بتفاوت يسير.]] . وعن عليّ (رضي الله عنه) قال: «كان آخر كلام رسول إله ﷺ‎ الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» [[كنز العمال: 8/ 6 ح 21625.]] [316] . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً.

النساء 4:31

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بالحرام يعني الربا والقمار والقطع والغصب والسرقة والخيانة. وقال ابن عباس: هو الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيت أخذته وإلّا رددته ورددت معه درهما، ثم قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً يعني لكن إذا كانت تجارة استثناء منقطع، لأن التجارة ليست بباطل. قرأ أهل الكوفة: (تِجارَةً) بالنصب وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون: بالرفع وهو اختيار أبي حاتم، فمن نصب فعلى خبر كان تقديره: إلّا أن تكون الأموال تجارة. كقول الشاعر: إذا كان طاعنا بينهم وعناقا [[تفسير الطبري: 3/ 179.]] ومن رفع فعلى معنى الا أن تقع تجارة وحينئذ لا خبر له. كقول الشاعر: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب [[لسان العرب: 1/ 509.]] ثم وصف التجارة فقال: عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ يرضى كل واحد منهما بما في يديه. قال أكثر المفسرين: هو أن يخبر كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد عقد المبيع حتى يتفرقا من مجلسهما الذي تعاقدا فيه، كقول النبي ﷺ‎: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» [[مسند أحمد: 4/ 402.]] [290] . وقال ﷺ‎: «البيع عن تراضي بالخيار بعد الصفقة ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلما [[تفسير الطبري: 5/ 45، تفسير ابن كثير: 1/ 491.]] [291] . وروى حكيم بن حزام عن النبي ﷺ‎ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، فإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» [[صحيح البخاري: 3/ 18، مسند أحمد: 3/ 402.]] [292] . وابتاع عمر بن جرير فرسا ثم خير صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: هذا البيع عن تراض. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبي عن جدّي عن علي بن الحسين الهلالي قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سأل الفضل بن عياض عن قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قال: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً. عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ‎ ذكرت ذلك له فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» [293] . قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فتيمّمت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ‎ ولم يقل شيئا [[مسند أحمد: 4/ 203، المستدرك: 1/ 177.]] . وعن الحسن: أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولنّ بين أحدكم وبين الجنة ملء كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن رجلا ممّن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزّها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات فقال ربّكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة» [[صحيح مسلم: 1/ 75.]] [294] . سماك عن جابر بن سمرة: أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ‎. حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: ذكر بأن مسروقا بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أنّ مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عمّا أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فو الله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ الآية ثم انساب في الناس فذهب [[بطوله في الطبقات الكبرى: 6/ 78.]] . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الذي ذكرت من المحرمات عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ندخله في الآخرة نارا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً هيّنا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيرا للصغائر. فروى عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك [[صحيح البخاري: 7/ 75، ومسند أحمد: 1/ 380.]] [295] هذا الحديث من قول الله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [[سورة الفرقان: 68.]] الآية. صالح بن حيان عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضول الماء بعد الري» [[تفسير ابن كثير: 1/ 497.]] . الشعبي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ‎ قال: «الكبائر الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وقول الزور. أو قال. شهادة الزور» [[سنن الترمذي: 4/ 303، ح 5009.]] [296] . سفيان عن سعد بن إبراهيم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو قال: من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمّه فيسب أمّه. أبو الطفيل عن ابن مسعود قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. عكرمة عن عمار قال: حدثنا طيسلة بن علي النهدي قال: سألت ابن عمر عن الكبائر، فقال: هي تسع قلت ما هن؟ قال: الإشراك بالله تعالى، وقتل المؤمن متعمدا، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والسحر، واستحلال الميتة قبلكم أحياء وأمواتا. وقال جعفر الصادق: الكبائر ثلاث: تركك ملتك، وتبديلك سنّتك، وقتالك أهل صفقتك. وقال فرقد المسيحي: قرأت في التوراة: أمهات الخطايا ثلاث وهي: أول ذنب عصى الله به الكبر، وكان ذلك لإبليس عليه اللعنة، والحرص، وكان ذلك لآدم (عليه السلام) ، والحسد، وكان لقابيل حين قتل هابيل. عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الكبائر أولهنّ: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبر والفرار من الزحف ورمي المحصنة والانقلاب على الأعراب بعد الهجرة فهذه سبع» [[زاد المسير: 2/ 114.]] [297] . سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رجلا سأله عن الكبائر السبع، قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع إلّا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: الكبائر عشرون: الشرك بالله عزّ وجلّ، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله، والسحر، والزنا والربا، والسرقة، وأكل مال اليتيم، وترك الصلاة، ومنع الزكاة، وشهادة الزور، وقتل الولد خشية أن يأكل معك، والحسد، والكبر، والبهتان، والحرص، والحيف في الوصية، وتحقير المسلمين. السدي عن ابن مالك قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله فقال عبد الله: افتحوا سورة النساء، وكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثون آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. وقال ابن سيرين: ذكر عند ابن عباس الكبائر فقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، حتى الطرفة وهي النظرة. سعيد بن جبير عنه: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها فليستغفر، فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلّا راجعا عن الإسلام أو جاحد فريضة أو مكذبا بقدر. علي بن أبي طلحة عنه: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار وأوعد عليه النار فهي كبيرة. الحسن: الموجبات للحدود. الضحاك: ما وعد الله تعالى عليه حدّا في الدنيا وعذابا في الآخرة. الحسين بن الفضل: ما سمّاه الله في كتابه القرآن كبيرا أو عظيما، نحو قوله: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [[سورة النساء: 2.]] ، إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [[سورة الإسراء: 31.]] ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [[سورة لقمان: 13.]] ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [[سورة يوسف: 28.]] ، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [[سورة النور: 16.]] ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [[سورة الأحزاب: 53.]] . مالك بن معول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل الشّينة. وكيع: كل ذنب أصرّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبائر ما تاب منه العبد واستغفر منه. أحمد بن عاصم الأنطاكي: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ، والنسيان، والإكراه، وحديث النفس، المرفوعة من هذه الأمة. سفيان الثوري: الكبائر ما فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يغفره، واحتجّ بقول النبي ﷺ‎: «ينادي يوم القيامة مناد من بطنان العرش يا أمّة محمد إن الله عزّ وجلّ يقول: أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبتها لكم وبقي التبعات، فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي» [[عدة الداعي: 136.]] [298] . المحاربي: الكبائر ذنوب المذنبين المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم. السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار والسيئات مقدماتها، وتبعاتها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. قال النبي ﷺ‎: «العينان تزنيان واليدان تزنيان ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» [[مسند أبي يعلي: 11/ 309.]] [299] . وقال قوم: الكبيرة ما قبح في العقل والطبع مثل القتل والظلم والزنا والكذب ونحوها، والصغيرة ما نهى الله عنه شرعا وسمعا. وقال: كل ذنب يتجاوز عنه بفضله يوم القيامة فهو صغيرة، وكل ذنب عذّب عليها بعدله فهو كبيرة. وقيل: الكبائر الذنوب الباطنة والسيئات الذنوب الظاهرة. وقال بعضهم: الصغائر ما يستحقرونه العباد والكبائر ما يستعظمونه فيخافون واقعته. وقال أنس بن مالك: إنكم تعملون أعمالا هي أدق من الشعر في أعينكم كنّا نعدّها على عهد رسول الله ﷺ‎ من الكبائر. وقال بعضهم: الكبائر الشرك وما يؤدّي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [[سورة النساء: 48.]] . فصل في تفصيل أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر مجموعة من الكتاب والسنة مقرونة بالدليل والحجة أحدها: الإشراك بالله لقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [[سورة المائدة: 72.]] . الثاني: الأياس من روح الله لقوله: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [[سورة يوسف: 87.]] الآية. والثالث: القنوط من رحمة الله لقوله: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [[سورة الحجر: 62.]] . والرابع: الأمن من مكر الله لقوله: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» . والخامس: عقوق الوالدين لقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [[سورة الإسراء: 23.]] . والسادس: قتل النفس التي حرّم الله لقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ [[سورة النساء: 93.]] . والسابع: قذف المحصنة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ [[سورة النور: 23.]] الآية. والثامن: الفرار من الزحف لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً [[سورة الأنفال: 15.]] الآية. التاسع: أكل الربا لقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا [[سورة البقرة: 275.]] الآية. والعاشر: السحر لقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ [[سورة البقرة: 102.]] الآية. والحادي عشر: الزنا: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [[سورة الفرقان: 68.]] . والثاني عشر: اليمين الكاذبة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [[سورة آل عمران: 77.]] . والثالث عشر: منع الزكاة لقوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [[سورة التوبة: 34.]] الآيتين. والرابع عشر: الغلول لقوله: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ [[سورة آل عمران: 161.]] . والخامس عشر: شهادة الزور لقوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ [[سورة البقرة: 283.]] الآية. والسادس عشر: الميسر وهو القمار لقوله: الْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ [[سورة المائدة: 90.]] . والسابع عشر: شرب الخمر لقوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [[سورة المائدة: 90.]] الآية. والثامن عشر: ترك الصلاة متعمدا لقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ [[سورة البقرة: 238.]] الآية. والتاسع عشر: قطيعة الرحم لقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [[سورة النساء: 1.]] وقوله: وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [[سورة محمد: 22.]] . والعشرون: الحيف من الوصية لقوله: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً [[سورة البقرة: 182.]] الآية. والحادي والعشرون: أكل مال اليتيم لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [[سورة النساء: 10.]] الآية. والثاني والعشرون: التعرب بعد الهجرة لقوله: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [[سورة آل عمران: 144.]] . والثالث والعشرون: استحلال الحرم لقوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [[سورة المائدة: 2.]] ، وقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ [[سورة الحج: 25.]] . والرابع والعشرون: الارتداد لقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ [[سورة محمد: 25.]] الآية. والخامس والعشرون: نقض العهد لقوله: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [[سورة الرعد: 25.]] . فذلك قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ. وقرأ ابن مسعود: كبر ما تنهون عنه، على الواحد، وفيه معنى مع نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ومن الحج إلى الحج، كما قال ﷺ‎: «الصلاة الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر» [[مسند ابن الجعد: 84، مسند ابن يعلى: 39 (بتفاوت يسير) .]] [300] . وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً وهي الجنة. وقرأ عاصم وأهل المدينة: (مَدْخلا) بفتح الميم وهو موضع الدخول. وقرأ الباقون: بالضم على المصدر، معنى الإدخال. وروي عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ‎ جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات ثم سكت فأقبل كل رجل منّا يبكي حزنا ليمين رسول الله ﷺ‎ ثم قال: «ما من عبد يأتي بالصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر إلّا فتحت له أبواب الجنة يوم القيامة حتى أنها لتصطفق» [301] ثم تلا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [[المستدرك: 2/ 240، صحيح ابن خزيمة: 1/ 163.]] الآية. وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ الآية. يقال: جاءت وافدة النساء إلى رسول الله ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله أليس الله ربّ الرجال والنساء وأنت رسول الله إليهم جميعا، فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكر النساء؟ نخشى أن لا يكون فينا خير ولا لله فينا حاجة؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [[سورة الأحزاب: 35.]] الآية، وقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [[سورة النحل: 97.]] . وقيل: لمّا جعل الله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ في الميراث، قالت النساء: نحن أحوج إلى أن يكون لنا سهمان وللرجال سهم، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منّا، فنزّل الله هذه الآية. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة والسدي: لما نزل قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، قال الرجال: إنا لنرجو أن يفضل علينا النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الثواب والعقاب وَلِلنِّساءِ كذلك، قاله قتادة، وقال أيضا: هو أن الرجل يجزي بالحسنة عشرة والمرأة تجزي بها عشرا. وقال ابن عباس: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الميراث، وللنساء نصيب منه لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والأحراز، فنهى الله تعالى عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد. قال الضحاك: لا يحل لمسلم أن يتمنى مال أحد، ألم يسمع الذين قالوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ [[سورة القصص: 79.]] إلى أن قال وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ [[سورة القصص: 82.]] حين خسف بداره وأمواله يقولون: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا [[سورة القصص: 82.]] . وقال الكلبي: لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله، وهو كذلك في التوراة، وذلك قوله في القرآن: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [[سورة النساء: 32.]] . قرأ ابن كثير وخلف والكسائي: (وسلوا الله) وسل وفسل بغير همزة فنقل حركة الهمزة إلى السين. الباقون: بالهمزة. قال رسول الله ﷺ‎: «سلوا الله من فضله فإنه يحبّ أن يسأل وأن من أفضل العبادة انتظار الفرج» . أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «من لم يسأل الله عزّ وجلّ من فضله غضب عليه» [[تفسير الطبري: 5/ 68، تفسير القرطبي: 5/ 164.]] [302] . هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: سلوا ربّكم حتى الشبع من لم ييسّره الله لم يتيسّر. وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلّا ليعطي. وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أي ولكل واحد من الرجال والنساء موالي، أي عصبة يرثونه مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من ميراثهم له، والوالدون والأقربون على هذا التأويل هم الموروثون، وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي، أي قرابة من الذين تركهم، ثم فسّر الموالي فقال: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي هم الوالدان والأقربون خبر مبتدأ محذوف فالمعنى: من تركة الوالدان والأقربون، وعلى هذا القول هم الوارثون وَالَّذِينَ عَقَدَتْ في محل الرفع بالابتداء، والمعاقدة هي المعاهدة بين اثنين. وقرأ أهل الكوفة: عَقَدَتْ خفيفة بغير ألف أراد عقدت لهم أَيْمانُكُمْ وقرأت أم سعد بنت سعد بن الربيع: (عقّدت) بالتشديد يعني وثقته وأكدته، والأيمان جمع يمين من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ويتحالفون عليه، فلذلك ذكر الأيمان. قتادة وغيره: أراد بالذين عاقدت إيمانكم الحلفاء، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وثاري ثارك وحربي وحربك وسلمي وسلمك وترثني وارثك وتطلب لي وأطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه لذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [[سورة الأنفال: 75.]] . وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النصر والعقل والرفد، ولا ميراث، وعلى هذا القول تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [[سورة المائدة: 1.]] ، ولقول رسول الله ﷺ‎: «أوفوا للحلفاء بعهودهم التي عقدت أيمانكم» [303] . ولقوله (عليه السلام) في خطبته يوم فتح مكة: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلّا شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام» [[مسند أحمد: 5/ 61، سنن الترمذي: 3/ 73، ح 1634.]] [304] . وروى عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وإنّي أنكثه» [[مسند أحمد: 1/ 190.]] [305] ، وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ‎، من المهاجرين والأنصار حين أتوا إلى المدينة، وكانوا يتوارثون تلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض. وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في الذين كانوا يتبنّون أبناء غير هم في الجاهلية، ومنهم زيد مولى رسول الله ﷺ‎، فأمروا في الإسلام [أن] يوصوا إليهم عند الموت بوصية، وردّ الميراث إلى ذوي الرحم، وأبى الله أن يجعله يجعل للمدّعى ميراثا ممّن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكن جعل الله لهم نصيبا في الوصية، فذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقال أبو روق: نزل قوله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ. الآية. في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافرا، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئا من ماله، فلمّا أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه من المال. الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. الآية. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعيد بن الربيع بن عمرو. وكان من النقباء. وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير. وهما من الأنصار. وذلك أنها نشزت فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي ﷺ‎، فقال: أفرشته كريمتي ولطمها، فقال النبي ﷺ‎: «لتقتصّ من زوجها» ، فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي ﷺ‎: «ليرجعوا، هذا جبرئيل» ، وأنزلت هذه الآية، وقال النبي ﷺ‎: «أردنا أمرا وأراد الله أمرا، فالذي أراد الله خير» [[تفسير القرطبي: 5/ 168 بتفاوت.]] [306] ، ورفع القصاص. وقال الكلبي: نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم، وذكر نحوها أبو روق: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي ﷺ‎ تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ أي مسلّطون على تأديب النساء بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس، فلو شجّ رجل امرأته، أو جرحها لم يكن عليه قود، وكان عليه العقل إلّا التي يقتلها فيقتل بها ، قاله الزهري وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: ليس بين الزوج والمرأة قصاص إلّا في النفس والجرح. والقوّامون: البالغون في القيام عليهن بتعليمهنّ وتأديبهنّ وإصلاح أمرهنّ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ قيل: بزيادة العقل، وقيل: بزيادة الدّين واليقين، وقيل: بقوة العبادة، وقيل: بالشهادة، قال الله: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، قال القرظي: بالتصرّف والتجارات، وقيل: بالجهاد، قال الله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [[سورة التوبة: 41.]] ، وقال للنساء: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [[سورة الأحزاب: 33.]] ، الربيع: الجمعة والجماعات، قال الحسن: بالإنفاق عليهنّ، قال الله تعالى: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ. وقال بعضهم: يمكن للرجل أن ينكح أربع نسوة، ولا يحلّ للمرأة غير زوج واحد، وقيل: هو إنّ الطلاق إلى الرجال وليس إليهنّ منه شيء، وقيل: بالدّية، وقيل: بالنبوّة، وقيل: الخلافة والإمارة، إسماعيل بن عياش [.......] [[كلمة غير مقروءة.]] عن بعض أشياخه رفعه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج» . فقيل: يا رسول الله، وإن كان لها مال؟ قال: «وإن كان لها مال، الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ» [307] . سعيد [عن أبي سعيد المقبري] [[زيادة عن تفسير الطبري: 5/ 86، والمخطوط ممسوح.]] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها، ثم تلا ﷺ‎: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [[كنز العمال: 16/ 282 ح 44477.]] [308] . فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ مطيعات حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ يعني لغيب أزواجهنّ إذا غابوا، وقيل: سرّهم بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بحفظ الله لهنّ، وقرأ أبو جعفر بفتح الهاء، ومعناه: بحفظ من الله في الطاعة، وهذا كقوله عليه السلام: «احفظ الله يحفظك» [[مسند أحمد: 1/ 293.]] ، و (ما) على القراءتين [مصدريّة] [[في المخطوط: مصدر.]] ، كقوله: بِما غَفَرَ لِي رَبِّي [[سورة يس: 27.]] ، أي يغفر لي ربّي. وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ عصيانهن، وأصله من الحركة فَعِظُوهُنَّ، فإن نزعن عن ذلك وإلّا وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ، وقيل: ولّوهنّ ظهوركم في المضاجع، فإن نزعن وإلّا وَاضْرِبُوهُنَّ ضربا غير مبرح ولا شائن. ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ‎ قال: «علّق السوط حيث يراه أهل البيت» [[كنز العمال: 16/ 371 ح 44946.]] [309] . هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي لا [تطلبوا] عليهنّ بالذنوب، قال ابن عينه: لا تكلفوهن الحبّ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما أي خلافا بين الزوجين، فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها يتوسطون، إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعني الزوجين وقيل: الحكمين، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالصلاح والألفة، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً. وعن عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة عليا (عليه السلام) ، مع كل واحد منهما قيام من النّاس، فقال عليّ: «ما شأن هذين؟» . قالوا: وقع بينهما شقاق. قال عليّ: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها. قال: فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، فقال عليّ للحكمين: «هل تدريان ما عليكما؟ إنّ عليكما إن رأيتما أن يجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن يفرّقا فرقتما» ، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أمّا الفرقة فلا، قال عليّ: «كذبت والله، لا تنقلب منّي حتى تقرّ بما أقرّت به» [[تفسير الطبري: 5/ 101.]] . وَاعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوا الله وأطيعوه، قالت الحكماء: العبودية ترك العصيان، وملازمة الذلّ والانكسار، وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرّضا بالموجود، والصبر على المفقود. وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً برّا بهما وعطفا عليهما. وقرأ ابن جني: (إحسانٌ) بالرفع، أي وجب الإحسان بهما، وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ‎ قسوة قلبه، فقال: «إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم وأطعمه» [[الجامع الصغير: 1/ 407.]] [310] . وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى: قرأ العامة بالخفض عطفا على الكلام الأول، وقرأ ابن أبي عبلة: وَالْجارَ وما يليه نصبا. والْجارِ ذِي الْقُرْبى ذو القرابة وَالْجارِ الْجُنُبِ البعيد الذي بينك وبينه قرابة، وقال الضحاك: هو الغريب من قوم آخرين، وقرأ الأعمش والفضل: (وَالْجارِ الْجَنْبِ) بفتح الجيم وسكون النون، وهما لغتان: رجل جنب وجنب وجانب وأجنب وأجنبيّ، إذا لم يكن قريبا، وجمعها أجانب، وقال الّاعشى: أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث في عطائي جامدا [[تفسير الطبري: 5/ 113.]] أي عن غربة من غير قربة، ومنه يقال: اجتنب فلان فلانا، إذا بعد منه، ومنه قيل للمجنب: جنب لاعتزاله الصّلاة، وبعده من المسجد حتى يغتسل، وقال نوف البكالي: الْجارِ الْجُنُبِ هو الكافر، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ يعني الرفيق في السفر، قال ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر وعكرمة وقتادة، عن سعيد بن معروف بن رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «التمسوا الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق» [[كنز العمال: 15/ 388 ح 41495.]] [311] . وقال بعضهم: الْجارِ الْجُنُبِ هو الجار اللاصق داره بدارك، فهو إلى جنبك، وقال علي وعبد الله وابن أبي ليلى والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه. ابن زيد وابن جريح: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء برّك ورفدك. وقال ابن عباس: إنّي لأستحي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرات لا يرى عليه أثر من برّي. وقال المهلّب: إذا غدا عليكم الرجل وراح، فكفى به مسألة وتذكرة بنفسه. وقد قال النبي ﷺ‎: «إنّ خير الأصحاب عند الله عز وجلّ خيرهم لصاحبه، خير الجيران عند الله خيرهم لجاره» [[الجامع الصغير: 1/ 617 ح 3998.]] [312] . عثمان بن عطا، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه، فأيّما رجل أغلق أبوابه دون جاره، فخافه على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن» . قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار؟ قال: «إن دعاك أجبته، وإن أصابته فاقة عدت عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته، وإن أصابه مصيبة عزّيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعل عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلّا بإذنه، ولا تؤذه بقتار [[القتار: رائحة القدر. النهاية في غريب الحديث والأثر 4: 12. قتر.]] قدرك إلّا أن يغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهد له منها، وإن لم تفعل فأدخلها سرّا، ولا يخرج ولدك منها فيغيظ ولده» . ثم قال ﷺ‎: «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقّان، ومنهم من له حق واحد فأما صاحب الثلاثة الحقوق: فالمسلم الجار ذو الرحم، له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم، وأمّا صاحب الحقّين: فالمسلم الجار له حق الإسلام وحق الجار، وأمّا صاحب الحق الواحد، فالمشرك الجار، له حق الجوار، وإن كان مشركا» [[كنز العمال: 9/ 185 ح 25613 بتفاوت، وتفسير القرطبي: 5/ 184.]] [313] . أبو هشام القطان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله عزّ وجلّ» [[كنز العمال: 9/ 56 ح 24927.]] [314] . وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني المماليك، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ‎ دفع إلى أبي ذرّ غلاما، فقال: «يا أبا ذرّ أطعمه مما تأكل واكسه مما تلبس» ، قال: لم يكن له سوى ثوب واحد فجعله نصفين، فراح إلى نبي الله ﷺ‎، فقال: «ما شأن ثوبك هذا؟» ، فقال: إن الفتى الذي دفعته إليّ أمرتني أن أطعمه مما آكل واكسوه مما ألبس، وإنه لم يكن معي إلّا هذا الثوب فناصفته، فقال رسول الله ﷺ‎: «أشير عليك بأن تعتقه» ، ثم قال رسول الله: «ما فعل فتاك؟» قال: ليس لي فتى فقد أعتقته، قال: «آجرك الله يا أبا ذرّ» [[مجمع الزوائد: 4/ 237 بتفاوت.]] [315] . الأعمش عن عتيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الغنم بركة، والإبل عزّ لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فإن عجز فأعنه» [[كنز العمال: 12/ 325 ح 35228 بتفاوت يسير.]] . وعن عليّ (رضي الله عنه) قال: «كان آخر كلام رسول إله ﷺ‎ الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» [[كنز العمال: 8/ 6 ح 21625.]] [316] . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً.

النساء 4:32

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بالحرام يعني الربا والقمار والقطع والغصب والسرقة والخيانة. وقال ابن عباس: هو الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيت أخذته وإلّا رددته ورددت معه درهما، ثم قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً يعني لكن إذا كانت تجارة استثناء منقطع، لأن التجارة ليست بباطل. قرأ أهل الكوفة: (تِجارَةً) بالنصب وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون: بالرفع وهو اختيار أبي حاتم، فمن نصب فعلى خبر كان تقديره: إلّا أن تكون الأموال تجارة. كقول الشاعر: إذا كان طاعنا بينهم وعناقا [[تفسير الطبري: 3/ 179.]] ومن رفع فعلى معنى الا أن تقع تجارة وحينئذ لا خبر له. كقول الشاعر: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب [[لسان العرب: 1/ 509.]] ثم وصف التجارة فقال: عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ يرضى كل واحد منهما بما في يديه. قال أكثر المفسرين: هو أن يخبر كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد عقد المبيع حتى يتفرقا من مجلسهما الذي تعاقدا فيه، كقول النبي ﷺ‎: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» [[مسند أحمد: 4/ 402.]] [290] . وقال ﷺ‎: «البيع عن تراضي بالخيار بعد الصفقة ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلما [[تفسير الطبري: 5/ 45، تفسير ابن كثير: 1/ 491.]] [291] . وروى حكيم بن حزام عن النبي ﷺ‎ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، فإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» [[صحيح البخاري: 3/ 18، مسند أحمد: 3/ 402.]] [292] . وابتاع عمر بن جرير فرسا ثم خير صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: هذا البيع عن تراض. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبي عن جدّي عن علي بن الحسين الهلالي قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سأل الفضل بن عياض عن قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قال: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً. عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ‎ ذكرت ذلك له فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» [293] . قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فتيمّمت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ‎ ولم يقل شيئا [[مسند أحمد: 4/ 203، المستدرك: 1/ 177.]] . وعن الحسن: أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولنّ بين أحدكم وبين الجنة ملء كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «إن رجلا ممّن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزّها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات فقال ربّكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة» [[صحيح مسلم: 1/ 75.]] [294] . سماك عن جابر بن سمرة: أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ‎. حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: ذكر بأن مسروقا بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أنّ مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عمّا أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فو الله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ الآية ثم انساب في الناس فذهب [[بطوله في الطبقات الكبرى: 6/ 78.]] . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الذي ذكرت من المحرمات عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ندخله في الآخرة نارا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً هيّنا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيرا للصغائر. فروى عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك [[صحيح البخاري: 7/ 75، ومسند أحمد: 1/ 380.]] [295] هذا الحديث من قول الله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [[سورة الفرقان: 68.]] الآية. صالح بن حيان عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضول الماء بعد الري» [[تفسير ابن كثير: 1/ 497.]] . الشعبي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ‎ قال: «الكبائر الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وقول الزور. أو قال. شهادة الزور» [[سنن الترمذي: 4/ 303، ح 5009.]] [296] . سفيان عن سعد بن إبراهيم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو قال: من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمّه فيسب أمّه. أبو الطفيل عن ابن مسعود قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. عكرمة عن عمار قال: حدثنا طيسلة بن علي النهدي قال: سألت ابن عمر عن الكبائر، فقال: هي تسع قلت ما هن؟ قال: الإشراك بالله تعالى، وقتل المؤمن متعمدا، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والسحر، واستحلال الميتة قبلكم أحياء وأمواتا. وقال جعفر الصادق: الكبائر ثلاث: تركك ملتك، وتبديلك سنّتك، وقتالك أهل صفقتك. وقال فرقد المسيحي: قرأت في التوراة: أمهات الخطايا ثلاث وهي: أول ذنب عصى الله به الكبر، وكان ذلك لإبليس عليه اللعنة، والحرص، وكان ذلك لآدم (عليه السلام) ، والحسد، وكان لقابيل حين قتل هابيل. عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الكبائر أولهنّ: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبر والفرار من الزحف ورمي المحصنة والانقلاب على الأعراب بعد الهجرة فهذه سبع» [[زاد المسير: 2/ 114.]] [297] . سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رجلا سأله عن الكبائر السبع، قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع إلّا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: الكبائر عشرون: الشرك بالله عزّ وجلّ، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله، والسحر، والزنا والربا، والسرقة، وأكل مال اليتيم، وترك الصلاة، ومنع الزكاة، وشهادة الزور، وقتل الولد خشية أن يأكل معك، والحسد، والكبر، والبهتان، والحرص، والحيف في الوصية، وتحقير المسلمين. السدي عن ابن مالك قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله فقال عبد الله: افتحوا سورة النساء، وكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثون آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية. وقال ابن سيرين: ذكر عند ابن عباس الكبائر فقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، حتى الطرفة وهي النظرة. سعيد بن جبير عنه: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها فليستغفر، فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلّا راجعا عن الإسلام أو جاحد فريضة أو مكذبا بقدر. علي بن أبي طلحة عنه: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار وأوعد عليه النار فهي كبيرة. الحسن: الموجبات للحدود. الضحاك: ما وعد الله تعالى عليه حدّا في الدنيا وعذابا في الآخرة. الحسين بن الفضل: ما سمّاه الله في كتابه القرآن كبيرا أو عظيما، نحو قوله: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [[سورة النساء: 2.]] ، إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [[سورة الإسراء: 31.]] ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [[سورة لقمان: 13.]] ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [[سورة يوسف: 28.]] ، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [[سورة النور: 16.]] ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [[سورة الأحزاب: 53.]] . مالك بن معول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل الشّينة. وكيع: كل ذنب أصرّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبائر ما تاب منه العبد واستغفر منه. أحمد بن عاصم الأنطاكي: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ، والنسيان، والإكراه، وحديث النفس، المرفوعة من هذه الأمة. سفيان الثوري: الكبائر ما فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يغفره، واحتجّ بقول النبي ﷺ‎: «ينادي يوم القيامة مناد من بطنان العرش يا أمّة محمد إن الله عزّ وجلّ يقول: أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبتها لكم وبقي التبعات، فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي» [[عدة الداعي: 136.]] [298] . المحاربي: الكبائر ذنوب المذنبين المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم. السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار والسيئات مقدماتها، وتبعاتها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. قال النبي ﷺ‎: «العينان تزنيان واليدان تزنيان ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» [[مسند أبي يعلي: 11/ 309.]] [299] . وقال قوم: الكبيرة ما قبح في العقل والطبع مثل القتل والظلم والزنا والكذب ونحوها، والصغيرة ما نهى الله عنه شرعا وسمعا. وقال: كل ذنب يتجاوز عنه بفضله يوم القيامة فهو صغيرة، وكل ذنب عذّب عليها بعدله فهو كبيرة. وقيل: الكبائر الذنوب الباطنة والسيئات الذنوب الظاهرة. وقال بعضهم: الصغائر ما يستحقرونه العباد والكبائر ما يستعظمونه فيخافون واقعته. وقال أنس بن مالك: إنكم تعملون أعمالا هي أدق من الشعر في أعينكم كنّا نعدّها على عهد رسول الله ﷺ‎ من الكبائر. وقال بعضهم: الكبائر الشرك وما يؤدّي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [[سورة النساء: 48.]] . فصل في تفصيل أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر مجموعة من الكتاب والسنة مقرونة بالدليل والحجة أحدها: الإشراك بالله لقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [[سورة المائدة: 72.]] . الثاني: الأياس من روح الله لقوله: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [[سورة يوسف: 87.]] الآية. والثالث: القنوط من رحمة الله لقوله: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [[سورة الحجر: 62.]] . والرابع: الأمن من مكر الله لقوله: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» . والخامس: عقوق الوالدين لقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [[سورة الإسراء: 23.]] . والسادس: قتل النفس التي حرّم الله لقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ [[سورة النساء: 93.]] . والسابع: قذف المحصنة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ [[سورة النور: 23.]] الآية. والثامن: الفرار من الزحف لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً [[سورة الأنفال: 15.]] الآية. التاسع: أكل الربا لقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا [[سورة البقرة: 275.]] الآية. والعاشر: السحر لقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ [[سورة البقرة: 102.]] الآية. والحادي عشر: الزنا: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [[سورة الفرقان: 68.]] . والثاني عشر: اليمين الكاذبة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [[سورة آل عمران: 77.]] . والثالث عشر: منع الزكاة لقوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [[سورة التوبة: 34.]] الآيتين. والرابع عشر: الغلول لقوله: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ [[سورة آل عمران: 161.]] . والخامس عشر: شهادة الزور لقوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ [[سورة البقرة: 283.]] الآية. والسادس عشر: الميسر وهو القمار لقوله: الْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ [[سورة المائدة: 90.]] . والسابع عشر: شرب الخمر لقوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [[سورة المائدة: 90.]] الآية. والثامن عشر: ترك الصلاة متعمدا لقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ [[سورة البقرة: 238.]] الآية. والتاسع عشر: قطيعة الرحم لقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [[سورة النساء: 1.]] وقوله: وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [[سورة محمد: 22.]] . والعشرون: الحيف من الوصية لقوله: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً [[سورة البقرة: 182.]] الآية. والحادي والعشرون: أكل مال اليتيم لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [[سورة النساء: 10.]] الآية. والثاني والعشرون: التعرب بعد الهجرة لقوله: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [[سورة آل عمران: 144.]] . والثالث والعشرون: استحلال الحرم لقوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [[سورة المائدة: 2.]] ، وقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ [[سورة الحج: 25.]] . والرابع والعشرون: الارتداد لقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ [[سورة محمد: 25.]] الآية. والخامس والعشرون: نقض العهد لقوله: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [[سورة الرعد: 25.]] . فذلك قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ. وقرأ ابن مسعود: كبر ما تنهون عنه، على الواحد، وفيه معنى مع نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ومن الحج إلى الحج، كما قال ﷺ‎: «الصلاة الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر» [[مسند ابن الجعد: 84، مسند ابن يعلى: 39 (بتفاوت يسير) .]] [300] . وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً وهي الجنة. وقرأ عاصم وأهل المدينة: (مَدْخلا) بفتح الميم وهو موضع الدخول. وقرأ الباقون: بالضم على المصدر، معنى الإدخال. وروي عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ‎ جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات ثم سكت فأقبل كل رجل منّا يبكي حزنا ليمين رسول الله ﷺ‎ ثم قال: «ما من عبد يأتي بالصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر إلّا فتحت له أبواب الجنة يوم القيامة حتى أنها لتصطفق» [301] ثم تلا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [[المستدرك: 2/ 240، صحيح ابن خزيمة: 1/ 163.]] الآية. وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ الآية. يقال: جاءت وافدة النساء إلى رسول الله ﷺ‎ فقالت: يا رسول الله أليس الله ربّ الرجال والنساء وأنت رسول الله إليهم جميعا، فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكر النساء؟ نخشى أن لا يكون فينا خير ولا لله فينا حاجة؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [[سورة الأحزاب: 35.]] الآية، وقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [[سورة النحل: 97.]] . وقيل: لمّا جعل الله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ في الميراث، قالت النساء: نحن أحوج إلى أن يكون لنا سهمان وللرجال سهم، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منّا، فنزّل الله هذه الآية. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة والسدي: لما نزل قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، قال الرجال: إنا لنرجو أن يفضل علينا النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الثواب والعقاب وَلِلنِّساءِ كذلك، قاله قتادة، وقال أيضا: هو أن الرجل يجزي بالحسنة عشرة والمرأة تجزي بها عشرا. وقال ابن عباس: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الميراث، وللنساء نصيب منه لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والأحراز، فنهى الله تعالى عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد. قال الضحاك: لا يحل لمسلم أن يتمنى مال أحد، ألم يسمع الذين قالوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ [[سورة القصص: 79.]] إلى أن قال وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ [[سورة القصص: 82.]] حين خسف بداره وأمواله يقولون: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا [[سورة القصص: 82.]] . وقال الكلبي: لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله، وهو كذلك في التوراة، وذلك قوله في القرآن: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [[سورة النساء: 32.]] . قرأ ابن كثير وخلف والكسائي: (وسلوا الله) وسل وفسل بغير همزة فنقل حركة الهمزة إلى السين. الباقون: بالهمزة. قال رسول الله ﷺ‎: «سلوا الله من فضله فإنه يحبّ أن يسأل وأن من أفضل العبادة انتظار الفرج» . أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‎ قال: «من لم يسأل الله عزّ وجلّ من فضله غضب عليه» [[تفسير الطبري: 5/ 68، تفسير القرطبي: 5/ 164.]] [302] . هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: سلوا ربّكم حتى الشبع من لم ييسّره الله لم يتيسّر. وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلّا ليعطي. وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أي ولكل واحد من الرجال والنساء موالي، أي عصبة يرثونه مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من ميراثهم له، والوالدون والأقربون على هذا التأويل هم الموروثون، وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي، أي قرابة من الذين تركهم، ثم فسّر الموالي فقال: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي هم الوالدان والأقربون خبر مبتدأ محذوف فالمعنى: من تركة الوالدان والأقربون، وعلى هذا القول هم الوارثون وَالَّذِينَ عَقَدَتْ في محل الرفع بالابتداء، والمعاقدة هي المعاهدة بين اثنين. وقرأ أهل الكوفة: عَقَدَتْ خفيفة بغير ألف أراد عقدت لهم أَيْمانُكُمْ وقرأت أم سعد بنت سعد بن الربيع: (عقّدت) بالتشديد يعني وثقته وأكدته، والأيمان جمع يمين من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ويتحالفون عليه، فلذلك ذكر الأيمان. قتادة وغيره: أراد بالذين عاقدت إيمانكم الحلفاء، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وثاري ثارك وحربي وحربك وسلمي وسلمك وترثني وارثك وتطلب لي وأطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه لذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [[سورة الأنفال: 75.]] . وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النصر والعقل والرفد، ولا ميراث، وعلى هذا القول تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [[سورة المائدة: 1.]] ، ولقول رسول الله ﷺ‎: «أوفوا للحلفاء بعهودهم التي عقدت أيمانكم» [303] . ولقوله (عليه السلام) في خطبته يوم فتح مكة: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلّا شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام» [[مسند أحمد: 5/ 61، سنن الترمذي: 3/ 73، ح 1634.]] [304] . وروى عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله ﷺ‎، قال: «شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وإنّي أنكثه» [[مسند أحمد: 1/ 190.]] [305] ، وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ‎، من المهاجرين والأنصار حين أتوا إلى المدينة، وكانوا يتوارثون تلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض. وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في الذين كانوا يتبنّون أبناء غير هم في الجاهلية، ومنهم زيد مولى رسول الله ﷺ‎، فأمروا في الإسلام [أن] يوصوا إليهم عند الموت بوصية، وردّ الميراث إلى ذوي الرحم، وأبى الله أن يجعله يجعل للمدّعى ميراثا ممّن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكن جعل الله لهم نصيبا في الوصية، فذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقال أبو روق: نزل قوله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ. الآية. في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافرا، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئا من ماله، فلمّا أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه من المال. الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. الآية. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعيد بن الربيع بن عمرو. وكان من النقباء. وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير. وهما من الأنصار. وذلك أنها نشزت فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي ﷺ‎، فقال: أفرشته كريمتي ولطمها، فقال النبي ﷺ‎: «لتقتصّ من زوجها» ، فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي ﷺ‎: «ليرجعوا، هذا جبرئيل» ، وأنزلت هذه الآية، وقال النبي ﷺ‎: «أردنا أمرا وأراد الله أمرا، فالذي أراد الله خير» [[تفسير القرطبي: 5/ 168 بتفاوت.]] [306] ، ورفع القصاص. وقال الكلبي: نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم، وذكر نحوها أبو روق: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي ﷺ‎ تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ أي مسلّطون على تأديب النساء بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس، فلو شجّ رجل امرأته، أو جرحها لم يكن عليه قود، وكان عليه العقل إلّا التي يقتلها فيقتل بها ، قاله الزهري وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: ليس بين الزوج والمرأة قصاص إلّا في النفس والجرح. والقوّامون: البالغون في القيام عليهن بتعليمهنّ وتأديبهنّ وإصلاح أمرهنّ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ قيل: بزيادة العقل، وقيل: بزيادة الدّين واليقين، وقيل: بقوة العبادة، وقيل: بالشهادة، قال الله: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، قال القرظي: بالتصرّف والتجارات، وقيل: بالجهاد، قال الله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [[سورة التوبة: 41.]] ، وقال للنساء: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [[سورة الأحزاب: 33.]] ، الربيع: الجمعة والجماعات، قال الحسن: بالإنفاق عليهنّ، قال الله تعالى: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ. وقال بعضهم: يمكن للرجل أن ينكح أربع نسوة، ولا يحلّ للمرأة غير زوج واحد، وقيل: هو إنّ الطلاق إلى الرجال وليس إليهنّ منه شيء، وقيل: بالدّية، وقيل: بالنبوّة، وقيل: الخلافة والإمارة، إسماعيل بن عياش [.......] [[كلمة غير مقروءة.]] عن بعض أشياخه رفعه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج» . فقيل: يا رسول الله، وإن كان لها مال؟ قال: «وإن كان لها مال، الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ» [307] . سعيد [عن أبي سعيد المقبري] [[زيادة عن تفسير الطبري: 5/ 86، والمخطوط ممسوح.]] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها، ثم تلا ﷺ‎: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [[كنز العمال: 16/ 282 ح 44477.]] [308] . فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ مطيعات حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ يعني لغيب أزواجهنّ إذا غابوا، وقيل: سرّهم بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بحفظ الله لهنّ، وقرأ أبو جعفر بفتح الهاء، ومعناه: بحفظ من الله في الطاعة، وهذا كقوله عليه السلام: «احفظ الله يحفظك» [[مسند أحمد: 1/ 293.]] ، و (ما) على القراءتين [مصدريّة] [[في المخطوط: مصدر.]] ، كقوله: بِما غَفَرَ لِي رَبِّي [[سورة يس: 27.]] ، أي يغفر لي ربّي. وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ عصيانهن، وأصله من الحركة فَعِظُوهُنَّ، فإن نزعن عن ذلك وإلّا وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ، وقيل: ولّوهنّ ظهوركم في المضاجع، فإن نزعن وإلّا وَاضْرِبُوهُنَّ ضربا غير مبرح ولا شائن. ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ‎ قال: «علّق السوط حيث يراه أهل البيت» [[كنز العمال: 16/ 371 ح 44946.]] [309] . هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي لا [تطلبوا] عليهنّ بالذنوب، قال ابن عينه: لا تكلفوهن الحبّ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما أي خلافا بين الزوجين، فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها يتوسطون، إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعني الزوجين وقيل: الحكمين، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالصلاح والألفة، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً. وعن عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة عليا (عليه السلام) ، مع كل واحد منهما قيام من النّاس، فقال عليّ: «ما شأن هذين؟» . قالوا: وقع بينهما شقاق. قال عليّ: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها. قال: فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، فقال عليّ للحكمين: «هل تدريان ما عليكما؟ إنّ عليكما إن رأيتما أن يجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن يفرّقا فرقتما» ، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أمّا الفرقة فلا، قال عليّ: «كذبت والله، لا تنقلب منّي حتى تقرّ بما أقرّت به» [[تفسير الطبري: 5/ 101.]] . وَاعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوا الله وأطيعوه، قالت الحكماء: العبودية ترك العصيان، وملازمة الذلّ والانكسار، وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرّضا بالموجود، والصبر على المفقود. وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً برّا بهما وعطفا عليهما. وقرأ ابن جني: (إحسانٌ) بالرفع، أي وجب الإحسان بهما، وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ‎ قسوة قلبه، فقال: «إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم وأطعمه» [[الجامع الصغير: 1/ 407.]] [310] . وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى: قرأ العامة بالخفض عطفا على الكلام الأول، وقرأ ابن أبي عبلة: وَالْجارَ وما يليه نصبا. والْجارِ ذِي الْقُرْبى ذو القرابة وَالْجارِ الْجُنُبِ البعيد الذي بينك وبينه قرابة، وقال الضحاك: هو الغريب من قوم آخرين، وقرأ الأعمش والفضل: (وَالْجارِ الْجَنْبِ) بفتح الجيم وسكون النون، وهما لغتان: رجل جنب وجنب وجانب وأجنب وأجنبيّ، إذا لم يكن قريبا، وجمعها أجانب، وقال الّاعشى: أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث في عطائي جامدا [[تفسير الطبري: 5/ 113.]] أي عن غربة من غير قربة، ومنه يقال: اجتنب فلان فلانا، إذا بعد منه، ومنه قيل للمجنب: جنب لاعتزاله الصّلاة، وبعده من المسجد حتى يغتسل، وقال نوف البكالي: الْجارِ الْجُنُبِ هو الكافر، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ يعني الرفيق في السفر، قال ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر وعكرمة وقتادة، عن سعيد بن معروف بن رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «التمسوا الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق» [[كنز العمال: 15/ 388 ح 41495.]] [311] . وقال بعضهم: الْجارِ الْجُنُبِ هو الجار اللاصق داره بدارك، فهو إلى جنبك، وقال علي وعبد الله وابن أبي ليلى والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه. ابن زيد وابن جريح: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء برّك ورفدك. وقال ابن عباس: إنّي لأستحي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرات لا يرى عليه أثر من برّي. وقال المهلّب: إذا غدا عليكم الرجل وراح، فكفى به مسألة وتذكرة بنفسه. وقد قال النبي ﷺ‎: «إنّ خير الأصحاب عند الله عز وجلّ خيرهم لصاحبه، خير الجيران عند الله خيرهم لجاره» [[الجامع الصغير: 1/ 617 ح 3998.]] [312] . عثمان بن عطا، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه، فأيّما رجل أغلق أبوابه دون جاره، فخافه على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن» . قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار؟ قال: «إن دعاك أجبته، وإن أصابته فاقة عدت عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته، وإن أصابه مصيبة عزّيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعل عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلّا بإذنه، ولا تؤذه بقتار [[القتار: رائحة القدر. النهاية في غريب الحديث والأثر 4: 12. قتر.]] قدرك إلّا أن يغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهد له منها، وإن لم تفعل فأدخلها سرّا، ولا يخرج ولدك منها فيغيظ ولده» . ثم قال ﷺ‎: «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقّان، ومنهم من له حق واحد فأما صاحب الثلاثة الحقوق: فالمسلم الجار ذو الرحم، له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم، وأمّا صاحب الحقّين: فالمسلم الجار له حق الإسلام وحق الجار، وأمّا صاحب الحق الواحد، فالمشرك الجار، له حق الجوار، وإن كان مشركا» [[كنز العمال: 9/ 185 ح 25613 بتفاوت، وتفسير القرطبي: 5/ 184.]] [313] . أبو هشام القطان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله عزّ وجلّ» [[كنز العمال: 9/ 56 ح 24927.]] [314] . وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني المماليك، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ‎ دفع إلى أبي ذرّ غلاما، فقال: «يا أبا ذرّ أطعمه مما تأكل واكسه مما تلبس» ، قال: لم يكن له سوى ثوب واحد فجعله نصفين، فراح إلى نبي الله ﷺ‎، فقال: «ما شأن ثوبك هذا؟» ، فقال: إن الفتى الذي دفعته إليّ أمرتني أن أطعمه مما آكل واكسوه مما ألبس، وإنه لم يكن معي إلّا هذا الثوب فناصفته، فقال رسول الله ﷺ‎: «أشير عليك بأن تعتقه» ، ثم قال رسول الله: «ما فعل فتاك؟» قال: ليس لي فتى فقد أعتقته، قال: «آجرك الله يا أبا ذرّ» [[مجمع الزوائد: 4/ 237 بتفاوت.]] [315] . الأعمش عن عتيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «الغنم بركة، والإبل عزّ لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فإن عجز فأعنه» [[كنز العمال: 12/ 325 ح 35228 بتفاوت يسير.]] . وعن عليّ (رضي الله عنه) قال: «كان آخر كلام رسول إله ﷺ‎ الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» [[كنز العمال: 8/ 6 ح 21625.]] [316] . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً.