Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — المائدة 5:117 – الأنعام 6:52
المحتويات
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:49
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
المائدة 5:117
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يعني حين قال الله يا عيسى بن مريم، محل عيسى نصب لأنه نداء المنصوب إذا جعلته نداء واحدا: فإن شئت جعلته ندائين فيكون عيسى في محل الرفع لأنه نداء مفرد وابن في موضع النصب لأنه نداء مضاف، وتقدير الكلام يا عيسى يا ابن مريم. نظيره قوله:
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد ابن الجواد ابن الجود [[تفسير مجمع البيان: 3/ 448.]]
ذلك في حكم الرفع والنصب، وليس بن المنذر عن النصب اذْكُرْ نِعْمَتِي قال الحسن:
ذكر النعمة شكرها وأراد بقوله نعمتي نعمي لفظه واحد ومعناه الجمع كقوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [[سورة إبراهيم: 34.]] أراد نعم الله لأن العدد لا ينفع على الواحد عَلَيْكَ يا عيسى وَعَلى والِدَتِكَ مريم، ثم ذكر النعم إِذْ أَيَّدْتُكَ قوّيتك وأعنتك بِرُوحِ الْقُدُسِ يعني جبرئيل تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صبيا وَكَهْلًا نبيا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ قال ابن عباس: أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [[زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 332.]] .
وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ يعني الخط وَالْحِكْمَةَ يعني العلم والقيم وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ وتجعل وتصوّر وتقدر إلى قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [[سورة المؤمنون: 14.]] أي المصورين من الطين كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ كصورة الطير.
بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي حيا يطير بإذني وَتُبْرِئُ تصح وتشفي الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي فأحيا سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية وَإِذْ كَفَفْتُ منعت وصرفت بَنِي إِسْرائِيلَ يعني اليهود عَنْكَ حين همّوا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني الدلالات والمعجزات التي ذكرتها فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني ما جاءتهم من البينات ومن قال ساحر بالألف فإنه راجع إلى عيسى (عليه السلام) .
محمد بن عبد الله بن حمدون، مكي بن عبدان، أبو الأزهر عن أسباط عن مجاهد بن عبد الله ابن عمير قال: لما قال الله لعيسى اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد ولم يكن له بيت فيخرب ولا ولد فيموت أينما أدركه الليل بات.
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم الوحي. والوحي على أقسام، وحي بمعنى إرسال جبرئيل إلى الرسول، ووحي بمعنى الإلهام كالإيحاء إلى أم موسى والنحل ووحي بمعنى الأحلام في حال اليقظة في المنام.
قال أبو عبيدة: أوحى لها: أي إليها، وقال الشاعر:
ومن لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثبت [[لسان العرب: 15/ 380 وتفسير القرطبي: 20/ 149.]]
يعني أمرت (وإلى) صلة يقال: أوحى ووحى. قال الله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [[سورة الزلزلة: 5.]] .
قال العجاج:
أوحى لها القرار فاستقرّت.
أي أمرها بالقرار فقرت. والحواريون خواص أصحاب عيسى.
قال الحسن: كانوا قصارين. وقال مجاهد: كانوا صيادين.
وقال السدي: كانوا ملاحين [[راجع تفسير القرطبي: 4/ 97.]] .
وقال قتادة: الحواريون الوزراء.
وقال عكرمة: هم الأصفياء. وكانوا اثني عشر رجلا، بطرس ويعقوب ويحنس واندرواسى وخيلبس وأبرثلما ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوسيس، وفتاتيا، وتودوس [[تفسير الطبري: 6/ 20.]] ، أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي عيسى قالُوا حين لقيتهم ورفقتهم آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ.
قرأ علي وعائشة وابن عباس وابن جبير ومجاهد: هل تستطيع بالتاء، ربَّك بنصب الباء
، وهو اختيار الكسائي وأبي عبيد على معنى هل تستطيع أن تدعو ربّك كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] وقالوا: لأن الحواريين لم يكونوا شاكّين في قدرة الله تعالى. وقرأ الباقون بالياء قيل: يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ برفع الباء فقالوا: إنهم لم يشكوا في قدرة الله تعالى وإنما معناه هل ينزل أم لا كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنّه يستطيع وإنّما يريد هل يفعل أم لا، وأجراه بعضهم على الظاهر، فقالوا: غلط قوم وكانوا مشوا، فقال لهم عيسى عند الغلط استعظاما لقولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ... اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي أن تشكوا في قدرة الله تعالى أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان ولستم بمؤمنين والمائدة هي الخوان الذي عليه الطعام وهي فاعلة إذا أعطاه وأطعمه، كقولهم: ماد يميد، وغار يغير، وامتاد افتعل ومنه قول روبة:
تهدى رؤس المترفين الأنداد ... إلى أمير المؤمنين الممتاد
أي المستعطي.
قال رؤبة: والمائدة هي المطعمة المعطية الآكلين الطعام وسمي الطعام أيضا مائدة على الخوان لأنه يؤكل على المائدة كقولهم للمطر سماء، وللشحم ثرى.
وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد الآكلون أي تميل ومنه قوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [[سورة النحل: 15.]] .
قال الشاعر:
وأقلقني قتل الكناني بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد [[تفسير القرطبي: 6/ 367.]]
فقال أهل البصرة: هي فاعلة بمعنى المفعول أي تميد بالآكلين إليها، كقوله عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية، قال عيسى مجيبا لهم اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلا تشكوا في قدرته. وقيل:
اتَّقُوا اللَّهَ أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم قالُوا إنما سألنا لأنا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها نستيقن قدرته وَتَطْمَئِنَّ تسكن قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا بأنك رسول الله.
وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لك عند بني إسرائيل، إذا رجعنا إليهم، قالَ عِيسَى عند ذلك اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ حال ردّ إلى الاستقبال أي كائنة وذلك كقوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي [[سورة مريم: 6.]] يعني يصدقني في قراءة من رفع.
وقرأ عبد الله والأعمش: تكن لنا بالجزم على جواب الدعاء.
عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي عائدا من علينا وحجة وبرهانا والعيد اسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة.
ويقال: لطيف الخيال عيد.
قال الشاعر:
يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومرّ طيف على الأهوال طراق [[لسان العرب: 3/ 318.]]
فقال آخر:
إعتاد قلبك من جبينك عود ... شق عناك فأنت عنه تذود
وأنشد الفراء:
فوا كبدي من لاعج الحب والهوى ... إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها [[كتاب العين: 1/ وفيه: نفسي، بدل: قلبي.]]
وأصله عود بالواو ولأنه من عاد يعود إذا رجع فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها مثل النيران والميقات والميعاد.
قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا.
وقال سفيان: نصلي فيه.
وقال الخليل بن أحمد: العيد كل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه.
وقال ابن الأنصاري: سمي العيد عيدا للعود من الترح إلى الفرح فهو يوم سرور للخلق كلهم ألا ترى أن المسجونين لا يطالبون ولا يعاقبون ولا تصطاد فيه الوحوش والطيور ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب [[راجع روضة الواعظين للفتال النيشابوري: 352.]] ، وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته ألا ترى إختلاف ملابسهم وأحوالهم وأفعالهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف ومنهم من يظلم ومنهم من يرحم، وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف فاضل تشبيها بالعيد وهو فحل نجيب كريم ومشهور في العرب وينسبون إليه فيقال: إبل عيدية [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 368.]] . قال الراعي:
عيد به طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نزلن نزولا [[لسان العرب: 4/ 325، وفيه: حوزيّة طويت.]]
وقوله لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا يعني قبل زماننا ولمن يجيء بعدنا.
وقرأ زيد بن ثابت: لأولنا وآخرنا على الجميع.
وقال ابن عباس: يعني نأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
وَآيَةً مِنْكَ دلالة وحجة وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قالَ اللَّهُ مجيبا لعيسى إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ يعني المائدة.
وقرأ أهل الشام والمدينة، وقتادة وعاصم: مُنَزِّلُها في التشديد لأنها نزلت وقرأت والتفعل يدل في الكثير مرة بعد مرة لقوله وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.
وقرأ الباقون بالتخفيف لقوله: أَنْزِلْ عَلَيْنا ... فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ أي بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير.
وقال عبد الله بن عمران: أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.
واختلف العلماء في المائدة هل نزلت عليهم أم لا؟
فقال مجاهد: ما نزلت المائدة وهذا مثل ضربه الله.
وقال الحسن: والله ما نزلت مائدة إن القوم لما سمعوا الشرط وقيل لهم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ الآية استغفروا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة فيها فلم ينزل، والصواب إنها نزلت لقوله:
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ولا يقع في خبره الخلف، وتواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين وغيرهم من علماء الدين في نزولها، قال كعب: نزلت يوم الأحد، لذلك اتخذه النصارى عيدا.
واختلفوا في صفتها وكيف نزولها وما عليها.
فروى قتادة عن جلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله ﷺ قال: «نزلت المائدة خبزا ولحما وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما يأكلون منه لا ينفد، قال، فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبوا أو ترفعوا فإن فعلتم ذلك عذبتكم، قال: فما مضى يومهم حتى خبوا ورفعوا وخانوا» .
وقال إسحاق بن عبد الله: إن بعضهم سرق منها، وقال لعلها لا تنزل أبدا فرفعت ومسخوا قردة وخنازير.
وقال ابن عباس: إن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه فصاموا ثلاثين يوما فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاما ولأصبحنا من وجعنا، فادع لنا الله أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ فنزل الملائكة بمائدة يحملونها، عليه سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم وأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
وروى عطاء بن سائب عن باذان وميسرة قالا: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلّا اللحم.
وقال ابن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلّا الخبز واللحم.
قال عطاء: نزل عليها كل شيء إلّا السمك واللحم.
قال العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء.
وقال عمار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة.
وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا، فقيل لوهب: ما كان ذلك يغني عنهم، قال: لا شيء ولكن الله أضعف لهم البركة، فكان لهم يأكلون ثم يخرجون فيجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوها جميعهم وفضل.
وقال الكلبي ومقاتل: استجاب الله لعيسى (عليه السلام) فقال إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ كما سألتم فمن أكل من ذلك الطعام ثم لا يؤمن جعلته مثلا، ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا فدعا شمعون وكان أفضل الحواريين، فقال: هل لكم طعام؟ قال: نعم معي سمكتان صغيرتان وستة أرغفة، فقال: عليّ بها فقطعهن عيسى قطعا صغارا، ثم قال: اقعدوا في روضة فترفقوا رفاقا كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ودعا الله فاستجاب الله له ونزل فيها البركة فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا، ثم قام عيسى فجعل يلقي في كل رفقة ما عملت أصابعه ثم قال: كلوا بسم الله فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم فأكلوا ما شاء الله وفضل خمس الذيل، والناس خمسة آلاف ونيف.
وقال الناس جميعا: نشهد إنك عبده ورسوله ثم سألوا مرة أخرى فدعا عيسى (عليه السلام) فأنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة وسمكتين فصنع بها ما صنع في المرة الأولى فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدوا وقالوا لهم: ويحكم إنما سحر أعينكم. فمن أراد به الخير بثّته على بصيرته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة فمكثوا بذلك أيام ثم هلكوا ولم تبق ولم يأكلوا ولم يشربوا فكذلك كل ممسوخ.
وقال كعب الأحبار: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلّا اللحم.
وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل.
فقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاءوا.
وروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي إنه قال: والله ما اتبع عيسى (عليه السلام) شيئا من المآذي قط ولا انتهر شيئا ولا قهقه ضحكا ولا ذبّ ذبايا عن وجهه ولا أخلف على أنفه من أي شيء قط ولا عتب إليه. ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى، وقال: اللَّهُمَّ ... أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ الآية وَارْزُقْنا عليها طعاما نأكله وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فنزل الله سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها [وهي تجيء مرتفعة] حتى سقطت من أيديهم فبكى عيسى فقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.
واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى:
أيكم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها؟
فقال شمعون. رئيس الحواريين-: أنت بذلك أولى منا، فقام عيسى وتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا هو بسمكة مشوية ليس عليها ضلوعها ولا شوك فيها سيل سيلا من الدسم وعند رأسها ملح ويمتد ذنبها خل وجهها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء فعله الله بالقدرة العالية فكلوا مما سألتم مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منكم في الآخرة.
وقال محمد بن كعب: تعلم ما أريد فلا أعلم ما تريد.
وقال عبد العزيز بن يحيى: تعلم سرّي ولا أعلم سرّك لأن السرّ هو موضعه الأنفس.
قال الزجاج: يعلم جميع ما أعلم ولا أعلم ما يعلم من النفس عبارة عن حملة الشيء وحقيقته وذاته ولا أنه إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما يكون ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوه وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ أقمت فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قبضتني إليك.
قال الحسن: الوفاة في كتاب الله على ثلاثة أوجه، وفاة الموت وذلك قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [[سورة الزمر: 42.]] يعني وجعل نقصان أجلها وفاة النوم، وذلك قوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [[سورة الأنعام: 60.]] يعني ينيمكم، ووفاة بالرفع كقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [[سورة آل عمران: 55.]] .
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وقرأ الحسن: فإنهم عبيدك وإن يتوبوا فيغفر لهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وقال السدي: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ وتميتهم بنصرانيتهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام فَإِنَّكَ الرب الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في الملك والنقمة، الحكيم في قضائك.
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [[سورة المائدة: 119.]] في الآخرة.
قال قتادة: متكلمان خطها يوم القيامة وهو ما قص الله عليكم وعدو الله إبليس وهو قوله وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ فصدهم عن ذلك يومئذ وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه يومئذ، وأما عيسى فكان صادقا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.
وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الآخرة ليس فيها عمل إنما فيها الثواب والجزاء، ويَوْمُ رفع على خبر هذا، ونصبه نافع على الحرف يعني إنما تكون هذه الأشياء في يوم يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، وقرأ الحسن: هذا يومٌ بالتنوين، ثم بيّن لهم ثوابها فقال لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فازوا بالجنة ونجوا مما خافوا، ثم عظّم نفسه عمّا قالت النصارى من بهتان بأن معه إلها فقال لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
المائدة 5:118
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يعني حين قال الله يا عيسى بن مريم، محل عيسى نصب لأنه نداء المنصوب إذا جعلته نداء واحدا: فإن شئت جعلته ندائين فيكون عيسى في محل الرفع لأنه نداء مفرد وابن في موضع النصب لأنه نداء مضاف، وتقدير الكلام يا عيسى يا ابن مريم. نظيره قوله:
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد ابن الجواد ابن الجود [[تفسير مجمع البيان: 3/ 448.]]
ذلك في حكم الرفع والنصب، وليس بن المنذر عن النصب اذْكُرْ نِعْمَتِي قال الحسن:
ذكر النعمة شكرها وأراد بقوله نعمتي نعمي لفظه واحد ومعناه الجمع كقوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [[سورة إبراهيم: 34.]] أراد نعم الله لأن العدد لا ينفع على الواحد عَلَيْكَ يا عيسى وَعَلى والِدَتِكَ مريم، ثم ذكر النعم إِذْ أَيَّدْتُكَ قوّيتك وأعنتك بِرُوحِ الْقُدُسِ يعني جبرئيل تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صبيا وَكَهْلًا نبيا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ قال ابن عباس: أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [[زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 332.]] .
وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ يعني الخط وَالْحِكْمَةَ يعني العلم والقيم وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ وتجعل وتصوّر وتقدر إلى قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [[سورة المؤمنون: 14.]] أي المصورين من الطين كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ كصورة الطير.
بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي حيا يطير بإذني وَتُبْرِئُ تصح وتشفي الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي فأحيا سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية وَإِذْ كَفَفْتُ منعت وصرفت بَنِي إِسْرائِيلَ يعني اليهود عَنْكَ حين همّوا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني الدلالات والمعجزات التي ذكرتها فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني ما جاءتهم من البينات ومن قال ساحر بالألف فإنه راجع إلى عيسى (عليه السلام) .
محمد بن عبد الله بن حمدون، مكي بن عبدان، أبو الأزهر عن أسباط عن مجاهد بن عبد الله ابن عمير قال: لما قال الله لعيسى اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد ولم يكن له بيت فيخرب ولا ولد فيموت أينما أدركه الليل بات.
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم الوحي. والوحي على أقسام، وحي بمعنى إرسال جبرئيل إلى الرسول، ووحي بمعنى الإلهام كالإيحاء إلى أم موسى والنحل ووحي بمعنى الأحلام في حال اليقظة في المنام.
قال أبو عبيدة: أوحى لها: أي إليها، وقال الشاعر:
ومن لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثبت [[لسان العرب: 15/ 380 وتفسير القرطبي: 20/ 149.]]
يعني أمرت (وإلى) صلة يقال: أوحى ووحى. قال الله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [[سورة الزلزلة: 5.]] .
قال العجاج:
أوحى لها القرار فاستقرّت.
أي أمرها بالقرار فقرت. والحواريون خواص أصحاب عيسى.
قال الحسن: كانوا قصارين. وقال مجاهد: كانوا صيادين.
وقال السدي: كانوا ملاحين [[راجع تفسير القرطبي: 4/ 97.]] .
وقال قتادة: الحواريون الوزراء.
وقال عكرمة: هم الأصفياء. وكانوا اثني عشر رجلا، بطرس ويعقوب ويحنس واندرواسى وخيلبس وأبرثلما ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوسيس، وفتاتيا، وتودوس [[تفسير الطبري: 6/ 20.]] ، أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي عيسى قالُوا حين لقيتهم ورفقتهم آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ.
قرأ علي وعائشة وابن عباس وابن جبير ومجاهد: هل تستطيع بالتاء، ربَّك بنصب الباء
، وهو اختيار الكسائي وأبي عبيد على معنى هل تستطيع أن تدعو ربّك كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] وقالوا: لأن الحواريين لم يكونوا شاكّين في قدرة الله تعالى. وقرأ الباقون بالياء قيل: يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ برفع الباء فقالوا: إنهم لم يشكوا في قدرة الله تعالى وإنما معناه هل ينزل أم لا كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنّه يستطيع وإنّما يريد هل يفعل أم لا، وأجراه بعضهم على الظاهر، فقالوا: غلط قوم وكانوا مشوا، فقال لهم عيسى عند الغلط استعظاما لقولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ... اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي أن تشكوا في قدرة الله تعالى أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان ولستم بمؤمنين والمائدة هي الخوان الذي عليه الطعام وهي فاعلة إذا أعطاه وأطعمه، كقولهم: ماد يميد، وغار يغير، وامتاد افتعل ومنه قول روبة:
تهدى رؤس المترفين الأنداد ... إلى أمير المؤمنين الممتاد
أي المستعطي.
قال رؤبة: والمائدة هي المطعمة المعطية الآكلين الطعام وسمي الطعام أيضا مائدة على الخوان لأنه يؤكل على المائدة كقولهم للمطر سماء، وللشحم ثرى.
وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد الآكلون أي تميل ومنه قوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [[سورة النحل: 15.]] .
قال الشاعر:
وأقلقني قتل الكناني بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد [[تفسير القرطبي: 6/ 367.]]
فقال أهل البصرة: هي فاعلة بمعنى المفعول أي تميد بالآكلين إليها، كقوله عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية، قال عيسى مجيبا لهم اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلا تشكوا في قدرته. وقيل:
اتَّقُوا اللَّهَ أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم قالُوا إنما سألنا لأنا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها نستيقن قدرته وَتَطْمَئِنَّ تسكن قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا بأنك رسول الله.
وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لك عند بني إسرائيل، إذا رجعنا إليهم، قالَ عِيسَى عند ذلك اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ حال ردّ إلى الاستقبال أي كائنة وذلك كقوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي [[سورة مريم: 6.]] يعني يصدقني في قراءة من رفع.
وقرأ عبد الله والأعمش: تكن لنا بالجزم على جواب الدعاء.
عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي عائدا من علينا وحجة وبرهانا والعيد اسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة.
ويقال: لطيف الخيال عيد.
قال الشاعر:
يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومرّ طيف على الأهوال طراق [[لسان العرب: 3/ 318.]]
فقال آخر:
إعتاد قلبك من جبينك عود ... شق عناك فأنت عنه تذود
وأنشد الفراء:
فوا كبدي من لاعج الحب والهوى ... إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها [[كتاب العين: 1/ وفيه: نفسي، بدل: قلبي.]]
وأصله عود بالواو ولأنه من عاد يعود إذا رجع فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها مثل النيران والميقات والميعاد.
قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا.
وقال سفيان: نصلي فيه.
وقال الخليل بن أحمد: العيد كل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه.
وقال ابن الأنصاري: سمي العيد عيدا للعود من الترح إلى الفرح فهو يوم سرور للخلق كلهم ألا ترى أن المسجونين لا يطالبون ولا يعاقبون ولا تصطاد فيه الوحوش والطيور ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب [[راجع روضة الواعظين للفتال النيشابوري: 352.]] ، وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته ألا ترى إختلاف ملابسهم وأحوالهم وأفعالهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف ومنهم من يظلم ومنهم من يرحم، وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف فاضل تشبيها بالعيد وهو فحل نجيب كريم ومشهور في العرب وينسبون إليه فيقال: إبل عيدية [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 368.]] . قال الراعي:
عيد به طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نزلن نزولا [[لسان العرب: 4/ 325، وفيه: حوزيّة طويت.]]
وقوله لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا يعني قبل زماننا ولمن يجيء بعدنا.
وقرأ زيد بن ثابت: لأولنا وآخرنا على الجميع.
وقال ابن عباس: يعني نأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
وَآيَةً مِنْكَ دلالة وحجة وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قالَ اللَّهُ مجيبا لعيسى إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ يعني المائدة.
وقرأ أهل الشام والمدينة، وقتادة وعاصم: مُنَزِّلُها في التشديد لأنها نزلت وقرأت والتفعل يدل في الكثير مرة بعد مرة لقوله وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.
وقرأ الباقون بالتخفيف لقوله: أَنْزِلْ عَلَيْنا ... فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ أي بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير.
وقال عبد الله بن عمران: أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.
واختلف العلماء في المائدة هل نزلت عليهم أم لا؟
فقال مجاهد: ما نزلت المائدة وهذا مثل ضربه الله.
وقال الحسن: والله ما نزلت مائدة إن القوم لما سمعوا الشرط وقيل لهم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ الآية استغفروا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة فيها فلم ينزل، والصواب إنها نزلت لقوله:
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ولا يقع في خبره الخلف، وتواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين وغيرهم من علماء الدين في نزولها، قال كعب: نزلت يوم الأحد، لذلك اتخذه النصارى عيدا.
واختلفوا في صفتها وكيف نزولها وما عليها.
فروى قتادة عن جلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله ﷺ قال: «نزلت المائدة خبزا ولحما وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما يأكلون منه لا ينفد، قال، فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبوا أو ترفعوا فإن فعلتم ذلك عذبتكم، قال: فما مضى يومهم حتى خبوا ورفعوا وخانوا» .
وقال إسحاق بن عبد الله: إن بعضهم سرق منها، وقال لعلها لا تنزل أبدا فرفعت ومسخوا قردة وخنازير.
وقال ابن عباس: إن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه فصاموا ثلاثين يوما فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاما ولأصبحنا من وجعنا، فادع لنا الله أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ فنزل الملائكة بمائدة يحملونها، عليه سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم وأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
وروى عطاء بن سائب عن باذان وميسرة قالا: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلّا اللحم.
وقال ابن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلّا الخبز واللحم.
قال عطاء: نزل عليها كل شيء إلّا السمك واللحم.
قال العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء.
وقال عمار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة.
وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا، فقيل لوهب: ما كان ذلك يغني عنهم، قال: لا شيء ولكن الله أضعف لهم البركة، فكان لهم يأكلون ثم يخرجون فيجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوها جميعهم وفضل.
وقال الكلبي ومقاتل: استجاب الله لعيسى (عليه السلام) فقال إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ كما سألتم فمن أكل من ذلك الطعام ثم لا يؤمن جعلته مثلا، ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا فدعا شمعون وكان أفضل الحواريين، فقال: هل لكم طعام؟ قال: نعم معي سمكتان صغيرتان وستة أرغفة، فقال: عليّ بها فقطعهن عيسى قطعا صغارا، ثم قال: اقعدوا في روضة فترفقوا رفاقا كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ودعا الله فاستجاب الله له ونزل فيها البركة فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا، ثم قام عيسى فجعل يلقي في كل رفقة ما عملت أصابعه ثم قال: كلوا بسم الله فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم فأكلوا ما شاء الله وفضل خمس الذيل، والناس خمسة آلاف ونيف.
وقال الناس جميعا: نشهد إنك عبده ورسوله ثم سألوا مرة أخرى فدعا عيسى (عليه السلام) فأنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة وسمكتين فصنع بها ما صنع في المرة الأولى فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدوا وقالوا لهم: ويحكم إنما سحر أعينكم. فمن أراد به الخير بثّته على بصيرته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة فمكثوا بذلك أيام ثم هلكوا ولم تبق ولم يأكلوا ولم يشربوا فكذلك كل ممسوخ.
وقال كعب الأحبار: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلّا اللحم.
وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل.
فقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاءوا.
وروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي إنه قال: والله ما اتبع عيسى (عليه السلام) شيئا من المآذي قط ولا انتهر شيئا ولا قهقه ضحكا ولا ذبّ ذبايا عن وجهه ولا أخلف على أنفه من أي شيء قط ولا عتب إليه. ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى، وقال: اللَّهُمَّ ... أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ الآية وَارْزُقْنا عليها طعاما نأكله وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فنزل الله سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها [وهي تجيء مرتفعة] حتى سقطت من أيديهم فبكى عيسى فقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.
واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى:
أيكم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها؟
فقال شمعون. رئيس الحواريين-: أنت بذلك أولى منا، فقام عيسى وتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا هو بسمكة مشوية ليس عليها ضلوعها ولا شوك فيها سيل سيلا من الدسم وعند رأسها ملح ويمتد ذنبها خل وجهها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء فعله الله بالقدرة العالية فكلوا مما سألتم مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منكم في الآخرة.
وقال محمد بن كعب: تعلم ما أريد فلا أعلم ما تريد.
وقال عبد العزيز بن يحيى: تعلم سرّي ولا أعلم سرّك لأن السرّ هو موضعه الأنفس.
قال الزجاج: يعلم جميع ما أعلم ولا أعلم ما يعلم من النفس عبارة عن حملة الشيء وحقيقته وذاته ولا أنه إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما يكون ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوه وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ أقمت فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قبضتني إليك.
قال الحسن: الوفاة في كتاب الله على ثلاثة أوجه، وفاة الموت وذلك قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [[سورة الزمر: 42.]] يعني وجعل نقصان أجلها وفاة النوم، وذلك قوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [[سورة الأنعام: 60.]] يعني ينيمكم، ووفاة بالرفع كقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [[سورة آل عمران: 55.]] .
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وقرأ الحسن: فإنهم عبيدك وإن يتوبوا فيغفر لهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وقال السدي: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ وتميتهم بنصرانيتهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام فَإِنَّكَ الرب الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في الملك والنقمة، الحكيم في قضائك.
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [[سورة المائدة: 119.]] في الآخرة.
قال قتادة: متكلمان خطها يوم القيامة وهو ما قص الله عليكم وعدو الله إبليس وهو قوله وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ فصدهم عن ذلك يومئذ وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه يومئذ، وأما عيسى فكان صادقا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.
وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الآخرة ليس فيها عمل إنما فيها الثواب والجزاء، ويَوْمُ رفع على خبر هذا، ونصبه نافع على الحرف يعني إنما تكون هذه الأشياء في يوم يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، وقرأ الحسن: هذا يومٌ بالتنوين، ثم بيّن لهم ثوابها فقال لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فازوا بالجنة ونجوا مما خافوا، ثم عظّم نفسه عمّا قالت النصارى من بهتان بأن معه إلها فقال لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
المائدة 5:119
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يعني حين قال الله يا عيسى بن مريم، محل عيسى نصب لأنه نداء المنصوب إذا جعلته نداء واحدا: فإن شئت جعلته ندائين فيكون عيسى في محل الرفع لأنه نداء مفرد وابن في موضع النصب لأنه نداء مضاف، وتقدير الكلام يا عيسى يا ابن مريم. نظيره قوله:
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد ابن الجواد ابن الجود [[تفسير مجمع البيان: 3/ 448.]]
ذلك في حكم الرفع والنصب، وليس بن المنذر عن النصب اذْكُرْ نِعْمَتِي قال الحسن:
ذكر النعمة شكرها وأراد بقوله نعمتي نعمي لفظه واحد ومعناه الجمع كقوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [[سورة إبراهيم: 34.]] أراد نعم الله لأن العدد لا ينفع على الواحد عَلَيْكَ يا عيسى وَعَلى والِدَتِكَ مريم، ثم ذكر النعم إِذْ أَيَّدْتُكَ قوّيتك وأعنتك بِرُوحِ الْقُدُسِ يعني جبرئيل تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صبيا وَكَهْلًا نبيا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ قال ابن عباس: أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [[زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 332.]] .
وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ يعني الخط وَالْحِكْمَةَ يعني العلم والقيم وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ وتجعل وتصوّر وتقدر إلى قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [[سورة المؤمنون: 14.]] أي المصورين من الطين كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ كصورة الطير.
بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي حيا يطير بإذني وَتُبْرِئُ تصح وتشفي الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي فأحيا سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية وَإِذْ كَفَفْتُ منعت وصرفت بَنِي إِسْرائِيلَ يعني اليهود عَنْكَ حين همّوا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني الدلالات والمعجزات التي ذكرتها فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني ما جاءتهم من البينات ومن قال ساحر بالألف فإنه راجع إلى عيسى (عليه السلام) .
محمد بن عبد الله بن حمدون، مكي بن عبدان، أبو الأزهر عن أسباط عن مجاهد بن عبد الله ابن عمير قال: لما قال الله لعيسى اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد ولم يكن له بيت فيخرب ولا ولد فيموت أينما أدركه الليل بات.
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم الوحي. والوحي على أقسام، وحي بمعنى إرسال جبرئيل إلى الرسول، ووحي بمعنى الإلهام كالإيحاء إلى أم موسى والنحل ووحي بمعنى الأحلام في حال اليقظة في المنام.
قال أبو عبيدة: أوحى لها: أي إليها، وقال الشاعر:
ومن لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثبت [[لسان العرب: 15/ 380 وتفسير القرطبي: 20/ 149.]]
يعني أمرت (وإلى) صلة يقال: أوحى ووحى. قال الله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [[سورة الزلزلة: 5.]] .
قال العجاج:
أوحى لها القرار فاستقرّت.
أي أمرها بالقرار فقرت. والحواريون خواص أصحاب عيسى.
قال الحسن: كانوا قصارين. وقال مجاهد: كانوا صيادين.
وقال السدي: كانوا ملاحين [[راجع تفسير القرطبي: 4/ 97.]] .
وقال قتادة: الحواريون الوزراء.
وقال عكرمة: هم الأصفياء. وكانوا اثني عشر رجلا، بطرس ويعقوب ويحنس واندرواسى وخيلبس وأبرثلما ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوسيس، وفتاتيا، وتودوس [[تفسير الطبري: 6/ 20.]] ، أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي عيسى قالُوا حين لقيتهم ورفقتهم آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ.
قرأ علي وعائشة وابن عباس وابن جبير ومجاهد: هل تستطيع بالتاء، ربَّك بنصب الباء
، وهو اختيار الكسائي وأبي عبيد على معنى هل تستطيع أن تدعو ربّك كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] وقالوا: لأن الحواريين لم يكونوا شاكّين في قدرة الله تعالى. وقرأ الباقون بالياء قيل: يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ برفع الباء فقالوا: إنهم لم يشكوا في قدرة الله تعالى وإنما معناه هل ينزل أم لا كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنّه يستطيع وإنّما يريد هل يفعل أم لا، وأجراه بعضهم على الظاهر، فقالوا: غلط قوم وكانوا مشوا، فقال لهم عيسى عند الغلط استعظاما لقولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ... اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي أن تشكوا في قدرة الله تعالى أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان ولستم بمؤمنين والمائدة هي الخوان الذي عليه الطعام وهي فاعلة إذا أعطاه وأطعمه، كقولهم: ماد يميد، وغار يغير، وامتاد افتعل ومنه قول روبة:
تهدى رؤس المترفين الأنداد ... إلى أمير المؤمنين الممتاد
أي المستعطي.
قال رؤبة: والمائدة هي المطعمة المعطية الآكلين الطعام وسمي الطعام أيضا مائدة على الخوان لأنه يؤكل على المائدة كقولهم للمطر سماء، وللشحم ثرى.
وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد الآكلون أي تميل ومنه قوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [[سورة النحل: 15.]] .
قال الشاعر:
وأقلقني قتل الكناني بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد [[تفسير القرطبي: 6/ 367.]]
فقال أهل البصرة: هي فاعلة بمعنى المفعول أي تميد بالآكلين إليها، كقوله عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية، قال عيسى مجيبا لهم اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلا تشكوا في قدرته. وقيل:
اتَّقُوا اللَّهَ أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم قالُوا إنما سألنا لأنا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها نستيقن قدرته وَتَطْمَئِنَّ تسكن قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا بأنك رسول الله.
وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لك عند بني إسرائيل، إذا رجعنا إليهم، قالَ عِيسَى عند ذلك اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ حال ردّ إلى الاستقبال أي كائنة وذلك كقوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي [[سورة مريم: 6.]] يعني يصدقني في قراءة من رفع.
وقرأ عبد الله والأعمش: تكن لنا بالجزم على جواب الدعاء.
عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي عائدا من علينا وحجة وبرهانا والعيد اسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة.
ويقال: لطيف الخيال عيد.
قال الشاعر:
يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومرّ طيف على الأهوال طراق [[لسان العرب: 3/ 318.]]
فقال آخر:
إعتاد قلبك من جبينك عود ... شق عناك فأنت عنه تذود
وأنشد الفراء:
فوا كبدي من لاعج الحب والهوى ... إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها [[كتاب العين: 1/ وفيه: نفسي، بدل: قلبي.]]
وأصله عود بالواو ولأنه من عاد يعود إذا رجع فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها مثل النيران والميقات والميعاد.
قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا.
وقال سفيان: نصلي فيه.
وقال الخليل بن أحمد: العيد كل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه.
وقال ابن الأنصاري: سمي العيد عيدا للعود من الترح إلى الفرح فهو يوم سرور للخلق كلهم ألا ترى أن المسجونين لا يطالبون ولا يعاقبون ولا تصطاد فيه الوحوش والطيور ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب [[راجع روضة الواعظين للفتال النيشابوري: 352.]] ، وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته ألا ترى إختلاف ملابسهم وأحوالهم وأفعالهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف ومنهم من يظلم ومنهم من يرحم، وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف فاضل تشبيها بالعيد وهو فحل نجيب كريم ومشهور في العرب وينسبون إليه فيقال: إبل عيدية [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 368.]] . قال الراعي:
عيد به طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نزلن نزولا [[لسان العرب: 4/ 325، وفيه: حوزيّة طويت.]]
وقوله لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا يعني قبل زماننا ولمن يجيء بعدنا.
وقرأ زيد بن ثابت: لأولنا وآخرنا على الجميع.
وقال ابن عباس: يعني نأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
وَآيَةً مِنْكَ دلالة وحجة وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قالَ اللَّهُ مجيبا لعيسى إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ يعني المائدة.
وقرأ أهل الشام والمدينة، وقتادة وعاصم: مُنَزِّلُها في التشديد لأنها نزلت وقرأت والتفعل يدل في الكثير مرة بعد مرة لقوله وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.
وقرأ الباقون بالتخفيف لقوله: أَنْزِلْ عَلَيْنا ... فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ أي بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير.
وقال عبد الله بن عمران: أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.
واختلف العلماء في المائدة هل نزلت عليهم أم لا؟
فقال مجاهد: ما نزلت المائدة وهذا مثل ضربه الله.
وقال الحسن: والله ما نزلت مائدة إن القوم لما سمعوا الشرط وقيل لهم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ الآية استغفروا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة فيها فلم ينزل، والصواب إنها نزلت لقوله:
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ولا يقع في خبره الخلف، وتواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين وغيرهم من علماء الدين في نزولها، قال كعب: نزلت يوم الأحد، لذلك اتخذه النصارى عيدا.
واختلفوا في صفتها وكيف نزولها وما عليها.
فروى قتادة عن جلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله ﷺ قال: «نزلت المائدة خبزا ولحما وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما يأكلون منه لا ينفد، قال، فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبوا أو ترفعوا فإن فعلتم ذلك عذبتكم، قال: فما مضى يومهم حتى خبوا ورفعوا وخانوا» .
وقال إسحاق بن عبد الله: إن بعضهم سرق منها، وقال لعلها لا تنزل أبدا فرفعت ومسخوا قردة وخنازير.
وقال ابن عباس: إن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه فصاموا ثلاثين يوما فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاما ولأصبحنا من وجعنا، فادع لنا الله أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ فنزل الملائكة بمائدة يحملونها، عليه سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم وأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
وروى عطاء بن سائب عن باذان وميسرة قالا: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلّا اللحم.
وقال ابن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلّا الخبز واللحم.
قال عطاء: نزل عليها كل شيء إلّا السمك واللحم.
قال العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء.
وقال عمار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة.
وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا، فقيل لوهب: ما كان ذلك يغني عنهم، قال: لا شيء ولكن الله أضعف لهم البركة، فكان لهم يأكلون ثم يخرجون فيجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوها جميعهم وفضل.
وقال الكلبي ومقاتل: استجاب الله لعيسى (عليه السلام) فقال إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ كما سألتم فمن أكل من ذلك الطعام ثم لا يؤمن جعلته مثلا، ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا فدعا شمعون وكان أفضل الحواريين، فقال: هل لكم طعام؟ قال: نعم معي سمكتان صغيرتان وستة أرغفة، فقال: عليّ بها فقطعهن عيسى قطعا صغارا، ثم قال: اقعدوا في روضة فترفقوا رفاقا كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ودعا الله فاستجاب الله له ونزل فيها البركة فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا، ثم قام عيسى فجعل يلقي في كل رفقة ما عملت أصابعه ثم قال: كلوا بسم الله فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم فأكلوا ما شاء الله وفضل خمس الذيل، والناس خمسة آلاف ونيف.
وقال الناس جميعا: نشهد إنك عبده ورسوله ثم سألوا مرة أخرى فدعا عيسى (عليه السلام) فأنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة وسمكتين فصنع بها ما صنع في المرة الأولى فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدوا وقالوا لهم: ويحكم إنما سحر أعينكم. فمن أراد به الخير بثّته على بصيرته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة فمكثوا بذلك أيام ثم هلكوا ولم تبق ولم يأكلوا ولم يشربوا فكذلك كل ممسوخ.
وقال كعب الأحبار: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلّا اللحم.
وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل.
فقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاءوا.
وروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي إنه قال: والله ما اتبع عيسى (عليه السلام) شيئا من المآذي قط ولا انتهر شيئا ولا قهقه ضحكا ولا ذبّ ذبايا عن وجهه ولا أخلف على أنفه من أي شيء قط ولا عتب إليه. ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى، وقال: اللَّهُمَّ ... أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ الآية وَارْزُقْنا عليها طعاما نأكله وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فنزل الله سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها [وهي تجيء مرتفعة] حتى سقطت من أيديهم فبكى عيسى فقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.
واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى:
أيكم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها؟
فقال شمعون. رئيس الحواريين-: أنت بذلك أولى منا، فقام عيسى وتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا هو بسمكة مشوية ليس عليها ضلوعها ولا شوك فيها سيل سيلا من الدسم وعند رأسها ملح ويمتد ذنبها خل وجهها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء فعله الله بالقدرة العالية فكلوا مما سألتم مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منكم في الآخرة.
وقال محمد بن كعب: تعلم ما أريد فلا أعلم ما تريد.
وقال عبد العزيز بن يحيى: تعلم سرّي ولا أعلم سرّك لأن السرّ هو موضعه الأنفس.
قال الزجاج: يعلم جميع ما أعلم ولا أعلم ما يعلم من النفس عبارة عن حملة الشيء وحقيقته وذاته ولا أنه إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما يكون ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوه وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ أقمت فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قبضتني إليك.
قال الحسن: الوفاة في كتاب الله على ثلاثة أوجه، وفاة الموت وذلك قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [[سورة الزمر: 42.]] يعني وجعل نقصان أجلها وفاة النوم، وذلك قوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [[سورة الأنعام: 60.]] يعني ينيمكم، ووفاة بالرفع كقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [[سورة آل عمران: 55.]] .
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وقرأ الحسن: فإنهم عبيدك وإن يتوبوا فيغفر لهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وقال السدي: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ وتميتهم بنصرانيتهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام فَإِنَّكَ الرب الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في الملك والنقمة، الحكيم في قضائك.
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [[سورة المائدة: 119.]] في الآخرة.
قال قتادة: متكلمان خطها يوم القيامة وهو ما قص الله عليكم وعدو الله إبليس وهو قوله وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ فصدهم عن ذلك يومئذ وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه يومئذ، وأما عيسى فكان صادقا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.
وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الآخرة ليس فيها عمل إنما فيها الثواب والجزاء، ويَوْمُ رفع على خبر هذا، ونصبه نافع على الحرف يعني إنما تكون هذه الأشياء في يوم يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، وقرأ الحسن: هذا يومٌ بالتنوين، ثم بيّن لهم ثوابها فقال لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فازوا بالجنة ونجوا مما خافوا، ثم عظّم نفسه عمّا قالت النصارى من بهتان بأن معه إلها فقال لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
المائدة 5:120
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يعني حين قال الله يا عيسى بن مريم، محل عيسى نصب لأنه نداء المنصوب إذا جعلته نداء واحدا: فإن شئت جعلته ندائين فيكون عيسى في محل الرفع لأنه نداء مفرد وابن في موضع النصب لأنه نداء مضاف، وتقدير الكلام يا عيسى يا ابن مريم. نظيره قوله:
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد ابن الجواد ابن الجود [[تفسير مجمع البيان: 3/ 448.]]
ذلك في حكم الرفع والنصب، وليس بن المنذر عن النصب اذْكُرْ نِعْمَتِي قال الحسن:
ذكر النعمة شكرها وأراد بقوله نعمتي نعمي لفظه واحد ومعناه الجمع كقوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [[سورة إبراهيم: 34.]] أراد نعم الله لأن العدد لا ينفع على الواحد عَلَيْكَ يا عيسى وَعَلى والِدَتِكَ مريم، ثم ذكر النعم إِذْ أَيَّدْتُكَ قوّيتك وأعنتك بِرُوحِ الْقُدُسِ يعني جبرئيل تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صبيا وَكَهْلًا نبيا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ قال ابن عباس: أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [[زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 332.]] .
وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ يعني الخط وَالْحِكْمَةَ يعني العلم والقيم وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ وتجعل وتصوّر وتقدر إلى قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [[سورة المؤمنون: 14.]] أي المصورين من الطين كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ كصورة الطير.
بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي حيا يطير بإذني وَتُبْرِئُ تصح وتشفي الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي فأحيا سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية وَإِذْ كَفَفْتُ منعت وصرفت بَنِي إِسْرائِيلَ يعني اليهود عَنْكَ حين همّوا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني الدلالات والمعجزات التي ذكرتها فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني ما جاءتهم من البينات ومن قال ساحر بالألف فإنه راجع إلى عيسى (عليه السلام) .
محمد بن عبد الله بن حمدون، مكي بن عبدان، أبو الأزهر عن أسباط عن مجاهد بن عبد الله ابن عمير قال: لما قال الله لعيسى اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد ولم يكن له بيت فيخرب ولا ولد فيموت أينما أدركه الليل بات.
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم الوحي. والوحي على أقسام، وحي بمعنى إرسال جبرئيل إلى الرسول، ووحي بمعنى الإلهام كالإيحاء إلى أم موسى والنحل ووحي بمعنى الأحلام في حال اليقظة في المنام.
قال أبو عبيدة: أوحى لها: أي إليها، وقال الشاعر:
ومن لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثبت [[لسان العرب: 15/ 380 وتفسير القرطبي: 20/ 149.]]
يعني أمرت (وإلى) صلة يقال: أوحى ووحى. قال الله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [[سورة الزلزلة: 5.]] .
قال العجاج:
أوحى لها القرار فاستقرّت.
أي أمرها بالقرار فقرت. والحواريون خواص أصحاب عيسى.
قال الحسن: كانوا قصارين. وقال مجاهد: كانوا صيادين.
وقال السدي: كانوا ملاحين [[راجع تفسير القرطبي: 4/ 97.]] .
وقال قتادة: الحواريون الوزراء.
وقال عكرمة: هم الأصفياء. وكانوا اثني عشر رجلا، بطرس ويعقوب ويحنس واندرواسى وخيلبس وأبرثلما ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوسيس، وفتاتيا، وتودوس [[تفسير الطبري: 6/ 20.]] ، أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي عيسى قالُوا حين لقيتهم ورفقتهم آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ.
قرأ علي وعائشة وابن عباس وابن جبير ومجاهد: هل تستطيع بالتاء، ربَّك بنصب الباء
، وهو اختيار الكسائي وأبي عبيد على معنى هل تستطيع أن تدعو ربّك كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [[سورة يوسف: 82.]] وقالوا: لأن الحواريين لم يكونوا شاكّين في قدرة الله تعالى. وقرأ الباقون بالياء قيل: يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ برفع الباء فقالوا: إنهم لم يشكوا في قدرة الله تعالى وإنما معناه هل ينزل أم لا كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنّه يستطيع وإنّما يريد هل يفعل أم لا، وأجراه بعضهم على الظاهر، فقالوا: غلط قوم وكانوا مشوا، فقال لهم عيسى عند الغلط استعظاما لقولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ... اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي أن تشكوا في قدرة الله تعالى أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان ولستم بمؤمنين والمائدة هي الخوان الذي عليه الطعام وهي فاعلة إذا أعطاه وأطعمه، كقولهم: ماد يميد، وغار يغير، وامتاد افتعل ومنه قول روبة:
تهدى رؤس المترفين الأنداد ... إلى أمير المؤمنين الممتاد
أي المستعطي.
قال رؤبة: والمائدة هي المطعمة المعطية الآكلين الطعام وسمي الطعام أيضا مائدة على الخوان لأنه يؤكل على المائدة كقولهم للمطر سماء، وللشحم ثرى.
وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد الآكلون أي تميل ومنه قوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [[سورة النحل: 15.]] .
قال الشاعر:
وأقلقني قتل الكناني بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد [[تفسير القرطبي: 6/ 367.]]
فقال أهل البصرة: هي فاعلة بمعنى المفعول أي تميد بالآكلين إليها، كقوله عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية، قال عيسى مجيبا لهم اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلا تشكوا في قدرته. وقيل:
اتَّقُوا اللَّهَ أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم قالُوا إنما سألنا لأنا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها نستيقن قدرته وَتَطْمَئِنَّ تسكن قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا بأنك رسول الله.
وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لك عند بني إسرائيل، إذا رجعنا إليهم، قالَ عِيسَى عند ذلك اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ حال ردّ إلى الاستقبال أي كائنة وذلك كقوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي [[سورة مريم: 6.]] يعني يصدقني في قراءة من رفع.
وقرأ عبد الله والأعمش: تكن لنا بالجزم على جواب الدعاء.
عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي عائدا من علينا وحجة وبرهانا والعيد اسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة.
ويقال: لطيف الخيال عيد.
قال الشاعر:
يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومرّ طيف على الأهوال طراق [[لسان العرب: 3/ 318.]]
فقال آخر:
إعتاد قلبك من جبينك عود ... شق عناك فأنت عنه تذود
وأنشد الفراء:
فوا كبدي من لاعج الحب والهوى ... إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها [[كتاب العين: 1/ وفيه: نفسي، بدل: قلبي.]]
وأصله عود بالواو ولأنه من عاد يعود إذا رجع فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها مثل النيران والميقات والميعاد.
قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا.
وقال سفيان: نصلي فيه.
وقال الخليل بن أحمد: العيد كل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه.
وقال ابن الأنصاري: سمي العيد عيدا للعود من الترح إلى الفرح فهو يوم سرور للخلق كلهم ألا ترى أن المسجونين لا يطالبون ولا يعاقبون ولا تصطاد فيه الوحوش والطيور ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب [[راجع روضة الواعظين للفتال النيشابوري: 352.]] ، وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته ألا ترى إختلاف ملابسهم وأحوالهم وأفعالهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف ومنهم من يظلم ومنهم من يرحم، وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف فاضل تشبيها بالعيد وهو فحل نجيب كريم ومشهور في العرب وينسبون إليه فيقال: إبل عيدية [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 368.]] . قال الراعي:
عيد به طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نزلن نزولا [[لسان العرب: 4/ 325، وفيه: حوزيّة طويت.]]
وقوله لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا يعني قبل زماننا ولمن يجيء بعدنا.
وقرأ زيد بن ثابت: لأولنا وآخرنا على الجميع.
وقال ابن عباس: يعني نأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
وَآيَةً مِنْكَ دلالة وحجة وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قالَ اللَّهُ مجيبا لعيسى إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ يعني المائدة.
وقرأ أهل الشام والمدينة، وقتادة وعاصم: مُنَزِّلُها في التشديد لأنها نزلت وقرأت والتفعل يدل في الكثير مرة بعد مرة لقوله وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.
وقرأ الباقون بالتخفيف لقوله: أَنْزِلْ عَلَيْنا ... فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ أي بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير.
وقال عبد الله بن عمران: أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.
واختلف العلماء في المائدة هل نزلت عليهم أم لا؟
فقال مجاهد: ما نزلت المائدة وهذا مثل ضربه الله.
وقال الحسن: والله ما نزلت مائدة إن القوم لما سمعوا الشرط وقيل لهم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ الآية استغفروا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة فيها فلم ينزل، والصواب إنها نزلت لقوله:
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ولا يقع في خبره الخلف، وتواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين وغيرهم من علماء الدين في نزولها، قال كعب: نزلت يوم الأحد، لذلك اتخذه النصارى عيدا.
واختلفوا في صفتها وكيف نزولها وما عليها.
فروى قتادة عن جلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله ﷺ قال: «نزلت المائدة خبزا ولحما وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما يأكلون منه لا ينفد، قال، فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبوا أو ترفعوا فإن فعلتم ذلك عذبتكم، قال: فما مضى يومهم حتى خبوا ورفعوا وخانوا» .
وقال إسحاق بن عبد الله: إن بعضهم سرق منها، وقال لعلها لا تنزل أبدا فرفعت ومسخوا قردة وخنازير.
وقال ابن عباس: إن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه فصاموا ثلاثين يوما فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاما ولأصبحنا من وجعنا، فادع لنا الله أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ فنزل الملائكة بمائدة يحملونها، عليه سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم وأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
وروى عطاء بن سائب عن باذان وميسرة قالا: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلّا اللحم.
وقال ابن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلّا الخبز واللحم.
قال عطاء: نزل عليها كل شيء إلّا السمك واللحم.
قال العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء.
وقال عمار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة.
وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا، فقيل لوهب: ما كان ذلك يغني عنهم، قال: لا شيء ولكن الله أضعف لهم البركة، فكان لهم يأكلون ثم يخرجون فيجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوها جميعهم وفضل.
وقال الكلبي ومقاتل: استجاب الله لعيسى (عليه السلام) فقال إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ كما سألتم فمن أكل من ذلك الطعام ثم لا يؤمن جعلته مثلا، ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا فدعا شمعون وكان أفضل الحواريين، فقال: هل لكم طعام؟ قال: نعم معي سمكتان صغيرتان وستة أرغفة، فقال: عليّ بها فقطعهن عيسى قطعا صغارا، ثم قال: اقعدوا في روضة فترفقوا رفاقا كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ودعا الله فاستجاب الله له ونزل فيها البركة فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا، ثم قام عيسى فجعل يلقي في كل رفقة ما عملت أصابعه ثم قال: كلوا بسم الله فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم فأكلوا ما شاء الله وفضل خمس الذيل، والناس خمسة آلاف ونيف.
وقال الناس جميعا: نشهد إنك عبده ورسوله ثم سألوا مرة أخرى فدعا عيسى (عليه السلام) فأنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة وسمكتين فصنع بها ما صنع في المرة الأولى فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدوا وقالوا لهم: ويحكم إنما سحر أعينكم. فمن أراد به الخير بثّته على بصيرته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة فمكثوا بذلك أيام ثم هلكوا ولم تبق ولم يأكلوا ولم يشربوا فكذلك كل ممسوخ.
وقال كعب الأحبار: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلّا اللحم.
وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل.
فقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاءوا.
وروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي إنه قال: والله ما اتبع عيسى (عليه السلام) شيئا من المآذي قط ولا انتهر شيئا ولا قهقه ضحكا ولا ذبّ ذبايا عن وجهه ولا أخلف على أنفه من أي شيء قط ولا عتب إليه. ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى، وقال: اللَّهُمَّ ... أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ الآية وَارْزُقْنا عليها طعاما نأكله وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فنزل الله سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها [وهي تجيء مرتفعة] حتى سقطت من أيديهم فبكى عيسى فقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.
واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى:
أيكم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها؟
فقال شمعون. رئيس الحواريين-: أنت بذلك أولى منا، فقام عيسى وتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا هو بسمكة مشوية ليس عليها ضلوعها ولا شوك فيها سيل سيلا من الدسم وعند رأسها ملح ويمتد ذنبها خل وجهها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء فعله الله بالقدرة العالية فكلوا مما سألتم مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منكم في الآخرة.
وقال محمد بن كعب: تعلم ما أريد فلا أعلم ما تريد.
وقال عبد العزيز بن يحيى: تعلم سرّي ولا أعلم سرّك لأن السرّ هو موضعه الأنفس.
قال الزجاج: يعلم جميع ما أعلم ولا أعلم ما يعلم من النفس عبارة عن حملة الشيء وحقيقته وذاته ولا أنه إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما يكون ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوه وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ أقمت فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قبضتني إليك.
قال الحسن: الوفاة في كتاب الله على ثلاثة أوجه، وفاة الموت وذلك قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [[سورة الزمر: 42.]] يعني وجعل نقصان أجلها وفاة النوم، وذلك قوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [[سورة الأنعام: 60.]] يعني ينيمكم، ووفاة بالرفع كقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [[سورة آل عمران: 55.]] .
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وقرأ الحسن: فإنهم عبيدك وإن يتوبوا فيغفر لهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وقال السدي: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ وتميتهم بنصرانيتهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام فَإِنَّكَ الرب الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في الملك والنقمة، الحكيم في قضائك.
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [[سورة المائدة: 119.]] في الآخرة.
قال قتادة: متكلمان خطها يوم القيامة وهو ما قص الله عليكم وعدو الله إبليس وهو قوله وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ فصدهم عن ذلك يومئذ وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه يومئذ، وأما عيسى فكان صادقا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.
وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الآخرة ليس فيها عمل إنما فيها الثواب والجزاء، ويَوْمُ رفع على خبر هذا، ونصبه نافع على الحرف يعني إنما تكون هذه الأشياء في يوم يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، وقرأ الحسن: هذا يومٌ بالتنوين، ثم بيّن لهم ثوابها فقال لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فازوا بالجنة ونجوا مما خافوا، ثم عظّم نفسه عمّا قالت النصارى من بهتان بأن معه إلها فقال لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الأنعام 6:1
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:2
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:3
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:4
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:5
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:6
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:7
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:8
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:9
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:10
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:11
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:12
مكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [[سورة الأنعام: 91.]] إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [[سورة الأنعام: 153.]] فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها
نزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم
[[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [125] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.
روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5.]] [126] .
مسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب تبارك وتعالى أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» [[تفسير مجمع البيان: 4/ 5 وفتح القدير: 2/ 97. بتفاوت في الأخير.]] [127] .
قال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [[سورة الجن: 28.]] إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (رضي الله عنه) :
الأنعام من نواجب القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.
قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله عز وجل حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [[سورة فصلت: 9.]] يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.
وقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.
وقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.
وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.
وقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر [[راجع تفسير القرطبي: 1/ 228.]] مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.
وقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.
وقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»
[[فتح الباري: 11/ 430.]] [128] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
قال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.
وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.
وأنشد:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق [[مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: 2/ 692.]]
وأنشد:
شرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج [[تفسير الطبري: 29/ 258.]]
أي من البحر قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.
محمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [[سورة الأنعام: 2.]] يعني آدم (عليه السلام) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده [[تفسير الطبري: 7/ 194.]] .
وقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله عز وجل لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] [[أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال).]] خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»
[[مجمع الزوائد: 8/ 197 وفتح الباري: 6/ 257.]] [129] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.
عطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.
مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد عليه الصلاة والسلام لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.
قال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:
مكنته ومكنت له فجاء [ ... ] [[كلمة غير مقروءة في المخطوط.]] جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً.
تقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
قال الشاعر:
وسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا [[كتاب العين: 8/ 39.]]
وقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [[سورة يونس: 22.]] .
وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً الآية.
وقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله عز وجل وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ في صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.
قال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.
وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.
وقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.
وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.
وقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.
وقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.
قال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.
مقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.
قال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.
وقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.
بِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ... ]
والأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» [[صحيح البخاري: 8/ 187.]] .
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده [[تفسير الطبري: 7/ 206 و 208 بتفاوت.]] .
ثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.
الأنعام 6:13
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.
قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: يا محمد إنا قد علمنا أنه ما يحملك على ما تدعونا إليه إلّا الحاجة، فنحن نجمع ذلك من أموالنا ما نغنيك حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى قوله وَلَهُ ما سَكَنَ أي استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من خلق.
قال أبو روحي: إن من الخلق ما يستقر نهارا وينتشر ليلا ومنها ما يستقر ليلا وينتشر نهارا.
وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن جرير: كلّ ما طلعت عليه الشمس وغيبت فهو من ساكن الليل والنهار والمراد جميع ما في الأرض لأنه لا شيء من خلق الله عز وجل إلّا هو ساكن في الليل والنهار، وقيل: معناه وله ما يمر عليه الليل والنهار.
وقال أهل المعاني: في الآية لغتان واختصار مجازها: وَلَهُ ما سَكَنَ وشرك فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد وأراد في كل شيء وَهُوَ السَّمِيعُ لأصواتهم الْعَلِيمُ بأسرارهم.
وقال الكلبي: يعني هُوَ السَّمِيعُ لمقالة قريش الْعَلِيمُ بمن يكسب رزقهم قُلْ يا محمد أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ربا معبودا وناصرا ومعينا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقها ومبدعها ومبدئها وأصل الفطر الشق ومنه فطر ناب الجمل إذا شقق وابتدأ بالخروج.
قال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بعير. فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أنا أحدثتها وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي وهو يرزق ولا يرزق وإليه قوله عز وجل ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ منهم أَنْ يُطْعِمُونِ.
وقرأ عكرمة والأعمش: وَلا يَطْعُمُ بفتح الياء أي وهو يرزق ولا يأكل.
وقرأ أشهب العقيلي: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعِمُ كلاهما بضم الياء، وكسر العين.
قال الحسن بن الفضل: معناه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري بهراة يقول: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يستطعم، يقول العرب: أطعمت غيري بمعنى استطعمت.
وأنشد:
إنّا لنطعم من في الصيف مطعما ... وفي الشتاء إذا لم يؤنس القرع
أي استطعمنا وقيل: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ يعني الله وَلا يُطْعَمُ يعني الولي قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أخلص وَلا تَكُونَنَّ يعني وقيل لي: ولا تكونن مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي تعبدت غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة.
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ يعني من يصرف الغضب عنه.
وقرأ أهل الكوفة: يَصْرِفْ بفتح الياء وكسر الراء على معنى من صرف الله عنه العذاب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقوله من الله بأن قبل فيما قبله: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
[[سورة الأنعام: 12.]] ، ولقوله فيما بعده رَحِمَهُ ولم يقل: فقد رحم، على الفعل المجهول.
[ولقراءة أبيّ: من يصرفه الله عنه] . يعني يوم القيامة، وهو ظرف مبني على الخبر لإضافة الوقت إلى إذ كقولك: حينئذ [وساعتئذ] فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يعني نجاة البينة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بشدة وبلية وفقر ومرض فَلا كاشِفَ دافع وصارف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ عافية ورخاء ونعمة فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر قَدِيرٌ.
روى شهاب بن حرش عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها جهل بن شعر ثم أردفني خلفه وسار بي مليا ثم احتنا لي وقال لي: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو عمل الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك لما قدروا عليه ولو جهدوا أن ينصروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطيع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر فإن مع الكرب الفرج وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» .
وَهُوَ الْقاهِرُ القادر الغالب فَوْقَ عِبادِهِ وفي القهر معنى زائد على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد [[تفسير القرطبي: 6/ 399.]] .
وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بما جاء من عباده.
الأنعام 6:14
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.
قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: يا محمد إنا قد علمنا أنه ما يحملك على ما تدعونا إليه إلّا الحاجة، فنحن نجمع ذلك من أموالنا ما نغنيك حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى قوله وَلَهُ ما سَكَنَ أي استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من خلق.
قال أبو روحي: إن من الخلق ما يستقر نهارا وينتشر ليلا ومنها ما يستقر ليلا وينتشر نهارا.
وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن جرير: كلّ ما طلعت عليه الشمس وغيبت فهو من ساكن الليل والنهار والمراد جميع ما في الأرض لأنه لا شيء من خلق الله عز وجل إلّا هو ساكن في الليل والنهار، وقيل: معناه وله ما يمر عليه الليل والنهار.
وقال أهل المعاني: في الآية لغتان واختصار مجازها: وَلَهُ ما سَكَنَ وشرك فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد وأراد في كل شيء وَهُوَ السَّمِيعُ لأصواتهم الْعَلِيمُ بأسرارهم.
وقال الكلبي: يعني هُوَ السَّمِيعُ لمقالة قريش الْعَلِيمُ بمن يكسب رزقهم قُلْ يا محمد أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ربا معبودا وناصرا ومعينا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقها ومبدعها ومبدئها وأصل الفطر الشق ومنه فطر ناب الجمل إذا شقق وابتدأ بالخروج.
قال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بعير. فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أنا أحدثتها وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي وهو يرزق ولا يرزق وإليه قوله عز وجل ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ منهم أَنْ يُطْعِمُونِ.
وقرأ عكرمة والأعمش: وَلا يَطْعُمُ بفتح الياء أي وهو يرزق ولا يأكل.
وقرأ أشهب العقيلي: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعِمُ كلاهما بضم الياء، وكسر العين.
قال الحسن بن الفضل: معناه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري بهراة يقول: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يستطعم، يقول العرب: أطعمت غيري بمعنى استطعمت.
وأنشد:
إنّا لنطعم من في الصيف مطعما ... وفي الشتاء إذا لم يؤنس القرع
أي استطعمنا وقيل: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ يعني الله وَلا يُطْعَمُ يعني الولي قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أخلص وَلا تَكُونَنَّ يعني وقيل لي: ولا تكونن مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي تعبدت غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة.
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ يعني من يصرف الغضب عنه.
وقرأ أهل الكوفة: يَصْرِفْ بفتح الياء وكسر الراء على معنى من صرف الله عنه العذاب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقوله من الله بأن قبل فيما قبله: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
[[سورة الأنعام: 12.]] ، ولقوله فيما بعده رَحِمَهُ ولم يقل: فقد رحم، على الفعل المجهول.
[ولقراءة أبيّ: من يصرفه الله عنه] . يعني يوم القيامة، وهو ظرف مبني على الخبر لإضافة الوقت إلى إذ كقولك: حينئذ [وساعتئذ] فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يعني نجاة البينة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بشدة وبلية وفقر ومرض فَلا كاشِفَ دافع وصارف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ عافية ورخاء ونعمة فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر قَدِيرٌ.
روى شهاب بن حرش عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها جهل بن شعر ثم أردفني خلفه وسار بي مليا ثم احتنا لي وقال لي: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو عمل الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك لما قدروا عليه ولو جهدوا أن ينصروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطيع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر فإن مع الكرب الفرج وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» .
وَهُوَ الْقاهِرُ القادر الغالب فَوْقَ عِبادِهِ وفي القهر معنى زائد على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد [[تفسير القرطبي: 6/ 399.]] .
وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بما جاء من عباده.
الأنعام 6:15
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.
قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: يا محمد إنا قد علمنا أنه ما يحملك على ما تدعونا إليه إلّا الحاجة، فنحن نجمع ذلك من أموالنا ما نغنيك حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى قوله وَلَهُ ما سَكَنَ أي استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من خلق.
قال أبو روحي: إن من الخلق ما يستقر نهارا وينتشر ليلا ومنها ما يستقر ليلا وينتشر نهارا.
وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن جرير: كلّ ما طلعت عليه الشمس وغيبت فهو من ساكن الليل والنهار والمراد جميع ما في الأرض لأنه لا شيء من خلق الله عز وجل إلّا هو ساكن في الليل والنهار، وقيل: معناه وله ما يمر عليه الليل والنهار.
وقال أهل المعاني: في الآية لغتان واختصار مجازها: وَلَهُ ما سَكَنَ وشرك فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد وأراد في كل شيء وَهُوَ السَّمِيعُ لأصواتهم الْعَلِيمُ بأسرارهم.
وقال الكلبي: يعني هُوَ السَّمِيعُ لمقالة قريش الْعَلِيمُ بمن يكسب رزقهم قُلْ يا محمد أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ربا معبودا وناصرا ومعينا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقها ومبدعها ومبدئها وأصل الفطر الشق ومنه فطر ناب الجمل إذا شقق وابتدأ بالخروج.
قال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بعير. فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أنا أحدثتها وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي وهو يرزق ولا يرزق وإليه قوله عز وجل ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ منهم أَنْ يُطْعِمُونِ.
وقرأ عكرمة والأعمش: وَلا يَطْعُمُ بفتح الياء أي وهو يرزق ولا يأكل.
وقرأ أشهب العقيلي: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعِمُ كلاهما بضم الياء، وكسر العين.
قال الحسن بن الفضل: معناه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري بهراة يقول: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يستطعم، يقول العرب: أطعمت غيري بمعنى استطعمت.
وأنشد:
إنّا لنطعم من في الصيف مطعما ... وفي الشتاء إذا لم يؤنس القرع
أي استطعمنا وقيل: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ يعني الله وَلا يُطْعَمُ يعني الولي قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أخلص وَلا تَكُونَنَّ يعني وقيل لي: ولا تكونن مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي تعبدت غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة.
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ يعني من يصرف الغضب عنه.
وقرأ أهل الكوفة: يَصْرِفْ بفتح الياء وكسر الراء على معنى من صرف الله عنه العذاب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقوله من الله بأن قبل فيما قبله: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
[[سورة الأنعام: 12.]] ، ولقوله فيما بعده رَحِمَهُ ولم يقل: فقد رحم، على الفعل المجهول.
[ولقراءة أبيّ: من يصرفه الله عنه] . يعني يوم القيامة، وهو ظرف مبني على الخبر لإضافة الوقت إلى إذ كقولك: حينئذ [وساعتئذ] فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يعني نجاة البينة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بشدة وبلية وفقر ومرض فَلا كاشِفَ دافع وصارف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ عافية ورخاء ونعمة فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر قَدِيرٌ.
روى شهاب بن حرش عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها جهل بن شعر ثم أردفني خلفه وسار بي مليا ثم احتنا لي وقال لي: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو عمل الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك لما قدروا عليه ولو جهدوا أن ينصروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطيع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر فإن مع الكرب الفرج وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» .
وَهُوَ الْقاهِرُ القادر الغالب فَوْقَ عِبادِهِ وفي القهر معنى زائد على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد [[تفسير القرطبي: 6/ 399.]] .
وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بما جاء من عباده.
الأنعام 6:16
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.
قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: يا محمد إنا قد علمنا أنه ما يحملك على ما تدعونا إليه إلّا الحاجة، فنحن نجمع ذلك من أموالنا ما نغنيك حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى قوله وَلَهُ ما سَكَنَ أي استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من خلق.
قال أبو روحي: إن من الخلق ما يستقر نهارا وينتشر ليلا ومنها ما يستقر ليلا وينتشر نهارا.
وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن جرير: كلّ ما طلعت عليه الشمس وغيبت فهو من ساكن الليل والنهار والمراد جميع ما في الأرض لأنه لا شيء من خلق الله عز وجل إلّا هو ساكن في الليل والنهار، وقيل: معناه وله ما يمر عليه الليل والنهار.
وقال أهل المعاني: في الآية لغتان واختصار مجازها: وَلَهُ ما سَكَنَ وشرك فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد وأراد في كل شيء وَهُوَ السَّمِيعُ لأصواتهم الْعَلِيمُ بأسرارهم.
وقال الكلبي: يعني هُوَ السَّمِيعُ لمقالة قريش الْعَلِيمُ بمن يكسب رزقهم قُلْ يا محمد أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ربا معبودا وناصرا ومعينا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقها ومبدعها ومبدئها وأصل الفطر الشق ومنه فطر ناب الجمل إذا شقق وابتدأ بالخروج.
قال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بعير. فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أنا أحدثتها وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي وهو يرزق ولا يرزق وإليه قوله عز وجل ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ منهم أَنْ يُطْعِمُونِ.
وقرأ عكرمة والأعمش: وَلا يَطْعُمُ بفتح الياء أي وهو يرزق ولا يأكل.
وقرأ أشهب العقيلي: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعِمُ كلاهما بضم الياء، وكسر العين.
قال الحسن بن الفضل: معناه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري بهراة يقول: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يستطعم، يقول العرب: أطعمت غيري بمعنى استطعمت.
وأنشد:
إنّا لنطعم من في الصيف مطعما ... وفي الشتاء إذا لم يؤنس القرع
أي استطعمنا وقيل: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ يعني الله وَلا يُطْعَمُ يعني الولي قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أخلص وَلا تَكُونَنَّ يعني وقيل لي: ولا تكونن مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي تعبدت غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة.
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ يعني من يصرف الغضب عنه.
وقرأ أهل الكوفة: يَصْرِفْ بفتح الياء وكسر الراء على معنى من صرف الله عنه العذاب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقوله من الله بأن قبل فيما قبله: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
[[سورة الأنعام: 12.]] ، ولقوله فيما بعده رَحِمَهُ ولم يقل: فقد رحم، على الفعل المجهول.
[ولقراءة أبيّ: من يصرفه الله عنه] . يعني يوم القيامة، وهو ظرف مبني على الخبر لإضافة الوقت إلى إذ كقولك: حينئذ [وساعتئذ] فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يعني نجاة البينة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بشدة وبلية وفقر ومرض فَلا كاشِفَ دافع وصارف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ عافية ورخاء ونعمة فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر قَدِيرٌ.
روى شهاب بن حرش عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها جهل بن شعر ثم أردفني خلفه وسار بي مليا ثم احتنا لي وقال لي: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو عمل الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك لما قدروا عليه ولو جهدوا أن ينصروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطيع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر فإن مع الكرب الفرج وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» .
وَهُوَ الْقاهِرُ القادر الغالب فَوْقَ عِبادِهِ وفي القهر معنى زائد على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد [[تفسير القرطبي: 6/ 399.]] .
وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بما جاء من عباده.
الأنعام 6:17
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.
قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: يا محمد إنا قد علمنا أنه ما يحملك على ما تدعونا إليه إلّا الحاجة، فنحن نجمع ذلك من أموالنا ما نغنيك حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى قوله وَلَهُ ما سَكَنَ أي استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من خلق.
قال أبو روحي: إن من الخلق ما يستقر نهارا وينتشر ليلا ومنها ما يستقر ليلا وينتشر نهارا.
وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن جرير: كلّ ما طلعت عليه الشمس وغيبت فهو من ساكن الليل والنهار والمراد جميع ما في الأرض لأنه لا شيء من خلق الله عز وجل إلّا هو ساكن في الليل والنهار، وقيل: معناه وله ما يمر عليه الليل والنهار.
وقال أهل المعاني: في الآية لغتان واختصار مجازها: وَلَهُ ما سَكَنَ وشرك فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد وأراد في كل شيء وَهُوَ السَّمِيعُ لأصواتهم الْعَلِيمُ بأسرارهم.
وقال الكلبي: يعني هُوَ السَّمِيعُ لمقالة قريش الْعَلِيمُ بمن يكسب رزقهم قُلْ يا محمد أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ربا معبودا وناصرا ومعينا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقها ومبدعها ومبدئها وأصل الفطر الشق ومنه فطر ناب الجمل إذا شقق وابتدأ بالخروج.
قال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بعير. فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أنا أحدثتها وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي وهو يرزق ولا يرزق وإليه قوله عز وجل ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ منهم أَنْ يُطْعِمُونِ.
وقرأ عكرمة والأعمش: وَلا يَطْعُمُ بفتح الياء أي وهو يرزق ولا يأكل.
وقرأ أشهب العقيلي: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعِمُ كلاهما بضم الياء، وكسر العين.
قال الحسن بن الفضل: معناه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري بهراة يقول: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يستطعم، يقول العرب: أطعمت غيري بمعنى استطعمت.
وأنشد:
إنّا لنطعم من في الصيف مطعما ... وفي الشتاء إذا لم يؤنس القرع
أي استطعمنا وقيل: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ يعني الله وَلا يُطْعَمُ يعني الولي قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أخلص وَلا تَكُونَنَّ يعني وقيل لي: ولا تكونن مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي تعبدت غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة.
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ يعني من يصرف الغضب عنه.
وقرأ أهل الكوفة: يَصْرِفْ بفتح الياء وكسر الراء على معنى من صرف الله عنه العذاب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقوله من الله بأن قبل فيما قبله: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
[[سورة الأنعام: 12.]] ، ولقوله فيما بعده رَحِمَهُ ولم يقل: فقد رحم، على الفعل المجهول.
[ولقراءة أبيّ: من يصرفه الله عنه] . يعني يوم القيامة، وهو ظرف مبني على الخبر لإضافة الوقت إلى إذ كقولك: حينئذ [وساعتئذ] فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يعني نجاة البينة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بشدة وبلية وفقر ومرض فَلا كاشِفَ دافع وصارف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ عافية ورخاء ونعمة فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر قَدِيرٌ.
روى شهاب بن حرش عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها جهل بن شعر ثم أردفني خلفه وسار بي مليا ثم احتنا لي وقال لي: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو عمل الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك لما قدروا عليه ولو جهدوا أن ينصروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطيع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر فإن مع الكرب الفرج وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» .
وَهُوَ الْقاهِرُ القادر الغالب فَوْقَ عِبادِهِ وفي القهر معنى زائد على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد [[تفسير القرطبي: 6/ 399.]] .
وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بما جاء من عباده.
الأنعام 6:18
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.
قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: يا محمد إنا قد علمنا أنه ما يحملك على ما تدعونا إليه إلّا الحاجة، فنحن نجمع ذلك من أموالنا ما نغنيك حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى قوله وَلَهُ ما سَكَنَ أي استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من خلق.
قال أبو روحي: إن من الخلق ما يستقر نهارا وينتشر ليلا ومنها ما يستقر ليلا وينتشر نهارا.
وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن جرير: كلّ ما طلعت عليه الشمس وغيبت فهو من ساكن الليل والنهار والمراد جميع ما في الأرض لأنه لا شيء من خلق الله عز وجل إلّا هو ساكن في الليل والنهار، وقيل: معناه وله ما يمر عليه الليل والنهار.
وقال أهل المعاني: في الآية لغتان واختصار مجازها: وَلَهُ ما سَكَنَ وشرك فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد وأراد في كل شيء وَهُوَ السَّمِيعُ لأصواتهم الْعَلِيمُ بأسرارهم.
وقال الكلبي: يعني هُوَ السَّمِيعُ لمقالة قريش الْعَلِيمُ بمن يكسب رزقهم قُلْ يا محمد أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ربا معبودا وناصرا ومعينا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقها ومبدعها ومبدئها وأصل الفطر الشق ومنه فطر ناب الجمل إذا شقق وابتدأ بالخروج.
قال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بعير. فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أنا أحدثتها وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي وهو يرزق ولا يرزق وإليه قوله عز وجل ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ منهم أَنْ يُطْعِمُونِ.
وقرأ عكرمة والأعمش: وَلا يَطْعُمُ بفتح الياء أي وهو يرزق ولا يأكل.
وقرأ أشهب العقيلي: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعِمُ كلاهما بضم الياء، وكسر العين.
قال الحسن بن الفضل: معناه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري بهراة يقول: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يستطعم، يقول العرب: أطعمت غيري بمعنى استطعمت.
وأنشد:
إنّا لنطعم من في الصيف مطعما ... وفي الشتاء إذا لم يؤنس القرع
أي استطعمنا وقيل: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ يعني الله وَلا يُطْعَمُ يعني الولي قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أخلص وَلا تَكُونَنَّ يعني وقيل لي: ولا تكونن مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي تعبدت غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة.
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ يعني من يصرف الغضب عنه.
وقرأ أهل الكوفة: يَصْرِفْ بفتح الياء وكسر الراء على معنى من صرف الله عنه العذاب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقوله من الله بأن قبل فيما قبله: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
[[سورة الأنعام: 12.]] ، ولقوله فيما بعده رَحِمَهُ ولم يقل: فقد رحم، على الفعل المجهول.
[ولقراءة أبيّ: من يصرفه الله عنه] . يعني يوم القيامة، وهو ظرف مبني على الخبر لإضافة الوقت إلى إذ كقولك: حينئذ [وساعتئذ] فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يعني نجاة البينة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بشدة وبلية وفقر ومرض فَلا كاشِفَ دافع وصارف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ عافية ورخاء ونعمة فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر قَدِيرٌ.
روى شهاب بن حرش عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها جهل بن شعر ثم أردفني خلفه وسار بي مليا ثم احتنا لي وقال لي: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو عمل الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك لما قدروا عليه ولو جهدوا أن ينصروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطيع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر فإن مع الكرب الفرج وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» .
وَهُوَ الْقاهِرُ القادر الغالب فَوْقَ عِبادِهِ وفي القهر معنى زائد على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد [[تفسير القرطبي: 6/ 399.]] .
وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بما جاء من عباده.
الأنعام 6:19
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:20
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:21
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:22
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:23
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:24
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:25
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:26
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:27
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:28
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و (ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» [[جامع البيان: 7/ 215.]] [130] .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (عليه السلام) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [[سورة طه: 51.]] . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام [[زاد المسير بتفاوت: 3/ 13، والدر المنثور: 1/ 147.]]
الَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ
يعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،
قال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:
ما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [[تفسير القرطبي: 6/ 406.]]
فأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه
وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [[سورة البقرة: 102.]] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.
فقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا [[راجع تفسير القرطبي: 6/ 408.]] فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) [[راجع زاد المسير: 3/ 19.]] .
وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم] ، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
الأنعام 6:29
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قيل: على حكم الله [ ... ] [[كلام غير مقروء.]] فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر الله قالَ أَلَيْسَ هذا العذاب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنّه حق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
أي بكفركم قَدْ خَسِرَ وكس وهلك الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث بعد الموت حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة، بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا ندامتنا عَلى ما فَرَّطْنا قصرّنا فِيها في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالُوا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ لأن الخسران لا يكون إلّا في صفقة بيع [[جامع البيان: 7/ 236.]] .
قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما
روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حَسْرَتَنا»
[131] وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ آثامهم وأفعالهم.
قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي [[سورة طه: 29/ 30.]] عَلى ظُهُورِهِمْ.
قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحا، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلّا أن الله عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت.
وقرأ يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا أي ركبانا، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلّا أن الله عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ.
قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك:
نصب عيني وذكرك محيي قلبي
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي يحملون ويعملون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من الله للكفار في قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الآية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قرأتها العامة رفعا على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أي الآخرة أفضل من الدنيا قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الآية.
قال السدي: التقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري؟
فقال له أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له:
يأتيك تصافحه؟ قال: والله إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي ﷺ في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلّا صادقا، وقال للنبي ﷺ: إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلّا مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا. يعني العرب فإنا [ثمن] [[كذا يظهر في المخطوط.]] أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [132] فأنزل الله عز وجل هذه الآية
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ بأنك كاذب وساحر ومجنون فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت.
وقرأ نافع والكسائي: يُكْذِبُونَكَ بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه
يعني: ولا يجدونك كاذبا، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات.
قال رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق [[الصحاح: 1/ 352.]]
أي وجدتها ناتجة للنبات.
قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ قال الكلبي: يعني القرآن.
وقال عكرمة: يعني قوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ إلى قوله:
غالِبُونَ
وقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [[سورة غافر: 51.]] وقوله تعالى كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] العدل يعني لأخلفهما لعذابه وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر.
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه وكبر عليه ﷺ
فأنزل الله عز وجل وَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم وضاق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب وتتخذ نَفَقاً سربا فِي الْأَرْضِ مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه أَوْ سُلَّماً درجا ومصعدا إليّ فِي السَّماءِ يصعد فيه.
قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فآمنوا كلّهم فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن الله لو شاء لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.
الأنعام 6:30
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قيل: على حكم الله [ ... ] [[كلام غير مقروء.]] فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر الله قالَ أَلَيْسَ هذا العذاب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنّه حق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
أي بكفركم قَدْ خَسِرَ وكس وهلك الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث بعد الموت حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة، بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا ندامتنا عَلى ما فَرَّطْنا قصرّنا فِيها في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالُوا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ لأن الخسران لا يكون إلّا في صفقة بيع [[جامع البيان: 7/ 236.]] .
قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما
روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حَسْرَتَنا»
[131] وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ آثامهم وأفعالهم.
قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي [[سورة طه: 29/ 30.]] عَلى ظُهُورِهِمْ.
قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحا، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلّا أن الله عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت.
وقرأ يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا أي ركبانا، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلّا أن الله عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ.
قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك:
نصب عيني وذكرك محيي قلبي
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي يحملون ويعملون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من الله للكفار في قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الآية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قرأتها العامة رفعا على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أي الآخرة أفضل من الدنيا قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الآية.
قال السدي: التقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري؟
فقال له أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له:
يأتيك تصافحه؟ قال: والله إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي ﷺ في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلّا صادقا، وقال للنبي ﷺ: إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلّا مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا. يعني العرب فإنا [ثمن] [[كذا يظهر في المخطوط.]] أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [132] فأنزل الله عز وجل هذه الآية
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ بأنك كاذب وساحر ومجنون فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت.
وقرأ نافع والكسائي: يُكْذِبُونَكَ بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه
يعني: ولا يجدونك كاذبا، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات.
قال رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق [[الصحاح: 1/ 352.]]
أي وجدتها ناتجة للنبات.
قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ قال الكلبي: يعني القرآن.
وقال عكرمة: يعني قوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ إلى قوله:
غالِبُونَ
وقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [[سورة غافر: 51.]] وقوله تعالى كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] العدل يعني لأخلفهما لعذابه وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر.
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه وكبر عليه ﷺ
فأنزل الله عز وجل وَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم وضاق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب وتتخذ نَفَقاً سربا فِي الْأَرْضِ مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه أَوْ سُلَّماً درجا ومصعدا إليّ فِي السَّماءِ يصعد فيه.
قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فآمنوا كلّهم فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن الله لو شاء لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.
الأنعام 6:31
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قيل: على حكم الله [ ... ] [[كلام غير مقروء.]] فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر الله قالَ أَلَيْسَ هذا العذاب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنّه حق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
أي بكفركم قَدْ خَسِرَ وكس وهلك الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث بعد الموت حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة، بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا ندامتنا عَلى ما فَرَّطْنا قصرّنا فِيها في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالُوا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ لأن الخسران لا يكون إلّا في صفقة بيع [[جامع البيان: 7/ 236.]] .
قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما
روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حَسْرَتَنا»
[131] وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ آثامهم وأفعالهم.
قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي [[سورة طه: 29/ 30.]] عَلى ظُهُورِهِمْ.
قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحا، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلّا أن الله عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت.
وقرأ يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا أي ركبانا، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلّا أن الله عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ.
قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك:
نصب عيني وذكرك محيي قلبي
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي يحملون ويعملون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من الله للكفار في قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الآية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قرأتها العامة رفعا على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أي الآخرة أفضل من الدنيا قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الآية.
قال السدي: التقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري؟
فقال له أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له:
يأتيك تصافحه؟ قال: والله إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي ﷺ في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلّا صادقا، وقال للنبي ﷺ: إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلّا مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا. يعني العرب فإنا [ثمن] [[كذا يظهر في المخطوط.]] أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [132] فأنزل الله عز وجل هذه الآية
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ بأنك كاذب وساحر ومجنون فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت.
وقرأ نافع والكسائي: يُكْذِبُونَكَ بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه
يعني: ولا يجدونك كاذبا، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات.
قال رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق [[الصحاح: 1/ 352.]]
أي وجدتها ناتجة للنبات.
قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ قال الكلبي: يعني القرآن.
وقال عكرمة: يعني قوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ إلى قوله:
غالِبُونَ
وقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [[سورة غافر: 51.]] وقوله تعالى كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] العدل يعني لأخلفهما لعذابه وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر.
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه وكبر عليه ﷺ
فأنزل الله عز وجل وَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم وضاق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب وتتخذ نَفَقاً سربا فِي الْأَرْضِ مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه أَوْ سُلَّماً درجا ومصعدا إليّ فِي السَّماءِ يصعد فيه.
قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فآمنوا كلّهم فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن الله لو شاء لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.
الأنعام 6:32
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قيل: على حكم الله [ ... ] [[كلام غير مقروء.]] فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر الله قالَ أَلَيْسَ هذا العذاب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنّه حق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
أي بكفركم قَدْ خَسِرَ وكس وهلك الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث بعد الموت حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة، بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا ندامتنا عَلى ما فَرَّطْنا قصرّنا فِيها في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالُوا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ لأن الخسران لا يكون إلّا في صفقة بيع [[جامع البيان: 7/ 236.]] .
قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما
روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حَسْرَتَنا»
[131] وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ آثامهم وأفعالهم.
قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي [[سورة طه: 29/ 30.]] عَلى ظُهُورِهِمْ.
قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحا، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلّا أن الله عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت.
وقرأ يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا أي ركبانا، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلّا أن الله عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ.
قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك:
نصب عيني وذكرك محيي قلبي
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي يحملون ويعملون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من الله للكفار في قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الآية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قرأتها العامة رفعا على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أي الآخرة أفضل من الدنيا قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الآية.
قال السدي: التقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري؟
فقال له أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له:
يأتيك تصافحه؟ قال: والله إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي ﷺ في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلّا صادقا، وقال للنبي ﷺ: إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلّا مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا. يعني العرب فإنا [ثمن] [[كذا يظهر في المخطوط.]] أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [132] فأنزل الله عز وجل هذه الآية
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ بأنك كاذب وساحر ومجنون فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت.
وقرأ نافع والكسائي: يُكْذِبُونَكَ بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه
يعني: ولا يجدونك كاذبا، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات.
قال رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق [[الصحاح: 1/ 352.]]
أي وجدتها ناتجة للنبات.
قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ قال الكلبي: يعني القرآن.
وقال عكرمة: يعني قوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ إلى قوله:
غالِبُونَ
وقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [[سورة غافر: 51.]] وقوله تعالى كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] العدل يعني لأخلفهما لعذابه وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر.
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه وكبر عليه ﷺ
فأنزل الله عز وجل وَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم وضاق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب وتتخذ نَفَقاً سربا فِي الْأَرْضِ مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه أَوْ سُلَّماً درجا ومصعدا إليّ فِي السَّماءِ يصعد فيه.
قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فآمنوا كلّهم فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن الله لو شاء لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.
الأنعام 6:33
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قيل: على حكم الله [ ... ] [[كلام غير مقروء.]] فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر الله قالَ أَلَيْسَ هذا العذاب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنّه حق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
أي بكفركم قَدْ خَسِرَ وكس وهلك الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث بعد الموت حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة، بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا ندامتنا عَلى ما فَرَّطْنا قصرّنا فِيها في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالُوا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ لأن الخسران لا يكون إلّا في صفقة بيع [[جامع البيان: 7/ 236.]] .
قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما
روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حَسْرَتَنا»
[131] وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ آثامهم وأفعالهم.
قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي [[سورة طه: 29/ 30.]] عَلى ظُهُورِهِمْ.
قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحا، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلّا أن الله عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت.
وقرأ يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا أي ركبانا، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلّا أن الله عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ.
قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك:
نصب عيني وذكرك محيي قلبي
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي يحملون ويعملون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من الله للكفار في قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الآية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قرأتها العامة رفعا على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أي الآخرة أفضل من الدنيا قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الآية.
قال السدي: التقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري؟
فقال له أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له:
يأتيك تصافحه؟ قال: والله إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي ﷺ في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلّا صادقا، وقال للنبي ﷺ: إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلّا مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا. يعني العرب فإنا [ثمن] [[كذا يظهر في المخطوط.]] أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [132] فأنزل الله عز وجل هذه الآية
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ بأنك كاذب وساحر ومجنون فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت.
وقرأ نافع والكسائي: يُكْذِبُونَكَ بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه
يعني: ولا يجدونك كاذبا، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات.
قال رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق [[الصحاح: 1/ 352.]]
أي وجدتها ناتجة للنبات.
قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ قال الكلبي: يعني القرآن.
وقال عكرمة: يعني قوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ إلى قوله:
غالِبُونَ
وقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [[سورة غافر: 51.]] وقوله تعالى كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] العدل يعني لأخلفهما لعذابه وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر.
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه وكبر عليه ﷺ
فأنزل الله عز وجل وَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم وضاق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب وتتخذ نَفَقاً سربا فِي الْأَرْضِ مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه أَوْ سُلَّماً درجا ومصعدا إليّ فِي السَّماءِ يصعد فيه.
قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فآمنوا كلّهم فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن الله لو شاء لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.
الأنعام 6:34
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قيل: على حكم الله [ ... ] [[كلام غير مقروء.]] فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر الله قالَ أَلَيْسَ هذا العذاب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنّه حق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
أي بكفركم قَدْ خَسِرَ وكس وهلك الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث بعد الموت حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة، بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا ندامتنا عَلى ما فَرَّطْنا قصرّنا فِيها في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالُوا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ لأن الخسران لا يكون إلّا في صفقة بيع [[جامع البيان: 7/ 236.]] .
قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما
روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حَسْرَتَنا»
[131] وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ آثامهم وأفعالهم.
قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي [[سورة طه: 29/ 30.]] عَلى ظُهُورِهِمْ.
قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحا، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلّا أن الله عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت.
وقرأ يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا أي ركبانا، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلّا أن الله عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ.
قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك:
نصب عيني وذكرك محيي قلبي
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي يحملون ويعملون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من الله للكفار في قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الآية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قرأتها العامة رفعا على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أي الآخرة أفضل من الدنيا قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الآية.
قال السدي: التقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري؟
فقال له أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له:
يأتيك تصافحه؟ قال: والله إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي ﷺ في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلّا صادقا، وقال للنبي ﷺ: إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلّا مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا. يعني العرب فإنا [ثمن] [[كذا يظهر في المخطوط.]] أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [132] فأنزل الله عز وجل هذه الآية
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ بأنك كاذب وساحر ومجنون فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت.
وقرأ نافع والكسائي: يُكْذِبُونَكَ بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه
يعني: ولا يجدونك كاذبا، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات.
قال رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق [[الصحاح: 1/ 352.]]
أي وجدتها ناتجة للنبات.
قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ قال الكلبي: يعني القرآن.
وقال عكرمة: يعني قوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ إلى قوله:
غالِبُونَ
وقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [[سورة غافر: 51.]] وقوله تعالى كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] العدل يعني لأخلفهما لعذابه وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر.
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه وكبر عليه ﷺ
فأنزل الله عز وجل وَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم وضاق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب وتتخذ نَفَقاً سربا فِي الْأَرْضِ مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه أَوْ سُلَّماً درجا ومصعدا إليّ فِي السَّماءِ يصعد فيه.
قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فآمنوا كلّهم فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن الله لو شاء لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.
الأنعام 6:35
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قيل: على حكم الله [ ... ] [[كلام غير مقروء.]] فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر الله قالَ أَلَيْسَ هذا العذاب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنّه حق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
أي بكفركم قَدْ خَسِرَ وكس وهلك الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث بعد الموت حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة، بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا ندامتنا عَلى ما فَرَّطْنا قصرّنا فِيها في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالُوا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ لأن الخسران لا يكون إلّا في صفقة بيع [[جامع البيان: 7/ 236.]] .
قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما
روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حَسْرَتَنا»
[131] وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ آثامهم وأفعالهم.
قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي [[سورة طه: 29/ 30.]] عَلى ظُهُورِهِمْ.
قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحا، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلّا أن الله عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت.
وقرأ يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا أي ركبانا، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلّا أن الله عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ.
قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك:
نصب عيني وذكرك محيي قلبي
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي يحملون ويعملون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من الله للكفار في قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الآية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قرأتها العامة رفعا على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع وَحَبَّ الْحَصِيدِ [[سورة ق: 9.]] سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أي الآخرة أفضل من الدنيا قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الآية.
قال السدي: التقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري؟
فقال له أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له:
يأتيك تصافحه؟ قال: والله إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي ﷺ في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلّا صادقا، وقال للنبي ﷺ: إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلّا مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا. يعني العرب فإنا [ثمن] [[كذا يظهر في المخطوط.]] أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [132] فأنزل الله عز وجل هذه الآية
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ بأنك كاذب وساحر ومجنون فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت.
وقرأ نافع والكسائي: يُكْذِبُونَكَ بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه
يعني: ولا يجدونك كاذبا، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات.
قال رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق [[الصحاح: 1/ 352.]]
أي وجدتها ناتجة للنبات.
قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ قال الكلبي: يعني القرآن.
وقال عكرمة: يعني قوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ إلى قوله:
غالِبُونَ
وقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [[سورة غافر: 51.]] وقوله تعالى كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [[سورة المجادلة: 21.]] العدل يعني لأخلفهما لعذابه وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر.
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ
قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه وكبر عليه ﷺ
فأنزل الله عز وجل وَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم وضاق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب وتتخذ نَفَقاً سربا فِي الْأَرْضِ مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه أَوْ سُلَّماً درجا ومصعدا إليّ فِي السَّماءِ يصعد فيه.
قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فآمنوا كلّهم فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن الله لو شاء لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.
الأنعام 6:36
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:37
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:38
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:39
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:40
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:41
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:42
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:43
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:44
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:45
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
مع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.
وقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.
وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[[سورة النبأ: 40.]] .
وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» [[جامع البيان: 7/ 248.]] [133] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.
فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.
قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.
وقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.
قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.
قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.
روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» [[تفسير القرطبي: 6/ 426.]] [134] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.
الأنعام 6:46
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ فذهب بها وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولا ولا يبصروا حجة مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني بما أخذ منكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عنها مكذبين بها قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً فجأة أَوْ جَهْرَةً معاينة ورؤية [على ما أشركوا] هَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ المشركون وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف أهل النار وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزنوا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بمحمد والقرآن يَمَسُّهُمُ يصيبهم الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يرتكبون قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني رزق الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما يخفى عن الناس وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فتنكرون قولي وتجحدون أمري إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن والضال والمهتدي أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ لا يستويان وَأَنْذِرْ خوّف بِهِ بالقرآن.
قال الضحّاك: بِهِ أي بالله الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا يبعثوا ويحيوا إِلى رَبِّهِمْ وقيل:
يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ من دون الله وَلِيٌّ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية.
جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فوجدوا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنها هؤلاء وأرواح جبابهم. وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها. لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ: «ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ» قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتابا، قال: فدعانا لصحيفة ودعا عليا ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلّا بشيء فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [[سورة الأنعام: 54.]] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعمد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي [معكم المحيا ومعكم] [[التقويم من المصدر.]] الممات» [135] [[جامع البيان: 15/ 294.]] .
وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يوما ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد الله بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء أَهؤُلاءِ الذين قال: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدا فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته.
وقال جبير بن نفيل: إن قريشا أتوا رسول الله ﷺ فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل الله تعالى، وَلا تَطْرُدِ الآية.
قال ابن عباس: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلك إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية.
وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ آمنوا، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلّم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس.
فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول الله عز وجل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم.
وقال أبو جعفر: يعني يقرءون القرآن
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ جواب لقوله ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[[سورة الأنعام، 52.]] وقوله فَتَكُونَ جواب لقوله وَلا تَطْرُدِ لا أحد هو جواب نفي والله جواب النهي مِنَ الظَّالِمِينَ من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية لِيَقُولُوا يعني الأشراف الأغنياء أَهؤُلاءِ يعني الفقراء والضعفاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفا أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا وقيل: أليس الله أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له.
العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضا من العري وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي ﷺ حتى قام علينا فلما رأى القارئ سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول الله ﷺ منهم أحدا وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي ﷺ: «أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة» [136] [[تهذيب الكمال: 22/ 478.]] .
هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «يا معشر الفقراء إن الله رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن الله معنا فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين» [137] [[كنز العمال: 6/ 484 ح 16654.]] .
معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: أن سلمانا وصهيبا وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه) : تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا:
لا يا أبا بكر يغفر الله لك [[سنن النسائي: 5/ 75 ح 8277.]] .
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا اختلفوا فيما نزلت هذه الآية.
فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه ﷺ عن طردهم وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» [138] [[أسباب النزول للواحدي: 147.]] .
وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي ﷺ فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله تعالى منها، وقال: يا رسول الله ما أردت بهذا إلّا الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الآية.
وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي الله عنهم أجمعين.
وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه: أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبنا كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول الله ﷺ فأنزل الله على الرجال الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ
قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ربك الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ فرجع عن دينه وَأَصْلَحَ عمله، وقيل: أخلص توبته فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف القراء في قوله تعالى أَنَّهُ [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعا. ابن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الاستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلا من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبدا وَكَذلِكَ أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية.
وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بان الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ودليل التأنيث قوله تعالى لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وقوله عز وجل قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ولذلك قرأ وَلِتَسْتَبِينَ بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء، سَبِيلَ بالنصب على خطاب النبي ﷺ معناه وَلِتَسْتَبِينَ يا محمد سبيلَ المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى.
وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء] : قَدْ ضَلِلْتُ، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان وبرهان وبصيرة وحجة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث إِنِ الْحُكْمُ ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ أهل الحجاز، وعاصم يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الْحَقَّ فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للاستثقال ثم [ ... ] كقوله صالِ الْجَحِيمِ [[سورة الصافّات: 163.]] وقوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [[سورة الرعد: 39.]] وفَما تُغْنِ النُّذُرُ [[سورة القمر: 5.]] سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [[سورة العلق: 18.]] ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق.
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي بيدي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ هو العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فرغ من العذاب وأهلكتم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.
الأنعام 6:47
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ فذهب بها وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولا ولا يبصروا حجة مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني بما أخذ منكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عنها مكذبين بها قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً فجأة أَوْ جَهْرَةً معاينة ورؤية [على ما أشركوا] هَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ المشركون وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف أهل النار وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزنوا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بمحمد والقرآن يَمَسُّهُمُ يصيبهم الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يرتكبون قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني رزق الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما يخفى عن الناس وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فتنكرون قولي وتجحدون أمري إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن والضال والمهتدي أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ لا يستويان وَأَنْذِرْ خوّف بِهِ بالقرآن.
قال الضحّاك: بِهِ أي بالله الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا يبعثوا ويحيوا إِلى رَبِّهِمْ وقيل:
يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ من دون الله وَلِيٌّ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية.
جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فوجدوا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنها هؤلاء وأرواح جبابهم. وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها. لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ: «ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ» قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتابا، قال: فدعانا لصحيفة ودعا عليا ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلّا بشيء فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [[سورة الأنعام: 54.]] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعمد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي [معكم المحيا ومعكم] [[التقويم من المصدر.]] الممات» [135] [[جامع البيان: 15/ 294.]] .
وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يوما ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد الله بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء أَهؤُلاءِ الذين قال: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدا فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته.
وقال جبير بن نفيل: إن قريشا أتوا رسول الله ﷺ فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل الله تعالى، وَلا تَطْرُدِ الآية.
قال ابن عباس: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلك إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية.
وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ آمنوا، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلّم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس.
فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول الله عز وجل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم.
وقال أبو جعفر: يعني يقرءون القرآن
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ جواب لقوله ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[[سورة الأنعام، 52.]] وقوله فَتَكُونَ جواب لقوله وَلا تَطْرُدِ لا أحد هو جواب نفي والله جواب النهي مِنَ الظَّالِمِينَ من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية لِيَقُولُوا يعني الأشراف الأغنياء أَهؤُلاءِ يعني الفقراء والضعفاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفا أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا وقيل: أليس الله أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له.
العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضا من العري وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي ﷺ حتى قام علينا فلما رأى القارئ سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول الله ﷺ منهم أحدا وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي ﷺ: «أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة» [136] [[تهذيب الكمال: 22/ 478.]] .
هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «يا معشر الفقراء إن الله رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن الله معنا فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين» [137] [[كنز العمال: 6/ 484 ح 16654.]] .
معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: أن سلمانا وصهيبا وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه) : تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا:
لا يا أبا بكر يغفر الله لك [[سنن النسائي: 5/ 75 ح 8277.]] .
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا اختلفوا فيما نزلت هذه الآية.
فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه ﷺ عن طردهم وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» [138] [[أسباب النزول للواحدي: 147.]] .
وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي ﷺ فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله تعالى منها، وقال: يا رسول الله ما أردت بهذا إلّا الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الآية.
وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي الله عنهم أجمعين.
وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه: أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبنا كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول الله ﷺ فأنزل الله على الرجال الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ
قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ربك الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ فرجع عن دينه وَأَصْلَحَ عمله، وقيل: أخلص توبته فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف القراء في قوله تعالى أَنَّهُ [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعا. ابن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الاستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلا من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبدا وَكَذلِكَ أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية.
وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بان الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ودليل التأنيث قوله تعالى لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وقوله عز وجل قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ولذلك قرأ وَلِتَسْتَبِينَ بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء، سَبِيلَ بالنصب على خطاب النبي ﷺ معناه وَلِتَسْتَبِينَ يا محمد سبيلَ المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى.
وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء] : قَدْ ضَلِلْتُ، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان وبرهان وبصيرة وحجة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث إِنِ الْحُكْمُ ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ أهل الحجاز، وعاصم يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الْحَقَّ فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للاستثقال ثم [ ... ] كقوله صالِ الْجَحِيمِ [[سورة الصافّات: 163.]] وقوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [[سورة الرعد: 39.]] وفَما تُغْنِ النُّذُرُ [[سورة القمر: 5.]] سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [[سورة العلق: 18.]] ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق.
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي بيدي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ هو العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فرغ من العذاب وأهلكتم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.
الأنعام 6:48
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ فذهب بها وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولا ولا يبصروا حجة مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني بما أخذ منكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عنها مكذبين بها قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً فجأة أَوْ جَهْرَةً معاينة ورؤية [على ما أشركوا] هَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ المشركون وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف أهل النار وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزنوا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بمحمد والقرآن يَمَسُّهُمُ يصيبهم الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يرتكبون قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني رزق الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما يخفى عن الناس وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فتنكرون قولي وتجحدون أمري إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن والضال والمهتدي أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ لا يستويان وَأَنْذِرْ خوّف بِهِ بالقرآن.
قال الضحّاك: بِهِ أي بالله الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا يبعثوا ويحيوا إِلى رَبِّهِمْ وقيل:
يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ من دون الله وَلِيٌّ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية.
جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فوجدوا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنها هؤلاء وأرواح جبابهم. وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها. لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ: «ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ» قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتابا، قال: فدعانا لصحيفة ودعا عليا ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلّا بشيء فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [[سورة الأنعام: 54.]] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعمد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي [معكم المحيا ومعكم] [[التقويم من المصدر.]] الممات» [135] [[جامع البيان: 15/ 294.]] .
وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يوما ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد الله بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء أَهؤُلاءِ الذين قال: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدا فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته.
وقال جبير بن نفيل: إن قريشا أتوا رسول الله ﷺ فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل الله تعالى، وَلا تَطْرُدِ الآية.
قال ابن عباس: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلك إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية.
وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ آمنوا، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلّم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس.
فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول الله عز وجل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم.
وقال أبو جعفر: يعني يقرءون القرآن
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ جواب لقوله ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[[سورة الأنعام، 52.]] وقوله فَتَكُونَ جواب لقوله وَلا تَطْرُدِ لا أحد هو جواب نفي والله جواب النهي مِنَ الظَّالِمِينَ من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية لِيَقُولُوا يعني الأشراف الأغنياء أَهؤُلاءِ يعني الفقراء والضعفاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفا أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا وقيل: أليس الله أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له.
العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضا من العري وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي ﷺ حتى قام علينا فلما رأى القارئ سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول الله ﷺ منهم أحدا وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي ﷺ: «أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة» [136] [[تهذيب الكمال: 22/ 478.]] .
هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «يا معشر الفقراء إن الله رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن الله معنا فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين» [137] [[كنز العمال: 6/ 484 ح 16654.]] .
معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: أن سلمانا وصهيبا وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه) : تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا:
لا يا أبا بكر يغفر الله لك [[سنن النسائي: 5/ 75 ح 8277.]] .
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا اختلفوا فيما نزلت هذه الآية.
فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه ﷺ عن طردهم وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» [138] [[أسباب النزول للواحدي: 147.]] .
وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي ﷺ فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله تعالى منها، وقال: يا رسول الله ما أردت بهذا إلّا الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الآية.
وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي الله عنهم أجمعين.
وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه: أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبنا كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول الله ﷺ فأنزل الله على الرجال الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ
قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ربك الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ فرجع عن دينه وَأَصْلَحَ عمله، وقيل: أخلص توبته فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف القراء في قوله تعالى أَنَّهُ [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعا. ابن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الاستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلا من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبدا وَكَذلِكَ أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية.
وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بان الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ودليل التأنيث قوله تعالى لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وقوله عز وجل قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ولذلك قرأ وَلِتَسْتَبِينَ بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء، سَبِيلَ بالنصب على خطاب النبي ﷺ معناه وَلِتَسْتَبِينَ يا محمد سبيلَ المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى.
وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء] : قَدْ ضَلِلْتُ، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان وبرهان وبصيرة وحجة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث إِنِ الْحُكْمُ ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ أهل الحجاز، وعاصم يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الْحَقَّ فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للاستثقال ثم [ ... ] كقوله صالِ الْجَحِيمِ [[سورة الصافّات: 163.]] وقوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [[سورة الرعد: 39.]] وفَما تُغْنِ النُّذُرُ [[سورة القمر: 5.]] سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [[سورة العلق: 18.]] ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق.
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي بيدي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ هو العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فرغ من العذاب وأهلكتم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.
الأنعام 6:49
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ فذهب بها وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولا ولا يبصروا حجة مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني بما أخذ منكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عنها مكذبين بها قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً فجأة أَوْ جَهْرَةً معاينة ورؤية [على ما أشركوا] هَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ المشركون وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف أهل النار وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزنوا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بمحمد والقرآن يَمَسُّهُمُ يصيبهم الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يرتكبون قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني رزق الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما يخفى عن الناس وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فتنكرون قولي وتجحدون أمري إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن والضال والمهتدي أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ لا يستويان وَأَنْذِرْ خوّف بِهِ بالقرآن.
قال الضحّاك: بِهِ أي بالله الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا يبعثوا ويحيوا إِلى رَبِّهِمْ وقيل:
يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ من دون الله وَلِيٌّ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية.
جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فوجدوا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنها هؤلاء وأرواح جبابهم. وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها. لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ: «ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ» قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتابا، قال: فدعانا لصحيفة ودعا عليا ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلّا بشيء فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [[سورة الأنعام: 54.]] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعمد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي [معكم المحيا ومعكم] [[التقويم من المصدر.]] الممات» [135] [[جامع البيان: 15/ 294.]] .
وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يوما ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد الله بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء أَهؤُلاءِ الذين قال: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدا فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته.
وقال جبير بن نفيل: إن قريشا أتوا رسول الله ﷺ فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل الله تعالى، وَلا تَطْرُدِ الآية.
قال ابن عباس: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلك إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية.
وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ آمنوا، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلّم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس.
فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول الله عز وجل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم.
وقال أبو جعفر: يعني يقرءون القرآن
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ جواب لقوله ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[[سورة الأنعام، 52.]] وقوله فَتَكُونَ جواب لقوله وَلا تَطْرُدِ لا أحد هو جواب نفي والله جواب النهي مِنَ الظَّالِمِينَ من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية لِيَقُولُوا يعني الأشراف الأغنياء أَهؤُلاءِ يعني الفقراء والضعفاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفا أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا وقيل: أليس الله أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له.
العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضا من العري وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي ﷺ حتى قام علينا فلما رأى القارئ سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول الله ﷺ منهم أحدا وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي ﷺ: «أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة» [136] [[تهذيب الكمال: 22/ 478.]] .
هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «يا معشر الفقراء إن الله رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن الله معنا فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين» [137] [[كنز العمال: 6/ 484 ح 16654.]] .
معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: أن سلمانا وصهيبا وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه) : تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا:
لا يا أبا بكر يغفر الله لك [[سنن النسائي: 5/ 75 ح 8277.]] .
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا اختلفوا فيما نزلت هذه الآية.
فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه ﷺ عن طردهم وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» [138] [[أسباب النزول للواحدي: 147.]] .
وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي ﷺ فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله تعالى منها، وقال: يا رسول الله ما أردت بهذا إلّا الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الآية.
وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي الله عنهم أجمعين.
وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه: أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبنا كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول الله ﷺ فأنزل الله على الرجال الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ
قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ربك الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ فرجع عن دينه وَأَصْلَحَ عمله، وقيل: أخلص توبته فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف القراء في قوله تعالى أَنَّهُ [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعا. ابن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الاستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلا من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبدا وَكَذلِكَ أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية.
وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بان الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ودليل التأنيث قوله تعالى لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وقوله عز وجل قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ولذلك قرأ وَلِتَسْتَبِينَ بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء، سَبِيلَ بالنصب على خطاب النبي ﷺ معناه وَلِتَسْتَبِينَ يا محمد سبيلَ المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى.
وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء] : قَدْ ضَلِلْتُ، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان وبرهان وبصيرة وحجة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث إِنِ الْحُكْمُ ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ أهل الحجاز، وعاصم يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الْحَقَّ فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للاستثقال ثم [ ... ] كقوله صالِ الْجَحِيمِ [[سورة الصافّات: 163.]] وقوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [[سورة الرعد: 39.]] وفَما تُغْنِ النُّذُرُ [[سورة القمر: 5.]] سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [[سورة العلق: 18.]] ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق.
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي بيدي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ هو العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فرغ من العذاب وأهلكتم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.
الأنعام 6:50
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ فذهب بها وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولا ولا يبصروا حجة مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني بما أخذ منكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عنها مكذبين بها قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً فجأة أَوْ جَهْرَةً معاينة ورؤية [على ما أشركوا] هَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ المشركون وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف أهل النار وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزنوا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بمحمد والقرآن يَمَسُّهُمُ يصيبهم الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يرتكبون قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني رزق الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما يخفى عن الناس وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فتنكرون قولي وتجحدون أمري إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن والضال والمهتدي أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ لا يستويان وَأَنْذِرْ خوّف بِهِ بالقرآن.
قال الضحّاك: بِهِ أي بالله الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا يبعثوا ويحيوا إِلى رَبِّهِمْ وقيل:
يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ من دون الله وَلِيٌّ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية.
جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فوجدوا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنها هؤلاء وأرواح جبابهم. وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها. لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ: «ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ» قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتابا، قال: فدعانا لصحيفة ودعا عليا ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلّا بشيء فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [[سورة الأنعام: 54.]] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعمد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي [معكم المحيا ومعكم] [[التقويم من المصدر.]] الممات» [135] [[جامع البيان: 15/ 294.]] .
وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يوما ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد الله بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء أَهؤُلاءِ الذين قال: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدا فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته.
وقال جبير بن نفيل: إن قريشا أتوا رسول الله ﷺ فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل الله تعالى، وَلا تَطْرُدِ الآية.
قال ابن عباس: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلك إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية.
وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ آمنوا، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلّم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس.
فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول الله عز وجل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم.
وقال أبو جعفر: يعني يقرءون القرآن
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ جواب لقوله ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[[سورة الأنعام، 52.]] وقوله فَتَكُونَ جواب لقوله وَلا تَطْرُدِ لا أحد هو جواب نفي والله جواب النهي مِنَ الظَّالِمِينَ من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية لِيَقُولُوا يعني الأشراف الأغنياء أَهؤُلاءِ يعني الفقراء والضعفاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفا أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا وقيل: أليس الله أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له.
العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضا من العري وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي ﷺ حتى قام علينا فلما رأى القارئ سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول الله ﷺ منهم أحدا وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي ﷺ: «أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة» [136] [[تهذيب الكمال: 22/ 478.]] .
هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «يا معشر الفقراء إن الله رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن الله معنا فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين» [137] [[كنز العمال: 6/ 484 ح 16654.]] .
معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: أن سلمانا وصهيبا وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه) : تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا:
لا يا أبا بكر يغفر الله لك [[سنن النسائي: 5/ 75 ح 8277.]] .
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا اختلفوا فيما نزلت هذه الآية.
فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه ﷺ عن طردهم وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» [138] [[أسباب النزول للواحدي: 147.]] .
وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي ﷺ فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله تعالى منها، وقال: يا رسول الله ما أردت بهذا إلّا الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الآية.
وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي الله عنهم أجمعين.
وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه: أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبنا كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول الله ﷺ فأنزل الله على الرجال الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ
قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ربك الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ فرجع عن دينه وَأَصْلَحَ عمله، وقيل: أخلص توبته فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف القراء في قوله تعالى أَنَّهُ [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعا. ابن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الاستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلا من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبدا وَكَذلِكَ أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية.
وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بان الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ودليل التأنيث قوله تعالى لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وقوله عز وجل قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ولذلك قرأ وَلِتَسْتَبِينَ بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء، سَبِيلَ بالنصب على خطاب النبي ﷺ معناه وَلِتَسْتَبِينَ يا محمد سبيلَ المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى.
وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء] : قَدْ ضَلِلْتُ، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان وبرهان وبصيرة وحجة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث إِنِ الْحُكْمُ ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ أهل الحجاز، وعاصم يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الْحَقَّ فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للاستثقال ثم [ ... ] كقوله صالِ الْجَحِيمِ [[سورة الصافّات: 163.]] وقوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [[سورة الرعد: 39.]] وفَما تُغْنِ النُّذُرُ [[سورة القمر: 5.]] سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [[سورة العلق: 18.]] ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق.
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي بيدي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ هو العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فرغ من العذاب وأهلكتم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.
الأنعام 6:51
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ فذهب بها وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولا ولا يبصروا حجة مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني بما أخذ منكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عنها مكذبين بها قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً فجأة أَوْ جَهْرَةً معاينة ورؤية [على ما أشركوا] هَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ المشركون وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف أهل النار وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزنوا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بمحمد والقرآن يَمَسُّهُمُ يصيبهم الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يرتكبون قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني رزق الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما يخفى عن الناس وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فتنكرون قولي وتجحدون أمري إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن والضال والمهتدي أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ لا يستويان وَأَنْذِرْ خوّف بِهِ بالقرآن.
قال الضحّاك: بِهِ أي بالله الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا يبعثوا ويحيوا إِلى رَبِّهِمْ وقيل:
يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ من دون الله وَلِيٌّ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية.
جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فوجدوا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنها هؤلاء وأرواح جبابهم. وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها. لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ: «ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ» قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتابا، قال: فدعانا لصحيفة ودعا عليا ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلّا بشيء فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [[سورة الأنعام: 54.]] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعمد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي [معكم المحيا ومعكم] [[التقويم من المصدر.]] الممات» [135] [[جامع البيان: 15/ 294.]] .
وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يوما ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد الله بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء أَهؤُلاءِ الذين قال: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدا فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته.
وقال جبير بن نفيل: إن قريشا أتوا رسول الله ﷺ فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل الله تعالى، وَلا تَطْرُدِ الآية.
قال ابن عباس: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلك إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية.
وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ آمنوا، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلّم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس.
فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول الله عز وجل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم.
وقال أبو جعفر: يعني يقرءون القرآن
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ جواب لقوله ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[[سورة الأنعام، 52.]] وقوله فَتَكُونَ جواب لقوله وَلا تَطْرُدِ لا أحد هو جواب نفي والله جواب النهي مِنَ الظَّالِمِينَ من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية لِيَقُولُوا يعني الأشراف الأغنياء أَهؤُلاءِ يعني الفقراء والضعفاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفا أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا وقيل: أليس الله أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له.
العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضا من العري وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي ﷺ حتى قام علينا فلما رأى القارئ سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول الله ﷺ منهم أحدا وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي ﷺ: «أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة» [136] [[تهذيب الكمال: 22/ 478.]] .
هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «يا معشر الفقراء إن الله رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن الله معنا فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين» [137] [[كنز العمال: 6/ 484 ح 16654.]] .
معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: أن سلمانا وصهيبا وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه) : تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا:
لا يا أبا بكر يغفر الله لك [[سنن النسائي: 5/ 75 ح 8277.]] .
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا اختلفوا فيما نزلت هذه الآية.
فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه ﷺ عن طردهم وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» [138] [[أسباب النزول للواحدي: 147.]] .
وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي ﷺ فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله تعالى منها، وقال: يا رسول الله ما أردت بهذا إلّا الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الآية.
وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي الله عنهم أجمعين.
وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه: أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبنا كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول الله ﷺ فأنزل الله على الرجال الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ
قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ربك الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ فرجع عن دينه وَأَصْلَحَ عمله، وقيل: أخلص توبته فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف القراء في قوله تعالى أَنَّهُ [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعا. ابن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الاستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلا من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبدا وَكَذلِكَ أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية.
وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بان الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ودليل التأنيث قوله تعالى لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وقوله عز وجل قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ولذلك قرأ وَلِتَسْتَبِينَ بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء، سَبِيلَ بالنصب على خطاب النبي ﷺ معناه وَلِتَسْتَبِينَ يا محمد سبيلَ المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى.
وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء] : قَدْ ضَلِلْتُ، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان وبرهان وبصيرة وحجة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث إِنِ الْحُكْمُ ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ أهل الحجاز، وعاصم يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الْحَقَّ فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للاستثقال ثم [ ... ] كقوله صالِ الْجَحِيمِ [[سورة الصافّات: 163.]] وقوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [[سورة الرعد: 39.]] وفَما تُغْنِ النُّذُرُ [[سورة القمر: 5.]] سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [[سورة العلق: 18.]] ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق.
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي بيدي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ هو العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فرغ من العذاب وأهلكتم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.
الأنعام 6:52
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ فذهب بها وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولا ولا يبصروا حجة مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني بما أخذ منكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عنها مكذبين بها قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً فجأة أَوْ جَهْرَةً معاينة ورؤية [على ما أشركوا] هَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ المشركون وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف أهل النار وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزنوا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بمحمد والقرآن يَمَسُّهُمُ يصيبهم الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يرتكبون قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني رزق الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما يخفى عن الناس وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فتنكرون قولي وتجحدون أمري إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن والضال والمهتدي أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ لا يستويان وَأَنْذِرْ خوّف بِهِ بالقرآن.
قال الضحّاك: بِهِ أي بالله الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا يبعثوا ويحيوا إِلى رَبِّهِمْ وقيل:
يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ من دون الله وَلِيٌّ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية.
جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فوجدوا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنها هؤلاء وأرواح جبابهم. وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها. لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ: «ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ» قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتابا، قال: فدعانا لصحيفة ودعا عليا ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلّا بشيء فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [[سورة الأنعام: 54.]] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعمد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي [معكم المحيا ومعكم] [[التقويم من المصدر.]] الممات» [135] [[جامع البيان: 15/ 294.]] .
وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يوما ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد الله بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء أَهؤُلاءِ الذين قال: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدا فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته.
وقال جبير بن نفيل: إن قريشا أتوا رسول الله ﷺ فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل الله تعالى، وَلا تَطْرُدِ الآية.
قال ابن عباس: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلك إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية.
وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ آمنوا، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلّم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس.
فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول الله عز وجل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم.
وقال أبو جعفر: يعني يقرءون القرآن
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ جواب لقوله ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[[سورة الأنعام، 52.]] وقوله فَتَكُونَ جواب لقوله وَلا تَطْرُدِ لا أحد هو جواب نفي والله جواب النهي مِنَ الظَّالِمِينَ من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية لِيَقُولُوا يعني الأشراف الأغنياء أَهؤُلاءِ يعني الفقراء والضعفاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفا أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا وقيل: أليس الله أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له.
العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضا من العري وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي ﷺ حتى قام علينا فلما رأى القارئ سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول الله ﷺ منهم أحدا وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي ﷺ: «أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة» [136] [[تهذيب الكمال: 22/ 478.]] .
هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «يا معشر الفقراء إن الله رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن الله معنا فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين» [137] [[كنز العمال: 6/ 484 ح 16654.]] .
معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: أن سلمانا وصهيبا وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه) : تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا:
لا يا أبا بكر يغفر الله لك [[سنن النسائي: 5/ 75 ح 8277.]] .
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا اختلفوا فيما نزلت هذه الآية.
فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه ﷺ عن طردهم وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» [138] [[أسباب النزول للواحدي: 147.]] .
وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي ﷺ فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله تعالى منها، وقال: يا رسول الله ما أردت بهذا إلّا الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الآية.
وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي الله عنهم أجمعين.
وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه: أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبنا كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول الله ﷺ فأنزل الله على الرجال الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ
قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ربك الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ فرجع عن دينه وَأَصْلَحَ عمله، وقيل: أخلص توبته فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف القراء في قوله تعالى أَنَّهُ [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعا. ابن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الاستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلا من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبدا وَكَذلِكَ أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية.
وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بان الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ودليل التأنيث قوله تعالى لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وقوله عز وجل قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ولذلك قرأ وَلِتَسْتَبِينَ بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء، سَبِيلَ بالنصب على خطاب النبي ﷺ معناه وَلِتَسْتَبِينَ يا محمد سبيلَ المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى.
وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء] : قَدْ ضَلِلْتُ، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان وبرهان وبصيرة وحجة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث إِنِ الْحُكْمُ ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ أهل الحجاز، وعاصم يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الْحَقَّ فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للاستثقال ثم [ ... ] كقوله صالِ الْجَحِيمِ [[سورة الصافّات: 163.]] وقوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [[سورة الرعد: 39.]] وفَما تُغْنِ النُّذُرُ [[سورة القمر: 5.]] سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [[سورة العلق: 18.]] ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق.
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي بيدي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ هو العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فرغ من العذاب وأهلكتم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.